الفصل 10 | من 44 فصل

رواية شخوص متداخلة الفصل العاشر 10 - بقلم .

المشاهدات
19
كلمة
7,988
وقت القراءة
40 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

ها أنا ذا، أجلس وحدي على أرضية الغرفة بعد منتصف الليل، جسد بلا روح، كأنني جثة هامدة منذ سنوات. عيناي منتفختان، تحرقانني من شدّة البكاء، والدموع لا تزال تنهمر على وجنتيَّ بصمتٍ موجع.
جسدي يرتجف، وأفكاري تمزّقت بين حاضرٍ يؤلمني وماضٍ لا يرحمني.
لعنتُ حظي، وندبت سذاجتي، كيف انتهى بي المطاف إلى ليلةٍ كهذه؟
ليلة موحشة، حزينة، بكل ما تحمله الكلمة من انكسار.

أشعر أنني أتمزق من الداخل... كأرضٍ ابتلعها الزلزال، كضوءٍ انطفأ في عتمة الليل.

مرّ ساعتان وأنا خلف هذا الباب، لم أتحرك خطوة. بقيت حبيسة وحدتي، بعدما استنفدت كل ما تبقّى من طاقتي.
عاقبتُ نفسي بالصمت، بالصبر الزائف، بالكتمان المميت... ظننت أنني قوية حين منعت دموعي من الانحدار، لكن ها أنا ذا أراها تسحقني ببطء.

ثم فجأة... دوّى صوت ارتطامٍ على الباب.

تبعته صرخة حادة:

— "افتحي الباب! أرجوكِ! لا تجبريني على فعل شيء قد تندمين عليه!"

كان صوت كاردينيا، يائسًا، متوترًا.

سمعتها، نعم، لكن أطرافي كانت كأنها مشلولة. لم أتحرّك، ولم أنبس ببنت شفة. كنت ممددة، صامتة، لا أملك حتى الرغبة في الدفاع عن نفسي.

ثم ارتفع صوت رجولي، غاضب ومذعور:

— "إن لم تفتحي الباب، سأحطمه! أقسم بالله، سأفعل!"

إنه إبراهيم...

تابع صراخه، لكن هذه المرة بنبرة فيها من الحنان ما جعل قلبي يرتجف:

— "ماتيلدا! أنتِ قوية... عاقلة... لماذا تفعلين هذا بنفسك؟ افتحي الباب، من أجلي... إن كنت أعني لكِ شيئًا، افتحي! أنا صديقك، أخوكِ الكبير، من حقّي أن أكون هنا... لا تدفعيني لكسر الباب... ماتيلدا!"

صمتُّ. لم أملك إجابة. دقائقه كانت جمرًا على صدري.

ثم... تحطم الباب.

ركض نحوي، انحنى بسرعة، أمسك بيديّ، نهض بي عن الأرض، واحتواني بذراعيه كأنما يريد أن يحميني من العالم بأسره.

كان حضنه دافئًا، نابضًا... وشعرت بنبضات قلبه تصرخ من أجل قلبي.

تراجعت قليلًا، فرفع كفّيه إلى وجهي، وبلغة رجلٍ منهك، قال:

— "لماذا، يا روح قلبي؟ ما الذي دفعكِ إلى هذا؟"

أبعدت يديه، ونظرت إليه بجمود:

— "إبراهيم... كيف دخلت إلى الشقة؟"

أجاب:

— "كاردينيا كانت تصرخ في السلالم، وكنت بالقرب... رأيتها، فجئت فورًا."

— "هل كسرت الباب؟"

— "وهل تظنين أن شيئًا كان سيمنعني إن علمت أنكِ على هذا الحال؟ كسرت الباب، وسأكسر كل شيء إن لزم الأمر... لكن أخبريني، لماذا فعلتِ هذا؟ خذلتِني، والله."

قلت بحدة:

— "إبراهيم... هناك أمور لا شأن لك بها. من الأفضل لك أن تلتزم الصمت."

— "لكنني صديقكِ."

— "حتى وإن كنت كذلك... لا حق لك بالتدخل."

— "ماتيلدا..."

— "أخرج. لا أريد أحدًا هنا."

— "كيف أترككِ وأنتِ في هذه الحالة؟!"

— "أنا بخير. لا أحتاج أحدًا. أرجوك... أخرج."

— "كما تشائين... لن أضغط عليكِ."

غادر الغرفة، وكانت ملامحه تفيض بالحزن. أغلقت الباب خلفه، ثم التفتُّ إلى كاردينيا. كانت تحدّق بي بقلق، لكنني تجاهلتها، وعدت إلى غرفتي، فرشت فراشًا على الأرض، وتمددت، راغبة في أن يبتلعني الصمت.

قالت بهدوء:

— "أختي..."

— "لا تتحدثي. لا أريد أن أجرحك، فلتكن ليلتنا صامتة... تصبحين على خير."

---

في صباح اليوم التالي...

استيقظت، ونهضت إلى المطبخ. أعددت القهوة، سكبتها في الكوب، وجلستُ أحتسيها في صمت.
كاردينيا كانت تحاول فتح حوار، لكنني لم أكن مستعدة للاستماع.

كل ما حدث البارحة كان نتيجة تصرفها الأحمق. لقد صرخت في البناية كلها، أحرجتني أمام إبراهيم، رغم أنني كنت قد طلبت منها سابقًا ألا تفعل شيئًا من هذا القبيل.

قالت أخيرًا، بصوتٍ منخفض:

— "أعلم أنني لا أستحق هذه القسوة... أعترف أنني سمحت له بالدخول، لكن فقط لأنني أردت إنقاذك. أنتِ لا تعلمين كيف كنتِ تبدين... كما أنكما صديقان، فظننت أن وجوده سيعيدك إلى نفسك. وإن كان ما فعلته خطأً في نظرك، فأنا آسفة."

رفعت رأسي ببطء:

— "رأسي يؤلمني... اسكتي، أرجوكِ."

— "وماذا بعد، ماتيلدا؟"

— "الله أعلى وأعلم."

شربتُ بقية القهوة، ثم عدت إلى غرفتي، تمددت على السرير، نظرت إلى الساعة، كانت الثامنة تمامًا.
أمسكت بهاتفي، وراودتني فكرة الاتصال بإبراهيم، لكنني ترددت... وأغلقت الهاتف.

شعرت بصداعٍ شديد، أمسكت رأسي بألم، ثم لمحت مزهرية صغيرة على الطاولة، حملتها وألقيت بها بقوة على الحائط.

دخلت كاردينيا مذعورة:

— "أجننتِ؟!"

— "بل أنا في قمة اتزاني الآن."

— "واضح جدًا! بالمناسبة... دانيال اتصل عندما كنتِ نائمة، وقد رددت عليه، وكان غاضبًا جدًّا."

— "ولماذا؟"

— "ألستِ من أغلقت الباب في وجهه بالأمس، وحبستِ نفسك؟ لقد غضب كثيرًا من تصرفك."

— "سأرضيه لاحقًا."

— "هل يمكنني أن أعرف لماذا كنتِ على شفير الانهيار بالأمس؟ لماذا كل هذا الصراخ؟"

— "كانت هناك أسباب... دفعتني للانفجار."

— "لقد صدمتني، ماتيلدا. كنتِ غائبة تمامًا، لم تجيبي، حتى اضطر إبراهيم إلى كسر الباب!"

— "ستمضي الأمور..."

— "هل تعلمين كم خاف عليكِ؟"

— "كم؟"

— "كثيرًا... احتضنكِ بقوة، وكان واضحًا كم يعني له أمرك. عيناه قالتا كل شيء، وصوته... كان مليئًا بالمحبة."

— "إنه صديق يخاف على صديقته، لا أكثر."

— "أنا أرى أن مشاعره أكبر من مجرد صداقة."

— "كأنكِ تقصدين شيئًا ما..."

— "أقصد: حب."

ضحكتُ بسخرية:

— "ومتى وجد الوقت ليحبني؟"

— "لا تنسي... لقد مرّت أكثر من سبعة أشهر منذ تعرّف عليكما. ويقال إن الحب الحقيقي يبدأ بعد هذه المدة."

— "وهل ترينه متبادلًا؟"

— "إلى حدٍّ ما... نعم."

— "وكيف لاحظتِ ذلك؟"

— "في الشهر والنصف الأخيرين، تغيّرتِ كثيرًا... أصبحتِ مختلفة تمامًا. رغم أنكِ ما زلتِ تتألمين أحيانًا، إلا أنني رأيت فيكِ طاقة إيجابية. كنتِ تبتسمين كلّما تحدّثتِ عنه، وكلامك عنه لم يكن عاديًا. كان دافئًا... صادقًا."

تنهّدتُ، ثم قلتُ بنبرة متهكمة:

— "آه... وماذا إن كنتُ قد وقعت في حبه؟"

— "لا بأس! بل سأكون في غاية السعادة."

— "ولِمَ تفرحين؟!"

قالت كاردينيا، بصوتها الهادئ الذي يحمل في طيّاته مزيجًا من الشفقة والصدق:

— "بكل بساطة، أشعر بالراحة حين يكون إبراهيم بقربنا. دائمًا أدعو له في صلاتي أن يحفظه الله ويرعاه. لا يمكنني إنكار كم ساعدنا حين كنا في العراق، وحتى بعد مجيئنا إلى تركيا، ساعدكِ ووفّر لكِ وظيفة في شركته الخاصة.

لقد أصبح صديقًا مقرّبًا، لا يتردد في تلبية أي شيء نحتاجه. أحببتُ شخصيته، ورجولته، وغيرته علينا... كثيرٌ من المواقف أظهرت اهتمامه، وخصوصًا بكِ. لذا، أشعر أن مشاعره تجاهك تتجاوز حدود الصداقة والأخوة، وأتمنى حقًّا أن يكون إحساسي صائبًا."

رفعتُ رأسي إليها وسألتها بهدوء:

— "ولِمَ تتمنين ذلك؟"

أجابت بابتسامةٍ خفيفة:

— "صدقيني، حياتنا ستتغيّر تمامًا إن ارتبطتِ به."

ضحكتُ ساخرة:

— "غردي، أود سماع هذا التفاؤل!"

قالت وهي تلوّح بيديها كأنها ترسم صورة وردية:

— "سننسى الماضي، ونتجه صوب المستقبل. سيكون هناك من يحمي ظهورنا، من يقف بجانبنا في كل لحظة. لن نكون وحدنا بعد الآن، سيكون هناك رجل يساندنا، يمنحنا الأمان. حياتنا لن تبقى سوداء كئيبة، بل ستصبح أزهى وأجمل... صدقيني، ثقي بكلامي!"

تنهدتُ ثم قلت:

— "حسنًا... إن كان ممكنًا، أغلقي الباب وأطفئي الأضواء."

— "لكنّكِ نهضتِ قبل قليل!"

— "أريد أن أرتاح قليلًا."

— "كما تشائين، عزيزتي... أترككِ لترتاحي."

— "شكرًا."

نفّذت ما طلبته منها، ثم عدّلت جلستي، وفتحت خزانتي الصغيرة، أخرجت منها ورقةً بيضاء وقلمًا، ثم أغلقتها بهدوء.
تأمّلت الورقة طويلاً... كانت ناصعة البياض، كأنّ بياضها اخترق قلبي المرهق. لكنّي سرعان ما وضعت القلم فوقها، كأنّي أضع حاجزًا بين صفحتها النقية وسواد حياتي.

رسمت على وجهي ابتسامةً زائفة، ثم حاولت الكتابة... لكن القلم جفّ، ولم أستطع أن أدوّن كلمة واحدة. لم أجد وسيلةً أعبّر بها عن فوضى داخلي، ولا عن ذلك الغموض القاتم الذي يغمر عالمي.

راودني سؤال مؤلم: هل سأبقى هكذا إلى الأبد؟

القدر يفاجئني في كل يوم بما لا طاقة للعقل على تحمّله، لكن رغم كل شيء... ما زلت أعلم أن الله معي، في السوء كما في الخير.

نظرت مجددًا إلى الورقة، كانت مشقوقة في منتصفها من شدّة ضغطي بالقلم. عبثتُ بها، خدشتها، ولطّختها بالحبر الأسود حتى فقدت بياضها... تمامًا كما فقدتُ أنا براءتي وسكينتي. تحوّلت الورقة من النقاء إلى الظلمة، ولم يكن هناك من يمحو سوادها... سوى الفاعل الحقيقي، ذاك الذي سبّب كل هذا الخراب.

ألقيت بالورقة والقلم بعيدًا... محاولة جديدة فاشلة.

مددت يدي إلى هاتفي واتصلت بدانيال.

رن الهاتف طويلًا قبل أن يجيب:

— "مرحبًا؟"

— "أعتذر... وأطلب من صديق قلبي، وتوأم روحي، القريب البعيد، أن يسامحني."

— "هل انتهى الأمر عند هذا الاعتذار؟"

— "سامحتني؟"

— "لا."

— "لماذا؟"

— "لأنكِ آلمتِ قلبي."

— "وهل أخطأت عن قصد؟"

— "نعم."

— "وما هو ذنبي؟"

— "انهيارك."

— "أنت تعرف جيدًا أنني لا أملك عقلًا هادئًا، وأن تراكم الضغوط على هذه الصديقة القوية جعلها تنهار قليلًا... ولكن مع نفسها فقط."

— "لا بأس... فأنا أعلم أن (عقلها طَقّ ونص)."

ضحكت...

— "فداءٌ لهذه الضحكة، أشتاق إليكِ كثيرًا."

— "وأنا أيضًا، عمري... انتهى الزعل إذن، أليس كذلك؟"

— "طبعًا، وهل أطيق خصامكِ؟"

— "أعرف أنك لا تستطيع."

ضحك ثم قال:

— "تذكرتُ موقفًا من سبع سنوات، حين كنّا في الثانوية..."

— "حدّثني، أريد أن أسمعه."

— "كنتُ قد خرجت من الامتحان غاضبًا منكِ، لأنكِ نسيتِ أن توقظيني، وتأخرتُ عن الدوام، وتعرّضت لعقوبة... وأنا أعتمد عليكِ في الاستيقاظ."

— "لكن لا تنسَ أنني شاركتك في العقوبة."

ضحك:

— "صحيح، لكني ظللت غاضبًا منك. كنت على وشك أن أصرخ فيك."

— "إذًا، اكتشفت أن بداخلك عنفًا... يا دانيال!"

— "دانو... في عينيكِ فقط."

— "أحب هذا الدلع."

— "يا وجه البومة!"

— "الآن صرنا متعادلين، هههههه."

ضحك وقال:

— "سقط حظكِ."

— "هو أصلًا ساقط، لم يتبقَّ منه شيء."

— "المهم... في اليوم التالي، اتصلتِ بي صباحًا، أذكر جيدًا، كانت الساعة العاشرة صباحًا، وكان يوم جمعة. اعتذرتِ لي بنفس كلمات هذه المكالمة، وقلتِ: (هل تظن أنني أحتمل خصامك؟)، فرضيتُ."

— "كانت أيامًا جميلة..."

— "أتمنّى لو تعود..."

أطلق تنهيدة طويلة، ثم قال:

— "أصبحت رؤيتكِ كالحلم بالنسبة لي."

— "لا تقل ذلك... إن شاء الله تأتي فرصة وتأتي إلى تركيا."

— "فرصتي في الحلم فقط."

— "لماذا؟!"

— "لا أستطيع أن أترك لورين، وأصدقائي، وأمّي، وأختي... وإن أردتُ اصطحابهم، فالأمر صعب."

— "الله كريم. أنا مؤمنة بأن الحق لا يضيع، والمظلوم سينال حقه، مهما طال الانتظار. ونحن... قد ظُلمنا، والله سينصرنا."

— "اللهم آمين... يستجيب الله منكِ."

أغلقت المكالمة... ولم يسألني عمّا حدث البارحة. ابتسمت. أعرف دانيال جيّدًا. لم يسأل لأنه يعلم متى يجب الحديث ومتى يصمت. هو يريد للجو أن يهدأ، حتى أكون مستعدة للكلام.

---

حلّ العصر، وطرقت كاردينيا الباب ودخلت.

— "هاه؟"

قالت:

— "أريد أن أخرج لأستنشق بعض الهواء النقي."

— "حسنًا... انتظريني، سأخرج معكِ."

— "موافق."

ارتديت معطفي، وأخذت هاتفي، وخرجنا معًا.

ذهبنا إلى الجهة الخلفية من المبنى، حيث الحديقة والخُضرة. جلست كاردينيا على العشب، وجلست بقربها، ثم نهضت بعدما جاءني اتصال.

— "مرحبًا!"

قال دانيال، بصوته المعتاد:

— "مرحبًا، عزيزتي. كيف حالكِ الآن؟"

— "الحمد لله... هل حدث شيء؟"

— "أردت فقط أن نتحادث بعدما أصبحتِ هادئة."

— "لا بأس... تفضل."

— "انظري، ما حدث البارحة... انسِه. انتهى وانقضى، لكن أريد أن أفهم، ما الذي دفعكِ لفعل ما فعلتِه؟"

أطرقت قليلًا، ثم أجبت:

— "بعد منتصف الليل، انقطعت الكهرباء عن الشقة، وغرقت في الظلام. سقطتُ على الأرض من شدّة الخوف، ثم شعرت بيدٍ تلامس ظهري... ركضتُ فورًا إلى المطبخ، وعندما عادت الكهرباء، كانت الشقة فارغة، والباب مغلق من الداخل، وكاردينيا أقسمت أنها لم ترَ أحدًا يدخل. وعندما اتصلتُ بك، لم يكن اسمك الظاهر في هاتفي."

تنهّدت:

— "عندها... شعرت أنني فقدت صوابي. كل شيء كنتُ أكتمه بداخلي خرج دفعة واحدة. لكنني الآن أفضل... الحمد لله."

بعد لحظة صمت، قال إبراهيم بنبرة قلقة:

— "هل يُعقل أن أحدًا دخل الشقة وأرعبك؟"

أجبته بصوت خافت:

— "لا أعلم... ربما."

— "ربما كنتِ تتوهمين؟ من شدة الإرهاق، لأن ما ذكرتِه مستحيل أن يحدث."

— "أجل... ربما."

— "استمعي إلي، اذهبي إلى الحارس... ذاك الشاب الذي يعمل في المنطقة، يبقى ساهرًا حتى الفجر. لورين حدثتني عنه سابقًا، تعرف المنطقة جيدًا وقالت إنه يطّلع على كل ما يحدث."

— "حسنًا، سأذهب."

— "وتحدثي أيضًا مع الجيران، قد يكون لدى أحدهم معلومة مفيدة."

— "تمام."

— "إذا اكتشفتِ شيئًا، أخبريني فورًا. والآن، سأرحل... انتبهي على نفسك."

— "وأنت كذلك... إلى اللقاء."

غادرتُ الشقة بحثًا عن الحقيقة. سألت الجميع، لكنهم أجمعوا على أنه من المستحيل أن يكون أحد قد دخل بعد منتصف الليل. ذهبت إلى "أم صلاح"، فأرَتني تسجيلات كاميرات شقتها، وحقًا، لم يظهر أي شخص.

عدتُ إلى شقتي، محطّمة النفس.

نظرت إليّ كاردينيا بقلق وسألت:

— "ما الذي حدث؟"

تنهدت وأنا أخلع معطفي:

— "لا جديد... كما توقعت، كنت أتوهم... لا شيء من ذلك حصل."

— "كنتُ أظن ذلك... لم أرَ أحدًا، وكان باب الشقة مقفلاً من الداخل. ربما التعب والإرهاق دفعاكِ إلى الوهم."

— "ربما..."

مرت ثلاثة أيام، لم أغادر الشقة خلالها، ولم أذهب إلى العمل. كانت حالتي النفسية في أسوأ مراحلها، فقررت الاتصال بإبراهيم، فهو المدير، ومن واجبي إبلاغه حتى إن كنتُ لا أنوي العودة قريبًا.

اتصلت به، وبعد دقائق ردّ على المكالمة بصوت هادئ:

— "آه، شرسة!"

تفاجأتُ من كلمته:

— "كيف عرفت أنني أنا المتصلة؟"

— "أحسستُ بذلك... وقلبي لم يخب ظنه."

— "أها..."

— "فداءً لعيونك."

ترددت، ثم سألته:

— "إبراهيم، هل يمكنني الحصول على إجازة لفترة من الوقت؟"

— "ما السبب؟"

— "أنت تعلم أنني لم أداوم منذ ثلاثة أيام."

— "نعم، وقد سجّلت لك إجازة فعلًا."

— "حالتي النفسية سيئة... أشعر بالإرهاق."

— "سلامات... لا بأس عليكِ."

— "هل أنت منزعج مني؟"

— "من أي شيء أنزعج؟"

— "آخر مرة، طردتك من الشقة، رغم أنك حاولت مساعدتي وتهدئتي."

تنهد، وقال:

— "أخبرتك من قبل، لكِ مكانة خاصة لدي، وكل ما يصدر منكِ مقبول."

— "شكرًا لتفهمك."

— "قلتُ لك، لا أحب عبارات الشكر بيننا، نحن لسنا رسميين. متى ما شعرتِ أنكِ أفضل، عودي إلى العمل... أنا نسيت ما حدث، فلا تقلقي."

— "أحب طريقة تفكيرك دائمًا... دائمًا ما أتوقع ردة فعل عنيفة منك، لكنك تفاجئني بهدوئك."

ضحك، ثم قال:

— "ومن يحبني سواكِ؟"

— "أحب تفاهمك، لا أنت."

— "ممم..."

— "أصبحتَ سخيفًا."

— "روحي، بلّغي سلامي لأختك، قبّليها نيابة عني."

— "حسنًا."

— "واعتني بنفسك."

— "وأنت أيضًا."

•••

في اليوم التالي، دقّ الباب في الساعة الثامنة مساءً. فتحت دون تفكير، ولم أتوقع من يكون. فاجأني حضوره...

— "مرحبًا..." قالها بابتسامة عريضة.

ثم قرصني من أنفي، وناولني بطاقة حمراء وباقة من الورد الأصفر.

أخذتُها منه وأنا أستنشق رائحة عطره وأبتسم.

— "عطري المفضل... ولوني المفضل أيضًا. كيف عرفتَ هذه التفاصيل عني؟"

أجاب بابتسامة:

— "سمعتك تتحدثين مع زميلتك في الشركة، وكنتِ تذكرين تلك الأمور."

— "ممم..."

— "أنا أحب كل ما يخصك، أُعنى بكل تفصيلة عنكِ... وما تحبينه، أحببته أنا أيضًا."

توترت من نظراته العميقة، فدفعتُ شعري خلف أذني وسألته:

— "ما مناسبة حضورك... وهذه الورود؟"

— "هل أعجبتكِ؟"

— "نعم، جميلة جدًا..."

— "ولكن، هل للورد أن ينجب بشرًا يشبهكِ؟"

— "يا لهذا الكلام الجميل... والمراوغة."

— "الكلمات العذبة لا أقولها إلا لكِ."

— "وهل حضورك أيضًا من باب الكلام العذب؟"

— "يليق بكِ." ثم ضحك وأضاف: "لا، فقط قلبي اشتاق إليكِ، وأردت الاطمئنان."

ابتسمتُ بخجل: "أهلًا بك."

كاردينيا، التي سمعت الضحك، خرجت من المطبخ وقالت:

— "مرحبًا، يا صاحب النجوم الصفراء!"

ضحك واقترب منها:

— "كيف حالكِ أيتها الجميلة؟ سمعت أنكِ مريضة."

— "صحيح، لكنني الآن أفضل."

— "اعتني بنفسكِ... ولا تهملي أختك الكبرى، فهي سندكِ وقوتكِ."

— "في عينيّ... ليس لدي سواها، أعدّها أمي."

— "حفظ الله المحبة بينكما."

— "وأدامك اللهما، أنت وماتيلدا."

رفع حاجبه وقال ممازحًا:

— "لكننا لسنا إخوة!"

قالت كاردينيا: "صحيح، لكنك صديقها... والصديق أحيانًا أكثر من الأخ."

ابتسم وهو يمرر يده على أنفه، ثم قال:

— "صحيح."

ضحكتُ حين لاحظت كاردينيا نظراته نحوي.

— "أعينكما تفضح كل شيء!" قالت كاردينيا.

إبراهيم: "وماذا تفضح؟"

همستُ بحدة:

— "اصمتي!"

ضحك وقال:

— "دعيها تتحدث."

قالت كاردينيا وهي تتجه للمطبخ:

— "سأكمل عشائي..."

— "نعم، اذهبي."

نظر إليّ وقال: "لماذا أسكتّها؟"

— "لأنها بدأت تتكلم دون وعي."

اقترب مني، رفع ذقني بين إصبعيه وسأل:

— "هل بلغتِ هذه الدرجة؟"

نظرت إليه: "ماذا تقصد؟"

— "ما أفكر به..."

— "ما الذي...؟"

ضحك بصوت عالٍ، ثم كتم ضحكته بشفتيه، وكأنّه لا يريد لضحكته أن تفضح شيئًا.

ثم أردفت: "حقًا... لماذا حاجبك يبدو كأنه مشقوق؟"

أجاب ضاحكًا:

— "أصبت نفسي خطأً بالسكين، لكني جعلتها رسمة أنيقة ورتبتها."

— "يبدو أنها لائقة بك."

ضحك من قلبه...

ثم قال وهو يستعد للمغادرة:

— "يجب أن أذهب الآن، لدي عمل... لا يمكنني التأخر أكثر."

— "حسنًا، حفظك الله."

— "بعد ثلاثة أيام، تعودين إلى العمل. لا أعذار، أسبوع واحد للراحة، ثم أريدك هناك، لأجلي... إن كان لي عندك مكان. فالشركة بلا طعم بدونك... أقسم."

— "آه..."

— "أحب حضورك البسيط."

— "اذهب الآن!"

ضحك وهو يبتعد:

— "ذاهب، يا أختكِ... حفظ الله الأخوّة، أليس كذلك؟"

ضحكتُ وأنا أجيب:

— "بلى... الآن اذهب."

— "إلى اللقاء، أختي."

•••

عدت إلى الدوام، وقد سرّني أنه لم يفتح موضوع ما حدث. شعرتُ باحترامه لخصوصيتي، بل وبأنه نسي الأمر تمامًا.

منذ عودتي، دائمًا ما أجده يبتسم لي. إن لم ينظر إليّ، أراه يرسل لي كوبًا من القهوة، أو قطعة كيك بنكهتي المفضلة...
أحب اهتمامه بي.

مرّ أسبوعان...
وفي الأيام الأخيرة، بدأت أشعر بأشياء غريبة تحدث في الشقة...
كأن تنقطع الكهرباء فجأة ثم تعود خلال دقيقة، أو أن يختفي مفتاح كنت متأكدة من مكانه، أو أن تُفتح شرفة الغرفة رغم أنني أقفلتها بيدي وتحققت من ذلك.

كنت أتجاهل هذه الأمور، أحاول ألا أوليها اهتمامًا، في حين كانت كاردينيا تتصرف وكأن كل شيء طبيعي.
كانت دائمًا تقول لي:
— "عادي، لا تبالغي، لا تكبّري الأمور."
فأسكت، رغم كل ما كان يعصف بداخلي من ريبة.

وفي أحد الأيام، كنت مستلقية على السرير حين رن هاتفي. نظرت إلى الشاشة، فظهر اسم المتصل: إبراهيم.
كانت المرة الأولى التي يتصل بي فيها، فابتسمت وأجبت بخفة:

— "مرحبًا!"
— "مرحبًا بهذا الصوت الذي يُنعش القلب!"
— "سخيف... كيف حالك؟"
— "بخير، الحمد لله. وأنتِ؟"
— "الحمد لله دائمًا."
— "حفظكِ الله لي."

— "ما مناسبة هذا الاتصال يا إبراهيم أفندي؟"
— "اشتقتُ إلى صديقتي، أما من حقّي أن أسمع صوتها؟"
— "رأيتني صباحًا في الشركة، وسمعت صوتي!"
— "لكني أشتاق إليكِ في كل دقيقة... هل هذا ذنب؟"

— "آه..."
— "كفى تهربًا، أريد الحديث معكِ."
— "ولماذا؟"
— "قلت لكِ: كفى تهرّبًا!"

— "ههههه... تحدث، ما الذي تريده؟"
— "أنتِ كل حديثي."

صمتُّ قليلاً...
— "اسألني، وسأسألك."
— "يبدو عليكِ الملل."
— "بل أنتَ من يشعر بالفراغ!"
— "صحيح... وأريد أن أكتمل بكِ."

— "أنتَ سخيف. تفضل، اسأل، لا مانع لديّ."
— "حسنًا، أخبريني عنكِ."
— "مثل ماذا؟"
— "عمركِ، برجكِ، لونكِ المفضل، وما تحبين... كل شيء."
— "ههههه... ألم أقل إنك فارغ!"

ضحك ثم قال:
— "لقد احترقت شوقًا، أنا فارغ فعلًا، تكلّمي!"

— "ألا تعلم أن عمري أربع وعشرون سنة؟"
— "بلى، ومتى يوم ميلادكِ؟"
— "مرّ منذ فترة."
— "أي شهر؟"
— "أبريل."

شعرتُ بشيء يعتصرني... بلعت ريقي ومسحت على ركبتي، فكلما تذكّرت ذلك الشهر، أتوتر بشكل غريب، وتشعر أطرافي بالوخز.

— "أين ذهب ذهنكِ؟"
— "لا... أنا هنا."
— "وما برجكِ؟"
— "الحمل."
— "جميل. ولونكِ المفضل؟"
— "الأصفر... والأسود."
— "رائع! أنا أيضًا أحب الأسود، شيء مشترك بيننا."

— "بالمناسبة، كم عمركَ أنت؟"
— "تخمني كم؟"
— "ثلاثون؟"
— "أخطأتِ، أربعة وثلاثون."
— "العمر كلّه."

— "برجي الأسد."
— "جميل."
— "بل أنتِ الجميلة."

ضحكتُ بخفة...
ثم قال:
— "بعد أيام، تبدأ سنة جديدة... ما رأيكِ أن أدعوكِ إلى عشاء في مطعم؟"
— "لا بأس، موافقة."
— "اتفقنا."

— "بالمناسبة، لدي سؤال."
— "اسألي."
— "كيف تكون ضابطًا ومديرًا في آن واحد؟"

— "أنا لست ضابطًا حاليًا."
— "ماذا تعني؟"
— "أنا في إجازة لمدة عامين من عملي الأساسي. كنت ضابطًا في المخابرات العراقية، والمعلومات التي أتولاها سرّية ولا تُباح خارج الدولة. الأمر معقد ومزعج، ولا أريد الخوض فيه الآن."

ثم أضاف:
— "وبالمناسبة، الشركة التي أعمل بها تعود لصديقي، وهو الآن في السويد. حين يعود، سأعيد له إدارتها."
— "فهمت... لك الحق في الاحتفاظ بما لا تود مشاركته، لن أضغط عليك."

— "أشكرك لتفهمك."
— "هل لي أن أسأل عن عائلتك؟ أين يعيشون؟"
— "عائلتي؟... ماتوا."
— "ماذا؟!"
— "جميعهم... ماتوا بطريقة لا يمكن أن تتحملي سماعها. فقط... ارحميهم بدعائكِ."

— "رحمهم الله، وألهمك الصبر."
— "شكرًا لكِ."

شعرتُ بانقباض في قلبي... بدا صوته مخنوقًا حين تكلّم عنهم، فلم أرغب في فتح جراحه، والتزمت الصمت.

تحدثنا قليلًا، ثم أنهيتُ المكالمة وأنا أفكر:
"يا لها من صدفة أن ألتقي برجل فقد عائلته كما فقدتُ أنا عائلتي! يا رب، اغفر لهم، وانتقم ممن كان السبب."

---

في اليوم التالي...

كنت في مكتبي أعمل على الحاسوب، حين سمعت ضحكة عالية مألوفة... كانت ضحكة إبراهيم.
رفعت رأسي، تركت ما بيدي، وخرجت لأستطلع. وجدته واقفًا بجانب فتاةٍ لم أرها من قبل.

راقبتها بطرف عيني، وشعرت بشيءٍ داخلي يتأجج... لا أعلم لماذا ضايقني وقوفهما سويًّا.

لاحظني، ورفع حاجبه وكأنه يسأل: "ما بكِ؟"
أجبته بنظرة سريعة وهزة رأس تعني: "لا شيء."
بادلني النظرات، ثم حرّك شفتيه وهمس: "مممم..."
همستُ بغيظ:
— "وقح..."

ثم قلت بصوت مسموع:
— "هل يمكن خفض صوت الحديث قليلًا؟ أحاول التركيز في عملي، ولا أريد أن يُقال إنني نسخت ملفًا خاطئًا مجددًا."

ضحك وقال:
— "تأمرين أمرًا."

عدت إلى مكتبي، لكنني لم أستطع التركيز. كنت أعمل بعصبية، يداي ترتجفان، وصورة ضحكتهما ما زالت عالقة في ذهني.

نهضتُ من مكاني، وسرت نحو المكتبة القريبة. كانت تلك الفتاة جالسة إلى جواره، فدخلت دون استئذان.
رفع رأسه وقال مازحًا:

— "هل تحتاجين شيئًا، عزيزتي؟"
— "نعم... انتهيتُ من ترتيب الملفات."
— "أحضريها إذن."
— "بل أحضرها أنت."
— "حقًا؟!"
— "هيا، انهض، لا تتأخر!"
— "ما بكِ، ماتيلدا؟ وقت عنادكِ؟"
— "هذا ما لدي. هيا، انهض. يبدو أن المقعد راق لك!"
— "ماتيلدا..."
— "نعم، يا برهومة؟"

نظر إليّ وضحك قائلًا:
— "يا لكِ من فتاةٍ مشاكسة!"

جلستُ، وضعت ساقًا فوق ساق، ثم نظرت إلى الفتاة وقلت بهدوء يخفي عاصفتي:

— "Lütfen aşkım, ofisimden evrakları getir."
— (من فضلكِ، حبيبتي، أحضري الأوراق من مكتبي.)

أجابت الفتاة بابتسامة:
— "Tamam canım, sorun yok."
— (بالطبع عزيزتي، لا مشكلة.)

— "Teşekkür ederim."
— (شكرًا لكِ.)

فقال إبراهيم فجأة:
— "لا، أنا سأجلبها."

فقلت بسخرية:
— "أتعجز عن إزعاجها؟"
— "أبدًا..."

خرج من المكتب، فتبعته. دخل مكتبي ليتناول الأوراق، فسحبتها من يده بقوة ووضعتها على الطاولة، فنظر إليّ بحدة، ثم أمسك بيدي خلف ظهري وهمس:
— "أعشق غيرتكِ... وشراستكِ أيضًا."

دفعتُه بهدوء، وسوّيت شعري، قائلة:
— "لم أغر."
— "إذًا، لماذا كل هذا التوتر؟"
— "فقط... شعرتُ بالضيق."
— "ألاحظ دائمًا أنكِ تنزعجين حين أتحدث مع غيركِ."
— "قلتُ لك إنني لا أنزعج."

أمسك يدي، وطبع عليها قبلة خفيفة، ثم نظر في عينيّ وقال:
— "تعالي معي قليلاً."

— "إلى أين؟"
لم يُجب، بل أخذني من يدي وأوقفني وسط الشركة، ثم أعلن بصوت مرتفع:

"Bugünden itibaren Matilda benim özel sekreterim olacak."
(ابتداءً من اليوم، ماتيلدا ستكون سكرتيرتي الخاصة.)

قدّم لي الجميع التهاني قائلين:
"Tebrikler… مبارك لكِ!"

اكتفيتُ بابتسامةٍ مجاملة وأنا أومئ برأسي، ثم سحب إبراهيم يدي بلطف وسار بي نحو مكتب السكرتيرة.

قال بابتسامة واثقة:
– ابتداءً من الغد، ستكونين في هذا المكان، مكان أستبرق. ستبقين إلى جانبي.

أجبته باعتراض:
– لكنني لم أطلب منك هذا!

وضع إصبعه على شفتيه وقال هامسًا:
– ششش، بلا نقاش. هل ما زلتِ منزعجة؟

– لا...

ضحك ومدّ يده ليقرص أنفي مازحًا:
– أقبّل المُنزعجة!

أبعدتُ يده بضحك خفيف وقلت:
– سخيف... سأذهب لأكمل عملي.

---

بعد أيام...

حلّت ليلة ميلاد السيد المسيح، فاشتريت شجرة وزيّنتها. لم أشأ أن أنسى طقوسنا وعاداتنا، لا سيما أن كاردينيا تعشق هذه الأجواء المليئة بالدفء والفرح.

اتصل بي دانيال وأرسل لي تهنئة بالمناسبة. ذهبنا إلى الكنيسة، وكان الجو مهيبًا. لم يكن يومًا عاديًا، بل هو من أهم أعيادنا، بعد عيد القيامة.

عدنا إلى المنزل عند الثالثة فجرًا. وبعد أيام قليلة، استقبلنا ليلة رأس السنة. وعند منتصف الليل تمامًا، بدأ عام 2010. كان دانيال أول المهنئين، فقد اتصل بي فورًا.

دقائق قليلة وسمعت طرقًا على الباب. فتحتُ فوجدت إبراهيم أمامي، يحمل الهدايا وقطعة كيك. تناولتها منه وأنا أضحك من شدة فرحي.

قال وهو يسلّمني إياها:
– شيء بسيط... ولا تنسي، غدًا موعدنا، الساعة الخامسة مساءً. سنة سعيدة يا شراستي!

اكتفيت بإيماءة صغيرة وابتسامة.

---

في اليوم التالي...

أنهيت جميع مهامي، ثم بدأتُ أستعد للخروج. ارتديتُ تنورة قصيرة باللون الأسود، وسترة شتوية طويلة، وبلوزة بيضاء برقبة عالية. لفيت وشاحًا حريريًا حول عنقي، وتركْت شعري منسدلاً بحرّية. رسمتُ شفتي بلونٍ أحمرٍ مطفأ، ورششت العطر على نقاط النبض. كانت التفاصيل بسيطة لكنها غيّرتني تمامًا. تركت كاردينيا عند أم صلاح وخرجت.

عندما رأيت سيارته، أطلق البوق ليشير إليّ، فصعدت. نظر إليّ وقال:

– أهلًا بجميلة الجميلات.

خجلتُ ولم أعرف بماذا أجيبه. كان يقود السيارة وأشغَل أغنية رومانسية تركية بصوت منخفض. شعرت أنه يلمّح إلى شيء، لكنني تجاهلت الأمر. أو حاولت تجاهله، وأقنعت نفسي أنه مجرد صديق. ومع ذلك، كانت الكلمات تلامس قلبي، وكأنها كُتبت لنا.

وصلنا إلى المطعم. نزل وفتح لي الباب بلطف، فبادلته الابتسامة، ونزلت. أمسك بيدي وسرنا سويًا. كان قد حجز لنا طاولة في مكان فخم جعلني أشعر وكأنني أميرة. المقاعد بيضاء، والإضاءة زرقاء داكنة تبعث السكينة.

جلسنا مقابل بعضنا. أردت كسر حاجز الخجل، فوضعت يدي تحت ذقني وقلت له:
– الأجواء جميلة جدًا هنا.

طلب وجبة مشوية، وسرعان ما جاءت المائدة. الطعام لذيذ، والمكان مريح. كنت أتناول طعامي بهدوء، لكنني لاحظت أنه يراقبني بصمت.

– لماذا تحدّق بي؟

– عيوني قليلة الأدب.

ضحكت، ومرّ الوقت بسرعة. ذهبت إلى دورة المياه، وعندما عدت، جلسنا مجددًا. ثم نظر إليّ وقال:

– أنتِ جميلة لدرجة أن الحزن لا يليق بكِ. الخجل يليق بكِ أكثر. الغزل خُلق من أجل عينيكِ.

---

ثم تابع وهو يتأملني:

– لا تشبهين أحدًا... من المستحيل مقارنتك بأي شخص. هل رأيتِ الغيوم كم هي مميزة؟ أنتِ مثلها تمامًا.

نظرت إليه وقلت باستغراب:
– وكيف أكون مثلها؟

– بعيدة، بيضاء، ونقية. إذا كان العالم كلّه على اليسار، فأنتِ على اليمين. إن كان الكل أسود، فأنتِ النقاء. وإن كانت الدنيا ظلامًا، فأنتِ النور.

ثم أضاف بنبرة أكثر عمقًا:
– هل تفهمين من أنتِ؟ أنتِ نادرة، وتستحقين الحب.

لامست كلماته قلبي، فأجبته بابتسامة صادقة:
– شكرًا يا إبراهيم... أنتَ الوحيد الذي يشعل فيّ الطاقة الإيجابية.

– لا شكر بيننا يا شراستي...

عدت إلى المنزل، وقلبي يرقص من الفرح. كأن فراشات صغيرة ترفرف داخلي. مشاعري نحوه تزداد يومًا بعد يوم.

مرّت أيام وأسابيع بهدوء شبه تام. وفي أحد الأيام، اتصل بي دانيال ليزفّ لي خبرًا سعيدًا:

– ماتيلدا... حالة لورين بدأت تتحسّن، وإن شاء الله، ستستعيد نطقها قريبًا.

فرحت كثيرًا لسماع هذا الخبر، وسألته وقد خطر في بالي موضوع الجريمة:

– بالمناسبة، هل هناك أي جديد بخصوص التحقيق؟ لا أدري لماذا تبادر إلى ذهني فجأة...

أجابني بنبرة هادئة:

– الشرطة أغلقت القضية... لأنكِ سافرتِ قبل بدء التحقيق. الأمر أشبه بما حدث كل مرة... أُهمل الملف وانتهى.

– لم أتفاجأ. كنتُ أتوقع ذلك.

قال بنبرة ناصحة:

– نصيحتي لكِ يا ماتيلدا: انسَي ما حدث، وابدئي حياة جديدة لكِ ولأختكِ. الانتقام لن يفيدكِ بشيء، بل سيؤذيكِ. ولا تنسي، أنتِ لا تملكين القوة ولا وسيلة للتهديد الآن. عيشي حياتكِ، وربما في السنوات القادمة، حين تصبحين ذات سلطة أو تملكين أدلة قوية... حينها يمكنكِ أن تنتقمي بحق.

أجبته بابتسامة واثقة:

– بالطبع. أنا في الأساس أُخطط بهدوء. لستُ في عجلةٍ من أمري، ولا أفكر بالانتقام الآن. ما أريده هو جمع الأدلة... وعندما يحين الوقت، سأبدأ من نقطة الصفر.

– أحسنتِ. هكذا أفضل... والرب كريم.

– فقط، أرجو أن تطمئنني عن لورين من وقت إلى آخر.

– بعينيّ الاثنتين...

– إلى اللقاء...

– في أمان الله.

---

بعد مرور ثمانية أشهر...

اتصل بي إبراهيم فور عودتي من الشركة، وقال بنبرة حماسية:

– اليوم عيد ميلادي... وأريدكِ أن تكوني أول الحاضرين في الحفلة!

تفاجأت وسألته:

– اليوم؟!

– نعم، اليوم!

– حقًا؟ كل عام وأنتَ...

قاطعني مازحًا:

– ششش، عايديني في المساء فقط!

ضحكت وسألته:

– حسنًا، وأين ستكون الحفلة؟ وفي أي ساعة؟

– في القاعة، لقد دعوت جميع موظفي الشركة، وبعض الأصدقاء أيضًا. الساعة الثامنة مساءً.

– لكن إبراهيم... ربما لا أتمكن من الحضور!

– لماذا؟ ما السبب؟

– لا أملك لباسًا يناسب هذه المناسبة... لم أشترِ شيئًا.

ضحك وقال:

– فستانكِ موجود.

– ماذا؟!

– اخترتُ لكِ فستانًا على ذوقي، وسيرسله المندوب إليكِ خلال قليل.

– حقًا؟! وماذا عن ثمنه؟

قاطعني بنبرة حاسمة:

– لا تذكري المال أمامي... لا أسمح لكِ أن تدفعي شيئًا.

– لكن لماذا أنفقت عليه؟ أنا لا أحب...

– اعتبريه هدية.

– وأي مناسبة تستحق هذه الهدية؟

– ألا يجوز لصديقك أن يهديكِ شيئًا؟!

– حسنًا...

– الأهم من كل هذا، الساعة الثامنة سأرسل السائق إليكِ. والآن، ديري بالكِ على نفسك.

أنهيتُ الاتصال، ثم نظرت إلى التاريخ... الثامن من أغسطس. حتى تاريخ ولادته يبدو مميزًا.

وبالفعل، بعد العصر، رنّ جرس الباب. فتحت، فإذا بالمندوب يحمل الفستان ومعه الحذاء والإكسسوارات، كل شيء مُنسّق بدقة. بدا واضحًا أن إبراهيم رتّب لكل التفاصيل، وكأنه يعرف تمامًا ذوقي.

ابتسمت، لكن بداخلي كان هناك شيء لا يجعلني مرتاحة... قلت لنفسي: "سأعيد له ثمن كل هذا لاحقًا."

سمعت ضحكة كاردينيا الساخرة خلفي:

– هههههه، ما بالكِ؟!

قالت وهي تنظر إلى الفستان:

– لن تتخلّي عن هذه العادة أبدًا... هو قال لكِ: اعتبريها هدية! ومع ذلك، لا ترتاحين حتى تعيدي له المال.

– لا أحب أن يصرف أحد عليّ. ثم إن هذه الهدايا... تبدو ثمينة جدًا.

– أجل، الفستان من ماركة عالمية.

قلت وأنا أحدّق في الهدية:

– أريد أن أشتري له هدية، ما رأيكِ؟

– من أين؟

– هناك محل تجهيز هدايا قريب من هنا. لن يستغرق الأمر أكثر من ربع ساعة.

– اذهبي واشترِ لحبيب القلب!

ضحكت وقلت:

– أنچبي...

خرجت بسرعة وتوجهت إلى المحل. لحسن الحظ، كان مفتوحًا. احتَرْتُ كثيرًا في الاختيار، لكنني في النهاية وجدتُ ساعة رجالية أنيقة جدًا. غلّفوها لي بدقة، دفعت ثمنها وعدت إلى الشقة. عرضت الساعة على كاردينيا فقالت بإعجاب:

– رائعة جدًا!

قلت لها:

– هل تأتين معي؟

– لا، لا أحب الحفلات. سأبقى في المنزل لأشاهد فيلمًا، وسأذهب إلى جارتنا "أم صلاح" حتى تعودي من الحفلة.

– حسنًا...

– وعيديه بالنيابة عني، قولي له: "كل عام وأنت بخير."

– إن شاء الله، بعينيّ.

---

أكملتُ تجهيز نفسي. وقفت أمام المرآة وابتسمت. الفستان طويل بلون أبيض نقي، مزيّن بالكريستال عند منطقة الصدر، ومُخصر بأسلوب بسيط وأنيق. شعري تركته منسدلًا، لا أحب ربطه. وضعت إكسسوارات خفيفة، ومكياجًا هادئًا. أمسكت حقيبتي الفضية، وخرجت.

عندما دقّت الساعة الثامنة، نزلت، فوجدت السائق بانتظاري. قال لي بلطف: السيد إبراهيم طلب مني أن أوصلكِ.

ركبت السيارة، وبعد نصف ساعة تقريبًا، وصلنا. القاعة كانت أشبه بقصر ملكي... فخمة، واجهتها عريضة وجميلة للغاية. دخلت بخطوات هادئة. الحضور كان كثيرًا. لم أعرف أحدًا سوى موظفي الشركة.
كنت أبحث عن مكان أجلس فيه، حتّى اقترب مني أحد العاملين وسألني:
–عذرًا... هل أنتِ الآنسة ماتيلدا؟
–نعم.
أشار إلى طاولة وقال:
– هذا مقعدكِ. صاحب الحفلة خصصه لكِ إلى جواره، سيصل بعد قليل.
أومأت برأسي وجلست في المكان المخصص.
جلست أنتظره، وسرعان ما انضمت إليّ بعض الفتيات اللواتي أعرفهن في العمل، وبدأنا الحديث بأحاديث خفيفة. قُدّمت لنا بعض المشروبات الغازية، وحلويات تركية لذيذة الطعم.

انتظرت ما يقارب الساعة، إلى أن دخل أخيرًا. وعندما رآني، اتجه نحوي. وقفتُ مبتسمة.

كان وسيمًا جدًا. يرتدي بِنْطالًا أسود، وجاكيتًا أبيض، وربطة أنيقة حول عنقه، وفي يده ساعة، تبدو نفسها التي أهديتُه إياها.

قال وهو يرمقني بإعجاب:
– ما رأيكِ؟ ألا ترين أنني أنيق؟
ضحكتُ وقلت:
–نعم... تبدو رائعًا!
نظرتُ إلى ملابسه، ثم عدتُ أحدّق فيه وقلت بابتسامة:
–اللّيلة، يبدو أننا متطابقان في الألوان... أنا وأنت.
ضحك وقال:
–قصدتُ ذلك.
سألته بنبرة متفاجئة:
–ولماذا اخترتَ اللون الأبيض؟
–أعجبني ببساطة... وأنتِ تبدين كأنكِ حورية هاربة من بحر ما.
–شُكرًا...
ثمّ مدّ يده نحوي قائلًا:
–تعالي إلى جانبي.

أمسكتُ بيده ومشينا سويًا، فستاني الطويل كاد يجعلني أتعثر، لكنني تماسكت. احتفلنا سويًا، وقطعنا قالب الحلوى. راوغته قليلًا بمزاح طفولي، ولطّخت وجهه بالكريمة، فانهال ضاحكًا. لم يغضب، بل بدا سعيدًا. تناولنا الطعام، ثمّ غادر للحظات ليغسل وجهه.

التُقِطَت لنا بعض الصور، ثمّ سحبني لنتصور معًا. التقطنا عدة لقطات جميلة. وبعدها، وقفنا في زاوية شبه معزولة عن الجميع. هناك، أمسك بيدي وهمس بصوتٍ دافئ:

–يا شرستي...
نظرت إليه باستغراب:
– ما بك؟
قال، وعيناه تلمعان بشيءٍ يشبه التردد:
–إن تقدّمتُ إليكِ... هل ستوافقين؟

صُدمت من سؤاله. نظرت إليه بصمت، عاجزة عن الرد، فقد باغتني في لحظة لم أكن مستعدة لها. قلبي بدأ ينبض بقوّة، ولساني انعقد تمامًا.

–ألن تجيبيني؟ – سأل وهو يحدق بي بتوتر.

خفضتُ رأسي، أضغط على يده من شدّة التوتر، ثم تمتمتُ:
–إبراهيم... هل لي أن أعرف مناسبة هذا السؤال المفاجئ؟
أجابني بإصرار:
–فقط أجيبي... لا تمزقي قلبي بهذا الصمت.
–لا أعلم...
–ماذا تعنين بــ"لا أعلم"؟
–لا أعلم إن كنتُ سأقبل أم لا... من فضلك، دعنا نغلق هذا الحديث الآن.
رفع وجهي برفق بإصبعيه وقال:
–لا تخجلي... ليس وقت الخجل. أريد إجابة واضحة.
ترددت، ثمّ همست وأنا أنظر في عينه:
–ربّما... نعم.

ابتسم، وعلى الفور سحبني إلى حضنه وهمس في أذني:

–أنا أُحبّكِ يا امرأة.

اتسعت عيناي من الدهشة، وارتجف جسدي. لم أستوعب ما قاله، لم أعِ إن كان ذلك اعترافًا حقيقيًا أم أنّني أتوهم. تجمدت تمامًا بين ذراعيه، بينما هو ضمّني بقوة إلى صدره، وكأنّه يريد أن يزرعني في قلبه.

همستُ وأنا أرتجف:
–إبراهيم... بحقّ المسيح، ما الذي يحدث؟
وضع إصبعه على شفتيّ وهمس:
–ششش... لا تقولي شيئًا.

ثمّ أمسك بيدي بلطف، وسحبني إلى منتصف القاعة. رفع يده مشيرًا لأحدهم، وفجأة، انطفأت جميع الأضواء، ولم يبقَ سوى ضوء أحمر واحد، مسلّط علينا.

قال بصوتٍ أشبه بالرجاء:
–سأطلب منكِ الرقص معي... ولكن أرجوكِ، لا ترفضي، لا تردّي يدي خائبة. رقصة واحدة فقط... تبدين ساحرة وأنتِ تتمايلين، فراقصيني.

أومأت برأسي بتوتر:
–نعم...

ابتسم، وكأنّني منحتُه موافقة انتظرها عمرًا. على الفور، أحاط خصرِي بذراعيه، وأسند رأسه إلى رأسي. وبدأت تعزف أغنية تركية هادئة.

                    *******

بدأنا الرقص ببطء، ثمّ همس في أذني بصوت متهدج، قائلًا:

–سأعاهدكِ عشر عهود، ومن هذه اللّيلة، سأبدأ بتنفيذها:

عهدي الأول: سأكون دائمًا إلى جانبكِ. أنا ضحكتكِ، وكتفكِ، وضلعكِ الذي لا يميل، وقلبكِ الأيسر... أنا لكِ أمان وملاذ، هنا من أجل سعادتكِ، من أجلكِ أنتِ فقط.

عهدي الثاني: سأكون كلّ ما يرسم ابتسامتكِ، وكلّ طريق يؤدي إلى قلبكِ.

عهدي الثالث: إن شعرتِ يومًا أنكِ لا شيء في هذا العالم... تذكّري أنّكِ كل شيء في عالمي.

عهدي الرابع: حتّى وإن امتلأتِ عيوبًا، وإن كان وجودكِ خطرًا، وإن رفضكِ العالم بأسره... أنا بكِ مقتنع.

عهدي الخامس: ستكونين دعائي الأول في كلّ صلاة.

عهدي السادس: وإن احتجتِ يومًا كتفًا تبكين عليه، فتذكّري أنني أملك اثنين.

عهدي السابع: سأحبكِ في ضعفكِ وقوتكِ، في سوئكِ وصلاحكِ.

عهدي الثامن: سأهمس كلّ ليلة في أذنكِ: عيناكِ صباحي انتمائي.

عهدي التاسع: سأبقى إلى جانبكِ حتّى لو شعرتِ أن العالم كله ضدكِ.

عهدي العاشر: هذه العهود لن تنتهي إلا بانتهائي.

كنت أسمعه، وقلبي يرتجف... شعرت وكأنّه يعتصرني حبًّا. كنت سعيدة، خجلة، مرتبكة... لم أصدّق ما يجري. إبراهيم كان يحمل هذا الحبّ الكبير في قلبه كلّ هذا الوقت أيُعقل؟!

كنا نتمايل على أنغام الموسيقى، يضمّني تارة، ويقبّل يدي تارة، وجبينني تارة أخرى. وفي كلّ لحظة، أعود إلى حضنه، أذوب فيه. عيناه تذوّباني، وصدره يحتويني، ودفئه يتسلل إليّ حتّى أعماقي. كنت كمن يذوب في الحبّ حتّى النهاية، وكأنّني أصبحت قطعة من قلبه.

ثمّ خلال الرقصة، توقف فجأة وهمس:
–لحظة...

رفعت رأسي، ونظرت إلى الساعة المعلقة في أعلى القاعة... كانت تشير إلى الثانية عشرة تمامًا.

أخرج علبة صغيرة، فإذا بها خاتم يتلألأ تحت الضوء الأحمر. ثمّ انحنى قليلًا، ومدّ يده نحوي قائلًا:

–ماتيلدا عزيزتي، هل تقبلين أن تكوني شريكة حياتي وحدكِ؟

نظرت إليه، وابتسمت بعينين دامعتين، ثمّ نطقت جوابي: نعم، أقبل.

____
نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...