تحميل رواية علي دروب الهوي بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عَ دروب الهوى مَشّاني حبيبي عَ دروب الهوى مَشّاني وعَ كرم الهوى وَصَّلني حبيبي وعنقودو اسْتوى وناداني ناداني سوا سوا رحنا نمشي إيد بإيد والهَوا يْلَوّحنا متل العَناقيد غَمَرني بالهَنا وسَحَرني بالغِنا حتّى إسمي أنا نسّاني كان يقف على أطراف أصابعه ويمُدُ ذراعه للأعلى لتصل كلمات الأغنية إلى آذانها، انتظر قليل فقليلًا بعد، ثم انشرح ثغره بابتسامةٍ سعيدة حين فُتحت أبواب شُرفتها، وظهرت هي بطلتها الساحرة، التي تسرق قلبه بعد أن استمعت لصوت فيروز، تلفتت يمينًا ويسارًا تتفقد المكان من حولهما قبل أن تُسقِط...
رواية علي دروب الهوي الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم تسنيم المرشدي
انتبه عاصم على نظرات الجميع المُصوبة على زينب وشعر بما تمر به الآن من خلفه؛ فحاول إصلاح الأمر فقال بصوتٍ مازح:
_ إيه يا جماعة البصة دي، أنا قولت كدا عشان امبارح جابت لصبا أكل وبصراحة أنا أكلت منه وعجبني جدًا..
تعمد عاصم عدم ذكر ذاته في الأمر حتى لا يَسُوء من حوله الفهم، فاطمئن قلب الجميع، إلا من صبا التي كانت تتناوب النظر بين عاصم وزينب بغرابة، ثم انتبهت على حديث أحلام الموجه إلى عاصم:
_ بس كدا يا باشمهندس، اتفضلوا عندنا بكرة نتغدى مع بعض..
شعر عاصم بالحرج وأراد ألا يكون عِبئًا عليهم:
_ أنا كنت بهزر يا مدام أحلام، مفيش داعي أبدًا للتعب دا
شهقت الأخرى مُبدية استيائها من ذلك الإنزعاج المزعوم:
_ إزعاج إيه بس إحنا أهل، وعلى التعب فإحنا كدا كدا بنطبخ كل يوم، ولو متعبناش ليكم هنتعب لمين؟
ابتسم عاصم بحرج ثم قال:
_ إذا كان كدا تمام معنديش مشكلة
ثم وجه نظريه على صبا وسألها باهتمامٍ لمعرفة رأيها:
_ إيه رأيك يا صبا؟
بعد تفكيرٍ أبدت رفضها التام للتواجد بقرب عبدالله وخصيصًا أن العلاقة بينهما ليست مفهومة فأردفت محاولة الهرب من تلك الاستضافة:
_ مش عارفة، لما أشوف نظام شغلي في المستشفى إيه؟
_ ميعاد الشيفت الليلي بكرة يا دكتورة!
قالها عبدالله بثقة تحت نظرات الجميع المستاءة من رده أمام عاصم الذي لم يروق له نبرة عبدالله وكأنه قريبًا للغاية منها، بينما راود صبا التوتر تلك اللحظة، وابتلعت ريقها محاولة جمع بعض الكلمات فخرجت نبرتها متلعثمة:
_ أيوا بس أنا لسه راجعة بعد انقطاع فترة وممكن النظام يكون اتغير!
_ طب ما يتغير يا صبا، أنتِ ناسية إني شريك في المستشفى وحصتي تسمح لي اخليكي مديرتها من بكرة، وأنتِ لسه بتسألي عن مواعيد الشيفت!!
علق عاصم متعمدًا إظهار نفسه أمام عبدالله لطالما دومًا يبادر بالحديث ظاهرًا مدى عُلمه بأشياءٍ تخص صبا لا يعلمها عاصم.
تلك الأثناء؛ وضحت الرؤى لعبدالله وعلم من أين ظهر عاصم في حياة صبا، أخذ نفسًا وانسحب من بينهما عندما ضاق صدره:
_ بعد اذنكم أنا داخل، معتش قادر أقف أكتر من كدا..
وسرعان ما انصرف وولج إلى البيت، بينما تساءلت زينب بتلقائية:
_ تحبو نعمل حاجة معينة على الغدا ولا نعمل على ذوقنا؟
_ أي حاجة من ايديكم حلوة يا زينب، إحنا مش بجد مش عايزين نتبعكم..
قالتها صبا بحرجٍ فتفاجئت بحديث عاصم الذي أبدى إعجابه الشديد:
_ بصراحة ولو مفيهاش قلة ذوق كان فيه آكله زمان جدتي بتعملها لغاية دلوقتي بتمنى أدوق نفس الطعم تاني..
_ إيه هي وإحنا نعملها من عنينا الإتنين
هتفتها أحلام فأخبرها عاصم عنها:
_ طاجن ورق عنب باللحمة
ضحك عاصم عاليًا وأضاف بنبرة مازحة يشوبها الخجل:
_ حاسس إني وقح عشان بطلب طلب زي دا بس بجد الأكل اللي دوقته امبارح رجعني لأكل جدتي الله يرحمها وحسسني إني ممكن أرجع أكل الأكل دا تاني بعد فشل ذريع من كل اللي حواليا أنهم يعملوه بنفس الطعم بتاعها..
أزالت أحلام عنه الحرج بإبتسامة هادئة:
_ أنا دايمًا بحب اللي أعزمهم يقترحوا هما الأكل عشان أحس إنهم هياكلوا وهما مرتاحين من غير ما يكونوا محروجين أو يقولوا إن الأكل مش عاجبهم، وبكرة إن شاء الله أعملك لك اللي أنت بتحبه ويارب يطلع حلو زي أكل جدتك..
نجحت أحلام في محي أي حرجٍ داخله وقد شكرها عاصم ممتنًا:
_ أكيد هيكون حلو أنا واثق من كدا، شكرًا لحضرتك جدًا..
ثم نظر إلى صبا وتابع:
_ مش يلا بينا يا صبا؟
اكتفت بإيماءة ثم استأذنت منهم وغادرت معه حتى دلفا بيتهما، كان عاصم يسبقها بخُطاه ثم توقف عندما سقط سؤالها على أذنيه:
_ إيه رأيك في زينب؟
اندهش عاصم من سؤالها المبهم، التفت إليها ورمقها بحاجبان معقودين وردد:
_ رأيي فيها من نحية ايه؟
_ عامةً
ردّت بها صبا وازدادت غرابة عاصم الذي قال:
_ معرفش، يعني معرفهاش عشان أقول رأيي فيها..
_ بس أنت عجبك أكلها!
قالتها دون توضيح لما يوجد خلف كلماتها فقطب عاصم جبينه واقترب منها ثم هتف:
_ فا إيه؟
_ يعني البنت أكلها عجبك، مش قادر تقول رأيك فيها يا عاصم!
حرك عاصم رأسه يمينًا ويسارًا مستنكرًا أسئلتها الحمقاء، وهتف بانزعاج:
_ طب ما أنا ممكن أروح أي مطعم ويعجبني أكله، هي هي.. مش فاهم سؤالك بجد؟ وبعدين أقول رأيي فيها ليه؟ تخصني هي في إيه؟
شعرت صبا بحماقة أسئلتها وحاولت التبرير:
_ كنت عايزة أقول يعني إن زينب شخصية جميلة وطيبة وزيادة على كدا أكلها حلو..
_ أيوة برده يهمني في إيه كل دا؟ أنا هقدم لها على شغل عندي؟
هتفها عاصم مستاءً ولم يُدرك كلماته ماذا أنارت لعقل صبا التي ابتسمت فتعجب عاصم من ابتسامتها المبهمة وقام بوضع راحة يده على جبينها يتفقد حرارتها قبل أن يردد:
_ ما أنتِ كويسة أهو أومال في إيه؟
أزاحت صبا يده عنها وقالت ناهية الحوار:
_ حبيت أعرفك على زينب مش أكتر.. إحنا جيران ولازم تكون عارف جيرانا بس كدا..
على الرغم من عدم اقتناعه بما قدمت من تبريرات واهية، إلا أنه لم يطيل في الأمر وفضّل إنهاء الحوار، وقام بالصعود حيث غرفته، بينما وقفت صبا تبتسم وهي تُرتب بعناية إلى تلك الخُطوة التي راودت عقلها أثناء حديثهما.
***
تراجعت خلود للخلف بعد سماعها صوت زكريا، وقد دب الرعب أوصالها، لم تُبعد نظريها عنه وهي تعلم أنه لم يمرق الأمر على خير، حتمًا تلك نهايتها؛ بينما هرول زكريا نحوهما بعينين يشِع منهما الشر ثم أمسكها من يدها بعنفٍ حتى آلمها وقد وجه حديثه إلى وليد وهو يدفعه في صدره:
_ أنت فاكر نفسك بتعمل إيه؟
_ يابني أهدى أنت فاهم غلط
قالها وليد محاولًا تهدئته، لكنه كان يزداد حنقًا، دفع بخلود داخل البيت وهو يردد:
_ قدامي..
ثم التفت برأسه وحدج وليد متوعدًا له وهو يحرك سبابته في وجهه:
_ كلامنا مخلصش!
ثم أغلق الباب في وجهه، فرفع وليد راحة يدها واضعها على فمه، فلقد تعقدت الأمور، وانتهت ليلة جميلة بنهاية حتمًا ستكون كارثية، لم يريد الهرب وتركها تنال العقاب بمفردها، فهو مخطئ أيضًا لعدم ردعها في الحال.
وقام بقرع الجرس ففتح له زكريا وقام بتوبيخه:
_ مستعجل أوي على قضاك!!
_ يابني بطل بقى كلام ملوش لازمة واسمع كدا..
لم يُكملها وليد حتى دفعه زكريا بعيدًا عن الباب وصاح فيه:
_ كلامي معاك مش دلوقتي!
ثم قام بغلق الباب مرة أخرى، فأشعل نيران الغضب الخامدة داخل وليد، الذي تحول لون عينيه إلى الإحمرار بسبب كظم غيظه حتى لا يحرق ذلك البيت بمن فيه، ثم صعدا إلى الأعلى بعد أن تطلع على الباب بنظرة أخيرة.
في الداخل؛ ولج زكريا غرفة شقيقته وقام بدفع خلود بقسوة، كادت تسقط اثرها إلا أن عليا قد لحقت بها وتعجبت من تصرفه الأرعن متسائلة بضيقٍ:
_ إيه دا انت بتزُوقها كدا ليه؟
ثم انتبهت على نوبة بكاء خلود التي هاجمتها فجأة واستنكرت ما يحدث وصاحت:
_ هو فيه إيه حد يفهمني؟!
تلك الأثناء دلفت هناء على أصواتهم المرتفعة، توجست خيفة عندما رأت دموع خلود وتساءلت بلهفة:
_ في إيه؟ أنتِ بتعيطي كدا ليه؟
بادر زكريا بإخبارها بما أحدثته وهو يقترب منها رافعًا ذراعه وكأنه سيقوم بضربها:
_ بنتك كانت في حضن أستاذ وليد على باب البيت!!
شهقت هناء بصدمة وقد اتسعت حدقتاها؛ بينما وقفت عليا مُشكلة حائلًا بين خلود زكريا حتى لا يتطاول بيده، لم تتقبل هناء سماع ذلك واقتربت من خلود بعيون ينطق منها الشر وهتفت سؤالها:
_ الكلام دا صح يابت، انطقي؟
خرجت نبرة خلود غير مفهومة من بين بكائها وقالت:
_ والله يا ماما حركة عفوية مكنتش مقصودة
_ مكنتش مقصودة!!
رددتها هناء بشرٍ ثم قامت بصفعها بكل ما أوتيت من قوة، فتردد صدى الصفعة في الغرفة من قوتها، شهقت عليا التي لم تستطع منع تلك الصفعة، ثم أوقفت خلود خلفها لتحميها من شر والدتها، بينما صاح زكريا من خلفهن:
_ هاتي موبايلك، وابقي قابليني لو مسكتي الموبايل تاني ولا نزلتي من البيت!
برقت عيني خلود وازداد نحيبها وهي مازالت مُمسكة بوجنتها التي تلقت الصفعة، بينما صاحت عليا مستاءة من رد فعلهما المبالغ:
_ هي غلطت بس متتعاقبش بالشكل دا، حرام عليكم، فهموها غلطها براحة، دي البنت أول مرة غلط تقوموا تعملوا كدا؟!
_ اسكتي أنتِ، وبعدين لما تتعاقب من الأول كدا هتخاف تغلط تاني!
هدر بها زكريا بغضبٍ فلم تتقبل عليا ذلك الهراء وهتفت:
_ بجد مش فاهمة أنتوا بتعملوا إيه؟ اتكلمي يا ماما، موبايل إيه اللي عايز ياخده؟
وقفت هناء أمامه لتردعه عما يريد فعله وقالت:
_ خلاص يا زكريا سيب لي أنا الموضوع دا
برفضٍ تام هدر:
_ لا مش هسيبهولك، بنتك دي لازم تتربى عشان تعرف إن اللي عملته غلط!
تفاجئت هناء مما قاله ورددت مذهولة:
_ قصدك إني معرفتش أربيها؟
دون تفكيرٍ مسبق لكلماته ردّ:
_ أيوا بنتك متربتش، لما من أول يوم بتترمى في حضنه أومال تاني يوم هتعمل إيه؟ هتسيب له نفسها؟
تلك اللحظة ألجمت ألسنة الجميع؛ لم تتقبلها هناء البتة ولم تشعر بنفسها سوى وهي تنسدل على وجهه بصفعةٍ مضاعفة لقوة صفعة خلود ورددت بغضبٍ وشر شديدين:
_ أنا بنتي متربية أحسن تربية، الدور والباقي على اللي كان بيجيب خطيبته الشقة من ورانا ويا عالم إيه اللي كان بيحصل، خليني ساكت أحسن..
دفعته هناء بكل قوتها وهي تحاول إخراجه من الغرفة:
_ امشي اطلع برا بيتي أنا فعلًا لو معرفتش أربي فهيكون أنت
كانت كلماتها قاسية للغاية، فاجئت بها زكريا الذي تجمد مكانه يطالعها بصدمةٍ؛ في المقابل لم تكف هناء عن دفعه حتى نجحت في إخراجه من الغرفة تلك اللحظة، وبصعوبة بالغة تحرك زكريا خارج البيت ثم صعد السُلم حتى الطابق الكائنة به شقته.
فتح الباب وعلامات الغضب على وجهه، لم يخرج من صدمته لتلقي تلك الصفعة المفاجأة بعد، كانت ليلى جالسة في انتظار عودته، بينما تفقدها هو لثانية قبل أن يسألها:
_ أنتِ قولتي لحد من اللي تحت إنك كنتي بتيجي هنا لوحدك قبل ما نتجوز؟
تفاجئت ليلى من سؤاله، ونهضت لتقترب منه ثم نفتح ذلك قائلة:
_ لا طبعًا مقولتش كدا.. ليه؟
_ مفيش..
قالها وأولاها ظهره فظهرت عليه أصابع اليد التي على وجهه، فشهقت ليلى مصدومة وسألته مستسفرة عما به:
_ إيه اللي على وشك دا؟
شعر زكريا بوخزة في صدره، ولم يريد إخبارها بما تعرض له، فتلك إهانة كبيرة في حقه، لم يُجيبها وتابع حتى الغرفة التي ينام بها وجلس على طرف الفراش محدقًا بما أمامه دون حديث.
لحقت به ليلى ولم تتركه حتى تعلم ما وراء تلك العلامة التي على وجهه، جاورته وبخوفٍ ظاهر أعادت سؤالها:
_ إيه اللي على وشك دا يا زكريا، رد عليا..
إلتزم الآخر الصمت وهو يصر أسنانه بغضب، لا يصدق أن والدته اعتبرته صغيرًا لذلك الحد وقامت بضربه، كان شاردًا مهمومًا خرج من شروده على صوت ليلى المتسائل وهي تحرك وجهه إليها:
_ حصل إيه؟ احكي لي، طمني قول أي حاجة
هنا خرج زكريا عن طوره وهب واقفًا وهو يهتف عاليًا:
_ عايزاني أقولك إيه؟ أقولك إني اضربت من أمي زي العيل الصغير!!
فغرت ليلى فاها بصدمة وحدقت لها مذهولة قبل أن تردد وهي تقترب منه:
_ عملت كدا ليه؟
تشدق زكريا ساخرًا وهو يخبرها بحنقٍ:
_ عشان مش عاجبها إني بقولها بنتها متربتش!
اتسعت حدقتي ليلى بذهول وهي تردد كلماته بدون تصديق:
_ زكريا أنت قولت لمامتك كدا؟ وعلى أختك كمان!!
_ واحدة في واقفة في حضن وليد على السلم يتقال عليها إيه؟
هاتفها بانفعالٍ شديد، فرمقته ليلى بنظراتٍ ساخطة، وبهدوءٍ غامض أردفت:
_ يتقال عليها مجبرة على الحركة!
باستهزاءٍ لكلماتها هدر:
_ مفيش واحدة مجبرة على حاجة، كان ممكن تلطشه قلم تبعده عنها لو فعلًا هو اللي بدأ..
بالنبرة ذاتها تحدثت بجمودٍ:
_ ما يمكن مقدرتش عليه...
كانت هنا لا تقصد خلود بعينها، فضاق زكريا بعينه مستاءً من ردودها الباردة وهتف:
_ أنتِ بتقولي إيه؟ مقدرتش عليه إزاي يعني؟ هي محاولتش أصلًا الظاهر الموضوع عاجبها!
حاولت ليلى عدم خلط الأمور ووازنت نظرتها بين الهدوء والحكمة وأردفت:
_ كنت فهمها براحة يا زكريا إن دا غلط ومينفعش يحصل قبل كتب الكتاب..
قاطعها زكريا بترديده:
_ ولا حتى بعده، الكلام دا بعد الجواز!
تلقت ليلى كلماته بدهشة كبيرة، فرُفع حاجبيها تلقائيًا عند سماع أذنها كلماته، ولم تستطع تمرير الأمر دون تعليق:
_ وأنت ليه مستنتش بعد الجواز؟
تفاجئ زكريا بسؤالها فلم ينتظره البتة، وقام بإعطائها إجابات ضعفية:
_ إحنا غيرهم..
لم تدعه ليلى يواصل حتى صاحت رافضة هرائه:
_ غيرهم إزاي؟ كلامي مُحدد إن عادي يحصل بعد كتب الكتاب بناءً اللي على شوفته منك معايا، ليه هما لأ وإحنا أه؟
من بين أسنانه المتلاحمة أجابها:
_ اختي خط احمر، محدش يعمل كدا معاها!
خرجت بعض الضحكات الساخرة من ليلى وهي تردد:
_ أختك خط أحمر لكن أنا عادي يتعمل معايا كل حاجة وغصب عني ومن غير ما أكون راضية، دا عندك عادي؟
تأفف زكريا عاليًا وحاول إيضاح ما يراه وهي تجهل رؤياه:
_ أنا مش واثق فيه ولا في الظروف اللي هتيجي ممكن تخليهم يبعدوا أو هو يسيبها، لكن أنا كنت واثق من نفسي وإني هكمل معاكي وأدينا واقفين في بيتنا أهو بنتكلم فيه!
نظرت ليلى حولها ثم عاودت النظر إليه بخيبة أمل وشعور سيء قد اكتسبته من تلك المحادثة ثم أردفت:
_ هو فين بيتنا دا؟ دا أنت في أوضة وأنا في أوضة، بنتكلم مع بعض وقت ما بنتخانق غير كدا مش بشوفك ولا بسمع منك كلمة حلوة، مش بتسأل نفسك ليه كل اللي إحنا فيه دا؟
مش بيجي على بالك مثلاً إن تسرعك وتهورك قبل الجواز خلى حياتنا زي ما أنت شايف كدا؟!
لم يتقبل زكريا إلقاء اللوم عليه وحده؛ ودنا منها وهو يردد بصوتٍ منفعل:
_ وليه مقولتيش لنفسك إن حياتنا دي بسبب عِنادك وحملك اللي أنا لغاية دلوقتي مش قادر أبلعه! لو حد بوظ حياتنا دي فهي أنتِ يا ليلى مش أنا..
رفضت ليلى الرضوخ لما يود إقناعها به وصاحت عاليًا:
_ لا لا حياتنا دي بسبب أنانيتك ونرجسيتك، لكن أنا واحدة كنت طالبة حياة طبيعية مطلبتش حاجة كتير يعني..
لم يصل معها إلى نقطة يرضى غروره بها؛ فصاح ناهيًا الحوار:
_ أنتِ عايزة إيه دلوقتي يا ليلى؟
ضاقت الآخرى بعينيها عليه قبل أن تردد:
_ على كدا أنت شايفني إزاي طلاما أختك من حضن بقت متربتش!
صر أسنانه بغضبٍ ثم أغمض عينيه محاولًا إخماد غضبه حتى لا يحرقها له إن خرج، تلك الأثناء صدح رنين هاتفه فتفقده زكريا سريعًا ثم أعاده إلى جيب بنطاله فاستغلت ليلى فرصتها للسؤال عن مكالماته الغامضة:
_ مين اللي بيكلمك في وقت متأخر كدا؟
_ وأنتِ مالك؟
هتفها بحنقٍ فأصرت ليلى على معرفة المتصل:
_ أنا مراتك والمفروض أعرف مين بيكلمك في وقت متأخر كدا، مش أنا لو حد كلمني في نفس الوقت هتكون مهتم تعرف هو مين؟
_ هو فيه حد بيكلمك ولا إيه؟
تساءل بنبرة لا تحتمل النقاش فنظرت إليه ليلى باستنكارٍ وأرادت اللعب على غيرته حتى تأخذ منه ما تود معرفته:
_ يمكن!
تفاجئ زكريا بردها واقترب منها ثم أمسك ذراعيها وصاح بعينين حمراوين من شدة غضبه:
_ أنا غيرك، أنا راجل وأنتِ ست، انا أعرف أتعامل لو حد غريب كلمني أنتِ متتصدريش أصلًا! ها فيه حد بيكلمك؟
_ مش هجاوبك غير لما أعرف مين اللي بيتصل بيك؟
قالتها ليلى ببرودٍ لا يشبه نيران غيرتها المتقدة داخل قلبها، تطوق كثيرًا لمعرفة المتصل لأن قلبها يخبرها أنها امرأة، فمن يكون في وقتٍ متأخر من الليل سوى إمرأة ذات اخلاق غير شريفة؟
خرج زكريا عن طوره وهزها بعنفٍ حتى اختل توازنها وسقطت فجأة وهو يهتف عاليًا:
_ متلعبيش معايا اللعبة دي يا ليلى عشان مش هتشوفي مني خير!
صعقت الأخرى من تصرفه، ونظرت حولها تتأكد من سقوطها، تلك اللحظة نعت زكريا نفسه المتهورة وقام بالإنحناء بجسده ومد لها يده ليساعدها على الوقوف فأطالت ليلى النظر بذراعه الممدود قبل أن تُبعدها عنها، ثم نهضت بمفردها وقامت بالذهاب إلى غرفتها، وقامت بتوصيدها من الداخل حتى لا يستطع الدخول.
بينما وقف زكريا في الخارج يتطلع بالباب الذي اغلقته للتو، كاد يتبعها لكنه استمع إلى رنين هاتفه فعاد إلى الغرفة وأغلق الباب ثم أجاب على الإتصال بنبرةٍ حادة:
_ أنا مش قولت لك مترنيش أنتِ وأنا وقت ما أكون لوحدي هكلمك؟؟
***
في الأسفل حيث غرفة الفتيات، أخذت هناء الهاتف من خلود وقامت بتحذيرها:
_ مفيش موبايل لغاية ما تتظبطي يا خلود، ما أنا ربيت قبلك واحدة اهي ومتعبتنيش كدا، الكلام اللي بقوله بيتنفذ بحذافيره، أنتِ لو فاكرة نفسك أكبر مني فأنا هوريكي حجمك عشان تتعدلي، وأستاذ وليد دا بقى ليا معاه كلام تاني..
خرجت هناء من الغرفة، فازداد نحيب خلود بقوة، بينما قامت عليا بضمها وحاولت تهدئة روعها، وبعد مرور بضع دقائق نجحت عليا في تهدئة جزءًا من حزنها وتساءلت مستفسرة:
_ هو إيه اللي حصل بالظبط؟
ذهبت خلود للجلوس على الفراش وأخبرتها بحرجٍ شديد:
_ وليد قالي أنه عايزني ألبس النقاب وأنا فرحت أوي وقمت ..
صمتت عندما لم تستطع مواصلة الحديث فاستشفت عليا ما حدث بعد ذلك ولامتها بلطفٍ:
_ مكنتيش عارفة تمسكي نفسك يا خلود؟!
_ والله العظيم حركة عفوية مفكرتش فيها خالص
قالتها خلود بقلة حيلة، بينما نظرت عليا أمامها وقالت:
_ اللي حصل حصل بقى، المهم نشوف أمك ناوية على إيه، ربنا يستر..
رفعت خلود رأسها فجاة وتطلعت في عيني عليا وهي تتساءل بتوجسٍ:
_ هي ممكن تنهي الخطوبة دي؟
أطالت عليا النظر فيها ولم تريد التفكير بسلبية لكن داخلها شيء يخبرها بأن الأمر ليس ببعيد عن والدتها وقالت:
_ بلاش نفكر بسوداوية كدا، إن شاء الله متعملش حاجة.. كبيرة
زمن خلود شفتيها بحزنٍ تبدد داخل قلبها وتساقط دمعها عندما خُيل لها انفصالها عن وليد، بينما أرادت عليا إلهاء عقلها عن التفكير وقالت:
_ قومي لما أساعدك تغيري الفستان..
لم تريد خلود التحرك من مكانها لكن عليا أصرت على تبديل ذلك الفستان ربما تنجح في انشغالها في شيءٍ آخر حتى لا يأكل عقلها التفكير.
***
في اليوم التالي؛ استيقظ عبدالله اثر رنين هاتفه، فنهض بكسلٍ وسحب هاتفه فوجده رقم لم يتعرف عليه، فقام بالإيجاب وهتف بصوتٍ ناعس:
_ ايوا..
فجائه صوت الآخر الذكوري:
_ أنا جلال يا عبدالله..
اعتدل عبدالله من نومته وتفقد الهاتف ثم قام بالرد عندما تذكر صوته:
_ جلال!
_ عايز أشوفك ضروري، أنا واقف برا بيتكم
قالها جلال فقطب عبدالله جبينه بغرابة وهو يتساءل بجدية:
_ بيتي!! أنا معتش ساكن في الحارة..
_ عارف أنا قدام بيت المزرعة، لو سمحت أخرج لي عايز اتكلم معاك
هتفها جلال فلم يطيل عبدالله وقال:
_ أنا خارج لك على طول
ثم نهض مُبتعدًا عن الفراش وقامت بغسل وجهه سريعًا، تفقد هيئته فكانت لا بأس بها فقام بالخروج سريعًا باحثًا عن جلال، وجده يقف أمام البوابة الخارجية فدعاه إلى الداخل:
_ تعالى ادخل
رفض جلال الدخول معللًا:
_ لا خلينا هنا أحسن، مش حابب حد يسمع اللي هطلبه منك..
قابله عبدالله بعيون ضائقة ثم راوده سؤالًا لم يتردد في سؤاله:
_ أنت كنت فين المدة اللي فاتت دي؟ وليه لسه ظاهر دلوقتي وليه مكنتش بترد عليا؟
أخذ جلال نفسًا وزفره على مهل قبل أن يجيبه:
_ هقولك على كل حاجة، بس دلوقتي أنا عايز حمادة
بغرابةٍ ممزوجة بالفضول سأله:
_ ليه؟
_ ليه؟ أنت بتسأل ليه؟
رددها جلال بدهشة لسؤاله ثم تحولت نبرته وباتت أكثر حدة ووعيد لذلك اللعين:
_ عشان أشرب من دمه، دا أنا مش هسيبه على وش الدنيا دقيقة واحدة!!
تسببت كلماته وحالة الغضب الذي كانت عليها فضول عبدالله حوله وسأله بجدية:
_ هو أنت مكنتش تعرف اللي حصل؟
_ لأ لسه عارف..
قالها جلال فتفهم عبدالله ثورته، فآلمه ما زال حديثًا، أخذ نفسًا ثم قال:
_ أختك رفعت قضية عليه، ومش من مصلحتها إنك تتعرض له، عشان ميجيش ضدها.. سيبه ياخد جزاءه بالقانون..
خرج جلال عن هدوئه وهدر عاليًا:
_ جزاء إيه اللي ياخده القانون يا عم عبدالله!! أنت أكيد حاسس باللي أنا فيه دلوقتي، أكيد حاسس جوايا محروق إزاي على عرض اختي اللي انتهك!
دنا منه عبدالله وتحدث من بين أسنانه التي تحتك ببعضهما حين هاجمه شعور الحَميّة من ذكريات تلك الليلة العصيبة:
_ حاسس بيك كويس أوي، بس أنت لسه غضبك جديد وعارف إنك عايز تاخد حقها بإيدك، عشان كنت يوم في موقفك دا، بس مضيعش نفسك وحق اختك بالتهور، عايز تجيب لها حقها خليك جنبها وساعدها تعدي الفترة الجاية عشان مش هتكون سهلة أبدًا عليها، دا اللي تقدر تعمله، غير كدا يبقى أنت بتضيع حقها صدقني..
دون اقتناع لما يريده عبدالله فعله صاح:
_ يعني أنت عايزني أحط جزمة في بوقي واسكت؟ طب لو سكت لساني أطفي النار اللي هنا إزاي؟
قالها وهو يضرب صدره بقوة، بينما أحس به عبدالله وحاول إخماد بركانه الثائر:
_ نارك هتبرد لما تشوف الكلبشات فيه إيديه وأخد حكم مش هيخرج منه غير على قبره، أنا سألت وقالوا قضية الاإغتصاب دي أقل مافيها مؤبد، دا غير إن أختي هي كمان رافعة عليه قضية وبرده الحكم فيها مش هيكون سهل أبدًا، دا اتسبب في موت جنينها ودي جناية تانية!
صدقني أي حاجة هتعملها هتتحسب له هو، سيبه يفرح له يومين وياخد على وشه بعد كدا..
حدجه جلال بنظراته الثاقبة، كان يحاول الإقتناع بحديثه حتى لا يتسبب لشقيقته بخسارة قضيتها، وعلى الرغم من أنه يرى قتله افضل من السجن خلف قضبان حديدية لن تشفي غليله منه.
****
قبل اقتراب الشمس على غروبها، بدأت تضع أحلام الطعام في الخارج ليستمعوا بالهواء وهم يتناولون وجبة الغداء، كانت تساعدها زينب وترتب الطاولة بشكلٍ جميل، حتى انتبهت على حضور صبا برفقة عاصم الذي هلل عاليًا:
_ الريحة واصلة لغاية أوضتي
ابتسمت زينب برقة وقالت بلطفٍ:
_ يارب تكون حلوة يا باشمهندس
_ جنان!
قالها مًبديًا إعجابه الشديد بالرائحة، بينما تناوبت صبا النظر بينهما وظهرت على محياها ابتسامة سعيدة سرعان ما أخفتها قبل أن يلاحظها أحدهم، ثم أرادت الإنسحاب فقالت مختلقة شيئًا:
_ طيب أنا هدخل أغسل إيدي وراجعة..
ثم انسحبت سريعًا تحت نظرات زينب التي تُتابعها بحرجٍ، عادت بنظرها إلى عاصم وابتسمت له في خجلٍ ثم أشارت إلى أحد المقاعد وقالت:
_ اتفضل أقعد على لما يتجمعوا..
أماء عاصم وأسرع في الجلوس، وعينيه مُصوبة على ورق العنب التي تُطالب به معدته فلاحظته زينب وضحكت بخفة وقالت:
_ اتفضل كُل وقول رأيك..
بملامح خجولة قال:
_ أنا مفقوش للدرجة دي؟
قهقهت زينب وهي تُشكل بيدها حجمًا قليل قبل أن تجيبه:
_ شوية ..
شاركها عاصم الضحك ثم بدأ بأخذ واحدة تلاها أخريات حتى شعر بامتلاء معدته، رفع نظره فوجدها تشاهده في صمتٍ، فعض شفاه وأردف:
_ الظاهر نسيت نفسي..
ثم أعاد النظر إلى طبقه الذي قارب على الإنتهاء وصاح ببعض الندم الذي يُخالطه الخجل:
_ هيقولوا مقدرش يستنى وأكل لوحده!
أرادت زينب محي الحرج منه فقالت:
_ ثواني وراجعة لك..
ولجت البيت وتركته ينعت تسرعه في تناول كل هذا الكم، ثم إلتزم الصمت عندما رأى عودتها، تفاجئ بها تُعيد إكمال طبقه حتى امتلأ خافية آثار تناوله، تفقدت الطبق قبل أن تهمس بسؤالها:
_ أنت أكلت حاجة؟
نفى عاصم ذلك بقوله:
_ أبدًا ولا أعرف طعمه إيه حتى
انفجرا كليهما ضاحكين ثم هتف عاصم مازحًا:
_ هش اسكتي دول جاين بدل ما جريمتنا تتكشف..
أومأت زينب برأسها وجاهدت على الظهور طبيعيًا،
بينما حضرا الجميع وجلسوا حول المائدة، وبدأوا يتناولون الأطعمة الشهية التي تفننت في صُنعها أحلام بمساعدة زينب، قطعت أحلام ذلك الصمت بسؤالها الموجه إلى عاصم:
_ إيه رأيك يا باشمهندس، ورق العنب زي بتاع جدتك؟
رفع عاصم رأسه وأجاب بتلقائية:
_ بصراحة لأ
فغرت أحلام فاها بدهشة فأضاف عاصم:
_ دا طعمه أحلى بمراحل، بصراحة يا مدام أحلام أكلكم له مذاق مختلف، مدوقتش في جماله قبل كدا..
ابتهجت أحلام من كلماته اللطيفة ولكن ما أسعد قلبها هو نيل الطعام على إعجابه، ابتسمت في وجهه وقالت:
_ تسلم يا بني والله دا من ذوقك..
في الجوار، كان عبدالله يتناول تارة ويسرق نظرةً على صبا تارة أخرى، كان شاعرًا بالضيق الشديد لجلوسها بجوار عاصم، على الرغم من معرفته أن علاقتهما صورية إلا أن غيرته تزداد كلما رآها بجانبه.
تلك الأثناء استغلت صبا اجتماعهم، وأردفت موجهة سؤالها إلى زينب:
_ مش بتفكري تشتغلي يا زينب؟
قطبت الأخرى جبينها وضحكت قبل أن تخبرها:
_ لا بصراحة مفكرتش قبل كدا.. يعني خلصت تعليم واتجوزت..
قلبت عينيها بضجرٍ ثم تابعت نادمة:
_ وحاليًا بطلق وأنتِ عارفة الباقي بقى
هزت صبا رأسها بتفهم ثم قالت:
_ أنتِ خريجة تجارة إدارة أعمال يعني سهل تلاقي شغل في شركات...
نظرت إلى عاصم ووجهت حديثها المباشر إليه:
_ إيه رأيك في زينب يا عاصم؟ مش كنت بتدور على سكرتيرة؟
شرق عاصم وأخرج بعض السعال حتى يضبط حنجرته وأنفاسه، ثم نظر إلى يمينه ورمق صبا بعيون واسعة غير مصدقًا ما قالته، كان مُحاصرًا من قِبل أعين من حولهما ولم يملُك شجاعة الرفض فقال:
_ ايوا..
ابتسمت له صبا وأردفت وهي تُشير إلى زينب:
_ أعتقد زينب اكتر اكتر سكرتيرة هتكون هادية ومش هتضايقك أبدًا..
تفاجئ الجميع بقرار صبا وخصيصًا زينب وعاصم اللذان حدقا ببعضهما في حرج، ثم انتبهت زينب على سؤال صبا:
_ إيه رأيك؟ تشغلي وقتك بدل قعدة البيت دي
تفقدت زينب وجوه الجميع، وعبرت عن رأيها بتيِه:
_ مش عارفة، يعني مفكرتش في موضوع الشغل دا قبل كدا ومعرفش ممكن أنفع اصلًا ولا لأ
بإصرارٍ شديد قالت صبا:
_ كل حاجة تنفع، هتنزلي تدريب مدة وهتتعودي بعد كدا، بس أنتِ فكري في الموضوع
عضت زينب شفتيها وهي تردد:
_ إن شاء الله
وما أن قالتها حتى فوجئ الجميع برفض عبدالله:
_ شكرًا يا دكتورة ليكي أنتِ والباشمهندش، بس زينب كدا كويسة..
نظرت إليه صبا بضيقٍ، وحاولت فهم وجهة نظره:
_ إيه المشكلة يا عبد...
لم تتابع حديثها وأضافت سؤالها متجنبة عدم ذكر اسمه:
_ مش فاهمة وجهة نظرك؟
اعتدل عبدالله بكامل جسده مستندًا على جدار الكرسي وقال بصوتٍ أجش وعينيه تخترقان خضرواتيها:
_ إحنا مش بنرجح شغل الست أوي، الست مكانها الأول البيت والحمدلله حالتها مش محتاجة أنها تخرج للشغل..
رفعت صبا حاجبها الأيسر ولم تتقبل كلماتها وهاجمته معترضة:
_ طب ما أنا بشتغل، هل عشان محتاجة للشغل؟ أكيد لأ، بس أنا حابة أعمل كدا وأنفع الناس بعِلمي اللي درسته طول السبع سنين في الكلية..
_ أنتِ قولتي بنفسك، تنفعي الناس بعِلمك، يعني بتساعديهم، لكن زينب هتساعد مين؟
هتفها عبدالله ثم نظر إلى عاصم وواصل باستهزاء:
_ الباشمهندس!!
شعرا الجميع ببدء الحرب الكلامية بين صبا وعبدالله فألحقت أحلام بعبدالله قبل أن يؤجج الموقف بكلماته:
_ ودي برده مساعدة يا عُبد، واعتقد أحسن رأي هو رأي زينب هي اللي تتكرر إذا كانت حابة تشتغل ولا لأ
أيد قاسم رأيها بقوله:
_ أحسنتي القول يا أحلام، إحنا ليه نتكلم على لسانها، إيه رأيك في الكلام دا يا زينب؟
ابتلعت زينب ريقها وهي تفكر قبل أن تُعطي إجابة، وعندما فشلت في أخذ قرار ضحكت وهللت:
_ مش عارفة أخد قرار يا جماعة، الموضوع مفاجئ ومحتاج تفكير..
شعرت أحلام بالتوتر الذي سيطر على زينب فأرادت وضع حد لذلك الحوار فنهضت وقالت:
_ وقت الحلو..
ثم ولجت إلى البيت وأحضرت بعض الحلوى التي صنعتها بيديها، ووضعتها على الطاولة وأخذت تُعطي كل واحدًا من الجالسين نصيبه، فساد الصمت لبرهة حتى قطعته صبا بسؤاله:
_ اتحددت لك جلسة امتى يا زبنب؟
شهيقًا وزفيرًا فعلت زينب قبل أن تخبرها:
_ لسه، المتر صادق فهمني إن هيجيلي استدعاء الأول من النيابة ويسمعوا أقوالي وأقدم كل اللي في إبدي ضده سواء شهود أو تقرير طبي ودا بيقوي موقفي وبعدها بيتحدد لي جلسه، ممكن في خلال اسبوعين لشهر إن شاء الله..
هزت صبا رأسها بتفهم قبل أن تردف:
_ إن شاء الله ياخد جزاءه قريب..
تلك اللحظة نهضت أحلام عن مقعدها فسألها قاسم باهتمام:
_ راحة فين يا لوما؟
ابتسمت في وجهه لدلاله وأخبرته عن وجهتها:
_ هجيب الحلو اللي عملته من جوا..
صعق قاسم مما قالته وأطال النظر بها ثم أشار إلى الحلو التي قامت بتوزيعه لتوها وقال وعينيه مُثبتة عليها:
_ الحلو دا؟
نظرت أحلام حيث يُشير وتفاجئت بوجود الحلوى، تناوبت النظر بين قاسم والجميع والحلوى ثم هتفت:
_ أنا جبتها امتى دي؟
الفصل الثالث والثلاثون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم تسنيم المرشدي
بعد غروب الشمس حل المساء، فغادرت صبا برفقة عاصم إلى بيتهما، كانت تسبقه صبا بِخُطاها متوجسة خيفة من تلك المواجهة بينهما، حاولت الصعود سريعًا إلى الأعلى، لكنه أوقفها بسؤاله:
_ أنتِ ليه عملتي كدا، عايزة توصلي لإيه بِشُغل زينب معايا؟
تجمدت قدمي صبا فلقد حانت لحظة المواجهة فتضاعف توترها، لكنها جاهدت بألا تظهر ذلك، حمحمت والتفتت إليه واجابته بهدوءٍ مختلفة بعض الأسباب:
_ بصراحة عايزة اساعد زينب، البنت مرت بتجربة مش حلوة كنت عايزة أقدم لها الدعم واساعدها تشوف مستقبلها..
صمتت صبا ثم عاودت سؤاله بحرجٍ أكبر:
_ أنا ضايقتك؟
أخذ عاصم يتنفس بعض الهواء ليخبرها بما يدور داخله:
_ مش لدرجة ضايقتيني، بس انا معايا واحدة لو هي فعلا اخدت القرار وقبلت هعمل إيه بالاتنين؟
فكرت صبا ثوانٍ قبل تأتي باقتراحٍ:
_ لو قِبلت طبيعي بيكون فيه فترة تدريب، وليكن مثلا شهر وبعد كدا أكيد هتلاقي لها أي وظيفة عندك، ما شاء الله الشركة كبيرة وأكيد فيها أماكن تستقبل موظفين جداد!
أطال عاصم النظر بها فهو ليس لديه رد، بينما ذمت صبا شفتيها بخيبة الأمل وأردفت:
_ خلاص زي ما قولت لها على الشغل هحاول اشوف لها أي مبرر.. تصبح على خير
تركته لتصعد إلى الأعلى فأوقفها عاصم بكلماته:
_ متقوليش حاجة..
أدارت صبا رأسها ناظرة إليه وقالت:
_ مش حابة تكون مضايق أو مجبر على وضع...
قاطعها عاصم مرددًا بإيجاز:
_ وانا مش حابب تتحرجي معاها ولا هي كمان تتخرج قدامنا.. سيبها تمشي زي ماهي لما نشوف اخرتها إيه..
ابتسمت صبا بعفوية وسكرته ممتنة:
_ شكرًا..
ثم تابعت صعودها تحت نظراته التي تتآكلها، كم تمنى زوال الحاجز التي تضعه بينهما وإتمام زواجهما ليكونا زوجًا وزوجة بالفعل كما هو على الأوراق.
ضاق صدره وشعر بحاجته إلى الإبتعاد قليلًا ربما يمضي ذلك الشعور، فقرر قضاء سهرةً مع أصدقائه.
****
أغلق باب غرفتهما، ثم وقف يتابعها حتى توقفت فجأة ونظرت إليه قبل أن تسأله بجدية:
_ أنت طلعتنا بدري ليه، كنا نقعد مع الأولاد شوية..
دنا منها قاسم وأخذ وقتًا قبل أن يُردف سؤاله القلِق:
_ أحلام أنتِ كويسة؟ حاسة إنك تعبانة مثلًا، فيه حاجة وجعاكي؟
قطبت أحلام جبينها بغرابةٍ من أسئلته المبهمة بالنسبة لها وأجابت:
_ لأ أنا كويسة؛ بتسأل ليه؟
أخذ قاسم نفسًا وزفره قبل أن يخبرها بما يقلقه:
_ أنتِ مش ملاحظة إنك بتنسي بشكل مبلحوظ؟
ابتسمت أحلام عندما أدركت سبب قلقه وحاولت طمأنته:
_ أنا بقالي فترة كدا، بس دي طبيعي يعني أنا برده مش صغيرة، وأكيد دماغي مش هتكون زي الأول أكيد هنسى حاجات..
وضعت يدها في خصرها وأضافت بحنقٍ مصطنع:
_ ليه؟ أنت بقى عايز تفهمني إنك لسه صغير ومش بتنسى حاجة؟
_ بنسى أكيد بس مش بالشكل دا؛ أحلام أنتِ بتنسي الحاجة اللي أنتِ لسه عملاها أو قايلاها، حاجات ميلحقش عقلك ينساها!
قالها بنبرةٍ يكسوها الخوف والقلق عليها، فاستشعرت هي ذلك، وقامت بتحسس وجهه بحنانٍ وسألته:
_ خايف عليا؟
عبست ملامحه وهو يُردد مستاءً:
_ ودا سؤال برده؟ أكيد طبعًا خايف عليكي، إحنا ضروري نروح لدكتور..
اتسعت حدقتي أحلام كما فغرت فاها ثم ابتسمت بخفة وهي تردد ما قاله:
_ دكتور مرة واحدة! أنت كبرت الموضوع كدا ليه؟
ثم زفرت بعض الأنفاس وهدأت نبرتها عندما رأت الخوف ظاهرًا في عينيه وقالت كلماتها لتطمئن قلبه:
_ خلاص يا سيدي نروح عشان أنت تطمن، ووقتها هتلاقي إن مفيش حاجة..
_ يارب
قالها قاسم متمنيًا عدم إصابتها بمكروهٍ لن يقدر على تحمله، ثم قام بضمها برفقٍ دون سابق إنذار ليُطمئن قلبها بوجودها جواره فبادلته هي عناقًا دافئًا يبرد القلب من مخاوفه.
***
للمرة التي لا يعلم كم لم يجد إجابة؛ فألقى الهاتف بغضبٍ على الفراش ووقف يصر أسنانه بحنقٍ وعقله يُخيل إليه بعض المشاهد التي زادته ضيقًا، رفع يده ووضعها في منتصف خصره يحاول التفكير في الوصول إليها حتى اقتحمت عليا عقله فهرول إلى الهاتف وقام بالإتصال عليها دون تردد.
لحظاتٍ حتى استمع إلى صوت عليا المنخفض:
_ وليد..
فأسرع هو بالتحدث إليها بلهفةٍ:
_ عليا، أنتوا فين ومش بتردوا عليا ليه؟ بكلم خلود من امبارح مش بترد عليا، اديهالي اكلمها..
أخذت نفسًا وزفرته وهي تختلس نظرةً على شقيقتها النائمة على قدميها وقالت بخفوت:
_ معلش خليها بكرة، أنا ما صدقت إنها نامت..
_ هو إيه اللي حصل امبارح؟ حد عمل لها حاجة؟
تساءل بنبرة مندفعة فلم تريد عليا إخباره بالأمر كاملًا فاكتفت بقول:
_ بص الدنيا مش مظبطة خالص من امبارح، وماما أخدت الموبايل من خلود ومنعاها تقريبا من أي حاجة غير إنها تقعد في أوضتها، أنا آسفة والله إني مردتش عليك بس كنت خايفة تسمع.. استنى بكرة وأنا هكلمك قبل ما حد يصحى وأخليك تكلمها.. ممكن؟
تلك الأثناء قلِقت خلود إثر صوت عليا على الرغم من انخفاض مستواه، نظرت إليها بعيون متورمة وقالت بصوتٍ مبحوح من وراء بكائها المستمر:
_ بتكلمي مين؟
وقع سؤالها على آذان وليد الذي هتف متلهفًا:
_ هي صحيت، خليني اكلمها..
أطالت عليا النظر بشقيقتها ثم ناولتها الهاتف وقالت:
_ وليد عايزك..
ثم أبعدت الهاتف عنها قبل أن تلتقطه وهمست:
_ بلاش تحكي له اللي حصل..
استشفت خلود إلى ما ترمي إليه عليا؛ فحتمًا لن تخبره عن صفعتها، أخذت الهاتف وابتعدت عن شقيقتها ثم حدثته بهدوءٍ مبالغ:
_ وليد..
_ أنتِ كويسة؟
سألها باهتمامٍ لمعرفة حالتها بعد أن استمع صوتها الذي يتخلله البحة، وما أن وقع سؤال وليد على مسمعها حتى انفجرت خلود باكية، حاولت التماسك لكنها فشلت بجدارة، فانتبهت على نداء عليا من خلفها، أدارت إليها رأسها فحذرتها الأخرى بعينيها الواسعة، فجاهدت خلود على منع دموعها حتى نجحت في ذلك وحاولت إنهاء الإتصال:
_ أنا كويسة.. هبقى أكلمك تاني..
رفض وليد إنهاء الإتصال وهلل عاليًا:
_ استني متقفليش، احكي لي اللي حصل، وليه كل العياط دا؟ زكريا عمل لك حاجة؟
نفت بحركة من رأسها كأنه يقف أمامها ولم تخبره بالحقيقة واكتفت بترديد:
_ لا محدش عمل لي حاجة، بس ماما شادة معايا شوية..
تأفف وليد بضجرٍ بائن وهو يحك مؤخرة رأسه، ثم قال:
_ أنا بكرة هتكلم مع عمي..
شهقت خلود بذعرٍ وهللت:
_ تتكلم معاه في إيه؟
_ في اللي بيحصل دا، يعني إيه تاخد منك الموبايل وتمنعك تكلميني، هو لسه أنتِ طفلة وبتعاقبك بالطريقة دي؟
قالها مُبديًا انزعاجه مما يحدث، بينما أبدت خلود رفضها التام للحديث مع والدها:
_ لا لا متتكلمش معاه في أي حاجة، ماما يومين كدا وهتنسى، بلاش بابا وليد لو سمحت لو عرف اللي حصل مش هقدر أبص في وشه..
بعد تفكيرٍ ساومه وليد بصوتٍ رخيم:
_ مش هكلمه بشرط!
_ شرط إيه؟
تساءلت بنبرةً يسكوها القلق والتوتر فأخبرها وليد عن شرطه:
_ هكلمك فيديو عايز أشوفك ومتقوليش لأ..
تفاجئت خلود من طلبه، ثم أسرعت نحو المرآة وتفقدت ملامحها فشهقت عندما رأت عينيها المتورمة ناهيك عن شحوب بشرتها وكأنها خالية من الدموية، أغمضت عينيها بضيق وحاولت رفض طلبه:
_ بلاش النهاردة.. خليها بكرة
بإصرارٍ تام على طلبه أردف:
_ دلوقتي يا خلود
أعادت خلود النظر على صورتها المنعكسة وبقلة حيلة هتفت:
_ طيب مترنش، أنا اللي هرن عليكي لما أكون جاهزة.. تمام؟
_ تمام
قالها وليد ثم أنهيا الإتصال وأخذت خلود تبحث عن بعض المساحيق التجميلية حتى تخفي آثار بكائها، فانتبهت عليها عليا وسألتها بحاجبين معقودان:
_ بتدوري على إيه؟
_ وليد هيكلمني فيديو، وعايزة أحط أي حاجة على وشي تداري المنظر دا
هتفتها وهي تتابع بحثها، فاستاءت عليا مما أخبرتها به وقالت وهي تقترب منها:
_ يابنتي بقى ملوش لزوم المكالمة دي بدل ما أمك تقفشك وتقلب عليكي أكتر..
نفخت خلود بضيقٍ شديد؛ ثم رفعت بصرها عليها وقالت:
_ لو مكلمتوش هيكلم بابا وأنا مش عايزاه يعرف حاجة
رمقتها عليا بطرف عينيها ثم أخرجت تنهيدة بنفاذ صبر واقترحت عليها:
_ ما تختاري فلتر أسهل لك من اللي أنتِ عايزة تعمليه دا
اتسعت حدقتاها وهي تتطلع بها بدهشة وقالت:
_ نسيت موضوع الفلتر دا خالص
ثم أسرعت في الإتصال على وليد بعد أن خصصت مؤثرًا بصري أخفى جزءًا كبيرًا من ملامحها الحزينة، وماهي إلا ثوانٍ حتى ظهرت صورة وليد على شاشة الهاتف، ابتسمت له فبادلها الآخر الإبتسام وقال:
_ زي القمر حتى وأنتِ معيطة..
إزدادت ابتسامتها بهجة وأخفضت عينيها في حياء، فتابع الآخر استرساله:
_ مش هقدر استحمل الوضع دا كتير بجد، لو فضلوا مانعين كلامنا مع بعض هكلم عمي..
نظرت إليه خلود بخوف وأردفت برجاء:
_ بلاش بابا يعرف حاجة، أنا هحاول أتكلم معاها بس لما تهدى، المهم أنت متعملش أي حاجة..
_ هحاول..
قالها فأشارت عليا بالإسراع إلى خلود التي هتفت:
_ طب أنا هقفل دلوقتي، تصبح على خير..
_ وأنتِ من أهله
وما أن قالتها حتى انتهت مكالمة وأعادت الهاتف إلى عليا التي قالت:
_ يارب أيامي اللي لسه باقية هنا دي تعدي على خير أصل أمك لو عرفت إنك بتتكلمي من موبايلي مش بعيد تلغي الجوازة كعقاب ليا..
قهقهت خلود وهتفت من بين ضحكها:
_ مش بعيد والله تعمل كدا فعلًا، دي قادرة
تلك اللحظة تفاجئن باقتحام هناء الغرفة متفقدة المكان من حولهما قبل أن تردف بنبرة صارمة:
_ تعالوا عشان تتعشوا ..
***
في اليوم التالي، من الصباح الباكر كان الشباب في مكان عملهما المستقبلي يتابعون التجهيزات، فقطع وليد ذلك الصمت السائد لبضعة من الوقت بقوله:
_ أنا جعان، مش هتفطروا؟
_ وأنا كمان جعان بس مش قادر أروح أجيب حاجة، حد يتكرم ويروح هو
قالها عبدالله ثم استلقى على الكرسي بكسلٍ فهتف وليد قائلًا:
_ تمام هروح أنا
فرفع عبدالله إبهامه قبل أن يردد:
_ جدع، خد المفتاح
ناوله مفتاح السيارة فتساءل وليد مستفسرًا:
_ هتفطروا إيه؟
أخبره عبدالله عما يريده بينما لم يشاركهم زكريا الحديث منذ وصوله، بل كان يتراسل في هاتفه، فلكزه عبدالله بقوة في ذراعه وقال:
_ بتكلم مين على الصبح كدا؟
أجابه زكريا دون أن يِبعد عينيه عن الهاتف:
_ شغل!
فاستنكر عبد الله عمله المبهم وهلل ساخرًا:
_ ماشي يا عم المهم، قول هتفطر إيه عشان وليد يجيب لنا
رفع زكريا عينيه في وليد ورمقه بنظراتٍ مستشاطة ثم صاح بحنقٍ:
_ مش عايز منه حاجة، هروح أنا..
تبادلا الشباب النظرات، قبل أن يُعيد وليد المفتاح إلى عبدالله ليُعطيه هو إلى زكريا الذي غادر المكان على الفور، فانتظر عبدالله حتى اختفى من أمامهما ثم تساءل بفضولٍ:
_ ماله دا؟
زفر ولدي أنفاسه بضيقٍ واضح وردّ بإيجازٍ:
_ سيبك منه..
قالها وسرعان ما ابتعد عن عبدالله قبل أن يتلقى سؤالًا آخر، وبعد مرور بعض الوقت عاد زكريا بالفطور، فكان عبدالله منشغلًا مع العمال فقال:
_ كلوا أنتوا وأنا جاي على طول
فاستغل وليد انفراده بزكريا وحادثه:
_ أنت هتفضل مصدرلي الوش الخشب كدا كتير؟
رمقه زكريا بطرف عينيه دون حديث فتابع وليد بتهكمٍ:
_ يا سيدي مش هتتكرر تاني، غلطة وبتحصل، المهم اللي بعد كدا، وبعدين أنا مش عيل جاي من الشارع عشان تعاملني كدا، أنت أكتر حد عارفني وعارف إن دي مش أخلاقي، مجرد حركة عفوية مكنتش محسوبة..
التفت زكريا نحوه بكامل جسده، ثم ضرب بيده على فخذ وليد وهدر باندفاعٍ:
_ غلطة كدا كدا مش هتتكرر تاني، سواء منك ولا منها، أنت مُجبر تحترمها ٣ مرات مرة عشان عمك ومرة عشان هي بنت عمك ومرة عشان هي اختي وأنت صاحبي، لو بصيت لها من كل الزوايا هتلاقي الغلط فيها مينفعش وعواقبه كبيرة..
دنا منه وليد حتى لا يتم سماعهما وأردف مستاءً:
_ خلاص بقى يا عم زكريا فهمنا، متزودهاش بقى..
_ لا ما أنا مش عندي زرار هضغط عليه هكون كويس، سيبني وأنا ههدى لوحدي
هتفها زكريا ثم استمع إلى رنين هاتفه، فنهض فور قرأته اسم المتصل وانسحب إلى الخارج، تلك الأثناء عاد عبدالله وناداه عندما وجده يذهب:
_ على فين يا ابني؟
أشار إلى الهاتف مُجيبًا إياه وهو يتابع خروجه:
_ هرد على المكالمة دي وراجع..
جلس عبدالله على كُرسيه وردد سؤاله:
_ هو إيه حوار مكالماته الكتيرة الأيام دي؟
_ معرفش، سيبك منه يلا ناكل
هتفها وليد بضيق من أسلوب زكريا الفظ ثم أخذ يفتح الطعام تحت نظرات عبدالله المتعجبة منهما.
***
بعد مرور ثلاثة أسابيع؛ انتهى اليوم حفل زفاف عليا، وأصبحت في عُش الزوجية الجديد، عادت العائلة إلى بيتهم بعد أن أوصلوها إلى بيتها واطمئنوا عليها، كان وليد يؤخر خُطواته وهو يتطلع بخلود التي تخشى النظر إليه.
لم يعد يحتمل، حقًا ذلك كثير ويفوق صبره، لن يصمت أكثر من ذلك، انتظر حتى بلغوا بيتهم وقام
بالوقوف أمام الباب ووجه حديثه إلى عمه بلهجة جامدة يخفي خلفها الكثير:
_ بعد إذنك يا عمي عايز أتكلم مع حضرتك في حاجة..
برقت عيني خلود وظلت تُشير إليه بعينيها ألا يفتعل حماقة خجلًا من أبيها، لكنه لم يكترث لها وصمم على وضع حد لتلك السخافة الحادثة، بينما دعاه محمد إلى الداخل بترحابٍ:
_ اتفضل يابني.. ادخل
ولج وليد البيت تحت نظرات هناء المستشاطة، وقد درّبت عقلها على بعض الأقاويل والردود إن أفشى عقابها لهما، أخذ وليد نفسًا بعد أن جلس على الأريكة مقابل عمه وأردف بثباتٍ:
_ دلوقتي يا عمي فيه وضع مضايقني وصبرت عليه على أمل إنه ينتهي أو يتحط له حد بس مفيش حاجة اتغيرت ولسه مستمر..
ضاق محمد بعينيه وهو لا يعي ما يقصده، وتساءل بجدية مستفسرًا عن كلماته المبهمة:
_ وضع إيه يا بني، وضح لي أكتر
ابتلع الآخر ريقه وسرق نظرةً على خلود التي تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها، تتشبث بالصمت كمن يتشبث بطوق نجاة في بحرٍ هائج، فرك أصابعها قد فضح توترها، ونظراتها المذعورة كانت تجوب عيون من حولها؛ تخشى كثيرًا رد فعل والدها، بينما لم يآبى لاضطراباتها وليد فهو تحمل لأسابيع دون سماع صوتها بسبب خوفها المبالغ ويجب عليه وضع حدًا الآن.
عاد بنظره إلى عمه وأضاف بنبرةً حانقة:
_ أنا من يوم خطوبتي وأنا ممنوع من كلامي مع خلود وممنوع من دخولي البيت دا بحجة انشغالهم في فرش بيت عليا!
قطب محمد جبينه بغرابةٍ فكلامه بدى غريبًا، تفقد هناء التي شعرت بالتوتر يُهاجمها لكنها قاومته ووقفت بشموخٍ بينما عاود محمد النظر إلى إبن أخيه وسأله بتعجبٍ:
_ وهتتمنع ليه بس يا وليد، دا بيتك يابني هما فعلًا كانوا مشغولين..
_ يا عمي موبايل خلود مش معاها، مرات عمي أخدته منها يوم الخطوبة وأنا من وقتها مش بعرف أكلمها غير سرقة من عند عليا دا لو ردت أصلًا خوفًا من مرات عمي..
قالها وليد مُبديًا استيائه، فتفاجئ محمد بما سمعه وخرج عن طوره وصاح عاليًا:
_ هو إيه اللي بيحصل بالظبط، ما حد يفهمني..
نظر إلى زوجته وقال بحدة:
_ في إيه يا هناء؟
أخذت الأخرى نفسًا عميق قبل أن توجه حديثها إلى وليد بغيظ:
_ طلاما اتكلمت قول السبب يا أستاذ وليد، ولا بتقول رد الفعل بس؟!
لم يُحرك وليد ساكنًا على عكس خلود التي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها؛ فرك وليد أنفه عدة مرات قبل أن يردف:
_ بص يا عمي أنا مش هبرر للي حصل وقتها، كانت حركة عفوية مني، واحد وفرحان بعروسته وغصب عني كان فيه حضن برئ...
نكست خلود رأسها في حياء شديد، لكن ما خفف ارتباكها قليلًا هو نسب وليد فعلتها إليه دونًا عنها، بينما صمت وليد ليستشف تعابير وجه عمه لكنه كان جامدًا فأضاف:
_ كان ممكن المشكلة تتعالج بتحذير أو أي عقاب بسيط وتخلص، لكن دا طول أوي، أنا كان ممكن أكون محروج منك وأصبر على الوضع دا لغاية ما ينتهي لوحده، بس بنتك أنا شاريها ولو تقبل من بكرة اتجوزها، فأنا فعلًا شايف رد الفعل مبالغ فيه، وبعد إذنك يا عمي أنا عايز أكتب الكتاب في أسرع وقت..
_ مفيش كتب كتاب دلوقتي، كتب الكتاب بنكتبه قبل الفرح بفترة بسيطة!
قالتها هناء باندفاعٍ فوجه محمد بصره إليها وقد شعرت هي ببركان غضبه من خلف نظراته الثاقبة، فابتلعت ريقها والتزمت الصمت ثم هتف محمد بجدية:
_ أنا مأمنك على بنتي يا وليد، يعني هي أمانة عندك وواجبك إتجاه الأمانة دي إنك تكون قد الشيلة، آمين عليها، تخاف عليها حتى من نفسك، أنا لو حد غيرك موقفي مش هيكون عقلاني كدا، ولأني شايف إنك شاري بنتي هخليك تكتب الكتاب بس مش عشان لا سمح الله أفتح لك باب للكلام الفارغ دا لكن عشان هناء ممكن تفضل على موقفها لغاية ما خلود تدخل بيتك، كتب الكتاب هنعمله تحليل لأي لمسة بريبة منك لبنتي زي السلام أو حتى النظرة مش أكتر من كدا يا وليد! ولو مش هتقدر على كدا يبقى كل واحد يروح لحاله يابني..
استنكر وليد آخر كلماته وأسرع في ترديد:
_ أنا هكون قد الثقة اللي اديتهالي يا عمي، متقلقش صدقني أنا هحافظ على الأمانة كويس أوي..
ربت محمد على فخذ وليد وصاح:
_ على بركة الله
ثم رفع رأسه في عيني زوجته وأمرها:
_ هاتي موبايل خلود يا أم زكريا..
صرت هناء على أسنانها بغضبٍ بالكاد تستطيع إخفائه داخلها، توجهت ناحية غرفتها وقامت بإخراج الهاتف من المكان التي تضعه به، عادت إليهم وقد أعطته لزوجها فقام بمد يده نحو خلود الساكنة وقال:
_ خدي موبايلك..
حركت خلود قدميها بصعوبة حتى وصلت إليه واستعادت هاتفها ثم عادت حيث كانت واقفة، بينما نهض وليد وقال بجدية حاسمة:
_ تمام يا عمي، هخلص الإجراءات ونحدد يوم لكتب الكتاب..
_ بإذن الله
قالها محمد مُكتفيًا بذلك الرد بينما استأذن وليد ليغادر، لكنه قد غمز خلود بمشاكسة خِفية، فابتسمت وسرعان ما أخفضت رأسها حتى لا يراها والديها، وما أن انصرف حتى هربت إلى غرفتها لكنها تفاجئت بنداء والدها، فعادت إليه ولم تنجح في التطلع إليه من شدة خجلها وقالت:
_ نعم يا بابا؟
_ بعد كدا لما يحصل حاجة تيجي تعرفيني متفضليش ساكتة حتى لو عاملة مصيبة، متخليش أمك تعاقبك زي الأطفال، تعالي لي أنا أعاقبك عقاب كبار
قالها محمد فنظرت إليه خلود ربما تستشف ما أن كان يُمازحها أم يتحدث بجدية، فانفجر محمد ضاحكًا فشاركته خلود الضحك دون النظر إليه، ثم أشار بيده على الأريكة فجلست هي بجواره ثم بدأ حديثه الجاد:
_ اللي حصل دا غلط، أنتِ عارفة كدا صح؟
عضت خلود شفاها بخجلٍ يشوبه التوتر؛ ثم أومأت برأسها فقال الآخر:
_ أنا واثق فيكي يا خلود، بلاش تخوني ثقتي فيكي.. لازم تحافظي على نفسك طول ما أنتِ لسه في بيت ابوكي، حتى لو واثقة ١٠٠٪ من الإنسان اللي معاكي، لازم تحطي حدود بينكم لأسباب كتير، أولهم الحرمانية، وتانيهم إنك تكوني كبيرة في نظره لما يلاقي احترامك لنفسك ولتالت سبب إنه الحاجات اللي بتحصل بين المخطوبين بغرض الحب دي بتقلل من رونق العلاقة بينهم، وبتحولها من علاقة بريئة محترمة لعلاقة شهوانية، والشيطان يلعب لعبته ويطلب حاجات أكتر..
أمسك محمد يدها التي ترتجف بتوترٍ ظاهري له، وقام برفع رأسها بوضع أصابعه على ذقنها، فنظرت إليه بعينين حمراوين وكأن شريانًا قد انفجر بهما، تفهم محمد حالتها ولم يُطيل بل اكتفى بختم حديثه مازحًا:
_ واضح إني قولت كلام كبير أوي
ابتسم ثم واصل:
_ برائتك دي عايزها تفضل لآخر يوم ليكي هنا يا خوخة، لو سمحتي بتعدي حدوده معاكي البراءة دي بتختفي وبيظهر وش تاني جرئ محبش أبدًا إنه يكون وش بنتي..
إزدردت خلود ريقها ثم أماءت ثانيةً فهي لا تستطيع إخراج حرفًا، فدفعها والدها للخلف بخفة وقال:
_ قومي بدل ما أنتِ بقيتي شبه الطمطماية كدا.
لم تنجح في إخفاء ضحكتها التي تشكلت على محياها وسرعان ما اختفت من أمامه هاربة، وقفت خلف باب غرفتها تستشنق الصعداء، تحاول ضبط وتيرة أنفاسها المرتفعة وتهدئة الضجة الحادثة داخلها، فلقد مر الأمر ولا يوجد ما تخشاه بعد الآن.
في الخارج؛ نهض محمد وتوجه إلى غرفته، فتبعته هناء ثم قامت بغلق الباب فبدأ الآخر حديثه فور دلوفها:
_ أنا مش حابب الليلة دي تنتهي بزعلة بس أي حاجة تحصل بعد كدا القرار يكون مشترك بينا، مينفعش أبدًا تلغي وجودي وتتصرفي أنتِ كأنك راجل البيت، لما أبقى اموت إبقي اعملي اللي أنتِ عايزاه
_ بعد الشر عنك، ربنا يرزقك طولة العمر
قالتها مستاءة من جملته، ثم نكست رأسها في حرجٍ شديد وبررت تصرفها:
_ أنا بس مش بحب أشغِلك بحاجات بسيطة وبتعامل معانا لكن مقصدش أبدًا إني ألغي وجودك لا سمح الله
لم يتقبل محمد تبريرها السخيف وخرجت نبرته مندفعة قليلًا:
_ لا ياستي ابقي إوجعي راسي عادي، وبعدين متشغلنيش دي لما الرز يخلص وتتصرفي أنتِ، لكن أي قرارات أو مشاكل لازم أكون عارفها والقرار ليا أنا أو مشترك بينا، مفهوم؟
أومأت برأسها بقبول وهي تردد بطاعة:
_ مفهوم..
ثم أخذت جانبًا وبكت، فتفاجئ محمد ببكائها وتساءل بضيقٍ:
_ أنتِ بتعيطي ليه دلوقتي؟ مفتكرش إني اتكلمت بأسلوب حتى يخليكي تعيطي..
حركت هناء رأسها يمينًا ويسارًا نافية تعلق الأمر به قبل أن تُخبره عن السبب الحقيقي:
_ عليا مشت وسابت البيت، مش متخيلة إني هقوم الصبح مش هلاقيها زي ما اتعودت.. حاسة إن حتة من روحي راحت..
الآن فهم محمد الأمر، وحاول التخفيف من حزنها بقوله:
_ سُنة الحياة يا هناء، وبعدين متقلقيش شوية وتلاقيها حامل وترجع تقعد عندك تاني وبعدها تخلف وتقعد عندك تالت وتقعد رابع وخامس عشان تعبانة من العيال ومش قادرة عليهم، هما دول هيسيبونا دول
نجح في رسم البسمة على وجهها ثم استرسل متابعًا بعد أن غمزها بمشاكسةٍ:
_ خلي البيت يفضى علينا واستفرد بيكي بقى..
اتسعت حدقتي هناء مذهولة ورددت معاتبة:
_ يووه إيه اللي أنت بتقوله دا، عيب خلاص راحت علينا بقى..
تأملها محمد بإسيتاء ظاهر، قبل أن يهتف مستنكرًا:
_ راحت عليكي أنتِ أنا لسه شباب، وقومي يلا لما تنام عشان رجلي وجعتني من الوقفة طول اليوم
رمقته هناء بطرف عينيها قبل أن تنفجر ضاحكة ثم أردفت ممازحة:
_ لأ شباب شباب يعني..
شاركها محمد الضحك ثم بدلا كليهما ملابس حفل الزفاف بأخرى مريحة ليحظا بنومٍ مريح هادئ يعيد لجسدهما الحيوية.
***
عاد الجميع إلى بيت المزرعة بعد أن انتهى الحفل، ترجلت أحلام من السيارة ونظرت إلى زوجها وقالت:
_ هتروح البيت التاني؟
أماء قاسم، فقالت هي:
_ توصل بالسلامة..
اقترب منها قاسم وتساءل بجدية:
_ أنتِ مبتضايقيش لما بنام هناك يا أحلام؟
تقوس ثغرها ببسمةٍ قبل أن ترد:
_ مش لدرجة المضايقة يعني، بس أنا قِبلت نرجع لبعض وأنا عارفة إن حياتك مش ليا لوحدي، فمُتقبلة يعني..
رمقها بطرف عينه وتساءل بمشاكسة:
_ يعني أنتِ مبتحسيش بغيرة خالص وأنا هناك؟
قلبت أحلام عينيها مستنكرة أسئلته وهتفت:
_ أنت عايز إيه؟
_ عايز رد على سؤالي..
قالها وانتظر سماع إجابتها بفروغ صبر، بينما ابتسمت أحلام بخجل وقالت:
_ أكيد بغير يعني، بس برده العقل بيرجع يلومني ويقولي دا بيته ودا ابنه ودي مراته وليهم حق عليه زيك ويمكن أكتر..
ضاق قاسم بنظره وهو يترقبها ثم قال:
_ محدش له حق عليا أكتر منك أنتِ وولادي..
دنا منها وهمس بقرب أذنها:
_ مكنتش حابب حد يعرف الموضوع دا، بس أنا أصلًا بنام في أوضة لوحدي هناك..
تراجع ليستشف تعابيرها فوجد الدهشة تتجلى على وجهها ثم سألته بفضول:
_ ليه؟
أخرج قاسم تنهيدة مُحملة بذكرياتٍ مؤلمة قد سببه سؤالها وأجاب ببغضٍ:
_ اللي حصل زمان يخليني أعمل أكتر من كدا، بس فيه بينا آدم دا اللي مخليني راسي ومش بخرب البيت..
ربتت أحلام على ذراعه قبل أن تُردف:
_ بلاش كلام في الماضي هيضايقنا، يلا روح..
أومأ بقبولٍ ثم تساءل عن الساعة:
_ الساعة بقت كام؟
تفقدت أحلام ساعتها وأخذت وقتًا تحاول فيه معرفة كم الرقم، لكن المفاجأة أنها تُحاول تذكر العدد التي تراه وتفشل في الوصول إلى إسمه، تطلعت في قاسم الذي ينتظرها وسألته بريبة:
_ هو دا رقم كام دا؟
تطلع قاسم في ساعة يدها قبل أن يجيبها مرددًا:
_ ١ وتلت!
ثم رفع عينيه عليها وقال:
_ أنتِ مش عارفة الرقم يا أحلام؟
ابتلعت الأخرى ريقها وقد راودها القلق لكنها حاولت ألا تُظهر، ابتسمت له وهتفت مصطنعة المزاح:
_ شكلي كدا عايزة أنام.. تصبح على خير
_ إحنا بكرة بعد ما نخلص من جلسة زينب هنروح لدكتور، مستحيل أسكت على اللي بيحصل دا!!
هتفها بحسمٍ فأرادت أحلام أن تُطمئنه:
_ مش عارفة أنت مكبر الموضوع كدا ليه؟ أنا كويسة متقلقش
هز قاسم رأسه رافضًا الإستسلام لها وصاح:
_ ولو، نطمن برده..
ماشي، نروح بكرة، يلا روح بقى عشان متتأخرش أكتر من كدا
قالتها فلم يُبرح قاسم مكانه لفترة، ظل يتطلع بها ثم تحرك مُبتعدًا عنها ونظريه لا يفترقان عنها، حتى استقل سيارته، فأشارت إليه أحلام مودعة قبل أن يختفي من أمام مرأى عينيها.
فدب الرعب أوصالها وأعادت النظر إلى الساعة، والعشرات من الأسئلة قد هاجمتها، ولكن أهمهم كيف نسيت ذلك الرقم؟ كان قلبها يخفق بقوة وشعرت لوهلة أنها ستخر أرضًا إن لم تتحرك سريعًا، فدخلت إلى البيت ومنه إلى غرفتها محاولة الهرب من أفكارها بالنوم لكنها فشلت، الأمر حقًا مخيف وقد سبب لها القلق على نفسها.
في الغرفة المجاورة؛ طرق عبدالله باب غرفة شقيقته، وقام بالدخول عندما سمحت له، فوجدها لم تُبدل ملابسها بعد، حمحم وهو يحك جبينه بخفة قبل أن يردد:
_ جاهزة لجلسة بكرة؟
ظهر على تقاسيمها بعض معالم الارتباك وهي تُتبره بما تشعر به:
_ مش أوي، بصراحة متوترة شوية..
قالتها وهي تفرك أصابع يدها ببعضهما؛ فاقترب منها عبدالله وربت على ذراعها قبل أن يُردف كلماته الداعمة:
_ متخافيش، أنا جنبك، وأنا واثق إن الموضوع مش هيطول، إحنا معانا كل حاجة ضده وتدينه.. أينعم الوقت متأخر بس أحسن مما مكنش يحصل خالص..
ابتسمت زينب بخفة وأردفت كلماتها المُمتنة:
_ شكرًا إنك جنبي، أنا أذيتك كتير ولو مكنتش وقفت جنبي مكنتش هلومك كان هيبقى معاك كل الحق..
قاطعها عبدالله بوضعه إصبعه على فمها يمنعها من مواصلة حديثها الذي أشعره بالإستياء وهتف مبديًا انزعاجه:
_ أنتِ عبيطة صح، يا زينب أنا أبوكي قبل ما أكون أخوكي، هو الأب بيقدر يستغنى عن ولاده؟
ترقرقت العبرات من عينيها مُتأثرة، ثم ألقت نفسها بين ذراعيه وظلت تردد نادمة:
_ أنا آسفة على اللي عملته فيك، واتسببت أنه يحصل، لو كنت فوقت بدري شوية يمكن كنت دلوقتي مع صبا....
_ ششش...
لم يدعها تواصل، وتراجع للخلف مُسرعًا وقال:
_ متفكريش في حاجة من دي دلوقتي
ثم ربت على كتفها وهو يُضيف:
_ يلا نامي عشان تصحي بدري وتكوني فايقة، تصبحي على خير..
_ وأنت من أهله، قالتها فأولاها عبدالله ظهره وخرج من غرفتها مهرولًا، أغلق الباب خلفه وظل واقفًت مُمكسًا بمقبضه عندما هاجم صدره الإختناق فجأة من وراء كلمات زينب عندما ذكرته بصباه.
لم يُحِب البقاء في مكانه، وخرج من البيت وأول ما سقطت عينيه عليه هو ذلك البيت الذي يحتويها داخله، شعر بوخزة قوية في قلبه، والعشرات من يا ليت قد تمناها لحظتها، يا ليت يُعاد الزمن فأولاياته حتمًا ستكون مختلفة حينها.
***
بدأ النهار يظهر؛ فتحولت السماء من الظلام إلى النور، وبدأ النور يعم الأرض شيئًا فشيئًا، وتعالت أصوات العصافير فوق سطح المحكمة التي تقف أمامها زينب وعائلتها.
يقفون في انتظار وصول المحامي؛ كانت زينب تفرك أصابع يديها بتوترٍ بائن، تقف إلى يمينها أحلام التي تُساندها ببعض الكلمات الداعمة تارة وتارة أخرى تدعو لها أن يمر الأمر على خير، بينما تقف إلى يسارها صبا التي حرصت على الحضور معها لتكن ضمن فريق الدعم.
على بُعد مسافة قريبة منهن، يقف قاسم الذي يُهاتف صادق ليعلم إلى أين وصل، وإلى جواره عبدالله الذي يطوق للتشفي في ذلك الوغد بعد ما أحدثه في أحبته.
مرت بِضع دقائق أخرى حتى وصل المحامي وترجل من سيارته برفقة حمادة الذي تلقى نظراتٍ تبغضه أشعرته بكُره الجميع إليه، فعاتبه قاسم قائلًا:
_ اتاخرت كدا ليه يا صادق، الجلسة خلاص هتبدأ
بأسفٍ واضح أخبره صادق عن سبب تأخُره وهو يتطلع بحمادة بضيقٍ واضح للآخرين:
_ معلش اعذرني يا قاسم بيه، على لما عرفت أوصل للأستاذ
حدج قاسم حمادة بنظراتٍ حارقة واندفع به ببفاظة:
_ أنت مش عارف إن عندك جلسة، بتتأخر ليه؟ خايف؟
دنا منه وباتت نبرته أكثر حدة وهو يهمس بشرٍ:
_ عندك حق تخاف، لأنك مش هتخرج من هنا غير على السجن!
اهتز داخل حمادة وسيطر عليه الخوف، لكنه جاهد على عدم إظهار ذلك، ثم نظر إلى المحامي وقال:
_ أروح على فين يا أستاذ؟
أشار صادق إلى باب المحكمة وقال بإيجازٍ:
_ من هنا..
ثم وجه حديثه إلى قاسم وحذره بعملية:
_ بلاش تتعامل معاه، خلينا في السليم عشان ميقدرش يمسك علينا أي ثغره..
هز قاسم رأسه بقبولٍ، ثم تحرك صادق إلى الداخل خلف حمادة، كما تَبِعه الجميع حتى وصلوا إلى قاعة المحكمة وأخذ كل منهم مكانه حتى جاءا القُضاة وبدأت الجلسة عندما نادى المُنادى على زينب وحمادة ورقم القضية فوقف كليهما وتفضل
صادق بأخذ مكانه أمام القُضاة ثم بدأ يترافع بهيئة شامخة ونبرة ثابتة:
_ سيادة القاضي حضرات المستشارين؛ أقف أمام عدالتكم اليوم لأدافع عن موكلتي السيدة زينب إبراهيم التي تعرضت لجريمة عنف جسدي شديد من قِبل زوجها، وهو الفعل الذي أدى إلى فقدانها جنينها، وهو ألم ومعاناة لا يمكن تصورها
إن ما تعرضت له موكلتي ليس مجرد نزاع عائلي، بل هو اعتداء جسيم يعاقب عليه القانون، ونتج عنه ضرر جسدي ونفسي بالغ، وأدى إلى إجهاض جنينها، وهو فقدان لا يُعوَّض
موكلتي ضحية لهذا العنف، وهي تستحق الحماية والعدالة، والقانون واضح وصريح في معاقبة كل من يتسبب في إزهاق حياة الجنين أو الإضرار بالزوجة
أطالب عدالتكم الموقرة أن تأخذ بعين الإعتبار معاناة موكلتي الجسدية والنفسية، وأن تفرض أقصى العقوبات على المتهم حفاظًا على حق الضحية، وردعًا لكل من تسول له نفسه الإعتداء على امرأة أو جنين
ختامًا، أرجو من عدالتكم إنصاف موكلتي، وتحقيق العدالة التي تستحقها، شكراً لعدالتكم
انتهى صادق من المرافعة ثم قام بتقديم التقارير الطبية التي تُدين حمادة مع سماع القاضي للطرفين وسماع الشهود وكان منهم وليد الذي حضر آخر واقعة، وبعد سماع المحامي الخاص بحمادة وطلبه بالحكم المخفف عليه، صدر القاضي كلمته النهائية لتلك الجلسة:
_ قررت المحكمة حجز الدعوى للنطق بالحكم بجلسة ١٥ سبتمبر، رُفعت الجلسة
ثم خرج الجميع من القاعة، وقبل أن يذهب حمادة تفاجئ بقوة من رجال الشرطة محاوطة إياه فتساءل هو برعبٍ وعينيه تتناول بينهما وبين المحامي:
_ هو في إيه؟
تولى مهمة الرد عليه ضابط المباحث بنبرة صارمة:
_ معانا أمر ضبط وإحضار من النيابة، بتهمة الإغتصاب، اتفضل معانا ..
دب الرعب قلب حمادة الذي برقت عيناه، إزدرد ريقه وحاول نفي التهمة عنه:
_ أنا معملتش حاجة.. معرفش حاجة عن اللي بتقولوه دا
ثم أدار رأسه ناظرًا إلى المحامي خاصته وهتف كغريقٍ يطوق للنجاة:
_ ما تقول حاجة يا أستاذ!
فتدخل لحظتها محاميه ووجه حديثه إلى الضابط:
_ ممكن أفهم بالظبط في إيه؟
بنبرة مندفعة أجابه الضابط:
_ هتعرف كل حاجة في النيابة يا متر، هاتوه
قال آخر كلماته وهو يُشير إلى القوة فأسرعوا نحو حمادة وقاموا بتكبيل يديه خلف ظهره مُجبرين إياه على السير فصاح الآخر عاليًا:
_ سيبوني أنا معملتش حاجة، كل دا افترى، أنا معملتش حاجة!!
لم يغلق فمه حتى اختفى من أمام الجميع المتابعين لتحركاته بتشفي، بينما كانت صبا من بينهم من تشعر بالإنهيار الداخلي، وكأن أحشائها ترتجف بقوة، تجمعت العبرات في عينيها لكنها تحلت بالتماسك حتى شعرت بيد أحدهم قد وُضعت على ظهرها تأزرها.
فالتفتت برأسها فوجدتها زينب من تربت عليها، وعندما تلاقت أعينهن تبخرت لحظتها قوة صبا وانفجرت باكية، اهتز كيان عبدالله وشعر بتزايد نبضات قلبه بعنفٍ، فلم يُفضل الوقوف مكانه وهرب من بينهم إلى الخارج.
تَبِعه وليد دون ترددٍ، بينما لاحظهم قاسم ثم نظر إلى من يرافقهم وقال:
_ يلا يا جماعة نتحرك، ملوش لزوم وقفتنا هنا
ثم تحركوا إلى الخارج، فتوجه قاسم مباشرةً إلى عبدالله ليطمئن على حاله:
_ أنت كويس؟
دون أن ينظر إليه حتى لا يكشفه والده ردّ:
_ كويس
ثم نظر إلى وليد ووجه حديثه الجاد إليه:
_ يلا عشان نكمل تجهيزات الإفتتاح..
أماء وليد بقبول فتدخل قاسم بسؤاله:
_ لو فيه حاجة ناقصة كلموني
_ تمام
قالاها عبدالله ووليد في آنٍ واحد ثم ركبا السيارة متجهين إلى مكان عملهم الجديد، بينما ركبت أحلام وزينب في سيارة قاسم الذي أصر على توصيل صبا إلى المستشفى لكنها رفضت مُعللة:
_ معلش يا عمي، بس أنا محتاجة أكون لوحدي شوية
_ طيب يابنتي خلي بالك على نفسك
قالها قاسم بنبرة حنونة فابتسمت له صبا وغادرتهم، بينما تحرك قاسم بالسيارة ليُعيد زينب إلى البيت ثم يصطحب أحلام إلى الطبيب.
***
وصل قاسم إلى عيادة الطبيب الذي قام بأخذ موعدٍ لديه ليقوم بعمل الفحوصات اللازمة لأحلام، دلفا إلى غرفة الطبيب عندما حان دورهما، ثم جلسا وبدأ الطبيب بالترحيب بهما قبل أن يتساءل بعملية:
_ خير إيه المشكلة؟
فتولى قاسم الرد عليه وأخبره ما يتعامل معه منذ فترة:
_ زوجتي يا دكتور بقالها فترة بتنسى الكلام والمواقف، مثلًا بنكون بنتكلم وبتكرر كلامها كذا مرة، بتنسى حاجات هي عملتها وممكن تعملها تاني، إمبارح مثلًا مكانتش عارفة رقم واحد دا إسمه إيه..
هز الطبيب رأسه قبل أن يتوجه بنظره إلى أحلام وسألها مستفسرًا عما تعيشه:
_ ممكن حضرِتك تحكي لي أكتر..
ابتلعت أحلام ريقها وبدأت تُخبره رويدًا رويدًا:
_ كل اللي قاسم قاله بيحصلي، وأوقات تانية مبكنش قادرة أحسب أعداد معينة رغم إنها بتكون بسيطة، وأيام الأسبوع ممكن تتوه مني ومش بكون عارفة النهاردة إيه غير لما أسأل حد من اللي حواليا..
صمتت عندما استشفت معالم القلق على وجه قاسم وابتسمت بخفة وقالت:
_ بس أنا شايفة إن دا عادي ممكن يحصل بحكم سني، أنا برده مش صغيرة يا دكتور
أخفض الطبيب نظره على الورقة التي أمامه على المكتب وتفقد عُمرها ثم ردد:
_ لا دا مش عادي يا مدام أحلام، ٥٣سنة مش سِن كبير عشان حضرتك تنسي بالدرجة اللي بتحكوها دي، عمومًا عشان نعرف أكتر إحنا بنتعامل مع إيه هكتب لحضرتك بعض التحاليل والأشعة ووقت لم يطلعوا ياريت حضرتك تيجي لي على طول، وإن شاءالله خير
كلماته لم تُطمئنهُما، بل ضاعفت القلق والخوف داخلهما، نهضت أحلام والخوف يكسو وجهها، رمقت الطبيب نظرة أخيرة ثم خرجت من الغرفة بعقلٍ شارد وخُطوات مُتهملة، خرج خلفها قاسم ثم هتف قبل ذهابهما:
_ الظاهر نسيت موبايلي جوا، خدي مفتاح العربية أقعدي فيها وأنا هحصلك..
لم تسمعه، فلقد كانت في عالم آخر تسبح في سمائه المظلمة، تخشى السقوط فجأة، فأخرجها صوت قاسم من شرودها عندما ناداها:
_ أحلام، بقولك خدي المفتاح وأقعدي في العربية
على لما اجيب موبايلي..
أطالت النظر بيديه الممدودة إليها، ثم أخذت منه المفتاح وغادرت، تحت نظراته التي تُطالعها بآسى شديد، فعاد هو إلى الداخل، ووقف أمام مكتب الطبيب وسأله بتوجسٍ:
_ لو سمحت يا دكتور، قولي حالة أحلام إيه؟ فيه حاجة خطيرة؟
دعاه الطبيب للجلوس ثم أردف:
_ أنا مقدرش أحدد غير بعد ما أشوف التحاليل والأشعة..
_ يعني الأعراض دي ممكن تكون إيه، أكيد حضرتك اتعاملت مع الحالات دي قبل كدا
قالها قاسم متأملًا إخباره بحالة أحلام بينما قال الآخر دون تأكيدٍ:
_ بص من الكشف المبدئي دا أنا شاكك إنه يكون بداية زهايمر، بس برده مش أكيد، لأن سِنها صغير على تعرضها لمرض زي دا، وبرده في حالات نادرة للأسف بتتعرض للزهايمر المُبكر، فمن هنا لوقت ما أشوف نتايج التحاليل والأشعة مش هقدر أأكد لحضرتك هو إيه بالظبط..
تجمدت ملامح قاسم، وكأن الزمن توقف لحظتها، حدق بالطبيب بعينين واسعتين يتقلب فيهما الذهول والإنكار، فهو لم يستوعب ما سمعه بعد، تحركت شفتاه دون صوت، يحاول إيجاد الكلمات لكنه لم يجد إلا صمتًا خانقًا، تسارعت وتيرة أنفاسه وتعالت، وانحنى بظهره قليلًا كأن ثقل العالم قد سقط عليه دُفعة واحدة، نهض بصعوبة عن مقعده ثم أولا الطبيب ظهره وجر قدميه بِثقل حتى خرج من غرفة الطبيب دون إضافة المزيد،
عاد إلى السيارة وتحرك بها دون أن ينبس بحرفٍ، وكذلك كانت حالة أحلام، لم يكن لديها ما تتكلم به فكان كليهما في حالة يرثى لها، وظلا تائهين في بحور أفكارهما حتى وصلا إلى البيت.
***
مساءًا حيث غربت الشمس وحل الظلام، خرجت ليلى من عند طبيبتها تقفز في الهواء، ناهيك عن قلبها الذي يتراقص على أنغام ذلك الخبر الذي أسره، لم تختفي الإبتسامة من على وجهها، فلقد إزداد حيوية ورونقًا خاص.
استمعت إلى رنين هاتفها فسحبته من حقيبتها وأجابت:
_ إيه يا خلود؟
_ أنتِ فين يا ليلى، عايزين نتحرك قبل ما المكان يتزحم هناك.. وليد كلمني كذا مرة
هتفتها خلود بلهفةٍ فردت ليلى وهي تُلوح بيدها إلى أحد سيارات الأجرة:
_ أنا لسه خارجة من عند الدكتورة، هروح أنا على طول، المكان أقرب لي..
_ طيب تمام، نتقابل هناك بقى..
أنهتا كلتاهن الإتصال؛ بينما عاودت ليلى الإبتسام ببلاهة وهي تتذكر نوع الجنين التي أخبرته عنه الطبيبة للتو، وبعد مسافة قد قطعها السائق، لفت انتباه ليلى متجرًا لبيع ملابس الأطفال، فهتفت بحماسة:
_ معلش لو سمحت أوقف على جنب، هشتري حاجة من المكان دا بسرعة ونكمل مشوارنا..
_ تمام يا مدام
قالها السائق ثم صف السيارة جانبًا أمام باب المتجر، فترجلت ليلى سريعًا وهي تطوق لشراء شيئًا من هناك، ولجت المتجر فاستقبلتها فتاة في مقتبل العمر بإبتسامة مشرقة وقالت:
_ اتفضلي تحبي أساعدك في حاجة؟
حمحمت ليلى وأخبرتها عما تُريده وعينيها تجُوب المكان من حولها بسعادةٍ:
_ آه بصراحة عايزة أعمل مفاجأة لجوزي عن نوع الجنين، ومش عارفة إيه اللي ممكن أشتريه، لو تقدري تفيدني..
بابتسامة عملية قالت الفتاة:
_ مم ممكن حضرتك تشتري تشتري حذاء بينك او لبني حسب النوع..
ثبتت ليلى عينيها على الفتاة عندما أعجبها اقتراحها وقالت:
_ حلوة الفكرة، ممكن أشوف الأشكال
_ أيوة طبعًا يا فندم اتفضلي
أردفتها الفتاة وهي تُشير إلى إتجاه معين، فذهبت إليه أولًا ثم تَبِعتها ليلى مُتلهفة لرؤيته، لمعت عينيها بوميضٍ خاطف عندما أمسكته الفتاة ثم خفق قلبها حينما لمسته بيدها، لم تختفي الإبتسامة من على محياها ثم هللت بسعادة:
_ هاخده..
فتساءلت الفتاة بعملية:
_ هتاخدي اللون دا ولا اللون التاني؟
نظرت ليلى إلى اللون الآخر قبل أن تُجيبها:
_ اللون التاني..
ثم قامت ليلى بشرائه وعادت إلى السيارة وأمرته بالتحرك إلى مكان عمل زوجها الجديد، بينما لم يُفارق الحذاء نظرها البتة، فكانت تعُد الثواني حتى تصل إلى زكريا على أمل أن يُصلح ذلك الحذاء علاقتهما، حتمًا سيتأثر قلبه لذلك الحجم الصغير عندما يكون بين يديه.
***
وصل الحضور إلى مكان الإفتتاح؛ كانت جميع العائلات والأصدقاء حاضرون، ناهيك عن تواجد بعض رجال الأعمال الذين على معرفة بقاسم.
وقف الشباب أمام الباب من الخارج بجانب بعضهما البعض، بهيئة تسر الأعين، وتحبس الأنفاس فكانوا يرتدون حُللًا سوداء كلاسيكية أظهرت وسامتهم.
ثم بدأت آلات اللهب المتراقص في التناغم مع بدء الموسيقى، فكان عرضًا حافلًا حاز على إعجاب الجميع، وبعد انتهائها تفرق الثلاثة حيث ذهب كلًا منهما إلى جِهة، فوليد قد توجه مباشرةً إلى خلود التي لم ترفع عينيها من عليه منذ وصولها، انضم إلى عائلته وتساءل بحماسٍ:
_ إيه رأيكم في المكان؟
أسبق محمد بالحديث مُبديًا إعجابه الشديد به وهو يجوب المكان من حوله بعينيه:
_ جميل أوي يابني، ربنا يجعله فتحة خير عليكم..
ابتسم وليد في وجهه قبل أن يُآمن على دعائه:
_ آمين
ثم نظر إلى والدته ومازحها:
_ إيه رأيك يا وزة؟
بابتسامة هادئة أردفت:
_ فرحانة أوي ليك يا حبيبي، ربنا يجازي أبو عبدالله خير على اللي عمله ليكم، بجد يسلم
_ فعلًا محدش بيعمل كدا دلوقتي..
قالتها هناء مختصرة، بينما وجه وليد نظره إلى عمه ليستسمحه:
_ ممكن يا عمي أخد خلود أفرجها على المكان؟
تفاجئت هناء بطلبه، وشعرت بحاجتها في الرفض لكنها تأنت قليلًا لتترك الرأي لزوجها فكان رده بإيجازٍ:
_ تمام يا بني بس متبعدوش..
بحماسة قد نظرا كليهما لبعض ثم مد وليد ذراعه إليها بعد أن اقترب منها، فتعلقت به ثم ابتعدا عنهما بينما لم تُبعد هناء نظراتها عنهما بملامح مشدودة تخفي خلفها ضجرها من قَبُول زوجها.
على جانبهم؛ كان يرافق عبدالله عائلته، حيث تبادل أطراف الحديث مع والده بامتنان كبير:
_ أنا مش عارف أشكرك إزاي، لو حد قالي من سنة كدا إني هيكون عندي مكان بالحجم دا مكنتش هصدقه وهقول عليه مجنون..
ربت قاسم على ظهره بحبٍ قبل أن يرد:
_ أنت تؤمر بس يا عُبد وكل حاجة تترمي تحت رجليك
بادله عبدالله الإبتسامة ثم أردف بجدية:
_ المهم لغاية كدا وتمام أوي، اللي بعد كدا بتاعي أنا، مش عايز أي مساعدات منك تاني، الناس اللي هنتعامل معاهم أنا هعرف أجيبهم منين كويس..
غمزه قاسم ومازحه:
_ ماشي يا سيدي، اللي يريحك
فابتسم له عبدالله بتلقائية اختفت فور رؤياه ظهور صبا مع عاصم، شرد بها عبدالله وبذلك الفستان البُنيّ الداكن ذو التفاصيل التي أضافت له رونقًا خاص لاق بها، كانت جميلة، رقيقة كعادتها، لكن اليوم كان جمالها مُضاعف، لا يعلم ما سببه، ربما تعمدت إظهار جمالها لكي تلفت نظره، وقد نجحت في لفت انتباه عينيه وسرقة قلبه الذي ضاق لمجاورة عاصم لها.
لم يتردد وتحرك نحوهما مُرحبًا بهما فبادرت هي بالتهنئة:
_ مبروك يا عبدالله على المكان..
أخذ عبدالله نفسًا عميقًا، قبل أن يرد وعينيه مُثبتة على خضراوتيها:
_ الله يبارك فيكي يا دكتـ....
صمت فجأة ولم يُكمل، فتسببت كلمته بوخزة لكليهما، أطالا النظر ببعضهما يُعاتبان بعض من خلال إشارات أعينهم، فلاحظ عاصم تلك اللغة اللذان يستخدماها وشد ملامحه حيث مالت للعبوس وهتف باقتضاب:
_ مبروك يا عبدالله
بصعوبة أبعد عبدالله نظره عنها وتطلع بعاصم وردَّ بتِيه:
_ الله يبارك فيك..
تلك اللحظة تعمد عاصم مسك يد صبا التي تفاجئت بأصابعها التي تخللت يده دون رغبةً منها، حاولت سحبها لكنه آبى وشد عليها حتى لا يمكنها التملص من بين يديه، ثم تحرك أمام عيني عبدالله التي تُحدق بيدها التي يحتويها يد رجل آخر.
قد لاحظه قاسم الذي كان يتابع من على بُعدٍ، وقام بالتوجه إلى عبدالله ليُخرجه من حالته فقال:
_ تعالى لما أعرفك على الناس اللي جاين لك مخصوص دول..
أجبره قاسم على السير حتى يُبعد نظره عن صبا وزوجها، بينما سحبت صبا يدها بقوة عندما ابتعدا عنه ولامته مندفعة:
_ أنت بتعمل كدا ليه؟
دنا منها عاصم وهمس:
_ سبق وقولتلك إنك مراتي ولازم دخولنا أي مكان يليق بيا وبإسمي..
رمقته صبا بنظراتٍ مشتعلة؛ ثم أبعدت عينيها عنه بعد أن تملكها الإستياء الشديد من فعلته فانعكست على تقاسميها العابسة.
***
تلفت حوله مُتفحصًا المكان جيدًا قبل أن ينتقي أبعد نقطة فيه حتى لا يُفضح أمره، تقوس ثغره للجانب مُشكلًا بسمة مثيرة على شفتيه عندما رآها في انتظاره، اقترب منها وتفقد تنورتها القصيرة التي تُظهر ساقيها بوضوحٍ له، ثم رفع بصره على بلوزتها المفتوحة وهتف بخبثٍ ونظريه لم يُبعدان عنها:
_ رِكنتي عربيتك فين؟
_ قريب من هنا، ليه؟
تساءلت بصوتٍ أنثوي يكسُوه الدلال المُبالغ فأجاب الآخر بنبرة ماكرة مثيرة وهو يقترب بوجهه من وجهها:
_ عشان أبوسها إنها عِطلت قدام ورشتي وعرفتني عليكي
فأطلقت هي ضحكة مائعة بصوتٍ عالٍ فأسرع هو بوضع يده على فمها مُحذرًا إياها:
_ لا إهدي كدا بدل ما حد يسمعنا..
ثم تحولت عينيه على جسدها فكان يتآكلها بنظراته التي يسيطر عليها الشهوة، فلاحظت هي تأثُره بها وظلت تُحرك جسدها لِتُزيد من رغبته بها، فهلل الآخر معاتبًا بلطفٍ:
_ ما تقفي على بعضك بقى، بدل ما أخطفك من هنا و....
_ وإيه، هتخطفها وتروح بيها على فين يا زكريا؟
صدح صوت ليلى من خلفهما فبرقت عيني زكريا لحظتها وكأنهما سيقفزان من محجريهما، دب الرعب أوصاله، كما تسارعت وتيرة أنفاسه وجف حلقه كأن الرمال قد عالقت فيه، استدار بجسده ورمقها بترقبٍ فانسدلت عبرات ليلى حسرةً على ما جعلها تعيشه، كان آخر شيءٍ تصورته هو خيانته لها بتلك الطريقة المقززة.
أولته ظهرها عندما فشلت في استجماع نفسها، وهرولت إلى الخارج برؤى مشوشة بسبب بكائها الذي لا يتوقف مُمكسة بالحذاء التي كانت ستفاجئه به، لحق بها زكريا بخُطواتٍ غير متزنة مارًا من بين الجميع فنظرا عبدالله ووليد لبعضهما بعد رؤيتهم على هذا الوضع المُقلق، فتحرك عبدالله أولًا إلى الخارج وتَبِعه وليد ليعلما ما الأمر.
في الخارج؛ حاول زكريا إيقافها بترديده النادم:
_ استني يا ليلى، اوقفي وأنا هفهمك كل حاجة..
تجمدت أقدام ليلى والتفتت إليه هاتفة من بين بكائها بنبرةً موجوعة:
_ هتفهمني إيه؟ هتبررلي أسباب خيانتك!
حاول زكريا الإقتراب منها فراودها تلك اللحظة اقترابه من المرأة وكلماته لها فشعرت بالإشمئزاز منه، فقامت بدفعه بقسوة وهللت بنبرة مشمئزة:
_ أنا بكرهك، إبعد عني
ثم ركضت مُبتعدة عنه تائهة بين البكاء والخُطى المُتعثرة، دموعها تنهمر بغزارة تهرب من وجعٍ غير مُحتمل لا ترى شيء سوى مشهده مع المرأة وكلماتهما تتردد في أذنيها كأنها إيقاعٍ لا يتوقف لحنُه البتة، حتى انطلقت صفارة سيارة فنظرت إليها ليلى بعيون واسعة وأنفاسٍ متقطعة قبل أن ترتطم بجسدها فرفعتها للأعلى ثم ارتطمت بعنفٍ في الأرض، فسقط الحذاء ذو اللون الزهري من يد ليلى وجاورها عندما غابت عن الوعي
الفصل الرابع والثلاثون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم تسنيم المرشدي
لحظاتٍ توقف فيها الزمن، صدمة أفقدته النُطق عندما شاهدها تسقط أمام عينيه بعد أن صدمتها تلك السيارة التي جاءت من العدم، لا يسمع سوى صافرة أذنيه التي ارتفعت فجأة فأرغمته على غلق عينيه من شدتها، يزداد صوت أنفاسه مع نبضات قلبه المتزايدة، أعاده هزة قوية من يد وليد الذي يحاول إخراجه من صدمته التي بات عليها.
وفجأة انتبه على الضجة الحادثة من حوله، وكأن صوتها وصل إلى أذنيه للتو، جاب المكان بعينيه فوجده مليئًا بالأشخاص بعضهم يركض نحوه والبعض الآخر يركض نحوه ليلى، ليلى!!
_ ليلى!
همس بها داخله فشفتيه لا تمتلكان القدرة على النُطق، حرك قدميه بصعوبة حتى وصل إليها، جسى على ركبتيه وتفقد معالم وجهها التي اختفت
خلف الدماء المتناثرة عليه، فأسرع في وضع ذراعه أسفل رأسها محاولًا إيفاقتها بحنجرةٍ ضعيفة:
_ ليلى، قومي يا ليلى، أنتِ سمعاني، وغلاوتي عندك ردي عليا.. قومي اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس قومي، يا ليلى!
لا يوجد حركة تدل أنها بخير، في الخلف يقف عبدالله واضعًا ذراعيه خلف رأسه في صدمةٍ من خلف ذلك الحادث المروع، خرج من حالته على صوت زكريا الذي نادى عاليًا:
_ حد يجيب عربية، حد يطلب الإسعاف، اتحركوا
ثم عاود محاولاته في إيفاقتها، على الجانب تحرك عبدالله مُسرعًا عندما اقتحمت صبا عقله، هرول عائدًا إلى الداخل فوجدها تهرول نحوه عندما علمت بوجود حادثة في الخارج، وقفا الإثنين أمام بعضهما والتوتر يُسيطر عليهما حتى صاحا في آنٍ واحد:
_ في إيه برا؟
_ ليلى، إلحقيها!
برقت عيني صبا ولم تنتظر ثانية أخرى، بل هرولت إلى الخارج حتى بلغت مكان الحادث، شهقت بصدمةٍ عندما رأت حالة وجهها المرعب، انحنت عليها وتفقدت نبضها ثم تفقدت جسدها فوجدته في وضعٍ خاطئ فهتفت عاليًا:
_ هكلم الإسعاف..
ثم أخذت تُخرج هاتفها من الحقيبة فصاح زكريا بصوتٍ متحشرج:
_ اعملي حاجة، خليها تفوق
ردت عليه وهي تهاتف الإسعاف الخاص بمكان عملها:
_ مش هقدر أعمل لها حاجة هنا، لازم تروح المستشفى..
قالتها ثم انتبهت على إجابة الطرف الآخر فهتفت بلهفةٍ وذعر:
_ أنا دكتورة صبا محمود، محتاجة إسعاف ضروري في أسرع وقت..
ثم أملت عليه العنوان، ووقفت في إنتظار وصولهما، بينما لم يتقبل زكريا بقائها لحين وصول الإسعاف فنهض محاولًا حملِها:
_ أنا مش هستنى الإسعاف..
فصرخت لحظتها صبا مُحذرة إياه:
_ إياك تحركها من مكانها، المُسعفين على وصول وهما اللي هيقدروا يشيلوها بطريقة صح
جن جنون زكريا وخرج عن طوره، اقترب من صبا في حالة هيًاج حتى شعرت هي بالذُعر فتراجعت للخلف بِضع خُطوات بينما صاح هو بنبرةً غاضبة:
_ يعني إيه محركهاش؟! دي هضيع مني
قالها وهو يُشير إلى ليلى بينما ركض عبدالله ووقف بينهما كحاجزٍ يمنعه من الإقتراب أكثر وحاول تهدئته:
_ أهدى يا زكريا واسمع الكلام، مفيش حاجة هتحصل إن شاء الله..
أمسك زكريا رأسه بكلتى يديه عندما هاجمه صداع شديد أفقده توازنه فلحق به عبدالله مُمسكه من ذراعيه، اتكأ على كتفه زكريا لثوانٍ قبل أن يُعيد هتافه:
_ هات عربيتك وتعالى، مش هستنى حد
توجه نحوها بصعوبة قابلها في السير والرؤى، فانتبه عبدالله على تحذير صبا من خلفه:
_ مينفعش يا عبدالله يحركها، البنت ممكن عندها كسر ومع حركة غلط نعرضها لوضع خطير.. خليه يهدى
أدار عبدالله رأسه ورمقها بآسى شديد، ثم تحرك باتجاه زكريا وهو يُشير إلى وليد بالإقتراب، أمسكوه من يديه محاولين تهدئته ببعض الكلمات ربما ينجحان حيث قال عبدالله:
_ أنا عارف إنك عايز تساعدها، بس أنت ممكن تإذيها بحركة غلط، استنى الإسعاف أحسن عشان مترجعش تلوم نفسك..
فمال حينها زكريا برأسه على كتف عبدالله وتطلع بعينين يتساقط دمعهما حزنًا وحسرةً على ما تسبب فيه، كان الجميع في حالة صدمة، كل العيون شاخصة نحو ليلى بشفقة وخوف.
وماهي هي إلا دقائق معدودة حتى صدحت صافرة الإسعاف فتنحى الجميع جانبًا لتمُر السيارة، ثم ترجل المُسعفين مُتجهين ناحية ليلى برفقة صبا التي هرولت إليهم ولم تتردد في ركوب الإسعاف معها وكذلك فعل زكريا.
بينما ركض عبدالله نحو سيارته فتَبِعه وليد وعائلته التي ركب بعضهم في سيارة عبدالله والبعض الآخر في سيارة قاسم الذي دعاهم للركوب معه، تحرك الجميع خلف الإسعاف في حالة توتر مسيطر عليهم.
بدأ الزحام يخف تدريجيًا حتى بات المكان خاليًا إلا من بعض العاملين، فوجدت زينب ذاتها تقف بمفردها، لقد تم نسيانها بعد حالة الذُعر والقلق التي أصابتهم، التفت برأسها متفحصة المكان فوقع نظرها على عاصم الذي يقف مُعلقًا عينيه على مكان تحرُك السيارات.
انتبه عليها عاصم وأخذ وقتًا حتى خرج من صدمته بعد عيش مشاعره المضطربة والخائفة مع الحادثة، وقال:
_ أنا رايح وراهم، تحبي تيجي معايا؟
أطالت زينب النظر فيه فهي تشعر أنها تعيش كابوسًا وليس حقيقة، زفرت أنفاسها قبل أن تومئ برأسها وأردفت:
_ هجيب شنطتي من جوا وجاية..
دلفت المكان وسحبت حقيبتها لكنها توقفت عندما رأت فتاةً تخرج من غرفةٍ تتلفت حولها وعلامات الذُعر تتجلى على تقاسيمها، لم تتعرف على هويتها، لكنها استنكرت مظهرها الجرئ، لكن ما أثار ريبتها حركاتها المتوترة ومراقبتها للمكان اللذان يؤكدان وجود كارثة خلفها.
ثم انتبهت على بوق سيارة عاصم فأسرعت إلى الخارج وقامت بركوب السيارة، وعينيها على الفتاة التي خرجت بعد أن غادر الحضور المكان والعديد من الأسئلة قد راوداها عما يوجد خلفها.
***
وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى، ترجلت صبا برفقة زكريا ثم ترجلا المُسعفين وقاموا بوضع ليلى على الناقلة ثم دلفوا راكضين حتى أمرتهم صبا بالدخول من أحد الأبواب.
بعد فترةٍ، كان المكان مُزدحمًا، فجميع العائلات التي على صِلة بـ ليلى وزكريا قد حضروا عدا والدها الذي لم يأخذ خبرًا بعد، وقف زكريا مستندًا على الباب التي ولجت خلفه ليلى مُغمض العينين يدعوا داخله أن تخرج إليه سالمة.
لم تتوقف يده عن الطرق على الحائط المجاور للباب، بينما في الخلفية يمشي البعض في انعكاس لطرقهم، والبعض الآخر منهم من يقف مستندًا على الجدار والبعض الأخير يجلس في حالة تأهب لخروج من يُطمئنهم على وضع ليلى.
مر وقت دون ظهور أحدهم، فتضاعف ضرب زكريا على الحائط بنفاذ صبر وصاح عاليًا:
_ أخرجوا بقى..
اقتربت منه والدته في محاولة منها على تهدئته، فوضعت يدها على كتفه من الخلف مرددة:
_ ربنا هيطمنا عليها، متقلقش..
نفر زكريا من لمستها، فلا يتحمل أيّ لمسات الآن، هو في وضعٍ حرج ولا يريد مواساةً من أحد، فكيف يقبل مواستهم على حادثةٍ كان السبب فيه، رفع ذراعيه للأعلى مُجبرها على سحب يدها وقال:
_ سيبوني في حالي..
ثم أخذ يضرب على الباب بقوةٍ فأصدر ضجة كبيرة وهتف بصوتٍ يميل إلى الرجاء لكنه بنبرةٍ عنيفة:
_ حد يخرج من الأوضة دي...
لحظاتٍ وخرجت إحدى الممرضات مستاءة من الإزعاج الصادر من زكريا وهتفت بحنقٍ:
_ لو سمحت دا مش أسلوب، فيه هنا مرضى والهدوء في المكان ضروري..
لم يكترث لأسلوبها وقال سؤاله المُتلهف وعينيه يتفحصان المكان من خلفها:
_ مراتي دخلت هنا.. ومحدش قالنا أي حاجة من وقت ما دخلت..
بحاجبين معقودان وضيقٍ ظاهر سألته:
_ دخلت هنا فين بالظبط؟ فيه كذا ممر بيودي للعمليات وفيه بيودي للرعاية وفيه للمشرحة!
أغمض زكريا عينيه عندما شعر بانقباضة قلبه قبل معاودة الحديث معها:
_ معرفش هي دخلت هنا معرفش راحت على فين؟
_ طيب اسمها إيه؟
تساءلت مستسفرة لتساعده عندما رأت حالته المذرية فهتف زكريا:
_ ليلى.....
صمت عندما وقعت عينيه على صبا التي تقترب منه، فأسرع نحوها دافعًا الممرضة إلى التنحي جانبًا فهتفت مستاءة:
_ يا أستاذ مينفعش تدخل هنا، ممنوع..
أشارت إليها صبا بيدها وعينيها أن تتركه فتحلت الممرضة بالصمت بينما وقف زكريا أمامها كطائر جريح يود مداواة جرحه وسألها بصوتٍ مبحوح:
_ هي فين؟ ليلى حصل لها إيه؟
بآسى شديد وحزن مُشكل على وجهها قالت بشفتين مذمومتان:
_ زكريا، أنت مؤمن بقضاء ربنا..
هز زكريا رأسه في استنكارٍ تام ولم يتحمل تلك المقدمة وصاح:
_ لا لا قولي إيه اللي حصل من غير مقدمات!
ابتلعت صبا ريقها قبل أن تصدمه بالحقيقة:
_ للأسف فقدنا الجنين!
شعر زكريا لحظتها بوخزة شديدة في صدره، فلقد فقدت ليلى حُلمها الآن في امتلاك طفلًا منه، وكان ذلك العائق الثاني في طريق عودة علاقتهما بعد خيانته لها، حاول التماسك وعدم التفكير في شيءٍ الآن فالمهم أن يطمئن على صحتها.
بصعوبة قال:
_ ليلى، عايز أطمن عليها
بهدوءٍ مُفعم بالحزن أردفت:
_ حصلها شرخ في فقرة من رقبتها، وكسر في الرجل اليمين..
قابل زكريا ذلك الخبر بعيون لامعة يُجاهد نفسه على عدم البكاء، كما عمِل على إخراج صوته طبيعيًا لكنه ظهر مهزوزًا يُغلفه حشرجة البكاء:
_ أنا عايز أشوفها..
رفضت صبا طلبه مُعللة السبب:
_ مش دلوقتي يا زكريا، هي أصلًا لسه مخرجتش من العمليات، لما تخرج وتستقر في أوضة هخليك تشوفها..
رفع زكريا كلتى يديه وضمهما أمام فمه متوسلًا لها:
_ أبوس إيدك يا صبا خليني أشوفها..
_ مش هينفع، لما تخرج الأول..
هتفت صبا برجاء تمنت بألا يُطيل إلحاحه، فخرج زكريا عن هدوئه وانفعل عليها وهو يتحرك مثل المجنون في المكان:
_ هو إيه اللي مش هينفع! دي مراتي وأنا عايز أشوفها دلوقتي!
تفاجئت صبا بثورته فعقبت الممرضة مُبدية انزعاجها:
_ أنا هطلب الأمن
فلحقت بها صبا قائلة:
_ لأ استني..
ثم حاولت إخراجه بدفعه إلى الخارج:
_ لو سمحت يا زكريا متعملش شوشرة واخرج
فلم تستطع إخراجه بمفردها فنادت بصوتٍ مرتفع قليلًا:
_ يا عبدالله..
فانتبه الآخر على صوتها وركض نحوهما فطلبت منه المساعدة:
_ قوله يخرج قبل ما تحصل مشكلة هنا..
تحرك عبدالله نحو صديقه وأمسك ذراعه محاولًا إعادته لرشده ببعض الكلمات:
_ فوق بقى يا زكريا، هي هتخرج دلوقتي.. استناها برا متعملش مشاكل هنا
استدار زكريا برأسه ناظرًا إلى عبدالله وتساقط دمعه وهو يُردد بنبرةٍ غير مفهومة:
_ زعلانة مني يا عبدالله، عايز أشوفها يا أخي..
تفاجئ عبدالله بعبراته التي تنهمر بغزارة، فلم يراه على وضعه هذا من قبل، تأثر بحالته وغلف الإختناق صدره، فزفر أنفاسه ربما يشعر بالتحسن وقال:
_ هتخرج بالسلامة وهتشوفها وهتبقوا كويسين بس اهدى..
تأفف زكريا عاليًا وسحب ذراعه من بين قبضة عبدالله ولم يستسلم لما يريده أن يفعله:
_ بلاش كلام المسكنات دا، أنا عايز أشوفها..
وما أن انتهى من جُملته حتى تفاجئ بظهور الناقل الطبي التي تعلوه ليلى النائمة، فركض نحوها بينما نظر إليه الآخرين متفاجئين بركوضه وذهبا خلفه ليمنعوه لكن هيهات له، فلقد وصل إليها وظل يُنادِيها بحسرة:
_ يا ليلى قومي طمنيني عليكي..
_ يا زكريا والله ما ينفع كدا أبدًا
قالتها صبا مستاءة مما يفعله، فلم يكترث لها زكريا ومشى بجوار الناقل حتى بلغوا أحد الغرف الموجودة وقاموا بوضع ليلى على الفراش الخاص بها وذهبوا.
تجمعت عائلة زكريا وكذلك أحلام وزينب التي وصلت للتو، بينما ظل الرجال خارج الغرفة في انتظار ما يُطمئنهم على وضع ليلى.
وقف زكريا إلى جوار الفراش مُمكسًا براحة يدها ويبكي في صمت، شاردًا في مشهد اصطدامها الذي يُزيد من ألم قلبه ويُضاعف تأنيب ضميره تجاهها فلم يذق طعم السكون والراحة.
مرت ستون دقيقة حتى بدأت ليلى تستعيد وعيّها، كان زكريا على نفس حاله يقف على قدميه يحتضن يدها، لم يبرح مكانه لحظة، شعر بحركة طفيفة من يدها فانحنى مُتلهفًا عليها:
_ ليلى، طمنيني عليكي يا حبييتي..
شعرت ليلى بِثقل في رقبتها، ناهيك عن آلامها المتفرقة في ثائر جسدها، لا تعلم أين يأتي الألم تحديدًا، حاولت فتح عيناها ببطيءٍ وكأن أعلاهما حجرًا ثقيل يُعيق فتحهما.
جاهدت ليلى حتى فتحت عينيها فرأت الجميع حولها، بصوتٍ بالكاد سمعه من حولها تساءلت:
_ إيه اللي حصل؟
ثم أضافت بتعبٍ شديد:
_ أنا تعبانة أوي، جسمي بيوجعني هو أنا فيا إيه؟
أجابتها هناء بآسى شديد:
_ عربية خبطتك وأنتِ خارجة..
تلك الأثناء أعاد عقل ليلى مشهد اصطدام السيارة، فبرقت عينيها بصدمةٍ وحاولت النظر إلى بطنها ولمسها بيدها فمنعها الطوق الطبي المتلف حول عُنُقها، ناهيك عن يدها التي بين قبضتي زكريا.
رمقته ليلى بطرف عينيها عندما فشلت في تحريك رأسها فتنشطت ذاكرتها وتذكرت ما أحدثه، فسحبت يدها بكل قوةٍ امتلكتها ذلك الحين، ثم وضعتها على بطنها وتساءلت بتوجسٍ خيفة خشية فقدناها جنينها:
_ بنتي كويسة؟
كان سؤالها المفاجئ قد صعق عقول الجميع، فتبادلوا النظرات الحزينة ولم يُجيبها أحدهم، فخرجت ليلى عن هدوئها وحاولت النهوض فأسبقت خلود قائلة:
_ متتحركيش، الحركة غلط عليكي..
تساقطت عبرات ليلى برعبٍ وعينيها تجوب عيون الواقفين تتآمل فيهما أن يخبراها بأن حدسها خاطئ وقالت:
_ بنتي راحت؟ حد يرد عليا!!
هتفت آخر جملتها بنرفزة فتدخلت أحلام مُجيبة بنبرة خافتة يُغلفها الاسى:
_ ربنا يعوضك خيرًا منها يا بنتي، أنتِ لسه صغيرة وربنا هيرزقك إن شاءالله
انهمرت دموع ليلى ألمًا وصدمةً وهتفت بنبرة تنزف وجعًا:
_ بس أنا كنت مستنياها، مكنتش عايزة من الدنيا دي غيرها، كنت بعِد الأيام والدقايق والثواني عشان تيجي، ودلوقتي هي راحت..
نظرت إلى يمينها حيث استطاعت وصاحت بنبرة مُتهدّجة وكأن الكلمات تتعثر بين شهقاتها:
_ أنت السبب، بنتي راحت بسببك، أنا خسرتها بسببك، أنا بكرهك، مبكرهش في الدنيا قدك، امشي من قدامي مش عايزة أشوفك تاني
لم يبرح زكريا مكانه، فظلت ليلى تصرخ تُطالبه بالخروج من بين بكائها الموجوع على خسارة فلذة كبدها التي لم تُقَر عينها بها بعد، فتدخلت هناء عندما استاءت من صراخها وقالت:
_ وهو ماله بس زكريا يا بنتي؟ عملك إيه عشان تقولي كدا
رمقتها ليلى بنفورٍ شديد وعنفتها بانفعالٍ:
_ متقوليش بنتي، أنتِ عمرك ما اعتبرتيني بنتك، أنتِ قلبك أسود ومحبتنيش، امشوا اطلعوا برا، أنا خسرت بنتي بسببكم انتوا، أنا بكرهكم
كان الجميع متفاجئًا مما تُحدثه، اقتربت منها أحلام مُبعدة زكريا عنها لتقف مكانه وقامت بالإنحناء بجسدها وملست على وجهها برفقٍ لكي لا تؤلمها:
_ ليلى يا حبيبتي، أنا مقدرة حالتك وإنك خسرتي ضناكي، والله حاسة بيكي، بس إهدي عشان متتعبيش أكتر، وعشان الكلام دا هيعمل مشاكل يا حبيبتي..
لم تصمت ليلى بل عاودت الصراخ من جديد هاتفة بصوتٍ متحشرج يهاجمه البكاء:
_ هما السبب، هما اللي وصلوني لحالتي دي، أنا مش مسامحاهم.. خليهم يخرجوا يا آبلة، وحياتي عندك مشيهم من هنا..
توسلتها ليلى بكل أنش بها، فتأثرت أحلام لحالتها ودمُعت عينيها، ثم عاودت الوقوف بهيئة خجِلة ووجهت حديثها إلى عائلة زكريا:
_ معلش يا جماعة اعذروها، سيبوها تهدى وإن شاء الله ربنا يصلح بينكم..
لم تتقبل هناء تلك الإهانة، وقامت بالإسراع إلى الخارج ثم وقفت ونادت بصوتٍ منفعل:
_ خلود، يلا قدامي..
عارضتها خلود باستياء:
_ يا ماما مينفعش..
فصاحت الأخرى بغضبٍ جامح:
_ قولت يلا!!
ألقت خلود نظرةً أخيرة على ليلى بآسى شديد قبل أن تتحرك بِخُطاها تابعة والدتها إلى الخارج، بينما نظرت أحلام إلى زكريا الذي يلتزم الصمت وعينيه لا تُرفعان من على ليلى ووجهت حديثها له بهدوءٍ:
_ سيبها تهدى يابني...
_ يا ليلى، سامحيني...
همسها زكريا بنبرة نادمة، فأجهشت ليلى باكية، بينما عاودت أحلام استسماحه:
_ لو سمحت يا زكريا أخرج وأنا جنبها مش هخليها محتاجة حاجة..
رفض زكريا الرضوخ لطلبها وهرول مُقتربًا من ليلى وأخذ يُقبل رأسها فكان لها نصيبًا من نيل عبراته التي انهمرت بغزارة أعلاها وهتف:
_ أنا آسف، سامحيني عشان خاطر أي حاجة حلوة بينا
تضاعفت نوبة بكائها وحاولت الإبتعاد عنه قدر استطاعتها فاقتربت منه أحلام وأمسكت ذراعه وهتفت برجاء:
_ يابني متصعبش الموقف، سيبها تهدى شوية..
رفض وبقوة الخروج فاضطرت أحلام للجوء إلى الرجال، خرجت من الغرفة ووجهت بصرها مابين عبدالله ووالد زكريا وقالت:
_ لو سمحتوا حد يجي يخرج زكريا من الأوضة..
كان محمد أول ما دلف الغرفة بِخُطواتٍ ثائرة حتى اقترب منهما ثم وجه حديثه إلى ليلى:
_ حمد لله على سلامتك يا بنتي، ربنا يعوضكم خير
بنبرةً ليست سوية هتفت ليلى:
_ دا الخير بالنسبة لابنك، هو كان عايز كدا من الأول، هو رفض نعمة ربنا وكان ناقم لرزقه بس العقاب كان ليا أنا لوحدي، الخسارة ليا بس!
_ إيه بس يا بنتي اللي بتقوليه، هو فيه راجل برده هيكره إنه يكون أب؟
هتفها محمود باستنكارٍ غير مُصدقًا لكلمات ليلى التي صاحت:
_ كلكم هتدافعوله أكيد، كلكم شبه بعض، مش عايزة أشوف حد فيكم، أخرجوا برا
لم يلومها محمد على أسلوبها بل أعطاها كل الحق، وأراد الإنسحاب حتى تهدأ ولا يؤثرا عليها بالسلب، فتوجه إلى زكريا وأجبره على المشي قائلًا
_ إمشي..
_ مش عايز....
لم يكاد يُردفها حتى أجبره والده على الخروج بأمره الصارم:
_ قولتلك اخرج، أنت مش شايف حالتها إزاي!!
ثم دفعه بكل ما أوتي من قوة حتى تحرك زكريا بصعوبة وعينيه مُثبتتان على ليلى يُطالعها بندم شديد، خرج من الغرفة ولم ينتظر مكانه بل فر هاربًا إلى الخارج فتبعاه صديقيه حتى انتقى زكريا أبعد زاوية عن عيون المارة ثم لم تعد تحمله قدميه فخر جالسًا باهمالٍ على الأرضية وانفجر باكيًا كما لم يفعل ذلك من قبل.
بينما تجمدت أقدام عبدالله ووليد في دهشةٍ مما يروه أمام عينيهما؛ فزكريا دومًا ما كان شخصًا جامدًا لا يُعبر عن مشاعره بسهولة، وإن عبّر فيُخرِج ضيقه في هيئة غضبٍ يثور به على من حوله، فما ذلك الآن؟
تبادلا النظرات قبل أيام يقتربان منه، جلس كلًا منهما على جانبيه وأخذا وقتًا لا يعلمان بماذا يواسياه، فالكلام قد هرب من على لسانهما لرؤيتهما وضعه المذري.
مرت بِضع دقائق كانت شهقاته القوية يتردد صداها في المكان، حتى تجرأ عبدالله ورفع يده ووضعها على ظهره وقال:
_ عارف إن الكلام ممكن ميداويش اللي حاسس بيه بس هون على نفسك الحمد لله إنها بخير، وأنتوا لسه عرسان قادرين تعوضوا الحمل دا بحمل تاني طلاما مفيش اللي يمنع!
مسح زكريا عبراته براحة يده وقال بصوتٍ أجش:
_ متواسنيش يا عبدالله بالله عليك، أنا آخر واحد مستني طبطبة!
سيبني مع ناري كدا عشان أفوق من اللي أنا فيه..
رفع عبدالله نظره على وليد بغير فهم لكلمات زكريا المبهمة فتدخل وليد متسائلًا عما به:
_ هو ليه أنا حاسس إن الموضوع فيه حاجة غلط؟ يعني من وقت خروجك من المكان وأنتِ بتجري ورا مراتك وبعدها حصل اللي حصل.. هو فيه إيه يا زكريا؟
أعاد زكريا رأسه إلى الخلف مستندًا بها على الحائط وأجاب سؤاله بنفورٍ شديد من نفسه:
_ أنا عملت أوسخ حاجة ممكن تتعمل! أنا كنت عارف واحدة على ليلى!!
علامات الذهول الممزوجة بالصدمة رُسِمت على وجهيهما وهما يُحدقان به بعيون واسعة، ساد الصمت لفترة حتى قطعه زكريا بمواصلة حديثه:
_ ليلى شافتني وأنا واقف معاها ولما حاولت أوقفها جت العربية وخبطتها!
قالها ثم انفجر باكيًا فخرج عبدالله عن صمته غير متقبلًا فعلته الشنعاء وصاح وهو ينهض عن الأرضية:
_ يا أخي يخربيت قذارتك، أنت إيه اللي كان في دماغك وأنت بتعرف واحدة وأنت يدوب متجوز من كام شهر!!
إزداد نحيب زكريا كالطفل الذي يُعاقبه والده فرمق وليد عبدالله موحيًا إليه ببعض الإشارات أن يهدأ قليلًا فوضع زكريا غير قابلًا للوم الأن، بينما لم يرضخ له عبدالله وقابل وليد بنظراتٍ مشتعلة وهو يردد مندفعًا به:
_ بتبُصلي كدا ليه؟ بقول حاجة غلط؟ ولا إحنا من إمتى كنا بالشكل المقرف دا؟ ما طول عمرنا ماشين جنب الحيط حتى يوم ما بنتشاقى شوية عمرنا ما أذينا غيرنا، إنما دا بيكلم واحدة على مراته وبيقابلها كمان في مكان شغله اللي مراته اصلًا موجودة فيه!! دا إيه الجحود دا؟!
استدار عبدالله بجسده للجانب الآخر عندما لم يطيق نظرات وليد التي تحثه على التوقف، وقف يضبط وتيرة أنفاسه المرتفعة، شعر بتبخر جزءًا من انفعاله بعد فترة؛ فعاود النظر إلى زكريا باشمئزازٍ وسأله بحدة:
_ ودي عرفتها امتى وإزاي والعلاقة بينكم كانت واصلة لفين؟
رفع زكريا عينيه على عبدالله وهتف نافيًا ما يدور في مخيلته:
_ مكنش فيه علاقة أصلًا عشان توصل لحاجة، في يوم وأنا قاعد في ورشتي لقيت واحدة داخلة عليا وبتقولي إن عربيتها عطلت على الطريق وأنا كنت أقرب حد ليها فروحت معاها وصلحت لها العربية، وهي وقتها نظراتها ليا كانت غريبة واستغربتها، وأصرت ناخد أرقام بعض بحجة لو احتاجتني تاني، وتاني يوم لقيتها بترن عليا وبتسألني على حاجات في عربيتها عايزة تتظبط ومن وقتها والمكالمات زادت بينا وبدأنا نتعرف على بعض وتحكي لي عن حياتها وأنا برده، ولما عرفت إني هيكون ليا مكان جديد عملت لي مفاجأة وجت ووقتها ليلى شافتنا..
_ مفاجأة زي الزفت والطين على دماغكم..
هدر بها عبدالله بحنقٍ وغضب شديدين، ثم أضاف ببغضٍ لفعلة صديقه:
_ يا أخي مش لاقي كلام أواسيك بيه والله، بس كان لازم يحصل اللي حصل، دا عقاب ربنا ليك!
جاب عبدالله المكان ذهابًا وجيئا قبل أن يُتابع بآسى لم يخلو من الصرامة:
_ مش صعبان عليا غير مراتك، هي اللي خسرت كل حاجة فجأة بسبب واحد جرى ورا نزواته!
نهض وليد عن الأرض عندما وجد ثورة عبدالله المبالغة يزداد لهيبها ولا تنطفأ وحاول إيقافه:
_ خلاص يا عبدالله.. روح أنت خليك هناك عشان لو حد احتاج يبقى حد مننا موجود..
لم يقف عبدالله لثانية أخرى بل ابتعد عنهما قبل أن ينهار أكثر على زكريا، لم يحب العودة إلى الجميع وفضّل الذهاب لمكانٍ يُهدئ فيه غضبه الذي خرج عن السيطرة.
بينما اقترب وليد من ابن عمه، وقام بمد يده إليه فتطلع به زكريا حتى أردف وليد:
_ تعالى معايا..
_ على فين؟
تساءل بوهنٍ فأجابه وليد بهدوءٍ:
_ تعالى معايا، هنروح مكان هيريحك..
فلم يتردد زكريا في مرافقته، نهض بالإتكاء على ذراع وليد الممدود نحوه، ثم سارا إلى جوار بعضهما حتى خرجا من المستشفى ووصلا إلى أحد المساجد القريبة، وقف وليد أمام الباب ووجه حديثه إلى زكريا:
_ ادخل اتوضى وصلي، قرب من ربنا عشان أنت بعدت عنه في الفترة الأخيرة، رتب أفكارك وإرجع لما تحس إنك كويس..
ابتسم في وجهه ثم غادر تاركه يمتثل بما طلبه منه، فالتفت زكريا وحدج المسجد قليلًا قبل أن يدلُف بِخُطاه، فلا يتذكر آخر مرة قام بأداء صلاةً به، لقد غاب عنه كثيرًا.
توضأ ثم شرع في الصلاة فهاجمته نوبة بكاء وهو ساجدًا بين يدي الله، يبكي خجلًا وحزنًا على حاله الذي أصبح عليه، انتهى من الصلاة فانتبه على يدٍ وُضعت على كتفه، فالتفت برأسه ليعرف هويته فوجده شيخًا يبتسم في وجهه ثم تساءل باهتمامٍ:
_ مالك يابني أنت كويس؟
حرك زكريا رأسه نافيًا أنه بخير وأخبره بأنفاسٍ متقطعة:
_ أنا في ابتلاء صعب أوي يا شيخ..
جلس الشيخ أمامه وقال بوجهٍ بشوش:
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ
اصبر يابني على ابتلائك وإن شاء الله أجرك عظيم..
بعيون تترقرق فيهما العبرات قال:
_ بس أنا بعدت عن ربنا أوي، والعقاب كان قاسي أوي.. أنا السبب في اللي حصلي..
ربت الشيخ على فخذه وأردف:
_ وارد إن يكون اللي حصل دا عشان بُعدك عن ربنا بس مش شرط يكون عقاب، ممكن عشان ترجع له تاني، ربنا شاف إنك بعدت أوي فحب يرجعك ليه من تاني لقوله
وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا
ثم أخذا يتحدثان سويًا في أمورٍ دنيوية ألهت زكريا عن قوامته ودوره كزوجًا ورجلًا في حياته الزوجية وما عليه فعله في الأيام المقبلة.
***
بعد مرور بِضعة ساعات؛ لم تكُف ليلى عن البكاء، كان يجاورها والدها يشاركها حزنها، حتى فُتح باب الغرفة وولجت منه شقيقتها التي وصلت للتو، اقتربت من ليلى راكضة، شهقت فور رؤية حالتها التي يرثى لها.
تفقدت معالم وجهها التي تملؤه الكدمات الزرقاء، ناهيك عن الطوق الطبي المُحاوط لرقبتها، ثم أسقطت بصرها على الجبيرة التي غلفت قدميها اليُمنى، انهمرت الدموع من عينيها حزنًا على ما أصابها.
انحنت بجسدها محاولة عِناقها فشاركتها ليلة البكاء وهي تُخبرها بمصابها:
_ بنتي راحت يا سمر... مشت في نفس اليوم اللي عرفت فيه إنها بنت! متعرفش إني كنت مستنية اللحظة دي من امتى... وفي الآخر معدتش موجودة!
انفجرت عيون سمر باكية ورددت كلماتها ربما تُطيب جراحها:
_ حمد لله على سلامتك يا حبيبتي ودا المهم، كل حاجة هتتعوض متزعليش أبدًا، بكرة ربنا يكرمك ببنوتة تانية وتفرحي بيها
_ معتش هينفع.. خلاص كل حاجة خلصت
قالتها ليلى بحزنٍ عارم فشعرت سمر بالريبة والرعب وكذلك والدهن لم يكن أقل منها قلقًا، وهتف سؤاله متوجسًا خيفة من سماع إجابتها:
_ إيه اللي خلص يا ليلى؟ قصدك إيه؟
من بين بكائها هتفت بندمٍ شديد:
_ زكريا مصانش أمانتك يا بابا..
ثم نظرت إلى أحلام والتزمت الصمت فاستشفت الأخرى الأمر، وقامت بالنهوض مستأذنة منهم بلطف:
_ أنا هخرج برا لو احتجتوا لحاجة نادوا عليا
ثم انسحبت إلى الخارج باحثة عن زينب التي اختفت منذ فترة
بينما في الداخل؛ عاودت سمر النظر إلى شقيقتها عند خروج أحلام وقالت بنبرة قلِقة:
_ في إيه، إيه اللي حصل؟
فأخذت ليلى تقُص عليهما ما تعيشه منذ بداية حملِها حتى اكتشاف خيانة زكريا، كان وجهيهما أسودًا من صدمة ما سمعوه، كانت شفتيهم تتحرك مُعِيدة كلمات ليلى دون صوت.
حتى انتبهوا على طرقات الباب ودخول زكريا الذي تلقى نظراتٍ حارقة من ثلاثتهم وخصيصًا والد ليلى الذي أسرع نحوه وانقض عليه مُمسكه من تلابيب قميصه وظل ينهره بقسوة:
_ دي الأمانة اللي أمنتك عليها؟ دا وعدك ليا؟ أنت بني آدم منافق ولا تؤتمن وخِلفت بوعدك ليا وأنا لا يمكن أسيب لك بنتي تاني أبدًا
_ يا عمي أبوس إيدك أنا عارف إني حيوان وغلطت بس والله مقدرش ليلى تبعد عني لحظة..
قالها زكريا على أمل يشعر به أسعد لكن هيهات لقلب ذلك الأب المكلوم المليء بالغضب تجاه ما افتعله تجاه ابنته.
دفع والد ليلى زكريا بعنفٍ لكنه لم يؤثر فيه، فجسده كان مضاعفًا له في الطول والعرض، أخذ زكريا نفسًا زفره على مهلٍ قبل أن ينظر إلى ليلى وهتف:
_ قولي حاجة يا ليلى، قوليله زكريا حبيبي ومقدرش استغنى عنه!
بنظرةً مهزومة أدارت ليلى عينيها حتى لا تنظر إليه، فناداها زكريا متوسلًا:
_ يا ليلى...
_ خلوه يخرج برا..
أردفتها ليلى بخفوت، فأجبره والدها على الخروج بانفعال:
_ اخرج بقى يا أخي، بنتي هتخرج من هنا على بيتي..
أسقط زكريا نظره عليه وقال بحدةٍ حاسمًا أمره:
_ بنتك دي مراتي، أنا اللي ليا أقول تروح فين ومع مين.. بنتك مش هتخرج من بيتها وأنا اللي ملزوم بيها
قالها زكريا ثم أولاه ظهره وخرج من الغرفة، تفقد الواقفين ثم ابتعد عنهما عندما شعر بافتضاح اأمره من وراء نظراتهم المُحاصرة له.
في مكانٍ قريب؛ ظلت أحلام تبحث عن زينب حتى وجدتها جالسة على أحد مقاعد الإنتظار تبكي، فأسرعت نحوها وهي في حالة هلع خشية أن يكون قد أصابها مكروه:
_ مالك يا حبيبتي، بتعيطي ليه؟
انتبهت زينب على صوت والدتها فأسرعت في مسح دموعها براحة يدها متصنعة أنها بخير، ابتسمت خافية خلف ابتسامتها وجعًا تئن به روحها في صمت، ارتدت ثوب القوة وأجابتها:
_ أنا كويسة يا حبيبتي متقلقيش..
_ كويسة إزاي بس، أنا للدرجة دي مبشوفش؟
قالتها أحلام مستاءة من تصنُعها أنها على ما يرام فذمت زينب شفتاها بحزنٍ وقالت:
_ افتكرت نفسي لما شوفت ليلى
وما أن قالتها حتى خانتها دموعها التي تساقطت بغزارة ظاهرة انكسار روحها التي جاهدت لإخفائه، فأقبلت أحلام عليها وقامت بضمها برفقٍ ثم رفعت يدها وقبلتها بحنانٍ ورددت داعية:
_ ربنا يعوضكم أنتوا الإتنين خير يارب
***
انسحبت صبا برفقة عاصم لتُبدل ملابسها وتحظى ببعض الراحة قبل أن تعاود المجيء إلى المستشفى، تلك الأثناء لم يجد قاسم هناك داعٍ لوجودهم أكثر من ذلك وقرر الذهاب بعد مجيء عائلة ليلى.
فركب الجميع السيارتين حيث أن عبدالله ترك مفتاح سيارته مع وليد ليقضوا حاجتهم بها إن احتاج الأمر، وصلوا معًا وصف عاصم وقاسم السيارات أمام بيوتهم، ترجلت صبا بتعبٍ شديد تتمنى أن تصل إلى فراشها تلك الثانية قبل مرور الأخرى.
وفجأة شعرت بألمٍ شديد في كاحلها، ألم غير محتمل، فنظرت إلى الأسفل فتملكها حالة من الذُعر عندما علمت السبب وصرخت عاليًا:
_ تعبان.. تعبان قرصني..
ظلت تُحرك قدميها اليُمنى بحركاتٍ لا إرادية على أمل أن يسقط من عليها ولم تتوقف عن الصراخ، تجمع حولها الجميع وحاول عاصم تهدئة هلعها حتى يزيح عنها الثعبان:
_ وقفي رجلك يا صبا عشان أعرف أمسكه..
تلك اللحظة لم يتردد عبدالله في الإقتراب منها وإلتقاطه بحركة سريعة لم يكاد يلاحظها أحد، بينما لم تتوقف صبا عن الصراخ بهلع وذُعر شديدان:
_ تعبان، ابعدوه عني..
_ خلاص خلاص أنا بعدته..
قالها عبدالله وهو يقف مُمسكًا بيده الثعبان، ثم توجه به إلى زاويةٍ وقام بالتقاط حجرًا ثقيل وظل يضربه حتى تأكد من موته، عاد إليها مُتلهفًا لمعرفة ما أن كان لدغها أن لا:
_ هو قرصك؟
أماءت هي بخوفٍ فاقترب منها عاصم وانحنى بجسده متفقدًا كاحلها تحت نظرات عبدالله المستشاطة، صر أسنانه وأبعد عينيه إلى الجانب الآخر حتى لا يستطيع رؤية لمساته عليها.
_ لازم نرجع المستشفى..
قالها عاصم بعدما تفقد لدغة الثعبان، فرفضت سبب قائلة:
_ لا لا مش لازم، هكتب لك على حاجة لو سمحت حد يجيبهالي من الصيدلية هاخدها هنا..
أمسكت صبا رأسها عندما هاجمها دُوارًا وقالت:
_ أنا بدأت أدوخ مش قادرة أقف، عايزة أدخل البيت..
لم يريد عبدالله بقائها في تلك الحالة بمفردها، فاقترح بلهفة:
_ ياريت لو تفضلي عندنا الليلة دي..
تفاجئ عاصم باقتراحه، ثم انتصب في وقفته وهتف بحدةٍ:
_ بيت جوزها موجود..
لم يروق لعبدالله نبرته، لكنه لم يريد افتعال مشكلة، فتحدث من بين أسنانه المتلاحمة موضحًا حُسن نواياه:
_ وضعها أعتقد محتاج ست جنبها، وأمي وأختي موجودين، مش هيسيبوها..
دنا منه عاصم حتى شعرا كليهما بأنفاس بعضهما من شدة تقاربهما وهمس بخفوت:
_ أنا برده مش هسيبها!
كز عبدالله أسنانه بشدة، فأحدث صريرًا وصلت إلى آذان عاصم الذي يرمقه بجمودٍ يخفي خلفه بركانًا على وشك الثوران
الفصل الخامس والثلاثون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم تسنيم المرشدي
نظراتٍ مشحونة بالبُغضِ والغضب الذي يَكِنه الطرفين لبعض، حتى استشعر الجميع ذلك، فتدخلت زينب محاولة فض الإشتباك الظاهري:
_ فعلًا يا باشمهندس صبا محتاجة حد جنبها غيرك.. خليها عندنا النهاردة..
دون أن يُبعد عاصم عينيه عن عبدالله ردّ عليها:
_ لو ضروري حد غيري ممكن تتفضلي أنتِ يا مدام زينب وتخليكي معاها النهاردة..
_ حلو، اقتراح حلو يا شباب
قالتها أحلام مُتعمدة قبول بيات زينب برفقة صبا حتى تُبعد عبدالله عن عاصم، فهي أدرى الواقفين بما يشعر به الآن، بينما أبدى عبدالله رفضه التام وعينيه تطلقان الشرار من نظراته التي يتطلع بها على عاصم:
_ وبالنسبة للباشمهندس، إيه نظامه؟ هيكون في البيت برده؟
بنبرةٍ حانقة هتف عاصم:
_ هنام في الدور الأول..
غمزه عبدالله قبل أن يُردد بجمودٍ:
_ كدا معملناش حاجة برده!
في الخلف، ساءت حالة صبا، وشعرت بأن الأرض تدور أسفلها، فمدت يدها تستنجد بعاصم فكان أقربهم لها، مال برأسه نحوها فهمست بخفوت:
_ دخلني البيت..
وما أن نطقتها حتى اختل توازن قدميها وكادت تسقط فتحركا عاصم وعبدالله نحوها في آن واحد، تفاجئ عاصم من هرولة عبدالله وحدجه بنظراتٍ مستشاطة، أعادت إليه رشده وتوقف قبل أن يلمسها، فتابع عاصم تحركه ثم لف ذراعه حول خصرها مانعها من السقوط.
اتكأت صبا مرغمة على كتفه عندما فشلت في الوقوف، فانضمت زينب لها وقامت بمساندة صبا من الجانب الآخر ثم نظرت إلى عبدالله وهمست برجاءٍ:
_ هبات معاها النهاردة...
فلم يعترض عبدالله فكان في وضعٍ لا حول له ولا قوة، قلبه ينزف وجعًا وغيرة من خلف ذلك الوضع الحميمي اللذان كانا عليه، هبط صدره وارتفع بعنفٍ عندما فشل في ضبط أنفاسه المضطربة، ابتلع ريقه مرارًا على أمل أن يبدوا طبيعيًا لمن حوله.
اختفى ثلاثهم داخل البيت الخاص بعاصم، بينما شعر عبدالله بيد وُضعت على كتفه فنظر متفقدًا صاحبها فوجده والده يبتسم له في آسى لما يشعر به وقال:
_ يلا يا عُبد ندخل..
اكتفى عبدالله بإيماءة من رأسه ثم تحرك إلى الداخل تحت نظرات أبويه اللذان يراقبانه بقلبٍ ينفطر حزنًا على ما يعيشه ذلك الشاب من خلف حبه الضائع.
ولج قاسم إلى البيت ثم إلى غرفته، لكن أحلام قد وقفت على باب غرفتها وقالت:
_ أنا هطمن على عبدالله وراجعة..
وافقها قاسم فتوجهت هي مسرعة ناحية غرفة عبدالله، طرقت بابه ثم دلفت عندما سمح لها، قابلته ببسمةٍ لطيفة ثم اقتربت منه وقامت بالجلوس جواره على طرف الفراش قبل أن تقول:
_ قلبك عامل إيه؟
شعر عبدالله بغصة في حلقه إثر سؤالها الذي دعس على وترًا حساس، فخرجت كلماته بنبرةً مهزومة:
_ لسه بيحبها، وبيتوجع كل ما بشوفها جنبه!
كنت فاكر إني هكرهها بمجرد إنها بقت على ذمة راجل تاني، بس مقدرتش، اللي جوايا ليها مش مجرد حب عادي، مش مجرد مشاعر هيروحوا مع الوقت، اللي جوايا أكبر من كدا بكتير، قلبي دا اتعلم يحب لما حبها، لساني اتعلم يقول كلام حلو بس ليها، عيوني بتلمع بس وأنا شايفها، لسه كل الحاجات دي بتحصل حتى وهي مع غيري..
رفع عبدالله ذراعه ووضعه على صدره ثم زفر أنفاسه الحارة المُحملة بين طياتها الحزن الذي يعم قلبه وأردف ببحةٍ ظهرت في صوته:
_ أنا مخنوق أوي ياما..
تأثرت أحلام كثيرًا ولمعت عينيها بالعبرات الحبيسة، مدت ذراعها وسحبته داخل صدرها فالتفت يداه تلقائيًا حول جسدها لينعم بعناقٍ دافئ عله يُضمد جرح قلبه.
بعد قليل؛ انخفض عبدالله بمستوى جسده حتى استند برأسه على قدم والدته وأغمض عينيه عندما اجتاحته الراحة بقُربها، ثم لقِفَ يده وضمها إلى صدره مُستمتعًا برائحتها الطيبة، فأخذت أحلام تُمسد على شعره باليد الأخرى، فأشعرته بالقشعريرة التي تسببت في نعاسه بعد فترة.
وعندما تأكدت من نومه فنهضت برفقٍ حتى لا توقظه، وقامت بالخروج من الغرفة، ثم توجهت إلى غرفة زينب وقامت بطرق الباب عدة مرات قبل أن تدلف بِخُطاها، برقت عينيها عندما وجدت الغرفة فارغة وخرجت باحثة عنها بذُعرٍ.
عادت إلى غرفتها وهتفت برعبٍ:
_ إلحقني يا قاسم، زينب مش أوضتها!!
صعق قاسم مما قالته، ولجمت الصدمة لسانه، أخذ وقتًا يستوعب فيه جُملتها التي آلمت قلبه، أغمض عينيه لثوانٍ ثم اقترب منها محاولًا تهدئة روعها:
_ أحلام يا حبيبتي، زينب مع صبا عشان قرصها تعبان ومحتاجة حد يراعيها الليلة دي..
فغرت أحلام فاها ثم رددت بدهشة:
_ تعبان!! يلهوي جه إزاي دا؟
بعيون ضائقة وحاجبان معقودين تساءل:
_ هو أنتِ مش فاكرة إيه اللي حصل من شوية؟
تفاجئت أحلام بسؤاله، ولم تريد ان تضاعف قلِقه الظاهر، فابتسمت وقالت:
_ لا فاكرة، كنت بهزر معاك، أنا هدخل أغير هدومي..
وما أن قالتها حتى اختفت من أمامه مُسرعة حتى لا يكشفها بنظراته، بينما ولجت هي المرحاض ووقفت أمام المرآة مُتفقدة انعكاس صورتها بعيون واسعة ثم وضعت راحة يدها على فمها من هول الصدمة، إنها لا تتذكر شيئًا!!
***
في البيت المجاور؛ ساعداها على التمدد أعلى الفراش، ثم أخذت زينب تحاول خلع ملابسها فأمسكت صبا يدها وشدت عليها فانتبه عاصم لحركتها وقام بالإنسحاب قائلًا:
_ أنا برا على ما تساعديها تبدل هدومها..
أماءت زينب بينما غادر عاصم الغرفة تحت تعجبٍ من زينب لانسحابه، وخمنت انسحابه خجلًا من وجودها، لم تطيل التفكير وتابعت تبديل ملابس صبا ثم انتبهت على همسها:
_ افتحي الدرج هاتي ورقة وقلم أكتب لك مصل عاصم يجيبهولي ضروري..
أعطتها زينب ما تريد فأخذت صبا تكتُب بيد مرتجفة حتى انتهت ثم ناولته إياه وقالت:
_ بسرعة يا زينب مش قادرة..
أماءت زينب بالقبول وأسرعت إلى الخارج باحثه عن عاصم فلم تبحث طويلًا فكان يقف مستندًا على الحائط في الخارج وأقبل عليها فور رؤياها وقال:
_ ها إيه الأخبار؟
_ تعبانة، اعطتني الروشتة دي تجيبهالها..
هتفت ها زينب بلهفةٍ فأخذها الآخر دون تردد وهتف وهو يوليها ظهره:
_ حالًا هتكون متوفرة...
ثم قام بعمل بعض الإتصالات لبعض الصيدليات القريبة وقام بطلب المصل ثم أنهى الإتصال وقال:
_ أنا هنزل اقابلهم بالعربية أسرع، ممكن يتاخروا لو استنيتهم..
انصرف من أمامها تحت نظراتها المتأثرة التي يغلفها الحسرة، فلم تتلقى اهتمامًا بالغ كاهتمامه بصبا من قِبل المدعو حمادة قبل ذلك، لم يكترث لها يومًا حتى أقنعت عقلها بأن الرجال جميعهم مثله.
لكن ما تراه غير، هناك غيره من يهتم لإمراته وأي اهتمامٍ؟ إنه بالغ الحب والخوف، أخرجت زينب تنهيدة حزينة على حالها ثم عاودت إلى غرفة صبا، جاورتها حتى عودة عاصم.
بعد فترة؛ عاد ومعه المصل، طرق باب الغرفة قبل دخوله ثم بمساعدة بعض التعليمات من صبا التي تغيب عن الوعي من آن لآخر قد نجح عاصم بمساعدة زينب في إعطاؤها المصل الذي اخترق وريدها.
لم يريد عاصم الخروج من الغرفة قبل الإطمئنان عليها فجلس على الأريكة التي تتوسطها تاركًا مساحة لزينب في أخذ راحتها دون أن يسبب لها الإحراج على الرغم من حاجته في الإقتراب أكثر من صبا.
ارتفعت حرارة صبا أكثر من اللازم، فشهقت زينب عندما تفقدتها عبر جهاز قياس الحرارة وهللت مذعورة:
_ سخنت أوي.. دا طبيعي؟
أبعد عاصم الهاتف من أمام وجهه وقال وهو يُدير الهاتف لها:
_ أيوا مكتوب إن كل دا طبيعي..
تفاجئت زينب ببحثه عن وضع صبا وعلقت بإعجابٍ:
_ أنت بحثت عن اللي بيحصل؟
_ أيوا طبعًا مش لازم أعرف بتعامل مع إيه وإيه العواقب عشان لو فيه حاجة مش طبيعية استعين بمساعدة خارجية..
قالها بتلقائية وكأن الأمر طبيعيًا، وذلك ما عليه القيام به
فابتسمت زينب بخفة وأخفضت رأسها سريعًا حتى لا يلاحظها، نادمة على حياتها السابقة، وتمنت أن تقابل رجلًا ذو شهامة مثله يومًا.
_ عبدالله...
انتبهت زينب على اسم أخيها التي همست به صبا، فاتسعت حدقتيها بصدمةٍ وحاولت التغطية على ما تقوله، فحمحمت ونظرت إلى عاصم قبل أن تجد كلماتٍ تقولها له:
_ ممكن تروح تنام أنت يا باشمهندس، وأنا هنا جنبها..
رفض عاصم الذهاب معللًا:
_ هطمن عليها لما الحرارة تنزل وهخرج على طول..
فانتبهت زينب على هذيان صبا من جديد:
_ لا، متعملش كدا فيا
أبعد عني
تساقطت عبرات صبا ببطءٍ قبل أن يرتجف جسدها بشدة حتى شعرت زينب بإهتزازها الملحوظ وقامت بالإقتراب منها محاولة جذب انتباها:
_ صبا، أنتِ كويسة؟ دي بترعش جامد ..
قالتها وهي تتناوب النظر بينها وبين عاصم بخوف جلي على تقاسيمها؛ فهرول عاصم نحوها وتفاجئ بانتفاضة جسدها المبالغة، فقام بمسك يدها فوجدها كقطعة الثلج فهتف موجهًا حديثه إلى زينب:
_ بعد إذنك يا زينب خليني جنبها..
تنحت زينب جانبًا، بينما لم يتردد عاصم في ضم صبا بقوة حتى شعر برجفة جسدها الشديد تضرب صدره من شدتها، ظل يُمسد على خُصلاتها المُحررة ثم لف ذراعه على رأسها والآخر خلف ظهرها فباتت حبيسته، لم يمُر الكثير حتى شعر باستكانة جسدها، فابتسم لنجاحه فيما فعله.
كاد يتراجع للخلف لكنه تريث لاستماعه همسها:
_ أنت اتخليت عني..
قالتها بوجهٍ ساكن حتى استيقظ الحزن من خلف السكون فاهتزت قسماتها بوجعٍ مكتوم وتساقط دمعها ثم عاودت هاذية:
_ أنا محبتش غيرك!
وقعت كلماتها على آذان زينب التي أسرعت نحوها وقالت:
_ الحمدلله شكلها بقى أحسن يا باشمهندس.. ممكن ترتاح أنت وأنا هقعد جنبها..
لم يكن في يديه سوى الإبتعاد، لكن لم يرفع عينيه عنها قط؛ فكلماتها لم تقتلع عن عقله الذي ظل يرددها له وعلامات الإستفهام حول صاحب الكلمات المبهمة.
خرج عاصم من الغرفة مُشتت الذِهن، بحالٍ ليس على ما يُرام، جميع النتائج التي استنتجها عقله من خلف كلماتها وما يحدث في الآونة الأخيرة يقوده حول عبدالله، فتفاقم الشك في قلبه، أخذ نفسًا وزفره بقوة لا يريد الحُكم في شيءٍ بعض أركانه ليست موجودة، لكن عليه معرفة الحقيقة.
ترجل إلى الطابق السُفلي وولج المطبخ، ثم بحث عن شيءٍ يُطهيه لصبا، فوجد بعض الخضراوات فقرر طهي حساء من الخضروات الشهية لها، لكنه يجهل كيفية طهيها فاستعان بقنوات اليوتيوب.
ارتدى مِئزر المطبخ وشرع في إحضار الحساء كما يرى أمامه في الهاتف، بعد قليل انضمت إليه زينب مُمسِكة بزجاجة فارغة وقالت بحرجٍ:
_ صبا عطشانة.. أملي المية منين؟
أشار عاصم إلى صنبور المياه الخاص بالشرب وأردف:
_ الفلتر هناك..
فتوجهت زينب مباشرةً نحوه ثم وضعت الزجاجة ووقفت تنتظر ملئها، لم تمنع عينيها من التطلع على عاصم وما يفعله، كذلك لم تستطع منع سؤالها الفضولي حول ما يقوم به:
_ آسفة على فضولي، بس حضرتك بتعمل إيه؟
أجابها وهو يُتابع وضع الخضروات على النار:
_ بعمل شوربة خضار لصبا؛ أكيد جعانة..
ابتسمت له زينب قبل أن تُردف:
_ طب ليه مناديتش عليا أعملها أنا؟
ابتسم بلطفٍ وهتف:
_ حبيت أعملها بنفسي.. بس ممكن تُدوقيها وتشوفي محتاجة إيه؟
فأقبلت زينب على الحساء وقامت بتذوقه، ثم أخذت ثانية تعرف ماذا يحتاج قبل أن تخبره:
_ ممكن شوية ملح بسيط..
كان الملح قريبًا منها فمدت يدها تتناوله؛ تلك الأثناء مد عاصم يده أيضًا يلتقط الملح فلمس يدها بدلًا عنه، فانتاب كليهما قشعريرة قوية، ناهيك عن حالة الإرتباك المخالط للحرج الذي سيطر عليهما فأسبق عاصم معتذرًا:
_ أنا آسف... مختش بالي
ثم أبعد يده سريعًا وعينيه لا تُرفعان عليها، بينما أخذت زينب الملح دون تعليق، وقامت بوضع القليل منه في الحساء وانصرفت من أمامه سريعًا، وما أن ابتعدت عنه حتى أغمضت عينيها لتزفر أنفاسها الحبيسة.
عادت إلى صبا، وساعدتها على ارتشاف المياه ثم تفقدت حرارتها، تلك الأثناء طرق عاصم الباب فسمحت له زينب بالدخول، ولج حاملًا الحساء في صينية خشبية، فنهضت زينب مُبتعدة عن صبا وقال وهي تمد يدها:
_ هات عنك..
رفض عاصم إعطائها إياه معللًا:
_ سيبني أنا حابب أأكلها بإيدي..
فتنحت زينب جانبًا، ووقفت تشاهد حنيته المبالغة في التعامل مع صبا، لقد ساعدها على الجلوس واضعًا خلف ظهرها بعض الوسادات حتى يضمن لها الراحة، ثم جلس مقابلها وبدأ يُطعمها في فمها برفقٍ.
لم تنكر أنها لم تشعر بالغيرة من صبا، فهي ذات حظٍ بالغ، لقد أحبها أخيها وكان لطيفًا معها طيلة الوقت، والآن هي مع أرقى وألطف رجلًا رأته طوال حياته، تنهدت زينب وهزت رأسها طاردة أفكارها التي استنكرت التفكير بها، لكنها لم تستطع الوقوف لأكثر وفضلت أن تغادر الغرفة فهي باتت عزولًا بينهما فانسحبت دون أن يُلاحظها أحدهم، جلست على الأريكة في الطابق السفلي حتى غلبها النوم وغفت دون إرادة منها.
***
صباحًا، أشرقت الشمس وزقزقت العصافير التي ملئت الأشجار وبعضها ما زال يُحلق في سِربٍ جميل، عاد آدم إلى عمله بعد إجازةٍ طالت مدتها، لقى ترحيب حار من الجميع، ولج إلى مكتبه فتفاجئ بصديقه جالسًا على الكرسي وسرعان ما هب بالوقوف عندما رآه أمامه.
وبابتسامةٍ حافلة رحب به عاليًا:
_ يا باشا حمدالله على السلامه، استلم بقى عشان الشغل كله عليا والله
قالها وهو يُشير إلى ذلك الواقف يوليهم ظهره، فابتسم آدم وردد مازحًا:
_ إيه دا على طول كدا؟! مفيش خمس دقايق أشرب فيهم قهوتي حتى؟!
_ ولا حتى خمس ثواني، أنا شيلت كتير أوي يا باشا
قالها صديقه مُمازحًا إياه، فألقى آدم نظرةً على ذلك الواقف قبل أن يتساءل بجدية:
_ ودا جاي في إيه دا؟
لقِفَ الآخر ملفًا من على المكتب ثم ناوله إلى آدم وأردف:
_ جاي في اغتصاب.. وكل الأدلة اللي قدامي ضده بس هو بيقاوح ومش راضي يعترف، وأنا تعبت بصراحة فشوف لنا طريقة نقفل بيها القضية دي، أنت واحد كنت في إجازة يعني راجع رايق، وريني شطارتك، يلا سلام أنا بقى
ابتسم آدم بخفة؛ وهلل قبل مُغادرة الآخر الغرفة:
_ ماشي يا سيدي..
ثم توجه إلى مكتبه وقام بخلع سُترته ووضعها على أعلى الكرسي، ثم جلس ووضع الملف على المكتب ثم رفع عينيه على الواقف أمامه فحلت صدمة قوية على وجهه وردد دون تصديق:
_ حمادة!!
بينما مال الآخر بجسده على المكتب وهدر به شزرًا:
_ كويس إنك جيت، أنا عمال أماطل وأتوه فيهم، لا تخرجني من هنا لنشيل الشيلة سوا..
تحلى آدم ببعض البرود ثم سحب هاتفه من جيب بنطاله وانشغل فيه للحظة قبل أن ينتفض من مكانه وضرب المكتب بغضبٍ جسيم ثم صاح فيه مع حرصه على خفض مستوى صوته:
_ أقسم بالله ما هرحمك لو إسمي اتنطق على لسانك القذر دا، أنا مقولتلكش تروح تغتصب البنت، أنا قولتلك ضايق لي عبدالله شوية، أنت اللي قذر وواطي واستغليت البنت في اللعبة دي!!
فغر حمادة فاهه بصدمةٍ مُشكلة على تقاسيمه وهلل عاليًا:
_ يعني إيه؟ يعني هلبس القضية لوحدي؟ بس دا بعينك، لو ملقتش أي صرفة وتخرجني من هنا مش هسكت وهقول إنك اللي حرضتني وأنا عبد المأمور..
هدأت نبرة حمادة وتحولت إلى البراءة المُصطنعة وواصل بنبرةٍ مسكينة:
_ حضرة الظابط حرضتني وأنا لازم أقول سمعًا وطاعة وإلا هيلبسني في مصيبة وأنا مش قد الحكومة!!
أنهى جملته ثم تقوس ثغره للجانب وشكل بسمةٍ خبيثة وهو يرمقه بنظرة ماكرة فلم يُعطيه آدم وجه، بل لبس ثوب القوة والبرود وهو يقترب منه وهمس بخفوت:
_ أعلى ما خيلك اركبه، بس أنا مش هتسجن أصل القاضي مش قاعد مستني الكلمتين بتوعك عشان يدخلني السجن، اصحى وفوق وشوف مين اللي قدامك، أنا آدم القاضي رئيس مباحث المركز يعني مش كلمتين من واحد سوابق زيك يهزوني ولا حتى يفرقوا معايا!!
ببغضٍ شديد خرجت كلمات حمادة بوعيدٍ:
_ يمكن عند الحكومة مش هتأثر، بس عند الباشا الكبير أبوك هتفرق..
تراجع حمادة للخلف واسترسل بحاجبين مرفوعان:
_ وخصوصًا بقى لو عبدالله عِرف، مش قادر أقول ممكن يعمل إيه
ابتسم حمادة بتوعدٍ وخُبث وهو يستخدم معه أسلوب التخويف:
_ هسيبك تتفاجئ
خفق قلب آدم برعبٍ قد دب به، أغمض عينيه لثانية قبل أن يُعيد فتحهما ثم جلس وقال ببرودٍ مصطنع حتى يهابه الآخر:
_ هنفتح تحقيق، وخليك ثابت على موقفك، متعترفش نهائي مهما حصل واسمع مني كويس هتقول إيه!!
تفاجئ حمادة بمعاونة آدم له في القضية؛ فظهرت على محياه ابتسامة عريضة وهتف بعد أن غمزه:
_ كدا تعجبني..
فبدأ الآخر يُملي عليه ما سيقوله أثناء التحقيق، بينما كان حمادة يستمع بانصاتٍ شديد حتى يُخرج نفسه من تلك الورطة.
***
_ قاسم القاضي يا دكتور
قالتها السكرتيرة الخاص بالطبيب المُتابع لحالة أحلام، فردّ بعملية:
_ خليه يتفضل
ولج قاسم الغرفة، وقام بمصافحة الطبيب وأردف بإبتسامةٍ ودودة:
_ صباح الخير يا دكتور، بعتذر من حضرتك إني نزلتك مخصوص بس الأمر يهمني جدًا..
بادله الطبيب المصافحة الودية وهتف بعملية:
_ ولا يهمك، اتفضل أقعد..
جلس قاسم ثم وضع أمام الطبيب التحاليل والأشعة وقال بخوفٍ قد ظهر في سؤاله:
_ حبيت أجي لحضرتك لوحدي عشان أعرف نتيجه التحاليل والأشعة، بصراحة مش حابب أحلام تتفاجئ بأي حاجة، حابب أكون مُلم باللي عندها عشان أقدر أمهد لها براحتي..
زم قاسم شفتيه بحزنٍ طغى عليه وأضاف:
_ عشمان في ربنا وفيه حضرتك إن الموضوع يكون بسيط..
_ خير، خير إن شاء الله يا أستاذ قاسم
قالها الطبيب وهو يتناول التحاليل والأشعة من أمامه وقام بتفقدهم لبِضعة من الوقت، حتى ظهر على تقاسيمه الآسى الذي تسبب في إنقاضبة قلب قاسم وقال بعملية:
_ شكي طلع في محله، مدام أحلام بتعاني من زهايمر مُبكر ومع الأسف متطور وأعراضه بتكون سريعة جدًا في حالة النسيان وتدهور الحالة..
ساد الصمت لثوانٍ حتى ظن قاسم أنها أعوام، كان الوقت ثقيلًا؛ الثانية لا تمر إلا بألمٍ يشعر به يتضاعف مع مرور الثانية الأخرى، تملك من صدره الإختناق كما شعر شعر بغصة مريرة في حلقه لم يستطع التحدث من خلفها.
دون أن يرفع نظريه عن الأرض تساءل بصوتٍ متحشرج:
_ ودا ملوش علاج؟
ثم رفع رأسه ووجهه عينيه على الطبيب قبل أن يُضيف:
_ من جنيه لمليون، مش مهم التمن، المهم إنه يكون فيه!!
بأسفٍ شديد أخبره الطبيب عن حقيقة الأمر:
_ علاج بمعنى أنه زي دور البرد وهيروح فمع الأسف مفيش حاجة اسمها كدا، الزهايمر مرض مش بيتعالج، بس إحنا بنكتب له علاج يحاول يبطئ سرعته، وطبعًا مدام أحلام لازم متابعة مستمرة لأن التدهور اللي هيحصلها مش مقتصر على المخ فقط..
كادت دموع قاسم تخونه لكنه نجح في التماسُك قدر استطاعته، وتساءل بصوتٍ مهزوز:
_ ممكن أعرف إيه الأعراض اللي هتظهر؟
_ مشاكل إدراك، ومشاكل حركية غير تغير في السلوك والمزاج.. بس دي المراحل الأخيرة من المرض، حاليًا الوضع هيكون نسيان للمواقف وعدم ادراك ليكي وممكن توهان..
هتفها الطبيب شارِحًا له الوضع بصورة مُبسطة، بينما سأله قاسم بنبرة خانقة:
_ وكل اللي حضرتك قولته دا هيحصل في وقت قد إيه؟
_ هو في العادي التدهور بيحصل ما بين سنتين لعشرة حسب كل حالة، لكن في حالة مدام أحلام مش قادر أحدد مُدة معينة لأن ممكن تطول وممكن تكون سريعة، فإحنا مش هنبص للمُدة حاليًا إحنا هنبدأ في العلاج على طول بحيث نكسب وقت..
أجابه الطبيب بكلماتٍ مقتصرة محاولًا بألا يزيد من خوفه الظاهر، وبعد ما حدد له الطبيب موعدًا لحضور أحلام نهض قاسم فشعر برجفة عنيفة في قدميه فلم تحمل جسده فخر جالسًا على الكرسي، أسرع نحوه الطبيب متسائلًا بتوجسٍ:
_ حضرتك كويس؟
أومأ قاسم برأسه، ثم حاول النهوض مرةً أخرى وجاهد على الوقوف بشموخٍ وخرج من الغرفة تحت نظرات الطبيب المُشفقة على وضعه، ثم خانته عبراته ما أن ابتعد عن العيون، وتساقطت حزنًا على حبيبة فؤاده وما سيُصيبها.
***
خرج من غرفته بعد أن أغلق الزِر الأخير من القميص، نادى بصوت جهوري على زوجته التي جاءته راكضة:
_ نعم يا محمد، محتاج حاجة؟
حدجها من أسفل لأعلى بعيون غير مصدقة قبل أن يردف مستاءً:
_ أنتِ لسه ملبستيش يا هناء؟
_ وألبس ليه؟
تساءلت باستنكارٍ فأجابها زوجها بضيق:
_ عشان تروحي لـ ليلى..
أمالت هناء فمِها بإسيتاء وهتفت بحنقٍ:
_ دي طردتني امبارح، أروح لها عشان تطردتي النهاردة كمان؟!
شعر محمد بالضيق الشديد عندما استمع إلى نبرتها:
_ ياستي البنت تعبانة وخسرت حملها، لازم نعذرها، اللي هي فيه مش سهل ومش كل إنسان بيعرف يسيطر على حزنه.. يمكن ضيقها طلع عليكم امبارح، معلش تعالي على نفسك وعديها وإلبسي وروحي اطمني عليها، دي ملهاش حد ياخد باله منها..
تشدقت هناء بازدراء، وهتفت وعينيها لا تنظُران إلى زوجها:
_ لأ زكريا كلمني من شوية وقال إن أختها وأبوها قاعدين معاها..
_ ودا إسمه كلام برده؟! الناس تروح ومتلاقيش حماتها اللي هي المفروض في مقام والدتها جنبها!!
هتفها محمد بانفعالٍ ثم أضاف بنبرة حاسمة غير قابلة للنقاش:
_ ادخلي إلبسي يا هناء، خمس دقايق تكوني جاهزة..
تلك الأثناء خرجت خلود من غرفتها استعدادًا للخروج وقالت:
_ أنا جاية معاكم..
رمقتها هناء بغيظ وأخرجت بركان غضبها عليها:
_ جاية فين، مفيش مِرواح في مكان، إحنا رايحين فرح؟
قلب محمد عينيه بازدراء واضح وصاح مُبديًا انزعاجه:
_ استغفر الله العظيم، وفيها إيه لما تروح تطمن على مرات اخوها؟ ما تسيبها يا هناء هو شكل للبيع!
اتسعت حدقتي هناء بدهشة وأشارت إلى نفسها وهي تُردد بذهولٍ من كلماته:
_ شكل!! ليه شايفني ماشية بقطع في اللي قدامي؟ أنا مش عايزاها تيجي عشان حد فينا يكون في البيت ميبقاش فاضي..
بتهكمٍ صريح هتف محمد:
_ مش عايزاه فاضي ليه؟ هيخاف يقعد لوحده؟
تلك اللحظة خرجت قهقهةً من خلود عمِلت على إخفائها سريعًا عندما حدجتها والدتها بنظراتٍ ساخطة، بينما أخفت خلود ضحكها بترديد الكلمات:
_ دي حتى عليا كمان جاية..
_ نعم!! عليا مين دي اللي تيجي، دي عروسة ومينفعش تنزل من بيتها دلوقتي، ناوليني الموبايل لما اكلمها ألحقها، هو أي استعباط وخلاص!
هتفتها بانفعالٍ عارم، ثم بحثت عن هاتفها وقامت بالإتصال على عليا التي أجابت بعد ثوانٍ:
_ صباح الخير يا ماما..
_ بلا صباح بلا مساء، أختك قالتلي إنك رايحة المستشفى، إياكِ تنزلي من بيتك أنتِ عروسة، الناس تاكل وشنا..
هاجمتها هناء برفضٍ قاطع لخروجها الآن، فتلقت عليا توبيخًا فاجئها، تفقدت زوجها الذي يقود ولا يُبدي رد فعل ثم أخفضت مستوى صوته الهاتف حتى لا يصل إليه كلمات والدتها الغاضبة، وقالت بهدوءٍ:
_ أنا خلاص في العربية قربت أوصل، هشوفك هناك، سلام
تعمدت عليا إنهاء الإتصال، فهي لا تريد مُجادلتها أمام زوجها، بينما نظرت هناء إلى شاشة الهاتف التي انطفأت إضائتها ورددت هامسة:
_ هيجلطوني...
ثم أولتهما ظهرها وولجت إلى غرفتها لتبدل ملابسها وهي تُتَمِتم ببعض الكلمات الحانقة تُفرج عن ضيقها الحبيس في صدرها خشية أن يصبها مكروه إن كظمت غيظها.
بعد مرور ما يُقارب الساعة؛ وصل الثلاثة إلى المستشفى، وتقابلا مع زكريا الذي يقف أمام الغرفة برفقة وليد وحازم الذي انضم إليهما مؤخرًا، فكان أول من تساءل عن الأوضاع كان محمد:
_ مراتك عاملة إيه النهاردة يابني؟
تفقد زكريا عيون الواقفين قبل أن يرد بإيجاز:
_ كويسة..
فعاود محمد سؤاله باهتمام:
_ حد من الدكاترة شافوها النهاردة؟ قالوا وضعها إيه؟
أغمض زكريا عينيه مستاءً من أسئلة والده، فلم يملُك إجابات عليهم، ثم أعاد فتح عينيه وقال مُختصرًا حديثه:
_ معرفش حاجة..
فتلقى نظراتٍ مشحونة من والده فحاول اختلاق إجابة يرد بها عليه:
_ سمر أختها جوا ومش عارف أدخل..
لم يقتنع أيّ من الواقفين بإجابته، بينما توجهت خلود إلى الداخل وتبِعتها هناء على مضضٍ، فانتهز زكريا فرصة وجود عائلته وقرر الدخول خلفهم حتى لا يتم طرده.
كانت ليلى مُستكينة على الفراش تتساقط عبراتها دون توقف حتى تورم جفنيها، تجلس بجوارها عليا التي تُمسد على خُصلاتها بيد وباليد الأخرى تحتضن يد ليلى.
انتبهت ليلى على دخول زكريا وعائلته، فتجهم وجهها، وأدارت عينيها في مكانٍ آخر غير وِجهتهم، فاقترب محمد من والد ليلى وقام بمصافحته:
_ إزيك يا حاج أسعد، حمدالله على سلامة بنتنا ليلى، ربنا يتم شفاها على خير يارب..
بوجهٍ جامد ردّ أسعد باقتضاب:
_ يارب..
فقطب محمد جبينه بغرابة لأسلوبه معه، لكن لم يُعلق، بل أولاه ظهره ونظر إلى ليلى ووجه إليها حديثه:
_ عاملة إيه النهاردة يا ليلى، يارب تكوني أحسن؟
تشدقت ليلى ساخرة وهمست بصوتٍ مهزوز:
_ هو فيه بيحصله اللي حصلي وبيكون كويس بين يوم وليلة؟!
إلتوت شفتي محمد حزنًا وقال بشفقة:
_ اصبري واحتسبي يابنتي، اللي بيحصل لنا في الدنيا رغم أنه صعب بس رحمة ربنا بينا من عذاب الآخرة، الحمدلله على كل حال، ربنا يعوضك خير منه يارب
إزداد نحيب ليلى فتألم زكريا حيال ما أصابها، كان يُطالعها بندمٍ وحزن شديد، رفع قدمه عن الأرض ليقترب منها فانتبهت عليه ليلى وحذرته:
_ خليك عندك، متقربش مني
لم يكترث لها زكريا، واقترب بِضع خُطوات فصرخت ليلى بصوتٍ مغلوب على أمره:
_ أخرج برا، متقربش مني..
_ يا ليلى بلاش كدا..
قالها زكريا متوسلًا إليها، فنظرت ليلى إلى والدها وقالت:
_ خليه يخرج يا بابا..
ثار والدها لأجلها، واقترب من زكريا وعنفه بقسوة:
_ مستني إيه؟ أخرج برا، ولا عايز بنتى حالتها تسوء أكتر؟
_ يا عمي...
لم يكاد ينطق بها زكريا حتى صاح أسعد بغضب:
_ أنا عامل إحترام لأهلك اللي واقفين بس، وعشان كدا بقولك بالذوق أخرج برا..
تلك اللحظة بلغت هناء ذروة صبرها وهتفت مُمتعضة:
_ وهو فين الإحترام دا يا حاج أسعد، متأخذنيش إحنا من امبارح بنتعامل أنا وابني أسوء معاملة وقافلين بوقنا ومش بنتكلم..
استاءت سمر من لهجة هناء، ونظرت إليها ببغضٍ ثم هتفت عاليًا:
_ إحنا فعلًا كل دا ملتزمين باحترامنا، بس عادي ممكن نقلله لو ابن حضرتك مسمعش الكلام وخرج من هنا!
_ سمر، عيب كدا
هتفها أسعد معاتبًا إياها على لهجتها الحادة مع هناء التي تشدقت بتهكمٍ وعلقت:
_ طب كويس يا حاج أسعد إنك معرف بناتك العيب، أصل خمنت إنهم مسمعوش الكلمة دي قبل كدا!!
تفاجئ الجميع مما قيل؛ ولم يرضى محمد أسلوب زوجته الفظ ناهيك عن كلماتها المُهينة، وهدر بها:
_ اسكتي يا هناء، احترميني حتى..
بضيقٍ شديد ردت عليه:
_ أنت مش شايف بيتعاملوا معانا إزاي، ولا كأننا إحنا اللي خبطنا بنتهم!
ثم نظرت إلى زكريا وأضافت بنبرة محتقنة:
_ وأنت ساكت ومطاطي كدا ليه؟ من امبارح عمالة تهزق فيك وساكت، هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟!
_ يا ماما كفاية كدا لو سمحتي، مش وقته الكلام دا..
قالتها عليا وهي تقترب بِخُطاها من والدتها، فهتفت هناء بحنقٍ:
_ قوليلهم هما مش ليا
في منتصف تلك الضجة صدح صوت زكريا من بين أصوات الجميع:
_ كفاية بقى، خلاص اسكتوا
اختفت ضجة الجميع فهدأت نبرته قبل أن يُضيف:
_ لو سمحتوا سيبونا لوحدنا..
عاود الصخب من جديد بين رفضٍ من ليلى وعائلتها وبين تعليق هناء المُستاء على طرده لهم وبين استنكار ممن حول هناء على تعقيبها الذي لا يتوقف.
فوضع زكريا كلتى يديه على أذنيه واندفع بهم بصوتٍ اهتزت له أرجاء الغرفة:
_ بس بس بس، أخرجوا كلكم برا، من حقي اتكلم مع مراتي ومش من حق أي حد إنه يعترض مهما كانت صِلته بينا!!
ساد الصمت لبرهة قبل أن ينسحب الجميع إلى الخارج خلف بعضهم، عدا أسعد الذي رفض بشدة أن يترك ابنته مع زكريا، فصاح زكريا برجاءٍ:
_ بالله عليك ياعم أسعد خليني اتكلم معاها لوحدنا..
تفقد أسعد ملامح ابنته التي ترفض البتة رضوخ والدها وتركها معه، لكنه انسحب بهدوءٍ فهو لا يود الخراب لحياة ابنته، سار باتجاه الباب لكنه تريث عندما مر بجانب زكريا وهمس بوعيدٍ:
_ دمعة واحدة تنزل من عيني بنتي ومش هتشوف وشها تاني!
أغمض زكريا عينيه وتحلى بالصبر فتابع الآخر خروجه فعاود زكريا فتح عينيه ثم ألقى نظرةً على ليلى قبل اقترابه منها، توجه حيث تنظر ووقف، تنهد وقال:
_ أنا عارف إني غلطت...
قاطعته ليلى بحدةٍ:
_ متحاولش تبرر، عشان غلطك المرة دي ميتغفرش
تشدقت بفمها ساخرة قبل أن تعاود حديثها:
_ أقصد غلطاتك!!
_ أنا مش هبرر لغلطي، أنا كنت في غفلة وللأسف فوقت منها متأخر أوي.. بس يمكن حصل كدا عشان أفوق، عشان أعرف قيمتك كويس، عشان أعرف إني مليش غيرك وإني كنت بموت وأنا شايفك قدامي غرقانة في دمك، أنا حيوان قذر سميني اللي أنتِ عايزاه، بس عشان خاطري سامحيني وخلينا نبدأ من جديد
قالها متأملًا أن تسامحه، بينما اندفعت هي به غير مقتنعة بما يُريده منها:
_ أسامحك!! هو أنت نسيت عيد جوازنا يا زكريا؟ أنت عرفت واحدة عليا..
قاطعها هو بصُرَاخه:
_ والله العظيم مافي أي حاجة حصلت بينا غير شوية كلام عبيط!
_ هو أنت مفهومك عن الخيانة، اللمس بس؟ الخيانة نظرة، كلمة، ضحكة، لواحدة تانية غير مراتك، مراتك اللي أنت عاهدت نفسك قدام ربنا إنك تصونها وقت كتب الكتاب، أنت خونت الميثاق يا زكريا..
قالتها ثم زفرت أنفاسها بتعبٍ أحست به ولكنها أسرعت في إخراج ما لديها تجاهه:
_ ولنفترض إني قدرت أسامح واتغاضيت عن غلطتك دي، تقدر تقولي هعيش معاك إزاي في بيت واحد بعد معاملتك ليا الفترة اللي فاتت؟ هقبل إزاي تنام جنبي على سرير واحد بعد ما خلاص اتعودت على بُعدك؟ هقدر إزاي اتعايش مع فكرة إنك مكنتش عايز تخلف مني؟
زكريا أنا كل ما هبص في وشك هشوف بنتي اللي حلمت بيها ورفضك لوجودها وخيانتك اللي خلتني أخسرها!!
متطلبش مني أسامحك عشان المسامحة دي كبيرة وأنا مش عندي مساحة ليها، كل اللي عملته قبل كدا خلاني مش قادرة أبص في وشك، مش قادرة استوعب إني في يوم كنت بحلم باليوم اللي أكون فيه جنبك عشان تعوضني عن وِحدتي ويُتمي
تساقطت دموعها بغزارة وتابعت مسترسلة من بين بكائها:
_ أنت أكتر حد آذاني، ومش بس كدا، أنت مكتفتش إنك تإذيني لأ أنت خسّرتني أكتر واحدة كنت مستناها في حياتي، هي كانت بتهون عليا معاملتك ليا
تعرف؟
كان عندي استعداد إني أسامحك لو كانت لسه موجودة، على الأقل موجعهاش وتعيش من غير أب، كنت ممكن أتغاضى عن وجع قلبي وكرامتي عشانها، بس هي دلوقتي مش موجودة، يارب الرسالة تكون وصلت..
فرت دمعة من عين زكريا ألمًا لكلماتها القاسية، وخصيصًا ما فهمه من خلفه مضمومها، مسح براحة يده عبراته وجلس بجوارها على الفراش، ثم التقط يدها وقبّلها مرارًا تحت محاولاتٍ من ليلى على سحب يدها لكنه رفض تركها وهتف متوسلًا:
_ خلينا نبدأ من جديد وأنتِ هتشوفي واحد تاني يا ليلى، والله هتشوفي اللي كنتي بتتمني تعيشيه معايا، بداية لينا إحنا الإتنين..
نجحت ليلى في سحب يدها بعنفٍ وصاحت عاليًا:
_ معتش فيه إحنا، خلاص دي النهاية يا زكريا.. طلقني!
هاجم زكريا لحظتها وخزة قوية في قلبه الذي خفق بعنفٍ لشعوره بفقدانها، هب واقفًا وصاح:
_ لو أنتِ لسانك طاوعك تنطقيها فأنا عمري ما هنطقها، إحنا هنفضل إحنا، هسيبك تِهدي عشان وجعك لسه جديد، ولما تِهدي هنتكلم..
أولاها ظهره وخرج من الغرفة، ثم تابع سيره دون أن يلتفت لنظرات الواقفين حتى خرج من باب المستشفى الرئيسي، فمال بنصف جسده العلوي مستندًا براحتي يده على ركبتيه، وأخذ يلتقط شهيقًا وزفره على مهلٍ ليضبُط وتيرة أنفاسه المضطربة.
***
تململت في الفراش بكسلٍ ثم نهضت وتمطت حتى استعادت جزءًا من حيّوية جسدها، قبل أن تتسع مقلتيها بصدمةٍ عندما وجدت عاصم غافيًا على الأريكة.
نهضت من مكانها وتفقدت هيئتها سريعًا فحمدت الله داخلها أن جسدها لا يظهر منه شيء، بينما قلق عاصم إثر حركتها، فتح عينه ببطءٍ حتى اتضحت رؤيته ورأها أمامه، فاعتدل في جلسته وسألها باهتمامٍ:
_ عاملة إيه دلوقتي؟
_ أحسن كتير، الحمدلله
قالتها ثم جابت الغرفة بعينيها والخجل يكسو وجهها، فاستشف عاصم حالتها ونهض قائلًا:
_ أنا نمت هنا عشان لو احتجتي حاجة..
عضت صبا على شفتيها بحرجٍ قبل أن تُردد مُمتنة:
_ شكرًا يا عاصم..
دنا عاصم بِخُطاه منها حتى لم يعُد هناك مسافة فتراجعت صبا للخلف، فلم يتردد في الإقتراب ثانيةً ثم تحسس جبينها وهتف براحة:
_ الحمد لله معتش فيه حرارة..
أومأت صبا برأسها مرارًا قبل أن تتحرك مُبتعدة عنه فأمسك عاصم ذراعها مانعها من الحركة وأعادها إليه ثم همس بخفوت وعينيه مُصوبتان على شفتيها:
_ صبا أنا كنت عايز..
رنين هاتفها كان طوق نجاتها، فسحبت يدها وهرولت مسرعة نحو الهاتف بملامح مشدودة تخشى تعديه حدوده معها، قامت بالرد فور التقاطها الهاتف:
_ أستاذ صادق..
_ صباح الخير يا دكتورة، النيابة بعتالك استدعاء عشان يسمعوا اقوالك على كلام حمادة، فاضية نروح مع بعض؟
قالها صادق بجدية فردت صبا بخجلٍ:
_ أنا فاضية ايوا، بس حضرتك متتعبش نفسك أنا هروح لوحدي..
بإصرارٍ تام هتف:
_ أنا أصلًا عند قاسم بيه جنبك، يعني مفيش تعب ولا حاجة، يلا مستنيكي..
_ تمام
قالتها ثم أنهت المكالمة فتساءل عاصم مستفسرًا:
_ مين اللي بيكلمك؟
_ أستاذ صادق المحامي.. جالي استدعاء من النيابة وهروح معاه
قالتها وهي تتحاشى النظر عنه ثم أضافت بنبرة جامدة لتغلق عليه أي سبيل للتقرب منها:
_ لو سمحت عايزة أغير هدومي..
رمقها عاصم بضيقٍ ثم خرج من الغرفة فأسرعت هي في غلق الباب حتى لا يعود فجأة، ثم أسرعت في تبديل ملابسها، بينما ترجل عاصم درجات السُلم وتفاجئ بنُعاس زينب على الأريكة.
فنظر إليها بضيقٍ في نفسه لأنه لم يهتم بها ويوفر لها غرفةً، تابع نزوله حتى ولج المطبخ باحثًا عن طعامٍ فلقد جاعت معدته، افتعل ضجةٍ غير مقصودة استيقظت زينب إثرها، تفقدت المكان من حولها ثم اعتدلت في جلستها وهي تتثاءب بكسل.
فعاود عاصم إلى الخارج عندما فشل في تحضير طعامًا له، وانتبه عليها فزم شفتيه بندمٍ وهتف بنبرة خجِلة:
_ أنا بجد آسف إني انشغلت بصبا ونسيتك خالص، والله عارف إني قليل الذوق عشان سيبتك تنامي هنا بس هكون شاكر لو سامحتيني على غفلتي دي
يا لك من لطيفٍ أيها الرجل، أطالت زينب النظر به غير مصدقة كم هو رجلًا نبيل ذو أخلاقٍ عالية، أخرجت تنهيدة ثم نهضت وأردفت لتمحي الحرج منه:
_ أنا تمام مفيش أي حاجة والله، حضرتك ذوق جدًا شكرًا ليك..
_ وآسف إني أزعجتك، بس كنت ناوي تعمل حاجة
أكلها ومعرفتش وخرجت زي ما دخلت
قالها وهو يضحك، فشاركته زينب الضحك ثم قالت:
_ لو تسمح ممكن أحضر لحضرتك الفطار..
ضاق عاصم بعينيه عليها لبرهة ثم هتف رافضًا:
_ لا لا بلاش، هيكون قلة ذوق مني فعلًا
اقتربت منه زينب بِضع خُطوات وهي تردد:
_ لأ مفيش حاجة، ثواني هعمل لحضرتك فطار..
ثم توجهت إلى المطبخ فتَبِعها عاصم والخجل يتملك منه وظل يعتذر منها ظنًا أنه تمادى معها، تلك الأثناء ترجلت صبا السُلم وتفاجئت بوقوفهما معًا في المطبخ يتحدثان فظهرت على محياها ابتسامة سعيدة ثم تابعت سيرها على أطراف أصابعها حتى لا يلاحظاها وخرجت من البيت بحذرٍ فنجحت في عدم لفت انتباههما.
توجهت إلى البيت المجاور فوجدت الجميع في انتظارها، فكان عبدالله أول من تحدث بسؤاله وعينيه تجوب المكان خلفها:
_ هي زينب فين؟
حمحمت صبا عندما راودها التوتر وأجابته بثباتٍ مصطنع:
_ في التويلت جاية حالًا، أنا قولت عشان متاخرش على المِتر أسبقها..
نظر إليها صادق وقال:
_ تمام بما إننا جاهزين يلا بينا..
ركب صادق سيارته ثم استقلت صبا المقعد بجواره، فانسحب عبدالله وركب سيارته قبل أن يسأله أحدهم أين يذهب، ثم تحرك خلف صادق حتى بلغوا قسم الشرطة.
ولجت صبا برفقة صادق، لكنهما لم يشعُرا بوجود عبدالله، وقفت صبا في الخارج قليلًا بينما دلف صادق إلى آدم الذي سيقوم بالتحقيق معها، كانت تشعر بالإرتباك الشديد، حتى رجفت يدها بشدة، فحاولت السيطرة على ما أصابها فجأة لكنها فشلت.
فاستدارت بجسدها محاولة السير في المكان ربنا تُهدئ من ذلك التوتر، فتفاجئت بوجود عبدالله، خفق قلبها وتسارعت نبضاته، اقترب منها وأخذ نفسًا زفره على مهلٍ ثم أردف:
_ لما نشوف الحيوان دا قال إيه، خليكي قوية واعرفي إن اللي على حق ميتهزش!
اكتفت صبا بإيماءة من رأسها قبل أن يخرج صادق ويُناديها:
_ يلا يا دكتورة..
لم تستطع صبا إزاحة عينيها بسهولة عن عبدالله وكأنه مصدر قوتها، فرمش الآخر بأهدابه يخبرها بأن الأمر على ما يُرام بلغته الخاصة، فابتسمت له ثم أولته ظهرها وولجت إلى غرفة التحقيق.
جلست أمام آدم الذي شعر بالتوتر لتلك المواجهة الذي جاهد نفسه على الثبات لحين انتهائها، حمحم ثم بدأ بسؤالها:
_ ما أقوالك على نفي المدعو حمادة لتهمة الإعتداء وطلب تدخل الكشف الطبي عشان لإثبات إن العلاقة الوحيدة اللي تمت هي من جوزك عاصم سليمان وليست منه!!
تفاجئت صبا بكلام آدم كما سيطر الحياء عليها، نكست رأسها لثانية قبل أن يُعاد حديث عبدالله في رأسها، فأعادت رفع رأسها ثم نهضت بشموخٍ وقالت:
_ وأنا مستعدة للكشف الطبي
الفصل السادس والثلاثون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم تسنيم المرشدي
خرجت صبا وتلاها صادق وهو يُردد بثقة:
متقلقيش يا دكتورة، إحنا موقفنا قصاده كبير لدرجة إن مفيش مقارنة، هو طبيعي يحاول استخدام أي حيلة تطلعه منها بس إحنا معانا شهود على الواقعة ومعانا تقرير طبي أظن غير الثيرابيست الخاصة بيكي، صدقيني حمادة عمره ما هينجح يخرج منها..
أخذت صبا نفسًا عميقًا قبل أن تهتف بثقة:
_ وأنا مش قلقانة، أنا واثقة في ربنا وفيه حضرتك يا مِتر...
_ حصل إيه جوا؟
تساءل عبدالله الذي كان مُتابعًا لحوارهما، فأجابه صادق بعملية:
_ البيه طالب كشف طبي للدكتورة عشان يثبت إن ملوش علاقة عن الحادثة وإنها بحكم جوازها هيكون التقرير الطبي في صالحه
تلك الأثناء تلونت وجنتي صبا بالحُمرة الصريحة وأخفضت رأسها في حياء شديد، لم تستطع مجابهة عبدالله ذلك الحين، وكذلك هو شعر بالحرج والخذي لما ستعيشه من خلف ذلك الوغد.
ابتلع ريقه ولم يرفع عينيه عليها؛ حتى شعر باتقاد النيران في صدره، فأبعد عينيه عنها ثم قال:
_ لسه فيه حاجة تانية ولا خلاص كدا؟
_ لأ خلاص كدا..
قالها صادق فتحرك الثلاثة إلى الخارج، حتى وقفت صبا ووجهت حديثها الهادئ الحزين إلى صادق:
_ معلش يا مِتر أنا هروح شغلي لوحدي..
رفض صادق مُعللًا:
_ خليني أوصلك يا دكتورة، قاسم بيه موصيني عليكي..
بامتنانٍ قالت:
_ شكرًا يا مِتر بس أنا محتاجة أكون لوحدي، معلش..
لم يريد صادق الإصرار، فانسحب من بينهما، فبات كليهما واقفين ينظران إلى بعضهما دون حديث، حتى قطعت ذلك الصمت صبا بقولها:
_ أنا همشي، شكرًا إنك جيت..
وما أن قالتها حتى أولته ظهرها لِتُغادر فصاح الآخر قائلًا:
_ مش عايزة توصيلة من بتاعت زمان؟
أدارت صبا رأسها وبعيونٍ تترقرق فيهما العبرات قالت بنبرة مهزومة:
_ مفيش حاجة بقت زي زمان يا عبدالله...
أسرعت في إدارة رأسها خافية دموعها التي انسدلت رغمًا عنها، مسحتهم بيدها وهتفت وهي توجه عينيها نحوه:
_ مش حابة أعطلك معايا، أنا هاخد تاكسي ..
قلب عبدالله عينيه مستاءً ثم توجه إلى سيارة أبيه الذي استعارها دون أن يخبره، وقام بالتحرك بها حتى وقف أمامها ومال برأسه ليراها عبر النافذة قبل أن يردف:
_ اركبي..
أطالت النظر به ثم زفرت أنفاسها وتوجهت نحو السيارة ثم استقلت المقعد بجواره، فتحرك عبدالله متجهًا إلى مكان عملها، لم ينبس أيّ منهما بحرفٍ حتى قطع عبدالله ذلك الصمت قائلًا:
_ متروحيش الكشف الطبي يا صبا..
_ مضطرة..
هتفتها بغصة في حلقها انعكست على صوتها الذي تغير، فقال الآخر:
_ لا مش مضطرة، أنتِ موقفك أحسن منه ١٠٠مرة زي ما قال أستاذ صادق، أنتِ مش محتاجة تعمليه
تفاجئ عبدالله بتساقط عبراتها بغزارة؛ حاولت صبا مسحهما لكن هيهات لهذا الكم الهائل من الدموع الذي لا يتوقف، فأردفت عندما فشلت في استجماع نفسها:
_ كل حاجة صعبة آخرها نهاية مرضية أكيد..
سحب عبدالله بعض المناديل الورقية من أمامه وقام بمد ذراعه فأخذتهم منه ومسحت عبراتها فأسبق هو بالحديث:
_ متعمليش الصعب، كدا كدا نهايته معروفة..
مالت صبا برأسها ونظرت إليه بعيون يميل لونها إلى الإحمرار قبل أن تسأله بجدية:
_ أنت ليه مهتم بالموضوع كدا؟
تفاجئ عبدالله بسؤالها، تلك اللحظة أوقف السيارة جانبًا ونظرا إلى خضراوتيها وهتف بعد تفكيرٍ وتردد ما بين تصريحه بحقيقة ما يشعر به أم يخفي مشاعره وفي النهاية قال بصوتٍ رخيم:
_ مش عايزك تتبهدلي.. الموضوع مش هيكون سهل عليكي
_ أنت لسه بتحبني يا عبدالله؟
كان سؤالها صادمًا بالنسبة لكليهما؛ فهي لم ترتب له سابقًا، وهو لم يتوقع سؤالًا حساس كهذا، ابتلع ريقه وعينيه لا تتحركان من عليها، حتى اجتاح كليهما مشاعرًا وُلدت من ضِلع الفراق أشعرتهما بحاجتهما لبعض كثيرًا.
_ أنا محبتش غيرك! معرفتش الحب غير على إيدك، ومفتكرش إني ممكن أحب تاني زي ما حبيتك!
همس بهم بنبرةٍ مهزوزة مُحملة بالآمال المُتبخرة لفرصهم الضائعة، بينما ارتجف قلبها حين انطلقت كلماته كنسمة دافئة وسط برد طويل، عيناه تومضان بصدقٍ قديم، وصوته متهدّج بالحنين، شعرت وكأن الأرض تميد تحت قدميها، وجدار الصمت الذي فصل بينهما زمنًا انهار فجأة، فغمرت وجهها مسحة ذهول امتزجت بابتسامة مرتعشة، وعينيها تبرقان بدموع فرحٍ خجول.
اشاح عبدالله نظره عنها بصعوبة وتحرك بالسيارة متابعًا قيادته دون أن ينبس كليهما بحرفٍ بعد ذلك الإعتراف الذي أجبر هما على عيش مشاعرًا خُلقت للتو.
****
جلست خلود برفقة وليد في مقهى المستشفى، فعاد هو برأسه للخلف وأغمض عينيه بتعبٍ شديد مطلقًا آه تصف مدى تعب جسده المُنهك:
_ مش قادر، يومين من غير نوم كتير
بشفقة شديدة لوضعه تحدثت خلود:
_ أنت لازم تروح تنام، مينفعش تقعد أكتر من كدا، ممكن يحصلك هبوط..
لما عبدالله يجي همشي أنا عشان عربيته معايا...
هتفها ثم هب واقفًا وهو يُردد عاليًا:
_ لا مش قادر، هطلب قهوة، تشربي إيه؟
حركت خلود رأسها يمينًا ويسارًا قبل أن تُجيبه:
_ لا مش عايزة..
_ انجزي
قالها بنفاذ صبر فقدميه بالكاد تحمله، فأخذت خلود تفكر ثم قالت:
_ عصير أي حاجة...
لم يطيل وليد وتوجه لشراء القهوة وعصيرًا لها، بعد فترة؛ مر شاب بجوارها ووقف أمام الطاولة وتساءل:
_ لو سمحتي هي كافتيريا المستشفى فين؟
رفعت خلود رأسها ثم جابت المكان من حولها قبل أن تُجيبه بجدية:
_ اللي حضرتك واقف فيها دي
نظر الشاب حوله ثم عاد ببصره عليها وتساءل:
_ عندهم مشروبات سخنة ولا ساقعة؟
ضاقت خلود بعينيها عليه وهتفت بتعجبٍ:
_ معرفش، ممكن حضرتك تسألهم..
عاد وليد حاملًا صينية يعلوها القهوة والعصير، استنكر وقوف ذلك الشاب بقُرب خلود، أسرع من خُطاه حتى وصل إلى الطاولة وعينيه يطلقان شرار وبنبرةٍ صارمة تساءل:
_ خير، عايز إيه؟
ظهر التوتر على تقاسيم الشاب وهتف وهو ينسحب مُبتعدًا:
_ مفيش، كنت بسأل الآنسة على حاجة وعرفت خلاص
فلم يتقبل وليد إجابته المُبّهمة، ودنا منه وبعيون ضائقة هتف:
_ بتسأل على إيه يعني؟ قولي وأنا أفيدك
استشعرت خلود التوتر الحادث فنهضت ووجهت حديثها إلى وليد بنيةٍ حسنة:
_ مفيش حاجة يا وليد، الأستاذ كان بيسأل عن الكافتيريا فين؟
رفع وليد حاجبه الأيسر تلقائيًا وصاح بحنقٍ:
_ والله؟ بقى هو بيسأل عن الكافتيريا وهو واقف فيها!!
ثم وجه بصره عليه وقام بمسك ياقة قميصه وجذبه نحوه بعنفٍ فصاح الشاب:
_ في إيه يا أستاذ نزل إيدك دي
_ تعالى وأنا أوريك الكافتيريا فين يا روح أمك
هتفها وليد بانفعالٍ يُخالطه التوعد له ثم أجبره على السير تحت صدمة خلود التي فغرت فاها وتابعت سيرهما بقلبٍ ينبض خوفًا مما قد يحدث.
بينما توجه وليد لنقطة بعيدة عن المارة وقام بدفعه بكل ما أوتي من قوة حتى اختل توازن الشاب وبالكاد استطاع السيطرة على توازن جسده
فهدر به وليد شزرًا وهو يُشير إلى أحد الأقسام خلف الشاب:
_ في هناك قسم للعيون، روح اكشف عشان تشوف كويس بعد كدا
رمقه وليد بنظراتٍ مشتعلة كادت تحرقه فتحرك الشاب دون إضافة الكلمات حتى اختفى من أمام مرأى عينيه، فعاد وليد إلى الطاولة ثم جلس بإهمالٍ وبحنقٍ بالغ تحدث مع حرصه على عدم رفع مستوى صوته:
_ وأنتِ أي د يجي يكلمك كدا تردي عليه؟
استنكرت خلود انفعاله وأسلوبه الحاد، ثم أرادت التبرير:
_ هو سألني عن الكافتيريا وأنا...
قاطعها وليد مستاءًا من سذاجتها المفرطة وصاح:
_ كافتيريا إيه؟ بالعقل كدا هو مش واخد باله إنه واقف فيها؟ دا طريقة شقط يا أستاذة!
اتسعت حدقتي خلود بذهولٍ ورددت ببراءة:
_ والله العظيم أنا رديت بحسن نية، مجمعتش إن دي معاكسة..
زفر وليد أنفاسه بضجرٍ باين ثم قال:
_ بعد كدا مترديش على أي حد أصلًا عشان الراجل التمام مش هيسيب كل رجالة المكان ويسأل واحدة ست
فغرت خلود فاها ورددت ما قاله مستنكرة:
_ أنا بنوتة مش ست!!
تفاجئ وليد بردها، وأطال النظر بها قبل أن تُهاجمه نوبة ضحك فشاركته خلود الضحك وهي تجهل السبب، بينما هتف وليد مازحًا:
_ ماشي يا ست البنوتة، متبقيش تردي على حد، تمام؟
أماءت خلود رأسها بقبول فناولها الآخر كوب العصير وأخذ يرتشف قهوته على أمل أن تجعله مستيقظًا أكبر قدر ممكن.
****
كان شارد الذهن، يسبح بأفكاره فيما أصاب زوجته، يشعرٍ بألمٍ في قلبه كما لم يشعر به من قبل.
لاحظته هي وتعجبت من أمره، فقامت بالتلويح أمام وجهه وهتفت لتجذب انتباهه:
_ يتهنى به اللي واخد عقلك..
انتبه عليه قاسم ورمقها بطرف عينيه، فلم يسمع ما قالته فردد بتِيه:
_ ها، قولتي إيه؟
ضاقت بعينيها عليه وتساءلت بغرابة:
_ مالك، سرحان في إيه من وقت ما جيت، أنت أصلًا كنت فين من بدري كدا؟
أطال قاسم النظر بها، يتفقد ملامح وجهها بعناية، فازدادت غرابتها منه وتضاعف قلقِها وقالت:
_ لا بقى، كدا فيه حاجة؟ طمني أنا قلقت..
زم الآخر شفتيه، ثم حمحم وبدأ حديثه بصوتٍ مهزوز مُتحشرج:
_ أنا كنت عند الدكتور..
انتابه غصة في حلقه ففشل في مواصلة حديثه؛ بينما خفق قلب أحلام برعبٍ، خشية سماع ما لا يسُر نفسها، ازدردت وتساءلت بتوجسٍ:
_ ليه روحت له لوحدك، طب وقالك إيه؟
مال قاسم بجسده إلى الأمام ثم عقد راحتي يده في بعضهما؛ وأخذ وقتًا يتطلع في الفراغ أمامه قبل أن يُخبرها:
_ روحت لوحدي عشان أعرف نتيجة التحاليل والأشعة..
رفع بصره عليها فوجد الخوف مرسوم على تقاسيم وجهها، وبآسى شديد خرجت كلماته بصوتٍ حزين:
_ النتيجة بتقول إن عندك زهايمر!!
سكتت أحلام للحظاتٍ وكأن الكلمات ارتطمت بجدار عقلها ولم تجد طريقًا للخروج، شحب وجهها فجأة وتجمّدت ملامحها، بينما اتسعت عيناها في ذهولٍ صامت، وارتجفت شفتاها دون أن تنطق، وكأن الهواء ثَقُل في صدرها، فشعرت أن قلبها يخفق بعنفٍ لا تحتمله، والدم ينسحب من وجنتيها تاركًا برودة غريبة تجتاح جسدها.
_ زهايمر!!
قالتها لتؤكد لعقلها أن ما سمعته حقيقة، زفرت أنفاسها بِثِقل وتابعت دون تصديق:
_ يعني أنا هنسى كل حاجة؟
اقتربت منه أحلام وملست على وجهه بنعومة ثم تابعت بحزنٍ يسيطر على نبرتها:
_ يعني أنا هنسى الوش دا؟ معتش هعرفك يا قاسم!! طب إزاي؟ إزاي هنسى اللي بحبه؟ إزاي هنسى اللي بطني شالتهم؟ قولي إزاي؟
تساقط دمعها فلم يستطع قاسم تمالك عبراته التي انسدلت كالشلال وأخذ يُقبل وجهها ويديها دون أن ينطق، فلا يوجد كلمات يُمكنها التخفيف من هول الموقف، ضمها إلى صدره بقوة فارتفع صوت نحيبها الذي هز صدر قاسم من شدته.
تراجعت للخلف قليلًا وقالت:
_ ليه دلوقتي؟ أنا ياما اتمنيته زمان عشان أنسى كل اللي مريت بيه، بس يجي وقت ما حياتي تتعدل أنسى؟ اختبار صعب، صعب عليا إني أعرف أنكم هتكونوا قدامي وأنا مش عارفاكم!!
تلك الأثناء عادت زينب من الخارج فأسرعت أحلام في مسح دموعها سريعًا ونظرت إلى قاسم بإشاراتٍ موحية إليه بألا يخبرها شيء، فالتفت قاسم إلى زينب وشكل ابتسامة على شفتيه وقال:
_ أهلًا يا بنتي..
ابتسمت زينب بخجلٍ وقالت:
_ أهلٍا بيك يا عمي..
حمحمت زينب وتساءلت:
_ فطرتوا؟ ولا أحضر لكم الفطار؟
انتهز قاسم تلك الفرصة لِيُخرج أحلام عن حالتها المذرية وقال:
_ إيه رأيكم نفطر كلنا برا النهاردة؟
بحماسة هتفت زينب:
_ حلو أوي..
_ طب يلا روحي إلبسي على لما إحنا كمان نجهز
هتفها قاسم فأسرعت زينب كالطفلة راكضة إلى الأعلى لتُبدل ملابسها بأخرى، بينما التفت قاسم وقد تحولت تقاسيمه إلى الشفقة، وحاول التخفيف من عليها بكلماته الحنونة ولمساته التي تسير على وجهها:
_ مش هنفكر في أي حاجة، هنعيش كل الأوقات الحلوة مع بعض، هنستغل كل الفرص ومش هنضيعها، ماشي يا أحلام، مفيش زعل ولا اعتراض على حكمة ربنا، وهنتابع مع الدكتور وإن شاء الله ربنا قادر يجبر بخاطرنا..
سقطت دمعة شاردة من عينيها وقالت بصوتٍ مهزوز يملأه البكاء:
_ أنا خايفة أضيع، خايفة أتوه ولما تيجو تلحقوني أكون خايفة منكم، ما أنا مش هكون عارفاكم..
وما أن ختمت جُملتها حتى أجهشت بالبكاء، فأسرع قاسم في التقاط يدها وقبّلها بحرارة محاولًا التخفيف من حزنها:
_ وأنا عمري ما هسيبك لحظة، من هنا ورايح أنتِ معايا في كل خطواتي، حتى لو نسيتي وشي..
رفع يده على مكان قلبها وأضاف:
_ قلبك هيفضل مطمن لي، عمره ما هينساني أبدًا..
جذبها إلى حضنه وظل يُمسِد على خُصلاتها حتى هدأت وتراجعت للخلف وقالت وعينيها مصوبتان داخل عينيه:
_ مش عايزة حد من الولاد يعرف!
عبست ملامح قاسم وعارض طلبها مُعللًا:
_ لا يا أحلام دي أنا مش معاكي فيها؛ الولاد لازم يعرفوا، لازم يمهدوا لعقلهم اللي هيحصل، لكن مش فجأة يتصدموا بمرضك... لازم يعرفوا..
أخذ نفسًا وزفره على مهلٍ قبل أن يُواصل بصوتٍ أجش:
_ بليل وإحنا متجمعين هنقولهم مع بعض، تمام
لم تُبدي رد فعل، بل شردت في عينيه وعقلها ينتج سيناريوهات عديدة لما قد يحدث لها في الفترة القادمة، خرجت من شروها على صوت زينب الفاقد للحيوية:
_ إيه دا أنتوا لسه ملبستوش؟ رجعتوا في كلامكم ولا إيه؟
نهض قاسم ورد عليها بعملية:
_ لا يا حبيبتي ثواني وهنكون جاهزين
ثم مد يده لأحلام التي استوعبته بعد مدة وقامت باحتضان يده ونهضت، فشعرت زينب بثَمة أمرًا بينهما، فلم تتردد في السؤال بنبرة قلقة:
_ هو أنا ليه حاسة إن فيه حاجة؟
قالتها وعينيها تتطلع على والدتها التي في حالٍ مريب؛ بينما هتف قاسم نافيًا وجود شيئًا:
_ مفيش حاجة يا حبيبتي، اطمني
وسرعان ما صعدا كليهما إلى الطابق العلوي، تحت نظرات زينب المرتابة من هدوء والدتها الغير معتاد، لكنها لم تطيل الأمر وخرجت تقف في الحديقة في انتظار عودتهما.
بعد دقائق معدودة؛ جاء قاسم برفقة أحلام لكنه تفاجئ بعدم وجود سيارته فصاح متسائلًا:
_ إيه دا فين عربيتي؟
_ عبدالله أخدها ومشى..
قالتها أحلام مُجيبة سؤاله، وما أن أخبرته حتى انتبهوا على عودة عبدالله من الخارج، ترجل من السيارة وتفقد وقوفهم في المكان وسألهم مستفسرًا:
_ رايحين فين؟
تولى قاسم الرد فأردف بهدوء:
_ رايحين نفطر، تعالى معانا..
أبدى عبدالله رفضه قائلًا:
_ لا أنا لازم أروح المستشفى لزكريا، ممكن توصلني في طريقك بس عشان عربيتي مع وليد..
_ تمام، يلا بينا
هتفها قاسم وتوجه إلى السيارة، ثم ركب ثلاثتهم معه، فأشعل هو المحرك وقاد السيارة مُبتعدًا عن البيت.
***
انتهت صبا من فحص ليلى، ثم ابتسمت وقالت:
_ لا إحنا أحسن النهاردة، وممكن نخرج كمان، بس ضروري راحة تامة وعدم حركة إلا للضرورة عشان الكسر يلم خصوصًا كسر الرقبة.. حمد لله على سلامتك يا لولو
_ الله يسلمك
قالتها ليلى بإيجازٍ فاقتربت منها سمر وقالت:
_ طب لو كدا تعالي لما أجهزك عشان نخرج..
ثم نظرت إلى أبيها وقالت بنبرةً حادة وعينيها مُثبتة على زكريا:
_ بعد إذنك يا بابا تخرج..
_ طبعًا يا بنتي
هتفها أسعد ثم انسحب إلى الخارج مُجبِرًا زكريا على الخروج معه، كذلك انسحبت صبا حتى لا يكون هناك حرج بوجودها، فبدأت سمر في تبديل ملابس ليلى، وقد وجدت صعوبة في الحركة بمفردها، فهتفت ليلى بتعبٍ:
_ مش هينفع لوحدك، صعب عليكي وأنا بتعب لما بضغط على نفسي.. نادي حد
توقفت سمر ووضعت كلتى يديها في منتصف خصرِها وأردفت:
_ مفيش حد هنا.. وصبا مشيت مش عارفة راحت فين؟
_ اخرجي شوفيها، يمكن واقفة لسه برا
قالتها ليلى فتوجهت سمر إلى الخارج متسائلة عنها:
_ هي صبا راحت فين؟
أجابها والدها قائلًا:
_ نادوا عليها، الظاهر في حادثة جامدة، لأن فيه حركة غريبة في المستشفى
تأففت سمر بضجرٍ ورددت بصوتٍ خافت:
_ وبعدين، هعمل إيه؟
لاحظ زكريا حالة التِيه التي كانت عليها سمر فتساءل باهتمامٍ:
_ هو فيه حاجة؟
حدجته سمر بنظراتٍ مشتعلة ثم هتفت باقتضاب وهي تُوليه ظهرها:
_ مفيش..
ثم عاودت الدخول ووقفت في منتصف الغرفة وقالت:
_ مش موجودة، أنادي بابا؟
قابلتها ليلى بنظراتٍ مستاءة قبل أن تردف:
_ لا طبعًا.. مينفعش
فصمتن لبرهة قبل أن تُعاود ليلى حديثها الذي يأباه لسانها:
_ نادي على زكريا
بعيون واسعة هتفت سمر بذهولٍ:
_ زكريا يا ليلى!!
نفخت ليلى بضجرٍ وصاحت بقلة حيلة:
_ هو فيه غيره يعني؟ مضطرين..
تشدقت سمر بتهكمٍ قبل أن تخرج كلماتها المستنكرة:
_ أومال إيه طلقوني طلقوني اللي على لسانك دي؟
أبدت ليلى انزعاجها من تعليقها الساخر وأردفت بحنقٍ:
_ خلاص يا سمر، مش مهم نمشي من هنا..
أسرعت ليلى في إغلاق عينيها رافضة مواصلة الحديث معها، فحركت سمر رأسها في ضيقٍ ثم تحركت باتجاه الباب، أدارت مِقبضه ولم تتخطاه قدميها، رمقت زكريا بنظرات جامدة وحدثته على مضضٍ:
_ تعالى ساعدنا..
تحرك زكريا مسرعًا إلى الداخل؛ ولم ينتظر فَهم ماهي المساعدة التي يُمكنه القيام بها، بل توجه باتجاه ليلى مباشرةً وقال:
_ أعمل إيه؟
تنفست سمر بعض الهواء وزفرته بقوة قبل أن تهدر بنبرةٍ جافة ووجهٍ حاد:
_ حاول تقومها عشان أقدر أغير لها هدومها.. مش عارفة أعمل الإتنين لوحدي
وما أن قالتها حتى أسرع زكريا في مُساندة ليلى لتنهض فتعلقت هي في رقبته حتى تستطيع شقيقتها خلع ملابسها، تلك الأثناء تقابلت أعينهم وقد استشعر زكريا الخذلان التي تعيشه من وراءه، ناهيك المعاناة الجسدية والنفسية اللذان سببهما لها، كانت عينيها تلمع بالدموع منذ فقدانها جنينها، كانت تلومه في كل نظرةٍ تنظر له فيها، تُشاجِره دون حديث.
بعد فترة؛ انتهت أختها مما تفعله وقالت وهي تلتقط أنفاسها:
_ خلصت.. يلا تعالى لما ألبسك الطرحة وكدا يبقى أنتِ جاهزة..
سحبت ليلى يدها بينما أعادها زكريا إلى الفراش وابتعد عنها بصعوبة، لكنه لم يُبعد عينيه عنها، بينما هربت هي بنظراتها بعيدًا عن موضع وقوفه، فتذكر هو شيئًا وقال:
_ هروح أجيب كرسي عشان نخرجها عليه..
تلك الأثناء وصل عبدالله إلى المستشفى، رأى صبا وهي تُهرول راكضة بذُعرٍ فتملكه الخوف وتجمدت قدميه فجأة قبل أن يتساءل:
_ هو فيه إيه يا صبا؟
بأنفاسٍ لاهثة أجابته:
_ فيه مصابين كتير وأنا مش ملاحقة، المهم زكريا هيخرج واليومين اللي قعدوهم هنا بمبلغ كبير وأنا مفتكرش إنه معاه، فقولت أعرفك عشان ميتحرجش..
قالت كلماتها ثم ابتعدت عنه وأضافت:
_ سلام..
فاتجه عبدالله ناحية الإستقبال مباشرةً، وقام بدفع تكاليف المستشفى، ثم ذهب حيث تواجد الآخرين، فلم يجد سوى وليد برفقة أسعد، فألقى السلام عليهما ثم تساءل باهتمامٍ:
_ زكريا فين؟
أشار وليد بعينيه ناحية الغرفة وهو يُجيبه:
_ جوا..
وما كاد يُنهيها حتى فُتح باب الغرفة وخرج منه زكريا وهو يدفع ليلى التى تتوسط الكرسي المتحرك وخلفه سمر حاملة حقيبتها وأخرى تخص ليلى.
_ حمد لله على سلامتك يا ليلى..
قالها وليد أولًا فتلاه عبدالله مرددًا:
_ حمد لله على السلامة..
بإيجازٍ وصوتًا مُتعب بالكاد سمعوه:
_ الله يسلمكم..
فنظر زكريا إلى عبدالله وهتف سؤاله:
_ توصلنا بالعربية؟
حينها أخرج وليد مفتاح السيارة من جيب بنطاله، وقام بإعطاؤه لعبدالله الذي ناوله لزكريا وأردف موضحًا:
_ خد أنت وصلهم، وأنا ووليد هنيجي مواصلات
لم ينطق زكريا بحرفٍ بل قابله بنظراتٍ مُمتنة وتابع تحرُكه إلى الخارج، حتى توقف عند الإستقبال وصاح بضياع:
_ نسيت موضوع الحساب دا!
أغمض عينيه مستاءً من نفسه، فلاحظه عبدالله من الخلف وتوجه نحوه ثم قام بوضع ذراعه على ظهره وهمس أمام أذنه:
_ أنا دفعت الحساب، متحملش همه
إلتمعت نظري زكريا بامتنانٍ بالغ وهتف:
_ شكرًا يا عبدالله، أخرج بس من اللي ما فيه دا وهرجعملك إن شاء الله
لامه عبدالله في نظراته قبل أن يدفعه للأمام بذراعه الموضوع حول ظهره وهلل بتهكم:
_ يلا يا زكريا إمشي، بلاش كلام عبيط..
تقوس ثغر زكريا ببسمةٍ لم تتعدى شفتيه؛ ثم تابع سيره حتى وصل إلى السيارة وقام بحمل ليلى ثم وضعها على الكرسي الأمامي، وفي الخلف جلس والدها وشقيقتها على مضضٍ لكنهما مضطرين.
قاد السيارة وتحرك بها بينما نظرا الشابين لبعضهما فأسبق عبدالله بالسؤال:
_ هتروح فين دلوقتي؟ أنا هروح المركز، من وقت اللي حصل وهو مقفول
زفر وليد أنفاسه بتعبٍ شديد وأخبره عما يريد فعله:
_ أنا هروح البيت أنام اسبوع كامل، جسمي مدغدغ وعيني مش قادر افتحها..
ضحك عبدالله وقال:
_ يبقى طريقنا مش واحد، شاور لتاكسي من جنب وأنا من جنب
وما أن قالها حتى صاح وليد:
_ أول واحد يقف أنا اللي هركب حتى لو وقف لك أنت..
_ ماشي يا عمنا..
هتفها عبدالله مازحًا ثم أخذ كلًا منهما في إيقاف أحد سيارات الأجرة لتقل كل منهما إلى وِجهته.
بعد مرور بعض الوقت؛ صف زكريا السيارة أسفل البناية خاصته، فهتفت ليلى بهجومٍ:
_ أنت وقفت هنا ليه؟ أنا هروح عند بابا
أخذ زكريا نفسًا عميقًا ليكون هناك مُتسع في صدره لتلقي هجوم الجميع على إصراره للبقاء في بيتها:
_ هتقعدي في بيتك يا ليلى، وأنا اللي هاخد بالي منك..
بصوتٍ مُنفعل هتفت بسبب عدم استطاعتها على رؤياه جيدًا:
_ أنت مبتفهمش، أنا بقولك هنتطلق، مفيش حاجة اسمها بيتي وتاخد بالك مني، مكُنتش وصلتني من الأول للوضع دا أحسن لي وأكرم لك..
بهدوءٍ ترجل زكريا وتوجه ناحية بابها وكاد يحملها إلا أنها صرخت بقوة:
_ سيبني يا زكريا، إبعد عني..
لم يكترث لها وتابع حمله لها فتدخل أسعد الذي ترجل من السيارة سريعًا وهدر به شزرًا:
_ بنتي مش هتطلع هنا تاني، أبوها طول مافيه النفس هو أولى بيها، إبعد عنها أنا هتصرف..
_ ربنا يبارك في صحتك يا عم أسعد، بس مراتي أنا أولى بيها..
هتفها زكريا من بين أنفاسه اللاهثة عندما حمل ليلى، وقام بدخول فناء بيتهم، فصاحت سمر من خلفه:
_ يعمل عملته ويتصرف بوداعة كأنه معملش حاجة، أختي في وضعها دا بسببك وبسبب قرفك...
تأفف زكريا قبل أن يرُد عليها:
_ اللي بيغلط من حقه يكفر عن غلطه ولا إيه يا سمر؟
تشدقت سمر بتهكمٍ وصاحت بنبرة حانقة:
_ دا لما يبقى غلطة تتغفر، لكن أنت عامل مصيبة..
خرجت ليلى عن صمتها، وصاحت عاليًا رافضة ما يحدث بنفورٍ شديد منه:
_ رجعني تحت، مش عايزة أطلع معاك في مكان..
تعالت أصواتهم، فخرج محمد من بيته وخلفه هناء وخلود ليتابعن ما يحدث، بينما هتف محمد متسائلًا عندما وجد وجوه الجميع مشحونة بالغضب:
_ هو في إيه يا زكريا؟
_ مفيش حاجة يا بابا
قالها زكريا وتابع صعوده، فعاودت ليلى إلى الصراخ:
_ أوف منك، بقولك مش عايزة أطلع هنا، بقولك مش عايزة أعيش معاك وهتطلقني، رجعني تحت تاني
لم يكف الثلاثة عن توبيخ زكريا مع محاولاتهم في استعادة ليلى، بينما قابلت هناء ما يحدث بعيون واسعة مصدومة من وقاحتهم وهتفت كلماتها الحادة كالسكاكين بغيظٍ:
_ أنا مش عارفة هو ساكت لهم كدا ليه؟ ما يرميها عند أبوها طلاما مش عايزة تقعد هنا ولا هو عافية؟!
حدجها محمد بطرف عينيه حتى كاد يحرقها بنظراته الساخطة وقال:
_ ابنك عمره ما هيطاطي بالمنظر دا إلا لو عامل مصيبة!!
تبادلا النظرات ثم انسحب محمد وصعد إلى الأعلى ربما يستطيع فض النزاع الحادث، وتهدئة الأجواء المشحونة، في الأعلى؛ وضع زكريا ليلى على الفراش بحذر، وأغمض عينيه لبرهة يستجمع فيها قوته على تحمل الكلمات التي يتلقاها ممن حوله.
التفت بجسده ونظر إليهما وهتف:
_ بعد إذن كل اللي قولتوه، أنا اللي ملزوم بمراتي زي ما وصلتها للوضع دا، اللي حابب يقعد معاها يتفضل، لكن خروج من هنا مش هيحصل!
كلماته أسكتت أسعد وسمر، واخذ ثلاثتهم يتبادلون النظرات الصامتة المشحونة، بينما انتبهوا على حضور والد زكريا فانسحب أسعد إلى الخارج لينضم إليه بينما قامت سمر بالإتصال على زوجها وهي تتوجه إلى شرفة الغرفة حتى تبتعد عن آذان الآخرين.
فلم تنتظر إجابته طويلاً فلقد أجاب على الفور وبعد حوارٍ دار بينهم عن الأوضاع، بترددٍ بالغ قالت سمر:
_ أنا كنت عايزة استاذنك إني أفضل أسبوع ولا اتنين مع ليلى..
باستنكرٍ تام هتف:
_ تقعدي اسبوع ولا اتنين في بيت زكريا!! طب لو في بيت باباكي مبلوعة شوية لكن تقعدي أنتِ وزكريا في بيت واحد إزاي يعني؟
بنفاذ صبر هتفت:
_ أعمل إيه بس هو اللي أصّر يقعدها في بيتها، وآل إيه هو اللي ملزوم منها..
قالتها وهي تتشدق بفمها، فرد الآخر مستاءً:
_ خلاص يبقى يقعد هو بيها وأنتِ ارجعي لعيالك أنا مش عارف اتعامل معاهم لوحدي أساسًا..
لم تُصدق ما سمعته منه وهتفت مُستنكرة:
_ يعني إيه يُقعد هو بيها؟ دي أختي يا أشرف وفي وضعها دا ملهاش غيري يهتم بيها، تعالى على نفسك شوية واستحمل العيال حتى أسبوع أكون قدرت ظبط لها الأكل والهدوم وكل اللي تحتاجه..
بانفعالٍ صاح زوجها:
_ والله كان ممكن استحمل شهر مش أسبوع لو كان في بيت أبوكي مش بيت زكريا، ويلا سلام عشان مش فاضي..
أنهى المكالمة فجأة وقد أغلق أمامها جميع السُبل في العناية بشقيقتها، لم ترفع سمر عينيها عن الهاتف بضيقٍ تملك منها من وراء مكالمتها له، زفرت أنفاسها الضجِرة وقامت بالخروج من الشرفة بملامحٍ عابسة حتى وجدت زكريا أمامها فهتفت بحنقٍ:
_ اختي مش هتقعد هنا، هتنزل تروح بيت بابا وأنا اللي هراعيها، خلص الكلام!
بهجوم صاح زكريا:
_ لأ خلص الكلام عندك أنتِ، دا بيتي ودي مراتي وأنا اللي أقول تقعد فين.. أنتِ عايزة تقعدي معاها أهلًا وسهلًا، بس هي مش منقولة من هنا، خلص الكلام
دنا منها زكريا حتى بات قريبًا منها وهمس بخفوت:
_ ياريت يا سمر متصعبيش الوضع عشان أنتِ كدا كدا هترجعي لعيالك، وأبوكي مهما قِدر يُقعد معاها مسيره هينزل لشغله، وليلى في الآخر اللي هتكون لوحدها، لكن هنا، أنا معاها ومش هسيبها لحظة، حتى لو اضطريت في وقت أنزل، فيه بديل عني يقعدوا بيها..
تراجعت سمر للخلف وحدجته بنظراتٍ مشتعلة قبل أن تهدر به بصوتٍ عالٍ مُندفع:
_ لو حكّمِت يا زكريا هاخدها معايا ولا أسيبها معاك بعد عمايلك فيها!!
بغيرة هتف من بين أسنانه المتلاحمة:
_ وأنا مراتي متنامش في بيت راجل غريب!
قاطعته سمر مُندفعة:
_ دا مش بيت راجل غريب، دا بيتي ودا جوزي!
تأفف الآخر بنفاذ صبر فلقد بلغ ذروة تحمله على السخافة الحادثة، وصاح:
_ والله زي ما جوزك رفض تقعدي هنا في بيتي عشان وجودي، فأنا مش لا مؤاخذة مركب أرايل عشان أبعت مراتي عنده في بيته!
تفاجئت سمر بسماعِه ما دار بينها بين زوجها، ولم تستطع إبعاد عينيها عنه بصدمةٍ، فلم يعد لديها كلماتٍ تحاول بها إقناعه فالتزمت الصمت حتى استمعوا إلى صوت هناء الغاضب من الخارج فهرول زكريا راكضًا، بينما هتفت ليلى متسائلة:
_ هي بتزعق كدا ليه دي؟
رفعت سمر كتفيها مُبدية عدم عُلمها بما يحدث، وقررت الخروج ومعرفة حقيقة غضب تلك المرأة، في الخارج؛ كان الجميع واقفًا أمام هناء التي اندفعت في أسعد بتهكمٍ:
_ عايزين تاخدوها من بيتها وهي متجوزة؟ طب كان أولى إنها متدخلوش لوحدها وهي مخطوبة!!
وقعت كلماتها على آذان الجميع كالصاعقة، وخصيصًا أسعد الذي شعر بوخزة شديدة في قلبه، بينما صاح زكريا غير متقبلًا ما قالته وعنفها باندفاعٍ:
_ إيه اللي أنتِ بتقوليه دا، اسكتي بقى اسكتي، لسانك مبيعملش غير مشاكل وبس!!
_ إيه اللي والدتك بتقوله دا يا زكريا؟ ليلى كانت بتيجي قبل الجواز؟
هتفها أسعد بنبرةٍ غير مصدقة، يخشى تأكيد زكريا لسؤاله، بينما التفت الآخر إليه وأجابه:
_ ياعم أسعد بنتك كانت بتيجي هنا تشوف الجديد اللي عملته في الشقة، وهي وقتها كانت مراتي يعني مفيش حرمانية ولا عيب يمنع دخولها بيتها!!
تلك اللحظة تحركت سمر باتجاه هناء فلم تتقبل البتة إهانة كرامة اختها والإساءة إلى أخلاقها، دفعت زكريا بعيدًا عنها ونهرتها بصوتٍ غاضب تثأر لـ ليلى:
_ قبل ما تتكلمي عن أختي نص كلمة شوفي ابنك وعمايله؟ مش عاجبك إن أختي كانت بتيجي بيتها ومع جوزها وشيفاه عيب؟ في حين إن إبنك كان رامي مراته في أوضة وهو نايم في أوضة تانية؟
عارفة ليه؟
هقولك ليه، لأن المحروس ابنك مكنش عايز الحمل يحصل، عشان دماغه قذرة عايز يعيش لنفسه وانبساطه وكيفه، كان بيجبر أختي تاخد حبوب منع حمل وهو شايف قد إيه كان نفسها تحمل!
ومش بس كدا، دا من وقت ما حصل الحمل وهو معاملته محدش يستحملها، وآخرة المتمّة راح كلم واحدة عليها..
ابنك كان بيسيب أختي تعبانة في البيت لوحدها ومعيطة من طريقته وأسلوبه الوحش معاها وقلب مامته كان بيكلم واحدة تانية على مراته اللي يدوب لسه متجوزها من كام شهر، يا حبيبي مبيضعيش وقت أبدًا!!
تجمد محمد وهناء مكانهما، العيون اتسعت بذهولٍ، وجوهيهما شحب لونه حتى باتت باهتة، ارتعشت شفاههم فلم يجدا كلماتٍ تُقال، إلتقت عينيهما بصدمةٍ وقعت على زكريا الذي في موقفٍ لا يُحسد عليه، نكس رأسه خجلًا من نظراتهما التي تُحاصره، كم شعر بضئل حجمه لحظتها.
دنا منه محمد بِضع خُطوات وتساءل بصوتٍ متحشرج مهزوز يخفي خلفه غضبًا عارم:
_ الكلام اللي اتقال دا صح؟
لم يتحلى زكريا بالجُرأة لرفع رأسه والنظر في عيني والده، فخرج الآخر عن هدوئه واندفع فيه بنبرة حانقة:
_ بُص لي ورد عليا، الكلام دا صح؟
بصعوبة قابلها زكريا في مواجهة أبيه نظر في عينيه بعيون يميل لونهما إلى الإحمرار وأجابه هامسًا:
_ صح..
وما كاد يؤكد سؤال والده حتى تلقى منه صفعةً قوية على وجنته، تفاجئ بها زكريا والجميع كذلك، انسحب أسعد مُجبِرًا ابنته على السير حتى بلغا غرفة ليلى وقاموا بغلق الباب تاركين لهم إعادة تأهيله كما ينبغي.
في الخارج؛ لم يكف محمد عن توبيخه بعدم تصديق لفعلته الفادحة:
_ آل وأنا واللي كنت فاكر إني أربي والعيال صغيرة وبعد ما يكبروا هيمشوا على المنهج بقيت عمرهم، طلعوا العيال عايزين تربية حتى وهما قد الباب!! يا خسارة تربيتي فيك، ولا لأ دي عمرها ما كانت تربيتي أبدًا..
امشي اطلع برا البيت.. لما تتربى ابقى ارجع تاني..
قالها محمد وهو يدفعُه خارج البيت؛ فحاول زكريا إيقافه بتبريره:
_ يا بابا خلاص، واللَّه أنا عرفت غلطي، مش هينفع أروح في حتة وأسيب ليلى كدا!!
_ كنت فكر فيها قبل ما تعمل عملتك، أنا قولت برا يعني برا
هتفها محمد بصرامة حاسمًا على طرده، وتابع دفعِه حتى استطاع إخراجه من البيت ثم أغلق الباب في وجهه، ولم يكترث لتوسلات الآخر، ثم استدار محمد ورمق زوجته بنظراتٍ تحمل أطنانًا من الغضب المُشتعل وصاح من بين أسنانه:
_ أقسم بالله العلي العظيم إن ما دخلتي حالًا ورضيتي البت اللي جوا دي وبوستي راسها ليكون آخر يوم ليكي معايا!!
اتسعت حدقتاها بصدمة جلت على وجهها، جعلته أسودًا من فرط الصدمة، كما ارتفعت وتيرة أنفاسها وشعرت بضيق صدرها، ناهيك عن ضغطها الذي ارتفع معدله، لكنها جاهدت بعدم الظهور في هيئة مُتعبة حتى يمضيَّ ما يحدث.
توجه محمد إلى الغرفة وقام بالطرق على بابها، كما لحقت به هناء ووقفت برأسٍ يدور ورؤى مشوشة، فتحت لهما سمر فولج محمد أولًا ونظر حيث تجلس ليلى وبخذيٍ بائن أردف:
_ أنا آسف يا بنتي بالنيابة عن ابني وعمايله، آسف إني فكرت إنه بقى راجل عاقل يُعتمد عليه وينفع يفتح بيت ويراعي بنات الناس، والله مكنتش أعرف إنه كدا..
_ أنت ملكش ذنب يا عمي..
قالتها ليلى بخجلٍ، بينما نظر محمد إلى زوجته وأشار إليها بتلبية أمره، فأسرعت هي مُتجهة إلى ليلى وقامت بتقبيل رأسها قبل أن تعتذر منها:
_ أنا آسفة يا ليلى.. سامحيني
وما أن قالتها حتى انسحبت بهدوءٍ إلى الخارج دون إضافة المزيد،وأغلقت الباب مسرعة وما كادت تفعل حتى ساء وضعها وأظلمت رؤيتها ثم خرت واقعة
الفصل السابع والثلاثون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم تسنيم المرشدي
استمعت إلى صوت ارتطام جسدٍ وهي تصعد إلى الأعلى، فأسرعت من خُطّاها حتى بلّغت طابق شقة أخيها، شهقت بذعرٍ عندما وجدت والدتها مُلقاه على الأرض، هرّعت إليها وهي تُردد بهلعٍ:
_ ماما، ماما ردي عليا
وبعد محاولاتٍ لم تُجيبها هناء، فهرولت نحو الباب وقامت بالطرق عليه بعنفٍ حتى فتح لها والدها واستنكر أسلوبها الغير أخلاقي وقبل أن يَلُومها سقط بصره على تلك المُلقاه وهتف بصدمةٍ:
_ أمك مالها؟
_ مش عارفة، أنا كنت طالعة وسمعت صوت وبعدها لقيتها واقعة على الأرض كدا..
قالتها خلود بنبرةٍ مهزوزة تخشى حدوث مكروه لوالدتها، بينما أسرع محمد إلى زوجته وجسّى على رُكبتيه ثم عمِل على إعادة رشدها بندائه وضربه الخفيف على وجهها.
وعندما فشل في إيفاقتها رفع رأسه وأمّر ابنته بتوجسٍ ولهفة:
_ ادخلي هاتي إزازة برفان من جوا بسرعة...
امتثلت خلود أمره وولجت البيت بخُطواتٍ غير مستقيمة مهرولة إلى غرفة ليلى، وقفت أمام الجميع بوجهٍ شاحب اختفت منه الدموية، ومن بين أنفاسها اللاهثة هتفت بتعلثمٍ:
_ ماما.. عايزة برفان.. أصلها مش بترد..
قطبوا الآخرين جبينهم بغرابةٍ فلم يفهموا ما ترمي إليه، بينما وجهت ليلى حديثها إلى خلود متسائلة باهتمامٍ:
_ اهدي يا خلود إحنا مش فاهمين حاجة، في إيه؟
شهيقًا وزفيرًا فعّلت خلود قبل أن تُجيبها قائلة وهي تُشير إلى الخارج:
_ ماما واقعة برا، عايزة برفان يفوقها..
تفاجئوا بما سمعوه، ثم هتفت ليلى وهي تُشير بيدها إلى مِنضدة الزينة وهتفت:
_ خدي اللي أنتِ عايزاه من هناك..
فتوجهت خلود نحوها والتقطت أحد القنانِي التي تعلوها وعاودت بأدراجِها حيث والدها، ناولته إياها ووقفت تشاهد ما يفعله بخوفٍ بالغ خشية عدم استيقاظ والدتها.
في الداخل؛ نظرت ليلى إلى شقيقتها برجاء، فاستشفت الأخرى ما تريد قبل أن تطلبه وصاحت مُبدية رفضها:
_ لأ، متطلبيش مني أساعد الست الحرباية دي، أهون عليا تموت ولا إني أساعدها!!
تلك الأثناء تدخل والدهن بوضعه ذراعه على ظهر سمر قبل أن يحثها على المساعدة:
_ روحي يا بنتي لو تقدري تعملي حاجة اعمليها، اعتبريه شغل، معلش..
تناوبت سمر بنظراتها بينهما والغيظ يترنج في عينيها؛ ثم خرجت من الغرفة على مضضٍ حتى بلغت مكان تواجُد الآخرين، فقالت بصوتٍ حاد:
_ بعد إذنك يا عمي سيبني أشوفها..
_ تعالي يا بنتي كتر خيرك، والله كنت ناسي إنك ممرضة...
هتفها محمد مُمتنًا، ثم تنحى جانبًا فأخذت سمر تتفقدها وتحاول إيفاقتها ببعض الطُرق حتى نجحت، وما أن وجدتها سمر تستعيد وعيّها حتى انصرفت سريعًا فلم تحب أن تتقابل أعينهن معًا بينما أسرعت خلود إلى والدتها وهتفت متسائلة:
_ أنتِ كويسة يا ماما؟
رفعت هناء رأسها وتفقدت المكان من حولها قبل أن تتساءل بتيِه:
_ هو إيه اللي حصل؟
_ وقعتي، وسمر أخت ليلى اللي خليتك تفوقي..
أجابتها بلهفةٍ ثم استمعن كلتاهن إلى حديث محمد الصارم:
_ قومي يا خلود نزلي والدتك تحت..
تفقدت هناء ملامحه التي يكسُوها غمامة من الجفاء، وعينيه التي تحملان عتابًا ثقيلًا لم تفصح عنها شفاه، فكان يتحاشى النظر عنها، فتيقنت هناء أن هناك فجوة عميقة في قلبه وستكون حاجزًا بينهما في الأيام المُقبلة.
نهضت هناء برفقة خلود، ثم ترجلت درجات السُلم وعينيها تختلس نظرةً بين الحين والآخر على زوجها الذي لا يهتم لها، فشعّرت بغصّة مريرة في حلقها وتأكدت أنها افتعّلت أمرًا فادحًا حتى تتلقى ذلك التجاهل الخاص منه.
بينما أعادت سمر قنينة العطر وهي تردد بمقتٍ:
_ خسارة الشوية اللي اترشوا عليها والله..
استنكر والدها حديثها وعاتبها بقدر محبته لها:
_ عيب كدا يا سمر، مش بنتشفى في المرض يا بنتي.. المهم كان مالها؟
رفعت كِلتى كتفيها قبل أن ترد باقتضاب:
_ معرفش، أنا فوقتها وبس..
أماء أسعد بتفهمٍ قبل أن يُوجه نظراته إلى ليلى التي انكمّشت في نفسها خجلًا منه، هربت بأنظارها عنه فلم تتحلّى بالجُرأة التي تُواجهه بها بعد أن فُضح أمرها ومعرفته بمجيِئها إلى هنا دون عِلمه..
بينما لم ينطق الآخر بحرفٍ فلقد خذّلته لكنه لم يرضى توجيه أيّ عتابٍ لها في مثل حالتها تلك، يكفي ما عاشته من خلفه أفعال زوجها التي لا تُحتمل.
في الطابق الأول؛ حيث غرفة هناء، جلست على الفراش وقد استندت برأسها على الوسادة التي وضعتها لها خلود خلف ظهرها، فكانت متعبة وتشعر بالدماء تفر من رأسها، ثم انتبهت على دخول زوجها فانسحبت خلود إلى الخارج بينما تابع هو تبديل ملابسه حتى يذهب إلى عملِه.
لم ترفع عينيها عنه البتّة، بل كانت تُتابع حركته بقلبٍ حزين لعدم تحدّثُه معها، ابتلعت ريقها وبصوتٍ مُتعب تساءلت:
_ أنت زعلان مني؟
_ وأزعل منك ليه؟ عملتي حاجة غلط مثلًا؟ ولا يعني لغيتي وجودي قدام الناس ورديتي على أبو ليلى وأنا كنت واقف بتفرج زيي زي شُرابة الخُرج بينكم؟ ولا مثلًا مثلًا فضحتي مرات ابنك اللي هي المفروض في مقام بنتك؟!
أزعل على أنهي واحدة بالتحديد؟
أردفهم بخشونة وأسلوبٍ حاد، بينما حاولت هناء تبرير وضعها:
_ أنا بس كنت..
قاطعها محمد باستنكارٍ شديد وصاح بحُنقٍ:
_ أنتِ طبعًا مكنتيش عايزة تشغليني فقولتي تلغي وجودي خالص وتطلعيني مليش ستين لازمة، مش كدا!!
استدار بجسده ورمقها بنظراتٍ مُشتعلة قبل أن يُعاود الحديث باندفاعٍ بالغ:
_ تصدقي بالله لولا إن العيال هيزعلوا لو مشيتك من بيتك وشكلهم هيكون وحش قدام اللي معاهم مكنتش اترددت لحظة بعد عمايلك دي، بس أنا هعمل بحكم ربنا " واهجروهن في الْمَضَاجِعِ "
ومن هنا ورايح أنا أوضة وأنتِ وملكيش عندي غير إلتزمات البيت وبس..
أنهى جملته مع انتهاء ارتدائه آخر قطعة من ملابسه، ثم توجه إلى الخارج دون إضافة المزيد تحت نظراتها المصدومة تاركًا إياها تتخبط بين إعادة أفعالها وندّمِها على عدم حِرصها.
***
كانت تمر بين الغرف تتقفد مرضاها المُصابين في الحادث الأخير، ولجت آخر غرفة مُصاب، وقد لاحظت ضجّة مُريبة هدأت تدريجيًا فور دخولها، ابتسمت في وجوه عائلة المريض وقالت بعملية:
_ حمد لله على سلامته، أنا دكتورة صبا جاية أتابع وضعه..
_ اتفضلي يا دكتور..
قالتها إمرأة خمنت صبا أنها والدته بسبب مُجاورتها له وخوفها الظاهر؛ بدأت صبا تتفحص الشاب بينما هلل والده من خلفهم مُتمتمًا بضياع وغضبٍ عارم:
_ مش عارف أعمل إيه بس..
فتشنجت تقاسيم زوجته وهتفت بغيظ حاولت كظمه:
_ إهدى بقى يا مجدي مش كدا، حصل اللي حصل المهم إن ابننا كويس..
وكأن كلماتها كانت وقودًا سقط على نيران غضبه الخامدة فأشعلها، حيث تفاجئت صبا بصياحه الذي أخافها لوهلةٍ:
_ ابننا كويس!! الحمد لله إنه كويس، بس أنا بقى أعمل إيه في الناس اللي عمالة تلومني على إصابات ولادها دي؟ ولا أعمل إيه في العربيات اللي اتدشدشت في السباق اللي ابنك كان مشرف عليه!!
السباقات اللي أنا قولت عليها قبل كدا ١٠٠ مرة لأ عشان عارف إن دي نهايتها؟
قوليلي أغطي تكاليف المستشفى والمركز اللي هيصلح العربيات كل دا إزاي؟ دي خسارة كبيرة أوي..
ردّ عليه ابنه المُصاب بوقاحة:
_ أنت برده غلطت لما اتحملت تكاليف كل دا لوحدك، هو أنا يعني اللي أجبرتهم يدخلوا السباق؟ ماهم داخلين بمزاجهم!!
خرج والده عن طوره تلك المرة وصرخ بغضبٍ شهده من حوله برعبٍ اثره:
_ أنت كمان ليك حق تتكلم؟ يا بجاحتك يا أخي، أنت عايزني أخسر الناس اللي كل شغلي معاهم بسبب استهتار شوية عيال!
أنت تخرس خالص ومش عايز أسمع لك صوت.. خليني أشوف هلاقي فين مركز ياخد كل العربيات دي وبسعر معقول..
تلك اللحظة انتبهت صبا من فحص الشاب، ثم نظرت إلى والدته وتحدثت بصوتٍ منخفض خشية أن تنال غضب ذلك الرجل:
_ ابن حضرتك بخير الحمدلله، بس ضروري عدم الحركة بدون داعي عشان فقراته متتأثرش أكتر..
شكرتها والدته ثم هتفت بخجلٍ صريح وهي تُشير بعينيها على زوجها الغاضب:
_ إحنا آسفين، اعذرينا..
ابتسمت صبا في وجهها لتمحي الحرج منها وقالت:
_ ولا يهمك، ربنا يعينكم.. حمد لله على سلامته
ثم أولتهم ظهرها وقد راودهها فكرةً ترددت كثيرًا في طرحها؛ ابتلعت ريقها واستدارت بجسدها ثم صوّبت بصرها على والده وحاولت رفع صوتها حتى يستمع إليها:
_ لو سمحت، أنا ممكن أساعد حضرتك لو تسمح لي..
انتبه عليها الرجل وقال بحاجبان معقودين:
_ تساعديني إزاي، اتفضلي..
تقوس ثغر صبا ببسمةٍ هادئة قبل أن تخبره عن كيفية مساعدته تحت نظرات الجميع المهتمة.
***
وقف عبدالله يتفقد المكان أمام المركز خاصته؛ فكان المكان مليئًا بالقمامة المُتناثرة، فتحرك إلى الباب وقام بفتحه، فتفاجئ بالكركبة الحادثة في المكان،
توجه ناحية المخزن الذي يضم بعض الأدوات، ثم أخذ أدوات التنظيف وبدأ يُعيد ترتيب وتنظيف المكان.
مر أكثر من ستون دقيقة حتى فرغ، لفت انتباهه ذلك الحذاء الوردي الذي يعلوه الأتربة والغبار، فقام بالإنحناء بجسده وأخذه، ثم نفض عنه الأتربة فظهر شكله الجميل، نظر إليه بآسى قبل أن ينتبه على ذلك الصوت من خلفه:
_ هاته..
رفع رأسه وإذا به زكريا، فقام بالإعتدال في وقوفه ثم ناوله إياه، فأخذه الآخر وقام بالدخول إلى المكان، بينما تساءل عبدالله بريبة:
_ أنت بتعمل إيه هنا؟
_ عبدالله، أنا مش حابب أتكلم...
قالها زكريا بصوتٍ متعب فاقد لجميع الأحاسيس؛ فلم يصّر عبدالله على معرفة سبب مجيئه وفضّل أن يتركه فترةً بمفرده، فأخذ زكريا يحدق بالحذاء حتى انسدلت عبراته بندمٍ شديد، كيف كان قاسٍ وعديم القلب يرفض رزقًا رائع كهذا؟!
وضع الحذاء أمامه على الطاولة ووضع عليه لمساته حتى شعر برجفة قوية في جسده، فردد هامسًا من بين بكائه الصامت:
_ أنا آسف..
كان عبدالله مُتابعًا له من على بُعد بآسى بالغ لحالته، أخرج تنهيدة مُحمّلة بالهموم ولم يكاد يفعل حتى تفاجئ بسيارة نقل ضخمة تقف أمام المركز، فتوجه عبدالله إليها بدهشةٍ عندما وقع بصره على هذا الكم الهائل من السيارات الخَرِبة، ترجل السائق برفقة رجلًا عظيم الهيئة، توجه ناحية عبدالله وبنبرةٍ شامخة حدّثه:
_ ازيك بيك يا أستاذ عبدالله، معاك مجدي الخيام صاحب شركة الخيام لاستيراد العربيات..
نظر إليه عبدالله مشدوهًا وهو في حيرة من أمر ذلك الرجل الذي يعرفه خير معرفة، خرج من حالة شروده وردّ بصوتٍ أجش:
_ أهلًا بحضرتك يا أستاذ مجدي، اتفضل..
أشار مجدي بيده خلفه باتجاه سيارة النقل وأوضح سبب مجيئه:
_ ابني كان مشرف على سباق عربيات، والأولاد اشتركت من غير علم أهاليهم، وللأسف عربية العجل بتاعها فرقع واتسبب في حادثة جامدة، طبعًا مش محتاج أقولك يكفي منظر العربيات دي.. سمعت عن المركز بتاعك قد إيه كبير ويقدر يستقبل الكم دا من العربيات فجيت من غير تردد عليك على طول..
ابتسم عبدالله في وجهه؛ بعد أن وضح له جزء من الرؤى، أخذ نفسًا قبل أن يردف بِترحَاب:
_ حمد لله على سلامة ابن حضرتك، وإن شاء الله نكون عند حُسن ظنك، بس متأخذنيش في السؤال، حضرتك سمعت عن المركز فين؟ مين اللي قالك عليه؟
هرب الرجل بعينيه قبل أن يعاود النظر إليه وقال بجدية:
_ بصراحة اللي قالي محبش إني أذكر اسمه، وأنا احترمت رغبته، ومفتكرش الإسم هيفرق في حاجة يعني، كدا كدا إن شاءالله هنتفق ومش هنختلف..
_ أكيد طبعًا..
هتفها عبدالله بجدية ثم أضاف بترحيب:
_ اتفضل حضرتك اشرب حاجة على لما الونش ينزّل العربيات ويدخلها جوا..
أسبق عبدالله بُخُطاه إلى الداخل، فمرّ على زكريا الشارِد، فقام بجذب انتباهه بندائه المُتكرِر:
_ زكريا، يا زكريا..
فانتبه الآخر لندائه وقام بإستدارة رأسه فتفاجئ بوجود رجلًا برفقته، ثم قام عبدالله بتعريف بعضهما البعض:
_ زكريا شريكي في المكان، أستاذ مجدي صاحب شركة استيراد العربيات..
_ أهلًا بحضرتك
رحب به زكريا دون أن يعي من يكون، ثم انتبه على إنزال الرافعة للسيارات الخَرِبة فتساءل بجبين مقتضب:
_ إيه كل العربيات دي؟
_ تبع أستاذ مجدي، إبنه عمل حادثة في سباق..
لم يُكمل عبدالله كلمته بعد حتى صاح زكريا باندهاش:
_ ابن حضرتك كسر دول؟
ضحك مجدي وأوضح له ما يجهله:
_ مش بالظبط كدا، بس يعتبر هو السبب أيوا..
ثم أخذوا يتحدثون عن كل ما يخُص تصليح السيارات وإعادة تأهيلها من جديد بحماسة شديدة قد سكنت في جوف عبدالله لتلك البداية المُبشرة بالخير.
***
مساءًا، حل سريعًا على أحلام، وقد حانت اللحظة لإخبار أبنائها بمرضها التي لم يتقبله عقلها بعد، عاد عبدالله إلى البيت، فوجد أحلام تجلس برفقة قاسم في الحديقة، تضع رأسها على كتفه فعلّق مُشاكسًا كليهما:
_ عصفورين كناري ياولاد..
اقترب منهما وغمز أبيه قبل أن يُضيف مازحًا:
_ طلعت مش سهل يا قسومة، مبتضعيش وقت أنت أبدًا
بإبتسامةٍ لم تتعدى شفاه ردّ:
_ إحسِدنا بقى..
لاحظ عبدالله شُرود والدته والتي لم تُشاركهما الحديث، على غير عادتها فحتمًا كانت تنهره الآن لتعدّيه حدوده في الكلام معهما، فحمحم وأراد مُشاركتها:
_ إيه يا لولو مالك مش بتتكلمي ليه؟
تجمّدت تعابير قاسم بينما لم تقع كلمات عبدالله على آذان أحلام، فقطب الآخر جبينه بغرابةٍ وقد سكّن القلق قلبه وأعاد سؤاله:
_ مالك يا أحلام سرحانة في إيه كدا؟
لم تجيبه أيضًا، فتدخل قاسم وقام بتحريك كتفه التي تستند عليه وقال بصوتٍ أجش:
_ أحلام، عبدالله بيكلمك..
انتبهت على كلماته ثم نظرت باحثة عن عبدالله، وتفاجئت بوجوده، اعتدلت في جلستها وتساءلت بتيِه:
_ ها، كنت بتقول إيه؟
تعجب عبدالله من حالتها، وهتف كلماته بريبة:
_ بقول سرحانة في إيه بالشكل دا؟
نظرت أحلام إلى قاسم تستمد منه القوة، فرمش هو بأهدابه يبُث فيها الطمأنينة، بينما عاودت أحلام النظر إلى عبدالله وقالت:
_ أنا كويسة يا حبيبي، طمني أنت عليك وعلى صبا، أمورك معاها كويسة؟
اندهش عبدالله مما وقع على مسامِعه؛ وانعقد حاجبيه تلقائيًا وهو يُردد بعدم فهم:
_ قصدك إيه بأموري معاها؟
لم يترك قاسم الرد لأحلام بل أوضح لعبدالله بدلًا عنها:
_ أحلام قصدها تسأل عنكم بشكل مُنفصل بس اختلط عليها الأمر ودخلتكم مع بعض.. مش كدا يا أحلام؟
أماءت أحلام وهي لا تفهم ما أمر رد قاسم المبهم بالنسبة لها، بينما لم يقتنع عبدالله بتبرير والده المُختلق، تناوب النظر بينهما ولم يكاد يُجيب سؤال والدته حتى جاءت زينب وقالت:
_ كويس إنك جيت يا عبدالله يلا العشا جاهز..
نهض قاسم ومدّ يده إلى أحلام التي أطالت النظر به فحثها هو على النهوض، فلم تطيل واحتضنت يده ثم ولجا البيت تحت نظرات عبدالله المُتابعة لهما بقلقٍ مُضاعف، نهض ولحق بهم، ثم جلس على الطاولة وأردف مُوجهًا حديثه إلى والده:
_ مش أنا يا بابا طلبت منك متساعدنيش، وتسيب اللي بعد كدا عليا؟ إيه بقى اللي بعته النهاردة دا؟
قطب قاسم جبينه بغرابةٍ فلم يعي ما وراء سؤاله وسأله مستفسرًا بعدم فهم:
_ بعت مين؟ مش فاهم حاجة
ضاق عبدالله بنظره وهو يُطالعه، قبل أن يُخبره بما حدث اليوم:
_ جالي واحد اسمه مجدي الخيام صاحب شركة استيراد عربيات، ابنه عامل حادثة في سباق مع شوية شباب وهو اتكفل بتصليح كل العربيات اللي باظت، وجاي لي بالإسم وكمان عارف شكلي وقالي اللي باعته مش حابب يقول إسمه..
قال آخر جُملته بعيون ضائقة فاستشف قاسم ما يرمي إليه وهلل:
_ متبُصلِيش كدا، أنا مبعتش حد..
أطال عبدالله النظر به فعاود قاسم تأكيد حديثه:
_ والله مبعتش حد..
أخذ عبدالله ثوانٍ يرمق والده دون حديث؛ يُفكر فيمن أرسل ذلك الرجل إليه إن لم يكن والده؟ اقتحم صوت قاسم أفكاره فجذبه إلى الواقع:
_ مين ممكن يكون بعت الراجل ليك؟
رفع عبدالله كتفيه للأعلى مُبديًا عدم معرفته بالشخص قبل أن يُردد ما يُفكر به بصوتٍ عالٍ:
_ مش عارف، أصل الراجل شكله حد مهم وصاحب شركة فأنا معرفش غيرك يعرف الفئة دي من الناس يعني، عشان كدا فكرت فيك وخصوصًا لما قالي اللي وصله بيا مش عايزني أعرف هو مين، فربطت دي بيك برده لأني طلبت منك متساعدنيش..
صمتَّ لبُرهة قبل أن يُعاود ترديد:
_ بصراحة بقى مش عارف، دماغي مش جايبة حد معين، بس أكيد هعرف، يا خبر بفلوس..
ثم تنهد ووجه عينيه على والدته الشارِدة وصاح:
_ ماما أنتِ كويسة؟
فتدخلت زينب مُجيبة سؤال عبدالله وعينيه مُصوّبة على والدتها:
_ دي من الصبح وهي كدا، وكل ما اسألها مالك تقول مفيش وترجع تسرح تاني كأنها مش معانا
_ أنا عندي زهايمر!!
صدّح صوتها فجأةً دون سابق إنذار، فخفق قلب عبدالله بعنفٍ بينما لم يهضم عقل زينب ما سمعته أذنيها وحدقت بها دون استيعاب.
حمحم عبدالله ثم ابتسم مُحاولًا محيّ ذلك الشعور السيء داخله وهتف مازحًا بصوتٍ مهزوز:
_ إيه الهزار التقيل دا يا أحلام، متقوليش كدا تاني..
_ دا مش هزار يا عبدالله، والدتك مريضة فعلاً
أردفها قاسم مؤكدًا وجود مرض أحلام، فتضاعف وخز قلب عبدالله، كما ضاق صدره وعلت وتيرة أنفاسه وهو يَجُوب بنظره الجالسين حوله، بينما وضعت زينب يدها على فمها مانعة شهقاتها المصدومة من الخروج، تجمّعت الدّمُوع في عينيها وهي تتطلع بوالدتها التي تنظر إليهما بشجنٍ.
ساد الصمت حتى قطعُه عبدالله بترديده المصدوم:
_ يعني إيه؟ الكلام دا بجد؟
أغمض عينيه لبُرهة قبل أن يُعاود فتحهما واسترسل مواصلًا بصوتٍ يكسوه البكاء:
_ يعني أنا مش فاهم المفروض أقول إيه دلوقتي؟
تفقد ملامح والدته وقال:
_ أقول إيه يا أحلام؟
فانتاب أحلام لحظتها نوبة بكاء مُفاجئة، وحاولت السّيطرة عليها قدر الإمكان، بينما نهض قاسم ووقف خلفها وقام بالإنحناء عليها ليضُمها وهي جالسة، فاحتضنت أحلام يديه الموضوعة على كتفيها تستمد منه القوة كعادتها، وقالت:
_ لو سمحت أقعد يا قاسم..
عاد قاسم إلى كُرسيه، فنهضت هي وأخذت تجُوب بِخُطاها في المكان بِضع دقائق تُحاول جمع كلماتٍ؛ ثم توقفت ونظرت إلى ثلاثتهم وأردفت بقوة تلبّست ثوبها:
_ إن الله إذا أحب عبدًا ابتلاه؛ الإبتلاء بيرفع درجة العبد عند ربنا وبيكفّر عن سيئاته، يمكن أنا عشت طول حياتي بحاول اتجنب كل حاجة تغضب ربنا، وبحاول أعمل اللي يرضيه، بس يمكن ربنا عايزني أروح له وأنا خالية من الذنوب تمامًا..
أكيد ربنا له حكمة في مرضي دا، يمكن عايز يشوف قدرتي وتحملي وصبري على الإبتلاء دا
هو أكيد امتحان..
رفعت رأسها إلى الأعلى وقد انسدلت بعض العبّرات من عينيها وهي تُضيف بصوتٍ مُتحشرج:
_وأنا راضية يارب، عياطي دا مش قلة إيمان أبدًا حاشا لله، بس يعز عليا إني أنسى أغلى الغاليين على قلبي..
عاودت النظر في وجوه الجالسين أمامها المفطورين من البكاء، ثم توجهت إلى قاسم وقامت بتقبيل رأسه بحنانٍ، ثم استندت برأسها على رأسه وهتفت:
_ يعلم ربنا يا قاسم إني على قد ظلمي اللي عيشته زمان قلبي محبش غيرك!
قاطعها قاسم من بين بكائه بصوتٍ متهدّج:
_ كفاية يا أحلام بالله عليكي..
أصرّت أحلام على البوح بما يكمُن داخلها تجاههم فأردفت:
_ سيبني أكمل، الله أعلم هعرف أقول الكلام دا تاني ولا لأ..
فتركها قاسم تبوح بما تريد فأضافت بنبرة أهلكها البكاء:
_ ولادي أمانة عندك يا قاسم، عارفة إنك مش هتقصر معاهم، بس زيادة حِرص، دول أغلى حاجة عندي، عبدالله اهتم بيه وبقلبه وخليه يتجوز اللي بيحبها، وزينب متسلمهاش لواحد غير لما تكون متأكد إنه هيصونها ويحافظ عليها..
قاطعها قاسم بتقبيله ليدها وهتف رافضًا سماع المزيد:
_ محدش هيعمل كدا غيرك يا أحلام، أنتِ اللي هتوصلي كل واحد فيهم لحياته وتطمني عليهم بنفسك..
_ يارب يا قاسم، بس برده اوعدني عشان قلبي يرتاح
أردفتها مُصرة لأخذ منه وعدًا فهتف قاسم:
_ دول في عنيا، كل اللي أنتِ عايزاه هيحصل..
مسحت أحلام دموعها براحة يدها ثم ابتسمت في وجهه ببشاشة وتوجهت إلى عبدالله، أخذت يده بين يديها فنظر الآخر إليها كطفلاٍ يهرب إلى ملجأه، فابتسمت له وقالت وهي تُمسد بيدها على وجهه:
_ أنت كنت عوضي يا عبدالله، كنت الهوى اللي بتنفسه في أوقات ضيقتي وخنقتي، افتكر إنك لو مكنتش موجود مكانتش الأيام عدت بسهولة، كل حاجة كانت بتهُون بنظرة منك، ضحكتك كانت حياة بالنسبة لي.. أنا آسفة يا حبيبي إني خليتك تعيش حياة صعبة، آسفة إني مريحتكش وأصّريت إنك تعيش مع أبوك ويشيل عنك، آسفة إني كنت مخلية شيلتك تقيلة، بس أنا كنت فاكرة إني بكدا ببني فيك راجل!
هب عبدالله واقفًا وقام بضمها إلى صدره وهتف ببكاءٍ مرير:
_ أنتِ أحلى حاجة في حياتي ياما، بالله عليكي بلاش الكلام اللي يوجع القلب دا..
تراجعت أحلام للخلف وأجبرته ينظُر إليها، ثم مسحت بيدها دموعه وأردفت:
_ إوعدني قلبك يفضل نضيف ومفيش حاجة في الدنيا دي تأثر عليه أبدًا
_ وعد ياما وعد، أنا تربيتك وعُمر ما حاجة تأثر فيا أبدًا أنتِ ربيتي راجل!
أردفها بثقةٍ ليبُث فيها الطمأنينة، فربتت أحلام على ذراعه وقالت:
_ ربنا يجعلك جميل ونضيف طول العمر، ويكتب لقلبك الخير يارب..
ثم انسحبت بهدوءٍ وتوجهت إلى زينب الواقفة خلفه، وما أن اقتربت منها أحلام حتى انفجرت زينب باكية ثم ألقت بنفسها بين أحضان والدتها التي مسّدت على خُصلاتها بحنانٍ وقالت بعد أن تراجعت للخلف لتتطلع في عينيها:
_ مهما كبرتي يا زينب هتفضلي بنوتي ودلوعتي والجانب الخفيف اللي في حياتي، وصيتي ليكي إنك تكوني عقلانية أكتر من كدا، بلاش تتعاملي بمشاعرك وعواطفك، وازني الأمور وخلي عقلك اللي يقرر مش قلبك، وخصوصًا لو كان الموضوع يخص راجل..
بكت زينب بشدة وهتفت متوسلة إياها بأن تتوقف:
_ والنبي يا ماما متقوليش كدا، بلاش الكلام دا..
عبست ملامح أحلام ولامتها بلطفٍ:
_ بلاش نحلف بغير ربنا يا زوزو..
_ مش مركزة يا ماما أنا بقول إيه..
قالتها زينب مُتعجبة من أمر تعليقها، فهتفت أحلام نصحيتها:
_ ركزي من هنا ورايح في اللي أنا علِمته ليكي عشان تنجحي في حياتك ومتعمليش حاجة تغضب ربنا..
انتهت من حديثها ثم نظرت إلى الجميع وأردفت بتعبٍ:
_ أنا عارفة إن الصدمة كبيرة عليكم، بس لازم تتقبلوها، مش عايزة كل ما أشوفكم أحس إنكم زعلانين، يمكن أنا مش هفتكر سبب زعلكم إيه، بس هكون شايفة وشوشكم كويس وهحس بالزعل المرسوم عليها وأكيد هزعل ويمكن معرفش أعبر وقتها، عشان كدا حاولوا تتقبلوا الموضوع وبلاش تزعلوا.. لا مفر من شيءٍ قد كتبه الله لنا.. خير أكيد، صبروا قلوبكم بكدا..
ابتلعت أحلام ريقها ثم زفرت أنفاسها قبل أن تُضيف آخر ما لديها:
_ أنا محتاجة أنام، تصبحوا على خير يا حبايبي..
توجهت إلى الخارج بِخُطوات عرجاء فلحق بها قاسم، لكنها التفت إليه وعارضت طريقه:
_ لو سمحت يا قاسم خليك مع الولاد..
ألقت نظرة عليهما، قبل أن تُضيف بآسى لحزنهما الظاهر:
_ حاول تهون عليهم..
ثم استدارت وتابعت صعودها حتى وصلت إلى غرفتها، أغلقت بابها ووقفت خلفه تَجُوب معالم الغرفة بعينيها مُحاولة تذكُر بعض الذكريات القديمة لهما هنا، فمنها من عرضتها عليها ذاكرتها ومنها لم تتذكرها البتّة، فخارت حينها قوتها على الصمُود وبكت بشدة حزنًا على ما أصابها.
في الطابق السفلي؛ وقف قاسم غير قادر على لملمة جِراحهم التي فُتحت للتو، فكيف يفعل وهو يفشل في تضميد جراحه، أطال النظر عليهما ولم يملُك حينها سوى عناقًا قد قدمه لهما بفرده ذراعيه على مصرعهما فركضا نحوه وضموه وكان ثلاثتهم في حالة يرثى لها، مُحاولين تَقبُل ذلك المرض المفاجئ الذي قلب حياتهم رأسًا على عقب.
***
أشرقت الشمس؛ بعد ليلٍ طويل مرّ بصعوبة على صبا التي شعرت بضوء الشمس باهتًا، كان الصباح مُثقلًا بالتوجس، تبدوا ساكنة لكنها تحمل ارتباكٍ غير مرئي داخل قلبها، وجهها مُتجهمٍ بقلق مكتوم،
تشعر بِثقل أنفاسها، داخلها رهبة صامتة تخشى مشاركة هذا التوتر مع أحدٍ.
انتهت من ارتداء ملابسها التي تجهل معالمها، فلم تهتم كثيرًا لمعرفة أي قطعةً قد ارتدت، خرجت من الغرفة فتقابلت مع عاصم الذي هلل عاليًا مُبديًا تفاجئه بها:
_ دكتورة صبا بنفسها!
تجهمت تعابير وجهه وأضاف بصوتٍ يكسوه الضيق:
_ دا أنا نسيت إني عايش معايا واحدة في البيت!
بتخرجي وترجعي من غير ما أعرف ولا أشوفك حتى، هو دا طبيعي؟
بتيِه شديد ردت بإيجازٍ:
_ عاصم، أنا مش في المود خالص..
قالتها ثم ترجلت إلى الطابق السُفلي وتوجهت باتجاه الباب فتَبِعها عاصم مُرددًا كلماته بغضبٍ:
_ يعني إيه مش في المود؟ اقفي هنا ردي عليا..
أمسك عاصم ذراعها مجبرًا إياها على التوقف قبل أن تُدير مقبض الباب، فالتفتت إليه وصاحت:
_ أنت بتعمل إيه؟ سيب ايدي؟
ثم سحبت يدها بقوة، فهدر الآخر بحنقٍ:
_ هو إحنا هنفضل في الوضع دا لغاية امتى؟ لا مننا متجوزين صح، ولا مفهوم لينا وضع، أنا تعبت..
_ والله العظيم وأنا تعبت، بس صدقني لو فيه طريقة تانية قدامي كنت لجأت ليها..
هتفتها صبا بصوتٍ انطفأ حيويته، فلم يتأثر عاصم بحالتها وهتف:
_ وأنا المفروض أفضل قابل على نفسي وضع زي دا لغاية امتى؟ أنتِ مش حاسة بيا خالص، مش حاسة قد إيه أنا هموت عليكي وأنتِ ولا هنا..
تساقط دمعها وهي تراه مُنفعلًا يَلُومها، فأسرعت في مسح عبراتها ورددت:
_ عاصم أنا بجد مش قادرة اتكلم، أنا عندي ميعاد مخليني متوترة..
رفعت يديها أمام وجهه فتفاجئ عاصم برجفة يديها الملحوظة ثم انتبه على كلماتها:
_ بص حتى ايدي، هخلص المشوار اللي عندي ونقعد مع بعض نحط النقط على الحروف..
عمِل عاصم على إخماد غضبه الجامح، ثم زفر أنفاسه ليضبُط نبرته فخرجت أهدأ قليلًا:
_ ايدك بتترعش كدا ليه؟ وميعاد إيه اللي بتتكلمي عنه؟
ابتلعت ريقها وهربت من سؤاله قائلة:
_ ميعاد يخص القضية..
_ أيوا إيه هو اللي مخليكي في الحالة دي؟
تساءل باهتمامٍ فترددت صبا في إخباره في البداية، بينما أصرَّ عاصم على معرفة السبب:
_ صبا.. قولي في إيه؟
أخفضت رأسها في حياء فلم تقدر على مواجهة عينيه وقالت:
_ هعمل فحص طبي، الحيوان حمادة طلبه عشان يثبت إنه ملمسنيش...
رفعت رأسها بعد أن أنهت جُملتها وأضافت بخذيٍ واضح:
_ على فكرة محتاجة شهادتك إن جوازنا على الورق بس، زيادة تأكيد مع تقرير الفحص
علامات الصدمة تشكلت على وجه عاصم الذي أخذ وقتًا يحاول فيه استيعاب طلبها؛ قبل أن يُبدي استيائه بهدوءٍ بالغ:
_ أنتِ عايزاني أقف قدام الناس أقول إني...
صمت عاصم وزم شفتيه قبل أن يُواصل:
_ أقول إني ملمستكيش!! أنتِ شايفة إنه يليق بيا أقول كدا؟
_ الجلسة هتكون سرية يا عاصم..
لم تكاد تُكملها حتى خرج عاصم عن طوره وصاح:
_ وهي الجلسة دي مش هيكون فيها عيلتك وجيرانك اللي هيكونوا شهود، عايزاني أقف قدامهم وأقول كدا؟ ليه شيفاني مش راجل!!
تفاجئت صبا برده، أطالت به النظر عندما اجتاحها مشاعر متناقضة حينها، لم تود تصعيد الأمور والمجادلة معه الآن، وقررت الإنسحاب فقالت وهي توليه ظهرها:
_ لا مش هينفع نتكلم وأنت كدا، لما أرجع نكمل كلامنا...
أنهت جُملتها وهي تُدير مِقبض الباب حتى تفاجأ كليهما بوقوف نهال والدة عاصم، شعرت صبا بغصّة في حلقها خشية سماعها ما دار بينهما، وكذلك عاصم لم يكن أقل خوفًا منها، بينما تحلّت صبا بالثبات أمامها وشكلت ابتسامة لم تتعدى شفاها ورحبت لها:
_ أهلاً بحضرتك، اتفضلي..
دلفت نهال فتابعت صبا معتذرة منها:
_ أنا آسفة إني هسيب حضرتك بس عندي شغل ضروري، عن إذنك..
لم تجد ردًا منها، بل كانت ساكنة للغاية تتطلع بها فقط، فأخبرها حدسها أنها استمعت لحوراهما، لكنها لم تكُن متأكدة، فانسحبت سريعًا قبل أن تتلقى مواجهةً حارة ليست في أتم استعداد لها.
أغلقت صبا الباب خلفها، فحاول عاصم جذب انتباه والدته الشارِدة في الباب التي اختفت خلفه صبا بترديده:
_ شكلي واحشتك، وجاية تشوفيني..
التفتت نهال إليه وبنظرات جامدة ونبرة مصدومة هتفت:
_ إيه اللي أنا سمعته دا؟
خفق قلب عاصم مُتوجسًا خيفة في نفسه، إزدرد وبصعوبة بالغة سألها بإقتضابٍ:
_ سمعتي إيه؟
بملامح حادة ونبرة صارمة يشوبها الإندهاش أجابته:
_ سمعت كل حاجة!!
وقعت كلماتها كالصاعقة التي صعقته، وألجمت لسانه أفقدته النُطق، كان آخر ما يريده عاصم عِلم والدته، حتمًا ستفعل ما في وِسعها لتُغير مصيره لطالما انتظر تغيّرِه بفروغ صبر، كان كلاهما ينظران إلى بعض بصدمة كبيرة أظهرتها العيون حتى أصرّت نهال على معرفة الأمر كاملًا، فجلس عاصم تحت إصرارٍ كبير وبدأ يُخبرها بالحقيقة.
***
وصلت صبا إلى المستشفى الخاصة بالشرطة؛ فوجدت جلال ينتظرها أمام الباب، توجه ناحيتها وقال:
_ اتاخرتي ليه؟ الظابط هنا بقاله فترة..
اختلست صبا نظرةً إلى الداخل بخوف وقالت:
_ أنا جيت..
_ طب يلا ندخل
أردفها جلال وهو يُمسك بيدها يحثها على الدخول؛ فرجف جسدها خوفًا مما هي مُقبلة عليه، استحث أخيها خوفها التي تعيشه وحاول تشجيعها:
_ يلا يا حبيبتي، يلا عشان نحبس حمادة في أقرب فرصة!!
تقابلت أعينهما فبعث فيها جلال الطمأنينة، ثم خطت أولى خُطواتها برفقة جلال الذي لم يتركها قط، وحاول تشتيت ذِهنها ليُذِهب عنها الخوف بقوله:
_ على فكرة بابا وماما كانوا مُصممين يجوا معايا، بس أنا محبتش أوترك أكتر، وقولت لهم إني هجيبك عندهم بعد الفحص تريحي أعصابك شوية..
_ بس أنا مش...
حاولت رفض اقتراحه لكنه أصرَّ على اصطحابها معه:
_ لا يا صبا بلاش مقاوحة، أبوكي وضعه صعب أوي والله عمري ما شوفته بالحال دا، دا معتش بيفارق اوضته خالص، مش عارف لو مكنتش موجود كانوا عملوا إيه وهما لوحدهم..
تشدقت صبا بتهكمٍ ورددت:
_ دا حتى محاولش يكلمني من آخر مرة جالس فيها اللي أنا مش فاكرة كانت امتى أساسًا..
_ أبوكي خايف يجي لك تاني ترفضيه يا صبا، مش هتقوم له قومة وقتها، بالمناسبة دا كلام أمك!
هتفها جلال موضحًا موقف أبيه، بينما تأثرت صبا لما أخبرها عنه، لكن كان هناك حاجزًا داخلها يمنعها من توطيد علاقتهما ثانيةً.
طردت أفكارها فليست في محلها الأن، عاود الخوف من جديد عندما وقفت عند غرفة الفحص، أكدت على الضابط هويتها ثم دلفت واختفت خلف باب الغرفة.
كان يُتابعها من على بُعدٍ حارصًا على عدم إظهار نفسه، يدعوا داخله بأن يمُر الأمر مِرار الكِرام ولا يمسّها سوء فيَمسُه أضعافه، اهتز رنين هاتفه فسحبه وابتعد عن المكان ثم أجاب:
_ نعم يا زينب؟
بصوتٍ متوتر أردفت متسائلة:
_ أنت فين يا عبدالله؟ إحنا رايحين المحكمة..
أخذ عبدالله شهيقًا عميق ثم زفره على مهلٍ وردَّ:
_ على ما توصلوا هكون هناك إن شاء الله..
_ تمام، متتأخرش
أنهت زينب الإتصال على الفور بعد قولها، فعاود عبدالله الوقوف في زوايةٍ لا يراه أحدًا بها، مرّت فترة لا بأس بها حتى فُتح الباب فقُبض قلبه خشية أن يراها على وضعٍ غير مرغوب له، ولا يستطيع فيه ضمها ليطيب شعورها.
خرجت صبا بوجهٍ شاحب، وملامحٍ مهزوزة من شدّة الخوف، عيناها مُحمرّتان غارقتان في دموع لم تجف بعد، وجفونها متورّمة من كثرة البكاء، وشفتاها ترتعشان.
ناهيك عن أنفاسها المتقطّعة كأن صدرها يئنّ من الداخل، في ملامحها انكسارٍ واضح، وذبول كأن الحياة انسحبت من وجهها، يكسوها ضعف شديد وحالٍ يرثى لها.
اهتز داخل عبدالله ودمعت عيناه؛ ارتفع صدره وهبط بصورة عنيفة، كم ابتغى وصوله إليها وضمّها إلى صدره بدلًا عن شقيقها، لكن كيف؟
انسحب مُسرعًا إلى الخارج عندما فشل في السيطرة على مشاعره، فحضوره لم يُضيف له سوى مضاعفة آلامه، ركب سيارته وتوجه بها إلى المحكمة بعيون حمراوتين، يزداد داخله كُره لذلك الخسيس النذل، ود لو أن يفتك بأعضائه كاملة ربما يُطفئ غليله.
في الداخل؛ لم تنبس صبا بحرفٍ منذ خروجها وتحركت بجوار أخيها كآلةٍ خالية من الروح، كانت شاردة طيلة الوقت فاستغل جلال حالتها واصطحبها إلى بيت والداها فهي بحاجة إلى أيادي مُحبِيها لتضميد ما عاشته.
***
وصل عبدالله بأنفاسٍ مُتقطعة بسبب ركضه للحاق بالجلسة، دلف من الباب فوجد القاضي يبدأ لتوه، جلس بجوار عائلته يلتقط أنفاسه الهاربة ثم انتبه الجميع على نُطق القاضي بآذان صاغية وتوترٍ مسحُوب بالخوف الشديد من سماع ما لا يسُر أنفسهم.
القاضي بصوت جهوري:
_ بسم الله الحق العدل، وبعد الإطّلاع على أوراق الدعوى وما استقر في يقين المحكمة من أدلةٍ وبراهين، وبعد الإستماع إلى أقوال المجني عليها وما ثبت من تقارير الطب الشرعي، وإذ تبيّن للمحكمة بما لا يدع مجالًا للشك أنّ المتهم حمادة عبد العال زوج المجني عليها زينب إبراهيم، قد ارتكب فِعلًا شنيعًا اعتدى فيه على زوجته اعتداءً جسيمًا، أفضى إلى إجهاض جنينها، وخلّف أذى بالغًا في جسدها ونفسِها.
وعليه، فقد حكمت المحكمة:
بإيقاع الطلاق البائن بينوتة كبرى على المدعوة ( زينب ابراهيم) من زوجها المدعو (حمادة عبد العال)، رفعًا للضرر وصونًا لكرامتها.
ثانيًا بسجن المتهم عشر سنوات مع الشغل والنفاذ جزاءً لاعتدائه الآثم على زوجته، وما نتج عنه من إجهاض جنينها ليكون عبرة لغيره وزجرًا لكل من تسول له نفسه الإعتداء وإهدار حقها في الأمان
هذا حكم الله وحكم القانون، صدر وأعلن في الجلسة العلنية والله وليّ التوفيق
رُفعت الجلسة..
الفصل الثامن والثلاثون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم تسنيم المرشدي
عمّت الفرحة قلوب الجميع؛ نهضت زينب فجأة ثم نظرت إلى عائلتها وقالت بإبتسامةٍ عريضة:
أنا اتطلقت!! وأخيرًا
نظرت إلى الأعلى وشكرت ربها على لُطفه:
_ شكرًا يارب
نهضت أحلام وقامت باحتضانها مباركة لها على تحررها من سجن ذلك الوغد:
_ مبروك يا حبيبتي، ربنا يعوضك خير يارب
ثم انتبهت زينب على يد قاسم التي ربتت على ذراعها فرفعت عينيها عليه فإذا به يبتسم لها ببشاشة فشكرته زينب بلغة عينيها قبل أن تُبدي امتنانها الكبير إليه:
_ شكرًا يا عمي، أنا من غيرك مكنتش عرفت أخد حقي منه، مهما اتكلمت مش هوفيك حقك...
_ أنتِ بنتي يا زينب، ودا واجب الأب تجاه بنته ولا إيه؟
هتف آخر جملته وهو يغمزها، فازدادت ابتسامتها بهجة، بينما جاء دور عبدالله الذي جاهد لإخفاء حزنه وقام بضمها مباركًا لها:
_ مبروك يا حبيبتي..
_ الله يبارك فيك يا حبيبي..
أردفتها وهي تُبادله العناق؛ ثم انسحب الجميع خارج القاعة، فمرَّ حمادة امامهم مُكبل الأيدي، يسير بين عسكريان يمسكانه بعناية، فوقفت زينب ترمقه بنظراتٍ ذات بريق يتلذذ في الإنتقام، كما تقوس ثغرها للجانبٍ ساخرة على وضعه الذي أصبح عليه، بينما لم يتقبل حماد تلك الهزيمة بعد وظل يردد عاليًا:
_ والله ما هرحمك يا زينب، هتشوفي أنا هعمل فيكي إيه
لحظتها أنقض عليه عبدالله فاقترب منه جميع من حوله ليمنعوه من الإقتراب منه، لكنه صاح عاليًا:
_ هكلمه عادي... سيبوني
ثم اقترب من أذنه وهمس أمامها من بين أسنانه المتلاحمة وهو يضبط له ياقته:
_ لما تخرج الأول تبقى تهدد، عشر سنين من قضية طلاق عادية، أومال هتاخد كام في قضية الاغتصاب؟! دا أنت هتتعفن هنا زي الفيران
بشرٍ هدر حمادة:
_ لما يتثبت الأول إني اللي عملتها يا عُبد!
تراجع عبدالله للخلف قليلًا ليكون ظاهرًا لحمادة، ثم إلتوى ثغره ببسمةٍ متشفية قبل أن يردد:
_ مسكين!
ثم عاود الإقتراب منه ثانيةً وهمس أمام أذنه:
_ لو فاكر بِحتة الكشف الطبي اللي طلبته دا هيحسن موقفك فأحب أقلق قلبك وأعيشك في أيام أسود من قرن الخروب واقولك إن صبا ملمسهاش غير واحد حيوان قذر هياخد جزاءه قريب أوي..
تراجع عبدالله مرة أخرى ليستشف تعابير وجه حمادة قبل أن يُضيف بنبرة قوية:
_ أصل جوازها دا كان كُبري!
عارف يعني إيه كُبري يا حمودة؟ ولا تحب أشرح لك؟
هشرح لك، مش هستخسر فيك أي معلمومة تعيشك في رعب..
دنا منه قبل أن يسترسل موضحًا بخفوت:
_ يعني جواز على الورق بس!!
عاود عبدالله الإبتعاد عنه ثم غمزه كما إلتوت ابتسامته للجانب بشكلٍ أكبر، فاتسعت حدقتي حمادة بصدمةٍ، تلك الأثناء دفعاه العسكريين للامام وهتف أحدهما:
_ كفاية كدا، يلا قدامي
كان حمادة في حالة يرثى لها، غير مصدق ما وقع على أذنيه، إذًا قد دابت آخر حبال كان متعلقًا بها، لم يقبل، ولن يصمت، تجمدت أقدامه فجأة ثم التفت ونظر إلى عبدالله بعد محاولاتٍ من العسكريين في إيقافه، لكنه استطاع النظر إليه قبل أن يبوح بشرٍ:
_ أنا مش هلبس الموضوع لوحدي يا عبدالله، أخوك هيلبسه معايا!!
صعقة قد صعقت عقولهم؛ تحجرت وجوههم كأنها تجمدت، يتبادلون النظرات المصدومة بشفاه تتحرك دون حديث، فكانوا عاجزون عن النطق.
لم يتقبل قاسم اتهام ذلك الوغد وأسرع بِخُطاه نحوه وقام بمسك تلابيب قميصه تحت محاولاتٍ من العسكريين في إبعاده لكن هيهات لقوة إرادته في معرفة الحقيقة على الرغم من استنكاره التام لتلك الكلمات التي تفوه بها لتوه.
_ انطق يالا وقول آدم ابني ماله ومال الكلام دا؟
هتفها قاسم بانفعالٍ بالغ؛ فأجابه حمادة وهو يلهث بسبب خنق قاسم له:
_ البيه ابنك هو اللي وزني أعمل كدا في الدكتوة!!
_ أنت كداب
صرخ بها قاسم بعقلاٍ لا يصدق ثم انسدل على وجهه بصفعةٍ عنيفة فبصق حمادة بِكُرهٍ على وجه قاسم قبل أن يردد:
_ معايا تسجيلات ليه وهو بيتفق معايا، والله ما هرحمه عشان هو اللي ورطني التورطية دي.. وطلاما هتحاسب يبقى كله يتحاسب معايا...
تلك اللحظة نجح العسكريين في إبعاد قاسم عن حمادة ثم تحركا به مُبتعدين عن الجميع، تحت صدمةً من قاسم الذي وقف يحدق بالفراغ أمامه بعقلاٍ سيجن، خرج من حالته على ركوض عبدالله خارجًا من المحكمة.
نظر خلفه حيث صادق وأمره من بين أنفاسه اللاهثة:
_ وصل أحلام وزينب البيت يا صادق..
ثم هرول مسرعًا خلفه، لكنه لم يلحق به فلقد ذهب الآخر بسيارته، فركب قاسم السيارة ليحلق به قبل أن يُحدِث كارثة لن تكون في صالح أيًا منهما.
***
كانت جالسة على طرف الأريكة مستندة بمرفقيها على فخذيها واضعة راحتي يدها على فمها محاولة استيعاب ما أخبره عنه ولدها، زفرت أنفاسها ثم اعتدلت في جلستها حيث أصبحت أمامه وأردفت بهدوءٍ لم يتوقعه:
_ بحاول استوعب أن ابني العاقل اللي بقول لاخواته ياخدوه قدوة يعمل كل دا!
كان عاصم مُنكس الرأس لا يستطع مواجهتها؛ بينما أضافت نهال والصدمة ما زال أثرها لم يتبخر:
_ أنت بجد عملت كدا ليه وإزاي؟ ليه تقبل على نفسك واحدة لا هي شكلك ولا من مستواك التفكيري ولا المادي ولا المكاني؟ وياريت مثلًا فيه قصة حب بينكم كنت قولت مرايا الحب عامية زي ما بيقولوا، بس حتى دا كمان مش موجود!!
هبت نهال واقفة وجابت المكان من حولها ذهابًا وجيئا وهي تلومه بنبرةٍ مندفعة:
_ واحدة شوفتها مرة واعجبت بيها، فجأة كدا تتجوزها.. أنا من الأول كنت متأكدة إن فيه حاجة غلط
توقفت عن السير فتطلع بها عاصم، بينما تابعت حديثها وهي تُشير نحو قلبها:
_ والله كان قلبي بيقولي إن فيه حاجة مش مظبوطة، أصل مش طبيعي ابني اللي بيفكر في الحاجة قبل ما يعملها أكتر من مرة ولازم يكون دارسها كويس يجي فجأة ويغير الـ line اللي ماشي عليه..
اقتربت منه نهال ووقفت أمامه وقالت بحنقٍ:
_ أنا بحاول ألاقي لك مبرر واحد لإنك مكمل في الجوازة دي مش لاقية، طب هقول ابني كان gentleman وحب يقف جنب البنت، لكن أسمع إنها رفضاك وإن كل دا جوازكم على الورق بس!
يعني أنت وقفت جنبها وساعدتها متتفضحش، وهي في المقابل مش قابلاك أصلًا، طيب لما هي الهانم مش من عايزاك، مكمل معاها ليه؟
قابل الوضع دا على رجولتك إزاي؟
إيه اللي كنت متوقعه يحصل يعني؟
تطلع بها عاصم لبرهة قبل أن يُعطيها إجابة مُختصرة:
_ كنت متوقع تحبني زي ما بحبها!
إجابته سببت وخزة قلبية لنهال التي ضربت جبينها بيدها وأخذت وقتًا مغمضة العينين ثم أزاحت يدها عن وجهها وهتفت مستاءة:
_ مش مصدقة يا عاصم اللي بسمعه، مش مصدقة أن ابني عاصم عز الإبن البكري لعز سليمان اللي متربي نص عمره في أمريكا ولافف دول العالم يكون بالسذاجة دي!!
أخفض عاصم رأسه سريعًا عندما فشل في مواجهة عينيها؛ فحاولت هي أن تُهدئ من انفعالها، فسحبت شهيقًا وزفرته ثم توجهت إليه وجلست إلى جواره، وأرغمته على النظر إليها برفعها رأسه بإصبعها.
ثم أردفت بحكمة:
_ بص يا حبيبي، أنا متفهمة إن قلبك جميل وحاولت تساعدها بجوازك منها، لكن البنت مش حباك، مفيش حاجة اسمها متوقع تحبني..
ملست نهال على وجهه وعاودت مسترسلة:
_ حبيبي أنت شاب والفرص قدامك كتيرة، وهي مش آخر واحدة هتحبها، لازم يكون فيه توافق فكري واجتماعي وبعده نبص على الحب.. أنت جميل وتستاهل تتحب، تتساهل علاقة الطرفين فيها سويين بياخدوا ويدوا لكن علاقتك دي أنت بتستنزف فيها طاقتك وروحك وكرامتك ورجولتك كمان..
أنت لازم تنهي العلاقة دي وفورًا وإلا صدقني موقفي مش هيكون كويس لا معاك ولا معاها..
هب عاصم واقفًا ولم يتقبل تهديدها وصاح:
_ أنا مش عيل يا ماما قدامك عشان تهدديني، لو سمحتي متدخليش في الموضوع دا وأنا عارف كويس أنا هعمل إيه
انتفضت نهال من مكانها ثم صاحت بحنقٍ بالغ:
_ لا يا عاصم، مش هسيب لك القرار المرة دي أبدًا، أنت من ورانا وروحت اتحملت دور مش دورك، وياريتها عايشة معاك كزوج..
هدّأت من نبرتها وهي تخطو بقُربه وأضافت بتأثرٍ:
_ صعب عليا وأنا بسمعك بتتحايل عليها تحبك وهي رافضة، أنا اللي سمعته واجع لي قلبي بشكل أنت مش متخيلة، يا حبيبي أنت مش قليل ولا ناقصك حاجة عشان تكمل في علاقة مؤذية زي دي..
ابتلعت نهال ريقها قبل أن تُضيف بجرأة:
_ يا بني أنا ست وفاهمة كويس احتياجات الزوج لزوجته، وطلاما هي مش بتقضي احتياجاتك يبقى وجودها في حياتك ملوش داعي طلاما مش بتضيف لك ولا حتى بتحبك، أنت بتعذب نفسك يا عاصم، أفهم بقى، العلاقة دي لازم تنتهي حالًا..
_ أنا برده اللي أقرر امتى تنتهي، لو سمحتي يا ماما متدخليش في الموضوع دا بعد إذنك..
هتفها عاصم بنفاذ صبر، فبلغت الأخرى ذروة تحملها وصاحت عاليًا محذرة:
_ أنت طول عمرك شايف الوش الهادي الرزين، مشوفتش لما بقلب جد بكون شرانية إزاي وايه اللي ممكن اعمله!
زفرت أنفاسها قبل أن تضيف آخر ما لديها:
_ أنا أي حاجة تإذي ولادي أو تأثر على مكانتهم قدام الناس مش بكون عقلانية أبدًا، خُد كلامي على محمل الجد يا عاصم عشان مترجعش تزعل بعدين...
نظرت نهال خلفها حيث موضع حقيبتها ثم توجهت نحوها وقامت بالتقاطها وهتفت قبل أن تُغادر:
_ انا همشي عشان اسيبك تقنع عقلك بكلامي، مش عشان تاخد قرار تاني من نفسك، اللي أنا قولته هو اللي هيتنفذ يا عاصم
كانت نبرتها جادة ناهيك عن نظراتها القوية التي أثبتت لعاصم أنها لا تمزح بحديثها، غادرته نهال بينما وقف هو يتطلع بطيفها الذي اختفى خلف الباب بعقلاٍ مشتت، شعر لوهلة بعدم قُدرته على أخذ قرارٍ فجلس على الأريكة بإهمالٍ وأخذ يضبط أنفاسه المضطربة بصوتٍ مسموع وهمومٍ متضاعفة.
***
عادت صبا برفقة أخيها إلى بيت أبويها اللذان استأجراه بعد سفرها مباشرةً؛ تفاجئت إجلال بقدوم صبا وهللت بفرحة وعيون دامعة:
_ يا قلب أمك، وحشتني طلتك يا صبا.. وحشني كل حاجة فيكي يا حبيبتي
قالتها ثم قامت بضم صبا إلى صدرها، فبادلتها الأخرى عِناقًا حار، وقد انسدلت بعض العبرات من عيني صبا على كتف والدتها، كيف ابتعدا كهذا؟ متى بُنيت تلك الحواجز؟
خرج محمود من غرفته يتفقد الأصوات الحادثة في الخارج، فتفاجئ بوجود صبا، خفق قلبه بقوة وتمنى الذهاب إليها لكنه تريث فخشى أن ترفضه، بينما ربط جلال على ظهر صبا فنظرت إليه بعيون متسائلة، منتبهة على إشارات عيني جلال التي تؤدي إلى مكانٍ، عندما تفقدته وجدت والدها واقفًا يتطلع بها.
خفق قلب كليهما في آنٍ واحد لحظتها؛ طالت النظرات ولم يُبادر أي منهما الحديث، حتى توجه جلال إلى أبيه وأردف بصوتٍ أجش:
_ صبا جت لك أهي يا حاج، خُدها في حضنك وقولها كل اللي جواك عشان تشيلوا الحواجز اللي بينكم...
رمقه محمود بطرف عينيه ثم عاود النظر إلى صبا من جديد، رفع أقدامه عن الأرض بصعوبة ثم توجه نحوها فشعرت الأخرى بأن قلبها سيخترق قلبها من شدة تدفق الدماء به، ابتلعت ريقها مرارًا محاولة أن تبدوا طبيعية، وقف محمود أمامها وهتف نادمًا على ما بدر منه:
_ سامحيني يا بنتي، سامحيني عشان أنا معتش عارف أعيش وأنا شايل ذنبك، ضميري مبيخلنيش أنام، كل ليلة بتعدي عليا بتكون كابوس وحش أوي على ما يطلع النهار، فكرت كتير أجي واستسمحك بس خوفت ترفضيني تاني، وأنا وقتها مكنتش هقدر استحمل ويا عالم من هيجرالي إيه!
رفع محمود يده على وجنتها اليُمنى وتحسّسها بلطفٍ قبل أن يُعاود مواصلة استرساله برجاء:
_ سامحي أبوكي يا صبا..
تبخرت محاولات صبا على التماسك؛ وأجهشت في البكاء وهي تلقي بجسدها بين ذراعيه، فتفاجئ محمود بتصرفها وابتسم بسعادة دقت طُبول قلبه، ربت على ظهرها بمزيجٍ من المشاعر المختلفة.
فتأثر الجميع بوضعهما ودمعت أعينهم؛ تراجعت صبا إلى الخلف ثم أخفضت نظرها بحرجٍ وهتفت بصوت هزمه ما تعرضت إليه قبل مجيئها:
_ أنا تعبانة، محتاجة أرتاح..
فأقبلت عليها إجلال وقالت وهي تُشير إلى أحد الغرف:
_ تعالى يا حبيبتي ارتاحي هنا..
ذهبت معها صبا حتى دلفت الغرفة، جلست على طرف الفراش فتحدثت والدتها بحنانٍ:
_ أنا هروح أحضر لك كل الأكل اللي أنتِ بتحبيه يا حبيبتي، عايزة حاجة معينة؟
اكتفت صبا بهز رأسها نافية، فأسرعت إجلال على الخروج من الغرفة لتطهي لها كل مالذ وطاب فرحًا بعودتها، بينما انتبهت صبا على رنة هاتفها الذي يؤكد وجود اتصالًا غير الإنترنت، فسحبت هاتفها سريعًا متفقدة المتصل ثم أجابت على الفور:
_ Hello, Doctor
فعاودت الطبيبة الحديث بعملية:
_ Welcome, Saba. How are you? How is the progress of the case?
( اهلا بكِ يا صبا، كيف حالكِ؟ كيف يسير تقدم القضية؟ )
ردت صبا بايجازٍ:
_ so far, good
( إلى الآن، جيد )
فقالت الطبيبة وهي ترفع بعض الأوراق لتظهرها أمام صبا:
_ "How come you didn’t ask me for the hospital reports I requested from you at the beginning of our sessions? They are conclusive evidence of the violation of your body. They will surely bring the case to an end
( كيف لم تطلبي مني تقارير المستشفى التي طلبتها منكِ في بداية جلساتنا؟ إنها دليل قاطع على انتهاك جسدك. سوف تنهي القضية حتمًا)
اتسعت حدقتي صبا بذهولٍ، نهضت فجأة وعينيها مُثبتة على التقارير دون استيعاب، أخذت وقتًا حتى ابتلعت ما فاجئتها به الطبيبة ثم قالت بتلعثمٍ:
_ "I forgot, I completely forgot، They are definitely very important.
( نسيت، لقد نسيتها تمامًا، إنها بالتأكيد مهمة جدًا )
ابتسمت الطبيبة وأردفت:
_ I will take a photo of it and send it to you.
( سوف أقوم بتصويره وإرساله إليكِ )
بسعادة عارمة طغت على وجه ونبرة صبا التي تحولت إلى الحيوية هتفت:
_ "Thank you, thank you so much.
( شكرًا، شكرًا للغاية)
ثم أنهت الإتصال وقامت باحتضان الهاتف بشعورٍ لا يوصف، حتمًا تلك التقارير ستنقل القضية نقلة كبيرة لصالحها، ارتجف جسد صبا بذُعرٍ عندما اهتز الهاتف في يديها، نظرت إلى الهاتف وابتسمت لذعرها المبالغ ثم أجابت بمزاجٍ سوي:
_ نقول مبروك؟
_ الحمدلله، اتطلقت وأخد عشر سنين!!
قالتها زينب بفرحة عارمة؛ بينما هللت صبا في سعادة بالغة:
_ الحمد لله يا حبيبتي..
_ العُقبى لكم
هتفتها زينب بنبرة مازحة، ثم تحولت نبرتها فجأة إلى الضيق وهي تقول:
_ صبا، فيه حاجة حصلت لازم تعرفيها..
استشعرت صبا القلق الذي يغلف صوتها، وتساءلت بتوجسٍ يشوبه الريبة:
_ حصل إيه؟
زفرت زينب أنفاسها بِثقل، وأخذت تُخبرها باعتراف حمادة الأخير فجحظت عيني صبا بصدمةٍ حلت على وجهها الذي أسود لونه وشحب، بينما لم تجد زينب من الكلمات ما تُخفف به عن صبا، حتمًا الصدمة ثقيلة، ولم يتقبلها عقله بعد.
أغمضت صبا عينيها محاولة هضم ذلك الخبر، ورددت بذهولٍ عندما فشلت في استيعابه:
_ يعني إيه؟ يعني الوحيد اللي حبيته هو أكبر سبب أذى ليا!! عبداالله آذاني بِحُبه يا زينب!
الكُره والحقد اللي جواهم ليه آذاني أنا، أنا اللي بدفع تمن انتقامهم منه!
تساقط دمعها بغزارة تحسُرًا على حُبٍ لم يأتيها من خلفه سوى الأذى النفسي والجسدي، تعيش أسوء أيامها بسببه! لم تشعر سوى وهي تنهي الإتصال على الفور، ثم خرجت من الغرفة ونظرت إلى أخيها وأبيها قبل أن تُردف:
_ أنا عايزة أوكل محامي تاني في أقرب وقت!
***
رفع يده ليرتشف القليل من قهوته وهو يتفحص التقرير الطبي الخاص بصبا، فشرق بصدمةٍ وهو يقرأ النتيجة المكتوبة أمامه، اهتزت يده فسقطت القهوة على بنطاله، هب آدم واقفًا وهو ما زال مُمسكًا بالورقة يُعيد قراءة التقرير على أمل إنه قد فهم خطأ.
أبعد عينيه بصعوبة عنه ونظر إلى الفراغ أمامه بصدمةٍ ألجمت عقله ولسانه، سحب مفتاح سيارته وتوجه إلى الخارج سريعًا فلقى نظراتٍ عليه بسبب بنطاله المتسخ.
خرج من المركز واستقل سيارته ثم تحرك بها بعد مسافةٍ ليست طويلة حتى فوجئ بوقوف سيارة عبدالله أمامه، ترجلا كليهما من السيارات فظهر قاسم الذي أوقف سيارته خلف عبدالله.
_ في إيه؟
تساءل آدم بتوجسٍ، بينما هجم عبدالله عليه كأسدٍ ينقض على فريسته، قام بتعلق ذراعيه في تلابيب قميص آدم الذي هلل دون فهم:
_ إيه اللي بتعمله دا؟ نزل إيدك!
_ ليه؟ ليه عملت كدا؟ عملت لك إيه عشان كل الحقد اللي جواك ليا دا؟ حقدك وصلك إنك تحرض الكلب حمادة على اغتصاب صبا عشان يقهرني؟؟
هتفها عبدالله بصوتٍ غاضب منفعل كادت عروق عنقه تنفجر إثرها، بينما خفق قلب آدم ودب الرعب قلبه، قابله بعيون لامعة ثم ابتلع ريقه وحاول نفي التهمة من عليه:
_ إيه اللي أنت بتقوله؟ أنا مش...
قاطعه عبدالله بتلك اللكمة من رأسه التي فاجئ بها آدم فأسقطه أرضًا أثرها، فأسرع قاسم نحوهما وشكّل حاجزًا بينهما، ثم التفت بجسده وأخفض نظره إلى مستوى آدم وسأله بتوجسٍ لتأكيده ما يخشاه:
_ أنت فعلًا قولت لحمادة يعمل كدا؟
أطال آدم النظر في عيني والده، كان في موقفٍ يصعُب عليه الكذب به، فسقطت دمعة من عينيه وهو يُجيبه بصوتٍ مهزوز متحشرج:
_ والله العظيم مقولتلوش يروح يعمل كدا، أنا قولتله ضايق عبدالله، شوف مين المهم عنده وضايقه فيه لكن عمري ما أحرض على قذارة زي دي أبدًا!!
بعد اعترافه؛ جن جنون عبدالله وسار كالطور الهائج الذي لا يقدر عليه أحد، دفع بوالده بعيدًا عنه، واقترب من آدم ثم إنهال عليه ببعض اللكمات العنيفة في وجهه بعقلاٍ لا يصدق وصاح بنبرةٍ مكلومة:
_ يعني كل اللي بعيشه دا بسببك أنت!! يا أخي دا أنا أخوك، أخوك من دمك تعمل فيا أنا كدا؟
أخوك اللي خطيبتك لما جت واعترفت لي بحبها ليا، أنا صديتها عشانك!!
قولت لها عمري ما أعمل في أخويا كدا أبدًا!!
وأنت تكون سبب كل المصايب اللي في حياتي؟
بس مبقاش عبدالله لو مخلتكش تتعفن في السجون!
تدخل قاسم محاولًا إبعاد عبدالله عن آدم، لكن هيهات لغضب عبدالله تلك الأثناء، فلم تُساعده قواه على إبعاده، بينما كان آدم مصدومًا بتصريح عبدالله وبعد أن كان يقاوم ضرباته استسلم له وكأنه ينال عِقابه على ما فعله.
توقف عبدالله فجأة، عندما شعر بدُوار مُفاجئ، تفقد المكان من حوله شاعرًا بنبضات قلبه التي تسارعت ناهيك عن حبات عرقه التي تجمعت على جبينه وتساقطت على وجهه بغزارة، وفجأة ودون سابق إنذار قد خر واقعًا.
ارتجف وجه قاسم وقلبه الذي خشى ضياعه، هرول نحوه بأقدام لا تقدر على حمله، لكنه جاهد نفسه حتى يطمئن على عبدالله بينما استقام آدم في جلسته وتراجع للخلف وهو يتطلع في أخيه الغافي.
_ عبدالله، فوق يابني متوجعش قلبي عليك...
هتفها وهو يضرب وجهه بخفة على أمل أن يفيق، وبعد فترةً؛ بدأ عبدالله يستعيد وعيّه فوجّه قاسم عينيه إلى آدم دون النظر إليه بنبرةً حادة يُغلفها الخذي والعار من فِعلته:
_ قوم امشي، مش عايزه يفوق ويشوفك قدامه..
كان يطالعه الآخر بتأثرٍ وندم شديد، وما آلم قلبه عدم مواجهة عيني والده له، نهض ونفض عنه الأتربة ثم استقل سيارته وغادر، بينما استفاق عبدالله ونظر حوله بِتيِه:
_ إيه اللي حصل؟
قوم يا عبدالله نمشي من هنا..
قالها قاسم وساعده على الوقوف ثم أوصله إلى السيارة الخاصة به فهلل عبدالله:
_ عربيتي..
_ هبعت حد ياخدها، اركب أنت بس
قالها قاسم على أمل عدم مراوغته، فلم يجد منه سوى الإستسلام، استقلا كليهما السيارة ثم تحرك قاسم تحت كلمات عبدالله المذهولة:
_ أنا عملت له إيه عشان يرد عليا بالحِقد والكُره دا، أنا آذيته في إيه عشان يإذيني كدا؟
أنا حياتي ادمرت بسببه! والمشكلة إنه اخويا!
هو إزاي مفكرش للحظة باللي بيربطنا ببعض قبل ما يحرض حمادة على حاجة زي دي؟
إزاي واحد في مركزه يفكر يإذي الناس اللي المفروض بيجيب لهم حقهم؟
والله ما هسيب حقي وحق صبا أبدًا..
تركه قاسم يبوح بما يدور داخله، ربما يهدأ قليلًا، بينما كان يزداد قاسم قلقًا ورعبًا يسكن قلبه مع سماع كلمات عبدالله، يخشى على والديه من الأذى الذي سيصيبهم من خلف بعض.
كيف سيكون شاهدًا على ما هم مُقبلون عليه؟
إلى صف من سيقف؟
المخطئ أم الذي أصابه الأذى؟
كليهما فلذة كبده، حتى وإن أخطأ أحدهما كيف يقوم بالوقوف إلى جانب واحد فقط؟
_ الله يسامحك يا آدم..
رددها قاسم بخفوت بقلبٍ يعتصر حزنًا وعقلًا ينتج المئات من السيناريوهات المُحتملة فيضيق صدره حتى شعر بأنفاسه باتت ثقيلة وكل ما يدور حوله ثقيل.
***
_ كويس إنك صحيتي، تعالي دخليني الحمام بسرعة
هتفتها ليلى وهي تتلوى ألمًا من جانبيها، فأسرعت سمر نحوها محاولة مساعدتها على الوقوف، وقفت ليلى بصعوبة قابلتها من خلف آلام جسدها التي تتضاعف كلما تحركت، أحاطت سمر خصرِها بذراعيها وحاولت السير بتهملٍ.
أطلقت ليلى بعض الشهقات الموجوعة كلما خطّت بقدمها إلى الأمام، حتى تخطّت مسافة قصيرة وشعرت بحاجتها للبكاء، فلم تعد تستطيع السير على قدم واحدة ناهيك عما تشعر به في ثائر جسدها وهللت بصوتٍ يكسوه البكاء:
_ معتش قادرة اتحرك، أنا تعبانة أوي، كل حاجة بتوجعني..
وما أن أنهت جُملتها حتى انفجرت باكية، فتأثرت سمر لوضعها وحاولت التفكير في حلٍ سريع:
_ موبايلي في جيبي هكلم بابا يحاول يجي من شغله بسرعة يساعدني..
_ يعني أنا هفضل واقفة كدا لغاية ما يجي، فكرة مش حلوة..
هتفتها ليلى مستاءة، ثم حاولت السير بنفسها وقالت:
_ هاجي على نفسي شوية لغاية ما أوصل، ساعديني معلش..
جاهدت ليلى نفسها حتى وصلت إلى المرحاض وبعد أن قضت حاجتها بمساعدة شقيقتها، خرجت من المرحاض فصدح رنين هاتف سمر فقامت سحبه من جيبها بتلقائية دون الإنتباه لما سيترتب على إبعاد ذراعها عن ليلى التي خارت قواها وسقطت أرضًا عندما لم تجد يد تُسند ظهرها.
شهقت سمر بصدمة، ونعتت نفسها، بينما صرخت ليلى بألمٍ وبكت، فهتفت سمر بندمٍ شديد:
_ أنا آسفة، آسفة والله معرفش مفكرتش إزاي قبل ما أشيل ايدي..
حاولت مساعدتها على الوقوف لكنها لم تستطع الإتكاء على قدمٍ واحدة كل تلك المسافة، فلم تشعر بنفسها سوى وهي تردد من بين بكائها:
_ اطلبي زكريا خليه يجي..
حدجتها سمر بغرابةٍ لكنها لم تعلق، فذلك ليس وقته، ثم نظرت في شاشة هاتفها باحثة عن رقم زكريا لتقوم بالإتصال به.
على جانب آخر؛ لم ينم زكريا تلك الليلة، بل قضاها في إصلاح بعض السيارات التي جاءت البارحة دون كللٍ كأنه يعاقب ذاته على تصرفه المشين، وأيضًا يُشغل عقله عن التفكير الذي لا يضيف له سوى ضيق صدره.
انتبه على رنين هاتفه، فسحبه من جيب بنطاله بفتورٍ تحول إلى لهفةٍ عندما قرأ الإسم المُدوّن على الشاشة، وقام بالرد دون تردد:
_ الو..
بنبرةٍ جامدة حدثته:
_ ليلى واقعة على الأرض ومش عارفة أقومها لوحدي لو...
قاطعها زكريا قبل مواصلة حديثها بترديده:
_ أنا جاي على طول..
وسرعان ما أنهى الإتصال وقامت بخلع زِيّ العمل وقام بالخروج من المكان فتقابل مع وليد الذي تفاجئ بوجوده وسأله:
_ أنت هنا بتعمل إيه؟
لم يجيبه الآخر بل هتف وهو يبتعد عنه:
_ كويس إنك جيت، عشان حد فينا يكون موجود، أنا راجع البيت
وقف وليد يُتابع حركته دون فهم لما يحدث معه، ثم ولج المركز عندما اختفى زكريا عن مرآى عينيه، بينما أوقف زكريا سيارة أجرة وأمرها بالإسراع إلى منطقته.
بعد فترة ليست طويلة ة؛ وصل زكريا إلى المنطقة خاصته وصعد درجات السُلم سريعًا دون الإلتفات لتحذيرات والده بعدم دخول المنزل ثانيةً، كاد يفتح الباب لكنه تفاجئ بنسيانه في الداخل فقام بقرع الجرس.
لم تمر ثانية حتى فتحت له سمر بوجهٍ متجهم فلم يعطيها زكريا اهتمام، وتساءل بلهفةٍ وهو يدلف بِخُطاه إلى الداخل:
_ فين ليلى؟
وما أن أنهى سؤاله حتى وجدها أمامه على بُعد مسافةٍ قريبة تجلس أرضًا وتنسدل عبراتها في صمتٍ، أقبل نحوها وهو يُردد:
_ إيه اللي وقعك هنا بس؟!
لم تُجيبه بل تحاشت النظر عنه، فلم يُعقب وقام بحمّلها بحذرٍ كي لا يؤذيها، تمسّكت ليلى في قميصه تلقائيًا خشية أن تقع مرةً أخرى، فشعر زكريا بقشعريرة قوية في جسده، توجه بها إلى غرفتهما ونزل بجسده واضعًا إياها على الفراش.
تفقد معالم وجهها جيدًا قبل أن يسألها:
_ وشك لونه شاحب كدا ليه؟ أنتِ مأكلتيش حاجة؟
بهجومٍ عنفته:
_ بلاش الأسئلة دي أصل أتأثر!
تشدقت ساخرة وواصلت بازدراء:
_ متفكرش إني اتغاضيت عن كل حاجة عشان طلبتك تساعدني، بس للأسف مفيش غيرك..
ازدادت نبرتها بُغضًا وهي تواصل:
_ بكرهك عشان وصلتني إني أحتاج لك في أكتر وقت مش طايقة فيه أبص في وشك!
كانت كلماتها ثقيلة؛ آلمت قلب زكريا وأشعرته بضئل حجمه، رفت عينيه لثانية جاهد نفسه على التماسك أمامها وعدم فقد سيطرته، زفر أنفاسه ثم أولاها ظهره فهتفت ليلى من خلفه:
_ هنطلق يا زكريا، هخلص من اللي أنا فيه دا وهنطلق..
استمع إلى كلماتها دون أن يلتفت إليها، خرج من الغرفة باحثًا عن سمر التي وجدها تتحدث في الهاتف منفعلة:
_ بقولك هو مش هنا، وأنا مش هقدر أسيب ليلى في وضعها دا، وزكريا مش راضي ينزلها من البيت، يعني مضطرة أقعد هنا.. ياريت شوية تفهُم للوضع اللي أنا فيه!
وقعت كلماتها على آذان زكريا الذي انتظرها لحين انتهت من المكالمة، ثم استدارت سمر بجسدها فتفاجئت بوقوف زكريا أمامها، لم يُعطي لها فرصة التحدث وأردف:
_ إرجعي لجوزك وعيالك يا سمر، أنا موجود مش هخليها محتاجة لحاجة..
كادت تُبدي اعتراضها لكنه لم يدعها تتحدث وتابع هو بإصرارٍ:
_ بيتهيقلي محدش عارف يتعامل مع ليلى في وضعها دا غيري.. إرجعي لجوزك بلاش تخربي البيت، كفاية بيت واحد اتخرب!
قالها وسرعان ما نكس رأسه عندما فشل في مواجهة عينيها، أشفقت سمر على حاله وغمرها الآسى لما وصلا إليه، أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تقترب منه وتردد:
_ ليلى محبتش غيرك، ولسه بتحبك على فكرة، متفكرش المقاوحة دي كُره، هي بس لسه متخطتش اللي أنت عملته
أخرجت تنهيدة حارة وواصلت:
_ ليلى مكانتش تستاهل منك كدا أبدًا يا زكريا، ولا حتى كانت تستاهل الفضيحة اللي والدتك عملتها، ليلى طيبة وبتعرف تحب وتضحي وأنتوا للأسف استغليتوا طيبتها وجيتوا عليها أكتر من اللازم..
دنت منه خطوة أخرى وأردفت:
_ أنا عمري ما أتمنى لأختي الخراب، وخصوصًا إن نص عمرها كانت وحيدة، أنا نفسي تصلح علاقتك معاها، حاول تبعد عن أي طُرق غلط وإحمد ربنا على نعمته وافتح صفحة جديدة مع نفسك ومع ليلى، بس الطريق هيكون طويل على ما تتغاضى عن اللي عاشته لأنه مكانش سهل خالص
ويا ابن الحلال لو مش مستعد تمشي لها خطوة واحدة متعشمهاش ومتخلنيش أمشي وأسيبها معاك عشان أنا وقت ما هيحصل حاجة منك تاني مش هسامح نفسي ولا هقدر اسكت لك المرة الجاية!!
_ مستعد أمشي لها عمري والله، بس هي تسامحني.. أنا والله ندمان ومعرفش أنا عملت كدا إزاي!
هتفها زكريا بشجنٍ وخِزي من نفسه، بينما ابتسمت سمر في وجهه وقالت:
_ ربنا يهدّي سركم، أنا هقضي النهاردة مع ليلى أحاول أجهز لها أكلات وأعينها في الفريرز تكون جاهزة على الطبيخ على طول..
بادلها زكريا الإبتسام مُمتنًا لها ثم انسحبت سمر من أمامه ودلفت المطبخ بينما وقف زكريا يُعيد ترتيب أفكاره، وبعض الأمور الذي سيسير عليها الأيام المُقبلة.
***
صف آدم سيارته أمام الفيلا، ترجل منها والغضب مُشكل على تقاسيمه، قرع رنين الجرس بعدم احترام، وماهي إلا ثوانٍ حتى فتحت له الخادمة واستقبلته بِترحاب على الرغم من تعجبها لتصرفه المُريب:
_ Welcome, Mr. Adam
( مرحبًا، أستاذ آدم )
بنبرة هجومية سألها وعينيه لا يتوقفان عن البحث خلفها:
_ Where's valia?
( أين ڤاليا )
أجابته الخادمة بعملية
_ She is sitting in the backyard garden
( إنها جالسة في الحديقة الخلفية )
دون استئذان دلف آدم بوجهٍ لا يبشر بالخير مُتجهًا إلى باب الحديقة الخلفية، نادته الخادمة مِرارًا لكنه لم يآبى لها وتابع سيره حتى ظهرت ڤاليا أمام عينيه، فاقترب منها تحت تعجبٍ شديد من وجوده، نهضت وهي تُردد بغرابةٍ:
_ آدم!!
وقف أمامها بعيون مُحمرة من فرط غضبه وصاح بانفعالٍ شديد يُخالطه الغيرة:
_ أنتِ قولتي لعبدالله إنك بتحبيه وأنتِ معايا؟
فوجئت ڤاليا بسؤاله الذي خفق قلبها رعبًا أثره، ابتلعت ريقها في محاولة كسب الوقت لإيجاد الكلمات، فخرج آدم عن طوره وأمسك ذراعها وظل يدفعها بعنفٍ وهو يصرخ عاليًا:
_ متسكتيش، ردي عليا، ردي وقولي إن الكلام دا غلط!
توجست ڤاليا خيفة من هجومه المرعب، وصاحت وهي تحاول سحب ذراعها من بين قبضته:
_ أنت بتعمل إيه؟ سيب ايدي، يا دادي
نادت والدها الذي جاء على الفور عند إخبار الخادمة له بحضور آدم، هرول مسرعًا باتجاهه وقام بإبعاده عنها وهتف بحنقٍ مستنكرًا تصرفه:
_ إيه اللي أنت بتعمله دا؟ إزاي تسمح لنفسك تتعامل كدا مع بنتي؟ امشي اطلع برا بدل ما تكلم قاسم واحكي له اللي عملته..
_ مش ماشي من هنا قبل ما أسمع من بنتك الرد على سؤالي..
قالها وعينيه يشعان منهما إصرارًا واضحًا على عدم ذهابه قبل أخذ ما يريد، فهتف عز سؤاله بازدراء:
_ رد إيه وسؤال إيه؟
_ هي فعلًا قالت لعبدالله إنها بتحبه ولا لأ؟
أردفها فاستاء عز من سؤاله الذي سيجلب المشاكل، وتولى الرد بدلًا عن إبنته:
_ مفيش الكلام دا، امشي يا بني اطلع برا وياريت تاني مرة متدخلش بيتي بالشكل الهمجي دا، أنا لولا والدك كان ليا تصرف تاني معاك..
بتمردٍ صريح صاح آدم:
_ مش همشي غير لما أسمع منها هي..
تأفف عز وكاد يطلب له رجال الأمن لكن ڤاليا قد أجابته قائلة:
_ أيوا قولت له كدا، خلاص سمعت مني، اتفضل امشي بقى..
أغمض عز عينيه لبرهة لاعنًا زلة لسان إبنته، فإن حدث شيئًا غير مستحب من آدم الآن ستكون هي المُتسببة الأولى، عاود فتح عينيه وقام بسحب هاتفه محذرًا آدم:
_ هتصل بقاسم يا آدم لو مخرجتش حالًا!
تدخلت ڤاليا لاحقة بوالدها قبل أن يتصل بقاسم وقالت وهي تتخطاه:
_ لحظة يا دادي لو سمحت..
دنت من آدم فتساءل عز مستفسرًا:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
أدارت ڤاليا رأسها ناظرة إلى والدها وأجابته:
_ فيه سوء فهم لازم يتوضح..
ثم عاودت النظر إلى آدم بنظراتٍ مُشفقة لما جعلته يشعر به، وحاولت توضيح بعض الأمور له:
_ أنا فعلًا قولت لعبدالله كدا، بس أنا كنت غلطانة، مش هنكر إني كنت فاكرة إني بحبه بس الحقيقة إني كنت مشدودة لشخصيته عشان أول مرة اتعامل مع حد كدا، دايما طلباتي بتتنفذ والكل بيجاملني حتى لو حساب نفسه، هو معملش كدا ودا خلاني أفكر إني بحبه، بس الفترة اللي فاتت دي أكدت لي إنه مكنش حب، أنا مزعلتش إنه رفضني ولا حتى فكرت للحظة واحدة إني أحاول معاه تاني، الحاجة الوحيدة اللي فرقت معايا وكانت طول الوقت شاغلة بالي كنت أنت يا آدم!
اتسعت مقلتي آدم بذهولٍ، وهو يستمع إلى كلماتها بآذان صاغية فتابعت هي بنبرة رقيقة:
_ كان ضميري بيأنبني من نحيتك جدًا، وبلوم نفسي إني مفهمتش حقيقة مشاعري غير متأخر، كان عقلي مشغول بأسئلة كتيرة، أهمها يا ترى أنت عامل إيه بعد انفصالنا، يا ترى وجعت قلبك أوي ولا لأ، كنت غلطانة في تعاملي معاك طول فترة ما كنا مع بعض ولا لأ، أسئلة كتيرة مكانتش بتفارقني ومكنتش بلاقي ليها رد، وأنت كويس إنك هنا النهاردة عشان حابة أقولك I'm sorry على أي شعور وحش حسستك بيه قبل كدا..
نظرت إليه بشفقة، فكان الآخر واقفًا أمامها بضعف حيلة، يشعر أنه بحاجة للبكاء وإلقاء نفسه بين ذراعيها، يا ليت ما نعيشه يكون في سهولة تقديم الإعتذار.
لم يُبعد آدم عينيه عن ڤاليا، الي أحست بشيءٍ يود قوله من خلف شفتيه التي تتحرك دون حديث، كادت تسأله عما يريد قوله لكن تَدخُل والدها قد منعها، حيث جاورها ووجه حديثه الحاد إلى آدم:
_ أظن يا آدم كفاية لغاية كدا اتفضل امشي..
أشاح آدم عينيه بصعوبة ووجهها على عز ثم أردف بخفوت:
_ أنا آسف..
ثم أولاهما ظهره وغادر الفيلا سريعًا عائدًا إلى بيته، وصل في غضون دقائق، لم يتفاجئ عندما وجد والده في إنتظاره، بل ترجل بهدوءٍ وتوجه إليه وهو مُنكس الرأس لا يقدر على مواجهة عينيه.
وما أن وصل إليه حتى وقعت صفعة عنيفة على وجه آدم الذي اهتز جسده بشدة إثر قوة الصفعة، كان قاسم غير مصدقًا لفعتله الشنعاء فصاح عاليًا بغضبٍ لم يتحدث به من قبل:
_ خسارة فيك إسمي اللي مكتوب في بطاقتك، أنت بقيت مؤذي كدا امتى؟ ولا أنت طول الوقت كدا وأنا اللي كنت أعمى، أنا شوفت تصرفاتك تجاه عبدالله وقولت غيرة ومن وقت ما نزلت البلد دي وأنا بحاول أملا عندك النقص دا عشان ميكنش عندك ذرة كُره لاخوك أو لغيره، مكنتش حابب يكون عندك لو صفة واحدة وحشة، بس أنت تخطيت كل التوقعات، الظاهر تحقيقاتك مع المجرمين خلو عندك فضول تكون زيهم!
_ يا بابا...
نطقها آدم فصاح قاسم بهجومٍ حانق:
_ بابا إيه، أنت خليت فيها بابا؟ دا أنا لا عملت قيمة ولا معنى للكلمة دي، ولا حتى عمت اعتبار لاخوك وروحت بكل جحود وزّيِت المجرم اللي اسمه حمادة يعتدي على البنت عشان بس ترضي نفسك يا حضرة الظابط!
مش مصدق إني بقول كدا لواحد حلف اليمين إنه يحافظ على حماية الناس وهو نفسه اللي أذى شخص فيها وياريته غريب دا أخوك!!
خرج آدم عن هدوئه بصراخه حتى يستمع إليه قاسم:
_ احلف لك بإيه إني مكنش في نيتي أبدًا اللي حصل دا، والله العظيم ما خرج من لساني لفظ يخلي الحيوان حمادة يعمل عملته، مش هنكر إني كنت متضايق وغيران من عبدالله، وعايز أضايقه زي ماهو نقطة سودة في حياتي بس مش لدرجة الأذى دا!!
حدجه قاسم شزرًا وصاح عاليًا كادت عروقه تنفجر من شدة إنفعاله:
_ حمادة لو مكنش خد كلمة منك واطمن مكنش اتجرأ وعمل اللي عمله أبدًا، كِلمتك يا بيه فتحت له طريق قذر زي أفكاره وخلاه يعمل عملته بناءً على الأمان اللي أخده منك!
متحاولش تبرر خالص وتحاول تكون طرف غلبان مكنش يقصد يا حرام، وبعدين يا أخي فيه حد يقول عايز يضايق أخوه!!
دا إيه السواد دا؟
في الأول قولت زرعة أمك بس بعد اللي حصل دا أكد لي إن السواد دا منك أنت، أمك كانت مجرد تمهيد مش أكتر!
جاءت حورية تلك اللحظة وهتفت بنفاذ صبر:
_ كل حاجة على حورية حورية، كأن مفيش مصيبة في الدنيا دي بتحصل غير وأنا السبب فيها!
ها يا تري حصل إيه المرة دي؟
التفت إليها قاسم بوجهٍ محتقن تفور فيه الدماء وهدر بها:
_ أنتِ تخرسي خالص، أنتِ طالق يا حورية، طالق
تجمدت حورية مكانها، كما فغرت فاها ورمقته بعيون واسعة لا يستوعب عقلها ذلك الطلاق الذي وقع للتو، ثم انتبهت على متابعته للحديث الساخر:
_ أنا كنت سايبك على أساس ابني يكون سوي يتربى بين أم وأب، بس طلاما سواد قلبه ظهر وطفح على غيره يبقى ملوش لزوم تبقي على ذمتي، أنتِ ترجعي البلد تقعدي تحت رجلين البقر تحلبيه، دا أخرك يا بنت عمي، لكن المكانة اللي أنا اديتهالك دي أكبر منك بكتير أوي..
أنهى قاسم جُملته ثم استدار بجسده وتوجه إلى آدم الذي كان يتابع بعيون جاحظة لا يصدق ما وقع أمامه من خلف فعلته، لقد خرب كل شيء، غرز قاسم أظافره في ذراع آدم ثم أجبره على السير إلى الداخل، دفعه بكل قوته فوقع آدم بإهمالٍ على الأريكة.
ثم قام قاسم بعمل اتصالاٍ بصوتٍ خشن مُندفع:
_ أيوا يا صادق، تعالالي حالًا، تعالى لما نشوف المصيبة اللي البيه وقع نفسه فيها دي هتجيب له كام سنة!!
أنهى الإتصال دون أن يوضح له ماهو الأمر، بينما قابله آدم بنظراتٍ مصدومة متفاجئة مما قاله، فاستشف قاسم ما يدور في عقله واندفع به بهجومٍ:
_ بتبص لي كدا ليه؟
تكنش فاكر إني ههربك برا البلد؟
لا يا حبيبي، تبقى غلطان
بيقولك إيه، اللي بيشيل قِربة مخرومة بتخر على دماغه
دا غلطك ومفيش غلط من غير عقاب يا آدم باشا!
كان الآخر مذهولًا بتلك الشخصية التي يتعامل معها للمرة الأولى، شعر لوهلة بأنه يتعرف على شخصٍ آخر غير أبيه الذي اعتاده، دمعت عينيه لكنه جاهد على التماسك، فلم يعتاد البكاء يومًا.
***
حل المساء؛ عادت صبا إلى البيت برفقة جلال الذي حرص على مرافقتها حتى يضمن سلامتها، ودعته عندما رفض الدخول، بينما تفاجئت هي بفتح عاصم للباب قبل أن تقرع الجرس.
استقبلها للداخل، فتفاجئت صبا بتلك الطاولة الذي أعدًها لها خصيصًا، كانت مليئة بالأطعمة ويتوسط بين كل طبقٍ والآخر ورود حمراء وغيرها بيضاء، استدارت بجسدها ورمقته مُعاتبة إياه في نظراتها قبل أن تميل برأسها قليلًا وقد انعكس تأثرها بما تجعله يعيشه على وجهها.
أخرجت تنهيدة قبل أن تتساءل:
_ ليه عملت كل دا؟
_ عشانك!
هتفها وهو يقترب منها فخفق قلبها رعبًا لكنها تحلت بالقوة الكاذبة أمامه، وقف عاصم أمامها وقام بسحب حقيبتها الموضوعة أعلى كتفها ثم وضعها جانبًا وعاد إليها فقالت صبا وهي تتحاشى النظر عنه:
_ بتصعب الموضوع بينا ليه يا عاصم؟ اللي بتعمله دا بيوجعني، بيخليني أحس إني معنديش قلب لأني مش قادرة...
قاطعها عاصم بوضع إصبعه على فمها مرددًا بخفوت:
_ ششش، مش عايز كلام النهاردة، خلينا ناكل ونسيب أي حاجة على جنب دلوقتي..
_ بس..
حاولت أن تعترض لكنه أصر على تناول العشاء سويًا:
_ لو ليا خاطر عندك، اعتبريه عشا عمل، صحوبية، زمالة أي حاجة بس اقعدي..
ألقت صبا نظرةً على ما قام بإحضاره ثم نظرت إليه قبل أن تتوجه إلى الطاولة وتترأس أحد الكراسي، بينما تَبِعها عاصم وجلس هو أيضًا وبدأ كليهما يتناولان الطعام حتى انتهوا ثم نهض ومد يده لها قائلًا:
_ تسمحي لي برقصة؟
حدجته صبا بطرف عينيها وعلقت مستاءة:
_ ودي برده على سبيل الزمالة؟
غمزها ثم قال بابتسامةٍ عذبة:
_ أيوا، مش بتشوفي أفلام ابيض وأسود ولا إيه؟
نهضت صبا فجأةً مستنكرة السخافة الحادثة وهتفت بنفاذ صبر:
_ عاصم هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟
_ لو رقصتي معايا، هفهمك على كل حاجة..
قالها فأطالت صبا النظر بيده الممدودة ثانيةً بتناقضٍ شديد، فهي ترفض الرضوخ إليه حتى لا تخلق داخله مشاعرًا وآمالًا جديدة، وأخرى تود معرفة ما يوجد خلف تلك الليلة المُبهمة بالنسبة لها، قطع عليها عاصم حِبال أفكارها بقوله:
_ متخافيش، مفيش أي حاجة من اللي في دماغك هتحصل، دي مجرد رقصة، هاتي ايدك يلا..
حثّها على مد يدها بعينيه فأخذت صبا وقتًا حتى قبلت وقامت بمسك يده بنفور شديد غير مُتقبلة لمسته، بدأ عاصم رقصته معها بعد أن أحضر موسيقى هادئة مُخصصة لتلك الرقصة، مرَّ الوقت دون حديث، بدأ صبرها ينفذ، وخصيصًا اقترابه منها الزائد، وقررت إنهاء ما يحدث على الفور قبل حدوث مالا يُحمد عُقباه.
توقفت قدميها وحاولت الإبتعاد لكنه شد على خصرها وقام بالإنحناء على أذنها وهمس:
_ أنا أخدت ميعاد من المأذون عشان نتطلق!!
دُهِشت صبا مما وقع على مسامعها، ورمقته بوجهٍ مرسوم على تقاسميه الذهول، فقهقه عاصم ساخرًا وهو يتفقد ملامح وجهها:
_ لا متحسسنيش إنك زعلانة؟
خرجت صبا من حالتها وقامت بتوضيح الأمور له:
_ لأ، بس متفاجئة، إيه اللي حصل فجأة كدا، أنت كنت لسه الصبح...
قاطعها عاصم عندما لم يتحمل سماع ما أحدثه صباحًا وقال وهو يهرب بعينيه:
_ كفاية كدا يا صبا، كفاية إهدار طاقة على الفاضي.. على العموم المأذون مسافر وهيرجع كمان اسبوعين، اعتقد فترة كويسة تكون قضيتك اتحلت، وأكون أنا كدا عملت اللي عليا ووفيت بوعدي واتفاقي معاكي.. جواز على الورق لغاية آخر نفس فيه..
أشفقت صبا على حاله، نظرت إليه بآسى وحزن شديدين وهتفت بندمٍ:
_ أنا آسفة يا عاصم، آسفة بجد إني لخبط لك حياتك و..
_ أنتِ فعلًا لخبطيها، بس مش هنكر إني كنت مستمتع.. كل وقت جنبك كان مُتعة بالنسبة لي، أنا مش زعلان ولا ندمان على مواقفتي بجوازنا.. بالعكس، تجربة أضافت لي، وأنا كعاصم بحب أتعلم من تجاربي..
أنا تمام، متشليش همي، الأيام بتنسي..
اجتاح صبا بعض الراحة؛ تقوس ثغرها ببسمةٍ بشوشة وهتفت مُمتنة:
_ أنت جميل يا عاصم وأنا قولتلك الكلام دا قبل كدا، بس فعلًا أنا مش لاقية كلام أقوله غير شكرًا لوقوفك جنبي
لولاك مكنتش قدرت أقف على رجلي ولا أكون بالقوة اللي تخليني أخد حقي لوحدي، أتمنى تلاقي واحدة شبهك ونفس طيبة قلبك عشان أنت تستاهل كل خير..
اكتفى عاصم بإبتسامة قد تشكلت على محياه ثم انسحبت صبا إلى الأعلى عندما لم تجد هناك داعٍ لوجودها أكثر من ذلك، بينما وقف عاصم يُتابع طيفها بشوقٍ حار قد شعر به من الآن، إذًا ماذا سيحدث به إن مرًت فترة بدونها؟
***
بعد مرور فترة؛ صباح يوم المحكمة، حالة من التوتر تُسيطر على الجميع، لم ينم البعض تلك الليلة، كانوا في حالة تأهُّب طيلة الوقت، عقولهم مُنشغلة بما سيدور في الجلسة، وقلوبهم تخشى حدوث عكس ما تمنوه.
كانت صبا جاهزةً منذ وقتٍ باكر، تجوب غرفتها بالذهاب والإياب تارة وأخرى تقف في شُرفتها تتفقد الخارج وكأنها تستمد القوة من ذلك الهواء البارد الذي يضرب وجهها، فتعود من جديد داخل الغرفة لِيُهاجمها القلق مُجددًا، صدح رنين هاتفها فأسرعت نحوه مُجيبة على إتصال المحامي التي وكلته حديثًا للدفاع عنها في القضية:
_ أستاذ عادل..
_ صباح الخير يا دكتورة، أنتِ جاهزة؟
تساءل عادل بعملية واهتمامٍ فأجابت الأخرى قائلة:
_ أيوا جاهزة من فترة، أتحرك؟
_ يكون أفضل عشان منتأخرش على الجلسة..
هتفها عادل فتمتمت صبا وهي تلقُف حقيبتها:
_ تمام..
ثم أنهت الإتصال ووقفت تدُور حول نفسها بتوترٍ بائن؛ تجهل ماذا تريد وماذا ينقُصها، فتوقفت فجأة وأغمضت عينيها ثم أخذت شهيقًا عميق وزفرته بتمهلٍ، أعادت تكرار فِعلتها حتى شعرت حالها أفضل ففتحت عينيها وقامت بالخروج بعد أن تأكدت بعدم نِسيانها أحد الاشياء.
تقابلت مع عاصم الذي خرج من غرفته فور سماعه غلق بابها، نظرت إليه نظرة مطولة قبل أن تُغادره دون نطق كلمة، فشعر عاصم بوخزة في صدره لفشله في تلبية حاجتها له للشهادة، نزل السُلم خلفها حتى تجاوزت صبا باب البيت فتلاها عاصم بشفاه تتحرك دون حديث، حتى فوجئ بوقوف عبدالله مع عائلته استعدادًا للذهاب، حتمًا ذاهبون جميعًا إلى المحكمة.
فلم يشعر بيديه التي أحاطت ذِراع صبا وأعادتها إليه هاتفًا سؤاله بغيظٍ:
_ عبدالله جاي معاكوا ليه؟
ألقت صبا نظرةً على يده المُحاوطة لذراعها قبل أن ترفع عينيها عليه وترد:
_ أعتقد مش هيفرق معاك في حاجة، إحنا اتجوزنا باتفاق وخلتص هننهي الجواز فياريت يكون على نفس الإتفاق للآخر..
خرج عاصم عن طوّره وصاح بحنقٍ:
_ فيه فرق إني أحترم اتفاقنا وإني أكون مغفل يا صبا!
_ بس أنت مش مغفل يا عاصم، بعد إذنك عشان متأخرش على ميعاد الجلسة..
قالتها ثم زفرت أنفاسها قبل أن تهتف باقتضاب:
_ متتأخرش أنت على ميعاد المأذون..
أنهت جملتها ثم سحبت يدها من بين قبضته وأولته ظهرها متوجهة إلى الخارج حيث السيارة الواقفة التي تضم عائلتها الذين حرصوا على وجودهم بجانبها ربما يستطيعون توطيد العلاقة بينهم مرةً أخرى.
على جانب آخر استقل قاسم سيارته برفقة أحلام وزينب بينما استقل عبدالله سيارته بمفرده ثم تحركوا مبتعدون عن البيت تحت نظرات عاصم الذي كان يصر أسنانه بغيّرة وغيظ شديدان حتى كاد ينفجر من فرط ما يشعر به، ثم قرر البحث بنفسه عن شيءٍ يدلّه إن كان هناك علاقةّ بينهما أم لا.
عاود إلى البيت وصعد الدرّج مُسرعًا، حتى بلغ غرفة صبا ودلفها، وقع في تناقضٍ من أمره، لإكماله للبحث بين أشيائها وبين تراجعه حتى لا يكون عيبًا، لكن هيهات لرجولته التي حركته وجعلته كالمجنون يبحث في جميع الأرجاء ربما يُستدل على شيءٍ.
لم يكن هناك الكثير في الغرفة، فلقد لملمت صبا أشيائها في حقيبة كبيرة، وعندما لم يجد شيء في الغرفة قرر البحث في الحقيبة دون ترددٍ، جلس عاصم القُرفصاء وبدأ يفتح سّحَاب الحقيبة الجانبية أولًا حتى عثر على إحدى القلادات.
كاد يُعيدها إلى مكانها إلا أنه تريث وتفقدها جيدًا، فوجدها قلب مقسوم نصفه والنصف الآخر غير موجود، فانتابه ذِكرى يوم حفلة خِطبة ڤاليا أثناء جلوسهم في المطعم ورؤيته لقلادة عبدالله، إنها ذاتها!!
أخذ عاصم يتذكر كلماته حينها ووصفه عن الحبيبة الذي فارقها، مع اتخاذه تصرفاته مع صبا في عين الإعتبار، فربط أنها حتمًا حبيبته!!
خفق قلبه بعنفٍ، كانت نبضاته تنبض بالغضب وليس نبضًا عاديًا؛ شد بقبضته على القلادة حتى كاد يفتك بعروق يده التي برزت من شدة غضبه ثم هب واقفًا وهرول خارج البيت وهو لا يرى أمامه.
***
وصلا الجميع إلى المحكمة؛ ولجوا إلى القاعة وأخذ الجميع أماكنهم، كانت صبا تجلس برفقة عائلتها، بينما جلس عبدالله بجوار عائلته لكنه لم يغيب نظره عن صبا التي تختلس نظرةً عليه من آن لآخر.
بعد مدة؛ دخلا حمادة وآدم قفص الإتهام، ثم بدأت الجلسة بنداء المنادي لأسماء المجني عليها والجُناة، ثم أخذ محامي صبا يلقي خِطابه بصرامة:
_ سيدي القاضي، حضرات المستشارين..
أقف اليوم مدافعًا عن شرفٍ انتهك، وحريةٍ دُست بالأقدام، وكرامةٍ إنسانيةٍ لم تُراعَ، أقف لأحمل أمانة الدفاع عن المجني عليها الدكتورة صبا محمود، التي لم يكن لها من ذنب سوى أنها وُجدت في طريق متهمٍ نزعت من قلبه الرحمة، وآخرَ استغل سلطته ونفوذه ليحرضه على الجريمة.
سيدي الرئيس،
إن أركان جريمة الاغتصاب قد توافرت كاملة في حق المتهم الأول، ثبوتًا يقينيًا بالأدلة القطعية، بدءًا من أقوال المجني عليها الثابتة التي لم تتزعزع في أي مرحلة من مراحل التحقيق، ومرورًا بالتقرير الطبي الشرعي الذي أثبت الإعتداء عليها وما خلفه من إصابات، وانتهاءً بشهادة الشهود وتحريات المباحث المؤكدة للواقعة.
أما المتهم الثاني رئيس المباحث آدم القاضي، فقد ارتكب فعلًا لا يقل جسامة عن الجريمة ذاتها، إذ أنه حرض وحث وأغرى المتهم الأول على ارتكاب جريمته، مستغلًا ما يتمتع به من سلطة ونفوذ
سيدي الرئيس،
إننا أمام جريمة مزدوجة الأركان ،جريمة اغتصاب مكتملة العناصر ارتكبها الجاني الأول
وجريمة التحريض يعاقب عليها القانون بذات عقوبة الفاعل الأصلي، ارتكبها الضابط آدم القاضي المتهم الثاني فإننا نلتمس من عدالة المحكمة،
توقيع أقصى العقوبة على المتهم الأول باعتباره الفاعل الأصلي
ومعاقبة المتهم الثاني، بالعقوبة ذاتها بوصفه محرضًا..
وختامًا
أضع بين يدي عدالتكم هذه الدعوى، وأنتم خير من يحمي الأعراض والأنفس، وأنتم أهل لإقامة العدل وإنصاف المظلوم
عاد المحامي إلى مكانه ثم طلب القاضي سماع الشهود، فأخذ جميع من كان هناك تلك الليلة قد قص عليه شرحًا تفصيليًا عما عاشوه مع صبا، بدايةً من عبدالله إلى آخر من تعاملت معه صبا وهي الطبيبة النفسية خاصتها والتي تحدثت مع القاضي عبر الإنترنت لتدلي بإفادتها وبعد الإنتهاء من سماع الشهود، استمع القاضي إلى تقارير النيابة ثم طلب من الدفاع الخاص بآدم أن يتفضل، فنهض صادق تلقائيًا وبنبرة جادة حازمة بدأ خِطابه:
_ سيدي القاضي، حضرات المستشارين،
أقف أمامكم اليوم لأدافع عن موكلي، آدم القاضي والذي وُجهت إليه تهمة التحريض العام على ارتكاب جريمة، وهي تهمة تنطوي على سوء تفسير للأقوال والتصرفات
إن موكلي، خلال تأدية مهامه، كان ملتزمًا بالقانون والنظام، وأي تصريحات أو أفعال صدرت منه كانت في إطار ممارسة سلطته الرسمية ومهمته في حفظ الأمن، وليست تحريضًا على ارتكاب أي فعل مخالف للقانون.
التحريض يتطلب وجود قصد جنائي واضح ومباشر، وهو ما ينفيه موكلي جملةً وتفصيلًا، الأقوال التي أُسيء تفسيرها أو تأويلها، لم تتضمن دعوة محددة أو نداء لارتكاب فعل جرمى.
أرجو من عدالتكم التمييز بين ممارسة السلطة القانونية وبين التحريض الجنائي، مع مراعاة سجل موكلي المهني وأمانته في أداء الواجب.
لذلك، أطلب من عدالتكم الحكم ببراءة موكلي من التهمة الموجهة إليه، حفاظًا على العدالة وحقه في الدفاع عن سمعته ووظيفته.
شكرًا لعدالتكم.
عاود صادق الجلوس من جديد، بينما وجه القاضي حديثه الجاد إلى محامي حمادة:
_ الدفاع عنده حاجة يضيفها؟
نهض المحامي للدفاع عن حمادة، فلم يجد كلماتٍ يقولها، فكان في موقفٍ يصعُب عليه الإتيان بثغرةٍ لإخراجه، جميع الأدلة والإثبتات ضده، فحمحم قبل يُردف مختصرًا:
_ لا سيدي القاضي مش عايز أضيف غير أن تلتمس عدالتكم الرأفة والرحمة في تقدير العقوبة، شكرًا لكم..
ثم عاود الجلوس وعينيه لا تجرأن على النظر إلى حمادة الذي يكسوه الرعب ويتوعد لذلك المحامي الذي لم يترافع للدافع عنه سوى قول كلمتان كان بإمكانه قولهما.
بينما نهض محامي صبا وأستئذن من القاضي بأن يلقي آخر كلماته فسمح له ثم أردف قائلًا:
_ سيدي القاضي بعد أن استمعت هيئتكم الموقّرة إلى أقوال الشهود، وتبيّن للمحكمة أن الأدلة قد جاءت كاملة وواضحة لا يداخلها شك، وبعد أن عُرضت جميع المستندات والتقارير التي أودعتها النيابة أمام عدالتكم…
فإننا نرى أن الدعوى قد اكتملت أركانها، وأن الدفاع والنيابة قد أدليا بما لديهما، ولم يعد ثَمة ما يستوجب إرجاء الفصل فيها أو تأجيل إصدار الحكم.
وعليه، فإننا نلتمس من عدالتكم الموقّرة أن تفصلوا في القضية في هذه الجلسة ذاتها، وأن تُصدروا حكمكم العادل الذي يحقق سيادة القانون ويعيد الطمأنينة إلى نفوس الأطراف كافة
تشاور القاضي مع المستشارين لثوانٍ قبل أن يهتف بنبرة جهورية:
_ الحكم بعد المداولة، رُفعت الجلسة...
وقف الجميع في آنٍ واحد؛ وعلى الرغم من الزِحام الذي كان في القاعة إلا أن نظرات عبدالله وصبا لم يمنعها وقوف أحد، فكانت قوية صريحة، يتطلعان في بعضهما البعض بمشاعرٍ مختلفة، كانت صبا تُحدق به بحدةٍ كعيون الصقر، بينما كان يبادلها هو نظراتٍ تخشى نهاية تلك الجلسة، حتمًا ستكون مأسوية لقلبه!
اقترب كليهما من بعض بِحُكم سيرهما في المكان ذاته حتى يخرجا من القاعة، تلك اللحظة تفاجئت صبا بحضور عاصم إلى الجلسة والذي كان جالسًا في نهاية القاعة يرمقها بنظراتٍ مشتعلة فتجمدت مكانها وهي تراه يقترب منها، وقف عاصم أمام كليهما وتناوب بنظره بينهما والحقد والغيرة يترنحان في عينيه، ثم ثبّت بصره على صبا ورفع يده أمام وجهها فظهرت القلادة المُمِسك بها وتساءل من أسنانه المتلاحمة:
طلعتي أنتِ الحبيبة اللي كان عبدالله مرتبط بيها
الفصل التاسع والثلاثون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم تسنيم المرشدي
تجمّدت تعابير صبا فجأة، تسارعت وتيرة أنفاسها بصورة عنيفة وهي تُجابه عينيه الذي ينطق منهما الشر، كز عاصم أسنانه هادِرًا وهو يُمسك ذراعها:
_ إمشي نتكلم برا..
تفقدت صبا المكان حولها بنظرات مُستاءة خَجِلة من تصرُفه ثم عاودت النظر إليه ورددت بخفوت:
_ متعملش كدا يا عاصم، إحنا مش لوحدنا..
_ إمشي قدامي يا صبا عشان أنا معتش فيا عقل..
أنهاها ثم أرغمها على السيّر فلم يقبل عبدالله ما يحدث وتدخل، وضع يده على ذِراع عاصم الذي يجبُر به صبا على السيّر، وحذره بوعيدٍ:
_ إبعد إيدك عنها..
أدار عاصم رأسه حيث يقف عبدالله وحدجه بعينين واسعتين يشع منهما الغضب، ثم أزاح يد عبدالله وهدر به شزرًا وهو يشد على يد صبا التي بين قبضته:
_ بتدخل بين واحدة وجوزها ليه؟
_ على الورق، جوزها على الورق!
هتفها عبدالله في مرمى عاصم بحقدٍ ونظرة ثابتة، فقابله الآخر بملامح جامدة، حك أنفه بإصبعه ثم قام بجذب عبدالله من تلابيب قميصه وهمس بجوار أذنه:
_ قسمًا بالله لو ما بعدت ما هعمل اعتبار لأي مخلوق هنا..
تلك الأثناء شاهد قاسم ما يحدث، ووجب عليه التدخل لفض الإشتباك، حيث شكل حاجزًا بينهما وصاح مُنفعلًا وهو يتناوب بينهما بنظره:
_ هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ اعملوا اعتبار للمكان اللي واقفين فيه حتى!
وجه إليه عاصم الحديث بنبرةً حادة وعينيه مُصوبتان على عبدالله بشرٍ:
_ قول لابنك ميدخلش بيني وبين مراتي!
وما أن قالها حتى قام بجذب صبا إليه بعنفٍ مُجبرًا قدميها على التحرّك من مكانهما، مُتوجهًا خارج القاعة فكاد يلحق بهما عبدالله لكن يد والده وصوته الحذِر قد أوقفه:
_ خليك أنت، إيه؟ خلاص اتجننت، معتش عارف تفرق بين الصح والغلط؟
معتش قادر تشوف إنها معدتش تِخُصك وإنها على ذمة واحد تاني؟
فوق كدا واعقل، وشوف إحنا في إيه...
أطال عبدالله النظر فيه، ثم لم يتقبل ذهاب صبا مع عاصم وغادره دون الإلتفات لتحذيرات والده، بينما أغمض قاسم عينيه بضيقٍ وعاود الجلوس وعينيه تختلسان نظرةً على آدم الذي لم يرفع بصره عن والده ثانية.
فكان ينتظر منه مُحادثةً تُطمئن قلبه بينما لم يكن قاسم بتلك الشجاعة حتى يذهب إليه، فما افتعله آدم ليس خطأً يغتفر بسهولة.
في الخارج؛ استطاعت صبا سحب يدها وهدرت بنبرة متشنجة:
_ مش فاهمة إيه اللي أنت بتعمله دا بجد؟
أشار عاصم على نفسه وصاح عاليًا:
_ قولتلك مش عايز أطلع مغفل وطلعت مغفل في الآخر، كنتي عمالة تحبي في البيه وأنتِ معايا!!
_ شششش، اسكت
هتفتها صبا وهي تضع إصبعها أمام فمه ثم صاحت:
_ رغم إن مش من حقك تحاسبني عشان من أول يوم كنت واضحة وصريحة معاك، وأنت بنفسك وافقت على إن جوازنا دا مجرد وسيلة لهروبي من اللي حصلي، إلا أنا كنت مِحترمة وجودك وعمري ما تعديت حدودي مع أي حد بكلامي أو حتى نظراتي!
تشدق عاصم ساخرًا ثم هتف كلماته بنبرة مُتهكمة:
_ وأنا المفروض أصدق الكلام دا بعد اللي سمعته جوا في الجلسة؟
أصدق إنك كنتي وفيًا لجوازة على الورق، وأنا بسمع منه إنه شالك بين إيديه بعد اللي حصل وراح بيكي على بيته؟!
تساقطت عبرات صبا بغزارة، فلقد دعس على جرحًا لم يلتئم بعد، اقتربت منه مُسرعة وقامت بوضع يدها أمام فمه مانعة إياه من الكلام وصاحت بنبرة موجوعة:
_ مش من حقك تحاسبني على حاجة حصلت قبل ما ادخل في حياتك، مش من حقك توجعني بكلامك، مش من حقك تتكلم عليا بالشكل دا!
أزاحت يدها عنه وأضافت بوجهٍ مشدود:
_ إحنا خلاص كلها كام ساعة ومش هنكون في حياة بعض تاني، ولو على كرامتك اللي وجعتك عشان عرفت بعلاقتي بعبدالله، فأنا من وقت اللي حصل وأنا نهيت كل اللي بينا، ووجوده جنبنا طول الوقت دا خارج إرادتي، ومفتكرش إني اتعديت حدودي معاه في وجودك..
دنا منها عاصم مُصدرًا صريرًا قويًا إثر احتكاك أسنانه، وصاح بانفعالٍ:
_ ولما كنتي بتروحي تطمني عليه بِحجة إنك دكتورة دا مكنش تعدي حدود؟
أغمض عاصم عينيه وهو يهز رأسه بعنفٍ غير مُصدقًا لما أعادته عليه ذاكرته وعاود مُتابعًا بنبرة لا تصدق ما عاشه:
_ طول الوقت مستغفلاني، طول الوقت بينكم نظرات وهمسات غريبة، أنا كنت حاسس إن فيه حاجة غلط، كنت حاسس والله، طلعت أكبر مغفل بينكم! عقلي مش قادر يستوعب!
دنا منها وقام بهزها بعنفٍ مُرددًا بنبرة حانقة:
_ أنا عمر ما حد اتجرأ يعمل معايا اللي عملتيه دا، أنا..
لم يُكمل حديثه حتى تفاجئ بيد عبدالله التي أبعدته عنها مُحذرًا إياه:
_ قولتلك نزل إيدك عنها، مش هكررها تاني
فقد عاصم السيّطرة على حاله؛ ولم يشعر بيده التي انسدلت على وجه عبدالله بلكمة قوية أفقدته توازنه وهو يُهلل بغضبٍ عارم:
_ وأنا قولتلك متدخلش بيني وبين مراتي!
شعر عبدالله بألمٍ في فمه فتفقد شفاه، وقد وجد آثار الدماء على أصابعه، فتدفقت الدماء في عروقه وتحوّلت ملامحه إلى الشر ثم عاد إلى عاصم وقبل أن يقوم الآخر بحماية وجهه كان قد لكمه عبدالله برأسه فترنح عاصم يمينًا ويسارًا اثر ضربته القوية.
فارتفع صراخ صبا من الخلف مُحاولة فض الإشتباك بينهما:
_ بس بقى، أنتوا بتعملوا إيه؟ كفاية حرام عليكم، ياريتني كنت رميت نفسي يوم اللي حصل، ولا كنت خرجت الرصاصة من المسدس ونهيت حياتي..
كانت كلماتها محض انتباه الآخرين؛ فتابعت هي عويلها بنبرة بلغت ذروة تحملها على ما تعيشه:
_ تعبت والله تعبت...
قالتها ثم هاجمها دُوارًا مفاجئ جعل رؤيتها مشوشة، فنظرت إلى الأعلى مُتفقدة كل ما هو حولها وهمست من بين أنفاسها المُتعالية:
_ حرام عليكم..
رددتها ثم سقطت فاقدة الوعي فجأة، فتوقف الزمن من حولها، لم يستوعبا ما حدث للتو، وبصعُوبة تحرك عاصم أولًا وتلاه عبدالله الذي نال نصيبًا من نظرات عاصم التي كانت تحذيرًا قطعيًا لعدم الإقتراب منها وصاح:
_ إياك تلمسها!
ثم حاول إيفاقة صبا ببعض الطُرق الذي يتقنها، بينما وقف عبدالله يُتابع تقاسيم وجهها على أمل تحرك أي ثغرةً بها بقلبٍ ينبض خوفًا خشية أن يُصيبها سوء.
تلك اللحظة جاءت زينب رفقة قاسم وأحلام، ركضت نحو صبا مُتسائلة بِذُعرٍ:
_ مالها، حصل لها إيه؟
أجابها عاصم وهو يضرب وجه صبا بِخفة، فقامت زينب بفتح حقيبتها وأخرجت منها قنينة عِطر وقامت برش بعضًا منها على يدها وسرعان ما وضعتها أمام أنف صبا، التي استجابت لها ونفرت منها فأبعدت زينب يدها في الحال.
استعادت صبا وعيها وتفقدت من هم أمامها، ثم وجهت حديثها إلى زينب بتعبٍ:
_ ساعديني أقوم يا زينب..
نهض عاصم ومد يده محاولًا مساعدتها على الوقوف فلم ترضى مساعدته؛ بل اتكأت بجسدها على يد زينب حتى استطاعت النهوض، ثم سحبت يدها فأسرعت زينب في ترديد:
_ خليني ادخلك جوا..
رفضت ذلك بحركة من رأسها وهمست قبل ذهابها:
_ أنا هدخل لوحدي..
قالتها ثم عاودت الدخول دون أن تلتفت، بينما انسحب عبدالله على الفور مُبتعدًا عن البقية، وكذلك ذهب الجميع كلًا إلى جِهة بينما لم تبرح زينب مكانها، بل كانت مرافقة لعاصم بشفقةٍ شديدة لحالته.
اقتربت منه وهتفت بآسى وهي ترى عينيه لا تُرفعان عن صبا:
_ للأسف مش كل اللي بنتمناه بناخده، الحياة كدا يا باشمهندس، هون على قلبك..
انتبه عاصم على كلماتها؛ رمقها بطرف عينيه ثم زفر بعض الأنفاس المُحملة بالحزن وأردف:
_ أحيانًا الأمل مش بيضيف لصاحبه غير وجع القلب، تقريبًا لازم نستسلم من أول مرة محاولة فشلنا فيها..
أخرج تنهيدة قبل أن يُضيف بنبرةٍ مهزوزة:
_ أنا ماشي..
وكأن شيء قد رفض ذهابه داخل زينب، شعرت بحاجتها للوقوف أمامه أكثر وقتٍ ممكن، لم تريده أن يذهب في تلك الحالة المُذرية، تمنت لقلبه السعادة ولعقله التأقلم على ما يعيشه.
شعرت بالغرابة من حالها، لماذا تكترث كل ذلك الحد له، ابتلعت ريقها وقررت أن تُناديه وهي تراه يبتعد بِضع خُطوات عنها:
_ يا باشمهندس..
التفت عاصم برأسه ناظِرًا إليها، فترددت زينب في التصريح بما تريد قوله، لكنها تحلت بالقوة وقالت بصوت أنثوي رقيق:
_ حضرتك رايح فين؟
زم عاصم شفاه مُبديًا عدم عِلمه بوجهته قبل أن يُجيبها وهو يرفع كتفيه للأعلى:
_ مش عارف..
سقطت عيني زينب على الحديقة الخلفية للمحكمة فاقترحت برحبٍ:
_ لو تسمح نقعد هناك في الجنينة دي..
ضاق عاصم عينيه ببعض الشعور بالغرابة، فاستشفت زينب ما يدور في عقله وحاولت إصلاح الأمر، فازدردت ثم اختلقت كذبة:
_ نتكلم في الشغل، ولا حضرتك صرفت نظر؟
كانوا يتبادلون النظرات بأحاسيسٍ مختلفة، فلقد لعنت زينب كذبتها المختلقة، فليس بآنٍ يُمكنهما التحدث فيه عن العمل، بينما كان عاصم متفاجئًا فلم يتوقع الحديث عن العمل في ذلك الوقت، ولكن ربما عليه تشتيت ذهنه عن صبا قليلًا ليسترد رونقه من جديد.
فأماء بالقبول وقال:
_ لا أبدًا، اتفضلي نتكلم..
ابتهجت زينب فانعكست ابتسامة مُمتنة على شفتيها ثم توجهت إليه وسارت إلى جواره حارصة على ترك مسافةً لا بأس بها، وتوجها إلى الحديقة وكليهما شاردان في شيئان مختلفان.
في الداخل؛ وبعد مرور مدة، بدأت الجلسة الثانية، عاد الجميع إلى أماكنه، وكذلك عبدالله الذي عاد للتو من الخارج، وفضّل الجلوس بمفرده في آخر مِقعد حتى لا يشعر أحدهم بوجوده.
حمحم القاضي وبنبرة حازمة هتف:
_ بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الإطلاع على أوراق الدعوى، وسماع المرافعات، وثبوت الأدلة القاطعة، حكمت المحكمة حضورياً
أولًا، بمعاقبة المتهم الأول حمادة عبد العال وقد ثبت في حقه جريمة اغتصاب المجني عليها بالسجن المشدد مدة خمسة عشر عامًا، جزاءً وفاقًا لما اقترفت يداه.
ثانيًا، بمعاقبة المتهم الثاني، رئيس المباحث المدعو آدم القاضي، والذي ثبت أنه قد حرض المتهم الأول تحريضًا عامًا دون أن يُحدد له جريمة بعينها، بالسجن لمدة سنة واحدة مع عزله من وظيفته، لما بدر منه من سلوك يخلُّ بواجباته ويزعزع الثقة في جهاز العدالة ليكون عبرةً لغيره ممن يستهينون بالأمانة الموكلة إليهم.
وذلك تنفيذًا للعدالة، وصونًا للحقوق، وحمايةً لأعراض الناس وأمن المجتمع.
رُفِعت الجلسة.
وقفت صبا فجأة، تتنفس بعُمق كأنها استردت الحياة من جديد، تسابقت دموعها في النزول، كانت دموع فرِحة وليست قهر تلك المرة، وضعت راحتي يدها أمام وجهها وظلت تُردد:
_ الحمدلله يارب..
ثم وقفت بشموخٍ ورفعت رأسها كأنها تضع تاجًا على رأسها تتلقى المُباركات من عائلتها، حتى وقعت عينيها على ذلك الشارِد بها في آخر مِقعد عِند الباب، كان يُرسل إليها التهنِيئات من خلال عينيه، كان جوفه قد اجتاحه الراحة وقلبه سكنه الإطمئنان بعد نيل الجُناة عقابهم.
والآن حان دروهما، هل سيعودان من جديد؟ هل هناك فُرصًا أخرى لهما، هل مُقدر إليه لقائها بعد فراقه عنها دام لأشهرٍ قد كُتِب فيهم العذاب لقلبه؟
الكثير من هل، ودَّ لو تُجيبه الآن عليهم، لكن عينيها كانت تقول عكس ذلك، كان بها مزيجٍ من اللهفة واللوم، كانت تُخبره بحاجتها الماسة إلى العودة إليه، لكن ما حدث قد كتب لهم الفراق الأبدي.
تألم كلًا منهما على ما يشعُران به من خلال نظراتها الفاضحة، فلقد كشفت عن مشاعرٍ مؤلمة لم تضيف لقلبهما سوى الألم.
تحركت صبا وخلفها عائلتها مُتجهة إلى الخارج دون أن تطلع بعبدالله، لم تتحلى بالقوة لمواجهته وهي بذلك الضعف، بينما صرَّ الآخر أسنانه وهو ينظر أمامه بعد أن تخطّته صبا دون إعطائه أهمية، وعلم بأن تلك النهاية.
أغمض عينيه شاعرًا ببرودة قد تسللت داخله، ناهيك عن وخزة صدره التي ضاعفت ألم جرحه، تشنجت تعابير وجهه عندما لم يشعر أنه في حالٍ أفضل.
شعر بلمسة أنثوية قد وُضعت على ذِراعه ففتح عينيه مُتفقدًا صاحب اللمسة، فوجدها والدته، ومن تكون غيرها من تُأزِره فيما يعيشه؟
دون مجهودٍ قام بإسدال رأسه على كتفها وهمس بنبرة موجوعة:
_ شوفتي بيحصل في ضناكي إيه ياما؟
تألم قلب أحلام لحظتها، وتمنت لو لم يُصيب قلبه الحزن أبدًا، رفعت يدها وقامت بالربت على ظهره هاتفة بحنانٍ تخفي خلفه حزنها على حاله:
_ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ...
في الخلف؛ لم يتجرأ قاسم على الإقتراب من آدم الذي يُحادث والدته من خلال القبضان، كان قلبه ينزف دمًا لرؤيته خلف قضبان حديدية تمنعه من الوصول إليه، بينما لم يُخفض آدم عينيه اللامعة عن والده، كان في انتظار رد فعل يُبرد قلبه لكنه لم يجد، فهو يعاقبه العقاب الاسوء على الإطلاق، ألا وهو الصمت.
جاءا العسكريين وقاموا بتكبيل يدي آدم تحت صُراخ حورية على فلذة كبدها الذي يأخذونه أمام عينيها، بينما لم يبرح قاسم مكانه، فلم يقدر على السيّر وهو على دراية بما هو مُقبِل عليه، كان قلبه يخفق دموعًا حزنًا على ما أوصل آدم إليه نفسه.
لكن ما باليد حيلة، لقد أخطأ وعليه تحمُل عِقاب خطأه حتى وإن لم يتحمل قاسم ما يعيشه ولده، فذلك عدل الله وحدودًا لم يكن عليه تعديها، توجه قاسم حيث عبدالله وأحلام وقال بمزاجٍ غير سوي:
_ يلا نمشي من هنا..
أماءت أحلام بالقبول، ثم خرج الثلاثة من المحكمة، فألقى عبدالله نظرة أخيرة على صبا قبل أن يُردد:
_ أنا ماشي..
لم يُعارضاه والديه، وتركا له مساحة كافية ليكون على ما يُرام إن استطاع تخطي تلك الأحداث، فأسبق عبدالله بِخُطاه نحو سيارته ثم استقل خلف المقُود، وتحرك مُبتعدًا عن الجميع، شعر بصدره يضيق كلما مرَّ الوقت، فقام بفتح النافذة ليستنشق بعض الهواء ربما يُشعِره بالتحسُن.
لكن دون جدوى، فلقد تملّكت منه الخنقة رويدًا رويدا حتى شعر بانسحاب روحه من جسده، فصف السيارة على جانب الطريق وترجل مُسرعًا منها، يستنشق بعض الهواء، وهو يستند براحتي يده على رُكبتيه.
أعاد انتصاب وقوفه ثم قام بغلق سيارته من خلال مفتاحها وقرر السيّر على الأقدام بعض المسافة ربما يسترد صوابه، مشى جاهلٍا أين وِجهته، لكنه واصل سيّره واضعًا يديه في جيبه، فهاجمته ذكرياته مع صبا فأخذ يضحك تارة وتتدمع عينيه تارة أخرى.
***
_ أنت كويس يا باشمهندس؟
تساءلت زينب باهتمامٍ وقلقٍ من خلف صمته الذي لم تجد غيره منذ جلوسهما سويًا، فانتبه عليها عاصم والتفت برأسه ناظرًا إليها بتِيه قبل أن يُردف بإيجاز:
_ كويس..
حمحم ثم نظر حوله محاولًا استيعاب أين يجلس، وعندما استعاد رشده قال بخجلٍ:
_ أنا آسف، إحنا متكلمناش في أي حاجة، بس أنا فعلًا مش مُهيَّا للكلام في الشغل حاليًا، اعذريني..
ابتسمت زينب لتمحي الحرج منه وصرّحت بسبب طلبها للجلوس معه ببعض التردد:
_ بصراحة أنا مطلبتش نقعد عشان الشغل، أنا مش قليلة الذوق للدرجة دي، بس بصراحة أوقات كتيرة كنت بتمنى حد يمد لي إيده لما بكون زي حضرتك كدا ويبعدني عن اللي بيضايقني حتى لو مش هنعمل حاجة غير إننا نسكت وبس!
ارتسم على فمه انحناءة باهتة توحي بالعجز، ثم ردد وهو يتطلع أمامه بنظرة ثابتة:
_ مش هقولك القُعاد هنا فادني أوي..
عاود النظر إليها وأضاف مُمتنًا لـ لطفها:
_ بس شكرًا إنك فكرتي فيا..
ثم سحب من جيب سُترته بطاقته الخاصة وناولها إياها وهو يُوضح ماهي:
_ دا الكارت بتاعي، فيه عنوان الشركة تعالي في أي وقت وهتبدأي على طول..
تفاجئت زينب بما قدَّمه لها على طبقٍ من ذهب، وأخذت منه البطاقة وهي تتساءل بعدم فهم:
_ يعني إيه هبدأ على طول؟ مش المفروض يكون في تدريب، أنا مشتغلتش قبل كدا..
نهض عاصم فجأة وردَّ وعينيه يتفقدان باب المحكمة التي تقف أمامه صبا وعائلتها:
_ مفيش مشكلة، هتكون معاكي نادية سكرتيرتي، هتعلمك كل حاجة..
وقفت زينب أمامه وشكرته ببالغ الإمتنان:
_ شكرًا يا باشمهندس، دي فرصة مكنتش أحلم بيها..
اكتفى عاصم بابتسامة لم تتعدى شفاه، ثم استأذن منها:
_ بعد اذنك..
وسرعان ما ذهب من أمامها على الفور ليلحق بصبا، لم تخفض زينب نظرها عنه وهي تتمنى داخلها بأن تُقابل رجلًا ذو شهامة مِثله يومًا.
وصل عاصم في اللحظات الأخيرة قبل ذهاب صبا؛ وقام بفتح باب السيارة التي استقلت مقعدها الخلفي، انحنى بجسده وهتف من بين أنفاسه المتقطعة:
_ انزلي يا صبا اركبي معايا..
برفضٍ تام قالت:
_ مش هنزل..
_ إحنا كدا كدا طريقنا واحد فا ليه نروح بعربيتين؟
هتفها على أمل قُبُولها، فأبت الأخرى وأبدت انزعاجها:
_ طريقنا آخره مأذون هنروح عنده ونخلص كل اللي بينا، كفاية لغاية كدا..
أطال عاصم النظر بها بملامحٍ جامدة، ثم انتصب في وقفته واكتفى بترديد:
_ تمام..
أولاها ظهره وتوجه ناحية سيارته، فأغمضت صبا عينيها مُستاءة من أسلوبها الفظ، فهو لا يستحق ذلك بعد أن قدمه لها، بهدوءٍ وبدون تفكير قد ترجلت من السيارة ونظرت حيث عائلتها وقالت:
_ اسبقوني أنتوا وأنا هروح مع عاصم..
_ ما بلاش يا صبا، بلاش تُحطي البنزين جنب النار..
أردفها جلال بخوفٍ أظهره، فابتسمت صبا وبثقةً قالت:
_ متخافش، عاصم عمره ما يإذيني..
أنهتها ثم توجهت مُسرعة إليه قبل تحركه؛ فتحت باب السيارة وركبت بجواره، تحت نظراته المُتعجبة من أمر عودتها، فهتفت صبا موضحة:
_ أعتقد إنك تستحق توضيح لكل حاجة قبل انفصالنا..
زفر الآخر أنفاسه ثم أشعل مُحرك السيارة وابتعد عن المكان، فبدأت صبا توضح له بعض الأمور الذي عليه معرفتها:
_ أنا فاهمة كويس أنت بتفكر في إيه دلوقتي، بس والله العظيم أنا كنت صاينة عهدنا وجوازنا حتى لو مكنش حقيقي، أنا كنت بعامل ربنا قبل ما اعاملك..
أنا وعبدالله كنا مرتبطين وافتكر إني مخبتش عنك، أنا قولتلك قبل كدا لو تفتكر لما اعترفت لي إنك معجب بيا، وقتها قولتلك إني مرتبطة ولظروف خاصة جدًا أحب احتفظ بيها لنفسي افترقنا، وبقيت معاك أنت
عاصم والله أنا كنت مِحترماك جدًا ومقدرة وقوفك جنبي وشهامتك معايا، أنا كنت بموت ١٠٠ مرة وأنا بجاهد نفسي إني مفكرش في عبدالله وأنا معاك عشان مرودش على جدعنتك معايا بقلة أصل..
أنت فاكر إني كنت مستغفلاك بس دا محصلش، صدقني..
لم يلتفت لها عاصم، بل كان مُكتفيًا بسماعها فقط، فترددت صبا قبل أخذ تلك الخُطوة، لكنها فعلتها فقط لتنهي أي خلاف بينهما، شهيقًا وزفيرًا فعّلت ثم التقطت يده وتوسلته:
_ عشان خاطر أي لحظة حلوة بينا بلاش ننهيها كدا..
تفاجئ عاصم من تصرُفها، وقام بالنظر إلى يده التي تحتضنها يدها ليتأكد من حدسه، ثم رفع بصره عليها فهتفت هي:
_ متصعبهاش، بالله عليك أنا مش عايزة العلاقة تنتهي وأنت زعلان أو فاهم غلط.. عايزة العلاقة تنتهي وإحنا راضين، أو على الأقل مُتفاهمين، مش عايزة أقدم وجع قلب لشخص ساعدني..
تشدق عاصم ساخرًا وعاود النظر إلى يده المُمسِكة بها وعلق بتهكمٍ:
_ متوقعتش المرة الوحيدة اللي تمسكي فيها ايدي يكون بعدها طلاقنا!
خفق قلب صبا بحزنٍ ودمعت عينيها تأثرًا بكلماته القاسية التي هزمت تماسُكها وسببت الألم لقلبها، ترقرقت العبرات من عينيها وهتفت:
_ عشان خاطري متصعبهاش... أنا آسفة، آسفة إني مفكرتش إن بقربي منك بدمرك، بخرب لك حياتك، مش عارفة ممكن آسفي يعمل لك إيه بس مش عندي غيره..
إزداد نحيب صبا وهي تهتف بنبرة متحشرجة إثر البُكاء:
_ مش عندي يا عاصم غيره!
أسرع الآخر في إدارة رأسه للجانب الآخر مُغمضًا عينيه يمنع حالته أن تسوء أكثر، بالكاد استطاع منع دموعه التي هاجمته بقوة، أغلق فمه كاتمًا آنين صدره من الخروج، فازداد اختناقًا.
ارتجفت شفتيه في محاولاته على التماسُك، مرّت فترة حتى نجح في إخفاء ما يشعر به، وعندما شعر حالهُ أفضل عاود النظر إليها، وأخرج كلماته الحبيسة التي خرجت مهزوزة مُتلعثمة:
_ مفيش.. مفيش حاجة يا صبا، الأيام هتنسي..
_ يعني مِسامِحني؟
تساءلت بلهفةٍ لسماع إجابته فردَّ الآخر بايجاز:
_ إزاي ما أسامحكيش؟
تبادلا النظرات المُتأثرة، بقلوبٍ تعتصر ألمًا، لم يُرد عاصم الإطالة، يكفي ذلك الوجع الذي يعيشانه من خلف ذلك الحب اللعين، ودعس على البنزين فتحركت السيارة بسرعة كبيرة حتى يصل إلى وِجهتهم المقصودة في أسرع وقت.
***
قَلِقت ذلك الصباح، فلم يكن النوم مُريحًا لها بسبب عدم استطاعتها للتقلب بأريحية، فتحت عيونها ببطءٍ فوجدت الغرفة فارغة، تعجبت من عدم وجود شقيقتها برفقتها وكادت تُناديها إلا أنها تريَّثت عندما وجدت رأسًا مُستندة على الفراش.
فتحققت منها بصعوبة، فإذا به زكريا نائمًا يجلس بنصف جسده على الأرضية مُستندًا برأسه على الفراش، لقد تألمت ليلى لوضعه، وافقت عليه لكن سُرعان ما اختفى ذلك الشعور فجأة عندما راودها أفعاله الأخيرة.
حاولت أن تنهض بمفردها فلم تنجح، فصدر عنها آنينًا خافت قد أيقظ زكريا رغم انخفاضه، تفقدها زكريا وعندما وجدها مستيقظة هب واقفًا متسائلًا بلهفة:
_ محتاجة حاجة، عايزة تقومي؟
رمقته ليلى بطرف عينيها، فهي لا تُود إعطائه اهتمامًا، ولا تريد التحدث معه البتَّة، لكن ما باليد حيلة، هي مُجبرة على ذلك حتى تستطع المشي بمفردها.
لكنها لم تكن مُتساهلة وقررت تجنُبه، فنادت بصوتٍ عالٍ مُستغيثة بشقيقتها:
_ سمر، يا سمر.. أنتِ فين؟
فتدخل زكريا مُعلقًا:
_ أنا موجود يا ليلى، قولي أنتِ محتاجة إيه وأنا هعمله..
_ مش عايزة منك حاجة
قالتها على مضضٍ، ثم عاودت تِكرار النداء مرةً أخرى، فتأفف زكريا والتزم الصمت حتى يفهم ما الأمر، ثوانٍ قليلة وظهرت سمر من خلف الباب بعد أن استأذنت قبل ولوجها، فهي على علم بوجود زكريا في الداخل.
اقتربت من ليلى بإبتسامة مُشرقة رافعة يديها المُتسخة للأعلى ثم قالت:
_ صباح الخير يا لولو، بتنادي من زمان؟
نفت ليلى بحركة من رأسها؛ ثم لفت انتباهها يديها المرفوعتين فتساءلت بفضول:
_ أنتِ بتعملي إيه؟
ردّت موضحة ماذا تفعل بالضبط:
_ زكريا جايب أكل وأنا بجهزه وأحطه في الفريزر عشان يبقى سهل يتطبخ على طول..
_ طب روحي اغسلي ايدك وتعالي ساعديني ادخل الحمام..
هتفتها ليلى مُستاءة، فاختلست سمر نظرة على زكريا الذي غمزها، فعاودت النظر إلى ليلى وقالت:
_ ونعيد اللي حصل امبارح وتقعي؟ ما زكريا موجود...
لم تدعها ليلى تُكمل وصاحت بحنقٍ غير مُتقبلة اقتراحها:
_ أوف خلاص مش عايزة منك حاجة.. أنا هقوم لوحدي
ثم حاولت النهوض ثانيةً وهي تُود الصُراخ لذلك الألم الذي يزداد كلما تحركت بمفردها، تشنجت تقاسيم وجهها فلاحظاها الآخرين، ودون ترددٍ مال زكريا عليها وحاول حملها فرفضت قُربه هاتفة:
_ إبعد عني، متلمسنيش...
تلك الأثناء انسحبت سمر إلى الخارج، فلا يجب وجودها وقتما ترمي شقيقتها بالكلمات، بينما ثبت زكريا رأسه أمام وجهها فكان قريبًا للغاية منها، وأردف برجاء:
_ بطلي تعاندي.. وسبيني أشيلك
بأنفاسٍ مُضطربة همست أمام شفتيه:
_ مش عايزة منك حاجة، إبعد إيدك دي..
أطال زكريا النظر في عينيها مُعاتبًا إياها ببعض الكلمات:
_ متبعدنيش عنك يا ليلى، إديني فرصة أصلح غلطتي..
_ غلطتك!!
هتفتها بتهكمٍ ثم تشدقت ساخرة وهي ترميه بالحديث اللاذع:
_ تقصد غلطاتك، تحب أعدهم لك؟
أغمض عينيه خجلًا من عينيها وقال:
_ عارفهم يا ليلى..
عاود النظر إليها وبرجاءٍ تحدث:
_ إديني فرصة تانية تشوفي فيها إني اتغيرت بجد، وإني استحقك..
أشاحت ليلى النظر عنه عندما شعرت بتأثرها لتوسلاته، وحدّت من نبرتها رافضة إعطائه فرصة آخرى:
_ مش قادرة، مش هعرف، كل ما هبص لشكلي واحتياجي ليك هفتكر إنك كنت السبب، إنك أنت اللي وصلتني لكدا..
ترقرقت الدموع من عينيها وهي تُتابع بألم انعكس في نبرتها:
_ هفتكر إنك كنت سبب إني أخسر بنتي، والله العظيم كنت موافقة إنها تكون معايا وأنت اعمل أي حاجة عايزها، هي كانت هتهوّن عليا..
قاطعها زكريا لعدم تحمله سماع كلماتها:
_ كفاية يا ليلى، والله ما تعرفي كلامك دا بيعمل فيا إيه؟!
صرّت أسنانها ثم أردفت بكُرهٍ:
_ وأنا عايزاك تعيش اللي بعيشه، تتوجع زيي، ولا أنت تكون السبب والوجع ليا أنا بس!!
تراجع زكريا للخلف واستقام بطوله فظهرت هيئته المُرعبة وهو يبوح بما يشعر به بصوتٍ به مزيج من الألم وتأنيب الضمير:
_ ومين قالك إني مش حاسس زيك، وأضعاف ما أنتِ حاسة كمان!
ذنب كل دا عليا أنا، أنا خِسرتك وخِسرت بنتي اللي عرفت قيمتها بعد ما راحت، كل ما بشوفك في وضعك دا بلوم نفسي مليون مرة، أنا بموت بالبطيء يا ليلى، ربنا رفع ستره عني والكل عرف إني واحد قذر
أنا لا بقيت لاقي أهلي ولا صحابي ولا حتى أنتِ، أنا فجأة كل حاجة راحت من بين ايديا بسبب شيطان نفسي اللي عمالي عيوني وحسسني إن كل مُتع الحياة انتهت، مكنتش شايف إنها بتبدأ لسه...
صمت ليلتقط أنفاسه الهاربة ثم مال بنصف جسده وأضاف بتوسلاٍ:
_ أنا مش فارق لي في كل اللي قولته دا غيرك، أنا آذيتك وعايز أصلح اللي عملته معاكي، مش مهم أي حد وأي حاجة تاني، عشان خاطر أي لحظة حلوة عشتيها معايا سامحيني وخلينا نبدأ من جديد..
_ صعب أوي، صعب أسامحك وأنا لسه متعافتش لا نفسيًا ولا جسديًا، صعب أحدد أصلًا أنا هقدر أنسى واسامح ولا لأ، متطلبش مني حاجة فوق مقدرتي..
قالتها بهدوءٍ وهي تتحاشى النظر عنه، فزم زكريا شفاه وأخذ ينظر إليها بعيونه قليلًا قبل أن يزفر أنفاسه ويُردد:
_ تمام، خُدي وقتك، بس من هنا لوقت ما تاخدي قرار أنا المسئول عنك، فمتحاوليش تمنعيني ولا تعاندي معايا لما أقرب منك.. تمام
رفعت ليلى عينيها عليه، ولم تُعقب، فانحنى زكريا بجسده حاملًا إياها لتذهب إلى المرحاض، فنظرت إلى يديه التي تقترب منها فشعرت بالنفور ولم تستطع إمساك سؤالها الذي أظهر غيّرتها:
_ وايدك دي اللي لمستها ولا التانية؟
تفاجئ زكريا بسؤالها، ولم يتراجع بل تابع قُربه منها حتى أصبح وجهه أمام وجهها لا يفصلهما سوى بعض الهواء المار، وهمس أمام شفتيها:
_ والله العظيم ايدي ملمستش واحدة غيرك.. أنا مش بالقذارة دي يا ليلى..
أنا قبل ما بعاملك بعامل ربنا، بغلط بس مش لدرجة الإنحطاط دا..
جحظت عيني ليلى بصدمةٍ وصاحت مُنفعلة:
_ دا أنا سمعتك محدش قالي، سمعتك وأنت بتقولها أوقفي كويس بدل ما اخدك على البيت!! أينعم أنا قاطعتك وقتها بس دا الرد الوحيد اللي كان هيتقال!
دي وصلت للبيت، أنت بتقول إيه بس!!
رفع زكريا يده وتحسَّس وجهها فنفرت ليلى من لمساته وحاولت تحريك وجهها لتبتعد عن يده لكنه لم يرفعها عنها وحاول إثبات حبه لها:
_ دا كان كلام، مكالماتي معاها متعدتش التعارف، واتفاجئت إنها جاية تبارك لي على الإفتتاح، مكنتش متفق معاها على أي مقابلات ولا حتى كان في نيتي اني أوصل معاها للمرحلة دي..
أقسم بالله ما يحلى لي لمس غيرك، أنا بحبك بجد يا ليلى، اعتبريني عيل وغلط، عاقبيه الفترة اللي تحبيها، بس متسبنيش...
أغمضت ليلى عينيها لحظتها، كانت تهرب منه هكذا، فهي لا تُود التأثر به اطلاقًا، كانت أنفاسه الحارة تضرب وجهها فأشعرتها بمشاعرٍ لا تريدها، فقاومت شعورها برفعها ليدها ووضعها على صدره مُحاوِلة إبعاده:
_ أنا عايزة أقوم.. هتساعدني ولا أنادي سمر؟
تنفس بعض زكريا الهواء قبل يُردد مازحًا:
_ وعلى إيه تنادي سمر، بدل ما توقعك زي إمبارح..
غمزها وهو يبتسم مواصلًا مُزاحه:
_ صحيح هي وقعتك إزاي؟
تجهم وجه ليلى ورددت بتزمجرٍ:
_ زكريا!!
_ خلاص خلاص
رددها ثم قام بحملِها برفق فتعلقت ليلى تلقائيًا بذراعيها حول عُنقه، فتقوس ثغر ليلى ببسمةٍ على دُعابته، لكن سُرعان ما لامت نفسها وأخفتها، خرج بها زكريا من الغرفة وقام بإدخالها المرحاض فهتفت:
_ اخرج..
_ خليني عشان لو احتجتي لـ...
لم يكاد يُواصل جُملته حتى أبدت ليلى رفضها التام:
_ اخرج يا زكريا..
تبادل معها النظرات لبرهة ثم أولاها ظهره وقام بالخروج، لكنه لم يبتعد عن الباب حتى يكون بالقُرب، بعد فترة؛ نادته فولج إليها كاد يحملها إلا أنها رفضت قائلة:
_ أنا عايزة أمشي عادي..
لم يعترض زكريا بل ترك لها الحرية، وقام بإحاطة ظهرها بذراعه وساعدها على السيّر، خرجت سمر من المطبخ ونظرت إلى شقيقتها وقالت:
_ متدخليش الأوضة، اقعدي برا أنا حضرت لك فطار..
_ مش جعانة..
هتفتها ليلى فعلَّق زكريا مُستاءً:
_ مفيش حاجة اسمها مش جعانة، لازم تاكلي عشان العلاج اللي أنتِ بتاخديه..
قالها ثم التفت إلى سمر وأردف:
_ هاتي الأكل وأنا هأكلها..
حاولت ليلى النظر إليه لكنها لم تستطع، فانحنى هو برأسه ناظرًا إليها ثم تساءل:
_ عايزة تقولي حاجة يا لولا؟
_ متقوليش لولا دي تاني، متنطقش إسمي أصلًا.. أنت يدوب وسيلة مساعدة مش أكتر..
أردفتها باندفاعٍ وبغضٍ، ثم قالت:
_ وبعدين أنت وقفت ليه، وصلني عشان مش قادرة أقف
_ هو فيه وسيلة مساعدة بتتحرك من غير أمر؟
تساءل بجدية مُصطنعة فتأففت الأخرى وعلقت بفتورٍ:
_ هو أنا كل كلمة هقولها هتعلق عليها؟ اتفضل وصلني..
_ أمرك يا هانم...
قالها وبسلاسة قام بحملِها فشهقت ليلى مذعورة، نظرت في عينيه وعاتبته بهجومٍ:
_ أنا قولت عايزة أمشي على فكرة..
_ وأنا عاجبني الوضع دا على فكرة..
قالها مُقلدًا نبرتها فنفخت ليلى مُبدية انزعاجها، فتحرك بها زكريا مُتجهًا إلى الأريكة ثم وضعها أعلاها برفق، تلك الأثناء قرع جرس الباب فتوجه زكريا مباشرةً لفتحه.
فتفاجئ بحضور والدته؛ تجهم وجهه وارتسم عليه علامات الضيق، أولاها زكريا ظهره وعاد للداخل ثم جاور ليلى مُصطنعًا انشغاله بالهاتف، بينما اجتاح هناء الشعور بالخزي من حالها، وتملَّك منها الخجل.
خطت بعض الخُطوات للداخل على استحياء شديد، وقفت أمام ليلى التي حدجتها بنظرات جامدة خالية من المشاعر، بينما تساءلت هناء بحرجٍ:
_ عاملة إيه النهاردة يا ليلى؟
بإقتضابٍ ردّت:
_ الحمد لله
حمحمت وحاولت إذابة الثلوج بينهن بمد يد العون لها فقالت:
_ محتاجة حاجة، أعملـ...
قاطعها زكريا بردِه الصارم:
_ ليلى مش محتاجة حاجة، أنا موجود..
إزداد حرج هناء من أسلوبه الصارم؛ واكتفت بترديد:
_ ربنا يخليكم لبعض و..
قاطعها زكريا للمرة الثانية مُردفًا بحدةٍ:
_ شكرًا
كانت هناء تود أن تنشق الأرض وتبتلعها، فلم يكن لديها وجه للوقوف بعد، لكنها تريثت قليلًا ربما عليها فعل شيءٍ لهما قبل ذهابها، تلك الأثناء جاءت سمر حامِلة الصينية التي تحوي فطورًا شهيًا قامت بإعداده خِصيصًا لإغراء عيني شقيقتها وتتناوله دون إبداء رفضٍ.
تفاجئت بوجود هناء، لكنها لم تُعطيها وجهًا، وضعت الصينية على الطاولة وتصنعت نِسيانها شيئًا حتى لا تبقى معها في مكانٍ واحد:
_ نسيت حاجة، هجيبها وأرجع
سحب زكريا الصينية وقام بأخذ لُقيمات صغيرة وأقربها من فم ليلى التي لم تُعارضه في وجود هناء، تناولت منه الطعام فأعاد زكريا تِكرار فِعلته دون اكتراثٍ لوجود والدته التي انسحبت بهدوءٍ لكنها هتفت قبل ذهابها:
_ أنا موجودة تحت لو احتجتوا لحاجة..
وسُرعان ما انصرفت من أمامهما، فشعر زكريا بالضيق من نفسه لتعامله معها بتلك الطريقة لكنه مُجبرًا على جعلها تشعر بذنبها حتى لا تعاود تِكرار خطأها مُجددًا.
وما أن غادرت هناء حتى رفضت ليلى أخذ لُقمة أخرى من يده وقالت بإقتضابٍ:
_ أنا هاكل أنا..
ترك لها زكريا حُرية التصرف؛ فأخذت ليلى تتناول على حد معرفتها، ثم انضمت إليهما سمر عندما تأكدت من ذهاب هناء، وجلسوا ثلاثتهم يتناولون الفطور في أجواء هادئة.
***
جلس الإثنين مُقابل بعضهما البعض، يتوسط كليهما المأذون، الذي تفقد حالتهما بنظراته أولاً قبل أن يُردف:
_ إن أبغض الحلال عند الله الطلاق، راجعوا نفسكوا يا جماعة، لو حابين تقعدوا مع بعض على انفراد خمس دقايق أنا معنديش مانع..
أطال عاصم النظر بصبا، كم ودَّ لو تُخبره بأنها تتراجع عن الإنفصال عنه، لكنها لم تفعل، إذًا فعليه الإسراع في ذلك القرار بِناءً على اتفاقهما، ابتلع ريقه ثم نظر إلى المأذون وبثباتٍ قال:
_ إحنا متأكدين يا مولانا، مفيش حاجة تانية نتكلم فيها، توكل على الله
بآسى شديد رمقه الماذون ثم ردد بحزنٍ واضح:
_ لا حول ولا قوة إلا بالله..
أخذ نفسًا عميقًا وأضاف بجدية:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي شرع الزواج والطلاق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
يا أستاذ عاصم سليمان، هل أنت حاضر بكامل قواك العقلية ونيّتك الخالصة لتطليق زوجتك؟
تحاشى عاصم النظر عن الجميع، أخفض بصره وهو يُجيبه بصوتٍ بالكاد سمعوه من هم حوله:
_ أيوا..
فتحدث المأذون ليتابع مراسم الإنفصال:
_ قول ورايا، أُطلِّق زوجتي صبا محمود النجيري على ما شرع الله تعالى ورسوله
شعر عاصم بوخزة في قلبه، رفع رأسه وتفقد صبا متشبثًا بآخر أمل لديه، أبت الكلمات الخروج من حنجرجته، وترنحت الدموع في عينيه مُهددة بالسقوط، ابتلع ريقه مِرارًا مُحاولًا السيّطرة على حاله، فأبعد عينيه عنها ليسهُل عليه قول تلك الكلمات التي يبغضها قلبه، تطلع في المأذون وقال بنبرةٍ مهزوزة:
_ أطلَّق زوجتي...
تحشرج صوته وهو ينطق حروف إسمها:
_ صبا محمود النجيري على ما شرع الله تعالى ورسوله..
وما أن أنهاها حتى أخذ نفسًا عميقًا زفره بقوة، غير مُصدق ما نطقه للتو، لم يدري كيف تحمل لسانه حمل تلك الكلمات وإخراجها.. لم يرفع عينيه عن صبا التي تتهرب من عينيه، تخشى النظر فيه فيغلبها ألم قلبها لجعله يعيش موقفٍ مأسوي كالذي يعيشه الآن.
ثم انتبهت على توجيه المأذون حديثه إليها بوقارٍ:
_ هل توافقين يا مدام صبا على هذا الطلاق؟
لم تُجيبه على الفور، حتى لا تتسبب في مضاعفة الألم داخل عاصم، تريثت قليلًا حتى لا تجرح مشاعره وبعد مرور بعض الوقت أجابته:
_ أيوا موافقة..
فأخذ الماذون يتلو بقية صيغة الإنفصال:
_ إذًا قد وقع الطلاق، وأُثبت بمحضر الطلاق، أسأل الله أن يوفقكما ويكتب لكما الخير أينما كنتما.
انسحبت صبا إلى الخارج فوجدت عائلتها في انتظارها، كان جلال أول من ألقت بنفسها بين ذراعيه ثم أجشهت باكية وتمتمت بندمٍ شديد:
_ مكنتش عايزة دا يحصل، مكنتش أتمنى إني أذي حد بالشكل دا..
ربتَ جلال على ظهرها محاولًا التخفيف من حُزنها:
_ نصيب يا حبيبتي، وبعدين متفكريش إن دي النهاية، عاصم بكرة يتخطى الطلاق ويقابل واحدة تعوضه، هوني على نفسك..
تلك الأثناء خرج عاصم يجر أذيال خيبته خلفه، وقف أمام الجميع بقلبٍ يبكي دمًا، حاول الثبات قدر استطاعته وإخفاء ما يمُر به، مالت شفتيه بانحناءة راسمًا بسمة زائفة وقال:
_ أشوف وشكم بخير يا جماعة..
_ ربنا يكتب لك الخير يابني في حياتك الجاية
دعاها محمود بامتنانٍ بالغ، بينما أضافت إجلال شاكرة لُطفه وشهامته:
_ أنت إنسان جميل وقلبك نضيف، ربنا يعوضك خيرًا من بنتي يا باشمهندس، ربنا يعوضك باللي شبهك وتستاهلك..
لِيُضيف جلال الذي دنا منه وربت على ذراعه:
_ مهما قولنا مش هنوفي حقك يا باشمهندس، أنت ونعمة الرجولة والشهامة، إحنا صحاب وأخوات ومفيش أي حاجة بينا مش كدا؟
_ أكيد
اكتفى عاصم بقولها، ثم وجه بصره على صبا المُنكسة رأسها لا تقدر على مواجهته، اقترب منها ومد يده مُردفًا بصوتٍ رخيم:
_ أشوفك على خير يا دكتورة..
بصعوبة بالغة قابلتها صبا في رفع عينيها عليه، نظرت إليه بعيون مُحمرة وكأن أحد العروق قد انفجر بها، مدت يدها تصافحه فشعرت بتلك الرجفة التي سرت في أوصاله فور لمسِها ليده.
قابلها الآخر بنظراتٍ تخفي خلفها الكثير من المشاعر الذي يود الإفصاح عنها، لكنها لم تعُد من حقه امتلاكها، فهما الآن غريبان عن بعضهما البعض، تقوس ثغره ببسمةٍ وقال:
_ خلصت الحكاية يا دكتورة!
فردّت صبا بصوتٍ مُفعم بالحُزن:
_ خلصت الحكاية يا باشمهندس..
الفصل الاربعون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم تسنيم المرشدي
كانت غافية مُستندة برأسها على نافذة السيارة؛ وصل قاسم بيت المزرعة وصف سيارته ثم تفقد أحلام وحاول إيقاظها بهدوءٍ كي لا يُسبب لها الذعر:
_ أحلام، فوقي يا حبيبتي إحنا وصلنا..
لم تستجيب له فعاود ندائها بنبرةً أعلى:
_ أحلام، إصحي يا حبيبتي وصلنا..
النتيجة نفسها، دون جدوى، فتدخلت زينب من الخلف وهزتها برفقٍ مُرددة:
_ قومي يا ماما، كل دا نوم..
تلك الأثناء؛ انتاب أحلام نوبة ذعر عندما استيقظت فجأة وتفقدت ملامح قاسم المجاور لها وهتفت برعبٍ مُشكل على تقاسيمها:
_ عبدالله، فين عبدالله؟
تعجب قاسم من حالتها، وخِصيصًا خوفها المُبالغ، فلم يفتعلا شيئًا يستدعي كل ذلك الخوف تنهد وأجابها في محاولة منه أن يُطمئها:
_ اهدي متخافيش، عبدالله كويس..
_ عايزاه، خلوه يجي دلوقتي..
هتفتها بأسلوبٍ قد آثار القلق داخل قاسم الذي مد يده ليُطمْئِن قلبها بلمسته، فنفرت منه أحلام وتراجعت بجسدها قدر استطاعتها حتى لا يلمسها وهللت في هلع:
_ عايزة عبدالله، هاتولي عبدالله..
تبادل قاسم النظرات المُرتابة مع زينب التي تتطلع على والدتها بقلقٍ وشعور من الخوف ثم رددت:
_ مالك يا ماما، إحنا معاكي وجنبك..
_ عبدالله...
هتفتها ثم ترجلت من السيارة باحثه عنه، فركضا خلفها في حالة هلع مما أصابها، فهتف قاسم وهو يقوم بالإتصال على عبدالله:
_ بكلمه عشان يجي، اهدي..
توقفت أحلام ثم ظلت تتطلع في قاسم الذي تحدث عبر الهاتف:
_ أنت فين يا عبدالله؟
وما كاد يردف سؤاله حتى هرولت نحوه أحلام وقامت بسحب الهاتف من يده وصاحت بخوفٍ:
_ عبدالله، تعالى، أنت مش جنبي ليه؟
تملك من عبدالله القلق والريبة، وحاول طمأنتها بكلماته:
_ حاضر يا حبيبتي هجيلك على طول، أنتِ كويسة طيب؟
_ هكون كويسة لما تيجي.. متتأخرش
هتفتها بلهفةٍ، فأكد عبدالله مجيئه على الفور، فأبعدت أحلام الهاتف عن أذنها وأعادته إلى قاسم، ثم أولاتهما ظهرها وتوجهت إلى البيت، فنظر قاسم إلى زينب التي قابلته بنظراتٍ مرتعدة، ثم تَبِعَاها حتى توقفت أحلام ورفضت الدخول فتحدث قاسم:
_ ادخلي يا حبيبتي استنيه جوا البيت
آبت أحلام الإستماع إليه؛ وجلست أمام الباب، ثم احتضنت قدميها أمام صدرها وظلت تُحرك جسدها للأمام وإلى الخلف ثم ردت بإصرارٍ:
_ هستناه هنا..
كانا الآخرين يتعاملان مع تصرفها بريبة وخوفٍ سكن قلبهما، اهتز رنين زينب والذي أخرجها من حالتها فابتعدت عنهما ثم أجابت على الإتصال:
_ إيه يا عبدالله..
_ هو فيه إيه؟ ماما مالها؟
تساءل بصوتٍ الخوف والقلق فيه صريحان، فألقت زينب نظرةً على والدتها قبل أن تُخبره ما حدث:
_ مش عارفة، هي كانت نايمة في العربية وإحنا راجعين، ولما صحيت كانت خايفة وفضلت تنادي عليك وعايزاك، عشان كدا عمي قاسم كلمك، وهي حاليًا قاعدة قدام الباب مش راضية تدخل غير لما أنت تيجي..
تنفست بعض الهواء وقد اهتزت نبرتها وهي تُضيف:
_ عبدالله تعالى بسرعة، أنا خايفة أوي، أول مرة أشوفها كدا!
_ أنا جاي على طول، المهم خليكي جنبها
قالها ثم أنهى الإتصال وقام بعمل اتصالًا آخر، تحدث فور إجابة الطرف الآخر:
_ ايه يا وليد، روحت المركز ولا لسه؟
_ لسه، أنا بلبس ونازل..
أخبره وليد وهو يُمشط خُصلات شعره؛ فواصل عبدالله إخباره بما يريد:
_ طب على السريع كدا، عشان أنا مش عارف هروح امتى، يبقى حد موجود هناك..
_ تمام..
اكتفى بترديدها بينما أنهى عبدالله الإتصال في الحال، ثم دعس على البنزين ليزيد من سرعته كي يصل في وقتٍ وجيز، على الجانب الآخر؛ خرج وليد من بيته مُسرعًا، اهتز هاتفه مُعلنا عن اتصالاً، فقام بالرد عندما وجده زكريا:
_ استر يارب
_ روحت المركز ولا لسه؟
تساءل مُستفسرًا فأجابه الآخر بتهكمٍ:
_ هو إيه السؤال اللي كله بيساله دا؟
لا لسه موصلتش، أنا لسه نازل على السلم
_ طب تمام، عشان أنا هتأخر، أو بص ممكن مجيش..
قالها زكريا بجدية، فهتف وليد مستاءً:
_ أنت وصاحبك مش جاين، واضح إني هلبس الشغلانة دي لوحدي..
باستهزاءٍ لحديثه علق زكريا:
_ هتلبس إيه أومال لو مكنش شغال تحت ايدك اكتر من ١٠٠ واحد في المكان؟ دا أنت يدوب هتشرف بس بروح أمك
_ روح أمي!! انا مش هرد عليك عشان أنا روح أمي فعلًشا
قالها وليد بتهكمٍ مازح ثم أضاف ساخرًا:
_ طبعًا أنت فاتك قاعد تحت رجليها وعمال تقولها مولاتي أنا بطاطا تحت رجليكي!
_ بطاطا!! لا البطاطا دي عزة اللي بتعملهالك عشان تدفى يا حيلتها..
عقب زكريا بوقاحة، فلم يُمرق وليد الأمر دون وضع وقاحته أيضًا:
_ ماشي يا ابن هناء، روح طاطي يلا، مش فاضي لك
قهقه وليد بمُزاحٍ ثم أنهى الإتصال على الفور قبل أن ينال وقاحة أخرى، تلك الأثناء كان قد تخطَّى وليد شقة عمه ولم يلاحظ من فتحت الباب لتلحق به، عبست ملامح خلود بضيقٍ عندما لم ينتبه عليها وغادر ثم عاودت الدخول ونظرت إلى الهاتف الذي بين يديها ورددت بغيظٍ:
_ نازل ولا كلمني ولا حتى شافني، ماشي يا وليد شوف مين اللي هيعبرك النهاردة!
***
_ أحسن قرار أخدته يا حبيبي، يمكن قلبك واجعك حاليًا بس مع الوقت هتعرف إنك عملت الأصح ليك..
قالتها نهال وهي تربُت على ظهر عاصم بحنانٍ، بينما كان الآخر مُنكس الرأس لا يتجاوب معها، فحزنت نهال لحاله ونظرت إلى عز الذي يُجَاورهم وأشارت إليه بأن يتحدث فصاح الآخر بحنقٍ:
_ إيه؟ عايزاني أقول إيه، الواحد حاسس إنه في لعبة، فجأة يلا عايز أتجوز وفجأة أنا طلقت، أنا مش لاقي كلام أقوله، ابنك تقريبًا فاكر نفسه كبر لدرجة القرارت بقى حتى مش بيعرفنا بيها!!
انتفض عز من مكانه وغادرهم دون إضافة المزيد، فعضت نهال على شفاها السُفلية بضيقٍ وخزي من انفعال زوجها، عاودت النظر إلى عاصم وحاولت التخفيف من عليه:
_ دلوقتي يهدى ويجي يتكلم معاك..
أزاح عاصم يدها عنه ثم نهض وهو يُردد:
_ مش عايز حد يتكلم معايا في حاجة..
ثم مشى مُتجِهًا إلى الباب فرفعت نهال صوتها وهي تتساءل باهتمامٍ:
_ رايح فين؟
أجابها بإقتضابٍ:
_ رايح الشركة، وعلى العموم أنا هقعد في بيت المزرعة شوية، متستنونيش..
قالها وفر هاربًا من البيت؛ فزفرت نهال أنفاسها بضيقٍ شديد ثم نظرت إلى ڤاليا الشاردة وسألتها بفضولٍ:
_ مالك أنتِ كمان؟
انتبهت عليها ڤاليا وردّت بتِيه:
_ مش مصدقة اللي حصل مع آدم، معقول هو عمل كدا فعلًا؟ بحاول استوعب إن الإنسان اللي كان لطيف و gentleman وقتها نفسه الشخص المحبوس دلوقتي في قضية تحريض!!
ومين؟ صبا اللي كانت مرات عاصم اللي كانت حبيبة عبدالله!
مامي أنتِ مستوعبة كم الحاجات اللي عرفناها فجأة دي؟
سألتها بجدية فتراجعت نهال بظهرها إلى الخلف واستندت على الأريكة، ثم أخرجت تنيهدة مُطولة قبل أن تُردف:
_ ودي حاجات تتصدق دي، دا لازم فترة على لما نعرف نستوعبها وخصوصًا إنها كلها مع بعض كدا.. بس بجد آدم آخر حد أتوقع منه حاجة زي دي، الحمدلله إننا بعدنا عنه قبل الموضوع دا بدل ما كانت تبقى فضيحة..
استنكرت ڤاليا آخر كلماتها، ثم نظرت إلى الفراغ أمامها وداخلها يُخبرها بِثَمة شيئًا خاطئ، حتمًا هناك ما تجهله، لا يصدق عقلها ما يحدث، وربما عليها معرفته، لكن كيف؟ لا تدري..
****
وصل عبدالله في وقتٍ وجيز، ترجل من السيارة سريعًا وهرول نحو والدته الجالسه أرضًا خارج البيت، جسى أمامها وهو يتساءل بلهفةٍ:
_ مالك يا حبيبتي؟
لم تُجيبه بالكلمات؛ بل قامت باحتصانه وشدّت بقوة على ظهره وكأنها تهرب من شيءٍ يُخيفها، وعلى الرغم من شُعور عبدالله بالألم إلا أنه تركها تفعل ما تريد ربما تطمئن هكذا.
كان قاسم واقفًا خلفهما يُتابع ما يحدُث بريبة، يشعر بشعورٍ سيء داخله، لكن لا يدري ماهو، لم تكن زينب أقل منه سيئًا، فكليهما ينتباهما شعور الخوف من الفقد.
تراجعت أحلام للخلف لكنها ظلت مُمسِكة في قميص عبدالله وقالت:
_ عايزة أنام، وصلني لاوضتي..
_ من عنيا يا نور عيني..
هتفها عبدالله بحنانٍ ثم نهض وساعدها على النهوض، ولج البيت وصعدا الدرج حتى بلغ معها الغرفة، ثم ساعدها على الإستلقاء ولم يكاد يستقيم في وقفته حتى صاحت أحلام برعبٍ:
_ متسبنيش، خليك جنبي..
جلس عبدالله جوارها وأمسك يدها ليبُث فيها الطمأنينة وقال بصوتٍ رخيم:
_ أنا جنبك أهو، مش هبعد عنك متخافيش...
لم تطمئن أحلام لكلماته، ولألا يذهب قامت بِمُحاوطته بذراعيها؛ فأخذ عبدالله يُمسد على رأسها، ثم راودته فكرةً وأراد فِعلها مُتلِهفًا:
_ إيه رأيك نقرأ مع بعض قرأن، زي ما كنا بنقرا سوا لما كنت بخاف أنام لوحدي وأنا صغير؟
أماءت له بالقبول فبدأ يتلوا بصوتٍ هادئ:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم....
صمت عبدالله عندما وجدها مُستكينة لا تنبس بحرفٍ، فتفقد ملامحها ثم سألها:
_ مش بتقولي معايا ليه يا أحلام؟
رفعت أحلام رأسها ونظرت إليه وأردفت بتُيه:
_ مش فاكرة، هو إحنا كنا بنقول اللي بتقوله دا؟
صعق عبدالله مما قالته؛ نظرها إليه مذهولًا، وكلماتها تتردد في عقله، كان قلبه يخفق بخوفٍ شديد، كان صعبًا للغاية ما هي مُقبلة عليه، لن يتحمل، ستنهار حصونه كلما ساء الوضع، فماذا هو بفاعل؟
جهل التصرف لحظتها؛ فنظر إلى زينب الواقفة، فوجدها تكتم بكائها بيدها، محاولة ألا تنهار أمامهما، لكنها فشلت فركضت إلى الخارج هاربة، وباتت الغرفة خالية إلا من عبدالله ووالدته فتلبس عبدالله لباس القوة الزائفة مُجاهدًا حزنه وأخذ يُردد بنبرة مهزوزة:
_ قولي ورايا يا حبيبتي..
' بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين'
كانت أحلام تُردد خلفه كطفلاٍ في بداية عمره يتعلم تلاوة القرآن، فخارت قوة عبدالله على التماسك وأجهش في البُكاء تأثُرًا بما تمُر به والدته، فتعجبت الأخرى من بكائه وسألته بصوتٍ حزين:
_ مالك، بتعيط ليه؟
لم يتحلى بالشجاعة للرد عليها، بل أسدل رأسه عليها وأخذ يُقبل وجهها ورأسها وأيضًا يديها، وهي في حالة ذهول مما يفعله، لا تعي ما يحدث، لكنها كانت هادئة لم ترفضه.
في الخارج؛ كان قاسم ينهي اتصاله الذي يُجريه منذ فترة:
_ اتصرف يا صادق، أنا لازم أقابل آدم النهاردة، بأي تمن لازم أشوفه.. سلام دلوقتي ولو فيه جديد بلغني
أنهى الإتصال ثم اقترب من زينب التي رآها تهرول راكضة من الغرفة مُتسائلًا بتوجسٍ:
_ مالك يا زينب بتجري كدا ليه؟ أحلام جرى لها حاجة؟
نفت بحركة من رأسها وأخبرته ما حدث للتو:
_ عبدالله كان بيقرا لها سورة الفاتحة وهي مش عارفة إيه دي، ماما نسيتها
وما أن أنهت إخباره حتى إزداد نحيبها وركضت هاربة من أمامه، فوجه قاسم بصره على باب الغرفة بصدمةٍ حلت على وجهه وردد:
_ اللهم اربط على قلبي، وامنحني قوة الرضا بما قدّرت، وحسن التسليم لما قضيت
اللهم اجرني في مصيبتي...
ثم دلف الغرفة بِخُطُوات عرجاء، فوجد عبدالله في حالٍ يرثى له، تمالك حاله وتوجه نحوه وهمس:
_ سيبهالي وروح شوف شغلك..
تلك الأثناء صدح صراخ أحلام في الأرجاء وشدّت على قميص عبدالله بقوة مانعة إياه من النهوض وهتفت:
_ متسبنيش يا عبدالله..
شدَّ عبدالله علي يدها الموضوعة عليه وهتف من بين بكائه:
_ مش هسيبك والله يا حبيبتي، متخافيش، نامي واطمني، انا جنبك..
نظرت أحلام إلى قاسم بخوفٍ شديد، كأنها تجهل من يكون، فلم يتخطَّى قاسم ذلك وقام بالخروج على الفور من البيت محاولًا التقاط أنفاسه في الخارج وكذلك جاهد لتعليم قلبه الصبر على مصابه.
***
بعد مرور بِضعة ساعات؛ استطاع صادق تلبية أمر قاسم، وأتى له بزيارة سريعة ليرى آدم، وقف قاسم في مكتب المأمور لا يرفع نظريه عن الباب، يعُدُ بداخله الثوانِ حتى يلقاه، يرتجف داخله بشكل لا يوصف.
يجهل التعامل في مثل تلك المواقف، لا يدري ما عليه فِعله عند رؤيته، فقط ظل ينظر حيث الباب حتى فُتح فخفق قلبه بعنفٍ واهتزت أوصاله، ولج آدم برفقة عسكري، كانت خُطُواته شامخة، رأسه مرفوع لا ينحني، يسير كملكٍ يتجول في امبراطوريته.
نهض الضابط عن كرسيه وقال:
_ هسيبكم خمس دقايق، مش أكتر من كدا..
انسحب على الفور وكذلك العسكري، بينما باتت الغرفة خالية إلا من قاسم وآدم اللذان يتطلعان في بعضهما دون حديث، انهارت حصون قاسم على التماسك وقام بجذب آدم إلى صدره وعانقه بقوةٍ كما لم يفعلها معه من قبل.
كان آدم مُتفاجئًا بتصرف والده، فلم يتوقع رد فعلٍ حميمي كهذا بعد تصرفات والده الأخيرة معه، وما زاد غرابته بكاء قاسم الذي يقطعه بعض الشهقات القوية.
فقام آدم بِمُحاوطة أبيه بيديه وحاول تهدئته:
_ إهدى يا بابا، أنا كويس.. متخافش عليا
تراجع قاسم للخلف وتفقد المكان حولهما وصاح:
_ يعز عليا أشوفك في مكان زي دا، قلبي واجعني عليك يا بني وطول الوقت بلومك في عقلي إزاي تعمل كدا، وبلوم نفسي إزاي قدرت ادخلك هنا بإيديا، بس في كل الحالات دا الصح، دا اللي المفروض يحصل
كلام بصبر بيه نفسي عشان مش قادر اتخطَّى فكرة وجودك هنا وأنا برا عايش حياتي!
حرام عليك يا آدم، حرام عليك نفسك وأبوك يابني ..
ليه تحطنا في موقف زي دا؟
أخذ آدم نفسًا وأخرجه بقوة وردَّ بثباتٍ:
_ بلاش كلام يا بابا، الكلام مش هيزود لنا غير وجع وبس، أنا غلطت وبتحاسب وأنا متحمل تمن غلطتي وراضي
وعمومًا هنا مش وحش أوي يعني، بالعكس فرصة أعيد فيها تأهيل نفسي
ولو على خوفك عليا؛ فاطمن كل زمايلي موصين عليا وبتعامل أحسن معاملة من وقت ما وصلت...
رفع آدم يده وربتَّ على ذراع والده، وهتف مُضيفًا:
_ اقعد يا بابا..
توجه آدم إلى الكُرسي وجلس، وكذلك فعل قاسم، ثم قام بفتح أحد الشنط البلاستيكية التي معه ففاحت رائحة الطعام المُفضل لآدم، وأكلته عينيه قبل معدته التي طالبت به على عجالة.
ثم أخذ قاسم يُطعم آدم بيده فرفض الآخر قائلًا:
_ هاكل أنا..
بإصرارٍ واضح في عيني قاسم هتف:
_ لأ أنا اللي هأكلك بإيدي، مش عايز اعتراض..
استسلم له آدم إن كان هذا سُيُرِيحه، وأخذ ب
يتناول من يديه الطعام حتى امتلأت معدته فتراجع للخلف مرددًا:
_ شبعت الحمد لله..
فتوقف قاسم وأشار إلى بقية الشنط وهتف بصوتٍ أجش:
_ الشنط دي فيها كل حاجة أنت بتحبها، يخلصوا بس وهجيب لك غيرهم، أي حاجة عايزها قولها لأي عسكري أو بلغ بيها المأمور وتبقى تحت رجليك في وقتها، إوعى يكون نفسك في حاجة ومتقوليش يا آدم!
ابتسم له الآخر وقد تبخر تماسكه أمام قاسم وخارت قوته الذي يتلبسها، وأجهش باكيًا، فلم يتحمل قاسم بكائه ونهض سريعًا وقام بتقبيل رأسه وتقديم اعتذاراً على ماهو فيه:
_ أنا آسف يابني.. سامحني
ودون مجهودٍ قام آدم باحتضان والده كطفلاٍ تائه وجد مآواه للتو، ثم تذكر شيئًا، فهتف مُطالبًا به:
_ أنا عايز منك طلب يا بابا...
تراجع قاسم للخلف قليلًا وتساءل بلهفةٍ:
_ إيه يا حبيبي، اطلب أي حاجة
أخرج آدم تنهيدة أولًا قبل إخباره، فلن يكون سهلًا على والده سماع ما يريد، حمحم آدم ثم قال بترددٍ:
_ عايز أشوف ڤاليا، خليها تيجي لي هنا، محتاج أتكلم معاها..
كانت مُفاجئة ثقيلة على قاسم الذي أطال النظر به قبل أن يُبدي استيائه:
_ أجيب البنت هنا بأي حق؟ يعني هي لا بقت خطيبتك ولا حتى عز ممكن يوافق، ممكن إيه، دا استحالة يوافق على حاجة زي دي..
نهض آدم ووقف مُقابل قاسم وتوسله:
_ عشان خاطري يا بابا، حاول مرة واحدة، يمكن يوافقوا، أنا متأكد إنها لو عرفت إني عايز أقابلها هي هتقبل وهتيجي..
_ بس يابني..
كاد يعترض إلا أن آدم أظهر تمسُكه بذلك الطلب:
_ عشان خاطري حاول..
تلك الأثناء طُرق الباب فابتعد قاسم بهدوءٍ عنه لكنه لم يُبعد عينيه من عليه ثم ولج المأمور وقال بهيبة:
_ كفاية كدا يا قاسم بيه..
اكتفى قاسم بهز رأسه فأمر المأمور العسكري قائلًا:
_ خد آدم بيه يابني على الحجز..
نظر آدم في وجه أبيه وابتسم ثم سار إلى جوار العسكري تحت نظرات قاسم المُتابعة له بحسرة، وقلبٍ ينفطر حُزنًا على وضعه الذي بات فيه، أخرج زفيرًا قبل أن يستدير إلى المأمور ويُردف:
_ أي حاجة ابني محتاجها بلغوني على طول بعد إذنك..
_ طبعًا يا قاسم بيه، آدم بيه في عنينا
قالها الآخر فبث بعض الطمأنينة داخل قاسم الذي انسحب وغادر ذلك المكان الذي يُسبب له اختناقًا، وأخذ يُفكر بدقة كيفيفة تقديم طلب آدم لرؤية ڤاليا دون أن يفتعل مُشكلةً مع صديقه.
***
صف سيارته أمام الفيلا، وقع في حيرة بين عقله وقلبه، عقله يُخبره بأن الدخول إلى تلك الفيلا غير صائبًا وسَيقُوده إلى المشاكل، وبين قلبه الذي يأمره بفعلها مهما كان الثمن من أجل إبنه ذلك السجين بين جدران خالية من الروح.
وفي النهاية فاز قلبه وحرَّك السيارة حتى بلغ حديقة الفيلا وقام بالنزول، فكان عز في استقباله عندما أعطاه رجل الأمن خبرًا بوجود قاسم.
صافحا بعضهما البعض ثم رحب به عز إلى الداخل، حمحم قاسم وبترددٍ وارتباك واضحين بدأ حديثه:
_ ممكن ڤاليا تكون حاضرة معانا يا عز...
قطب الآخر جبينه بغرابةٍ لطلبه، وازدادت التساؤلات داخله حول مجيئه المفاجئ، وبعد نظراتٍ طالت بينهما قام عز بالنداء على ابنته التي جاءت على استحياء، جلست بجوار أبيها بعد أن رحبت بقاسم.
بينا حمحم قاسم ثم تناوب بنظره بينهما قبل أن يفصح عما جاء لأجله:
_ والله مش عارف أبدأ كلامي منين..
قاطعه عز بقلقٍ:
_ اتكلم يا قاسم، قلقتني يا راجل
بصعوبة قابلها قاسم في البداية تحدث بخجلٍ واضح:
_ طبعًا أكيد عرفتوا اللي حصل لآدم..
نكس رأسه في خجلٍ صريح، ثم تابع وهو ينظر إلى ڤاليا:
_ آدم ابني طالب منكم طلب، عايز يشوف ڤاليا!!
كانت مفاجئة غير متوقعة بالنسبة لعز، بينما خفق قلب ڤاليا بشدة، وشعرت بالإرتباك يُسيطر على خلاياها، ابتلعت ريقها وحاولت الثبات قدر استطاعتها، على جانبها وقف عز وباستنكارٍ تام تحدث:
_ هو أنت مقتنع يا قاسم باللي بتطلبه دا؟
يعني أنت لو مش عارفني كنت قولت ماشي، لكن أنت حافظني وفاهم كويس قد إيه سُمعة ولادي درجة أولى عندي، ثم إن ڤاليا وآدم معتش بينهم اللي يخليه يطلب طلب زي دا!
لم يتفاجئ قاسم برده فعل عز؛ بل كان أقل مما توقعَهُ، أخذ قاسم نفسًا زفره بتهملٍ قبل أن ينهض، وقف مقابل عز وأردف بوقارٍ:
_ عارف إن طلبي مش منطقي، بس حُط نفسك مكاني، ابنك في أزمة وطلب منك طلب على ما قد ماهو سخيف بس أنت نفسك تعمله أي حاجة يمكن تهون عليه أزمته..
هز عز رأسه رافضًا وهو يُردد بنبرة حادة:
_ أزمته دي هو السبب فيها يا قاسم مش هنضحك على بعض، أنا من وقت ما عرفت وأنا بقول الحمد لله إن العلاقة انتهت من قبل ما المصيبة دي تحصل، أنا آسف يا صاحبي طلبك مرفوض، أنا لولا العشرة اللي بينا كبيرة كان هيكون ليا كلام تاني..
كان أسلوبه وكلماته ليست هينة بالمرة على قاسم الذي شعر بوخزة في قلبه، ود لو يهرب من أمامهما لكنه تريث لِيُحاول محاولة أخيرة قبل ذهابه، دنا من عز وبرجاء نطق كلماته:
_ وافق يا عز واعتبره عمل انساني، وبنتك هي بنتي، أكيد مش هعمل أي حاجة تِمسَّها بسوء، هاخدها في سرية وهرجعها من غير ما حد يلاحظ..
_ لأ يا قاسم، لأ يعني لأ صدقني كلامي مش هتغير أبدًا، بنتي متدخلش المكان دا نهائي، لو سحمت متصعبش الموضوع أكتر من كدا!
هتفها عز بانفعالٍ فنهى الحوار بينهما بذلك الأسلوب الفظ، فأطال قاسم النظر به ثم انسحب وغادر دون إضافة الكلمات، استقل سيارته وقد شعر بصدره يضيق شيئًا فشيء، فقام بفك بعض أزرار قميصه عله يشعر ببعض التحسُن، تحرك بالسيارة عندما فشل في استعادة رونقه وقرر العود إلى أحلام وينسى أمر ذلك الطلب فهو قدم مُحاولاتٍ قدر إمكانه.
في الداخل؛ وقفت ڤاليا تُتابع تحرُك قاسم بالسيارة وقلبها يخفق حُزنًا على وضعه، فلم تراه ضعيفًا كاليوم، شهيقًا وزفيرًا فعلت ثم انتبهت على كلمات أبيها المُنفعل:
_ معتش إلا رد السجون اللي نروح عنده كمان، قاسم شكله اتجنن!!
تألمت ڤاليا من وصف أبيها لآدم، فكان قاسيًا للغاية، نظرت إليه بآسى ثم صعدت إلى غرفتها وأخذت تُفكر بعض الوقت قبل أن تأخُذ قرارًا سيترتب عليه الكثير.
وعندما وصلت إلى قرارٍ يُرضيها قامت بعمل اتصالًا في الحال:
_ آونكل قاسم، أنا موافقة أقابل آدم بس من غير ما دادي يعرف..
رد قاسم من الطرف الآخر:
_ بس يابنتي والدك لو عرف هـ...
قاطعته ڤاليا حاسمة قرارها:
_ دادي مش هيعرف متقلقش، أنا هعرف أتصرف المهم عرفني امتى وأنا هاجي مع حضرتك..
بإبتسامةٍ مُمتنة لـ لُطفِها أردف قاسم:
_ تعرفي إن آدم قالي إنك هتوافقي تقابليه لما تعرفي إنه عايز يتكلم معاكي!
تفاجئت ڤاليا بما أخبرها به، حمحمت بحرجٍ فاستشف قاسم خجلها وأراد إنهاء الإتصال:
_ على العموم أنا وقت ما هاخد تصريح الزيارة هكلمك قبلها أعرفك، شكرًا يا بنتي..
_ تمام يا أونكل، Good night..
قالتها بِرقةٍ ثم أنهت الإتصال وجلست تتطلع في الفراغ أمامها تُفكر فيما يُريدها به آدم وكيفية الخروج من المنزل دون أن تُثير الشُكُوك حولها.
***
حل المساء؛ وقد اشتد الجوع على ليلى التي ترفض طلب الطعام من زكريا، تأففت بضيق وهتفت بحنقٍ:
_ كان لازم تمشي يا سمر في الوقت دا، هفضل أنا جعانة كدا لغاية امتى؟
فتفاجئت ليلى برأس زكريا التي تميل من خلف جدار الغرفة فظهرت من خلال الباب وقال:
_ ما أنا بقالي ساعة بتحايل عليكي عشان تاكلي وأنتِ مش راضية!
انتاب ليلى لحظتها الخجل والتوتر، وصاحت عاليًا:
_ إيه ده، أنت إيه اللي موقفك هنا؟
_ واقف عشان لو احتجتي حاجة أسمعك..
قالها زكريا فأشاحت ليلى بنظرها عنه، فدلف هو الغرفة وهو يُردد:
_ عايزة تاكلي إيه؟ أطلب لك أكل؟ ولا أجيب الأكل المتبقي من الغدى؟ ولا نعمل جديد؟
تأففت الأخرى وصاحت ببغضٍ:
_ مش عايزة حاجة منك، أخرج برا
_ يعني مش هتاكلي؟
تساءل مُستفسرًا فهدرت بعد ليلى بنبرة حانقة:
_ زكريا أنا لو هموت من الجوع مش هاكل منك حاجة.. سيبني في حالي
هز زكريا رأسه مِرارًا ثم انسحب من الغرفة تحت نظراتها المُتابعة له، وما هي إلا ثوانٍ حتى عاد إليها، انحنى عليها ليحمل جسدها فصاحت ليلى بانفعال:
_ أنت بتعمل إيه؟ إياك تلمسني، إبعد..
لم يكترث لها زكريا وقام بحملِها فصرخت ليلى مُنفعلة:
_ أوف، نزلني بقولك..
بلا مبالاةٍ تحدث بنبرة باردة:
_ وطي صوتك يا ليلى إحنا في بيت عيلة!
_ أنت موديني فين؟
تساءلت وهي تُتَابع خروجه من الغرفة، فأجاب الآخر وهو يضعها على المقعد الذي وضعه في المطبخ:
_ لو صبر القاتل على المقتول مكنش اتقتل!
تفقدت ليلى بعينيها المكان حولها بإستياء شديد وهدرت:
_ جايبني المطبخ ليه؟
وقف زكريا أمامها وبحماسٍ ظهر على تقاسيمه أجابها:
_ هنطبخ حاجة، أنتِ عليكي تقوليلي بتتعمل إزاي وأنا هعمل.. اتفقنا
_ متفقناش..
قالتها بغيظ ثم أضافت بنفاذ صبر:
_ رجعني الأوضة...
دنا منها زكريا وبتوسلاٍ هتف:
_ خلاص يا ليلى عشان خاطري، بلاش الرفض دا!
تشدقت ساخرة وهي تُردد مستاءة:
_ ملكش خاطر عندي، وبعدين يعني إيه بلاش الرفض دا؟ أنت إزاي قادر تتعامل عادي ولا كأن أي حاجة حصلت؟
بصوتٍ يكسُوه الندم والرجاء أردف:
_ بحاول أكسبك من جديد...
هاجمته ليلى مُعنِفة، رافضة كلماته المسكينة:
_ لأ، أنت بس ضميرك واجعك أوي فعايز تريحُه بأي طريقة..
_ مش هنكر، وجع الضمير دا صعب أوي، أنا مش بعرف أنام وحتى لو غفلت خمس دقايق بيكون كابوس مش نوم، بس دا جزء بسيط، الجزء الأكبر والأهم إني أكسبك بجد يا ليلى، والله ندمان ونفسي تسامحيني ونبدأ من جديد..
هتف كلماته بنبرة يملؤها الندم مُتأملًا مُسامحتِها بينما صاحت ليلى عاليًا:
_ بدري أوي على الكلام دا..
مال زكريا برأسه ناظِرًا إليها بطرف عينيه وهو يستشف ما يوجد خلف كلماتها:
_ يعني أفهم من كلامك إنك هتسامحيني؟
رمقته ليلى باستنكارٍ، وأجابته على مضضٍ:
_ أنا مقولتش كدا، ودا مش قصد كلامي أبدًا، أنا قصدي إن لسه بدري على ما قدر أتعافى من اللي حصلي وعيشته ووقتها أقدر أخد قرار وغالبًا يعني هيكون الطـ...
قاطعها زكريا بعصبية مانعها من نطق تلك الكلمة:
_ مش هيحصل يا ليلى..
خرجت ليلى عن السيطرة وصامت بانفعالٍ تام:
_ هتقعدني جنبك غصب عني؟
هدأت نبرة زكريا ونظر في عينيها بتحدٍ وهو يُشير إلى قلبها بيده:
_ لما أحس منك فعلًا إنك مش عايزاني وقتها مقدرش أغصبك على حاجة، لكن دلوقتي أنتِ جواكي غضب مني، بس مش كُره يا ليلى، فيه فرق.. الغضب مع الوقت هيقل ويروح لكن الكُره مختلف!
_ ماهو أنا بكرهك!
هتفتها من بين أسنانها التي تحتك ببعضها؛ فهز الآخر رأسه بعدم تصديق وهو يُردف:
_ مش من قلبك، الكُره مش مجرد كلمة بتتقال، دا بيتحس في التصرفات والأسلوب..
تأففت ليلى بضجرٍ شديد وصاحت ببغضٍ:
_ أعمل لك إيه عشان تصدق إني مش قابلة أبص في وشك، كل ما بشوفك قدامي بفتكر إنك خُنتني!
وجعي بيزيد وبحس إني قرفانة منك لمجرد إنك مكنتش قابل حملي لغاية ما خسرته!
اللي أنا عايشة فيه مش بسهولة يقل زي ما أنت فاكر، ومش ممكن يتنسى أبدًا..
تبدلت نبرته وتحشرجت حتى شعرت ليلى أنه سينفجر باكيًا فصمتت واستمعت إلى كلماته المُتألمة:
_ حرَّمت، أقسم بالله حرَّمت، والله ما هتبطر تاني أبدًا، هحمد ربنا على نعمته..
وشيطان نفسي عمري ما هخليه يسيطر عليا تاني، بس أنتِ اديني فرصة نبدأ من جديد..
كانت عبرات ليلى حبيسة لا تُريد إخراجها حتى لا يتأمل من خلف تأثرها به، لكن انعكست على هيئة شهقاتٍ خرجت متقطعة مهزوزة، فأغمضت عينيها سريعًا حتى لا يراها، لكن هيهات لدموعها التي انسدلت وفضحت ما تحاول إخفائه هي.
فتحدثت بصوتٍ مهزوز لتُبعِدهُ عن سير حديثهما:
_ أنا جعانة..
لم يتوقع طلب كهذا الآن، لكن لها ما تريد، أطال النظر بها لبرهة قبل أن يُخرج تنهيدة مهمومة ثم خرج من الغرفة وقام بتسخين الطعام المُتبقي من الغداء، ثم وضعه في صينية وعاود بأدراجه إلى الغرفة.
وضعها جانبًا وكاد يجلس أمامها إلا أنها منعته قائلة:
_ حط الصينية على رجلي وأنا هاكل لوحدي..
_ مش هتعرفي..
لم يكاد يُبدي اعتراضه، حتى أصرّت هي دون أن تنظر إليه:
_ هاكل لوحدي، خلاص
أماء الآخر بقبول، ثم وضع الصينية على قدميها وانسحب من الغرفة، لكنه لم يبتعد كثيرًا، فكان يُراقب الوضع دون أن تشعر به، بدأت ليلى تتناول الطعام وقد وجدت صعوبة بسبب عدم رؤيتها جيدًا لما تفعله.
فاسبكت بعضًا على ملابسها، فتأففت بضجرٍ وتمتمت بنبرة حانقة:
_ أوف أوف، أنا هفضل كدا لغاية امتى...
قالتها ثم ألقت الملعقة بعصبية، فلم يتردد زكريا في الإنضمام إليها ثانيةً، فنكست رأسها في حياء ولم تستطع مُواجهته بعد رفضها له، فلم يلومها الآخر وقام بإبعاد الصينية عنها وقال بحسمٍ:
_ لازم تاخدي دوش...
قالها وقام بحملِها فلم تعترض، فكانت مُستنفرة من نفسها، تعلقت في رقبته مُتعمدة عدم النظر في عينيه، بينما توجه بها زكريا إلى المرحاض، وقد وضعها على حافة المغطس الرخامي، ثم جهز لها ما ستحتاجه أثناء استحمامها.
فتساءلت ليلى بخجلٍ:
_ الرقبة والجبس هنعمل فيهم إيه؟
أجابها وهو يُتابع تجهيز الأشياء:
_ هلفهم عشان ميجيش عليهم مية..
بعد فترة؛ كان قد أحاط زكريا قدمها ورقبتها بأغطية بلاستيكية ثم فتح صنبور المياه فانسدل أعلاها بعد أن أعدل جسدها لوضعية الإستحمام، كانت ليلى تُتَابعه بتأثرٍ وقلبٍ يخفق بشدة، لقد كان حنونًا حذِرًا في لمساته كي لا يؤلمها.
انتهى مما يفعله ثم قام بتجفيف جسدها وخصلاتها جيدًا، وأزاح عنها الأغطية ثم بعد ذلك قام بوضع المراهم الطبية أعلى الكدمات الزرقاء في جسدها وبالأخير ساعدها على ارتداء قميصًا قطني فضفاض حتى تكون أكثر راحة.
حملها بين ذراعيها وأعادها إلى الغرفة، ثم جلس خلفها يُمشط خصلاتها بنعومة وتركه يُكمل تجفيفه بنفسه، نهض وتفقد الطعام فوجده قد برد، فأخذه إلى المطبخ وعاد تسخينه وعاود إليها تحت هدوءٍ غير متوقع من ليلى.
كانت ساكنة، فقط تُتابع ما يفعله، تفاجئت بعودته بالطعام ساخنًا، جلس مقابلها ورفع يده بالمِلعقة قُرب فمها، فنظرت إلى يده المَمِدُودة نحوها ثم فتحت فاها وأخذت تتناول منه دون اعتراضٍ حتى شعرت بامتلاء معدتها فقالت:
_ كفاية، شبعت..
_ متأكدة؟
تساءل باستفسارٍ يُخالطه الإهتمام فأكدت ليلى بإيماءة من رأسها قبل أن تُردف مختصرة:
_ شبعت بجد..
أخرج زكريا زفيرًا براحة ثم نهض وخرج فشعرت ببعض الشفقة لهجومها الدائم تجاهه، ولكن سرعان ما طردت أفكارها اللعينة التي حتمًا ستجعلها تُسامحه عاجلًا.
عاود زكريا وتساءل وهو يستند بكتفه على باب الغرفة:
_ عايزة تنامي؟ أعدلك؟
ابتلعت ريقها وقالت:
_ هقعد شوية...
حاولت النظر إلى جانبيها لكنها فشلت فتساءلت:
_ هو موبايلي فين؟
زم زكريا شفتيه بآسى ثم أخبرها:
_ اتكسر وقت الحادثة..
حمحم ثم أسرع مواصلًا حديثه حتى لا تشعر بالحزن لخسارته:
_ هجيب لك واحد تاني إن شاء الله في أقرب وقت...
سحب هاتفه من جيبه ورفعه للأعلى قليلًا قبل أن يقترح:
_ تاخدي موبايلي دلوقتي؟
نفت بحركة من رأسها ثم صاحت:
_ لأ خلاص أنا هنام..
أماء بقبول، ثم توجه ناحيتها وانحنى بجسده عليها فانتباهُ قشعريرة عندما لمس جسدها واستنشق عبيرها الذكي، ابتلع ريقه وحاول السيّطرة على حاله وأسرع في الهرب إلى الخارج بعد أن أعدل جسدها لوضعية النوم.
***
في اليوم التالي؛ قلقت خلود إثر اهتزازة هاتفها، فنهضت في هلعٍ وقامت بالرد بتيِه:
_ زكريا..
فأجابها الطرف الآخر قائلًا:
_ خلود معلش اطلعي اقعدي مع ليلى ساعتين كدا هروح الشغل نص يوم كدا وراجع تاني..
أماءت الأخرى دون استيعابٍ منها فنادها زكريا بغرابة:
_ خلود، أنتِ سمعاني؟
أماءت مرة أخرى ثم نعتت سذاجتها وردت بصوتٍ لا زال اثر النعاس به:
_ أيوا سمعاك، هفوق بس الأول واطلع على طول..
_ تمام متتأخريش...
أنهى بها المكالمة ثم نظر إلى ليلى الجالسة على الأريكة وأردف وهو يتفقد ما قام بتحضيره حتى يُسهل عليها سحب أي شيءٍ تشتهيه:
_ المية والأكل، والحلويات، والمناديل المُبللة وفوطة احتياطي، مم بيتهيقلي كدا كله تمام..
ثم عاود بنظره نحوها وتساءل باهتمامٍ:
_ ادخلك الحمام تاني قبل ما أمشي؟
نفت بحركة من رأسها وهي تُجيبه:
_ لأ، أنا لسه خارجة..
فهز زكريا رأسه ثم قام بعمل اتصالًا آخر:
_ نزلت ولا لسه؟
أجابه وليد وهو يقوم بالخروج من البيت:
_ نازل أهو، فيه أوامر تانية النهاردة ولا إيه؟
_ لأ كنت هقولك استناني جاي معاك، مستني خلود تطلع بس وهنزل..
هتفها زكريا بجدية فردَّ وليد بصوتٍ أجش:
_ تمام، هطلب لنا عربية على لما تنزل تكون وصلت
قالها وأنهى الإتصال؛ وما كاد يفعل حتى تفاجئ بصعود خلود، ابتسم بعذوبة لرؤيتها لكنه صُدم بتجنبها له وكأنها لم تراه، رُفع حاجبه الأيسر تلقائيًا بغرابةٍ واستنكار لتصرفها وعلق مستاءً:
_ والله؟! هو أنا شفاف ولا إيه؟
لم تُعقب، وتابعت صُعودها فازداد وليد حُنقًا من عدم ردها وصاح بضيقٍ:
_ خلود أنا بكلمك على فكرة!
توقفت خلود ثم استدارت بجسدها ونظرت إليه بعيون جامدة هاتفة بعد أن عقدت ذراعيها عند صدرها:
_ بعاملك بالمِثل!!
قطب الآخر جبينه بعدم فهم، ثم اقترب بِضع خُطوات منها وتساءل بجدية:
_ وأنا عاملتك كدا امتى؟
بانفعالٍ واستنكار شديد صاحت:
_ أنا معرفش عنك حاجة بقالي يومين، لا بترن عليا، وحتى لما برن عليك معظم الوقت غير متاح أو بتكنسل عليا، وافضل استناك تكلمني بعدها ولا بتعبرني، فخلاص أنا كمان هعمل زيك، وأظن ملكش حق تزعل..
وما أن أنهتها حتى أولته ظهرها وتابعت صُعودها فتفقدت الدماء في عروق وليد وصاح بغضبٍ لمغادرتها له:
_ أنا لسه مخلصتش كلامي عشان تسبيني وتمشي، وعيب أوي لما أكون واقف وتديني ضهرك وتطلعي..
تجمّدت أقدام خلود بسبب غضبه التي تتعامل معه للمرة الأولى، ابتلعت ريقها وبخجلٍ يشوبه بعض الخوف استدارت إليه، فصعد وليد الدرجتين التي تفصل بينهما حتى بات مقابلها وهدر:
_ عارف إني مقصر، بس غصب عني، اخوكي فوق قاعد جنب مراته وعبدالله هناك قاعد مع أهله وأنا اللي لابس الموضوع لوحدي، مش لاقي وقت حتى أخد نفسي فيه ومش قادر أوفق بين الشغل وحياتي الشخصية ومش عارف الموضوع هيتحل إزاي، فمتجيش أنتِ كمان عليا..
خرجت كلماته مُندفعة تحت تأثُر خلود التي على وشك البُكاء من خلف أسلوبه، وما كاد يُنهي وليد كلماته حتى انفجرت باكية فتفاجئ وليد بذلك الوضع، ونعت نفسه المتسرعة وحاول تصليح الأمور:
_ أنا آسف، حقك عليا، بلاش عياط يا خلود مقصدش والله..
زمت خلود شفتيها محاولة إيقاف نوبة بكائها المفاجأة ففشلت، فوقف وليد في حيرة من أمره، كان أمرًا جديدًا عليه، يجهل التعامل معه، لا يعلم كيف ينجح في إسكاتها هو فقط يريدها أن تصمت.
_ غصب عني والله، مضغوط ومش بعرف أتعامل تحت ضغط..
قالها ثم رقق من صوته مُحاولًا كسب استعطافها:
_ وبعدين لو أنتِ مستحملتنيش مين يستحملني؟
أنتِ الوحيدة اللي مسموح لك تشوفي وليد على كل أشكاله، وهو مبسوط وهو مضايق، وهو بيحبك ويقولك كلام حلو وبيصالحك، ويقولك بلاش تُقل واقبلي اعتذاره وهو هياخد باله أكتر من كدا..
رمقته خلود بطرف عينيها، قبل أن يتقوس ثِغرها للجانب وتردد مازحة:
_ تقبلتُ..
ابتهج وليد وابتسم بِعُذوبة ثم هتف بشوقٍ حار:
_ وحشتيني والله
تملك من خلود الخجل الشديد وسرعان ما نكست رأسها فعقد الآخر مابين حاجبيه بعدم رضاء لذلك الرد الذي لم يناله وصاح مُبديًا استيائه:
_ دي لغة جديدة دي ولا إيه؟ فين وأنت كمان وحشتني، وحشتني موت، مش قادرة أتنفس من غيرك، أي حاجة من كلام الحب اللي مش بسمعه دا!
رفعت خلود رأسها متفاجئة بما قاله ثم لكزته في صدره فآنى وليد بألمٍ ولامها:
_ قوية، لسانك سم وايدك ٢٠
_ اتلم بقى، إيه الكلام دا، أنا قوية؟
هتفتها مستاءة، فقلب وليد عينيه وشاكسها:
_ والله أثبتيلي عكس كدا، بكلمة، لمسة، همسة أي حاجة منك مقبولة
رمقته خلود بازدراء، ثم صاحت مُندَفعة:
_ على فكرة عيب الكلام اللي بتقوله دا، ماشي..
غمزها بعينه وهو يُردف:
_ براحتك، بكرة نفتحها على البحري لما نكتب الكتاب..
قهقهت خلود ساخرة قبل أن تُعقب بتهكمٍ وثَبات:
_ هتفضل قِبلي يا روحي، عمرها ما هتتغير
دنا منها وليد وهمس بوقاحة:
_ قِبلي قِبلي، هنعرف نتعامل برده..
أبعدته خلود عنها وقالت مستهزئه بثقته:
_ خليك أنت إحلم كدا كتير..
ثم أولاته ظهرها وصعدت فأردف الآخر من بين ضحكه:
_ وماله..
قالها وتابع نزوله وهو يقوم بطلب إحدى السيارات لتقلهما إلى العمل.
****
قلِقت من نومها إثر رنين هاتفها الذي لا يتوقف، كانت تظن بأن عقلها الباطن يُخيل إليها ذلك الصوت لكنه كان حقيقة فنهضت وتفقدت الهاتف برؤى مشوشة، أجابت على الإتصال فور رؤيتها للإسم:
_ أونكل قاسم..
صباح الخير يا بنتي، أنا آسف على الإزعاج من بدري كدا بس صادق بصعوبة جاب لي تصريح زيارة كمان ساعة، وكان لازم أبلغك عشان تجهزي..
تفاجئت ڤاليا من سرعة ما يحدث، شعرت بالإضطراب فجأةً وعدم قدرتها على اتخاذ القرار، فشعر قاسم بالقلق حِيَال صمتها الذي طال وتحدث بوقارٍ:
_ أنا هكون مُتفهم لو رجعتي في كلامك...
قاطعته ڤاليا بقولها:
_ لا لا أنا هقابل آدم، بس اتفاجئت، متوقعتش المقابلة تكون بالسرعة دي أنا حتى مفكرتش لسه هقول لدادي إيه، بس محلولة متقلقش يا أونكل، إن شاء الله في خلال ساعة هكون...
صمتت ثم تساءلت بجدية:
_ هو أنا المفروض أروح فين؟
أخبرها قاسم عن المكان، ثم أنهى الإتصال، فأخذت ڤاليا تُفكر في كيفية الخروج من المنزل، وكان أول من جاء في مِخيلتها كان عاصم، ولم تتردد في مُهاتفته، وبعد وقتٍ أجاب بصوتٍ فاقد للحيوية:
_ إيه المكالمة دي، يارب سببها يكون خير..
_ بصراحة واقعة في مشكلة ومحدش هيساعدني غيرك..
قالتها وهي تقرض أظافرها، ثم أملت عليه مُشكلتها متوسلة إليه أن يساعدها ثم أنهت المكالمة ونهضت مهرولة نحو خِزانتها لتتجهز.
مرت فترة طويلة؛ كانت قد انتهت ڤاليا منذ مدة، كانت تتناوب بِخُطاها بين الغرفة وشُرفتها، تتفقد ساعة يدها من حين لآخر، زفرت براحة فور وصول سيارة عاصم وترجلت مهرولة لتستقبلهُ.
شاهداها والديها فاقتربوا منها متسائلين:
_ رايحة فين من بدري كدا؟
تلك الأثناء، قد ولج عاصم الفيلا وسؤالهما قد وقع على أذنيه فقام بالرد هو:
_ أنا هاخدها نخرج نفطر برا..
ضاق عز بعينيه عليهما قبل أن يُردف ظاهرًا بكلماته عدم تصديقه للأمر:
_ ودا من امتى دا؟
_ إيه المشكلة يا بابا، بحاول أخرج نفسي عن اللي أنا فيه، مش دي نصيحة حضرتك؟!
هتفها عاصم فأرغم والده على الصمت وعدم التعليق، بينما رجحت نهال خروجهما مـعلقة:
_ حلو، اعملوا كدا على طول، استنوا خدوا عامر معاكم...
اعترض عاصم بهجوم:
_ لأ..
نظرت إليه في غرابةٍ فأوضح الآخر سبب رفضه مُعللًا بثباتٍ كي لا يُكشف أمرهما:
_ عامر مش بيصحى دلوقتي، وإحنا يدوب هنفطر وهروح على الشركة مش عايز اتاخر..
أماءت نهال بتفهمٍ ثم انسحبا الآخرين إلى الخارج، استقلا سيارة عاصم فهتفت ڤاليا مُمتنة:
_ بجد Thank you very much، أنا من غيرك مكنتش عرفت أتخطى أسئلتهم وأخرج عادي كدا..
تحرك عاصم بالسيارة ثم تساءل بجدية:
_ تفتكري أنا غلط ولا صح عشان ساعدتك على حاجة بابا قالك عليها لأ؟!
زمت ڤاليا شفتيها بحزنٍ، ثم اعتدلت في جلستها ونظرت أمامها تفكر في إجابة، قبل أن تَرُد مُختصرة:
_ مش عارفة، بس أنا كنت محتاجة أعرف هو عايزني في إيه؟
أخرج عاصم تنهيدة ثم أردف وهو يَهُز رأسه:
_ عمومًا كويس إنك عرفتيني، مكنش ينفع تروحي لوحدك مكان زي دا..
نظرت إليه ڤاليا بعيون لامعة مُمْتنة دون حديث، بينما تابع عاصم قيادته حتى يصل في أقرب وقت، وبعد أن تجاوزا تلك المسافة، تقابلا مع قاسم وصادق أمام بوابة السجن.
وقام صادق بإدخال ڤاليا وعاصم الذي أصرَّ على مُرافقتها، جلست ڤاليا على مِقعد الإنتظار تهُز قدميها وتفرك أصابعها بتوترٍ واضح حتى جاء آدم مُتلهفًا فخفق قلبها بشدة وابتلعت ريقها مِرارًا على أمل إخفاء ارتباكها.
بينما وقف آدم يتطلع بڤاليا بقلبٍ لا يكف عن الخفقان، حمحم ومد يده ليصافحها، فأخفضت ڤاليا رأسها ناظرة إلى يده الممدودة، فكانت خجولة لا تستطع لمسه الآن، فتدخل عاصم وقام بمصافحته بدلًا عنها وتساءل باهتمامٍ:
_ عامل إيه يا آدم؟
للتو قد انتبه آدم على وجود عاصم، نظر إليه بمزيجٍ من الخجل والخزي، تبادلا المصافحة ثم رد أدم على سؤاله:
_ كويس..
جلس ثلاثتهم وساد الصمت للحظاتٍ قطعها عاصم بكلامه:
_ إيه يابني اللي جابك هنا، المكان لا هو شبهك ولا يليق بمكانتك العملية والإجتماعية، أنا لولا إني حاسس إن الشخصية اللي هنا دي مستحيل تكون نفس الشخصية اللي بنتعامل معاها مكنتش وافقت إني أجيب أختي هنا!
كان وجه الآخر مُحمرًا، يكسوه الخجل من نفسه، أخفض بصره وتحدث:
_ الإنسان بيغلط، والشيطان بيعمي عيونه وقلبه عن الحق لغاية ما يوقع في الغلط وبعدها يشيل الغشاوة من على عينه ويتصدم باللي هو اتسبب فيه..
أخرج آدم زفيرًا طويلًا ثم رفع رأسه وقال بجدية:
_ أنا عارفة إني غلطت مش هنكر، بس غلطي الوحيد إني وثقت في بني آدم غير سوي كنت فاكر إن أقصى درجات الأذى عنده يضايق إنسان في حياته، لكن عُمر ما جه في بالي إنه يعمل القذراة دي أبدًا..
ضاق عاصم بعينيه ورمقه بطرفها قبل أن يهتف بنبرةٍ مُندفعة هجومية فقد السيطرة عليها:
_ والنتيجة كانت إيه؟ كانت تمن حياة بنت في مكانة محترمة تتحول فجأة لجحيم، حياتها تتقلب وتاخد قرارات مش محسوبة وتدمر نفسها أكتر وتدمر حياة اللي حواليها
مش قادر أكون متعاطف معاك يا آدم للأسف عشان بتهورك دا مبوظتش حياة أخوك والبنت اللي بيحبها بس، أنت كمان بوظت لي حياتي وحياة أختي، أنت آذيت كتير أوي من غير ما تحس، دمرت حياتنا كلنا، للأسف عقابك دا مش كفاية، أنا مش بفهم في القانون، بس كنت المفروض تتعاقب أربع مرات مش مرة واحدة،
مرة لما حرضت على أذية بنت، ومرة إنك أذيت أخوك وفرقته عن اللي بيحبها ومرة لما دمرت لي حياتي بجوازي من صبا وخرجت أنا في الآخر خسران، والآخيرة لما دخلت حياة أختي وحاليًا سيرتها ملطوطة مع سيادتك!
تمن كل دا مين يدفعه؟
كان آدم مُندهشًا بهجوم عاصم، آلمته كلماته للغاية، وشعر نفسه ضئيلًا للغاية أمامهما، لم تكن ڤاليا أقل منه اندهاشًا، فنادِرًا ما ترى أخيها مُنفعلًا بشكلٍ مبالغ كالذي عليه، مدت هي يدها وشدت على ذراعه فنظر إليها عاصم وتلقى من خلال عينيها إشاراتٍ تخبره أن يهدأ.
فهب عاصم واقفًا وصاح بعصبية:
_ أنا هستناكي هناك، خمس دقايق بالظبط عشان نمشي
قالها ثم أولهما ظهره وتوجه إلى مقعدٍ آخر، فعاودت ڤاليا النظر إلى آدم وقالت بحرجٍ:
_ أول مرة أشوفه في الحالة دي، عاصم شخص هادي أوي، واضح إن التجربة كانت صعبة عليه..
لم يتجرأ آدم للنظر إلى عاصم، بل أخفض بصره وأبدى شفقته على وضعه:
_ معاه حق في كل اللي قاله، أنا دمرت حياة ناس كتير أوي وأنا كنت من ضمنهم..
أخرج زفيرًا قويًا ثم قال وهو يتطلع في عينيها:
_ أنا كنت عايز أقابلك عشان أبرر لك اللي حصل، بس حاسس إنه معتش فيه داعي لدا، هكون سخيف أوي لو بررت بعد كلام عاصم..
_ بس أنا عايزة أسمع كنت عايز تقول إيه؟!
هتفتها باهتمامٍ لِسماع ما لديه، ففوجئ آدم بما قالته ثم بدأ حديثه بغير ترتيب:
_ مش عارف أبدأ منين، بس أنا شخص اتربى مع ست طول الوقت كانت بتكرهه في أخوه، طول الوقت، بسبب ومن غير سبب، كلام أكبر من عقل طفل يفهمه ويعرف معناه، بس كان حاسس إنه كلام كبير ووراه حاجة وحشة أوي، كبرت وأنا شايل جوايا من عبدالله وخصوصًا إنها كانت معرفاني إن سبب سفر أبويا طول الوقت وإنه حارمني منه بسبب عبدالله..
كبرت وكُرهي وحقدي لعبدالله بيكبر، ومش قادر أوقفه، كل ما أكون محتاج لابويا ومقدرش أشوفه أو نتعامل كأب وابنه عن قُرب كُرهي يزيد،
كل ما أشوف علاقة أبويا وأمي البعيدة أوي عن حياة أي اتنين طبيعين أكُرهه أكتر
حاجات كتير أوي كنت مَعمِي بيها خلتني عايز أعمل أي حاجة تطفي النار اللي جوايا وأكون نقطة سودة في حياته زي ماهو كان نقطة سودة في حياتي..
وفعلا نجحت، وسوّدت عليه حياته كلها ومش هو بس، حياته وحياة اللي حواليه وحياة ناس ملهاش ذنب وحياتي اسودت أكتر من الأول
وآخرتها من ظابط بيتضرب له تحية لمسجون مرمي بين أربع حيطان..
تحشرج صوته، فتوقف عن الحديث ولم يُكمل، شهيقا وزفيرا فعلت ڤاليا وتحدثت بآسى شديد:
_ مش هقدر أنكر إنك غلطت، بس برده ليك دوافعك، أنا اسفة جدًا بس مش المفروض تتحاسب لوحدك، المفروض مامتك وباباك يتعاقبوا وأكتر منك كمان، لأن غلطتك دا نتيجة تربية والدتك وإهمال والدك
هم اللي وصلوك للمكان دا، أنت مقدرتش تكون سوي لأن ببساطة ملقتش الأجواء اللي تعيشها وتخلق في نفسك إنسان سوي يقدر يتحكم في نفسه ويتحكم في أخطائه لما شيطان نفسه يغويه..
أنت ضحية يا آدم، مش قادرة ألومك أبدًا على اللي حصل أنت كنت من ضمن اللي اتأذوا..
كان آدم مُستمعًا لها بذهولٍ تام، لم يتوقع كلماتٍ تُسكن آلام نفسه وتأنيب ضميره، إلتوى ثغره بإبتسامةٍ حاملة قدرًا كبيرا من الإمتنان، استشفته ڤاليا التي سألته بفضول واهتمام لمعرفة الإجابة:
_ أنت ليه كنت عايز تقابلني وتقولي الكلام دا، تفتكر يعني دا هيغير حاجة؟!
بآسى شديد قد رُسِم على تعابيره قال:
_ يمكن مش هيفرق معاكي، ومش هيغير الوضع، بس كان مهم بالنسبة لي إنك تعرفي الحقيقة، وإني مكنتش أقصد إن كل دا يحصل، مهم أوي عندي إن صورتي متتهزش في عينك، أو على الأقل تديني عُذر..
بصوتٍ أنثوي رقيق تساءلت بفضول:
_ ليه مهم؟
رمقها آدم مُعاتبًا إياها في نظراته وصرّح بمشاعره دون تردد أو زيف:
_ لأني بحبك يا ڤاليا، أنتِ مهمة عندي أوي، ومش فارق أي نظرة وحشة من أي حد، بس أنتِ تحديدًا من هقدر استحمل منك أي نظرة تقليل أو لوم، فكان لازم أعرفك حقيقة الوضع.. وأنا كدا ارتحت خلاص، أي حاجة تانية مش فارقة..
تلك الأثناء تفاجئوا بعودة عاصم الذي صاح أمِرًا:
_ يلا يا ڤاليا، كفاية كدا..
أومات ڤاليا بقبول، ثم ألقت نظرة أخيرة على آدم قبل أن تنهض، ابتلعت ريقها وهمست له قبل ذهابها بابتسامة هادئة:
_ كل إنسان محتاج فرصة تانية، دي مش آخر الدنيا يا آدم..
تسارعت نبضات قلب آدم، مُحاولًا فهم مخزى كلامها، فضاق بعينه عليها فازدادت ابتسامتها وهمست مُحركة شفتيها دون صوتٍ:
_ هستناك...
تلك اللحظة، حبس آدم أنفاسه فجأة، تابع مُغادرتها حتى اختفى طيفها من أمام عينيه فأخرج أنفاسه بقوة، ثم رفع يده وفرك مؤخرة رأسه فتشكلت بسمة عذبة عاكسة مدى سعادة قلبة، ثم انتبه على العسكري الذي صاح:
_ يلا قدامي..
فرمقه بطرف عينيه وسار بشموخٍ أمامه وقلبه لا يكف عن الخفقان، يشعُر أنه يُحلق في السماء وداخله شعورٍ لا يُمكنه وصفه لكنه جميل.
***
استيقظ قاسم وتحرك برفقٍ حتى لا يتسبب في إيقاظ أحلام، تفقد معالم وجهها بآسى شديد ثم انسحب من الغرفة سريعًا مانعًا أفكاره التي تقوده إلى أسوء ما قد يحدث.
ترجل الدرج ووجد زينب جالسة تتصفح في هاتفها، فألقى التحية بودٍ:
_ صباح الخير يا زينب
انتبهت على صوته فحركت رأسها حيث يقف وردّت مُبتسمة ببشاشة:
_ صباح الخير يا عمي، ماما صحيت؟
نفى بحركة من رأسه قبل أن يُجيبها قائلًا:
_ لسه، أنا قولت أقوم أحضر لها الفطار عشان تاخد الأدوية بتاعتها ..
نهضت زينب فجأة وقالت بنشاط:
_ سيبني أنا أحضر لها الفطار
رفض قاسم بشدة ثم علل:
_ لا خليني أنا أهتم بمراتي شوية، أنتوا ياما اهتميتوا بيها، إدوني فرصتي بقى..
ابتسمت ببهجة ثم صرحت مُعللة:
_ أنا مكنتش عايزة أتعب حضرتك...
لامها قاسم بنظراته قبل كلماته التي رد لها عليها:
_ كل حاجة بتتعمل لإحلام راحة بالنسبة لي، التعب اللي بجد بُعدها، ربنا ما يكتبوا عليا تاني..
أسرت السعادة قلب زينب بعد سماعها كلماته الحنونة المُتيمة وعلقت بلهفةٍ:
_ حُب حضرتك لماما جميل أوي، ياريت أقابل في يوم شخصية جميلة زيك تحبني الحب دا كله
اقترب منها قاسم وربت على كتفها بحنانٍ وأردف بلطفٍ:
_ هتقابلي أحسن مني كمان، وبكرة تقولي
اكتفت زينب ببسمةٍ مُمتنة بينما أولاها قاسم ظهره لكنه تريث وعاود بالنظر إليها ثم قال:
_ مش كان عاصم عرض عليكي تشتغلي معاه؟ ليه مبدأتيش؟
بخجلٍ صريح أجابته:
_ هو فعلاً قالي تعالي، بس أنا هروح إزاي واسيب ماما في الوضع دا؟
نكست رأسها في حزنٍ ثم أضافت:
_ مينفعش، لازم أكون جنبها هي محتجاني
مد قاسم يده ورفع بها رأسها فنظرت إليه وقد رأى إحمرار عينيها فابتسم في وجهها وملس على رأسها بحنانٍ ووِدٍ قبل أن يُردد:
_ وأنا روحت فين؟ أنا موجود، لا شُغلة ولا مشغلة، شُغلتي كلها أحلام، توكلي أنتِ على الله وكلميه وابدأي شغل..
_ بس..
كادت تعترض فأصرَّ قاسم على عملها، فردد بجدية:
_ يا زينب يا حبيبتي ليه مُصرة تكوني عزول بينا،
سيبني مع مراتي أعيش معاها شوية قبل ما اخلع..
قاطعته زينب مستنكرة:
_ بعيد الشر عنك يا عمي، متقولش كدا، ربنا يبارك في عمر حضرتك، أنا والله مش قصدي أكون عزول بس أنا مش هكون مرتاحة وأنا بعيد ومختارة نفسي وسيباها في وضعها دا..
تفهم قاسم مقصدها، وأردف بصوتٍ رخيم:
_ أنا فاهم كل اللي بتقوليه، بس ضميرك يأنبك لو كانت لوحدها، لكن أنا معاها، ثم إنها مجرد ما هتقول هاتولي زينب هبعت اجيبك في ثواني..
غمزها وهو يحثها على إتخاذ تلك الخُطوة:
_ كلميه يلا وأنا أروح أحضر الفطار..
أولاها ظهره وسرعان ما غادر المكان حتى يغلق أمامها ابواب الرفض، وبعد تفكيرٍ لوقتٍ شعرت زينب بحاجتها للإقتراب من عاصم، ابتسمت عندما تذكرت ملامحه الذكورية الجذابة، وكذلك أناقة ملابسه وروعة عِطره التي لم تشم مثله من قبل.
ناهيك عن معاملته الحنونة واللطيفة مع السيدات، هو رجل يمتلك صفات كثيرة مميزة، من تُرى من ستكون سعيدة الحظ التي ستمتلك قلبه بعد صبا؟
قلبت زينب عينيها مُستاءة من أفكارها الحمقاء، ورددت ساخرة:
_ أكيد مش أنتِ يعني يا زينب فوقي، من حمادة لعاصم متتصدقش دي..
قهقهت بتهكمٍ ثم أخذت نفسًا عميق زفرته بقوة، وأخذت تبحث عن الكارت الذي أعطاها إياه لِتُهاتفه، وبعد ثوانٍ قليلة قام بالإيجاب فقالت بحيوية:
باشمهندس عاصم
الفصل الحادي والاربعون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الأربعون 40 - بقلم تسنيم المرشدي
وصل الشباب ثلاثتهم في آنٍ واحد، لاحظا وليد وزكريا شُرود عبدالله، وحالة التِيه الذي كان عليها، ناهيك عن إحمرار عينيه وكأنه لم ينم لحظة، لكز وليد كتف زكريا فرمقه بطرف عينيه فتساءل وليد بعينيه عما به، فرفع زكريا كتفيه إلى الأعلى مُبديًا عدم عِلمه.
ثم توجه بِقُرب عبدالله الذي لم يُلاحظ وجوده، فهتف الآخر وهو يضرب ظهره بِخفة:
_ مالك يا عم كدا، حد مزعلك ولا إيه؟
_ مفيش..
اكتفى بها عبدالله، كان صوته به بحة تُؤكد وجود شيئًا يُخفيه، فأصرَّ زكريا على معرفة ما يمُر به:
_ عليَّ برده؟ من امتى وإحنا بنخبي على بعض..
بصوتٍ أشبه بالبُكاء قال:
_ أمي تعبانة..
التفت برأسه حيث صديقيه وأضاف بحشرجةٍ أثَّرت على نقاء صوته:
_ عندها زهايمر..
لم يتحمل عبدالله نظرات الشفقة في أعينهما وسُرعان ما أدار رأسه للجانب الآخر، مُحاولًا السيطرة على حالته المُذرية عن طريق التنفس، شهيقًا وزفيرًا فعل مِرارًا حتى شعر نفسه أفضل.
فانتبه على وليد الذي ربتَّ على كتفه وقال بآسى شديد:
_ فجأة كدا؟ دي مامتك مش كبيرة عشان يجي لها مرض زي دا..
ابتلع عبدالله ريقه ثم توجه إلى أحد المقاعد التي أمامه، اعتلاها وأجاب بِجمودٍ:
_ بِجِملة وجع القلب..
وسُرعان ما استنكر قوله وهلل نادمًا:
_ استغفر الله العظيم، إيه اللي أنا بقوله دا..
أغمض عينيه لثانية مُحركًا رأسه يمينًا ويسارًا وهو يُردد:
_ أنا بس مش قادر استوعب ليه؟ ليه أمي؟ دا أمي أغلى حاجة في حياتي؟
طب ليه صبا؟ دي أكتر إنسانة اتمنيتها وقلبي حبها؟!
ليه اللي بحبهم بيروحوا مني؟
ليه الإبتلاء فيهم؟
أنهى جُملته فتساقطت دموعه بغزارة، تبادل زكريا نظراته مع وليد المذهُولة والمُشفقة لحالته، اقترابا منه وقاموا بمآزرته من خلال الربت على كتفه من قِبل وليد، بينما أردف زكريا كلماته لِيُخفف مما يشعر به:
_ وأنا صغير، جدتي أم أمي توفت، وقتها أمي كانت مُنهارة لأنها كانت متعلقة بيها جدًا، وقتها واحدة قريبتنا جت وطبطبت عليها وقالت لها كلام يمكن مفهمتوش وقتها بس عمري ما نسيته، قالت لها اصبري الجنة للصابرين..
أخذ زكريا نفسًا عميقًا ثم زفره قبل أن يُتابع مُسترسلًا:
_ اصبر يا صاحبي، جزاء كل دا يستاهل..
_ ياريت بإيدي، ياريت أقدر أقنع عقلي إن دا نصيب ومقدر لأمي، بس مش قادر، مش قادر أتخيل إنها مش هتفتكرني، الست اللي ضحت بحياتها كلها عشاني فجأة مش هتكون عرفاني، صعب أوي، صعب قلبي يصبر على ابتلاء صعب كدا..
تمتم بها عبدالله ورأسه مُنخفضًا، مسح عبراته التي تكاثرت على وجهه وواصل:
_ كنت قدرت أقنع قلبي لغاية دلوقتي إن صبا مش ليا، إن اللي حصل دا كله يمكن ملناش نصيب في بعض، بس مش قادر، لسه عايش على أمل إننا نكون سوى، إزاي معرفش..
تدخل وليد مُعلقًا:
_ ياه يا عبدالله، بعد كل دا يا صاحبي ولسه متعلق إنكم تكونوا لبعض؟!
دي بِعدت واتجوزت واتطلقت وبِعدت تاني بعد كل اللي حصل، وأنت لسه بتفكر فيها!
قاطعه عبدالله بانفعالٍ وهو يُشير ناحية قلبه:
_ دي حتة من روحي يا جدع، دا أنا بسمع صوتها كل يوم وهي بتقولي أخيرًا بقينا لبعض يا عبدالله، صوتها بيونسني كل يوم بقفل عليا باب اوضتي!
بتأثُرٍ شديد وشفقة هتف زكريا:
_ دا إحنا نتعلم منك الحُب يا عبدالله والله.. لما إحنا موهومين بالحُب، أومال اللي أنت فيه دا إسمه إيه؟
صمت حل لِلحظة قبل أن يقطعُه عبدالله بوقوفه المُفاجئ وهتف وهو يُوَليهم ظهره:
_ يلا كله يروح يشوف وراه إيه..
قالها وغادرهما، فزمَّ زكريا شِفاه بِحُزنٍ ثم أخرج تنيهدة مُحملة بالشجن وهمس:
_ محدش مرتاح يا صاحبي..
ثم انتبه على تعقيب وليد المُتهكم:
_ لأ أنت حاسب نفسك زيه ولا إيه، طب هو اتظلم وحبيبته سابته، لكن أنت اللي نيلت الدنيا على دماغك بأفعالك القذرة، يعني أنت الظالم هنا مش المظلوم..
تفاجئ زكريا مما سمعه، التفت برأسه ورمقه بنظراتٍ مُشتعلة وهتف سؤاله:
_ أنت بتقولي أنا الكلام دا؟
بثباتٍ أجاب:
_ أيوا بقولك أنت، هي الصراحة بقت تزعل ولا إيه؟
صرَّ زكريا أسنانه، وهتف متوعدًا:
_ على فكرة أنت رقابتك تحت رجلي، يعني بكلمة مني أفشل لك الخطوبة بتاعتك وأبقى ظالم بجد بقى..
قهقه وليد وتمتم من بين ضحكه:
_ طب بس بلاش الثقة دي عشان وأنا بحط صوباعي اللي بصم على القسيمة في وشك متبقاش تزعل!
ازدادت ضحكات وليد وتابع أمرًا:
_ ويلا روح شوف اللي وراك عشان تخلص بسرعة وتجري تكمل نحنة يا حنين!
لم يُعطيه وليد فرصة لإبداء ردًا يليق بسخريته وانصرف سريعًا، بينما لم يُبرح زكريا مكانه مُتوعدًا لذلك الوغد داخله، زفر أنفاسه ثم سحب هاتفه من جيبه وقام بالإتصال على خلود ليطمئن على ليلى قبل بِدءه في العمل.
***
ترجلت من التاكسي، نظرت إلى مبنى الشركة الهائل، سحبت نفسًا ثم أخرجته بتمهلٍ، وخطت أولى خُطُواتها داخل الشركة، عرَّفت زينب عن هويتها لرجل الأمن الذي ابتسم ببشاشة وقال بِترحاب:
_ أهلًا يا فندم، عاصم بيه مديني خبر، اتفضلي الأسانسير من هناك..
سبقها العامل إلى المصعد الكهربائي، فترددت زينب في مرافقته بمفردهما، لكن في النهاية قد ولجت بقلبٍ قلِق، وقفت في زاويةٍ بعيدة عن العامل، كانت تعُد الثواني حتى وصلت إلى الطابق الكائن به مقر الشركة.
فزفرت أنفاسها بارتياح، ثم تَبِعته حتى وصل هو إلى السكرتيرة الخاصة بعاصم وقال:
_ الأستاذة زينب إبراهيم وصلت يا أستاذة كاميليا..
تقوس ثغر كاميليا ببسمةٍ عملية فبل أن تردد:
_ تمام يا عم فضل، اتفضل روح أنت وأنا هدخلها للباشمهندس..
غادر العامل بينما لاحظت كاميليا توتر زينب الظاهر لعينيها، فقالت:
_ اتفضلي، باشمهندس عاصم قالي تدخلي أول ما توصلي على طول..
ابتسمت زينب بِخفة، ثم لحقت بها حتى بلغت مكتب عاصم، كان تصميمه رائعًا، ناهيك عن مساحته الهائلة، لقد نال إعجاب زينب التي لم تخفض بصرها مُتفقدة كل جُزءٍ به.
_ واضح كدا إن مكتبي عِجبك..
قالها عاصم مَازِحًا، فتفاجئت زينب بحديثه، ونظرت إليه في خجلٍ ثم صرَّحت:
_ بصراحة اه، جميل جدًا.. لايق مع حضرتك، تحسه شبهك!
ضاق عاصم بعينيه عليها عندما لم يستشف مخزى كلامها وتساءل مُستفسرًا بفضول:
_ شبهي؟ إزاي؟
زفرت زينب أنفاسها لتسطيع المواصلة، وأردفت موضحة ما تقصده من خلف كلماتها:
_ يعني شيك وأنيق.. زي حضرتك!
كانت مفاجئة بالنسبة لعاصم ذلك التصريح الجرئ، لم تكُن كاميليا أقل منه تفاجُئًا فلقد تعجبت من أسلوب التعامل بينهما والمُزاح، فعاصم لا يُمازح موظفيه البتّة أثناء فترة العمل، لكن ما هذا الآن.
خرجت كاميليا من شرودها على صوت عاصم الآمر:
_ كاميليا، من النهاردة زينب تحت عينيك، تعلميها كل حاجة وهي مش هتتعبك، هي شاطرة وذكية وهتتعلم بسرعة..
نظر حيث زينب التي تقف على استحياء شديد من خلف كلماته المُشجعة وصاح:
_ مش كدا يا زينب، ولا شكلك هتكسفينا ولا إيه؟
كانت نبضاتها تخفق بقوة ولا تتوقف لذلك المدح، فأجبرت شفتيها على الإبتسام وهي تردد:
_ لا إن شاء الله هكون عند حُسن ظنك..
_ تمام، دلوقتي تقدري تروحي مع كاميليا تفهمك الدنيا ماشية إزاي..
قالها بجدية فأماءت زينب ثم خرجت خلف كاميليا التي بدأت توضح لها طبيعية العمل، تحت إنصاتٍ جيد من زينب.
***
بينما كانت جالسة على فراشها مُنهمرة بين أفكارها، صدح رنين هاتفها فقطع عليها حِبال شرودها، شعرت بالإمتنان له لأنه كان مُنقذها من اضطراباتٍ تعيشها في رأسها لا يعلم عنها أحد.
أمسكت الهاتف فتفاجئت بذلك الإتصال، أخذت نفسًا ثم أجابت:
_ عاصم.. احم، باشمهندس عاصم.
_ أخبارك إيه يا دكتورة؟
هتفها مستاءً من وضعها ذلك اللقب، فابتلعت صبا ريقها وردَّت:
_ الحمد لله بخير، أنت كويس؟
_ أحب اكتفى بالإجابة دي لنفسي..
قالها بثباتٍ ثم أضاف بصوتٍ أجش:
_ عمومًا أنا مش بكلمك عشان أتكلم عن نفسي، أنا بس كنت عايز أقولك إني اتكلمت مع دكتور رمزي وعرفته يخليكي ثابتة في الشيفت الصباحي عشان لو حابة ترجعي شغلك وقلقانة عشان موضوع العِدة وكدا...
كانت مفاجئة قد سببت الحرج لصبا، التي عضت شفاها قبل أن تَشكُره مُمتنَّة:
_ شكرًا يا باشمهندس، أنا فعلًا الموضوع كان شاغلني وكنت أخدت قرار إني مش هنزل الـ٣ شهور دول، شكرًا إنك فكرت وحليت الموضوع
_ على إيه بس.. أنتِ لو احتجتي لحاجة متتردديش تكلميني، يعني مش معنى إن جوازنا انتهى تبقى العلاقة بينا خلصت..
أردفها بودٍ وسماحة، فعاودت صبا شُكره مُمِتنَّة:
_ أكيد، شكرًا ليك مرة تانية..
_ مع السلامة يا دكتورة..
_ مع السلامة يا باشمهندس
هكذا أنهيا الإتصال، نظرت صبا إلى هاتفها بعيون لامعة مـتأثرة، ثم رفعت يدها وتحسَّست أعلى صدرها ولقِفت تلك القلادة التي تُحاوِط عنقها، أخرجت بعض الأنفاس الحارة وهي تُغمض عينيها وهتفت:
_ وحشتني أوي يا عبدالله..
طُرق باب الغرفة فدست صبا القلادة داخل ملابسها سريعًا، ثم سمحت للطارق بالدخول:
_ اتفضل..
كان جلال أخيها، دلف بِخُطاه الغرفة وهو يتساءل باهتمامٍ:
_ قاعدة لوحدك ليه؟ تعالي اقعدي معانا
أطالت صبا النظر به قبل أن تُصرح بما يدور داخلها وتشعر به:
_ أقولك على حاجة بس متقولش لحد..
ضاق جلال بعينه عليها وهو يُردد بريبة:
_ إيه؟
حمحمت صبا ثم أوضحت:
_ بقيت حاسة إني غريبة أوي عن نفسي وعن اللي حواليا..
نظرت حولها مُتفقدة الغرفة التي تمكُث بها قبل أن تُعاود مُتحدثة:
_ ببص على الأوضة مش بلاقيها نفسها اللي كِبرت فيها، أوضة غريبة عليا، بيت جديد معرفش لسه معالمه كويس، أهل وشوشهم اتغيرت فجأة في عيني ومش حاسة براحة وأنا وسطهم.. حتى أنا مبقتش عارفة أنا مين ولا عايزة إيه؟
تساقط دمعها فأخفضت رأسها خافية ضعفها ثم استرسلت متواصلة:
_ كل حاجة بقت غريبة عني، مش عارفة دا إحساس مؤقت ولا هكمل عمري وأنا حاسة بالغُربة دي..
رفعت رأسها ونظرت في عينين أخيها المُشكل على تقاسيمه الدهشة وقالت:
_ إحساس وحش إنك وسط ناسك ومش مُتقبلهم، حاسس إنك عايز تهرب بعيد عنهم بعد ما كانوا أقرب ليك من روحك، تهرب حتى نفسك اللي مبقتش فاهمها، بقيت مُشفقة على نفسي وبرده جوايا غضب كبير مش عارفة أوازن مشاعري ولا أفهم أنا محتاجة لإيه بالظبط.. بس أنا بفكر فِعليًا إني أدور على بيت أقعد فيه لوحدي بعد ما العِدة تخلص..
_ إيه!! إزاي يعني هتقعدي لوحدك؟ ومين هيوافقك أصلًا؟!
هتفها جلال باستنكارٍ فتحدثت صبا بتهكمٍ:
_ أعتقد بعد كل اللي عيشته يحق لي أخد قرار يريحني، أنا مش هقدر أقعد هنا وأنا حاسة بالغُربة دي، يمكن لما أبعد كل حاجة تتصلح، المسافات والحواجز اللي اتبنت دي تختفي مع الوقت
بذهولٍ يُخالطه الرفض وعدم التصديق لقرارها قال:
_ كلامك بقى غريب أوي يا صبا، حاسس إني مش عارفك..
إلتوى ثغر صبا بشجنٍ ظاهر، وقالت بلوعة:
_ مش بقولك مبقتش عارفة أنا مين.. أنا محتاجة أكون لوحدي يا جلال، اللمة اللي كانت بتطمني وبحس بدفا فيها بقيت مش حاسة وسطها بأى حاجة..
نهض جلال ومط ذراعيه في الهواء وهو يزُم شفتيه للأمام قبل أن يردد بِقلة حيلة:
_ والله ما أنا عارف أقولك ايه، بس اعملي اللي يريحك، أنتِ أدرى الناس بحالك
أولاها ظهره وخرج من الغرفة تحت نظراتها المُتابعة له، ثم نظرت في الفراغ أمامها تُرتب أفكارها بِعناية ربما تنجح في فهم ماذا تريد.
***
بعد مرور ثلاثون يومًا؛
بعد أرقٍ كان مُصاحبًا لها طيلة الليل، نهضت من على الفراش ثم اتجهت نحو الخزانة، وقفت تتفقد ملابسها، ثم التقطت العديد من الملابس الصيفية وأخرى شتوية وقامت بارتداء جميعهم حتى شعرت بِثقل شديد في جسدها لكنها لم تكترث.
خرجت من الغرفة كطِفلاٍ ضائع يبحث عن مآواه، كانت تتلفت يمينًا ويسارًا باحثة عن باب الخروج، حتى وصلت إليه فقامت بفتحه وخرجت إلى الخارج، ومنه إلى الطريق العُمومي، كانت تسير دون تحديد وِجهة مقصودة، حتى فقدت طريقها فنظرت إلى الخلف فجهلت معالم الطريق حولها، فركضت مهرولة تارة إلى الأمام وتارة أخرى إلى الخلف ثم صرخت بصوتٍ خائف مُرتجف:
_ عبدالله، أنت فين يا عبدالله؟
***
استيقظت للتو من نومها بِمُساعدة ذلك المُنبه المُزعِج المرافق لها في الأوانة الأخيرة، أغلقته ثم نهضت مُرددة بانزعاج وحُنقٍ:
_ أنا كان مالي ومال الشغل، كنت بصحى براحتي وبنام براحتي
تأففت بضجرٍ بائن ثم نهضت مُبتعدة عن الفراش، وبدأت في روتينها الصباحي حيث دخول المرحاض وارتداء ملابسها الرسمية ووضع بعض المساحيق القليلة ثم خرجت من الغرفة باحثة عن أحدٍ قد استيقظ لكنها لم تجد، فترجلت إلى الطابق الأول لتتفاجئ بالباب مفتوحًا.
اتسعت عينيها بتوجسٍ، ثم توجهت نحوه متسائلة في نفسها:
_ إيه اللي فتحه دا؟
خرجت إلى الحديقة تبحث عن أحدٍ خارج المنزل، ربما هو من تركه مفتوحًا، لكنها لم تجد اثرًا لوجود أحدًا في المكان، وما زاد الخوف داخلها تلك البوابة المفتوحة على مصرعيها.
فسحبت الهاتف سريعًا من حقيبتها وتفقدت الكاميرات من خلاله، جحظت عينيها وهي تُشاهد خروج والدتها من البيت، لم تقف ثانية أخرى وهرولت إلى الخارج ربما تجدها.
_ ماما، يا ماما أنتِ روحتي فين؟
نادتها مِرارًا وهي تبحث كالمجنونة في الأرجاء المُجاورة، وعندما فشلت في إيجادها عادت من جديد إلى الفيلا حيث غرفة عبدالله، اقتحمتها دون استئذان، فسببت الذُعر لعبدالله الذي انتفض من نومه مُرددًا سؤاله بتِيه:
_ في إيه؟
بنبرةٍ مهزوزة مُرتجفة تحدثت:
_ ماما خرجت من البيت وإحنا نايمين، مش موجودة..
وكأن كلماتها كانت دافعًا لتضاعف سرعته الذي تلبسها، هب واقفًا فجأة وظل يُردد وهو في حالة ضياع وعدم قُدرة على فهم ما يحدث:
_ يعني إيه خرجت، هتكون راحت فين؟
رفعت زينب كتفيها للأعلى قبل أن تُردف بتوجسٍ مُشكل على تقاسيمها ونبرتها:
_ مش عارفة..
ثم رفعت الهاتف في وجه عبدالله فشاهد لحظة خروجها، قُبض قلبه برعبٍ وحاول الإتيان بفكرةٍ:
_ جَرِي الوقت شوية يمكن تكون رجعت..
_ مرجعتش، أنا شوفت لغاية الساعة اللي إحنا فيها دي ومرجعتش..
قالتها بنبرة تُهدد بالبُكاء، بينما ركض عبدالله خارج الغرفة، تلك الأثناء خرج قاسم من غرفته مُتلهفًا، هرول نحو زينب عندما وجدها أمامه وتساءل:
_ مشوفتيش أحلام يا زينب، مش في الأوضة؟
بآسى وحزن شديدين أجابته:
_ ماما خرجت من البيت يا عمي ومرجعتش..
قابل قاسم كلامها بعيون مُتسعة مصدومة، لم تقف زينب لدقيقة أكثر بل لحقت بعبدالله وكذلك فعل قاسم الذي استقل سيارته ليكون سهلًا عليه البحث.
بينما ركضا عبدالله وزينب مُتفرقين في جميع الأنحاء المُجاورة للفيلا، يُنَادون والدتهم بصوتٍ خائف خشية أن يفقدونها، مرت فترة والوضع كما هو عليه، لا جديد.
كان قد قطع عبدالله مسافة كبيرة في السّير بحثًا عن والدته وعندما شعر بِهروب أنفاسه من رئتيه جلس أرضًا بإهمالٍ خافيًا وجهه بِكلتى يديه، كان قليل الحيلة لا يُحسِن التفكير، ثوانٍ وجاءت زينب ووقفت أمامه تلتقط أنفاسها وهتفت بصوتٍ مُضطرب:
_ يعني إيه؟ هتكون راحت فين؟
وما أن أنهت جُملتها حتى انتبهت على رنين هاتفها، تفقدت المُتصل فوجدته عاصم، نفخت بضيقٍ ثم أعادت وضع الهاتف في حقيبتها، لكنه لم يتوقف عن الرنين فقررت الإيجاب:
_ باشمهندس عاصم، آسفة على التأخير، المفروض أكون قبل حضرتك في الشركة بس ماما مش لاقينها و...
_ مامتك معايا
قاطعها عاصم، فبرقت عينين زينب بذهولٍ وهتفت غير مُصدقة:
_ مع حضرتك! طب أنت فين وهي كويسة وجت لك إزاي؟
_ هبقى أقولك لما أشوفك، المهم أنا راجع حاليٍا على الفيلا، قابلوني هناك
هتفها بصوتٍ رزين هادئ، فأنهت زينب الإتصال وتوجهت بِقُرب عبدالله وقالت:
_ باشمهندس عاصم بيقول إن ماما معاه!
تفاجئ عبدالله بما سمعه، هب واقفًا وتساءل باهتمامٍ:
_ وهو فين؟
_ راجع الفيلا، إحنا لازم نرجع حالًا..
قالتها زينب، فأخذ عبدالله باحِثًا عن هاتفه، فلم يجده، لقد خرج على عجالة دون أخذ أشيائه فوجه حديثه إلى زينب:
_ كلمي بابا عرفيه، مش معايا موبايلي..
قالها ثم عاد بأدراجه مُتجهًا إلى الفيلا، فلحقت به زينب بعد أن أعطت خبرًا لقاسم بوجود أحلام مع عاصم، عاد الجميع إلى الفيلا فكان عاصم في استقبالهم داخل سيارته، ترجل منها وقال وهو يتجه نحو الباب الآخر:
_ ياريت عبدالله اللي يجي ياخدها، لأنها مردتش تيجي معايا غير لما قولت لها هرجعك لعبدالله..
لم يتردد عبدالله وأسرع نحو الباب، قام بفتحه فوجدها تجلس مُنكمشة على نفسها، فتألم قلبه للغاية وتحدث:
_ أنا جيت يا حبيبتي، تعالي..
تفاجئت به أحلام ورمقته بعيون جاحظة ثم تراجعت للخلف مُستنفرة منه، فابتلع عبدالله ريقه مُحاولًا التعامل بهدوءٍ وعناية لكي يُطمئنها:
_ أنا عبدالله يا ماما..
مد لها يده وأضاف بنبرة حنونة:
_ تعالي ندخل البيت يا حبيبتي..
كانت تتطلع به وكأنها تتعرف على ملامحه، ثم رددت بصوتٍ مهزوز:
_ أنت عبدالله؟
أماء الآخر ثم جلس القُرفصاء ليكون أقرب لها وقام بمسك يدها برفقٍ ووضعها على وجهه وأردف:
_ أنا عبدالله والله، عبدالله ابنك، حبيبك..
ابتسمت الأخرى ببلاهة وظلت تُردد دون استيعاب:
_ عبدالله، أنت عبدالله..
حرك عبدالله رأسه مِرارًا مُؤكدًا لها هويته ولم يستطع منع دموعه التي انسدلت كالشلالٍ لعدم تعرُفها عليه، نهض وساعدها على الترجل، ثم مشى بها مُتجهًا إلى البيت، بينما اقترب عاصم من قاسم وزينب اللذان يُتابعان سَير عبدالله وأحلام بملامحٍ شاحبة يكسُوها الحُزن ثم هتف بآسى وشفقة لوضعهما:
_ أنا كنت رايح الشركة واتفاجئت بيها على الطريق بتنادي على عبدالله، حاولت كتير إني أرجعها بس هي كانت خايفة مني ومرضتش تركب معايا غير لما قولت لها هنروح لعبدالله..
أخرج قاسم تنهيدة حزينة ثم دنا من عاصم وربتَّ على كتفه وعينيه على باب الفيلا ثم أردف بنبرة باهتة:
_ شكرًا يابني..
وما أن قالها حتى اختفى خلف باب الفيلا، تحت نظرات زينب وعاصم المُتأثرة، زم عاصم شفاه مُبديًا رأفةً بهم:
_ الله يكون في عونكم، الوضع صعب ويوجع القلب..
ازدردت زينب عندما فشلت في إخراج الكلمات، حتمًا ستنفجر باكية إن حركت شفتيها، جاهدت نفسها ثم قالت بصوتٍ يغمُره الحُزن وصدرٍ يثقُله الغم:
_ أنا آسفة، لو ممكن أخد إجازة النهاردة..
_ أه طبعًا اتفضلي، النهاردة أو أي يوم كمان..
كان عاصم عطوفًا لوضعها، فردَّت زينب مُمتنة:
_ شكرًا، بعد إذنك
_ اتفضلي..
قالها عاصم فغادرت زينب على الفور، بينما كان عاصم يعتصره الآسى من خلف ما يمرون به، فلم يكُن هينًا، زفر أنفاسه ثم عاد إلى سيارته وخرج من المكان مُتجهًا إلى عمله.
داخل الفيلا؛ أجلسها عبدالله على الفراش، ثم جاورها وقام بوضع رأسها على كتفه وهتف بصوتٍ مُتحشرج يكتوي باللوعة:
_ فكرت إني خِسرتك يا أحلام، للحظة حسيت إني تايه والدنيا دي غريبة أوي وأنتِ مش فيها..
أمسك يدها ثم شدَّ عليها وقال:
_ اوعديني متسبنيش أبدًا..
_ هسيبك ليه؟
تساءلت أحلام بتِيهٍ فقال عبدالله وقد شعر بغصَّة في حلقِه:
_ إوعديني وخلاص.. قولي مش هسيبك أبدًا يا عبدالله
_ مش هسيبك أبدًا يا عبدالله..
قالتها بدون فهم لماذا تقول ذلك، فانحني عبدالله علي يدها طابعًا قُبلةً عليها، تلك الأثناء ولج قاسم
وتلته زينب ثم اقتربا من أحلام لكنها صرخت عاليًا:
_ مين دول، فين عبدالله، عايزة أروح لعبدالله
حاول عبدالله تهدئتها بترديده:
_ أنا جنبك اهو، متخافيش..
نظرت إليه أحلام بتوجسٍ مشكل على تقاسيم وجهها وصاحت:
_ لأ، مش عايزاك عايزة عبدالله..
_ والله العظيم أنا عبدالله، اهدي
هتفها وهو يقترب منها مُحاولًا لمسِها لكنها دفعته بقوةٍ أثارت تعجب عبدالله، فهو نفسه لا يمتلك قوةً مثلها، أغمض عينيه مُحاولًا جمع شتات نفسه، لكنه فشل بسبب صُراخها الذي اخترق أذنيه فسبب له اضطرابًا وجعله غير مُتزنًا جاهلًا التصرُف.
في المُقابل، حاول قاسم التدخل وتهدئتها:
_ اهدي يا أحلام، أنا قاسم جوزك...
لكن دون جدوى، صُراخ لا يتوقف، فتدخلت زينب تلك المرة وهتفت من بين بكائها:
_ يا ماما متعمليش كدا عشان خاطري، يا ماما أبوس إيدك اهدي أنتِ بتخوفيني...
دخلت زينب في نوبة بكاء هيستريا من خلف وضع والدتها المُذري، بينما صاح قاسم بنفاذ صبر:
_ اطلعي برا يا زينب، الوضع مش مستحمل..
_ ماما يا عمي.. ماما
قالتها مذعورة فخرج قاسم عن طوره واندفع بها:
_ قولت لك اخرجي برا يا زينب
تفاجئت زينب من انفعاله، فازداد نحيبها ثم انسحبت مهرولة إلى الخارج، بينما صاح عبدالله بقلبٍ يرتجف:
_ كدا مش هينفع، لازم نتصرف، كلم الدكتور بتاعها..
وما كان من قاسم إلا أنه حرك رأسه مِرارًا ثم خرج من الغرفة يُهاتف الطبيب المُتابع لحالة أحلام، والذي أخبره على حُقنة مُهدئة طارئة، فتوجه قاسم إلى الخارج دون تفكير ليقوم بشرائها في الحال.
وبعد فترة؛ عاد إلى الفيلا وكان الوضع كما تركه، نظر حيث عبدالله وأمره بجدية:
_ حاول تمسكها كويس عشان أديها الحقنة...
تفقد عبدالله حالتها قبل أن يُعلق:
_ مش هعرف لوحدي..
_ نادي زينب يا عبدالله، اتصرف يا أخي
هتفها قاسم بأعصابٍ تالفة فخرج عبدالله من الغرفة مُناديًا شقيقته التي جاءت، ثم قاما بمسك أحلام في مُحاولة منهما على إيقاف حركتها حتى انتهى قاسم من إعطائها الحقنة، وماهي إلا ثوانٍ حتى شعرا بارتخاء عضلات أحلام فأسرع عبدالله بِمُحاوطتها جيدًا ثم وضعها على الفراش بِمساعدة قاسم وزينب.
وقف الثلاثة ينظرون إليها، وعيونهم تعتصر حزنًا، ناهيك عن صدورهم التي ضاقت وتضاعف الهم بها، خرج قاسم عن صمته وقال وعينه مُثبتة على أحلام:
_ كل واحد يروح على شغله..
_ بس..
قالها عبدالله فلم يُعطيه قاسم فرصة الإعتراض وصاح بحنقٍ:
_ اسمعوا الكلام بقى، ابعدوا عن الوضع دا شوية.. كل واحد يشوف حياته
تبادل عبدالله النظرات مع زينب، ثم كان أول من انسحب من الغرفة، تلته زينب إلى الخارج وتساءلت بصوتٍ مُتقطع:
_ هتروح الشغل؟
توقفت أقدام عبدالله، تطلع في الفراغ أمامه بعيون تترقرق فيهما العبرات، ثم أردف كلماته بنبرة مهزوزة:
_ حاسس إني عايز أهرب من الدنيا كلها، بس أروح على فين؟ لما كانت بتضيق بيا كنت بجري على حضنها وأنام على رجليها وتقعد تطبطب عليا بايديها وكلامها، لكن دلوقتي أروح لمين؟
أنهى جُملته وفر هاربًا خارج البيت، دون النظر لملابسه المنزلية التي بات عليها منذ البارحة، ركب سيارته ودعس على البنزين فتحركت وخرج من الفيلا يود الهرب إلى مكانٍ ربما يصبح بخير.
بينما ولجت زينب غرفتها، نزعت عن رأسها ذلك الحجاب، ثم جلست أرضًا مستندة بظهرها على جدار الفراش، ثم لقفت إحدى الوسادات التي كانت على مقربةٍ منها وقامت بِمُعانقتها فانسدلت دموع زينب أعلاها بآسى شديد لما تعيشه والدتها مؤخرًا.
في الغرفة المجاورة؛ جاور قاسم أحلام، لم يرفع بصره عنها قط، فقط كان يتطلع بها دون إبداء ردٍ، لكن داخله كان ينزفٍ دمًا، وقلبه يتقطع إربًا إربا على ما أصابها.
ليس من السهل تقبُل بعض الأقدار المُفجعة، وخِصيصًا إن مسَّت من تُحب، فلا تستطع عليه صبرًا، الآن قد فهم قاسم لماذا هناك جزاء للصابرين على مصائبهم لأنه من الصعب الصبر على الإبتلاء لشخصٍ عزيزًا.
***
تجلس ليلى على الفراش الطبي، يُقابلها الطبيب الذي ينزع عنها طُوق رقبتها بعد أن نزع الجبس الطبي عن قدمها، كانت تجاور الطبيب صبا التي نظرت إلى ليلى وقالت بابتسامة هادئة:
_ حمد لله على السلامة يا لولو..
زفرت ليلى أنفاسها براحة قبل أن ترُد:
_ ياه بجد، كان حِمل تقيل أوي، الحمد لله
اكتفت صبا بإبتسامة، بينما هتفت خلود التي تُرافقهن:
_ لما الحاجة بتعدي بتحسي إنك معشتيش أي لحظة وحشة قبل كدا، صح؟
رمقتها ليلى بنظراتٍ باردة وهتفت:
_ مش كله بيعدي للأسف
بِشفقةٍ تطلعت بها خلود، ثم نهضت ليلى وتوجهت إلى الخارج عندما انتهى الطبيب مما يفعله، فتبعنها الفتاتان، بينما كان زكريا جالسًا على مقاعد الإنتظار برفقة وليد يتسامران، ثم هابا واقفين عندما خرجت ليلى من الغرفة.
اقتربَ منها زكريا مُتلهفًا وقال:
_ حمد لله على السلامة..
أطالت ليلى النظر به ولم تُعطيه رد فتدخل وليد قائلًا:
_ حمد لله على سلامتك يا ليلى..
_ الله يسلمك يا وليد
كان ردها مُتعمد مما أخجل زكريا الذي لامها في نظراته ثم وجه حديثه إلى صبا وتساءل:
_ كدا تمام يا دكتورة، ولا لسه هنيجي تاني؟
نفت صبا بحركة من رأسها قبل أن تُخبره:
_ لا كدا خلاص، خُد أنت بالك منها بس
_ دي في عنيا
هتفها زكريا وهو يُحاوط كتفي ليلى بذراعه، نفرت منه ليلى لكنه شدَّ على كتفها حتى لا تستطع الإبتعاد ثم ردد:
_ يلا بينا إحنا بقى..
أرغم ليلى على السَّير بجانبه فلم تفتعل تصرُفًا أحمقًا أمام الآخرين، بينما جاورت خلود وليد تاركة بينهما مسافةً لا بأس بها، حتى خرجوا من المستشفى وقاموا بركوب أحد السيارات الذي استعارها وليد خِصيصًا لتقلهم بسهولة دون الحاجة إلى وسائل المواصلات.
جلس الشابين في المقاعد الأمامية بينما جلست الفتاتان في الخلف، لم ينتظر وليد طويلًا وهتف اقتراحه لطالما انتظره بِفروع صبر:
_ كدا بقى نقدر نحدد كتب الكتاب، ولا إيه يا دود؟
قال آخر جُملته وهو يُعدِل المرآة على وجه خلود، فاستحت منه وتلونت وجنتيها بالحُمرة الصريحة، فتدخل زكريا مُعلقًا:
_ مش عارف كتب كتاب إيه دلوقتي، قبل الفرح يا حبيبي لسه بدري..
تلك اللحظة قد كبس وليد على الفرامل فجأة فنهره زكريا مُعنفًا:
_ أنت عبيط؟ حد يفرمل فجأة كدا في نص الطريق؟!
دون أن يكترث لكلماته صاح الآخر بحنقٍ:
_ بقولك إيه ياعم أنت مش كل خطوة أنت وأمك هتُقفولي فيها، كتب كتاب إيه اللي قبل الفرح، دا إحنا متفقين على ٣ سنين، عايزني استنى كل دا؟!
تلفت زكريا حوله عندما استمع إلى زمور السيارات خلفهم، وصاح باستياء واضح:
_ اطلع ياعم وليد وابقى اعمله بكرة حتى، يخربيت العبط، هتموتنا عشان تكتب كتابك؟!
انتبه وليد على استياء وحُنق الآخرين، فقام بالدعس على مُحرك الوقود فتحركت السيارة، ثم عقَّب وليد ضاحكًا وهو ويشاهد تقاسيم وجه خلود المُنكسة رأسها في خجلٍ:
_ أيوا كدا اتعدل، عيلة متجيش غير بالصوت العالي
لكزه زكريا في ذراعه بقوة قبل أن ينهره ثانيةً:
_ اتلهي بقى، وسوق وأنت ساكت..
ضحك وليد وتابع قيادته بهدوءٍ ورزانة ولم يُعقب أيًا منهم حتى وصلوا إلى وِجهتهم، ترجل الجميع فلحق زكريا بـ ليلى وقال وهو يُمسك ذراعها حتى تقف له:
_ استني يا ليلى..
استدارت إليه فتابع ترديد ما يُريد:
_ أنا هروح على الشغل، وهحاول أرجع بدري، مش عايزة حاجة أجيبها وأنا راجع؟
حدجت ليلى ذراعها الذي بين قبضته ثم رفعت عينيها في عينيه وأردفت بجمودٍ:
_ أنا أصلًا مش هكون في البيت.. أنا راجعة بيت بابا
علامات الإستفهام كانت جلية على وجه زكريا الذي أبدى استيائه:
_ يعني إيه راجعة بيت بابا؟ بعد كل دا ولسه عايزة تمشي؟!
سحبت ليلى يدها بهدوءٍ ثم زفرت قبل أن تُواجهه بثباتٍ:
_ أنا مكنتش قاعدة برغبتي، أنا كنت مجبورة!
_ يا ليلى بلاش كدا، أنا بقالي أكتر من شهر بحاول أرضيكي وأنتِ لسه على موقفك!
هتفها بكللٍ لمحاولاته الفاشلة في الأيام الماضية، بينما أخرجت ليلى تنهيدة وأردفت:
_ مقدرتش تنجح إنك تنسيني خيانتك يا زكريا، أصلها صعبة أوي تتنسى في شهر!!
ابتلع الآخر ريقه وهو يتطلع في عينيها علها تُشفق عليه، لكنه وجد ثباتٍ وتحدٍ لم يُقابلهما من قبل، فأغمض عينيه يتلبس القوة ثم هتف:
_ طب خليكي النهاردة، لو مقدرتش أقنعك تعطيني فرصة تانية اعملي اللي أنتِ عايزاه ومش هعارضك..
بنفاذ صبر قالت:
_ مفيش حاجة هتتغير من هنا لبليل يا زكريا، خلينا نوفر على بعض....
قاطعها زكريا بإصرارٍ واضح:
_ فرصة أخيرة يا ليلى، وبعدها هعملك اللي أنتِ عايزاه..
أطالت ليلى النظر به قبل أن تهتف مُختصرة:
_ تمام
قالتها وأولته ظهرها سريعًا صاعدة إلى الأعلى، بينما وقف زكريا يُتابع حركتها حتى اختفت، وعقله يرسُم له بعض ما يُمكنه فِعله حتى يكسب رضائها من جديد، ثم عاد إلى السيارة مُتلهفًا لِبدء بعض الخطط التي يُمكنه بها توطيد علاقتهما من جديد.
***
بعد مرور بِضع ساعات، قد حان وقت الراحة، خرج من مكتبه فوقعت عينيه على تلك الجالسة، شاردة الذهن لا تشعر بما يدور حولها، اقترب منها مُتسائلًا بقلقٍ:
_ زينب أنتِ بتعملي إيه هنا؟
رفعت رأسها ورمقته بعيون تترقرق فيهما الدموع، ناهيك عن أنفها وشفتيها الحمروين، نظر عاصم إلى كاميليا التي حضرت للتو مُمسِكة بكوب من الماء وسألها بجدية:
_ هو في إيه، زينب مالها؟
رفعت كاميليا كتفيها للأعلى قبل أن تُعطيه إجابة:
_ معرفش، هي جت وهي في الحالة دي روحت أجيب لها مية ولسه راجعة...
أماء عاصم بتفهمٍ، ثم أخفض من مستوى طوله حيث يكون قريبًا من زينب وهتف:
_ تعالي نتكلم جوا المكتب يا زينب..
دون مُجادلة نهضت ولحقت به حيث مكتبه بعد أن أخذت كوب الماء من كاميليا، تلك الأثناء؛ خرج عز من مكتبه وشاهد اصطحاب عاصم لزينب فعقد ما بين حاجبيه بغرابةٍ قد راودته، وتوجه بِخُطاه تلقائيًا نحو كاميليا الواقفة مُتسائلًا:
_ فيه حاجة ولا إيه؟
انتاب كاميليا الذُعر إثر سؤال عز المفاجئ فلم تشعر بوجوده، فخرجت نبرتها مُتلعثمة:
_ دي زينب بتعيط، والباشمهندس أخدها المكتب..
أثارت تلعثُم كلماتها مُضاعفة ريبة عز وقرر الإنضمام إلى إبنه وتلك الفتاة حتى يعلم حقيقة ما يحدث، تابع سيره حتى وقف أمام باب الغرفة وقام بالطرق عليها قبل ولوجه، انتبه عليه عاصم ورحبَ به:
_ أهلا يا بابا، اتفضل
اختلس عز نظرة عليهما فوجد كليهما جالسًا في مِقعدٍ غير الذي يجلس عليه الآخر، كان الأمر يبدوا طبيعيًا، فحاول اختلاق كذبة تُخْرِجه دون إثارة الشك حول مجيئه المفاجئ:
_ أنا كنت هطلب أكل ليا، فكنت هسألك لو عايز..
نفى عاصم بحركة من رأسه قبل أن يُردف بجدية:
_ لا أنا شبعان.. شكرًا
اكتفى عز بإيماءة من رأسه ثم ألقى نظرة أخيرة على زينب المُنكسة رأسها قبل مُغادرته المكتب، بينما عاود عاصم ببصره نحوها وتساءل:
_ ها، قوليلي مالك حد ضايقك؟ وبعدين أنتِ إيه اللي جابك مش الصبح اتفقنا تفضلي جنب مامتك!
وما أن ذكر والدتها حتى أجهشت زينب باكية، تفاجئ عاصم ببكائها وفشل في التعامل معه، نهض عن كرسيه واقترب منها مُحاولًا تصليح ما اقترفه:
_ ليه العياط؟ أنا قولت حاجة غلط؟
من بين بُكائها أجابته بصوتٍ مُتحشرج:
_ ماما وضعها بيسوء بسرعة غريبة، صعبانة عليا وقلبي واجعني عليها، صعب عليا أوي إنها متكنش عارفاني وخايفة مني.. عمي قاسم طلب مني إني أمشي من البيت لما شاف حالتي وملقتش مكان أروحه غير هنا..
كانت تُردف كلماتها وهي تفرك أصابع يديها وعينيها مُثبتة عليهم، بينما يقف عاصم مُشفقًا على وضعهم وما تعيشه، لكنه لم يدري ما عليه فعله للتخفيف عنها، سحب نفسًا عميق وعاود الجلوس مقابلها مُحاولًا إيجاد الكلمات:
_ أول مرة مبقاش عارف أقول إيه، المرض بالذات مش بكون قادر أواسي صاحبه لأنه خارج إرادتنا كلنا..
بس أنتِ لازم تكوني أقوى من كدا، يمكن هي مش فكراكي بس أنتِ بنتها الوحيدة، المفروض تكوني قوية عشان هي محتجاكي أنتِ
مسحت زينب عبراتها ونظرت في عينيه بآسى شديد قبل أن تُردد:
_ المشكلة إنها رافضة قُربي منها، هي مش فاكرة غير عبدالله، يعني حتى هي مش عارفة تفرق بين ملامحه وملامحي بس هي فاكرة اسمه، لكن مش فكراني خالص، أحيانًا بحس إني مليش وجود..
أسرع في خفض رأسها هاربة من نظراته وأضافت بنبرة مهزومة كمن هزمه جيشه:
_ أنا بقيت حاسة إني لوحدي، هو مش إحساس هو حقيقة..
تساقطت عبراتها وهي تفيض بمشاعرها، ثم انتبهت على وجودها، ومع من تُصرح بما تُخفيه داخل قلبها فأسرعت في مسح دموعها وقالت وهي تنهض عن مقعدها:
_ أنا آسفة إني دوشتك، أكيد حضرتك عندك حاجات تتعمل، بعد إذنك..
أسرع عاصم في الوقوف واللِحاق بها قبل مُغادرتها، حيث أنه أعاد إغلاق الباب التي فتحته للتو فتلامست يدهما دون قصدٍ، فسرت رجفة قوية في أوصال زينب التي أدارت رأسها وتفقدت عينيه التي كانت قريبة للغاية حتى أنها شعرت بأنفاسه.
تغلغلت رائحة عِطره أنفها، كان وضعٍ مُريب سبب لها هياج في نبضات قلبها، فخشت أن يشعُر بها فتراجعت خُطوة إلى الخلف وأخفضت رأسها في حياء، بينما انتبه عاصم على نفسه وحاول تبرير رفضه لذهابها:
_ أنا اسف، بس متعودتش أسيب حد زعلان كدا، خليكي لما تحسي إنك كويسة وبعدين اخرجي..
_ شكرًا لحضرتك بس مش عايزة أزعجك..
هاتفها بحياءٍ فردد الآخر مازحًا:
_ إزعجيني ياستي هتيجي عليكي يعني..
رفعت زينب رأسها فجاة ورمقته مذهولة فهلل عاصم عاليًا:
_ بهزر، والله العظيم بهزر..
تشكلت الإبتسامة تلقائيًا على وجه زينب، فبادلها عاصم الإبتسام وقال:
_ بصراحة كدا أنا جوعت، تاكلي معايا؟
بحرجٍ رفضت:
_ لأ أنا تمام..
_ تمام ولا بتقولي كدا، مش عايز بطني توجعني وأنا باكل..
قالها مُمَازِحًا إياها فضحكت زينب وقالت مُختصرة:
_ لا بجد أنا تمام، مش جعانة..
_ احتياطي برده هطلب لك، عشان أضمن سلامتي..
هتفها بمرحٍ وهو يتجه نحو مِكتبه ليسحب الهاتف، ثم التفت بجسده وغمزها قبل أن يقول:
_ ها، هتطلبي إيه؟
وقبل أن ترفض أصرَّ عاصم:
_ نتكلم جد، كدا كدا هخصم لك تمنه من مرتبك
لم تكف زينب عن الضحك، ثم أخبرته لما تريد تناوله تحت ضغطٍ منه، عاودت الجلوس وكان هو المُتحدث الذي أسبق بالحديث:
_ بس كاميليا بتشكر لي فيكي أوي، بتقول إنك اتعلمتي بسرعة وتقدري تستلمي شغلك..
_ بس أنا هشتغل مع مين؟ يعني حضرتك معاك كاميليا ووالد حضرتك معاه سكرتيرة، أنا بقى ظروفي إيه؟
تساءلت بفضولٍ، فأخبرها عاصم عن قراره الذي اتخذه مؤخرًا:
_ أنا نويت أرقي كاميليا وأخليها تِمسك مدير الفرع التاني بتاعنا، وبكدا مكتبي هيكون محتاج سكرتيرة، وهتكون مين يا ترى سعيدة الحظ؟
بخجلٍ صريح أخفضت رأسها وهي تُجيبه:
_ أنا..
_ بالظبط..
هتفها عاصم، ثم جائه مُكالمة من رجل الأمن يُخبره بوصول الطعام، فأخبره بأن يجلبه له، وبعد مرور دقائق قليلة كان الطعام موضوعًا على الطاولة وأخذا كليهما يتناولان في صمتٍ ساد لِلحظات حتى قطعه عاصم بتأففه:
_ ليه بس كدا..
نظرت زينب إلى سُترته فوجدتها قد تلطخت بالكاتشب، فتركت ما بيدها وقالت وهي تقترب منه:
_ اعطيني أغسله بسرعة وأرجعه لحضرتك..
رفض عاصم مُعللًا:
_ لا لا مفيش داعي..
قاطعته زينب مُصرة:
_ مينفعش حضرتك تمشي كدا، متخافش مش هبوظه..
قالت آخر جُملتها مازحة، فما كان منه إلا أنه نهض وخلع عنه السُترة، ثم أعطاها إياها، فشهقت زينب بصدمة عندما وجدت قميصه الأبيض قد تلطخ أيضًا:
_ قميص حضرتك..
تفقد عاصم القميص ثم قلب عينيه باستياء، وقال:
_ يلا مجتش عليه..
زمت زينب شفتيها وقالت:
_ لو تسمح لي أخده هو كمان؟
أماء عاصم بقبولٍ وقام بخلع القميص أيضًا فظهر صدره بوضوحٍ لها فأسرعت في إخفاض رأسها بإستيحاء، فلم تتوقع أنه لا يوجد أسفله شيء، كادت تلتقط منه قميصه إلا أنه رفض قائلًا:
_ لا سبيلي حاجة أعملها، الإتنين كتير عليكي..
لم تُعارضه، فكان الخجل سيد الموقف، أسبق هو بِخُطاه نحو المِرحاض الخاص به ووقف يُحاول تنظيف البُقعة من القميص، جاورته زينب مُتحاشية النظر عنه، وأخذت تُنظف البقعة حتى نجحت في إزالتها، بينما صاح عاصم عاليًا:
_ مطلعتش من القميص..
_ ممكن حضرتك تعطيهولي..
قالتها ثم تناولت منه القميص وقلبها ينبض بقوة، فكان ذلك وضعًا يُشعرها بالإرتباك ويُضاعف خجلها، فشلت في إخراج البُقعة وعللت ذلك:
_ القميص محتاج حاجة تساعده ينضف، الغسيل اليدوي مش نافع..
أجبرت عينيها على التطلع في عينيه وتساءلت بفضول:
_ حضرتك هتعمل إيه؟
_ ولا حاجة، هلبس غيره.
قالها وانسحب من المِرحاض، فلحقت به وهي تجهل أين هو ذاهب، تجمَّدت مكانها عندما فتح خزانة لديه تحتوي على العديد من القميصان وبعض الملابس الأخرى، فغرت فاها بذهولٍ وتابعته حتى انتقى واحدًا من بينهم ثم قام بارتدائه.
فازدادت غرابتها منه، فإن كان يمتلك ملابس أخرى لماذا فعل ذلك؟ لماذا وافق على خلع ملابسه وظهوره بجسدٍ عاري أمامها؟ حتمًا هناك أمرًا حول فِعلته.
لم تُفضل زينب المكوث لأكثر وقالت وهي تُلَملم أشيائها:
_ أنا هخرج، عن إذنك
لم تُعطيه فرصة الرفض وقامت بالخروج على الفور، بينما نظر عاصم إلى الباب التي خرجت منه للتو، وزفر أنفاسه ثم تابع ارتداء ملابسه.
***
حل المساء؛ عاد زكريا إلى المنزل حاملًا باقة من الزُهور الرائعة ذات الرائحة العطرة الذكية، وبيده الأخرى حقيبة من القماش قام بطلبها خِصيصًا لتحتوي ذِكرياتًا لهما.
بحث بعينه عن ليلى فلم يجدها، فخشى أن تكون نفذت ما تريد وتركت المنزل، فوضع ما في يده على الطاولة وركض باحثًا عنها، فاستمع إلى صوتٍ خلف باب المرحاض، فزفر أنفاسه بطمأنينة لعدم ذهابها.
ثم خرج وقام بحمل الباقة ثانيةً، ووقف في انتظار خروجها، مرت دقيقة حتى ظهرت هي وتفاجئت بعودته، وعلى الرغم من انجذاب عينيها على الزهور التي حازت على إعجابها لكنها لم تُظهر.
اقترب منها زكريا وشكَّل بسمةً على محياه، قائلًا بصوتٍ رخيم:
_ أنا آسف، وشكرًا إنك فضلتي موجودة، لأنك مينفعش تمشي، أنا حياتي من غيرك ضلمة..
ابتسمت ليلى في وجهه، فخفق قلبِه فرحًا لكن سُرعان ما اختفت ابتسامته عندما قالت:
_ أنت قعدتني عشان الكلمتين دول؟
كنت تقدر تقولهم في الموبايل بدل ما تكلف نفسك..
قالتها وهي تُشير بعينها إلى الزهور، فبهتَ وجه زكريا وشحب، أسقط باقة الزهور الذي كان مُمسِكًا بها، ثم وضعها على الطاولة، وأخذ الحقيبة القُماشية وقال:
_ الألبوم دا أنا طلبته مخصوص ليكي، يمكن يفكرك باللي بينا ويخليكي ترضي عني..
قلبت ليلى عينيها بفتورٍ، فأصرَّ زكريا على أخذها للألبوم، فتناولته منه ثم اتجهت إلى الأريكة وأخذت تُقلب من صفحاته، نجحت تلك الصور في جعل قلبها يتأثر، عندما أعادت إليها ذاكرتها كل تلك الذكريات التي عاشاها سويًا.
انتقى زكريا من الذكريات أجملهم والتي عَلِمَ أنها سَتُفِيده، جلس إلى جوارها وأشار إلى إحدى الصور وأردف:
_ يوم قرى فاتحتنا، اليوم اللي كنت مستنيه بقالي شهور، ومكنتش مصدق نفسي لما وافقتي.. شوفتي كنت فرحان بيكي إزاي؟!
لم تُبدي ليلى رد فِعل رغم تعاطُفِها لتلك الذكرى، فأشار زكريا إلى صورة أخرى وأردف:
_ ودي كانت أول مرة أقولك فيها بحبك، أول اعتراف خرج من قلبي وكان بجد، كنت أول مرة أعرف يعني إيه حُب وتفهم كلمة بحبك وأعيشها كان معاكي!
انتقل زكريا إلى الصفحة التالية، فضحك وهو يُشِير إلى ذلك الجواب الذي يحتوي على كلِماتٍ قد كتبها خِصيصًا من أجلها:
_ أول جواب أكتبه عشان عرفت إنك بتحبي الحاجات دي.. فاكرة كنت كاتب فيه إيه؟
لم ترد، فتابع هو بسخرية:
_ كنت كاتب لك،
يا حبيبتي...
أنتِ اللغةُ التي لم يتعلّمها أحد،
والقصيدةُ التي تُتلى بلا كتاب،
أنتِ أنوثةُ الورد حين يتفتّح،
وموسيقى المطر على نوافذ الغياب...
أحبكِ،
كما يُحب البحرُ أسراره،
وكما يعانق العطرُ وردته،
وكما يكتشف الطفلُ الحكايةَ لأول مرة
_ وكانت المفاجأة إنك عارفة شِعر نزار قباني، وقفشتيني وقتها..
قهقه زكريا على تذكُره لتلك الذِكرى، لم تستطع ليلى منع ابتسامتها التي جاهدت لعدم ظهورها، لكنها عاشت تلك اللحظة ثانيةً فلم تنجح في إخفاء شعورها.
وعندما رآها زكريا تبتسم شعر أن الجليد قد بدأ في الذوبان، فرفع رأسها بيده وأرغمها على النظر إليه، ثم ملَّس بيده على خُصلات شعرها واقترب من وجهها هامِسًا برجاء:
_ عشان خاطر الذكريات الحلوة اللي بينا، خلينا نبدأ من جديد، وحشتيني يا ليلى، وحشني حضنك، وحشني أحس إنك بتحبيني...
كاد يُقبل ثِغرها الذي يشتاق إليهما، لكنها قد وضعت يدها على فمه مانِعة اقترابه، فنظر إليها مُعاتبًا، فهمست:
_ الذكريات دي مخلتنيش أنسى اللي حصل، بالعكس خلتني أزعل أكتر إنها هانت عليك، هان كل لحظاتنا الحلوة وحُبنا، وقدرت تِخُوني..
تعَالت وتيرة أنفاسها وهي تُجاهد نفسها بألا تبكي، ثم تمتمت أمام شفتيه:
_ طلقني يا زكريا...
جن جنون الآخر وهب واقفًا رافضًا تلبية طلبها:
_ برده يا ليلى! أعمل لك إيه عشان متقوليش الكلمة دي؟
طلاق مش هيحصل، افهمي كدا!!
بلغت ليلى ذُروة تحمُلها ونهضت هاتفة بحنقٍ ساحِق:
_ هتجبرني أعيش معاك؟ مش أنت اللي قولت لي وقت ما غضبك يهدى هنتكلم، وأديني صبرت وهديت، وأنا دلوقتي بقولك مش قادرة أعيش معاك بعد اللي حصل..
دنا منها زكريا ثم وضع يده على موضِع قلبها وهمس بألمٍ:
_ قلبك مش قادر يغفر لي الغلطة دي ليه؟ كرهتيني للدرجة دي؟
تراجعت ليلى للخلف وصاحت مُنفعلة وهي توليه ظهرها:
_ لو على قلبي فهو للأسف لسه بيحبك ولسه بيتأثر بيك، بس القلب والحُب مش صح دايمًا، أنا معتش هعرف أثق فيك، معتش هعرف أحط راسي على المخدة جنبك وأنا مش شاكة إنك ممكن تكون بتكلم غيري..
استدارت بجسدِها نحوه وأضافت بتهكمٍ وثقة مُنعدمة:
_ أصل يعني إيه اللي يخليني أطمن لك تاني؟ ما أنا كنت مطمنة لك وواثقة فيك وأنت في المُقابل عملت إيه؟
خونت!
طب ليه متعملهاش تاني؟ إيه اللي يمنعك يعني؟ مكنش عندك دوافع تغلط وغلطت، فإيه بقى اللي يأكدلي إن متكررهاش تاني؟
_ أنا أهو واقف قدامك بأكد لك إني مش هكررها تاني...
لم يُنهِيها بعد فقاطعته ليلى مُعنفة:
_ ما هو أنا أصلًا معتش بثق في كلامك عشان أخده عهد إنك متغلطش..
صمت زكريا عندما أخرسته بكلماتها القاسية، فأغمض عينيه عندما انتابه حالة من التِيه والضَيَاع، وأخذ يتنفس بصوتٍ مسموع، ثم أعاد فتح عينيه وقال بهدوءٍ مريب:
_ أنتِ إيه اللي يرضيكي؟
_ إننا نتطلق!
هتفتها دون تفكيرٍ، فابتلع الآخر ريقه وهتف:
_ حتى لو أنا لسه عايزك ومتعلق بأي أمل يرجعنا لبعض
أشاحت ليلى بصرها عنه حتى لا تتأثر بنبرته المكلومة وكلماته التي آلمت قلبها وردّت:
_ مش لازم كل حاجة تكون أنت عايزها تحصل، دي مُنتهى الأنانية، لو بتحبني بجد اعمل لي اللي أنا عايزاه..
اقترب زكريا منها وأرغمها على النظر إليه بعيون لامعة تُهدد بالبكاء:
_ متأكدة من قرارك؟
صمتت ليلى لبُرهة فلقد اهتز كيانها، كان هناك تناقضًا يشتت قرارها تلك اللحظة، شتان بين قلبها الذي يتمنى لو أن تُلقِي بنفسها بين ذراعيه وتُخبره بأن الأمر انتهى، وبين عقلها الذي يود الإنفصال عنه بعد عيش خسارتها جنينها وآمانها من خلفه.
أغمضت عينيها لِلحظة مُحاولة طرد ذلك الصوت من عقلها حتى تتخذ قرارًا صائبًا فلا تعود نادمة لاحقًا، استغل زكريا ذلك الضعف وحاول كسب استعطافها، فجذبها بهدوءٍ إلى صدره بشوقٍ حار لكل أنشٍ بها، لكنها لم تستكين مُدة طويلة، بل تراجعت على الفور وهي تُردد:
_ مش قادرة.. خلصني بقى وقولها
_ يا ليلى..
نطق حروف إسمها متوسلًا بأن تصرف نظر عن ذلك الإنفصال لكنها أصرَّت:
_ يلا يا زكريا.. قولها بقى
انهمرت دموعه وتساقطت حُزنًا، كانت شفتيه تتحرك دون استطاعته على نُطقِها، فكانت كلمة ثقيلة ترفُضها جميع خلاياه، لكنه كان مغلوبٌ على أمره وتحت إصرارٍ منها همس:
_ أنتِ طالق
الفصل الثاني والاربعون من هنا