الفصل 19 | من 44 فصل

رواية شخوص متداخلة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم .

المشاهدات
17
كلمة
1,789
وقت القراءة
9 د
التقدم في الرواية 43%
حجم الخط: 18

العراق - بغداد
يناير \ 2011

                       ********
استرجاع قصير

بعد أن أصرت أمي إصرارًا شديدًا على أن أتصل بدانيال، امتثلت لرغبتها أخيرًا. هاتفته وطلبت منه أن يأتي إلى منزلنا؛ إذ قالت إن لديها خطة وتريد أن يكون حاضرًا حين تشرحها.

لم يمضِ وقت طويل حتى وصل. جلس في الصالة وألقى عليّ نظرة متسائلة، وكأن عينيه تقولان: ما الأمر؟

اكتفيت بهز كتفيّ ورأسي علامة على جهلي بما تريد أمي قوله.

قالت أمي بهدوء: أخبري دانيال بما حدث معكِ اليوم، يا لورين.

تنهدت قليلًا ثم رويت له ما جرى بالتفصيل. ظل يحدق في وجهي طويلًا، وقد بدا الذهول واضحًا على ملامحه.

قال دانيال مستنكرًا: من أين ظهر هذا الفتى؟

أجبته: لا أعلم. في الحقيقة لا أعرف حتى اسمه.

أطرق دانيال لحظة ثم قال بمرارة: لقد أصبح الوضع يُرثى له. أتعلمين؟ كثيرًا ما يخطر في بالي أن أتصل بماتيلدا وأخبرها بكل شيء… لعل ضميري يرتاح.

ثم تنهد وأردف بصوت منخفض: لكن ما يمنعني هو أمي. أخشى عليها من ذلك الوغد. قد يقتلها بدم بارد. حتى لو هربنا وعشنا في مكان آخر، سيأتي ليلًا ويتسلل إلى البيت وينهي حياتها… أنا متأكد من ذلك. تمامًا كما فعل مع أبي موسى وزوجته حين قتلهما.

تمتمت بغضب: ليت الرب يأخذه.
قال دانيال: آمين. سنحتفل بموته أعوامًا طويلة.

ابتسمت بمرارة وقلت: سأقيم عرسًا كل يوم.

هز رأسه ساخرًا: هذا الرجل كالقطة ذات الأرواح السبع… لا يموت! أتذكرين حين أطلقت ماتيلدا القوية رصاصة في منتصف صدره؟ لا أحد يفهم كيف نجا.

قلت بامتعاض: ومنذ عام 2006 وهو يعبث بعقولنا. لم يترك فينا عقلًا سليمًا. يبدو أنه يستمتع بهذه اللعبة المقرفة.

                  **********

عودة إلى الماضي

ماتيلدا

بعد جريمة قتل صديقتي، صديقتي التي كانت قطعة من روحي، كان خبر موتها كالصاعقة التي حطمت قلبي. في ذلك اليوم فقدت صوابي، كدت أجنّ. أما المجرم، فقد بدأ يرسل إليّ رسائل قصيرة مليئة بالاستفزاز.

كتبت له غاضبة: إن كنت حقًا رجلًا، فواجهني يا حقير. لا ترتكب جرائمك متخفيًا ثم تهرب كالجبان.

جاءني رده سريعًا: حسنًا… أعلن أنوثتي إذن.

اشتعل الغضب في صدري وكتبت: لا تسخر بعينيك الوقحتين، أيها الوغد! ألا تخجل؟ أخبرني… ماذا تشعر وأنت تقتل روحًا لم تؤذك بشيء؟ قل لي: بماذا أساءت إليك لوجين حتى تقتلها؟ كانت صديقة عمري! أنهيت حياتها برصاصة! أقسم بالرب، إن كنت شجاعًا حقًا فتعال إلى البيت وسأقتلك بيدي.

لم يجبني. أنهى الاتصال واختفى أيامًا.
لكن كل يوم كنا نسمع خبرًا غريبًا، وكنا نكاد نجزم أن F هو وراءه؛ فلا أحد غيره قادر على تلك الأفعال. وفي إحدى الليالي، عند منتصف الليل تمامًا، سمعت حركة خفيفة في المطبخ.

ابتسمت ببرود وهمست: جاء أخيرًا.

فتحت الخزانة وأخرجت مسدس دانيال، وهو يعلم أنني أعرف مكانه. ارتديت معطفًا فوق ثياب نومي، ثم خرجت من الغرفة.
تظاهرت بأنني ذاهبة لأشرب ماء، خوفًا من أن يراني. أخفيت السلاح تحت المعطف ودخلت المطبخ. نظرت يمينًا ويسارًا… لكن المكان كان خاليًا.

أسرعت نحو الشرفة، فوجدت الباب مغلقًا.
صرخت باسمه… ولم يجب أحد.
أدركت حينها أنه اكتشف خطتي وغادر قبل أن أصل إليه.

مرت أيام بعد ذلك، وأنا أراقب الساعة كل ليلة حتى تدق الثانية عشرة، أمسك المسدس منتظرة ظهوره، لكنه اختفى تمامًا.
حتى تلك الليلة.
سمعت صوت حركة عند الباب الرئيسي. صفقت بيدي فرحًا، وأمسكت مسدسي بسرعة.

قلت في نفسي: هذه فرصتي… لن أفلتها.
وفجأة دوى ضحكه بصوت مرتفع.
اشتعل الغضب في داخلي. كنت أشعر باحتقار لا يوصف نحوه.

توقف قليلًا، ثم نظر إلى الباب، كأنه أدرك وجودي، فانطلق هاربًا.
ركضت خلفه دون تردد. كنت عازمة على قتله، بلا أي تراجع.
كان يركض بخطوات واثقة، كأن الأمر بالنسبة إليه مجرد لعبة مسلية.
أما أنا فكنت أركض خلفه بأقصى ما أملك من قوة.

كانت المنطقة شبه خالية. أدركت أن حياتي في خطر؛ فقد يستطيع قتلي بسهولة في هذا المكان الخالي. لكنه لم يفعل.

ظل يركض… وأنا ألاحقه وأصرخ: لقد قتلت عائلتي! قتلت أصدقائي وأحبائي! أخذت كل شيء جميل في حياتي! حطمت أحلامي ودفعتني إلى الغربة!
توقفت لحظة ألتقط أنفاسي، ثم تابعت بصوت تختلط فيه الكلمات بالبكاء: الليلة ستصعد روحك إلى السماء. أنت تستحق الموت! لا تستحق الحياة يا F. سأأخذ روحك كما أخذت أرواحهم. وأقسم بالكتاب المقدس… سيكون موتك على يد ماتيلدا!
توقف أخيرًا.

استدار نحوي، وعلى شفتيه ابتسامة غريبة، قال بهدوء: إنّها أسعد ليلة.

لم أتردد لحظة.
تجمعت في داخلي كل الذكريات السوداء، كل الألم، كل الجرائم التي ارتكبها.
صرخت بأعلى صوتي… وضغطت الزناد.
انطلقت الرصاصة واستقرت في صدره.

                   *********

العودة إلى الحاضر

قال دانيال: بعد ذلك اختفى ثلاثة أشهر. ظننا أنه مات. عادت حياتنا هادئة… وكدنا نصدق أننا تخلصنا منه للأبد.
ثم تنهد بمرارة وأضاف: لكن اتضح أن لديه سبع أرواح فعلًا.
وتابع: عندما اختُطف صديقي أنترانيك، عرفنا أن F هو الخاطف. توقعنا أن يقتله، لكن الشرطة لحقت به وأنقذته، بينما هرب F.
سألت بفضول: وأين يعيش أنترانيك الآن؟

قال دانيال: في السويد. غادر العراق بعد حادثة الخطف مباشرة. فقد تعرض لتعذيب شديد… بل واغتصبه ذلك الوحش. في اليوم التالي لعودته إلى المنزل، جمع أمتعته وسافر.

تنهدت بحزن: لا بد أنه تحطم تمامًا.
- ليحفظه الرب أينما كان.

ثم نظر إلى أمي وقال: يا عمتي، ألم تقولي إن لديك خطة؟ لماذا الصمت الآن؟
اعتدلت أمي في جلستها وقالت بهدوء: سنحرق سيارة لورين.
نظرنا إليها أنا ودانيال بدهشة، وصرخنا في وقت واحد: ماذا؟! لماذا؟
رفعت يدها قائلة: اهدآ أولًا، وسأشرح كل شيء.

قال دانيال: حسنًا، تفضلي.

قالت أمي: سنغادر المنزل ليلًا، ثم نحرق السيارة… وكأننا نحن الأربعة قد متنا: أنا، ولورين، وأنت، ووالدتك. سنفعل ذلك في منطقة يعرفنا أهلها حتى يشهدوا على الحادث. بعدها سنطلب من أبي إيثان، صديق زوجي رحمه الله، أن ينشر الخبر في كل مكان… حتى يصدق F أننا متنا.

ثم ختمت بلهجة حاسمة: وبعدها سنغادر العراق بلا شك.

تبادلنا أنا ودانيال النظرات بدهشة. لم تخطر هذه الفكرة في بال أي منا.
قال دانيال بعد تفكير: إن كانت هذه الخطة ستريحنا من F… فأنا مستعد لتنفيذها فورًا. لكن استخراج الجوازات وحجز الطيران سيستغرق وقتًا.

ثم أضاف: أستطيع الاتصال بأصدقائي في المطار. خلال ثلاثة أيام يمكننا إنهاء كل شيء.

سألته: ولكن إلى أين سنذهب؟
ابتسمت أمي وقالت: إلى تركيا، يا ابنتي.

لمعت عينا دانيال فورًا، وقال بفرح: أخيرًا سألتقي شمسي.
ضحكت وقلت: الحمد لله.

تنفسنا جميعًا بارتياح، وكأن شعاع أمل قد تسلل إلى قلوبنا.
قال دانيال بحماس: مجرد التفكير بأنني سأراها يجعل قلبي يطير. اشتقت إليها كثيرًا.
قلت مبتسمة: وأنا أكثر شوقًا… خاصة لكاردينيا.

ظل يردد بصوت خافت:  لك الحمد يا رب… لك الحمد دائمًا وأبدًا.

همست له: كيف تتخيل اللقاء؟
ابتسم وقال: لقاء عظيم بكل معنى الكلمة. منذ عامين لم ألتقِ صديقة روحي… صديقة طفولتي.

قلت: لعل الرب يجمعنا ببركة العذراء مريم.
- آمين يا لورين.

غادر دانيال بعد ذلك. بقيت أتحدث مع أمي قليلًا، ثم حل الليل. استلقيت على سريري أفكر: هل ستنجح الخطة فعلًا؟ وهل سنغادر العراق بسهولة؟ أم ستظهر عقبات قبل سفرنا؟
تمتمت: يا رب، اجعلها تمر بسلام…

فجأة رن هاتفي. نظرت إلى الشاشة، كان الرقم مجهولًا. ترددت في الرد. خطر في بالي أن يكون F. ثم قلت لنفسي: لا، لم يتصل بنا يومًا. كان يكتفي بالرسائل فقط.
إذن لا بد أن المتصل شخص آخر.

ضغطت زر الإجابة وقلت:  نعم، من المتحدث؟

جاءني صوت رجل يقول: اخرجوا من العراق يوم الأحد. F سيقتل والدة دانيال. وقد أعذر من أنذر… أردت فقط أن أحذرك.

انتفضت جالسة وقلت بحدة: من أنت؟
قال بهدوء: أنا مؤمل.

تذكرت فجأة وقلت: أنت الذي ضربت الضابط حسن صباحًا؟
- نعم. أنا المعروف بلقب المكبسل.
قلت بذهول: وأنت من جاء إلى المطعم حيث أعمل، ثم اختفيت فجأة؟
- هذا صحيح.

سألته بحدة: لماذا تفعل كل هذا؟ على الأقل أخبرني… بماذا أسأنا إليكم؟

ساد صمت قصير، ثم قال بصوت غامض: رُبّما ستعرفين السبب قريبًا، إن ترككم F أحياء.

يتبع ...

-
نمارق رحيم✍️🏻

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...