تحميل رواية علي دروب الهوي بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عَ دروب الهوى مَشّاني حبيبي عَ دروب الهوى مَشّاني وعَ كرم الهوى وَصَّلني حبيبي وعنقودو اسْتوى وناداني ناداني سوا سوا رحنا نمشي إيد بإيد والهَوا يْلَوّحنا متل العَناقيد غَمَرني بالهَنا وسَحَرني بالغِنا حتّى إسمي أنا نسّاني كان يقف على أطراف أصابعه ويمُدُ ذراعه للأعلى لتصل كلمات الأغنية إلى آذانها، انتظر قليل فقليلًا بعد، ثم انشرح ثغره بابتسامةٍ سعيدة حين فُتحت أبواب شُرفتها، وظهرت هي بطلتها الساحرة، التي تسرق قلبه بعد أن استمعت لصوت فيروز، تلفتت يمينًا ويسارًا تتفقد المكان من حولهما قبل أن تُسقِط...
رواية علي دروب الهوي الفصل الأول 1 - بقلم تسنيم المرشدي
عَ دروب الهوى مَشّاني حبيبي
عَ دروب الهوى مَشّاني
وعَ كرم الهوى وَصَّلني حبيبي
وعنقودو اسْتوى وناداني ناداني
سوا سوا رحنا نمشي إيد بإيد
والهَوا يْلَوّحنا متل العَناقيد
غَمَرني بالهَنا
وسَحَرني بالغِنا
حتّى إسمي أنا
نسّاني
كان يقف على أطراف أصابعه ويمُدُ ذراعه للأعلى لتصل كلمات الأغنية إلى آذانها، انتظر قليل فقليلًا بعد، ثم انشرح ثغره بابتسامةٍ سعيدة حين فُتحت أبواب شُرفتها، وظهرت هي بطلتها الساحرة، التي تسرق قلبه بعد أن استمعت لصوت فيروز، تلفتت يمينًا ويسارًا تتفقد المكان من حولهما قبل أن تُسقِط عينيها عليه.
تشكلت ابتسامة خجولة على محياها وتساءلت بصوتٍ خافت:
_ عايز ايه؟
أسبل عينيه في عينيها الخضراء التي تُشبه أغصان الزيتون، وأجابها بنبرةٍ بلغت من العشق مجده:
_ وحشتيني يا دكترة، بقالي يومين بحالهم مش عارف أشوفك
عضت على شفاها السُفلية بحياء وأخفضت بصرها قبل أن تعود ناظرة إلى عينيه المُتيمة بها وقالت برقةٍ:
_ غصب عني، كنت شيفت ليلي
عبست ملامحه وهو يعاتبها بلطفٍ:
_ وبعدين بقى في الشيفتات الليلية دي، مش قولنا نبطلها؟
حمحمت قبل أن توضح له أن الأمر خارج إرادتها:
_ الموضوع مش بإيدي والله، دي أيام ومتقسمة عليا أنا وبقيت الـ Doctors
ارتخت تعابيره من الحِدة إلى اللين تدريجيًا، وقال وهو يُغازِلها بأسلوبه الخاص:
_ بقيت الـ إيه؟ Doctors، آه من الدكترة آه
قهقهت على أسلوبه الطريف لكن سرعان ما تشنجت تقاسيم وجهها حين استمعت إلى صوت أبيها الذي يناديها من الداخل وأردفت كلماتها بتوترٍ بائن:
_ أبويا بينادي عليا، أنا هدخل..
أدارت ظهرها له ثم تراجعت ونظرت إليه فكان على وشك المغادرة، نادته فعاد ناظرًا إليها ثم قالت ببسمةٍ لطيفة:
_ تصبح على خير يا عبدَالله
إلتوت شفتيه للجانب وقال بِعذُوبة:
_ وأنتِ من أهل عبدَالله
خفق قلبها بقوة واحمرت وجنتيها ثم أسرعت إلى الداخل عندما أعاد والدها تِكرار ندائه، ولج غرفتها
قلقًا من عدم ردها أثناء غلقها لباب الشرفة، وقفت أمامه جاحظة العينين خشية أن يُكشف أمرها فتعجب الآخر من حالتها المريبة وسألها مستفسرًا:
_ مالك يا صبا، واقفة عندك بتعملي ايه؟ ومش بتردي عليا ليه بقالي ساعة بنادي عليكي
حُشِرت الكلمات داخلها، واجهت صعوبة بالغة وهي تحاول إخراجهم لتجيبه، حمحمت وحاولت تهدئة روعها ثم اقتربت قليلًا منه وأجابته بنبرةٍ متريثة عكس داخلها المضطرب:
_ معلش يا بابا كنت بصلي ركعتين لله..
ابتسم والدها بهدوء ثم قال بصوتٍ أجش:
_ تقبل الله يا حبيبتي
_ حضرتك كنت محتاج حاجة؟
سألته باهتمامٍ ظاهر فتذكر والدها ما جاء لأجله وقال:
_ كنت عايز أشرب فنجان قهوة من ايديكي الحلوين، بقالي يومين مشربتش
انضمت إليهم والدة صبا التي أظهرت غيرتها تجاه زوجها وطلبه من ابنتهما:
_ شوف الراجل! بقى أنت بقالك يومين مشربتش؟ أومال أنا كنت بعملها لمين؟ لنفسي؟!
غمز بعينه إلى صبا وشاكس زوجته مازحًا:
_ وهي دي قهوة برده يا أم جمال؟!
اتسعت حدقتيها وهي تردد كلماته بحنقٍ:
_ بقى كدا يا محمود؟
أولته ظهرها بحزنٍ سيطر عليها وكادت تغادر إلا أنه أوقفها بقوله:
_ استني بس يا إجلال، أنتِ ليكي منطقتك اللي بتعملي فيها الحلو كله سيبي حاجة واحدة للبنت تعملها حلو..
انفرجت شفتيها وانشرح قلبها فهلل عاليًا:
_ تعالي إحنا نقعد جوا على لما الدكتورة تعمل لنا القهوة
سبقته إجلال خارج الغرفة بينما التفت محمود إلى ابنته وغمزها قبل أن يردف مازحًا:
_ بتيجي وتروح بكلمتين
لم تستطيع صبا كتم ضحكاتها وانفجرت ضاحكة بينما أسرع ابيها خلف والدتها، زفرت أنفاسها وهي تحدق بباب الشرفة، إلتوى ثغرها للجانب حين تذكرت عبدَالله، خفق قلبها بشدة، وتعالت وتيرة أنفاسها حين تذكرت دعائه أن تكون من أهله، آمّنت داخلها وهي تتمنى حدوث ذلك، ثم توجهت إلى المطبخ لتعُدُ قدحان من القهوة لوالديها.
***
غادر بعد تأكُده من عدم عودتها مرة أخرى، تناوب سيره بين الأزقة الضيقة لكي يخرج إلى الشارع، حمد الله أن غرفتها بعيدة عن الأعين ليُمتع نظره برؤيتها كلما اشتاق إليها، لم يتوقف عقله عن تذكيره بدفع ما عليه فتعكر صفوه وزمجر:
_ آل يعني ناسي..
خرج إلى تلك المنطقة الشعبية الذي يقطن بها، كان يلقي السلام على كل من مر به، وصل إلى ورشة تصليح سيارات ثم دس يده في جيبه وقام بسحب ورقة مطوية وهو يردد كلماته حتى يجذب انتباه العامل الذي يظهر جزءًا من جسده والجزء الآخر أسفل السيارة:
_ يا سطا مرسي، جايب لك إيراد العربية، والعربية وديتها المغسلة زي ما طلبت مني..
خرج مرسي من أسفل السيارة فظهر وجهه المُطلخ باللون الأسود، وقال وهو يلتقط منه المطوية:
_ هات يا خويا لما نشوف الفلوس ناقصة النهاردة ولا زايدة..
حمحم عبدَالله وأخبره بتمامِهم:
_ الفلوس زايدة المرة دي عن اللي فاتت، قبضني بقى عشان أروح أشوف مصلحتي
_ فلوس إيه اللي زايدة يا عبدَالله؟ الفلوس كل مادا ما بتنقص
هتفها مرسي وهو يعُد النقود فرد عبدَالله موضحًا السبب:
_ البنزين غلى يا سطا مرسي والعربية بتسحب كتير من كتر اللف، وأنا يعني لو بحطهم في جيبي كان هيبقى دا حالي؟
زفر مرسي أنفاسه بضجرٍ، أخذ بِضعة ورقات نقدية وأردف وهو يناولهم له:
_ طب خد يا خويا يوميتك..
أخذ عبدَالله النقود، وفغر فاهه بصدمة حين وجدهم ثلاثة ورقات فقط وصاح معترضًا:
_ إيه دا؟ ٣٠٠جنيه يعني أنا ألف واتعب ١٢ ساعة متواصل وفي الآخر أخد ٣٠٠جنيه!!
ببرودٍ قاسٍ ولا مبالاة لتعبه هتف مرسي:
_ دا اللي عندي ولو مش عايز تشتغل هجيب واحد غيرك كمان ساعة
تشدق عبدَالله بفمه ورمقه بسخطٍ ثم تركه وغادر، فأوقفه الآخر بقوله:
_ متتأخرش بكرة يا عُبدالله
لم يعيره عبدَالله اهتمام فهو رجلًا ظالم لا يفعل بوصية رسول الله ويعطي الأجير حقه كاملًا، بل ينفق ببخسٍ على الآخرين، بصق عبدَالله باشمئزازٍ وردد بينه وبين نفسه:
_ راجل عرة
توجه نحو الصيدلية وأعطى الطبيب الروشتة التي أخرجها من جيب بنطاله، انتظر حتى أتى الطبيب بالأدوية ثم أعطاه نقوده وغادر، قام بشراء بعض الأطعمة ثم عاد إلى منزله، استقبلته والدته بحفاوة وحبٍ:
_ نورت البيت يا قلب أمك
التقط يدها وطبع قُبلةً عليها ثم أردف بحنانٍ:
_ دا نورك ياست الكل، أنا جبت لك علاج الكوليسترول خديه بقى عشان تبقي كويسة
_ ربنا يخليك ليا يا عبدَالله، ويسعد قلبك يابني يارب
دعت بفطرتها وهي تتمنى أن يستجيب الله لدعائها، حمحمت ثم سألته باهتمام:
_ أحضر لك لقمة تاكلها؟
_ ياريت، دا أنا واقع من الجوع
قالها وهو يتحسس بطنه بحركات دائرية فأشارت إلى عينيها وقالت قبل أن تغادره:
_ من العين دي قبل دي
أسرعت إلى المطبخ تُحضر طعامًا شهيًا يملأ معدته ويُدفء جوفه، بينما ولج عبدَالله إلى المرحاض لينعم باستحمام يُنعش جسده ويريح عضلاته فلقد كان يومًا شاق كغيره من الأيام، وقف أسفل المياه وأغمض عينيه، وحلق بخياله إلى حلمٍ لو تحقق سيزيل عبء كبير من على اكتافه.
أعاد فتح عينيه حين شعر ببرودة المياه وصاح بصوتٍ عالٍ:
_ المية يا أحلام مش كدا في بني آدمين بتستحمى
جاءه صوتها من الخارج وهي تقول:
_ معلش يا عبدَالله فتحت المية بالغلط
تنحى جانبًا إلى أن عادت المياه ساخنة ثم وقف أسفلها وأكمل استحمامه وخرج بعد أن حاوط خصِره بالمنشفة يبحث عن شيءٍ يرتديه بسرعة حتى يُدفء جسده من برودة الطقس، فشهر يناير معروفًا بانخفاض درجة حرارته.
انتهى من ارتداء ملابسه ثم اقترب من بنطاله وأخذ منه النقود المتبقية لديه وتوجه نحو الكومود وأخذ منه عُلبة مكتوبًا عليها 'عشان أتجوز صبا' قام بوضع النقود بها ثم أعادها إلى الدرج وخرج ليتناول طعامًا يُشبع به معدته.
***
في الصباح، استيقظت بنشاطٍ وحيوية وقامت بأداء ركعتين كما اعتادت من كل صباح، ثم توجهت إلى الخارج فقابلتها والدتها وقالت بحنانٍ:
_ صباح الخير يا زينة الصبايا
ابتسمت بسعادة فهي تحب ذلك الإسم منها، اقتربت منها وهي تجيب تحيتها:
_ صباح الفل يا ماما
انضم إليهن محمود الذي ألقى تحيته:
_ صباح الخير يا دكتورة
_ صباح الخير يا بابا
قالتها فتابع محمود متسائلًا باهتمام:
_ شكلك عندك نبطشية صباحية
أماءت برأسها فواصل والدها وهو يلتقط هاتفه من جيب جلبابه البيضاء:
_ حيث كدا أكلم عبدَالله عشان يكون جاهز ومتتأخريش
خفق قلبها فور سماعها اسمه، عصف بها توترًا حتى شعرت بافتضاح أمرها، فاعتدلت في وقفتها و وحاولت إرخاء وجهها المُتلهف، على الجانب الآخر هاتف محمود عبدَالله وبعد فترة سمع صوته الناعس:
_ عم محمود..
حدّثَهُ محمود عما يريده منه بلهجة طيبة:
_ عايزك توصل الدكتورة صبا المستشفى يا عبدَالله
انتفض عبدَالله من مكانه، فرك عينيه وأردف بصوتٍ أكثر اشراقًا:
_ خمس دقايق وهكون واقف تحت
أنهى الإتصال ونهض سريعًا يلتقط ملابس له من خزانته، كاد يغادر إلا أنه تريّث وعاد إلى المرآة يتفقد حالته، فلم تكن جيدة، وقف يُمشط شعره ووضع من قنينة العطر الذي اشتراه خصيصًا ليضعها وهو يرافق صبا، أعاد تفقد نفسه فكان لابأس به، خرج من الغرفة فوجد والدته أمامه تسأله:
_ أنت رايح فين من بدري كدا؟ هتوصل الدكتورة؟
أماء عبدَالله دون تعقيب ثم توجه إلى الخارج فهتفت هي:
_ مش هتفطر قبل ما تنزل؟
_ بعدين، بعدين
هتفها واختفى من أمامها في لمح البصر، توجه إلى ورشة مرسي ليأخذ منه السيارة، بالتأكيد مغلقة فالوقت ما زال باكرًا، تنهد بانزعاج ثم قام بالإتصال على ذلك المرسي، فأجاب بعد قليل على مضضٍ:
_ في إيه يابني بدري كدا؟
أجبر عبدَالله لسانه على مُجاراة ذلك السمج فأجابه بإيجاز:
_ محتاج العربية..
تفقد مرسي الوقت وعاد يُحادثة بغِلظة:
_ لسه ساعتين على ورديتك وتستلم العربية
أغمض عبدَالله عينيه محاولًا تمالك أعصابه وقال بهدوءٍ:
_ بس أنا محتاجها دلوقتي، اعملي استثناء النهاردة ومش عايز حقهم..
لم يفكر مرسي كثيرًا، وافق أن يُسلمه السيارة، وقف في شرفة بيته وقام بإسقاط مفتاح الورشة ومعه مفتاح السيارة وصاح عاليًا بأمرٍ:
_ اقفل الورشة كويس بعد ما تخرج العربية
اكتفى عبدَالله بإيماءة من رأسه وأسرع خُطاه إلى الورشة، أخرج السيارة سريعًا وقام بتوصيد قفل الورشة حتى لا يسمع سخافاتٍ لا يريدها، قاد السيارة حتى وصل بيت صبا وهاتف محمود يُخبرَهُ بوصوله.
شعر بحاجته المُلحة في إشعال سيجارة، نظر حيث منزل صبا وعندما لم يجدهم قد جاءوا، ترجل من السيارة سريعًا ووقف جانبًا ثم سحب عُلبة السجائر من جيبه وقام بإشعالها، وقف ينفثها باستمتاع حتى وقعت أصواتهم على أذنيه فقام بإلقائها سريعًا ودعس عليها ليمحي أثرها حتى أطفأها تمامًا.
تلك الأثناء رأته صبا وتجهمت تعابيرها، بينما نظر محمود إلى عبدَالله وقال بصوتٍ أجش:
_ وصل الدكتورة يا عبدَالله وامشي على مهلك
اختلس عبدَالله نظرة سريعة على صبا وجاوبه بعملية:
_ عنيا يا عم محمود، متقلقش عليها
أسبقت صبا بركوب السيارة في الخلف، وكذلك استقل عبدَالله خلف المقود وودع محمود ثم تحرك بالسيارة مبتعدًا عن الحارة، تفقد عبدَالله المِرآة الخارجية ليتأكد من ابتعادهم الكافي ثم أعدل المِرآة العُليا فعكست له ملامح وجهها الغاضبة وسرعان ما انفجرت به:
_ هو دا اتفاقنا؟ مش قولنا تبطل سجاير؟
راوده بعض الخجل وحاول تهدئتها بكلماته:
_ وأنا قولت هحاول، مش معقول في يوم وليلة هقدر أبطل من نفسي كدا، بحاول على قد ما أقدر إني أشغِل نفسي ومشربش بس استحملي شوية؛ الموضوع مش هيحصل مرة واحدة..
لم تقتنع، ما زالت تقاسيمها حادة غاضبة، ابتسم عبدَالله ومازحها:
_ خلاص يا دكترة بلاش الوش دا، هحاول أكتر من كدا
تنهدت صبا وارتخت ملامحها بعد فترة، تابع عبدَالله قيادته وعينيه تختلس النظر إليها من آنٍ لآخر، حاول تلطيف الأجواء فقال بنبرةٍ مُتيمة:
_ وحشتي قلبي يا دكترة
أدارت صبا رأسها وحركتها مرارًا لا تصدق تغييره للحوار، لكنها لم تستطع منع ابتسامتها التي ظهرت على ثغرها واعتقدت أنه لم يراها لكن هيهات لعينيه التي تتفحصها جيدًا، فهلل عاليًا بسعادة:
_ اضحكي اضحكي..
حاولت إخفائها ونظرت إلى المِرأة بوجهٍ جامد وقالت بغيظ:
_ متحاولش، أنا مضايقة منك
صف عبدَالله السيارة جانبًا والتفت بجسده ناظرًا إلى عينيها الخضراوين وأردف بصوتٍ رخيم:
_ لا مقدرش على كدا، دا أنا ماشي برضا ربنا وأمي ورضاكي علينا يا دكترة
عقدت صبا ذراعيها على صدرها بتحدٍ وهتفت بتزمجر:
_ متحاولش..
_ طب يرضيكي إيه؟
سألها باهتمام فأجابته بإصرارٍ:
_ يكون عندك عزيمة إنك تبطلها خالص، مفيش هحاول دي تاني
_ هحاول
قالها بتلقائية فاتسعت حدقتيها ورددت دون تصديق:
_ برده؟!
_ قصدي هبطلها
هتفها ثم أضاف بحزنٍ مصطنع:
_ بس تعرفي، أنا زعلان أوي إني مكملتش تعليمي..
قطبت صبا جبنيها بغرابة وسألته بفضولٍ عن سبب حُزنه:
_ ليه؟
رد عليها وهو يطالع عينيها اللامعة:
_ آخر حاجة قالولهالي إن القمر بيكون بليل بس، مش لو كنت كملت تعليم كنت عرفت إنه بيطلع بالنهار برده!
تفاجئت صبا أن الحديث يدور حولها، وضعت كفوفها أمام وجهها حين شعرت بالحرارة المُنبعثة منه، قهقهت وهتفت وهي تحرك رأسها باستنكار:
_ أنت مشكلة يا عبدَالله
شاركها الضحك ثم أردفت هي:
_ طب يلا يا سيدي عشان هتأخر بسببك
تحرك بالسيارة ثم قام بتشغيل أغنية لأم كلثوم وردد معها بنبرة مرتفعة حتى غطى صوته على صوتها:
_ غلبني الشوق وغلبني، أه والله غلبني..
لم تمنع ضحكاتها التي خرجت عفويًا منها على ما يفعله، تذكرت شيئًا عليها إعطائه له، أخرجت من حقيبة ظهرها الصغيرة عُلبة طعام ثم مدت ذراعها بقُربه وقالت:
_ طبعًا مفطرتش، عملت لك سندوتشات
تقوس ثغره ببسمةٍ عفوية وأخذ منها العُلبة وأردف ممتنًا لها بصوته الهادئ:
_ تسلم الإيدين اللي عملت يا دكترة
_ الله يسلمك
قالتها على استحياء بينما بدأ يتناول الشطائر بنهمٍ واستمتاع شديد، وكأن بهما عسل، حتمًا سيكونون كذلك بعد أن لمسته هي بأصابعها الصغيرة،
ظلت تتابعه وهي يأكل بطريقته الطريفة حتى وصلا إلى المستشفى، وقف أمام بوابتها بأمرٍ منها:
_ خليك هنا عشان هما مش هيدخلوك لو عرفوا إنك أوبر..
باستنكار تام ردد:
_ المستشفيات الخاصة دي ليها قوانين غريبة، وعلى كدا اللي عايز يدخل جوا يعمل ايه؟
أردفها فقالت صبا مجيبة إياه:
_ يجي مريض وهو يدخل، سلام بقى عشان أنا فعلًا اتاخرت
ترجلت من السيارة ولم يبرح عبدَالله مكانه حتى اختفت من أمام عينيه، وبعد ذلك فعّل برنامج التوصيل على هاتفه ليُمارس عمله، ثم تحرك نحو من قام بطلبه.
***
داخل المستشفى، توجهت صبا إلى غرفتها وقامت بارتداء روبها الأبيض ثم خرجت لتُمارس عملها، رحبت بها زميلتها بحفاوة:
_ صباح الخير يا صبا
بادلتها صبا التحية بودٍ:
_ صباح النور يا هدى
فحصت صبا المكان من حولها وأضافت بعملية:
_ الجو شكله هادي النهاردة
_ ما أنتِ عارفة الشيفت الصباحي بيكون أهدى من بليل، ياريتنا نيجي صباحي على طول
هتفت بهم هدى مُتمنية وجودها في الدوام الصباحي فقط، لأنه أقل مجهودًا من الليل، استمعت إلى قرقرة بطنها فقالت:
_ أنا مفطرتش، تعالي نفطر سوا
رفضت صبا معللة السبب:
_ أنا فطرت، ماما مش بترضى تنزلني من البيت من غير أكل
ابتسمت هدى وأردفت بلطفٍ:
_ ربنا يباركلك فيها يا صبا، طب هروح أنا الكافتيريا اشتري أي حاجة أكُلها على ما يطلع لنا شغل..
حركت صبا رأسها بإيماءة ثم ذهبت هدى، وبقيت صبا في المكان بمفردها، فقررت التجول قليلًا ربما تجد عملًا لها، طال وقتِ تجولها دون فائدة فتوجهت إلى موظف الإستقبال تسأله عن التطورات الجديدة:
_ صباح الخير، إيه الجديد عندنا النهاردة؟
لم يكاد يجيبها حتى دوت صافرة الإسعاف في الخارج، فصوبت صبا بصرها تلقائيًا نحو الباب تتابع ما يحدث، ترجل الممرضين من الإسعاف حاملين أحد المرضى على الناقلة، ثم انتبهت على صاحبة الصوت التي تصرخ عاليًا بِذُعرٍ:
_ إلحقونا، عايزين دكتور طوارئ بسرعة
هنا تحركت صبا نحوهم بخُطوات عجِلة، وقفت أمام الناقلة وقالت موجهة حديثها للمرأة حتى تهدأ:
_ أنا موجودة، من فضلت اهدي
نظرت إلى الممرضين وسألتهم بعملية:
_ حصله ايه؟
أجابها أحدهم من بين أنفاسه اللاهثة:
_ عمل حادثة..
_ عايزة تقرير سريع..
أردفتها صبا فأخبرها الآخر بوضع مؤشراته الحيوية وجميع فحوصاتهم الأولية في السيارة فأمرتهم صبا قائلة:
_ دخلوه الأوضة بسرعة
أسرعت خلفهم حتى ولجت غرفة الطوارئ لتبدأ عملها مع المريض الأول اليوم.
***
بعد مرور بعض الساعات، كان يقف ذلك المتسكع في زُقاقٍ يُنفث دخان سيجارته حتى انتهت ثم ألقاها تحت قدمه ودعسها بغيظ، توجه إلى ورشة مرسي متأملًا أن يقبل ما رفضه مرارًا، وقف أمام الباب وقال بصوتٍ أجش:
_ مش ناوي ترضى عني يا سطا وتشغلني على العربية؟
قلب مرسي عينيه بضجرٍ؛ فلقد سئم من توسلاته التي لا تكِل، انحنى بجسده ومال للأمام وتابع تصليح السيارة ثم أجابه بإيجاز:
_ العربية شغالة فعلًا..
تشنجت عروق عنق الآخر وحاول جاهدًا الحِفاظ على هدوئه على الرغم من غضبه المُتقد داخله:
_ أيوا بس دي بتشتغل بالنهار بس، ممكن أخدها أنا بليل
رد عليه مرسي وهو يتابع عمله بتركيز:
_ وليه أستهلكها ليل ونهار، لما تخرب أنت هتنفعني بإيه؟
_ وهو عبدَالله بينفعك بإيه؟
قالها بنبرةٍ مليئة بالحقد والبغض استحثها مرسي، اعتدل في وقفته وواجهه ثم قال بأعين ضائقة:
_ أنت حاطت عبدَالله في دماغك ليه يا حمادة؟
لم يتحمل ما قاله وصاح عاليًا بحنُقٍ:
_ ويطلع ايه عبدَالله بتاعك دا عشان احطه في دماغي؟
مالت شفتي مرسي للجانب وشكل بسمة تسببت في مضاعفة غيظ حمادة وأردف بثباتٍ:
_ لا يطلع كتير، ودا اللي مموتك منه، دا اللي مخليك مش قادر تبلعه، كفاية إنه محترم وآمين ولو حكمت اختار بينكم يشتغل على عربيتي، هختاره تاني وتالت، ما أنا مش بلاقي فلوسي في الشوارع عشان أسيبها مع واحد بايع دماغه للشُرب، روح يا حمادة الله يسهلك أنا مش فاضيلك
أولاه ظهره وعاد يواصل عمله غير آبِه لنظرات الآخر التي يشُع منهما الكُره الشديد لعبدَالله، وأقسم داخله بألا يدعه وشأنه، غادر الورشة وهو يردد من بين أسنانه المتلاحمة:
_ ماشي يا مرسي، أنا هوريك عبدَالله اللي طالعلي بيه القلعة دا هعملك فيه ايه، يا أنا يا أنت عبدَالله
***
نهضت عن مكتبها وتوجهت إلى غرفة المريض الذي جاء في الصباح لتطمئن عليه وتتابع حالته، طرقت الباب ثم دلفت حين سمحوا لها من الداخل، ولجت بإبتسامة رقيقة وقالت وعينيها تجوب المكان متفحصة كم العدد الموجود في الغرفة:
_ مساء الخير..
صوبت بصرها على المريض وتابعت:
_ حضرتك أحسن دلوقتي؟
تعجبت صبا من عدم رده، وما زاد خجلها أنه غاص في ملامحها حتى شعرت بوخزة قوية داخل صدرها وحينها عصف بها الارتباك، ابتلعت ريقها وحاولت جذب انتباهه بسؤالها مرة أخرى:
_ حضرتك كويس؟
والنتيجة ذاتها، دون إجابة، هنا خفق قلبها بقوة، ولم تدري ماذا يحدث معه، تدخلت أحد الموجودات ووجهت حديثها إليه متعجبة من أمره:
_ عاصم، الدكتور بتسألك أنت كويس يا حبيبي؟
خرج عاصم من شروده على صوتها، أبعد نظريه عن صبا بصعوبة وردد بتِيه:
_ بتقولي حاجة يا ماما؟
رُفع حاجبيها بغرابة وأعادت ما قالته بحرجٍ:
_ الدكتور بتسألك أنت كويس، رد عليها؟
هز عاصم رأسه وأعاد بصره نحوها ثم قال مختصرًا:
_ كويس..
ابتسمت صبا على حالته المريبة ونظرت حيث والدته وسألتها مستفسرة:
_ هو كدا من وقت ما فاق؟
_ أبدًا والله، هو كان طبيعي معرفش حصله إيه فجأة
أردفتها والدته فتحولت لهجة صبا إلى الجدية:
_ على العموم أنا موجودة لو حصل أي حاجة نادوا عليا، اسمي دكتورة صبا
_ اسمك حلو أوي
هتفها عاصم فتفاجئ الجميع بردِه، خصيصًا صبا الذي تلونت وجنتيها بالحُمرة وأخفضت رأسها خجلًا، استجمعت قوتها بعد أن زفرت أنفاسها وقالت متحاشية النظر إليه:
_ بعد اذنكم..
أولتهم ظهرها فانتفض عاصم رافضًا خروجها، لكن ما لم يحسب له ذلك الألم الذي شعر به حينها، وآنى بألمٍ غير محتمل:
_ ااااه
عادت صبا إليه مُسرعة وتفاجئت بنهوضه فأردفت معاتبة:
_ حضرتك لازم تكون حريص أكتر من كدا، أنت عندك ضلع مكسور مينفعش معاه الحركات المفاجأة دي..
ساعدته على النوم وأضافت:
_ حاسس بإيه؟
أغمض عاصم عينيه محاولًا تحمل آلامه ورد عليها:
_ وجع فظيع..
_ دا طبيعي بسبب الحركة اللي أنت عملتها، الحركة بحساب، هضاعفلك المسكن، بس دا آخر مسكن النهاردة..
التقطت من جيبها حقنة مسكنة وقامت بوضعها في ذلك المحلول الذي يغزو عروقه، أخفضت بصرها عليه وقالت قبل أن تغادر:
_ ياريت متعملش مجهود، وحمد الله على سلامة حضرتك
كادت تغادر إلا أنه أمسك يدها فتفاجئت صبا بتصرفه الجريئ ورمقته بنظراتٍ مشتعلة، سحبت يدها بسرعة فحاول عاصم إصلاح ما اقترفه:
_ أنا آسف، بس كنت عايز أقولك شكرًا على اهتمامك
كزت صبا أسنانها، وأرادت إخباره أنه مجرد مريض ليس إلا حتى يتركها وشأنها:
_ مفيش داعي للشكر دا واجبي وبعمله مع أي مريض..
لم تضيف المزيد وغادرت على الفور، بينما صاحت والدته وهي لا تصدق تصرفاته التي فشل عقلها في تفسيرها:
_ إيه يا عاصم، إيه اللي عملته دا؟
قطب حاجبيه وتصنع عدم الفَهم وتساءل:
_ عملت إيه؟
تدخل شقيقه وتولى الرد بدلًا عنه وهو يقترب منه:
_ قول معملتش إيه، دا أنت سرحت فيها أول ما شوفتها وقومت فجأة من غير ما تفكر في اللي هيحصلك ومش بس كدا دا أنت مسكت ايدها كمان!! بتمسك ايد الدكتورة يا عاصم!
غمزه بعينيه ثم أضاف مازحًا:
_ هي غمزت ولا ايه؟
ابتسم عاصم بخِفة ثم أخفاها سريعًا وشد تقاسيمه وتحدث بنبرة جامدة:
_ هي إيه دي اللي غمزت، ما تتلم يابني، كل الموضوع إني كنت عايز أشكرها على اهتمامها
وما أن أنهى حديثه حتى هتفت شقيقته بضيقٍ وعينيها لا تفارق هاتفها:
_ أوف أنا زهقت، إحنا هنخرج امتى؟
أجابتها والدتها وعينيها ينطق منهما الغيظ لعدم اكتراثها لوضع أخيها:
_ تقدري تتفضلي تمشي، وخدي معاكي اخوكي يوصلك
تفاجئ الاخ الأوسط بما كلفته والدته به دون الرجوع إليه وصاح متذمرًا:
_ ومين قال إني عايز أمشي، أنا هفضل هنا
دلف والدهم من الشرفة بعد أن أنهى اتصاله ونظر إليهم بالتناوب قبل أن يردف بجدية:
_ الدكتورة اللي كانت هنا قالت ايه؟
ردت عليه زوجته بإيجاز:
_ قالت يرتاح وميعملش مجهود..
أماء بتفهمٍ وقال وهو ينظر إلى ساعة يده يتفقد الوقت:
_ طيب أنا همشي، لازم أروح الشركة عندي اجتماع لو حصل حاجة كلموني
هبت ابنته واقفة وقالت بنفاذ صبر:
_ استني يا بابي خدني معاك بليز، الجو هنا ملل أوي
_ تمام، يلا
قالها ثم غادر الغرفة وكذلك ابنته، استنكرت الأم تصرفهم، لكنها لم تطيل الأمر فالأن يجب أن تطمئن على صحة ابنها فقط.
***
مساءًا، وصل عبدَالله إلى المستشفى ليصطحب صبا إلى المنزل، هاتفها ليخبرها بوصوله فجاءه الرد بعد ثوانٍ قليلة:
_ أنت وصلت؟
_ أيوا، مستنيكي برا المستشفى متتأخريش
هتفها عبدَالله ثم أنهى الإتصال، بينما خلعت صبا روبها وعلقته على الحامل الخشبي، وقامت بضبط ملابسها وحجابها ثم خرجت من مكتبها فتقابلت مع المدير الذي جاء لها خصيصًا:
_ دكتورة صبا، لو سمحتي خليكي هنا النهاردة شيفت اضافي
عقدت حاجبيها فتلك المرة الأولى الذي يطلب بقائها في وقت اضافي، تنهدت وسألته بفضولٍ يشوبه القلق:
_ ممكن أعرف السبب يا دكتور؟
أخذ نفسًا ثم أخبرها السبب:
_ باشمهندس عاصم سليمان طلبك بالإسم تشرفي على حالته..
تضاعفت ريبتها من ذلك الرجل غريب الأطوار، ولم تعي كلماته جيدًا، احتدت تقاسيمها ورددت دون استيعاب:
_ يعني إيه طلبني بالاسم؟ هو أنا بشتغل هنا بالطلب؟!
تنهد المدير وحاول اقناعها:
_ أكيد لأ، بس دي حالة مستثنية ومينفعش نرفض له طلب.. والده شريك مهم جدًا ومُساهم في المستشفى، اقعدي وأنا هضاعفلك المرتب ولا بلاش؛ الرقم اللي تطلبيه هتاخديه وحالًا
اتسعت حدقتيها بذهولٍ، ماذا يقول ذلك المختل، شعرت بالإهانة من كلماته، يُحَادثها وكأنها تعمل في ملهى ليلي وليست طبيبة في مستشفى، رفضت الرضوخ لطلبه واعتذرت منه بنبرة حادة:
_ أنا آسفة يا دكتور رمزي، مش هقدر أقعد شيفت اضافي، موجود زميلات وزملاء ليا تانيين ممكن يقوموا بنفس اللي هعمله بالظبط
تفاجئ المدير برفضها التام ولم يكن أمامه سوى إجبارها على ذلك فوضع شرطًا يُرغِمُها على البقاء:
_ تمام يا دكتورة، لو خرجتي من هنا مترجعيش تاني..
ويحك يا رجل! ما الذي تجبرها عليه، تجمدت صبا مكانها ولم ترفع عينيه عنه مذهولة مما سمعته، ابتسم الآخر داخله وعلم أنه نجح في إبقائها، فهتف آمرًا:
_ اعتقد كدا إنك وافقتي تقعدي، اتفضلي روحي شوفي شغلك..
استدار بجسده وغادر تحت نظراتها المتابعة لسيره حتى اختفى من أمام عينيها، أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته على مهل، وحاولت إقناع عقلها أن الأمر لا يستحق كل ذلك القلق، فقط ستبقى ليلة إضافية وتُباشر عملها كما تفعل ليس إلا.
أخرجت هاتفها من حقيبتها فلم يكُف عن الرنين منذ فترة، أجابت ولم تكاد ترد بعد حتى جاءها صوته القَلِق:
_ مبترديش ليه يا صبا، أنا قلقت عليكي وكنت لسه هحاول ادخلك..
تنهدت ثم أخبرته بما كانت تفعله:
_ معلش بس كنت بتكلم مع المدير معرفتش أرد عليك..
_ طيب يلا تعالي
هتفها بلهفةٍ لرؤيتها بينما قالت هي بهدوءٍ مخيف ما لا تود قوله:
_ لأ امشي أنت يا عبدَالله، أنا هقعد شيفت إضافي
تعجب من أمر دوامها المفاجئ فلم تخبره بذلك من قبل فسألها مستفسرًا:
_ ليه؟ أنتِ مقولتيش إنك هتقعدي شيفت اضافي، إيه اللي جد؟
حاولت اختلاق شيئًا تخبره به، حتمًا لن تخبره بالحقيقة وإلا قلب المستشفى رأسًا على عقِب:
_ في حالات جت فجأة وعندنا عجز في الدكاترة فمضطرة أفضل هنا..
أغمض عبدَالله بضيقٍ والتزم الصمت لبرهة قبل أن يعاود التحدث:
_ بس أنا مش بحب الشيفت الليلي دا يا صبا وأنتِ عارفة كدا كويس
_ مضطرة يا عبدَالله وإلا مكنتش هعمل حاجة تضايقك، معلش بقى شغلي
أردفتها فقال الآخر بنبرة تفتقر للحيوية:
_ هقول إيه بعد قولك، كله يهون لاجل عيون الدكترة
ابتسمت صبا وأردفت برقة:
_ يلا روّح ولما توصل كلمني طمني عليك..
انتهت المكالمة وعادت صبا إلى مكتبها، ألقت حقيبتها بعصبية على المكتب ثم وقفت تطالع روبها بغيظ، فلم يجبرها أحدهم على شيءٍ من قبل، ومن أجل من؟ من أجل غريب الأطوار الذي لم يروق لها قط، تشعر بغصة في صدرها منذ إعلامها بطلب ذلك العاصم لها خصيصًا، دعت داخلها بأن يمر الأمر مرور الكرام ولا يقابلها مُشْكلات هي لا تريدها.
***
وصل عبدَالله إلى المنطقة خاصته، قاد السيارة إلى الورشة ولسوء حظه كانت مغلقة، تأفف بضجرٍ وهاتف مرسي الذي أجاب على الفور:
_ معلش يا عبدَالله تعبت شوية ومقدرتش أقعد أكتر من كدا سايبلك المفتاح تحت عتبة الورشة، دخلها وهاتهولي
_ تمام
قالها مختصرًا حديثه ثم صف السيارة داخل الورشة وقام بتوصيدها بإحكام ثم توجه إلى منزل مرسي ليعطيه المفتاح ويعود إلى منزله، تلك الأثناء كان يراقبه وعندما ابتعد عن الورشة اقترب وهو يتلفت حوله يتأكد من خلو المكان، وقف أمام الباب وقام بإخراج آلة حديدية رفيعة من جيبه وحاول فتح قِفل الباب حتى نجح وفتحه، تسلل داخل الورشة على أطرافه محافظًا على هدوئه حتى لا تُكشف فعلته.
توجه نحو الخزانة التي تحتوي على المال وقام بكسرِها وسرق الأموال جميعها ثم فر هاربًا تاركًا باب الورشة مفتوحًا وتمتم ببغضٍ:
_ بالشفا يا عبدَالله..
***
قلبها قَلِق، لا تأمن على نفسها مع غريب الأطوار ذلك، فلم يسبق وأن قام أحدهم بطلبها بهذا الشكل المريب، كانت تُقَدم قدم وتؤخر الأخرى، تقف في منتصف الممر الفاصل بين الغرف تخشى القدوم إلى غرفته، نفضت عنها أفكارها اللعينة وأجبرت عقلها أن يتوقف عن التفكير.
أخذت شهيقًا زفرته على مهل ثم كررت فِعلتها مرارًا وهمست بينها وبين نفسها تُطَمئِن قلبها:
_ الموضوع أبسط من كدا يا صبا، أنتِ دكتورة وهتشوفي شغلك مش أكتر..
أقدمت نحو الغرفة قبل أن تراودها أفكارًا تخيفها من جديد، طرقت الباب ثم ولجت فتفاجئت بفتاةٍ بصُحبته، على الرغم من شعورها بالريبة من وجودها في وقتٍ متأخر معه إلا أنها وجودها قد بث الطمأنينة داخلها.
وقفت الفتاة بعد أن قام عاصم بإبعادها بيده لينظر إلى الدخيلة بتمعُن، إلتوت شفتيه مُشكلًا ابتسامة وهو يراها تقترب منه وقابلها بترحيبٍ حار:
_ أهلًا يا دكتور، اتفضلي
حمحمت ثم سألت بإيجاز شديد:
_ حضرتك عامل إيه؟
أجابها وعينيه مُثبتة عليها:
_ بقيت كويس بعد ما شوفتك..
صُدمت بردِه وهربت بعينيها بعيدًا عنه، كذلك الفتاة الواقفة لم تكن أقل صدمة منها، وضعت إحدى يدها في منتصف خصِرها تتابع ما يحدث بعدم اعجاب لنظرات عاصم على الطبيبة، فحصته صبا سريعًا ثم وقالت حين انتهت:
_ شايفة إن حضرتك كويس، متجهدش نفسك..
وجهت بصرها على الفتاة بعد أن عرفت هويتها، إنها نفسها من كانت بصُحبته عندما وصل مع سيارة الإسعاف ووجهت حديثها لها:
_ لو حصل حاجة نادي عليا أنا في مكتبي آخر الممر يمين..
أولتهما ظهرها لتفر هاربة من الغرفة لكنه لحق بها بقوله:
_ لا ماهي سلمى ماشية، وأنا هكون لوحدي، لو تسمحي تخليكي هنا عشان لو حصل حاجة..
توقفت صبا عن المشي، واستدارت إليه رمقته ببغضٍ ثم تصنعت اللامبالاة واقتربت منه إلى أن بات لا يفصلهما شيءٍ وأشارت بإصبعها على الزر الذي يجاور الفراش وقالت بجمودٍ:
_ دا معمول عشان المريض لما يحتاج حاجة يضغط عليه، لكن قُعادي هنا ملوش داعي، أنا دكتورة وأنت مريض وإحنا هنا في مستشفى، واضح إن اختلط عليك الأمر وفاكره ملهى ليلي..
ابتسمت صبا بسمة سمجة ثم أدارت جسدها وتوجهت نحو الباب، احتدت تقاسيمها فلا يروق لها ما يحدث، وأقسمت بألا تطيل تلك السخافة حتى وإن كلف الأمر تركها للعمل.
ظهرت ابتسامة على محياه، فلقد أُعجب بشخصيتها كثيرًا، حتى وإن كانت قاسية قليلًا فحتمًا مع الوقت ستلين، في النهاية إنه عاصم سليمان المغُرم بالفتيات العنيدات.
_ الله الله، أنت بتعاكسها عيني عينك كدا وكمان قدامي؟!
صاحت بهم عاليًا وهي تقترب منه، أخرجته من شروده فشعر بالملل منها، تنهد وجاهد على التزام هدوئه ثم قال وهو يُغمض عينيه:
_ سلمى أنا تعبان وعايز أنام، يلا روحي..
اتسعت حدقتيها دون تصديق، ثم سحبت حقيبتها وهرولت خارج الغرفة بخُطوات غير متزنة، بينما أعاد عاصم فتح عينيه وهمس بتحدٍ:
_ لما نشوف آخرتها معاكي يا دكتورة.. صبا
***
عند بزوغ الشمس، انتفضت والدة عبدَالله على صوت الطرق العنيف على الباب، سحبت حجابها ووضعته أعلى رأسها وهرولت إلى الخارج وهي تردد بخوفٍ عارم:
_ استر يارب
قامت بفتح الباب بقلبٍ يخفق بشدة حتى شعرت باختراقه ج*سدها
من شدة تدفق الد*ماء به، توجست خيفة حين رأت بعض الرجال واقفين أمامها وبصعوبة خرجت كلماتها المتسائلة:
أنتوا مين؟
حكومة..
رواية علي دروب الهوي الفصل الثاني 2 - بقلم تسنيم المرشدي
التهاون في بعض الأحيان، يسلُب منك قيمتك، هناك أناس إذا تخطيت أفعالهم تخطُوك أنت، وإذا تعاملت باللين تعدوا عليك، وقللوا من شأنك، فلا تعبأ بهم ولا تصاحبهم، مُر بجانبهم ولا تلقي السلام فيندموا أنهم أضاعوك مع مرور الأيام.
***
تنحى الرجال جانبًا ليظهر ذلك الشاب طويل القامة وعريض الجسد، ذو هيئة تُرهب من يراه، مرر عينيه على البيت بنظرة ثاقبة ثم أمر رجاله بصوته المبحوح:
_ فتشولي البيت وهاتهولي..
صعقت والدة عبدَالله حين وقع نظرها عليه، لم ترفع بصرها عنه بل ظلت ترمقه لفترة بلا وعيٍ، على جانب آخر ولج رجلين غرفة عبدَالله وقاموا بسحبه من الفراش كدُمى يلعبون بها، استيقظ عبدَالله مذعُورًا ورأى إنه مُجبر على السير من قِبل رجلين يجهل معالم وجوههم، خفق قلبه بتوجس وعقله لم يقدر على تفسير ما يحدث.
للتو استيقظ والذي يحدث كان أكبر من فهمه بسهولة، أوقفوه أمام الضابط الذي أمرهم بجلبه فتفاجئ عبدَالله بوجوده، حدجه بنظراتٍ حاملة علامات استفهام كثيرة، هنا فاقت والدته وسألت الضابط بخوف شديد:
_ أنتوا عايزين ابني ليه؟ ابني طيب وملوش في الغلط
إلتوى ثغر الضابط ببسمةٍ متهكمة وهو يطالع عبدَالله ببغضٍ، ثم وجه أنظاره نحو والدته وبلهجةٍ ساخرة أجابها:
_ ابنك الطيب سرق الراجل اللي بياكل من وراه عيش
شهقت بذُعرٍ وضربت على صدرها مستنكرة تلك التُهمة:
_ ابني ميعملش كدا أبدًا، ابني محترم ولا يمكن يمد أيده على حاجة مش بتاعته
أدارت عينيها باتجاه عبدَالله الذي يطالع الآخر ولا يُبدي رد فعل وتوسلته:
_ ما تتكلم يا عبدَالله وتقول للباشا إن دي لا أخلاقك ولا تربيتك، رد قوله أمي عرفت تربي يا باشا وأنا معملش كدا أبدًا، رد يابني رد عليه
قهقه الضابط باستفزاز وهو يطالع عبدَالله ونظراته تُشفي داخله ثم أمر رجاله بلهجة لا تحتمل النقاش ليفرض سيطرته على الأمر:
_ هاتوه وتعالوا ورايا..
أمسكوه بإحكامٍ وأرغموه على السير معهم إلى أن نزلوا درجات السُلم، تفاجئ عبدَالله بذلك الكَم الهائل الذي يقف بجوار سيارة الشرطة، حرك رأسه مستنكرًا ما يحدث، تابع سيره حتى ركب السيارة من الخلف وتحركت بعد أن جلس العسكريين مقابل بعضهما على جانبي الباب.
في الأعلى، ارتدت السيدة أحلام كامل ملابسها وهرولت خلف ابنها لتعلم حقيقة الأمر وما الذي سيحدث معه، وقعت عينيها على صديقي عبدَالله يقتربون منها على عجلة وسألها أحدهم بتوترٍ يسيطر على نبرته:
_ إيه اللي سمعناه دا يا خالتي، الحكومة أخدوا عبدَالله ليه؟
انسدلت قطرات من عينيها وهي تخبرهم ما أخبرها به الضابط:
_ بيقولوا سرق ورشة مرسي، عبدَالله ميعملش كدا يا وليد أنت عارف صاحبك كويس دا عمره ما مد ايده على قرش حرام
فغر فاهه بصدمة وردد وهو متأكد من أخلاق عبدَالله:
_ أنتِ هتعرفيني على عبدَالله يا خالتي، أكيد طبعًا معملهاش
تدخل الآخر قائلًا:
_ طيب يلا نروح القسم نعرف في إيه ونقف جنب عبدَالله لو احتاج حاجة..
أماء وليد بقبول ثم تريث في المغادرة وأردف موجهًا حديثه لصديقه:
_ ما تكلم جوز خالتك مش هو محامي برده، خليه يسبقنا على القسم أكيد هنحتاجه يا زكريا..
_ تمام
هتفها زكريا ثم قام بالإتصال على زوج خالته وأخبره بالأمر وتحركَ ثلاثتهم متجهين إلى قسم الشرطة ليتابعوا ما سيحدث مع عبدَالله.
***
لم تعد تنجح في مقاومة ذلك النعاس الذي يُراودها منذ فترة، كلما أغمضت عينيها تستفيق خشية أن يراها مدير المستشفى ويجازيها، فذلك وقت عملها؛ لكن كان الأمر هذا أكبر من تحملها، فشلت في المقاومة تلك المرة، وأسندت رأسها على المكتب سامحة للنوم بالسيطرة عليها حتى باتت في عالم آخر لا تشعر بما يدور حولها.
رن هاتفها فأرسل لعقلها ذبذباتٍ ناتجة عن اهتزازته أعلى المكتب الخشبي، بصعوبة بالغة فتحت عينها لتفقد المتصل، ثم أعادت غلق عينيها وهي تجيب والدتها بصوت ناعس:
_ ماما..
بتوجس سألتها حين استمعت لصوتها:
_ في إيه يا صبا؟ صوتك ماله؟
حاولت صبا ضبط صوتها لكي لا تقلق والدتها وشرحت لها حالتها التي لا تَسُر:
_ عايزة أنام من امبارح منمتش
زفرت والدتها براحة وقالت:
_ طيب تعالي نامي في البيت، مش خلاص نبطشيتك كدا خلصت
تفقدت صبا الوقت ثم عادت للحديث معها:
_ ايوا، هطلب عبدَالله يجيلي
_ لا استني، أنا أصلًا كلمتك عشان كدا، عبدَالله الحكومة جت وخدته فمش هيعرف يـ....
لم تكاد تُكمل حديثها بعد حتى انتفضت صبا من مكانها وهتفت مذعورة:
_ ايه؟! ليه هو عمل إيه؟
تعجبت إجلال من ذُعرها المبالغ، وأخبرتها بما تعلمه:
_ بيقولوا سرق ورشة مرسي
_ لا يمكن عبدَالله يعمل كدا..
هتفتها فصاحت الآخرى مرتابة من أمرها:
_ دا اللي سمعته، وبعدين إحنا في زمن تتوقعي فيه أي حاجة
رفضت صبا كلماتها التي آلمت قلبها وهتفت عاليًا بلهفة مهاجمة:
_ أي حاجة من أي حد غير عبدَالله يا ماما
تضاعفت الريبة داخل إجلال وهتفت قائلة بقسوة ربما تفهم ما يوجد خلف كلمات ابنتها أو تنهي الحوار:
_ مالك محموقة أوي كدا ليه؟ أومال لو مكنش حتة سواق بيوديكي ويجيبك!
أغمضت صبا عينيها محاولة التماسك قدر المستطاع حتى لا تنكشف أمامها، أخذت نفسًا طويلًا ثم زفرته على مهلٍ وعادت تُحادثها بنبرة هادئة تخفي خلفها توترًا يشوبه القلق:
_ حتى لو مجرد سواق من وجهة نظرك، من وجهة نظر بابا أكيد حاجة تانية، وإلا مكنش استأمنه عليا، عمومًا أنا هقفل وجاية، سلام
أغلقت الهاتف ونظرت حولها بتيهٍ، وضعت راحة يدها على فمها وباليد الأخرى أمسكت مؤخرة رأسها، محاولة استيعاب ما أملته عليها والدتها منذ ثوانٍ، رفض عقلها التصديق واستنكرت استمرار وقوفها بلا حول ولا قوه دون التحرك والإطمئنان على عبدالله، لا تعلم كيف وبأي وجهٍ لكن لا يهم، ما يهم الآن هو الذهاب إليه.
لم تكاد تدير مقبض الباب حتى تفاجئت بالمدير أمامها، أخفت ذُعرها وتساءلت بقلقٍ من مجيئه:
_ دكتور رمزي، فيه حاجة؟
أخذ نفسًا ببطءٍ وطالعها لبرهةً فأثار القلق في نفسها، حك أنفه بإصبعه فتأكدت صبا أن هناك كارثة لتردُدَهُ المبالغ في الإجابة على سؤالها، انتظرت قليلًا بعد حتى أجابها بحدةٍ تعجبت منها:
_ أنتِ رايحة على فين يا دكتورة؟
على الرغم أن سؤاله مُبهم إلا أنها شعرت بعدم الراحة بعده، وخشت أن يصيب حدسها وقالت متمنية أن يخيب ظنها:
_ ماشية، أنا خلصت النبطشية اللي حضرتك طلبت مني أقعدها..
حد من ملامِحه ووضع كلتى ذراعيه خلف ظهره ثم هتف:
_ حضرتك فهمتيني غلط، أنا كان قصد كلامي أن باشمهندس عاصم تحت مسؤوليتك لغاية ما يخرج من هنا..
_ نعم!!
هتفت صبا بصدمةٍ حين أصاب حدسها، لكنها اعتقدت أنه يريدها أن تبقى ليلة أخرى، لم تفكر أن تبقى مدة وجوده كاملةً، بصعوبة خرجت كلماتها حين فشل عقلها في استيعاب أمره الذي تعدى الحدود:
_ وأنا متأسفة الوضع دا مش مناسب ليا
أعاد رمزي يديه بجواره واستقام في وقفته ليفرض أمره عليها مستخدمًا أسلوب الإجبار:
_ دا أمر من المدير شخصيًا يا دكتورة، يعني واجب تنفيذه وإلا..
لم تدعه يُكمل فقاطعته بحدةٍ ونفاذ صبر:
_ وإلا إيه؟ هتطردني زي ما هددتني امبارح؟ عمومًا أنا اللي ماشية من نفسي
نظرت داخل عينيه بتحدٍ واضح ثم تركته وغادرت تحت صدمته من مغادرتها، فلم يحسب لذلك قط، حمحم وأسرع في اللحاق بها حارصًا بألا يضيع هيبته ولمكانته كان محافظًا وبهدوءٍ قال:
_ دكتورة صبا، من فضلك لحظة..
توقفت صبا عن المشي وأخذت نفسًا قبل أن تستدير بجسدها ناظرة إليه في انتظار سماع ما يريد قوله، عدّل رمزي من ياقة قميصه وأخبرها ما لديه:
_ أكيد المستشفى مش هتحب تخسر دكتوة في كفاءتك، بس ياريت تلتزمي بالقوانين، وتكملي اليوم..
ضاقت صبا بعينيها وهي تطالعه بعدم فهم،استنتج رمزي تساؤلات عقلها وتابع موضحًا ما يقصده:
_ ليلة امبارح كان استثناء، لكن النهاردة الشيفت الأساسي بتاعك
تفاجئت صبا بما ورطها به، داخلها يرفض الوجود لحظة هنا بينما حبيب فؤادها حبيسًا لا تعلم عنه شيئًا، خرجت من شرودها وأخبرته برفضها:
_ ياريت حضرتك تعتبر ليلة الاستثناء مكان النهاردة، أنا مضطرة أمشي، عندي ظروف ومش هقدر استنى هنا دقيقة كمان
_ وأسِد غيابك إزاي يا دكتورة؟ كل الدكاترة ليهم وقتهم ومواعيدهم، هيكون فيه عندي عجز طبعًا لو أنتِ مشيتي
هتفها بجمودٍ يرغمها للبقاء بينما حاولت صبا استعطافه بتوسلٍ:
_ صدقني لو مكنش عندي حاجة ضرورية كنت قعدت، بس أنا مضطرة أمشي، ياريت حضرتك تكون متفهم وضعي
دون اكتراثٍ لأمورها صاح رمزي بجدية يشوبها الأمر الحاد:
_ وأنا مش هقدر أجيب حد مكانك لو مشيتي، ياريت تلتزمي بالشيفت بتاعك يا دكتورة
تفحص ساعة يده وواصل دون رأفة:
_ شيفتك بدأ من خمس دقايق، بلاش تضيعي وقت أكتر من كدا، اتفضلي روحي على شغلك
أولاها ظهره وغادر دون إضافة المزيد، أغمضت صبا عينيها وهي تصِر أسنانها ضاربة الأرض بعصبية، ثم انتبهت على صوت صديقتها المتسائلة:
_ مالك يا صبا؟
أعادت فتح عينيها وأطالت النظر إليها وهي في ذروة غضبها، وبوجهٍ محتقن أجابتها:
_ رمزي دا بجد بني آدم رزل..
تركتها وعادت إلى مكتبها فتبِعتها هدى وأغلقت الباب وهي تتساءل عما حدث:
_ حصل ايه؟
ردت صبا وهي ترتدي روبها الأبيض وتُعلِق حقيبتها على الحامل:
_ كلفني إني أفضل شيفت ليلي، ودلوقتي لما جيت أمشي قالي لأ دا وقت شيفتك الطبيعي ومينفعش تمشي مش هعرف أسِد مكانك
اتسعت حدقتي هدى غير مصدقة ورددت بذهولٍ:
_ غريبة دا عمره ما عمل كدا غير نادرًا لما بيكون في حوادث كبيرة والمرضى كتير، واعتقد المستشفى هادية مفيهاش حاجة ولا فيه حاجة فاتتنى؟
جلست صبا على الكرسي وأخبرتها سبب بقائها:
_ السبب هو اللي غريب، ولغاية دلوقتي بحاول تكون نيتي كويسة..
قطبت هدى جبينها فلقد أثارت صبا فضولها حول معرفة السبب، هزت رأسها متسائلة عنه فتابعت صبا بانفعال لتذكُرها السبب:
_ فيه واحد هنا جه امبارح إسمه عاصم سليمان، وهو اللي طلب من دكتور رمزي إني أشرف على حالته
فغرت هدى فاها وانعقد حاجبيها، حل الهدوء لثوانٍ في محاولة على فهم سبب طلبه، وعندما فشلت سألتها بفضول:
_ وهو يطلب حاجة زي دي ليه؟
وضعت صبا راحتي يدها أمام وجهها خافية إياه وسردت ما تعرضت له وهي تمارس عملها معه بضيقٍ وحنُقٍ شديدين:
_ معرفش، بس انسان مريب ونظراته تخوف، وأنا مش مرتاحة له أبدًا ولا مرتاحة للي بيحصل خالص
أزاحت يديها عن وجهها وصاحت بمزاجٍ غير سوي وهي تنهض عن كرسيها:
_ كل دا ميهمنيش، أنا لازم أمشي ودا المهم ومش عارفة هعمل كدا إزاي بعد ما حطني قدام الأمر الواقع
_ حصل حاجة ولا إيه؟
تساءلت هدى بجدية ونظرت إليها بآذان صاغية لسماع الإجابة، تنهدت صبا مهمومة وبعقلٍ مُشتت أردفت:
_ عبدَالله اتقبض عليه..
شهقت هدى بصدمة ووضعت يدها على فمها تكتُم شهقتها ورددت قائلة:
_ ليه؟ عمل ايه؟
كادت تخبرها صبا إلا أنها تراجعت، حتى لا تُقلل من شأن عبدَالله أمامها فإن كانت والدتها التي تعرفه حق المعرفة قد صدقت تلك التهمة به فماذا عن هدى وهي لا تعرفه، ابتلعت صبا ريقها وحاولت إنهاء الحوار بينهن:
_ ممم مش عارفة، أنا خارجة برا عشان أشغل عقلي شوية..
سبقتها للخارج لتغلق باب النقاش في ذلك الموضوع، وكانت تحاول من حين لآخر الإتصال به ربما يجيب وتطمئن عليه لكن محاولاتها دون جدوى.
***
كان يقف في الخارج برفقة عسكري يُمسك بيده حتى استمع إلى صوت رئيس المباحث الذي دوى خارج مكتبه وهو يأمره:
_ دخل المتهم يا عسكري
شعر بغصة في حلقه إثر لقبه المُهين، دلف المكتب ووقف أمامه يرمقه بنظراتٍ باردة، ليس بها مشاعرًا، فقط يطالعه دون حديث، بينما اغتاظ الآخر من نظراته المُثبتة عليه وصاح عاليًا:
_ أنتِ بتبصلي كدا ليه؟ هتصورني؟!
لم يعقب عبدَالله فازداد الغيظ في نفس الآخر وهلل بانفعال:
_ ما ترد عليا ولا القطة أكلت لسانك؟
ابتلع عبدَالله ريقه وظل محافظًا على ثباته الانفعالي، غير أبِه بتصرفاته الذي يستفزه بها ليخرجه من هدوئه لكن لن ينالها، وقف الآخر ودار حول مكتبه حتى وقف أمام عبدَالله وقال وعينيه مُصوبتان داخل عيني عبدَالله بحقارة:
_ قولي بقى، سرقت الراجل اللي خيرك منه ليه؟
دنا منه وهمس بقُرب أذنه:
_ دي صفة اكتسبتها جديدة ولا الداء في دمك من زمان؟
اعتدل في وقفته وشكل على وجهه بسمةً متشفية آلمت عبدَالله لكنه لم يُظهِر، طالت النظرات بينهما دون أن ينبس كلاهما بحرف، قطع نظراتهما طرقات الباب فسمح الضابط بالدخول:
_ ادخل..
وجه الضابط عينيه إلى الباب فتفاجئ به يدلف بهيئة شامخة، احتدت تعابيره وصر أسنانه بغضب، عاد إلى مكتبه وبلهجة وقحة سأله:
_ خير يا مِتر؟
تحدث المحامي وهو ينظر إلى عبدَالله:
_ أنا جاي حاضر مع عبدَالله، ممكن أشوف المحضر يا آدم باشا
قهقه آدم ومن بين ضحكته الساخرة أخبره:
_ لسه مفيش محضر يا متر صادق، إحنا كنا لسه بندردش أنا وعبدَالله
حرك صادق رأسه بتفهم وقال:
_ طيب ممكن أفهم في إيه؟
جلس آدم على كرسيه بغرورٍ وأجابه وهو يشير إلى عبدَالله باستهانة:
_ البيه سرق الخزنة اللي في محل الأوسطا مرسي
وفين ما يُثبت ذلك؟
سأله المحامي بجدية فتراجع الآخر عن عجرفته قليلًا وبات أكثر عملية:
_ لسه تحرياتنا شغالة يا مِتر
_ ااه لسه التحريات شغالة قولتلي، يعني كل دي اتهامات واهية ملهاش أساس من الصحة، طيب أنا بطالب بالإفراج عن موكلي لحين وجود ما يُدينه
كان قاسيًا معه في الحديث، بينما لم يحب آدم وجوده من البداية، فإن كان محامٍ غيره لم يكن ليعطيه الفرصة لفرض سيطرته عليه، لكنه غيرهم..
خرج آدم من شروده على صوت صادق الآمر:
_ ها يا آدم باشا، حضرتك قولت ايه؟
لم يُظهِر نيران عضبه المتقدة وأخفاها جاهدًا ثم هتف وهو يتحاشى النظر إلى عبدَالله:
_ امشي..
وجه صادق حديثه إلى عبدَالله بلهجة ليّنة:
_ لو سمحت يا عبدَالله استناني برا
أماء عبدَالله ثم خرج من المكتب تحت نظرات آدم البالغة ذُروتها في الغضب، نظر حيث يقف صادق ولم يستطع كبح جماح غضبه أكثر وصاح:
_ هو اللي قالك تيجي صح، هو اللي خلاك تكون موكل ليه مش كدا!!
خلع صادق ثوب المحاماه عن نبرته وتحدث بلين وهدوء صديق وليس محامٍ:
_ أيوا هو اللي قالي أحضر معاه، آدم يابني اللي بتعمله دا غلط، وغلط كبير وأنت عارف كدا كويس، في الآخر عبدَالله دا يـبقى...
قاطعه آدم بهجومٍ رافضًا سماع المزيد من السخافة:
_ لو سمحت يا اونكل متكملش، مش عايز أسمع أي حاجة..
حاول آدم تمالك أعصابه قدر المُستطاع، فنهى صادق الحوار حين رأى حالته التي لا تسمح بالنقاش الأن:
_ تمام، أنا همشي لكن هنتكلم بعدين..
أخذ حقيبته وخرج باحثًا عن عبدَالله، وقف أمامه وربت على كتفه بحنو قبل أن يردف بصوتٍ رخيم:
_ متزعلش يا عبدالله
تشدق بفمه ساخرًا وردد كلماته بتهكم:
_ أزعل! لا هزعل ليه مفيش حاجة تزعل، متقلقش يا متِر عليا أنا تمام
حرك صادق رأسه مرارًا وقال:
_ انا هتابع القضية بنفسي وإن شاءالله نثبت إنك ملكش علاقة بالموضوع دا
_ وأنت عرفت منين إني مليش علاقة؟
قالها ساخرًا من ثقته الذي يتحدث بها فأجابه صادق بإبتسامة ودودة:
_ لأني أنا اللي مربيك وواثق إنك متعملش حاجة زي دي
صمت قليلًا قبل أن يُعَاود حديثه المُسترسل:
_ قاسم بيه اللي بعتني ليك مخصوص، مقدرش يسمع أنك هنا ويسيبك لوحدك
تلفت عبدَاالله حوله وكأنه يبحث عن شيءٍ وعاد ببصره إلى صادق قبل أن يُردف كلماته المتهكمة:
_ فين قاسم بيه بتاعك دا؟ مش شايفه يعني؟
كاد صادق يتحدث إلا أن عبدَالله منع ذلك بقوله وهو يربت على ذراعه:
_ أنا تمام صدقني، عن إذنك
تركه وسار مبتعدًا عنه وشعورًا سيئًا قد راوده فجأة فتألم قلبه إثره، وضع يده على يسار صدره وأوصد عينيه محاولًا مقاومته لكنه كان أشد من أن تقاومه نفسه الضعيفة في تلك الأثناء، فتح عينيه على صوت والدته التي تجري نحوه:
_ يا حبيبي يا عبدَالله، أنت كويس، طمني عليك
حاول طمأنتها بكلماته الهادئة:
_ أنا كويس متقلقيش
تدخل زكريا مُعرفًا عن زوج خالته بأنفاس لاهثة:
_ عبدَالله، دا عمي أشرف المحامي جوز خالتي
_ فهمني إيه اللي حصل معاك بالظبط عشان أعرف أخرجك منها
قالها أشرف بعملية بينما ابتسم له عبدَالله وشكره:
_ شكرًا ليك، بس خلاص أنا خرجت ومش محتاج محامي، معلش تعبناك على الفاضي
بودٍ قال أشرف:
_ لا ولا يهمك، المهم إنك خرجت
نظر حيث زكريا وتابع حديثه:
_ همشي أنا بقى يا زكريا طلاما مش محتاجني..
بحرجٍ رد عليه:
_ معلش يا جوز خالتي تعبناك معانا
ولا تعب ولا حاجة، لو فيه حاجة كلمني، سلام
هتفها ثم غادر المكان، بينما توجهت الأنظار نحو عبدَالله وكان من تولى سؤاله صديقه وليد:
_ هما سابوك إزاي؟
كاد يجيبه إلا أن سؤال والدته قد أوقفه حين قالت وعينيها مُصوبة على شخصٍ بعينه يبعُدهم سنيتمرات قليلة:
_ الراجل دا بيعمل ايه هنا؟
صوّبَ عبدَالله بصره حيث تتطلع والدته فوجده المحامي، حمحم ليضبط حنحرته وقال وهو يلتفت برأسه ناظرًا لوالدته:
_ هو اللي خرجني..
ضاقت أحلام بعينها عليه ثم توجهت نحوه بخُطوات مهرولة، حاول عبدَالله منعها بقوله:
_ تعالي بس ياما أنتِ راحة فين؟
لم تجيبه وواصلت سيرها حتى وقفت أمام صادق الذي ابتسم فور رؤيتها ورحب بها:
_ مدام أحلام، أخبارك حضرتك ايه؟
اندفعت به أحلام شزرًا وعينيها ينطق منهما الشر:
_ اسمع يا صادق ابني خط أحمر، ألاعيبكم دي تروحوا تعملوها مع حد تاني لكن ابني...
قاطعها صادق مبررًا موقفه:
_ يا مدام أحلام إحنا في صف ابنك، أنا خرجته وأنا برده هتابع القضية لغاية ما أظهر براءته، أنا مش عايزك تقلقي أبدًا
_ وأنتوا طول ما أنتوا موجودين هطمن على ابني برده
قالتها بقلبٍ غير مُطمئن ثم أولته ظهرها ومشت وهي تأمر ابنها بحدةٍ:
_ يلا يا عبدَالله
تَبِعها إلى الخارج برفقة صديقيه، ثم غادروا قسم الشرطة عائدين إلى منطقتهم، انتقى عبدالله المقعد الأخير من السيارة وأخرج رأسه خارج النافذة ثم تفقد هاتفه وتفاجئ بالاتصالات الواردة من صبا، نظر إلى الوقت وأغمض عينيه بانزعاج عندما تخطى موعد خروجها من المستشفى.
أعاد الإتصال بها ولم ينتظر لمدة طويلة بل تفاجئ من سرعة ردها، فتحدثت هي بصوتٍ قلِق:
_ عبدَالله أنت كويس يا حبيبي؟
تقوس ثغره للجانب مشكلًا ابتسامة سعيدة، ثم طمأنها قائلًا بعذوبة:
_ أنا بقيت كويس بعد حبيبي دي..
لامته بخوفٍ:
_ دا وقته يا عبدالله، طمنى عليك
أجابها بمزيجٍ من المشاعر الفياضة التي اكتسبها من كلمتها ومن الضيق والهم لما تعرض له:
_ دي من النوادر يا دكترة إنك تقولي كلمة حلوة لحبيبك، دا أنا على كدا أحبس لك نفسي كل يوم عشان أسمع أي كلمة تروي قلبي العطشان دا..
أغمضت عينيها وهي تحرك رأسها مستنكرة ما يقوله الآن، أخرجت تنهيدة طويلة ثم سألته مستفسرة:
_ طيب سيبك من كلامك دا وطمني عليك، أنت خرجت؟
_ ايوا خرجت..
قالها ولم يُنهي جملته بعد حتى استمع لصوت أنثوي يُحادث صبا:
_ دكتورة صبا في حالات جت ومحتاجينك في الطوارئ
أماءت صبا بتفهم وقالت بإيجاز:
_ جاية وراكي على طول
عادت للمكالمة لتُنهِيهَا لكنه أسبق بسؤاله الجاد:
_ إيه دا أنتِ لسه في المستشفى؟
ردت وهي تخرج من مكتبها تهرول باتجاه الإستقبال:
_ ايوا هفهمك بعدين، خلي بالك على نفسك على لما أشوفك هنتكلم، سلام..
_ استني بس..
لم تسمعه فلقد أنهت الإتصال، أدخل عبدالله رأسه من النافذه وأعاد وضع هاتفه في جيبه فتفاجئ بأعين صديقيه ترمقانه وكذلك ضحكاتهم الماكرة، ناهيك عن الهمزات واللمزات بينهما، فصاح الآخر متسائلًا:
_ بتبصولي كدا ليه؟
غمزه وليد مشاكسًا إياه بمرحٍ:
_ واضح إن الدكتورة كانت قلقانة جدًا
لكز زكريا وليد في ذراعه بخفة مضيفًا:
_ وواضح إن قلقها جاي على هوى صاحبك
لم يكفوا عن الضحك والسخرية حتى فاجئهم عبدالله بانزعاجه المبالغ:
_ اقطم منك ليه، وسيرتها مش أي لسان كدا يتكلم عنها
رد زكريا محاولًا توضيح حُسن نواياهم:
_ بس إحنا بنهزر معاك يا عُبد
_ حتى لو هزار، سيرتها متجيش تاني على لسانكم، لا بحلو ولا بوحش ولا حتر بهزار، عشان المرة الجاية فيها زعلة
هتفها عبدالله محذرًا فتدخلت والدته في الحوار:
_ عبدالله عنده حق يا شباب، ودا ميزعلش أبدًا إنه بيحافظ على بنات الناس، هو بيخاف عليها وبيتقي ربنا فيها فانتوا واجبكم تساعدوه لأنها إن شاء الله في يوم هتكون مراته، والهزار اللي بيضحككم دلوقتي بعدين هتتكسفوا من نفسكم لما تفتكروه.
شعروا بالخزي الشديد، وطأطأ كلاهما رأسيهما ثم هتف زكريا معتذرًا:
_ عندك حق يا خالتي، سماح يا عبدالله
_ خلاص ياعم متزعلش كدا
قالها وليد بحرجٍ مسيطرًا على نبرته، بينما اكتفى عبدالله بهز رأسه وعاد يشاهد الخارج وعقله يفكر فيما سيفعله ليُظهر براءته دون مساعدة ذلك الصادق.
***
وصلا إلى منطقتهم، ترجل عبدالله من السيارة فور وقوفها وتوجه مباشرةً إلى ورشة مرسي بوجهٍ محتقن يملؤه الغضب، تبعوه من معه لِيُهَدأوه إن تفاقمت الأمور، صدح صوت عبدالله في الأرجاء قبل أن يصل إليه حين وقع مرسي تحت نظريه وهو يقف في ورشته:
_ مرسي..
اهتز مرسي مكانه واستدار وطالع اقتراب عبدالله منه وقد تملكه الذُعر، ترك المعدات التي بيده ليستقبل موجة غضبه، وقف عبدالله أمامه وأمسكه من تلابيب ملابسه وهتف بانفعال شديد:
_ بقى أنت تبلغ عني أنا؟ أنا اللي طالع عيني لف طول النهار وأجي آخر الليل ترميلي شوية ملاليم وراضي وبقول الحمدلله، أنا اللي محافظلك على عربيتك ومفيش فيها خدش واحد ولو حصلها حاجة بتحملها من جيبي رغم إني مش أنا السبب فيها، وفي الاخر تبلغ عني أنا؟!
بخوفٍ يشع من بؤبؤيه تحدث بصوتٍ مرتجف:
_ أنا آه بلغت بس بلغت عن السرقة مبلغتش عنك
باستنكار تام وعدم تصديق لما أخبره به هلل بإزدراء:
_ ولما أنت مبلغتش عني الحكومة خدتني ليه؟
بأنفاسٍ لاهثة أجابه:
_ هما سألوني مين اللي بيدخل الورشة، قولتلهم عبد الله بيرجع يسيب العربية فيها...
احتدت تقاسيم عبدالله واحمرت عينيه من فرط غضبه فتوجس مرسي خيفة وأسرع في إستكمال حديثه:
_ والله قولتلهم عبدالله دا واد غلبان وأمين وملوش في الكلام دا، بس الظابط اللي ما صدق مِسك في كلامي وأمر العساكر يروحوا ياخدوك..
_ آدم!!
هتفها من بين أسنانه المتلاحمة وهو يجوب بعينيه المكان من خلف مرسي الذي ردد مؤكدًا:
_ أيوا هو دا، سمعت العسكري وهو بيقوله أوامرك يا آدم باشا..
عاد عبدالله ببصره على مرسي ثم سحب يده بهدوءٍ وأولاه ظهره وغادر دون إضافة المزيد، فصاحت والدته متسائلة من خلفه حين رأته يَشُرد عن طريق العودة:
_ رايح على فين يا عبدالله؟
بإيجاز قال:
_ روحي أنتِ ياما..
نظرت أحلام إلى صديقيه بخوفٍ يطغوا عليها وقالت برجاء:
_ خليكم معاه متسبهوش لوحده
أماؤا بروؤسهم وتبعوه مهرولين، حتى صاح وليد متسائلًا:
_ على فين يابني كدا؟
أجابه عبدالله وهو يتابع سيره:
_ رايح صيدلية دكتور كارم أشوف كاميرات المحل مصورة إيه، ما أنا مش ههدى غير لما أعرف مين اللي لبسهالي
ولج الصيدلية دون استئذان مما أثار القلق في قلب الطبيب وتساءل بنبرةٍ غير مطمئنة حينما رأى ولوج صديقيه أيضًا:
_ في حاجة يا عبدالله؟
وقف أمامه ولم يفرق بينهما سوى الحائل المستطيل الذي يُقسم المكان إلى نصفين، وقال وهو يحك مؤخرة رأسه:
_ معلش يا دكتور ممكن نشوف الكاميرات عندك امبارح بليل
_ اه عشان تشوفوا الحرامي اللي سرق ورشة مرسي، دا حمادة جالي من بدري وطلب يشوف برده
أردفها الطبيب فأثار الريبة في نفس عبدالله الذي ردد إسمه بقلق مختلط بعدم الراحة:
_ حمادة!!
عاد بنظره إلى الطبيب وواصل:
_ طيب ممكن تسمح لنا نشوف، لأن دي قضية وأنا ممكن أخد فيها حكم لو مظهرش اللي عمل كدا
بلطفٍ رد عليه:
_ اه طبعًا اتفضل
دار عبدالله حول الحائل حتى تخطاه وجاور الطبيب الذي بدأ يفرغ محتويات الكاميرا بالأمس، لكنه تفاجئ بعدم وجودهم فأبدى استغرابه بالأمر:
_ إيه دا راحوا فين؟ تسجيلات امبارح ممسوحة
تدخل زكريا مستنكرًا ما قاله بهجومٍ:
_ اتمسحت إزاي يعني يا دكتور؟ هو حد بيشوف التسجيلات دي غيرك؟
طالعه الطبيب لثوانٍ بتيه يفكر قبل أن يعطيه إجابةٍ:
_ لأ، بس دول كانوا موجودين الصبح لما حمادة طلب يشوفهم
تضاعف استنكار زكريا من كلماته التي لا يصدقها عقله وصاح بلهجة حادة:
_ ويعني حضرتك كنت واقف معاه ولقيتهم موجودين، فجأة كدا اختفوا؟!
اقترح وليد ما يدور بعقله بصوتٍ عالٍ:
_ ما يمكن حمادة مسحهم؟
قلب زكريا عينيه فلم يحتمل غباء وليد واندفع به:
_ يعني هيمسحهم والدكتور مش هيشوفه، بلاش غباء واسكت
_ سِكِت
قالها وليد مستاءً بينما تذكر الطبيب ما حدث حينها وقال:
_ ما هو أنا مكنتش واقف معاه، جت ست محتاجة حاجة فأنا روحتلها وسيبته لوحده..
هتف زكريا عندما تأكد من حدسه:
_ يبقى هو اللي عملها
رمقه الطبيب وعلامات الاستفهام تَكثُر في عقله حول اتهامه وعندما فشل في إيجاد السبب حينها سألهم بفضولٍ:
_ بس هو ليه يعمل كدا؟
تبادلوا النظرات ثم هز عبدالله رأسه وردد إسمه وهو يتوعد له أشر وعيد:
_ حمادة، تمام
خرج من المكان ووقف يحدج بالشارع يرتب أفكاره جيدًا قبل أن يشرع في فعل أي شيء، وقع على أذنيه سؤال وليد الجاد:
_ ناوي تعمل معاه ليه؟
اقتحم زكريا الحوار بقوله المُندفع دومًا:
_ إحنا نروح نجيبه من قفاه ونعطيه علقة تنسيه إسمه
لم يعقب عبدَالله على الفور بل أخذ وقتًا يعيد ترتيباته ثم ظهرت على ملامحه ابتسامة خبيثة تعجبا الشباب منها، التفت إليهما ومرر بصره بالتناوب بينهما ثم أردف:
_ تعالوا معايا..
***
عاد حماد إلى منزله بعد أن تأكد من عدم وجود ما يُدِنه بعد واقعته الأخيرة، كان يُغرد بسعادة لأنه أساء لعبدالله وحتى إن لم يجد ما توقعه الآن فسوف يراه وهو يُعاقب حينما تُثبت تهمة السرقة عليه.
دلف إلى هاوية الدرج المظلمة، خفق قلبه رعبًا حين استمع إلى صوت صافرة تلاها أخرى من مكانٍ آخر، والثالثة جاءت من آخر غيرهم، وقف يتلفت حوله يبحث عن مصدر الأصوات لكنه لم يرى شيئًا فاستخدم صوته الذي خرج مهزوزًا:
_ مين؟ حد هنا؟
فقط صمت مخيم على المكان، والآحر تلك الأنفاس الذي شعر بها تُحاوطه والتي زادته خوفًا، فقرر الاستعانة باضاءة هاتفه ليرى ما يشعر به حقيقة أم سراب، أشعل الإضاءة الخلفية فتفاجئ بوجهٍ ظهر من العدم يُردد:
_ عملت كدا ليه؟
صدح صوت آخر من جانبه الأيمن فوجه الهاتف نحوه ليظهر وجهًا آخر يهمس:
_ أنت اللي سرقت ورشة مرسي ولبستها لعبدالله
وما قضى عليه ذلك الصوت الثالث الذي تحدث بصوتٍ أجش:
_ انطق، أنت اللي عملت كدا صح؟!
فاض الكيل ولم تعد قدميه تستطيع حمله، وخر واقعًا وبصعوبة بالغة صرخ مستنجدًا بأحدهم:
_ الحقوني..
اشتعل مصباح الدرج ليوضح هوية الواقفين، وظهرت فتاة تركض من على الدرج يكسو وجهها الخوف العارم، اقتربت من حمادة وجست على ركبتيها لتطمئن عليه:
_ في إيه مالك؟
رفعت أنظارها عليهم واندفعت فيهم بهجومٍ:
_ عملتوا فيه إيه؟ ردوا عليا
حدجها عبدالله قليلًا قبل أن يردف مجيبًا:
_ محدش لمسه ماهو عندك أهو، اسأليه لو حد قربله
عادت ناظرة إليه وتساءلت مستفسرة عن سبب الخوف البادي على ملامحه:
_ حصلك إيه وايه اللي وقعك كدا؟
ابتلع حماده ريقه ونظر إلى عبدالله ببغضٍ وقال من بين أسنانه المتلاحمة:
_ اسالي أخوكي واصحابه عملوا إيه
أغمضت عينيها ثم وقفت واقتربت م عبدالله وهتفت وهي تضربه في صدره بقوة:
_ مالك ومال جوزي؟ مش قولتلك ابعد عننا؟ مُصر تبوظ حياتنا ليه؟
صعق عبدالله من كلماتها اللاذعة التي أحرقت قلبه، أمسك بيدها التي تضربه وضغط عليها بغضبٍ ثم قال باستياء واضح:
_ قبل ما تقفي قدام اخوكي وتقوليله الكلام، روحي اسألي جوزك سرق ورشة مرسي ولبسهالي أنا ليه؟
_ حمادة ميعملش كدا
قالتها بثقة فقهقه عبدالله وكذلك وليد وزكريا بسخرية، بينما حرك عبدالله رأسه يمينًا ويسارًا مستاءً من دفاعها الدائم عن ذلك الوغد، أخرج تنهيدة حارة وأردف آخر ما لديه:
_ فوقي بقى يا زينب، فوقي واعرفي إنك واقفة مع الجهة الغلط، انا اخوكي وعايز مصلحتك مش عايز ابوظلك حياتي يا بنت أمي..
استدار بجسده ورمق حمادة بنظراتٍ ساحقة وحذره بإبهامه:
_ حسابك مخلصش، مكانك في السجن مش أنا
غادر المكان برفقة صديقيه اللذان لم يتوقفا عن الضحك على ما فعلوه بحمادة وخوفه المثير للضحك، توقف عبدالله عن المشي ونظرا لأصدقائه هاتفًا بحماسة:
_ تاكلوا سندوتشات كبدة؟
هتف وليد عاليًا:
_ أكيد ودي عايزة كلام
تابعوا سيرهم حتى وصلوا إلى عربة الكبدة التي تقف على ناصية الشارع، فقال عبدالله للبائع:
_ ٩ سندوتشات كبدة ياعم حسن
_ من عنيا يا عبد الله يابني
قالها العم حسن ثم بدأ بتحضير الشطائر لهم فتساءل زكريا مازحًا:
_ إلا السندوتش بقى بكام يا عم حسن بعد الغلا دا؟
أجابه حسن وهو يتابع تحضيره:
_ بـ ١٠جنيه يا زكريا
فغر زكريا فاها وهتف:
_ وعلى كدا دا بلدي ولا مستورد؟
عقد حسن حاجبيه لغرابة سؤاله فلم يعي ما يقصده وسأله:
_ هو إيه دا؟
_ الكلب طبعًا
أردفها زكريا، فصُعق حسن وحدجه بأعين جاحظة ثم دافع عن طعامه بانفعال:
_ حاسب على كلامك أنا بتقي ربنا في اللي بأكله للناس
تدخل عبدالله لينهي سخافة ما أحدثه زكريا:
_ سيبك منه يا عم حسن دا أهبل بيهزر، بس هزار تقيل حبتين، كمل أنت وزود الكلب شوية، قصدي الكبدة
انفجروا ضاحكين على داعبة عبدالله بينما، ترك حسن الملعقة وألقى الشطيرة بعصبية واندفع فيهم بحنقٍ:
_ طب مش عاملكم حاجة، روحوا كلوا في مكان تاني
استنكر وليد أفعالهم واقترب من حسن وقَبّل رأسه ثم اعتذر منه بلطفٍ:
_ حقك عليا يا عم حسن دي عيال رخمة، سيبك منهم وكمل أنا على لحم بطني من الصبح مأكلتش حاجة..
نظر وليد إليهما وأشار بعينه ليعتذروا منه، فبدأ عبدالله بالاعتذار:
_ متزعلش يا عم حسن إحنا زي ولادك وبنحب نهزر معاك
أضاف زكريا قائلًا:
_ كمل كمل يا راجل طيب أنت لو هتاكلنا كبدة وليد حتى هناكلها من ايدك وإحنا واثقين فيك
تأفف حسن وواصل تحضيره على مضضٍ، انتهى منهم فأخذهم وليد وقام عبدالله بدفع حسابهم، ثم بدأوا بتناولهم مستمتعين بلذة مذاقهم الشهية، توقفوا عن الطعام فجأة وصوبوا بصرهم نحو ذلك الكلب الذي خرج من منزل حسن فتساءل وليد تلقائيًا فور رؤيته:
_ بتاعك الكلب دا ياعم حسن؟
التفت حسن ونظر إلى الكلب ثم أجابه بإبتسامة عفوية:
_ دا بتاع الواد ابن ابني
عض عبدالله على شفتيه لبرهة ثم قال:
_ ما شاء الله وكمان بتربوهم تربية بيتي!!
لم يستطيعا التماسك وانفجرا ثلاثتهم ضاحكين، فأثاروا غضب العم حسن الذي ترك ما بيده والتقط المغرفة الحديدية المُعلقة على العربة ثم ركض خلفهم، لكن هيهات لسرعتهم فلقد فاقوه حتى اختفوا من أمامه.
توقفوا عن الركض حين تأكدوا من ابتعادهم مسافة مناسبة ثم وقفوا يلتقطون أنفاسهم التي هربت من رئتيهم، ثم يعاودوا الضحك حين يتذكرون حتى قطع ضحكاتهم صراخ عبد الله المُتألم:
_ أه بطني مش قادر..
رواية علي دروب الهوي الفصل الثالث 3 - بقلم تسنيم المرشدي
ما بين الركود والنجاح سعي، لا تُوقِفَهُ، اعمل على تطويره أو ربما بناءهُ من جديد، لا تستسلم وخُض التجارب لترفع من شأنك وتتقدم في طُرِقِك، وتُصبح ذو شأنٍ عظيم في النهاية، حتى وإن طالت لا تيأس، لا تبالي إن تعرقلت، قف بشموخٍ وتحدى الصِعاب، فإن سعيت بِجد ستحصد ثِمار سعيك أضعافًا.
***
مالت بجسدها على طاولة المقهى خافية وجهها بتعبٍ تملك من خلايا جسدها، مُنهكة للغاية، لا يُفارق رأسها ذلك الصداع اللعين، وما بين التثاؤب والآخر تتثاءب دون توقف، يا ليتها الآن بين أحضان الفراش، تُعانق وِسادتها وتنعم بنومٍ هنيء.
_ القهوة جاهزة يا دكتورة
اقتحم ذلك الصوت رأسها المُتعب، فرفعت عينيها ببطءٍ ترمقه بحزنٍ واضح لإنهائه القهوة، فهي تكره رائحتها، ومعدتها ترفض طعمها لكنها تريد شيئًا يساعدها على استعادة وعييها فاليوم ما زال طويلًا.
التقطت كوب القهوة الورقي وقامت بشم رائحتها، فاشمئزت وأبعدتها على الفور، أغمضت عينيها واستنشقت الهواء لتمحي أثر القهوة بداخلها، أعدلت جلستها وقامت بإغلاق أنفها لكي لا تتغلغل الرائحة أنفها ثم بدأت ترتشف القهوة رغمًا عنها، كانت لديها رغبة مُلحة في التقيؤ وبصعوبة تقاوم شعورها حتى فرغت من القهوة فألقت الكوب في صندوق القمامة وغادرت المكان وهي تنعت المدير بغيظ.
_ دكتورة هدى تعالي الطوارئ بسرعة في حالة تسمم وصلت
قالتها إحدى الممرضات وهي تتقدم بخُطى مهرولة، أماءت صبا وركضت خلفها داعية الله أن ينتهي ذلك اليوم العصيب.
_ الحالة اسمها ايه؟
تساءلت قبل أن تدلف غرفة الطوارئ فأجابتها الممرضة بعملية:
_ عبدالله القاضي
تجمدت صبا مكانها تردد الإسم في عقلها حتى اتسعت حدقتيها بصدمة حين استوعبت أنه عبدالله نفسه، فهتفت مذعورة:
_ عبدالله!!
ركضت دون توقف حتى ولجت الغرفة واقتربت منه وهي تُناديه بنبرة مُرتجفة:
_ عبدالله، إيه اللي حصل بس..
بالكاد تماسكت أمام الممرضة ثم أمرتها بإحضار الدواء فغادرت، بينما اقتربت صبا من عبدالله بعينين لامعتين وهتفت بقلقٍ وخوف:
_ عبدالله أنت سامعني؟
فتح عينيها ببطء وابتسم بوهنٍ ثم همس:
_ صبا..
لم تتمالك عبراتها التي انسدلت متأثرة بوضعه المشفق وحاولت طمأنته:
_ متخافش، هتكون كويس، بس قولي أنت، حصل ايه بالظبط عشان نحدد التسمم من إيه
بوهنٍ شديد قال بخفوت:
_ مش مهم، المهم إني أموت بين ايديكي
خفق قلبها بشدة ورفضت سماع ما قاله وهللت باستنكار:
_ إيه اللي بتقوله دا، اسكت أنت هتبقى كويس، عرفني حصلك كدا إزاي؟
أخذ عبدالله نفسًا ليجيبها قائلًا:
_ أكلت كبدة هوهو
حل الصمت لبرهة تحاول صبا فَهم ما أخبرها به، تبادلا النظرات ثم لم يعد يستطع عبدالله التماسك وانفجر ضاحكًا تحت نظرات صبا عليه، لم يُجمع عقلها بسهولة سبب ضحكه وما يحدث، فظلت ترمقه فقط.
اعتدل عبدالله وجلس مقابلها ليوضح لها النقاط المظلمة التي ازدادت في عقلها:
_ بهزر معاكي يا دكترة أنا كويس
كور يُمناه ثم ضرب صدره بقوةٍ وصاح بصوتٍ أجش:
_ عبدالله حديد ميتخافش عليه
طالعته صبا لثوانٍ قبل أن توصد عينيها محاولة بلع مزاحه السخيف، أخرجت تنهيدة بهدوء وعادت ناظرة إليه وقالت بحدة:
_ أنت إزاي تعمل معايا كدا، أنا قلبي كان هيقف من خوفي عليك؟
شعر عبدالله بالندم حيال فعلته واعتذر منها بحرجٍ:
_ متزعليش، بس مكنش قدامي غير الطريقة دي، مش أنتِ اللي قولتي محدش بيدخل هنا غير التعبان
هزت صبت رأسها مرارًا مستنكرة تصرفه، فهتف عبدالله طالبًا العفو:
_ سماح المرة دي يا دكترة، مش هتتكرر تاني..
بوجهٍ محتقن ونبرة حادة سألته:
_ عملت كدا ليه؟
تقوس ثغره وشكل بسمةٍ عذبة أحبتها صبا لكنها لم تُظهِر وأجابها وهو يُسبل عينيه:
_ حنيت لغصن الزتون اللي غايب عني بقاله يومين
قالها وهو يقصد عينيها الخضراوين، فأخفضت صبا رأسها بحياء، احمرت وجنتيها خجلًا من كلمات الغزل خاصته، انتبهوا على عودة الممرضة فنهضت صبا مبتعدة عنه وأوحت إليه بإشاراتٍ من عينيها أن يعاود النوم، فعاد بظهره واستلقى على الفراش الطبي مصطنعًا مرضه.
أخذت صبا من الممرضة ما جلبته لها ثم أمرتها بلطفٍ:
_ خلاص روحي أنتِ أنا ههتم بيه
أماءت الممرضة ثم غادرت تحت نظرات عبدالله عليها، عاد بعينيه على صبا التي ترمقه بغيظٍ ثم صاحت به مندفعة حين تقابلت مع عينيه:
_ إيه؟ عجبتك تحب أجبلك رقمها؟
إلتوى ثغر عبدالله وهو يردف مشاكسًا إياها:
_ ياريت
جحظت عينيها بصدمة ثم ألقته بأحد عُلب الدواء المُمسكة بهما فالتقطها عبدالله وهو يقهقه على غيرتها الواضحة، نهض ووقف أمامها وأردف محاولًا إصلاح ما اقترفه:
_ دا لو عيوني بصت على غيرك أقلعهم من مكانهم وأقضي بقيت حياتي أعمى
_ مش باخد منك غير كلام
أردفتها بحنقٍ وغيظ وهي تعقد ذراعيها على صدرها، فأسرع عبدالله في قول:
_ الرك على النية وأنا نيتي أنتِ
رفعت حاجبها الأيسر وبلهجةٍ حادة قالت:
_ آه دا أنت بتسمع تامر عاشور كتير بقى!
ابتسم عبدالله ومازحها بقوله:
_ أعمل ايه بس بياخد كل الاغاني مني
_ تامر عاشور!!
هتفتها بعدم تصديق فأكد عبدالله على ذلك:
_ أيوا شكلك مبتقرأيش كلمات مين في التتر، كان فاتك قرأتي عبدالله القاضي هو وحي خيال الفنان
حقًا ذلك أكثر من استطاعتها على التماسك، خرجت عن صمتها وقهقهت عاليًا ثم رددت من بين ضحكها:
_ أنت مُشكلة يا عبدالله والله، وأنا مبقدرش أخد منك موقف بسبب اللي بتعمله دا
_ كريزمتي محدش بيقدر عليها يا دكترة
هتفها بغرورٍ فصاحت صبا بنفاذ صبر:
_ طب يلا يا كاريزما امشي عشان أروح أشوف شغلي
طالعها لبرهة ثم عاد إلى الفراش وتصنع التعب مردفًا بوهنٍ:
_ أنا تعبان ومحتاج رعاية، احجزولي أوضة هنا
تراجعت صبا إلى الخلف حتى استندت بمرفقيها على أحد الرفوف خلفها وأخبرته بما يجهله:
_ أنت عارف الأوضة هنا بكام؟
اعتدل عبدالله من نومه، ونهض ثم توجه إليها بتهملٍ، انعسكت تعابير وجهه وتحدث بتزمجر:
_ إيه السؤال دا يا صبا؟ قصدك إني مش معايا تمنها؟ بكام يعني؟
تأكدت صبا أنها قد أحزنته فهو لا يُناديها باسمها إلا في أوقات حزنه منها، ابتلعت ريقها وحاولت ارضائه:
_ عبدالله أنا مش مقصدتش...
قاطعها بانفعال:
_ قولت بكام؟
_ بـ ١٠٠٠ في الساعة
أجابته بنبرةٍ سريعة بالكاد فَهِمهَا، أخفض رأسه فشعرت صبا بوخزة في قلبها لأنها قللت من شأنه، وحاولت الإعتذار منه:
_ عبد الله أنا أسف...
لم يدعها تُكمل وتحدث وهو مُنكس الرأس:
_ متتأسفيش، أنتِ قصدتي إني مش معايا تمنها..
رفع رأسه وقابل عينيها وواصل استرساله:
_ عندك حق أنا فعلًا مش معايا تمنها
انفرجت شفتيه فظهرت ابتسامة على محياه فاكتشفت صبا مُزاحه فلم تستطع تمالك يدها التي ضربته بكل ما أوتيت من قوة في صدره مهللة بنفاذ صبر لتصرفاته الخرقاء:
_ حرام عليك بجد، دا أنا صدقتك وضميري أنبني
ازدادت ضحكاته فما كان منها إلا أنها دفعته خارج الغرفة مرددة بحنقٍ:
_ اطلع برا يا عبدالله..
وما أن أنهت جملتها حتى وجدت صديقيه يقفان بالقُرب منهما، فأشارت إليهما بالمجيء وقالت حين أتوا:
_ خدوا صاحبكم واتفضلوا من هنا..
استدار عبدالله بجسده ناظرًا إليها وقال:
_ بتطرديني يا دكترة، أنا أصلًا ميشرفنيش أقعد في مستشفى زي دي وأقِل من نفسي، ربنا يخليلنا الحكومي
التفت برأسه وأمر صديقيه:
_ شيلني يابني..
ترك جسده يهوى بين يديهم فحملوه، نظر إلى صبا وهمس بخفوت:
_ اه يا دنيا، الناس طبقات فعلًا، طبقة تدفع ١٠٠٠ في الساعة وطبقة شهرها بـ ١٠٠٠
وضع يديه على كتفي صديقيه وأمرهما:
_ يلا بينا يابني
غادروا المكان تحت نظرات صبا المتابعة لهم حتى اختفوا، شعرت بانعكاس حالتها، لن تنكر أنه أضاف لوقتها المُمِل رونقًا وشعرت بصفو مزاجها، سحبت نفسًا ثم استدارت لتُمارس عملها بمزاجٍ سوي، تفاجئت بتلك الممرضة التي تقدُم نحوها ووجها لا يبشر بالخير، ثم قالت من بين أنفاسها اللاهثة:
_ دكتورة صبا، دكتور رمزي قالي أبلغك تهتمي بالحالة اللي كلفك بمتابعتها حالًا..
نفخت صبا بصوتٍ مسموع، وقد اعتلى الإنزعاج ملامحها وهتفت بتذمر:
_ تمام..
وضعت يدها في جيوبها ثم مشت وعلامات كل ماهو سيء ينعكس على وجهها.
***
تقف على بُعد مسافةٍ منه تحدجه بنظراتٍ ساخطة واضعة إحدى يديها في منتصف خَصِرها، لا يتوقف عقلها عن ترديد ما أخبرها عنه عبدالله، نفخ بضيقٍ فلم يعُد يحتمل نظراتها وهدر بها شزرًا:
_ بتبُصيلي كدا ليه؟ مصدقة الكلام اللي اخوكي قاله؟!
اقتربت بِضع خُطوات منه وبهدوءٍ تخفي خلفه بركانًا ثائر أجابته:
_ ومصدقش ليه؟ ليه أصلًا عبدالله هيقول كدا ويتهمك بحاجة زي دي؟
انتفض من مكانه بتزمجر وصاح عاليًا لينهي الحوار قبل بدئه:
_ لا دا أنتِ اتجننتي يا زينب، أنا داخل أنام
ولج غرفة نومهما فلم تقبل زينب إنهائه للحوار بتلك الطريقة المبتذلة ولحقت به رافضة أن تدعه وشأنه قبل معرفة الحقيقة:
_ متسبنيش وتمشي يا حمادة، أنا مش هسكت غير لما أعرف الحقيقة
وقف فجأة فارتطمت به ثم استدار بجسده ورمقها بعينين غاضبتين يكاد لونهما يميل للإحمرار وهتف بحدةٍ:
_ حقيقة إيه اللي عايزة تعرفيها؟
_ الكلام اللي قاله عبدالله دا صح؟ أنت فعلًا سرقت ورشة مرسي؟
هتفتها وقلبها يتمنى أن ينفي ذلك، تخشى سماع ما لا يُود عقلها تصديقه، ابتلعت ريقها وانتظرت إجابته بفروغ صبرٍ، شعر حمادة بانحصاره من قِبل نظراتها فهرب منها والتفت ثم قال بانفعال مصطنع:
_ لأ يا زينب أنا مسرقتش ورشة مرسي..
عاد بنظره إليها بعد أن لبس ثوب الأخلاق الكريمة وواصل مالم يُنهيه:
_ ها كدا ارتحتي؟
قلبها لم يطمئن لإجابته المختصرة، سارت بخُطاها حتى وصلت إليه وتساءلت بتيه:
_ أومال هو قال كدا ليه؟
_ عشان بيحقد عليا، عايز يخرب علينا،مش قابل إني اتجوزتك وهو كان رافضني، لسه مش قادر يستوعب إني اتحديته بجوازي منك، ها عايزة تسمعي إيه تاني؟
صاح بهم منفعلًا، توجه نحو الفراش حين انتهى من مسرحيته التي قام بأداءها على أكمل وجه، حتى أنه لوهلة كان يريد أن يصفق لنفسه، بينما جلست زينب على طرف الفراش ونظرت في الفراغ أمامها، تشوش عقلها ولم تعد ترى الأمور من زاوية واضحة.
أخرجت تنهيدة طويلة ورددت ما يدور في عقلها بخفوت:
_ يعني إيه؟ يعني كدا هو اللي سرق! بس عبدالله عمره ما عمل حاجة حرام، ووضعه نفسه ميسمحلوش إنه يحتاج يسرق، دا بس لو شاور بإيده لأ ايده إيه، لو شاور بصوباعه هيترمى تحت رجليه ملايين وبالحلال..
أدارت رأسها ونظرت إلى زوجها الذي يطالعها باسيتاء واضح وتابعت حديثها المُعقد:
_ فيه حاجة غلط..
تأفف حمادة ونهض فجأة ناعتًا ثرثرتها التي لا تنتهي:
_ أنتِ مش هتسكتي يعني، سايبهالك وماشي خالص، اتكلمي براحتك بقى
خرج من الغرفة فأسرعت زينب خلفه مانعة خروجه حيث وقفت حائلًا بينه وبين الباب هاتفة برجاء:
_ لا لا خلاص معتش هتكلم في حاجة، اقعد نتغدى، أنت مأكلتش حاجة من الصبح
بانفعال شديد صاح:
_ مش عايز، ابعدي عني
حركت رأسها رافضة التحرك من مكانها وأردفت متوسلة:
_ أنا آسفة يا حمادة حقك عليا، أقعد وأنا أوعدك معتش هفتح بوقي تاني..
وضع الآخر يده على ذراعها ثم دفعها بكل ما أوتي من قوة فارتطمت زينب بالأرض، لم يبالي لفعلته وفر هاربًا، تساقطت العبرات من مقلتيها حزنًا على ما أحدثه، نهضت ثم التقطت هاتفها وقامت بعمل اتصالًا عليها إجرائه، لم تدع الطرف الآخر ينبس بحرفٍ بل اندفعت فور إجابته:
_ قولي لابنك يبعد عني وعن جوزي، أنا مش هسمحله يخرب بيتي ويبعدني عن حمادة عشان هو مش بيحبه، قوليله أنتِ بدل ما أقوله أنا بطريقتي ومش هتعجبك ولا هتعجبه..
أنهت الإتصال ثم جلست على أقرب أريكة قابلتها وأمسكت بذراعها التي سقطت عليه، احتدت ملامحها بألمٍ وتوعدت لأخيها إن اقترب منهم مرةً أخرى فسيجد مالا يُحمد عقباه.
***
بعد وصوله مِنطَقتِه وقف جانبًا مستندًا بظهره على إحدى الجدران، رفع قدمه اليمنى على الحائط واليسرى تركها كما هي، أخذ هاتفه وقام بعمل مكالمة هاتفية، لم ينتظر طويلًا حتى أجابته بصوتها الرقيق:
_ زكريا..
بنبرةٍ عذبة أجابها:
_ حبيب زكريا رجع من الشغل ولا لسه؟
_ خلصت وراجعة في الطريق
هتفتها فانتابته السعادة وبحماسٍ قال:
_ تمام، أنا واقف على ناصية الشارع مستنيكي عشان نطلع الشقة أوريكي جبتلك ايه
قلقت بشأن صعودهما معًا إلى الشقة وحاولت الرفض فقالت بتلعثمٍ:
_ بلاش طلوع الشقة متأخر كدا، وبعدين ممكن تصورلي الحاجة وتبعتهالي
استنكر زكريا ما قالته وأصر على طلبه:
_ مينفعش، لازم تشوفيها بعينك، الصور مش بتظهر الحاجة يا لولا، مش هناخد ٥ دقايق وهوصلك البيت..
سحبت نفسًا وأخذت تفكر فيما قاله فلم تجد سببًا للرفض فقبلت بعرضه:
_ تمام، بس ٥ دقايق بس
_ ٥ دقايق بس ..
أردفها ليطمئنها ثم اعتدل في وقفته حين رآها تقترب منه، شكل بسمةٍ على محياه ورحب بها:
_ واحدة واحدة على الأرض إحنا مش لوحدنا
خجلت فأخفضت رأسها وقالت:
_ طيب يلا عشان متأخرش وأبويا يستغيبني
_ يلا يا حبيبي
قالها ثم سار بجوارها حتى وصلا إلى البناية الخاصة بعائلته ثم صعدوا درجات السُلم، حرص زكريا على عدم إصدار أي أصوات كما حذرها أيضًا، تصرفاته بثت فيها القلق وشعرت بانقباضة قلبها لكنها لم تدع شيطانها يؤثر عليها، فالأمر لن يستغرق سوى خمس دقايق او أقل.
صعدا إلى الطابق الرابع حيث الشقة، ثم فتح زكريا بابها ونظر إليها بإبتسامةٍ هادئة:
_ اتفضلي نوري شقتك يا عروسة..
تقوس ثغرها للجانب فظهرت ابتسامتها الخجولة، ثم خطت إلى الداخل فقام زكريا بغلق الباب، استدارت مُسرعة والقلق يسيطر على تقاسيم وجهها وهتفت بذُعر:
_ قفلت الباب ليه؟
أوضح لها زكريا سبب غلقه الباب بنبرةٍ رخيمة:
_ إحنا في بيت عيلة يا ليلى ومش عايز حد طالع أو نازل يشوفنا ويرمي كلام..
بعدم راحة هتفت:
_ طب يلا وريني جبت ايه عشان أمشي
أشار زكريا بإبهامه خلفها قائلًا:
_ هناك، بصي كدا
التفتت تنظر إلى ما يشير نحوه، فاستغل زكريا وضعها واقترب منها محاوطًا خَصِرها بذراعيه، شهقت ليلى مذعورة وحاولت التملص من بين يديه لكنه آبى وزاد من قبضته حتى قيد حركتها فهتفت متوسلة:
_ لو سمحت يا زكريا سيبني..
أرغمها زكريا على الالتفاف إليه فباتت بين أحضانه وهمس بقرب شفتيها:
_ انا بحبك يا ليلى..
أغمضت ليلى عينيها وأعادت توسلاتها بتوجسٍ:
_ وأنا كمان بحبك، بس سيبني، سيبني أمشي..
_ بس أنا مش عايزك تمشي، أنا عايزك يا ليلى، عايز أكون معاكي زي اي راجل مع مراته
همس بهم بأنفاسٍ حارة حاولت ليلى بعدم التأثر بها:
_ قدامنا أسبوعين ووقتها أنا هكون في بيتك ومش هرفضلك طلب، بس دلوقتي لأ، عشان خاطري يا زكريا خليني أمشي، أنا خايفة أوي
تراجع برأسه قليلًا ونظر إلى وجهها الشاحب وحاول طمأنتها قدر المستطاع لتقبل به ويرضي جوارحه التي تطالب بها:
_ أنا آخر واحد تخافي منه يا ليلى، أنا زكريا حبيبك وجوزك وأنتِ مراتي، يعني مفيش مشكلة لو حصل بينا حاجة، مش حرام
فتحت عينيها ونظرت إلى عينيه ورأت رغبته التي تزداد وقالت:
_ بس الأحسن نستنى الأسبوعين اللي لسه، عشان خاطري يا زكريا..
مال بجبينه على جبينها وهمس بصوتٍ متحشرج:
_ بس أنا مش قادر أبعد عنك.. أنا آسف
لم يعد يستمع لحرفٍ مما تقوله، آبت أذنيه الرضوخ لتوسلاتها، كانت تستنجد منه إليه، لا يصغي سوى لصوت عقله الذي يريد الوصول إلى مبتغاه فقط، وهي فشلت في مقاومته، فطوله وجسده العريض يضاعف جسدها الهزيل الذي خر وهوى بالاجبار، لم يرأف لآلامها النفسية والجسدية الذي يتسبب بهما، لا يرى ولا يسمع وأيضًا لا يشعر، بات كالحيوان الذي ينقض على فريسته ليرضي غريزته.
***
دلف بخطواتٍ مُتخاذلة إلى منزله، عقله سيجن، المقارنة لا تتوقف كلما رأهما معًا، العديد من لماذا والعشرات من كيف، لا يجد إجابة واضحة ترضيه، ألقى بجسده على الأريكة وطالع أمامه بقلبٍ جريح متألم.
خرجت والدته من غرفتها إثر الأصوات الذي أحدثها متسائلة باهتمام:
_ أنت جيت يا وليد؟
لم تسمع رد فشعرت بالقلق، تابعت سيرها حتى وجدته جالسًا شارد الذهن فحاولت جذب انتباهه بنبرة قلقة:
_ مالك يا حبيبي، إيه اللي شاغل بالك ومخليك في حالتك دي؟
أخرج تنهيدة مهمومة أكدت لوالدته أن ثِمة أمر به، فانتظرت إجابته على أحر من الجمر حيث قال:
_ نفسي أعرف يا أمي إزاي تختاره هو وأنا لأ؟!
الآن اتضحت الأمور، تشدقت والدته بفمها وتمتمت وهي تقلب عينيها:
_ أنت لسه منستش الموضوع دا يا وليد؟ دا فات عليه ياما يابني، آن الأوان تشوف حالك زي ما شافت حالها وتتجوز وتعيش حياتك بقى
_ أنا بس عايز أعرف ليه؟ ليه هو؟ ليه ترفضني أنا وتوافق على واحد زي حمادة دا، حمادة الحرامي البلطجي توافق عليه وتسيبني أنا يا أمي دا أنا كنت هعيشها ملكة، مكنتش هنقصلها أي حاجة، كنت هعاملها أحسن معاملة، كانت هتقعد في بيت ملك ليها وأنتِ كنتي هتكوني أم تانية ليها، نفسي أعرف بس ليه رفضتني؟!
قالها بعد أن اعتدل في جلسته ودنا من والدته فخرجت نبرته متألمة، لم تستطع والدته السكوت تلك المرة، يكفي العيش جريحًا متألمًا يأمل عودتها إليه، فهتفت بنزق:
_ الحمد لله أنها رفضتك..
حدجها وليد بأعين جاحظة مندهشًا من ردها، ثم واصلت والدته بنبرة قاسية:
_ عشان هي مش شبهنا، بص وشوف عاملة إيه في أمها وأخوها، اللي ملوش خير يابني في أهله ملوش خير في حد، وفي الآخر هي مش نصيبك حاول تستوعب كدا يا وليد، العمر بيجري وهتلاقي نفسك لوحدك عايش على ذكريات كدابة، البنات كتير وأحلى من بعض ولو ركزت شوية هتلاقي اللي يتمنولك الرضا بس أنت اللي مصمم تشوف ناس مش شايفينك يابني..
رفع وليد رأسه ورمقها بنظرات مبهمة وتساءل عما تقصده:
_ قصدك مين؟
ردت دون تفكيرٍ:
_ فريدة بنت خالتك، تتمنى بس أنك تبصلها بصة واحدة..
_ فريدة!!
نطق اسمها بذهولٍ، وكأن والدته أنارت جزءًا في عقله كان مظلمًا، نظر أمامه وعقله يردد إسمها ويُعرِض له ذكرياتهما المعدودة سويًا.
***
يجلس أرضًا يطالع الفراغ بعقلاٍ مشتت، به تعقيدات لا يستطع فك شفراتها، يناقض نفسه، ويلومها على تسرعه، يشعر أن جوفه بات فارغًا من المشاعر، لم يعد يشعر بفيض مشاعره الذي كان متملكًا منه قبل دقائق.
قطع شروده شهقات التي تجاوره، بصعوبة شديدة حرك رأسه ونظر إليها فوجدها مكورة في نفسها تضم ركبيتها أمام صدرها وتحاوطهم بذراعيها، ترتجف بقوة ولا تكف عن البكاء حتى تورمت عينيها وأصبح لونهما أحمر كالدماء.
أغمض عينيه لاعنًا تصرفه الأرعن، لكن لا يوجد ما يفعله الآن فلقد خرب كل شيء، والندم لن يفيد، ابتلع ريقه واقترب منه محاولًا أخذها في حضنه لكنها آبت وصرخت:
_ ابعد عني..
أسرع زكريا في تهدئتها قبل أن يصل صوت صراخها إلى أحد ساكني المنزل، تحرك حتى بات مقابلها وحاول طمأنتها قدر المستطاع:
_ ليلى، عايزك تهدي ممكن، عشان محدش يسمعنا لو سمحتي..
رمقته باستحقار شديد ثم دفنت رأسها بين قدميها تبكي بغزارة، بحث هو عن ملابسها ثم أخذ قطعة تعود إليها ووضعها عليها ليخفي معالم جسدها عن عينيه، وعاود حديثه بنبرةٍ نادمة:
_ ليلى اسمعيني، عارف إن اللي حصل دا مكنش المفروض يحصل، بس إحنا خلاص فرحنا كمان أسبوعين، يعني خوفك دا ملوش لازمه..
اقترب منها أكثر ورفع بيده رأسها فنفرت منه، أعاد وضع يديه بجانبه وواصل كلماته التي يحاول بها تضميد جرحها:
_ أنتِ مراتي وأنا جوزك، إحنا مكتوب كتابنا يعني معملناش حاجة حرام قدام ربنا، وكمان اسبوعين هنكون في بيت واحد وهنخرج قدام الناس كلها ومحدش هيكون لي عندنا حاجة..
توقف يلتقط أنفاسه قبل أن يردف مجملًا تصرفه:
_ مش حتة الفرح اللي هيحلل علاقتنا مع بعض، طلاما كتبنا الكتاب فأنتِ شرعًا مراتي والفرح دا رسميات، فيه ناس بيكتبوا كتب الكتاب ويكتفوا بيه وبيروحوا بيتهم..
زفر أنفاسه وتابع:
_ خلاصة كلامي إننا مغلطناش، أنتِ مراتي قدام ربنا ودا اللي عايزك تقتنعي بيه عشان تهدي ومتفكريش كتير..
لم تُعقب، بل ظلت ترمقه فقط، فإن لم تثور فهي اقتنعت بحديثه، أقنع زكريا عقله بهذا، سمح لنفسه بالإقتراب منها ومحاوطتها بكل ما أوتي من قوة فلم تعارضه بل استكانت بين أضلاعه وأطلقت العنان لعبراتها في السقوط ثانيةً.
شد زكريا من قبضته مرددًا وهو يرفع رأسها بأنامله لتواجهه:
_ ششش بطلي عياط
طالعته بعينين لامعتين تترقرق منهما الدموع وتساءلت بصوتٍ متحشرج:
_ أنت مش هتسيبني صح؟
استنكر زكريا تفكيرها الساذج ونفى ظنونها بقوله:
_ أنتِ عبيطة، عمري ما أسيبك أبدًا ولو أنتِ فاكرة
إن اللي حصل دا ممكن يبعدني عنك أو يغير حاجة فأنتِ بكدا تكوني عبيطة بجد، اللي حصل دا ربطني بيكي أكتر، خلق بينا رابط قوي وخلاني محتاج لك أكتر ما أنتِ محتجاني..
أشار إلى قلبها وأكمل بصوت رخيم:
_ طمني قلبك، زكريا راجل وقد كلمته وأفعاله
انحنى على شفتيها وطبع قُبلة عليها وهمس أمامها:
_ بحبك
كلماته بثت بها الطمأنينة وشعرت ببعض الراحة، أغمضت عينيها واستندت على صدره العاري تقاوم وبشدة أفكارها التي تنتهي بها إلى أحداث مأساوية لا تريد حدوثها، قطع عليها زكريا حبال أفكارها بصوته:
_ يلا قومي عشان تروحي قبل ما ابوكي يقلق عليكي
أماءت بقبول وكادت تنهض إلا أن وضعها التي كانت عليه أخجلها للغاية فأخفضت رأسها بحياء، استشف زكريا ما تفكر به فنهض وابتعد عنها معللًا:
_ خلصي ونادي عليا أنا جوا..
بعد فترة قصيرة انتهت ليلى من ارتداء ملابسها وحجابها ثم نادت بصوت مرتجف:
_ زكـ ريا..
خرج من الغرفة التي مكث بها وقابلها بابتسامةٍ ليزيد من اطمئنانها لكن سرعان ما اختفت من على محياه عندما طُرق الباب، خفق قلب ليلى رعبًا ونظرت إليه بذُعرٍ فهما على وشك الإنكشاف.
أشار إليها بالهدوء فجاهدت على تهدئة روعها ثم أشار إليها بالمجيء ووضعها داخل الغرفة وأغلق بابها بحذرٍ، نظر إلى الفوضى الذي أحدثها في المكان فقام بضبط ما استطاع ثم أخذ نفسًا وزفره على مهلٍ وتوجه ناحية الباب، أدار مقبضه ببطء فظهرت من خلفه والدته التي ارتخت ملامحها حين رأته وأوضحت سبب حضورها:
_ أنا سمعت حركة من تحت، قولت أطلع أشوف في إيه
حمحم ليضبط حنجرته وقال بتلعثمٍ:
_ ااه، دا أنا، كنت.. أنا أنا ياما متقلقيش، أنا حتى كنت نازل
خرج للخارج ليجبرها على النزول، سبقته هي للأسفل فتصنع زكريا نسيانه لشيء وهتف:
_ دا أنا نسيت موبايلي في الشقة، هطلع اجيبه اسبقيني أنتِ وأنا جاي أهو
صعد بعض الدرجات ثم تأكد من دخول والدته المنزل فعاد إلى شقته ونادى بخفوت:
_ تعالي يا ليلى، مفيش حد
ظهرت من خلف الباب ترتجف بقوة، حتى أنه لاحظ اهتزاز جسدها من على بعد مسافة بينهما، أسرع نحوها وأمسك يديها وأردف بقلق:
_ أنتِ بتترعشي كدا ليه؟
خرجت كلماتها متلعثمة بالكاد فَهِمَا زكريا:
_ أنا عايزة أروح..
رمقها بندمٍ شديد فكانت في حالة يرثى لها، والآحر أنه المتسبب في ذلك، لم يكن أمامه سوى مساعدتها على المغادرة قبل أن يراهم أحد، كان يسبقها بخطواته يتأكد من خلو الطريق.
تلك الأثناء صغت والدته لحركة على السُلم فحاولت اللحاق به قبل ذهابه، فتحت الباب وهي تردد:
_ استنى يا زكريا مش هتاكلك لقمة...
انخفض صوتها فور رؤيتها طيف ليلى، قطبت جبينها بغرابة وهمست مندهشة:
_ ليلى!
***
أتاه اتصالًا فتردد في الإجابة، كان رقم مجهول، تنهد ثم أجاب:
_ ايوا..
تجهمت تعابيره عندما استمع إلى صوت الطرف الآخر وواصل حديثه على مضضٍ:
_ أستاذ صادق، اتفضل
_ بكلمك يا عبدالله عشان أعرفك إنك تمام وملكش محاضر في القسم، مرسي أتنازل..
قالها بجدية وانتظر ردًا من عبدالله لكنه طال صمته، فكان عبدالله يتابع نزول صديقه برفقة ليلى أو ربما هروبهما، فهو شعر بالريبة من أمرهما، انتبه على صوت الآخر المتسائل:
_ عبدالله أنت معايا؟
هز رأسه بإيماءة ثم استنكر تصرفه الأخرق وأجابه:
_ شكرًا ليك يا مِتر
_ دا واجبي يابني، ولو أن الفضل الأكبر يرجع لقاسم بيه
قالها صادق فأشعل نيران عبدالله الخامدة وصاح به منفعلًا:
_ الفضل لا ليك ولا ليه، أنا أصلًا معملتش حاجة وكدا كدا برائتي كانت هتظهر، ربك مبيظلمش حد يا مِتر، سلام..
أنهى الإتصال وتوجه نحو صديقه العائد إلى منزله، وقرر المُزاح معه فصاح من خلفه:
_ كنت بتعمل إيه يا شقي؟
تجمدت قدمي زكريا ثم استدار بجسده ورمقه بقلقٍ ثم تساءل:
_ بعمل إيه في ايه؟
تعجب عبدالله من حالته المريبة وعاد مشاكسًا إياه:
_ دا الظاهر الشقاوة كانت بجد بقى
دنا منه وهمس ممازحًا بقرب أذنه:
_ عيب عليك يا زيكو احترم الراجل اللي مأمنك عليها
بلغ زكريا ذروة تحمله، فأعصابه تالفة وعبدالله يثير جنونه وكأنه على علم بما حدث، خرج عن صمته واندفع به:
_ قبل ما تقولي الكلام دا قوله لنفسك
ساد الصمت لبرهة، فكلاهما رددا جملة زكريا الذي شعر بالندم حيال اندفاعه، في الجهة المقابلة شعر عبدالله بألمٍ من كلمات صديقه وكأن صفعة دوت على وجهه، أطال النظر حتى قطع ذلك الصمت زكريا مردفًا:
_ عبدالله أنا مقصدش...
رفع عبدالله يده وأشار إليه بعدم المواصلة ثم أردف بنبرةٍ حزينة:
_ معاك حق..
أولاه ظهره وغادر على الفور تحت نداءات زكريا محاولًا إصلاح ما اقترفه لكنه لم يهتم لندائه وتابع سيره حتى اختفى من أمام زكريا، نفخ بصوتٍ عالٍ وركل بقدمه حجارةً صغيرة ثم عاد إلى المنزل وتوجه إلى غرفته مباشرةً وأوصد بابها حتى لا يقتحمها أحدهم.
جلس على الفراش واستند بظهره على جداره، فراوده ما حدث بالأعلى، مزيج من المشاعر انتابه،
فيض من المشاعر المتناقضة، شعوره بالقوة يتخلله شعورً بالندم لتسرعه.
ظهرت ابتسامة على شفتيه ثم سرت رجفة قوية في أوصاله، فما حدث لم يطفئ لهيبه بل زاده اشتعالًا، عصفت به أفكارًا أخرى تسببت في ضيق صدره عندما تذكر حواره القاسي مع صديقه، انتفض من مكانه ثم خرج من الغرفة سريعًا ودلف المرحاض لينال استحمامًا ينعش جسده ويعيد إليه حيويته.
***
وصلت السيارة على الطريق المقابل للمستشفى، نظر إلى السائق وقال مختصرًا:
_ استنى خمسة يا سطا
ترجل من السيارة ثم قام بعمل اتصالًا:
_ هتخلصي امتى؟
_ قدامي عشر دقايق والشيفت يخلص، أنت فين؟
تساءلت فقام بالرد عليها:
_ أنا تحت مستنيكي، حاولي متتأخريش يا صبا..
تعجبت من منداته لإسمها، وأحست بثمة أمرًا به فسألته بقلقٍ:
_ أنت كويس يا عبدالله؟
_ أنا كويس، مستنيكي يلا متتأخريش..
هاتفها وأنهى الإتصال على الفور، وقف مقتضب الوجه مستندًا على السيارة حتى تسلل إلى أنفه رائحة حريق تبغ السجائر، فبحث بعينه عن مصدرها ووجده السائق من ينفثها فلم يتردد واقترب منه:
_ ممكن واحدة يا سطا..
_ اتفضل
أردفها السائق وهو يناوله العُلبة فسحب عبدالله منها واحدة وقام باشعالها بمساعدة الآخر، اعتدل في وقفته وصوب نظره على باب المستشفى، كان ينفث دخانها بشراسة وكأنه يتقاتل معها، كانت السيجارة منفذه الوحيد لتنفيث غضبه فلم يكن رحيمًا بها قط.
داخل المستشفى، تأكدت ظنونها وازداد القلق داخلها من نبرته الجادة، نظرت حولها تتفحص المكان، ثم عادت إلى مكتبها ووضعت هاتفها عليه لتبدل ملابسها ثم التقطت حقيبتها وخرجت مسرعة ناسية أمر هاتفها.
هرولت نحو الخارج قبل أن يراها أحد وخصيصًا
رمزي، فهي عزمت على قتله إن رأته وطلب منها المكوث لـليلة أخرى، نجحت في الخروج من المستشفى دون أن يعيق أحدهم طريقها.
بحثت عن عبدالله فوجدته واقفًا على مقربة منها ينفث تلك السيجارة اللعينة، توجهت ناحيته بخطى مهرولة، وبالكاد تكظم غضبها، حدجته بنظراتٍ ساخطة فلم يبدي عبد الله رد فعل كما توقعت، بل أطفئها في صمتٍ ودعس عليها بقدمه ثم فتح لها باب السيارة وهتف مختصرًا:
_ اركبي..
رمقت السيارة بنظرة متفحصة وعادت بنظرها إليه مستفسرة:
_ فين العربية؟ جاي بتاكسي ليه؟
أجابها بعد أن زفر بِثِقل:
_ هقولك بعدين، فاضية نتكلم شوية في مكان؟
أماءت بقبول، ثم استقلت المقعد الخلفي بينما جلس عبد الله في الأمام بجوار السائق وأمره بالتحرك إلى مكانٍ بعينه، بعد دقائق قد وصلا إلى المكان، وقبل أن يترجل عبدالله تحدث مع السائق وهو يناوله هاتفه:
_ بقولك يا غالي اكتب رقمك عشان أكلمك وإحنا راجعين
سَجَل السائق رقمه الخاص على هاتف عبدالله ثم غادر، توجها كلاهما إلى النيل ثم جلسا على المقعد الذي يقابله، كان الهدوء يعم المكان يقطعه زقزقة العصافير من آن لآخر، انتبهت صبا إلى ضيق عبدالله الذي أخرجه على هيئة أنفاسًا مضطربة، متابعة لنهوضه وتوجهه نحو السور الذي يفصل بينهما وبين ومياه النيل.
طالع السماء وأطال النظر ولم ينبس حرفٍ، فتوجهت تلقائيًا إليه ووقفت بجواره، تنفست الهواء ثم نظرت إليه وباهتمامٍ سألته:
_ مش هتقولي مالك؟
التفت برأسه ناظرًا إليها قبل أن يجيب على سؤالها بنبرة مختنقة:
_ مخنوق
_ من ايه، احكيلي؟
هتفت بعفوية فتردد عبدالله في إخراج ما لديه، لكن لابد والإدلاء به فمن غيرها سيخبرها بذلك،
ابتلع ريقه وطالع عينيها الخضراوين ثم أردف بنبرةٍ تميل للبكاء:
_ مش حابب اللي إحنا بنعمله دا، مش راضي عن الطريق اللي جريتك فيه، أنتِ دكتورة محترمة بنت ناس طيبين وابوكي بيثق فيا وأمنك معايا وأنا بكل بسهولة خُنت الأمانة، حاسس إني ندل ومش راجل وصعب أوي عليا أحس الإحساس دا لاني عمري ما شوفت نفسي صغير في نظري ولا نظر أي حد عرفني، ومش عايز أصغر نفسي أبدًا..
انتهى من الحديث فأخفضت صبا رأسها في خجلٍ، وضعت كلتى يديها فى جيبها ثم عادت إلى المقعد
واعتلته، رفعت بصرها نحو عبد الله الذي كان ينتظر ردًا منها على أحر من الجمر، ثم قالت بنبرة حزينة:
_ عارف يا عبد الله أنا كمان بشوف نفسي صغيرة أوي كل يوم وانا نازلة أو راجعة البيت وأبص في عيون بابا وأحس إني مستغفلاه، هو ميستاهلش مني كدا، بابا بيحبني أوي وبيحترمني وبيقدرني، ساعدني كتير أوي إني أحقق حلمي ووقف جنبي لغاية ما بقيت دكتورة قد الدنيا، هو عملي كتير ومستعد يعمل أكتر بس أنا رديت على كل دا بإيه؟
هربت دمعة على مقلتيها وواصلت بصوتٍ يكسوه البكاء:
_ خنت ثقته فيا، مش متخيلة لو عرف أننا بنتقابل من وراه، مش متخيلة لو عرف كل اللي بينا، يا ترى هيشوفني إزاي؟
ازداد نحيبها فتسبب بوخزة قوية شعر بها عبدالله في صدره المكلوم، تحرك نحوها وجلس بجوارها تاركًا مساحة كافية بينهما ثم قال:
_ الحل اللي عندي صعب أوي عليا أقوله أو حتى أنفذه بس كدا أحسن لينا إحنا الاتنين
رفعت صبا عينيها اللامعة في عينيه وانتظرت إخبارها بذلك الحل بقلبٍ يخشى قول مالا تود سماعه، ابتلعت ريقها وارغمت أذنيها على الإصغاء جيدًا فتابع عبدالله قائلًا بصوتٍ أجش
رواية علي دروب الهوي الفصل الرابع 4 - بقلم تسنيم المرشدي
كُن راضيًا بما قسمه الله لك، كُن قنوعًا بما وهبه إليك وأعطاك من فضله، نِعم الله كثيرة وإن مَنَّ عليك بِنعمةٍ كُن له حامدًا شاكرًا فيعطيك من النِعم أضعافًا، وإن كُنتُ مفتقرًا لنعمةٍ لم يكتبها الله لك فكُن صبورًا محتسبًا يجازيك الله في الدنيا والآخرة، إن من أفضل وأسمَى درجات الإيمان 'الصبر'
***
_ إحنا لازم نوقف مقابلتنا ونوقف كل حاجة بنعملها..
هتفها عبدالله بقلبٍ ينفطر حزنًا على قراره الجاد، والذي فاجئ به صبا، أطالت النظر وهي لا تصدق كم هو قاسيًا في طلبه، كيف تجرأ وقرر ذلك في عقله حتى؟!
شعرت بغصة مريرة في حلقها، واغرورقت عينيها بالدموع إلا أنها جاهدت نفسها، استشف الآخر ما يدور في عقلها وواصل بصوتٍ مختنق:
_ لو قدرنا نخبي على اللي وثقوا فينا هنقدر نخبي على ربنا إزاي؟! أنا يمكن بعمل حاجات كتير غلط، يمكن مش منتظم في الصلاة، بشرب سجاير أوقات، بس مع الوقت أكيد هبطل شرب وأكيد هنتظم ومش هسيب فرض، عشان من جوايا عايز اتغير وربنا هيساعدني على دا، وعشان كدا أخدت قراري رغم إنه صعب أوي عليا، بس أنا مش عايز أخسرك يا صبا، عايز أحميكي حتى من نفسي عشان ربنا يجعلك من نصيبي، مش عايز أعمل حاجة حرام وربنا يحط بينا عقبات ومنعرفش نوصل لبعض في الآخر، أنا بحبك ولغاية ما علاقتنا تكون في النور ومش حرام مش عايز يكون لينا صلة ببعض أكتر من إني أوصلك زي ما ابوكي والناس كلها مفكرين كدا..
لم تعد تنجح في التماسك بعد، أجهشت في البكاء وانسدلت دموعها بغزارة، فأسرع عبدالله محاولًا ايقاف عبراتها التي آلمته:
_ متزوديش وجعي يا صبا، على عيني إن أبعدك عني، هنصبر لغاية ما أقدر بس أقف قدام ابوكي وأنا قد مقام الدكتورة..
من بين بكائها كانت تصدر شهقاتٍ قوية تَهُز جسدها، حاولت التوقف مرارًا لكنها تفشل بالأخير، أغمضت عينيها لفترة تستجمع شتات نفسها، وكان عبدالله يُأزرها بكلماته الحنونة التي تطيب قلبها وتروي ظمأه:
_ عبدالله من غير صبا يتوه والله، أنتِ متعرفيش إنك الطريق اللي ماشي في حياتي دي عشان أوصله، وواثق في ربنا إن في يوم هنولك وأكون ليكي، حتى لو أتأخر شوية بس كل طريق صعب نهايته حلوة، مش كدا ولا إيه يا دكترة؟
أعادت صبا فتح عينيها ثم سحبت منديلًا ورقيًا من حقيبتها وقامت بكفكفة عبراتها، صمتت لوقتٍ حتى شعرت بالقليل من التحسن ثم قالت وهي تطالعه بهُيامٍ:
_ وليه نتأخر ونستنى لما الحل في ايدك..
بتلقائية سألها:
_ ايدك عليه وأنا أعمله وقتي
سحبت قدرًا من الأكسجين التي امتلأت رئتيها به ليسع صدرها وقالت بترددٍ وهي تراقب عينيه لتستشف شعوره:
_ تاخد حقوقك من....
_ متكمليش..
لم يدعها تُكمل وهتف بغضبٍ عارم، ثم انتفض من مكانه وتجهمت تقاسيمه حتى برزت عروق عنقه ويديه، باءت محاولاته بالمقاومة بالفشل فطوصاح عاليًا:
_ متخلنيش أندم إني حكيتلك..
استدار بجسده ورمقها بنظراتٍ ثاقبة وأضاف:
_ أنتِ الوحيدة اللي حكيتلك سري وقولتلك بلاش في يوم تستخدميه ضدي
استنكرت صبا اتهامه، نهضت عن مقعدها وتوجهت ناحيته وهي تهتف:
_ أنا مستخدمتوش ضدك، أنا بقولك خد حقوقك، حقوقك دي اللي هتخلينا لبعض ومش هنضطر نستنى كام سنة على لما نكون لبعض وعلاقتنا تكون في النور
أولاها ظهره وبتمردٍ واضح هدر:
_ لو سمحتي يا صبا قفلي على الموضوع دا
_ تمام
قالتها بنبرة حزينة وعادت إلى المقعد، عقدت ذراعيها على صدرها ونظرت إلى النيل بوجهٍ عابس وحاحبين معقودين، انتبه عبدالله على الهدوء الذي عم فجأة فالتفت ليراها وتفاجئ بحالتها، تنهد ومشى بخُطوات متمهلة ثم قال بمزاجٍ غير ما كان عليه:
_ أنا كنت حابب أعملك كل حاجة تطلبيها النهاردة، يا عالم هقدر أعملك كدا تاني امتى..
رفعت بصرها صوبه دون تعقيب، فهي لا زالت غاضبة منه، استحث عبدالله عدم تقبلها للأمر بعد فحدثها بلهجةٍ حتمًا ستلين بعدها:
_ من ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه، وأنا بصراحة مش عايز بديل أنا عايزك أنتِ، اتوسطيلي عند قلبك يرضى عني يا دكترة
رمقته بحاجبان معقودان فهتف عبدالله ممازحًا بنبرةٍ مرحة:
_ ما أنا ماشي برضا ربنا ورضا أمي ورضاك علينا يا دكترة والله
فشلت في إخفاء ضحكتها التي ظهرت عفويًا، أدارت رأسها سريعًا ناظرة للجهة الأخرى لكن هيهات له، فلقد رآها وعلم أنه نجح في صفو رونقها، تنهد قبل أن يردف متسائلًا:
_ ها، نبتدي بإيه؟
لم تجيبه بعد وقد ظهر بائع البطاطا المشوية فنظرا كلاهما إليه ثم نظروا إلى بعضهما مرددين معًا:
_ بطاطا مشوية..
نهض عبدالله وتوجه إليه بخُطى سريعة وقام بشراء اثنان لهما، ثم انتبه على مكبر الصوت الذي يمتلكه البائع، فراودته فكرةٍ ولم يتردد في فعلها، عاد ببصره إلى البائع وسأله بتلهفٍ:
_ السماعة دي شغالة يا عمنا؟
اختلس البائع نظرةً سريعة عليه وقال:
_ ايوا يابني
انفرجت شفتي عبدالله وابتسم بسعادة ثم أخبره ما يريده منه:
_ طب ما تشغلنا حاجة كدا لميادة الحناوي، أصل أنا لما بحب حد بحب أسمعه أغانيها..
صمت وألقى نظرة على صبا التي تتابعه وابتسم ثم أكمل بهُيام:
_ وأنا حبيت أوي يا عمنا
ابتسم الرجل لحالة عبد الله العاشقة وقام بتشغيل مُكبر الصوت على أحد الأغاني القديمة لميادة الحناوي فصاح عبدالله قائلًا:
_ عَلِي الصوت بقى يا حج
أخذ البطاطا وعاد يتغنج على موسيقى الأغنية، انتبهت صبا على ذلك الصوت الذي اخترق أذنيها، أسرت السعادة قلبها لحظتها، قهقهت على تمايل عبدالله المثير للضحك، وصل إليها وناولها خاصتها ثم جلس بجوارها يتناولان بشهية، قطع عبدالله ذلك الصمت بغنائه مع كلمات الأغنية:
_ يلي ابتديت الحب معاك، عمري الحقيقي ابتدا وياك... إحلو عمري آه والله إحلو بيك أنت يا دكترة
قهقهت صبا ومن بين ضحكها سألته:
_ ودي برده في الأغنية؟
_ لا دا من قلبي
قالها بعفويةٍ سرقت قلبها كعادته، احمرت وجنتيها وأخفضت رأسها خافية ابتسامتها الخجِلة، تقوس ثغره ببسمةٍ عفوية لرؤيته خجلها الدائم معه، على الرغم من أنهما معًا منذ فترة لكنه دومًا ما يتفاجئ بخجلها الذي يزداد وكأنها المرة الأولى لهما.
أنهيا ما يتناولاه ثم ألقى عبد الله سؤاله مهتمًا لسماع إجابتها:
_ تحبي نعمل إيه تاني؟
نظرت صبا إلى السماء تُطالع النجوم لربما تأتي بإجابةٍ لكن لم يكن هناك ما تريده فِعلهُ، تنهدت ثم أعادت النظر إليه وقالت مختصرة:
_ مفيش حاجة معينة، بس ممكن نتمشى شوية..
نهض عبدالله فجأة وقال:
_ إذًا يلا بينا
قهقهت عاليًا ثم نهضت وسارت بجواره محافظة على مسافةٍ بينهما، أدار عبد الله رأسه ناظرًا إلى النيل وهو يردد كلماته بشغفٍ:
_ فاكرة أول مرة اعترفتلك بمشاعري؟
هزت صبا رأسها مؤكدة وأضافت من بين ضحكها:
_ ايوا شغلتلي أغنية الحب بان في عيوني، أنا بجد نفسي أعرف ايه سر حبك لميادة؟
انعسكت نبرته وامتلأت بالحيوية وهو ينطق كلماته التي يُمجدها بها:
_ ميادة دي في حتة لوحدها، احساسها عالي وأنا يومها قولتلك إيه؟
نظرا لبعضهما البعض وهتفا سويًا:
_ اللي بحبه بحب اسمعه ميادة الحناوي
ضحكا بسعادة ثم أطلق عبدالله كلماته الفخورة بذاته:
_ طريقة كريتيف في الإعتراف، انكري بقى
حركت رأسها نافية وانعكس وميض عينيها فكان أكثر لمعانًا وإشراقًا وقالت:
_ أنت كلك مختلف يا عبدالله
إلتمعت عينيه وهو يرمقها بنظراتٍ عاشقة مُتيمة فخرج سؤاله عفويًا دون إرادة:
_ بتحبيني يا صبا؟
_ مطمنة معاك..
قالتها وتلتها تنهيدة حارة فقطب عبدالله جبينه متسائلًا بفضولٍ:
_ أكيد دي حاجة حلوة، بس برده مجاوبتنيش..
حمحمت صبا وتوقفت عن السير وبدأت تشرح له ما تقصده من خلف كلماتها:
_ تعرف، فيه فرق كبير أوي بين الحب والأمان، الحب دا ممكن أي اتنين يحبوا بعض، لكن صعب يطمنوا لبعض، ياما علاقات انتهى بينهم الحب، لكن الأمان مهما الحب انتهى بيفضل موجود، بتفضل ممتن للحظات اللي اطمنت فيها، وبيكون أول شخص يجي على بالك وقت الخوف، وقت احتياجك بتروح تلقائي للشخص اللي بتطمن له، وأنا اطمنت معاك، وقلبي حس بالأمان وبعدها حبك ..
إلتوى ثغره للجانب فارتسمت ابتسامة عذبة، أسرت السعادة قلبه، وشعر بعشقه يُجدد عهده لها، ثم انتبه على صوت ذلك الرجل الذي اقتحم لحظتهما وأردف:
_ ربنا يخليكم لبعض، أنا هنا مخصوص عشان العشاق اللي زيكم، بعمل سلاسل مرتبطة ببعض، أي اتنين بيلبسوها عمرهم ما بيتفرقوا أبدًا مهما عدى عليهم كتير بيكونوا لبعض في الآخر
كلامه جاء على هوى عبدالله، فهو يتمنى بألا يفترق عن صباه أبدًا، وبدون تفكير هتف:
_ اعملنا اتنين واحدة عليها حرف العين وواحدة عليها حرف الصاد
أشار الرجل إلى عينيه بإصبعه قبل أن يردف:
_ من عنيا الإتنين
ثم أخرج من حقيبته بعض المعدات وقام بدق الأحرف على السلاسل ثم أدخلها في بعض فشكلت قلبًا يحمل حرفيهما، تبادل عبدالله نظراته مع صبا التي ابتسمت بعفوية ثم أخذ كلًا منها خاصته فانقسم القلب إلى نصفين، أسبق الرجل بالحديث فقال:
_ القلب هيكمل طول ما أنتوا مع بعض..
ابتسم له عبد الله وقام بدفع الحساب، فغادر الرجل، نظر عبدالله إلى السلسلة وهتف بنبرةٍ شغوفة:
_ حلوين أوي مش كدا؟
أماءت صبا مؤكدة، ثم تذكرت شيئًا فانتباها التوتر ورددت بقلقٍ سيطر على صوتها:
_ الوقت أتأخر، إزاي بابا مكلمنيش لغاية دلوقتي
فتحت حقيبتها باحثة عن الهاتف فلم تجده، خفق قلبها رعبًا خشية إضاعته لكنها تذكرت أنها وضعته على مكتبها فكانت متعجلة لحظتها ولم تأخذه، تأففت بضيق وهتفت بحنقٍ يشوبه الإرتباك لتأخيرها في العودة:
_ أوف بجد، نسيت موبايلي في المستشفى، أنا لازم أرجع أخده، اكيد بابا وماما قلقانين عليا دلوقتي
حاول عبدالله تهدئتها بقوله:
_ اهدي، هكلم السواق يجيلنا ونرجع المستشفى نجيبه، حتى يبقى سبب تقوليه لأهلك على تأخيرك
أماءت والقلق يطغوا عليها، أسرع عبدالله بمُهاتفة السائق الذي قَدِمَ في غضون دقائق قليلة، قاما بالركوب وإخباره بالعودة إلى المستشفى، بعد ثلاثون دقيقة قد وصلا بهم إلى هناك، ترجلت صبا برفقة عبد الله التي سار بجوارها فتعجبت من أمره وأرادت أن توقفه فقالت:
_ رايح فين خليك هنا، أنا هجيبه وهرجع..
اكتفى بهز رأسه ووقِف مستندًا على التاكسي منتظرًا عودتها، تابعت سيرها إلى الداخل ثم إلى مكتبها، زفرت براحة حين وجدت الهاتف، قامت بالتقاطه وأسرعت في العودة لكنها تفاجئت بوجود ذلك العاصم أمام باب مكتبها مبتسمًا بسماجة فخفق قلبها رعبًا لحضوره المفاجئ دون سابق إنذار.
أغمضت عينيها لبرهة تستجمع بها شتات نفسها ثم أعادت فتحهما وأردفت بصوتٍ متحشرج:
_ بتعمل إيه هنا؟
أجابها وهو يخطو داخل المكتب:
_ سألت عنك قالولي خلصت الشيفت بتاعها ومشت، فجيت أشوف مكتبك بس المفاجئة إني شوفتك كمان..
كان يتجول في المكتب وهو يتحسس جميع الأشياء بأنامله، نفخت صبا بضيقٍ وأرادت إنهاء تلك السخافة الحادثة:
_ لو سمحت ارجع أوضتك، مكتبي مش للفرجة..
توقف عاصم فجأة ثم استدار ورمقها بنظراتٍ قشعرت بدنها، تفحصها جيدًا فشعرت صبا بالخوف وما ضاعف خوفها اقتراب خُطواته الثابته نحوها، تراجعت للخلف قليلًا وهي تخشاه، فلم يتوقف عاصم عن الإقتراب حتى بات مقابلها، قام بجذبها من يديها مجبرها على الدخول ثم أغلق الباب بقدمه فهتفت صبا مذعورة:
_ أنت بتعمل ايه، سيب ايدي
ترك عاصم يدها وقال بصوت أجش:
_ أنتِ عجبتيني أوي يا دكتورة، وأنا نادرًا ما بحس الإحساس دا مع واحدة..
صمت فتراجعت الأخرى للخلف وعينيها نصب الباب لتفر هاربة بينما أضاف عاصم بلوعةٍ وهو يضع يديه على قلبه:
_ أول مرة قلبي يدق جامد بالشكل دا، وأنتِ السبب أنتِ اللي قدرتي تخليه يرجع للحياة تاني..
كانت تصغي إليه بتعجب وريبة، ابتلعت ريقها وتساءلت بتوجسٍ:
_ أنت عايز مني ايه؟
_ عايزك
هتفها وهو يقترب منها فدعب الرعب أوصالها، بحثت بعينيها عن شيءٍ يمكنها حماية نفسها به فلم تجد أفضل من اللوح الخشبي المدون عليه اسمها، أسرعت نحوه وإلتقطته، آنذاك قد وصل إليها عاصم فقامت بضربه ضربًا مبرحًا على رأسه حتى خر أرضًا وسالت منه الدماء.
صعقت صبا حين رأت حالته التي تسبب بها، أسقطت اللوح الخشبي من يدها ثم فرت هاربة إلى الخارج، كانت تتسارع قدميها في الوصول إلى الخارج، قلبها يخفق بشكلٍ عنيف، تنزلق قدميها من آن لآخر بسبب عدم توازن خُطواتها.
وقع نظري عبدالله عليها وتعجب من ركضها فتوجه نحوها تلقائيًا، تملك منه القلق حين رأى شحوب وجهها، نظر إلى يديها المرتجفة وتساءل بتوجسٍ:
_ مالك يا صبا، أنتِ بتترعشي كدا ليه؟
حدجت صبا يديها التي ترتجف بشدة ثم رفعت بصرها عليه وأجأبته بتلعثمٍ:
_ أنا قتلت واحد!!
***
بعد العديد من الرنين على هاتف زكريا، قررت والدته الإجابة لحين انتهائه من الإستحمام، تفقدت المتصل أولًا ثم أجابت حين وجدتها ليلى، وما كادت تفعل حتى انفجرت الأخرى معنفة بصوتٍ باكي:
_ أنت مش بترد ليه؟ هو التعامل هيكون صعب للدرجة دي؟ خلاص بعد اللي حصل هتتجاهلني؟ ولا هتسيبني؟ أنا مش قادرة استوعب أنك أجبرتني على حاجة زي دي إزاي؟ أنا هتجنن، مش قادر تصبر اسبوعين لما أكون في بيتك، أنا جسمي بيتنفض كل ما افتكر اللي حصل بينا، أنا مش كويسة وحاسة إن هيجرالي حاجة...
صمتت ليلى حين لم تجد ردًا منه، بينما وضعت والدة زكريا يدها على فمها مصدومة من هول ما سمعته، وعلى الرغم من أنها لم توضح بكلامها ما حدث بينهما إلا أنه ليس هناك داعٍ للتساؤل حول قصدها فهي استنتجت الأمر كاملًا حين ربطت رؤيتها لزكريا ينزل السُلم بحذرٍ معها، ناهيك عن الفوضى التي وجدتها ببيتهما حين صعدت، وأخيرًا رؤيتها نزول ليلى في وقتٍ متأخر مع زكريا.
خرجت من صدمتها على سؤال ليلى:
_ أنت مبتردش ليه؟
استمعت ليلى لأنفاسٍ عبر الهاتف أثارت قلقها، بينما أنهت الأخرى الإتصال حين انتبهت لخروج زكريا من المرحاض، أعادت الهاتف إلى الكومود وما كادت تفعل حتى تفاجئت بدخول زكريا الغرفة، نظرت إليه مطولًا وداخلها شعور بالنفور منه، لم يكن زكريا أقل مفاجئة بوجودها فلم يكن يعلم أنها هنا، حمحم وتساءل باستسفار:
_ فيه حاجة يا ماما؟
شعرت بأن الكلمات حُشرت داخلها ولم تجد لهم مخرجا، حمحمت لتجمع كلماتٍ ترد بها ثم هتفت بصوتٍ خرج متحشرج:
_ موبايلك كان بيرن كتير..
_ مين؟
تساءل وهو يتجه نحوه فأجابت وعينيها لا تُرفع عنه:
_ ليلى...
التقط زكريا الهاتف وردد قائلًا:
_ تمام هكلمها
لم تُحرك والدته ساكنًا بل مازالت واقفة تحدجه بنظراتٍ مختلطة بمزيجٍ من المشاعر المشمئزة والمصدومة، رمقها زكريا بطرف عينيه متعجبًا من وقوفها وبريبة سألها:
_ عايزة تقولي حاجة يا ماما؟
ابتلعت ريقها ونظرت إلى جسده الذي يحاوط نصفه بالمنشفة تاركًا صدره عاري وأردفت بمزاجٍ غير سوي:
_ بلاش تمشي كدا، في بنات في البيت، إحنا اتكلمنا في الموضوع دا قبل كدا
تنهد زكريا بارتياح ثم قال وهو يأخذ ملابسه من الخزانة:
_ أنا عارف إنهم نايمين فخرجت عادي
_ تمام..
قالتها ثم غادرت الغرفة، فأسرع زكريا في مهاتفة ليلى بعد أن ارتدى ملابسه وقال حين أجابت:
_ معلش يا ليلى كنت بستحمى
_ أومال مين اللي رد عليا؟
هتفتها بخوفٍ ثم أضافت بذُعرٍ:
_ حد فتح الخط وأنا اتكلمت بس مردش..
توجهت أنظار زكريا نحو الباب تلقائيًا، وقد ربط وجود والدته بما قالته ليلى، لكنه أراد أن ينفي ظنونها وقال وهو يلقي بجسده على الفراش:
_ يمكن بيتهيقلك يا ليلى أنا كنت في الحمام ولسه داخل الأوضة حالًا
أغمضت ليلى عينيها رافضة الإقتناع بما يحاول إقناعها به وهتفت بإصرار:
_ أنا متأكدة من اللي بقوله كويس، أنا سمعت نفس والله سمعت نفس كأن حد بيسمع كلامي، ولما ملقتش رد منك سألتك أنت مش بترد ليه قام الخط مقفول
اعتدل زكريا في جلسته، وقد سكن القلق جوفه، لم يرفع نظريه عن الباب متوجسًا من ظنونه التي تقوده إلى والدته، حاول طرد أفكاره التي تثير قلقه ورفض الإستسلام لحديثها وأردف مهاجمًا إياها:
_ ليلى، الظاهر أعصابك تعبانة ولسه مش قادرة تسيطري عليها، اهدي كدا ونامي وريحي عقلك شوية، تصبحي على خير
انهى الإتصال وألقى الموبايل جانبًا ثم عاود النظر إلى الباب لكن سرعان ما هرب من أفكاره بتمديده على الفراش واضعًا الوسادة أعلى رأسه في محاولة إجبار عقله على التوقف عن التفكير وأخذ قسطًا من النوم.
على الطرف الآخر، بكت ليلى حتى جفت عينيها من الدموع، وجف قلبها وبات متعبًا لا يقدر على إصدار خفقاته بمعدلًا طبيعيًا، شعرت بأنفاسها تتثاقل وصدرها ينغلق يضيق رحبه ويزيد لهيب نيرانه فتحرق روحها المتآلمة.
فقط آرادت الإطمئنان، أرادت كلماتٍ تآزر قلبها وتحمل له السكينة، آرادت تسكين جرحها النفسي الذي سببه لها، كم نحن ضِعاف الأنفس، نَبِيت بهشاشة قلبٍ متألم، وجراحًا نفسية ملعونة، لا تتركنا حتى تحرق روحنا وتزهق، لكننا نُزهِر من جديد، وتقوى نفوسنا ونظن بأننا نملك الأرض فقط بكلمة، كلمة تُطيب الآلام وتضمد الجروح.
لكن هيهات لوضع ليلى التي لا تُحسد عليه، فلم تجد ما يطيب خاطرها ويطمئن قلبها، فقط كلمة لم تنالها فتضاعف خوفها وازداد حُزنها.
***
انحنى برأسه يراقب المكان جيدًا، ثم تفقد الكاميرات الموجودة في الزوايا وعندما استدارت إحدى الكاميرات القريبة منه للجهة المعاكسة قام بالركض إلى السور، جسى على ركبتيه ثم قفز فجأة وتسلق الجدار حتى مر منه إلى الخارج.
نفض عنه الأتربة التي تناثرت على يديه وملابسه ثم توجه إلى السيارة التي تبعدهم مسافة قريبة، اقتربت منه صبا بيدين ترتجفان بشدة وكذلك صوتها الذي خرج مهزوزًا:
_ عملت إيه؟
مرر عبدالله أنظاره بينها وبين المستشفى ثم أجاب:
_ ملقتش حاجة..
_ إزاي؟ دا وقع وراسه كانت بتنزف!!
هتفتها بخوفٍ فأخبرها عبدالله ما فعله بالضبط:
_ أنا مشيت على وصفك بالظبط ووصلت للأوضة على بس ملقتش حد فيها
أغمضت صبا عينيها تحاول استجماع قوتها الهزيلة وبنبرة هاشة أردفت:
_ ما يمكن أنت دخلت أوضة غلط..
نفى بحركة من رأسه وأكد دخوله الغرفة الصحيحة معللًا:
_ أنا فكرت كدا برده، بس قرأت اسمك على المكتب واتاكدت أنها أوضتك..
انعكس خوف صبا عليها فأظهر ارتباكها وخرجت نبرتها متلعثمة غير مفهومة:
_ طب راح فين؟ حد شافه؟ أكيد وإلا كان زمانه في الأوضة زي ماهو؟
ثبتت عينيها على عبدالله وأضافت بخوفٍ عارم:
_ أنا كدا روحت في داهية، أنا ممكن اتسجن!!
أجشهت في البكاء فرفعت كفوفها خافية وجهها لتتخلل عبراتها أناملها، فحاول عبدالله تهدئتها قدر استطاعته:
_ اهدي يا صبا، طلاما مكنش في الأوضة يبقى فاق وقام مشى أو حد أخده، والمستشفى كانت هادية أوي مكنش فيها حركة معنى كدا إنه لو حصلوا حاجة كانت المستشفى اتقلبت، صح ولا إيه؟
أزاحت صبا كفوفها ورمقته متأملة ما يقوله، شعر عبدالله بنجاحه في تهدئة جزء من خوفها والآن حان سؤاله الذي يراوده منذ إخبارها بما فعلته أخذ نفسًا ثم سألها بنبرةٍ حادة آراد إخفائها لكنه فشل:
_ صبا، أنتِ متأكدة إنك عملتي كدا لما اتخضيتي، دا فعلًا اللي حصل؟
طالعته صبا بطرف عينيها فكان تصرفها يؤكد لعبدالله حدسه، لكنه انتظر إجابتها قبل إعطاء ردًا، هربت صبا بعينيها وكفكفت دموعها ثم أخذت نفسًا متذكرة الحادثة فلم تستطع منع سقوط دموعها، أسرعت في مسحهم ثم أعطته إجابة مختصرة:
_ أيوا دا اللي حصل، حسيت بوجود حد ورايا وأنا من خضتي مسكت القارمة وخبطته بيها..
انتبهت صبا على رنين هاتفها الذي كان طوق نجاتها من أسئلته ونظراته وهتفت:
_ بابا وماما مبطلوش رن، لازم أروح..
لم يرفع نظريه عنها ولم يُحرك ساكنًا، فلقد تأكد أنه تكذب، لم يعتاد عدم مواجهة عينيها عند إخباره بالأشياء الحادثة، ناهيك عن هروبها متحججة بعائلتها، رفعت صبا عينيها عليه بصعوبة فخفق قلبها رعبًا من نظراته التي شعرت بها اكتشافه لأمرها، ابتلعت ريقها وبإرتباك واضح قالت بخفوت:
_ يلا يا عبدالله..
خرج عبدالله من حالته على صوت السائق المتذمر:
_ مش هنتحرك ولا إيه كان فاتي أخدت توصلتين لغاية دلوقتي..
اقترب عبدالله من السيارة وقام بالخبط على سطحها مرددًا بعصبية:
_ خلاص يا عمنا..
عاود النظر إلى صبا وأمرها بنبرة غاضبة:
_ اركبي..
أسرعت في الركوب دون النظر إليه، أمر عبدالله السائق بالتحرك إلى منطقتهم، ساد الصمت حتى وصلا عند مدخل المنطقة، فقام عبدالله بالترجل اولًا ثم أمر السائق وهو يعطيه نقوده:
_ اتفضل يا عمنا، ووصل الآنسة لجوا
أماء السائق ثم تابع قيادته للداخل، بينما اعتدل عبدالله في وقفته، شعر بالبرودة تتخلل ملابسه فارتجف جسده لثانية، رفع كفوفه ثم نفخ فيهما حتى شعرا بالدفء فيهما ومشى ليعود إلى بيته بعقلاٍ منشغل بحادثة صبا وكذبها، داخله يخبره بذلك ولا سيما أن هناك ما يجهله، لكنه لم يريد الضغط عليها فهي في حالة يرثى لها.
لم ينتبه على ذلك الذي خرج من أحد الأزقة وتابع سير عبدالله بعينين ضائقة ثم ردد بمكرٍ:
_ إيه الحكاية دي؟ إيه اللي جاب عبدالله لصبا؟
نفث دخان سيجارته ثم مشى بعد أن تأكد من اختفاء عبدالله من المكان وهمس بينه وبين نفسه:
_ مفيش حاجة هتخفى على حمادة، يا خبر بفلوس..
أخرج تنيهدة وتوجه إلى منزله مباشرةً، قابلته زوجته بترحاب ثم قبلته من وجنته قائلة برقةٍ:
_ حمدالله على سلامتك يا حبيبي
بفتورٍ رد عليها:
_ الله يسلمك
ولج حتى أقرب أريكة واعتلاها بإهمالٍ، بينما لم تبرح زينب مكانها فلم تتوقع أن يتجاهلها ولا يُبادلها القُبلة، طردت أفكارها التي حتمًا ستحزن قلبها واقتربت منه، حمحم حمادة ليُمهد لسؤاله وقال بصوتٍ أجش:
_ أومال إيه حكاية عبدالله مع الدكتورة؟
تفاجئت زينب بسؤاله وهربت بعينيها بعيدًا لألى يكشفها وتصنعت جهلها بسؤاله:
_ حكاية إيه ودكتورة إيه؟ تقصد مين؟
اقترب منها حمادة حتى إلتصق بها ثم وضع إصبعه على ذقنها ليُرغمها على النظر إليه ورمق عينيها فتأكد أنها تخفي شيئًا، ابتسم بتصنعٍ وقال:
_ صبا!! أنا شوفتهم وهما راكبين مع بعض التاكسي..
حاولت الهرب ثانيةً لكنه آبى وشد على ذقنها وهتف بحدةٍ:
_ متهربيش، أنتِ عارفة، قولي فيه إيه بينهم؟
ابتلعت ريقها وقد شعرت بالألم من قبضته فأخبرته بعينين دامعتين:
_ حمادة أنت بتوجعني
انتبه الآخر على قبضته القوية فأرخى يده وأخذ يتنفس ليخمد غضبه، نهض وتصنع الحزن وقال وهو يوليها ظهره:
_ مش حابة تقولي براحتك، واضح إنه سر بين العيلة وأنتِ مش معتبراني منكم..
أسرعت زينب خلفه مُمِسكة بذراعه فأجبرته على التوقف وهتفت:
_ إيه اللي بتقوله دا يا حمادة، لأ طبعًا مفيش الكلام دا، الموضوع ميخصنيش فأنا مش حابة اتكلم فيه..
حدجها حمادة بطرف عينيه وصاح ببرود:
_ تمام
ثم حرر ذراعه من قبضتها وتابع سيره إلى الغرفة فتبعته زينب وهي تزفر بضيق، ثم وقفت أمامه ووشت بسر أخيها لتُرضِيه:
_ بيحبوا بعض!
رُفع حاجبي حمادة واستدار بجسده ناظرًا إلى زوجته ثم أردف سؤاله الخبيث وهو يخلع سترته:
_ يا سلام؟! دا على كدا الموضوع جديد بقى
أجابته زينب وهي تقترب تساعده على خلع ملابسه:
_ مش جديد اوي، بقالهم يجي سنة كدا..
اتسعت مقلتي حمادة بدهشة، أخفض رأسه عليها وتابع فكها لأزرار القميص وصاح متعجبًا:
_ الله الله! دا إحنا كنا لسه صحاب يعني، عمره ما جابلي سيرة حاجة زي دي
أخرجت زينب تنهيدة وتابعت إخباره بالأمر كاملًا وهي تأتي بملابس منزلية نظيفة له من الخزانة:
_ أنت عارف عبدالله كويس وعارف إن الموضوع لو يخص حريم عمره ما بيتكلم فيه مع حد..
_ حتى أقرب صاحب ليه؟!
أردف سؤاله بتهكم، فرمقته زينب باسيتاء واضح ثم ناولته ملابسه وردت عليه بفتورٍ:
_ وأقرب صاحب ليه بينهم مشاكل، لو كان حكالك كان زمان الموضوع اتعرف في أي مشكلة من اللي بتحصل بينكم دي في مرة...
صمتت زينب واستشفت فداحة ما اقترفته، رمقته بأعين جاحظة ثم انتبهت على حديثه:
_ وهو يعني كان يعرف وقتها أن فيه عداوة هتحصل؟
خرجت زينب من هدوئها وهتفت بنفاذ صبر:
_ معرفش بقى معرفش
اقتربت منه وأضافت بتوجس متوسلة:
_ حمادة أنت مش هتقول لحد حاجة صح؟! عشان خاطري مش عايزة مشاكل مع عبدالله كفاية أوي اللي بينا
أنهى تبديل ملابسه وبنبرة تريد إنهاء الحوار أردف:
_ ربنا ما يجيب مشاكل أبدًا
نظر إليها وقد تحول أسلوبه إلى الشدة بعد أخذ ما آراد معرفته وبأمرٍ صاح:
_ مش هناكل لقمة ولا إيه؟
_ حالًا
قالتها ثم غادرت الغرفة على الفور لتحضر له طعامها الشهي التي قامت بإعداده، بينما نظر حمادة في الفراغ أمامه وشكل بسمةٍ خبيثة على شفتيه وهو يتلاعب بالأمر في عقله لكي ينفذه خِطته باحترافية.
***
أخرجت مِفتاح المنزل من الحقيبة بيدين ترتجفان بشدة لتفتح الباب فسقط منها بسبب أعصاب يدها التالفة، خفق قلبها رعبًا حين فُتح الباب وظهرت من خلفه والدتها، كانت ملامحه صبا شاحبة وعينيها تجمتع فيهما العبرات التي تهدد بالسقوط.
ذُعرت والدتها عندما رأت حالتها المثيرة للقلق، توجست خيفة خشية اصابها مكروه وهتفت متسائلة:
_ مالك يا صبا، وشك مخطوف كدا ليه؟ ومبترديش على موبايلك ليه؟ إحنا موتنا من القلق عليكي، دا ابوكي كان لسه نازل رايحلك المستشفى
ظهر والدها من خلفها وتفاجي بحالة ابنته وقام بإدخالها على الفور وهو يردد:
_ دخليها الأول يا إجلال وبعدين اسالي
ولجت صبا بخُطوات عرجاء أثر خوفها البالغ، جلست على الأريكة وحاولت استجماع قوتها أمامهما، تنفست بعض الهواء ثم لفقت أكذوبة لتخبرهما بها:
_ أنا كويسة متقلقوش، بس تعبت أوي اليومين اللي فاتوا دول مكنتش بنام، والنهاردة خلصت الشيفت بتاعي واتفاجئنا بحالات كتيرة داخلة المستشفى بسبب حادثة وطبعًا مكنش ينفع أمشي وإلا كان هيكون فيه عجز في الدكاترة مع كل الحالات دي، ومعرفتش أرد عليكم لأن كنت سايبة موبايلي في المكتب، معلش اعذروني غصب عني..
تنهد والدها بارتياح ثم قال بنبرة رزينة:
_ الحمدلله يابنتي إنك كويسة، دا المهم
انتبه كلاهما على صوت والدتها المتزمجر:
_ مش عارفة بس إيه آخرة الشغلة دي، دا وجع وقلب وقلق، أنا مش بيجيلي نوم طول ما أنتِ برا البيت، سيبك يابنتي من شغلك دا واقعدي في البيت استني عدلك
تفاجئوا بحديثها وما كان من زوجها إلا أنه نهرها معنفًا رافضًا تفكيرها العقيم:
_ إيه الكلام اللي بتقوليه دا يا إجلال، يعني بعد كل التعب والمذاكرة والمصاريف والمِرواح والمِجي نقعدها تستنى عدلها؟ كلام فارغ محبش اسمعه تاني، مفهوم!!
قلبت إجلال عينيها بإزدراء وعدم تقبل لكلامه، بينما وجه محمود حديثه إلى ابنته بحنو:
ـ قومي يا حبيبتي خديلك دوش دافي يريح جسمك على لما أمك تحضرلك الأكل وتنامي وإن شاء الله بكرة تكوني أحسن
أماءت صبا دون تعليق فهي بحاجة للهروب من أمامهما، دلفت غرفتها لتُحضر ملابس مريحة قبل أن تشرع في الإستحمام، بينما نهرت إجلال زوجها بحنق:
_ أنت يا راجل أنت مش بتحب تشوف ولادك مرتاحين أبدًا؟ ابنك الكبير فضلت وراه لغاية ما سافر يكمل تعليمه برا وأهو حب العيشة برا واتجوز وخلف وبعد ما كنا بنشوفه كام يوم في السنة معندناش بنشوفه خالص، كل شوية يتحجج بمشكلة عشان مينزلش، والتانية فضلت وراها لغاية ما دخلتها طب خاص عشان مجابتش مجموع الطب، وفرحان وهي شقيانة وتعبانة وبترجع كل يوم والتاني في انصاص الليالي، اللي قدها دلوقتي معاهم عيال وهي محدش بيتقدملها أصلًا، ماهو محدش يعرف إنها موجودة وفي الدنيا بسبب انشغالها بمذاكرتها وبعد كدا شغلها، أنت مبسوط بحياتهم كدا؟
رفض محمود الإقتناع بأنه سببًا في شقائهم وببرودٍ أجابها:
_ أيوا مبسوط غيرك يتمنى بس ضفر ولادك، واحد بسم الله ما شاءالله عليه مهندس وكون نفسه بنفسه وبيتشغل في أكبر شركة في روسيا والتانية دكتورة قد الدنيا بتشتغل في أكبر مستشفى خاص محدش بيدخلها غير اللي معاهم ملايين، تعليم وأحسن تعليم وشغل وأحسن شغل فأيوا يا إجلال مبسوط بحياتهم، روحي يلا سخني لبنتك الأكل عشان تاكل..
أنهى حديثه وغادر ناهيًا الجدال بينهما، وقفت إجلال تتابع خُطواته بغيظ حتى اختفى خلف باب غرفتهما، حركت رأسها باستنكار شديد وهتفت بضيق:
_ لله الامر من قبل ومن بعد، ربنا يوفقكم يا ولادي يارب ويريح بالكم وقلبكم، وترجع يا جلال يا بني بالسلامة واشوفك قريب
دلفت المطبخ لتحضر الطعام لصبا لحين خروجها من المرحاض لتأكل وتُشبع معدتها.
***
في الصباح الباكر، كان يتقلب بضجرٍ على الفراش، يشعر بألمٍ في ثائر بدنه لاعنًا تلك المرتبة القديمة التي تُسبب لجسده الألم متمنيًا مرور تلك الأيام المتبقية بفروغ صبرٍ لينعم بنومٍ هنيئ على فراشه الجديد.
صدح رنين هاتفه فأخرجه من حالته المذرية، فتح عينيه بصعوبة فكانت رؤيته مشوشة، مد يده والتقط هاتفه من على الكومود وحاول قراءة الإسم لكنه لم يجد، كان رقمًا مجهول المصدر، تنهد ثم أجاب بصوتٍ ناعس:
_ الو، أيوا يا زكريا..
انتفض زكريا فجأة حين أخبره الطرف الآخر بشيءٍ أفزعه وقلق راحته، فهلل بصدمةٍ:
يعني إيه القاعة جالها قرار إزالة؟
رواية علي دروب الهوي الفصل الخامس 5 - بقلم تسنيم المرشدي
عابرون نحن، وما الحياة إلا متاعٍ ودار شقاء، نشقى لنصل إلى حُلمٍ، ونسعى ونتجاوز الصِعاب لنُمتع أعيننا بلذة الوصول، وبنجاحتنا نشهد طُرقًا أخرى لبدايات أحلامٍ وطموحات كثيرة، فلا تيأس وأعبر دنياك ساعيًا شاقيًا بسلام.
التقط قم*يصه من على الحامل وخرج من غرفته وهو يرتديه، واضعًا هاتفه ما بين أذنه وكتفه ينتظر إجابة إبن عمه الذي أجاب على الفور فهتف هو بلهفةٍ:
_ أنت فين يا وليد، القاعة جالها قرار إزالة على حظي، أنا رايح هناك أهو وكنت عايز حد معايا..
قلب زكريا عينيه بضجرٍ ثم قال:
_ لا خلاص بالسلامة أنت، هكلم عبدالله..
أنهى الإتصال ثم أعاد الإتصال بعبدالله، تلك الأثناء خرجوا من في البيت إثر صوته العالي، توجهوا نحوه بقلقٍ وانتظروه حتى فرغ من المكالمة الذي صاح بها بضيق:
_ إيه يا عبدالله أنت فين؟ صحاب القاعة كلموني وقالولي جالها قرار إزالة وهيبدأوا يهدوها من بكرة وعايزني أروحلهم، فاضي تيجي معايا؟
رد عبدالله بالقبول فأنهى زكريا الحوار بقوله:
_ تمام، هستناك تحت البيت
تبادلت والدته النظرات مع شقيقتيه بصدمةٍ ثم تساءلت مستفسرة:
_ إزاي الكلام دا؟ وجايين يبلغوك قبل الفرح بأيام؟! هتلحق تعمل فيهم ايه؟
أغمض عينيه باسيتاء واضح وأردف بنبرة ضَجِرة وهو يتجه إلى الباب:
_ معرفش، أديني رايح أشوف هعمل ايه وهتصرف إزاي؟
غادر البيت فانتبهن الأخريات على خروج والدهم من غرفته متسائلًا عما يحدث:
_ في إيه صوتكم عالي من صباحية ربنا كدا ليه؟
تنهدت إحدى الفتيات بحزنٍ وأخبرته ما حدث:
_ صحاب القاعة كلموا زكريا وبلغوه إن القاعة جالها قرار إزالة وهيبدأوا يهدوها من بكرة، فهو رايح يشوف إيه المشكلة دي
تفاجئ والدهم وهدر:
_ إزاي الكلام دا؟ فجأة كدا وكمان يبلغونا قبل الفرح بحاجة بسيطة هنحلق نعمل ايه؟
تدخلت الشقيقة الصغرى بقولها:
_ أنا مش عايزة اقاطع بس القاعات أقل حاجة للحجز فيها ٦شهور، ومعتقدش إن زكريا هيلاقي قاعات متوفر فيها أيام دلوقتي
نظرت والدتهم بالتناوب إلى ثلاثتهم ثم رددت بقلة حيلة:
_ كان مستني لنا فين دا ياربي
انتبهت على صوت زوجها الآمر:
_ حضري الفطار يا هناء عشان أنزل أفتح الورشة طلاما زكريا مش موجود
أخرجت هناء تنهيدة مهمومة ثم قالت بطاعة:
_ من عنيا..
أسرعت إلى المطبخ وكأنها لا تحمل همًا، وقفت تحضر له كل ما لذ وطاب من الأطعمة الشهية، في الخارج، تبادلن الفتاتان النظرات المتعجبة ثم تَبِعن والدتهن إلى المطبخ، وقفن إلى جانبيها ثم بدأت الحديث الساخر الإبنة الكبرى:
_ نفسي أعرف إزاي بتفصلي فجأة كدا؟ إزاي تكوني في مود وحش وأول ما بابا يطلب طلب تعمليه بكل حب وكأنك مش مضايقة؟!
زفرت الأخرى بحرارة وهتفت:
_ الحب يا عاليا يعمل أكتر من كدا
_ حب إيه بس يا خلود، دول بقالهم أكتر من ٣٠سنة متجوزين، أكيد يعني الحب قل عن الأول، إلا تصرفات ماما الغريبة دي ليه زي ما هي، من يوم ما فهمت الدنيا وهي بنفس الطبع متغيرش
أردفتها عاليا وهي ترمق والدتها وعلامات الإستفهام تكثر في نظراتها، بينما حركت والدتهن رأسها مستنكرة تصرفاتهن واسئلتهن التي ليست في وقتها، لكنها اتخذتها فرصة لتحادثهن عن بعض القيم والمبادئ الثابتة:
_ بطلي غلاسة يابت أنتِ وهي، وبعدين فيه حاجات أهم بكتير من الحب بتاعكم دا
قاطعتها خلود مبدية رفضها التام بتقليلها للحب وقالت بنبرةٍ خافتة مدللة وهي مغمضة العينين:
_ الحب، وهو فيه برده أهم من الحب يا هنوءة؟!
لم تجد خلود ردًا منهن ففتحت عينيها لتتفاجئ بنظراتهن الثاقبة، اعتدلت في وقفتها وقالت متسائلة:
_ إيه؟؟
تولت عاليا الرد عليها مستاءة من تصرفها المدلل المبالغ:
_ إيه المياعة اللي بتتكلمي بيها دي؟
تحولت خلود وباتت أكثر حدة وهتفت بغيظ:
_ عجباني المياعة بتاعتي أحسن ما أكون غضنفر في نفسي
اتسعت حدقتي عاليا وصاحت وهي ترميها ببقايا الخضروات التي قطعتها والدتها:
_ أنا غضنفر يا مايعة
تدخلت الأم لتوقف السخافة التي يُحدثونها، فصاحت مُعنفة:
_ بس أنتِ وهي ولا شغل الأطفال..
نظرت حيث تقف خلود ولامتها مستاءة:
_ وأنتِ يابت احترمي أختك الكبيرة ولمي لسانك اللي عايز قاطعه دا
ثم التفتت برأسها للجانب الآخر ناظرة إلى ابنتها الكبرى وأضافت:
_ وأنتِ المفروض كبيرة وعاقلة وعلى وش جواز اعقلي شوية
تنهدت باسيتاء واضح ثم أخذت تتنفس حتى أثلجت صدرها وعاودت الحديث مواصلة استرسالها:
_ وآه ياست خلود فيه أهم من الحب، فيه احترام وود ومودة ورحمة، دول أهم مليون مرة من الحب، الحب بتاعكم دا بيكون في أعلى مراتبه في البداية ومع الوقت ومع صعوبات الحياة والمسؤوليات بيقل وفيه ناس بيختفي عندهم، لكن اللي بيفضل موجود المودة والإحترام بين الزوجين، ولو مكنوش مهمين مكنش ربنا ذكرهم في آية كريمة، بسم الله الرحمن الرحيم
وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
توقفت هناء لتأخذ أنفاسها ثم تابعت وهي تنهي آخر ما قامت بإعداده من الطعام:
_ ياما فيه علاقات حب انتهت وكملت بس باحترامهم ولمودتهم لبعض ولحُسن العشرة
نظرت إلى ابنتيها ربما تستشف استيعابهن للأمر لكنها رأتهن يتلاعبن بالتحديق لبعضهن ويتهامسون
خِفية، ثم انفجروا ضاحكين حين رأتهن هناء، قلبت عينيها بإزدراء وتمتمت بغيظ:
_ أنتوا مش نافعين أبدًا
تركتهن وغادرت المطبخ متوجهة إلى زوجها لتعطيه الفطور حتى يتناوله ويذهب إلى عمله.
***
كانت مُمددة على الفراش حاضنة وسادتها تقاوم النوم طوال الليل، فهي متعبة وجسدها مُنهك لكن جفنيها لا يقدران على الإستسلام حتى لا يُعاد مشهد الحادثة في ظلامها الحالك، لم تعد قادرة على المقاومة فتغلب عليها التعب وغفت وقلبها ينبض بقوة كأنها تُسارع أحد الوحوش.
اهتز هاتفها التي وضعته أسفل الوسادة فأرسل إلى عقلها ذبذباتٍ تسبب بإيقاظها، انتفضت صبا مذعورة وبيدين مرتجفتين أمسكت الهاتف لتطلع على المتصل، انخلع قلبها حين رأت مديرها من يتصل.
ابتلعت ريقها مرارًا وحاولت جاهدة أن تهدئ روعها، وبعد فترة أجابت بصوتٍ خافت:
_ دكتور رمزي..
بنبرةٍ لا تحتمل النقاش:
_ دكتورة صبا عايزك عندي في المستشفى حالًا..
تأكدت أنه علم بما فعلته، لم تستطع منع عبراتها التي سقطت رغمًا عنها ولم تقدر على السؤال، فلا داعٍ به، حتمًا اكتشف أمر الحادثة، أنهت الإتصال حين فشلت في كتم صوتها الذي خرج مرتعِدا، بكت بغزاره ولم تنجح في التماسك، فهي على وشك الحبس خلف قضبان السجن.
شعرت بضعف حيلتها حتى احتل عبدالله عقلها فقامت بالإتصال عليه سريعًا، أجاب الآخر دون تأخير:
_ صباح الخير يا دكترة..
بخوفٍ هتفت:
_ مدير المستشفى قالي تعالي حالًا، أنا مرعوبة..
أغمض عبدالله عينيه يهدئ روعه فلقد سيطر عليه الذُعر، ثم عَمِل على تهدئة صبا:
_ روحي يا صبا ومتخافيش..
تذكر عبدالله جملةً يمكنها تغير مزاجها حتى لو قليلًا فأضاف بنبرةٍ جادة:
_ ويحك يا خوف، ألا تدري أمام من تقف..
لم يكمل بل حثها على مواصلة الجملة معه:
_ ها..
تابعت صبا معه بقية الجُملة فخرج صوتهما متناغمًا:
_ إنها حبيبة عبدالله
ضحك عبدالله وأضاف مازحًا:
_ وعبدالله مبيرحمش
نجح عبدالله في رسم ابتسامةٍ لا بأس بها على شفتيها، فعاد مرددًا:
_ يارب تكوني بتضحكي
تنهدت صبا مهمومة ثم أخبرته حاجتها إليه:
_ أنا محتجاك جنبي يا عبدالله..
دون تفكيرٍ أردف:
_ وأنا جنبك يا دكترة، على ما تجهزي أكون اتصرفت في عربية
أماءت صبا بقبولٍ فقال عبدالله مشاكسًا:
_ فاتك بتهزي دماغك دلوقتي
_ أنت حافظني كدا إزاي؟
تساءلت وأذنيها مُتلهفة لسماع إجابته، بينما رد عليها بنبرته العاشقة:
_ وأنا ليا من غيرك أحفظ تصرفاته؟
دقت أسارير السعادة قلبها، وازداد عنفوانًا وحيوية، وضعت يدها على يسار قلبها شاعرة بنبضاتها التي تنبض بقوة أسفل يدها ثم أغمضت عينيها وهمست:
_ بحبك أوي يا عبدالله
_ وأنا مش محتاج حاجة غير حبك بس يا دكترة
هتفها ثم حثها على التعجل:
_ يلا اجهزي وأنا هعمل اللي قولتلك عليه..
أغلق ثم هاتف صديقه وبصوتٍ أجش تحدث:
_ اسبقني أنت يا زكريا على القاعة وأنا هخلص موضوع ضروري وهجيلك
استنكر زكريا تأخيره وصاح:
_ أنا مش عايز أروح لوحدي عشان مرتكبش جناية هناك ..
_ ميشغلنيش عنك غير القوي يا زكريا، لو مكنش ضروري كنت كنسلته، إن شاءالله مش هتأخر عليك
قالها متمنيًا تفهم صديقه لذلك الظرف الطارئ فما كان من زكريا إلا أنه رضخ، فعبدالله لن يتأخر عنه إلا للضرورة، تابع عبدالله ارتداء ملابسه ثم خرج من غرفته فقابلته والدته وتساءلت بقلقٍ يشوبه الإهتمام:
_ رايح على فين بدري كدا يا حبيبي؟
أجابها بإيجاز:
_ هقولك لما أرجع يا أحلام، ادعيلي أنتِ بس
غادر المنزل وخلفه لم تكف والدته عن الدعاء التي تتمنى أن يكون من نصيبه.
في غرفة صبا، أنهت ارتداء حجابها، ثم خرجت من الغرفة فتقابلت مع والديها اللذان تعجبا من مظهرها التي يدل على خروجها، نهضا وتوجها نحوها وبدأ والدها في سؤالها:
_ على فين يا صبا من بدري كدا؟
فأضافت والدتها سؤالًا آخر بتعجب:
_ مش النهاردة الشيفت بتاعك بليل؟
تنهدت صبا وجاهدت نفسها بألا تُظهِر خوفها، ثم قالت مجيبة إياهم:
_ دكتور رمزي مدير المستشفى كلمني وقالي عايزني..
_ عايزك في إيه دا؟ حتى يوم راحتك هينزلك برده، ربنا يتوب عليكي من الشغلانة دي يابنتي
هتفتها إجلال بحنق ونبرة ضَجِرة، وجهت صبا نظرها على والدها الذي استشف عدم مقدرتها على المجادلة فأنهى الجدال قبل أن يزداد بنبرة حاسمة:
_ ربنا يعينك يا دكتورة، استني أنزل أوقفلك تاكسي..
رفضت ذلك بنبرة سريعة:
_ لا خليك، هروح أنا..
ابتلعت ريقها ثم سألته مستفسرة بعيون ضائقة:
_ حضرتك مقولتليش هكلم عبدالله ليه زي كل مرة؟
صمت قليلًا إلى أن آتى بإجابةٍ مبهمة:
_ مش عايز اتعامل معاه بعد اتهام مرسي ليه بالسرقة..
لم تتقبل صبا الأمر وصاحت مندفعة مدافعه عنه:
_ ومرسي نفسه راح واتنازل وقال إنه مبغلش عن عبدالله وواثق فيه والظابط اللي أصر ياخد عبدالله!!
تفاجئا والديها بهجومها كما تفاجئت هي أيضًا باندفاعها، حمحمت وحاولت إصلاح الخطأ قبل أن يأخذ تفكيرهما منعطفًا لا تود المواجهة معه الآن:
_ أنت أمنتني عنده عشان متأكد من نيته فبلاش على موقف ملوش ذنب فيه ثقتك فيه تقل..
_ اجتنبوا مواطن الشبهات يا دكتورة، حتى لو كويس بس أنا مش عايز حاجة تمسك ولا تعكر اسمك الحلو
أردفها محمود بحسمٍ، فشعرت صبا أن الأمر يزداد تعقيدًا، لكنه ليس الوقت المناسب للتفكير بذلك، عليها أن تذهب إلى المستشفى الآن فأرادت إنهاء الحوار:
_ خلاص يا بابا خليك هنا أنا هوقف تاكسي متتعبش نفسك
رفض ذلك بقوله:
_ لا استني، هطمن أكتر لما أوصلك بنفسي للعربية.. هلبس الجلابية وأجيلك على طول
أدارت صبا رأسها للجانب الآخر وأغمضت عينيها بضيق شديد فلا شيء يُسير كما تريد، نفخت بخفوت ثم سبقت والدها إلى الخارج لتعطي عبدالله خبرًا لكن انضمام والدتها إليها منعها من ذلك، فازدادت صبا حنقًا إلى أن جاء والدها ونزلا سويًا..
كانت عينيها تُراقب المكان بحثًا عن عبدالله التي وجدته يترجل من إحدى السيارات، فأشارت إليه بيدها ألا يقترب، فعاد إلى السيارة مراقبًا سيرهما في المرآة الأمامية متعجبًا من مرافقة محمود لصبا.
قاد السيارة خلفهما دون أن يُشعِر محمود بذلك، شاهدًا ركوبها التاكسي إلى أن تحركت السيارة مبتعدة عن أبيها، ظل عبدالله متابعًا قيادته حتى وجد طريقًا مناسبًا يسمح له بالمرور من جانب التاكسي، فقام بالدعس على البنزين ليزيد من سرعة السيارة وقطع الطريق على التاكسي بوقوفه أمامه فجأة.
ترجل ثم توجه إليهما، نزل السائق وتساءل بصوتٍ غاضب مُندفع:
_ أنت بتعمل إيه يا أخينا أنت؟
تابع عبدالله سيره حتى وصل إلى باب صبا وقام بفتحه موجهًا حديثه لها:
_ انزلي واركبي العربية على طول
امتثلت لأمره فأسرع السائق خلف صبا بغرض حمايتها مرددًا بعصبية:
_ راحة فين يا آبلة؟
أسرع عبدالله نحوه وشكل حاجزًا بينه وبين صبا وتولى الرد عليه:
_ إيه يا عمنا، رايح فين كدا؟
لم يكترث له السائق وعاد بنظره إلى صبا وقام بسؤالها ثانيةً:
_ أنتِ تعرفي الأخ دا؟
أماءت صبا مؤكدة معرفتها بعبدالله الذي أخرج نقودًا من جيبه والتقط كف السائق ثم وضعهما فيه وقال:
_ ايوا تبعي يا عمنا، حقك أهو ودا اللي ليك الباقي ملكش فيه
أولاه عبدالله ظهره ليعود إلى السيارة فصاح السائق عاليًا:
_ حسابي وصل يا غالي، الحاج حاسبني
دون أن ينظر إليه عبدالله رد عليه:
_ اعتبرهم تِبس
تفقد السائق النقود بحاجبين مرفوعين وتمتم متعجبًا مما حدث:
_ تِبس!!
هز رأسه ثم وضع النقود في جيبه وعاد إلى سيارته وغادر وكذلك عبدالله الذي تحرك بالسيارة متجهًا إلى المستشفى، لم تعقب صبا على تصرفه المجنون، فلو كان في وقتٍ آخر كانت المكان رأسًا على عقِب، فهي لا تحب تصرفاته الخرقاء التي يفتعلها دون النظر إلى العواقب.
نظر عبدالله إلى يديها التي ترتجف بشدة، ورغبة قوية تحثه على احتضانهما حتى تطمئِن، لكنه تراجع، فلم يفعلها من قبل ولن يفعلها الآن، عليه الحفاظ على صباه من شر نفسه، تنهد وتابع قيادته وأردف قائلًا كلماتٍ ليخفف عنها:
_ خير يا دكترة، لو كان حصل حاجة وحشة مكنش المدير كلمك وقالك تعالي دا كان جالك بنفسه البيت مع الحكومة
شهقت صبا ورددت بذعرٍ:
_ حكومة!! أنت كدا بتطمني يا عبدالله؟! اسكت أحسن
_ الجملة مش بتتجزأ يا دكترة، أنا بقول لو كان حصله حاجة وحشة، يعني اهدي كدا وتفائلي خير تجديه مش دا كلامك؟!
قالها عبدالله بنبرة مرحة فأغمضت عينيها لبرهة وهي تردد بنبرة مرتجفة تهدد بالبكاء:
_ لما الأدوار بتتبدل وبيكون الناصح مكان المُبتلي النصيحة بتكون صعب يتعمل بيها!
تنهد الآخر وفضل الصمت فمحاولاته لا تجدوا نفعًا معها، وصلا بعد دقائق معدودة، صف عبدالله السيارة وما كاد يفعل حتى هطل المطر بغزارة فجأة دون سابق إنذار، ابتسم عبدالله وشعر بالراحة، التفت يمينه ناظرًا إلى صباه وبلهجة مبهجة قال:
_ المطر دا بتفائل بنزوله جدًا، بينزل ومعاه الخير والبركة، طمني قلبك بقى، يلا وأنا هستناكي لغاية ما تطمنيني وتعرفيني عملتي ايه
رمقته بعينين لامعتين واكتفت بابتسامة لم تتعدى شفاها، التفت حيث الباب وكادت تفتحه لكن صوت عبدالله منعها:
_ استني
ترجل أولًا، وتوجه نحوها ثم خلع سترته وفتح بابها ووضعه كحماية لها من المطر لكي لا تبتل ملابسها وتمرض، فهتفت صبا رافضة تصرفه خشية أن تصيبه حُمى:
_ البس الجاكيت لو سمحت يا عبدالله
اشتد المطر ورؤيته أصبحت مشوشة، فصاح عاليًا:
_ انزلي يا صبا..
لم يكن هناك مجالًا للإعتراض فالوقت غير مناسب للجدال، ترجلت وركضت أسفل سترته التي يضعها أعلى رأسها يحميها من ماء المطر، وقفا على باب المستشفى فخرج رجل الأمن من غرفته ومعه مظلة فناداه عبدالله:
_ لو سمحت يا ريس، وصل الدكتورة لجوا
_ من عنيا، اتفضلي يا دكتورة صبا
قالها الرجل وهو يشير إلى عينيه، ابتسم له عبدالله وظل واقفًا حتى اطمئن أنها ابتعدت عن المطر ودلفت المستشفى، فعاد إلى السيارة وركبها وقام بإغلاقها على الفور، حاول تدفئة يديه بالنفخ فيهما، لكن عن أي تدفئة يريد أن يشعر بها فملابسه مبتلة بالكامل.
كانت البرودة متملكة منه حتى شعر أن جسده ينتفض لكنه تمالك نفسه، فلن يبرح مكانه حتى يطمئن على صباه، وجه أنظاره نحو المستشفى وقلبه غير مطمئن بالمرة، ظل ينتظر بفروا صبرًا وداخله يتآكل من الخوف.
***
بقدمين تتخبط في بعضهما من فرط خوفها، وصلت أخيرًا إلى مكتب المدير، شهيق وزفير فعلت للمرة السابعة على التوالي، تحاول ألا تنهار قبل الدخول، استجمعت جزءًا من شجاعتها ثم طرقت الباب ودلفت حين آذن لها المدير.
بخُطواتٍ مُتمهِلة ولجت وعينيها مُصوبة على المكتب حيث يجلس رمزي، نهض هو وبوجهٍ لايبشر بالخير حادثها:
_ كل دا تأخير يا دكتورة؟ عمومًا مش وقته..
ابتلعت صبا ريقها مرارًا وجمعت كلماتٍ وبصعوبة اخرجتهم متسائلة:
_ حضرتك عايزني في إيه؟
_" أنا اللي طلبت منه يقولك تيجي"
صدح صوته فتفاجئت به صبا، استدارت لتنظر خلفها فظهر عاصم أمامها، يقف مبتسمًا ببرود، كتمت شهقتها بوضعها يدها على فمها، مزيجٍ من المشاعر عصف بها حينذاك، حمدت الله أنه بخير ولم يمت ولكن مازال الخوف يغلف قلبها.
انتبهت على صوت رمزي القائل:
_ بالمناسبة يا دكتورة شكرًا أنك ادخلتي في الوقت المناسب وعالجتي البشمهندس قبل ما جرحه يتلوث..
ضاقت صبا بعينيها عليه، فلم تفهم مخزى كلامه، فتساءلت بفضولٍ لمعرفة حول ما تجهله:
_ حضرتك تقصد ايه؟
تدخل عاصم مجيبًا على سؤالها وهو يقترب منها:
_ قصده على مساعدتك ليا امبارح أنتِ نسيتي ولا إيه يا دكتورة؟
تبادلا النظرات المُبهمة فتابع عاصم مسترسلًا:
_ أنا حكيتله اللي حصل، حكيتله لما وقعت اتزحلقت في حمام الأوضة وقعدت فترة مش حاسس بأي حاجة ولما فتحت عيني لقيتك موجودة وخيطيلي الجرح
استدار برأسه فظهرت الضمادة التي تخفي جرحه خلفها، ثم أعاد النظر إلى رمزي الذي فهم اشارت عينيه واستاذن منهما:
_ هسيبكم مع بعض شوية، واضح إن باشمهندس عاصم عايز يشكرك شُكر خاص
غادر الغرفة تحت نظرات صبا المذهولة بما يحدث، تقوس ثغر عاصم بإبتسامة عريضة، اقترب منها بِضع خُطوات فحذرته صبا بتوجيهها إبهامها في وجهه مُهددة:
_ متقربش، خليك عندك وإلا...
تجرأ عاصم وأمسك بإصبعها ثم قام بإنزاله وهو يردد بصوتٍ خشن:
_ وإلا ايه؟ هتخطبيني على دماغي تاني؟! بدل ما تشكريني إني مقولتش على عملتك؟
ببغضٍ شديد خرجت نبرتها مندفعة:
_ كنت قول، وأنا برده كنت هقول أنك متحرش قذر
قهقه عاصم عاليًا فآثار غيظها ومن بين ضحكاته هتف دون تصديق لذلك اللقب التي لقبته به:
_ متحرش!!
تجهمت تعابيره ودنا منها هامسًا بقُرب أذنها:
_ واضح أنك متعرفيش مين هو عاصم سليمان، أنا أي حاجة بعوزها بإشارة مني بتكون بين ايديا..
تراجع للخلف وواصل حديثه بنبرة معاكسة حيث كانت هادئة وناعمة:
_ بس أنا مش عايز كدا معاكي، أنا حابب تيجيلي برضاكي..
اتسعت حدقتي صبا بصدمة، لقد تعدى الوقاحة ذلك المختل، رفعت يدها وكادت تصفعه لكنه منع حدوث ذلك، احتدت ملامحه وهلل بغضب:
_ لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين يا دكتورة
_ أنت وقح وقذر، إزاي تطلب مني حاجة زي كدا؟
هتفتها من بين أسنانها المتلاحمة وهي تطالعه بإزدراء، فاستشف عاصم سبب تذمرها وأوضح لها حقيقة الأمور:
_ أنتِ فهمتي إيه؟ أنا قصدي عايزك في الحلال، نتجوز!
كلما نطق ذلك المختل تتفاجئ وتُصعق، أبت التصديق لنواياه التي يظهرها بريئة وانفعلت عليه:
_ أنت تعرفني منين عشان تطلب مني نتجوز؟ وجبت الثقة دي منين إني أوافق عليك؟!
ولا دي طريقة جديدة في التسلية ببنات الناس تحت مسمى علاقة حلال وقدام الناس؟!
تأفف عاصم بنفاذ صبر وهتف بحنقٍ:
_ أنتِ مصممة تصعبي الأمور وتفهميني غلط ليه، أنا بجد عايزك في الحلال، يمكن معرفش عنك حاجة بس لو وافقتي هنتعرف على بعض أكتر، وطلبي دا أنتِ متعرفيش غيرك يتمناه إزاي..
قاطعته صبا بنفورٍ واشمئزاز لغروره اللعين:
_ وأنا متنازلة لغيري..
أولته ظهرها ومشت نحو الباب فأسرع عاصم واقفًا أمام الباب بمثابة حاجز يمنعها من الخروج، ثم أردف بنيةٍ حسنة:
_ انا لسه مكملتش كلامي، أنا أساسًا مطلبتش من واحدة الجواز قبل كدا، محدش قِدر يخليني أعرض عليه العرض دا غيرك!
زفرت صبا أنفاسها، وجاهدت على التماسك، وألا تفلت أعصابها، تحلت بالصبر وبهدوءٍ لا يشبه نيرانها المتقدة داخلها أردفت:
_ وأنت قولت عرض، وأنا رفضت عرضك يا باشمهندس، لو سمحت عايزة أخرج..
حدق عاصم بها لوقتٍ يتفقد ملامحها الهادئة الناعمة، وعينيها الخضرواين التي تلمع بشكل غريب عند انفعالها، قطعت عليه حبال أفكاره بها بصوتها الآمر:
_ عايزة أخرج..
تنحى عاصم جانبًا، فأسرعت صبا في فتح الباب لكنها تريثت، وعاودت النظر إليه ثم سألته مستفسرة عما حدث له بعد مغادرتها:
_ أنت قومت إزاي ومين اللي ساعدك؟
تقوس ثغره للجانب مشكلًا ابتسامة جذابة، غمزها بمشاكسة وقال بمرحٍ:
_ لو وافقتي هقولك
بنبرة مشمئزة هتفت:
_ خلاص مش مهم أعرف
خرجت تاركة الباب مفتوحًا، لم تخطو خطوتين وتفاجئت بركض زميلتها هدى نحوها، أمسكتها من ذراعها وجرتها خلفها حتى ولجت إلى مكتب صبا فكان قريب منهن، أغلقت هدى الباب ونظرت إلى صبا بذهول:
_ أنتِ إيه اللي عملتيه في المهندس عاصم دا؟
الأن وضحت الصورة كاملة، تنهدت صبا وسألتها لتأكيد حدسها:
_ أنتِ اللي ساعدتيه؟
أكدت هدى سؤالها وشرحت ما حدث البارحة:
_ جيت عندك عشان أشوفك لو لسه ممشتيش نروح مع بعض، واتفاجئت بيه واقع في الأرض وبيتألم، جريت عليه طلب مني إني اساعده وبعد ما خيطت له الجرح حكالي اللي حصل لأني كنت مُصممة أطلب دكتور رمزي احكيله، اتصدمت لما عرفت إنك أنتِ اللي عملتي كدا، واتصدمت أكتر لما طلب مني معرفش حد أنك السبب وقالي كمان أي حد يسألني اللي حصل أقوله إنك أنتِ اللي ساعدتيه!!
كانت تصغي إليها صبا وهي تنظر في نقطةٍ فارغة أمامها، حتى انتهت هدى من قص ما حدث فرددت صبا وعقلها لا يستوعب تصرفاته الخرقاء:
_ واحد مجنون!!
_ هو برده اللي مجنون؟ أنتِ كان ممكن تروحي في داهيه لو لقدر الله حصله حاجة أو حد غيري اللي دخل وشافه في حالته دي
أردفتها هدى بعقلاٍ لا يُصدق فِعلتها وكذلك ردها المُبهم، تنهدت صبا وقالت بعد أن تذكرت وقوف عبدالله:
_ سيبك منه، أنا لازم أرجع دلوقتي..
أمسكت هدى ذراعها فلن تدعها تذهب قبل معرفة حقيقة ما يحدث:
_ استني هنا، احكيلي إيه اللي حصل وليه عملتي كدا؟
بإيجاز قالت:
_ هبقى اكلمك، أنا بجد لازم أمشي دلوقتي، سلام
غادرت تحت نظرات هدى المُتابِعة لها، خرجت من المستشفى بخُطواتٍ مُهرولة حتى وصلت إلى السيارة وركبت متحمسة لرؤية حبيبها، تفاجئت من الوضع الذي كان عليه، فكان يحك يديه في بعضمها منكمشًا على نفسه من البرد، ناهيك عن ملابسه التي تتساقط منها قطرات الماء.
انعكست ملامح وجهها وتأثرت بحالته فلامته بلطفٍ:
_ حرام عليك نفسك يا عبدالله، قولتلك متقلعش الجاكيت، عاجبك حالتك دي؟!
لم يهتم لما قالته، بل تساءل عما دار في الداخل فخرجت نبرته مرتجفة:
_ سيبك مني، عملتي ايه؟
تأثرت للغاية من نبرته المهزوزة، تألم قلبها وشعرت بأنها المُخطئة، كادت تعاود لوم ذاتها لكنه منع ذلك بقوله الجاد:
_ انطقي يا صبا عملتي إيه؟
هدأت ثم فشلت في إخفاء ابتسامتها، فابتسم الآخر بتلقائية لها وهلل:
_ أهي ضحكتك دي دفت قلبي، ها احكيلي إيه اللي حصل؟
ازدادت ابتسامتها السعيدة ثم حمحمت لتخبره القليل دون أن يُزل لسانها:
_ الراجل اللي خبطته كويس، ومرداش يقول إني السبب، قال إنه اتزحلق..
_ طب حلو، المدير كان عايزك ليه طلاما مجابش سيرتك؟
تساءل عبدالله بفضول بينما فاجئها سؤاله فحاولت ترتيب الكلمات قبل إخباره بهم:
_ ماهو قاله إني ساعدته مقالش إني هربت
قطب عبدالله جبينه باستغراب وردد دون تصديق:
_ وهو يقول كدا ليه؟
رفعت صبا كتفيها متصنعة التفكير ثم قالت:
_ قدر خضتي..
نظر عبدالله أمامه فالأمر كان مريبًا بالنسبة له وتمتم وهو يطالع الخارج بحاجبان معقودان:
_ هو لسه فيه حد كدا؟
لكزته صبا في كتفه بخفة مُمَازحة إياه حتى تجرفه من طيار أسئلته التي لا تنتهي:
_ أنت فاكر إنك لوحدك اللي جدع ولا إيه؟
تصرفها أدهش عبدالله، فلم تتعامل بجرأة هكذا من قبل، بل كان من المستحيلات والغير مقبول لديها التلامس، ما الذي تغير الأن؟!
رمقها بطرف عينيه وضحك فرحًا بتعديها حدودها التي وضعتها منذ اليوم الأول لهما وهلل:
_ إش إش دا إحنا اتجرأنا أوي
عضت صبا على شفاها بخجلٍ صريح، فالأمر تطلب افتعال شيئًا يجذب انتباهه إلى موضوعٍ آخر ليكف عن السؤال، لم تقدر على مواجهة عينيه وظلت مُنكسة الرأس تفرك أصابعها بإرتباك واضح.
هذه هي صباه، مهما حاولت فلن تنجح في إخفاء خجلها، فهو ضمن فطرتها ولن تتخلى عنه بسهولة، تذكرت صبا أمرًا فنظرت إليه وحدجته بنظراتٍ ثاقبة ثم هتفت ساخرة:
_ أومال فين الحدود اللي هنحطها؟ ومن ترك شيئًا لله أبدله الله خيرًا منه والكلام بتاع امبارح دا؟
فغر عبدالله فاهه وسرق نظرة عليها وهو يردد:
_ والله!!
عاد يتابع قيادته وقلدها بنبرة أنثوية وهي تحادثه صباحًا:
_ أنا محتجاك جنبي يا عبدالله..
تفاجئت صبا بتقليده المائع وصرخت رافضة أنها شخصيتها:
_ أنا مش بتكلم كدا!!
تابع عبدالله تقليده الساخر:
_ أنت إزاي حافظني كدا
_ لا لا لا، لا يمكن تكون دي أنا، أنت بتبالغ صح؟!
تساءلت آملة نفيه لذلك الأسلوب المُدلل فحرك عبدالله رأسه نافيًا أي مبالغة يفتعلها فانفجرا كلاهما ضاحكين، رفعت صبا كلتى يديها خافية وجهها وتابعت قهقتها على تقليدهُ لها من جديد.
سيطرت على نوبة الضحك التي وقعت بها وتصنعت الجدية وهتفت:
_ نتكلم جد بقى، نعمل زي ما اتفقنا امبارح
اومأ عبدالله بالقبول وإلتزم الصمت، حتى قطعته هي بوضعها يدها على بطنها ورددت بجوعٍ:
_ أنا جوعت جدًا، نزلت من غير فطار
لم يكترث لها عبدالله وظل ملتزمًا بالهدوء، حتى قابله أحد الأماكن الشعبية التي تُحضِر الفطور، ترجل عبدالله من السيارة وقام بشراء الشطائر وعاد، استقل خلف المقود ثم أخذ يتفحص محتويات الكيس وسحب شطيرة وقام بإلتهامها بشراهة تحت نظرات صبا المذهولة، فهي توقعت أنه قام بشراء الطعام لأجلها فهي من أخبرته منذ قليل أنها جائعة، إذًا ما هذا الآن؟
قرقرت بطنها وصلت لآذان عبدالله فابتسم خِفية بينما لم تعد تستطيع تحمل تل الرائحة الشهية، وهتفت متذمرة:
_ أنت جايب أكل لنفسك بس؟!
تنهد عبدالله وأردف بنبرةٍ هادئة جادة:
_ في حاجة يا دكتورة؟ أكلي مضايقك في حاجة؟
تشدقت صبا بنزق ورددت كلمته:
_ دكتورة!! أنت بتتكلم كدا ليه؟
تأفف عبدالله متصنعًا ضجره وقال:
_ مش قولتي نلتزم باتفاقنا؟!
تجهمت تعابير صبا ثم عقدت ذراعيها على صدرها ولم تُعقب، حرك عبدالله رأسه باستنكار وأطلق ضحكاته الساخرة على حالهما قبل أن يُردف:
_ الوضع دا مش هينفع معانا
حمحم ثم استنشق نفسًا عميقًا وزفره على مهلٍ ثم أضاف بجدية:
_ شكلي كدا هكلم أبوكي..
اتسعت مقلتي صبا وطالعت أمامها بدهشة، فلم تصدق ما سمعته أذنيها، فأسرعت مُتلهفة لسماعه مرة أخرى:
_ قولت ايه؟
غمزها وهو يبتسم ابتسامته العذبة التي تؤثر قلبها وتذوبه عشقًا وقال:
_ مينفعش غير إننا نكمل في النور
عضت صبا على شفاها السفلية ولم تمنع ابتسامتها التي عكست مدى سعادتها، بادلها عبدالله فرحتها بقوله:
_ أنا اللي مأخرني إني كنت مستني اتقدم وأنا معايا مبلغ كويس أقدر أجيبلك حاجة من قيمتك
_ مش كل القيمة فلوس، قيمتي شاب جدع وحنين وبيخاف ربنا وبيراعي ربنا فيا، مفيش أحسن من كدا
قالتها بعيون لامعة تطالعه بقلبٍ عاشق، بينما تنهد عبدالله وقد انعكست ملامحه إلى الضيق الذي جاهد إخفائه وبنبرةٍ مختنقة قال:
_ بس عند أهلك أكيد مهم، هيبصوا على وضعي المادي ووضعية العائلي والدراسي
ضحك بسخرية على وضعه الذي لا يحسد عليه وتابع:
_ وأنا كل أوضاعي يا قلبي لا تحزن
نفض عنه أفكاره السوداوية ونظر إليها نظرة رجلًا يمكنها الإعتماد عليه وهتف بعزمٍ:
_ بس أنا هفضل وراهم لغاية ما يزهقوا وأخدك ليا، يحمدوا ربنا إني سايبك ليهم كل دا
مشاعر عديدة اجتاحت صبا ذلك الحين، ارتفع ادرينالها فتسبب في تزايد الحماسة لديها، تلك الأثناء تفقد عبدالله الوقت فوجد نفسه متأخرًا على صديقه، فانطلق بالسيارة وقام بتوصيل صباه ثم صعد منزله وأبدل ملابسه المُبتلة سريعًا وذهب إلى زكريا ليجدوا حلًا معًا.
***
بعد يومٍ طويل شاق، خرجا كلاهما من النادي الأخير قاطعين آخر أمل لديهم، انحنى زكريا بجسده مستندًا بكفوفه على ركبتيه، أخرج زفيرًا مسموع وهتف بضعف حيلة:
_ وبعدين، القاعات كلها محجوزة؟!
بتأثر شديد لوضع صديقه قال عبدالله:
_ كل دا توقعته يا زكريا بس محبتش أقولك على أمل نلاقي واحدة مش محجوزة
اعتدل زكريا في وقفته وأخرج تنهيدة مُحملة باليأس، انتبه على اهتزازة هاتفه فسحبه من جيب بنطاله فوجدها ليلى تهاتفه للمرة العشرون على التوالي، وضع سبابته وإبهامه على عينيه يفركهم بقوة، ثم أخذ يتنفس بعض الهواء وأجاب باندفاع
_ في إيه يا ليلى ترن ترن ترن ورا بعض، ارحمي نفسك حبة
صعقت ليلى من رده المُندفع وكأن مخاوفها تتجسد أمامها، لم تقدر على السيطرة على خوفها فصاحت بنبرةٍ مهزوزة:
_ أنت بتتكلم كدا ليه؟ أنا من الصبح بكلمك وبحاول أوصلك وأنت مش بترد!! ممكن أعرف مش بترد ليه؟ ولا خلاص أخدت غرضك وأنا هتركن على الرف
بحقك ليس الآن، أغمض زكريا عينيه وقام بخبط جبينه مرات عديدة وصاح بعصبية بالغة:
_ بتتكلمي في إيه أنتِ؟! أنا من الصبح دايخ عشان ألاقي قاعة أحجز فيها بدل اللي جالها قرار إزالة فجأة دي
صدمة اعتلت وجه ليلى أفقدتها النطق لثوانٍ، ثم تخطت حالتها وسألته بتوجسٍ:
_ وبعدين؟ عملت ايه؟
بنبرة غاضبة صاح وهو يركل أحد الأحجار بقدمه:
_ معملتش، مفيش ولا قاعة فاضية كله محجوز
كتمت ليلى شهقتها بيدها محاولة استيعاب الأمر، لم تعد تحتمل وانهارت في البكاء:
_ دا كله بسبب اللي حصل، ربنا بيعاقبنا!! بس انا ذنبي إيه؟ أنا موافقتكش، أنا مكنتش راضية! أنت السبب يا زكريا
رفض زكريا تقبل إلقائها اللوم على عاتقه وثار بصوتٍ عالٍ حتى شعر بصداه يتردد في صدره من شدته:
_ اقفلي يا ليلى، اقفلي
أنهى المكالمة فأسرع نحوه عبدالله محاولًا تهدئته:
_ اهدى ياعم الناس بتبص علينا
كانت عينيه تطلقان شرار لو أن أحد يقف أمامه مباشرةً لاحترق، ربت عبدالله على ذراعه وقال داعمًا:
_ روق يا زكريا، كله هيتحل بس أنت اهدى مفيش حاجة هتتحل بعصبيتك دي
تنهد ثم تفقد المكان حوله فوقع بصره على مقهى قريب منهما، فواصل مقترحًا:
_ تعالى لما نقعد على القهوة نشرب حاجة تروق أعصابك فاتها بقت متفحمة من البنزين اللي بتحرقه دا
رمقه زكريا بنظراتٍ مُشتعلة وهدر به:
_ متهزرش ياعم
أشار عبدالله بأصابعه على فمه وكأنه يغلقه، ثم وضع يده على ظهر صديقه يجبره على السير، فمشى زكريا للأمام برفقة عبدالله الذي شاكسه:
_ هتشرب لمون ولا هتفول بنزين ٩٠؟
حرك زكريا رأسه باستنكار وأسرع من خُطاه فقهقه
عبدالله عاليًا وتَبِعه حتى وصلا إلى المقهى، طلب عبدالله لهما عصير وقال مُمازحًا صديقه وهو يناوله كوب العصير:
_ خد جبتلك مانجا من الغالية عشان تروق دمك
نفخ زكريا بنفاذ صبر والتقط منه الكوب، وبعد أن أنهاه أتاه اتصالًا فقام بالرد دون تفكير:
_ حاج طاهر، معلش اتاخرت عليك، بس كنت مستني أجمع بقيت المبلغ عشان أشتري الأجهزة كلها مرة واحدة..
تجهمت تعابير زكريا وأسود وجهه فجأة وقال:
يعني إيه الأجهزة الكهربائية تمنها اتضاعف؟
واخدت الثدمة بقى 😂😂😂😂😂
براحة عليا 😂
رواية علي دروب الهوي الفصل السادس 6 - بقلم تسنيم المرشدي
مازال القلب يتعلق، يتمنى ويآمل، يآمل أحاديث خِفية تُخبرني أني مختلف، ذو قلبٍ نقي، آمل كلمة ،ابتسامة، مكالمة، كل ما هو بسيط يأسرني ويسعد قلبي.
***
_ أنت صليت صلاة استخارة قريب؟
كان سؤال عبدالله جدي، فانتبه له صديقه بحاجبان معقودان متعجبًا من سؤاله ثم أجاب بإيجاز:
_ لأ، ليه؟
اعتدل عبدالله في جلسته وانعكست نبرته إلى السخرية في قوله:
_ ماهو مش معقول اللي بيحصل فجأة دا من غير صلاة استخارة، أصل كلها إشارات
تأفف زكريا وهز رأسه مستنكرًا مزاحه الذي ليس في محله، وهتف بغيظ:
_ هو أنت مبتعرفش تفرق بين الجد والهزار، أنا قايم ماشي
لحقه عبدالله وأمسك يده معيدًا إياه على الكرسي وأردف مبررًا:
_ يعني لما نتكلم جد هيحصل ايه؟ الراجل هيجيبلك الأجهزة لغاية البيت؟!
اتسعت حدقتي زكريا وهو يردد بضيق:
_ يابني بقى..
منع عبدالله ابتسامته التي كادت تغزو شفتيه وتحلى بالجدية المصطنعة وقال:
_ طب اهدى وكل حاجة هتبقى تمام
خرج زكريا من ثوب تمسُكِه وصاح بنبرة مغلوبة على أمرها:
_ هتبقى تمام إزاي؟ وامتى؟ دا الفرح كمان كام يوم، الفرح اللي أصلًا معرفش هيبقى فين؟
اعتدل زكريا حيث يكون مقابل صديقه وأضاف بنبرة مُتعبة:
ـ انت متعرفش أنا كنت بحط القرش على القرش إزاي وأمنع كل حاجة نفسي فيها عشان أجمع تمن الأجهزة دي، وأنت عارف اللي فيها يدوب أبويا بيصرف على البيت لا بيساعدني ولا حد واقف جنبي، أنا بطولي، وهي الميكانيكا اللي شغال فيها دي هتجيبلي بقيت الفلوس في خلال أيام إزاي؟
دا أنا شغال مع واحد بيموت على القرش، يعني لو طلبت منه سُلفة مش هديني حاجة، كل حاجة كانت ماشية كويس..
صمت وأغمض عينيه وهو يصر أسنانه وحديث ليلى يدور في عقله فردد ما يفكره به رغمًا عنه:
_ أنا مكنش ينفع أعمل كدا..
ضاق عبدالله بعينيه عليه متسائلًا بفضولٍ:
_ هو إيه اللي مكنش ينفع تعمله؟
أعاد زكريا فتح عينيه وقد تملك منه الخوف خشية أن تُفضح فعلته، نهض فجأة وقال:
_ أنا همشي..
دفع عبدالله الحساب وتَبِع صديقه ليغادرا معًا، ولم يكف عن قول ما يُطمئن قلبه ويريح عقله.
***
عاد عبدالله إلى المنطقة خاصته بمفرده، تفاجئ بوقوف ليلى عند منزل زكريا، هرولت نحوه حين رأته وبنبرةٍ هجومية وأسلوبٍ حاد هدرت به:
_ صاحبك فين يا عبدالله؟ مبيردش على مكالماتي ليه؟ لو فاكر إنه ممكن يهرب بالحجج اللي بيقولها دي يبقى لسه ميعرفنيش!! رد قولي هو فين؟
كانت مريبة بالنسبة له، فلم يحدث بينهما أي نقاش من قبل، ولم يعلم أنها تمتلك شخصية شرسة كهذه، ابتلع ريقه وحاول توضيح الأمر بقوله:
_ اهدي، زكريا راح على شغله، إحنا كنا مع بعض بنشوف موضوع القاعة اللي جالها قرار إزالة دا..
قاطعته ليلى بترديدها للكلمات بتيه:
_ يعني الموضوع بجد.. يعني هو مش بيضحك عليا؟
كان الآخر متعجبًا من حالتها المُبهمة، فلما سيكذب عليها زكريا؟ أراد عبدالله إقناعها بما حدث وأن الأمر جدي فأخبرها العائق الآخر الذي حدث:
_ لأ طبعًا الموضوع بجد، وزكريا حالته بقت وحشة أكتر لما صاحب الأجهزة الكهربائية كلمه وبلغه إن تمنها بقى الضعف..
صعقت ليلى مما سمعته، شهقت بصدمةٍ حلّت على وجهها، اتسعت حدقتيها وهي تطالع بهما عبدالله قبل أن تردد مذهولة:
_ إزاي دا!! دا كان رايح يشتريهم النهاردة بعد ما جمع فلوسهم، كل دا حصل فجأة كدا!!
أغمضت عينيها لثانية ثم أعادت فتحهما وقد احتدت تقاسيمها وصرّت على أسنانها بغضبٍ وهتفت وهي توليه ظهرها:
_ هو السبب، كل حاجة هتقف، كل حاجة هتتعطل بسببه، وأنا هدفع التمن..
ضيق عبدالله عينيه وهو يتتبع خُطواتها، فكلماتها أثارت الريبة داخله، وشعر أن ثمة أمرًا قد حدث، حاول إلهاء عقله بموضوعٍ آخر، وعاد إلى منزله فاستقبلته والدته معاتبة:
_ انت فين من الصبح يا عبدالله؟ كل شوية مشوار شكل وتقولي لما اجي هفهمك..
اقترب منها بعجلة وأمسك يديها متلهف لإخبارها عزمِه على خُطوة لطالما انتظرها بفروغ صبر، أجلسها على الأريكة وجلس مقابلها ومازال ممسكًا بيديها، تنهد ثم ابتسم بعذوبة وأردف بحماسٍ:
_ أنا عايز أتقدم لصبا..
قال جملته وهو يترقب ملامح وجهها، ازدادت ابتسامته حين رأى ابتسامة والدته التي غزت شفتيها، وهللت بسعادة عارمة:
_ وأخيرًا، دا أنا مستنية اللحظة دي من زمان
سحبت يديها ورفعت إحداهما بقرب فمها مُصدِرة بعض الزغاريد دون توقف، أسرع عبدالله محاولًا إيقافها:
_ لا اصبري لما الموضوع يتم الأول
تراجعت عما تفعله وقالت نادمة:
_ عندك حق، استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، لما الموضوع إن شاء الله يتم وقتها نزغرط براحتنا
أخذ عبدالله نفسًا وأخرجه على مهلٍ ومالت تقاسيم وجهه إلى الخوف وقال بترددٍ:
_ أنا خايف ميتمش ياما
استشعرت والدته خوفه، وأرادت أن تُطَمئِنه فقالت بعض الكلمات المعاتبة في البداية:
_ متقولش كدا يا عبدالله، كل منطوق واقع قدره يا حبيبي، ثق في ربنا وقول إن شاءالله الموضوع يتم والدكتورة تبقى من نصيبي..
نكس عبدالله رأسه وقد خيم الحزن وجهه وردد:
_ ماهو دا أكتر حاجة قلقاني، إن أهلها يشوفوني أقل من بنتهم، وخصوصًا أنها دكتورة وأنا يدوب صنايع..
استنكرت والدته التقليل من شأنه وأردفت كلماتٍ تزيد ثقته بنفسه:
_ أنت مش قليل ولا عمرك كنت قليل..
رفعت رأسه المُنكس وتابعت بجدية:
_ أنت عارف كويس أنت إيه ومين، ولو هما هيقيسوا الجواز بتعليمك، فهما هيكونوا غلطانين لأنهم هيخسروا أجدع واحن وأطيب شاب في الدنيا، ومش بقول كدا عشانك ابني، والله يا عبدالله والشهادة تتقال أنا طول عمري فخورة بيك ورافعة راسي من وراك، أنت نستني كل وجع عشيته زمان، تربيتك ونضافة قلبك خلوني أحمد ربنا على الظروف اللي مريت بيها لأنها خلتني أربي راجل يُعتمد عليه، يسد وقت الجد وعمره ما قال تعبت بالعكس بيروح للمكان اللي القرش الحلال يكون فيه، فهنا يابني لو مبصوش لمعدنك الأصيل يبقى أنت اللي كسبت وهما اللي خسروا
تنهد عبدالله مخرجًا همومه مع أنفاسه، يخشى فراق صباه، أغمض عينيه فتشكلت صورتها في ظلامه، أعاد فتح عينيه وبنبرةٍ هادئة قال:
_ مقدرش على خسارتها ياما، أنا مش عايز من الدنيا غيرها، أنا أتوه لو هي موجودة، دي هي راحتي وسط مدعكة الدنيا اللي واقع فيها دي
لمعت عيناي أحلام وابتسمت بتأثر شديد، جذبته إلى صدرها وضمته بقوة ثم ربتت على ظهره وقالت بحنانٍ:
_ ربنا يجعلها من نصيبك يا نن عيوني
تنهد عبدالله وأردف:
_ أيوة ادعيلي كتير يا أحلام
ابتسمت والدته بهدوء وعادت تدعوا له:
_ يارب إن كانت خير قربها لابني وإن كانت شر...
قاطعها عبدالله بمشاعر صادقة:
_ قربها يارب برده
نظر إلى والدته بحدقتين واسعتين وعاتبها بمشاكسة:
_ كنتي هتقولي إيه يا أحلام، كنتي هتضيعي البت من ايدي بدعوة
قهقهت والدته عاليًا وأردفت بنبرةٍ متقطعة من بين ضحكها:
_ هي الدعوة بتتقال كدا..
رمقها عبدالله بطرق عينيه مستاءً منها، ثم نهض وولج غرفته متجهًا إلى صندوق النقود، قفز على الفراش وقام بإفراغه وبدأ يَعُد النقود، كانت تتابعه والدته من الخارج بنظراتها المترقبة، حتى رأت وجهه الحزين، واستشعرت عقله الشارد، فنهضت دون تردد وانضمت له ثم جلست على طرف الفراش وقالت لتجذب عقله إليها:
_ قليلين أوي؟
عاد إليها قاطعًا حبال أفكاره وردد وهو يطالع النقود بحسرة:
_ دول يدوب يجيبوا دبلة بالعافية..
أخذت والدته نفسًا عميق ثم بدأت بخلع قِرطها فانتبه عليها عبدالله، قطب جبينه بغرابة وتساءل مستفسرًا:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
حمحمت ثم أمسكت يُمناه ووضعت القرط بها وأغلقت يده؛ ثم أوضحت:
_ بيعه يجيب لك خاتم كمان على الدبلة..
رفض عبدالله ذلك بقوله:
_ لا طبعًا مش هاخد منك حاجة، دا حلقك وأنا مش هبيعه، ربنا يسهلها من عنده حتى لو أخدت سُلفة من حد لكن مش هبيع حلقك
رمقته بنظرات مستاءة وهتفت ممتعضة:
_ يعني على آخر الزمن عبدالله القاضي ياخد سُلفة بدل ماهو اللي يسلف
حركت رأسها مستنكرة ما يحدث وأضافت بنبرةٍ غاضبة:
_ يابني بطل نشوفية دماغك دي، دا أنت بإشارة منك الفلوس كلها تترمى تحت رجليك إيه اللي يجبرك تستلف من حد وأنت أصلًا مش محتاج!! ليه تظهر نفسك بصورة مختلفة عنك قدام الناس وأنت قادر تغري عيونهم بالفلوس..
قاطعها عبدالله بزمجرته، فلم يعد يحتمل، هب واقفًا رافضًا سماع المزيد من كلماتها وصاح عاليًا:
_ أنا عمري ما هعمل اللي أنتِ عايزاني أعمله دا، أنا أهون عندي أكون عبدالله اللي بيستلف من الناس ولا إني أخد تمن ظُلمك وقهرتك، وكرامتي غالية أوي واغلى من الفلوس اللي بتتكلمي عنها دي، ومش كل شوية تفتحي الموضوع دا معايا
تركها وغادر المنزل، فشعرت أحلام بألمٍ في قلبها، واختنق صدرها فأخرجت همومها في صورة بكاء مرير ربما تشعر بالتحسن.
وجد عبدالله قدميه تقوده إلى مكتبة محمود، أراد أن يُثبت لنفسه ولوالدته أنهم سيرضونه دون حاجة إلى تلك النقود اللعينة، وقف يستنشق بعض الهواء، يضبط أنفاسه المضطربة، ثم دلف المكتبة فاستقبله محمود مرحبًا به:
_ ازيك يا عبدالله يابني، اتفضل
شكل عبدالله ابتسامة هادئة؛ ثم أجابه وهو لا يطيق الإنتظار حتى يتقدم لخِطبة صباه:
_ أنا بخير يا عم محمود، طمني عليك
_ أنا كويس يابني الحمدلله
قالها محمود وشعر أن هناك أمرًا به، فلقد كان يتلفت حوله بارتباك واضح، وكأن لسانه يريد النطق بشيءٍ ويتراجع، حمحم وسأله بجدية يشوبها القلق:
_ مالك يا عبدالله؟ حاسس إنك عايز تقول حاجة..
شكره عبدالله بتدخله لأنه فتح له مجالًا للتحدث دون الإطالة في التفكير، أخذ نفسًا عميقًا وبدأ حديثه بنبرة متلعثمة:
_ سامحني لو الكلام خرج ملخبط، بس مش عارف أبدا منين، الموقف أول مرة اتحط فيه...
ابتلع ريقه وتابع تحت نظرات محمود القلِقة:
_ أنا جايلك أطلب ايد الدكتورة صبا...
تفاجئ محمود بما طلبه عبدالله، فكان هذا آخر ما توقعه، لم يفكر في شيءٍ من هذا القبيل سابقًا، طالت نظراته عليه وكثُرت التساؤلات في عقله فتوجس عبدالله خيفة، وخشى أن يرفضه، فحاول إظهار نفسه له وبعيون لامعة ونبرةٍ متلهفة تحدث:
_ عارف ياعم محمود أنا معروف عني إني ممكن أطلع أجيب نجمة من السما لو حد محتاجها، عمري ما بصيت أنا طلعت إزاي ولا الوصول قد إيه كان صعب ولا أي حاجة غير إني اجيب النجمة دي للي بحبه، وأنت لو وافقت عليا أنا مش بس هجيب للدكتورة نجمة أنا هجيب لها القمر بكل رضا بس أنت وافق..
هرب محمود بعينيه وأردف بنبرةٍ جافة:
_ المواضيع دي مش بتتاخد كدا، لازم أخد وأدي مع نفسي وشوية حاجات كدا تتعمل قبل ما أديلك رد ولا إيه؟
لم يُعجب عبدالله بأسلوبه وهروب عينيه، كذلك كلماته كأنه يماطل في الأمر حتى يأتي بسببٍ يرفضه به، لم يكف عقله عن التفكير فوقع بين صراع أفكاره السوداوية، حمحم ثم قال له بإيجاز:
_ معاك حق، خد وقتك.. عن اذنك
أولاه عبدالله ظهره وقلبه يتآكله القلق، لم يكن مرتاحًا لردوده الباردة، العشرات من الأسئلة قد راودته حينذاك؛ لماذا لم يشعر بسعادته عند طلبه ليد ابنته؟ هل يراه غير لائق بابنته؟ العديد والعديد من التساؤلات التي تهاجم عقله، فعكرت صفوه ومحت حماسه..
أحس بحاجته للتحدث مع صبا، ربما تنجح في اطمئنان قلبه، لم يتردد وقام بمُهاتفتها بعد أن ذهب إلى مكانٍ يخلوا من الأعين، أجابته بعد ثوانْ بسيطة بصوتٍ رقيق:
_ عبدالله
_ يا هنا عبدالله بإسمه اللي بيتنطق منك
قالها بسعادةٍ لا توصف فور سماعه اسمه، ابتسمت صبا بخجلٍ ولم ترد والتزمت الصمت، تغلب القلق على عبدالله وتجهمت تعابيره، أخرج تنهيدة مهمومة مُحملة بين طياتها الخوف من فقدان صباه، شعرت بثمة أمرًا به فتساءلت باهتمامٍ:
_ أنت كويس؟
_ أنا خايف وأنا عمري ما حسيت بالخوف قبل كدا..
أردفها بصوتٍ واهن وأضاف بعد أن تنفس بعض الهواء:
_ الحب دا طلع نقطة ضعف الإنسان..
لم تستشف صبا الأمر فكلماته قد أقلقتها وحالته ضاعفت الخوف داخلها فلم تحتمل وسألته بنبرةٍ قلِقة متوجسة:
_ مالك بس يا عبدالله خايف من إيه وأنا موجودة؟
_ خايف متبقيش موجودة!!
قالها وقد شعر بغصة مريرة في حلقه، أغمض عينيه حين آلمه قلبه، حتمًا لن يحتمل خسارتها،
فهي غاليته، حبيبة فؤاده ونور سبيله، خشت صبا حدوث ما يخافه لكنها لم تسيء الظن بالله، أخذت نفسًا ونطقت بعض الكلمات التي تبث في كليهما الطمأنينة:
_ ثق في ربنا وفي حُبنا، أنا عمري ما قلبي ما هيحب غيرك، حتى لو النصيب مكنش زي ما حِلمنا واتمنينا..
رفض عبدالله وبكل جوارحه ما قالته، وهلل متذكرًا جملة والدته:
_ كل منطوق واقع قدره، قولي نصيبنا مع بعض وطريقنا واحد..
تنهدت صبا ورددت ما يريد سماعه حتى تُطمئِن قلبه:
_ نصيبنا مع بعض وطريقنا واحد.. متخافش يا حبيبي
ابتسم هو ثم أخبرها بحماسٍ تجدد في أوصاله عما قام به منذ دقائق:
_ أنا روحت لأبوكي..
لم تدعه يُكمل وتساءلت بمزيجٍ من المشاعر المتناقضة؛ فتملكها الحماس وأيضًا سكن الخوف جوفها، وبلهفةٍ قالت:
_ قالك ايه، قولتله إيه؟ قول كل اللي حصل
أخذ نفسًا وتريث في كلماته وهو يخبرها بشموخٍ ما دار بينهما ناهيًا الحوار بقوله:
_ بس دا اللي حصل، أكيد هيجي البيت دلوقتي ويعرفكم..
لم يكاد يُنهي جملته حتي انتبهت صبا على مجيء والدها، فارتكبت ورجف جسدها فجأة، تسارعت نبضات قلبها كأنها في سباقٍ وتركض منذ فترة، حمحمت وحاولت إنهاء المكالمة:
_ بابا جه، أنا هقفل..
صدح آذان العشاء تلك اللحظة فعادت تُحادثه قبل أن تغلق:
_ عبدالله، صلي العشا..
ابتسم وأومأ برأسه قائلًا:
_ تمام ..
أنهت الإتصال فولجت والدتها بعد أن أذنت لها صبا بالدخول، كانت مُمِسكة بالهاتف ونظريها يقعان على والدتها والتوتر يشع منهما، تعجبت إجلال من وقوفها ونظراتها التي توحي بخوفها، لكنها لم تعطي للأمر أهمية وقالت بجدية:
_ تعالي ابوكي عايزك
أماءت صبا بالقبول فأولتها والدتها ظهرها لتخرج لكنها لم تشعر بحركة ابنتها؛ فنظرت إليها ووجدتها مُتجمدة مكانها شاردة فهتفت عاليًا بريبة من أمرها:
_ صبا، واقفة متنحة كدا ليه، بقولك أبوكي عايزك
انتبهت عليها وبتلعثمٍ رددت:
_ جاية جاية..
تشدقت إجلال مستاءة وهمت بالخروج، تبِعَتها صبا إلى الخارج بقدمين يتخبطان في بعضهما، وقفت أمام أبيها وتساءلت بصوتٍ غير مسموع بوضوحٍ:
_ نعم يا بابا، حضرتك عايزني؟
أماء برأسه وأشار إلى الأريكة موجهًا حديثه لكلتاهن:
_ اقعدوا
جلسن ثم قال محمود ما لديه دون مماطلة:
_ صبا اتقدم لها عريس..
***
لم يبرح عبدالله مكانه؛ كان يـطالع اسمها على شاشة هاتفه المضيئة، تفاجئ بصوتٍ يقتحم وحدته وهو يلتقط هاتف عبدالله من بين يديه بعد أن قرأ الإسم المُدون:
_ الدكترة!!
صعق عبدالله حين اتضحت ملامح حمادة أمامه، تجهمت تعابيره وانعقد ما بين حاجبيه بغضبٍ، وسرعان ما التقط الهاتف من بيديه وبعصبية بالغة صاح:
_ إيه اللي عملته دا؟ مين إدالك الحق تاخد موبايلي بالطريقة دي؟
ببرودٍ حادثه حمادة:
_ الدكتورة صبا..
بلغ عبدالله ذروة غضبه ولم يشعر بيديه التي أمسكت تلابيب قميص حمادة وحذره بغضبٍ عارم:
_ سيرتها متجيش على لسانك أنت فاهم!
نفض حمادة يدي عبدالله عنه، وضبط قيمصه بهدوء ثم أعاد النظر إليه وسأله:
_ ليه؟ ليه مقولتليش على علاقتكم ببعض؟ ومتحاولش تحور، أنا عارف إنك كنت تعرفها وإحنا لسه صحاب!!
رمقه عبدالله شزرًا ثم تركه وابتعد عنه بِضع خُطوات، بينما لم يرضى الآخر عن ذهابه دون معرفة السبب فأردف كلماته ليثير استفزازه:
_ ولا أنت كنت ناوي على الغدر من بدري فمقولتش!
توقف عبدالله عن السير، استدار وقابل حمادة بنظراتٍ مستشاطة، اقترب منه ومن بين أسنانه المتلاحمة هتف:
_ أنت عمرك ما كنت صاحبي يا حمادة، اللي يبص في رزق صاحبه، واللي يحقد على نجاحه ويسخر من طموحه ميبقاش صاحب، أنت طول عمرك باصص لفلوسي، عمرك مبصيت أنا جبتهم إزاي، عمرك ما شجعتني على أي خطوة كنت عايز أخدها تخليني أحسن وحياتي مرتاحة، دايما بتقلل مني، مع إن أنت اللي قليل أنت اللي عندك نقص وطول الوقت بتكمله مني، أنت لا كنت صاحب ولا هتكون، أصل اللي يستحل حاجة الناس لنفسه وهو عارف إن حرام ياخد حاجة مش بتاعته يبقى غدار وميتأمنش على سر، أنا لولا أختي اللي على زمتك كنت بلغت عن المصايب اللي بتعملها وفاكر إن محدش شايفك..
دنا منه عبدالله إلى أن إلتصق بصدره وأضاف بخفوت:
_ بس أنا عندي رصيد لكل واحد، وقت ما خلص صدقني مش هعمل حساب لأي حد، فحاول تتجنبني..
كاد يغادره إلا أنه تراجع وحدجه بسخطٍ وأردف بحدة محذرًا:
_ اسم صبا لو جه على لسانك مرة تانية هخليك من غير لسان..
تركه ومضى بعيدًا، فصاح الآخر ببغضٍ شديد:
_ بكرهك يا عبدالله، بكرهك
لفِظَها وهو يتوعد له أشر وعيد بينما نظر عبدالله إلى المسجد ولم يطيل النظر وفر هاربًا من أمامه، انتقى مكانٍ آخر بعيدًا عن ذلك الأحمق الذي عكر صفوه، ولم يستطع إخماد غضبه بسهولة، فأشعل إحدى سجائره يفرغ غضبه في تنفيث دخانها.
***
انفرجت شفتي إجلال بسعادة دقت طُبول قلبها وهتفت متسائلة:
_ مين دا يا محمود حد نعرفه؟
كانت نبضات قلب صبا تزداد عنفوانًا، تشعر وكأن الأمر سوف يُكشف حين يذكُر والدها إسمه، لا تدري كيف ستتمالك نفسها وتتصنع بعدم معرفتها الأمر، أخفضت رأسها هاربة من أعينهما، بينما أجاب محمود زوجته:
_ عبدالله القاضي..
_ عبدالله!!
رددتها إجلال بعدم تصديق، فلم تتوقعه قط، توجهت النظرات نحو صبا حين سألها والدها:
_ مالك يا دكتورة ساكتة ليه؟
لم تقدر على مواجهة عينيه، فهي تحمل على عاتقها ذنب خيانة ثقته، فكيف لها أن تواجهه وتتصنع وكأنها لا تعرف الأمر؟ التزمت الصمت ولا زالت مُنكِسة الرأس فقهقت إجلال ومن بين ضحكها قالت:
_ متكسفهاش يا محمود..
رمقها محمود بنظرات مستشاطة أخافتها، فأخفت ضحكتها على الفور والتزمت الصمت، بينما عاد محمود إلى صبا وأردف بنبرةٍ حادة:
_ هو كويس بس عيوبه أكتر من مميزاته، ودا قالقني..
تفاجئت صبا بكلام والداها وشعرت بأن دلوًا من الماء الساخن قد سقط أعلاها فأخرسها، حاولت التحدث لكن قد انعقد لسانها ولم تقدر، فأرغمت أذنيها على الإستمتاع لوالدها وهو يُكمل حديثه:
_ تعليمه متوسط، وملوش شغلانة ثابتة والأهم من كل دا إن معرفلوش أب، عم، خال، عيلة بالمعنى الأصح، دا يدوب معرفش غير إبراهيم الله يرحمه جوز أمه، من يوم ما أمه خطت الحارة وهو على أيدها حتة لحمة حمرا وأنا مش مرتاح للموضوع دا، وإبراهيم الله يرحمه بعد ما اتجوزها عمره ما اتكلم عنه ولا عن أهله، لدرجة إني حسيت أنه جاي في الـ...
صمت ثم استنكر ظنونه السيئة:
_ استغفر الله العظيم، الواحد كان نسى الموضوع دا، بس رجعت أفكر فيه تاني من وقت ما الواد كلمني
تدخلت إجلال مردفة بعض الكلمات في حق أحلام:
_ يا خويا ما هي قالتلنا أن جوزها مات وأهله صعبين وهي اضطرت تسيب البلد اللي كانت عايشة فيها وتيجي هنا عشان خافت على ابنها منهم، الشهادة لله يا محمود أحلام كويسة ومحترمة وطول السنين اللي عاشتهم هنا في الحارة مشوفتش منها حاجة وحشة، طيبة وفي حالها وربت عبدالله أحسن تربية، الواحد لازم يقول اللي ليه واللي عليه..
صوّب محمود نظراته على صبا وتعجب من حالتها، وفسرها أنها خجِلة، لكنه ود سؤالها عن رأيها في النهاية رأيها الأهم من بينهما:
_ إيه يا دكتورة، هتفضلي ساكتة؟ ما تقولي رأيك
بصعوبة قابلتها في النطق قالت بخفوت:
_ اللي حضرتك تشوفه يا بابا..
كاد يتابع حواره معها لكنه استمع إلى الإقامة، فنهض وقال مختصرًا:
_ هنزل أصلي العشا ولما أرجع نشوف الموضوع دا..
هرولت صبا إلى غرفتها فور ذهاب والدها، ووقفت خلف الباب تستنشق الصعداء، وضعت يدها على صدرها فكان يعلوا ويهبط بصورة قاسية مضطربة، حاولت تهدئة ما أصابها والإستعداد إلى متابعة الحديث عند عودة والدها.
***
في أحد الأحياء الراقية، حيث المنازل ذو البنيان الفاخرة الحديثة، داخل فيلا، استقبلته والدته وإخوته بحفاوة:
_ حمدالله على سلامتك يا عاصم
قالتها والدته وهي تقترب منه تُقبل وجنته بحرارة فرد بهدوء:
_ الله يسلمك يا حبيبتي
أضاف أخيه بمزاحٍ:
_ بِكرية ماما جت خلاص الكل هيتنسى..
لكزته والدته في كتفه مرددة بغيظ:
_ إيه الكلام البيئة دا، كلامك بقى مش ممكن من وقت ما دخلت الجامعة..
قلب عينيه باسيتاء واضح ولم يمنع نفسه من قول ما أملى عليه عقله لحظتها:
_ أيوا كل حاجة هتجبيها في الجامعة، عشان مش على هواكي
أكدت والدته ذلك:
_ دا فعلًا، مش دي الجامعة اللي أحب أنك تكون فيها
استنكر تفكيرها العنصري وأردف مُمِتعضًا:
_ كفاية أنها بمجهودي..
وجه أنظاره نحو أخيه وتحولت تعابيره إلى التفاخر والتعالي وأضاف:
_ مش هندسة بالفلوس
ضربه عاصم على مؤخرة رأسه وصاح:
_ أنت مكسوف تقول إنك فاشل؟
_ بكرة تشوفوا الفاشل دا هيبقى إيه بعد التخرج، هيبقى أحسن اعلامي في مصر كلها
هتفها بتفاخر وثقة لذاته، لم تعطه والدته أهمية كبيرة فالوقت ليس في محله، تنهدت ووجهت أنظارها إلى عاصم وقالت بقلقٍ لحالته التي لم تستقر بعد:
_ حبيبي اطلع ارتاح في اوضتك، مش عارفة أنت ليه أصريت تخرج من المستشفى دلوقتي؟
أماء بقبول لكنه عدّل كلامها:
_ أنا هطلع أغير هدومي بس عشان خارج..
فغرت والدته فاها بصدمةٍ وهتفت مُعارضة قراره:
_ خروج فين دلوقتي؟ أنت لسه متعافتش، أنت لازم ترتاح
تنهد عاصم وقال حاسِمًا أمر خروجه:
_ أنا كويس يا ماما..
انحنى على وجنتها وطبع قُبلة عليها وأضاف:
_ متخافيش عليا
تركها وصعد الطابق الثاني تحت نظراتها المستشاطة من عدم اهتمامه بصحته، بينما أخرجها ولدها الآخر من شرودها بتعليقه:
_ لو كنت أنا كنت دلوقتي محبوس في الأوضة ومقفول عليا بالمفتاح، يابختك يا عاصم؛ مسيطر
رمقته والدته بنظراتٍ مشتعلة ففر هاربًا من أمامها دون إضافة المزيد، بينما تنهدت الأخرى بضيق مرددة:
_ ربنا يهديك يا عاصم..
في الأعلى حيث غرفة عاصم، جلس على الفراش بحذر، ثم خلع عن رأسه قبعة سترته والتي كان يخفي بها جرح رأسه ليمنع القيل والقال.
تنهد وطالع أمامه بعقلٍ منشغل في تلك الطبيبة، تقوس ثغره ببسمةٍ عفوية كلما تذكرها، رفع ذراعه وتحسس جرح رأسه وهمس:
_ عنيفة بس عجباني!!
***
انتهت للتو من أداء صلاة العشاء، وأسرعت ناحية هاتفها الذي لم يكف عن الاتصالات من عدة دقائق، تعجبت من المتصل وبتردد أجابت:
_ عبدالله!
تفاجئت بهجومه عليها لدرجة أن قلبها انخلع من مكانه برعب وهي تستمتع لحديثه المُنفعل:
_ أنتِ ازاي تروحي تقولي لجوزك على علاقتي بصبا؟! أنتِ عارفة كويس إني منبه إن محدش يعرف عن العلاقة دي غير لما أخد خطوة رسمية، مش قادر أصدق إنك تبيعي أخوكي بجد، دا إحنا مهما حصل بينا في الآخر أخوات، مينفعش سري تقوليه لحد حتى لو للمحروس جوزك!!
بحاول استوعب إنك أنتِ يا زينب اللي تعملي فيا كدا مش قادر بجد، الله يسامحك
أنهى عبدالله الإتصال، بينما لم يصدر منها صوتًا، كانت متفاجئة بما سمعته، تُطالِع أمامها بذهولٍ، في تلك الأثناء عاد حمادة إلى المنزل فسقطت نظراتها عليه، ولج بوجهٍ عبوس يبدو عليه الغضب، ابتلعت هي ريقها وبهدوءٍ قالت:
_ ليه قولت لعبدالله؟
دهش حمادة بمعرفتها، رمقها لبرهة دون تعقيب ثم تصنع جهله بالأمر:
_ قولت لعبدالله إيه؟
وقفت أمامه وعينيها تلومه على فعلته، وبحدةٍ صاحت زينب:
_ ليه أأتمنك على سر وتروح تقوله، أنت مش عارف إني علاقتي بيه زي الزفت بسببك رايح تبوظها أكتر وبرده بسببك، دا جزائي إني وثقت في جوزي وأمنتك على سر أخويا!!
حاول حمادة الهرب من أسئلتها ولومها وظل يردد كلماتٍ ليست نصب الحوار:
_ هو لحق قالك؟ وبعدين أنتِ بتتكلمي معايا بالطريقة دي إزاي؟
قاطعته زينب بصراخها في وجهه:
_ متغيرش الموضوع، رد عليا وقولي ليه عملت كدا ليه؟
بلغ حمادة ذروة تحمله على غضبها السخيف، لم يشعر بنفسه سوى وهو يدفعها بكل ما أوتي من قوةٍ حتى سقطت أرضًا، إنهال عليها ببعض الضربات على وجهها حتى سالت الدماء من فمها، فتابع ضربه المبرح بقدميه، كان يتفنن في ضربه بوحشية في أجزاءٍ متفرقة من جسدها، لا يسمع أي من صراخها التي تتوسله أن يدعها وشأنها، فقط يريد إفراغ شحنة غضبه، فيزيد من ضربه ولا يكترث لما يسببه لها من أذى جسدى.
هدأ ونظر لها بنظرة مشمئزة ثم بصق عليها وغادر المنزل، أما عن زينب فلم تمتلك قدرة الصراخ، فلقد حُشِر صوتها داخلها، لا تقدر على إخراج صوتًا تستغيث به، فقط تسمع وتيرة أنفاسها العالية، تشوشت رؤيتها وتسارعت نبضات قلبها وكأنها اللحظات الأخيرة لها، وماهي إلا ثوانٍ حتى غابت عن الوعي تمامًا.
***
بينما كان عبدالله عائدًا إلى المنزل هاتفته صبا متسائلة باهتمامٍ:
_ صليت؟
لم يجب عبدالله فكيف يخبرها أنه لم يصلي؟ تنهد فسمعت تنهيدته واستشفت ما ورائها فهتفت متذمرة:
_ أنت بتعمل كدا ليه يا عبدالله؟ ليه مش عايز تمشي لربنا خطوة، ليه بتبعد عنه بالشكل دا؟ وفي الآخر تيجي تطلب منه إنه يتمم لك أمورك، مش بتكون مكسوف وأنت بتطلب منه حاجة ومش بتعمل اللي عليك!!
كلماتها تزيد من استيائه واحتقاره لنفسه، أوصد عينيه محاولًا تبرير موقفه:
_ أنا بس كنت مضايق فـ...
لم تدعه يواصل وهتفت باندفاع:
_ فـ إيه، بلاش مبررات ملهاش لازمة، يعني وأنت واقف قدام ربنا ويسالك مصلتش ليه هتقوله أصل كنت مضايق؟ هل دا هيشفع لك يعني؟!!
تأفف عبدالله ولم يعد يقبل المزيد من الكلمات التي تضيق صدره وتؤنب ضميره، فصاح محاولًا إنهاء الحوار:
_ خلاص يا صبا انا كدا كدا طالع البيت وهصلي فيه..
استشعرت ضيقه، وشعرت بالندم حيال أسلوبها الفظ، فلم تكن صائبة في انفعالها، تنهدت لتُبخر غضبها وأردفت نادمة بلين:
_ أنا آسفة اني اتعصبت، بس والله عشان بحبك خايفة عليك وعايزاك تنتظم في الصلاة..
أراد عبدالله إنهاء الحوار بينهما فقال:
_ محصلش حاجة، سلام عشان انا طلعت البيت
ولج المنزل وألقى بجسده على الأريكة، حدج السقف لبرهة قبل أن تنضم إليه والدته متسائلة بلهفةٍ:
_ ها يا حبيبي، عملت ايه طمني
لم يجيبها على الفور، بل أطال النظر إليها فأقلقها، وعادت متسائلة بتوجسٍ لسماع ما لا تود سماعه:
_ إيه النظرة دي؟ هو قالك ايه؟
ابتلع عبدالله ريقه واكتفى بقول:
_ قال هياخد رأي اللي في البيت الأول
زفرت والدته بارتياح وأردفت:
_ طيب ما طبيعي أي أب هيقول كدا، أومال أنت فاكر هتقوله عايز بنتك هيقولك اتفضلها اهي، لازم ياخد رأي مراته ورأيها ويعزز من بنته ويسيبك أنت اللي تجري وراها وتسأل، كل دا طبيعي يا حبيبي أنت إيه اللي مضايقك بقى؟
_ عارف، عارف كل اللي بتقوليه دا، بس أنا محستش أنه فرحان لما طلبت ايدها، مش عارف بس شوفت في عنيه حاجات حسستني إني...
لم تدعه يواصل، فقاطعت كلامه بقولها:
_ لحظة يا عبدالله..
نهضت وتوجهت باتجاه غرفتها، غابت لفترة ثم عادت ومعها مطوية بيضاء أعطتها إلى عبدالله الذي تعجب منها وتساءل مستفسرًا:
_ إيه دا؟
أخذت نفسًا زفرته على مهل ثم أجابت بإيجاز:
_ افتحه وأنت تعرف
أسرع عبدالله في فتحه وصُعق من المبلغ الضخم التي تحتويه المطوية، قلِق داخله وأعاد النظر إلى والدته، لا يريد تصديق ما يُمليه عليه شيطان عقله، رفع النقود وسألها بجدية:
_ بتوع إيه دول؟
نكست أحلام رأسها، فهي لا تتمتع بتلك الشجاعة لتخبره عنهم، أغمض عبدالله عينيه في محاولة منه على كبح جماح غضبه، وردد بحدةٍ يقاوم ظهورها:
_ لو اللي في دماغي صح..
قاطعته بإلقاء حديثها دُفعة واحدة:
_ صح
شد عبدالله قبضته على النقود ثم انتفض من مكانه فأسرعت في قول ما تتمنى أن يلين به قلبه:
_ دا حقك، خدهم وروح لابو صبا وصدقني هيغروه وهيوافق على طول
تجهمت تعابيره واحمر وجهه وهدر بغضب:
_ أنتِ عايزاني أقبض تمن قهرتك وظلمهم ليكي، عايزاني اتجوز بفلوس فاكر أنه لما يبعتها هنسامحه على اللي عمله فيكي وفيا؟!
صمت لثانية ثم أضاف بعقلٍ يكاد يجن من فِعلتها:
_ أنتِ بأخدك الفلوس دي صغرتينا أوي، فضلتي تربي فيا وتعلميني عزة النفس وإن كرامتي فوق الكل وبعاملتك دي دوستي علينا، خلتيه يفكر أن مقامنا فلوس، مش قادر استوعب إنك تعملي كدا
ألقى نظرة لوم عليها ثم غادر المنزل، لم تستطع والدته الصمود وخرت قدميها فلم تعد تحملها، وقعت بإهمال على الأريكة سابحة بين ذكرياتها، فانفطر قلبها حزنًا على ما عاشته ومرت به، ودون وعيٍ منها أجهشت في البكاء مُتحسرة على ما مضى.
***
وقف عبدالله أمام أحد القصور الفخمة، يطالعها ببغضٍ شديد، يزداد الكُره في قلبه كلما قرأ لمن يعود القصر، كان يصر أسنانه بغضبٍ لو تحول لإنسان لحرق وخرب ذلك القصر دون تفكير، بلع لعابه ومشى بخـطواتٍ ثائرة غير متزنة، وقف أمام بوابته وقام بالطرق عليها بعنفٍ.
فُتحت البوابة من قِبل أفراد الأمن، وقف أحدهم في الداخل يضع يده على جيبه الخلفي حيث يوجد سلاحه، والآخر اقترب بخُطاه من عبدالله وسأله بعملية:
_ أنت مين؟
وكأنه لم يسمع سؤاله، فقط يريد الوصول لمراده فقط، فهتف وعينيه مُصوبتان على الداخل:
_ ناديلي اللي مشغلك
استنكر الرجل لهجة عبدالله في الحديث فاحتدت تقاسيم وجهه، وضرب بخفة على ذراع عبدالله وهو يردد بتحذير:
_ طب امشي من هنا
أخفض عبدالله نظريه على يدي الآخر الموضوعة على ذراعه، نفضها عنه بيده الأخرى ورمقه بنظرات ذئب يراقب فريسته جيدًا قبل أن ينقض عليها.
***
أعاد فتح محمود مكتبته، فلم يود العودة إلى المنزل قبل التفكير جيدًا في مسألة زواج ابنته من عبدالله، يحاول وضع النِقاط على الحروف قبل أن يأخذ قرارًا سيترتب عليه الكثير.
قطع عليه حبال شروده ذلك الصوت الذي اقتحم المكان فجأة:
_ عم محمود..
انتبه عليه محمود ورفع رأسه يتعرف على هويته، فوجده حمادة، عبست ملامحه فور رؤيته فهو لا يروق له، حاول جاهدًا ألا يكون عديم الذوق معه، وبصعوبة قابلها في الحديث معه قال:
_ أهلًا يا حمادة، خير؟
أطال حمادة النظر إليه قبل أن يخبره بما جاء لأجله، يرتب حديثه أولًا فهو لن يكون سهلًا عليه سماعه، وحتمًا سينال جزءًا من غضبه عند إعلامه بما يدور خلفه.
تنهد وبدأ حديثه فلا رجوع في ذلك، عليه الثأر من ذلك المغرور، ولن يكون هناك أكثر مما سيفعله لينتقم لنفسه ويرضي غريزته الناقصه:
_ كنت عايز أقولك على حاجة شوفتها وقولت ميصحش عم محمود يفضل على عماه بسبب واحد ميعرفش عن الأصول حاجة..
ضاق محمود بعينيه فلم يستشف ما وراءه، ولم يمنع نبرته المهاجمة التي تحدث بها:
_ تقصد إيه بكلامك دا، ادخل في الموضوع على طول مش فاضي
أماء الآخر بتفهم ولم يطيل وأخبره:
_ أنا شوفت عبدالله وهو نازل من تاكسي وبعدها التاكسي دخل الحارة والدكتورة نزلت منه...
تفاجئ محمود بكلامه، التف حول الحاجز الفاصل بينهما وامسكه من تلابيب قميصه وهدر به شزرًا:
_ ايه الكلام الفارغ اللي بتقوله دا، أنت عارف بتتكلم عن مين؟ بتتكلم عن بنتي!!
_ عارف إني بتكلم عن بنتك، وأكيد مش هجيلك وأنا بقول أي كلام، أنا اتاكدت أن بينهم علاقة وعشان كدا مقدرتش يكون عبدالله بيعمل حاجة من وراك، مش معقول عن محمود الراجل الطيب واحد زي عبد الله يستغفـ...
لم يضيف المزيد فانهار عليه محمود وظل يهزه بعنفٍ مستنكرًا ما يقوله:
_ أنت كداب أنا بنتي متعملش كدا أبدًا..
اجتمع الناس إثر صوت محمود وحاولوا فض الإشتباك بينهم، أبعدوهم بصعوبة، لم يقف محمود مكانه لحظة بل ركض مهرولًا إلى منزله تحت نظرات ذلك الثعلب الذي يتابع بانتصار، عدل قميصه وهو يردد بخفوت:
_ بالشفا يا عبدالله..
ولج محمود المنزل وهو لا يرى أمامه، قابلته زوجته وتوجست خيفة من هيئته الغاضبة، ولم تسأله بعد عما به فسألها هو بنبرة ليست بحاجة للنقاش:
_ بنتك فين؟
دعب الرعب أوصالها ورجف جسدها من فرط خوفها، وأجابته بنبرة مهزوزة:
_ في أوضتها..
لم يقف مكانه بل توجه ناحية غرفته واقتحمها، ذعرت صبا من دخوله المفاجئ، وهبت واقفة وقلبها ينبض بقوة، اقترب منها محمود وسألها بغضبٍ:
_ علاقتك إيه بعبدالله؟
برقت عينيها بصدمةٍ، حاولت جمع شتات نفسها حتى لا يُفضح أمرها إن لم يكتشف بعد وقالت بهدوءٍ:
_ علاقة إيه يا بابا اللي حضرتك بتقول عليها؟
دنا منها وعلامات الغضب تزداد على وجهه وصاح عاليًا:
_ أنا اللي بسأل هنا، علاقتك بيه إيه يخليكي تركبي معاه تاكسي وينزل قبل منك؟
حتمًا تلك نهايتها، ابتلعت لعابها الذي سال وجاهدت خوفها قدر المستطاع لتظهر بصورة قوية غير مهزوزة وانكرت معرفتها بالأمر:
_ محصلش.. مين اللي قالك كدا؟
_ مش مهم مين اللي قال يا بنت محمود، المهم أن الكلام دا حقيقي ولا لأ
هتفها بصوتٍ عالٍ حتى شعر بألمٍ في حنجرته، ربما جرحها من وراء غضبه، أمسك ذراعها وهزها بعنف وهو يردد:
_ هاتيلي موبايلك..
اتسعت حدقتيها وامتلأت عينيها بالدموع التي تهدد بالسقوط، ارتفع صدرها وهبط بعنفٍ، بالتأكيد اليوم ليلة موتها، بينما صدح صوت محمود وهو يأمر زوجته:
_ شوفي لي موبايلها فين وهاتيه
ما كان منها إلا إطاعته لتتقي شره، بحثت عن هاتفها فوجدته على الفراش، أتت به وأعطته لزوجها الذي بحث بين الأرقام فلم يجد اسم عبدالله، أعاد النظر إليها وحرك رأسه مرارًا، نقل رقم عبدالله من هاتفه إلى هاتفها، ولم يكاد يُكمل الرقم حتى ظهر أمامه كاملًا مدونًا بحرف العين.
كز أسنانه بعصبية بالغة، أدار الهاتف ووضعه في وجهها بشرٍ:
_ إيه دا يا دكتورة؟!!
لم تجيبه فنهرها بغضب:
_ انطقي، إيه دا؟
سقطت عبراتها كالشلال وأجابته من بين بكائها بتلعثمٍ:
_ يا بابا معايا رقمه عشان كنت برن عليه وقت ما يجي ياخدني...
ظل يومأ برأسه وقام بطلبه في إنتظار إجابته بفروغ صبر، بينما ازداد نحيب صبا، فلقد تأكدت أن موتها بعد ثوانٍ معدودة، خفق قلبها بقوة وهي في إنتظار صدور حكم إعدامها.
رواية علي دروب الهوي الفصل السابع 7 - بقلم تسنيم المرشدي
ليس الإنسحاب في كل الأوقاتِ هو الحل؛ يمكنك صفع من أساء إليك لتنعم بنومٍ أكثر راحة.
***
استعادت جزءًا من وعيّها، كانت تشعر بآلامٍ مُتفرقة في جسدها، كلما تحركت يزداد الألم، جاهدت نفسها حتى نهضت مستعينة بالأثاث.
كان هناك ألمٍ في بطنها لا تتحمله، وكأن سكينًا تقطعها إربًا، تفقدت المكان التي قامت منه وشهقت مذعورة حيت وجدت بعض الدماء على الأرضية، وأيقنت حينها أنها تنزف، استندت على الأشياء حتى وصلت إلى الباب بصعوبة قابلتها في المشي، خرجت من المنزل ربما تجد من يساعدها.
لحسن الحظ أنها مازالت ترتدي عباءة صلاتها، اتكأت على سور السُلّم، وهبطت درجاته حتى وصلت إلى المدخل، وقفت تلتقط أنفاسها كمن يركض في سباقٍ لمدة يومين دون توقف، لم تعد تتحملها قدميها، نظرت أمامها لكن الرؤية قد تشوشت ولم تستطع الرؤى بوضوحٍ
انسدلت عبراتها حزنًا على ما أصابها، فكيف لها أن تعود إلى المنزل الآن بتلك الحالة؟ حتى مواصلة سيرها باتت أكثر صعوبة، استسلمت لتعبها الذي إنهال منها وأفقدها وعيّها مرة أخرى وهوت أرضًا.
تلك الأثناء كان وليد عائدًا من عمله، ألقى نظرة متفصحة على المنزل وقلبه ينفطر حزنًا على حبه الذي أصبح ماضٍ يؤلمه ذكرياته، تابع سيره وما زال مُثبت نظره على المنزل بآسى حتى وقعت عينيه على زينب.
خفق قلبه بقوة وهرول إليها مذعورًا، جسى على ركبتيه وتفقد ملامح وجهها المكلوم، هناك آثار ضرب عنيف عليه، ناهيك عن عبائتها المُلطخة بالدماء، شعر بالإختناق والخوف لحالتها المذرية، أعاد بصره عليها ونادى عليها:
_ زينب.. يا زينب
لم تكن في وضعٍ يسمح لها بالرد عليه، فلقد كانت في عالم آخر، لم يتردد وليد في حملها بين ذراعيه وخرج بها راكضًا يهتف عاليًا:
_ حد يجيب عربية بسرعة، عايز عربية..
انتبه عليه جميع من بالحارة، وأسرع أحدهم بقيادة سيارته وتوجه نحو وليد الذي وضع زينب بالخلف وركب بالمقعد الأمامي أمرًا الشاب بلهفةٍ:
_ اطلع على المستشفى بسرعة...
كان يتفقدها من آن لآخر وقلبه يؤلمه على حالتها، كان يشفق عليها ويغضب منها، حتمًا عديم الإنسانية زوجها من أوصلها إلى ذلك الحال، توعد له أشر وعيد لكن بعد أن يطمئن عليها.
***
كان يتحلى بالصبر حتى فاق تحمله استطاعته، نفذ صبره وخرج عن هدوئه وصاح عاليًا:
_ هاتلي صاحب المخروبة دي وإلا هفرج عليكم الناس لو محدش خرج وقابلني!!
استنكر رجل الأمن أسلوبه الفظ وما كان من الآخر سوى أن يُهَاتف صاحب المنزل ليُخبره ما يحدث:
_ آدم بيه، لو سمحت تيجلنا عند البوابة فيه مشكلة
سمعه عبدالله وهتف عاليًا:
_ مش عايز آدم بيه بتاعك دا، قوله يكلم أبوه عايز أقابله؟!
كانوا مستنكرين من أسلوبه الهجومي والجرئ، فمن يمكنه التحدث بوقاحة هكذا؟ بعد فترة؛ حضر آدم برفقة والدته بملامح متذمرة، وقفت وعقدت ذراعيها على صدرها رافعة حاجبها ترمق عبدالله باستحقارٍ شديد.
بينما اقترب آدم منه وحادثه بعجرفةٍ ربما يسحقه أسلوبه ويُشعره أنه ضئيل القيمة:
_ أفندم؟ عامل مشكلة ليه وصوتك عالي؟ فاكر نفسك في الحارة؟! دا مكان راقي ومحترم ومينفعش فيه الكلام دا
لم يعطه عبدالله أي اهتمام لحديثه، فهو لم ينظر إليه ولن ينظر، أخذ نفسًا وقال ببرودٍ وعينيه مُصوبتان على نقطةً خلف آدم:
_ أبوك فين؟
_ أبوك!!
رددتها والدة آدم بنبرةٍ مُشمئزة مُستحقرة أسلوبه، فحرك عبدالله رأسه مستنكرًا تدخُلها وأردف وهو يشيح بصره عنها:
_ مبردش على حريم!!
شهقت بصدمةٍ فلقد فاجئتها كلمته، كادت تُعقب لكن آدم قد أسبق بالحديث بتهكمٍ:
_ اللي أنت عايزه مش موجود، فياتقول عايز إيه لـ...
لم يدعه عبدالله يُكمل خوفًا على ما سيصيبه إن تلفظ بتهديدٍ لم يعجبه وأردف وهو يعطيه المطوية:
_ لما يبقى يجي ابقى رجع له دول وقوله عبدالله مش بيعة تقدر تشتريها بفلوسك
لم يضيف المزيد؛ وأولاهم ظهره وغادر على الفور تحت نظرات الآخرين المذهولة، عادوا إلى الداخل وعقولهم ستجن مما كشفه عبدالله لهم، توقفت السيدة وسط الفيلا وهي لا تصدق فعلة زوجها المصون وهتفت بغيظٍ يشوبه البغض:
_ شوفت أبوك بيعمل إيه من ورانا؟ بيبعت لأحلام وابنها فلوس!! مش دا اللي حلف أنه قطع علاقته بالناس دي؟ إيه اللي بيحصل دا بقى؟ الولد دا يإما بيكدب وبيعمل كدا عشان يضايقنا لإما أبوك بيستغفلنا..
لم تتلقى منه ردًا فنظرت إليه باستغراب وهتفت عاليًا بنبرة لا تحتمل النقاش:
_ آدم أنا بكلمك، مش بترد ليه؟
لم يسمع آدم أي مما قالته فكان محلقًا في سماء أفكاره التي زادته غضبًا وعدوانًا، حرك رأسه باتجاهها وردد ما يدور في عقله:
_ الواد دا مغرور وشايف نفسه زيادة عن اللزوم، محتاج يتكسر حبة!!
استنكرت حديثه وما ينوي عليه، اقتربت منه وقابلته بملامح مستاءة قبل أن تُردف مُحذرة:
_ ملكش دعوة بيه لا بحلو ولا وحش، سامع يا آدم!!
لم يعقب فصاحت:
_ رد عليا..
_ خلاص بقى مش هعمل حاجة..
بنبرة تريد الخلاص قالها فأولته هي ظهرها باحثة عن هاتفها وأردفت بتوعد عندما وجدته:
_ ودلوقتي هنشوف رأي باباك في الموضوع دا إيه؟
***
استقل التاكسي الذي جاء معه، ألقى نظرة حقد أخيرة على القصر، حينها عقله ظل يردد أن هذه حقوقه، أملاكه؛ لكن سرعان ما نفض تلك الأفكار من رأسه، أمسك الهاتف يتفقد المكالمات الفائتة ووجد صباه قد هاتفته.
كاد يعاود الإتصال إلا أن إتصال وليد قد منعه، فقام بالرد عليه:
_ إيه يابني مختفي فين من الصبح؟
_ أختك معايا، رايحين المستشفى..
هتفها وليد ونظريه لم يفارقاها، قطب عبد الله جبينه عبدالله فالأمر كان مريبًا ولم يستطع عقله فهم ما يحدث، ابتلع ريقه وبخوفٍ سأله:
_ مستشفى إيه؟
أخبره وليد فأسرع عبدالله في إبلاغ السائق بتغير مساره، ولحسن حظه أنه كان قريب من المستشفى، بعد دقائق مرت على الجميع ببطءٍ قد نهش القلق والخوف قلوبهم، وصلوا إلى المستشفى.
ترجل وليد وصاح وهو يولج مدخل المستشفى:
_ عايز مساعدة، معايا حالة تعبانة..
عاد إلى السيارة برفقة بعض التمريض الذين قاموا بإخراج زينب بحذرٍ وتعاملوا معها بعملية ثم تحركوا نحو غرفة الطوارئ.
وقف وليد يلتقط أنفاسه في الخارج، قلبه يؤلمه على حالتها، ويزداد كُرهًا وغضبًا كلما تذكر كدمات وجهها، ضرب الحائط من خلفه بعنفٍ حتى آلمته يداه.
انتبه على قدوم عبدالله الراكض نحوه متسائلًا بقلقٍ:
_ في إيه، مالها زينب وهي فين؟
أجابه وليد وهو يشير إلى الغرفة المجاورة له:
_ جوا.. لقيتها واقعة في الشارع مش حاسة بنفسها فجبتها على هنا...
حدجه عبدالله بسخطٍ وسأله بجدية:
_ جبتها إزاي؟
لم يحب وليد ذلك الجزء تحديدًا من سؤاله، بالتأكيد لن يعجبه الأمر لكن ليس بيده سوى إخباره، إن لم يعرف منه حتمًا سيعلم من غيره:
_ شيلتها وأسعد النجار اللي جنبنا هو اللي وصلنا بعربيته..
احتدت ملامح عبدالله وبدت وكأنه يود الفتك به، شعر وليد حينها بالخوف من رد فعله، لكنه كان أهدى مما توقع، بعد رمقه بنظراتٍ مشتعلة لا يخلوا منها العتاب ابتعد عنه عبدالله مقتربًا بخُطاه من الغرفة في إنتظار شيءٍ يطمئنه على شقيقته.
بينما هاتف وليد زكريا فوجوده بات حتمي الآن، ليفصل بينهما إن تفاقم الأمر وحدث مشادة بينهما.
بعد فترة؛ خرج الطبيب فاقترب منه عبدالله وكذلك وليد لكنه حرص على ترك مسافة، ثم تساءل عبدالله بلهفةٍ وذعُر:
_ خير يا دكتور أختي مالها؟
_ واضح إن أخت حضرتك اتعرضت لضرب عنيف جدًا ودا واضح من الكدمات والآثار اللي على جسمها، دا غير إنه عملها نزيف ولو كان الأستاذ...
وجه نظره نحو وليد وأضاف بعملية:
_ أتأخر شوية كنا زمانا فقدنا الجنين..
تفاجئوا مما يخبرهما به، يزداد كره حماد داخلهما، لكن ما يشعر به وليد كان مضاعف فهو يتألم من أجلها ويغضب منها، ويشعر بالغيرة من ذلك الجنين الذي علم عنه للتو.
كان يشد بقبضته حتى غرز أظافره في يده من فرط غضبه لما يسمعه من الطبيب، تنهد وحاول التماسك أمامه وتساءل باهتمام:
_ يعني هي حالتها إيه يا دكتور؟
_ وضع الجنين طبعًا حرج ولازم راحة تامة وإلا هتفقده، إحنا لسه معديناش مرحلة الخطر..
مال الطبيب على أذن عبدالله وتابع بهمسٍ:
_ لو عايز تفتح محضر باللي حصل لأختك أنا هكتب لك التقرير..
نظر حيث يقف وليد ورمقه باستحقار قبل أن يردد:
_ وبالتقرير دا تقدر تعمل بيه محضر وتسجنه..
تفاجئ عبدالله بما يُلمح إليه الطبيب وأسرع في توضيح سوء الفهم الحادث:
_ أنا مقدر مساعدتك جدًا يا دكتور، بس مش هو اللي عمل فيها كدا..
أماء الطبيب بتفهمٍ على الرغم أنه لم يصدق كلامه، واستاذن ليتابع عمله، بينما لم يفضل عبدالله مواجهة وليد وإلا سيحدث مالا يُحمد عُقباه، أراد إخماد غضبه أولًا ثم يُحادثه.
دلف غرفة الطوارئ بملامح مشدودة غاضبة، تبخرت فور رؤيته زينب وما أصابها، طالعها بتأثر شديد حتى لمعت عينيه، توجه إليها فانتبهت عليه وتقابلت مع عينيه، حينذاك لم تنجح في التماسك وانفجرت باكية.
أسرع عبدالله نحوها وقام باحتضانها، وبدأ يُمسد على ظهرها بحنانٍ حتى فرغت من البكاء، تراجع قليلًا وسألها بنبرةٍ حنونة قلِقة:
_ حاسة بإيه؟ إيه اللي بيوجعك؟
_ هبقى كويسة..
أجابت بإيجاز حين رأت الخوف في عينيه، ربتت على يده فعاود عبدالله متساءل بعد أن احتدت تقاسيم وجهه:
_ هو اللي عمل فيكي؟
لم تقدر على مواجهة عينيه تلك اللحظة وهربت بعيدًا بنظرها، فتأكد عبدالله أن ذلك النذل هو الفاعل، أرادت تغير مسار الحوار لتبعد حمادة عن أفكاره فتساءلت:
_ أنا جيت هنا إزاي؟ معاك؟
حدجها عبدالله لفترة وهو لا يدري بماذا سيجيب فالأمر مخذي للغاية، تنفس بعض الهواء وأجاب باختصار:
_ وليد شافك وهو اللي جابك هنا..
عقدت زينب حاجبيها بغرابة، فلقد تفاجئت وراودها شعور مُنفر، كيف تأتي إلى هنا برفقة رجلًا ليس من محارمها، حركت رأسها باستنكار شديد وهتفت:
_ وليد!! إزاي؟ تقصد طلب لي الإسعاف؟
هب عبدالله واقفًا فهو حتمًا ليست لديه إجابة مقنعة يجيبها بها، ولن يلفظ ما حدث على لسانه، تبِعته زينب بنظراتها المتعجبة لأمره وسألته:
_ رايح فين؟
ربت عبدالله على كتفها وردد بهدوء:
_ ارتاحي..
توجه ناحية الباب فأسرعت زينب في قول:
_ متعملوش حاجة عبدالله
تجمدت قدمي عبدالله، حقًا هذا كثير، استدار إليها وبصوتٍ منفعل خرج رغمًا عنه هدر:
_ أنتِ بدافعي عنه بعد اللي عمله فيكي دا؟!
_ مش بدافع..
قالتها ثم وضعت يمينها على بطنها ونظرت إلى جنينها وأضافت بنبرةٍ متحسرة:
_ مش عايزة ابني أو بنتي يطلعوا يلاقوا خالهم وابوهم بينهم مشاكل..
رُفع حاجبي عبدالله تلقائيًا مستنكرًا سخافة حديثها، وصاح منفعلًا:
_ إنما يجوا يلاقوا أبوهم بيضرب أمهم دا عادي صح؟!
سقطت عبرة على مقلتيها، مسحتها سريعًا وهي تهتف بنبرة مختنقة:
_ حمادة طيب، ومسيره هيعرف غلطه واللي بينا هيفضل بينا مش عايزة حد يدخل فيه!!
فغر عبدالله فاهه بصدمة، لا يصدق سذاجتها أو ربما غبائها اللامحدود، أغمض عينيه لثانية ثم أولاها ظهره ليغادر لكنها لحقته بقولها:
_ اوعدني إنك مش هتيجي جنبه..
اكتفى باستدارة رأسه يطالعها بخذيٍ لضعف شخصيتها فتوسلت إليه زينب برجاء:
_ عشان خاطري يا عبدالله اوعدني
نظر إلى المصل الذي يخترق وريدها ولم يريد اتعابها فقال:
_ وعد يا زينب..
غادر الغرفة ثم هاتف والدته أخبرها لتأتي وتجاور زينب فهي بحاجة إلى رفيق والآن عليه فعل شيءٍ ربما يخمد نيران غضبه.
خرج من الغرفة فلم يجد وليد، حمد الله أنه غادر حتى لا ينال جزءًا من غضبه، خرج من المستشفى فوجده يقف برفقة زكريا، أخذ نفسًا ليستعد لمواجهته.
_ عبدالله طمني الأمور جوا أخبارها إيه؟
قالها زكريا باهتمامٍ فاكتفى عبدالله بقول:
_ الحمدلله..
لم يرفع نظريه عن وليد الذي يقف خلف زكريا خجِل من تصرفه، اقترب منه عبدالله قليلًا وحاول جاهدًا التحلي بالهدوء:
_ قولي يا وليد أنت ليه مكلمتنيش؟
اهتز الآخر فلم يكن مستعدًا للمواجهة، شهيقًا وزفيرًا فعل ثم قال بحرجٍ:
_ أنا لما شوفتها واقعة وقتها مفكرتش غير إني ألحقها وخصوصًا لما شوفتها بتنزف..
لكزه عبدالله في كتفه بخفة وهو يعاتبه:
_ بس كان أولى إنك تكلمني، الأصول إنك تستنى لغاية ما أجي وأنا اللي أوديها المستشفى، لكن يعني إيه تشليها وتمشي بيها في الحارة وسط الناس وتجيبها المستشفى وبعدين تتكرم تكلمني؟!
_ يا عبدالله أنا...
حاول تبرير موقفه لكن قاطعه عبدالله بهجومه:
_ أنت إيه؟ رد أنت إيه؟ أنت اتعديت الأصول يا صاحبي، أنت هتخلي سيرتنا على كل لسان باللي عملته دا!!
كور عبدالله يديه بقلة حيلة، نظر حيث زكريا وأردف وهو يصر أسنانه:
_ عقل ابن عمك
ثم تركهما وغادر دون الإلتفات لنداء زكريا، الذي التفت إلى وليد وعاتبه بحدة:
_ أنت مش قادر تنسى إنها متجوزة، واللي عملته دا ميصحش، بجد مش قادر أفهم كان عقلك فين؟
_ أسيبها تموت عشان خاطر الأصول!!
قالها وليد مستنكرًا لومهما، فصاح زكريا عاليًا:
_ لا متسيبهاش تموت، بس كان ممكن تطلب الإسعاف، تكلم عبدالله، مش تجري بيها في الحارة وهي على ايدك، يا جدع دا أنا مش أخوها ولا جوزها ودمي فار وأنت بتحكيلي..
خرج وليد عن صمته وانفعل عليه بعصبية:
_ أهو اللي حصل بقى، بطلوا جلد من غير ما تحسوا بيا
حرك زكريا رأسه مرارًا لذلك الوضع الذي أوقع نفسه به، أخذ نفسًا ثم تخلى بالهدوء وقال:
_ أنت لسه بتحبها يا وليد؟
تفاجئ وليد بسؤاله وأطال النظر إليه فأكد حدس زكريا الذي رمقه بآسى وهو يحاوط كتفي وليد بذراعه:
_ آه يا إبن عمي آه
أخرج تنيهدة مُحملة بالآسى والحسرة لما يحدث معهم تلك الفترة، نظر إلى وقوف عبدالله الذي ينتظر سيارة وقال وهو يحثه على التقدم منه:
_ يلا نشوف عبدالله رايح فين؟!
توجها إليه وتولى زكريا التحدث حتى لا تشتعل النيران بينهما أكثر وتُخلق مشادة كلامية بينهما:
_ رايح فين يا عُبد؟
رمقهما بطرف عينيه فسحق وليد بنظراته، وعاود النظر أمامه وداخله يستشيط غيظًا من فعلته الخرقاء، يغار على عرضه وكلما تخيل حمله لها ينتابه شعور مُلح في لكمه.
لكزه زكريا بخفة في كتفه مردفًا سؤاله لخلق حوار بينهما:
_ ناوي تعمل إيه مع الحيوان اللي اسمه حمادة
أغمض عبدالله عينيه لبرهة ثم حرك رأسه باستنكار ناعتًا وعده الذي أخذه بعدم لمسه، وردد مستاءً من نفسه:
_ وعدتها إني مجيش جنبه، بس هموت وأفرتكه
حل الصمت لثوانٍ قبل أن يشير وليد إلى زكريا فنظر إليه، فوجده يشير بيده عليهما فاستشف قصده وقال اقتراحه لعبدالله ربما يقبل به:
_ إحنا موجودين يا صاحبي، وبكدا متكنش خلفت بوعدك مع أختك
أدار عبدالله رأسه ناظرًا إلى زكريا يردد في هقله اقتراح صديقه، ثم قبل به، انتظر حتى وصلت والدته وغادر المكان برفقة صديقيه، متوعدون إلى عديم الآدمية ذاك.
***
تجوب الغرفة ذهابًا وجيئا، قلبها تتسارع نبضاته، يتملكها القلق والإرتباك، تفرك يديها بقوةٍ، ذهبت في الأخير عند الباب ومالت تسترق السمع فلم تجد صوتًا بالخارج.
أغمضت عينيها وزمت شفتيها تتحلى ببعض الشجاعة لتخرج من غرفتها، وبعد تفكيرٍ طال لوقت قررت الخروج لعلها تمنع وقوع الكارثة قبل حدوثها.
مشت على أطراف أقدامها لكي لا تصدر صوتًا حتى وصلت إلى غرفة والديها، أخذت نفسًا ثم زفرته على مهلٍ بعد أن صغت جيدًا ووجدت الأجواء هادئة، حتمًا لقد غافيا.
بهدوءٍ حذِر أدارت مِقبض الباب وهي تعُض شفتيها خشية أن يصدر الباب صريرًا عاليًا يوقظهم، لكنها في النهاية نجحت في فتحه بسلام، تابعت سيرها للداخل بخُطوات حذِرة تبحث عن هاتفها.
لم تساعدها الإضاءة؛ فالغرفة كانت مُظلمة، وقررت الإعتماد على تفقد الأشياء بيدها، انحنت لتتفقد الكومود ثم شعرت بيدين تمسكان بها.
فشهقت مذعورة لكن سرعان ما وضعت يدها على فمها مانعة شهقتها، تجمدت في مكانها وهي لا تعلم يد من تلك، حتى وقفت والدتها أمامها قائلة بهمسٍ:
_ تعالي معايا..
سبقتها إلى الخارج، وتبِعتها صبا فتساءلت بعقلٍ غير مُطمئن لاقتحامها الغرفة بتلك الطريقة، فكان قلبها يخبرها أن ما إدعاه زوجها صحيح:
_ بتعملي إيه كدا جوا الأوضة؟
عضت صبا شفتاها السفلية فكانت تؤكد ظنون إجلال حتى قالت صبا بترددٍ:
_ أنا محتاجة موبايلي..
رمقتها إجلال بأعين ضائقة وقالت سؤالها وهي تتمنى نفيها له:
_ إوعي يكون الكلام اللي أبوكي قاله صح وأنتِ مع عبدالله...
قاطعتها صبا بقولها:
_ والله العظيم علاقتنا محترمة ومش زي ما أنتوا فاكرين خالص..
فغرت إجلال فاها بصدمةٍ؛ لقد أصاب حدسها، وضعت يدها على فمها من فرط ذهولها فتابعت صبا برجاء:
_ عشان خاطري ساعديني أجيب الموبايل أكلمه قبل ما الدنيا تبوظ..
لم تكن صدمة بسيطة، فعقلها لا يستوعب بسهولة علاقة ابنتها مع ذلك الشاب، ظلت تطالعها بمزيجٍ من المشاعر المتناقضة، فكانت تلومها في نظراتها، فآخر ما اعتقدته أنها تفعل شيءٍ لم تُنشِأها عليه.
أمسكت صبا بذراعها متوسلة إياها بخوفٍ عارم:
_ ساعديني أخد الموبايل عشان خاطري..
_ أنا عايزة أعرف كل حاجة..
خرجت والدتها عن صمتها بقولها ذلك، فرددت صبا وهي تهز رأسها:
_ هقولك كل حاجة بس هاتي الموبايل الأول
اطالت إجلال النظر عليها ثم أماءت بقبول وتحركت نحو غرفتها، وبعد فترة خرجت مُمسكة بالهاتف، فتنهدت صبا براحه، أخذته منها وأسرعت نحو غرفتها وكذلك والدتها التي أغلقت الباب خلفهن.
ثم جلست على الفراش في انتظار معرفة الأمر كاملًا، حاولت صبا الإتصال على عبدالله لكنه لم يجب، داخلها قلِق للغاية بسبب عدم اجابته منذ وقتٍ باكر، وفي الوقت ذاته تحمد الله داخلها أنه لم يجب على إتصالات أبيها، فكان حدث مالا يُحمد عقباه.
تأففت بضجرٍ يكسوه القلق وهتفت:
_ أوف مبيردش
أشارت إجلال إلى الفراش قبل أن تردف بهدوءٍ ما قبل العاصفة:
_ تعالي اقعدي واحكيلي على لما توصليله..
حدجتها صبا بخجلٍ صريح، اقتربت منها وجلست بجوارها، ثم بدأت تقص بداية علاقتهما حتى الآن:
_ بقالنا سنة تقريبًا بنتكلم، قعدنا فترة في الأول كانت نظرات وكنت حاسة من نحيته بمشاعر غريبة لغاية ما جه واعترف لي أنه بيحبني، طبعا أنا وقتها رفضت المبدأ وقولتله الكلام دا مش عندنا وهو احترمني جدًا وقعد فترة مش بيكلمني، لغاية ما جه تاني وقالي أنه مش قادر يكون بيوصلني كل يوم ويخفي مشاعره، وقتها قولتله روح لبابا فقالي أنه مش جاهز دلوقتي ومحتاج فترة يجهز فيها نفسه عشان لما يتقدم بابا ميرفضوش..
صمتت لتستشف من خلف ملامح والدتها بما يدور داخل عقلها لكنها فشلت فكانت جامدة لا تُشكِل أي تعابير، تنهدت وتابعت رويها للقصة:
_ ووقتها بعد إلحاح منه وافقت وبعد ما اتاكدت إني جوايا أنا كمان مشاعر نحيته، بس والله والله علاقتنا عمرها ما تخطت الكلام بس، عمرها ما وصلت للـ لمس ولا حتى كلام برا نطاق روتين يومنا، ويمكن عشان كدا كنت مطمنة لأنه مكنش بيخوفني بتصرفاته بالعكس كنت مطمنة وأنا شايفاه حاطط حدود بينا مش بيتخطاها..
توقفت عن الحديث فكانت متعجبة من حالة والدتها، وسألتها بتوجسٍ لرد فعلها:
_ أنتِ ساكتة ليه؟
_ مصدومة.. معقول صبا تخون ثقتنا فينا؟ بلاش أنا، مكنتيش بتفكري في شكل أبوكي وضميرك يأنبك؟
هتفتها إجلال بعقلٍ لا يصدق ما أملته عليها ابنتها، بينما أجابتها صبا بخذيٍ لفعلتها:
_ كنت بموت كل ما بشوف بابا وأحس إني بعمل حاجة غلط من وراه، وعلى فكرة نهينا الموضوع أكتر من مرة وآخرهم لسه امبارح بس مقدرناش، غصب عننا مكنتش قادرين نتعامل زي الأغراب، ووقتها عبدالله أخد خطوة رسمية وراح لبابا عشان علاقتنا تطلع في النور..
حركت إجلال رأسها باستنكار شديد، وهتفت بنفورٍ:
_ وأنا المفروض بعد اللي عرفته دا أعمل ايه؟ أقول لابوكي إيه؟
_ استغفليني أنتِ كمان يا إجلال..
قالها محمود وهو يقتحم الغرفة بعد أن وقع حوراهن على مسامعه بعد أن قلق ونهض باحثًا عن زوجته.
_ بابا!!
_ محمود!!
انتفضن من مكانهن وهن يهتفن بذهولٍ ودهشة لسماعه الأمر، اقترب محمود بخُطوات ثائرة وشيطانه يعمي عينيه حتى وقف أمام ابنته وبكل ما أوتي من قوة قام بصفع صبا التي تفاجئت من فعلته.
لم يستطع كبح جماح غضبه لحظتها واندفع بها بعصبية بالغة:
_ بقى أنتِ تستغفليني يا صبا؟ تخوني ثقتي فيكي! تخلي سيرتك وسيرتي على لسان الزبالة اللي اسمه حمادة!! حنيتي راس أبوكي يا صبا!!
أمسكت صبا وجهها مكان صفعه لها متألمة، كانت تتساقط عبراتها بغزارة كهطول الأمطار الشديد، حاولت تبرير موقفها وإيضاح الأمور له بنبرة باكية:
_ يا بابا والله العظيم أنا عمري ما أعمل حاجة تخلي راسك محنية، أنا عارفة إني غلطت، بس مكنش بينا أكتر من كلام بس، عبدالله محترم وبيخاف عليا..
صمتت فجأة حين دوت على وجهها صفعة أخرى، لم يستطع تقبل كلامها وكأنه أمرًا عاديًا، فارت الدماء في عنقه وبرزت عروقه وهتف باسيتاء:
_ أخرسي خالص، متجبيش سيرة اللي عملتيه على لسانك وتبرري كأنه عادي، بس أنا اللي غلطان، أنا اللي اديتك قيمة متستاهليهاش، اديتك ثقتي الكاملة من غير ما أدور وراكي..
أطلق ضحكة ساخرة ثم أضاف وهو ينظر إلى إجلال بنظراتْ مشتعلة:
_ كنت فاكر إن اللي ربيناكي عليه كفيل إني أعمي عيوني واسيبك على هواكي، كبرتك وعلمتك عشان تبقي دكتور قد الدنيا وفي الآخر رديتي المعروف بإيه؟
اسقط نظره نحو الهاتف وقام بسحبه منها، ثم ألقاه باتجاه الحائط حتى بات كقطعة خردة، تتابع صبا ما يحدثه والدها ودموعها لا تتوقف عن النزول، أعاد والدها النظر إليها واحتدت تعابيره وصاح متوعدً:
_ من هنا ورايح معتش مرواح مستشفيات، معتش خروج من باب اوضتك، معتيش هتشوفي الشمس يا صبا، لو كنت فشلت في تربيتي فيكي يبقى تتربي من جديد.
نظر حيث تقف إجلال وأمرها بعنفٍ:
_ امشي اطلعي برا..
لم تجادله إجلال وهرولت إلى الخارج بخوفٍ، لكي لا تنال جزءًا من غضبه أيضًا، رمق صبا نظرة استحقار قبل أن يتوجه إلى الخارج ويوصد الباب بالمِفتاح، خارت قوتها وسقطت ارضًا، ازداد نحيبها ألمًا وحزنًا على صفع والدها لها، كانت تزداد اختناقًا كل ثانية تمر ولا تتوقف عن البكاء قط.
***
عاد إلى منزله في وقتٍ متأخر من الليل، ليضمن نومها، ولا يواجهها فهو جبان حقير لا يقدر على المواجهة، دلف المنزل وتفاجئ بثلاثتهم يجلسون متفرقين في المكان.
ذُعِر وخفق قلبه رعبًا لكنه تماسك وتصنع القوة:
_ انتوا بتعملوا إيه هنا في بيتي؟ وفين زينب؟
هرب من أعينهم متصنعًا انشغاله بالبحث عن زوجته:
_ زينب يا زينب ..
لم يجدها فعاد إليهم متسائلًا وعينيه مصوبة نحو عبدالله:
_ هو إيه اللي بيحصل بالظبط، وانتوا في بيتي بتعملوا إيه؟
انتفض عبدالله فجأة فازداد حمادة خوفًا من هيئته الغاضبة، توجه عبدالله نحو نقطةٍ ما وجسى على ركبتيه ثم أشار بسبابته على الدماء التي تغطي الأرضية:
_ ضربتها هنا؟؟! سيبتها تنزف هنا ومشيت؟!
وقع بصر حمادة على الدماء وتفاجئ، برقت عينيه وعلم أن نهايته على يد عبدالله والآن، ابتلع ريقه وحاول تبرير تصرفه بإلقاء اللوم على عاتق عبدالله:
_ أنت السبب في اللي حصل دا، أنت لو مكنتش كلمتها وخليتها تتقلب عليا مكنش دا حصل، أنت السبب يا عبدالله!!
انتصب عبدالله في وقفته، في تلك الأثناء وقفا صديقيه خلف حمادة دون أن يُشعراه بذلك، بينما أردف عبدالله بهدوءٍ شديد وهو يدور حول نفسه:
_ تعرفوا، فيه دور ماشي الأيام دي منتشر أوي..
انتبهوا له فتابع وهو ينظر داخل عيني حمادة ببغضٍ:
_ دور الضحية!!
دنا منه عبدالله حتى إلتصق بصدره وهمس بقُرب أذنه:
_ حظك إني وعدتها مجيش جنبك..
استدار بجسده مبتعدًا عنه فتفاجئ حمادة بتقيده من الخلف من قِبل زكريا، تابع وقوف وليد أمامه ونظرات الشر تلمع في عينيه، فصاح عاليًا يحذرهما:
_ محدش يقرب لي، يا عبدالله أنت قولت وعدتها إنك متجيش جنبي..
_ بس إحنا موعدناش يا روح أمك!!
هتفها وليد بكُرهٍ شديد، ثم توالت اللكمات على وجهه وثائر جسده حتى أنهكه وليد، فكان يتذكر وجه زينب وما أحدثه ذلك الحقير ويزداد عنفًا في ضربه، حتى خر حمادة أرضاً فلم تعد تحمِله قدميه.
تدخل زكريا حينما لم يجد وليد ينتهي مما يفعله وهتف:
_ خلاص يا وليد هو كدا عرف غلطه خلاص..
لم يسمعه، فلقد أغلق أذنيه وجميع حواسه، فقط يريد الثأر لحبيبته، انتبه عليه عبدالله وتعجب من هجومه العنيف الذي يزداد ولا يتوقف، فاقترب منه وأمسك بيديه مرددًا:
_ خلاص يا وليد..
انتبه وليد على حاله، ونظر إلى صديقيه بحرجٍ، أسقط عبدالله نظريه نحو حمادة الذي يجسو على ركبتيه ووجه له حديثه بحدة:
_ أنا ممكن أسامح لو غلطت في حقي، لكن تيجي على اللي يخصني أنسفك، ودا درس يعلمك إنك متقربش لحاجة تخص عبدالله القاضي..
انحنى بجسده قليلًا وقام بإعدال ياقة قميص حمادة وقال بخفوت:
_ متحاولش تختبر صبري تاني..
أولاه ظهره وتحرك نحو الباب وكذلك تبعوه زكريا ووليد خلفه، لكن اوقفهم حمادة حين هدر:
_ كان نفسي أسقف لك..
أدار عبدالله رأسه ناظرًا إلى ذلك المختل فتابع بإبتسامة متشفية والدماء تسيل من فمه:
_ بس أنا سبقتك بخطوة، وقدرت أشفي غليلي منك، ومهما عملت مش هتقدر تكسرني زي ما أنا عملت فيك!!
ضاق عبدالله بعينيه؛ فلم يستشف إلى ماذا يرمي؟! قهقه حمادة بتهكمٍ وهو يخبره عما فعله:
_ أبو الدكتورة عرف كل حاجة، عرف أنك أنت وبنته كنتوا مستغفلينه!
صدمة حلت على أوجه الجميع، ساد الصمت للحظة وكأن الكون وقف في نظر عبدالله حينها، تأجج الغضب وتجدد داخله ولم يشعر بنفسه سوى وهو يعتلي حمادة يبرحه ضربًا، كان الآخر يبتسم بتشفي ولا يُظهر ألمه الذي يشعر به فكان يزيد من غضب عبدالله حتى أفقده وعييه.
صعق زكريا حين ارتمى حمادة فجأة وكذلك وليد لم يكن أقل منه صدمة، هرول زكريا نحو عبدالله وأجبره على الإبتعاد عنه مرددًا بخوف:
_ بس بس كفاية..
توجه نحو حمادة وتفقد نبضه فوجده ينبض أسفل يده، زفر براحة وقال:
_ لسه عايش..
وقف عبدالله يلتقط أنفاسه ثم سحب هاتفه من جيبه وتفاجئ بكم الإتصالات التي قامت بها صبا، أغمض عينيه مستاءً من نفسه، نظر إلى زكريا وقال:
_ متسبهوش لغاية ما يفوق
أماء الآخر بقبول بينما غادر عبدالله سريعًا، كاد يهاتف صبا لكنه تريث فالوقت متأخرًا وفضّل أن يرسل رسالة أولًا.
أرسل لها أنه يتوجه إلى شرفة غرفتها إن لم تكن قد غفت فلتخرج له، ذهب إلى مكانهما المعتاد ورفع رأسه في انتظار خروجها إلى الشرفة وقلبه ينبض بقوة.
وعقله لا يكف عن مطاردته بالأسئلة التي تزيد من قلقه وتوتره، وفجأة شعر بيد أحدهم قد وُضعت على كتفه، التف يتفقد هويته فتفاجئ بوجود محمود أمامه.
قابله محمود بنظراتٍ مستشاطة، وأذنين حمراوين من شدة غضبه، أمسكه محمود من تلابيب قميصه معنفًا إياه بشرٍ:
_ بقى أنت تستغفلني!! أأمن على بنتي معاك تخون الأمانة!! كنت بتبص في عيني وأنت مستغل عرضي..
قاطعه عبدالله بتوضيح الأمور له:
_ ما عاش ولا كان اللي يسغفلك يا عم محمود، أقسم بالله ما خونت ثقتك ولا عمري بصيت لها بسوء أبدًا، أنا حبيتها ومستعد أحارب الدنيا كلها عشان بس أوصلها، أنا عارف إني غلطت واتسرعت لما اعترفت لها قبل ما أكون جاهز، بس كنت عايز أتأكد من مشاعرها عشان متأملش على الفاضي..
أزاح عنه محمود يديه وباسيتاء واضح هدر:
_ مخونتش ثقتي!! أنت إيه مفهومك عن الثقة أنت؟ أنت كنت بتبص في عيني على أنك سواق بتوصلها ماكان ما بروح وأول لما تبعد عينك عني تكلمها، والله أعلم حصل إيه تاني، دي اسمها خيانة أمانة!!
لمعت عيني عبدالله فكان محاصرًا من جميع الجهات، يشعر بالتعب الشديد، لكنه يجاهد فإنها صباه ولن يقبل خسارتها، تنهد وحاول لملمة الأمور:
_ مش هبرر لنفسي، بس والله العظيم حبي لبنتك فيه كل احترام ليها، وعمري ما اتخطيت حدودي معاها حتى بالكلام، أنا مش وحش للدرجة دي ياعم محمود.. أنا كنت بتقي ربنا في كلامي ومعاملتي وتصرفاتي..
أشار عبدالله على قلبه وبنبرةٍ منهكة قال:
_ بنتك لما سكنت قلبي حلفت إني أحميها حتى من نفسي، بنتك غالية أوي ومقامها عالي عندي، اعتبرنا عيال وغلطنا وبنصلح غلطتنا، ساعدنا نبقى لبعض في الحلال ووافق عليا، وأنا مستعد على أي حاجة تطلبها المهم توافق..
فارت الدماء في عروق محمود وعاد مُمسكًا بقميص عبدالله وبغضبٍ هتف عاليًا:
_ غلطة إيه يا بني آدم أنت اللي بتتكلم عنها وعايز تصلحها؟! أنت تبعد عن بنتي وإلا مش هتشوف مني كويس أنت سامع!!
دفعه محمود بعيدًا؛ وأولاه ظهره وغادر تحت نظرات عبدالله المذهولة، إنها تضيع من يديه! يخسرها أمام عينيه، سقطت دمعة من عينه وهتف بصوتٍ متحشرج:
_ بنتك دي روحي، لو بعدتها عني أموت!
توقف محمود وألقى نظرة إلى عبدالله الذي كان يتوسله بإشارات موحية من عينيه، بينما تابع الآخر سيره ولم يلتفت له.
وكأن نيران اتقدت في صدر عبدالله، خنقه دخانها، رفع رأسه ونظر إلى شرفة غرفتها وانهمر في البكاء، كطفلٍ أضاع سبيله، لم يراها وهي مستندة برأسها على الباب تبكي بمرارة وتحسر على دموعه التي تتساقط.
بصعوبة جر عبدالله قدميه وبخُطواتٍ هزيلة عاد إلى منزل حمادة، تفاجئ صديقيه باحمرار عينيه ولمعتها، كان واضحًا لهما أنه كان يبكي، وهذا ما لم يروه من قبل، بحث عبدالله عن زجاجة مياه، أتى بها وقام بإفراغها على حمادة الذي استفاق وهو يحاول التقاط أنفاسه الهاربة.
من بين أسنانه المتلاحمة توعد له عبدالله:
_ خد نفسك وامشي من هنا عشان أوعدك هرمل اختي لو شوفتك تاني في الحارة!!
تركه وغادر فرافقاه زكريا ووليد متسائلين عما حدث معه لكنه آبى التحدث:
_ مش عايز أتكلم في حاجة..
تخطاهما ببضع سنتميرات فتساءل وليد باهتمامٍ يشوبه القلق:
_ رايح فين؟
_ راجع المستشفى..
أردفها فقال زكريا بحسمٍ:
_ استنى نيجي معاك..
رفض عبدالله ذهابهما بقوله:
_ لا روحوا أنتوا..
بقيا يتابعاه حتى اختفى من أمامهما، تبادلا النظرات ثم صدح آذان الفجر فتوجهوا إلى المسجد ليؤدوا صلاة الفجر ثم يعودان إلى منازلهم
انتظر حمادة حتى أشرقت الشمس وزقزقت العصافير، وتوجه مباشرةً إلى مركز الشرطة، وقف أمام أحد العساكر وقال:
أنا عايز أقدم بلاغ في عبدالله القاضي!!
رواية علي دروب الهوي الفصل الثامن 8 - بقلم تسنيم المرشدي
قليلًا ما نتلاقى مع أشخاصًا نشعر بإنتمائنا إليهم، وكأننا على معرفةٍ سابقة، لكن الحقيقة هي التشابه الكبير في القلوب والنفوس الطيبة، فالطيور على أشكالها تقع، والقلوب مع أشباهها تميل.
***
توقفت قدماه حين وقع الإسم على مسامعه، نظر إلى القائل وناداه بجدية:
_ أنت يااااا... قولت عايز تقدم بلاغ في مين؟
نظر إليه بريبة وخوف وعاد ناظرًا إلى العسكري الذي يقف أمامه وعلامات الإستفهام تتجلى في عينيه فعرّف العسكري عن هويته:
_ دا آدم بيه وكيل النيابة، رد عليه..
اقترب منه بخُطى متهملة فأعاد آدم سؤاله:
_ أنت قولت عبدالله القاضي؟!
أماء بتأكيد فتابع آدم مستغلًا لتلك الفرصة الثمينة:
_ أنت اسمك ايه؟
_ حمادة، حمادة يا باشا..
هتفها حمادة فأمره آدم وهو يتجه نحو مكتبه:
_ تعالى ورايا..
دلف آدم مكتبه بثباتٍ ثم خلع معطفه وجلس على كرسيه، ظهر حمادة بعد ثوانٍ فقال له:
_ اقفل الباب واقعد..
أغلق حمادة الباب وتوجه ناحية المكتب ثم جلس مقابله، فبدأ آدم يتحرى عن الأمر باهتمامٍ وفضول:
_ ها كنت بتقول برا أنك عايز تقدم بلاغ في عبدالله، ليه؟
وقع بصر حمادة على اللافتة الخشبية الموضوعة على المكتب فصعق حينما قرأ الإسم، تضاعف الخوف داخله وأراد التأكد من حدسه فتساءل وعينيه لم تُرفع عن اللافتة:
_ هو حضرتك تبقى...
_ ميخصكش، أنا هنا أسأل وأنت تجاوب، مفهوم؟!
هتفها آدم بحدة فأجبر حمادة على التمثل لأمره، فرفع يده بقُرب رأسه كأنه يلقي التحية وردد بطاعة:
_ تمام يا باشا
نفذ صبر آدم فهو يود معرفة ما يحدث ربما يستطيع مسك ثغرة عليه، تنهد وصاح:
_ ما تخلص يابني وتقول عايز تبلغ عنه ليه؟
على الرغم من أن حمادة أراد التراجع في تلك اللحظة لأنه بالتأكيد لن يساعده ذلك الضابط ضد عبدالله حتمًا، لكنه لم يملك سوى إخباره بالسبب فقال:
_ اتكاتر عليا هو وصحابه وضربوني..
تفقد آدم معالم وجهه جيدًا ثم تساءل:
_ هو اللي عمل فيك كدا؟
أومأ حمادة مؤكدًا سؤاله، فتراجع آدم للخلف مستندًا على الكرسي، وبعد تفكيرٍ أردف:
_ وهو يعمل كدا ليه؟
_ بلطجة يا باشا.. هو وصحابه عاملين عصابة، وكل دا عشان اتجوزت أخته غصب عنه، من وقتها
وهو كل شوية يعمل فيا حاجة، قولت مبدهاش بقى وأجي للحكومة تحميني..
ألقى نظرة على اللافتة وأضاف بخبثٍ:
_ بس واضح إن الحكومة تبعه وحقنا هيضيع..
لم يتقبل آدم الإهانة وصاح بعصبية:
_ ما تظبط كلامك يالا..
خاف حمادة الذي اعتذر على الفور:
_ آسف يا باشا، بس يعني عايز تعرفني أنك هتساعديني ضد عبدالله؟
لم يجيبه آدم بل أطال نظراته عليه ثم نهض فجأة ودار حول مكتبه حتى جلس مقابل حمادة وأردف بعملية:
_ بنحمي كل الشعب يا حمادة، وأنا هجيب لك حقك منه..
بعقلٍ لا يصدق هتف حمادة:
_ بجد يا باشا، بجد هتساعديني؟
اكتفى آدم بإيماءة من رأسه ثم ضغط زر الجرس فدخل العسكري على الفور، نظر آدم إلى حمادة وأمره:
_ هات بطاقتك يا حمادة
تكركب داخل حمادة ولم يطمئن قلبه؛ فانعكس الخوف على تقاسيمه، استشفه آدم وحاول طمأنته:
_ متقلقش دي لزوم الإجراءات
أخرجها حمادة من جيبه فأخذها منه آدم وتوجه إلى العسكري وقام بالتحدث إليه بخفوت:
_ هاتيلي كل حاجة عنه من يوم ما اتولد..
أدار رأسه ونظر إلى حمادة المُتابع لحديثه الخافت وسأله:
_ تشرب إيه؟
_ شاي يا باشا
قالها حمادة فعاد آدم بنظره إلى العسكري وأمره:
_ واحد شاي والقهوة بتاعتي..
ضرب على ذراعه بخفة وأضاف بحسمٍ:
_ يلا بسرعة
_ رفع العسكري ذراعه باتجاه رأسه في وضع الطاعة وردد عاليًا:
_ تمام يا فندم
خرج العسكري وعاد آدم إلى كرسيه، ثم قال:
_ احكيلي بقى من البداية خالص عشان أقدر أساعدك..
بدأ يقص عليه حمادة بعض المواقف التي تدين عبدالله، كما كان يختلق بعض الأكاذيب ليُسيء من سمعته، والآخر ينظر إليه وآذانه صاغية باهتمام شديد.
***
انتهت من ارتداء ملابسها، أمسكت هاتفها أرادت الإتصال به قبل نزولها، فلم تتمكن من الوصول إليه الليلة الماضية، جلست على طرف الفراش داعية داخلها بأن يجيب.
بعد لحظاتٍ أتاها صوته الناعس:
_ ممم إيه؟
تنهدت وحاولت التحلي بالصبر قدر استطاعتها، أخذت نفسًا وبهدوءٍ حادثته:
_ أنت فين يا زكريا، برن عليك من امبارح مش بترد عليا!!
_ كنت في حوارات كدا هبقى احكيلك عليها لما اصحى
هتفها متمنيًا أن تنهي المكالمة ويعود إلى النوم لكنه قد محى أي ذرة صبر لديها بجفائه الذي يتعامل به معها، فارتفع صوتها بانفعال:
_ هو أنا مش من حقي أعرف أنت فين وبتعمل إيه؟ بدل ما أنت سايبني لعقلي يوديني ويجيبني، أنا خايفة وباللي بتعمله دا بتخوفني أكتر
تأفف زكريا وبعصبية بالغة عنفها:
_ أوووف على الصبح، مفيش مكالمة من غير نكد، دي بقت حاجة تقرف
أنهى الإتصال فتفاجئت هي من فعلته ولم تصدق أنه أغلق فصاحت منادية عليه:
_ زكريا.. يا زكريا
نفخت بتزمجر وألقت الهاتف على الفراش بعصبية، انتبهت على طرق الباب فحاولت إرخاء ملامحها ثم سمحت للطارق بالدخول:
_ تعالى يا بابا
ولج والدها بإبتسامة هادئة واقترب منها فتساءل باهتمام:
_ سمعت صوتك عالي قولت أجي اطمن عليكي، أنتِ كويسة
أخرجت ليلى تنهيدة مهمومة وأردفت مستاءة:
_ مش عارفة إذا كنت كويسة ولا لأ، بس حاسة إني لوحدي وكل حاجة جاية عليا، أكتر فترة محتاجة فيها ماما الله يرحمها
ابتسمت بألمٍ وهي تقابل عينيه وأضافت:
_ بس متقلقش هبقى كويسة
جلس مقابلها وربت علي يدها وقال:
_ هي الفترة اللي قبل الفرح كدا، بتكون شدة أعصاب وخناق بس كل دا بيعدي بمجرد ما بتقفلوا عليكم باب بيتكم، بس نصيحة يابنتي بلاش تضغطي على زكريا الفترة دي لأنه عليه التزامات بتخليه مخنوق وعصبي، فلو مش هتقدري تمتصي عصبيته بلاش تتعاملي معاه أحسن عشان متزعليش منه..
نجح والدها في إخماد جزء من غضبها، وتفهمت الأمور بشكلٍ أوضح، تقوس ثغرها ببسمةٍ رقيقة وأخذت يده طبعت قُبلة عليها ورددت بحنانٍ:
_ ربنا يخليك ليا يا بابا..
دنا منها وقبّل جبينها بلطفٍ ثم قال:
_ أنا هكلم أختك تيجي تقعد معاكي الفترة دي، ياريت كان بإيدي أقعد معاكي فترة أطول بس على يدك بروح الشغل باجي أنام زي القتيل..
أسرعت ليلى في محي أي شعور بالتقصير تجاهها:
_ أنا عارفة يا بابا ربنا يعينك يا حبيبي، بس بلاش تكلم سمر سيبها هي لسه ماشية مبقالهاش أسبوع، وحرام بتيجي من سفر بولادها، أنا كويسة صدقني..
أخذت نفسًا وزفرته على مهلٍ واضافت وهي تلقُف حقيبتها:
_ أنا هنزل الشغل عشان متأخرش.. سلام
ترجلت درجات السُلم وحديث والدها يتردد في ذهنها، وشعرت بتأنيب ضميرها فقررت الذهاب إلى زكريا ومصالحته، والتخفيف من عبئه.
قرعت جرس الباب بترددٍ فالوقت مازال باكرًا، ظهرت ابتسامة على شفتيها حين استقبلتها عليا:
_ ليلى، دا إيه الصبح السكر دا اتفضلي..
شعرت ليلى بالراحة لترحيبها الحافل وقالت:
_ حبيبتي يا عليا، زكريا صاحي؟
نفت عليا بحركة من رأسها وهي تقول:
_ لا نايم.. اصحيهولك؟
تملك الحرج من ليلى، فلم تكن شجاعة لتخبرها بأن توقظه، فاكتفت بقول:
_ لا لا خلاص سبيه نايم، حاجة مش مهمة..
وداخلها يتمنى بأن تصر وتوقظه، لكن ما حدث ليس كما تمنت، فلم تبرح عليا مكانها، جاءت هناء وتفاجئت بوجود ليلى، فشكلت بسمة لم تتعدى شفاها ورحبت بها بفتورٍ:
_ ليلى، ازيك
بحرج أجابتها:
_ الحمد لله اخبار حضرتك إيه؟
_ كويسة..
قالتها بإيجاز، فشعرتا الفتاتان بريبة في أسلوبها الجاف، لكنهن لم يبدين أي تعقيب، حمحمت ليلى واستاذنت لتغادر:
_ عن اذنكم، عشان متأخرش على شغلي..
_ أنتِ جاية في إيه وماشية في إيه؟
تساءلت هناء مستفسرة عن سبب مجيئها، فردت عنها عليا وقالت:
_ كانت عايزة زكريا..
_ ممم
رددتها ببرود، فلم تحب ليلى أن تطيل في وقوفها وتوجهت ناحية الباب، أوصلتها عليا فرددت هناء على مضضٍ:
_ بنات إيه دي اللي تيجي بيت خطيبها، ياما لسه هنشوف
وقعت كلماتها على آذان ليلى وعليا، اللتان حلت عليهن الصدمة، وخصيصًا عليا فكانت في موقف لا تُحسد عليه، في النهاية هي والدتها وعليها أن ايجاد حل لتصليح ما قالته، حمحمت وحاولت الإتيان بكلماتٍ تقولها:
_ معلش يا ليلى أنتِ عارفة عقلية الناس الكبيرة مش زينا وكدا..
حاولت ليلى الإبتسام لتمحي الحرج منها لكنها فشلت، فاختصرت حديثها:
_ مفيش حاجة..
أولتها ظهرها وفرت هاربة والكلمات لا تود الخروج من عقلها، فتسببت في ضيق صدرها وندمت على المجيء إلى هنا، توجهت إلى مكان عملها وهي تنعت حظها السيء.
بينما عادت عليا إلى المنزل وعاتبت والدتها بعدم تصديق لتصرفها المُهين:
_ إيه يا ماما اللي قولتيه دا؟ دي سمعت اللي قولتيه؟!! إزاي تحرجيها كدا
قلبت هناء عينيها بضجرٍ وبنبرة ظهرت فيها جبروتها هتفت:
_ أنا مقولتش حاجة غلط، مش كل شوية تنط لنا كدا عيب
تفاجئت بل صعقت عليا بردها، وكأنها فعلت الصواب، وعارضتها بقوة:
_ عيب إيه يا ماما إحنا بنتكلم عن ليلى، مش واحدة غريبة، ليلى اللي بقالها سنين معانا وبقت واحدة مننا ودا بيتها زي ماهو بيتنا، ليلى اللي أكلت معانا على طرابيزة واحدة وفرحت لفرحنا وزعلت لزعلنا، بجد مش مصدقاكي..
دنت منها وعقبت بنبرة منفعلة:
_ أنا ممكن أكون مكانها على فكرة واضطر أروح لبيت حازم هتكوني راضية لو مامته عاملتني كدا؟
لم تقبل والدتها البتة ما قالته، وصاحت بصوت عالٍ:
_ وأنتِ عمرك ما هتروحي هناك لوحدك يا عليا!!
_ بقول ممكن أضطر وأروح لوحدي، ها إيه رد فعلك لو عملت اللي أنتِ عملتيه؟!
هتفت بها بنرفزة، فأجابت والدتها ببغضٍ وهي تطرق بالملعقة التي بيدها على الطاولة الرخامية:
_ كنت أكلتها بسناني..
إلتوت شفتي عليا بتهكم وقالت بنبرة أكثر هدوءًا:
_ وهي ملهاش أم تدافع لها، فلو سمحتي بلاش تعامليها كدا، يا ماما ليلى ملهاش غير زكريا، هو مش بس بالنسبة ليها مجرد خطيب زي ما أنتِ شايفة، زكريا كل حاجة بالنسبة لها، هو بديل لمامتها المتوفية، ولأختها المتجوزة في محافظة تانية وبعيدة عنها، ولباباها اللي طول اليوم في شغله ويجي ينام، ياريت تغيري نظرتك عن علاقتهم ببعض
أغمضت هناء عينيها غير متقبلة حديثها، لم ترضى الإستسلام لها وفرض رأيها، حتمًا لن تسمح لها بإظهار خطأها، تنهدت وقالت متمسكة بمعتقداتها:
_ ولو برده ميصحش تيجي لبيت خطيبها..
علمت عليا أنها لن تصل إلى نقطة ترضيها فقررت الإنسحاب، تركتها وتوجهت نحو الغرفة فقابتلها خلود ورأت علامات الغضب التي تعتلي تقاسيمها فتساءلت بقلقٍ:
_ قالبة وشك ليه على الصبح؟
_ سبيني في حالي يا خلود دلوقتي
قالتها وجلست على الفراش محاولة إخماد غضبها، بينما رددت خلود وهي ترفع كتفيها:
_ أنتِ حرة متقوليش..
لم تستطع عليا المكوث مكانها، ونهضت متوجهة إلى غرفة أخيها، طرقت الباب مرات عديدة إلى أن أتاها صوته الناعس سامِحًا لها بالدخول:
_ تعالي..
دلفت الغرفة وعلامات الضجر مُشكلة على وجهها، وقفت أمامه فأجبرته على الإعتدال، تفقد ملامحها وعلم إن ثمة أمرًا هناك، فتساءل بقلقٍ:
_ مالك في إيه؟
ردت دون مماطلة:
_ ليلى جتلك هنا، وبصراحة ماما ضايقتها بالكلام وأنا من وقتها مضايقة، ممكن تكلمها تراضيها..
فرك زكريا عينيه ثم أماء بقبول فابتسم ثغرها وأضافت قبل خروجها:
_ ربنا يراضي قلبك يارب
بادلها زكريا الإبتسامة فخرجت على الفور، بعد أن لقد سكنت الراحة قلبها، الأن، ثم انتبهت على رنين هاتفها فازدادت بهجة وأجابت برقة:
_ حازم، صباح الخير..
في غرفة زكريا، مال برأسه يمينًا ويسارًا، حتى لانت عضلات عنقه المتشنجة، التقط الهاتف وكاد يهاتف ليلى لكنه تراجع، فلقد تذكر ما قالاه في المكالمة الأخيرة، وفضّل أن يذهب إليها بدلًا من مهاتفتها.
***
استيقظت إثر حركة سمعتها في الغرفة، كانت رؤيتها مشوشة لثوانٍ حتى وضحت تدريجيًا، ورأته يقف يشاهد الخارج من خلال النافذة، تثاءبت بكسلٍ ورددت سؤالها:
ـ أنت جيت امتى يا عبدالله، محستش بيك
التفت إليها واختصر إجابته:
_ اه ما أنا معملتش صوت عشان متصحوش..
استشعرت والدته ضيقه من نبرته، اقتربت منه بعد أن ارتدت حذائها وسألته بقلقٍ:
_ مالك يا حبيبي؟
استنشق عبدالله بعض الهواء ربما يشعر بالتحسن القليل، أغمض عينيه وقال:
_ الموضوع باظ على الآخر..
رمقته والدته بطرف عينيها فلم تعي قصده فأوضح عبدالله ما وراء كلماته:
_ أبو صبا عرف اللي بينا.. وقالي أبعد عنها
نطق آخر كلماته بصوتٍ مختنق يملأه البكاء، صمت ليستجمع شتات نفسه، بينما لمعت عيني والدته تأثرًا بحالته، ربتت على ذراعه وحاولت التخفيف من حزنه:
_ ربك هيدبرها بس أنت قول يارب
_ يارب، يارب ياما
قالها متمنيًا أن يجمع الله بينهما في حلاله، ثم انتبها كلاهما على صحوة زينب، فنظرا إليها، وتوجها نحوها، وأسبقت والدتها بالسؤال عنها:
_ عاملة إيه دلوقتي يا زينب..
أجابت بتعبٍ:
_ الحمدلله
ثم وجهت نظرها على أخيها متسائلة بقلق من حدوث ما خشيته:
_ قابلت حمادة؟
تنهد عبدالله ولم يجيبها فتأكدت من حدسها وأردفت قائلة:
_ عملت له حاجة؟
حرك عبدالله رأسه في الإتجاه المعاكس هاربًا من عينيها المُثبتة عليه، فلم يكن هناك داعٍ لإجابته فصمته خير دليل على فعلته، انتفضت من مكانها فجأة فأسرعت نحوها أحلام معاتبة تصرفها الأرعن:
_ براحة على نفسك يا زينب، الدكتور قال بلاش حركة زيادة
لم تكترث لها وتابعت نهوضها ووقفت تعدل من ملابسها الغير مهندمة، حرك عبدالله رأسه مستنكرًا ما تفعله تلك الخرقاء وتساءل بضيقٍ:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
رفعت عينيها عليه وهي تجيبه بحدةٍ ولوم:
_ راحة أشوف عملت إيه في جوزي..
خرج عبدالله عن هدوئه، يكفي ذلك الحد، لقد نفذ صبره على سذاجتها المفرطة وصاح عاليًا بانفعال:
_ جوزك اللي عايزة تطمني عليه دا آذاني، آذاني لما مد إيده عليكي ووصلك لحالتك دي، وآذاني لما راح قال لأبو صبا عن علاقتنا ويا عالم إيه اللي هيحصل بعد كدا، وأنتِ مصممة تكوني جنبه برده! عاندتي في الأول وروحتي اتجوزتيه وأنا مش موافق وأخرتها مد ايده عليكي ، وبتعاندي دلوقتي وهتروحي له ووقتها هيعرف أنك ملكيش ضهر باختيارك ليه كل مرة، والمرة دي ضربك المرة الجاية هيقتلك، ما أنتِ ملكيش راجل يقف لك ويمنعك عنه!!
أنهى آخر كلماته وأخذ يلتقط أنفاسه التي هربت من رئتيه، أولاها ظهرها ولم يضيف المزيد، تاركًا إياها تتخذ قرارها وبناءًا عليه سيُقيم العلاقة بينهما، إما أن تختاره ويحميها من ذلك المختل، وإما تختار زوجها وتخسر أخيها للأبد.
لم تستطع أحلام رؤية اولادها يخسرون بعضهما البعض من أجل ذلك البغيض الذي يحسبونه رجلًا بين الرجال، تنهدت وحاولت جذب استعطاف ابنتها بقولها:
_ اسمعي كلام اخوكي يا زينب، أخوكي بيحبك وخائف عليكي، ومش هتلاقي حد يخاف على مصلحتك قده، اسمعي الكلام ومترجعيش للبني آدم دا تاني..
أغمضت زينب عينيها ثم وضعت يدها تتحسس بطنها، سقطت دمعة من مقلتيها حزنًا على مستقبل جنينها الغامض، ربتت أحلام على ذراعها بحنانٍ فأردفت زينب بنبرة متألمة:
_ معتش ينفع، لازم ابني يتربى مع أبوه...
أعادت فتح عينيها وتوجهت إلى أخيها، وقفت مقابله وأضافت بحزنٍ يغزو كلماتها:
_ أنت أكتر واحد عارف يعني إيه تعيش من غير أب، عارف الحياة بتكون صعبة وقاسية إزاي؟ يمكن أنا محستش إني محتاجة أبويا عشان كنت أنت موجود لكن أنت....
قاطعها عبدالله باحتضانه لوجهها براحتي يده وقال بعينين لامعتين:
_ ابنك دا هيبقى ابني، أنا متكفل بيه بس بلاش ترمي نفسك للبني آدم دا، أنا أكتر واحد عارفه وعارف قد إيه مش كويس..
أزاحت زينب يديه بهدوءٍ، وقالت بنبرةٍ متحشرجة تهدد بالبكاء:
_ ابني له أب ملزوم منه، أنت ملكش ذنب تشيل شيلة مش شيلتك، كفاية عليك شيلتك أوي..
أولته ظهرها وتوجهت نحو الباب بخُطوات عرجاء، بينما اشتعل فتيل الغضب داخل دماء عبدالله فلم يسيطر على لسانه الذي قال:
_ لو رجعتيله انسي إن ليكي أخ اسمه عبدالله
تجمدت قدمي زينب مكانهما وانقبض صدرها، أخذت شهيقًا عميق وألقت نظرة أخيرة على أخيها ثم أسرعت إلى الخارج دون أن تلتفت، انهمرت في بكائها ولم تتوقف، حتى تشوشت رؤيتها وبالكاد ترى أمامها.
تعرقلت قدميها وكانت ستقع إلا أن يده منعت حدوث ذلك، رفعت زينب عينها تتفقد هويته فتفاجئت بوليد أمامها، ابتلعت ريقها وسرعان ما سحبت يدها من بين قبضته ورددت باستغراب:
_ وليد!! أنت بتعمل إيه هنا؟
كان الآخر يشعر بالإرتباك، أخذ نفسًا ليجاريها وقال:
_ كنت جاي أشوف عبدالله..
هزت رأسها متفهمة ولم تطيل الوقوف أمامه ومرت بجواره متابعة سيرها حتى خرجت من المستشفى، تبِعها وليد دون أن تشعر به، وجدها تبحث عن شيءٍ في جيبها ثم نفخت بضجرٍ بائن فأعتقد أنها تبحث عن نقود.
دون تفكيرٍ توجه بقُربٍ منها وأشار إلى إحدى السيارات التي وقفت أمامه، تعمد النظر إليها فوجدها ترمقه بنظراتٍ تطمح في اصطحابها معه، وبابتسامة هادئة حادثها وليد:
_ لو راجعة البيت تعالي ممكن متلاقيش تاكسي تاني هنا..
لم تتردد زينب وقبلت عرضه، اقتربت منها فقام وليد بفتح الباب الخلفي لها، شكرته ثم جلست مستندة برأسها على النافذة مُطلقة بعض العبرات التي رآها وليد من خلال المرآة الخارجية، انفطر قلبه حزنًا على حالتها المذرية لكن ما باليد حيلة، فهي الآن منطقة محظورة لا يمكنه الإقتراب منها.
***
وقف خارج المكان، ثم أطلق صافرة من فمه سمعتها من الداخل، فخفق قلبها وشعرت بالتوتر يعصف بها، ابتلعت ريقها وهمت بالخروج سريعًا دون أن يلاحظها أحد.
_ بتعمل إيه هنا؟
تساءلت بحدةٍ حين تذكرت معاملته الجافة معها، تنهد قبل أن يردف ممازحًا:
_ دا أنا مزعل الملبن جامد أوي بقى
عقدت ما بين حاجبيها ورددت كلماته باستغراب:
_ ملبن!!
غمزها بخبثٍ متذكرًا انحناءات جسدها الصارخة:
_ أوووف وأي ملبن
برقت عينيها بصدمةٍ، كست الحُمرة وجهها وعنفته مستاءة:
_ زكريا!!
ضحك ثم أخفاها سريعًا لكي لا يزيد من غضبها، بينما هتفت هي بنبرة جافة مهاجمة:
_ أنت جاي ليه؟
استنشق الآخر بعض الهواء وأجابها وهو يستند بظهره على الحائط:
_ هنعمل إيه في حوار القاعة دا؟ مش عندي أي فكرة بصراحة
تنهدت ليلى بيأسٍ ووقفت إلى جواره تُطالع حركة السير، وبعد لحظاتٍ راودتها فكرةٍ فأخبرته عنها بحماس:
_ نعمله في الشارع، دلوقتي أي منظم أفراح بيحول أي مكان لقاعة وأحسن كمان وهتبقى بنفس التكلفة، إيه رأيك؟
رمقها زكريا لبرهة قبل أن يُبدي إعجابه بفكرتها:
_ حلوة، وأنا اشتريت
انفرج ثغر ليلى بإبتسامة سعيدة مليئة بالحماس، وكذلك زكريا لم يكن أقل منها سعادة، لكن سرعان ما ضاق صدره حينما تذكر أمرٍ آخر وقال بعبوس:
_ الفرح وحليناه، الأجهزة هنعمل فيها إيه؟ وكل ما اتاخرنا بيزيدوا أكتر..
تأفف بصوتٍ مسموع فما كان من ليلى إلا أن ربتت على ذراعه تأزره:
_ إن شاء الله هتدبر، متشلش هم أنت بس
تنفست القليل من الهواء وبترددٍ سألته:
_ بتحبني يا زكريا؟
رمقها زكريا بطرف عينيه متعجبًا من سؤالها، أعدل وقفته وطال النظر إليها ثم قال:
_ يابت أعملك إيه عشان أثبت لك إني بحبك أكتر من إني هلبس نفسي في مصيبة طول عمري واتجوزك
فغرت ليلى فاها بدهشة لذلك الرد الوقح، ورددت دون تصديق لما سمعته:
_ مصيبة!! جوازك مني مصيبة يا زكريا؟
دنا منها زكريا مرددًا بصوت خافت:
_ أنا اتاكدت إن ربنا بيحبني، مش بيقولك المؤمن مُبتلي..
تراجع للخلف بِضع خُطوات وأضاف وهو يوليها ظهره:
_ اقفلي بوقك أصل حاجة تدخل فيه
غادرها فانتبهت ليلى على حالها، أغلقت فمها سريعًا وتفقدت المكان من حولها ثم رددت بغيظ وهي تتابع حركة زكريا:
_ ماشي يا زكريا..
***
كان يشعر بالملل يجتاحه من أحاديث ذلك الثرثار التي لا تنتهي، أفرغ كوب قهوته الثالثة ثم هب واقفًا حين طُرِق باب مكتبه، فر هاربًا منه، أخذ نفسًا وبجدية سأل العسكري:
_ ها عملت إيه عرفت حاجة عنه؟
أماء العسكري وبدأ يخبره ببعض ما وصل إليه ثم أنهى حديثه قائلًا:
_ تمام كدا يا آدم بيه؟
_ تمام أوي
هتف بها آدم وعاد إلى مكتبه بذهنٍ صافِ، وأردف بجدية:
_ بص يا حمادة، دلوقتي هنتفق على كام حاجة كدا لو ساعدتني فيها أوعدك إني هجيب لك عبدالله هنا راكع تحت رجليك، تمام؟
انشرح قلب حمادة وانعسكت سعادته على شفتيه التي غمرتها الإبتسامة وهو يتخيل مشهد عبدالله وهو يركع أمامه يتوسله أن يعفو عنه، عاد بنظره إلى آدم وقال:
_ تمام يا آدم باشا أنا من ايدك دي لايدك دي..
رفع آدم حاجبه الأيسر وحادثه بنبرةٍ متوعدة متصنعًا انشغاله في ورقةٍ على المكتب:
_ طبعًا مش محتاج أقولك أن كل بلاويك في تقرير قدامي، يعني أي لوع أو غدر محدش هيلبس الكلبش غيرك، مفهوم
انتاب حمادة بعض القلق لكنه قاومه حتى لا يُظهِره أمامه ويستضعفه، تنهد وقال باختصار:
_ مفهوم يا باشا
أومأ آدم برأسه مرارًا قبل أن يتساءل:
_ بما إنك كنت صاحبه في يوم من الأيام وجوز أخته يعني أكيد تعرف له أي نقطة ضعف نقدر ندخله منها، نكسره بيها..
أطال حمادة النظر في الفراغ أمامه قبل أن يردد:
_ صبا... الدكتور صبا، حبيبة القلب
تبادلا كليهما النظرات الخبيثة وقد بدأ يُخططان لأفعالٍ دنيئة سوف يرضون بها شيطان غرورهم.
***
وصل التاكسي إلى المنطقة؛ لم تنتبه زينب فعقلها يحلق في سماء أفكارٍ لا تنتهي، تعيش اضطرابًا يوشك أن يُنهيها بسبب تناقضات أفكارها ومشاعرها، لاحظ وليد شرود ذهنها فتولى مهمة إدراكها بالوصول.
حمحم والتفت برأسه قليلًا مردفًا بصوتٍ خافت:
_ زينب.. إحنا وصلنا
نظرت إليه بتِيه، ثم تفقدت المكان من الخارج وترجلت بهدوء، كذلك فعل وليد وقبل أن تغادر من أمامه قال:
_ زينب..
رمقته بغرابة فأضاف ما أراد قوله بنبرة مُلحة:
_ بلاش ترجعي..
اتسعت حدقتي زينب مذهولة من تدخله في شؤنها الخاصة، ولم تتردد في إيفاقه عِند حدِه:
_ أظن أموري الخاصة متخصش حد غيري.. شكرًا على التوصيلة
تركته وغادرت وقد لاحظت تلك الأعين التي تراقبها بجرأة، انتبهت على لمزات النساء وهمزاتهن وهن يتبعن حركة سيرها.
أثاروا الريبة داخلها، وبثوا القلق فيها، فكانت تشعر بشعورٍ سيء، وكأنها دون ملابس من وراء تلك النظرات المخيفة، صعدت درجات بيتها حتى وصلت إليه، قرعت جرس الباب مرارًا وعندما تأكدت من عدم وجود حمادة بحثت عن مفتاح البيت الذي تدسه خلف خزانة الأحذية ثم قامت بالدخول.
خفق قلبها فجأة عندما رأت الدماء على أرضية البيت، آلمها جسدها وكأنها ضُربت للتو، توجهت نحو المطبخ وأتت بأدوات التنظيف ثم جست على الأرض وبدأت تنظف الأرضية بدموعٍ تنهمر منها بغزارة ألمًا وتحَسُرًا على ما مرت به.
***
عادوا إلى منطقتهم؛ لَمِح عبدالله محمود يدخل مكان عمله فلم يتردد وتوجه ناحيته دون تفكير، أخذ نفسًا عميقًا ثم ولج المكان عازمًا بألا يخرج منه إلا عندما يأخذ موافقته على ارتباطه.
تجهمت تعابير محمود وبادر بالهجوم فور رؤيته:
_ إيه اللي جابك هنا؟ أخرج برا
لم يبرح عبدالله مكانه، بل اقترب منه أكثر وبإصرارْ تحدث:
_ اسمعني يا عم محمود الله يكرمك..
رفض محمود السماع له واعترض بحنقٍ:
_ مش عايز أسمع حاجة، وأخرج عشان كل ما بشوفك بفتكر إني كنت مغفل بسببك ودا مش في مصلحتك ولا في مصلحة حد..
لم يهتم عبدالله لأمره بل كان مُصرًا على قول ماجاء لأجله ربما يكسب ثقته من جديد:
_ لازم تسمعني، عشان الموضوع مخلصش على كدا، أنا غلطت وعارف ومعترف كمان، بس أنا بصلح غلطي اهو، اديني فرصة، فرصة واحدة أثبت لك فيها إني استاهل بنتك وإني كويس، ياعم محمود أنا مقدرش أبعد عن بنتك، متكسرش قلبي وقلبها، أنا شاريها وعايزها في الحلال، عشان اللي قبل كدا دا مكنش راضيني ولا مريحني، متصعبش الحلال علينا يا عم محمود..
كان يرى هُيامه لابنته من عينيه اللامعتين، ونبرته المتهلفة للوصول إليها، أخرج محمود تنهيدة بطيئة وأراد إخباره بما يشغل باله فقال بجدية:
_ مش بس كلامكم من ورايا سبب رفضي، أسباب كتير منها فرق المستوى التعليمي بينكم..
لم يدعه عبدالله يُكمل فلقد قاطع حديثه برده على كلماته:
_ تعليمي دا يفرق معاك أو معاها لو أنا نيمت بنتك في يوم من غير عشا، لكن غير كدا ميفرقليش.. تعليمي مش هيأكلنا عيش
أغمض محمود عينيه بنفاذ صبر لإجاباته التي لا تنتهي، أعاد فتح عينيه وأردف باسيتاء واضح:
_ متقاطعنيش يا عبدالله، فرضًا تغاضيت عن التعليم، اتغاضى إزاي إني معرفش لك أهل؟ لا أب ولا حتى خال ولا عم، أنا معرفش عنك حاجة، ودي حاجة تقلقتي أنك غامض بلا هوية..
صُعق عبدالله من كلمات محمود المسيئة له، لم يعرف للرد طريق، بل إلتزم الصمت وطالعه لبرهة قبل أن ينسحب من أمامه، لكنه تفاجئ بحضور والدته التي أمرت عبدالله قائلة:
_ سيبني مع عمك محمود شوية يا عبدالله
رفض عبدالله الذهاب لمكانٍ، وضع يده على ذراعها يحثها على المضي خارج المكان:
_ لا ياما، امشي نرجع البيت
أزاحت أحلام يده عنها آمرة إياه بحسمٍ:
_ قولتلك سيبني يا عبدالله، اسمع الكلام..
أطال عبدالله النظر فأوحت إليه أحلام بإشاراتٍ من عينيها أن يتركها معه على انفراد، بينما وزع عبدالله نظريه بينهما ثم غادر المكان، بادر حينها محمود بالحديث مبديًا استيائه منهما:
_ متحاوليش معايا يا أم عبدالله، انا مِحترم وجودك عشان خاطر إبراهيم صاحبي الله يرحمه، غير كدا كان ليا كلام تاني معاكي بعد اللي ابنك عمله..
شهيقًا وزفيرًا فعلت أحلام ثم سحبت كرسي وجلست أعلاه، وقالت وهي ترفع عينيها فيه:
_ اقعد يا أبو جلال، عندي كلام لازم تعرفه..
بعد نظراتٍ تبادلاها جلس محمود أمامها وبدأت أحلام تقص ما لديها من حديثٍ حتمًا سيغير رأيه بعد سماعه، وبعد فترة؛ أنهت أحلام حديثها قائلة:
_ دلوقتي عرفت كل حاجة، وعرفت أن عبدالله ميعيبوش لا أخلاقه ولا جيبه، طريقته كانت غلط من الأول وهو أهو بيحاول يصلحها، عبدالله بيحب بنتك يا أبو جلال، متوجعش قلب ابني وتبعدهم عن بعض، كفاية عليه يا حبيبي وجع قلب لغاية كدا...
لم يعلق محمود، فكان متفاجئًا لما عَلِمه للتو، أعطته أحلام الحق وتفهمت وضعه فنهضت عن الكرسي وأردفت:
_ خد وقتك واهضم الكلام اللي عرفته، بس متطولش يا أبو جلال.
تركته شاردًا فيما أخبرته إياه، وعادت إلى البيت،
استمعت إلى صوتٍ يتسلل من داخل غرفة عبدالله، فلم تتردد في الإنضمام إليه، حتمًا هو في حالة يرثى لها، عقدت حاجبيها حين رأته يفتح صندوق الأموال الذي خصصه لزواجه من صبا، أسرعت خُطاها نحوه وقالت:
_ أنت يئست بدري كدا؟
أدار رأسه إليها مردفًا كلماته بثقة:
_ لا طبعًا، بس أنا هدي الفلوس دي لزكريا تساعده يجيب الأجهزة..
قطبت جبينها بغرابة وتساءلت بفضول:
_ وأنت هتعمل إيه لو أبو صبا وافق؟ هتصغرنا قدام الناس؟
انتصب عبدالله في وقفته؛ وأجابها بنبرةٍ هادئة:
_ أنا بعمل كدا عشان يوافق، بعمل بالحديث اللي علمتيني بيه، ومَن يسَّر على مُعسرٍ يسَّر الله عليه في الدنيا والآخرة.
تقوس ثغر أحلام ببسمةٍ وربتت على ذراعه بفخرٍ:
_ ربنا يراضيك ياحبيبتي
_ آمين يارب
هتفها ثم غادر المنزل وهاتف صديقه:
_ قابلني تحت البيت يا زكريا، عايزك
أنهى المكالمة ووقف ينتظر وصول زكريا وعينيه مُصوبتان على منزل صبا ربما يمتع نظره برؤياها صدفة، بعد قليل؛ وصل زكريا وصوب بصره على ما ينظر إليه عبدالله، تنهد وجذب انتباهه بقوله:
_ ربنا هيفرجها يا صاحبي..
_ إن شاء الله
قالها وهو يلقي نظرة أخيرة على المنزل، أعاد النظر إلى صديقه وأخذ كفه وقام بوضع مطوية النقود بها فتساءل زكريا مستفسرًا:
_ إيه دا؟
أوضح له عبدالله حقيقة المطوية:
_ فلوس كنت سايبها على جنب لو حصل نصيب، أنت أولى بيهم دلوقتي، حطهم على اللي معاك وهات الأجهزة
اندهش زكريا من الأمر وأبدى رفضه التام:
_ لا طبعًا مش هاخد حاجة، دا شقاك أنت وبعدين تعمل إيه لو عم محمود وافق..
_ متفكرش في حاجة يا زكريا، خد الفلوس وخلص نفسك الأول..
ابتسم وتابع مازحًا:
_ وبعدين أنت ناوي تاكلهم عليا ولا إيه؟
بادله زكريا الضحك وقال وهو يطالع الأموال بإمتنان كبير:
_ لا يا سيدي دا أنا أزودهملك.. مش عارف أقولك إيه يا صاحبي، ربنا يراضيك
ابتهج عبدالله وشعر حينها بشعورٍ مريح، وكأن جوفه خالٍ من أي هموم، مساعدة الغير وتقديم العون لهم أسمى ما يقدمه الإنسان لنفسه ولغيره.
***
صف سيارته أمام المستشفى، وترجل منها سريعًا متلهفًا لرؤية تلك الطبيبة التي آكلت عقله من التفكير بها، ابتسم بخفة وولج بخُطى واثقة، يبحث بنظره عنها، صعد إلى الطابق الكائن به مكتبها، طرق بابها وولج قبل أن يستمع لسماحها بالدخول.
عبست ملامح وجهه عندما وجد المكتب فارغًا، لكنه لم يمنع نفسه من التطفل واكتشاف مكتبها، أدلف بخُطواته وظل يلمس الأشياء التي تركت أثرها عليها.
لمس القرمة خاصتها وقرأ ما عليها:
_ صبا محمود النجيري..
أخرج زفيرًا حارًا ثم أعاد وضعها، سقطت عينيه على روبها المُعلق إلى الحامل، فتوجه إليه وقام بتناوله، رفعه عند أنفه ليشُم عبيرها الذي تخلل إلى أنفه وتسبب بهياج نبضاته.
خرج من حالته على صوتٍ أنثوي يتساءل:
_ باشمهندس عاصم؟! حضرتك بتعمل إيه هنا؟
شعر بالحرج يتملك منه، رمقها لثوانٍ ثم حاول استجماع شتات نفسه:
_ دكتورة هدى... أنا كنت جاي أشوف دكتورة صبا هي مش موجودة؟
على الرغم من غرابتها من وجوده إلا أنها أجابته بتلقائية:
_ لا مش موجودة، مجتش النهاردة وبتصل بيها موبايلها مغلق..
أماء عاصم بتفهم وقال:
_ ممكن أخد رقمها؟
ضاقت عيني هدى عليه فأسرع عاصم بتوضيح قصده:
_ كنت عايز اسألها على حاجة تخص وضعي..
أومأت هدى بتفهمٍ ثم أملت عليه الرقم، فهاتفها عاصم على الفور لكنه وجد الهاتف مغلق فردد:
_ دا مغلق فعلًا..
بعد تفكيرٍ وترددٍ قابله في البداية، جمع شجاعته وأردف بصوتٍ أجش:
_ هكون ممتن جدًا لو ساعدتيني في حاجة كدا..
بريبة سألته:
_ حاجة إيه؟
أطال عاصم النظر قبل أن يخبرها بمراده، وفي الأخير أخذ ما ود معرفته وغادر المكان سريعًا.
***
تقف تستند بمرفقيها على سور شرفتها، بعقلاٍ شارد لا تعي ما يحدث حولها، تتمنى داخلها بأن يتم أمر ارتباطهما عاجلًا، استمعت لقرع الباب الذي أخرجها من شرودها، أخذت تنظر إلى مكان وقوف عبدالله وابتسمت بحزنٍ ثم ولجت لتقم بفتح الباب للطارق.
وضعت حجابها وأحكمت ربطه، ثم قامت بفتح الباب لتتفاجئ بمن يقف أمامها، برقت عينيها بصدمةٍ وهي تردد حروف إسمه:
_ باشمهندس عاصم
رواية علي دروب الهوي الفصل التاسع 9 - بقلم تسنيم المرشدي
وهل للشوارع ذاكرة تعيد إلينا رفاقًا مررنا معًا بها، وهل للبيوت أحبابًا تعود إذا عاد الزمان، وهل من الممكن أن نشعر ببهجة شعورًا قد عشناه من قبل ثانيةً؟ هل يمكن؟
***
_ أنت إيه اللي جابك هنا؟ وعرفت عنواني إزاي؟
قالتها بمزيجٍ من التوتر والخوف وهي تتلفت حولها تتفقد المكان، بينما أجاب عاصم بإبتسامة هادئة:
_ روحت لك المستشفى ودكتورة هدى صاحبتك قالتلي إنك مجتيش وموبايلك مقفول، فجيت أطمن عليكي
فغرت صبا فاها بصدمة، حدجته بنظراتٍ غير مستوعبة ما يردفه ذلك المختل، وهدرت به مع الحفاظ على مستوى صوتها:
_ لو سمحت امشي متعمليش مشاكل أنا في غنى عنها
اتسعت مقلتيها وهي ترى صعود والدها، تسارعت نبضاتها حتى شعرت أنها ستخر واقعة من فرط خوفها، ضاق صدرها وانخفض مستوى ضغطها فتسبب بدُوار خفيف، بالكاد تحملتها قدميها فوالله إن مرت دقيقة أخرى على وضعها هذا حتمًا ستقع مغشي عليها.
بغرابةٍ طالع محمود عاصم ثم وجه بصره على ابنته وتساؤلات عديدة تتأرجح من عينيه، بحدةٍ وصوتٍ خشِن تساءل:
_ مين الأستاذ دا يا صبا؟
استنشقت أكبر قدر من الأكسجين في محاولة منها للرد عليه، والمفاجأة حين أجابه عاصم وهو يمد يده يصافحه مشكلًا على ثغره بسمةٍ ودودة:
_ أهلًا بحضرتك، أنا المهندس عاصم سليمان صاحب شركات آل سليمان للتطوير والإستثمار العقاري
تعمد عاصم تعريف هويته بدقة ليجبره على احترامه، تنهد محمود وهو لا يفهم ما الذي عليه فعله بعد تعريف الآخر لنفسه، بادله المصافحة مرددًا:
_ أهلًا بيك، بس متأخذنيش أنا معرفتش أنت مين وواقف عند بيتي ومع بنتي بتعمل ايه؟
اختلس عاصم نظرة إلى صبا فوجدها ترسل إليه إشارات تحذيرية من خلال عينيها، ابتلع ريقه وبنبرةٍ رخيمة واثقة تحدث:
_ أنا مريض عند دكتورة صبا، خرجت امبارح بس لازم متابعة الفترة دي عشان أعرف حالتي وصلت لإيه، روحت المستشفى ملقتهاش وسألت عليها قالوا مجتش فاضطريت أجيلها بنفسي..
لم يقتنع محمود ولو بمقدار ذرة، أسبابه واهية لا يصدقها عقل طفل صغير، عقد ما بين حاجبيه وتحدث بأسلوبٍ هجومي:
_ وهو كل مريض دكتوره مش بيروح المستشفى يروح له البيت؟ ليه الدكاترة خلصت من البلد؟!
شعر عاصم بمحاصرة محمود له، كما أن الحرج تسلل إلى داخله، وحاول جاهدًا التمسك بثباته حتى يقنعه بتبريراته، تنهد ووزع نظره بين صبا ووالدها ثم قال ما جاء من داخله دون تفكير:
_ ما أنا نسيت أقول لحضرتك إني شريك في المستشفى اللي الدكتورة بتشتغل فيها، ولما لقيت الوضع مقلق وهي مقدمتش أي اعتذار لغيابها جيت أشوف في إيه..
اتضح الآن الأمر لدى محمود، لكنه لم يخلو من الريبة، حمحم ورحب به:
_ أهلاً بحضرتك، واقف على الباب ليه اتفضل ادخل..
انفرجت شفتي عاصم بابتسامة حيوية فهو يود الإقتراب من صبا بأي طريقة، تنحت صبا جانبًا لتمنح له فرصة الدخول وداخلها يرفض ما يحدث، لكن ما باليد حيلة، مجبرة على مسايرة الأمر حتى ينتهي.
ولج عاصم وخلفه محمود الذي سأله بودٍ:
_ حضرتك تحب تشرب ايه؟
توقع كليهما رفضه، لكنهما تفاجئا بقوله:
_ قهوة مظبوط
حدج صبا وعينيه يشع منهما وميض لامع خشته صبا كثيرًا، وشعرت إثره بالتوتر والإرتباك، فرت هاربة من أمام عينيه التي تتآكلها بوقاحة، تُحضر له قدح القهوة ودخلها مضطرب، تود ذهابه بأسرع ما يمكن قبل أن يزداد الأمر سوءًا مع والدها.
أتت بالقهوة وناولتها له مختصرة حديثها:
_ اتفضل..
أخذها منها عاصم متعمدًا لمس يدها فارتبكت صبا وقامت بإلقاء الفنجان فجأة، فوقع على بنطال عاصم الذي وقف على الفور، بينما حرك محمود رأسه بضيقٍ يستنكر عدم انتباه ابنته، وقال وهو ينهض:
_ مش تخلي بالك يا بنتي، كدا البنطلون هيمشي إزاي دلوقتي؟
نظرت صبا بينهما بعيون تلمع بالدموع، فكان ذلك أكبر من تحملها، حاولت استجماع نفسها التي تبعثرت تمامًا، ابتلعت ريقها وحاولت الإعتذار:
_ أنا آسفة معرفش حصل كدا إزاي..
نظرت في عيني عاصم وأضافت بنبرة تريد الخلاص:
_ اتفضل حضرتك ادخل الحمام نضفه
لم يعارضها بل استاذن من محمود بلطفٍ وتَبِعها إلى الحمام، استشعر عاصم توترها البائن فحاول التخفيف من عليها:
_ مفيش داعي للتوتر دا كله، دلق القهوة خير
أنهى جملته بإبتسامة عذبة زادت من جاذبيته، بينما استنكرت صبا أسلوبه معها وهدرت به شزرًا:
_ لو سمحت تخرج من هنا على برا على طول، بجد مش فاهمة سبب وجودك هنا إيه؟ أنا مش عايزة مشاكل أنا مش ناقصة..
تركته وذهبت بينما أخذ عاصم يتنفس بعض الهواء وبدأ ينظف بنطاله قدر ما يمكنه، وبعد فترةٍ؛ خرج من الحمام ووجه حديثه إلى محمود:
_ هستأذن أنا يا عمي، بس ياريت دكتورة صبا متغبش علينا عشان دا ضد قوانين المستشفى..
أماء محمود بقبول لكنه رفض ذهابه بقوله:
_ على فين بس، اقعد اشرب قهوة مكان اللي وقعت..
بلطفٍ رد عليه:
_ وقت تاني لأن مش فاضي حاليًا..
صافحه عاصم ثم غادر، بينما عاد محمود ناظرًا إلى صبا بملامحٍ مقتضبة جامدة، أسرعت صبا في النظر إلى الأرض خجِىة من والدها الذي تساءل:
_ إجلال فين، عايز أفطر
بنبرةٍ خجولة أجابته:
_ ماما نايمة، هحضرلك أنا الفطار..
_ لأ مش عايز، أنا هعمل لنفسي
هتفها بحدةٍ وتحرك نحو المطبخ ليحضر الفطور لنفسه، بينما تساقطت قطرات عيني صبا كالشلال وركضت إلى غرفتها تجهش بالبكاء دون أن يراها أحد.
***
انتهى من ارتداء ملابسه، وهبط درجات السُلم سريعًا إلى أن وصل إلى الطابق الآخر من الفيلا، سار باتجاه والدته التي تمارس الرياضة في الحديقة الخلفية، وقف أمامها وأردف سؤاله:
_ اتكلمتي مع بابا؟ قالك هيجي امتى؟
لم تجيبه، فكانت مستكينة تمامًا تمارس اليوجا، مرت بضع دقائق حتى انتهت منها وقامت بالوقوف والرد عليه:
_ اتكلمت معاه ومقالش هيرجع امتى، أنت مهتم برجوعه كدا ليه يا آدم أول مرة يعني..
تأفف آدم بضجرٍ وأردف باسيتاء واضح:
_ يا ماما عايز أتقدم لڤاليا، البنت ممكن تروح من ايدي
تأففت والدته بصوتٍ عالٍ وهتفت بنبرة حانقة:
_ مش فاهمة بجد خطوبة إيه دي اللي عايزها من غير ما تعرف البنت ولا تتكلم معاها وتعرف شخصيتها وتشوف هتناسبك الأول ولا لأ؟!
قلب آدم عينيه بإزدراء وصاح:
_ ما إحنا نتعرف على بعض عادي لما نتخطب ليه لازم نتكلم من غير خطوبة؟
كانت تسير حورية وفجأة توقفت قدميها دون سابق إنذار، استدارت بجسدها ورمقته بطرف عينيها ورددت:
_ أنت بتتكلم كأنك باباك اللي بيتكلم بالظبط، نفس طريقته وتفكيره..
_ ما أنا ابنه يعني أكيد هنبقى نفس التفكير
هتفها بنفاذ صبر فلم يعجبها ثقته المبالغة في التشابه بينه وبين والده وأرادت مضايقته فهتفت:
_ تمام روح أنت بقى اتكلم معاه، أنا مليش دعوة بالموضوع دا
تركته وولجت الفيلا، بينما ظل واقفًا يطالعها بغيظٍ حتى ابتعدت عنه فهلل وهو يضع يديه في منتصف خَصِره:
_ أكلمه، مكلموش ليه؟!
توجه ناحية سيارته ثم قادها وخرج من الفيلا، وقام بعمل مكالمة فيديو لوالده الذي أجاب بعد ثوانٍ معدودة، مبتسمًا بودٍ مهللًا بسعادة:
_ وأخيرًا كلمتني يا حضرة الظابط
حادثه آدم وعينه تتناوب بينه وبين الطريق:
_ هعمل إيه بس حد قالك تدخلني شرطة، مش عارف أخد نفسي حتى
بعدم تصديق ردد:
_ يواد يا بكاش، أومال لو مكنتش موصي عليك نص الداخلية
غمزه والده وتساءل:
_ وعلى كدا المكالمة دي عشان واحشتك ولا وراها حاجة؟
تقوس ثغر آدم بإبتسامة عريضة فتأكد والده من حدسه وهتف مازحًا:
_ أنا قولت برده مش معقول مكلمني لله وللوطن كدا، ها ارغي..
تنهد آدم وبحرجٍ بدأ حديثه:
_ عايز اتقدم لڤاليا يا بابا، خايف أتأخر وأندم في الآخر، أنت ناوي تيجي امتى عشان نروح لاونكل عز
السعادة لا غيرها تملكت من والده الذي قال بنبرةٍ مليئة بالحيوية:
_ انزلك مخصوص يا حبيبي، أنت تؤمر وأبوك ينفذ، أنا هتكلم مع عز وأديله فكرة عن الموضوع ولما أنزل نروح لهم على طول
دقت طبول السعادة قلب آدم وهتف مهللًا بمزاجٍ جيد:
_ ربنا يخليك ليا يا بابا..
_ ويخليك ليا يا حبيبي..
قالها والده ثم تذكر شيءٍ فلم ينهي المكالمة قبل التحدث بها، أخذ نفسًا عميقًا وبنبرة جدية يشوبها اللوم أردف:
_ فيه حاجة كدا يا آدم سمعت عنها ومعجبتنيش..
تجهمت تعابير آدم فهو على دراية بما سيخبره عنه، تنهد ليلقى توبيخًا يليق بما أحدثه:
_ أنا طول الوقت بتعامل معاك على إنك صاحبي مش ابني، وعمري ما شديت عليك زي أي أب لما ابنه بيغلط، بالعكس مفتكرش في مرة إني صوتي كان عالي معاك، ودايمًا بتكلم معاك بالعقل، اللي عملته مع عبدالله دا غلط، عارف كدا ولا لأ؟
رفض آدم الإعتراف بخطئه، وبرر تصرفه قائلًا:
_ أنا كنت بعمل شغلي..
تشكل الإستياء على وجه والده فلم يصدقه وعاتبه بنبرةٍ عقلانية:
_ صادق قالي إن الراجل اللي عبدالله شغال معاه مبلغش عنه أصلًا، يبقى أي قانون بيقول أنك تقبض عليه؟
_ المتهم مُدان حتى تثبت برائته!!
هتفها آدم بسخطٍ فتحدث الآخر بغضب:
_ دا حتى محصلش مشتبه فيه يا حضرة الظابط، أنت بتألف قانون على مزاجك ولا إيه؟
رفع إبهامه محذرًا آدم بلهجة لا تحتمل النقاش:
_ آخر مرة تتعرض لعبدالله بالسوء يا آدم، وإلا صدقني رد فعلي بعد كدا مش هيعجبك، ثم إني ١٠٠مرة قولتلك متتكلمش وأنت سايق العربية، يلا اقفل وسوق على مهلك..
أنهى والده المكالمة بينما أختلس آدم نظرة إلى الهاتف بضيقٍ ثم تابع قيادته بعقلاٍ لا يتوقف عن التفكير.
***
فتح الباب بمفتاحه، تفاجئ بنظافة البيت، فلم يكن مرتب هكذا عندما خرج منه، اتضحت الأمور حينما ظهرت زينب أمامه، كز أسنانه وطالعها لبرهة قبل أن يردد بوقاحة:
_ إيه اللي رجعك؟
صعقت زينب من آثار الضرب الذي على وجهه، أخذت نفسًا وزفرته على مهلٍ ثم تحدثت بحدةٍ في صوتها:
_ إيه مكنتش عايزني أرجع؟ يعني عملت اللي عملته فيا وكمان مش عاجبك إني رجعت؟!
توجه حمادة إلى الأريكة واعتلاها بتعبٍ وردد:
_ ما أنت بعتيلي أخوكي أخد حقك، شاطرة
انفجرت به زينب مهللة:
_ أنا مبعتش حد، مش محتاجة أصلًا أبعته أنا كنت قادرة أخد حقي بنفسي، بس هو بقى مقدرش يشوف أخته في الحالة دي ويسكت، أصله دمه حر، واللي يجي على اللي منه بيعمل زي ما أنت شوفت كدا
نجحت في إخراجه عن هدوئه، هب حمادة واقفًا واقترب منها كالثور الذي يركض نحو هدفه، شعرت زينب بالرعب لكنها لم تُظهر، وقفت أمامه بثباتٍ ناظرة في عينه بتحدٍ، التصق بها حتى شعرت بأنفاسه تضرب وجهها لكنها لم تأباه فصرخ الآخر بغضبٍ:
_ قلبك جمد عليا، آه ما حبيب القلب قواكي عليا!!
حركت زينب وجهها مستاءة ورددت بمللٍ:
_ سيب عبدالله في حاله بقى
حدجها بنظراتٍ مشمئزة وهتف ببرودٍ:
_ أنا قصدي وليد!
وكأن دلوًا من الثلج قد سُكِب أعلاها، اتسعت عينيها بصدمةٍ وباتت تطالعه دون تصديق ثم هتفت بصوتٍ بالكاد خرج من حنجرتها:
_ وليد! إيه دخل وليد في الموضوع؟
تشدق حمادة ساخرًا وأجابها موضحًا ما يقصده:
_ على أساس مش أنتِ اللي كلمتيه يجي يوديكي المستشفى..
_ كلمت مين، إيه اللي أنت بتقوله دا؟ أنت اتجننت يا حمادة؟
هتفتها وهي لا تعي ما يقوله ذلك الأخرق فصاح حمادة بإنفعال شديد وهو يرفع ذراعيه للأعلى يُمثل لها ما حدث:
_ دا كان شايلك بين ايديه وبيجري بيكي في الحارة، بيجري بيكي قدام الناس كلها، أنتِ إزاي قِبلتي بكدا؟ إزاي سمحتي لواحد غريب عنك يلمسك بالشكل دا؟! ولا كان عاجبك الوضع؟
صرخت زينب عاليًا وهي تضع يدها على فمه تجبره على السكوت:
_ اسكت اسكت، أنا معرفش حاجة عن اللي أنت بتتكلم عنه دا، أنا فوقت لقيتني غرقانة في دمي بسبب اللي أنت عملته فيا، خرجت وأنا مش حاسة بحاجة خالص وآخر حاجة فاكراها إني وقعت في حوش السلم واللي بعد كدا معرفش عنه حاجة.. وبعدين اتكلم عدل، وحبيب قلب إيه اللي بتقول عنه؟ وأنا لو كنت عايزاه كنت جت لك أنت واهلي مش موافقين بيك؟!
أزاح حمادة يدها عن فمه وأردف ممتعضًا:
_ بس هو لسه عايزك، بشوف دا في عينه وهو بيبص لي، بشوفه غيرته مني عشان خدتك منه، اتاكدت أنه بيحبك وهو بيطلع كل غله فيا النهاردة
نظرت إليه زينب شزرًا وأردفت بإزدراء:
_ أنت إنسان مقرف
ضاعفت زينب غضبه المتقد، فاقترب منها وغرز أظافره في ذراعها فآنت هي بألمٍ، وبصوتٍ غاضب حذرها:
_ خدي بالك من كلامك عشان متزعليش مني..
دفعها للخلف وتساءل وهو يقلب عينيه:
_ ولما أنا مقرف رجعتيلي ليه؟
تبخرت قوة زينب على التماسك، ولمعت عينيها بالدموع متحسرة على خبر حملها التي ستخبره به بتلك الطريقة السيئة، حتمًا لا يوجد أسوء من ذلك، سقطت عبراتها بغزارة فلم تخطط لأمرٍ هام بتلك الصورة المأساوية، أخرجت تنهيدة معبئة بالحزن وأجابته بإقتضاب:
_ عشان حامل...
اجهشت بالبكاء تحت صدمته من سماعه خبر حملها، وأضافت بصوتٍ منكسر حزين:
_ ليه تعمل فيا كدا؟ أنت عارف يعني إيه أقولك أنا حامل في وقت زي دا؟ أنا كنت مرتبة مواقف كتير أوي عشان أفاجئك بيها بحملي، أنت بوظت كل حاجة، خليت أكتر حاجة كنت مستنياها مش عايزاها من كتر ما أنا مقهورة وزعلانة على اللي عملته فيا، دا أنا اختارتك أنت، راهنت عليك وقولتلهم حمادة هيصوني وهيحميني، أنا خسرت أهلي عشانك، عاديت أخويا بسببك، كنت عايشة ليك بس، تيجي أنت تعمل فيا كدا؟ تضربني يا حمادة؟ ترفع ايدك عليا؟ تخليني أقولك إني حامل وأنا واقفة مش طايقة أبص في وشك؟؟
وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها التي خرجت متتالية وفرت هاربة من أمامه، ولجت غرفتها وأوصدت بابها ثم أوقعت نفسها بإهمالٍ على الأرض مستندة على الباب تطالع أمامها بحسرة كبيرة، يزداد نحيبها كلما تذكرت ما عاشته من خلف اختيار قلبها.
من أسوأ ما قد تمنحنك به الحياة، يخذلك شخصًا حاربت به الجميع، فيضعك في حيرة بين الندم واستكمال الحرب؛ لكن تلك المرة ليس من أجله إنما خيفة من أعين تترقب فشل معركتك.
***
تعالت الزغاريد في السُلم، مهللة الأم بفرحة:
_ الحمد لله يارب
ظهر زكريا حاملًا كرتونة التلفاز، أشار بعينه لوالدته وشقيقتيه فركضن إلى الداخل، متعمدين ترك جزءًا من الباب مفتوحًا ليشاهدن من خلاله صعود الشباب.
صعد زكريا أولاً وتلاه وليد وعبدالله وبعض الشباب الآخرين، قاموا بوضع جميع الأجهزة في مكانها ثم انصرفوا، هاتف زكريا ليلى فلم يطيق الإنتظار دون إخبارها:
_ وأخيرًا جبت الأجهزة، وخلصت
بفرحة عارمة هتفت:
_ بجد؟ مش مصدقة كملت الفلوس إزاي؟
_ عبدالله سلفني فلوس وكملت على اللي معايا وجبتهم الحمد لله، مش هتيجي تشوفيهم؟
أردفها زكريا فاختفت ابتسامة ليلى وتحولت تقاسيمها إلى الخوف والتوتر اللذان ظهرا في نبرتها:
_ هشوفهم بعد الفرح يا زكريا..
استشعر زكريا خوفها فأراد أن يُطمئنها بعد أن استمع لصوت شقيقتيه ووالدته يصعدن الدرج:
_ تعالي ماما واخواتي هنا، افرحي بحاجتك يابت
بترددٍ قالت بعد تفكيرٍ لوقت:
_ طيب..
أنهيا الإتصال أثناء دخول عائلته، لم تتوقف عاليا عن إطلاق الزغاريد حتى نفخت خلود بفتورٍ ورددت:
_ خلاص بقى فرجتوا علينا الناس عشان شوية أجهزة!!
إلتوت شفتي عليا متذمرة من شقيقتها:
_ يا باي دا أنتِ فصيلة، وبعدين وماله يعني اللي بعمله مش أخويا وفرحانة له
قلبت خلود عينيها مستاءة وقالت:
_ دي أجهزة كهربائية يا حبيبتي أومال هتعملي إيه يوم الفرح؟
تدخل زكريا بينهن، وسحب خلود تحت ذراعيه وقام بمداعبة أنفها ثم أردف مازحًا:
_ إيه أجهزة أجهزة اللي بتقوليها دي، أنتِ عارفة أنا دافع فيهم كام دول عشان تقللي منهم كدا؟!
قاومته خلود بكل قوتها حتى تحررت منه، ورددت عاليًا:
_ إن شاالله تكون دفعت نص مليون برده اسمهم أجهزة في الآخر يعني..
ركض زكريا خلفها فصرخت وهي تهرب منه إلى الخارج حتى اصطدمت في جسدٍ جهلت هويته، شعرت بيدين تلتف حول خَصِرها تمنع وقعوها، رفعت خلود رأسها وتفاجئت بوليد من وقعت بين ذراعيه.
خفق قلبها بشدة؛ سرت رجفة قوية في أوصالها شعر بها وليد، سحب يده إلى جانبه، بينما لم تُبعد خلود نظرها عنه، اجتاحها توترًا لم تشعر به أمامه من قبل.
خرجت من حالتها على صوته الضاحك:
_ بتجري كدا ليه يا شبر ونص أنتِ؟
عبست ملامحها فلم يعجبها قوله، واندفعت به متذمرة:
_ بطل تقولي شبر ونص دي بتعصبني
قهقه وليد وقلد عبوسها فتطاولت على ذراعه بيدها مرددة:
_ أنا مش بعمل كدا
أعاد وليد قولها بمشاكسة:
_ أنا مش بعمل كدا
تمادت خلود معه ورفعت يدها تلقنه درسًا لكنه منع وصول يدها إليه، وقد شد قبضته عليها وهو يقول:
_ يابت احترمي نفسك معايا
بعنادٍ صريح هتفت:
_ لما تبطل تضايقني هحترم نفسي..
_ خلود!!
هتفت بها والدتها بصوتٍ غاضب، لاحظه وليد فتراجع للخلف تاركًا يد خلود، بينما ارتعبت هي من لهجتها ونظرت إليها بترقب.
وجهت هناء سؤالها إلى وليد:
_ إزيك يا وليد أخبارك إيه؟
رد عليها بإحترام:
_ الحمدلله يا مرات عمي
لم يجد وليد داعٍ للوقوف فاستأذن منهن:
_ كنت جاي أشوف زكريا لو محتاج حاجة، هجيله وقت تاني يكون فاضي..
أماءت هناء بقبول وودعته ببسمةٍ اختفت فور ذهابه، انعكست تقاسيمها ومالت إلى الحدة، أمسكت ذراع خلود وجذبتها إليها بعنفٍ، ثم همست بتوعد:
_ امشي قدامي..
ترجلن السُلم حتى وصلن إلى الطابق الخاص بهن، دفعتها والدتها داخل البيت وعنفتها بنبرةٍ حادة:
_ إيه اللي أنا شوفته دا؟ ايدك دي بتتمد على ابن عمك ليه؟ وإزاي تسمحي له أصلًا يمسك ايدك؟
حاولت خلود تبرير موقفها:
_ في إيه يا ماما ما أنا متعودة أهزر مع وليد كدا على طول
استنكرت والدتها حديثها السخيف وأردفت مباغتة إياها:
_ دا كان زمان وأنتِ لسه صغيرة، لكن دلوقتي أنتٍ كبرتي ومعتش ينفع أي تلامس بينكم، ولا حتى كلام أكتر من إزيك الله يسلمك غير كدا يبقى عيب وقبل منه حرام
تمردت خلود فلم تقتنع بما تريده والدته فعله:
_ ماما وليد دا زي زكريا بالظبط، بهزر معاه بتلقائية لأنه أخويا مش الحاجات اللي بتفكري فيها دي
استاءت والدتها من تفكيرها المحدود وصاحت موضحة بعض النقاط التي تجهلها او ربما تتعمد تجاهلها:
_ بس هو مش اخوكي، في الآخر ابن عمك ويجوز ليكي، يعني اللمس والهزار والكلام بحساب، وزمان غير دلوقتي، زمان كنتي عيلة مش مسؤولة لكن دلوقتي أنتِ بتتحاسبي على كل تصرفاتك، إذا كان نظرتك ليه اتغيرت أو لا، آخر مرة أشوف اللي شوفته دا سامعة؟!
ابتعدت عنها هناء تاركة إياها تشتعل من الغيظ، لم تقف كثيرًا وهرولت إلى غرفتها بعدم اقتناع لما تجبرها والدتها على فعله.
في الأعلى، اقتربت عليا من أخيها وسألته مستفسرة:
_ عملت إيه مع ليلى، صالحتها؟
أجابها وهو ينتقل بين قنوات التلفاز:
_ اتكلمنا..
عقدت عليا ما بين حاجبيها فكلمته كانت مريبة بالنسبة لها، وأرادت السؤال حولها:
_ يعني راضيتها يعني؟
أدار زكريا رأسه ناظرًا لها وهو يقول:
_ يابنتي بقولك اتكلمنا..
إلتزمت عليا الصمت فهي اعتقدت أنه لا يود الإفصاح عن حواره معها، احترمت خصوصيته ولم تضيف مزيدًا من الأسئلة، وصلت ليلى بعد فترة؛ رحبت بها عليا بحفاوة:
_ نورتي بيتك يا عروسة
ابتسمت ليلى بخجلٍ صريح ورددت بهدوء:
_ دا نورك يا لولو
انضم إليهن زكريا ثم قاموا بمشاهدة ما اشتراه زكريا، ابتسمت عليا بعد أن انتهوا من تفقد جميع الأجهزة ورددت بحبٍ:
_ ربنا يجعله بيت السعادة والهنا، تسكنوه بالعافية يارب
آمنت ليلى على دعائها ممتنة:
_ يارب، تسلميلي يا عليا
ربتت عليا على ظهر أخيها و باليد الأخرى على ذراع ليلى وقالت:
_ وتملوه يارب عيال كتير
أسبق زكريا بالرد قائلًا:
_ حيلك حيلك أنا يدوب واحد أو اتنين ومش دلوقتي كمان..
اندهشت ليلى وكذلك عليا لما تكن أقل منها اندهاشًا، لم تتقبل ليلى قراره وهتفت:
_ وليه إن شاءالله؟ أنا نفسي يكون عندي بيبي ضغنن ألاعبه براحتي.. وبعدين متقاطعش قول إن شاء الله
استشعرت عليا التوتر بينهما ففضلت الإنسحاب، حمحمت ثم قالت بإستيحاء:
_ أنا هنزل أشوف ماما وخلود راحوا فين
أسرعت ليلى في مسك يدها مانعة إياها من النزول:
_ لا خليكي..
لم تريد عليا أن تكون موضع إزعاج لهما فأصرت على النزول:
_ هاجي تاني.. بس هشوفهم اختفوا فجأة فين
لم تطيل وخرجت من البيت مسرعة، أغمضت ليلى عينها في محاولة منها أن تطمئن قلبها وتُذهِب عنها روعها، استجمعت قواها وبنبرة هجومية تحدثت:
_ إيه بقى اللي أنت قولته دا؟ خلفة إيه اللي مش عايزها دلوقتي؟
رمقها زكريا قليلًا ثم أجابها بجدية:
_ زي ما سمعتي كدا، أنا مش عايز دوشة من أولها، أنا عايز اتبسط وأعيش حياتي وبعدين نخلف
_ ودي نعملها إزاي دي؟
تساءلت بحنقٍ فأعطاها زكريا حلولًا:
_ تاخدي أي وسيلة، هو أنا برده اللي هعرفك على الحاجات دي
نظرت إليه ليلى بأعين ضائقة لا تصدق جدية الأمر فرددت متسائلة:
_ زكريا أنت بتتكلم بجد؟
ردد مؤكدًا:
_ أيوا بتكلم جد..
تحولت نظراته إلى مكرٍ واقترب منها بخطىً متهملة، تراجعت ليلى للخلف وهي تحذره بإصبعها:
_ خليك عندك، متقربش..
لم يكترث لتحذيراتها وتابع اقترابه حتى حاصرها بينه وبين الحائط فباتت حبيسة يديه، أخفض رأسه لينظر إليها وهمس بجرأة:
_ أنا راجل بيحب الدلع، عايز اتبسط وبس، أدخل البيت ألاقي فرفشة ودلع ومزاج عالي، متجبليش سيرة عيال غير لما أنا أقول خلاص اكتفيت، نفسي موعت من كتر الدلع
مال بقرب شفتيها وكاد يلثم عليه قبلاته لكنها دفعته بعيدًا وهتفت بصوتٍ مهزوز:
_ أنا ماشية..
لم تنتظر ثانية أخرى وفرت هاربة، بينما إلتوت شفتي زكريا للجانب مشكلًا ابتسامة ماكرة وهمس بينه وبين نفسه:
_ هانت ومتعرفيش تهربي مني تاني..
***
تقف تجلي الأطباق، فاستمعت إلى صوت رنين هاتفها، كفكفت يديها في المنشفة ثم توجهت إليه، وجدتها مكالمة دولية، فأسرعت في الرد بلهفة:
_ جلال يا حبيبي
_ إزيك يا ماما، وحشتيني
قالها متسائلًا فردت عليه إجلال بأعين دامعة:
_ أنا كويسة الحمدلله، وأنت كمان يا حبيبي وحشتني أوي
_ أخبار بابا والدكتورة بتاعتنا إيه؟
بإيجاز أجابته:
_ كلنا كويسين يا حبيبي، طمني عليك وعلى عيالك عاملين ايه؟
_ الحمدلله يا ماما كويسين اطمني، بحاول أكلمكم فيديو من امبارح على موبايل صبا بس ظاهرلي إن الموبايل مقفول فقلقت قولت أكلمك أطمن عليكم، هي في شغلها ولا إيه؟
ارتخت ملامح إجلال، وأخذت تتنفس بعض الهواء فشعر جلال بثمة شيئًا فواصل استرساله متسائلًا:
_ في حاجة حصلت ولا إيه، متقلقنيش..
بترددٍ في إخباره هتفت:
_ والله ما أنا عارفة أقولك ولا لأ
توجس جلال خيفة في نفسه وصاح:
_ في إيه يا ماما متخوفنيش أكتر من كدا
تنهدت ثم بدأت تخبره بالأحداث التي جرت مؤخرًا، بعد قليل، طرقت باب غرفة صبا وولجت بعد أن سمحت إليها، وقفت أمام الفراش وهي تناولها الهاتف موضحة:
_ جلال أخوكي عايز يكلمك..
اتسعت حدقتي صبا، وقد اجتاحها مزيجٍ من الخجل والخوف، ابتلعت ريقها وقامت بأخذ الهاتف منها فقامت إجلال بالإنسحاب إلى الخارج، ثم أجابت صبا أخيها بإستيحاء شديد:
_ جلال..
_ عاملة إيه يا صبا؟
تساءل باهتمامٍ فأجابته مختصرة:
_ الحمدلله
_ إيه اللي أنا سمعته دا يا دكتورة؟
قالها جلال بعدم تصديق، بينما عضت صبا على شفتيها بخجلٍ آكل جوفها، فكانت في وضعٍ لا تُحسد عليه، لم تعرف للإجابة سبيل، ففاجئها جلال بسؤاله:
_ بتحبيه؟
للحظة توقف عقلها، لم تستوعب سؤاله بعد، حمحم جلال وأعاد سؤاله:
_ بتحبيه يا صبا؟
اكتفت صبا بقول:
_ أيوا..
دار بينهما حوارًا كان مفاجأة بالنسبة لصبا، فكانت تصغي لأخيها برهة من الوقت ثم تتأكد من اسمه الظاهر على شاشة الهاتف، فلم تصدق ما يقع على أذنيها.
***
كان يجلس على الأريكة، رافعًا رأسه للأعلى يطالع سقف البيت، لا يصدر منه صوت، على الرغم من الضجة المحدثة في عقله، اقتحمت والدته أفكاره بسؤالها:
_ إيه اللي شاغلك بالشكل دا؟
وجه بصره نحوها وظل فترة يطالعها دون تعقيب ثم ردد:
_ كان ضروري يعني تعرفي محمود؟
_ أيوة كان ضروري، أصل هو لو فاكر إنك ملكش أصل يبقى لازم يعرف ويغير فكرته دي، أنت عبدالله القاضي مينفعش حد يقلل منك أبدًا لا بكلمة ولا بتصرف..
هتفتها بعدم ندم لما فعلته بينما لم يعلق عبدالله وغاص بين أفكاره ثانيةً، فلم يعجبها حالته الذي كان عليها منذ فترة، وتساءلت باهتمامٍ:
_ بتفكر في إيه تاني؟
انتبه عليها وأعدل من جلسته، ثم أجاب:
_ لازم ألاقي شغل بدل قعدتي دي..
بقلبٍ حنون دعت له أحلام:
_ ربنا يفتح أبواب الرزق في وشك يارب
آمن عبدالله على دعائها لكن عقله لم يهدأ وقرر مهاتفه وليد، ربما يستطيع مساعدته:
_ بقولك يابني ما تشوف لي شغل عندك في المصنع اللي بتشتغل فيه..
_ ولو أنه صعب بسبب زيادة العمالة فيه بس هشوفلك حاضر، عنيا ليك يا صاحبي
قالها وليد فردد عبدالله ممتنًا:
_ تسلم يا دود
أنهى الإتصال وقام بإلقاء الهاتف جانبًا، لم يكاد يفعل ذلك حتى صدح رنينه فقام بسحبه بفتورٍ، انعقد جبينه بغرابة حين قرأ اسم المتصل، لاحظت والدته غرابته فتساءلت مستفسىرة عن الأمر:
_ مين بيتصل بيك؟
رفع بصره عليها واجاب بريبة:
_ دا جلال أخو صبا!!
حثته والدته على الإيجاب بقولها:
_ افتح ورد عليه شوفه عايز إيه؟
نهض عبدالله مبتعدًا عن المكان، فضل الوقوف في الشرفة، ليتحدث على راحته دون حرج، أجاب على المكالمة بقلبٍ يخشى سماع أي توبيخات، زفر أنفاسه وقال:
_ جلال، أخبارك إيه؟
_ الحمد لله يا عبدالله، أنت أخبارك إيه طمني عليك
رد بصوتٍ هادئ على عكس ما انتظره عبدالله، وذلك ساعده في الكلام بودٍ دون تكليف وحرج:
_ أنا تمام الحمدلله
تنهد جلال وبدأ حديثه الذي قام بإجراء المكالمة من أجله:
_ أنا ليا عتاب عليك يا صاحبي، كدا برده متصونش الأمانة اللي أبويا أمنك عليها؟
طأطأ عبدالله رأسه خجلًا سيطر على خلاياه، ولجّم لسانه فلم يستطع مواصلة الحديث، بينما واصل جلال حديثه المسترسل:
_ أنت بتحبها بجد يا عبدالله؟
دون تفكيرٍ أجاب بلهفةٍ ونبرة مُتيمة:
_ بحبها!! والله دي كلمة قليلة على اللي في قلبي ليها..
تابع جلال قائلًا بجدية:
_ يعني مستعد تعمل أي حاجة عشانها؟
_ أختك دي لو قالولي أطلع القمر مشي عشانها مش هتردد لحظة
هتفها بفيض من المشاعر الصادقة الذي أحسها جلال، وأردف بصوت رزين:
_ دا اللي كنت عايز أسمعه، أنا هتكلم مع بابا وأقنعه يوافق..
برقت عيني عبدالله بوميضٍ مختلف، وصاح دون تصديق:
_ قول والله؟
_ والله
هتفها جلال من بين ضحكه على أسلوبه الطريف، ثم أضاف بجدية:
_ بس لازم تفهم إن المشوار هيكون طويل، الحج محمود مش بسهولة يوافق على حاجة يقول عليها لأ
بمزاجٍ سوي رد عبدالله:
_ وأنا نفسي طويل، وهفضل وراه لغاية ما يوافق، أصل صبا دي مينفعش تكون لغيري، مقدرش أعيش لحظة من غيرها..
ابتسم جلال بسعادة لسماعه ذلك الكلام، وقبل أن ينهي المكالمة قال له عبدالله ممتنًا:
_ متعرفش أنت ريحتني بمكالمتك دي إزاي يا جلال والله، أنا من وقت ما عم محمود عرف وأخد منها الموبايل ورفض الموضوع كله وأنا حاسس إن كل حاجة قفلت في وشي..
بنبرة رخيمة تحدث جلال:
_ صبا دي بنتي قبل ما تكون اختي، وعلاقتي بيها علاقة صحوبية وسعادتها تهمني حتى لو اللي عملته دا غلط، الإنسان مش معصوم من الغلط المهم ميكررش غلطه تاني، وأبويا مش فاهم إن رفضه دا هيخلي الغلط مستمر، عمومًا أنا هتكلم معاه وربنا يقدم اللي فيه الخير
انتهت المكالمة، وقد انعكس مزاج عبدالله، وغزت البسمة شفتاه، استند براحتي يده على سور الشرفة وأخذ يستنشق بعض الهواء بأريحية.
***
حل المساء سريعًا، عاد محمود إلى منزله؛ أغلق الباب خلفه ونادى بصوتٍ أجش حاد:
_ صبا..
ارتعبت صبا من صوته المرتفع وخرجت تهرول، وقفت أمام الباب ترمقه دون حديث، بينما سحب محمود الهاتف من جيب جلبابه وقام بإعطائه لها مرددًا:
_ خدي الموبايل، وارجعي شغلك، وإوعي تفكري إني سامحتك على اللي عملتيه فيا!!
دمعت عيناي صبا واقتربت منه بِضع خُطوات وأردفت بحزنٍ يطغوا على نبرتها:
_ مش عايزة موبايل ولا شغل طلاما أنت زعلان مني، هما مش أهم عندي منك
دنت منه وتعلقت في ذراعه متوسلة إياه متلهفة لمسامحته:
_ أنا آسفة يا بابا، عشان خاطري سامحني، عمري ما زعلتك قبل كدا لأن رضاك عندي مهم جدًا، أنا موافقة أعمل أي حاجة تطلبها بس تسامحني
صوب محمود بصره عليها وردد سؤاله:
_ يعني لو قولتلك مسامحك هتنسي موضوع عبدالله دا؟!
تفاجئت صبا بحديثه، آلمها قلبها للغاية فلم تكن معادلة منصفة بالمرة، اغرورقت عينيها بالدموع ولم تعقب، تنهد محمود وبهدوءٍ تابع:
_ اتكلمي يا صبا، أنا سامح لك تقولي اللي عندك، مش هزعل من كلامك..
بصوتٍ مهزوز يكسوه حشرجة البكاء قالت:
_ يا بابا أنت أغلى حاجة في حياتي وزعلك مهم أوي عندي، و...
صمتت من تلقاء نفسها و أخذت شهيقًا عميق ثم واصلت:
_ وعبدالله غالي على قلبي، أنا آه غلطت إني سمحت نتكلم من وراك بس ميبقاش العقاب إنك تكسرلي قلبي
نكست رأسها في آسى شديد وأضافت من بين دموعها التي تنهمر:
_ بس لو دا يرضي حضرتك، أنا هعمله...
تفاجئت صبا بجذب والدها لها فارتمت بين ذراعيه، مُطلِقة آناتٍ وشهقاتٍ موجوعة كانت حبيسة داخلها، شد محمود علي ظهرها بقوة وهتف:
_ ما عاش اللي يكسر لك قلبك يا دكتورة..
إزداد نحيب صبا بسعادة حينما تيقنت أنه سامحها من خلف كلماته، احتضنته بشدة وظلت تقبل وجهه ويديه بحميمية وسألته بفضولٍ:
_ يعني سامحتني صح؟
رمش محمود بأهدابه مرات عديدة ليُثبت صِدق مسامحته لها، أعاد إعطائها الهاتف فأخذته بسعادة ثم عضت على شفاها فلم تتحلى بالجرأة التي تطرح عليه سؤالها، فاستشف محمود ما يوجد خلف حركاتها وقال:
_ بفكر لسه يا دكتورة..
اتسع ثغرها ببسمةٍ وصلت إلى آذانها من شدتها، اقتربت منه مرةً أخرى وقامت بتقبيل وجنته ثم قالت بحبٍ:
_ ربنا يباركلي فيك بابا..
عادت إلى الغرفة تقفز وتغني في الهواء، فالسعادة أسيرة قلبها الأن، كادت ترسل رسالة إلى عبدالله إلا أنها تراجعت، فستأخذ عهدًا مع نفسها بألا تعيد تكرار خطئها، وتترك الأمور تسير في مسارها الصحيح، أخرجت تنهيدة مُحملة بين طياتها سعادة لا تكفي الكون بأكمله، استقلت بجسدها على الفراش وطالعت السقف وهي تحتضن بيدها الهاتف، فعلى ما يبدو أن أمر ارتباطهما على وشك التحقيق.
***
دلف آدم غرفته بعد يومٍ شاق في العمل، جلس على الفراش وقام بعمل اتصال عليه إجرائه، وتحدث فور إجابة الطرف الآخر:
_ هتنفذ اللي اتفقنا عليه امتى يا حمادة؟
_ كمان يومين كدا يا آدم باشا، وهو مشغول في فرح صاحبه هقدر وقتها أنفذ..
قالها حمادة بنبرة تطمح في الإنتقام من عبدالله، ثم واصل حديثه:
_ متنساش أنت بس اللي اتفقنا عليه..
رواية علي دروب الهوي الفصل العاشر 10 - بقلم تسنيم المرشدي
دومًا ما تسير الأمور جيدة للغاية قبل النهاية؛ حتى يقتنع عقلك ويرسُم لك نهاية سعيدة، لكنها حيلة تقع في براثينها ثم تكتشف أنه تم خداعك، النهايات ليست سعيدة دائمًا.
***
بعد مرور عدة أيام؛ صباح يوم الزفاف، يقف زكريا برفقة عبدالله ووليد يتابعون بناء السُرادق وبعض الترتيبات داخله، ضرب عبدالله يد زكريا بخفة فانتبه عليه الآخر ليردف عبدالله اقتراحه بنبرة رخيمة:
_ أنت واقف هنا بتعمل إيه، مش لسه قدامك تجهيزات تعملها، روح خلص اللي وراك وأنا ووليد وافقين هنا..
كاد يعارض زكريا اقتراحه:
_ بس..
لم يعطيه عبدالله فرصة للإعتراض وأصر على ذهابه:
_ مفيش بس، امشي ومتقلقش هو أنت سايب وراك كتاكيت..
غمزه وليد مازحًا:
_ إحنا دُكُرة
قهقه زكريا وكذلك عبدالله ثم انسحب زكريا عائدًا إلى منزله لينهي ما عليه فعله قبل بدء حفل الزفاف، بينما نظر عبدالله إلى وليد وشاكسه بنبرة مرحة:
_ شوف شغلك يا كتكوت
تقوس ثغر وليد بإبتسامة طريفة وردد:
_ ماشي يا دكر..
تفحص عبدالله المكان من حوله بمللٍ؛ وصاح عاليًا:
_ هو مفيش حاجة تتسمع في أم المكان دا
توجه إلى أحد الشباب المسؤولة عن تنظيم الحفل وحادثه:
_ أنت مش بتجرب سماعاتك ليه يا غالي؟ شغل لنا حاجة رايقة كدا
أماء الشاب بقبول وسأله مستفسرًا:
_ عايز تسمع إيه؟
_ حاجة لميادة الحناوي، مثلًا أنا بعشقك
هتفها بحماسٍ ثم استدار برأسه مُصوبًا عينيه على منزل صبا، ينتظر ظهورها الفريد بفروغ صبر.
***
تململت في الفراش بكسلاٍ، لم تستطع النهوض من أسفل الغطاء وترك الفراش، أغمضت عينيها بفتورٍ حين اهتز هاتفها الموضوع إلى وضع الصامت، سحبته من أعلى الكومود فوجدته ذلك الرقم يعاود اتصالاته من جديد.
نفخت بضجرٍ وأجابت بعد أن أعدلت جلستها:
_ ألو..
_ أخيرًا رديتي
قالها بصوتًا متحمس لوصوله إلى هدفه، بينما تنهدت وهتفت مستاءة:
_ أنت عايز مني؟ رنيت وأنا مردتش؟ مصمم ترن تاني ليه؟
_ أنتِ بتعامليني كدا ليه يا صبا؟
تساءل مستفسرًا فلم تتحمل صبا تعديه حدوده وهدرت به مندفعة:
_ صبا!! مسمحلكش تتعدى حدودك معايا، أنت مجرد كنت مريض عندي، يعني بالنسبة لك دكتورة صبا يا... باشمهندس
أخذ عاصم نفسًا زفره على مهل وردد:
_ تمام، طب إيه مش هتسألي جبت رقمك منين؟
_ اللي وصل لعنوان بيتي مش صعب عليه يوصل لرقمي!
أردفتها بتهكمٍ، فضحك عاصم وهو يحك مؤخرة رأسه وردد بصوتٍ ضاحك:
_ عندك حق..
ساد الصمت لثوانٍ ثم قطعته صبا بسؤالها الصارم:
_ أنت عايز مني إيه؟ خليك واضح لو سمحت
_ عايزك!
قالها دون تفكير، فرددت صبا بصدمة:
_ برده؟!
أسرع عاصم بتوضيح غايته من كلمته:
_ متفهميش غلط، أنا معجب بيكي ونفسي تديني فرصة أعرفك عليا..
لم تتفاجئ كثيرًا فما قاله كان ضمن اعتقاداتها، أغمضت عينيها لترتب حديثها قبل قوله، شهيقًا وزفيرًا فعلت ثم قالت بلهجة جافة:
_ أنا مخطوبة، ومعتقدش في شرعنا ينفع إن الست ترتبط باتنين، ياريت حضرتك متكلمنيش تاني ولا تعمل أي تصرف مش محسوب عشان متعمليش مشاكل في حياتي..
لم تضيف المزيد وأنهت المكالمة على الفور ثم وضعت رقمه في قائمة المحظورين، عادت بظهرها مستلقية على الفراش، حدقت بالسقف وقد قادها حنينها إلى ساكن قلبها، تنهدت بشوقٍ فلقد فاق اشتياقها له حد السماء.
انتبهت على صوت الموسيقى الصادر من الخارج، اتسعت عينيها حين عرفت الأغنية، شعرت بالغرابة حيال ما يحدث ولم تتردد في الذهاب ومعرفة من أين تاتي، لم ترى شيئًا من شرفة غرفتها فالبيوت حاجبة الرؤية.
أسرعت إلى الخارج ووقفت في أحد النوافذ التي تطل على الشارع، فتفاجئت بنصب السُرادق، وحبيب فؤداها يقف هناك لكن عينيه مُصوبة على نافذتها، غمزها فور رؤيته لها فانشرح ثغرها ببسمةٍ سعيدة.
انضمت إليها والدتها عندما وصل صوت الأغاني إلى مسمعها، فعضت صبا على شفتاها خافية ابتسمامتها، وتابعت ما يحدث في هدوء، لا يشبه الضجة المُحدثة داخلها، فقلبها يتراقص على أنغام الموسيقى وكلمات الأغنية المحببة إلى قلبها.
لاحظت إجلال نظرات عبدالله التي تُرفع عليهن من حينٍ لآخر وقالت:
_ مجنون..
خفق قلب صبا بخوفٍ وتساءلت مصطنعة عدم فهمها:
_ تقصدي مين؟
رفعت إجلال إحدى حاجبيها وأخفضت الآخر، وهتفت مازحة:
_ اللي مشغلك ميادة الحناوي، تقولك أنا بعشقِك
تفاجئت صبا بانكشاف أمرهما، تلونت وجنتيها بالحُمرة، زادت من عض شفاها بخجلٍ بائن، كما فشلت في إخفاء ابتسامة وجهها التي غزت شفتيها دون إرادة منها.
بينما إلتزمت إجلال الصمت لكي لا تزيد من خجلها، وتابعن ما يحدث في الخارج دون تعقيب، حمدت صبا ربها أن والدتها قد توقفت عن إلقاء الكلمات التي تثير حيائها وتزيد من توترها.
فلم يتوقف قلبها عن النبض بقوة وهي تراه يتراقص بجاذبية مع ألحان الموسيقى كأنه يُهديها كلمات الأغنية التى تُرددها بخفوت مستندة برأسها على جانب النافذة حتى انتهت الأغنية فقامت بإغلاق الناقذة وعادت للداخل.
سؤال والدتها قد أوقفها قبل دلوفها الغرفة:
_ أنتِ مش بتروحي شغلك ليه؟ مش أبوكي سمح لك تنزلي؟
لم تتحلى صبا بالشجاعة لكي تخبرها بالسبب الحقيقي، فاختقلت كلماتٍ تُسكتها:
_ محتاجة أخد هُدنة شوية وبعدين هرجع تاني..
_ ودا مش هيأثر عليكي؟ أنتِ حتى مش أخدة إذن من مديرك؟
قالتها إجلال خشية أن تخسر ابنتها عملها، أخرجت صبا تنيهدة بطيئة، فداخلها تناقُض يُشتِت قراراتها، فجزءًا يأبى العودة إلى المستشفى دون حبيبها، والجزء الآخر يود كثيرًا عودتها لعملها، فلم تصل إلى مكانتها في تلك المستشفى بسهولة، وخسارتها حتمًا ستكون كبيرة.
عادت إلى أرض الواقع مستمعة لنصيحة والدتها:
_ خلي بالك أصل غيابك يقلب ضدك، وتخسري شغلك، وأنتِ أكتر واحدة عارفة أبوكي عمل إيه عشان تشتغلي في مستشفى ليها اسمها زي دي
أومأت صبا مرارًا فهي على دراية كاملة بعواقب الأمور، زفرت أنفاسها وأردفت عازمة أمرها:
_ هرجع بكرة إن شاء الله
أسرعت إلى غرفتها هاربة من عيون والدتها، أغمضت عينيها ووضعت راحة يدها على صدرها داعية بتمني داخلها أن تسير الأمور كما تريدها.
***
بعد ساعاتٍ، وقف عبدالله أمام المرآة يرتدي سترة حُلته ذات اللون الكحلي القاتم، وضع من قنينة عطره على ثائر حُلته، ثم قام بتفقد نفسه للمرة الأخيرة قبل أن يذهب، خرج من غرفته على عجالة من أمره، فقابلته والدته بإبتسامة عريضة وهتفت عاليًا وهي تتغزل به:
_ دا لو أبو صبا موافقش بعد الطلة دي يبقى راجل مبيفهمش صحيح..
قهقه عبدالله ثم قال وهو يتنهد بنفاذ صبر:
_ ربك يسهلها يا أحلام، ادعيلي أنتِ بس
_ وأنا يواد مستنياك تقولي ادعي لك
هتفتها متذمرة فصاح عبدالله ممازحًا إياها:
_ يعني أنتِ بتدعيلي وكل حاجة واقفة كدا، طب بطلي تدعي بقى يمكن تظبط
تفاجئت أحلام بمزاحه الثقيل، وقامت بلكز ذراعه ثم قالت مستاءة:
_ بقى كدا يا عبدالله، ماشي
ابتسم بخفة ثم انحنى على جبينها واضعًا قُبلة عليه وأردف وهو يتراجع:
_ أنتِ الحب كله يا أحلام، هو أنا ليا غيرك
توجه نحو الباب وأضاف على عجالة:
_ أنا نازل عشان متأخرش على زكريا، كلميني لو احتجتي حاجة
أومأت برأسها بينما غادر عبدالله سريعًا حتى لا يتأخر على صديقه.
***
انتهت عليا من عقد رابطة عنُق أخيها، ثم ألقت نظرة متفحصة أخيرة ورددت بإعجاب شديد:
_ زي القمر يا روح قلبي، ربنا يجعل يومك جميل شبهك
داعب زكريا أنفها بمشاكسة وهو يهتف:
_ حبيبتي يا لولو، عقبال يومك
اكتفت بابتسامة خجولة، بينما خرج زكريا من غرفته فأطلقت والدته الزغاريد عاليًا، تهافت عليه الجميع وقاموا بالمباركة له، انسحبت خلود خارج المنزل عندما سمعت رنين الجرس، ابتسمت لوليد وحدجته بنظرة سريعة ثم رددت مازحة:
_ اش اش اش، شكلك حلو وأنت نضيف
فغر وليد فاهه فلقد فاجئته بوقاحتها، ضيق عينيه ورمقها بغيظٍ ثم قال وهو يحدق بكل أنشٍ بها:
_ وأنتِ ناقص لك حزام وتبقى رقاصة
_ رقاصة!! أنا رقاصة يا وليد؟
هتفت خلود بصدمةٍ يشوبها الغيظ الشديد، بينما قهقه الآخر عاليًا وغمزها بمشاكسة:
_ أخوكي جِهز يا رقاصة ولا لسه؟
وضعت خلود كلتى يديها في منتصف خَصِرها وضربت الأرض بتزمجر شديد ثم صاحت بملامح مشدودة ناهيك عن إبهامها الموجه في وجه وليد:
_ بطل تقول الكلمة المستفزة دي..
أسرعت في إنزال إصبعها عندما استمعت لصوت والدتها القريب، تنحت جانبًا ووقفت ترتدي حذائها وكأنها لم ترى وليد، انضمت هناء إليهما ببسمةٍ باهتة حينما وجدتهما يقفان معًا، رمقت خلود بنظراتٍ متوعدة ثم وجهت حديثها إلى وليد:
_ اسم الله عليك أنت وابن عمك ربنا يحميكم من العين
بحرجٍ وامتنان رد عليها:
_ دا من ذوقك من مرات عمي، العريس فين، خلص؟
تولى زكريا الرد عندما وصل إلى الباب:
_ أيوا خلصت، عبدالله جه؟
أماء وليد بتأكيد قبل أن يردد:
_ واقف تحت مستنيك تنزل..
أومأ زكريا برأسه وقال:
_ هجيب موبايلي ومفاتيحي ونازل
عاد إلى الداخل بينما رفعت خلود عينها على والدتها وأردفت بهدوءٍ خشية أن تنال غضبها:
_ هسبق أنا زكريا تحت يا ماما، عشان رجلي تاخد على الكعب دا ..
لم تعترض هناء بل سمحت لها ثم ولجت للداخل عندما نادها زكريا، بينما تحركت خلود بذلك الكعب الذي آلم قدمها وأعاق سيرها، جاهدت نفسها بأن تسير بخُطواتٍ مستقيمة لكنها فشلت، فكانت خُطواتها عرجاء تميل إلى جانبيها، تأففت بضجرٍ وصاحت:
_ لا مش وقتك خالص..
تابعت نزولها تحت نظرات وليد المتابعة لها، فكان يبتسم على حالتها المثيرة للضحك، ترجل الدرج خلفها فأسرعت هي من خُطاها فانزلقت قدمها اليُمنى، رفعت يدها في الهواء محاولة التشبث بشيءٍ قبل أن تقع، فتفاجئت بذراع وليد يلتقطها ويُعيدها إليه في حركة سريعة.
تقابلت أعينهما معًا فخفق قلبها بشدة، حتى شعرت أنه سيمزق فستانها من شدة تدفقه، أعدلت وقفت فأزاح وليد يده عنها مرددًا باسيتاء واضح:
_ لما أنتِ مش بتعرفي تمشي في الحاجات دي بتلبسيها ليه؟
حدت من ملامح وجهها وحدثته بهجومٍ:
_ بعرف أمشي عادي، بس الهيلز جديد ولسه مش متعودة عليه..
حرك رأسه متفهمًا أمرها قبل أن يردد:
_ طب انزلي يلا...
رفضت النزول وتحدثت بعنادٍ صريح:
_ انزل أنت الأول..
_ خليني وراكي، يمكن تحتاجيني لما تقعي تاني..
قالها وليد وهو يضحك، فزاد من غيظها وهتفت متذمرة:
_ بطل ضحك، وأدي الهيلز أهو..
انحنت على قدميها وقامت بخلع حذائها وأمسكته في يدها ثم أضافت وهي تحدق بعينيه:
_ يلا اتفضل انزل بقى..
لم يكف وليد عن الضحك، تخطاها إلى أن اختفى من أمامها، بينما وقفت خلود تستنشق الصعداء، أغمضت عينيها محاولة التحكم فيما يحدث داخلها، لكن بائت محاولاتها بالفشل، فكان قلبها ينبض بصورة عنيفة كلما تذكرت أنها كانت قريبة للغاية منه، حاولت ضبط أنفاسها بأخذ شهيقًا عميق وزفره على مهلٍ حتى هدأت قليلًا، تابعت نزولها إلى أن وصلت إلى المدخل، وقفت ترتدي حذائها ولم تبرح مكانها في انتظار ترجل أخيها.
***
بعد قليل، ظهر زكريا بهيئته الجاذبية، دعس الشباب الذين في انتظاره على زمور السيارات خاصتهم مهللين عاليًا بفرحة، غزت الإبتسامة وجه زكريا واقترب من سيارة عبدالله بعد أن أشار للجميع شاكرًا إياهم على لطفهم، فتح عبدالله ذراعيه على مسرعيه هاتفًا بحماسٍ:
_ صاحبي يا صاحبي
دخل زكريا في أحضانه وشد عبدالله على ظهره بحبٍ واضح:
_ مبروك يا حبيبي
تراجع زكريا وهو يجيبه:
_ الله يبارك فيك
غمزه ولكز ذراعه بخفة ثم أضاف:
_ عقبالك يا صاحبي
تنهد عبدالله بحرارة وآمن بقلبٍ يتمنى بشدة:
_ يارب، يارب
أشار زكريا إلى شقيقته فجاءته راكضة، قام بفتح باب السيارة الخلفي لها، فهمت بالركوب، بينما استقلا الشابين المقاعد الأمامية للسيارة، ظل زكريا متابعًا ركوب عليا سيارة خطيبها ثم تحركوا أولًا وتلاهم حشد من السيارات محدثين ضجة كبيرة في المكان.
وصلا إلى أحد مراكز التجميل، ترجل زكريا من السيارة وانضممن له شقيقتيه، ثم ولجوا المركز، لحظاتٍ فارقة تفصل بين زكريا ورؤياه لـ ليلى.
هبطت الدرج بحذرٍ، حتى وقفت خلفه ثم أخذت نفسًا وقامت بإصدار صوتًا يخبره بوصولها، التفت زكريا بجسده لتظهر له تلك الفاتنة في ثوبها الأبيض الذي لاق لها كثيرًا وكأنه صُمم لها فقط، إلتوت شفتي زكريا للجانب فشكل ابتسامة جذابة زادته وسامة، دنا منها وقام باحتضانها متغزلًا بها:
_ إيه الحلويات دي بس
ابتسمت ليلى برقة واستكانت بين ذراعيه، لكن سرعان ما تجدد خوفها فانقبض قلبها وشحب وجهها، تراجع زكريا للخلف فلاحظ ملامح وجهها المتوترة فأسرع في سؤالها:
_ أنتِ مش فرحانة ولا إيه؟
ابتلعت ريقها وأجابته مختصرة:
_ خايفة يحصل حاجة والفرح ميكملش!!
وقف زكريا مشدوهًا مستنكرًا خوفها، ولم يستطع منع لسانه الذي قال:
_ أعملك إيه أكتر من كدا عشان متخافيش، النهاردة فرحنا وأنتِ العروسة وأنا العريس، افرحي بقى يا بومة
فغرت فاها بصدمةٍ؛ ورددت مستاءة:
_ أنا بومة يا زكريا؟!
نكست رأسها بحزنٍ وقد راودها شعورًا سيء لحظتها، قلب زكريا عينيه بنفاذ صبر لكنه تحلى ببعض الصبر لكي يمرق اليوم بسلام، اقترب منها وقام برفع رأسها ثم قبل جبينها وأردف بتوسلٍ:
_ أنا اللي بومة متزعليش، بس عشان خاطري مش كدا بقى، النهاردة فرحنا مفيش مكان للزعل ولا للخوف.. ممكن؟
أطالت ليلى النظر به ثم أومأت رأسها بقبول، فعاد زكريا مبتسمًا وناولها باقة الزهور، التقطتها منه وتعلقت في ذراعه فخرج بها زكريا من المكان وقام بمساعدتها للدخول إلى السيارة.
ثم حاول الركوب فلم يجد مكانًا له، انحنى بجسده ومال لكي يراها وهي الداخل وقال مازحًا:
_ طب إمشي أنت يا عبدالله وأنا هاجي مواصلات، أصل الفستان قاعد مرتاح وأنا مش لاقي مكان أقعد فيه..
انفجرا الجميع في الضحك، وبعد محاولاتٍ نجح في الجلوس بجوارها، تحركت بهم السيارة فمدت ليلى يدها وقامت باحتضان يد زكريا الذي شد على يدها ثم غمزها ومال على أذنها وهمس:
_ فات الكتير وما بقى إلا القليل...
اكتفت برسم ابتسامة خجولة ثم تابعت الخارج هاربة من نظراته الوقحة التي يطالعها بها، عاد زكريا ناظرًا إلى صديقه وصاح:
_ شغل لنا حاجة يابني..
بعد فترة، كان الجميع يقف في انتظار إنتهاء العروسين من التصوير، اقترب وليد من خلود وحادثها:
_ ما تروحي تقعدي في العربية بدل وقفتك دي..
_ أنا مرتاحة هنا..
قالتها بصرامة ثم أبعدت نظريها عنه غير آبية لنظراته المُستشاطة غيظًا من أسلوبها الهجومي، ثم راودها سؤالًا وأرادت سماع إجابته منه، أخذت نفسًا وعاودت النظر إليه وبأسلوبٍ لطيف لا يشبه صوتها منذ قليل سألته:
_ هو أنا فعلا شكلي مبالغ فيه؟ شكلي رقاصة بجد؟!
ضحك وليد ثم أشاح نظره عنها وأجابها بصوتٍ رخيم:
_ لأ، شكلك حلو..
أدار رأسه نحوه وأضاف:
_ أوي..
ابتسمت خلود برقة، ثم استدارت بجسدها سريعًا متصنعة تأملها الحديقة من حولها، وسرعان ما ازدادت ابتسامتها بهجة، ظلت تتنقل من مكانٍ لآخر وبين سيرها تختلس نظرة سريعة على وليد الذي يتابع تحركاتها حتى سقطت عينيه على أحد الشباب الذين ينظرون إليها بعيون وقحة.
جرت الدماء في عروقه وتوجه نحوها بملامح مشدودة، وهتف أمرًا عند وصوله إليها:
_ روحي اقعدي في العربية..
كادت تعارضه إلا أنه منع ذلك بانفعاله:
_ سمعتي أنا قولت إيه؟!
تجهمت تعابير خلود ورمقته بغيظٍ شديد ثم رفعت طرف فستانها ليسهل عليها التحرك، فظهرت قدميها بوضوحٍ لعيني وليد فصاح بضيق:
_ نزلي الفستان دا..
تركت خلود الفستان وهتفت بغيظٍ:
_ أووف
توجهت نحو السيارة ثم استقلت المقعد، عقدت يدها أمام صدرها وصوبت بصرها على وليد وظلت ترمقه بنظراتٍ ثاقبة تتوعد له دخلها.
بعد مرور بعض الوقت، انتهوا من التصوير ثم تحركت السيارات متجهين إلى المنطقة حيث المكان المُقام به الحفل.
***
عِند حلول المساء، كان يجلس على الأريكة يستعد لبدء خِطته، صوب بصره نحو زوجته التي وضعت أمامه الطعام ثم انصرفت إلى الغرفة مُسرعة دون أن تلتفت، نهض وتوجه إليها، أمسك ذراعها وأرغمها على الإلتفاف إليه، وبنبرةٍ نادمة تحدث:
_ هتفضلي مش بتكلميني كدا كتير؟ أنا معتش قادر استحمل تجاهلك دا، خانقني يا زينب
سحبت ذراعها بهدوء وأعادته إلى جوارها وبنبرةٍ جافة من أي مشاعر قالت:
_ وأنا المفروض كمان مخدش من موقف؟ يعني تضربني وتوصلني للحالة اللي وصلت فيها وكمان تتهمني في أخلاقي وأجي أبوس راسك وأقولك سامحني ولا إيه مش فاهمة؟
طأطأ حمادة رأسه بخزيٍ مصطنع وحاول الإتيان بكلماتٍ ترضي كرامتها حتى يكون سهل عليه إرضائها:
_ أنا عارف إني غلطان، وغلطي كبير ومش عارف أعمل إيه عشان تسامحيني..
أمسك يديها بتلهفٍ؛ طالبًا العفو والسماح منها:
_ لو ليا خاطر عندك سامحيني، دا أنا حمادة حبيبك، مقدرش أبدًا على زعلك
تشدقت زينب ساخرة وهي تردف بتهكم:
_ متقدرش على زعلي لكن تقدر تمد ايدك عليا، أنا كنت هموت في ايدك، أنت أذتني وأذيت ابني كان ممكن ينزل من قبل ما أعرف أصلًا إنه موجود!!
تراجعت للخلف وأولته ظهرها هاتفة ببغضٍ:
_ أنا آسفة مش قادرة أسامحك بسهولة كدا..
صر حمادة أسنانه وتجهمت تقاسيم وجهه بضيقٍ؛ فهي تُشكل عائقًا أمام خطته، أخذ نفسًا عميقًا ووقف أمامها ثم جسى على ركبتيه محاولًا تقبيل قدمها:
_ أنا أسف، عشان خاطري إنسي وسامحيني
صعقت زينب من تصرفه، لم تتوقع اعتذارًا مهين هكذا، أسرعت في الإنحناء عليه وقامت بإجباره على الوقوف قائلة:
_ بس بس خلاص.. متعملش كدا
وقف حمادة وطالعها بعيون لامعة تهدد بالبكاء مردفًا كلماتًا تثير شفقتها:
_ أنا بحبك، ومش قادر على زعلك مني، أنا آسف لو لسه بتحبيني سامحيني، آخر مرة صدقيني مش هعمل كدا تاني
رأت زينب الصدق في عينيه؛ فلم تره يتوسل لها مثل ما يفعل الأن، تأثرت بحالته وشعرت بألمٍ في قلبها لنفسه الضعيفة في ذلك الوقت، وقررت بألا تطيل الأمر، فهو قدم لها وعدًا بألا يعد فعلته ثانيةً.
_ خلاص مفيش حاجة، بس أنت قولت آخر مرة تعمل كدا
أردفت متآملة خيرًا فيه، بينما أكد حمادة على حديثها:
_ دا أنا اقطع ايدي قبل ما تتمد عليكي تاني..
ابتهج حمادة وانعكس ابتهاجه على شفتيه التي اتسعت ببسمةِ انتصار، اقترب منها وقام باحتضانها بقوة فلم تبادله زينب العناق فجرحها لم يُشفى بعد.
تراجع حمادة للخلف ثم أمسك بها وأرغمها على السير حتى وصل إلى الفراش وقال:
_ اقعدي ارتاحي أنتِ وأنا هعمل لنا اتنين عصير نشربهم سوا..
خرج من الغرفة تحت نظراتها المتابعة له؛ شعرت بريبة داخلها تجاه تصرفاته الذي يتعامل بها معها للمرة الأولى، ربما نادم حقًا، هذا ما أقنعت به عقلها.
بينما وقف حمادة في المطبخ، لم تختفي الإبتسامة من على شفتيه، فلقد نجح في أولى خُطواته التي ستقربه من خطته، أخرج من جيب بنطاله عُلبة بحجم الإصبع، ثم قام بوضع حبة منها داخل العصير الخاص بزينب، وقام بتقليب العصير جيدًا حتى لم يعد هناك آثارً لها ثم عاود إلى الغرفة، مبتسمًا بحب، ناولها خاصتها ثم ارتشف كوبه وكذلك فعلت هي.
وحينما انتهوا من العصير؛ جلس حمادة أمامها ومشى أصابعه على ذراعها بحركات طولية فسبب لها القشعريرة، دنا منها حتى لم يعد يفصلهما سوا الهواء الذي يمر من بينهما وهمس أمام شفاها برغبة تعمد إظهارها، ثم سمح لنفسه بتقبيل شفتيها بحرارة مواصلًا همسه:
_ وحشتيني أوي..
كان جسدها يرفضه وبشده، لا تنجح في مسايرة رغباته وإسداء جوارحه، شعرت بدُوار مفاجئ في رأسها ثم تشويش في رؤيتها حتى غابت عن الوعي، توقف حمادة وناداها مرارًا ليتأكد من ذهاب عقلها.
ثم نهض مبتعدًا عنها وأعاد هندمة ملابسه، وغادر المنزل ليبدأ في تنفيذ الجزء الأخير من خطته.
***
وقفت أمام المرآة تتفقد فستانها ذو اللون البنفسجي، بدت رقيقة الملامح وجاذبية المظهر، قلبها يخفق بقوة كلما تذكرت أنها ستتقابل مع حبيبها بعد لحظاتٍ عن قُرب بعد أيامٍ عجاف لم تره بها، خرجت من الغرفة فابتسمت والدتها تلقائيًا لمظهرها الحَسِن ورددت بحب:
_ اسم الله عليكي، ربنا يحميكي من عيون الناس
تقوس ثغر صبا ببسمةٍ خجولة ثم لاحظت نظرات والدها المتأملة بجمالها لكنه لم يعقب، شعرت بالضيق داخلها لأنه لم يعد مثل السابق، تنهدت بحزنٍ ثم انتبهت عليه وهو يخبرها:
_ عايز أتكلم معاكي في حاجة بعد الفرح..
أماءت بقبول، ثم تبخر حزنها وتجدد عنفوان قلبها، فعلى ما يبدوا أنه يود محادثتها عن عبدالله، أسبق محمود إلى الأسفل بينما ترجلت صبا ووالدتها السُلم معًا، تسارعت نبضاتها فجأة حين رأت عبدالله يقف في زاويةٍ قريبة يشاهدها، حمحمت لتجذب انتباه والدتها وقالت:
_ أنا نسيت موبايلي، هطلع أجيبه وأجي، روحي أنتِ وأنا جاية وراكي
رفضت والدتها الذهاب مُعللة:
_ لا اطلعي هاتيه بسرعة وأنا واقفة مستنياكي هنا عشان ندخل مع بعض
ابتلعت صبا ريقها وبإصرارٍ واضح أردفت:
_ اسبقيني أنتِ عشان تحجزي مكان نقعد فيه وأنا مش هتأخر..
زفرت إجلال أنفاسها ثم قالت قبل أن تذهب:
_ تمام، متتأخريش
تصنعت صبا عودتها إلى الداخل حتى تأكدت من ذهاب والدتها فخرجت مسرعة، وتوجهت ناحية عبدالله الذي أسبق خُطاه إلى ذلك الزُقاق الذي اعتاد محادثتها منه.
تَبِعته صبا حتى وقفت أمامه، فيض من المشاعر قد انتابهما، كانا ينظران إلى بعضهما بشوقٍ حار، لمعت عيني عبدالله حينما ارتوت من رؤيتها وقال بهُيام:
_ وحشتيني يا دكترة
ابتسمت برقةٍ وهي منكسة الرأس لا تستطع مواجهة عينيه من فرط خجلها، وأجابته بخفوت:
_ وأنت كمان
ود عبدالله كثيرًا لو لديه الصلاحية لجذبها إلى حضنه ربما يطفئ لهيب عشقه، استنكر عبدالله تفكيره، فلم يفكر هكذا من قبل، حرك رأسه يطرد أفكاره، وعاد إليها بنظراتٍ بريئة يكسوها الحب، تفحص فستانها الرقيق وغازلها بلطفٍ:
_ أنتِ من شارع الحلوين؟
رفعت صبا رأسها عاقدة مابين حاجبيها بغرابة فأوضح عبدالله ما وراء سؤاله المُبهم:
_ أصلك حلوة أوي
تفاجئت صبا بغزله، فحركت عينيها يمينًا ويسارًا هاربة من عينيه، فضحك عبدالله على وضعها ثم انتبه على القلادة التي تغزو صدرها فعقب قائًلا:
_ هي مالها السلسلة احلوت كدا ليه؟
أخفضت صبا بصرها على القلادة وقامت بتحسسها
متسائلة بعدم فهم:
_ إزاي يعني؟
أوضح عبدالله ما يعنيه من قوله، وهو يغمزها:
_ من وقت ما لبستيها وحلاوتها زادت حتة
أسرعت صبا في إخفاء وجهها بيُمناها وهتفت بتوسلٍ:
_ بطل كلامك دا لو سمحت، مش بعرف أرد عليه وبيوترني..
لم يطيل عبدالله حتى لا يزيد من خجلها، وقال بإيجاز:
_ خلاص بطلت ، بُصيلي بقى
أزاحت صبا يدها عن وجهها فقام عبدالله بتخلل قميصه وأخرج القلادة خاصته وبتمني في نبرته أردف:
_ يارب القلوب تتلاقى قريب
لمعت بؤبؤتي صبا وأعادت تحسس قلادتها مجيبة إياه بثقة:
_ هيجتمعوا قريب، أنا واثقة من كدا
مال عبدالله برأسه رامقها بعذوبة وبصوتٍ رخيم قال:
_ وأنا فيه حاجة مصبراني على اللي بيحصل دا غير ثقتك دي
سحبت صبا نفسًا زفرته بحماسه، ثم اقتربت منه قليلًا وأخبرته بالأحداث الأخيرة:
_ بابا رجع لي الموبايل، وسمح لي أرجع الشغل، والنهاردة قبل ما ننزل قالي عايز أتكلم معاكي بعد ما نرجع من الفرح، أنا متأكدة إنه هيقولي إنه موافق على ارتباطنا..
دقت أسارير السعادة قلب عبدالله الذي انشرح صدره وابتسم ببلاهة وهو يردد:
_ بالله؟
ضحكت صبا بصوتٍ لم يتعدى مستواه كليهما وأكدت حديثها:
_ بالله
دار عبدالله حول نفسه وهو يردد بسعادة عارمة:
_ يا أحلى يوم في حياتي..
توقف فجأة وتفقد تاريخ اليوم في هاتفه ثم أعاده في جيب بنطاله وشكل بيديه مربعًا على الهواء وهو يردد:
_ ٢-٢ يوم مميز في حياة شابٍ، حيث أن العم محمود قام بالموافقة على ارتباطه بإبنته المصون، كان معكم العاشق الولهان عبدالله القاضي
هنا لم تستطع السيطرة على ضحكاتها التي خرجت عفويًا ذات صوت أنثوي رقيق، إلتوت شفتي عبدالله للجانب مشكلًا ابتسامة عذبة، وحلق بين ثنايا شفتيها الباسمة، غرق بهما، فلقد راودته حالة لم يستطع فهمها، فابتسامتها كانت مخرجًا له من ضيق صدره الذي بلغ حده في الأيام الأخيرة، لم يكف قلبه عن الخفقان بصورة عنيفة، فكان يزداد حبًا وهُيامًا لها مع مرور الوقت.
توقفت صبا عن الضحك وتعجبت من حالته الغير مفهومة، قطبت جبينها بغرابةٍ متسائلة باهتمام:
_ أنت سرحت في إيه كدا؟
_ فيكي..
خرجت منه عفويًا، فابتلع ريقه وتابع بهدوء:
_ صبا أنا بحلم إني أمسك ايدك وأدخل بيكي الفرح وأقول للناس كلها إنك ملكي، عارف إنه حلم بعيد بس معتش قادر، حاسس إني مش هقدر استنى لسه موافقة أبوكي وبعدها تحصل كل الرسميات اللي ملهاش لازمة دي، أنا عايزك أتجوزك على طول..
_ بتحبني للدرجة دي؟
تساءلت بعينين لامعتين ونبرةٍ متلهفة لسماع إجابته، فتفاجئت بعبوس تقاسيمه؛ ولام سؤالها الساذج:
_ أنتِ لسه بتسألي يا صبا؟
اختلس عبدالله نظرةً على المكان من حوله وهو يردد:
_ دا المكان دا يشهد على حبي ليكي، دا اتقال فيه
أول كلمة بحبك وأول كلمة وحشتيني، دا اللي كنت بشوف منه عيونك اللي بتوحشني وأسمع صوتك اللي بيروي قلبي، بعد كل دا ولسه مش واثقة في حبي ليكي؟
أسرعت صبا في توضيح سوء الفهم الحادث:
_ معنديش شك واحد في حبك..
بملامح مقتضبة سألها:
_ أومال إيه السؤال دا؟
انعكست نبرة صبا ومالت إلى الرقة المبالغ في قولها:
_ بدلع، عشان أسمعك وأنت بتقول بحبك
تفاجئ عبدالله بلهجتها المُدللة، ورُفِع حاجبيه وهو يردد بدون تصديق:
_ أوبا، بتدلعي مرة واحدة، دا النهاردة هنايا بحق وحقيقي بقى، دا إحنا وصلنا لمستوى تاني خالص
عضت على شفاها وهي تبتسم بحياء وهتفت:
_ الله! مش هتبقى خطيبي؟
فغر عبدالله فاهه مندهشًا، فلم تكن متساهله معه هكذا من قبل، بل اعتاد صارمتها وحدتها حين يتعدى حدود حديثهما، وضع يده في جيب بنطاله وصاح بعجرفة:
_ كدا هتغر ومحدش هيقدر يكلمني بعد كدا..
اكتفت بإبتسامة خجولة، ثم صدح رنين هاتفها فاتسعت حدقتيها وهي تقرأ اسم المتصل، شهقت بذعرٍ مرددة:
_ دي ماما، أنا لازم أمشي، اتاخرت أوي، سلام
أولته ظهرها ومشت بِضع خُطوات ثم توقفت وأدارت رأسها ناظرة إليه بنظرة متفحصة ثم أردفت بإعجاب شديد:
_ بالمناسبة شكلك حلو أوي النهاردة
ثم تابعت هرولتها متجهة إلى حفل الزفاف، بينما وقف عبدالله يضبط من هيئته بثقة مضاعفة اكتسبها من كلمات صبا المتغزلة به، لم يجد لوقوفه داعٍ فتوجه أيضًا إلى الحفل.
لم يشعر أحدهما بمن كان يسترق السمع على بعد مسافةٍ قريبة، خرج من وراء باب إحدى البنايات التي وقف بها هاربًا قبل أن يراه أحدهما.
عاد إلى المكان الذي كانا يقفان فيه وردد من أسنانه المتلاحمة ببغضٍ:
_ أول وآخر مكان ليكم مع بعض على إيدي.. مش هيطلع عليك صبح عادي يا عبدالله، عشان تعرف يعني إيه تمد ايدك على حمادة!
***
بدأ الحفل برقصة رومانسية بين العروسين، كانت ليلى خجولة طيلة الوقت، لا تقدر على مواجهة عينين زكريا ولا الآخرين، فأسندت رأسها على صدره متعمدة غلق عينيها، بينما لف زكريا ذراعيه حول خصرها مستندًا برأسه على رأسها في لحظة حميمية للغاية.
وقف عبدالله ووليد وبعض الشباب الآخرين، أطلق عبدالله صافرات معلقًا بها على حالة صديقه، رمقه زكريا بغيظ متوعدًا له بعد الحفل بينما كان وليد يتذكر زينب من آن لآخر، يتمنى لو كان الزمان غير، وهي زوجته وليست ملك لرجل آخر.
انتهت الرقصة فحملها زكريا ودار حول نفسه بسعادة لا توصف، أنزلها بحذر خشية أن يقعا، ثم بدأ يرقصان مع بعضهما على أغانٍ عديدة، ساعدها زكريا على محي خجلها بمسكه ليديها ووضعهما على حُلته فأمسكت بسترته وبدأت تفتحها تارة ثم تعاود غلقها تارة أخرى.
لم يتوقف زكريا عن الرقص أمامها؛ حتى تبخر خجلها تمامًا وبادلته الرقصات لكن دون مبالغة، انتهوا من رقصاتهم وتفرقا كل منهما إلى أصدقائه، استغل عبدالله تلك الفرصة وقام بحمل زكريا بمساعدة وليد والآخرين وظلا يرفعونه للأعلى ويعاودن التقاطه، أعادوا تكرارها مرارًا ثم أنزلوه.
وقف عبدالله أمامه وقام بخلع سترته، وقام بإلقائها بعيدًا ليسهُل عليه مشاركة صديقه الرقص، كانا يدخلان إلى أحضان بعضهما ويبتعدان ويتراقصون بتناغمٍ على الأغانِ الشعبية، ثم انضم إليهما وليد لكنه كان رزين عنهما فرقصه هادئ يخلوا من حركاتهم المجنونة.
تلك الأثناء، كانت تتابعهما صبا فلم ترفع عيناه من على عبدالله الذي حاز رقصه على إعجابها، فكانت تحاول جاهدة إخفاء ابتسامتها على رقصه المجنون، حمحمت ثم مالت على أذن أبيها وقالت:
_ بعد إذنك يا بابا ممكن أطلع مع ليلى
وجه محمود نظره نحو عبدالله وكاد يرفض لكن زوجته تدخلت وأردفت:
_ سبيها تقف جنبها يا محمود، البت يتيمة حرام
زفر محمود أنفاسه ثم قال بإيجاز:
_ تمام، بس مش عايز رقص
أماءت صبا ثم نهضت وتوجهت نحو ليلى، لمحها عبدالله ورمقها بنظراتٍ متسائلة، لكنها هربت بنظرها بعيدًا عنه قبل أن يلاحظها والدها، وقفت بجوار ليلى التي جذبتها من يدها فور رؤيتها لتشاركها الرقص، شعرت صبا بالحرج ولم تود إحزانها فقررت مشاركتها لكن دون مبالغة في الحركة.
شعر عبدالله بالضيق ولم يستطع إبعاد نظره عنها،
حتى تلاقت أعينهم معًا فحرك رأسه يمينًا ويسارًا رافضًا ما تفعله، فتجمدت مكانها ولم تواصل، انسحبت بهدوءٍ إلى أن تخطت الفتيات ووقفت خلفهن.
كان محمود متابعًا لما يحدث من على بُعد، شعر داخله براحة دون سابق إنذار تجاه عبدالله، صوب نظراته نحوه فلم يراه سوى يشارك صديقه رقصه، لا يرفع عينه في أعين ابنته، تنهد براحة وهو يعيد ترتيب أفكاره في أمر ارتباطهما.
بعد فترة، تفقدت صبا مكان عبدالله فلم تجده، انسحبت من بين الفتيات حين أصاب الصداع رأسها، فلم تتحمل الوقوف بجانب الأصوات الصاخبة لوقتٍ أكثر، اقتربت من والدتها وهمست بصوتٍ مرتفع لكي تسمعها:
_ أنا صدعت جدًا هرجع البيت أخد مسكن، لو بقيت أحسن هاجي تاني..
اكتفت والدتها بإيماءة من رأسها ثم انصرفت صبا سريعًا هاربة من الضجة التي تزيد من صداع رأسها، تفاجئت بجسدٍ أمامها يقطع طريقها، رفعت عينها عليه لتعلم هويته، طالعته بإزدراء عندما اتضح لها من هو، قابلها الآخر بملامح مشدودة ولهجة متوترة لا تبشر بالخير:
_ دكتورة صبا، عبدالله تعب أوي، وراح المكان بتاعكم، أنا قولت أعرفك لو تقدري تساعديه..
شعرت صبا بثمة أمرًا غير مألوف، أطالت النظر به ثم تراجعت عدة خُطوات عائدة إلى الحفل تتفقد عبدالله، فلم تجده في الأرجاء، فانتابها القلق عليه، عادت إلى حمادة وهتفت بقلقٍ:
_ حصله إيه؟
أجابها بلهفةٍ:
_ مش عارف وقع فجأة ومعتش قادر يقف على رجليه، وقالي أساعده يروح المكان اللي متعودين تتقابلوا فيه دا
حديثه كان بمثابة دليلًا قطعيًا لها، فلا أحدٍ يعرف ذلك المكان وما يحدث به سوى عبدالله، حتمًا هو من أخبره، حينذاك آكل الخوف قلبها وهرولت بخُطواتٍ متعرقلة سابقة حمادة.
مرت من الزقاق حتى بلغت المكان خاصتهم فوجدته فارغًا، لا يوجد به عبدالله كما أخبرها ذلك المختل، استدارت بجسدها وسألته بريبة:
_ عبدالله فين؟
ظهرت ابتسامة خبيثة على محيا حمادة قبل أن يردد وهو يحك ذقنه:
_ مفيش عبدالله بس فيه حمادة!!
***
في نهاية الحفل، طلب عبدالله تشغيل أغنية خصيصًا لهم، فقام منظم الحفل بتشغيل ( بحبك يا صاحبي)، بات المسرح خاليًا إلا من ثلاثتهم، بدأوا يتراقصون على أنغامها، ثم وقفوا بجوار بعضهم البعض يستند كلاً منه بذراعه على كتف الآخر حتى باتوا كشخصًا واحد، يرفعون أقدامهم للأمام تارة وتارة أخرى يقفزون للأعلى، وفي الأخير قاموا باحتضان بعضهما وتابعوا رقصهم دون أن يبتعد أحدهم عن الآخر حتى انتهت الأغنية، فتعالت تصفيقات الحضور لحبهم الظاهر.
توجه زكريا ناحية ليلى وقام باحتضان يدها بقوة وغمزها قبل أن يهمس بقرب أذنيها:
_ يلا يا عروسة..
خفق قلب ليلى ورجف جسدها، فشعر زكريا بذلك، رفع حاجبيه وشكل ابتسامة مستنكرة على محياه وأردف:
_ أللاه!! خوفتي كدا ليه؟
احتدت تعابيرها وهي تحثه على التوقف:
_ زكريا!!
قهقه عاليًا لكنه إلتزم الصمت، فانضممن إليهما عليا وخلود، ووقفن بجوار أخيهن، وكذلك سمر شقيقة ليلى جاورتها لتساعدها على رفع الفستان حتى تسير بسهولة.
توقف زكريا عند البناية خاصته، انحنى برأسه ومال على أذن ليلى وقال:
_ ادخلي مع اخواتي وأنا هكلم عبدالله وراجع لك..
أماءت برأسها ثم ولجت ردهة السُلم برفقة الفتيات، بينما عاد زكريا إلى عبدالله وقام بإعطائه ورقة مطوية، حدجها عبدالله دون فهم وتساءل بجدية:
_ إيه دا؟
أجابه زكريا مختصرًا:
_ فلوسك..
قطب عبدالله جبينه وكاد يرفض أخذهم إلا أن زكريا قطع عليه اعتراضه بقوله:
_ مش عايز كلام كتير، أنا جالي نقوط الحمد لله النهاردة كويس، خدهم أنا مش عارف هردهم امتى تاني..
_ بس..
لم يُكملها عبدالله فقاطعه زكريا بجدية:
_ مبسش، خدهم بقى، يمكن تجيلك الموافقة بكرة وتروح تجيب الدهب بيهم
لم يعارضه عبدالله بل أخذهم منه، وشكل بسمةٍ عذبة على محياه زادت من جمال ملامحه السمراء الذكورية، انعكست نبرة زكريا ومالت للجدية:
_ يلا بقى أنا هقضي الليلة معاك ولا إيه؟ سلام..
تركه وغادر بينما قهقه عبدالله وأردف:
_ سلام..
عاد إلى وليد الذي يقف مع العمال لحين انتهائهم من جمع السُرادق، بينما عاد زكريا إلى ليلى وكاد يصعد الأدراج إلا أن خلود قطعت عليه سيره بقولها:
_ المفروض تشيل ليلى لغاية بيتكم، العريس بيعمل كدا
لم تتقبل والدتها اقتراحها السخيف وهتفت معنفة إياها:
_ بس يابت بلاش كلام فارغ، ضهره يوجعه إوعى يا زكريا تعمل الهبل دا
لم يكترث زكريا لتحذيرات والدته ورمق ليلى بطرف عينيه متسائلًا باهتمامٍ:
_ عايزة تتشالي يا لولا؟
نكست ليلى رأسها في خجلٍ ورددت بخفوت:
_ بلاش..
لكزت خلود عليا وأشارت إليها تحثها على تشجيع أخيهن فلم تعترض عليا وضحكت ثم هتفن معًا بصوتٍ عالٍ:
_ شيلها، شيلها
قهقه زكريا عاليًا بينما تضاعف خجل ليلى ولم تقدر على رفع نظريها على الواقفين، فازدادت هناء حنقًا من ابنتيها وصرت أسنانها بضيقٍ تملك من صدرها، ووقفت تتابع ما يحدث بملامح عابسة لا ترضى ما يحدث.
انحنى زكريا بجسده وقام بحمل ليلى وهو يهلل:
_ يا معين يارب
خفق قلب ليلى بقوة ودفنت رأسها في صدر زكريا خافية وجهها حتى لا ترى الآخرين، تابع زكريا صعوده بأنفاس لاهثة حتى بلغ درجات السُلم، كانت الفتيات خلفه حتى دخلا بيتهم ثم انصرفن، فبات المكان خاليًا إلا منهما، أغلق زكريا الباب ووقف يستنشق الهواء، لا يصدق أن جميع الفترات العصيبة قد انتهت الآن.
***
شعر عبدالله بالتعب يصيب جسده، فاليوم كان طويلًا مليئًا بالأحداث، فرك عينيه وتثاءب لكن سرعان ما استدار بجسده حتى لا يراه وليد ويدعوه للذهاب، فلا يريد تركه بمفرده قبل أن ينتهوا العمال من عملهم.
سقطت عينه على شخصًا منحني الظهر يخرج من الزقاق خاصته، تعجب من أمره فذلك المكان لا يدخله ولا يخرج منه سواه وبعض الحيوانات الضالة، فاقترب منه عبدالله بخطىً ثابتة حتى ظهرت ملامحها بوضوحٍ له وهتف:
_ صبا!!
اقترب منها أكثر فرفعت رأسها حين استمعت لصوته، تجمدت قدميه حين رأى علاماتٍ زرقاء تغزو وجهها، أسقط نظره على ثيابها فوجد آثارًا ظاهرة لجسدها من خلف فستانها الممزق.
توقف عقله وربما قلبه حينها، وكأنما بات جسده خاويًا من أي حواس، لحظاتٍ وعاد قلبه يخفق بشدة حين نادته بصوتٍ هزيل منكسر:
_ عبدالله..
الفصل الحادي عشر من هنا