تحميل رواية «شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول)» PDF
بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عامر شاب عشريني، يبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، مغرم بالكتابة، وكتابة الروايات الخيالية على وجه التحديد، يعيش عامر مع والديه وأخته الصغيرة تسنيم ذات التسعة عشر عاما في أحد أحياء القاهرة، وهم من أصلٍ صعيدي. - وفي أحد الصباحات الجميلة من العام 2023 كان عامر يجلس كعادته على مكتبه ليكمل كتابة روايته" كنز نيان"، وبينما هو مندمجٌ في الكتابة سمع صوت جرس الباب فذهب ليفتحه. عامر: مين؟ ساعي البريد: البريد، معايا ليك جواب بعلم الوصول، اتفضل، وامضي هنا عامر: جواب؟!، ليا أنا؟!، متأكد إنه باسم عامر طيب سا...
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
عاد عامر من لقاء الشيخ عبد البر، والحيرة تملأ صدره، وملامحه يعتريها وجومٌ لم يخفَ على الحراس الواقفين عند بوابة القصر. ونام بجانب زوجته خولة.
وفي الصباح استيقظ وترك خولة نائمة ونزل إلى قاعة القصر وما إن وطئت قدماه القاعة حتى أبصر الأميرة سارة واقفة في انتظاره، وقد ارتسم على وجهها مزيجٌ من الفرح والتوتر. كانت خولة قد استيقظت وسارت خلف زوجها وصارت تراقبها من أعلى السلّم الحجري للقصر، تحيط بها علامات الغضب بعدما رأتها تنظر إلى زوجها.
خطا عامر نحو سارة، فبادرتْه بنبرة مهذبة:
- "من فضلك، أود الحديث معك لبعض الوقت."
وما كادت تُتم عبارتها، حتى نزلت خولة بخطوات مسرعة، ثم وقفت أمامهما قائلة بثبات:
- زوجي سيأتي معي. أنا أولى بالحديث معه.
نظرت سارة لعامر، ولم تتفوه بكلمة. لكن نظرتها كانت كافية لأن توقد نار الحيرة في قلبه. عندها وضع عامر يده برفق على كتف خولة وقال بصوت خافت:
- اسمحي لي، سأستمع لما تريد قوله، وأعود إليك.
أومأت خولة برأسها، ثم ذهبت وهي منزعجة. أما عامر، فقد سار بجانب سارة نحو الحديقة الخلفية للقصر، حيث النسيم عليل، وأشجار النارنج تملأ المكان بعبيرها الزكي.
جلست سارة على إحدى المصاطب الحجرية، وأشارت لعامر بالجلوس إلى جوارها، ثم قالت بنعومة:
- حدثني عنك أكثر... عن عالمك، عن غرناطة، وعن حال الأمة الإسلامية في عالمك.
تنهد عامر بمرارة، ونظر إلى السماء للحظة، ثم قال:
- غرناطة في زمني لم تعد حاضرةً للأمجاد، بل أطلالًا لبكاء العاجزين... سقطت المدينة، وسقطت من بعدها العواصم، واحدة تلو الأخرى في فخ الفِرقة والتشتت. وتمزّق العرب بين حدودٍ صنعها الغرب، وأُغرِقت الأمة في بحرٍ من الضعف والتيه.
ثم سكت برهة، وحدّق في الأرض وكأنّه يرى ما لا يُرى، ثم تابع:
- واليوم، في غزة، تُستباح الأرواح، يُجَوّع الأطفال، وتُدفن النساء تحت الركام... العدو يقتل ويُحاصر، ونحن ننظر! لا أحد يقدر على إدخال رغيفٍ من الخبز إليهم، ولا أحد يمنع سكينًا عن أعناقهم.
وانهمرت الدموع من عينيه بغزارة، وهو يتمتم:
- خذلتُ إخوتي... أنا عاجز، لا حول لي ولا قوة، ولا أدري كيف سأقف بين يدي الله، وقد رأيتُهم أشلاءً ولم أفعل شيئًا.
اقتربت سارة منه، وهمست:
- لا أريدك أن تبكي... الرجال لا يبكون حين تحين ساعة الفعل. بل يقفون، يخططون، ويفعلون ما ينبغي.
قال وهو يكاد يختنق من البكاء:
- ولكنني لا أملك إلا الحسرة، أشعر أنّ يدي مكبّلة، وأني لا أستحق هذا السيف الذي أحمله.
فقالت وقد علا صوتها بالثبات:
- إذًا فلنذهب إليهم، نأخذ جيش غرناطة، ونحرر أرضهم، ثم نعود، وقد طهّرنا الأرض بالسيف من أولئك الأعداء القتلة.
ضحك عامر ضحكة ممزوجة بالألم، وقال:
- هذا السيف الذي تتحدثين عنه، لا يجرؤ على الوقوف في وجه طائرةٍ أو قنلبةٍ أو دبابة... لقد تغيّر وجه الحرب. وابتكروا أسلحةً وآلاتٍ مدمرة تفتك بكل من تسول له نفسه أن يقول لا.
فقالت سارة بيقين:
- بل إنّ الحرب بقلوب الرجال، وإنّ النصر من عند الله، وليس من عند آلاتهم.
هز عامر رأسه، وقال:
- نعم، ولكن الله أمرنا بإعداد القوة... ونحن لم نعد شيئًا. حتى قلوبنا نُزِع منها الإيمان، فصرنا كغثاء السيل، تتداعى علينا الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها.
نظرت إليه نظرة كلها عزيمة، وقالت:
- اصبر. فإن الحبل إذا شُدَّ انقطع، وإن الأمر إذا ضاق اتسع. شدة الضيق علامة على قرب النصر. فلا تفقد الأمل، وامسح دموعك يا قائدي الشجاع. وبالمناسبة، لم ترَ من غرناطة إلا الحروب والمؤامرات، دعني آخذك في جولة تُعيد لقلبك بعض الفرح... إنها جميلة، وتستحق أن تُرى بعينيك."
ابتسم عامر برفق وقال:
- "ولكن... خولة..."
فقاطعته بلطف:
- "لن نتأخر... من أجلي، لا تردني، ولا تكسر خاطري."
نظر إليها مليًّا، ثم أومأ برأسه موافقًا، وانطلقا معًا في جولةٍ بين أرجاء غرناطة.....
---
امتطى الملك عامر جواده وبجانب سارة بجوادها وأمامهما عبد الرحمن وموسى وخلفهما حازم.
خرجا من القصر وبدأت تدلّه على المعالم بابتسامةٍ وفرح وكأنها تسير في حلمٍ كانت تتمناه من صميم قلبها.
قالت بصوتٍ مشرق:
- "نحن الآن في حيّ البيازين... أقدم أحياء غرناطة، بُني على التلال، وتسكنه عائلات العلماء والفقهاء، هل ترى تلك الشرفات الخشبية؟ وراءها كتبٌ كتبت، وقصائد نظمت، وفتاوى خرجت فأرشدت الدنيا."
أشار عامر إلى الأزقة المتشابكة وقال:
- "لم أرَ في حياتي هذا التشابك العجيب... كيف يعيش الناس هنا؟"
ابتسمت:
- "بالمحبة... هنا لا مكان للغرور. كل بيتٍ يعرف جاره، وكلّ باب يُفتح قبل أن يُطرق. انظر إلى تلك الساحة الصغيرة، يجتمعون فيها بعد صلاة المغرب، يُنشدون الموشحات، ويتبادلون أخبار العلم والتجارة."
ثم أشارت إلى مئذنة شاهقة:
- "وهنا جامع المرابطين... بُني قبل قرنين. مؤذنه كان ضريرًا، لكنه كان يحفظ توقيت الأذان بدقّة!"
ثم تابعت وهي تُشير يمينًا:
- "وهناك بيت الحرفيين، حيث النحّاتون ينقشون الزخارف في الحجر، والخطّاطون يكتبون المصاحف بخطٍّ مغربيٍّ جميل."
مرّوا بالسوق الكبير، فصاحت سارة بحماسة:
- "سوق القيسارية! يقولون إنّ من يدخل هنا لا يخرج إلا مفلسًا أو عاشقًا."
ضحك عامر وقال:
- "وأنتِ، من أي النوعين كنتِ؟"
أجابت بمكر وهي تنظر إليه:
- "كنت دومًا أخرج مفلسة... ولكن الآن يبدو أنني سأخرج عاشقة".
ثم أشارت بيدها نحو الشمال وقالت:
- "هل ترى التلّة البعيدة؟ هناك المدرسة اليوسفية، وُقِفتْ لطلبة العلم من أنحاء العالم، فيها مكتبة تضم آلاف المخطوطات. لا يدخلها إلا من استحقّ، حتى لو كان من نسل الملوك."
ثم خفّضت صوتها وأضافت:
- "أردتك أن تراها هكذا...أردتك أن تحبها وتحب أهلها. لا أن تراها موطنًا للحروب والصراعات فقط، غرناطة يا عامر ليست حجارةً ومباني، إنها دعاء امرأةٍ في محراب، وضحكة طفل في الزقاق، وصوت معلمٍ يُعلّم القرآن والصرف والنحو بين أشجار الرمان."
وصلوا إلى منطقةٍ مرتفعة، تطلّ على المدينة كلها، وهناك وقف عامر مأخوذًا بالمشهد.
قال:
- "غرناطة... سبحان الله! كأنها قطعة من الجنة!"
قالت سارة بهدوء:
- "كنت أخاف أن يأتي يومٌ وتتركها لأنك لا تحبها... لكنك رأيتها الآن وأحببتها، وشهدت عليها، وهذا يكفيني."
ثم أضافت وهي تُشير أمامه:
- "هناك قصر البادية، بناه والدي في صغري ليكون مكانًا أستريح فيه بعيدًا عن ضجيج القصر. وهناك... ساحة الزهراء، حيث تقام الاحتفالات الكبرى، وتُنصب الأعلام، وتُتلى الأشعار في مدح النبي والأشعار الأخرى."
ثم أكملوا جولتهم وعبروا "باب الرمل"، وساروا في ممراتٍ مبلطة بالحجارة، حتى وصلوا إلى نهر درّاو.
جلست سارة على صخرةٍ قُرب النهر، تراقب انعكاس الشمس فوق سطح الماء، وقالت:
- "هذا المكان... هو ملاذي منذ الصغر. كنت آتي إليه حين يضيق بي القصر، وأشكو للنهر وحدتي... وخوفي."
جلس عامر إلى جوارها، يتأمل ملامحها الواثقة، ثم قال:
- "أظن أنني بدأت أفهم سرّ حبك لغرناطة... إن لها روحاً."
ابتسمت برقة، ثم أطرقت برأسها، وساد الصمت برهة، قبل أن ترفع نظرها إليه بعينين يكسوهما التردد والشجاعة معًا.
ثم قالت بصوتٍ لطيف:
- "أتعلم، لم أتصوّر يومًا أن أقول مثل هذا... أنا الأميرة سارة، ابنة الملوك، عزيزة النفس والكرامة... لكن قلبي لم يعد يطيق الصمت."
توقفت لحظة، ثم تابعت:
- "أريدك زوجًا لي يا عامر. نعم، أقولها بوضوح، دون حياءٍ ولا مواربة. لقد رأيت فيك ما لم أره في أحد، لا من قادة ولا ملوك. رأيت فيك رجلاً يحمل همّ الأمة... ويفكّر بقلبه قبل سيفه."
حدّق فيها عامر بدهشة وارتباك، ولم يتفوه بكلمة.
قالت بنبرة خافتة:
- "لا تصمت وجاوبني... وأرح قلبي."
كان على وشك الكلام، حين انطلق صوت من بعيد، صوت عبد الرحمن، يهرول إليهم، ويصيح من بعيد:
- "مولاي! مولاي!"
نهض عامر مذعورًا:
- "ما الأمر؟"
وصل عبد الرحمن وهو يلهث:
- "جاءني خبرٌ سيء، لقد... لقد وُجدت والدتك... مقتولة في القصر!"
كأن البرق ضرب قلب عامر، انتفض واقفًا، وركض دون أن ينتظر شيئًا، وسارة بجانبه تركض هي الأخرى، والفزع قد أطفأ نور ملامحها. أما النهر، فقد بقي ساكنًا... يشهد على لحظةٍ كان يمكن أن تكون ولادة حب، فصارت بداية عاصفة.
---
ركض عامر كالمجنون بين الممرات، وصوت عبد الرحمن يلهث خلفه، بينما تصاعدت أصوات الجنود في أرجاء القصر. وما إن دخل غرفة أمه حتى توقّف في مكانه وقد تجمّدت الدماء في عروقه.
كانت والدته ملقاة على الأرض، ثيابها ملطخة بالدماء، ورأسها مفصول عن جسدها، وإلى جوارها ورقة بيضاء كُتب عليها بخطٍّ واضح:
"هذه هديتنا المتواضعة بمناسبة تتويجك ملكًا... هنيئًا لك يا ملك غرناطة."
جثا عامر على ركبتيه، وانفجرت دموعه وهو يضم جسدها بين ذراعيه المرتعشتين، ثم صرخ بأعلى صوته حتى ارتجّ القصر:
- "ادفنوها فورًا...! وليُحضَّر القبر الآن!"
وبينما كانت الجنازة تسير، يتبعها الجنود والمقرّبون، كان عامر يمشي بملامح متيبسة، كأنما دُفن قلبه معها.
عند القبر، وقف واجمًا، لا يتكلم. ثم التفت إلى عبد الرحمن فجأة، وحدّق فيه بعينين تقدحان نارًا، وصاح:
- "عبد الرحمن! أمامك حتى شروق شمس الغد... إن لم تأتني بالقاتل عند قدمي، فسأقطع رأسك بيدي، أفهمت؟!"
ارتجف عبد الرحمن، وأجاب بتوتر:
- "أمرك، يا سيدي... سأفعل المستحيل."
وانطلق عبد الرحمن ليقود تحقيقًا شاملًا، يستجوب الحراس والخدم، ويتفحّص كل زاوية في القصر. ولم يتوصل إلى أي شيء، فجمع جميع حراس القصر ووقف أمامهم وحدَّق في أعينهم وقال بصوتٍ غاضب:
ــ بينكم خائن ولم يعترف أيٌّ منكم بأيّ شيء يساعد على كشف القاتل..
رقبتي تحت السيف الآن وغدًا ستُقطع..
ولذا فكرت كيف سأجعلكم تعترفون... الآن سأترككم وأذهب بجنودي إلى بيت كل واحد منكم ولن أخرج منه حتى أذبح زوجته وأبناءه بيدي...
أنتم تعرفون كيف يواجه عبد الرحمن الخيانة، وإن كنتم لا تعرفون، سأعرفكم اليوم...
أدار عبد الرحمن ظهره ومشى بضع خطوات قليلة ولكن سرعان ما استوقفه صوت أحد الحراس:
ــ لا يا سيدي أرجوك لا تؤذي أهلي، وسأخبرك بشيء قد يساعدك.
عاد عبد الرحمن واقترب من الحارس وهو يرتجف ولا تحمله قدماه:
ــ أنا المسؤول عن جنود الحراسة الليلية، وليلة أمس جاءني أحد الجنود ولم يكن من الحراس وأخبرني أنه سيأخذ مكان الحارس خالد لأن امرأت خالد ماتت. ولن يأتي اليوم.
عبد الرحمن:
ــ بالفعل لقد حدث القتل بالليل، ولكن أين كان موقع هذا الحارث؟.
مشرف الحرس:
ــ على باب الغرفة.
عبد الرحمن:
ــ والحارس الثاني الذي يكون على باب الغرفة؟!.
مشرف الحراسة:
ــ اختفى منذ الأمس، والآخر الذي ماتت زوجته اختفى هو أيضًا.
عبد الرحمن:
ــ هذا يعني أنهما قُتِلا على الأرجح، هل تعرف بيت الرجل الذي بات على الغرفة تلك الليلة؟
مشرف الحراسة:
ــ لقد رأيته للمرة الأولى حينئذٍ، ولكني مازلت أحفظ ملامح وجهه.
عبد الرحمن: جيد، تعال معي، سنبحث في كل بيتٍ وفي كل شارع في غرناطة حتى نجده.
توصّل عبد الرحمن إليه، وقيَّده وجرَّه من ياقة ثيابه.
الحارس وهو يسير مع عبد الرحمن:
ــ ماذا ستأخذ في مقابل الوفاء، اتركني وتعال معي أعرفك على من يدفعون كثيرًا مقابل الوفاء لهم، وربما يجعلونك ملك غرناطة بعد سقوط سراج الدين، أجل أنت أحق بالملك منه، وإن كنت تريد النساء ستجد نساءً صليبيات أجمل مما تتخيل سيكونون لك بلا مقابل.
نظر عبد الرحمن إلى الحارس وقال له:
ــ اصمت.
فحاول الحارس أن يكمل حديثه فلطمه عبد الرحمن لطمةً قويةً أخرسته تمامًا.
وبعد ساعة كان الحارس يقف بقيده أمام عامر في ساحة القصر الخارجية، وجسده ينتفض، وعامر يحدّق فيه بنظراتٍ دامية.
ركله عامر فسقط أرضًا، ثم وضع قدمه على وجهه، وقال بصوتٍ غليظ:
- "اعترف... مَن الذي حرّضك؟"
رفع الحارس رأسه بصعوبة وقال:
- "لن أقول... أنا ميت في كل الأحوال، سواء اعترفت أم لا."
عامر (بغضب):
"ربما يخفف عنك اعترافك بعضًا من عقاب الخيانة."
فقال الرجل:
- "لم أخن... لقد نفّذت الأوامر مقابل المال، هل كنت ستدفع لي ما دفعوه؟ كثيرون في هذه الأرض قد باعوا غرناطة وأخذوا الثمن!"
عامر (غاضبًا): "من هم؟ تكلم! افعل شيئًا واحدًا لدينك... كن شريفًا، ولو لمرة."
الحارس (بصوتٍ مكسور):
"لو تكلّمت... سيذبحون زوجتي وأولادي، وسأكون عبرةً لكل العملاء."
صمت عامر لحظة، ثم قال:
- "عرفتُ كيف أجعلك تتكلم... أحضروا زوجته وأطفاله الآن!"
وحين أحضروهم، صرخ عامر:
- "سأترك زوجتك لأنني رجل شريف... أما أولادك، فسأبدأ بهم. أعطوني الطفل الصغير!"
وما إن وضعوا الطفل أرضًا، ورفع عامر سيفه، حتى صرخ الحارس:
- "توقف! سأتكلم... أنا أعمل مع الصليبيين مقابل المال. وغيري يعمل معهم لأجل النساء... النساء الصليبيات اللاتي يُغرين التجار في بلادهم. والبعض يعمل معهم طمعًا في المُلك، فقد وعدوهم بعرش غرناطة!"
عامر (بصوتٍ مذهول): "حتى هنا؟ في قصري؟، أخبرني بكل الخونة الذين تعرفهم"
قال الرجل:
- "أجل حتى في قصرك، لقد رأيت امرأةً صليبية... رأيتها مصادفةً هنا في أحد الأيام، وقد كنت رأيتها قبل ذلك تجلس مع الصليبيين وتعلق الصليب، وتخطط معهم من أجل غزو غرناطة."
عامر (يصيح): "امرأة صليبية في قصري؟! لم أُدخل أي صليبية إلى قصري!"
قال الحارس:
- "يوستينا... هكذا كانت تُدعى، إنها مدربةٌ وتتقن العربية تمامًا، ولن تكتشفها أبدًا."
عامر (منفعلًا): "صفها لي!"
الحارس: أجل، إنها.....
لكن قبل أن ينطق الرجل بكلمةٍ واحدة، انطلق سهم من بعيد، اخترق حلقه، فخرّ صريعًا على الفور!
صاح عامر:
- "خيانة! أَغلِقوا أبواب القصر فورًا! فتّشوا كلّ زاوية... لا أريد أن يخرج أحد!"
ركض الجنود في كل اتجاه، وفتَّشوا ولكنهم لم يجدوا أثرًا لأي غريب.
عاد عامر إلى القصر، وقد علاه الوجوم، ودخل على سارة وخولة، وأخبرهما بما حدث.
ثم غادَرَهما، تاركًا إيّاهما في توترٍ وصمت.
سارة نظرت إلى خولة، فتقدّمت خولة منها وقالت بنبرةٍ صارمة:
- "رأيت في عينيكِ نظرة شكّ، لا أريد أن أراها مرةً أخرى... وإلا..."
قاطعتها سارة باستهزاء:
- "وإلا ماذا؟ ستقتليني كما قتلتِ غيري؟"
خولة نظرت إليها بثبات وقالت:
- "ابتعدي عن زوجي، واذهبي لتترحّمي على زوجك. زوجي لن يكون لكِ، حتى وإن حاولتِ تشويه صورتي أمامه، لن يُصدّقك."
سارة (غاضبة): "أنتِ كاذبة! وسأكشف حقيقتكِ قريبًا... يا يوستينا!"
خولة نظرت إليها بصمت، ثم غادرت الغرفة.
دخلت بعدها على عامر، فوجدته جالسًا منحنياً، يغالب الدموع، فاقتربت منه وضمّته إلى صدرها، ومسحت على شعره، وقالت:
- "هي لم تكن أمك ... ولكنك كنتَ تحبها وتخاف عليها. أنا آسفة... ليتني كنت أحرسها بنفسي، ما كنت لأدع ذلك الكلب يقترب منها إلا على رقبتي."
عامر (بصوتٍ متهدّج): "الملك... ثم سراج الدين... ثم سعيد... ثم محمد بن الأمين... والآن أمي... الصليبيون سيدفعون الثمن!"
خولة (وهي تلمس خده برقة): "اهدأ، لسنا في موقف قوة الآن. إن قاتلناهم، سيهزموننا."
عامر (بحزن): "لم أعد أثق في أحد... أشعر أن الجدران والأشجار في قصري أصبحت خائنة."
نظرت إليه بنظرة مغرية، وقالت:
- "لا تثق في أحد... حتى خولة حبيبتك."
فابتسم وقال:
- "لو شككتُ في الدنيا كلها، فلن أشكّ في حبيبتي... ونور قلبي... وبسبوستي خولة."
ضحكت وقالت:
- "حسنًا... سأسامحك طالما شبّهتني ببسبوسة القاهرة."
والآن دعكَ من كل هذا... كلام الرجل كان عبثًا. فقط أراد إنقاذ عائلته."
فرد عامر:
- "ولكن... لماذا قُتل بالسهم حين كاد يصفها؟"
ترددت خولة، ثم قالت:
- "كنت سأخبرك بأمر... لكن لا، لن أخبرك الآن."
عامر (متعجّبًا): "لِمَ لا؟"
قالت: "لأنك خرجتَ مع سارة صباح الأمس، وتركتني وحيدة... إلى أين ذهبتم؟ وبماذا تحدّثتم؟"
فأخبرها عامر بكل شيء، ما عدا طلب سارة الزواج.
فقالت خولة ببرود:
- "سارة ليست زوجتك، ولا يحق لك أن تكون معها وحدكما... ثم تتركني؟"
حاول عامر مصالحتها، لكنها أدارت وجهها. ظلّ يعتذر ويعدها حتى ابتسمت وقالت:
- "لن أسامحك إلا إذا وعدتني... لا تُغضبني مجددًا، ولا تطع سارة في أي شيء."
قال: "أعدكِ."
قالت: "حسنًا... سأصالحك."
ضحك وقال: "أحبك. هيا أخبريني"
همست خولة في أذنه بلطف:
- " أخبرتني الطبيبة أنني أحمل في بطني طفلًا منك."
اتسعت عينا عامر، وغمرته الفرحة، فضمّها إلى صدره، وأخذ يُقبّل جبينها بحنان.
قالت: "عامر... ما رأيك أن نترك كل شيء هنا، ونعود إلى القاهرة؟"
نظر إليها طويلاً، ثم قال:
- "لا يمكنني الآن... لقد أصبحت المسؤول الأول عن المملكة، ولكن... أعدكِ، سأفكّر في الأمر."
خولة:
ــ اتفقنا يا زوجي الجميل.
ثم أُطفئ المصباح، وسكن الليل...
---
في الصباح جلس عامر بجانب خولة يتناولان الإفطار وخولة تضع الأكل في فم عامر وتبتسم لسارة، وسارة تنظر إليها بغضب.
وفي هذه اللحظات جاء عبد الرحمن واستأذن للدخول، فسمح له عامر:
- سيدي القائد، وصلتنا معلومات مؤكدة قبل قليل من رجالنا عند الحدود، تفيد بتحرك جيوش فرديناند نحو الجنوب، قادمة من جهة مالقة، يرافقها عددٌ من المرتزقة الأوربيين.
هنا نهض عامر وقال:
- اجمع لي القادة فورًا، سنعقد مجلس الحرب الآن.
عمَّ الصمت في القاعة، وأدرك الجميع أن الحرب لم تعد قادمة... بل بدأت بالفعل.
---
في اليوم التالي لاجتماع مجلس غرناطة الطارئ، انطلقت الأبواق في الساحات، وأصدر عامر أمره بتجهيز المدينة بأقصى ما تملك من قوة واستعداد. عُقدت الاجتماعات في قصر الحمراء ليلًا ونهارًا، وانطلقت سارة وخولة لتنظيم النساء، وتوزيع المهام بينهن.
غرناطة، المدينة التي تعانق الجبال وتغفو على ضفاف الوادي الكبير، لم تكن سهلة المنال. فقد بُنيت دفاعاتها بعناية الهندسة الإسلامية، وجُعلت أسوارها المنيعة تحيط بها من كل الجهات. أُعيد تدعيم الأبواب الرئيسية: باب البيرة من جهة الشمال، وباب وباب العديسة من الشرق، وباب الحمراء المؤدي إلى القصر، وباب الرملة المتصل بسوق المدينة.
على الأسوار، نُصبت المجانيق، ونُشرت فرق الرماة على الأبراج، في نظام دقيق.
أما عامر، فقد أخذ يقود التجهيزات بنفسه، يعاين كل زوايا المدينة، من حي البيازين حتى حي القصبة، ومن مزارع الهضاب الجنوبية حتى منحدرات نهر دراو، وقد حُوِّلت أطراف النهر إلى خطوط دفاع إضافية.
وفي اليوم الثالث، وصلت الأخبار التي لم تكن بحاجة إلى مبعوثين.
من فوق التلال، بدأت رايات قشتالة تُلوّح في الأفق، تسبقها سحب الغبار، وتعلو معها أصوات الطبول القشتالية. تقدم جيشٌ ضخم، يقدّر بعشرات الآلاف، يحمل الرايات الحمراء والصليب الذهبي، ويمتد على مدى النظر، يتقدمه الملك فرديناند بنفسه، ومعه عدد من كبار القساوسة، وفرق المرتزقة من جنود أوروبا، ومئات من المدافع الحديثة.
كان كسر المعاهدة صريحًا فاجرًا، لا مواربة فيه، إذ أن غرناطة لم تكن بادئة حربًا، بل كانت تنعم في هدوء هشّ، لكن الطمع في إرثها، وجمالها، وسحر حضارتها، جعل فرديناند يضع المعاهدة تحت قدمه، ويضرب بالمواثيق عرض الحائط.
في الليلة الأولى من الحصار، سُمع صوت المدافع يدوي فوق الجبال، لأول مرة في تاريخ غرناطة، يهتز له الوادي الكبير، وتتساقط الحجارة من أسوار المدينة.
سقطت أول قذيفة قرب باب إلبيرة، فأحدثت ثغرة، وارتفعت صيحات الجنود وهم يهرعون لترميمها.
وقف عامر أعلى برج القصبة، ينظر إلى نيران الأعداء وهي تحاصر غرناطة من الجهات الأربع، ثم أدار وجهه نحو الداخل، نحو قصر الحمراء، كأنه يقول في صمت: "لن تسقط إلا على جثثنا".
---
مع أول ضوء للفجر، دوّت الأرض تحت أقدام الجنود، كأن غرناطة كلها تهتز بأنفاس الموت القادمة من جهة الشمال الشرقي.
كان الهجوم مركزًا على باب إلبيرة، أضعف أبواب المدينة من حيث التضاريس، إذ تنحدر الأرض هناك بانحدارٍ يسمح للمدافع بأن تُنصَب بزاوية قاتلة. وقد أمر فرديناند رجاله بأن يُركّزوا الضرب عليه حتى يُحدثوا ثغرة واسعة تكفي لمرور فرقة كاملة.
اصطفت المدافع القشتالية على شكل نصف قوس فوق التلال، وكلها موجهة نحو الباب الذي تحصّن خلفه الجنود بقيادة عبد الرحمن، يعاونهم حازم، أما موسى فقد طلب من عامر تولي مسئولية باب العديسة، وقد جعلوا وراء الباب متاريس خشبية كثيفة، وسواتر ترابية نُصبت في الليل تحت إشراف عامر نفسه.
ثم انطلقت أولى القذائف.
ارتجت السماء، وتطايرت شظايا الحجارة، وانبعث الدخان الرمادي كثيفًا، واختلطت رائحة البارود بروائح الأرض والدم والتراب.
صرخ أحد القادة من فوق السور:
- لقد أُصيب البرج الشرقي! انقلوا الرماة إلى اليمين!
وكان عامر قد حضر بنفسه إلى الباب، ممتطيًا جواده الأسود، يراقب، يصرخ، يُخطط، لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا تابعها.
أما سارة، فقد صعدت مع خولة إلى أحد أبراج قصر الحمراء، وأخذت تراقب المعركة من بعيد، وكلما دوّى انفجار، كانت شفاهها تهمس:
- اللهم احفظه، اللهم سلّم غرناطة.
في خضمّ القتال، حاولت فرقة من المشاة القشتاليين التقدّم من بين الغبار إلى موضع الثغرة، وهم يرفعون دروعهم فوق رؤوسهم، لكنهم لم يدركوا أنهم دخلوا مرمى الرماة الذين اختبأوا في الأبراج العالية.
ومع إشارة من عبد الرحمن، انطلقت السهام كالسيل، لتُسقط العشرات منهم أرضًا، وتُجبر البقية على التراجع.
وعند الظهيرة، أمر عامر بخطةٍ جريئة: أن تُفتح أبواب صغيرة خلفية في السور، تُعرف بـ"أبواب الغِيلة"، ومنها تخرج فرقة صغيرة بقيادة حازم، تلتف خلف المدافع القشتالية وتُحدث إرباكًا في صفوفهم.
وتم تنفيذ الخطة.
خرج حازم برجاله، وداروا حول الجبال، وبينما كان العدو مشغولًا بقصف الباب، ظهر حازم من خلفهم، وأطلقوا النار من أقواسهم على المدفعيين، ثم هجموا بالسيوف، فأُجبر العدو على سحب بعض المدافع للخلف، وتشتّتت صفوفه.
في ذلك المساء، تراجع الهجوم الأول، وارتفعت صيحات التكبير من فوق أسوار غرناطة، وعمّ الفرح في الشوارع، لكن عامر لم يبتسم.
قال وهو يقف قرب سارية الباب المدمّر:
- هذه البداية فقط... فرديناند لم يأتِ ليتراجع، بل ليحاصرنا حتى الموت.
ثم التفت إلى عبد الرحمن وقال:
- من الغد، نبدأ بنقل الإمدادات إلى المخابئ، وتوزيع الخبز بالمكيال، لا نعلم كم سيطول الحصار.
أما في السماء، فقد بدأت أسراب الغربان تدور فوق المدينة... تنذر بأنها حرب طويلة... وأطول مما يظن الجميع.
---
داخل الخيمة الكبيرة، كانت خرائط غرناطة مبسوطة على الطاولة الخشبية، وعليها علاماتٌ باللون الأحمر تُشير إلى مواقع المدافع، ومربّعات سوداء صغيرة تُحاكي أسوار المدينة.
جلس فرديناند على كرسي مزخرف بالجلد، ووقف القادة من حوله: الجنرال راميرو، ودوق قشتالة الأعلى، وقائد المدفعية الإيطالي فيتوريو، وأحد الكرادلة الذي جُلب ليبارك الحرب المقدسة "كما يسمونها".
قال فرديناند بصوتٍ واثق، عيونه لا تغادر الخريطة:
- الهجوم الأول لم يكن إلا اختبارًا... أردت أن أرى كيف سيتصرف سراج الدين.
رمقه راميرو وقال:
- تصرّف بذكاء. جعلنا نظن أن الباب هشّ، ثم أمطرنا بالسهام من الأبراج. ومناورته من الخلف كانت ماكرة.
قهقه فرديناند قائلًا:
- هو لا يُدرك أننا لا نحارب لأجل بابٍ أو برج... نحن نحاصر الزمن، والوقت في صفّنا.
اقترب الدوق الأعلى وأشار إلى نقطة جنوبية من السور:
- إننا نملك ما يكفي من المؤن لثلاثة أشهر، بينما هم محاصرون من كل الجهات، ولا يملكون طريقًا للخروج. وعاجلًا أم آجلًا... سينفد خبزهم وطعامهم.
أومأ فرديناند ثم التفت إلى فيتوريو وقال:
- وماذا عن المدافع؟ كم نحتاج لنُسقط أحد الأبراج كليًّا؟.
أجاب الإيطالي بثقة:
- أحتاج إلى ثلاثة أيام إن ركّزتُ النيران على برج متوسطة، الحجر هناك أضعف.
رفع فرديناند يده في الهواء وقال:
- إذًا نبدأ الحصار الحقيقي. لا قذائف عبثية بعد اليوم. وكل ضربة يجب أن تُحسب جيدًا.
ثم التفت إلى الكاردينال وقال:
- وابدأوا بتدوين الرسائل للملوك والنبلاء في أوروبا، قولوا لهم إننا نُحارب آخر قلاع الإسلام في الأندلس، وإنها مسألة وقت.
تقدم الجنرال راميرو بخطوة ثم قال:
- وبالنسبة للداخل، فقد طلبنا من رجلنا الجديد-أحد المقربين لسراج الدين-بفتح ثغرة في أحد أبواب غرناطة، وإشعال نيران الفتنة في الداخل، وفي المقابل وعدناه بأن يصبح ملك غرناطة الجديد بعد سحق سراج الدين ورجاله.
ابتسم فرديناند ببرود:
- جيد... دعهم يقتتلون في الداخل، فالسيف إن انقلب على حامله خدمنا دون أن نُتعب أذرعنا.
ثم نهض، وسار إلى فتحة الخيمة، ونظر إلى أسوار غرناطة المضيئة بشعلة المقاومة، وقال بصوت خافتٍ لا يكاد يُسمع:
- ليتهم يعلمون... أنّ الجوع أشدّ فتكًا من المدافع...وأن غرناطة ستنحني لنا قريبًا....
---
كان الليل لا يزال يسدل أستاره، حين دخل عبد الرحمن على عامر في قاعة الاجتماعات، يلهث، وجهه مغبرّ، وصدره يعلو ويهبط بشدّة:
قال بصوتٍ مضطرب:
- سيدي القائد!... النار اشتعلت في مخازن القمح والإمدادات خلف السور الشرقي! النيران تلتهم كل شيء!
نهض عامر، ولم يتردّد لحظة. نادى:
- هيا بنا فورًا!
ركض الثلاثة عبر الأزقة، تبعهم الجنود.
وصلوا إلى المخازن، وبدأوا بأنفسهم في إطفاء الحريق. حمل عامر دِلاء الماء وسكبها على النار بيديه، وصوت الخشب المتفحّم يُدوّي في الأذن. كان حازم يصرخ:
- هنا! أطفئوا هنا! لا تدعوا النار تصل إلى الصوامع!
وبينما كانوا يطفئون، سقط جزء من السقف، فكاد أن يصيب عبد الرحمن، لولا أن جذبه عامر بسرعة. استمروا في القتال ضد النار حتى خمدت.
جلس عامر على الأرض، ثوبه مبلل، شعره ملتصق بجبينه، وعيناه ساكنتان.
اقترب منه عبد الرحمن، وقال بصوتٍ خافت:
- فقدنا ثلث الغذاء... لا أعرف من أشعلها، لكنها ضربة قاصمة.
لم ينطق عامر، فقط ظل يحدّق في الأرض المبللة، حين جاء أحد الجنود مهرولًا:
- سيدي!... اشتعلت النيران في حدائق القصر!
نهض عامر بسرعة:
- شددوا الحراسة على ما تبقى من الغذاء! هيا بنا إلى القصر!
ركضوا جميعًا باتجاه القصر، كانت حدائق القصر مغمورة بالنار، الأشجار تشتعل، والزهور تحترق.
وفي أثناء محاولتهم الإطفاء، ومع أول خيوط الفجر، جاء جندي آخر، وجهه مفزوع، صوته مبحوح:
- سيدي! قوات قشتالية كبيرة دخلت من باب العديسة! إنهم في طريقهم إلى داخل المدينة!
تجمّد عامر، ثم قال بصوتٍ مرتجف:
- وموسى؟ أين موسى؟!
قال الجندي:
- لقد أمرنا القائد موسى بإدخالهم، وقال إنه أمرٌ منك، وأنك تُعدّ لهم فخًا... والسيد عثمان الآن يحاول التصدي لهم بفرقته، لكنهم يتفوقون عددًا!
صرخ عامر:
- حتى أنتَ يا موسى؟!... ما الذي يحدث؟!
وفجأة جاء جندي آخر وصرخ:
- سيدي! تجدد الحريق في ما تبقى من المخازن!
ثم جاء ثالث:
> - اشتعلت حدائق القصر الخلفية... النار تنتقل من مكان إلى آخر!
وتبعه رابع، صوته يحمل نبرة الانهيار:
- القوات القشتالية تتوغل بسرعة! لا نستطيع إيقافهم... ماذا نفعل؟!
وقف عامر بين صيحات الدمار، عيناه تائهتان، ثم جلس فجأة على الأرض وسط الركام والرماد. كانت يده ترتجف، وصدره يعلو وينخفض.
اقتربت سارة وجلست إلى جواره، وضعت يدها على كتفه. جاءت خولة من الجهة الأخرى، وعيناها تغصّان بالدموع.
كان عامر يحدّق في النار المشتعلة ويقول:
- أنت مولانا ولا مولى لهم، يا رب...
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
لم يطل الصمت طويلًا. فبينما كانت النيران تأكل ما تبقى من حدائق القصر، نهض عامر فجأة، وانتزع عباءته المبلّلة من على كتفيه، ونظر إلى الجميع من حوله وقال بصوتٍ عالٍ:
- من أراد أن يهرب، فليهرب الآن... ومن بقي، فليعلم أن غرناطة لن تسقط، والله لن تسقط!
صمت الجميع. حتى صوت اللهيب خفت، وكأن غرناطة نفسها حبست أنفاسها تستمع لندائه.
تابع عامر، وقد التفّ حوله عبد الرحمن وحازم وسارة وخولة والجنود المخلصون:
- اجمعوا من تبقى من الرجال، سنقسم المدينة إلى ثلاث مناطق:
> المنطقة الأولى: يقودها عبد الرحمن لحماية الأحياء القريبة من باب العديسة. المنطقة الثانية: تكون بقيادة حازم وتُحصّن السوق والمخازن بعد إطفاء الحرائق. وفي المنطقة الثالثة: أنا بنفسي سأقود الدفاع عن القصر وباب البيازين.
ثم نظر إلى خولة وسارة وقال لهما:
- أريدكما أن تشرفا على النساء والمصابين، وتُحوّلا قاعة الولائم إلى مشفى.
هزّت كلتاهما رأسها دون تردد، وانطلقتا في صمتٍ لتنفيذ أوامره.
اقترب عبد الرحمن وقال:
- وماذا عن موسى؟ نأمر بالقبض عليه؟
أجاب عامر وقد اشتدّت نظراته:
- لا... ليس الآن، إن أمسكنا به علنًا قد ينهار بعض الجنود من أتباعه وخاصة فرفة الظلام، سنُحكم القبضة من الداخل أولًا... ثمَّ أريده حيًا، لكن لا تتركوه يغيب عن نظركم لحظة.
صاح أحد الجنود فجأة:
- سيدي! قوات قشتالية تقترب من باب السُبَيطَة!
نظر عامر نحو السماء التي بدأت تميل إلى الحمرة مع شروق الشمس، وقال:
- إذًا... بدأ النهار، وبدأت معه معركة المصير.
ثم رفع سيفه عاليًا وهتف:
- من أراد نصرًا أو شهادةً، فليتبعني إلى البيازين!
وانطلق يركض بين الأزقة، خلفه الجنود والأهالي يحملون السيوف، والماء، والحجارة، وكل ما يمكنهم الدفاع به عن مدينتهم.
غرناطة لم تُسلّم مفاتيحها بعد...
---
تقدّم عامر بين الأزقة الضيقة المؤدية إلى باب البيازين، وخلفه مجموعة من الجنود يلهثون، وعيونهم تتنقل بين النوافذ والسطوح. الدخان ما زال يتصاعد من خلفهم، وأصوات الاشتباك تقترب...
قال أحد الكشّافين وهو يهبط من أعلى سطح:
- سيدي، قوات قشتالة توغلت بالفعل في الحي الغربي، وهناك من يفتح لهم الأبواب من الداخل!
قطب عامر حاجبيه، وقال دون تردّد:
- إلى هناك فورًا. لا تتركوا خائنًا واحدًا في المدينة حيًّا.
ركضوا حتى وصلوا إلى الزاوية التي تُشرف على سوق الغلال. وهناك، كان المشهد مرعبًا... جنود قشتالة بالخوذ الحديدية يتقدمون، تتبعهم موجات من المرتزقة والمارقين، يرفعون صلبانهم وسيوفهم، وبعضهم يطلق صيحات النصر بلغتهم.
وقف عامر فوق صخرة مرتفعة وقال بصوتٍ غاضبٍ:
- أنتم لا تعرفون غرناطة... ولا تعرفون رجالها!
ثم أشار بيده وقال:
- الآن يا رجال غرناطة!
ومن فوق الأسطح انهالت قِرب الزيت المغلي وأحجار ضخمة كانت مخبأة منذ أيام، وسهام نُقعت رؤوسها بالنار، لتنقضّ كجحيم من السماء.
توقّف تقدم العدو فجأة، وسقط العشرات منهم في اللحظات الأولى، لكنهم لم يتراجعوا، بل التحموا مع الخطوط الأمامية للمدافعين.
صرخ أحد الجنود وهو يُقاتل جنبًا إلى جنب مع عامر:
- إنهم كثيرون... ولكننا نثبت بقوة الله!
عامر، وقد تلطخ وجهه بالدم، صرخ:
- لا تتراجعوا شبرا! القصر خلفنا، والناس تنظر إلينا، ومن يمت، فليمت واقفًا!
وفجأة، سُمع صوت عالٍ يخرج من بين جنود العدو، بلغة عربية مكسّرة:
- أين سراج الدين؟! أنا خوان رودريغو، جئت لأقطع رأسك وأعلقه على أسوار قشتالة!
سحب عامر سيفه وتقدّم وسط الجنود، ثم صرخ:
- ها أنا... اقترب إن كنت رجلًا!
تقدّم خوان ممتطيًا حصانًا مدرّعًا، وخلفه حرّاسه. لم ينتظر عامر كثيرًا، بل اندفع وقطع الطريق عليه، وارتطم سيفاهما وسط اشتعال المعركة.
دارت بينهما معركة فردية وسط اشتباك الجيش. ضربات متبادلة، وشرر يتطاير، وصيحات تتصاعد حتى تلقى عامر طعنة في كتفه.
وفي هذه اللحظة وقف عامر، وقد ملأه الغضب لفقد بعض المخلصين، وخيانة موسى، واحتراق غرناطة، لم يكن يقاتل بسيفه فقط، بل بغضب مدينة كاملة.
وفي لحظةٍ خاطفة، غافل خوان بضربة تحت ذراعه، فسقط أرضًا، وقبل أن ينقضّ عليه عامر، هرع جنود قشتالة وانتشلوا قائدهم.
صاح أحدهم:
- انسحبوا! انسحبوا فورًا!
وتراجع الجيش القشتالي مؤقتًا تحت ضغط المقاومة، والسهام من كل حدب، والنار المنبعثة من الأزقة.
تنفّس عامر بصعوبة، وهو يضع يده على صدره، ثم التفت إلى من حوله:
- لقد أنذرناهم... المعركة بدأت، ولن تنتهي إلا باستعادة هيبة غرناطة.
---
بعد انحسار موجة الهجوم الأولى، وعودة الهدوء النسبيّ إلى أزقة البيازين، عاد عامر إلى القصر وقد أنهكته المواجهة. كان الجرح في كتفه ينزف، لكنه أصرّ على حضور اجتماع القادة داخل قاعة المجلس.
دخل بخطاه الثقيلة، وكان في المجلس حازم، عبد الرحمن، أيوب-رشحه عبد الرحمن لعامر ليكون خلفًا لموسى ووافق عليه-، وعدد من الشيوخ والعلماء... وعلى الطرف يجلس موسى، بثيابه المزخرفة وعيناه تترقبان.
قال عامر بصوت حادّ:
- من فتح باب العديسة وأبواب الحيّ الغربيّ للعدو؟ من أرسل الإشارة لإشعال النيران في مخازن السلاح وفي حدائق القصر؟ من سلّم الخرائط للغزاة؟.
ساد صمتٌ عميق، والأنفاس احتُبست.
ثم دخل فجأة أحد الحُراس، يدفع أمامه رجلًا مُكبّل اليدين. ركع الرجل على الأرض، وهو يبكي:
- سامحني يا مولاي... أنا أحد رجال موسى، وقد أجبرني على تسليم مفاتيح مخازن الأغذية والإمدادات لجنودٍ لا يتحدثون العربية! وكنت أظنه يخدم المملكة... لكنه كان يخطط معهم.
شهق الجميع.
تقدّم حازم وقد اشتعل وجهه غضبًا:
- موسى؟!، كيف تجرؤ؟!.
نهض موسى بهدوء، ورفع رأسه قائلاً بصوت يملؤه الغرور:
- لأنك لم تكن تستحق الملك يا سراج الدين، أنت ضعيف، وكل ما نحن فيه الآن بسبب ضعفك، أما أنا... فلم يُسمَح لي يوماً أن أكون شيئًا أكثر من ظلّك.
وقف عامر أمامه مباشرة، وقال:
- أنت خائن. ومهما كانت حجّتك، فقد بعتَ غرناطة للعدو!
ضحك موسى بمرارة:
- لم أبعها... بل أنقذتها منكم. قشتالة ستدخل المدينة عاجلاً أم آجلاً، على الأقل أردت ألا تحرقني نيرانكم حينها.
ثم التفت إلى عبد الرحمن وقال:
- وأنت يا مسكين، تفديه بروحك، وتظن أن وفاءك سيملأ بيتك ذهبًا!!.. ستظل طوال حياتك كلبًا وفيًّا ينتظر فتات الخبز من سيده ثم تموت كلبًا فقيرًا أحمقًا.
أخرج عبد الرحمن سيفه:
- أيها الحقير، لقد تماديت!
عامر:
ــ توقف يا عبد الرحمن
أشار عامر بيده إلى الحراس:
- خذوه، وضعوه في الزنزانة. لن يُعاقب إلا بعد أن ننتصر.
اقتيد موسى، صامتًا، مبتسمًا، والدم يسيل من فمه بعدما صفعه أحد الجنود.
خرج من القاعة صوته الأخير:
- المدينة لن تصمد... أنتم لا تعرفون من يزحف نحوكم.
عمَّ الصمت من جديد... لكنّه هذه المرة كان ثقيلًا ومخيفًا.
أما عامر، فقد جلس على العرش، ونظر إلى الجميع بعينين لا تحملان دموعًا، بل نارًا:
- لا راحة بعد الآن. لا نوم، لا تهاون. الليلة، نحفر خنادق الدم بأيدينا... وغدًا، نلقّن الغزاة درسًا لا يُنسى.
---
وحينما حلَّ الليل...
وقف عامر في ساحة القصر، يحيط به عبد الرحمن، حازم، أيوب، وكبار الجنود، بينما الخرائط تُفرش على الطاولة الحجرية وسط الساحة.
قال عامر بحزم:
- بعد خيانة موسى، فقدنا السيطرة على باب العديسة، والعدو يتوغّل داخل الحيّ الغربي... ولكن يتقدمون ببطء وبأعداد قليلة.
أشار القائد أيوب على الخريطة:
- القشتاليون يتمركزون في الساحة القديمة خلف باب العديسة، وإذا لم نقطع تقدمهم، سيصلون إلى المسجد الأعظم مع الفجر.
قال عبد الرحمن:
- نقترح إنشاء حواجز نارٍ عند مداخل الأزقة، نجبرهم على التقهقر أو التفرّق.
أجاب عامر:
- ممتاز. تُجهّز كميات الزيت، ونضع القِدرَ تحت قيادة حازم. أنت تعرف الأزقة جيدًا.
هزّ حازم رأسه:
- أمرك، يا سيدي. سأُشعلهم إن اقتربوا من قلب المدينة.
ثم التفت عامر إلى القائد أيوب:
- جهّز كتيبة الخيّالة، وراوغ العدو من باب الجبل الأحمر. افتحوا عليهم النار من الشرق، وادفعوهم للداخل حيث نُغلق خلفهم البوابة ونحاصرهم.
ردّ أيوب بثقة:
- كأنهم دخلوا جحر الموت، يا مولاي.
رفع عامر عينيه إلى السماء، ثم قال:
- وأسوار القلعة هل مازالت صامدةً أمام مدافع الصليبيين... يا رب سلم غرناطة من شرورهم.
عبد الرحمن:
ــ نعم ما زالت صامدة، هدأت المدافع الصليبية قليلاً منذ توغلهم إلى المدينة.
عامر:
- كل من لديه عائلة... ليودعهم الآن. لن ننام الليلة. ولن نصلي الفجر إلا والدم على أطراف سيوفنا. إنهم يظنون أننا انهزمنا... لكننا الآن فقط بدأنا القتال.
وبعد لحظات..
تحركت القوافل والأسلحة والرجال، بينما كانت سارة تقف على شرفة القصر، تراقب عامر وتهمس لخولة:
- لم أره هكذا منذ أن وصل إلى غرناطة. كأنّ شيئًا داخله قد استيقظ.
ردّت خولة، والدموع تلمع في عينيها:
- لأنه يعلم... إن خسر الليلة، لن تبقى هناك غرناطة ليحميها غدًا.
---
أمطرت السماء رمادًا بدل المطر، وتلألأت المدينة بنيران الحريق، كأنها لؤلؤة تحترق في جوف الليل.
كان عامر يتقدّم أول الصفوف في الزقاق الضيّق المؤدي إلى السوق الكبير. على جانبيه وقف الجنود المختبئون خلف عربات مقلوبة وواجهات البيوت المهجورة. خلفه مباشرة عبد الرحمن وحازم، والسيوف مشهورة، والقلوب لا تعرف الخوف.
صاح أحد الحراس من فوق سطح منزل:
- القشتاليون يقتربون! خمسون رجلًا على الأقل!
أشار عامر بيده:
- الآن، أطلقوا الزيت!
فاندفع الجنود يسكبون الزيت المغلي من الشرفات والأسطح على رؤوس العدو، واشتعلت الأرض تحت أقدامهم. تعالت صرخات الجنود القشتاليين، وبدأوا يتراجعون في فوضى.
قال حازم مبتسمًا وهو يرمق النار:
- هذا زقاق الذئاب يا أعداء الله!
انقض عامر وجنوده عليهم كالسيل، ودار قتالٌ محتدم. كان عامر يقاتل بسيفه كعاصفة غاضبة. يضرب من اليمين، ويغرس من اليسار، والعدو يتساقط كأوراق الخريف.
عبد الرحمن صرخ:
- احذر يا عامر!
استدار عامر فجأة ليرى فارسًا ضخمًا يندفع نحوه، لكن سهمًا أطلقه أحد الجنود من فوق أحد الأسطح استقرّ في عنق الفارس قبل أن يبلغه.
تقدّم عبد الرحمن وجثا على ركبتيه بجوار عامر:
- ما يزالون يأتون، إنهم يحاولون الالتفاف من زقاق الأقمشة.
صاح عامر:
- أغلقوا الزقاق بالحجارة... ولا تتركوا ممرًّا واحدًا إلا وبه فخ أو نار!، وأعطي الأوامر للرماة باعتلاء أسطح زقاق الأقمشة.
أصدر أوامره بسرعة، وتمّ سحب العربات وإشعال مشاعل الزيت على أطراف الشوارع، وتحولت أزقة المدينة القديمة إلى متاهة من النار والدخان.
في هذه الأثناء، في الأزقة الخلفية، كان القائد أيوب يقود فرقة الخيالة، يداهمون مؤخرة العدو، يضربونهم على حين غفلة، ويعودون كالعاصفة. وكانت صرخات القشتاليين تتعالى:
- كم بابًا لهذه المدينة؟! من أين يأتون هؤلاء؟
في أحد الزوايا، كان جنديٌ من جنود عامر يهمس لزميله وهو يضع السهام على وتر القوس:
- نحن لا نحمي غرناطة فقط... بل نُقاتل من أجل شرفنا أيضًا.
بينما استمرّت المعركة حتى طلوع الفجر، كان عامر واقفًا، تتصبب الدماء والعرق من جبينه، وثوبه ممزّق، لكنه لا يزال شامخًا...
انسحب الجنود القشتاليون من غرناطة بأكملها وخرجوا متقهقرون من باب العديسة عائدون إلى قادتهم خارج أسوار غرناطة.
قال حازم وهو يلهث:
- لقد صدّينا الهجمة الأولى... لكنهم سيعودون.
أجابه عامر بصوتٍ خافت:
- فليعودوا... سنموت في الطريق إن لزم الأمر، لكنهم لن ينالوا مرادهم ما دمت حيًا.
سامر من خلف الجنود يقف بعيدًا ويهمس لنفسه:
ــ هذا إن دمت، ولكنك لن تدوم.
---
مع طلوع الشمس، كانت رائحة الدخان لا تزال تفوح في أزقة غرناطة، ولكن المدينة صارت أكثر هدوءًا... هدير السيوف قد خفت، وخطى الخيول المتمهّلة على الحصى كانت تعلن انتهاء المعركة.
وقف عامر أمام باب العديسة، متشحًا بدرعه المُحطَّم، وسيفه لا يزال يُقطّر من دماء الليل. من خلفه مصطفّون عبد الرحمن، حازم، أيوب، ونور الدين بن غالب- أحد ترشيحات عبد الرحمن أيضًا-.
وفي الساحة، حيث احتشد أهل غرناطة من رجال ونساء وشيوخ، رُفع جسد موسى على خشبة ضخمة عُلّقت على باب العديسة، واللافتة مكتوبٌ عليها:
> "هكذا يكون مصير كل خائنٍ باع أرضه وعِرضه"
أدار عامر وجهه نحو الجمع، وقال بصوتٍ عالٍ يسمعه كل من حضر:
- لقد انتهى الليل يا أهل غرناطة... ولن ينام فينا خائنٌ بعد اليوم.
ثم التفت إلى عبد الرحمن:
- أريد أسماء كل من تواطأ مع موسى وساعد على تسلل العدو، اجمعوهم، سيُحاكمون أمام الناس، ثم يُعلَّقون بجوار سيدهم الخائن.
أومأ عبد الرحمن برأسه، ثم نظر إلى حازم وقال:
- اجمع الرجال، فلن يطول بحثنا عن الأفاعي.
وبعد ساعات، جاء تقرير حازم إلى عامر، وفيه أسماء الخونة الذين تمّ القبض عليهم:
1. إسماعيل بن فاروق - تاجر أسلحة هرّب أسلحة الجيش إلى الصليبيين.
2. منير الزهراوي
- كاتبٌ في المجلس الملكي حيث يكون اجتماع القادة، وافق سراج الدين على تعيينه قبل أيام من هجوم الصليبيين وكان يسرّب الأخبار إلى معسكر قشتالة.
3. سعيد القيسي
- عجوز من حيّ البيازين، أتاح لقوات العدو العبور من ممرٍّ خلف المسجد.
4. لطيفة بنت يوسف
- وصيفة في قصر الحمراء، كانت تراسل امرأة قشتالية وتنقل لها أخبار القصر من الداخل.
5. أحمد بن جابر
- من حرّاس باب الرملة، سمح بدخول العدو خلسة ليلة الهجوم.
6. عبدالملك النباهي
- قاضٍ سابق، استخدم مكانته للتشويش على قرارات عامر ونشر الشائعات في صفوف الأهالي.
وقف عامر في قاعة القصر بعد الاطلاع على القائمة، وأمر بصوتٍ حازم:
- يُنفّذ فيهم حكم الإعدام مع شروق الغد أمام الجميع...ولا تمثلوا بهم بعد موتهم ولا تضربوهم بسيوفكم ولا بأيديكم، بل فاتركوهم لأهلهم.
ثم التفت إلى الجند قائلاً:
- ابدأوا بترميم باب العديسة، وباب إلبيرة، وباب الرملة، وباب البيازين، وامنعوا المرور عبر باب قُماش حتى إشعارٍ آخر...بعد تنظيفه وترميم المنازل هناك.
وصاح:
- أي رجل يُهمل موقعه من الآن، سيُحاكم كما يُحاكم الخائن.
في تلك اللحظة، دخل أحد الرسل مسرعًا يحمل راية بيضاء، وهو يلهث:
- القائد الصليبي... يُرسل طالبًا الهدنة... ثلاثة أيام... لدفن قتلاهم!
أمسك عامر بالرسالة وقرأها بهدوء، ثم نظر إلى الحضور وقال:
- نُمهلهم ثلاثة أيام... ليس من أجلهم، بل لأننا نُخطط لما بعد الثلاثة أيام.
ثم خرج من القاعة ووقف في شرفة القصر المطلة على المدينة المكلومة، وهمس لنفسه:
- الآن فقط... بدأت الحرب الحقيقية.
---
بعد بدء الهدنة المؤقتة، وتحديدا في صباح اليوم التالي، وقف عامر يتأمل جدران غرناطة المتشققة، وأبوابها التي أنهكتها المعارك، فأمر الجنود والبنَّائين والنجَّارين بسرعة ترميم الأبواب والأسوار، وعلى رأسها باب العديسة
ثم أمر عبد الرحمن وحازم بجمع بقية الخونة وكل من تواطأ أو راسل العدوّ من أهل المدينة. وفي غضون يومين، أُلقي القبض على عدد من الخونة:
عبد المالك بن زريق،
يوسف الغرناطي،
سالم بن العارف،
حسان بن محمد،
أبو القاسم بن خلدون،
وعلي القرشي.
وقد اجتمعوا تحت السلاسل في ساحة القصر، ينتظرون مصيرهم، حتى أمر عامر بإعدامهم بعد محاكمة سريعة، وعلّق بعضهم على أبواب المدينة عبرةً لغيرهم.
لكن بالرغم من شدّة القبضة في الداخل، لم يكن عامر قد تدارك كارثةً كانت تقترب بصمتٍ قاتل...
---
وفي مساء اليوم الأول من الهدنة، كان عامر جالسًا في مجلسه مع القادة، وأحد المسئولين قدّم تقريرًا مفزعًا:
- "المخازن احترق أكثر من نصفها في الحريق الأخير يا سيدي... والناس بدأت تقتات من أعشاب الطرقات!"
قال عبد الرحمن بقلق: "المدينة محاصرة منذ أيام، وإن لم نجد سبيلًا للحصول على الطعام، سنواجه تمردًا داخليًا قبل هجوم الصليبيين."
عامر (واقفًا، وصوته يحمل حزمًا ممزوجًا بالألم):
- إنّ غرناطة لا تستطيع أن تصمد وحدها طويلًا، وإنّ جيوش فرديناند تتكاثر كالسيل، فاليوم هم يحاصرون، وغدًا يقتحمون. لا بدّ أن نطلب العون... من إخواننا في ديار الإسلام.
عبد الرحمن (وقد شبك يديه أمامه):
- تقصد مَن منهم بالتحديد؟
عامر:
- سنبعث إلى المماليك في مصر والشام، وإلى حفصة تونس، وإلى وُطاسيّي المغرب، بل حتى إلى العثمانيين شرقًا. نرسل لهم جميعًا، فلعلّ الله يُوقظ في قلب أحدهم نخوة، أو يُحرك في دمائه صرخة حقّ.
عبد الرحمن (بتردّد):
- لكن يا مولاي... ألم تُبعث الرسائل من قبل؟ وكم من نداءٍ أرسلته غرناطة... فعاد الصدى بالخذلان؟.
عامر (يرد بصرامة):
- نعم... لكننا سنُعيد الكرّة، لا يحقّ لنا أن نستسلم قبل أن نستنفد كل الطرق. نكتبها بدموع أراملنا، وصيحات أطفالنا، ودماء شهدائنا.
أيوب (بصوت حزين):
- أخشى يا مولاي أن لا يكون فيهم اليوم مروءة ولا شرف... بل سلاطين منشغلون بعرشٍ ومتاع.
عامر (ينظر إلى الجميع بعين دامعة، لكن شجاعة):
- حتى إن لم يأتِ أحد، فلنكتبها... ليكون الله شاهِدًا أنّا ما قصرنا، ولا سكتنا، ولا بعنا الدم الذي يجمعنا.
- وهكذا، نهض الكُتّاب وشرعوا يُسطّرون الرسائل، تحمل رجاء وغضبًا، تحمل نَفَسَ غرناطة الأخير...
وبعد الانتهاء من كتابة الرسائل نظر عامر إلى عبد الرحمن فوجده ينظر إلى الأرض ويوشك على البكاء..
عامر:
ــ ما بك يا عبد الرحمن؟
عبد الرحمن:
ــ نحن نحاول الإمساك بالماء يا سيدي
عامر:
ــ لماذا؟
عبد الرحمن:
ــ لأن هذه الرسايل ستأخذ أيامًا كثيرة حتى تذهب وتعود، ونحن يتبقى لدينا يومين فقط على انتهاء الهدنة، وأقل من 5 أيام وينتهي ما تبقى من الغذاء، ناهيك عن المدافع الصليبية التي تدك أسوارنا وأبوابنا.
عامر(بعد أن جلس على كرسييه من هول الصدمة):
ــ لقد نسيت، وماذا سنفعل الآن؟
عبد الرحمن:
ــ لا أدري، لقد تأزم الأمر..
عامر:
ــ سنرسل الرسائل، وسأفكر في حلٍ لمعضلة الغذاء.
---
بدأ الجوع يفتك بالناس، وظهر سامر مجددًا في الظلال... يقود جموعًا من الجوعى، يحرّضهم، يغذّي غضبهم بكلمات مسمومة.
وفي الليلة التالية، تجمهر العشرات أمام قصر عامر، يصرخون ويقذفون الجنود بالحجارة، وهجم بعضهم على مخازن الطعام، وتحوّلت المدينة من الداخل إلى فوضى خرساء. ولكن سرعان ما فرقهم الجنود بالقوة.
---
وفي القصر...
كانت شابة في مقتبل العمر، تتسلل في الظلام إلى إحدى الغرف، وتفتح رسالة صغيرة تسلمتها منذ لحظات.
نظرت إلى الخط الأجنبي فيها، تقرأ:
"الآن... حان دورك. اقتليه.
وإن لم تفعلي، سنرسل غيرك...."
شهقت، وارتجف جسدها. أغلقت الرسالة ببطء، وفتحت صندوقًا صغيرًا أخرجت منه خنجرًا فضيًّا... قبضت عليه، وبقيت واقفة في الظلمة، تقاوم ارتعاش قلبها.
---
في غرفة أخرى من القصر، كان عامر جالسًا في صمت، بجسده المنهك وعينيه الشاحبتين، ومن حوله خريطة المدينة وخطط الصمود.
دخلت عليه سارة بهدوء، جلست إلى جواره، وقالت:
- "لم تأكل شيئًا منذ يومين... ولم تنم أيضًا."
عامر:
- "غرناطة جائعة يا سارة... كيف آكل وأنا لا أملك أن أطعمهم؟"
قالها بصوت متهدج، ثم أسند رأسه على الحائط، وأغمض عينيه.
وضعت سارة يدها على جبينه، فشهقت:
- "حرارتك مرتفعة! أنت مريض!"
عامر:
- "أنا بخير... فقط... أريد أن أراها، أين خولة؟"
نظرت سارة إليه، وفي عينيها شررٌ مخفيّ:
- "لا أدري... اختفت فجأة، كعادتها."
- "ذهبت إلى غرفتها ولم أجدها..."
- "ربما تُعدّ لك شيئًا... سأذهب وأجلب لك الدواء. لن أتأخر، لا تذهب إلى أي مكان"
---
وبعدما خرجت من الغرفة، ظهر شخصٌ مقنّع كان يختبئ، انسلّ من خلف الستائر، واتجه نحو عامر بخطوات صامتة.
رفع الخنجر... وعامر كان على وشك أن ينهض...
لكنّه شعر بشيء يخترق كتفه فجأة.
صرخ، وأمسك يد المهاجم، لكن المقنّع أفلت الخنجر، وفرّ من الباب...
عامر ترنّح، وخرج يركض خلفه... لكنه وقع على وجهه في ممر القصر من شدّة الإعياء.
بعد دقائق، كانت سارة عائدة تحمل الدواء، وفوجئت بجسد عامر ملقى على الأرض، والدم يسيل من كتفه.
- "عامر! ما بك؟!"
عامر:
- "طعنني... شخص مقنّع... وهرب..."
صرخت سارة:
- "خولة! خولة!"
جاءت خولة تجري، ووقعت على ركبتيها بجانب عامر تبكي وتحتضنه، لكن سارة دفعتها بقسوة، وأمسكتها من شعرها:
- "لا تلمسيه، أين كنتِ؟!، لن أسمح لكِ بقتله، قبل أن تمري على جثتي أولا؟!"
خولة وهي تبكي:
- "أنا أقتله؟! أرجوكِ لا تظلميني... دعيني أطمئن عليه!"
عامر بصوت ضعيف:
- "سارة... من أجلي... دعيها..."
سارة أطلقتها ببطء، ثم جلست على ركبتيها، تنظر إلى خولة بعينين دامعتين:
- "أرجوكِ يا خولة، لا تقتليه... اقتليني أنا إن أردتِ... أعدك أنني لن أقاوم... فقط لا تحرميني من سراج الدين مرةً أخرى..."
خولة صمتت، ثم همست:
- "لو كنت أريد قتله... لقتلته وهو نائمٌ بجواري كل ليلة... تعقلي يا سارة، وتوقفي عن الشكِ بي!"
---
وفي قصر الملك فرديناند، كان الاجتماع الصليبي منعقدًا.
دخل رسول على عجل، وقال:
- "وصلتنا الأخبار... الطعنة لم تكن قاتلة... أصابت كتفه فقط."
نظر فرديناند إلى الخريطة، وضرب الطاولة بكفه:
- "كيف أقتلك يا سراج الدين...؟!"
---
وفي القصر...
نُقل عامر إلى غرفته، وأُحضر الطبيب فورًا.
جلست سارة إلى جواره، وأمسكت يد خولة وقالت لها بصوت مكسور:
- "اسمحي لي أن أبقى بجانبه... سامحيني... كنت أغار فقط... ما كنتُ لأظن بكِ سوءًا لولا قلبي... الغيرة أعمتني."
** قالت لها ذلك ولكن داخلها كان لا يزال يشك... وإن أظهرت الهدوء، فالعاصفة لم تهدأ في صدرها. **
---
وفي صباح اليوم الآخير من الهدنة استيقظ عامر وهو يربط كتفه وخرج إلى مجلس القادة للتخطيط لمرحلة ما بعد الهدنة.
وقبل أن يتكلم أحد جاء عبد الرحمن المجلس متأخرًا.
نظر إليه عامر، وقال:
ــ تأخرت على غير عادتك.
عبد الرحمن:
ــ كنت أحضر رسالة جاءت عبر رسول من الصليبيين.
عامر:
ــ رسالة!، اقرأها من فضلك.
من فرديناند، ملك قشتالة، سيد الحرب، إلى سراج الدين بن صهيب، ملك غرناطة الواهنة المحاصَرة.
لقد بلغني أنك أرسلت رسائل استغاثة إلى بلادٍ تظنُّ أنها ستكسر حصارنا، أو تُسكت مدافعنا، أو توقف زحف جنودنا... أفقْ يا سراج الدين، فما من أحدٍ في هذه الأرض يجرؤ على تحدي سيف قشتالة أو يُشير بإصبعه إلى تاجي دون أن يُقطَعَ ذلك الإصبع، ويُدفن مع رأسه.
أنت وحدك الآن... محاصرٌ بالجوع، والفوضى، والخذلان. لا حول لك ولا قوة إلا برجالٍ يحترقون في كل ليلة، وبأسوارٍ تتهاوى، وبخناجرٍ تحيط بعنقك من كل الجهات.
لكن، رغم ذلك... أعجبتني جرأتك.
أنت خصمٌ جديرٌ بالاحترام. وقد آن أوان أن تُبدِّل موقعك، لا إلى خانعٍ ذليل، بل إلى صديقٍ مطيع.
لا أريدك خائنًا لوطنك، فهذه مرتبة لا تليق بك، ولا أرغب لك أن تكون ملكًا عميلًا، فذلك ما كنتَ سترفضه. إنما أريدك تابعًا لي، وفيًّا لأوامري، ترفع رايتي في الحرب، وتعطي التحية لاسمي في السلم.
أعرض عليك معاهدةً جديدة... ولكن بشروطي:
1. تدفع غرناطة لي جزيةً شهرية مقدارها مئتا ألف دينار ذهبيّ، دون تأخير.
2. تكون حاكمًا على غرناطة، لا أكثر، وتخضع لأمري، كغيرك من وُلاة مملكتي.
3. تحضر مجلسي الملكي في طليطلة، وتُقبّل الخاتم، وتسمع الأوامر بصمت، وتنفذها دون جدال.
4. جيشك يصبح جيشي... يقاتل من أجلي، لا من أجل أوهامك.
وفي المقابل، أرفع عنك الحصار، وأسحب جيوشي، وأدعك تطعم المسلمين الجوعى، وتدفن موتاك بسلام.
تذكر جيدًا، لقد أذللتني ذات يوم في معركة مضت، ولكن الأيام دُوَل... وقد حان وقت إذلالك، فانظر إن كنت تملك شجاعة الرفض... أو حكمة القبول.
مختوم بخاتم الملك فرديناند، من خيمته الكبرى أمام أسوار غرناطة
في الخامس من ذي القعدة سنة 745 للهجرة / 1344 للميلاد
---
وقف القادة حول عامر في صمتٍ مطبق، أعينهم تترقبه، وألسنتهم ترفض النطق بما همس به الواقع في آذانهم. الرسالة من فرديناند لا تحتاج إلى شرح... إذلال صريح، ابتزاز وقح، معاهدة تخنق الكرامة كما تخنق الحبال أعناق الرجال.
قال عبد الرحمن بصوتٍ مهتز:
- أيها القائد... لا أظن أنك تفكّر حقًا في قبول هذا العرض! إنها شروط العبيد لا الملوك!
وهتف أيوب:
- لسنا بحاجة إلى فتات صليبي! الموت أهون من طأطأة الرأس!
واتّسقت أصواتهم جميعًا:
- بالتأكيد... لن تقبل بالشروط الظالمة هذه!
خفض عامر رأسه، ولم يتفوه بكلمة... ثم أشار للرسول الذي حمل الرسالة وقال بصوتٍ واهن كأنّما يخرج من كهفٍ مظلم:
- اكتب إلى فرديناند... قل له إنّي موافق... فليسحب جنوده أولًا، ويرفع الحصار... ثم أعاهدكم أن أوقّع على المعاهدة.
سُمع همسٌ في القاعة، ثم صمتٌ طويل، كأنّ الزمان نفسه توقف... أما عامر، فقد تركهم جميعًا، وسار بخطًى مثقلة نحو جناحه الخاص.
---
دخل عامر إلى غرفته..
كان جالسًا على الأرض، وحده، ظهره مسنود إلى الجدار، ووجهه مخفي بين يديه. تسللت خولة إلى الداخل، جلست بجانبه، ثم وضعت يدها على كتفه دون أن تتكلم.
دخلت سارة بعد أن طرقت الباب بخفة:
- أأدخل؟
رفع عامر عينيه... وعيناه محمرّتان، كأنّ النار كانت تسكنهما منذ قليل.
قال وهو لا ينظر إليهما:
- لم أتخيّل يومًا أن أوافق على شيءٍ كهذا... أن أكسر عزة غرناطة بيدي، أن أوقّع على ذُلّها بنفسي...
أنا... بعت غرناطة... أنا خائن... أنا فاشل... ما كان ينبغي لي أن أكون قائدًا... ما كان ينبغي أن أسمع لك يا سارة حين توسلتِ إليّ أن أكون سراج الدين...
وضعت خولة كفها على وجهه برفق:
- أنت لم تبع شيئًا... أنت أنقذت أرواحنا، ما كنت تملك خيارًا آخر.
سارة (بثبات ونبرة حازمة):
- لا تقل إنك خائن... لقد قاتلت كملكٍ حقيقي، وقاتلوا ككلابٍ جائعة...
أنت لم تُهزم، يا سراج الدين... الحرب لم تنتهِ بعد. المعاهدة ما هي إلا هدنة مؤقتة...
وقد أرسلت رسائلك إلى بلاد المسلمين... وسننتظر ردّهم، وسيناصروننا إن شاء الله... حينها، سنمزّق المعاهدة، ونقاتل كما لم نقاتل من قبل.
عامر (بصوتٍ مكسور):
- إذًا، سننتظر... سرابًا.
سارة (وهي تقترب أكثر):
- بل ننتظر حقًّا... والحقّ لا يموت ما دام في الأرض رجال مثلك.
لقد أذللت فرديناند من قبل، وجعلته يتراجع بجنده... ولا أحد غيرك كان ليفعل ما فعلت. لا تُقسُ على نفسك... لا أحد يحارب في كل الجهات وحده ثم ينجو دون خدوش.
نهض عامر فجأة، ونفض دموعه بكفه، وقال بعينٍ تشعّ منها شرارة:
- أنتِ محقة، سأقبل بشروطه... نعم، ولكنني أقسم بالله، يا سارة، أمامكِ وأمامكِ يا خولة، وأمام الله الذي يشهد علينا...
سأعيد غرناطة مستقلّة... بل سأعيد الأندلس كلّها... وسيتجرّع الصليبيون كأس المرارة قطرةً قطرة...
---
- تمر الأيام.....
وبدأ عامر بخطة سرية: اغتيال الخونة، واستقطاب الصنَّاع من الصليبيين ممن يتقنون صناعة المدافع والبنادق، وإغراؤهم بالذهب، وإنشاء سراديبٍ أسفل المسجد الأعظم لتخزين الغذاء، ولكن في الحقيقة كانت تصنع فيها الأسلحة بعيدًا عن أعين الصليبيين داخل غرناطة.
يتعاون مع عبد الرحمن في تحديد الخونة واحدًا تلو الآخر، ويغتالونهم في صمت.
ورويدًا رويدًا تتحول جدران القصر إلى خلايا فكرٍ ومقاومة، يُرسم فيها فجر جديد للعزة والحرية.
ففي الخفاء... تُعدّ المدافع...
وفي الخفاء... تُشحذ البنادق...
وفي قلب عامر، نار لا تنطفئ.
---
في صباحٍ ساكنٍ وفي أحد الأحياء العتيقة، خرج عامر متخفّفًا من أعباء القصر وهموم السياسة، متجهًا صوب المسجد الكبير حيث يقيم الشيخ عبد البرّ، ذاك العالم الذي كان له في قلبه موضع خاص، لكنه يعلم أن ما فعله في الأيام الأخيرة قد حفر بينهما جدارًا من الجفاء.
دخل عامر المسجد بخطواتٍ متردّدة، وما إن وقعت عين الشيخ عليه حتى تغيّرت ملامحه، ونهض واقفًا وهمّ بالخروج دون أن يلتفت.
ناداه عامر بصوت متهدّج:
- مولاي الشيخ... أرجوك... اسمعني، لا تحكم عليّ قبل أن تعرف الحقيقة.
لكن الشيخ مضى خطاه، فعاجله عامر وهو يمسك طرف عباءته:
- بالله عليك، إن لم تكن تراني جديرًا بثقتك كقائد، فانظر إليّ كعبدٍ من عباد الله، جاءك ليعتذر.
توقّف الشيخ، التفت إليه بوجهٍ تتنازعه المرارة والمحبّة، وقال بحزم:
- ماذا تريد، يا سراج الدين؟ أتيتني بعد أن طأطأت رأس غرناطة للصليب، وبعد أن وقّعت بيدك معاهدة الذلّ، وجعلتنا نُضرب بالخناجر ونحن مكشوفو الظهر؟!
أخفض عامر رأسه، وقال بصوتٍ منخفض:
- أعلم أنك غاضب... لكني أقسم بالله يا مولاي، لم أكن خائنًا، ولم أبع غرناطة. كل ما فعلته كان من أجل دماء الأبرياء، من أجل نساءٍ كنّ سيُسبين، وأطفالٍ كان سيُلقى بهم في النار.
صمت الشيخ لحظة، فاستطرد عامر وهو يرفع عينيه إليه:
- سأخبرك بسرٍّ لا يعرفه أحدٌ من الناس، لم أخبر به إلا زوجتيّ وعبد الرحمن وحازم: أنا منذ أول يومٍ وقّعت فيه المعاهدة، وأنا أعدّ العدّة في الخفاء. في السراديب نصنع البنادق والمدافع. استقطبتُ خبراء من الصليبيين أنفسهم، اشتريتهم بالمال، وهم يصنعون أدوات الحرب لنا. نُخطّط لكلّ شيء، نُعدّ العدة ليومٍ ستعود فيه راية غرناطة مستقلة... بل راية الأندلس كاملة.
نظر إليه الشيخ طويلًا، ثم قال بتنهيدة حزينة:
- إن كان ما تقوله صدقًا، فلماذا تركت الناس في ظنّهم أنك بعتهُم؟
رد عامر بثبات:
- لأنني لا أسعى لأن أكون بطلًا في أعينهم... بل أريد أن أكون سببًا في عزّهم ونصرة دينهم. لا يعنيني المجد الشخصي، بل يُهمّني أن يحيا أبناؤهم في كرامة، وأن نعيد الأرض لسلطان الإسلام.
ساد صمتٌ مؤثر بينهما، ثم قال عامر:
- ولهذا جئت أطلب منك أمرًا. أريدك أن تتولّى مشروعًا عظيمًا: أن تتحول المساجد بعد الصلوات إلى مدارسٍ للقرآن والفقه، والتفسير، والحديث، وسيرة النبي ﷺ. علّموا الأطفال معنى العقيدة، ومحبّة الإسلام، والدفاع عن الدين، والغيرة على أرض المسلمين.
هزّ الشيخ رأسه بالإيجاب، وقد لمعت عيناه بالدموع، وقال:
- لقد كنت أظنّك هويتَ في مستنقع السياسة، فإذا بك تعلو فوق كثيرٍ ممن لبسوا عباءة الدين. سأفعل ما طلبت... بل سأجعلها مهمّتي في الحياة.
اقترب عامر من إحدى الحلقات الصغيرة حيث يجتمع الأطفال حول شيخٍ يعلّمهم آياتٍ من سورة الأنفال، فجلس بينهم متواضعًا، ووضع يده على كتف أحدهم وقال باسماً:
- أتدرون من هو خير القادة؟
فقال أحدهم:
- القائد سراج الدين؟
فضحك عامر، وقال:
- لا... بل رسول الله ﷺ، حين وقف في بدر وقال: «اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام، فلن تُعبد في الأرض».
ثم نزل إلى مستواهم، وأخذ يحدّثهم عن الشجاعة، والإيمان، والعدل، والرحمة، وكيف كان نبينا القائد يُحب أصحابه ويعدّهم رجالًا وهم بعدُ أطفال.
راح الأطفال يضحكون ويصغون، وفي تلك اللحظة، شعر عامر أن بناء النصر لا يبدأ من الأسوار، بل من القلوب الصغيرة التي تؤمن أنّ أرض الإسلام تستحقّ الدفاع، ولو كلّفهم ذلك أعمارهم.
وابتسم الشيخ عبد البر، وهو يقول في نفسه:
- إن كانت هذه البذور تُزرع اليوم... فالثمار قريبًا ستُقطف.....
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
في سكون الليل، حين خفَّت الأصوات في قصر الحمراء، وكان ضوء القمر يتسلّل بخجل من خلف الستائر الحريرية، استلقى عامر في غرفته متكئًا على سريره، وخولة مستلقية إلى جواره، رأسها على صدره، وذراعه يلفّها كأنما يخشى عليها من نسمات الهواء.
أخذت تلاعب أصابعه بأناملها، وقالت بصوت هامس:
- عامر... لو رزقنا الله بولد، فبمَ نسميه؟
عامر:
ــ أريده أن أعطيه اسمًا من أسماء الصحابة.
خولة:
ــ أي صحابة؟
عامر:
ــ صحابة رسول الله، هل نسيتيهم؟!!
خولة(وهي مرتبكة):
ــ لا، نعم، نعم، تذكرت، سامحني، أنساني حبك كل شيء.
ابتسم وهو يضمّها إليه أكثر، وقال:
- ما رأيك نسميه "طلحة"، على اسم طلحة بن عبيد الله؟
ثم ابتسم عامر، وهو يقول:
- طلحة... اسمٌ عظيم لصحابيٍّ عظيم.
نظرت إليه خولة بفضول وقالت:
- احكِ لي عنه، أريد أن أعرف لماذا اخترت هذا الاسم.
تنهد عامر، ثم قال بصوت يملؤه الإعجاب:
- طلحة بن عبيد الله، يا خولة، هو أحد العشرة المبشَّرين بالجنة، وكان من أوائل من أسلموا، وكان من خيرة أصحاب رسول الله ﷺ. لُقِّب بـ"طلحة الخير" و"طلحة الجود" و"طلحة الفياض"، وكان يُعرف بشدة كرمه وشجاعته.
صمت برهة، ثم تابع وهو ينظر إلى عينيها:
- أتدرين ماذا فعل يوم أُحد؟ لقد جعل من جسده درعًا يحمي به رسول الله، حتى شُلَّت يده من كثرة ما أصيب. لم يهرب، ولم يَخف، بل دافع عن النبي بكل ما يملك من روح وقوة، وقال فيه رسول الله ﷺ: «من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشي على الأرض، فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله».
اغرورقت عينا خولة بالدموع، وهمست:
- ما أعظمه... يستحق أن يحمل ابننا اسمه فعلًا.
ضحك عامر برقة وقال:
- أريده أن يكون شجاعًا، كريمًا، نقيًّا مثل طلحة. لا أريد له أن يعيش عظيمًا بين الناس فحسب، بل عظيمًا عند الله. أن يكون سيفًا للحق، وقلبًا لا يخاف في الله لومة لائم.
ثم وضع يده على بطنها برفق، وقال مبتسمًا:
- يا صغيري، إن كان اسمك طلحة، فاجعل حياتك كطلحة... لا تأبه بالريح إن هبت، بل كن صخرةً في وجه الباطل، ورحمةً في يد الضعيف.
تململت خولة قليلًا بين ذراعي عامر، ثم رفعت وجهها إليه وهمست بدلال:
- وإذا كانت فتاة... ماذا سنسميها يا زوجي الحبيب؟.
ابتسم عامر، ومسح على شعرها بحنو وهو يحدّق في عينيها قائلًا:
- فتاة؟... آه، إذًا ستكون زهرة قلبي... وسأسميها "عائشة".
ارتسمت على وجه خولة ملامح الدهشة الممتزجة بالفرح، فقالت:
- عائشة؟
أومأ برأسه وقال بخشوع:
- نعم، عائشة بنت أبي بكر... أم المؤمنين.. السيدة العالمة، الفقيهة، الطاهرة. كانت ذكية فصيحة، صاحبة عقل وقلب، ومواقف لا تُنسى في نصرة الإسلام. أحبها النبي حبًّا عظيمًا، حتى إن الناس كانوا يعرفون حبه لها ولا يسألونه إلا وهي في بيتها.
ثم أضاف وهو ينظر نحو الأفق:
- أريد لابنتي أن تكون عفيفة، قويّة، تحفظ كتاب الله، وتكون سندًا لي كما كانت عائشة لرسول الله ﷺ، وكما كانت خديجة رضي الله عنهما، وأن تكون نورًا في زمنٍ تكثر فيه الظلمات.
عانقته خولة بقوة، وقد اغرورقت عيناها بالدموع، وقالت وهي تضحك بخجل:
- إذًا سواء طلحة أو عائشة... يبدو أن بين أيدينا قائدًا أو قائدةً من قادة الإيمان.
قبّل عامر جبينها بلطف، وهمس:
- بل بين يدينا أمل الأمة... وسرّ سعادتي، أنتِ وطفلنا، أنتما أملي وسيفي الذي أقاتل به في أصعب اللحظات.
ثم ضمّها إليه بقوة، وقال:
- خولة... إن رزقنا الله بعائشة، فلن أتركها تغيب عن ناظري لحظة، ولن أترككِ وحدكِ يومًا... أنا رجلٌ غيورٌ جدًا.
ضحكت خولة وقالت بلطف:
- زوجي الحبيب... أعدك أن أجعل حياتنا جنة... وأنا يكفيني أنك معي.
ثم ابتسمت برضى وراحت تغمض عينيها على صدره، ثم رفعت رأسها قليلًا وقالت:
- عامر... صحيح، سمعت أنك أعفيت أبي من مجلس القادة... هل هذا صحيح؟
هزّ رأسه، وقال:
- نعم، لقد تقدم به العمر، والمرض أرهقه. لم يكن من اللائق أن أثقل كاهله بمشاقّ القيادة. أردت له الراحة والكرامة في ما بقي له من أيام.
أجابت بنبرة ممتنة:
- أوامرك كلها جميلة، يكفي أنه يعيش بيننا مُكرمًا... أنا لستُ منزعجة، بل ممتنة لك.
ثم سكتت للحظة، كأنما تجاهد في البوح بسر دفين، قبل أن تقول بتردد:
- عامر... هل يمكنني أن أعترف لك بسر؟
اعتدل قليلًا، وأخذ ينظر في عينيها بجدّية:
- قولي يا خولة.
قالت وهي تبتلع ريقها:
- المعتز بالله... ليس أبي الحقيقي.
صمت عامر، واتسعت عيناه بدهشة، وقال:
- ماذا؟!، كيف؟!
أمسكت بكفه سريعًا وقالت برجاء:
- اهدأ من فضلك... استمع إليّ حتى النهاية.
ثم تابعت بهدوء:
- المعتز بالله تزوج أمي بعد وفاة زوجته الأولى بسنة فقط... أمي ليست من هنا... ولا أنا.
أخذ عامر نفسًا عميقًا وقال بنبرة تعجبٍ:
- من أين إذًا؟
أطرقت برأسها، ثم قالت:
- من بلادٍ بعيدة... لكن لا يهم الآن. المهم أنني بين يديك... بين ذراعيك. لا أريد أن تفسد هذه اللحظة الجميلة.
ثم اقتربت منه أكثر، وضعت يدها على قلبه وقالت بشغف:
- عامر... أنا أحبك كثيرًا، أريدك لي وحدي. لا أريدك أن تفارقني، ولا أن تشاركني فيك امرأة أخرى...
ثم أضافت بصوت متهدّج:
- أنا أفهم أنك تقدّر سارة لأنها ساندتك كثيرًا، لكنك لا تراعي غيرتي... أنا قلبي يحترق حين أراك تحدّثها، أو تبتسم لها كما تبتسم لي... أرجوك، لا تسلبني قلبي.
أمسك عامر رأسها، وقبَّل جبينها بلطف وقال:
- أنا لكِ وحدك يا خولة... لا تخافي. ما دمتُ حيًّا، فلن يمسّ قلبك حزن، ولن أقتلك بحبك لي أبدًا.
فابتسمت ابتسامة مُضيئة، وضحكت ضحكة طفولية، ثم ألقت بنفسها في حضنه بقوة وقالت:
- زوجي... حبيبي... كن لي دومًا، فأنا لا أطيق بُعدك.
فأحاطها بذراعيه، وهمس في أذنها:
- وأنا لن أكون إلا لكِ... يا زهرة غرناطة.
---
في صباح يومٍ رماديٍّ لفَّه الضباب، خرج عامر متخفِّيًا في زيِّ أحد الفقراء، مرتديًا عباءةً بسيطة، وقد تلثّم حتى لا يعرفه أحد. قرّر أن يرى بعينيه حال الناس، لا من شرفة قصره، بل من قلب الشوارع.
مشى في الأسواق، تارةً يُحادث امرأة تبيع الخبز اليابس عن حالها ومشكلاتها، وتارةً يُساعد شيخًا على حمل جرّة الماء. أعطى هذا دراهم، واشترى من ذاك ما لا يحتاجه، فقط ليُعينهم.
وفي أحد الأزقّة، رأى صبيَّان يتحاوران. قال أحدهما للآخر بعينين تقدحان بالغضب:
- أنا لا أحب الملك سراج الدين، لقد قبل بصفقةٍ مخزيةٍ مذلّة!
توقّف عامر، ونظر إلى الغلام مليًّا، ثم قال:
- ربما قبل بها ليحميكم من الجوع، من الموت، من الدمار...
فشدّ الغلام قبضته وقال:
- الموت أهون، أشرف، وأقلُّ ألمًا من الذُّل...
اهتز صوت عامر، وكادت عيناه تدمعان، لكنه ما لبث أن ابتسم بحزن، وربت على كتف الغلام وقال:
- لعلّك على حق....
---
تابع عامر طريقه بين الأطفال، جلس إليهم، داعبهم، وحدثهم، وأطعم الجائعين منهم. وهناك، على أطراف إحدى الحدائق، رأى طفلًا يُصوِّب قوسًا خشبيًّا نحو عصفورٍ صغير.
أطلق السهم الأول... فأخطأ. ثم الثاني... فأخطأ أيضًا. لكن الثالث أصابه، وسقط العصفور.
وما إن رآه الطفل يتهاوى، حتى جثا على ركبتيه وبدأ يبكي بحرقة.
اقترب عامر منه وربت على رأسه وقال:
- لِمَ تبكي يا بُنيّ؟ لقد أصبته في النهاية، وهذا يدل على براعتك.
رفع الطفل عينيه المغرورقتين وقال:
- وكيف أفرح؟! أأنا أُقاتل الصليبيين بسهمٍ لا يصيب من المرة الأولى؟! والله لقد خذلتُ الإسلام إن مرّ سهمي مرتين قبل أن يصيب.
انكسر قلب عامر، واحتضنه بشدّة، وطبع قبلة على جبينه، وقال بصوتٍ يفيض رجاءً:
- في يومٍ من الأيام، لن ندفع الجزية، ولن نُسلِّم غرناطة، ولن نستسلم إلا على رقابنا جميعًا... أمثالك هم رجاء هذه الأمة.
---
عاد عامر متجهًا إلى السرداب السريِّ حيث يشرف عبد الرحمن على صناعة المدافع والبنادق البدائية، وقد استُقدِم لها عددٌ من الحرفيين والحدّادين الماهرين.
دخل عامر وقال:
- عبد الرحمن، هل علَّمتَ رجال غرناطة هذه الصناعة كما أمرتك؟
فردّ عبد الرحمن بثقة:
- نعم يا مولاي، بل إن بعضهم تفوّق على معلميه.
فقال عامر وهو يتقدّم متفحِّصًا الأدوات:
- دَعْ الصليبيين يُكملون ما بدأوه، لكن على رجالنا أن يبدأوا التصنيع بأيديهم، دون حاجةٍ إليهم. ولا نُخرجهم من الورشة إلا حين نقرر ساعة الحرب... لا نريدهم أن يُفشوا سرّنا. وأيضًا أكثروا من صناعة المجانيق الضخمة المتنقلة...
- مفهوم يا سيدي، سأُتابع التنفيذ بدقّة.
ثم نظر عبد الرحمن وقال:
- أريد أمرًا منك بالقبض على سامر. إنه يزرع الفتنة في الخفاء.
عامر:
- نعم... لكنه ذكيّ. لو قبضنا عليه الآن، لن نجد دليلًا يثبُت عليه، وسيخرج بريئًا، وربّما يُشعل الناس علينا.
- فما العمل إذن؟
قال عامر وهو يخطو نحو الضوء:
- راقِبوه... تتبّعوه في صمت... حتى يسقط بجرمه. أريد أن يُقبض عليه متلبسًا، فلا يكون لأحدٍ حجّة في الدفاع عنه.
انحنى عبد الرحمن وقال:
- سمعًا وطاعة يا مولاي.
خرج عامر من الورشة، والشمس قد بدأت تشقُّ طريقها من خلف الجبال، والهواء يحمل وعدًا جديدًا... وعدًا بأن هذه المدينة، لا تزال تنبض بالعزة.
---
وبعد انقضاء مدة حمل ولي العهد..
ولد طلحة وأقيمت الاحتفالات في كافة أرجاء غرناطة لمولده
كان عامر مسرورا جدا وأخبر خولة أنهم سيذهبون إلى القاهرة ليفرح أهله بولادة حفيدهما الجميل..
وكان ردها أن الزيارة كل أربعة أشهر إلى القاهرة لا تكفيها بل تريد أن تعيش هناك.
---
وبعد مرور عام...
وفي سردابٍ سريٍّ تحت أحد أجنحة القصر، اجتمع عامر برجاله المقرّبين، حازم، وعبد الرحمن، وأيوب، ونور الدين بن غالب. جلسوا حول طاولة خشبية عتيقة تفترشها خرائط مفصلة للأندلس، وأمامهم شموعٌ تتراقص نارها في الظلال، تُلقي بأنوارٍ خافتة على وجوههم المتحفّزة. غاب عن المجلس السيّد عثمان، الذي استُبعد منذ مدّة بعد خلافٍ محتدم دار بينه وبين عامر حول كتابِ شفرة أوڤاميندرا، فأدرك عامر أن الخلاف معه قد يصل إلى الخيانة.
أشار عامر إلى إحدى الخرائط، ثم قال بصوتٍ حازم:
- هذه غرناطة... قلب الأندلس النابض، لكن القلب وحده لا يحيا بالجسد، ولا الجسد يُحمى إن تُرك القلب محاصرًا. لقد خُدعنا من قبل حين اكتفينا بالدفاع من خلف الأسوار، فحاصرونا حتى جاع الناس وتزلزلت الأسوار. أما اليوم... فلن نمنحهم شرف الحصار، بل نحن من سنحاصرهم.
ساد صمتٌ قصيرٌ، ثم أكمل عامر وهو يُنقّل إصبعه بين المناطق المحيطة بغرناطة:
- لن نُعيد الخطأ. هذه المرة سنهاجمهم، لا ننتظرهم... سنبدأ في التخطيط للانقلاب على الصليبيين، واستعادة الأندلس قطعةً تلو الأخرى، حتى نصل إلى إشبيليّة وقرطبة وطليطلة، ثم نرفع راية التوحيد فوق كل أراضي الأندلس من جديد.
رفع رأسه ونظر إلى رجاله:
- والآن... بماذا نبدأ؟
تقدّم عبد الرحمن وقال:
- أقرب النقاط إلينا هي بلدة البيّازين ووادي آش، وهما منطقتان استراتيجيّتان، تخضعان لحُكم ضعيف من قبل ولاة الصليبيين، ويمكن كسب الناس فيهما بسرعة.
قال حازم:
- بعد ذلك يمكن التوسّع إلى ألبيونة ولورقة، ثم نصل إلى مالقة، ومنها نؤمّن السواحل... فمتى ما أمّنا البحر، استطعنا قطع الإمدادات القادمة من قشتالة وأراجون.
قال أيوب بتفكّر:
- ولكن علينا ألا نظهر أنفسنا في البداية... نحتاج لثورات شعبية يقودها رجالنا في الخفاء، ويكون تدخلنا كأنّه نصرة للمظلومين لا إعلان حرب مباشرة، حتى نظل خارج دائرة انتباه فرديناند أكبر وقت ممكن.
هزّ عامر رأسه موافقًا وقال:
- نحتاج لخطة تُبنى على الكتمان، وعلى بناء الثقة مع الناس. سنرسل رسائل مشفّرة إلى رجالي في تلك المناطق، يبدأون بالتحرّك ببطء. لا نريد نصرًا سريعًا ينهار، بل تأسيسًا ثابتًا لا يُنتزع.
قال نور الدين:
- والشباب؟ كثير منهم يتدربون سرًّا، ولكنّهم متعجّلون.
ابتسم عامر وقال:
- علمهم أنّ العجلة في الجهاد قد تقتل الحلم قبل أن يولد. لا نريد ثائرًا متهورًا، بل مجاهدًا فقيهًا يعرف ما يطلب ويصبر عليه.
ثم نظر عامر إلى الخرائط مجددًا وقال:
- سنجعل غرناطة مركزًا للقيادة، ونجعل المساجد منابرًا للعلم والجهاد، وسنربّي الأجيال على العزّة لا الهزيمة، وعلى الأمل لا اليأس.
ثم رفع نظره إلى رجاله وقال:
- اجعلوها سرًّا بيننا، لا يخرج منه حرف... حتى يحين الموعد، وتدقّ ساعة الفجر الحقيقي.
فأجابوه جميعًا بصوتٍ واحد:
- سمعًا وطاعة، يا سيدي.
---
في مساءٍ هادئٍ من ليالي غرناطة، وبعد انفضاض اجتماع السراديب، دخل أحد الحراس على عامر في جناحه الخاص وأبلغه بأن السيد عثمان يطلب لقاءه. نظر عامر في صمت، ثم أشار للحارس أن يدخله.
دخل السيد عثمان بخطاه المهيبة، ورغم ما بدا عليه من شيبة وتعب السنين، فإنّ في عينيه عزيمةً لم تخبُ. وقف أمام عامر وقال بنبرةٍ واثقة:
- قبل أن أقول ما جئتُ من أجله، أرجوك لا تظن أني أسخر منك... ولا أني أضع من قدرك. حين جئتَ أنت وحازم إلى غرناطة... أنا من جلبكما. كنت أرى فيكما الأمل الذي سيمنع سقوط هذه المدينة، وعلّمتكما الفروسية والمبارزة، وشرحت لك كل ما كنت أعلمه... كان همّي الوحيد آنذاك هو حماية غرناطة.
سكت لحظة، ثم أكمل:
- وعندما رفضتَ إعطائي الكتاب، لم أخنك. وقاتلت الصليبيين بكل ما أُوتيتُ من قوة، رغم أنك استبعدتني من مجلس القادة. لم أخن... لكن ما يؤلمني يا عامر أنك ما زلت تصرّ على إبعادي. لماذا؟
نظر إليه عامر بعينٍ حائرة، ثم قال بهدوء:
- ظننت أن خلافنا على الكتاب قد يدفعك لخيانتي... وكنت أخشى أن يصل بك ذلك إلى ما لا يُحمد عقباه.
فقال السيد عثمان بنبرة هادئة:
- أنا لا أخون، يا عامر. نحن القاهريون لا نخون، أبدًا... كل ما في الأمر أني خفت من وجود الكتاب في غرناطة. إنه خطرٌ علينا جميعًا.
أجابه عامر متسائلًا:
- وما الذي يجعله خطرًا؟ ولمَ ترفض إخباري؟.
قال عثمان بصوتٍ منخفض وهو يقترب منه:
- سأخبرك... ولكن بشرطٍ واحد: ألا تذكر لأحد ما سأقوله، حتى لحازم.
أومأ عامر برأسه وقال:
- أعدك.
تنهد السيد عثمان طويلًا، ثم قال:
- الكتاب الذي بين يديك اسمه "شفرة أوڤاميندرا". في أول صفحاته رموزٌ لا يفكّها إلا رجل واحد: أوڤاميندرا نفسه. أما باقي الأوراق، فهي بيضاء... لكنها ليست فارغة، بل تنقل حاملها إلى بوابات مختلفة، كل بوابة تؤدي إلى عالم غريب... سبع بوابات لسبعة عوالم مختلفة تمامًا عن عالمنا.
اتّسعت عينا عامر، وهمس:
- وأين أوڤاميندرا الآن؟
رد عثمان بنبرة قلقة:
- تركته في القاهرة، في عالمنا، ولكنه قد يكون دخل من نفس البوابة، وربما يكون الآن في عالمنا. ولن يتوقف حتى يجد الكتاب... وإن وجده معنا، سيقتلنا.
عامر بذهول:
- ولماذا يقتلنا؟ ما ذنبنا؟!
أجابه عثمان وقد أشاح ببصره:
- أنا من أخطأ. طمعتُ في الكتاب... سرقته منه بعدما حكاني قصته. لم أكن سارقًا قط، ولكن الكتاب أغراني. من يملك هذا الكتاب، كأنما يملك كنوز الدنيا.
اقترب عثمان أكثر وهمس:
- وربما هو الآن يبحث عني، وسيقتلني... وسيقتلك أيضًا، لأن الكتاب يعرف كل من لمسه بيده. هكذا قال لي أوڤاميندرا.
سكت عامر قليلًا، ثم قال بحزم:
- وماذا تعرف أيضًا عن هذا الكتاب؟
أجابه عثمان بسرعة:
- أعطني الكتاب، وسأخبرك بكل شيء.
نهض عامر من مجلسه، وابتسم ابتسامة هادئة، ثم قال:
- لا... لست بحاجة إلى أن أعرف الآن. كنت أعلم أن هذا الكتاب يخفي سرًّا أكبر مما أظن... وربما ما زال يخفي ما هو أعظم. لكني سأكتشف ذلك بنفسي، وسأعيد الكتاب إلى صاحبه، حين يحين الوقت.
هتف عثمان وقد بدأ القلق يتسرّب إلى صوته:
- لا يمكنك الذهاب إلى عالم أوڤاميندرا! ستلقى حتفك ما إن تتجاوز البوابة. ذلك العالم... مليء بمخلوقاتٍ قاتلة، وبشرٍ يختلفون عنّا، وحيوانات وطيور وحشرات لا نعرفها. إنه عالم ليس للبشر أمثالك.
عامر، بنبرة هادئة عازمة:
- إن كان هذا هو قدري، فلن أهرب منه... وإن كان عليّ أن أمر عبر سبعة عوالم لأعيد ما ليس لي، فليفعل الله ما يشاء. لكني لن أُخفي الكتاب، ولن أُسلمه دون أن أعرف سره. سأعرف... حتى لو كنت أنا الثمن.
جلس عامر بعدها في صمت، وأدرك عثمان أن عامر قد بدأ يسلك طريقًا لا عودة منه. ثم انصرف في هدوء.
---
وبعد عدة أيام...
كان عامر يجلس ويلعب مع ابنه في حديقة القصر
ثم أخرج من جيبه خنجرًا ونظر إليه كثيرًا. إنَّه الخنجر الذي طُعِن به في كتفه في غرفته.
وفجأة وقف عامر من مكانه فجأة، وقال:
إنَّه نفس التي كانت تملكه خولة ونفس الخنجر الذي رأيته في يدها يوم قتل محمد بن الأمين.
والشخص الذي طعنني مرتين رأيت عينيه إنها أعين خولة... ويدها التي أمسكتها كتنت يد خولة.. لقد كان كل شيء واضحًا ولكنني كنت أحمقًا.
وفي هذه اللحظة أخذ عامر طلحة وأعطاه لسارة، وأخبرها أنه سيذهب إلى نهر دراو برفقة خولة. ثم تركها وذهب إلى غرفة خولة، ودخل دون أن ينطق بكلمة. كانت خولة تجلس عند النافذة، تقلب نظرها في السماء، وما إن لمحته حتى ابتسمت وقالت:
- أتيت أخيرًا... كنت...
لكنه لم يرد. فقط ثبت نظره عليها، بعينين جامدتين، وصدرٍ يعلو ويهبط وكأنه يحمل فيه جبال غرناطة كلها.
ثم قال بصوت منكسر:
- تعالي معي.
نظرت إليه في حيرة، ترددت لحظة، ثم سألته:
- إلى أين؟
عامر:
- إلى نهر دراو.
نهضت وسارت خلفه، لا تدري إلى أين يقودها قلبه لا قدماه. كان صامتًا طوال الطريق، وخطواته تنبض بالغضب، وعيناه لا تلتفتان لها.
همست إليه عدة مرات، تناديه، تسأله، لكن الصمت كان أقسى من الإجابة.
حتى إذا بلغا ضفة النهر، استدار عامر إليها، وأخرج من جيبه خنجرًا كبيرًا، رفعه أمامها وقال:
- ما هذا؟
اتسعت عيناها، وارتبكت أنفاسها، واحمرّ وجهها كمن فُضح ستره.
- إنّه... خنجر... كنت سأ...
- لا زلتِ تحاولين الكذب يا... يوستينا.
ارتجفت شفتاها، كأنما سُحبت الأرض من تحت قدميها، وتمتمت:
- أنا...
- لا تُكملي.
ثم رفع صوته، كأنما يفرغ غضبه في الهواء:
- يوستينا الجاسوسة الصليبية الذكية! خدعتِ ملك غرناطة، وتسلّلتِ إلى قلبه الأحمق، ثم مزّقته بيدكِ، دون رحمة... دون شفقة!
انهمرت دموعها فجأة، وركعت أمامه، وقالت:
- لا تقل هذا... أرجوك... دعني أشرح. نعم، أنا يوستينا، وُلدتُ بين الصليبيين، لكنني آمنت بالإسلام، وأهله، وأحببتك... أنت وحدك.
أنا لم أخنك... كنت معكم، وضدهم، وكنت أقاتل في الخفاء، من أجلكم.
عامر:
- كذبتِ! خدعتِني، وسفكتِ دماء إخوتي!
خولة:
- نعم... نعم، أنا من قتلتُ سعيد... ومن قتلت محمد بن الأمين، ومن قتلت الجندي يوم تتويجك ملكًا. لكنهم كانوا خونة، عملاء للصليبيين!
عامر:
- وهل طعني في كتفي كان من أجل غرناطة أيضًا؟!
خولة:
- نعم... كنت مجبرة. لو لم أفعلها لأرسلوا غيري... طعنتك طعنة لا تميت، فقط لتفشل مهمتهم... وكنت أنوي الاعتراف لك بكل شيء هذا اليوم... صدقني!
عامر:
- تعترفين لي الآن؟ بعد أن كدتِ تزهقي روحي؟!
خولة:
- أقسم لك... فقط كنت أحاول حمايتك.
عامر:
- قتلتِ رجالي، وغرستِ سكينك في قلبي، ثم تطلبين الصفح؟!
خولة:
- أعلم أنّ ما فعلته كان فظيعًا... لكنني لم أسفك دمًا بريئًا قط، لا أملك دليلًا، لكنّك سترى في عينيّ الصدق.
عامر:
ثم اقتربت منه، ووضعت يدها على صدرها:
خولة:
- أنا خولة... زوجتك... حبيبتك... منذ أن عرفت الإسلام، لم أعد يوستينا. أصبحت منكم.
عامر:
- لقد شككت في الجميع ووثقت بكِ، وكم حاولت سارة أن تشير إلى خيانتك ولكنِّي كنت أغلق فمها قبل أن تتفوه بكلمة واحدة تمسَّك!
خولة:
صدقني أنا لم أخنك، سأشرح لك وستسامحني...
عامر:
لا ينعت الخائن نفسه خائنًا.
ثم رفع سيفه نحوها، وصوته يرتجف بين الألم والغضب
لكن ما إن همّ بإنزال السيف حتى ألقت بنفسها عند قدميه، وضمّت ساقه، تقبّلها باكية، وقالت بصوتٍ يتهدّج:
- أرجوك... لا تقتلني... ليس من أجلي، بل من أجل طفلنا....
توقف السيف في الهواء. وجمد عامر في مكانه. كأن صاعقة شقّت صدره نصفين.
أغمض عينيه، وأسقط السيف من يده، ثم قال بصوت مكسور:
- سأدعكِ تُحَاكمين محاكمة كاملة... لا من أجلك، بل من أجل ذلك الطفل... أما أنتِ، فقد انتهيتِ من قلبي.
لكنها لم تترك قدمه، بل ضمّتها بقوة، تبكي وتقول:
- سامحني، إن أبعدتني عنك سأموت! أرجوك... أنا لم أعد يوستينا... أنا خولة... خولة التي أحبّت عامر، وكانت تقاتل معه، لا عليه!، أنا لم أقتل إلا العملاء، كنت أحاول حمايتك وحماية غرناطة، صدقني أنا صادقة.
وفجأة...
سمعا دوّى صهيل خيول في الأفق، وقبل أن يلتفت عامر، كان ثلاثة عشر فارسًا قد أحاطوا به من كل جانب. سيوفهم لامعة، وأعينهم حاقدة.
أمسك عامر خولة، وقال بغضبٍ:
- من أنتم؟!
لكن أحدهم اندفع وضربه برجله فسقط أرضًا، ثم خطف اثنان منهم خولة عنوة، وهي تصرخ:
- عامر! لا تتركني! عامر!
سحب عامر سيفه من الأرض، ووقف يقاتلهم بجنون، بلا درع، بلا خيل، فقط غضبه ونصل سيفه. لكنه تلقّى ضربة من الخلف أوقعته على ركبتيه، وسالت الدماء من فمه.
ركض خلفهم مترنحًا، ينزف من كتفه وصدره، لكن الخيول اختفت في الضباب.
ظل واقفًا عند النهر، والدماء تلطخ ثوبه الأبيض، وصدى صراخها يرتد في أعماقه...
- خولة...!
---
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
في قاعة القصر الكبرى، كانت الأبواب مفتوحة على اتساعها، غير أنّ الهواء الذي يتسلّل منها كان ثقيلاً، كأنّه محمَّل بأخبار الفقد والخيانة.
دخل عامر بخطوات بطيئة، يجرّ خلفه ظله الطويل، وعيناه غارقتان في بحرٍ من الحزن والخذلان.
كان السيف على ظهره، لكن قبضته عليه تراخت، كأنما صار حمله أفظع من حمل الهزائم نفسها.
في وسط القاعة، وقفت سارة، بثوب أبيض يلمع تحت ضوء المشاعل.
لم تكلّف نفسها حتى الابتسام؛ إذ قرأت على وجهه ما يكفي لتدرك أن شيئًا جللًا قد وقع.
اقترب منها عامر، وصوته حين انطلق كان مبحوحًا، مشقوقًا من الداخل:
- لقد واجهتُها، يا سارة... لم تستطع أن تثبت براءتها، ولم أستطع أن أصدّق ذنبها...
وبينما كانت تبكي، خرج علينا رجال بخيولهم من حيث لا أدري، وانتزعوها من بين يدي انتزاعًا...
لا أدري، أكانوا من الصليبيين وجاؤوا ليأخذوا عميلتهم بعد أن انكشف أمرها؟
أم أنني سلّمتها لقدرٍ مجهول، وهي الآن أسيرةٌ بين أنياب أخرى؟.
تقدمت سارة نحوه، ووضعت يدها على صدره، وكأنها تريد أن تربت على قلبه:
- يا سراج الدين، عد إلى رشدك... خولة لم تكن منّا يومًا، ولن تكون. بل أنت من كنت تغمض عينيك عمدًا عن خيانتها الواضحة وضوح الشمس.
هزّ رأسه ببطء، وصوت المرارة يطفح من بين شفتيه:
- لكنني أحببتها... أو ربما أحببت صورةً صنعتها من الأكاذيب التي كانت تجيدها.
قالت سارة، وقد ارتفع صوتها قليلًا وكأنها تريد أن تزلزل صمته:
- أهذا هو الحب؟ أن تفتح صدرك لسيفٍ يُغمد فيه؟!.
هي لم تحبك، بل كانت الورقة الأغلى عند الصليبيين. وحين فشلوا في قتلك بالسيف، بعثوا لك خنجرًا على هيئة امرأة.
ظل عامر صامتًا، يحدّق في الأرض.
فأردفت سارة:
- ألم تحاول قتلك أكثر من مرة؟ ألم تقتل رجالك المخلصين، وأم سراج الدين نفسها؟.
ارتجف وجه عامر لحظة، كأن الكلمات أصابت جرحًا لم يلتئم، ثم قال هامسًا:
- لم أعد أفهم شيئًا... كل شيء ينهار من حولي.
اقتربت أكثر، أمسكت بكتفيه، وأجبرته أن يلتفت إليها:
- هذا ما يريدونه، أن تظلّ تائهًا، متصدّع القلب، غريبًا عن نفسك. لكنك لست وحدك، نحن هنا... ورجالك هنا... وأنا... أنا معك.
انسحب عامر من بين يديها، وغادر القاعة دون أن يتفوه بكلمة.
---
في صباح اليوم التالي، كانت سارة تبحث عنه في أروقة القصر، حتى وجدته جالسًا في ظل شجرة التين العتيقة في الحديقة، وعقله يركض في فراغٍ لا ينتهي.
اقتربت منه وهي تحمل طلحة الصغير، وابتسامة صغيرة ترتسم على فمها محاولةً كسر صمته:
- طلحة! أيها الشقي... أتعبتني هذا الصباح، يبدو أنَّك متعبٌ مثل أبيك!
لم يتحرك عامر، ولم يلتفت.
جلست على مقعد الحجر بجانبه، وقالت بنبرة حانية:
- إلى متى ستظل هكذا، يا عامر؟ انسَ... وابدأ من جديد. لأجل من يحبك... لأجل طلحة... لأجل نفسك.
ثم وضعت يدها على صدر الصغير وقالت:
- هو يحتاجك... وأنا في مقام أمه، لا... بل أنا أمه.
وإن كان الله قد كتب عليّ العقم، لكن قلبي لم يعرف الأمومة حتى ضممته إلى صدري. أحببته كأنه قطعة مني.
ولن أخبره أبدًا أن خولة الخائنة أمه، ولن تفعل أنت أيضًا.
نظر إليها عامر وقال بصوت متعبٍ:
- سأذهب إلى القاهرة.
قالت سارة فورًا:
- سأذهب معك.
لكنّه ردّ بحزمٍ بارد:
- لا يجوز. لا تسافر المرأة مع رجل أجنبي عنها، ولا تجلس معه وحدهم، ولا تحادثه على انفراد.
أطرقت سارة لحظة، ثم رفعت رأسها وقالت:
- فهمت...
سكتت، ثم همست وكأنها تُلقي بقلبها أمامه:
- سراج الدين، أعرض عليك نفسي للزواج... للمرة الأخيرة.
أحبك، وأعدك أن أعيدك للسعادة مرة أخرى.
سأنسيك خولة، وسأنسيك الدنيا... فقط وافق، لأجلي، ولأجل طلحة.
ولكن إن بقينا هكذا، كيف أواسيك وأنا غريبة؟ كيف أمسح دموعك وأنا لا أملك حق أن ألمسك؟.
أرجوك... لا تتركني أراك تموت ببطء.
وقف عامر فجأة، ثم نظر في عينيها طويلاً، وكأنه يودّع كل شيءٍ بينهما، ثم قال ببرود حزين:
- لن أتزوج مرة أخرى.
استدار ومشى، يبتعد بخطوات تترك خلفها صمتًا خانقًا، فيما جلست سارة تبكي، وتضمّ طلحة إلى صدرها.
---
وبعد أسبوعين....
وفي ظلمة السرداب العميق، كان عامر يطالع تحركات وأخبار العدو، فإذا برسولٍ يطرق الباب طرقًا خفيفًا، ثم يسلّم بين يديه لفافة صغيرة.
ما إن فضّ عامر خيوطها حتى انكشفت أمامه ورقة ملعونة، تحمل صورة مسيئة لسيد الخلق محمد ﷺ، وخُتمت الرسالة بخطّ غليظٍ وقح:
"هذه هديتنا إليك بمناسبة ذكرى مولد محمد."
ارتعدت أنامل عامر، واحمرّ وجهه، ثم صرخ صرخةً دوّت في أرجاء السرداب، وألقى الورقة أرضًا كأنها جمرة، ورفع سيفه عاليًا، يهتف:
- بأبي أنت وأمّي يا رسول الله... واللهِ لأثأرنَّ لرسول الله!.
اندفع خارج السرداب، يطوي الأرض طيًّا، وقد اشتعلت عيناه نارًا، كأنما يريد أن يبتلع المسافة بينه وبين حصون الصليبيين. لحق به حازم، فأمسك بذراعه، وصاح:
- إلى أين تمضي؟
عامر:
- أمضي لأقطع رقابهم جميعًا!
---
ركض عبد الرحمن من خلفه، يلحق بأنفاسه، ومعه بقية القادة، حتى بلغوا عامر وأحاطوا به.
قال عبد الرحمن بهدوء:
- سنقطع رقابهم جميعًا، ولكنك إن مضيت وحدك فلن تنتقم، ولن تنتصر. ديننا ليس دين تهوّر، بل دين رويّة وحكمة. اصبر حتى نتهيأ.
لكن عامر صرخ، والدموع تختلط بوجهه، وصوته يرتجف بالغضب:
- دعوني أذهب! لقد أساؤوا إلى أشرف الخلق، واللهِ لنعل رسول الله أشرف من رقابهم جميعًا!.
أمسك الرجال به أكثر، وقالوا:
- اهدأ يا سيدي، وسنعلمهم الأدب، نعدك. لكنهم يريدونك متهوّرًا، يريدون أن تكسر المعاهدة ليأخذوا رأسك.
قال عامر بعزم:
- لقد كسروا المعاهدة بالفعل، وسأبيدهم الليلة.
تعجب القوم، وقالوا:
- لسنا جاهزين بعد، وعددهم أضعاف عددنا!، وأسلحتهم.....
فأجابهم بغضبٍ شديد:
- ثأر رسول الله ﷺ لن يبيت يومًا واحدًا!، اليوم... اليوم نثأر.
قالوا:
- فلنرسل إلى إخوتنا في بلاد الإسلام، لعلهم ينصروننا.
ابتسم عامر ابتسامةً مرة:
- وعندما أرسلنا إليهم من قبل، ماذا فعلوا؟ تركونا محاصَرين داخل أسوار غرناطة، وخيّرونا بين الهلاك أو الذل ودفع الجزية!
ثم بدأ يعدد بألمٍ ردود ملوك المسلمين، واحدًا تلو الآخر، ممن اعتذروا بحجج واهية خوفًا من الصليبيين، حتى خيم الصمت. جلس عامر على صخرة، وقال بصوت مكسور:
- كنت أعلم أنهم سيخذلوننا، لكن حسبُنَا أننا على الحق، ومولانا ربنا الحق." وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين".
ثم نهض، وجمع رجاله، وبدأ معهم إعداد خطّة لغزو الصليبيين ليلًا. راجعوا عدد المدافع والمجانيق والبنادق التي صنعوها، وحددوا ساعة الهجوم في جوف الليل، حين ينام العدو في غفلته.
وفي المساء، جمع عامر الأطفال أمام الجنود، ليبث الحماسة في قلوب المقاتلين، وعلّمهم أنشودة لمنشد من عالمه الحديث، فأنشدوا بأصوات نقية وأنشد معهم بصوته الجميل:
يا رسول الله وقدوتنا
لن ندع الغرب يدنسنا
لن نرضى أبداً ذلتنا ..
يارسول الله ..
سنحطم قيد مآسينا
وندك حصون أعادينا
ونزمجر وسط أعادينا ..
يا رسول الله ..
رجلٌ قد جمع الإحسانا
بالحكمة والصدق إزدانا
وبه ظَهر الحق وبَانا ..
برسول الله ..
لا ندري كيف تجرأتم
وتماديتم بعداوتِنا
لا نــدري كيف تطـــرقتم ..
لرسول الله ..
شُلت أيدٍ بتماديها
قد حَفرت قبراً يحويها
فيما قد رَســمت هـَـادينا ..
ورسول الله ..
وقلووووبٌ،
وقلوووووبٌ،
وقلوبٌ أبداً لا تنسى
من أصلحها فغَدت ترسا
سهما رُمحا سيفا قوسا ..
لرسول الله ..
يا غَربُ إعتبروا بماضينا
كم دُسنا رؤوس أعادينا
وسنمضي اليوم كماضينا ..
لرسول الله ..
يا غربُ سيسطعكم نورٌ
قد أشرق فوق روابينا
لن يبقى الإسلام سجينا ..
يا رسول الله..
ثم ارتقى عامر منصةً حجرية وسط الميدان، وخطب في جنوده بصوتٍ كالرعد:
- أيها الرجال الأبطال! أيها السيوف المشرعة في وجه الظلم! اليوم لا نقاتل من أجل أرضٍ أو مال، بل من أجل أعظم أمانة أرسلها الله إلى الأرض... من أجل سيّد ولد آدم ﷺ. واللهِ إن السيوف لتغار، وإن المدافع لتشتاق، لأن تضرب عنق من تجرّأ على جناب المصطفى!.
ألا فليعلم الصليبيون أن محمدًا ﷺ في قلوبنا أعزّ من أرواح وأبنائنا وأهلينا، وأننا قومٌ إذا مُسّ جناب نبيّنا لم يعرف قلبنا الصبر ولا التروّي! أيها الرجال... الليلة نثأر، الليلة نكتب بدمائنا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله!.
- الله أكبر! الله أكبر! الله أكبر!
فارتجّ الميدان بالتكبير، واهتزت القلوب كأنها أسود خرجت من عرينها.
---
خطة عامر للهجوم على مواقع الصليبيين حول غرناطة
بعد أن ارتجّ الميدان بالتكبير، جمع عامر قادته في قاعة الخرائط بالقصر، وأشار بيده إلى رقعة واسعة من الأرض مرسومة أمامهم، تتوسطها غرناطة، وتحيط بها القلاع والمراكز الصليبية التي تضيق الخناق عليها.
قال عامر بصوت ثابت:
- أيها القادة، الليلة لا نخرج لقتالٍ واحد، بل لفتحٍ متتابع، هدفنا كسر الطوق الذي فرضه الصليبيون حول غرناطة. سنضربهم حيث لا يتوقعون، ثم ننتقل من حصنٍ إلى آخر حتى نصل إلى قلب أراضيهم.
ثم أشار إلى أول نقطة على الخريطة:
1. حصن إيلفيرة
- يقع على بُعد نحو 20 كيلومترًا شمال غرب غرناطة، ويُعد من أقرب التحصينات الصليبية وأكثرها تهديدًا للمدينة.
- سنبدأ بهجومٍ ليلي سريع على إيلفيرة، باستخدام فرسان القوس والنشاب، ومجموعة من فرسان الخيالة لكسر البوابة الشرقية.
2. حصن موتريل
- جنوب غرناطة، على ساحل البحر، وهو منفذ الصليبيين البحري.
- بعد إسقاط إيلفيرة، نندفع جنوبًا على محور وادي أشبيل، لنضرب موتريل ونقطع عنهم الإمدادات البحرية.
3. حصن لوشة
- غرب غرناطة، حصن صليبي متين، لكنه سيكون منهكًا إذا قطعنا اتصاله بإيلفيرة وموتريل.
4. حصن ألمونكار
- على الساحل الجنوبي الغربي، مركز بحري صليبي لتخزين المؤن.
5. حصن مالقة
- الهدف الأكبر بعد ذلك، قاعدة صليبية ضخمة، فتحها يعني تأمين الساحل الجنوبي بالكامل.
---
المعركة الأولى - حصن إيلفيرة
في منتصف الليل، انطلق فرسان غرناطة بقيادة عامر من باب البيازين، يختبئون في ظلال الليل حتى اقتربوا من أسوار إيلفيرة.
أمر عامر بإطلاق سهام النار على أبراج الحراسة، بينما تقدمت فرقة الاقتحام بقيادة حازم لتفجير البوابة بالبارود الذي أعدوها في سراديب غرناطة.
ما إن انهارت البوابة حتى دوّى التكبير، وانقضّ فرسان غرناطة كالريح العاصفة، فهرب الحراس في فوضى.
مع بزوغ الفجر، كان لواء التوحيد يرفرف فوق أسوار إيلفيرة.
وقف عامر وسط الساحة، وأمر بإقامة صلاة الفتح، ثم التفت إلى جنوده وأنشد بصوتٍ قوي نشيد عبد الله بن رواحة، مرددًا:
"والله لولا الله ما اهتدينا،
ولا صمنا ولا صلينا،
فأنزلن سكينةً علينا،
وثبّت الأقدام إن لاقينا،
والمشركون قد بغوا علينا،
إذا أرادوا فتنةً أبينا."
فردّد الجنود النشيد، وارتفعت المعنويات، وانطلقوا نحو الهدف التالي.
---
المعركة الثانية - حصن موتريل
تحرك الجيش جنوبًا بمحاذاة وادي أشبيل، وهاجم موتريل قبل غروب الشمس بعد يومين من فتح إيلفيرة.
استخدم عامر المجانيق لضرب الأبراج البحرية، فيما تسللت فرقة عبد الرحمن من الجهة الشرقية للحصن حيث الحراسة ضعيفة.
بعد ساعات من القتال، سيطر الغرناطيون على الميناء، وقطعوا أي إمداد بحري للصليبيين.
في ميناء موتريل، اجتمع الجنود على الرمال وأقاموا صلاة الفتح، ثم أنشدوا نشيد عبد الله بن رواحة مجددًا، يتقدمهم عامر.
---
المعركة الثالثة - حصن لوشة
كان الطريق إلى لوشة صعبًا، لكن أخبار سقوط إيلفيرة وموتريل بثت الرعب في حامية الحصن.
عامر أمر بهجومٍ من ثلاث جهات، مع ترك الجهة الغربية مفتوحة عمدًا لإيهامهم بإمكانية الفرار، فما إن خرجوا هاربين حتى وقعت فرقة فرسان أيوب (الذي كان يقود مجموعة إمداد خلفية) عليهم وأبادهم.
تم فتح الحصن، وأقيمت صلاة الفتح في ساحته، وأعاد الجنود ترديد النشيد النبوي، حتى صار شعارهم في كل معركة.
---
المعركة الرابعة - ألمونكار
على الساحل الجنوبي الغربي، هاجم عامر ألمونكار في ليلة عاصفة، مستغلًا الأمواج العالية لتشتيت مراقبة الصليبيين.
نجح الجنود في التسلل عبر ممرٍ صخري بحري، وفتحوا البوابة من الداخل، فسقط الحصن مع الفجر.
---
المعركة الخامسة - حصن مالقة
بعد سلسلة الفتوحات، تحرك عامر وجيشه نحو الهدف الأكبر: مالقة.
استمرت المعركة ثلاثة أيام، تبادل فيها الطرفان القصف بالمدافع، حتى نجح فرسان غرناطة في اقتحام الحصن من الجهة الشمالية حيث تحصيناته أضعف.
دخل عامر وسط المدينة، وأمر بتنظيف الشوارع من آثار الدماء قبل إقامة صلاة الفتح، ثم خطب في الجنود:
- أيها الأبطال، هذه أول خطوة على طريق تحرير الأندلس كاملة، ولن نتوقف حتى تعود راية لا إله إلا الله ترفرف فوق كل حصن ومدينة.
فردّد الجيش النشيد بصوت واحد، حتى دوّت به شوارع مالقة:
"والله لولا الله ما اهتدينا..."
---
معسكر الصليبيين قرب إشبيلية....
في قاعة حجريّة داخل حصنٍ على ضفة نهر الوادي الكبير، اجتمع قادة الصليبيين حول طاولة ضخمة، والخرائط منثورة أمامهم. كان الملك فرديناند جالسًا في صدر المجلس، وعيناه تشتعلان غضبًا.
قال وهو يضرب بيده على الطاولة:
"في أسبوعين فقط... استولى سراج الدين على وادي آش، وضمّ لوشة، ثم مالقة وألمونكار وألمرية! لم يترك لنا وقتًا لالتقاط أنفاسنا!، يبدو أنهم كانوا يخططون لغزونا منذ مدة طويلة ويعرفون بالتفصيل ماذا يفعلون"
انحنى أحد القادة، وهو فارس من فرسان أراغون المخضرمين، وقال:
"لقد استخدم المدافع والمجانيق ضد حصوننا، كأنها من ورق، ثم تبعها بوابل من البنادق البدائية التي أربكت حراس الأبراج. لم نشهد مثل هذا التنسيق منذ حروبنا الأولى مع المسلمين."
ردّ قائد آخر بعصبية:
"إنه يجرّنا إلى أرضه ويضرب قبل أن نستعد... إذا لم نستعد الجنوب، فغرناطة ستكون محصّنة بالأراضي التي حولها وستظهر لسراج الدين أنيابٌ."
أومأ فرديناند بعزم وقال:
"سنبدأ من ألمرية، ثم نتقدّم إلى مالقة... اجمعوا فرسان قشتالة، واستدعوا مرتزقة جنوة، ولتتحرك مجانيقنا ومدافعنا الثقيلة مع الطليعة. أريد أن يكون ردّنا هذه المرة ناهيًا."
---
معسكر عامر في حصن لوشة....
على قمة حصن لوشة المطل على الوديان، وقف عامر بجانب منصة خشبية، وإلى جواره مدفع ضخم نصبه رجاله حديثًا، والمجانيق مصطفة على السور الشرقي.
في قاعة الحصن، جلس عامر وحوله حازم وبعض القادة، والخرائط مفروشة أمامهم.
أشار عامر بيده إلى وادي آش ومالقة وألمرية على الخريطة:
"هم سيبدؤون بألمرية، فهي أقرب إليهم، وأضعف تحصينًا... نحن سنسبقهم بضربة على الطريق الساحلي قبل أن يصلوا إليها."
قال نور الدين بن غالب وهو يضع خنجره على نقطة قرب الساحل:
"يمكننا نصب المدافع على تلال قريبة من الطريق، وإذا اقتربت قواتهم نفتح عليهم النار، ثم ننسحب إلى الداخل بعد تشتيتهم وإجبارهم على التقهقهر والإنسحاب."
أضاف قائد الرماة:
" والأسهم والبنادق البدائية جاهزة... رجالنا جرّبوها في مالقة، وكانت رعبًا للفرسان، يعيبها فقط تأخرها في إعادة التلقيم."
ابتسم عامر بثقة وقال:
"ليتحرك نصف المدافع نحو ألمرية، والنصف الآخر يبقى هنا في لوشة تحسبًا لأي التفاف... المجانيق ستقصفهم ليلاً، والبنادق تفتح النار مع أول ضوء فجر."
وقف القادة جميعًا، ووضعوا أيديهم على صدورهم، فقال عامر بنبرة حاسمة:
"نحن لا ندافع فقط... نحن نطاردهم حتى لا يجدوا أرضًا يقفون عليها."
---
ومرة أخرى في قاعة الحرب في إشبيلية...
جلس فرديناند مع قادته، والخرائط مرسومة على طاولة طويلة.
ضرب الملك بعصاه على نقطة "ألمرية" على الخريطة وقال:
"هذه بوابتهم إلى البحر... إذا قطعناها، سنحاصرهم جوعًا."
أجابه قائد فرسان جنوة:
"لكنهم نصبوا مدافع على أسوارها... نحن بحاجة إلى أن نُلهيهم أولاً."
رفع فرديناند يده وقال:
"حسنًا... الهجوم الأول سيكون على وادي آش، لتحويل أنظار عامر... وفي نفس الوقت تتحرك قواتنا البحرية نحو ألمرية."
---
حصن لوشة عند عامر...
في غرفة الإشراف على المدافع، كان عامر يتأمل تقارير الكشافة.
قال عبد الرحمن وهو يضع إصبعه على الخريطة:
> "الكشافة رأوا حشودًا صليبية تتحرك نحو وادي آش... يبدو أنها حيلة."
ابتسم عامر ابتسامة هادئة:
"إذن سيضربون ألمرية... لن ننتظرهم."
ثم أشار إلى قادة المدفعية:
"انقلوا مدافع ثقيلة إلى تل "سيرّو غوردو" المطل على الطريق الساحلي، وضعوا المـجانيق خلف التلال... السيوف و البنادق البدائية ستكون مع فرسان الهجوم الخاطف."
---
مجلس الحرب في معسكر الصليبيين قرب قرطبة....
أرسل فرديناند أوامره:
"عند وصولنا قرب ألمرية، ننشر المـجانيق في نصف دائرة، والمدافع الثقيلة على المرتفعات... لا أريدهم أن ينجوا من القصف."
ردّ أحد القادة:
"وماذا عن حصونهم في مالقة؟"
قال الملك بثقة:
"لن يجرؤوا على ترك ألمرية بلا دفاع... سنكسرها أولاً."
---
خطة الإرباك عند عامر...
في لوشة، جمع عامر فرسانه وقال:
"سنقسم القوات... مجموعة صغيرة ستظهر على أسوار وادي آش لإيهامهم أننا نستعد لمعركة هناك... بينما يتحرك الجيش الرئيسي ليلاً عبر الممرات الجبلية نحو ألمرية."
أضاف قائد البنادق:
"عند الفجر، ستبدأ البنادق بإطلاق النيران على الطليعة، والمدافع تقصف مؤخرة جيشهم... سيظنون أننا في كل مكان."
ابتسم عامر وقال:
"هذا ما أريده... أن يشعروا أنهم يقاتلون أشباحًا."
---
بداية المواجهة....
مع طلوع الفجر، كان الصليبيون يسيرون على الطريق الساحلي، فإذا بوابلٍ من قذائف المـجانيق يسقط من فوق تلال سيرّو غوردو، يتبعه دويّ المدافع من الجهة المقابلة.
في المقدمة، انطلقت فرقة من فرسان عامر، والبنادق البدائية تبرق، والدخان يملأ الساحل.
صرخ أحد قادة الصليبيين:
"إنهم على المرتفعات! كيف وصلوا قبلنا؟!"
وفي نفس اللحظة، كانت إشارات النيران تُشعل على أسوار وادي آش، ما جعل فرديناند يظن أن هجومًا آخر بدأ هناك.
---
الهدوء الذي يسبق الانقضاض...
حلّ الليل على ألمرية، والمدينة نصفها في يد عامر، ونصفها الآخر ما زال متمردًا.
جلس عامر مع رجاله في ساحة قريبة من "القصبة"، يشربون جرعات ماء شحيحة، بينما النيران تتوهج في الأفق.
قال حازم وهو يراقب السكون:
"غريب... لم يهاجمونا منذ العصر."
ابتسم عامر ابتسامة حذرة:
> "هذا السكون... لا يعجبني."
---
المدافع المجهولة...
فجأة، شق الليل دويّ هائل، ورجّ صوت المدافع الثقيلة من ناحية الميناء.
كانت قذائف حجرية ضخمة تتساقط على مواقع عامر، والمـجانيق الصليبية تلقي قذائف مشتعلة فوق الأحياء التي استولى عليها رجاله.
صرخ أحد القادة:
"يا مولاي! إنهم يضربوننا من البحر أيضًا!"
أدرك عامر أن فرديناند استغل الليل ليدخل سفنه الحربية إلى الميناء، ويثبت مدافعه على الشاطئ ليقصف مواقع المسلمين من الخلف.
---
بينما كانت القذائف تهز الأرض، تقدم المشاة الصليبيون من "باب البحر" و"باب الغرناطين" في وقت واحد.
كانت البنادق البدائية لدى رجال عامر والمدافع ترد، لكن كثافة النيران والمدافع الساحلية جعلت خطوطهم تتفكك.
في الأزقة، اشتد القتال، لكن الجنود الصليبيين كانوا يتقدمون خطوة خطوة، مدعومين بدروعهم الثقيلة ونيرانهم المستمرة.
صرخ حازم وهو يحاول حشد الرجال:
"اثبتوا! لا تدعوهم يعبرون!"
لكن انهيار أحد الأبراج القريبة بفعل قذيفة جعل المدافعين يتراجعون بلا نظام.
---
وبعد ساعة من الهجوم الصليبي...
أدرك عامر أن البقاء في ألمرية يعني الفناء.
أمر بالانسحاب المنظم نحو البوابة الغربية المؤدية إلى الطريق الجبلي، بينما كانت النيران تلتهم "سوق القمح" و"ساحة القصبة".
وقفت قوات فرديناند فوق الأسوار المدمرة، ترفع رايات الصليب، بينما أبواق النصر تدوي في أرجاء المدينة.
---
ما بعد الهزيمة
على تلّ بعيد، كان عامر يراقب ألسنة اللهب وهي تلتهم ألمرية.
اقترب منه عبد الرحمن وقال بصوت حزين:
"خسرنا المدينة... لكننا لم نخسر الحرب."
أجاب عامر وهو يضغط على قبضته:
"ستعود ألمرية... وسأجعل فرديناند يندم على هذه الليلة....
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
في وادٍ ضيق تحيطه جبال "سيرّو دي غادور"، كان عامر قد نصب معسكره الجديد.
الخيام متناثرة، والرجال منهكون، وجراحهم تعكس قسوة الليلة السابقة.
أصوات دق المسامير في ألواح الخشب تُسمع من بعيد، حيث تُصنع عربات جديدة لنقل المدافع.
جلس عامر على صخرة مرتفعة يطل منها على الوادي، وأمامه خريطة خشنة رسمها داهية الخرائط والذي يحفظ كل شبر في الأندلس نور الدين بن غالب، تظهر ممرات الجبال، والطرق المؤدية إلى ألمرية من الغرب والجنوب.
قال أيوب وهو يشير إلى نقطة على الخريطة:
"لو هاجمنا من هنا، يمكننا أن نضرب قوافل الإمداد قبل أن تصل إلى فرديناند."
ابتسم عامر ابتسامة حادة:
"سنضربه في قلبه… لكن أولًا، نحتاج إلى إعادة بناء قوتنا."
---
في المعسكر، كان الحدادون يعملون بلا توقف لصنع رؤوس السهام والطلقات الحديدية للبنادق البدائية.
المجانيق تُركب على قواعد خشبية جديدة، والمدافع التي نجت من سقوط ألمرية تُعاد صيانتها.
وقف عامر وسط الحرفيين والجنود، وقال بصوت حازم:
"لا نملك رفاهية الانتظار… كل يوم يمر، فرديناند يزداد قوة."
---
وصلت إلى المعسكر قافلة صغيرة من غرناطة، تحمل طعامًا وذخائر وبعض المتطوعين.
لكن الرسائل التي جلبوها حملت أنباء مقلقة:
"فرديناند يحشد جيشًا جديدًا في ألمرية، ويستدعي فرسان قشتالة وأرغون."
أخذ عامر الرسالة، قرأها بهدوء، ثم قال:
"إذن هو قادم إليّ… حسنًا، سأكون في انتظاره عند الممرات، حيث لا تنفعه كثرة جيشه."
---
جمع عامر قادته حول نار المعسكر في الليل، وألقى كلماته:
"قد خسرنا ألمرية، لكن الجبال حليفتنا، والأرض تعرف خطانا. سنجعلهم يندمون على دخول هذه الديار… أقسم أن راياتنا سترفرف فوق أسوارهم مرة أخرى."
رفع الرجال سيوفهم، ورددوا بصوت واحد:
> "الله أكبر!"
---
في صباحٍ بارد، خرجت جيوش فرديناند من بوابة ألمرية الشرقية، يمتدّ صفها كالثعبان الحديدي عبر الطرق الضيقة المؤدية إلى ممرات "لاس ألبوخاراس".
الرايات القشتالية والأرغونية ترفرف في الهواء، وأصوات الطبول تدوي بين الجبال.
كان فرديناند على ظهر جواده الأبيض، يحدّق في الممرات الوعرة، ويقول لقادته:
"سنمزق هذا الثعلب الذي يختبئ بين الصخور… وسأجره أسيرًا إلى طليطلة!"
---
من أعالي المنحدرات، كان جنود عامر يراقبون التحركات بصمت.
الريح تعصف بأرديتهم، والثلج الخفيف يلمع على قمم الجبال.
أحد الكشافة أسرع نحو عامر قائلًا:
"سيدي… جيوش فرديناند دخلت الممر، ومعهم العربات الثقيلة والمدافع."
ابتسم عامر وقال:
"جيد… سنغلق عليهم الممر."
---
حين وصل طليعة جيش فرديناند إلى أضيق نقطة في الممر، دوى صوت البوق من قمة الجبل.
وفي لحظة، انطلقت أولى قذائف المدافع من مواقع عامر المخفية خلف الصخور، تتبعها حجارة المجانيق الكبيرة.
انهمرت الصخور من أعالي المنحدرات، فأغلقت الطريق خلف الطليعة، بينما فتحت البنادق البدائية نيرانها من الجانبين.
الصرخات ارتفعت، وعربات الإمداد احترقت، والخيول فزعت فتدافعت نحو المنحدرات.
---
حاول فرديناند تنظيم صفوفه وسط الفوضى، لكن الممر الضيق لم يسمح بالمناورة.
تقدمت مجموعة من فرسانه لاختراق خطوط عامر، لكنهم وقعوا في فخ آخر، إذ فجّر جنود عامر براميل البارود المخبأة بين الصخور، فتحولت الأرض إلى جحيم من النار والدخان.
صرخ فرديناند غاضبًا:
"تراجعوا إلى السهل! انسحبوا قبل أن يُدفن الجيش بأكمله هنا!"
---
مع حلول المساء، كان الممر يعج بجثث الجنود والخيول، وعامر يقف على قمة صخرة، يراقب انسحاب جيوش فرديناند نحو ألمرية.
اقترب منه حازم وهو يضحك ثم قال:
> "لقد هربوا … وكأنهم لم يأتوا!"
ابتسم عامر وقال:
"الهروب هذه المرة لا يعني النجاة… سيعود، وحين يعود، يجب أن ننتظره بقوة أكبر."
---
عاد فرديناند إلى ألمرية مع حلول الفجر، وجهه متجهم، والجنود المنهكون يسيرون خلفه بأقدام ثقيلة.
شوارع المدينة كانت صامتة إلا من وقع حوافر الخيل وصرير العربات المحطمة.
في قصر الحاكم، اجتمع القادة حول طاولة كبيرة تتوسطها خريطة الأندلس.
قال القائد الأرغوني دون رودريغو:
"لقد نصب لنا كمينًا بارعًا… خسائرنا فادحة، والمدافع التي جلبناها من قادس لم تعد إلا حطامًا."
ردّ فرديناند بحدة:
"ذلك الثعلب لن ينجو طويلًا… سنجمع جيوش قشتالة وأرغون ونافارا، ونحشد أسطولنا البحري من ميناء قرطاجنة.
سنسحقه بين البر والبحر!"
---
في المعسكر الجبلي قرب بيرخا، كان عامر يعقد اجتماعًا مع حازم وقادة الفرسان.
انتشرت أمامهم خريطة تُظهر الساحل من ألمرية حتى أليكانتي.
قال عامر وهو يشير بيده:
"فرديناند لن يهدأ… سيحشد أسطولًا ويهاجم حصن مالقة من البحر."
---
بدأت الاستعدادات على الفور:
نقل المدافع الثقيلة التي استولى عليها عامر من الممر إلى مواقع ساحلية.
إصلاح السفن الصغيرة التي حصلوا عليها، وتدعيمها بصفائح خشبية لمقاومة النيران.
تدريب الجنود على استخدام البنادق في قتال السفن.
كانت أصوات الطرق على الأخشاب وصرير العجلات تملأ الوادي، ورائحة البارود تتسلل مع الريح.
---
في تلك الليلة، تسلل جاسوس من ألمرية إلى معسكر عامر، يراقب التحركات ويحصي عدد المدافع.
لكن حازم كان له بالمرصاد، فأمسك به قبل أن يغادر.
قال الجاسوس تحت التعذيب:
"الأسطول الملكي سيصل من قرطاجنة بعد ثلاثة أيام… مائة وتسعون سفينة حربية، وثلاثون ألف مقاتل."
ابتسم عامر ابتسامة باردة وقال:
"إذن…سنجعل البحر بأمر الله يشتعل."
---
كان الفجر قد بدأ يلوّن الأفق عندما ظهر خط أسود في البحر البعيد.
شيئًا فشيئًا، اتضحت ملامح الأسطول القشتالي–الأرغوني؛ مائة وتسعون سفينة ذات صواري شامخة، تتوسطها سفينة القيادة المذهّبة التي يعلوها لواء الملك فرديناند.
ارتجّ الساحل تحت وقع طبول الحرب ونفخ الأبواق البحرية.
على اليابسة، كان عامر يقف عند المدفع الكبير الذي نصب فوق التلة الصخرية المشرفة على الميناء.
قال بصوت حازم:
"انتظروا حتى يدخلوا المدى… لا تطلقوا قبل أن تسمعوا صوت الأمواج وهي ترتطم بالصخور."
دوت أولى الطلقات من المدافع الإسلامية، فارتفع عمود من الماء بجوار إحدى السفن، لكن سرعان ما ردّت السفن الأوروبية بوابل من القذائف الحجرية والنارية، حتى بدا البحر نفسه كأنه يشتعل.
---
استمر القصف ساعات، والموج يدفع الحطام نحو الشاطئ.
كانت البنادق البدائية في يد المشاة المسلمين بطيئة في إعادة التلقيم، بينما تفوقت المدافع البحرية الأوروبية في المدى والقوة.
اخترقت إحدى القذائف مخزن البارود في الحصن الساحلي، فانفجر انفجارًا هائلًا ألقى بالجنود في الهواء.
صرخ حازم:
"علينا الانسحاب، الحصن لم يعد قادرًا على الصمود!"
أومأ عامر بوجه متجهم، وأصدر أوامر بالتراجع المنظم نحو الجبال، تاركًا الميناء تحت سيطرة العدو.
---
مع غروب الشمس، كان علم قشتالة يرفرف فوق أسوار ميناء مالقة.
وقف فرديناند على ظهر سفينته، ينظر إلى المدينة التي استعادت جيوشه السيطرة عليها.
قال لقادته:
> "لقد كسرت شوكته على البحر… لكنه سيعود، وأريد أن أكون مستعدًا عندما يفعل."
في الجبال البعيدة، كان عامر يراقب الأفق المشتعل، وعيناه تتوعدان:
"هذه الجولة لك… لكن الحرب لم تنتهِ."
---
في أعالي جبال ألبوخارا، كان الضباب يلتف حول الصخور كأنه عباءة تخفي كل حركة.
عامر، ومعه حازم وعصبة من الفرسان والرماة، انتشروا في الممرات الضيقة المؤدية من الساحل إلى الداخل.
قال عامر وهو يرسم خريطة على التراب:
"هذه طرق إمدادهم… هنا تمر قوافل الطعام والبارود من الميناء إلى معسكراتهم، سنجعل كل شبر من هذه الممرات مقبرة لهم."
---
مع منتصف الليل، تسللت فرقة من رجاله إلى طريق وعر بين جبلين.
أخفوا أنفسهم بين الصخور، وانتظروا حتى اقتربت القافلة القشتالية المحملة بالحبوب والذخيرة.
عندما وصلت إلى أضيق الممرات، دوّت صيحة عامر:
"الله أكبر!"
انهالت الصخور من أعالي المنحدرات، وتبعها وابل من السهام والطلقات النارية من البنادق البدائية.
سقط الجنود واحدًا تلو الآخر، واحترقت عربات المؤن، تاركة لهبًا يضيء سماء الليل.
---
في معسكره قرب ألمرية، استقبل فرديناند أنباء الهجوم بوجه متجهم.
قال أحد قادته:
"يا مولاي، قوافلنا تتعرض للكمائن كل يوم، ولا نستطيع إيصال المؤن بأمان."
رد فرديناند بحدة:
"إنه لا يقاتل الآن كجيش، بل كأشباح… سأدفعه إلى الميدان المفتوح حيث لا يستطيع الاختباء."
---
بعد أسبوع من الكمائن المتتالية، وصلت رسالة إلى خيمة فرديناند، مختومة بخاتم سراج الدين.
فتحت الرسالة، فإذا بها سطور قليلة:
"أنتم على أرضنا… والجبال لنا، والممرات لنا، والليل لنا. إن أردتم الحرب، فستكون على طريقتنا."
---
تسللت أشعة الفجر فوق تلال وادي أندرَكس، حيث اصطف جيش فرديناند في تشكيلات متراصة: فرسان مدججون بالدروع في المقدمة، يتبعهم المشاة وحملة الرماح، وخلفهم المدافع الميدانية.
أما عامر، فلم يكن يملك سوى عشرة آلاف مقاتل، بينهم ثلاثمائة فارس والبقية من الرماة وحملة البنادق البدائية، ومعهم ثلاثون من المجانيق الكبيرة وعدد من المدافع الصغيرة أُصلحوا على عجل.
وقف حازم بجوار عامر على تل صغير يطل على الوادي، وقال بقلق:
" هم أضعافنا "
ابتسم عامر وهو يشير إلى الوادي الضيق:
> "ليسوا أقوياء كما تظن… بل نحن من نختار أين يقاتلون."
---
1-
إيهام بالانسحاب: قسم عامر جيشه إلى ثلاث فرق، جعل فرقة صغيرة تظهر في المقدمة ثم تتراجع ببطء، لتغري فرسان العدو بالمطاردة.
2-
كمين الجانبين: وضع الرماة وأصحاب البنادق البدائية في جانبي الوادي، مخفيين خلف الصخور والأشجار.
3-
إغلاق المؤخرة: أرسل فرقة من عشرين فارسًا للالتفاف خلف جيش فرديناند وضرب مؤخرته بعد بدء الاشتباك.
4-
النيران المتقاطعة: استغلال ضيق الوادي لجعل المدفعين والمجانيق يقصفان الصفوف الأمامية في نقطة محددة.
---
مع أول ضربة طبل، تقدمت مقدمة جيش فرديناند بسرعة، ظنًا منهم أن المسلمين يتقهقرون.
تعالت صيحاتهم، وانحدر الفرسان في اندفاع جنوني داخل الممر الضيق.
في اللحظة التي بلغوا فيها أوسط الوادي، دوى صوت صافرة عامر، لتنهمر الأسهم والطلقات من الجانبين، وتنفجر قذائف المجانيق وسطهم.
تراجع العدو في فوضى، لكن مؤخرة جيشه كانت قد أُغلقت بفرسان عامر الذين هاجموا من الخلف، فأصبح الصليبيون محاصرين بين النيران والصخور.
---
رأى فرديناند أن فرسانه يتساقطون كأوراق الخريف، فأمر بدفع المشاة للأمام لكسر الحصار.
لكن الأرض الطينية المبللة بمياه الوادي جعلت خطواتهم بطيئة، وسرعان ما وجدوا أنفسهم هدفًا سهلًا للرماة.
تقدم عامر بنفسه إلى الصفوف الأمامية، ممتطيًا جواده الأسود، وصاح:
"اثبتوا! إنهم يتساقطون… اثبتوا!"
اندفع رجاله بهجوم خاطف، اخترقوا الصفوف المترنحة، ورفعوا رايات النصر فوق أكوام الدروع المحطمة.
---
مع غروب الشمس، انسحب فرديناند تاركًا خلفه أكثر من ربع جيشه بين قتيل وجريح، وترك المدافع والمؤن غنيمة لعامر. وترك حصن ألمرية وحصن مالقة وعاد بجنوده إلى إشبيلية.
وقف عبد الرحمن على جرف يطل على ساحة القتال وقال مبهورًا:
"كأنهم جاؤوا بعددهم ليُهلكوا أنفسهم… لم أرَ مثل هذا اليوم."
ابتسم عامر وأجاب:
> " بفضل الله ننتصر وبفضله سنكمل الطريق إلى ما يشاء ربنا."
---
أمر عامر فورًا بجمع الأسلحة التي غنمها، وإصلاح المدافع الكبيرة لنقلها إلى حصون كبرى مثل حصن ألكازابا في ألمرية وحصون جبل المنكَرون وموريرا.
بدأ بتنظيم صفوف جيشه، وتوزيع الرجال على نقاط الحراسة والمراقبة، وأرسل فرسانه لاستطلاع تحركات العدو، بينما شرع المهندسون في بناء متاريس وأبراج مراقبة إضافية.
وقف عامر أمام الخريطة الجديدة، وختم خطابه لرجاله قائلًا:
> "اليوم علمناهم درسًا قاسيًا… وغدًا سنحطم على رؤوسهم كل أبواب الأندلس."
---
وبعد عودة عامر إلى ألمرية
لم يهدأ فرديناند فارتفعت بعد خمسة أيام صيحات القتال قرب سهل تابيرناس، حيث احتشدت قوات فرديناند في صفوف متراصة، تلمع دروعهم تحت شمس الأندلس الحارقة، وتعلو فوق رؤوسهم رايات الصليب الحمراء. كان جيشهم أضعاف جيش عامر، مدعومًا بفرسان قشتالة وأراجون، ومُزوَّدًا بالمقاليع الثقيلة والمدافع الحديثة.
لكن عامر لم ينتظرهم في مواجهة مباشرة، بل قسم جيشه إلى ثلاث كتائب صغيرة، وأمر كل كتيبة أن تتحرك في أوقات مختلفة عبر الوديان والتلال المحيطة، مُستفيدًا من التضاريس التي يعرفها عن ظهر قلب. ونصب الرماة الكمائن في الممرات الجبلية.
في فجر اليوم الرابع من الحصار، أطلق عامر الإشارة، فانهمر وابل من القذائف من المجانيق على جناح جيش فرديناند الأيسر، بينما هاجمت فرقة صغيرة بقيادة أيوب مؤخرة العدو، مستهدفة مخازن المؤن. في لحظات، تصاعد الدخان الأسود من عربات الإمداد، وبدأ الاضطراب يدب في صفوف الصليبيين.
وفي قلب السهل، أمر عامر بإطلاق مدافعه البدائية، التي كانت قليلة العدد لكنها دقيقة في إصابة تجمعات الفرسان. ثم انقض بخيالة مختارة، اخترقت الخطوط الأمامية للعدو، قبل أن تنسحب فجأة نحو الممرات، جاذبة خلفها كتائب من فرسان قشتالة إلى كمين مُحكم، حيث أمطرتهم الأسهم من الجانبين.
لم يكد المساء يحل حتى كان جيش فرديناند قد فقد نصف قوته، ومع حلول الليل انسحب ما تبقى منه في فوضى، تاركًا وراءه مدافعه وبعض راياته.
وقف عامر على ربوة تطل على ساحة القتال، يراقب انسحاب العدو، ثم قال لرجاله:
– "اليوم انتصرنا، لكن الحرب لم تنتهِ… علينا أن نحصّن ما فتحناه، قبل أن يعودوا مرة أخرى."
في الأيام التالية، أشرف بنفسه على إعادة تنظيم الجيش، وأمر بصيانة المدافع والمجانيق، وتوزيع البنادق على الرماة، كما عزز تحصينات الحصون الكبرى مثل قلعة الحمراء وحصن ألمرية، وأقام أبراج مراقبة جديدة على التلال المطلة على طرق الإمداد.
كانت الخطة واضحة: تأمين كل معبر وكل حصن، حتى لو عاد فرديناند بكل جيوش قشتالة وأراجون، فلن يجد إلا أسوارًا منيعة وجيشًا مستعدًا.
---
بعد أيام قليلة من الانتصار، اجتمع عامر بقادة جيشه في قاعة حجرية داخل قلعة ألمرية، وكانت الخرائط المفروشة على الطاولة تتصل بخيوط وحجارة صغيرة تحدد الممرات الجبلية، القرى، والحصون.
أشار عامر إلى الخط الساحلي قائلاً:
– "إن أرادوا أن يعودوا، فلن يكون لهم سوى البحر، والبحر لنا إذا أحكمنا السواحل. سنبني خطًا من التحصينات يمتد من حصن ألمرية إلى قلعة فيليز-بلانكو، ومنها إلى جبال البشرات، حتى يصل إلى غرناطة."
بدأ العمل فورًا:
أمر المهندسين بتقوية أبراج المراقبة على طول الطريق الساحلي، مع تجهيزها بمدافع صغيرة لضرب السفن التي تقترب.
في الجبال، شُيّدت متاريس حجرية وأفخاخ طبيعية عند الممرات الضيقة، بحيث يمكن لفصائل صغيرة أن توقف جيشًا كاملًا.
في الحصون، زُودت المخازن بالحبوب والزيت والملح تكفي لأشهر حصار، مع حفر آبار ماء داخلية لتأمين الشرب.
في قلعة ألمرية، خُصصت ورش لإصلاح المدافع وصناعة كرات الحديد، وأخرى لصيانة البنادق وتدريب الرماة على إصابة الأهداف من مسافات مختلفة. كما أمر عامر بإنشاء مستودعات سرية تحت الأرض، لا يعرف أماكنها إلا قلة من القادة، تُخزن فيها الذخيرة والمؤن تحسبًا لأي حصار طويل.
وكانت فكرته الأذكى هي نظام الإشارة بالنيران والدخان: أبراج موزعة على مسافات محددة، بحيث تُنقل الأخبار والتحذيرات من ألمرية إلى غرناطة في أقل من ساعة.
وخلال هذا العمل، لم يكن عامر غافلًا عن العدو؛ فقد أرسل عيونه وجواسيسه إلى قشتالة لمعرفة تحركات فرديناند. وكانت التقارير تصل تباعًا: الملك يعد جيشًا جديدًا، لكن معنويات جنوده منهارة بعد الهزيمة.
وقف عامر في شرفة القلعة ذات صباح، يراقب صفوف البنائين وهم يعملون، وصوت الطرق على الحجارة يمتزج مع نداءات القادة، ثم قال في نفسه:
– "حين يعودون… لن يجدوا سوى جدار لا يُخترق."
---
مع اكتمال شبكة التحصينات من ألمرية حتى غرناطة، بدأ جيش فرديناند يتحرك من قشتالة، هذه المرة بثقل أكبر وعدد أكثر، مدججين بمدافع ضخمة، وعشرات السفن الحربية تواكب الجيش على الساحل. كانت نية الملك الإسباني أن يسحق جيش غرناطة بضربة واحدة.
لكن عامر لم ينتظر أن يطرقوا أبوابه.
فور وصول الأخبار من أبراج الإشارة، تحركت وحدات الخيالة إلى الممرات الجبلية، وقُطعت طرق الإمداد المؤدية إلى جيش فرديناند، فيما أُشعلت النيران في مخازن العدو القريبة من الساحل بفضل غارة ليلية نفذها رجال عامر من البحر.
وعند محاولة الجيش الصليبي التقدم عبر مضيق فيليز-بلانكو، وجد نفسه بين المتاريس الحجرية التي بناها عامر، وانهالت عليهم نيران البنادق والمدافع الصغيرة من أبراج الجبال، فتوقفت مقدمة الجيش بالكامل، بينما أغارت فرقة أخرى من الخلف، فعم الارتباك صفوفهم.
استمرت المعركة ثلاثة أيام، وفي اليوم الثالث أمر عامر بهجوم شامل على كل الجبهات، مستخدمًا ممرًا سريًا تحت الجبال أتاح لقوة كبيرة الظهور خلف خطوط العدو، ليجد الصليبيون أنفسهم محاصرين بين نارين. انتهت المعركة بانسحاب فرديناند نفسه على متن سفينة حربية، تاركًا مئات القتلى والجرحى وأسلحة كثيرة غنمها المسلمون.
وبعد أيام، وصلت إلى قلعة ألمرية رسالة مختومة بالشمع الأحمر من فرديناند، يعرض فيها هدنة ومعاهدة، معللاً طلبه بالرغبة في وقف نزيف الدماء، ومتظاهرًا بالرغبة في السلام.
فتح عامر الرسالة أمام قادته، ثم ابتسم ابتسامة هادئة، وأخذ يكتب الرد بخطٍ واضح، جاء فيه:
> بسم الله الرحمن الرحيم
من العبد الفقير إلى عفو ربه سراج الدين، ملك غرناطة وأمير المجاهدين على ثغور الأندلس، إلى فرديناند خنزير قشتالة.
أما بعد… فالحمد لله الذي كسر جيوشكم، وأذهب سلطانكم عن هذه الأرض، وأبطل كيدكم، ورد كيدكم في نحوركم.
إنه من دخل في ديننا وصلّى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم، له ما لنا وعليه ما علينا.
فإذا جاءك كتابي هذا، فأرسل إليّ بمن في يدك من أسرى المسلمين، وضع عن أرضنا يدك، وتعهد ألّا تدخل جنديًا واحدًا إلى بلادنا، وإلا فوالذي لا إله غيره، لأبعثن إليك برجالٍ يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة، حتى لا يبقى لك في هذه الأرض موطئ قدم.
والسلام على من اتبع الهدى.
ثم أمر عامر بإرسال الرسالة مع أحد فرسانه المعروفين بالجرأة، وقال له:
– "لا تتركها إلا في يده، وليقرأها أمام حاشيته."
وغادر الفارس مسرعًا، فيما بدأ عامر التخطيط لتوسعة التحصينات لتشمل الموانئ الكبرى، استعدادًا لجولة جديدة.
---
في القصر المنيف في قشتالة، جلس الملك فرديناند على عرشه المرصع بالذهب والجواهر، تحيط به الخرائط التي تغطي جدران القاعة، وأمامه قادة جيشه وقد بدا الغضب مشتعلاً في عينيه. على الطاولة، وُضعت رسالة عامر، وقد فُتحت للتو، تتدلى منها خيوط الشمع الأحمر، وكلماتها كالسياط تجلد كبرياء الملك.
قرأها المختص باللغة العربية بصوتٍ مرتفع، والسكوت يخيم على القاعة:
"وإلا فوالذي لا إله غيره، لأبعثن إليكم برجالٍ يحبون الموت كما تحبون أنتم الحياة..."
شهق أحد القادة من هول التحدي، بينما قبض فرديناند على الرسالة بيده حتى تمزقت أطرافها. ثم قال بصوتٍ غليظ يقطر حقدًا:
– أيجرؤ هذا العربي على تهديدي في عقر داري؟!.
ثم نهض، وتوجه بخطوات غاضبة نحو الرسول الذي جاء حاملًا الرسالة، وكان واقفًا بثبات أمام العرش، لا يطأطئ رأسه، بل يحدق في الملك بعينين ثابتتين.
– أتعلم، أيها الكلب، أن رسالتك هذه إعلان حربٍ لن تنطفئ نارها؟.
ثم أشار لحراسه، فأمسكوا بالرسول، وأخرجوه من القاعة، حيث سُمعت بعدها صيحات ألم، وصوت السيوف وهي تُسحب.
بعد ساعات، وبينما كان جيش عامر يعسكر على مشارف الأراضي القريبة من ألمرية، اقترب فارسٌ مسرعًا من أسوار المعسكر، يجر خلفه حصانًا آخر، وعليه جثة الرسول، مقطوعة الرأس، وكتفه الأيمن يحمل طعنة نافذة، وعلى صدره عُلقت الرسالة نفسها، وقد غُمست في الدم.
وقف عامر أمام المشهد، وصدره يعلو وينخفض من الغضب، وأمسك الرسالة الملطخة بالدم، ثم قال بصوتٍ يسمعه جيشه بأكمله:
– والله، لن تكون دماء رسولنا هدرًا... وليعلم فرديناند أني قادم إليه بجيشٍ لا يرحم، حتى لو كنا قلة.
---
أمر عامر قادة الكتائب بالاجتماع في خيمة القيادة على الفور. اجتمع القادة حول الطاولة الكبيرة التي تتوسطها خريطة مفصلة للمنطقة، وعامر واقف يشرح بخطوط الفحم تحركات العدو، ومواقع ضعفه.
– اسمعوني جيدًا… نحن استنزفنا بعض قوة فرديناند ولكنه لا زال يملك جيشًا يفوقنا عددًا بأضعاف، وأسلحة أفضل وأكثر، لكننا نملك الأرض… نحن أبناء هذه الجبال، وهذه الوديان، وهذه الطرق الضيقة التي لا يعرفها الصليبيون. سنضربهم من حيث لا يتوقعون، وسنقطع إمداداتهم قبل أن تقترب مدافعهم من أسوار حصوننا.
---
وفي صباح اليوم التالي جمع عامر قادته وقال:
– بالأمس لقناهم درسًا، لكن المعركة الكبرى لم تأتِ بعد. سنعيد تنظيم الجيش فورًا، نصلح ما تلف من أسلحتنا، ونبني الحصون الكبرى على حدودنا. أريد تحصينات تجعل غرناطة عصية على كل جيش، مهما كان عدده أو سلاحه.
وأمر ببدء العمل في إعادة بناء الأسوار، وتعزيز الأبراج بالمجانيق والمدافع، وحفر الخنادق حول البوابات الرئيسية، مع إنشاء أنفاق سرية تصل بين القصر وبعض المواقع خارج الأسوار، لتكون طرق إمداد وقت الحصار.
---
وبعد يومين من المناوشات البسيطة بين الجيشين
جلس عامر بين قادته، والسيوف المغبرة ما تزال بجانبهم من أثر معارك النهار. الوجوه متعبة، والصدور تئن من ثقل الحرب، ولكن العزيمة في أعينهم لم تخمد.
قال أحد القادة:
– يا سيدي، لِمَ لا نُكمل القتال؟ ما دام الصليبيون يترنحون تحت ضرباتنا، فلنضغط حتى ينكسروا تمامًا!
فأجابه عامر:
– جيشنا يا رجال، أقلُّ عدة وعدد. ولو ظللنا على هذه الحال، سنُستنزَف. ولسنا في موقع نعود منه إلى الصفر، بل في طريق اللاعودة ونحن لا نريد العودة. ولكن، إما أن نحسن التدبير، أو أن نقضي على أنفسنا بأيدينا.
ساد الصمت. ثم انحنى أحد قادته وقال:
– فما الحل إذن؟
ابتسم عامر ابتسامة ماكرة وقال:
– الحل أن نجبرهم على طلب الهدنة بشروطنا، لا أن نطلبها نحن. نُري فرديناند أننا قادرون على أن نبلغ قلبه نفسه… ولكن ليس بالسيوف وحدها. بل بالعقل والدهاء.
ثم أردف:
– سنرسل رجالنا المدربين، خيرة جواسيسنا، إلى قلب معسكرهم ليأسروا أخطر قائد لديهم… "دييغو دي لوس ريوس"، ذراع فرديناند اليمنى في الحرب.
ارتفعت الهمهمات بين القادة، لكنهم انحنوا إجلالًا حين رأوا الثقة في عيني عامر.
---
في الليلة التالية، تسللت مجموعة من فرسان عامر إلى معسكر الصليبيين، وقد تنكروا بملابس جنود صليبيين أخذوها من بعض الأسرى في سجون عامر، وتسللوا بين الخيام كالأشباح. انقضّوا كالصاعقة على خيمة القائد دييغو، فكمموا فمه وربطوه بالأغلال، وقتلوا من حاول اعتراضهم، ثم انسحبوا به في سرعة كأنهم شقوا الأرض شقًّا.
وحين دخلوا به على عامر، اجتمع الناس، وارتفعت صيحات التكبير والتهليل. وقف عامر أمام جنوده وقال بصوت يسمعه كل من في الساحة:
– هذه يدي بلغت قائد جيشهم، فأين تظنون أنها ستبلغ غدًا؟!.
ثم كتب رسالة إلى فرديناند، يتهكم فيها:
"بلغتك يدي، أيها الملك، فأمسكت بذراعك اليمنى. وغدًا قد تبلغ عنقك. فليعلم ملك الصليبيين أنه أصبح للمسلمين أنيابًا."
---
في معسكر الصليبيين، جلس فرديناند على عرشه، والعرق يتصبب من جبينه. ناوله الرسول رسالة عامر، فأمر رجله الذي يفهم العربية أن يقرأها له، وما إن قرأها حتى ضرب فرديناند الأرض بسيفه وهو يصيح:
– اللعنة على سراج الدين! لقد اجتاح أراضينا، وأسقط حصوننا، وأسر رجالي! والله لا أستبعد أن أراه غدًا واقفًا على عنقي!.
ارتجف القادة من حوله، فصاح فيهم:
– أريد هدنة… نعم، هدنة! ولكن بثمن إطلاق سراح القائد دييغو.
---
وصلت الرسالة إلى عامر. قرأها بابتسامة ساخرة وقال:
– قبلت الهدنة… ولكن بشروطي، لا بشروطه.
فكتب إلى فرديناند:
"سأطلق قائدك، إن أطلقتَ أسرانا رجالًا ونساءً وأطفالًا. وألزمتَ نفسك ألا تضطهدوا مسلمًا في أرضكم، وأن يُرفع الأذان وتُقام الشعائر بحرية في كل مدينة تحت سلطانك. وأن تؤدوا إلينا جزيةً قدرها ثلاثمائة ألف دينار عند مطلع كل هلال. وأخيرًا… أن تُعيدوا إلينا خولة، حيةً مع بقية الأسرى."
---
اضطر فرديناند إلى أن يبتلع مرارة الهزيمة، فوافق على الشروط، ودفع الجزية، وأطلق الأسرى. وعاد المسلمون إلى غرناطة مرفوعي الرأس، بينما جلس عامر في قصره يتأمل جيشه قائلاً:
– هذه الهدنة ليست ضعفًا… بل هي سيف نُعيد صقله، فإذا انتهت، كان برقًا يلمع وصاعقة تضرب.
ارتفعت صيحات التكبير في أرجاء غرناطة، وتنفست المدينة الصعداء. أمّا عامر، فقد جلس وحيدًا في الليل، ينظر إلى القمر، ويهمس:
– هدنة اليوم هي بداية الغد. وغدنا… هو النصر.
---
استيقظ عامر في صباح اليوم التالي بعد الانتصار الكبير وتوقيع الهدنة طويلة الأمد والتي اتفقا على أن تكون ثلاثة أعوام لا قتال فيها..
وفي نفس الوقت خرجت سارة من غرناطة وهي تطل على صهوة جوادها الأبيض، وعلى يدها الصغير طلحة ويحيطها الحرس من كل مكان، يزدان وجهها بابتسامة لم يعرفها عامر من قبل، كأنها ابتسامة فخر واعتزاز. وما إن وصلت إلى ألمرية ووقفت أمامه حتى ترجّلت من جوادها بخفة، ومدّت يدها إليه وهي تقول بصوتٍ مرتبكٍ يغلبه الفرح:
– لقد صدقت يا عامر... الرجال باقون، وأرض الأندلس لم تَمت بعد.
رفع عامر يده إلى السماء ثم أمسك يدها بحزم، كأنما يربط بين وعدٍ ووفاء، بين دماءٍ سالت ونصرٍ تحقق. ثم قادها بجولة في الأراضي المستعادة؛ حيث خرج أهل القرى يحيّونهم بالزغاريد والدعوات، مسلمين ونصارى على السواء، يهتفون باسم سراج الدين ويباركون لفرسانها. كان عامر يتوقف عند كل بيت ليطمئن، وسارة بقلبها الرقيق تمسح على رؤوس الأطفال، وتطمئن النساء بأن الحرب ليست عليهم، بل عليهم أن يعيشوا في أمان.
وبعد أيام، قال لها عامر وهو يتأمل الأفق:
– حان الوقت لنذهب إلى القاهرة... أريدك أن تري أهلي، وتكوني بينهم، ثم نتزوج ونُعلن زواجنا هناك.
سارة وقد احمرَّ وجهها وصرخت فرحة:
ــ زواجنا!!!!!
عامر بابتسامة لطيفة:
ــ أجل زواجنا. من وليك هنا؟
سارة بصوتٍ حزين:
أنا قد صرت بلا أهل هنا، مات أبي، وكان بلا إخوة، ولم يكن لي أنا أيضًا إخوة، ولم أنجب من زوجي أبناءً، وباقي العائلة لا أعرف في أي البلاد يعيشون.
عامر:
لا تحزني، سيكون القاضي وليك وسنعلن زواجنا أمام الدنيا كلها في القاهرة.
فرحت سارة فرحًا شديدًا وذهبت تجهز أمتعتها وفي المساء سارا في طريقهما إلى بوابة عالم عامر.
ولمّا خرجت سارة من النيش وهبطت على السلم إلى شوارع القاهرة، شهقت سارة حتى غلبها الذهول، وقالت بعينين متّسعتين:
– يا الله... ما أعظمها! لقد حدثني السيد عثمان عن القاهرة كثيراً، لكنني ما تخيلت يوماً أنني سأراها بعيني، غير معقول، هذا شيء لا يصدق.
ابتسم عامر قائلاً:
– سأطوف بك شوارعها وأسواقها، لكن ليس اليوم... اليوم سنذهب إلى بيتي أولاً.
دخل عامر بيته في القاهرة، وقد وجد والداه وخالته وأخته تسنيم واستقبلوه بتلهفٍ واشتياق وبكاءٍ مضنٍ وهم يعاتبونه على طول غيابه هذه المرة.
ابتسم عامر واعتذر لهم ولاطفهم ثم قال:
– هذه خطيبتي سارة....وسأتزوجها اليوم لقد أرسلت حازم ليأتي بالمأذون.
تجمّدت اللحظة؛ إذ انطفأت ابتسامات الأهل، وخيّم جو من البرود الحزين، حتى إن تسنيم أشاحت بوجهها. أما خالته فقد اقتربت، ووضعت يدها على كتف سارة وهي تقول بلهجة قاسية:
– مبروك يا عروسة... يا ابني أمك حكتلي إنك اتجوزت وجبت مراتك المرة اللي فاتت، لحقت تتجوز تاني؟! وبعدين فين أهلها ولا مقطوعة من شجرة؟!، ومين الواد اللي على حجرها دا؟، هي جاية عليه عرض ولا اي؟، أهبل يا ابن أختي وشكلها بتلبسك ابن واحد غيرك يا عبيط!
غضب عامر وقال بصوت غاضب:
ــ خاااااالتي.
ولكن سرعان ما هدأته سارة بلطف وهي لا تفهم ما يجري..
ثم أشارت خالته باحتقار إلى طلحة، فاحمرّ وجه سارة ولم تفهم كلماتها، لكنها التفتت إلى عامر وهمست بصوتٍ مرتجف:
– لم أفهم ما قالته، لكنني رأيت يدها تُشير إليَّ وإلى طلحة... ويبدو أن وجودي بينهم غير مرغوب فيه.
أخذ عامر يدها برفق، وربت عليها قائلاً بحنان:
– لا عليكِ... خالتي امرأة طيبة لكنها منزعجة من بعض الأمور، والمهم أنّ وجودك مرغوب فيه عندي أنا.
على الجانب الآخر، كانت تسنيم تهمس إلى أمها وأبيها، وعيناها تلمعان غضباً:
– خطّافة الرجالة... سرقت أخويا من مراته وفرّقت بينهما. منها لله البعيدة، أنا حبيت خولة، أنا عايزة خولة. خولة وحشتني أوي.
مرّت اللحظات ثقيلة، لكن عامر مضى بعزيمة، فجاء المأذون وذهبوا إلى القاضي، وجعل السيد عثمان وحازم شاهدين. ولأن سارة لم يبق لها أهل ولا وليّ، تولّى القاضي الولاية عنها. وأُعلن النكاح في مجلس صغير، لكن صداه كان عميقاً في قلب سارة التي أغمضت عينيها وهي تسمع كلمات العقد، كأنها تحلم في يقظة.
وبعد أن أتمّ زواجهما، عاش عامر أسبوعًا مع عائلته وحاول تبرير ما حدث واكن لم يجب على أي سؤال يتعلق بخولة، أما تسنيم فقد هجرته لحزنها ولم تكلمه إلا عندما كان يودعهم.
عاد عامر وسارة إلى غرناطة. سارة كانت تضحك من شدة فرحها، أما عامر فمضى بخطوات ثابتة إلى قصره، يزداد يقينه أن الطريق الذي اختاره لن يكون سهلاً، وأن القادم أصعب مما مضى.
---
مرّ شهر على زواج عامر بسارة.
وذات صباح في اليوم المتفق عليه لتسليم باقي صفقة الأسرى ومن بينهم خولة. وسارة فهي ليست على علم بعودة خولة إلى غرناطة في صفقة الهدنة..
وبينما كان عامر يجلس في قاعة القصر الكبرى فإذا بباب القصر يُفتح وتدخل منه خولة، بوجهٍ شاحب وجسدٍ منهك، تحمل آثار الجلد والتعذيب على ذراعيها وظهرها. كانت خطواتها متثاقلة، وعيناها دامعتين.
وقفت أمام عامر وقالت بصوت مبحوح ممزوج بالوجع:
– "انظر… انظر إلى جسدي، هذا ما فعلوه بي طوال أربع سنوات من أجلك… كنت أُجلَد لأنّي أحببتك، وأعذَّب لأنّي لم أخنك قط."
ارتبك عامر، ونادى حرسه أن يدخلوا المعتز بالله وزوجته (أبو وأم خولة).
دخل الرجل والمرأة، فالتفت إليه عامر بعينين تقدحان شرراً وقال:
– "قل الحق الآن… من هي خولة؟"
خفض المعتز بالله رأسه ثم قال:
– "ليست ابنتي… لقد كنتُ قبل سنوات رجلًا غريبًا بديار إشبيلية، وبعد مدة التقيتُ بامرأة صليبية جميلة، أحببتها وتزوجتها… وكانت هذه الصغيرة معها، ابنتها من رجلٍ آخر."
انكبت المرأة باكية عند قدمي عامر وقالت:
– "صدّقني يا بني… كانت تخبرني بكل ما يجري… خولة لم تخنك قط، بل كانت تخدع الصليبيين وتتظاهر بخيانتك كي تحميك منهم! لقد ضحّت بنفسها في سبيلك."
ارتعش قلب عامر، فاقترب من خولة واحتضنها بشدة، وقبّل رأسها قائلاً بصوت مخنوق:
– "سامحيني يا خولة… لقد ظلمتك، والله ظلمتك."
وفي تلك اللحظة، انفتح باب القاعة فجأة، فدخلت سارة تركض، تلاحق طلحة الصغير وتضحك، وفي يدها كأس ماء لتسقيه.
لكنّها توقفت فجأة عندما وقعت عيناها على المشهد: عامر يحتضن خولة.
اهتزّت الكأس من يدها، فسقط وانسكب، وانحبست الدموع في عينيها، ثم انفجرت تبكي.
رفعت خولة رأسها من على كتف عامر، والتقت نظراتها بنظرات سارة… لحظة صاعقة أحرقت القلوب.
أمسكت سارة بسيفها، وصرخت بعنف:
– "أنتِ مرة أخرى أيتها الخائنة؟! أما كفاكِ ما صنعتِ؟ هذه المرّة سأقتلك بيدي!"
اندفعت نحوها، فارتجفت خولة، واختبأت خلف ظهر عامر.
رفعت سارة سيفها وصرخت:
– "قل لي يا سراج الدين، إن كنتَ ما زلت تحبها وتنوي إعادتها، فلماذا جعلتني لك؟!"
قال عامر متوسلاً:
– "اهدئي، اجلسي لأشرح لك الحقيقة."
لكن سارة ردّت بعينين مشتعلتين:
– "لا أريد أن أفهم شيئًا! هيا يا طلحة…"
حين سمعت خولة اسم ابنها ولم تكن قد انتبهت له، انتفض قلبها، وانطلقت نحوه كالمجنونة. احتضنته وبكت قائلة:
– "طلحة! ابني… حبيبي… كيف حالك يا قرة عيني؟"
لكن طلحة نظر إليها بخوفٍ، فمظهرها كان مرعبًا: شعرها مُشوَّش، ثيابها ممزقة، وجهها مغبرّ. تراجع عنها مرتجفًا.
مدّت يدها ترجوه:
– "أنا أمك يا صغيري… أنسيتني؟"
لكن سارة نادت عليه بلهفة:
– "تعال يا طلحة، أنا أمك! لا تصدّق هذه المرأة الشريرة… إنها تريد أن تفرّق بيننا!"
ركض إليها الصغير وأمسك ثوبها، فأخذته سارة بقوة، ونظرت إلى خولة نظرة احتقار ومضت.
سقطت خولة على الأرض باكية، وضعت رأسها بين ركبتيها، والدموع تنهمر كالسيل. جلس عامر بجانبها، يحاول مواساتها، لكنها دفعته بعنف وقالت بصوتٍ مبحوح من شدّة البكاء:
– "ابتعد عني! أنت السبب في كل ما حدث! لم تمنحني فرصة لأبرئ نفسي… عذبتني بظنونك، وكانت نظرة الشك التي رأيتها في عينك في ذلك اليوم أشد ألمًا من عذاب الصليبيين … فرّقتني عن ابني… وها أنا أُهان في عينيه! والله لا أسامحك يا سراج الدين… لا أسامحك!"
ثم نهضت، وأمسكت بيد أمها وأبيها وقالت بصوت كسير:
– "هيا بنا… لا مكان لنا هنا."
أراد عامر أن يمنعها بلطف، لكنها دفعت يده وهي تقول بصوتٍ مخيف:
– "لم أكن يومًا شريرة… لكنّي الآن سأكون."
---
وفي المساء وتحديدًا في منزل السيد عثمان..
كان السيد عثمان نائمًا، فإذا بظلّ ضخم يقترب منه، ويدٌ قويةٌ تطبق على رقبته تخنقه. فتح عينيه مرعوبًا ليجد أمامه رجلاً عملاقًا، عيناه تقدحان نارًا، وصوته كالزئير:
– "أين الكتاب أيها الوغد؟!"
ارتجف عثمان وقال متلعثمًا:
– "لا… لا أعلم… لقد سُرق مني!"
أخرج الرجل سيفًا ضخمًا وبريقه يلمع تحت ضوء القمر، ثم وضعه على عنقه وقال:
– "إن لم تخبرني بمكانه… سأقطّع جسدك قطعةً قطعة حتى تنطق أو تموت من العذاب!"
ارتعشت أوصال عثمان وقال فزعًا:
– "مع عامر! الكتاب مع عامر!"
قطّب العملاق حاجبيه وقال:
– "عامر؟ من يكون هذا؟ وأين أجده؟"
قال عثمان وهو يحاول استجماع أنفاسه:
– "هو ملك غرناطة… سآخذك إليه، لكن… انتظرني هنا حتى أبدّل ثيابي."
جلس العملاق منتظرًا، بينما اندفع عثمان خارج البيت بخفة، وأغلق الباب من الخارج بإحكام، ثم جرى كالمجنون نحو قصر عامر.
دخل وهو يلهث، وصاح:
– "يا سراج الدين! خطرٌ عظيم… أوڤاميندرا في يبتي يبحث عن الكتاب! وكاد أن يقتلني، أسرع قبل أن يحطّم كل شيء!"
أمسك عامر بسيفه، واصطحب عثمان معه. وحين وصلا إلى البيت، فتح عامر الباب بيده….
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
لماذا اخترت الأندلس ولماذا غرناطة بالتحديد لتجعلها البوابة الأولى في روايتك؟... لماذا هي وليس غيرها؟
الجواب...
أنني أزعم بأنني قارئ جيد لتاريخ الأندلس.
كانت بداية معرفتي بالأندلس منذ أن كنت في المرحلة الإعدادية.
وأول ما قرأت كان عن محاكم التفتيش التي استخدمها الإسبانيون لتعذيب المسلمين في الأندلس بعد سقوط غرناطة...
يرتبط تاريخُنا بتلك الذكرى المحزنة التي تأبى الذاكرة المسلمة والعربية محوَها أو نسيانها، تَضِج الروح بكل مشاعر الحزن والآسى كلما ذُكِرَ إسمُ غرناطة أو لُمِح مقالاً بإسمها، تعود ذاكرتنا بنا إلى تلك اللوحة المرسومة بدقة في خيالنا، التي لم نشهدها ولكنّا تعايشنا مع تفاصيلها التي ذُكِرَت جيلاً بعد جيل، تعود بنا إلى تلك اللحظة التي وقف بها السلطان أبو عبدالله على سفح جبلٍ ينتظر مرور موكب المَلِكَين الكاثوليكييَن "فيرناندو وإيزابيل"، ليتقَدم لهما ويسلمهما مفاتيح المدينة، مفاتيح مجد وعزة المسلمين في ذاك الوقت، وقف أبو عبدالله ينظر إلى المجد الضائع والفردوس المفقود باكياً بكل حزنٍ وانكسار، لتعاتبه أمه بأعظم مقولةٍ لا زال صداها يتردد في أيامنا. "ابكِ كالنساء على ملكٍ لم تحافظ عليه كالرجال"
(ملحوظة: بعضهم ضعَّف صحة هذه المقولة)
بعد تلك الكلمات سقطت غرناطة التي تُعتبر آخر قلاع المسلمين في إسبانيا عام 1492م، لتنهي حكم المسلمين الذي دام ثمانية قرون، ولتبدأ بعدها سنين الدم في الأندلس. بدأ الظلم بالإنتشار، لم يسلَم أحدٌ منه، طال المسلمين واليهود، بدأ طمس كل أثر بقي بعد المسلمين وتم حرق الكتب العلمية والدينية ومنها القرآن الكريم، صدرت الأوامر بطردهم أو تحويل ديانتهم إلى المسيحية، ومن يرفض ينهالون عليه بأشدّ أنواع التعذيب، لم يلتزم الجميع بالأوامر فبدأ البحث عن حلٍ لإخضاع الجميع، فظهرت من هنا الفكرة الدموية التي أزهقت أرواح الملايين من الأبرياء ألا وهي محاكم التفتيش.
تعددت أساليبهم الشنيعة في حق الملايين من الأبرياء، رحلت غرناطة ورحلت معها أرواح الأبرياء بين يديّ الطغاة الذين لا يعرفون معنى الإنسانية.
محاكم التفتيش التي تُسمى بالإسبانية (La inquisición) هي المحاكم الكاثوليكية التي إرتكبت الفظائع بأفعالها وقراراتها، لم يسلَم منها أحد، حتى إتضطر البعض للتظاهر بإعتناقهم الديانة المسيحية نهاراً، وأما ليلاً فيؤدُّون سراً تعاليم ديانتهم. لم تكن تحتاج محاكم التفتيش إلى دليل لإثبات جرمٍ على الُمتَهم، فكان بإمكان أي شخص الإفتراء على شخصٍ آخر بأنه ليس مسيحيّ لتبدأ محاكم التفتيش عملها من التعذيب والقتل. تفننت تلك المحاكم بأساليب التعذيب وكانت تتم العملية ببطىءٍ شديد حتى ينال المذنب عقابه ولا ينجو من براثِن الموت. فما هي تلك الأساليب التي عُذّب بها المسلمين واليهود أشدّ العذاب؟
1- كان "ناي المشاغبين" إحدى الأساليب المستخدمة لتعذيب الضحايا، كان يتكون من حلقة كبيرة يتم وضعها حول رقبة المذنب، ويوجد حلقات أخرى صغيرة يتم وضع أصابعه بها، مع تسخين هذه الآلة مع درجة حرارة تعتمد على مزاج المُعَذِب، كانت تتسبب هذه الآلة بتسلخات جلدية عميقة تصل إلى العظام والمفاصل وتؤدي في النهاية إلى الموت البطيء المؤلم في كل لحظة.
2-الثور الحديدي
قطعة نحاسية صلبة على شكل ثَور، مفتوحة من جهة واحدة ليتم إدخال الضحية بها، ثم يتم إشعال النار تحته حتى يتحول لون الثور إلى الأصفر ويخرُج البُخار من أنفه، يستمعون إلى صوت صراخ المذنب وهو يُشوى حتى الموت.
3-الحوض
يتم وضع الشخص في حوض وأمره بالجلوس بوضعية القرفصاء مع إبقاء وجهه ظاهراً، يتم طلي وجهه بالحليب والعسل حتى تتغذى عليه الحشرات، يبقى المذنب غارقاً في فضلاته حتى يُجهِز عليه الدود ويقتله ببطىءٍ شديد.
4-كاسر الأصابع
أداة تتكون من مسامير حديدية يتم وضع الأصابع بين فكّيها، يتم إغلاقها ببطىء حتى تتهشم العظام وتتفتت، ويستمر المُعَذِب بإغلاقها حتى تلتقي المسامير العلوية بالسفلية. تتنوع أشكالها وتتعدد، فمنها لتهشيم أصابع القدم وآخرى للركبة والكوع.
5-المخلعة
تم تصميم هذه الأداة لخلع كل جزء موجود في جسم الضحية، فكان يستلقي عليها ويتم ربط يديه وقدميه، ثم تُدار الأداة من خلال بَكَرات موجودة على طرف الأداة، ليبدأ جسد المُعَذَب بالتمدد بطريقة لا يمكن إحتمالها حتى تتمزق العضلات وكل شيء موجود في جسده
6-الشوكة الزنديقة
هي عبارة عن طوق يُلَف حول الرقبة مع أداة حديدية تشبه الشوكة موجهة نحو الذقن وأخرى نحو الصدر، وبهذا لن يستطيع الشخص أن يغفو أو تغمض له عين، لإنه إن فعل ذلك ستنغرس بجسده وتهلكه.
7-كرسي محاكم التفتيش
جاء المُسمى نتيجة لإستخدامه بكثرة من قِبَل محاكم التفتيش، كانت الأداة عبارة عن كرسي مثبت في كل جزء منه عدد مهول من المسامير، يتم تثبيت الضحية عليه لتخترق المسامير كامل جسده، ولم يكتفوا بذلك بل يتم وضع أثقال فوقه ليضمنوا أن المسامير قد مزقت أعضاءه.
8-القفص المُعَلَّق
بعد أن يتم تعذيب المذنب ويُكتَشَف أنه لم يلقى حتفه بسبب تعذيبه، يتم نقله إلى القفص المُعَلَّق وهو قفص حديدي يتم وضع الشخص بداخله في العراء وأمام الشمس ليمتص الحديد الحرارة، ولا يتم تقديم الطعام ولا الماء له، إضافة إلى وضع إبر أسفل المذنب على أرضية القفص لتؤلم قدميه إن أراد أن يريح رأسه على ركبتيه.
تعددت أساليبهم الشنيعة في حق الملايين من الأبرياء، ولم أذكر هنا إلا جزء بسيط من إجرامهم وسوداويتهم في حق الذين أرادوا فقط أن يمارسوا ديانتهم بكل سلمية. رحلت غرناطة ورحلت معها أرواح الأبرياء بين يديّ الطغاة الذين لا يعرفون معنى الإنسانية، يتملّكني الفضول كيف للعالم أن ينسى هذه الفظائع وأن يتهم المسلمين ويناديهم بالإرهابيين؟ يبقى السؤال هو أي عقلٍ أكاد أجزم أنه ليس ببشريّ قد يخرج بأفكارٍ تعذيبية وشيطانية كتلك؟
والآن أظنك من خلال قراءتك لفصول روايتي ولهذا المقال بتَّ تعرف الآن لماذا كتبت عن غرناطة بالتحديد..
لأنني كنت طفلًا يقرأ عن هزائم أمته ثم يسرح بخياله ويرى نفسه فارسًا قائدًا يعود إلى قلب الماضي ويغير بيده ما حدث...
وإن كان كل ما حدث من تقدير الله العليم الخبير سبحانه وتعالى عما يقولون علوًّا كبيرا...
وإن كان من سنة الله في كونه أن ما ذهب ليس يعود، ولكن لن يمنعنا ذلك من أن نقاتل بأقلامنا وخيالنا، من أن نذكر أجيال اليوم والمستقبل بما قد حدث لأجدادها، من أن نعود إلى الماضي ولو بالخيال وننتصر. أجيال اليوم التي نجحوا في تغييبهم وإبعادهم عن معرفة ماضيهم، وإني قد وجدتهم لا يعرفون أن الأندلس كانت ملكًا لنا، وأن دماء أجدادنا تجري تحت أرضها، وأنَّا والله لن نترك ثأرهم مهما طال الزمان...
ولكن يا عزيزي القارئ
هنا لا تمت أحداث روايتي للحقيقة التي حدثت في غرناطة بصلة.
ولكنِّي هنا لأعيد صياغة الماضي وأكتب تاريخًا جديدًا، أمحو فيه عار الذل والعجز، وأكتب نصرًا وعزًا، على أمل أن يصير ما أكتبه واقعًا في يوم من الأيام القادمة.
على أمل أن نعيد الأندلس وفلسطين وكل بلاد الإسلام...
مرحبًا بك يا عزيزي وقارئي الجميل 🤎✨
أخوك ذو القلم المتواضع مصطفى النجار 🫡🤎
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
فُتح الباب على مصراعَيه، وعامر يتقدّم بخطواتٍ ثابتةٍ، يتهيّأ لأن يجد الغرفة خالية، فإذا بذراعٍ قويةٍ تنقضّ من خلفه، وسيفٌ لامع يلتصق بعنقه، والحديد البارد يلامس جلده. تجمّد عامر في مكانه، واليد القابضة على كتفه كانت أشبه بصخرةٍ لا تُزحزَح. التفت قليلًا فإذا به يواجه وجهًا غريبًا: ملامح مشدودة، عينان تقدحان نارًا، وعباءة داكنة تُغطي جسدًا عملاقًا.
انطلق صوتٌ خشن بلغةٍ لم يفهمها عامر، كأنها صفيرُ ريحٍ بين جبالٍ بعيدة:
أوڤاميندرا (بالصينية):
> 把书交出来,否则你会死在这里。
(«أعطني الكتاب، وإلّا متَّ هنا.»)
دخل السيد عثمان مسرعًا، والذعر بادٍ في عينيه، ثم صاح:
انتظر! لا تقتله، الكتاب معه!
رفع عامر حاجبيه بدهشة وهو ما يزال تحت قبضته، ثم قال بغيظٍ وهو يحاول التملّص:
— ما هذا الذي يقوله؟ أي لغةٍ يتحدّث بها؟!
ردّ عثمان متلعثمًا:
— إنها الصينية… نعم، الصينية!
— الصينية؟! وكيف تفهم اللغة الصينية يا عثمان؟!
ابتسم عثمان ابتسامةً باهتةً، وكشف عن قلادة في يده، ثم قال:
— ليس بفضل علمي، بل بفضل هذه القلادة المرتبطة بالكتاب. من يحملها يفهم كل لغات العوالم التي خُطّت فيه، ولذا أنا أفهم لغته، وهو أيضًا يفهم لغتي العربية لأنه صاحب الكتاب ومعه قلادة مثلي.
شدّ عامر أسنانه وقال:
— قلادة؟! ومنذ متى وأنت تخفي عني أمرًا كهذا؟! كنتُ أحسب الكتاب وحده يكفي!… اصبر حتى يُبعد هذا الأحمق سيفَه عن رقبتي، وسترى غضبي عليك.
أومأ عثمان مسرعًا، ثم قال لأوڤاميندرا:
«أفلِتْه، فهو صاحب الكتاب. من دونه لن تنال شيئًا.»
زأر أوڤاميندرا وهو يُضيّق عينيه:
(«سأتركه ولكن إن حاولتما خداعي فسيفي هو ما سينهي هذا الحديث.»)
ترجم عثمان إلى العربية وهو يحاول إخفاء ارتباكه:
— قال إنه سيتركك ولكن إن لم نعطه كتابه سيقتلنا.
رفع عامر رأسه متحديًا:
— سأعطيك الكتاب… لكن ليس قبل أن تُخبرني بأسراره كلها أولًا. ولن أتركك ترحل حتى ترافقني في اكتشاف العوالم التي يحويها. وهذا لن يكون إلا بعد أن نُنهي حربنا ونحرر الأندلس. حتى ذلك الحين، ستبقى معنا في غرناطة.
نقل عثمان قوله إلى أوڤاميندرا، فتردّد قليلًا، ثم أرخى قبضته عن عنق عامر، وسحب سيفه ببطء. تقدّم خطوة، وحدّق في عيني عامر طويلًا، ثم أجاب ببرود:
«حسنًا، سأبقى. لكن تذكّر، إن خدعتني، سأجعل العالم بأسره يدفع الثمن.»
ابتسم عامر ابتسامةً ساخرة وهو يمسح على عنقه حيث مرّ السيف، ثم مدّ يده مصافحًا:
— مرحبًا بك في غرناطة.
مدّ أوڤاميندرا يده فصافحه، قبضته باردة وصلبة كالحجر، بينما همس عثمان في نفسه:
— لقد بدأت اللعبة أخطر مما كنا نتصوّر…
ثم خرجوا جميعًا من الغرفة متجهين نحو القصر، وفي السماء غيومٌ ثقيلة كأنها تُنذر بأنّ القادم ليس مجرّد حربٍ على أرض، بل حربٌ على عوالم لم تبح بأسرارها بعد.
---
في المساء جلس عامر في حديقته يفكر في خولة وما فعله بها، ثم خرج من مجلسه وهو يركض من ثقل ما يغمر قلبه من الحزن. لم يستطع أن يهدأ حتى مضى إلى جناحه حيث كانت سارة. وجدها جالسة في صمتٍ شارد، وعيناها ممتلئتان بالقلق. جلس قبالتها وقال بصوت حزين:
– سارة... جئت لأصارحك بما خفي عنك. لقد ظلمنا خولة ظلمًا عظيمًا. لقد تبيّن لي أنّها لم تكن خائنة، بل كانت جنديّة في معركتي، حمتني من الصليبيين يوم أرادوا قتلي، وتحملت أهوال العذاب لأنّها لم تطع أوامرهم.
شهقت سارة، وارتجفت شفتاها وهي تقول:
– لا... إنّها لا تزال تكذب عليك يا عامر. تلك المرأة بارعة في الخداع، تخدعك باسم الحب والولاء.
اقترب منها عامر وقال بنبرة رجاء:
– إن كنتِ تحبّينني حقًّا، فتعالي معي إليها. دعيها تحدثك بنفسها، لعلّك تسمعين منها ما يُزيل الشك عن قلبك.
خرجت سارة معه، وحينما وصلا إلى بيتها، أبصرا خولة وهي تُعدّ متاعها مع أبويها، تستعد للرحيل. وقف عامر أمامها، فخفضت بصرها ولم تكلّمه. قال بصوت منكسر:
– أعلم أنّني ظلمتكِ، وأدرك أنّ كلمات الأسف لا تكفي لمحو ما أصابك. لقد جرّحتُ قلبك بحبّي، وألقيتُ بكِ إلى العذاب دون رحمة. لكنّي... والله ما زلت أحبّك، وسأظلّ أحبّك ما حييت.
التفتت إليه خولة بعينين ملتهبتين بالصمت، فمدّ عامر يده إلى سيفه، وأخرجه من غمده، ثم ركع على ركبتيه أمامها، وقال بصوتٍ يملؤه اليقين:
– ها هي رقبتي أمامك، إن كان في سفك دمي شفاء لقلبك، فاضربي بسيفك. خذي بثأرك بيدك، وأريحي قلبي من عذابه.
مدّت خولة يدها، وأمسكت السيف. حدّقت فيه لحظة طويلة، ثم ألقته بعيدًا، وانحنت لترفع عامر عن الأرض، وألقت بنفسها في حضنه تبكي بحرقة:
– لم تمنحني فرصة واحدة لأدافع عن نفسي يا عامر. تركتني فريسة الصليبيين، عذّبوني حتى الموت، وكنتَ أنتَ السبب... ثم تزوجت سارة!
أمسك عامر كتفيها، وقال:
– أعترف بكل ذلك، غير أنّي ما سمحت يومًا لأحد أن يتهمك بالخيانة، حتى سارة نفسها لم أتركها تقول عنك ذلك. لكن بعد أن طعنتِني بخنجرك، كنتُ في انتظار كلمة واحدة منك تبرّئك.
قالت خولة وهي تبكي:
– حبي لك كان كافيًا. لم تعلم كم تعلقتُ بك، شيئًا فشيئًا حتى صار قلبي أسيرك. وصارت روحي من روحك.
قال عامر بصوت يكتمه الغم:
– فهل تسامحينني إذن؟ إن رقبتي لا تزال بين يديك، فاقطعيها إن شئتِ.
لكن خولة ربتت على ظهره وهي تبكي:
– اسكت... لا أحد سيمسّك بسوء ما دمتُ حيّة. حتى أنا لن أفعل. أنتَ زوجي وحبيبي وقرة عيني، يا أبا طلحة.
مسح عامر دموعها بيده، وقبّل جبينها، ثم قال:
– أقسم لكِ أنني سأنزل بالصليبيين عذابًا يوازي ما ذقتِ، وأوّلهم الخنزير فرديناند. سأجعلك تشهدين إذلالهم بنفسك.
ثم نادى على طلحة، فحمله بين ذراعيه وقال له:
– هذه أمك يا طلحة، لقد كانت في سفر طول، ولم تفارقك إلا لتعود إليك بالخير. أنظر، لقد جلبت لك ما تحب.
وأخرج من جرابه كيسًا فيه ثياب جديدة، ناولها لابنه وقال:
– هذه من أمك، لأنّها تحبك.
تهلّل وجه الصغير، وأسرع إلى حضن خولة، فضمتْه إليها وهي تبكي بحرارة. رفع الصبي بصره نحو سارة، فرآها تقف بعينين دامعتين. اقتربت منه، ومسحت على رأسه، وقالت:
– هي أمك يا طلحة، لا شكّ في ذلك.
وبعد أن عادوا إلى دار المعتز بالله، جلست خولة، وأفصحت بكل ما كتمته لسنوات. روت كيف جنّدها الصليبيون جاسوسة، وكيف علّموها القتال واللسان العربي، وكيف رتّبت لقاء أمها بالمعتز بالله حتى تتزوج منه. روت كيف اختطفت الخادمة التي كانت توصل رسالة سارة، وأخفتها حتى لا يُكشف أمرها. روت أنّها قتلت محمد بن الأمين لأنه خان المدينة وكاد يرسل الخرائط إلى العدو، وأنها قتلت الجندي الذي حاول اغتيال عامر يوم التتويج.
ثم بكت وهي تعترف:
– نعم... أنا من طعنتك يا عامر، يوم خُيّرت بين قتلك على يد غيري أو أن أُظهر إخفاقي أمامهم. لم أرد قتلك، بل أردت أن أكسب وقتًا آخر.
سألتها سارة والدموع تترقرق في عينيها:
– وماذا عن مقتل سراج الدين، وأبي، وسعيد، وأم عامر؟
أجابت خولة:
– لم يكن لي في ذلك يد. إنّه "الظل"، هو من سفك دماءهم.
ثم أضافت:
– نعم، قتلتُ الرجل الذي كاد يفضحني في القصر. كان جاسوسًا صليبيًّا، يبتغي فضحي لأني رفضت الزواج منه.
لم تتمالك سارة نفسها، فأسرعت إلى خولة، واحتضنتها قائلة:
– اغفري لي. أنا من ظلمك، لا عامر. هو كان يدافع عنك دائمًا، أما أنا فكنت أملأ قلبه بالشكوك. سامحيني.
ابتسمت خولة وسط دموعها وقالت:
– سامحتك يا سارة، فما كرهتك يومًا... غير أنّني سأكرهك الآن، لأنّك صرتِ زوجة لعامر. وأنا لا أقبل أن يشاركني فيه أحد.
جثت سارة على ركبتيها أمامها، وقبّلت جبينها:
– أرجوكِ، دعيني إلى جانبه. لقد أحببته بصدق، بعد أن رأيت فيه ملامح سراج الدين، زوجي الراحل. وشجاعةً ورقة قلبٍ لم أرى من قبل مثله، أرجوكِ، لا تجرّديني من هذا الحلم الجميل.
نظرت خولة إلى عامر بعينين دامعتين وقالت:
– إن أردتني أن أعود إلى القصر، فطلّقها.
ظلّ عامر صامتًا، فنهضت سارة، وخرجت تبكي.
التفت عامر إلى خولة، وقال متألمًا:
– لم أقصد أن أتزوجها إلا لأجل طلحة، فهي كانت أماً له حين غبتِ، وكان لا بدّ من أن تكون بيننا.
ناداه الصغير ببراءة:
– أبي، أين ذهبت أمي سارة؟
فارتجف قلب خولة، وقالت:
– لقد تعلّق بسارة... لا أريد أن أكسر قلبه. سأبقى معك يا سيد عامر، لكن اعلم أنّنا عندما نعود إلى القصر ونغلق باب غرفتنا سأقطع رأسك الجميل هذا لأنه فكر في غيري.
ابتسم عامر وهو يمسك بيديها:
– وأنا جاهز لأي عقاب أستحقه. وسأكون رهن حبّك، يا خولة.
فأجابته بعينين لامعتين:
– حسنًا، سأحتملك لأجل طلحة، لكن اعلم أنّ سارة لن تظفر بك. إن اقتربت منك، سأصنع منها كفتة كما علمتني تسنيم يوم أن كنا في القاهرة.
ضحك عامر وقال:
– حسنًا حسنًا، سنتحدث في هذا الأمر لاحقًا. فلنعد إلى القصر ونكمل حديثنا هناك.
اقتربت خولة منه أكثر، وهمست:
– اشتقت إليك يا عامر... اشتقت إليك يا نور قلبي كثيرًا. وإلى حضنك الدافئ سأنام في حضنك عامين كاملين هذا أول عقاب لك.
ابتسم عامر، وضمّها إليه بقوة، وأمسك بيدها، وسارا معًا نحو القصر، بينما خلفهما يمشي طلحة ضاحكًا بين ثيابه الجديدة.
---
استقر قلب عامر واستقر القصر وساد الحب بين أفراده.
وخلال فترة الهدنة استغل عامر مواردَ الهدنة لبناء ترسانةٍ جديدة.
وإليكم ما حدث...
1. تحويل موارد الهدنة إلى بنية صناعية سرية
أمر بتخصيص جزءٍ كبيرٍ من الجزية التي يدفعها الصليبيين ومبالغٍ من غنائم الحروب لتمويل ورشٍ سريّة في سراديبٍ تحت قلعة ألمرية والقلعة الكبرى في غرناطة.
أُنشئت ورشٌ لصناعة المدافع المصغّرة، ومحاريث لصهر الحديد، ومناشير لقطع الأخشاب الثقيلة التي تُكوِّن قواعد المجانيق.
2. إصلاحُ المدافع والصناعات الهندسية
جُلُّ المدافع المعطوبة رُمِّمت، وكُسيت بعدها بصفائحٍ معدنيّة مُعزَّزة.
صُنِعت رؤوس قذائفٍ مخصّصة (حجارة مُدَوَّرة، كرات صغيرة من المعدن)، وابتُدِعَت عرباتٌ حديدية مغلقة على جانبيها أسياف حادة يقودها حصانٌ مدربٌ على الركض بها بين حشود العدو بينما تتولى الأسياف التي تخرج من جانبيها قتل كل من تمر بجانبه.
3. تأسيسُ صناعة البنادق البدائية وتدريب الأشبال
أُنشئت مصانع لذلك، ثم يتولى رجال خبراء تدريب فرقٍ من الرماة على إعادة التلقيم بسرعةٍ نسبية، وعلى إطلاق النار المتقاطع من ممراتٍ محددة.
أُعدّت تدريباتٌ صارمةً للرماة: ممارسة الرماية من خلف الحواجز، إصابة نقاط التجمع، مراقبة مؤون العدو.
4. تجنيد وتكوين وحداتٍ متخصّصة
جُمعت فرقٌ صغيرة من النخبة: فرقُ كمائنٍ جبلية، فرسانُ تسلّلٍ خفيف، فرقُ استدراجٍ، ووحداتُ إطفاءٍ ومعالجة الجرحى.
ووضعت خطط لإعادة تعبئة جيشٍ احتياطيّ، وتعليم شباب القرى فنون الرماية والكمين، وتحويلهم إلى مقاتلين ذوي قدرةٍ على العمل الليلي والتنقّل الخفيف.
5. بناء شبكةٍ لوجيستيّة محصَّنة
أُنشئت مستودعات سرّية تحت أرضٍ القلاع، وحُوِلت الآبار القديمة إلى خزاناتٍ للماء، كما حُفِرت أنفاقٌ طويلة تصل بين القلعة وبعض الحصون الصغيرة لتأمين خطٍ للطوارئ.
أُعدّت عرباتٌ مُقوّاة لنقل الذخائر جواً، مع فرقٍ لحراستها وإخفائها.
6. التصنيعُ النفسيّ والحشد المجتمعي
استُخدمت المساجدُ والبيوتُ في ذلك:
فأصبحت دروس للقرآن تُقرَن بحصصٍ في التاريخ والبطولة وأنشودات تحمّس الشباب. كانت الأنشودة والموعظة جزءاً من صناعة إرادةٍ شعبيةٍ مؤمنةٍ بالخطة.
---
وذات مساء جلس عامر في مجلس الحرب مع رجاله بعد أن ظل يضع معهم خطة شاملة لاستعادة الأندلس بالكامل قطعةً قطعة في فترة زمنيةٍ قصيرة نسبيّاً، اعتمادًا على عنصر الدهاء والتوقيت والضربات المركَّزة.
مبدأ الخطة الشاملة (خط “العقد والرابط”)
العقد: تثبيتُ خطوط إمدادٍ آمنة وتحويل المدن والحصون الصغيرة إلى عقدٍ دفاعية متقاربة.
الرابط: قطعُ خطوط إمدادِ العدو ومهاجمة العقد المرتبطة به بسرعةٍ متزامنة، وهو ما سيُحدث صدماتٍ سريعة ويُجبر العدو على التراجع أو طلب هدنة وقبول شروط مذلة أخرى.
المسار الأوّل
— تأمين القاعدة الشرقية (قاعدة انطلاق)
أهداف قصيرة المدى (ثلاثة أسابيع):
1. ترميم وتحويل قلعة ألمرية إلى مركز تصنيع وتجميع للمدافع.
2. تأمين ممرات ألبوخاراس: نصب حواجزٍ متحركة، نقاط مراقبة على القمم، وإقامة مخازنٍ مؤنٍ سرية.
3. تفعيل وحدات بحريّة محدودة: سفنٌ خفيفة تنفّذ ضرباتٍ ليلية صغيرة ضد قوافل العدو الساحلية، تفتيت قدرته البحرية.
المسار الثاني
— الضغط الساحلي المتزامن (هجوم مُركَّز خلال شهرٍ واحد)
أهداف متوسطة المدى:
1. ضرب مراكز الإمداد الساحلية من ألمرية شمالاً إلى مالقة: استهداف فيليز-مالقة، ثم مالقة، لتجميد حركة الأسطول الصليبي.
2. كمائن على طرق الإمداد: إغلاق طرق التزويد من قرطاجنة وقادِس نحو الداخل، وبالتالي تجريدهم من مخازنهم.
3. الهدف العملي: إجبار فرديناند على نشر قواتٍ كثيرة لحماية الساحل، ما يُخفِّف الضغط عن غرناطة وألمرية ويُسهِم في فتح محاورٍ أخرى.
المسار الثالث
— اجتياح العقد الداخلية (فتح الحصون واحدةً تلو الأخرى)
ويكون ترتيب الأهداف بحسب القرب والتأثير كالتالي:
1. فيليز-بلانكو / فيليز-مالقة
— لدعم ساحل مالقة.
2. مالقة (الميناء)
— حرمان العدو من قاعدة بحرية أساسية.
3. تابيرناس / سهول التابيرناس
— فتح سهلٍ يوفّر قاعدةً لاعتراض تحرّكات جيش العدو إلى الغرب.
4. قُلاع جبلية صغيرة في طريق إشبيلية
— تشكّل حزامًا يمنع عمليات اختراقٍ واسعة.
5. قطع الطريق نحو قرطاجنة
— وبالتالي قطع خطوط بحرية/برّية تؤمّن الإمداد بعيد المدى للعدو.
> آلية العمل:
ـ ضرباتٌ ليلية موجَّهة بفرقٍ صغيرة مدعومة بالمدافع والمجانيق؛
ـ أسر قادة محليين لإرغام فرديناند على التفاوض إذا لم تسر الأمر كما خطط لها وأنهك الجيش المسلم.
ـ احتلال الحصن لمدة محدودة ثم حصن آخر لتأمين الظهر.
المسار الرابع
— التزامن والضربة القاضية
خطوة الانقضاض: حين تُصبح العقد الشرقية والساحلية تحت سيطرةٍ جزئية أو كاملة، تُنفَّذ عمليةٌ سريعة ومخاتلة (48–72 ساعة) لاستهداف مراكز قيادةٍ وإمدادٍ كبرى (مواقع تجمع المدافع، مخازن البارود، ورابطات الأسطول).
نتيجة متوقّعة: شللٌ لوجستيّ في جيش فرديناند، انهيار معنويات الجنود، وطلب هدنة مذلة مهينة.
المسار الخامس
— تجميع النصر وإرساء النظام
بمجرد حصول هدنة أو هروب العدو: تثبيت الأوضاع، نقل مراكز إدارة الحكم إلى المدن المفتوحة، إقامة نظامٍ مالي مُنَظمٍ لتغذية الخزائن وإعادة الإعمار، وتعليم الأطفال وفتح حلقات العلم للدعوة الوطنية.
---
عناصر نجاح الخطة (خلاصة محور حديث عامر مع رجاله)
1. سرعة الضرب: استخدام فرق صغيرة مدربة لضرب نقاط الضعف قبل أن يتجمع العدو.
2. سيطرة على طرق الإمداد: قطع طرق الإمداد يؤثر أكثر من المواجهة المباشرة.
3. استخدام المدافع والمجانيق في نقاط التضييق: تحويلها من أدوات حصار إلى أدواتِ كمين.
4. حملة استخباراتية وجاسوسية مركّزة داخل معسكر العدو: اختطاف قادة، بثّ شائعات مدمّرة.
5. استغلال الحصون والجِبال لصالح الدفاع والهجوم الكميني.
6. الطابع النفسي: بثُّ أنشودة الانتصار، رفع الروح المعنوية، وكسر روح العدو عبر الأسر والرسائل الاستفزازية المدروسة.
أصبحت الخطة الجزئية جاهزة ومن خلفها خطط أخرى لاستعادة كل حصون الأندلس سيجرى تنفيذها بنفس طريقة هذه الخطة.
---
عاد عامر من مجلس القادة، مثقلاً بهموم الحرب، غارقاً في التفكير. وما إن خطا نحو جناح القصر حتى وجد سارة بانتظاره، تتلفّت يمنةً ويسرةً كمن تخشى عيون المترقبين، ثم أشارت إليه بيدها وقالت بصوتٍ خافتٍ متعجل:
— اسمعني... تعالَ معي.
أمسكت بيده وسحبته بخفةٍ نحو غرفتها، أغلقت الباب من خلفهما، وما إن اطمأنت حتى ارتمت في حضنه، تعانقه بحرارةٍ قائلة:
— لقد اشتقتُ إليك كثيراً يا عامر... هل ستبيت الليلةَ معي؟
ربّت على كتفها بحنو، وقال بصوتٍ لطيف:
— لا أستطيع الليلة، فنحن الآن نواسي خولة، ونجبر كسرها بعد ما وقع عليها من ظلمٍ بسببي وبسببنا. أرجوكِ، تحمّليني أياماً قليلة، فواجبي الآن أن أكون بجوارها، أطيب خاطرها بحضوري.
اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها تماسكت، ورسمت ابتسامةً حزينة على ثغرها، وقالت بصوتٍ يملأه الحب:
— حسنًا... ما تراه صواباً يا زوجي العزيز. في كل الحالات أنا أحبك... ثم إن لديّ خبراً جميلاً لا أستطيع كتمانه.
التفت إليها عامر وقد خفق قلبه بشوقٍ:
— أي خبر؟ قولي لي سريعاً.
ابتسمت، وأخذت يده برفقٍ، وضعتها على بطنها، وقالت وهي تشرق كقمرٍ في تمامه:
— أنا حُبلى.
تجمد عامر لحظةً من شدة الفرح، ثم أطبق ذراعيه حولها، يقبّل رأسها، ويقول منبهراً:
— أحقّاً ما تقولين؟! يا الله... متى علمتِ؟ أهو ولدٌ أم بنت؟
ضحكت والدمع يملأ عينيها:
— لا أدري نوعه ولكني اليوم تعبت قليلاً، فجاءتني الطبيبة وأخبرتني أنني حبلى. لم أصدق نفسي... كنتُ سأموت من شدّة الفرح. ظننت نفسي عقيماً في زواجي السابق من سراج الدين، وكان حلمي أن أُرزق بولدٍ أو بنت. وها أنت تحقق حلمي... أنت النور الذي أنار حياتي وقلبي، أحبك يا عامر.
ثم انفجرت سارة بالبكاء، فمسح عامر دموعها، وقبّل جبينها، وقال بحنان:
— أنتِ تستحقين كل الخير يا سارة، أنتِ المرأة الطيبة النقية، وأنا أحبك جداً.
ابتسمت وهي تقول:
— حسنًا، ألستَ ترى أنّي أغار مثل خولة؟ الليلة اجعلها لها، وغداً أريدك لي. لا أطيق أن تُشبعها بحنانك وتحرمني.
أجابها بصوتٍ هادئٍ ثابت:
— أتفهم غيرتك، ولكنك عاقلة وصبورة، وستتحملين قليلاً. أما خولة فقد تعذّبت كثيراً بسببي، وتحمّلت ما لا يُحتمل. عليّ أن أعيد إليها الأمان قبل كل شيء.
ضحكت سارة رغم دموعها وقالت:
— حسناً... اذهب إليها. لكن حذار أن تُرى وأنت في حضني، فينقلب يومنا سواداً علينا.
ضحك عامر وودّعها بحنان، ثم مضى إلى غرفة خولة.
هناك وجدها جالسةً بانتظاره، عابسة الوجه، تحدّق فيه بطرف عينها. ابتسم وقال ممازحاً:
— ماذا؟ ألستِ قد سامحتني؟
أجابت بجديةٍ مصطنعة:
— لا، لم أسامحك بعد.
اقترب منها يلاطفها ويلاعبها، يقبّل يديها، ويمرر أصابعه بين خصلات شعرها قائلاً:
— يا أميرتي الجميلة، حلوتي الرقيقة، أحبك ولا أطيق العيش بدونك.
رفعت رأسها نحوه، ابتسمت للحظة، ثم عادت لتقطب جبينها، وقالت:
— لا، لستُ أميرة أحد.
أدار وجهها إليه برفق، وضمّها إلى صدره قائلاً:
— أنا آسف.
ابتسمت أخيراً، وقالت:
— هكذا تُصالحني إذاً... كنتُ أتدلل عليك فقط، أردتُ أن أسمع كلماتك الحلوة، وأشعر بحضنك.
ثم مالت برأسها على كتفه، وقالت:
— أحبك يا أميري، أنا ملكك وحبك في قلبي لم يخفت لحظة.
وبعد لحظات ساد الصمت وانطفأت أنوار الغرفة... لكن نور حبّهما لا يطفئه شيء.
---
وفي نفس الليلة، كانت خُطى أخرى تُدبّر الشرّ في ظلام القصر. امرأة ملثّمة، متنكرة في هيئة خادمة، تسير بخطواتٍ حذرة، تلتفت يمنةً ويسرةً لتتأكد أنّ لا عين تراها. وصلت إلى باب غرفة سارة، وهناك استوقفتها خادمةٌ أخرى. سألتها المرأة الملثمة بصوتٍ خافتٍ:
— هل وضعتِ لها ما اتفقنا عليه في شرابها كما أمرتُك؟
أومأت الخادمة برأسها وقالت:
— نعم، ستنام ولا تشعر بشيء حتى الصباح.
أشارت إليها الملثمة بالانصراف، ثم دفعت الباب ودخلت بخطواتٍ متسللة.
في الداخل، كان طلحة، الطفل الصغير، ينام بسلامٍ في حضن أمه سارة. اقتربت المرأة من الفراش، مدت يدها على فمه كي لا يُصدر صوتاً، ثم أخذته من بين ذراعيها.
لكن فجأة، فتحت سارة عينيها وأمسكت بيد المرأة بقوة، وقالت بصرامةٍ وهي تنهض من الفراش:
— من أنتِ؟! وماذا تفعلين هنا؟
ارتبكت المرأة وحاولت الفرار، لكن سارة شدّت يدها، فأخرجت المرأة خنجراً، ووجهته إلى طلحة، وهي تصرخ:
— اصمتي! وإلا ذبحتُه.
ارتجفت سارة للحظة، ثم أفلتت يدها خوفاً على صغيرها، فدفعت المرأة الطفل، وولت هاربة.
لكن سارة لم تستسلم. حملت صغيرها، ووضعته في الفراش، وركضت خلفها، تصرخ بكل قوتها:
— أيها الحراس! يا جنود القصر! أمسكوا تلك المرأة!
ولكن لم يأت أحد، فقد بدا أن الحراس أُبعدوا عن أماكنهم بخدعةٍ ما.
انطلقت سارة خلفها إلى خارج القصر، والمرأة تجري حتى تعثرت وسقطت أرضاً. انقضّت عليها سارة بقوة، أمسكت بذراعها، طرحتها أرضاً وهي تصرخ:
— من أنتِ؟! ومن أرسلكِ لقتل طلحة؟! تكلمي وإلا قتلتك بيدي! لن يمسّ أحدٌ طفلي بسوء إلا على جثّتي أولاً!
وإذ بها تسمع صوت رجلٍ من خلفها يقول ببرودٍ قاتل:
— إذن قد حان موعد موتكِ...
فالتفتت، فإذا برجلٍ طويلٍ، أسود الوجه، أسود الثياب، يقف وفي يده سيف يلمع تحت ضوء القمر...
---
وفي تلك اللحظة هرع طلحة الصغير، وقد علا صوته المرتجف:
– أبي! أبي! ماما سارة…
انتفض عامر من فراشه واقفًا، وانطلق مع خولة مسرعين إلى غرفة سارة، فلم يجداها. التفت إلى طلحة وسأله بصوت مرتعش:
– أين أمك يا بني؟
فأشار بيده المرتجفة إلى خارج القصر، والدموع تلمع في عينيه.
انحنى عامر عليه وربت على كتفه مطمئنًا:
– لا تخف يا طلحة… قل لي ماذا رأيت؟
فأخذ الصغير يقص ما جرى ببراءة وارتباك، فازداد قلب عامر اضطرامًا، واندفع خارج القصر ومعه خولة، ينادي بأعلى صوته على الحراس.
وقف أمامهم غاضبًا، صوته كالرعد:
– أين كنتم؟ كيف تتسلل الأيادي إلى حرمي دون أن تشعروا؟! أريدكم أن تفتشوا القصر كله، وخارجه، وأغلقوا أبواب غرناطة كلها، ولا تُترك دارٌ ولا زقاق إلا وتُفتش بحثًا عن سارة!
وانطلق الجنود كالسيل الجارف، وبعد وقت قصير عاد أحدهم وقال:
– مولاي… وجدنا آثار دماء في حديقة القصر.
هرع عامر معه، وهناك رأى قطعة من ثوب سارة ملطخة بالدماء، والأرض حولها مضرجة. جثا على ركبتيه، أمسك القماشة بكلتا يديه، وقبّلها وهو يبكي كطفلٍ فقد قلبه:
– لا… لا يمكن! سارة بخير… لم يُصبها مكروه!
جلست خولة بجواره، تربت على كتفه لتخفف عنه، لكنه التفت إليها بعينين دامعتين وقال:
– إن لم تُقتل، فأين ذهبت؟ وإن كانت قد قُتلت، فأين جسدها؟!
أجابته خولة بصوت هادئ فيه رجاء:
– ما دامت لم تظهر الجثة، فهناك أمل أنها على قيد الحياة… لا تفقد صبرك.
لكن قلبها المثقل لم يمنعها من أن تهمس بجرحها:
– لماذا يحدث هذا في اليوم الذي عدتَ فيه إليك؟ لماذا يظل كل شيء يدفعك لتشك فيّ؟ والله يا عامر إني أحببتها، ولم أفكر يومًا في أذيتها… ليس من أجلها فحسب، بل من أجل طلحة الذي أحبها وتعلق بها. أرجوك، لا تظن بي سوءًا، سأموت قهرًا إن اتهمتني ثانية.
رفع عامر بصره إليها، وصوته حاسم:
– لن أشك فيكِ أبدًا يا خولة. المقصود لم يكن سارة… المقصود كان طلحة، وسارة افتدته بروحها! يا رب، اجعلها بخير… وإن أصابها مكروه، والله وبالله وتالله، لأُعلِننّ الحرب على الدنيا كلها!
ثم انتفض واقفًا وصاح في جنوده:
– لا أريد حجرًا ولا ورقة شجر في غرناطة إلا وتُقلب بحثًا عن سارة!
اقتربت خولة وقالت:
– سأحمل سيفي وأخرج معك.
فأمسك يدها وهز رأسه:
– لا… ابقي مع طلحة، هو أمانة في عنقك. ولن يقترب أحد منكما، فقد أمرت الحراس ألا يفارقوكم لحظة.
ثم أمر باستدعاء عبد الرحمن، ولما حضر قصّ عليه ما جرى، فانطلق الاثنان في البحث. وظلا يفتشان في كل دربٍ وزقاق حتى غربت شمس اليوم التالي.
كان عامر منهكًا، محطّم القلب، فحاول عبد الرحمن تهدئته. لكن عامر رفض وقال له بصرامة:
– عد إلى بيتك، سأعود أنا إلى القصر.
عاد عبد الرحمن إلى داره، فإذا بزوجته بثينة تدخل مترددة، ففاجأها قائلاً:
– أين كنتِ يا بثينة؟
ارتبكت، وتلعثمت قائلة:
– كنتُ… عند أختي… كانت مريضة… وانتَ تأخرتَ، فلم أستطع الانتظار لاستئذانك. وأيضا كنت لم أزرها منذ أسبوع.
فقال لها وهو يحدق في عينيها:
– كيف هذا! ألم تزوريها البارحة أيضًا؟
ازداد ارتباكها، وأسرعت تقول:
– نعم… نعم، صدقتَ… كنت عندها. والآن سأعد لك طعامك الذي تحبه.
لكن الشك أخذ ينهش قلب عبد الرحمن، ورأى في عينيها شيئًا تخفيه.
---
وفي القصر، كان عامر جالسًا لا يغمض له جفن، وخولة بجانبه، تحتضن طلحة النائم على حجرها. دخل أحد الحراس وقال:
– مولاي، وجدنا هذه الرسالة في الحديقة الخلفية.
أخذ عامر الرسالة، فتحها، فإذا فيها مكتوب:
"سارة سبقتك إلى القدس… تعال إن أردتها."
شهقت خولة:
– القدس؟! ولماذا القدس بالتحديد؟
عامر… أنت لن تذهب إلى هناك صحيح؟ أرجوك، إنه فخٌّ نصبوه لك!، أنا أفهم خطط الصليبيين جيدًا.
فأجابها بعزمٍ لا يتزحزح:
– سأذهب… حتى لو كانت في بطن الحوت. سارة ضحت بنفسها من أجل طلحة، سارة زوجتي وحبيبتي، وتحمل في بطنها ابني!
نظرت إليه خولة بدهشة:
– ابنك؟! متى؟ وكيف؟
فقال بصرامة:
– ليس هذا وقت الحديث يا خولة… حياتها الآن هي الأهم.
خفضت رأسها وقالت بصوت خافت:
– حسنًا… افعل ما ترى.
نهض عامر وأمر باستدعاء عبد الرحمن. وفي تلك اللحظة كان عبد الرحمن في بيته، يمسك بذراع زوجته بعنف، يقول لها:
– اعترفي بما تخفين، وإلا أقسم بالله لأجرّك بنفسي إلى سراج الدين وأقطع رأسك أمامه!
ارتجفت بثينة وقالت:
– أنا… أنا…
ولم تكمل، إذ طرق الجندي الباب يستدعي عبد الرحمن إلى القصر.
أغلق عبد الرحمن الباب عليها، وذهب إلى عامر، فأطلعه الأخير على مضمون الرسالة، ثم قال:
– لا بد من التوجه إلى القدس حالًا.
فأجابه عبد الرحمن:
– أعطني ساعة واحدة فقط لأجهز الرحلة، وأختار رجالًا أشداء مدربين على المهمات الخاصة ليكونوا معنا.
فقال عامر:
– لا تتأخر.
عاد عبد الرحمن إلى بيته ليأخذ بعض الاستعدادات، فوجد الباب مكسورًا، وزوجته قد هربت. بحث عنها فلم يجد لها أثرًا، فترك أمرها، وانصرف ليجهز للرحلة.
---
وفي قصر طليطلة، جلس فرديناند على عرشه، وحوله القادة، وأمامه رجل بسيط من أهل غرناطة. ابتسم الملك بمكر وقال له:
– أحسنت أيها الرجل، لقد كانت خطتك في منتهى الذكاء، فعلت ما عجز عنه هؤلاء القادة الحمقى ودون أن أطلب منك ذلك.
سأكافئك أنت وتلك المرأة التي أخبرتني عنها.
سأعطيك من الذهب ما لم تره من قبل.
ثم التفت إليهم جميعًا وقال بلهجة المنتصر:
– لقد أرسلنا سراج الدين إلى القدس يلهث وراء سراب! سيترك غرناطة وألمرية وكل ما استولى عليه خلف ظهره وسيكونون فريسة بلا ملك. لقد تخلصنا من العقل المدبر، وحين نهاجم، سيكون السيف مقابل السيف… وسيفنا أرجح وأغلب!
---
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
دخل عامر إلى قاعةٍ صغيرةٍ من قاعات القصر، وأمر بإحضار حازم على الفور. وما إن وقف بين يديه حتى نظر إليه عامر بوجهٍ صارم وقال:
"يا حازم، قد عزمت أن تُؤمِّن خولة وطلحة حتى يبلغا القاهرة في أمان."
ارتسمت الدهشة على وجه حازم، وارتفع صوته قائلاً:
"أتريدني أن أبقى بعيداً عنك؟! لا، يا عامر، لقد أقسمت أن أكون معك حيثما كنت. دعني أرافقك في رحلتك."
أطرق عامر رأسه لحظة ثم رفع عينيه بنظرة حادة وقال:
"كلا، لن يرافقني أحد. سأمضي وحدي."
ارتبك حازم وقال بصوتٍ ممتزجٍ بالغضب:
"أتمضي وحدك؟! كيف؟! وأين عبد الرحمن؟ أتتركه هنا؟"
فأجابه عامر:
"عبد الرحمن باقٍ هنا، وأنت أيضاً ستعود بعد أن تطمئن أن خولة وطلحة بلغا بيت خالتك في القاهرة سالمين. ستكون أنت وعبد الرحمن وبقية القادة حصني في هذه الأرض."
تقدم حازم نحوه، وصوته يختنق بالرفض:
"مستحيل! أن تمضي وحدك إلى القدس، ما تفكر فيه هو أشبه بالانتحار، ولن أدعك تفعل ذلك!"
ابتسم عامر ابتسامةً هادئة، وقال وهو يضع يده على كتف صديقه:
" لقد ضاعت سارة من جوف قصري، ولم أستطع أن أحميها كالرجال. سأعود بها بيدي أنا، كما ضاعت من يدي."
اشتعل غضب حازم فأمسك عامر من ذراعه وقال بصوتٍ مرتعش:
"لا، لن تذهب وحدك، ما دمت حيًّا!"
ساد الصمت لحظة، ثم أطرق عامر وقال في هدوءٍ مخادع:
"حسناً، كما تريد... لن أذهب وحدي. سأنتظرك حتى تعود. لكن إياك أن تبوح لخولة بما دار بيننا. لقد أخبرتها أنني ذاهب مع الجيش، ولا أريد أن تعلم ما أفكر فيه. أفهمت؟"
"فهمت... سألتزم بما أمرتني به."
غادر حازم المكان، وهو لا يدري أن عامر قد عزم في قلبه أن يخدعه وينطلق وحده.
وبعد قليل، دخل عبد الرحمن إلى القاعة ومعه القادة.
جلسوا جميعاً في صمتٍ مهيب، حتى قام عامر من مجلسه وقال بصوتٍ يملأ القاعة رهبة:
"قد عقدت العزم أن أسير إلى القدس وحدي."
تبادل القادة النظرات في ذهول، ثم قام عبد الرحمن قائلاً:
"مولاي، هذه رحلة محفوفة بالموت، بل هي فخٌّ نصبه الصليبيون. لن أدعك تذهب وحدك!"
رفع عامر يده يشير إليه بالجلوس، وقال بصرامةٍ قاطعة:
"لم أجمعكم لأستشيركم، بل لأُعلِمكم بقراري. سأمضي ومعي دليلٌ واحد يرشدني الطريق ذهاباً وإياباً، وأما أنتم فابقوا هنا. إن كان هذا خدعة من فرديناند، وأراد أن يشغلني ليهجم على أرضنا، فإني آمركم أن تراقبوا جيشه عن كثب، فإذا تحرك بخيانة فانقضّوا عليه بخططنا الهجومية التي اتفقنا عليها."
سكت عامر لحظة ثم أضاف بصوتٍ حازم:
"اعلموا أنكم لا تنتصرون لأنني بينكم، بل لأن الله معكم، وإن غبت عنكم فلن تغيب عناية الله عنكم. فأرسلوا أمري هذا إلى كل حصوننا وأبراج المراقبة، ولتُكتب الأوامر الليلة، وليحملها الرسل قبل الفجر."
ثم التفت إلى عبد الرحمن وقال:
عامر: "أحضروا لي دليلاً ذكياً الآن، فلا وقت للانتظار."
فساد القاعة صمتٌ مهيب، لا يُسمع فيه سوى أنفاس القادة المتقطعة، وقد أدركوا أن عامر قد ختم أمره، وأنه لا رجوع عن قراره.
---
كانت ليلة من ليالي غرناطة يلفها صمتٌ ثقيل، لا يقطعه إلا وقع أقدام الحرس في أزقة القصر. وفي تلك الساعة، خرج عامر متخفّياً مع رجلٍ غريب الملامح، حادّ النظرات، يتوشح عباءةً من صوفٍ بنيّ اللون، ويشد على خاصرته خنجراً عربياً قصيراً. كان ذلك هو الدليل الذي طلبه عامر، رجل يُدعى محمد بن ناصر، من أبناء البحّارة والتجّار الذين اعتادوا الأسفار بين المغرب والمشرق وله في كل بلد زارها أصحاب ربما يساعدوهما إن احتاجا لذلك.
وقف عامر أمامه، وقال بصوتٍ منخفض:
"ما اسمك أيها الرجل؟"
محمد:
"محمد بن ناصر، يا سيدي."
عامر:
"حسناً يا محمد، قد اخترتك لتكون دليلي في هذه الرحلة، فصف لي الطريق الذي سنسلكه من غرناطة حتى القدس، على ألا نمرّ ببلاد الصليبيين ولا بأرضٍ لهم فيها أعينٌ."
انحنى محمد برأسه احتراماً، ثم قال بثقة:
محمد:
"سمعاً وطاعة. الطريق طويل، لكنه آمنٌ بإذن الله. سنبدأ من ميناء ألمرية، وهو أقرب الموانئ إلى غرناطة، وسننزل إلى البحر في سفينة صغيرة تقودنا جنوباً نحو سواحل المغرب الأقصى. هناك سندخل ميناء سبتة أو طنجة، وكلاهما في يد المسلمين. ومن المغرب نعبر بالساحل حتى فاس، ثم نتجه شرقاً حتى نبلغ تلمسان ثم بجاية في الجزائر. كلها ديارٌ للمسلمين، آمنة."
أصغى عامر بانتباه وهو يشد على مقبض سيفه، بينما تابع محمد قائلاً:
محمد:
"من بجاية نسير شرقاً بمحاذاة البحر، حتى نصل إلى تونس، ثم نركب البحر ثانيةً إلى طرابلس، ومنها نتابع المسير شرقاً إلى برقة ثم الإسكندرية في ديار مصر. مصر كلها في سلطان المسلمين، ومن هناك ندخل إلى القاهرة، دار الخلافة وحصن الإسلام. سنجد في القاهرة من يمدّنا بالمؤن والزاد والرجال إن شئت."
أشرق وجه عامر وهو يبتسم ابتسامةً خفيفة وقال:
"أرض الكنانة...."
أومأ محمد برأسه مواصلاً:
محمد:
"بعد أن نستريح في القاهرة، نسلك طريق القوافل شرقاً عبر سيناء، حتى نبلغ العريش، ثم إلى غزة، ثم نسير جنوباً إلى أن ندخل أرض القدس. كل هذا الطريق تحت راية المسلمين، ولن نمسّ أرضاً من أراضي الصليبيين."
ظل عامر صامتاً لحظة، يتأمل الخريطة في ذهنه، ثم قال بنبرةٍ واثقة:
"طريق طويل، لكنه آمن بإذن الله. ما أشد حاجتي إلى السرعة، وما أشد خوفي من أن يسبقنا الأعداء إلى غايتنا. أتحسب أننا سنصل قبل أن يعلم فرديناند؟"
ابتسم محمد ابتسامةً مطمئنة، وقال:
محمد: "يا مولاي، البحر أسرع الطرق، وإن شاء الله وأحسنت الرياح إلينا فلن يستغرق وصولنا إلى سواحل المغرب إلا أياماً معدودة. ما أخشاه هو العيون، لا الطريق. الصليبيون يملؤون البحر بمراكبهم، وقد يعترضوننا إن علموا بأمرك."
فشد عامر قبضته وقال بصرامة:
عامر: " ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين، الله معنا ولن يضيعنا يا محمد"
انحنى محمد وقال بجدية:
"أقسم بالله أنني لن أخذلك، وسأقودك إلى القدس كما وعدتك."
تنفّس عامر بعمق وهو ينظر نحو الأفق حيث يمتد الطريق المجهول، وقال في نفسه:
"القدس تناديني... وسارة تنتظرني هناك. لن أعود إلا بها، أو يعود جسدي بلا روح."
---
ثم صمت عامر، وقال:
"يا محمد، نحتاج إلى حيلةٍ تضلّل أعين الصليبيين. فإن عرفوا بخروجي فلن يتركوني أعبر البحر سالماً."
محمد:
"صدقت، يا مولاي. البحر مليء بسفنهم، وقد جعلوا من التفتيش عادةً لكل مركب يعبر."
فكر عامر قليلاً، ثم قال:
عامر: "إذن فلنركب سفينةً من السفن التجارية التي تحمل القماش. على أن نصطحب معنا من منسوجات غرناطة ما يثير إعجاب التجّار، فيكون ظاهر أمرنا أننا تجّارٌ نسافر ببضاعتنا إلى أسواق المغرب ثم إلى مصر وإلى القدس. وبذلك لن يشكّ فينا أحد، ولن يتمكن الصليبيون من الإمساك بنا إن شاء الله."
ابتسم محمد، وقال بإعجاب:
محمد: "حيلة بارعة، أيها القائد. فالقماش الغرناطي مشهور بين التجّار، وسيكون خير ستارٍ لرحلتنا. سأدبّر الأمر وسأبحث لنا عن سفينة معروفة بين المراكب التجارية، حتى لا يثير مظهرها الريبة."
أومأ عامر برأسه، وعيناه تلمعان بعزم وخوف:
"إذا كانت هذه رحلة تجارة في نظر الناس، فهي في حقيقتها رحلة حياة أو موت. اجعل كل شيء جاهزاً مع أول ضوء للفجر."
انصرف محمد يعدّ العدة، بينما بقي عامر وحده، يضع يده على مقبض سيفه ويهمس:
"سارة... ها أنا قادم، ولو وضعت الدنيا كلها في وجهي سدّاً، فلن أعود إلا بك."
---
وفي قصر طليطلة، حيث يجلس الملك فرديناند على عرشه، التفّ القادة حوله، وهو يتحدث بنبرةٍ متعجرفة، يضرب بكفه على مقبض كرسيه الذهبي قائلاً:
"لا خيار أمام سراج الدين إلا البحر، ولا مهرب له غيره. لم تبلغني أخبارٌ حتى الآن عن تحرّكه، ولكني واثق أنه لن يترك زوجته الأسيرة في أيدينا. سيفعل أي شيء لاستعادتها، حتى لو كان ذلك الثمن حياته."
ثم اعتدل في جلسته، وعيناه تقدحان ناراً:
"أريد منكم أن تُبلّغوا جميع سفننا الحربية في البحر: لا مركب يمرّ إلا ويُفتَّش. وإن وُجد فيه غريب أو رجل ذو ملامح مشبوهة، فلتُكبَّل يداه ويُؤتى به أسيراً. أريد سراج الدين ذليلاً تحت قدمي، وسأقتله بيدي، لكن بعد أن أُذيقه صنوف العذاب، حتى يتمنّى الموت فلا يجده. سأمزّقه إرباً إرباً، وأُخرج أحشاءه أمام عينيه، وأتركه ينزف دمه حتى يلقى حتفه ألماً."
ساد صمتٌ ثقيل، فقطعه صوت أحد القادة متردداً:
"مولاي، أليس من المتوقع أن يرافق سراج الدين جيشٌ كبير؟ فهو ذكي، وربما يشك في المكيدة ويصطحب عدداً من السفن ورجالاً كثراً."
فابتسم فرديناند ابتسامةً باردة وقال:
"نعم، هذا ما أتوقعه، فهو يعرف أني أترقّبه، ولن يُقدم على مغامرة كهذه إلا مدجّجاً بجنوده."
وهنا تقدّم قائد آخر بخطوات ثابتة، وقال وهو ينحني احتراماً:
"اعذرني يا مولاي، لكنني أرى غير ذلك. سراج الدين رجلٌ ماكر، وقد يفكّر بطريقةٍ مختلفة. أظنه سيسعى إلى الوصول إلى القدس خفية، دون جيشٍ ولا صخب. أظنه سيذهب وحده."
رفع فرديناند حاجبيه، ثم ضرب بيده على مسند العرش وقال:
"أجل! لقد أصبتَ كبد الحقيقة. سراج الدين لن يجرّ وراءه جيشاً يكشف مسيره، بل سيخفي نفسه في ثوب التجّار. كيف لم يخطر ببالي ذلك؟"
اقترب القائد بخطوةٍ أخرى وقال:
"نعم، يا مولاي. الأغلب أنه سيتخفى في إحدى السفن التجارية، يتوارى خلف أقنعة القماش أو البهارات، كما اعتاد التجّار أن يسلكوا البحر دون ريبة."
نهض فرديناند من مكانه فجأة، وعيناه تقدحان شرراً، ثم صرخ بأمرٍ قاطع:
"إذن فلتُفتَّش كل سفينة تجارية، وكل مركب صغير، وكل تاجر يعبر البحر. لا رحمة لأحد! وإن وصل سراج الدين إلى القدس سالماً، فلن ينجو بحارة البحر من سيفي. سأجعلهم عبرة لكل من يتهاون في طاعتي!"
وهكذا، انطلقت الأوامر الصارمة إلى الأسطول الصليبي، لتُحكم الشبكة في عرض البحر، بينما كان عامر في غرناطة يُعِدّ عدّته لركوب البحر، متخفياً في قافلة تجارية تحمل قماش غرناطة الفاخر.
---
بعد يومين من إبحارهم في البحر، وقد هدأت الأمواج ومالت الشمس نحو المغيب، إذا بسفينة ضخمة تلوح من بعيد، تحمل على سارياتها صليباً عظيماً يرفرف في الهواء، وعرف عامر على الفور أنّها إحدى سفن التفتيش الصليبية التي تجوب البحر تبحث عن المسلمين والتجّار لابتزازهم أو القبض عليهم.
اضطرب الركاب، وبدأت الهمسات تسري بينهم كالنار في الهشيم. وقف عامر إلى جانب محمد، يرمق السفينة الآتية بسرعة، ثم قال بصوت منخفض:
- محمد، الأمر جدّ خطير. إنهم صليبيون، وربما هم يبحثون عني.
اقتربت سفينة التفتيش، حتى التصقت تقريباً بسفينتهم، وقفز منها جنود مدججون بالسلاح، وجعلوا يصرخون بلغة غليظة يأمرون الجميع بالاصطفاف على ظهر السفينة.
أمسك عامر بذراع محمد وقال له بحزم:
- اتبعني، ولا تسأل.
قاد عامر صاحبه إلى مؤخرة السفينة، حيث الممرّ المؤدي إلى أسفل، ونزل مسرعاً إلى المخزن المظلم حيث صناديق الخشب والبراميل. هناك، فتح أحد الصناديق الكبيرة، كان ممتلئاً بأقمشة سميكة، ثم التفت إلى محمد قائلاً:
- سأدخل هنا، وأختبئ بين القماش. أنت غريب عنهم، لن يعرفوك. أما أنا فلا.
ثم أمسك عامر بيده وابتسم ابتسامةً هادئة رغم الموقف وقال:
- إذا عثروا عليّ فلا تقل إنك تعرفني، بل عد إلى غرناطة، وبلّغهم بما جرى.
ثم نام داخل الصندوق، وأغلق محمد الغطاء بإحكام.
لم تمض لحظات حتى اندفع الجنود الصليبيون إلى أسفل، يحملون المشاعل في أيديهم، وبدأوا يقلبون في الأمتعة. وقع نظرهم على محمد واقفاً إلى جوار القماش، فارتابوا فيه، وتقدّم أحدهم صارخاً:
- أيها الكلب! أأنت تخبئ البضائع عن أعيننا؟
أمسكوا به بعنف، وضربوه بأعقاب سيوفهم حتى ترنّح، ثم جرّوه إلى سطح السفينة. صعد محمد بين أيديهم مقهوراً، والركاب ينظرون في رعب، بينما أحد الجنود التقط قطعة قماش من بين يديه ولوّح بها ساخرًا، ثم رماها في البحر ضاحكاً بصوت أجش، وتبعه الآخرون بإلقاء باقي الأشياء لبقية التجار، والضحكات تملأ الجوّ كأنها صفعة على وجوه المسلمين الواقفين عاجزين.
تركوه أخيراً يتلوّى من الألم، ثم عادوا إلى سفينتهم، وانسحبت سفينة التفتيش ببطء عن مرمى البصر.
تنفّس الركاب الصعداء، بينما محمد جلس على ركبتيه، يراقب أقمشة التجار وبضاعتهم وهي تغوص في البحر وقلبه يشتعل غيظاً. وما إن غابت السفينة عن الأفق حتى أسرع يهرول إلى أسفل المخزن، يفتح الصندوق بيدين مرتجفتين.
قال محمد وهو يلهث:
- الحمد لله... لم يروك.
ابتسم عامر وهو يضع يده على كتف محمد وقال:
- الحمد لله، لقد مضت العاصفة، ولن يوقفنا شيء عن بلوغ القدس. أنا آسف لما أصابك.
محمد:
ــ لا عليك يا سيدي، ما يهمني هو أنك بخير.
عامر:
ــ أقسم لك أنني سأجعلك تأخذ ثأرك من جنود فرديناند هؤلاء يومًا ما.
---
مرّت أيّامٌ على حادثة التفتيش، والأمواج قد هزّت السفينة وصقلتها كأنما تختبر صبرها وصبر من عليها. وفي صباحٍ هادئٍ، قال محمد وهو يرفع يدَه ليشير إلى جهة الشاطئ:
- ها نحن ذا نبلغ النقطة الثانية من مسارنا: طنجة.
تغيّر وجهُ الجميع، وملأت البسمة وجوههم قبل أن تُلقي السفينةَ بأوصالها عند رصيفٍ مزدحمٍ بالحركة. وحينها علت أصوات صياح البائعين، وأدْنَت روائحُ البهارات والزيتون من أزقّة المرفأ إلى داخل السفينة. كانت طنجة حينها مدينةٌ تجارية عامرة، ميناءٌ للصُّنَّاع والتُجّار، يختلط فيها لهجُ أهل المغرب بلسانٍ أندلسيٍّ نابعٍ من مهاجرين ومرابطين. أسوارٌ قديمة تحيط بالمدينة، وبرجٌ حصينٌ يطلُّ على البحر شاهداً على عصورٍ تعاقبت عليه.
نزل عامر ومحمد بين زحامٍ من البحّارة، وحملا صناديق القماش إلى برِّ الميناء، وتحفّظا في سلوكهما على هيئةِ تاجِرَين لا يلفتان الأنظار. كان محمد يتكلّمَ بنبرةٍ هادئةٍ وهو يسرد لعامر وصفَ المدينة وما تشتمل عليه من مرافق:
- طنجة يا مولاي ليست مدينةً صغيرة، بل ميناءٌ استراتيجيٌّ يلتقي فيه تجّارُ الغرب والشرق. ترى فيها مراكبٍ قادمةً من عجَمٍ ومن قرطاجة، وأسواقٌ عريضةٌ تتزاحم فيها أقمشةُ سَوَاءٍ وحبوبٌ وتوابل. سأعرّفك على رجلٍ أعرفه هنا. هو سيدُ مخازنٍ ويمتلك داراً واسعةً يقيم فيها التجار المسافرون.
قاد محمد عامرَ في زقاقٍ ضيِّقٍ إلى محراب السوق، حيث أضاءت الشمس مصابيحَ النحاس، وسمعا نداءَ أهلِ الحِرفِ بكلماتٍ بلغاتٍ مُختلفة؛ أمازيغيةٌ، أندلسيةٌ، وعربيةٌ مرنةٌ وهم يروجون لما يبيعونه من حُليٍّ وفَخّارٍ وخيوطِ قُماشٍ طُرِّزت بعناية.
لم تمض ساعة حتى وصلا إلى شيخٍ من كبارِ التجّار يُدعى يونسُ بنُ الحاجّ؛ رجلٌ طاعنٌ في السن، قابلهما وهو يبتسم بوجهٍ ودودٍ، وعيناه تحملان خبرةً طويلةً بمداخل المرافئ. وحينما رآه محمد نادى عليه، فتفقد الشيخ الوجوهَ بعينٍ حذرةٍ، ثم إذا بوجهِه يلمعُ حين رآى محمدَ:
- محمد! ألم تخلُف الوعد وتطيل الغياب؟! تعالَ إليّ يا ولدي.
احتضنه الشيخ وصافحه وصافح عامر ثم قادهما إلى دارٍ فسيحةٍ ذات فناءٍ تُحيط به أَسِرَّةٌ من الخشبِ، وأطباقٌ من التمر والزيتون على موائدٍ صغيرة. أُسندت إليهما غرفتان هادئتان؛ أما في المساء فقد عُقد مجلسٌ صغيرٌ في الفناء، وشربوا من إبريقٍ من الشاي العطر، بينما حدّثهم يونس عن أمور الطريق:
- إن أردتما متابعة المسير، فخير ما تفعلان أن تقضيا ليلَتين هنا، تُجددان المؤن، وتستريحان قبل العبور إلى البحر الشرقي. أمورُ الطريق الآن معقّدةٌ بعض الشيء: قوافلُ الساحل تحرسها فرقٌ مواليةٌ لأمراءٍ متغيرين، ولا بدّ أن تعلموا أن السلطة هنا ليست واحدةً محكمةً؛ فالحُكم يتقاسمه تجّارٌ محليون وولاةٌ يتوزّعون على السواحل. لكنكم آمنونَ ما دمتما في دارِنا، وسأمنحكما رجالًا مخلصين يعلمانكم طرقَ المخارج الآمنة.
جلس عامرُ مع يونس وحينما سأله عن سبب رحلته، حكى له عامر بلياقةٍ عن حاله: أنه تاجرٌ مسافر، وأن رغبته ليست سوى زيارةِ بلادٍ للقاء عائلةٍ قديمة، لا أكثر. تجاوب يونس بنبرةٍ تُخفي خلفَها فضولاً:
- عيني قرأت في عينيك غير ذلك، ولذا إن أردت أن تشق طريقك إلى المشرق دون أن تُفتضَح، فاعتمد على رجالٍ ثقات؛ سأدلكَ على رجلٍ يعرف شطوطَ البحر والمرافئ الخفيّة، يُدعى أبو حكيم؛ أما الآن فستُخبّئان بضاعتكما في مرابضٍ لا يطأها أحدهما، ورجال سيصطحبانكما إلى سفينةٍ تجاريةٍ تتجه شرقاً بعد ليلتين.
قال محمد:
- أما أنا فسأبقى مع صديقي عامر حتى ننجز مهمتنا ونعود إلى غرناطة وسأعود إلى طنجة لأبقى معك وأدرس الحديث على يديك كما وعدتك يا شيخي.
يونس:
ــ وأنا سأنتظرك يا بنيّ، ولكن لا تطل الغياب فلا تدري متى يحين أجلي.
محمد:
ــ لا تقل هذا رجاءً، أطال الله عمرك وبارك فيه.
-وفي تلك الليلة نام عامر، لكن قلبه كان يوشك أن يشتعل بسؤالٍ واحد: هل مازالت سارة حيَّة وهل هي في القدس بالفعل أم أن فرديناند أرسلهم خلف السراب؟.
أقاما في دار يونس ليلتين؛ وفي اليوم الثالث، بعد أن جدّدا مؤونتهما وسلّما على من يُعرفان من رجال يونس في الميناء، ثم ركبا سفينةً تجاريةً تُنقل تجارًا وبضاعةً إلى الشرق.
---
ما إن غادرت السفينةُ رصيفَ طنجة بعد ليلتين من الاستراحة والتزود، حتى أخذت تودّعُ الأطلسَ ببطءٍ، وتلوحُ السواحلُ البعيدة كما لو أنّها تودّع مسافراً عتيقاً. اجتمع عامر ومحمد على السطح، ينظران إلى لانهائيةِ البحرِ الباهتةِ، وقد قرّرا أن تكون المحطةُ التاليةُ على الساحل الشرقي للمغرب الكبير: الجزائرُ
- التي تعلوها أسوارٌ وقلعةٌ، ويَعرفها البحّارةُ عن بعدٍ بنيرانِ أبراجها.
قال محمد، وهو يحدّق في الخرائط المرسومة في ذهنه كأنها طريقُه المألوف:
- سنصلها بعد ثلاثة أيّامَ من الإبحار المعتدل ولكن إذا هبَّتْ علينا رياحٌ شماليةٌ سيهبُّ معها عُسرٌ وتأخيرٌ. ولكن دعنا لا نفكر في الشيء السيء الآن، سأكمل حديثي عن الجزائرُ
ـــ هي ميناءٌ كبيرٌ، لكنه متقلبٌ في أحوالِه: له تجارٌ متحذرون، وأمراءٌ محليونُ يَختلفون في علاقاتهم مع القوّاتِ البحرية. لا بدّ أن نتحفّظ.
ثم تابع محمد:
- إنّ أولَ ما يُلفِتكَ عند الاقتراب سورٌ يُطوِّق المدينة من جهة البحر، وبرجُ المراقبة على الهضبةِ يختصُّ بمراقبة السفن. السوقُ الكبيرُ داخلَ الأزقّةِ الضيّقةِ يَحتوي على أقمشةٍ يجلبها النّاسُ من غرب إفريقيا ومن الشرق. هناك رجالٌ يعرفون قوةَ الحرسِ البحريِّ والمرابطين على الشاطئ، وسيعينوننا على الإرساء بعيدًا عن أعينِ التفتيش المسلّح.
حطّوا رحالهما، ونزلا بحذرٍ وسط صخبٍ من التجار. ثم ذهبا وسألا الناس عن أبي حكيم، حتى وصلوا إلى بيته، وعندما فُتِحَ الباب
قابلهما رجلٌ أسمرُ الوجهِ عظيم الهيئة، قدّم نفسه: مرحبًا أنا أبو حكيم، من أنتما؟.
وبعد أن أخبراه بأنَّ الشيخ يونس بن الحاج يوصيه بهما. دعاهما أبو حكيم إلى داره الصغيرة عند المدخلِ القديم للمدينة، فجلسوا في فناءٍ مُحاطٍ بأرففٍ من الأوعية والأواني، وأدناهم وهو يشير إلى طبقٍ من التمرِ والشايِ: - لا تُظهرا غيرَ ما ينبغي أن تُظهراه. سأجهّز لكما مكاناً على إحدى السُّفنِ الصغيرةِ التي تُقلُّ زُيوتاً وأقمشةً نحو الشرق. أما عن الطريق فهُوَ واحدٌ من ثلاثةِ مساراتٍ نُفضِّله:
أولها السَّيرُ المتواصلُ على الساحل، وثانيها الخروجُ بعيدًا عن الساحلِ ثم القطعُ نحو الجنوب فوق المياه الحرّةِ حتى الوصولِ إلى حلقِ البحر الأحمر عن طريق ليبيا ومصر. لكنّي أُفضّل لكما إن أردتُما الطريق الأكثر أمانًا أن تَركبا سُفينةً تجاريةً تُغادر ليلاً إلى تونس ثم إلى برّ ليبيا، حيث تجدا ميناءً يؤمّنُهُ حاكمٌ أقلّ صِدامًا مع الغرباء؛ وبعدها تقطعان الطريق إلى طرابلسَ ثم إلى الإسكندرية.
نظر عامر إلى محمد، وقال:
- أيُّ طريقٍ تراه أنتَ آمنًا أكثر؟
أجاب محمد بثقةٍ مكسورةٍ من تعب البحر:
- الطريق الساحليُّ ستكون فيه مجابهاتٌ مع مراكبِ حرسٍ صليبيّةٍ، لكن موانئَ الجزائر وتونس وطرابلس غالبًا ما تتقلب ولها روابطُ تجاريةٌ وولاؤها لِمَن يدفع. إذا ما ركبنا سفينةً تجاريةً متجهةً إلى تونس ثم طرابلس، فسنتخفى تحت ستارِ التجارة. أما المُخاطرةُ الكبرى فهي العبورُ المباشرُ إلى الشام جنوبًا من فوق البحر، فقد تجتذبُنا سفنُ البحثِ الصليبيّةُ أو قراصنةُ البحر.
فاقتنع عامرُ، وابتسم لِمحمد قائلاً:
- أحسنت، هذا ما أردتُ سماعهُ. جهّز أقمشة القطن والمال الذي أعطاه لنا الشيخ يونس في طنجة.
قضوا في الجزائر ليلتين. وفي الليلة الثانية، دبر أبو حكيمُ لهم مركبًا صغيرًا قادهم به حتى وصلا إلى السفينة المرغوبة وصعدا على متنها وهي سفينةٌ تجاريةٌ تُسمّى "أمواجُ الشرق".
قبلَ أن يُغادِرا، منحهما أبو حكيمُ رسالةً إلى رجلٍ في طرابلسَ يُدعَى "الشيخُ مُراد"
- أملٌ يفتحُ لهما مخرجًا عند الحاجة، ووجهٌ واحدٌ يعرّفهما بين التجار حين يشير إصبع الشكك إليهما.
---
توالت الأيام على ظهر السفينة "أمواج الشرق"، والبحر يبتلع مسافاتٍ طويلة بين الجزائر وتونس. كان عامر يخرج كل صباح إلى مقدّمة السفينة، يرمق الأفق بعينين تتناوب فيهما الدهشة واليقظة، فيما جلس محمد إلى جواره يفسّر له طبيعة البحر وسلوك الرياح.
قال محمد وهو يشير بيده إلى اتجاه الرياح:
- إذا حافظت هذه الرياح على ثباتها، فسنبلغ سواحل تونس بعد أربعة أيام. إنّها مدينة محصّنة بأسوارٍ عالية، يحكمها الحفصيون، وهم متقلّبون في ولائهم بين ملوك المغرب وبين القوى الأوروبية، لكنهم أهل حضارةٍ زاهرة بالعلم والتجارة.
سأل عامر:
- وكيف يكون استقبال الغرباء فيها؟
أجاب محمد:
- إنّ للتونسيين قلبًا رحبًا، ولكن لا يخفى أنّ العيون تراقب كل قادم. لا بدّ أن نبدو كتجّار أقمشةٍ لا أكثر، ونلزم الحذر.
وبينما الليل يرخي سدوله، كانوا ينامون على سطح السفينة تحت أغطية بسيطة، يتسامرون أحيانًا مع البحّارة ويستمعون إلى قصصهم عن أسواق صقلية وطرابلس ومراكش. وكان عامر يصغي في صمت، كأنّه يجمع خيوطًا تربط البحر بالبرّ.
وبعد أربعة أيام، لاحت أبراج تونس من بعيد، متوّجةً بقبةٍ بيضاء تُشرف على الميناء. ما إن اقتربت السفينة من الرصيف حتى انبعثت رائحة التوابل والزيوت، واختلطت أصوات التجار بالمنادين، وأبواق الحراس بصياح الدواب.
قال محمد وهو يشير إلى المدينة:
- هذه تونس يا سيدي. هنا تُباع الأقمشة القادمة من الشرق، والتوابل القادمة من السودان والهند. سنبيت الليلة عند رجلٍ أثق به يُدعى الشيخ عبد الرحيم، وهو من التجار الذين يحفظون العهد ويكرمون الضيف.
دخلا المدينة من باب البحر، فانبسطت أمامهما أسواق ضيقة متعرجة، يظلّلها شجر التين والنخيل. كانت الحوانيت تضجّ بالباعة: هذا يمدح سمنه، وذاك يفاخر بزيتونه، وآخر يصرخ على جوخه.
استقبلهما الشيخ عبد الرحيم في داره القريبة من جامع الزيتونة، وكان رجلاً وقورًا بلحيةٍ بيضاء وعينين نافذتين. رحّب بهما قائلاً:
- مرحبًا بأبنائي، أنزلكما الله في دارٍ آمنة.
جلسوا في مجلسٍ مفروشٍ بالبُسط الملونة، وقدّم لهما اللبن والخبز والزيتون. ثم التفت إلى محمد سائلاً:
- ما خطّتكما بعد تونس؟
أجاب محمد:
- نُيَمّم وجوهنا شطر طرابلس، فهي بوابةٌ إلى الشرق، ومنها ندخل مصر. نرجو أن تدلّنا على طريقٍ آمن.
ابتسم الشيخ عبد الرحيم وقال:
- بين تونس وطرابلس طرق بحرية وساحلية، أمّا البرّ فمليءٌ بالقبائل التي لا يؤمَن جانبها. لكن إن سلكتم البحر على متن قافلةٍ تجاريةٍ، فستصلون بسلام. لي قريب هناك يُدعى يوسف بن عطاء، سيُعينكم إن ذكرتم اسمي.
قضى عامر ومحمد ليلةً في دار الشيخ، استراحا من عناء البحر، وصلّيا في جامع الزيتونة حيث تعانق أصوات المؤذنين قبابَ المدينة. وفي الفجر التالي، حملا زادًا كافيًا من التمر والماء والخبز، وودّعا مضيفهما شاكرَين.
عادا إلى الميناء حيث كانت تنتظرهما سفينة تجارية متجهة إلى طرابلس، محمّلة بالجلود والأقمشة والزيوت. وما إن أبحرت حتى وقف عامر ينظر إلى تونس وهي تبتعد شيئًا فشيئًا، وقال لمحمد:
- كل مدينة نمرّ بها تزيدني شوقًا إلى الغاية. أشعر أنّ القدس تنادينا من بعيد.
أجابه محمد:
- كل خطوة نخطوها تجعل القدس تقترب منا يا مولاي.
---
مضت الأيام، وبعد رحلةٍ قصيرةٍ في البحر، لاحَ الأفقُ بارزًا بأبراجٍ صفراءٍ وبيوتٍ متراصة؛ ميناءٌ تحفّه أسوارٌ شُيّدت لتصدّ الريح والعواصف، وعلى رأسه علمٌ يرفرف فوق قلعةٍ قديمةٍ تُراقب المدّ والجزر. قال محمد بلهفةٍ وهو يقرّب منظاره:
- هذه طرابلس الغرب، يا مولاي. إذا ثبتْنا على هذا الساحل فقد خطونا خطوةً جوهرية نحو مصر.
رست السفينة في مرسى يضجّ بالحركة: قوارب صغيرةٌ تنقلُ البضائع، ورجالٌ يلوّحون للحاضرين، ونفَسٌ حارٌّ يختلط فيه عبقُ الصنائع والزيوت بريحِ البحر. نزل عامر والركبان إلى رصيفٍ مرصوفٍ بالحجارة، وتبعه محمد بفرحةِ رجلٍ يطأ الأرض كما لو أنّه يعود إلى بلدٍ يعرفه قلبه.
وصَفَ محمدُ طرابلسَ لأول وهلةٍ على لسانٍ مُتمرِّسٍ:
- طرابلسُ الغرب مدينةٌ ساحليةٌ عظيمةٌ، أسواقها تفيض بالبضائع من المغرب ومصر والشّرق، وتختلط فيها لغاتٌ وألوان. وفي بعض الأحياء يزاولُ الباعة فنّهم بحِرفيّةٍ عريقة. (وسميت هذه المدينة بطرابلس الغرب لتمييزها عن طرابلس الشام).
قاد محمد عامرَ عبر الأزقّةِ الضيقةِ إلى دارٍ مُرتّبةٍ على نحوٍ تاجرّيٍّ، حيث استقبلهما يوسف بن عطاء، مُرحِّبًا بهما بوجهٍ هادئٍ وابتسامةٍ تعبر عن كرم المضيف. دار بين يوسف ومحمد حديثٌ سريعٌ، ثم التفت يوسف إلى عامر وقال:
- أهلًا بك يا سراج الدين. اطمئنّوا؛ طرابلسُ ترحّب بالزائرين، لكنّ الحكمة أن تبدو كما تبدو التجّار: ثيابٌ متواضعة، وعبارةٌ قليلة، وابتعادٌ عن الجدل مع الحُرّاس.
جلس الرجال في مجلسٍ مُظلّلٍ، وُضع أمامهم طعامٌ. تحدث يوسف إلى عامر بقلبٍ صريحٍ:
- إذا كنتم عازمين على الوصول إلى مصر ثمّ إلى القدس، فالبحرُ هو طريقكم الآمن من هنا إلى الإسكندرية، وهناك تُجدّون مَن يُوصلُكم عبر بلادٍ يَعرفها أهلُها. أمّا المسالك البرّية فخطرةٌ على هذه الناحية بسبب عصابات السلب والقبائل الرحل. سأُهيئ لكم مكانًا على سفينةٍ تجاريةٍ متجهةٍ إلى الإسكندرية غدًا عند الظهر، على شرط أن تتنكّروا بزيّ التجّار الذين يذهبون في العادة إلى هناك، وتحملوا بضائعٍ تُبرّر سفرَكم. ولا تقلقوا أنا سأتولى ترتيب ذلك.
نظر عامر إلى محمد ثمَّ إلى يوسف، وقال بثقةٍ هادئة:
- افعل ما تراه مناسبًا، ونحن شاكرَين لك، جزاك الله الفردوس يا سيدي.
ابتسم يوسف وهو يُدلّهم بالرأي:
- وجزاك يا بنيّ، سأخطر قبطان السفينة باسمٍ مستعارٍ لكما. ولي طلبٌ واحد: لا تُثيرا فضول من معكما على السفينة قدر الإمكان حتى تصلا بأمانٍ إلى الإسكندرية
في اليوم التالي صعدا إلى سفينةٍ تجاريةٍ متواضعةٍ مرسى طرابلس، محمّلةً بالجلود والزيوت والأقمشة. كان القبطانُ رجلاً شاحبَ الوجه، عيونه لا تَختفي منها قدرةٌ على الملاحَظة.
---
انطلقت السفينة من ميناء طرابلس. ارتفعت الأشرعة البيضاء فوق موجٍ مضطربٍ، ومع كل نسمة ريحٍ يزداد الأفقُ قربًا، حتى بدت في الأمد البعيد مآذن عالية وبيوت بيضاء متراصة كأنها عقود لؤلؤ على شاطئ ممتد.
قال محمد وهو يشير بيده نحو الشمال الشرقي:
- ها نحن نقترب يا مولاي من الإسكندرية، دارُ العلم والتجارة، ووجه مصر الحَسَن.
أمسك عامر بحافة السفينة، وقد امتلأ قلبه بشيءٍ من الطمأنينة وهو في داخله يتشوق إلى رؤية وطنه مصر في صورته القديمة كيف كان، وقال:
- لقد سمعت كثيرًا عن هذه المدينة، أنها حصينة، وأنها مقصدٌ للتجار والطلاب من كل مكان. صفها لي كما تعرفها، يا محمد.
ابتسم الدليل وأجاب:
- الإسكندرية، يا سيدي، مدينة عريقة جميلة، أهلها يلقبونها بدرة البحر المتوسط، وهي جميلة جدًّا حقًّا. وأمراؤها يتناوبون عليها بحزم، وفيها الحرس الذين يراقبون كل غريب. أسواقها عامرة بالبضائع: التوابل من الهند، الزيوت من الشام، القطن والكتان من أرض مصر، والكتب التي ينسخها العلماء. لكن فيها أيضًا عيونٌ تتبع كل من يدخلها، وجواسيس يترصّدون الغرباء. علينا أن نكون كالتجار المساكين: قليلي الكلام، عاديِّي الهيئة.
ثم أضاف وهو يقترب من أذن عامر:
- بعد الإسكندرية نرحل برًّا إلى الفسطاط أو القاهرة، ومنها نسلك طريق القوافل إلى سيناء. وسيناء، وإن كانت صحراء قاسية، إلّا أن القوافل تعرف دروبها، وفيها محطات ماء وأديرة صغيرة يأوي إليها المسافرون. ومن هناك نعبر إلى العريش، ثم نواصل إلى غزة، ومن غزة إلى القدس، إن قدّر الله لنا الوصول.
كان عامر يصغي بعناية، ثم قال:
- حسنًا، ولكن علينا أن نُعِدَّ لأنفسنا ستارًا محكمًا. وكما فعلنا في كل البلاد التي مررنا بها، سنحمل الأقمشة الغرناطية كأننا تجار جاءوا للبيع. إن سُئلنا، نقول إننا نسعى لعقد صفقات في أسواق القاهرة. وهكذا لا يشك أحدٌ في غايتنا.
أومأ محمد برأسه موافقًا.
دخلت السفينة الميناء، فاستقبلتهم الإسكندرية بمشهدها المهيب: المنارة العظيمة وقد خفتت معالمها لكنها ما زالت تذكّر بالمجد القديم، والبوابات الموصدة يحرسها جنود مماليك، وأسواق تضج بالحركة، حيث الأصوات متداخلة واللغات متعددة.
وبعد أن رست السفينة على شاطئها، أخذ محمد عامر وصار يسأل عن بيت تاجر قديم، رجلٌ مسنّ ذو لحية بيضاء، يعرفه محمد معرفةً قديمة. اسمه الحاج منصور، تاجر أقمشة. رحّب بهم بحرارة، ثم قال:
- مرحبًا بكم في الإسكندرية، أنتما ضيفيَّ هذه الليلة. بيتي متواضع لكنه آمن، وسأعرّفكما ببعض أصحاب القوافل الذين يرحلون إلى القاهرة غدًا. الطريق إليها طويل لكنه مأمون في ظل حراسة المماليك.
جلس عامر ومحمد في مجلسه، وقد وُضع أمامهما طعامٌ من السمك المشوي والخبز المصري الطازج. وبين اللقمة والحديث، سأل عامر مضيفه:
- يا حاج منصور، هل يتعرض المسافرون إلى القاهرة لمكائد في هذا الزمان؟.
ابتسم الرجل وأجاب:
- الطريق بين الإسكندرية والقاهرة مأهول بالقرى والنقاط العسكرية، لكن بين حين وآخر تظهر جماعات من قطاع الطرق. غير أن القوافل الكبيرة، إذا اجتمعت، فلا يقدر عليها أحد. نصيحتي أن تذهبا مع قافلةٍ، وأن تبيتا في الاستراحات المعروفة، وستصلان سالمين إن شاء الله.
نظر عامر إلى محمد وقال:
- إذن غدًا نلحق بأول قافلة تذهب إلى القاهرة. علينا أن نُسرع، فكل يومٍ يمضي يكون هدفنا فيه في خطر.
في الليل، جلس عامر وحده يتأمل البحر من نافذة ضيقة، وقد تذكر سارة في أسرها، وتذكر غرناطة البعيدة التي تركها خلفه. وخولة وطلحة في عالمه في القاهرة، فتمتم بصوتٍ خافتٍ:
- يا رب، كما أنجيتنا من البحر ومن تفتيش أعدائنا، أنجنا حتى نصل إلى القدس، وأعد إلينا من نحب، واجعل لهذه الرحلة نهايةً تعلو فيها راية الإسلام في الأندلس وفي كل بقعة مسلمة.
وهكذا، باتوا ليلتهم في دار الحاج منصور، يتهيئان للرحلة الجديدة: من الإسكندرية إلى القاهرة، وبعدها ستبدأ مرحلةٌ أخرى من السفر عبر أرض الكنانة من الفسطاط إلى سيناء.
---
مع شروق الشمس أيقظهم الحاج منصور ليلحقا بالقافلة، وبالفعل سريعًا جهزا متاعهما وزادهما ولحقا بالقافلة...
طوال الطريق كان محمد يراقب عامر بصمت، ثم قال:
- هذه هي مصر. هنا ترى الأمن في وجه الفلاح، وترى الصبر في يد المرأة التي تعجن خبزها على الضفاف. الفسطاط التي نقصدها هي قلبها، بنيت منذ الفتح الإسلامي، وكانت دار الإمارة، وفيها جامع عمرو بن العاص، أول مسجد بُني في إفريقيا. حين نصل إليها، سنجد من يمد لنا يد العون، فهي ملتقى العلماء والتجار، وأرضها آمنة لمن يطرق بابها بحسن نية.
ابتسم عامر وهو يخفي لوعته قائلاً:
- كأنها درة الشرق، لا عجب أن يتنافس عليها الملوك.
ثم أومأ عامر برأسه وهو يشيح بوجهه نحو السماء، يخفي دمعة لم يشأ أن يراها أحد. كان قلبه يردد: هنا وُلدت الحضارات، وهنا سيبقى النيل شاهداً على أن مصر، مهما اشتد البلاء، لا تنحني إلا لله.
مرّت أيام وهما يسيران مع القافلة، يبيتان في قرى صغيرة، يستقبلهما أهلها بكرم لا مثيل له. حتى إذا مالت الشمس يوماً إلى الغروب، بدت الفسطاط أمامهما، مدينة عظيمة، أبراجها تلوح في الأفق، وأصوات مؤذنيها تتعالى، كأنها تسبّح مع أفلاك السماء.
دخل الرجلان متخفّيان، واستراحا عند رجلٍ من أهل العلم، شيخ وقور استقبلهما في داره القريبة من الجامع الأزهر، وقال لهما:
- مرحباً بكما، من جاء طالباً الأمن في مصر وجده. ومن جاء طالبًا العلم وجده، هنا تجد كل شيء، وكل شيء يجدك.
قضيا ليلتهما هناك، وفي الصباح الباكر خرج محمد مع عامر إلى ساحة الجامع الأزهر، فأشار بيده إلى الطريق الممتد شرقاً وقال:
- الآن سنسير مع قافلة متجهةٍ إلى القدس، ولكن أولًا سنسير إلى سيناء ثم نعبر صحراء سيناء حتى نبلغ العريش. إنها طريق الأنبياء، لكنها أيضاً طريق العطش والخطر. الرمال تمتد بلا نهاية، والسراب يضلل العيون، ولا مأمن إلا عند آبارٍ متفرقة يعرفها البدو.
قال عامر وهو يتأمل كلام محمد:
- وهل سنلقى من يعيننا في تلك الفيافي؟
أجابه محمد بثقة:
- نعم، أهل سيناء معروفون بالشهامة، يحمون الغريب إذا استجار بهم. نعم لقد سنلقى عند العريش رجالاً يهدوننا السبيل، فهي بلدة عامرة على ساحل البحر، وإن كانت صغيرة، فهي حصنٌ في تلك الفيافي، وبوابة إلى الشام. هكذا أخبرني شيخ الجامع الأزهر.
في تلك الليلة، جلس عامر وحده في فناء الدار، يتأمل القمر وهو يعلو فوق قباب الفسطاط، وقلبه يخفق بين الخوف والأمل. كان يعلم أن الطريق أمامه لن يكون سهلاً، لكن مصر بثّت في روحه طمأنينة غريبة، كأنها تقول له: امضِ، فالأرض التي احتضنتك ستظل تدعو لك أينما ذهبت.
---
خرج عامر ومحمد مع بزوغ شمس اليوم التالي، وقد زوّدهما الشيخ بما استطاع من ماءٍ وزادٍ قليل يكفي لبضعة أيام. سارا على ظهور الجمال مع قافلة صغيرة من التجار المتجهين شرقاً، فالصحبة في الصحراء حياة، والرفقة فيها أمان.
ما إن غادروا أرض الفسطاط ووصلوا بعد رحلة متعبة إلى سيناء حتى بدا لهما الأفق مفتوحاً على مد البصر، لا أشجار ولا أنهار، غير رمال تمتد كبحرٍ ساكن لا يعرف الرحمة. الشمس تعلو شيئاً فشيئاً، كأنها سهم من نار يخترق الهامة والصدور.
قال محمد وهو يشد لثامه على وجهه:
- هذه هي صحراء سيناء يا سيدي، أرض جافة لا ينجو فيها إلا من عرف مسالكها. هنا عبر موسى عليه السلام مع بني إسرائيل،
وهنا تجلَّى الله سبحانه وتعالى، وهنا مرّت جيوش الفاتحين. ولكنها أيضاً مأوى قطّاع الطرق إن غفلنا، فلا بد من الحذر.
أجاب عامر وهو يضبط خطوات جمله:
- لا عجب أن تكون هذه الأرض ميزاناً للرجال، فمن صبر عليها صبر على كل محنة بعدها. ولا عجب أنَّهم يطمعون فيها.
على طول الطريق، كانوا يبيتون عند آبار معروفة للقبائل البدوية. يستقبلهم رجال بسطاء، يضيّفونهم بما تيسّر من لبن الإبل وخبز الشعير، ويقصّون عليهم أخبار القوافل والطرق. وفي الليل، حين يخيّم السكون، كانت السماء تلمع بالنجوم، كأنها قناديل هداية معلّقة فوق رؤوسهم.
مضت أيام من المسير الشاق، والرمال تلسع وجوههم بالرياح، حتى ظهرت في الأفق أبراج صغيرة على ساحل البحر. أشار محمد بيده وهو يقول بصوت يملؤه الارتياح:
- تلك هي العريش يا عامر، بوابة مصر إلى الشام.
اقتربوا من البلدة، فإذا هي حصن صغير عند مصب وادٍ تحيط به بساتين نخيل قليلة. استقبلهم بعض أهلها بود، فقد اعتادوا مرور القوافل والتجار. أنزلهم رجل من وجهائها في بيته، وقدّم لهم التمر والماء البارد، وقال وهو يبتسم:
- أنتم الليلة ضيوف العريش، والغريب فيها كأهلها.
جلس عامر في تلك الدار يتأمل صمت المكان، ثم التفت إلى محمد وسأله:
- وما الوجهة القادمة؟
أجابه محمد:
- من هنا نسير بمحاذاة الساحل حتى غزة، فهي مدينة كبيرة تحت حكم المماليك أيضًا، عامرة بالأسواق والجنود، ومنها نتابع إلى القدس. لكن الطريق بين العريش وغزة طويل، يمر بسهول ورمال، وقد نصادف فيه أخطاراً، فلا بد أن نكون يقظين.
أطرق عامر لحظة ثم قال:
- لا بأس، لقد قطعنا أكثر الطريق، ولن يثنينا عطش ولا تعب.
في تلك الليلة، ظل يسمع خرير البحر المتلاطم إلى جوار العريش، كأنه يبشره بأن الطريق إلى القدس قد بات أقرب مما كان يتصور.
---
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
سار عامر ومحمد مع القافلة على الساحل الشرقي، والبحر عن يسارهم كأنه يراقب خطواتهم، والصحراء عن يمينهم تمتد بلا نهاية. كانت الشمس ترسل لهيبها الحارق نهاراً، فإذا جاء الليل هبّت نسائم باردة تحمل شيئاً من الرحمة، وارتسمت على صفحة السماء آلاف النجوم تهدي السائرين.
على طول الطريق، كانوا يبيتون أحياناً عند آبار قديمة، وأحياناً عند مضارب البدو الذين تعوّدوا على إكرام الضيف ولو باليسير. كانوا يحكون لهم عن طرق التجارة، وعن الحاميات المملوكية التي تراقب الحدود، وعن القوافل التي تسلك هذا المسار نحو الشام.
وبعد رحلة معاناة من السير المضني، بدأت تلوح أمامهم أسوار مرتفعة وأبراج منيعة، وازدحم الطريق بالداخلين والخارجين، تجاراً وفقراء وجنوداً. أشار محمد إلى الأفق وهو يقول:
- ها نحن نقترب من غزة، مدينة عامرة بالأسواق والجنود، وهي من أهم مدن الساحل تحت حكم المماليك.
دخلوا المدينة مع القافلة، فإذا بالأسواق تضج بالحركة: باعة ينادون على سلعهم، أصوات الموازين، وصهيل الخيل في ساحات الجنود. رائحة التوابل تختلط بروائح الخبز الطازج، والناس يمضون في حياتهم بين ضجيج التجارة والعبادة.
وقف عامر وسط السوق، ينظر حوله كأنه يبحث عن شيء غائب. كان قلبه يخفق بقوة، وفي داخله غصّة لا يعرفها أحد غيره. لقد رأى بعينيه المستقبل، وها هو الآن يقف في الماضي. تذكر في سره ما سيفعله اليهود في هذه الأرض المباركة بعد قرون، وكيف سيضيّقون على أهلها، ويقتلون أطفالها، ويحاصرونها بالنار والجوع. لم يتمالك نفسه، فانحدرت دموعٌ حارّةٌ على خديه، فأدار وجهه لئلا يلحظ محمد ذلك.
قال في أعماقه مخاطباً غزة:
يا جريحة المستقبل... يا صابرة، ما أقسى أن أراك الآن عامرة مطمئنة، ثم أعلم ما سيؤول إليه حالك. ليتني أستطيع أن أصرخ لأهلك: اثبتوا، فإن البلاء قادم، ولكن العاقبة للمتقين.
انتبه محمد إلى شروده، فسأله وهو يظن أن التعب أنهكه:
- ما بك يا سيدي؟ أترى التعب غلبك؟
ابتسم عامر ابتسامة باهتة وأجاب:
- لا يا محمد، إنما هو الشوق... الشوق إلى ما بعد غزة.
باتا تلك الليلة في بيت أحد تجار القماش الذي تعرّف إليهما وأكرمهما، إذ لمست عيناه البضاعة التي يحملانها من غرناطة. جلس الرجل يحدثهما عن طريقهم، ثم قال:
- إذا أردتما الوصول إلى القدس، فالطريق يمرّ أولاً بـ الرملة، ثم تتجهون شمالاً حتى تصلوا إلى المدينة المباركة. الطريق آمن، لكن لا تخلو منه العيون ولا الدوريات المملوكية، فكونوا حذرين.
دخلا وصليا صلاة العشاء في أحد مساجد غزة، ثم جلس عامر بعد العشاء، وهو يستمع إلى أصوات الغزيين وهم يردّدون القرآن في حلقات التعلم، فشعر أن الأرض كلها تتزين ببركة هذه الأصوات، وزاد قلبه عزماً على المضي حتى يصل إلى مقصده.
---
سار عامر ومحمد مع القافلة في الطريق الصاعد من الرملة نحو القدس، وكان الطريق يتلوى بين التلال والوديان. بدت الكروم على السفوح، وأشجار الزيتون ممتدة كأنها جيوش من الفضة الخضراء. كلما ارتفعوا، ازداد الهواء نقاءً، ورائحة الأعشاب البرية تفوح في الأفق.
وبعد يومين من المسير، بدت من بعيد قباب جميلة ومآذن شامخة فوق مدينة عظيمة محصنة بالأسوار. توقّف عامر، وأخذ يحدّق في الأفق وقد انعقد صوته بالبكاء:
- القدس... ها هي القدس!
كان قلبه يخفق بعنف، ودموعه تتساقط على وجنتيه. أحسّ كأن الأرض التي تحت قدميه تهتزّ شوقًا، وأن السماء أرسلت بشائرها له. لم يشأ أن يُظهر لهفته لمحمد، لكن عينيه فضحتاه.
دخل الاثنان من أحد أبواب المدينة، فإذا بالأسواق مكتظة بالناس: تجار من الشام، حجاج من اليمن، ورهبان مسيحيون، ويهود، والجنود المماليك ينتشرون في الطرقات يحفظون الأمن. كان في قلب عامر شعور مزدوج: هيبة وخشوع، وفرحة ممزوجة بالحزن.
لم يتمالك نفسه، فالتفت إلى محمد وقال:
- خذني إلى المسجد الأقصى.
قاد محمد سيده إلى داخل الحرم القدسي الشريف. وحين وطئت قدما عامر أرض المسجد الأقصى، لم يتمالك نفسه، فخرّ ساجدًا على أرضه الطاهرة، يبكي بكاءً مرًّا. بقي ساجدًا طويلًا حتى بلّل التراب بدموعه. ثم نهض وتوجه إلى موضع الوضوء، وغسل وجهه بيدين مرتعشتين، وشعر كأنه يغتسل من أوزار الدنيا. دخل المسجد، وصلّى ركعتين طويلتين، وكل دمعة تسقط من عينيه كانت تنطق بآلاف الكلمات التي لم يجد لها لسانًا.
جلس بعدها على أرض المسجد، وأسند ظهره إلى عمود حجري، وانهمرت دموعه مجددًا. كان يبكي بحرقة رجل يعرف أن قلبه عالق في هذا المكان منذ مئات السنين، حتى وإن وُلد في زمن بعيد. أمّا محمد، فظلّ يراقبه في حيرة، لا يفهم سرّ هذا الانفعال الشديد، ولا سبب هذه الدموع التي لا تنقطع.
وبعد أن هدأ عامر قليلًا، خرج مع محمد من المسجد الأقصى. جلسا في ظلّ شجرة زيتون قرب أسواره، والنسيم يداعب وجهيهما. قال محمد وهو يتأمل عامر:
- سيدي، قد بلغنا مقصدنا، ولكن كيف نعرف موضع زوجتك بين هذه الأزقة والأسواق؟ القدس مدينة واسعة، وفيها من الغرباء من لا يحصون.
رفع عامر رأسه وعينيه لا تزالان محمرتين من البكاء، وقال بصوت يقطر عزيمة:
- لا بد أن نكتشف من اختطف سارة... ولا بد أن نجد من يساعدنا من أهل القدس، من يعرف أخبارها وأسرار طرقها.
سكت لحظة ثم تابع:
- لن أعود من دونها، يا محمد. ولو تطلب الأمر أن أفتش كل بيت في القدس، سأفعل.
فأطرق محمد برأسه، ثم قال في هدوء:
- إذن، فلنبدأ من الأسواق... هناك دائمًا من يعرف، ودائمًا من يتكلم.
فابتسم عامر ابتسامة حزينة وقال:
- نعم... من الأسواق تبدأ الأسرار.
---
بعد أن خرج عامر ومحمد من المسجد الأقصى، كان الليل قد بدأ يرخى سدوله على القدس، والأزقة تزدحم بالمارة والتجّار العائدين من السوق. وقف عامر عند مدخل السوق الكبير يتأمل وجوه الناس، وعيناه تفتشان في كل زاوية وكأنه يتوقع أن يلمح سارة فجأة بين الحشود. لكن قلبه كان يخبره أنّ الأمر أعقد من مجرد بحث عابر.
قال محمد وهو يشد على ذراع عامر:
- يا سيدي، هذه المدينة مليئة بالغرباء والجواسيس، إن بحثنا وحدنا سنضيع. نحتاج إلى من يعرف طرقها السرية وأهلها.
تنهد عامر وهو يمسح دموعه التي لم تجف منذ دخوله المسجد:
- نعم... لكن من نأمن له؟ هنا كل يد قد تمتد لتعيننا، وقد تكون خنجراً يطعننا في الظهر.
دخلا السوق، حيث اختلطت أصوات باعة التوابل برنين النحاس وصياح الدواب، والروائح الكثيفة من المسك والبخور. كان محمد ينظر بعين التائه رغم أنَّه دليل الرحلة.
اقترب منهما شيخ وقور، بلحية بيضاء وعمامة نظيفة، وكان يبيع المخطوطات والكتب القديمة. رفع عينيه نحو عامر وقال بصوت خافت كأنه يعرفه:
- من جئت إليها ليست هنا... لله ما أعطى ولله ما أخذ.
توقف عامر مذهولاً يفكر في كلمات الشيخ، بينما شدّ محمد على سيفه وهو يحدق في الشيخ بقلق:
- ومن أنت أيها الشيخ؟ وكيف عرفت بما نبحث عنه؟
ابتسم الشيخ ابتسامة غامضة وأجاب:
- في القدس لا يخفى سر... عودوا من حيث جئتم فالبركان على وشك الانفجار.
تركهم الشيخ وغادر وعامر كاد يسقط أرضًا فأمسك به محمد.
---
وعلى الناحية الأخرى..
في ساحةٍ واسعةٍ في داخل قصر طليطلة، وقف فرديناند ملك قشتالة، يقفز أمام رُفات النار المتقدة، والمراجل بتصاعد منها دخان العضب. ويجلس من حوله جنوده وأمراؤه.
ألقى فرديناند بنظرةٍ إلى القائد الذي يقتربُ منه، ثم قال بصوتٍ حادٍ:
- لم يمسكوه في البحر؟ ولم يسقط بين أيدينا كما أمرت؟!
تقدّم أحد قادته، رجلٌ ضخم الجثة، ذو ملامحٍ صارمة، وقال مطمئنًا:
- لا تقلق يا مولاي. رجالنا في القدس سيؤدون ما عليهم. سنحاصر عليه المدينة، ونطوّقه حتى يتوهَ في حلقةٍ لا نهاية لها. وحين يترنح، نوجّه له الضربة القاضية.
انحنى فرديناند برأسه قليلًا، ثم ارتسم على وجهه ابتسامةٌ مكمِّلةٌ للشرّ، وهو يلوح بعصاه:
- أجل. سأُذيقه الذلَّ والمهانة. سأطأ بنعلي على وجهِ ذلك المسلمِ القذر، وأريَه كيف تذلُّ الأممُ حين تطأها أقدامُ القوة.
ضحكَ جنوده ضحكةَ اقتناعٍ، وتصدّرت أصواتُهم الساحة، لكنّ في ثنايا الابتسامةِ، بدا العزمُ القاسيُ الذي لا تعرفه الرحمة.
---
مازال عامر ومحمد يجوبان شوارع القدس بحثًا عن أي خيطٍ يقودهما إلى معلومةٍ عن سارة.
وبعد ساعتين من البحث وفي زقاقٍ مزدحمٍ من أزقة القدس، كان الناس يمرّون متلاطمين. وفجأة جاء شابٌ يهرول وسط الجموع، يلوّح بيده، ويركض.
فجأةً اصطدمت كتفُ ذاك الشابِ بكتف عامر. وسقطت ورقةٌ من يده، تراقصت في الهواء، ثم استقرت أمام أقدام عامر. أراد عامر أن يردّها إليه، فانطلق وراءه لبضع خطواتٍ، ولكنّ كالأشباح اختفى الشاب بين الزحام.
وقف عامر لحظةً، ونظر إلى الرسالة التي سقطت أمامه. ففتحها بيدٍ ترتعش وقرأ ما كُتب فيها بخطٍّ واضحٍ وغَادِرٍ:
> من فرديناند ملك قشتالة:
زوجتكِ على قيد الحياةٍ في يَدِي الآن. أُمهِلُكَ سبعةَ أيامٍ تسلِّمُ فيها غرناطةَ وجميع الحصونِ التي انتزعتها أياديكم، وإلّا فستكونُ نتيجةُ إصرارك على المقاومةِ أن أتزوج امرأتك الجميلة عنوة ثم أقتلها وأرسل لك رأسها،
ولكن بعد أن ألهو بشرفك...
ارتعد صدرُ عامر، واشتعلت عيناه نارًا. هتف بصوتٍ يغلي من داخله:
- أيها الوغدُ الحقير! سأقتلك بيديَّ هاتين، ولو كنتَ في باطن سابع أرض!
لم يكد ينهِ فصاح محمد من خلفه، وقد التقط الرسالة بحذرٍ:
- مولاي، دعني أرى.
قرأها محمد، ثم رمى النظر حوله بقلقٍ جادٍّ: - يا سيدي، الأمرُ يزدادُ سوءًا... السبعةُ أيامِ مهلةٌ ضئيلة. فرديناند لا يهددُ هباءً: سيفعلُ كلَّ ما وعدَ. الطريقُ من هنا إلى غرناطة عبر البرّ طَويلٌ ومحفوفٌ بالمخاطر. لن نبلغها قبل انتهاء الأجلِ مهما فعلنا حتى وإن انطلقنا الآن. ماذا سنفعل؟
سند عامر رأسه إلى الحائطِ الحجرِيّ، فأغمضَ عينيه طويلاً. ظلّ هناك، يحدّق في السماء بلا كلمة، كأنما يحمل فوق رأسه جبال الدنيا كلها.
الهواء حولهما كان ساكنًا، إلا من صليلِ سيوفِ الحرب القادمة، وكأنّ كلُّ أَهْلِ المدينةِ يسمعون أنفاسَ قراره القادم.
---
وفي هذه اللحظة،
دخلت فرقةٌ من الرِّجالِ مرتدين زيَّ المماليكِ، لكن في حركاتهم شيءٌ لا يَشبهُ حرَسَ القَصرِ؛ أشار قائدُهم بقسوةٍ بأن يسيرا معه. حاولَ محمدُ الكلامَ لِيخدعَهم فقالَ بسرعةٍ وهو لا يدري ماذا يجري:
- نحن تجّارٌ غرباء، جئنا لبيع الأقمشة، ولا شأن لنا بكم.
لكنّ الجنود لم يلتفتوا إلى كلامه، واكتفى عامر بالصمت، ثم سار مع محمد مكرهاً. ساقوهما عبر طرقٍ جانبية بعيدة عن الأسواق، حتى بلغوا بيتاً معزولاً. وهناك، أنزلوهما إلى قبوٍ تحت الأرض، ضيّقٍ رطبٍ كأنّه سجن، وقاموا بتقييد أيديهما بإحكام.
لمّا غادر الجنود، التفت محمد إلى عامر وقال بصوتٍ خافت:
- لقد وقعنا في الأسر، أليس كذلك؟
أجابه عامر وهو يحدّق في الظلام:
- بل وقعنا في مكيدة. هؤلاء ليسوا مماليك كما يزعمون.
- وكيف عرفت ذلك؟
- رأيتهم في الطريق، كانوا يلتفتون حولهم كمن يخشى الملاحقة. لو كانوا جنوداً حقيقيين، ما هابوا أحداً. إنهم جواسيسٌ لفرديناند.
ساد صمتٌ ثقيل، فقطع محمد حديثه قائلاً:
- إذن خُدعنا... ولكن لماذا لم نقاومهم ونحن نُقيَّد؟ لماذا لم تخبرني حتى نقاتلهم معاً؟.
أطرق عامر رأسه وقال بهدوء:
- لأنني أردت أن يأخذوني إلى فرديناند. تلك هي الطريقة الوحيدة لإنقاذ سارة. سأذهب إليه بنفسي، وأعرض عليه حياتي، ليتركك وينصرف عنها. إن أراد قتلي أو تعذيبي، فليفعل، أمّا هي... فلا بد أن تنجو.
اغرورقت عينا محمد بالدموع، وحاول أن يجيب لكنّ صوته خانَه.
ظلّا على حالهما حتى جنح الليل، وفجأة، فُتح الباب الخشبي بصوتٍ مزلزل، ودخل ثلاثة رجالٍ مدججين بالسلاح، غطّوا وجهي عامر ومحمد بغطاءٍ خشن، وقال أحدهم بصوتٍ غليظ:
- حان وقت الرحيل... إن سمعتُ لأحدكما صوتاً واحداً في الطريق، أزهقتُ روحه.
ساقوهما في أزقّة القدس المظلمة، وعامر يتمتم بصوتٍ خافت وهو يمشي:
- سبحانك، لا يعزُّ من عاديتَ، ولا يذلُّ من واليتَ، تباركتَ ربّنا وتعاليتَ... اللهم أذلَّ الكفر وأهله، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين.
وفجأة، دوّى صليلُ سيوفٍ وصوتُ صرخاتٍ حادّة. شعر عامر أنّ قتالاً نشب من حولهم. لم يستطع أن يرى شيئاً والقيود تُحكم وثاقه، لكنه أيقن أنّ قوّةً ما باغتت الحُرّاس. تعالت أصوات الضربات، ثم خيّم صمتٌ ثقيل.
بعد لحظات، أحسّ عامر بيدٍ تُزيح الغطاء عن وجهه، ثم رأى محمداً إلى جانبه وقد أُزيل الغطاء عنه كذلك. رمش بعينيه للحظة، حتى اعتاد النور الخافت المنبعث من مشعلٍ صغير، ثم رفع بصره نحو من يقف أمامه.
تجمّدت الكلمات على شفتيه، واتّسعت عيناه بدهشةٍ بالغة، قبل أن يتمتم بصوتٍ متعجبٍ:
- أوڤاميندرا؟!...
رواية شِفرة أوڤاميندرا "سر العوالم السبعة" (الجزء الأول) الفصل الثلاثون 30 - بقلم م/ مُصطَفَى النَّجَّار
مدّ أوڤاميندرا يده وأخرج قلادةً فضية من جيبه، تتدلّى منها قطعة حجرية منقوشة برموزٍ دقيقة لا تشبه أي كتابةٍ عرفها عامر من قبل.
ودون أن ينطق بكلمة، وضعها حول عنق عامر.
وفجأة شعر عامر بدفءٍ غريب يسري في جسده، كأن شيئًا خفيًّا يجري في دمه، ثم سمع صوت أوڤاميندرا بوضوحٍ في عقله وكأنه يتحدث بلغته ذاتها.
قال عامر مذهولًا:
ــ كيف جئتَ إلى هنا؟ وكيف علمتَ أني في القدس؟ لقد جعلتُ رحلتي سرًّا حتى عن أقرب الناس إليّ!.
ابتسم أوڤاميندرا ابتسامةً خفيفة، وقال بصوتٍ عميق:
ــ علمتُ بخطف زوجتك، فتوقّعتُ أنك خرجتَ تبحث عنها. ثمَّ دخلتُ القصر وأخذتُ الكتاب.
قطّب عامر حاجبيه وقال في دهشةٍ وحزم:
ــ دخلتَ القصر؟! وكيف ذلك وأنا شدّدتُ الحراسة في كل موضع؟.
قال أوڤاميندرا بهدوءٍ وثقةٍ:
ــ تلك هي شفرة أوڤاميندرا، إن كان الكتابُ ربع قوتي... فالشفرةُ ثلاثة أرباعها.
قال عامر مستغربًا:
ــ ماذا تعني بهذا؟.
أجابه وهو ينظر نحو الأفق:
ــ ليس هذا وقت التفصيل، ستعلم لاحقًا.
سكت عامر قليلًا، ثم قال:
ــ لماذا لم تعد إلى عالمك بعد أن أخذتَ الكتاب؟، لماذا بقيتَ هنا؟.
قال أوڤاميندرا بثبات:
ــ لأن بيننا عهد رجال، وأنا لا أخون عهدي. عرفتُ قصتك من السيد طلعت، وعلمتُ أنك في مأزقٍ كبير، فجئتُ إليك.
أطرق عامر برهةً ثم قال:
ــ لديّ أسئلة كثيرة، لكن الوقت لا يسمح... علينا أن نعود إلى غرناطة قبل أن يفوت الأوان. هل يمكن لكتابك أن يعيدنا إليها؟.
ابتسم أوڤاميندرا بثقةٍ تامة وقال:
ــ بالطبع، سنعود في لمح البصر.
---
لم تمضِ لحظة حتى كان عامر، ومحمد، وأوڤاميندرا يقفون على مرتفعات غرناطة.
تراجع محمد إلى الخلف وقد اتّسعت عيناه رعبًا وذهولًا. كان لا يصدّق ما رأى.
اقترب منه عامر وقال بلهجةٍ حادة:
ــ إياك أن تنطق بما رأيتَ، السرّ بيننا نحن الثلاثة. إن علم أحدٌ هذا الأمر، سأعلم أنك أنت من أفشيت أمرنا.
أجاب محمد متلعثمًا:
ــ أمرك يا سيدي، أقسم لك أني لن أتكلم.
ربت عامر على كتفه شاكرًا إياه على مساعدته وما تحمّله في الرحلة، ثم أذن له بالانصراف.
عاد عامر إلى القصر برفقة أوڤاميندرا وجلسا في ساحةٍ مضاءةٍ بمشاعل الزيت، وحكي له ما جرى في رحلته إلى القدس حتى لحظة ظهوره وإنقاذه لهما.
استمع أوڤاميندرا صامتًا، وحين انتهى عامر قال بوجهٍ متجهّم:
ــ ما ذكرته عن فرديناند يدل على أنه رجل ماكرٌ خبيث، لا عهد له ولا أمان.
قال عامر والقلق يملأ صوته:
ــ لا أستطيع الانتظار أكثر، قلبي يتمزق على سارة. ساعدني أن أذهب إلى قصر طليطلة، كما جئت بنا من القدس إلى هنا.
سأله أوڤاميندرا بجدّ:
ــ وتذهب وحدك؟
قال عامر بعزمٍ لا يتزعزع:
ــ نعم، لن أخاف من فرديناند. سأسلّم نفسي مقابل أن يُطلق سراح سارة وتعود إلى غرناطة سالمة.
ابتسم أوڤاميندرا بسخريةٍ حزينة وقال:
ــ وما يدريك أنه سيفي بوعده؟ ربما يقتلكما معًا، أو يساوم غرناطة عليكما. أنت تقدم له أغلى ورقةٍ بيديك.
خفض عامر رأسه وقال:
ــ لا أرى حلًّا غير ذلك.
نهض أوڤاميندرا فجأة وقال:
ــ بل هناك حلّ آخر.
رفع عامر رأسه بسرعة وقال:
ــ ما هو؟
قال أوڤاميندرا:
ــ سنذهب إلى قصر طليطلة، إلى غرفة فرديناند نفسها. سنخطفه ونعود به إلى هنا في لحظة واحدة.
تسارعت أنفاس عامر وقال بحماس:
ــ افعلها الآن!
قال أوڤاميندرا:
ــ سأكون معك.
هزّ عامر رأسه رافضًا:
ــ هذا خطر عليك، لستَ مضطرًّا للمخاطرة بحياتك من أجلي.
قال أوڤاميندرا بابتسامةٍ هادئة:
ــ لا أستطيع أن أرى رجلًا في مأزقٍ وأتركه، تلك ليست طبيعتي.
ثم مدّ يده اليمنى، وردّد كلماتٍ بلغةٍ غريبةٍ.
وفي لحظةٍ خاطفة، اختفى كل ما حولهما.
شعر عامر بضغطٍ شديد في رأسه، ثم فتح عينيه فإذا هو يقف وسط قاعةٍ فخمةٍ مضاءةٍ بالشموع في قصر طليطلة.
كان فرديناند نائمًا على سريرٍ مرتفعٍ تحيط به ستائرُ حريرية، والحرس واقفون عند الأبواب.
لكن أوڤاميندرا قال بهدوءٍ:
ــ لا تقلق، إنهم لا يروننا، الشفرة تخفي وجودنا عن الأبصار.
اقترب عامر بخطواتٍ هادئة، وسحب سيفه من غمده، ووضعه على عنق الملك.
فتح فرديناند عينيه مذعورًا، وحاول أن يصرخ، لكن عامر قال بصوتٍ غليظٍ يعلوه الغضب والتهديد بالقشتالية(الأسبانية القديمة):
(Si respiras, te cortaré el cuello. ¡No tengo nada que perder!)
(ــ إن تنفست، سأقطع عنقك، فليس عندي ما أخسره!)
**(عامر أصبح يجيد التحدث باللغة الإسبانية لأنه يرتدي القلادة)
وفي هذه الأثناء ارتجف فرديناند صامتًا، لا يقوى حتى على الحركة.
عامر:
-¿Dónde está Sara? ¿Está en tu palacio? Respóndeme, no tienes tiempo. Tu vida está en juego.
- أين سارة؟ هل هي في قصرِك؟ أجبْ، فليس لديك الوقت الكافي حياتك على المحك.
ابتسم فرديناند بسخريةٍ قاسيةٍ، ثم ردّ بصوتٍ مستهزئٍ:
-¿Sarah? No está aquí... ni en ningún lado.
- سارة؟ ليست هنا... ولا هي في أيّ مكان.
ارتعش صوت عامر وكاد أن ينفعل، فداس عامر بنصل سيفه على عنق فرديناند قائلاً:
-Habla si quieres vivir.
- تحدّثْ، إن شئتَ أن تعيش.
انفرجت شفتا فرديناند في ضحكةٍ باردةٍ ثم قال بلا اكتراثٍ:
-Sara ha muerto. Te mostraré dónde está su cuerpo. Nuestros espías la mataron y la enterraron en Granada.
- لقد ماتَت سارة. سأدلّك على مكان جثّتها. قتلها جواسيسنا ودفنوها في غرناطة.
انفجر عامر في وجه فرديناند:
- ¿Cómo murió? ¿Cómo murió? Un grito fuerte resonó en la sala, como si le hubiera arrancado algo del pecho.
- ¡Eres un mentiroso! ¡Sarah no murió! Te haré pagar por jugar con mi corazón.
- كيف ماتت؟ كيف ماتت!؟ صرخةٌ عاليةٌ اخترقت جوّ القاعة، كأنّها أخرجت شيئاً من صدره.
- أنت كاذب!، وسارة لم تمت!، سأجعلك تدفع ثمن تلاعبك بقلبي.
وفي نفس اللحظة كانت كلمات فرديناند قد اخترقت قلب عامر، وسقط السيف من يده بلا وعي. ركبتهُ ارتجفت، ويده القوية لم تعد قادرة على حمل السيف، وسقط على أرض القاعة بجوار السرير، وغلبه البكاءُ، فارتشحت الدموع بغزارةٍ من عينيه.
لم يبرح أوڤاميندرا هدوءَه، لكنه رأى الألمَ في عيني عامر، فالتقط السيف بإحكامٍ، ووجَّه حدّ نصلِه صوب فرديناند. أقبل الجنودُ على صوت الصخب، لكن الملك قد تظاهر بالهدوء وقال للحرس:
- Leer más, volver a estas publicaciones.
- لا شيء هنا، عودوا إلى أماكنكم.
تراجع الحرس متردّدين، لكنّ أوڤاميندرا وقف متأمِّلاً المشهد، لم يفهم ما قاله الملك، فسأل بصوتٍ عامر رقيقٍ:
- ما شأنك؟ ماذا يبكيك هكذا؟.
لم يجب عامر؛ بقي يبكي بكاءً مريراً، وعلامات الهلع والغضب تسبح في وجهه كأنها نارٌ تحت رماد. حين أدرك أوڤاميندرا معنى البكاء ومضمونه، مالَ نحوه وقال بطمأنينة:
- لا تبكِ، قد يكون ما قاله كذِباً، وما زال هناك أمل. أنا أشعرُ أنه يكذب.
انتفض عامر، ونظر إلى فرديناند، ثم قال:
Sara es mi esposa, y el niño que lleva en su vientre es más preciado para mí que cualquier cosa en la tierra. Si no me dices dónde está, haré que te arrepientas. Nunca morirás ni conocerás la paz.
- سارة زوجتي، وطفلي الذي في بطنها، أغلى عندي من كل ما في الأرض. إن لم تخبرني أين هي، سأجعلك تندم، لن تموتَ ولن تعرف راحةً أبدًا.
ثم التفت إلى أوڤاميندرا وأمسك بيديه:
- أعدنا الآن إلى غرناطة.
هز أوڤاميندرا رأسه، وردّد كلماتٍ بالشفرة التي تذيب المسافات، فانطفأت آثار المكان فتحوّل المشهد في رمشة إلى زوايا غرناطة، وكانت السماء فوقهم تنتظرُ مصيراً غامضًا.
قاد عامرُ فرديناند مجروراً، ضربه وجرّه، والملك يتلوَّى في قبضته. وعلى باب القصر كانوا: عبد الرحمن، حازم، وبقية القادة قد وقفوا ينتظرون عودة عامر بعد أن عرفوا من الحراس أنَّه قد عاد قبل أن يذهب إلى طليطلة.
قال عبد الرحمن بدهشةٍ وتعجب:
- ما هذا؟!، فرديناند؟!، هل ذهبت إلى القدس أم إلى طليطلة؟، وكيف أمسكتَه؟ ومَنْ ذلك الذي يرافقك بهيئته الغريبة؟.
أجابهم عامر وهو يجرّ الملك:
- سأروي لكم التفاصيل لاحقًا. الآن اصنعوا غرفةً، ضعوا فيها هذا القذر. فسيجري بيننا بعد قليل حساب خاص. سأجعله يتمنى الموت ألف مرةٍ، ولن يجده.
---
وبعد قليل عاد عامر إلى القاعة بخطًى سريعةٍ يغلّفها الغضب، ودموعه لم تجفّ بعد، عيناه حمراوان تشتعلان شررًا، كأنما تحوّل الحزن فيه إلى لهبٍ لا سيحرق العالم بما فيه. كان الشرّ يلوح من نظراته، والانتقام يقطر من بين أنفاسه، حتى إنّ الهواء نفسه بدا متثاقلاً من هيبته. خلفه وقف عبد الرحمن وحازم صامتين، تتقدمهما رهبة المشهد، وفي وسط الغرفة كان فرديناند معلّقًا من يديه إلى السقف، جسده متدلٍّ، ووجهه مطليٌّ بالمهانة.
اقترب عامر حتى صار أمامه مباشرة، ثم أمسك بأداةٍ حادّةٍ كانت بين يديه، وقال بصوتٍ خافتٍ خالٍ من الرحمة:
"¿Cuál es la verdad, Fernando?" ¿Quién es Sarah? »
«أين الحقيقة يا فرديناند؟ أين سارة؟»
لم يجبه الملك المقيّد، فاكتفى عامر بأن أهوى عليه بأداةٍ حديديةٍ، فشقّت صرخةٌ حادّةٌ سكون القاعة. كرّر الضربة مرّةً بعد أخرى، وكلُّ ضربةٍ كانت أشبه بنداءٍ من نارٍ ينتزع الحقيقة من اللحم والدم.
ارتجّ صوت فرديناند وهو يقول متأوّهًا:
"No te diré nada... ¡hasta que me dejes!"
«لن أخبرك بشيءٍ... حتى تتركني!»
تجمّدت ملامح عامر، ثم همس بصوتٍ خافتٍ كمن يُخاطب نفسه:
¿De qué me servirá la verdad si Sarah está muerta? Te mataré aunque no me lo digas.
«وبماذا ستفيدني الحقيقة إن كانت سارة قد ماتت؟، أنا سأقتلك حتى إن لم تخبرني»
ضحك فرديناند ضحكةً ساخرةً وقال:
"Al menos... sabrás dónde está su cuerpo."
«على الأقل... ستعرف مكان جثتها.»
تجمّد عامر لثوانٍ، ثم انطلقت منه صرخةٌ مدوّية، وتقدّم نحوه بعنفٍ وطعنه بالخنجر في كتفه. اخترق الخنجر اللحم حتى غاص في العظم، ثم بدأ عامر ينخر بنصل خنجره ببطءٍ وهو يقول بصوتٍ يقطر نارًا:
"¡Habla, perro!"
«تكلّم أيها الكلب!»
صرخ فرديناند بألمٍ مروّع:
"Lo confesaré... ¡Lo confesaré!"
«سأعترف... سأعترف!»
تراجع عامر خطوتين، فأخذ فرديناند يلهث قائلًا:
"La esposa de Abdul Rahman... llevó a cabo la misión... con la ayuda de uno de nuestros hombres... que se disfrazó de uno de los guardias del palacio".
«زوجةُ عبد الرحمن... هي من قامت بالمهمّة... بمساعدة رجلٍ من رجالنا... تَخفّى في زيّ أحد حُرّاس القصر.»
تقدّم عبد الرحمن بخطًى ثقيلةٍ وقال:
«حدّثنا بما جرى بالتفصيل.»
لم يفهم فرديناند ما قاله عبد الرحمن، فأعاد عامر نفس الجملة ولكن بسحر القلادة:
"Cuéntanos qué pasó en detalle."
«حدّثنا بما جرى بالتفصيل.»
بدأ فرديناند يسرد القصة، وذكر اسم الرجل الجاسوس الذي شارك زوجة عبد الرحمن في تنفيذ الخطة. أمر عامر بإحضاره فورًا، وبحثوا عنه حتى أحضروه، وما إن حضر حتى دلّهم على مكان اختباء المرأة.
قال عبد الرحمن بصوتٍ يغلي غضبًا:
«سأقتلها بيدي!»
فأجابه عامر بصرامةٍ لا تقبل جدالًا:
«لا تمسّها بسوء، أريدها أمامي حيّةً، لن تموت قبل أن تبوح بكلّ ما تعرف.»
وبعد أقلّ من ساعة، كانت زوجة عبد الرحمن مقيّدة بالحبال أمام عامر. تقدّم نحوها، وقال بصوتٍ يملؤه القهر:
«لا يرحمكِ منّي إلا أنّني لا يحقّ لي لمسُك، لكنّي سأترك أمركِ لزوجك. وإن لم ينتزع منك اعترافًا يدلّنا على مكان سارة... فوالذي خلق الروح، لأجعلنّك تتمنّين الموت مراتٍ ومراتٍ قبل أن تناليه.»
أشار عامر لعبد الرحمن وقال:
«خُذها إلى إحدى الغرف... واستجوبها.»
وبينما كانت تُقاد، توقّفت فجأة، واستدارت نحوه وقالت بصوتٍ مرتعشٍ ممزوجٍ بالحقد:
«لم يكن من حقّك أن تكون ملكَ غرناطة! كنّا نعيش في سلامٍ وأمان، ومنذ أن جلست على العرش فتحت علينا نيران الحرب. قُتل أبي وإخوتي في معاركك الفاجرة... أنت مجردُ مخنّثٍ حقير!»
ساد الصمت لحظةً، ثم احمرَّ وجه عبد الرحمن غضبًا، فاندفع نحوها وصفعها بقوةٍ فهوت على الأرض، وارتطم خدّها بالأرض. ظلّت ساكنةً، وعامر يراقبها بعينٍ صارمةٍ.
أمر عامر الحراس:
«احملوها إلى الغرفة... أريد اعترافًا سريعًا يا عبد الرحمن.»
ثم التفت إلى حازم قائلاً:
«احرس الباب بنفسك، لا يدخل أحدٌ قبل أن أعود.»
غادر الجميع، وبقي عامر في القاعة وحده، ينظر إلى بقعة الدم على الأرض حيث سقطت المرأة، فابتلع ريقه ببطءٍ وقال في نفسه:
«كلُّ طريقٍ إلى سارة يمرّ فوق الجمر... وسأمشيه حتى النهاية.»
وفي هذه اللخظة فُتح باب القصر الكبير، ودخلت خولة تحمل طفلها على ذراعيها، تتسارع أنفاسها، تتلهّف لأن ترى وجه زوجها الذي غاب عنها طويلًا. وما إن وقعت عيناها على عامر حتى جرت نحوه، وضعت طلحة أرضًا برفقٍ، وألقت بنفسها بين ذراعيه، وهي تقول بصوتٍ يرتجف شوقًا:
> - اشتقت إليك وتمزق قلبي خوفًا عليك يا عامر... اشتقت إليك كثيرًا... قل لي، ماذا حدث؟! هل عرفت شيئًا عن سارة؟.
لكن عامر لم يُجبها. ظلّ صامتًا، كأنّ صوته قد اختنق في صدره. كانت عيناه غارقتين في بحرٍ من الألم، وليس فيهما إلا انعاكسُ الحيرة والخوف.
في تلك اللحظة، كان في أحد أركان القاعة عبد الرحمن، يقف متجهم الوجه، بينما زوجته ملقاة على الأرض أمامه بعد أن قبضوا عليها بتهمة الخيانة. رفعت رأسها بصعوبة وقالت بسخريةٍ:
> - تضرب زوجتك من أجل أن تُرضي سيدك؟، يا لك من خادمٍ مطيعٍ يا عبد الرحمن!.
اشتعل الغضب في عينيه، فتقدم نحوها وأمسكها من مجامع ثيابها، يجرّها نحو غرفةٍ خالية. وبعد لحظاتٍ قليلة، صار صوت صراخها يملأ أرجاء القصر.
كان عبد الرحمن يضربها بعنفٍ، وصوته يعلو:
> - تكلّمي قبل أن أقتلكِ!
لكنها كانت تضحك وسط دموعها وتقول:
> - اقتلني إن شئت!، أهذا ثمن ولائك لسيدك؟، أتظنه سيجعلك ملكًا بعده؟!، لا يا عبد الرحمن... سيجعل ابنه طلحة سيدك وسيدهسك تحت قدميه كما يفعل ملكك!، أنت عبدٌ ذليل، تطيعه مقابل ثمنٍ بخس!، أتقتل من أجله زوجتك وتُترك ابنتك بلا أمٍّ؟!.
توقف عبد الرحمن لحظة، وبدت في عينيه شرارة عضبٍ وفي حلقه مرارة مما يسمع، ثم قال بصوتٍ مبحوحٍ من الغضب:
> - أجل، سأجعلها بلا أمٍّ... وسيكون أشرف لها من أن تكبر وتعلم أن أمها خائنةٌ قاتلة!، خانت دينها وأرضها وقتلت نفسًا بريئة!.
بكت زوجته بحرقة وقالت:
> - أنا لم أقتلها يا عبد الرحمن... لم أقتل سارة!
تراجع خطوة، ثم صاح فيها:
> - ماذا تقولين؟! أهي حية؟!
- سأحكي لك كل شيء.
نادى عبد الرحمن عامر، فدخل ومعه خولة. جلست المرأة على الأرض، وقالت بصوتٍ خافتٍ:
> - لقد كلفني الصليبيون بخطف طلحة... أرادوه ميتًا أو أسيرًا لديهم ليساوموك به. ووضعتُ خطةً محممةً لذلك ولكن الخادمة الحمقاء لم تضع السائل في شراب سارة كما أمرتها، فظلت سارة مستيقظة. وحين دخلت لأخذ الطفل من بين يديها، قاومتني وركضت خلفي... ولو لم تفعل ذلك لما حدث شيء.
تعثرت وأنا أركض وسقطتُ أرضًا، فأمسكتني سارة من ذراعي ومن شعري، وكان مساعدي يراقبني من بعيد بعد أن أبعدنا الحراس بحيلةٍ ذكية. فجاء وضربها بمؤخرة سيفه على رأسها ضربةً قوية، لكنها لم تتركني، فطعنتها بخنجري في صدرها لتفلتني. نزفت كثيرًا لكنها كانت لا تزال حيّة... ثم اتفقنا أن يأخذها مساعدي بمفرده إلى نهر درّاو وتحديدًا في أعمق منطقة فيه، ثم يربطها بحجرٍ كبيرٍ ويلقيها هناك.
وقع عامر على الأرض وكأنّ السماء سقطت عليه. غطّى وجهه بكفّيه، وبكى بكاءً يخلع القلوب، ثم صرخ:
> - ماذا فعلتِ؟! ماذا فعلتِ بها؟! ما الذي فعلته لكِ لتفعلي كل هذا بها؟!، لقد كانت طيبةً لا تؤذي أحدًا.
لا... لا، أنتِ كاذبة... سارة لم تمت! سارة حيّة! وسأثبت لكِ ذلك!.
ثم التفت إلى عبد الرحمن وهو يصرخ:
> - أحضرها معنا هي ومساعدها، ليدلّونا على المكان! واستدعِ كل السباحين ليغوصوا في أعماق النهر... أريد انكشاف الحقيقة الآن!.
تحرك الجميع نحو النهر، وكانت خولة تسير إلى جوار عامر، تمسك بيده محاولةً أن تثبّت خطاه التي تتعثر تحت وطأة الأمل والجنون.
وبعد ساعتين من الغوص والبحث، كان عامر ما يزال يصرخ:
> - قلت لكِ إنك تكذبين! سارة لم تمت!
لكن صوته انكسر حين سمع أحد الجنود يصيح:
> - وجدناها! وجدناها!
أُخرج الجسد مربوطًا بحبلٍ ثقيل، وجهها مشوَّه، لا تكاد تُعرف ملامحه، لكنها كانت ترتدي ثوب سارة ذاته، ولها نفس شعرها الطويل الذي التصق بالطين والماء.
اقترب عامر يرتجف، نظر إليها طويلاً، ثم نظر إلى خولة، وقال بصوتٍ منكسر:
> - ليست هي أليس كذلك؟... ليست هي يا خولة! سارة لم تمت... سارة لم تمت!.
احتضنته خولة وهي تبكي، وربتت على كتفه، وهمست:
> - قل لا إله إلا الله، يا عامر... سارة في الجنة إن شاء الله.
لكن عامر انتفض من بين ذراعيها وصرخ:
> - لاااااا! سارة لم تمت! ومن سيقول أنها ماتت سأقتله!
ثم التفت إلى زوجة عبد الرحمن بنظرةٍ مشتعلةٍ بالانتقام.
أمسكت خولة بكتفه، ثم أخذت سيفه وقالت بغضبٍ:
> - دعها لي.
أمسكت خولة شعر المرأة وسحبتها ثم جعلتها تجثو على الأرض، وضربتها على رأسها بمؤخرة السيف مرتين حتى سقطت فاقدة التوازن، ثم قلبت جسدها وجلست فوقها، وأمسكتها من عنقها، وهمست بصوتٍ غاضبٍ منخفض:
> - هكذا كانت سارة تتألم، أليس كذلك؟!
هاتِ خنجرك يا عبد الرحمن.
ناولها الخنجر، فرفعته خولة وقالت بحدة:
> - سأقتلكِ بخنجر زوجك، أمام عينيه، وأحرمه منك كما حرمتِ زوجي من زوجته!.
وحينما رفعت خولة يدها لتضربها بالخنجر،
رفعت المرأة يديها باكية وقالت بصوتٍ مختنق:
> - ابنتي صغيرة كطلحة!
توقفت خولة، واهتزت يدها، ثم غرست الخنجر في الأرض قرب رأسها، وصرخت باكية، غير قادرةٍ على إتمام ما بدأت، ثم قامت عنها واحتضنت طلحة وهي تبكي.
اقترب عبد الرحمن ببطء، نظر إلى زوجته التي ارتجفت خوفًا وقالت:
> - لا تقتلني، أرجوك!، أنا زوجتك التي تحبك، وأم ابنتك الجميلة، وكنت سأعطيك المال الذي أعطاني إياه الصليبيون!. كنت أريدك أن تصير من أغنياء غرناطة.
اغرورقت عينا عبد الرحمن بالدموع، وقال بصوتٍ مرتجفٍ:
> - وأنا كنت أحبك... ويؤسفني أنني ما زلت. ولكنَّ الحبَّ وحده لا يكفي.
ثم طعنها في قلبها، وتركها تموت أمام عينيه، وقام يمشي بخطواتٍ متثاقلة، يبحث عن مكانٍ ليبكي فيه وحده.
أما عامر فما زال يجلس عند حافة النهر، ينظر إلى الجسد الغارق في الطين والماء، وقد تجمّد عقله عن الفهم، وهو يهمس:
> - سارة لم تمت... سارة لم تمت...
اقتربت خولة وجلست بجانبه، وضعت رأسه على كتفها وربّتت عليه بصمتٍ طويل.
وفي تلك الأثناء عاد عبد الرحمن، يحمل في يده خنجره الملطخ بالدم، ليقطع عنق مساعد زوجته الذي كان مقيّدًا. صرخت خولة:
> - توقف!
تقدمت نحوه وقالت للرجل:
> - أعدك، وأنا زوجة ملك غرناطة، أنني سأجعلك حرًّا إن أخبرتني الحقيقة، أيًّا كانت، وأثبتَّها لي.
نظر الرجل إليها طويلًا بعينين منهارتين، ثم قال بصوتٍ مبحوح:
> - بل حياةُ زوجتي وأبنائي...
قالت خولة في حيرة:
> - ماذا تعني؟!
فأخرج خنجرًا كان يخبئه وطعن نفسه في عنقه، فسقط ميتًا في الحال.
حاولت خولة أن تجعله يتكلم ولكن أمره قد انتهى.
تمتم عبد الرحمن بمرارة:
> - هكذا هم الجواسيس... حين يتكلمون، يقتلون زوجاتهم وأبناءهم أولاً. وهذا الرجل آثر حياتهم على موته.
تقدمت خولة نحو عامر، أمسكته من كتفيه وقالت بحزمٍ ممزوجٍ بالحزن:
> - قف يا عامر، لا يليق بملكٍ شجاعٍ أن يبكي كالنساء. عد إلى قصرك، وانتقم لزوجتك.
فصرخ في وجهها:
> - سارة لم تمت!!!
شدّته خولة بعنف وقالت:
> - بل ماتت! ماتت يا عامر! وهذا قدر الله، فاقبل وقل الحمد لله!.
في تلك اللحظة كان طلحة يبكي مما رآه، فحملته بين ذراعيها، وضمّته إلى صدرها، وقالت له برقةٍ وهي تنظر نحو عامر:
> - لا تخف يا صغيري، انظر إلى أبيك يا طلحة... إنه بطلنا المحتسب الجميل. سيحمد الله على قضائه، وسينتقم لأمك سارة بعقله وبتقبله للواقع، لا ببكائه وصراخه، أريدك أن تكون مثله عندما تكبر... هذا هو بطلي، وأنت أيضًا بطلي الصغير.
لكن عامر ظل واقفًا عند حافة النهر، ودموعه تتساقط في صمتٍ مرير، يردد بصوتٍ خافتٍ كالمسحور:
> - سارة لم تمت... سارة لم تمت...
---
إلى اللقاء في الجزء الثاني...
(نكمل عالم الماضي ونغوص في أعماق عوالم أخرى عجيبة وأحداث أعجب)
---
الحمد لله واسعِ الفضلِ وعظيمِ المنَّةِ
---
تم بحمد الله
6/10/2025
م. مصطفى النجار
---