الفصل 8 | من 44 فصل

رواية شخوص متداخلة الفصل الثامن 8 - بقلم .

المشاهدات
23
كلمة
2,129
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

ابتسم بخفوت قائلًا: مقبولٌ كُلُّ شيءٍ منكِ.
رمشتُ بعيني في دهشة وقلتُ له بارتباك:
–لقد أرعبتني حقًا! لا أعلم من أين تظهر فجأة، وكلّ حينٍ تهمس في أذني بنبرةٍ شرسةٍ وقويّة... اللّه يأخذك ويأخذني معك! لم تبقَ لي قوّة بعدكَ، لقد أفقدتني صوابي!

استوعبتُ الموقف متأخرةً، فتراجعتُ خطوةً إلى الوراء وقلتُ بانفعال:
–أخرج من هنا، رجاءً!
وضع يديه على صدره متحديًا وقال:
–قولي لي، لِمَ أنتِ منزعجة؟
–دون سبب.
ضحك بخفةٍ وقال:
–يا فتاة، سأُحرِق الشركة على رأس كلّ من يزعجكِ.
نظرتُ إليه بحدّةٍ وقلتُ ساخرة:
–حسنًا.

تقدّم نحوي بخطواتٍ ثابتة حتى صار قريبًا جدًّا، قربٌ أربكني وجعل الكلمات تتبخر من فمي والحروف تتبعثر.
–وما شراستكِ كلُّها إلّا قناعٌ تخفين به قلبًا هشًّا لا حدود لهشاشته.

صمتُّ، أحدّق في عينيه بلا قدرةٍ على الرد. لا أعلم لماذا يخنقني الصمت كلّما اقترب منّي، يتبعثر كلامي وأبدو كمن يتلعثم.

–هل تعلمين شيئًا؟
-ماذا؟
-أنتِ ألطفُ كائنٍ شرسٍ قد ألتقيه يومًا.
أجبتُ بحرج:
–جيّد.
ضحك على ردي الطفولي، ثمّ تقدّم خطوةً أخرى. قلتُ متوتّرة:
–إبراهيم، ألسنا اتّفقنا على أن نكون أصدقاء؟
–وهل خالفتُ؟
–لا تتقرّب منّي... ما كان اتفاقنا؟
– أيّ اتفاق؟
نظرتُ إليه بحدّة
–إن لم تخرج...
–ماذا ستفعلين؟
صمتُّ أبحث عن كلماتٍ تتطاير كالدخان.
–مستفِزّ!
همس قريبًا من أذني:
–ممم... قلتِ إنّكِ فقدتِ صوابكِ بسببي؟
–إبراهيم، أخرج فورًا!
–وأفقدتُ عقلَكِ كما تقول أختُكِ؟
–هذا يكفي! أخرج حالًا!
ابتسم بخبث:
–ولِمَ يخفق قلبكِ بهذه القوّة إذًا؟
وضعتُ يدي على صدري متفاجئةً، صدقًا كان قلبي يخفق كأنّي كنتُ أركض أو أحارب... والتفتُّ إليه مصدومة.
–سأخرج، لكن تذكّري، التفكير المفرط ليس جيّدًا لأنثى قويّة مثلكِ، قد يسبّب لكِ شللًا حقيقيًّا.
–شكرًا على المعلومة يا مديرنا الفيلسوف.
ضحك على المفردة، وقال:
–هل تشعرين أحيانًا أنّ رأسكِ يعمل مثل أسطوانةٍ قديمة، أو كجهاز راديو لا يتوقّف عن الدوران؟ أفكارٌ تلتفّ حول نفسها بلا توقّف، لا تستطيعين تجاوزها أو الهرب منها؟
أومأت برأسي بخجل:
–نعم، صحيح.
–وتشعرين أنّ عقلكِ لا يتوقّف عن التفكير حتّى أثناء النوم، فتستيقظين مرهقة وكأنّكِ لم تنامي أصلًا؟
–إي.
–إذًا، أنتِ تعانين ممّا نسمّيه "مرض التفكير المفرط". لأنّكِ دائمة القلق، تكرّرين لنفسكِ أخطاء الماضي، تطرحين على نفسكِ دائمًا أسئلة "ماذا لو؟"، وتمضين وقتًا طويلًا تفكّرين في أحداثٍ مضت أو تقلقين بشأن مستقبلٍ لم يأتِ بعد، لدرجة أنّكِ تنسين اللحظة التي تعيشينها الآن.

صمتُّ، مصدّقةً كلّ حرف.
–لديك الحلّ؟
–لكلّ داءٍ دواء... يا شرستي.
ابتسمتُ رغمًا عنّي حين نطق لقبي بدأ يكون المُفضّل لدي. قال وهو يجلس على طرف المكتب كطبيبٍ يحاضر: "هذا المرض يجعل الإنسان يبالغ في تحليل كلّ ما حوله، حتّى يشعر أحيانًا أنّ رأسه سينفجر من كثرة الأفكار. قد يفوّت أحداثًا من حوله، ويغرق في البحث عن معنى أعمق لكلّ فكرة تراوده، فيشعر أنّه على وشك الجنون... مع أنّكِ أصلًا لديكِ خيطُ جنونٍ صغير.
–حقًا! سأغادر!
–دعيني أكمل يا فتاة.
ضحكتُ وأنا أضرب كتفه:
–أسرع، قبل أن أغيّر رأيي.
–حسنًا، عادةً ما تؤدي كثرة التفكير إلى نوعٍ من التفكير السلبي، يُسمّى بالأفكار المتداخلة، تدفع الشخص للشعور بالمشاعر السيئة والانزلاق نحو القلق والاجترار والهوس.
ضحكتُ وقلت:
–مدير وضابط وطبيب!
– رأيتِ؟ ما شاء الله عليّ أخاف أن تحسديني، ماذا أفعل إذا كنت بهذا الذكاء.
-يحفظك الله يا هذا، حسنًا أُكمل، أريد الحل من فضلك.
-الآن أعطيكِ الحلّ، لكن لاحقًا، تابعي عملكِ يا صديقتي، وإن احتجتِ شيئًا، تعالي إلى مكتبي.
ابتسمتُ:
–تمام، يا صديقي.
غمز لي وخرج.
جلستُ على الكرسي أُسند رأسي إلى المكتب بين الأوراق والملفّات، أحسستُ أنّ رأسي سينفجر. دقائق قليلة مرّت قبل أن يُطرق الباب.
–تفضّل؟
دخلت العاملة تحمل كوب قهوة، وقالت:
–هذا من حضرة المدير.
وضعتْه على المكتب، فشكرتُها وخرجت. مددتُ يدي إلى الكوب، فرأيتُ عليه لاصقةً بيضاء. فتحتُها، كُتب فيها: "التفكير ليس جيّدًا لأنثى قويّة. اشربي القهوة وابتسمي.

ضحكتُ بخفوت، شربت القهوة والورقة بيدي، شعرتُ أنّي كنتُ بحاجةٍ إلى هذه اللّحظة فعلًا. استعدتُ مزاجي، وعدتُ إلى عملي بروحٍ أخفّ.

لم أستطع أن أركّز في عملي، كان ذهني مشوَّشًا تمامًا. الحُلم الذي رأيتُه لا يزال عالقًا في رأسي، والذكريات القديمة تتسلّل إلى قلبي بلا استئذان، وأفكاري لا تتوقّف عن الدوران. أسئلة كثيرة راحت تراودني حول ذلك المجرم، فتذكّرت أنّني لم أفتح الموضوع أبدًا منذ ليلة الجريمة. لماذا لم أسأل؟ هل كان نسيانًا... أم غباءً منّي؟

تناولتُ هاتفي على عجل، واتّصلت بدانيال.
–هلا بالبعيدة القريبة، كيف حالك؟
ابتسمتُ رغم توتّري:
–بخير، وأنت؟
–بخير إذا كنتِ بخير.
–كيف أصبحت لورين؟
تنفّس بعمق وقال:
–خرجت من العمليّة، الحمدُ للرب.
زفرتُ بارتياح:
–رحمة الرب واسعة حقًا يا إلهي لك الحمد، لورين لم تؤذِ أحدًا في حياتها، وقلبها طيّب. الله يلعن من كان السبب في دخولها غرفة العمليّات!
قال بنبرة حزينة:
–ماتيلدا... الحادث أثّر عليها كثيرًا. ضغطها العصبي ارتفع، وفقدت القدرة على الكلام!
شهقتُ، ووضعتُ يدي على فمي مصدومة:
–ماذا؟! يعني... لن تستطيع الكلام؟ بحقّ العذراء، لا تقل ذلك!
–للأسف، لكن الطبيب قال إنّ فقدان النطق ليس دائمًا. هناك احتمال تسعين بالمئة أن يعود كلامها خلال أشهر.
–وماذا قال الطبيب أيضًا عن حالتها؟
–قال إنّ فقدان النطق النفسي يحدث عادةً بعد التعرّض لصدمةٍ شديدة أو ضغطٍ عصبي هائل، كحادثٍ مفجع لا يستطيع المصاب التعامل معه. لورين لم تصب بفقدان النطق بسبب الحادث فقط، بل بسبب صدمة قويّة جعلتها عاجزة عن الكلام. أحيانًا المصاب لا يتذكّر الموقف، أو لا يستطيع مواجهته، فيتوقّف عن الكلام، ويجد صعوبةً حتى في التفكير بالكلمات المناسبة. بل قد تصل الصدمة إلى حدّ أنّه لا يعي ما حوله، رغم أنّه مستيقظ!
– مؤسف.. الرب يعلم ما الذي سمعتْه.
–نعم، إلى درجةٍ لم تتحمّل معها الصدمة، ففقدت النطق.
أخذتُ نفسًا عميقًا وردّدتُ بغيظٍ مكتوم:
–الله يأخذ مَن كان السبب.
–آمين.
–انتبه عليها جيّدًا، لا تتركها، هي بحاجة إليك الآن.
–هذا مؤكد، وانتبهِي على نفسكِ أنتِ أيضًا.

أنهيتُ المكالمة، ثم التفتُّ نحو الباب. وقعتْ عيناي على الأرض، فلاحظتُ حذاءً رجاليًّا، كأنّ أحدهم واقف خلف الباب يتسمّع!
وضعتُ الهاتف بصمت، ومشيتُ بخفّة، ثم فتحت الباب بعصبيّة وأنا مستعدّة لأن أوبّخ المتسمّع. لكنّني صُدمت... لم يكن هناك أحد!
الموظّفون في أماكنهم، والهدوء يسود المكتب. أغلقتُ الباب وعدتُ إلى مكاني، وقلبي يصرخ: أنا متأكّدة أنّني رأيتُ أحدهم! هل أتوهّم؟ هل بدأتُ أتخيّل؟ فركتُ رأسي بألمٍ شديد. "يا ربّ، أريد أن أرتاح ولو يومًا واحدًا فقط... مصائبي كثرت، وقلبي لم يعد يحتمل أكثر. الماضي وما رأيته يطاردني بلا رحمة." عند الثانية عشرة ظهرًا انتهى الدوام. رتّبتُ المكتب وخرجت بلا كلمة، ثم عدت إلى الشقّة. أرتميت على السرير ونمت.

مع العصر استيقظتُ، جسدي منهك، وصداعٌ عنيف يطرق رأسي. دقائق فقط وبدأ الغثيان يجتاحني، فركضتُ إلى الحمّام وتقيّأت. قلقت كاردينيا عليّ وقدّمت لي منشفة: زهرتي، سلامتكِ! أمس كم كنتِ مليئة بالطاقة الإيجابية، ماذا بكِ اليوم؟ هل سمعتِ شيئًا أزعجك؟

هززتُ رأسي نافيةً، لم أُخبرها عن حادث لورين. أعرف كم تحبّها، ولا أريد أن ينكسر قلبها.
–إذًا ما سبب تقيؤك؟
–لا أعلم.
–ماذا أكلتِ اليوم؟
–لم آكل شيئًا، فقط شربتُ قهوة في الشركة لأركّز، وبعدها شعرتُ بالدوار والغثيان.

–تمدّدي واستريحي، لا تتعبي نفسك. إذا احتجتِ شيئًا أخبريني.
–لا، أنتِ مريضة أيضًا. اتركيني، باللّيل سأكون بخير إذا ارتحت قليلًا.
–إن شاء الله.

نمتُ ساعة، وحين استيقظت رفعتُ شعري ولملمت الأوراق والملفّات لأشغل نفسي.
لكن غصبًا عنّي كنتُ أفكّر. حلمتُ كثيرًا لو أنّ يومًا واحدًا يمرّ بلا توتر أو قلق. أفكّر في أبسط الأمور حتى يُصيبني الصداع!

قلبي يحترق على صديقتي: "يا ربّ، لا تفجعني بها، هي مثل أختي، احفظها من كلّ أذى."

تذكّرتُ كلام دانيال حين سألته: متى وقع الحادث؟ قال: "في الثانية عشرة بعد منتصف اللّيل."

دائمًا الجرائم تقع في هذا الوقت... بعد منتصف اللّيل! لكن لماذا؟ حاولتُ أن أركّز وأربط الأحداث ببعضها. لقد شهدتُ على تسع جرائم قتل، كلّ جريمة تختلف عن الأخرى بطريقة القتل، ولكنها تتشابه في توقيتها! زفرتُ بتعب، وفي النهاية استسلمتُ للنوم.

                      ******

مضى أسبوعٌ كامل على نفس الروتين:
من الشقّة إلى الشركة، والاطمئنان على لورين من خلال دانيال، الذي يقول إنّ حالتها تتحسّن تدريجيًّا، وإن كانت نفسيّتها متأزّمة قليلًا. أمّا إبراهيم، فلا تنزل عيناه عنّي. أشعر دائمًا بنظراته، وحين أخزره يبتسم ويقول مازحًا:
"حتّى النظرات حرام؟"

إذا رآني منهمكة في العمل، أرسل إليّ قطعة كيك أو كوب عصير مع بطاقة تحمل كلمات لطيفة. اهتمامه بيّ أصبح يزداد يومًا بعد يوم، حتّى صرتُ لا أنزعج منه كما كنت، بل أحببتُ اكتراثه. والمفاجأة الأكبر أنّني أحببتُ حتّى نظرات عينيه إليّ! لم أتوقّع أنّ مشاعري ستنقلب فجأة من الكره إلى القبول بل وربّما أكثر من ذلك.

____
نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...