الفصل 12 | من 44 فصل

رواية شخوص متداخلة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم .

المشاهدات
18
كلمة
4,353
وقت القراءة
22 د
التقدم في الرواية 27%
حجم الخط: 18

لم أنَمْ طوال الليل من شدّة التفكير المبعثر والحيرة، حتى دوّى جرسُ المنزل فجأة.
لا أُخفي أنّ التوتّر اجتاحني؛ أسرعتُ إلى المطبخ، تناولتُ سكينًا كبيرة، وتسلّلتُ نحو الباب أنظر من ثقبِه، فلم أرَ أحدًا!
تساءلتُ في نفسي: من الذي رنّ الجرس؟
كنتُ أريد العودة إلى غرفتي حين طُرِق الباب من جديد. تشبّثتُ بالسكين أكثر، أخفيتُها خلف ظهري، وأخذتُ نفسًا عميقًا ثم فتحتُ الباب.
فإذا بوجه «إبراهيم» أمامي.
تطلعتُ إليه بتوتر.

إبراهيم: صباح الخير.

لم أُجِب، وشعرتُ أنّ يدي ارتخت. لاحظ السكين في يدي فبدت على وجهه الدهشة، وقال بشك:
إبراهيم: ما الذي كنتِ تفعلين؟
-لا أفعل شيئًا.
إبراهيم (ساخرًا): من القتيلة يا ماتيلدا؟ اعترفي كم جريمة ارتكبتِ؟
-ما بالك؟ (تكلمت بدهشة من أمره)

ثمّ أطلق ضحكةً عالية وقال: أمزح.

-إن كنتَ تريد التحدث والجلوس في الصالة فانتظر حتى تستيقظ كاردينيا، لا أدعك تدخل ونبقى وحدنا.
-أصبحتِ صارمة!
-صحيح أنّنا نحب بعضنا، وأنّ خطوبتنا قريبة، لكنّي لا أسمح لك بتجاوز حدودك.
-وعلى ذِكر الخطوبة… أما زلتِ غير مقتنعة؟
-بماذا؟
-بخصوص استعجالي للخطبة، لا أتحمل، متى توافقين؟
-كُفَّ عن سخافاتك.
-أمزح، لكن صدقًا استعجلي؛ لقد صبرتُ خمسة أشهر بانتظار موافقتك، وأعطيتك كل راحتك.
-الذي يريد الجميل يصبر على مرّه.
-صدقتِ، ولك أن تأمري؛ لكن شرستي الوحيدة أنّي صرتُ أراكِ في كل حين، أنام وأصحو وأنتِ في بالي. أحبّك كثيرًا وأنتظرك، عساه لا يكون عُمري كلّه انتظارًا.
أجبته (مبتسمة): أحبّك يا برهمي.
-حسنًا، الآن صار فيها «برهمي»! أأدخل إذن؟
أومأتُ رأسي نافية وضحكت.
فرفع حاجبه وهزّ رأسه مبتسمًا:
-حسنًا… والعمل؟ هل ستداومين؟
-لا أدري، أفكّر.
-قد اعتذرتُ منكِ.
-أعلم، وأنا بدوري تماديتُ بالكلام. لكن لا تنسَ أنّك أنتَ طردتني.
-أنتِ أغضبتِني وأفقدتِني توازني فلم أتنبه إلى كلامي، ووالله لا أدري كيف طردتكِ، كانت لحظةَ عصبيةٍ فحسب.
-حسنًا.
-ما رأيك أن نخرج لنغيّر الجو ونتنزه؟
-إلى أين؟
-إلى المدينة أو أي مكان تختارينه، أريد الجواب الآن.
-موافقة، لكن أختي ترافقنا.
نظر إليّ نظرةً لم تُعجبه فضحكتُ وقلت: ها؟
إبراهيم (مستسلمًا): مُمكن… وهل أستطيع أن أعترضكِ؟ مَن أنا لأعاندكِ؟
-أكيد لا.

غادر وأغلقتُ الباب خلفه، ثمّ أعدتُ السكين إلى المطبخ براحة، وعدتُ إلى غرفتي مبتسمة. نسيتُ كلّ التفكير والضيق، فقد كان الحديث مع إبراهيم حقًا علاجًا لروحي.

تمدّدتُ على السرير ولم أُعِر كلام «دانيال» أي اهتمام. للمرّة الأولى أشعر أنّ كلّ شيء سيمرّ بسلام، وما كُتِب لي لا مهرب منه. لقد تعبتُ من الماضي، وأريد أن أفتح صفحةً جديدة مع حبيبي إبراهيم. ما دمتُ أمسك بيده فلستُ خائفة من شيء، فلستُ وحدي؛ إبراهيم معي.

وحين جاء العصر، تجهّزتُ وأخبرتُ كاردينيا أنّها سترافقني. ارتديتُ تنّورةً سوداء وبلوزةً صفراء اللون، رغبتُ في التغيير ولبس ألوان جديدة، ورفعتُ شعري إلى أعلى على هيئة كعكة، وأسدلْتُ خصلةً على خدّي.

وصلنا إلى مدينة الألعاب، فأوقف إبراهيم السيارة. التفتُّ إليه ضاحكة:
– أحقًا جئتَ بي إلى مدينة الألعاب؟ ألستَ تخطّط للهو بي؟

ابتسم قائلًا:
– سنستمتع، انزلي، سأريكِ المتعة على أصولها.

– هه! وماذا تقصد يا برهم؟

فتحتُ الباب وأنا أضحك، ونزلتُ مع كاردينيا.
قالت كاردينيا وهي تبتسم:
– ستظهر الطفلة التي بداخلنا!

سمعها إبراهيم فالتفت إليها مبتسمًا:
– سمعتكِ ها!

ضحكتْ وقالت:
– هيا بنا ندخل لنستمتع.

قال إبراهيم بثقة:
– أجواءٌ لا تُفوّت، ستشكرينني على هذه النزهة.

دخلنا، وحين اشترى التذاكر قال:
– سنركب القطار السريع.

قلتُ له فورًا:
– لا، لن أركب. اصعد أنتَ وكاردينيا.

إبراهيم: أأنتِ خائفة يا شرستي؟
- لا أحب هذا النوع من الألعاب.
- لكني دفعتُ ثمن التذكرة.
- أعدها إذن.
- لا يمكن.
- لن أركب.
- من أجلي؟
ثم هززتُ رأسي موافقة:
– حسنًا.

جلسنا ننتظر، وحين وصل دورنا صعدنا. كانت كاردينيا تبتسم. قلتُ لها:
– إذا كنتِ خائفة فانزلي.

كاردينيا: بالعكس، أنا متحمّسة.

جلستُ، وكان إبراهيم على مقعدٍ بجانبي وكاردينيا خلفنا. بدأت اللعبة بالدوران، فأمسك إبراهيم بيدي ولم يزل ينظر إليّ. صرختُ أطلب منه:
– إبراهيم، انتبه إلى الحزام، لا ينفتح!

أجابني وسط ضجيج الهواء وأقدامنا المعلّقة في الهواء والدوار يشتدّ:
– أحبّك.

فجأةً أفلت يدي ورفع يديه عاليًا، ففزعتُ؛ كانت حركته خطرًا، وأيّ لحظة قد ينفكّ الحزام. صرخ المسؤول عن اللعبة:
– ممنوع رفع الأيدي!

صرختُ به مذعورة:
– انتبه يا إبراهيم!

لكنه كان يضحك بصوت عالٍ، ودوّختي ازدادت. صرختُ برجاء:
– بحقّ يسوع، أوقفوا اللعبة! دوختُ يا إبراهيم!

لم يُجبني بل استمرّ يضحك، وكأنّ ضحكته تحمل شيئًا يقصده.
صرختُ ثانية:
– إبراهيم، أنزلني!

تحمّلتُ نفسي بصعوبة، صابرةً حتى انتهت اللعبة، خصوصًا حين ازدادت سرعتها وارتفع صراخ الركاب فزاد دواري. كانت دقائق كأنها ساعة.

ما إن توقفت اللعبة حتى فتحتُ القفل، نزلتُ بسرعة وتركتُهما. ركضتُ إلى الحمامات القريبة، ودخلتُ وتقيّأتُ. شعرتُ بالاختناق والدوار ودوخة الرأس.

وقف إبراهيم عند الباب ولم يدخل، لكن ملامح الخوف واضحة على وجهه:
– ما بكِ يا حبيبتي؟

غسلتُ وجهي وخرجتُ:
– لا شيء بي.

أمسك بكتفي وسرنا معًا وهو يقول:
– تعالي اجلسي، سأجلب لك ماءً تشربين. وجهكِ صار أصفر.

ذهبنا إلى مجموعة كراسٍ وجلسنا، ثم ذهب ليأتي بالماء. جاءت كاردينيا وجلست بجانبي تسألني عن حالي. بعد دقائق عاد إبراهيم يحمل زجاجة ماء لي وقدّم لأختي عصير برتقال، وجلس بجانبي:
– كيف أصبحتِ؟
– أفضل.
– لو كنتُ أعلم أنكِ ستتوعّكين لما أصعدتُكِ!
– أنت أجبرتني، قلتُ لك إنني لا أركب هذه الألعاب.

قال معتذرًا:
– حياتي، آسف وحقّك عليّ. ظننتُ أنكِ ستستمتعين، انظري حتى كاردينيا لم يحصل لها شيء، بل فرحت واستمتعت باللعبة.

ثم التفت إليها:
– أليس كذلك؟

هزّت رأسها موافقة:
– نعم.

قلتُ متذمرة:
– توبةٌ إذا جئتُ هنا ثانيةً وأخذتُ بكلامك!

ضحك وقال:
– هيا نرجع، ما دمنا أزعجناكِ فلن نبقى.

رجعنا إلى السيارة، وأمسكني مغص مع دوار رأس لم يذهب، فأخذتُ أشرب الماء كل دقيقة. وما إن تحرّكت السيارة وشممتُ رائحة البنزين حتى ازدادت حالتي سوءًا. أمسكتُ يده وهو يقود:
– أوقف السيارة.

أوقفها على الشارع العام وصفّها بجانب الرصيف. فتحتُ الباب وركضتُ لأتقيأ ثانيةً. وقف بجانبي وأنا أقول له:
– ابتعد عني، لماذا تحدّق بي؟

إبراهيم: وحقّ محمد، لو كنتُ أعلم أن هذه النزهة ستصير سمًّا علينا لما أخذتكِ. كان هناك محلّ قريب، قال لي:
– انتظريني.

ركض بسرعة إلى المحلّ وعاد وفي يده زجاجة ماء ومناديل ورقية. أعطاني إياها، مسحتُ وجهي وشربتُ.

قال:
– هيا، اركبي السيارة، سأخذكِ إلى المستشفى خشية أن يكون أصاب معدتكِ شيء. ماذا أكلتِ حتى تتقيئي مرتين؟
– برهم، لا شيء بي، لا تقلق.
– متأكدة؟
– نعم، لا أحتاج إلى طبيب، سأكون بخير الآن.
– حسنًا، لنذهب إذن إلى مطعم تأكلين فيه شيئًا، ربما معدتكِ فارغة فاختلّ توازنكِ.
– ربما.

ركبتُ وانطلقنا، وكان المطعم بعيدًا عن مدينة الألعاب نصف ساعة تقريبًا. وصلنا وأوقف السيارة أمام مطعم هادئ قليل الزوّار بسيط التصميم، ودخلنا وجلسنا على كراسٍ خشبية.

أسند إبراهيم كفّه إلى ذقنه، وأخذ يحدّق في عينيّ شارِدًا مبتسمًا لي. ابتسمتُ له وسألته:
– ما بك؟

قال بهدوءٍ عاطفي:
– أحبّكِ.

قاطعتنا كاردينيا مازحةً:
– نحن هنا!

ضحك إبراهيم ثم قال بصوت مرتفع كأنّه يعلن أمام العالم:
– يسمع العالَم أجمع، أنا عاشق ولهان بـ «ماتيلدا».

ثم أضاف وهو يقلّب قائمة الطعام:
– سأطلب «إسكندر كباب»؛ طعامٌ لذيذٌ جدًا، منذ جئتُ إلى تركيا وأنا مدمن عليه.

قلتُ له باستغراب:
– ولماذا سُمّي «إسكندر»؟ ما هذا الاسم الغريب؟

ابتسم موضحًا:
– إسكندر كباب من أشهر أطباق تركيا، خصوصًا في مدينة بورصا. سُمّي بهذا الاسم نسبةً إلى إسكندر أفندي الذي عاش في القرن التاسع عشر، وصار تراثًا لأحفاده هناك.

– آه، جميل.

– نعم، هو أكلة شعبية لذيذة، وغير مكلفة كثيرًا، يتراوح سعرها بين 15 و30 ليرة تركية.

قالت كاردينيا بحماس:
– واضح أنّه لذيذ، لقد شجّعتني على تذوّقه.

ابتسم إبراهيم:
– حسنًا، وسأطلب أيضًا طبق «بوريك» و«الدونر شاورما» و«كِسر».

استغربت كاردينيا:
– وما «كِسر» هذا؟

إبراهيم: هو طبق جانبي من السلطات يتكوّن من البرغل وصلصة وخضروات، وأصلُه مدينة مرسين التركية.

ضحكت كاردينيا:
– لكن لنبقَ متّفقين؛ المطبخ العراقي هو الألذّ.

مرّ وقتٌ قصير ثم قال إبراهيم:
– سأصفّ السيارة في الكراج وأعود، فقد تركتها أمام الباب وهذا ممنوع.

– حسنًا، لا تتأخّر.

وبينما أنتظره أخرجتُ هاتفي أتصفّحه، ثم فتحتُ الكاميرا لأتفقد وجهي خشية أن يكون الكحل قد سال. وما إن قلّبتُ الكاميرا حتى وقعت عيني على رجلٍ يجلس قبالتي يرمقني بتركيزٍ مقيت، وابتسامةٍ مقزّزة لا تفارق وجهه، مركّزًا نظره على صدري. تجمّدتُ في مكاني: حتى في مكانٍ كهذا؟!

هممتُ بالنهوض والانقضاض عليه لتأديبه، لكن كاردينيا أمسكت بيدي وأعادتني إلى مقعدي. انتفضتُ بها:
– لِمَ تركتِني؟

قالت هامسة:
– ما بكِ يا ماتيلدا؟ إلى ماذا أنتِ ناوية؟

– دَعيني أُربّي هذا الوغد!

– حاشا الحيوان… اتركيه، دعينا نأكل ونخرج بلا فضائح أمام الناس.

– إن استمرّ في النظر سأشوّه وجهه، أقسم بالعذراء لأقلعنّ عينيه! انظري كيف يحدّق بجرأةٍ وكأنّه في ملهى، مطعم بلا أدب!

دخل إبراهيم في تلك اللحظة، يكفّ أرداناته ويضع المفاتيح وهاتفه على الطاولة، وقال:
– ألم يأتِ الطعام بعد؟

سكتُّ ولم أُجبه، فألقى عليّ نظرة شكّ:
– ما بكِ يا حبيبتي؟

سبقتني كاردينيا لتخفيف الموقف:
– لا شيء، لكن معدتها تألمها قليلًا وتريد العودة إلى البيت لترتاح.

قال إبراهيم بهدوء:
– حسنًا، نأكل ثم أُرجعكما.

بعد دقائق جاء النادل وقدّم الأطباق ورصّها على الطاولة ثم انصرف. أخذ إبراهيم يأكل وأنا أرتشف العصير فقط.

قال:
– لماذا لا تأكلين؟ ألم يُعجبكِ الطعام؟
– لا، لا أشتهي.
– حسنًا، أطلبي ما تشتهينه، أأطلب لكِ شيئًا آخر؟

سرقتُ نظرةً سريعة إلى الرجل فرأيته ما زال يرمقني مبتسمًا.

إبراهيم: – أنا أتحدث إليكِ يا عمري.
صرختُ بعصبية: – لا أريد شيئًا، لا تُلحّ!

ظلّ إبراهيم يحدّق فيّ متفاجئًا، وقبض يده بغيظ. ثم قال بصوتٍ منخفض:
– خذي وقتكِ إذا أحببتِ.

لم أُجب، وعيناي على ذلك الشاب. وفجأة قام بحركةٍ سخيفة بأصبعه. تلفّتُّ بعصبية، وانعكست ملامح التوتّر على وجهي. التقط إبراهيم الأمر فورًا، فالتفت نحو الشاب. أدرك ذلك الأخير فأنزل رأسه سريعًا.

قال إبراهيم بلهجةٍ حازمة:
– كاردينيا، خذي أختكِ واخرجا من المطعم فورًا.

– نصعد السيارة أم ننتظرك؟

– هذا المفتاح، خذيه واصعدا.

– حاضر.

همستُ لكاردينيا وأنا أُخرج حقيبتي:
– ما بكِ؟ ينقصكِ أن تبوحي له الآن؟! سأُسحلُه هنا!

قالت:
– امشي أمامي.

– سأغرد!

– اصعدي السيارة ثم غَرّدي كما تشائين.

أعطتني حقيبتي ودَفعتني للخروج. خرجتُ متردّدة:
– افتحي الباب واصعدي، أنا مستحيل أن أتركهما وأذهب، أريد أن أعرف ما سيحدث.

اقتنعتُ أخيرًا، ففتحت الباب وصعدت وأغلقته على نفسي. ثم عدتُ أركض إلى داخل المطعم أرقب المشهد.

قال إبراهيم بصوتٍ ساخرٍ وهو يقترب من الطاولة:
– الله بالخير يا صاحبي؟

أجابه الرجل بخوف:
– Hoşgeldin… أهلًا.

قال إبراهيم ببرودٍ قاطع:
– أين كانت عيناك؟ على حبيبتي؟

ارتبك الرجل وقال بالتركية:
– Ne dediğini anlamıyorum!
– Ne konuşuyorsun؟ (ماذا تقول؟)

ابتسم إبراهيم بهدوء، أمسك رأسه، وضغطه على الطاولة بقبضةٍ ثابتة.

تكرّرت حركةُ إبراهيم مرتين، ثم تلفّظ بألفاظٍ بذيئة جعلتني أرتجف من الدهشة؛ أهذا كلّه يخرج من إبراهيم؟!
نهضتُ سريعًا وصعدتُ إلى السيارة متفاجئةً، فالتفتت إليَّ كاردينيا تسأل:
– ما الذي جرى؟ حدّثيني.
– هوى برأسه على الطاولة.
– يا إلهي، هل تحطّم رأسه؟
– نعم، كأنّ الجمجمة انفلقت.
– بحقّ المسيح، أأنتِ جادّة؟
– نعم، ثمّ أخذ سكينًا من النادل وغرزها في بطنه.
– ومات؟!
– نعم.
شهقتْ كاردينيا: «أتقولين الصدق يا ماتيلدا؟!»
– نعم، أيمكن أن أكذب عليكِ؟

– هل سيسجنون إبراهيم؟
نظرتُ إليها بحدّة وقلت: «أأنتِ بريئة أم تتغابين؟ ما بكِ؟»
– إذن ماذا حدث؟
– لم يمت أحد، ولم يتأذَّ أحد. لقد أدّبه فقط، فهو يستحقّ التأديب.
– الحمد لله، لقد توقّف قلبي من الخوف.
– اسكتي الآن، يا عيني.

سكتنا ننتظر إبراهيم دقائق، ثم جاء وملامح الغضب باديةٌ عليه، وصعد إلى السيارة وأغلق الباب بقوةٍ وأدار المحرّك.
سألته: «ما الذي حدث؟»
أجاب دون أن ينظر إليَّ: «لا شيء».
– والشابّ؟
– تقصدين ذلك الحيوان؟ لقد لقّنته درسًا.
– ولم يسبّب لكِ أهل المطعم مشكلة؟
– كانت هناك كاميرا تشهد على نظراته وحركاته تجاهكِ، وقد اعتذر لي وخرج.
– آهٍ حسنًا.
سكتُّ وهو يقود.

طال الطريق صامتًا حتى وصلنا إلى الحيّ، نزلنا فصعدت كاردينيا إلى الشقّة، أمّا هو فأمسك بيدي وقال: «هيا بنا نتمشّى قليلاً في الشارع، ثمّ نعود».
هززتُ رأسي موافقة.

كانت الساعة التاسعة مساءً. سرنا وأشار إلى مقاعد عند نهاية الطريق تحيط بها الأشجار، فجلست وجلَس إلى جانبي وبيننا مسافة. رفع رأسه ينظر إلى القمر، وكنتُ أنا أنظر في عينيه.

كان القمر هادئًا، والنجوم باردة، والهواء عليلاً. نظرتُ إليه وهو يحمل في عينيه كلّ التعب، كأنّ الوقت يمضي ولا أقدر أن أحدّق فيه أكثر بعد هذا اللقاء.

قال لي بلطف:
– شَرِسَتي كم تحبّينني؟
– ما مناسبة هذا السؤال؟
– أريد أن أعرف.
– أحبّك كثيرًا، ولا يمكن أن أتركك. أنتَ روحي، والربّ يعلم كم أحمل في قلبي من حبٍّ كبيرٍ لك. أتتخيّل أني تلك القوية التي لا يعثرها شيء، ثم يأتي صوتك فيُضعفني؟

نظر إليَّ وابتسم بحبّ:
– أحبّكِ يا شَرِسَتي.

– أنتَ سبب فرحي دائمًا. خلف ابتسامتي لا دفءَ إلا بيديك، ولا بردَ إلا بغيابك. أحبّك لأنك تتحمّل مزاجي وعصبيتي وتسرّعي، ولأنك فزاعتي إن هبطت حولي الغربان السوداء.
– وأنتِ دوائي لجروحي! أتعلمين شيئًا؟
– ما هو؟
– كنتُ أحلم دائمًا بنجمتين؛ الأولى على كتفي والثانية في قلبي. والآن اكتشفتُ أنّهما أنتِ والوطن. كلاكما في دمي.

لمعت عيناي وقلت له: «يا بعدَ عمري».
– لقد خسرتُ عائلتي، وأنتِ أصبحتِ عائلتي الثانية، أمي وأبي وإخوتي وأصدقائي كلّهم أنتِ.

مدّ يده فأخذ يدي وضمّني إلى صدره وقال: «أحبّكِ كثيرًا».

ابتعدتُ عنه وقلت:

> يا ساكنَ القلب، ما في القلب متَّسعٌ
لغيرِ حبِّكَ أغلق بعدكَ البابا
ماذا تظنُّ بدارٍ أنتَ سيّدها؟
غدًا لكَ النبضُ والأنفاسُ حُجّابا

ابتسم وقرص خدّي: «أويلي كم أحبّكِ».

ثمّ همس:
– تعالي، أفرد لكِ قلبي وتفردين لي شعركِ، أحدّثكِ عن الحبّ وتلعبين بأصابعي، أنادي عينيكِ فتخجلين من فمي، أتحسّس يديكِ فيقشعر جلدكِ… تعالي نخرج من الزمن، نسير معًا إلى الأبديّة الكبرى، إلى الحبّ الأخير.

قلتُ له بصدق: «أنا لا أعيش إلا معك يا إبراهيم، وإلا فإنني سأموت فداءً لك».

انتهى حديثنا بابتسامة وقبلة على رأسي وكلمات حبٍّ دافئة.

رجعتُ إلى الشقّة، وفراشات تتراقص في قلبي، ونمتُ نومةً عميقة بلا أرق، بلا تفكير، بلا ألم، بلا قلق على المستقبل.

في الصباح، عند الساعة الثامنة، أعددتُ قهوتي وأنا أميل بخاصرتي مبتسمةً ومفعمةً بطاقةٍ إيجابية كبيرةٍ بفضل ليلة الأمس.

استيقظت كاردينيا، ولمّا رأتني سعيدةً مبتسمةً فرحت وقالت: «ربي يديم السعادة لقلبكِ دائمًا».
– ويديمكِ لي يا روحي.

رنّ جرس الباب وقرع أحدهم طرقاتٍ رقيقةً. ضحكتُ وعرفت أنّه إبراهيم؛ فله في طرقه لحنٌ موسيقيّ. تركتُ ما بيدي وركضتُ أفتح الباب.

كان يحمل باقة وردٍ أصفر. نظرتُ إليه مستغربةً وضحكت، أخذتها منه وقلتُ له: «حبيبي، ما المناسبة؟»
أجابني وهو يضحك ويغنّي:
– «عمي يا بياع الورد…»

(وأخذ يردّد أبياتًا شعبية يمازحني بها).

ضحكتُ، ووضعتُ يدي على كتفه وهو يواصل الغناء.
– تدري، صوتك جميل ويسحر العقل.
– وأنتِ أخذتِ عقلي وتفكيري وكلّ شيء، حتى صوتي صار ينادي باسمكِ ويغنّي لكِ.
– ممم، ما هذا الحبّ من الصباح؟
– وهل يلد الوردُ وردًا يشبهكِ؟
– ربما.
– أنتِ وردتي الوحيدة، المختلفة، المميّزة.

ابتسمتُ.

مرّت أيامٌ هادئة. أمّا دانيال فكلّما حاولتُ الاتصال به وجدتُ هاتفه مغلقًا. قالت أختي لعلّه غيّر رقمه، لكن لماذا؟ اختفى فجأةً بلا إنذار، وصرتُ مصدومةً من ذلك. انقطعت أخباره، حتى لورين لم أعد أعلم عنها شيئًا.

رجعتُ إلى الشركة، فاعتذر لي أمام الجميع – مع أنّ أحدًا لا يعلم أنّ خلافًا وقع بيننا – لكنه أصرّ على الاعتذار، وعدتُ إلى عملي.
أما كاردينيا فحالُها النفسي تحسّن وصارت أفضل، ومع ذلك واصلتُ تجديد علاجها كلّما انتهى.

كانت حياتي هادئة؛ ما بين الشركة والشقّة، واتصالات إبراهيم الليلية التي نتبادل فيها الأحاديث ونتعرّف أكثر إلى بعضنا.
لكنّه لم يتطرّق قطّ إلى حياته العائلية، ولا إلى كيفية وفاة والدَيه، ولم أُلحّ عليه بالسؤال، بل تركتُ له حريّة الحديث متى شاء.
وأنا بدوري لم أبوح له عن حياتي ولا عن المجرم ولا عمّا جرى قبل أربع سنوات؛ ذلك سرٌّ لا أريد كشفه، ولا يعرفه سوى لورين ودانيال.

••••••••••••

العراق – بغداد – الثانية مساءً

لورين

كنتُ واقفةً والعرق يتصبّب من جبيني من شدّة التعب، تنفّستُ بعمق وأطفأت النار، نزعت المئزر وتوجّهت لأغسل يديّ ووجهي. سمعتُ صوت المدير يدخل المطبخ قائلاً:
– استعجلوا، الزبائن بانتظار الطعام.

أومأتُ برأسي أنا وزملائي، وخرج هو. نظرتُ إلى الطلبية باستغراب؛ خرجتُ من المطبخ متوجّهةً إلى قاعة الطعام. رأيتُ جمعًا غير معتاد من الناس، مع أنّ المطعم في الأيام العاديّة شبه خالٍ لعدم شهرته.

لفت انتباهي كرسي رجلٍ أعطاني ظهره فلم أرَ وجهه، كانت أمامه فتاةٌ شابّةٌ جميلة تضحك وهو ممسكٌ بيدها التي تزيّنت بساعة بيضاء فاخرة ذات تصميم غريب.

تقدّمت أكثر بخطى متردّدة. كان لمعان شعره ونبرة صوته الحادّة وكلامه المرتفع يوحي بأنّه يأخذ راحته. استغربتُ أيُّ زبونٍ غريب هذا!

اقتربت من الطاولة وسعلتُ بلطف. رفع رأسه ونظر إليّ بابتسامةٍ غريبة.

– هل أنتَ صاحب الطلبية (البيتزا)؟
– نعم.
– عفوًا، كما تعلم، المطعم يقدّم المأكولات العراقية الشعبيّة فقط، ولا نُعدّ البيتزا.
– حضّري أي وجبة لشخصين.

رفعتُ حاجبي متعجّبة من أسلوبه، لكنّي ردَدت: «حسنًا».

رجعتُ أُحضّر الطعام مكرهة، لا أعلم لماذا لم أرتح له، أحسسته متقصّدًا.

جئتُ بالطعام أقدّمه على الطاولة، وإذا بالعصير ينسكب على بنطاله. وقف بعصبيّة:
– تَرى… عيناكِ خلقهما الله لتبصري بهما!
– أعتذر، لم يكن الأمر مقصودًا، والربّ شاهد.
– في المرّة القادمة انتبهي، بنطالي أثمن من راتبكِ!

تنفّستُ بحدّةٍ من ردّه وقلتُ:
– لو سمحت، قلتُ لك إنّه غير مقصود واعتذرتُ، فلماذا تصرخ؟ سأجلب مناديل مبلّلة لمسح العصير.

حملتُ الصينية الفارغة ورجعتُ إلى المطبخ منزعجةً؛ لقد استفزّ أعصابي. أخذتُ منديلًا نظيفًا وعدتُ إلى الطاولة لأتفاجأ بأنّه ليس هناك، لا هو ولا الفتاة التي كانت معه!

تجمّدتُ في مكاني، لماذا رحلا بهذه السرعة؟! رأى المدير وقوفي وصمتي فناداني:
– لورين، تعالي.

مشيتُ نحوه ووقفتُ عند المطبخ:
– نعم أستاذ؟
– لماذا واقفةً هنا؟ عودي إلى المطبخ ولا تضيّعي الوقت!
– حاضر أستاذ.
– هيا، الزبائن بانتظار.
– أستاذ، هل تسمح لي بسؤال؟
– تفضّلي.
– قبل قليل جاء رجل مع فتاة وطلب طعامًا ثم خرج بسرعة قبل أن يستلم الطلبية ولم يأكلا شيئًا!
– أين جلسا؟

أشرتُ إلى المكان. نظر إليَّ باستغراب وقال:
– لورين، ماذا تقولين؟! لم يجلس أحد على هذه الطاولة منذ البارحة!

يتبع…

___
نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...