تحميل رواية علي دروب الهوي بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عَ دروب الهوى مَشّاني حبيبي عَ دروب الهوى مَشّاني وعَ كرم الهوى وَصَّلني حبيبي وعنقودو اسْتوى وناداني ناداني سوا سوا رحنا نمشي إيد بإيد والهَوا يْلَوّحنا متل العَناقيد غَمَرني بالهَنا وسَحَرني بالغِنا حتّى إسمي أنا نسّاني كان يقف على أطراف أصابعه ويمُدُ ذراعه للأعلى لتصل كلمات الأغنية إلى آذانها، انتظر قليل فقليلًا بعد، ثم انشرح ثغره بابتسامةٍ سعيدة حين فُتحت أبواب شُرفتها، وظهرت هي بطلتها الساحرة، التي تسرق قلبه بعد أن استمعت لصوت فيروز، تلفتت يمينًا ويسارًا تتفقد المكان من حولهما قبل أن تُسقِط...
رواية علي دروب الهوي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم تسنيم المرشدي
هرول نحوها برعبٍ دب أوصاله منحنيًا بجسده ليكون في نفس مستوى طولها وتساءل مذعورًا:
_ إيه اللي حصلك؟
انفجرت صبا في البكاء الغزير، ثم اهتز جسدها بقوة أخافت عبدالله، وماهي إلا ثوانٍ معدودة حتى خارت قواها ووقعت مغشي عليها.
خفق قلب عبدالله بخوفٍ عارم؛ وأسرع في خلع سترته محاولًا إخفاء معالم جسدها الظاهر، حمد لله أن الشارع خاويًا لا يسير به أحد، حملها بين ذراعيه وركض نحو منزله، صعد الأدراج وبالكاد تحِمله قدميه.
طرق الباب بقدمه فأتت والدته مذعورة، شهقت بصدمةٍ حين رأته يحمل صبا، ناهيك عن وضعها المذري، ولج بها عبدالله إلى غرفته وقام بوضعها على الفراش بحرص، فجائت والدته من خلفه متسائلة بتوجسٍ:
_ في إيه يابني، إيه اللي حصلها؟
_ معرفش معرفش لقيتها كدا في الشارع
هتفها بعصبية وهو يدور حول نفسه، ثم صاح عاليًا:
_ دكتور، كلمي دكتور..
هرولت أحلام إلى الخارج باحثة عن هاتفها لتلجأ إلى أحد الأطباء الذين تعرفهم، بينما اقترب عبدالله من صبا متحاشيًا النظر على جسدها، لكنه لم يقدر، ففضوله حول ما تعرضت له أجبره على تفقدها بعناية حتى وقعت عينيه على دماءٍ متناثرة على ملابسها.
المئات من التخيلات المأساوية راودته، نفض عنه أفكار عقله بضربه لرأسه مرددًا بصوتٍ مهزوز:
_ ششش بس بس كفاية
خرج مهرولًا يبحث عن والدته وسألها بانفعالٍ:
_ فين الدكتور؟ محدش جه ليه؟
بإرتباكٍ واضح أجابته:
_ جاي في السكة..
عاد عبدالله إلى حبيبة فؤاده، وعقله يجن جنونه، وبات في حالة يرثى لها، سحب الغطاء ودسره أعلاها ليمنع نفسه من النظر إليها والتفكير بسوداوية.
بعد مدة؛ وصل الطبيب وقام عبدالله بإدخاله الغرفة ثم خرج منها وأمر والدته:
_ خليكي معاها..
أماءت والدته بقبولٍ وأسرعت إلى الداخل، مرافقة لصبا حتى انتهى الطبيب من فحصها، ثم خرج من الغرفة فاقترب منه عبدالله على عجالة متسائلًا بتوجسٍ:
_ مالها؟ حصلها إيه؟
أجاب الطبيب بآسى:
_ الآنسة اتعرضت لإعتداء جسدي، وضعها الصحي مش كويس لازم تروح المستشفى..
وكأن كلماته خنجرًا غرز في قلب عبدالله فأنهت حياته، توقف الكون من حوله وارتفع صفير أذنيه فلم يسمع شيئًا مما يقوله الطبيب، بات ضريرًا أصمًا لا يقوى على فعل شيء وكأنه تحول إلى جثة مُحنطة.
غادر الطبيب؛ تحت صدمة أحلام التي تقف واضعة يدها على فمها تكتم شهقاتها بعد سماعها اتلك الكارثة، انتبهت على صوت رنين أحد الهواتف وعندما بحثت خلفه وجدته يعود إلى صبا، أخذته وعادت إلى عبدالله قائلة بعقلاٍ لم يستوعب بعد:
_ أبوها بيتصل، لازم يعرف..
أعادت تكرار قولها لكن دون فائدة، آلمها قلبها على حالته وعزمت أن تخبر والديها، فعليهما معرفة ما حدث لها عاجلًا أم آجلًا، قامت بالإجابة على اتصال محمود، لُجم لسانها فكيف ستخبره بذلك؟ الأمر يصبح أكثر صعوبة ولسانها لا يريد النطق كأنه شُل، أغمضت عينيها في محاولة استجماع قوتها، ثم ألقت بالحديث دفعة واحدة دون مماطلة وأنهت الإتصال على الفور دون السماع للطرف الآخر.
يصعُب عليها سماع كلماتهما المصدومة، تجمدت مكانها تبكي في صمت حزينة على ما تعرضت له الفتاة، وأيضًا على فلذة كبدها الذي تحطم قلبه، لم تمر إلا دقائق قليلة حتى وصلا والدي صبا، فقامت بفتح الباب لهما.
دلفا المنزل وعلامات الذعر مشكلة على تقاسيهما، هتف محمود أسئلته دون تصديق لما أخبرته به أحلام:
_ إيه اللي حصل لبنتي؟ وهي فين ومين عمل كدا؟
رفعت أحلام كتفيها معلنة عدم معرفتها بالأمر واكتفت بقول ما تعرفه:
_ عبدالله لقاها في الشارع وجابها على هنا.. دا اللي أعرفه
توجه محمود ناحية عبدالله وظل يضرب صدره بقوة وهي يلقي عليه أسئلته:
_ حصل لبنتي إيه؟ انطق ورد عليا، قول اللي سمعته دا كدب، رد يابني بالله عليك
لم يصدر منه صوتًا؛ بل فرت دمعة على مقلتيه تسببت في إنقباضة قلب محمود، فصرخت إجلال متسائلة:
_ بنتي فين؟
أشارت أحلام إلى الغرفة، فاندفعت إجلال راكضة إلى الداخل، شهقت بصدمةٍ حين رأت ما أصاب إبنتها، وصرخت بألمٍ وحسرة:
_ لا لا لا
انضم إليها محمود ولم يقدر على التطلع فيها، لم يستطع رؤيتها بهذا الشكل، يصعب عليه ذلك، فجلس على طرف الفراش يبكي بضعف حيلة.
في الخارج؛ لم تعد قدمي عبدالله تقدر على حمله، فهوى أرضًا، ثم ضم ركبيته أمام صدره محاوطهم بذراعيه وظل يهُز جسده للأمام وللخلف، ثم انفجر باكيًا.
خرجت والدته على صوت بكائه، لم تتمالك دموعها التي انهمرت بغزارة، وركضت نحوه، جلست بجواره وضمته إلى صدرها بكل ما أوتيت من قوة، شاعرة بوهنه وقلة حيلته، إزداد نحيبه المتألم وبدأ جسده ينتفض بشدة.
حاولت والدته تهدئته بكلماتها:
_ اهدى يا حبيبي، متعملش في نفسك كدا، هيجرالك حاجة..
قبض عبدالله على ملابس والدته متعلقًا بها كفتى صغير فقد أمه وعاد إلى حضنها من جديد، ملست أحلام على رأسه وهي تردد:
_ اللهم إن مصاب ابني جلل، فاربط على قلبه بالصبر وأعذه من الهم والحزن والعجز وغلبة الرجال
شدت من إحاطتها له وأسندت جبينها على رأسه ثم أضافت بضعفٍ:
_ يارب، يارب
***
في مكانٍ آخر؛ بالتحديد عُش زكريا الجديد، أمسكت ليلى بيده لتجبره على المشي معها قائلة:
_ تعالى نتصور..
توجها إلى المرآة المموجة خاصة التصوير ووقفا أمامها، أعددت ليلى الكاميرا بينما قام زكريا بدفن رأسه داخل عنقها فأخذت ليلى صورة لهما، ثم قام بتقبيل وجنتها، فأخذت لهم صورة على ذلك الوضع، وغيرهم من الأوضاع المختلفة الرومانسية.
شعر زكريا بالملل وقام بالتقاط الهاتف منها مرددًا باسيتاء:
_ إحنا مش هنقضي الليلة في التصوير يا لول، ورانا حاجات أهم نعملها..
برقت عيني ليلى مذهولة من وقاحته فضحك زكريا وأوضح:
_ إيه دا أنتِ دماغك راحت لفين، أنا قصدي نصلي..
ارتخت تعابيرها ورمقته دون تصديق، فواصل زكريا استرساله:
_ دماغك بقيت قليلة الأدب أوي
رفعت ليلى حاجبها الأيسر وقالت:
_ أنا برده؟!
أولته ظهرها لتغادر فأعادها زكريا إليه محاوطًا خصرها بذراعيه وقال مشاكسًا إياها:
_ أنا عايزك كدا، طول ما أنت معايا مسمعش عن حاجة اسمها الأدب نهائي
انحنى على ثغرها لكنه لم يصل إليه فلقد تراجعت ليلى برأسها ثم وضعت يديها على ذراعيه تُبعده عنها، وأردفت وهي تفر هاربة منه:
_ يلا عشان نصلي..
تملك الضيق من زكريا، فرفضها له أشعره بالسوء، حمحم وردد:
_ وماله..
توضأ كليهما وشرعا في الصلاة، وسرعان ما أن انتهت ليلى حتى ابتعدت عنه فلحقها زكريا متسائلًا بحاجبين معقودان:
_ بتهربي مني ليه؟
تصنعت ليلى عدم الفهم ورددت:
_ وههرب منك ليه؟ أنا كنت هغير الفستان
إلتوت شفتي زكريا للجانب وقال بخبثٍ:
_ وأنا روحت فين؟ أنا هساعدك تغيريه
دفعته ليلى عنها بوضعها يدها على صدره، وقالت وعينيها تهربان من نظراته التي تخترقها:
_ لا لا سيبني أنا هغير لوحدي، لو سمحت أخرج من الأوضة
بغرابةٍ واضحة تساءل:
_ أنتِ بتتكلمي جد؟
ردت عليه وهي منكسة الرأس:
_ أيوا، هغير وأخرج لك..
وليه أنا مساعدكيش تغيري الفستان؟ وليه أصلًا أخرج من الأوضة هو أنا غريب؟!
هتف سؤاله بتذمر، فرققت ليلى من نبرتها تستعطف قلبه:
_ عشان خاطري يا زيكو سيبني على راحتي..
أطال النظر بها ثم انسحب من الغرفة بهدوءٍ، لكنه سرعان ما عاد من جديد وأخذ له ملابسًا ثم خرج، بدل حُلته بسروال قصير وفضل عدم ارتداء بقية الملابس، لكنه شعر بالبرودة تتخلل جسده حتى حتى تجمد من البرد، فأسرع في إشعال المدفئة ووقف أمامها يفرك يديه ببعضهما مساعدًا حرارة جيده على العودة.
في الداخل، وقفت ليلى أمام المرآة، نظرت لصورتها المنعكسة برعبٍ يخالطه التوتر، حاولت تهدئة روعها عن طريق استنشاق الهواء وزفرته على مهلٍ، أعادت تكرار فعلتها حتى شعرت بسعة صدرها.
توجهت نحو الخزانة وقامت بسحب أحد القيمصان من القماش القطيفة المُعلقة خصيصًا لتلك الليلة، وبعد صعوباتٍ قابلتها نجحت في التخلص من فستانها، وكذلك إزالة مساحيقها التجميلية، ثم قامت بارتداء القميص الذي شعرت بتماشيه مع انحناءات جسدها، كأنه صُمم لها خصيصًا.
دست الروب أعلاه ثم وضعت من قنينة عطرها ذات الرائحة الهادئة؛ واضعة خُصلات شعرها على الجانب فباتت مثيرة المظهر، أخذت نفسًا قبل أن تدير مقبض الباب، وبعد مواجهةٍ مترددة مع ذاتها قررت الخروج.
انتبه عليها زكريا، ووقف يطالعها بنظرة متفحصة انتهت بابتسامة راضية عن مظهرها الذي حاز على إعجابه، اقترب منها وهو يردد متغزلًا بها:
_ إيه يا حتة، الحلويات دي كلها بتاعتي، كدا نفسي تموع
اكتفت بابتسامة خجولة؛ وأسرعت في التحدث عندما رأته يخطو نحوها:
_ أنا جعانة.. مش هناكل؟
بدأ صبره ينفذ، لكن سيتحمل قليلًا بعد، رمقها وهو يحرك لسانه بحركاتٍ دائرية حول شفتيه قبل أن يردف بنفاذ صبر:
_ وماله، ناكل..
جلسا يتناولان الطعام الذي اشتراه والدها خصيصًا لهما، لم يتناول زكريا الكثير، عاد بظهره مستندًا على الأريكة وداعب بأنامله خصلات ليلى، ثم مرر يده على ظهرها بحركاتٍ طولية سببت لها القشعريرة، فاضطرت إلى ترك الطعام التي تهرب به منه.
دنا منها زكريا وقام باحتضانها من الخلف ثم أدار رأسها إليه محاولًا التعامل معها بلطفٍ ليمحي أي عنفٍ قد تعامل به في المرة السابقة، لكنه لم يكن مسرورًا، ضاق صدره فجأة وتراجع للخلف ناظرًا إليها بعبوس قبل أن يهتف بعصبية:
_ في إيه؟ أنتِ متخشبة كدا ليه؟
أخرجت ليلى أنفاسها التي حبستها داخلها فور اقترابه، هبت واقفة وظلت تردد:
_ أنا خايفة، مش عارفة اتعامل..
هرولت إلى الغرفة وارتمت على الفراش، ثم دفنت رأسها في الوسادة وذرفت دموعها بغزارة، تلك الأثناء وقف زكريا وبدأ يدور حول نفسه، يجهل التعامل مع الأمر، إزداد ضيق صدره وشعر بغصة في حلقه.
فلم يستسلم لحالته، محاولًا استجماع نفسه وظل يردد بخفوت:
_ عادي عادي عادي، بتحصل..
عاد إلى الأريكة واستلقى أعلاها، لم يود الدخول إليها قبل أن يهدأ كليهما حتى يمكنهما التعامل مع بعضهما دون توترٍ.
***
عند بزوغ الفجر، استفاقت صبا، تفقدت المكان حولها فجهلت معالم الغرفة، وقعت عينيها على والديها اللذان يبكيان في صمت، فتجددت ذاكرتها معيدة إليها ما عاشته، انتفضت صبا من مكانها وصرخت حتى بح صوتها، ركضا إليها والديها محاولين تهدئتها لكنهما فشلا.
انتباها نوبة عصبية من خلف ما عاشته، احتضنها والدها بقوةٍ على أملٍ أن تهدأ بين ذراعيه، لكن دون جدوى، لم ينفعها بشيءٍ، بينما وقفت إجلال مقيدة الأيدي لا تفقه على فعل شيء، فقط تبكي بحسرة على حالتها.
في الخارج؛ وأثناء صراخها الاول، انتفض عبدالله من جلسته، ابتعد عن والدته وتوجه نحو الغرفة لكنه لم يتحلى بالشجاعة التي تجعله يقف أمامها في ذلك الوضع، كور يده وظل يضرب الحائط بقوةٍ تتضاعف كلما ازداد صراخها، فكان قليل الحيلة يُفرغ ضعفه في إيذاء نفسه.
لم يستمع لتوسلات والدته التي تحثه على التوقف، سالت الدماء من عظام يديه فتدخلت أحلام بكل قوتها ومنعت يده من الوصول إلى الحائط ثانيةً، هاتفة بنبرة باكية:
_ أبوس ايدك كفاية اللي بتعمله دا، مش هيصلح حاجة أنت بتإذي نفسك بس..
_ عبدالله فين؟
هتفها محمود وهو يهرول خارج الغرفة، متوسلًا إياه:
_ تعالى يابني الله يباركلك حاول تهديها أنت يمكن تستجيب ليك..
نظر إليه عبدالله بتيه؛ فكيف يفعل ذلك ولا يستطع السيطرة على نيران قلبه المتقدة، عاد محمود للداخل بينما لم يبرح عبدالله مكانه، يطلب منه أن يواسيها ويضمد جروحها وجراحه لم تلتئم بعد.
كيف لطيرٍ جريحٍ أن يواسي طيرًا بلا جِناح؟
صراخها يدوي في رأسه يفقده صوابه، انتبه لصوت والدته التي ولجت الغرفة ووجهت حديثها لوالدي صبا:
_ يا جماعة بنتكم عندها انهيار عصبي، الله أعلم اتعرضت لإيه لازم تروح المستشفى زي ما الدكتور قال يدوها حاجة تهديها شوية..
تحدثت إجلال بآسى وهي تطالع ابنتها بشفقة:
_ وإحنا هننزل بيها إزاي كدا وهي في الحالة دي؟
_ خلاص يبقى تجبولها حقنة مهدئة من الصيدلية..
هتفت أحلام اقتراحها، فأنارت فكرةً لعقل محمود الذي هم على فعلها:
_ أنا هروح أجيب لها حقنة وراجع..
غادر المنزل بينما توجه عبدالله إلى أقرب أريكة واعتلاها بإهمالٍ، لم يمتلك القدرة على رؤيتها في تلك الحالة ثانيةً، حتمًا سيفتك بدماء الجميع إن رأى ضعف حيلتها وهوان نفسها.
نظر إلى يديه التي تسقط منها الدماء متفاجئًا بما أحدثه بها، فإن ألم قلبه فاق ألم يده.
بعد لحظاتٍ؛ عاد محمود وقام بملأ الحقنة ثم أعطاها في وريد ابنته بمساعدة زوجته، هدأ صراخها تدريجيًا حتى بات آنينًا خافتًا يعكس خوفها وآلامها.
من بين بكائه قال بنبرةٍ مهزوزة:
_ يلا بينا يا أم جلال ناخدها من هنا قبل ما النهار يطلع علينا والناس تنزل من بيوتها
أماءت بقبول ثم ساعداها على النهوض، فظهر فستانها الممزق من آسفل الغطاء، شهقت إجلال مذعورة من مظهرها المُشين، ثم نادت بصوتٍ منكسر:
_ أم عبدالله لو سمحتي تجيبي أي عباية من عندك نسترها بيها..
أتت أحلام بعباءةٍ لها، وناولتها لإجلال وانصرفت حتى لا يكون هناك حرج، ثم قامت إجلال بإلباسها لصبا واضعة حجابها على رأسها، ثم خرجا وهما يسندان صبا من الجهتين.
لم يرفع عبدالله رأسه قط، لم يقوى على النظر في عينيها، بينما لم تكن في وعييها بل كانت مغيبة تسير بالإجبار، هب عبدالله واقفًا ومن بين أسنانه تساءل بغضبٍ لو تحول لبشري لحرق الناس أجمعين:
_ مين اللي عمل كدا؟
زمت صبا فاها بحزنٍ يشوبه الخذي والخجل، سقطت عبراتها ألمًا وهي تخبره بفاعلها:
_ حمادة!!
عمت الصدمة وجوه الواقفين؛ إلا من عبدالله الذي غلف الكره قلبه، وسكن الثأر عقله، وعزم على قتل ذلك الكلب الذي انتهك عرضه، ركض إلى الخارج وسط توسلات والدته الخائفة:
_ بلاش تروح وأنت في حالتك دي، أبوس ايدك متنزلش من البيت دلوقتي
دفعها عبدالله بكل ما أوتي من قوة هاتفًا بعصبية بالغة:
_ اوعي ياما..
فقدت أحلام توازنها وكادت تقع اثر دفعه لها، لكنها وازنت جسدها ووقفت تهلل بحسرة:
_ يا حسرة قلبك على الواد اللي هيضيع يا أحلام..
في الخلف هز محمود رأسه بضعفٍ، فمصابه عظيم، إلى الأن لا يصدق ما مرت به ابنته، كأن عقله توقف تمامًا عن الإستيعاب، يشعر بأن يديه مُقيدة بالأصفاد، لا يقدر على فعل شيء، نكس رأسه وبضعف حيلة وجه حديثه لزوجته:
_ يلا نمشي..
سارت إجلال تساند ابنتها بأعين متورمة لم تكف عن البكاء حتى جف دمعها، وصلا إلى منزلهم وساعدا صبا على الإستلقاء في فراشها، وقفا ينظران إلى جسدها المنتهك حتى قطعت ذلك الصمت إجلال بسؤالها:
_ المفروض نعمل إيه يا محمود؟
فرت دمعة على مقلتيه وهو يردد بشجن:
_ حاسس إني إيدي مربوطة، وعقلي واقف مش قادر أفكر ولا قادر أقتنع إن اللي إحنا فيه حقيقي، المفروض بعد ما عرفت الكلب اللي عمل كدا في بنتي دمي يفور وأروح أقتله، بس مش عارف، عقلي بيقولي ادخل نام وأنت هنقوم الصبح تلاقيك كنت في كابوس وحش أوى، يارتني مت ولا عشت اللحظة دي، يارتني كنت مت ولا بنتي يحصلها اللي حصل دا!
فقد محمود توازنه وترنح يمينًا ويسارًا فأسرعت إجلال بإسنداه وهي تهتف بذعر:
_ خلي بالك على نفسك يا محمود
استند بيده على ذراعها وبظهرٍ منحني أردف:
_ ضهري اتكسر يا إجلال..
انهمرت دموع إجلال حزنًا على حالتهم التي يرثى لها وظلت تردد:
_ لا حول ولا قوه إلا بالله
***
وقع على مسامعه طرقات الباب العنيفة، وكأنه في إنتظار تلك اللحظة منذ وقتٍ، دب الرعب قلبه، وسكن الخوف أوصاله، وسرعان ما تصنع نومه عندما وجد زوجته تتحرك أعلى صدره.
بينما استيقظت الأخرى قلِقة على صوت طرقات الباب المزعجة، لوهلة شعرت أنها تحلم، فألقت نظرة سريعة على الغرفة فوقع نظرها على زوجها النائم عاري الصدر.
نظرت إلى حالتها فتعجبت من ارتداؤها قميصًا خاص بالنوم، شعرت بالتخبط فهي لا تتذكر متى ارتدته وكيف غفت وما الذي حدث قبل ذلك، قرع الباب أخرجها من حالتها وأعاد إليها رشدها، فهتفت مذعورة:
_ حمادة، قوم فيه حد بيخبط جامد على الباب
تمهل في فتح عينيه، ثم نظر إليها بعيون لا تقدر على الفتح جيدًا في الإضاءه، متصنعًا عدم سماعه بما قالته:
_ بتقولي إيه يا حبيبتي؟
_ الباب، مش سامع..
قالتها ثم نهضت مسرعة وقامت بارتداء إسدالها بينما نهض حمادة وتوجه ناحية الباب متعمدًا الظهور بسرواله القصير ليُبعد الإتهام من عليه، وقف أمام الباب وتفقد العين السحرية يتأكد من مخاوفه؛ ثم قام بأخذ نفسٍ قبل فتحه للباب.
لم يكاد يفعل حتى تفاجئ بضربة مبرحة على وجهه أفقدته النطق، ولج عبدالله كالثور الهائج لا يرى سوى هدفه، أبرحه ضربًا في وجهه حتى سالت الدماء من فمه وأنفه، ثم غرز أظافره في ذراعه ليُمسك به وظل يهزه بقوة قد اكتسبها من وراء انتهاك جسد حبيبته.
_ أنت بتعمل إيه؟ نزل ايدك عنه
صرخت زينب بخوفٍ وصدمة شديدين، حاولت أن تفصل بينهما لكن هيهات لإصرار عبدالله في القضاء عليه.
جاهدت زينب في الفصل بينهما بكل قوتها؛ هاتفة بعدم تصديق لتصرفات أخيها:
_ ابعد عن جوزي، أنت بتعمل كدا ليه؟
توقف عبدالله عن ضربه لكنه لم يُفلته من يده، أخفض بصره على زينب المُسكلة حائلًا بينهما وصرخ بصوتٍ اهتزت له أعمدة البيت:
_ الحيوان دا اعتدى على صبا!! وأنا مش هسيبه إلا لما أحسرك عليه..
وقعت كلمات عبدالله على زينب كالسيف الذي اخترق قلبها، استمعت إلى نبض قلبها الذي كان يتردد صداه في أذنها فلم تسمع شيئًا سواه. لحظاتٍ فارقة أعادتها إلى الواقع وبنبرة مرتعدة تساءلت:
_ إيه اللي بتقوله دا؟
_ زي ما سمعتي، راجع من الفرح لقيتها.. لقيتها..
لم يستطع المواصلة فخرجت نبرته مهزوزة تهدد بالبكاء:
_ قالت إن الحيوان دا هو اللي عمل كدا، جوزك مصانش الأمانة اللي فضلت احافظ عليها لنفسي، جوزك اغتصب صبا يا زينب، جوزك أخد حقي يا زينب؟!
كز أسنانه وانعكست نبرته إلى الغضب وهو يتوعد له:
_ هو أخد حقي، وأنا هاخد روحه..
لا يقتنع قلبها، حتمًا ذلك هراء، تآبى أذنيها التصديق، كان تعيش حالة لا وعي، نظرت إلى عبدالله الذي يواصل ضربه وصرخت فيه:
_ أنت كداب، حمادة مسابنيش لحظة، منزلش من البيت
_ هتصدقيه برده يا زينب وتكدبيني أنا؟ المرة دي غير، المرة دي مصيبته مختلفة، مصيبته كبيرة وكبيرة أوي متدافعيش عنه، متخلنيش أخدك بذنبه!!
قالها برجاء لألى تصدق ذلك الكلب المتعدي على عرضه، أبت ورفضت التصديق، ليس أمرًا يسهُل تصديقه.
وضعت زينب يديها على صدر أخيها وهتفت لتؤكد له براءة زوجها:
_ قولتلك حمادة منزلش من البيت، كان معايا طول الوقت، كان في حضني، كنا مع بعض زي أي راجل ومراته، فاهم يعني ايه؟؟؟ يعني مفيش الكلام اللي قولته دا، وبطل تلبسه أي مصيبة تحصل.. كفاية بقى كفاية
لكن كيف؟ لابد وأن اتهام صبا صحيحًا، لكن ما تخبره به زينب غريبًا وشتت أفكاره، شعر بالتخبط مع نفسه، لم يقدر على وزن الأمور ومعرفة أيهما الصائب أم الخاطئ.
خرج من شروده على صوت زينب الغاضب:
_ أخرج برا، سيبنا في حالنا
دفعته إلى الخارج فمشى بضعف حيلة دون الالتفاف إليهم، بينما انتصب حمادة في وقفته وصاح متوعدًا له أشر وعيد:
_ هدفعك تمن اللي عملته دا غالي أوي يا عبدالله
أغلقت زينب الباب واستدارت بجسدها تطالع حمادة بنظراتٍ ثاقبة، فهي وقعت في حيرة من أمرها، داخلها تناقض بين اتهام عبدالله والآخر يدافع عنه بمنطقية.
خشى حمادة نظراتها، وخاف أن تصدق اتهام عبدالله فهتف سؤاله بنبرة لا تحتمل النقاش:
_ أنتِ بتبصيلي كدا ليه؟ أنتِ صدقتي كلامه؟
خرجت زينب عن هدوئها بصراخها المنكسر:
_ معرفش معرفش
توجهت إلى الغرفة واعتلت طرف الفراش ناظرة أمامها بعقلٍ مشوش، كانت أسفل تأثير الصدمة، تتهم زوجها وتنفي اتهامها على الفور، فكيف سيفعل ذلك وهو لم يتركها؟ أمسكت برأسها لاعنة أفكارها التي لا تتركها وشأنها:
_ اسكتي بقى اسكتي
في الخارج، قام حمادة بعمل اتصالاً في أبعد مكانٍ في المنزل لكي لا تقع كلماته على مسمع زينب وقال عندما أجابه الطرف الآخر:
_ أنا عملت اللي عليا، دورك أنت بقى، وبسرعة عشان عبد الله مش هيسيبني في حالي..
***
بعد الكثير من الوقت قضاه بمفرده حتى يهدأ؛ نهض وتوجه إلى الغرفة، وجدها تبكي ويصدر منها شهقاتٍ حزينة، لم يتردد ومشى بخُطاه حتى وصل إليها جلس خلفها وقام باحتضانها متسائلًا بحنو:
_ بتعيطي ليه دلوقتي يا ليلى؟
لم تجيبه بل إزداد نحيبها، فأخذ زكريا نفسًا وواصل:
_ بُصيلي يا ليلى..
بعد وقتٍ؛ استدارت بجسدها فباتت ملاصقة لصدره، وضه زكريا يديه على ذقنها ثم رفع رأسها ليقابل عينيها البنيتين وهمس:
_ ششش معتيش تعيطي..
ملس على خصلات شعرها الحريرية، وقبل ثغرها بلطفٍ قبل أن يردف مازحًا:
_ خلاص بقى، كل حاجة هتيجي واحدة واحدة، تاتا تاتا
ضحك وجهه فابتسمت ليلى بعفوية، وسرعان ما اختفت الإبتسامة من على وجهها وسألته بنبرة باكية:
_ مش زعلان مني؟
_ مش هكدب وأقولك إن محصلش حاجة من اللي خططت لها في الليلة دي بس مش لدرجة زعلان منك يعني..
هتفها ممازحها، فهربت ليلى من عينيه سريعًا لكنه أجبرها على النظر إليه مرة أخرى وقال بتوعد صريح:
_ الأيام جاية كتير، بس مش هسمح لك تضيعي عليا ليلة تانية، أه كفاية أوي كدا
تقوس ثغرها ببسمةٍ رقيقة، ثم دفنت رأسها في صدره فشد زكريا على ظهرها حتى أدخلها بالكامل إلى حضنه ولم يعد يفصلهما شيء، حتى أنهم لم يسمحا لمرور الهواء من بينهما.
***
صباحًا في وقتٍ باكر، لم تترك إجلال صبا بمفردها، بل جلست جوارها تأزرها وتقوم باحتضانها كلما استيقظت ودخلت في نوبة بكاء هستيريا، حتى تستكين بين أضلعها وتغفى من جديد.
ظلا على هذا المنوال عدة ساعات، طرق محمود باب الغرفة وولج حين سمحت له إجلال، كان منكس الرأس لا يقدر على مواجهة عينين ابنته ورؤية خجلها بهما.
كذلك لم تواجهه صبا، فكانت تبكي بمرارة، وهي مستندة برأسها على صدر والدتها، وقف محمود أمامهن، لا يعرف للكلام طريق، أخذ يرتب الحديث في عقله أولًا ثم أخرج ضجة عقله في هيئة سؤالٍ:
_ هو عبدالله محاولش يكلمك بعد اللي حصل؟
لم تجيبه بل ازداد بكائها، فتولت والدتها الرد وقالت مختصرة:
_ لا موبايلها مرنش..
ضاقت بعينها عليه وتساءلت بقلقٍ:
_ بتسأل ليه؟
حمحم وحاول تجميع بعض الكلمات التي لا تؤذي مشاعر ابنته:
_ ممكن يكون صرف نظر عن الجواز؟
وكأن صاعقًا كهربائي قد صعق صبا، رفعت نظرها عليه وطالعته بعيون دمعة، فسؤاله قد آلم قلبها وزادها تعاسة، زمت شفتيها لثوانٍ ثم انفجرت باكية، فندم محمود على سؤاله، استشف نظرات اللوم في عيون زوجته ففر هاربًا إلى الخارج.
جاهدت إجلال على تهدئة صبا، ثم نهضت قائلة:
_ هعملك حاجة تاكليها وهرجع لك تاني..
خرجت من الغرفة مسرعة وتوجهت نحو زوجها ولم تكف عن عتابه مستاءة من تصرفه:
_ أنت إزاي تسألها حاجة زي دي في الوقت دا أنت مش شايف حالتها عاملة إزاي؟ وبعدين يهم في إيه إذا كان صرف نظر أو لأ هتفضل بنتنا وحبيبتنا واللي حصل دا لا يمكن يغير حاجة أبدًا..
صاح محمود بصوتٍ عالٍ دون وعي منه:
_ لا مهم يا إجلال، عبدالله لو رفض يتجوز بنتك بعد اللي حصلها هتبقى فضيحة، ومحدش هيعتب باباها أبدًا.. ومش هنعرف نرفع وشنا في الناس تاني..
أسرعت إجلال بوضع يدها على فمه مرددة بخفوت:
_ وطي صوتك إيه اللي بتقوله دا بس؟!
خشيت إجلال من سماع صبا لتلك الحقيقة المؤلمة، وبالفعل وقعت كلمات والدها على مسمعها، وقفت خلف الباب تكتم شهقاتها بيدها، هرولت نحو الفراش ثم أجهشت في البكاء، بحثت عن هاتفها وقامت بالإتصال على عبدالله فور إيجادها إياه.
****
تلك الأثناء، كان يجلس على أرضية الغرفة يستند برأسه على الفراش، انتبه على رنين هاتفه المُلقى أمامه، إلتقطه حين وجدها صبا من تهاتفه، لم يَجرُأ على الإيجاب، ماذا سيقول؟ هل سيواسيها أم يواسي قلبه؟
انتهى الرنين وعاودت الإتصال من جديد؛ فقام بالرد عليها دون أن ينبس بحرفٍ، فأتاه صوتها الباكي الذي ضاعف ألم قلبه:
_ عبدالله..
سقطت عبراته على مقلتيه، كان يرتجف داخله اثر بكائه الصامت، لا شيء يقال، لا شيء.. تابعت صبا حديثها بصعوبة شديدة قابلتها في إخراج الكلمات:
_ أنت مش بترد ليه؟
انهمرت في البكاء وهي تضيف:
_ أنت معتش عايزني؟ معتش عايز صبا يا عبدالله؟!
أسرع عبدالله في إبعاد الهاتف عنه حين فشل في التماسك، اهتز جسده بقوة اثر بكائه العنيف، لم يعد يستطيع التوقف، فلقد فتحت بابًا حساسًا للغاية لا يمكن غلقه بسهولة.
تلك الأثناء؛ شعر عبدالله بضجة في الخارج صدحت فجأة، فنهض وسار باتجاه الباب، وما كاد يدير مقبضه حتى تفاجئ بوقوف آدم أمامه، قابله ببسمةٍ سمجة على محياه، ثم وقع نظره على شاشة عبدالله المضيئة فوجده يهاتف صبا، لم يتردد وسحب منه الهاتف عنوة ثم قام بإنهاء الإتصال.
نجح في إخراج عبدالله عن شعوره، فلقد جاء في أكثر الأوقات الذي يحمل فيها غضبًا وكرهًا للعالم أجمع، استعاد عبدالله هاتفه من بين يدي الآخر وببغضٍ يكنه له هدر وهو يضرب صدره بقوة:
_ أنت عايز مني ايه؟ مبتسبنيش في حالي ليه؟
تراجع آدم للخلف؛ ووجه حديثه إلى العساكر الذين يقفون خلفه:
_ اثبت لي يابني حالة، بيتعدى على ظابط أثناء تأدية عمله
بلغ عبدالله نصاب صبره، فهو من جنى على نفسه، فليذق بعضًا من غضبه، التصق عبدالله بياقة قميصه وهتف وهو يطالع عينيه ببغضٍ:
_ طب نخلي الإثبات بجد بقى، بدل ما اتحبس في شوية كلام على ورق اتحبس على حاجة عليها القيمة
توجس آدم خيفة في نفسه وحاول الفرار من تحت يديه لكن هيهات ليده التي قبضت بقوة على قميصه، ثم بدأ عبدالله في لكمه، كان يفرغ كل ما يشعر به عليه، وكأنه يضرب حمادة وليس آدم، تدخل العساكر وقيدوا حركة عبدالله مُجبِرين إياه على الإنحناء، رفع عبدالله رأسه ورمق آدم بنظراتٍ ثاقبة ثم قام بالبصق عليه.
تفاجئ آدم بفعلته ومد يده يمسح وجهه ثم رفع ذراعه لينسدل على وجه عبدالله بصفعة تعيد إليه رشده ويعلم مع من يتعامل، لكن ما يجهله أنه هو من يجهل مع من يتعامل، تراجع عبدالله بكل قوته مستندًا على ذراعيه الممسكان به العسكريين ثم قام بركل آدم في ركبتيه فسقط أرضًا.
كظم آدم غيظه بصعوبة، فخشى أن يواجهه ثانيةً ويلقى ما يهين هيئته أمام رجاله، نهض وهو يطالعه بغضبٍ شديد متوعدًا له، لكن ليس هنا، ومن بين أسنانه المتلاحمة أمر رجاله:
_ هاتوه..
صرخت أحلام عاليًا وهي تتوسله:
_ سيبوه، ابني معملش حاجة، ابعد ايدك أنت وهو عنه، منكم لله ..
لم يكترث لها أحد، كأنها جرذ لا قيمة له، هرولت نحو الهاتف وقامت بالإتصال بوليد، وبنبرة باكية هتفت:
_ الحقني يا وليد، أخدوا عبدالله..
***
صدح رنين هاتفه، فأيقظه من نومه، مد يده وسحب الهاتف من على الكومود وتفقد المتصل برؤية مشوشة وضحت تدريجيًا، ثم تفقد الوقت فكان لا زال باكرًا، دب القلق قلبه وقام بالرد عليه:
_ في حد يكلم عريس يابني بدري كدا؟
_ أنا مش عارف صح ولا غلط إني أكلمك في وقت زي دا، بس عبدالله اتقبض عليه وأنا بلبس ونازل رايح القسم
قالها وليد فانتفض زكريا مذعورًا وردد سؤاله:
_ ليه إيه اللي حصل؟
رد عليه وليدٍ بإيجاز شديد:
_ قول إيه محصلش، هتقابلني ولا أروح أنا
دون تفكيرٍ:
_ جاي طبعًا، استنى ألبس هدومي ونازل لك
قلقت ليلى إثر صوته، وتضاعف قلقها حين رأته ينهض فجأةً وسألته بتوجسٍ:
_ فيه حاجة يا زكريا؟
أجابها وهو يلتقط ملابسًا له من الخزانة:
_ عبدالله في القسم وأنا ووليد رايحين له
عدلت ليلى من وضعية جسدها، حيث جلست مستندة على جذعيها مستفسرة:
_ ليه هو عمل ايه؟
_ اقترب منها وهو ينهي ارتداء سترته الكحلية وقال:
_ لسه مش عارف تفاصيل
تنهدت ليلى مستاءة من الوضع وهتفت:
_ حلوة الصباحية اللي في القسم دي، هو دا طبيعي؟
رفع زكريا حاجبه بتعجبٍ لاستيائها، وهلل:
_ لا وهي ليلة امبارح اللي مشت طبيعي أوي عشان الصباحية تمشي طبيعي
انحنى بطوله عليه وأحاطها بيديه فباتت حبيسته ثم قال متوعدًا:
_ هنتحاسب، بس لما أرجع
اقترب من ثغرها وطبع قُبلةً حارة عليه ثم أردف:
_ حساب هيزعلك أوي
أعاد انتصاب وقوفه وغمزها وهو يردد:
_ سلام..
_ سلام
همست بها ثم عضت على شفاها بحياء، استقلت على الفراش وحدقت بالسقف لبرهة ثم سحبت الوسادة وقامت باحتضانها لتعود إلى النوم من جديد، وماهي إلا ثوانٍ حتى باتت في ثُباتٍ عميق.
***
مرت بضع دقائق، لم تبرح مكانها، كذلك لم ترفع عينها عن الهاتف، سال دمعها حتى جف، لا تصدق أنه أغلق الهاتف دون إعطائها إجابة صريحة، كيف هرب منها دون أن يلتفت لحبهما الذي كان يُظهره طيلة الوقت؟
ربما كان يتصنعه، لكن كيف؟ بالله كيف ما عاشاه هاشًا ضعيفًا ذعذعه نسيمًا هب في غير شدة، ربما هذا كابوس، وعليها الإستيقاظ منه، إن لم يساعدها أحدًا على الخروج منه فلتساعد نفسها بنفسها، توجهت نحو الشرفة ورمقت الأسفل فتجددت ذاكرتها بالحادثة المؤلمة التي حدثت هنا.
ناهيك عن كونها باتت منبوذة من الجميع، لم يعد يريدها أحد، أصبحت تشكل عبئًا في حياتهم، عائق ثقيل يجب التخلص منه، تشوشت رؤيتها اثر بكائها، لكنها لم تتردد في الصعود والوقوف على سور الشرفة، لا ترى سوى ما تعرضت له في مكانها الحبيب، كان خير شاهدًا على بداياتٍ عاشاها سويًا، فإن كان بداية لهما فسوف يكون لها الخلاص والنهاية للجميع.
***
يقف أمامه مُكبل الأيدي، لا ينبس، لا يتحرك، ولا يمتلك القدرة لفعل أي شيء، فالحزن عم قلبه وضعِف نفسه، حتى بات يشعر أنه ليس رجلًا، فقط جسد يهوى بلا روح.
_ أنت فاكر اللي عملته دا هيعدي كدا بالساهل، إن ما خليتك تمسح بلاط السجون مبقاش أنا..
هتف بها آدم وهو يدور حول عبدالله، ثم نادى بصوتٍ جهوري:
_ أنت يا عسكري يلي برا
جائه راكضًا فأمره بغضبٍ وهو يطالع عيني عبدالله بتحدٍ يخالطه الحقد:
_ خده زنزانة انفرادي، واعملوله أحلى تحية خاصة بآدم باشا..
ضحك العسكري وردد وهو يرفع يده عند رأسه:
_ تمام يا فندم
أمسك بذراع عبدالله وأجبره على السير معنفًا إياه:
_ امشي، اتحرك ولا ندخلك على نقالة؟!
أجبره على المشي حتى تعدى الباب وفوجئ العسكري بيدي أحدهم توضع على كتفه وأمره بحدةٍ:
_ نزل ايدك..
على الرغم من هدوء الرجل؛ إلا أن نبرته الآمرة وملامح وجهه أخافت العسكري للغاية، نظر إلى هيئته وخمن أنه مسؤول مهم، لكنه لم يزيح يده عن عبدالله، في النهاية هو عمله ويقوم به، حمحم وسأله مستفسرًا:
حضرتك مين؟
بحدةٍ باغتة قال:
_ أنا قاسم القاضي أبو عبدالله
الفصل الثاني عشر من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم تسنيم المرشدي
صمت حل للحظات؛ رفع عبدالله رأسه ليتأكد مما سمعه، خفق قلبه بقوة وهو ياره أمامه، لوهلة لم يتعرف على ملامحه، فلقد ترك العمر بصمته على وجهه، ظل يطالعه دون حديث، مزيجٍ من المشاعر المتناقضة قد راوداه فاكتفى بالنظر إليه.
على الجانب المقابل؛ بحدة باغتة أمر قاسم ذلك العسكري:
_ فك الكلبشات دي
أبى العسكري إطاعة أمره وعلل:
_ دي أوامر حضرة الظابط آدم وأنا مش باخد أوامر غير منه
هز قاسم رأسه ثم أمسك بذراع عبدالله مُجبره على المشي وعاد به إلى المكتب، اقتحمه فتفاجئ آدم بوجوده، هب واقفًا وردد مذهولًا:
_ بابا!!
دون مماطلة هتف قاسم:
_ خلي العسكري بتاعك يفك الكلبشات دي..
اعترض آدم قائلًا:
_ بس دا...
قاطعه قاسم بنبرةٍ لا تحتمل النقاش:
_ قولتلك خليه يفك الكلبشات دي
وجه آدم نظره إلى العسكري وأمره بضيقٍ:
_ فكه يابني
سحب العسكري مفتاح الأصفاد وكاد يفك قيده إلا أن قاسم قد التقط منه المفتاح وقام هو بفك قيد عبدالله الذي يتابع في صمت.
خرج العسكري بينما وجه قاسم أمره لأدم بحدةٍ:
_ خرج أخوك دلوقتي حالًا..
حدجه باستنكارٍ وصاح:
_ أخرجه إزاي، دا تعدى عليا أثناء عملي وفيه شهود بكدا وماضيين على المحضر كمان
_ هو فين المحضر دا؟
تساءل قاسم بصوتٍ أجش فأمسك آدم المحضر وناوله إياه:
_ أهو اتفضل شوف بنفسك..
التقط منه قاسم الورقة ثم قام بتقطيعها حتى باتت فُتات تحت نظرات آدم المصدومة، لحظاتٍ يحاول استيعاب ما أحدثه والده ثم هلل دون رضاء لذلك:
_ أنت بتعمل إيه يا بابا، حضرتك فاكر أنه كدا هيخرج؟ البيه مقبوض عليه بسبب أنه تعدى على جوز أخته بالضرب واتسبب له في عاهة مستديمة.. يعني كدا كدا قضية ومفيش خروج من هنا.. حتى لو اتنازلت عن اللي عمله فيا، الموضوع برا ايدي دي قوانين ولازم تتنفذ!
حل الصمت لبرهة، قبل أن يهتف قاسم وهو يتوجه ناحية الكرسي المقابل لآدم:
_ أنت مش هتشرب أبوك حاجة ولا إيه، دا أنا حتى جاي من سفر
قطب آدم جبينه بغرابةٍ، فلم يستشف ما وراء طلبه المفاجئ، تنهد ببطءٍ ثم نادى بصوت جهوري:
_ يا حامد..
جائه على الفور فنظر إلى والده وسأله بجدية:
_ حضرتك تشرب إيه..
هنا هب قاسم واقفًا وتوجه نحو العسكري وبسلاسة سرق منه سلاحه تحت نظرات الجميع المذهولة، كاد يتعامل العسكري إلا أن صوت آدم منعه:
_ خلاص يا حامد.. اتفضل أنت دلوقتي..
_ استنى هنا يا بني
قالها قاسم ثم توجه ناحية آدم وهتف:
_ اديني تعديت على عسكري وسرقت سلاح ميري.. دخلني معاه
كلما افتعل شيئًا يثير صدمة الواقفين وخصيصًا آدم، فهو يحاصره من جميع الزوايا، مال على المكتب ليكون أقرب لوالده وهمس بخفوت:
_ هو إيه اللي حضرتك بتعمله دا؟
ألقى قاسم السلاح على المكتب وضرب المكتب بيده:
_ مشيها قانوني يا آدم باشا..
كانا يتقاتلان في نظراتهما لبعض، نظراتٍ تتوسله أن يتراجع ولا يضعه في مأزقٍ والنظرات الأخرى تقابلها بتحدٍ وإصرار يؤكد عدم تراجعه البتة.
قطع قاسم تلك النظرات بقوله:
_ ولو مدخلتنيش معاه، هجيب ظابط غيرك وأقوله على اللي عملته وتبقى قضية بجد يا آدم!!
صر آدم أسنانه بغضبٍ، وعينيه لا تُرفع عن والده، سحب السلاح وأعاده إلى العسكري أمرًا إياه:
_ جهز لي زنانة فاضية..
_ أمرك يا آدم بيه
قالها العسكري وأسرع في تلبية أمره، بينما دار آدم حول المكتب حتى بات يقف بينهما وردد وعينيه تطلقان شرار:
_ اتفضل يا بابا من هنا..
توجه قاسم إلى عبدالله وأمسك ذراعه يحثه على السير:
_ امشي يا عبدالله..
أخفض عبدالله عينيه على يد قاسم وبهدوءٍ قام بسحب يده من بين قبضته وتوجه إلى الخارج، تبعوا آدم حتى أوصلهما إلى زنزانة فارغة، ولج عبدالله وتلاه قاسم ثم قام بإغلاق الباب خلفه وهتف:
_ روح شوف شغلك يا حضرة الظابط..
ألقى آدم نظرة أخيرة على والده، ثم قام بتوصيد الباب، وعاد إلى مكتبه وعقله سيجن جنونه، فلقد حاصره والده ولم يتجرأ على تجاوزه، دلف مكتبه ولم يستطع الجلوس، ظل يجوبه ذهابًا وجيئا بضيق يزداد كلما مر عليه الوقت.
***
ارتفعت تصفيقات عبدالله عاليًا فأثارت علامات استفهام حولها، نظر في عيون قاسم وأردف:
_ حلوة أوي المسرحية اللي عملتها دي، أحييك على موهبتك، أنت إزاي مش بتمثل؟ دا أنت طلعت أشطر من ممثلين كتير بيقولوا عنهم شاطرين..
لم يرفع قاسم عينه عن عبدالله لثوانٍ ثم توجه نحوه وجلس بجواره وقال:
_ ٣٠ سنة وقلبك محنش لأبوك؟ أنت ليه مُصر تبني بينا حاجز؟
أبدى عبدالله اعتراضه على حديثه وعدل على كلماته:
_ لا لا، أنت اللي بنيت الحاجز زمان، أنا يدوب بحميه بس
حرك قاسم رأسه باستنكار شديد وهلل:
_ أنت ليه مش قادر تقتنع إنه كان غصب عني؟ ليه مش محاولتش تحط نفسك مكاني ولو لمرة واحدة؟ مش يمكن تقتنع بظروفي..
قاطعه عبدالله بحنقٍ رافضًا سماع المزيد من الهراء:
_ مش عايز أسمع حاجة، أنا روحي هلكانة وقلبي محروق، سيبني في حالي..
شعر قاسم بالقلق حيال حالته وكلامه الذي يدل على وجود شيءٍ يجهله فتساءل باهتمامٍ:
_ مالك يا عبدالله شكلك ميطمنش، احكي لأبوك..
هب عبدالله واقفًا وصاح كالمجنون:
_ متقولش ابني، متنطقش الكلمة دي تاني، عايزني احكيلك إيه؟ عايزني اتعامل معاك طبيعي إزاي أصلًا؟ يعني بالمنطق كدا شايف إني المفروض احكيلك حاجة في حياتي اللي أنت متعرفش عنها حاجة؟ وأنت تشوف لي حل كأب!!
أنت نفسك مصدق اللي عايزه يحصل دا؟
أنت لو عايز تعملي معروف بجد اسكت، متتكلمش تاني..
نكس قاسم رأسه بحزنٍ شديد، يخفي عينيه التي تجمعت بهما العبرات، لم تمر سوى دقائق حتى سمعا كلاهما صوتها الأنثوي الذي صاح في المكان:
_ عبدالله..
وقفت أحلام على أطراف أصابع قدميها لترى وجهه من خلال النافذة الصغيرة التي تعلوا الباب، دق قلب قاسم بقوةٍ ونهض ليُمتع عينيه برؤياها، تلاقت الأعين فلقد اشتاقت القلوب وفاقت لوعتها، القليل من الصمت وحالة من الشجن انتابت كليهما، جاهدت أحلام على إبعاد عينيها عنه بصعوبة، ابتلعت ريقها ثم وجهت حديثها بنبرة هادئة لعبدالله:
_ أنت كويس يا حبيبي؟
مال عبدالله برأسه على الباب وأجابها وهو يصيح:
_ هبقى كويس إزاي؟ أنا لازم أخرج من هنا، كلمي أي محامي يخرجني من هنا، أنا مينفعش أكون في المكان دا!!
تأثرت والدته بحالته وأقسمت بألا تدعه خلف تلك القضبان:
_ هتخرج يا حبيبي متقلقش، أنت معلمتش حاجة..
_ مش هتسلمي عليا يا أحلام؟
صمت الجميع حين تساءل قاسم بحنينٍ ولهفة للتكلم معها، تنهدت أحلام ولم توجه إليه كلمة، نظرت خلفها تسمع العسكري الذي يُحادثها بجدية: _ يلا ياست كفاية كدا..
أماءت بقبول؛ بينما هلل عبدالله عاليًا:
_ أمانة تروحي لصبا ياما، قوليلها عبدالله هيجيلك ويكتب الكتاب..
_ اكتفت بإيماءة من رأسها؛ وبطرف عينيها اختلست نظرةً على ذلك المُشتاق الذي يتطلع شوقًا إليها، ثم فرت هاربة إلى الخارجة فصاح عبدالله مؤكدًا:
_ متنسيش ياما..
عاد إلى الداخل فوجد قاسم ممُسكًا بهاتفه، وقام بعمل اتصالًا:
_ أيوا يا صادق، أنت اتاخرت ليه، جبت الولد؟ طب تمام بسرعة يلا..
أعاد هاتفه إلى جيبه، ورفع عينيه في عبدالله، فوجده مهمومًا وكأنه يحمل أطنانًا من الحزن على وجهه، شعر بالآسى حياله، وحاول سؤاله عما به ثانيةً ربما يخبره تلك المرة:
_ عبدالله لو واقع في مشكلة يابني عرفني
وأنا هساعدك
لم يرد، بل أسند رأسه على الحائط شاردًا في حادثة صبا التي جعلتهم تعساء، ضعفاء النفس وحزناء القلب، خرج من شروده على سؤال قاسم المهتم:
_ صبا دي تبقى حبيبتك؟
تأفف عبدالله ومال بجسده للأمام مستندًا بمرفقيه على فخذيه شابكًا كفوفه في بعضهما، تنهد قاسم واستأنف بهدوءٍ حزين:
_ على حد علمي أنك مش خاطب، مين صبا اللي عايز تكتب كتابك عليها دي؟ أكيد حبيبتك..
استدار قاسم بجسده فبات مقابل عبدالله، مال عليه وهمس:
_ لو حبيبتك متفرطش في حبك، اتمسك بيه
تشدق عبدالله بتهكمٍ وأدار رأسه فقط ونظر إليه شزرًا قبل أن يردف:
_ خلي النصحية دي لحد غيرك!
زم قاسم شفتيه بحزنٍ صريح، إلتزم الصمت حين فشل في خلق حوارًا بينهما، مرت دقائق معدودة وانتبه كليهما على فتح الباب، دلف منه آدم برفقة صادق الذي تلاه، وقف أمام قاسم وعاتبه مستاءً:
_ إيه اللي أنت عملته دا بس يا قاسم بيه؟ مش معقول ترجع من السفر على الزنزانة على طول، أي مشكلة هنقدر نحلها غير اللي أنت عملته دا..
بنبرةٍ حادة قال:
_ جبت الولد؟
رمقه صادق مستاءً من تصرفه الأرعن وعدم اكتراثه لحديثه وأردف بإقتضاب:
_ أيوا.. قاعد في مكتب آدم
أومأ قاسم ثم سار بجوارهم حتى تخطاهم وخرج من الزنزانة، تَبِعه صادق وآدم حتى عادوا إلى مكتب آدم، بينما بات عبدالله بمفرده دون رفيق، توجه إلى الباب وضرب بكل قوته عليه وهو يصر أسنانه وهتف عاليًا:
_ كنت مستني ياخدوك معاهم؟!
استدار بجسده ونظر حيث المقعد الحديدي الذي أمامه ببغضٍ واضح، فنيران قلبه تشتغل وتزداد لهيبًا سيحرق أول من يأتي أمامه.
في مكتب آدم؛ وقف قاسم أمامه وصاح بنبرة غاضبة رغم هدوئها:
_ أنت حمادة؟
هب حمادة مذعورًا من كرسيه وأجاب بإرتباكٍ:
_ أيوا أنا..
تبادل النظرات مع آدم الذي هرب بنظره بعيدًا عنه، انتاب قاسم الريبة حول نظراتهما، وسأله بجدية:
_ أنت تعرفه؟
أعاد حمادة النظر إلى آدم الذي توعد له في نظراته إن أفشى سرهما، ابتلع حمادة ريقه ورد وعينيه مُصوبة على آدم خشية أن يردف شيئًا خاطئًا:
_ لأ معرفوش..
_ طب اسمع يابني، المحضر اللي عملته في عبدالله دا تتنازل عنه، واللي أنت عايزه أنا كفيل بيه
قالها قاسم بحسمٍ، فوجد حمادة عائدًا ماديًا في الأمر، نظر إلى آدم الذي رفع حاجبه موحيًا إليه بإشارات من عينيه بالرفض الجلي، نفذ صبر قاسم وصاح مندفعًا به:
_ بصلي أنا هو مش هيفيدك بحاجة، وأول من هيبيعك لو مسمعتش كلامه، أنا عايز أدفعلك مبلغ محترم تروح تعالج بيه نفسك وتأمن بيه حياتك
لحظاتٍ مرت، أعاد فيها حمادة ترتيب أفكاره ليعلم في صف من سيكون، فأعمت الأموال عينيه، نظر إلى قاسم وقال:
_ ٥٠ الف ..
أماء قاسم بالقبول، فتفاجئ حمادة بعدم اعتراضه على دفع المبلغ، تصنع أنه يسعل ثم أردف بجدية:
_ قصدي ١٠٠ ألف
ضاق قاسم بنظراته عليه؛ فتأكد أنه ماديٍ حقير، بلع ريقه واقترب منه بخُطى مُتزنة حتى بات مقابله، فأمسكه من تلابيب ملابسه وبحدة باغتة صاح:
_ أنا كنت فاكرك عامل المحضر في عبدالله عشان تاخد حقك، فقولت أفيدك أكتر من ورقة مش هتضيف لك حاجة، بس الظاهر إنها تمثيلية حقيرة وإنك عيل مادي والفلوس ظهرت حقيقتك..
أخذ يتنفس الهواء واستأنف متوعدًا:
_ أنا كنت ناوي أدفع لك مليون لو طلبتهم، بس أنا مش بحب المادية وطلاما الموضوع بيزنس مش رد حق يبقى هتتازل ورجلك فوق رقابتك..
أدار قاسم رأسه نحو آدم وقال:
_ حمادة هيتنازل يا آدم باشا..
رفض حمادة الرضوخ لطلبه، تحرر من بين قبضتي قاسم، جن جنونه لضياع الأموال من بين يديه وهتف بصوتٍ عالٍ:
_ مش هتنازل عن حاجة، حقي وهاخده من نن عين عبدالله وأي حد يتشدد له
بلغ قاسم ذروة تحمله على السخافة الحادثة؛ خرج من هدوئه ولم يستطع كبح غضبه المتأجج داخله، وانقض على حمادة مُمسكًا به من ذراعه وصاح وهو يهزه بعنفٍ:
_ شكلك متعرفش أنت بتلعب مع مين، أنا قاسم القاضي يالا، فوق لنفسك دا أنا أدفنك مكانك هنا..
أخفض من نبرته وتابع بوعيد:
_ أنا في الغالب مش بحب أستخدم اسمي في تهديد حد، لكن في حالات لازم يعرفوا كويس بيتعاملوا مع مين؟ ولو مش عارف أعرفك يا روح أمك؟ أنا بحب أوي أوري الكلاب اللي زيك الرُتب اللي يتمنوا يخدموني، مناصب توديك ورا الشمس.. فأنت قدامك فرصة واحدة بس دلوقتي يا تتنازل يا هعرفك مين قاسم القاضي..
رفع قاسم ثلاثة من أصابعه ليُعطيه مهلة يأخذ القرار بها، وقال:
_ ١ ، ٢ ...
لم يكاد يصل إلى رقم ثلاثة حتى هدر حمادة بخوفٍ:
_ خلاص هتنازل..
أزاح قاسم يده عن ذراع حمادة وأعدل له ملابسه وهو يُحييه على قراره:
_ جدع.. عارف مصلحتك
بعد فترة، انتهى إجراءات خروج عبدالله، فُتح له والده باب الزنزانة خصيصًا فلم يجد ما يَسُر نفسه من معاملة عبدالله، فكان جافًا سار إلى الخارج دون توجيه الحديث له، تَبِعه إلى الخارج وهو يُناديه:
_ يا عبدالله اقف اسمعني.. أنا هجري وراك لغاية فين؟
_ متجريش ورايا، ارجع لمراتك وابنك أنت جاي من السفر...
هتفها وهو يتابع سيره دون النظر إلى والده، فأسرع قاسم من خُطاه وقام بإجباره على الوقوف بمسكه ذراعه وهتف:
_ أنا مخلصتش كلامي، أنا المرة دي ناوي تسمعني وتديني فرصة، ومش هزهق قبل ما أخليك تعترف تعترف إني أبوك، سامع يا عبدالله، أنا مش هسيب الحياة دي قبل ما أسمع منك كلمة بابا!!
سحب عبدالله ذراعه ونظر إليه شزرًا قائلًا بإزدراء:
_ اللي بيحكموا عليه بالإعدام بيسألوه لو نفسك في حاجة أخيرة قبل ما يموت بس مش بيحققوها، يعني مش هتبقى أول واحد يموت من غير ما يتحقق له حاجة عايزها.. هتلاقي شبهك كتير
انسدلت كلمات عبدالله كالخنجر الذي طعن قاسم وغرز في قلبه؛ فقسمه إلى نصفين، شعر بمزيجٍ من الحزن وخيبة الأمل الكبيرة، رمقه بأعين لامعة تهدد بالبكاء، اهتز داخل عبدالله ولم يستطع مواجهة عينيه ففر هاربًا من أمامه، استدار بجسده ونظر إلى صديقيه اللذان يقدِمان عليه.
_ عايز أبوك يموت يا عبدالله؟!
أردفها قاسم بنبرةٍ مهزوزة يغلفها البكاء، شعر عبدالله حينها بفداحة ما قاله، آلمه قلبه للغاية، وشعر بوخزة به، ناهيك عن دموعه التي هاجمته فأسرع بكتم أنفاسه مانعها من الخروج.
وصل إليه زكريا برفقة وليد وتعجبا من حالته، ناظرين إلى ذلك الذي يبكي في الخلف، تبادلوا نظراتهما بغرابة مما يحدث، وانتبهوا على اقتراب قاسم منهم وتوجيهه الحديث إلى عبدالله:
_ برده هفضل وراك لغايه ما أغير نظرتك عن أبوك
رفع قاسم ذراعه ووضعه على كتف عبدالله من الخلف وتابع:
_ مش هموت نفسي في حاجة..
غادر المكان سريعًا حين فقد السيطرة على نفسه، فكان في وضعٍ يرثى له، بينما تساقطت عبرات عبدالله فور إطلاقه لأنفاسه الحبيسة، لكن سرعان ما أخفاها في ملابسه حتى لا يراه صديقيه في حالته كالذي كان عليها.
_ هو دا أبوك يا عبدالله؟
هتفها زكريا ولم يكاد ينهي سؤاله حتى التفت إليه عبدالله مندفعًا به:
_ شششش
ثم أسرع خُطاه بعيدًا عنهما، فتبعوه وقد سأل وليد صديقه:
_ ودا إيه اللي خلاه يظهر بعد كل السنين دي؟
رفع زكريا كتفيه بعدم معرفة للأمر ونادى بصوتٍ جهوري على عبدالله الذي وجده يشير إلى أحد السيارات وقال:
_ استني يابني أنت رايح فين، هنيجي معاك..
لكن هيهات لسرعة الآخر فلم يلحقا به، وقفا وتبادلا النظرات المريبة ثم صاح وليد متسائلًا:
_ أنت فاهم حاجة؟
نفى زكريا بحركة من رأسه وردد:
_ فيه حوار بيحصل وإحنا مش فاهمين حاجة.. وقفا يحاولا استجماع أي مما يحدث لكنهما فشلا، فقررا العودة إلى منطقتهم.
وعند وصولهم وقف زكريا أمام إحدى الصيدليات ووجه حديثه إلى وليد:
_ أنا هدخل أجيب حاجة.. روح أنت
أماء وليد بقبولٍ فانتظره زكريا حتى غادر المكان ثم ولج الصيدلية وقام بطلب أحد الحبوب، وعاد إلى البيت، قطب جبينه بغرابة حين استمع لضجة محدثة في منزله.
فتح الباب وتفاجئ بوجود والدته وشقيقتيه؛ اقترب الجميع منه ليطمئنوا عليه فكانت والدته أول ما سألته بلهفةٍ:
_ أنت كويس، أنا قلقت لما شوفتك نازل تجري وناديت عليك مردتش..
بتعجبٍ قال:
_ أنا كويس الحمد لله، هي ليلى مقالتش أنا كنت فين؟
ردت عليا مجيبة باسيتاء:
_ قالت بس ماما بتحب تقلق نفسها وتقلقنا، مصممة إن فيك حاجة وليلى بتقول كدا عشان متخوفهاش..
رفع زكريا ذراعيه للأعلى ليؤكد لها أنه بصحة جيدة:
_ أنا قدامك أهو، مفيش فيا حاجة
وما كاد يفعل حتى سقط الشريط من جيب سترته فشهقت هناء مذعورة وقالت:
_ شوفت، أهو أنت جايب شريط برشام يبقى أنت فيك حاجة!! وريني دا بتاع إيه؟
أسرعت هناء نحوه تحاول التقاطه فكان زكريا أسرع منها وأخذه ثم دسه في جيب سترته ثانيةً:
_ يا ماما قولتلك مفيش حاجة والله كويس..
بعدم اقتناع لما يخبرها به هتفت:
_ مش مصدقاك، هات لما أشوف شريط البرشام بتاع إيه وأنا اطمن
حاولت أخذه من سترته عنوة لكنه أبى وبانفعالٍ صاح:
_ خلاص بقى، قولت مفيش حاجة..
تراجعت هناء للخلف حين وجدته منفعلًا، ابتلعت ريقها وحاولت الإتيان بسؤالٍ آخر لتمحي التوتر الحادث:
_ عبدالله كويس؟ خرج ولا لأ
_ خرج..
اكتفى بقولها، فلقد ضاق صدره، ولم يعد يستطيع مجاراة ما يحدث، انتبهت عليا لحالته وفضلت أن ينسحبن بهدوء، فمالت على والدتها وهمست:
_ يلا إحنا يا ماما، اطمنا عليه معتش له لزوم نفضل هنا..
أماءت هناء بالقبول، ثم انسحبن إلى الخارج، فتوجه زكريا إلى الأريكة وجلس يستريح عليها، بينما خلعت ليلى إسدالها فظهر قميصها ذو اللون الأحمر الذي يتماشى مع انحناءات جسدها فجعلها مثيرة.
انتبهت ليلى على نظرات زكريا التي تتآكلها، فشعرت بالخجل منه، جلست بجواره ووضعت الاسدال على قدميها خافية به جزءًا منها، فتفاجئت بزكريا يلقيه بعيدًا عنهما مرددًا:
_ ملوش لازمة، سايباه عليكي ليه؟
نكست رأسها بحياء فشعر زكريا بالضيق من خلف حيائها الدائم، فأراد أن يمحيه وتكون على طبيعتها معه فقال:
_ أنا جعان تعالي نحضر سندوتشين على السريع..
أماءت بطاعة ونهضت فنهض خلفها ودلف المطبخ، كان يتعمد زكريا ملاطفتها من آن لآخر حتى شعر بها تسايره في أفعاله دون خجل، أخرج الشريط الذي معه وناوله لها موضحًا:
_ خدي لك واحدة، انتظمي عليه، الصيدلي كاتب لك مواعيده إيه
بحاجبين معقودين تساءلت بغرابة:
_ إيه دا؟
أجابها وهو يصب لها الماء في الكوب:
_ حبوب منع حمل..
ناولها الكوب واستشعر ضيقها، فأسرع في التحدث قبل سماعه أي اعتراضاتٍ منها:
_ إحنا اتفقنا على إيه يا لول؟ أول سنة بس وبعد كدا لو طلبتي نجيب عشرة مش هقولك لأ..
حثها على الإقدام لتلك الخطوة بغمزه لها ثم قال:
_ يلا يا لول، متفكريش كتير..
بعد لحظاتٍ، لم يكن أمامها سوى طاعته على الرغم من عدم اقتناعها بذلك الأمر، انتهى زكريا من تناوله الشطائر التي أعددتها ليلى وردد بتعبٍ:
_ مش قادر أقف أنا داخل الأوضة..
لم يعطيها فرصة السؤال عما به، فهرولت خلفه متسائلة بقلق:
_ مالك أنت تعبان ولا إيه؟
التقط زكريا يدها وهو يدخلها الغرفة عنوة ثم قام بركل الباب بقدمه ليجيب سؤالها بشكلٍ خاص.
***
ترجل من السيارة مسرعًا وهو لا يرى أمامه؛ فقط يريد الوصول إليها، يريد أن يبعث الطمأنينة في نفسها ويسكن قلبها الامان، هرول نحو البناية خاصتهم، فتفاجئ بوالدته تهبط درجات السُلم.
اقترب منها متلهفًا وأردف من بين أنفاسه اللاهثة:
_ قولتي لصبا ياما؟ قولتيلها إني هكتب كتابي عليها؟!
أخذت والدته تلتقط أنفاسها ثم أجابته:
_ محدش فتح يا عبدالله، أنا من وقت ما رجعت من عندك وأنا بحاول أوصلهم، بس محدش بيرد ولا بيفتحوا الباب، شكلهم مش هنا..
_ يعني إيه مش هنا؟ هيكونوا راحوا فين يعني؟
هتفها برعبٍ سكن خلاياه وعشعش في قلبه، رفع رأسه للأعلى متفقدًا الطوابق ثم أسرع بالصعود حيث طابقهم، قرع الجرس وتلاه خبطات متتالية على الباب.
لم يجد إجابة، فضاق صدره ثم وضع إصبعه على الجرس ولم يُبعده قط، استند برأسه على الباب وبصوتٍ منهك همس:
_ افتحي يا صبا، أنا جيت، أنا جيت لك يا دكترة..
وضعت والدته يدها على كتفه تأزره في محنته فهي تشعر بما يمر به، تنهدت وقالت بحنانٍ:
_ واضح إنهم مش موجودين، تعالى نرجع البيت ترتاح لك شوية.. يمكن يكونوا رجعوا
أطال النظر عليها فحثته على السير:
_ يلا يا حبيبي، اسمع الكلام
عاود النظر إلى الباب وداخله غير مطمئن، رافق والدته حتى منزلهم، جلس على الأريكة وعقله لا يكف عن التفكير، هب واقفًا وجاب المكان ذهابًا وإيابًا وهو يحاول الإتصال على جميعهم، فوجد هواتفهم مغلقة، أغمض عينيه وردد بنبرةٍ محتقنة:
_ راحوا فين؟ فجأة كدا مشوا؟ ما يمكن صبا حصلها حاجة..
_ الله أعلم بيهم يا عبدالله، اهدى أنت بس وإن شاءالله خير
هتفتها بهدوء لعلها تنجح في تهدئة روعه، لكنه رفض الرضوخ لما تحثه عليه وصاح وهو يتوجه ناحية الباب:
_ لا مش قادر أهدى، أنا متأكد إن فيه حاجة حصلت.. أنا نازل
هرولت إليه أحلام على أمل اللحاق به متسائلة بجدية:
_ رايح فين بس؟
تأففت حين فشلت في إعادته، أغلقت الباب وولجت إلى المرحاض تتوضأ لتشرع في صلاة الظهيرة وتدعو الله أن يربط على قلب ابنها بالصبر لمصابه خشية أن يصيبه مكروهٍ من وراء حزنه.
***
ولج الفيلا بوجهٍ محتقن ثائر، لا يرى أمامه، تبِعه الآخر بخوف عارم، توقف والتفت إليه وهدر به شزرًا:
_ أنا عايز أعرف أنت بتعمل في عبدالله كل دا ليه؟
أومال لو مكنش أخوك؟! ولو مكنتش أنا لسه مكلمك وموصيك متجيش جنبه؟ عاملتك من يوم ما كبرت على إنك صاحبي وعمري ما قسيت عليك، طلباتك كلها موجودة، بتشتغل في مكانة محترمة ولولا معارفي كنت لسه مقدرتش تتعين، ورغم إني مش بحب أستخدم اسمي في الشغل تحديدًا استخدمته عشانك! عشان أحقق لك حلمك وتوصل بسرعة ليه
عايز تخطب نزلت لك مخصوص بدري عشان أروح أخطب لك البنت اللي أنت عايزها وميكنش نفسك في حاجة ولا بتأخر عنك في أي طلب؟ يعني شبعان فلوس وحنية وطلبات وكل حاجة، ليه يكون جزائي عدم سماع الكلام؟!
ليه تإذي حد بالشكل دا؟ واللي هيجنني أنه اخوك؟ يعني أنت بتعمل كدا وأنت مُدرك كويس الصلة اللي بينكم؟! على كدا بتعمل إيه مع الناس الغريبة؟ بتتعامل معاهم بالقسوة دي؟ ولا دا تعامل خاص بعبدالله بس؟!
انطق رد عليا، بس هتقول إيه؟ هتقول أن شيطانك بيحركك ولا الغيرة عمت عيونك؟
حينها اندفع آدم غير قابل تلك المقارنة الغير منصفة:
_ وأنا لما أغير هغير من عبدالله!! دا أنا مستعناش أشغله سواق عندي
زم قاسم شفتيه حزنًا على رده الذي آلم قلبه وضاق له صدره، شعر بغصة في حلقه منعته من الحديث، لكنه جاهد حتى خرجت كلماته بصوتٍ مهزوز:
_ كلمتك وجعتني أوي يا آدم، عرفت تدوس على جرحي يابني، قدرت تثبت لي إني فشلت في تربيتك، وأنك لا عندك رحمة بغيرك ولا حتى أقرب الناس ليك، خلتني أشفق علي تفكيرك اللي أكيد والدتك زرعته فيك..
لم تقبل ما سمعته وانضمت للحوار قائلة:
_ ربيته على إيه؟ أنت بتتكلم على إيه؟
استدار قاسم بجسده ورمقها بنظرات خذي وهو يخبرها:
_ ابنك كنتي بترضعيه كره وحقد مش لبن، كنتي بتتكلمي قصاده بكل غل على أحلام وعبدالله عشان يكرههم، مسبتيش فرصة إلا وانتهزتيها عشان تكرهي الإخوات في بعض.. إيه يا حورية يا بنت عمي، مش دا اللي كان وما زال بيحصل؟!
أطلقت حورية ضحكة ساخرة واندفعت به قائلة باستعلاء:
_ أحلام إيه دي اللي أتكلم عنها؟ أنت ناسي أنا مين وهي مين؟ فوق يا قاسم ومتقارنش الألماس بالفضة!!
_ اخرسي..
أردفها منفعلًا غير قابل السماح للتقليل من أحلام، اقترب منها واستأنسف بغضبٍ من بين أسنانه المتلاحمة:
_ أحلام دي زي اللؤلؤ اللي في البحر، نادرة وغالية أوي أوي، مش زي الألماس مستهلك للكل!
اتسعت حدقتي حورية بصدمةٍ كما فغرت فاها مذهولة مما وقع على آذانها، ولم تقبل الإهانة قط:
_ أنت بتقولي أنا الكلام دا يا قاسم؟ أنا مستهلكة؟ أنت بتتكلم عن بنت عمك ومراتك وأم ابنك بالشكل دا عشان واحدة ااا...
قاطعها قاسم بوضعه يده على فمها محذرًا إياها بعينيه الذي يشع منهما الشر:
_ اياكِ، إياكِ سيرة أحلام تيجي على لسانك تاني، وإلا ننسى خالص أنك مراتي وأم ابني ومعاهم هنسى إنك بنتي عمي ومش هعمل قيمة للقرابة ولا للدم اللي بينا..
دفعها بعيدًا عنه ثم استدار ورمق آدم بنظراتٍ ثاقبة وقال وهو يحذره بسبابته:
_ لو كنت بتعامل معاك قبل كدا على إننا صحاب، فأنا هوريك معاملة الأب بتكون إزاي، أنا هنسيك تربية أمك خالص، هعيد تشكيلك من أول وجديد..
توجه إلى الخارج ثم توقف وهتف دون أن يلتفت:
_ أنا هقعد في بيت المزرعة، مش عايز أسمع صوت حد ولا أشوف خلقة حد..
تابع خروجه ثم استقل السيارة وأمر السائق بالتوجه إلى بيت المزرعة خاصته ليريح فيه أعصابه التالفة ويرتب أفكاره جيدًا قبل البدء في تصليح الأمور.
***
دلف منزله، وتوجه مباشرةً نحو زوجته التي تقف في المطبخ، ناداها متسائلًا:
_ هناء هي فين خلود؟
أجابته باختصار:
في أوضتها لسه راجعة من الكلية..
أماء ثم نادى بصوتٍ عالٍ:
_ خلود..
جائته مسرعة فأخبرها ما يريده منها وهو يناولها مبلغًا نقديًا:
_ طلعي دول لمرات عمك وقوليلها معلش بابا أتأخر الشهر دا عشان فرح زكريا..
أماءت بطاعة وركضت إلى الخارج، بينما هتفت هناء وهي تمسح يديها في المنشفة:
_ ما كنت تستنى أنا هطلعهم يا محمد، طلعت خلود ليه؟
عقد محمد حاجبية بغرابةٍ من كلامها المبهم وقال:
_ وتطلعي أنتِ طلاما فيه حد من العيال هنا..
أوضحت له هناء بعض الأمور الذي يتغافل عنها بنبرة متريثة:
_ خلود معدتش عيلة يا محمد، وفيه شاب فوق ومش عايزاها تختلط بيه كتير عشان عيب، لازم يكون فيه حدود بينهم.. وخصوصًا أنهم اخدين على بعض زيادة وبيهزرا بالإيد ولا كأنهم عيال..
_ ما طبيعي يا هناء، مش خلود دي مولودة على ايدين وليد وهو كمان اللي مسميها، دي أخته الصغيرة، متكبريش المواضيع، الولد محترم وعمره ما يبص بصة وحشة لبنتك اطمني، دا بيخاف عليها زيه زي زكريا بالظبط
قالها محمد ليطمئن قلب زوجته بينما لم تقتنع هناء؛ وفضلت الصمت حتى لا تخلق مشادة كلامية بينهما.
في الطابق الثاني؛ طرقت خلود باب منزل عمها ففتحت زوجة عمها بعد قليل، استقبلتها بحفاوة مرحبة بها:
_ يادي النور يادي النور، تعالي يا خوخة
ابتسمت خلود بخجل وقالت وهي تدلف بخطاها للمنزل:
_ ازيك يا آبلة عيشة
الحمد لله يا حبيبتي، أنتِ عاملة ايه، وأخبار جامعتك إيه؟
تساءلت باهتمامٍ فأجابت خلود بإيجاز:
_ ماشي الحال، كله تمام..
ناولتها النقود وهي توضح ماهم:
_ بابا بيقولك معلش أنه أتأخر عنهم، عشان فرح زكريا وكدا..
_ بخجلٍ واضح قالت:
_ والله أبوكي دا بيكلف نفسه فوق طاقته، وليد الحمد لله مش مخليني محتاجة حاجة.. عمومًا قوليله شكرًا على لما أشوفه وأشكره بنفسي..
العفو على إيه بس، أنا هنزل عشان لسه راجعة من الكلية وواقعة من الجوع
أردفتها خلود ثم نهضت فأبت زوجة عمها ذهابها بقولها:
_ خليكِ اتغدي معانا، دا أنا عاملة بامية باللحمة من اللي أنتِ بتحبيها
برقت عيني خلود وصاحت بتلقائية:
_ الله بامية!! بس..
قاطعتها الآخرى بإصرارها:
_ مبسش، هتاكلي معانا، هروح أحضر الأكل يكون وليد خرج من الحمام..
بعفوية هتفت خلود:
_ طب خليني أساعدك بقى
تبِعتها خلود إلى المطبخ، فبدأت زوجة عمها تحضر الأطباق وتناولها إياها فتخرجها خلود وتضعها على الطاولة، وأثناء حملها للطبق الأخير، خرج وليد من الحمام عاري الصدر يحاوط خصره منشفة بيضاء طويلة، تتساقط بعض القطرات من خصلاته.
اصطدم جسديهما فشهقت خلود مذعورة، اهتز الطبق إثر الإصطدام الحادث فسقط بعضًا منه على أصابع خلود التي صرخت عاليًا:
_ آه ايدي..
أسرع وليد بأخذ الطبق من يديها ثم عاد إليها يتفقد أصابعها، خرجت والدته اثر صراخ خلود مذعورة وهتفت متسائلة:
_ في إيه يا ولاد؟
أخبرها وليد مختصرًا:
_ الطبق وقع على ايدها..
ثم استأنف موجهًا حديثه إلى خلود:
_ تعالي اغسلي ايدك..
نظر إلى والدته وأمرها بلهفةٍ:
_ هاتي تلج يا ماما لو سمحتي..
ولج المطبخ ثم فتح صنبور المياه فسقط الماء على يدها سبب لها الألم فوضعت يدها المُحررة على صدره دون إرادة منها، شعرت خلود بقشعريرة جسده، كما خفق قلبها حين تلاقت أعينهم معًا.
انتبه وليد على صوت والدته التي تشير بعينيها على صدره:
_ روح أنت يا وليد وأنا هطمن على إيدها..
أماء دون تعقيب ثم انصرف سريعًا وولج غرفته، مر من أمام المرآة فاستنفر من شكله، كيف وقف أمامها بهذا المنظر؟! تجهمت تعابيره وفر هاربًا مبتعدًا عن المرآة، قام بارتداء ملابسه وخرج من الغرفة.
استحت خلود بقائها بعد رؤيتها له في شكله الخاص، بينما أبعد هو أي حرجٍ من رأسه فيجب عليه الإطمئنان على يدها وتساءل باهتمامٍ:
_ ايدك كويسة؟
ردت وهي منكسة الرأس:
_ هتبقى كويسة..
بحثت عن زوجة عمها وبحياء أردفت:
_ أنا هنزل معلش على اللي حصل..
_ هو إيه بس اللي حصل، المهم ايدك تبقى كويسة..
قالتها زوجة عمها فأسرعت خلود في الخروج سريعًا، بينما رددت الأخرى بشفقة:
_ يا حبيبتي دا كان نفسها تاكل البامية.. ملحقتش
_ هاتي طبق وأنا أنزله
هتفها وليد فأماءت برأسها وعادت إلى المطبخ تحضر طبقًا فانضم لها وليد ينتظر انتهائها، استغلت والدته وقوفه ورددت ما يجب عليها قوله:
_ بس أنت مكنش ينفع تقف قدام بنت عمك وأنت كدا..
تفاجئ وليد بعتابها وتملكه الخجل من نفسه، أخذ نفسًا وقال معللًا:
_ هو أنا كنت عارف يعني إنها هنا؟ وبعدين حصل اللي حصل واتعاملت بعفوية مش متعمد أقف قصادها كدا أكيد..
_ أنا قولت أعرفك لأن دا واجبي، حرام يا حبيبي ياريت تاخد بالك بعد كدا
هتفت بها والدتها فأراد وليد الهرب من أمامها فلقد أنهته بكلامها، حتى وإن كانت نصيحة أمومية لا غير ذلك، أخذ منها الطبق وهبط إلى الطابق الأول، قام بقرع الجرس وأعطاه لأول من قابله عاود الصعود إلى منزله ليتناول وجبة غدائه قبل أن يذهب إلى عمله.
***
مساءًا وبعد العديد من الإتصالات التي قام بها عبدالله، والنتيجة ذاتها، الهواتف مغلقة، نفذ مخزون طاقته على التحمل، خرج من البيت كالثور الهائج لا يدري أي من وجهته يذهب، فقط يريد الوصول إلى صباه، لكن كيف؟
وصل إلى البناية خاصتهم وصعد درجات السُلم في خطوة واحدة، كانت يديه ما بين قرع الجرس وطرق الباب بعنفٍ حتى استمع إلى صوت جيرانهم من الطابق العلوي:
_ محدش هنا يا عبدالله.. أنا شوفتهم وهما أخدين شنط سفر من بدري وماشين..
وكأن صاعقًا قد صعق عقله، لم يستوعب ما قاله الرجل، رفع رأسه للأعلى وردد دون استيعاب للأمر:
_ يعني إيه مشوا؟ مشوا راحوا فين؟
رفع الرجل كتفيه وأجابه:
_ العلم عند الله يابني..
أغمض عبدالله عينيه لبرهة؛ فعقله يأبى تصديق ما سمعته أذنيه، ابتلع ريقه ثم هم بالنزول، وتوجه إلى الزقاق خاصته، رفع رأسه ناظرًا إلى الشرفة، ثم وجه بصره على المواسير التي تصل إلى المنزل، ولم يتردد في التسلق عليها حتى بات في شرفة الغرفة الخاصة بصبا.
ركل الباب بقدميه بعنفٍ مرات عديدة حتى فُتح، وقام بالدخول إلى الغرفة، ألقى نظرة سريعة على الغرفة، ثم وقعت عينيه على الخزانة الفارغة، خالية من أي أقشمة..
تعالت وتيرة أنفاسه وتردد صداها في صدره الذي ارتفع وهبط بعنفٍ، جر قدميه بضعفٍ وتوجه إليها، فوجد شيئًا ملقى على الأرض، لم يتردد في أخذه فكان وشاح لصباه تلفه حول عنقها، فقام بشم رائحته فتغلغل عبيرها إلى أنفه فصاح بقلبٍ مفطور:
_ صبا...
الفصل الثالث عشر من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم تسنيم المرشدي
بعد مرور ثلاثون يومًا؛ بات عبدالله ملازمًا لغرفته، حبيسًا بين جدرانها لم يبرح فراشه إلا للضرورة، نبتت ذقته وتضاعف طول خصلاته، كان ذلك الوشاح رفيقًا له في الليالي المظلمة، مرت الأيام وكأنها سنواتٍ قد آكلت قلبه ونهشت عقله من التفكير.
أصبح هاشًا ضعيفًا فلقد خسر الكثير من الوزن، واكتسب عمرًا فوق عمره، كأنه رجلًا في الستين من عمره وليس شابًا في الثلاثين من عمره.
انتبه على والدته التي اقتحمت غرفته فمن غيرها يطمئن عليه لأكثر من خمس مرات في الساعة الواحدة، ينفطر قلبها حزنًا على حالته التي بات عليها، يتألم داخلها ولا تلتفت لتوسلاته في تركه بمفرده، ففِطرتها تحركها إلى ما تجده صائبًا فقط.
جلست بجواره وربتت على فخذه ورمقته بعينين متورمتين من البكاء الذي أصبح مصاحبًا لها في الأوان الأخيرة وهتفت بنبرةٍ يكسوها البكاء:
_ لو ليا خاطر عندك قوم كُل لك لقمة، أنت على لحم بطنك بقالك يومين، وياريتك لما بتاكل، بتاكل كويس.. إلا بتقلب في الأكل وتبقى اتحسبت عليك وخلاص..
بصوتٍ بالكاد سمعته همس:
_ أبوس ايدك ياما سيبني في حالي، وأنا لما هجوع هقوم آكل
رفضت الرضوخ له وصاحت بقلبٍ مكلوم:
_ أبوس ايدك أنت متنهيش قلبي، أخرج من حالتك دي أنا هموت من القهرة بسببها، عيني معدتش بتشوف بسبب البكا اللي مبيوقفش عليك...
سقطت عبرة على مقلتيه وشد على الوشاح وهو يردد بخفوت:
_ مش قادر، والله ما قادر، حياتي وقفت، الحياة بقى لونها باهت في بُعدها!!
التفت برأسه حيث والدته وأضاف وهو يضرب قلبه بخفة:
_ قلبي بيوجعني أوي ياما..
أجهش في البكاء بمرارة فشاركته والدته وبكت بحسرة وآسى شديدين، اقتربت منه وجذبته إلى صدرها وظلت تُقبل وجهه ويديه قبل أن تردف متأثرة:
_ سلامة قلبك من الوجع يا حبيبي..
شدت على ذراعه تضمه داخل حضنها لعلها تنجح في تضميد جرح قلبه، واستأنفت حديثها متوسلة إياه:
_ كفياك زعل وبكا على اللي راح، الله أعلم بيها هي فين وبتعمل إيه؟ بص على اللي جاي وابني مستقبلك من جديد، الحياة مبتقفش على حد يا عبدالله!
_ خلاص وقفت ياما، معدتش حياة وهي مش موجودة فيها، عقلي مش متقبل لسه إني مش لاقيها، وقلبي بيقولي أنها هترجع فجأة...
صمت ثم رفع بصره على والدته وهو بين ذراعيها وتساءل:
_ هترجع ياما صح؟!
أغمضت أحلام عينيها فلم تستطع مواجهته؛ وقالت محاولة إخراجه من الدوامة التي انحسر بها:
_ متعشمش نفسك يا حبيبي، فوق وارجع لدنيتك، ارجع لصحابك ولأمك حبيبتك اللي مش قادرة تستحمل حالتك دي، كل اللي حواليك حياتهم واقفة بسبب زعلك يا عبدالله، لا البيت بقى بيت ولا حتى صحابك بقوا نفسهم ولا أنا عارفة أعيش وبالي مشغول بيك، أنت مضطر تكون كويس عشانك وعشان اللي حواليك.. قوم صلي لك ركعتين لله وادعي ربنا يدبرك أمورك ويساعدك تخرج من حالتك دي.. قوم يا حبيبي
حثته على النهوض فلم يرفض، بل تذكر المرات العديدة التي حثته صبا على الإلتزام بالصلاة، وقرر أن يبدأ بما أرادته دومًا، ليفاجئها بتهذيب نفسه عندما تعود!
****
في مكانٍ آخر، أجرى قاسم اتصالًا على مضضٍ، لكن عليه فعله، وبنبرة جافة حادث آدم:
_ جهز نفسك النهاردة عشان هنروح الفيلا عند عمك عز نتقدم لبنته، واوعى تفتكر إني صفيت من اللي حصل ولا اتراجعت عن أي حرف قولته، أنا بس كنت أخد كلمة من الراجل قبل ما أنزل من السفر ولازم أكون قدها، غير كدا مكنتش سألت فيك..
أنهى الإتصال دون أن يضيف المزيد، ثم أجرى اتصالًا آخر وبعد العديد من الرنين أجابته بفتورٍ:
_ أنت عايز مننا إيه ما تسيبنا في حالنا بقى..
أسرع في اللحاق بها قبل أن تغلق:
_ استني يا أحلام، لو سمحتي متقفليش، أنا محتاج أشوف عبدالله، برن عليه بقالي أسابيع ومش بيرد عليا وجيت كذا مرة تحت البيت وعايز أطلع بس برجع تاني خايف من مقابلته ليا.. أنتِ أقرب حد ليه وقادرة تحنني قلبه عليا أو على الأقل تقوليلي أعمل إيه أقدر بيه أدوب الحواجز اللي بينا..
_ سيب عبدالله في حاله يا قاسم، عبدالله فيه اللي مكفيه متزودش همه
هتفتها بنبرة مغلوبة على أمرها، أحسها قاسم ووقف يجيب المكان بخُطاه وبتوجسٍ يخالطه القلق سألها:
_ عبدالله ماله؟ فيه إيه أنا معرفوش؟
حاولت إنهاء الإتصال بقولها:
_ أنا هقفل يا قاسم، معتش تتصل هنا تاني..
تفاجئت أحلام بنبرته الجهورية التي صرخ بها لدرجة أخافتها:
_ دا ابني يا أحلام، من حقي أعرف عنه كل حاجة، من حقي أقف جنب ابني في الأوقات الصعبة، دا حقي فاهمة يعني إيه حقي؟ كفاية بقى حرمان طول التلاتين سنة اللي فاتوا، متخليش كرهك لأهلي وللظروف اللي أجبرتنا نبعد يخلوكي قاسية بالشكل دا، ابني بحاول أرجعه لحضني من ٣٠ سنة ومش عارف.. حسي بيا بقى
أخفض نبرته وأضاف بحشرجة اكتسبها من خلف بكائه الذي حبسه ولم يخرجه:
_ هو العمر فيه كام ٣٠ سنة عشان أحاول تاني؟ خايف أموت يا أحلام لوحدي، خايف أموت وأنا لسه مصلحتش علاقتي مع ابني.. خايف أموت وهو يحكي لولاده عني بالوحش، مهو مشافش مني الحلو، متبقيش قاسية كدا، أوقفي جنبي وإرمي اللي فات على جنب وساعديني أوصل لقلبه قبل ما أموت يا أحلام!
تأثر قلبها بكلامه وتضاعف آلمه، استشعرت صِدق محاولته تلك المرة في استعادة عبدالله، ربما وجوده سيكون الفارق في حياة عبدالله، ربما يساعده في الخروج من حالته، في النهاية هو أب وحتمًا لديه أساليبًا مختلفة عنها، انتابها الحيرة لوقتٍ قبل أن تتخذ قرارها الذي يصب في مصلحة ولدها:
_ أجيلك فين نتكلم؟
تنهد قاسم بارتياح وأردف بصوتٍ أكثر راحة:
_ هبعتلك عربية تاخدك لعندي..
حل الصمت لثوانٍ قبل أن يقطعه قاسم ممتنًا:
_ شكرًا يا أحلام إنك ادتيني الفرصة دي..
لم تجيبه بل التزمت الصمت، فأكمل قاسم استرساله بصوتٍ رخيم:
_ تمام، هستناكي..
أنهى الإتصال ولم يرفع نظره عن الهاتف، لا يصدق أنه في أولى خُطوات الوصول إلى فلذة كبده لطالما تمنى الوصول إلى تلك اللحظة منذ أعوامٍ ماضية، أخذ يتنفس بعض الهواء ثم نهض وتفقد المكان من حوله، لا يدري بأي شيءٍ عليه البدء، ابتسم حين وقعت عينيه على المطبخ ولم يتردد في الدخول إليه وتحضير بعض الأطعمة الشهية.
***
_ كنتي بتكلمي مين؟
سألها عبدالله بوهنٍ وهو يجلس على الطاولة ليتناول طعامه التي أرغمته والدته عليه، فتفاجئت والدته بسؤاله، ونظرت إليه طويلًا ترتب كلامها قبل أن ترد به عليه، ابتلعت ريقها وبتوترٍ جاهدت على إخفائه هتفت مختلقة كذبة:
_ دي واحدة معرفة كانت عايزاني في شغل..
قطب عبدالله جبينه بغرابة وردد:
_ شغل!! شغل إيه؟
حمحمت أحلام وأطالت النظر عليه وهي لا تنجح في الإتيان بكذبة أخرى، بينما نكس عبدالله رأسه بخجلٍ منها وقال:
_ أنا نسيت نفسي، ونسيت أنك مسؤولة مني، أنا آسف أنا هنزل أدور على شغل..
هب واقفًا فشعرت أحلام بالندم حياله، واستنكرت كذبتها التي اختلقتها فكانت سببًا في زيادة ضيقه، كادت تعتذر منه إلا أنها تراجعت، ربما تلك البداية لخروجه من قوقعته التي انغلق بها على نفسه.
تنهدت وربتت على كتفه وقالت بآسى:
_ أنا اللي آسفة يا حبيبي، مكنتش عايزة أحملك فوق طاقتك
تشدق عبدالله ساخرًا وقال:
_ ياريت همي كله حِملك ياما، كانت الحياة أسهل كتير عن كدا..
رفعت أحلام يدها وملست على وجهه بحنانٍ ودعت له بقلبٍ صادق:
_ ربنا يراضي قلبك الجميل ويجبر بخاطرك يا حبيبي..
مسحت عبراتها التي انسدلت رغمًا عنها وأضافت وهي تنظر إلى الطعام:
_ يلا اقعد ناكل مع بعض
أماء برأسه وجلس بجسده فقط، بينما روحه كانت تحلق بعيدًا باحثة عن صبا، لم يتناول الكثير ثم نهض وقال:
_ الحمدلله..
لم تريد والدته الضغط عليه، يكفيها ذلك القدر الأن، حتمًا ستتعدل الأمور في القريب العاجل، ولج عبدالله غرفته وهاتف صديقه الذي أجاب دون استيعاب لرؤيته اسم عبدالله على شاشة هاتفه:
_ إيه يا صاحبي، واحشني
_ عملت لي إيه في موضوع الشغل اللي قولتلك عليه قبل كدا دا؟
قالها عبدالله مباشرةً دون مماطلة، فأتاه الرد من الطرف الآخر:
_ معايا واحد في المصنع أخوه شغال عند واحد واصل أوي، بيوصل أهل البيت لأي مكان عايزينه، ومن فترة عمل حادثة، وخايف الشغل يروح منه لأن رجله محتاجة راحة شهور، وقتها أنت جيت على بالي وكلمتك بس أنت مردتش، لو تمام مناسب ليك هـ...
قاطعه عبدالله بجدية:
_ يناسبني أه
_ تمام هعرف لك التفاصيل وابعتلك على الواتساب العنوان
قالها وليد فهتف عبدالله يحثه على التعجل:
_ ياريت بسرعة يا وليد..
_ خلاص يا صاحبي عندي دي، متقلقش
أردفها وليد ثم أنهى معه الإتصال وقام بعمل بعض الإتصالات ليأتي إليه بالتفاصيل كاملة إلى عبدالله.
***
وقف في منتصف الردهة وناداها:
_ يلا يا ليلى عشان منتأخرش عليهم، كلهم مستنينا على الأكل..
خرجت من الغرفة بعد أن ارتدت إسدالها، وقالت وهي تلقف مفتاحها وهاتفها:
_ خلصت يا حبيبي..
هبطا حيث الطابق الذي به بيت عائلته، استقبلتهم عليا بحفاوة:
_ يا هلا بالغالين، اتفضلوا..
ولج زكريا إلى السفرة بينما انضمت ليلى إليهم لتساعدهم في تحضير الأطباق، حدجتها هناء مستاءة وهتفت بإقتضاب:
_ لا عنك أنتِ يا ليلى، مجتش على غرف الأكل هنعمله إحنا، روحي كملي راحة..
شعرت ليلى بالبرودة تتخلل جسدها، تجمدت مكانها وهي تطالعها بخجلٍ تملك منها، أخفضت رأسها سريعًا وانصرفت إلى الخارج هاربة، بينما لامتها عليا بحنقٍ:
_ ليه تحرجيها كدا، إحنا اللي عازمينهم وطبيعي نعمل كل حاجة..
قلبت هناء عينيها بضجرٍ واندفعت بها:
_ هو أنتِ حد عينك محامي عليها، كل ما أقول كلمة تدافعي عنها؟!
_ عشانك غلط يا ماما، وهجومك عليها طول الوقت مش لطيف، أنا بحس إني أنا اللي بيتوجه ليا الكلام مش هي وبضايق أوي ما بالك هي بقى؟
هتفت عليا متذمرة ثم أخذت الأطباق وولجت غرفة الطعام.
فوجدت ليلى تجلس بها، كزت أسنانها بحرجٍ بائن وقالت وهي تقترب منها:
_ متزعليش يا ليلى، ماما مش قصدها.. هي بس كانت حابة إنك تقعدي معانا أكتر بس..
قاطعتها ليلى بتوضيح الأمر لها:
_ إحنا لسه صاحيين وانتوا بتاكلوا في ميعاد بدري أوي عننا، أنا يدوب لبست ونزلت..
أنهت جملتها فانضمت خلود برفقة والدتها التي نادت على زوجها وزكريا، فأتيا سريعًا، جلس الجميع على الطاولة وبدأوا يتناولون طعامهم إلا من ليلى التي ظلت تقلب في الطعام بالملعقة حتى لاحظها زكريا، فمال برأسه عليها وهمس بقرب أذنها:
_ مش بتاكلي ليه؟
انتبهت عليه وأجابته قائلة:
_ هاكل..
ابتسم لها وغمزها بمشاكسةٍ:
_ شكلك مكسوفة، ومحتاجة مساعدة
تدخل والده في الحديث قائلًا بلطافة:
_ مكسوفة من إيه يا بنتي دا بيتك زي فوق بالظبط، خدي راحتك..
اكتفت ليلى ببسمةٍ لم تتعدى شفتيها، ثم تفاجئت بيد زكريا تُطعمها في فمها وهو يردد:
_ افتحي بوقك..
فما كان منها سوى تناول ما بيديه، فأعاد زكريا تكرار فعلته تحت ضحكاتها الخجولة وإشارات عينيها التي تحثه على التوقف:
_ خلاص كفاية، أنا هاكل أنا..
أماء بقبول، وعاد إلى طعامه بعد أن نجح في محي خجلها، أسقط ذراعه الأيسر أسفل الطاولة يتحسس فخذها، اتسعت عيني ليلى بذهولٍ ورمقته بعينين مصدومة تخبر بأن يتوقف، لكن الأمر كان محببًا إليه ولم يتراجع بل كان يزداد وقاحة.
انفجر ضاحكًا عندما دعست ليلى على قدمه بقوة وهلل عاليًا:
_ ااه، حرام عليكي يا مفترية..
تحولت النظرات عليهما، فأخفضت ليلى رأسها بحياء، ثم نهضت وهتفت وهي تتوجه إلى الخارج:
_ سفرة دايمة..
وجه محمد نظراته نحو زكريا وعاتبه:
_ سيبتها تقوم ليه قبل ما تكمل أكلها..
_ هي أكلتها كدا يا بابا..
قالها زكريا ليريح عقل والده، وبعد فترة؛ انتهى الجميع من الطعام وجلسوا يتناولون الفاكهة التي أحضرتها هناء، فرفضت ليلى تناول بعضها معللة:
_ لا معلش مش بحبهم..
شهقت هناء وصاحت مندفعة:
_ مفيش حاجة اسمها مش بحبها بعد الجواز، افرضي انتي حامل لازم الجنين يتغذى كويس..
تفاجئ الجميع بما قالته، تبادلت ليلى النظرات مع زكريا الذي هتف:
_ لا مفيش حمل ولا حاجة، وبعدين إحنا مش عايزين حمل دلوقتي..
ضربت هناء على صدرها وهي تنهره بغضبٍ:
_ تف من بوقك، متقولش كدا أصل ربنا يعاقبك وميكرمكش..
قلب زكريا عينيه باسيتاء واضح ورد بصوتٍ أجش:
_ إحنا لسه متجوزين والحياة قدامنا طويلة، مش شايفة إن بدري أوي على كلامك دا..
_ بدري من عمرك يا حبيبي، الحمل لو محصلش في الأول بيكون فيه مشاكل بعد كدا..
هتفتها محاولة إقناعه، بينما آبى زكريا الإقتناع، على عكس ليلى التي تأثرت بحديثها وشعرت بالرعب يدب أوصالها خشية أن تقابل تعقيدات في حملها لاحقًا.
انهمرت بين أفكارها التي ملئت رأسها، ثم انتبهت على زكريا الذي تمدد على الأريكة مستندًا برأسه على قدمها، فمدت يدها تلقائيًا تداعب خصلاته كما اعتادت بعد زواجهما، ثم سبحت في سماء أفكارها حول حدوث ذلك الحمل مبكرًا.
***
بدل ملابسه وحاول قدر الإمكان تمشيط شعره ليكون في صورة مهذبة تليق بمقابلة عمله، خرج من غرفته فتقابل مع والدته التي سألته باهتمامٍ:
_ رايح المقابلة؟
اكتفى بإيماءة من رأسه فدعت له بابتسامة صادقة:
_ ربنا يوفقك يا حبيبي
غادر المنزل وسرعان ما هرولت إلى غرفتها ترتدي ملابسها الخاصة بالخروج، ثم أجابت على إتصالات
قاسم التي لم تتوقف منذ فترة:
_ مش بتردي ليه يا أحلام، السواق مستنيكي على أول الشارع..
أجابته وهي تهم بالخروج من المنزل:
_ أنا خلاص نازلة، عبدالله كان هنا ومكنتش عايزاه يحس بحاجة..
_ تمام، مستنيكي..
قالها وعاد ينظر إلى المنزل بنظرة متفحصة سريعة، فوجد أن جميع الأشياء على ما يرام، فتوجه إلى الحائط الزجاجي يطالع من خلاله مجيء أحلام وهو لا يطيق الإنتظار.
بعد مرور خمس وأربعون دقيقة، وصلت السيارة إلى المزرعة، فخرج قاسم لاستقبالها، ترجلت أحلام من السيارة وحنينها إلى المكان قد عاد إليها، تفحصت كل جزءًا به بعينين لامعتين.
اقتربت من قاسم الذي تقوس ثغره ببسمةٍ عذبة وقال مُرحبًا:
_ أهلًا بيكي يا أحلام
تقابلت عينيها مع عينيه فخفق قلبها بقوة وتجددت مشاعرها، وزاد شوقها الحار، أبعدت نظرها عنه بصعوبة فلا يمكنها الشعور بذلك، دعاها إلى الداخل فتبعته وعينيها تتطلع على جميع الزوايا بحنينٍ ورددت بحزنٍ يطغوا على نبرتها:
_ المكان زي ماهو متغيرش عن زمان..
ألقى قاسم نظرة سريعة على المكان حوله وأخبرها:
_ كل حاجة لسه بحطة ايدك، لو ركزتي شوية هتلاقي كل دا أنتِ اللي كنتي عملاه!!
تشدقت متهكمة وهتفت:
_ ومراتك عارفة بالكلام دا؟
أطلقت ضحكة ساخرة وهي تواصل:
_ أكيد لأ، لو عارفة كانت غيرت كل حاجة، أو حرقت المزرعة...
صرت أسنانها وانعكست نبرتها إلى الكُره الشديد وهمست بينها وبين نفسها:
_ زي ما حرقت قلبي زمان..
هذا ليس بوقت تذكر الماضي الآن، هي جاءت فقط من أجل عبدالله، زفرت أنفاسها فتفاجئت بقاسم يردف ما تجهله:
_ مفيش واحدة دخلت هنا بعدك، أنا طول الوقت كنت مانع أي حد يجي هنا، محدش دخل غيري لما كنت برجع من السفر وأحب أبعد عن الناس وأريح دماغي...
كانت مندهشة مما يقع على مسامعها، لكنها لم تحب أن يزيدان من كلامها عن الماضي، وهتفت بنبرة مختلفة، حيث أنها كانت حادة قليلًا عن ذي قبل:
_ مش جاية هنا عشان نتكلم عننا، أنا جاية عشان عبدالله، مش عارفة صح ولا غلط اللي هعمله دا، بس مش قادرة أسكت وأنا شايفاه بيضيع قدامي.. عبدالله محتاج حد يسنده ويخرجه من حالته اللي
وقع فيها.. لما فكرت في كلامك حسيت إنك أنسب حد يقدر يعمل كدا، في النهاية أنت أبوه، وأكيد هتقدر تساعده أو على الأقل ترجعهولي زي الأول، الموضوع أكبر مني يا قاسم..
_ أثارت أحلام القلق في نفس قاسم الذي تساءل بتوجسٍ:
_ ليه كل دا؟ هو حصل إيه؟
أطالت النظر نحوه ثم بدأت تقص عليه ما حدث وتعرض له عبدالله حتى يومهم هذا.
***
بذهولٍ تام لما سمعته هتف سؤاله:
_ ومحدش يعرف هما راحوا فين؟
نفت بحركة من رأسها وأوضحت:
_ عبدالله دور عند كل قرايبهم اللي يعرفهم، ومحدش عارف لهم سكة، الله أعلم بقى راحوا فين..
أمسك قاسم بهاتفه وسألها بجدية:
_ قولتيلي اسمها إيه؟
_ صبا محمود النجيري..
أخبرته أحلام بينما قام بعمل مكالمة هاتفية لأحد الشخصيات المهمة:
_ مساء الخير يا أكمل باشا، أنا بخير الحمد لله، كنت عايز خدمة من حضرتك لو تتكرم تعملهالي، فيه دكتورة اسمها صبا محمود النجيري محتاج أعرف أي عنوان ليها، أو أي معلومات تعرفني هي فين وهل هي جوا البلد ولا برا..
شكره قاسم مرارًا ثم أنهى المكالمة ونظر حيث أحلام وقال:
_ مسألة وقت ونعرف عنها كل حاجة..
أماءت برأسها ثم نهضت وقالت بحرجٍ:
_ أنا همشي، ملوش لزوم وجودي هنا..
اتجهت ناحية الباب فأمر قاسم السائق قائلًا:
_ وصل الهانم مكان ما جبتها يا حامد...
وما كاد يُنهي جملته حتى تفاجئ بدخول سيارة زوجته، نفخ بضيقٍ حتمًا ستعكر صفو مزاجه الآن، ترجلت حورية من السيارة وقد تجهمت تعابير وجهها عندما رأت أحلام، هرولت نحوهما بخُطوات غير متزنة، نظرت إليهما بالتناوب فسحقت أحلام بنظراتها المستشاطة، وصاحت بهجومٍ وهي تشير
بإصبعها على أحلام:
_ الست دي بتعمل إيه هنا في بيتي؟
رفع قاسم سبابته في وجهها وقال بحدة متوعدًا لها:
_ وطي صوتك وأنتِ بتتكلمي ودا أولًا وثانيًا دا بيتي أنا.. أجيب فيه اللي أنا عايزه
احمرت عيني حورية بغيظٍ، وتضاعف كرهها لأحلام وهتفت متذمرة:
_ أيوة مفهمتش برده بتعمل إيه هنا مع جوزي لوحدهم؟
نفذ صبر أحلام على تحمل وقاحتها، فلن تصمت تلك المرة، اقتربت منها وبنرفزة تحدثت وهي تشير بسبابتها في وجهها:
_ لمي لسانك عشان معرفكيش قيمتك كويس، أنا لو سكت زمان فأنا كنت صغيرة وهبلة لكن دلوقتي أنا دوقت المر طول تلاتين السنة بسببكم يعني شايلة جوايا اللي لو خرج يخرسك خالص!
تدخل قاسم وهو يشير إلى السائق:
_ يلا يا حامد، اعمل اللي قولتلك عليه
وجه نظراته الى أحلام وهو يفتح لها باب السيارة:
_ يلا أنتِ يا أحلام روحي وأنا هبقى هكلمك..
أغلق الباب عند تمام ركوبها ثم تحرك السائق بالسيارة مبتعدًا عنهما، فعاد قاسم إلى الداخل فور ذهاب أحلام، تبعته حورية والغيظ يأكل قلبها، أغلقت الباب خلفها بعنفٍ وتحدثت بحنقٍ:
_ أنت إزاي تكلمني قدامها بالشكل دا؟ وإزاي أصلًا تسمح تدخلها هنا وأنت لوحدك مفيش حد معاكم؟
إيه حنيت لها يا ابن عمي؟
توقف قاسم عن السير فجأة واستدار بجسده إليها، ثم حدجها بنظراتٍ أحرقتها، وصاح بها كالبركان الثائر:
_ أنتِ لو احترمتي وجودي مكنتش كلمتك بالأسلوب دا، زائد أنا قولتلك دا بيتي أدخل وأخرج فيه اللي علي كيفي، وقبل ما يكون بيتي دا بيتها هي حقها تدخله وقت ما تحب!!
تفاجئت برميه للكلام دون توضيح ورددت دون فهم:
_ يعني إيه بيتها؟
_ يعني بيتها، بإسمها، وأنتِ اللي واقفة عندها!
هتفها قاسم بانفعال فشهقت حورية مصدومة، لم تبتلع ما قاله بسهولة وهدرت دون توقف:
_ بتكتب لها بيت يا قاسم؟ تطلع مين دي عشان تكتب لها بيت؟ مش دا بيتك العزيز اللي مانع دخولنا فيه؟ اشمعنا هي تدخله عادي وكمان تطلع كاتبه باسمها؟!
دنا منها قاسم ومال عليها وهمس بنبرة أخافتها:
_ عشان أنا وعدتها في أول ليلة بينا هنا في البيت دا إن محدش هيدخله غيرها!!
زمت حورية شفتيها وانعكس البغض على وجهها، وقالت:
_ أنت ليه عمرك ما حبتني؟ ليه عمرك ما دافعت عني زي ما بتدافع عنها؟ ليه عيونك مش بتلمع وأنت بتكلمني زي ما كانت بتملع من شوية وأنت واقف قدامها؟ ليه طول السنين اللي فاتت دي بتهرب مني ومحاولتش تبدأ معايا حياة طبيعية زي أي واحد ومراته؟ ليه هي عائق قدام علاقتنا يا قاسم؟ ليه أحلام بعد ٣٠سنة فضل حبك ليها زي ماهو وأنا معرفتش تحبني؟
بلغ قاسم ذروة تحمله، لم يعد يستطع كبح جماح غضبه الذي كتمه داخله طيلة ثلاثون عامًا، أخرج ما أكنه في جوفه بصوتٍ اهتزت له عمدان البيت:
_ الحب مش عافية يا حورية، فرضوكي عليا وأجبروني عليكي وأنتِ كنت ضمن لعبتهم القذرة، أنتِ وافقتي تتجوزيني وأنا كان سري كله معاكي، كنت معتبرك أخت ليا وحكيت لك عن حبي لأحلام، حكيت لك عن جوازي منها، آل إيه عشان تكوني عيني وسط أهلي وتبلغيني لو حد فيهم جايلي وألحق أحمي نفسي وأحميها منهم، بس أنتِ في ثانية روحتي عرفتي أهلي، أخدوها من بين ايديا وهي نايمة في حضني، رموها برا البيت بهدوم النوم اللي كانت نايمة بيها، أجبروني أطلقها وفي نفس اللحظة جوزني ليكي قدامها، هددوها وخلوها تخاف مني وتهرب وهي حامل في حتة مني؟ حرموني من ابني ويتموه وأبوه على وش الدنيا حي يرزق، حتى قربي منك أجبروني عليه، خلوني أكره الحاجة الوحيدة اللي المفروض الراجل بيعملها بكل حب مع مراته! كل دا عشان محدش يمس شعرة منها، فأنتي لو بقيتي أم فدا من ورا خوفي وحبي ليها مش عشان سواد عيونك..
تساقطت قطراتٍ من عينيها حزنًا وألمًا على اعترافاته التي لم ترأف بقلبها، استنكر قاسم دموعها وأضاف بوجهٍ محتقن وهو يرمقها بإزدراء:
_ متحسسنيش إن كلامي وجعك أوي، كلامي وكل اللي عشته دا نتيجة اللي عملتيه فيا زمان، اشربي من نفس الكاس شوية، خلي قلبك يوجعك ويعرف طعم مرارة الحب اللي مش طايله، طول السنين دي ساكتة ومعترضتيش على معاملتي ليكي عشان انتِ عارفة إني لو اتكلمت هنسفك، مش هخليلك وجود في حياتي!! بس اللي متعرفهيوش إني اصلًا مش معتبرك فيها... فوقي يا حورية لنفسك وزي ما عيشتي ٣٠ سنة مع راجل عارفة ومتأكدة أنه مش بيحبك هتكملي عشان ابنك اللي جبتيه للدنيا، بس أنا مش هديكي فرصة تزرعي كرهك فيه تاني، أنا هربيه وأعلمه من أول وجديد وأخليه زرعة طيبة الأصل زي أبوه مش زيك أبدًا..
مسح قاسم حبات عرقه التي تجمعت على جبينه، أولاها ظهره ووقف يلتقط أنفاسه وهو يضع كلتى يديه في منتصف خصِره، يحاول استجماع شتات نفسه، هدأ غضبه تدريجيًا حتى لم يعد لديه آثر، وعاد لون وجهه طبيعيًا، عاد ناظرًا إليها وتساءل ببرود:
_ كنتي جاية ليه؟
كفكفت حورية عبراتها وأجابته بصوتٍ متحشرج:
_ كنت جاية عشان نتحرك مع بعض وإحنا رايحين بيت عز، أكيد مش هندخل عليهم كل واحد بعربيته..
أماء برأسه مرارًا وقال بحدة:
_ تمام استنيني برا هجهز وأخرج لك..
لم تعقب بل انصرفت سريعًا واستقلت السيارة، منعت دموعها من النزول، فلم يراها أحدًا ولن يحدث، بعد قليل خرج قاسم بعد أن بدل ملابسه بحُلة زرقاء تناسب عمره، استقل إلى جوارها حارصًا على ترك مسافة كافية بينهما، ناهيك عن عينيه التي لم تنظر إليها حتى بالخطأ، فهي أشعلت فتيل نيران قد جاهد على إخمادها، فلتحترق إذًا في نيرانه التي أشعلتها.
***
يقف في منتصف الردهة، أمام ذلك الجالس على الأريكة واضعًا قدم على الأخرى يستجوبه:
_ اشتغلت في مكان قبل كدا يا عبدالله؟
أجابه باختصار:
_ لا، كنت حر بشتغل أوبر..
أماء الآخر ثم قال:
_ سيب بطاقتك مع إسلام برا يفحصها، بس أنا يا عبدااله بهتم جدًا بالمظهر، لازم يكون شكلك كويس وشيك طول الوقت، أنت هتكون واجهة ليا يعني مهم مظهرك..
اكتفى عبدالله بإيماءة من رأسه، ثم انتبه كليهما على صوت المرأة التي ترجلت درجات السُلم وأردفت بعجرفة:
_ عز، الناس على وصول مش وقته الكلام دا..
_ تمام
قالها بشموخٍ ثم نهض ووجه حديثه إلى عبدالله:
_ تمام يا عبدالله، أخرج لإسلام واديله بطاقتك واستنى مني مكالمة..
انسحب عبدالله إلى الخارج فركضت خلفه المرأة وهي تهتف:
_ وصلوا يا عز يا وصلوا..
توجه عز برفقة زوجته إلى الخارج لاستقبال ضيوفهم، تجمدت أقدام عبدالله حين وقفت أمامه
سيارة سوداء وترجل منها والده برفقة زوجته، وسيارة أخرى خلفهما ترجل منها آدم، كان الجميع في حالة ذهول لوجود عبدالله في المكان.
خرج عبدالله على صوت عز الذي حث عبدالله على التحرك:
_ في إيه يا عبدالله، يلا اتفضل..
أجبر عبدالله قدميه على السير بعيدًا عنهم، ولكن سرعان ما لحق به والده مناديًا إياه تحت نظرات الجميع المتعجبة لأمره:
_ عبدالله، استنى..
أمسك بذراعه فأرغمه على الوقوف ثم هتف الآخر بعينين لامعتين:
_ أنا عايز أمشي..
_ لا خليك لحظة لو سمحت..
قالها برجاء فلم يتحرك عبدالله، بينما انضم إليه عز متسائلًا بريبة:
_ في حاجة يا قاسم، أنت تعرفه؟
نكس عبدالله رأسه في خجلٍ آلم قلب قاسم، وقام برفع رأسه المُنحني وحذره:
_ راسك متنحنيش أبدًا..
أمسك بيده والتفت ينظر حيث يقف عز وأجاب سؤاله:
_ عبدالله القاضي يا عز، ابني..
مفاجأة ثقيلة وقعت على مسامع عائلة عز، كما استنكرت حورية وولدها اعتراف قاسم المهين والذي حتمًا سيقحمهم في مواضيعٍ هم في غنى عنها.
قطب عز جبينه بغرابة فلم يستوعب بعد ما أخبره به قاسم، وتساءل بحيرة:
_ أنت عندك ابن تاني غير آدم؟
أماء قاسم مؤكدًا وأشار إلى عبدالله قبل أن يردف بنبرة فخورة ليبعث فيه الثقة:
_ عبدالله ابني البكري وأول فرحتي.. أول ما العين شافت والإيد شالت..
_ بس إزاي؟ دا كان هنا عشان ياخد مكان سواق عندي..
قالها عز باستنكار وعدم استيعاب للأمور، بينما تنهد قاسم وأجأب فضوله:
_ عبدالله من صغره بيحب يعتمد على نفسه، ورافض إني أساعده أو ادخل في حياته، شاب مكافح وحابب يكسب من عرق جبينه مش من فلوس متعبش فيها، لو عايز رأيي فأنت مش هتلاقي شاب آمين زيه..
بذهولٍ شديد ردد عز:
_ يعني أنت عايزني أشغله عندي؟
رد عليه قاسم بإيجاز:
_ طلاما هو عايز كدا، يبقى أنا عايز كدا برده..
رفع عز كتفيه وهتف بصوتٍ أجش:
_ إذا كان كدا ماشي..
سحب عبدالله ذارعه من بين قبضة والده، حمحم وحك ذقنه قبل أن يقول:
_ أنا هسيب بطاقتي لإسلام..
قاطعه عز مستنكرًا:
_ لا بطاقة إيه بقى، قاسم القاضي غني عن التعريف يا عبدالله، اسمه بطاقة لوحده..
لم يعقب عبدالله بل هز رأسه وسأله بجدية:
_ يعني هبدأ شغل امتى؟
_ من الوقتي لو حابب.. بس أفضل خليها بكرة، النهاردة عندنا مناسبة.. أنت متعرفش ولا إيه؟
هتفها عز فتطلع عبدالله على جميع الواقفين ثم صاح:
_ هاجي لحضرتك بكرة.. عن إذنك
تركهم وغادر تحت نظرات قاسم المتابعة لتحركاته، ثم أجبره سؤال عز على الإنتباه له:
_ إيه الحكاية يا قاسم؟ أنا مش فاهم حاجة..
أدار قاسم رأسه نحوه وربت على كتفه وهو يردد:
_ هفهمك بعدين يا عز، تعالى دلوقتي نتكلم في الله جاين عشانه
ولج الجميع داخل الفيلا، ثم تناولا أطراف الحديث المختلفة.
***
كان غافيًا على قدميها، فتح عينيه فسُرت عينيه برؤياها وابتسم ببلاهة رفع يده ليتحسس وجهها فأسرعت في منعه بعينين متسعتين وهمست:
_ إحنا مش في البيت..
_ عيب كدا يا زكريا، فيه بنات قاعدة..
قالتها والدته بحنقٍ فالتفت زكريا برأسه يستشف أين هم، ثم اعتدل في جلسته وهتف مستاءً:
_ هو إيه اللي عيب؟ هو أنا ببوسها قدامكم!!
اتسعت عيني هناء وهللت بانفعالٍ:
_ زكرياااا، لم لسانك..
بينما أخفضت ليلى رأسها في حياء فهب زكريا واقفًا ومد له يدها مرددًا بمزاحٍ:
_ قومي نطلع يابنتي ناخد راحتنا فوق ولا حد يقولنا عيب ولا غيره..
كان يزيد من خجل ليلى التي لامته في نظراتها وما كان منها سوى السير معه إلى الخارج، بينما لم تتركهما هناء يذهبان قبل أن تُسمعهما كلامها اللاذع، لوت سفتيها للجانب وقالت منفرة منهما:
_ دا أنا قعدت لبعد ما خلفت مش بقدر أرفع عيني في عين جوزي، مش عارفة إيه بنات اليومين دول، مفيش خشى ولا حياء خالص
انسدلت كلماتها على أذني ليلى التي على وشك الخروج فسببت لقلبها الضيق، شعرت بغصة في حلقها، لم يقف زكريا بل تابع خروجه مجبرها على المشي حتى وصلا شقتهما.
سحبت ليلى يدها منه بقسوة واندفعت به:
_ أنت سمعت كلامها صح؟ وسكت وأخدتني ومشيت من غير ما تدافع عني..
اقترب منها وحاول إظهار أن الأمر لا يستحق:
_ سيبك منها، متاخديش على كلامها...
رمقته ليلى بنظراتٍ مشتعلة وهتفت بنفورٍ شديد لبروده:
_ أنا اتشتمت يا زكريا!! هو إيه اللي مأخدش على كلامها؟
جاهد زكريا على توضيح شخصية والدته لها:
_ يا حبيبتي أمي تفكيرها صعب حبتين، دي مش بتخليني أحضن اخواتي البنات عشان شايفة إن كدا عيب، وكانت مانعة إني أقعد قدامهم بشورت أو أي حاجة تبين أي جزء في جسمي عمومًا، دي حتى مع عليا وخلود شادة عليهم في المعاملة جدًا يعني عليا أختي آخرها تقول لوليد إزيك لو زودت حرف بتقلب الدنيا.. فهي تفكيرها قديم و...
قاطعته ليلى مستاءة:
_ أنا مليش دعوة بالكلام دا، أنتوا ولادها وهي حرة معاكم، لكن أنا لأ مش كل شوية ترميلي كلمتين يحرقوا دمي والمفروض استحمل!! عشان إيه يعني؟ جايبني من الشارع ولا مليش أصل عشان استحمل الإهانة دي؟
أغمض زكريا عينيه بنفاذ صبر وحذرها بهدوء:
_ خلاص يا ليلى، اسكتي
دون اهتمامٍ لأمره تابعت ثورتها بصوتٍ منفعل:
_ لا مش هسكت، أنت كان المفروض ترد عليها وتدافع عني بس أنت معملتش كدا...
_ قولتلك اسكتي..
هتفها بغضبٍ عارم فاجئ ليلى، التي طالعته بخوفٍ، ولم تقدر على التحدث ثانيةً، سقطت عبراتها كالشلال من عينيها وهي تطالعه برعبٍ ثم انسحبت إلى الغرفة مهرولة..
بينما جلس هو على الأريكة يحدق بالأشياء أمامه، بوجهٍ عابس يصدر صريرًا قويًا من أسنانه التي تحتك ببعضها، ناهيك عن يده التي تضرب الأريكة بعنفٍ.
بينما هي الداخل، جلست على طرف الفراش مستندة بيديها على الغطا، تحدق بالخزانة أمامها بضيقٍ يسيطر على صدرها، ثم انتبهت على رنين هاتفها، فأمسكت به ووجدته المنبه الذي قام زكريا بعمله لتذكيرها بأخذ حبوب منع الحمل.
ألقت الموبايل على الفراش بانفعال، ثم توجهت إلى حبوبها ونظرت إليهم مطولًا ثم توجهت ناحية نافذتها وقامت بإلقائهم خارجًا، ووقفت تستنشق الصعداء بعد فعتلها المتمردة، ثم تسلل الخوف إلى قلبها لكنها قاومت شعورها ذاك وأيقنت عقلها أنها فعلت الصواب
الفصل الرابع عشر من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم تسنيم المرشدي
يجلس الجميع يتناولون أطراف الحديث سويًا، يتحدث كل اثنين معًا وكأنهم سربًا من الطيور يحلقون في مجموعاتٍ متفرقة، مال عز بقرب قاسم وسأله باهتمامٍ يشوبه الفضول:
_ إيه الحوار دا يا قاسم، وإيه موضوع عبدالله اللي عمرك ما قولت عنه دا؟
أخذ قاسم نفسًا وزفره على مهلٍ وأخبره بالقصة التي يجهلها الجميع متعمدًا عدم ذكر بعض التفاصيل:
_ أنا كنت متجوز قبل والدة آدم واحدة وانفصلنا ومعرفتش أنها حامل غير بعد فترة كان هو كبر من في أب ومن وقتها بحاول أكسبه وهو مش راضي..
رفع عز حاجبيه بغرابة، فرويه للقصة حتمًا لم يكتمل، ولابد من أن هناك ثغراتٍ لم يخبره بها، حمحم عز وقال بصوته الأجش:
_ يعني هو مختارش أبوه قاسم القاضي أغنى أغنياء البلد واختار وضعه اللي هو فيه دا؟
تراجع عز بظهره للخلف وأعدل من سترته ووجهه متعحبًا مما يسمعه ثم أضاف بعدم تصديق:
_ غريبة دي..
استنكر آدم حديثهما عن عبدالله وتدخل بينهما ناهيًا الحوار:
_ إيه يا بابا مش هنتكلم عن الموضوع اللي جايين عشانه؟
لم يعطه قاسم أهمية، لكنه حرص على عدم التقليل منه أمامهم، تنفس بعض الهواء قبل أن يشرع في قول ما جاءوا لأجله، أعاد النظر إلى عز وشكل بسمةٍ ودودة وتحدث:
_ أنا كلمتك يا عز قبل كدا واديتك خلفية عن الموضوع وأنت رحبت بينا، إحنا هنا النهاردة عشان آدم طالب ايد ڤاليا.. ويسعدني إننا نكون أصدقاء ونسايب..
بادله عز ابتسامة سعيدة هادئة وقال وهو يتناوب النظر بين قاسم وآدم:
_ وأنا أكيد مش هلاقي أحسن من حضرة الظابط يكون خطيب بنتي..
ابتسم الجميع بسعادة، ثم نظر عز إلى زوجته وأمرها بلطفٍ:
_ فين ڤاليا يا نهال؟ هاتيها لو سمحتي
أماءت بقبول ثم نهضت مستأذنة من حورية:
_ بعد اذنك يا حبيبتي..
صعدت إلى الطابق العلوي، وقامت بالدخول إلى غرفة ابنتها التي وجدتها تجيب الغرفة ذهابًا وجيئا ويبدو عليها التوتر والإرتباك، اقتربت منها والدتها وهتفت:
_ تعالي يلا باباكي عايزك..
تشنجت عضلات وجه ڤاليا وتراجعت للخلف وتحدثت بإنفعال:
_ مش فاهمة أنتوا بجد عقلكم فين وأنتوا بتخطبوني لواحد معرفوش..
أجابتها نهال بهدوءٍ:
_ يا حبيبتي اهدي وبلاش استريس، مش اتفقنا إنها مجرد قاعدة تعارف بين العائلات، وأنتِ لو مش مرتاحة خلاص هنقول لباباكي والموضوع هينتهي، بس مش هينفع يقولهم لأ من غير أسباب وخصوصًا إن هما أصدقاء العيلة..
وقفت ڤاليا تستشنق الهواء، فحثتها والدتها على فعلها:
_ يلا يا فيفو، اهدي وتعالي معايا..
خرجت نهال من الغرفة وتَبِعتها ڤاليا بقدمين تترجفان من شدة التوتر، نزلن الدرج فظهرت ڤاليا من خلف والدتها بفستانها القصير ذو اللون الرمادي، الذي يتماشى مع جسدها الحليبي المتناسق، نهض آدم فجأة ورمقها بنظرةٍ شغوفة، ألقى نظرة سريعة على ملابسها فشعر بالضيق قليلًا لجسدها الظاهر وحمد الله داخله أنه لا يوجد غريب بينهم.
اقتربت ڤاليا وقامت بمصافحة الجميع ثم وقفت أمام آدم بتوترٍ واضح ومدت يدها فصافحها الآخر بثباتٍ فشعر برجفتها، ابتسم بهدوء وأردف بنبرته الرخيمة:
_ إزيك يا ڤاليا؟
أخفضت بصرها في خجلٍ وردت هامسة:
_ I'm fine..
وسرعان ما هربت من أمامه وجلست بجوار والدها، فضحك الجميع على تصرفها، فتدخلت حورية معلقة:
_ قليل أوي ما بقينا بنشوف الكسوف دا الأيام دي.. البنات بقت عينهم وقحة، ربنا يباركلك فيها يا حبيبتي
قالت جملتها الأخيرة وهي تربط على قدمي نهال، بينما لكز آدم ذراع أبيه وقال بخفوت:
_ مش هنقعد لوحدنا أنا وهي؟
أعاد قاسم النظر تلقائيًا إلى عز دون أن يجيب آدم، وبابتسامة قال:
_ الولاد مش هيتعرفوا على بعض الأول ولا إيه يا عز؟
_ أكيد طبعًا
نظر حيث ابنته وسألها:
_ تحبي هنا يا حبيبة بابي ولا برا في الجنينة..
_ هتخرج الجنينة كدا؟
تفاجئ الجميع بتعليق آدم المفاجئ، فقهقه عز وأضاف حديثًا مرحًا إلى سؤاله:
_ مالها كدا يا حضرة الظابط؟ أنت هتتحكم كمان من الأول، وقدامي!! لأ طول ماهي بيتي ملكش حكم عليها، أنت تحكم في مكتبك هناك..
أحاط عز كتف ڤاليا بذراعه وضمها إليه ثم استأنف:
_ ولا إيه يا فيفو؟
نكست ڤاليا رأسها في حياء شديد ولم تعقب، فلم يطيل عز لكي لا يخجلها أكثر وقال وهو يحثها على النهوض:
_ تعالي يا فيفو..
ثم اقترب من آدم وقام بإمساك يده فبات ممسك لكليهما وتوجه إلى الحديقة الخلفية حيث لا يوجد هناك أشخاصًا ونظر إلى آدم وقال:
_ إحنا برده بنحب الخصوصية يا آدم باشا، مش سايبنها مفتوحة على البحري كدا يعني..
غمزه عز بمشاكسة وهمس له:
_ خليك لطيف معاها..
ضرب كتفه بخفة ثم عاد إلى مجلسه، ممازح الجميع، بينما مالت نهال بقرب حورية وقالت وعينيها مُثبتة على ڤاليا وآدم:
_ شكله دمه حامي حبتين؟
صوبت حورية نظرها عليه وشكلت ابتسامةٍ وهي اجيبها:
_ في الآخر إحنا صعايدة، والدم واحد بس متقلقيش آدم مش صعب زي ما أنتِ فاكرة هو بس غيران عليها، واعتقد دا من حقه، ودا ميخوفش أبدًا..
إلتوى ثغر نهال ببسمةٍ سعيدة وأردفت:
_ بالعكس أنا احترمته جدًا، أنتِ متعرفيش أنا تعبت معاها إزاي أنها تتحجب، وهي رافضة تمامًا، وكل ما أقول لعز على أساس يضغط عليها يقولي سبيها براحتها هي هتعيش لها يومين وبعدين هتلبسه..
_ واحدة واحدة هتلبسه، كل حاجة بتيجي بالصبر والهدوء، وخصوصًا الحجاب لازم عن اقتناع عشان متقلعهوش تاني..
هتفت بهم حورية، ثم تناولن بعض الأحاديث في مختلف المجالات، في الخارج؛ لم يتكلم أي منهما إلى الآن، فالخجل مسيطرًا عليهما، لام آدم نفسه، فحتمًا لن ينتظر بِدئها للحديث، أخذ نفسًا عميقًا ثم زفره وبدأ كلامه بنبرة مهزوزة:
_ أنتِ في سنة كام السنة دي؟
دون أن تنظر إليه ردت مختصرة:
_ في السنة الأخيرة..
أماء آدم برأسه وتابع أسئلته:
_ اشمعنا اختارتي تخصص هندسة؟ دي شطارة؟
قالها وهو يضحك فشعرت ڤاليا بالنفور منه وأجابت بإقتضاب:
_ بابي اللي عايز كدا، عشان أساعده في شغله..
حك آدم خلف أذنه بتوترٍ، فلم يعد لديه أسئلةٍ، لكن مظهرها يثير ضيقه، ويحاول قدر استطاعته عدم النظر إليها، تنهد وهتف ببنرة متسرعة:
_ مش ناوية تغيري استايل لبسك، أو مثلًا تلبسي الحجاب؟
تفاجئت ڤاليا بما قاله، وحدقته بعيون واسعة من هول الصدمة، ثم صاحت بعصبية:
_ لا مبفكرش، ومش من حق أي حد يعلق على لبسي، أنا حرة وألبس اللي أنا عايزاه..
تركته واقفًا بمفرده وعادت إلى الجميع، فتبِعها آدم وداخله يستنكر انفعالها الذي ليس له داعٍ، كان مجرد سؤال عابر، تعجب الجميع من عودتهما بتلك السرعة وأسبقت نهال بالسؤال:
_ إيه يا يولاد رجعتوا بسرعة كدا ليه؟
تعمد آدم الإيجاب حتى لا يعطيها فرصة رفضه:
_ الجو برا مش ألطف حاجة، فجينا نقعد معاكم..
رمقته ڤاليا بغيظٍ شديد ثم انتبهت على قاسم الذي قال:
_ نقرأ الفاتحة يا عز؟
دون العودة إلى ابنته أجابه:
_ نقرأها يا قاسم..
بدأ الجميع في قراءة سورة الفاتحة، إلا من ڤاليا التي ترمق والدتها بصدمةٍ، لا تصدق ما يحدث، فلم يكن هذا ما اتفقن عليه، لقد وضعوها موضع الحمقاء ليتمموا تلك الخطبة السخيفة، بينما كانت نهال تحثها على الهدوء من خلال نظراتها حتى لا يلاحظها أحدهم.
***
عاد عبدالله إلى المنطقة بواسطة أحد سيارات الأجرة، ترجل منها وسار متجهًا إلى بيته، فأثار ريبته ذلك المُلثم الذي يتلفت حوله كمن ينوي على سرقة أحد المنازل، فلم يتردد عبدالله في إتباعه ومعرفة ما يوجد خلفه.
تلك الأثناء صعد الآخر إلى منزله وقام بطرق الباب بخفة ففتحت له زوجته التي ألقت نفسها بين ذراعيه مشتاقة له:
_ حمادة، وحشتني أوي..
بادلها العناق بفتورٍ شديد، ثم دفعها برفق مبررًا:
_ ادخلي قبل ما حد يشوفني..
أغلقت زينب الباب واقتربت منه هاتفة بشوقٍ حار:
_ وبعدين في اللي إحنا فيه دا؟ هتفضل مستخبي كدا كتير؟
التفت إليها حمادة وقد انعكست تقاسيم وجهه إلى الشر وهتف وهو يصر أسنانه بغضب:
_ روحي قولي لأخوكي الكلام دا، روحي قوليله سيب حمادة في حاله، سيبه يعيش حياته عادية بدل ماهو بينط كل شوية من مكان لمكان وبيجي سرقة يشوفني.. روحي قوليله يبعد عن طريقي ويرجع عن حلفانه
دنا منها وأضاف ببغضٍ واضح:
_ أنا مش هموت على إيدين أخوكي زي ما وعدني!!
كانت تستمع لكلامه بخوفٍ يزيد داخل قلبها من عبدالله خشية تنفيذ قسمه الذي اتخذه عهدًا على نفسه، لكنها قاومت ذلك الخوف وأردفت:
_ طول عمري أسمع إن صاحب الحق عينه واسعة، أنت إيه اللي يجبرك على الهروب دا طلاما معملتش حاجة، خليك هنا وأنا بنفسي اللي هقف له، أنا اللي هحميك منه، دا لو طلبت نعمل فيه محضر عدم تعرض بس أنت متشميش وخليك هنا..
أنهت جملتها ثم تفاجئ كليهما بالطرق العنيف على الباب، اتسعت عينيهما بصدمةٍ حلت على وجهيهما، وازدادوا رعبًا حين استمعوا إلى صوت عبدالله الغاضب الذي يريد الإفاء بوعده والخلاص من ذلك المعتدي:
_ افتحوا الباب وإلا هكسره.. افتحوا
تجمدت أقدامهم وعُلِقت أعينهم على الباب، ابتلع حمادة ريقه بخوف ثم همس مذعورًا:
_ اوعي تفتحي له يا زينب..
استنكرت زينب خوفه الواضح، دنت منه وأمسكت يده وشدت بقبضتها عليه وهدرت:
_ ميقدرش يعملك حاجة طول ما أنا واقفة له، بلاش الخوف دا، خليك أقوى من كدا، أنت كأنك بتثبت له إن كلامه صح!!
خرج حمادة عن طوره، وسحب يده بقوة وهو يرمقها بنظراتٍ ساخطة، ثم توجه ناحية الباب متصنعًا لباس القوة، وقام بفتح الباب حارصًا على ترك مسافة كافية ليستطيع الهرب إن تطلب الأمر.
هاجمه عبدالله وأمسكه من ملابسه معنفًا إياه وهو يهزه بقوة:
_ أنت فاكر لما تهرب مني مش هعرف أجيبك؟! فاكر إني مش هقدر أوصلك؟!
أسرعت زينب في الوقوف بينهما مشكلة حائل لتمنع وصول عبدالله لحمادة، أبعدها عبدالله عنهما محذرها بوعيدٍ:
_ خليكي بعيد..
رفضت الرضوخ له، وعادت إليهما هاتفة دون رأفةٍ لمشاعره المهشمة:
_ قولتلك حمادة ميعملش كدا، روح شوف هي غلطت مع مين وبتتهمها في جوزي!!
_ لحظات صمت مرت؛ ظل عبدالله مشدوهًا مما سمِع، أزاح يده عن حمادة وحدق بشقيقته قبل أن يهدر بها شزرًا:
_ صبا دي أشرف منك أنتِ يا زينب، أنتِ إزاي سودة كدا من جوا؟ إزاي قلبك قادر يقسى عليا للدرجة دي؟ شوفتي مني إيه وحش عشان متقفيش في صفي لمرة واحدة؟ أنا كنت لك أب وأخ وصاحب، ربيتك على إيدي، استحالة دي تكون نتيجة تربيتي!!
بنبرةً قوية ونظراتٍ لا تخشاه رددت:
_ انا بحمي بيتي!!
قهقه عبدالله ساخرًا وأشار إلى البيت من حوله قبل أن يردف مشمئزًا:
_ هو فين البيت دا؟ دي عشة فراخ معيشك فيها، وفين الراجل اللي بتحميه مني؟
رمق حمادة باستعلاءٍ وواصل مقللًا من شأنه:
_ هو دا؟ حرامي وبلطجي وآخرتها اغتصب حقي!! أخد مني أحلى حاجة كنت عايش عشانها، في الأول أخدك مني غصب وأخد مني صبا اللي معرفش أراضيها فين..
صاح حمادة من الخلف متصنعًا عدم تحمله اتهامات عبدالله:
_ أستغفر الله العظيم، حرامي وبلطجي وكمان مغتصب، دا أنت هبت منك على الآخر
نظر إليه عبدالله ببغضٍ ومقت، انقض عليه ولكمه بقوة في وجهه حتى أسقطه أرضًا وتوعد له:
_ جوايا كره ليك لو خرج والله ما هيسيبك دقيقة عايش، بس أنا مش عايزك تموت، عايزك تعيش العذاب اللي عيشتني فيه بسبب عملتك القذرة، هخليك تحلم بدقيقة واحدة راحة ومش هنولهالك
دون أن يأباه بصق حمادة في وجهه وهمس بخفوتٍ:
_ بكرهك يا عبدالله، بكرهك..
رفع الآخر ذراعه ليبرحه ضربًا لكن زينب صرخت عاليًا وهي تمسك ببطنها متألمة:
_ اااه بطني مش قادرة.. حد يلحقني بطني بتتقطع...
نهض عبدالله مسرعًا؛ وتوجه نحوها بلهفة وخوف فأشارت زينب بعينيها إلى حمادة الذي استجاب لها وفر هاربًا، لم يستطع عبدالله اللحاق به وتركها في حالتها هذه، لكنه لم يقدر على عدم التعقيب وهو يراه جبانًا يركض هاربًا إلى الخارج:
_ هو دا اللي بتحامي له؟ سابك وهرب!!
تمسكت زينب في ذراعه بقوة وانحنت بجسدها تكور على نفسها فلم تستطع تحمل ذلك المغص الذي هاجمها فجأة:
_ مش قادرة بموت.. مغص هيموتني يا عبدالله..
سحب عبدالله هاتفه من جيبه بعد أن ساعدها على الجلوس وهاتف صديقه:
_ اتصرف لي في عربية يا وليد حالًا وتعالى عند بيت زينب، بسرعة..
أنهى الإتصال معه وقال وهو يساندها:
_ قومي ننزل تحت على لما العربية تيجي..
رفضت النهوض معه معللة:
_ بلاش وليد، وليد لأ ..
أغمض عبدالله عينيه، للحظة شعر أنه لا يجيد التصرف، أعاد فتح عينيه وصاح بغضبٍ:
_ متفكريش في حاجة دلوقتي.. قومي
ساعدها على النهوض ثم ترجلا السلم ووقفا في انتظار إحضار وليد للسيارة.
على الجانب الآخر، خرج وليد كالمجنون يبحث عن سيارة أحدهم، حتى استعار سيارة من جاره، توجه بها إلى منزل زينب، وترجل منها متأثرًا بحالة زينب التي يرثى لها.
فتح الباب الخلفي فاعترض عبدالله وأوضح:
_ هتقعد قدام..
أسرع وليد في فتح الباب الأمامي حتى استقلته زينب برفقٍ بمساعدة أخيها، بينما توجه وليد إلى المقود لكن أوقفه عبدالله معارضًا ذهابه معهما:
_ خليك أنت يا وليد، لو احتجت لحاجة هكلمك..
ثم تحرك عبدالله بالسيارة مبتعدًا عن المكان، تحت نظرات وليد المتابعة له، كيف لم يصر ويذهب معه؟ كيف سيستطيع الإنتظار دون معرفة ما أصابها وما سيحدث معها، أغمض عينيه لبرهة يستعيد عقله الذي ذهب وظل يردد بينه وبين نفسه:
_ مبقتش تخصك، أخبارها متخصكش..
ثم فتح عينيه وبصعوبة رفع قدميه عن الأرض وحاول إلهاء عقله عن التفكير بذهابه إلى المقهى الذي اعتاد الجلوس فيه، فوجد زكريا هناك فانضم إليه وروى عليه ما حدث منذ ثوانٍ.
****
ودعت عائلة عز قاسم وعائلته قبل أن ينصرفوا،
ثم توجهت النظرات على ڨاليا التي ضربت الأرض تمردًا وهرولت إلى غرفتها بوجهٍ محتقن.
فتساءل والدها وأخاها في نفسٍ واحد:
_ في إيه مالها؟
أخذت نهال نفسًا وزفرته وعينيها مُثبتة على السُلم التي صعدت عليه ورددت:
_ أنا هتكلم معاها...
تبادلا الآخرين النظرات قبل أن يتساءل عز وهو يتابع تحركات إبنه:
_ على فين يا أستاذ عامر؟
توقفت قدمي عامر ورمقه بطرف عينه مستاءً من سؤاله:
_ رايح لصحابي، وبعدين إيه السؤال دا هو أنا لسه صغير؟
_ صغير ولا مش صغير، أنا لازم أعرف كل واحد في البيت دا فيه وبيعمل إيه؟ ولا أنت عندك اعتراض؟
هاتفها عز بجدية فرفع عامر ذراعيه للأعلى قبل أن يردف ساخرًا:
_ معنديش يا عز بيه، تسمحي لي أمشي؟
سايره عز في مزاحه الثقيل وتصنع تفكيره ثم قال:
_ طيب روح بس متتأخرش!!
قلب عامر عينيه ولم يعلق بل انصرف سريعًا، في الأعلى؛ ولجت نهال غرفة ابنتها وتفاجئت بثورتها فور دخولها:
_ أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل تحت دا؟ مكنش دا كلامك، بابا متفقش معايا على كدا!
أنتوا قولتوا مجرد قاعدة تعارف بين العيلتين، تروحوا تقرأوا فتحتي من غير ما تاخدوا رأيي حتى!!
مش قادرة أصدق بجد اللي أنتوا عملتوه، لأ وكمان فيه خطوبة بعد ما أخلص امتحاناتي، لا كتر خيركم أوي، كنتوا عملتوها كمان يومين واختاروا لي الفستان والأكسسورز والهيلز حتى تسريحة شعري، هو لسه فيه كدا بجد؟
لسه فيه حد بيجبر حد على الجواز؟!
أخذت تتنفس نهال بعض الهواء، ليكون في صدرها متسع تحادثها بها دون انفعالٍ، جلست على طرف الفراش وأشارت إليها بالجلوس:
_ تعالي اقعدي يا فيفو نتكلم بهدوء..
بغضبٍ شديد لم تكبحه صاحت:
_ مش قاعدة، أنا مش قادرة أكون هادية زيك كدا!
أصرت نهال على جلوسها بنبرةٍ حادة:
_ قولتلك اقعدي..
وقفت ڤاليا تحدجها بنظراتٍ مشتعلة تكظم غيظها، ثم جلست بجوارها ونظرت إلى الفراغ أمامها دونًا عن والدتها كنوعٍ من التمرد وعدم طاعتها، فلم تعقب نهال وسألتها بترقب:
_ هو فيه حد في حياتك يا ڤاليا؟
تفاجئت ڤاليا بسؤالها وهبت واقفة رافضة سماع المزيد من الهراء:
_ إيه السؤال دا؟ لا طبعًا مفيش حد في حياتي..
تنهدت نهال وأردفت:
_ متأكدة؟ لو فيه مش هتلاقي أحسن مني تعرفيه عشان ميحصلش مشاكل بعد كدا..
_ مفيش حد والله..
هتفتها بنبرة تريد الخلاص فأضافت نهال بنبرةٍ رزينة:
_ يعني مفيش عائق قدام علاقتك بآدم، ليه متديش فرصة لنفسك معاه؟ آدم شاب كويس ومكانته محترمة وأهله اصحابنا من زمان وطلاما مفيش حد في حياتك، يعني مفيش سبب يخليكي تكون رافضة بالشكل دا، أنتِ في آخر سنة ليكي وامتحاناتك هتنتهي بعد أيام بسيطة وهتخلصي دراسة وطبيعي لأي بنت في عمرك تتخطب وتعيش الحياة دي..
تأففت ڤاليا فلم تقتنع بحرفٍ مما سمعته من والدتها، أولتها ظهرها وصاحت متذمرة:
_ مش مرتاحة، مش بتقولوا المواضيع دي قبول ورفض، أنا مش متقبلاه، وأنا واقفة قدامه مكنتش مستلطفاه خالص.. كلامي كان بيخرج غصب عني ومقدرتش أقف معاه أكتر من عشر دقايق..
نهضت نهال وتوجهت نحوها حتى وقفت مقابلها وقالت:
_ يا حبيبتي طبيعي كل دا، في النهاية أنتوا متعرفوش بعض أوي، ومقابلاتنا مكنش بيكون موجود فيها، فأنتِ متعاملتيش معاه قبل كدا فآدم بالنسبة لك شخص غريب، وعقلك هيخليكي تحسي بالنفور والخوف منه في الأول لأنك متعرفيهوش، كلنا كنا كدا في الأول بس بعد ما بندي للشخص فرصة نظرتك له بتتغير تمامًا، بتحسي إنه بقى وسيم فجأة ومش قادرة تشوفي حد أحلى ولا أحسن منه، أقل تصرف منه بتكوني مبهورة بيه بعد ما كنتي حاسة أنه مش مناسب ليكي، أنا بتكلم معاكي عن تجربتي وتجربة أي بنت..
عقدت ڤاليا ذراعيها أعلى صدرها مِعلنة عدم قبولها للأمر فخرجت نهال عن هدوئها وعنفتها بصوتٍ مرتفع:
_ أوف منك، مش بتحاولي حتى تقتنعي بالكلام، أنتِ منك لباباكي أنا أوت، ومترجعيش تعيطي لي ..
ولج عز على صوت زوجته الغاضب، متسائلًا باهتمامٍ:
_ في إيه، صوتك عالي ليه كدا؟
بتذمرٍ واضح هتفت وهي تخرج من الغرفة:
_ مش عايزة تدي لآدم فرصة، اتصرف أنت معاها عشان أنا تعبت
اختفت نهال خلف الباب، أخذ عز نفسًا عميقًا قبل أن يحاور مُدللته:
_ حبيبة بابي مالها، إيه اللي مضايقها؟
نظرت إليه وهتفت بعبوسٍ:
_ مش عايزة اللي اسمه آدم دا، مش متقبلاه...
أومأ عز برأسه بعد أن فهم مشكلتها وأردف وهو يسحب هاتفه من جيبه:
_ مفيش مشكلة خالص، أكلم قاسم وأقوله فيفو حبيبتي مش مرتاحة والموضوع يكون خلص..
تفاجئت ڤاليا بهدوئه المبالغ ورد فعله الذي بدى لها مريبًا ورددت دون استيعاب لما يحدث:
_ بالسهولة دي؟
_ محدش يقدر يغصبك على حاجة خالص، بس لو أنتِ مثلًا حابة تسمعي رأي عز صاحبك فأنا ممكن أديلك نصيحتي بس دا طبعًا لو تحبي..
قالها عز مستعطفًا قلبها، وقد نجح فهي شعرت بالحاجة إلى سماعه ربما ينجح في حل شفرات عقلها المعقدة وقالت:
_ حابة أسمع..
ابتسم عز ثم جلس على طرف الفراش وأشار إليها بالجلوس فلم تعارضه وأطاعته، جلست إلى جواره بينما وضع عز قدم على الأخرى وبدأ حديثه بنبرة عملية:
_ بغض النظر عن إن قاسم صاحبي وبينا شغل وشخصيته محترمة وعملية، وبغض النظر برده عن آدم وشخصيته القوية ومكانته المرموقة وجاذبيته وإنه شيك وراقي، وإن أي بنت تتمناه بس كل دول ميهمونيش قصاد عدم راحة بنوتي حبيبتي..
حدجته ڤاليا بطرف عينيه، ولم تنتبه لابتسامتها التي تشكلت على ثغرها الوردي ورددت:
_ أنت كدا بتثبتني صح؟!
إلتوى ثغر عز ببسمةٍ وهو يحدق بالسقف متصنعًا عدم فهمه لكلامها، لحظاتٍ وأعاد النظر إليها وربت على ظهرها بحنانٍ وأردف بنبرة رخيمة:
_ إديله فرصة يا فيفو.. وصدقيني لو مرتاحتيش معاه بعد ما تتعرفي على شخصيته كويس أنا بنفسي اللي هقوله معندناش بنات للجواز..
أطالت ڤاليا النظر على والدها؛ تُفكر بكلامه قبل إعطائه رد، بينما غمزها عز بمشاكسة:
_ نديله فرصة؟
أماءت بقبولٍ فأسرع عز في ضمها إليه وهتف:
_ Good girl
***
داخل المستشفى؛ انتهى الطبيب من فحص زينب ثم قال لها بجدية:
_ أنا فاكرك كويس، كنتي هنا من أقل من شهرين كدا، وأنا نبهت إنك تكوني حريصة، يا مدام حصلك تشنج بسيط، لو زاد عن كدا هتجهضي الجنين، لازم تبعدي عن أي توتر نفسي وخوف، وراحة تامة وإلا متلوميش غير نفسك بعد كدا..
توجه الطبيب إلى الخارج بثباتٍ وقبل خروجه مال على أذن عبدالله وهمس:
_ ياريت تاخد الموضوع بجد، وضع الجنين في خطر..
خرج الطبيب بعد أن قام بتحذير عبدالله على وضع زينب وجنينها، أغمض عبدالله عينيه قبل أن يتوجه إليها بملامح جامدة، وقف أمامها وعينيه لا تريدان النظر إليها، فقلبه لم يصفى من تصرفاتها بعد وخصيصًا بعد مواجهته لها قبل مجيئهم إلى هنا.
حك أنفه بإصبعه عدة مرات قبل أن يبدأ كلامه:
_ يلا هتروحي معايا على بيت ابوكي..
رفضت زينب عرضه بنبرة مُنهكة يتملكها التعب:
_ لأ أنا هرجع بيتي ولجوزي
صعق عبدالله من ذِكرها لذلك الجبان الهارب، خرج عن طوره وصاح:
_ هو فين جوزك دا؟ اللي هرب وسابك في حالتك دي؟
نهرته زينب بهجومٍ:
_ أنا اللي شاورت له يمشي.. لو مكنتش موجود مكنش مشى
دنا منها وتحدث وملامحه مشدوهة تميل إلى الإشمئزاز:
_ هل دا مبرر؟ وجودي مبرر لهروبه؟ لو بينا إيه وشاف مراته في وضعك دا مكنش مشى وجرى بيكي على هنا، دا أنا حتى كنت شفعت له جزء عندي، لكن هو جبان مصلحته ونفسه أولى عنده منك، نفسي تفوقي بقى..
سقطت عبرة على مقلتيها وهتفت بصوتٍ متحشرج:
_ ليه كل دا؟ ليه مش بتحبه؟ إيه اللي وصلك تكره صاحبك وجوز اختك؟ كل دا عشان مكنتش موافق على جوازتنا وأنا أصريت عليه؟
وضع عبدالله كفه على جبينه يقاوم بركان غضبه الذي لن يرأف بها إن ثار، حاول قدر استطاعته إخماد غضبه المتأجج وأجابها على أملٍ أن ترى ما تتعمد التغافل عنه:
_ حمادة على يدك كان صاحبي وأقرب ليا من زكريا ووليد، كنت بعتبره أخويا، وعوضي عن الأيام البهدلة اللي شوفتها، كان راسم عليا الدور أنه بيحبني وخايف على مصلحتي، بس الحقيقة إن دا كان وش لابسه قدامي ومن ورايا كان بيإذيني.. حمادة عمره ما حبني والكره كان مالي قلبه من نحيتي
قاطعته زينب غير متقبلة كلامه الذي يُدين زوجها:
_ ليه؟ يكرهك ليه؟ مين اللي وصلك كدا؟ زكريا ووليد صح؟ هما اللي وقعوا بينك وبينه وفهموك إنه بيكرهك!!
_ لا يا زينب محدش وقع بيني وبينه ولا حاجة، ومش شرط يكون فيه سبب عملته عشان يكرهني، فيه بني آدمين كدا النقص وقلة الأصل بتجري في دمهم، حمادة مكنش بيكرهني، كان مستكتر عليا حياتي وشقايا اللي بوصله بعرق جبيني وتعبي، كان دايمًا يقولي بلاش تعيش دور الشريف والواد اللي كرامته ناقحة عليه وروح خد حقك من أبوك، ولما كنت برفض كان بيتخانق معايا ويمشي ومعرفش عنه حاجة بالأيام، ولما كنت أكسب قرشين من أي مصلحة كان يتلكك ويعمل أي مصيبة عشان أجري عليه وأقوله خد ظبط دنيتك، مفيش مرة شجعني على خطوة كنت عايز أخدها، كان دايمًا بيقلل مني وبيحبطني ويسود أي حاجة كنت بكون متحمس لها في عيني، حتى زكريا ووليد اللي بتقولي وقعوا بيني وبينه، كان مخليني شايفهم اندال ومش صحاب وياما قال كلام عنهم وحش، كان مخليني متجنبهم طول الوقت، وكل دا كنت بالع له الزلط، لغاية ما راح يدور على قاسم القاضي وياخد منه فلوس بأسمي، دي كانت الناهية بيني وبينه، وبعدها كل حاجة اتكشفت لي عنه وعرفت قد إيه كان تِعبان وكنت معمي بيه زيك كدا، أنا رفضت جوازك منه عشان عارف إنه مش هيصونك، حتى أنتِ استكتر علاقتي بيكي وأخدك وخلاكي زي ما أنتِ بتعملي كدا!! وياريت على قد كدا...
نكس رأسه في حزنٍ وحاول تملك عبراته لكن جراحه كانت أقوى من نفسه الضعيفة وسقطت دموعه مُتحسرة على حبيبة فؤاده التي حلقت مع الريح ولا يعلم إلى أي سماءٍ صفت:
_ حتى العلاقة البريئة اللي كانت في حياتي، اللي رسمت وخططت كتير لحياتنا سوا مسلمتش من آذاه، استكترها عليا..
أبت كل ثغره بزينب سماعها لذلك الهراء وصرخت رافضة:
_ بس كفاية، كفاية حرام عليك
لم يضيف عبدالله المزيد، واكتفى بإفراغ ما كان في جوفه حتى وإن كان القليل منه، رمقها يآمل إزالة الغشاوة من على عينيها، وتراه على وجهه الحقيقي، لكنه وجدها تنكس رأسها وتبكي فتراجع عن شدته وتذكر تحذيرات الطبيب، أخذ شهيقًا عميق وزفره بهدوءٍ ثم قال بجدية:
_ يلا عشان نرجع البيت، ومش عايز أي رفض، أنتِ بنفسك سمعتي كلام الدكتور قال راحة، وأنا استحالة أدخل أمك بيت القذر دا..
كادت تعارضه إلا أنه منع ذلك بنبرة حادة أمرها بها:
_ مش هقبل أي اعتراض، فكري في اللي بطنك قبل ما تفكري في نفسك!!
صمتت الأخرى فلقد فاض بها وطفح الكيل، لقد أهلكت روحها، فقط تريد حياة هادئة تخلو من المشاكل، أغمضت عينيها في محاولة استجماع نفسها قبل أن تخبره بقبولها لذهابها معه.
***
وصلوا إلى المنطقة، وقف أسفل البناية وأمرها وهو يتحاشى النظر عنها:
_ اطلعي لمي الحاجات المهمة دلوقتي.. وأنا هستناكي هنا
أماءت بقبولٍ ثم صعت إلى منزلها، بينما رد عبدالله على هاتفه الذي لم يكف عن الرنين منذ فترة، تنهد قبل أن يجيب بفتورٍ:
_ إيه يا زكريا؟
_ أنت فين؟ أختك كويسة؟ محتاجنا نجيلك؟
هاجم زكريا عبدالله بأسئلته فجأة، فرد الآخر مختصرًا:
_ لا، أنا أصلًا رجعت..
_ طيب كويس، تعالى اقعد معانا على القهوة شوية..
هتفها زكريا على أملاٍ أن يقبل وينضم إليهما لربما يخرجه من قوقعته الذي وقع بها، لكن أتاه رده المتوقع:
_ لا مش قادر مرة تانية..
أصر زكريا على مجيئه قائلًا:
_ يا عُبد القاعدة مبقتش حلوة من غيرك، يلا تعالى مستنينك..
تعمد زكريا إنهاء الإتصال ليغلق أمام عبدالله أي سُـبل للإعتراض، ونظر إلى وليد الذي يراقب ما يحدث في صمتٍ وتساءل:
_ هيجي؟
رفع زكريا كتفيه ووجه بصره ناحية الشارع الذي سيأتي منه عبدالله وأردف:
_ هنشوف..
انتهت زينب من جمع الأغراض التي ستحتاج إليها مؤقتًا، وعادت إلى عبدالله الذي حمل عنها الحقيبة وأسبق خُطاه إلى منزله، فتح الباب فهرولت والدته نحوه وتفاجئت بصحبته لزينب.
وقفت تطالعهما دون فعل، بينما حاول عبدالله توضيح الأمور لها:
_ زينب تعبانة ومحتاجة راحة، وأنا جبتها هنا تاخدي بالك منها..
مال على والدته وأضاف هامسًا:
_ بلاش أي كلام يضايقها..
ترك الحقيبة على الأرض وتوجه إلى الباب فتساءلت والدته مستفسرة:
_ على فين متأخر كدا؟
_ هقعد مع زكريا ووليد شوية وراجع..
أجابها ثم انصرف سريعًا فتقوس ثغر أحلام بابتسامة أمل في عودته إلى حياته السابقة ودعت له بقلبٍ صادق:
_ اللهم أخرجه من حوله وقوته إلى حولك وقوتك،
ومن ضعفه إلى قوتك ومن انكساره إلى عزتك، يارب
انتبهت على زينب التي تراقبها دون تعليق، قلبها حزين للغاية من أفعالها التي تأخذ عنها جائزة في النذالة وقطع الرحم، تشفق عليها أحلام لوضعها التي باتت فيه لكن سرعان ما تهاجمهما أفكارها التي تذكرها بالمرات التي قامت باختيار زوجها اللعين دون عائلتها.
هزت رأسها تطرد أفكارها فليست في أوقاتها الصحيحة، انحنت على الحقيبة وحملتها ثم قالت:
_ تعالي، متقفيش عندك كدا..
جرت زينب قدميها بتعبٍ حتى وصلت الغرفة وقامت بالاستلقاء على الفراش بأمرٍ من والدتها التي أضافت قبل خروجها:
_ هعملك حاجة تاكليها وراجعة..
لم ترفض بل استكانت مكانها حتى عودة والدتها، فهي جائعة وتشتهي من الطعام أطيبه، فلا تتذكر متى آخر مرة تناولت بها وأشبعت معدتها.
****
أسرع وليد في إحضار كرسي فور وصول عبدالله؛ غزت الإبتسامة شفتيهم لرؤيته يعود إليهما من جديد، ربت زكريا على فخذ عبدالله وصاح عاليًا:
_ ليك شوقة يا عُبد والله، روق يا صاحبي بكرة تتحل
كان منكس رأسه لا يتطلع في أعينهما، تبادلا الآخرين النظرات المشفقة ثم حاول وليد كسر ذلك الملل بقوله:
_ ها هتشربوا إيه؟ المشاريب على حسابي النهاردة
شاكسه زكريا بمرحٍ:
_ إذا كان كدا اطلب لنا فرخة..
قهقه وليد وهلل من بين ضحكه:
_ لا طلاما آكل يبقى أخركم كبدة هوهو من عند عم حسن
انفجروا ضاحكين، وكذلك عبدالله الذي انفرجت شفتيه مبتسمًا على دعابة وليد، فانشرحت قلوبهم لرؤياهم ابتسامته، لم يتردد زكريا في إحاطة كتف عبدالله وضمه إليه بحركة عفوية تظهر حبه له قبل أن يردف:
_ مكنتش اعرف إن ضحكتك غالية كدا، يا جدع ولا كأنك مراتي
دفعه عبدالله بعيدًا عنه وهلل:
_ مراتك دي فوق في البيت، اتلم كدا
قهقه الشباب ثم نهض وليد فتساءل زكريا عن سبب نهوضه:
_ رايح فين؟
بمزاحٍ رد عليه:
_ رايح أطمن على كلب حفيد عم حسن، أصل يطلع الموضوع بجد
لم تخلو الجلسة من الضحك، حتى انصرف وليد وانتبه زكريا على عبدالله الذي شرد فجأة وأراد إخراجه من حالته فتساءل باهتمامٍ:
_ وليد قالي إن كان عندك مقابلة شغل النهاردة، عملت ايه؟
دون أن ينظر إليه أجاب بإيجاز:
_ هبدأ من بكرة
هلل زكريا بفرحة:
_ طب ما دا حلو يا صاحبي، ربنا يوفقك
تقوس ثغر عبدالله ببسمةٍ لم تتعدى شفتاه، مرت بضع دقائق حتى حضر وليد حاملًا الطعام، جلس على كرسيه وأردف من بين أنفاسه اللاهثة:
_ الحمد لله لقيت الكلب زي ماهو
أضاف زكريا مازحًا:
_ فيه الخير عم حسن مش بيجي على اللي منه
_ كفاية بقى خلينا ناكل
قالها وليد مشمئزًا من أحاديثهم المنفرة، ثم بدأ يتناولان مرغمين عبدالله على مشاركتهم الطعام بعد رفضه المستميت، كان يتناول قضمة ويتذكر ذكراه ذلك اليوم عندها آلمته معدته وتصنع التعب ليطفئ لهيب قلبه المشتاق برؤية صباه، والآن كيف يستطيع أن يُمتع نظريه بعد أن فاق شوقه إليها حد السماء.
انتبه على صوت ميادة الحناوي وكلمات أغنتيها التي اخترقت أذنيه من داخل تلفاز المقهى:
مهما يحاولوا يطفوا الشمس، مهما يزيدوا علينا الهمس
مهما يقولوا مهما يعيدوا، إنت في قلبي إنت وبس
كل كلامهم مش هيأثر، وأنا ولا هبعد ولا هتغير
يمكن حتى هقرب أكتر، مهما يحاولوا الناس بالعكس
حبنا جوة قلوبنا بيكبر، مهما يحاولوا يطفوا الشمس
يا اللي حياتي بتحلم بيك، وبشوف كل الكون بعينيك
إنت العمر الحلو اللي زمان كان متأجل
عشته وشفته جوا عينيك في معاد وبيوصل
ليه عايزين ياخدوه من قلبي، ليه يلومني الناس على حبي
لم ينهي شطيرته بعد، أعادها بين البقية وتناوب النظر بين صديقيه اللذان ينظران إليه باستغرابٍ شديد، لمعت عينيه وفشل في استجماع نفسه أمامهما ففر هاربًا على الفور.
نهض وليد فجأة وحاول إعادته بالنداء عليه:
_ يا عبدالله، أنت رايح فين يابني، مكملتش أكلك!!
أخفض بصره على زكريا عندما فشل في إعادة صديقه، وضع ما تبقى معه من الشطيرة على الطاولة ثم جلس فانتبه على زكريا الذي هتف وهو يتابع هروب عبدالله:
_ الموضوع دا فيه إن، مش معقول أبوها اخدها ومشى ومحدش يعرف لهم طريق عشان مش موافق على عبدالله، حكاية متدخلش العقل بنِكله!
نهض زكريا وقال:
_ شكرًا يا وليد على العشوة.. أنا طالع البيت
ذهب وترك ابن عمه في حيرة مما يحدث، نظر إلى ما تبقى من الطعام وقام بتجميعه وأعطاه إلى الصبي الذي يعمل المقهى ثم عاد إلى منزله أيضًا.
***
حل الصباح، وأشرقت الشمس، فنهضت لتؤدي صلاة الضحى، وبعد أن فرغت منها انتبهت على رنين هاتفها فأجابت دون تفكيرٍ:
_ قاسم!! صباح الخير يا أحلام
قالها بصوتٍ متحشرج لم يزول منه النعاس بعد، حمحمت أحلام وردت بإيجازٍ:
_ صباح النور، فيه أخبار جديدة؟
أخرج قاسم تنيهدة مطولة تأكدت أحلام أن هناك أمرًا قد علم به، لم يطيل قاسم ثم قال:
أنا عرفت مكان صبا
الفصل الخامس عشر من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم تسنيم المرشدي
تعالي نتقابل في البيت، وأحكيلك اللي عرفته..
هتفها متمنيًا قبولها؛ بينما أبت هي بحدةٍ:
_ أنا مستحيل أدخل البيت دا تاني، أنا مش فاهمة إزاي قِبلت ودخلته قبل كدا..
زفر قاسم أنفاسه وقال بصوتٍ هادئ:
_ دا بيتك يا أحلام تدخلي وتخرجي منه وقت ما تحبي..
خرجت أحلام عن هدوئها وهتفت منفعلة:
_ لا دا مش بيتي ياقاسم ولا عمره كان بيتي، دا بيت أهلك اللي خرجوني منه وأنا بلبس النوم وقالولي بيتنا متدخلوش واحدة من برا العيلة، طردوني عشان خايفين إني أورث معاهم في أملاكهم وأنا غريبة عن العيلة، دا أنا لسه فاكرة رد أبوك وأنا بعيط ومنهارة وبقوله أنا ممكن أكون حامل من ابنك رد بكل قسوة وجبروت وقالي ابنك ميورثش ابني طول ما أنا حي، أرضنا متروحش لغريب أبدًا، ولما شك إني ممكن أكون حامل هددني إني أنزله وإلا هيقهر قلبي عليه، عشان كدا أنا هربت... عشان أحمي ابني اللي ملوش ذنب إنه وقع مع ناس ظالمة المفروض إنهم أهله.. وأنت كنت واقف تتفرج، فاكر يا قاسم ولا الظاهر إنك نسيت؟!
شعر قاسم بالإختناق عند بداية تذكيرها لذلك الماضي الأليم، عاش ألمًا مع كلماتها وكأن جراحه لازالت حديثة، تحشرج صوته وهي يجيب:
_ وهو أنا عمري نسيت؟! أنتِ متعرفيش أنا عملت إيه؟
هاجمته أحلام قائلة:
_ مش عايزة أعرف، مش عايزة أعرف عنك ولا عنكم أي حاجة يا قاسم، أنا بعد أكتر من تلاتين سنة مقدرتش أتخطى، والله ما قدرت، أنا اتعايشت بس، اللي حصل كان ظلم كبير أوي عليا،
مش قادرة أنسى وأنا واقفة بحاول أستر نفسي في حيطة ولا عربية وبقول يارب استرني، في طريق مقطوع، مش قادرة أنسى إني كنت وحيدة وحامل وتعبانة ومليش حد وكنت بتعب وبشقى عشان أعيش يومي بس.. وحتى بعد ما ولدت وأنا لافة ابني في بطانية ومش لاقية له حتى تمن الهدوم اللي يلبسها، كل اللي مريت بيه وعشته كان صعب ومفيش حد يستحمله، أنا لولا ربنا بعت لي إبراهيم عوضني عن اللي شوفته بحنيته وتفهمه لكل اللي عشته كنت مت من قهرتي..
_ وأنتِ فاكرة إبراهيم ظهر فجأة كدا من غير سبب!!
هتفها قاسم فقطبت أحلام جبينها وتساءلت قبل أن تُسيء الفهم:
_ أنت تقصد إيه؟
بإيجازٍ ساومها:
_ لما تيجي هقولك أقصد إيه، هبعت لك العربية تاخدك من نفس المكان..
أنهى الإتصال على الفور ليمنع أي اعتراضٍ سيُقابله منها، أبعدت أحلام الهاتف عن أذنها وحدقت به مذهولة من تلك الأفكار اللعينة التي تراود عقلها، لم تستطع الصمود وهبت واقفة لتبدل ملابسها سريعًا، لكنها تريثت فزينب وعبدالله في المنزل، بماذا ستختلق عذرًا لخروجها؟
حاولت جاهدة على تهدئة نفسها المتسرعة، خرجت من الغرفة باحثة عن أبنائها، ولجت غرفة عبدالله أولًا بعد أن سمح لها بالدخول، شكلت ابتسامة على محياها عندما وجدته يقوم بحلاقة ذقنه، اقتربت منه وأردفت بسعادة:
_ كويس إنك بتحلق دقنك، كانت طولت أوي..
رد مختصرً:
_ بخففها بس..
ربتت أحلام على ذراعه بآسى وهي تسأله:
_ ليه يا حبيبي، دا أنت عمرك ما سيبتها كدا..
_ صبا كانت بتحبها طويلة..
أردفها عبدالله وهو يتابع قص ذقنه، تفاجئت أحلام من رده ورمقته بشفقة متأثرة بحالته الذي بات عليها، تنهدت بحزنٍ وحاولت تغير حديثهما:
_ هتبدأ شغل النهاردة؟
_ أيوة، هخلص وهروح على طول..
قالها دون إضافة المزيد، فاستشفت والدته عدم إرادته في التحدث فلم تطيل وانسحبت بهدوءٍ بعد أن دعت له:
_ ربنا يعينك ويوفقك يا حبيبي
أغلقت باب الغرفة خلفها فترك عبدالله الماكينة من يده عندما انتهى، ثم بدل ملابسه بأخرى، كما حرص على اختيار أحسنهم عاملًا بنصيحة عز.
ألقى نظرة متفحصة أخيرة على نفسه في المرآة، فتقابل مع عينيه المنعكسة فوجد رجلًا لا يعرفه، يجهل ملامحه، وكأنه غريبًا عن نفسه، ولولا أنه عاش بنفسه الأحداث الأخيرة لقال أن أحدهم قد بدل معالم وجهه.
هرب بعينيه بعيدًا عن المرآة، وتوجه خارج الغرفة، تفقد شقيقته من خلال الباب فوجد والدته تحادثها، لم يريد أن يخلق حوارًا بينهما بعد مواجهتهما الأخيرة، وفضل الذهاب إلى عمله سريعًا.
بينما انتهت أحلام من السؤال على صحة ابنتها، ثم أتت إلى مرادها التي تود التحدث فيه منذ وقتٍ، حمحمت قبل أن تردف بترددٍ:
_ أنا عندي مشوار، ساعة أو اتنين بالكتير وهرجع.. مش هتأخر عليكي
باهتمامٍ سألتها زينب مستفسرة:
_ مشوار إيه؟
بهجومٍ أجابت أحلام:
_ مشوار يا زينب مشوار
تفاجئت زينب بأسلوبها الحاد، نكست رأسها في حزنٍ ورددت بنبرة يكسوها الضيق:
_ الظاهر إني بقيت غريبة..
تشدقت احلام ساخرة وهتفت مندفعة:
_ أنتِ اللي اعتبرتينا أغراب مش العكس يا زينب..
تأففت أحلام بضجرٍ فهي لا تريد إحزانها، أغمضت عينيها تلوم انفعالها، ثم هدأت من نبرتها وأضافت قبل أن تغادر:
_ ملوش لزوم الكلام، أنا مش هتأخر عليكي..
نظرت حيث الطعام التي أحضرته لها واستأنفت بنبرةٍ حنونة:
_ افطري كويس..
أولتها ظهرها وأسرعت في تبديل ملابسها ثم غادرت المنزل سريعًا، تتلهف لسماع الحقيقة التي تآبى تصديق ما يُمليه عليه عقلها، وجدت السيارة التي جاءت خصيصًا لنقلها إلى بيت المزرعة، استقلت المقعد الخلفي فتحرك السائق على الفور.
****
استيقظت من نومها، فبحثت بعينيها عن زكريا فلم تجده بجوارها، نهضت فجأة وقد خفق قلبها رعبًا فلم تراه منذ أن تشاجرا معًا في الأمس وغادر المنزل.
هرولت إلى الخارج مذعورة باحثة عنه فتجمدت قدميها حين رأته غافيًا على الأريكة، توجهت نحوه مسرعة وقامت باحتضانه بخفة لتطمئن قلبها بوجوده.
قلق زكريا إثر تصرفها، لوهلة لم يستوعب عقله ما يحدث، تراجعت ليلى بحرجٍ واعتذرت منه:
_ أنا آسفة إني قلقتك..
نهض زكريا وأعدل جلسته متسائلًا بجدية:
_ هو في إيه؟
لم تستطع ليلى مواجهة عينيه، فشعرت بالخجل يعصف بها وخصيصًا أنهما من المفترض متخاصمين، ابتلعت ريقها وأجابته بخفوت:
_ مفيش صحيت وملقتكش جنبي فقلقت عليك..
لم تجد منه ردًا فنهضت دون النظر إليه عائدة إلى غرفتها، فتفاجئت به يُعيدها إليه حتى التصق ظهرها بصدره، دفن زكريا رأسه في عنقها وهمس بحرارة:
_ ممم قلقتي عليا.. طب مكنتيش تسبيني نايم برا
_ أنا نمت غصب عني وأنا مستنياك ترجع، فوقت دلوقتي واتخضيت لما لقيتك مش موجود..
همست بصوتٍ يطغو عليه القلق وهي تشرح له ما حدث معها، أدارها زكريا بخفة إليه، محاوطًا خصرها بذراعيه وأردف:
_ يبقى مكنتيش تزعليني من الأول.. تعالى صالحيني
ضاق صدر ليلى عندما فهمت ما يرمي إليه، وتذكرت أمر حبوبها، حاولت التملص من بين يديه هاربة منه وهي تردف متآملة قبوله:
_ زكريا.. عايزة اتكلم معاك في موضوع
أفلت ذراعيه عندما شعر بإرادتها في الإبتعاد عنه وقال:
_ إيه؟!
سيطر التوتر عليها فانعكس على تقاسيمها وتجلى على صوتها الذي ظهر مهزوزًا:
_ ما تراجع نفسك في موضوع تأجيل الخلفة دا، أنا نفسي في بيبي أوي
أسود وجه زكريا وحاول كظم غضبه، أعاد النظر إليها وسألها بصوتٍ أجش:
_ ليه يا ليلى بتروحي في الحتت اللي تجيب الزعل وتنكدي عليكي وعليا؟ ما إحنا متفقين من الأول وأنا قولتلك بعد سنة نبدأ نفكر في الموضوع مش بعد شهر يا ليلى نزن!!
قلب عينيه وحاول عدم ترك نفسه إلى شيطانه لكي لا يثور ويغضب وتنتهي المحادثة بمشاجرة أخرى، شهيقًا وزفيرًا فعل مرات عديدة حتى شعر بسعة صدره، توجه إلى الغرفة بخطى ثابتة وهتف:
_ هتيجي تصالحيني ولا أكمل نوم؟
أغمضت ليلى عينها لاعنة تسرعها في إلقاء حبوبها، ماذا ستفعل الأن؟ تضاعف خوفها وازدادت سوءًا مع منادات زكريا التي لا تتوفف، ولجت الغرفة محاولة إقناع عقلها أن الأمر لن يأخذ مسارًا غير مألوف حتمًا.
***
وصل عبدالله إلى مكان عمله الجديد؛ وقف أمام الفيلا يلقي نظرةً متفحصة قبل أن يدلف بخُطاه، شعر بوخزة في قلبه وعدم راحة لذلك المكان، كأنه لا ينتمي إليه، عالم آخر غير عالمه، لا يشبهه قط.
أغمض عينيه مرددًا كلماته يقنع بها عقله:
_ شغل زي أي شغل، هتعمله وخلاص..
أخذ شهيقًا عميق وزفره بقوة ثم توجه إلى البوابة فرحب به رجل الأمن ودعاه للدخول برفقة شابًا آخر يرتدي حُلة سوداء، يضع سماعة أذن تحدث بها خلال سيره مع عبدالله:
_ عبدالله السواق الجديد وصل يا فندم، تمام أنا جايبه لحضرتك..
وصلا كليهما إلى إحدى السيارة الفارهة، فنظر الشاب إلى عبدالله وأردف بعملية:
_ دي العربية اللي هتشتغل عليها، دقايق والهانم الصغيرة هتيجي توصلها للجامعة بتاعتها..
ناوله الشاب ورقة وهو يضيف:
_ دا العنوان، وفيها مواعيد الخروج، هتفضل واقف لغاية ما تخلص وترجع معاك إلا إذا أمرتك توديها مشوار تاني، بس طبعًا هنبلغ عز بيه الأول أو تبلغني لو مقدرتش توصله.. مفهوم؟
حرك عبدالله رأسه بتفهمٍ، بينما تنحى الشاب جانبًا عند رؤيته لسيدة عمله تقترب منهما، ورحب بها بجدية:
_ صباح الخير يا ڤاليا يا هانم
عبست ملامحها ولامته بضيقٍ:
_ إيه هانم دي يا إسلام، ما قولنا بلاش جو الستينات دا..
ابتسم الشاب بحرجٍ وزم شفتيه وهو يخبرها:
_ دي أوامر يا فندم مينفعش اتخطاها..
تنهدت ڤاليا بضجرٍ وأردفت باسيتاء:
_ خلاص لو ضروري يعني قولي يا آنسة ڤاليا بس بلاش هانم دي please، أنا قولتلك قبل كدا
هز رأسه بقبول وهو يردد:
_ تمام يا آنسة ڤاليا..
رمقت ڤاليا ذلك الشارد بنظرة ثاقبة وتساءلت مستفسرة وهي تشير بإصبعها نحوه:
_ مين دا؟
وجه إسلام بصره حيث تشير ڤاليا وعرف عن هويته:
_ دا عبدالله السواق الجديد..
أماءت ڤاليا بينما لم يحرك عبدالله ساكنًا كأنه في عالم غير عالمهم، مالت ڤاليا بقرب إسلام وسألته بصوتٍ منخفض:
_ هو ماله؟
_ لسه جديد يا فندم ومش أخد على الوضع..
هتفها إسلام ونادى بصوتٍ جهوري جاد ليجذب انتباهه:
_ عبدالله..
انتبه عليه الآخر وطالعه بتيهٍ فأقبل الشاب في تعريف هوية ڤاليا:
_ الآنسة ڤاليا اللي أنت هتتولى توصيلها..
مدت ڤاليا يدها تصافحه مرحبة به:
_ هاي عبدالله
تفاجئ عبدالله بتصرفها الغير متوقع، نظر إلى يدها الممدودة لثوانٍ ثم وضع راحة يده على صدره رافضًا لمس يدها وقال:
_ أهلًا بحضرتك..
لم تفهم ڤاليا تصرفه، ورمقته باستغرابٍ ويدها مازالت مُعلقة في الهواء، فأسرع إسلام في فتح باب السيارة لها مرددًا بعملية:
_ اتفضلي يا أنسة ڤاليا..
انتبهت عليه لكنها عاودت النظر إلى عبدالله من جديد ترمقه بنظراتها الثاقبة، لا تفهم ما وراء تصرفه سوى أنه غير أخلاقي بالمرة، ركبت السيارة وكذلك فعل عبدالله وتحرك مبتعدًا عن الفيلا تحت نظرات ڤاليا المتابعة له.
كان داخلها يتآكله الغيظ، وتتساءل من ذلك المتعجرف الذي لم يود مصافحتها، شعرت بالإهانة كلما تذكرت أنها تعاملت بتلقائية بينما تعامل هو بعدم ذوق، خرجت من شرودها على رنين هاتفها.
نفخت بفتورٍ حين وجدته آدم وأجابت على مضضٍ:
_ هاي.. أخبارك إيه؟ أنا في الطريق راحة الجامعة، امتحانات الفاينل بدأت، iam fine, مش محتاجة حاجة، باي
قلبت عينيها بإزدراء واضح ثم أعادت وضع هاتفها في الحقيبة، وبعد فترة وصلت إلى الجامعة، ترجلت من السيارة وتوجهت إلى الداخل لكنها توقفت وأعادت النظر إلى ذلك المتعجرف الشارد، وداخلها يتضاعف غيظها من أسلوبه.
صرت أسنانها وتصنعت عدم الإكتراث بشأنه، بينما صف عبدالله السيارة جانبًا واستند برأسه على النافذة، أخرج القلادة التي تخفيها ملابسه وشد عليها، أخذ نفسًا عميقًا حينما ضاق صدره، أسقط نظرة عليها وردد هامسًا بشجن:
_ القلوب افترقت يا دكترة، وقلبي مش مستحمل فراقك عنه!
فرت دمعة موجوعة من عينيه أسرع في مسحها، حاول استجماع نفسه لكنه فشل، وكيف سيفعل ذلك؟ وهو يجهل الطريق إلى استعادة نفسه؟ خرج من السيارة فجأة يستنشق الهواء لعله يكون بخير.
في الجوار، خفق قلب ڤاليا رعبًا حين قطع أحدهم طريقها، وضعت يدها أعلى يسار صدرها ووقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة، رمقت ذلك الدخيل بامتعاض شديد وهدرت به شزرًا:
_ أنت مجنون؟ إيه اللي بتعمله دا؟
أتاها صوته الحاد في سؤاله:
_ قرأت امبارح على جروب الدفعة إنك اتخطبتي، الكلام دا حقيقي؟
رمقته ڤاليا بنظراتها المشتعلة واندفعت به:
_ وأنت مالك أصلًا، مين أنت عشان تقف قدامي بكل وقاحة وتسألني سؤال زي دا؟
أجابها الشاب وهو يشير إلى نفسه بنبرةٍ تثير القلق:
_ أنا اللي الجامعة كلها عارفة إني معجب بيكي ونفسي أوصلك من زمان، وأنتِ على طول مش شيفاني، وأخرتها إيه؟ تروحي تتخطبي لواحد غيري، ارفضي الخطوبة دي أحسن لك يا ڤاليا وإلا مش هيحصل كويس
صعقت ڤاليا من كلامه، لوهلة لم يستقبل عقلها صدق تصريحه، تراجعت للخلف وحدجته بنظراتٍ مشمئزة قبل أن تهتف معنفة:
_ إيه الجنان دا، ابعد من قدامي..
سارت بجواره فقطع طريقها ثانيةً مع تعديه حدوده في السماح من الإقتراب منها بجرأة، ارتعب قلبها ولم تشعر بصوتها الذي ارتفع خوفًا منه:
_ ابعد عني يا بني آدم أنت..
تلفتت برأسها باحثة عن أحدهم لينقذها من بين يديه فوقع عبدالله تحت نظرها فلم تتردد في الاستغاثة به:
_ عبدالله، إلحقني...
تطاول الآخر وأمسك بيدها وهزها بقوة وصاح:
_ مين عبدالله دا؟ اللي اتخطبتي له؟
إزداد صراخ ڤاليا والذي تجمع أثره حشد من الطلاب يشاهدون ما يحدث دون تدخل، تلك الأثناء وقع صراخها إلى أذني عبدالله الذي نظر حيث تقف وتفاجئ بما يحدث، هرول نحوها وشكل حاجزًا بينهما بجسده، بينما حاول الشاب استعادتها وهو يردد محذرًا:
_ ابعد من قدامي عشان متزعلش..
رفع عبدالله كلتى ذراعيه في الهواء كحاجزًا إضافي مانعًا وصول ذلك المختل إليها وحذره بتوعدٍ:
_ ابعد وإياك تقرب، أنت شارب حاجة يالا ولا إيه؟
ضرب الشاب بيده على صدر عبدالله وهتف بحقدٍ:
_ ملكش فيه يا أمور، وخرج نفسك برا الليلة دي
أنهى جملته وسرعان ما أعاد استرداد ڤاليا إليه من جديد، نفذ صبر عبدالله على تحمل السخافة الحادثة وقام بدفعه بكل ما أوتي من قوة فتعرقل الشاب وهوى أرضًا، صعق الآخر من فعلته ونظر حوله يتفقد تلك النظرات الضحوكة فلم يقبلها على نفسه وهب واقفًا متوجهًا إلى عبدالله وعينيه ينطق منهما شرًا كرصاصًا اخترق صدر عبدالله.
كز عبدالله أسنانه بغضبٍ وهو يراه يعود إليه من جديد، مال برأسه للجانب وأمر ڤاليا بحدةٍ تعكس ما يحمله من غضبٍ داخله:
_ ارجعي العربية..
لم تتردد ڤاليا لحظة وهرولت نحو السيارة وهي تقوم بالإتصال على والدها وهتفت بذعرٍ فور إجابته:
_ بابي إلحقني
كانت عيني الشاب على ڤاليا التي تفر هاربة وكاد يتبعها إلا أن عبدالله منع ذلك بوقوفه أمامه وحذره للمرة الأخيرة قبل أن ينال غضبه الجسيم:
_ اقف مكانك عشان مكسرش رجليك اللي بتجري بيها دي
تشدق الشاب مستهزئًا من عبدالله واقترب منه كأسدٍ شجاع لا يهاب عدوه وحاول لكم وجهه لكن يد عبدالله منعته من الوصول إليه، أمسك يده وشد عليها فصرخ الآخر عاليًا من الألم، فقام عبدالله بركل قدمه بقوة فتعرقل الشاب وسقط ثانيةً.
تلك الأثناء تدخل رجال الأمن وقاموا بتقيد حركة عبدالله وكذلك فعلوا مع الشاب، وقاموا بإجبارهم على الذهاب إلى عميد الجامعة، كانت تشاهد ڤاليا ما يحدث من خلال النافذة، وترجلت سريعًا وتوجهت خلفهم وطلبت الإنضمام إلى عبدالله لتروى ما حدث تمامًا دون زيادة أو نقصان.
***
استقبلها قاسم عند الباب فور وصولها، وقفت أمامه وهي لا تكاد تطيق الثواني التي تفصلها عن معرفة الحقيقة، دعاها قاسم للدخول فرفضت ذلك واقترحت وهي تجوب المكان بنظرها:
_ خلينا نقعد هنا أحسن
أومأ قاسم بالقبول، فهو يريد راحتها، توجه خلفها إلى الآرائك الموضوعة على جانب الحديقة واعتلى واحدًا وكذلك فعلت هي وهمت بالسؤال بتلهفٍ لسماع الحقيقة:
_ ها عرفت إيه؟
بدأ يروى قاسم ما توصل إليه بعد تحرياتٍ أوصى بها، تحت ذهول أحلام المنعكس على تقاسيمها مما يقع على مسمعها، وضعت يدها على فمها بصدمةٍ عند انتهائه من الحديث ورددت دون تصديق:
_ يا خبر!!
أضاف قاسم سؤاله بعد أن فشل في اتخاذ قرارٍ صائب:
_ أنا خليتك تيجي لأني في حيرة، مش عارف المفروض أعمل إيه باللي عرفته دا؟ أقول لعبدالله ولا لأ؟
أسبقت احلام في الرد رافضة قراره:
_ مش هنقوله طبعًا، لا يمكن ابني يعرف الكلام دا، أنا ما صدقت إنه خرج من البيت ومع الوقت أكيد هينسى اللي عاشه، إوعى يا قاسم تقوله، لو الكلام دا وصله ابني مش هيقوم منها المرة دي..
أطال قاسم النظر عليها وهو يرفض البتة الرضوخ لطلبها، لكن ما باليد حيلة، إن كان هذا سيصُب في مصلحة ابنه فليكن، عليه إخفاء ما علمه.
_ ها موضوع صبا وعرفناه، إيه موضوع إبراهيم وكنت تقصد إيه بكلامك؟
هتفتها أحلام بعدم صبرٍ لمعرفة ما تجهله، بينما أخرج قاسم تنهيدة مطولة قبل أن يبدأ في إخبارها:
_ إبراهيم كان بيتشغل عند عمي، أمرته يعرف لي كل حاجة عنك، وكان بيجيب لي كل أخبارك، وبالصدفة عرفت إنك روحتي تدوري على مكان تعيشي فيه في الحارة اللي ساكن فيها، وقتها خليته يسهلك الدنيا ويدفع لك الإيجار من غير ما يقولك إني أنا اللي عامل كدا، ولما فقدت الأمل إني أعرف أوصلك تاني طلبت منه يتجوزك.. كنت عايز أطمن عليكي وعلى ابني مع حد تحت عيني..
صدمة حلت على وجه أحلام، حتمًا ذلك هراء، كيف ما عاشته كان مجرد خدعة؟ لقد لمست مشاعر زوجها الصادقة، رفعت عينيها في عيني قاسم ولم تصدقه، وآبت تصديق هرائاته:
_ إزاي؟ يعني أنت عايز تفهمني إني كنت مغفلة؟ كنت مخدوعة فيه؟ إزاي بس قولي إزاي؟ إبراهيم كان انسان طيب وفي حاله وبيحبني، كان حنين عليا وعوضني عن أيامي الصعبة، كان أب لابني، كان بيتعامل معاه كأنه ابنه من صلبه مش ابن راجل غريب ميعرفوش؟
هبت واقفة رافضة ذلك الكلام الذي لا يعقل، وهتفت متسائلة:
_ طب فرضًا إني صدقتك، إيه المقابل لكل دا؟ يعني مش معقول واحد يعمل كدا من نفسه؟ محدش كامل للدرجة دي!!
نهض قاسم ووقف مقابلها ثم أجاب سؤالها بآسى لسماعها ما سيجرح قلبها:
كان بياخد فلوس مني..
صرخت أحلام عاليًا، آبية سماع المزيد:
_ أنت كذاب، كلامك دا كله مصدقوش، ميدخلش عقل عيل صغير مش عقلي أنا!
دنت منه وتوسلته بعينين دامعتين:
_ قول إنه كدب، قول إنك بتقول كدا عشان غيران منه!!
هز رأسه نافيًا وجود أي أكاذيب في الأمر، وأوضح أمرًا لم يخبرها عنه:
_ الموضوع كان في الأول مصلحة، أنا أأمن له حياته مقابل إنه يتجوزك ويراعي ابني اللي مش عارف أقرب منه طول ما أبويا موجود، بس بعد كدا جالي ورفض ياخد فلوس تاني، وقالي إنه حبك وعايز يبدأ حياة من غير خداع معاكي.. لسه فاكر اليوم دا كويس أوي، يومها قالي أنك حامل منه.. يومها اتاكدت بجد إنك ضيعتي من بين ايديا..
أطالت النظر عليه وطال صمتها في محاولات منها على هضم ما علمته للتو، شعرت بموجة بكاء ستضربها فجأة فحاولت الهرب من أمامه قبل أن يراها في حالتها الضعيفة، أولته ظهرها وهرولت بخُطوات عرجاء وعقلاٍ مضطرب، حتى انخفض معدل ضغظ دمها فجأة ولم تشعر بنفسها سوى وهي محتضنة الأرض بجسدها.
حالة من الذعر سيطرت على قاسم الذي هرول نحوها وحاول إيفاقتها عن طريق منادته إياه:
_ أحلام، أنتِ كويسة، ردي عليا؟
لم تستجب له فاضطر إلى رفع رأسها للأعلى قليلًا وقام بإمساك حجابها ليكون حائلًا بينهما وهو يضرب وجهها بخفة لعلها تستجيب وتعود إلى رشدها، وبعد محاولاتٍ نجح قاسم في استعادة وعييها فأغمض عينيه مخرجًا تنهيدة يحمد الله داخله باستعادتها لصوابها.
نظرت إليه في تيهٍ وتعجبت من وضعهما وتساءلت بخفوت:
_ في إيه أنا حصلي إيه؟
_ معرفش، تقريبًا حصلك هبوط مفاجئ، الحمدلله إنك كويسة..
أردفها فأعدلت نومتها وجلست، تشعر بدُوارٍ يعتلي رأسها، بينما نهض قاسم وقال:
_ تعالي ارتاحي جوا..
رفضت بحركة من رأسها وقالت وهي تحاول النهوض:
_ لا، أنا هرجع بيتي
_ ما دا بيتك برده يا أحلام..
قالها وتفاجي بثورتها وهي تنهره:
_ عمره ما كان بيتي، دا أكبر غلطة أنا عشتها..
نكس قاسم رأسه وأكد على حديثه التي اعتبرته عابرًا:
_ بس أنا بتكلم بجد، دا بيتك فعلًا، أنا كتبته بإسمك!
دخلت أحلام في حالة اندهاش مُصاحب للصدمة، اتسعت عينيها وهي تطالعه ثم أبدت رفضها التام لامتلاكها ذلك المنزل:
_ مش عايزاه، مش عايزة حاجة تفكرني بيك ولا باللي حصلي فيه بسبب أهلك، بيتك ميلزمنيش يا قاسم بيه
إلتوى ثغر قاسم بابتسامة باهتة وهو يردد:
_ قاسم بيه!!
_ كنت هبلة يوم ما فكرت إنك ممكن تكون غير كدا، طول عمرك بيه ومش شبهي بس أنا اللي عاندت كنت فاكرة الدنيا هتضحك لي على ايدك، ويارتني ما عاندت كله جه على دماغي في الآخر
أنهت جملتها المُتحسرة بنبرة مكلومة وأسرعت في التوجه إلى السيارة لتعيدها إلى حيث جاءت.
تابعها قاسم بعينه حتى اختفى طيفها تمامًا، ثم انتبه على رنين هاتفه فأجاب بهدوءٍ حزين:
_ عز..
***
بعد فترة؛ ولج عز مكتب العميد برفقة آدم وعامر وقاسم الذي انضم إليهم أيضًا، دلف أربعتهم بهيئة تثير خوف الآخرين، ابتلع الشاب ريقه فهو رفض إخبار والده بما أحدثه حتى لا ينال عقابًا لا يوده.
هرولت ڤاليا ناحية والدها وارتمت بين ذراعيه، ربت الآخر بقوة على ظهرها وردد وهو يُملس على خُصلاتها:
_ متخافيش يا حبيبتي أنا جنبك
تجهمت تقاسيم آدم واسود وجهه حينما رأى عبدالله، وما زاد الطين بلة ذهاب والده نحوه متلهفًا عليه:
_ أنت كويس يا عبدالله؟ حد عملك حاجة؟
التفت عبدالله برأسه للجانب الآخر دون إعطائه إجابة تُطمئنه عليه، فلم يتحلى آدم بقدرة الصمت على ما يحدث وصاح معنفًا أخاه:
_ أنت إزاي يا بني آدم أنت تتخانق ومعاك ڤاليا؟ شغل البلطجة دا عندكم هناك في الحارة مش في الحرم الجامعي المحترم..
_ آدم!! ولا كلمة
صاح بها قاسم بنبرة جهورية متوعدة له، بينما تدخلت ڤاليا وحاولت إظهار براءة عبدالله:
_ عبدالله هو اللي دافع عني يا بابي لما المختل دا اتهجم عليا وحاول يتعدى عليا غصب عني، لولا وجود عبدالله معرفش كان ممكن يعمل فيا إيه؟
لم تستطع مواصلة حديثها وانفجرت باكية خوفًا مما قد يمكن أن يصيبها لولا وجود عبدالله، شد عز على ذراعها بحنانٍ وهتف:
_ خلاص يا فيفو اهدي إحنا كلنا جنبك ومحدش يقدر يلمس شعرة منك..
انتبه الآخرون لهجوم عامر على الشاب الذي يقف في زاوية الغرفة:
_ أنت جبت الجرأة منين أنك تتهجم على أختي
ألحق به عز وأبعده عن الشاب بصعوبة مرددًا بعينين تحثه على التراجع:
_ ششش ابعد عنه..
ثم همس محذرًا:
_ متصعبش موقفنا..
صمت الجميع وانتبهوا لصوت العميد الذي قال بجدية:
_ عز بيه الكلام دا مينفعش في الجامعة، سواق بنت حضرتك تخطى حدوده..
قاطعه عز بحدة باغتة:
_ لو طلابك كانوا بيحترموا قوانين جامعتك مكنش دا حصل يا دكتور..
تفاجئ العميد برده ونكس رأسه في خذي ثم أراد استعادة السيطرة من جديد ووجه حديثه إلى الشاب:
_ أنا هكتفي المرة دي برفد اسبوعين وغير مسموح لك بدخولك الإمتحانات، اتفضل اطلع برا
خرج الشاب من غرفة المكتب هاربًا، فلم يقف عز ثانية أخرى في المكان وهرول خلفه، بينما تري قاسم وانتظر خروج الجميع إلا من عبدالله وقام بتوبيخ العميد:
_ إلزم حدودك كويس بعد كدا وأنت بتتكلم عن عن ابني، وإلا هعرفك مقامك كويس..
تفاجئ العميد بتهديد قاسم، وتحولت أنظاره إلى عبدالله قبل أن يردف نادمًا:
_ أنا آسف يا أستاذ عبدالله، مكنتش أعرف إنك ابن قاسم بيه
تدخل قاسم مُعدلًا على كلامه بنبرة مندفعة:
_ لا أنت مضطر تحترمه لشخصه مش عشانه ابني، تمام؟
برأسٍ مُنكس هتف:
_ تمام..
رفع قاسم ذراعه وأحاط بيه عبدالله يحثه على المشي:
_ يلا يا عبدالله..
شعورًا مفاجئ قد راود عبدالله حينها وهو يرى نظرة احترام العميد له بعد توبيخ أبيه له، للمرة الأولى التي يشعر فيها بانجذابه لمن يدافع عنه، رفع عينيه في قاسم لثوانٍ معدودة فاجتاحه حنينًا إليه، أسرع في الخروج لكي لا يتأثر به أكثر من ذلك.
في الخارج؛ ترك عز ذهاب الشاب حتى خرج من الحرم الجامعي وابتعد عن الكاميرات الخاصة بالجامعة ثم أسرع نحوه، وكذلك عامر الذي هجم عليه وقيد حركته بوضعه ذراعيه خلف ظهره فصاح الشاب مذعورًا:
_ في إيه؟ أنتوا عايزين مني إيه؟
وقف عز أمامه وبحقدٍ واضح رفع ذراعه وانسدل عليه بصفعةٍ دوت على وجهه، دنا منه عز وأمسكه من تلابيب قميصه وهمس بتوعدٍ:
_ بنتي خط احمر، قبل ما تفكر تقرب لها أعرف أبوها مين؟
شد عامر على يديه فآنى الآخر بألمٍ ثم أردف عامر بقُرب أذنه:
_ وراها جيش رجالة يودوك ورا الشمس، فخاف على نفسك بقى..
خرج الشاب عن صمته وهلل برعبٍ أصابه من وراء تهديدهم:
_ مش هقرب لها تاني خلاص، سيبوني أمشي..
تركه عامر بإشارة من والده، ففر الشاب راكضًا، بينما هم عادوا إلى الباقين، وجه عز حديثه إلى عبدالله فور عودته:
_ شكرًا يا عبدالله إنك حاميت بنتي.. مش هنسالك موقفك الشهم دا أبدًا..
ربت عز على كتف قاسم وأضاف:
_ من شابه أباه فما ظلم ولا إيه يا قاسم؟
ابتسم قاسم ممتنًا، بينما انتبه الجميع على قهقهة
عبدالله، فارتاب بعضهم من ضحكاته الغير مفهومة، والبعض الآخر منه شعر بالخجل يسيطر عليه، ومنه من ازداد كرهًا وغيرة.
عاد عز إلى ابنته وآدم الذي لم يتحمل الوقوف أمام عبدالله لدقيقة أخرى وكذلك انضم إليهما عامر، فوجدوها ترافق زميلاتها، فأسبق عز وتحدث بلطفٍ:
_ حبيبتي أنا مضطر أمشي، ومتخافيش تاني من الولد، هيفكر مليون مرة قبل ما يحاول يقرب منك تاني..
ابتسمت له برقة وأردفت بشعورٍ من الأمان اكتسبته بوجوده:
_ ربنا يخليك ليا يا بابي، أنا مش خايفة متقلقش عليا، عبدالله معايا..
وقعت كلماتها على أذني آدم فقُبِض قلبه وضاق صدره، ابتلع ريقه محاولًا عدم إظهار رائحة الأدخنة التي أشعلتها نيران الغيرة، انتبه على عز الذي وجه حديثه إليه:
_ يلا بينا إحنا يا ولاد..
بملامح خالية من أي تعابير تحدث آدم ببرودٍ مصطنع يخفي خلفه مشاعره المستشاطة:
_ اسبقني أنت يا اونكل وأنا جاي وراك
تقوس ثغر عز ببسمةٍ عذبة وقال وهو يربت على ذراعه مشاكسًا إياه:
_ ماشي يا حضرة الظابط
قالها ثم وضع يده على ظهر عامر يرغمه على السير بعيدًا عنهما، بينما اقترب آدم من ڤاليا وعاتبها بنبرةٍ هجومية على الرغم من اجتهاده في إخراج نبرة سوية:
_ أنتِ ليه مكلمتنيش أول ما حصلك كدا؟ ليه اتحاميتي في عبدالله وأنا لأ؟
استنكرت ڤاليا أسلوبه الحاد وألزمته حده:
_ أنا المفروض أكلمك والولد بيتهجم عليا أقولك إلحقني وعلى لما تيجي يكون الله أعلم عمل فيا إيه؟ وبعدين ثانية، أنت بتكلمني كدا ليه؟ وإيه الأسلوب دا؟
تراجع آدم عن حدته ولانت نبرته وهو يقول:
_ مش قصدي، بس أنا اضايقت لأنك حطتيني في أخر خانة ولولا إن أونكل عز كلم بابا مكنتش هعرف والمفروض إني خطيبك وأكون عارف عنك كل حاجة..
أرادت ڤاليا إنهاء الحوار فأردفت بنبرةٍ جافة:
_ آدم، إحنا لسه يدوب قاريين فاتحة امبارح، مفيش بينا Strong relationship أو زي ما بيقولوا مفيش العشم اللي يخليني أكلمك في موقف زي دا..
_ وعلى كدا فيه بينك وبين عبدالله عشم؟!
قاطعها بسؤاله السخيف التي استنكرته هي وهتفت بنفاذ صبر:
_ عبدالله الوحيد اللي أعرفه قدامي فطبيعي هستنجد بيه، الحوار بجد بقى سخيف جدًا وبياخد منعطف مش لطيف، أنا ماشية اتاخرت على امتحاني..
تركته دون أن تنتظر رده، بينما وقف يتابعها ورائحة الغيرة التي بلغت نصاب اشتعالها فاحت، استدار بجسده ونظر إلى الخلف حيث يقف أبيه وعبدالله وتوجه إليهما بخُطوات تتسابق في الوصول إليهم.
في الجوار؛ حاول قاسم استعطاف قلب عبدالله ودعاه للتحدث معًا:
_ عايز اتكلم معاك..
قاطعه عبدالله بهجومٍ قبل أن ينهي الآخر جملته وعارض طلبه:
_ مش فاضي.. عندي شغل
_ بعد ما تخلص تعالى نتكلم
هتفها متأملًا قبوله، فرد عبدالله بإقتضاب:
_ ربنا يسهل..
تلك الأثناء وصل آدم الذي عنف عبدالله فور وصوله:
_ أنت يابني أنت، تبعد خالص عن ڤاليا، وعينك دي لو اترفعت فيها أعميهالك، أنت فاهم؟!
صعق قاسم من هجومه فجأة، ناهيك عن تحذيره المهين، فأسرع بوضع يده على فم آدم مانعه من مواصلة حديثه وحذره بعينيه ولسانه:
_ اسكت، مش عايز أسمع صوتك!!
دفعه للأمام وهو ينهره بعنفٍ:
_ امشي قدامي
لم يتوقف آدم عن رمق عبدالله بنظرات مشتعلة، فأجبره قاسم على المشي بدفعه مرارًا حتى أبعده عن عيني عبدالله، بينما التفت هو ووجه إليه حديثه:
_ هستناك، متتأخرش عليا
حرك عبدالله رأسه يمينًا ويسارًا في استنكار شديد لتصرفات ذلك الأخرق، وعاد إلى الحرم الجامعي ووقف بجوار السيارة يستشيط غضبًا مما يعيشه في الأوان الأخيرة، في الخارج؛ أغلق قاسم باب سيارة آدم بقوة بعد أن أرغمه على ركوبها وأمره بانفعال:
_ تعالى ورايا..
حاول آدم معارضته معللًا:
_ بس أنا عندي شغل..
خرج قاسم عن طوره وصدح صوته في الأرجاء:
_ بقولك تعالى ورايا!!
استقل الآخر سيارته وتحرك بها متجهًا إلى وِجهةٍ بعينها، قاد آدم السيارة خلفه وهو ينعت عبدالله بكرهٍ شديد.
****
دلف الفيلا وهو لا يرى أمامه، فالغضب الذي يكمن داخله يفوق الوصف، انتظر حتى جاء آدم خلفه ولم يستطع كبح جماح غضبه لوقتٍ أطول وصاح بصوتٍ اهتزت له أعمدة البيت:
_ أنا مش فاهم إيه الكُره اللي جواك لاخوك دا، إيه السواد اللي مالي قلبك دا؟ جبته منين؟
تلك اللحظة جاءت حورية على صوته الغاضب فكان لها نصيبًا من توبيخه حيث أشار قاسم نحوها واستأنف:
_ دي اللي مليتك كُره وحقد، كانت بترضعك سِمها وبتكرهك في أخوك اللي أنت مشوفتش منه حاجة وحشة، كان كافي خيره وشره ولا عمره قرب منك لا بحلو ولا بوحش، سايب لك المعلب تلعب فيه لوحدك، لا طلب حقه ولا بص على فلوسك ولا كنت يوم في دماغه، نفسي أعرف عقلك فين بعد كل دا عشان تكون بالسواد دا؟ معندكش عقل تفكر بيه إن كلامها متناقض مع الحقيقة؟
معندكش عين تشوف أنه في حاله ومش عايز منك ولا مني حتى كلمة!!
ليه كل دا؟ ليه انطق ورد عليا
بس هترد هتقول إيه؟ هتقول إنك إبن أمك وودني ولاغي عقلك وبتسمع كلامها ومش مهم هو صح ولا غلط؟
أنهى قاسم كل ما لديه فتفاجئ بثورة آدم الذي رفض إلقاء اللوم عليه وحده وثار كالمجنون الذي فقد عقله غير آبه أمام من يتحدث:
_ وأنت كنت فين من كل دا؟ دايمًا سايب البيت ومسافر، تحب أعِد لك كام مرة شوفتك فيهم وطول التلاتين سنة اللي فاتوا من عمري؟
أمي اللي بتلوم عليها دي مكنتش لاقي غيرها، لا لقيت أهل ولا عيلة ولا حتى أب، خليتنا نقطع علاقتنا بكل العيلة عشان خاطر حاجات خاصة بيك أنت، وأنت هربت وسبتني معاها، طبيعي أي كلمة هتقولها هصدقها وهلغي عقلي ماهي اللي قدامي، هي أمي وأبويا وعيلتي، لو قالت كلام غلط فأنت مكنتش موجود عشان تصححولي، فمتجيش بعد كل دا تلوم عليا لوحدي، لو أنا غلط قيراط فأنت غلط ٢٤..
لم يقف ثانية أخرى أمامه وفر هاربًا من الفيلا، قاد سيارته بسرعة جنونية وكلمات والده تتردد في عقله وتآبى الإقلاع عنه، بينما وقف قاسم مذهولًا مما ألقاه آدم على عاتقه، وقفت حوريه ترمقه بنظراتٍ متشفية ثم غادرت دون تعقيب، يكفيه ما ناله من ولدها.
***
صف آدم سيارته، وتوجه إلى قسم الشرطة، تأفف بضجرٍ بائن حين صدح رنين هاتفه للمرة الخامسة على التوالي، انتظر حتى ولج مكتبه وأجاب بانفعال شديد:
_ نعم؟ عايز مني إيه؟
تطاول حمادة في الحديث معه عندما قابله آدم بأسلوبٍ فظ:
_ يعني إيه عايز مني إيه؟ إحنا طبخناها سوى وأنت خِليت بيا وبقالك شهر مبتردش عليا ويوم ما ترد تقولي عايز مني إيه؟ لا دا أنا عايز كتير، أولهم إني وفيت باتفاقي معاك وأنت لأ، عبدالله حر طليق وأنا اللي هربان وخايف يوصلي في أي لحظة، مكنش دا اتفاقنا يا آدم باشا، المفروض عبدالله كان مكانه في السجن دلوقتي ولا إيه؟
خرج الآخر عن طوره وهدر به بغضبٍ عارم:
_ لا دا مكنش اتفاقنا، أنا مقولتلكش تروح تغتصب البنت، أنا قولتلك وقع بينهم، خلي الثقة بينهم مهزوزة لكن أنت حيوان على شكل إنسان، اختارت أقذر طريقة تعملها كأنك كنت مستني اللحظة دي ومحتاج اللي يشاور لك.. معتش تكلمني تاني شيل شيلتك لوحدك..
لم يتقبل حمادة تلك الخسارة بمفرده وهتف بتوعدٍ:
_ أنا لو وقعت مش هقع لوحدي، اسمك هيتقال يا باشا..
_ أعلى ما خيلك اركبه يا حمادة، أنا مبتهددش، بلاويك كلها معايا، أقل حاجة فيهم تلبسك مصيبة، فبلاش تهديد معايا أنا..
هتفها آدم بلا مبالاةٍ لتهديدات ذلك الأخرق، بينما لم يكترث حمادة كثيرًا له بل أضاف تهديدًا حتمًا سيخشاه بعد سماعه:
_ ولا أنا بتهدد برده، كل مكالماتك معايا متسجلة، يوم ما تخلى بيا هطلعهم..
صدمة حلت على وجه آدم، وما الذي سينتظره من ذلك اللعين، بلغ ذروة صبره وقام بإلقاء الهاتف بغضبٍ فاصطدم بالحائط وسقط متناثرًا أشلائه، وقف يطالع بقايا الهاتف بأنفاسٍ لاهثة يفكر مليًا فينا يمكنه فعله مع ذلك البغيض
الفصل السادس عشر من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل السادس عشر 16 - بقلم تسنيم المرشدي
انتهت من أولى اختبارتها، لم يعد لديها ما تفعل في الجامعة فتوجهت إلى السيارة، وجدته يجلس شارد الذهن تعجبت من حالاته وشاكسته بمزاحٍ بعد أن تستقل في الخلف دون أن يشعر بها:
_ مين اللي أخدة عقلك كدا؟
انتبه عليها عبدالله والتفت برأسه يتأكد من وجودها، ابتسمت ڤاليا وهتفت:
_ للدرجة دي محستش بيا..
بحرجٍ قال:
_ أنا آسف يا آنسة ڤاليا، مختش بالي منك..
أضافت ڤاليا مزاحها بعد أن استنتجت بعض التخمينات:
_ واضح إنك بتحبها أوي...
خفق قلب عبدالله بقوة وعبست ملامحه وتساءل بجدية:
_ هي مين؟
أجابته بتلقائية:
_ اللي شاغلة عقلك بالشكل دا
إزداد تجهم وجهه ولم يُعلق، بل أدار رأسه وأشعل محرك السيارة وتحرك بها، فشعرت ڤاليا بثمة أمرًا
مريب به، ناهيك عن خجلها من وراء عدم تعقيبه وعبوس وجهه كأنها فعلت شيئًا فادحًا ففضلت الصمت لحين عودتها.
وبعض مرور ما يقرب الأربعون دقيقة وصل عبدالله إلى الفيلا، ترجلت ڤاليا وعينيها تتابعان عبدالله، عضت على شفاها وكادت تخطو بعيدًا عنه لكنها تراجعت ووقفت أمامه وبامتنان أردفت:
_ شكرًا إنك وقفت جنبي النهاردة...
بإقتضابٍ ونبرة جافة رد عبدالله:
_ معملتش حاجة، أي حد مكاني كان هيعمل كدا
انفجرت ڤاليا ضاحكة وهتفت من بين ضحكها:
_ بتهزر صح؟ هو فيه حد بيساعد غيره دلوقتي؟ كله بيقف يصور ويسيب اللي واقع مشكلة مع نفسه وممكن توصل للقتل..
توقفت عن الضحك تمامًا وتحولت نبرتها إلى الإمتنان واللطف:
_ بس أنت بجد جدع، ومعملتش زيهم، أنا كنت خايفة أوي إن محدش يلحقني ومش متخيلة كان الولد دا عمل إيه فيا، بس...
إلتوت شفتيها مبتسمة برقة وتابعت:
_ أنا حسيت بالأمان لما وقفت بيني وبينه ومنعته يوصلي، Thanks عبدالله
تفاجئ عبدالله بتصريحها، وربطه بكلام صبا حينما أخبرته بشعورها بالأمان معه، تأثر قلبه المشتاق لذلك التشابه، وآلمه صدره المكلوم، فجميع خلاياه تتعطش لرؤياها، انعكس حزنه على ملامحه المشدودة، فاتعجبت ڤاليا من شروده المبالغ ناهيك عن حزنه التي استشفته من وراء وجهه القانط.
_ عبدالله، أنا قولت حاجة ضايقتك؟
هتفتها بعد تفكيرٍ لأسبابٍ لتلك الحالة التي أصبح عليها فلم تجد، فاعتقدت أنها أخطأت، بينما أخرجه سؤالها من حالته البائسة فسألها وهو يتحاشى النظر عنها:
_ حضرتك محتجاني تاني حاليًا..
حركت رأسها نافية وهي تردد:
_ لأ..
وما كادت تنهي جملتها بعد حتى انصرف من أمامها مسرعًا، قطبت ڤاليا جبينها بغرابةٍ من شروده المستمر وبات شاغلها معرفة ما يوجد خلفه، تنفست بعض الهواء ثم استدارت بجسدها فتفاجئت بنظرات والدها الواقف خلف الحائط الزجاجي.
عضت شفاها بخجلٍ وتوجهت بخُطى مُتهملة نحو الداخل، ولجت الفيلا فتقابلت معه، أخفضت رأسها في انتظار توبيخًا يليق بما أحدثته، لكنها فوجئت بسؤاله:
_ يومك كان حلو بعد اللي حصل؟
اكتفت بإيماءة من رأسها فربت عز على ذراعها وقال:
_ شوفتي الولد تاني؟
_ لأ مشوفتوش بعد اللي حصل..
قالتها فحرك عز رأسه بتفهمٍ ثم تساءل بجدية يشوبها الإهتمام:
_ سواقة عبدالله كويسة ولا متهورة؟
رفعت ڤاليا كتفيها للأعلى وهي تجيبه:
_ مش عارفة، بس محستش بحاجة غلط يعني، عادي يا بابي
_ تمام
اختصر عز حديثه فانسحبت ڤاليا من أمامه بعد أن استأذنت لكنها تراجعت حين آثارها الفضول حول هدوئه الغير معتاد في مثل تلك المواقف، عاودت الوقوف أمامه وسألته بعينين ضائقتين:
_ حضرتك مش هتعلق على وقوفي مع عبدالله وكلامي معاه؟
هز رأسه مطلقًا صوتًا من فمه:
_ تؤ..
لم تمنع ڤاليا ابتسامتها المتعجبة وهتفت وهي ترمقه بطرف عينيها:
_ اشمعنا عبدالله؟ أنت كنت بترفض كلامي مع أي عامل هنا خارج حدود شغله
أحاط عز كتفيها بذراعه قبل أن يردف بصوتٍ أجش:
_ عشان عبدالله غيرهم..
بحاجبين معقودان تساءلت بفضولٍ مبالغ بعد إجابته المبهمة والمثيرة للتساؤلات حولها:
_ ودا ليه بقى؟
أخرج عز تنهيدة أولًا ثم أجاب فضولها بقوله:
_ عشان عبدالله يبقى ابن اونكل قاسم وأخو آدم!
سحبت ڤاليا نفسها من أسفل ذراع والدها وحدجته بنظراتٍ مشدوهة غير مصدقة ما أخبرها بها ووهتفت دون استيعاب للأمر بعد:
_ What?
***
استيقظ زكريا قلِقًا على ضوء الشمس الذي غازله من خلال النافذة، وضع يده أمام وجهه يحجب الضوء، ألقى نظرة على من تستند برأسها على ذراعه، سحبه بحذرٍ ونهض حين استمع إلى قرع الباب.
سحب سترة شتوية وقام بإرتدائها ثم خرج راكضًا متناسيًا أمر الشورت الذي يرتديه، قام بفتح الباب فوجدها والدته، رحب بها ودعاها للداخل:
_ تعالى يا ماما..
حدقت به هناء بنظرةٍ متفحصة، فارتابت من هيئته الغير مهندمة، استشعر زكريا من وراء نظراتها واجتاحه الحرج، فحاول جذب انتباهها إليه:
_ تعالي اقعدي..
لم يُنهي جملته بعد حتى تفاجئوا بخروج ليلى مرتدية قميصًا رقيقًا يعلوه روب قصير، خصلات شعرها غير مرتبة تتثاءب بنعاسٍ، تفاجئت بوجود هناء فتجمدت في مكانها لثانية ثم توجهت ناحية زكريا محاولة التخفي خلفه قائلة بحرجٍ:
_ صباح الخير يا طنط..
بنبرةٍ جافة قالت هناء:
_ صباح النور..
حمحمت هناء وأضافت بحاجبي مرفوعان:
_ بس كان أولى ترجعي الأوضة تاني، مش تيجي تقفي قصادي كدا، عيب
صعقت ليلى من كلامها المهين، طالعتها بعينين واسعتان، رفعت عينيها في زكريا تنتظر منه ردًا لكنه لم يعلق، فلم تستطع تمرير الأمر كما لو أنها لم تسمع شيء:
_ أنا مكنتش أعرف إن حضرتك هنا، ودا بيتي طبيعي أمشي فيه بالشكل اللي يريحني..
_ خلاص ليلى..
قالها زكريا ناهيًا الحوار فنظرت إليه ليلى بلومٍ فأضاف أمرًا:
_ ادخلي الأوضة..
أطالت النظر عليه غير مصدقة أمره المرفوض بالنسبة لها، ثم انسحبت سريعًا وعادت إلى الغرفة بخطواتٍ منفعلة، بينما تنفس زكريا بعض الهواء وأعاد النظر إلى والدته بملامحٍ مشدودة، وعلى الرغم من ضيقه من تصرفها إلا أنه تخطاه ولم يوجه لها أي عتابٍ وسألها مستفسرًا:
_ كان فيه حاجة يا ماما؟
ألقت هناء نظرة سريعة على باب الغرفة التي اختفت خلفه ليلى ثم عاودت النظر إلى زكريا وأجابته بنبرة قوية لم تتأثر مما أحدثته:
_ أختك عايزة تلبس النقاب، وأنا مش موافقة، عايزاك تنزل تنهي لي الموضوع دا عشان أبوك بيقولي سبيها تعمل اللي هي عايزاه..
أماء زكريا بتفهمٍ واكتفى بترديد:
_ تمام، هنزل ونشوف الموضوع دا..
لم تجد هناء داعٍ للوقوف بعد فانسحبت مغادرة المنزل، ترجلت بعض الدرجات لكنها تريثت حين وصل إلى آذانها أصوات صادرة من بيت زكريا ووقفت تسترق السمع إلى مشادتهما.
في الداخل؛ خرجت ليلى من الغرفة وهي لا ترى أمامها وصاحت بصوتٍ عالٍ:
_ هو إيه السلبية اللي أنت فيها دي؟ أنت سامع بودانك اللي قالته وحتى مكلفتش نفسك ترد عليها، لا وكمان معجبكش إني رديت ومشتني كأني أنا اللي غلطانة!
أغمض زكريا عينيه باسيتاء وهتف بهدوءٍ يخفي خلفه غضبًا يحاول جاهدًا كظمه:
_ أنا مش هعرف أكون بينك وبين أمي يا ليلى، افهمي كدا!! فأنتِ معندكش حل غير إنك تسمعي وتطنشي
وقعت كلماته على مسمع هناء التي ابتسمت بانتصارٍ لفوزها في تلك الجولة، فتابعت نزولها بمزاجٍ صافٍ، بينما نظرت إليه ليلى مشدوهة، فهي سمعت مالا يسُرها، لم تنتظر منه ردًا كهذا..
لم تضيف المزيد فلا شيءٍ يمكنها قوله سيبرد نيران قلبها المتقدة، انسحبت من أمامه فصاح هو متسائلًا:
_ مش هنفطر؟
بلامبالاةٍ ردت:
_ افطر أنت..
نفخ زكريا بنفاذ صبر، توجه إلى الغرفة وتجنب مواجهتها، أخذ له ملابسًا ثم غادر المنزل، فسقطت دموع ليلى حزنًا على حالها، فهذا غير ما تآملت حدوثه، لم ترتب لتلك المشاحنات التي تنتهي دومًا ببكائها ومغادرته المنزل دون أن يلتفت لها، وكأن حزنها شيءٍ لا يهم.
***
ترجل زكريا إلى الطابق الكائن به شقة والديه، طرق بابهم فاستقبلته عليا ببسمةٍ ودودة فأخذها زكريا أسفل ذراعه مرددًا سؤاله المازح:
_ عاملة في أمك إيه؟ ونقاب إيه اللي عايزة تلبسيه؟
حاولت عليا النظر له جاهدة فكان ذراعه مقيدًا لحركتها وقالت مستاءة:
_ مش أنا، دي خلود
_ خلود!!
رددها زكريا بذهولٍ وعدم استيعاب، فالأمر أشبه بالمزحة، سحب زكريا ذراعه وشد تقاسيمه مردفًا دون تصديق:
_ يعني من بناطيل لنقاب، إيه النقلة اللي مش مفهومة دي؟
رفعت عليا كتفيها قائلة:
_ معرفش، وأمك من وقت ما عرفت وهي قالبة الدنيا وخصوصًا لما بابا معترضش..
جاب زكريا المكان من حوله بعينيه ثم تساءل:
_ أومال هي فين؟
أجابته وهي تشير بعينها على غرفتهن:
_ في الأوضة.. بتعيط
دنت منه عليا وأضافت بهمسٍ:
_ بصراحة أمك قامت معاها بالواجب وزيادة
تشدق زكريا بتهكمٍ ثم أخرج تنيهدة ثقيلة قبل أن يردد:
_ أنتِ هتقوليلي على عمايلها، أنا حافظها
أخذ نفسًا عميقًا وزفره على مهلٍ وتوجه بخُطى ثابتة ناحية غرفة خلود، طرق بابها ثم ولج حين سمحت له، جلس على فراش عليا وبدأ حديثه بصوتٍ أجش:
_ إيه الحوار اللي سمعته دا؟
مسحت خلود عبراتها التي تنسدل كالشلال وأجابته من بين بكائها:
_ عايزة ألبس النقاب، إيه المشكلة؟ ماما مش موافقة وشايفة إني بعمل حاجة غلط..
حرك زكريا إبهامه فوق فمه في حركة طولية سريعة، وسألها مستفسرًا عن ذلك القرار المفاجئ:
_ لازم يكون ليكي أسبابك اللي تقوليها على الخطوة الجريئة دي، دا إحنا ياما طلبنا منك تطولي لبسك شوية وأنتِ مكنتيش موافقة، فجأة كدا عايزة تلبسي النقاب، نقاب مرة واحدة يا خلود، ما طبيعي تقلق
إلتوى ثغر خلود ببسمةٍ ساخرة وهتفت موضحة له ما يجهله من خلف رفض والدتها:
_ أنت مش فاهم حاجة، دي مش راضية عشان فاكرة إني كدا مش هتخطب ومحدش هيبص لي..
فغر زكريا فاهه باندهاش، وما كاد يتكلم حتى اقتحمت والدته الغرفة مهللة بانفعالٍ:
_ اسمعي يابت أنتِ، تشيلي فكرة النقاب دا من دماغك خالص، الناس بتلبسه بعد ما يجي لهم عدلهم ويتجوزوا لكن قبل كدا لأ، دا اسمه وقف حال..
نهض زكريا وعاتب والدته باحترامٍ:
_ أنتِ ناديتي عليا عشان أتكلم معاها، يبقى لو سمحتي سيبني معاها من غير ما تدخلي..
بعنادٍ صريح هتفت هناء:
_ مفيش كلام، أنت تقولها إن دا مش هيحصل..
تأفف زكريا بفتورٍ وصاح بضيق:
_ لا الكلام مش هينفع بالأسلوب دا..
التفت برأسه حيث خلود وقال:
_ بليل لما أجي من الشغل هنطلع نتكلم على الروف فوق
ثم نظر إلى والدته وقال:
_ ومن هنا لوقتها بلاش كلام في الموضوع دا
إلتزمت هناء الصمت، بينما انسحب زكريا من الغرفة فلحقت به والدته وأردفت باهتمامٍ تعمدت إظهاره:
_ أنا عاملة كيكة من اللي بتحبها، أجيب لك تاكل يا زكريا؟
توقف قليلًا يفكر في أمر قبوله، تفقد ساعة يده ثم قال:
_ طب بسرعة عشان متأخر..
هرولت هناء إلى المطبخ وهي تأمر ابنتها الكبري:
_ تعالى اعملي لاخوكي كوباية شاي يا عليا..
انضمت لها الاخرى وصنعت له كوب من الشاي ثم أخرجن له الكعك مع الشاي، فجلس يتناول بشهية، أخذ قطعة ثم تريث في أخذ الثانية وسأل والدته بترددٍ:
_ لسه فيه كيك يا ماما؟
أماءت مؤكدة وهي تردد:
_ فيه كتير يا حبيبي، كُل وأنا هجيب لك كمان..
حمحم زكريا قبل أن يوضح ما وراء سؤاله:
_ لا أنا مش عايز، كنت هقولك طلعي لـ ليلى منها.. مفطرتش
حدقت به هناء لثوانٍ دون تعقيب، واكتفت بهز رأسها، عادت إلى المطبخ لتحضر لها بعض القطع، ووقفت تتمتم بغيظ:
_ منزلاه من غير فطار وهو بيفكر فيها..
وقعت همهمتها على أُذنين عليا التي أسبقت في الحديث:
_ هاتي يا ماما لما أطلع الطبق، ربنا يهديكي..
طالعتها هناء بنظرات مشتعلة أحرقتها، بينما لم تكترث لها عليا وصعدت إلى الطابق الكائن به شقة أخيها، قرعت الجرس فأتاها الرد بعد فترة، رحبت بها ليلى ودعتها للدخول، فناولتها عليا الكعك متعمدة إظهار اهتمام أخيها:
_ زكريا طلب مني أطلع لك منها، قال إنك مفطرتيش..
لكزت عليا ذراعها بذراع ليلى مشاكسة إياها:
_ مهانش عليه ياكل من غيرك، مش عارفة بقى حنين كدا امتى
نجحت عليا في تشكيل البسمة على وجه ليلى، التي ضحكت بعفوية ودعتها للجلوس، ثم تناولن بعض الأحاديث المختلفة كما أخبرتها عن اجتماعهم مساءً ليتحدثون حول قرار خلود المفاجئ.
فراود ليلى فكرةً وعزمت على فعلها ليكون مساءًا مميزًا لجميعهم.
***
مساءًا، وبعد انتهاء دوام عبدالله، كاد يغادر إلا أن ناداه إسلام الذي يعمل معه وأردف باهتمامٍ:
_ ليه تروح وتيجي كل يوم المشوار دا، في هنا أوضة للعمال ممكن تقعد فيها..
رفض عبدالله بقائه معللًا السبب:
_ مش هينفع أنا لازم أروح عشان أهلي لو محتاجين حاجة، مفيش غيري..
أماء إسلام بتهفمٍ ثم ربت على كتفه وأردف:
_ تمام، تصبح على خير
_ وأنت من أهله
قالها عبدالله وانصرف سريعًا خارج الفيلا فتفاجئ بسيارة فارهة تقف أمامه، ترجل منها السائق وتوجه ناحية عبدالله وسأله بعملية:
_ أستاذ عبدالله؟
أومأ عبدالله مؤكدًا هويته فتابع الآخر حديثه موضحًا سبب وقوفه:
_ قاسم بيه قالي أكون في انتظارك عشان أوديك عنده..
مد السائق يده فظهر الهاتف المُمسك به وأوضح قائلًا:
_ قاسم بيه على الخط..
أطال عبدالله النظر فيه، ثم سحب الهاتف ووضعه على أذنه دون أن ينبس بشيءٍ، فاستمع لصوت والده:
_ عبدالله، مستنيك يلا متتأخرش..
أغمض عبدالله عينيه ثم أعاد الهاتف إلى السائق دون إعطائه إجابة، وقف يجوب المكان من حوله بنظراته وهو يضع كلتى يديه في خصره يفكر في أخذ قرارٍ سريع، ثم نظر إلى السائق الذي فتح له الباب الخلفي، فاقترب منه عبدالله وقام بإغلاق الباب وتوجه إلى الطرف الآخر من السيارة وقام بالركوب في المقعد الأمامي فأبلغ السائق قاسم بذلك:
_ تمام يا قاسم بيه هو معايا، مسافة الطريق ونكون عندك..
أغلق السائق الخط واستقل خلف المقود، ثم دعس على البنزين فتحركت السيارة وقادها إلى بيت المزرعة، بعد فترة؛ وصلا إلى وجهتهم المقصودة، ترجل عبدالله وعينيه تتفصحان البيت باهتمام، حتى وقع نظره على والده الذي يقف أمام الباب في استقباله فأسرع في خفض رأسه.
أخذ نفسًا وتوجه نحوه بوجهٍ متجهم مقتضب الجبين، وقف أمامه وبحدةٍ تصنعها سأله:
_ عايزني في إيه؟
لم يتفاجئ قاسم بأسلوبه الفظ، بل كان على دراية باستقبالًا كهذا، لقد درب عقله كثيرًا قبل مجيئه حتى لا يصيبه الحزن، ابتلع ريقه وأشار بيده إلى الداخل ثم أردف بنبرةٍ رخيمة:
_ تعالى نتكلم جوا..
قلب عبدالله عينيه مستاءًا وصاح بحنقٍ على الرغم من انخفاض مستوى صوته:
_ مش عايز أدخل، قول أنت عايز إيه هنا
حاول قاسم التحلي بالصبر ليكون لديه متسع أكبر لاستعطافه ربما يرق قلبه، تنهد وقال:
_ أكيد مش جاي المسافة دي كلها عشان نقف نتكلم هنا، لو سمحت يا ابني ادخل نتكلم جوا..
أطال عبدالله النظر فيه ثم توجه إلى الداخل دون مماطلة في الرفض، بينما إلتوت شفتي قاسم مبتسمًا لدخوله دون الإصرار على رفضه بينما تفاجئ عبدالله بتحضيره لكل مالذ وطاب من الأطعمة، لقد قام بتحضير سفرة لا نهاية لها، تجمع بين الأصناف الشهية والحلوى اللذيذة.
لم يتأثر عبدالله بها، بل التفت باحثًا عن قاسم ثم تساءل بنبرةٍ جافة خالية من العاطفة:
_ ها، عايزني في إيه؟
_ طب أقعد ناكل لقمة الأول مع بعض كـ..
لم يُكملها قاسم بعد حتى قاطعه عبدالله باسيتاء يشوبه التهكم مما يحدث:
_ ما بلاش بقى جو الأب والإبن دا عشان متأثرش!!
خرج قاسم عن هدوئه وهدر به بنبرة متألمة وقلبٍ جريح يآمل تغييره:
_ ما أنت ابني وأنا أبوك فعلًا، ليه مش قادر تقتنع بالحقيقة دي؟ ليه كل المسافات اللي بينا دي؟، عمال تبني في حواجز لغاية مبقتش شايفني خالص، وأنا تعبت محاولات، يابني أنا كبرت ونفسي أسمع منك كلمة حلوة قبل ما أموت، نفسي أعيش معاك الأبوة اللي مقدرتش أعيشها زمان؟
خرجت كلمات عبدالله من قلبٍ مفطور حزين يحمل الكثير من القسوة:
_ أنا قولتهالك قبل كدا يا قاسم يا قاضي وعادي هقولهالك تاني، أنا مش ممكن أخليك تعيش الأبوة على حساب زعل أمي، أمي اللي مقدرتش تحميها ولا تصونها، ولا حتى تحمي اللي في بطنها، سبتها وسبتني للأيام تلطش فينا، أنا مش مسامحك على طفولتي اللي ضاعت مني، كنت بقعد أشوف العيال بيلعبوا في الشارع وأنا مش عارفة ألعب زيهم عشان عندي شغل.
مش مسامحك أنك خليت راجل غريب يربيني وأنت حي ترزق، مش قادر أسامحك على دموع وقهرة أمي اللي كل ذنبها أنها حبيتك وآمنت لك وأنت سيبت أهلك يعملوا فيها اللي اتعمل والنتيجة أنا سفيت التراب عشان أثبت لها وليك إني راجل ومش محتاحين وجودك في أكتر وقت كنت محتاجك فيه.. كنت محتاج أبويا اتسند عليه لو وقعت في مشكلة هو يسد، يعيشني في نعيمه وبدل ما أشقى بدري كنت عشت لي أيام لما أكبر احكيها لعيالي وأقول الله يرحم أيام مشلتش ليها هم..
انفجر عبدالله باكيًا وتحشرج صوته الذي واصل استرساله:
_ أنا مشلتش حاجة في الدنيا غير الهم والمسؤولية وكل حاجة كانت أكبر مني.. مش قادر اسامحك.. فمتطلبش مني السماح
تأثر قاسم بكلامه وأكثر ما آلم قلبه بكاء عبدالله، فلم يراه ضعيفًا هاشًا هكذا، لمعت عينيه وحاول جاهدًا حبس دموعه وتحدث بنبرة مهزوزة:
_ كان غصب عني يابني والله، مكنش في إيدي اللي أعمله وقتها، كنت مضطر أبعدكم عني عشان أحميكم، أنت متعرفش أهلي كانوا صعبين إزاي، أهلي كانوا صعايدة وتفكيرهم عقيم، مكنوش بيسمحوا لحد غريب يدخل بينهم، كانوا بيتجوزوا
من بعض عشان الورث ميخرجش براهم، وأنا كنت عارف ومتأكد إني لو ظهرت لهم أمك مكنوش قبلوا، فاتجوزتها من غير عِلمهم...
صمت قاسم وأشار بكلتي يديه على المنزل من حوله ثم استأنف بحنينٍ وشوقٍ لماضيهما:
_ البيت دا يشهد على حبي ليها، كل ركن هنا شهد على اللي بينا، يمكن كانت فترة قصيرة اللي قضيناها مع بعض بس هي دي اللي عايش على ذكراها لغاية وقتنا هذا..
سقطت عبرات قاسم حزنًا على حبه الضائع فتأثر به عبدالله لكنه لم يُظهر، نعت نفسه التي اهتزت وحاول مهاجمته حتى لا يدع فرصةً لضميره يأنبه:
_ وعشان كدا استسهلت ومحاولتش تحميها من أهلك واستسلمت للي حصل وروحت اتجوزت وخلفت مش كدا؟
_ يابني والله أجبروني على الجواز..
قالها قاسم موضحًا ما حدث معه لكن الآخر نهره بتهكمٍ:
_ أجبروك تتجوز وممكن نفهمها، لكن أجبروك برده تخلف؟! مش مبالغة منك دي؟
أكد قاسم على حديثه متآملًا تصديقه:
_ يا عبدالله أنا كنت وقتها أصغر منك، مكنتش بالنضج الكافي إني أقف في وش عيلة بحجم عيلتي، بس دا مش معناه إني استسهلت زي ما قولت، أنا اتمردت بكل قوتي وقتها، منعت أكل وشرب وحلفت إني مش هشتغل معاهم ولا هلمس الفلوس اللي خافوا أمك تورثها منهم ودا وقتها كان بالنسبة لي تهديد قوي لأنهم بيربوا العيال ومن هما في اللفة على شغلهم عشان النسل والإسم ميتقطعتش، بس مهمهمش، حسيت إني لازم أعمل حاجة أكبر وقررت انتحر وفعلًا أخدت كل حباية قابلتني في البيت وكنت بين الحيا والموت، إنهم يتراجعوا أبدًا، هما كانوا عارفين إني بعمل كدا عشان ألوي دراعهم وهما عندهم يقتلوني ولا إنهم يطاطوا راسهم ويقبلوا أمك بينهم، والله يابني عملت كل اللي أقدر عليه عشان بس أرجعها على ذمتي تاني ومقدرتش عليهم، وزي ما أجبروني أطلقها على إيد مأذون أجبروني اتجوز بنت عمي على أيده، حصروني وقتها لو مقومتش بوجباتي معاها زي أي زوج هيجيبوا أمك تخدمها، وبدل ما المفروض تبقى هي ست البيت هتبقى خدامته، والله عملت كدا عشان أحفظ كرامتها ومكسرهاش ابدًا، عملت كل اللي أقدر عليه عشان أخليهم ينسوها وأحميها من شرهم، ومكنش قدامي غير إني أوهمهم بإني نسيتها، وفضلت شهور براقبها عن طريق إبراهيم اللي كان شغال معانا واللي أنا طلبت منه يتجوزها عشان يحميها ويحميك من كلاب الشوارع.. ولما آن الأوان وشديت حيلي ووقفت على رجلي وحوشت مبلغ من شقايا وقولت أرجعها لقيته بيقولي أنه حبها وأنها حامل منه!!
صمت قاسم وتكاثر نزول دموعه، لم تعد تتحمله قدميه فاقترب من الكرسي خلفه واعتلاه، مسح دموع التي شوشت رؤياه وتابع بصوتٍ جريح مهزوز لم يتخطى الماضي بعد:
_ وقتها الدنيا اسودت في وشي، واتأكدت إن الحاجة اللي كنت عايش عشانها ضاعت من ايدي، شوف كل اللي عشته واتعرضت له دا وكان جوايا أمل إننا في يوم نكون لبعض لغاية ما لقيتها قبلت براجل تاني في حياتها، آمالي كلها اتبخرت والحياة مبقاش ليها طعم وقررت انسحب بهدوء واتمنى لها السعادة هي متستاهلش غير كدا
بس طلبت من إبراهيم إني أكتبك بإسمي، يمكن الحاجة الوحيدة اللي كنت شجاع فيها اللحظة دي، كان وقتها عندك سنة.. طلع لك شهادة وأنا سافرت، غبت بالسنين مكنتش برجع غير شهر واحد أقضيه في البيت هنا وأرجع أمشي تاني..
رفع قاسم عينيه في عبدالله الذي يبكي أمامه لمرته الأولى، فلم يُظهِر له ضعفه وقلة حيلته من قبل، تأثر به قاسم لكن داخله كان مرتاحًا، فقلبه يخبره بأن تلك خطوة جريئة منه، وحتمًا لن تضيع هباءًا، فستأنف ما بقى لديه:
_ على فكرة آدم أخوك مش أحسن منك، حياته زي حياتك بالملي، أنا محضرتش ولادته ولا شوفته لمدة خمس، مكنتش قادر أبص في عين بنت عمي اللي غدرت بيا ووصلتني لكل اللي حصل دا، كنت كارها وكاره أي حاجة من ريحتها، وفي يوم هي كلمتني ولامتني وقالتلي ابنك دخل الحضانة ولما علموه كلمة أب وأم جه وسألني يعني إيه أب يا ماما، متتخيلش أنا اتوجعت وقتها إزاي؟ حسيت إني أناني، هربت وسبت طفلين ورايا محدش فيهم يعرفني، وقررت أتغير وأرجع وأحاول لم الشمل، كان نفسي أوي تتربو مع بعض وتكبروا سوا، بس أمك موافقتش، وزي ما حورية عملت مع آدم وكرهته فيك، أحلام عملت بس الفرق إنها كبرت جواك عنادك وحبك لنفسك وليها، خليتك تحط كرامتك فوق الكل حتى لو كان أبوك، حاولت والله حاولت كتير إني أخدك لحضني، بس هي رفضت، ورجعت سافرت تاني ولا كنت أب ليك ولا حتى لأخوك، آدم لسه قايلي تحب أعدلك الكام مرة اللي شوفتك فيهم في حياتي!! حسيت إني صغير أوي قدام نفسي وقدامه..
أخذ نفسًا عميقًا ثم نهض واقترب من عبدالله وقال:
_ أنا كل اللي نفسي فيه إنك تحبني يا عبدالله، تديني فرصة وتسمح لي أدخل حياتك، نفسي أجمع بينك أنت واخوك وتبقوا زي حزمة العصيان اللي محدش قدر يكسرها، نفسي أعمل بوصية الرسول وأسيب ولاد صالحين يفتكروني ويدعولي
بعد ما أموت.
انتهى قاسم لتوه، ووقف يرمقه في انتظار رده، يآمل كل أنشٍ به في سماع ما يَسُر قلبه، يطوق شوقًا لأخذ عناقًا يداوي به عصارة الماضي، يضمد جراح أكثر من ثلاثين عامًا، تراجع عبدالله للخلف وصاح من بين بكائه بنبرةٍ بالكاد فهمها قاسم:
_ مش قادر، مش سهل أبدا أرمي أكتر من تلاتين سنة ورا ضهري، أرمي تعبي وبهدلتي ويُتمي اللي عشت بيه طول حياتي، وحتى لو قدرت مش قادر أتخيل إن أمي بسببك وبسبب عيلتك كانت واقفة في الشارع لوحدها من غير حاجة تسترها، مش قادر أنسى الظلم اللي اتعرضت له من وراك
دنا منه قاسم وحاول إمساك ذراعه مردفًا كلماته بقلة حيلة:
_ فيه حاجات بتحصل غصب عننا، مش بتقدر تمنعها تحصل، قوتك بتكون مش كفاية إنك توقفها، بتكون قليل الحيلة، صدقني كل اللي حصل دا غصب عني يا عبدالله..
سحب عبدالله ذراعه بعنفٍ وتوجه ناحية الباب وهو يلوح بإبهامه غير مصدقًا لما يحاول إقناعه به:
_ أكيد كنت تقدر تعمل حاجة تغير اللي حصل، كنت وقفت في وشهم وحاميت حبك وابنك
لم يضيف المزيد وأولاه ظهره ليغادر المكان.. لكن أوقفه قاسم بقوله:
_ وأنت قدرت توقف اللي حصل لصبا؟ عرفت تحميها من اللي اتعرضت له؟
وقعت كلمات قاسم القاسية كالحجر الذي سقط على رأس عبدالله فجأة كما لو أنه شقها إلى نصفين، فضاعف آلامه النفسية، حل الصمت لبرهة قبل أن يقطعه عبدالله باستدارة جسده وبعيون ضائقة خرجت بحة صوته:
_ أنت جبت الكلام دا منين؟
اقترب قاسم بعض الخُطوات وهو يخبره:
_ مش مهم خالص جبته منين؟ وأنا مش قصدي إني أزود وجعك يابني والله، بس لازم تفهم إن فيه أمور خارجة عن سيطرتنا، مش كل اللي بنحبهم بنقدر نحميهم من شر الدنيا وشياطين الإنس.. فيه حاجات بتحصل تفوق قوتنا وخارج إرادتنا..
قاطعه عبدالله بصراخه وهو يسير نحوه كالمجنون يريده أن يتوقف عن الكلام:
_ ششش اسكت، اسكت مش عايز أسمع حاجة...
لم يتردد قاسم في جذبه وضمه بكل ما أوتي من قوة، حاول عبدالله الفرار من بين يديه لكنه أبى وشد بقوة مضاعفة على ظهره يضمه إلى صدره أكثر، ففشلت محاولات عبدالله في الإبتعاد وترك نفسه بين أضلاع والده يبكي بمرارة متحسرًا على حبه الضائع، كان جسده يهتز بعنفٍ كما لو أن زلزال يحدث بداخله.
شاركه قاسم البكاء، حتى فرغ الآخر بعد مدة وشعر بأن جوفه قد أصبح خاليًا، هدأ وصمت ثم أحس بالوضع الذي كانا عليه، كم أراد أن يذيب جليد السنوات الماضية ويبادله العناق أيضًا، يا ليت ما عاشه كان حُلمًا وليس حقيقة، ياليته حظى
بعناقٍ دافيء كهذا كلما كان بحاجة إليه.
حاول عبدالله رفع ذراعيه في محاولة منه على تخطي الحواجز التي بينهما ومبادلته تلك المشاعر الصادقة لكنه فشل، أعاد يده إلى جواره ثم أبعد أبيه عنه بهدوءٍ، لم يقدر على مواجهة عينيه وظل مُنكس الرأس وهتف دون النظر إليه:
_ أنا همشي..
لم يريد قاسم الضغط عليه، وترك له مساحة كافية يعيد فيها ترتيب أفكاره، خرج خلفه وتابع تحركاته بعينيه حتى خرج من البيت، فأمر السائق قائلًا:
_ روح وراه ووصله ما كان ما يحب..
_ أمرك يا قاسم بيه
قالها السائق وأسرع في ركوب السيارة، ثم قادها خلف عبدالله، قام بالضغط على زمور السيارة فتوقف عبدالله وتفقده، لم يعاند وقام بالركوب على الفور، فجسده منهك وقدميه لن تقدر على حمله لوقتٍ أكثر، استقل المقعد الأمامي وأعاد رأسه مستندًا بها على رأس الكرسي مغمِضًا عينيه بتعبٍ حتى بات في ثباتٍ عميق.
***
أغلقت باب منزلهم، وكادت تصعد الأدراج لكنها تريثت حين وجدت وليد عائدًا من عمله، ابتسمت بخفة فأقدم هو بالحديث:
_ مساء الخير، على فين كدا؟
_ مساء النور..
قالتها ثم أشارت بعينيها إلى الأعلى مواصلة استرسالها:
_ عندنا اجتماع على الضيق، تعالى أقعد معانا..
ابتهج وليد وردد:
_ نقعد وماله..
صعدت عليا السُلم وتلاها وليد حتى وصلا إلى سطح البناية، فوجدوا خلود وزكريا ينظمان المقاعد، انضموا إليهما وساعدوهم على إعادة ترتيب المكان الذي قاموا بتوضيبه خصيصًا لمجالسهم.
جلس أربعتهم فضحك وليد وأردف باشتياقٍ لذلك الجمع:
_ متلميناش كدا من زمان
تنهد زكريا وصاح وهو يضرب على فخذه:
_ ااااه قول للزمان ارجع يا زمان
تعجب وليد من لهجته ومال عليه وتساءل بسخرية:
_ ومالك بتقولها بحرقة كدا ليه؟
غمزه وليد وشاكسه:
_ هو الجواز مطلعش على هواك ولا إيه؟
تلك الأثناء ظهرت ليلى حاملة صنيتان، بإحداهما حلوى قامت بإعدادها والآخرى مشروبات ساخنة تُدفئ قلوبهم في ذلك البرد القارس.
ركضت نحوها عليا حاملة عنها إحدى الصواني ورددت بشهية:
_ يا روايحك يا لولا والله جاية في وقتها..
في الخلف؛ لكز وليد صديقه وهمس:
_ ماهو حلو أهو، حد يبقى عايز في الجو دا غير كيك وحاجة تسخنة تتشرب ونتدفى
حدجه زكريا باستنكارٍ وهدر مستهزأ به:
_ خليهملك إدفى بيهم، لكن اللي بيدفي بجد حضن من اللي يكسر الضلوع دا، عارفه؟
أخذ زكريا كوبًا من الشاب بالحليب الساخن وناوله إلى وليد وتابع ساخرًا:
_ ولا يا حرام تعرفه منين، اشرب اشرب
رمقه وليد شزرًا ثم أخذ منه الكوب وقام بارتشاف القليل، بدأ الجميع في تناول الكيك فساد الصمت للحظاتٍ قبل أن يقطعه وليد بسؤاله:
_ أكيد القاعدة دي وراها سبب
توجهت الأنظار على خلود التي انكشمت في نفسها وصاحت بتمردٍ:
_ إيه؟ بتبصولي كدا ليه؟
قلب وليد عينيه مستاءًا من سؤاله، ثم أردف بتهكمٍ:
_ عيب أسأل وأنتِ موجود، أكيد عملتي مصيبة
تدخلت عليا تروي الحقيقة:
_ المرة دي مش مصيبة ولا حاجة بس الموضوع مريب.. خلود عايزة تلبس النقاب
_ نقاب!!
هتفها وليد دون تصديق وهلل ضاحكًا:
_ نقاب مرة واحدة؟ دي نكتة صح؟
لم تتحمل خلود أي سخافاتٍ واندفعت بهم:
_ مش عايزة أي سخافة بجد، ومش فاهمة أنتوا مستغربين ليه؟
تولى زكريا مهمة الرد عليها بهدوءٍ على غير عادته:
_ يا حبيبتي النقاب دا حاجة جميلة ومش معترضين عليه، بس أنتِ يا خلود بعيدة كل البعد عنه، ولما فجأة تقولي عايزة تلبسيه طبيعي نقلق أو نستغرب، فإحنا محتاجين نفهم إيه السبب إنك عايزة تلبسيه؟
شهيقًا وزفيرًا فعلت خلود قبل أن تجيب حيرتهم:
_ صحابي في الجامعة لبسوه وحببوني فيه، وعلى فكرة أنا مخدتش القرار فجأة كدا، أنا بفكر فيه من فترة واعطيت لنفسي مُهلة أشوف هل قرار مؤقت وهيروح لحاله ولا هفضل مصممة عليه، لغاية ما حسيت النهاردة إني بجد مش قادرة أخرج من غيره، نفسي ألبسه أوي، إيه المشكلة في كدا؟
كان الجميع ينصتون إليها باهتمامٍ حتى انتهت فتعجبت خلود من تلك الإبتسامة التي تغزو شفاه الجالسين، فلم تستطع منع ضحكتها وهتفت:
_ أنتوا بتضحكوا على إيه؟
_ مش مصدقين اللي بنسمعه؟
أردفها وليد بإعجابٍ شديد لقرارها التي تريد أخذه فقطبت خلود جبينها وقالت متذمرة:
_ أنا كنت من قبيلة أبو لهب ولا إيه؟ مالكم يا جماعة بلاش كدا بقى..
عضت خلود على شفاها وأخفت وجهها بكفوفها خجِلة من نظراتهم، فتبادل الجميع الضحكات إلا من وليد الذي شعر بشيءٍ يتحرك داخله دون إرادة منه، شعور انجذاب للتطلع بها، إلتوى ثغره ببسمة عذبة لضحكها التي تخفيه بخجلٍ، وسرعان ما انتبه على حاله وأخفى تلك الإبتسامة، ثم أعدل من وضعية جلوسه محاولًا فهم ما حدث له للتو.
ثم انتبه الآخرين على صوت عليا التي قالت:
_ قرار جريء وأحب أحييكي عليه، بس هتقنعي ماما إزاي؟
ضحك زكريا وقال:
_ شوفوا لها عريس يا جماعة عشان توافق
قهققت ليلى وأضافت مازحة:
_ نعمل هشتاج رحلة البحث عن عريس من أجل النقاب
انفجر الجميع ضاحكين فعبس وجه خلود وزمت شفتيها وهي تردد:
_ يوه بطلوا تريقة بقى، فكروا إزاي أقنعها، أو حد منكم يتكرم ويقنعها هو..
حمحم وليد ومال ناحية خلود تاركًا مسافة بينهما وسألها بجدية:
_ أنتِ أخدة الموضوع بجد ولا مجرد إعجاب لحاجة عايزة تجربيها؟
_ بجد والله..
قالتها خلود بلهفةٍ فعاود وليد متسائلًا:
_ يعني لو اتلبس مش هيتقلع؟
أماءت خلود بتأكيد؛ فقال الآخر بثباتٍ:
_ هقنعهالك
قالها ثم تراجع مستندًا بظهره على الكرسي، وغمزها فتشكلت إبتسامة عفوية على محياها وكادت تهتف عاليًا بسعادة عارمة دقت طبول قلبها الا أنه حذرها بإشارة من عينيه فالتزمت خلود الصمت.
صدح رنين هاتف عليا فنظرت إليهم وقالت بحرجٍ:
_ بعد إذنكم هرد على حازم..
نهضت مبتعدة عنهم مسافة لا بأس بها لتتحدث على راحتها، بينما انتبهوا على ظهور والدة وليد التي انضمت إليهم وأردفت:
_ جيت أطمن على الأستاذ اللي مقالش أنه وصل من الشغل وموبايله مقفول
تفقد وليد هاتفه باستغرابٍ ثم أردف:
_ الموبايل فصل شحن، مختش بالي معلش يا وزة
_ ربنا يطمني عليك يا حبيبي، أنا هنزل أنام طلاما اطمنت عليك..
هتفتها عزة ثم انسحبت لكنها عادت إليهم من جديد وقالت:
_ طب طلاما متجمعين كدا اقنعوا وليد يخطب
قهقهت خلود عاليًا وهتفت مازحة:
_ هو دا فيه واحدة عاقلة ترضى تتجوزه دا؟
ضحكت زوجة عمها بعفوية وأردفت بتلقائية:
_ والله يا خلود بنت خالته موجودة وبحاول أقنعه بيها، دي البت نفسها بس في إشارة منه ..
أخرجت تنهيدة حارة وأضافت:
_ ربنا يهديه.. تصبحوا على خير
_ وأنتِ من أهله
هتفوها جميعهم، ثم انتبه زكريا على صوت عليا المنفعل الذي وصل لآذانه، فنهض منسحبًا من بينهم ليرى ما الأمر، بينما شعرت ليلى بالبرودة فنهضت وقالت:
_ الجو برد هنا أوي، هنزل أجيب الشال بتاعي وراجعة..
بات المكان خاليًا إلا من وليد وخلود التي انكشمت شاعرة ببرودة تتخلل جسدها، فتحسست ذراعيها بكفوفها نافخة هواءًا ساخنًا من فمها وهتفت:
_ فعلًا الجو برد أوي..
لم يتردد وليد لحظة وقام بخلع سترته وقام بوضعه عليها، اندهشت خلود من فعلته الراقية وحاولت الإعتراض:
_ لا لا إلبسه عشان متبردش..
رفض وليد استعادته وعلل:
_ أنا تمام، خليه عليكي يدفيكي شوية..
أعادت خلود وضعه عليها فشعرت ببعض الدفء، أسبلت عينيها وهي تطالعه وقلبها يخفق بشدة، مالت على السترة لتشم رائحة عطره، ابتلعت ريقها وحاولت تهذيب نفسها، حمحمت حين راودها سؤالًا ولم تتردد في سؤاله:
_ أنت مش بتخطب ليه؟
فاجئه سؤالها، أخذ وقتًا يفكر به قبل أن يعطيها إجابة، أطال النظر في عينيها اللمعتان، فهي تطوق لسماع إجابته، خفق قلبه بقوة وشعر بتوترٍ يعصف به دون سابق إنذار، نظراتها تربكه، هربت الكلمات من لسانه وكأنه لا يجيد الكلام، ابتلع ريقه وحاول الإتيان بإجابةٍ، فدنا منها ثم همس:
مش لاقي حد شبهك
الفصل السابع عشر من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل السابع عشر 17 - بقلم تسنيم المرشدي
تسارعت نبضاتها فجأة، وشعرت باختفاء الهواء من حولها، لم تُبعد عينيها عنه محاولة استيعاب تصريحه المفاجئ، بينما هو كان ثابتًا في نظراته حتى لم يعد يستطع التحكم في نفسه، وانفجر ضاحكًا فأثار ريبتها من خلف ضحكاته المبهمة.
ازدردت ريقها وتابعت ضحكه الذي لا يتوقف فتعجب وليد من علامات الإستفهام التي تتجلى في وجهها وصاح:
_ أنتِ كل دا موصلكيش إني بشتغلك؟!
لم تخرج خلود بعد من صدمتها، فشعر وليد بالحرج حيالها، وأحس أنه افتعل أمرًا فادحًا، توقف عن ضحكه وحاول إخراجها من حالتها مُمازحها:
_ في إيه يابت بهزر معاكي، أنتِ علقتي؟
خرجت خلود من حالتها، وشعرت بالضيق منه، لكنها لم تُظهر وحاولت مضايقته كما فعل معها فقالت بإزدراء:
_ آل يعني أنا هبص لوحد زيك.. أنا يوم ما أنوي أتجوز أخد واحد دمه خفيف، أبيضاني، أطول مني بحاجة بسيطة، رومانسي، وحنين مش دمه يلطش!!
فغر وليد فاهه بصدمةٍ جلية وصاح وهو يشير على نفسه:
_ أنا دمي يلطش!!
قلبت خلود عينيها مُبدية استيائها منه وأكدت سؤاله:
_ أوي
صر وليد أسنانه وهو يطالعها بعيون ضائقة، ثم ردد وهو يهز رأسه:
_ ماشي..
بعد قليل؛ لم تستطع خلود عدم إبداء فضولها حول أمر خِطبته، حمحمت وأعدلت جلستها وتساءلت:
_ ممكن نتكلم بجد بقى، ليه مش بتخطب، مامتك جايبة لك عروسة أهي ليه مش موافق؟ إيه أسبابك؟
أخرج وليد تنهيدة مطولة، وحاول إخبارها بشيءٍ يجعلها تتركه وشأنه فأردف بصوتٍ رخيم:
_ ملقتش لسه اللي تخطفني.. أنا وفريدة متربين سوا فأنا مش قادر أشوفها اكتر من أختي..
شعرت خلود بغصة في حلقها، ناهيك عن صدرها الذي ضاق رحبه، وأصرت على سؤاله:
_ ممم على كدا كل اللي متربين معاك اخواتك، مش كدا؟
استشعر وليد ما ترمي إليه، وحاول تكذيب حدسه، رمقها بطرف عينيه وهتف عاليًا:
_ أنتِ عايزة إيه؟
انتابها الخجل وهربت بعينيها بعيدًا عنه مجيبة إياه بإيجازٍ:
_ مش عايزة حاجة، فضول مش أكتر..
لم تستطع مواجهة عينيه خشية أن يكشف أي من مشاعرها التي لم تفهمها بعد، بينما لم يرفع وليد عينيه عنها في محاولة منه على فهم ما يدور في عقلها، فأسئلتها كانت بمثابة بابًا مُظلم قاده فضوله حول معرفة ما يوجد داخله.
في الجوار؛ أنهت عليا الإتصال حين فشلت في إرضاء حازم، تأففت بضيقٍ ثم انتبهت على انضمام زكريا الذي تساءل بجدية يخالطها القلق:
_ مالك في إيه؟ الواد حازم مزعلك؟
أخرجت عليا تنهيدة مهمومة، ثم أشارت بعينيها حيث يجلس وليد وأوضحت:
_ بيتجنن وقت ما يسمع اسم وليد، وطبعا أول ما عرف إننا متجمعين وهو معانا اتجنن أكتر..
نفخت بنفاذ صبر وأضافت بضيقٍ:
_ أنا بجد اتخنقت، هو عارف ومتأكد حدودي معاه إيه، ومهما حاولت أقنعه إن وليد دا زيك بالظبط مش بيقتنع..
ربت زكريا على ذراعها وحاول إيضاح بعض الأمور التي تغفل عنها:
_ ومهما حاولتي مش هيقتنع، غيران عليكي يا هبلة، والله حتى لو أخوكي في الرضاعة هيغير عليكي منه برده...
التفتت عليا برأسها ناظرة للجانب المعاكس لزكريا وتأففت بضجرٍ واضح:
_ عارفة إنه غيران بس مش بالأسلوب دا، وخصوصاً مع وليد بجد مش مستوعبة ومش فاهمة الغيرة دي، دا وليد!
استنكر زكريا تهاونها للأمر وردد مستاءً:
_ هو إيه اللي دا وليد؟! مش وليد دا راجل في الأخر؟ هو ملوش دعوة بقى إنك معتبراه أخوكي والكلام دا كله، كل اللي فاهمه إنه راجل وأنتِ قريبة منه فطبيعي هيغير.. طب حطي نفسك مكانه لو جه في يوم هزر مع بنت عمه وقالك دي زي أختي هتعملي إيه؟
رمقته عليا بطرف عينيها وقد انعكست الغيرة على تقاسيمها التي عبست وهتفت بانفعال غير متقبلة ما قاله أخيها:
_ مش عارفة تحديدًا كنت عملت إيه، بس أكيد كنت قتلته فيها
انفجر زكريا ضاحكًا ثم قال:
_ شوفتي بقى من مجرد تفكير قولتي إيه؟ ما بالك بيه وهو عارف إن دا واقع، روحي راضيه يا هبلة
تنهدت عليا وأردفت:
_ مش دلوقتي، هو اصلًا قفلني، أنا نازلة..
أنهت جملتها وانسحبت من بين الجميع دون توضيح لذهابها، بينما عاد زكريا إلى الآخرين، وقد لاحظ سترة وليد التي تعلو كتفي خلود، فشعر بالسخط وهرول نحوها، وبحركة غير متوقعة قام بحسبها ثم ألقاها في وجه وليد مرددًا بنبرة حادة وهو يضرب على كتف خلود:
_ قومي انزلي، الوقت اتاخر ..
لم تعلق خلود، بل اجتاحها الحرج من أسلوبه وشعرت بخطأها عندما قبلت باستعارة سترة وليد، وما كان منها سوى الهرب من بينهما سريعًا، نهض وليد ورمق زكريا بإسيتاء وصاح:
_ طب تصبح على خير يا ابن عمي..
دون أن ينظر إليه أجابه زكريا وهو يضع يديه في جيبي بنطاله:
_ وأنت من أهله ياخويا..
استحث وليد نبرته الجافة وخمن أنها من خلف إعطائه السترة لشقيقته، فلم يطيل حتى لا تحدث مشادة بينهما وفضل النزول، تلك الأثناء عادت ليلى وتفاجئت بذهاب الجميع إلا من زكريا.
لم تحب الإقتراب منه فلم تصفى منه بعد، توجهت ناحية السور دون النظر إليه ووقفت تطالع السماء محتضنة شالها الذي بعث الدفء لجسدها، لا تآبه لنظرات الآخر الذي يتفحصها بضيقٍ لعدم اكتراثها له.
زفر أنفاسه وتوجه ناحيتها، جاورها وبعد لحظاتٍ أحاط خصرها بذارعه وضمها إليه، ثم أخذ الطرف القريب منه من الشال ووضعه أعلى كتفه، فتمتعا كليهما بدفئه، مالت ليلى برأسها على كتفه فشد زكريا على خصرها يضمها أكثر حتى راوده اقتراحًا تحمس لعيشه فهتف بلهفةٍ:
_ ما ترقصيلي..
فغرت ليلى فاها، وأعدلت رأسها ناظرة إليه ثم هتفت دون تصديق لطلبه:
_ أرقص!! أنا مبعرفش، مليش في الكلام دا
التفت زكريا بجسده نحوها وقال بجدية:
_ أنا ليا..
أمسك يدها وحثها على المشي مضيفًا بحماسة:
_ يلا..
لم يكن أمامها سوى مسايرته، ترجلت تحت ضحكاتها التي لا تتوقف على هرولته للعودة إلى البيت.
أغلق باب شقتهما وتابع سيره حتى بلغ مقصده، توجه نحو الخزانة وانتقى من بينها عباءة خاصة بالرقص تحت نظرات ليلى المذهولة، اقترب منها وقال وهو يعطيها العباءة:
_ البسي دي..
حاولت أن تشرح له فشلها الذريع في محاولات الرقص التي قامت بها مسبقًا:
_ والله مش بعرف، صدقني
بإصرارٍ واضح هتف:
_ البسي بس ونتعلم مع بعض..
قامت ليلى بإرتداء العباءة تحت ضغطٍ منه، ثم وقفت أمامه فقام زكريا بفك عقدة شعرها وساعده في التحرر فانسدل إلى منتصف ظهرها، بحث بعينه سريعًا على شيءٍ يقوم بمحاوطته حول خصرها ثم أتى بحجابٍ لها وقام بإحاطة خصرها.
وفي النهاية اختار أغنية وقام بتشغيلها على الهاتف ثم أمسك يدها وبدأ يتراقص أمامها يحثها على مشاركته، لم تتوقف ليلى عن الضحك فهذا كان يفوق قدراتها، حاولت مرات عديدة ربما تجيد بعض الرقصات لكن تبوء محاولاتها بالفشل.
لم ييأس زكريا وتابع رقصه معها في محاولة منه على إيصالها لما يريده، وبعد مدة شعر بتفوقها على نفسها حيث أنها بدأت تدخل في حضنه وتخرج مفتعلة حركاتٍ ذاتية لم يخبرها عنها، فجسى زكريا على ركبتيه وظل يصفق لها وهو يضحك مشجعًا إياها على مواصلة رقصها الذي يتحسن قليلًا.
انتهى تناغم الأغنية فانحنت ليلى وكأنها تُحيي جمهورها، وأرسلت إليه قُبله عبر يدها فنهض الآخر وقام بحملها فجأةً، فشهقت ليلى مذعورة بينما غمزها هو هو بمكرٍ ثم سبحا كليهما في بحورهما الخاصة.
***
بعد وقتٍ تردد السائق في إيقاظ عبدالله، لكن يجب عليه فعل ذلك، بهدوءٍ حذِر ناده:
_ عبدالله بيه، إحنا وصلنا..
اخترق صوته عقل عبدالله فقطع عليه نعاسه، لوهلة شعر أنه في حُلمٍ، فتح عينيه ببطءٍ ونظر حوله بتيهٍ فوقع نظره على السائق، وحينها تأكد أنه حقيقة وليس حلمًا، أعدل جلسته وتفقد الخارج من النافذة فتأكد أنه وصل إلى منطقته.
فرك عينيه ثم ترجل من السيارة دون أن ينبس بحرفٍ، كاد يصعد بيته لكن آذان الفجر قد منعه، وقف عبدالله يطالع المسجد أمامه ولم يتردد في الذهاب إليه.
توضأ أولًا ثم استعد للصلاة خلف المؤذن حتى فرغ منها، فوجد نفسه ينهض ويعيد الصلاة من جديد متذكرًا كام من المرات التي حثته صبا على الصلاة ولم يصلي، سقطت دموعه بغزارة ندمًا على ما فوته من الصلوات، ربما هذا جزائه مما أضاع.
خر ساجدًا بين يدي لله وهو يبكي يطلب من الله أن يسامحه على ما مضى، ويطلب منه العفو، انتهى بعد فترة ليست بقصيرة وقد تبدل حاله لحالٍ أفضل، شعر بالراحة والسكينة التي سكنت قلبه ناهيك عن إتساع رحب صدره.
خرج من المسجد وعاد إلى البيت فكانت زينب في استقباله، قابلها بخوفٍ مرسوم على تقاسيمه وسألها بقلقٍ:
_ لسه صاحية ليه؟
زفرت زينب أنفاسها وأخبرته بما تريده به وعينيها مُصوبتان على باب غرفة والدتها:
_ ماما نزلت الصبح بعد منك على طول ولما رجعت من وقتها وهي في الأوضة وبتعيط، حاولت أفهم مالها بس مردتش تحكي لي حاجة، استنيتك ترجع يمكن تحكي لك أنت
أومأ عبدالله بتفهمٍ، كاد يتخطاها بمروره إلا أنه تريث وسألها باهتمامٍ:
_ أنتِ عاملة إيه؟ محتاجة حاجة؟
اندهشت زينب من اهتمامه فهو أخبرها مؤخرًا بأن الوصال بينهما قد قُطع عند اختيارها لحمادة، نكست رأسها في خذي شديد وأجابته بخفوت:
_ الحمدلله يا عبدالله، أنا كويسة مش محتاجة حاجة..
ربت عبدالله على ذراعها بحنانٍ وأردف مهتمًا لأمرها:
_ مش بس أنتِ بس، لو هو محتاج حاجة قولي..
رفعت زينب عينيها تستشف ما يقصد، فوجدته يتطلع بعينه على بطنها، ابتسمت بخفة واكتفت بتحريك رأسها، بينما تخطاها عبدالله وتوجه إلى غرفة والدته.
دق بابها وانتظر سماحها له بالدخول، ولج حين سمع صوتها الباكي:
_ أنا هنام..
أخذ عبدالله نفسًا وزفره بقوة ثم هتف عاليًا:
_ أنا هدخل..
أعطاها إنذارًا بدخوله ثم تريث قليلًا ليعطها فرصة إن كانت على وضعٍ غير مناسب لرؤيتها عليه، ثم لم يتردد في الولوج، تفاجئ بها مستلقية على الفراش جفنيها متورمان، ولون عينيها يميل إلى الحُمرة وكأن أحد العروق قد انفجر بها.
ضاق صدره وشعر بالإختناق حينها، اقترب منها وجلس بجوارها متسائلًا باهتمامٍ يخالطه التوجس من حالتها المبهمة:
_ في إيه ياما، أنتِ عاملة في نفسك كدا ليه؟ حد ضايقك بحاجة؟
نفت بحركة من رأسها ثم قالت بصوتٍ يكسوه البكاء المحبوس:
_ أنا هبقى كويسة، متقلقش عليا
_ يعني إيه مقلقش عليكي وأنا شايفك كدا، دا أنتِ مكنتيش كدا وإحنا في أسوء حالتنا، يبقى لازم حاجة كبيرة حصلت عشان تكوني في الحالة دي..
هتفها بنبرةٍ قلِقة يطوق لمعرفة ما أصابها، لكنها أبت التحدث وحاولت تصنع النعاس:
_ صدقني مش قادرة اتكلم، أنا محتاجة أنام.. لو سمحت يا عبدالله متضغطش عليا
قلبه يرفض تركها هكذا، لكنه تذكر المرات التي توسل إليها أن تركه وشأنه، فلم يطيل ونهض مقتربًا منها، طبع قِبلة على رأسها وتوجه إلى الخارج، هرولت نحوه زينب متسائلة بلهفةٍ قلِقة:
_ ها عرفت مالها؟
_ مقالتش حاجة، سبيها النهاردة وبكرة تحكي لنا مالها، ادخلي نامي أنتِ
هتفها بتعبٍ، يريد أن يخلد إلى النوم ليريح عقله وجسده وكل ذرة به، أوقفته زينب قبل بلوغه غرفته بسؤالها:
_ جعان؟ أعملك حاجة تاكلها..
رفض ذلك معللًا بإقتضابٍ:
_ لا أنا محتاج أنام بس.. تصبحي على خير
_ وأنت من أهله
قالتها زينب وتابعت دخوله غرفته، جلس عبدالله على الفراش فور رؤيته، نظر في الفراغ أمامه، ليلة أخرى دون الوصول إلى حبيبة فؤاده.
ليلة أخرى تزيد من آلامه على فقدها، يطوق شوقًا لرؤياها حتى يُشبع عينيه منها.
فقط يريد أن يطمئن عليها، يتمنى لو أن بإمكانه إعادة الزمن وإخفائها داخل قلبه تلك الليلة ولا يتركها البتة.
وضع راحة يده على صدره المكلوم وأطلق أه من جوفه حارة لـ لياليه التي أصبحت باهتة ليس لها مذاق ولا لون، سحب هاتفه ليعيد محاولاته بالإتصال على جلال لعله يجيب تلك المرة مرددًا بتوسلٍ:
_ رد بقى يا أخي رد..
ألقى الهاتف بعصبية لتلك النتيجة البائسة، عاد بظهره مستلقيًا على الفراش، يحدق بالسقف بعينين لامعة، سال دمعه حتى جف وذهب في النوم.
بينما عادت زينب إلى غرفتها فانتبهت على اهتزازة هاتفها التي تعمدت وضعه على الصامت، أسرعت نحوه ووجدته رقمًا مجهول الهوية فلم تتردد في الرد حتمًا إنه حمادة:
_ حمادة؟
أتاها صوته التي ارتوى قلبها بسماعه:
_ أنا عايز أقابلك ضروري..
تحمست زينب لكن سرعان ما عبس وجهها ونظرت حولها، فهذا البيت بمثابة عائقًا كبير أمام خروجها الآن، تنهدت وقالت بضعفٍ:
_ إزاي بس، أنا قاعدة عند ماما، حاسة صعب أوي إني أقدر أخرج من هنا..
دون اكتراثٍ لأسبابها الواهية صاح الآخر منفعلًا:
_ اتصرفي، المهم تقابليني بكرة وتجيبي لي معاكي
فلوس، أنا نايم في الشارع ولا عارف أكل ولا أشرب..
صعقت زينب من طلبه، إلتزمت الصمت لبرهة قبل أن تقطعه بسؤالها:
_ أجيب لك فلوس منين يا حمادة؟ أنا حيلتي حاجة أصلًا؟
دون رأفةٍ لها صاح بنذالة:
_ قولتلك اتصرفي، مش أنا في الورطة دي بسببك أنتِ واخوكي، يبقى تتصرفي وتجيبي لي فلوس حتى لو من تحت الأرض، هستناكي على أول ناصية الحارة، الساعة ٦
تفقد حمادة الوقت في هاتفه ثم أضاف آمرًا:
_ يعني بعد ساعتين من دلوقتي، متتأخريش..
أغلق الهاتف فور انتهائه من أوامره، تركها في حيرة من أمرها، ماذا ستفعل؟ شعرت بقلة حيلتها، شعورًا سيء للغاية قد تملك منها، جلست على الفراش مستندة على جداره بظهرها، ثم سحبت الوسادة وقامت بإحتضانها، وماهي إلا ثوانٍ قليلة حتى ابتلت إثر تساقط دموعها الغزيرة.
****
بعد مرور ساعتان، لم يرف لها جفن، أصابها الصداع من فرط تفكيرها، فهي لا تعلم من أين تأتي له بالنقود، وبعد حيرة وقعت بين طياتها، نظرت إلى الهاتف المُلقى على الفراش، فلم تجد حلًا أفضل من بيعه، هذا ما تملكه الآن.
بدلت ملابسها سريعًا وخرجت على أطراف أصابعها تآمل عدم استيقاظ الآخرين، لكنها فوجئت بخروج عبدالله من الغرفة، رمقها بنظرات ثاقبة ثم تساءل بريبة:
_ أنت لابسة وراحة على فين من بدري كدا؟
لُجِم لسان زينب، ولم تستطع إعطائه ردًا سريع فازادت من قلق عبدالله الذي في انتظار ردها، تنهدت زينب وحاولت اختلاق كذبة، وبترددٍ في تجميع الكلمات أردفت:
_ هروح أجيب كارت المتابعة من البيت عندي متابعة النهاردة عند الدكتورة..
أماء عبدالله بتفهمٍ لكنه يعلم أن الوقت مازال باكرًا، لكنه أراد التأكد منه ثانيةً، فتفقد ساعة هاتفه ووجدها السادسة صباحًا بعد، فرفع بصره نحوها بعيون ضائقة مستفسرًا:
_ إحنا لسه بدري أوي..
لم تعطيه زينب فرصة للكلام حتى لا تضطر لإيجاد كذبة أخرى وهتفت:
_ أنا مش جاي لي نوم، وبصراحة زهقانة فهنزل أمشي رجلي للبيت أجيب الكارت وحاجات نسيتها وراجعة، روح أنت على شغلك..
تفقد عبدالله باب غرفة والدته التي مازالت غافية أو ربما هاربة منه وقال:
_ تعالي نروح سوا وهستناكي تحت البيت..
اتسعت مقلتي زينب، وحاولت جاهدة بأن تُذهِبه، لكنه آبى وأصر على ذهابه معها، فلم يكن أمامها سوى الرضوخ الآن لربما يحدث تغيرًا لاحقًا، سبقته بخُطاها وقد غطى الضجر وجهها، وصلت إلى البناية خاصتها وبإرتباكٍ نظرت إليه وتصنعت اهتمامها لأمره:
_ أنا خايفة بجد تتأخر، روح أنت وأنا خلاص هطلع أجيب حاجتي وأرجع تاني..
أطال عبدالله النظر عليها وقلبه يُخبره بأنها تُخطط للقاء حمادة، فلم يبرح مكانه وصمم على انتظارها:
_ مش هتأخر، متضعيش أنتِ الوقت بس واطلعي بسرعة وأنا هقف هنا..
فما كان منها إلا أنها ألقت نظرة سريعة عليه ثم تحركت نحو البناية بثباتٍ، فاستعمت إلى صوت
رنين هاتف عبدالله الذي أجاب على الفور:
_ أنا مسافة السكة وأكون عندك، لا مش هتأخر..
تمهلت في سيرها حتى انتهى من المكالمة، فكانت لها طوق نجاة، التفت دون تردد ونظرت إليه ثم أردفت بنبرةٍ مهتمة له:
_ شوفت بقى، روح أنت ومتقلقش عليا، لما أوصل البيت هرن عليك أقولك إني وصلت
طالت نظراته؛ يفكر جيدًا في تركها من أجل الذهاب إلى عمله، أم ينتظر قليلًا بعد، وقعت عينيه على وليد الذي ظهر من خلف باب بنايتهم، فعاد بنظره إلى زينب وقال:
_ تمام، اطلعي وأنا همشي..
ثم ابتعد بخُطاه عنها وسحب هاتفه من جيبه ليعمل اتصالًا طارئًا:
_ وليد.. اتوبيس الشغل بتاعك وصل؟
اجابه الطرف الآخر بصوتٍ أجش:
_ لسه، فيه حاجة ولا إيه؟
دون مماطلة في الحديث، أخبره عن ظنونه:
_ حاسس إن حمادة جاي، لو شوفته طالع بيته أو نازل منه كلمني على طول..
أومأ وليد بقبولٍ وهتف بإيجاز:
_ تمام، عندي دي
انتهى الإتصال؛ وتوجهت أنظار وليد نحو بناية حمادة، أخذ يتنفس بعض الهواء وهو يتمنى رؤياه، ليكون فريسة له ويوقعه في شباكه، بعد قليل؛ انتبه على نزول خلود فضاق بعينه وهو يسألها:
_ عندك امتحان؟
أماءت بتأكيد دون تعقيب فهي لم تصحو بعد، فلن يمرق وليد الأمر دون أن يمازحها:
_ اتجدعني بقى، أصل تسقطي وتجيبي العار للعيلة
حالة من الذهول تملكتها ولم تستطع الصمت فهدرت به:
_ أهو عشان نبقى اتنين في العيلة، بدل ما تكون لوحدك
قهقه وليد عاليًا ثم تصنع الجدية وهتف:
_ يابت اتلمي دا إحنا بينا عشر سنين، المفروض تقوليلي يا أبيه..
حدجته خلود من أعلى لأسفل في نظرة استحقار ورددت ساخرة:
_ أبيه!!
قلبت عينيها بإزدراء، بينما انتبه وليد على نزول زينب من بيتها وهي تتلفت يمينًا ويسارًا، فقلق داخله، وفضل أن يتبعها، نظر إلى خلود لينهي حوارهما:
_ روحي يلا على كُليتك.. سلام
غادرها قبل أن تنطق بشيء، فأثار فضولها حول ذهابه المفاجئ، فقررت اللحاق به ومعرفة إلى أين ذاهب دون أن تُشعِره بها، بينما تَبِع وليد زينب حتى ولجت دكان خاص بالهواتف المستعملة.
انتظرها دقيقتين حتى عاودت الخروج وتابعت سيرها دون أن تلتفت، بلغت مكانًا خواٍ يهوى من الأُناس، فتضاعف الشك داخل وليد حتى قطع الشك باليقين حين رأى حمادة يقترب منها ويرفع قبعته للأعلى فظهرت ملامحه بوضوحٍ، فقام على الفور بالإتصال على عبدالله ليكن على دراية بما يحدث.
على الجانب الآخر، أعطت زينب النقود لحمادة الذي تفقدهم فور أخذه لهم، نظرت إليه زينب بحزنٍ شديد، وتساءلت من هذا؟ كيف قبِل نقودًا وهو على دراية بعدم امتلاكها للنقود؟ حتى أنه لم يسألها من أين جاءت بهم.
حبست دموعها قدر استطاعتها ثم انتبهت عليه وهو يردد:
_ حلوين، بس هيخلصوا، شوفولي غيرهم..
فغرت زينب فاها بصدمة وطالعته بعيون واسعة لا تصدق وقاحته، حاولت استعادة صوابها واندفعت به:
_ مفيش غيرهم، أنا بيعت الموبايل اللي حيلتي عشان أجيب لك فلوس ومعتش هعرف أتصرف لك تاني..
دون رحمةٍ صاح بوقاحة:
_ هاتي الحلق اللي معاكي
ولو أن أحدهم قد دفعها في بركة ماء قذر كان أهون عليها من طلبه ذاك، أطالت النظر به في انتظار إخبارها بأنه يمزح، لكنه لم يقل، بل مد ذراعه إليها وأردف ببرودٍ:
_ يلا..
هنا تبخرت قوتها على التماسك، وسقطت دموعها الحبيسة حزنًا وحسرة على ما تعيشه، قطعت صمتها وأبدت رفضها:
_ بس دا الحاجة الوحيدة اللي ليا من ريحة بابا، مش عايزة أفرط فيه
رمقها بسخطٍ وهلل بتهكم:
_ الحي أبقى من الميت، أبوكي الله يرحمه، يلا هاتي الحلق اخليني أمشي..
_ لا يا حمادة، مش هتاخده..
للمرة الأولى لها تعارض طلبه، فتفاجئ حمادة برفضها وخرج عن طوره وصاح وهو يهزها بعنفٍ:
_ لا هتجيبي يا زينب، أنا في الورطة اللي أنا فيها دي بسببك أنتِ وأخوكي يبقى أنتِ مجبرة تديهولي..
_ لا مش هتاخده، وأبعد عني
هتفتها وهي تحاول التحرر من بين قبضته، لكنه شد على ذراعها بقسوة فآنت بألمٍ وهدر من بين أسنانه المتلاحمة بشرٍ:
_ اقلعيه يا زينب عشان مخدوش منك عافية
سقطت عبراتها بغزارة وهي ترى أسلوبه القاسي ومعاملته العنيفة، وصاحت رافضة للرضوخ إليه من بين محاولاتها في إبعاده عنها:
_ أبعد عني، مش هتاخد مني حاجة لو على موتي مش هفرط فيه
بلغ حمادة نصاب غضبه الذي حاول كبحه قدر استطاعته حتى يأخذ منها القرط، وعندما أصرت على عدم إعطائه له قام بدفعها بكل ما أوتي من قوة وهو يصرخ:
_ هاخده يا زينب، هاخده
ارتطمت بقسوة في الجدار خلفها، اقترب منها حمادة محاولًا أخذ القطر عنوة، لولا تلك اليد التي منعته من الإقتراب منها، دب الرعب قلب حمادة ورفع رأسه يتفقد هوية الدخيل فوجده وليد يرمقه ببغضٍ شديد.
بحركة غير محسوبة سحب حمادة تلك المطواه من جيبه وحذر وليد بألا يقترب منه، فتراجع وليد خُطواتٍ وهتف:
_ نزل البتاعة دي وامشي من هنا..
تشدق حمادة بفمه ساخرًا وردد وعينيه ينطق منها الشر:
_ ولو منزلتهاش؟
_ يبقى أنت اللي جنيت على نفسك..
أردفها وليد متوعدًا بينما قهقه حمادة ثم تراجع بظهره يريد الهرب فاصطدم بجسدٍ خلفه، فلوح حمادة بالمطواه بحركاتٍ طائشة خوفًا من ذلك الدخيل فجرح يد عبدالله الذي إنهال عليه بعدة ضربات من رأسه حتى أسقطه لكنه لم يفرط بسلاحه قط فهو طوق نجاته من بينهم.
لوح بها بحركاتٍ عشوائية فابتعد عبدالله ووليد خشية أن يصيبهما، استغل حمادة الوضع وفر هاربًا، تلك الأثناء كانت تتابع خلود ما يحدث بصدمةٍ، دعب الرعب بابها حين رأت حمادة يقترب منها كالمجنون فصرخت بتوجسٍ:
_ وليد..
خفق قلب وليد وهرول نحوها مذعورًا، حمد الله أن ذلك المختل مر بجوارها ولم يؤذيها، وصل إليها وليد فأجهشت خلود بالبكاء، خوفًا مما تعرضت له وهتفت من بين بكائها بنبرة غير مفهومة:
_ أنا خوفت يعملي حاجة..
رفعت يديها أمام عيني وليد فوجدها ترتجف بقوة، أغمض عينيه مستاءً وعاتبها بحنقٍ:
_ أنتِ إيه اللي جابك ورايا؟
أجابته بصوتٍ متحشرج من البكاء:
_ شوفتك وأنت..
لم تستطع مواصلة حديثها فانتباها نوبة بكاء شديدة فعمِل وليد على تهدئة روعها:
_ خلاص اهدي، الحمد لله محصلش حاجة..
التفت وليد برأسه حيث يجسي عبدالله أمام شقيقته ووجه له حديثه:
_ هرجع لك تاني..
أومأ عبدالله برأسه، بينما غادر وليد برفقة خلود التي لم تكف عن البكاء فصاح هو:
_ معتيش تعيطي، هتروحي الإمتحان بحالتك دي إزاي؟
تجمدت أقدام خلود وطالعت أمامها بعيون واسعة
وهتفت مصدومة:
_ الإمتحان!! أنا نسيته، أنا اتاخرت
أنهت جملتها ثم أسرعت من خُطاها دون الإلتفات وقامت بإيقاف أحد سيارات الأجرة، لحق بها وليد وركب معها دون تفكيرٍ، فلا يريد تركها في تلك الحالة المذرية.
صدح رنين هاتفه فقطب جبينه بضيقٍ وأجاب ثم اعتذر من السائق واختلق عذرًا لغيابه اليوم من العمل، أنهى الإتصال وقام بالالتفاف ناظرًا إلى تلك الباكية وتساءل باهتمامٍ:
_ بقيتي أحسن..
أماءت برأسها دون رد، فتفقد وليد عينيها الدامعة ولون أنفها الأحمر، ناهيك عن شفتيها المنتفخة الوردية التي هزت كيانه بشدة، خفق قلبه وسرعان ما هرب بإعتدال جلسته متابعًا الحركة الخارجية.
لا تريد الإقتلاع عن أفكاره؛ كلما حاول التفكير بشيءٍ غيرها يراوده تقاسيم وجهها الأنثوية التي آثارته، ابتلع ريقه وجاهد على نسيان ما يفكر به بوقاحة.
وصلا إلى الجامعة؛ فترجل وليد أولًا وقام بفتح الباب لها وأردف متحاشيًا النظر عنها قدر استطاعته:
_ أنتِ كويسة؟
_ أيوة، أنا هدخل لأني اتاخرت..
قالتها خلود بتلقائية ثم أولته ظهرها لتغادر لكنها توقفت واستدارت بجسدها إليه وأضافت ببسمةٍ رقيقة:
_ شكرًا إنك مسبتنيش..
إلتوى ثغر وليد للجانب فشكل ابتسامة عذبة على وجهه آذابت قلبها، فلقد زاد وسامة في عينيها، بادلته ابتسامة هادئة ثم ودعته وهرولت إلى الداخل مسرعة، وقف وليد يتابع تحركاتها حتى اختفى طيفها من أمام مرآى عينيه فهمس بخفوت حين فشل في فهم ما يحدث له:
_ هو في إيه؟ إيه اللي بيحصل معاك ياعم وليد؟!
أطلق ضحكة متهكمة ثم استقل السيارة ثانيةً؛ وأمره إلى الذهاب لمكان عمله متناسيًا وعده بالعودة إلى عبدالله.
***
ساعدها عبدالله على الإستلقاء فوق فراشها، فتدخلت والدتهما متسائلة بخوفٍ يشوبه القلق:
_ في إيه حد يفهمني، زينب مالها؟
جاب عبدالله الغرفة ذهابًا وجيئا وهو يحك مؤخرة رأسه بعصبية، ثم توقف فجأة ونظر إلى والدته وأشار نحو شقيقته وبدأ يخبر بما حدث:
_ بنتك راحت قابلت جوزها من ورانا، ولولا وليد شافتها وعرفني الله أعلم كان عمل فيها ايه؟
دا رفع عليها مطوة، شوفي بقى أنتِ إيه اللي كان ممكن يحصل!!
وجه نظره على زينب وأستأنف حديثه المسترسل:
_ يارب المرة دي تكوني صدقتي أنه بني آدم ندل وواطي، ومبيحبش غير نفسه وبس!
توقف عن الحديث وأخذ يلتقط أنفاسه قبل أن يعاود حديثه بنبرة هادئة لا تشبه الغضب الحبيس داخله:
_ أنا فعلًا معتش عارف أقولك إيه.. أنا ماشي
خرج من الغرفة فنظرت أحلام إلى زينب التي هربت من نظراتها بتصنعها النوم، لم يكن لدى أحلام ما تقوله، فالحديث لا يجدي نفعًا معها، ربما إن تركت لها مساحة كافية تعيد النظر فيما عاشته مع ذاتها حينها سترى الأمور على حقيقتها.
خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها؛ بينما تكورت زينب في نفسها تحاول مقاومة تقلصات رحِمها، كما اشتد عليها آلم ظهرها، جاهدت شعورها خشية إخبار الآخرين بما تعيشه من خلف زوجها اللعين.
في الخارج؛ شهقت أحلام بذعرٍ حين رأت جرح يد عبدالله، ركضت بقربه وأمسكت يده هاتفة بخوفٍ عارم:
_ إيه دا، ايدك لازم تتخيط...
سحب يده بلطفٍ وربت على ذراعها محاولًا التخفيف من خوفها:
_ متخافيش أنا هتعامل..
اهتز هاتفه معلنًا عن اتصالًا، طالع عبدالله شاشة هاتفه بضيق وأجاب:
_ أنا آسف بس حصل لي ظروف خارج إرادتي، نص ساعة وأكون قدامك..
أعاد وضع الهاتف في جيبه وتوجه إلى الباب، أدار مقبضه فتفاجئ بالسائق خاصة أبيه واقفًا أمامه، ابتسم فور رؤياه عبدالله، قطب الآخر جبينه بغرابةٍ وتساءل:
_ خير، في حاجة؟
بنبرة لطيفة وضح إليه سبب مجيئه وهو يمد يده بمطوية صغيرة بيضاء:
_ قاسم بيه طلب مني أوصلك دا
تبادل عبدالله النظرات المبهمة مع والدته، وبحاحبين معقودان سأله عبدالله:
_ في إيه الظرف دا؟
حرك السائق فمه بمعنى لا يعلم ثم أردف مؤكدًا عدم معرفته:
_ معنديش خلفية الحقيقة..
تناوله منه عبدالله وقام بفتحه فتفاجئ ببطاقةٍ ائتمانية، عرفها عبدالله فور التطلع إليها، وبهدوءٍ أعادها في المطوية ومد يده يُعيدها إلى السائق قائلًا:
_ قوله شكرًا..
تلك الأثناء؛ ارتفع رنين هاتف السائق فأجاب على الفور وقال:
_ أنا واقف قدامه اهو..
ناول عبدالله هاتفه موضحًا بعملية:
_ اتفضل، قاسم بيه على الخط..
تأفف عبدالله فالوقت ليس فيه صالحه، أخذ الهاتف ولم يعطيه فرصة الرد:
_ أنا مش عايز حاجة منك، أنا أعرف أجيب فلوس منين كويس..
رد قاسم بهدوءٍ لكي يقنعه:
_ عارف، بس خليها معاك احتياطي، الله أعلم بالظروف يمكن تحتاجها في وقت ضيق..
رفض عبدالله أخذها وهاجمه بحدة:
_ مش هحتاجها..
كاد يعيد الهاتف إلى صاحبه لكنه تريث حين استمع لتوسل قاسم:
_ لو ليا خاطر عندك يابني، بلاش تقفل كل الأبواب في وشي بالشكل دا!
تجمد عبدالله مكانه قليلًا، فتذكر كلماته القاسية التي آلمت قلبه يوم خروجه من قسم الشرطة، أغمض عينيه ثم أعاد وضع البطاقة في جيبه، وألقى الهاتف في يد السائق وفر هاربًا من أمامهما.
فأخبر الآخر قاسم بذلك، ظهرت ابتسامة سعيدة على محيا قاسم وأنهى الإتصال، فاستأذن السائق من أحلام وغادر، عاد إلى سيارته وتحرك بها فوجد عبدالله يقف على ناصية المنطقة يبحث عن سيارة.
أوقف السيارة أمامه وانحنى برأسه ليظهر بوضوحٍ لعبدالله من خلال النافذة وسأله:
_ تحب أوصلك لمكان؟
ألقى عبدالله نظرةً سريعة على المكان حوله فلم يجد سيارات فارغة تقِله إلى مكان عمله فرضخ وركب بجواره وأمره بالذهاب إلى فيلا عز.
****
في مكانٍ آخر وتحديدًا فيلا عز، تساءلت ڤاليا باسفتسارٍ عندما أنهى إسلام مكالمته مع عبدالله:
_ قالك ايه؟
أجابها إسلام بعملية:
_ بيقول حصل له ظرف أخره، أنا بقول حد من هنا يوصلك يا آنسة ڤاليا وأنا هبعتلك عبدالله أول ما يوصل..
أماءت بقبولٍ فبحث إسلام عن سائق يقِلها إلى جامعتها، لكنهما تفاجئا بدلوف سيارة آدم من البوابة، انتاب ڤاليا الضيق لحظتها، فانعكس على وجهها المشدود، ترجل آدم من السيارة ووجه لها حديثه:
_ تعالي أوصلك في طريقي..
أخرجت ڤاليا تنهيدة ثم اقتربت منه، وركبت السيارة على مضضٍ، فعاد آدم جالسًا خلف المقود، وأشعل محرك السيارة ثم خرج من الفيلا، حمحم ثم أبدى شوقه لها بنبرةٍ رخيمة:
_ وحشتيني..
أخذت ثوانٍ ثم أردفت مختصرة:
_ Thanks..
عقد حاحبيه بتعجبٍ لغرابة ردها، أدار رأسه وردد:
_ هو إيه اللي Thanks؟! بقولك وحشتيني، تردي بـ وأنت كمان يا حبيبي كدا يعني..
استنفرت ڤاليا من عدم مروءة حديثه، واشمئزت وحاولت إسكاته فقالت:
_ آدم أنا عندي امتحان وبجد طول ما أنا متوترة ومش بقدر أتكلم وأنا في الحالة دي..
شعر آدم بالحرج الشديد، وضاق صدره لأسلوبها الجاف معه، إلتزم الصمت، حتى قطع نصف المسافة فحاول قطع ذلك الصمت باقتراحه:
_ إيه رأيك نخرج نتعشى مع بعض النهاردة؟
على الرغم من رفضها التام لاقتراحه، لكنها ستبدوا سخيفة إن استمرت في رفضه طيلة الوقت، دون النظر إليه قالت:
_ ممكن...
إلتوى ثغر آدم ببسمةٍ سعيدة أسرت قلبه بقبولها، فتلك بداية الطريق إلى توطيد علاقتهما، أوصلها إلى الجامعة فترجلت وولجت إلى الداخل دون الإلتفات إليه وكأنه نكرة.. لا تعترف بوجوده.
استنكر الآخر تصرفها وهلل بضجرٍ:
_ طب حتى مفيش شكرًا!!
حرك رأسه في استنكار تام ثم تحرك مبتعدًا عن المكان متوجهًا إلى عمله.
***
عند الظهيرة، استقل عبدالله السيارة أمام الجامعة في انتظار مجيء ڤاليا، شعر بحاجته في إشعال سيجارة، ربما تشعره بالتحسن وتنسيه همومه، فترجل ليقوم بشراء عُلبة، لكن قطع عليه طريقه كلمات صبا التي نهته دومًا عن شربها.
فمال برأسه يمينًا ويسارًا مصدرًا صوت طقطقة في عنقه، وعاد من جديد إلى السيارة، مرت بضع دقائق وظهرت ڤاليا أمام عينيه في المرآة تتحدث في الهاتف، فضغط على الزمور حتى انتبهت عليه وتوجهت نحوه، استقلت المقعد الخلفي وتابعت حديثها إلى والدها:
_ آدم كلمك؟ هو قالي نتعشى مع بعض بليل..
_ هايل، برافوا إنك اعطتيه فرصة..
هتفها عز، فقالت ڤاليا:
_ بحاول أعمل زي ما أنت قولتلي.. أنا هروح المول أعمل شوبينج سريع كدا وارجع البيت..
انتهت المكالمة فوجهت ڤاليا حديثها إلى عبدالله:
_ هروح المول الأول يا عبدالله..
_ تمام..
قالها مكتفيًا بذلك الرد، وقعت عيني ڤاليا على يده الملتفة فتساءلت بفضولٍ:
_ ايدك مالها؟
ألقى عبدالله نظرة سريعة على يده ثم أجابها بإقتضاب:
_ جرح صغير..
_ عقمته كويس؟ خد بالك الحاجات دي لو أهملت فيها بتتلوث..
أردفتها ڤاليا بعفوية، فقال الآخر بصوتٍ جامد:
_ هعمل كدا إن شاء الله..
فغرت ڤاليا فاها ورددت:
_ تكون اتلوثت، ممكن توقف العربية please
طالعها عبدالله من خلال المرآة العلوية:
_ في حاجة؟ حضرتك محتاجة لحاجة؟
دون إيضاح للسبب أمرته:
_ وقف العربية يا عبدالله
انتقى الآخر مكانًا آمنًا وصف السيارة على جانب الطريق، فترجلت ڤاليا فور وقوفه، واستقلت المقعد الأمامي، وأردفت بجدية:
_ ممكن أشوف ايدك..
رفض عبدالله ذلك وعلل:
_ صغير مش مستاهل..
قاطعته ڤاليا مُصرة:
_ لو سمحت..
ابتلع عبدالله ريقه وطالعها بضيقٍ، فكان محاصرًا لم يستطع الهرب، فقام بإزالة الضمادة من على يده برفقٍ، فشهقت ڤاليا بصدمة وهتفت عاليًا:
_ هو إيه اللي صغير، دا محتاجة خياطة، لازم تروح المستشفى
حاول عبدالله إخفاء يده وقال:
_ أنا هتعامل، متقلقيش حضرتك..
_ حضرتي إيه بس، وتتعامل إيه؟ أنت إزاي بتتكلم بهدوء كدا..
هتفتها ڤاليا ثم أضافت وهي تبحث في السيارة:
_ كان فيه هنا إسعافات أولية لازم تتعقم وتتلف كويس لغاية ما تروح المستشفى..
سحبت صندوق الإسعافات وبتلقائية تناولت يد عبدالله فسحبها على الفور، رمقته بنظراتٍ مبهمة وحاولت إيضاح تصرفها:
_ هعقم لك الجرح...
نظر عبدالله أمامه بوجهٍ جامد و أردف:
_ قولت لحضرتك أنا هتعامل..
وكأنها لا تصغي لحرفٍ مما يقوله، وأعادت محاولة إلتقاط يده وهي تردد بنية حسنة:
_ أنت كدا بتإذي نفسك، لازم..
لم يدعها تُكمل جملتها فلقد اندفع بها بغضبٍ عارم:
_ خلاص بقى، قولت هتعامل..
تفاجئت ڤاليا بهجومه المندفع، رمقته بأعين واسعة لا تصدق غضبه الذي شهدته للتو، لم يفعلها أحدًا من قبل، لمعت عينيها تهدد بالبكاء، بينما لم يستطع عبدالله السيطرة على نفسه فترجل من السيارة ودفع بابها بعنفٍ مما سبب الذعر في قلب ڤاليا التي انكمشت على نفسها رعبًا.
في الخارج؛ ركل عبدالله بقدمه أحد الأحجار بضيقٍ لعدم تحكمه في غضبه، أوصد عينيه لحظاتٍ يُلملم بها شتات نفسه المبعثرة، أعاد فتح عينيه وزفر أنفاسه بقوة طاردًا ما بقى لديه من غضبٍ، استدار بجسده وأسقط عينيه متعمدًا على ڤاليا العابسة، ابتلع ريقه ثم ركب السيارة.
_ أنا بجد آسف بس أنا نفسيًا مش أحسن حاجة، أنا عارف إنك ملكيش ذنب، بس عصبيتي خرجت غصب عني مكنتش أقصد كدا، لو سمحتي تقبلي اعتذاري
قالها على أملاٍ أن تقبل اعتذاره، بينما شعرت هي بالشفقة وتأثرت لحالته، نظرت إليه وأردفت بهدوء:
_ لو عايزني أقبل اعتذارك سيبني أعقم لك ايدك وألفها كويس لغاية ما تروح المستشفى..
أطال عبدالله النظر أمامه دون إبداء ردًا، مرت ثوانٍ قليلة ثم مد يده لها دون أن ينظر إليها، ارتخت تعابير ڤاليا براحة ثم بدأت تعقم له جرح يده فشد عبدالله عروق يده حين شعر بالألم، استحثت الآخرى ما به، وتوقفت لبرهة ثم تابعت وضع الضمادة حول كفه.
التفت عبدالله برأسه يتابع ما تفعله، تلك الأثناء رفعت ڤاليا عينيها عليه فكانت تتفقده من آن لآخر، تقابلت عينيه البنيتين اللامعة لها إثر تعامد الشمس عليها، فخفق قلبها فجأة، وتملك منها التوتر دون سابق إنذار.
حاولت رفع عينيها عنه لكنها وجدت صعوبة، بينما هو سحب يده عندما انتهت وأردف دون مبالاةٍ:
_ هنروح على المول، صح؟
انتبهت ڤاليا على حالها وأعدلت جلستها ناظرة إلى الخارج، ابتلعت ريقها وأكدت سؤاله:
_ أيوة
تحرك عبدالله بالسيارة؛ بينما كانت تحاول ڤاليا فهم ما يحدث لها، وما سر تلك الانقباضة التي غزت قلبها، ولما هي أصابها التوتر أمام عينيه؟
ظلت منهمرة بين أفكارها لحين وصولهم المول، صف عبدالله السيارة وترجلت هي لتتسوق، مر ما يُقارب الساعتين فتأفف عبدالله بمللٍ، صدح رنين هاتفه فأجاب على الفور:
_ آنسة ڤاليا، اتفضلي..
_ please يا عبدالله تعالى لي أنا مش عارفة أمشي بكل الشنط دي، أنا في الدور التاني..
قالتها فردد عبدالله مختصرًا:
_ تمام
ولج المول وصعد الطابق الثاني؛ ووقف يبحث عنها فوقع هو على مرآى عينيها، صاحت عاليًا وهي تلوح إليه ليراها:
_ عبدالله، تعالى..
انتبه عليها فتوجه نحوها وفوجئ بالكم الهائل من الحقائب التي كانت برفقتها، اقترب منهم وانحنى ليتناول بعضًا في يُمناه وبقيتهم في يده اليسرى، أسبق بخُطاه نحو السُلم الكهربائي، فوقعت عينيه على من تسير على مقربةٍ منه، خفق قلبه بقوة وسرعان ما ألقى مع معه من الحقائب أرضًا وركض نحوها بلهفةٍ، وقف مقابلها كغريقٍ يطوق للنجاة وهتف:
_ صبا!!
الفصل الثامن عشر من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم تسنيم المرشدي
ظهرت ملامحها له بوضوحٍ، فجهل هويتها، وشعر بعدم انتمائه لذلك الوجه، لم يخفق قلبه عندما رآها، ولم تلمع عينيه بوميضه الذي يظهر عند وقوفه أمامها، لم تكن هي، لم تكن صبا!
_ في إيه يا أستاذ؟
قالتها الفتاة فأخرجت عبدالله من شروده، حرك رأسه يستطرد صوابه ثم رفع كلتى يديه معتذرًا:
_ أنا آسف، شبهتك بواحدة أعرفها
وسرعان ما انسحب من أمامها يجر أذيال آماله المتبخرة، آراد الهرب من المكان فتوجه إلى السُلم الكهربائي متناسيًا أمر ڤاليا التي نادته:
_ عبدالله أنت رايح فين؟
تجمدت قدميه للحظات، ثم عاد إليها وحمل الحقائب وأسرع في الهرب من المكان، وضع ما معه في الصندوق الخلفي للسيارة، واستقل خلف المقود ثم تحرك من المكان.
في الخلف؛ كانت تتابعه باهتمامٍ، يثير فضولها حول تصرفاته المبهمة، ناهيك عن عينيه الذي يشع منهما الحزن، انتبهت ڤاليا على الطريق وأسبقت في إخباره بوجهتها التي تريد الذهاب إليها، فتحدثت بصوتٍ مترقب هادئ:
_ عبدالله، أنا مش هروح البيت، لسه هروح أعمل شعري، هات رقمك ابعتلك اللوكيشن..
أملى عبدالله رقمه عليها، فقامت بإرسال الموقع له، وقام هو بالتوجه إليه، وصلا بعد عدة دقائق، ترجلت ڤاليا وولجت المكان، بينما انتظرها عبدالله بمللٍ، طالع أمامه بضيقٍ شديد فلم يحب ذلك العمل قط.
إنه متعِب وممل، شعر ببعض التعب فمال برأسه على طارة السيارة ليأخذ قيلولة يريح بها عقله ربما تعود إليه حيويته ويتجدد نشاطه اتجاه ذلك العمل.
بعد وقتٍ؛ انتبه على رنين هاتفه فقام بالرد:
_ آنسة ڤاليا..
_ عبدالله فيه دليفري واقف قدام المكان، خد منه الأكل وحاسبه please مش عارفة أخرج..
قالتها فأماء عبدالله بقبول، ترجل من السيارة وبحث عنه حتى وجده، توجه نحوه وقام بأخذ الطعام منه، وفجأة تذكر أنه لا يملك نقودًا..
ضاق صدره وأغمض عينيه لبرهة يحاول إيجاد حل غير أنه يستعين بڤاليا، حتمًا لن يفعل ذلك، تذكر أمر البطاقة الائتمانية فنظر إلى الشاب وسأله وداخله يطوق لقبوله:
_ ينفع أدفع بـ فيزا؟
أماء الشاب بتأكيد وأخرج جهاز البطاقات فناوله عبدالله إياها وقام بالدفع، نظر إليه الشاب وقال مبتسمًا:
_ تمام..
أعاد البطاقة إلى عبدالله وانصرف سريعًا، فوقف الآخر يزفر أنفاسه براحةٍ وهو يرمق البطاقة، شعر بالإمتنان لها لإخراجه من ذلك المأزق، وجه نظره إلى الطعام ثم هاتف ڤاليا وقال:
_ الأكل معايا، حضرتك هتخرجي تاخديه؟
_ مش هعرف أتحرك حاليًا أنا بعمل شعري، ادخل أنت...
هتفتها بتلقائية فاستنكر عبدالله طلبها وإلتزم الصمت لثانية قبل أن يُبدي استيائه من الأمر:
_ ادخل كوافير حريمي إزاي؟
ضحكت ڤاليا وأوضحت له ما يجهله:
_ حريمي إيه بس، اللي شغالين هنا كلهم رجالة.. تعالى يلا بجد أنا جعانة جدًا..
تفاجئ عبدالله، ولم يكن أمامه سوى الرضوخ، فتوجه إلى المكان بضيقٍ يتضاعف مع مرور الوقت من ذلك العمل، يعمل وكأنه خادم لديهم، تأفف بصوتٍ عالٍ وهمس بخفوت:
_ ما أنت كدا فعلًا..
ولج المكان وتفاجي بالكم الهائل من الرجال الذين يعملون هناك، استنكر جلوس السيدات جميعن أسفل يد رجل يداعب خصلاتهن، والكثير من الأعمال الذي يقوم بها وتستدعي تلامسه لهن.
وقف في منتصف المكان باحثًا عن ڤاليا، التي رأته ونادته وهي تلوح له:
_ عبدالله تعالى..
وقع بصره عليها فتوجه نحوها، وطالعها بنفورٍ شديد، فلقد خلعت سترتها العُليا ليسهُل على الشاب التعامل مع شعرها، فظهرت معالم أنوثتها بوضوحٍ للجميع، تحاشى عبدالله النظر عنها قدر استطاعته، ناولها الطعام وانسحب لكنها أوقفته:
_ استنى يا عبدالله، طالبة لك أكل معايا..
كاد يرفض لكنها منعته بقولها:
_ please مترفضش أنت معايا من الصبح ومأكلتش حاجة
_ أنا بجد مش قادر أكل حاجة.. اعذريني
هتفها بتعبٍ فأصرت الأخرى قائلة بدلالٍ:
_ ينفع ترفض لي أول طلب كدا؟
أخذ عبدالله يتنفس الهواء ليكون هناك متسع في صدره لتحمل ميوعتها المبالغة، غض بصره عنها فهو ينفر من مظهرها الجريء، ثم أردف مختصرًا:
_ تمام..
لاحظت ڤاليا تحاشيه النظر عنها، فاسقطت عينيها على بلوزتها وقامت برفعها قدر استطاعتها حتى أخفت جزءًا لا بأس به من جسدها الظاهر، حمحمت وناولته الطعام:
_ اتفضل..
أخذه منها وسرعان ما خرج المكان، تحت نظرات ڤاليا التي أعادت النظر إلى ملابسها وشعرت بالضيق من حالها، وأسرعت في ارتداء سترتها خافية جسدها العلوي، وبعد فترة قد انتهت من تصفيف شعرها وغادرت المكان.
ركبت السيارة وقد شعرت بالتعب ينهال منها فاليوم طويل للغاية، أسندت رأسها على النافذة، بينما تابع عبدالله قيادته بشرود كعادته، سابحًا بين ذكرياته التي تضيف له الألم.
_ حاسب يا عبدالله..
صرخت ڤاليا وهي تراه يقود بسرعة جنونية حتى اقترب للغاية من سيارة أمامهم وكاد يصطدم بها، إلا أنه دعس على مكبح السيارة بكل قوته فأطلقت الإطارات صريرً عاليا اثر احتكاكها بالأسفلت.
أغمضت ڤاليا عينيها تحاول تهدئة روعها، بينما نعت عبدالله عدم حرصه، التفت متفقدًا ڤاليا بقلق لوضعها المريب:
_ حضرتك كويسة؟
أعادت ڤاليا فتح عينيها التي تحول لونهما إلى الأحمر القاتم، واندفعت به بانفعالٍ شديد:
_ أنت كنت هتموتنا!! أنت مش طبيعي بجد، تعبان متشتغلش، لكن أرواح الناس مش لعبة في ايدك، كل ما أبص عليك بتكون سرحان، في إيه معرفش؟ أيًا يكن اللي شاغلك بالشكل دا، تنساه مجرد ما تركب العربية دي، أنا مش مستغنية عن روحي..
كلماتها وقعت كالحجر الذي أسقطه أحدهم من الأعلى فسقط على رأس عبدالله، رمقها بضيقٍ شديد قد اكتسبه من خلف قسوة كلماتها، أطال النظر عليها بعيون لامعة تأثرت بها ڤاليا وشعرت بالندم يجتاحها.
بينما اعتدل عبدالله في جلسته وأعاد تشغيل محرك السيارة لكن تلك المرة كان أكثر رزانة، كما عمِل جاهدًا على الإنتباه جيدًا وعدم تشتت ذهنه، بعد فترة؛ أتاه اتصالًا فلم يجب، بل لم يهتم لمعرفة المتصل.
فعقله مشغولًا بما قالته، لم يكف رنين هاتفه لبعض الوقت فصاحت ڤاليا من الخلف بنبرةٍ متشنجة:
_ لو سمحت رد على موبايلك أو أعمله صايلنت، أعصابي مش مستحملة أي أصوات بجد..
مع تكرار الرنين اضطر عبدالله إلى التطلع للمتصل فكانت والدته، شعر بالقلق، فهي لا تعيد رنينها إلا إذا كان هناك كارثة، فلم يتردد في الإيجاب ففجائته أحلام بقولها:
_ أختك تعبانة أوي ورايحين على المستشفى..
فوجئ عبدالله ولام نفسه على عدم الرد من الإتصال الأول، ضرب الطارة بعنفٍ وسألها:
_ مالها، حصل لها إيه؟
ردت أحلام موضحة وضع ابنتها:
_ مغص، ونزيف..
صمتت وأدارت وجهها إلى الجانب المعاكس لزينب وتابعت بهمسٍ حتى لا تصل كلماتها إلى مسمعها:
_ شكلها بتسقط المرة دي..
هيهات لأذنين زينب التي سمعت ظنون والدتها، فانهارت وصرخت بألمٍ:
_ اااه مش قادرة...
تألم قلب عبدالله عندما استمع لصوت شقيقته، وهتف بجدية:
_ مسافة الطريق وأكون عندكم..
أنهى المكالمة تحت اهتمام ڤاليا لوضعه الذي أصبح عليه، يبدوا أن هناك مصاب قد أصاب شخصًا عزيزًا، فترددت كثيرًا في سؤاله بعد ما أسمعته إياه منذ دقائق، ابتلعت ريقها وبعد مجاهدة مع نفسها سألته:
_ حد تعبان من أهلك يا عبد...
دون إعطائها فرصةً لإكمال سؤالها أردف ممتعضًا:
_ متشغليش نفسك يا آنسة ڤاليا..
قالها فتفاجئت هي برده، وتضاعف خجلها، لم ترفع عينيها من عليه مستاءة من برود إجابته، لكنها أعطته الحق بعد معاملتها الغير أخلاقية، ففضلت الصمت حتى وصلا إلى الفيلا.
ترجل عبدالله مسرعًا دون النظر إلى ڤاليا وتوجه إلى رفيق عمله إسلام وحدثه بلهفةٍ:
_ محتاج إذن ضروري، أختي في المستشفى ولازم اروح لها..
نظر إسلام في ساعة هاتفه قبل أن يعطيه إجابة بعملية:
_ اتفضل، كدا كدا مش محتاجينك باقي اليوم.. ألف سلامة عليها
_ الله يسلمك..
قالها وسرعان ما استدار بجسده وهرول ليغادر، أسرعت ڤاليا في الذهاب إلى إسلام وتصنعت جهلها بالأمر لتكون مُلِمة بما يحدث معه:
_ هو بيجري كدا ليه؟
أجابها الأخر بنبرة منضبطة:
_ أخته في المستشفى وطلب إذن يروح لها
أومأت ڤاليا برأسها ثم تابعت خروج عبدالله من الفيلا حتى اختفى فوجلت إليها، وداخلها يتآكله الندم على معاملته بقسوة، فهو لا يستحق، لم يتوقف عقلها عن التفكير في شيءٍ تريد به مساعدته.
حتى اقتحم أحدهم في مخيلتها، فأسرعت بالإتصال عليه:
_ اونكل قاسم..
***
أحضرت الفطور لهما، ثم وقفت تتفقد الأطباق چيدًا قبل إخراجها، فتفاجئت به يعانقها من الخلف، شهقت مذعورة وهتفت:
_ خضتني حرام عليك يا زكريا..
_ بتعملي إيه؟
تساءل بجدية، فأخبرته ليلى عما تقوم به:
_ بحضر الفطار..
_ ممم..
هتفها زكريا فأضافت ليلى وهي تحاول التحرر من بين ذراعيه المُتلفين حول خصرها:
_ يلا عشان ناكل.. ساعدني نخرج الأطباق دي برا
_ وليه الفرهدة دي، ما إحنا ممكن نعمل كدا..
تفاجئت ليلى برفعه لها ثم وضعها على الطاولة الرخامية، غامزها مشاكسًا:
_ كدا أسهل ولا إيه
انفرج ثغرها ببسمةٍ عذبة وحركت رأسها مستنكرة فعلته المتهورة، بدأ يتناول زكريا الطعام ويُطعمها في فمها، فشردت به ليلى، متعجبة من شخصيته المتناقضة، وكأنه شخصان في جسدٍ واحد، شخصًا حنون ورومانسي ويكون لطيفًا في بعض الأحيان، والشخص الآخر قاسٍ يتصرف ببرودٍ في أحيانٍ أخرى.
أخرجت ليلى تنهيدة قبل أن تردف:
_ ياريتك تفضل كدا على طول..
بعيون ضائقة سألها بعدم فهم لما ترمي إليه:
_ كدا إزاي مش فاهم؟!
أخبرته ليلى وهي تُمسِد بأصابعها على وجهه بنعومة:
_ كدا، يعني تفضل لطيف وهادي ورومانسي كدا على طول..
أبعدت ليلى يدها وتنشجت ملامح وجهها وهي تهدر بحنقٍ:
_ ومتتحولش وتبقى حد قاسي مش بيتهم غير لنفسه وبس..
رفع زكريا حاجبه الأيسر وهو يرمقها بنظراته المتعجبة وأشار إلى نفسه مردفًا سؤاله:
_ أنا قاسي؟
أكدت ذلك بإيماءة من رأسها فتفاجئ زكريا وإلتزم الصمت لثوانٍ قبل أن يقطعه بقوله:
_ ليلى أنا وأنتِ علاقتنا أكبر من اتنين حَبيبة، فيها عشم وتلقائية، إحنا بقالنا سنين مع بعض وعدينا بمواقف صعبة كتير، فبتعامل معاكي بطبيعتي مذ أكتر يعني.. عشان عارف أني مهما عملت هتسامحيني وهترجعي ليا في الآخر، وأنا نفس الوضع مهما حصل وأنتِ عملتي عارف إني ليكي وبرجع لك..
أخذ يتنفس الهواء وقال وهو يُنهي طعامه:
_ أنا نازل، عندي شغل.. وصحيح اتغدي أنتِ عشان هتأخر النهاردة مش هرجع غير بليل..
ابتهجت ليلى لحظتها؛ حيث راودها اقتراحًا أقدمت على استئذانه به:
_ طب طلاما كدا، ممكن أعمل الأكل وأروح اتغدي مع بابا، حرام بياكل لوحده..
_ وماله...
قالها زكريا بترحاب، فابتسمت ليلى وقالت:
_ نزلني بقى
ابتعد عنها زكريا وغمزها بعينيه وهو يضحك ثم قال:
_ انزلي لوحدك، ما أنا قاسي بقى..
انصرف من المطبخ فهللت ليلى بدلالٍ قبل ذهابه:
_ يا زيكو.. عشاني
تفاجئت برأسه تميل من خلف الجدار، ابتسمت له برقة، فعاد إليها وقام بإنزالها، أخذها أسفل ذراعه حتى وصل إلى الباب فقام بسحب ذراعه، تعلقت ليلى في رقبته وقبلت وجنتيه بحرارة متعمدة ذلك، نظر زكريا إلى ساعة هاتفه يتفقد الوقت وقال:
_ إحنا لسه بدري صح..
استشفت ليلى قصده؛ ابتعدت عنه ووقفت خلف الباب الذي كان حائلًا بينهما وهتفت:
_ لا أنت اتاخرت، يلا روح على شغلك...
فأصر زكريا على العودة إلى الداخل مرددًا:
_ لا لا إحنا لسه بدري
فأسرعت ليلى في غلق الباب قبل أن يدلف بخُطاه إلى البيت ثانيةً، فهلل الآخر من الخارج:
_ ما أنا كدا كدا راجع لك، هتروحي مني فين؟
أطلقت ليلى بعض الضحكات المائعة فأضاف زكريا وهو يترجل درجات السُلم:
_ ماشي يا ليلى..
ثم تابع نزوله قاصدًا الذهاب إلى عمله، متوعدًا لتلك الفتاة داخله، بأن يلقنها درسًا ستفكر بعد ذلك قبل ملاطفاته وتركه بين نارين.
***
يقف يعمل، لكنها كانت شاغله الأساسى، يتفقد ساعة الحائط من آن لآخر، يريد أن يطمئن عليها لكن كيف فاستخدام الهواتف ممنوعة أثناء العمل، لكنه لم يستطع الصبر لأكثر، تكفي تلك الساعات التي مرت.
انتقى أبعد زاوية عن أعين الكاميرات التي تترصد المكان، وقام باعادة فتح هاتفه، ثم قام بالإتصال عليها، وعينيه تُراقبان المكان من حوله.
بعد قليل؛ أجابته بصوتها العذب:
_ وليد؟
بصوتٍ منخفض تعمد عدم رفعه سألها باهتمامٍ:
_ خلود، عاملة إيه دلوقتي؟
_ أحسن كتير..
هتفتها مجيبة إياه فتابع الآخر أسئلته:
_ عملتي إيه في الإمتحان؟ حليتي كويس؟
أخرجت خلود تنهيدة حارة قبل أن تخبره ما أحدثته في الإختبار:
_ يعني، مش أحسن حاجة، بصراحة كان معقد شوية، بس تمام يعني..
_ أنتِ رجعتي البيت ولا لسه؟
تساءل بجدية، فردت خلود وهي تصعد الدرجات:
_ لسه طالعة على السلم..
أراد وليد إنهاء المكالمة قبل أن يتم كشفه فقال:
_ متقوليش لحد على اللي حصل الصبح، يعني عشان ميقلقوش وكدا..
بتأكيدٍ قالت:
_ أنا مكنتش هقول لحد فعلًا..
صمتت خلود حين راود عقلها سؤالا وسألته بفضولٍ:
_ أنت بتتكلم إزاي وأنت في شغلك؟ مش المفروض ممنوع الموبايلات
رد عليها مختصرًا:
_ كنت قلقان، فحبيت أطمن عليكي..
فاجئها رده؛ فغرت فاها وكذلك عينيها التي اتسعت
مذهولة، لم تقدر على إعطائه رد، فالخجل كان سيد الموقف لحظتها، عضت شفاها ولم تمنع ابتسامتها التي غزت شفتيها دون إرادة منها.
على الجانب الآخر، انتبه وليد على مُشرف الممر خاصته الذي لاحظه وقال معنفًا:
_ مكالمات وقت الشغل يا وليد!!
أنهى وليد الإتصال على الفور ووقف يسمع ما لا يسُر أذنيه، حتى فرغ المُشرف من توبيخه ثم أنهاه قائلًا:
_ مخصوم لك نص يوم عشان تلتزم بعد كدا بقوانين المكان..
لم يستطع وليد مجابهته وفضل الإستماع دون تعليق، فانسحب المُشرف من أمامه متابعًا مراقبته على جميع العاملين بينما سبًه وليد بحنقٍ وعاد يتابع عمله بحنقٍ.
على الجانب الآخر؛ وضعت خلود يدها على فمها بصدمةٍ، بعد أن كُشف أمر وليد، انتهت صدمتها بضحكة سعيدة لإطمئنانه عليها، نظرت إلى الهاتف وتفقدت إسمه المدون على الشاشة بعيون لامعة
ثم تابعت صعودها حتى وصلت إلى الطابق الكائن به بيتهم.
***
ترجل عبدالله من التاكسي سريعًا وولج المستشفى مهرولًا، وقف أمام موظف الإستقبال وسأله من بين أنفاسه اللاهثة:
_ زينب إبراهيم لسه داخلة هنا فين؟
تفقد الموظف الجهاز أمامه ثم أجابه:
_ في العمليات يا فندم، آخر أوضة في الممر على اليمين
لم يقف عبدالله ثانية وركض حيث أخبره الموظف، فالتحق بوالدته التي تبكي بحسرة:
_ زينب فين، وحصل لها إيه؟
تساقطت عبراتها بغزارة وهي تخبره عما أصاب شقيقته:
_ دخلت عمليات، أختك بتجهض يا عبدالله..
صعق من سماع مصيبة شقيقته، وجه أنظاره نحو الباب التي توجد خلفه زينب، أغمض عينيه لبرهة، لم تتحمله قدميه فجلس أرضًا واضعًا راحتي يده على رأسه محاولًا لملمة شتات نفسه.
بعد مرور بعض الوقت؛ خرجت زينب من غرفة العمليات برفقة ممرضتان، وضعوها في غرفةٍ ثم قاموا بإعطاها العلاج اللازم وانصرفن متمنين لها السلامة.
جلست أحلام بجوارها على الفراش، مُمسكة بيدها ومسدت بالآخرى على رأسها، حزينة على رؤيتها في تلك الحالة المذرية، بينما كان يقف عبدالله أمام الفراش يطالعها بشجن، يلوم نفسه على عدم حمايتها من ذلك الكلب، حتى وإن جاهد مرارًا على تركها له لكنه حتمًا كان في استطاعته أكثر من ذلك.
توجه إلى النافذة التي تتوسط الغرفة وضرب الحائط بعنفٍ ثم هدر:
_ يارتني ما سيبتهاله، يارتني أصريت عليها أكتر من كدا..
تركت أحلام يد زينب برفق، وتوجهت نحوه، ربتت على كتفه محاولة مأزرته:
_ أنت عملت كل اللي عليك يا عبدالله، متلومش نفسك، أنت موت نفسك عشان تشوف الحقيقة وهي اللي صممت تكمل معاه، أنت عملت اللي عليك وأكتر يا حبيبي..
صمتت أحلام وانسدلت دموعها كالشلال وهي تجوب بعينها ابنتها النائمة واستأنفت حديثها المسترسل:
_ ربنا يسامحني على كلامي، بس كدا أحسن لها يا عبدالله، هتزعل شوية أحسن من أنها تجيب طفل للدنيا من غير أب، الحياة من غير راجل صعبة أوي.. وأنت مهما عملت في الآخر هيكون ليك حياتك ومش هتقدر تسد احتياجاته.. ربنا كريم والحمدلله إن حصل كدا.. ربك لطف بيها صدقني..
كانت كلماتها بلسمًا لجراح عبدالله، داوته وخففت من آلامه، استدار بجسده ناظرًا إلى زينب بآسى شديد، فلم يكن يحب أن يحدث لها ذلك، أخرج تنهيدة مهمومة وجلس على الأريكة مستندًا برأسه على حافتها.
طُرق باب الغرفة؛ فسمح للطارق بالدخول، فظهر من خلفه قاسم بهيئة قلِقة، فتفاجئوا بحضوره، حمحم وباهتمامٍ ظاهر تساءل:
_ زينب عاملة إيه دلوقتي؟
***
انتهت ليلى للتو من طهي الطعام التي صنعته بكل حب خصيصًا لوالدها، وضعته في حافظة الطعام ثم ارتدت ملابسًا خاصة بالخروج وخرجت من البيت.
تقابلت مع والد زكريا على السُلم، فدعاها للدخول لكنها أبت مُعللة:
_ معلش يا عمي أنا راحة لبابا.. مش عايزة أتأخر عليه
ابتسم محمد بهدوءٍ وردد:
_ ابقي سلمي لي عليه كتير..
تلك الأثناء جاءت هناء على صوتهما، فولج محمد للبيت بينما تساءلت هناء وهي تطالع الحقيبة البلاستيكية المُمسِكة بها والتي تفوح منها رائحة الطعام:
_ على فين يا ليلى؟
بإمتعاضٍ أجابتها ليلى وهي ترفع الحقيبة للأعلى:
_ أخدة آكل وراحة أكل مع بابا..
رمقتها هناء بدهشة، ولم تمرق الأمر دون تعكير صفوها:
_ وعلى كدا جوزك عارف إنك واخدة آكل من بيته؟
فغرت ليلى فاها بصدمة؛ وطالعتها بعيون واسعة ولم تستطع الصمت:
_ عارف ولا مش عارف، تفرق في إيه؟
_ تفرق إن حرام حاجة تخرج من بيت جوزك من غير إذنه!!
هتفتها هناء بوقاحة، بينما لم تتقبل ليلى نسبها البيت لزكريا فقط، واندفعت بها:
_ على فكرة هو بيتي زي ماهو بيت ابنك بالظبط، ولو على الأكل ياستي اللي مضايقك أوي..
أمسكت ليلى يد هناء وقامت بوضع الحقيبة بها وتابعت:
_ اتفضليه، كُليه أنتِ..
أولتها ليلى ظهرها وترجلت الأدراج سريعًا بخُطوات غير متزنة ذهبت إلى بيت والدها وهي لا ترى أمامها من فرط غضبها، بينما تجمدت هناء مكانها تنظر إلى الحقيبة التي بيدها بصدمة، ثم صاحت بصوتٍ جهوري:
_ عليا...
هرولت الأخرى من غرفتها إثر صراخ والدتها متسائلة بتوجسٍ:
_ في إيه؟
التفتت لها هناء ورفعت يدها المُمسِكة بالحقيبة وبوجهٍ محتقن يميل لونه إلى الإحمرار بسبب كظم غيظها هتفت:
_ خدي الشنطة دي من ايدي بسرعة..
أسرعت عليا في أخذ الحقيبة من يدها وهي لا تعي ما يحدث، فتابعت هناء ببغضٍ شديد:
_ بتقولي كُليه!! شيفاني جعانة قدامها!!
ارتمت هناء على الأريكة وأمسكت رأسها فشعرت بالدماء تتدفق بقوة بها، ركضت نحوها عليا مذعورة وهي تتساءل بقلق:
_ مالك يا ماما، إيه اللي حصل؟
_ الحقيني ببرشامة الضغط، مش حاسة بدماغي..
قالتها هناء وهي مُغمضة العينين لا تستطع فتحهما، فتوجهت عليا إلى غرفة والدتها وطرقت الباب قبل دخولها، سمح لها والدها فوجلت وقالت بإستيحاء:
_ معلش يا بابا، هاخد برشام الضغط بتاع ماما وهخرج..
باهتمامٍ سألها:
_ مالها أمك؟
أخبرته مختصرة وهي تبحث عن الحبوب:
_ مش عارفة حصلها إيه فجأة...
أخذت الدواء خاصة والدتها وعادت إليها وكذلك انضم لها محمد وخلود التي جاءت على أصواتهم متسائلة بلهفةٍ:
_ في إيه ماما مالها؟
_ شكل الضغط عالي..
قالتها عليا وهي تناولها حبوبها وكوبًا من الماء، كما ساعدتها على تناولها، في الخلف صاح محمد مهتمًا لأمرها:
_ تعالي لما ننزل المستشفى أحسن يا هناء..
رفضت هناء بحركة من رأسها دون تعقيب، أسندت رأسها على الأريكة وأغمضت عينيها محاولة الاسترخاء ليعود ضغط دمها إلى معدله الطبيعي.
بعد مدة؛ شعرت ببعض الراحة، أعادت فتح عينيها فوجدتهم يقفون أمامها والخوف مرسوم على تقاسيمهم، وأول من أسبق بالسؤال كان زوجها:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
بنبرةٍ متعبة أجابته:
_ تعبانة، تعبانة مش قادرة، البت رفعت لي ضغطي وهتموتني..
قطب الجميع جبينهم بغرابة، وسألتها عليا مستفسرة:
_ تقصدي مين؟
رفعت عينيها في عيني خلود وقالت بحدةٍ:
_ أنتِ عملتي لها حاجة؟
برقت عيني خلود وهتفت عاليًا:
_ معملتش حاجة، أنا لسه راجعة من الكلية أصلًا..
تأفف محمد بضجرٍ وصاح بنفاذ صبر:
_ ما تقولي يا هناء بت مين اللي قصدك عليها؟ وحالتك دي سببها إيه؟
أعدلت هناء جلوسها؛ وبدأت تخبرهم ماحدث متعمدة اختلاق حديثها مع ليلى:
_ ليلى، بقولها راحة فين؟ قالتلي راحة أكل مع بابا، قولتلها طبعا عملاله الحلو كله، تلاقيكي خلصتي على أكل البيت بهزار قامت رامية الشنطة في أيدي وقالتلي خليهولك كُليه أنتِ..
صعق الجميع مما أخبرتهم به هناء، وتبادلوا النظرات المذهولة، غير مصدقين ما حدث، فلم يسبق وأن تطاولت ليلى في الحديث كهذا، فما الذي حدث لها؟
خرج محمد عن هدوئه وصاح بنبرةٍ غير متقبلة ما حدث:
_ إيه قلة الذوق دي، الكلام دا ميتسكتش عليه أبدًا، لازم ابنك يعرف ويعرف مراته حدودها كويس!!
انسحب محمد على الفور جاذبًا هاتفه من الغرفة وقامت بالإتصال على زكريا يخبره بالأمر كاملًا، بينما اقتربت عليا من هناء وجست على ركبيتها وهمست وعينيها تتطلع في والدتها بترقبٍ قبل أن تسألها بجدية:
_ ماما أنتِ متأكدة إن عليا قالت كدا فعلًا؟ الدنيا هتقوم يا ماما، وهيحصل مشاكل وزكريا مش هيسكت وأنتِ أكتر واحدة عارفة عصبيته بتكون إزاي؟!
أطالت هناء النظر بها، خشيت حدوث تلك المشاكل التي اخبرتها عنها، لكنها حتمًا لن تقول الحقيقة وتصبح كاذبة في مثل ذلك العمر، ابتلعت ريقها ثم تصنعت القوة وهدرت بها منفعلة:
_ والله عال يا ست عليا، قصدك تقولي إن أمك كذابة وبتتبلى عليها؟ بدافعي عنها على حساب امك؟!
حاولت عليا إيضاح الأمور التي تتغافل عنها برزانة:
_ مش بقول كدا، بس لو فيه مبالغة منك إلحقي بابا ما يقول لزكريا، فيه بيت ممكن يتخرب بعد كلامك دا!
هبت هناء واقفة رافضة سماع المزيد خشية تأثرها بكلامها، وتتراجع عما افتعلته وصاحت وهي تهرب من أمامهن:
_ يتخرب على دماغها، دي آخرة قلة أدبها
اختفت خلف باب غرفتها بينما استقامت عليا في وقفتها ورددت بعقلٍ لا يُصدِق والدتها:
_ الموضوع دا فيه حاجة، أكيد ليلى مقالتش كدا
أضافت خلود مستاءة من تصرفات والدتها:
_ أمك دي ست أرشانة، توقعي منها أي حاجة
تفاجئت عليا بوقاحة خلود ونهرتها غير راضية عما قالته:
_ اتلمي واتكلمي عدل عن أمك..
تنهدت بضيق وواصلت:
_ لما نشوف آخرة الموضوع دا إيه؟
****
انتهت من ارتداء تنورتها السوداء القصيرة، وقامت بإدخال بلوزتها الزرقاء بها، قامت بفتح الزِر العلوي لها ليظهر عِقدها الألماس، فتحت درج الحُلي خاصتها وقامت بانتقاء أقراط تتماشى مع العِق وقامت بارتداءه.
سحبت عطرها الفرنسي تنثر منه على ثائر جسدها، ثم ارتدت كعبها الفضي، ووقفت تتفقد هيئتها في المرآة، شعرت بالرضاء الكامل لمظهرها الأنيق، توجهت إلى الشرفة عندما استمعت إلى صوت إحدى السيارات.
فوجدته آدم قد وصل لتوه، عادت إلى الغرفة والتقطت حقيبتها الفضية ووضعتها أسفل ذراعها ثم ذهبت إليه، ترجل آدم لاستقبالها فتفاجئ بطلتها الساحرة التي سرقت قلبه.
ولكن سرعان ما راوده الضيق من نظرات العاملين عليها، ضاق صدره واقترب منها بوجهٍ عابس وأردف بصوتٍ محتقن:
_ مفيش حاجة أطول من كدا شوية يا ڤاليا؟
أخفضت بصرها على ملابسها ثم عاودت النظر إليه وردت ببرود:
_ لأ.. لو مش عاجبك ممكن نلغي العشا عادي
تفاجئ آدم بإرادتها في إلغاء العشاء، آبى ذلك فهو يود التودد منها ليوطد علاقته بها، أعاد النظر إلى هيئتها من جديد فأصابه الضيق ثانيةً، ولم يتقبل مظهرها البتة، عاد إلى السيارة وقام بفتح الباب الأمامي لها قائلًا:
_ اتفضلي..
بغرورٍ توجهت إلى السيارة وقامت بركوبها، بينما نفخ هو بضجرٍ وتوجه إلى مقعده بوجهٍ متجهم، قاد السيارة وعينيه تختبئ النظر إلى ساقيها الواضحين له.
لم ينبس بحرفٍ حتى وصولهما إلى المطعم الذي قام بحجزه، حمد لله داخله بأنه قام بحجز المكان
كاملًا لكي لا تكون الأعين كثيرة، ولجا سويًا فقام بإعدال الكرسي لها بلطفٍ، ثم جلس أمامها.
حمحم وسألها مستفسرًا:
_ المكان عجبك؟
تفقدت ڤاليا المكان فوجدته مليء بالأزهار الحمراء فعادت ناظرة إليه مجيبة إياه بإيجازٍ:
_ كويس..
ابتسم لها وحاول أن يكون لطيفًا معها فقال بصوتٍ رخيم:
_ شكلك حلو أوي.. زي القمر
تفاجئت ڤاليا بمغازلته لها وقالت بخجلٍ:
_ Thanks, دا من ذوقك
حمحم قبل أن يقترح عليها:
_ تحبي تاكلي حاجة معينة، ولا تسبيني اختار لك؟
_ it's okay, مفيش مشكلة..
قالتها ڤاليا فقام آدم بطلب طعامًا لهما، ثم بدأ حديثه المُهتم:
_ يومك كان عامل إزاي النهاردة؟
أجابته وهي تقلب عينيها:
_ بصراحة كان يوم طويل ومليان أحداث مملة.. مش حابة أفتكره..
ضاق آدم بعينيه وتردد في سؤالها لكن شيء داخله حثه على سؤالها:
_ عبدالله ضايقك في حاجة؟
طالعته ڤاليا لبرهة، لم تفضل إخباره بالتوتر الذي حدث بينهما، تنهدت وقالت:
_ لا بالعكس، عبدالله شاب لطيف..
تأججت نيران غيرة آدم، تجهم وجهه ولم يستطع إخفاء ضيقه الذي انعكس على نبرته:
_ ڤاليا أنا عايزك تتجنبي البني آدم دا على قد ما تقدري، هو مهمته يوصلك وبس، أكتر من كدا متديلوش فرصة..
قطبت جبينها بغرابةٍ من حديثه المريب، وفضولها قادها لسؤاله حول هجومه على أخيه:
_ ليه كل دا؟ وليه بتتكلم عنه بالشكل دا، مش هو برده أخوك؟
أغمض آدم عينه للحظة؛ ثم أردف بصوتٍ أجش:
_ إحنا اخوات على الورق كدا بس، لكن مفيش بينا جو الأسرة دا، ودا لأنه إنسان غير سوي، همجي متربي في بيئة غير بيئتنا، وأنا خايف عليكي منه.
صعقت ڤاليا من هجومه الغير أخلاقي على أخيه، شعرت بالنفور منه وحاولت ردعه عن الحديث بهذا الشكل:
_ بس أنا محستش منه اللي بتقوله عليه دا..
_ أنتِ لسه صغيرة يا ڤاليا، مش عندك النضج الكافي عشان تشوفي البني آدمين على حقيقتهم..
هتفها آدم ثم التقط أنفاسه وحاول كبح غضبه المتقد ثم تابع:
_ وبعدين إحنا مش جاين هنا عشان نتكلم عن عبدالله
مد يده وأمسك يدها وواصل بنبرة عذبه:
_ خلينا نتكلم عننا..
تفاجئت ڤاليا من جرأته وسحبت يدها مُبدية
انزعاجها:
_ لو سمحت من غير لمس..
أعاد آدم يديه إلى جواره وقال:
_ تمام..
نظر إليها وابتسم لحالتها الخجولة، فحاولت الهرب من نظراته المصوبة عليها، انفجرت ضاحكة عندما فشلت في الهرب منه ورددت:
_ بتبُصلي كدا ليه؟
مال بجسده للأمام حتى إلتصق بالطاولة فكان قريبًا منها وأجابها:
_ مُغرم!
اتسعت مقلتي ڤاليا مذهولة مما سمعته، أدارت رأسها ناظرة إلى يمينها وابتسمت بخفة، فابتهج آدم من ابتسامتها التي أسرت قلبه، وشعر ببداية قُرب الوصال بينهما.
وصل النادل ومعه الطعام الذي طلبه آدم خصيصًا، فتفاجئت ڤاليا بالأطعمة التي وُضعت أمامها، انتظرت حتى فرغ النادل وذهب وتساءلت:
_ أنت عرفت منين إني بحب الإستيك مع الباستا بالمشروم؟
تقوس ثغره للجانب مُشكلًا بسمةٍ جذابة وقال:
_ بصراحة استعنت بـ طنط نهال.. حبيت أعملك حاجة بتحبيها..
لم تختفي الإبتسامة من على وجهها؛ وشعرت باللطف إتجاه تصرفه فشكرته ممتنة:
_ Thanks, بجد أنت لطيف أوي..
اكتفى آدم بالإبتسام ثم شرع كليهما في تناول الطعام كما تناولا بعد الأحاديث من آن لآخر مستمتعين بوقتهما، مر وقتًا لا بأس به، شعرت ڤاليا بالتعب، فاليوم كان طويلًا، نظرت حيث آدم وقالت بلطفٍ:
_ هكون سخيفة لو قولت إني عايزة أروح؟
تفاجئ آدم بقولها وسألها بريبة:
_ زهقتي مني بالسرعة دي؟
أسرعت ڤاليا في توضيح الأمور له:
_ مش مسألة زهق، بس أنا مطبقة من امبارح ومعتش قادرة أفتح عيوني..
ابتسم آدم بجاذبية وأردف بصوت رخيم:
_ لا يبقى نقوم عشان تنامي براحتك..
ابتسمت ممتنة، ثم نهضا كليهما وخرج من المكان، قام آدم بفتح السيارة لها فركبت هي ثم استقل هو مقعده، وتحرك بالسيارة عائدًا إلى الفيلا خاصتها.
بعد ما يقرب الثلاثون دقيقة وصلا إلى الفيلا، استدارت ڤاليا برأسها وأردفت ممتنة:
_ Thanks كان وقت ممتع..
ابتهج آدم من أسلوبها الهادئ الرقيق الذي يتعامل معه حديثًا وقال بسعادة:
_ فرحت إنك استمتعتي..
تثاءبت ڤاليا بنعاسٍ انتهت بضحكة ساخرة على حالتها ورددت مازحة:
_ أنا لو طولت ثانية كمان ممكن يغمي عليا، يلا Good night
_ تصبحي على خير..
هتفها بلوعة فاكتفت الآخرى ببسمةٍ وترجلت من السيارة ثم لوحت له مودعة إياه وولجت الفيلا، فتحرك آدم خارجًا بسيارته من الفيلا بشعورٍ من السعادة التي سكنت قلبه، وإزداد حماسه إلى الأيام القادمة متأملًا توطيد علاقتهما أكثر من ذلك.
***
بعد حلول منتصف الليل المستشفى؛ عاد قاسم من الخارج وأشار إلى عبدالله الذي توجه نحوه فهمس الآخر بخفوت:
_ أنا خلصت حساب المستشفى، وبعت حمدي السواق يجيب شوية طلبات كدا بما إنكم هتباتوا النهاردة..
لم يحب عبدالله ذلك وهاجمه:
_ وليه عملت كدا؟ أنا موجود وأقدر أعمل كل دا!
تنهد قاسم وتحلى بالصبر ثم قال:
_ عنيد أزي، بس معلش هستحملك..
ابتسم بخفة وتابع مازحًا:
_ ابني بقى هبلع لك الزلط زي ما بيقولوا..
انضمت لهما أحلام ووجهت حديثها إلى قاسم ممتنة:
_ أنت تعبت معانا النهاردة يا قاسم، روح بيتك ارتاح..
_ راحتي هي راحتكم يا أحلام، طول ما أنتوا كويسين أنا هكون مرتاح
لم ينطق أي منهما بكلمة بل اكتفيا بنظراتٍ ممتنة، بعد قليل؛ وصل السائق ومعه الكثير من الأكياس المليئة بالأطعمة الشهية والعصائر الطبيعية، وبعض الحلوى، أخذهم منه قاسم ووضعهم على الطاولة التي تتوسط الغرفة ثم نظر إلى عبدالله وقال:
_ أنا همشي بس عشان تكونوا على راحتكم، وبكرة من بدري هكون عندكم.. عشان العربية توصل زينب مكان ما تحب، تصبحوا على خير..
_ وأنت من أهله
قالتها أحلام بينما ابتسم لها قاسم بخفة ثم انسحب من الغرفة بهدوءٍ، لم يمر سوى ثوانٍ حتى استيقظت زينب ودخلت في نوبة بكاء شديدة كالمرات التي استفاقت بها، ركضت نحوها أحلام وقامت بضمها محاولة تهدئتها:
_اهدي يا زينب عشان خاطري، قدر الله وماشاء الله يا بنتي، نصيب ..
ثم نظرت إلى عبدالله وقالت بحيرة من أمرها:
_ هنعمل إيه، الممرضة آخر مرة قالت جرعة المهدئات خلصت، معتش ينفع تاخد النهاردة!
حركت أحلام رأسها مستاءة ورددت بحرارة:
_ ربنا ينتقم منك يا حمادة، بنتي في حالتها دي بسببك
أخرج عبدالله تنيهدة مهمومة، ولعن قلة حيلته، فهو يقف مُكبل الأيدي لا يستطع النجاح بشيء، يفشل في حماية من يحبهم، تذكر كلمات والده حول الأشياء التي تحدث ولا يمكننا ردعها، لا نملك القوة لمنع ما يؤذي أحبتنا.
لكن لن يستسلم، لن يخضع لهوان نفسه وترك المذنب دون محاكمته، صر عبدالله أسنانه بغضبٍ وبرزت عروق عنقه حتى كادت تنفجر، طالع شقيقته يستمد من وضعها القوة ويزداد كُرهًا لذلك اللعين حمادة.
لم يقف لثانية أخرى، بل هرول إلى الخارج وهو يتوعد داخله بأخذ ثأره من حمادة لكل من قام بآذيته، خرج من المستشفى بخُطوات غير متزنة تتسارع مع نفسها، حتى وصل إلى سيارة قاسم الذي ركب لتوه وقام بفتح الباب ثم انحنى بجسده ليكون في مستوى جلوس أبيه وقال:
_ أنا موافق أعطيك فرصة، بس بشرط!
الفصل التاسع عشر من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم تسنيم المرشدي
جلس قاسم برفقة عبدالله على مقاعد الإنتظار في حديقة المستشفى؛ استدار قاسم حيث يجلس عبدالله ورمقه بكل آذان صاغية فقال الآخر شرطه:
_ عايزك تلاقي لي حمادة!
تفاجئ قاسم بشرطه، قطب جبينه وتساءل بجدية:
_ هتعمل بيه إيه؟
كز عبدالله أسنانه بغضبٍ وصاح وهو يطالع الفراغ أمامه:
_ حمادة دا سبب المصايب اللي في حياتي، سبب وجع قلبي وضياع حبي الوحيد وخسارة اختي لابنها أو بنتها..
التفت عبدالله برأسه ناظرًا إلى والده وواصل ببغضٍ:
_ عايزه.. هتقدر تعمل كدا ولا لأ؟
أخذ قاسم نفسًا عميق قبل أن يردف بنبرة هادئة رزينة:
_ حمادة وجبناه، إيه اللي هيحصل بعد كدا؟
_ اللي بعد كدا دا بتاعي أنا.. أنا هتصرف معاه؟
هتفها عبدالله بنبرة تطوق للإنتقام، بينما لم يُعجبه قاسم أسلوب عبدالله وتفكيره، تنهد وأبدى استيائه:
_ تبقى عبيط لو فاكر إني هسيب لك حمادة تحت ايدك، أكيد مش مستغني عنك للدرجة دي..
لم يقبل عبدالله كلامه، هب واقفًا وصاح بحنقٍ:
_ خلاص أخرج برا الموضوع، ويبقى الحال كما هو عليه..
شعر قاسم بالخزي الشديد، نهض وتحدث بنبرةٍ محتقنة:
_ حب الأب مش مشروط يا عبدالله، أنا آه أتمنى إنك تحبني لشخصي بس هحاول أعمل لك اللي أنت عايزه، بس الحاجة دي بالظبط مش هينفع، لأنك كدا بتضيع عمرك ومستقبلك، وأنا مش هسمح لك أبدًا تعمل كدا..
استدار عبدالله ورمقه بنظرات مشتعلة مستاءة وهتف بنبرة متحسرة:
_ ماهو ضاع خلاص، معتش فيه مستقبل عشان أعمله حساب، أنا لازم أدفع حمادة تمن حياتي اللي باظت بسببه!
يابني أنت لسه صغير والحياة قدامك، مستقبل إيه اللي ضاع بس؟! أنا لو قِبلت أساعدك هساعدك إن حمادة ياخد جزاءه بالقانون مش بالطريقة اللي أنت عايزها دي يا عبدالله..
هتفها قاسم بإصرارٍ على فعل الصواب، بينما خرج عبدالله عن طوره وصرخ كالمجنون:
_ طب إزاي؟ قولي أنت إزاي؟ مش القانون دا عايز دليل؟ أجيب له دليل منين؟ مش معايا حاجة تدينه، حتى المجني عليها مش موجودة، يبقى القانون هيحاسبه إزاي؟
دنا منه قاسم وأمسك ذراعه محاولًا تهدئته بإيجاده بعض الحلول:
_ أكيد فيه دلايل كتيرة، بس إحنا ندور كويس، المنطقة عندكم مفيهاش كاميرات؟ أكيد فيها نروح ونشوف الأماكن اللي حصل فيها الحادثة، ونشوف وقت ما تعدى على أختك وعليك أنت وصاحبك بالسلاح.. فيه مليون طريقة يا حبيبي تاخد حقك بيهم منه من غير ما تإذي نفسك.. أنت غالي أوي ومش هقدر أفرط فيك تاني..
كان ينظر إلى يد والده المُمسِكة به، ثم رفع بصره وتقابل مع عيون والده، فكلامه أراح جزءًا داخله، وشعر بحاجته بالبحث عما يُدين ذلك الوغد، أخذ نفسًا وزفره على مهل ثم قال بصوتٍ أقل انفعالًا:
_ بس أنا برده عايزه، صدقني محتاج أعرف منه أي حاجة يمكن أقدر أوصل لصبا.. عشان خاطري جيبهولي..
طالعه قاسم بآسى شديد، وقلبٍ ينفطر حزنًا عليه، فهو على علمٍ بمكانها، يتضاعف ألمه كلما تذكر أنه يخفي عنه ما يطوق هو لمعرفته، هرب قاسم بعينه سريعًا خشية أن يُزل لسانه ويخبره بالحقيقة، لكنه قد وعد أحلام وعليه أن يفي بوعده.
فما كان منه إلا أن حرك رأسه بقبولٍ وأردف بإقتضاب:
_ هعمل كل اللي في إيدي وأجيبه..
هز عبدالله رأسه؛ ثم نظر إلى باب المستشفى وأردف بتعبٍ:
_ أنا هرجع لهم عشان لو محتاجيني..
أنهى جملته وسرعان ما أولاه ظهرها ليعود إلى الداخل، لكن أوقفه قاسم بندائه:
_ عبدالله..
أدار رأسه منتظرًا سماع ما يود قاسم قوله فأردف أبيه بعد تفكيرٍ:
_ ملوش لزوم شغلك عند عز.. أنت تقدر تعمل المشروع اللي أنت نفسك فيه بفلوسك، شغلك هناك مش مكانك يا عبدالله
تشدق عبدالله ساخرًا وردد بتهكم:
_ مكسوف منى ولا مقلل من شكل حضرة الظابط قدام نسايبه؟!
تفاجئ قاسم بتفكيره الساذج، اقترب بِضعة خُطوات منه، وحاول تبرير موقفه وإيضاح ما وراء كلماته:
_ أنا عمري ما اتكسفت منك، بالعكس أنت راجل وعمر الشغل ما كان عيب، والموضوع برا آدم خالص، بس دا فعلًا مش مكانك، الوضع غريب لو ركزت فيه شوية هتلاقي إنك تقدر تعمل أي مشروع وتشتغل فيه بدل ما تحتاج تشتغل عند حد سواء عز أو غيره..
_ أنا مرتاح كدا، عن إذنك عشان معتش قادر أقف أكتر من كدا..
قالها بإيجازٍ، ثم غادر ولم يعطيه فرصة أخرى للحديث في ذلك الأمر، وقف قاسم يتابع تحركاته وداخله غير راضٍ عن عمله، وعزم على محادثته مرارًا حتى يقبل.
***
ولج عبدالله الغرفة بحذر؛ حتى لا يقلق شقيقته التي غفت لتوها، اهتز هاتفه فقام بالخروج إلى الشرفة ليجيب، تفاجئ باتصال ڤاليا، صر أسنانه بضيقٍ عندما تذكر أسلوبها الفظ معه، أعاد وضع الهاتف في جيبه حتى انتهى الرنين.
لكنها عاودت الإتصال من جديد، فشعر عبدالله بانعدام ذوقه، في النهاية هي ليست حبيبة، بل مجرد عمل يقوم به، تنهد ثم أجاب بجمودٍ:
_ آنسة ڤاليا..
بحرجٍ شديد تحدثت:
_ عبدالله، إزيك؟
بإقتضابٍ رد:
_ كويس، حضرتك محتاجة حاجة؟
إزداد خجل ڤاليا من أسلوبه الجاف، حمحمت وأخبرته سبب اتصالها:
_ بكلمك أطمن على أختك.. إسلام قالي إنها تعبانة.. هي بقت كويسة؟
حك عبدالله أنفه بتوترٍ، ثم قال وهو يطالع زينب بحزنٍ:
_ لأ، قصدي يعني هتكون كويسة، مسألة وقت..
_ هي مالها؟
تساءلت باهتمام يشوبه الفضول بعد أن استمعت لنبرته المتوترة فأجابها عبدالله بصوتٍ مهزوز:
_ أجهضت..
برقت عيني ڤاليا، وشعرت بالآسى حيالها، لكنها لم تستطع الرد، وكأن جميع الكلمات قد حُذفت من رأسها، أغمضت عينيها محاولة تجميع بعض الكلمات فأخذت ثوانٍ ثم أردفت بإرتباكٍ:
_ ربنا يعوضها خير يارب، سلامتها يا عبدالله ربنا يطمنك عليها..
_ يارب
قالها فطال الصمت لبرهة، حتى استنكره عبدالله لكنه لم يعلق، بينما أخذت ڤاليا نفسًا وبحياء شديد قالت:
_ I'm sorry, يا عبدالله بجد كنت سخيفة الصبح جدًا
أنا في العادي مش بكون كدا، بس أنت وقتها خوفتني و...
قاطعها عبدالله بقوله:
_ مفيش حاجة يا آنسة ڤاليا، أنا برده قبلها عكيت الدنيا معاكي، أنا بالنسبة لي تمام المهم حضرتك متكونيش زعلانة..
أسرعت ڤاليا في نفي وجود حزنها:
_ أنا مش زعلانة..
صمتت ثم لم تجد هناك داعٍ لإطالة المكالمة فأنهتها قائلة:
_ طيب تصبح على خير، أكيد مشغول..
باختصار أجاب:
_ مع السلامة
أبعد الهاتف عن أذنه ليغلق، لكنها لحقته قبل أن ينهي الإتصال:
_ اييه، عبدالله أنت هتيجي بكرة؟
استنكرت سؤالها السخيف وحاولت توضيح ما تقصده بنية حسنة:
_ أقصد يعني عشان الظروف اللي أنت فيها، ممكن متجيش عادي.. أنا هتصرف
أغمض عبدالله عينيه، حقًا لا يدري ما عليه فعله، أخرج تنهيدة مُحملة بالهموم ورد بقلة حيلة:
_ مش عارف لسه، ربنا يسهل
_ تمام، باي
أردفتها وأنهت الإتصال بينما عاد عبدالله إلى الداخل، وقام بالاإستلقاء على الأريكة الجلدية، وأخذ وقتًا ينظر فيه إلى زينب التي شحب وجهها
وسكن الحزن تقاسيمها وعزم على الثأر ممن أوصلها إلى تلك الحالة.
***
انتهى زكريا للتو من عمله، توجه مباشرةً إلى بيت والد ليلى بوجهٍ لا يُبشر بالخير، وعقلٍ لا يكُف عن التفكير فيما أخبره عنه والده، طرق الباب بعنفٍ فأسرعت ليلى في فتحه مستنكره تصرفه الأرعن:
_ إيه دا، بابا نايم، هيصحى..
دفعها زكريا للداخل وقام بغلق الباب وصاح عاليًا:
_ خليه يصحى يشوف بنته قالت إيه لحماتها!!
فغرت ليلى فاها بصدمةٍ، أخذت وقتًا تحاول استيعاب ما سمعته، ثم رددت بوجهٍ مستاء:
_ قولت لها إيه؟ أنت جاي تحاسبني على اللي هي عملته؟ وأنا برده اللي غلطانة والمفروض أسكت على اللي هي قالته؟
بانفعالٍ أردف:
_ أنتِ بتبرري لإيه؟ أنتِ بترمي لأمي الأكل وتقوليلها كُليه أنتِ!! وكمان مش عاجبك وبتقاوحي!
خرجت ليلى عن صمتها واندفعت به:
_ أيوة قولت كدا، هي مش تقولي اللي قالته ومردش، ولا تحسسني إني بسرق من بيتي عشان أأكل أبويا، أنا أعرف كويس أجيب له أحسن آكل من فلوسي..
شد زكريا تقاسميه دون فهم لما ترمي إليه وصاح:
_ أنتِ بتقولي إيه؟ سرقة إيه اللي بتتكلمي عنها؟ الست بتهزر معاكي وبتقولك عاملة له أحلى أكل تقومي ترمي لها الأكل وتقوليلها كُليه أنتِ!!
شهقت ليلى مصدومة؛ حدجته بعيون واسعة لا تصدق كذبها، لكنها لن تصمت تلك المرة، بحثت بعينها عن حجابها، ثم لقِفته حين وجدته وقامت بوضعه بإهمال على رأسها وقالت له وهي تتوجه نحو الباب:
_ تعالى معايا
بإسيتاء واضح وعدم فهم لما تفعله سألها زكريا:
_ على فين، اوقفي كلميني..
لم تجيبه بل هرولت عائدة إلى البيت، تَبِعها زكريا حتى وصلت وقامت بوضع إصبعها على الجرس دون فاصل حتى فتحت لها عليا، وقد تأكدت أن الأمر لم يمر مرار الكرام من وراء وجه ليلى الغاضب.
تنحت عليا جانبًا فسألتها ليلى بنبرة مندفعة:
_ مامتك فين؟
أشارت عليا إلى الغرفة، فتابعت ليلى بهجوم:
_ نادي عليها..
أمسكها زكريا من ذراعها ونهرها:
_ أنتِ بتعملي ايه؟
سحبت ليلى يدها ولم تجيبه، بل صوبت عينيها على باب غرفة هناء التي خرجت ويبدو عليها التوتر، اقتربت منها ليلى بخُطواتٍ مندفعة، خشتها هناء وتراجعت للخلف فلم يتقبل زكريا ما يحدث وأسرع إلى ليلى مانعها من الوصول إلى والدته مرددًا بتحذير:
_ خليكي واقفة عندك..
نظرت إليه ليلى شزرًا ثم مالت برأسها لتقابل عيني هناء واندفعت بها:
_ أنا رميت لك الأكل عشان قولتيلي حضرتي لأبوكي أحلى أكل؟!
ولا لما قولتيلي جوزك يعرف إنك أخدة آكل من بيته كأنه مش بيتي أنا كمان!!
أصل حرام أخرج أكل من غير إذنه، وكأن أبويا بعد الشر ممكن يموت لو مأكلش من الأكل اللي ابنك جايبه..
وأنتِ بتحكي اللي حصل احكيه زي ماهو من غير كذب، عيب على سنك..
تفاجئ الجميع بحديث ليلى، وتطاولها بالكلمات، لم يتقبل زكريا إهانة والدته وقام بمسك ذراع ليلى بقبضته التي آلمتها ومن بين أسنانه التي تحتك ببعضهما ردد:
_ اعتذري لها حالًا..
بعنادٍ صريح أردفت ليلى:
_ تعتذر لي الأول وأنا اعتذر لها، غير كدا مش هفتح بوقي بكلمة..
خرج والد زكريا على صوتهما بعد أن وقع ما قيل على أذنيه، توجه إلى زكريا وقام بإبعاده عن ليلى وسألها:
_ هناء قالتلك كدا فعلًا
أماءت ليلى بتأكيدٍ فوجه محمد نظراته على زوجته التي تنكمش على نفسها وصاح بحدة:
_ صح الكلام دا يا هناء؟ أنتِ قولتي كدا؟
نكست هناء رأسها في خذي ولم تتحلى بالجُرأة لتؤكد سؤاله، لكن تصرفاتها كان خير دليل، زم محمد فمه بحرجٍ والتفت إلى ليلى وقال بهدوء:
_ أنا آسف بالنيابة عنها يا بنتي حقك علينا..
ثم وجه حديثه على زكريا:
_ خد مراتك واطلع بيتكم يا زكريا..
أغمض زكريا عينيه ثم نظر إلى ليلى بملامح مشدودة وهتف أمرًا:
_ يلا..
لم تطيل ليلى بل توجهت إلى الخارج وقامت بنزول الدرج فأوققها زكريا بسؤاله:
_ أنتِ راحة فين؟
دون أن تلتفت أجابته:
_ راحة بيت أبويا، أنا مليش مكان هنا، اطلع أنت بيتك وارتاح..
قالت جملتها وتابعت ترجلها فلحق الآخر بها وصاح بانفعالٍ شديد:
_ اطلعي يا بنت الناس البيت ومتلميش الناس علينا..
دون اكتراثٍ لأوامره رددت بنفاذ صبر:
_ مش هطلع، لما أبقى أحس إني ليا قيمة وراجل يحميني وياخد لي حقي زي ما بتعرف تاخد حق ناس غيري ابقى أرجع..
أنهت كلماتها وخرجت من البناية متأملة تمسكه بها، تمنت لحاقه بها وإصراره على عدم مكوثها في بيت غير بيته، لكنه لم يفعل، بل صاح بوقاحة:
_ براحتك...
وقعت كلمته على أذنيها فتسببت في ضيق صدرها، وشعرت بحاجتها للبكاء ربما تشعر بالتحسن، تمالكت دموعها قدر استطاعتها حتى وصلت بيت والدها وفشلت في إمساك
دموعها التي انسدلت بغزارة حزنًا لعدم اهتمام زكريا بها.
***
عادت خلود إلى غرفتها منسحبة من بين الجميع، أرادت عمل اتصالًا عليها إجرائه، بعد لحظاتٍ، أتاها صوته الناعس:
_ خلود.. أنتِ كويسة؟
ابتسمت بخفة وأجابت بخفوت وعينيها مصوبتان على الباب خشية دخول أحدهم:
_ أنا كويسة، بس أنت قفلت فجأة الصبح وكنت سمعت قبلها صوت حد.. حصل حاجة ولا إيه؟
_ اتخصم لي يوم..
هتفها فشهقت خلود مستاءة ولامته بلطفٍ:
_ مكنتش تكلمني، أنت كدا كدا وصلتني وأنا كنت بقيت كويسة بدل اللي حصل دا..
_ فداكي، فداكي
أردفها بعفوية باغتة لمست قلب خلود الذي خفق فجأة، إلتزمت الصمت لفترة فلم تجد من الكلمات ما تُحادِثه بها بينما حمحم وليد وسألها باستغرابٍ:
_ أنتِ معايا ولا روحتي فين؟
_ معاك..
لم تُ
كمل بعد حتى تفاجئت بدلوف عليا الغرفة تأفف بضجرٍٍ، فجتاح خلود التوتر وابتلعت ريقها وحاولت إنهاء الإتصال:
_ أنا هقفل سلام..
رمقتها عليا بغرابةٍ وسألتها مستفسرة عن ذلك الإتصال:
_ بتكلمي مين متأخر كدا..
أطالت خلود الصمت، فازدادت ريبة عليا وتوجهت نحوها وبعيون ضائقة أعادت سؤالها:
_ بتكلمي مين يا خلود؟ مصيبة لتكوني بتكلمي واحد!!
أسرعت خلود في نفي ظنونها الخبيثة وأخبرتها بلهفة:
_ واحد إيه بس، دا وليد!!
فغرت عليا فاها ورددت مستاءة من ردها الساذج:
_ على أساس وليد دا قفص جوافة!! ماهو واحد، بتكلميه في وقت زي دا ليه إن شاء الله؟
بإرتباكٍ واضح أجابتها وعينيها مُثبتة على وجه عليا لتستشف تعابير وجهها عند إخبارها بالسبب:
_ كنت بطمن عليه، أصل بصي هو كلمني الصبح وهو في الشغل واتخصم له يوم..
عقدت عليا ما بين حاجبيها بعدم فهم حرفٍ مما قالته ورددت:
_ إيه الكلام اللي مش راكب مع بعضه دا؟ فيه حاجة مريبة في الموضوع، بس الأهم هو ليه يكلمك أصلًا، دا من امتى يعني؟
حمحمت خلود وهربت بعيونها ناظرة في الغرفة بعيدًا عن أعين عليا وردت بصوتٍ مرتبك:
_ دا النهاردة بس.. أصل يعني كان حصل موقف الصبح كدا معايا فهو كان عايز يطمن أنا بقيت كويسة ولا لأ؟
توجهت نحوها عليا وأرغمتها على النظر لها وتساءلت:
_ خلود أنا مش فاهمة حاجة من كلامك، فهميني براحة حصل إيه عشان دماغي بدأت تروح في حتت تانية!
تنهدت خلود وهي تطالع عينيها، ثم قصت عليها ما حدث، فشهقت عليا مذعورة وهللت:
_ يعني أنتِ كويسة، عملك حاجة؟
أسرعت خلود بوضع يدها على فم عليا مانعة إياها من الكلام مرددة بخفوت:
_ هشش، مش عايزة حد يعرف.. أنا كويسة محصليش حاجة..
أزاحت خلود يدها عن فمها وتابعت:
_ أنا بس خوفت من الموقف وعيطت.. وأنتِ عارفاني وقت ما بعيط مبعرفش أوقف نفسي..
لحظاتٍ مرت تستوعب فيهما عليا ما أملته عليه شقيقتها، أخذت نفسًا ثم ابتسمت وتحركت في الغرفة بخفة كفراشة تطير بين الأزهار:
_ وطبعًا عنتر زمانه شافك بتعيطي قام مكلمك وهو في الشغل يطمن عليكي، أوه
نكست خلود رأسها بحياء شديد وعضت على شفاها وأخبرتها ما تجهله بخفوت:
_ دا وصلني الكلية..
اتسعت حدقتي عليا بدهشة؛ انفجرت ضاحكة وهي تقترب من اختها، ثم قامت بلكز ذراعها مازحة:
_ هو إيه الحكاية؟
خفق قلب خلود تلك اللحظة؛ شعرت بمحاصرة عليا لها، فاستدارت بجسدها لا تدع لعينيها رؤياها ورددت:
_ حكاية إيه؟ ما أنتِ عارفة وليد، جدع وأكيد كان هيعمل كدا لو الموضوع معاكي..
لم تختفي الإبتسامة من على محيا عليا، توجهت ثانيةً إلى خلود وقامت برفع رأسها بيدها وهتفت سؤالها بخبثٍ:
_ طب دا وليد ودي شخصيته، أنتِ بقى إيه يا قطة؟ بتطمني عليه ليه؟
استشفت خلود ما ترمي إليه، شدت تقاسيم وجهها وهدرت بضجرٍ:
_ أنا إيه؟ ما طبيعي أكلمه أطمن عليه بعد اللي عمله معايا..
تأففت خلود من وراء نظرات عليا المحاصرة لها، وتوجهت إلى فِراشها، قامت بالإستلقاء عليه ودسرت الغطاء على رأسها هاربة من عينيها، فتوجهت عليا إلى فِراشها وهي تدندن كلماتها على ألحان اغنية وحياة عينيك وفداها عنيا:
_ أطمن عليك، وتطمن عليا..
بلغت خلود ذروة تحملها على سخافة عليا، فقامت بإزاحة الغطاء عن وجهها وصاحت منفعلة:
_ يوه بس بقى
رفعت عليا حاجبيها وكذلك كتفها الأيسر متصنعة برائتها:
_ إيه؟ بغني..
تأففت خلود وهدرت بها:
_ ياريت تسكتي عشان مش عارفة أنام..
ثم أدارت جسدها مُتعمدة النوم على الجانب المعاكس لعليا فلم تتوقف الأخرى عن الدندنة بخفوت، فانفرجت شفتي خلود مبتسمة على مزاح عليا الثقيل.
***
صباحًا؛ أحضرت أحلام جميع ما يلزم في الحقائب،
وساعدت زينب على الوقوف بعد أن بدلت ملابسها بأخرى نظيفة، توجه إليهن عبدالله وقام بأخذ الحقائب وقال:
_ يلا لو كله تمام..
أماءت أحلام، بينما توجه عبدالله إلى الباب فتفاجئ بوصول قاسم برفقة سائقه، ابتسم له وأمر حمدي السائق:
_ خد الشنط يا حمدي من عبدالله..
قام السائق بأخذهم، ثم تحدث قاسم بشموخٍ:
_ ها هتروحوا على فين؟
ضاق عبدالله بعينه عليه وأجابه بغرابة من سؤاله:
_ على البيت..
حمحم قاسم ليقترح عليهم أمرًا:
_ زينب أكيد تعبانة ونفسيتها مش أحسن حاجة، إيه رأيكم لو تغيروا جو وتقعدوا في بيت المزرعة...
رفضت أحلام ذلك بنبرة هجومية:
_ لا، إحنا هنرجع بيتنا..
ثم حثت عبدالله على المشي بقولها:
_يلا يا عبدالله، أختك مش قادرة تقف أكتر من كدا
أومأ برأسه فألقى قاسم نظرة معاتبة على أحلام، ثم تنحى جانبًا سامحًا لهم بالمرور، حتى خرجوا من المستشفى، فقام قاسم بالتحدث وهو يشير إلى السيارة:
_ اركبوا مع حمدي في العربية دي وأنا همشي وراكم بعربيتي..
تنهد عبدالله وقال بفتورٍ:
_ مش لازم تتعب نفسك وتيجي، كفاية العربية اللي توصلنا..
رمقه قاسم مستاءً وأردف بصوتٍ أجش:
_ أنا حابب أكون معاكم، إلا إذا كنت هتضايق؟!
لم يجيبه عبدالله بل اكتفى برمقه ببعض النظرات المبهمة، ثم أولاه ظهرها وتوجه إلى السيارة التي ستقِلهم، وقام بمساعدة زينب على الجلوس، ثم اتخذ الجميع أماكنهم وتحركت السيارات خلف بعضها.
بعد مرور ستون دقيقة؛ استلقت زينب الفراش وقالت بتعبٍ:
_ أنا عايزة أنام، سيبوني لوحدي
تبادلت أحلام نظراتها مع عبدالله لكنهما لم يكن بيدهما شيء سوى تركها بمفردها، حتمًا ستكون بخير، خرجا كليهما من الغرفة فقال عبدالله وهو يتفقد ساعة يده:
_ أنا هروح شغلي عشان متأخرش، أنا جبت شوية حاجات للبيت وإحنا راجعين، بس لو احتجتي لحاجة كلميني..
ربتت أحلام على ذراعه ورددت:
_ عايزين سلامتك يا حبيبي، توكل على الله
توجه عبدالله إلى الخارج ثم ترجل السلم وتفاجئ بوقوف قاسم في الفناء، ذهب نحوه وقال:
_ كل حاجة تمام، ممكن تروح تشوف شغلك
دون اهتمامٍ لما قاله سأله قاسم:
_ أنت رايح فين؟
_ رايح شغلي..
هتفها عبدالله فنظر إليه قاسم بملامح مشدوهة وأردف:
_ فكر كويس في اللي قولتهولك يا عبدالله، شغلك هناك نسيبه لحد محتاجه، لكن أنت لأ ..
قلب عبدالله عينيه، فهو لا يريد تحكمه في شيءٍ يخصه، ابتعد عنه بِضع خُطوات وهتف:
_ هتأخر، عن إذنك
_ طب استنى أوصلك..
هتفها قاسم بجدية فرفض عبدالله معللًا:
_ لأ، عشان متتعطلش
لم يكن قاسم راضٍ عن أسلوبه، لكنه سيتحلى بالكثير من الصبر حتى ينال حبه في النهاية، أخذ نفسًا ومازحه بأسلوبٍ طريف:
_ عطلني يا سيدي، العطلة منك حلوة برده
لم يطيل عبدالله عناده، وقام بالعودة إليه وركوب السيارة، أوصله قاسم إلى بيت عز فترجل عبدالله وقبل ذهابه ناداه قاسم وأردف بنبرة رخيمة:
_ فكر في اللي قولتلك عليه.. متنساش
تابع عبدالله سيره إلى الداخل فاستقبله إسلام وقال بعملية:
_ آنسة ڤاليا نازلة كمان عشر دقايق..
أماء عبدالله بتفهمٍ، نظر إلى المكان حوله وأراد اكتشافه لحين حضور ڤاليا، سار في الحديقة حتى وصل إلى مكان وقوف السيارات، وتفاجئ بالكم الهائل من السيارات الحديثة التي تقف أمامه، لوهلة شعر أنه يقف في معرضًا خاص بالسيارات.
لكن ما لمس قلبه حقًا، تلك السيارة السوداء من ماركة المرسيدس ( جي كلاس ) لطالما تمنى امتلاكه لواحدة مثلها، توجه نحوها وقام بتحسسها وقلبه متعلق بها.
انتبه على صوتٍ من خلفه يقول:
_ ازيك يا عبدالله يابني..
التفت عبدالله فوجده العم طاهر من يهتم بنظافة الحديقة ويقوم بمراعاة الأزهار، ابتسم له عبدالله بخفة وأجابه:
_ الحمد لله..
أعاد عبدالله النظر إلى السيارة وسأله بفضولٍ:
_ ألا قولي ياعم طاهر، دي عربية مين دي؟
ألقى طاهر نظرة سريعة على السيارة وأجابه:
_ دي بتاعت ابن عز بيه
أومأ عبدالله وردد:
_ اه عامر
_ لا ابنه الكبير، بس دا تملي بيسافر أمريكا وهو دلوقتي هناك..
أخبره طاهر بما لا يعلمه فاستأذن منه عبدالله بعد أن تفقد الوقت ليعود إلى عمله.
ترجلت ڤاليا وخرجت من الفيلا، وعينيها تبحث عن عبدالله، وعندما لم تراه فأشارت إلى إسلام الذي اسرع نحوها وسألته بترددٍ:
_ هو عبدالله مجاش النهاردة؟
بعملية رد:
_ لا جه يا فندم، بس مش عارفة راح فين ثواني هكلمه..
أدارت ڤاليا رأسها للجانب المعاكس له حيث لا يرى ابتسامتها التي غزت شفتيها، سقطت عينيها على عبدالله الذي يتقدم منها فخفق قلبها بقوة، وشعرت بالتوتر يعصف بها، إزدردت ريقها وحاولت جمع شتات نفسها قبل وصوله إليها.
وقف الآخر أمامها وسألها مستفسرًا:
_ حضرتك جاهزة؟
اكتفت بإيماءة من رأسها فأسبق عبدالله خُطاه إلى السيارة، وكذلك فعلت هي، ثم تحرك عبدالله متجهًا إلى الجامعة، مر وقتًا لم ينبس منهما بشيءٍ حتى قاطعته ڤاليا بسؤالها:
_ أختك بقت أحسن؟
كان عبدالله شارد الذهن فوصلت كلماتها إليه في وقتٍ متأخر، انتبه عليها وقال:
_ مش أوي.. بكرة تتعافى
كان فضولها يزداد حول شروده الدائم وعينيه الحزينة، كانت تطوق لمعرفة ما يوجد خلف حزنه الظاهر لكنها لم تتحلى بالجُرأة لسؤاله، صدح رنين هاتفها فأخرجها من شرودها به.
أجابت عندما وجدتها والدتها:
_ إيه يا مامي؟
_ عامر موبايله وقع اتكسر ومحتاج موبايل معاه الإمتحان على ما يجيب واحد، اقترحت عليه ياخد موبايلك القديم..
استمعت ڤاليا إليها ثم هتفت رافضة:
_ لا يا مامي موبايلي دا تحديدًا محدش ياخده
_ هيكون معاه وقت الإمتحان بس يا ڤاليا وهيرجعه تاني..
برفضٍ تام أصرت:
_ لأ موبايلي دا عليه شات بحاجات خاصة بيا بكتبها عليه، مينفعش حد ياخده.. مامي لو سمحتي بجد بلاش ياخده، please..
_ شات إيه دا؟
نفخت ڤاليا بنفاذ صبر واوضحت لها:
_ شات بكتب عليه كل حاجة مضيقاني مش بعرف اق٥ولها لحد.. دي خصوصية ومينفعش حد يقرأها وأنتِ عارفة عامر كويس مش بيحترم خصوصية حد
تأففت نهال وقالت ناهية الإتصال:
_ خلاص خلاص هتصرف
كان حديثها محض انتباه عبدالله، انتظر وقتًا كافيًا ثم سألها بترددٍ:
_ آنسة ڤاليا، إيه الشات اللي حضرتك اتكلمتي عنه دا، أنا مش قصدي اسمع...
قاطعته ڤاليا مازحة:
_ أكيد متقصدش، إحنا في عربية واحدة طبيعي تكون سامع كلامي..
تنفست بعض الهواء وبدأت تخبره عن تلك المحادثة الشخصية:
_ هو شات عادي على واتساب، بكتب فيه كل حاجة مضيقاني مينفعش أحكيها لحد غيري
قهقهت بمرحٍ وأضافت ممازحة:
_ بيكون فيه كوراث مينفعش حد يقرأها.. مساحتي الشخصية بقى
هز عبدالله رأسه بتفهمٍ ثم ردد وهو يدخل من باب الجامعة:
_ وصلنا..
ترجلت ڤاليا من السيارة بينما صفها عبدالله جانبًا، وأمسك هاتفه وقام بفتح الواتساب والدخول إلى رقم صبا، أطال النظر في المحادثة الفارغة لوقتٍ ثم أرسل أولى رسائله:
_ وحشتيني يا دكترة، كدا برده تبعدي عني كل دا؟
طب طمنيني عنك، لو كويسة ردي عليا، لو مش كويسة عرفيني..
قلبي معرفش طعم الوجع غير في بُعدك، عيني متعلمتش البكا غير عليكي..
تعالي وأنا هجيب لك حقك من حمادة
ارجعي ونتجوز ونحقق حلمنا..
أنا بقيت بصلي، وبعدت عن السجاير..
حتى دقني سيبتها تطول زي ما كنتي بتحبي
يا صبا أنا تعبان أوي ومش لاقيكي تدوايني..
انهمرت دموعه بغزارة وسقطت على شاشة الهاتف
فأسرع في مسحها ثم أغلقه وألقاه جانبًا، أسند رأسه على الطارة خافيًا حالته المذرية عن عيون المارة، حتى هدأ تمامًا ولم يعرف ما هذا الهدوء الذي أصابه، هل أصبح أفضل أم أن جوفه بات خاليًا من المشاعر، بات إنسانًا دون أي إحساس.
***
استيقظت عليا اثر رنين هاتفها، فقامت بسحبه من على الكومود، وحدجته برؤى مشوشة، وجدته زكريا، فأجابت على الفور:
_ الو..
_ عليا تعالي اطلعي عايزك..
قالها وأنهى الاتصال، فانتفضت عليا مذعورة، سكن القلق قلبها، نهضت عن الفراش وقامت بدسر الإسدال أعلاها وصعدت دون أن يلاحظها أحد، طرقت بابه بهدوء ففتح لها على الفور.
كان مُمسِكًا بيده قميصًا، أعطاه لها فور دخولها وأوضح:
_ إكوي لي القميص مش عارف أكويه..
نظرت عليا على طاولة الكي، التي تتوسط المكان وعينيها ذهبت إلى غرفتهما فوجدت الفراش فارغًا، عقدت حاجبيها وتساءلت بريبة:
_ هي ليلى فين؟
باندفاعٍ أجاب:
_ بايتة عند أبوها..
تفاجئت عليا، وتحدثت مستاءة:
_ ليه سيبتها تبات برا بيتها، مم...
قاطعها زكريا بعصبية بالغة:
_ هي اللي مشت، وأنا هتحايل عليها تقعد!
صعقت من رده، ولم تستطع التحدث، قامت بكي القيمص دون أن تنبس بحرف، لكن داخلها يطمح للحديث معه بخصوص أسلوبه الفظ ذاك، انتهت من كي القميص، ثم ناولته له وقالت بصوتٍ متردد قليلًا:
_ ممكن أتكلم معاك.. وتسمعني للآخر؟
قام زكريا بارتداء قميصه وقال:
_ هتتكلمي في إيه؟
_ تعالى أقعد الأول..
قالتها وهي تجلس على الأريكة المنفرده، فقلب زكريا عينيه مستاءًا وهدر:
_ أنا مش فاضي يا عليا، لما أرجع نتكلم..
_ عشان خاطري يا زكريا أقعد واسمع كلامي للآخر ومتقاطعنيش.. لو سمحت
هتفتها متمنية قبوله، فنفخ الآخر بضيق ثم توجه إلى الأريكة المجاورة لها واعتلاها متسائلًا بإقتضاب:
_ ها؟
أخذت عليا شهيقًا عميق وبدأت حديثها قائلة:
_ بص يا حبيبي، أنا أختك وخايفة عليك وعشان بحبك من واجبي أنبهك لحاجة أنت مش أخد بالك منها، طريقتك مع ليلى غلط يا زكريا..
قاطعها الآخر بهجومه:
_ يعني عاجبك اللي هي بتعمله؟
_ اسمعني الأول بس وبعدين قول اللي عندك.. ممكن؟
قالتها بهدوءٍ فهدأ زكريا واستند بظهره على جدار الأريكة، فتابعت عليا بنبرة زرينة:
_ فاكر لما هي جت تحت قبل جوازكم وماما ضايقتها بالكلام وأنا وقتها عرفتك عشان تراضيها، وبعدها سألتك صالحتها، قولتلي اتكلمنا.. بصراحة كنت فاكرة إنك مش حابب تقول حاجة خاصة بينكم، بس بعد كدا اكتشفت إن معندكش ثقافة الصلح يا زكريا..
يا حبيبي لازم لما يحصل أي زعل بين الطرفين يكونوا مهتمين لزعل بعض، مش مجرد كلام عابر كدا وخلاص الموقف لو محتاج اعتذار اعتذر دا مش هيقلل منك بالعكس دا هيكبرك في نظرها
قاطعها زكريا مرة أخرى بنفاذ صبر:
_ عليا، إيه علاقة اللي بتقوليه دا باللي إحنا فيه حاليًا..
ازدردت عليا ريقها، وقالت موضحة:
_ علاقته إنك بايعها يا زكريا، زعلت عادي تزعل، مشت من البيت عادي سيبتها تمشي، ودا غلط، البنت مننا مبتحبش تحس بالإحساس دا أبدًا، إحساس إن اللي بتحبه بايعك ومش فارق معاه زعلك دا وحش أوي
البنات بتحب تتعامل بطريقة مختلفة، طريقة كلها اهتمام وحنية.. وأنت كراجل واجب عليك تسد الخانة دي.. وفيه ظروف ليلى كمان بجد لازم تتعامل بطريقة خاصة جدًا، ليلى ملهاش أم تحكي ولا تفضفض لها أي حاجة مضيقاها، اختها مشغولة بحياتها ومش بتقدر تكون جنبها على طول.. فأنت عليك العامل الأكبر إنك تحتويها، وتكون لها أم وأخت وصاحب قبل ما تكون زوج..
توقفت عن الحديث حين رأته هادئًا لا يُعارض كلماتها، ابتسمت ثم أضافت جميع ما لديه اتجاهه:
_ نيجي لماما، إحنا عارفين إنها صعبة وواجب علينا نعدي لها ونستحملها لأننا ولادها، لكن ليلى لأ..
_ أيوة يعني المفروض أقف قصاد أمي وأعمل مشاكل عشان ترتاح مش كدا؟
قالها زكريا مستاءً فاقترحت عليه عليا طُرقًا يمكنه التعامل بها:
_ مش لازم تعمل مشاكل ولا تزعل ماما، بس برده متزعلش ليلى، ليه أصلًا طرف من الطرفين يزعلوا لما ممكن أراضي الإتنين، بالنسبة لماما تتكلم معاها بهدوء إن اللي بتعمله بيضايق ليلى وأنت مش حابب كدا، وبالنسبة لـ ليلى راضيها وحسسها إن فعلًا ميصحش يحصل كدا وقولها حقك عليا وهي هتلاقيها اتراضت من غير مشاكل..
أنا بحط نفسي مكانها بحس إني مضايقة أوي لو حازم فضل مامته عليا، أيوة أكيد هي ليه معزة ومكانة تانية غيري، بس مش لازم يجي عليا عشان يرضيها، احترم مامتك بس مش على حساب مراتك، فاهمني؟
أمسكت عليا يد زكريا وشدت عليها ثم أردفت مسترسلة:
_ روح راضيها وحسسها إن غيابها فارق معاك، وأنها أصلًا مينفعش تسيب بيتها، بيتها يا زكريا مش بيتك لوحدك.. وصلها الإحساس دا، ولو لزم الأمر يعني والمشكلة كانت كبيرة قولها إنك أنت اللي هتمشي، لكن هي متسبش بيتها لأي سبب، حسسها إن دا أمانها مش مجرد حيطان مدارية عيون الناس عنها، البيت دا مملكة الست، لو محستش إنها بتنتمي ليه بتحس مع كل مشكلة أنها في غُربة وملهاش مكان تروح فيه..
إلتوت شفتي زكريا ببسمةٍ وهو يردد:
_ إيه الكلام العميق دا، مكنتش أعرف إنك عاقلة للدرجة دي
سحبت عليا يدها من عليه وتراجعت للخلف، مبتسمة بخجلٍ، نهضت لتغادر لكنها تريثت وعاودت النظر إليه متسائلة بجدية:
_ هتراضيها؟
أماء زكريا فابتسمت ثم انصرفت سريعًا.. بينما خرج هو من البيت ولم يحدد وجهته.
***
استقل سيارته وخرج بها من الفيلا، فتفاجئ بوقوف ذلك اللعين أمامه، فدعس على مكبح السيارة بكل ما أوتي من قوة قبل أن يصطدم به، فتح باب السيارة وترجل منها بغضبٍ مُشكل على تقاسيمه وهدر به مندفعًا:
_ أنت يابني آدم أنت إيه اللي جابك هنا؟ أنت عايز تشبهني؟
اقترب منه حمادة وقال من بين أسنانه المتلاحمة:
_ أشبهك!!
عموما مقبولة منك، بس أنا مرمي في الشارع زي كلاب السكك ومش لاقي مكان أنام فيه ولا حتى لُقمة أكلها، وكله بسببك، عملت لي البحر طحينة ونفذت لك اللي أنت عايزه وفي الآخر تقولي مقولتلكش تعمل كدا..
خرج آدم عن هدوئه وأمسكه من تلابيب ملابسه ثم هزه بعنف وهو يردد بتذمرٍ:
_ أنت تبقى مجنون لو فاكر إن تهديدك هيهز شعرة مني، أنت بتلعب مع الحكومة يالا فوق، لو ظهرت قدامي تاني مش هوقف العربية دي وهعدي عليك أنت فاهم!!
دفعه آدم فاختل توازن حمادة، فاستعان بالجزء الأمامي للسيارة وأمسك به، ثم رمق آدم بنظراتٍ مستشاطة يتوعد له داخله.
انتبه آدم على سيارة والده التي تقترب منه، فجحظت عينيه بصدمةٍ، هرول نحو حمادة ودفعه بكل قوته يحثه على الذهاب:
_ امشي غور، أبويا لو شافك مش هيرحمك..
أدار حمادة رأسه متفقدًا اقتراب السيارة، وقام بالمرور بجوار آدم وهمس بقرب أذنه:
_ هتلاقيني قدامك تاني..
ثم أسرع من خُطاه قبل أن يراه قاسم، بعد لحظاتٍ
وصل قاسم بسيارته وقام بفتح نافذته وتساءل بريبة وعينيه مُصوبة على حمادة:
_ مين دا؟
ابتلع آدم ريقه بتوترٍ ثم أجاب بتريثٍ:
_ دا واحد عايز حاجة لله..
حمحم ثم غير مسار الحوار بسؤاله:
_ أنت جاي ولا معدي عادي؟
أطال قاسم النظر إليه ثم أخبره بسبب مجيئه:
_ جاي أقعد في بيتي وأعيد تأهيل ابني
الفصل العشرون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل العشرون 20 - بقلم تسنيم المرشدي
ترجل من السيارة بعد أن قام بصفِها داخل الفيلا، ثم قام بالدخول فاستقبلته الخادمة بترحاب حافل:
_ اتفضل يا قاسم بيه، أهلًا بحضرتك
_ أهلًا بيكي يا عزيزة، لو سمحتي بلغي حد يدخل الشنط بتاعتي من العربية..
_ أمرك يا فندم..
قالتها بطاعة، في تلك الأثناء جاءت حورية وسمعت ما أمر به قاسم للخادمة، فتوجهت نحوه بحاجبان معقودين متسائلة باستفسار:
_ أنت ناوي تقعد معانا على طول؟
أخذ قاسم يتنفس بعمق، قبل أن يعطيها إجابة بنبرةٍ جامد:
_ أيوا...
ابتهجت حورية وإلتوت شفتيها ببسمة سعيدة دقت طبول قلبها وهي تطالعه بعيون متلهفة لعودته إليها يومًا لطالما تمنت ذلك، بينما تابع قاسم إحضار الحقائب من قِبل العاملين فأمرهم:
_ طلعوهم الأوضة القبلية..
اختفت ابتسامة حورية بالتدريج، وانتظرت حتى ذهاب العاملين واقتربت منه بِضع خُطوات وسألته باهتمامٍ:
_ ليه الأوضة القبلية؟ دي مش أوضتنا!!
أدار قاسم رأسه ناظرًا إليها بنظراتٍ ثاقبة؛ ثم استدار بكامل جسده وأرف بنبرة جافة:
_ إحنا عمر ما كان لينا أوضة يا حورية!!
شعرت بغصة في حلقها، ازدردت حورية وحاولت مسايرة الأمر كما لو انها لا تشعر بشيءٍ من الحزن:
_ طب ما نخلي فيه أوضة وفيه حياة، مش أنا مراتك وليا حقوق عليك؟!
تشدق قاسم ساخرًا وهتف بنبرة مشدودة رغم هدوئها:
_ حقوقك إنك قاعدة في بيتك مع ابنك، من سيدات المجتمع الراقي، مرات قاسم القاضي من أهم رجال الأعمال في البلد، ستات مصر تحلم بمكانتك دي، دي حقوقك عندي، غير كدا متحلميش..
لمعت عينيها بالدموع لقساوة قلبه؛ ولم تستطع تمرير كلامه دون الرد عليه، فخرج صوتها مشحونًا بالعصبية التي اكتسبتها من رفضه الدائم لها:
_ خد كل اللي قولت عليه دا مش عايزاه.. أنا عشت عمري كله بحلم بيك أنت، بستنى رجوعك ليا ندمان على العمر اللي ضيعته بعيد عني..
_ أنا لو ندمان على حاجة فهي على ثقتي ليكي زمان، ندمان إني آمنت لك، ندمان إني لغاية دلوقتي مش حاسس إني مخدتش حقي منك، تمن وجع قلبي العمر كله لسه مكفهوش هجرك السنين دي كلها..
تساقطت عبرات حورية كألامواج العنيفة التي تتسابق لوصولها على اليابسة، حاولت الحديث مرارًا لكنها فشلت، فكانت تهاجمها موجة من البكاء تمنعها من التحدث، لكنها جاهدت لتخرج كلماتها تاني حبُست داخلها فخرجت بصوتٍ مهزوز متحشرج:
_ كل دا ومختش حقك مني؟ كل الجفا والحرمان والنوم في بيت عريض لوحدي ومختش حقك!!
هاجمها بقسوة وقلبٍ ينفطر حزنًا على أولاده المتفرقة وعمره الضائع:
_ كل ما هبص على ولادي وألاقي بينهم عداوة يبقى أنا لسه مختش حقي، وكُرهي ليكي بيزيد، أنا الحاجة الوحيدة اللي خايف منها إني ملحقش أخليهم يحبوا بعض قبل ما أموت، وأنا بقولها أهو بأعلى صوت، أنا عمري ما هسامحك يا حورية لو ولادي فضلوا يكرهوا بعض.. ولو دخولك الجنة متوقف على مسامحتي ليكي عمري ما هسامح.. اللي عشته مش هين أبدًا!
انتهت الكلمات هنا؛ مر بجوارها دون أن يأبى بدموع التماسيح التي تجدر في استخدامها، إزداد الغضب داخل حورية وهاجمته ببغضٍ في سؤالها:
_ وأنت إيه اللي رجعك طلاما مش هيكون فيه حياة بينا؟
دون أن يتطلع عليها رد:
_ راجع أربي ابني
تشدقت ساخرة وهتفت بتهكمٍ:
_ وعلى كدا هتحبسه في الأوضة لغاية ما يسمع الكلام؟!
تجمدت قدمي قاسم ولم يواصل صُعوده؛ التفت إليها ورمقها بنظراتٍ احتقارية قبل أن يُردد مشمئزًا من تفكيرها الساذج:
_ دا يثبت إنك متعرفنيش، وإنك بتفكري بطريقتك وبأسلوبك، لكن أنا لأ، أنا هسد لابني خانة ناقصة عنده، هعيشه جو أُسري بين أب وأم، عشان يكون إنسان سوي ويعرف يحب غيره، يقدر يتخلى عن كُرهه اللي اتزرع فيه سنين طويلة.. هعالجه بطريقتي مش بطريقتك، فأنتِ مضطرة أسفة تمثيل إنك سعيدة بالوضع..
أولاها ظهره وعاود الصعود من جديد، حتى وصل غرفته الذي أمر بوضع حقائبه بها، جلس على الفراش ثوانٍ ونظر حوله وهو يشعر بعدم انتمائه لذلك المكان، لكنه مُجبر على العيش فيه حتى يُوطد علاقة الأخوين.
***
طُرق باب المنزل، انتبهت عليه فكانت شاردة الذِهن، توجهت بأقدامٍ لا تقدر على حملِها، فهي لم تنم دقيقة واحدة، وقفت خلف الباب متسائلة بنبرة مُنهكة:
_ مين؟
_ أنا زكريا..
قالها فزمت ليلى شفتيها حزنًا، وصل تلك اللحظة والد ليلى الذي ربت على كتفيها وقال:
_ ادخلي جوا يا ليلى..
لم تتردد لحظة؛ بل أسرعت نحو الداخل فهي ليست على استعداد لمواجهته بعد ما فعله البارحة، بينما فتح له والدها واستقبله:
_ اتفضل يابني..
ولج زكريا وعينيه يبحثان عن ليلى، فلقد استمع إلى صوتها إذًا أين هي، ابتسم الآخر لرؤية عيني زكريا التي تجوب المكان، جلس على أقرب أريكة وقال:
_ لما أنت بدور عليها كدا، زعلتها ليه؟
شعر زكريا بالحرج الشديد، نكس رأسه وحاول إيجاد الكلمات التي هربت منه، أشار له والد ليلى بالجلوس فلم يطيل زكريا وجلس، بينما بدأ الآخر كلامه وهو يلومه:
_ أنا معرفش حصل إيه؟ ليلى مردتش تقولي، بس أنا ليا عتاب عندك يابني.. أنت من يوم ما دخلت هنا وأنا معتبرك ابني، وإديتك حتى من روحي، المفروض تحافظ عليها مش تزعلها، وأنا متأكد إن ليلى مش البنت اللي حاجة بسيطة تزعلها فتجري تسيب بيها، ليلى دي بالذات ليها معزة خاصة عندي، دايمًا بحس بتأنيب ضمير من نحيتها، ومهما عملت لها مش بكون راضي رضا كامل وكأنها دايما ناقصها حاجة..
رفع يده ووضعها على فخذ زكريا واستأنسف:
_ ليلى ملحقتش تشبع من أمها، ماتت وهي صغيرة، مخدتش حنانها زي أختها الكبيرة، وسنين بسيطة واختها اتجوزت وهي شالت مسؤولية نفسها، ملحقتش تشبع من عيلتها، لما أنت جيت ولقيتها ملهوفة عليك وعايزاك قولت هو دا عوض ربنا ليها، ويشهد ربنا إني عمري ما شوفت منك حاجة وحشة وكان قلبي مطمن، بس أنا دلوقتي قلقان يا زكريا، قلقان على ابنتي، قلقان إني أسيبها وأمشي وأنت متصونش الأمانة ولا تراعي ربنا فيها..
أسرع زكريا بالرد عليه مستنكرًا حديثه:
_ ربنا يديلك طولة العمر يا عم أسعد، ويبارك في صحتك..
قالها ثم طأطأ رأسه في خذي وخجل فأراد أسعد استغلال الفرصة وأردف بنبرة رزينة:
_ قوم راضيها يابني، وبلاش الزعل بينكم يوصل برا البيت، خلوا حيطان بيتكم ستر عليكم، ازعلوا واتصالحوا جواها مش براها..
رفع أسعد رأس زكريا بأصابعه التي وضعها على ذقنه واسترسل برجاء:
_ أنت الراجل، يعني أنت القائد، أنت اللي تمسك زِمام الأمور، أنت اللي تقدر تخلي بيتك جنة أو نار..
لمعت عيني أسعد وهو يشير إلى البيت من حوله:
_ خليه جنة بدل ما القدر يجي يخليه قبر عايش فيه.. أنت عندك نعمة حافظ عليها عشان متندمش بعدين..
تأثر زكريا بكلماته، وجاهد على إمساك دموعه التي تريد التحرر والإنطلاق، بينما نهض أسعد وأردف موضحًا سبب نهوضه:
_ أنا همشي عشان اتاخرت على الشغل.. ربنا يصلح بينكم يارب
غادر المنزل بينما رفع زكريا عينيه على باب غرفة ليلى، أخذ نفسًا عميق وزفره بهدوءٍ ثم توجه نحوها، فتح الباب دون سابق إنذار، فحدجته ليلى بعيون متورمة، لم يحب زكريا رؤيتها في ذلك الوضع، اقترب بخُطاه منها وجلس على الفراش مقابلها محاولًا كسبها من جديد:
_ قومي يا ليلى إلبسي عشان نرجع بيتنا..
تشدقت ساخرة وهتفت بتذمرٍ:
_ دا بيتك مش بيتي..
قاطعها زكريا دون الإنصات لبقية حديثها:
_ ملكيش دعوة بكلام أمي..
لم تعطه الفرصة لإكمال حديثه حيث قاطعته بحدة:
_ أنت اللي حسستني بكدا مش هي، هي قالت كلام، بس أنت عملت الفعل، أنت أثبت لي إني مش فارقة لك ولا وجودي مهم، أنت سبتني أبات برا بيتك ودا كفيل أوي إني أعرف إني مش مهمة وإن وجودي زي عدمه..
كاد ينفي حدسها لكنها لم تعطه فرصة:
_ متحاولش تذوق الكلام عشان مش هصدقه..
انتبهت ليلى على ما قالته فأطلقت ضحكة ساخرة وهي تتابع:
_ حتى دي مش بتعرف تعملها، أنا آسفة نسيت..
نهضت مبتعدة عن الفراش وأولته ظهرها ثم واصلت وهي ترميه بعيوب أسلوبه الجاف:
_ زكريا أنت مبتعرفش تصالح، مبتعرفش حتى تضحك عليا بكلمتين زي أي راجل، بتعدي الموقف حتى من غير عتاب.. الموقف بيعدي شكليًا بس، لكن بيفضل موجود جوايا ومع أول مشكلة بتحصل تاني بيتجدد القديم والجديد مع بعض..
نظرت في عينيه وأردفت متابعة:
_ لأن القديم متحلش أصلًا، هو اتركن على الرف زي غيره.. امبارح بجد حسيت لأول مرة إني مليش ضهر، وإني مُعرضة في أي وقت اتساب ومش هتكون باقي عليا.. أنا من أول يوم لينا مع بعض وأنا قولتلك إنك كل حاجة ليا، بس الظاهر مقدرتش دا.. أنت عشان ضامن وجودي زي ما قولتلي امبارح فبتعمل اللي أنت عايزه وأنت متأكد إني همشي وهفضل موجودة مهما حصل..
أغمضت عينيها تُجاهد على عدم إظهار ضعفها له؛ عن طريق أخذ شهيقًا وزفيرًا، ثم أعادت فتح عينيها وأردفت كلماتها بهدوءٍ بالغ:
_ بس المرة دي وجودي لازم يفرق معاك.. لازم تحس إنك فعلًا محتاجني.. وإلا بقى لو محستش بفرق يبقى الكلام وقتها هيكون مختلف..
أثناء حديثها نهض زكريا وتوجه نحوها ودون سابق إنذار ضمها إلى حضنه بكل ما أوتي من قوة مرددًا بصوتٍ أجش:
_ ششش، أنا بكل جواحي محتاجك..
دخلت ليلى في حالة ذهول تام، إزدادت دهشتها من ذلك العناق المختلف، لم يعانقها بحنانٍ كهذا من قبل، بل دومًا ما تشعر بحاجته لها كرجلٍ وامرأته، لا عناق حبيب لحبيبته، شعرت بنبضاته التي تخترق صدرها لكنها لم تبادله العناق على الرغم من تطوقها لفعلها.
بعد لحظات؛ تراجع زكريا للخلف ورفع بيده رأسها فأرغمها على النظر إليه، وقال بصوتٍ رخيم هادئ لا يُشبهه:
_ أنتِ أول واحدة في حياتي يا ليلى وأنتِ عارفة كدا كويس، متعاملتش مع حريم قبلك غير أمي واخواتي، ودول معاملتهم مختلفة خالص عنك، قولت هتعلم معاكي واحدة واحدة، وأنتِ معترضتيش مرة واحدة على أسلوبي عشان أحس إني غلط..
_ أنت مكنتش بتديني فرصة اتكلم، على طول بتتعصب وتنهي الحوار، طريقتك واخدة وضع الهجوم دايمًا.
هتفتها ليلى لتخرج نفسها من موضع الحمقاء التي لم تعارض أسلوبه الفظ، فحاول الآخر لململة الأمر دون مُماطلة:
_ خلاص يا ليلى، بجد هحاول أسمع أكتر ما بتكلم،
هحاول أغير طريقتي وأسلوبي عشان خاطرك، المهم متبقيش زعلانة..
رفعت ليلى عينيها عليه، لا تصدق السهولة التي يتحدث بها، كأنه شخصًا مختلف، نسخة أخرى منه لم يسبق وتعاملت معها، بينما أحاط زكريا كتفيها وحاول ملاطفتها:
_ البيت كان وحش من غير صاحبته.. عمال يعيط هناك ويقول عايز ماما
كان مزاحًا ثقيل لم تتقبله هي بل تعمدت النظر إليه بحاجبين معقودان فضحك زكريا وداعب أنفها بإصبعه قبل أن يُردد:
_ يا لول، ميبقاش دمك تقيل..
قلبت ليلى عينيها بتزمجرٍ وهتفت مستاءة:
_ أيوا كفاية واحد فينا..
تفاجئ زكريا بما قالته، وردد متقبلًا مزاحها بمزاج سوي:
_ مقبولة، بس بعد كدا لو اتقالت هـ..
_ هـتعمل إيه؟
تساءلت ليلى وهي تعقد ذراعيها على صدرها بتحدٍ وقوة اكتسبتهما حديثًا، فانهال عليها زكريا مقبلًا ثغرها بحرارة وأردف:
_ هعمل كدا..
دفعته ليلى بعيدًا عنها بعنفٍ، وحذرته بسبابتها:
_ أنا لسه مضايقة، متقربش مني..
تفقد زكريا ساعة هاتفه ثم أعاده في جيبه وحاول الإسراع:
_ طب يلا عشان أروحك وأروح شغلي، اتاخرت
رفعت ليلى كتفيها للأعلى وكذلك حاجبيها وهي تُردد ببرودٍ:
_ ما تتأخر وأنا مالي..
نفذ صبر زكريا على تحمل ذلك الدلال المبالغ، فقام بحملها بين ذراعيه دون أن تستشعر هي ذلك فصاحت ليلى وهي تراه يتوجه باتجاه الباب:
_ أنت رايح فين؟
أجابها وهو يتابع سيره:
_ بنجز..
ركلت ليلى قدميها في الهواء محاولة التحرر من بين يديه هاتفة بإقتضاب:
_ نزلني.. بقولك نزلني
قام زكريا بإنزالها ثم بحث عن حجابها فلم يجد سوى حجابًا ملونًا قديمًا لم يعرف لمن يعود، فقام بإلتقاطه ووضعه على رأسها محاولًا ضبطه جيدًا تحت ذهولها مما يفعله:
_ أنت بتعمل إيه؟ دي مش بتاعتي
لم يكترث لها بل ألقى نظرة متفحصة على مظهرها ثم احتضن يدها وفتح الباب وسرعان ما قام بغلقه قبل أن تعود إليه مجددًا، هبط السُلم راكضًا وهي تحاول اللحاق بخُطواته السريعة حتى وصلا إلى الشارع فتريث في سيره عائدًا إلى منزلهما.
صعد حتى وقف أمام باب شقة والديه، وقام بقرع الجرس، فسحبت ليلى يدها وتراجعت للخلف قليلًا وهي تردف متسائلة:
_ أنت جايبني هنا ليه؟
قالتها ثم حاولت الإسراع إلى الأعلى لكنه لحق بها وأمسك يدها مانعها من مواصلة صعودها، وقال برجاء:
_ اصبري بقى، وتعالي
أجبرها على العودة، في تلك الأثناء فتحت خلود الباب لهما وتفاجئت بوقوف ليلى، ابتسمت لها بخفة ثم انتبهت على سؤال أخيها الجاد:
_ أمك وابوكي صاحيين؟
أماءت بتأكيدٍ، فولج زكريا إلى الداخل بصُحبة ليلى التي تدلف بعدم رغبة منها، كادت تغلق خلود الباب لكنها تريثت عندما استمعت إلى صوت نزول أحدهم على أمل أن تجده وليد، وقد تحققت أمنيتها، رأته من ثقب الباب التي بالكاد يُظهر عينيها.
تسارعت نبضاتها بقوة؛ عندما كان قريبًا للغاية، خرج له صوت أنفاسٍ فلاحظها وليد ووجه عينيه تلقائيًا على الباب وسرعان ما اختبئت هي خلفه حتى لا يراها حابسة أنفاسها، لم يجد وليد مصدرًا للصوت لكن الأمر مريبًا بالنسبة له، شعر بأنه مُراقب فتابع هبوطه مرتبًا خطة ليعلم بها حقيقة ظنونه.
تأكدت خلود من ذهابه ففتحت الباب وقامت بإلقاء نظرة أخيرة على ظِله، فتفاجئت به واقفًا في زاويه السُلم، انقبض صدرها من هول المفاجأة ناهيك عن صدمتها بظهورها أمامه مُحررة الشعر.
لم يطيل وليد النظر بل غض بصره عنها سريعًا وردد:
_ صباح الخير يا خلود
قالها مبتسمًا على تأكيد حدسه، فلمحت خلود ضحكته وهو يترجل مهرولًا ووقفت جامدة لمدة، محاولة استيعاب أنه تم كشفها.
أغمضت عينيها مستاءة من تصرفها الغير محسوب
وعادت إلى الداخل ليُعيد إليها عقلها تحيته لها فلم تمنع ابتسامتها التي غزت شفتيها، وسرعان ما أخفتها عندما انتبهت لعائلتها التي تتوسط الردهة.
وقف زكريا مُمسِكًا ليد ليلى عندما اجتمع من في البيت حوله، حمحم أولًا ثم زفر أنفاسه على مهلٍ وتحدث بهدوءٍ حذِر:
_ البيت اللي فوق دا بيت ليلى قبل ما يكون بيتي، ليها كامل التصرف فيه حتى لو مرجعتش ليا في حاجة، أظن دي حاجة ترجع لينا ومتخصش أي حد مهما كان درجة قُربه..
شد على يدها وتابع:
_ أنا وليلى شخص واحد، وقبل ما حد يفكر يقولها كلمة وهو متأكد إنها هتزعلها فهي هتزعلني قبل منها، أنا مش بحب المشاكل، ومش حابب أكون طرف في النص، والمفروض إني اختار صف حد فيكم، إحنا طول عمرنا عيلة واحدة، وليلى من وقت ما دخلت حياتي وهي غلاوتها من غلاوتكم، وفرد له حقوق زي أي حد فينا، عشان خاطري وبقول لكل الأطراف بلاش مضايقات هتضيف لنا مشاكل وقلة راحة.. مش عايز حد من اللي بحبه يكون زعلان أو حتى سبب الزعل..
أنهى زكريا حديثه، فتوجه إليه والده وربت على كتفه بحنو وأردف بخذي:
_ معاك حق يابني، إحنا عيلة والمفروض العيلة متعملش كدا مع بعض..
رفع نظره على ليلى الساكنة وأضاف بنبرة طيبة:
_ أتمنى يا ليلى متكونيش لسه زعلانة مننا..
كادت تجيبه إلا أن تدخل زكريا منعه بقوله:
_ أنا محتاج منكم تتصافوا بجد، مش مجرد كلام يمشي الموضوع واللي جوا يفضل مستخبي ويكبر مع الوقت..
توجه إلى والدته برفقة ليلى ونظر إليهن واسترسل:
_ ليلى بنتك التالتة يا ماما، اللي يزعلها تاكليه بسنانك زي ما بتقولي لنا دايمًا، مش نكون إحنا سبب زعلها
ثم وجه بصره على ليلى وتحدث بنبرة رزينة:
_ ماما مش أمي بس يا ليلى، أمك أنتِ كمان، والأم ليها احترامها، ومينفعش نكلمها بأسلوب مش كويس، ونعدي لها أي كلمة لو خرجت غصب عنها..
تناوب بالنظر لكلتاهن وأضاف آخر ما لديه مُمازحًا:
_ اتصافوا ومتكرهوناش في عيشتنا معاكم..
_ زكريا
_ ولد عيب كدا
هتفن بهم هناء وليلى في آنٍ واحد، فضحك الجميع، ثم تبادلن النظرات الخجولة والمُخزية من تصرفاتهن اتجاه بعضهن، وأسبقت هناء بمد ذراعيها لها قائلة:
_ متزعليش مني يا ليلى..
زمت ليلى شفتيها وبعيون لامعة ارتمت بين أحضانها، تبادلن العناق بحميمية حتى بكت كلًا منهن متأثرات بهذا الموقف، تراجعت هناء للخلف وقالت:
_ من النهاردة تقوليلي يا ماما.. ويارب أكون قد الكلمة دي..
على الرغم من صعوبة نطقها لغير مكانها إلا أنها نطقتها لتنهي الأمر، ابتسمت بخفة وقالت:
_ ماشي يا ماما..
_ الله أكبر
هلل زكريا بفرحة ثم أراد الإنسحاب من بينهم فأردف وهو يتفقد الوقت:
_ همشي أنا بقى، عندي شغل ومش فاضي..
توجه إلى ليلى وقام بتقبيل وجنتها اليُمنى فتفاجئت بفعلته وقد احمر وجهها فتدخلت هناء مُعقبة:
_ مش معنى إننا اتصالحنا يبقى الدنيا سداح مداح كدا، قولنا الحاجات دي في بيتكم مش هنا
خرج محمد من خلف زكريا معلقًا بسخرية:
_ هناء مراتي ومش هتتغير..
قهقه جميع الواقفين بينما انسحب زكريا متعمدًا ترك ليلى في بيت والديه ليذيب الجليد بينهم ويبدأن عهدًا جديدًا معًا.
***
وقف ينظر إليه وهو مُكبل الأيدي والقدمين، ثم قام بعمل اتصالًا، وتحدث فور إيجاب الطرف الآخر:
_ عبدالله، أنا لقيت حمادة، كان بيحوم حوالين الفيلا عندي.. هبعت لك اللوكيشن تيجي عليه
نظر عبدالله إلى الهاتف، يطوق إلى الذهاب حالًا، لكن عليه التريث، يجب عليه إعادة ڤاليا أولًا، قام بتوصيلها إلى الفيلا ثم أخذ إذن ليغادر تحت نظرات فاليا المتابعة له.
خرج والدها وتعجب من وقوفها بالخارج، صوب نظره نحو ما تنظر إليه فكان عبدالله، شعر بالريبة داخله ومال على أذنها هامسًا ليجذب انتباهها:
_ واقفة عندك بتعملي إيه؟
دعب الرعب أوصال ڤاليا، كما تملكها الإرتباك، وشعرت بشعورٍ مبهم حينها، حمحمت وحاولت تجميع كلماتٍ لتجيب والدها الذي ضحك وهلل مازحًا:
_ في إيه يا فيفو لكل دا؟
حاولت الهرب من أمامه سريعًا فقالت بإقتضاب:
_ لا مفيش.. أنا راجعة تعبانة وعايزة أنام، تشاوو
وقف عز يتناوب النظر بين الإتجاه التي ذهبت فيه ابنته والإتجاه الذي اختفى منه عبدالله، وكأن داخله يخبره بثمة أمرًا يحدث لا يعلمه.
في مكانٍ آخر وبعد مرور فترة ليست بقصيرة؛ وصل عبدالله إلى العنوان الذي أرسله إليه والده، دلف بهيئة تود الثأر كثيرًا، لكن وقوف والده منعه من مواصلة سيره، نظر إليه وحذره بلطفٍ:
_ أنا جبته زي ما أنت طلبت، هتاخد منه اللي أنت عايزه بهدوء، مش عايز شعره منه تتلمس..
لم يجيبه عبدالله بل كانت عينيه مُصوبة على حمادة، من خلف قاسم الذي تنحى جانبًا ليمُر الآخر ويصل إلى حمادة، لكنه كان حريصًا بألا يبعد عنه مسافة بعيدة ليمنع أي تطاول قد يُحدثه عبدالله.
وقف عبدالله أمام حمادة، طال الصمت لثوانٍ، لم يعرف بأي يبدأ، وأخيرًا خرج صوته هادئًا أكثر من اللازم:
_ صبا فين؟
استنكر حمادة سؤاله وأجابه مستاءً:
_ وأنا أعرف منين هي فين؟ يكنش مخبيها في بيتي؟
_ انطق وقول أنت عملت كدا فعلًا؟ ولو أه عملت كدا ليه؟ شوفت مني إيه يخليك بالحقارة دي معايا؟
أردفها عبدالله متعمدًا الثبات أمامه، فقهقه حمادة وردد كلماته بتهكمٍ:
_ يعني أنت بعد كل اللي عملته دا ومش متأكد كمان إني عملت حاجة؟ طب ما صحيح ما يمكن هي سابتك عشان مش بتحبك، ما أنت برده يا عُبد مش عاصي الحلاني عشان تموت في دباديبك.. أنت حيالله حتة سواق، حتى لو البيه دا أبوك بيطس برده هتفضل سواق
اقترب عبدالله منه خُطوة فوجد ذراع والده أمامه مانعه من الوصول إلى حمادة، فأدار رأسه ناظرًا إليه، فعمِل قاسم على تهدئته بإشارة من عينيه مرددًا بخفوت:
_ أهدى، بيحاول يستفزك..
أخذ عبدالله نفسًا عميق ووقف دقيقة يحاول التحلي بالصبر ثم عاد إليه ثانيةً وسأله:
_ أنت اللي عملت كدا؟ رد وقولي في وشي قولي آه يا عبدالله عملت كدا..
إلتوت شفتي حمادة مشكلًا ابتسامة سمجة على محياه فأظهرت أسنانه الصفراء القذرة، ازدادت ضحكته اتساعًا وهتف:
_ ما كانت أختك عندي، هبص لبرا ليه؟
اتعب نفسك أنت بس وعيد تفكيرك في علاقتكم يمكن تلاقي حاجات كدا ولا كدا تبين لك هي غلطت مع مين وبتتهمها في حمادة الغلبان؟
خرج عبدالله عن طوره وكاد يفتك به إلا أن قاسم كان حائلًا مانعًا إياه من الوصول إليه، فأضاف حمادة بقلبٍ يتشفى في عبدالله:
_ تصدق أنا متكيف أوي باللي بيحصل دا، عشت طول عمرك وحيد من غير أب ودلوقتي من غير حبيبة القلب ومش قادر توصل لي ولا تمسك حاجة عليا.. وكأن ربنا بيجيب لي حقي منك..
دفع قاسم عبدالله بكل ما أوتي من قوة للخلف واستدار بجسده ورمق حمادة بنظراتٍ مشتعلة أحرقته، لم يعد يحتمل كلماته التي استفزته، وأسرع نحوه بعينين لا ترى سوى أخذ روحه، انهال عليه باللكمات العنيفة في وجهه حتى أبرحه ضربًا يجهل من أين استمد قوته تلك.
تناثرت الدماء من وجه حمادة الذي لم يتوقف عن الصراخ، كان عبدالله متفاجئًا بما يحدث، للمرة الأولى يرى والده خارجًا عن هدوئه ووصوله إلى ذروة غضبه مثلما يحدث الآن، توجه نحوه وبعدما كان يمنعه قاسم من لمس حمادة، فأبعده عبدالله عنه بصعوبة بالغة.
نجح عبدالله في إبعاد والده، فبصق قاسم أرضًا وتوعد لذلك الوغد اللعين:
_ والله ما هتشوف نور الشمس قبل تعترف بعملتك، أنا هوريك مين هو قاسم القاضي، هندمك على اليوم اللي فكرت تبص بصة وحشة لابني
وجه قاسم نظراته إلى عبدالله ورفع سبابته في وجهه وهو يضيف من بين أنفاسه اللاهثة بغضبٍ:
_ الموضوع دا بقى بتاعي، ملكش دعوة بيه نهائي
أولاهما ظهره ووضع كلتى يديه في منتصف خصِره، يحاول ضبط أنفاسه المضطربة، متوعدًا لذلك الوغد أشد وعيد.
على الجانب الآخر، لم يرفع عبدالله عينيه من على والده، شعورًا لا يُضاهى بثمن، كيف عاش عمرًا بدونه؟ كيف لم يقبل به وترك نفسه يتخبط بين المهالك والصِعاب في وجوده، تأثر كثيرًا وراوده الندم لحظتها لأنه أضاع بيده ليالٍ وحيدًا بلا عائل.
تحولت نظراته إلى غريقًا يبحث عن طوق نجاته، أخرج تنيهدة مُحملة بالكثير من المشاعر المتناقضة، تشتت أفكار عبدالله ولم يعد يزن الأمور جيدًا، فقرر الهرب والخلوة بنفسه حتى يعرف ماذا يريد.
***
صعدت عليا مُتعمدة رفقة ليلى، التي رحبت بوجودها، جلست عليا تتنقل في هاتفها بين مواققع التوصل خاصتها لحين تبديل ليلى ملابسها بأخرى مريحة، عادت إليها من جديد متسائلة باهتمامٍ:
_ تشربي عصير ولا شاي؟
رفضت عليا ذلك مُعللة:
_ مش عايزة أشرب حاجة تعالي عايزة أتكلم معاكي شوية عشان أنزل أشوف اللي ورايا
شعرت ليلى بالقلق وفد انعكس على تقاسيمها فاستشفت عليا ما يدور في عقلها وأردفت مطمئنة إياها:
_ لا هو كلام عادي مش محتاج القلق دا كله..
اقتربت منها ليلى وقامت بالجلوس جوارها، فبدأت عليا حديثها التي تود التحدث به معها:
_ ليلى إحنا اخوات وصحاب، وكلامي دي بعشم مش إني بدخل في خصوصياتكم ولا لا سمح الله
بعدل على شخصيتك، بس هي نصيحة أتمنى تتقبليها..
_ أنتِ كدا بتقلقيني أكتر على فكرة..
قالتها ليلى على أمل بدئها للحديث فورًا، فابتسمت عليا بخفة لتبُث فيها الطمأنينة وأردفت:
_ أنا عارفة إن زكريا صعب شوية، ودماغه مقفلة حبيتين تلاتة، بس اللي متأكدة منه إنه بيحبك وزي ما عارفة أنه بيحبك عارفة برده إن الحب لوحده ميفتحش بيت، لازم تحابيش كدا جنبه تدي للحياة طعم
إحنا اتربينا في بيت الأم فيه بتقدس الراجل جدًا وبتهتم إنها تكون مريحاه، حتى في عز تعبها كل حاجة خاصة بـ بابا لازم تكون متاحة وجاهزة، اتعلمنا نحترم الطرف التاني من غير ما يأثر على شخصيتنا
كل راجل له ثغرة تقدري تدخلي له منها، وأنتِ أكيد عارفة زكريا بيحب إيه أو ميوله لإيه، أكيد السنين اللي فاتت دي عرفتك على الحتة دي فيه، والشطارة إنك تلعبي عليها مش عشان تكوني أنتِ المسيطرة والكلام دا
لا خالص، بس عشان الحياة تكون سهلة وبسيطة ويقدر إنك بتعملي اللي هو بيحبه ومحتاجه فيقدرك أكتر ويعدي لك لو غلطتي..
تاني حاجة الأهل مش لازم يكونوا صح طول الوقت، بس الكلام عليهم بيأثر جدًا على العلاقة، أنا مش بقول إن تصرفات ماما مكنتش بتضايق، بس ممكن نعديها أو نتعامل معاها بهدوء واحترام ومن غير ما ندخل زكريا فيها، تخيلي زكريا يجي يطلع غلط على باباكي، هتحسي وقتها إنك مش مُتقبلة الكلام عليه خالص ومضايقة من زكريا رغم إن ممكن يكون هو فعلًا غلطان..
ابتلعت عليا ريقها وتابعت بنبرة أكثر ليونة:
_ خُلاصة كلامي، الحياة بتكون فيها مشاكل طلاما الطرفين مش فاهمين بعض أو دخلوا حد من اهلهم، إبني معاه ذكريات حلوة، افهميه أكتر، أخرجوا واكتشفوا نفسكم مع بعض، وقت المشاكل تجنبوا بعض لحظة العصبية عشان محدش يزعل من التاني، لو حصل تصرف من الأهل نحاول نحلها بهدوء من غير مشكلة للطرف التاني مش هيتقبلها.. فهماني يا ليلى
كانت تصغي إليها باهتمامٍ وإنجذاب كبير، تقوس ثغرها بابتسامة هادئة ثم قالت وهي تحرك راسها:
_ فهماكي..
ازدادت ابتسامة ليلى عندما جمعت الخيوط ببعضها وأردفت متسائلة:
_ أنتِ اتكلمتي مع زكريا صح؟!
نكست عليا رأسها هاربة من عينيها ولم تمنع رسم ابتسامتها التي أكدت حدس ليلى، فاقتربت منها وربتت على يدها وقالت:
_ يا بخت حازم بيكي..
احمرت وجنتي عليا وما زادها خجلًا كلمات ليلى المُمتنة:
_ انا ربنا عوضني بيكي يا عليا، أنتِ أكتر من اخت ليا
بادرت ليلى باحتضانها فبادلتها عليا المشاعر الصادقة، ثم نهضت واستأذنت منها لتنهي ما ورائها من مهام منزلية، بينما وقفت ليلى في حيرة من أمرها، تود توطيد علاقتها مع زكريا بلمسة خاصة منها.
فتوجهت إلى غرفتها وقامت بفتح خزانتها ووقفت تنتقي من الملابس أحسنهم، ليكون يومًا مميزًا لهما يتذكرونه في المستقبل، لكنها فوجئت بتعكر معدتها فجأة وشعورها المُلح في الغثيان.
تضاعف شعورها فهرولت نحو المرحاض وقامت بتقيأ جميع مافي معدتها حتى فرغت وشعرت بضعف حيلتها، فعادت إلى الغرفة محاولة تناسي ذلك التعب والإستعداد لما خططت له.
***
بعد مرور شهرين، وفي المساء؛ كان عبدالله جالسًا في حديقة الفيلا يُرسل ما فعله اليوم إلى حبيبته كعادته الأيام الماضية على أملاٍ أن تفتح يومًا وتقرأه، يعيد محاولات اتصالاته بأخيها لكن النتيجة ذاتها لا يجيب، لم يكن لديه عمل كثيرًا اليوم.
توجه إسلام ناحية عبدالله مسرعًا فقلق عبدالله من ركضه، انتصب في وقوفه منتظرًا كارثة في طريقه قد اعتقد حدوثها من هرولة إسلام، وقف أمامه وهتف:
_ عبدالله تعالى معايا، هنروح المطار دلوقتي..
توجه إسلام نحو موقف السيارات فتبعه عبدالله وهو يتساءل مستفسرًا عن الأمر:
_ ماشي بس هنعمل إيه في المطار؟
أخبره وهو يقف أمام السيارة الخاصة بالسفر حيث أنها أكثرهم طولًا وأبوابها الخلفية تتحرك للأمام وإلى الخلف لا إلى اليمين و اليسار مثل بقية السيارات، ذات عدة مقاعد خلف بعضها:
_ هنجيب ابن عز بيه من المطار.. وصل وبعدين بلغنا أنه محتاج عربية على ما يخلص الإجراءات
أماء عبدالله بتفهمٍ، ثم تناول من إسلام مفتاح السيارة وقام بركوبها، تحرك خارج الفيلا ومنها إلى المطار، بعد مرورٍ وقتٍ لا بأس به وصلا إلى وجهتهم، ترجل إسلام من السيارة وأمر عبدالله:
_ اقفل العربية وتعالى معايا..
تنهد عبدالله بمللٍ، وقام بغلق السيارة من الريموت خاصتها وقام باتباع إسلام سريعًا قبل أن يفقده، وقف إسلام باحثًا بعينيه في جميع الإتجاهات حتى وقع بصره عليه فتوجه إليه وكذلك عبدالله.
_ باشمهندس عاصم، حمدالله على السلامة
قالها إسلام فأجاب عاصم بابتسامة هادئة:
_ الله يسلمك يا إسلام..
تناول إسلام الحقيبة من يد عاصم وأشار إلى عبدالله الذي يقف خلفه وأمره:
_ عبدالله، تعالى..
اقترب منهما عبدالله فقام إسلام بتعريف هويته له:
_ عبدالله، سواق الأنسة ڤاليا..
مد عاصم يده إليه ليصافحه وتساءل:
_ أنت بقى أخو آدم؟!
تجهم وجه عبدالله لكنه اضطر إلى التحدث على مضضٍ:
_ أيوا، حمد لله على سلامة حضرتك..
تعمد عبدالله تغير الحوار حتى لا يأخذ مسارًا لا يود المضي به، تدخل إسلام وأردف سؤاله:
_ حضرتك جاهز، نتحرك؟
تلفت عاصم حوله كأنه يبحث عن شيءٍ وهو يجيبه:
_ لا ثواني، مراتي معايا.. بس دخلت التويلت
لحظات فاصلة حتى ظهرت زوجته فتوجه عاصم نحوها ليُعلمها بمكانه، عاد إليهما وردد:
_ كدا نقدر نتحرك..
تلك اللحظة نادى إسلام عبدالله الذي يعطيهم ظهره ليمنع أي أسئلة عن علاقته بأخيه، فعاود عبدالله النظر إليهم ليتفاجئ بوقوفها أمامه.
لكن تلك المرة كانت حقيقة ملموسة، رآها بوضوحٍ، تمتعت عينيه برؤياها، وخفق قلبه المُشتاق لماضيهما، اختفى لهيب صدره المحترق ألمًا على غيابها، لمعت عينيه بالدموع واقترب خُطوة منها ليؤكد لنفسه حقيقة ما يراه مرددًا بخفوت:
_ صبا!!
كانت صدمة لصبا عند رؤيتها له فور عودتها، ذلك مالم ترتب له البتة، لم ترفع عينيها عنه مذهولة، ناهيك عن جميع حواسها التي تجمدت من فرط ذهولها، أخذت وقتًا لا تشعر بشيءٍ سوى أنها في حلمٍ حتمًا.
خرجت من حالتها على اقترابه منها ناهيك عن قرائتها لحروف اسمها التي همس بها من بين شفتيه فأسرعت الأخرى بمسك يد عاصم لتمنعه من الإقتراب منها، فالتفت عاصم برأسه ناظرًا إليها وابتسم ثم عرف هويتها:
_ الدكتورة صبا، مراتي!
***
دلف زكريا غرفته فوجد ليلى نائمة، تأفف بضجرٍ وحاول إيقاظها:
_ ليلى، يا ليلى فوقي بقى أنتِ بقيتي غيبوبة نوم..
بصعوبة رفعت رأسها وقالت:
_ مش قادرة أقوم عايزة أنام..
_ نوم إيه؟ أنتِ نايمة ليل ونهار، أنا معتش عارف أقعد معاكي..
نهضت عن مكانها وأمسكت رأسها تحاول مقاومة ذلك الدُوار اللعين الذي أصابها فجأة، حتى شعرت بحاجتها للتقيأ، فهرولت إلى المرحاض وهي تمسك ببطنها متألمة.
أفرغت مافي معدتها وهتفت بتعبٍ شديد:
_ أنا تعبانة مش قادرة..
انفجرت باكية من فرط تعبها فردد زكريا متأثرًا بصوتها المذري:
_ أنتِ بقالك فترة تعبانة، إحنا لازم نروح لدكتور..
نظرت إليه بعيون واسعة تخشى الذهاب إلى طبيب، فأصر زكريا مهتمًا لأمرها:
_ تعالي إلبسي وننزل نشوف أي دكتور فاتح دلوقتي..
رفضت ليلى الذهاب بحركة من رأسها:
_ لا مش هروح في حتة..
أبعدته بيدها بعيدًا عنها ومرت بجانبه خارجة من المرحاض، فتبِعها زكريا مُرتابًا من رفضها، وسألها مستفسرًا:
_ هو إيه اللي مش هتروحي، هتسيبي نفسك تعبانة كدا؟
توقفت ليلى عن السير فلقد أرهقها الكتمان وإخفاء الأمر كثيرًا، لم تعد تحتمل حمل ذلك السر بمفردها بعد، توجهت ناحية الكومود وقامت بسحب شريطًا بيدها وعادت إليه، ثم رفعته في وجهه وأردفت بنبرة مُنهكة تريد الخلاص:
_ أنا حامل!!
الفصل الواحد والعشرون من هنا