الفصل 18 | من 44 فصل

رواية شخوص متداخلة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم .

المشاهدات
19
كلمة
4,064
وقت القراءة
21 د
التقدم في الرواية 41%
حجم الخط: 18

دفعتُ يده بعيدًا عني وقلتُ باستغراب:
"أأنتَ مخمور منذ الصباح؟"

ابتسم وقال: أُحبّكِ أنتِ، ولا أحد سواكِ.

فجأة التفت خلفه وتجمّد في مكانه، كأن شيئًا أفزعه. رأيتُ يده ترتجف وهو يفرك أصابعه بعصبية. دفعته جانبًا لأرى ما أثار رعبه، فصُدمت برجل يركض نحونا وهو يصرخ:"فعلتها يا كلب!"

قشعر بدني. وقفتُ مذهولة أحاول استيعاب ما يحدث. بدا أنني أعرف ذاك القادم… أو على الأقل رأيته من قبل. لم تمضِ ثوانٍ حتى وصل وهجم عليه بضربات متتالية، لكماتٌ قوية جعلت أنف حسن ينفجر دمًا. واحدة تلو الأخرى، دون توقف… وكأنّه يحمل ثأرًا دفينًا.

تراجعتُ خطوتين مبتعدة، ووقع العصير من يدي. وحين حاول حسن الهرب، أمسكه الرجل من قميصه وصاح: "ستموت على يدي كما مات قتيبة… يا حسن!"

اتسعت عيناي صدمة. هو الضابط حسن؟ الذي رأيته في مركز الشرطة! إذًا من يكون هذا الذي ينهال عليه ضربًا؟ ضيّقت عيني أحاول تذكّر ملامحه… ثم صفعتُ جبيني فجأة. إنه ذاك الغريب الذي رأيته في المطعم واختفى فجأة! لكن لماذا ظهر الآن؟ ولماذا يلاحقني؟ وما سرّ هذا العداء بينه وبين حسن؟ قاطعتُ دوامة أفكاري وهمست لنفسي: "لورين… اهربي الآن، هذه فرصتك."

سرتُ بخطوات متخفّية حتى أصبحتُ خلفهما. فتحتُ باب سيارتي، دخلت بسرعة، وأغلقت الباب بينما أنفاسي تتلاحق. شغّلت المحرك وانطلقت.

وضعتُ كفًّا على خدي والأخرى على المقود، عيناي على الطريق وذهني غارق بما حدث.
بحق المسيح… من أين خرج هذا الرجل؟ ماذا يريد؟
لم أؤذِ أحدًا في حياتي، ومع ذلك تتساقط المصائب فوق رأسي كأنها تتنافس في شدّتها.

أحدهم يعترف لي بحبّه وهو لا يعرفني إلا مرة واحدة، والثاني غريب الأطوار يهجم عليه كأنه يريد قتله، وحسن… لم يدافع عن نفسه! وقف يتلقى الضرب بلا مقاومة.

أعدتُ كلمات الرجل في رأسي:
"سأقتلك مثلما مات قتيبة."

ارتجفتُ.
يعرفني… ويعرف F… ولا يكذب.
إذًا… من قتل قتيبة؟

ضغطت على البوق بحدة. رأيت في المرآة أن عينَي صارتا حمراوين من الغضب والخوف. أخذت نفسًا عميقًا محاولَة تهدئة نفسي، وردّدت الآيات التي أتمتم بها كلما ضاق صدري:

"ليستجب لكَ الربّ في يوم الضيق…"
"لأنه يخبئني في مظلّته…"
"لا تخف لأني معك…"
"ادعُني في وقت الضيق…"
"إن كان الله معنا فمن علينا."

ظللتُ أكررها حتى هدأ نفسي قليلًا. شربتُ رشفة ماء ورطّبت شفتي، ثم واصلت القيادة مبتعدة عن المنطقة قدر ما استطعت.

كنتُ في حيرة:
أأذهب إلى العمل… أم أعود إلى البيت؟
وبعد تردد، اخترت العودة. ربما يعرفون موقع عملي… وقد يتبعونني إن ذهبت.

انعطفت إلى طريقٍ فارغ لأتمكن من التفكير.
إلى متى تبقى حياتنا لعبة بأيدي هؤلاء الأنذال؟
متى نحيا بسلام كبقية البشر؟

دوّى صوت أبواق خلفي. نظرت في المرآة، فإذا بسيارته خلفي… الشخص نفسه الذي رأيته في المطعم.

يا إلهي…
أي صباح أسود هذا؟
ماذا يريد مني؟ ولماذا يلاحقني؟

زاد سرعته، وأخذ يضغط على البوق بلا توقف. خفت أن يصدم سيارتي.
كل شيء متوقع… طالما أن F غدر بي سابقًا.

لكن فجأة سألت نفسي:
"مِمَّ أخاف؟ ليقترب… سأجعله يندم."

أوقفت السيارة جانبًا وصعدت بها فوق الرصيف قليلًا، ثم نظرت إليه من الزجاج الأمامي وهو يركن خلفي وينزل. وضعتُ ما أحتاجه لحماية نفسي في جيبي، وخرجت من سيارتي بعد أن أبقيت الباب مفتوحًا خلفي.

اقترب مني بخطوات ثابتة… وقفتُ أمامه بثبات، قلت:
"هل يمكن أن أعرف لماذا تلاحقني؟"

ابتسم وقال ببرود:
"لسواد عينيكِ."

ضربت جبهتي بغيظ.
"كم أنت مستفز. سألتك سؤالًا واضحًا، وأتمنى أن تجيب كإنسان طبيعي… هذا إن كنت إنسانًا أصلًا."

عقد حاجبيه، قبض يده، ثم مرّر كفّه على شاربه بخفة وقال مبتسمًا متحديًا غضبي:
"لورين… من أي شيء خُلِقتِ؟"

أجبته باقتضاب:
"من طين… مثلما خُلِقت أمّك وأختك يا عزيزي."

ابتسم، غير مكترث بإهانتي. ركّز فقط على آخر كلمة، ثم هز رأسه وقال واضعًا يده على صدره:
"يا لروعة ما قلتِ… يا عيون عزيزِك."

عقدتُ حاجبي:
"هل أنت مخبول حقًا؟"

— "نعم."
— "جميل… صريح على الأقل."
— "أنا في خدمتك."
— "اغرب عن وجهي قبل أن أنهي نسلك."

ضحك غير مبالٍ، وقال بصوت واثق:
"هههههه… وربّ المسيح، أفديكِ أنا."

التفتُّ بصمت لأصعد إلى سيارتي، لكنّه قبض على يدي وقال:
"لحظة يا لورين… لنتفاهم."

نظرتُ إلى يده الممسكة بي، ثم رفعتُ رأسي وحدّقت فيه بحدة:
"ارفع يدك."

— "لورين… أعطيني فرصة فقط."
— "ارفعها أولًا، وإلّا فقأتُ عينيك بيدي."

سحب يده مضطربًا وقال:
"حسنًا… سحبتها. فقط أريد أن أتحدث معك وأشرح لك—"

لم أمهله. ما إن أبعد يده حتى أخرجتُ بخاخ الفلفل من جيبي ورششته مباشرة في عينيه، ثم ركضت مبتعدة.
ارتفع صراخه يسبّ ويلعن:
"أيتها كلبة… آه عيناي…!"

ضحكت ودخلت سيارتي وأغلقت الباب بإحكام. قبّلت البخاخ قبلة مبالغًا فيها كأنه كنز، ووضعته بجانبي على المقعد، ثم ناديت من خلف الزجاج وهو يقف يفرك عينيه:

"في المرة القادمة، اسأل أختك الجميلة من أي طين خُلِقت… ولا تتدخل في حياة غيرك. وإن بقيت تراقبني، سأبلغ الشرطة بنفسي يا عزيزي."

صرخ وهو يتلوّى:
"سأجعلكِ تعرفين كيف أصل إليكِ… أقسم!"

أجبته بحدة:
"اصمت! كفّ عن الكلام… وإلّا سحقْتُ رأسك بالسيارة."

ولم أسمح له بإتمام جملته، شغّلتُ السيارة وانطلقت مسرعة تاركة إيّاه خلفي.

---

عُدتُ إلى المنزل ورويتُ لأمي كلّ ما حدث. شهقت وضربت على صدرها خوفًا:
"لا نعرف ما الذنب الذي اقترفناه لنُبتلى بهذا الشكل… يا رب رحمتك!"

— "أمي… ماذا نفعل الآن؟ أنا تائهة."
— "اتصلي بدايانل."
— "مستحيل. لن أتصل."
— "ولِمَ لا؟"
— "أمي… المسكين ابتُلي بنا أنا وماتيلدا بما فيه الكفاية. إن تدخّل الآن سيُنهي أولئك حياته."

صمتت والدتي لحظات، ثم قالت بثقة غريبة:
"اتصلي… وسأتكفّل أنا بالباقي."

— "وما الذي تنوين فعله يا أمي؟"
— "لديّ خطة."
— "خطة؟ أيّ خطة؟"
— "سأشرحها عندما يكون هنا."
— "حسنًا… كما تريدين."

---

تركيا – إسطنبول

ماتيلدا

في اليوم التالي بعد ما حدث، ذهبت إلى الشركة كعادتي. وقبل انتهاء الدوام بقليل شعرتُ بالغثيان يعود مجددًا، فأخذت إجازة عاجلة وعدتُ إلى الشقة. شربتُ مُسكّنًا وعصير ليمون ليهدئ معدتي، ثم شممتُ القليل من النعناع وغليته لاحقًا وشربت كوبًا منه، فشعرتُ أن جسدي يهدأ تدريجيًا.

لكن ما أثار دهشتي أنّ إبراهيم لم يتصل بي طوال اليوم… ولم يزر الشركة أصلًا.
فكرت أن أتصل به، ثم هززت رأسي: لا… الأفضل أن يتصل هو.

تمدّدت على السرير، وكانت كاردينيا تجلس بجانبي، تسأل كل دقيقة:
"هل أصنع لكِ شيئًا لتشربيه؟"

— "لا… لو احتجتُ شيئًا سأخبركِ، لستُ خجولة."

كاردينيا رمقتها بضيق:
"لماذا تهملين صحتك؟ عليكِ زيارة الطبيب. معدتك تؤلمك كل فترة، ورأسك يصدع يوميًا!"

— "لا شيء بي."
— "اسكتي… ثم تمرضين لاحقًا."
— "أطفئي الضوء فقط… دعيني أنام."

قالت بسخرية:
"وهل النوم حلّ لكل شيء؟"

— "بالضبط."

تنهدت وقالت:
"سأتصل بإبراهيم وأخبره."

صرخت:
"لا! ممنوع، لا أريده أن يعرف."

— "ولِمَ؟"
— "إن كان يفكر بي… فليتصل هو."
— "وإن لم يتصل؟"

هززت رأسي بتعب:
"لا أدري."

ابتسمت كاردينيا بحنان:
"الربّ كريم… حسناً نامي. سأكون في الصالة، نادي إن احتجتِ شيئًا."

— "حسنات في ميزانك."
— "ههههه… سأجمع حسنات على حسابك!"
— "يا ذيبة!"
— "وأنتِ الأصل."

ضحكت ثم خرجت وأطفأت الضوء.

لم أكَد أغفو حتى رنّ هاتفي. نظرتُ فكان إبراهيم. أجبت بنعاس:

"خير؟ حدث شيء؟"

إبراهيم، بنبرة عاتب:
"أولًا… السلام عليكم."

— "وعليكم السلام."

"يقولون خرجتِ من الشركة قبل انتهاء الدوام… دون إذن."

— "صحيح."

"والسبب؟"

صمتُّ بضيق؛ الآن فقط تذكّر أن يتصل ويسأل؟

نظرْت إلى الساعة: الثانية عشرة.

— "إبراهيم، أنا متعبة كثيرًا. سأتحدث معك لاحقًا، أريد النوم."

سمعته يتنهد:
"سلامتكِ من التعب… هذا هو الجواب الذي أريده. بالك على نفسك يا حبيبتي."

— "بإذن الرب."
— "مع السلامة."
— "الرب معك."

صلّيت أنا وكاردينيا، ثم نمت قليلًا واستيقظت الثالثة عصرًا. تناولتُ زبادي وتفاحًا، فلم أكن أشتهي الكثير، وشربت عصير البرتقال. أعدّت كاردينيا فطائر الجبن، فأخذتُ واحدة وقلت:
"عاشت يداكِ… طعمها رائع."

ضحكت وقالت:
"شيف فلويد كاردوز، أليس كذلك؟"
"بل أنتِ أفضل منه."

"الطريقة سرّ مهني… لا أسلّمها لأحد!"

ضحكنا معًا، ثم توضأت ودخلت غرفتي لأصلّي صلاة التاسعة الإنجيلية بخشوع، أتلو كلماتها بطمأنينة:

"فَلَكَ أَذْبَحُ ذَبِيحَةَ حَمْدٍ، وَبِاسْمِ الرَّبِّ أَدْعُو. أُوفِي نُذُورِي لِلرَّبِّ مُقَابِلَ شَعْبِهِ، فِي دِيَارِ بَيْتِ الرَّبِّ، فِي وَسَطِكِ يَا أُورُشَلِيمُ. هَلِّلُويَا"[56].
"هَلِّلُويَا. طُوبَى لِلرَّجُلِ الْمُتَّقِي الرَّبَّ، الْمَسْرُورِ جِدًّا بِوَصَايَاهُ. نَسْلُهُ يَكُونُ قَوِيًّا فِي الأَرْضِ. جِيلُ الْمُسْتَقِيمِينَ يُبَارَكُ. رَغْدٌ وَغِنًى فِي بَيْتِهِ، وَبِرُّهُ قَائِمٌ إِلَى الأَبَدِ. نُورٌ أَشْرَقَ فِي الظُّلْمَةِ لِلْمُسْتَقِيمِينَ. هُوَ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ وَصِدِّيقٌ"[57].

"مَنْ مِثْلُ الرَّبِّ إِلهِنَا السَّاكِنِ فِي الأَعَالِي؟ النَّاظِرِ الأَسَافِلَ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ"[58]. ونصوص مثل: "لَيْسَ لَنَا يَا رَبُّ لَيْسَ لَنَا، لكِنْ لاسْمِكَ أَعْطِ مَجْدًا، مِنْ أَجْلِ رَحْمَتِكَ مِنْ أَجْلِ أَمَانَتِكَ. لِمَاذَا يَقُولُ الأُمَمُ: «أَيْنَ هُوَ إِلهُهُمْ؟ ». إِنَّ إِلهَنَا فِي السَّمَاءِ. كُلَّمَا شَاءَ صَنَعَ. أَصْنَامُهُمْ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ، عَمَلُ أَيْدِي النَّاسِ. لَهَا أَفْوَاهٌ وَلاَ تَتَكَلَّمُ. لَهَا أَعْيُنٌ وَلاَ تُبْصِرُ. لَهَا آذَانٌ وَلاَ تَسْمَعُ. لَهَا مَنَاخِرُ وَلاَ تَشُمُّ. لَهَا أَيْدٍ وَلاَ تَلْمِسُ. لَهَا أَرْجُلٌ وَلاَ تَمْشِي، وَلاَ تَنْطِقُ بِحَنَاجِرِهَا. مِثْلَهَا يَكُونُ صَانِعُوهَا، بَلْ كُلُّ مَنْ يَتَّكِلُ عَلَيْهَا. يَا إِسْرَائِيلُ، اتَّكِلْ عَلَى الرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. يَا بَيْتَ هَارُونَ، اتَّكِلُوا عَلَى الرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. يَا مُتَّقِي الرَّبِّ، اتَّكِلُوا عَلَى الرَّبِّ. هُوَ مُعِينُهُمْ وَمِجَنُّهُمْ. الرَّبُّ قَدْ ذَكَرَنَا فَيُبَارِكُ. يُبَارِكُ بَيْتَ إِسْرَائِيلَ. يُبَارِكُ بَيْتَ هَارُونَ. يُبَارِكُ مُتَّقِي الرَّبِّ، الصِّغَارَ مَعَ الْكِبَارِ. لِيَزِدِ الرَّبُّ عَلَيْكُمْ، عَلَيْكُمْ وَعَلَى أَبْنَائِكُمْ. أَنْتُمْ مُبَارَكُونَ لِلرَّبِّ الصَّانِعِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ. السَّمَاوَاتُ سَمَاوَاتٌ لِلرَّبِّ، أَمَّا الأَرْضُ فَأَعْطَاهَا لِبَنِي آدَمَ. لَيْسَ الأَمْوَاتُ يُسَبِّحُونَ الرَّبَّ، وَلاَ مَنْ يَنْحَدِرُ إِلَى أَرْضِ السُّكُوتِ. أَمَّا نَحْنُ فَنُبَارِكُ الرَّبَّ مِنَ الآنَ وَإِلَى الدَّهْرِ. هَلِّلُويَا"[59]. ولا يتسع المقام لكل النصوص، لذلك يمكن العودة لكتاب روحانية الصلاة الأجنبية[60].

                    *****

خرجتُ بالأوراق التي دوّنت فيها ما يجب عليّ إنجازه في عملي. وفي المساء اتّصل بي إبراهيم.
أجبتُه:
«مرحبًا…»
فقال بصوته الدافئ:
«حبيبتي… أنا بانتظاركِ في الحديقة، انزلي إليّ.»
سألته بدهشة: «هل حدث شيء؟»
قال: «لا… فقط اشتقتُ إليكِ.»
«هكذا فقط؟»
تنفّس وقال: «آه…»

صمتُّ لحظة متردّدة، ثم هززت رأسي موافقة وقلت: «حسنًا… دقائق وأنزل.»
أخبرتُ كاردينيا، وارتديت معطفي، وألقيت نظرة على الساعة: الثامنة مساءً. رتّبت شعري، وأغلقت باب الشقة خلفي وغادرت.

هبطت السلالم ومشيت في الشارع بهدوء. كالعادة، لم يكن هناك أحد، الجميع يلوذ ببيوته في هذا الوقت. لمحـتُ سيارة تمرّ بسرعة، ثم تابعت طريقي.

وجدته جالسًا على المصطبة. ما إن رآني حتى نهض وفتح ذراعيه كأنه يقول: تعالي لحضني.
كنتُ في شوقٍ شديد إليه، وفي حاجةٍ إلى هذا الحضن. ركضت نحوه وارتميت في ذراعيه.
بقينا متعانقَين دقائق طويلة، ثم أخذ بيدي وجلسنا على المقعد ذاته الذي اعتدنا أن نجلس فيه لنتحدّث ونبوح بما في داخلنا.

قال إبراهيم: «كيف حالكِ يا روحي؟»
هززت رأسي بصوت خافت: «بخير…» دون أن أنطق بكلمة أخرى.
أمسك يدي ونظر إليّ قائلًا: «أنا آسف.»
سألته: «وعلى ماذا؟»
قال: «أولًا… عمّا حدث أمس. وثانيًا… عمّا جرى اليوم. صدّقيني، كنتُ مشغولًا بصفقة مهمّة، ولم أستطع التحدّث إليكِ صباحًا في الشركة.»
قلت: «أمّا اعتذارك الثاني فمقبول… لكن الأول؟ على ماذا تعتذر؟ السبب ليس منك!»
تنهد وقال: «كان ينبغي ألا أترككِ وحدك.»
سألته: «أنت لا تعلم ما حدث، صحيح؟»
قال: «صحيح… لكن أختكِ أخبرتني بما يكفي.»

رفعت حاجبي وقلت: «وماذا قالت؟»
قال: «قالت إن رجلًا متطفّلًا تبِعكِ بعد خروجك من السينما، وجرح يدكِ، وسرق الساعة التي كنتِ ترتدينها، ثم هرب.»
قلت بخفوت: «آه… حسنًا.»

حمدتُ الله في سرّي… كاردينيا أنقذت الموقف وقدّمت له تفسيرًا مقنعًا.
لم أرغب أن أخبره بالحقيقة. لا أريد أن أغوص مجددًا في الماضي، ولا أن أجرّه إلى الخطر. أخشى عليه… أخشى أن يصيبه شيء بسبب المجرم.

وبينما كنت غارقة بين أفكاري، همس في أذني بصوتٍ جعل جسدي يقشعر:
«F؟»

ابتعدت بسرعة ونهضت، وقد غمرني الخوف والارتباك. نظرت إليه مصدومة: لماذا نطق هذا الحرف؟
تمتمتُ بصوت متقطّع: «ما بك يا إبراهيم؟»
نهض هو الآخر وقال: «ما بكِ أنتِ يا ماتيلدا؟ لقد نطقتُ حرفًا فقط… لم أقل يوم موتك!»
صرخت به: «إبراهيم، كفى… أرجوك اسكت!»
وضعت رأسي بين يديّ وأغمضت عينيّ.

اقترب مني وقال بقلق: «لماذا احمرّ وجهكِ هكذا؟»
لم أُجبه. بقيتُ صامتة.
«ماذا أخافكِ؟»
قلت بصوت مرتجف: «إبراهيم… من أين تعرف حرف F؟»
قال متعجبًا: «ماذا تقصدين؟ هل هو شخص؟»
صرخت: «ما الذي تعنيه؟»
قال وهو يشير أمامي: «قرأتُ الحرف على الجدار الذي أمامك.»
«ماذا؟!»

رفعتُ رأسي بسرعة ونظرتُ إلى الجدار…
ركضت نحوه، واتّسعت عيناي رعبًا.
كان مكتوبًا بخطٍ كبير، وباللون الأحمر: F
وتحته كلمة: الموت.

وضعتُ يديّ على رأسي، وصرت أتمتم بارتباكٍ يائس، ترتجف أعصابي حرقةً:
«لا… لا… لا!»

اقترب إبراهيم مني وقال بقلق:
«ما بكِ يا ماتيلدا؟ ماذا قرأتِ؟»

لم أجب، فتابع وهو يزداد اضطرابًا:
«ما بكِ يا عمري؟ ماذا حدث؟ إنه مجرّد حرف مكتوب على الجدار، لماذا اختنقتِ هكذا حين قرأتِه؟»

صمتُّ، ثم انهمرت دموعي على خديّ دون قدرة على كبحها. اتّسعت عيناه دهشة، واقترب بسرعة، ثم جذبني إلى حضنه بقوة وقال بصوتٍ مكسور:
«ماذا بأسك؟ لماذا تبكين؟»

همستُ وقلبي ينهار:
«إبراهيم… تعبت. تعبت كثيرًا. والرب يسوع يعلم أن قلبي على وشك أن يتوقّف. أصبحتُ ضعيفة… أنا التي كنتُ قوية، صرتُ هشّة، مُنهكة…»

شدّ عليّ بذراعيه وهو يقول بحدّة مؤلمة:
«من الذي قهركِ بهذا الشكل؟ من؟»

مسحت دموعي، وابتعدت عنه ببطء، أصلحت معطفي وقلت بصوتٍ خافت:
«انسَ الأمر… لا شيء.»

قال بإصرار:
«لماذا اختنقتِ؟ ولماذا بكيتِ؟»
قلت: «لأنني قرأت كلمة موت… وأنا أتحسّس من هذه الكلمة.»

نظر إليّ طويلًا ثم قال:
«من كلّ عقلكِ يا ماتيلدا؟ قولي الحقيقة.»
«ماذا أقول؟»
«ما الذي تخفينه؟»
«لا أخفي شيئًا.»
«متأكدة؟»
«نعم…»

تنهّد وقال:
«إذًا لماذا بكيتِ؟ لا بدّ أن هناك سببًا غير كلمة الموت.»
قلت: «كان… تفريغًا للطاقة. بكيت فقط.»

قال وهو غير مقتنع تمامًا:
«حسنًا… لن أضغط عليكِ. عودي الآن إلى الشقة وارتاحي. من عينيكِ المُحمَرَّتين يبدو أنكِ مرهقة. غدًا صباحًا نتحدث.»

«حسنًا… إن شاء الرب.»
«تصبحين على خير… واعتني بنفسكِ، واحذري.»
«وأنت أيضًا…»

عدتُ إلى الشقة، وتمددت فورًا على سريري. لم أجب كاردينيا حين سألتني عمّا حدث، اكتفيت بالصمت… ثم غرقت في النوم.

---

في اليوم التالي، وصلتُ إلى الشركة. طرقت طرقات خفيفة على باب مكتبي، فقلت:
«تفضل يا إبراهيم…»

دخل وهو يضحك وقال:
«وكيف عرفتِ أنه أنا؟»
ابتسمت: «أعرفك من طريقة طرقك للباب.»
غمز وقال: «جميل… جميل.»

قدّم لي كوب القهوة، جلست أمامه، ثم قال:
«والآن، قولي لي… ماذا بكِ؟»
قلت: «صدقني، لا شيء.»
«وماذا عن أمس؟»
«كانت لحظة ضعف.»
هز رأسه بعدم اقتناع: «لا أصدق.»

صمتُّ، فنهض وخرج ليباشر عمله.

انتهى الدوام عند الثانية عشرة ظهرًا. حملت حقيبتي وحين هممت بالمغادرة قال:
«أدعوكي للغداء.»

---

عدتُ إلى الشقة، اغتسلت، صلّيت، وأخبرت كاردينيا أن تبدّل ملابسها لتأتي معي.
ذهبنا إلى المطعم، طلب لنا الغداء، وتحدّثنا قليلًا. شعرت براحة… نسيت ما حدث، فقط لأنني سمعت كلماته ونبرة حبّه.

يومًا بعد يوم، كان حبّ إبراهيم يكبر داخلي. لا يمرّ يوم دون أن يتصل بي… أسمع صوته في الصباح أولًا، وأراه في المكتب أول الناس، وأختم يومي بكلماته وهمساته.

مرّت الأيام هادئة… شهر، ثم شهران، ثم ثلاثة. ودخلنا في الشهر الرابع.

                  *******

اليوم… يومي المشؤوم. أكثر الأيام التي أكرهها في السنة: يوم ولادتي.
أبريل.

أخبرني إبراهيم أنه سيقيم حفلة ميلاد لي، لكن قلبي لم يطمئن منذ عام 2006… لم يمرّ هذا اليوم بسلام. كلّ الجرائم الكبيرة تقع في هذا الشهر، خصوصًا في هذا اليوم تحديدًا… يوم ولادتي.

وهذا السؤال ينهشني: يا ترى ماذا سيحدث اليوم؟

يتبع...
____

نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...