تحميل رواية «1622جامعة القاهرة» PDF
بقلم فاطمه عبد ربه
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اقرأ 1622جامعة القاهرة بقلم فاطمه عبد ربه.
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الواحد والثلاثون
خرج محمد لينجز ما عليه من مهام رغم الحاجات عائشة بألا يخرج وهو مريض، لكنه كان يشعر بأنه تحسن بصورة كبيرة ولا داعي لتأجيل أي شيء فهو يكره البقاء في السرير دون أن يفعل أي شيء.
لكنه عاد بعد الظهيرة كما أخبرها، كان في طريقه إلى جناحه ومر بجانب المطبخ ليرى طفلة صغيرة لا يتعدى عمرها السنتين تخرج ضاحكة من المطبخ وخلفها بلال يقهقه وهو ينادي عليها " دليلة، لا تكوني مشاغبة ! "
توقف محمد عندما رأى الطفلة تختبئ خلف ساقيه وهي تضحك بينما وقف بلال بصرامة وأنحتى له ليردف " جلالتك. " ثم استقام وأحتى رأسه ليكمل
" زوجتي مريضة ولم أجد من يعتني بطفلتي، ولم أجد بدا من جلبها معي، لقد استأذنت من الوالدة هانم.
أوما محمد ونظر نحو الأسفل ليجد تلك الأعين الواسعة تحدق إليه بابتسامة بريئة فابتسم والنقطها بيديه من الأرض ليضعها على ذراعه
قهقهت بطفولية مجددا فتوسعت ابتسامته حتى ظهرت أسنانه مما جعل بلال يرفع رأسه ليري ما يحدث
" إنها لطيفة جدا يا بلال، عسى الله أن يحفظها لك. " قال محمد وهو يمد يديه إلى جيب ثوبه وأخرج قطعة من العملات الذهبية ليضعها في يد الطفلة وأردف " هذه لك. "
" جلالتك، خيرك يغرقنا بالفعل ... " أحنى رأسه من جديد فأوماً محمد ونظر نحو الفتاة من جديد ليردف " هذه هدية لدليلة. " وسرعان ما وضع قبلة على وجنتها الحمراء المنتفخة التي تشبه خاصة بلال
" أدعو الله أن يرزقك بالذرية الصالحة مولاي " دعى له بلال وهو يرفع كفيه إلى الأعلى فابتسم محمد بخفة من جديد ونظر نحو الطفلة ليشعر بقلبه ينبض بداخله، هل ستكون طفلته لطيفة كتلك ؟
مدت دليلة يدها إلى بلال وبدأت تصدر أصوات طفولية غير مفهومة تعبر عن رغبتها بالذهاب إلى أبيها فقهقه محمد ومسح على شعرها البني وناولها لبلال قائلا " هاك، ها هو أبيك. "
تم تحرك ببطء مكملا طريقه إلى الأعلى، لكنه لا يستطيع إخراج ما حدث من عقله، لقد بدت الطفلة لطيفة بشكل لا يصدق وكأنها قطعة الحلوى، وطريقتها في مد يديها لأبيها لتذهب إليه ..... بدأت تواتيه رغبة ملحة بأنه يريد نفس الشيء، حاول إخراج تلك الفكرة من عقله الآن لكن الأمر ولم يبدو بتلك السهولة، هو يرغب بطفلة بريئة تحتضنه هكذا وتمد يديها إليه.
وصل إلى جناحه ودخل ليجد عائشة تستقبله بابتسامة واسعة وقفزت عن السرير وكأنها كانت تنتظره بالفعل لتردف " محمد ! مش هتصدق اللي حصل ! "
خلع القبعة عن رأسه ورفع حاجبيه " ماذا حصل ؟ "
نظرت للقط وصاحت " توتي .. " ليجد القط يقفز ويأتي إليها وهو يهز ذيله فالتقطته وهي تضحك لتكمل " بقى عارف اسمه ! "
ابتسم رغما عنه ونظر للقط، حتى القط قد اسمته اسما سخيفا لكنه يحبه ! ما اللعنة مع تلك
الفتاة
التقط منها القط وهمس له ساخرا بصوت فقط هو يستطيع سماعه " حتى أنت وافقت أن تكون
توتي ! "
" خذي توتي خاصتك هذا، لأنني أريد أن أستريح قليلا قبل أن أبدل ثيابي لأجل الزفاف، فعمر الوغد مصمم على عدم الذهاب، إنه فقط يحب المعارضة لأجل المعارضة ! ولو كانت ليلة في
حانة أو ملهى ليلي لكان قد ذهب " قال وهو يعطيها القط ثم رمى بجسده على السرير
عقدت حاجيبها بدون فهم واستفهمت " ملهى ليلي ؟ هو عمر بيروح الأماكن دي ؟! "
فوجئت بمحمد يقهقه عاليا ثم سعل قليلا وحمحم " ليس تلك الأماكن فقط، إنه يذهب لبيوت البغاء "
توسعت عينيها بدون تصديق وجلست بجانبه، عمر ؟ عمر يفعل هذا !! لم يبدو من ذلك النوع من الرجال ! تعني .. محمد ممكن لكن عمر ؟ الصدمة شلت عقلها تماما
" ماذا ؟ ظننته رجلا بريئا ؟ " رفع حاجبه بابتسامة ماكرة وأمال برأسه إليها ليكمل
" لا يوجد رجلا يرينا يا عائشة، حتى من يبدو برينا، ستجدين عقله مليء بالأفكار القذرة لكن ربما لم تواتيه أية فرصة للتنفيذ، لذلك قال الله تعالى أن من تطلبه إمرأة ذات مال وجمال ويرفضها فسيكون ممن يظلهم الله تحت عرشه يوم القيامة، هل ستجدين نفس الشيء للأنثى ؟ لا .. أتعرفين لماذا ؟ "
كانت تستمع له بتركيز فضحك ورفع كتفيه ليجيب ببساطة " لأن الله يعرف أن الرجال مخلوقات سيئة ورفض هذا الأمر فيه تحدي كبير لهم، أما الإناث فهن طيبات ولقد خلقهن الله تعالى على قطرة الحفاظ على شرفهن ليس جميعهن لكن .. المعظم. "
" وشايف إن ده مبرر يخلي الرجل يتصرف كحيوان عادي ؟ على فكرة النساء كمان ممكن يتصرفوا كحيوانات بس لا إحنا حيوانات ولا أنتم حيوانات كلنا بشر وكلنا فينا جانب حلو وجانب وحش، وكلنا ممكن نفقد السيطرة .. ومافيش أي مبرر يخلي طرف يستسلم الفكرة أنه أصلا سيء فمن حقه يتصرف زي ما هو عايز ! "
" معك حق، نحن لسنا بحيوانات والرجل يجب أن يسيطر على نفسه، لم أتوقع أن تكون لديك تلك الفكرة عنا، فدائما تتصرفين وكانك تكرهين الذكور وكأننا حيوانات ! "
" مش بكرهكم بكره تصرفاتكم، فيه فرق " صححت له فابتسم وأومأ لها بهدوء
مرت خمسة دقائق صامتة بينهما قبل أن تهب واقفة لتتحدث " جهزولك الملابس. "
ثم أشارت للثوب الأسود الذي أمر بتجهيزه له، يبدو فخقا وغاليا بطريقة لا تتصورها، فهو من القماش المخملي الأسود وكتفيه من الجلد، أزرارة فضية لامعة وبجانبه قبعة سوداء بها جوهرة لامعة بالمنتصف والحذاء كان أيضًا باللون الأسود ولقد كان يشبه الأحذية الطويلة التي يرتديها المحاربين، وهي كانت تنتظر فقط لكي تراه يرتديه، لا تستطيع توقع كيف سيبدو شكله به، لكنها كانت تعرف بأنه سيزيده بهاءا فوق بهاءه، واللون الأسود سيزيده وقارا فوق وقاره، وربما ستكون تلك آخر صورة ستتحفر في ذاكرتها لمحمد.
نظر نحو الثوب ثم لها، تذكر الفتاة الصغيرة .. ثرى ابنتهما ستكون لطيفة مثلها ؟ بالطبع .. فلو عائشة هي أمها فلن تكون لطيفة فقط، بل ستكون مشاغبة وذكية مثل أمها وستسرق قلبه تماما.
اعتدل في جلسته وسرعان ما رفع رأسه نحوها وريت بيده على السرير بجانبه كدعوة لها للقدوم والجلوس هنا من جديد، فتحركت لتجلس بجانبه وعلقت عينيها عليه، هي تتأمل وجهه بقلب مضطرب، وكأنها تريد حفظ كافة تفاصيله في ذاكرتها
حك ذقته، أخذ شهيقا عميقا، كان يحاول بشتى الطرق إيجاد طريقة جيدة لقول ما يريد لكن الأمر بدى صعب جدا له نعم عائشة كانت محقة التعبير عن المشاعر الحقيقة هو دوما أصعب شيء يمكن أن يفعله الشخص، لأنه يتعرى تماما ويقف بلا حصانة ويخفض كل دفاعاته أمام الطرف الآخر لكنه كان مستعدا لأن ينزل كافة حصونه أمامها فقط...
حمحم وابتسم مرة أخرى لينظر إلى عينيها ويقول
" تعرفين، أنا لم أمضى كل هذا الوقت مع أية جارية أبدا، بل لم أمضى ثلاثة أيام متتالية مع نفس الجارية حتى، لكنني فعلت معك، وليس لثلاثة أيام .. ثلاثة أشهر وأكثر. "
هذا كل ما استطاع قوله لإصلاح ما قد تفوه به صباحًا، لكنه لم يستطع التحدث أكثر، خاصة لأنه متعجل ويجب أن يرحل قريبا
كانت تطالعه بعينيها، لا تفهم ما الذي يريد محمد أن يقوله ! فهي تعرف بالفعل أنه لم يمضي كل ذلك الوقت مع أية جارية، ما الجديد ؟!
وضع قبلة على جبهتها وأردف " حسنا، أظنني سأتجهز الآن. "
تم نهض وتوجه نحو المرحاض بقلب مضطرب، هو سيخبرها اليوم عندما يعود، حتى سيكون قد وجد طريقة لقولها، لكن ما هي الطرق المتاحة لقول أحبك ؟ يلقيها في وجهها هكذا مباشرة ؟ أو يستمع لكلام عمر ويجلب باقة من الورود ؟
نقض الفكرة عن رأسه الورود تبدو فكرة سخيفة، هو قد فعلها مرة ولن يفعلها ثانية أبدا ...
فكر مجددا، ربما يجب عليه أن يخبرها بأنه يعرف بشأن هروبها منه ولقد كان ينوي الإنتقام منها لكنه الآن لا ينوي فعل شيء ويريد إغلاق تلك الصفحة وفتح صفحة جديدة معها لأنه يكن لها
المشاعر ؟
لكنه لا يريد إخبارها بحبه لها دون أن يجلب لها أي شيء، ربما سلسلة ذهبية كهدية ؟
ستكون جيدة، لكن .... قلبه كان ينبض بسرعة فقط للفكرة، فهو يعرف أنه فور أن يخبرها بهذا اليوم سيكون تصريح ضمني منه أنهما أصبحا شريكين ومستقبلاً زوجين، وسيصبح مخلصا لها فقط فهو يعرف عائشة، هي لن تقبل بأنتى تشاركها فيه .. لكنه لا يهتم لهذا فهو بالفعل أصبح لا يرغب بأحد سواها، لكنه كان فقط يشعر بالتوتر الشديد من أنه سيأخذ تلك الخطوة، كان محرجا وقلقا، لكن .... نعم التصريح بالمشاعر يستلزم شجاعة لأنه ليس بالهين، ولأنه لم يفعل ذلك قط.
شعر بالصداع يفتك برأسه من كثرة التفكير عندما كان قد انتهى من غسل وجهه وتبديل ملابسه
فتح الباب وتوجه نحو المرآة ليمشط خصلات شعره التي حقا أصبحت طويلة وتصل لبعد أذنيه ويجب قصها، انتبه لها تتفحصه من الخلف، لكنها خجلت وأخفضت رأسها لتنظر إلى أي شيء آخر
أكمل تمشيط شعره وعينيه عليها من المرأة ليجدها ترفع بصرها بتردد نحوه من جديد، وللمرة الثانية تخجل وتبتعد بعينيها عندما وجدته ينظر نحوها، قلبها ينبض بقوة وأنفاسها متسرعة ملامح وجهها بدت هادئة، وحزينة
لا تصدق بأنها ستخونه للمرة الثانية، لكن تلك المرة بدت أصعب بكثير من المرة الأولى، بل بدت مؤلمة لها كثيرا، حتى أنها شعرت بغلاف رقيق من الدموع يتكون على مقلتيها لكنها فركت
عينيها بيديها وابتلعت القصة التي في حلقها بصمت
استدار وجلس على الأريكة ليرتدي حذاءه قبل أن ينهض ويضع القبعة السوداء على رأسه بهدوء ثم التفت لها ليجدها هائمة في أفكارها، ولقد ظن بأنها ربما مازالت متضايقة مما قاله لها صباحا، لكنه ابتسم بخفوت لأن الليلة هو سيصلح كل شيء، ولعبة القط والفأر هذه ستنتهي، لا مزيد من الألاعيب والكذب والخداع بينهما
حمحم جاذيا انتباهها وأردف " أنا سأرحل الآن، ربما سأتأخر قليلا اليوم لكن لا تنامي، انتظريني لتأكل سونا ؟ "
شعرت بالألم في قلبها وتجمعت الدموع من جديد في عينيها لكنها سيطرت على نفسها بشدة وأخذت نفسا عميقا واقتربت منه ليتفاجأ بها تحتضنه، مد يده وأحاط بجسدها هو الآخر ظلا هكذا لثلاثة دقائق قبل أن يحمحم هو ويبتعد قليلا ليطبع قبلة خاطفة على وجنتها ويهمس
" عزيزتي، أصف .. يجب أن أرحل الآن لكن عندما أرجع سأحتضنك من جديد. "
أومأت بهدوء وعلقت عينيها عليه حتى خرج وأغلق الباب خلفه وحينها جلست أرضا وسمحت الدموعها بأن تنهمر من عينيها ببطء، لو لم تبكي لكانت ستنفجر.
بعد نصف ساعة من البكاء كانت قد نهضت لتغسل وجهها وهي تحاول إقناع نفسها بأن لا شيء سيحدث هي ستهرب من هذا الزمن إلى زمنها وكل شيء سيعود كما كان، لكن ما لم تفهمه هو لماذا تبكي على فراقه ؟ لطالما كانت غبية في أمور المشاعر، حتى أنها في معظم الأوقات لا تفهم مشاعرها نفسها وليس فقط مشاعر الآخرين ...
بعد عشرة دقائق سمعت طرفا على الباب ففتحته لتجد عمر في وجهها والحراس مازالوا يقفون على الباب وهذا جعله يغمز لها بخفة " جورنال هانم تريدك "
فهمت وأومأت له لتردف " ثانية. " ثم دخلت متوجهة نحو الخزانة التي خينت بها حقيبتها وسط ملابسها وعادت إليه لتكمل " ماشي. ".
تحركا سويا إلى غرفته لتجده يخرج لها بعض من ملابسه " ارتدي هذا، لن تستطيع الخروج بملابسك تلك، ولعلمي شعرك تحت هذا الوشاح. "
التقطهم من يده وتحركت إلى المرحاض ثم عادت إليه لتجده يقهقه " تبدين كالفتي .. الشاذ ... على كل حال هيا. "
تحركا سويا بهدوء وهي تحاول تخبئة وجهها بالوشاح ولم تصدق عندما مرا من أمام الحراس على الباب وكل ما فعلوه هو تحية عمر قائلين " بيك. "
شعرت بأنها تتنفس أخيرا عندما خرجا من القصر تماما وتوجه عمر نحو حصان أبيض في الإسطبل وسارع بفك الجامه وهو يضحك " ما رأيك بحصاني ؟ "
لكن تفكيرها كان في مكان آخر واستفهمت " أنا مش هركب وراك على الحصان صح ؟! "
نفى برأسه وقهقه عاليا من جديد ليسخر " بالطبع لا هل تريدين من محمد أن يبرحني ضربا ؟ أنت ستأخذين حصانا آخر وستتحركي به خلفي، انظري هذا الحصان البني هناك كسول وكبير في السن، سيكون جيدا لك لأنه بالكاد يتحرك "
نظرت إلى الحصان الذي يشير إليه لتجده بالفعل هادئ في مكانه.
بعد ربع ساعة بالضبط كانا قد خرجا من البوابات بكل سلاسة، بل لم ينظر إليهما أحدًا حتى نظر لها عمر تمسك باللجام بخوف وصاح " عائشة، فقط نصف ساعة ترى فيها خالتك تلك
وبعدها سنعود بسرعة قبل أن يلاحظ أحد الحراس أو الخدم إختفائك حسنا ؟ "
أومأت له بسرعة, مسكين عمر .. هي تشعر بالأسف عليه، سيكون في موقف سيء وربما
سيضربه محمد، لكنه لن يقتله؛ فهو بالأخير أخيه وصديقه
" جيد، أنا أثق بأنك فتاة جيدة. "
" عمر ممكن تديني نقود عشان عايزة أشتري حاجة من السوق ؟ "
أوما ومد يده في جيب بنطاله البني وأخرج عشرة قطع ليعطيهم لها فوزا
نظرت له من جديد بتردد، وكانت تحارب لنفسها لكي لا تتكلم لكنها لم تستطع
" عمر، هو أنت ليه بتروح بيوت الدعارة ؟ أنت عارف إن اللي بتعمله ده يبقى زنى ؟ أنا ماكنتش
هتكلم بس .. أنت شخص كويس جدا، ومش حابة تعمل حاجة زي كده !! "
فوجئ مما قالت قليلا، بالطبع محمد قد أخبرها، هو كان يعرف بأنه سيفعل لكي يجعلها لا تعجب به، لكنه يعتبر عائشة فقط كأختا له، ربما لم يكن ليشعر بهذا نحوها لو لم تكن الفتاة التي يحبها
أخيه، لكنه رمى بكل مشاعره جانبا منذ علمه بحب محمد لها
" لا أحب الجواري، أخبرتك بهذا " قال ببساطة قزمجرت " يعني الجواري غلط واللي أنت بتعمله مش غلط !!! "
" بالضبط، لقد قلت بنفسك، كلاهما مثل الآخر " رفع كتفيه بلا مبالاة
ثواني كده !!! يعني أنت مش شايف فرق بين الجارية والعاهرة ؟! " سألت فنظر لها بصمت لوهلة، لا يريد جرح كرامتها لكنه لا يستطيع الكذب في وجهة نظره
" نعم، فالجارية تباع وتشترى لو رغب محمد مثلا ببيعك ستكونين في حضن رجلا آخر غذا، لكن الفرق أن العاهرة تفعل ذلك بإرادتها أما الجواري فرغما عنهن، يختطفونهن من أهلهن ويفعلون بهن الأفاعيل، وهذا ليس ذنبهن بل ذنب الذي خطفهن وباعهن وذنب من رضي
بشرائهن أنا سيء لكن على الأقل لا أشارك في جريمة كذلك. "
" وجهة نظر، أقولك على حاجة أنا كمان ؟ "
عقد حاجبيه وانتظر ليسمع فأبتسمت لتقترب منه " أنت ومحمد بالنسبالي عواهر وما حصلتوش جواري حتى، بل أسوأ من العواهر، عشان العاهرات ساعات ظروفهم بتجبرهم على كده، إنما
أنتم ؟ ما فيش أي مبرر ولا أي ظرف. "
توقعت أن يغضب، يصرخ في وجهها، أو على الأقل ينكر ... لكن ما لم تعمل حسابه هو ابتسامته اللا مبالية ورفعه لكتفيه
" حسنا، أنا أعلم ! "
خدمت فجأة ونظرت له باستغراب " إيه ده أنت موافق عادي ؟! مش هتنكر ؟! "
" لماذا سأنكر ؟ نعم أنا فاسق وداعر وليس فقط عاهر ! انظري لي جيدا، لقد وضعت وشفا حتى وهو محرم، أتظنينني لا أعرف نفسي ؟ "
" وعادي كده !! " توسعت عينيها بدون تصديق فضحك " إنها درجة عالية من التصالح مع النفس ! "
" مش بالشكل ده ! ومش بالطريقة دي !! التصالح مع النفس المفروض يقودك لنسخة أفضل من شخصيتك مش يخليك تستبيح أفعالك السيئة وما تخجلش منها ! أنا بالنسبالي محمد دلوقتي أفضل، لأنه على الأقل فاكر إن اللي بيعمله صح ورغم كل ده هو فعلا بيحاول يبطل كل ده بل بالفعل بطل، أما أنت عارف إنه غلط ومع ذلك بتعمله ومستمر !! "
أخفض رأسه قليلا ثم رفع عسليتيه نحوها " أنا أريد أن أتوقف أيضا، أريد الزواج بفتاة وتكوين أسرة، لكن أمي مصرة على زواجي من بنت باشا أو بيك على أقل تقدير، وبنت الباشا أو البيك غالبا ستكون طفلة صغيرة لم تتعدى الخمسة عشرة سنة، لأنهم يزوجون بناتهم صغارًا .. "
" يعني تمردت على كل حاجة هما عايزينها منك ومش قادر تتمرد وتتجوز واحدة مناسبة ليك حتى لو فقيرة ومش بنت باشا ولا بيك "
صمت قليلا ثم ارتسمت على محياه ابتسامة شيطانية
" يا إلهي !! أين ذهبت عن بالي تلك الفكرة ! نعم أتزوج من أريد وأضعهم جميعا أمام الأمر الواقع ! حينها لن ينفع رفضهم بشيء !! ولو لم يتقبلوا الأمر يمكنني الهرب معها ! ستكون مغامرة رائعة
!! أبي فعليا سيفقد عقله وربما تصاب أمي بجلطة تجعلها قعيدة الفراش !! "
كانت تظنه يمزح أو يسخر منها لكن ضحكته التي رنت في أرجاء المكان وتمتمته " هذا أروع شيء قد أفعله يوما، أفضل من الوشم مئة مرة ! " جعلاها تصدق أنه لا يمزح !
" أنت عايز تشل أمك يا ابني ؟ مالك فرحان كده ليه !! "
خفتت ضحكاته قليلا وهمس بمزاح " إنها امرأة متسلطة .. أتعلمين ماذا ؟ من ستتزوجني
ستكون أمها قد دعت عليها بالهلاك لأن بكيزة هانم ستكون حماتها ! "
" ولية قرشانة يعني : " أردفت عائشة ورغم عدم فهم عمر لما قالت قد وافقها ضاحكا " نعم.
لكن .. ما زالت أمي، أنا أحبها .. أحيانًا ! "
" أحيانًا !! يخربيتك .. " ضحكت فأردف " أظنني سأجوب الأسواق بحثا عن جارية تشبهك.
وعندما أفعل سأتزوجها لن أجعلها جارية، سأحررها. "
ابتسامة حزينة ظهرت على محياها عندما تذكرت محمد مجددًا، ربما هو مستبد حقا لكنها لا تملك غير الإعتراف بأن الشخص الوحيد الذي استطاع دخول قلبها هو ذلك المستبد ... لكنها ستنهي كل شيء، وسيعود كل شيء كما كان.
كان محمد قد وصل إلى حفل الزفاف منذ الساعة ونصف، استقبله الجميع برسمية كبيرة وترحاب ووجد بالفعل أن شيخ العرب قد جهز له مجلس خاص له ولحراسه، صوت الطبول والمعازف تخترق أذنيه، هو لا يحب الصوت العالي بل ولا يحب الاحتفالات ككل، كما أنه قد بدأ
يشعر ببعض الإعياء، ربما كانت عائشة محقة هو لم يكن يجدر به الخروج.
" لقد شرفتنا بحضورك جلالتك " تحدث له ذلك الرجل الذي كان في الخمسين من عمره والذي كان يرتدي الزي المصري التقليدي المسمى بالجلباب رغم كون أنها بدت نظيفة وجديدة وغالية الثمن
" مبارك لعلي، هذه هديته " قال محمد وهو يخرج كيس قماشي متوسط الحجم والذي كان ممتلئ بالقطع الذهبية
النقطه الرجل يهدوء من يده بابتسامة وقبل أن يشكره فوجئ الجميع بشخص يقتحم المكان لاهنا، عقد محمد حاجبيه ونهض لعمر الذي كان يلتقط أنفاسه بصعوبة
سحبه إلى زاوية بوجه معقود، قلبه يخبره أن هناك شيئا سيلا " ماذا ؟ وبسرعة ؟ "
ابتلع عمر لعابه وهو ينظر إلى أعين أخيه، اللعنة على غباءه ... واللعنة على عائشة، تلك الشيطانة
هي بالفعل شيطانة مثلما قال محمد لكنه فقط لم يصدقه
" لقد ... لقد .. " قال بتقطع في حين قلقت ملامح محمد أكثر
" لقد لدغت ! " أكمل بنبرة باكية فلم يستوعب الآخر وزمجر " عمر هات ما عندك مباشرة
وبوضوح لقد نفد صبري، ماذا حدث ؟ "
كانت الأعين معلقة عليهما فابتلع عمر لعابه واقترب من أذن محمد ليقول " عائشة .... لقد أخرجتها لزيارة خالتها وكنت سأرجعها قبل عودتك لكنها خدعتني وهربت مني عندما كنا في وسط السوق، حاولت البحث عنها بمفردي فلم أستطع فاتخذت قراري وجنت إليك! "
كان الآخر في صدمة مع كل كلمة يسمعها، وشعر للمرة الثانية بأن أحدهم قد صفعه بقوة على وجهه فجأة، لكن الأسوأ من كل هذا هو قلبه الذي أعتصر داخل صدره، كان شبه تاتها، الفتاة التي
اشترى لها عقدا وكان سيعترف لها بحبه اليوم هربت منه للمرة الثانية ؟
أيقظه وقوف شيخ العرب بجانبه سائلا يقلق " جلالتك، هل كل شيء على ما يرام ؟ "
التفت له محمد وابتلع الغصة في حلقه ليومى بهدوء وتمتم " فقط هناك ظرفا طارنا ويجب على الرحيل، مبارك لابنك السلام عليكم " ثم أشار بيده إلى الحراس فتبعوه فوزا وخلفه عمر
قفز على حصانه بوجه متجهم وكان عمر سيتكلم لكن محمد رفع سبابته في وجهه " اخرس
وأنت لست بأخي بعد الآن. "
نعم، هذا حقه ... إنه يكره عائشة الآن بشدة
" إلى أين سنتوجه جلالتك ؟! " صاح أحد الحراس من خلفه فأردف محمد لهم بجمود " ستحاصر حي درب البرابرة، سيتم تفتيش جميع البيوت جميعها بأكملها، حتى لو وصلنا لهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها. " ثم أشار إلى أحد الفرسان " أنت اذهب إلى يوسف بيك با خليل
واخبره أن يبعث لي بخمسمئة من الجنود إلى حي درب البرابرة. "
ابتلع عمر لعابه خلفه، هو تسبب بكل هذا الدمار الذي على وشك الحدوث !! اللعنة على عائشة.
ضرب محمد باللجام بقوة فعلى صهيل خيله وتحرك بسرعة وخلفه الحراس وعمر، لكنه كان في
عالم آخر لا يستطيع التصديق أنها فعلت هذا به !
لم يبدو الأمر كهربها منه في المرة السابقة، بل كان أسوأ، الخذلان ... كان أكبر شعور مسيطر عليه بعد الضعف، هي قد جعلته يشعر بالضعف وكأنه لا شيء! وكأن مشاعره لا تسوى، وكأن قلبه عبارة عن بعض المهملات التي لم تهتم لها وكان من السهل جدا عليها الإلقاء بها بعيدا وكأنه .
وكأنه رخيص بالنسبة لها !
كيف نام على كتفها وأغمض عينيه بسلام وهو يحتضنها وهي تفعل به كل هذا ؟ ما هو شكله أمام عمر الان ؟ ... فتاته هربت منه لمرتين الفتاة التي أحبها وكان سيتزوجها !!
شعر بيديه ترتعش على اللجام لكنه قبض عليه بقوة وتجهمت ملامح وجهه، كان سيكون الأمر
بالنسبة له أسهل لو أنه يستطيع قطع رقبتها فور إيجادها، كان ليشعر بقليل من الراحة لكنه حتى يعرف بأنه لن يستطيع فعلها ولو قالها فسيتراجع فيها ... لهذا لم يكن يريد أن ينغمس في تلك المشاعر، لقد كان يعرف بأنها ليست أهلا للثقة ومع ذلك أحبها ! لكن كان الأمر رغما عنه ... لم
يستطع فعل شيء سوى الوقوع لها !!
وهو الذي كان يتخيل في عقله كثيرا كيف سيخبرها بأنه قد عفى عنها وبأنه أحبها اليوم، كم كان غبيا ... لكن لا، هو ليس يغبي ... هي التي تكون جاحدة وقاسية، ومخادعة !
مرت صورتها تبتسم له وتقترب لتحتضنه على عقله، وكيف كانت تمد يدها لتلعب في شعره كيف أعتنت به وهو مريض وسهرت بجانبه .... كل ذلك كان خداع ؟ كانت تتلاعب بمشاعره وتنتظر الفرصة الثانية لتهرب منه ؟
هي قد أصابته بألم لم يشعر ولن يشعر به قط اليوم، لكنها لن تفلت بها، لا لن تفلت بها، سيهدم البيوت وسيجدها، لا أحد يهرب في الأرض التي هو عليها يتربع، هو سيجدها ليثبت لها أنه الحاكم على تلك الأرض.
كانت عائشة قد وصلت لحي درب البرابرة بالفعل وبدأت تتجول بحرية وهي تسأل عن بيت الساحرة وقد أرشدها بعضهم إلى مكانها حتى وصلت اخيرا بعد ساعتين من الهرب من عمر لتجد صف طويل من الناس أمام إحدى البيوت
عقدت حاجبيها بضيق وسألت إحدى النساء " هل هذا هو بيت الساحرة سليمانة ؟ "
أومأت لها المرأة وأشارت لها إلى نهاية الصف الطويل جدا قائلة " ففي هناك واحجزي دورك. "
" هي الساحرة دي جيدة ؟! " سألت من جديد فأومأت لها المرأة تم همت لتزغرد " لقد جعلت ابنتي تحمل. "
" استغفر الله يا ستي القادر ربنا .. " تمتمت وهي تشعر بالضيق والقرف من كل هذا، أين ذهب عقلها عندما قررت الذهاب إلى تلك الساحرة التي أرشدتها إليها نورة ؟ كانت تعلم بأنه يعد كفرا بالله، كيف سمحت لنفسها بأن تنغمس وسط ذلك المستنقع وتقف في وسط أناس يظنون أن ساحرة صعلوكة يمكنها أن تجعل إحدى النساء حاملا بينما هي تعلم أن القادر هو الله تعالى وحده !!
تحركت لتقف في الصف بهدوء رغم استغراب الجميع من ملابسها الرجالية وصوتها الأنثوي، كان الصف يتحرك ببطء شديد، ولقد مرت ساعة أخرى قبل أن تسمع الكثير من صهيل الخيول وصوت صريخ يعلو وبدأ الناس بالهرولة بعيدا دون أن يعرفوا ما الذي يحدث.
" هو إيه اللي بيحصل ! " هرولت بخوف لتسأل السيدة فأجابتها وهي تمسك بطرف جلبابها الأسود وهي تهرول " يبدو أنهم بعض الهجامين، اهربي بسرعة. "
وقفت عائشة تنظر إلى بيت الساحرة وإلى الناس تهرول في كل مكان والهرج والمرج الذي
يحدث لكنها وجدت الصف قد انفض وبقيت هي بمفردها فوجدتها فرصة سانحة لتدخل بسرعة كانت على الباب عندما سمعت صهيل خيل عالي فحركت رأسها لتنظر فوقعت عينيها على الكثير من الحراس في كل مكان يقتحمون البيوت ويشدون الأوشحة عن رؤوس أصحابها.
هرولت بسرعة بعيدا فانتبه لها واحد من الحراس وهرول بحصانه خلفها تم قفز دافعا إياها إلى الأرض وبالفعل لقد تعرقلت ووقعت على جانبها الأيمن
كان الجندي على وشك شد الوشاح عن رأسها حينما ظهر محمد وخلفه عمر، شعرت بقلبها يسقط في قدمها وبدأت بالإرتعاش كانت تعرف بأنها لن تستطيع فعل أي شيء في تلك اللحظة فاستسلمت لأمرها ووقفت بيأس دون حراك
وجدت محمد يقفز عن فرسه هو الآخر تعلقت عينيه على عينيها، الوشاح يغطي وجهها ورأسها لكنه يعرف تلك العينان جيدا، كان يخترقها بنظراته التي بدت حزينة ومخذولة رغم ملامح
وجهه المتجهمة بشدة
أشار بيده ليوقف الجندي فتركها وتراجع للخلف حينما وصل محمد ليقف أمامها، نظر إلى عينيها عميقا، شعرت بأنه يعاتبها بنظراته تلك، ودون أن يعري وجهها كان قد سحبها في عناق جعل الصدمة تشل عقلها، عناق !!
كانت ترتجف فعليا بين يديه، هي تعرف بأنه سيقطع عنقها اليوم بلا أدنى شك، لن يمررها ولن يسامح ولن يغفر
ابتعد وكوب وجهها بين يديه ورسم ابتسامة مزيفة على وجهه ليقول بصوت هجوري سمعه الجميع " عزيزتي جيد أنني وجدتك، ذلك الغبي أضاعك .. لم أكن لأسامح نفسي لو ضللت الطريق وحدث لك شيئا سيئا ! "
هي قد أدركت الآن ما الذي يحدث، محمد لا يريد بعثرة كرامته أكثر أمام العامة وأمام الجنود " الحمد لله إنك .. لقيتني " همست بتقطع وبارتجافة لتكمل تلك التمثيلية أمام العامة
قبض على ذراعها ولقد آلمها بشدة حتى شعرت بأنه يكاد يغرس أصابعه في لحمها وسحبها خلفه
بهدوء مفتعل ثم أمسك بخصرها ووضعها على الحصان وضرب باللجام لينطلق عائدا إلى القصر.
فور وصولهما لباب القصر قفز واسندها لتقفز خلفه ثم وضع قبلة على وجنتها أمام الحراس وتمتم " لن أجعل أحدا يخرجك مرة أخرى، أنت غريبة عن هذه البلد وتضيعين بسرعة. "
ثم أحاط خصرها بيديه ليقودها نحو جناحه بهدوء كانت تعرف بأنه هدوء ما قبل العاصفة، لم تكن تريد الدخول معه إلى جناحه، نظراته نحوها كانت تخيفها، وكأنه ينتظر فقط لينفرد بها ليريها من العذاب والويلات ما ستكفر به عن خطيئتها نحوه لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وفتح محمد باب جناحه وجرها من يدها ليدخلها ويغلق الباب بالمفتاح خلفه بعد أن أمر الحارسان بالرحيل عن بابه..
طأطأت رأسها إلى الأسفل نحو موضع قدميها ورأت قدمه تتحرك لتقف أمامها مباشرة لكنها لم تتجرأ على رفع عينيها، بينما كان هو يصك على فكيه محاولاً تمالك غضبه ويحاول تنظيم أنفاسه المتسارعة وكأنه في سباق وهو يقبض على كفيه بشدة حتى هربت الدماء منهما
كان يخترقها بنظرات مخذولة وحاقدة، عقله يشتعل والدماء بداخل جسده تغلي من غضبه
عندما مرت دقيقتين ولم يفعل شيء رفعت رأسها ببطء وتردد نحوه وفور وقوع عينيها على زرقاوتيه وجدت صفعة تلتحم بوجنتها اليسرى، ولقد كانت قوية لدرجة أنها أوقعتها أرضًا وأوجعتها كثيرًا وأصابعه قد تحددت على بشرتها باللون الأحمر
وضعت يدها على وجنتها وبدأت عينيها تترقرق بالدموع لكن الآخر كان مازال يخترقها بنفس نظراته وسرعان ما رفع إصبع السبابة ليشير نحوها وهمس من تحت أسنانه
" أنت سيئة، أسوأ فتاة قد يقابلها رجلا يوما، أنت تدفعينني بقوة لإخراج أسوأ ما بي. "
قبض على يده التي صفعها بها وصرخ في وجهها " لم أمد يدي على أنثى قط لكنك جعلتني أفعلها !! هل تريدينني أن أتعامل معك بأسلوب همجي حيواني ؟! اتعلمين أنني يمكنني كسر عينيك تماما الآن والتسبب لك بصدمة لن تشفي منها أبدًا ؟!! ألا تتخيلين كم أنا قادرا على
إيذائك والتسبب لك بأسوأ الأشياء التي قد تلحق بفتاة يوما !! "
كانت قد بدأت بالبكاء لكنه لم يكن في وضع يسمح له بالتأثر أو الإهتمام بدموعها، لقد شعر بأن عقله سينفجر وكان وجهه محمرا بشدة
" يمكنني ضربك ثم سجنك في زنزانة لن تري منها الشمس مجددا واطعامك طعام حتى الكلاب ستشمئز من تناوله، يمكنني جعلك لا تغمضين عينيك مجددًا لأن كلما ستفعلين سأجعل حارشا يلقي على رأسك بدلو من المياه الباردة، يمكنني جلدك علنا .. يمكنني .... يمكنني اغتصابك حتى !! يمكنني قطع رأسك الشيطاني هذا الآن ويلمح البصر سأنهي حياتك !!! لماذا تتصرفين وكأنني لا استطيع فعل أي شيء بك !!! " صرخ في وجهها من جديد وكادت مقلتيه أن تخرجان من محاجرهما
أصبح الخوف يتملك منها تماما وشعرت بجسدها يرتعش مع إكمالها لبكائها
نظر نحوها وذم شفتيه بحزن ولم يشعر بنفسه إلا وهو يكمل بنبرة متألمة " لكنني لن أفعل كل هذا، وهذا ما يؤلم أكثر ... لماذا تستطيعين التسبب لي بكل ذلك الألم دون أن أستطيع أن أرده لك !! لماذا تبدين قاسية القلب هكذا ؟ ما الخطأ الذي فعلته معك ! لقد أخطأت مع الجميع ولم أخطئ معك !!! "
" كيف تستطيعين أن تنامي في حضني وتعتنين بي وتضحكين معي وتعانقينني، ويطاوعك قلبك على الهروب | الم تنظري لي ناتقا بسلام على كتفك ويؤلمك قلبك ولو قليلا ثم تبدلين رأيك !!! ألم يرق قلبك ولو لثانية وتشعرين بقلبي الذي تسببت بجرحه ؟ لم تأتي على عقلك فكرة أنك ستتسببين بوضعي في موقف قذر أمام الجميع ؟ " كان كلامه متقطعا وبدأت عينيه تلمع
رفعت عينيها الحمراء التي أغرورقت بالدموع وهمست " أنا اسفة. "
رفع يده ليسحب شعره بجنون إلى الخلف وضحك بهستيرية " وأنا الذي كنت قادها اليوم الأخبرك بأنني ... بأنني ... " توقف عن الضحك وارتجفت شفتيه لتعود ملامح وجهه حزينة " أنت لا تستحقين أي شيء."
" أنت قاسية ولا تمتلكين أي ذرة من الإحساس، قلبك متحجر ولا تستطيعين الشعور حتى، لم اقابل شخصا أجحد منك في حياتي، ولا تستحقين أن يحبك أحدهم يوما. "
رمى بكلماته ثم استدار ليتحرك لكنه شعر بالإعياء مجددا وبدأت الصورة تهتز أمامه، كان يشعر بان دمانه تغلي بداخل جسده والصداع يدق رأسه مثل المطرقة التي تدق على مسمار، بدأ الدوار يلف رأسه أكثر
استند على الحائط فانتبهت له ونهضت على عجل لتحاول الإمساك بيده " محمد أنت بخير !! " سألت بقلق لكنه دفع بيدها بعيدا ووضع يده على رأسه الدوار يزداد أكثر، بدأت عينيه تنغلق وسرعان ما سقط أرضا فصرخت عاليا " محمد !! "
ثم تركته وفتحت الباب بانهيار لتصرخ في الحراس " حد يجيب طبيب، محمد باشا فقد وعيه.
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الثاني والثلاثون
" حرارته مرتفعة ولم يبقى في السرير، إنها خمى، يجب تخفيض حرارته بالماء الفاتر وسأرسل لك وصفة علاجية ستساعده، يجب أن يتغذى باللحم والخضروات المسلوقة والفواكه خاصة
البرتقال " قال الطبيب إلى جورنال التي تنظر بقلق إلى ابنها
بينما كان محمد قد استفاق وفتح عينيه، ينظر أمامه إلى اللامكان، والأخرى تقف على الجهة الأخرى من السرير تمسح الدموع عن عينيها، بينما عمر يقف في آخر الغرفة يلعنها تحت انفاسه.
ويلعن نفسه على مخالفة تعليمات محمد
" أنا مقعد معاه " قالت عائشة للطبيب لتجد محمد يزمجر " لا، لا أريد أحدا. "
عقدت جورنال حاجبيها وتقدمت لتلمس شعره " بني هل سمعت ما قال الطبيب ؟ يجب أن نخفض حرارتك ويجب أن ترتاح في السرير ! "
سعل بقوة وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة ليردف " لا أريد أنا بخير، اتركوني، جميعكم والآن. " نظرت له ولعائشة، هل تشاجرا ؟
وجدت عائشة تقترب منه لتهمس " محمد .. " لكنه قاطعها صارخا دون أن ينظر لها " قلت اخرجوا، لا أريد أحدا معي ! "
لكنها لم تبتعد ودفنت رأسها في عنقه لتبكي أكثر " أرجوك هقعد معاك بس زي ما قال الطبيب.
تزحزح بعيدا بجسده بضيق ليبتعد عنها وتمتم نحو أمه " أمي، هل تريدين اتعابي أكثر ؟ قلت ..... " قاطعه السعال من جديد " لا أريد أحدا. "
" لا، أنت مريض " جادلت جورنال لتجده يصرخ في وجهها لأول مرة في حياته " قلت واللعنة اخرجوا !! "
عقدت حاجبيها بضيق ونظرت له بغضب " هل تصرخ في وجهي ؟ حسنا حسنا .. أقسم بأن كلامي هو الذي سينفذ. "
شعر بالتعب بعد صراخه ولم يستطع الصراخ أكثر لكنه سعل بقوة ليجد عائشة تقترب منه بأعين دامعة لتهمس " أنا أسفة " ليشيح بوجهه بعيدا عنها بضيق، لا يطيق النظر في وجهها حتى
وجد جورنال تسحب عمر للخارج وهي تقول " هيا معي لنتركه يرتاح " ثم نظرت إلى عائشة وأكملت " افعلي مثلما قال الطبيب " وسرعان ما خرجت هي وعمر لتغلق الباب خلفها
نظرت له بيأس واقتربت منه خطوتين فصرخ في وجهها " إياك والاقتراب مني، لا أطيقك ولا أطبق النظر في وجهك..
تصنمت في مكانها ورفعت يدها لتمسح الدموع عن عينيها ثم نطقت بنيرة متحشرجة من كثرة البكاء " مش هكلمك بس هعملك الكمادات عشان حرارتك !! "
" لا أريد، ولو يجب علي فلا أريدها منك إياك ولمسي ولا الاقتراب مني، أصبحت أمقتك مثلما أمقت السبانخ " قال وأغمض عينيه مقررا النوم ثم زمجر " ولا تقتربي من سريري، مكانك على الأريكة. "
تحركت لتجلس على الأريكة بصمت وهي تمسح عينيها من جديد، إن قلبها يؤلمها كما لم يفعل قط، وشعور أنها قد فقدته أيضا مثلما فقدت أهلها قد حاصرها من كل اتجاه، لقد كان هو الشخص الوحيد الذي يهتم لأمرها في ذلك العالم، ولقد فقدته بنفس الطريقة التي فقدت بها
عائلتها .. بالهرب.
كم مرة هربت ؟ ليس من محمد بل من كل مشكلة قابلتها ؟
بإعادة التفكير وجدت بأنها فعليا كانت تهرب من كل شيء، لا وجود للمواجهة في قاموسها، حتى عندما أمسك بها دكتور فوزي وهي تشتمه وطلب منها بطاقتها أثرت الهرب منه وأطلقت قدميها مهرونة، وبإعادة التفكير مرة أخرى وجدت أن في كل مرة هربت بها لم يزداد الأمر إلا سوداء
انتبهت على هدوء محمد و نهضت بحذر لتقترب منه، وجدت أنفاسه قد انتظمت وعلمت أنه نام وحينها تحركت لتجلب الماء والقطعة القماشية وبدأت بعمل الكمادات له.
كانت تضع القماشة على جبهته وهي تتأمل ملامحه بندم، وتنتظر لوهلة تتفحص فيها أنفه الطويل والدقيق شفتيه الورديتان ووجنتيه الحمراوان من الحمى، وخصلات شعره الطويلة التي أبقاها دون حلاقة لأنها طلبت منه ذلك.
بقيت هكذا حتى حل الصباح دون أن تغمض عينيها ولو قليلا، وفي تلك الأثناء هي قد أدركت شيئا .. شيئا مهما، لقد أدركت بأنها بالفعل تخاف عليه كثيرا، تهتم لأمره كثيرا، وتشعر نحوه كما لم تشعر نحو أي رجل من قبل.
وجدت القط يخرج من تحت مكتب محمد ويقفز نحوها ليجلس على قدمها ويطالعها بعينيه ثم بدأ بالمواء فهمست له " وطي صوتك عشان هو تعبان ونايم ! "
ثم نهضت لتحمله وتوجهت نحو الباب بحذر لتفتحه وتعطيه لأحد من الحراس قائلة " خليه معاك عشان بينونو والباشا نايم. " ولم تنتظر إجابته ودخلت بسرعة لتغلق الباب خلفها،
عندما وصلت إلى سريره جلست بجانبه تتحسس حرارته، وحمدت الله عندما وجدت حرارة جبهته عادية مثل حرارتها
مددت يدها على الوسادة فوق رأسه، كانت تتأمل وجهه بهدوء، يدها الأخرى امتدت لتلمس وجنته صعودا وهبوطا بخفة
" كان نفسي يبقى عندي فرصة إني ماجر حكش بس ماكانش عندي أي فرصة، " همست بحزن واقتربت بتردد لتطبع قبلة على وجنته الحمراء
فتح عينيه ببطء حينما كانت شفتيها على وجنته، ابتعدت عنه بحرج وبوجه قد اشتعل خجلا حينما كان هو يخترقها بنظرة مختلطة ما بين الغضب والحزن وسرعان ما زمجر " ابتعدي عني.
" محمد، أنا آسفة " همست وهي تبتلع الغصة في حلقها فنظر لها لدقيقة وارتسمت ابتسامة ساخرة على وجهه وتمتم
" محمد باشا بالنسبة لك فأنا محمد باشا لا تنسي ذلك المرة الثانية التي سأذكرك فيها بذلك سيكون بشيء لن يعجبك. "
تم حاول النهوض بتعب ليجدها تسأل " رايح فين ؟ "
" لا دخل لك " تمتم وتحرك نحو المرحاض ليتوضى، وقف بهدوء أمام المرآة، نظر إلى انعكاس صورته بضيق، ملامحه البائسة هي السبب فيها، هي من جعلته يشعر بكل ذلك الألم، لم يكن
يريد ان يجرح لكنها لم تجرحه فقط بل طعنته في قلبه لمرتين
خلع الثوب الذي لم يخلعه عنه منذ البارحة وألقى به بعيدا ثم صاح عليها " احضري لي ملابس.
سمع طرقا على الباب ففتحه ببطء لينتزع الملابس من يدها ويغلق الباب بقوة في وجهها.
بعد خمسة دقائق خرج بمسح وجهه بالمنشفة وحادثها بجمود " احضري ملابسي من الحمام . فدخلت بسرعة لتلملم ملابسه وأثناء ذلك وجدت علبة خشبية تقع من جيب توبه على الأرض.
نظرت إلى الخارج لتجده قد وقف يصلي فرجعت بعينيها إلى العلبة وفتحتها بحذر لتجد سلسلة ذهبية بها قلب، يشبه للخاتم الذي جلبه لها، وهي فوزا أدركت بأن تلك السلسلة كانت لها.
طاطات وجهها بألم، كم جرحته ؟ وكم تسببت له من وجع ؟ كان قد أشترى لها تلك السلسلة كهدية ليجدها قد هربت منه ؟
ايقظها تحديق محمد الذي انتهى لتوه من الصلاة ليجدها قد وجدت العقد، لكنه لم يبدي آية ردة فعل وتحرك ليجلس على السرير بصمت
وضعت العلبة مرة أخرى في جيبه وتحركت إلى الخارج لتضع ملابسه على علاقة الملابس
سمعت صوت طرقا فنهضت ثم عادت بالطعام، وفي نفس الوقت وجدت جورنال تدلف إلى الداخل وتحركت لتجلس بجانب محمد على السرير ورفعت يدها لتتحسس وجهه
" كيف حالك يا بني ؟ "
" بخير " قال من تحت أسنانه بينما جلست عائشة على الأريكة تقطع له فخذ الدجاجة حتى انتبهت جورنال لها " لا قطعي الصدر، محمد لا يحب أكل الفخذ. "
شعرت بغصة تعتلي قلبها مرة أخرى، إذا .. لقد كان يترك لها الصدر حقا ويأكل الفخذ لأنه لاحظ
أنها تحب الصدر !!!
رفعت عينيها نحوه لتجده لا ينظر لها من الأساس بل بدى شارد الذهن ينظر نحو اللا مكان.
بعد الساعة تركتهما جورنال مرة أخرى، ليجد عائشة تقترب منه بحذر وهي تمسك بزجاجة " الدوا .. "
اعتدل على السرير بصمت وانتشله من بين يديها وتجرع منه بهدوء، لكنها كانت قد ضاقت ذرعا واقتربت منه فجأة لتجلس أمامه " أنا آسفة، أنت ممكن تعاقبني، بس سامحني المرة دي ... "
" لم تكن المرة الأولى: " قال بجمود وأعطاها الزجاجة فأخفضت رأسها وهمست " عارفة، بس
أنا اسفة ! أرجوك سامحني .. "
" المسامحة لن تفيد بشيء، لم أكن سأعاقبك لأعفو عنك. "
" بس انت دلوقتي بتعاقبني، زعلك مني عقاب ... " همست وهي تحاول لمس يده لكنه أبعد يده
بغضب ونطق من تحت أسنانه بغيظ
" لا تلمسينني، أنا حقا أصبحت لا أطيق النظر في وجهك. "
ابتعدت عنه بيأس وتحركت نحو الأريكة لتتكور عليها وتشرع في البكاء الذي وصلت شهقاته المسامعه، لكنه لم ينظر نحوها واستندت بظهره على السرير وسرعان ما صرخ
" توقفي عن النواح، لا أطيق سماع صوتك ! "
لكنه فوجئ بها تنهض له لتصرخ هي الأخرى من بين بكائها
" ما تصرخش عليا !! أنت مش عارف أنا حسيت بايه وأنا سايباك وماشية، أنا ماكنتش عايزة أسيبك، أنت متخيل إن الموضوع كان سهل ؟ سهل إني أسيب أطيب رجل قابلته في حياتي ؟ سهل إني أمشي بعد ما اتعودت أحضنك وأنا نايمة ؟ أنا ماكنتش عايزة أجرحك، ولا أجرح نفسي
جحظت عينيه، بدهشة وذهول، هل صرخت عليه حقا الآن ؟ ومهلا .. ما الذي قالته ؟
وجدها تبكي أكثر لتكمل بنيرة مرتعشة " بس ماكانش عندي أي اختيار ! "
ثم جئت على ركبتيها حينما تلثلثت عينيه ونهض عن السرير بوجه متجهم ليمسك بيدها بعنف
وصرخ عليها من جديد " بلى كان لديك !! لا تلعبي دور الضحية الآن وأنت هي الجانية ! "
كانت منهارة في البكاء تماما وشهقت " حط نفسك مكاني !! أنا كنت بحاول أرجع لأهلي، تخيل لو فجأة في يوم خسرت أهلك وبقيت عبد عند حد !! إيه اللي ممكن تعمله !! "
صك على فكيه وتمتم " أنت غبية، أكبر غبية رأيتها في حياتي !! أتعلمين أنك كنت تستطيعين بسهولة جدا كسب ودي وجعلي لا أرفض لك أي طلب ؟ كنت لأفعل أي شيء تريدينه، كان بإمكانك أن تكوني فتاة جيدة وكنت لأخذك إلى أهلك في أي وقت تشائين لو كنت أثق بك، كنت الأجلب لك أهلك ليعيشوا معك هنا حتى !! لكن لماذا ستفعلى هذا ؟ لماذا ستتخلين عن الكذب والغش والخداع وتكوني فتاة جيدة !!!! "
" ماكانش هينفع ماكانش هينفع !! " قالت وهي تمسح بيأس على عينيها فزمجر
" لماذا ؟ هل تظنين أن أهلك كانوا ليرفضون زواجك مني ؟!! واللعنة اخرجي إلى أرقى حي في المعمورة وقولي أن الوالي يبحث عن جارية لينجب منها وستجدين أرقى بيت يخرج بناته !!! "
رفعت رأسها له وحاولت السيطرة على نفسها قليلا، لا سبيل غير قول الحقيقة، هي قد سلمت من الكذب والغش والهرب من كل شيء، لا سبيل سوى المواجهة، ولو لم يصدقها فعلى الأقل ستكون قد قالت الحقيقة
وجدته يجتو على ركبتيه أمامها لينظر إلى عينيها بملامح مخذولة معاتبة وهمس " في اليوم الذي هربت به كنت قادما لأخبرك بأنني عفوت عنك وسامحتك على هربك مني من قبل وبأنني ... وبأنني .. أحبك ! لقد حطمت قلبي إلى أشلاء، لم يسبق لي أن شعرت بألم مماثل ولا أريد
الشعور بهذا مجددا أبدا. "
شعرت بغصة قوية تعلو حلقها لكنها أز دردت لعابها واستجمعت كل ذرة قوة بداخلها لتنطق " محمد، أنا كنت يهرب عشان أنا مش من الزمن ده أنا من المستقبل، من سنة 2019، أقسم بالله مش يكدب عليك ! "
عقد حاجبيه بدون فهم، لا يستوعب ما الذي تقوله لكنه وجدها تنهض لتفتح الخزانة وتخرج حقيبتها المخينة بين ملابسها وعادت إليه لتجلس على الأرض أمامه وهي تحاول فتح حقيبتها باندفاع لتخرج هاتفها
" بص .. بص ده جهاز اسمه موبايل ... ده بنتكلم فيه، أنا جاية من المستقبل !! أنا مش من الزمن ده ..." وضعت الهاتف في يده فأخفض بصره ببطء نحو قطعة الحديدة الغريبة الشكل التي
أخرجتها من حقيبتها
كان عقله لا يستطيع استيعاب ما الذي تقوله ؟ أي مستقبل ؟ وأي زمن !!
أخرجت جواز السفر الخاص بها وفتحته على عجل لتشير إلى صورتها " بص .. دي أنا ! ده اسمه جواز سفر .. بص على التاريخ .. مكتوب هذا أهو .. مكتوب تاريخ ميلادي 1998 !! وبص بص ... بص على تاريخ الجواز ... مكتوب 2018 ... ومكتوب هنا جمهورية مصر العربية .. ومكتوب هنا إني طالبة .. "
سقطت الدموع من عينيها مجددا وهي تخفض الجواز لتكمل بيأس وهي تمسح بيدها الأخرى على عينيها " والله أنا مش من هنا، أنا جاية من المستقبل أنا مش من العصر ده، كنت يهرب
عشان ألاقي طريقة أرجع بيها للمستقبل ... الأهلي .... "
أجهشت بالبكاء من جديد حينما علق هو عينيه على الصور المرسومة في الدفتر الصغير الذي تمسك به صحبه من يدها وتفحصه جيدا، بدى غريب الشكل ولم يرى شيئا مثله من قبل
" صدقني والله مش يكذب، أنا مش من الزمن ده أنا تعبت وماكنتش عايزة أجرحك ولا عايزة أسيبك، لكن ما كانش عندي حل ثاني ... " أكملت بكائها حينما رفع عينيه نحوها ثم نظر من جديد إلى جواز السفر، وإلى الهاتف، الذي بدى له كقطعة الحديد مستطيلة الشكل
تجهم وجهه ونهض ليمسك بها من ذراعها ليجرها متوجها نحو باب جناحه وهو يزمجر
" أنا أيضا تعبت من الخداع، كل كلمة تقولينها ليست إلا كذب، ولو تظنين أنني مغفل وسأصدق هراتك هذا فأنا سأريك من هو المغفل، لم أكن أنوي معاقبتك لكن يبدو أن الكذب أصبح يجري في عروقك مجرى الدماء. "
كانت تعرف بالفعل بأنه لن يصدقها وهذا زاد من بكائها أكثر حتى وجدته يفتح الباب ويدفعها نحو الخارج ويشير إلى أحد الحراس " هذه، ضعها في الزنزانة أسفل القصر، ولا تخير أحدا عن مكانها. "
علت ملامح الخوف على وجهها، هل سيسجنها حقا ا لأنها قالت الحقيقة ؟ لماذا عندما تكذب الجميع يصدقونها لكن عندما تقول الحقيقة لا أحد يفعل !
وجدت الحارس سيمسك بذراعها ويسحبها خلفه لكن محمد زمجر في وجهه " لا تلمسها ! " لتجد الحارس ينزل يديه ويحادثها بصرامة " هيا أمامي. "
نظرت لمحمد من جديد بأعين حمراء، لتجده يعطيها نظرة حاقدة وأشاح بوجهه عنها
" هيا " استعجلها الحارس فتحركت إلى الحارس الآخر وهي تمسح على عينيها لتقول " عايزة قطتي الأول. "
حول الحارس عينيه بينها وبين محمد وبعدها أجاب بتردد " لقد وضعتها في الحرملك. "
" هاتهولي " قالت بنبرة باكية طفولية لتجد محمد يقترب ليهمس في أذنها
" تخليت عنه وهربت، إذا لا حق لك فيه بعد الآن. " وسرعان ما صرخ على الحارس بكل قوته " خذها إلى حيث أمرتك " وبعدها دخل إلى جناحه صافقا الباب خلفه
وقعت عينيه على حقيبتها فشعر بالغضب يشتغل بداخله أكثر وتحرك ليركل الهاتف بقدمه ليجد ضوءا غريبا يصدر منه كما وصلت إلى أذنيه نغمة موسيقية غريبة !
تجعدت ملامح وجهه والنقطه يتفحصه ببطء، داس على شيء فوجد إنارة تضيء منه الثانية ثم انطفئت بسرعة
جتى على ركبتيه ثم ضربه في الأرض بكل قوته لعدد من المرات حتى ينكسر ويستطيع رؤية ما بداخله.
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الثالث والثلاثون
في اليوم التالي كان جالسا أمام مكتبه ويديه تتفحص أشلاء هاتف عائشة مرة أخرى، كل شيء يبدو معقدا بداخله بصورة كبيرة، ولم يسبق له أن رأى شيئا مماثلا،
ولهجتها الغريبة التي لم يسمع بها قط وهو الذي قابل أناسي من معظم البلدان، مصطلحاتها المعقدة وكلامها الذي لم يكن يفهمه ولم يمر عليه من قبل، قولها دائما بأنها تريد وضع اسمها في
كتب التاريخ ....
قاطع تفکیره سماعه الطرق على الباب فصاح " ادخل. " ليجد دولت تدخل وهي تحتي له رأسها وفي يدها ما قد أمرها بجلبه
" جلالتك، هذه هي الملابس التي قد جائت بها عائشة أول مرة إلى ذلك القصر " قالت دون أن ترفع عينيها إليه فأوما لها وأشار بيديه بصمت أن تضعهم على الأريكة وتخرج
انسحبت دولت بهدوء فنهض بوجه متجهم إلى الملابس التقط أول شيء، كانت تنورة سوداء محاكة بعناية، ويوجد على وسطها مطاط يضيق ويتسع ...
مد يده إلى السترة البيضاء التي كانت من الدانتيل ومبطنة بطبقة قطنية بيضاء وبها حزام
ذهبي في المنتصف، ذلك التصميم لم يره قط!
تفحصها أكثر ليجد قطعة قماش صغيرة مخاطة في السترة من الداخل، ولقد كان مكتوبا عليها نقوشات بلغة لم يفهمها لكنها على الأرجح حروف اللغة الإنجليزية
تبقى شيء واحد في ملابسها، والذي فور أن النقطه أكتشف أنه حمالة صدر بيضاء، ولم يستطع عدم الابتسام رغم صعوبة الموقف الذي هو فيه.
تفحصها جيدا أيضا، وهو للمرة الثانية لم يرى شيئا مماثلا، ذلك التصميم من حمالات الصدر لم يره قط !
كان في حيرة من أمره، حتى الرسمة المرسومة في الدفتر لوجهها كانت متقنة للغاية، ولا يوجد أي رسام يستطيع رسم صورة بنفس التفاصيل كذلك !
هو ليس بقبي ليتجاهل كل ما يراه لكنه ليس بمجنون ليصدق كلامها | كلامها لا يصدقه عاقل !! جلس على الأريكة يحك جبهته بضيق عندما وجد القط يقفز إلى جانبه، تبادلا النظرات لوهلة
قبل أن يبتلع لعابه وينظر بعيدا ليفكر من جديد.
في زنزانة مظلمة، يكاد يدخلها شعاع ضوء من الشموع الموجودة في الطرقة التي تؤدي إلى الزنزانة، كانت تجلس وهي تمسح عن عينيها بعض الدموع التي كانت تذرفهم منذ الأمس.
نظرت للطعام بجانبها، كان طعامًا كثيرًا، هي تعرف بأنه من أمر بهذا ... لكن، كيف يقول أنه يحبها
ويرميها في مكان كهذا ؟ يحبسها !
فكرت مرة أخرى وحمدت الإله أن كل ما فعله محمد معها هو حبسها، هي تعرف أن عقوبتها هي الإعدام، لكنه فقط وضعها في زنزانة بل وجعل أحد الحراس يجلب لها وسادة وطعام !
مازال طيب القلب رغم كل ما حدث بينهما.
التقطت أذنيها صوت أقدام قادمة من بعيد، ولقد ظنت أنه أحد الحراس حتى اصطدمت بزرقاوتيه تنظران إليها من خلف القضبان
كانت على وشك التكلم لكنه سبقها قائلا " اثبتي اثبتي أن الجنون الذي قلته صحيح"
نهضت و ابتلعت لعابها لتحاول التفكير في أي شيء " أثبت إزاي !! "
شبك يديه أمام صدره وأردف بجمود " لا أعلم وليست مشكلتي ! "
عصرت عقلها، هي حقا لا تستطيع إيجاد أي شيء !!
كان يتفحص ملامح وجهها المرهقة بصمت، حزن على كونه قد وضعها في تلك الزنزانة، يبدو أن قلبه اللعين لا يستطيع القسوة عليها، وهذا جعل صدره يضيق غضبا من جديد
" ليس لديك أي شيء ؟ " سخر واستدار معطيا إياها ظهره وكان سيتحرك لكن صوتها فجأة
أوقفه
بدأت بغناء أغنية إنجليزية لكاتي بيري فاستدار إليها عاقدا حاجبيه وانتظر حتى انتهت فرمقها بأعين ضيقة وسخر " حسنا ! ما الذي يفترض أن يعنيه هذا ؟! "
ارتسمت ملامح يائسة على وجهها عندما استدار مرة أخرى ليرحل فصرخت باندفاع
" الإمبراطورية العثمانية هتسقط، واليهود هيحتلوا فلسطين، الإنسان هيقدر يوصل للقمر هيبقى فيه طيارات بتطير في الهوا الإنسان هيركيها و هيسافر بيها أي مكان.. اللي بيسيب الأمراض للإنسان كائن دقيق اسمه فيروس هنكتشف حاجة اسمها الكهرباء، وهنكتشف مصدر للضوء غير النار .. وهنعرف إن الأشياء مكونة من وحدات صغيرة اسمها ذرات، وإن الكائنات الحية مكونة من وحدات صغيرة اسمها خلايا .. هنخترع جهاز ممکن نكلم منه بعض حتى لو أنت في دولة وأنا في دولة ثانية، اسمه موبايل ! "
كان جسده قد اقشعر مما قالته، يبدو دربا من دروب الجنون لكن ثقتها وسلاستها وهي تقوله قد جعلوا عقله يتوقف عن التفكير
استدار لها من جديد ليجدها تنظر له بأعين زجاجية راجية
اخرج بقايا هاتفها من جيب توبه ومد يده إليها بها " مثل هذا الشيء ؟ "
فوجئ بمقلتيها تخرجان من أماكنها ولم يعي إلا وهي تصرخ عليه " الله يخربيتك اكسرت الأيفون بتاعي !! أنت عارف ده بكام !! يا خراب بيتك يا عيشة ده أنا أبويا ذلني شهرين قبل ما يشتريهولي وذلني شهرين كمان بعد ما اشتراه !! "
تجعدت ملامح وجهه وألقى به أرضًا أمامها وزمجر " تأدبي وأنت تتحدثين ثم لقد كان لا يعمل أي شيء من الأساس ! وعلى كل حال سأعطيك حقه، كم حقه ؟ "
" حداشر ألف هاتهم ! عايزاهم جنبه جنيه، ماليش دعوة زي ما كسرته هات حقه !! " دبدبت بقدميها في الأرض ثم جئت على ركبتيها لتمد يدها من بين القضبان الحديدية لتلتقط أشلاء
الهاتف
" آد، قلبي .. هيجيلي جلطة " قالت بنبرة باكية وهي تلملمه من الأرض حينما نظر هو بسخرية لها لكنه سرعان ما تذكر ما قد قالته عن الإمبراطورية العثمانية
" ما الذي قتله عن الإمبراطورية العثمانية ؟ كيف ستسقط ومتى ستسقط !! "
رفعت عينيها له ثم استقامت لتنفض نيابها وتجيب " أنا ما درستش تاريخ، بس أظن إنها متسقط بعد الحرب العالمية الأولى. "
توسعت عينيه " حرب عالمية ؟ هل ستحدث حرب عالمية !! "
" بووه .. أبوة حرب عالمية أولى وبعدها حرب عالمية ثانية، الكوكب هيولع في بعضه ياسطا. " صمت قليلا، مازال عقله يكذب كل شيء تقوله وهذا ليس بيده المنطق يقول أنها مجنونة
" وكيف جئت إلى هنا ؟ " سأل محاولا مجاراتها في هذا الهراء ليجدها تبتلع لعابها، وتهرب بعينيها بعيدا
" كيف ؟ " سأل مجددًا، ولقد كان عقلها يخيرها بأن تكذب عليه وتخبره أنها سقطت من ثقب دودي لكنها قد تعلمت الدرس جيدا وأصبحت تعرف أن الكذب لن يقود سوى إلى الهلاك
" كنت عايزة أسافر برا مصر سرقت سائل سحري من عند ساحرة، وماكنتش أعرف إنه سفر عبر الزمن، فشربته ولقيت نفسي هنا ! وكنت يهرب عشان أقابل الساحرة اللي في درب البرابرة عشان أشوف طريقة أرجع بيها للعصر بتاعى تاني، وعارفة إن الكلام كلام ناس مجانين وماحدش هيصدقه، بس أقسم بالله إني مش بكدب ومش مجنونة. "
رمقها بصمت، يلعن قلبه الذي يريد تصديقها رغم كمية الهراء التي تقولها.
استدار وتحرك مغادرا دون أن يتفوه بأي كلمة حينما شعرت هي باليأس يصيبها من جديد وعادت لتجلس على الأرض مجددا ، له الحق في عدم تصديقها، إذا كانت هي نفسها أحيانًا لا تصدق ما الذي يحدث معها وكانت تظن أنه كابوس وستستفيق منه، لكنها تنام وتستيقظ كل
يوم لتجد نفسها في نفس القصر ومع نفس الأشخاص وفي نفس الزمان.
وصل هو إلى جناحه من جديد، وسرعان ما جائت إلى عقله فكرة سديدة، رغم الشعور السيء الذي جاءه في قلبه ليعلن له أن تلك الفكرة يكونها ستوضح له الحق من الباطل ألا أنها ليست
جيدة لكلاهما
هو سيتركها في الزنزانة هكذا الأسبوع، وسيغريها بأنها لو قالت الحقيقة فسيخرجها وكأن شيئا
لم يكن !
إنه يعرف بأن عائشة لن تصمد طويلا قبل أن تنهار وتعترف لا تبدو كفتاة معتادة على السجون.
تبدو من هؤلاء الفتيات اللاتي تعودن على الأكل والراحة وعدم فعل شيء سوى التغذي والنوم واللعب.
زفر الهواء من فمه يضيق الفكرة لا تروقه حقا، ومازال قلبه السيء ينبض لها، وهذا أيضا لم بروقه، فكيف بعد كل ما حدث مازال يكن المشاعر لها ؟
وهو الذي لديه تسع وعشرون جارية مستعدات لتقبيل قدميه حتى ولو شاء لكان قد تزوج بإبنة السلطان العثماني بنفسها .. لكنه لم يكن يريد أن يتزوج بفتاة أبيها يتحكم به وبحياته ويستطيع قتله في أي لحظة.
ولم يتزوج من بنت باشا أو بيك لنفس السبب الذي لم يتزوج لأجله عمر، ولعل هذا هو الشيء الوحيد المشترك بينهما، لا يريدان الزواج بأنثى لن يروها إلا ليلة الزفاف وحبذا لو كانت طفلة صغيرة !
كان كل شيء في عادة الزواج هذه ينفره، وأمه شجعته على الأمر على عكس خالته التي تضغط على عمر بشدة ليتزوج، لكن لأن أمه كانت ضحية من ضحايا تلك الزيجات
فهي قد تزوجت بكهل وهي مازالت طفلة لا تفهم معنى الزواج حتى، وهذا تسبب بتدمير حياتها تماما، وطوال سنوات نشأته أخذت جورنال تحذره من الزواج بطفلة، ولعله استمع لها لأنها كانت تقربه كثيرا في السن، فالفرق بينها وبين محمد لا يتعدى الإثنتي عشرة سنة.
نهض ليبدل ثيابه وتحرك نحو السرير؛ فأمه تجبره على البقاء في جناحه حتى يشفى تماما. ويذكرها سمع طرقا على الباب وبعدها دخلت بدون استئذان كعادتها
" أخذت الدواء ؟ " سألت وهي تتقدم لتتحسس حرارته فأوماً بصمت
بحثت بعينيها في أرجاء الغرفة باستغراب ثم عادت لتنظر له " أين عائشة ؟ "
قلب عينيه وسخر " لماذا تهتمين بوجودها إلى ذلك الحد أمي ! لطالما تعاملت مع جواري بإسلوب سيء ! "
" لأن جواريك متصنعات ويتصنعن الحب والطيبة، ويحاولن التقرب مني لأجلك ويجاملن بالكلام المعسول رغم أنهن فعليا حاقدات على، بعكسها .. حتى أنها ظنت بأنني جارية جديدة لك هنا في بادئ الأمر. "
لم يستطع عدم الضحك ورفع يده بيأس ليضعها على جبهته بدون تصديق " ظنتك إحدى جارياتي ؟! هذه ال .... غبية. نعم لن أستبعدها عليها، فهي غبية حقا في تلك الأمور البديهية.
" إنها في المرحاض على أية حال، بطنها تؤلمها " أجاب كاذبا فأومأت له جورنال ونهضت عن سريره لترحل وتغلق الباب خلفها حينما انفجر هو ضاحكا مرة أخرى وتمتم
" غيبة ".
بعد مرور يومان كان في طريقه إلى الخارج حينما وجد عمر يهرول خلفه " مرحبا ؟ " لكنه تجاهله وأكمل سيره
" أنا حقا أسف .. أعدك بأنني لن أخالف تعليماتك مرة أخرى هيا لا تكن سيء هكذا ! كلانا لدغنا من نفس الجحر ! " صاح بجانب أذنه وهو يسير خلفه فوضع الآخريده على أذنه وزمجر له " توقف عن الصباح هكذا !! "
" أريد مصالحتك ! وأريد شيئا آخر ! " قال فتوقف محمد عن السير واستدار له برأس مائل " شيئا مثل ماذا ؟! "
" حسناء اسمع ... أنا أفكر في العمل ... أريد أن أعمل ! " أجاب يتردد فتوسعت أعين الآخر وظهرت ابتسامة مستغربة على محياه ثم رفع إحدى حاجبيه ليستفهم وكأنه لا يصدق ما سمعه
" دعني استوضح ما الذي سمعته، لقد قلت بأنك تريد أن تعمل حقا أم أن أذني سمعت شيئا خاطنا ؟ "
رفع عمر يده ليحك مؤخرة عنقه وأردف " بلى، لقد فكرت كثيرا .. ووجدت بأنني إن أردت أن أكون حرا من سلطات أبي وأمي فيجب علي الاستقلال ماديا، لأن المال هو السلطة حقا مثلما قالت .... " توقف عن الكلام وقضم شفائيه بضيق.
دحرج محمد عينيه بعيدًا، ومن غيرها سيقول هذا الكلام لكن جيد ... فعلي الأقل لقد دفعت بالعاطل هذا إلى الخروج للحياة أخيرا.
" لكنني لا أريد أن أعمل مع أبي، سأعمل معك لذا جد لي عملا ! " أوما له محمد تم أشار له بسبابته " اتبعني. ".
في اليوم التالي يكون قد مر أربعة أيام على تواجدها في السجن، ولا أحد يعلم بهذا سوى هو وبعض الحراس، وبرغم كونه أرسل لها مضطجع من الصوف لتنام عليه والطعام كان يصلها ثلاثة مرات كل يوم ألا أن الأمر لم يكن سهلا عليها، فلقد قضت حوالي أكثر من تسعون ساعة بمفردها
محبوسة ولا ترى الضوء لدرجة أنها أصبحت معتادة على الظلام وعندما يأتي الحارس بالطعام وهو يحمل شمعة تضع يدها على عينيها بعدم راحة ، و كانت تشغل وقتها بتسميع القرآن على
نفسها كمراجعة، ولعل هذا ما جعل الأمر محتمل.
كان هو في طريقه إلى زنزانتها عندما استمع لها تتلو القرآن بصوت عذب، توقف عن التحرك واصننت أكثر لم يعرف أن صوتها جيد هكذا سوى الآن !
عندما انتهت تحرك من جديد حتى وصل إليها، رفعت عينيها إليه ولم تتحرك من مكانها على الأرض
" ألن تقولي الحقيقة ؟ " سأل بنبرة رسمية هادئة فرفعت كتفيها بلا مبالاة وتمتمت " الحقيقة قولتها !
" هل تظنين أنني سأصدق الهراء الذي قلته ؟ "
فوجئ بها تسخر " أنا ممكن أكدب دلوقتي عليك وهتصدقني ومش هتقول هراء ولا حاجة، بس انا خلاص زهقت من الكدب يا محمد، لأن الكدبة الصغيرة بتجر وراها كذب كثير عشان يغطيها، وفجأة تلاقي نفسك بقيت كداب وكل كلمة بتقولها مشكوك في صدقها حتى لو مش كدب. "
صمت لوهلة, رمقها من أعلى إلى أسفل، وضعها مذري حقا .. والألم في قلبه لا يحتمل
" عائشة، قولي الحقيقة وأقسم بأنني سأخرجك من هنا لا داعي للبقاء هنا أكثر ! " قال بنبرة حنونة
" الحقيقة إني سافرت بالزمن من المستقبل وجيت هنا غصب عني وكنت يهرب عشان أقابل الساحرة اللي في درب البرابرة واللي أنت مسكتني قدام بيتها " كررت ما قد قالته كثيرا في
الأيام السابقة
دم شفتيه معا بيأس وحدق إليها بصمت لدقيقة قبل أن يومئ ويستدير ليعود من حيث أتى.
لكنها وجدته أمامها من جديد في صباح اليوم التالي وفوجئت به يفتح قفل زنزانتها ويردف "
انهضي هيا. "
وقفت بسرعة عن الأرض لتنظر له " هتخرجني !! "
نظر إلى عينيها وحاول رسم ابتسامة مزيفة على وجهه رغم الألم الجلي في عينيه وفتح فمه
ليكمل " سأساعدك بالرجوع إلى أهلك. "
توسعت عينيها بدون تصديق، هل ما سمعته صحيح ؟ هو سيدعها ترحل !! " !! بجد "
أوما بهدوء " نعم، ساخذك بنفسي إلى أي مكان تريدين، لا حاجة للهرب بعد الآن. "
" هتسيبني أمشي ؟ "
" أجل، سادعك ترحلين يا عائشة، أنا أصدقك رغم كوني لست مقتنعًا تماما، كما أنني لن أجبر فتاة على البقاء وهي لا تريده. "
فوجئ بها تعانقه بسرعة وشعر بالدموع تبلل ثيابه قربت على رأسها بيد مرتعشة وهمس بألم " لا داعي للبكاء. "
أومأت وابتعدت عنه تمسح الدموع عن عينيها " هنروح للساحرة دلوقتي ؟ "
" يجب أن تستحمي وتبدلي ثيابك أولا، رائحتك سيئة " أجاب وتحرك فتحركت خلفه وهي تشمشم في ثيابها حتى وصلا إلى جناحه فحمحم بضيق دون النظر إليها
" تيابك في الخزانة، ثيابك التي أتيت بها، استحمي ورتبي شعرك. "
" أنا سأنتظرك في العربة أمام الباب " أكمل وتحرك بيقلب مفطور إلى الخارج
فور خروجه وضع يده على قلبه، يؤلم كثيرا .. الأمر يؤلم كثيرا وإخفاءه كان أصعب، لكنه توقف واخذ نفسا عميقا ورسم ملامح باردة على وجهه، لا يمكنه أن يظهر ضعيفًا .. ليس وهو محمد باشا البستانجي والي مصر والسبب فتاة ... لكنه لم يشعر أبدا بألم مماثل، وكان قلبه يتمزق إلى أشلاء .. الألم كان سيء بشدة والتحمل كان أسوأ، لكنه كان قد اتخذ قراره والأمر قد قضي، هو
لن يجبرها على البقاء حتى لو كانت كاذبة
دخل إلى العربة وجلس بداخلها وهو يقبض على يديه بشدة وينظر نحو الخارج إلى اللا مكان كان الوقت يمر ببطء شديد وكأنها سنوات وليست دقائق، لأنه كان يكابح الألم الذي يشعر به .. لا يوجد ألم جسدي مماثل للألم الذي يشعر به الآن هو فقط يريد من كل شيء أن يتوقف ... لكن لا شيء يتوقف .. قلبه المجروح ما زال ينبض بتضارب أبيا التوقف، لكن هذا كان خطأه .. لم يكن يجب عليه أن يحب إحداهن وقد فعل ويجب عليه تحمل نتيجة ذلك الخطأ بمفرده
رأها تتحرك لتخرج من باب القصر وكان الحراس سيمنعونها لكنه أشار لهم بيديه ليجعلونها تمر وفي تلك اللحظة هو رغب بعدم النظر لها لكن كان هناك ذلك الصوت في رأسه يخبره بأن تلك هي المرة الأخيرة، فلينظر بقدر ما يشاء لأنه لن يحصل على فرصة أخرى
توقع أن يرى ملامح سعيدة على وجهها لكنه ضدم من ملامح وجهها الباهتة، راقبها حتى فتحت
باب العربة وجلست بجانبه لتتفادى النظر له.
الألم يصبح أقوى، هو لن يراها مرة أخرى أبدا !
" درب البرابرة صحيح ؟ سأل وهو ينظر إليها فأخفضت رأسها إلى يديها المرتعشة وأومأت بصمت
" جابر إلى درب البرابرة " صاح إلى السائق وسمع صوت اللجام يضرب وصهيل الخيول تعلو ثم العربة تتحرك
كانت ضربات قلبها مرتفعة تريد البكاء والأهم من هذا تريد احتضانه .. لتخبره بأنها تحبه ولم تحب أحدا سواه، ولتخبره بأنها أحبته رغم ذكوريته وأفكاره السيئة كما هو أحبها رغم تمردها وتصرفاتها السيئة لكن ... لا شيء له أي معنى الآن .. ولو قالت فهي ستجعله يحزن أكثر وربما لسيتراجع عن تركه لها
بينما كان ينظر لها، ولا يعطي الأمر أي أهمية فهي تعرف أنه عاشق لها بالفعل وماذا سيفيد إظهار غير ذلك ؟ فقط سيخسر فرصة النظر لها وحفظ ملامح وجهها جيدا لكي لا ينساها، بدت مختلفة فعلا في تلك الثياب، وبدت أجمل ...
" أسف على حبسك. لم أرغب في ذلك لكنه كان الحل الوحيد لتصديق ما قد قلت لأنك كذبت علي كثيرا، " أفتتح كلامه وهو يحك يديه معا بخفة، يرغب في محادثة أخيرة معها
رفعت رأسها أخيرا لتنظر له وابتسمت بهدوء " أصفة إني كدبت عليك كثير، كنت مفكراك مش هتصدقني. "
" نحن نصدق ما نريد أن نصدقه يا عائشة " نطق أثناء نظره إلى عينيها ثم قضم على شفتيه وتمتم
" مازلت غاضب من جميع أفعالك الهوجاء ولا يمكنني مسامحتك على ما قد سببته لي من ألم، لكن ذلك لا يمكنه جعلي أتغاضى عن شعوري بصدقك تلك المرة. "
عقدت حاجبيها ورمقته بضيق ثم سخرت " على فكرة أنت كسرتلي موبايلي ولطشتني بالقلم وكنت هتخر ملي طبلة ودني !! ومش عايز تسامحني كمان !! "
توسعت عينيه وزمجر " أنت من دفعتينني لفعل هذا ! "
" أنا سامحتك على القلم بس عشان أنت كنت مريض، رغم أن القلم اللي لطشتهولي ده ما يجيش من واحد مريض أبدا أقسم بالله ده أنت صوابعك علمت على وشي يومين !!! " سخرت
من جديد
" احمدي الله، لم تكوني لتتحملي يدي لو لم أكن مريض " سخر هو الآخر ورمقها بطرف عينيه ثم نظر أمامه وشبك يديه أمام صدره بغيظ، هذه الغبية قد جعلت آخر حديث بينهما يتحول
المشاجرة !
" أنت مش ناوي تعتذر على القلم ده ولا حاجة ؟! " تكلمت من جديد فجحظت عينيه وحرك رأسه إليها في استعداد للهجوم عليها لكن صوت توقف العربة وجابر الذي صاح " مولاي، لقد وصلنا. " أوقفه.
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الرابع والثلاثون
مولاي، لقد وصلنا، " صاح جابر ليوقفه عما كان سيقوله لكنه صاح بالمقابل " اسأل على بيت
" ربما أنت من يجب عليك الإعتذار على كل الكذب الذي كذبته علي !! " زمجر فشبكت يديها أمام خصرها وصممت " مش هعتذر أنت لطشتني بالقلم وخلاص واحدة بواحدة ! "
جعد وجهه وارتسمت ابتسامة غير مصدقة على وجهه ثم سخر " واحدة بواحدة ؟ تقصدين واحدة بعشرون أو بثلاثون !! لو حاسبتك بمبدأ واحدة بواحدة فأنت مدينة لي بأكثر من عشرة صفعات على وجهك وربما ثلاثة ركلات ولكمتين | "
" بص عموما تعتذر ما تعتذرش مش هتفرق أنا ماشية أصلا ومش هتشوف وشي في أي مكان تاني " رمت بكلماتها وأشاحت بوجهها بعيدا لتنظر من النافذة فسمعت صوته الساخر
" الحمد لله، سأذبح بقرتين وسأوزع لحومهما على المساكين احتفالا بخير رحيلك ! "
صكت على فكيها ثم عادت له برأسها لترمقه بأعين ضيقة مغتاظة وتمتمت " ده أنا اللي مسجد شكر لله إني مش هصحى في قصرك ثاني، أنا أهونلي أعيش مشردة وشحاتة ولا أعيش جارية!
شدد على قبضة يده وهو يلعنها بداخله، شجار ؟ وهي سترحل !! نعم بالطبع .. ماذا سيتوقع منها ؟ هذه عائشة وهذه هي الطريقة التي تستمتع بها !
" اخرسي، لا أريد سماع صوتك حتى نصل للساحرة المعلونة خاصتك، يا صاحبة الشعوذات.
السب خجلة من نفسك يا من تترددين على بيوت السحر والدجل ؟! "
" على الأقل ما عنديش تسعة وعشرين جارية وعاملة منهم تشكيلة ! "
عض على شفتيه بغيظ وفضل الصمت حتى توقفت العربة أمام نفس المنزل الذي كانت أمامه قبل أن يتم صفعها،
ابتلعت لعابها وشعرت بأن الأمر جدي هذه المرة، هي سترحل حقا ! وللتو أدركت بأنها كانت تتشاجر مع محمد وهي لن تراه مرة أخرى !! ما الغباء الذي كانت تفعله
" بودي ... " همست فعقد حاجبيه ورمقها من أعلى الأسفل بسخرية وأشاح بوجهه بعيدا
" محمد .. بص خليك متحضر، إحنا لازم تودع بعض بطريقة راقية حضارية مش لازم نضرب بعض بالشباشب يعني ! "
توسعت عينيه بصدمة ورمقها بذهول الآن هو الذي أصبح رجعي وليس متحضر ؟ ومن جلب هذا الشجار من الأساس !! ألم تكن هي ؟!
" عائشة، تحركي نحو الساحرة اللعينة تلك وبعدها سنودع بعضنا وكل تلك الأشياء الفارغة، فقط ابتعدي عن وجهي الآن قبل أن أرتكب فيك جنحة. "
" فيه طابور طويل، تعالى قولهم يمشوا ويدخلوني انا الأول " همست وهي تنمسك بنوبه وتترجاه بعينيها فقلب عينيه ونظر نحو الأعلى وتمتم " يا الله يا ولى الصابرين ... "
وسرعان ما خرج وسحبها من يدها ثم نظر للجمع وصرخ بأعلى صوته " أهذا بيث للدجل ؟ " تم نظر نحو جابر وصاح " جابر اذهب إلى زيدان أغا واخبره بأن محمد باشا البستانجي يريده مع
عشرون حارس هناك جمعا يجب القبض عليه. "
وعلى الفور هرول الناس بسرعة من أمام الباب وهم يتعرقلون ويقعون على وجوههم كما توقع وأصبح المكان فارغ تماما عدا منه ومن عائشة ومن جابر سائق العربة
هرولت عائشة نحو الداخل بسرعة بينما استند هو على ظهر العربة بصمت، كان قد بدأ يشعر
بالألم في قلبه من جديد عندما خرجت هي بعد العشرة دقائق وملامح وجهها حزينة لتنظر إلى عينيه
حاول تخمين أي شيء .. لكنها سبقته بصياحها كالأطفال " الولية اللي جوا دي شتمتني يا محمد
وضع يده على فمه وهو يخبى ضحكة مكتومة كانت ستصدر منه ثم حمحم " ماذا قالت ؟ "
" قالت عليا مجنونة، وقالتلي مافيش حاجة من الجنان اللي بقولها دي حقيقية وإني لو ما مشيتش من قدامها هتسخطني قردة ! "
" وكل ما ركزت عليه مما قالته هو شتيمتها لك ؟ لم تنتبهي إلى أي شيء آخر في فحوى كلامها
صمتت قليلا لتفكر فتوسعت عينيها فجأة وكأنها أدركت ما الذي يحدث ثم بدأت شفتيها ترتعشان كالأطفال وتجمعت الدموع في عينيها
ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه، حاول بكل الطرق محوها لكن الأمر لم يكن بتلك السهولة بوجود غمازتين محفورتان في وجنتيه ليوضحان لأي أعمى بأنه مبتسم .. وسعيد !
وجدها تبكي عاليا فلم يستطع السيطرة على نفسه أكثر وانفجر ضاحكا، الوضع أصبح يضحكه
بشدة، لقد أنحبست هنا للأبد !!
نظرت له بغيظ من بين دموعها ومسحت على وجهها وهي تصرخ " بتضحك على إيه !!! "
" على خيبتك بالطبع ! " أكمل ضحكه وأكملت هي بكاءها
أعطاها ظهره ووضع يده على بطنه، بطنه أصبحت تؤلمه من كثرة الضحك، لقد علقت هنا للأبد
" أنت شمتان فيا ! " همست بنبرة متحشرجة فاستدار لها وأوماً
" تستحقين ما حدث لك هذا جزاء من يمشي وراء الدجل والشعوذة، هذه آخرته إن لم تكن أسوا. "
" وديني عند ساحرة ثانية، الولية اللي هو جوادي شكلها حمارة ! " دبديت بقدميها على الأرض فأوما من جديد وهو يضحك " اركبي، هناك العديد من الدجالين، لا تقلقي."
ترجلت نحو العربة وصعدت فصعد الآخر خلفها وحمحم محاولاً استعادة رباطة جأشة وهو يعدل من ياقة قميصه ثم صاح " جابر، تحرك بنا إلى عنوان أي ساحرة أو دجال. "
مسحت عينيها محاولة تهدئة نفسها بأن الساحرة هي الغبية وبأنها ستجد ساحرة أخرى ترجعها الزمنها .
بعد ساعة كانا في منزل ساحرة أخرى وعائشة تشرح لها الموضوع لكن الساحرة أخبرتها بأنها لا تفهم أي شيء مما تقول.
" هناك دجال، كنت قد قبضت عليه ورميته في السجن، تودين رؤيته ؟ " سخر وهو يخرج برفقتها من منزل الساحرة ليجدها قد انفجرت باكية
" يعني إيه !! يعني أنا أتحبست خلاص ! يعني مقعد هنا على طول ! هو أنا ليه بيحصل معايا كده ! ده أنا حتى عمري عمري عمري ما أذيت حد !! " بدأت بالنواح واللطم على خديها
عقد الآخر حاجبيه وسخر " عمرك ما أذيب أحد ؟! أتعلمين لأجل هذا الكذب ستبقين عالقة هنا فعلا !
" ماشي ممكن أكون أذيت عشرة خمستاشر كده بس ده مش معناه إني اتحبس في أيام العثمانيين !! " بكت أكثر فوضع يده يخين وجهه الذي تحول للون الاحمر بسبب الضحك
" لم أضحك هكذا منذ مدة طويلة، يا إلهي ! " تمتم فوجدها تهرول نحوه بغيظ
" بطل ضحك عليا ! حرام عليك أنت مش حاسس بالمصيبة اللي أنا فيها ! أنا خلاص مستقبلي ضاع وبقيت محبوسة ! "
تجاهلها وأكمل الضحك وكأنه لم يسمع شيء وأكملت هي بكائها وتظاهر جابر بأنه لا يرى أي شيء
بعد فترة توقف هو عن الضحك ورفعت هي يدها تمسح بقايا الدموع عن عينيها وتمتمت " خلاص بطلت عياط، عيني وجعتني. "
هندمت من خصلات شعرها وحمحمت " أنا بقول خلاص بقى ويلا ترجع .. " قالت فأوما ثم أردف بأسف
" نعم يجب أن نرجع، أنا سأرجع إلى القصر لكن أنت يا مسكينة أين ستذهبين ! فأنت أصبحت مشردة هكذا بدون أهل .....
هربت الدماء من وجهها ونطقت بخوف " إيه ده ده اللي أنت بتقوله ده !؟ "
جابر جهز العربة " صاح على جابر فتوسعت عينيها وتحركت لتقف أمامه " إيه ده أنت
هتسيبني هنا !! "
" أجل " قال بجدية فعقدت حاجبيها وحمحمت " لا ما أنا أجي معاك بقى ! "
" لا، أنت لا تحبين المكوث هناك وهربت لمرتين وقلت أنك تفضلين أن تكوني مشردة ومتسولة
على العيش في قصري، لذا يمكنك الذهاب أينما تريدين " قال وهو يعدل من هندام ملابسه
" لا لا والله ده أنا بحب أعيش هناك جدا !! " أردفت بعدما قفزت أمامه فرمقها بأعين ضيقة من الأعلى فبدأت برسم وجه كلب حزين وكأنها تستعطفه
سيطر على ابتسامته وأكمل رسم ملامح وجه صارمة
" إحم، " حمحم وهو يعدل من ياقة توبه ومثل التفكير فبدأت بترجيه " يرضيك يرضيك يعني
عائشتك تنام في الشارع ؟! "
" بشرط ! " رفع إحدى حاجبيه بمكر فأومات له ليكمل " تكونين فتاة جيدة "
سارعت بالموافقة " بص، أوعدك هتشوف عائشة في ثوبها الجديد، هتنبهر إن شاء الله. "
حاول عدم الضحك وأكمل " وستكفين عن التواقح ! "
أومات بسرعة كالأطفال فوجد الموقف رائع ويجب أن يستغله أكثر ورفع يده ليحك ذقته بخبث وحاول التفكير في شيء آخر
" على فكرة كفاية دل لحد كده ! أنت أساسا بتحبني ومش هتسيبني هنا وأنا وأنت عارفين ده كويس .. ده أنت حتى لما كنت ساجنني بعتلي فرش ووسادة وأكل وعصير ده أنا كنت في
الملاهي متر سجن أصلا ده أنت كان ناقص تجيبلي لب وسوداني ! " سخرت فرمقها بغيظ
" لا أحبك، لقد كنت مريض ومحموم ولا أعي ما تفوهت به ! "
يا راجل | طب ماشي سيبني اتجوز عمر ! " وضعت يديها في خصرها لكنها فوجئت به يمسك
بذراعها بضيق وزمجر
" ها قد بدأنا ! هل هذا ثوبك الجديد ؟! "
حمحمت ورفعت يدها لتعدل من خصلات شعرها وتراجعت في أقوالها
" ما خلاص بقى !! وبعدين عيب عيب عليك لما تسيب جاريتك كده في وسط الشوارع وبعدين لو عملت كده هفضحك وسط الناس وهقول إني جاريتك وحامل وإنك سيبتني في
الشارع، وشوف سمعتك هتبقى عاملة إزاي هجرسك يا محمد ! "
أعطاها نظرة ساخرة وابتسم بمكر ثم حمحم " حسنا، لأجل سمعتي فقط. "
" لا خلاص اجري امتي يا محمد، أنا هقعد هنا خلاص ما تخافش مش هقول حاجة " قالت وتحركت مبتعدة عنه لتجده يأتي خلفها ويمسك بها من خصرها ليحتضنها من الخلف وهو
يضحك " أمزح معك، لا تكوني طفلة .. هيا لترحل . "
" لا ماتقلقش عليا أنا هعرف أتصرف " صممت وشبكت يديها أمام صدرها
قضم على شفتيه وأمال عليها ليهمس في أذنها " حسنا، لم أكن محموما ونعم لا تهوني علي ولا يمكنني إغماض عيني وأنت لست بأمان، وأنا أيضا أريد أخذك إلى القصر، يرضيك هذا ؟ "
شعرت بالخجل يكتسيها وتركته لتترجل نحو العربة بسرعة عندما رفع هو يده ليمسح على شعره وهو ينظر إلى ظهرها بابتسامة جانبية ثم تحرك خلفها
وجدها تجلس بهدوء بالداخل فصعد وتعمد الجلوس أمامها وليس بجانبها ثم صاح " جابر إلى القصر. ".
طوال الطريق كان معلقا عينيه عليها مستمتعا بمشاهدتها تحرك عينيها يمينا ويسارا وإلى أعلى وإلى أسفل بوجنتين حمراواين وعندما تقع عينيها على عينيه صدفة تتوتر بشدة وتسارع بالنظر إلى شيء آخر ثم تعود وتنظر إليه نظرة خاطفة لتجده مبتسما فتخجل أكثر وترفع يدها
التعدل من خصلات شعرها بتوتر فتزداد ابتسامته إتساعا
" بتبصلي ليه ! " تذمرت فجأة فعقد حاجبيه وتراجع بظهره إلى الخلف ثم أردف وهو يرفع احدى حاجبيه " أليس هذا ما تريدينه أنت ؟ "
" مش فاهمة ! "
" بالطبع لن تفعلي، لأنك غبية. "
" أنت هترجعني السجن ثاني ؟ "
"y"
" الحرملك ؟ "
نعم "
فتحت فمها بتردد ثم أغلقته وهي تحك كفيها مقا لكنها فتحته من جديد لتهمس " هو أنت .. هو ... فعلا أنت ... يعني ... بتحبني ؟ "
" ريما: "
صدمتها إجابته فعقدت حاجبيها وامتعض وجهها " ربما ؟! لا أنا ماليش دعوة يا نعم يا لا
مافيش ربما !! "
شبك ذراعيه أمام صدره من جديد وأردف بهدوء " الأمر ليس مهما بالنسبة لك لذا فلا تسألي، أنا بالأساس ما زلت لم أخرج كونك هريب لمرتين من عقلي. "
ذمت شفتيها ورمقته بأعين ضيقة وهي تحاول السيطرة على غضبها لكنها لم تستطع ووجدها فجأة تنفجر في وجهه
على فكرة، لعبة القط والفار دي ما بقيتش حلوة ! وأنا كده كده عارفة إنك بتحبني، ومش أنا بس لا .. ده القصر كله بالحرملك بالخدامين بالحراس، يعنى الإنكار من هيفيدك. "
" قوليها لنفسك، لعبة القط والفأر هذه ليست بحلوة ! " همس بهدوء وهو ينظر مباشرة إلى عينيها فتوترت من جديد وعقدت حاجبيها وكررت جملتها
" يعني إيه ؟ مش فاهمة ! "
ليلحقها هو مكرزا جملته " بالطبع لن تفعلي، لأنك غبية ! "
سمعا صوت ضربات بالخارج وتوقفت العربة فجأة بعد أن سمعا صهيل الخيول الخائف بالخارج ارتعبت عائشة وقبل أن يخرج محمد رأسه ليرى ما يحدث وجدا الباب يفتح وسيف مصوب على عنقه
" اخرج بهدوء، وإلا سأقطع رقبتك " هدده الرجل الملتم فأوماً محمد بعد أن امتدت يده ليمسك بيد عائشة وكأنه يطمئنها
خرجا من العربة ليجدا جابر جائيا على الأرض وهناك سيقا مثبتا على عنقه وهناك رجل آخر
معهما
" ماذا تريدون ؟ " سأل محمد الرجل الذي يضع سيفا على عنقه وقبل أن يلتفت سمع صراخ عائشة عندما جرها الرجل الآخر فالتفت لينظر لها وهي تصيح " محمد .. الحقني ! "
حاول التحرك لكن السيف اقترب من عنقه أكثر وهدده الرجل " خطوة واحدة وسنقطع رأسك !
" انزل يدك يا ابن العاهرة وافق، واعرف على ماذا أنت مقبل، لو تتخيل أنك ستنجو ورفاقك مما تفعل فهيهات " صرخ محمد في وجهه وشعر بالسيف يتحرك على عنقه فابتلع لعابه وهذا قليلا
" لا يهم، أعرف بالفعل أنك واحد من رجال البلاط، " قال الرجل بسخرية فصرخت عائشة من بعيد " رجال بلاط مین یا ابن الحمارة، ده الوالي !! "
أغمض محمد عينيه بحنق وهمس من تحت أنفاسه بغيظ " يا غبية .... " تم نظر نحو الرجل ونفى برأسه " هذه مجنونة، لا تأخذ بكلامها ! انظر إلي جيدا ! هل أبدو كوالي ؟! "
نظر له الرجل من أعلى لأسفل وزمجر " نعم، تبدو لي كوالي ! إذا ... أنت محمد باشا البستانجي
كان سينفي لكن صباح عائشة جاء من بعيد " أيوة هو وهيقطعك. "
عض محمد على شفتيه ونظر نحوها مضيقا عينيه وزمجر من تحت أسنانه " أتعلمين ماذا ؟ لو نجونا من هذا سأريك العذاب ويلات، وسأقطع لك لسانك، لأن هذا القرار تأخر كثيرا، كان يجب
فعله منذ أول مرة قمت فيها بالشخير في سريري "
توسعت عينيها و صرخت " يا كداب ما بسخرش ده أنت اللي بتشخر. "
" كل ما لفت نظرك هو الشخير !!!!! " صرخ بدون تصديق وحينها تململ الرجل وصاح فيهما " كفي !!! " فتوقف كلاهما
" لترجع لموضوعنا، أتعلم كم أنت محبوب في مصر ؟! " سخر الرجل وهو يحرك سيفه ببطء على عنق محمد فحمحم الآخر وابتسم ابتسامة صفراء ثم سخر
" لو قتلتني فأنت ستتسبب بأطنانا من العذاب، ستقتل الوالي العثماني ؟! لن يتركك السلطان وشأنك ولن يقتصر الأمر عليك الهلاك سيشمل جميع أهل مصر. "
" ومن هذه ؟! " سأل الرجل وهو ينظر إلى عائشة وكان محمد سيجيب لكنه فوجئ بعائشة تجيب " أنا جا.. " لكنه قاطعها " هذه الخادمة اللعينة التي سيتم قطع لسانها إن شاء الله. "
" حسنا، اخرج نقودك يا باشا وستأخذ تلك الخادمة وسندعك ترحل " قال الرجل فابتسم محمد وأوما
" حسنا، عرض مقبول ! "
عقدت عائشة حاجبيها وكأنها لم تستوعب ما الذي يحدث لكنها وجدت محمد يمد يده نحو جيبه ويخرج نقوده فعلا
" أنت بتهرج صح !! " زمجرت له من بعيد فلم يعيرها أدنى اهتمام وأكمل إخراجه للنقود
ليعطيها للرجل وهو ينفض يديه
" حسنا، حصلت على ما تريد أطلق سراح جابر، لدي موعد ويجب أن ألحق به. "
تشتت الرجل قليلا وهو يتفحص النقود وحينها استغل محمد الموقف لبركله في بطنه ويسحب منه السيف ثم أمسك به ووضع السيف على عنقه ليز مجر
" الآن يا ابن العاهرة، اخبر رجلك أن ينزل يدك عنها وإلا فأنا لا أهدد. سأقطع رأسك بكل سرور قطعت رأس أكثر من مئتين شخص، أحب رؤية الدماء أتعلم بهذا ؟! "
سقطت النقود من يد الرجل لكنه ضحك " اتركني فأجعلهم يتركونها. "
" عرض مرفوض " قال وقرب السيف من عنقه أكثر لدرجة أنه جرحه فارتعب الرجل وصاح " اتركها. "
دفع الرجل الآخر بعائشة بعيدا وتحركت باتجاه محمد الذي وجه لها أو امره وهو يشير على أحد الأحصنة الخاصة باللصوص " امتطي ذلك القرس. "
تحركت بسرعة ووقفت أمام الحصان محاولة القفز وركوبه لكنها لم تستطع لقصر قامتها فاستدارت لتنظر إلى محمد بوجه باك " مش عارفة ! تعالى اسندني ! "
" تمازحينني !! " صرخ فيها من بعيد وهو ممسك بالرجل والسيف على عنقه ويده اهتزت قليلا فقام السيف بجرح الرجل ليتذمر هو الآخر
" يا غبية ضعي قدمك على تلك الحديدة واصعدي ! أنا سيتم قطع عنقي هنا !! "
فوجئ بصفعة على وجهه من محمد وهدده " لا تسبها، أنا فقط من القبها بغبية .. " وبعدها نظر لعائشة ليصيح " يا غبية افعلي مثلما قال ذلك الوغد ! "
ذمت عائشة شفتيها وشبكت يديها أمام صدرها بضيق وهي مازالت لم تمتطي الفرس " أنا مش غنية | ومش قصيرة أوي أنا طولي معقول ودي خلقة ربنا هتعترضوا على خلقة ربنا !!! "
" من أين جلبتها !! " سخر الرجل وهو يقلب عينيه فأجاب محمد " جلبتها من الجحيم، لا تذكرني، كانت جلبة سوداء على رأسي، منذ رأيتها ولم أرى خيرا. "
كانت عائشة تنقل عينيها بينهما وسرعان ما صاحت بعناد " بقى كده !!! طب مش راكبة بقى أي حصان ولا أي نيلة، ولعلمك أنا جاريته مش خدامة .. وبيحبني، كان ممكن تساومه على فلوس أكثر بس أنت غبي. "
" هل تحبها حقا !! " سخر الرجل فنفى برأسه " ليس حقا ... " وقبل أن يكمل وجد الرجل الآخر يهرول نحو عائشة ليمسك بها من جديد لكنها بدأت بالهرولة هارية منه بطريقة مضحكة وهي
تصيح " هقع على وشي .. منك لله يا محمد .... "
أمسك بها الرجل أخيرا ووضع السيف على عنقها وهدد محمد من بعيد
" اتركه وإلا قتلت لك محبوبتك القزمة ! "
لكنه فوجئ بعائشة تركله بين ساقيه وهي تصبح " أهو أنت اللي قزم يا حيوان يا قليل الأدب !
وقع أرضا يتلوى وحينها ابتسم محمد من بعيد ليشجعها " كان هذا رائعا، هل يمكنك ركل ذلك الذي يقف هناك ويمسك بجابر ؟ لقد سمعته يقول : كيف تكون تلك القبيحة جارية الوالي ! "
نظرت إلى حيث يشير برأسه لتجد رجلا يمسك بجابر وكانت ستتحرك لكنه أوقفها " انتظري. تعالي واسحبي سيفي وأريدك أن تشوهي وجهه أفضل. "
ابتسمت باتساع وتحركت لتسحب سيفه لكنه كان يتأرجح في يدها وسقط منها أرضًا فنظرت لمحمد و همست بخوف " تقيل أوي، ما تسيبني أديله بالشلوت أحسن ؟ "
رفع رأسه إلى السماء وهمس من جديد " يا الله يا ولي الصابرين !!!! "
دفع بالرجل الذي كان يمسك به وسرعان ما ركله في بطنه ثم هوى بالسيف على قدمه ليجرحه جرحا عميقا كي يمنعه من التحرك ثم نظر للرجل الذي يمسك بجابر وتحرك نحوه بسرعة فدفع
الرجل بجابر أرضا وهرول بعيدا
وحينها حول محمد عينيه إلى عائشة وتوعدها " هيا، هيا يا جالبة المصائب. "
توسعت عينيها وتذمرت " هو أنا كل شوية حد يقولي يا جالبة المصائب ! مرة أنت ومرة دولت وأمي وأبويا ! "
" أنت جالبة مصائب فعلا !! هل تتبلى عليك !! "
" مش أنا اللي بجيبها هي اللي بتجيلي ! " صرخت فأمسك بها من سترتها من الخلف وسحبها
متوجها إلى العربة وهو يهمس لها
" لا أريد سماع صوتك يا جالبة المصائب. "
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الخامس والثلاثون
كان نائفا بسلام في سريره حينما سمع طرقا عاليا على الباب ففتح عينيه نصف فتحة وهو يتساءل من الحيوان الذي يتجرأ على الطرق هكذا في منتصف الليل ويوقظه من نومه !
أزاح الغطاء عن جسده ونهض متوعدا أيا كان الطارق بالويلات حتى فتح الباب ووجدها تقف أمامه، ومن غيرها ؟
شعرها في حالة من الفوضى وتحمل وسادة في يدها، عقد حاجبيه وكان على وشك فتح فمه لكنها سبقته بدخولها بدون استئذان إلى غرفته
وسرعان ما ألقت بجسدها على سريره ودفنت نفسها تحت الغطاء وسحبت وسادته لتحتضنها بينما كان مازال هو يقف أمام الباب المفتوح لا يعى ما يحدث حتى من أثر النعاس لكنه أغلق الباب ورجع نحو سريره من جديد
وجدها نائمة في مكانه فتذمر بنبرة ناعسة " تزحزحي قليلا ! " ليجدها تتزحزح بدون أن تفتحعينيها حتى
وضع رأسه فلم يجد الوسادة ففتح عينيه ونظر نحوها ليجدها متشبثة بوسادته فحاول شدها منها ليجدها تزمجر " سيبها !! "
" هذه وسادتي !! " زمجر هو الآخر وشد منها الوسادة بالقوة ثم وضعها تحت رأسه ونام، وبعد دقيقتين من التقلب المستمر وجدها تقترب لتحتضنه بدلا عن الوسادة فاحتضنها بالمقابل
وأغمض عينيه لكنها كانت قد أوقظته بالفعل فنظر نحوها وتمتم
" ما الذي جلبك إلى هنا ؟ "
همست بنعاس " اتعودت أنام جنبك ماكنتش عارفة أنام هناك بقالي يومين. "
" تريدين النوم بجانبي دائما إذا ؟ "
شددت عناقها عليه و حرکت رأسها على صدره كالقطط وهي تغمغم براحة " أيوة. "
تفتح عينيها وتمتمت ببساطة " تم وضع القوانين لتخرقها. "
" أنت تخالفين القوانين بمجيئك إلى هنا بدون طلب مني ... " همس بهدوء فابتسمت دون أن
" بل لنتلزم بها ! " صحح فنفت برأسها على صدره وهمست بنبرة ناعسة كان للتو قد انتبه لكونها جميلة بشدة " تسرء .. لتخرقها. "
رفع يده ومسح على شعرها بابتسامة هادئة وأمال على أذنها مردفا " لقد خرقت كامل قوانيني بالفعل. "
فوجئ بها ترفع رأسها عن صدره وفتحت عينيها لتنظر إلى زرقاوتيه وابتسمت ابتسامة جانبية واقتربت لتهمس في أذنه بتلك النبرة التي جعلته يفقد صوابه لوهلة " وأنت كمان، اخترقت قوانيني . .
رفع إحدى حاجبيه " وما هي قوانينك التي اخترقتها يا عائشة هاتم ؟! "
" ما اتقش في أي رجل عشان كلكم جنس زبالة تستاهلوا الحرق " همست بنبرة رقيقة وبابتسامة ووضعت رأسها على صدره من جديد وكأنها لم تقل أي شيء !
عقد الآخر حاجبيه ونظر لها بأعين ضيقة، هل قالت شي جيد ام سيء ؟ هو حقا لا يستطيع
التحديد ! لكن عينيه لمعت بعد فترة وأردف فجأة
" مهلا، هل هذا يعني أنك تثقين بي ؟ "
أومأت فابتسم بتوسع ورفع يده ليلعب في خصلات شعرها " ولماذا ؟ "
رفعت رأسها من جديد ونظرت له في عينيه لمدة تحت إضاءة الغرفة الخافتة، ثم همست وهي
تغرس رأسها في عنقه " عشان .. لما ببص في عينيك .. بعرف إنك بتحبني. "
" ماذا لو كنت أكذب أو كنت أنت مخطئة ؟ "
نفت برأسها وتمتمت " المشاعر الحقيقية بتبان الإنسان بيقدر يحس بيها ويعرفها، زي ما المشاعر المزيفة بتبان ومع ذلك الإنسان ساعات بيختار يتجاهل اللي شافه. "
أوما بصمت، كان يجب عليه أن يبتسم ويفرح من كلامها لكن ما يشغل باله الآن هو مشاعرها هي ؟
لماذا لم تخبره بأي شيء ؟ هي لم تتطرق لذلك الموضوع حتى الآن ! فقط هو الذي صرحبمشاعره لها لكنها لا تتكلم ... ربما لم تكن تتكلم في الأول لأنها كانت سترحل لكن الآن بعد أن
عرفت أنها ستبقى هنا للأبد ما الداعي من عدم الكلام ؟
ألا تحبه أيضا ؟
طرأت تلك الفكرة على عقله وانقبض قلبه فجأة ثم نظر نحوها من جديد
" وكيف يستطيع الإنسان أن يحدد حقيقة مشاعر الطرف الآخر ؟ "
رفعت رأسها ونظرت نحو عينيه ثم همست " مش محتاج تحدد، أو فيه حد بيحبك هتحس انه
بيحبك، ولو ماحستش فهو ما بيحبكش! "
" الإحساس ليس كافيا، يجب أن يكون هناك شيء ملموس .. كأفعال أو كلام ! " قال وهو مازال ينظر إلى عينيها ففوجئ بها تقترب منه برأسها ووضعت قبلة خاطفة على وجنته ثم عادت
لتضع رأسها على صدره و همست " معاك حق. "
رفع يده يلمس مكان قبلتها بهدوء وابتسم بخفوت، عائشة جانت بقدميها لتنام في سريره ثم تحركت ووضعت نفسها في حضنه والآن طبعت قبلة على وجنته بنفسها ؟ وكل ذلك دون أن
يجبرها أو يطلب منها ؟
" لكن بعض الناس لا تقول ! "
" عشان لو قالوا لازم يلتزموا باللي قالوه، وساعات ما بنبقاش عارفين إيه اللي الطرف الثاني
محتاجه مننا، وفيه حاجات ممكن ما تقدرش تقدمها. "
لماذا يشعر بأن عائشة تفهم كلامه الغير مباشر وتجيب عليه بأسلوب غير مباشر ؟
" لا أظن أن هناك طرفًا سيطلب شيئا يفوق إمكانيات الطرف الآخر ! " جادل من جديد وحينها رفعت بجسدها لتعتدل وتجلس على السرير مربعة قدميها ومسحت عن عينيها آثار النعاس
اعتدل هو الآخر وأسند ظهره على ظهر السرير وتبادلا النظرات الصامتة لفترة قبل أن تفتح فمها أخيرا بتردد .. وكان يظنها ستقول شيئا مهما حتى نطقت " أنا جعانة! "
عقد حاجبيه ونظر حوله ثم رجع بعينيه لها " الآن ؟ الفجر قريب والجميع نائم !! "
" تعالى ننزل المطبخ " قالت وقفزت عن السرير وهي تمسك بيده وتحاول جره فنهض بتثاقل وهو يتذمر " حسنا !! فقط توقفي عن شدي ودعينا نغسل وجوهنا أولا !!".
بعد عشرة دقائق كانا يتسللان بخفة إلى المطبخ حتى وصلا ولحظهما كان المكان فارغ
" هناك جبنة وخبز وطماطم، " قال محمد وهو يشير برأسه إلى خزانة الطعام فتحركت الأخرى
بسرعة وبدأت بتجهيز بعض الشطائر
وبعد أن انتهت نظرت له بحماس واقترحت " إيه رأيك تأكلهم على السطح ؟ "
قلب عينيه بابتسامة لكنه هو من سحبها تلك المرة متوجها نحو السطح.
كانا يقفان بجانب السور الذي يحد السطح والصينية موضوعة عليه ويأكلان وهما يتبادلان الحديث بشأن الزمن الذي جائت منه
" قصة برستيجي ؟ " سأل وهو يضحك
" كذب " أردفت فأكمل " قصيدة الشعر ؟ "
" كانت أغنية من الزمن اللي أنا جيت منه. "
قهقه بخفة ولمس أنفه " زين مالك ؟ "
" مغني، مش مدرس. "
فكر قليلا " محروس السادس عشر ؟ "
" لو سمحت ما تغلطش في جدي ! " تذمرت فضحك عاليا
" النظرية النسبية ؟ "
" مش بتاعتي دي بتاعة عالم فيزياء اسمه أينشتاين وده يعتبر أذكي عالم جه في التاريخ وكنت مسرق النظرية بتاعته .. " أجابت بإحراج فزادت ضحكاته بدون تصديق
حمحم قليلا وهو يحاول السيطرة على ضحكاته " والفاصوليا ؟ "
" ده اكتشاف كنت هسرقه برضوا بس في الأحياء. "
ضحك يخفوت هذه المرة وهو يضع يده على وجهه الذي تحول للون الأحمر من كثرة الضحك
" ماذا سيحدث للإمبراطورية العثمانية حقا ؟ " سأل من جديد فأجابت ببساطة " هتسقط. "
" لماذا ؟ "
كمال أتاتورك "
" لا مش عارفة أنا ما درستش تاريخ بس بعد الحرب العالمية الأولى هتسقط على أيد واحد اسمه
توسعت عينيه " هل هناك حرب عالمية فعلا ؟ "
" آه والله ! "
" وماذا أيضا ؟ "
" عارف فرنسا وبريطانيا وألمانيا وكده ؟ "
" نعم هؤلاء الجرابيع الصعاليك اللذين لا يستحمون " قال فضحكت عاليا وسخرت
" أهو هؤلاء الصعاليك دول هيبقوا من الدول الحاكمة في الكوكب، وألمانيا كل ما تتزنق في أي
حرب هتروح تضرب فرنسا بدون أي سبب. "
" وهيمنعوا الجواري " أكملت وهي تنظر له بأعين ضيقة وملامح خبيثة فقلب عينيه وتذمر " لقد توقفت، حسنا ؟ لقد توقفت لذا فلا داعي لتذكرينني بالتسع وعشرون جارية كل خمسة
دقائق !! "
" تسعة وعشرين يا مقتري | مفتري اقسم بالله !! إحنا عندنا اللي بيتجوز إثنين بيخبي على الأولى ولما بيموت والزوجة الأولى بتعرف أنه أتجوز عليها بترفض استلام جثته من
المستشفى ! "
ضحك بقوة " وماذا لو عرفت وهو مازال حي ؟ "
" يحدث طلاق أو خلع وشرشحة وخراب بيوت وعيال يتشردوا، أو فيه حادثة حصلت في
الشرقية، زوجة عرفت إن جوزها خانها فخدرته وقطعت أعز ما يملك وبعدين اتقبض عليها
واتسجنت وهو انتحر من الفضيحة، شابوه ليها والله. "
" وماذا ستفعلين أنت لو زوجك تزوج بأخرى ؟ " سأل بأعين ضيقة وهمت لتجيب لكنه قاطعها ووضع يده على فمها " لا مهلا لا تجيبي | دعيني أخمن .... ستهربين صحيح ؟ "
ضحكت بانكنام وأزاحت يده عن فمها ثم نكزته بخفة وأومأت " أيوة مهرب، شاطر عرفتها لوحدك ! "
" لكنه زواج .. أعني ليست بخيانة ! " شبك يديه أمام صدره فنظرت له نظرة سيئة ليتراجع "
أنا أقول رأيي فقط، هذا لا يعني بأنني سأفعل هذا !!! "
" هو ايه عكس كلمة خيانة ؟ " سألت فأجاب " إخلاص . "
" طب شايف لما واحد يتزوج على مراته يبقى هو كده أخلصلها ؟ "
نقى برأسه فأكملت " مادام ما أخلصش يبقى خان، مش محتاجة فقافة يعني! "
" لكن هذا حقه الذي شرعه له الله ! "
" الآية بتقول فانكحوا ما طاب لكم من نساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم، ذلك أدنى ألا تعولو. صح ؟ "
" .نعم "
" طيب، مبدأيا هل الأمر في الفعل انكحوا هنا واجب التنفيذ ولا مباح فقط ولك أن تفعله ولك أن تتركه ؟ "
" مباح فقط بالتأكيد وإلا كان جميع الرجال الذين لم يعددوا أثمين ! "
تمام طيب دلوقتي هل الإباحة ربنا وضعها بدون شروط ؟ يعني سايبها لرغبتك كده عايز تعدد فاتفضل عدد بدون أي شروط أو قيود ولا وضع قيود ؟ "
" وضع قيد العدل والمقدرة، يجب أن يكون الرجل عنده القدرة المالية والجسمانية على التعدد.
وأن يعدل بينهن."
" تمام عليك نور، دلوقتي بالله عليك يا مؤمن حلفتك بالله هل هناك رجلا سيعدل بين زوجاته تمام العدل ؟ ألن يميل لواحدة دون أخرى ؟ ألن يفضل واحدة على أخرى ؟ ألن يتأقف من حديث
واحدة بينما يستمتع بحديث الأخرى ؟ "
صمت ولم يجيب فأكملت " مش عايزاك تجاوب لأن ربنا العالم وخالق السموات والأرض وعارف
ما تخفي الأنفس، هو بنفسه قال في آية ثانية ولن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم .. ومن هنا ربنا خط شرط صعب جدا يتحقق كأنه عايز يقولك واحدة أفضل لك. لأن الرجل لو ما عدلش
بيحشر يوم القيامة شقه مائل "
" إذا لماذا لم يحرم الله التعدد من الأصل ونكتفي بواحدة وينتهي الأمرا"
" عشان فيه حالات بتستوجب الزواج الثاني، منها إن الزوجة مثلا تكون ما بتخلفش، ساعتها من الظلم لو الرجل عايز ينجب إنه ما يخلفش وإلا هيضطر إنه يطلق الزوجة الأولى عشان يتزوج بالثانية، وكده ظلم للزوجة الأولى، دي حالة، وحالة ثانية مثلا لو زوجته أصابها مرض وبالمرض ده هي ما بقيتش قادرة تديله حقوقه كزوج، لو ربنا حرم التعدد تماما فكده الزوج هيضطر يطلق زوجته المريضة ويرميها ويتزوج بزوجة أخرى، فهل ده عدل ؟ لا طبقا. "
" زائد ما تنساش إن الإسلام جاء للعرب اللي كانوا في الجاهلية بيتزوجوا بأكثر من عشرة نساء وده كان نظام مقبول مجتمعيا وعرفيا، ولو كان الإسلام لغاه تماما كان الرجال هينفروا منه لذلك هو قننه ووضع له شروط واجبة التحقيق زي العدل والقدرة المالية والجسمانية"
ابتسم بخفوت وأومأ تلك المرة بهدوء فعقدت حاجبيها بابتسامة مستغربة
" إيه ده ؟ أنت وافقت فعلا ؟ يعني مش هتروح تكسر الجناح في المرة اللي فاتت ؟ "
قهقه عاليا ونفى برأسه ثم رفع يده ليلمس أنفه بخفة وتمتم " أحب كيف أنك ... تتكلمين بتلك الطريقة وبذلك الأسلوب، أحب سماعك توضحين وجهات نظرك وتدللين عليها بأسلوب منطقي وواضح وصحيح، أتعلمين ؟ عندما أراك تتكلمين بتلك الطريقة أشعر بأنك جذابة لي كثيرا. "
تصبغ وجهها باللون الأحمر وأشاحت بعينيها بعيدا عنه، فضحك من جديد واقترب واضعا قبلة على وجنتها
" كما أنني أخبرتك، نحن نرى الأشياء بالطريقة التي نريد أن نراها بها، وتميل لتصديق ما يتوافق مع رغباتنا، " همس وهو يلمس وجنتها برقة
" لكن ذلك لا يمنع كونك غبية في بعض المواقف مثل موقف قطاع الطرق، ما الذي كنت تتوقعينه إن عرف الرجل بأنني الوالي وأنا بدون حراس !! فقط معى أنت وجابر يا غبية ؟!
الحمد لله أنهم كانوا ثلاثة فقط وإلا لم نكن لتنجو من هذا. "
" أنا كنت بفكر ... تعلمني إزاي استخدم السيف عشان لو حصلت حاجة زي كده تاني، " قالت لعقد حاجبيه وبدى وكأنه يفكر ثم نظر لها من جديد ونفى برأسه
" لا، السيف تقيل على يديك .. لكن يمكنك أن تتعلمي استخدام القوس، إنه أسهل لك، تصلي وتبدل ملابسنا وبعدها سأخذك المزرعتي نمضي اليوم هناك وسأعلمك كيف تستخدمينه، اليوم
هو يوم أجازتي بالفعل. ".
في فترة العصاري كانا يقفان في منطقة زراعية مليئة بالأشجار وعائشة تمسك بالقوس وتحاول التصويب على شجرة ما كما كان محمد يعلمها منذ الصباح
" لا لا، ليس هكذا، " قال فتذمرت " مش عارفة، مانا بعمل زي ما قولتلي ! "
ضحك واقترب منها يهدوء حتى وقف خلفها وأمسك بيديها ليجعلها تثبت السهم في المكان الصحيح، كان وجهه قريبا بشدة حتى أنها أصبحت تشعر بأنفاسه ضد أذنها
نظرت له لتجد مثينا عينيه على المكان الذي يفترض أن تضرب السهم فيه، لكنه انتبه ونظر نحوها ببطء، وحينها شعرت بالخجل وابتعدت بعينيها عنه بينما هو أيضًا شعر بالحرج وظهرت ابتسامة خافتة على وجهه
" اغمضي عينك اليسرى، وثبتي السهم على الدائرة التي في المنتصف كما أخبرتك، " همس ضد
أذنها وشعر بيدها ترتجف تحت يديه
لكنها ابتلعت لعابها وحاولت السيطرة على ضربات قلبها المرتفعة ثم نفذت ما قال
" الآن، اسحبي السهم للخلف، وتوقفي عن الارتعاش ... " همس من جديد وتلك المرة شفتيه قد لمست أذنها ليجعلها تتوتر والدماء تصعد لوجهها لكنها قبضت على السهم بكل قوتها وفعلت مثلما قال
" ساعد من واحد إلى ثلاثة وعندما أصل الثلاثة ستتركي يدك " همس وثبت عينيه على الشجرة
" واحد، إثنان ... " قبل أن يقول ثلاثة ترك يدها ليجلعها تقف بمفردها وأكمل " ثلاثة. "
أطلقت السهم الذي رشق في منتصف الدائرة بالضبط، وهذا لبس لمهارتها بل لأن محمد هو الذي
ثبت يدها وحرك السهم في ذلك الإتجاه
وجدها تقفز عاليا بفرح وهي تصرخ بدون تصديق " محمد !! دي رشقت في النص بالظبط !! " ضحك يخفوت وأومأ لها " أترين ! الأمر سهل ! يجب أن تتدربي أكثر وحسب ! "
" مش أنت هتدربني كل يوم ؟ " سألت فقهقه بخفة ورفع يده ليرجع خصلات شعره للخلف
ونفى برأسه " لا، ليس كل يوم بالطبع لست متفرغ .. يوما في الأسبوع يكفي. "
أومأت بصمت بينما وقف هو يتأملها، لم يكن ليصدق أنه سيقف ويدرب فتاة على تلك الأشياء ! وأنه سيكون سعيدا هكذا عندما تشاركه فتاة نفس اهتماماته سواء القتال أو القراءة أو أي شيء
يفعلاه سويا ... هو يحب ممارسة نشاطاته معها.
" نرجع ؟ " صاح فنفت برأسها واقتربت لتمسك بيده وسحبته خلفها نحو تل مرتفع قليلا و جلست على الأرض " نشوف الغروب وبعدين نمشي. "
بدي غير موافقا ونظر يمينا ويسارا بضيق ثم تمتم " لا أحب الغروب، ولا أريد رؤيته .. هيا
لترجع ! "
نهضت له بحاجبين معقودين " ما يتحيش الغروب ليه ؟ ده جميل ! "
نظر نحو السماء ثم رجع ببصره إليها وبدى مترددا يقول أم لا، ليجدها قد صحبت يده ليجلس وهي تقول " طب لو قولتلي هنرجع ومش هنشوفه! "
جلس بجانبها وحمحم " الغروب، يشعرني بالموت، لأنه يمثل النهاية، نهاية اليوم .... أشعر بالاختناق دوما حينما أرى الغروب، لأنني لا أحب النهايات .. "
كانت تستمع له بتركيز " بتحب الشروق ؟ "
ابتسم بتوسع وأوما " نعم أحب الشروق كثيرا، وأحب رؤيته كل يوم، أحب رؤية السماء السوداء وهي تتحول إلى اللون الأزرق الفاتح لتعلن عن بداية يوم جديد. "
فوجئ بها تميل عليه ثم همست في أذنه " كل نهاية هي بداية جديدة، ولو مافيش غروب مش
هبيقي فيه شروق "
حدق إليها لبرهة ليجدها تتربع على الأرض وتنظر له يمكر " تيجي تعمل اتفاق ؟ "
عقد حاجبيه بدون فهم ولم يتكلم ليدع لها الفرصة للإكمال " لو قعدت معايا تتفرج على الغروب سوا هنا، هاجي معاك نتفرج على الشروق في أي مكان تحبه ! "
أعطاها ابتسامة غير مصدقة وحرك رأسه عنها لينظر بعيدا ليفكر ثم عاد بنظره إليها ليجدها ترمقه بنفس النظرة الماكرة التي أضحكته
" لا تنظري بمكر هكذا أنا أعلم بالفعل أنك ماكرة ولا داعي للتوضيح أكثر!! " سخر فضحكت ونكزته في كنفه بخفة " يلا بقى عشان خاطري! "
أمسك بيدها التي نكزته بها وسحبها على حين غرة لتجد نفسها في حضنه وهمس . بشرط ! " " حسنا
حاولت الإفلات من بين يديه بوجه يشتعل فأكمل " تبقى هكذا لحتى ينتهى الغروب. "
هدأت حركتها ونظرت له بذهول وسرعان ما تذمرت " أنت مستغل ! "
أمال عليها وهمس من جديد " جدا . " ولم يعطها الفرصة للتحرك بل حبسها بين جسده ويديه تم وضع قبلة على وجنتها بابتسامة واسعة
لم يتقوه أحدهما بكلمة حتى بدأت الشمس تغرب، شعرت بأنفاسه تتسارع وبدى غير مرتاح لكنه فوجئ بها تستدير لتهمس له " بحبك. "
توسعت عينيه وبدى غير مصدقا لما سمعه غير أن قلبه كان يدق كالطبول وشعر بأن الدفء أكنسى روحه فجأة مغمزا إياه بشعور جميل ومتناسيا تماما ضيقه من الغروب
" قولتهالك في الغروب عشان ... عشان لما تشوف الغروب تفتكرها وما تتضايقش ... " نطقت بتقطع فسحبها لحضنه من جديد وهمس في أذنها من الخلف " وأنا أيضا أحبك. "
وسرعان ما وجدت بعض القبلات تتوزع على عنقها، جحظت عينيها وتصلب جسدها، هي قد بدأت بالفعل تعتاد على قبلاته تلك، رغم أنها مؤمنة بداخلها أن ما يحدث خاطئ لكن حتى
الأخطاء نعتاد عليها وتصبح روتينا يوميا عندما تتكرر
تجول يقبلاته على وجهها حتى وصل إلى شفتيها ثم نظر إلى عينيها وكان سيميل لتقبيلها هناك لكنها قد ابتعدت عنه لتحسم موقفها ومصيرها تماما.
" هتتجوزني ؟ "
ابتسم وأوماً بسرعة وهو يقبلها على أذنها ليهمس " بالطبع سأفعل يا ملاكي .. "
" والحرملك ؟ " سألت فهمس مرة أخرى " لا أريد غيرك. "
" هنتجوز أمتى ؟ " سألت مرة أخرى
" عندما تنجبين لي طفل " همس وفوزا وجدها تبتعد عنه ونهضت لتقف بعيدا " نعم ؟!!!
سمعني ثاني كده قولت إيه عشان شكلي ما سمعتش !! "
حك عنقه وأعاد " عندما تنجبين لي طفل سنتزوج. "
ابتسمت بسخرية وصاحت وهي تضع يديها في خصرها " لا ده عند أم ترتر يا حبيبي !! "
عقد حاجبيه ولم يفهم " ما الذي تقولينه | هذا هو القانون ! "
" لا، أنا القانون ده ما ينفعنيش ... مافيش طفل بدون زواج " قالت بإصرار ولاحظت ملامح
وجهه تتبدل فورًا ونهض ليقف أمامها
" هل فقدت عقلك ؟ أتعلمين كم جارية تدعو ليلا نهارًا لكي تكون مكانك ؟ أنا سأجعلك سيدة نبيلة بدلا من جارية وأنت ترفضين ؟!! "
" الزواج الأول، يا كده يا إياك تقرب مني ! " قالت وهي تنظر إلى عينيه بتحدي فرأت الغضب يشتعل بداخله أكثر وصرخ " أنت مجنونة ؟!! أنا لا أستطيع فعل هذا لأن هذا هو القانون اللعين
" غيره يا حبيبي ! ولا أنت فالح بس تغير قوانين الضرايب وأي حاجة من مصلحتك ؟ بس القوانين اللي مش من مصلحتك بتبقى يبقى الوضع كما هو عليه ؟! "
نظر لها بغيظ وصك على فكيه ليزمجر هامنا بنبرة بدت مهددة " هل تعرفين أنني أستطيع أخذ ما أريد بالقوة ورغما عنك ولا أحد سيرد عني ؟ ألا تطرأ هذه الفكرة رأسك ؟ "
خافت قليلا لكنه جفل بصدمة عندما أردفت " ساعتها مش هتبقى غلطتي، ومش هتحاسب عليها بس لو روحتلك برغبتي هتبقى غلطتي. "
" أي محاسبة ؟ من سيحاسبك !!؟ "
" ربنا ! "
تبدلت ملامح وجهه فوزا وضحك وهو يرفع رأسه إلى السماء بدون تصديق ثم رجع بعينيه إليها " يا حمقاء .. هذا ليس بحرام ! الهذا كنت رافضة ؟ إنه حلال، أنت جاريتي وملك يميني .. لذا
فأنت مثل زوجتي ! "
" بس أنا بقى مش جارية ! " جادلت فعقد حاجبيه من جديد لتكمل " وعمري ما هكون جارية !
" أنت بالفعل جارية ! "
" لا ، أنا فيه واحد خطفني وباعني غصب عني، بس أنا حرة وعمري ما هكون جارية ! "
" عندما تريدين شيئا تصبحين جاريتي، وعندما أريد أنا شيئا تقولين أنك حرة ولست بجارية !! يا أنانية يا لعينة !! " صرخ في وجهها بقوة وكادت حنجرته تخرج عن عنقه
" هو ده اللي عندي ! " تمتمت ببرود وشبكت يديها أمام خصرها فوجدته يمسك بفستانها من الخلف وجرها خلفه من جديد وهو يزمجر
" فقط اصمتي، لا أريد سماع صوتك وهيا لنعود قبل أن أقتلك وأدفن جثتك هنا تحت جناح الظلام. ".
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل السادس والثلاثون
" ستبقين هنا " قال بنيرة خبيثة وهو يرمقها بأعين ضيقة وملامح لم تريحها فابتلعت لعابها ونظرت حولها إلى جناحه ثم نفت برأسها
" لا أنا عايزة أروح الحرملك ! "
ابتسم ابتسامة ماكرة وأخفض حاجب ورفع الحاجب الآخر ثم تقدم منها فتراجعت للخلف حتى التصق ظهرها بالحائط وحينها وقف أمامها ثم أردف بنفس النبرة الخبيثة
" ولماذا يا نور عيوني ؟ "
ابتلعت لعابها وحمحمت وهي تحاول التحرك " لا ما .. ما هو ... ما أنا بشخر وكده فمش عايزة
أضايقك ... ! "
وضع يديه على الحائط ليحبسها من كل إتجاه " وهل سأتضايق من الفتاة التي تحبني وأحبها ؟ لا ... بالطبع لن أتضايق منك. "
تم أمال عليها وهمس في أذنها " سأضعك في عيوني. "
" لا لا مش عايزة أتوضع في عيون حد سيبني أمشي .. " همست بنبرة باكية فضحك عاليا وسخر " خائفة صحيح ؟ "
ابتلعت لعابها ولم تجيبه فشبك يديه أمام صدره " خائفة من أن أغتصبك أم خائفة من أن تستسلمي لي بإرادتك ؟ لأن صدقيني شيئا منهما سيحدث وأنا أفضل وأتوقع أن يكون الخيار الثاني، لأنني لا أحب العنف رغم كوني عنيف جدا في الحقيقة لكنني لا أحب العنف في تلك المسألة تحديدا ولا سيما معك. "
" أنت قليل الأدب ! " رفعت سبابتها في وجهه فوجدته يضع قبلة خاطفة على إصبعها فسحبته بسرعة وضمت يدها إلى صدرها وهي تنظر له بدون تصديق
وجدته يقترب منها أكثر وهو يهمس " أحبك أكثر وأنت مشاكسة فلا تظني أن ذلك الإسلوب سيجدي معي نفقا ! "
امتدت يده ليمسك بيديها وسرعان ما ثبتهما خلف رأسها بيد وباليد الأخرى كان يداعب خصلات شعرها ببطء وهو معلقا عينيه على شفتيها
فوجئ بالقط يقفز عن السرير ويتقدم ليقف بينهما وبدأ بالمواء وهو يتلمس قدمه بمخالبه وكانه يدافع عن صاحبته فنظر له محمد بسخرية وهمس " لا تفلق، سأعطيها بعض الحلوى. " ثم
تجاهله ورفع عينيه نحو شفتيها من جديد
" محمد " همست فرفع عينيه عن شفتيها لينظر إلى عينيها وابتسم ابتسامة جانبية " ماذا يا عمري ؟ "
ابتلعت لعابها وطلبت بخوف " بعد إذنك سيب إيدي ؟ "
نفى برأسه وأمال عليها ليضع قبلة على عنقها فزمجرت وهي تحاول التملص من بده " أنت مش محترم !! "
ضحك وتحرك بشفتيه إلى أذنها وهمس بنبرة سيئة " وسافل ومتحرف وقليل الحياه. "
ترك يدها عندما وجدها ترتجف كالفرخ الواقع في دلو من المياه ليجدها هرولت نحو الباب
و هربت من جناحه بسرعة
ضحك بخفوت وخرج متحدثا مع الحراس ثم عاد للداخل وبعد خمسة دقائق طرق الباب ثم
فتح ودخلت عائشة من جديد وإحدى الخادمات تمسك بها
أشار محمد برأسه إلى الخادمة فخرجت وأغلقت الباب خلفها
اقترب منها من جديد ودار حولها وهو يحاول عدم الضحك في حين وقفت هي بتوتر في المنتصف تشاهده يلف حولها ويتفحصها من أعلى إلى أسفل
" لا يوجد خروج من جناحي بدون إذني، مفهوم ؟ " زمجر بنبرة صارمة مهددة عندما وقف
أمامها أخيرا فخافت وأومات
" سأسامحك على ما فعلت هيا صالحيني " قال وشبك يديه أمام صدره فهمست " أنا اسفة. "
لكنه نفى برأسه " لا أريد إعتذار صالحيني .. هيا سأقبل بقبلة ! "
" محمد | " تمتمت بنبرة باكية مستعطفة من جديد وهي تدبدب بقدميها على الأرض فزمجر "
قلت هيا !! كوني فتاة جيدة !! "
نظرت له بضيق لوهلة وسرعان ما صكت على فكيها وصممت على موقفها " لا، وقولتلك مافيش حاجة زي كده من غير زواج. "
" لم أكن أطلب منك بالأساس، " قال رافعا إحدى حاجبيه ووجدت يده تحيط بخصرها فجأة ليلصقها في صدره على حين غرة وسرعان ما أمال عليها محاولاً تقبيلها بالقوة فرفعت يدها
تدفعه بعيدًا فلم تستطع لكنه فوجئ بيدها تلتحم بوجهه ....
لم تكن قوية لكنها لا زالت صفعة على وجه محمد باشا البستانجي والي مصر !
قبضت على يديها بخوف وابتلعت لعابها وهربت الدماء من وجهها تماما بعد أن أدركت حجم قة الكارثة التي فعلتها بدون قصد رغم كونه يستحق !
رفع عينيه ليحدق في عينيها، تكاد ترى عروق جسده التي برزت ووجهه الذي تحول للون الأحمر، قبضته التي ابيضت ونظراته المشتعلة المتوعدة نحوها
ابتسمت ابتسامة طفل قد ارتكب جريمة لتوه فضيق عينيه أكثر وشدد على فكيه معا محاولا
تمالك أعصابه
كده تعادل، ضربتني قلم وضربتك قلم .. تيجي نلعب ضربات جزاء ؟ " همست وهي تحاول صنع نبرة مرحة وكأن الأمر مزحة !
دم شفتيه وشبك يديه أمام صدره ثم ابتسم ابتسامة صفراء، وحينها قد تنفست الصعداء. يبتسم ؟ إذا لن يفعل شيء !
أشار لها بسبابته أن تعطيه أذنها فابتلعت لعابها واقتربت منه فأمال عليها وهمس " ليلتك سوداء. "
وسرعان ما أمسك بأذنها ليقرصها من شحمة أذنها مثلما يفعلون مع الأطفال فبدأت بالصراخ " لا خلاص والله أسفة !!! "
" هيا بهدوء، ضعي قبلة وسأتركك " أمر وهو يشد أذنها أكثر فأومأت بسرعة " ماشي حاضر. " "
على عنقي " أكمل بنبرة لعوبة
اقتربت منه وهو مازال ممسكا بأذنها، ثم توعدته بداخلها وسرعان ما اقتربت بشفتيها من رقبته وعضته فترك أذنها وابتعد عنها فورا
وضع يده على عنقه بأعين جاحظة في حين عضت هي على شفتيها بندم وهي تنظر إلى قدميها متفادية النظر إليه، لكنها رفعت رأسها حينما سمعت صفعة الباب الذي دوي صوته عاليا حتى
شعرت بأنه كاد يكسره
لا تعرف ما الذي سيفعله عقابا لها على فعلتها تلك .. تقصد فعلتيها؛ فهي لم تعضه فقط بل صفعته على وجهه .. ويذكر الأمر فقد وضعت يدها على فمها تحاول عدم الضحك بصعوبة، لكنه
يستحقها، فكيف يريدها أن تعامله كزوج وهو ليس بالزوج ؟
كما أنها تعرف ما الذي جعله يقرر جلبها لتعيش معه في جناحه من جديد بعد أن تركها تنام في الحرملك الثلاثة أيام، وبالرغم من نواياه تلك وبالرغم من كونها تحبه حقا لكنها لا يمكنها أن تتنازل أكثر ولا يمكنها أن تخالف مبادئها أكثر من هذا، يريدها زوجة فليتزوجها إذا، وإذا لم يكن
يريد الزواج فليخبط رأسه في أصلب حائط.
كان هو يتناول إفطاره بهدوء في غرفة الإستقبال، لقد فضل الرحيل والابتعاد عن وجهها بعد ما فعلت لأنه كان فاقدا لأعصابه ومن المرجح كان سيكسر الجناح فوق رأسها، لكنها لن تصمد طويلا .. لقد قالت بأنها تحبه بالأمس، وهو يعرف بأنها تفعل، لكنها فقط عنيدة وغبية لا تستطيع.
فهم الامور
هو ينوي الزواج بها حقا كما تريد هي وبدون حتى أن تطلب منه ذلك، لكنه لا يستطيع مخالفة القانون، ولا يستطيع الذهاب لأمه وإخبارها بأنه يريد الزواج بجاريته التي حتى لم تحمل بعد. لأن أمه ستسأله لماذا ؟ وحينها لن يستطيع القول بأنه لم يلمسها حتى الآن ! وبالأساس لماذا سيتزوجها وهي ملك يمينه بدون أن تنجب له؟ الأمر كله يبدو غير منطقي في نظره.
انتهى من طعامه ونهض ينقض يديه حينما وجد عمر في وجهه
" استيقظت مبكرا لمرة واحدة في حياتك ! " سخر من عمر فقلب الآخر عينيه ورفع كتفيه " أنت من تستيقظ مبكرًا ! ثم أنني لم أعتاد بعد على كوني أعمل وهكذا. "
النقط محمد كوب المياه عن الطاولة وتجرع منه على مهل
نظر عمر إلى عنقه، وتحديدا إلى العلامة الحمراء المطبوعة عليه وسرعان ما ابتسم ابتسامة شيطانية ونظر له بخبث فعقد محمد حاجبيه بدون فهم وهو يضع الكوب الفارغ على الطاولة من جديد وتمتم " ماذا !! "
" تصالحتما ؟ " سأل وهما يسيران سويا متجهين إلى خارج القصر
" لا دخل لك " أجاب وهو ينظر بعيدا فوجد الآخر ينكزه وسخر " بدون أن تجيب، الأمر واضح
على عنقك ! "
توسعت عينيه ورفع يده تلقائيا ليضعها على مكان عضتها متحسنا إياها ثم نظر لعمر بوجه متجهم " هل هي واضحة ؟!! "
ارتسمت ضحكة خبيثة على وجه عمر ورفع إحدى حاجبيه وهو يسخر " واضحة ؟!! لو كنت مكانك لم أكن لأخرج من جناحي ! "
" هذه عضة حشرة " حمحم وهو يعدل من باقة ثوبه الأزرق فوجد الآخر يضحك عاليا وهو
يومئ بسخرية وبدون تصديق
" إنها عضة حشرة !! " زمجر فسخر الآخر " تسمى بعائشة ؟! "
امتعض وجه محمد وصك على فكيه وهو يتوعدها بداخله لكنه صمت وأكمل سيره بهدوء حتى وصلا إلى يوسف بيك الذي يجلس منتظرا إياهما في الاستراحة الموجودة في الحديقة
فور دخوله انحنى له يوسف ثم رفع رأسه فوقعت عينيه على العلامة الحمراء الواضحة جدا في عنقه، ابتسم وذهبت عينيه لعمر فرفع محمد يده تلقائيا ليلمسها لكنه انتبه ومثل وكأنه يحكها
تم حمحم بخشونة وتحرك ليجلس ثم أشار لهما بالجلوس
" إذا كنت أريدك لوضع حد لعمليات النهب المنظمة التي تحدث منذ الأسبوع، كيف لم تقبضوا على هؤلاء اللصوص حتى الآن !!! "
بدأوا كلامهم وانتهوا خلال نصف ساعة وبعدها استأذن يوسف بالرحيل ووجد عمر يقول " لدينا موعد آخر مع .. " لكن محمد قاطعه " الفي كل شيء، أنا متوعك. "
وسرعان ما خرج متوجها نحو القصر من جديد بعد أن قرر أنه لن يخرج إلا بعد أن تختفي تلك العلامة، ليس الأمر وكأن لا أحد يعرف بأنه لديه جواري .. لكنه أبدا لم يسمح لإحداهن بترك
علاماتها عليه، كان هو من يضع علاماته على أعناقهن
والآن هو قد حصل على علامة لكنها ليست قبلة، بل عضة !! لقد عضته تلك الشيطانة !!
وصل إلى جناحه وفتح الباب بقوة ليجد الأخرى ترفع عينيها عن الكتاب الذي في يدها إليه التلقى عليه بنظرة خاطفة بدت خائفة ثم رجعت بعينيها إلى الكتاب بسرعة وضمت قدميها إلى
صدرها على السرير
صفع الباب خلفه فأغمضت عينيها وجعدت وجهها إثر الصوت العالي المزعج.
ترجل ببرود إلى الأريكة ليلقي بجسده عليها دون أن يفتح فمه بحرف، رفع يده يتلمس لحيته بصمت وهو ينظر نحوها بأعين ضيقة، بدى وكأنه يستعرض في عقله كل الطرق المناسبة للقتل والتعذيب، في حين كان القط الجالس على السرير بجانبها يتابع كلاهما
ابتلعت لعابها حينما وجدته ينظر لها بتلك الطريقة وخبنت وجهها في الكتاب متظاهرة بإكمال القراءة
امتدت يده نحو طبق الفاكهة الموضوع أمامه على الطاولة والنقط تفاحة ثم رفعها إلى فمه ببطء ومازال لم يبعد نظراته المتوعدة نحوها
قضم من التفاحة بغيظ وقربت هي الكتاب من وجهها أكثر رغم كونها كانت تختلس النظر إليه وهذا زاد من خوفها
وقعت عينيها على العلامة الحمراء شبه المتورمة في عنقه فابتلعت لعابها من جديد ثم تقابلت عينيها بعينيه الدقيقة
" بتوجعك ؟ " .. " لماذا قد تفعلين هذا !! "
قالا في نفس الوقت ثم سبقها وسخر بالإجابة " وكأنك تهتمين !! "
" أنا عضيتك عشان أنت قليل الأدب " قالت فزمجر " ما الذي فعلته خاطنا ؟!! "
" أنت عارف أنت عايز إيه كويس مش محتاجة أوضحلك ... " وضعت الكتاب بجانبها ونظرت له بتحدي فوجدت ملامح وجهه تذبهل لبعض الثواني
" وما الخاطئ فيما أريد ؟ أنا لم أطلب شيئا محرم، أنت ملك يميني كما هؤلاء التسع وعشرون
جارية ملك يميني ! أنا لم ألمس أي إمرأة لا تحل لي. "
" أه بس أنا بقى مش جارية من ضمن جواريك! "
نفخ الهواء من فمه بضيق وشعر بأن تلك الطريقة لن تنفع، نظر نحوها ليجدها مصممة على ما تقول فأخذ شهيقا عميقا ونهض ببطء نحوها وهو يحاول رسم ابتسامة على وجهه وسرعان ما جلس بجانبها ومد يده ليمسك بيدها
توترت قليلا وابتلعت لعابها عندما وجدته يتزحزح بجسده منها ثم أمال عليها ليطبع قبلة على ل وجنتها وهمس أثناء تثبيت زرقاوتيه على عينيها " أنت حبيبتي. "
زادت وتيرة تنفسها فهمس وهو يضع قبلة أخرى " تعرفين أنا لا أعتبرك مجرد جارية، أنا أحبك .... وأرغب بالزواج بك والحصول على أطفال يشبهونك. "
توقفت الكلمات في حلقها لكنها استجمعت شجاعتها وصممت على موقفها " ماشي بس الزواج الأول. "
كان سيفقد أعصابه من جديد لكنه حاول السيطرة على نفسه وكرر ما قد قاله كثيرا " لماذا سأتزوجك الآن وأنت جاريتي !! "
" مش أنت بتحبني يا بودي ؟ " همست له فأوماً ليجدها تكمل " خلاص أثبت بقى إنك بتحبني !
وجدت ملامحه تشتعل غضبا وصرخ فجأة في وجهها بعد أن فشل في السيطرة على نفسه " أظن أن كون رأسك مازالت متصلة بعنقك حتى الآن بعد أن هربت مني المرتين هو أفضل إثبات veili
فوجئ بها تصرخ في وجهه هي الأخرى وهي تضع يدها في خصرها " والله بقى أنا مش عايزة حاجة منك أنت اللي عايز .. وأنا مش هعمل حاجة حرام عشان خاطر زرقان عيونك ! "
" أنا لم أكن لألمسك لو كان حرام !!! ما الذي لا تفهمينه من هذا يا غبية يا حمقاء ! " صرخ عليها من جديد فأشاحت بوجهها بعيدا وصممت " بص، أنا ده قراري النهائي. "
" حسنا، أنا سأثبت لك أن ما أقوله صحيح، " وسرعان ما خرج وصفع الباب خلفه للمرة التي لا تعلم كم اليوم.
ولم يستغرقه سوى نصف ساعة حتى وجدته يفتح الباب ويدخل من جديد
" لقد جلبت لك المفتي الأكبر، وهو سيثبت لك أن ما أقول صحيح ! " قال ثم تنحى عن الباب لتجد شيخا كبيرا يترجل يتربت إلى الداخل، لحيته بيضاء وطويلة ويرتدي ملابس أنيقة ويتكئ على عصاه الخشبية السوداء
" يا بنيتي، أنت جاريته ! ويحق له ما للزوج من زوجته !! فأنت من ملك اليمين ! " قال الشيخ وكأنه قد جاء فقط لقول تلك الجملة بناءا على تعليمات من محمد
وضعت يديها على جبهتها بضيق وقالت بيأس " يا شيخنا أنا مش جارية | والله مش جارية ! "
" ألم يشتريك بنقوده ؟ " سألها الشيخ فأجابت
" ماشي بس أنا حرة بس فيه واحد خطفني وكان بيهددني بالقتل وأجبرني إنه يبيعني !! يا ناااس أنا مش جارية والله ما جارية ! "
نظر لها الشيخ ثم عاد بنظره لمحمد فأعطاه نظرة مهددة جعلت الشيخ يبتلع لعابه بعد أن جف حلقه وعاد براسه نحوها " مادام قد اشتراك بأمواله فأنت ملكه ! "
نظرت له بغيظ وصرخت في وجهه " ربنا خلقنا أحران تستعيدونا أنتم ليه ؟ تعالى كده يا شيخنا على واحد يخطفك ويبيعك كعيد، هتقبل ؟ "
أخفض الشيخ رأسه ولم يجيب فنظرت لمحمد وسخرت " محمد خد شيخك ده واتكل على الله أنا عندي القولون ومش ناقصة. "
" احملي بطفلي وسأتزوجك ! أقسم بأنني سأفعل ! " قال محمد من جديد وهو ينظر لها ثم رجع برأسه إلى الشيخ " هذا هو القانون يا شيخنا صحيح ؟ "
أومأ له فنفت برأسها " لا حبيبي، الجواز الأول وبعدين الطفل ! "
" يابنتي أنت جار.. " كان الشيخ سيتكلم لكنها صرخت في وجهه " متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرازا !! "
توقف الكلام في حلقه فنظرت نحو محمد لتصرخ " متى !! "
لكنه أجاب صارخا هو الآخر " لا أعلم متى ! لقد ولدث ووجدت النظام هكذا لماذا تصرخين في وجهي
نظام متخلف، ولازم يتغير، اتقوا الله اتقي الله يا شيخ ... اتقي الله يا جناب الوالي .. بقى ده اللي ربنا أمر بيه ؟ ربنا هيشرع إن أي حد يروح يخطف أي حد مادام عنده القدرة لذلك ويبيعه وبكده الإنسان بقى عبد ؟ ده عدل ؟ "
حلقه وعاد برأسه نحوها " مادام قد اشتراك بأمواله فأنت ملكه ! "
نظرت له بغيظ وصرخت في وجهه " ربنا خلقنا أحرار، تستعبدونا أنتم ليه ؟ تعالى كده يا شيخنا
خلى واحد يخطفك ويبيعك كعيد، هتقبل ؟ "
أخفض الشيخ رأسه ولم يجيب فنظرت لمحمد وسخرت " محمد خد شيخك ده واتكل على الله أنا عندي القولون ومش ناقصة. "
" احملي بطفلي وسأتزوجك ! أقسم بأنني سأفعل ! " قال محمد من جديد وهو ينظر لها ثم رجع برأسه إلى الشيخ " هذا هو القانون يا شيخنا صحيح ؟ "
أو ما له قنفت برأسها " لا حبيبي، الجواز الأول وبعدين الطفل ! "
" يابنتي أنت جار.. " كان الشيخ سيتكلم لكنها صرخت في وجهه " متى استعبدتم الناس وقد
ولدتهم أمهاتهم أحرارًا !! "
توقف الكلام في حلقه فنظرت نحو محمد لتصرخ " متى !! "
لكنه أجاب صارخا هو الآخر " لا أعلم متى ا لقد ولدت ووجدت النظام هكذا لماذا تصرخين في وجهي ! "
" نظام متخلف، ولازم يتغير اتقوا الله اتقي الله يا شيخ ... اتقي الله يا جناب الوالي .. يقي ده اللي ربنا أمر بيه ؟ ربنا هيشرع إن أي حد يروح يخطف أي حد مادام عنده القدرة لذلك ويبيعه وبكده الإنسان بقى عبد ؟ ده عدل ؟ "
أشار محمد بيده إلى الشيخ ليخرج وعندما رحل أمسك بذراعها وضغط عليه ونطق من تحت اسنانه مهددا
" أنا سأسافر غذا إلى القسطنطينية، سأعود بعد إسبوع، يستحسن عندما أرى وجهك من جديد تكونين قد تخليت عن أفكارك تلك لأنها لا تناسبني، ومخالفة القواعد سيحدث على جثتي، ولو عدت ووجدتك بنفس المعتقدات فلن أكون أسفا على ما سأفعل ... أنا رجل ولى إحتياجات وأظنك ذكية كفاية لتفهمي ما أعني، ولقد صبرت عليك كثيرا لأنني أحبك لكن لقد طفح كيلي ولا
استطيع التحمل أكثر، ضعيها في عقلك جيدا، ما سيحدث حقا لن يروقك.".
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل السابع والثلاثون
كان الخدم قد جهزوا حقيبته وأشياءه وكل شيء وتبقى أن يبدل هو ملابسه الملابس مريحة للسفر في حين كانت عائشة متقوقعة على نفسها تداعب فراء القط بجانبها بصمت
منذ الأمس وهي لم تكلمه، وكانت تريد النوم على الأريكة لكن صرخة منه جعلتها ترتعب وتتقدم من السرير وتنام بجانيه بدون مجادلة.
" انهضي واخرجي لي ثوبا " قال من بعيد محاولا جر قدميها لحديث أو حتى جدال رغم كونه يحب انتقاء ملابسه بنفسه
رفعت عينيها عن القط له بملامح باردة ونهضت بهدوء لتخرج له توبا ووضعته على علاقة الملابس ثم تحركت لتجلس على الأريكة بجانب القط من جديد
التقط ملابسه وتحرك نحو المرحاض بضيق لأنها لم تكلمه ثم عاد وهو يقفل أزرار ثوبه أمام المرأة وبدأ يمشط شعره وعينيه عليها من المرأة لكنها لم ترفع رأسها له ...
انتهى واستدار ثم طالعها من أعلى إلى أسفل وتمتم " عائشة. " فرفعت عينيها إليه بصمت ليكمل " تعالي. "
نهضت بتردد نحوه حتى وقفت أمامه بخوف هل سيصرخ عليها ويهددها من جديد ؟
فوجئت به يكوب وجهها بين يديه وهمس " لا تغضبي مني. "
توترت بشدة ونظرت إلى عينيه بصمت فابتسم ابتسامته الأسرة تلك وأكمل بنبرة هادئة تظهر فيها بحة صوته " لم أقصد تهديدك، أنا فقط عصبي وأظنك تعرفين هذا. "
أومأت دون أن تتبدل ملامحها
" فقدت عقلي لأنني أحبك، وأريدنا مقا بكل شكل من الأشكال، لكنك تصرين على شيء ليس بالصحيح لأنك من ملك يميني وملك اليمين مثل الزوجات والله قد أحل هذا وسمعت الشيخ بنفسك كما أننا لن نبقى على هذا الوضع الزواج أب .. ومع ذلك أنا سأعطيك وقتك بالتفكير في هذا الإسبوع، ولك حرية الإختيار بالنهاية. "
وضع قبلة على وجنتها وفوجئت به يسحبها نحو عناق وهو يهمس في أذنها " سأشتاق لك، لا أعلم كيف سيمر ذلك الإسبوع على ... أشعر بأنه سيكون سنة وليس إسبوعا. "
ابتسمت رغما عنها وبادلته العناق أيضا فابتسم أخيرًا وابتعد عنها ليمسك بكف يدها ثم وضعه على صدره وهمس لها " فقط تحسسي كيف ينبض قلبي بقربك وستعلمين حينها لماذا أفقد أعصابي سريعا. "
توردت وجنتيها وشعرت بالخجل كثيرا وهذا جعلها تخفض رأسها متفادية النظر إليه لكنه أمسك بدقتها ورفع وجهها لينظر إلى عينيها من جديد وابتسم ابتسامة جانبية جعلت غمازة منفردة تظهر على وجنته وهمس " أحبك. "
رأى وجهها يتحول للون الأحمر أكثر ورفعت يدها تخبى ثغرها المبتسم فقهقه بخفوت ووضع قبلة على وجنتها وابتعد يعدل من ثيابه
" أظنني يجب أن أرحل الآن، ستعودين للحرملك لحتى أعود .. أرجوك عائشة لا تتسببي في مشاكل مع الفتيات هناك. "
أومات فقهقه ومازحها " تكونين مؤدبة عندما تخجلين، جيد .. سأخجلك كثيرا من الآن فصاعدا.
..
ضحكت فشعر بالراحة وفتح يديه من جديد ليهمس بحماس " عناق أخير ؟ "
اقتربت منه لتعانقه وأثناء ذلك وجدته يسخر " العناق خلال لكن ما عدا ذلك حرام، حسنا .. "
لكنه فوجئ بها تدفعه في كتفه وابتعدت " طب خلاص ما فيش أحضان كمان ! " لكنه سحبها من جديد وهو يضحك " أمزح. "
ابتعد أخيرا ونظر لها بابتسامة واسعة تم غمز لها " لو وجدت هناك كتبا جديدة سأجلبها لك.
قولي ما المجال الذي تريدينه ؟ قانون أم روايات أم علوم شرعية ؟ "
لمعت عينيها بفرح ثم نفت برأسها " ممكن كتب في الطب ؟ "
حك ذقته قليلا وعقد حاجبيه " لماذا الطب ؟ "
" كان نفسي أبقى طبيبة في الزمن اللي أنا جيت منه بس حصل حاجات منعتني " أكملت ولاحظ عينيها تتلالاً فجأة فاقترب ومسح على عينيها
" حسنا، وعد سأجلب لك أغلى كتب الطب .. ولو تريدين يمكنني جلب لك طبيبا ليعلمك .. أنا كنت بالفعل أفكر في البحث عن طبيبة لكي لا تتكشف النساء في قصري على الرجال، لو ذاكرت وكنت جيدة سأحدد لك مرتب شهري حتى. "
كانت لا تصدق ما تسمعه منه حقا، ولم تتوقع أنه سيوافق من الأساس، فهذا عكس شخصية محمد الذي يفضل أن تقف النساء بالساعات أمام المرأة بدلا عن مطالعة الكتب
" بجد ؟ " استفهمت لتحاول التأكد فأوماً بجدية وابتسم
" نعم، أظنني سأفضل لو كانت زوجتي طبيبة، أعني .. أنا حاكم لذا سيكون من الأفضل أن تكون زوجتي مثقفة كثيرا ولها مكانة عالية في المجتمع ... وأنت بالفعل مثقفة وأنا متأكد بأنك ستكونين أفضل طبيبة في مصر لأن لديك معلومات هائلة لا يعلمها أحدا هنا، سأكون فخورا بك.
"22
" أنت عارف، في العادي الرجال ما بيفكروش كده يعني ما بيحبوش زوجاتهم يكونوا ناجحين ! " قالت فأوماً
" أعرف، لكن ذلك النوع من الرجال ليسوا واتقون في مكانتهم ولا رجولتهم، أما أنا فلست ذو مكانة قليلة الأخاف من أن تكون زوجتي عالية الشأن بل بالعكس، أريد أن أفخر بها، وأريدها أن تكون مثقفة لتربي أبنائي بصورة جيدة ولتكون لي عونا إذا احتجت للنصيحة، أنا ملك وأريد ملكة .. لهذا لم أنجب من أية جارية لكي لا أضطر للزواج بها. "
" هو لو كنت أنجبت من جارية من غير قصد كنت هتتجوزها ؟ " سألت فصمت قليلا ثم أوما " نعم كنت لا فعل؛ لأن هذا هو القانون. "
عقدت حاجبيها ونظرت له بدون تصديق، ما مشكلة هذا الرجل مع القوانين حقا ؟ لماذا يحب . الإلتزام بها لهذا الحد ؟ الحد الذي يفعل فيه شيئا عكس رغبته فقط لأنه القانون والعادات والتقاليد .. حتى ولو لم تكن صحيحة ! لماذا يخاف الخروج عن المألوف ويحب البقاء في المنطقة الأمنة باتباع كل ما هو متبع ! .. هي لم تتخيل يوما أن تحب رجلا لديه تلك المشكلة. لكنها تؤمن بأن الشركاء يكملون بعضهم وليس بالضرورة يشبهون بعضهم .. فهي أيضا طائشة و متهورة عكس محمد الذي يحب تحمل المسئولية، وربما لهذا السبب ستكون علاقتهما ناجحة ...
سيصلحان بعضهما يوما.
استفاقت من تفكيرها على محمد قد وضع القبعة على رأسه واقترب ليطبع قبلة على وجنتها ثم
نظر لعينيها وابتسم " ألقاك بعد أسبوع. "
فأومات له وتمتمت " خلي بالك من نفسك. ".
بعد رحيله كانت قد انتقلت للحرملك من جديد وفور دخولها قادتها دولت السرير آخر في ركن البعيد منعزل من زاوية الجناح الواسع جدا والذي يضم أكثر من ثلاثون سرير
" بدلنا سريرك " قالت دولت ولم تخبرها بأن محمد باشا هو من أمر بهذا لكن الأخرى أومات و تحركت بصمت وهي تحاول تجنب النظرات الحاقدة الكارهة نحوها، لا تعرف كيف ستبقى بينهن الإسبوع ؟ هي خائفة منذ الان ... نظراتهن نحوها بديت وكأنهن سيقمن بطعنها بسكين في قلبها أثناء نومها
" ما قد وصلت الساحرة، " سمعت صوتها من بعيد، ومن غيرها ؟ قائدة الجواري هنا !!
نظرت لها عائشة بهدوء وتذكرت كلام محمد بألا تفتعل مشكلة وهدأت نفسها ثم قررت تجاهل كريستين تلك تماما حتى ينتهي ذلك الإسبوع على خير رغم كون تفادي الجدالات بالنسبة لها صعبا جدا.
وضعت القط على السرير مع حقيبتها الصغيرة ثم تمددت بهدوء بعد أن قررت النوم لأن الوقت بالفعل قد تأخر.
استيقظت في اليوم التالي على نكزة من إحدى الخادمات التي وضعت لها الإفطار في صينية بمفردها عكس باقيتهن اللاتي كن يأكلن سويا
" استيقظت الشمطاء " صبحت عليها كريستين وضحك باقي الفتيات فابتسمت لها عائشة. وأردفت " طب كويس إنك صحبتي، أنا افتكرتك لسه نايمة ! "
ظهرت ضحكات مكتومة عندما اشتعل وجه كريستين التي حاولت الحفاظ على ماء وجهها وسخرت " الشمطاء هي الساحرة التي تستحوذ على الرجال بالسحر والشعوذة. "
قلبت عائشة عينيها ثم وضعت لقمة في فمها وسخرت هي الأخرى باستفزاز " وليه ما تقوليش انكم انتم اللي أغبياء ؟! "
" يا إلهي حقا ؟! " نهضت لها كريستين فنظرت لها عائشة بقرف وقالت وهي تقلد طريقتها بسخرية " تخيلي حقا ! "
" حسنا ما دمنا أغبياء اشرحي لنا يا ذكية ؟ دعينا نعرف ما الذي حدث ؟ لو كنت جميلة لقلت وقع في سحر عيناك ! لكن لا .. وجهك عادي بشرة حنطية وأعين سوداء وشعر بني مموج وقوام متوسط .. لا شيء يميزك عنا سوى أنك ساحرة وبالطبع قد وقع في شباكك مرغقا !! "
ابتسمت لها عائشة ونفضت يديها من دقيق الخبز ونهضت لتقف أمامها
" إنتي عارفة انا ليه هشر حلك يا كريستين ؟ لأن بعد الشرح هتعرفي إن كان ليكي فرصة مع محمد بس هي ضاعت من زمان ومحمد دلوقتي ملكي أنا لوحدي. "
عقدت كريستين يديها أمام صدرها وهي تشعر بالغيظ والغضب يكاد يفتك بها حتى أنها شعرت بحرارة في عقلها وكأنه على وشك أن ينفجر
" تبدأ من الأول خالص، إزاي النساء والرجال بيقعوا في الحب، عمرك فكرتي فيها ؟ "
صكت كريستين على فكيها ونظرت لها يحقد ولم تتكلم
" تعالي تفترض إن فيه مادة بتتفرز في جسم الإنسان اسمها هرمون، والهرمون ده مسئول إن الإنسان يشعر بشعور معين، لحد كده فاهماني ؟ "
ضيقت كريستين عينيها وابتسمت باستهزاء وهي تومئ بسخرية فأكملت عائشة
" تعالي تفترض إن فيه هرمون مسئول عن شعور الإنسان بالسعادة، لما بيتم إفرازه في الجسم الإنسان تلقائي بيحس إنه مبسوط وسعيد الهرمون ده اسمه الدوبامين "
" الرجل والمرأة بيتفرز في جسمهم الدوبامين لما بيقعوا في الحب، بس فيه حاجة غريبة الرجال والنساء بيقعوا في الحب بطرق مختلفة تماما !! "
كانت كريستين منتبهة جذا ورغم وجود صعوبة كبيرة في فهم ما يقال لها لكنها ركزت بشدة ليس لكي تفهم وتستوعب، بل لكي تجهز الرد الذي سيفحم تلك المجنونة
" تعالي تفترض أن فيه هرمون كمان اسمه أوكسيتوسين .. بس الهرمون ده بقى مسئول عن الشعور بالترابط والثقة .. والهرمون ده كمان مسئول عن الشعور بالحب .. والهرمون ده بيتفرز ببطء، لأن العلاقة المفروض تتحرك خطوة خطوة والترابط والثقة بينمو ببطء .. بس فيه مشكلة كبيرة جدا ! "
" هرمون الأوكسيتوسين ده بيتفرز بصورة كبيرة جدا عند النساء وبيقفز عاليا مرة واحدة في حالة التواصل الجنسي .. وده التفسير العلمي لإنك والجواري التانيين وقعتوا في حب محمد بسرعة جدا ... ببساطة لأنكم كنتم مستسلمين له بسهولة، والهرمون اللي المفروض يتفرز ببطء تم إفرازه بسرعة وبكمية كبيرة في كل مرة حصل بينكم تواصل جنسي. "
ابتلعت كريستين لعابها وشعرت بضربات قلبها ترتفع، كانت تشعر بأن عائشة تهاجمها في حين كانت الأخرى تحاول تبسيط كلامها بأقصى ما تستطيع لجعل كريستين تفهم
" كده خلصنا إزاي النساء بيقعوا في الحب نيجي بقى للرجال ودي النقطة المهمة والمعقدة أكثر ... بجانب هرمون الدوبامين الرجال عندهم هرمون اسمه الفازو برسین و ده هرمون مسئول عن إدرار البول كوظيفة أساسية لكن لقوا فيه علاقة بينه وبين انجذاب الرجل للأنثى لأنه مشابه في تركيبته للأوكسيتوسين، لكن فيه مشكلة كبيرة جدا .... الهرمون ده بينخفض جدا في حالة التواصل الجنسي !! "
" لكن .. ذلك سيجعل جميع الرجال يشعرون بالنفور من الأنتى بعد أي تواصل جنسي سيحدث !! وبالتأكيدة في مرحلة ما من العلاقة سيكون من اللازم حدوث هذا التواصل !! "
فاجأتها كريستين بسؤال يدل على أنها ورغم قدامة عقلها فإنها قد فهمت ولو جزء بسيط مما تحاول عائشة شرحه
" صح، إنتي صح .. وهنا لقوا إن فيه هرمون كمان عند الذكور الهرمون ده اسمه التستستيرون والهرمون ده بينخفض لما بيكون الرجل ملتزم في علاقة عاطفية .. مش ده المهم، المهم إن التستستيرون ده في علاقة عكسية مع هرمون الأوكسيتوسين اللي مسئول عن الترابط والثقة .. وكل ما التستستيرون بيقل الأوكسيتوسين بيعلى .. "
" ومن هنا الرجل حبه بيزيد كل ما يكون ملتزم أكثر في العلاقة العاطفية اللي هو داخلها. وعشان كده الرجل لما بيبقى ملتزم في علاقة بيبقى متحكم أكثر في نوبات غضبه وميوله العدوانية وبيبقى عنده ميول للكرم والإيثار خصوصا للبنت اللي بيحبها، لأن التستستيرون اللي مسئول عن التصرفات العدوانية القاسية بيقل تزامنا مع ارتفاع هرمون الأوكسيتوسين المسئول
عن الترابط والحب. "
" والكلام ده معناه إن الرجل لو ماحسش إنه ملتزم تجاهك بأي شيء حتى لو كان الإلتزام بشيء بسيط فببساطة احتمالية إنه يحبك منخفضة جدا .. "
" ومما سبق نستنتج ليه محمد ما حبش ولا واحدة فيكم مع إنكم كلكم حبيتوه، وليه حبني مع إني ما قدمتلهوش الشيء اللي كلكم قدمتوه مش لأني ساحرة ومشعوذة ولعبت بعقله ! "
" ولذلك المفروض البنت ما تقدمش أي تنازل وما تبقاش سهلة لأن كل ما هتكوني سهلة هتكون احتمالية شعور الرجل بالإلتزام ناحيتك قليلة .. ولو الرجل ماحسش بالإلتزام فببساطة شديدة جدا مش هيحبك. "
بعد أن أنهت جملتها استدارت لتجد باقي الجواري يحدقون بها بفك ساقط وأعين جاحظة ولم تنتبه إحداهما لكون عائشة صرحت بشكل غير مباشر لأنها لم تدع محمد ينال منها لأنهن كن في دوامة بالفعل
" أتعلمين، تركتك تتكلمين لأنني كنت أشك بشيء والان قد تأكدت منه، أنت فاقدة لعقلك وكل شيء تقولينه حقيقة يبدو دريا من دروب الجنون، كما أنك تبدين كالمشعوذة ويبدو لي أن هذه الطريقة التي استحوذت بها على محمد باشا أيتها الشمطاء. "
جانها صوت كريستين من خلف ظهرها فلم تستدر لها ونظرت إلى باقي الجواري وأكملت " فككم منها، ولا كأنكم سمعتوا حاجة دي غبية. "
" في الحقيقة، نحن نظنك أنت الغبية " سخرت إحدى الجواري وتبعها البعض ضاحكا لكن البعض الآخر لم يضحك لأنهن كن مازلن يحاولن استيعاب كلام عائشة
" كنت عارفة بس مش مهم خليكم كده متخلفين، وسيبيني أطفح يا كريستين وياريت تسيبيني في حالي " قالت ثم تحركت لتجلس على السرير لتكمل طعامها بصمت وصمات الأخرى عندما وجدت دولت قد دخلت ونظرت للجميع بأعين مهددة.
في اليوم التالي كان محمد قد وصل إلى القسطنطينية لتوه ولقد نزل كضيف هو وعمر ووليد الذي سافر معهما في قصر قاسم باشا، وصلا ليلا وذهب كل منهم إلى غرفة ليناموا في استعداد المقابلة السلطان غذا.
لكن عمر تسلل ليلا من غرفته ليطرق على غرفة محمد وعندما فتح له الآخر قلب عينيه وتذمر " ماذا !! "
" لا أريد حضور الاجتماع غذا، كما أن الأمر لن يشكل فارقًا لكن أبي يجبرني، وأنا أود التسكع ذلك اليوم ! "
أخذ محمد شهيقا عميقا وأخرجه بضيق ثم رفع سبابته في وجه عمر " لكن بشرط، تسكعك هذا سيكون بشراء بعض الأشياء لنكسب المزيد من الوقت ولننهي كل شيء ونعود بسرعة. "
" ما دمت لن أحضر الاجتماع ولن أنصاع لخورشيد باشا فبكل سرور ! " قال بملامح متهللة وكان أسره قد فك للتو لكنه وجد محمد يغلق الباب في وجهه ويعود للنوم.
في السادسة صباحا من اليوم التالي كان محمد قد تجهز وخرج ليجد قاسم باشا والذي كان رجلا في الثلاثينات من عمره كث اللحية وعريض الشارب وذو بنية قصيرة قليلا مع الكثير من الدهون ... وبجانبه وليد، الذي بدى مشابها كثيرا لعمر بعينيه العسلية وبنيته النحيفة عدا أن وليد لديه شعرا قصيرا جدا عكس ذلك الذي يحب تطويل شعره وعدا أنه كان يمتلك شارب فقط
وحليق اللحية
" أين عمر ؟ " سأل وليد بصوت خشن وهم ويتحركون فأجابه محمد دون النظر إليه " عمر يقوم بمهمة كلفته بها، إنه يعمل معي الآن وأنا قد أعفيته من حضور الجلسة. "
" وهل عرف أبي بشأن هذا ؟ لا أظنه سيوافق " توقف وليد أمام وجهه فعقد محمد حاجبيه وسخر " ربما يجب عليك أن تهتم بشئونك وتترك أخيك الكبير يفعل ما يشاء. "
" أنت أم هو ؟ " عقد حاجبيه فسخر محمد من جديد " وهل تعتبرني أنها كبيرا لك من الأساس "Is
" آه فهمت ما زلت غاضبا مني | " ابتسم وليد وتحرك بجانبه من جديد فلم يجيبه محمد لكن ال هذا دفعه للهمس " ولن تحدثني عن جاريتك ؟ "
دم محمد شفتيه لعلمه عن من يتحدث، بالطبع عمر أخبره ... هذا الثرثار الذي لا يبقي كلمة في فمه !
" المعلوماتك، فتاة بتلك المواصفات ستكون خطرة جدا، فكما سمعت هي ذكية ومجادلة، هذا النوع أخطر هن، ولو كنت مكانك لم أكن لأبقيها في حريمي كيف تبقيها ! "
" خطرة من أية ناحية ؟ " سأل دون أن يستدير برأسه فأجابه الآخر " ستحرض باقي الإناث ! إنها خطرة من كل النواحي !! لقد خفت منها دون أن أراها. "
ارتسمت ضحكة خافتة على وجه محمد ثم قال " لقد فعلت لكنهن لم يستمعن إليها ولا أظنهن
سيستمعن يوما، فالأسوا من الجهل هو إقناع الجاهل بأنه جاهل. "
وحينها توسعت أعين وليد الذي شعر بالصدمة تصيبه وزمجر بخشونة " وتركتها !!! لو كنت مكانك أقسم لقطعت رأسها بعد أن ضربتها في وسط الحرملك وجعلتها عبرة لمن لا يعتبر !! "
نظر له محمد بطرف عينيه وسخر " لا أضرب النساء، ولا أتزوج بالقاصرات. "
فهم وليد أنه يعنيه بكلامه فأثر الصمت لأنه لا يريد مشاجرة أخرى بينهما تنتهي بضرب أحدهما للآخر أو بمعنى أصح ... ضرب محمد له؛ فهو لن يفسخ خطبته بالفتاة التي اختارتها له أمه والتي تكون بنت مسعود باشا سالم فقط لأن محمد وعمر يعتقدانها طفلة.
كانوا قد وصلوا إلى قصر السلطان منذ الأربعة ساعات تناقشوا خلالها عن مشكلة الإنكشارية الذين يريدون فرض سيطرتهم على السلطة في وجوده ويدبرون الإنقلاب وطلب منهم جعل الجيوش في كل ولاية على أهبة الاستعداد لأنهم لو نجحوا في مخططهم فسيحتاج الدعم للسيطرة على الوضع .. بدى الأمر خطيرا وجدنا لكنهم انتهوا من ترتيب كل شيء وكانوا سيرحلوا جميعا لكن السلطان أوقف محمد بقوله
" انتظر أنت محمد، أريدك. "
أوما محمد معتقدا بأنه يريد التحدث باستفاضة عن الأمر نظرا لكون مصر من أهم الأماكن الإستراتيجية والعسكرية في الإمبراطورية العثمانية، وراقب الجميع يخرجون حتى تبقى هو واقفا أمام السلطان الذي كان جالسا بهدوء على كرسيه الذهبي المرصع بالجواهر، ويعتلي رأسه تلك القبعة الكبيرة التي تنتمي إليه فقط، ورغم كبر سنه الذي وصل للخمس وسبعون فهو لم يكن على قدر من القوة والهيبة وبالرغم من ذلك أيضا فهو كان يمتلك السلطة لفعل أي شيء پریده
" سمعت بأن لديك جارية غريبة قليلا، وهي تتفوه بكلام غريب وذكية كثيرا وتمتلك لكنة مختلفة أهذا صحيح ؟ "
أصفر وجه محمد فوزا لكنه حافظ على ثباته الانفعالي وحاول السيطرة على ضربات قلبه المتوترة من خلال تنظيم أنفاسه ثم أجاب بلهجة رسمية
" لو تقصد آخر جارية فهي ليست بالغريبة مولاي السلطان، إنها فقط قادمة من البلقان، أبيها كان تاجر وقد قتل وخطفت هي ثم تم بيعها كجارية، كعموم الجواري. "
" سمعت أنها رائعة، وفطنة. " أكمل السلطان فابتلع محمد لعابه ليجيب
" ليست بالفاتنة، وجهها كوجه خادمة في الحرملك الخاص بك، كما أنها لا تعرف شيئا عن قواعد التعامل مع الرجال، غبية وتفهم بصعوبة، جالية للمشاكل ولا يمر يوم إلا وهي قد افتعلت مشكلة لكن ما يميزها هو كلامها المعسول المتحاذق الذي تضحك به على جميع من يحادثونها، ولقد كنت على وشك قطع رقبتها للعديد من المرات لأنها تجاوزت حدودها وحدود الأدب، لكن ما منعني عن هذا هو ... حملها بطفلي. "
كانت ملامح السلطان ثابتة لا تتغير ولم يبدي أي ردة فعل غير أنه سأل " ومتى موعد الولادة ؟
" بعد سبعة أو ثمانية أشهر، إنها في الشهور الأولى مولاي، لو كان ولذا سأشرفه بتسميته على اسم جلالتك رغم كونه لن يصل إلى مثقال ذرة من عظمة سموك "
" إذا، هل اتخذت قرارك وحذوت حذو السلاطين وستكتفي فقط بالحرملك وبها كزوجة ؟ "
" سأتزوجها مضطرا نعم، غير أنني لم أكن لأحب أن أنجب من تلك الجارية تحديدا .. كنت الأختار أجمل وأفضل منها، لكن هذا قضاء الله ولا رد له، ولعله خيرا. "
" صحيح، مبارك لك مقدما يا محمد وعند الولادة ستستقبل مني هدية مكافئة لك على ولاتك. "
" نفديك بروحنا مولاي " أحتى رأسه فأكمل السلطان " يمكنك الانصراف الآن. "
مما جعله يومئ وينحني ثم يستقيم ويتخذ طريقه نحو الخارج وفور خروجه تجهم وجهه بشدة، هناك خائن في قصره، هذا إذا كان فقط واحد .. ربما أكثر، وهو يقسم أنه سيقطع رقبة
الواشي، أيا كان من هو،
هذا العجوز الحرف الذي لا يهتم سوى بشهواته حتى ولو كان على مشارف الموت، بالتأكيد سأله على عائشة ليجبره على منحها له كهدية، وهذا دفعه لتسويء صورة عائشة أمامه، رغم كونها جالبة للمشاكل فعلا، لكن ذلك لم يكن عذرًا لعدم منحها له كهدية .. وحتى كونها ليست بعذراء لم
يكن ليعتبر عذرا لو صمم السلطان على أخذها العذر الوحيد كان كونها حامل
لكنه في موقف سيء الآن بشدة، لو لم تنجب عائشة فسيعرف السلطان بكذبه عليه، وهو أبدا لن يتهاون في الكذب | كما أن الواشي الذي لا يعرفه حتى الآن سينقل كل أخبار القصر إلى السلطان .. اللعنة، هو في موقف سيء كثيرا.
كان الغضب يشتعل بداخله أكثر ليفتك به وود لو يذهب إلى حجرته ليكسر ما فيها إلى قطع صغيرة ولا يبقى شيئا سليقا بها لكنه تراجع عن تلك الفكرة المجنونة، فهو ليس في قصره
ليتصرف تلك التصرفات الهوجاء ...
وجد بعض حراسه يسيرون خلفه فور خروجه من القصر لكنه أوقفهم " لا تتبعوني. " وسرعان ما هرول نحو الغابة ليبدأ بضرب فروع الأشجار حتى أدمى يديه وحينها سقط أرضا يلتقط
أنفاسه وهو يشعر بالهدوء أخيرا ...
نظر ليديه وقلب عينيه ثم قطع جزءا من توبه ولفه على مكان الجرح، لو سأله أحدهم سيقول أن حيوانا ما هاجمه
لا يعلم حتى لماذا كل هذا الغضب، فهو تصرف بذكاء وهي مازالت ملكه، لكن فقط فكرة فقدانها الصالح رجلا آخر جعلت دمائه تغلي حتى أحرقت عروقه، خاصة إذا كان هذا الرجل عجوز خرف لا يقدر على مواجهته كونه السلطان ويستطيع عزله وقطع رقبته واغتصاب حبيبته بإشارة واحدة من يده .. مجرد تخيل رجلا آخر يلمسها أصابه بألم سيء في صدره، وكان روحه تتمزق إلى أشلاء
لكن هي بأمان الآن، هي في قصره ولن يمسها سوء، ستكون له فقط وهو سيعتني بها، وسيكون معها أسرة .. بشأن الأسرة، هو يجب عليه جعلها حامل وإلا سيتم قطع عنقه لكونه كذب على السلطان، الأمر لم يصبح خيارًا لعائشة الآن، فإما هذا وإما موته وإما منحها للسلطان كهدية.
وصل مساء ليجد قاسم باشا وكما العادة يقيم ليلة أنس كما يسميها ، والتي تتضمن الكثير من الجواري والطعام والشراب !
فور دخوله سحبه قاسم باشا من يديه ليجلسه بجانبه وبجانب وليد وعمر اللذان يتجرعان من الشراب بأريحية لكن علامات الثمالة لم تكن ظاهرة عليهما بعكس قاسم الذي بدى غارقا في
شكره لكن محمد نهض متوجها لغرفته وهو يصيح " سأنام. "
فجاءه صباح قاسم " ستسافر غذا ! فلتستمتع قبل الرحيل ! "
ليصيح الآخر بدوره وهو يتوجه نحو الدرج " تعرف، لا أشرب .. أما بشأن الجواري فلا أريد. "
ثم سمع قهقهات قاسم ووليد الذي سخر " دعك منه، لقد أصبح مملا. " لكنه تجاهل الأمر تماما.
في اليوم التالي استيقظت عائشة يفزع على دلو من المياه يسكب فوق رأسها لكنها فتحت عينيها لتجد الدلو فارغ بجانب سريرها ولم تعرف أيا منهن التي فعلت ذلك لأن جميعهن كن يضحكن وينظرن لها بتشفي
جففت وجهها وقررت تجاهل الأمر للآن فقط لأنها تعرف بأن من سيضحك أخيرا سيضحك
كثيرا
مر اليوم بعد ذلك بصورة طبيعية دون أن تتوجه إحداهن بأية كلمة إليها .. حتى كانت تنزل عن الدرج في فترة العصاري مقررة التوجه إلى المطبخ لأنها تريد مشروبا ساخنا عله يعالج الإحتقان في حلقها لكنها فوجئت بدفعة قوية تأتيها من الخلف فتعرقلت ووقعت عن الدرج حتى اصطدمت رأسها بإحدى الحوائط وشعرت بألم كبير وبدوار قوي كافحت لتبقي عينيها مفتوحة ا لكنها أنغلقت رغما عنها وحل الظلام عليها.
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الثامن والثلاثون
كانت عائشة جالسة على السرير كما أخبرها الطبيب وتتفحص جبيرتها التي أحاطت بيدها اليمنى بألم عندما سمعت صوت البوق العالي الذي ينذر بقدومه ثم سمعت أحد الحراس يصيح
" دستور، جلالة الوالي محمد باشا البستانجي. "
ابتسمت بخفة رغم الألم في رأسها وكانت تريد النهوض لترتيب شعرها في المرأة لكنها لم تستطع لأن الوقعة أصابتها بكدمة في كاحلها أيضا، لكن ما عدا ذلك فهي بخير
مرت نصف ساعة كان محمد قد مر فيها على أمه ليقبل رأسها وتوجه فورا نحو الحرملك لكنه استغرب من عدم وجود عائشة وحينها أخبرته دولت بشأن ما حدث تجهمت ملامح وجهه بشدة وكان الصفان من الجواري وبجانبهم الحراس يبتلعون لعابهم بصعوبة خاصة دولت التي أوصاها محمد بأن تبقي عينيها على عائشة في فترة غيابه.
تحرك فورا نحو الجناح الصغير الملحق بجناحه والذي قد أمرت جورنال بنقل عائشة إليه بدلا من بقائها في الحرملك رغم كون لا أحد يعرف من فعل تلك الفعلة حتى الآن لأن عائشة لم ترى ولم تستطع تحديد واحدة منهم لأن جميعهن كن ينظرن إليها نظرات سيئة ويضمرن الحقد
والكراهية لها.
وجدته يفتح الباب فجأة ويدخل بسرعة ليغلقه خلفه وهرع نحوها بلهفة ليجلس بجانبها ويهمس " ماذا حدث لك يا عمري ؟ "
ابتسمت بسرعة على طريقته اللطيفة تلك لكنها ذمت شفتيها معا عندما تذكرت ما حدث ونظرت له بصمت لوهلة قبل أن تجيب بضيق " واحدة من جواريك زقتني من على السلم ! كانت عايزة تموتني !! "
انقبض قلبه وتجهم وجهه شيئا فشيئا وبدأ الغضب يشتغل بداخله حتى أحرق عروقه، هل وصل بهن الأمر لذلك ؟ نعم بالطبع لقد ظنوا بأنها حامل ولذلك قمن بدفعها
" من ؟ "
" ما قدرتش أحدد ملامحها عشان اتخبط في راسي بس شوفت فستان والخادمات هنا ليهم ليس معين. "
فوجئت به ينهض بدون أن يتفوه بحرف ثم استدار واتخذ طريقه نحو الخارج، لكن من هيئته يبدو وكأنه على وشك ارتكاب جريمة فمحمد لا تنحبس الدماء في وجهه هكذا إلا وهو مشتعل غيظًا والغضب يضرب كالمطارق على رأسه.
كانت تود النهوض ومشاهدة ماذا سيفعل بهن لكنها لم تستطع وهذا جعلها تتذمر بضيق؛ فهي ارادت رؤيته يقوم بتوبيخهن جميعا لأجلها وكان هذا الأمر أفضل بالنسبة لها من أن يتلو عليها قصيدة شعرية كتبت باسمها، وفي الحقيقة كانت تريد الشماتة بهن ليعرفن بأنها مختلفة عن أي فتاة في ذلك القصر، وبأنها ستكون السيدة عليهم يوما.
وصل محمد إلى الحرملك وركل الباب بقدمه بكل قوته فانتفضن جميعا يذعر ونهضن ليقفن أمامه بسرعة
" سأسأل سؤال، ولن أكرره لمرتين، أريد جوابا وبسرعة وإلا سأمشي بمبدأ السيئة نعم. "
كان صوته جامدًا وملامح وجهه متجهمة بشدة وهو ينظر لكل واحدة منهن بنظرات مهددة متوعدة جعلت الرعب يسري في أجسادهن
" من التي سولت لها نفسها بدفع عائشة عن الدرج وتسببت بكسر يدها وكانت ستتسبب بإجهاض طفلي الذي في رحمها ؟ "
توسعت أعين الجميع، طفله ؟ إذا هي حامل حقا مثلما كانوا يعتقدون !! بالطبع يجب أن تكون
حامل فهي في جناحه منذ الخمسة أشهر !!
ارتعبت وجوههم ونظروا لبعضهم بصمت لكنهم فوجئوا بصرخة عالية من محمد جعلت دمائهم تتجمد بداخل عروقهم " لم أتلقى إجابة ! "
وللمرة الثانية لا يتكلمن فحك يديه سويا وابتسم ابتسامة غير مريحة ثم أوما ببطء وهمهم " حسناء "
ثم صاح على دولت فجائت له بسرعة وهي ترتجف لتجده يقول " احلقي شعر رؤوسهن جميعا. لا تتركي شعرة واحدة في رأس إحداهن، مفهوم ؟ "
اومات دولت في حين جف حلقهن وبدأن بالنظر لبعضهن برعب وبعضهن بدأن يتلمسن شعورهن بيد مرتعشة
" ثاني شيء، ثلاثون جلدة بالسوط على ظهر كل واحدة منهن " أكمل وهو يعرف تماما أن الأمر لن يستمر طويلا قبل أن تخاف إحداهن وتعترف بالحقيقة وكما توقع، صرخت إحداهن لتشير إلى خمسة من الجواري من ضمنهن كريستين وتبعها باقي الجواري مؤيدون ما قد قالته في محاولة للهرب من العقاب ثم أضافت إحداهن
" جلالتك، نقسم بأننا حاولنا منعهن لكن لم يستمعن، لقد سكبوا المياه فوق رأسها وهي نائمة وبعدها سمعنا هن يخططن لتلقينها درسا قاسيا، لكن نحن لم تفعل شيء !! "
نظر محمد نحو کريستين وأمال برأسه إليها ثم ابتسم ابتسامة بدت مخيفة ونطق من تحت أصنافه
" تماديت كثيرا وأنا أعرف لماذا لكن .... كونك هدية السلطان لن يشفع لك محاولتك في قتل
طفلي. "
أخفضت كريستين عينيها رغم كونها تعرف بأن محمد لن يقدر على قتلها لكن توقفت الدماء في عروقها وتصلب جسدها عندما صاح محمد بعلو صوته على زيدان وعندما جاء أشار لهن وأردف بصوت جهوري صارم
" الخمسة جواري هؤلاء، يذهبن إلى السجن، لأن لا واحدة منهن سترى الشمس مجددا، وهذا بعد أن يتم ضربهن خمسون جلدة لمحاولتهن قتل زوجتى المستقبلية وابنى ثم ارسل رسالة للسلطان اخبره فيها بأن محمد باشا البستانجي يستأذنه بإعدام هديته لأنها قد حرضت أربعة
من الجواري لقتل ابني. "
وفور أن أنهى جملته وجد كريستين تقع فاقدة للوعي بعد أن فشلت قدميها في حملها. عاد محمد بعدها إلى عائشة وسرعان ما جلس على السرير بجانبها بابتسامة واسعة
يكاد يرى الفضول ياكلها حية لتعرف ما قد حدث لكنها فوجئت به يضع يدا أسفل ركبتيها واليد الأخرى أمسك بها خصرها ورفعها لينهض بها ويتحرك نحو جناحه ليضعها على سريره وجلس
بجانبها قائلا
" مكانك هناء "
قهقهت بخفة وأومات
وضع رأسه على كتفها وعلق زرقاوتيه على عينيها ثم همس " أنا مرهق كثيرا من الطريق، داعبي شعري حتى أنام. "
امتدت يدها السليمة نحو خصلات شعره المموجة لتبدأ بمداعبتها دون أن تتكلم وهي تحاول بكل طريقة تجاهل فضولها وعدم فتح نقاش الآن مع محمد الذي يبدو لها متعب جدا والنعاس يتملك منه بينما أغمض هو عينيه مستمتعا بملمس أصابعها الصغيرة على فروة رأسه وهو يستنشق رائحتها التي قد اشتاقها للغاية
بعد فترة فتح عينيه ورفع زرقاوتيه نحوها من جديد وامتدت يده ليلمس وجنتها صعودا وهبوطا برقة " اشتقت لك بشدة في ذلك الإسبوع. "
تصبغت وجنتها وهمست بصوت مبحوح " وأنت كمان وحشتني. "
" ولن تصدقي إلى ماذا اشتقت أيضا ! " قال وهو يضع قبلة على وجنتها فارتفعت ضربات قلبها أكثر حتى فاجتها بابتسامته الواسعة
" اشتقت لجد الاتنا كثيرا، الحياة مملة بدونها. "
قهقهت بخفوت وهمست له " وأنا كمان. "
" جلبت لك كتبا كثيرة، ستحبينها وجلبت بعض الأشياء الأخرى وجلبت لك أفضل عطر خزامي.
فوجئ بها تطبع قبلة على وجنته و همست له بصوت رقيق وبابتسامة واسعة " شكرا يا محمد أنت ألطف رجل قابلته في حياتي. "
توسعت ابتسامته اکثر حتى كادت تشق وجهه تماما، فهو اشترى كل تلك الأشياء لها ليحصل
على ردة الفعل هذه، وربما هذه طبيعة الرجال .. إنهم يشترون الهدايا الغالية ليحصلوا على ردة فعل معينة، لكن بعض النساء غبيات ويدمرن كل شيء ويمثلن بأنهن لم يردن الهدية وبأنها لا تعني لهن شيئا لكنهن يقبلتها على مضد بعد الحاج من الرجال ... لكن عائشة برغم كونها غبية أحيانًا في أمور المشاعر - فهي قد أشبعت غريزته الذكورية وأعطته ردة الفعل التي يريدها.
احتضنها بسعادة وكان سيغمض عينيه لينام لكنه وجد الباب يفتح وجورنال تدخل بملامحمتهالة سعيدة وسارعت بالتوجه نحو عائشة لتسحبها من محمد إلى عناقها بفرح
" لماذا لم تخبرينني بأنك حامل !! يا إلهي .. لا أصدق أذناي ! أشعر يقلبي يرفرف بداخلي من السرور. "
عقدت عائشة حاجبيها ونظرت لمحمد الذي رفع سبابته ليضعها على شفتيه في إشارة منه لكي لا تتكلم لكن عينيها توسعت وحركت شفتيها له بدون صوت " مين دي اللي حامل !!! "
تركتها جورنال وتوجهت نحو محمد لتحتضنه أيضا " مبارك يا بني، أخيرا سنحصل على أمير ! عسى الله أن يكون خلفا صالحًا لك .. ماذا ستسميه ؟ "
ابتسم محمد وربت على ظهرها وهو يجيب محاولاً عدم الضحك " شكرا يا أمي، ولو كان ولذا لتسميه رستم كما كنت تريدين ولو بنت فستكون على اسمك بالطبع. "
في حين كانت عائشة تنظر له بقك ساقط وملامح مزبهلة من الصدمة ولا تستطيع فهم ما الذي يحدث ؟ من حامل ؟ ومن من ؟ ومتى ؟ وكيف ؟ لكنها فضلت اتباع محمد وعدم التفوه بأي شيء
" اسمعي يا عائشة، لا تتحركي مرة أخرى عن السرير، أنت يجب أن ترتاحي جيدا خصوصا بعد انزلاقك عن الدرج، ويجب أن تتغذى جيدا أنا سأجعل بلال يطبخ لك الكثير من الخضراوات. واللحوم لك مخصوص " قالت جورنال بسعادة تم شبكت يديها بهيام أمام صدرها بأعين لامعة و نظرت لمحمد ثم أكملت
" أنا سأجهز له أو لها الملابس منذ الآن وسأوصي زيدان بتحضير خمسون عجلا لذبحهم وتوزيعهم على العامة عندما تلد. "
قهقه محمد بخفة وأومأ لها فنظرت له لوهلة وسرعان ما أدركت بأنه مرهق من السفر ويريد. النوم فاستأذنت ورحلت لتدعه يرتاح
وحينها نظرت له عائشة بحاجبين معقودين وصاحت فجأة " والله ما هتتام إلا لما تقولي إيه ده
بعد شرح محمد لها كل شيء أصفر وجهها تماما ونظرت له بصمت فحمحم " ما بك ؟ "
" طب وبعدين يعني ؟ أنا مش حامل ! والسلطان هيعرف أكيد ما دام شاكك إن فيه جاسوس في القصر ! "
نظر لها بابتسامة ماكرة ورفع كتفيه ليجيب ببساطة " نعم ولذلك يجب أن تكوني حاملا. " تم اقترب منها أكثر وهو يعض على شفته السفلى بابتسامة جانبية وهمس " بأقصى سرعة .. "
لكنها ابتعدت عنه بتوتر وهي تحاول السيطرة على ضربات قلبها المرتفعة بسبيه
" على فكرة أنا فكرت في الموضوع ده وأخدت قراري النهائي. "
كان شبه قد توقع قرارها من ملامح وجهها لكنه لم يعطها الفرصة للرفض ووضعه أمام الأمر الواقع ولم يحبذ أن يظهر وكأنه مجبورا على الزواج بها لأنه بالفعل يريد الزواج بها والأمر ليس بالإجبار لكن لو أعطاها الفرصة للرفض فستشعر بأنها قد أرغمته وجعلته يتبع قرارها بدون
رغبته
وذلك جعله يقاطعها وكوب وجهها بين يديه ثم ابتسم بخفوت وعلق زرقاوتيه على عينيها فعقدت حاجبيها بدون فهم لتجده يهمس " لا تخبر بدني بأي شيء، أنا من اتخذت قراري. "
ارتفعت ضربات قلبها وانعقد لسانها وهي فقط حدقت إلى عينيه بتوتر
" بما أن الجميع يعلم أنك حامل بالفعل فلا مشكلة من الزواج الآن لا داعي للإنتظار حتى الولادة كما هو متبع. "
لم تصدق ما قد سمعته ولم تشعر بنفسها الا وهي تقفز عليه لتحتضنه بسعادة فتوسعت ابتسامته أكثر وشدد على عناقها وهو يهمس في أذنها " أنت نور عيوني يا عائشة ولو الأمر
بيدي لتزوجتك قور أن أخبرتني بأنك تحبينني. "
" لكنني لا أحب مخالفة التقاليد والقوانين، ورغم ذلك أنا سأخالفهم لأجلك. "
فوجئ بها تضع قبلة قوية على وجنته فقهقه بخفة وأحاط بها بكل قوته ثم ابتعد بعد فترة وأمسك بدقتها ورفع وجهها ليجعلها تنظر إلى عينيه
" لكن دعيني أمهد الأمر لأمي، لأنني لا أستطيع أخذ خطوة كهذه دون موافقتها. " رمشت بعينيها قليلا وشعرت بالقلق يصيبها وابتلعت لعابها ثم فتحت فمها يتردد " مش هي
موافقة ؟ "
" نعم لكن موافقتها كانت على الزواج بك بعد الولادة، كما هو العرف والعادات والتقاليد والقوانين لكن أنا سأخالفهم لذلك يجب أخذ موافقتها. "
" طب هو ايه الفرق ؟! "
" الفرق أن الزواج بعد ولادة الجارية يكون أضمن لأن لو سيدها تزوجها قبل الولادة من الممكن أن تجهض وتفقد جنينها وسيكون قد تزوج بها دون داعي، كما أن من الممكن أن تكون الفتاة تدعي الحمل وهي ليست حاملا فقط لكي يتزوج بها سيدها وكما أن لا داعي للزواج ما دامت
بالفعل من ملك يمينه .... لذلك القانون قال أن الزواج بعد الولادة. "
" لكن في حالتك أنت .. حبيبتي لا أهتم لأنني لا أعتبرك جارية وأنا سيدك " همس وهو يضع
قبلة على وجنتها تم همس بنبرة مازحة
" كما أنني لا أستطيع التحمل بعد الآن .. لقد مر علي ثمانية أشهر. "
عقدت حاجبيها بدون فهم وسألت " على إيه ؟ " لتجده يقهقه بخفة ثم اقترب وطبع قبلة على
جبهتها وأجاب " لا شيء لا تشغلي بالك.".
بعد ثلاثة أيام نهضت عائشة عن السرير وهي تستطيع الإتكاء على قدمها أخيرا، وكم فرحت بأنها أصبحت قادرة على المشي مجددا فالملل كاد يقتلها حية رغم كونها قد دأبت على مذاكرة الكتب الطبية التي جلبها محمد، والتي كانت تحتوي في بعض الأحيان على معلومات مغلوطة نظرا لقدمها لكنها كانت تأخذ المعلومات التي بدت لها صحيحة فقط
خرجت من جناح محمد بدون أي هدف لكنها وجدت عمر في طريقه إلى جناحه مما يعني أن محمد سيصل بعد نصف ساعة تقريبا
" عمر، عامل إيه ؟ " حاولت فتح حديث معه لكنه بدى مازال مستاء من خداعها له وتسببها في شجار بينه وبين أخيه
فرد عليها مقتضبا " بخير " وسرعان ما تركها وتوجه نحو جناحه فوقفت الخمسة دقائق تفكر حتى قررت الذهاب خلفه والإعتذار له.
طرقت على بابه عندما كانت أمام غرفته ففتح ووجدها أمامه بابتسامة متوترة ورفعت كتفيها وهي تقول بصوت منخفض " أنا اسفة إني استغليتك بس ماكانش فيه قدامي طريقة ثانية غيرك بس مازلت آسفة ! "
أخذ دقيقة صامتة يقلب كلامها في عقله ثم تنحى عن الباب ليسمح لها بالدخول وهو يبتسم " حسنا، لا بأس .. كيف حال يدك ؟ "
دخلت بسرعة بملامح سعيدة واستندت على الحائط وهي ترفع يدها بالجبيرة " لسه بتوجعني.
تحرك عمر تاركا الباب مفتوح ليلتقط الكوب الزجاجي الذي احتوى على سائل قرمزي اللون ليرتشف منه ببطء فعلقت عائشة عينيها عليه.
" أنت بتشرب ايه ؟ " سألت فأنزل الكوب عن فمه وضحك عاليا وهو يمسح فمه " هذا عصير
عنب "
طب هات كده أدوقه " قالت وهي تتحرك نحو الطاولة الموضوع عليها الزجاجة لكن عمر سبقها وانتشل الزجاجة بسرعة وهو ينفي برأسه " لا. "
" ليه ؟ "
كان يرى الفضول يشتعل في عينيها ولم يستطع اخبارها بأنه نبيد وفي نفس الوقت وجد أنه سيقدم خدمة جليلة لمحمد لو تركها تشرب رشفة أو رشفتين وبالتفكير في الأمر .. سيبدو الأمر
مضحكا عندما تتمل وسيكون قد انتقم منها لما فعلته.
" حسنا، يمكنك أخذ القليل، لكن لا تسرفي لأنه غالي الثمن " قال وهو يعطها الزجاجة ليجدها قد وضعتها على فمها بسرعة لترتشف رشفة وسرعان ما ابعدتها عن فمها بوجه متقزز
" إيه القرف ده ! ده بايظ يابني !! " تذمرت وهي تمنع نفسها من التقيؤ بصعوبة لتجد الآخر يضحك عاليا من جديد وهو يأخذ رشفة أخرى " يجب أن تنتظري لبعض الوقت وستجدين طعمه بدى جيدا. "
جعدت وجهها بضيق ونفت برأسها " لا مش هشريه . طعمه وحش كأنه حمضان. "
أوما الآخر بصمت وهو يراقبها قد بدأت تبتسم بدون داعي بعد الخمسة عشرة دقيقة ثم نظرت له وقالت " وريني كده أدوقه تاني. "
حبس ضحكاته رغما عنه وأعطاها الزجاجة من جديد فتجرعت منها رشقتين بتقزز وبعدها أعطتها له وهي تضحك وقد بدأت آثار الثمالة تظهر عليها " طعمه معفن أوي .. ! "
ضحك وأوماً فضحكت هي الأخرى وبدأت تتمايل في وقفتها فوضعت يدها على رأسها يضحك
وسخرت " إيه ده أنا بدوخ ! أنا حامل بجد ولا إيه ! "
" عائشة أنا سأنام، اذهبي لجناح محمد هو يريدك " قال عمر وهو يبتسم بحيث فأومات
وخرجت تتمايل حتى وصلت بصعوبة إلى جناح محمد وطرقت عليه وهي تضحك وتصيح "
افتح يا ... " وقبل أن تكمل وجدته أمامها بحاجبين معقودين
" يا قمر " غمرت له ودخلت بسرعة فابتسم محمد ونظر لها باستغراب ليجدها قد جلست على السرير تضحك بخفة وهي تنظر له من أعلى إلى أسفل بنظرات غربية لم يفهمها وسرعان ما
نهضت و تقدمت منه
راقيها بهدوء ولم يتحرك حتى وجدها تحتضنه وتهمس " ما تجيب بوسة ! "
" بوسة ؟ "
" قبلة .. هو أنا مش برستيجي ضاع وبقيت جاريتك خلاص ! كمل جميلك بقى وهات بوسة !! "
وهي تتكلم النقط رائحة غريبة من فمها وهو يعرف تلك الرائحة، هذه رائحة خمر ... من أعطاها
" ماذا شربت ؟ " زمجر في وجهها محاولاً تجاهل كونها تمد يديها لتفك أزرار قميصه وتتحرش به فرفعت عينيها ببراءة له وضحكت " عصير ... عنب معفن ... من بتاع ... عمر. "
أغمض محمد عينيه بضيق وهمس بغيظ " يا ملعون !!! أقسم سأريك يا عمر ! "
لكنه وجدها تتذمر " طب ماتوريش عمر وريني أنا !! "
تصبغ وجهه بالدماء وحمحم بدون فهم " أريك ماذا ! "
" بقولك إيه هو عشان أنت فز يعني وشعرك أزرق وعينيك صفرا هتقرفني ! ما أنت وريت تسعة وسبعين جارية ماجاتش عليا ! وبعدين أنا خلاص كرامتي ضاعت أساسا يعني مش باقية على
أي حاجة ! "
بدأت ابتسامة ماكرة ترتسم على وجهه وأخذ بعض الوقت ليفكر أثناء إكمالها لتحرشها به، هي في حالة شكر و يمكنه أن .... لا لا .. لا يستطيع استغلالها بذلك الشكل، عائشة ستكرهه بعد أن
تستفيق وهما بالفعل سيتزوجان قريبا
" حبيبتي، يجب أن تنامي حسنا ؟ " قال وهو يمسك بيدها التي كانت ستخلعه توبه تماما فعضت على شفتيها و همست له " وانت مش عايز تنام يا بودی ؟ "
ابتلع لعابه بصعوبة بعد أن جف حلقه وبدأت قطرات من العرق تتكون على جبهته وتفى برأسه " لا أنا سأبقى مستيقظ. "
لكنها تمسكت بقميصه تحاول خلعه " لا ماتنامش .... أنت تخليك نايم وأنا كمان هنام ... انا حاسة اني حامل، فيه حاجة بتتحرك في بطني .. أوعى تكون غفلتني وأطلع حامل بجد ! "
حاول عدم الضحك بكل طريقة ممكنه وقضم شفتيه وهو يجيب " لا لست حاملا. "
" طب هات بوسة طيب ! " قالت وهي تمد شفتيها له بطريقة مضحكة فانفجر ضاحكا بعد أن فضل في تمالك نفسه وقال من بين قهقهاته " غذا سأعطيك بوسة. "
" لا دلوقتي !! " صممت وبدأت عينيها تترقرق بالدموع ثم تركته وجلست على الأرض وهي تبكي " حرام عليك يا ظالم، منك لله، ربنا ينتقم منك .. أنا بحبك وبكرهك يا بتاع الليالي الساخنة. "
كان قد وضع يده على فمه ليكنم الضحك عندما بدأت بالبكاء بطريقة هستيرية ورفعت عينيها الدامعة له.
" إشمعنى أنا ! ما أنت بوست أربعة وخمسين جارية ! خلاص توبت يعني على حظي !!! "
جلس بجانبها بوجه أحمر من كثرة الضحك وقرر التماشي معها " نعم لقد تبت إلى الله ولن
أقترب من أي أنثى مرة أخرى. "
بكت أكثر ثم قالت بشفتين مرتعشتين " طب بوسني وبعدين توب طيب !! أنا ما تباستش هموت کده ؟ "
غرق في الضحك بطريقة هستيرية وبقى هكذا لدقيقتين حتى أدمعت عينيه من كثرة الضحك ثم مسح على عينيه ووجهه ونظر لها
" هل هذا كل ما يهمك ؟ تريدين أن يتم تقبيلك قبل موتك !!؟ "
توقفت عن البكاء ونظرت له نظرة متفحصة ثم صرخت " أنت فاتح قميصك ليه ؟ أنت
اغتصبتني صح ؟ "
وضع يده على فمها بسرعة وهو يضحك " أنت من تريدين اغتصابي !! "
كانت ستصرخ مجددا لكنه كمم فمها بقوة وهو يضحك " حسنا لا تصرخي وسأقبلك ؟ "
أومات فاراح يده عن فمها ليجد قد مدت شفتيها إليه بنفس الطريقة التي أضحكته من قبل مع اغماضها لعينيها لكنه لم يريد أن تكون قبلتهما الأولى وهي تملة هكذا ورائحة الخمر تملئ فمها
وهو يكره تلك الرائحة بشدة ...
مد يده ليضعها على شفتيها ممثلا تقبيلها ثم سحبها بسرعة وقال " انتهينا، كيف كانت ؟ "
" خلاص كده أنا حامل ؟ " سألت وهي تحتضن بطنها فانفجر ضاحكا من جديد وأوماً لها بنعم
ونهض ثم انتشلها عن الأرض وهمس لها " الآن يجب أن تنامي لأجل صحة الجنين. "
" أيوة صح بس وربنا ما هسميه رستم، إيه رستم ده ؟ ده اسم موظف في الشئون الاجتماعية أحسن من رستم !!! ولا ده عقاب من ربنا عشان كنت يتريق على فوزي كرشو وذكي جمباز !! "
" ماذا تريدين تسميته إذا ؟ " قال وهو يضعها على السرير فأجابت " نادية على اسم ماما. "
ضحك من جديد وأوماً " حسنا لو كانت فتاة .. "
لكنها نفت برأسها " لو بنت هسميها سلمونيلا. "
" نامی حسنا ؟ " همس وهو يشد الغطاء عليها فتمسكت به ونظرت إلى عينيه وضحكت " أنت حلو أوي بحبك يا ملون أنت ! "
ضحك بإحراج وهو يحك عنقه ويسأل " حقا ؟ " فأومأت بسرعة وصاحت عاليا " أيوة ده أنت
أحلى مني، وكل حاجة فيك ملونة شبه قوس قزح ! "
مسح على شعرها بخفة وقال بصوت هادئ " لا بأس أحب الأبيض والأسود! "
" على فكرة أنا وعمر شوفنا كريستين وهي بالتسحب وبتسلم جواب للحارس اللي واقف حراسة على الممر اللي بيوصل للحديقة لما كنا يتحاول نخرج في السر من وراك للحديقة، ممكن تخليني أطلع للحديقة وأعوم في بحيرة البجع ؟ " قال بثمالة من جديد وهي تغمض عينيها
في حين عقد الآخر حاجبيه بغضب وتركها تنام ثم نهض متوجها إلى جناح عمر وطرق بقوة على باب
فتح الآخر وعندما وجده محمد ابتسم ابتسامة ماكرة وهمس له بنبرة خبيثة " لا داعي لشكري .. هل استمت.... " قبل أن يكمل جملته وجد لكمة تلتحم بوجهه وأوقعته أرضا ثم رفع محمد
سبابته في وجهه
" هذه لجعل عائشة تتجرع الخمر يا وغد. "
نظر له بسخرية وقلب عينيه وهو يتذمر " حسنا على الرحب. " ثم نهض يعدل من هندام ثيابه
لكنه وجد لكمة ثانية على الجزء الآخر من وجهه
" وهذه لرؤيتك كريستين تسلم جواب لأحد الحراس دون إخباري. "
كان النبيذ الذي شربه يلعب بعقله بالفعل ولم يشعر بأي ألم رغم أن لكمة محمد كانت قوية على وجهه فافترش الأرض ونظر للسقف وهو يضحك ويستفزه
" لم تؤلمني المعلوماتك ! "
صك محمد على فكيه بغيظ ثم تركه نائما على الأرض ورحل إلى غرفته ليجد الأخرى تجلس على السرير وتبكي بقوة
تحرك ليجلس بجانبها وهو يسأل يقلق " ماذا هناك ؟ "
" ماما وبابا وشهد أختي ونورة وحشوني وعمري ما هعرف أشوفهم ثاني " همست بنبرة متحشرجة من بين بكائها فابتلع لعابه بتوتر وشعر بقلبه يؤلمه على حالها ثم سحبها ليضعها في
حضنه وهو يطبع قبلات متفرقة على شعرها محاولا تهدلتها
لكنها أكملت بكائها حتى سقطت نائمة من التعب على صدره بينما قضى هو ليلته ينظر للسقف وافكارا كثيرة تحوم حول عقله لدرجة منعته من النوم وجعلته غير مرتاحا وأصابته بالصداع. ان غذا هو يوم حافل
فهو سيحاول فتح موضوع الزواج مع أمه غدًا والأمر كان يخيفه قليلا لأن أمه تقدس العادات والتقاليد هي الأخرى وهي من علمته إحترامهما .. وهو سيذهب ليخبرها بأنه يريد أخذ موافقتها على مخالفة القانون لكنه طمئن نفسه بأنها لن تمانع لأنها تظن عائشة حامل بالفعل
كما أن أمر كريستين والحارس ذلك يجب أن يتقصى بشأنه.
والأمر الآخر هو عائشة التي بدت منهارة في البكاء وهو شعر بالذنب كثيرا لحالها لكنه أقسم بأنه سيعوضها عما فقدته، كما أنه ولأول مرة سيسمح للجواري بالخروج إلى الحديقة فقط لأجلها، لا يريد حبسها وخنقها أكثر، يكفيها ما هي فيه ... هو سيخبر زيدان ودولت بذلك القرار غذا
ولعل هذا سينسي عائشة أمر عائلتها ولو قليلا وربما سيشفع له لو غضبت منه يوما.
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل التاسع والثلاثون
كانت قد استيقظت في اليوم التالي لتشعر فوزا بالصداع يفتك برأسها، اعتدلت في جلستها على السرير ونظرت يمينا ويسارا بوجه ممتعض لتدرك بأن محمد قد استيقظ ورحل بالفعل فنهضت بتكاسل نحو المرحاض وهي تحاول تذكر ما حدث بالأمس لكن الألم في رأسها لا يساعدها وكل ما أدركته أن عمر اللعين أسقاها خمرا.
عاد محمد مساء ليجدها تجلس على مكتبه وتتجرع بعض العصير أثناء مذاكرتها لإحدى الكتب التي قد جلبها لها لكنها رفعت عينيها إليه فور دخوله وابتسمت فتحرك نحوها واستند على
المكتب
" تذاكرين بجد، أحب هذا " قال رافعا إحدى حاجبيه بابتسامة جانبية ثم مد يده إلى جيب سترته وأخرج السلسلة التي كان قد جلبها من قبل ولم يعطها لها ووضعها أمامها على المكتب " هذه هديتك لكونك مجتهدة. "
التقطتها يفرح عندما تبينت ما هي ونهضت لتعطيه ظهرها وهي تردف " لبسهالي عشان إيدي لسه ما خفتش. "
أخذها منها ثم امتدت يده ليبعد بعض خصلات شعرها عن عنقها والبسها إياها وهو يتعمد لمس عنقها بأنامله حتى انتهى فاستدارت بسرعة وهرولت نحو المرأة لتراها بابتسامة واسعة لكنها فوجئت به خلفها يحتضنها وهو يضع ذقنه على كتفها
" بالمناسبة، لو تتوفين لأن يتم تقبيلك إلى ذلك الحد فأنا متاح في أي وقت، " همس في أذنها أثناء غمزه لها من خلال المرأة فعقدت حاجبيها بدون فهم واستدارت له
" قصدك إيه ؟ " سألت فقهقه بخفة وهو يلمس أسفل شفتيه ببطء ثم أمال عليها ليهمس في أذنها " بالأمس كنت تتحرشين بي وبكيت لأجل قب ... بوسة، كنت تبكين وتترجيتني لأجل بوسة ! "
جحظت عينيها وجف حلقها فوزا لتجده يكمل هامشا " لم أعطيك لأنك كنت مخمورة وأنا أكره رائحة الخمر وأشعر بالغثيان منه، لكن ما دمت مستفيقة الآن فيمكنني إعطائك ما هو أكثر. "
حدقت إليه بنظرات غاضبة وزمجرت " تصدق إنك قليل الأدب ! وعلى فكرة مافيش حاجة زي كده حصلت أساسا !!! "
" قولي ما تريدين قوله لكن بالأمس بسببك أنا خضت ليلة سيئة لأنك كنت تتحرشين بي وتفعلين أشياء أخرى. "
احتقن وجهها بالدماء لكنها كانت تشكك في صحة ما يقوله لأنها لا تتذكر أي شيء لكن فور إكمال محمد " يمكنني تقبيلك قبل موتك | تعلمين الفرصة متاحة ! "
الآن هي قد عرفت أن ما يقوله قد حدث حقا؛ لأن تلك الفكرة تراودها دوما بأنها ستموت قبل أن تحصل على قبلتها الأولى، وهذا جعلها تشعر بالخزى كثيرا ولم تجد شيئا لتدافع به عن نفسها سوى الإنكار والهجوم عليه
" أنت كداب وأنا مستحيل أفكر في حاجة زي كده أو أعمل حاجة قليلة الأدب زي دي حتى لو كنت سكرانة !! " صرخت في وجهه فضحك بخفة وحك عنقه ليجيبها
" لماذا لن تفعلي ؟ هل أنت قطعة خشب لا تشعر ؟ ولماذا تتصورين أن رغبتك بقبلة تعتبر قلة أدب ؟ في منظوري إنها شيء عادي ! لأنك بشر ومن الطبيعي أن تشعري بهذا، وما دمت لم تفعلينها مع شخص غريب وليست بحرام فما المشكلة ؟ لماذا تعتبرين الأمر عازا ؟! "
هي في تلك اللحظة عرفت أيضا أن أسلوب الهجوم على محمد لن يجدي نفعا لأنه للأسف أصبحيعرفها مثلما تعرفه، ويفهمان بعضهما جيدا ويتوقعان تصرفاتهما .. وهي لوهلة لم تحبذ تلك الفكرة أن تكون مكشوفا بالكامل أمام شخص آخر ... الأمر يبدو مرعبا
على فكرة أنت تعتبر شخص غريب " شبكت يديها أمام خصرها فهز رأسه نافيا ثم أنحنى قليلا ليصبح في طول قامتها ونظر إلى عينيها عميقا حتى توترت
ثم قال بأكثر نبرة جادة وعطوفة يمتلكها
" لقد قلت لك من قبل أنك ملك يميني ولا حاجة لجلب المصحف لك لأريك الآية التي تتحدث عن ذلك لأنك تحفظين القرآن كاملا بالفعل لكنك ما زلت تكابرين، أنت ملكي بالكامل ولو نظرت لها من منظور آخر، ستجدين ما الفرق بينك وبين الزوجة يا عائشة ؟ أنا أتكفل بكامل مصاريفك وطعامك وملابسك وحين مرضك أتكفل بعلاجك وتعيشين في قصري بل في جناحي وتنامين في سريري بجانبي نحب بعضنا البعض ونهتم لأحدنا الآخر ... الفرق ما هو ؟ ورقة الزواج ؟ حسنا .. لماذا شرع الله الزواج ؟ لكي لا يكون الأمر عبثي صحيح ولكي يكون معلنا .. الآن الجميع يعرف أنك جاريتي ولنفترض بأنك حامل حقا، هل يمكنني عدم الإعتراف بأنه طفلي أنا ؟ بالطبع لا ولو قلت هذا لظنني الناس فقدت عقلي لأنه لا يمكن أن يكون غير ابني لأنك ملك يميني ... الآن سأسألك سؤال، لو قررت تحريرك وإبعادك عن القصر، أين ستذهبين ؟ من أين
ستأكلين ؟ ومن سيتكفل برعايتك ؟ "
هي حقا لم تجد شيئا لقوله وهربت بعينيها بعيدا عن طريق إخفاض رأسها لتتفادى نظراته التي تخترقها تلك لكنه رفع يده ليمسك بذقنها ويرجعها لينظر إلى عينيها من جديد ويكمل
" أعرف أن ما سأقوله سيعتبر وقاحة وغرور وربما ستغضبين مني لكن في واقع الأمر أنب محظوظة أكثر من أي فتاة على أرض مصر لأنه كان من الممكن أن تباعي لكهل قبيح المنظر سيأخذك الغرفة حقيرة ليتم اغتصابك بها .. لكن انتهى بك الأمر في قلبي وأنا شاب أكملت الثامنة والعشرون منذ بضعة أيام وأنا أعلى رجل في مصر وأحكم أقوى ولاية من ولايات الدولة العثمانية ووسيم الهيئة وأعاملك معاملة حسنة، تعيشين في قصر والخدم حولك في كل مكان وترتدين أفخم الثياب. "
شعرت بضربات قلبها ترتفع كثيرا وأخفضت رأسها مرة أخرى فأكمل
" أعرف أنك رائعة لكن ... ربما يجب عليك إعادة التفكير في حياتك وفيما كان سيحدث لك بدوني في عصرنا هذا، لقد خرجت مرة وكان سيتم اغتصابك ولولا بحثي عنك فالله أعلم ما الذي كان سيحدث، اخرجي من صندوقك قليلا ور الأمر بطريقة منصفة يا عائشة لأنك حقا في زحام من النعم. "
فوجئت به يبتسم ابتسامة ماكرة وغمز لها مغيرا طريقته الجدية تماما وهمس مازحًا رغم كونه لا يمزح " ولو تريدين بعض الأشياء الأخرى فأنا متاح حقا، ساعطيك أي شيء وأنا أعنيها، أي شيء لك يا عائشة ! "
ابتسمت رغما عنها ورفعت إحدى حاجبيها " حتى حريتي ؟ "
أوما بهدوء " حتى حياتي. " تم غمز لها من جديد وأكمل " وفوقها قبلة ! "
قلبت عينيها ونظرت بعيدا ووجنتيها تتصبغان باللون الأحمر محاولة السيطرة على ابتسامتها " سأتحدث مع أمي بعد الصلاة بشأن الزواج، " نهض عن السرير وتوجه نحو المرحاض وأغلق الباب خلفه في حين وضعت هي يدها على قلبها الذي ينبض عشوائيا وبقوة .. هذا الرجل يؤثر فيها بشكل سيء.
بعد نصف ساعة كان متوجها نحو جناح أمه وفور دخوله أشار الدولت والخادمتين بأن يخرجوا ويغلقوا الباب خلفهم وحينها عقدت جورنال حاجبيها باستغراب خاصة مع ملامح وجهه الجادة. بعد خمسة عشرة دقيقة بالضبط من النقاش نظرت له جورنال بضيق ونفت برأسها يهدوء " أنا لا أوافق على هذا الأمر كما أن ليس له أي داعي. "
" وما الفرق بين الزواج الآن والزواج مستقبلا يا أمي !!! "
" بالضبط، اسأل هذا السؤال لنفسك، ما الفرق ؟ " أردفت ثم نهضت لتكوب وجهه بين يديها وابتسمت " محمد حبيبي .. لا يوجد أي فرق كما أنني رتبت أمر الزواج على أن يكون مع الإحتفال بالأمير الصغير لتجعل الفرحة فرحتان لذا. "
كان سيتكلم لكنها ربتت على كتفه وقالت بنبرة صارمة " هيا بني اذهب لأن هذا موعد حمامي وبعدها سأخلد إلى النوم. "
وجدها تقوده نحو الباب في محاولة لإنهاء النقاش لكنه ابتعد عن يدها بضيق وعائد " لا، يجب أن تتحدث! "
بدأ حاجبيها ينعقدان وأردفت بطريقة جامدة " لقد فعلنا، الأمر منتهي. "
" لا الأمر ليس منتهي لأنني أخبرت السلطان أن عائشة حامل فقط لأنه أرادني أن أهبها له بينما هي ليست بحامل ولذلك اضطررت للإعلان عن حملها وهي ليست بحامل ! "
ألقى عليها بكل شيء دفعة واحدة فعقدت حاجبيها أكثر " وكيف عرف السلطان بأمرها ؟ "
" هناك خائن كانت كريستين وأحد الحراس، لقد قطعت رأسها هي وذلك الحارس للتو قبل
مجيني لكن لم أعلن أن السبب كونهما واشيان لكن السلطان بالفعل يعرف بأنها حامل الآن !! "
" ولماذا ليست حامل ! ما هي المشكلة !! هي في جناحك منذ الخمسة أشهر !!! ألا تنجب هي !!!
زمجرت فابتلع لعابه بعد أن هربت الدماء من وجهه تماما وابتعد بعينيه عنها وحينها رمقته بأعين ضيفة شائكة وزمجرت من جديد
" محمد، لا تخبرني أن ما يجول في عقلي الآن صحيح لأنه لو صحيح أقسم بأنه لن يمر مرور الكرام لا عليك ولا عليها !!! "
لم يجيبها وقضم شفته السفلى بتوتر بينما اخترقته بنظرة حاقدة " بسببك أم بسببها وأحذرك قل لي الحقيقة وإلا .. "
قاطعها بسرعة لأن آخر شيء سيسمح به هو أن يشكك أحدهم في رجولته حتى ولو كانت أمه " بسببها، هي تقول أنها ليست بجارية وترفض أي شيء قبل الزواج ! "
اقتربت منه جورنال بسرعة وبملامح مقتضية بشدة لتخترقه بنظراتها المشتعلة ثم صرخت عليه " ووصل بك عدم احترامي للكذب على وجعلي أبدو كمغفلة غبية أمام جاريتك ؟! "
" أمي أنا كنت .. " هم ليدافع عن نفسه لكنها قاطعته وهي تمسك بذراعه لتدفعه نحو الباب " أتعلم ماذا ؟ لا يوجد زواج. الآن اخرج لأنني لا أطيق النظر في وجهك. "
لكنه وللمرة الثانية يبتعد عنها ويزمجر بصوت مرتفع " الأمر لن يتم حله هكذا !! وهناك زواج !! أنا لست بطفل ! "
" تزوجها عندما تنجب وتلد والآن قلت اخرج لأنني بالفعل قد وصلت إلى الحد الأدنى من الصبر !! فيكفي ما فعلته بي !!! أنا لا أتصور أن ابني الذي تحملت كل شيء لأجله وأفنيت عمري الأربيه يفعل بي هذا ولأجل ماذا ؟ لأجل جاريته !!! يكذب على ويجعلني مغفلة لخمسة أشهر ولم يكتفي بهذا بل وأوهمني بأنني سأحصل على حفيد وكل هذا لأجل جاريته !! "
فوجئت به يصرخ عليها بغضب هو الآخر " سأفعل ما يحلو لي أنا من أقرر ما أفعله، لم أكن أخذ إذنك أنا سأفعل ما أريد وأتعلمين ماذا ؟ اللعنة على العادات والتقاليد أنا قد سئمت من اتباع كل شيء كما هو مكتوب بالحرف !! من قال أن هذه القوانين صحيحة ولا يمكن تغييرها على أي " !!! حال
توجه إلى الباب وكان سيخرج لكنه تصنم في مكانه فور سماعه لنبرة أمه المهددة
" أقسم بالله الواحد الأحد بأنك لو فعلت فأنا سأتبرأ منك إلى يوم الدين، وسأرحل عن هنا إلى القسطنطينية لقصر أبي ولن ترى وجهي مرة أخرى، كما أنني سأدعو عليك إلى الله .. لو تظن نفسك لست بطفلي فلا ! ستظل طفلي مهما كبرت سنا وشأنا وأقسم بالله مرة أخرى يا محمد بأنك لو أخترت إرضاء جاريتك على أمك فانسى أن لك أما من أصله مادام ما أخذه منك هو الكذب على وخداعي والصراخ في وجهي بدون إحترام.
صك على فكيه واستدار لها لينظر إلى عينيها محاولاً معرفة هل هي تهدده فقط أم تتحدث بجدية ومن وجهها هكذا ... هي لا تهدد وحسب!
" أنا بالفعل قد تنازلت ووافقت على زواجك بجارية لأنها كانت مختلفة ولأنك تحبها لكن إن وصل بك الأمر لهذا الحد فلا لن يحدث ولو كنت تستطيع الصراخ وفعل ما يحلو لك فاذهب وافعل هذا مع جاريتك لأنك لو تجرأت على الصراخ على مرة أخرى فأنا سأربيك من جديد"
أكملت تهديده وهي تنظر في عينيه بتحدي، تتحداه أن يفتح فمه حتى ويتفوه بحرف واحد
وكما توقعت، لقد احتقنت الدماء في وجهه وبدأ صدره يعلو ويهبط بسرعة لكنه تراجع واستدار متخذا طريقه نحو الباب وخرج صافقا الباب خلفه بكل قوته مستسلما لنهاية هذا النقاش.
لم يعد إلى جناحه مجددا بل اتخذ طريقه إلى خارج قصره بأكمله لأنه لم يكن يريد من عائشة أن تراه في تلك الحالة ولم يكن يريد صب جم غضبه عليها أو على أي شخص وكعادته رحل نحو مزرعته ليدخل إلى غرفته التي تقبع في منزله هناك وبدأ بتكسير كل شيء تقع عينيه عليه حتى انتهى به الأمر نائفا وسط غرفة متدمرة تماما.
بينما قضت عائشة ليلتها تتقلب بمفردها على السرير وهي تشعر بالقلق لعدم عودته وذلك دفعها للخروج وسؤال الحراس عنه فأخبروها بأنه غادر ولا يعرف أحدهم أين ذهب فعادت لجناحه من جديد وتكورت على نفسها بضيق اللعنة على ذلك العالم حيث لا يوجد هاتف خلوي تستطيع مكالمته من خلاله بل يجب عليها الإنتظار بقلق وخوف عليه هكذا
هي تعرف بأنه ليس طفل صغير لكي تخاف عليه لكنها تعرف أيضا أن الخروج متأخرا والمبيت خارجا ليسا من عاداته، ترى هل الأمر له علاقة بأمه ؟
لقد أصابها الصداع من كثرة التفكير حتى وجدت خيوط النور تنسل من النافذة لتعلن عن شروق يوم جديد وهو مازال لم يأتي !
ولقد مرت الساعات عليها كسنين قد كانت خرجت فيهم لتسأل عنه من جديد لكن حتى عمر الذي أصبح مساعده مؤخرا لم يعرف أين هو، وهذا جعلها تعود خائبة الأمل لجناحه من جديد
حتى حان موعد عودته مساءً وللمرة الثانية هو لم يظهر
لكن تلك المرة من ظهرت هي جورنال التي اقتحمت جناح ابنها بملامح مقتضبة واخترقتها بأعين حاقدة ثم رفعت سبابتها في وجهها ونطقت من تحت أسنانها بغيظ
" ابني لم يرفع صوته علي من قبل، ولم يبيت خارجا دون أن أعرف مكانه أبدا ولم يغضبني قط، لكنه فعل بسببك .... وسأخبرك بشيء، كنت قد أعتبرتك كابنتي لأجله لكن أنت لا تروقين لي بعد
ابتلعت عائشة لعابها وهي تهرب بعينيها بعيدًا وتقبض على يديها معا بتوتر فأعطتها جورنال النظرة كارهة وسرعان ما خرجت وصفعت الباب خلفها.
في فجر ذلك اليوم وجدت الباب يفتح بهدوء ففتحت عينيها بسرعة وسألت بأمل وهي تعتدل على السرير " محمد ؟ "
ليأتيها صوته الهادئ قائلا : أجل بعد أن دخل وأغلق الباب خلفه فظهرت هيئته أمامها وعلى غير المتوقع كان مرتبا ويرتدي ثيابا نظيفة ووجهه هادئ تماما !
نهضت عن السرير لتحتضنه وهمست " كنت فين ؟ أنا كنت خايفة عليك !! "
عاتقها أيضًا وربت على ظهرها " أنا بخير تماما، فقط أردت بعض الوقت بمفردي لكي أتخذ قرارًا
نهائيا. "
شعرت بغصة في حلقها وأدركت عن ماذا هو يتكلم فأومأت بصمت وتحركت لتجلس على الأريكة بهدوء منتظرة ما سيقوله فتحرك وجلس بجانبها ونظر إلى عينيها اللامعة تحت إضاءة الغرفة الخافتة ببعض الشموع
" أمي رفضت، وأنا قد حاولت إقناعها ووصل الأمر بنا إلى شجار لأول مرة، وهي قد خيرتني بينها وبين الزواج الآن، وأنا حقا لا أستطيع مخالفة أمي، نعم يمكنني لو أردت، لكن الإمكانية لا تعني بالضرورة الإستطاعة لا استطيع جعلها تغضب مني أو تحزن بسببي، تفهمي هذا جيدا. " قال مطأطأ رأسه يضيق وحزن عارم
" أنا أحبك نعم، لكنها أمي وهي في مكان آخر بالنسبة لي، لذا أنا أطلب منك لمرة أخيرة بأن تمنحي علاقتنا فرصة ولك كلمتي في اليوم الذي ستضعين فيه طفلنا سأعقد قراننا وكل فرد يتحرك على أرض مصر سيعرف حينها أنك حرة وزوجتي " أكمل بعد أن عاد بعينيه إليها
ليعطيها نظرة راجية، وكأنه يناشدها بعينيه أن تخيب ظنه وتوافق
وهي شعرت بالشلل يصيبها مع الإحباط الذي حاوطها من كل جانب ولوهلة شعرت بالدماء تجف في عروقها عندما جائت فكرة الموافقة على عقلها وذلك أرعبها حقا ولكي لا تمنح نفسها الوقت لتتغلب عاطفتها ومشاعرها عليها هي قد سارعت بالإجابة باندفاع وهي تهز رأسها يمينا ويسارا "
لا لا ... أنا مش موافقة. "
أوما بصمت وقد أخفض رأسه لينظر إلى يديه وتمتم " لا بأس. "
فوجئت من ردة فعله هذه ونظرت له بتوتر منتظرة أن يقول شيئا آخر ربما ؟
لكن حين تكلم هي حقا تمنت لو أنه لم يفعل لأن كل ما قد تفوه به هو
" اعتبري أيا كان ما بيننا منتهي، ستنتقلين للجناح الملحق بجناحي وسنخبر الجميع أنك أجهضت الطفل لأن الحمل لم يستقر بسبب الوقعة التي وقعتها وبعد بضعة أيام ستعودين للحرملك ولا تخافي، بعد قطع رقبة كريستين وسجن الجواري اللاتي عاونوها لن تتجرأ إحداهن على النظر لك حتى في عدم وجودي، كما أنني أوصيت زيدان بشراء جارية وإرسالها كهدية للسلطان، كل شيء قد انتهى. ".
رواية 1622جامعة القاهرة الفصل الأربعون 40 - بقلم فاطمه عبد ربه
رواية 1622 جامعة القاهرة الفصل الاربعون
في يوم الجمعة كان يمسك بسيفه ويقف أمام يوسف الممسك بسيفه أيضًا والعرق يقطر منهما. يتدربا منذ الساعة والنصف ... هناك جرح على ذراع محمد في حين لم يكن هناك أي خدش على
مسح محمد بعض العرق المتكون على جبهته ووقف مستعدا لإكمال التدريب في حين أن يوسف بدى وكأنه قد تعب ويريد إنهاء هذا القتال فمحمد باشا بالفعل لا يركز على القتال ويبدو تانها وفي نفس الوقت مصمنا على الإستمرار بدون أي هدف
" جلالتك أنا تعبت يمكننا الإكمال غذا لو تريد .. " صاح يوسف وهو يغلق عينيه من الشمس التي تضرب وجهه مباشرة وكان الآخر على وشك الإعتراض حتى رأها تخرج من باب القصر متوجهة نحو الحديقة ولا يوجد غطاء على رأسها فجعد وجهه وأشار ليوسف بالرحيل ثم توجه برأسه نحوها
راقبها تتحرك إلى البحيرة وفي يدها كتاب اليوم يكون قد مر اسبوعان على محادثتهما الأخيرة وعائشة الآن في الحرملك وبالكاد قابلا بعضيهما لبضع المرات، كان يظنها ستحن قريبا لكنها لم تفعل بل أثرت الإبتعاد تماما وهو أيضا قد فعل المثل لأنه يظن أن هذا أفضل لكلاهما، ورغم ذلك هو قد اشتاقها كثيرا
لكنه وجد خروجها بدون حجاب على رأسها فرصة سانحة لأن يتحدث معها فصاح عليها من بعيد " ألم أقل أن الخروج للحديقة اللعينة بشروط أهمها أن تضعي وشاح على رأسك وثانيها ألا يكون هناك رجل في الحديقة ؟ "
توقفت عن السير واستدارت له وعلى عكس المتوقع، عائشة لم تبادله الصباح والمجادلة بل أومأت بهدوء وأعتذرت له دون أن تنظر إلى وجهه " اسفة جلالتك، نسيت .. هروح دلوقتي أغطي شعري. "
وبعدها وجدها تتحرك بصمت لتعود من حيث أنت فوقف ينظر إلى اللا مكان بضيق ثم التقط سترته عن الأرض وارتداها بسرعة وتوجه نحو جناحه لكنه اصطدم بها في طريقه من جديد وكادت تقع لكنه أمسك بها وحمحم " انظري أمامك وأنت تسيرين !! "
" حاضر " أجابت بهدوء من جديد رغم كونه هو الذي كان مسرعًا في طريقه وبعدها ابتعدت ورحلت إلى مكانها المفضل مؤخرا أمام البحيرة في حين توجه هو إلى المرحاض فوزا ليغتسل ثم ارتدى ثيابه ووقف ينظر إليها من خلال الشرفة، تقضي وقتها بالمذاكرة .. جيد.
في اليوم التالي مساءً كان متوجها نحو جناحه بعد يوم شاق من العمل وهو فقط كان يحلم بأن يرتمي بجسده على السرير وينام ولا يفكر في أي شيء لكنه وجدها تقف أمام الحرملك وفور رؤيته قفزت أمامه معترضة طريقه فلانت ملامحه العابسة قليلا ونظر لها بصمت علها تتحدث
" أنا كنت عايزة أكلمك في موضوع .. " قالت بتوتر وهي تحك كفيها معا فأوماً وأشار لها بالتحرك خلفه حتى دخلا إلى جناحه وأغلق الباب ثم وقف برسمية وشبك يديه أمام صدره
" حسنا، يمكنك الكلام الآن. "
أخذت نفسا عميقا مستعدة لما ستقوله وحمحمت " أنا عايزة أستعمل حقي الشرعي في تحرير نفسي واللي بيوفر هولي حق المكاتبة، وعايزة أنا وأنت تتفق على مبلغ هدفعه ليك نظير حريتي.
ابتسم ابتسامة جانبية وهو ينظر بعيدا، الآن لقد فهم لماذا كانت هادئة ومؤدبة طوال تلك الفترة المنقضية!
في حين شعرت بالقلق وظنت بأنه لن يوافق لكنه فاجتها بتمتمته " حسنا، بالطبع. "
ابتلعت لعابها وأردفت " ماشي، عايز كام ؟ "
رفع يده ليلمس لحيته مفكرا بهدوء وسرعان ما نظر لها وأجاب " خمسون. "
شعرت بأساريرها تتهال ولم تصدق أذنيها، سيحررها مقابل خمسون عملة !! لقد اشتراها
بسبعون !
لكن كل أحلامها تحطمت فور إكماله " خمسون ألف عملة . "
جحظت عينيها وبدأت تلقى عليه بنظرات قاتلة وهي تقضم على شفتيها بغيظ محاولة عدم الصياح في وجهه أو التفوه بأي شيء خاطئ لكنها فشلت بعد ثلاثون ثانية بالضبط وصرخت
في وجهه بكل غضب
" خمسين ألف إيه يا عينيا !!! ليه ؟ ده أنت شاريني بسبعين !! بعدين مافيش جارية في الدنيا سعرها خمسين ألف يا نصاب يا حرامي !! "
رفع إحدى حاجبيه ونظر لها بهدوء ليجيب بنبرة طبيعية ليست منفعلة رغم صياحها عليه
" ليس ذنبي أن من باعك لي كان مغفلا لا يعرف قيمة ما يملكه، أما أنا فأستطيع تقدير ما معي.
وسعرك بالنسبة لي يا عائشة أكثر من خمسون ألف عملة لكنني خفضت المبلغ قليلا لأجلك. "
" أنت عارف كويس إني مش هقدر يبقى معايا مبلغ زي ده ! " صرخت من جديد فرفع كتفيه وأجاب ببساطة " ليست مشكلتي، جدي شخصا واستلفي منه ! "
" أنت بتعمل كل ده عشان مش عايز تحررني !! طب أنت هتستفيد إيه لما ما تحررنيش !! ما كده کده مامتك رافضة ومش طايقاني | هتستفيد إيه لما تخليني في الزفت الحريم بتوعك بدون أي هدف !! " زمجرت وهي تضغط على فكيها بضيق
وما صدمها أكثر هو إجابته بلا مبالاة " لا أحب أن يأخذ مني أحدهم أي شيء أحبه، يمكنك
تسميتها أنانية وتملك أو ظلم واضطهاد. "
نظرت له بغيظ ودبدت بقدمها في الأرض ثم همست من تحت أسنانها " ماشي. " وسرعان ما
تحركت لتخرج من جناحه وصفعت الباب خلفها.
بعد خروجها تلاشت ملامح وجهه الهادئة لتظهر أخرى عابسة مرة أخرى وهم ليفتح أزرار توبه بضيق لكنه سمع طرقا على الباب فتحرك ليفتح الباب ووجدها أمامه من جديد تنظر إلى قدميها وتشيك يديها معا تم همست
" ممكن تسلفني خمسين ألف قطعة ذهبية وهقسطهو ملك على خمسين سنة ؟ "
حاول السيطرة على ملامح وجهه وعدم الضحك لكنه فشل بالأخير وتمت ابتسامة على وجهه فقضم شفتيه مقا محاولاً إخفائها لكن هو يكاد يكون متأكدا بأن هناك حفرتان عميقتان على
خديه الآن.
شبك يديه أمام صدره وهو ينظر لها بقلب ينبض بقوة وقال بهدوء " اذهبي إلى الحرملك يا
استدارت بخيبة وهي مازالت لم ترفع عينيها نحوه وكانت ستتحرك لكنه أوقفها " عائشة. "
استدارت له من جديد ورفعت عينيها لتنظر إلى عينيه فأقترب منها ثم أمال عليها ليصل إلى أذنها وهمس " تصبحين على خير. "
ثم دخل وأغلق الباب بهدوء وهي مازالت تلقي بنظرات حارقة على بابه .. عقلها يشتعل غيظًا منه ومن أفعاله والآن لقد وصل به الأمر لإخبارها بطريقة مباشرة أنها ستغني عمرها كجارية هنا
في قصره وستبقى جارية إلى الأبد !!!
ولماذا سيبقيها ؟ لأنه أناني متملك وغدا
أعماها غضبها تماما وطرقت على الباب بكل قوتها مستعدة لتوبيخه لكنه فتح لها عاري الصدر وشبك يديه أمام صدره فظهرت عضلات بديه في حين علق زرقاوتيه عليها بتساؤل وهناك خصلة من شعره قد وقعت على جبهته فابتلعت لعابها وحاولت تجميع شتات نفسها وهربت
الكلمات من عقلها تماما فبدأت بالتأتأة بصوت ضعيف مبحوح
" أنا .. أنا .. كنت كنت عايزة أقولك ..... وأنت من أهله. " ألقت بجملتها ثم هرولت هاربة من ذلك المنظر وهي تحاول إخراجه بشتى الطرق من عقلها حتى وصلت إلى سريرها في الحرملك
و جلست عليه
أغمضت عينيها وبدأت بهز رأسها يمينا ويسارا لتمحي صورته تلك عن عقلها لكنها لم تستطع لأنها وللأسف تحبه، لكن ماذا سيفيد هذا الحب على كل حال ؟ هما لن يكونا معا أبدا لأن محمد لن يختارها على أمه وجورنال تحولت تماما وأصبحت تكرهها
" لقد سمعت أن الباشا سيتزوج. "
التقطت أذنيها تلك الجملة والتي أنت من فم جارية تحادث جارية أخرى فانقبض قلبها وركزت معهما دون أن تنظر
" الهانم تبحث له عن عروس، لكن السيدة دولت تقول أنه يرفض الزواج في الوقت الحالي
بسبب الانقلاب المحتمل في القسطنطينية، قال أنه ليس متفرغا، " أجابتها الجارية الأخرى
" لكنه سيفعل بعد انتهاء تلك الأزمة على كل حال " قالت الفتاة الأولى بوجه حزين فتنهدت الأخرى ونظرت بعيدا بضيق ثم تمتمت
" سيتزوج ويتركنا هنا كحيواناته الأليفة! إنه لم يقترب لواحدة منا منذ الثماني أشهر ونصف حتى الآن. "
عقدت عائشة حاجبيها وتذكرت ماذا كان يقصد بالثمانية أشهر، ونعم تظنه سيتزوج وفقا لرغبة أمه فعلا فهو أخبرها بأنه لا يستطيع التحمل أكثر
" على الأقل نحن نعيش جيدا في قصره، أنا لم أكن أحصل على تلك الحياة عندما كنت في منزل عائلتي، لقد كان منزلاً حقيرا وكنا فقراء لم أمتلك إلا ثوبا واحدا وكنت حتى أنظف فضلات
البهائم. " دافعت الأولى فأومات الأخرى
" معك حق لكن نحن أبدا لن نمتلك عائلة ككل الفتيات، ولا حق لنا في الإنجاب حتى هناك تنازلات عظيمة لكي نعيش تلك الحياة المرفهة. "
" لقد سمح لنا الباشا بالخروج للحديقة لا تنسي هذا، إنه طيب القلب ! "
سخرت الأخرى وهي تنظر لعائشة " أكاد أقسم بأنه فعلها لأجل جاريته المدللة ! "
" لم تصبح مدللة بعد الآن وحتى لو لأجلها، مازلنا تستطيع الخروج، لا يهم لأجلها أم لا."
ابتلعت عائشة الغصة في حلقها وحاولت إلهاء نفسها بأي شيء قامتدت يدها نحو حقيبتها التخرج جواز السفر المخبئ بعناية في جيب صغير في حقيبتها لكن يدها اصطدمت بزجاجة صغيرة فتوسعت عينيها ولمعت مقلتيها ثم تركت الجواز وانتشلت الزجاجة
كانت يدها مازالت في الحقيبة تمسك بالزجاجة وعينيها تنظر لها بتفكير وبابتسامة جانبية ماكرة على وجهها، هذه الزجاجة تحوي العمل الذي أشترته من الساحرة لأجل أن تتزوج برجل يشبه كريس هيمسورت
وبالتفكير في الأمر من هنا يشبه كريس هيمسورت غير محمد باشا البستانجي؟
لا يوجد رجل أشقر ذو أعين زرقاء غيره في ذلك المكان سواء من العاملين أو الخدم أو الحراس !
أخذت بعض الوقت بالتفكير من جديد، لكن .... هي شعرت بأن فعل ذلك خاطئ، ستجبر محمد بالزواج بها باستخدام السحر؟ ستكون مشعوذة حقا كما قالت كريستين!
كما أن الأمر يجرح كرامتها وكبريائها، فكيف ستتزوج به وهي تعرف تماما بأن الأمر ليس بإرادته بل هو مغلوب على أمره
رمت الفكرة خارج عقلها تماما وأمسكت بالزجاجة ثم نهضت عن السرير وتوجهت نحو المرحاض التتخذ قرارها النهائي بسكبها في البالوعة فهى لن تلجأ للسحر من جديد للوصول إلى أهدافها
بطريقة سهلة
الأمر لا يتم فعله هكذا، إذا أردت شيئا فاعمل بجد لأجله لأن يحثك عن الطرق السهلة دون بذل أي مجهود لن يجلب لك أي خير ولو أوصلك حقا لما تريد فلن تشعر حينها بلذة الانتصار، تماما كالغش في الإمتحانات.
في اليوم التالي كان محمد في طريقه إلى الخارج صباحًا لكنه فوجئ بها في وجهه من جديد
" جلالتك قولتلي إنك هتشغلني هنا طبيبة لما أتعلم، ممكن أعرف هنديني مرتب كام ؟ "
ابتسم بخفة ورفع يده ليحك ذقته وأجاب " سبعون عملة كل شهر كأي طبيب، ولو تريدين حسابها .. ستحتاجين حوالي ستون سنة من العمل هنا حتى تستطيعي تجميع خمسون ألف
قة عملة، أعدك لو كنا أحياء حينها فساعطيك حريتك "
راقب وجهها يشتعل باللون الأحمر وفكيها يضغطان على بعضهما بصورة سيئة وهي تلقي عليه بنظرات تصحبها لعنات مخفية في عقلها فاتسعت ابتسامته وأردف وهو يكمل طريقه " السلام
لكنه سمعها تتمتم من تحت صرير أسنانها " الهلاك عليك! "
ورغم ذلك انحفرت غمازتيه عميقا في وجهه؛ لأنه اصطبح بوجهها كما كان يفعل قبل الإسبوعان.
أوقفه زيدان قبل أن يخرج من الباب بقوله " جلالتك هناك مبعوث من السلطان ينتظرك في قاعة الضيوف. "
عقد حاجبيه واستدار متخذا طريقه نحو قاعة الضيوف وفور دخوله الحنى له الرسول مرحبا به " باشا .. "
أشار له محمد بالكلام بينما عينيه معلقتان على الشخص الذي يقف خلف الرسول والتي كانت فتاة نظرا لملابسها غير أنه لا يستطيع رؤية وجهها المغطى بشال أسود لكن عينيه رجعت
للرسول عندما تكلم
" جلالة السلطان يبلغ حضرتكم السلام ويرسل لكم بهذه الهدية متمنيا أن تعجب سيادتكم " قال وهو يخفض رأسه ويتراجع قليلا ليجعل الفتاة في المقدمة
حرك محمد رأسه ليصوب عينيه نحوها من جديد لدقيقة بصمت ثم تقدم منها ومد يديه ليرفع الغطاء الشفاف حتى يستطيع رؤية ملامح وجهها فاصطدم بأعين خضراء تنظران له بابتسامة خافتة زينت شفتيها الرفيعان
بلل شفتيه بلسانه بحركة خاطفة وطالعها من أعلى إلى أسفل ثم ابتسم ابتسامة جانبية تعبر عن مدى رضاه
" ما هو اسمك ؟ " سأل بنبرة هادئة فتوترت وخجلت كثيرًا من زرقاوتيه المصوبتان نحوها وصوته الجميل فأجابت بتلعثم " ايز .. إيزابيلا مولاي. "
أشار بيده إلى زيدان وقال " جهزوا سرير لإيزابيلا في الحرملك. "
وقبل أن تتحرك خلف زيدان كان محمد قد تفحصها من رأسها إلى أحد إخمص قدميها من جديد وابتسم مردفا " ستسعدين بإقامتك في قصري يا هدية السلطان. "
نظرت له الفتاة بخجل من جديد وانحنت له وهي تهمس " سأتشرف بوجودي في حريمكم مولاي. "
أعطى الإذن لها بالرحيل ثم عاد بنظره إلى الرسول وعادت نبرته لتكون صارمة من جديد
" ابلغ السلطان أن محمد باشا يشكره كثيرًا على كرمه وسخانه وينتظر بفارغ الصبر اللحظة التي سيعبر فيها عن مدى إمتنانه. "
أحنى الرسول رأسه ثم أستأذن هو الآخر بالرحيل وحينها استدار محمد وتحرك نحو الخارج.
كانت عائشة تقرأ في الكتاب الذي في يدها حينما سمعت جلبة عالية ورأت الخادمات يدخلون فتاة ما يدت في الخامسة والعشرون من عمرها، جميلة كثيرا ... بل رائعة الجمال، عينيها
الخضراء صافية ووجهها أبيض كالقمر يوم تمامه مع شعر أسود ناعم متوسط الطول
عقدت حاجبيها بدون فهم لكن بعد وهلة أدركت بأنها جارية جديدة، وهذا جعل الصدمة تصيبها ورعشة سيئة مرت على يديها لكنها قبضت على الكتاب بقوة ورجعت بعينيها إليه لتحاول المذاكرة لكنها لم تستطع، عقلها يشتعل نازا ولا تستطيع التركيز على أي شيء
ثبات عينيها على الصفحة لكنها شعرت ببعض النظرات تخترقها فرفعت رأسها لتجد الكثير من النظرات الشامتة موجهة نحوها من الجميع وحتى من دولت
صكت على فكيها في محاولة لكبت غضبها وأنفاسها المتسارعة، ستكذب لو قالت أن الغيرة لا تأكلها حية ... ولو كان هذا هدف محمد فهو قد نجح تماما
يبدو أنهم وضعوها في السرير المقابل لها بالضبط ... رائع ستكون في وجهها ليلا ونهارًا !
تلاقت عينيها بتلك الخضراوتين لتبتسم لها الفتاة والتي عرفت بأن اسمها إيزابيلا لأن دولت نادتها بذلك لكن عائشة لم تبادلها بل نظرت لها بصمت، كانت ممتلئة القوام قليلا، ليست بالسمينة لكنها ليست بالممشوقة أيضا.
لا تعرف النوع الذي يفضله محمد لكن وهل سيفرق معه زير النساء هذا؟ لا لن يفرق معه !
لا تبدو شمطاء مثل كريستين عليها الإعتراف بهذا، بل تبدو بريئة جدا لدرجة أخافتها وجعلتها تغلق الكتاب وتحمله لتنهض مغادرة للحرملك بأكمله لتتوجه نحو الحديقة بعيدا عن نظرات الحقد والكراهية التي تتلقاها هناك ثم انكبت على المذاكرة لتشتت نفسها عن كل شيء يجول حولها لكن وللمرة الثانية لا تستطيع الهلاك على محمد حقا! ذلك الوعد الحقير الأناني الوسيم ... للأسف، فربما لو كان قبيحا أو غبى لكانت قد كرهته لكنه ليس كذلك، بل تجتمع فيه معظم الصفات الجيدة للأسف مرة أخرى.
مر ثلاثة أيام كانت عائشة لا تجلس فيهم في الحرملك إلا قرب وقت النوم، أما باقي الوقت فتتخذ ركنا في الحديقة وتنكب على ما في يدها من كتب ومثل كل يوم هي قد نهضت تنفض ثيابها عندما حل الظلام وتوجهت نحو القصر لتتخذ طريقها نحو الحرملك وجلست على سريرها بهدوء فقفز القط نحوها وجلس على قدميها
كانت إيزابيلا مازالت تنظر لها كعادتها منذ جائت إلى هنا؛ فهي تطالعها بتوتر من حين إلى آخر باستمرار التراقب كل تحركاتها لأنها بدت مختلفة تماما عن أية جارية هناء
لكنها نهضت عن سريرها هذه المرة ووجدتها تجلس بجانبها وهي تبتسم وتمد يدها لها " مرحبا أنا إيزابيلا ! "
نظرت عائشة لها بنظرة باردة وسخرت " عارفة. " دون أن تصافحها
توترت إيزابيلا و حمحمت وهي تسحب يدها لتضمها مع يدها الأخرى " وأنت ؟ "
كانت الأخرى بالكاد تستطيع السيطرة على نفسها قبل أن تصرح الآن بأن تغرب عن وجهها، فماذا تظنهما ؟ سيصبحان أصدقاء كالضرائر الذين يمتلكون زوجا واحدًا ومع ذلك تجدهم يتسامرون
ويتعايشون مع الوضع ؟ لا وألف لا ومليون لا !!
" عائشة " أجابت باختصار وهي تدير عينيها إلى القط لتداعب فروه الأبيض وحينها ظهر صوت إيزابيلا وهي تمد يدها محاولة لمس القط " قطتك لطيفة ما اسمها ؟ "
لكن عائشة أمسكت بيدها قبل أن تصل له وزمجرت في وجهها بنيرة مهددة " ده ذكر مش أنثى، و ما تلمسيهوش عشان ده بتاعي أنا وبس ... فخليكي بعيدة عنه عشان ما يحبش حد يلمس حاجة
بتاعتي. "
قلقت الفتاة من قبضة عائشة على يدها وطريقتها تلك وشعرت بالخوف فورا و همست بصوت منقطع " أنا .. أنا لم أقصد ... وجدته لطيفا فقط أنا .. أنا .. "
" إنتي إيه ؟! "
" أنا فقط وجدت أن .. أن لا أحد هذا يريد الكلام معنا ... وفكرت ربما ... ربما يمكننا أن نتحدث
سويا ! "
عقدت عائشة حاجبيها وتركت يدها ثم نظرت لها بصمت لبعض الوقت حتى نطقت " ماظنش إن أنا وإنتي ممكن نتفق سوا. "
" لماذا ؟ "
ضحكت الأخرى ضحكة غير مصدقة ونظرت لها بذهول ... هل تلك الفتاة غبية أو شيئا ما ؟!!!
" أن ماشي أنا هقولك لماذا .... ببساطة شديدة جدا لأني ... لأني .. " ابتلعت لعابها وشعرت بالضيق في قلبها وهريت جميع الكلمات من عقلها
" لأني ما يحبش أتكلم مع حد، ونصيحة ما تأمنيش لأي واحدة هنا .. لأنهم حاولوا يقتلوني قبل كده فالافضل تخليكي في حالك. "
شعرت إيزابيلا بالخوف أكثر ونظرت لها بقلق فرفعت عائشة عينيها إليها وتأملتها بصمت، لماذا تبدو واللعنة بريئة وطيبة هكذا !!! هي تريد كرهها مثلما كرهت كريستين ومثلما تكره باقي الجواري لكن الأمر صعب حقا !
" لماذا حاولن قتلك ؟ " سألت إيزابيلا من جديد وكأنها مصرة على فتح حديث مع عائشة ويبدو أن الأخرى تخلت قليلا عن تعنتها ضدها وأجابت كاذبة " عشان كنت حامل. "
شعرت بإيزابيلا تصيبها الصدمة وهمست بخوف " يا إلهي ! ... مهلا .. هل تمتلكين طفلا من الوالي ؟ "
ابتسمت عائشة بحزن لكنها أثرت تخينة مشاعرها تلك تحت قناع السخرية فضحكت باستهزاء وأردفت " لو كنت بمتلك طفل من الوالي ماكنتيش هتبقي هنا لا أنتي ولا أي جارية. "
بداخلها كانت تعرف بأن هذا صحيح، لو كانت رضخت لمحمد لكانت ستصبح زوجته وكانت لتبقى نائمة في جناحه ولا فتاة كانت ستتجرأ على الاقتراب ولو خطوة منه
ولم تكن لتسهر ليلا من الضيق والألم والتفكير في هل سيخونها حقا ؟
لكنها لم تكن لتحترم نفسها، كانت ستفقد كرامتها وشرفها وكل شيء، كانت ستفقد نفسها .. وهذا كان أسوأ من خيانة محمد لها !
" حزينة على خسارتك " أفاقتها إيزابيلا بصوتها المتعاطف فشعرت بالغضب يعتلي صدرها أكثر .. بالطبع محمد سيحبها؛ فهي طيبة ومطيعة وتبدو مرهفة المشاعر وهادئة وكل الصفات الجيدة فيها والتي لا تمتلكها هي
تجاهلتها وأمسكت بالكتاب لتقرأ منه فنظرت لها إيزابيلا بفضول " ماذا تقرأين ؟ هل يمكنك القراءة ؟ هل يمكنك تعليمي القراءة أيضا ؟ "
أغمضت عائشة عينيها بضيق وقبضت على الكتاب بقوة حتى هربت الدماء من أصابعها ولم تشعر بنفسها إلا وهي تصرخ عليها " لا، وبعد إذنك مالكيش دعوة بيا !! "
تكون غلافا رقيقا من الدموع على أعين الأخرى ونهضت بسرعة لتبتعد عنها في حين شعرت هي بالندم فوزا على ما فعلت، لكنها لم تستطع فقط التماشي مع الأمر ! أنها تحب محمد وتشعر بالتملك نحوه ولا يمكنها إقامة صداقة مع فتاة ربما ستذهب لخلوته يوما ! الوضع جنوني وكارتي بالنسبة لها !! ولا تعلم كيف تتقبل جميع الجواري هذا ؟
فهي إن أعجبها وشاحا تلفه حول رقبتها فلن تشاركه مع أختها حتى ! فما بالكم برجل واقعة في
غرامه ؟
نظرت بطرف عينيها نحو سرير إيزابيلا لتجدها متكومة حول نفسها وتمسح بعض الدموع عن عينيها بوجه أحمر وأثناء ذلك دارت برأسها على جميع من في الحرملك لتجدهن يبتسمن بخفوت وينظرن الإيزابيلا بشماتة فشعرت بالضيق ورجعت برأسها إلى القط
لكن ما فاحتها هو صياح الحارس خارج الحرملك " دستور جلالة الوالي محمد باشا البستانجي.
ثم فتح الباب فورا ليظهر هو من خلفه فوجدت جميعهن بما فيهن إيزابيلا يسار عن بالوقوف في صفين متقابلين ورأسهن للأسفل
ترجل محمد إلى الداخل وألقى عليها بنظرة ضيقة فقلبت عينيها ونهضت ببطء وتكاسل عن السرير لتقف بجانب إيزابيلا دون أن تحني رأسها، فلو لم تعجبه تصرفاتها فليحررها ويطردها
عن قصره
اختار تجاهل تصرفها ذلك لأن آخر ما يريده هو شجارًا مع عائشة في العلن!
مر على الجميع فأنحنين ليقبلن يديه وهو يسأل عن أحوالهن حتى وصل إلى إيزابيلا فابتسم ونظر إلى وجهها " ما أخبار إقامتك معنا يا هدية السلطان؟ "
" أنا سعيدة بكوني في حريمكم مولاي " أجابت إيزابيلا بهدوء وهي تمسح على عينيها فتنبه محمد لكون عينيها دامعة ووجهها أحمر وعقد حاجبيه ثم سأل من جديد
" هل كنت تبكين ؟ ماذا حدث ؟ "
نظرت لهما عائشة وتكاد تكون متأكدة بأن إيزابيلا ستستغل الوضع لتخبره بأنها السبب في بكائها لكنها وجدت إيزابيلا تنفي برأسها وتجيب
" لا شيء جلالتك لقد دخلت بعض الشوائب إلى عيناي. "
حول محمد عينيه إلى عائشة التي كانت تنظر له بنظرة غير مبالية فتحرك نحوها وكانت آخر جارية وهو شبه يعرف بأن لو كانت إيزابيلا تبكي حقا فهي السبب بنسبة تسعون بالمئة! لكن الحمد لله أن إيزابيلا قد كذبت، لأنها لو كانت قالت بأنها عائشة لم يكن ليتخذ أي موقف ضدها
وكان ذلك سيجعل شكله سينا بشدة أمام الجميع!
مد يده لها وكان من المفترض أن تقبلها لكنها صافحته بهدوء وسحبت يدها لتنظر بعيدا فوجدت دولت تسرع نحوها لتنكزها وتزمجر من تحت أسنانها " قبليه !! "
بينما محمد كان يراقب وجه عائشة يشتعل غضبا ثم نظرت له ولدولت ولباقي الجواري والحراس لتجد الجميع يعلقون عينيهم عليها منتظرين منها الإنحناء وتقبيل يده ...
ابتسمت بمكر و اقتربت منه لتضع قبلة على وجنته وهمست وهي تنظر إلى عينيه ممثلة نبرة بريئة " أسفة جلالتك ماكنتش أعرف إني لازم أقبلك ! "
رأت وجهه يتحول للون الأحمر من الإحراج وتوسعت أعين الجميع لكن حمحمة من محمد جعلتهم يخفضون أعينهم فأمال عليها وهمس في أذنها " لو شجاعة هكذا ضعيها في مكان آخر الله في المرة القادمة. "
وجدها تقف على أنامل قدمها لتصبح في طول قامته لتهمس في أذنه من تحت أسنانها " في احلامك يا باشا ولو مش عاجبك حررني واطردني برا القصر ولا أقولك ! عاقبني ووديني السجن على الأقل مش هقعد في وسط جواريك لأن كوني من حريمك إهانة ليا. "
همس في أذنها أيضًا " لذلك سأبقيك هنا، وبالمناسبة لم أقصد يدي، قصدت مكانا آخر. "
ثم استدار واتخذ طريقه نحو الخارج تاركا إياها تحاول فهم ما الذي يقصده هذا اللعين؟