الفصل 11 | من 44 فصل

رواية شخوص متداخلة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم .

المشاهدات
15
كلمة
5,705
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 25%
حجم الخط: 18

منذ الطفولة، كنت أتخيل اليوم الذي يأتي فيه فارسي الوسيم، ليعترف بحبه لي كما يفعل الأبطال، فارس مختلف، مميز، يحمل في قلبه حبًّا عظيمًا لي. كانت أحلامي وردية، بريئة للغاية، لكنها ما عادت تثير اهتمامي مع مرور الوقت. كبرت قليلًا، ثم شاء القدر أن تأتي ليلة جعلتني أكبر بثلاثة عقود في يومٍ واحد. نعم، انكسرت، خُذلت، وتهشمت. لكن إيماني بالله أعاد إليّ قوتي، فأعدت ترميم نفسي، ونهضت من جديد. زُرعت بداخلي قوة عظيمة، مكرّمة، لا يكاد الموت يرعبها. قوة، شجاعة، عزيمة، وإصرار... وُلدت "ماتيلدا" من جديد. ومضت أيام هادئة، حتى ظهر فارسي. دخل حياتي المظلمة دون سابق إنذار، وأضاف لها نورًا ساطعًا، نورًا تبِعه نور. بدأت بإعجاب، ثم صداقة نقية، زرعت في قلبي مشاعر دافئة، فانبثق من بين أنفاسي حبٌّ عظيم، كاد أن يُسمى عشقًا خالدًا، وشغفًا لا نهاية له. أحببته... وانغمست فيه. رأيت فيه تعويضًا إلهيًّا، أصبح حياتي كلّها، وأصبحتُ أنا ملكته. قدّم لي الحب، فوهبته روحي، وأحاسيسي، وكل جوارحي ومشاعري.

---

تركيا – إسطنبول – 2011

ترجّلت من سيارتي وأنا بكامل أناقتي، يتوشّح وجهي ابتسامة مريحة. وقعت عيناي على اللافتة الكبيرة التي تعلو واجهة المبنى، كان اسم الشركة يلوح بوضوح.

سرت بهدوء حتى دخلت. كان الموظفون منهمكين أمام حواسيبهم. توجّهت نحو المكتب المقابل لي، ثم دفعت الباب ودخلت.

كان واقفًا هناك، يحمل كوب قهوة في يده، ناظرًا من النافذة نحو الإطلالة. اقتربت منه بصمت، وضممته من الخلف.

التفت إليّ، ابتسم بلطف، وضع الكوب جانبًا، ثم استدار ناحيتي، وضمني إلى صدره بقوة.

إبراهيم: لو كنت أعلم متى ستتوقفين عن مفاجآتكِ هذه... كم مرة أخبرتكِ أن تخبريني حين تأتين؟

ماتيلدا: أحب أن آتي دون علمك، وأحضنك هكذا فجأة.

ضمّني من خصري وهو يبتسم:
إبراهيم: أحبك... وأعشق هذا الحضن الدافئ.

ماتيلدا: يا عمري...

إبراهيم: اشتقت إليكِ.

ضحكت:
ماتيلدا: ألم تكن بالأمس في شقتي؟

همس في أذني:
إبراهيم: صحيح، لكني أخبرتكِ أنني أشتاق لعينيكِ في كل دقيقة.

نظرت إليه بعينين لامعتين:
ماتيلدا: يا عمري... أهذا حقيقي؟ وهل من مزيد؟

إبراهيم: المزيد أن تبقي إلى جانبي أربعًا وعشرين ساعة.

ماتيلدا: أنا إلى جوارك طيلة العمر.

قال بصوتٍ مرتفع ممازحًا:
إبراهيم: يا إلهي! كم أحبكِ، ماتيلدا!

ماتيلدا: وأنت راحتي...

إبراهيم: أفدي عينيكِ... أحبكِ بلا حدود.

تمتمت بابتسامة:
ماتيلدا: كم؟

إبراهيم: هل رأيتِ سعة رحمة الله؟

ماتيلدا: نعم.

إبراهيم: أحبكِ بقدرها.

ابتسمت له، وضعت حقيبتي على الطاولة، وجلست، ثم عدّلت شعري. جلب كرسيًا، جلس أمامي، وأمسك بيدي.

ماتيلدا: أنا قوية، مصنوعة من القلق، لكن يمكنني أن أمسك يدك بلُطف.

إبراهيم: أفديكِ يا حبيبتي القوية.

ماتيلدا: كيف حالك؟

إبراهيم: بوجودك؟ بألف خير. فقط أمسك يدك، وأسرح في عينيكِ الجميلتين، فكيف لا أكون بخير؟ أحبكِ كثيرًا، يا "شرستي".

ماتيلدا: هل تعلم كم أحب أن تناديني بـ"شرستي"؟ كلما نطقت بها، شعرت بكمٍّ هائل من المشاعر. تمنيت لو تنسى اسمي وتناديني بها فقط.

ابتسم، ثم همس بصوت مرتجف:
إبراهيم: شرستي...

ماتيلدا: عينها، ونبضها، وروحها، وحياتها، وقلبها، وكيانها، وعقلها... يا عمرها أنت.

إبراهيم: يا لهناءِ قلبي بكِ!

اقترب، أغمضتُ عيني بتوتر، فطبع قبلة على جبيني وهو يبتسم.

إبراهيم: أتخجلين مني، يا روحي؟

ماتيلدا: لا، ليس كذلك...

إبراهيم: أحبكِ في كل حالاتكِ الخمس.

ماتيلدا: وما هي؟

إبراهيم: الحب، والخجل، والتوتر، والشغف، والقوة.

> "وأرفض من نار حبكِ أن أستقيلا
وهل يستطيع المتيم بالعشق أن يستقيلا؟
وما همني إن خرجت من الحب حيًّا
وما همني إن خرجت قتيلا."

ماتيلدا: "أمات الحب عشقًا، وعشقك أنت أحياني
لو كان عشقي لك ذنبًا، فلن أتوب عن عصياني
ما أجمل أن أكون أسيرة في حبك، وأنت سجاني
ولو خيّروني في وطن، لقلت في هواك أوطاني."

إبراهيم: يا من تسكنين الروح...

قاطعنا صوت طرقات الباب، فتغيرت ملامحه، ودفع الكرسي بسرعة للخلف.

إبراهيم: Buyrun
ماتيلدا: تفضل؟

دخلت الموظفة تحمل بعض الأوراق، فقال لها:
إبراهيم: ضعيها على مكتبي.
فوضعتها ثم غادرت.

إبراهيم: أكره من يقاطعنا... ما رأيكِ أن نبدأ من جديد؟

ماتيلدا: بمعنى؟

إبراهيم: انظري إليّ بنفس النظرة، ودعي الصمت يتكلم، ونظراتكِ تحكي، وأنا أغازلك.

ضحكت:
ماتيلدا: ما رأيك أن نفتح موضوعًا؟ أو بالأحرى، أريد أن أتحدث، ثم نكمل رومانسيتك لاحقًا.

إبراهيم: أقنعتني، تفضلي، تكلّمي.

ماتيلدا: في الأشهر الخمسة الماضية، اشتريتَ لي سيارة كهدية، وكانت باهظة الثمن، وأنا لا أقبل هدايا كهذه، حتى ولو كانت منك. نفسي وضميري لم يتقبلا ذلك، ولهذا...

قاطعني بوضع إصبعه على شفتي:
إبراهيم: ششش... لا تُكملي، سأغضب منكِ، بحق دين محمد، هل تنوين إرجاع ثمنها؟

أبعدت يده بهدوء، وأجبت:
ماتيلدا: نعم.

إبراهيم: ماتيلدا! حقًا؟!

ماتيلدا: لا تسكت، لحظة فقط...

فتحت حقيبتي، وأخرجت ظرفًا مليئًا بالنقود، وقدمته له:
ماتيلدا: هذا راتب خمسة أشهر، جمعته مع ما تبقى من السنة الماضية. الحمد لله، اكتمل المبلغ. تفضل...

ظل ينظر إليّ دون أن يتكلم. صمت لدقائق، وجهه جامد.

ماتيلدا: لا تغضب، ولا تفسّر الأمر بطريقة خاطئة. أنا فقط لا أحب الهدايا المكلفة.

إبراهيم: أولًا، أنتِ لا تغلين عليّ. وثانيًا، خذي أموالكِ، هذا تعبكِ، ولا تكرري هذا التصرف مجددًا.

ماتيلدا: لكن، إبراهيم...

نهض، وابتعد، ووقف قرب النافذة، عند مكتبه، وضمّ ذراعيه إلى صدره.

عضضت شفتي بتفكير، وبدأت أطرق بأصابعي على الطاولة بحيرة، ثم نهضت وسرت بخطى مترددة نحوه...

لاحظتُ عروقه البارزة على يده التي كانت تمسك بكوب القهوة بشدة، فأمسكت بيده بقوة، وضممته من الخلف، ثم همست له بصوت خافت:

ماتيلدا: هل أنت غاضب مني؟ هل تغضب من "شرستك"؟

إبراهيم: ششش... اصمتي.

ماتيلدا (بصوت مكسور): حبيبي... إبراهيم...

أدار وجهه إليّ، صار وجهه مقابل وجهي، وأمسك بيدي بنبرة مشحونة بالغضب:

إبراهيم: هل أتيتِ لتثيري غضبي؟ أجيبي!

ماتيلدا: أولًا، لا أظن أن كلماتي تستحق كل هذه العصبية...

إبراهيم (بعصبية): مااااتيــــــلدااااا!

مدّ صوته بانفعال، فقابلته بابتسامة هادئة:

ماتيلدا: عيونها...

إبراهيم (بلهجة حادة): اخرجي الآن، أريد أن أنهي عملي. ولا تفتحي هذا الموضوع مرة أخرى، وأعيدي أموالكِ، قبل أن أقوم بتصرف قد لا يعجبكِ.

ماتيلدا (بهدوء): هل أرحل إذًا؟

إبراهيم: أريد أن أعمل.

ماتيلدا: قل "روحي"، ثم سأغادر.

نظر في عينيّ مطولًا، ثم ابتسم بخفة:

إبراهيم: يا روحي... أنتِ.

ضحكت، ثم جذبني إليه وعانقني.

ماتيلدا: العصبية لا تليق بك. وإن كان هذا الموضوع قد أزعجك، فليكن، اعتبره منتهيًا، وكأن شيئًا لم يكن. انسَ الأمر.

إبراهيم (بنبرة نادمة): لقد ضايقني الموضوع فعلًا... آسف، يا حبيبتي.

ماتيلدا: إذًا لا تُهدِني هدايا باهظة مرة أخرى. لأنني، حتى في أسوأ حالاتي النفسية، لا أستطيع تقبّلها. وسأُعيدها، كما فعلتُ الآن.

إبراهيم: أعلم... لقد ذكّرتني بحادثة دفن "عاصم" و"سوزان"... يومها أيضًا أعدتِ المال الذي دُفع للجنازة، كما فعلتِ اليوم تمامًا، أعدتِ المال بكل برود... مثل "شرستي".

توقفتُ فجأة، أنظر إليه بدهشة. تراجعت خطوة إلى الوراء، وعيناي تسألان بصمت. لاحظ توتري، فحاول أن يصرف النظر وأدار وجهه، وكأنه أدرك أنه أفشى أمرًا لم يكن ينبغي قوله.

ماتيلدا (بصوت مبحوح): إبراهــــيم...؟

إبراهيم (متماسكًا): ماذا هناك، ماتيلدا؟

ماتيلدا (بصوت متسائل): من أين عرفتَ اسم والدي ووالدتي؟ طوال علاقتنا لم أخبرك بهما... كيف علمتَ؟

نظر إليّ بثقة، لكن صوته كان يحمل رجفة قلق داخلي:

إبراهيم: من المنطقي أن تعرفي السبب... هل يعقل أن تسأليني هذا السؤال؟

ماتيلدا (بتصميم): أجبني... لا تهرب.

إبراهيم (بصوت جاد): ماتيلدا، هل نسيتِ أنني كنت حاضرًا يوم الجريمة؟ كنت هناك، نقلت الجثث، وكنت شاهدًا على كل شيء. حضرتُ مراسم الدفن، وكنت مع ضباط التحقيق... من الطبيعي أن أعرف أسمائهم. فكّري قليلاً!

استمعت إلى كلامه كاملًا، ثم شهقت بعمق، وضعت يدي على قلبي وركضت نحوه، عانقته بقوة وهمست:

ماتيلدا: آسفة... لكن لا أعلم ما هذا الإحساس الذي اجتاحني فجأة...

هو شعور مفاجئ، أيّ أمر غريب يثير في داخلي القلق والخوف، يجعلني أفقد توازني، عقلي لا يستوعب ما يجري، لا يربط بين الأحداث. فقط الكلمات هي من تصدمني، وأبقى على هذا الحال إلى أن يُوضّح لي مَن أمامي الأمر... حينها فقط أهدأ ويعود كل شيء إلى طبيعته.

ربت على ظهري وقال بتنهد:

إبراهيم: لكن هذا خطأ يا عمري... أخبريني، لو أنني يومًا قلت لكِ إنني لستُ إبراهيم... ماذا كنتِ ستفعلين؟

ابتعدت عنه، وتابع حديثه:

إبراهيم: هل ستكرهينني؟ كيف ستكون ردة فعلكِ؟

ماتيلدا (بقلق): ما بك؟ ما هذا الكلام الغريب؟!

تغيرت ملامحه فجأة، ثم اقترب وهمس في أذني:

إبراهيم: أنا لست إبراهيم... أنا...

ماتيلدا: أنت ماذا؟!

إبراهيم (بابتسامة ماكرة): أنا... حبيب ماتيلدا.

ضربته على صدره:

ماتيلدا (متوترة): كاد قلبي يسقط من مكانه، هل تدرك ذلك؟ ملامحك تغيّرت، ونبرة صوتك كانت مرعبة... أقسم بيسوع، لا تكرر هذا الموقف مجددًا.

إبراهيم (مازحًا): هل تخاف "شرستي"؟

ماتيلدا: إن تكرر هذا الموقف مرة أخرى، سيزرع الخوف والقلق في قلبي تجاهك...

إبراهيم: ألم تقولي إنكِ قوية؟

ماتيلدا: نعم، أنا قوية، ولا يمكن أن أضعف، لكن طبيعة الإنسان عندما يتعرّض لموقف مفاجئ وغريب، ينهار تلقائيًا. الخوف يتغلغل إلى قلبه، وتنهار ثقته بكل شيء...

إبراهيم: وهل تخافين من حبيبكِ؟

ماتيلدا: لا.

إبراهيم: إن رأيتكِ يومًا خائفة أو ضعيفة... سأكرهكِ.

رفعت حاجبيّ بدهشة وقلت:

ماتيلدا: ماذا تقصد بكلامك هذا؟

إبراهيم: لقد جذبتني قوتكِ وثقتكِ بنفسك، وشجاعتكِ. هذا ما أحببته فيكِ. وإن فقدتِ هذه الصفات، قد أتوقف عن حبكِ.

ماتيلدا: أقسم بربّ يسوع... هل أنتَ واعٍ لما تقوله؟!

إبراهيم: متى كذبتُ عليكِ؟

ماتيلدا: حسنًا... شكرًا.

إبراهيم: على ماذا؟

ماتيلدا: على حبك العظيم لي.

إبراهيم: هذا واجبي.

عضضتُ شفتي بصبر، والقهر يعلو ملامحي. التفتُّ، التقطت حقيبتي، واتجهت بسرعة نحو الباب.

سمعت ضحكته تنطلق خلفي، وفجأة ركض نحوي، أمسك بيدي، أغلق الباب، ووقف حاجزًا طريقي.

إبراهيم: إلى أين أنتِ ذاهبة؟

ماتيلدا: أولًا، أبعد يدك.

إبراهيم: لا تقولي إنكِ غضبتِ مني؟

ماتيلدا (بنفاد صبر): يدك... أبعدها.

إبراهيم (معتذرًا): حبيبتي، كنت أمازحك! لم أكن أعلم أنكِ تأخذين كلامي بجدية... واضحٌ أنه كان مجرد مزاح. آسف، أعتذر منكِ... هل تشكّين في حبّي لكِ؟

ماتيلدا (صارخة): ابعد ييييييييييدك!!!

إبراهيم (بغضب): صوتك لا يعلو على صوتي! أقسم بدين محمد، لا ترفعي صوتك!

ماتيلدا: تجرؤ على مدّ يدك نحوي؟ جرّب فقط، وستراها مقطوعة!

إبراهيم (متحديًا): هكذا إذًا؟ حسنًا...

ماتيلدا: أبعد يدك! دعني أخرج!

إبراهيم: ماتيلدا، كنت أمزح! بحق أبي، لماذا غضبتِ هكذا وكبّرتِ الموضوع؟!

ماتيلدا (بغضب): كفــــــــــــــــــى!

دفعتُه من صدره، فتحت الباب، ووجدت الموظفين واقفين قرب المكتب، يحدقون نحونا. لم أهتم. نظرت إليه وقلت:

ماتيلدا: ليكن بعلمك، يا إبراهيم... ستدفع ثمن كلامك هذا غاليًا.

إبراهيم (ساخرًا): إن كانت هذه ردة فعلك على مزحة، فماذا ستفعلين إن كان الأمر حقيقيًّا؟!

ماتيلدا: لا تُكمل... إن كان كلامك صادقًا، فأنا خارج حياتك تمامًا.

إبراهيم: بهذه السهولة... تتركيني؟

ماتيلدا: وأكثر! لا تستخفّ بي... قدّمت لك حبًّا صادقًا نقيًّا، وإن شككتَ فيه ولو بنسبة واحد بالمئة، فاعتبر ماتيلدا لم تكن يومًا... وستنتقم. من يلعب بمشاعري، أُبغضه، أُواري وجهي الآخر... وأنت تعرف جيدًا ما الذي أستطيع فعله. سأحمّلك ثمن كل لحظة حبّ منحتني إيّاها، وسأجعل من لقب "شرسة"... فعلًا حقيقيًا.

اشتدّت ملامحه غيظًا، فزمّ شفتيه وصرخ بانفعال:

– حديثكِ ثقيل جدًا! ما هذا الهراء؟! ضحك؟ لعب؟! أقسم بالله، ستُفقدينني صوابي! ألا تدركين كم أحبكِ؟! مستعد أن أضحي بكل شيء لأجلكِ!

ثم تراجع خطوة وهو يتنفس بغضب، وقال بنبرة حاسمة:

– حسنًا يا ماتيلدا، لقد فهمتُ رسالتك. الآن، اخرجي من شركتي، فورًا!

نظرت إليه بحدة وقالت:

– تطردني؟ حسنًا، احترامًا لسمعتك أمام الموظفين، سأغادر بصمت، لكن لا تحلم أن أعود، ولو تحولت هذه الشركة إلى ذهب! وداعًا.

ضرب الحائط بقبضته، ثم ركل الطاولة أمامه بكل قوته، فانقلبت وسقط كل ما عليها وتحطّم.

أمسكتُ حقيبتي بقوة وخرجتُ مسرعة، تغلي بداخلي براكين الغضب، وقلبي يخفق بعنف.

فتحتُ باب سيارتي ورميت الحقيبة بإهمال، ثم جلست خلف المقود. وضعتُ يدي على وجهي والأخرى راحت تضرب المقود بعصبية، حتى شعرت أن رأسي سينفجر.

أوقفتُ السيارة فجأة، ثم نزلت وجثوتُ على الرصيف.

بدأت أسترجع كل كلمة قلتها له... أمسكتُ رأسي بقهر. أنا دومًا متسرعة في أحكامي، حتى مع من أحب. إذا قال شيئًا لم يُعجبني، أتهور وأرد بكلمات جارحة...

لكنه كان يمزح، حديثه كان واضحًا... ضحك واعتذر، لماذا ضخّمتُ الأمر؟!

تمتمتُ بألم: "يا إلهي... رأسي سينفجر... الصداع ينهشني!"

نظرتُ إلى الشارع، صار كل شيء مزدوجًا في عينيّ... لا أستطيع القيادة، ولا يمكنني البقاء هنا.

حاولتُ الوقوف، لكن ساقيّ لم تقوَ على حملي، فتمدّد جسدي على الأرض كخيط واهن...

«يا رب، لا أفهم طرقك دومًا، لكنني أثق بك. أنظر إليّ برحمتك واملأ روحي بالسكينة في هذا الوقت من الألم، امنحني قوتك لأكمل، وأشعرني بأنك قربي...»

«لا تؤدبني بغضبك، ولا تعاتبني بغيظك. ارحمني يا رب، فأنا ضعيفة، جسدي يرتجف ونفسي تائهة... خلّصني من أجل رحمتك، ففي الموت لا يذكرك أحد، ومن في القبر لا يسبّحك. تعبتُ من أنيني.»

أردد الأدعية وأنا أجهش بالبكاء، والهاتف يهتز في يدي... أسمع رنينه، لكنني أعجز عن الحركة...

بصعوبة بالغة، ضغطت على زر الرد، وإذا بصوته يرتجف:

– كوني قوية، يا روحي... أين أنتِ؟ فقط أخبريني بمكان سيارتك، أي عنوان قريب، أرجوكِ!

نظرتُ إلى يميني، فوقع بصري على اسم مدرسة قريبة، لفظته بصوت خافت ثم صمتُّ.

سمعني إبراهيم، فأجاب فورًا:

– دقائق وأصل إليكِ، أنا قريب جدًا، لا تخافي! أرجوكِ، لا تنهاري... أنا في الطريق، لا تضعفي يا قوية!

أغلقتُ المكالمة بصمت، وأخذتُ أتنفس بصعوبة... شعرت وكأن أجلي قد اقترب. مع ذلك، ابتسمتُ بيأس وهمست:
«في الهاوية من يحمدك؟ لقد تعبتُ من تنهدي... خذني إليك يا رب»

---

لم تمضِ سوى دقائق، حتى لمحت سيارته قادمة بسرعة جنونية. أوقفها بقربي، ترجّل منها وركض نحوي، حملني بين ذراعيه دون تردد، وفتح باب سيارته ثم أجلسني على صدره.

أخرج قارورة ماء وغسل بها وجهي وبلل جبهتي، ثم فكّ شعري وربطه مجددًا، محاولًا تهدئتي بكل ما أوتي من حنان.

قبل أن أقول أي شيء، عانقني بقوة وضمّني إلى صدره.

مرّت ربع ساعة وأنا بين ذراعيه بصمت مطبق، حتى بدأت أشعر بالتحسّن، وبدت الكلمات تعود إليّ رويدًا...

قال إبراهيم وهو يهمس:

– الله وحده يعلم ما الذي أصابني بعد حديثكِ ذاك... كنت أعلم أنكِ ستنهارين، لذا لحقتكِ فورًا. ماذا فعلتِ بي، يا ماتيلدا؟ بعثرتِ كياني كلّه.

– شراستي، حبيبة قلبي، وروحي، وعشقي الأبدي... أنا آسف.

ابتعدتُ قليلًا، وضعتُ يدي على شفتيه وقلت:

– أنا من يجب أن يعتذر... هذا خطئي. أنا من انفعلت وتجاوزت الحدود، وأستحق هذا الألم.

– لا، شراستي، ما حدث قد حدث. لندع الأمر خلفنا. صدقيني، لم أغضب منكِ أبدًا، ولا أحمل في قلبي شيئًا... كلماتكِ شفاءٌ لجراحي، أحبكِ كثيرًا... أحب كل ما فيكِ، حتى ما تظنينه سلبيًا. هيا، عودي إلى حضني.

ابتسمتُ وحاولت أن أعانقه، لكن ألمًا مفاجئًا دوّى في رأسي، فدفعته بقوة وأنا أصرخ:

– رأسي... إبراهيم! رأسييي!!!

---

منزل إبراهيم – الساعة الثانية ظهرًا

فتحتُ عينيّ ببطء... ضوء الشمس تسلل عبر النافذة، والغرفة دافئة وغريبة عني، كأنني لم أزرها من قبل.

حاولتُ تذكّر ما حدث، لكن ذهني كان مشوشًا. آخر ما أتذكره أنني كنتُ في حضنه... ثم لا شيء! كيف وصلتُ إلى هنا؟ أين أنا؟!

نزعتُ الغطاء عن جسدي، ونهضتُ ببطء وأنا أمسك رأسي. خرجتُ من الغرفة بخطى مترددة، سمعت صوته من المطبخ، دخلتُ إليه فرأيتُه منشغلًا بإعداد الطعام.

شعر بي فالتفت وقال:

– آه، حبيبتي، استيقظتِ...

– إبراهيم... أنتَ؟! كيف أحضرتني إلى هنا؟!

– ششش، لا تفكّري الآن. حالتكِ لا تحتمل التفكير ولا النقاش. ارجعي واستريحي، ثم نتحدث لاحقًا.

– ماذا تطبخ؟

– شوربة خضروات، إن شاء الله تأكلينها وتستعيدين عافيتك.

هززتُ رأسي موافقة، ثم سألته:

– أين هاتفي؟

– في الصالة.

– حسنًا...

توجهتُ إلى الصالة، أخذتُ الهاتف وبدأتُ أفتشه لأتصل بكاردينيا، أطمئن عليها. لحقني وسحب الهاتف من يدي بلطف:

– ممنوع الآن.

– لماذا؟!

– اشربي الشوربة أولًا... لقد تعبتُ في إعدادها.

– حسنًا، سأشربها، لكن أريد الاتصال بأختي، لا بد أنها قلقت عليّ.

– اتصلتُ بها حين كنتِ نائمة، وأخبرتُها أنكِ ستعودين إلى المنزل بعد أن تستريحي.

– كم الساعة الآن؟

– حوالي الثانية ظهرًا.

– لقد نمتُ طويلًا!

– نوم العافية، يا عافيتي...

دخل المطبخ وأحضر صينية تحتوي على خضروات وفواكه متنوعة، وكأسًا من الشوربة مع بعض الخبز.

– "لا أشعر برغبة في الطعام... شهيتي مسدودة."

ابتسم مازحًا وقال:

– "هل أفتحها لكِ؟"

– "إبراهيم، كفّ عن هذه السخافات، رجاءً."

ضحك وقال بنبرة دافئة:

– "كنت أمازحك، يا ابنة الناس... المهم أن تأكلي، من أجل صحتكِ، افعلي ذلك لأجلي، إن كان لي مكان في قلبكِ."

أومأت برأسي موافقة، فأجلسني إلى جانبه وبدأ يُطعمني بنفسه، يناولني الشوربة بيديه، ويقدم لي قطع التفاح أو الخيار واحدة تلو الأخرى.

– "شبعت... هذا يكفي."

– "ألف صحة وهنا..."

– "شكرًا، إبراهيم."

قطب جبينه وقال بنبرة معاتبة:

– "شششش، كم مرة قلت لكِ أنني لا أحب سماع كلمة "شكرًا" منكِ؟ توقفي عن قولها. هذا واجبي، ولا أنتظر منكِ شكرًا عليه."

ابتسمت: "حسنًا..."

أخذ الصينية وعاد بها إلى المطبخ، بينما ذهبت لأغسل يدي، ثم عدت وجلست في الصالة، أحتضن وسادةً بين ذراعيّ.

دخل وجلس إلى جانبي، كان يرتدي بدلة رياضية رمادية، وذراعيه مكتفتان.

نظرت إليه وقلت:

– "برهم..."

– "عيني."

– "لم أقصد أن أجرحك بكلامي صباحًا... أنا آسفة إن كنت قاسية."

أخذ نفسًا عميقًا وقال بنبرة نادمة:

– "حبيبتي، أنا من عليه أن يعتذر... حاولت ممازحتك، لكنني رفعت صوتي وأزعجتك."

توسّلت إليه بنبرة مكسورة:

– "إبراهيم، ابقَ إلى جانبي دائمًا، لا تتركني... بدونك، أنا ضعيفة ومريضة. لا تكسرني يومًا."

ثم أكملت بصوت خافت:

– "أتعلم، ماتيلدا حين تُحب، تُحب بجنون؟ لست فقط أحبك... أنا أعشقك، لا أعرف كيف تمكن هذا الحب الكبير من التسلل إلى قلبي خلال عامٍ فقط! ومنذ أن اعترفنا لبعضنا، أصبحت أنتَ روحي، ونصيبي من هذه الدنيا."

– "وأنتِ عمري... الأيام القادمة ستُثبت لكِ كم أحبكِ."

– "أنا واثقة بك ثقةً عمياء، لكن، إبراهيم..."

سكتت لبرهة ثم قالت:

– "منذ جئت إلى تركيا، وأنا أعاني من حالة غريبة. لم أكن هكذا أبدًا... رأسي يؤلمني عندما أفكر أو أتخذ قرارًا. أشعر بدوار يفقدني توازني، وأبقى مستلقية على الأرض، بالكاد أستطيع الكلام!"

– "نعم، لقد لاحظت ذلك. حتى حين أمازحك، تأخذين الأمور بجدية وتغضبين بسهولة... أصبحتِ شديدة الحساسية."

– "أنا عازمة على زيارة طبيب."

– "ماذا؟ طبيب؟ لا... لا تذهبي."

– "لماذا لا؟"

– "لا تذهبي... لدي صديق طبيب، يعرف بهذه الأمور. سأتحدث إليه لعلّه يساعدنا في إيجاد حل."

– "حسنًا، إن كنت ترى ذلك مناسبًا..."

حلّ المساء، وحين قاربت الساعة الرابعة، نظرت إليه وقلت:

– "أريد العودة إلى شقتي. مكوثي هنا ليس مناسبًا، نحن وحدنا، والبيت خالٍ تمامًا."

ابتسم وقال: "تدللين." ارتدى قميصه، وأمسك بيدي بقوة وهو يقودني إلى شقتي، قبّل يدي ثم غادر.

---

ما إن دخلت حتى سمعت صوت الباب، كانت كاردينيا قد عادت. ركضت نحوها واحتضنتها، ثم جلسنا معًا في الغرفة.

قالت بقلق:

– "هل أنتِ بخير؟ لقد خفت عليكِ كثيرًا. لا تتركيني وحدي مرةً أخرى، لا تضيعي عني، أرجوكِ. أقسم أنني اشتقت إليكِ، حتى لو غبتِ لساعتين فقط. حين تذهبين إلى العمل، أُصبّر نفسي برؤيتك عند عودتك... أما أن تغيبين هكذا، فلا أتحمل."

– "عمري، أنا معكِ للأبد، والحمد لله أنا أفضل الآن. فقط شعرت ببعض التعب، وكان رأسي يؤلمني بشدة."

– "لماذا لا تذهبين للطبيب لمعرفة سبب هذا الصداع؟"

– "أنا فعلًا قررت الذهاب، لكنني طرحت الأمر على إبراهيم اليوم، وقال إن لديه صديقًا طبيبًا، وسيتكفل بالأمر."

– "ولماذا لا تذهبين بنفسكِ؟"

– "لا أعلم... قال لي ألا أذهب، وأنا في الحقيقة مرهقة ولا رغبة لي بالخروج، لذا رأيت كلامه مريحًا ومنطقيًا."

صمتت كاردينيا لبرهة، ثم قالت:

– "بما أننا ذكرنا إبراهيم... هل يمكنني سؤالك شيئًا؟"

– "بالطبع، تفضلي."

– "في الواقع، هو ليس سؤالًا، بل فضول... أنتما تحبّان بعضكما، وقد مر على علاقتكما خمسة أشهر، وكل منكما اعترف للآخر، فلماذا لم يتقدّم لخطبتكِ بعد؟"

أجبتها بهدوء:

– "لأنني لا أريد الارتباط في هذه الفترة."

– "لماذا؟"

– "بصراحة، بعد عيد ميلاد إبراهيم، اتصل بي دانيال، وأخبرته بما جرى... كانت ردة فعله غريبة. قال لي: (ماتيلدا، لا توافقي على أي خطوة كبيرة كهذه قبل أن تُحققي ذاتكِ وتصبحي مستقلّة. لا تتسرعي، فقد تندمين.)

ثم أضاف وهو يقسم: (إن وافقتِ على خطبته، فانسي صديقكِ دانيال)."

– "غريب! هذه أول مرة أسمع دانيال يتحدث بهذه الطريقة! بل ويُخيّركِ بينه وبين إبراهيم؟!"

– "نعم، فوجئت جدًا بكلامه، لكنني أعلم أن دانيال لا يتكلم إلا بعد تفكير طويل. لذا، قررت تأجيل فكرة الخطوبة إلى أن أكون مستقلة تمامًا، ومستعدة لعلاقة وحياة جديدة... الزواج مسؤولية عظيمة. ورغم أنني أحب إبراهيم، إلا أن هناك أشياء كثيرة عنه ما زلت أجهلها، وأريد أن أفهمه أكثر، حتى لو استغرق الأمر عامًا... أريد أن أعرف إلى أين ستأخذنا علاقتنا."

– "إن شاء الله، حبكما صادق وقوي."

– "كاردينيا... لو أخبرتكِ كم أحبه، لما كفاني الكلام، حتى لو تحدثت لعامٍ كامل. حبي له كبير جدًا، ويزداد يومًا بعد يوم."

– "أسأل الله أن يجمع بينكما في سعادة وهناء، يا رب."

– "آمين، حبيبتي."

ثم خرجت كاردينيا، بينما تمددتُ على السرير، أستعيد ذكرى اليوم الذي اعترفتُ له فيه بمشاعري… وابتسمت.

عودة إلى الماضي – قبل خمسة أشهر – 9/8/2010

كنت جالسة في المكتب أعمل، لكن ذهني كان شاردًا في الليلة الماضية، أتأمل لحظة الاعتراف وأبتسم بفرح خفي.
طرق أحدهم الباب، فقلت:
– تفضل.

دخل إبراهيم، يده اليمنى في جيبه، وفي الأخرى يحمل كوب قهوة، وقدمه إليّ.
أخذته منه وقلت:
– شكرًا.

ابتسم نظرة عميقة وقال:
– لا أريد "شكرًا"، أريد أن أسمع كلمة أخرى.

– كلمة ماذا؟

– اعتراف… مثلًا؟

ابتسمتُ ولزمت الصمت.
قال برجاء:
– ماتيلدا، لا تبقي صامتة! أرجوكِ، أشتاق لسماعها منكِ!

– ماذا تحب أن تسمع؟

ضحك وقال:
– Seni seviyorum?

– "أحبك"؟

أجاب ممازحًا:
– نعم، هيا… ليس وقت المماطلة. اعترفي.

– لا أعرف…

اقترب مني بابتسامة خفيفة وقال:
– لن أخرج من المكتب، وأقسم باسم الرب، حتى أسمعها منكِ.

ابتسمت وقلت بصوت خافت:
– إبراهيم…

– نعم؟

رفعت نظري إلى عينيه وقلت بصدق:
– Seni çok seviyorum. Sen benim hayatımsın!
(أحبك كثيرًا، أنت حياتي).

اقترب مني وعانقني بشدة، فبادلته العناق والابتسامة تملأ وجهي. نظر إليّ وهمس بصوت ذائب:
– أحبك جدًا، يا شَرَستي.

بادلته النظرة وهمست:
– أحبك…

عودة إلى الحاضر

استيقظت من ذكرياتي وأنا أضحك على شكل اعترافي، وكيف كان رد فعله حين سمعني أقول له "أحبك". أراد أن يحملني ويدور بي وهو يقول: "أشعر أن الدنيا ابتسمت لي باعترافك".

لكن فجأة، قاطع تفكيري شعور غريب… رائحة احتراق! نظرت بدهشة، من أين تأتي هذه الرائحة؟ التفتُّ نحو باب الغرفة لأجد النار تشتعل فيه، وتنتشر حتى وصلت إلى السرير. نهضت بفزع أصرخ:
– كاردينيااا! تعالي!

النار أحاطت بي من كل الجهات، تلتهم كل شيء وتحوله إلى رماد. شعرت باللهيب يقترب من جسدي، فصرخت:
– كاردينيا! أين أنتِ؟ سأحترق! إبراهيم! باسم الرب يسوع، أنقذني! إبراهيم، هل تسمعني؟!

صرخت بأعلى صوتي:
– يا أمنا العذراء، لا أريد أن أموت! أرجوكِ أنقذيني!

بدأت أسعل بشدة، صدري ضاق، شعرت بالنار تحرق جسدي وأنا ألهث وأصرخ:
– أنقذوني بمحبة المسيح، لا أريد أن أموت! لاااا!

صرخت مرة أخرى:
– إبراهيم!

فزعت من النوم، ألهث وعطشى، والسعال يقطع أنفاسي، ويدي على رأسي. صرخت:
– ماء… أين أنتِ يا كاردينيا؟ أشعر أنني سأختنق!

دخلت كاردينيا مذعورة، وأسرعت بإحضار كوب ماء، شربت قليلاً حتى هدأت، وأدركت أن ما حدث كان مجرد كابوس.

خرجت من الغرفة إلى الحمام، أغلقت الباب، نظرت إلى المرآة بألم وهمست لنفسي:
– ماتيلدا… وإلى أين؟

غسلت وجهي بالماء مرارًا حتى استعدت هدوئي، ثم خرجت. كانت الساعة تشير إلى الثانية عشرة والنصف مساءً، أخذت الساعة من الحائط وأعدتها بقوة.

قالت كاردينيا غاضبة:
– لماذا كسرتِها؟ هل جننتِ؟

– الأفضل هكذا… وثانيًا، أنا نائمة منذ أكثر من ست ساعات، لماذا لم توقظيني؟

– رأيتك متعبة، فلم أرغب بإزعاجك.

– حسنًا…

عدت إلى غرفتي، شعري مرفوع، وجلست على السرير. صارت الأحلام المرعبة أمرًا معتادًا عندي… ما رأيته من جرائم أمام عيني، وحريق بيتنا، جعلني إما أراها في الكوابيس أو أتخيلها في اليقظة. لكن الغريب… لماذا في هذا الكابوس كنت أنادي باسمه "إبراهيم"؟

تنهدت، أغمضت عيني وتمددت، متذكرة أحداثًا مضت منذ أربع سنوات…

2006

قتل، ذبح، اختطاف، موت، تهديد… F، لو تعلمين ما الذي أخطط له حتى أنتقم منكِ! سيكون انتقامي كبيرًا، سأجعلك تندمين على كل لحظة خوف جعلتِني أعيشها، ستتوسلين إليّ كما توسلتُ إليكِ كي لا تقتليها! كل دمعة سقطت مني سيكون ثمنها دمك.

بيدي سأقتلك، وسأرى نظرة الخوف في عينيكِ كما رأيتها من قبل، ولن يرفّ لي جفن.

ضحكت بصوت عالٍ، وصَفقت بيدي، ثم أخرجت هاتفي وتصفحت قليلًا، كانت الساعة الواحدة. ذهبت إلى المطبخ، أعددت لنفسي شطيرة جبن، أكلت وشربت عصيرًا، وشعرت بالراحة وكأن الحلم قد تلاشى من ذهني.

لكن أثناء تفكيري، خطر في بالي "دانيال". منذ أن اعترف لي إبراهيم بحبه، تغيّر دانيال كثيرًا، صار كلامه ثقيلًا ولا يتصل إلا إذا أنا بادرته، وحتى حين أتحدث معه لا يخبرني شيئًا عن حياته، فقط يقول: "الحمد للرب" ثم يصمت.

قررت أن أتصل به لأعرف السبب، حتى لو أدى الأمر إلى خلاف بيننا، المهم أن يوضح لي سبب تغيّره المفاجئ.

عدت إلى غرفتي واتصلت به، لكنه لم يرد. وبعد قليل، وجدت الخط مشغولًا، فاستغربت… من يتصل به في هذا الوقت؟

انتظرت ساعة كاملة والخط مشغول، حتى اتصل هو أخيرًا. أجبت بسرعة:
– ألو؟

جاء صوته متوترًا وخائفًا:
– ستجرحين من أقرب شخص إليكِ… الخمسة أشهر القادمة ستدفعين ثمنها نصف عمركِ يا ماتيلدا، كوني حذرة.

ثم انقطع الاتصال…

___
نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...