تحميل رواية «شخوص متداخلة» PDF
بقلم .
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
لم يكن مجرّد كابوس، بل شعرتُ أنّني كنت هناك حقًّا. في زاويةٍ منسية من جنوب المدينة، حيٌّ عجوز يتكئ على العتمة، شاحبٌ كأنّما مرّت عليه كلّ الحروب ولم يُكتب له أن يموت. كلّ شيء فيه يئن: الجدران المشققة، العمارات البالية، الأرصفة التي حفرتها أقدام الهاربين من مصيرٍ مجهول. وفي قلبه، منزلنا. المنزل الذي يُشبه أبي؛ مُنهك لكنّه واقف، يتلقى العواصف ولا يشتكي. اعتدتُ أن أقول لنفسي إن هذا المكان ينام، لكنه في الحقيقة لا ينام... بل يترقّب. النّاس هنا لا ينادون الشوارع بأسمائها الحقيقية، بل بألقاب ولدت من ا...
رواية شخوص متداخلة الفصل الأول 1 - بقلم .
لم يكن مجرّد كابوس، بل شعرتُ أنّني كنت هناك حقًّا. في زاويةٍ منسية من جنوب المدينة، حيٌّ عجوز يتكئ على العتمة، شاحبٌ كأنّما مرّت عليه كلّ الحروب ولم يُكتب له أن يموت. كلّ شيء فيه يئن: الجدران المشققة، العمارات البالية، الأرصفة التي حفرتها أقدام الهاربين من مصيرٍ مجهول.
وفي قلبه، منزلنا. المنزل الذي يُشبه أبي؛ مُنهك لكنّه واقف، يتلقى العواصف ولا يشتكي. اعتدتُ أن أقول لنفسي إن هذا المكان ينام، لكنه في الحقيقة لا ينام... بل يترقّب.
النّاس هنا لا ينادون الشوارع بأسمائها الحقيقية، بل بألقاب ولدت من الخوف.
وذلك الشارع تحديدًا أصبح اسمه "شارع الموت"، لا لأنهم أرادوا التهويل، بل لأن الأرصفة نفسها ما زالت تذكر رائحة الدم.
كنت أرى كلّ ذلك في حلمٍ لا يشبه الأحلام الطبيعية، كنت أسمع صراخ الريح، وأشمّ رائحة الغبار، وألمح نافذتنا تهتز تحت سطوة العاصفة، ثمّ...استيقظتُ.
فتحت عيني على ظلامٍ دامس، وقلبي يخبط صدري، تلفّتُّ حولي؛ لا شيء سوى سكون بارد والكهرباء مقطوعة. رفعت رأسي نحو الساعة المعلقة كانت تشير إلى الثانية عشرة تمامًا.
زحفتُ ببطء خارج الفراش، ويدي ترتجف وهي تبحث عن المصباح اليدوي. أضأتُ ضوءًا خافتًا، فارتعشت الظلال على الحائط، كأنّها أرادت أن تُحذّرني مما سيأتي.
رأيتُ النافذة مفتوحة، والستائر تتراقص بهلعٍ مع الريح. تقدّمتُ نحوها، والمطر يلامس وجهي، وبرودة اللّيل تغرس أصابعها في جلدي. أغمضتُ عيني لثوانٍ، محاوِلة أن أطرد ذلك الثقل الذي جثم على صدري.
ثمّ...سمعتُ خطوات لم تكن في الخارج، بل هنا، خلفي تمامًا. استدرتُ كمن يقف على حافة الجنون، قلبي يتوسّل أن يكون ما سمعته وهمًا...لكن الغرفة خالية.
"مجرد أوهام..." تمتمتُ بصوتٍ خافت. "لا شيء هنا." عدتُ إلى الفراش، حاولت أن أحتضن الغطاء كما يحتضن الطفل وسادته بعد كابوس، لكن قبل أن تغفو عيني،
سمعتُها... ضحكةٌ خافتة، نبرةٌ شيطانية، جاءت من الطابق العلوي.
وهنا بدأت اللعنة.
ضحكة خافتة ترددت في سقف البيت كأنّها صادرة من فم شيطان يتسلّى في الظلام. تجمّد دمي. شعرت وكأن جسدي صار حجرًا باردًا كلّ خلية فيه تصرخ: لا تصعدي!
لكني صعدت خطوة بعد خطوة والسلم يئن تحت قدميّ، كأنّه يرفض حملي إليه.
في الطابق الثاني، كان كل شيء ساكنًا حدّ الرعب. توقفت أمام باب غرفة أختي دفعتُه برفق، فصدر صوت خشب يحتك كأنّه يتأوّه. كانت نائمة، اقتربتُ منها، هدأت عندما تحسست تنفّسها كان منتظم، قبلت جبينها وخرجتُلم تمضِ دقيقة حتّى اخترق سمعي صراخ مروع من الطابق العلوي.
كان صراخ أمي! ركضتُ، أو هكذا ظننت، لأنّ السلم بدا كأنّه يبتلعني. كلّ خطوة كانت أطول من سابقتها، وكلّما اقتربتُ، أحسست أنّني أبتعد. أنرت مصباحي الصغير، وعيناي تجولان بجنون، تبحثان عن الصوت، عن أمي، عن أيّ تفسير.
حينها رأيتُه على الجدار، بخط مائل، بلون أحمر قانٍ، كُتبت عبارة:
(بدأ العد التنازلي... كوني هادئة F)
تسمّرت في مكاني أصابني الإضطراب "كلا... مستحيل" خرج صوتي ضعيفًا مبحوحًا "ليس مجددًا... أيُعقل!"
يدي على رأسي، أقاوم انهيارًا قادمًا لا محالة. قدماي قادتاني، رغمًا عني، إلى باب المخزن. كان مواربًا كأنّه ينتظرني. دفعت الباب ببطء، الهواء داخله أثقل من الخارج، أشعلت المصباح المثبّت على الحائط، الضوء بالكاد أنار الزوايا، تقدّمت خطوة، اثنتان، ثمّ تعثّرت. سقطتُ أرضًا، وشيء ما صلب تحت يدي. كانت سكين كبيرة، ملوّثة بالدماء، موضوعة بعناية، لم ألمسها نهضتُ رفعت مصباحي، ومشى النور على الجدران حتى استقرّ على ما لم أتمنَّ يومًا أن أراه.
أمي وأبي ممدّدان على الأرض. السكاكين مغروزة في صدريهما. وجسدهما مبلّل بالدماء، كأنّه يبكي بدلًا عني. ركضت نحوهما، ألقيت بنفسي بالقرب منهما وأنا أصرخ وأشهق وأنتحب بلا وعي "لماذا أنتما؟! ماذا حدث؟ من فعل هذا؟!
خرجت من المخزن، أركض، أصرخ، أتعثّر. في هذه الأثناء دوى جرس إنذار إشارة على حريق اندلع نزلت ركضًا نحو الطابق الأسفل، رأيت النار تملأ أرجاء المطبخ، ألسنة لهب تلتهم الخشب، والستائر، والجدران بسرعة هائلة.
شعرت بيد تمسكني من الخلف صرخت ظننت هلوسة لكنها كانت أختي. وجهها مبلل بالدموع، وعيونها مذعورة "ماذا يحدث الآن كيف اشتعلت النار؟! يا آلهي أين أمي وأبي؟! علينا المغادرة"
لم أجد جوابًا سحبتها من يدها، وركضنا معًا نحو باب الخروج كان مكسور، ركضنا في المطر، الشارع المظلم يحتضننا بقسوة، تعثّرنا، لكننا لم نلتفت ومن خلفنا كان البيت يبتلع نفسه.
____
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل الثاني 2 - بقلم .
جالسَين على الرصيف، أمامنا منزلنا يشتعل بالنيران. أقبل أختي برجفة، أحاول تهدئتها، أحاول أن أمنع الانهيار لكن داخلي كان ينهار كنا قد علمنا قبل دقائق أن أهلنا قُتلوا قبل أن تلتهمهم النيران. وصلت سيارات الإطفاء، ترجل رجالها يركضون وسط اللهب، مرّت دقائق طويلة كأنّها دهور ثمّ خرجوا وهم يحملون نقالتين، كلّ منهما مغطاة بملاءة بيضاء. اقتربتُ بخطى مُنكِّسة، وكأن الأرض أثقل من أن تحملني، مددتُ يدي لأزيح الغطاء، فصرخ أحد رجال الإطفاء بصوت مشوب بالتحذير "جُسَداهما محترقان بالكامل... لن تحتملوا رؤيتهما."
صرخت أختي وهي تجهش بالبكاء "بحق العذراء، دعني أراهما أريد وداع أمي وأبي للمرّة الأخيرة"
هزَّ رأسه رافضًا، فشعرت أن شيئًا بداخلي يتحطم عصرتُ يدي، استجمعت آخر ما تبقى من قواي، ورفعت الغطاء. لم أتحمّل وجهيهما لم يعودا لهما، مجرد قطعة سوداء، متفحمة، بلا ملامح!
مشهد لا أستطيع تصديقه وضعت كفي على عيني أختي، احتضنتها بشدة وهي تصرخ وتبكي وتنتحب سقطنا على الأرض، وأنا أحاول احتواء انهيارها ودموعها تغرق التراب تحتنا. توقفت سيارة سوداء بجوارنا. خرج منها رجل طويل القامة، خطواته واثقة، بهيئة رسمية خضراء مزينة بنجوم ذهبية على كتفه. تقدّم نحونا، عيناه على الجثث، ثمّ ثبت بصره علينا، قال بصوتٍ مهيب "لا إله إلّا الله، إنّا لله وإنّا إليه راجعون الرحمن يرحمهم، البقاء لله."
لم أجب كنت مشغولة بتهدئة أختي نُقلت الجثامين إلى سيارة الإسعاف، ومعها روحي لم أعد أشعر برجليّ، همست في أذن أختي وأنا أضغط على يدها "خذي نفسًا عميقًا، لا تنهاري أرجوكِ من أجل المسيح" لكن جسدي لم يحتمل. تهاوى بصري، وتشوشت رؤياي، صرتُ أراها شخصين، ثمّ سقطتُ.
•••
الساعة العاشرة والنصف صباحًا - مستشفى الطوارئ المركزي.
فتحت عيني ببطء، الضوء الأبيض اصطدم بوجهي، لكنه لم يبدّد الظلمة التي انعقدت داخلي. كلّ شيء كان ضبابيًا رأسي مثقل، أنفاسي متقطعة، أحسست بوخز الكانيولا في يدي، ورائحة المطهرات تحاصرني. أمامي أجهزة تومض، رأيت الساعة كانت السابعة صباحًا علمت حينها أني نمت لساعات طوال، كان الضابط والدكتور واقفين بقرب رأسي يتحدثان وجهيهما معقود بالقلق، تنبه الضابط أنّي استيقظت فقال بهدوء"كيف حالكِ الآن؟"
لم أُجب. لم أملك طاقة للكلام، فالصوت في داخلي كان يصرخ بصمتٍ مرير: "لا تسألني عن حالي، فأنا فقدت ملامح نفسي البارحة"
كنت أُجاهد كي لا أنهار أمامهم ولكن الحقيقة أنني كنت منخورة من الداخل، فارغة، مُجردة من كلّ ما يمنح الإنسان قدرة الوقوف. كرهت نفسي، واحتقرت هذا الضعف الذي لا يشبهني هذا ليس مكاني ولن أسمح أن أكون هنا مرّة أخرى.
قلت لهم إنني بخير، وإنني لا أحتاج للبقاء أعترض الدكتور لكن لم أكترث أمسكت بأختي للخروج قالت لي بعد أن أحتضنتني خائفة "إلى أين نذهب؟ لم يعد لدينا بيت"
كلماتها كانت خناجر وتنهّدت طويلًا "سندفنهم أوّل ثمّ سنفكر، لا تخافي أنا هُنا معكِ لن أترككِ"
هدأت قليلًا، قبل المغادرة ذهبنا الى مركز الشرطة كانت جلسة تحقيق وتقديم الإفادة وسرد ما حدث، طلبت إغلاق ملف القضية وتحمل المسؤولية، بصعوبة خرجنا للذهاب إلى المقبرة، تمَّتْ مراسم الدفن، وعلمت أن كلّ التكاليف تكفّل بها الضابط نفسه دون أن يسألنا بعد انصراف الجميع، جلست أختي على القبر، تسكب صمتها، وألمها، وتكسر قلبها بنظراتها
لم أتدخل تركتها، هذا حقها الأخير في البكاء.
أربعة ساعات متواصلة لم تتحرك، لم تنبس ببنت شفة كنت خائفة عليها لكنني عاجزة عن ازالة الألم من قلبها، الجريمة التي ارتُكبت تلك اللّيلة كانت أسوأ من الليالي الثلاث التي سبقتها..
حين بدأت الشمس بالغروب، استطعت بصعوبة أن أوقفها، أن أقطع صمتها كان الضابط لا يزال هناك، واقفًا يتأمل السّماء، يستند إلى سيارته، يداه مشبوكتان، وعيناه تائهتان لم أفهم سر نظراته ولا وجوده أمسكت بيد أختي، ونهضنا معًا رآنا نغادر، فاقترب قائلًا "دعوني أوصلكم"
نظرت إليه، وقلت بفتور "إلى أين؟"
-إلى البيت
-نملك بيت واحد وأحترق حتّى الرماد
-ألّا تملكون قريب؟
-لا
-أيُعقل؟ حتّى أقرباء والديكِ؟ لم يأتِ أحد، لم يسأل، لم يحضر الدفن!
نظرت إليه مباشرة، وقلت بحدة "هذا أمر يخصنا أرجوك لا تتدخل فيما لا يعنيك"
-معكِ حقّ أعتذر.
أضفتُ "شكرًا على وقوفك معنا على المال الذي دفعته دون سبب مقنع، سأعيده إليك قريبًا، لا تقلق"
-لم أطلبه
-وأنا لم أطلب منك أن تدفع
-حسنًا كما تشائين
غادرنا المقبرة أتساءل أين سنذهب؟ ماذا سنفعل؟ لا أعلم، أصبحنا بلا مأوى، حتّى أجرة سيارة لا أملكها ولم أجرؤ على رفع يدي لطلب التوصيل. حلّ اللّيل والبرد تسلل إلى عظامنا. جلسنا على الرصيف عندها أتى الضابط بعينه، أوقف سيارته إلى جوارنا، وأنزل النافذة "اركبا، لن يُوصلكما أحد في هذا الوقت دون مقابل، اللّيل مُخيف"
شعرت بجسدي يتجمد لم يكن لدي خيار لأرفض. نظرت إلى أختي كانت شاحبة، وعيناها تبحثان عن قرار.
اللّيل كان طويلًا ثقيلًا، كأن السّماء قد ابتلعت كلّ نورها وتركتنا وحدنا، على الرصيف، نرتجف من البرد والتيه.
تردّدتُ ليس خوفًا منه، بل خوفًا من نفسي، من عجزنا، من كوننا لم نعد نملك شيئًا، حتّى الكرامة صارت ثقيلة على الأكتاف المنهارة.
رمقته بنظرة متوترة، وسمعت صوتًا داخليًا خافتًا يقول: "اركبي... إن لم يكن أملًا، فهو الأقل وجعًا بين هذا الخراب"
همست أختي في أذني، بصوتٍ خافت أقرب للرجاء: "لنركب، يبدو أن الضابط رجل طيب، وسيساعدنا، ثمّ إننا لا نملك خيارًا آخر في هذا الوقت"
أجبتها بجمود: "لا أحب أن يُقَدم لنا العون"
-ماتيلدا وماذا بعد؟
-حسنًا، اصعدي.
فتح لنا الباب، صعدتُ أنا وأختي أولًا، ثمّ تبعنا هو. قحقح قليلًا، كأنّه يحاول كسر صمت المكان، اكتفيت بإلقاء تحية مقتضبة، ظللت ساكنةً طول الطريق، فتحت النافذة، أخرجت يدي، أغمضت عيني، وتركت النسيم يلفح وجهي، رائحة التراب المبلل، شوارع فارغة، لا بشر، لا ضجيج. أتساءل متى سترأف بنا الحياة، متى أعيش دون خوف؟ دون توتر؟ دون أن أرتجف عند كلّ صوت عالٍ؟ متى ستتوقف المصائب، القتل، الدم، والموت عن ملاحقتي؟ أربعة أعوام مضت جعلتني أشيخ أربعين عامًا لقد استُنزف كل ما فيّ، قلبي لا أعلم من أين لي هذه القوّة، ولا كيف ما زلت أقف، أتنفس. كان من المفترض أن أموت معهم حين فقدت عائلتي، أولئك الذين كانوا عالمي، أصبحت يتيمةً للمرّة الثانية.
قطع الضابط أفكاري، صوته أعادني إلى الحاضر كصفعة: "عذرًا، إلى أين أنتما ذاهبتان؟ هل لديكما قريب أو جهة معينة؟"
-أجل، الكنيسة هي الأقرب إليّنا الآن.
-آها، فهمت، بالمناسبة أنا مسلم، كنت على دين المسيح، ثمّ أسلمت قبل ثلاث سنوات.
- أنت والرّب، يا أخي
-اسمي إبراهيم
-أهلًا
-صراحة، أنا مستغرب جدًّا، كيف لا أحد يسأل عنكما؟ لا أقارب، لا تواصل؟
-صلة الرحم يمكنك أن تتولاها بنفسك
-أقسم أنني لم أقصد التدخل، وإن أزعجتكِ كلماتي فأنا آسف حقًا!
-فقط أوصلنا لأقرب كنيسة، وسأكون مُمتنة.
-لكن الكنائس مغلقة بهذا الوقت، أليس كذلك؟
-لا، أعرف واحدة ما تزال مفتوحة.
- تمام، بِعيني.
ساد صمتٌ قصير، ثمّ سألني:"مقتل عائلتك واحتراق المنزل، لا يزال التحقيق جاريًا نُحاول الوصول إلى الجاني، ولن نغلق القضية حتّى يُعاقب المجرم بالتأكيد، هل لديك شك بشخص؟
سؤاله أعادني إلى الخلف، إلى ماضٍ اخترت أن أدفنه شعرت بجسدي يتجمد..
-هل تسمعينني؟ لم تجيبي...
نظرت إليه بتركيز، حاولت أن أبعد ذاكرتي وأشتات أفكاري، ثمّ قلت بهدوء:
-عذرًا على التأخير، لا أشك بأحد.
-متأكدة؟ حسنًا، سنكمل التحقيق حتّى نصل للحقيقة.
-لا أريد تحقيقًا، من الأفضل أن تُغلق القضية، لقد أعطيت إفادتي وأبلغتهم بطلبي.
رفع حاجبيه من الدهشة، ثمّ ضحك باستخفاف" لا تخفين شيئًا؟"
-أخبرتك سابقًا، لا أعلم شيئًا، ولا أملك أيّ معلومات مفيدة.
-إذًا، لماذا لا ترغبين بالتحقيق؟ لا بد من سبب.
-لا تتدخل في الأمر. ابق بعيدًا، هذا أفضل لك، حياتك ثمينة.
حدق في عينيّ، يشكّ، يتساءل، لكنني لم أُعره اهتمامًا.
-لن أبقى في العراق، أيامي هنا معدودة.
-ولماذا تسافرين؟
-عمل.
-وأيّ عمل هذا؟
-سألت كثيرًا، وأجبتك بما يكفي.
التفتُّ إلى النافذة... الكنيسة بدت أمامنا.." شكرًا لك. لن أنسى معروفك، وسأُعيد لك المال خلال ثلاثة أيام"
-لا داعي، لم أفعل سوى واجبي الإنساني.
-سأعيده رغم ذلك.
-كما ترغبين.
هززت رأسي بالإيجاب، نزلت ممسكةً بكف أختي، ثمّ انطلق بسيارته بسرعة، ربما تأثر بكلامي.
دخلنا.. كانت فارغة إلّا من الأب كلاديوس، يقرأ ويرتل في صلوات القداس. أشعلت شمعة، أغمضت عيني، وبهمسٍ مرتجف ودموع حارقة تسيل على خدي، قلت "يا مريم العذراء، أنقذيني.. حياتي متاهة تشبه رقعة شطرنج، أحاول الهرب منها، أرجوكِ، السّلام هو كلّ ما أريده. لقد تعبت، تهت، الحادثة التي وقعت قبل ثلاث سنوات تكررت البارحة! الذين رحلوا هم أحبّائي من الصعب عليّ أن أتقبل فكرة غيابهم، وعلى الرغم من هذا إلّا أنّي أؤمن بأن الربّ أرحم بهم من هذه الحياة القاسية لقد صاروا بين يدي الله وسأظلّ أدعو لهم بالرحمة والغفران.
عدتُ إلى وحدتي مشرّدةً إلّا من أخت صغيرة هي قطعةٌ من روحي إن مسّها الأذى فسوف أجن! فهي ما تبقّى من عائلتي! أحاول أن لا أنهار، أن أبقى صامدة لكن قواي باتت تتساقط واحدة تلو الأخرى.
الخطوة الأوّلى أن أغادر بغداد، بل العراق كلّه. بقائي هنا لم يعد آمنًا، إنّه خطرٌ دائم، متربّص بي وبأختي، لن ننجو إن بقينا. كما قُتلت عائلتي، سيعودون ليكملوا ما بدأوه، ليقتلونا بدم بارد.
حين وضع الأب يده على كتفي، فتحت عيني ومسحت دموعي التي لا تسقط إلّا في الدعاء. رأيته باسمًا، يعرفني أنا ماتيلدا،
بخّرني بالبخور المقدّس، فابتسمت.
-أبي، لا تنسَ الدعاء لي.
-الرّب معكما يا ابنتي، لا تخافا، سأدعُ لكما، عسى الرب أن يحميكما ويحقق أمانيكما.
-آمين.
صليت وأشعلت شمعة دعوتُ الرّب أن ييسّر طريقي المجهول ثمّ خرجتُ من الكنيسة بعدما أُغلقت أبوابها، وقد تغيّر الطقس فجأة.
كنتُ أمشي خلف أختي، ممسكةً بيدها، والسيارات تمرّ من حولنا، والهواء رطب يبدو المطر سيهطل من جديد.
أخرجت هاتفي من جيبي، مسحت الشاشة المبتلّة، ثمّ جلستُ على مقعدٍ خشبي صغير بجانب الطريق. اتصلت.. رنّ الهاتف طويلًا، حتّى جاءني صوته:
-مرحبًا دانيال؟
-ماتيلدا؟! أين كنتِ؟! أبحث عنكِ منذ الصباح
-والديّ قُتلا بأبشع طريقة يمكن تخيلها وبيتنا احترق.
سكتَ، وقد صُدم تمامًا "ماذا؟! لحظة لا أستوعب! متى؟ وكيف؟"
قصصتُ عليه كلّ ما حدث، صمتَ للحظة، ثمّ قال بنبرة مكسورة: "فليرحمهما الربّ... ومن تتهمين بالجريمة؟"
-القاتل نفسه! هو من نفّذ كلّ الجرائم السابقة
-متأكدة؟ أم مجرد شكّ؟
-دانيال، أقسم إنّه هو
في ليلة الجريمة كُتبت على الحائط عبارة "بدأ العد التنازلي" وكان أوّل حرف من اسمه موقّعًا بها.
-لقد فعل ما أراد بدمٍ بارد، لم يتردد، قتل أرواحًا بريئة، إنه سبب كلّ ما يحدث في حياتنا، خسرت عائلتي مرّتين ومات أقرب النّاس إليّ بسببه!
-أنا أصدقك
-لن أسكت أنا عازمة على أخذ حقي، دم عائلتي لن يُهدر، ولا رحيلهم سيمرّ دون حساب لا أقبل بالظلم أن يستمر ولا أرضى أن أبقى ساكنة أمام هذا الخراب.
سأنتقم سأحاسب كلّ من ظلمني كلّ من دمّر حياتي، أنا وأختي كل ما فعلوه بنا، سيدفعون ثمنه غاليًا وان أهدأ حتّى أرى القاتل ميتًا أمام عينيّ.
لكن قبل كلّ شيء، عليّ الرحيل يجب أن أغادر، أترك الأشياء خلفي، وأخرج من العراق
فنحنُ في خطر دائم، لا نعلم متى تأتي لحظة النهاية حياتنا أصبحت لعبة شطرنج والعدو ينتظرنا في كلّ زاوية.
__
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل الثالث 3 - بقلم .
ابتسم وقال بصوت هادئ تطغى عليه الطمأنينة: "الرّب دائمًا يُنصف المظلوم، وأنتِ ظلمتِ كثيرًا، لذا هو معك، وأنا كذلك، لا تخافي. أعلم كم أنتِ قوية، وستتجاوزين هذه المرحلة الصعبة، وستمضين قدمًا.
ثمّ أردف: " برأيي يا ماتيلدا اتركي فكرة الإنتقام الآن، ليس وقتها، حين يأتي الوقت المناسب، ربّما بعد سنوات، ستكونين قادرة على فعل ما ترغبين به. أما الآن، فالهروب هو خياركِ الوحيد. يجب أن تسافري وتختفي، حتّى يعتقدوا أنكِ متِّ، وينسوكِ تمامًا.
تنهدتُ، وأجبته: "الرّب كريم"
-هل جوازات السفر بحوزتكِ؟
-نعم، موجودة عند صديقتي.
كنت أشعر بشيء غريب طيلة هذا الشهر، كأن قلبي يحذرني، لذا وضعت الجوازات والمستمسكات وحتّى النقود مع صديقة أثق بها وقد صدق حدسي، فكلّ شيء حدث كما خِفت.
قال وهو يبتسم بإعجاب: "أحسنتِ، هذا أفضل ما قمتِ به" ثمّ أكمل، وقد لاح الحزن في عينيه: "ماتيلدا، لو أخبرتِ والدكِ، ربّما لم يحدث كلّ هذا. كان ربّما سينقذكم، يسفّركم قبل أن يحترق البيت، ربّما كانوا أحياء الآن، وليسوا تحت التراب. شهقتُ وقلت بحرقة: "من قال لك أني لم أحاول؟ لكن كفى يا دانيال، أرجوك"
سكت قليلًا، ثمّ تمتم مترددًا: "آسف"
قاطعته: "لا تقل شيئًا، فقط، حاول أن تؤمن لي شقة، أو فندقًا غير معروف في -بغداد- لا أريدهم أن يعثروا عليّ. نحتاج إلى مكان آمن لنخطط للغد. الغد سيكون طويلًا، ويجب أن أستعد له، سأسافر خلال هذا الأسبوع.
-حاضر، أنا معكِ في كلّ خطوة.
-الرّب يحفظك، لقد أنقذتني في مواقف كثيرة، وسأبقى مدينة لك. بعد الرّب، لا أعتمد على أحد سواك أنت صديقي الأمين.
-لا حاجة للشكر بيننا، والآن أغلقي الاتصال الآن، ربّما يراقبون الخط كلّ شيء وارد.
-لا أستبعد ذلك.
-مع السلامة، واعتني بنفسكِ.
-وأنت أيضًا.
أغلقت الإتصال، والتفتُّ نحو أختي كانت تبكي بصمت، ثمّ همست بصوت مكسور:" انظري إليّ لماذا تبكين؟ انظري، أتكلم معكِ"
-لا شيء، لا تقلقي.
-كاردينيا!!
صرخت فجأة بحرقة: "هل يعجبك ما نحن فيه؟ لا بيت، لا عائلة، مشرّدات بين الكنائس والشوارع في هذه اللّيالي.
أجهشت بالبكاء، فاحتضنتها بقهر: "يا روح أختكِ، لِمَ أنا موجودة إذًا؟ قلتُ لكِ، وسأعيدها: أنا أختكِ الكبرى، أنا أمكِ وصديقتكِ وسندكِ وقوتكِ. أقسم إن رأيت دموعكِ مرّة أخرى، سأغضب منكِ، كاردينيا سنسافر ونرتاح أعدكِ بذلك.
مسحت دموعها وهمست بتعب: وأنا أعدكِ لا أكرر هذا.
-جيّد.
اتصلتُ بصديقتي واتفقنا على مكان اللقاء لتسلمني النقود والجوازات. استأجرتُ سيارة أجرة، وبعد ساعة ونصف، وصلت. وقفت عند الرصيف فرأيتها تقترب تعانقني قائلة:" مرحبًا"
أجبتها بإبتسامة: " أهلًا، لورين"
-أحضرت المال والجوازات، كلّ شيء كما هو، لا ينقصه شيء. اطمئني.
-أثق بكِ تمامًا.
أخذت الحقيبة منها، ووضعتها على كتفي" لورين، الشقة فارغة، أصحيح؟"
-نعم، كنت سأنبّهك على هذا.
ابتسمت، وقبّلت خدها، ثمّ استأجرنا سيارة أوصلتنا إلى الشقة، دخلنا، صعدنا الطابق، سلّمتني المفاتيح ثمّ خرجت وأغلقت الباب خلفها. مكثنا يومين داخل الشقة كانت ترسل لنا لورين الطعام والملابس، ثمّ ترحل بسرعة. في اليوم الثالث حضّرت كلّ شيء، خرجنا عند الفجر من الشقة، ومعنا حقيبة واحدة فقط، وقفنا على الرصيف دقائق، ثمّ توقفت سيارة دانيال، ركبنا بسرعة.
-إلى المطار، صحيح؟ - سأل.
-نعم، بالتأكيد.
انطلقت السيارة، وأنا غارقة في التفكير حتّى تذكرت الضابط الذي ساعدني، والذي وعدته أن أعيد له المال بعد ثلاثة أيّام، ثمن الدفن والعلاج في المستشفى. ضربت كتف دانيال بسرعة:
-لحظة، توقف!
انتفض من الرعب: "ماذا هناك؟! هل نسيتِ شيئًا؟"
-نعم، عليّ أن أسلم المال للضابط! (حكيت له قصته).
-لا يمكنكِ، لا وقت لدينا، أنسِ الأمر، هو لم يطلب المال أصلًا. المهم الآن أن تصلي إلى المطار، تبقّى ساعة فقط. إن فاتتكِ الرحلة، فلن تسافري أبدًا هذه فرصتكِ الأخيرة.
كلامه أيقظني كانت لحظة حاسمة اليوم هو آخر أمل لي إن تأخرتُ، انتهينا لذلك وافقت.
تشبّثتُ بكف كاردينيا، ومضيت... خطواتي متثاقلة، كأن الأرض تئن من تحتي شعرتُ بكف تُلامس كتفي، التفتُّ بحدّة، واتسعت عينايَ من الدهشة -الضابط إبراهيم!!-
نطقت بدهشةٍ لم أستطع إخفاءها "أهذا أنت؟!"
ابتسم بهدوء أربكني "نعم أنا، رأيتكِ صدفة مع أختكِ يبدو أن القدر جمعنا للمرّة الثانية، صدفة جميلة، أليس كذلك؟"
توترتُ، وهذا ليس من طبعي ارتبكت، تلعثمت وقلبي يُحذرني من شيء غير معلوم، سألته بتردد: "أنت مسافر إلى دولة أخرى؟"
-أجل.
سكتُّ لا أرتاح في حضوره هناك ظلٌ خفيّ خلف نظراته لا أستطيع تفسيره. كاردينيا أرادت الحديث، لكنني رمقتها بنظرة: "اصمتي"
سحبتني من يدي وهمست: "لا أشعر بالراحة تجاهه أيّ صدفة هذه التي ساعدنا بها، والآن سيسافر معنا؟ وعلى نفس الطائرة؟!"
همستُ بدوري: "ألم تقولي إنّه رجل طيب؟ والآن، فجأة، لا ترتاحين له؟ اسكتي ودعينا نغادر"
-حسنًا، هيا.
تركناه، وتوجهنا نحو وجهتنا، لكني تذكّرت أنّه هُنا وأنني لم أعد له ماله.
-كاردينيا، خذي هاتفي واصعدي، سأعود سريعًا.
رجعتُ. كان لا يزال واقفًا كأنّه كان يعرف أنني سأعود. تقدمت نحوه بخطواتٍ أسرع، فتحت حقيبتي الصغيرة وأخرجت المبلغ الذي أعددته مسبقًا، وضعت النقود في يده.
-شكرًا على ما فعلته معنا، مع السلامة.
ابتسم، تلك الابتسامة الغامضة ولم يجبْ. غادرتُ، وجلستُ في مقعدي جوار كاردينيا لكن قلبي كان يدق بعنف لا أعرف ما الذي انتابني، بعد دقائق، ظهر "دانيال" وهو يحمل هاتفه، وجهه شاحب، ونظراته مثقلة.
سألته: "ما الأمر؟" أجاب بصوت مضطرب: "ماتيلدا الرحلة إلى تركيا أُلغيت"
قلتُ بدهشة -ماذا؟! لماذا؟!
-حصل خطأ بالحجز. حجزوا مقعدًا واحدًا فقط، ونسوا أختكِ. لذلك طلبت إلغاء الحجز، لأنكِ لا يمكنك السفر وحدكِ.
-بالطبع لا أستطيع. لكن ما الحل؟ إن لم نغادر بغداد اليوم سنُقتل لا يوجد أمان.
-أعلم لهذا فكرت أن آخذكما إلى أربيل ما رأيكِ؟
-وكم من الوقت سنبقى هناك؟
-لمدّة أسبوعين حتّى يهدأ الوضع، إن لم يظهر خطر، تبقين هناك وإن حدث أمر غريب، سأحجز لك فورًا تذكرة إلى تركيا.
-حسنًا، لا خيار أمامي.
خرجنا من المطار، واستأجر لنا دانيال سيارة من بغداد إلى أربيل بعد ساعات وصلنا، سألته "أين سنقيم؟"
-سأبحث الآن عن شقة مؤقتة، حتّى نجد منزلًا أو عمارة مناسبة، كلّ التعب يهون لأجلكما. سآخذكما إلى أقرب حديقة لتنتظرا، وسأتصل ببعض الأصدقاء ربّما يعرفون مكانًا آمن للإيجار.
ذهب بنا إلى حديقة قريبة، جلسنا على المقاعد، وابتعد قليلًا ليتحدث بالهاتف. عاد بعد نصف ساعة، وجهه يحمل بشائر طيبة "وجدتُ شقة بسيطة، غير معروفة، حفاظًا على سلامتكما. إيجارها معقول، استأجرتها لأسبوعين". ابتسمتُ بحمدٍ على هذا التيسير لعلّ الأيام المقبلة تمرّ بسلام.
حين دخلنا الشقة، وجدناها كما وصفها دانيال: بسيطة، نظيفة، وآمنة. كاردينيا استسلمت للنوم فورًا. أما أنا، غسلت وجهي، وتمددت جوارها. لكن النوم فارقني تمامًا. نظرت إلى الساعة، كانت التاسعة والصلاة في الثالثة توضأت، وبدأت أصلي، أُرتّل كلماتٍ حانية بصوتٍ خافت، ونبرةٍ منهكة (أغسل يديّ في النقاوة، فأطوف بمذبحك يا رب،
لأُسمع بصوت الحمد، وأُحدّث بجميع عجائبك، يا رب، أحببتُ محل بيتك، وموضع مسكن مجدك أرسل نورك وحقك، هما يهديانني ويأتيان بي إلى جبل قدسك،
وإلى مساكنك. فآتي إلى مذبح الله، إلى الله بهجة فرحي، وأحمدك بالعود يا إلهي)
أنهيتُ صلاتي ودخلت المطبخ كان فارغًا تذكرت أن دانيال قال إنه سيجلب لنا الغداء فقلتُ ننتظره، رأيت زجاجة ماء، شربتها، جلستُ على الكرسي، وضعت يدي على رأسي، تفكيري لا يتوقف يا الله خذ بثأري ممن سرق طفولتي وحطّم قلبي.
(عودة إلى الماضي - قبل ثلاث سنوات)
أسندت رأسي بهدوء على الطاولة، وجعلت جفنيّ ينطبقان بتعب، ليتسلّل عقلي إلى الوراء إلى ذلك الماضي الذي لا يرحم.
خرجتُ من الجامعة، أحمل ملفاتي في يدٍ، وحقّيبتي مُعلّقة على كتفي الأيمن كنتُ أرتدي تنّورةً سوداء قصيرة وقميصًا أبيض، شعري كان منسدلًا على ظهري حرًّا، سرتُ بثقة وخطى ثابتة، وعيناي معلّقتان بالطريق حتّى وصلت إلى الكراج وركبتُ سيارتي ما إن هممت بتشغيلها، حتّى لفتت نظري ورقة بيضاء على الزجاج الأمامي، لم أكن قد رأيتها من قبل ترجلتُ لأقترب منها وقلبي ينبض بقلق، التقطتها وفتحتها وما إن قرأت ما كُتب حتى تجمّدت أنفاسي "ابتدأت الحرب، وبدأتِ أنتِ بالخسارات كوني هادئة - F"
وقفتُ مذهولة مَن كتب هذا؟ وما الذي يعنيه؟ هل يعرفني؟ هل يراقبني؟ رميتُ الورقة في سلة المهملات وركبتُ السيارة مسرعة، كلّ ما أردته حينها أن أصل إلى البيت وأطمئن. فتحتُ الباب بعجلة، أمي كانت في المطبخ تطبخ، وأبي جالس يقرأ الإنجيل تنفّستُ بإرتياح، هم بخير.
قبّلتهم وصعدت إلى غرفتي جلست على السرير أقلب في هاتفي، لكن بالي لم يغادر تلك الورقة وكلماتها، قلتُ في نفسي: "هل أخبر والدي؟ أم أتحمل الأمر وحدي؟ لا أريد أن يتأذّى بسببي" فجأة وصل إشعار رسالة من رقم مجهول فتحتها فورًا: "اهدئي الأمر ليس سريعًا بهذا الحد. - F"
يا ربّ السّموات، من هذا F؟ كيف حصل على رقمي؟ اللعنة، حظرته فورًا وألقيت الهاتف بعيدًا عني أحاول الّا أكترث ربّما طفل يريد اللعب معي، لكنّي بدأت أشك لأنه لم يتوقف لمدّة أسبوع كل يوم أستلم رسالة، إمّا على زجاج السيارة أو على هاتفي قررت وقتها أن لا أستمرّ هكذا لا بدّ أن أخبر أبي.
"أبي أريد أن أخبرك بشيء، هناك شخص يلاحقني برسائل غريبة، لا أعرف مَن هو، ولم أؤذِ أحدًا لأُعاديه"
نظر إليّ بقلق "أبنتي، لا تُقدّمي شكوى للشرطة، أغلقي الموضوع"
- لكنّه يُزعجني منذ أسبوع
-غدًا سأذهب معكِ، وسنُنقلكِ إلى جامعة أخرى.
-مستحيل! لا يمكنني ترك جامعتي وزملائي صعب جدًّا
-إذن، ماذا أفعل؟ أخبريني.
-سأكسر الشريحة وأُغيّر حساباتي، وسأغيب غدًا عن الجامعة لأفكر.
-جيّد وأيّ شيء يحدث، مهما بدا بسيطًا، تخبريني به فورًا.
-حاضر.
•••••••
(عودة إلى الحاضر)
أفقت من شرودي على دخول كاردينيا جلستُ مستقيمة وقلتُ لها بابتسامة مصطنعة: "صباح الخير"
-أنا جائعة بل سأموت من الجوع.
ضحكتُ بخفة: "آه يا صغيرتي، سيأتي دانيال لا تقلقي ستأكلين"
صلّينا وانتظرناه لم يتأخّر، وعندما وصل، كان يحمل وجبتي طعام شهي، أنواع كثيرة من المشويات اللذيذة جلسنا على الأرض نتناول الطعام.
••••••
مرّ أسبوع على هذا الروتين، لم نغادر الشقة، وكان دانيال يتكفّل بكلّ شيء استأجر شقة بجانبنا ليكون قريبًا، وقال: "حالما تستقرون، أرجع لبغداد" لكن، في بداية الأسبوع الثاني، قلبي لم يعد مطمئنًا كنت أرى كوابيسًا كلّ ليلة، وكان صوت داخلي يقول: "اخرجي من العراق." حتّى جاء اليوم الذي قلب كلّ شيء.
رسالة على هاتفي:
"الشقة رقم ٢١... هل أراحتكِ؟"
تجمّدت، حظرت الرقم فورًا، وأتصلت بدانيال وأخبرته. قال مباشرةً: "ماتيلدا، أنا غير مرتاح لبقائكِ في أربيل. سأحجز الآن، وإن شاء الله بعد يومين تكونين في تركيا."
__
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل الرابع 4 - بقلم .
لم أغادر الشقة طوال اليومين الماضيين. دانيال شدّد على صاحب الشقة أن يعتني بنا، وأوصاه بإغلاق الباب بإحكام، مرّ اليومان ببطء، حتّى جاءني إتصال منه ليبلغني بموعد السفر، رتّبت أغراضي في حقيبة صغيرة، أمسكتُ بيد كاردينيا، وخرجنا معًا فجرًا.
••••••
المكان: مطار أربيل
أنتظرنا هناك ساعتين، وهو لا يكفّ عن توصياتي، يكرر مرارًا: "اعتني بنفسكِ وبأختكِ." كنت أبتسم له مطمئنة، أومئ برأسي بالإيجاب.
قال لي والقلق واضح في عينيه: "قلبي لا يطاوعني أن أترككِ تسافرين وحدكِ مع كاردينيا أخاف عليكما، وإن حصل شيء، لن أكون إلى جانبكما للحماية! هذا يؤلمني كثيرًا"
أجبته بهدوء وأنا أضع يدي على يده- صحيح أنّها المرّة الأوّلى التي أسافر فيها وحدي، لكنني قادرة سأكون عونًا لنفسي ولأختي لن أسمح بأن يمسها سوء لا تقلق.
ابتسم بخفة، لكنّه لم يخفِ حزنه- أعرف أنكِ ذكية وقوية ولا تخشين أحدًا، وأنكِ قادرة على إدارة المواقف الصعبة لكن قلبي؟ كيف أقنعه أن يترككِ تسافرين بدوني؟ لا أعلم متى سأراكما.
أجبته وأنا أمسك بكفيه الدافئتين- لن يطول البعاد نرتّب أمورنا هناك، ثمّ نقرر إما أعود للعراق، وإن كان ذلك صعبًا، أو تأتي إلينا.
سَكتُ للحظات ثمّ ضمّني بذراعيه هامسًا: "نُور عيني، هل تعلمين أنّ حياتي رخيصة لأجلك؟" همستُ وأنا أبتسم: "ونِعْمَ الصديق، بل أفضلهُم." سمعنا صوت الموظف ينادي على الرحلة. قال بسرعة: "انتبهوا لأنفسكم. ولا تنسِ أن تتصلي بي. اقتني رقمًا جديدًا هناك، وإن حصل شيء، أبلغيني فورًا."
كاردينيا- سأشتاق إليك، دانيالو.
مسح على خدها مبتسمًا- أنا أكثر سأشتاق، هيا اذهبا، الرب معكما.
سرتُ قليلًا، ثمّ استدرت لأراه مطأطئ الرأس يمسح عينيه بتعب. نظرت إليه بتركيز رأيت دموعه لم أتمالك نفسي همستُ لكاردينيا:
"خذي الحقيبة وانتظريني لدقيقة"
ركضت نحوه، وما إن رآني حتّى مسح عينيه بسرعة: "هل أُلغي السفر؟ ما الأمر؟"
قلتُ بأسى وأنا أضغط على كتفه:
"دانيال، لا تبكِ... لأجلي"
حاول رسم ابتسامة لكنّها ارتعشت على شفتيه ضممته بقوّة وهمست في أذنه:
"أنت أكثر من صديقي" همس بصوت مكسور: "أتعلمين كم أنتِ غالية؟ أنتِ شمسي، وبعدكِ ظلام في ظلام، إن واجهتِ صعوبة، أصبري أنا لقوتكِ عون، بحقّ العذراء، الربّ يحفظكِ من كلّ سوء"
تنهدتُ: "وأنت أيضًا، بحقّ يسوع، اعتنِ بنفسك." ابتسم وهو يومئ: "حسنًا."
لوّحت له بيدي وهو يلوّح لي، ضحكت بخفة، وكررت الإشارة نفسها. قالت كاردينيا بنفاد صبر: "مرّت ربع ساعة وأنا أنتظر! ماذا كنتما تقولان؟" ابتسمت لها: "كلام لا يفهمه إلا الأصدقاء المقرّبون." ضحكتْ وضحكت معها، ثمّ انتبهنا للرحلة، فأمسكت بيدها وركضنا بسرعة الى الطائرة. جلستُ قرب النافذة، وعيناي تسرحان في جمال الغيوم ولون السّماء الممزوج بين الأبيض والأزرق. للحظة، شعرت أنني نسيت كلّ شيء خلفي، وكأن التعب تلاشى. التفتُّ إلى كاردينيا، وجدتها تبتسم أيضًا، وأخيرًا بعد ساعات وصلنا إلى تركيا. أوّل ما فعلته هو شراء شريحة هاتف، واتصلت بدانيال لأطمئنه بوصولنا، ثمّ تواصلت مع لورين بشأن الشقة. أرشدتنا إلى مكانها، كانت تابعة لأحد أصدقائها. وافقت فورًا على دفع الإيجار الشهري؛ لم أكن مرتاحة للسكن عند غرباء.
•••••
مرّ أسبوع في تركيا، لم نخرج من الشقة ولم يزرنا أحد. بدأت أشعر بالملل والضيق.
قلت لنفسي: لا يعقل أن أبقى هكذا بلا حركة عليّ العمل، عليّ أن أصنع شيئًا بدل الصمت والإنتظار أتصلت بدانيال، أخبرته برغبتي في العمل سألني: "أين تريدين العمل؟" أجبته: "في أيّ شركة." رد: "لكن عليكِ تعلّم اللّغة التركيّة أولًا."
-صحيح، لكن هناك مترجمون، وهناك عرب أيضًا سأفهم عليهم، وسأتعلّم اللّغة خلال شهر بإذن الله، الأمر ليس معقدًا، التركيّة سهلة جدًّا ولدي بعض المصطلحات اليوميّة.
-حسنًا، سأبحث وأسأل أصدقائي لعلنا نجد لكِ عملًا مناسبًا.
انتظرت. وبعد أربعة أيام، اتصل بي: "صدفة رائعة، وجدتُ إعلانًا لشركة صغيرة تحتاج موظفات لديهن خبرة في الحاسوب كلّ المواصفات تنطبق عليكِ، كنتُ أبحث منذ أيام ولم أجد، وفرحتُ حين رأيت هذا الإعلان.
تنفست بإرتياح: "الحمد لله! بالطبع سأعمل هناك."
أعطاني عنوان الشركة والتفاصيل كُلّها.
في اليوم نفسه، خرجت لشراء ملابس مناسبة للعمل. لم أسمح لكاردينيا بمرافقتي؛ خشيت عليها، فتركتها في الشقة. كنت سعيدة شعرت بأنّني أستعيد نفسي، وأبدأ بناء حياتي من جديد مع أُناس لا يعرفونني. انطلقتُ من الشقة، قاصدةً أقرب متجر. انتقيتُ منه بعض الحاجيات البسيطة، لكنّها في ذات الوقت أنيقة المظهر. في صباح اليوم التالي، استيقظتُ وبدأتُ أتهيأ ليومي، ارتديتُ بنطالًا أسود وقميصًا أبيض، وفوقهما سترة سوداء، زيًّا رسميًا يليق بالعمل تركتُ شعري البني منسدلًا على كتفيّ، ولم أضف إليه شيئًا آخر، نظرتُ إلى إنعكاسي في المرآة، وتأملتُ أناقتي البسيطة. لمستُ وجهي وابتسمتُ بتعب. بشرتي السّمراء شاحبة وباهتة، وتحت عينيّ هالات سوداء قاتمة. همستُ لنفسي بصوت خفيض: "ستزهرين." أخذتُ كلّ ما أحتاجه وخرجتُ من الشقة، أقفلتُ الباب خلفي، ونبهتُ كاردينيا أن تعتني بنفسها في غيابي. مشيتُ في الشوارع، عبرتُ بالقرب من البحر، رأيتُ النوارس تحلق في السّماء، وقليل من النّاس يتنزهون على الشاطئ. كان الجو باردًا بعض الشيء، فما زلنا في بداية شهر يونيو، نهاية فصل الشتاء، والساعة تشير إلى الثامنة صباحًا. استمريتُ في المشي، المسافة طويلة، استغرقتُ حوالي نصف ساعة حتّى وصلتُ أمام الشركة التي سأعمل بها. أمسكتُ صليبي بقوّة وهمستُ لنفسي:"ستنجحين"
دخلتُ بثقة، أحمل الملفات بيدي اليسرى، وأضمها إلى صدري بعشوائية. تحدثتُ مع السكرتيرة، لم أفهم عليها بالعربيّة، كانت تركيّة بعد دقائق، أتت سكرتيرة أُخرى، عربيّة الأصل، ومن لهجتها بدا واضحًا أنها سوريّة أخذتْ الأوراق وقرأتها جلستْ على الكرسي، وأمامها الحاسوب. نادتْ على شخص، وبعد دقائق قليلة أتى رجل، ابتسم لي ورحب بي ترحيبًا مُدهشًا. قال لي: "اسمكِ وعمركِ" -ماتيلدا أواديس، أربعة وعشرون سنة.
-تحصيلكِ الدراسي؟
-تخرجتُ في جامعة بغداد ، كلية إدارة وإقتصاد، قسم المحاسبة.
-جميل، لديكِ خبرة جيّدة في الحاسبات؟ مثلًا برنامج ,Word
Microsoft ,Excel ,PowerPoint.?
-أجل.
بقيَ يتحدث مع السكرتيرة ويكتب على الحاسوب، ثمّ ابتسم"مبارك لكِ على العمل الجديد، تمَّ توظيفكِ في شركتنا"
ابتسمتُ بفرح "شكرًا لكم"
-
اتبعيني إلى غرفتكِ الخاصة لو سمحتِ.
هززتُ رأسي إيجابًا، مشى أمامي عبرنا ممرًا فيه الكثير من الغرف، وعلى اليمين غرفتان كبيرتان، توقف عند آخر غرفة وفتحها ودخلنا، كانت الغرفة صغيرة ومرتبة، مكتب وبجانبه كرسي، وخزانة صغيرة، وكذلك ثلاجة، وعلى الطاولات حاسوب وطابعات.
-
أعجبكِ؟
-إي بالتأكيد.
-
من اليوم فصاعدًا هذا عملكِ، على الحاسبات، نسخ وطباعة الملفات والأوراق المهمة، أيّ مبدئيًا العمل السهل في شركتنا يكون لكِ وإذا نجحتِ في هذه الأشياء سوف نعطيكِ عمل أكثر من هذا، نحب الإلتزام لذلك الساعة الثامنة يجب أن تكوني موجودة، وغدًا هو يومكِ الأوّل، تهانينًا.
ابتسمتُ له وشكرته وخرجتُ فرحة، مررتُ بمحل على الشارع يبيع فطائر لحم شهية، من حسن الحظّ أنّني حولت مبلغ تركي بسيط سأحتاجه في هذا الوقت حتّى يعطوني الراتب. طلبتُ واحدة لكاردينيا وواحدة لي، وقنينة ماء كبيرة، وخرجتُ، لا توجد سيارات أجرة، لا أعرف لماذا رغم التعب، لم أهتم، لأنّي كنتُ أرى النّاس والأطفال والأجواء المدينة، بشكل طبيعي! ملابسهم، ترتيبهم، ولطافتهم في الكلام، تعاملهم وهدوئهم والطبيعة جميعها أحسسني أنني لستُ في دولة غريبة وأنّي منهم. جلستُ قليلًا على المصاطب الموجودة لأرتاح دقائق، ثم نهضتُ وأكملتُ السير، وصلتُ إلى الشقة بعد ساعة رأيت أختي نائمة، والوقت يشير إلى الثانية عشرة ظهرًا وضعتُ الأكياس في المطبخ وذهبتُ بسرعة إلى الحمام، صليتُ وأكلتُ، وتمددتُ بجانب كاردينيا ونمتُ براحة، استيقظتُ بعد ساعتين، اتصل عليّ دانيال كالعادة، يسأل عني وعما حدث في العمل قصصتُ له ما حدث، واطمأن عندما عرف أن كلّ شيء على ما يرام، خرجتُ من الشقة، كان هناك رجل كبير العمر، يبيع قهوة وبسكويت وكعك حار، شربتُ كوب قهوة لأستعيد نشاطي كانت لذيذة وكافية، عدتُ للمأوى أخذتُ دفترًا وقلمًا وبدأتُ أكتب وأخطط للأشياء التي أريد أن أفعلها.
•••••••••••
(مرَّ أسبوعان)
من الشقة إلى الشركة، هكذا مرّت الأيام، المدينة أكثر هدوء مما أعتقدتُ، أنام وأستيقظ دون خوف أو توتر، لكن يبقى القلق يرافقني عندما أذهب إلى الشركة. اليوم انتهى العمل، أخذتُ حقيبتي وخرجتُ. كنتُ بحاجة ماسة للدّعاء، فقررتُ الذهاب إلى الكنيسة. استأجرتُ سيارة أجرة لتوصيلي إلى أقرب كنيسة، كان صعبًا عليّ التحدث بالتركيّة مثلهم، لكنّه فهم عليّ من كلامي البسيط، أستغليت الأيّام الماضية لتعلّم اللّغة في أوقات فراغي وأركز على المصطلحات الضروريّة.
لم أرى كنيسة بهذا الحجم الكبير من قبل، كانت رائعة لكن الكثير من النّاس حاضرون، شعرتُ بالتقييد، لذلك صليتُ ودعوتُ وخرجتُ بسرعة. ذهبت إلى محطة النقل، كنتُ أمشي وأنا أحمل الأوراق والهاتف في يدي سمعتُ صوتًا عاليًا، صوت بوق سيارة، التفتتُ ورأيتُ سيارة خلفي تسير بسرعة.
وقفتُ في مكاني، وبطريقة لا أدركها أصبحت المسافة بيني وبينها مترًا واحدًا! صرختُ بصوتٍ عالٍ: توقف. مباشرةً وقعتُ على الأرض، لم أُصب، انفتح الباب بسرعة، نزل منها شخص لم أنتبه إليه، كانت يدي تؤلمني وتنزف، وقف قريبًا من أنفاسي وقال لي:
"Affedersiniz hanımefendi, öyle demek istememiştim. İyi misin? Söyle bana."
"عفوًا سيدتي، لم اكن أقصد، هل أنتِ بخير؟ أخبريني."
تأففتُ بإنزعاج، وقمتُ بنفض ملابسي دون أن أنظر إليه. انحنيتُ لألتقط الأوراق، وقبل أن ألامسها، انحنى هو والتقطها، رفعتُ حاجبي استياءً، ناولني إياها فأخذتها.
"Ben çok üzgünüm."
"أعتذر جدًا"
همستُ دون مبالاة: "بحقّ يسوع لا أعرف على أيّ أساس أعطوك شهادة القيادة دون خبره، تسير وتصدم الناس.
بقي صامتًا أخذتُ حقيبتي ومشيتُ استوقفني صوته، قال بنبرة مفاجأة: "هذهِ أنتِ!"
التفتتُ إليه باستغراب وردّدتُ: "أنتَ عربي؟"
لم يجبني، مشى بإتجاهي حتّى أصبح قريبًا مني جدًا ابتعدتُ خطوات قليلة، ورفعتُ حاجبي متسائلة، كان يرتدي نظارات، فلم أعرفه، ركزتُ عليه بدقّة محاولة تفسير ملامحه، ابتسم وضم شفتيه، ثمّ خلع نظاراته، فصُدمت. "إبراهيم!"
-مكتوب لنا أن نلتقي دائمًا.
انفعلت -ماذا تفعل هنا؟ وكيف عرفتني؟ ماذا تريد مني؟ تكلم دون لف ودوران؟
وضع النظارات في جيب قميصه وقال بهدوء عكس غضبي تمامًا: "اهدئي، ما بكِ؟ لم أنتبه أن هذه أنتِ إلّا عندما ركزتُ عليكِ مجرد صدفة وتفاجأتُ عندما رأيتكِ"
-لا تقنعني أن ما يحدث صدفة.
أدار وجهه وحكَّ أنفه، ثمّ نظر إليَّ مجددًا "بأيّ شيء أقسم لكِ أنني لم أتعمد حدوث هذه المصادفة؟ واللهِ كنتُ ذاهبًا إلى عملي وأنا أقود بسرعة، لم تكوني في خاطري أبدًا، أساسًا مضى عليَّ شهر في تركيا، أقسم بالله العظيم."
ركزتُ في عينيه وأجبتُ: "لماذا أنتَ مرتبك وتقسم؟ لم أطلب منك، ولو كنتَ واثقًا من كلامك لما حلفتَ أبدًا. الذي يحلف دون طلب؛ يكذب." ضغطتُ على أسناني وقبضتُ على يدي بضيق صبر وقلتُ قبل أن ينطق: "على كلّ حال في المرّة القادمة انتبه يا حضرة الضابط وأنت تقود حتّى لا تصدم شخصًا بحجّة 'دون قصد'.
ابتسم وغمز لي: "شكرًا على النصيحة يا شرسة."
لم أُجب على وقاحته، نظرتُ إليه باللامبالاة تركته ومشيتُ. سمعته يضحك توقفتُ حتّى أرد عليه التفتتُ إلى الخلف فلم يكن، الشارع خالٍ. تفاجأتُ حقًا، كيف ذهب بهذه السرعة؟ في نفس الدقيقة التي ضحك فيها التفتتُ إليه، بأيّ سرعة حرَّك سيارته؟ أيُعقل أنني أتوهّم وهو لم يضحك؟ وذهب منذ زمن؟ لا، أنا سمعتُ كلامه وليس فقط ضحكته. من الأفضل أن أعود إلى الشقة.
مشيتُ مهرولةً لم أنبس ببنت شفة إلى أن عدتُ لأختي، جلستُ على الكرسي أشعر بشحنات كهربائية بدأتُ أضرب رأسي بالحائط "من أين ظهر لي هذا؟ ماذا يريد؟ منذ رأيته وأنا أشعر بعدم إرتياح لوجوده، من أين المخرج الآن؟"
كاردينيا- اهدئي حبيبتي ماذا حصل؟ على من تتحدثين؟ اتركي رأسك لا تكوني عصبية هكذا، ليس من طبعكِ، مَن أشعل البركان الذي بداخلكِ؟
-هل يوجد غيره؟ الضابط المتطفل؟
قالت وهي تضع يديها على فمها بتفاجئ من قولي: "إبراهيم؟ ماذا أتى به إلى تركيا؟"
-لا أعرف، ألتقينا في الشارع، يقول صدفة، لكنني غير مصدقة بتاتًا.
-ولمَ العصبية؟
نظرتُ إليها وشزرتها وقلتُ: "كاردينيا!!"
"ماذا؟" قمتُ ووقفتُ بجانبها، أمسكتُ بيدها، كانت حارة، كالنار. لمستُ جبينها، هو كذلك!!
كنتُ أريد أن أقول لها "ما بكِ؟" وفجأة سقطت مغشيًا عليها.
جُننتُ، حملتها بسرعة وأجلستها على الأريكة، ركضتُ إلى الثلاجة وأخرجتُ قنينة ماء، غسلتُ وجهها لكنها لم تستيقظ.
احتَرتُ ماذا أفعل، ضممتها إلى صدري وكأنني أضم قطعة جمر من شدة حرارتها. يا رب رحمتك، أختي مُحمَّرة جدًا.
ذهبتُ وأحضرتُ عطرًا لأُشمَّمها إياه، بعد دقائق استجابت للرائحة وفتحت عينيها. جلستُ وحضنتها بقوة وقبلتها.
همست: "ماتيلدا، أنا مُتعبة."
"يا روح ماتيلدا، لماذا لم تقولي لي يا عمري؟ لماذا سكتتِ وكتمتِ على نفسكِ؟"
"كيف أقول لكِ وأنتِ أربع وعشرين ساعة تفكرين وقد صار عندكِ عمل، ما أردتُ أن أشغلكِ بي وقلتُ سأكون بخير، لكن اليوم استيقظتُ مُتعبة جدًّا وقلبي يؤلمني ومُحمَّرة وأنتِ جئتِ عصبية، لم أتمكن من أن أقول لكِ."
"لا قيمة للعمل، أنا أعمل من أجلكِ، من أجل أن أُوفِّر لكِ ما تريدين وألا أدع شيئًا في نفسكِ. صدقيني أنا فقط أريد أن تكوني بخير وألا ينقصكِ أي شيء وتنسين ما حدث في الماضي ولا تتذكرين حياتنا في العراق."
قالت كاردينيا بصوت خافت: "ماتيلدا، أنتِ قوتي."
أجبته بحنان: "وأنتِ سندي طوال العمر."
سألت وعيناها تفيضان بالدمع فجأة: "هل سيأتي يوم وتتركيني مثلهم؟" ضممتها إلى صدري وأخذتُ أُهدئ من روعها.
قلتُ بصدق: "لو خيروني بكلّ شيءٍ في هذه الحياة، لأخترتكِ أنتِ بعين مغمضة."
سألت بتردد: "والرب؟"
أجبته بحزم: "كاردينيا، أنتِ حياتي، لستِ مجرد أخت. أقوم بكلّ شيء ألا أخسركِ."
سألت بقلق: "لن يأتي يوم وتتغيرين عليّ ويتغير كلامكِ، صحيح؟"
قبلتُ رأسها وابتسمتُ بحنان: لن أتغير.
-أحبّكِ يا قوتي وضلعي الثابت.
ابتسمتُ ومددتها على الفراش، ثمّ ذهبتُ وجلستُ قبالتها. "متى شعرتِ أنكِ سُخنتِ؟"
-مضى عليَّ يومان، ليس كثيرًا، لكنني أشعر بخمول وتعب وإرهاق، والآن أشعر بالأنفلونزا.
-الجو انقلب عليكِ من سفرنا من العراق إلى تركيا، والجو بارد، واستحممتِ أكيدًا ولم تجففي شعركِ، وها أنتِ سُخنتِ وتشعرين بالبرد. أنتِ جائعة؟
-نعم لكنني سآكل بشرط؛ إذا أكلتِ معي.
أعددتُ طعامًا سريعًا، وجلسنا نأكل. طوال اللّيل بقيتُ بجانبها أُراقب حرارتها. أستيقظت وهي مُحمَّرة. قررت أذهب وأطلب إجازة. خرجتُ من الشقة، أوصيتُ جارتنا عليها، كانت امرأة طيبة كثيرًا، ولم ترفض، هي من فلسطين، أرملة تعيش مع أولادها الصغار.
ذهبتُ أوّلًا إلى الصيدليّة اقتنيتُ مسكنًا، ثمّ استأجرتُ سيارة أجرة إلى الشركة. تحدثتُ مع السكرتيرة وأردتُ أن آخذ إجازة أسبوع بسبب حالة أختي. وافقت بسهولة، قدمت لي ورقة الإجازة وقالت يجب أن يُوقع عليها المدير قبل أن تذهبي.
مضى عليَّ أسبوعان تقريبًا وأنا أداوم، لكنني أبدًا لم ألتقِ بالمدير. آتي من الصباح أعمل في مكتبي، ولكن لم تحدث مصادفة بيننا أو ترحيب.
طرقتُ الباب ثلاث مرّات إلى أن سمح لي بالدخول. "مرحبًا أستاذ." قلتها مرّتين، انتظرتُ جوابًا منه، لكنّه لم يرد. تجاهلتُ الأمر، لم أكن في مزاج يسمح لي بعمل مشكلة على التحيّة.
"أريد أن آخذ إجازة إذا لم يكن الأمر صعبًا."
مُجددًا لا يوجد ردّ، فقط هدوء وسكون مُفرط، أسمع صوت أنفاسه فقط. يتجاهلني وكأنّني غير موجودة ولا أتحدث معه. استغربتُ، تفكرتُ ثمّ ضربتُ رأسي بخفة وقلتُ: "آه نسيتُ، أنّه تركي لا يفهم العربيّة، كم أنا حمقاء، لك الحقّ.
__
نمارق رحيم✍️🏻
ما أن بدأت بالتحدث بالتركيّة والتفت الكرسي، صار وجهه مقابل وجهي وعيني بعينه، تحولت ملامحي إلى دهشة شديدة.
اصطدمت يدي وسقطت الملفات من المنضدة، همستُ بصدمة: أيضًا أنتَ!
ردَّ بهدوء: "نعم، أنا، إبراهيم."
رواية شخوص متداخلة الفصل الخامس 5 - بقلم .
اتسعت عيناي دهشة: ماذا تفعل هنا؟ أرجوك لا تخبرني أن أنّك المدير!
-اخفضي صوتك، يا شَرِسة.
صرخت: هل تسخر؟!، هل كنت تعلم أنني أعمل في هذه الشركة منذ البداية، ولم تخبرني حين التقينا؟!
رد ببساطة وهو يهز كتفيه: ربّما. أشار إلى الكرسي الّذي أمامه: تفضّلي.
-لا أريد.
-حسنًا، نعم، كنت أعلم.
أطلقت تنهيدة حارة: إذن لماذا لم تخبرني بذلك حين التقيتني بالأمس في الشارع؟ لماذا ادّعيت أنها صدفة؟
-لأنها كانت كذلك فعلًا.
صرخت باسمه مجددًا، بنبرة فقدت صبرها. "حسنًا، افصلني عن العمل. لا أريد البقاء هنا."
رفع حاجبيه: لِمَ؟
-السبب بسيط جدًّا يا إبراهيم، لا أشعر بالراحة في المكان الذي تتواجد فيه. في الواقع، أنا لا أرتاح لك أبدًا.
نظر إليّ طويلًا، ثمّ ابتسم وقال: تنطقين اسمي بشكل جميل.
تراجع بخطوات بطيئة، وجلس على الطاولة، ناظرًا إليّ بنظرة ماكرة: لن أفصلك.
ضحكت بسخرية حادّة: الأمر ليس بيدك. أنا قلت ما لدي، وعليك التنفيذ. سواء أتمّ فصلي أم لا، فلن آتي هنا مرّة أخرى.
سكت لحظة، ثمّ قال بنبرة جدّية: فكّري بأختك الصغيرة، من أين تقتنين دواءها إن لم يكن لديكِ مال كافٍ؟
أجبته بذهول: وكيف عرفت بأمرها؟
ابتسم بخبث: أخبرتني العصفورة.
-جعلتني أتأكد بأن قراري صائب، لن أعمل هنا، وداعًا، والأفضل أن تتظاهر بأنّك لا تعرفني إن صادفتني في الطريق، ولا تقترب مني أبدًا لأنّي سأكون شَرسة تمامًا كما تقول.
كنت أتحدث بانفعال بينما كان هو يبتسم، غير مبالٍ بثورتي، تمتمَ، وهو يتأمّلني بعينيه للحظات: عيناكِ السوداوان، وتلك الشامة الجميلة...كأنكِ تحملين بين ملامحكِ جمال الكون، وقد ابتُليتُ بكِ بلاء لا يُحتمل.
توقفتُ لدقائق أردت كلمة واحدة فقط تعبر عن موقفي المذهول، أجبته بعصبية: أيُّها المُتهتِّك، أيُّها العابث، ليأخذك الربّ! حسنًا؟
ضحك بصوت عالٍ، بينما كنت أرمقه بنظرات حانقة، غادرت المكتب دون أن أقول شيئًا آخر. كان الجميع يرمقنا بنظرات مندهشة، وكأنّهم سمعوا كلّ ما دار بيننا. استدرت إليهم بعصبية: على ماذا تندهشون؟ تكلموا!
لكن لم يرد أحد، بدا أنهم لم يفهموا شيئًا من الذي قلته. خرج إبراهيم بعدي، وقال بالتركيّة الصارمة: الجميع إلى العمل فورًا.
فعلوا، دون أن يجرؤ على الإعتراض. رمقته بنظرة حقد، فبادلني إياها بابتسامة هادئة. غادرتُ بخطى سريعة، وبينما كنت أنزل السلالم، أمسك بيدي."انتظري، لا تذهبي!"
نظرت إلى يده التي شدّت على يدي بقوّة. قلت له وعيناي في عينيه:"أولًا، اترك يدي."
فعل، ثمّ وقف متكئًا على خاصرته:"لماذا تحكمين على شخص لا تعرفينه بهذه القسوة؟"
-لأنّك غريب.
وقف في طريقي بعناد. "أريد التحدث إليكِ، ماتيلدا. هناك أشياء كثيرة في قلبي أريد أن أقولها."
ــوأنا لا أريد سماع شيء منك.
هز رأسه بتفهم:"ليس هناك مشكلة أن لم اتحدث الآن اتحدث غدًا."
دفعته بيدي جانبًا، وتابعت طريقي. لم أجد سيارة أجرة، فذهبت إلى المحطة وانتظرت نصف ساعة، ثمّ عدت إلى الشقة.
كنت منهارة تمامًا، تمددت على السرير أحاول استيعاب ما حدث، لكن ذهني كان مشوشًا. شعرت وكأن هناك لعبة تُدار من خلف الستار، لكن بهدوء غريب.
إبراهيم... لا أفهم هذا الرجل. غريب الأطوار، يحمل الغموض كله في عينيه، وصوته هادئ كهدوء يسبق العاصفة. شخصيته معقدة إلى حدٍّ مخيف. حاولت تهدئة نفسي، لكن بلا جدوى. كنت في صراع شرس بين القلق والتفكير المشتّت. نظرت نحو باب الغرفة، فوجدت كاردينيا واقفة تحدّق بي.
همست لها: "تعالي، لا يوجد وحوش هنا."
قبّلتها بحنان، ثم تذكرت فجأة: آه، يا الهي، نسيت كيس الأدوية في الشركة! أخبريني هل حرارتك مرتفعة؟
-لا، الحمد لله، أشعر بتحسّن.
الجرس دقّ فجأة، استغربنا... من الذي يأتي في هذا الوقت؟ عادةً لا يزورنا أحد سوى صاحب الإيجار والخالة، نظرت من خلال العين السحريّة. كل ما رأيته كان يدًا مزينة بساعة سوداء. شعرت بالريبة، تمالكت نفسي، تذكرت أنني في تركيا، هنا آمان بالتأكيد، لكن من عساه أن يكون؟ فتحت الباب بثقة، ويا ليتني لم أفعل، رأيته، للمرّة الثالثة يُفاجئني.
يرتدي ملابس رياضية بيضاء، ممسكًا بباقة ورد وعلبة شوكولاتة، وبابتسامة آسرة. صرخت بانفعال: ستجلب لي نهايتي!
ابتسم وقال: "أعوذ بالله من كلماتكِ القاسية."
تقدّمت نحوه بنبرة حادة، عيني تقدحان بالغضب:" كيف عرفت عنواني؟ ماذا تريد أن تقول؟ هذه المرّة، أقسم بربّ المسيح، لن أبقى صامتة!"
–اهدئي، يا شَرِستي.
قد جُنّ جنوني لكن لا أستطيع الصراخ، لا أريد أختي أن تراه.. "لا تستخدم صيغة الملكية في الحديث عني رجاءً!"
هزّ رأسه ببطء، حاجباه يعلوان قليلًا وكأنه يسجّل ملاحظة:حسنًا، فهمت.
–لماذا جئت؟ أجب بوضوح.
أجاب وقد انعكست في عينيه لهفة:" عيناي أرادت رؤيتك. أنا لست من قرر القدوم، بل لبيت طلبًا"
–كلامك لا يهزّني أتعلم؟، وأدرك تمامًا ما وراءه. لذا، إن لم ترحل الآن، سأتصل بالشرطة!
ابتسم ولم يكترث، وضع الذي يحمله على الأرض، ثم مدّ يده إلى جيب بنطاله، أخرج من محفظته بطاقة رسمية. ناولني إياها وهو يقول بنبرة عسكرية: معكِ الضابط إبراهيم. قولي لي من هو ذلك الكلب الذي تجرأ على إزعاج أنثى قوية تُلقب بـ"الشَرِسة"؟
–هل أعتبر هذا استهزاء؟!
ضحك قليلًا:" لماذا لا تتركين لي فرصة للكلام وأن أوضح لكِ نفسي؟"
لم أعلّق، حاولت أن أغلق الباب عليه، لكن وضع يده عمدًا، وانغلق الباب على أصابعه. شهق متألمًا، وبينما أمسَك بيده المتأذية، كنت واقفة مذهولة.
اقتربت منه مرتبكة:" آسفة، لم أقصد."
همس وهو يبتسم رغم الألم:"لكِ العذر."
شعرت بوخز ضمير. لم أستطع أن أتركه يرحل بهذه الحالة:" انتظر، سأحضر لك ثلجًا… ربّما يخفف من الألم، كاردينيا! تعالي بسرعة."
جاءت وما إن رأت إبراهيم، حتّى اتسعت عيناها بصدمة أنت؟! الضابط الذي تكاد أختي أن تكون مجنونة بسببك؟!
رمقتها بنظرة صارمة على عفويتها المزعجة، بينما هو ظلّ يبتسم وكأن كلماتها راقت له.
قلت لها: "ابقي معه وراقبيه، سأحضر له ثلجًا، الباب انغلق على يده."
أومأت دون أن تنطق، بينما ابتسم هو من فكرة "مراقبته". دخلت المطبخ، أخرجت بعض الثلج من الفريزر ووضعته في إناء، وعدت. وجدته واقفًا في مكانه. قال مازحًا:" من باب الذوق، قولي لي تفضل، ادخل، هل أبقى واقفًا هكذا؟"
-أنت تعلم لولا الحادثة لما أدخلتك؟
دخل وجلس قرب الباب وهو يقول" إلى هذه الدرجة تكرهين وجودي؟ مؤسف."
ناولته إناء الثلج، ووضع يده فيه بهدوء. لم يتكلم أحد منا. ثم وقف بعد دقائق وقال بابتسامة:"شكرًا على الجرح… وعلى العلاج أيضًا، آنسة ماتيلدا."
رددت وأنا ما زلت متوترة من قربه: "عفوًا، وأقسم باليسوع… لم يكن مقصودًا."
رفع حاجبه، مشككًا: "لِمَ تقسمين؟ من يُقسم عادةً… يكون كاذبًا."
–هل تسرق كلامي؟
-أمزح فقط.
نظرت حولي وقلتُ باستغراب: أين كاردينيا؟
قال: "كانت بجانبي حين ذهبتِ، ثمّ لحقت بكِ."
ركضت إلى المطبخ فلم أجدها. هرعت إلى غرفتنا، وإذا بها ممدّدة على الأرض، بجانب السرير، وكوب ماء مكسور بجوار يدها. صرخت باسمها، ركض إبراهيم وهو يسألني "ما الذي حدث؟!"
جلست قربها، وضعت رأسها في حضني، أضرب وجهها بخفة وأنا أتمتم: "حبيبتي كاردينيا، أفيقي، افتحي عينيكِ الجميلتين، هيا، فداكِ قلبي!"
كأنها حمامة ساكنة بين يدي، بلا حراك، لا يد تتحرك ولا ساق. تمسّكت بالأمل، تماسكت رغم الألم، ونهضت أحاول حملها.
قال إبراهيم: " لا يمكنكِ حملها، سأفعل أنا. اتصلي بالإسعاف."
–لا، لا داعي. سأأخذها للمشفى بنفسي.
–لا تكوني عنيدة. قد تتأخرين، وقد يكون الأمر خطيرًا. لا سيارة لديك، ولا توجد بسهولة سيارات الأجرة في هذا الوقت.
–حسنًا، فقط هذه المرّة. لن أطلب مساعدتك مجددًا.
–سنتناقش لاحقًا. الآن، أختكِ أولى، يجب أن نعرف سبب فقدانها للوعي.
اقترب مني، حملها بين ذراعيه، فيما أنا أسرعت لألتقط هاتفي والمفتاح، وأغلقت باب الشقة خلفي.
نزلنا بسرعة، أشار إلى سيارته:
– أمامكِ، افتحيها بسرعة.
ركضت إليها، الباب كان مقفولًا. وصل خلفي وهو يحمل كاردينيا.
– المفتاح في جيب قميصي، أخرجيه.
ترددت لحظة، ثم اقتربت، أزحت شعر أختي قليلًا، وأخرجت المفتاح بيد مرتجفة… لم أكن يومًا بهذا القرب منه.
فتحت الباب، صعدت وهي على حجري. أغلق الباب، وصعد خلف المقود، وانطلق.
بينما يقود، نظر إلي عبر المرآة:
– هناك عطر في الدرج. ناوليني إياه، لعلّه يساعدها.
أخرجته، قرّبته من أنفها، لكنها لم تستجب. شعرت بنار تحترق في صدري، خوفي عليها يفوق الوصف.
مسحت شعرها، وخاطبتها بقلق:
– كاردينيا، افتحي عيونچ، فدوة تره اختج تندفن وياچ إذا صار بيچ شي.
– إبراهيم، أسرع! أرجوك.
– لا أستطيع تجاوز السرعة، القانون لا يسمح.
– حاول.
– إن شاء الله.
– أرجوك اختر أقرب مشفى… ويفضل أن لا يكون معروفًا.
– تمام.
قضينا قرابة عشرين دقيقة حتى وصلنا. نُقلت على السدية، ودخلت غرفة الفحص.
خرج الطبيب بعد دقائق، هممت بسؤاله، لكن إبراهيم سبقني وقال:
– دكتور، دعيني أشرح لها الأمر. اذهبي أنتِ لرؤية أختك.
هززت رأسي موافِقة، فقلبي كان معلقًا بأختي، لم أرغب سوى في رؤيتها. لم أتردد، سارعت بالدخول إلى الغرفة.
اقتربت منها، طبعت قبلة دافئة على جبينها وهمست بحنان:
— "يا روح روحي، لا شيء بكِ سوى العافية إن شاء الله... خفت عليكِ، ظننت أنني سأفقدكِ وتتركينني وحيدة."
أمسكت بيدها المرتجفة، همست من جديد:
— "لا تتركيني وحدي... أنا عمري كله بجانبك."
ضغطت على يدها برفق وكأنني أستمد منها الطمأنينة.
في تلك اللحظة، دخل إبراهيم ووقف عند الباب يتأملني بصمت. أشار إليّ بيده يدعوني للخروج. أجبته بعيني: "لا أستطيع". فأعاد النظر إليّ مؤكدًا: "فقط لدقيقة." هززت رأسي بالإيجاب.
— "كاردينيا، سأذهب إلى الحمام وأعود، موافقة؟"
أجابتني بصوت خافت:
— "لا تتأخري."
— "أبدًا."
غادرت الغرفة، أمسك إبراهيم بيدي وسرنا معًا حتى توقفنا جانبًا. نظرت إليه متسائلة، حاجبي مرفوعان في انتظار الجواب، بينما هو ظل صامتًا.
— "هيا، تكلم... ما الأمر؟"
أخفض رأسه قليلًا وقال:
— "الطبيب قال إن كاردينيا تعاني من مرض في القلب."
تجمدت في مكاني، مصدومة من وقع كلماته.
— "لكن لا تقلقي... المرض بسيط، ليس خطيرًا."
— "ماذا تقول؟ كيف أُصيبت؟! أختي سليمة، أعرفها... لم تكن تعاني من أي شيء! كيف يمكن أن تمرض فجأة؟!"
— "اهدئي، دعيني أشرح لك."
— "قل لي... ما الذي قاله الطبيب بالضبط؟"
— "قال إنها مصابة بما يُسمى الرجفان الأذيني."
شعرت بألم يخترق صدري، فتمتمت بألم:
— "يا ويلي عليها... كنت أتمنى أن يصيبني أنا بدلاً منها. هي لا تتحمل شيئًا... كانت كالوردة، كيف تمرض فجأة هكذا؟!"
ردّ إبراهيم بصوت مكسور:
— "لا تلوميها... هذا بسبب الصدمة التي تعرّضت لها بعد وفاة عائلتها. هل نسيتِ ما حدث؟ الجريمة وكل تلك التفاصيل؟"
زفرت بقوة وقلت:
— "ليس هذا موضوعنا الآن... أريد أن أفهم، ما هو الرجفان الأذيني؟ وماذا قال الطبيب بالتحديد؟"
— "حسنًا، اجلسي أولًا... يدكِ ترتجف."
هززت رأسي موافقة، وجلست على أحد الكراسي. نهض إبراهيم وجلب كوبين من الماء، تناولت واحدًا منهما، فقد كنت عطشى من كثرة الحديث. جلس إلى جانبي، تاركًا مسافة صغيرة بيننا.
— "كيف تشعرين الآن؟ هل أنتِ بخير؟"
— "نعم، الحمد لله... تحدث من فضلك."
قال بصوت جاد:
— "الرجفان الأذيني هو اضطراب في نظم القلب، حيث ينبض بشكل سريع وغير منتظم. هذا يزيد من خطر الإصابة بسكتة دماغية أو فشل قلبي أو مضاعفات أخرى خطيرة."
— "أعوذ بالله... عمرها فدا عمري!"
— "نعم، الرجفان الأذيني حالة طبية تستدعي التدخل الفوري والعلاج المستمر."
شهقت بحدة:
— "لكنك قلت إنه بسيط!"
— "خفت أن تكون ردة فعلك أقوى إن أخبرتك فورًا، لذلك حاولت تهدئتك أولًا."
— "كنت خائفًا عليّ؟!"
ابتسم بهدوء وقال:
— "هل أُكمل؟"
— "طبعًا، تابع..."
— "الأعراض تشمل ضيقًا في التنفس، شعورًا بالتعب، دوارًا، ألمًا في الصدر... هل تتذكرين شيئًا منها؟"
— "نعم! كانت دائمًا تشكو من ضيق التنفس، كانت تقول إن قلبها يؤلمها، وأنها لا تتنفس جيدًا، أو تشعر بالدوار. لكنني كنت أظن أنها مصابة بالبرد أو أن الجو قد تغيّر عليها... أو ربما إنفلونزا."
— "بإذن الله، ستكون بخير."
— "آمين... وماذا قال الطبيب أيضًا؟"
— "وصف لها أدوية اشتريتها فورًا، وأكد ضرورة العناية بها جيدًا. لا يجوز أن تتعرض لأي توتر أو غضب."
— "كانت متوترة جدًا في الأيام الماضية."
— "هذا التوتر قد يؤدي إلى تدهور حالتها، فاحذري."
— "هي عيناي الاثنتان، والله!"
— "أعلم... لكن وجب التنبيه."
— "شكرًا لك... لقد أتعبتك اليوم."
ابتسم قائلاً:
— "عفوًا... تعبك راحة بالنسبة لي."
— "هل يمكنني إخراجها؟"
— "حسب الطبيب، يجب أن تبقى حتى المساء، ثم يمكنك أخذها على مسؤوليتك."
— "بالطبع... لن أبقى أكثر، سأنتظر المساء."
— "سأنتظر معكِ."
— "أحقًا تنوي البقاء؟"
أجاب مبتسمًا:
— "معكِ."
سكتُّ، رافعة حاجبي، فابتسم أكثر وقال:
— "لن أذهب، لا تحاولي. سأعيدكِ إلى الشقة ثم أذهب."
— "كما تشاء... لستَ مُجبَرًا."
— "لكنني أريد."
مرت الساعات، نظرت إلى الساعة فكانت تشير إلى السادسة مساءً.
كان إبراهيم جالسًا بجانبي، لم يتركني لحظة، وكاردينيا مستلقية نائمة بسلام.
خرجت من الغرفة، توجهت إلى الحمام، غسلت وجهي، ثم توضأت. سألت عن غرفة الصلاة، فجاءت إحدى الموظفات وأشارت لي إليها، شكرتها ثم دخلت وأغلقت الباب خلفي.
في السادسة مساءً، نشكر الرب الذي منحنا الليل سكنًا وراحة من عناء النهار.
بدأت الصلاة، أرتل المزامير في سكون، أرفع ندائي إلى الله، راجيةً الشفاء لقلب أختي... وروحي.
"مَا أَحْلَى مَسَاكِنَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ! تَشْتَاقُ بَلْ تَتُوقُ نَفْسِي إِلَى دِيَارِ الرَّبِّ. قَلْبِي وَلَحْمِي يَهْتِفَانِ بِالإِلهِ الْحَيِّ. الْعُصْفُورُ أَيْضًا وَجَدَ بَيْتًا، وَالسُّنُونَةُ عُشًّا لِنَفْسِهَا حَيْثُ تَضَعُ أَفْرَاخَهَا، مَذَابِحَكَ يَا رَبَّ الْجُنُودِ، مَلِكِي وَإِلهِي. طُوبَى لِلسَّاكِنِينَ فِي بَيْتِكَ، أَبَدًا يُسَبِّحُونَكَ. سِلاَهْ. طُوبَى لأُنَاسٍ عِزُّهُمْ بِكَ. طُرُقُ بَيْتِكَ فِي قُلُوبِهِمْ. عَابِرِينَ فِي وَادِي الْبُكَاءِ، يُصَيِّرُونَهُ يَنْبُوعًا. أَيْضًا بِبَرَكَاتٍ يُغَطُّونَ مُورَةَ. يَذْهَبُونَ مِنْ قُوَّةٍ إِلَى قُوَّةٍ. يُرَوْنَ قُدَّامَ اللهِ فِي صِهْيَوْنَ. يَا رَبُّ إِلهَ الْجُنُودِ، اسْمَعْ صَلاَتِي، وَاصْغَ يَا إِلهَ يَعْقُوبَ. سِلاَهْ. يَا مِجَنَّنَا انْظُرْ يَا اَللهُ، وَالْتَفِتْ إِلَى وَجْهِ مَسِيحِكَ. لأَنَّ يَوْمًا وَاحِدًا فِي دِيَارِكَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ.
اخْتَرْتُ الْوُقُوفَ عَلَى الْعَتَبَةِ فِي بَيْتِ إِلهِي عَلَى السَّكَنِ فِي خِيَامِ الأَشْرَارِ. لأَنَّ الرَّبَّ، اللهَ، شَمْسٌ وَمِجَنٌّ. الرَّبُّ يُعْطِي رَحْمَةً وَمَجْدًا. لاَ يَمْنَعُ خَيْرًا عَنِ السَّالِكِينَ بِالْكَمَالِ. يَا رَبَّ الْجُنُودِ، طُوبَى لِلإِنْسَانِ الْمُتَّكِلِ عَلَيْكَ"[21].
"أَسَاسُهُ فِي الْجِبَالِ الْمُقَدَّسَةِ. الرَّبُّ أَحَبَّ أَبْوَابَ صِهْيَوْنَ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِ مَسَاكِنِ يَعْقُوبَ. قَدْ قِيلَ بِكِ أَمْجَادٌ يَا مَدِينَةَ اللهِ: سِلاَهْ"[22]. ويدعون قائلين: "لأَسْكُنَنَّ فِي مَسْكَنِكَ إِلَى الدُّهُورِ. أَحْتَمِي بِسِتْرِ جَنَاحَيْكَ. سِلاَهْ"[23].
أنهيت صلواتي، أغمضت عيني برهة، وضعت كفّي فوق كفّي ورفعت الدعاء بحرارة من أعماقي.
— "يا مريم العذراء، أرجوكِ سانديني... لم أعد أملك القوة. كاردينيا، شقيقتي، إن ساءت حالها، ستنهار قواي كلها... وهي تستمد مني الصبر والقوة، فكيف أضعف أمامها؟ أرجوكِ، الطفِي بها، وامسحي عنها الألم."
هدأت روحي بعد الدعاء، أمسكت بصليبي بقوة، وعدت أدراجي إلى غرفة كاردينيا. كان إبراهيم هناك، نائمًا على الكرسي، ذراعاه متشابكتان وصدره يعلو ويهبط بهدوء. لم أتمالك نفسي، ضحكت خلسة على منظره، وتذكرت عناده عندما رفض الذهاب... مشكلته أنه لا يعرف التراجع.
جلست أنتظر اقتراب الساعة السابعة، لأصطحب كاردينيا وأعود إلى الشقة. وما إن جلست حتى دوّى صوت الجهاز فجأة. فزع إبراهيم مذعورًا وهو يصيح:
— "هجوم؟! أين سلاحي؟!"
ضحكت، ضحكة خرجت من القلب، ربما للمرة الأولى منذ وفاة عائلتي وسفري... ضحكة حقيقية، بريئة، أخرجتها ردة فعله الطريفة.
— "أنت في المستشفى، حضرة الضابط إبراهيم، لا في المركز."
فتح عينيه وحدق بي، ثم ضحك وقال:
— "يلعن إبليسك!"
— "صح النوم."
— "صح بدنك، ودامت ضحكتك."
— "شكرًا."
— "ضحكتك... تمزّق قلبي من شدّة جمالها."
— "عفوًا؟ ألستَ تتجاوز حدودك الآن؟ أم أنني مخطئة؟"
ابتسم بخبث:
— "أنتِ المخطئة."
هممت بالرد، لكن الطبيب دخل، فاضطررنا إلى الصمت. إبراهيم حاول كتم ضحكته، بينما كنت أرمقه بنظرات حادة.
مرّت ساعة، استيقظت كاردينيا، ساعدتها على النهوض، ثم خرجنا من الغرفة. وقبل أن أخطو خارج الباب، وجدته واقفًا في وجهي.
-إلى أين؟
-إلى الشقة طبعًا.
-إذن، فلنذهب.
-نذهب؟ لا تقل لي أنك تنوي إرجاعي أنت أيضًا؟
-بالتأكيد. أتركك تخرجين في هذا الوقت، مع أختك المريضة؟! هل فقدتِ صوابك؟
-ومن أنتَ، مع احترامي، لتتصرف وكأنك مسؤول عني؟ هل أنا بهذه الأهمية؟
-أكثر مما تتصورين.
-إبراهيم!
-نعم، هيا، تأخرنا.
وقفت في مكاني، مترددة. فقال وهو يبتسم بنصف جدية:
-أعدك، هذه المرّة الأخيرة التي أوصلكِ فيها، فقط لأن الوقت متأخر ولأن أختكِ مريضة... أقسم بذلك.
-حقًا؟
ضحك:
-لماذا أنتِ دائمًا متسرّعة في إصدار الأحكام؟
-خصوصًا معك أنت.
-هيا بنا، هيا.
أكملت إجراءات الخروج ووقّعت على الأوراق، ثم هو تولّى دفع التكاليف. لم أعترض، كنت متوترة، قلقة على كاردينيا التي كانت مستلقية على الأرض في لحظة غياب عن الواقع. نسيت أن أحمل نقودًا معي، لكنني قررت أن أعوّضه حين نعود إلى الشقة.
ركبنا السيارة، وعندما وصلنا، فتحت باب الشقة، دخلت كاردينيا إلى الداخل، بينما بقي هو واقفًا عند الباب، يبتسم.
نظرت إليه بتساؤل فقال:
-الوردة التي وضعتها عند الباب لم تدخل... لم يحالفها الحظ، فذبلت. وعلبة الشوكولاتة... لا داعي لذكرها. حظي سيئ كما ترين."
رمقتُ الوردة الذابلة وابتسمت:
-لم يكن مقدّرًا لها.
-ربّما.
-قبل أن تذهب، انتظر لحظة.
-بالطبع، ولكن من باب الذوق، ألا تسمحين لي بالدخول؟
-بالطبع لا، الدخول ممنوع.
ضحك:
-كنت أمازحك. حسنًا، سأنتظر هنا.
أغلقت الباب، توجهت إلى الغرفة، وجدت كاردينيا قد نامت فورًا، حتى دون أن تغيّر ملابسها. فتحت خزانتي، أخذت منها مبلغًا مناسبًا وعدت إلى الباب. فتحته، فوجدته واقفًا، متكئًا على الحائط، إحدى يديه في جيبه، والأخرى على ذقنه. يبتسم.
-دامت ابتسامتك.
تأملني، ثمّ عدّل وقفته وقال:
-آمين.
اقتربت منه، وضعت المبلغ في يده:
-هذا ثمن الأدوية وتكاليف المستشفى.
ضحك وهو يأخذ المال:
-كنت أعلم أنك ستأتين. توقعت أن تفتحي الباب، تمدّي يدك، وتقولين: تفضل، هاك!
ضحكت:
-لأنك تعلم أنني لا أحب أن يدفع أحد عني.
-ولهذا سأخذها. لأنكِ إن لم تعطيني المال، ربما ستتصلين بالشرطة... وتقولين: رفض أخذ أمواله!"
ضحكنا معًا، ثمّ ساد بيننا لحظة صمت قصيرة.
همست له:
-شكرًا.
-على ماذا؟
-لا أعلم... لكن وقوفك إلى جانبي اليوم يكفي لأقول لك شكرًا.
أجاب بنبرة دافئة:
-لا، بل أنا من يشكركِ.
-لماذا؟
-لأنني أنهيت يومي وأنا أنظر في عينيكِ.
__
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل السادس 6 - بقلم .
سَكَتُّ، وبادلته النظرة... شعرتُ حينها بصدق كلماته. لا أعرف ما الذي أصابني في تلك اللّحظة، أحسستُ بشعورٍ غريب، غريب جدًّا.
تفاجأتُ من نفسي... لماذا التزمتُ الصمت؟ لماذا تركته يتحدث بحريّة؟ لماذا منحته الفرصة ولم أقاطعه؟
همس مبتسمًا وهو يحدّق في عينيّ بتركيزٍ حاد: ماتيلدا، أنتِ مُميزة. أحببتُ قوتكِ وشخصيتكِ. للمرّة الأوّلى أرى امرأة بهذا القدر من الصلابة، حتّى الموت لا يهزّك! هذا يعجبني، اعتبريه مديحًا... أو ربّما جرأة زائدة مني.
سكتُّ.
-أأعتبر صمتكِ علامة رضا وقبول؟
-لا، فقط أريد أن أرى إلى أين تريد الوصول؟
ابتسم، وصمت. ظلّ يحدّق بجرأةٍ لافتة ثمّ تقدّم نحوي قائلًا: هل ستباشرين العمل في الشركة؟
-لا.
-لماذا؟
-لقد أخبرتك بالسبب، لا تخدع نفسك.
-لأنّك لا تطمئنين في وجودي؟
-أجل.
-لستُ شيطانًا، كيف أقنعكِ أن نيتي معكِ ليست سيئة؟
-لا تحاول إقناعي، لا حاجة لذلك.
-كما تشائين... لكن ألم تفكّري بأمر أختكِ وعلاجها؟
-سأتدبّر أمر العمل.
-لا توجد وظائف بهذه السهولة في تركيا.
-الرب موجود.
سكت لحظات، ثمّ سأل:
-لا مجال إذن؟
-أبدًا.
-كما تشائين، لن أتوسل إليكِ.
حدّقت في وجهه، لم أتمالك نفسي من الضحك على كلماته...
-على ماذا تضحكين؟
تمالكتُ نفسي بصعوبة، وقلتُ:
-عليك.
-حقًا؟!
أقترب أكثر، ثمّ دفعني إلى الحائط، ويداي أصبحتا على صدره...
-ماذا فعلت؟! ابتعد!
-لم أفعل شيئًا... فقط أردت إسكاتكِ. ضحكتكِ مسموعة، وإن خرج أحد وسمعكِ، ماذا سيقول عنك؟. دفعته بقوّة من صدره وصفعته، قلتُ بإنفعال: إن كنتَ مهتمًّا بسمعتي لهذه الدرجة، أبتعد عني، حضرة الضابط إبراهيم. ومن الأفضل ألا أراك مجددًا!
-هكذا إذن؟
-نعم، وإن لم تذهب للأبد فسأتصل بالشرطة.
-تمام، ذاهب... تصبحين على خير. اعتني بنفسكِ وبصحة أختكِ، وإن احتجتِ شيئًا، فأنا موجود دائمًا في الشركة.
لم أُجِب. دخلتُ الشقة وأغلقتُ الباب، قلبي كان على وشك أن ينفجر. الحوار معه مستفزّ جدًّا، جعلني أتوتر بشدّة، كان شعورٌ غريب. تمددتُ على الأريكة. لم يأتِني النوم، ولا غفَت عيناي. قضيتُ اللّيل بأكمله أفكر فيه. لم أقتنع أن نيّته طيبة. تكرار الصدف جعله يبدو كاذبًا ومخادعًا. لكنه كان متواجدًا اليوم، لم يتركني لحظة، ظلّ بجانبي في المستشفى، وأشترى الدواء. كلامه قبل أن يغادر جعلني أفكر فيه بطريقة مختلفة... ربّما... ربّما يكون صادقًا؟
شعرتُ بتناقض في مشاعري وتفكيري.
عقلي يقول لي: "لا تثقي به."
وقلبي يقول: "إبراهيم يحبك أو معجب فعلًا!"
صمتُّ... تركتُ التفكير، لأنني إن استمريت على هذا الحال، فسأُجن بسببه. وفي النهاية، مرجعي دائمًا هو عقلي. من جهة، هو لم يعترف ولم يُلِحّ على حبّه، بل قال إنّ نيّته معي ليست سيئة. ومن جهة أخرى، يتغزّل بي بكل جرأة! لم أشعر بالوقت، حتّى أصبحت الساعة الرابعة فجرًا.. تفكيري كان متشعبًا جدًا. أخيرًا سلّمت أمري لله، وأغمضتُ عينيّ...
*******
في صباح اليوم التالي، استيقظتُ على لمسات كاردينيا على شعري، وهمساتها الحنونة:"استيقظي، يا زهرتي"
-صباح الورد، يا روحي. كيف أصبحتِ؟"
قالت كاردينيا بابتسامة:
-أنا بخير، الحمدُ للرب. أشعر بتحسن منذ أن أخذت العلاج... وأنتِ؟
أجبتها باستغراب:
-ولِمَ هذا السؤال؟
-أعلم أنكِ لم تنامي حتّى الفجر.
-عادي، وما المشكلة؟
-المشكلة في قلبكِ.
-ماذا؟!
-أعرف أنكِ كنتِ تفكرين بالضابط (صاحب النجوم)، وأنّكِ بدأتِ تميلين إليه وتحبينه على ما أعتقد!
-لا يوجد شيء من هذا القبيل يا أختي! هل جننتِ؟ أن أحب هذا الضابط الفضولي المستفز؟ بالطبع لا، دون شك.
-لا تكذبي، كلّ شيء واضح في عينيكِ.
-هل رأيتِ حلمًا بي وأنا متزوجة من إبراهيم؟
ضحكتُ:
-بعيدًا عن المزح، فقط أريد أن أسألك سؤالًا.
-اسألي، يا ست كاردينيا!
-هل تحبينه فعلًا؟ بحق السيدة العذراء؟
-لماذا تريدين تعكير مزاجي منذ الصباح؟ قلتُ لكِ لا! ألا تفهمين؟! قلبي لا ينبض له، وإن نبض، في تلك اللّحظة سأخبركِ فورًا، لا تقلقي!
-سنرى...
-أرجوكِ غادري وجهي!
ضحكت وغادرت...
فتحتُ الثلاجة... كانت فارغة، لا شيء سوى الحليب. أخذتُ محفظتي وأنا أرتب شعري قلتُ لها: "أغلقي الشقّة، سأعود خلال نصف ساعة." أومأت برأسها.
الجو كان دافئًا ذهبتُ إلى السوبر ماركت القريب من العمارة، اشتريتُ بيضًا، أجبانًا، وبعض الحلويات لها. ثم توقفت عند بائع الكعك يصنع كعكًا شهيًا جدًّا، خاصّة في الصباح. وبجانبه شخص يبيع القهوة. شربتُ كوبًا، ثمّ عدتُ إلى المسكن. حضّرتُ الفطور رغم أنني لم أكن جائعة بعد كوب القهوة، لكن فقط لأجل كاردينيا الغاليّة، جلستُ بجانبها، لأنها لا تحب أن تأكل بمفردها.
حضّرت لها لفائف الطعام، وأطعمتُها بيدي، وسقيتُها الحليب. وحين انتهت، أعطيتُها حبتها الدوائية. تحدثتُ معها عن مرضها، لكنني لم أخبرها بخطورته، حتى لا تخاف.
قلتُ لها إن الأمر بسيط، وكثيرون يمرضون ويتعالجون ويشفون. اطمأنت لكلامي، وسكتت. ولم تفتح الموضوع مجددًا.
اقترحتُ عليها قائلة:
-ما رأيكِ أن تقضي بعض الوقت أمام التلفاز أو تأخذي قيلولة؟ وفي العصر نخرج لنُغيّر الأجواء قليلًا، أعلم أنّكِ ترغبين بالخروج، لكنّكِ لا تُصرّحين، وأنا أعترف، الشهران الماضيان كنتُ مشغولة ولم أخصّص لكِ الوقت الذي تستحقينه... ولكِ الحق عليّ.
فرحت كاردينيا كثيرًا بكلامي، ومنذ تلك اللحظة صارت تترقّب العصر بشوق، تسألني مرارًا: متى سنخرج؟
وكنت أبتسم من سعادتها، كأن ابتسامتها كانت تُكافئني عن كل انشغالاتي.
بعد الظهر، أديتُ الصلاة، ثم حضرتُ الغداء.
جلستُ بعدها في الصالة، وأخذتُ هاتفي واتصلتُ بـ دانيال.
رنّ الهاتف، ثم أجاب بسرعة:
- "عجيب! رديتَ بسرعة اليوم، عادةً ما تترك قلبي يرتجف قبل أن ترد!"
ضحك وقال:
- "كنتُ على وشك الاتصال بكِ، للاطمئنان... لكنكِ سبقتني."
- "القلوب عند بعضها، أليس كذلك؟"
- "بالتأكيد."
- "كيف حالك؟"
- "الحمد لله، أشتاق إليكِ والرب شاهد."
- "وأنا أكثر، لكنك تعرف الظروف... ليس بيدي، ولا قلبي طاوعني على ترك العراق. لكنك تعرف السبب، ولا داعي للتكرار."
- "نعم، أعلم. الله كريم... وأنتِ كيف حالكِ؟"
- "حياتي تسير بين الشقة والشركة. لكن حصل أمر لم أكن أتوقعه، وقلب الموازين كلها."
- "ما الذي حدث؟! أرجوكِ لا تُخيفيني!"
- "تتذكر الضابط إبراهيم الذي أخبرتك عنه؟ الرجل الذي ساعدني يوم احترق البيت..."
- "نعم، ما به؟"
- "يسكن هنا، في تركيا، وفي ذات الحي!"
- "حقًا؟ ربما صدفة."
- "ربما... لكن الأمر الأعجب أنه مدير الشركة التي أعمل بها!"
- "لحظة! كيف يكون ضابطًا ومدير شركة؟"
ضحكتُ:
- "لا شيء يصعب عليه."
- "هل ترتاحين له؟ إن لم تكوني مرتاحة، سأبحث لكِ عن حل حتى لو اضطررتِ للانتقال من المنطقة."
- "وماذا أفعل بعدها؟ أظل أبحث عن سكن أنام فيه؟ أنا لا يهمني، لكن أختي؟ ومرضها؟ لا أستطيع أن أرهقها أكثر... سأبقى في الشقة وأتجاهل الضابط. وإذا تجاوز الحدود، سأعرف كيف أتصرف."
- "لحظة! كاردينيا... ما بها؟ ما مرضها؟ ماذا يحدث؟!"
فأخبرته بكل شيء.
صمت قليلًا، ثم قال بنبرة مُتحيّرة:
- "صراحةً، لم أقتنع! كانت مثل الوردة، في كامل صحتها... أعلم أن ما مررتن به ليس سهلًا، لكنه لا يُفسّر ما حصل لها. كيف أُصيبت بمشكلة في القلب بين ليلة وضحاها؟"
- "أنا تأكدت بنفسي، رأيت التحاليل والتقارير. لكنني مؤمنة أن الله أرحم وألطف. إن شاء الله تتعافى ولا يصيبها أذى."
تنهد وقال:
- "إن شاء الله."
- "أريدك أن تجد لي عملًا."
- "لماذا؟"
- "لأن إبراهيم هو المدير، وقد أخبرته أنني لن أعود إلى الشركة. طلبت منه أن يفصلني."
- "اتخذتِ القرار دون تفكير! في وضعك الحالي، أين ستجدين عملًا بسهولة؟"
- "سأتدبّر أمري، لا شيء مستحيل."
- "سأبحث لكِ، وآمل أن أجد وظيفة مناسبة... ادعي لي، لأني لست مطمئنًا."
- "الله كريم... خذ راحتك."
- "الله معكِ، اعتني بنفسكِ، وقبّلي كاردينيا عني."
- "سأفعل... في عينيّ."
أغلقتُ الخط، وانتظرت حتى الساعة الخامسة، ثم استعددنا للخروج.
رغم أنني أردتُ أن نمشي، لأن الأجواء كانت دافئة ومنعشة، فضّلت أن أستأجر سيارة أجرة لأجل كاردينيا، خشية أن تُرهقها المسافة.
ذهبنا إلى منتزهٍ عائلي، واستمتعنا بوقتنا هناك. قضينا ساعتين من المرح، ثم دخلنا مطعمًا قريبًا. طلبتُ لفّتَي كباب وبعض العصائر بدلًا من المشروبات الغازية، لأنها لا تناسب حالتها.
جلسنا على رصيف الشارع العام، نأكل ونضحك. كنا نراقب الناس، والأضواء حين بدأت تنير المكان زادت المشهد جمالًا.
حين انتهينا، بدأتُ أمشي ممسكة بيدها، منحتها حرّيتها الكاملة، لتفعل ما تشاء، فقط لأجل حالتها النفسية.
وحين اقتربت الساعة من التاسعة، استأجرتُ سيارة وطلبت من السائق ـ بالتركية التي بدأت أتعلمها مؤخرًا ـ أن يوصلني إلى أقرب كنيسة. رغم بُعد المكان، أصريت على الذهاب.
حين وصلنا، كانت الساعة تقترب من العاشرة. دخلنا، فذهبت كاردينيا لتُصلي وجلست بعدها تنتظرني في المقاعد الخلفية.
أشعلتُ شمعة لأجلها. كان الأب حاضرًا، فاقتربت منه وأخبرته بحالة أختي، فابتسم، ووقف إلى جواري، وبدأ يدعو لها:
> "أيّها الرب الطبيب الأعظم، إليك نأتي بكل ثقة وتواضع، واثقين بعظمة رحمتك وحنانك، خصوصًا نحو المرضى والمتألمين.
نضع بين يديك المريضة كاردينيا، راجين من جلالك أن تلمسها بيدك الحانية لمسة شفاء.
فقد قلتَ: تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم.
فارحم، يا رب، ابنتك، وامنحها الشفاء التام، وأعدها إلى عائلتها سالمة من كل وجع وضيق.
نشكرك على نعمك ومحبّتك، ونطلب أن تتحقق مشيئتك بما فيه خيرٌ للمريضة وأهلها، فأنت إله الخير، وكل ما يخرج منك صالح.
فأنتَ في التعب راحة، وفي الحزن عزاء، وفي المرض شفاء... عليك اتكالنا، وفيك رجاؤنا.
ومنك نطلب، بشفاعة أمّنا السيدة العذراء، التي لا تُخيّب رجاء من يطلب شفاعتها...
فاستجب، يا رب.
آمين."
ابتسمتُ بتأثر عندما انتهى من الدعاء، وشكرته قائلة:
- "شكرًا، أبي."
بقينا هناك نصف ساعة إضافية، ثم خرجنا.
عدنا إلى الشقة قرابة الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.
نامت كاردينيا، بينما جلستُ أتصفح هاتفي، واشتقت إلى لورين... اتصلتُ بها فورًا.
أجابت بصوت عتب:
- "شهران وأنا قلقة عليكِ! لم تتصلي، ولم أملك رقمك الجديد!"
- "أعلم، أنا آسفة جدًا، نسيت... وانشغلت كثيرًا في عملي. حتى دانيال، أكلمه مرة في الأسبوع لخمس دقائق بالكاد!"
- "لا بأس... حصل خير. كيف حالكِ؟ هل استقرّت حياتكِ الجديدة؟ والله أشتاق إليكِ كثيرًا!"
- "يا عمري، أنا أشتاق أكثر! وكل شيء بخير... الحياة تمضي."
أنهَيتُ المكالمة مع لورين بعد حديثٍ طويل.
وفي صباح اليوم التالي، اتصل بي دانيال وأخبرني أنه لا يزال يبحث لي عن عمل، ويطّلع على الإعلانات بشكلٍ يومي.
مرّ أسبوع كامل دون أن أعثر على وظيفة مناسبة. بدأت أفقد الأمل تدريجيًا.
وذات يوم، حين شعرتُ بالضيق، قررت زيارة جارتنا السورية "أم صلاح". جلستُ بجانبها، فدعتنا على العشاء وقالت إنها تشعر بالوحدة وتحبّ أن تتونس بنا. ناديتُ على كاردينيا، فجلست معنا. بقينا هناك حتى وقتٍ متأخر، نتناول الطعام ونتبادل الأحاديث... كانت "أم صلاح" صاحبة حديثٍ لطيف يُنسي الهموم.
في لحظة هدوء، أخبرتها أنني أبحث عن عمل، فقالت إن محلًا جديدًا لملابس الأطفال قد فُتح مؤخرًا في آخر الشارع، ويبحث صاحبه عن عاملة... لم تتردّد في اقتراحه عليّ.
أعجبتني الفكرة ولم أرفضها. أعطتني اسم المحل، لكنني قررت أن أُحادث دانيال أولًا لأعرف رأيه.
سهرنا عندها حتى الفجر، ثم عدنا إلى الشقة.
وفي الصباح، اتصلتُ بدانيال وأخبرته. أجاب بحماسة:
- "إذًا، ما الذي تنتظرينه؟ اذهبي فورًا! الحمد لله، أخيرًا وُجد العمل."
أخبرتُ كاردينيا بالأمر، ثم خرجت من المنزل.
كانت الأجواء هادئة، تمشيتُ قليلًا حتى وصلت إلى المحل... كان اسمه واضحًا على اللافتة.
دخلتُ بهدوء، وتحدثتُ إلى صاحب المحل، وأخبرته أنني جئت من طرف "أم صلاح". رحّب بي واتفقنا على الراتب، وأخبرني أن أوقات الدوام ستكون من الثامنة صباحًا حتى الرابعة عصرًا.
عدتُ إلى الشقة، فرِحةً لأنني وجدت عملًا أخيرًا، لكن في داخلي شيء من الحيرة... كيف أترك كاردينيا وحدها طوال اليوم؟
حضّرت غداءً خفيفًا، وجلست معها لأخبرها. ابتسمت وقالت بثقة:
- "أنا لستُ جبانة، لا تقلقي عليّ. اذهبي واعملي، واطمئني... هل نسيتِ أنني تعلّمت القوة منكِ؟ كيف أخاف، وأنتِ أختي ماتيلدا؟!"
ضحكتُ وقرصتُ خدها بحنان:
- "أسعدتِ قلبي بكلامكِ. لكن مهما كبرتِ، ستبقين أختي الصغيرة، ويظل قلبي معلقًا بكِ!"
- "ماتيلدا! عمري تسعة عشر عامًا! كُفي عن قول (صغيرة)!"
- "في عيني، ستظلين دائمًا الطفلة المدلّلة المشاكسة."
- "ستُغرينني بأن أبيع عنادي عليكِ!"
عانقتها وأنا أضحك من قلبي...
وفي أول يومٍ لي بالعمل، شعرت براحة غير متوقعة. كان العمل بسيطًا، ممتعًا، وخفيفًا.
كنت أستيقظ صباحًا، أحضّر فطورًا لكاردينيا، أحتسي قهوتي، ثم أخرج إلى عملي. أعدّ الدقائق حتى الرابعة عصرًا، لأعود إليها من جديد.
مرّ الأسبوع الأول سريعًا. كنت منشغلة بين العمل واهتمامي بأختي حتى نسيت همومي كلّها.
*******
أكتوبر/ الإثنين.
الساعة الثامنة صباحًا
وصلتُ إلى المحل كعادتي، لكنني تفاجأت أن الرجل الذي قابلني ليس نفسه صاحب المحل!
سألتهُ مباشرةً:"من تكون؟"
أجاب:
- "Ben onun kuzeniyim"
"أنا ابن عمه."
نظرتُ إليه بريبة، ثمّ أجبته باقتضاب:
- "Tamam"
"حسنًا."
لم أُطِل الحديث. تجاهلته وذهبت لأفرغ البضائع الجديدة. بدأتُ بتعليق الملابس وترتيب بعضها في المخزن. مرّت الساعات، ولم تأتِ أيّ من العاملات! لم تكن عطلة، وكان من المفترض أن يكون الجميع حاضرًا، لكنني بقيت وحدي... وهو! رغم الحرج، قررت التزام الصمت، فبضع ساعات وتمضي. دخل بعض الزبائن واشتروا القليل، ثمّ خرجوا. لكن طوال تلك الساعات، لم يُبعد الرجل عينيه عني كانت نظراته غريبة... موحشة... تشعرني بالقرف. وحين اقتربت الساعة من الثالثة، قررت الانصراف قبل الموعد المعتاد. شعرت بالاختناق من نظراته. رتّبتُ المكان، وضعت الصناديق في المخزن، وأعددت نفسي للخروج. خرجتُ من المخزن، أخذتُ حقيبتي، وتوجهت نحو الباب، لكنه سبقني وأغلقه بسرعة، ثم أمسك بيدي! تجمّدتُ لحظة. نظرت إليه مباشرة، أحاول أن أقرأ ملامحه، أو أجد تفسيرًا لتصرفه الغريب.
- "Kapıyı neden kapattın?"
"لماذا أغلقتَ الباب؟"
ردّ بوقاحة:
- "Çok güzelsin ve senden hoşlanıyorum!"
"أنتِ جميلة جدًّا، وأنا مُعجب بكِ!"
ضحكت بسخرية وقلت له:
- "Teşekkür ederim"
"شكرًا."
لكنه تمادى وقال:
- "Yer boş, sadece sen ve ben... Beni öpmeye ne dersin?"
"المكان خالٍ، أنا وأنتِ فقط... ما رأيكِ أن تُقبّليني؟"
تفاجأت من جرأته القذرة!
سألته ببرود:
- "Emin misin?"
"هل أنت متأكد؟"
هزّ رأسه علامة على الموافقة، فابتسمتُ في وجهه وقلت:
- "Peki, yakınıma gel."
"حسنًا، اقترب مني."
اقترب، أمسك وجنتَيّ بكلتا يديه، وحين اقترب ليُقبّلني، كنتُ مستعدة... ضربته بكلّ قوتي في موضعٍ لا يُنسى بالتأكيد! سقط أرضًا يتلوّى من الألم، وأنا أضحك ضحكة لا مبالاة. أخذتُ المفاتيح من جيبه، فتحت الباب، وقبل أن أغادر، قلت له:
- "Umarım kız kardeşlerini öpersin!"
"أتمنى أن تُقبّل أخواتك!"
حاول الوقوف، فدفعته بقوّة وسحبت الباب خلفي وأغلقته. وضعت المفاتيح فوق سلة المهملات المجاورة، وسرتُ بهدوء، وكأن شيئًا لم يكن.
عدتُ إلى الشقة، رويت كلّ ما حدث لكاردينيا، ضحكنا معًا حتّى البكاء. لكنّي لم أستطعْ كتمان الأمر، فاتصلت بدانيال، وكان هو الآخر يضحك من كلّ قلبه.
قال مازحًا:
-لماذا لم تُبادليه القبلة؟ لقد تحسّر قلبه المسكين!
-أخواته موجودات!
ضحك من جديد:
-الرب يلعنه! حتّى في مكان عمل، تغلبه شهواته؟ أين عقول هؤلاء؟
-ربّما في سلة المهملات أو المجاري!. لن تعودي إلى ذلك المحل، صحيح؟
-بالطبع لا! لا أريد عملًا كهذا.
-وظيفة بحث عن القُبل؟!
-أغلق الموضوع... لقد تقزّزت نفسي!
-حسنًا... نفتح موضوعًا جديدًا؟ أنا مشتاق إليكِ، بقدر رحمة الرب!
قال دانيال بصوتٍ تغلبه العاطفة:
-أنا أشتاق إليكِ أكثر، والرب يشهد! كلّ يوم أحنّ إلى أيامنا القديمة... يلعن الظروف التي باعدت بيني وبين أهلي وأصدقائي. لم يتبقَّ لي سوى أنتِ ولورين!
-سيزول كلُّ شيء، تهون بإذن الله... قبل أن ننهي الاتصال، دعني أخبرك شيئًا.
-ما هو؟
-لماذا لا تعودين إلى الشركة؟
-عفوًا؟! دانيال، هل أنتَ جادّ؟!
-ماتيلدا، لننظر للموضوع من زاوية مختلفة. أنتِ من ضخّمتِ الأمر! واضح أن إبراهيم لا يُريد بكِ سوءًا، وإلّا لما بقي صامتًا قرابة شهر، لم يزعجكِ، ولم يصادفكِ حتّى وهو في نفس المنطقة. لو أراد الأذى لفعل شيئًا، لكنه لم يفعل. ألا ترين أن كلامي منطقي؟"
-أبدًا... كلامك غير مقنع.
-إلى متى ستظلين هكذا؟
-دانيال، لا أستطيع إطلاق حكم على شخصٍ لا أعرفه. إبراهيم بالنسبة لي كتلة من الغموض... لا أستطيع أن أظلمه، فأنا لا أعرفه حقًا. وبذات الوقت، لا أقدر أن أمنحه ثقتي للأسباب نفسها!
-أنا أرى أن عودتكِ إلى الشركة هي الحل الأفضل، فلا عمل أنسب من هذا، ولا بيئة أفضل.
-سأفكر..
-حسنًا، إن حدث شيء، اتصلي بي فورًا، تصبحين على خير، واعتني بنفسكِ يا زهرتي.
-في أمان الربّ.
*******
أنهيتُ المكالمة، وفي اليوم التالي، طرق باب الشقة صاحب المحل السابق، يعتذر عمّا فعله ابن عمّه. يبدو أنه علم بالأمر وندم. طلب مني أن أعود للعمل، لكني رفضت بكل حزم وأخبرته أنّي لا أنوي العودة هناك مجددًا.
مضى أسبوع على ذلك... كنا نعيش على أمل خافت، لكن علاج كاردينيا قد نفد، والطبيب طلب أن أشتري كمية إضافية... ثمن العلاج كان مرتفعًا جدًا، ولم أكن أملك المبلغ.
عدتُ إلى الشقة وأنا أحمل شعورًا خانقًا... ليس بسبب العجز، بل بسبب ألمي على أختي. قلبي يئن عليها، فهي روحي وكلّ حياتي. إن لم أُدبّر ثمن العلاج، ستسوء حالتها أكثر!
أخفيت عنها كلّ شيء. لم أُرد لها أن تشعر بأي ضيق. بحثتُ عن عمل من جديد، بكل الطرق الممكنة، بلا جدوى. دانيال كان يبحث معي، يسأل أصدقاءه، يتابع الإعلانات.. لكن دون أيّ فائدة.
كنت بين نارين: أختي... وعلاجها. كلّ شيء بحاجة إلى المال، وكلّ ما أملكه من عزيمة لم يكن كافيًا. لم أكن قلقة على نفسي، بل على كاردينيا فقط. لقد وعدتها حين سافرنا إلى تركيا أن تعيش حياة كريمة، أن لا تحتاج لشيء ومن المستحيل أن أخلف بوعدي الذي قطعته.
فكّرت طويلًا... ثمّ اتخذت قراري. إن رأيتُ إبراهيم، سأطلب منه العودة إلى العمل، لكن بشرط واضح: أن لا يزعجني، ولا يفتعل لقاءات أو صدف، أريد أن أكون موظفة لا أكثر. أذهب وأعود... بلا أيّ تداخل.
********
في إحدى اللّيالي، شعرتُ بالاختناق. خرجت من الشقة لأستنشق بعض الهواء.
الساعة كانت الحادية عشرة ليلًا، الجوّ بارد.
توجهت إلى الحديقة الصغيرة في نهاية الشارع، جلستُ على أحد المقاعد المحاطة بالأشجار. مرتدية معطفًا أسود، أحاول تدفئة يديّ بالنفخ عليهما.
سمعتُ وقع خطواتٍ تقترب، لكن لم ألتفت. كنتُ في عالمٍ آخر... غارقة في التفكير. جلس أحدهم بجانبي. ما زلتُ أنفخ على أصابعي، نظري مشدود نحو الشارع. ثمّ همس بصوته المعهود:
-كيف حالكِ يا شَرِسَتي؟
تجمّدت. التفتُّ إليه بسرعة مذهولة:
-لا تقل إنّها صدفة!
ابتسم قائلاً: نفس السبب الذي جاء بكِ أتى بي أيضًا.
-كنتُ بحاجة إلى هواءٍ نقي..
-وأنا كذلك.
-لكنك لوّثت الهواء كلّه بمجيئك!
اكتفى بابتسامة خفيفة كأنّه اعتاد عليّ، بينما بقيتُ صامتة، منزعجة، أريد أن أقفْ، لكن قلبي قال: " لا ترحلي".
حلّ صمت طويل بيننا، لم يُكسره سوى أصوات أنفاسنا الباردة. كان الشارع خاليًا تمامًا، السكون تام، والهواء يهمس بأسراره.
حتّى تساقط الأوراق كان مسموعًا.
أخذتُ نفسًا عميقًا، قررت الحديث:
-إبراهيم، أريد أن أخبرك بشيء، وأتمنى أن تسمعني حتّى النهاية...
قاطعني:
-تودّين العودة إلى الشركة، أليس كذلك؟
صُدمت! كيف علم! لم أتردد بطرح سؤالي "كيف عرفت هذا؟"
-لأنّ هذا هو الأمر الوحيد الذي يمكن أن يجمعنا في هذا الوقت.
-ما رأيك؟
-طبعًا أقول لكِ عودي! لقد مرّ شهر، وأنتِ تعملين في ذاك المحل، بينما أنا قلبي مشغول بكِ. علمتُ بما فعله ذلك الوغد معكِ... ولو كنتِ بجانبي، لما حدث ذلك أبدًا. لكنكِ لا تريدين الاقتناع! أنا إنسان مسالم، تالله لا أريد بكِ سوءًا.
-كيف علمت بما حصل؟
-رأيتكِ حين خرجتِ من المحل وقفلتهِ، وشعرتُ أن هناك شيئًا غريبًا. أخذتُ المفاتيح وتحدثتُ إليه... وجعلته يعترف بكلّ شيء. بطريقتي الخاصّة. كان مجرد حيوانٍ يبحث عن قُبلة.
-وكيف رأيتني؟!
-نحن جيران، أليس كذلك؟ أراكِ كل صباح... ألم تلاحظي؟!
__
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل السابع 7 - بقلم .
منذ تلك اللّيلة وُلِدَت في قلبي مشاعر جديدة تجاهه. أدركتُ كم هو نقيّ وصادق في كلماته وأفعاله!
منحتُه فرصة جديدة، وقررتُ أن أنسى كل شيء وأفتح صفحةً بيضاء، فقد أيقنتُ أنّه لا يستحق ذلك الكره والحقد؛ إنّه إنسان طيّب عرفتُ أخلاقه العالية.
قال لي يومها بصراحة:
«كنتُ مُعجبًا بكِ، وتلفّظتُ بكلام جريء، وتغزّلتُ بكِ علنًا، لكنني لم أقصد أي شيء سيّئ!»
وبعد آخر موقف بيننا، واجهته قائلة:
ـ «عد إلى الشركة، ولكن بشرط!»
ـ «وما هو الشرط؟»
ـ «أن تترك كل ما يدلّ على الحب، ولا تحاول التقرّب مني عاطفيًّا. نكون صديقين فقط… علاقة صافية ولطيفة بين المدير والموظفة، بلا مشاكل ولا سلبيات.»
وافق مبتسمًا وقال:
ـ «من اليوم نحن أصدقاء.»
••••••••••
يوم الأحد | بداية أسبوع جديد
استيقظتُ صباحًا، أديتُ صلواتي وشعرتُ بطاقة إيجابية عظيمة، شعورٌ جميل كأنّ فراشات صغيرة تتراقص في داخلي.
أعددتُ الفطور لكاردينيا، وأخبرتُ دانيال أنّني سأعود للعمل اليوم. فرح أكثر مني وقال:
ـ «احرصي على نفسكِ، وكوني حذرة.»
فتحتُ خزانتي واخترتُ بنطالًا مع بلوزة بيضاء، وارتديتُ جاكيتًا جلديًّا أسود مع حذاءٍ مرتفع أسود. رفعتُ شعري للأعلى ورتّبتُ نفسي بأبسط ما يمكن، ثم رششتُ عطرًا على معصمي.
وقفتُ أمام المرآة بابتسامة واثقة وهمستُ لنفسي:
«أنتِ قويّة يا ماتيلدا… ومع عون الرب سيصبح الصعب سهلًا، وستتجاوزين كل ما يواجهكِ.»
فتحتُ الدرج وتلمّستُ صليبي بحب، ثم علّقتُه بهدوء حول عنقي كما لو كان حارسًا لا يفارقني.
خرجتُ من الشقة بهدوء، واستقليتُ سيارة أجرة أوصلتني إلى الشركة. دخلتُ حاملةً الملفات، فيما راح الموظفون يحدّقون بي باستغراب واضح، وكأنّ الأسئلة تدور في عيونهم:
ـ «هل انفصلت؟»
ـ «لماذا عادت؟»
ـ «لابدّ أنّ هناك سببًا!»
تجاهلتُ نظراتهم واتجهتُ إلى السكرتيرة، فأشارت نحو مكتبه.
دخلتُ بخطوات واثقة، وما إن رآني حتى نهض من كرسيه وتقدّم نحوي بوجهه البشوش الذي تغمره ملامح الفرح وهمس:
ـ «نوّرتِ الشركة يا شرسة.»
ابتسمتُ بهدوء؛ أصبح هذا اللقب قريبًا إلى روحي.
ـ «ما الذي اتفقنا عليه؟»
ضحك بصوت مسموع وقال:
ـ «اطلبي أي شيء وسأنفّذه… إلا هذا اللقب! أعدّه مدحًا لكِ.»
ـ «حسنًا، سأتغاضى هذه المرة.»
اقترب قليلًا وهمس بنبرة مازحة:
ـ «هل تسمحين لي بالاعتراف بشيء؟»
ـ «تفضل.»
ـ «اليوم تبدين… رائعة الجمال.»
رفعتُ حاجبيّ:
ـ «إبراهيم!»
ـ «آسف، لم أستطع الصمت.»
ـ «على العموم، شكرًا.»
ـ «العفو يا صديقتي، والآن اجلسي كي نسجّل عودتكِ رسميًّا.»
جلستُ على الأريكة براحة، فأخذ الملفات مني وجلس أمام حاسوبه. وبعد دقائق قال مبتسمًا:
ـ «تم توظيفكِ من جديد… مبروك.»
ـ «يبارك الله بك، شكرًا.»
ـ «لا شكر بين الأصدقاء.»
ضحكتُ وضحك هو بدوره، ثم أضاف:
ـ «مكتبكِ كما هو، يمكنكِ البدء فورًا. زميلتكِ ستخبركِ بما يجب فعله.»
ـ «تمام.»
خرجتُ من مكتبه وهو يبتسم. جلستُ في مكتبي لأبدأ أسبوعًا جديدًا، وانتهى الدوام عند الثانية عشرة ظهرًا.
وبينما كنتُ أهمّ بالمغادرة، سمعتُ إبراهيم يناديني:
ـ «ماتيلدا!»
التفتُّ ورددتُ:
ـ «نعم؟»
ـ «لحظة… إذا أمكن، تعالي إلى مكتبي.»
ـ «السبب؟»
ـ «تعالي وستفهمين.»
هززتُ رأسي موافقة. دخلتُ مكتبه ففتح الدرج وأخرج ظرفًا وقدّمه لي.
ـ «ما هذا؟»
ـ «راتبكِ.»
ـ «لكنني بدأت اليوم فقط! لماذا تعطيني راتبي قبل أن أعمل؟»
ـ «أعرف أنّ أختكِ مريضة، وأنتِ بحاجة للمال لعلاجها.»
ـ «كيف عرفت؟!»
ـ «خذيها بلا نقاش… سأغضب إن رفضتِ.»
صمتُّ لحظة وأنا أرفع حاجبيّ، فابتسم وقال مازحًا:
ـ «سأخصمها لاحقًا من راتبكِ، لا تقلقي.»
ـ «إذا كان الأمر هكذا… حسنًا.»
غادرتُ المكتب سعيدة. يومي كان مليئًا بالإيجابية بشكل لا يُصدَّق.
عدتُ إلى الشقة واطمأننت على كاردينيا؛ كانت بصحة جيدة وتتناول أدويتها بانتظام.
في المساء، ذهبتُ للصيدلية لأشتري لها الأدوية، ثم اتصل بي دانيال كعادته ليطمئن عليّ. أصبح اتصاله روتينًا يوميًّا.
وفي الليل تمددتُ على السرير محاوِلة النوم… لكن فجأة تسلّل إلى رأسي ذلك الصوت المخيف:
«الموت مصيركِ… ستقتلين بطريقة بشعة… ستلحقين بعائلتكِ… الموت… الموت… الثأر لم يُنسَ… أنتِ فاشلة يا ماتيلدا… سأنتزع روحكِ… أنا… هو… هم… F…»
فزعتُ من النوم أصرخ، ثم أدركتُ أنّه كابوس. أشعلتُ الضوء الخافت وأخذتُ أتعوّذ بالله. كانت الساعة تقارب الثانية بعد منتصف الليل.
ردّدتُ صلاتي بصوت مرتجف لأطرد الخوف عن قلبي:
«أيّها الملك السماوي، روح الحق، الحاضر في كل مكان، مالئ الكل، كنز الصالحات، ومعطي الحياة، هلمّ تفضّل وحلّ فينا وطهّرنا من كل دنس، أيّها الصالح وخلّص نفوسنا.»
اعتدلتُ في جلستي، وضممتُ ركبتيّ إلى صدري. صدري يضيق… رأسي يكاد ينفجر… إلى متى ستلاحقني الكوابيس؟ يا رب، أريد أن أرتاح…
العودة إلى الماضي | 2006 / أبريل | الساعة 12 بعد منتصف الليل
كنتُ واقفة بخوف وأنا أرى ظلّ رجلٍ غريب داخل بيتنا. لم أعرف من هو ولا كيف دخل! فجأة سمعتُ صوت زجاجٍ يتحطّم. ارتجف قلبي. أردتُ إيقاظ أمي، لكنني أعلم أنّها لن تفعل شيئًا، بل ستكتفي بالنظر بعجز.
جمعتُ شجاعتي وقررتُ أن أقترب من مصدر الصوت… كان يأتي من المطبخ.
دخلتُ المطبخ ويدي على قلبي، فتحتُ الباب بهدوءٍ شديد، كأنّ الهواء نفسه قد تجمّد.
وفجأة… تجمّدت أنفاسي. دمٌ غزير يغطي أرض المطبخ!
تراجعتُ بخوف، والتصقتُ بالجدار بقوة.
وفجأةً، انطفأت الأنوار. شهقتُ من الرعب، وشعرتُ بيدٍ خشنة تطبق على فمي. أنفاسٌ ساخنة تتساقط على عنقي، وقلبي يكاد يتوقف. حاولتُ الصراخ… حاولتُ المقاومة… بلا جدوى. قبضتُ يداه القويتان على ذراعيّ وأحاطت بي بثباتٍ مخيف.
كان ملثّمًا، وجهه مغطّى بقناع، لم أرَ أي ملامح له.
وفي لحظةٍ صادمة، شعرتُ بشيءٍ باردٍ وحادٍ يجرح يدي بهدوء… شعرتُ بألمٍ حارقٍ كأنّ مسمارًا قد غُرِس تحت أظافري! قطرات دمٍ باردة سالت على جلدي، وهمس بصوتٍ مخيف في أذني:
ـ «جرحٌ بسيط… ليُذكّركِ بـ F.»
قبل أن أستوعب كلماته، شعرتُ بوخزة إبرة في عنقي… مخدّر.
وعندما فتحتُ عيني، وجدتُ نفسي ممدّدة على سريري!
تجمّدت. كيف وصلتُ إلى غرفتي؟ هل كان كل ما رأيته حلمًا؟
قفزتُ من السرير وركضتُ نحو المطبخ… كان فارغًا. لا دماء، لا أثر لشيء!
ركضتُ إلى غرفة أختي، وجدتها نائمة بسلام، وأمي كذلك. أمّا والدي فكان مسافرًا منذ أسبوع.
عدتُ إلى غرفتي مذعورة، نظرتُ إلى الساعة: الخامسة فجرًا.
وضعتُ يدي على رأسي محاولةً استيعاب ما يحدث… هل كنتُ أتوهّم؟
وفجأة تذكرتُ الجرح. رفعتُ كمّ بلوزتي، وإذا بيدي تنزف… وأثر الجرح واضح!
شعرتُ برعشة في جسدي. إذن ما حدث كان حقيقة…
يا رب، سأجنّ من هذا الرعب…
لم أخبر أحدًا بما حدث. بقيتُ أتمتم مع نفسي:
«من أنت أيها الـ F؟ ولماذا لا تدعني أرى وجهك؟ ما مصلحتك في إيذائي؟!»
العودة إلى الحاضر
قطع خيط ذكرياتي صوت هاتفي. فركتُ رأسي بألم وأنا أتمتم:
«انتقامي سيكون أقوى… وربّ اليسوع شاهِد عليّ.»
ضحكتُ ضحكة قصيرة، وأنا أخطّط لخطوة قادمة.
أمسكتُ هاتفي ورأيتُ رسالة من دانيال:
«ماتيلدا… ردّي بسرعة، ضروري!»
اتّسعت عيناي. ماذا حدث؟ حاولتُ الاتصال به… رنّ الهاتف طويلًا بلا إجابة.
غمرني القلق والخوف على دانيال، فهو آخر ما تبقّى لي.
أمضيتُ ساعاتٍ أتّصل، إلى أن أجاب في السابعة صباحًا. صرختُ متوترة:
ـ «بحقّ أمّنا العذراء، ماذا حدث؟!»
أجاب بصوتٍ مضطرب:
ـ «لم يحدث شيء… لا تقلقي.»
ـ «لا تكذب!»
ـ «لا أريد إخافتكِ… إن شاء الرب، ستعدّي على خير.»
ـ «تكلم يا دانيال، أقسم عليك!»
تنفّس بقهر وقال:
ـ «لورين… تعرّضت لحادث!»
شعرتُ بقلبي يرفرف كطائرٍ مذبوح. لورين ليست مجرد صديقة، بل أختي التي لم تلدها أمي. عشنا طفولتنا معًا، وقفنا جنبًا إلى جنب رغم كل المصائب.
ـ «بالله عليك… الحادث بسيط أم خطير؟ متى وقع؟!»
ـ «الليلة الماضية، عند منتصف الليل.»
ـ «ومن صدمها؟!»
ـ «شخص مجهول.»
ـ «هل بدأت الشرطة التحقيق؟»
ـ «ننتظر حتى تخرج من العملية أولًا… ثم يبدأ التحقيق.»
ـ «الحادث مقصود… أليس كذلك؟»
ـ «طبعًا، مئة بالمئة.»
ـ «أتشكّ في أحد؟»
ـ «أظنّ أن القاتل المجهول نفسه وراء ما حدث للورين. لا بدّ له يد في الأمر.»
أطبقتُ أصابعي بعصبية:
ـ «هذا نفس ما أفكّر به. لكن لماذا يؤذي صديقتي؟ مشكلته معي أنا!»
ـ «لا أعلم… لكن بالتأكيد هناك حقائق مخفية.»
تنفستُ بعمق وقلتُ بحزم:
ـ «أنا أنوي تنفيذ خطة… قريبًا سأخبرك، لكن ليس الآن. أخشى أن تتأذّى أنت أيضًا. عليّ أن أصمت في الوقت الحالي.»
ـ «ليحفظنا الرب… سأغلق الاتصال الآن.»
ـ «إذا استفاقت لورين، أخبرني فورًا. قلبي وروحي معها.»
ـ «من عينيّ.»
ـ «سَلِمَت.»
ـ «مع السلامة.»
أغلقتُ الهاتف وذهبتُ إلى الحمام. غسلتُ وجهي بماءٍ بارد، نظرتُ إلى المرآة… كابوس الليلة الماضية يلاحقني، وصوت القاتل يرنّ في أذني كخنجر:
«الرب سيأخذ روحكِ…»
أغلقتُ الصنبور ودخلتُ المطبخ. أخرجتُ الحليب من الثلاجة ووضعته على النار ليغلي.
جلستُ على الكرسي أراقب اللهب… وفجأةً خُيّل إليّ أنّ النار تتصاعد وتلتهم كل شيء. المطبخ يحترق، يدي تحترق، جسدي كله يشتعل! صرختُ بألمٍ يمزّق القلب وأنا أطلب النجدة…
فركتُ عينيّ بقوة، لأستفيق على الحقيقة: كل شيء طبيعي. الحليب يغلي بهدوء على النار.
جلستُ مذهولةً… هل بدأتُ أتوهّم؟!
تنهّدتُ بعمق، وفي تلك اللحظة استيقظت كاردينيا. حاولتُ تجنّب أسئلتها حتى لا تشعر بشيءٍ غريب. أعددتُ لها الفطور بسرعة، شربتُ قهوتي، وبدّلت ملابسي.
استقللتُ سيارة أجرة متجهة إلى الشركة.
دخلتُ مكتبي وجلستُ على الكرسي، وضعتُ يدي تحت ذقني، شاردة الذهن. رفعتُ رأسي نحو السقف وغرقتُ في التفكير.
وفجأة، شعرتُ بصوتٍ قريب جدًا من أذني يهمس:
ـ «شرستِي؟»
قفزتُ بفزعٍ حتّى اهتزّ المكتب من حولي، وصرختُ من أعماقي:
ـ «ليأخذك الربّ!»
____
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل الثامن 8 - بقلم .
ابتسم بخفوت قائلًا: مقبولٌ كُلُّ شيءٍ منكِ.
رمشتُ بعيني في دهشة وقلتُ له بارتباك:
–لقد أرعبتني حقًا! لا أعلم من أين تظهر فجأة، وكلّ حينٍ تهمس في أذني بنبرةٍ شرسةٍ وقويّة... اللّه يأخذك ويأخذني معك! لم تبقَ لي قوّة بعدكَ، لقد أفقدتني صوابي!
استوعبتُ الموقف متأخرةً، فتراجعتُ خطوةً إلى الوراء وقلتُ بانفعال:
–أخرج من هنا، رجاءً!
وضع يديه على صدره متحديًا وقال:
–قولي لي، لِمَ أنتِ منزعجة؟
–دون سبب.
ضحك بخفةٍ وقال:
–يا فتاة، سأُحرِق الشركة على رأس كلّ من يزعجكِ.
نظرتُ إليه بحدّةٍ وقلتُ ساخرة:
–حسنًا.
تقدّم نحوي بخطواتٍ ثابتة حتى صار قريبًا جدًّا، قربٌ أربكني وجعل الكلمات تتبخر من فمي والحروف تتبعثر.
–وما شراستكِ كلُّها إلّا قناعٌ تخفين به قلبًا هشًّا لا حدود لهشاشته.
صمتُّ، أحدّق في عينيه بلا قدرةٍ على الرد. لا أعلم لماذا يخنقني الصمت كلّما اقترب منّي، يتبعثر كلامي وأبدو كمن يتلعثم.
–هل تعلمين شيئًا؟
-ماذا؟
-أنتِ ألطفُ كائنٍ شرسٍ قد ألتقيه يومًا.
أجبتُ بحرج:
–جيّد.
ضحك على ردي الطفولي، ثمّ تقدّم خطوةً أخرى. قلتُ متوتّرة:
–إبراهيم، ألسنا اتّفقنا على أن نكون أصدقاء؟
–وهل خالفتُ؟
–لا تتقرّب منّي... ما كان اتفاقنا؟
– أيّ اتفاق؟
نظرتُ إليه بحدّة
–إن لم تخرج...
–ماذا ستفعلين؟
صمتُّ أبحث عن كلماتٍ تتطاير كالدخان.
–مستفِزّ!
همس قريبًا من أذني:
–ممم... قلتِ إنّكِ فقدتِ صوابكِ بسببي؟
–إبراهيم، أخرج فورًا!
–وأفقدتُ عقلَكِ كما تقول أختُكِ؟
–هذا يكفي! أخرج حالًا!
ابتسم بخبث:
–ولِمَ يخفق قلبكِ بهذه القوّة إذًا؟
وضعتُ يدي على صدري متفاجئةً، صدقًا كان قلبي يخفق كأنّي كنتُ أركض أو أحارب... والتفتُّ إليه مصدومة.
–سأخرج، لكن تذكّري، التفكير المفرط ليس جيّدًا لأنثى قويّة مثلكِ، قد يسبّب لكِ شللًا حقيقيًّا.
–شكرًا على المعلومة يا مديرنا الفيلسوف.
ضحك على المفردة، وقال:
–هل تشعرين أحيانًا أنّ رأسكِ يعمل مثل أسطوانةٍ قديمة، أو كجهاز راديو لا يتوقّف عن الدوران؟ أفكارٌ تلتفّ حول نفسها بلا توقّف، لا تستطيعين تجاوزها أو الهرب منها؟
أومأت برأسي بخجل:
–نعم، صحيح.
–وتشعرين أنّ عقلكِ لا يتوقّف عن التفكير حتّى أثناء النوم، فتستيقظين مرهقة وكأنّكِ لم تنامي أصلًا؟
–إي.
–إذًا، أنتِ تعانين ممّا نسمّيه "مرض التفكير المفرط". لأنّكِ دائمة القلق، تكرّرين لنفسكِ أخطاء الماضي، تطرحين على نفسكِ دائمًا أسئلة "ماذا لو؟"، وتمضين وقتًا طويلًا تفكّرين في أحداثٍ مضت أو تقلقين بشأن مستقبلٍ لم يأتِ بعد، لدرجة أنّكِ تنسين اللحظة التي تعيشينها الآن.
صمتُّ، مصدّقةً كلّ حرف.
–لديك الحلّ؟
–لكلّ داءٍ دواء... يا شرستي.
ابتسمتُ رغمًا عنّي حين نطق لقبي بدأ يكون المُفضّل لدي. قال وهو يجلس على طرف المكتب كطبيبٍ يحاضر: "هذا المرض يجعل الإنسان يبالغ في تحليل كلّ ما حوله، حتّى يشعر أحيانًا أنّ رأسه سينفجر من كثرة الأفكار. قد يفوّت أحداثًا من حوله، ويغرق في البحث عن معنى أعمق لكلّ فكرة تراوده، فيشعر أنّه على وشك الجنون... مع أنّكِ أصلًا لديكِ خيطُ جنونٍ صغير.
–حقًا! سأغادر!
–دعيني أكمل يا فتاة.
ضحكتُ وأنا أضرب كتفه:
–أسرع، قبل أن أغيّر رأيي.
–حسنًا، عادةً ما تؤدي كثرة التفكير إلى نوعٍ من التفكير السلبي، يُسمّى بالأفكار المتداخلة، تدفع الشخص للشعور بالمشاعر السيئة والانزلاق نحو القلق والاجترار والهوس.
ضحكتُ وقلت:
–مدير وضابط وطبيب!
– رأيتِ؟ ما شاء الله عليّ أخاف أن تحسديني، ماذا أفعل إذا كنت بهذا الذكاء.
-يحفظك الله يا هذا، حسنًا أُكمل، أريد الحل من فضلك.
-الآن أعطيكِ الحلّ، لكن لاحقًا، تابعي عملكِ يا صديقتي، وإن احتجتِ شيئًا، تعالي إلى مكتبي.
ابتسمتُ:
–تمام، يا صديقي.
غمز لي وخرج.
جلستُ على الكرسي أُسند رأسي إلى المكتب بين الأوراق والملفّات، أحسستُ أنّ رأسي سينفجر. دقائق قليلة مرّت قبل أن يُطرق الباب.
–تفضّل؟
دخلت العاملة تحمل كوب قهوة، وقالت:
–هذا من حضرة المدير.
وضعتْه على المكتب، فشكرتُها وخرجت. مددتُ يدي إلى الكوب، فرأيتُ عليه لاصقةً بيضاء. فتحتُها، كُتب فيها: "التفكير ليس جيّدًا لأنثى قويّة. اشربي القهوة وابتسمي.
ضحكتُ بخفوت، شربت القهوة والورقة بيدي، شعرتُ أنّي كنتُ بحاجةٍ إلى هذه اللّحظة فعلًا. استعدتُ مزاجي، وعدتُ إلى عملي بروحٍ أخفّ.
لم أستطع أن أركّز في عملي، كان ذهني مشوَّشًا تمامًا. الحُلم الذي رأيتُه لا يزال عالقًا في رأسي، والذكريات القديمة تتسلّل إلى قلبي بلا استئذان، وأفكاري لا تتوقّف عن الدوران. أسئلة كثيرة راحت تراودني حول ذلك المجرم، فتذكّرت أنّني لم أفتح الموضوع أبدًا منذ ليلة الجريمة. لماذا لم أسأل؟ هل كان نسيانًا... أم غباءً منّي؟
تناولتُ هاتفي على عجل، واتّصلت بدانيال.
–هلا بالبعيدة القريبة، كيف حالك؟
ابتسمتُ رغم توتّري:
–بخير، وأنت؟
–بخير إذا كنتِ بخير.
–كيف أصبحت لورين؟
تنفّس بعمق وقال:
–خرجت من العمليّة، الحمدُ للرب.
زفرتُ بارتياح:
–رحمة الرب واسعة حقًا يا إلهي لك الحمد، لورين لم تؤذِ أحدًا في حياتها، وقلبها طيّب. الله يلعن من كان السبب في دخولها غرفة العمليّات!
قال بنبرة حزينة:
–ماتيلدا... الحادث أثّر عليها كثيرًا. ضغطها العصبي ارتفع، وفقدت القدرة على الكلام!
شهقتُ، ووضعتُ يدي على فمي مصدومة:
–ماذا؟! يعني... لن تستطيع الكلام؟ بحقّ العذراء، لا تقل ذلك!
–للأسف، لكن الطبيب قال إنّ فقدان النطق ليس دائمًا. هناك احتمال تسعين بالمئة أن يعود كلامها خلال أشهر.
–وماذا قال الطبيب أيضًا عن حالتها؟
–قال إنّ فقدان النطق النفسي يحدث عادةً بعد التعرّض لصدمةٍ شديدة أو ضغطٍ عصبي هائل، كحادثٍ مفجع لا يستطيع المصاب التعامل معه. لورين لم تصب بفقدان النطق بسبب الحادث فقط، بل بسبب صدمة قويّة جعلتها عاجزة عن الكلام. أحيانًا المصاب لا يتذكّر الموقف، أو لا يستطيع مواجهته، فيتوقّف عن الكلام، ويجد صعوبةً حتى في التفكير بالكلمات المناسبة. بل قد تصل الصدمة إلى حدّ أنّه لا يعي ما حوله، رغم أنّه مستيقظ!
– مؤسف.. الرب يعلم ما الذي سمعتْه.
–نعم، إلى درجةٍ لم تتحمّل معها الصدمة، ففقدت النطق.
أخذتُ نفسًا عميقًا وردّدتُ بغيظٍ مكتوم:
–الله يأخذ مَن كان السبب.
–آمين.
–انتبه عليها جيّدًا، لا تتركها، هي بحاجة إليك الآن.
–هذا مؤكد، وانتبهِي على نفسكِ أنتِ أيضًا.
أنهيتُ المكالمة، ثم التفتُّ نحو الباب. وقعتْ عيناي على الأرض، فلاحظتُ حذاءً رجاليًّا، كأنّ أحدهم واقف خلف الباب يتسمّع!
وضعتُ الهاتف بصمت، ومشيتُ بخفّة، ثم فتحت الباب بعصبيّة وأنا مستعدّة لأن أوبّخ المتسمّع. لكنّني صُدمت... لم يكن هناك أحد!
الموظّفون في أماكنهم، والهدوء يسود المكتب. أغلقتُ الباب وعدتُ إلى مكاني، وقلبي يصرخ: أنا متأكّدة أنّني رأيتُ أحدهم! هل أتوهّم؟ هل بدأتُ أتخيّل؟ فركتُ رأسي بألمٍ شديد. "يا ربّ، أريد أن أرتاح ولو يومًا واحدًا فقط... مصائبي كثرت، وقلبي لم يعد يحتمل أكثر. الماضي وما رأيته يطاردني بلا رحمة." عند الثانية عشرة ظهرًا انتهى الدوام. رتّبتُ المكتب وخرجت بلا كلمة، ثم عدت إلى الشقّة. أرتميت على السرير ونمت.
مع العصر استيقظتُ، جسدي منهك، وصداعٌ عنيف يطرق رأسي. دقائق فقط وبدأ الغثيان يجتاحني، فركضتُ إلى الحمّام وتقيّأت. قلقت كاردينيا عليّ وقدّمت لي منشفة: زهرتي، سلامتكِ! أمس كم كنتِ مليئة بالطاقة الإيجابية، ماذا بكِ اليوم؟ هل سمعتِ شيئًا أزعجك؟
هززتُ رأسي نافيةً، لم أُخبرها عن حادث لورين. أعرف كم تحبّها، ولا أريد أن ينكسر قلبها.
–إذًا ما سبب تقيؤك؟
–لا أعلم.
–ماذا أكلتِ اليوم؟
–لم آكل شيئًا، فقط شربتُ قهوة في الشركة لأركّز، وبعدها شعرتُ بالدوار والغثيان.
–تمدّدي واستريحي، لا تتعبي نفسك. إذا احتجتِ شيئًا أخبريني.
–لا، أنتِ مريضة أيضًا. اتركيني، باللّيل سأكون بخير إذا ارتحت قليلًا.
–إن شاء الله.
نمتُ ساعة، وحين استيقظت رفعتُ شعري ولملمت الأوراق والملفّات لأشغل نفسي.
لكن غصبًا عنّي كنتُ أفكّر. حلمتُ كثيرًا لو أنّ يومًا واحدًا يمرّ بلا توتر أو قلق. أفكّر في أبسط الأمور حتى يُصيبني الصداع!
قلبي يحترق على صديقتي: "يا ربّ، لا تفجعني بها، هي مثل أختي، احفظها من كلّ أذى."
تذكّرتُ كلام دانيال حين سألته: متى وقع الحادث؟ قال: "في الثانية عشرة بعد منتصف اللّيل."
دائمًا الجرائم تقع في هذا الوقت... بعد منتصف اللّيل! لكن لماذا؟ حاولتُ أن أركّز وأربط الأحداث ببعضها. لقد شهدتُ على تسع جرائم قتل، كلّ جريمة تختلف عن الأخرى بطريقة القتل، ولكنها تتشابه في توقيتها! زفرتُ بتعب، وفي النهاية استسلمتُ للنوم.
******
مضى أسبوعٌ كامل على نفس الروتين:
من الشقّة إلى الشركة، والاطمئنان على لورين من خلال دانيال، الذي يقول إنّ حالتها تتحسّن تدريجيًّا، وإن كانت نفسيّتها متأزّمة قليلًا. أمّا إبراهيم، فلا تنزل عيناه عنّي. أشعر دائمًا بنظراته، وحين أخزره يبتسم ويقول مازحًا:
"حتّى النظرات حرام؟"
إذا رآني منهمكة في العمل، أرسل إليّ قطعة كيك أو كوب عصير مع بطاقة تحمل كلمات لطيفة. اهتمامه بيّ أصبح يزداد يومًا بعد يوم، حتّى صرتُ لا أنزعج منه كما كنت، بل أحببتُ اكتراثه. والمفاجأة الأكبر أنّني أحببتُ حتّى نظرات عينيه إليّ! لم أتوقّع أنّ مشاعري ستنقلب فجأة من الكره إلى القبول بل وربّما أكثر من ذلك.
____
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل التاسع 9 - بقلم .
كالمَدِّ والجَزْرِ هي المشاعر؛ يومًا هادئة، ويومًا غائمة، وأحيانًا تعصف بها العواصف الهوجاء. متقلِّبة، غير ثابتة، كأعاصير تضرب القلب بلا رحمة. مشاعري متناقضة أتساءل ما هذا الانقلاب الذي أصابني، من حقدٍ وكرهٍ إلى تقبُّلٍ وحبّ؟! عجزت عن تفسير ما يجري. يقول "تشارلز بودلير": "إن أجمل المشاعر هي تلك التي لا تستطيع تفسيرها."
مرّت الأيام، علاقتنا لا بأس بها، لا تتعدّى حدود الصداقة. اعتدتُ على وجوده في حياتي؛ كلّ صباح أراه، كلّ ليلة أفكّر به حتّى أنني بعض الأحيان عندما أنام متعبة أحلم به! أصبح يزورني في مناماتي فأنهض من النوم مذعورة: كيف أصبح شخص غريب مهمًّا عندي بهذه العجلة؟ إحساس غريب الأطوار... حين يكون بقربي، ترتجف يداي، ويقشعرّ جسدي، وتسرح عيناي في نظراته الجريئة. توتر فظيع! دقات قلبي تتسارع وتتضخّم. أشعر بخجل أمامه، رغم أنّي لا أخجل من أحد عادةً، وأستطيع أن أحدّق في عيون أكبر الرجال دون خوف، لكنّه مختلف عنهم بطريقة ما. مشاعر لم أعشها من قبل، وأكاد لا أعرف نفسي.
*******
مضت الأيّام، حياتي بين العمل والتفكير بإبراهيم، وعلاج أختي بالطبع، ولا أنسى أخبار دانيال ولورين.
في يومٍ كنتُ جالسةً بالمكتب أعمل، ورأسي يؤلمني كعادته. حاولت التركيز حتى ينتهي الدوام، وإذا بهاتفي يرنّ. رقم غريب... أجبت، فسمعت صوت أختي كاردينيا:
-ماتيلدا أنا متعبة، معدتي تؤلمني... أرجوكِ عودي بسرعة، أريدكِ بجانبي.
-عزيزتي، نصف ساعة وأصل.
أغلقتُ الخط، وذهبتُ مباشرة إلى مكتب -إبراهيم. طرقت الباب.
-تفضّلي، ادخلي.
دخلت واقتربت من كرسيه:
إبراهيم، أختي متعبة وتحتاجني... أريد أن أذهب، هل تسمح؟
نهض من كرسيه قائلًا: بالطبع، يمكنكِ الانصراف.
-شكرًا لتفهّمك.
-لا شكر على واجب، طمئنيني عنها لاحقًا. وإن أحببتِ، أوصلكِ بنفسي.
-لا داعي، أستطيع أخذ سيارة أجرة.
-كما تريدين، اعتني بنفسك.
-إلى اللقاء.
خرجتُ من الشركة أحمل حقيبتي، ومشيتُ نحو محطة السيارات قرابة ربع ساعة، أبحث عن سيارة توصلني إلى الشقّة بسرعة.
كنتُ مستعجلة، وكلّ تفكيري عند كاردينيا.
لسوء حظي ظهر شابّ مرّ بجانبي بسرعة، سحب حقيبتي وغادر! ركضتُ وراءه دون أي تفكير، لكنّه دخل أحد الأزقة واختفى. وقفتُ أضرب الأرض بعصبية، قبضت يدي بقوة يا الهي الحقيبة فيها نقودي كيف أذهب الآن!..
عدتُ الى الشركة محبطة. كانت الساعة الثانية عشرة، إنتهى الدوام. لم أعرف ماذا أفعل. إن سرتُ على الأقدام سيستغرق الطريق ساعة تقريبًا، وأنا منهكة أصلًا.
وقفت حائرة أمام الشركة، وإذا بي أسمع صوت بوق سيارة. تجاهلت. لكن إبراهيم نزل من سيارته واقترب مني: لماذا تقفين هنا؟ ألم تغادري قبل نصف ساعة؟
سكتُّ ولم أرد.
-ما الأمر؟ تحدثي.
-سُرقت حقيبتي... كانت فيها كل نقودي... ولا أستطيع العودة مشيًا، أنا متعبة، ولا أحد يوصلني بلا أجرة.
-سلامتكِ... إذًا لماذا أنا هنا؟! تعالي، أوصلكِ بسيارتي.
هززت رأسي رفضًا:
-هل أنتِ ماعز؟ لماذا تحملين معكِ عنادكِ في كلّ موقف! حسنًا، افعلي ما تشائين.
لم أجبْ، ركب سيارته وابتعد قليلًا. مشيتُ وحدي مسافة ليست قصيرة، أحسست برأسي يلفّ والدنيا تنقسم صورتين.
تمسّكتُ بعمود لأستند عليه، شعرت أنني على وشك السقوط. لكن يدا إبراهيم تمسكان بي؛ إحداهما على خصري، والأخرى على كتفي:
-دعيني أسندكِ.
أبعدتُ يديه بهدوء:
-أنا سندٌ لنفسي.
-وجهكِ شاحب... لا تتصرفي بغباء. مستحيل أن أترككِ هكذا. اصعدي من دون نقاش، وإلا حملتكِ بيدي.
لم أرد أن أصرخ أو ألفت الأنظار، فاستسلمت وصعدت السيارة. بينما كان يقود، وقعت عيناي على ساعته؛ محفورٌ عليها طائر مكسور الجناحين، تتناثر حوله حروف داكنة كأنها نزفت حبرًا.
-أعجبتكِ؟
-أيّها؟
-ساعتي.
-نعم جميلة... لكن غريبة.
ابتسم وسكت. قاد بهدوء.
في منتصف الطريق تعطّلت السيارة توقف وفتح الصندوق ليفحصها، بعد دقائق، فتح باب سيارتي وقال مبتسمًا: انظري إلى حظنا... نفد البنزين. اتصلت بصديقي، وسنضطر للانتظار هنا حتى يصل.
-حسنًا، ماذا عساي أن أقول!
-أعطني قنينة الماء التي خلفك.
التفتُّ خلفي وقلت:
-لا أرى شيئًا، ليست هنا.
اقترب فجأة، حتّى لامس رأسه كتفي، فشعرت بالخجل والتوتر. أغمضت عيني لا إراديًّا.
-أتسمعين؟! نبضات قلبكِ القوية جدًّا يا شرستي.
همستُ بسرعة باسمه وأنا أرتبك.. ابتعد عني، أرجوك... أوترتني، ما بك؟ فتحتُ عينيّ، فإذا به يهمس في أذني بصوت عميق: وكيف لتلك العينين أن تقبضا أنفاسي بمجرّد رؤيتهما؟!
صُعقت من كلماته، أردت أن أردّ لكنني لم أجد ما أقول. ابتعد وهو يضحك بصوت مسموع، وبقيت أحدّق في وجهه مذهولة: ما به هذا الرجل؟! جنّني!
فتحت باب السيارة رأيته واقف جانب الطريق، أسند رأسه إلى يديه، ظل يضحك حتى اهتزّت كتفاه. نظرتُ إليه بضيق وقلت:
-ماذا تتعاطى؟
-عيناكِ!
وجدت نفسي أخجل من ردوده ولا أعرف بمَ أجيب. اقترب أكثر وقال وهو يضحك:
-وجهكِ... لماذا احمرّ؟ اصعدي الآن، لنذهب... عقلي تاه بسببكِ.
انتظرنا صديقه قليلًا حتى وصل، وقال لإبراهيم: خذ سيارتي، سأصلح سيارتك لاحقًا، ليست مشكلة بنزين فقط.
أخذ المفتاح، وانتقلنا إلى سيارة صديقه. أوصلني إلى الشقّة، وكل تفكيري عند كاردينيا التي تأخّرتُ عليها كثيرًا. نزلت من السيارة وقلت له: شكرًا على التوصيل.
-لا شكر بيننا... اذهبي وإن حصل شيء، اتصلي بي فورًا.
-وكيف أتصل بك؟
ربّت على رأسه وضحك:
-آه، صحيح! نسيت أن أعطيكِ رقمي.
أخرج بطاقة، وأعطاني إيّاها ومضى في طريقه. دخلت الشقّة متأففة: لم أكن أريد أخذ رقمه، لكنه لعبها بذكاء، جعل الموقف يجبرني على القبول.
نزعت حذائي وعلّقت معطفي: كاردينيا، عدتُ! أين أنتِ؟ ماذا تفعلين؟
دخلت الغرفة فوجدتها متمددة على السرير. جلستُ قربها بخوف وأنا ألمس جبينها حرارتها منخفضة الحمد لله.
كاردينيا: أم صلاح أعدّت لي أعشابًا وجلست بجانبي قليلًا، ثمّ غادرت... ما أطيبها وما أحنّها، تركت كلّ شيء واهتمّت بي.
-الربّ يحفظها. كيف حالكِ الآن؟ هل تشعرين بتحسّن، أم نذهب إلى الطبيب؟
-نعم أشعر بتحسّن.
-أتعلمين، اليوم كان سيئًا جدًّا... سُرقت حقيبتي، وتعطّلت سيارة إبراهيم عندما قرر أن يوصلني، وأنتِ مريضة، وأنا منهكة!
جلست أحدثها بالتفصيل عمّا جرى، فقالت كاردينيا بابتسامة مرهقة: الحمد لله دائمًا وأبدًا... هيا ارتاحي، أنتِ أيضًا متعبة، سأشاهد التلفاز قليلًا ثمّ أنام.
-هل تناولتِ الطعام؟
-نعم، أم صلاح أعدّت لي شوربة لذيذة، أكلت وشبعت. لا تقلقي عليّ.
-حسنًا، سأعدّ طعامًا خفيفًا وأضعه في الثلاجة للعشاء فقط لأُسخّنه لاحقًا.
أعددت وجبة بسيطة، أكلت قليلًا وتركت الباقي في الثلاجة. تنقّلت في الشقّة أفكّر بكلماته وغزله. حين حلّ الليل، فكرت أن أُدخل السرور على قلب كاردينيا؛ أعرف أنّ نفسيتها سيئة، وإن بقيت هكذا ستتأزم حالتها. ارتديت معطفي وقلت لها: سأعود بعد قليل، ذاهبة إلى السوبرماركت لا تخافي.
أومأت برأسها وظلّت مستلقية. خرجت، ويدي في جيب المعطف، والجو ما زال باردًا.
دخلت السوبرماركت، اشتريت حلويات التي تحبها كثيرًا، لعلّ نفسيتها تتحسن. دفعت الحساب وخرجت أحمل الأكياس بيديّ، وكل تفكيري بها. وفجأة، سمعت صوتًا مألوفًا يناديني من خلفي. التفتُّ، فإذا به إبراهيم يضحك: ها هي حبيبتي الشرسة!
-من أين خرجت أنت؟!
-من جدار الحيّ! هل تظنينني جنيًّا؟ أنا إنسان من دمٍ ولحمٍ مثلكِ. صدّقي، تعالي أريد التحدث معكِ.
-من يريدني هو من يقترب.
ضحك وقال: على رأسي.
اقترب، وكان يرتدي بدلة رياضية سوداء ومعطفًا أسود، شعره مبعثر وسيجارته في يده.
قلت بحدة: أأنتَ تُدخّن؟
-نعم، منذ زمن طويل.
-التدخين يدمّر الصحة.
-أعلم.
- تعلم أنّه سبب تدمير التركيز، والعصبية، وآلام الرأس، وزيادة الشهية، والدوار، والقلق، والاكتئاب وأيضًا يرفع ضغط الدم، ويسبب التهيّج واضطرابات النوم. فلماذا ما زلتَ تدخّن؟
-إدمان، حسنًا أحاول أتركه، صدّقيني، كيف حال أختكِ الآن؟
-الحمد لله بخير.
-سلامي لها، انتظرتكِ لتتّصلي بي، لماذا لم تفعلي؟
-ليس هناك داعٍ لأتصل.
-لكنني بحاجة إلى رقمكِ على هاتفي، أنتِ تعملين في شركتي ويجب أن يكون رقمك محفوظًا عندي، لذا اتصلي بي الآن لأحفظه.
-حسنًا.
-اذهبي الآن، فالجوّ بارد، لا أريدك أن تمرضي. اعتني بنفسك.
-وأنتَ أيضًا.
ابتسمتُ ثمّ صعدت إلى الشقّة، قلبي يكاد يقفز من صدري من شدّة توتري. وضعت يدي على رأسي وأنا أهمس لنفسي: كفى! ما الذي جرى لي؟ لم أكن هكذا من قبل، حتّى أفكاري تغيّرت. جلستُ مع كاردينيا، فقلت لها بحماس: هيا، لنشاهد فيلمًا معًا. أحضرتُ حلويات لنسهر قليلًا. فرحت كثيرًا، جلست بجانبي بحماس، قلت لها: اختاري أنتِ الفيلم.
-ما رأيكِ بفيلم رعب؟
-لا، لنشاهد شيئًا مضحكًا يغيّر نفسيتنا، نحن بحاجة للضحك. هيا، الساعة العاشرة الآن.
فتحت فيلمًا عائليًا كوميديًا، نأكل ونضحك، وكل ضحكة كانت أقوى من التي قبلها. حتى كاردينيا بدأت تبكي من شدّة الضحك، وكنت أضحك على ضحكتها أكثر من مشاهد الفيلم نفسه. انتهى الفيلم عند منتصف الليل تمامًا. رتبنا الغرفة وغسلنا الصحون، ثمّ غفت كاردينيا سريعًا، بينما جلستُ على الأريكة، أمسك كوب العصير وأوراق العمل لأكتب قليلاً.
وفجأة انطفأت الكهرباء، وغرقت الشقة في ظلام دامس. حاولت أن أتحسس طريقي وأنا أتمتم: أين المصباح؟ لا أرى شيئًا! كاردينيا... هل هاتفك بجانبك؟ شغّلي ضوءه إن كنتِ مستيقظة. كاردينيا! تسمعينني؟!
لم يصلني أي رد. تعثرت بالسجادة وسقطت على وجهي، وفجأة شعرت بيدٍ تُوضع على ظهري، تتحرك ببطء على شعري، ثمّ تجذبه بقوّة! صرختُ من أعماقي: مَن أنتَ؟! تكلّم حالًا!
ركضتُ نحو المطبخ، أعرف طريقه رغم الظلام، أغلقت الباب خلفي وأسندته بظهري بكلّ ما أملك من قوّة. قلبي يخفق بعنف، وأنفاسي تتسارع، والخوف ينهشني. من هذا؟ كيف دخل الشقة؟ ماذا يريد؟ارتجفت وأنا أفكّر بأختي، فكرة أنّ أختي قد تُقتل إن تركتها وحدها منحتني الشجاعة بالخروج. فتحت خزانة الأدوات، أتلمّس بيدي حتى أمسكت بسكّين، قبضتُ عليه بقوّة، ثم فتحت باب المطبخ بحذر... وفجأة، عادت الكهرباء، وأضاءت الشقة كاملة. كانت كاردينيا أمامي مباشرة، والسكين موجّهة نحوها! صرخت بخوف وهربت خطوة إلى الخلف، وأسقطت هاتفها على الأريكة. قلتُ لها محاولة تهدئتها: لم يحصل شيء.
قالت وهي تلهث: يا قلبي! انقطعت الكهرباء، وسمعت صراخكِ، خرجت من الغرفة وهاتفي بيدي لأضيء به... بحثتُ في الشقة ولم أجد أحدًا، لكنكِ صرختِ وهربتِ إلى المطبخ!
ثم عادت الكهرباء فجأة، وكنتِ تلوّحين بالسكين في وجهي... أرعبتِني يا ماتيلدا!
قبل أن أجيبها، رنّ الهاتف. ركضت إلى الأريكة وأمسكته، قرأت اسم المتصل: إبراهيم.
تجمّدت مكاني. لكن... أنا لم أحفظ رقمه بعد! كيف ظهر اسمه على الشاشة؟ وكيف اتصل بي الآن؟! أجبتُ بسرعة وقلت بصوت مرتجف: نعم؟!
فجأة، جاءني صوت دانيال:
-مرحبًا بالبعيدة القريبة.
صرخت دون وعي: ماذا ؟!
نظرت مرة أخرى إلى شاشة الهاتف... مكتوب: دانيال. رميت الهاتف على الأريكة وركضت إلى الغرفة، ونسيت حتى صراخ كاردينيا وهي تطرق الباب عليّ تحاول فتحه. جلستُ على الأرض، أضمّ ركبتي إلى صدري، ودموعي تتساقط بلا توقف. الساعة كانت تشير إلى الثانية عشرة بعد منتصف الليل.
يا رب... إلى متى؟ أنا مؤمنة، وعلاقتي بالرب متماسكة، وأعرف أنّ ما يحدث لي امتحان منه، لكن قلبي المكسور لم يعد يحتمل المزيد. قوّتي انهارت، وصرخت داخليًّا: لماذا يا رب؟ أما آن لروحي أن ترتاح؟!
شهقتُ وأنا أمسح دموعي وأشدّ على صليبي بكلّ ما أملك: "ربي وإلهي، دعني أغوص في أعماق ذاتي، ساعدني لأصل إلى خبايا معرفتي بك. الإيمان بك ليس فلسفة ولا اكتشافًا علميًا، إنه روح قدسية تختبئ في أعماقي، إنه انعكاس اللاوعي على ظواهر حياتي. هو سلاحي الوحيد في صراع غربتي،
وهو الكمال اللامتناهي بالاكتفاء بروحك،
هو الكلمة التي تطغى على كل فلسفة لوجودي. إلهي، إيماني بك حقيقة راسخة في نفسي، حسّ جوهريّ ينبض في فكري وكياني."
سكتُّ دقائق، ودموعي تتساقط على يدي.
بكيت... نعم بكيت. كنت أكتم كل شيء منذ أشهر طويلة. أقول لنفسي: ماتيلدا، أنتِ أقوى من البكاء. ماتيلدا، دموعكِ لن تنزل. حتى الموت نفسه لم يهزّني يومًا... لكن الآن؟
السؤال الذي ينهشني: إلى متى؟ هل سأظل أصمت وأكتم، والمجرم يفعل ما يشاء؟!
كنت أتمنى لو أستطيع إخفاء الرعب والقلق الذي كان واضحًا على ملامحي تلك اللّحظة،
المشاعر تشبه مشاعر رعب أيامي القديمة. أتفهم معنى أن تدوس على الجمر، مسلوبًا حتّى حقّ الصراخ؟
___
نمارق رحيم✍️🏻
رواية شخوص متداخلة الفصل العاشر 10 - بقلم .
ها أنا ذا، أجلس وحدي على أرضية الغرفة بعد منتصف الليل، جسد بلا روح، كأنني جثة هامدة منذ سنوات. عيناي منتفختان، تحرقانني من شدّة البكاء، والدموع لا تزال تنهمر على وجنتيَّ بصمتٍ موجع.
جسدي يرتجف، وأفكاري تمزّقت بين حاضرٍ يؤلمني وماضٍ لا يرحمني.
لعنتُ حظي، وندبت سذاجتي، كيف انتهى بي المطاف إلى ليلةٍ كهذه؟
ليلة موحشة، حزينة، بكل ما تحمله الكلمة من انكسار.
أشعر أنني أتمزق من الداخل... كأرضٍ ابتلعها الزلزال، كضوءٍ انطفأ في عتمة الليل.
مرّ ساعتان وأنا خلف هذا الباب، لم أتحرك خطوة. بقيت حبيسة وحدتي، بعدما استنفدت كل ما تبقّى من طاقتي.
عاقبتُ نفسي بالصمت، بالصبر الزائف، بالكتمان المميت... ظننت أنني قوية حين منعت دموعي من الانحدار، لكن ها أنا ذا أراها تسحقني ببطء.
ثم فجأة... دوّى صوت ارتطامٍ على الباب.
تبعته صرخة حادة:
— "افتحي الباب! أرجوكِ! لا تجبريني على فعل شيء قد تندمين عليه!"
كان صوت كاردينيا، يائسًا، متوترًا.
سمعتها، نعم، لكن أطرافي كانت كأنها مشلولة. لم أتحرّك، ولم أنبس ببنت شفة. كنت ممددة، صامتة، لا أملك حتى الرغبة في الدفاع عن نفسي.
ثم ارتفع صوت رجولي، غاضب ومذعور:
— "إن لم تفتحي الباب، سأحطمه! أقسم بالله، سأفعل!"
إنه إبراهيم...
تابع صراخه، لكن هذه المرة بنبرة فيها من الحنان ما جعل قلبي يرتجف:
— "ماتيلدا! أنتِ قوية... عاقلة... لماذا تفعلين هذا بنفسك؟ افتحي الباب، من أجلي... إن كنت أعني لكِ شيئًا، افتحي! أنا صديقك، أخوكِ الكبير، من حقّي أن أكون هنا... لا تدفعيني لكسر الباب... ماتيلدا!"
صمتُّ. لم أملك إجابة. دقائقه كانت جمرًا على صدري.
ثم... تحطم الباب.
ركض نحوي، انحنى بسرعة، أمسك بيديّ، نهض بي عن الأرض، واحتواني بذراعيه كأنما يريد أن يحميني من العالم بأسره.
كان حضنه دافئًا، نابضًا... وشعرت بنبضات قلبه تصرخ من أجل قلبي.
تراجعت قليلًا، فرفع كفّيه إلى وجهي، وبلغة رجلٍ منهك، قال:
— "لماذا، يا روح قلبي؟ ما الذي دفعكِ إلى هذا؟"
أبعدت يديه، ونظرت إليه بجمود:
— "إبراهيم... كيف دخلت إلى الشقة؟"
أجاب:
— "كاردينيا كانت تصرخ في السلالم، وكنت بالقرب... رأيتها، فجئت فورًا."
— "هل كسرت الباب؟"
— "وهل تظنين أن شيئًا كان سيمنعني إن علمت أنكِ على هذا الحال؟ كسرت الباب، وسأكسر كل شيء إن لزم الأمر... لكن أخبريني، لماذا فعلتِ هذا؟ خذلتِني، والله."
قلت بحدة:
— "إبراهيم... هناك أمور لا شأن لك بها. من الأفضل لك أن تلتزم الصمت."
— "لكنني صديقكِ."
— "حتى وإن كنت كذلك... لا حق لك بالتدخل."
— "ماتيلدا..."
— "أخرج. لا أريد أحدًا هنا."
— "كيف أترككِ وأنتِ في هذه الحالة؟!"
— "أنا بخير. لا أحتاج أحدًا. أرجوك... أخرج."
— "كما تشائين... لن أضغط عليكِ."
غادر الغرفة، وكانت ملامحه تفيض بالحزن. أغلقت الباب خلفه، ثم التفتُّ إلى كاردينيا. كانت تحدّق بي بقلق، لكنني تجاهلتها، وعدت إلى غرفتي، فرشت فراشًا على الأرض، وتمددت، راغبة في أن يبتلعني الصمت.
قالت بهدوء:
— "أختي..."
— "لا تتحدثي. لا أريد أن أجرحك، فلتكن ليلتنا صامتة... تصبحين على خير."
---
في صباح اليوم التالي...
استيقظت، ونهضت إلى المطبخ. أعددت القهوة، سكبتها في الكوب، وجلستُ أحتسيها في صمت.
كاردينيا كانت تحاول فتح حوار، لكنني لم أكن مستعدة للاستماع.
كل ما حدث البارحة كان نتيجة تصرفها الأحمق. لقد صرخت في البناية كلها، أحرجتني أمام إبراهيم، رغم أنني كنت قد طلبت منها سابقًا ألا تفعل شيئًا من هذا القبيل.
قالت أخيرًا، بصوتٍ منخفض:
— "أعلم أنني لا أستحق هذه القسوة... أعترف أنني سمحت له بالدخول، لكن فقط لأنني أردت إنقاذك. أنتِ لا تعلمين كيف كنتِ تبدين... كما أنكما صديقان، فظننت أن وجوده سيعيدك إلى نفسك. وإن كان ما فعلته خطأً في نظرك، فأنا آسفة."
رفعت رأسي ببطء:
— "رأسي يؤلمني... اسكتي، أرجوكِ."
— "وماذا بعد، ماتيلدا؟"
— "الله أعلى وأعلم."
شربتُ بقية القهوة، ثم عدت إلى غرفتي، تمددت على السرير، نظرت إلى الساعة، كانت الثامنة تمامًا.
أمسكت بهاتفي، وراودتني فكرة الاتصال بإبراهيم، لكنني ترددت... وأغلقت الهاتف.
شعرت بصداعٍ شديد، أمسكت رأسي بألم، ثم لمحت مزهرية صغيرة على الطاولة، حملتها وألقيت بها بقوة على الحائط.
دخلت كاردينيا مذعورة:
— "أجننتِ؟!"
— "بل أنا في قمة اتزاني الآن."
— "واضح جدًا! بالمناسبة... دانيال اتصل عندما كنتِ نائمة، وقد رددت عليه، وكان غاضبًا جدًّا."
— "ولماذا؟"
— "ألستِ من أغلقت الباب في وجهه بالأمس، وحبستِ نفسك؟ لقد غضب كثيرًا من تصرفك."
— "سأرضيه لاحقًا."
— "هل يمكنني أن أعرف لماذا كنتِ على شفير الانهيار بالأمس؟ لماذا كل هذا الصراخ؟"
— "كانت هناك أسباب... دفعتني للانفجار."
— "لقد صدمتني، ماتيلدا. كنتِ غائبة تمامًا، لم تجيبي، حتى اضطر إبراهيم إلى كسر الباب!"
— "ستمضي الأمور..."
— "هل تعلمين كم خاف عليكِ؟"
— "كم؟"
— "كثيرًا... احتضنكِ بقوة، وكان واضحًا كم يعني له أمرك. عيناه قالتا كل شيء، وصوته... كان مليئًا بالمحبة."
— "إنه صديق يخاف على صديقته، لا أكثر."
— "أنا أرى أن مشاعره أكبر من مجرد صداقة."
— "كأنكِ تقصدين شيئًا ما..."
— "أقصد: حب."
ضحكتُ بسخرية:
— "ومتى وجد الوقت ليحبني؟"
— "لا تنسي... لقد مرّت أكثر من سبعة أشهر منذ تعرّف عليكما. ويقال إن الحب الحقيقي يبدأ بعد هذه المدة."
— "وهل ترينه متبادلًا؟"
— "إلى حدٍّ ما... نعم."
— "وكيف لاحظتِ ذلك؟"
— "في الشهر والنصف الأخيرين، تغيّرتِ كثيرًا... أصبحتِ مختلفة تمامًا. رغم أنكِ ما زلتِ تتألمين أحيانًا، إلا أنني رأيت فيكِ طاقة إيجابية. كنتِ تبتسمين كلّما تحدّثتِ عنه، وكلامك عنه لم يكن عاديًا. كان دافئًا... صادقًا."
تنهّدتُ، ثم قلتُ بنبرة متهكمة:
— "آه... وماذا إن كنتُ قد وقعت في حبه؟"
— "لا بأس! بل سأكون في غاية السعادة."
— "ولِمَ تفرحين؟!"
قالت كاردينيا، بصوتها الهادئ الذي يحمل في طيّاته مزيجًا من الشفقة والصدق:
— "بكل بساطة، أشعر بالراحة حين يكون إبراهيم بقربنا. دائمًا أدعو له في صلاتي أن يحفظه الله ويرعاه. لا يمكنني إنكار كم ساعدنا حين كنا في العراق، وحتى بعد مجيئنا إلى تركيا، ساعدكِ ووفّر لكِ وظيفة في شركته الخاصة.
لقد أصبح صديقًا مقرّبًا، لا يتردد في تلبية أي شيء نحتاجه. أحببتُ شخصيته، ورجولته، وغيرته علينا... كثيرٌ من المواقف أظهرت اهتمامه، وخصوصًا بكِ. لذا، أشعر أن مشاعره تجاهك تتجاوز حدود الصداقة والأخوة، وأتمنى حقًّا أن يكون إحساسي صائبًا."
رفعتُ رأسي إليها وسألتها بهدوء:
— "ولِمَ تتمنين ذلك؟"
أجابت بابتسامةٍ خفيفة:
— "صدقيني، حياتنا ستتغيّر تمامًا إن ارتبطتِ به."
ضحكتُ ساخرة:
— "غردي، أود سماع هذا التفاؤل!"
قالت وهي تلوّح بيديها كأنها ترسم صورة وردية:
— "سننسى الماضي، ونتجه صوب المستقبل. سيكون هناك من يحمي ظهورنا، من يقف بجانبنا في كل لحظة. لن نكون وحدنا بعد الآن، سيكون هناك رجل يساندنا، يمنحنا الأمان. حياتنا لن تبقى سوداء كئيبة، بل ستصبح أزهى وأجمل... صدقيني، ثقي بكلامي!"
تنهدتُ ثم قلت:
— "حسنًا... إن كان ممكنًا، أغلقي الباب وأطفئي الأضواء."
— "لكنّكِ نهضتِ قبل قليل!"
— "أريد أن أرتاح قليلًا."
— "كما تشائين، عزيزتي... أترككِ لترتاحي."
— "شكرًا."
نفّذت ما طلبته منها، ثم عدّلت جلستي، وفتحت خزانتي الصغيرة، أخرجت منها ورقةً بيضاء وقلمًا، ثم أغلقتها بهدوء.
تأمّلت الورقة طويلاً... كانت ناصعة البياض، كأنّ بياضها اخترق قلبي المرهق. لكنّي سرعان ما وضعت القلم فوقها، كأنّي أضع حاجزًا بين صفحتها النقية وسواد حياتي.
رسمت على وجهي ابتسامةً زائفة، ثم حاولت الكتابة... لكن القلم جفّ، ولم أستطع أن أدوّن كلمة واحدة. لم أجد وسيلةً أعبّر بها عن فوضى داخلي، ولا عن ذلك الغموض القاتم الذي يغمر عالمي.
راودني سؤال مؤلم: هل سأبقى هكذا إلى الأبد؟
القدر يفاجئني في كل يوم بما لا طاقة للعقل على تحمّله، لكن رغم كل شيء... ما زلت أعلم أن الله معي، في السوء كما في الخير.
نظرت مجددًا إلى الورقة، كانت مشقوقة في منتصفها من شدّة ضغطي بالقلم. عبثتُ بها، خدشتها، ولطّختها بالحبر الأسود حتى فقدت بياضها... تمامًا كما فقدتُ أنا براءتي وسكينتي. تحوّلت الورقة من النقاء إلى الظلمة، ولم يكن هناك من يمحو سوادها... سوى الفاعل الحقيقي، ذاك الذي سبّب كل هذا الخراب.
ألقيت بالورقة والقلم بعيدًا... محاولة جديدة فاشلة.
مددت يدي إلى هاتفي واتصلت بدانيال.
رن الهاتف طويلًا قبل أن يجيب:
— "مرحبًا؟"
— "أعتذر... وأطلب من صديق قلبي، وتوأم روحي، القريب البعيد، أن يسامحني."
— "هل انتهى الأمر عند هذا الاعتذار؟"
— "سامحتني؟"
— "لا."
— "لماذا؟"
— "لأنكِ آلمتِ قلبي."
— "وهل أخطأت عن قصد؟"
— "نعم."
— "وما هو ذنبي؟"
— "انهيارك."
— "أنت تعرف جيدًا أنني لا أملك عقلًا هادئًا، وأن تراكم الضغوط على هذه الصديقة القوية جعلها تنهار قليلًا... ولكن مع نفسها فقط."
— "لا بأس... فأنا أعلم أن (عقلها طَقّ ونص)."
ضحكت...
— "فداءٌ لهذه الضحكة، أشتاق إليكِ كثيرًا."
— "وأنا أيضًا، عمري... انتهى الزعل إذن، أليس كذلك؟"
— "طبعًا، وهل أطيق خصامكِ؟"
— "أعرف أنك لا تستطيع."
ضحك ثم قال:
— "تذكرتُ موقفًا من سبع سنوات، حين كنّا في الثانوية..."
— "حدّثني، أريد أن أسمعه."
— "كنتُ قد خرجت من الامتحان غاضبًا منكِ، لأنكِ نسيتِ أن توقظيني، وتأخرتُ عن الدوام، وتعرّضت لعقوبة... وأنا أعتمد عليكِ في الاستيقاظ."
— "لكن لا تنسَ أنني شاركتك في العقوبة."
ضحك:
— "صحيح، لكني ظللت غاضبًا منك. كنت على وشك أن أصرخ فيك."
— "إذًا، اكتشفت أن بداخلك عنفًا... يا دانيال!"
— "دانو... في عينيكِ فقط."
— "أحب هذا الدلع."
— "يا وجه البومة!"
— "الآن صرنا متعادلين، هههههه."
ضحك وقال:
— "سقط حظكِ."
— "هو أصلًا ساقط، لم يتبقَّ منه شيء."
— "المهم... في اليوم التالي، اتصلتِ بي صباحًا، أذكر جيدًا، كانت الساعة العاشرة صباحًا، وكان يوم جمعة. اعتذرتِ لي بنفس كلمات هذه المكالمة، وقلتِ: (هل تظن أنني أحتمل خصامك؟)، فرضيتُ."
— "كانت أيامًا جميلة..."
— "أتمنّى لو تعود..."
أطلق تنهيدة طويلة، ثم قال:
— "أصبحت رؤيتكِ كالحلم بالنسبة لي."
— "لا تقل ذلك... إن شاء الله تأتي فرصة وتأتي إلى تركيا."
— "فرصتي في الحلم فقط."
— "لماذا؟!"
— "لا أستطيع أن أترك لورين، وأصدقائي، وأمّي، وأختي... وإن أردتُ اصطحابهم، فالأمر صعب."
— "الله كريم. أنا مؤمنة بأن الحق لا يضيع، والمظلوم سينال حقه، مهما طال الانتظار. ونحن... قد ظُلمنا، والله سينصرنا."
— "اللهم آمين... يستجيب الله منكِ."
أغلقت المكالمة... ولم يسألني عمّا حدث البارحة. ابتسمت. أعرف دانيال جيّدًا. لم يسأل لأنه يعلم متى يجب الحديث ومتى يصمت. هو يريد للجو أن يهدأ، حتى أكون مستعدة للكلام.
---
حلّ العصر، وطرقت كاردينيا الباب ودخلت.
— "هاه؟"
قالت:
— "أريد أن أخرج لأستنشق بعض الهواء النقي."
— "حسنًا... انتظريني، سأخرج معكِ."
— "موافق."
ارتديت معطفي، وأخذت هاتفي، وخرجنا معًا.
ذهبنا إلى الجهة الخلفية من المبنى، حيث الحديقة والخُضرة. جلست كاردينيا على العشب، وجلست بقربها، ثم نهضت بعدما جاءني اتصال.
— "مرحبًا!"
قال دانيال، بصوته المعتاد:
— "مرحبًا، عزيزتي. كيف حالكِ الآن؟"
— "الحمد لله... هل حدث شيء؟"
— "أردت فقط أن نتحادث بعدما أصبحتِ هادئة."
— "لا بأس... تفضل."
— "انظري، ما حدث البارحة... انسِه. انتهى وانقضى، لكن أريد أن أفهم، ما الذي دفعكِ لفعل ما فعلتِه؟"
أطرقت قليلًا، ثم أجبت:
— "بعد منتصف الليل، انقطعت الكهرباء عن الشقة، وغرقت في الظلام. سقطتُ على الأرض من شدّة الخوف، ثم شعرت بيدٍ تلامس ظهري... ركضتُ فورًا إلى المطبخ، وعندما عادت الكهرباء، كانت الشقة فارغة، والباب مغلق من الداخل، وكاردينيا أقسمت أنها لم ترَ أحدًا يدخل. وعندما اتصلتُ بك، لم يكن اسمك الظاهر في هاتفي."
تنهّدت:
— "عندها... شعرت أنني فقدت صوابي. كل شيء كنتُ أكتمه بداخلي خرج دفعة واحدة. لكنني الآن أفضل... الحمد لله."
بعد لحظة صمت، قال إبراهيم بنبرة قلقة:
— "هل يُعقل أن أحدًا دخل الشقة وأرعبك؟"
أجبته بصوت خافت:
— "لا أعلم... ربما."
— "ربما كنتِ تتوهمين؟ من شدة الإرهاق، لأن ما ذكرتِه مستحيل أن يحدث."
— "أجل... ربما."
— "استمعي إلي، اذهبي إلى الحارس... ذاك الشاب الذي يعمل في المنطقة، يبقى ساهرًا حتى الفجر. لورين حدثتني عنه سابقًا، تعرف المنطقة جيدًا وقالت إنه يطّلع على كل ما يحدث."
— "حسنًا، سأذهب."
— "وتحدثي أيضًا مع الجيران، قد يكون لدى أحدهم معلومة مفيدة."
— "تمام."
— "إذا اكتشفتِ شيئًا، أخبريني فورًا. والآن، سأرحل... انتبهي على نفسك."
— "وأنت كذلك... إلى اللقاء."
غادرتُ الشقة بحثًا عن الحقيقة. سألت الجميع، لكنهم أجمعوا على أنه من المستحيل أن يكون أحد قد دخل بعد منتصف الليل. ذهبت إلى "أم صلاح"، فأرَتني تسجيلات كاميرات شقتها، وحقًا، لم يظهر أي شخص.
عدتُ إلى شقتي، محطّمة النفس.
نظرت إليّ كاردينيا بقلق وسألت:
— "ما الذي حدث؟"
تنهدت وأنا أخلع معطفي:
— "لا جديد... كما توقعت، كنت أتوهم... لا شيء من ذلك حصل."
— "كنتُ أظن ذلك... لم أرَ أحدًا، وكان باب الشقة مقفلاً من الداخل. ربما التعب والإرهاق دفعاكِ إلى الوهم."
— "ربما..."
مرت ثلاثة أيام، لم أغادر الشقة خلالها، ولم أذهب إلى العمل. كانت حالتي النفسية في أسوأ مراحلها، فقررت الاتصال بإبراهيم، فهو المدير، ومن واجبي إبلاغه حتى إن كنتُ لا أنوي العودة قريبًا.
اتصلت به، وبعد دقائق ردّ على المكالمة بصوت هادئ:
— "آه، شرسة!"
تفاجأتُ من كلمته:
— "كيف عرفت أنني أنا المتصلة؟"
— "أحسستُ بذلك... وقلبي لم يخب ظنه."
— "أها..."
— "فداءً لعيونك."
ترددت، ثم سألته:
— "إبراهيم، هل يمكنني الحصول على إجازة لفترة من الوقت؟"
— "ما السبب؟"
— "أنت تعلم أنني لم أداوم منذ ثلاثة أيام."
— "نعم، وقد سجّلت لك إجازة فعلًا."
— "حالتي النفسية سيئة... أشعر بالإرهاق."
— "سلامات... لا بأس عليكِ."
— "هل أنت منزعج مني؟"
— "من أي شيء أنزعج؟"
— "آخر مرة، طردتك من الشقة، رغم أنك حاولت مساعدتي وتهدئتي."
تنهد، وقال:
— "أخبرتك من قبل، لكِ مكانة خاصة لدي، وكل ما يصدر منكِ مقبول."
— "شكرًا لتفهمك."
— "قلتُ لك، لا أحب عبارات الشكر بيننا، نحن لسنا رسميين. متى ما شعرتِ أنكِ أفضل، عودي إلى العمل... أنا نسيت ما حدث، فلا تقلقي."
— "أحب طريقة تفكيرك دائمًا... دائمًا ما أتوقع ردة فعل عنيفة منك، لكنك تفاجئني بهدوئك."
ضحك، ثم قال:
— "ومن يحبني سواكِ؟"
— "أحب تفاهمك، لا أنت."
— "ممم..."
— "أصبحتَ سخيفًا."
— "روحي، بلّغي سلامي لأختك، قبّليها نيابة عني."
— "حسنًا."
— "واعتني بنفسك."
— "وأنت أيضًا."
•••
في اليوم التالي، دقّ الباب في الساعة الثامنة مساءً. فتحت دون تفكير، ولم أتوقع من يكون. فاجأني حضوره...
— "مرحبًا..." قالها بابتسامة عريضة.
ثم قرصني من أنفي، وناولني بطاقة حمراء وباقة من الورد الأصفر.
أخذتُها منه وأنا أستنشق رائحة عطره وأبتسم.
— "عطري المفضل... ولوني المفضل أيضًا. كيف عرفتَ هذه التفاصيل عني؟"
أجاب بابتسامة:
— "سمعتك تتحدثين مع زميلتك في الشركة، وكنتِ تذكرين تلك الأمور."
— "ممم..."
— "أنا أحب كل ما يخصك، أُعنى بكل تفصيلة عنكِ... وما تحبينه، أحببته أنا أيضًا."
توترت من نظراته العميقة، فدفعتُ شعري خلف أذني وسألته:
— "ما مناسبة حضورك... وهذه الورود؟"
— "هل أعجبتكِ؟"
— "نعم، جميلة جدًا..."
— "ولكن، هل للورد أن ينجب بشرًا يشبهكِ؟"
— "يا لهذا الكلام الجميل... والمراوغة."
— "الكلمات العذبة لا أقولها إلا لكِ."
— "وهل حضورك أيضًا من باب الكلام العذب؟"
— "يليق بكِ." ثم ضحك وأضاف: "لا، فقط قلبي اشتاق إليكِ، وأردت الاطمئنان."
ابتسمتُ بخجل: "أهلًا بك."
كاردينيا، التي سمعت الضحك، خرجت من المطبخ وقالت:
— "مرحبًا، يا صاحب النجوم الصفراء!"
ضحك واقترب منها:
— "كيف حالكِ أيتها الجميلة؟ سمعت أنكِ مريضة."
— "صحيح، لكنني الآن أفضل."
— "اعتني بنفسكِ... ولا تهملي أختك الكبرى، فهي سندكِ وقوتكِ."
— "في عينيّ... ليس لدي سواها، أعدّها أمي."
— "حفظ الله المحبة بينكما."
— "وأدامك اللهما، أنت وماتيلدا."
رفع حاجبه وقال ممازحًا:
— "لكننا لسنا إخوة!"
قالت كاردينيا: "صحيح، لكنك صديقها... والصديق أحيانًا أكثر من الأخ."
ابتسم وهو يمرر يده على أنفه، ثم قال:
— "صحيح."
ضحكتُ حين لاحظت كاردينيا نظراته نحوي.
— "أعينكما تفضح كل شيء!" قالت كاردينيا.
إبراهيم: "وماذا تفضح؟"
همستُ بحدة:
— "اصمتي!"
ضحك وقال:
— "دعيها تتحدث."
قالت كاردينيا وهي تتجه للمطبخ:
— "سأكمل عشائي..."
— "نعم، اذهبي."
نظر إليّ وقال: "لماذا أسكتّها؟"
— "لأنها بدأت تتكلم دون وعي."
اقترب مني، رفع ذقني بين إصبعيه وسأل:
— "هل بلغتِ هذه الدرجة؟"
نظرت إليه: "ماذا تقصد؟"
— "ما أفكر به..."
— "ما الذي...؟"
ضحك بصوت عالٍ، ثم كتم ضحكته بشفتيه، وكأنّه لا يريد لضحكته أن تفضح شيئًا.
ثم أردفت: "حقًا... لماذا حاجبك يبدو كأنه مشقوق؟"
أجاب ضاحكًا:
— "أصبت نفسي خطأً بالسكين، لكني جعلتها رسمة أنيقة ورتبتها."
— "يبدو أنها لائقة بك."
ضحك من قلبه...
ثم قال وهو يستعد للمغادرة:
— "يجب أن أذهب الآن، لدي عمل... لا يمكنني التأخر أكثر."
— "حسنًا، حفظك الله."
— "بعد ثلاثة أيام، تعودين إلى العمل. لا أعذار، أسبوع واحد للراحة، ثم أريدك هناك، لأجلي... إن كان لي عندك مكان. فالشركة بلا طعم بدونك... أقسم."
— "آه..."
— "أحب حضورك البسيط."
— "اذهب الآن!"
ضحك وهو يبتعد:
— "ذاهب، يا أختكِ... حفظ الله الأخوّة، أليس كذلك؟"
ضحكتُ وأنا أجيب:
— "بلى... الآن اذهب."
— "إلى اللقاء، أختي."
•••
عدت إلى الدوام، وقد سرّني أنه لم يفتح موضوع ما حدث. شعرتُ باحترامه لخصوصيتي، بل وبأنه نسي الأمر تمامًا.
منذ عودتي، دائمًا ما أجده يبتسم لي. إن لم ينظر إليّ، أراه يرسل لي كوبًا من القهوة، أو قطعة كيك بنكهتي المفضلة...
أحب اهتمامه بي.
مرّ أسبوعان...
وفي الأيام الأخيرة، بدأت أشعر بأشياء غريبة تحدث في الشقة...
كأن تنقطع الكهرباء فجأة ثم تعود خلال دقيقة، أو أن يختفي مفتاح كنت متأكدة من مكانه، أو أن تُفتح شرفة الغرفة رغم أنني أقفلتها بيدي وتحققت من ذلك.
كنت أتجاهل هذه الأمور، أحاول ألا أوليها اهتمامًا، في حين كانت كاردينيا تتصرف وكأن كل شيء طبيعي.
كانت دائمًا تقول لي:
— "عادي، لا تبالغي، لا تكبّري الأمور."
فأسكت، رغم كل ما كان يعصف بداخلي من ريبة.
وفي أحد الأيام، كنت مستلقية على السرير حين رن هاتفي. نظرت إلى الشاشة، فظهر اسم المتصل: إبراهيم.
كانت المرة الأولى التي يتصل بي فيها، فابتسمت وأجبت بخفة:
— "مرحبًا!"
— "مرحبًا بهذا الصوت الذي يُنعش القلب!"
— "سخيف... كيف حالك؟"
— "بخير، الحمد لله. وأنتِ؟"
— "الحمد لله دائمًا."
— "حفظكِ الله لي."
— "ما مناسبة هذا الاتصال يا إبراهيم أفندي؟"
— "اشتقتُ إلى صديقتي، أما من حقّي أن أسمع صوتها؟"
— "رأيتني صباحًا في الشركة، وسمعت صوتي!"
— "لكني أشتاق إليكِ في كل دقيقة... هل هذا ذنب؟"
— "آه..."
— "كفى تهربًا، أريد الحديث معكِ."
— "ولماذا؟"
— "قلت لكِ: كفى تهرّبًا!"
— "ههههه... تحدث، ما الذي تريده؟"
— "أنتِ كل حديثي."
صمتُّ قليلاً...
— "اسألني، وسأسألك."
— "يبدو عليكِ الملل."
— "بل أنتَ من يشعر بالفراغ!"
— "صحيح... وأريد أن أكتمل بكِ."
— "أنتَ سخيف. تفضل، اسأل، لا مانع لديّ."
— "حسنًا، أخبريني عنكِ."
— "مثل ماذا؟"
— "عمركِ، برجكِ، لونكِ المفضل، وما تحبين... كل شيء."
— "ههههه... ألم أقل إنك فارغ!"
ضحك ثم قال:
— "لقد احترقت شوقًا، أنا فارغ فعلًا، تكلّمي!"
— "ألا تعلم أن عمري أربع وعشرون سنة؟"
— "بلى، ومتى يوم ميلادكِ؟"
— "مرّ منذ فترة."
— "أي شهر؟"
— "أبريل."
شعرتُ بشيء يعتصرني... بلعت ريقي ومسحت على ركبتي، فكلما تذكّرت ذلك الشهر، أتوتر بشكل غريب، وتشعر أطرافي بالوخز.
— "أين ذهب ذهنكِ؟"
— "لا... أنا هنا."
— "وما برجكِ؟"
— "الحمل."
— "جميل. ولونكِ المفضل؟"
— "الأصفر... والأسود."
— "رائع! أنا أيضًا أحب الأسود، شيء مشترك بيننا."
— "بالمناسبة، كم عمركَ أنت؟"
— "تخمني كم؟"
— "ثلاثون؟"
— "أخطأتِ، أربعة وثلاثون."
— "العمر كلّه."
— "برجي الأسد."
— "جميل."
— "بل أنتِ الجميلة."
ضحكتُ بخفة...
ثم قال:
— "بعد أيام، تبدأ سنة جديدة... ما رأيكِ أن أدعوكِ إلى عشاء في مطعم؟"
— "لا بأس، موافقة."
— "اتفقنا."
— "بالمناسبة، لدي سؤال."
— "اسألي."
— "كيف تكون ضابطًا ومديرًا في آن واحد؟"
— "أنا لست ضابطًا حاليًا."
— "ماذا تعني؟"
— "أنا في إجازة لمدة عامين من عملي الأساسي. كنت ضابطًا في المخابرات العراقية، والمعلومات التي أتولاها سرّية ولا تُباح خارج الدولة. الأمر معقد ومزعج، ولا أريد الخوض فيه الآن."
ثم أضاف:
— "وبالمناسبة، الشركة التي أعمل بها تعود لصديقي، وهو الآن في السويد. حين يعود، سأعيد له إدارتها."
— "فهمت... لك الحق في الاحتفاظ بما لا تود مشاركته، لن أضغط عليك."
— "أشكرك لتفهمك."
— "هل لي أن أسأل عن عائلتك؟ أين يعيشون؟"
— "عائلتي؟... ماتوا."
— "ماذا؟!"
— "جميعهم... ماتوا بطريقة لا يمكن أن تتحملي سماعها. فقط... ارحميهم بدعائكِ."
— "رحمهم الله، وألهمك الصبر."
— "شكرًا لكِ."
شعرتُ بانقباض في قلبي... بدا صوته مخنوقًا حين تكلّم عنهم، فلم أرغب في فتح جراحه، والتزمت الصمت.
تحدثنا قليلًا، ثم أنهيتُ المكالمة وأنا أفكر:
"يا لها من صدفة أن ألتقي برجل فقد عائلته كما فقدتُ أنا عائلتي! يا رب، اغفر لهم، وانتقم ممن كان السبب."
---
في اليوم التالي...
كنت في مكتبي أعمل على الحاسوب، حين سمعت ضحكة عالية مألوفة... كانت ضحكة إبراهيم.
رفعت رأسي، تركت ما بيدي، وخرجت لأستطلع. وجدته واقفًا بجانب فتاةٍ لم أرها من قبل.
راقبتها بطرف عيني، وشعرت بشيءٍ داخلي يتأجج... لا أعلم لماذا ضايقني وقوفهما سويًّا.
لاحظني، ورفع حاجبه وكأنه يسأل: "ما بكِ؟"
أجبته بنظرة سريعة وهزة رأس تعني: "لا شيء."
بادلني النظرات، ثم حرّك شفتيه وهمس: "مممم..."
همستُ بغيظ:
— "وقح..."
ثم قلت بصوت مسموع:
— "هل يمكن خفض صوت الحديث قليلًا؟ أحاول التركيز في عملي، ولا أريد أن يُقال إنني نسخت ملفًا خاطئًا مجددًا."
ضحك وقال:
— "تأمرين أمرًا."
عدت إلى مكتبي، لكنني لم أستطع التركيز. كنت أعمل بعصبية، يداي ترتجفان، وصورة ضحكتهما ما زالت عالقة في ذهني.
نهضتُ من مكاني، وسرت نحو المكتبة القريبة. كانت تلك الفتاة جالسة إلى جواره، فدخلت دون استئذان.
رفع رأسه وقال مازحًا:
— "هل تحتاجين شيئًا، عزيزتي؟"
— "نعم... انتهيتُ من ترتيب الملفات."
— "أحضريها إذن."
— "بل أحضرها أنت."
— "حقًا؟!"
— "هيا، انهض، لا تتأخر!"
— "ما بكِ، ماتيلدا؟ وقت عنادكِ؟"
— "هذا ما لدي. هيا، انهض. يبدو أن المقعد راق لك!"
— "ماتيلدا..."
— "نعم، يا برهومة؟"
نظر إليّ وضحك قائلًا:
— "يا لكِ من فتاةٍ مشاكسة!"
جلستُ، وضعت ساقًا فوق ساق، ثم نظرت إلى الفتاة وقلت بهدوء يخفي عاصفتي:
— "Lütfen aşkım, ofisimden evrakları getir."
— (من فضلكِ، حبيبتي، أحضري الأوراق من مكتبي.)
أجابت الفتاة بابتسامة:
— "Tamam canım, sorun yok."
— (بالطبع عزيزتي، لا مشكلة.)
— "Teşekkür ederim."
— (شكرًا لكِ.)
فقال إبراهيم فجأة:
— "لا، أنا سأجلبها."
فقلت بسخرية:
— "أتعجز عن إزعاجها؟"
— "أبدًا..."
خرج من المكتب، فتبعته. دخل مكتبي ليتناول الأوراق، فسحبتها من يده بقوة ووضعتها على الطاولة، فنظر إليّ بحدة، ثم أمسك بيدي خلف ظهري وهمس:
— "أعشق غيرتكِ... وشراستكِ أيضًا."
دفعتُه بهدوء، وسوّيت شعري، قائلة:
— "لم أغر."
— "إذًا، لماذا كل هذا التوتر؟"
— "فقط... شعرتُ بالضيق."
— "ألاحظ دائمًا أنكِ تنزعجين حين أتحدث مع غيركِ."
— "قلتُ لك إنني لا أنزعج."
أمسك يدي، وطبع عليها قبلة خفيفة، ثم نظر في عينيّ وقال:
— "تعالي معي قليلاً."
— "إلى أين؟"
لم يُجب، بل أخذني من يدي وأوقفني وسط الشركة، ثم أعلن بصوت مرتفع:
"Bugünden itibaren Matilda benim özel sekreterim olacak."
(ابتداءً من اليوم، ماتيلدا ستكون سكرتيرتي الخاصة.)
قدّم لي الجميع التهاني قائلين:
"Tebrikler… مبارك لكِ!"
اكتفيتُ بابتسامةٍ مجاملة وأنا أومئ برأسي، ثم سحب إبراهيم يدي بلطف وسار بي نحو مكتب السكرتيرة.
قال بابتسامة واثقة:
– ابتداءً من الغد، ستكونين في هذا المكان، مكان أستبرق. ستبقين إلى جانبي.
أجبته باعتراض:
– لكنني لم أطلب منك هذا!
وضع إصبعه على شفتيه وقال هامسًا:
– ششش، بلا نقاش. هل ما زلتِ منزعجة؟
– لا...
ضحك ومدّ يده ليقرص أنفي مازحًا:
– أقبّل المُنزعجة!
أبعدتُ يده بضحك خفيف وقلت:
– سخيف... سأذهب لأكمل عملي.
---
بعد أيام...
حلّت ليلة ميلاد السيد المسيح، فاشتريت شجرة وزيّنتها. لم أشأ أن أنسى طقوسنا وعاداتنا، لا سيما أن كاردينيا تعشق هذه الأجواء المليئة بالدفء والفرح.
اتصل بي دانيال وأرسل لي تهنئة بالمناسبة. ذهبنا إلى الكنيسة، وكان الجو مهيبًا. لم يكن يومًا عاديًا، بل هو من أهم أعيادنا، بعد عيد القيامة.
عدنا إلى المنزل عند الثالثة فجرًا. وبعد أيام قليلة، استقبلنا ليلة رأس السنة. وعند منتصف الليل تمامًا، بدأ عام 2010. كان دانيال أول المهنئين، فقد اتصل بي فورًا.
دقائق قليلة وسمعت طرقًا على الباب. فتحتُ فوجدت إبراهيم أمامي، يحمل الهدايا وقطعة كيك. تناولتها منه وأنا أضحك من شدة فرحي.
قال وهو يسلّمني إياها:
– شيء بسيط... ولا تنسي، غدًا موعدنا، الساعة الخامسة مساءً. سنة سعيدة يا شراستي!
اكتفيت بإيماءة صغيرة وابتسامة.
---
في اليوم التالي...
أنهيت جميع مهامي، ثم بدأتُ أستعد للخروج. ارتديتُ تنورة قصيرة باللون الأسود، وسترة شتوية طويلة، وبلوزة بيضاء برقبة عالية. لفيت وشاحًا حريريًا حول عنقي، وتركْت شعري منسدلاً بحرّية. رسمتُ شفتي بلونٍ أحمرٍ مطفأ، ورششت العطر على نقاط النبض. كانت التفاصيل بسيطة لكنها غيّرتني تمامًا. تركت كاردينيا عند أم صلاح وخرجت.
عندما رأيت سيارته، أطلق البوق ليشير إليّ، فصعدت. نظر إليّ وقال:
– أهلًا بجميلة الجميلات.
خجلتُ ولم أعرف بماذا أجيبه. كان يقود السيارة وأشغَل أغنية رومانسية تركية بصوت منخفض. شعرت أنه يلمّح إلى شيء، لكنني تجاهلت الأمر. أو حاولت تجاهله، وأقنعت نفسي أنه مجرد صديق. ومع ذلك، كانت الكلمات تلامس قلبي، وكأنها كُتبت لنا.
وصلنا إلى المطعم. نزل وفتح لي الباب بلطف، فبادلته الابتسامة، ونزلت. أمسك بيدي وسرنا سويًا. كان قد حجز لنا طاولة في مكان فخم جعلني أشعر وكأنني أميرة. المقاعد بيضاء، والإضاءة زرقاء داكنة تبعث السكينة.
جلسنا مقابل بعضنا. أردت كسر حاجز الخجل، فوضعت يدي تحت ذقني وقلت له:
– الأجواء جميلة جدًا هنا.
طلب وجبة مشوية، وسرعان ما جاءت المائدة. الطعام لذيذ، والمكان مريح. كنت أتناول طعامي بهدوء، لكنني لاحظت أنه يراقبني بصمت.
– لماذا تحدّق بي؟
– عيوني قليلة الأدب.
ضحكت، ومرّ الوقت بسرعة. ذهبت إلى دورة المياه، وعندما عدت، جلسنا مجددًا. ثم نظر إليّ وقال:
– أنتِ جميلة لدرجة أن الحزن لا يليق بكِ. الخجل يليق بكِ أكثر. الغزل خُلق من أجل عينيكِ.
---
ثم تابع وهو يتأملني:
– لا تشبهين أحدًا... من المستحيل مقارنتك بأي شخص. هل رأيتِ الغيوم كم هي مميزة؟ أنتِ مثلها تمامًا.
نظرت إليه وقلت باستغراب:
– وكيف أكون مثلها؟
– بعيدة، بيضاء، ونقية. إذا كان العالم كلّه على اليسار، فأنتِ على اليمين. إن كان الكل أسود، فأنتِ النقاء. وإن كانت الدنيا ظلامًا، فأنتِ النور.
ثم أضاف بنبرة أكثر عمقًا:
– هل تفهمين من أنتِ؟ أنتِ نادرة، وتستحقين الحب.
لامست كلماته قلبي، فأجبته بابتسامة صادقة:
– شكرًا يا إبراهيم... أنتَ الوحيد الذي يشعل فيّ الطاقة الإيجابية.
– لا شكر بيننا يا شراستي...
عدت إلى المنزل، وقلبي يرقص من الفرح. كأن فراشات صغيرة ترفرف داخلي. مشاعري نحوه تزداد يومًا بعد يوم.
مرّت أيام وأسابيع بهدوء شبه تام. وفي أحد الأيام، اتصل بي دانيال ليزفّ لي خبرًا سعيدًا:
– ماتيلدا... حالة لورين بدأت تتحسّن، وإن شاء الله، ستستعيد نطقها قريبًا.
فرحت كثيرًا لسماع هذا الخبر، وسألته وقد خطر في بالي موضوع الجريمة:
– بالمناسبة، هل هناك أي جديد بخصوص التحقيق؟ لا أدري لماذا تبادر إلى ذهني فجأة...
أجابني بنبرة هادئة:
– الشرطة أغلقت القضية... لأنكِ سافرتِ قبل بدء التحقيق. الأمر أشبه بما حدث كل مرة... أُهمل الملف وانتهى.
– لم أتفاجأ. كنتُ أتوقع ذلك.
قال بنبرة ناصحة:
– نصيحتي لكِ يا ماتيلدا: انسَي ما حدث، وابدئي حياة جديدة لكِ ولأختكِ. الانتقام لن يفيدكِ بشيء، بل سيؤذيكِ. ولا تنسي، أنتِ لا تملكين القوة ولا وسيلة للتهديد الآن. عيشي حياتكِ، وربما في السنوات القادمة، حين تصبحين ذات سلطة أو تملكين أدلة قوية... حينها يمكنكِ أن تنتقمي بحق.
أجبته بابتسامة واثقة:
– بالطبع. أنا في الأساس أُخطط بهدوء. لستُ في عجلةٍ من أمري، ولا أفكر بالانتقام الآن. ما أريده هو جمع الأدلة... وعندما يحين الوقت، سأبدأ من نقطة الصفر.
– أحسنتِ. هكذا أفضل... والرب كريم.
– فقط، أرجو أن تطمئنني عن لورين من وقت إلى آخر.
– بعينيّ الاثنتين...
– إلى اللقاء...
– في أمان الله.
---
بعد مرور ثمانية أشهر...
اتصل بي إبراهيم فور عودتي من الشركة، وقال بنبرة حماسية:
– اليوم عيد ميلادي... وأريدكِ أن تكوني أول الحاضرين في الحفلة!
تفاجأت وسألته:
– اليوم؟!
– نعم، اليوم!
– حقًا؟ كل عام وأنتَ...
قاطعني مازحًا:
– ششش، عايديني في المساء فقط!
ضحكت وسألته:
– حسنًا، وأين ستكون الحفلة؟ وفي أي ساعة؟
– في القاعة، لقد دعوت جميع موظفي الشركة، وبعض الأصدقاء أيضًا. الساعة الثامنة مساءً.
– لكن إبراهيم... ربما لا أتمكن من الحضور!
– لماذا؟ ما السبب؟
– لا أملك لباسًا يناسب هذه المناسبة... لم أشترِ شيئًا.
ضحك وقال:
– فستانكِ موجود.
– ماذا؟!
– اخترتُ لكِ فستانًا على ذوقي، وسيرسله المندوب إليكِ خلال قليل.
– حقًا؟! وماذا عن ثمنه؟
قاطعني بنبرة حاسمة:
– لا تذكري المال أمامي... لا أسمح لكِ أن تدفعي شيئًا.
– لكن لماذا أنفقت عليه؟ أنا لا أحب...
– اعتبريه هدية.
– وأي مناسبة تستحق هذه الهدية؟
– ألا يجوز لصديقك أن يهديكِ شيئًا؟!
– حسنًا...
– الأهم من كل هذا، الساعة الثامنة سأرسل السائق إليكِ. والآن، ديري بالكِ على نفسك.
أنهيتُ الاتصال، ثم نظرت إلى التاريخ... الثامن من أغسطس. حتى تاريخ ولادته يبدو مميزًا.
وبالفعل، بعد العصر، رنّ جرس الباب. فتحت، فإذا بالمندوب يحمل الفستان ومعه الحذاء والإكسسوارات، كل شيء مُنسّق بدقة. بدا واضحًا أن إبراهيم رتّب لكل التفاصيل، وكأنه يعرف تمامًا ذوقي.
ابتسمت، لكن بداخلي كان هناك شيء لا يجعلني مرتاحة... قلت لنفسي: "سأعيد له ثمن كل هذا لاحقًا."
سمعت ضحكة كاردينيا الساخرة خلفي:
– هههههه، ما بالكِ؟!
قالت وهي تنظر إلى الفستان:
– لن تتخلّي عن هذه العادة أبدًا... هو قال لكِ: اعتبريها هدية! ومع ذلك، لا ترتاحين حتى تعيدي له المال.
– لا أحب أن يصرف أحد عليّ. ثم إن هذه الهدايا... تبدو ثمينة جدًا.
– أجل، الفستان من ماركة عالمية.
قلت وأنا أحدّق في الهدية:
– أريد أن أشتري له هدية، ما رأيكِ؟
– من أين؟
– هناك محل تجهيز هدايا قريب من هنا. لن يستغرق الأمر أكثر من ربع ساعة.
– اذهبي واشترِ لحبيب القلب!
ضحكت وقلت:
– أنچبي...
خرجت بسرعة وتوجهت إلى المحل. لحسن الحظ، كان مفتوحًا. احتَرْتُ كثيرًا في الاختيار، لكنني في النهاية وجدتُ ساعة رجالية أنيقة جدًا. غلّفوها لي بدقة، دفعت ثمنها وعدت إلى الشقة. عرضت الساعة على كاردينيا فقالت بإعجاب:
– رائعة جدًا!
قلت لها:
– هل تأتين معي؟
– لا، لا أحب الحفلات. سأبقى في المنزل لأشاهد فيلمًا، وسأذهب إلى جارتنا "أم صلاح" حتى تعودي من الحفلة.
– حسنًا...
– وعيديه بالنيابة عني، قولي له: "كل عام وأنت بخير."
– إن شاء الله، بعينيّ.
---
أكملتُ تجهيز نفسي. وقفت أمام المرآة وابتسمت. الفستان طويل بلون أبيض نقي، مزيّن بالكريستال عند منطقة الصدر، ومُخصر بأسلوب بسيط وأنيق. شعري تركته منسدلًا، لا أحب ربطه. وضعت إكسسوارات خفيفة، ومكياجًا هادئًا. أمسكت حقيبتي الفضية، وخرجت.
عندما دقّت الساعة الثامنة، نزلت، فوجدت السائق بانتظاري. قال لي بلطف: السيد إبراهيم طلب مني أن أوصلكِ.
ركبت السيارة، وبعد نصف ساعة تقريبًا، وصلنا. القاعة كانت أشبه بقصر ملكي... فخمة، واجهتها عريضة وجميلة للغاية. دخلت بخطوات هادئة. الحضور كان كثيرًا. لم أعرف أحدًا سوى موظفي الشركة.
كنت أبحث عن مكان أجلس فيه، حتّى اقترب مني أحد العاملين وسألني:
–عذرًا... هل أنتِ الآنسة ماتيلدا؟
–نعم.
أشار إلى طاولة وقال:
– هذا مقعدكِ. صاحب الحفلة خصصه لكِ إلى جواره، سيصل بعد قليل.
أومأت برأسي وجلست في المكان المخصص.
جلست أنتظره، وسرعان ما انضمت إليّ بعض الفتيات اللواتي أعرفهن في العمل، وبدأنا الحديث بأحاديث خفيفة. قُدّمت لنا بعض المشروبات الغازية، وحلويات تركية لذيذة الطعم.
انتظرت ما يقارب الساعة، إلى أن دخل أخيرًا. وعندما رآني، اتجه نحوي. وقفتُ مبتسمة.
كان وسيمًا جدًا. يرتدي بِنْطالًا أسود، وجاكيتًا أبيض، وربطة أنيقة حول عنقه، وفي يده ساعة، تبدو نفسها التي أهديتُه إياها.
قال وهو يرمقني بإعجاب:
– ما رأيكِ؟ ألا ترين أنني أنيق؟
ضحكتُ وقلت:
–نعم... تبدو رائعًا!
نظرتُ إلى ملابسه، ثم عدتُ أحدّق فيه وقلت بابتسامة:
–اللّيلة، يبدو أننا متطابقان في الألوان... أنا وأنت.
ضحك وقال:
–قصدتُ ذلك.
سألته بنبرة متفاجئة:
–ولماذا اخترتَ اللون الأبيض؟
–أعجبني ببساطة... وأنتِ تبدين كأنكِ حورية هاربة من بحر ما.
–شُكرًا...
ثمّ مدّ يده نحوي قائلًا:
–تعالي إلى جانبي.
أمسكتُ بيده ومشينا سويًا، فستاني الطويل كاد يجعلني أتعثر، لكنني تماسكت. احتفلنا سويًا، وقطعنا قالب الحلوى. راوغته قليلًا بمزاح طفولي، ولطّخت وجهه بالكريمة، فانهال ضاحكًا. لم يغضب، بل بدا سعيدًا. تناولنا الطعام، ثمّ غادر للحظات ليغسل وجهه.
التُقِطَت لنا بعض الصور، ثمّ سحبني لنتصور معًا. التقطنا عدة لقطات جميلة. وبعدها، وقفنا في زاوية شبه معزولة عن الجميع. هناك، أمسك بيدي وهمس بصوتٍ دافئ:
–يا شرستي...
نظرت إليه باستغراب:
– ما بك؟
قال، وعيناه تلمعان بشيءٍ يشبه التردد:
–إن تقدّمتُ إليكِ... هل ستوافقين؟
صُدمت من سؤاله. نظرت إليه بصمت، عاجزة عن الرد، فقد باغتني في لحظة لم أكن مستعدة لها. قلبي بدأ ينبض بقوّة، ولساني انعقد تمامًا.
–ألن تجيبيني؟ – سأل وهو يحدق بي بتوتر.
خفضتُ رأسي، أضغط على يده من شدّة التوتر، ثم تمتمتُ:
–إبراهيم... هل لي أن أعرف مناسبة هذا السؤال المفاجئ؟
أجابني بإصرار:
–فقط أجيبي... لا تمزقي قلبي بهذا الصمت.
–لا أعلم...
–ماذا تعنين بــ"لا أعلم"؟
–لا أعلم إن كنتُ سأقبل أم لا... من فضلك، دعنا نغلق هذا الحديث الآن.
رفع وجهي برفق بإصبعيه وقال:
–لا تخجلي... ليس وقت الخجل. أريد إجابة واضحة.
ترددت، ثمّ همست وأنا أنظر في عينه:
–ربّما... نعم.
ابتسم، وعلى الفور سحبني إلى حضنه وهمس في أذني:
–أنا أُحبّكِ يا امرأة.
اتسعت عيناي من الدهشة، وارتجف جسدي. لم أستوعب ما قاله، لم أعِ إن كان ذلك اعترافًا حقيقيًا أم أنّني أتوهم. تجمدت تمامًا بين ذراعيه، بينما هو ضمّني بقوة إلى صدره، وكأنّه يريد أن يزرعني في قلبه.
همستُ وأنا أرتجف:
–إبراهيم... بحقّ المسيح، ما الذي يحدث؟
وضع إصبعه على شفتيّ وهمس:
–ششش... لا تقولي شيئًا.
ثمّ أمسك بيدي بلطف، وسحبني إلى منتصف القاعة. رفع يده مشيرًا لأحدهم، وفجأة، انطفأت جميع الأضواء، ولم يبقَ سوى ضوء أحمر واحد، مسلّط علينا.
قال بصوتٍ أشبه بالرجاء:
–سأطلب منكِ الرقص معي... ولكن أرجوكِ، لا ترفضي، لا تردّي يدي خائبة. رقصة واحدة فقط... تبدين ساحرة وأنتِ تتمايلين، فراقصيني.
أومأت برأسي بتوتر:
–نعم...
ابتسم، وكأنّني منحتُه موافقة انتظرها عمرًا. على الفور، أحاط خصرِي بذراعيه، وأسند رأسه إلى رأسي. وبدأت تعزف أغنية تركية هادئة.
*******
بدأنا الرقص ببطء، ثمّ همس في أذني بصوت متهدج، قائلًا:
–سأعاهدكِ عشر عهود، ومن هذه اللّيلة، سأبدأ بتنفيذها:
عهدي الأول: سأكون دائمًا إلى جانبكِ. أنا ضحكتكِ، وكتفكِ، وضلعكِ الذي لا يميل، وقلبكِ الأيسر... أنا لكِ أمان وملاذ، هنا من أجل سعادتكِ، من أجلكِ أنتِ فقط.
عهدي الثاني: سأكون كلّ ما يرسم ابتسامتكِ، وكلّ طريق يؤدي إلى قلبكِ.
عهدي الثالث: إن شعرتِ يومًا أنكِ لا شيء في هذا العالم... تذكّري أنّكِ كل شيء في عالمي.
عهدي الرابع: حتّى وإن امتلأتِ عيوبًا، وإن كان وجودكِ خطرًا، وإن رفضكِ العالم بأسره... أنا بكِ مقتنع.
عهدي الخامس: ستكونين دعائي الأول في كلّ صلاة.
عهدي السادس: وإن احتجتِ يومًا كتفًا تبكين عليه، فتذكّري أنني أملك اثنين.
عهدي السابع: سأحبكِ في ضعفكِ وقوتكِ، في سوئكِ وصلاحكِ.
عهدي الثامن: سأهمس كلّ ليلة في أذنكِ: عيناكِ صباحي انتمائي.
عهدي التاسع: سأبقى إلى جانبكِ حتّى لو شعرتِ أن العالم كله ضدكِ.
عهدي العاشر: هذه العهود لن تنتهي إلا بانتهائي.
كنت أسمعه، وقلبي يرتجف... شعرت وكأنّه يعتصرني حبًّا. كنت سعيدة، خجلة، مرتبكة... لم أصدّق ما يجري. إبراهيم كان يحمل هذا الحبّ الكبير في قلبه كلّ هذا الوقت أيُعقل؟!
كنا نتمايل على أنغام الموسيقى، يضمّني تارة، ويقبّل يدي تارة، وجبينني تارة أخرى. وفي كلّ لحظة، أعود إلى حضنه، أذوب فيه. عيناه تذوّباني، وصدره يحتويني، ودفئه يتسلل إليّ حتّى أعماقي. كنت كمن يذوب في الحبّ حتّى النهاية، وكأنّني أصبحت قطعة من قلبه.
ثمّ خلال الرقصة، توقف فجأة وهمس:
–لحظة...
رفعت رأسي، ونظرت إلى الساعة المعلقة في أعلى القاعة... كانت تشير إلى الثانية عشرة تمامًا.
أخرج علبة صغيرة، فإذا بها خاتم يتلألأ تحت الضوء الأحمر. ثمّ انحنى قليلًا، ومدّ يده نحوي قائلًا:
–ماتيلدا عزيزتي، هل تقبلين أن تكوني شريكة حياتي وحدكِ؟
نظرت إليه، وابتسمت بعينين دامعتين، ثمّ نطقت جوابي: نعم، أقبل.
____
نمارق رحيم✍️🏻