منذ تلك اللّيلة وُلِدَت في قلبي مشاعر جديدة تجاهه. أدركتُ كم هو نقيّ وصادق في كلماته وأفعاله!
منحتُه فرصة جديدة، وقررتُ أن أنسى كل شيء وأفتح صفحةً بيضاء، فقد أيقنتُ أنّه لا يستحق ذلك الكره والحقد؛ إنّه إنسان طيّب عرفتُ أخلاقه العالية.
قال لي يومها بصراحة:
«كنتُ مُعجبًا بكِ، وتلفّظتُ بكلام جريء، وتغزّلتُ بكِ علنًا، لكنني لم أقصد أي شيء سيّئ!»
وبعد آخر موقف بيننا، واجهته قائلة:
ـ «عد إلى الشركة، ولكن بشرط!»
ـ «وما هو الشرط؟»
ـ «أن تترك كل ما يدلّ على الحب، ولا تحاول التقرّب مني عاطفيًّا. نكون صديقين فقط… علاقة صافية ولطيفة بين المدير والموظفة، بلا مشاكل ولا سلبيات.»
وافق مبتسمًا وقال:
ـ «من اليوم نحن أصدقاء.»
••••••••••
يوم الأحد | بداية أسبوع جديد
استيقظتُ صباحًا، أديتُ صلواتي وشعرتُ بطاقة إيجابية عظيمة، شعورٌ جميل كأنّ فراشات صغيرة تتراقص في داخلي.
أعددتُ الفطور لكاردينيا، وأخبرتُ دانيال أنّني سأعود للعمل اليوم. فرح أكثر مني وقال:
ـ «احرصي على نفسكِ، وكوني حذرة.»
فتحتُ خزانتي واخترتُ بنطالًا مع بلوزة بيضاء، وارتديتُ جاكيتًا جلديًّا أسود مع حذاءٍ مرتفع أسود. رفعتُ شعري للأعلى ورتّبتُ نفسي بأبسط ما يمكن، ثم رششتُ عطرًا على معصمي.
وقفتُ أمام المرآة بابتسامة واثقة وهمستُ لنفسي:
«أنتِ قويّة يا ماتيلدا… ومع عون الرب سيصبح الصعب سهلًا، وستتجاوزين كل ما يواجهكِ.»
فتحتُ الدرج وتلمّستُ صليبي بحب، ثم علّقتُه بهدوء حول عنقي كما لو كان حارسًا لا يفارقني.
خرجتُ من الشقة بهدوء، واستقليتُ سيارة أجرة أوصلتني إلى الشركة. دخلتُ حاملةً الملفات، فيما راح الموظفون يحدّقون بي باستغراب واضح، وكأنّ الأسئلة تدور في عيونهم:
ـ «هل انفصلت؟»
ـ «لماذا عادت؟»
ـ «لابدّ أنّ هناك سببًا!»
تجاهلتُ نظراتهم واتجهتُ إلى السكرتيرة، فأشارت نحو مكتبه.
دخلتُ بخطوات واثقة، وما إن رآني حتى نهض من كرسيه وتقدّم نحوي بوجهه البشوش الذي تغمره ملامح الفرح وهمس:
ـ «نوّرتِ الشركة يا شرسة.»
ابتسمتُ بهدوء؛ أصبح هذا اللقب قريبًا إلى روحي.
ـ «ما الذي اتفقنا عليه؟»
ضحك بصوت مسموع وقال:
ـ «اطلبي أي شيء وسأنفّذه… إلا هذا اللقب! أعدّه مدحًا لكِ.»
ـ «حسنًا، سأتغاضى هذه المرة.»
اقترب قليلًا وهمس بنبرة مازحة:
ـ «هل تسمحين لي بالاعتراف بشيء؟»
ـ «تفضل.»
ـ «اليوم تبدين… رائعة الجمال.»
رفعتُ حاجبيّ:
ـ «إبراهيم!»
ـ «آسف، لم أستطع الصمت.»
ـ «على العموم، شكرًا.»
ـ «العفو يا صديقتي، والآن اجلسي كي نسجّل عودتكِ رسميًّا.»
جلستُ على الأريكة براحة، فأخذ الملفات مني وجلس أمام حاسوبه. وبعد دقائق قال مبتسمًا:
ـ «تم توظيفكِ من جديد… مبروك.»
ـ «يبارك الله بك، شكرًا.»
ـ «لا شكر بين الأصدقاء.»
ضحكتُ وضحك هو بدوره، ثم أضاف:
ـ «مكتبكِ كما هو، يمكنكِ البدء فورًا. زميلتكِ ستخبركِ بما يجب فعله.»
ـ «تمام.»
خرجتُ من مكتبه وهو يبتسم. جلستُ في مكتبي لأبدأ أسبوعًا جديدًا، وانتهى الدوام عند الثانية عشرة ظهرًا.
وبينما كنتُ أهمّ بالمغادرة، سمعتُ إبراهيم يناديني:
ـ «ماتيلدا!»
التفتُّ ورددتُ:
ـ «نعم؟»
ـ «لحظة… إذا أمكن، تعالي إلى مكتبي.»
ـ «السبب؟»
ـ «تعالي وستفهمين.»
هززتُ رأسي موافقة. دخلتُ مكتبه ففتح الدرج وأخرج ظرفًا وقدّمه لي.
ـ «ما هذا؟»
ـ «راتبكِ.»
ـ «لكنني بدأت اليوم فقط! لماذا تعطيني راتبي قبل أن أعمل؟»
ـ «أعرف أنّ أختكِ مريضة، وأنتِ بحاجة للمال لعلاجها.»
ـ «كيف عرفت؟!»
ـ «خذيها بلا نقاش… سأغضب إن رفضتِ.»
صمتُّ لحظة وأنا أرفع حاجبيّ، فابتسم وقال مازحًا:
ـ «سأخصمها لاحقًا من راتبكِ، لا تقلقي.»
ـ «إذا كان الأمر هكذا… حسنًا.»
غادرتُ المكتب سعيدة. يومي كان مليئًا بالإيجابية بشكل لا يُصدَّق.
عدتُ إلى الشقة واطمأننت على كاردينيا؛ كانت بصحة جيدة وتتناول أدويتها بانتظام.
في المساء، ذهبتُ للصيدلية لأشتري لها الأدوية، ثم اتصل بي دانيال كعادته ليطمئن عليّ. أصبح اتصاله روتينًا يوميًّا.
وفي الليل تمددتُ على السرير محاوِلة النوم… لكن فجأة تسلّل إلى رأسي ذلك الصوت المخيف:
«الموت مصيركِ… ستقتلين بطريقة بشعة… ستلحقين بعائلتكِ… الموت… الموت… الثأر لم يُنسَ… أنتِ فاشلة يا ماتيلدا… سأنتزع روحكِ… أنا… هو… هم… F…»
فزعتُ من النوم أصرخ، ثم أدركتُ أنّه كابوس. أشعلتُ الضوء الخافت وأخذتُ أتعوّذ بالله. كانت الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل.
ردّدتُ صلاتي بصوت مرتجف لأطرد الخوف عن قلبي:
«أيّها الملك السماوي، روح الحق، الحاضر في كل مكان، مالئ الكل، كنز الصالحات، ومعطي الحياة، هلمّ تفضّل وحلّ فينا وطهّرنا من كل دنس، أيّها الصالح وخلّص نفوسنا.»
اعتدلتُ في جلستي، وضممتُ ركبتيّ إلى صدري. صدري يضيق… رأسي يكاد ينفجر… إلى متى ستلاحقني الكوابيس؟ يا رب، أريد أن أرتاح…
العودة إلى الماضي | 2006 / أبريل | الساعة 12 بعد منتصف الليل
كنتُ واقفة بخوف وأنا أرى ظلّ رجلٍ غريب داخل بيتنا. لم أعرف من هو ولا كيف دخل! فجأة سمعتُ صوت زجاجٍ يتحطّم. ارتجف قلبي. أردتُ إيقاظ أمي، لكنني أعلم أنّها لن تفعل شيئًا، بل ستكتفي بالنظر بعجز.
جمعتُ شجاعتي وقررتُ أن أقترب من مصدر الصوت… كان يأتي من المطبخ.
دخلتُ المطبخ ويدي على قلبي، فتحتُ الباب بهدوءٍ شديد، كأنّ الهواء نفسه قد تجمّد.
وفجأة… تجمّدت أنفاسي. دمٌ غزير يغطي أرض المطبخ!
تراجعتُ بخوف، والتصقتُ بالجدار بقوة.
وفجأةً، انطفأت الأنوار. شهقتُ من الرعب، وشعرتُ بيدٍ خشنة تطبق على فمي. أنفاسٌ ساخنة تتساقط على عنقي، وقلبي يكاد يتوقف. حاولتُ الصراخ… حاولتُ المقاومة… بلا جدوى. قبضتُ يداه القويتان على ذراعيّ وأحاطت بي بثباتٍ مخيف.
كان ملثّمًا، وجهه مغطّى بقناع، لم أرَ أي ملامح له.
وفي لحظةٍ صادمة، شعرتُ بشيءٍ باردٍ وحادٍ يجرح يدي بهدوء… شعرتُ بألمٍ حارقٍ كأنّ مسمارًا قد غُرِس تحت أظافري! قطرات دمٍ باردة سالت على جلدي، وهمس بصوتٍ مخيف في أذني:
ـ «جرحٌ بسيط… ليُذكّركِ بـ F.»
قبل أن أستوعب كلماته، شعرتُ بوخزة إبرة في عنقي… مخدّر.
وعندما فتحتُ عيني، وجدتُ نفسي ممدّدة على سريري!
تجمّدت. كيف وصلتُ إلى غرفتي؟ هل كان كل ما رأيته حلمًا؟
قفزتُ من السرير وركضتُ نحو المطبخ… كان فارغًا. لا دماء، لا أثر لشيء!
ركضتُ إلى غرفة أختي، وجدتها نائمة بسلام، وأمي كذلك. أمّا والدي فكان مسافرًا منذ أسبوع.
عدتُ إلى غرفتي مذعورة، نظرتُ إلى الساعة: الخامسة فجرًا.
وضعتُ يدي على رأسي محاولةً استيعاب ما يحدث… هل كنتُ أتوهّم؟
وفجأة تذكرتُ الجرح. رفعتُ كمّ بلوزتي، وإذا بيدي تنزف… وأثر الجرح واضح!
شعرتُ برعشة في جسدي. إذن ما حدث كان حقيقة…
يا رب، سأجنّ من هذا الرعب…
لم أخبر أحدًا بما حدث. بقيتُ أتمتم مع نفسي:
«من أنت أيها الـ F؟ ولماذا لا تدعني أرى وجهك؟ ما مصلحتك في إيذائي؟!»
العودة إلى الحاضر
قطع خيط ذكرياتي صوت هاتفي. فركتُ رأسي بألم وأنا أتمتم:
«انتقامي سيكون أقوى… وربّ اليسوع شاهِد عليّ.»
ضحكتُ ضحكة قصيرة، وأنا أخطّط لخطوة قادمة.
أمسكتُ هاتفي ورأيتُ رسالة من دانيال:
«ماتيلدا… ردّي بسرعة، ضروري!»
اتّسعت عيناي. ماذا حدث؟ حاولتُ الاتصال به… رنّ الهاتف طويلًا بلا إجابة.
غمرني القلق والخوف على دانيال، فهو آخر ما تبقّى لي.
أمضيتُ ساعاتٍ أتّصل، إلى أن أجاب في السابعة صباحًا. صرختُ متوترة:
ـ «بحقّ أمّنا العذراء، ماذا حدث؟!»
أجاب بصوتٍ مضطرب:
ـ «لم يحدث شيء… لا تقلقي.»
ـ «لا تكذب!»
ـ «لا أريد إخافتكِ… إن شاء الرب، ستعدّي على خير.»
ـ «تكلم يا دانيال، أقسم عليك!»
تنفّس بقهر وقال:
ـ «لورين… تعرّضت لحادث!»
شعرتُ بقلبي يرفرف كطائرٍ مذبوح. لورين ليست مجرد صديقة، بل أختي التي لم تلدها أمي. عشنا طفولتنا معًا، وقفنا جنبًا إلى جنب رغم كل المصائب.
ـ «بالله عليك… الحادث بسيط أم خطير؟ متى وقع؟!»
ـ «الليلة الماضية، عند منتصف الليل.»
ـ «ومن صدمها؟!»
ـ «شخص مجهول.»
ـ «هل بدأت الشرطة التحقيق؟»
ـ «ننتظر حتى تخرج من العملية أولًا… ثم يبدأ التحقيق.»
ـ «الحادث مقصود… أليس كذلك؟»
ـ «طبعًا، مئة بالمئة.»
ـ «أتشكّ في أحد؟»
ـ «أظنّ أن القاتل المجهول نفسه وراء ما حدث للورين. لا بدّ له يد في الأمر.»
أطبقتُ أصابعي بعصبية:
ـ «هذا نفس ما أفكّر به. لكن لماذا يؤذي صديقتي؟ مشكلته معي أنا!»
ـ «لا أعلم… لكن بالتأكيد هناك حقائق مخفية.»
تنفستُ بعمق وقلتُ بحزم:
ـ «أنا أنوي تنفيذ خطة… قريبًا سأخبرك، لكن ليس الآن. أخشى أن تتأذّى أنت أيضًا. عليّ أن أصمت في الوقت الحالي.»
ـ «ليحفظنا الرب… سأغلق الاتصال الآن.»
ـ «إذا استفاقت لورين، أخبرني فورًا. قلبي وروحي معها.»
ـ «من عينيّ.»
ـ «سَلِمَت.»
ـ «مع السلامة.»
أغلقتُ الهاتف وذهبتُ إلى الحمام. غسلتُ وجهي بماءٍ بارد، نظرتُ إلى المرآة… كابوس الليلة الماضية يلاحقني، وصوت القاتل يرنّ في أذني كخنجر:
«الرب سيأخذ روحكِ…»
أغلقتُ الصنبور ودخلتُ المطبخ. أخرجتُ الحليب من الثلاجة ووضعته على النار ليغلي.
جلستُ على الكرسي أراقب اللهب… وفجأةً خُيّل إليّ أنّ النار تتصاعد وتلتهم كل شيء. المطبخ يحترق، يدي تحترق، جسدي كله يشتعل! صرختُ بألمٍ يمزّق القلب وأنا أطلب النجدة…
فركتُ عينيّ بقوة، لأستفيق على الحقيقة: كل شيء طبيعي. الحليب يغلي بهدوء على النار.
جلستُ مذهولةً… هل بدأتُ أتوهّم؟!
تنهّدتُ بعمق، وفي تلك اللحظة استيقظت كاردينيا. حاولتُ تجنّب أسئلتها حتى لا تشعر بشيءٍ غريب. أعددتُ لها الفطور بسرعة، شربتُ قهوتي، وبدّلت ملابسي.
استقللتُ سيارة أجرة متجهة إلى الشركة.
دخلتُ مكتبي وجلستُ على الكرسي، وضعتُ يدي تحت ذقني، شاردة الذهن. رفعتُ رأسي نحو السقف وغرقتُ في التفكير.
وفجأة، شعرتُ بصوتٍ قريب جدًا من أذني يهمس:
ـ «شرستِي؟»
قفزتُ بفزعٍ حتّى اهتزّ المكتب من حولي، وصرختُ من أعماقي:
ـ «ليأخذك الربّ!»
____
نمارق رحيم✍️🏻
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!