تحميل رواية علي دروب الهوي بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عَ دروب الهوى مَشّاني حبيبي عَ دروب الهوى مَشّاني وعَ كرم الهوى وَصَّلني حبيبي وعنقودو اسْتوى وناداني ناداني سوا سوا رحنا نمشي إيد بإيد والهَوا يْلَوّحنا متل العَناقيد غَمَرني بالهَنا وسَحَرني بالغِنا حتّى إسمي أنا نسّاني كان يقف على أطراف أصابعه ويمُدُ ذراعه للأعلى لتصل كلمات الأغنية إلى آذانها، انتظر قليل فقليلًا بعد، ثم انشرح ثغره بابتسامةٍ سعيدة حين فُتحت أبواب شُرفتها، وظهرت هي بطلتها الساحرة، التي تسرق قلبه بعد أن استمعت لصوت فيروز، تلفتت يمينًا ويسارًا تتفقد المكان من حولهما قبل أن تُسقِط...
رواية علي دروب الهوي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم تسنيم المرشدي
وآه على قلبٍ غواه العشق وآلامه، وكأنه لم يعش ألمًا مقارنةً بما يعيشه الآن، لم يرفع عينيه على يدها التي تتخلل يد رجل غيره، لقد جاهد نفسه ليحافظ على نقاء علاقاتهما، ليصل يومًا إلى تلك المكانة، فكان يطوق لـ لمسة من يدها.
رفع بصره بتهمل تدريجيًا حتى أصابت عينيه عينيها، كان يُطالعها بعيون دامعة، يتمالكها بصعوبة، يستمع لتردد صدى أنفاسه داخل صدره، لم يدري ما عليه الشعور به تلك اللحظة، أيبتسم لها سعيدًا بعودتها، أم يبكى تحسرًا على زواجها.
زواج من؟ من تزوج!! صباه! حبيبة فؤاده وسكن قلبه! أهذه دعابة؟ هل تمتحن حبه لها بإثارة غيرته؟ بوقوفها إلى جانب رجلًا آخر، بمسكها ليده بحميمية!! كيف؟ بالله كيف؟
سيجن عقله إن لم تتضح له الأمور حالًا.
سقطت عبرة رغمًا عنه فأسرع بخفض جسده حاملًا الحقائب بيده وسرعان ما أولاهم ظهره قبل أن يلاحظها أحدهم، هرول بخُطواتٍ غير متزنة وتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه.
خرج من صالة المطار، ووقف يلتقط أنفاسه الهاربة من رئتيه، رفع رأسه للأعلى يشتكي بصمتٍ، فمن غير الله يسمع قلبه، ويشعر بألمه المكنون، هو وحده يستطيع أن يربط على قلبه ويثبت عقله ويلهِمَه الصبر في ذلك الإختبار الصعب.
توجه ناحية السيارة وقام بوضع الحقائب بها ثم وقف بجوار الباب وثبت عينيه على الباب، فرآهم عند خروجهم، لم يكن حلم، إنها حقيقة، تَقدُم نحوه برفقة رجلًا آخر.
قام بفتح الباب لهما، فركب عاصم أولًا، وتلاته صبا فمال عبدالله بقُربها مُغمضًا عينيه فشم عبيرها الذي فاق اشتياقه لها، شعر بنضبات قلبه تحيا من جديد، تتجدد خلاياه وتتتفتح كالأزهار في ربيعها.
انتبه على حاله وتراجع عندما تذكر الحقيقة المأساوية، كيف عليه تقبلها؟ أغلق الباب عندما ركبت صبا ثم توجه إلى الطارة، استقل أمامها وأطال النظر في الطريق أمامه محاولًا فهم ما يعيشه.
لكزه إسلام في ذراعه بخفة وردد:
_ اتحرك يا عبدالله..
أدار عبدالله رأسه رامقًا إياه بتيهٍ، ثم رفع بصره ليرى صبا الجالسة في الخلف من خلال المرآة، رفت عينيه فجأة وظلت ترتجف وفشل في رؤية ما هو حوله، فمد ذراعه ولمس يد إسلام الذي تفاجئ بحالته ودنا منه متسائلًا بقلقٍ:
_ في إيه مالك؟
رد ببحةٍ تكسو صوته:
_ مش قادر.. تعالى مكاني
_ تمام، بس أنت كويس؟
تساءل إسلام مهتمًا لأمره، فلم يجيبه بل ترجل على الفور وتوجه إلى الباب المجاور، استقل المقعد ثم وجه عينيه على المرآة الخارجية التي تعكس له وجه صبا بوضوحٍ.
لم يشيح بصره عنها، لا يصدق، عقله، قلبه لا يصدقان ما تراه بؤبؤة عينيه، كيف تفعل به ذلك، كيف قبلت برجلًا غيره تُكتب على اسمه، ماهي أسبابها لتفتعل تلك الكارثة، العشرات من الأسئلة التي هاجهمت عقله ولم يجد لها إجابة.
***
كان قاسم أول الحاضرين على الطاولة، أمر الخادمة بإحضار العشاء ليتناولوا معًا كعائلة، ليبدأ في تهذيب سلوك آدم المفتقد لتلك الأجواء الأُسرية، ترأس الطاولة وانتظر إنتهاء الخادمة من وضع الطعام ثم أمرها قائلًا:
_ لو سمحتي نادي على حورية وآدم
_ أمرك يا قاسم بيه
قالتها بطاعة وتوجهت إلى الأعلى لتُلبي أمره، بعد قليل جاءت حورية وحدجت الطاولة وهي تتشدق متعجبة مما تراه، جلست بجوار قاسم وعلقت مبدية تهكُمِها:
_ ياه دا أنا نسيت إن عندنا سفرة في البيت
لم يتأثر قاسم لكلامها، بل أخرج تنهيدة بطيئة ونظر لها وأردف بجفاء شديد:
_ من النهاردة هتتعودي على المنظر دا، أساسي أكلنا مع بعض إحنا التلاتة إلا إذا حصل ظرف..
صمت عندما انتبه لترجل آدم، ولج بهيئة تدل على خروجه، فقعد قاسم ما بين حاجبيه بغرابةٍ وسأله بجدية:
_ مش هتاكل معانا ولا إيه؟
أوضح له آدم السبب في عدم مشاركتهما الطعام وهو يتفقد ساعة يده:
_ لا مش هينفع النهاردة، عاصم أخو ڤاليا رجع من السفر ولازم أروح له..
أبدى آدم تعجبه المخالط للريبة وهو يضيف:
_ دا حتى بيقولوا راجع مع مراته، كنت تعرف الموضوع دا؟
صعق قاسم وهب واقفًا وهتف مذعورًا:
_ قولت مين اللي رجع؟
_ عاصم..
أخبره آدم ليؤكد صدمة والده الذي لم يقف لثانية بعد، وهرول مسرعًا إلى الأعلى وهتف وهو يواصل صعوده:
_ استناني، هاجي معاك
قطب آدم جبينه شاعرًا بغرابةٍ تحدث، لكن لم يكن أمامه سوى إنتظار عودة والده، بينما ولج قاسم غرفته وقام بتبديل ملابسه سريعًا ثم التقط هاتفه وقام بعمل اتصالًا ثم ألقاه على الفراش بعد أن فعّل مُكبر الصوت، ثوانٍ وجاءه صوتها القلِق:
_ قاسم!
رد عليها بلهفةٍ:
_ صبا رجعت يا أحلام!! رجعت مع جوزها..
صدمة قوية ضربت عقل أحلام فلم تستوعب بسهولة ما وقع على أذنيها، شهقت بذُعرٍ وصاحت:
_ هنعمل إيه يا قاسم؟
التقط هاتفه بعد أن انتهى من ارتداء حذائه ورد بإيجاز:
_ أنا نازل رايح له دلوقتي.. ربنا يستر
بقلبٍ ينفطر حزنًا على ولدها هتفت برجاء:
_ خليك جنبه يا قاسم، متسيبوش
_ أنتِ بتوصيني على مين يا أحلام، دا ابني
قالها وهو يترجل السُلم ثم أضاف لينهي المكالمة:
_ يلا سلام، هبقى أكلمك
توجه إلى الخارج دون الإلتفات حوله هاتفًا دون صبرٍ:
_ يلا يا آدم..
تبادل آدم النظرات المتعجبة مع والدته ثم انصرف خلف والده الذي ركب سيارته وخرج مسرعًا تحت نظرات آدم، وقف يتابع تحركاته وهتف دون فهم لما يحدث:
_ هو في إيه؟
استقل سيارته وتَبِع والده مُتجِهًا إلى بيت عائلة ڤاليا.
***
مال برأسه قليلًا رامقها بطرف عينيه وهو يُردد محاولًا عدم تصديق ما أخبرته به:
_ إيه حامل دي؟ إزاي طيب، مش أنتِ بتاخدي برشام؟
ابتلعت ليلى ريقها، وطالعته بخوفٍ يكسو تعابيرها، تخشى رد فعله للغاية، حمحمت وحاولت إخباره لكنها لم تستطع فرددت بتلعثمٍ:
_ مهو..
_ مهو!!
قاطعها بترديده لما تفوهت به وصاح عاليًا:
_ فين البرشام يا ليلى؟
يتضاعف الخوف داخل قلبها؛ كلما شعرت باكتشاف أمرها، حتمًا تلك نهايتها، عضت شفاها ولم تُبعد نظريها عنه فجن زكريا وانفعل عليها:
_ بقولك فين شريط البرشام يا ليلى، ردي عليا
_ مفيش برشام..
لم تكاد تكمل جملتها حتى هاجمها بصراخه:
_ يعني إيه مفيش برشام؟ أنتِ كنتي مستغفلاني كل دا؟
دنا منها وهو يصر أسنانه بغضبٍ لا يرى أمامه، وأضاف:
_ كلامي متسمعش ليه يا ليلى؟ كنتي مستصعبة أوي تستني الكام شهر دول!!
حاولت ليلى تهدئته بتحدثها عن القدر:
_ نصيب يا زكريا.. ياما فيه ناس مش بتاخد أي وسيلة ومش بتحمل.. كان ممكن ميحصلش حمل لو مش مكتوب لنا دلوقتي لكن نصيبنا يكون الحمل في الوقت دا
أمسك زكريا ذراعها وهزها بعنفٍ وهدر شزرًا:
_ النصيب دا لما ميبقاش لينا دخل فيه، لكن متعمليش عملتك وتيجي تقوليلي نصيب أنتِ بتضحكي على نفسك ولا عليا؟!
دفعها بعيدًا عنه ثم جاب الغرفة ذهابًا وجيئا وعقله يجن جنونه، ثم أمسك بالمصباح الكهربائي الذي يعلو الكومود وقام بإلقائه في الأرض فتحطم وتناثرت أشلائه في زوايا الغرفة.
عاد إليها من جديد بوجهٍ مُحتقن يفشل في كظم غيظه وهدر بها:
_ استصعبتي تسمعي الكلام وكسرتي كلمتي يا ليلى!!
بتحطيني قدام الأمر الواقع والمفروض إني أقبل واسكت وأقول نصيب!
لكن دا بعينك، زي ما خدتي قرارك لوحدك شيلي شيلتك لوحدك برده
خرجت ليلى عن هدوئها، واندفعت به مُتألمة من رد فعله المُبالغ:
_ أنت أناني يا زكريا، عايز كل حاجة على كيفك أنت، خدت قرار كبير زي دا لوحدك وأوهمت نفسك إني موافقة عشان ضميرك ميأنبكش بس أنا مكنتش راضية عنه، أنت بتنزل شغلك وبتخرج وتقعد مع صحابك فمش فارق معاك وجود أطفال أو لأ لكن أنا طول اليوم لوحدي لغاية ما ترجع ونقعد مع بعض الساعة ولا الاتنين اللي بنقعدهم، فكان الموضوع فارق لي جدًا، أنا عشت نص عمري وحيدة، وكنت بتمنى اليوم اللي اتجوز فيه عشان أخلف عيال كتير يملوا عليا حياتي واعمل عيلة..
دنا منها زكريا وبهدوءٍ يشبه هدوء ما قبل العاصفة همس بخفوت:
_ وأهو حملتي يا ليلى، عملتي اللي أنتِ عايزاه..
أولاها ظهره ليخرج من الغرفة فنادته بتعبٍ متوسلة إياه:
_ يا زكريا عشان خاطري....
قاطعها بإصبعه الذي رفعه في وجهها وحذرها:
_ متخرجيش ورايا
لم تستمع إليه ولحقت به فقام بإغلاق الباب قبل أن تمُر منه، فوقفت خلفه تبكي بحسرة، لم ترتب لذلك الخبر هكذا، من أسوء المفاجئات التي عاشتها كان خبر حملها، خرج الآخر وظل يتحرك في المكان بعقلاٍ لا يصدق ما يعيشه، يجن عقله كلما تذكر أنها عصته.
توجه إلى الأريكة واستلقى أعلاها، ثم وضع الوسادة على وجهه مطلقًا بعض الأصوات المختنقة بها حتى لا تصل إلى مسمع الآخرين.
***
بعد مرور وقتٍ طويل، وصلا بهم إسلام إلى الفيلا، لم يرف لعبدالله جفن طوال الطريق، فكانت عينيه مُثبتة على المرآة يطالعها بصدمة لم يهضمها بعد، ترجل إسلام وقام بإخراج الحقائب بينما ظل عبدالله ساكنًا مكانه يتابع حركة صبا.
كان الجميع في استقبالهم، كان استقبالًا حافل بعودة عاصم، حيث عانقته ڤاليا بحميمية وكذلك أخيه ووالديه، واكتفوا بمصافحة صبا، تلك الأثناء وصل قاسم وخلفه آدم.
ترجل من السيارة وعينيه تبحثان عن عبدالله، ثم انتبه على نداء عز:
_ جاي بنفسك يا قاسم، دا على كدا عاصم غالي أوي
تصنع قاسم اهتمامه بوصول عاصم وتوجه نحوه ليُرحب بوصوله قائلًا:
_ طبعا غالي دا ابني يا عز.. حمد لله على سلامتكم يا عاصم..
_ الله يسلمك يا أونكل
قالها عاصم بودٍ بينما أعاد قاسم بحثه عن عبدالله، تاركًا آدم يرحب بعودة عاصم، دعاهم عز إلى الداخل فولجوا جميعهم ما عدا قاسم الذي توجه إلى إسلام وسأله بقلقٍ:
_ عبدالله فين؟
أشار إسلام نحو السيارة وأجاب بعملية:
_ في العربية، كان تعبان وإحنا راجعين، ياريت حضرتك تطمن عليه ..
لحظة صمت حلت قبل أن يقطعها قاسم بسؤاله:
_ راجعين منين؟
أوضح له إسلام مكان عودتهم:
_ كنا بنجيب عاصم بيه من المطار..
قطب قاسم جبينه وتوجه إليه بخُطوات مهرولة، قام بفتح الباب السيارة عندما رآه مُغمض العينين، تملكه الذُعر وضرب وجهه بخفة وهو يناديه:
_ عبدالله.. أنت كويس، رد عليا
فتح عبدالله عينيه بتمهل؛ وحدق بوالده لثوانٍ بتيه كأنه يتعرف على ملامحه، خشى قاسم صمته وهتف متسائلًا:
_ طمني عليك، حاسس بإيه؟
_ مش حاسس بأي حاجة، هي ليه عملت كدا؟ صبا رجعت.. صبا رجعت بس وهي متجوزة واحد تاني غيري!! أنا لازم أسالها عملت فيا كدا ليه؟ ليه سابتني ومشت واختارت حد غيري..
هتفها عبدالله بنبرة موجوعة، وترجل من السيارة يريد الدخول إلى الفيلا والوصول إلى صبا، بينما جاهد قاسم على إيقافه محاولًا تهدئته:
_ لا لا بلاش تدخل، تعالى معايا إهدى الأول وبعدين نشوف هنعمل إيه
رفض عبدالله الرضوخ إليه، وكان يحاول المرور من أمامه بقوة هزيلة يريد سؤالها ليريح عقله من التفكير:
_ هسألها فين وعدها ليا، عايز أعرف قدرت توجعني كدا إزاي، هسألها قلبها طاوعها تكون لغيري إزاي؟
تساقطت عبراته بغزارة وأضاف بحنحرةٍ مبحوحة:
_ سيبني أسالها بس وهمشي على طول
_ لأ لأ، مش هينفع صدقني تعمل اللي أنت عايزه دا، البنت واقفة وسط ناس ومينفعش تكلمها قدامهم، كل حاجة ليها وقتها ومكانها
أردفها قاسم وشد على ذراع عبدالله ليُجبره على السير بعيدًا عن الفيلا وواصل برجاء:
_ امشي يا عبدالله، اسمع الكلام أنت لازم تبعد عن هنا..
رفض وصرخ عاليًا كالمجنون الذي يريد الوصول إلى مُراده فقط، فاضطر قاسم إلى ضرب رأسه بقوة فخر عبدالله واقعًا فردد قاسم بآسى وندم شديدين:
_ أنا اسف يابني، مضطر والله
نظر قاسم إلى إسلام الذي يتابع ما يحدث من على بعد بذهولٍ وريبة، ثم ناداه قائلًا:
_ ساعدني نركبه عربيتي..
لم يتردد إسلام في مساعدة قاسم وقاما كلاهما بحمله ووضعه في سيارة قاسم، الذي خرج على الفور قبل أن يراه أحدهم وتوجه إلى بيت المزرعة.
***
داخل الفيلا؛ فرحة عارمة بين العائلة لعودة عاصم بعد غياب دام لعدة أشهر، كان يجلس وإلى جواره نهال التي تحتضنه بشوقٍ ظاهر فعلق عامر بتهكمٍ من تصرفها المبالغ:
_ كل الحكاية ٣شهور يعني يا ماما، لحق يوحشك للدرجة دي..
_ ولو ٣ أيام حبيبي كان بعيد عني، وكان واحشني
قالتها نهال بحنانٍ، فأضاف عامر ساخرًا:
_ أيوة يا سيدي، ناس ليها أحضان وناس ليها....
ولا بلاش أصل تزعل
نهرته نهال مُعنفة إياه:
_ إحترم نفسك يا عامر، من امتى كنت فرقت بين واحد فيكم!!
تدخل آدم مرحبًا بعودة عاصم:
_ حمد الله على سلامتك يا عاصم..
_ الله يسلمك يا حبيبي
قالها عاصم مختصرًا فتابع آدم حديثه بتلهفٍ:
_ طلاما جيت الحمدلله يبقى نحدد ميعاد الخطوبة بقى، ڤاليا مكنتش حابة تعملها وأنت مش موجود..
تفاجئت ڤاليا باقتراح آدم، فلم تتوقع سرعته في تحديد الخِطبة بهذا الشكل، تجهمت تعابيرها وحاولت تغير الحوار مُبدية استيائها من آدم واقتراحه المُتسرع:
_ خطوبة إيه دلوقتي يا آدم، عاصم لسه راجع من السفر وأكيد تعبان نتكلم بعدين..
تدخل عز وأردف برزانة:
_ الوقت مناسب يا فيفو نرتب فيه معاد لخطوبتكم، عاصم كلها ليلة هينامها وهيبقى زي الحصان
أكد عاصم بكلماتٍ تؤيد رأي والده:
_ بابا عنده حق يا ڤاليا، خلينا نعمل الخطوبة، وإحنا كمان نشاركم الحفلة على الأقل الناس تتعرف على صبا، بما إن الجواز جه من غير ترتيب ولا فرح
نظر عاصم إلى صبا الشاردة وسألها باهتمامٍ:
_ ولا إيه يا صبا، إيه رأيك؟
انتبهت عليه لحظتها لكنها لم تسمع مما قيل قبل قليل فرددت بتلعثمٍ:
_ هاا؟
أحاط عاصم كتفيها بذراعه وقال مبتسمًا:
_ مالك يا حبيبتي، تايهة كدا ليه؟
تولى عز الرد بدلًا عنها وقال بنبرة رخيمة:
_ أكيد تعبانة من السفر والطريق، خليها تطلع ترتاح ونتكلم في التفاصيل بعدين..
أماء عاصم ثم نهض ليستأذن منهم لكن صبا أسبقت بالحديث وأردفت:
_ خليك يا عاصم أنت عندك ضيوف، ممكن حد يعرفني طريق الأوضة وأنا هطلع لوحدي..
لم يجد عاصم داعٍ لبقائه فقال:
_ تعالي هنطلع سوا..
قاطعته صبا بحدةٍ وأصرت على الصعود بمفردها:
_ لأ، أنا عايزة أطلع لوحدي..
أطال عاصم النظر إليها، لم يستشف ما يوجد خلف نبرتها القاسية، لكنه أراد أن يترك لها الحرية في التعامل في المنزل، حمحم ونادى على الخادمة التي تجاورهم لربما يحتاجونها بلغته الأجنبية:
_ مريانا، لو سمحتي خدي مدام صبا وطلعيها في اوضتنا..
أماءت الخادمة بطاعة ثم أخذت الحقائب الخاصة بها وصعدت أولًا لتوجهها إلى غرفتها، ولجت صبا الغرفة وانتظرت حتى غادرت ثم وقفت خلف تحدق أمامها دون حركة حتى فرت دمعة من عينيها مفاجئة ففتحت سبيلًا لشلالٍ من الدموع الذي اندفع فجأة.
أجهشت بالبكاء المرير وارتجف جسدها بعنفٍ، رفعت كلتى يديها ووضعت يُمناها على عُنقها الذي يختنق، والأخرى وضعتها على قلبها الجريح الذي ينبض بقسوة وكأنه سيخترق ملابسها ويسقط أرضًا أمامها.
أسرعت باحثة عن المرحاض ووقفت تطالع صورتها المنعكسة بآسى وحزنٍ عشعش ملامح وجهها الجميل، فأصبح شاحبًا فقد رونقته وحيويته، وظلت تردد بصوتٍ باكي:
_ ليه، ليه؟
تلك الأثناء صعد عاصم وولج الغرفة، تعجب من عدم وجود صبا، فنادها بهدوءٍ:
_ صبا، أنتِ فين؟
لم يأتيه ردًا فتسلل القلق داخل قلبه؛ وفضل أن يبحث عنها، توجه إلى غرفة تبديل الملابس وناداها قبل دخولها فلم يجد لها اثرًا، تضاعف قلقه وأسرع ناحية المرحاض ليستمع إلى صوت بكائها من خلال الباب، فدعب الرعب أوصاله وطرق الباب وهو يردد:
_ صبا، في إيه بتعيطي ليه؟ أنتِ كويسة
لم تجيبه بل كان يزداد نحيبها فخفق قلبه رعبًا خشية أن تفتعل في نفسها مكروه وهتف عاليًا:
_ صبا أنا هدخل..
انتظر ثانية فلم تفتح الباب فقام باقتحام المرحاض، توجه نحوها بخوفٍ وقلق يسيطران عليه وتساءل باهتمامٍ مستفسرًا عن حالتها المفاجئة:
_ مالك، حصل حاجة ضايقتك؟
فقط لا يوجد سوى البكاء تفعله، حاول عاصم مسك ذراعها فنفرت صبا منه وصرخت محذرة:
_ ابعد عني..
رفع عاصم يديه للأعلى مستسلمًا وقال:
_ بعدت، بس اهدي وتعالي برا..
حركت صبا قدميها ففهم عاصم أنها تود الخروج
فأسبق بخُطاه إلى الخارج ودعاها للجلوس على الفراش، ثم سحب هاتفه ودلف شرفة الغرفة ليقوم بعمل اتصالًا دوليًا، أتاه الرد بعد فترة فتحدث باللغة الأجنبية:
_ Hello Dr., Saba has a severe crying fit and I can't stop it. Can you help me?
( مرحبًا دكتور، صبا تعاني من نوبة بكاء شديدة ولا أستطيع إيقاقها، هل يمكنكِ مساعدتي؟ )
وجه عاصم بصره على صبا وهو يستمع لتعليمات الطبيبة بعناية حتى يمكنه التعامل معها بشكلٍ صحيح.
***
تجلس على طرف الفراش تبكي بشدة؛ تجاورها عليا من يمينها وتواسيها هناء من على يسارها:
_ إهدي يا ليلى مفيش حاجة هتتحل بالعياط أبدًا
ربتت عليا على ظهرها بحنانٍ متأثرة لحالتها وأردفت:
_ شوية وهيهدى يا ليلى، أنتِ مش عارفة زكريا يعني، بيترفز وفي الآخر بيهدى ويصالحك..
رفضت ليلى سماع المزيد وهتفت مستاءة من بين بكائها:
_ مش المرة دي يا عليا، المرة دي مختلفة، دا خبر حمل يعني المفروض يفرح، أنا جبتكم عشان تفهموه أهمية الخطوة دي، هو مش متخيل جمالها، دا هيبقى أب، إزاي مش مقدر النعمة اللي هو فيها؟!
لم تتحمل هناء سخافة زكريا التي يُحدثها ولم تتقبل إعتراضه على رزقٍ يتمناه غيره، انتفضت من مكانها وخرجت من الغرفة فوجدته جالسًا على الأريكة بوجهٍ محتقن يصر أسنانه بغضبٍ.
جلست مقابله ولامته بضيقٍ:
_ أنت بجد زعلان إنك هتكون أب؟! دي نعمة يابني غيرك يحلم بيها سنين طويلة ومش طايل ضُفرها، بدل ما تقول الحمدلله مراتي حملت من غير مشاكل ولف على دكاترة تعترض على قضاء ربنا!!
رفع رأسه ونظر إليها بعينين ينطق منهما الشر ثم هدر:
_ دا لما الحمل يجي من عند ربنا فعلًا، مش هي اللي كانت عايزاه ومنعت البرشام وحملت رغم إني قايلها مش عايز يحصل حمل دلوقتي..
استنكرت هناء تفكيره وعدم إدراكه الكامل بما يُردفه دون رحمة وصاحت معاتبة:
_ استغفر ربنا، لأن كل شيء بإيديه، كان ممكن متحملش حتى لو وقفت البرشام، لكن مشيئة ربنا إنها تحمل في حتة منك يا زكريا، دا ابنك يابني اللي وقت ما هتشيله على ايديك هتنسى الدنيا ومافيها..
رفض الآخر الرضوخ لما تحاول إقناعه به، وهب واقفًا رافضًا سماع المزيد مرددًا بتأففٍ:
_ يووه، محدش فاهم حاجة..
تركها وولج الغرفة الأخرى وأوصد بابها حتى لا تقتحم خلوته إحداهن، بينما هزت هناء رأسها باستنكار شديد، ثم انتبهت على رنين الجرس، فنهضت لتعرف هوية الطارق، وجدتها خلود تود الدخول فمنعتها بيدها قائلة:
_ عايزة إيه؟
_ عايزة أدخل..
هتفتها خلود بتلقائية؛ فرفضت هناء دخولها مُعللة:
_ لأ، انزلي أنتِ تحت
عبست خلود وصاحت بحنقٍ:
_ إيه دا ليه يعني، ماهي عليا هنا اشمعنا أنا لأ
بنفاذ صبر أجابتها:
_ عليا كبيرة، إنما أنتِ صغيرة وملكيش دعوة باللي بيحصل دا، يلا على تحت
شدت خلود تقاسيم وجهها بتزمجرٍ وهللت عاليًا:
_ طب اسالي عليا فين الشكولاتة اللي كنت سيباها على رف التلاجة..
اندهشت هناء من سخافتها؛ فلم تتحملها وقامت بلكز ذراعها مُبدية استيائها قبل أن تردف موبخة إياها:
_ إمشي يا معدومة الدم، إحنا في ولا في إيه دلوقتي؟
أغلقت هناء الباب في وجهها وعادت إلى ليلى، بينما ضربت الأرض خلود بقدميها متذمرة من تصرف والدتها نحوها، هبطت درجات السُلم وهي تُردد بغيظ:
_ أوف، أجيب منين شكولاتة دلوقتي اتسلى فيها على ما ينزلوا؟
نظرت إلى الأعلى وأضافت بنبرة حانقة:
_ ماشي يا عليا..
تلك الأثناء كان وليد عائدًا من عمله، ووقعت كلمات خلود على مسامعه، فابتسم بخفة ثم عاد إلى الأسفل حتى لا تراه، كما عادت خلود أيضًا إلى البيت.
ظلت تجوب غرفتها ذهابًا وجيئا بمللٍ، وقررت النوم عندما فشلت في إيجاد شيءٍ تفعله، استلقت على الفراش وسحبت وسادتها بين ذراعيها وما كادت تفعل حتى استمعت إلى قرع الجرس.
فنهضت مستاءة وسارت بخُطواتٍ متشجنة تستعد لتوبيخ شقيقتها فور رؤيتها، أدارت مقبض الباب وهي تصيح:
_ أنتِ إيه....
صمتت عندما لم تجد أحدهم، دب الرعب قلبها، وتفقدت المكان يمينًا ويسارًا فلم تجد أثرًا لأحد، تراجعت للخلف سريعًا لتُغلق الباب فسقط بصرها على تلك الشكولاتة الموضوعة على الأرض أمام الباب.
حدجتها قليلًا، لا تدري من أين جاءت، لكن سرعان ما أخذتها وعاودت تفقد المكان من جديد، فلم ترى أحدًا، لكنها استمعت إلى صوت إغلاق باب شقة عمها، انسحبت إلى الداخل وأغلقت الباب ووقفت في حيرة من أمرها وهي ترمق الشكولاتة بذهولٍ.
حتى ربط عقلها صوت غلق الباب بوجود الشكولاتة وانتهى تفكيرها إلى وليد الذي اقتحم مخيلتها، لكن كيف علم بذلك؟
أخذت نفسًا وتوجهت إلى الغرفة وأمسكت بالهاتف، ترددت بالإتصال عليه فالوقت متأخر، وسيكون عيب إن هاتفته الآن.
فازدادت حيرتها بين تأجيل سؤاله غدًا أم تهاتفه الأن، وفي النهاية فاز فضولها حول ما يحدث وقامت بالإتصال عليه، انتظرت قليلًا حتى أتاها رده بصوتٍ ناعس:
_ خلود...
ازدردت ريقها وشعرت بالحرج الشديد يجتاحها، لعنت تسرعها لكن ليس هناك إلا أن تواصل المكالمة، حمحمت ثم أردفت بحرجٍ:
_ أنت كنت نايم؟
_ آه، فيه حاجة؟
تساءل بجدية فنظرت هي إلى الشيكولاتة وأطالت النظر عليها قبل أن تجيبه بنبرة متلعثمة:
_ لا مفيش، بس لقيت شكولاتة قدام الباب ومش عارفة مين جابها
_ شكولاتة إيه؟ معرفش عنها حاجة.. يمكن زكريا حطها ومشى..
قالها وليد، وعلى الرغم من معرفتها القوية بأنه ليس زكريا لكنها لم تطيل وأرادت إنهاء المكالمة فقالت:
_ أيوة ممكن برده.. معلش قلقتك، تصبح على خير
كادت تغلق لكنه لحق بها وأردف:
_ ابقي وطي صوت البرطمة شوية على السلم..
فغرت خلود فاها بدهشة بينما أضاف وليد بمشاكسة كأنه لم يقل شيئًا:
_ وأنتِ من أهله، سلام
أنهى الإتصال وهي ما زالت على حالتها، تأكدت أنه استمع إلى تمتمتها أثناء نزولها وهو من أتى لها بالشوكولاتة، ابتسمت وهي ترمقها، ثم أشاحت النظر عنها وقررت شكره على تصرفه اللطيف فقامت بإرسال رسالة إليه
' شكرًا '
وضعت الهاتف جانبًا وقامت بتناول الشكولاتة باستمتاعٍ وشهية، تغزو الإبتسامة شفتيها من آن لآخر كلما تخيلت رؤياه لها وهي تُتَمتم بالكلمات الحانقة.
في الأعلى، قرأ وليد الرسالة وابتسم بعذوبة، ثم وقف يبدل ملابسه وعينيه على الكيس البلاستيكي الذي يحتوي على عدد هائل من الشكولاتة الذي اشتراه خصيصًا لوضع واحدة كلما مر أمام البيت ربما ينعم برؤياها.
تعجب من حالته كثيرًا، ألقى قميصه على الفراش وجلس أعلاه عاري الصدر يفكر لماذا يفعل ذلك، لماذا يهتم لأمرها، ورؤيته لها بماذا ستفيده؟
فلم يجد إجابات صريحة على أسئلته.
لم تمر ثوانٍ حتى صدح رنين هاتفه فوجده رقم مجهول، فأجاب بريبة، وما زاد ريبته هوية المتصل، نهض من مكانه وهتف:
_ أيوة أنا وليد، ماله عبدالله؟
***
بدأ يستعيد جزءًا من وعيه؛ نظر إلى والده برؤى مشوشة، فأعاد غلق عينيه عندما هاجمه دُوارًا قوي، وهتف سؤاله بتيهٍ:
_ أنا فين؟ إيه اللي حصل؟
أجابه قاسم بنبرة حزينة رغم اطمئنانه لاستعادته رشده، فهو على غير استعداد لمواجهته:
_ أنت في بيت ابوك يا حبيبي..
استعاد عبدالله ذاكرته؛ فانتفض فجأة وهتف:
_ صبا!!
وقف قاسم أمامه وحادثه بملامحٍ تتوسل إليه أن لا يُعيد ما فعله من جديد وبرجاءٍ قال:
_ صبا خلاص اتجوزت يا عبدالله، اقنع عقلك بكدا..
رفض الإقتناع بما يود إقناعه به وصرخ عاليًا:
_ أنت بتقول كدا عشان هي متخصكش، لكن دي كل حياتي، دي عمري اللي راح وعمري اللي ضاع وعمري اللي جاي، مقدرش مقدرش
حاول قاسم أن يُهدئ من حالته لكنه آبى وانسحب من بين يديه هاتفًا:
_ أنا كنت بس عايز أكلمها، أعرف عملت كدا؟ أنا لازم امشي، أنا إيه اللي جابني هنا أصلًا..
توجه ناحية الباب فأسرع قاسم خلفه يحاول منعه من الخروج، لكن حمدًا لله، لقد وصلا صديقيه فتنهد ببعض الراحة وأردف بصوتٍ أجش:
_ شوف مين جه عشانك، وليد وزكريا، اقعد معاهم واهدى..
اقتربا الآخرين منه فتابع قاسم موجهًا حديثه لهما:
_ هدوه يا شباب، عرفوه إن التهور مش في صالحه..
كان وليد أول من تحدث، وقف أمامه وقال بآسى لوضع صديقه المُبهم:
_ إحنا جنبك يا عبدالله، شوف أنت عايز إيه واحنا معاك فيه..
ليضيف زكريا كلامه الجاف:
_ هي اللي اختارت يا صاحبي، حاول تنساها
تألم قلب عبدالله للغاية، نظر حيث يقف زكريا وصاح فيه غير راضٍ بما قاله:
_ أنت بتقول إيه، أنسى مين؟ دي صبا يا زكريا؟
أومال لو مكنتش شايف وعايش اللي بينا..
تدخل وليد وأمسك يد زكريا وشد عليها وهمس بخفوت:
_ اهدى شوية هو مش ناقص، مش شايف حالته
ضاق صدر زكريا أضعافًا ماهو عليه، فهو ليس في حالٍ يستطيع مواساة غيره، ففضل الصمت يكفي وجوده أفضل من حديثه الذي سيضيف ألمًا ويفتح جراحًا لصديقه.
عاود وليد النظر إلى عبدالله وقال بهدوءٍ حتى لا يبعث فيه نبرةً آمرة فيتمرد:
_ عبدالله تعالى ندخل ونتكلم بهدوء.. إحنا جاين من آخر الدنيا عشانك..
لحظاتٍ أطال بها عبدالله النظر إلى صديقه الذي حثه على الدخول مرارًا حتى قبل وعاد بالفعل، فقام قاسم بإغلاق الباب بعد أن دلف صديقي عبدالله.
جلس أربعتهم متفرقين، لم ينطق منهم أحد، فلم يمتلك أحدهم الكلمات حينها، وأي كلماتٍ ستهون مصاب عبدالله، لم يستطع الجلوس لمدة أطول وهب واقفًا وظل يجوب المكان من حوله كالثور الهائج يبوح بما يدور في عقله:
_ هتجنن، أنا بس لو لاقي سبب واحد عملته يخليها تعمل كدا، كنت هونت على نفسي لكن مش لاقي، أنا يومها بعد...
انتبه عبدالله على حاله ولم يواصل حديثه، أغمض عينيه وأخرج تنهيدة مهمومة، عاد ليجلس على الأريكة واستند برأسه عليها، حدق بالسقف وأضاف:
_ الحل إني أفهم منها هي، لازم اتكلم معاها.. يمكن ألاقي السبب دا عندها
_ طب وهتكلمها إزاي يا صاحبي؟
تساءل وليد باهتمامٍ لأمره، بينما نظر إليه عبدالله ثم انحنى بجسده للأمام مستندًا بمرفقيه على فخذيه وقال وهو يُطالع الفراغ أمامه:
_ بنفس الطريقة اللي كنت بوصل لها بيها دايمًا..
تبادلا الجميع النظرات المبهمة؛ فلم يستشف أحدهم إلى ما يرمي عبدالله حتى بدأ يُملي عليهم ما سيفعله تحت ذهولهم من اقتراحه الذي آثار خوفهم عليه.
***
بعد عدة ساعات؛ كان يقف أمام الجدار الزجاجي الذي يطل على الحديقة، شاهد شروق الشمس وحينها لم ينتظر لحظة، بل التفت ورمق صديقه وأبيه النيام على الأرائك ثم انسحب بهدوءٍ حذِر لكي لا يتسبب في إيقاظهم ويضطر إلى التعامل مع رفضهم الذي واجهه البارحة.
أخبر السائق بحاجته لمن يقله إلى مكان عمله فلم يتردد الآخر، وقام بتوصيله على الرحب، بعد فترةٍ وصل عبدالله إلى الفيلا، تعجب إسلام من وصوله باكرًا اليوم وشاكسه مازحًا:
_ إيه النشاط دا كله يا عُبد، دا إحنا حتى في إجازة..
لم يهتم له عبدالله، بل أردف سؤاله وكأنه لم يسمع منه شيئًا مسبقًا:
_ لسه فيه مكان ليا هنا في الأوضة اللي كنت قولتلي عليها؟
أماء إسلام برأسه قبل أن يجيبه:
_ لسه موجود أيوة، غيرت رأيك ولا إيه؟
_ آه، هفضل هنا المشوار متعب بين هنا للبيت..
قالها عبدالله وعينيه تدوران في المكان على أمل أن يجدها، ثم صوب بصره على سلاح إسلام الذي يضعه في جانبه وقال بعيون ضائقة على السلاح:
_ ما تعلمني بتنضف سلاحك دا إزاي، عندي واحد مركون وبخاف أجي جنبه، مش بعرف أتعامل معاه أوي يعني..
ألقى إسلام نظرةً سريعة على سلاحه وقال مُرحبًا:
_ غالي والطلب رخيص.. تعالى أقعد وأنا أعرفك
جلس كليهما على كرسيان أمام البوابة وبدأ إسلام يشرح له كيفية تنظيف المسدس بادئًا حديثه قائلًا:
_ أول حاجة تتأكد أن السلاح مفيهوش رصاص أصل تتكل على الله بدري..
ضحك إسلام وتابع شرحه شفوي، ثم سأله حينما انتهى:
_ فهمت مني حاجة؟
أومأ عبدالله بتأكيدٍ وقال وهو يمد له يده:
_ ممكن أجرب..
كاد يعطيه إياه إسلام إلا أنه أعاد يده إليه وهتف محذرًا:
_ أيوة بس خلي بالك مفيهاش هزار دي..
_ متخافش مش هعمل حاجة..
قالها عبدالله ليطمئن إسلام الذي ناوله سلاحه بشعورٍ من القلق خشية عدم تعامله معه بشكلاٍ صحيح ويصيبه عيارًا طائشًا، بينما أخذ عبدالله السلاح وتصنع اكتشاف ثغراتٍ به حتى صوبه باتجاه ذراعه ومد إصبعه ليطلق من فوهة المسدس ذخيرة قد اقتحمت ذراعه فصاح عاليًا بألمٍ لا يُحتمل بعد أن رمى السلاح من يده:
_ اااه
الفصل الثاني والعشرون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم تسنيم المرشدي
قلِق قاسم من نومته، فالنوم على الأريكة لم يكن مريحًا لعضلات جسده التي آلمته، فتح عينيه ببطءٍ فوقعت عينيه على صديقي عبدالله، لكنه لم يجده بينهما.
انتفض من مكانه مذعورًا وركض يبحث عنه في الأرجاء وفي النهاية وقف يلتقط أنفاسه وهو يستند برحتي يده على ركبتيه، ثم أعاد انتصاب وقوفه ونادى بصوتٍ عالٍ لكنه لم يكن مزعج:
_ يا شباب..
انتبه عليه وليد أولًا ثم هز زكريا التي استفاق ونظر إليهما بالتناوب، فقال قاسم بيأسٍ:
_ عبدالله مش موجود، شكله راح ينفذ اللي قال عليه..
نهض وليد فجأة وهلل:
_ طب يلا نلحقه بدل ما يإذي نفسه
_ يلا..
قالها قاسم وأسبق خُطاه إلى الخارج بعد أن لَقِف مِعطفه، نهض زكريا وهو يتأفف بضيق وردد بخفوت:
_ مش فاهم بيعمل كل دا ليه عشان واحدة باعته، ما تغور في داهية، من قلة البنات في البلد يعني
كلماته بأسلوبٍ فظ غليظ لم يتقبله وليد ونهره مستاءً:
_ إيه اللي بتقوله دا يا زكريا، أنت مالك من امبارح من مظبوط؟
نفخ زكريا بصوتٍ مسموع وصاح بنبرة حادة:
_ أنا فيا اللي مكفيني، ومش ناقص مشاكل
_ فيك إيه أهم من صاحبك؟ دا عبدالله يا زكريا فوق واظبط كلامك كدا
أردفها وليد وهو يقترب من السيارة بينما علق الآخر بمزاجٍ غير سوي:
_ أنا هروح، أنا لو كملت معاكم وأنا بالحالة دي هعك الدنيا خالص..
وضع وليد يده على ظهر ابن عمه وقال بهدوءٍ:
_ أنا بقول كدا برده، اركب وابقى انزل لما نطلع على الطريق العمومي..
ركب ثلاثتهم السيارة؛ وتحرك بهم السائق حيث يريدون.
***
استيقظ الجميع إثر صوت إطلاق النيران؛ كانوا في حالة هلع أصابهم ولا يدرون من أين يأتي فهرع البعض إلى شُرف غرفهم، بينما انتفض عاصم من مكانه قلِقًا، نظر حيث تنام صبا التي نظرت إليه بخوفٍ متسائلة:
_ إيه الصوت دا؟
_ مش عارف..
قالها وتوجه إلى الشرفة بينما تابعت هي خُطاه في انتظار معرفة مصدر الصوت، وقف عاصم يستمع إلى حديث إسلام الذي يخبر به والده:
_ عبدالله اتصاب وهو بينضف السلاح..
_ حضر العربية بسرعة وأنا نازل حالًا نوديه المستشفى..
هتفها عز وسُرعان ما عاد إلى الداخل ليُبدل ملابسه سريعًا ويتوجه إليهما، عاد عاصم إلى الغرفة متجهًا إلى الخارج فتساءلت صبا بريبة:
_ في إيه؟
أجابها وهو يُدير مِقبض الباب:
_ بيقولوا عبدالله اتصاب وهو بينضف السلاح..
برقت عينيها بصدمةٍ وخفق قلبها رعبًا، نهضت مكانها مسرعة فتعجب عاصم مما تفعله وسألها مستفسرًا:
_ في إيه مالك؟
دون رقابة لحديثها خرجت كلماتها عفويًا:
_ مش بتقول اتصاب.. هشوفه
انتبهت صبا لحديثها، ابتلعت ريقها وهربت بعينيها وهي تحاول تصحيح ما استشتفه من وراء كلماتها:
_ مش أنا دكتورة، ولا أنت نسيت، هساعده..
ولجت غرفة الملابس وارتدت إسدالًا سريعًا وخرجت مُتلهفة للإطمئنان على عبدالله، لكنها كانت تخفي قلقِها قدر استطاعتها حتى لا يُكشف أمرها.
كانت تُقدِم قدم وتُؤخر قدم عندما ينظُر إليها عاصم، مُحاوِلة تصنُع عدم مبالاتها، تجمع جميع من في البيت حول عبدالله الذي يخفي آلمه أمامهم، تخطت صبا جميع الواقفين حتى وقفت أمامه.
شعرت بنفسها تتأثر، وتضعف، أخفت شهقتها التي هزت كيانها فور رؤيتها لذراعه الذي ينزف، نظرت حولها وأردفت:
_ عايزين ننقله جوا.. ولو فيه هنا أدوات..
قاطعها عز بنادائه على الخادمة وأمرها بإحضار الأدوات الطبية التي في مِكتبه، نهض عبدالله برفقة إسلام وقاموا بإدخاله أحد غرف الفيلا، جلست صبا أمامه متحاشية النظر في عينيه، شعرت بمحاصرة الجميع لها وكأنهم يعرفون ما مروا به.
فالتفت برأسها إلى اليمين وقالت:
_ عاصم أنا مش بعرف أشتغل وسط لمة..
نظر عاصم إلى الجميع فاستشفوا ما يوجد خلف نظراته، فكان عز أول من انسحب قائلًا:
_ طب يلا يا جماعة نستنى برا..
خرج جميعهم ما عدا عاصم الذي رافق صبا، بدأت تمسح الدماء أولًا فظهر الجرح لها، وقد وجدته خدشًا خارجيًا ولم تُصيبه الرصاصة، فرفعت عينيها في عينيه فجأة عندما جمعت الخيوط، تلاقت الأعين وتحدث القلب، كان هناك الكثير من الكلمات التي تطغو على نظراتهما لبعض، عتاب، خذلان، حزن وألم وجراح لم تلتئم.
ازدردت صبا ريقها وتحاشت النظر عنه ثانيةً ثم أدارت رأسها ووجهت حديثها إلى عاصم بهدوءٍ:
_ عاصم لو سمحت محتاجة مية، ريقي ناشف
انسحب عاصم ليُجلب لها الماء فتابعت صبا تعقيم جرحه وتساءلت دون النظر إليه:
_ عملت كدا ليه؟
_ أنتِ اللي بتعملي كدا ليه؟
هتف عبدالله سؤاله وعينيه لا تُرفعان من عليها، فتابعت الأخرى ما تفعله وردت ببرودٍ متصنعة عدم فهمها:
_ عملت إيه؟
سحب عبدالله ذراعه بقوة من بين يديها فتألم للغاية لكنه لم يكترث بل أردف سؤاله بنبرةً مستنكرًا جفاء أسلوبها:
_ أنتِ فجأة مشيتي، ولما رجعتي راجعة بجوزك!!
مين الراجل دا؟ وتعرفيه منين وإيه سرعة النسيان دي؟ إيه اللي بيحصل أنا مش فاهم حاجة؟
أعادت صبا ذراعه بقُربها؛ وأكملت ما لم تُنهيه، ثم قالت:
_ متتحركش، عشان أخلص اللي بعمله
رفعت خضروتيها عليه وأضافت:
_ وبطل توصلي بالطريقة بتاعتك دي، أنت بتإذي نفسك
أنهت جملتها وإلتزمت الصمت عند عودة عاصم، قامت بارتشاف بعض المياه ثم قامت بتضميد ذارع عبدالله ونهضت متوجهة إلى الخارج دون إضافة المزيد.
فنظر عاصم إلى عبدالله الذي يتابعها وأردف مازحًا:
_ حظك إن فيه دكتورة في البيت.. خلي بالك بعد كدا..
لم يُعقب عبدالله فأثار قلق الآخر وسأله بجدية مهتمًا لأمره:
_ أنت كويس ولا نروح لمستشفى أفضل؟
نهض عبدالله مُبتعدًا عن مكانه ورد قائلًا:
_ أنا تمام..
مضى خُطوتين للأمام ثم عاود النظر إلى عاصم وأضاف:
_ اشكر لي الدكتورة، ملحقتش اشكرها بنفسي..
تقوس ثغر عاصم ببسمة هادئة وهو يؤمئ برأسه، فتابع عبدالله خروجه، تلك الأثناء اقترب منه الجميع ليطمئنوا عليه فكان عز أول من تساءل عن وضعه:
_ أنت كويس يابني، متأكد إنك مش عايز تروح مستشفى نطمن عليك؟
_ أنا كويس، مجرد خدش..
قالها عبدالله ورفع بصره على تلك الواقفة على سُلم الفيلا وأظهر امتنانه لصبا:
_ الدكتورة عملت الواجب وزيادة
تلك اللحظة وجه عز بصره نحو إسلام وهاجمه بغضبٍ:
_ إسلام قدامي على المكتب..
نكس إسلام رأسه بحرجٍ فكان في وضعٍ لا يُحسد عليه، فمنع عبدالله ذهابهما لكي لا ينال إسلام توبيخًا ليس له ذنب في سماعه:
_ إسلام ملوش علاقة باللي حصل، أنا اللي خدت منه المسدس والطلقة خرجت غصب عني..
لم يتقبل عز دفاع عبدالله عنه وصاح مندفعًا:
_ ولو، دا سلاحه هو مينفعش أي حد يمسكه ونتيجة استهتاره شوف حصلك إيه؟
توجه عبدالله مُسرعًا ناحية إسلام وقام بالوقوف أمامه ليُمحي أي أثر إتهام من عليه:
_ صدقني هو مكنش راضي يعطهولي أنا اللي أصريت.. لو سمحت يا عز بيه بلاش تكلمه لأن فعلاً أنا السبب مش هو..
أخذ عز نفسًا وأخرجه على مهلٍ، وحاول تهدئة غضبه وقال ناهيًا الحوار:
_ آخر مرة، لو الموضوع اتكرر تاني هيكون فيه كلام تاني..
انسحب عز من بينهم، بينما غادر إسلام على الفور وكذلك تبِعه عبدالله، فأسرعت ڤاليا خلفه حتى خرجت من الفيلا ونادته:
_ عبدالله..
في الخلف رأت صبا ركض ڤاليا وشعرت بالريبة، فلم تتردد في الذهاب خلفها ومعرفة إلى أين هي ذاهبة
في الخارج؛ وقف عبدالله ونظر إلى ڤاليا التي سألته مُهتمة به:
_ أنت كويس؟
_ الحمد لله
قالها وهو يومئ برأسه وكاد يغادر لكنها أوقفته ثانيةً:
_ لحظة يا عبدالله..
حمحمت واقتربت منه تتفقد ذراعه، رفعت يدها تتحسس ذراعه لكنه تراجع للخلف مرددًا بضيق:
_ أنا قولت لحضرتك إني كويس..
انتابها الضيق لتلك الحدود المبالغة التي يضعها؛ وهتفت مُبدية تذمرها من الأمر:
_ ليه بتقولي حضرتك؟ مش إحنا المفروض عيلة؟
ناديني بإسمي عادي.. قولي ڤاليا
أطال عبدالله النظر بها، فلقد باغته شعورًا مريب، لكنه نفض تلك الأفكار عن رأسه وحاول إظهار الحدود التي بينهما بوضوحٍ:
_ بس أنا هنا شغل وبس، وحدود شغلي بترفض اني أشيل التكليف بينا.. عن إذنك
أولاها ظهره وغادرها، بينما عقدت فاليا حاجبيها باستياء صريح، تأففت بضجرٍ وعادت إلى الفيلا فوجدت صبا واقفة على بابها، ابتسمت بخفةٍ لها وقالت:
_ متعرفيش أنا مبسوطة قد إيه إني لقيت بنت تانية في البيت دا قريبة من عمري..
تعلقت ڤاليا في ذراعها بمرحٍ وأردفت:
_ حاسة إن هيكون فيه Chemistry حلوة بينا..
لم تُعلق صبا، فڤاليا لم تروق لها بعد وقوفها مع عبدالله، وشعرت بثِمة ما تجهله، لكن عليها معرفته بالتأكيد.
في الخارج، ولج عبدالله غرفة إسلام وحاول تخفيف همومه:
_ متزعلش مني، مكنتش أقصد اللي حصل...
رفع إسلام عينيه على عبدالله وقال بندم:
_ أنا اللي آسف، كنت لازم أكون حريص أكتر من كدا
أسرع عبدالله في نفي وجود أي ذنبٍ يتعلق به بصوتٍ أجش:
_ أنت عملت اللي عليك ونبهتني، بس أنا اللي كنت غشيم، سماح بقى..
تقوس ثغر إسلام بسمةٍ لم تتعدى شفتيه، فبادله عبدالله ابتسامة باهتة ثم التفت بجسده وسُرعان ما تجهمت تعابير وجهه، فلم يصل إلى إجاباتٍ تريح عقله، كيف يأخذ منها ما يود معرفته الآن؟
جلس على الكرسي بذهنٍ شارد، يفكر في طُرقٍ أخرى للوصول إلى صبا وأخذ منها كل ما يريد.
انتبه عبدالله على وصول سيارة أبيه، قلب عينيه بضجرٍ فهو لا يمتلك طاقة لتلقي توبيخًا منه، نهض ووقف على باب الغرفة فاقترب منه قاسم على الفور برفقة وليد.
نظر قاسم إلى ذراعه مباشرةً ثم تفقده جيدًا وهو يردد بحنقٍ لا يصدق فعلته:
_ أنت برده عملت اللي في دماغك، مكنش فيه أي طريقة تانية غير إنك تإذي نفسك!!
أسرع عبدالله في إسكات والده مشيرًا بعينه إلى إسلام وفضل الإبتعاد عن الغرفة ليتحدثا على راحتهم، تدخل وليد بسؤاله المهتم:
_ اتكلمت معاها؟
نظر إليه عبدالله لثوانٍ قبل أن يُبعد نظريه إلى الإتجاه المعاكس لهما فوجدها تقف في الشرفة تطالعهم، فحرك رأسه نافيًا قبل أن يرد:
_ مقدرتش أفهم حاجة.. كانت غريبة وكأنها واحدة مختلفة، مش معقول دي اللي حبيتها في يوم!
أحاط قاسم ذراع عبدالله وجذبه إليه وأردف بنبرة مشحونة:
_ طبعًا أنت مش هتكمل هنا؟!
وجه عبدالله نظره نحوه وقال بهدوء:
_ لا طبعًا مش همشي من هنا..
جن جنون قاسم لحظتها؛ وخرج عن هدوئه الذي يلبس ثوبه منذ حضوره وحادثه بلهجةٍ حادة مندفعة:
_ إيه اللي يخليك تفضل هنا بعد ما هي اتجوزت!! ليك إيه هنا عشان تفضل متبت بالشكل دا؟
أيد وليد رأي قاسم بقوله:
_ عمي معاه حق يا عبدالله، أظن كدا خلصت يا صاحبي
رفض عبدالله قبول تلك النهاية الظالمة، وصاح بانفعالٍ وعروقٍ متشنجة:
_ لا مخلصتش، لما أعرف منها ليه عملت كدا وفعلًا الجوازة دي باختيارها ولا اتغصبت عليها وقتها أقدر أقول خلصت.. أنا اللي أحدد امتى تخلص مش أنتوا
لم يعجب قاسم حديثه الذي رآه خارج عن المألوف ولا يتقبله عقل، وهدر به:
_ تفرق في إيه؟ اتغصبت على الجوازة ولا برضاها طلاما كدا كدا بقت في عصمة راجل تاني! ولا فاكر إنها ممكن ترجع لك لو فعلًا اتغصبت على الجوازة دي؟
دنا عبدالله من والده حتى كاد يلتصق به وقام بوضع يده على صدره المُحترق وهتف من بين أسنانه المُتلاحمة بنبرةٍ تعكس لهيب نيرانه المتقدة داخله:
_ تفرق في إن حرقة قلبي منها وعليها تروح، أنتوا مش حاسين بيا، مش حاسين أنا قايد نار إزاي من جوا، غيران وغضبان و١٠٠ إحساس جوايا عايز أطفي نارهم.. فمهم أوي عندي أعرف إيه اللي حصل، تمام! كدا الرؤية وضحت لكم، امشوا بقى
صمت حل لبرهة قبل أن ينسحب عبدالله من أمامهم ليعود إلى غرفته التي سيبقى بها الليالي القادمة، بينما لم يروا هناكِ داعٍ لبقائهما فذهبا كليهما عائدين إلى منازلهم.
***
عاد زكريا إلى بيته؛ فاستقبلته ليلى التي كانت جالسة في إنتظار عودته متسائلة بتوجسٍ:
_ أنت مكنتش بترد عليا ليه، أنا مُت من القلق عليك
دون أن يجيبها ولج الغرفة الخاصة بالأطفال ودون أن يبدل ملابسه قام بالإستلقاء أعلاه متصنعًا النوم، فلم تتقبل ليلى هروبه واقتربت منه تحاول كسبه من جديد:
_ عشان خاطري رد عليا، أنا عارفة إني غلطت بس متتعاملش كدا، في الآخر دا مش حاجة وحشة اللي حصلت، أنت هتكون أب
رفع زكريا رأسه وهلل بانفعالٍ:
_ مش عايز أكون زفت.. دلوقتي، أنتِ مبتفهميش
راود ليلى حينها شعورًا سيء، ألا وأنه ناقم لـ نعمةٍ رزقهم بها الله، نظرت إليه طويلًا ثم عاتبته بهدوءٍ لكي لا يزداد حُنقًا:
_ متقولش كدا يا زكريا.. أصل ربنا يحرمنا من نعمته
قلب زكريا عينيها بإزدراء، وهتف وهو يوليها رأسه:
_ اطلعي برا يا ليلى
نهضت ليلى عن الفراش مُبتعدة ولم تتقبل نومه في غرفة أخرى، فهتهت برجاء:
_ طب تعالى نام في اوضتنا بلاش تنام هنا..
_ قولت اطلعي برا يا ليلى
قالها بنفاذ صبر، فتوجهت ليلى ناحية الباب لكنها تريثت، ابتلعت ريقها وقالت بتوجس وقلبٍ يتمنى قبوله:
_ طب أنا هروح النهاردة للدكتورة، هتيجي معايا؟
_ لأ
قالها بقسوة فترقرقت الدموع من عيني ليلى، وجاهدت على الثبات للنهاية، ابتلعت ريقها لتخرج كلماتها بصوتٍ غير مهزوز، وأضافت مُتأملة لين قلبه:
_ يعني هروح لوحدي؟
هب زكريا من مكانه، انتفض بصورة أخافتها، وانتظرت حدوث لا يُحمد عُقباه، اقترب منها وهو يُهلل غاضبًا:
_ مش رايح معاكي في مكان، أنتِ أخدتي القرار مع نفسك وهتكملي مع نفسك برده، متستنيش مني حاجة..
أنهى جُملته وقام بدفعها بيده حتى باتت خارج الغرفة فققام بغلق الباب في وجهها ثم عاد إلى الفراش، مُلقيًا جسده أعلاه فانهمرت ليلى في البكاء، وعادت إلى غرفتها تجر أذيال خيبتها بحزنٍ عارم، جلست على طرف الفراش تبكي بمرارة تحسرًا على ما يجعلها تعيشه.
رفعت يدها تتحسس بطنها، وأغمضت عينيها محاولة البحث عن أي شعورٍ يخبرها أن الأيام القادمة ستكون بخير، لكنها لم تجده، فازدادت همومها وتضاعف حزنها.
تراجعت للخلف حتى استقلت بظهرها على الفراش، وحدقت بالسقف تسأل الله الهداية لزكريا.
***
وصل وليد بيته بتعبٍ يشعر به في ثائر بدنه، استقبلته والدته مُهرولة والخوف مشكلًا على تقاسيمها وسألته بخيفة:
_ أنت كنت فين؟ أنت كويس
أماء برأسه مؤكدًا، ثم توجه إلى الأريكة وردّ بصوتٍ مُنهك:
_ أنا كويس، كنت مع عبدالله، متقلقيش
ربتت عزة على ذراعه بعد أن اكتسبت بعد الطمأنينة ورددت:
_ ربنا يطمنا عليكم يارب
ثم تساءلت مستسفرة:
_ أحضر لك الفطار ولا هتنام؟
_ لا لا هنام، مش شايف قدامي، صحيني على صلاة الجمعة
قالها بنعاسٍ وتوجه إلى غرفته لينعم ببعض الراحة، فسقطت عينيه على الشكولاتة التي تعتلي الكومود خاصته، فابتسم بخفة وأخذ واحدة ثم توجه إلى الخارج فتعجبت عزة من خروجه وسألته مستسفرة:
_ محتاج حاجة يا حبيبي؟
نفى بحركة من رأسه، وقال مختصرًا:
_ راجع على طول..
خرج من البيت وقام بالنزول إلى الطابق الكائن به شقة عمه، ثم قام بوضع الشكولاتة أمام الباب وعاد مُسرعًا قبل أن يراه أحد.
بعد فترةٍ، خرج محمد من بيته ذاهبًا إلى عمله فوجد الشكولاتة، تعجب من موضعها، انحنى بجسده وقام بأخذها ثم التفت فوجد عليا تخرج من غرفتها، فنادها وقال:
_ لقيت الشكولاتة دي قدام الباب، الظاهر زكريا حطها متأخر ومحبش يقلقنا..
ناولها إياها وذهب، بينما نظرت إليها بغرابة وحاحبين معقودان وعادت إلى الغرفة وهي تُتَمِتم:
_ زكريا إيه اللي هيجيب شكولاتة في حالته دي.. جت منين دي بقى؟
قلقت خلود اثر صوتها فالتفتت ناظرة إليها بعيون ضائقة لا تستطع فتحهما بالكامل وتساءلت بصوتٍ متحشرج لم يخلو منه النعاس بعد:
_ بتبرطمي بإيه على الصبح؟
_ رفعت عليا الشكولاتة لتظهر بوضوحٍ لها وأردفت موضحة:
_ بابا لقى الشكولاتة دي قدام الباب، وفاكر إن زكريا اللي جابها بس أنا متأكدة إنه مش هو
ألقت خلود نظرة متفحصة على الشكولاتة، فوجدتها ذاتها من أرسلها وليد بالأمس، ناهيك عن أن الطريقة ذاتها، فنهضت مسرعة وأخذت الشكولاتة من بين يدي عليا ورددت:
_ دي بتاعتي..
رمقتها عليا باستنكارٍ، وهتفت مستاءة وهي تعقد ذراعيها عند صدرها:
_ وأنتِ عرفتي منين يا أم العُريف إنها بتاعتك؟
عادت خلود جالسة على الفراش وأكدت حديثها بثقة:
_ أنا عارفة..
قطبت عليا جبينها وتساءلت بتهكمٍ ظنًا أنها تدعي بأن الشكولاتة تعود لها فقط لتتناولها بمفردها:
_ ومين اللي جابها على كدا؟
هربت خلود بعينيها بعيدًا عن شقيقتها ونظرت إلى الجانب المُعاكس، حمحمت وأجابتها بخفوت:
_ وليد..
تفاجئت عليا بردها، ورُفِع حاجبيها تلقائيًا، لم تستوعب بسهولة ذلك الرد وتوجهت نحوها، جلست مقابلها وأردفت بريبة:
_ وعرفتي إزاي؟
اخذت خلود نفسًا زفرته بقوة وأخبرتها ما حدث البارحة:
_ سمعني وأنا نازلة امبارح ببرطم بالكلام وكنت مضايقة عشان أنتِ أكلتي الشكولاتة بتاعتي.. وبعد ما دخلت البيت لقيت الباب بيخبط بفتح لقيت شكولاتة قدامي.. بصراحة كلمته أعرف منه هو اللي جابها ولا مين واتاكدت أنه هو... بس
بعدم راحة لما يحدُث، تحدثت عليا:
_ طيب شكولاتة امبارح وفهمناها، إيه دي بقى، هو كل يوم؟
رفعت خلود كتفيها للأعلى ظاهرة عدم معرفتها بالأمر وهي تردف:
_ معرفش، أنا لسه صاحية قدامك معرفش حاجة
نظرت عليا أمامها لبرهة ثم عاودت النظر إلى خلود بطرف عينيها فصاحت الأخرى متسائلة:
_ إيه، بتبُصيلي كدا ليه؟
_ ولا حاجة..
قالتها ونهضت ثم أضافت بهمسٍ:
_ لما نشوف آخرة الموضوع دا إيه؟
_ بتقولي حاجة؟
تساءلت خلود بعفوية فنفت عليا بحركة من رأسها مرددة:
_ مش بقول..
وقفت على باب الغرفة تتابع تلك البلهاء التي تتناول الشكولاتة بسعادةٍ كما لو أنها تتناول وجبة دسمة مليئة باللحوم، ازدادت التساؤلات في عقلها وفضلت أن تترك الأيام تُريها نهاية ما يدور الآن.
***
وضعت الصينية جانبًا عندما فشلت في إطعامها، وأبدت تزمجرها مما تُحدثه تلك الفتاة دون الإهتمام لصحتها:
_ يا بنتي تعبتيني معاكي، كُلي لك لقمة، فطار مش عايزة، وغدا مش قادرة وعشا شبعانة، في إيه يا زينب، أنتِ هتفضلي على حالتك دي لغاية امتى؟
الناس بتنسى يابنتي وبتعيش حياتها، مش أول واحدة تفقد جنينها..
نظرت أحلام أمامها وببغضٍ انعكس على تقاسيمها التي تجهمت وأيضًا أثر على صوتها الكاره لذلك الوغد قالت:
_ احمدي ربنا يابنتي إن دا حصل، بدل ما كنتي تجيبي عيل للحياة يتمرمط فيها والناس تعايره بأبوه، وأنتِ كنتي هتدوقي المُر وأنتِ لوحدك بيه، مسئولية طفل عايزة زوج وزوجة على الأقل بيحترموا بعض عشان يطلعوه سوي
لكن في حالتك دي المفروض تسجدي لله ركعتين شُكر وتقولي الحمدلله على نعمتك يارب
بكت زينب بغزارة، كان كلامها قاسيًا ولم يتحمله قلبها، فهي أصبحت هاشة ولا تحتمل كلماتٍ تزيد من حزنها الذي تبدد داخلها، شعرت أحلام بالآسى حيالها وقامت بجذبها إليها وضمتها إلى صدرها وهتفت ببعض الكلمات لتخفف عنها:
_ فيه بعض الابتلاءات بتكون صعبة، بس بنحمد ربنا إنها جت تفوقنا وتورينا اللي مكُناش قادرين نشوفه، أنتِ قلبك جميل ونضيف بس الشيطان غاواكي، والحمدلله إنه معتش موجود
آن الأوان بقى تخرجي من قوقعتك اللي قفلتي على نفسك فيها دي
ملست أحلام على خُصلاتها بحنانٍ ونعومة وأضافت لتربط على قلبها بأخذها عبرة من حياة غيرها:
_ حاسة بيكي والله يا حبيبتي، الخذلان دا وحش أوي، إنك تثقي في واحد وتحبيه وتبيعي الدنيا عشانه وفي الآخر هو نفسه اللي يبيعك صدمة وقهرة وبتحسي إنك خلاص مش قادرة تكملي وحياتك انتهت
بس خدي حكايتي عبرة ليكي عشان تقدري تكملي، أنا اتخذلت واتبهدلت زيك بس الفرق إن مكنش ليا أهل يطبطبوا عليا
مكنش عندي أخ حنين زي عبدالله يواسي حزني، ولا أم تاخدني في حضنها زي ما أنا عاملة دلوقتي
كنت لوحدي معايا عيل على إبدي بجري بيه في الدنيا بطولي..
وضعت أحلام يدها على ذقن زينب وقامت برفع رأسها لتتقابل مع عينيها الحمروين من شدة البكاء وتابعت بإبتسامة راضية:
_ شوفي الفرق بيني وبينك واعرفي إنك في نعمة غيرك مكنش طايل ربعها..
أنتِ لسه صغيرة وفي عز شبابك، وقلبك زي ما قدر يحب أولاني هيتخطى ويحب تاني بس أنتِ اختاري صح
اختاري اللي يشتريكي قبل منه، متقفليش عقلك قصاد الحب بس، لأن الحياة مش حب وغرام، الحياة عايزة مودة ورحمة وتفهُم واحترام وحاجات كتير غير الحب..
تحسست أحلام وجهها بخفة وقالت بحنانٍ:
_ يلا بقى كُلي..
أماءت زينب بالقبول فناولتها أحلام الصينية وبدأت تتناول بعض اللقيمات الصغيرة ثم رفعت رأسها في والدتها وقالت بصوتٍ بالكاد سمعته احلام:
_ كُلي معايا
إلتوى ثغر أحلام بإبتسامة فرحة لتفاعل زينب معها ولم تتردد وشاركتها الطعام لتكون أجواءً دافئة لها تُشعِرها بالطمأنينة.
انتهوا من تناول الطعام فأخذت أحلام الصينية وخرجت من الغرفة وقامت بعمل اتصالًا حتما سيساعد زينب في الخروج من حالتها المذرية:
_ صباح الخير يا هناء، أخبارك إيه؟
وبعد أن انتهوا من الترحيب والسؤال عن بعضهما البعض أخبرتها أحلام بسبب اتصالها قائلة:
_ كان ليا عندك طلب
باهتمامٍ رحبت هناء بسماع طلبها:
_ اتفضلي يا حبيبتي
حمحمت أحلام وألقت نظرة سريعة على باب غرفة زينب وعندما تأكدت أنها لن تخرج، فقامت بالتحدث على الفور:
_ أنتِ طبعًا عارفة اللي حصل لزينب الفترة الأخيرة، وهي من يومها نفسيتها مش أحسن حاجة، كنت عايزة البنات يرجعوا يتكلموا معاها ويخرجوها عن اللي هي فيه..
استقبلت هناء طلبها بصدرٍ رحب وأردفت:
_ طبعًا طبعًا هقولهم، متقلقيش سيبي الموضوع عليا..
شكرتها أحلام مرارًا ثم أنهت المكالمة وقامت بالإتصال على قاسم الذي أجاب على اتصالاتها تلك المرة فهتفت أحلام بهجوم:
_ مش بترد عليا ليه؟ أنا هموت من القلق على ابني، وأنت قولت هتكلمني واختفيت من وقتها..
بهدوئه المعتاد بدأ يخبرها عما حدث وما عاشه عبدالله منذ البارحة، متعمدًا عدم ذكر جرح ذراعه حتى لا يزيد قلقها.
***
مساءً، يجلس آدم برفقة ڤاليا وعائلتها يُخطِطُون لحفلة الخِطبة، وبحماسٍ هتف آدم:
_ تمام، كدا المكان واختارنا جنينة الفيلا وأنا ليا واحد مراته Wedding planner شاطرة جدًا هديلك رقمها يا ڤاليا تتواصلي معاها وتقولي لها كل اللي أنتِ نفسك فيه..
لم يجد آدم ردًا منها، بل كانت شاردة الذهن، تعجب والديها من وضعها فلوح آدم بيده أمام عينيها ليجذب انتباهها:
_ أنتِ فين كدا؟
قطع عليها حبال شرودها، نظرت إلى جميع الجالسين فتقابلت مع أعينهم المُصوبة عليها، تنهدت بقوة فقال عز:
_ حبيبتي آدم بقاله ساعة بيتكلم عن ترتيبات الخطوبة، وأنتِ مقولتيش رأيك خالص..
عضت شفاها وبلا مبالاةٍ أردفت موجهة حديثها إلى آدم:
_ اعمل اللي أنت شايفه وأنا موافقة عليه..
كان ردًا مريبًا للبعض، فلم تكن ڤاليا تعيش حماسها المعهود في المناسبات كتلك، تبادل عز النظرات مع زوجته ثم انتبه على آدم الذي طغى عليه الإحباط وصمت، بينما نهضت ڤاليا وأرادت الهرب من بينهم فقالت:
_ أنا حاسة إني مش مرتاحة هنا، أنا هخرج برا..
خرجت تحت ذهول والديها من تصرفها الوقح، فلقد تركت آدم وذهبت، حرك عز رأسه باستنكار شديد وحاول تلطيف الأجواء المشحونة:
_ معلش يا آدم بس ڤاليا شخص قلوق جدًا وأكيد متوترة وهي داخلة على خطوة الخطوبة دي..
بعدم اقتناع لتبريرات عز أردف آدم مبديًا انزعاجه:
_ يا اونكل دي خطوبة مش فرح عشان تقلق، بصراحة أنا معتش فاهمها، أوقات بحس إنها متقبلاني وبتتعامل بلطافة وأوقات بحس إنها رفضاني تمامًا ودي النسبة الأكبر اللي بحس بيها
إلتقط آدم أنفاسه وحاول إخماد عصبيته التي ظهرت في صوته وعاود الحديث بنبرة عاقلة:
_ أنا بحاول أرضيها بكل الطرق، لكن مش بحس إنها مبسوطة، كنت في الأول بقول عشان متعرفنيش ومش أخدة عليا، لكن دلوقتي مش لاقي ليها مبرر..
نهض آدم عن الأريكة وقال بعد أن زفر أنفاسه بضيق واضح للآخرين:
_ بس عشانها هستحمل الطريقة الجافة دي.. عن إذنكم هروح أشوفها..
انتظرت نهال خروج آدم وأبدت ضيقها من تصرفات ڤاليا المُدللة:
_ بجد الولد عداه العيب، ذوق ومتفهم وصبور، مش فاهمة ڤاليا بتعامله كدا ليه؟ لو سمحت يا عز اتكلم معاها هي بتسمع منك عني..
اكتفى عز بإيماءة من رأسه ووجهه بصره إلى الباب الذي خرج منه آدم، في الخارج؛ وقف آدم خلفها وتساءل:
_ ها بقيتي أحسن ؟
أومأت برأسها فابتسم لها وقال:
_ طب ينفع نكمل اختيار الترتيبات، الحاجات دي مش بفهم فيها أوي ومحتاج لمسة منك..
كانت عينيها تختلس نظرةً بين آدم وغرفة عبدالله على أمل رؤيته، كم أرادت الإطمئنان على وضعه كثيرًا، أخرجت تنهيدة حارة وهتفت كأنها لم تستمع لما قاله:
_ أنت مسألتش على عبدالله ليه؟ أنت مش عارف إنه اتصاب النهاردة..
بجفاء ردّ:
_ عرفت
أسرعت ڤاليا بمسك ذراعه منتهزة تلك الفرصة:
_ تعالى أسأل عليه..
أرغمته على السير بِضع خُطوات ثم تفاجئت بيد آدم تُجبرها على التوقف وقال بصوتٍ يكسوه الضيق:
_ ڤاليا، سبيني على راحتي هبقى أسأل عليه بعدين..
نظرت إليه بيأسٍ، فكان هو سبيلها الوحيد لرؤيته، وقفت عابسة قليلًا فشعر آدم بالإختناق يغلف صدره وأراد إنهاء المقابلة حتى لا تجبره على التعامل مع عبدالله فقال:
_ أنا همشي، بكرة نكمل الباقي بعدين، تصبحي على خير
لم ينتظر ردها بل هرب سريعًا تحت نظراتها المُشتعلة، فلم يعمل لها ذلك المعروف، تأففت بضجرٍ وعادت إلى الفيلا بعد أن فقدت الأمل في رؤية عبدالله.
***
طرق عاصم باب الغرفة أولًا قبل أن يدلف، سمحت له صبا بالدخول، ثم أنهت مكالمة الفيديو التي تُجريها بتحدُثها الأجنبية:
_ Bye Doctor, see you later
( وداعًا دكتور، أراكِ لاحقًا )
أغلقت الحاسوب، فبدأ عاصم بالحديث:
_ الجلسة كانت تمام المرة دي؟
أماءت صبا فساد الصمت قليلًا، حتى قطعه عاصم بفضوله وهو يجلس على طرف الفراش:
_ ليه يا صبا فيه جلسات مينفعش أحضرها معاكي؟
أجابته ببرودٍ:
_ لان أنت متعرفش كل حاجة عني، ومن حقي احتفظ بجزء من الخصوصية لنفسي...
تراجع عاصم للخلف قليلًا مستندًا براحتي يده على الفراش، أطال النظر عليها يتردد في قول سؤاله، لكن في النهاية دفعه الفضول حول معرفة الإجابة:
_ الخصوصية دي خاصة براجل؟
سؤال فاجئ صبا، وشعرت ببعض الإرتباك، لكنها حاولت بالا تُظهر، وأن تبدو طبيعية، نهضت عن مكانها وردت وهي تضع الحاسوب على الكومود:
_ هو عشان قولت خصوصية يبقى خلاص فيه راجل!
نهض عاصم واقترب منها وحاول تحسس ذراعها فنفرت صبا منه، استدارت بجسدها وحذرته:
_ متقربش..
_ أيوة ليه مقربش؟ طلاما الخصوصية دي مفيهاش راجل؟!
تساءل بفضولٍ شديد، فحاصرها بسؤاله فازدردت صبا ريقها وأرادت الإنسحاب من أمامه لكنه حاصرها بذراعيه الذي وضعهما على الحائط وأرغمها على النظر إليه قائلًا:
_ أنا محاولتش أخد منعطف تاني في علاقتنا عشان الظروف اللي كنتي فيها، صبرت وساعدتك تكوني أحسن وتنسي اللي حصل، بس برده مش قادر استوعب إني راجل وأنتِ ست ومع بعض بقالنا ٣ شهور ومفيش أي حاجة بينا لغاية دلوقتي..
تسلل الخوف إلى قلبها؛ ولم تود فهم ما يقصده، فتصنعت الجهل:
_ وهو إيه المفروض يحصل بينا؟
_ مش حاجة بعينها، بس على الأقل علاقة طبيعية
زي أي زوجين
هتف بهم متأملًا فهمها لحاجته إليها، لكنها أبت القبول وذكرته باتفاقهما:
_ بس دا مكنش اتفاقنا، قبل ما نكتب الكتاب أنا قولت لك جوازنا دا ملجأ لهروبي، موعدتكش إن يكون حقيقي وأنت قِبلت
هاجهم عاصم اتفاقهما السخيف بندمٍ يعيشه الآن:
_ قِبلت، على أمل إننا في يوم نقرب لبعض، مفيش راجل وست بيكونوا في مكان واحد ويفضلوا زي ما هما، على نفس وضعهم، تفضل مشاعرهم جافة متتحركش لبعض، حتى رغباتهم في الوصول لبعض متزديش..
ممكن يحصل كدا بس في حالة واحدة بس..
ابتلعت صبا ريقها مرارًا وهي تُطالع عينيه بخوفٍ خشية أن يتم كشفها، فتفاجئت به يضع يده على قلبها ويستأنف حديثه:
_ يكون فيه واحد ساكن هنا، وهو الحاجز اللي بيني وبينك!
لحظتها خفق قلب صبا بعنفٍ حتى شعر به عاصم، تفقد ملامح وجهها وقلبه يخبره أنه ينبض من أجل آخر، فعاود طرح اسئلته بتوجسٍ خيفة:
_ قلبك بينبض جامد ليه يا صبا؟ فيه حد صح؟
أغمضت عينيها مُحاولة الثبات، فأصر الآخر على معرفة ما إذا كان في قلبها أحد:
_ ردي عليا، فيه حد؟
خرجت صبا عن هدوئها وصرخت نافية:
_ مفيش، مفيش
سكنت الراحة جوف عاصم حينها؛ أزاح يده من جانبيها فحاولت صبا الهرب لكنه منع ذلك بجذبها إليه فتحاشت النظر عنه وقالت برجاء:
_ لو سمحت يا عاصم سيبني..
لم يصغي لتوسلها بل سمح لنفسه بالإقتراب منها فحاولت صبا دفعه بعيدًا:
_ ابعد، ابعد
لم يتأثر برجائها وحاول التودد إليها وتقبيلها رغمًا عنها، فرجف جسدها واهتزت بقوةٍ متذكر حادثتها عندما فشلت في إبعاد ذلك الوغد الحقير، تذكرت توسلاتها إلى اللعين حمادة ولم يتركها وكذلك عاصم يفعل مثله الآن، لا يآبى لخوفها وإصرارها على تراجعه.
فصرخت عاليًا حتى فاجئته بحالتها وتراجع، فلم تتوقف عن الصراخ فحاول تهدئة روعها برفعه لذراعيه معلنًا ابتعاده وهو يردد:
_ خلاص، أنا بعدت، اهدي..
حاول الإقتراب ثانيةً فازدادت سوءًا فأُرغِم عاصم على التراجع وهتف بعض الكلمات ليبث فيها الطمأنينة:
_ أهدي والله مش هقرب لك تاني غير برضاكي..
قالها ثم توجه إلى الدرج الخاص بالأدوية وقام بسحب أحد الحبوب كما سكب لها كوبًا من الماء واقترب منها تاركًا مساحة بينهما لا بأس بها وقال:
_ خدي المهدئ.. لو سمحتي
أطالت النظر إلى يده ثم مدت يدها فوضع عاصم لها الحبة وكذلك الكوب، ثم انسحب إلى الخلف قائلًا:
_ أنا هخرج من الأوضة، حاولي تهدي..
ألقى نظرة سريعة عليها قبل ذهابه متأثرًا بحالتها التي باتت عليها منذ زواجهما، أغلق الباب خلفه فانهمرت صبا باكية، وضعت يدها خافية وجهها ودعت العنان لعبراتها تتسلل من بين ثغرات أصابعها حتى شعرت بحاجتها إلى النوم، فتمددت على الفراش حتى باتت في ثُباتٍ عميق.
***
قارب الوقت على آذان الفجر، لم يرف لها جفن، فكان عبدالله شاغلها الأساسي، تريد الإطمئنان عليه، لكن كيف؟ لا تدري، نهضت ووقفت في شرفة غرفتها تختلس نظرةً على غرفته فوجدتها مضيئة.
ابتسمت ڤاليا بخفة لعدم نومه بعد؛ وحينها راودها فكرةً ترددت في تنفيذها في البداية، لكنها عزمت في النهاية على الذهاب إليه، خرجت من غرفتها تتلفت حولها متفقدة المكان فلم تجد آثرًا يدل على استيقاظ أحد.
فخرجت تسير على أطراف أصابعها حتى بلغت خارج الفيلا، تلك الأثناء راود صبا كابوسًا أزعج نومها فاستيقظت تلتقط أنفاسها التي شعرت لوهلة أنها لا تتنفس في الحُلم.
نهضت مُسرعة وتوجهت إلى الشرفة ورفعت رأسها للأعلى تستشنق الهواء الذي امتلأ به رئتيها وشعرت ببعض الراحة، سقطت عينيها على غرفة عبدالله المضيئة وشعرت بحاجتها للإطمئنان على جرحه.
حتمًا لن يهتم به ولن يقوم بتعقيمه إلا إذا ذكّره أحدهم مثلما كانت تُذكّره هي دومًا، حاولت طرد تلك الفكرة التي هاجمت مِخيلتها وجاهدت على تناسي الأمر فهو الآن لا يمت لها بصلة.
ذلك ما تُظهره لكن قلبها لم يعرف العشق إلا على يديه، لم يخرج منه بعد، فهو ما زال ساكنًا داخلها، أخرجت تنيهدة محملة بالحزن ثم عادت إلى الغرفة، ألقت نظرة على عاصم الذي ينام على الأريكة ثم خرجت من الغرفة بحذرٍ، كانت تتفقد المكان من آن لآخر خشية أن تتقابل مع أحد سكان الفيلا.
وصلت كلتاهن في نفس اللحظة عند باب الغرفة الخاصة بعبدالله، وتفاجئن بل وصعقن برؤية بعضهن البعض، طالت النظرات المرتابة بينهن وداخل كلتاهن خوف من السؤال الذي سيأتي لاحقًا..
الفصل الثالث والعشرون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم تسنيم المرشدي
عادا زكريا ووليد إلى الحارة، وقف وليد ولم يواصل سيره ناظرًا إلى المسجد:
_ تعالى لما نصلي الفجر..
آبى زكريا الذهاب لمكانٍ معللًا:
_ هصلي فوق..
لم يُعلق وليد وتوجه إلى المسجد بينما صعد زكريا بتعبٍ، ولج بيته ووقف ينظر إلى الغرفة التي تمكث بها ليلى، وبعد تفكيرٍ دلفها وبدل ملابسه ثم جلس بجوارها مستندًا على جدار الفراش، محدقًا بالسقف.
ييد النظر في مسألة الحمل، لكنه دومًا ينتهي بشعورٍ من السخط كلما تذكر أنها قامت بذلك دون أخذ إذنًا منه، وجه نظريه عليها طويلًا محاولًا تناسي الأمر الآن، وعدم خلط الأمور فهو بحاجة لها.
مد يده وتحسس ذارعها وهو يناديها:
_ ليلى..
بعد تكرار نداءه مرات عديدة؛ استيقظت ليلى ونظرت إليه برؤى مشوشة، كلنت تشعر بالتعب لكنها جاهدت نفسها ونهضت عندما وجدته برفقتها في غرفتهما، ابتسمت بخفة وتساءلت:
_ رجعت امتى؟
أجابها مختصرًا:
_ لسه راجع..
حمحم ثم أضاف وهو يمد لها ذراعه:
_ تعالي..
تفاجئت ليلى بتودده لها، ولم تفكر لثانية فلقد اعتقدت أنه قد سامحها ونسي ما يغضبه منها، واسرعت في إلقاء نفسها بين ذراعيه قائلة بلهفة:
_ وحشتني
_ وأنتِ كمان
قالها وهو يداعب خصلاتها تمهيدًا لطريقًا يود الدخول به، أخذ وقتًا في مداعبة وجهها تارة وتارة أخرى يتحسس ذراعها وآخر أذنها بحميمية، ثم سمحت لنفسه بالإقتراب منها وتقبيلها، فنفرت منه ليلى وشعرت بالتقزز عندما هاجمها رائحة كريهة لا تدري من أين مصدرها.
جاهدت حتى لا تهرب منه قدر المستطاع لكنها لم تعد تستطيع مقاومة ذلك الشعور في التقيأ، دفعته بقسوة بعيدًا عنها وهرولت إلى المرحاض، تفرغ ما في معدتها.
لم يحرك زكريا ساكنًا بل ظل على وضعه يطالع أمامه دون فعل، حتى عادت ليلى إلى الغرفة ويبدو عليها التعب لا تقدر على رفع قامتها بل كانت منحنية الظهر حتى وصلت إلى الفراش واستقرت أعلاه مرددة بتعبٍ:
_ تعبانة أوي كدا مش قادرة...
فنهض الآخر توجه إلى الخارج لكنها ألحقت به قبل ذهابه:
_ رايح فين؟
ردّ دون أن ينظر لها:
_ هنام في الأوضة التانية
ثم اغلق الباب خلفه حتى لا يستمع لأي اعتراضٍ منها، بينما لم ترفع ليلى عينيها عن الباب، تطالعه بحزنٍ كبير، تشعر بالندم حيال فعلتها التي أوصلتها لذلك الطريق المسدود.
وضعت يدها على معدتها ورددت:
_ يارب هون تعبي..
ثم حاولت العودة إلى النوم لكنها فشلت، فزكريا لم يقتلع من عقلها، تفكر في كيفية استرجاع علاقتهما ثانيةً،
***
صعد وليد البناية بعد أن انتهى من أداء صلاة الفجر، صعد إلى الطابق الأول وألقى نظرة سريعة على الباب، وتذكر أمر الشكولاتة، فتابع صعوده ليأتي لها بواحدة لكنه تريث عند فتح الباب، التفتت بجسده وتفاجئ بخروج خلود وبيدها كعكة يتوسطها رقمي تسعة وعشرون.
_ كل سنة وانت طيب..
هتفتها بحماسة وابتسامة رقيقة، عاد إليها وليد وقد إلتوى ثغره ببسمةٍ سعيدة، وقف مقابلها وتساءل بجدية:
_ دي عشاني؟
أومأت برأسها مؤكدة، فتابع وليد بصوتٍ رخيم وهو يطالع عينيها اللامعة:
_ وأنتِ طيبة..
ازداد حماس خلود وهتفت:
_ اطفي الشمع..
انحنى وليد بجسده ليُطفئ الشموع لكنها لحقت به ووضعت يدها على فمه مانعة إياها من إطفائها، تفاجئ وليد بيدها التي لمست فمه ونظر إليها بغرابة، فسحبتها خلود بهدوءٍ وخرج شديد، لكنها حاولت بألا تُظهر وقالت:
_ اتمنى أمنية الأول..
أطال وليد النظر عليها قبل أن يردف بنبرة مُتيمة:
_ اتمنيت خلاص..
أصابها رجفة مفاجئة حينها، وكأنه كلامه يدور حولها، ابتلعت ريقها وأبعدت عينيها عنه متوجهة إلى الدرجة الأولى من السُلم وقامت بوضع الكعكة اعلاه، ثم عاودت إلى المنزل لتحضر طبقين وشكوتين لهما، عادت إليه وقالت بحماسٍ ظاهر:
_ تعالى كُل وقولي رأيك إيه؟
جلسا كليهما إلى جانب بعضهما البعض يفصل بينهما الكعكة، كادت تقطع قطعة له لكنها فوجئت بعدم إتيانها بسكين، تأففت بضجرٍ ورددت بفتورٍ: نسيت اجيب سكينة..
_ مش مهم، هاتي الشوكة...
هتفها بتلقائية فناولته الشوكة الخاصة به، فبدأ يتناول من الكعكة متلذذًا بجمال مذاقها، أغمض عينيه ليستمتع بها تحت نظراتها عليه، لم تختفي الإبتسامة من على وجهها حتى أعاد فتح عينيه وهتف:
_ تسلم ايدك، جميلة أوي..
_ بجد؟
تساءلت بجدية فأكد كلامه وهو يغمزها:
_ بجد..
أخفضت بصرها سريعًا في حياء ولم تمنع ابتسامتها الخجولة التي تشكلت على شفتيها، فابتسم وليد بعذوبة لحالتها التي يتعرف عليها.
انتبهت خلود على صوت غلق الباب، فاتسعت عينيها بصدمة، وهرولت نحوه فوجدته مغلقًا، شهقت مذعورة ووضعت يدها على فمها وهي تطالعه بعقلاٍ لا يستوعب ما حدث.
انضم إليها وليد قائلًا:
_ مش معاكي مفتاح؟
نفت بحركة من رأسها وقد دمعت عينيها وهي تردد بتوترٍ بائن:
_ هدخل إزاي دلوقتي؟
_ كلمي عليا، وهي تفتح لك...
قال اقتراحها بهدوء، فأردفت خلود بتزمجرٍ:
_ موبايلي جوا، وعليا نومها تقيل لو البيت وقع مش هتحس بحاجة..
كان وليد شاعرًا بما بالتوتر التي تعيشه وحاول أن يُهدئ من ذعرها:
_ طب اهدي، الموضوع بسيط، تعالي رني عليها من عندي.. وإن شاء الله ترد
توجهت خلود إلى الدرجة ثانية وجلست أعلاه، ثم اعطاها ولد هاتفه وقامت بالإتصال على شقيقتها وهي تدعوا داخلها أن تجيب، أعادت اتصالها مرات عديدة لكن دون جدوى فهتفت خلود مستاءة:
_ اوف منك يا عليا، ردي بقى
رفعت عينيها على وليد وقالت:
_ مش قولتلك مش هتحس بحاجة..
ترقرقت العبرات في عينيها، وهتفت معاتبة عدم انتباهها جيدًا:
_ أنا غبية، انا عارفة أن البار بيقفل لوحده إزاي مختش بالي ونسيت اجيب مفتاح..
حاول وليد تلطيف الأجواء المشحونة فردد ممازحًا:
_ ونسيتي السكينة وهي مهمة برده، إزاي تنسي السكينة؟!
تفاجئت خلود برده، وطالعته دون تصديق ثم ضحكت وكذلك هو شاركها الضحك وقال:
_ اضحكي اضحكي، كدا احسن
توقفت خلود عن الضحك عندما ذكرها عقلها بالورطة التي أوقعت نفسها بها، وهتفت وهي تعيد الرنين على عليا:
_ بجد الموضوع مش هيعدي كدا لو حد اكتشف اني برا ومع....
لم تُكمل جملتها، ونظرت أمامها في انتظار إجابة عليا بفروغ صبر، وبعد فترة؛ لم تستطع الوصول إليها فوضعت راحتي يدها خافية وجهها تقاوم نوبة البكاء التي تباغتها.
فقدم وليد اقتراحًا ربنا تقبله:
_ تعالي نطلع عندما أحسن من قعدتنا على السلم
فغرت خلود فاها بدهشة ورددت رافضة:
_ لا طبعًا..
أخرجت تنهيدة مهمومة ثم استرسلت:
_ اطلع أنت، وانا هقعد هنا لغاية ما حد يفتح
أبدى ولدي استيائه ورفضه بالذهاب:
_ مش هسيبك لوحدك هنا، وبعدين ايه المشكلة، إحنا مش لوحدنا في البيت، ماما موجودة..
كانت صورة هناء تتردد في ذهن خلود فتزيد خوفها، وأبت الرضوخ لاقتراحه:
_ لا، اطلع أنت وأنا هستنى هنا..
حاول وليد اظهار وجهة نظره بسلاسة حتى لا ترفض:
_ قعادنا هنا مش حلو يا خلود، حد نازل أو طالع هيشوفنا كدا واكيد هيحصل حوار، لكن فوق محدش شايفك، وهنفضل ورا عليا لغاية ما ترد وتنزلي بهدوء من غير ما حد يلاحظ غيابك، صدقني كدا أحسن..
بعد تفكيرٍ لوقت، قبلت الصعود معه لكن داخلها يرفض بشدة التحرك من مكانها، تشعر بالتيه وفشلها في أخذ قرارًا صائب تلك اللحظة، لكن كلمات وليد التي يرددها من آن لآخر تشعرها بأن قرارها هو الصائب.
ولج وليد أولًا، ولاحد وقوف خلود وعدم إدراتها في الدخول، أخذ نفسًا وحثها على التقدم:
_ يلا تعالي..
اضطرت إلى الدخول، وداخلها يرفض ذلك القرار الغير المتهور والذي سيترتب عليه نتائج كارثية، جلست على الأريكة فاستأذن منها وليد قائلًا:
_ ثواني وراجع لك تاني..
اكتفت خلود بهز رأسها ثم هتفت قبل أن يختفي من أمام عينيها:
_ ممكن استخدم الواتس بتاعك، هبعت لعليا رسالة..
_ خدي راحتك
قالها بترحاب ليطمئن قلبها، ثم ولج غرفة والدته، وقام يإيقاظها وعلل السبب:
_ معلش يا ماما قومي، خلود برا الباب اتقفل وهي مش معاها مفتاح، اقعدي معاها..
نهضت عزة تحاول استيعاب ما يحدث أولًا قبل خروجها
في الخارج؛ فتحت خلود الواتساب الخاص بوليد، وآثار فضولها محادثة بإسم عُلا وإلى جوارها قلب، انتابها الضيق وتابعت فتح محادثة اختها وأرسلت إليها رسالة بما حدث وأن تهاتفها فور صحوتها، ثم خرجت من المحادثة ورمقت ذلك الإسم بسخطٍ.
دفعتها غيرتها إلى فتح المحادثة وقرأ محتواها، شعرت بالغضب عندما وجدت مزاحًا بينهما، تجهمت تقاسيمها ووجهت بصرها على الغرفة في انتظار عودته لتوبيخه فتفاجئت بخروج زوجة عمها، حاولت ارخاء عضلات وجهها المشدودة وتحولت إلى الخجل الصريح.
نهضت من مكانها فجاءت الآخرى مبتسمة:
_ الباب عملها فيكي يا خوخة
حاولت خلود مجاراة الأمر وشكلت بسمة لم تتعدى شفاها قائلة بحياء:
_ أنا آسفة على الإزعاج اللي حصل دا أنا والله مكنتش حابة أطلع بس وليد أصر..
قاطعتها عزة مؤيدة تصرف وليد:
_ كويس أنه أصر، كنتي هتقعدي فين، وبعدين مش دا بيتك برده؟!
هزت خلود رأسها فاستأذنت عزة قائلة:
_ هروح أصلي الفجر وراجعة لك..
ذهبت بينما عاد وليد متسائلًا وهو يبحث بعينيه عن والدته:
_ أومال ماما راحت فين؟
بنبرةٍ جامدة ردت:
_ راحت تصلي..
أعادت فتح هاتفه ودخلت على المحادثة ثم أدارت الهاتف في وجهه وتساءلت بحنقٍ كأنها تحقق معه:
_ مين اللي بتهزر معاها دي؟
تفاجئ وليد بسؤالها، وجرأتها في التعدي على خصوصياته، أخذ منها الهاتف وهتف مستنكرًا:
_ أنتِ بتفتحي المحادثة ليه اصلًا؟
تلك الأثناء شعرت خلود بالاستياء الشديد، انتبهت على حالتها وكيف أعطت نفسها الحق في التدخل في خصوصياته بكل وقاحة، كانت في موقف لا تُحسد عليه، ابتلعت ريقها وحاولت تجميع الكلمات لتقولها.
هربت بعينها عنه وعاودت الجلوس ثانيةً، مختلقة سببًا واهيًا متصنعة المزاح:
_ بطمن على الحالة الإجتماعية بتاعت ابن عمي..
تشدق وليد بتهكمٍ وردد مستاءً:
_ حالة إيه واجتماعية إيه، إحنا بنكون مجموعات في المصنع ودي في مجموعتي وكنا بنتكلم عن الشغل اللي هنشتغل فيه..
_ شغل إيه يابني، دا أنت عامل جنب اسمها قلب؟! ولا دا شغل برده؟
قالتها مندفعة فاثارت ريبة وليد لكنه لم يكن مزعوج، وأراد توضيح الأمور لها حتى تأخذ عنه فكرة سيئة:
_ هي مسجلة الواتساب بتاعها بالإسم والقلب وأنا لما جيت أسجل رقمها عندي اتكتب زي ماهو وكسلت أغيره.. مكنتش أعرف إن القلب معناه حاجة مش مجرد ايموشن
ضاقت خلود بعينيها عليه ورددت:
_ القلب معناه ارتباط، أنا قولت أعرفك بدل ما حد غيري يفهم غلط..
وصلت عزة فقطعت عليهم الحديث، جلسوا سويًا يتبادلون أطراف الحديث لوقتٍ حتى قطعه وليد وهو يناول هاتفه لخلود موضحًا:
_ خدي ابعتي كلمي عليا تاني او ابعتي لها رسالة..
أصر على أخذها للهاتف فتفاجئت بتغير الإسم إلى ' مدام علا ٥٤سنة، زميلة العمل'
فلم تستطع كتم ضحكاتها التي أطلقتها رغمًا عنها عند قراتها للاسم، ومعرفة عُمر تلك المرأة، شاركها وليد الضحك لكن دون صوت، حتى لا يثير ريبة والدتها، بينما أعادت خلود الاتصال على عليا مرارًا ولكن دون إجابة.
نفخت بضيق، وتسلمت إلى الأمر الحالي حتى يجد في الأمور جديد.
***
بعد مرور ساعتين، كان وليد وخلود نيام في مكانهما، بينما رافقتهما عزة ولم تتركهما البتة، تخجل، صدح رنين هاتف وليد الذي كان بيد خلود فانتفضت مذعورة، وكذلك استيقظ وليد قلِقًا اثر صوته.
تفقدت خلود الهاتف فوجدتها عليا فلم تتردد وأجابت على الفور بعد أن ابتعدت مسافة عن زوجة عمها:
_ عليا إلحقيني.. انا فوق عند طنط عزة، حد صحى؟ ماما صحيت؟
أجابتها عليا وهي تتفقد المكان:
_ لا لسه، انزلي بسرعة بدل ما يبقى يومنا مش فايت
_ حاضر حاضر، افتحي الباب أنتِ بس..
قالتها خلود ثم أنهت المكالمة على الفور واعادت الهاتف إلى وليد الذي تساءل:
_ أوصلك؟
اتسعت مقلتي خلود بدهشة ورددت برفضٍ تام:
_ لا طبعًا مش عايزاك تظهر خالص... انا هنزل قبل ما ماما تصحى..
أوصلها وليد إلى الباب وأردف قبل ذهابها:
_ شكرا على الكيكة..
اكتفت خلود ببسمةٍ رقيقة وأسرعت إلى الطابق خاصتهم، فكانت عليا في استقبالها، ولجت خلود الباب ثم إلى غرفتها ووقفت تستشنق الصعداء خلق الباب، لا تصدق انها وصلت دون أن تلاحظ والدتها غيابها.
_ اوف بجد مش مصدقة إني هنا في اوضتي.. ياربي قلبي كان هيقف طول ما انا برا!
هتفتها خلود وهي تضع يدها على قلبها الذي يحقق بقوة، بينما نهرتها عليا معنفة إياها:
_ أنتِ إيه اللي طلتك فوق عند وليد في الوقت دا، إيه اللي خرجك من البيت أصلًا، عشان دماغي بتجيب حاجات مش لطيفة..
انتابى خلود التوتر والحرج وأسرعت في إيضاح الأمر لها:
_ انا بعد ما عملت الكيكة حبيت اديهاله بنفسي، ووقت ما خرجت الباب قفل ومكشن معايا مفتاح ولا موبايل، ولما أنتِ مردتيش ولدي اقترح اني أطلع عندهم بدل ما اقعد على السلم...
لم تكاد تُكمل حتى تفاجئن باقتحام هناء للغرفة، انتفضت خلود من مكانها بذعرٍ وحدجتها بصدمة وخوف شديدين، بينما رمقتها هناء بنظرات مشتعلة أحرقتها قبل أن تنبس بحرفٍ، هرولت نحوها وقامت بغرز أصابعها بين خصلات شعرها بقسوة وصاحت غير مصدقة:
_ قولتي كنتي فين؟ عند وليد!! أنتِ طلعتي فوق مع شاب في وقت متأخر كدا!!
حاولت خلود تبرير موقفها فما كان من هناء انا أنها رفعت ذراعها للأعلى لتصفعها لكن سرعان ما تدخلت عليا ومنعت ضرب والدتها محاولة تهدئتها:
_ اهدي يا ماما، الموضوع مش زي ما انتِ فاكرة خالص
بعيون ينطق منهما الشر ونبرة غير متفهمة:
_ أهدى إيه، أهدى إزاي وانا سمعت أن بنتي كانت بايتة مع شاب..
شدت هناء على شعر خلود فآنت بألمٍ شديد وتابعت هناء تعنيفها:
_ انطقي يابت عملتي ايه فوق؟ بدل ما اقتلك في ايديا..
صعقت خلود من تفكير والدتها، وأسرعت في نفس ظنونها الخاطئة من بين بكائها:
_ والله العظيم ما حصل حاجة، طنط عزة كانت قاعدة معايا على لما عليا تقوم وتفتح لي الباب، محصلش حاجة والله صدقيني..
_ وأنتِ تخرجي له في وقت زي دا ليه اصلا؟ تقفي مع شاب لوحدكم على السلم ليه؟ أنا مش ١٠٠ مرة نبهت عليكي تحطي حدود بينكم؟ تقومي تخرجي ليه في نصاص الليالي!!
عارفة اللي بتعمل كدا بيقولوا عنها إيه؟ بيقولوا متربتش، بيقولوا قليلة الأدب، بيقولوا اسخن من كدا بس انا مش قادرة حتى انطقهم..
إزداد نحيب خلود بشدة وتمتمت بنبرة غير مفهومة باكية:
_ والله كنت عايزة اديله الكيكة بس مش قصدي إن كل دا يحصل..
أزاحت هناء يدها عن خصلاتها ثم غرزت أظافرها في ذراع خلود وصاحت بغضبٍ لو تحول لانسانٍ لحرقها:
_ اقسم بالله إن ما تظبطي واتعدلتي كدا لهقعدك في البيت ومهتكمليش تعليم، كنت بقولك تقوليله ازيك الله يسلمك، دلوقتي حتى السلام ميتقالش، ويبقى كلامي ميتنفذش يا خلود وأنا اوريكي وش عمرك ما اتعاملتي معاه قبل كدا..
دفعتها هناء بقوة واولتها ظهرها وهي تُمسك رأسها ورددت:
_ الضغط عِلى، إلحقيني يا عليا ببرشامة الضغط، هموت
ألقت عليا نظرة سريعة على خلود ثم هرولت خلق والدتها، بينما ألقت خلود نفسها بإهمالٍ على الفراش، سحبت وسادتها ووضعتها أعلى وجهها وظلت تصرخ حتى لا يتسلل صوتها الى والدتها.
***
صبيحة يوم الحفل الخاص بڤاليا وعاصم، استقبل عاصم بعض الفتيات بترحاب في غرفته:
_ أهلًا يا بنات اتفضلوا..
فقالت إحداهما بعملية:
_ مدام صبا فين؟ عشان تلحق تختار الفستان ونظبطه عليها قبل ميعاد الحفلة..
_ ثواني وجاية حالًا..
قالها عاصم ثم توجه إلى غرفة تبديل الملابس وقام بالدخول بعد أن سمحت له صبا فتفاجئ بتجهيز نفسها للخروج فعقد ما بين حاجبيه بغرابةٍ وتساءل مستفسرًا:
_ أنتِ راحة فين؟
تابعت ارتداء حجابها وهي تجيبه:
_ هنزل أغير لعبدالله على الجرح..
_ نعم!! جرح إيه وعبدالله إيه النهاردة، صبا النهاردة حفلة جوازنا، والأتيليه باعت بنات بالفساتين عشان تختاري منهم ويلحقوا يظبطوه عليكي، مفيش وقت للكلام دا!
أدارت جسدها له وقالت بهدوءٍ عملي:
_ واجبي كدكتورة بيحتم عليا إني مسيبش المريض غير لما يكون كويس، ولا أنت نسيت يا باشمهندس إني قعدت ٣ ليالي في المستشفى عشان حضرتك!!
تحسس عاصم رأسه وابتسم قبل أن يُردف:
_ ودي حاجة تتنسى يا دكتورة، دا الجرح لسه معلم..
تخطته صبا وهتفت:
_ يبقى سيبني أشوف شغلي، مش هتأخر..
أوقفها عاصم بقوله:
_ استني هاجي معاكي
تجمدت قدمي صبا وأدارت رأسها في محاولة منها على عدم مرافقته لها:
_ لا خليك هنا عشان الناس اللي جاية لنا مخصوص دي، عيب إحنا الاتنين نختفي فجأة كدا
أنا مش هتأخر، عشر دقايق وراجعة..
رفض عاصم ذهابها بمفردها وهتف مُصرًا:
_ يقعدوا لوحدهم إيه المشكلة، هيتقدم لهم ضيافة على لما نرجع..
تأففت صبا وأبدت تذمرها من الأمر:
_ يا عاصم لو سمحت سيبني على راحتي شوية، أنا مش ههرب مش معقول كدا إديني مساحتي، أنا مش بروح في مكان غير وأنت معايا، لدرجة إني بحس إنك فاكرني طفلة صغيرة خايف تتوه.. سيبني على راحتي، ومتنساش إن دا كلام الدكتور،
إني أساعد نفسي بنفسي من غير مساعدة خارجية.. أنا حاسة إني هكون أحسن لو شوفت شغلي زي الأول، فلو سمحت متضغطش عليا!
تفاجئ عاصم بهجومها وقرر إعطائها مساحتها الشخصية:
_ خلاص خلاص، روحي بس متتأخريش، ورانا حاجات كتير تتعمل..
لم تُعلق بل انسحبت من أمامه، ابتسمت إلى الفتيات واعتذرت منهم بحرج:
_ أنا آسفة جدًا يا بنات، أعطوني عشر دقايق وهكون معاكم على طول
لم تجد رفض منهن، فتوجهت إلى الخارج مسرعة، ثم إلى الغرفة التي في طرف الحديقة، طرقت الباب بخفة ووقفت في انتظار طلته، كان قلبها يتسارع بين نبضاته كأنها في سباقٍ، حتى فتح لها الباب فحبست أنفاسها فجأة.
تفاجئ عبدالله بوجودها، لوهلة تمنى العودة إلى تلك الليلة المأساوية، ود لو لم يسمح لها بالذهاب بمفردها، وكان برفقتها طيلة الليل يتسامران معًا إلى الصباح، ولم يحدث ماحدث، ولم يفترقا وظلا حبيبين يطمحان في إخراج علاقتهما إلى النور.
نظر إليها مطولًا كم أصبحا غريبين عن بعضهما، كيف اليوم يقف أمامها ولا يحل له التغزل بحقول الزيتون خاصتها، كيف باتت زوجة لغيره وليست له، إلى الآن لم يستوعب ما تجعله يعيشه.
قطعت عليه صبا حبال أفكاره عندما قالت:
_ جاية أغير لك على الجرح..
تشدق عبدالله ساخرًا وهلل:
_ مهتمة أنتِ يا دكتورة، ويا ترى مع كله كدا ولا دا اهتمام خاص...
ابتسم بتهكمٍ وأضاف:
_ وعلى كدا الباشمهندس عارف سبب الإهتمام دا؟
لم تجيبه، بل أطالت النظر في عينيه تتوسله بأن يتوقف ولا يزيد من آلامها، لمعت عينيها فتأثر بهما عبدالله وسرعان ما أولاها ظهره وعاد إلى الداخل، جلس على الأريكة وقام بخلع سترته ليكون ذارعه واضحًا لها ثم أردف:
_ دراعي جاهز يا دكتورة اتفضلي..
ولجت على أطراف أصابعها، جلست إلى جواره، متحاشية النظر عنه، فتحت عُلبة الأدوات الطبية خاصتها وبدأت تُعقم له الجرح، ولم تشعر بنظراته التي لم تُرفع من عليها، ثم انتبهت على سؤاله بصوتٍ مهزوز:
_ اتجوزتيه ليه صبا؟
اهتز داخلها، وشعرت بالتوتر يعصف بها، لكنها جاهدت على مواصلة ما تفعله دون أن تتأثر بكلماته، فأعاد عبدالله سؤاله:
_ ردي عليا، ليه عملتي كدا؟
أجابته دون أن تتطلع في عينيه:
_ خلي حد غيرك يسأل السؤال دا..
ضاق عبدالله بعينه فلم يعي معني حديثها، وردد باستياء:
_ يعني إيه؟
رفعت صبا عينيها بجُرأة في عينيه وهتفت:
_ يعني هربت من حب كنت موهومة بيه، حب كان كدبة كبيرة، أول ما اتحط قدام امتحان سقط..
أنهت ما تفعله ثم نهضت تحت صدمة عبدالله، فلم يتقبل كلماتها واتهام حبه البريء بالخداع، وقال سؤاله وهو يشير إلى نفسه:
_ حبي كان كدبة؟! أنا أوهمتك بحُبي يا صبا؟
توقفت عن السير وقالت بآسى شديد:
_ للأسف دا اللي شوفته منك!!
اقترب منها عبدالله وأُذنيه لا تُصدقان ما تتفوه به وصاح بقلبٍ مكلوم:
_ أنتِ شوفتي مني إيه غير كل خير واحترام وحب صافي؟ وهم إيه اللي عيشتك فيه واللي خلاكي تجري تتجوزي واحد تاني؟
لم تستطع صبا الوقوف أمامه لثانية أخرى وفرت هاربة لكنه أضاف كلماته القاسية قبل ذهابها:
_ يا خسارة حبي ليكي، أنتِ متستاهليش ذرة من قلبي اللي باع الدنيا ومكنش شاري غيرك!
تجمدت قدمي صبا، شعرت بوخزة شديدة في صدرها فرفعت يدها تتحسس مكانها بألمٍ لا تعلم أين مكانه بالتحديد، سقطت عبراتها التي فشلت في حبسهم مدة أطول وفرت راكضة من الغرفة.
بينما وقف عبدالله يلتقط أنفاسه، لا يُصدق أن تلك الكلمات خرجت لمن سكنت قلبه دومًا، لأول من تعرف على الحب معها، لمن ذاق شهد أيامه برفقتها، لصوتًا كان يومًا له نجاة، أغمض عينيه محاولًا جمع شتات نفسه التي تبعثرت ثم بحث عن هاتفه وقام بالإتصال على أبيه وهو يشاهد التحضيرات التي يقومون بها العمال في الحديقة ثم قال فور إجابته:
_ أنا عايز أشتري بدلة شيك يا بابا...
***
لم يعرف وليد للنوم سبيل، فكانت خلود شاغلة عقله، والعديد من المواقف التي رسمها لتوبيخ والدتها بها قد زادته ضيقًا، نهض مُبتعدًا عن الفراش وتوجه إلى الخارج باحثًا عن والدته فوجدها واقفة في المطبخ.
لم يتردد وانضم إليها متسائلًا:
_ بتعملي إيه يا وزة؟
أجابته بنبرة حنونة:
_ بجهز الغدا يا حبيبي
إلتزم وليد الصمت لبرهة، لكن عقله كان مشغولًا وقد لاحظت والدته حالته، فتساءلت باهتمامٍ يشوبه القلق حياله:
_ مالك يا حبيبي، بتفكر في إيه، كأنك عايز تقول حاجة؟!
حمحم وليد وأخذ خيارًا من أمامه، ثم قضم منها وقال:
_ مش أنتِ نفسك أخطب؟
تركت عزة ما في يديها ونظرت إليه بآذان صاغية وقالت:
_ طبعًا دا يوم المُنى.. ها هي مين اللي واكلة عقلك بالشكل دا؟
ابتسم وليد بخفة ووضع شرطه أولًا:
_ هقولك بس اعمليلي خدمة الأول ..
_ خدمة إيه دي؟
تساءلت بفضولٍ فأخبرها وليد عما يريده:
_ عايزك تنزلي تشوفي الجو في بيت عمي كدا، وتفهي مرات عمي بشكل مش مباشر إنك كنتي أنتِ اللي قاعدة مع خلود..
قطبت عزة جبينها وهي لا تفهم سبب فعل ذلك وتساءلت بريبة:
_ وليه كل دا؟
أوضح لها وليد ما تجهله:
_ خلود كانت خايفة تطلع هنا، وعشان كدا أصريت إنك تِصحي، ومرات عمي شكلها مش هتعدي الموضوع بالساهل أنتِ عارفة هي عندها تحفُظات شوية..
أخذت عزة تُفكر قليلًا ثم قالت:
_ طيب، هنزل كدا وأمري لله..
ثم خرجت من المطبخ وقامت بارتداء حجابها وقامت بالنزول على الفور، قرعت رنين الجرس ووقفت أمام الباب في انتظار ظهور أحدهم.
همت عليا بفتح الباب ورحبت بزوجة عمها بإبتسامة هادئة:
_ أهلًا يا آبلة، اتفضلي..
دلفت عزة بِخُطاها ووجدت هناء جالسة ويبدوا عليها التعب، فقلقت بشأنها وسألتها مُهتمة لصحتها:
_ مالك يا هناء أنتِ تعبانة ولا إيه؟
ردت هناء مختصرة:
_ الضغط شكله عالي ودماغي مش مظبطة خالص..
_ سلامتك يا حبيبتي
قالتها عزة متمنية لها السلامة ثم تصنعت البحث عن خلود وقالت بمزاحٍ:
_ أكيد خلود نامت، حبيبتي تِعبت نفسها والله وكانت جاية تطلع لي الكيكة بنفسها، وحصل اللي حصل، وفضلنا مع بقى مبطلناش كلام.. ربنا يباركلك فيها، بنوتة جميلة ومؤدبة، دي حتى كل شوية عايزة تنزل تقعد على السلم وأنا اللي مسكت فيها، قولت لها دا بيتك زي بيتكم بالظبط..
شعرت هناء ببعض الراحة من خلال كلمات عزة، أعدلت جلستها ثم قالت مُمتنة:
_ ربنا يخليكي يا عزة، أكيد طبعًا بيتها، شكرًا يا حبيبتي إنك مسيبتهاش..
حمحمت هناء ثم أضافت:
_ شوفتي يختي، حازم فاجئنا إنه حجز الفرح على آخر الشهر
بفرحة عارمة هتفت عزة:
_ الف مبروك لحبيبة قلبي، ربنا يتمم لهم على خير يارب
تضاعفت ابتسامة عزة وأردفت بسعادة:
_ شكل الفرحة هتبقى فرحتين، وليد برده لسه قايلي إنه ناوى يخطب أخيرًا..
دقت طبول السعادة قلب هناء لأنه سوف يبتعد عن ابنتها، حتمًا سيضع حدودًا لهما بعد ارتباطه بأخرى، بادلتها هناء الإبتسام وهللت بفرحة:
_ يارب يجعل البيت معمور دايمًا بالفرح يارب..
تلك الاثناء، كانت خلود تقف خلف بابها تستمع للحوار الذي يدور بين والدتها وزوجة عمها وصعقت عندما علمت بأمر خِطبة وليد، أغلقت الباب بخفة وأجهشت باكية كمن فقد شيءٍ غالٍ.
ألقت بنفسها على الفراش ولم تستطع تمالك بكائها الذي تفاجئت بالكم هذا من الدموع التي تتساقط حزنًا على ضياع ذلك الأخرق الذي سكن قلبها، لقد فهمت الآن حقيقة مشاعرها، لكن بماذا سَيُفيدها ذلك فهو لا يراها من الأساس.
***
بعد فترة ليست بقصيرة؛ انتبهت عليا على رنين هاتفها، فتفاجئت باتصال وليد، نظرت حولها تتفقد المكان وعندما لم تجد والدتها بالقُرب منها فأجابت:
_ وليد..
حمحم الآخر وتحدث بصوتٍ أجش:
_ إزيك يا عليا، أخبارك إيه؟
_ الحمدلله، وأنت؟
قالتها مختصرة فردّ وليد قائلًا:
_ الحمد لله، كنت عايز أسأل على حاجة ومحدش غيرك هيقدر يفيدني...
شعرت عليا بالقلق المختلط بالريبة؛ لكنها لم ترفض ففضولها أخذها إلى ما يود السؤال عنه:
_ اتفضل، ولو أقدر أساعدك مش هتردد..
أخذ وليد نفسًا قبل أن يبدأ حديثه:
_ الأول قوليلي خلود عاملة إيه؟ مرات عمي معدتش الموضوع صح؟!
عضت عليا شفاها وصوبت عينيها على باب غرفتهن، ثم اكتفت بترديد:
_ اه، بهدلتها بصراحة.. وخلود من وقتها وهي حابسة نفسها في الأوضة مش بتخرج، بس هتبقى كويسة يعني.. أتمنى
شعر وليد بغصة في حلقه فابتلع ريقه وتابع:
_ طب هو أنتِ محستيش إن خلود حاسة بحاجة من نحيتي؟
تفاجئت عليا بسؤاله، حدقت أمامها مذهولة ولم تعرف للإجابة طريق، حتمًا لن تخبره بما تشعر به فقالت متصنعة جهلها بسؤاله:
_ قصدك إيه، ممكن توضح؟!
_ بصي يا عليا، أنتِ أول حد يسمع مني الكلام دا، أنا بقالي فترة بحس من نحية خلود بمشاعر مختلفة مش زي الأول، وبصراحة أنا مش حابب أخد أي خطوة غير لما أتأكد منها هي الأول، مش يمكن تكون معجبة بحد...
لم تدعه يُكمل فقاطعته مردفة:
_ لا لا هي مش معجبة بحد...
زفرت أنفاسها ثم أضافت:
_ بص أنا بقالي فترة برده بحسها غريبة، شكيت إنها معجبة بيك، بس هي مقالتش حاجة زي كدا فأنا مش قادرة أحدد اللي حاسة بيه دا صح ولا مجرد إحساس..
_ ممم، طب إيه رايك نتأكد؟
قالها وليد بحماسة فهتفت عليا بلهفةٍ:
_ إزاي؟
_ هقولك
هتفها وليد وبدأ يُخبرها بالطريقة التي سيتأكدون من خلالها بحقيقة مشاعر خلود اتجاه وليد، ابتسمت عليا عندما فهمت الأمر، ثم أنهى وليد الإتصال لتبدأ عليا في تنفيذ ما خططا له.
نهضت مسرعة وولجت غرفتهن، وتوجهت ناحية فراش شقيقتها المُكورة في نفسها تبكي على الوسادة التي بين ذراعيها، حمحمت ثم جلست مقابلها وقالت بخفوت:
_ خلود، قومي نطلع السطح عايزة أتكلم معاكي في موضوع مهم مش هينفع هنا..
_ موضوع إيه؟ مش عايزة أروح في مكان
قالتها بصوتٍ متحشرج يُغلفه البكاء دون أن تنظر إليها، فأصرت عليا على استدراجها من البيت بشتى الطرق:
_ صدقيني لو ينفع هنا كنت اتكلمت على طول، خلينا فوق أحسن بدل ما ماما تسمعنا وتبقى مشكلة
هزتها عليها تحثها على النهوض:
_ يلا يا بقى قومي
بغير إرادة ومزاجٍ غير صافٍ نهضت ببطء، ارتدت إسدالها وكذلك عليا ثم خرجن من الغرفة فقطعت هناء طريقهن بسؤالها الصارم:
_ رايحين على فين؟
تولت عليا الرد مسرعة:
_ هنطلع السطح شوية، إحنا زهقانين..
تناوبت هناء بنظراتها بينهن بريبة، لكنها لم تجد سببًا ترفض لأجله فقالت وهي توليهن ظهرها:
_ متطولوش فوق..
خرجن مسرعتين وصعدن إلى الأعلى حتى بلغن سطح المنزل، فوقفت خلود في منتصفه متسائلة بفتورٍ:
_ ها هتقولي إيه مينفعش يتقال تحت؟
أخذت عليا نفسًا عميقًا ليكون هناك متسعًا لبدء الحديث التي تريد أخذه منها قبل أن تردف:
_ هسألك سؤال وتجاوبيني من غير لا لف ولا دوران، واعرفي إني الوحيدة اللي هتساعدك وهتقف جنبك فمتحاوليش تخبي عني حاجة
بحاجبان معقودين رددت خلود سؤالها بغرابةٍ من أسلوب عليا المُبهم:
_ سؤال إيه دا؟
صوبت عليا نظرها في عيني خلود لبرهة ثم أردفت سؤالها بهدوءٍ:
_ أنتِ حاسة بحاجة من نحية وليد؟
تفاجئت خلود بسؤال عليا، فلقد تصورت بعض الأسئلة إلا هذا، ابتلعت ريقها وقد اجتاحها الإرتباك، وحاولت نفي سؤالها:
_ حاجة إيه، دا وليد.. هكون حاسة بإيه يعني؟
رفعت عليا كتفيها للأعلى وزمت شفتيها وقالت:
_ أنتِ فاهمة حاجة إيه يا خلود، تصرفاتك الفترة دي مش طبيعية ومكنتش كدا، أنا قولتلك إني أكتر واحدة هتساعدك فبلاش تخبي عني، لو فيه حاجة عرفيني، دا خلاص هيخطب.. وبصراحة بقى أنا مش مقتنعة إنك زعلان أوي كدا عشان ماما زعقت لك، حسيتك اتقلبتي أول ما مرات عمي كانت هنا وقالت إنه هيخطب..
سقطت دمعة من عيني خلود، أخفضت رأسها سريعًا خافية حزنها الذي تبدد في معالم وجهها وقالت:
_ ملوش لزوم أقول حاجة، أنتِ قولتي خلاص هيخطب، يعني أنا مش في دماغه أصلًا..
_ يعني حاسة بحاجة نحيته صح؟!
تساءلت عليا وهي تنحني برأسها لتنظر إلى رد فعل شقيقتها، فازداد نحيب خلود وهي تجيبها:
_ في الأول مكنتش فاهمة أنا مالي، بس كنت بحب أشوفه واتكلم معاه، وحبيت أفاجئه أول واحدة في عيد ميلاده، قلبي بيدق جامد أول ما ألمحه او حتى أشم ريحة البرفيوم بتاعه، بتوتر وبعمل حركات عبيطة.. بس كل دا مكنش بالنسبة لي حاجة، النهاردة بعد ما مرات عمك قالت إنه هيخطب..
صمتت خلود حين باغتها نوبة بكاء مفاجئة وأضافت من بين بكائها بنبرة متلعثمة:
_ حسيت إن فيه حاجة مهمة ضاعت مني، حسيت الدنيا ضاقت عليا أوي وحاصرتني في مكاني ومش عارفة أهرب منه...
رفعت عينيها في عيني عليا واسترسلت بصوتٍ باكي مهزوز:
_ أنا مش عايزاه يخطب، أنا بحبه يا عليا!!
_ وأنا كمان بحبك، ومش هخطب غيرك!
تردد صوته من خلفها فشهقت خلود مذعورة واستدارت بجسدها مسرعة فوقع بصرها عليه، خفق قلبها بقوة وهي لا تستوعب وقوفه أمامها واعترافه الصريح ورددت مذهولة:
_ وليد!!
الفصل الخامس والعشرون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم تسنيم المرشدي
حلت صدمة قوية على وجه خلود؛ لوهلة توقف عقلها ولم يستوعب ما يحدث، مررت نظرها بين وليد وعليا اللذان يضحكان في محاولة فهم الأمر ثم أردفت بتِيهٍ:
_ هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟
اقتربت منها عليا وقامت بإحاطة كتفها بذراعها ثم أوضحت لها:
_ بصراحة إحنا عملنا كدا عشان وليد ياخد منك الإعتراف الجميل دا
شهقت خلود وقد انتباها الحياء الشديد وهتفت معاتبة:
_ عليا!!
أسرعت عليا في التخفيف من عليها:
_ إحنا لو مكناش عملنا كدا كنتي هتفضلي ساكتة ومش هتعترفي.. ووقتها كان ممكن يحصل حاجة أنتِ متحبيهاش
أعادت خلود النظر إلى وليد لكنها لم تستطع الإطالة فخجلها منعها، أخفضت رأسها تُعيد لحظة اعترافه بحبه، خفق قلبها بشدة وأسّرت السعادة قلبها، ثم خرجت من حالتها على صوت وليد الذي يحث عليا على الإبتعاد:
_ ما تسبينا خمس دقايق يا عليا..
فغرت عليا فاها بدهشة قبل أن تُردد:
_ لا مش لدرجة أسيبكم يعني، دي ماما ممكن تطلع تطير دماغنا، بس ممكن أقف بعيد عنكم شوية.. المهم بسرعة لأن ممكن نلاقيها قدامنا بجد..
_ يادي ماما اللي عاملة لنا رعب دي.. بس ماشي ياستي أي حاجة منك حلوة
هتفها وليد بمزاحٍ ثم انسحبت عليا مُبتعدة مسافة قريبة، بينما عاد وليد بنظره على تلك الواقفة، فتفاجئ بفركها لأصابعها بتوترٍ صريح، ابتسم بخفة ومازحها:
_ إيه الوش الجديد علينا دا؟ أول مرة أعرف إنك بتتكفسي..
دون أن ترفع عينيها عليه قالت بإستحياء شديد:
_ ليه هو أنا مش بنت؟
_ دا أنتِ ست البنات كلهم
قالها بعذوبة فاجئت خلود التي تطلعت في عينيه اللامعة، تلونت وجنتيها بالحُمرة خجلًا من تغزله بها، عضت شفاها ثم هتفت سؤالها متلهفة لسماع إجابته:
_ أنت عايز مني إيه؟
غمزها وليد بمشاكسةٍ وأجاب سؤالها بصوتٍ رخيم:
_ عايز حد يناولني الهدوم أول ما أصحى!!
قطبت خلود جبينها بغرابةٍ ورددت دون فهم:
_ ليه أنت ملكش إيدين؟
_ آه أنتِ الفِهم عندك بعافية شوية..
قالها فتحولت تقاسيمها إلى الحدة فأضاف الآخر مُزاحه:
_ أيوة كدا اظهري وباني على حقيقتك..
عقدت خلود ذراعيها عند صدرها وهتفت متذمرة:
_ حقيقة إيه؟
_ إنك زي القمر!!
للمرة التي لا تعلم عددها قد فاجئها برده اللطيف، أدارت خلود رأسها للجانب وهي تُتمتم بحياء:
_ يا وليد بقى..
تنهد الآخر بحرارة وسألها بجدية:
_ خوفتي أخطب؟
لم تجيبه على الفور، بل تريثت قليلًا، ثم أومأت مؤكدة، عادت بنظرها عليه وقالت:
_ أنت قولت من شوية إنك... بتحبني
حمحمت لتستطيع مواصلة حديثها وأضافت مسترسلة:
_ دا بجد؟
أخذ وليد نفسًا عميقًا وهو يضع يديه في جيبي بنطاله ثم مال برأسه للجانب مُشكلًا ابتسامة عذبة على محياه وأجابها:
_ بجد آه
إلتوى ثغر خلود للجانب مُبتسمة بخجلٍ وسعادة مفرطة، وتابعت أسئلتها بفضولٍ:
_ طب اشمعنا أنا؟ ليه مش فريدة بنت خالتك مثلًا، مش قولت اللي اللي بتكون متربي معاهم بيكونوا اخواتك؟!
زفر أنفاسه بتمهلٍ قبل أن يُجيبها بثقة:
_ ليس على القلب سلطان..
ثم أضاف بنبرة مرحة:
_ وإحنا إيه غير أوامر ماشية ورا قلبنا!!
_ يعني أنا مش أختك؟
أردفت سؤالها بخبث لتسمع إجابته فقال الآخر مستاءً:
_ أختي إيه يابت، أنتِ كدا هتبوظي الجوازة!
_ جواز مرة واحدة!! دا أنت بتتكلم بجد بقى
قالتها خلود مُتعمدة لسماع كل ما لديه لها، فعلق وليد مشاكسًا:
_ جد الجد، أومال أنتِ فاكراني عيل توتو وارث قرشين من أبوه أو سته وعايز يلعب؟!
انفجرت خلود ضاحكة فشاركها وليد الضحك ثم توقفت فجأة وقالت وهي تُداعب أصابع يدها:
_ بس أنا لسه قدامي ٣سنين في الكلية..
قلب وليد عينيه مُتصنعًا استيائه من الأمر ثم صوب بصره عليها وقال:
_ هستناكي.. زي بعضه
_ وكمان مش بعرف أطبخ!!
قالتها بعيون واسعة تنتظر رده بفروغ صبرٍ فقال وليد:
_ نقضيها كيكة، بتعمليها حلو
لم تمنع قهقهتها التي خرجت عفويًا، فصاح الآخر قائلًا:
_ أنا مش مشكلتي في كل دا، أنا مشكلتي أكبر من كدا بكتير.. وللأسف ملهاش أي حلول خالص
قطبت جبينها وبعيون ضائقة سألته باستفسارٍ:
_ إيه هي؟
أشار وليد عليها موضحًا ما يقصده:
_ ١٦٠سم جنب ١٨٠سم معادلة صعبة أوي يا خلود، أنتِ حتى مش جاية عند كتفي!!
انفجرت خلود ضاحكة وهتفت مُبدية إعجابها بذلك الفارق الطولي الكبير بينهما:
_ أنت مش متخيل أنا بحب فرق الطول دا في العلاقات إزاي!
_ لا إذا كان عاجبك فيعجبني أنا كمان..
أردفها وليد بعذوبة، ثم قطعت حديثهما عليا التي قالت:
_ كفاية عليكم كدا، عشان أنا مش مطمنة وحاسة إني هلاقي ماما قدامنا حالًا..
أحاطت ذِراع خلود وجذبتها نحوها تحثها على السير وقالت:
_ يلا ست جوليت ننزل..
ثم نظرت نحو وليد وأضافت:
_ وأنت ياعم روميو بلاش إثارة جدل لغاية ما تاخد خطوة رسمية عشان ماما متعندش وتقول لأ
شهق وليد بصدمة وهلل عاليًا:
_ هو فيه مجال للرفض؟!
تبادلن الشقيقات النظرات الضحوكة ثم أجابته عليا بسخرية:
_ مجال واحد، يووه مجالات، أنت هتحب ماما أوي لما تقرب منها، هتوريك أيام جميلة ولذيذة وخفيفة
أطلقت ضحكاتها مع خلود فاستاء وليد منهن وقال:
_ لو حكمت أوي هخطفها، وتبقى تقابلني لو شافت وشها تاني
استاءت عليا من تفكيره الأخرق وهتفت:
_ ما أنا عارفة إنك متهور وعشان كدا بقولك بلاش تضايقها عشان كل حاجة تمشي كويس..
أقدمت بسيرها إلى الداخل برفقة خلود التي نظرت إلى وليد فغمزها وهو يبتسم بجاذبية، فابتسمت خلود وسرعان ما أدارت رأسها في خجلٍ، استدار وليد بجسده واقترب من السور يحدق بالمنازل حوله وهو يُرتب أفكاره جيدًا قبل أن يأخذ خطوة رسمية.
***
خرج عبدالله بقامة شامخة، نظر إلى الفيلا لبرهة ثم توجه نحوها، وقام بالدخول باحثًا عن عز، تقابل مع الخادمة وسألها بجدية:
_ عز بيه فين؟
_ فوق في مكتبه بيعمل مكالمة شغل..
قالتها فأخبرها عن إرادته في التحدث معه:
_ أنا عايز أتكلم معاه ضروري..
_ اتفضل، تعالى ورايا
هتفت الخادمة ثم أولته ظهرها وأسبقت خطاها إلى الطابق الثاني، تَبِعها عبدالله حتى وقف أمام باب المكتب، تحركت عينيه على جميع الغرف التي تجاوره حتى وقعت على خروج عاصم وهو يضحك مرددًا بمزاحٍ:
_ خدوا راحتكم، أنا هروح الأوضة التانية، المهم تشوفوا كل طلبات صبا وتنفذوها..
شعر عبدالله بغصة في حلقه، رجفت عينيه من بين محاولاته على الثبات، بينما أغلق عاصم باب الغرفة وانتبه على وقوف عبدالله في أول الممر، فتوجه ناحيته مشكلًا ابتسامة ودودة وقال:
_ إيه يا عبدالله أنت هنا بتعمل إيه؟ مش هتروح لآدم؟
واجه عبدالله صعوبة في الحديث، جاهد حتى خرج صوته مهزوزًا:
_ هتكلم مع عز بيه وامشي على طول..
قطب عاصم جبينه وعاتبه بلطفٍ:
_ إيه يابني عز بيه دي، قوله يا عمي عادي إحنا عيلة يا عُبد..
قالها وهو يربت على ذراعه، فأخفض عبدالله بصره على يد عاصم الموضوعة عليه ثم عاود النظر إليه وأردف بجفاء:
_ أكيد..
تلك الأثناء خرجت الخادمة من المكتب ووجهت حديثها إلى عبدالله:
_ اتفضل، عز بيه في انتظارك
ولج عبدالله على الفور دون أن يستأذن من عاصم، توجه إلى المكتب حيث يجلس عز الذي أشار إليه بالجلوس وتابع انتهاء مكالمته الهاتفية، ثم نظر إلى عبدالله وقال بصوتٍ رخيم:
_ مفيش راحة أبدًا، شغل حتى يوم إجازتي
_ ربنا يعين حضرتك
قالها عبدالله ثم واصل ما جاء لأجله:
_ كنت جاي أبلغك إني هسيب الشغل..
شعر عز بالريبة وتساءل باهتمامٍ:
_ يارب يكون السبب خير، ميكونش حد ضايقك
نفى عبدالله وجود أي مضايقات:
_ لا لا، بس أنا نويت أشتغل شغل خاص بيا..
ابتهج عز وقابل كلامه بإبتسامة هادئة، ثم قال بنبرة رزينة:
_ على الرغم إني فرحان لك، بس أنت هتخليني أعيش قلق من تاني على ڤاليا، أنا كنت مأمِن عليها معاك، لكن لسه هندور على حد تاني والله أعلم هيكون كويس ولا لأ، وطبعًا على ما يظهر لنا شخصيته بعيش أسوء لحظات وهي برا البيت..
شعر عبدالله بالحرج، وأنه ينسحب فجأة من معركةٍ عليه حسم النتائج بها، وهذا ليس مش شيمه، ابتلع ريقه وأخذ يفكر قليلًا قبل أن يأخذ قراره الأخير:
_ طب أنا ممكن أفضل هنا لغاية ما حضرتك تلاقي حد ثقة..
_ المهم ميكنش القرار دا هضايقك ويقف قدام مستقبلك..
قالها عز مهتمًا لأمره، فتشدق عبدالله ساخرًا وأوضح:
_ مستقبلي جه متأخر مفيش فيها حجة لو أتأخر كمان شوية..
ثم ابتسم له ليخفف من عليه الحرج واستأنف بجدية:
_ أنا تمام، معنديش مشكلة بس ياريت حضرتك تشوف حد في أقرب فرصة..
_ أكيد مش هطول متقلقش، شكرًا يا عبدالله أنت إنسان متفهم ونعمة الأخلاق يا حبيبي
أردفها عز مُمتنًا له، فبادله عبدالله إبتسامة ودودة ثم استأذن منه وانسحب من المكتب، فتفاجئ بخروج ڤاليا تنادي على الخادمة، لكن سرعان ما التفت عبدالله حتى لا ينظر إلى مظهرها المثير التي كانت عليه.
لوهلة شعر أنها لا ترتدي شيء، توقفت ڤاليا عن السير وتعجبت من حالته وقالت:
_ عبدالله، بتعمل إيه هنا؟
ردّ دون أن يلتفت:
_ كنت بتكلم مع عز بيه ونازل.. بعد إذنك
كان يريد الفرار من أمامها لكنه تريث حين وجد بعض الشباب يصعدون الدرج ومعهم الخادمة مُعرفة عن هويتهم لڤاليا:
_ مصففين الشعر وصلوا يا آنسة ڤاليا
صعق عبدالله لحظتها، وشعر بالنفور الشديد مما يحدث، كاد يتابع نزوله إلا أن ڨاليا أوقفته بكلامها:
_ عبدالله، إيه رأيك تجيب أختك تقضي اليوم معانا، وتعمل شعرها، أكيد هي في فترة صعبة ومحتاجة حد يخرجها من المود..
بهجومٍ أظهر عبدالله استيائه مما تفعله:
_ اختي مبيلمسهاش رجالة، دا غير إنها محجبة يعني ملوش لزوم تعمل شعرها، عن إذنك..
قالها ولم ينتظر ردّ، تابع نزوله تحت صدمتها من رده، شعورٌ سيء قد أحست به من خلف كلماته القاسية، ناهيك عن نفورها لنفسها التي أغواها الشيطان وتتبعت شيء حرام عليها فعله من أجل أن تصبح جميلة.
استدارت بجسدها ورمقت باب غرفتها قبل أن تتوجه إليها، دلفت بخُطاها وبنبرةٍ هادئة قالت:
_ اطلعوا برا، مش عايزة حد في الأوضة
تفاجئ الجميع بطردها لهم، وأخذوا وقتًا يستوعبون به ما إن كانت تمزح أم أن هذا حقيقة، فلم تعد تحتمل ڤاليا وجودهم أكثر من ذلك وصرخت فيهم عاليًا:
_ قولت اطلعوا برا!!
هرول الجميع إلى الخارج، كما حضر والديها إثر صراخها، وكان عن أول من تساءل بريبة وهو يرى خروج المصففين من الغرفة:
_ في إيه يا ڤاليا بتصرخي كدا ليه؟ والناس دي راحة على فين؟
لم تُجيبه بل توجهت إلى الفراش وجلست على طرفه ثم رفعت عينيها في عيني والدها وقالت بصوتٍ متحشرج يهدد بالبكاء:
_ أنا حاسة بإحساس وحش أوي يا بابي..
وما أن قالتها حتى تفاجئوا بنوبة بكاء شديدة قد هاجمتها، ركض عز ونهال بقربها، وجلسا على جانبيها متعجبين من أمرها، ضمها عز إلى حضنه وتساءلت نهال بقلقٍ من حالتها المريبة:
_ مالك يا فيفو، إيه اللي حصل لكل دا؟ وليه الناس دي كانت بتجري كدا؟
من بين بكائها أجابتها بتلعثمٍ:
_ أنا طردتهم، مش عايزاهم هنا، أنا مش عايزة حد يلمس شعري..
ربت عز على ظهرها بحنانٍ وهو يردد:
_ اهدي يا حبيبتي، مينفعش تكوني متوترة كدا يوم خطوبتك، قومي وكملي اللي كنتي بتعمليه عشان تكوني جاهزة، ومامي هتبقى معاكي لو احتجتي لحاجة..
نهض عز وأشار إلى نهال بعينيه موحيًا إليها أن لا تتركها بمفردها، فأمأت نهال وانتظر حتى خروجه وسألتها بلطفٍ:
_ ممكن أعرف إيه سبب اللي حصل دا؟
مش حابة أتكلم في حاجة دلوقتي..
قالتها ڤاليا بحزنٍ جلي على وجهها ويطغوا على نبرتها، فتحدثت والدتها قائلة:
_ طب قومي اساعدك تجهزي..
أطالت ڤاليا النظر عليها ثم نهضت وتابعت التحضيرات بوجهٍ عابس فكلمات عبدالله لا تريد الإقتلاع عن عقلها.
***
خرج عبدالله من الفيلا فوجد سيارة والده في انتظاره، توجه إلى السائق ومال بجزعه مستندًا به على نافذة السيارة وسأله:
_ هنروح على فين؟
أجابه بعملية:
_ في الفيلا عند قاسم بيه..
أعاد عبدالله انتصاب قامته، نظر يمينًا ويسارًا ثم توجه إلى الجانب المقابل وقام بركوب السيارة، تحرك السائق متوجهًا إلى الفيلا المُقيم بها عائلة قاسم.
بعد مرور بضعة دقائق؛ صف السائق السيارة داخل الفيلا، ترجل عبدالله وتفقد المكان سريعًا ثم وجد أبيه في استقباله، يقف على الباب مبتسمًا لحضوره:
_ نورت البيت يا عبدالله..
اكتفى عبدالله ببسمةٍ لم تتعدى شفتيه، فالمكان لا يروق له التواجد به، لكنه مضطر، ولج برفقة قاسم الذي أخبره ببعض التفاصيل:
_ كلمت اللي المكان اللي بتعامل معاه وبعتولي كذا بدلة، إطلع شوف اللي يناسبك فيهم، عشان تظبط شعرك، أنا جايب لكم اصطف كامل يبقى تحت خدمتك أنت وأخوك.. مش عايز أي حاجة تكون نقصاكم النهاردة..
تعمد قاسم ذِكر العلاقة التي بينهما، حتى يُشعره بالألفة تجاه أخيه، بينما ابتلع عبدالله ريقه وقال:
_ على فكرة أنا يعتبر سيبت الشغل عند عز.. قولتله بس هفضل يومين كدا على لما يلاقي حد تاني..
أسرت السعادة قلب قاسم، وربت على كتف عبدالله وهو يُتمتم:
_ عين العقل يا حبيبي، دا اللي المفروض كان يحصل من زمان.. نخلص من الخطوبة ولينا قاعدة مع بعض نتكلم فيها عن أي مشروع أنت جايب تعمله..
تلك الأثناء، حضرت حورية التي استنكرت وجود عبدالله لكنها لم تُظهر، وبجفاء في أسلوبها قالت:
_ إزيك يا عبدالله؟
_ كويس..
اكتفى بقولها، ثم وجه بصره على والده وقال:
_ هغير فين؟
مر قاسم بجوار حورية دون أن يكترث لوجودها، ورافق عبدالله حتى وصلا إلى الغرفة التي أعدّها له، وقف على الباب وقال:
_ قيس وشوف المناسب وأنا برا، نادي عليا..
هز عبدالله رأسه بقبولٍ، ثم أغلق قاسم الباب بينما وقف عبدالله واضعًا يديه في منتصف خصره، يُطالع ما حوله بتِيه، لم يعتاد ذلك، ولا يشعر بالراحة، لكنه سيُجبر ذاته على الإعتياد، هذا كله من حقه، يكفي معاناة لهذا القدر، عليه إلقاء حِمله على أحدهم قليلًا.
أسقط نظره على الفراش وبدأ يرتدي ليرى أي منهما المناسبه له، فكان الأنسب من بينهم ذات اللون الأسود، كانت تليق بجسده كثيرًا، زادته وسامة وجاذبية، وقف يتفقد نفسه في المرآة وبعد أن اختارها ذهب إلى الخارج فلم يجد والده، فسار في الأرجاء ربما يجده.
توقفت قدميه عِند سماع صوته في أحد الغرف، وقف ينظر بها فوجده برفقة آدم، طرق الباب فرحب به قاسم بإبتسامةٍ:
_ تعالى يا حبيبي..
لم يتفاجئ آدم بوجوده، فهو على علم بحضوره، طالعه من خلال المرآة دون أن يلتفت، فشعر بالغيرة قليلًا لمظهره الجذاب، حقًا كان مثير، لن ينكر، فشل حينها في عقد رابطة عنقه عندما شرد بحالة أخيه.
فانتبه عليه عبدالله، ثم توجه نحوه تلقائيًا ووقف أمامه قائلًا:
_ خليني أساعدك..
لم يرفض آدم وأعاد يديه إلى جانبه فتولى عبدالله عقد رابطته، وقف قاسم في الخلف مستندًا على الجدار يطالعهم بسعادة لن تستطع الكلمات وصفها، تمنى لو تدوم تلك اللحظة الحميمية إلى الأبد، بينما فرغ عبدالله من عقد الرابطة وقال:
_ تمام كدا؟
_ ألقى آدم نظرة سريعة على نفسه ثم أعاد النظر إلى عبدالله وردد مختصرًا:
_ تمام
فتدخل قاسم موجهًا حديثه إلى عبدالله:
_ يلا يا عبدالله عشان تخلص أنت كمان قبل ميعاد الحفلة..
أماء عبدالله وتقدم بخُطاه نحوه فأمسك آدم ذِراعه مانعه من مواصلة سيره، التفت عبدالله برأسه ناظرًا إلى يد آدم المُمسكة به ثم رفع بصره عليه ليستشف ماذا يريد.
فأخذ الآخر وقتًا يرتب كلماته التي خرجت بترددٍ:
_ شكرًا..
أطال عبدالله الصمت وهو يطالعه، يتذكر كم من المرات التي تسبب في أذيته، لم يستطع التخطي بسهولة، فاكتفى بالرد على امتنانه فقط دونًا عن الأحداث الأخرى:
_ العفو..
أزاح آدم يده ثم تابع عبدالله خروجه وعاد إلى الغرفة ليستكمل بقية التجهيزات.
***
كان شاردًا يستند برأسه على حائط الفراش، طرقت والدته باب غرفته ثم دلفت إليه، متعجبة من حالته، فهو لم يشعر بها، وقفت أمامه وهتفت مُمازحة إياه:
_ هي آكلت عقلك للدرجة دي يا وليد؟
انتبه وليد على كلامها وشكل ابتسامة عذبة على محياه، ثم أعدل جلسته وأشار إليها بالجلوس مُرددًا:
_ اقعدي..
جلست عزة بجواره ثم سألها وليد بحماسة ظاهرة في صوته:
_ إيه رأيك في خلود؟
عقدت عزة ما بين حاجبيها بريبة ورددت دون إدراك كامل لسؤاله:
_ من نحية إيه؟
_ كل حاجة، عمومًا..
هتفها فنظرت أمامها لبرهة تُجمِع كلماتٍ ثم أردفت ما يدور في عقلها:
_ جميلة ورقيقة ومؤدبة.. مش عارفة أقول إيه أكتر من كدا..
أعادت النظر إليه وتساءلت بفضولٍ:
_ أنت بتسأل ليه؟
بلهفةٍ لإخبارها بالأمر قال:
_ أنا عايز أخطبها!!
فغرت عزة فاها بدهشة جلية؛ وتمتمت مذهولة:
_ أهي دي آخر واحدة أتوقعك تقولي إنك هتخطبها!
تشكلت معالم الريبة من كلماتها على وجهه، وردد سؤاله:
_ إيه دا ليه كدا؟
_ يا بني أنت مش شايف أنت وهي مع بعض إزاي، ناقر ونقير طول الوقت، اللي يشوفكم من برا يقول مبتحبوش بعض، مستتقلين بعض، فطبعي أكون متفاجئة وأنت بتقولي عايز تخطبها!
قالتها موضحة سبب تفاجُئها بالأمر، بينما تحدث وليد بأسلوبٍ حماسي آثار ضحك عزة:
_ ماهي دي البدايات، معروفة أي اتنين مش مستلطفين بعض، اخرتهم مقفول عليهم باب واحد!
إزدادت ابتسامة عزة بهجة، وهللت بفرحة عارمة:
_ مش مصدقة إني هفرح بيك أخيرًا، ربنا يكتب لك الخير يا حبيبي، طب ها، هتكلم عمك امتى؟
وضع وليد قدم على أخرى وأخبرها عما ينوي فعله أولًا:
_ لا حابب أتكلم مع زكريا الاول وبعدين إحنا الاتنين نتكلم مع عمي..
ربتت عزة على ظهره بحنانٍ وفرحة قبل أن تُردف:
_ البت شقية وروشة وتتحب، أكيد شغلتك بشقاوتها..
تقوس ثغر وليد للجانب مشكلًا بسمة عذبة، وقلب عينيه بخجلٍ قبل أن يُعقب:
_ كلها شغلتني يا وزة والله مش حاجة معينة
قهقت عزة عاليًا وضربته بخفه في ذراعه فهب وليد واقفًا وقال:
_ أنا هنزل أتكلم مع زكريا..
خرج من الغرفة بخُطوات مهرولة تحت نظراتها الغير مصدقة ما يحدث معه، بينما أغلق وليد الباب وهاتف زكريا ثم تحدث فور إجابته:
_ زكريا قابلني على القهوة عايزك ضروري
ثم أنهى الإتصال بعد أن أكد عليه مرارًا ضرورة حضوره، وماهي إلا دقائق حتى انضم إليه زكريا وجلس بجواره متسائلًا بقلق:
_ في إيه يابني خضتني؟
_ فيه كل خير
قالها وليد وحاول جمع شتات نفسه المتوترة، كان يهز قدميه دون توقف، شهيقًا وزفيرًا فعل وليد ثم ألقى حديثه دُفعة واحدة:
_ أنا عايز أتقدم لخلود..
تفاجئ زكريا مما سمعه، حدق بوليد قليلًا قبل أن يُبدي استيائه:
_ هي إن مكانتش زينب تبقى خلود؟ أنت عبيط يا وليد، هي أي واحدة كدا والسلام؟!
استنكر وليد ظنونه وحاول إيضاح ما يتعمد عدم رؤياه:
_ ما تحترم نفسك وأنت بتتكلم كدا، وبعدين موضوع زينب دا اتقفل خلاص..
تشدق زكريا بتهكمٍ وهلل:
_ ودا من امتى دا؟ أومال لو مكنتش شايفك وأنت هتموت عليها؟
تتأفف وليد بضجرٍ فلم يتقبل كلمات زكريا، وتحدث بهجومٍ:
_ هموت على مين يابني، زينب واحدة واتقدمت لها ورفضتني، أنا كان جوايا غضب إنها رفضتني أنا عشان تختار حمادة الحرامي، إحساس جوايا خلاني أحس بالنقص وإني قليل وكأن العيب فيا، وكنت مضايق، لكن مكنتش هموت عليها ولا حاجة.. لكن الفرق هنا كبير أوي بين المرتين!
المرة دي أنا واثق من قراري من غير أي ضغط..
لم يُعقب زكريا، بل تطلع في وليد دون حديث، فأثار قلق الآخر وتساءل:
_ ساكت ليه؟
_ مش عارف..
قالها زكريا فشعر وليد بالضيق من رده المُبهم وردد بحنقٍ:
_ هو أنا فيا حاجة تعيبني ياعم زكريا؟
_ يابني لأ، بس أنت فجأة طلعت في دماغك عايز تتقدم لها كدا؟
تساءل زكريا ليتأكد من حُسن نواياه، فأخبره وليد بالحقيقة:
_ لا مش فجأة كدا، الموضوع بقاله فترة في دماغي وعايز أخليه رسمي، قولت أتكلم معاك أنت الأول وبعدين نتكلم مع عمي..
كان زكريا هادئًا أكثر من اللازم، مريبًا بالنسبة لوليد الذي أضاف بحنقٍ:
_ في إيه يا زكريا، أنت عامل في نفسك كده ليه؟
معقول كل دا عشان موضوع الحمل؟
اندفع زكريا في أسلوبه وهو يردد:
_ متشغلش نفسك بيا يا وليد..
لم يحب وليد إطالة الأمر، إذا لم يرحب زكريا بذلك، فنهض وحثه على النهوض أيضًا:
_ طب قوم نروح نتكلم مع عمي..
ببرودٍ تحدث زكريا وهو يرفع رأسه ناظرًا إلى وليد:
_ أنت مستعجل على إيه؟
استاء وليد منه للغاية، رمقه بنظراتٍ مشتعلة ثم تركه وغادر دون إضافة المزيد، فلحق به زكريا مناديًا عليه:
_ استنى جاي معاك
لم يأبى له وليد وتابع سيره حتى بلغ بيتهم، فأسرع زكريا من خُطاه وقال:
_ اصبر بقى أنا هتكلم معاه الأول..
_ دلوقتي يا زكريا، أنا عايز أتكلم دلوقتي!
هتفها وليد بنفاذ صبر، فحرك زكريا رأسه بضيق وأسبق خُطاه إلى الأعلى، طرق باب شقة والديه ثم فتح بالمفتاح الخاص به فوجد شقيقتيه أمامه فأمرهن بالتحرك العاجل:
_ ادخلوا الأوضة معايا وليد..
نهضتا مسرعتين وولجن غرفتهن، بينما دعى زكريا وليد إلى الداخل، وأعطى خبرًا لوالديه بوجوده، تجمع أربعتهم في المكان، تبادل محمد النظرات مع الجميع وتساءل بقلق:
_ أنتوا عملتوا مصيبة ولا إيه؟
ردّ عليه زكريا موضحًا:
_ لا يا بابا محصلش حاجة، بس وليد كان جاي وعايز يتكلم معاك في موضوع..
نظر زكريا إلى وليد لبدء الحديث، فوجده يتعرق وقد كست الحُمرة وجهه، فلم يستطع منع ابتسامته الساخرة على حالته، تفاجئ محمد بحالة وليد وتأكد أن هناك كارثة على وشك معرفته بها:
_ مش بقولكم في مصيبة، انطقوا حصل إيه؟
تولى زكريا إخبار والده بتلقائية عندما فشل وليد في التحدث:
_ مفيش مصيبة يا بابا، وليد كان عايز يتقدم لخلود!
مفاجئة لم تكن في حُسبان محمد وخصيصًا هناء التي اتسعت عينيها مذهولة، فذلك كان آخر شيئًا تتوقعه، إلتزمت الصمت في حضور الرجال، بينما ابتسم محمد لحالة وليد وعلق:
_ وش الكسوفا مقابلتوش قبل كدا
إلتوى ثغر وليد ببسمةٍ لم تتعدى شفتيه من فرط خجله، لكزه وليد وحثه على بذل مجهودًا ولو قليل، فحمحم وليد وحاول تجميع بعض الكلمات:
_ بصراحة يا عمي أنا حابب اتقدم لخلود بشكل رسمي..
_ وأنا هلاقي أحسن منك أأمنه على بنتي فين يا وليد؟!
قالها محمد بسعادةٍ غامرة، فهو على دراية بحُسن خُلقه، فهو صنيع يديه، ابتهج وليد وقد أسر قلبه السعادة وردد دون تصديق:
_ يعني حضرتك موافق يا عمي؟
_ الرسول قال 'إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزجوه' وأنت تربية ايدي يعني عارف كويس أخلاقك وإزاي بتخاف ربنا، واللي يتقي ربنا في أفعاله وتصرفاته هيتقي ربنا في بنتي
قالها محمد بثقة وسعادة، فكان يتمنى لإبنته زوجًا
كوليد لا يوجد ما يعيب رجولته، بينما استاء زكريا من كثرة ملاطفات أبيه وعلق بتهكم:
_ هو مين دا اللي أخلاقه عالية؟ وليد!!
عنفه محمد قائلًا:
_ خليك أنت نصه بس وتعالى اتكلم
انفجر وليد ضاحكًا وهو يطالع زكريا الذي يشع من عينيه الغيظ، وعقب بفتورٍ:
_ هي بقت كدا، ملقتش إلا دا وابقى زيه
لكزه وليد بعنفٍ في كتفه وهدر:
_ ما تسكت شوية، هتبوظ لي الجوازة
بثقة ردّ عليه زكريا:
_ يا حبيبي أنا لو مش عايزها مش هتم..
رفع يده نحو وليد وأضاف بعجرفة:
_ حِب على إيد عمك يالا، وآه بعد كدا تقولي يا عمي
ضرب محمد يد زكريا بقوة وهتف:
_ ولما يقولك يا عمي يقولي إيه؟ اتلم بقى..
أعدل وليد ياقة قميصه بتعالٍ وهو يرى دعم عمه الكامل، ثم أردف بجدية:
_ طيب طلاما فيه قبول، نتكلم في التفاصيل وقت تحدده حضرتك يا عمي وتكون معايا امي..
_ يا نوغة..
علق زكريا ساخرًا فصاح محمد مستاءً:
_ زكريا، عيب كدا بجد
شكل زكريا قفلًا على فمه بيده، وإلتزم الصمت بينما تحدث محمد بصوتٍ أجش:
_ تعالوا الوقت اللي تحبه، وأنا برده هاخد رأي العروسة، الرأي اللي أهم من الكل
_ طبعًا طبعًا يا عمي
قالها وليد وهو يكاد ينفجر ضاحكًا فالرد قد أتاه سابقًا، نهض واستأذن منهم ليغادر.
داخل الغرفة؛ كانت تتابع خلود ما يحدث خلف الباب برفقة عليا، ثم نظرتا إلى بعضهن البعض وصرخت خلود بفرحة، فأسرعت عليا في احتضانها بسعادة بلغت نصابها، ثم ابتعدن عن بعض وظلت خلود تتراقص وتقفز في الغرفة دون توقف، حتى تفاجئن باقتحام هناء الغرفة فرددن بصدمة في صوتٍ واحد:
_ ماما!!
***
وقف قاسم في الخارج ما أن انتهى من ارتداء حُلته الكلاسيكية السوداء، وقف مستندًا على سيارته في انتظار ظهور أبنائه، ترجل كليهما سويًا وخرج من البيت فنالوا إعجاب قاسم الذي أعدل وقفته وتطلع بهم بسعادة لا توصف.
خفق قلبه بقوة وهو يرى أبنائه في مظهرٍ يخطف العين ويسرق القلوب من فرط جماله، ابتسم بجاذبية وتوجه إليهما مُبديًا إعجابه الشديد:
_ ولا غلطة، ربنا يحميكم يارب
توجه قاسم إلى آدم أولًا وقام باحتضانه مرددًا:
_ مبروك يا حبيب قلبي
_ الله يبارك فيك يا بابا
قالها آدم بمزاج سوي، ثم توجه قاسم إلى عبدالله وغمزه قبل أن يضُمه بقوة هاتفًا:
_ وعقبالك يا حبيبي لما أفرح بيك قريب
اكتفى عبدالله بمبادلته العناق بحميمية دون تعقيب، تراجع قاسم للخلف ونظر إلى حضور حورية وقال:
_ كدا جاهزين، يلا عشان منتأخرش على الناس
انتبهوا على صوت حورية التي اقتربت من آدم وقالت بجمودٍ:
_ أنا هروح مع آدم..
قالتها ظنًا أن عبدالله سيُرافق والده في السيارة، بينما لم يُبدي قاسم رفضه، وهز رأسه بقبولٍ، فتوجه آدم برفقة والدته إلى سيارته، بينما أسبق عبدالله خُطاه إلى سيارة أبيه فأوفقه قاسم قائلًا:
_ رايح فين يا عُبد؟
_ هركب..
قالها عبدالله بتلقائية فرفض الآخر ذلك:
_ بصراحة بقى أنا مش بحب شريك..
قطب عبدالله جبينه بعدم فهم، فأشار قاسم بيده إلى أحد العاملين، فتفاجئ عبدالله باقتراب سيارة أحلامه، ترجل السائق وأعطى قاسم مفتاح السيارة فتوجه الآخر إلى عبدالله وقام بفتح يديه ووضع المفتاح بها مرددًا:
_ كل واحد يروح بعربيته
كانت مفاجئة عيارها ثقيل للغاية، لم يستوعب عقله ما يحدث، ظل يُحدق بوالده للحظاتٍ قبل أن يردف سؤاله بتِيه:
_ أنت، أنت عرفت إزاي؟ دا كانت من عربية أحلامي!
إلتوى فم قاسم للجانب مبتسمًا بجاذبية وأجابه:
_ العربية موجودة من أول لمسة لمستها لعربية عاصم ابن عز!!
فغر عبدالله فاهه بدهشة آكلت عقله، ابتلع ريقه وهو يسأله:
_ أنت إزاي عرفت ولا شوفتني فين؟
غمزه قاسم بمشاكسة قبل أن يُخبره بتعالٍ وثقة في نبرته:
_ أنا ليا عيون في كل مكان، النفس اللي بتتنفسه أنا على علم بيه يا عبدالله.. فدي كانت حاجة سهلة عليا أعرفها
مد قاسم يده إلى العامل فأعطاه بعض الأوراق، تفقدها قاسم سريعًا وناولها إلى عبدالله موضحًا ماهم:
_ أوراق العربية والرخصة وكل حاجة تخصها..
بذهولٍ تام هتف عبدالله وهو يأخذ منه الأوراق:
_ ودول خلصتهم إزاي من غيري؟
مال قاسم برأسه قليلًا وضاق بعينه وهو يطالعه باستنكارٍ لتقليله من شأنه ثم ردد بعجرفة:
_ الظاهر إنك لسه متعرفش مين قاسم القاضي، بس مش مشكلة واحدة واحدة هتعرف
تلك الأثناء ظهرت ابتسامة على شفتي عبدالله وهو يتناوب النظر بين أبيه والسيارة، فاستشف قاسم ما يشعر به وحثه على ركوبها بيده التي تربت على ذراع عبدالله:
_ روح اركبها يلا..
هرول عبدالله كطفلٍ يطوق لتجربة لُعبته الجديدة، لكنه تريث وعاد إلى والده من جديد وقام باختراق صدره بذلك العناق المفاجئ، قهقه قاسم بسعادة سكنت قلبه وبادله العناق بحميمية وكأنه كان بحاجة إليه منذ زمنٍ، تراجع عبدالله للخلف وأبدى امتنانه الكبير إليه:
_ شكرًا
ربت قاسم على ظهره بحنو، وهتف بصوتٍ رخيم:
_ العفو يا سيدي..
فعاود عبدالله مواصلة تقدمه نحو السيارة وقام بركوبها، أخذ وقتًا وهو يتعرف عليها من الداخل، وما أن انتهى حتى دعس على المحرك وبدأ يتحرك بها حتى خرج من الفيلا.
وبعد مرور وقتٍ وصلت عائلة قاسم إلى فيلا عز؛ كان لهم حضورًا طاغي آثار نظرات الجميع عليهم،
دلف آدم الفيلا وبيديه باقة من الزهور الرائعة ليصطحب ڤاليا إلى مكان الحفل، صعد إلى الطابق العلوي فتفاجي بأصدقائها اللواتي يقفن في الأرجاء ولا يسعهن المكان من كثرتهن.
طرق باب غرفة ڤاليا ثم ولج عندما سمحت له، كانت بعض الفتيات يقفن حول ڤاليا يخفونها، فابتسم آدم وقال مُمازحًا:
_ إيه يا فيفو إحنا فينا من الحركات دي برده؟
تنحت الفتيات جانبًا فظهرت ڤاليا في طلتها التي أسحرت آدم وخفق قلبه بقوة من هول المفاجأة، تفقد حجابها بعينين مذهولة، نظر في عينيها وهتف عاليًا:
_ هو اللي أنا شايفه دا بجد؟
أماءت برأسها مؤكدة فابتهج آدم ودقت طبول السعادة قلبه، اقترب منها وناولها باقة الزهور وهو يردد متغزلًا بجمالها:
_ أحلى ورد لأجمل وردة..
أخفضت ڤاليا رأسها في حياء شديد، فأضاف آدم دون تصديق:
_ شكلك حلو أوي بجد، شكرًا إنك عملتي كدا من نفسك.. أنا فرحتي بقت اتنين النهاردة
أخذت ڤاليا نفسًا وزفرته على مهل، فهي إلى الآن لا تستوعب قرارها المفاجئ، لكنها حتمًا فعلت الصواب وذلك ما تحاول إقناع عقلها به، مد آدم ذراعه لها فتعلقت به وتلك اللحظة راودها شعور الضيق وعدم الراحة، نظرت إلى يسارها متفقدة آدم بملامح عابسة، وبقلبٍ قلِق لا يود إكمال تلك الخطبة، لكن الوقت قد تأخر للغاية، عليها مجاراة ما يحدث من أجل الحضور.
في الغرفة المجاورة، كانت تقف أمام المرآة تطالع فستانها الرائع، ذات التصميم الفريد من نوعه، وكأنه صُمِم فقط من أجلها، نظرت إلى وجهها الناعم الرقيق الذي يُغلفه بعض المساحيق التجميلية التي برزت جمالها.
ثم تذكرت أنها ترتدي فستانها من أجل عاصم، رجلًا لا تحبه ولم يكن في حُسبانها مطلقًا، شعرت بالنفور من نفسها، أعادت النظر إلى المرآة فشعرت بالسخط، رفضت الخروج بذلك النظهر لغير مكانته، إن لم يكن كما تمنت يومًا فلن تنافق ذاتها.
وسرعان ما قامت بخلع فستانها وتبديله بفستان آخر كلاسيكي، كما مسحت وجهها ولم تترك اثرًا لأي مساحيق به، عاودت النظر إلى صورتها وشعرت بالرضا حينها.
انتبهت على نداء عاصم الذي لم يتوقف منذ فترة:
_ صبا ردي عليا إحنا اتاخرنا أوي بتعملي إيه كل دا؟
وما أن أنهى جملته حتى تفاجئ بخروجها بتلك الهيئة، رمقها بصدمةٍ جلية، حدق بها مذهولًا وهو وهدر:
_ إيه دا؟ فين الفستان والميك آب؟ ليه عملتي كدا؟
_ مش قادرة أنافق نفسي أكتر من كدا.. حاولت إني اجاري اللي بيحصل عشانك بس مش قادرة، مش هكون مرتاحة يا عاصم لو سمحت افهمني.. أنا مش هينفع ألبس فستان لواحد أنا مش بحبه!
خرجت كلماتها كالسكين الذي قطع قلب عاصم إلى إربًا، ازدرد ثم تنفس بعض الهواء وأردف:
_ آه يعني أنتِ بتقولي إن مفيش أي فرص لينا مع بعض خالص!!
ترقرقت الدموع في عينيها، وبصوتٍ يغلفه البكاء قالت:
_ أنا من أول ثانية عرفتك إني مش هقدر أديلك حاجة، لا مشاعري ولا قلبي ولا حتى مظهري..
أنا قولتلك عشان لو هتقدر تتقبل الوضع منكتبش الكتاب وانت أصريت نكتبه وقولتلي كل دا ميهمنيش، أنا حابب أساعدك وأقف جنبك..
أنا احترمتك جدًا وبناءً عليه واقفت يكون في بينا رابط شرعي عشان المساعدة دي تكون في إطار حلال، لكن إنك تستني مني حاجة تانية والله مش هقدر أعمل كدا..
بخيبة أمل نظر إليها عاصم لبرهة، ثم ردد بنبرة جافة:
_ تمام.. عندك حق أنا اللي شكلي نسيت
أولاها ظهره وكاد يغادر لكنه تريث وقال دون أن ينظر إليها:
_ يلا ننزل..
تَبِعته صبا إلى الحفل، كانوا كالأغراب الذين لا يمتون لبعضهم بصلة، كان الجميع متفاجئ بارتداء ڤاليا الحجاب، ووضع صبا الذي لا يدل على كونها عروس.
أخذ كل شخصٍ مكانه، فتوجه عبدالله برفقة قاسم ليباركا للعروسين، وقف عبدالله بطلته الساحرة أمام صبا التي لم يتوقف قلبها عن النبض بعنفٍ، تفقدت هيئته الجذابة والتي كانت مرتها الأولى لرؤيته وسيمًا بشكلٍ مبالغ كتلك المرة.
نظرت إلى ذقنه التي نبتت بشكلٍ ملحوظ كما تمنتها دومًا، تطلعت في عينيه اللامعة الذي يخفي خلفها تكبُرٍ لم يليق به، لا يُشبهه، خرجت من شرودها على صوت عاصم الذي قال:
_ سلمي يا صبا..
تلك اللحظة نظر عبدالله وصبا إلى بعضهما البعض ثم رفعا يديهما ووضع كل منهما يده على صدره، كما اعتادا دومًا، مصافحة دون تلامس.
فتحولت الأنظار عليهما، كيف فعلاها سويًا دون تخطيطٍ مُسبق، فتدخل عاصم متسائلًا بغرابة:
_ أنتوا إزاي عملتوا نفس الحركة مع بعض؟!
رمقه عبدالله بطرف عينيه؛ وأجابه بإبتسامة جافة ليس بها روح:
_ زي ما اتعودنا دايمًا نعملها!!
الفصل السادس والعشرون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم تسنيم المرشدي
لحظاتٍ حابسة للأنفاس؛ تجمدت صبا مكانها تُحدق في عبدالله بذهول، وكذلك عاصم الذي تطلع في عيني عبدالله بنظراتٍ مُبهمة، أثارت كلماته الشك حولها، بينما أمسك قاسم ذراع عبدالله وحاول جذبه للخلف حتى لا يقع بلسانه.
لكنه لم يهتم، بل ظل واقفًا بثباتٍ يتناوب النظر بين عاصم وصبا ببغضٍ شديد، حتى انتبه على سؤال عاصم الجاد:
_ يعني إيه زي ما اتعودتوا دايمًا؟
تقوس ثغر عبدالله ببسمةٍ باهتة قبل أن يُخبره قائلًا بصوتٍ أجش وهو ينظر إلى عيني صبا:
_ الدكتورة مقالتلكش إننا ولاد حارة واحدة؟
زم عبدالله شفتيه للأمام مبديًا استيائه، ثم وجه حديثه إلى صبا معاتبًا:
_ إحنا كنا أهل وجيران قبل ما تيجي أنت يا باشمهندس وتخطفها..
كان عاصم متفاجئًا بما يسمعه، لم يروق له أسلوب عبدالله في الحديث، وكأنه يُلمح لشيءٍ خفي يجهله عاصم، انتبه عبدالله على يد والده الذي شدت على ذراعه يحثه على التوقف بهمسٍ:
_ كفاية يا عبدالله..
لم يكترث له بل أضاف مُتصنعًا سعادته لهما:
_ ضروري نقعد مع بعض ونعرف قصة الحب دي بدأت إزاي؟
_طبعًا أكيد
قالها عاصم بودٍ، بينما انسحب عبدالله على الفور، فنظر عاصم إلى صبا التي تُجاهد في إخفاء توترها
لكن هيهات له لقد لاحظ نظراتها التي تتابع عبدالله ولمعتها المتأثرة، وقف عاصم مقابلها وقبل أن تلاحظ فعلته وضع يده على قلبها فوجده في عنفوانه، أعاد النظر إليها عندما تفاجئت بتصرفه وقال:
_ اتوترتي كدا ليه؟
أزاحت صبا يده عنها ورددت معاتبة:
_ أنت بتعمل إيه؟
بعيون ضائقة سألها بجدية:
_ مقولتيش ليه إنك تعرفي عبدالله قبل كدا؟
ابتلعت ريقها، وحاولت التظاهر باللامبالاة قبل أن تجيبه:
_ قولت لك قبل كدا مش كل حاجة أنت عارفها عني، ومقولتش ليه لأن مفتكرش إننا بنتعامل كزوج وزوجة طبيعيين عشان نحكي في حياة بعض، مش كدا ولا إيه؟
رفض عاصم الإستسلام تلك المرة؛ أعاد وضع يده على قلبها وهتف:
_ طب قلبك نبضاته سريعة كدا ليه؟
أعادت صبا ابعاد يده ثانية، ثم قامت بوضع يدها على صدره وأردفت بفتور:
_ وأنت كمان قلبك بينبض، ليه؟ مش عشان دا الطبيعي مثلًا..
دنا منها عاصم وهمس بقُرب أذنها:
_ لا مش الطبيعي، وقت ما كنا في أمريكا لما كنتي بتاخدي جرعة المهدئات كنت بطمن عليكي من نبضاتك، حتى في أسوأ لحظاتك مكانتش بتكون كدا!
تراجع للخلف خُطوة؛ وتقابل مع خضروتاها اللامعتين وأضاف:
_ يا ترى إيه السبب؟
أطالا كليهما النظر في عيون بعض، لم يكن لدى صبا ما تخبره به، شعرت بمُحاصرته لها وإن مرت دقيقة أخرى عليها ستخر مغشي عليها، تلك الأثناء ظهرت أصواتًا من خلف عاصم أجبرته على الالتفاف والنظر إلى أصحاب الأصوات.
كانوا أصدقائه طوق نجاتها تلك اللحظة، فأخرجت أنفاسها التي حبستها داخلها، بينما أخذ عاصم ترحيبًا حار من قِبل أصدقائه حيث هتف شابًا منهم:
_ والله عيب يبقى بقالك فترة هنا ومتعبرناش يا أخي.. الجواز بينسي للدرجة دي؟
مال الشاب برأسه متفحصًا صبا بنظرة سريعة قبل أن يعود إلى عاصم ويردد:
_ لا عندك حق تنسانا، حلو...
لم يدعه عاصم يواصل حديثه حيث وضع كفه على فمه مانعه من الكلام، وقال محذرًا:
_ لا دي مراتي مش صاحبتي، فاهدى كدا واعرف أنت بتقول إيه
غمزه عاصم واستأنسف وهو يضبط له ياقة قميصه:
_ ها اهدى يا عم أنس
دنا منه أنس وأخبره بالكارثة التي في انتظاره:
_ بمناسبة صاحبتك، سلمى أصرت تيجي تباركلك بنفسها..
تفاجئ عاصم بما وقع على مسمعه، وتساءل بحنقٍ:
_ هي فين؟
_ بتركن العربية..
قالها أنس فالتفت عاصم برأسه ناحية صبا وقال:
_ راجع لك تاني...
ثم توجه إلى الخارج لكنهما تقابلا في منتصف الحديقة، فهتف عاصم بضيقٍ:
_ لفي وارجعي تاني، هنتكلم برا
_ لأ، مش قبل ما أسلم على العروسة..
قالتها سلمى ثم توجهت ناحية صبا تحت نظرات عاصم المستاءة، كز أسنانه بغضبٍ وسرعان ما تحرك خلفها حتى لا تفتعل تصرفاتٍ حمقاء هو لا يريد حدوثها.
وقفت سلمى أمام صبا بإبتسامةٍ خبيثة وقامت بمد يدها مرددة:
_ مبروك عليكي عاصم..
ضاقت سلمى بعينيها محاولة تذكر أين رأتها من قبل، ثم اتسعت حدقتيها عندما تذكرت وهتفت عاليًا:
_ مش أنتِ الدكتور اللي كانت بتعالج عاصم في المستشفى؟
أماءت صبا مؤكدة ففغرت سلمى فاها بصدمةٍ، ثم أدارت رأسها رامقة عاصم وعاودت النظر إلى صبا وأضافت:
_ دا أنتِ تاخدي اوسكار، إحنا ياما اتحايلنا عليه يتجوز ومكنش راضي خالص، معقولة دا! وبالسرعة دي؟
تشدقت سلمى ساخرة واستأنفت وهي تتناوب النظر بين صبا وعاصم:
_ دي عاملة لك سحر بقى!
اقترب منها عاصم وهمس بخفوت:
_ امشي يا سلمى..
نظرت إليه بعيون متوعدة فهدر بها شزرًا:
_ قولتلك امشي..
بصعوبة استطاع عاصم إقناعها، أسبقت بالسير إلى الخارج فتبِعها عاصم حتى ابتعدا عن الأعين، فشد يدها يُجبرها على التوقف واندفع بها:
_ أنتِ إيه اللي بتعمليه دا؟
بانفعالٍ شديد صاحت سلمى:
_ ما أنت حلو وبتتجوز أهو، أومال إيه بقى مليش في الجواز اللي كنت بتقولهالي أكتر ما بتتنفس دي؟
تأفف عاصم بضجرٍ وصاح بنفاذ صبر:
_ عشان هو مش عافية يا سلمى، الجواز مش عافية، وأنا موعدتكيش بحاجة إحنا كنا صحاب عادي أنتِ اللي كنتي مُصرة تقلبي الصحوبية لطريق تاني أنا مكنتش عايزه، فأنتِ ملكيش لي حق تيجي تقفي قدامي وتعاتبيني كأني وعدتك وخِليت بيكي..
توقف عن الحديث وأخذ يلتقط أنفاسه الهاربة وأضاف بنبرةٍ هادئة لكنها لم تخلو من التوعد:
_ إبعدي عني معتش بينا صحوبية أو غيره، أنا دلوقتي واحد متجوز والكلام اللي كنت بعديه منك قبل كدا مش هسمح لك بيه دلوقتي!
ألقى نظرة أخيرة عليها وأردف قبل ذهابه:
_ عن إذنك..
ثم عاد إلى الحفل ووقف بجوار صبا بملامح عابسة، فاليوم لم يُحالفه الحظ في أي شيءٍ مما رتب له، على الجانب الآخر وقف عبدالله مقابل أبيه الذي لامه:
_ ليه عملت كدا؟ إيه الاستفادة إنك تعرفه باللي بينكم؟
دون أن ينظر إليه قال:
_ مش عارف..
وجه نظره على والده واسترسل:
_ بتسأل ليه؟
أوضح له قاسم سبب سؤاله بنبرةٍ جادة:
_ أنت مش شايف إنك ممكن تبوظ لها حياتها بكلامك اللي قولته دا، مش يمكن عاصم يشك في الموضوع ويدور وراكم ويعرف، ووقتها حياة البنت تتلخبط خالص!
_ طب ما تتلخبط، ما أنا حياتي كلها اتلخبطت، اتلخبطت إيه، دي اتشقلبت خالص، معتش باين لها ملامح
هتفها عبدالله بغضبٍ ظاهر، فلم يعجبه قاسم أسلوبه وعاتبه قائلًا:
_ أنا مش حابك تكون كدا يا عبدالله، مش عايز يكون جواك كُره للبنت، عايزك تحط لها عذر..
صمت قاسم عندما تفاجئ بنظرات عبدالله الذي يتلهف لسماع شيءٍ يجعله أكثر هدوءًا اتجاهها، استشعر قاسم ذلك وتابع موضحًا:
_ أنا مش بقولك كدا عشان تخلق أمل جواك برجوعك ليها، بس عشان تقدر تسامح.. تقدر تعفو، ضروري نعذر اللي حوالينا ونكون رحيمين بيهم، إحنا مهما شوفنا من الصورة بس مش بنشوفها كاملة، مش بنشوف الجوانب والزوايا، اللي هي بناءً عليهم ظهرلنا صورة قاسية كدا.. صدقني يابني كل واحد أكيد عنده مبرراته
خليك دايمًا متأكد من كدا، سامح لو مش عشانها عشان نفسك، عشان تقدر تبدأ من جديد، تخلق حياة أنت تستحق تعيشها، بس من غير ما يكون فيها غضب وكُره، وأمل على حاجات متنفعش ترجع.. لازم تبدأ وأنت صفحة بيضة مفيهاش أي متعلقات بالماضي..
وضع قاسم يده على كتف عبدالله ثم ابتسم بهدوء وقال:
_ ها، هتفكر في كلامي؟
كان دومًا قاسم ينجح في سلب أي طاقة سلبية بسلاسة من داخل عبدالله، أخذ الآخر يتنفس الهواء ثم هز رأسه مؤكدًا سؤاله، فحثه قاسم على العودة إلى الحفل مرددًا:
_ يلا نرجع، تعالى نقف جنب أخوك
سارا بجوار بعضهما حتى وصلا إلى آدم، جاوره أبيه بينما وقف عبدالله أمامهم، فابتسمت ڤاليا بعذوبة وهي تتفقد كل أنشٍ بعبدالله، لقد لاقى مظهره على إعجابها للغاية، انتبه عبدالله على، ابتسامتها لكنه لم يُعقب فأردفت هي موجهة حديثها إليه:
_ مش هتقولي مبروك على الحجاب؟
بلا مبالاةٍ قال:
_ مبروك..
مالت ڤاليا بقربه وهمست:
_ على فكرة أنت السبب..
قطب عبدالله جبينه فلاحظت هي وأوضحت مقصدها:
_ كلامك الصبح كان صعب عليا أوي، فوقني من غفلتي..
تراجعت ڤاليا للخلف وشكرته ممتنة:
_ شكرًا
كان حوارهما محل انتباه آدم الذي تدخل مستاءً:
_ بتشكريه على إيه؟
مرر عبدالله نظره بينهما ثم انسحب بهدوءٍ دون إضافة الكلمات، بينما أجابت ڤاليا سؤال آدم وعينيها تتبع تحرُكات عبدالله:
_ عبدالله السبب إني مقدرتش أخرج من البيت من غير حجاب..
وكأن أحدهم قد سكب دلو من الماء المثلج على رأس آدم، اتسعت مقلتيه وحدق بها مذهولًا وهو يردد:
_ عبدالله!!
أومال كلامي معاكي الفترة اللي فاتت دا كان إيه؟ اشمعنا قابلتي نصيحتي وخوفي عليكي على إنه سيطرة وتملك!
مش غريبة دي؟
تفاجئت ڤاليا بهجوم آدم، تطلعت به لبرهة وقد انتباها الضيق منه، وقالت مبررة:
_ على الفكرة أنا مش باخد نصايح من حد! الفكرة إنه عمل موقف من غير ما يقصد خلاني حسيت قد إيه أنا صغيرة قدام نفسي وعيدت تفكيري في موضوع الحجاب ودي كانت النتيجة!
عقد آدم ذراعيه أمام صدره ورفع حاجبه الأيسر دون إعجابٍ بما قاله ثم هتف متسائلًا:
_ ويا ترى أستاذ عبدالله عمل إيه؟
استنكرت ڤاليا أسلوبه ورمقته بإشمئزازٍ، ثم صاحت وهي وتشير إلى نفسها:
_ آدم أنت بتكلمني أنا بالأسلوب دا؟
_ هو أنا لسه اتكلمت بأساليب؟ أنا كل دا بحاول أتكلم بهدوء عشان أفهم الوضع اللي إحنا فيه!
قالها بحنقٍ، فتدخل قاسم عندما وصلا صوتهما إليه:
_ في إيه يولاد، صوتكم عالي، مينفعش كدا الناس حوالينا...
قلبت ڤاليا عينيها مستاءة ووجهت حديثها إلى قاسم بتذمرٍ:
_ تعالى يا أونكل شوف آدم ماله.. عشان أسلوبه مش ظريف خالص وأنا مش متقبلة إنه بيكلمني أنا كدا..
حاول قاسم تهدئة الأوضاع المشحونة فقال لها:
_ طب اهدي يا حبيبتي، مفيش عروسة بتكون مضايقة كدا..
ثم جذب آدم تحت ذراعه وأمره:
_ وأنت تعالى معايا شوية..
حرص قاسم على إظهار وضعهما طبيعيًا حتى وقفا في مكانٍ ليس به أشخاصًا قريبون، أخذ نفسًا وقال وعينيه تتبعان المارة:
_ في إيه، حد يعلي صوته ويتعصب كدا يوم حفلة خطوبته؟
خرج آدم عن طوره وهو يرمق عبدالله بغيظ:
_ أستاذ عبدالله هو سبب إن ڤاليا تلبس الحجاب..
عاد بنظره إلى أبيه وأصبحت نبرته أكثر حدة:
_ واللي بحاول أعمله في ٣ شهور وهي متقبلتوش مني اتقبلته من عبدالله عادي، ولو سمحت متحاولش تقولي إن دا طبيعي عشان هو من طبيعي!
كان قاسم متفاجئًا بما أخبره به آدم، أخذ وقتًا يفكر قبل كلامه حتى يتقبل منه آدم الحديث، حمحم ثم أردف بنبرةٍ هادئة رزينة موضحًا وجهة نظره:
_ أنت ليه مشخصنها يا آدم؟ أنت كان نفسك تلبس الحجاب، مش فارقة لبسته بسبب مين، ومش معنى كدا إنك فاشل في الاقناع، ممكن أنت كنت متساهل شوية سايب الباب موارب عشان متضايقش منك فمكنتش بتتكلم باستفاضة أوي معاها.. ودا أكيد يا آدم أنا حافظك..
دنا قاسم منه ووضع يده على كتفه قبل أن يتابع مسترسلًا:
_ بص يا حبيبي، فيه حاجات وخصوصًا الستات هنلاقيهم بيعاندوا فيها معانا وبيتقبلوها من ناس تانية عادي، لأن بيكون واصل لهم إننا عايزين نسيطر على العلاقة، أما الناس التانية فهما مش مستفيدين بسيطرة أو غيره فكلامهم بيكون مقبول، ودا هتلاحظه في مواقف كتير، إنها ممكن تسمع نفس الكلام من مامتها وتوافق عليه رغم إنها رفضته منك! دا شيء طبيعي..
_ من مامتها حاجة ومن عبدالله حاجة تانية خالص!
هتفها آدم بعدم قبول للأمر، فردد قاسم بنفاذ صبر:
_ مش بقولك أنت مشخصنها!
_ هو أنا المفروض أكون طبيعي وأنا عارف إنها اتقبلت رأي راجل غيري؟ ومتقوليش أخوك والكلام دا عشان في الآخر هو راجل زيه زيي، إيه اللي ممكن يخليها تسمع له وأنا اللي اسمي خطيبها لأ؟!
قالها وهو يشعر بجنون عقله الذي لا يتوقف عن التفكير، لا يتقبل ما حدث بالمرة، ومهما حاول أبيه إقناعه فلن يقتنع.
على الرغم من صحة حديث آدم، إلا أن قاسم لا يريد أن تزيد الحواجز بين أبنائه، فعمِل على إذابة جبل الجليد التي قامت ڤاليا ببنائه للتو:
_ اعتبرها مساعدة يا آدم، حاجة كان نفسك فيها وحصلت، متحاولش تبص على الجوانب اللي مضيقاك من الموضوع، ويا سيدي دا أول وضع أصلًا تتحط فيه، يعني ملكش أي حق تعترض وتزعل، الزعلا بيجي بعد كام موقف لو هي اتقبلت آراء غيرك لكن حاليًا مينفعش نحكم ولا نزعل..
دفعه قاسم للأمام قليلًا وأضاف بنبرةٍ أكثر ليونة:
_ ويلا ارجع لها وحاول تكون لطيف معاها النهاردة خطوبتكم، كدا مينفعش، متقفلهاش منك
نظر آدم إلى عبدالله بضيق، ثم أشاح بصره عنه بصعوبة وتوجه إلى ڤاليا التي ترافق صديقاتها، بينما نظر قاسم على عبدالله وداخله يطوق لمعرفة الحقيقة خوفًا من تزايد الاختلافات بينهما.
***
انتهى الحفل وذهب الجميع عدا العائلتين، وقف عز يُحادث الشباب الواقفين:
_ أنا حجزت للشباب في مطعم يروحوا يتعشوا ويستمتعوا شوية..
تفقد قاسم ملامح الجميع وأردف مؤيدًا قرار عز:
_ خير ما عملت يا عز، دا العيال ولا كأنهم كانوا في حفلة، تحسهم خارجين من خناقة..
قهقه عز وعلق مازحًا:
_ مش بيعرفوا يفرحوا، دا إحنا كنا بنستنى أي مناسبة عشان نفرح نفسنا.. أجيال صعبة أوي
أنهى عز جملته انتبه الجميع على صوت عبدالله الذي يود الإنسحاب:
_ طب همشي أنا بقى..
أوقفه عز قائلًا:
_ أنت مش حاسب نفسك من الشباب ولا إيه؟
رمق عبدالله جميع الواقفين بحرجٍ ثم أجابه بثباتٍ:
_ كنت فاكر إن العشا للعرسان بس..
قاطعه عز معاتبًا:
_ العشا لشباب العيلة كلها يا عُبد..
اختلس عبدالله نظرة سريعة على صبا ثم أبدى رفضه:
_ بلاش أنا..
لم يدعه عز يُكمل وقال حاسمًا الأمر:
_ خليك لذيذ بقى، كله هيبقى كابل وعامر اللي هيكون لوحده روح ونسه، لغاية ما نشوف لكم عرايس..
ربت قاسم على ذراع عبدالله وهتف:
_ إيدي على ايدك، معندكش عروسة؟
ابتسم عز وهتف مُمازحًا:
_ لو كنت أعرف إن فيه عبدالله كنت جبت له أخت لڤاليا..
شعر عبدالله بالإختناق من حديثهما الضجر، وكذلك صبا وڤاليا راودهن الضيق، وحاولت ڤاليا إنهاء السخافة الحادثة قبل أن يتحول إلى الجدية:
_ يلا نمشي، معتش قادرة أقف من الهيلز..
مد آدم ذراعه لها وهو يردد:
_ يلا بينا..
لم تريد التعلق في ذراعه فعبرت عن عدم قبولها بأسلوب غير مباشر:
_ همسك الدريس عشان مقعش..
رمقها آدم بنظراتٍ جامدة ولم يُعلق، فأسبقت ڤاليا بِخُطاها إلى سيارته، انزلقت قدماها فتمسكت بيد عبدالله، كان هو القريب منها، حتى وازنت جسدها، اقترب منها عز برفقة آدم ليطمئنوا عليها، فهللت هي:
_ لا مش هقدر أمشي بالهيلز دا أبدًا..
نظرت إلى والدتها وقالت:
_ please يا مامي خلي حد يجيب لي شوز مريح
_ تمام
قالتها نهال ثم عادت إلى الداخل لتُخبر الخادمة بإحضار حذاءٍ مريح لڤاليا، بينما استندت ڤاليا بكامل إرادتها على ذراع عبدالله وقالت بإبتسامةٍ:
_ كمل جميلك ووصلني العربية بدل ما أقع تاني..
تفقد عبدالله ملامح آدم، ثم قام بجذب ذراعه ووضعه على يد ڤاليا وقال:
_ شيل شيلتك ياعم..
وبهدوءٍ انسحب من بينهما تحت نظرات ڤاليا المستشاطة، بينما شعرت صبا بالراحة لتصرفه، تبادلت النظرات مع عاصم الذي أردف:
_ يلا ولا مش حابة تروحي..
_ عادي، نروح
هتفتها فتعجب عاصم من عدم اعتراضها على شيءٍ، فاشار إليها بالسير أولًا فتقدمت بخُطواتها نحو السيارة فقام عاصم بفتح الباب لها، وقامت بركوب السيارة، لم يشعر أحدهم بعيون ذلك الغاضب الذي يتابعهما من خلف زجاج سيارته.
انضم عز إلى عاصم وتحدث بخفوت:
_ بعد ما تخلصوا عشا أطلع على بيت المزرعة، استمتع شوية بدل الكآبة اللي أنتوا فيها دي مش معقول دا منظر عرسان أبدًا..
أجبر عاصم ثغره على الإبتسام ليُجاري الأمر ثم أماء بقبولٍ وتوجه إلى السيارة وسرعان ما اختفت ابتسامته الباهتة وتحولت تقاسيم وجهه إلى الضيق،
تحرك الجميع بالسيارات خاصتهم، وكان لفاليا نصيبًا من اللوم بنبرة غاضبة:
_ أنا مش قادر أفهم ليه تطلبي مساعدة من عبدالله في وجودي؟
طب مش عايزاني اخواتك وأونكل عز واقفين، سيبتي كل دول وطلبتي من عبدالله!!
عبدالله يا ڤاليا!
خرجت فاليا من هدوئها التي تتحلى به واندفعت به منفعلة بصوتٍ فاجئ آدم:
_ يووه كل شوية عبدالله عبدالله، أنا زهقت بجد، أنا اللي مش قادرة أفهم أنت ليه حاطت عبدالله في دماغك بالشكل دا، دا أخوك على فكرة مش عدوك..
_ أخويا أو عدوي دا مش موضوعنا، لكن إنك تلغي وجودي وِتِبَقِي عليا حد دا اللي مش مسموح بيه
اندفع بكلماته فلم تصمت الأخيرة وصاحت بنفاذ صبر:
_ أنت عايز تشوف إني بلغي وجودك
This is your problem
لكن أنا بتعامل بتلقائية مع كل الناس، سواء عبدالله أو غيره.. ياريت تفهم كدا!
تشدق آدم ساخرًا وهلل بحنقٍ:
_ بأمارة الحجاب اللي عبدالله كان السبب فيه!
تأففت فاليا فلقد بلغت نصاب صبرها على تلك السخافات وأردفت بفتورٍ شديد:
_ أنا عايزة أروح، روحني، ولا أقولك وقف العربية أنا هنزل أركب مع عامر..
لم يكترث لها فهدرت به:
_ بقولك وقف العربية، أنا اتخنقت مش هكمل الخروجة دي
لم يعقب، بل عمِل جاهِدًا على إخماد غضبه الجامح قدر استطاعته، تحت إلحاحها على الوقوف، أخذ آدم نفسًا وزفره على مهل ثم صف السيارة جانبًا فأسرعت ڤاليا في فتح الباب لكنه لحق بها وأمسك يدها مانعها من الخروج مرددًا بندمٍ:
_ لو سمحت يا فاليا اصبري، أنا آسف ممكن تسمعيني..
التفتت إليه بملامح عابسة مشدودة فأضاف الآخر بنبرةٍ هادئة لا تُشبه بركانه الثائر:
_ أنا بغير عليكي، إفهمي دا، ودا من حقي على فكرة، أنا راجل وطبيعي أغير لو لقيت حد قرب منك أو أنتِ اهتميتي بحد..
شدت ڤاليا تقاسيمها بتزمجرٍ فعدّل آدم مقصده من الحديث:
_ اتعاملتي ياستي بتلقائية، أيًا يكن، دا بيضايقني، حياتك قبل ما يكون فيها شخص حاجة وبعد ما دخلت أنا فيها حاجة تانية، المفروض تراعي دا! أنا مش طالب منك أكتر من إنك تحترمي وجودي ومتوصليليش إحساس إني رقم ٢ دايمًا..
مد آدم يده والتقط كفها ثم رفعه بقُرب فمه وطبع قُبلة رقيقة عليه ثم عاود النظر لها بعذوبة وبصوتٍ رخيم قال:
_ أنا اسف، مكنتش حابب يحصل التوتر دا بينا في يوم زي النهاردة..
انتبها كليهما على زمور السيارت الأخرى فسحبت ڤاليا يدها مُسرعة، ثم أخرج آدم يده وأشار إليهم بأن كل شيءٍ على ما يُرام فتحركات السيارت خلف بعضها حتى وصلا إلى المطعم الذي قام عز بالحجز به.
ولج عاصم برفقة صبا لكن دون تلامس، وكذلك آدم وڤاليا، بينما تعلق عامر في ذراع عبدالله وهتف مازحًا:
_ لما هما ميمسكوش في ايدين بعض إحنا اللي نمسك بقى
ضحك عبدالله على دُعابته ثم أخذ الجميع أماكنهم، حاول عبدالله قدر الإمكان أن يتحاشى النظر عن صبا وكذلك هي، كانت تفرك أصابعها بتوترٍ بائن وتهز قدميها بسرعةٍ حتى لاحظها عاصم وقام بوضع يده على قدمها يُرغمها على التوقف قائلًا:
_ في إيه، بتحركي رجلك جامد كدا ليه؟
رفعت صبا عينيها في عيني عبدالله المُتابع لحوارهما فلم تستطيع إعطاء عاصم إجابة بسبب نظرات عبدالله المُحاصرة لها، بينما نفخ عاصم بضيق لعدم ردها وأدار رأسه للجانب الآخر حتى لا يُظهر ضيقه للآخرين.
جاء النادل وقاموا بطلب الطعام المفضل لكلًا منهم، فاقترح عامر عليهم لُعبة يتسلون فيها لحين وصول الطعام:
_ تعالوا نلعب لعبة
أيد عاصم اقتراحه ربما يخفف من التوتر الحادث:
_ ياريت، بس هنلعب إيه؟
سحب عامر هاتفه من جيبه وقال وهو يقوم بفتح لُعبة لديه:
_ معايا لعبة جماعية على الموبايل، هندخل أسامينا وكل واحد هيخمن حاجة بيحبها التاني..
تدخل عاصم بسؤاله:
_ أنا مش فاهم أوي بصراحة
فأضافت ڤاليا موضحة:
_ أنا فهمت، وليكن أنت يا عاصم هيجيلك تخمن آكلة صبا المفضلة وهكذا، فهمت
أومأ عاصم برأسه بتفهمٍ ثم بدأ عامر يُدخل أسمائهم، وبدأ اللعبة فهلل عامر:
_ ڤاليا هتخمني إيه أكتر حاجة ممكن أنسى نفسي فيها؟
أجابته ڤاليا دون تفكيرٍ:
_ طبعًا قعدتك مع صحابك
غمزها عامر وهو يشير إليها بسبابته قبل أن يهتف:
_ صح
ثم أعاد مواصلة اللُعبة وقرأ الأسماء الظاهر له:
_ عبدالله هيخمن لون ڤاليا المفضل
انتبهت جميع حواس ڤاليا لحظتها، بينما انتاب آدم الضيق وصوب عينيه على عبدالله، الذي أخذ يفكر قليلًا ثم أجاب عندما تذكر المرات التي رآها بها باللون نفسه:
_ كُحلي..
تفاجئت ڤاليا بإجابته ورمقته بعيون لامعة وهتفت بسعادة حاولت إخفائها:
_ You're right!
( أنت صح)
ولو أن للمشاعر رائحة لتغلغلت رائحة غيرة صبا في أنوف الجالسين، كانت تحدق بعبدالله بحاجبان معقودين لا تصدق تركيزه الشديد في أنثى غيرها.
تابع عامر لُعبته فظهر إليه أسماءٍ أخرى فقال:
_ عاصم هيخمن الورد المفضل لصبا
قطب عاصم جبينه وردد دون انتباه لحديثه:
_ إيه السؤال الصعب دا؟
فغر عامر فاهه بصدمة وعلق ساخرًا:
_ أنت مبتجبش وردد ولا إيه يا خيبتك يا عاصم يا سليمان!
نهره عاصم مستاءً من أسلوبه الوقح:
_ عامر، اتلم
ثم نظر عاصم إلى صبا وردد مازحًا:
_ ما تغششيني يا صبا دا أنا جوزك برده
شعر عبدالله بغصة في حلقه، كانت كلمته ثقيلة للغاية على قلبه الذي لم يتحمل سماعها، حمحم وحاول الإعتدال في جلسته ليُخفي ملامح وجهه المشدودة.
لم يصل عاصم إلى زهرتها المفضلة، فتدخل عامر مقترحًا عليه:
_ طيب ممكن نعمل حاجة تانية لو محدش عرف يخمن صح يسيب غيره يخمن..
قلب عاصم عينيه وأبدى استيائه:
_ يعني أنا معرفتش، حد منكم هيعرف أكتر مني بالعقل يعني؟
_ فُل!!
هتفها عبدالله فانتبه عليه الجميع لحظتها، بينما خفق قلب صبا وتسارعت نبضاته، ابتلعت ريقها تخفي ارتباكها خلفه، لكن هيهات لتوترها، بأي وجهٍ ستخفيه بعد أن تحولت النظرات نحوها منتظرين تأكيدها لتخمين عبدالله، لكزها عاصم بخفة وسألها:
_ الكلام دا صح يا صبا؟
بعد وقتٍ لم تستطع إعطائهم إجابة فيه قالت وهي تومئ برأسها:
_ أيوة صح!
كانت مفاجئة للجميع وخصيصًا عاصم الذي تساءل مستفسرًا:
_ عرفت إزاي؟
بملامحٍ جامدة أجابه:
_ قولتلك إننا ولاد حارة واحدة!
تلك الأثناء صعق آدم بعد تصريح عبدالله، وكأنه أنار جزءًا كان مظلمًا داخل عقله، نظر إليهما مشهدوهًا يحاول تكذيب حدسه، هب واقفًا فجأة فتساءلت ڤاليا عن سبب نهوضه:
_ في حاجة يا آدم؟
_ هدخل التويلت..
قالها وانصرف سريعًا إلى الخارج، وقام بعمل مكالمة هاتفية وظل يَسُب وينعت ذلك الذي لا يجيب على اتصالاته، أعاد تكرار اتصاله حتى أجاب الآخر بفتور:
_ إيه واحشتك يا آدم باشا؟
_ سيبك من الكلام الفاضي دا وركز معايا، هبعت لك صورة جماعية شوفها وقولي تعرف حد فيها..
قالها آدم وقام بإرسال الصورة إليه على الواتساب وأردف:
البنت اللي على الشمال دي تعرفها يا حمادة؟
أجابته حمادة قائلًا:
_ أيوا، دي صبا الدكتورة حبيبة عبدالله!
وضع آدم يده خافيًا وجهه بعد أن تلقى تلك الصدمة القوية ثم أنهى الإتصال على الفور، استدار آدم ورمق الجميع وداخله قد تبعثر ولم يعد جمع شتات نفسه لحظتها.
****
عاد قاسم إلى بيت المزرعة، فلم يجد داعٍ لذهابه إلى الفيلا نفسها مع حورية، جلس على الفراش بعد أن بدل ملابسه بأخرى مريحة، حدق بالسقف سابحًا بين ماضيه وذكرياته في ذلك البيت.
تقوس ثغره بابتسامة عريضة انتهت عند سماعه لرنين هاتفه، فزدادت بهجته عندما وجدها نفسها من يحلُم بها، وأجاب على الفور:
_ إزيك يا أحلام..
بنبرة هادئة يكسوها الحزن أجابت:
_ الحمد لله
تعجب قاسم من صوتها وتساءل باهتمامٍ يخالطه القلق:
_ مالك يا أحلام، صوتك مضايق!
وكأنها لم تستمع إليه، وتساءلت بصوتٍ متحشرج يغلفه البكاء:
_ عبدالله عامل إيه؟
تعجب من سؤالها لكنه أجابها بتلقائية:
_ كويس، كان معايا طول اليوم النهاردة، وحضرنا مع بعض خطوبة آدم وهو دلوقتي مع الشباب بيتعشوا.. هو فيه حاجة؟ مش بيكلمك ولا إيه؟
شعرت أحلام لحظتها بغصة في حلقها ولم تستطع الرد، هاجمتها نوبة بكاء شديدة فاضطرت إلى إنهاء المكالمة:
_ أنا هقفل..
وسرعان ما أغلقت الخط؛ وانفجرت باكية بحزنٍ شديد، بينما اعتدل قاسم في جلسته، وأراد إعادة الإتصال بها لكنه تريث وفضّل أن يُهاتف عبدالله أولًا.
بعد فترة جاءه صوته وهو يبتعد عن الجميع ويقف أمام الحائط الزجاجي الذي يُظهر له البلدة من حوله بوضوحٍ:
_ الو..
حمحم قاسم وسأله بجدية:
_ عبدالله أنت امتى آخر مرة كلمت والدتك أو شوفتها؟
أخذ يُفكر قبل أن يجيبه ثم أردف:
_ تقريبًا من وقت ما صبا رجعت..
زم قاسم شفتيه بضيق، ولامه بلطفٍ:
_ ودا ينفع برده يا عبدالله؟ تنسى نفسك للدرجة دي؟
بعد ما تخلص العشا دا تروح لها على طول
_ هي قالتلك حاجة؟
تساءل عبدالله وداخله يتآكله التفكير، وضميره قد أنبه للغاية، بينما أجابه قاسم بصوت أجش:
_ مقالتش حاجة أكتر من أنها سالت عليك وصوتها كان باين إنه مضايق فأنا خمنت عشان مش بتكلمها..
_ هروح لها، أنا مكنتش أصلًا عايز أجي..
هتفها ثم أنهى المكالمة، وقف يطالع
الجميع بشعورٍ سيء قد اكتسبه من مكالمة أبيه، لم يكُف عن معاتبة ذاته، كيف استطاع تجاهلها تلك الفترة؟
سيطر عليه الضيق وشعر بالإختناق يغلف صدره، فقام بفك رابطة عنقه، وفتح بعض أزرار القميص، أخذ وقتًا يُلملم فيه وجدانه، ثم عاد إلى الطاولة، وكذلك آدم، جلسا وقد وصل الطعام للتو فبدأوا يتناولون وجبتهم في صمتٍ يقطعوه ببعض الأحاديث من آن لآخر.
لاحظ عاصم تلك القلادة التي يرتديها عبدالله من خلال أزرار قميصه المفتوحة، وعلق مشاكسًا:
_ إيه السلسلة دي يا عبدالله هي مكسورة؟
تفاجئ عبدالله بسؤاله، وما زاد ضيقه ظهورها للجميع، وأمام صبا، فلم يود أن يُريها أنه ما زال يرتديها، تفقد نظراتها اللامعة التي تلهفت لسماع ما يَسُر نفسها منه، وأنها لازالت ساكنة في قلبه.
ازدرد عبدالله ريقه وقال وهو يحاول إخفائها خلف زر قميصه الذي يُغلقه:
_ لا مش مكسورة، هي بتكون كدا..
أضافت ڤاليا موضحة ماهي القلادة:
_ أيوة بيكون ليها نص تاني مع الشخص اللي بنكون مرتبطين بيه..
ضاقت ڤاليا بعينيها عليه وتساءلت بتوجسٍ لسماع لا تحبه:
_ على كدا أنت مرتبط يا عبدالله؟
_ كنت...
قالها فجأة وقد عَز عليه قول ذلك، آلمه قلبه وشعر بإضطراباتٍ قد أشعرته بالسوء، في الطرف المقابل لمعت عيني صبا وهددت بالبكاء، لكنها جاهدت نفسها وتابعت تناول طعامها حتى تشغل عقلها ولا يفكر به.
ثم انتبه عبدالله على الموسيقى الهادئة التي تصدر من سماعات المكان، فراودته فكرةً وعزم على فعلها، نهض واستأذن منهم ثم توجه إلى إدارة المكان وقام بطلب تشغيل أغنية خصيصًا من أجله.
ثم عاد من جديد مع بدء ألحان الأغنية التي تسببت بوخزة قوية في صدر صبا، وشرقت فأسرع عاصم في إعطائها كوب من الماء، فقامت بإرتشافه حتى فرغت ثم حولت نظرها على عبدالله توحي إليه بإشاراتٍ معاتبة بعد أن تيقنت بأنه من قام بتشغيلها لأنها تعود إلى مطربته المفضلة.
كان ياما كان كان ياما كان
كان ياما كان الحب مالى بيتنا
و مدفينا الحنان
زارنا الزمان سرق منا فرحتنا
و الراحه و الامان
حبيبى كان هنا مالى الدنيا عليا .. بالحب و الهنا
حبيبى يا انا يا اغلا من عينيا .. نسيت مين انا
أنا الحب اللى كان .. اللى نسيته أوام
من قبل الأوان
نسيت اسمى كمان .. نسيت ياسلام
على غدر الإنسان
ولله زمان يا هوا زمان ..ولله زمان يا هوا زمان
ولله زمان زمان .. يا هوا زمان
هبت صبا واقفة عندما فشلت في التماسك لوقتٍ أكثر، نظرت حيث عاصم وأردفت:
_ أنا همشي معتش قادرة أقعد..
ثم انصرفت إلى الخارج دون انتظار ردًا من عاصم، فتعجب الجميع من نهوضها المفاجئ، استأذن منهم عاصم ولحق بها سريعًا، بينما علقت ڤاليا على ما يحدث بحرجٍ:
_ أنا عارفة إني مينفعش أقول كدا، بس صبا مش طبيعية...
أرغم عبدالله أذنيه وجميع حواسه على الإنتباه جيدًا، حيث مال بجسده للأمام وتساءل مستفسرًا:
_ مش طبيعية إزاي، تقصدي إيه؟
أوضحت له ڤاليا ما تقصده من خلف كلماتها:
_ بنسبة كبيرة أوي هي بتاخد sedatives..
لم يفهم عليها عبدالله واستشفت ڤاليا ذلك من خلال تقاسيم وجهه فأوضحت:
_ مهدئات.. صبا طول الوقت هادية أكتر من اللازم، وبتنفعل فجأة وبدون أي اسباب، دا غير أسلوبها في الكلام، سوري بارد أوي مفيش حاجة طبيعي بيكون كدا..
كان آدم ملتزمًا الصمت، فهو في كارثة على وشك حدوثها، بينما كانا عامر وعبدالله يصغيان باهتمام لها وخصيصًا عبدالله الذي نظر حيث اختفت صبا وقد تجدد شعور الفضول لديه حول معرفة سبب اختفائها وزواجها الغير منطقي المُفاجئ، أخذ نفسًا وزفره على مهلٍ ثم نهض ولملم أشيائه تحت نظرات ڤاليا التي تخشى ذهابه.
نهضت أيضًا وتساءلت:
_ أنت هتمشي؟
أماء عبدالله مؤكدًا ذهابه، بينما نظرت ڤاليا إلى آدم وقالت:
_ أنا هروح التويلت..
أماء آدم بقبولٍ، فذهبت ڤاليا خلف عبدالله، حتى خرج من المكان وأردفت بترددٍ:
_ كلامك الصبح اثر فيا أوي..
ضاق عبدالله بعينيه، فلم يعي ما تقصده وهتف سؤاله:
_ كلام إيه؟
أخفضت ڤاليا رأسها في خجلٍ صريح وأردفت:
_ لما قولتلي أختك مبيلمسهاش رجالة..
أعادت رفع رأسها ونظرت إليه وهي تحاول شرح ما شعرت به لحظتها:
_ حسيت وقتها إني متاحة للكل، واشمئزيت من نفسي جدًا، إزاي أسمح لراجل غريب عني يلمس شعري ويشوف جسمي، غيرت أوي بصراحة من اختك، ليه هي تكون عفيفة ومحدش يشوفها وأنا متاحة بالشكل دا لعيون الرجالة..
مدت ڤاليا يدها وأمسكت ذراع عبدالله، وأضافت مُمتنة:
_ شكرًا إنك فوقتني..
سحب عبدالله ذراعه من بين قبضتها، وأعاد النظر إليها قبل أن يردف بجدية:
_ الحجاب له شروط يا ڤاليا، من ضمنهم مينفعش تلامس بينك وبين أي راجل غريب عنك، أنا أو حتى آدم خطيبك مينفعش تسلمي عليه، اقرأي كتير عن الحاجات اللي متنفعش تتعمل كبنت مسلمة عشان يكون حجابك صح، وعمومًا مبروك عليه، ربنا يثبتك.. بعد إذنك
كاد يغادر لكنها أوقفته بنادائها:
_ عبدالله..
التفت إليها مجددًا فقالت بإبتسامة رقيقة:
_ أنت إنسان جميل ونضيف، وأنا مقابلتكش حد زيك قبل كدا..
كان عبدالله مستاءً من تصريحها، فهو لايريد غزلًا منها على شخصيته، حتى وإن كان في إطار الصداقة، فهو لم يُعطي فرصةً لأنثى من قبل لتخطي حدودها معه، تجهمت تعابيره وصاح:
_ والكلام برده له حدود مع راجل غريب عنك... عن إذنك
تلك المرة ذهب دون أن يلتفت قبل أن تُعيد إيقافه ثانيةً، بينما وقفت ڤاليا تُتابع خروجه بتزمجرٍ، فهو دومًا ما يصُدها، ويضع حواجز بينهما كأنهما ليسا..
توقف عقلها لحظتها، فلم تدري أي لقبٍ تعبر به عنهما، ماذا هو بالنسبة لها؟ لن تكذب على ذاتها وتصنفه صديقًا، لأنه ليس كذلك، هو أكبر من تلك المكانة بالنسبة لها.
خرجت من شرودها على صوت عامر الذي ردد خلفها:
_ يلا يا فيفو نمشي..
تناوبت بالنظر بينه وبين آدم ثم سارت بجوارهما متعمدة عدم لمس آدم مثلما أخبرها عبدالله، كان كلًا منهما في عالم آخر يسبح بين أفكاره فيما يَقدُم عليه.
***
وصلا عاصم إلى بيت المزرعة خاصتهم، فتساءلت صبا مستسفرة وهي تتفقد المكان من حولها:
_ إحنا جايين هنا ليه؟
أجابها بتهكمٍ:
_ عشان المفروض إحنا عرسان..
مال برأسه ناظرًا إليها وأضاف:
_ والمفروض نكون لوحدنا في ليلة زي دي..
عبست ملامح صبا وتجهمت فأوضح الآخر مُسرعًا:
_ بابا اللي طلب مني نيجي هنا، مش أنا متخافيش
تحاشت صبا النظر عنه بعد أن تأكدت من حُسن نواياه، ترجلت من السيارة وقامت بالدخول بعد أن فتح عاصم باب البيت، كان يسبقها بخُطواته قبل أن توقفه هي بسؤالها:
_ عاصم مين البنت اللي خرجت معاها في الحفلة دي؟
تجمدت قدمي عاصم لحظتها، حدجها بعيون واسعة وهو يقترب منها وأردف بإبتسامةٍ عذبة:
_ دي غيرة دي ولا إيه؟
اقتربت منه صبا حتى باتت أمامه لا يفصلهما سوى مسافةٍ صغيرة وقالت
💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐💐
❤️(
رواية علي دروب الهوي الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم تسنيم المرشدي
دي نفسها البنت اللي كانت معاك في المستشفى صح؟
سؤالها آثار فضول عاصم حوله، لن ينكر أن داخله شعر بالسعادة على أمل إعطائه فرصة وتلك البداية، أخذ نفسًا ومد يده يتحسس وجهها فتفاجئ بإبعادها ليده ثم نظرت إليه في إنتظار إجابته، فضحك عاصم وأردف:
_ بلاش قلبة الوش دي هفهمك براحة.. سلمى ياستي دي واحدة من الشلة زيها زي أنس وهيثم بالظبط بالنسبة لي..
_ بس دي مش باين على طريقتها إنها مُعتبراك صديق!
قالتها صبا بجدية تطوق للوصول إلى مُرادها من الحديث، ولم تُدرك ماذا تفعل أسئلتها بذلك المسكين الذي يطمح في أي اهتمامٍ منها، وأجاب بسلاسة:
_ هي بالنسبة ليها فأنا مش مجرد صديق فعلًا، بس دي حاجة متخصنيش، أنا موعدتهاش بحاجة ولا كان أسلوبي معاها في يوم خارج نطاق الصحوبية، وأنا صدِيتها كتير لأني حسيت بمشاعر مختلفة ليا من نحيتها عشان متبقاش عايشة على الوهم..
_ وليه مديتهاش فرصة؟
تساءلت مستفسرة، فردّ الآخر وهو يجلس على الأريكة:
_ عشان محستش بحاجة نحيتها..
وضع عاصم قدم على الأخرى وأضاف بوجهٍ مفعم بالحيوية:
_ يعني أنا لما شوفتك حسيت إني عايز أقرب منك، حسيت إني عايز أمشي لك ١٠٠ خطوة حتى لو ضد إرادتي.. بس حبيت أعمل أي حاجة عشانك، لكن هي مكنتش حاسس إني ممكن أمشي لها خطوة واحدة..
ضاق عاصم بعينيه عليها وتساءل بلهفةٍ لسماع
ردها:
_ إيه سبب كل الأسئلة دي؟
أطالت صبا النظر به ثم توجهت نحوه وجلست بجواره تاركة مساحة بينهما ثم عقدت أصابعها ببعضها وقالت بترددٍ قابلته في البداية:
_ ما تحاول تديها فرصة طلاما بتحبك...
تفاجئ عاصم من كلامها، فلم ينتظر ذلك الرد البتة، حدجها باندهاشٍ، ثم قال:
_ هو إيه اللي أنتِ بتقوليه دا؟ يعني إيه أديها فرصة؟ طب وأنتِ؟
_ مفيش أنا، دا اللي بحاول أوصله ليك..
قالتها صبا مُشفقة على آماله الواهية، ثم انتبهت على نهوضه المفاجئ قاطعًا حوراهما فلحقت به صبا وحاولت قطع طريقه بوقوفها أمامه محاولة التحدث معه:
_ عاصم، اسمعني، لو سمحت..
اضطرت صبا إلى مسك يده وهي تصر أن يقف:
_ عشان خاطري يا عاصم اسمعني حتى لو مرة واحدة بس..
توقف عاصم عن سيره، ورمق يدها الموضوعة على يده فسحبتها هي برفق وبدأت حديثها بهدوءٍ حتى يسمعها دون تمردٍ أو إبداء أي إعتراضٍ:
_ تعالى نقعد..
نظرت إليه متوسلة فتوجه عصام تلقائيًا إلى الأريكة، فزفرت صبا أنفاسها ثم تبِعَته وجلست مُقَابله وبدأت تُحادِثه:
_ أنا لو كملت بالطريقة اللي إحنا فيها، هيكون منتهى الأنانية، أنا عارفة إني دخلتك في حوار أنت ملكش ذنب فيه، بس صدقني لو كان عندي حل تاني أو كانوا سابولي طريق أمشي فيه غيرك مكنتش اترددت أبدًا عشان مَكُنش سبب في وجع قلبك ولا إنك تتآمل على الفاضي..
ابتعلت ريقها وأضافت مسترسلة بعيون لامعة:
_ عاصم أنت حد جميل جدًا، شخصية مهذبة ومجتهدة، ذكي وطموح وفوق كل دا طيب وحنين ومش بتستنى مقابل لأفعالك الجميلة اللي بتقدمها لغيرك..
ابتسمت بخفة وتابعت بصوتٍ رخيم:
_ دا مش مجرد كلام، أنت كدا فعلًا، وأنا مش حابة شخصية زي دي تعيش على أمل كداب، مش عايزة أكون سبب في إنطفاء حيويتك، أنت ساعدتني صح؟! وأنا كمان حابة اساعدك، هكون بخدعك لو متكلمتش معاك بصراحة وفوقتك..
عارفة إنك أكيد مش مُتقبل كلامي دلوقتي وحاسس إني مجنونة عشان بطلب منك تشوف حياتك وتحب، بس أنت بعدين هتشكرني إنك أخدت الخطوة دي..
صمتت ربما تستشف ما يدور في عقله، لكنه كان هادئًا أكثر من اللازم، لا ينبس بحرفٍ، فتيقنت أنه لا يريد الإقبال على خُطوة الارتباط بغيرها فهتفت بنبرة عالية:
_ أنا لو معملتش كدا أنت مع الوقت هتكرهني، طول ما أنت مستني مني حاجة وأنا مش هعرف أبادلك مشاعرك هتحس إنك كارهني وجواك هيخلق غضب مني وأنا مش عايزة نوصل للطريق دا، والله مش عشاني أنا، بالعكس عشانك أنت، الإنسان لما مش بيوصل لحاجة كان حاطت كل أمله فيها نظرته بتتغير، بيكون قاسي وجواه غضب وإحساس بالنقص بيكمله بطُرق مختلفة.. وأنا مش هكون مبسوطة لأني هكون السبب في تغيرك للأوحش، أنت قلبك نضيف وأنا مش حباه يتغير..
مال عاصم بجسده للأمام، وعقد كفوفه في بعضهما وتساءل دون أن يتطلع عليها:
_ المطلوب مني إيه دلوقتي؟
إلتوى ثغر صبا ببسمةٍ حيوية عندما استشعرت قبوله لطلبها:
_ المطلوب منك، إنك تشوف كنت بتعمل إيه في حياتك قبل ما أدخل لها وتعملها، مثلًا كنت بتخرج مع صحابك أخرج تاني، إسهر معاهم، إرجع اهتم بشغلك، انجح وحقق نجاحات تستحق اسمك، لو فيه بنت قلبك مال ليها إوعى تخاف وتحطني عائق قدام طريقتك، بالعكس تعالى وعرفني وأنا هساعدك توصل لقلبها..
رفع عاصم عينيه عليها وتشدق ساخرًا وهو يُعلق على كلامها:
_ حلوة الديموقراطية دي، أعتقد كل الرجالة تتمناها، الراجل يدخل يحكي لمراته إنه قلبه مال لواحدة غيرها وهي بدل ما تقلب الدنيا وتقوله أنت حقي ومِلكي تساعده يوصل لقلبها.. أحلام العصر!!
هب عاصم واقفًا ثم أضاف وهو يوليها ظهره:
_ تصبحي على خير يا صبا..
لم تُعقب، بل تابعت خُطواته حتى صعد إلى الطابق الثاني واختفى من أمام مرآى عينيها، فأطلقت صبا زفرةً مهمومة ثقيلة، ثم تفقدت المكان من حولها، وقررت النوم مكانها، تمددت على الأريكة وأخذت تُعيد أحداث اليوم حتى سيطر عليها النُعاس وباتت في عالم آخر.
***
وصل عبدالله إلى المنطقة خاصته؛ صف السيارة أسفل البناية، ثم صعد درجات السُلم سريعًا، وقام بفتح الباب بمفتاحه، كان البيت هادئًا للغاية، تفقد ساعته فكان الوقت متأخر لكنه لن يُفوت ليلة أخرى دون مُصالحة والدته.
توجه إلى غرفتها، وطرق بابها عدة مرات فتأكد أنها نائمة عندما لم يجد ردًا، ففتح الباب على مهلٍ يتأكد من حدسه، وعندما رآها نائمة دلف على أطراف أصابعه، ثم جسى على ركبتيه بجوار الفراش.
ومسد على خُصلاتها المختلطة بين الأبيض والأسود وهمس بندمٍ لتركها مدةً طويلة دون الحديث معها:
_ أحلام.. قومي
انتبهت عليه أحلام وفتحت عينيها، نظرت إليه تتأكد من وجوده، ثم انتفضت حين تأكدت، جلست على الفراش تُطالعه بعينين لامعتين قبل أن تردف بصوتٍ متحشرج يكسوه البكاء:
_ نسيت أحلام يا عبدالله؟
وكأنها دعست على وترًا حساس لديه، تساقطت عبرات عبدالله بغزارة، وهم بالوقوف سريعًا والجلوس بجوارها، ضمها بكل ما أوتي قوة إلى صدره وظل يُقبل رأسها مرارًا ودموعه تنهمر من عينيه كالشلال.
كانت أحلام ترتجف بين يديه من شدة تأثُرها بتلك اللحظة، رفع عبدالله رأسها وطبع قُبلة على جبينها ثم هتف بصوتٍ مهزوز:
_ حقك على راسي، متزعليش مني أنا عارف إن مفيش مبرر لبُعدي عنك، بس أنتِ قلبك كبير وهتسامحيني صح، دا أنا عبدالله حبيب قلبك هيهون عليكي تفضلي زعلانة منه؟
شدت أحلام بيدها الموضوعة خلفه على ظهره وقالت من بين نحيبها:
_ أنا مهما زعلت منك قلبي راضي عنك على طول، بس قلبي زعلان أوي إنك نستني ومسألتش فيا، حسيت فجأة إني عمري راح هدر يا عبدالله، إحساس وحش أوي..
تألم عبدالله كثيرًا، وقد شعر بوخزة شديدة في قلبه، أعادها إلى حضنه وهتف نادمًا:
_ ما عاش اللي يحسسك إحساس وحش يا...
منعت أحلام متابعته للحديث بوضع راحة يدها على فمه مُعاتبة إياه بعينيها ولسانها:
_ متقولش كدا، بعد الشر عنك
أخفض عبدالله بصره عليها وسألها باهتمامٍ:
_ طب لسه زعلانة مني؟
نفت بحركة من رأسها فمازحها عبدالله قائلًا:
_ دَوري هنا ولا هنا يمكن يكون فيه زعل مستخبي كدا في حتة مش باينة، عارف أنا حركاتكم دي
ابتسمت أحلام فبادلها عبدالله الإبتسام، وقد دقت طبول السعادة قلبه لرؤية ابتسامتها، ابتعدت عنه أحلام وسألته عن حاله مُهتمة له:
_ مزاجك عامل إيه؟
رمقها عبدالله لبرهة ثم نظر أمامه وقال بإيجاز:
_ والله يا أحلام مش أحسن حاجة، بس تمام يعني..
_ رجوع صبا لخبط لك الدنيا أكتر صح؟
قالتها وهي تربت على ذراعه، فنظر إليها عبدالله بعيون ضائقة وقال:
_ دا قاسم مقضيها مكالمات على حِسي بقى!
ضحكت أحلام فعاود عبدالله الحديث متصنعًا ضيقه مما يحدث:
_ الكلام دا مش عندي، كل شوية مكالمات بحجة عبدالله، ميصحش أبدًا، ممكن أقبل بس في حالة واحدة بس..
انتبهت عليه جيدًا فاسترسل ما لديه بجدية:
_ تكتبوا الكتاب!!
تفاجئت أحلام باقتراحه، ورمقته بذهولٍ قبل أن تهتُف بإستيحاء:
_ إيه اللي بتقوله دا؟ الكلام دا خلاص فات عليه كتير ومعتش ينفع
قاطعها عبدالله مُتحدثًا بصوتٍ رزين:
_ إيه اللي معتش ينفع؟ دا الراجل عايش على أمل إنه يرجع لك لغاية النهاردة، فين المشكلة إنكم تعيشوا اللي مقدرتوش تعيشوه زمان؟
ابتسمت أحلام بتهكم وأوضحت له أسبابها:
_ زمان كنا صغيرين، والحياة قدامنا، وكنا أول ناس في حياة بعض، لكن دلوقتي كل واحد فينا عنده حياته، معتش ينفع صدقني..
_ كل حاجة تنفع يا أحلام، بس أنتِ فكري في الموضوع، وبعدين مش لازم يكون نفس إحساسكم زمان يكون نفسه دلوقتي، فيه إحساس أحسن مليون مرة من الحب، وهو الونس!
هتفها عبدالله بنبرةٍ سوية، فابتسمت له أحلام دون تعقيب، فحاول عبدالله إقناعها:
_ أنا عايز أكون مطمن عليكي، عايز وقت ما أكون مشغول أوي ومش عارف أجي أشوفك أكون مطمن إنك مش لوحدك..
أمسك عبدالله يدها وشد عليها قبل أن يُواصل:
_ كفاية شقى يا أحلام، كفاية تفكير في بكرة، كفاية هموم ومسؤولية شلتيهم لغاية دلوقتي، أنا عايزك تكوني مرتاحة وبالك مرتاح ودا مش هيحصل إلا لو قاسم دخل حياتك..
قهقه واستأنف بمزاحٍ:
_ وبعدين اعتبريه العوض ياستي، أينعم هو أتأخر أوي بس كويس إنه جه في الآخر ولا إيه
لكزته أحلام في ذراعه بخفة وعاتبته:
_ يواد بس بقى..
ضحك عبدالله على حيائها الظاهر، وقام بدغدغتها وهو يردد:
_ بتتكفسي يا أحلام..
صدرت منها قهقهاتٍ عالية، ثم توقف عبدالله ونهض عن الفراش، أمسك بيدها وقال بحماسة:
_ تعالي هوريكي حاجة..
مشت معه حتى بلغ شرفة الغرفة وأشار إلى سيارته وقال:
_ شايفة العربية الجامدة دى
أخفضت أحلام بصرها مُتفقدة السيارة وتساءلت بجدية:
_ أيوة جميلة ما شاء الله، بتاعت مين؟
وقف عبدالله بشموخٍ وأعدل من هيئته مُتلبسًا ثوب التعالي وهو يخبرها:
_ بتاعت العبد الفقير إلى الله، عبدالله القاضي!
أسرت السعادة قلب أحلام وعاودت النظر إلى السيارة من جديد هاتفة بفرحة عارمة:
_ بجد والله؟
أماء عبدالله مؤكدًا فقامت أحلام باحتضانه والمباركة له:
_ مبروك يا حبيب قلبي
شد عبدالله على ظهرها وقال:
_ الله يبارك فيكي، بكرة أول حاجة نعملها أول ما البت زينب تصحى ننزل ناخد لفة بيها..
ابتسمت أحلام بسعادة وقالت:
_ إن شاء الله
تثاءب عبدالله فلقد سيطر عليه النُعاس، فقالت أحلام:
_ شكلك عايز تنام، روح اوضتك يا حبيبي ونام
رفض عبدالله الذهاب لمكانٍ وقال:
_ أنا مش منقول من هنا، هنام في حضن أحلام النهاردة
إزدادت أحلام بهجةً، وفتحت له ذراعيها على مصرعيه وقالت مُرحبة:
_ يا مراحب يا مراحب..
***
صباحًا؛ انتهت ليلى من وضع وجبة الفطور في الصينية ووقفت تتفحص جميع الأطباق التي تفننت في رسمها، ثم حملتها وتوجهت إلى الغرفة الذي يَبيت فيها زكريا، وضعت الصينية جانبًا وجلست على الفراش برفق تُناديه بصوتٍ مُنخفض حتى لا تُزعجه:
_ زكريا.. قوم عشان نفطر
لم ينهض فاضطرت إلى استخدام يدها التي وضعتها على وجهها وملست عليه بنعومة، فنجحت في إيقاظه، فتح عينيه ببطئٍ ورمقها برؤى مشوشة.
ثم أعدل جلسته وتطلع إلى حالتها التي كانت عليها، فلقد ارتدت من الثياب أحسنهم، تغلغلت رائحة عِطرها إلى أنفه، ناهيك عن خُصلاتها التي وضعتهم على الجانب فباتت مثيرة المظهر.
قابلته ليلى بإبتسامة رقيقة أضافت لحالتها رونقًا
خاص وقالت:
_ صباح الخير يا حبيبي
دنت منه وقامت بتقبيل وجنته بتمهلٍ تعمدته، ثم أمسكت الصينية ووضعتها على قدميه وبدأت تُطِمعه في فمه بيدها، فلم يعترض زكريا وجاراها فيما تفعله، حتى ظهرت على وجهه ابتسامة أراحت قلب ليلى وتأكدت أنها تسير على النهج الصحيح.
_ أنتِ مش بتاكلي ليه؟
تساءل مستفسرًا فأجابته ليلى بإيجاز:
_ خليني كدا أحسن، أنا مش جعانة..
لكنه لم يرضى ذلك وأخذ من الطعام وقام بإطعامها، فحاولت ليلى التحمُل دون اللجوء إلى القيء، وقامت بتناولها، عاود زكريا إطعامها لكنها أبت تلك المرة وهتفت:
_ كفاية عشان خاطري، أنا وقت ما أحس إني مُتقبلة الأكل هاكل..
ثم أسرعت في الخروج من الغرفة وجاءت بصورة أخفتها خلف ظهرها، عادت إليه مُبتسمة بحماسٍ، ثم وضعتها أمام عينيه موضحة ماهي:
_ شوفت صورة البيبي، طلبتها من الدكتورة مخصوص عشان أوريهالك...
شعر زكريا بغصة في حلقه، لكنه جاهد على مُسايرة الأمر على الرغم من رفضه التام لما يحدث، أعطتها ليلى له، فأخذ زكريا وقتًا قبل أخذها ثم تفقدها فلم يفهم شيئًا، جاورته ليلى وبنبرةٍ مليئة بالحيوية أوضحت له وهي تُشير بإصبعها على نقطةً في الصورة:
_ شايف النقطة دي، هو دا..
ابتسمت بسعادة ظاهرة وهي تستأنف:
_ سبحان الله، شوف بيكونوا قد إيه وبعد ما يتولدوا بيكون إزاي..
لم تجد منه رد فعل، فقررت اللعب على شيءٍ آخر يثير حماسه، فجلست مُقابله ونظرت إليه مُتلفهة وسألته:
_ أنت نفسك في ولد ولا بنت؟
أطال زكريا النظر بها بجفاءٍ شديد، ابتلع ريقه وأردف بإيجاز:
_ كل اللي يجيبه ربنا كويس..
قالها ثم نهض وابتعد عنها، فلحقت به ليلى مُتابعة حديثها:
_ أكيد طبعًا كل اللي ربنا يجيبه حلو، بس دايمًا الأب والأم بيكون ميولهم للنوع، أنا مثلًا نفسي في بنوته أوي..
اتسعت ابتسامتها وهي تتخيلها بين يديها وتابعت بحماسة شديدة وعيون لامعة متأثرة:
_ تكون بنتي وصاحبتي، بجد دي أمنيتي تيجي بنت أوي، ها أنت بقى نفسك في إيه؟ زيي ولا...
قاطعها زكريا بوقوفه المفاجئ ورمقها بنظراتٍ مشتعلة قبل أن يهتف بحدةٍ:
_ خلاص يا ليلى..
صر أسنانه بغضبٍ وسُرعان ما هرب إلى المرحاض، فوقفت هي تُتابع خُطواته بحسرة على فشلها كلما حاولت إقناعه بحملها، جرت أذيال خيبتها حتى بلغت الغرفة وجلست على طرف الفراش تتطلع أمامها بصمت.
إنه يضيع عليها لحظاتٍ ثمينة لطالما تمنت عيشها معه، ومع من ستعيش تلك الأجواء الحميمية إلا معه؟ ليس من السهل تحمل ذلك العبء والتعب بمفردها، إنه لا يحاول ولو بمقدار ذرة أن يقبل بالأمر الحالي فمحاولاتها تأتي عبثًا.
داخل المرحاض؛ وقف زكريا يطالع صورته بنفورٍ شديد من نفسه، يكره ما يفعله، لكنه لا يشعر يتقبله لذلك الحمل الذي أفقده لذة عيش لحظاته مع ليلى بأريحية.
فتح صنبور المياه وغسل وجهه مرارًا ثم قام بالخروج دون النظر إلى ليلى، وسُرعان ما ترتدى ملابسه وهم بالخروج، بينما انتبهت ليلى على رنين الهاتف فقامت بالرد:
_ عليا...
***
_ أيوا يا لولو، بقولك طنط عزة ووليد جاين بليل، ابقي انزلي بدري شوية هَدّي معايا أستاذة توتر دي عشان أنا كتير عليا اللي عملته فيا من وقت ما عرفت إن وليد اتقدم لها
قالتها عليا مُتعمدة مشاركتها ليوم خاص كهذا، فأبدت ليلى قُبولها وقالت:
_ تمام، هخلص اللي ورايا وانزل على طول..
أنهتا المكالمة ثم نظرت عليا إلى خلود التي تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا وصاحت بنفاذ صبر:
_ كفاية بقى أنا دوخت من اللف..
توقفت خلود بملامح متوترة وأردفت:
_ بابا أكيد هينادي عليا دلوقتي قبل ما ينزل ويسألني، دا أنا امبارح سجدت لله سجدتين شكر عشان جاله شغل ومكلمنيش..
أمسكت خلود بطنها وأضافت بوجهٍ ونبرةٍ مرتبكة:
_ بطني بتوجعني أوي...
وقفت عليا أمامها وحاولت طمأنتها ببعض الكلمات الداعمة:
_ هو الموضوع يوتر أنا عارفة، بس والله التوتر المُبالغ دا ملوش لازمة، يعني أنتِ هتلاقيكي عادي وقت ما سألك وبتردي عادي.. وكمان بليل هتحسي إن روحك خلاص بتطلع ووقت ما هتخرجي وتقعدي ونتكلم كل دا هيختفي، فبلاش توتري نفسك على الفاضي
نظرت إليها خلود وكأنها تتعلق في قش لتبخر توترها وتساءلت:
_ أنتِ شايفة كدا؟
أكدت عليا ذلك:
_ أيوا طبعًا..
شهيقًا وزفيرًا فعلت خلود ثم اعتلت طرف فراشها، تلك الأثناء ولجت هناء الغرفة ووجهت حديثها إلى خلود بجدية:
_ أبوكي عايزك.. تعالي
اتسعت حدقتي خلود وهبت واقفة، نظرت إلى شقيقتها بهلع فحاولت عليا بث الطمأنينة بها بإشاراتٍ من عينيها، ثم رافقتها إلى الخارج حتى تُساندها إن احتاج الأمر.
خرجت خلود على استحياء شديد، ووقفت أمام أبيها وهي تفرك أصابع يدها، فدعاها محمد للجلوس:
_ اقعدي واقفة ليه؟
جلست خلود ونظرت إلى شقيقتها تستمد منها القوة، ثم انتبهت على كلام أبيها:
_ أكيد عرفتي إن وليد اتقدم لك، إيه رأيك في الموضوع دا؟
ازدادت نبضات قلبها بقوة، تطلعت فيه وهي لا تعلم للكلام سبيل، لكزتها عليا بخفة في ذِراعها لِتُخرجها من حالتها فردت خلود مختصرة:
_ اللي حضرتك تشوفه يا بابا
_ هو أنا اللي هتجوزه يابنتي؟ لازم تقولي رأيك، مرتاحة للموضوعة ولا لأ، عندك قُبول من نحيته ولا لأ، كدا يعني خدي ودي معايا في الكلام عشان أعرف أتكلم معاهم بليل..
قالها محمد بنبرة هادئة متريثة، فابتلعت خلود ريقها وحاولت تجميع الكلمات لِتُجيب بها والدها، ثم أردفت بتلعثمٍ:
_ مُتقبلاه عادي، أقصد يعني عندي قبول، مش مضايقة..
ابتسم لها محمد، ومازحها مشاكسًا:
_ ولا نقوله لأ؟
رفعت خلود رأسها وقابلت عيني والدها بتوجسٍ خيفة من رفضه، فقهقه محمد وهلل من بين ضحكه:
_ شوفوا البت خافت إزاي؟!
لم تستطع خلود إخفاء ضحكتها التي تشكلت رغمًا عنها على وجهها، وسُرعان ما أخفضت رأسها هاربة من نظرات والدها، فتدخلت هناء قائلة:
_ بس الفرق بينهم كبير يا محمد.. وهي لسه قدامها ٣ سنين على ما تخلص كلية، حاسة موضوع الخطوبة دا مش وقته خالص حاليًا.. وخصوصًا إني مش بحب الخطوبة تطول ويفضل داخل خارج علينا كدا...
تفاجئت خلود برأي والدتها، رمقت عليا بخوفٍ خشية أن تقنع والدها برأيها، لكن حاولت عليا تهدئتها من خلال عينيها، ثم انتبهن على رد والدهن
_ ١٠ سنين مش فرق كبير للدرجة دي يعني يا هناء وبعدين مش أول ولا آخر ناس يكون بينهم الفرق دا، ومش لازم الخطوبة تطول ولا حاجة، تكمل تعليم في بيته إن شاء الله..
عادت بهجة خلود من جديد بعد سماعها حديث والدها، تقابلت مع عيني عليا التي انشرح ثغرها ببسمةٍ سعيدة، ثم تابعن حوار والِدتهن حيث قالت هناء:
_ ربنا يكتب اللي فيه الخير، هقول إيه بعد كلامك..
رفع محمد رأسه ناظرًا إلى عليا وأمرها بلطفٍ:
_ عليا هاتي لي الموبايل بتاعي عشان أكلم وليد وأكِد عليه يجي بليل..
فأسرعت عليا في تلبية أمر والدها، فقام بالإتصال على الفور حتى يُعطي خبرًا لوليد بانتظارهم تلك الليلة.
***
قلِق عبدالله من نومه؛ تفقد المكان من حوله فلم يجد والدته في الجوار، تفقد الوقت فوجده قد تأخر، فنهض مبتعدًا عن الفراش وتوجه إلى الخارج، فتقابل مع زينب التي تخرج من المطبخ تحمل طعامًا وتضعه على السفرة.
ابتسم لها واقترب منها وقبّل جبينها ثم أردف:
_ صباح الخير يا زوزو..
_ قصدك مساء الخير، إحنا خلاص العصر..
قالتها زينب مازحة، فأردف عبدالله وهو يمط ذراعيه في الهواء:
_ مش عارف نمت كل دا إزاي؟ تقريبا البيت كله واحشني ونمت براحتي..
_ نوم الهنا يا حبيبي
قالتها زينب بحبٍ فنظر تلقائيًا إلى الأطباق وقال:
_ الغدا جاهز كمان، مش معقول الدلع
تلك الأثناء خرجت أحلام من المطبخ اثر صوتهما وقالت بإبتسامةٍ عريضة:
_ صباح الخير يا حبيبي، يلا اغسل وشك عشان ناكل مع بعض
توجه عبدالله إلى المرحاض، بينما تابعت زينب وضع الأطباق على السفرة حتى انتهت، وجلسن في انتظار مجيء عبدالله، بعد لحظاتٍ كانوا ثلاثتهم على الطاولة يتناولون الغداء.
انتهوا من الطعام، فهب عبدالله واقفًا وقال وهو يتناوب النظر بينهن:
_ يلا قوموا إلبسو وجهزوا نفسكم..
عقدت أحلام ما بين حاجبيها وهي تتساءل بفضولٍ يُخالطه القلق:
_ هنروح على فين؟
أجابها وهو يقوم بإرتداء معطف حُلته:
_ هنروح على بيت المزرعة، هنقعد هناك..
عبست ملامح أحلام، وأبدت رفضها بما يريده:
_ أنا مش هتنقل من بيتي، أنا مرتاحة هنا
رمقها عبدالله بعتابٍ كبير، قبل أن يُردف بإصرارٍ:
_ إحنا اتكلمنا في إيه امبارح؟ قومي إلبسي بس وأي حاجة تانية تتحل بعدين
_ يا عبدالله صدقني مينفعش، فات الأوان على اللي أنت عايزه دا! أنا كبرت على الكلام دا خلاص!
اقترب منها عبدالله بِضع خُطوات وشاكسها بأسلوبٍ طريف:
_ هي مين اللي كبرت بس، أنتِ أخرك ٣٥سنة...
رمقته أحلام بطرف عينيها فهلل عبدالله مازحًا:
_ ٣٦؟
انفجرت أحلام ضاحكة وكذلك الآخرين، ثم حاول عبدالله الإصرار على ذهابهم:
_ العمر مجرد رقم، والونس مش محتاج رقم ولا يعرف عُمر.. اسمعي مني
ثم نظر إلى زينب لِتُسانده ووجه حديثه إليها بجدية:
_ ما تقولي حاجة يا زينب
ابتسمت الأخرى وقالت:
_ وافقي يا ماما، أنا أكتر واحدة عايزة تمشي من الحارة دي، معتش حابة أفضل هنا..
نظرت إليها أحلام بتأثرٍ وحزن، بينما علق عبدالله ساخرًا:
_ شوفي هي بتاعت مصلحتها بس اسمعي منها برده
ضحكت زينب وإلتزمت الصمت، بينما أخذت أحلام مُدة تفكر فيها، بداخلها تناقض شديد، لن تنكر أن جزءًا منها يُود عيش مالم تحظى به في الماضي.
وجزءًا يخشى الإقبال على تلك الخُطوة متوجسة عيش ما عاشته قديمًا، والجزء الأخير يستحيي أن يترك بيت زوجها الذي كان خير زوج لها ونعم الأب لأولادها.
اقتحم عبدالله شُرودها بإصراره:
_ مش عارف أنا باخد رأيك ليه؟ مش أنا الراجل هنا، وكلامي يتسمع، يلا قوموا إلبسوا وهاتوا شوية هدوم معاكم..
كان أمره حاسمًا فلم تستطع أحلام الإعتراض وهمت بدخول غرفتها لِتُبدل ملابسها وكذلك فعلت زينب بحماسة شديدة لعيش تجربة جديدة لم يسبق وعاشتها.
وقفت زينب مذهولة أمام سيارة عبدالله الجديدة، أشارت إليه بعيون مُتسعة لامعة وتساءلت:
_ دي بتاعتك؟! احلف
غمزها ثم أقسم أنها تعود إليه:
_ والله
فركضت نحوها بفرحةٍ عارمة وقامت بركوب المقعد الخلفي تحت ضحك عبدالله على تصرفاتها، بينما توجه هو إلى الباب الأمامي وقام بفتحه لوالدته ثم انحنى بجسده مُتلبسًا ثوب السائق وأردف:
_ اتفضلي يا هانم..
قهقهت أحلام على داعبته وقامت بركوب المقعد، ثم قام عبدالله بغلق الباب، انتبه على صفير صديقيه من خلفه ثم هلل وليد:
_ اش اش اش وأنا أقول الولا نسينا خالص، طبعًا له حق بعد ما ركب الجي كلاس
اقترب منهما عبدالله بملامح مشدودة وبغرورٍ واستعلاء قال:
_ نعم، عايزين مين يا حبيبي أنت وهو
تبادل وليد نظراته مع زكريا الذي سب عبدالله فانفجر الآخر ضاحكًا بعد تلبُسه ثوب التعالي، اقترب منهما وقال:
_ شوفتوا صاحبكم وصل لفين؟
ربت وليد على ذراعه بسعادة بالغة من أجله وردد:
_ الله يسهلوا يا سيدي..
فأضاف زكريا:
_ مبروك يا صاحبي، ربنا يعوض أيامك كلها خير
ثم لكزه زكريا في ذراعه بقوة وواصل:
_ بس متبقاش بس تنسانا بجد..
استنكر عبدالله ظنه، وقال مُبديًا حسن نواياه:
_ بقولكم إيه، فكروا في مشروع ينفعنا إحنا التلاتة عشان أنا مش هشتغل لوحدي، يا نعيش عيشة فُل ياااا....
قاطعوه صديقيه وهللوا عاليًا:
_ يا نموت إحنا الكُل
انفجروا ضاحكين ثم انسحب عبدالله معللًا:
_ هروح أنا ونبقى نتفق ونتقابل..
ثم انصرف سريعًا تاركًا سعادة في نفوس صديقيه، مُتأملين في ذلك العمل خيرًا لحياتهما القادمة، انصرفا كل منهما إلى عمله بمزاجٍ صافٍ يخلوا من الهموم.
وصل بهم عبدالله إلى بيت المزرعة بعد أن أبلغ والده بوصولهم، فكان قاسم في انتظارهم أمام الباب، يخفق قلبه بقوة كلما خُيل له اقترابه من حُلمه لطالما سهر لياليه يُناديه وينتظر حدوثه.
ترجلت أحلام من السيارة، وداخلها يُسيطر عليه التوتر والإرتباك الشديدين، شعرت لوهلة بأن قلبها يرتجف عندما رأت ابتسامته ونظراته التي لا تُرفع عنها، ثم انتبهت على صوت عبدالله الذي هلل موجهًا حديثه إلى أبيه:
_ وأنا اللي قولت هلاقيك واقف بالمأذون قدام الباب!!
نظر إليه قاسم مستاءً، فلقد انتابه الخجل من خلف كلماته، حمحم قاسم وعاتبه في نظراته:
_ لازم نتكلم مع بعض الأول يا عُبد..
ثم وجه أنظاره على زينب ورحب بها:
_ أهلًا يا بنتي، نورتي المكان
اكتفت زينب ببسمةٍ خجولة، ثم دعاهم قاسم إلى الداخل، ففضل عبدالله أن يتحدثا سويًا بمفردهما فقال:
_ هاخد زينب ناخد لفة في المكان تتعرف عليه..
وسُرعان ما انصرفا كليهما، بينما نظر لها قاسم بلهفةِ مُحب وأردف بصوت رخيم:
_ تعالي نقعد..
جلسا مقابل بعضهما، ثم لاحظ قاسم توترها فابتسم وقال:
_ لسه بتتوتري مني حتى بعد العمر دا كله؟
رفعت أحلام عينيها في عينيه وهمست:
_ الست بتفضل ست حتى لو الشكل اتغير.. طبيعي تتحرج وتتوتر، المشاعر ملهاش علاقة بالعُمر..
_ معاكي حق..
قالها ثم أضاف بحماسة قد تدفقت في أدرينالينه:
_ تتجوزيني يا أحلام؟
تطلعت به بحدقتين واسعتين متفاجئة من طلبه الجاد، بينما ابتسم هو بهدوءٍ وبنبرة رزينه تحدث:
_ تعالي نلم الشمل اللي اتفرق من سنين تاني، نعيش مرة واحدة لنفسنا، أنا مش بتمنى حاجة من ٣٠ سنة غير إنك تكوني ونسي في الحياة من تاني!
كانت مُندهشة بتصريحاته التي لم تُرتب لسماعها فور وصولها، حمحمت وحاولت تجميع شتات نفسها المُبعثرة وقالت بتلعثمٍ:
_ بس.. بس أنا كبرت يا قاسم، معتش البنوتة بتاعت زمان اللي ملامحها جميلة ورقيقة وصوتها ناعم، أنا وشي ظهر فيه تجاعيد، وصوتي بقى خشن، وإيدي ملمسها مبقاش حنين زي زمان...
_ والله يا أحلام لو كل دول كانوا فارقين معايا مكنتش طلبت منك نرجع تاني، أنا لسه بحس نفس الإحساس معاكي، لسه قلبي بيدق جامد وبيكون متوتر وخايف وأنا واقف قدامك كأني داخل امتحان ثانوية، إحساسي بيكي مقلش لحظة ودا المهم..
أردفها قاسم بلوعة مُشتاق إلى حبيبه، ثم أضاف مازحًا بعد أن شكل ابتسامة ساخرة على محياه:
_ وبعدين ليه محسساني إني عامل six pack ما أنا كرشي مدلدل قدامي أهو، وشعري خالطه الشيب وحاجة جميلة خالص
لم تستطع أحلام منع ضحكها على سخريته، فبادلها قاسم الضحك ثم تساءل بجدية وعيون تتلهف لسماع إجابتها:
_ ها نكلم المأذون؟
أطالت النظر به ثم أماءت بقبول، وسرعان ما أخفضت رأسها في حياء، فابتهج قاسم واسرت السعادة قلبه، هب واقفًا وقال:
_ طب اطلعي استقري في الأوضة اللي على يمين السلم فوق وأنا هعمل مكالمة سريعة وراجع لك..
نهضت مُسرعة من أمامه بينما خرج قاسم من البيت ليقوم بالإتصال على المأذون ليأخذ منه موعدًا في أقرب فرصة له، انضم إليه عبدالله وزينب عندما رأوه واقفًا بمفرده ثم تساءل عبدالله باهتمامٍ:
_ وصلتوا لإيه؟
لم يجيبه قاسم على الفور، بل وجه نظره على زينب وقال:
_ بتعرفي تزغرطي يا زينب؟
كانت كلماته خير دليل على قُرب إتمام زواجهما، انفرجت شفتي زينب بإبتسامة عريضة وأومأت برأسها قبل أن تطلق الزغاريد العالية التي وصلت لآذان عاصم وصبا المجاورين لهما.
فركضا إلى الخارج ليعلموا مصدر الصوت، تفاجئوا بوجود عائلة قاسم، في الحديقة الخاصة بهم، انضموا إليهم فشعرت صبا بالإرتباك الشديد من وجود عبدالله وزينب، وكأن الماضي لا يريد تركها وشأنها.
بينما قفزت زينب فرحًا لرؤياها، وقامت بضمِها لكن صبا تجمدت مكانها ولم تُبادلها العِناق، استشعرت زينب عدم مُبادلتها المشاعر نفسها وتراجعت بحرجٍ شديد وهتفت:
_ إزيك يا صبا...
_ كويسة..
اكتفت صبا بذلك الرد والتزمت الصمت في وجودهم، بينما تحدث عاصم موجهًا حديثه إلى قاسم:
_ إحنا سمعنا الصوت، فجينا نشوف جاي منين؟
كان قاسم مُتفاجئًا بوجودهما، ابتسم له بهدوء، وتعمد عدم إخباره بما يدور معهم:
_ عبدالله وعيلته هيقعدوا هنا.. وزينب كانت فرحانة وعبرت عن فرحتها بأسلوبها...
أثار كلام قاسم ريبة من حوله، فلماذا لم يخبرهم بزواجه، تبادل عبدالله النظرات مع شقيقته ووقفا مكانهما دون تعليق، بينما رحب عاصم بهم قائلًا:
_ الونس حلو برده بدل الهدوء اللي في المكان دا..
ثم انتبه الجميع على خروج أحلام الخائفة وبيدها مسدسًا تمسك به بيدين مرتجفتين:
_ أنا بفتح الدرج لقيت المسدس دا قدامي، بيعمل إيه هنا؟
اقترب منها قاسم مهرولًا وقام بأخذه منها موضحًا سبب تواجده في المنزل حتى يطمئن قلبها:
_ دا موجود للطوارئ بس متقلقيش..
فأضاف عاصم على كلمات قاسم:
_ دا ضروري وجوده في البيوت هنا، المكان هنا مقطوع وبعيد عن الناس وسهل أوي تلاقي حرامية، فدا بيكون للحماية بس، إحنا برده عندنا واحد في درج المكتب..
تلك اللحظة انتبهت أحلام لوجود عاصم وإلى جواره صبا، رمقتها بنظرات مذهولة، تُعاتبها في نظراتها، كيف فعلت ذلك بولدِها؟ كيف تقف إلى جوار زوجها أمامه، حتمًا يتألم الآن ولا يُظهر.
ابتعلت ريقها ولم تستطع الوقوف لدقيقة أخري أمامها فانسحبت بعد أن استاذنت من الجميع، وكذلك عاصم وصبا عادوا إلى البيت تحت نظرات عبدالله المستشاطة.
عاود عبدالله النظر إلى والده بوجهٍ مُحتقن وسأله بنبرةٍ مندفعة قليلًا:
_ أنت ليه مقولتش على جوازك من أمي؟
استشعر قاسم ما يوجد خلف هجومه فأوضح له قاسم سبب إخفائه للأمر:
_ عشان مش حابب آدم يعرف من حد غيري، هو لازم يعرف مني أنا الأول عشان ميزعلش..
تفهم عبدالله موقفه، وتبخر غضبه منه تدريجيًا حتى زال، تفقد قاسم السلاح الذي بيده ثم ناوله إلى عبدالله وأردف بجدية:
_ حد إخفي المسدس دا بعيد عن والدتك..
أخذه منه عبدالله ثم ولج قاسم برفقة زينب إلى البيت بينما تريث عبدالله ووقف يُطالع البيت التي تتواجد فيه صبا بمشاعرٍ مضطربة، لم يعد يدري أي شعورٍ يراوده الآن.
***
مساءً، خرجت صبا من مطبخ البيت بعد أن أحضرت لها شطيرة تتناولها حتى تأخذ دوائها فتقابلت مع عاصم الذي يبدوا عليه الخروج، حمحمت قبل أن تتساءل:
_ أنت خارج؟
أماء وردّ ببرودٍ:
_ أيوا بحاول أعمل بنصيحتك وأشوف حياتي..
تقوس ثِغر صبا بإبتسامة سعيدة وهتفت مُشجعة:
_ مبسوطة إنك أخدت الخطوة دي..
تطلع عاصم بها لبرهة دون تعقيب، ثم زفر أنفاسه ومر بجوارها دون إضافة المزيد، تحت نظراتها المتابعة له، هي على دراية بغضبه منها الآن، لكنه حتمًا سيكون مُمتنًا لها لاحقًا.
صعدت إلى الغرفة التي تقطُن بها، ووقفت في شُرفتها تطالع بيت المزرعة الخاص بعبدالله وعائلته، وهي تتناول شطيرتها على أمل رؤيته.
في الخارج؛ ركب عاصم سيارته، ووصل إلى مكانٍ قد اختاره خصيصًا للتواجد به، ولج إليه بوجهٍ جامد يخلو من المشاعر الطيبة، وقف مع أصدقائه وكان أول من سأله عن سبب وجودهم كان أنس:
_ إيه المكان اللي أنت جايبنا في دا.. من امتى بنسهر في ديسكوهات؟
رمقه بطرف عينيه قليلًا قبل أن يردد:
_ تغير، التغير مطلوب..
إستاء أنس منه وعلق بتهكمٍ:
_ بس دا تغير للأوحش يا صاحبي..
نظر أمامه وقال وهو يهُز رأسه:
_ استمتع شوية وسيبك مني..
بعد مرور ساعة، كان عاصم يترنح يمينًا ويسارًا لا يقدر على الوقوف بثباتٍ لشُربه كمية كبيرة من الكحول، اقترب منه أنس وأخذ الكأس من يده وهتف عاليًا:
_ كفاية شرب بقى، أنت معتش شايف قدامك
دفعه عاصم بعيدًا عنه وصاح بحنقٍ:
_ أبعد عني..
_ لا مش هبعد، أنت بتعمل كدا ليه؟ دي أول مرة تشرب، يكون بالكمية دي؟
هتفها أنس على أمل تركه للمشروب، لكن هيهات لعاصم الذي أخذ كأسًا وراء كأس حتى لم تعد تتحمله قدميه، وتشوشت رؤياه فساعده أنس على الوقوف والخروج من المكان برفقة صديقيه الآخرين.
عاد عاصم من الخارج بعد منتصف الليل، يترنح ويتمايل، يسير بخُطوات غير مُتزنة، صعد إلى الطابق العلوي وتوجه إلى غرفة صبا، اقتحمها فجأة، وتقدم بخُطاه منها ثم ارتمى على الفراش فتسبب في إيقاظها مذعورة.
نظرت إليه بتوجسٍ وتساءلت برهبةٍ:
_ عاصم، أنت بتعمل إيه هنا؟
نظرا إليها بتِيه وتحدث بلسانٍ ثقيل:
_ عايز أنام هنا النهاردة!
لاحظت صبا حالته، وخمنت أنه ثمل، فنفرت منه وقالت:
_ أنت شارب إيه بس مخليك كدا..
ابتعدت عن الفراش ووقفت مقابله محاولة حمِله:
_ تعالى معايا هوصلك أوضتك..
بصعوبة بالغة ساعدته على الوقوف، استند عاصم بجسده عليها، فأصبحت خُطواتها بطيئة، حتى توقف فجأة ونظر إليها بعيون زائغة وهتف:
_ عنيكي لونها حلو أوي..
_ ماشي، يلا بقى روح أوضتك
قالتها صبا بنفاذ صبر، اقتربت منه لتعاود إسناده لكنه أجبرها على التوقف، ثم رفع رأسها إليه وسمح لنفسه بالإقتراب من ثغرها، فشهقت صبا بصدمةٍ وهللت غير مصدقة:
_ أنت بتعمل إيه، أبعد عني...
قالتها وهي تحاول الهرب من أمامه لكنه أبى وقام بمُحاصرتها بيديه المُمسكة بكلتى ذراعيها وصاح بثقل:
_ أنتِ ليه مش حاسة بيا، أنا بحبك، وعايزك، ليه مش شيفاني.. ليه بترفضيني بالشكل دا..
بتوسلٍ ورجاء شديدين هتفت صبا والخوف يُسيطر على صوتها:
_ عشان خاطري يا عاصم سيبني..
رفض الإبتعاد عنها، بل وسمح لنفسه بتقبيل ثغرها بعنفٍ، تحت محاولاتها في الهرب من بين يديه، لكنها تفشل في المقاومة، دفعها عاصم بقسوة فسقطت على الفراش، تلك اللحظة تجمعت حادثتها في ذاكرتها مجددًا حين راودها حمادة عن نفسها، وها هو عاصم يفعل مثله الآن.
ينهش في جسدها كحيوانٍ لا يرأف بفريسته، صرخت وصرخت على أمل أن يتركها لكنه لا يتراجع عن الوصول إلى مراده غير آبه لصُراخها كأنه لا يستمع إليه.
في الخارج؛ كان عبدالله جالسًا في الحديقة مُصوبًا عينيه على نوافذ البيت التي تقطن به صبا، يلعب بالمسدس الذي أعطاه له والده ليقوم بإخفائه عن عيون والدته حتى لا تهابه ثانيةً.
ظل يحركه في حركاتٍ دائرية، حتى تسلل إليه صراخ صبا، فتوقفت يداه عن الحركة، ونهض يستمع إلى الصوت مرة أخرى ليتأكد مما وقع على أذنيه.
خفق قلبه بذعرٍ وكاد يقتحم بيتهم، إلا أنه تريث قليلًا ربما يفهم الأمر خاطئًا، اقترب من البيت أخِذًا وضع الإقتحام إن تطلب الأمر وعاودت الصراخ.
في الداخل حيث غرفة صبا؛ شعرت صبا باستكانته، حيث وضع رأسه على صدرها، تفقدت وجهه فوجدته قد غفى.
أغمضت عينيها تتنفس الصعداء، مُمتنة لذلك النوم الذي كان طوق نجاتها، جاهدت في إبعاده عنها ثم نهضت وألقت عليه نظرة احتقار قبل أن تفر هاربة من الغرفة عندما شعرت بالإختناق يغلف صدرها، توجهت إلى غرفة المكتب باحثة عن السلاح التي تحدث عنه عاصم صباحًا ثم هرولت خارج البيت.
وقفت في منتصف الحديقة تبكي ألمًا على ما جعلها تعيشه، كلما شعرت بأنها بخير يعاود أحدهم هدم سكنِها من جديد، نظرت إلى السماء لتُعيد إليها ذاكرتها ما مرت به منذ تلك الليلة حتى تلك اللحظة.
كانت في حالة يرثى لها، تحطمت جميع محاولاتها في أن تكون بخير، تبخرت آمالها في العودة إلى ذاتها مرةً أخرى، رفعت يدها للأعلى وصوبت فوهة السلاح على رأسها.
كانت يديها ترتجف بشدة من قوة بكائها، إزداد شعورها بالخوف لتلك الخُطوة التي تقبل عليها، لكن لابد من فعلها، عليها إنهاء حياتها لترقد بسلام.
_ إبعدي السلاح يا صبا..
اقتحم صوت عبدالله المكان، فاهتزت صبا مذعورة، ثم التفتت ناظرة إليه بعيون تترقرق منها الدموع، لكنها لم تخفض ذراعها، بل ثبتت يدها جيدًا وقالت:
_ إمشي..
رفض الذهاب بحركة من رأسه واقترب بخُطاه منها مرددًا:
_ نزلي إيدك يا صبا، اللي مسكاه دا مش لعبة!
بصوتٍ متحشرج حذرته:
_ متقربش..
لم يكترث لها فاضطرت إلى وضع إصبعها على الزناد، فتوقف عبدالله لحظتها، ثم رفع يده فظهر السلاح المُمسك به والذي صوبه باتجاه قلبِه وقال:
_ يلا أهو نموت مع بعض
الفصل الثامن والعشرون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم تسنيم المرشدي
تقف خلف باب غرفتها تتطلع بالخارج تارة وتارة أخرى تُمسك معدتها التي تعكرت، اتسعت عينيها عندما قرع رنين جرس الباب، فأقبلت على باب غرفتها تُتابع ما يحدث دون أن يلاحظها أحد.
فولج وليد بهيئة خفق لها قلبها، كان يرتدي ملابسًا جديدة قام بشرائها خصيصًا لتلك الليلة الفريدة، رحب به أهل البيت فجلس هو ووالدته وأخذوا يرحبون ببعضهما البعض.
ثم قال وليد بحرج:
_ معلش يا عمي اعذرني على التأخير بس كان عندي فترة إضافية في المصنع ومقدرتش أعترض..
أزال محمد الحرج من عليه بنبرته الطيبة:.
_ ولا يهمك يابني، محدش يقول للشغل لأ ربنا يعينك
ثم بحث وليد بعينيه عن تلك المشاكسة ربما يجدها، فوقعت عينيه على الباب الذي يهتز فتأكد أنها واقفة خلفه، ابتسم بعذوبة أسرت قلبها وأخجلتها، عضت على شفاها وسرعان ما اختفت من خلف الباب.
فاقتربت منها عليا وقالت:
_ أنا هخرج لهم..
تعلقت خلود في ذراعيها وهتفت متوسلة:
_ متسبنيش لوحدي، أنا متوترة أوي
ابتسمت عليا بخفة وأردفت بعملية:
_ لازم أخرج عشان أساعد ماما في تقديم الحاجة، هبعت لك ليلى..
أماءت خلود بالقبول فلم يكن هناك حلًا آخر، خرجت عليا بينما وقفت هي تستشنق الهواء الذي شعرت أنه هرب من الغرفة.
في الخارج؛ بدأت عزة حديثها قائلة:
_ إحنا مفيش بينا رسميات يا حج محمد، ووليد ابنك، وهو لما كلمني على خلود أنا فرحت أوي عشان إحنا أهل واخوات والنسب دا هيقوي علاقتنا..
_ أكيد طبعًا يا أم وليد، وأنا قولتله قبل كدا مش هلاقي أحسن منه لبنتي، كفاية أخلاقه والأهم إنه بيصلي ومش بيسيب فرض، واللي بيخاف ربنا هيتقي ربنا في بنتي ويراعيها..
هتفها محمد بصوتٍ رخيم هادئ، ثم تحدثت عزة مؤكدة:
_ خلود في عنينا، هنشيلها على راسنا هي تؤمر بس وإحنا ننفذ..
بإبتسامة سعيدة أردف محمد:
_ الأمر لله يا أم وليد..
فتدخل وليد مُضيفًا على كلامهما:
_ نتفق على ميعاد الخطوبة، وفترة الخطوبة هتكون قد إيه، أنا مش بحب فترة الخطوبة تطول، بس عشان خاطر خلود استنى معنديش مشكلة
_ يا حنين!
علق زكريا ساخرًا، فتوعد له بنظراته وأبدى استيائه:
_ أخرج أنت منها يا خفيف..
ضحك زكريا وصمت، بينما ردّ محمد على حديث وليد:
_ والله يابني الخطوبة دي بتاعتكم شوفوا الوقت اللي يناسبكم وقرروا، إنما وقت الخطوبة..
تلك الأثناء قاطعت هناء زوجها وقالت:
_ بعد إذنك يا محمد مش قصدي أقاطعك بس كنت حابة أقول حاجة..
سمح لها محمد بعينيه فتابعت ما تود قوله:
_ أنا برده مش بحب الخطوبة تطول، بس خلود لسه صغيرة، لسه قدامها ٣ سنين في الكلية ولو اتجوزت بدري مفتكرش إنها هتقدر توفق بين الدراسة ومسؤولية الجواز، فإحنا على الأقل نستنى تخلص سنتين من الكلية وفي السنة الأخيرة تتجوز والموضوع يكون سهل عليها شوية..
أيدها وليد قائلًا:
_ مفيش أي مشكلة يا مرات عمي، حتى لو هي مش عايزة تتجوز غير بعد ما تخلص الكلية خالص أنا معنديش مشكلة.. أهم حاجة مصلحتها طبعًا
شعرت هناء بالراحة تجتاح قلبها من خلف كلماته التي أيد بها رأيها، فعاودت الحديث قائلة:
_ وياريت الخطوبة تكون بعد فرح عليا، إحنا هنكون مشغولين فرش البيت..
وجهت هناء نظرها إلى عزة وأضافت:
_ أنتِ ست العارفين الوقت اللي قبل الفرح دا بيكون ضيق وملخبط إزاي
أومأت عزة برأسها مُبدية عِلمها بالأمر وقالت:
_ أيوة فعلا عندك حق..
ثم انتبه الجميع على إعتراض وليد حيث هتف:
_ لا دي مش هقدر أكون معاكي فيها يا مرات عمي، أنا عايز أدخل الفرح وهي خطيبتي في إيدي.. إحنا مش لازم نعمل حاجة كبيرة، تجمع عائلي بسيط نلبس الشبكة ونتصور صورتين وخلاص..
ضحك محمد وعلق مشاكسًا وليد:
_ شوف الواد مش قادر يصبر شهر، أومال هتستناها ٣ سنين إزاي؟
تملك الخجل من وليد الذي تلون وجنتيه بالحُمرة وابتسم بخفة وهو يردد:
_ استنى وهي خطيبتي مقبولة شوية..
_ على بركة الله، نقرأ الفاتحة دلوقتي والخطوبة الجمعة الجاية إن شاء الله
قالها محمد حاسمًا الأمر، فرفع الجميع أياديهم فاعترض وليد ما يفعلوه قائلًا:
_ هو فيه قراية فاتحة من غير عروسة؟ ولا أنتوا نيمتوها ولا إيه؟
قهقه الجميع ثم نظر محمد إلى عليا التي استشفت ما يرمي إليه، وتوجهت إلى الغرفة لتُخرج خلود:
_ يلا يا خلود بابا عايزك
تراجعت خلود للخلف رافضة الخروج مُعللة:
_ مش هعرف أخرج، حاسة إني قلبي هيقف
اقتربت منها عليا وأردفت:
_ لا جمدي قلبك وتعالى يلا عيب نتأخر عليهم ..
انضمت إليهن ليلى وحثت خلود على الخروج:
_ يلا يا خوخة، متوتريش نفسك كلنا جنبك
بعد فترة؛ خرجت خلود من الغرفة برفقة عليا، وليلى التي تتبعهن، ابتهج وليد فور رؤياها وشعر بالسعادة لحظتها، توجهت خلود إلى زوجة عمها وصافحتها، مُتحاشية النظر عن وليد حتى لا يزداد خجلها أضعافًا.
جلس الجميع وبدأوا يقرأون سورة الفاتحة ليباركوا تلك العلاقة، ثم ارتفعت الزغاريد من قِبل عليا وليلى، عمت الفرحة قلوب الجميع بتلك العلاقة التي بدأت لتوها.
***
اجواءٍ مشحونة بالتوتر والخوف، يخشى الطرفين إصابة الآخر، رجفت يدي صبا وهي تطلع على السلاح الموجه على قلب عبدالله ثم هتفت بنبرة مهزوزة:
_ أنت فارق لك في إيه أموت ولا لأ؟ إمشي يا عبدالله..
دون أن يكترث لكلامها أمرها:
_ نزلي السلاح ونتكلم..
_ مش هنزله، لو مش قادر تتفرج إمشي..
هتفها بإصرارٍ فصاح الآخر:
_ سبق وعملتها يا صبا، بس المرة اللي فاتت خدش المرة دي هتبقى بجد، وأنا مش بتاع كلام.. قدامك ٣ ثواني لو منزلتيش السلاح هخليكي تندمي عمرك كله على الفرصة اللي اديتهالك...
نظرت إليه بعيون دامعة، ترتجف بشدة، فبدأ عبدالله بالعد على إصبعه وقبل أن يصل إلى الرقم ٣ كانت ألقت صبا المسدس أرضًا، فزفر عبدالله أنفاسه براحة، ثم أبعد السلاح عنه وأعاد وضعه في جيب بنطاله ثم أردف:
_ عايزة تموتي نفسك ليه؟
تشدق ساخرًا وواصل:
_ الباشمهندس أتأخر عليكي النهاردة ومقدرتيش على بُعده...
رفعت صبا عينيها عليه ورمقته بنظراتٍ مستنكرة، أولته ظهرها لتغادر لكنها توقفت فجأةً وعادت إليه من جديد حتى باتت مقابله لا يفصلهما سوى الهواء الذي يمر بينهما وهتفت ببغضٍ كارهة سخريته وهي تضرب صدره بكل قوتها:
_ أنت، أنت ملكش أي حق تتدخل في حياتي، ملكش دعوة بيا نهائي، أنت واحد بياع كلام ووقت الجد بعتني وملقتكش جنبي، فملكش أي حق تتكلم معايا بالطريقة دي....
انهمرت دموعها رغمًا عنها وهي تُتابع ضرب صدره الذي آلمه للغاية، لوهلة فقد توازنه لكنه وقف بثباتٍ وتركها تفعل ما تشاء فتابعت الأخرى صراخها:
_ أنا بكرهك يا عبدالله، أنا حياتي ادمرت بسببك، بكرهك.....
قالتها ثم هدأت نبرتها تدريجيًا عندما انخفض معدل ضغط دمها، خارت قواها وفقدت وعييها فجأة، فخفق قلب عبدالله مذعورًا وهرع إليها لاكتشاف ما حدث معها:
_ صبا... يا صبا
تفقد نبضها فوجده بطيئًا للغاية، بالكاد شعر به، انحني بنصف جسده وقام بحملها بين ذراعيه ووقف يتفقد المكان من حوله، لا يدري أين يذهب بها، فسقط بصره على الغرفة الخارجية التي تتوسط الحديقة، فلم يتردد إلى التوجه نحوها.
قام بركل باب الغرفة بقدميه عدة مرات حتى فُتح، ثم ولج ووضعها برفق على الفراش، وقف ينظر إليها بقلة حيلة، جهل لحظتها التعامل مع الأمر، أغمض عينيه لثانية يحاول التفكير بعناية.
أعاد فتح عينيه ثم خرج من الغرفة؛ ليأتي بشيءٍ يُعيد إليها صوابها، بعد قليل عاد إليها ثم وضع عطرًا على يده قبل أن يُقربها من أنفها، كرر فعلته عدة مرات حتى شعر باستجابتها إليه.
فتراجع للخلف ووقف ينتظر صحوتها، أخذت ثوانٍ حتى استعادت وعييها، تفقدت معالم الغرفة حتى وقعت عينيها على عبدالله الواقف يُراقبها في صمتٍ، فانتفضت من مكانها.
ثم انتبهت على يد عبدالله التي تُعطيها شيئًا وأوضح:
_ خدي إلبسي، داري شعرك...
صعقت صبا أنها بمظهرٍ لا يليق بها الظهور أمامه، أخذت منه قطعة القماش ثم أخفضت رأسها في حياء، فخرج عبدالله على الفور، أغلق الباب ووقف أمامه بعد الثواني بفروغ صبرٍ.
بعد مدة قصيرة انتبه على فتح الباب، فاستدار بجسده ومنع خروجها من الغرفة، حيث عاد إلى الداخل فاضطرت صبا إلى التراجع خُطوتين، فقام عبدالله بركل الباب بقدمه فأغلقه.
وقفت أمامه تطالعه بمزيجٍ من المشاعر المتناقضة، حيث أنها تستحي من مظهرها التي ظهرت به أمامه منذ قليل، كما أنها تشعر بالغضب الشديد منه، لكن مالم يُراودها هو الشعور بالخوف.
لم تهاب هيئته المنتصبة، لم تكن كذلك من قبل ولن تفعل الأن، فقط شعور الطمأنينة لا يسكن قلبها سوى وهو أمامها، على الجانب المقابل كان الآخر يُطالعها بشوقٍ حار.
يا ليت الزمن يسمح بضمها إلى صدره وأخذ عناقًا حار يروي ظمأه لفقدانها الشهور الماضية، ابتلع ريقه وحاول الثبات أمام عينيها التي تطلع به بوميضٍ مختلف لم يتعامل معه من قبل.
أخذ نفسًا عميق ثم تساءل بصوتٍ هادئ:
_ إحنا إيه اللي وصلنا لكدا؟
قلبت صبا عينيها مستاءة من سؤاله وأجابته وعينيها تجوب من المكان من حولها:
_ هو أنت بجد بتسأل؟
صوبت بصرها عليه وتابعت:
_ هو أنت سيبت لي حل تاني أهرب له غير إني اتجوز!!
ضاق عبدالله بعينه فهو لا يعي ما وراء كلماتها المبهمة وسألها بحنقٍ:
_ أنتِ بتتكلمي في إيه؟ أنا عملت لك إيه أصلًا عشان تتهميني إني السبب في جوازك!
أنا من يوم ما عرفتك وأنا براعي ربنا فيكي وفي كلامي وتصرفاتي وحتى نظرتي ليكي عمرها ما كانت خارج حدود الإحترام..
أنتِ مشوفتيش مني غير الحلو وبس، كنت راجل وقد كلمتي وعمري ما خليت بوعد أخدته على نفسي معاكي..
تشدقت صبا ساخرة ثم سمحت لنفسها بالإقتراب منه فلم يُحرك عبدالله ساكنًا بل ظل ثابتًا مكانه، ارتفعت وتيرة أنفاسه بشدة من وراء تأثُره بِقُربها، حتى صاحت صبا في وجهه:
_ أنت حبتني وأنت ضامن إنك هتكون أول لمسة في حياتي، لكن أول ما غيرك لـ....
_ شششش، اسكتي..
هتفها بتحذيرٍ، ثم صاح عاليًا:
_ أنا عمري ما فكرت التفكير المريض دا، أنتِ وصلك كدا يبقى دي مشكلتك، استسهلتي وهربتي وروحتي اتجوزتي واحد معرفش ظهر امتى دا ولا تعرفيه منين!
_ اللي بتتكلم عنه وافق يتجوزني بعد ما عرف وضعي وساعدني اتعالج من حالتي اللي كنت فيها، في الوقت نفسه اللي كلمتك فيه وسألتك لسه عايزني وأنت سِكت، مردتش عليا وقفلت السكة في وشي، وبعدها قفلت الموبايل، استغنيت عني بكل سهولة!
استغنيت عني بمكالمة تليفون!
قالتها ثم انفجرت باكية وهي تُتابع وتشير إلى ذاتها:
_ مكنتش أعرف إن قيمتي وداع بمكالمة حتى من غير كلام!
إلى هنا وقد بلغ عبدالله ذروة تحمله على تلك الإتهامات البرئ منها، وخرج عن هدوئه وهدر بها بنبرةٍ اهتزت لها أرجاء الغرفة:
_ استغنيت عن مين؟ عنك أنتِ؟ ووداع إيه اللي بتتكلمي عنه؟ أنتِ متعرفيش أي حاجة، متعرفيش أنا اتعرضت لإيه؟ ولا حالتي كانت إزاي؟!
مد ذراعه نحو الفراش وتابع بنبرة جهورية:
_ أنا كنت قاعد هنا جنب السرير بعيط زي العيل الصغير في حضن أمه طول الليل، أنا اللي دموعي عمرها ما نزلت حتى في عز ما الدنيا جاية عليا نزلت عشانك!
كلمتيني وأنا في عز خنقتي وصوتي مش قادر أخرجه ومقدرتش أرد عليكي..
أشار إلى نفسه وضرب صدره بعنفٍ وهو يتابع:
_ أنا يومها كنت بايت في الحجز عشان اتهجمت على حمادة، كنت رايح أخد لك حقك منه، وأخرتها اترميت في زنزانة ومكنش معايا موبايل عشان أوصل لك، بعت لك أمي تطمنك وتقولك إني جنبك وعمري ما أسيبك مهما حصل بس حضرتك كنتي مشيتي..
هز رأسه مرارًا مستنكرًا تسرعُها وواصل استرساله:
_ مشيتي ودورتي على واحد واتجوزتيه!!
أنا كنت هموت عليكي، أنا عشت أيام كنت بتمنى الموت فيهم مليون مرة، أنا كنت بموت بالبطيء وأنا هتجنن وأعرف أنتِ فين، دورت عليكي في كل مكان أعرف لك فيه قريب ومحدش يعرف عنك حاجة، وبعد كل دا جاية تتهميني إني بيعتك؟
مش هسمح لك أبدًا ترمي اللوم عليا، مش هسمح لك يا دكتورة..
تشدق ساخرًا وبعقلاٍ يجن صاح:
_ مش قادر أتخيل إني كنت هموت عليكي وأنتِ في المقابل عيشتي حياتك واتجوزتي ولا فرق لك اللي كان بينا!!
أنتِ إزاي كدا؟ إزاي أنانية ومفكرتيش غير في نفسك بس؟ إزاي هان عليكي إحنا؟ دا إحنا كنا....
صمت عبدالله حين هاجمته نوبة بكاء أرادت الخروج لكنه جاهد نفسه وحبسها قدر استطاعته ليُواصل حديثه فكان صوته مهزوزًا:
_ دا أنا لغاية دلوقتي بيعز عليا أقول كنا!!
انتهى عبدالله مما لديه، كانت مواجهة ساخنة، فوقف يلتقط أنفاسه تحت نظراتها المصدومة، كانت تُحدق به بعينين متسعتين لا تصدق ما قيل، تراجعت صبا للخلف وجلست على الفراش بإهمال مستندة براحتي يدها على الغطاء ورددت وهي تُطالع أمامها بذهولٍ:
_ يعني إيه؟ يعني كل اللي أنا عشته دا كان كدبة؟ كان وهم؟ دا أنا حياتي ادمرت، أنا بتعالج من اللي حصل ومن اللي كنت فكراه إنه حصل!!
يعني إيه بجد؟ إزاي طيب؟
كان يُراقبها دون أن يستشف ماتقصده، إلتزم الصمت فأخذت صبا تقص ما عاشته وهي تنظر في عينيه:
_ أنا يومها كلمتك كتير أوي.. أنا كنت خايفة يا عبدالله ومكنتش محتاجة غير كلمة منك تطمني!
وملقتهاش، أنت مردتش عليا، الخط قفل والموبايل اتقفل، رنيت كتير ونفس النتيجة مش بتتغير..
تساقطت عبراتها كالشلالٍ وهي تُواصل شرح ما تعرضت له بحسرة شديدة:
_ أنا كنت هنتحر يا عبدالله، أنت فجأة اختفيت وأبويا اللي كنت فكراه ساندني ويحميني برموش عينه، كان كل هامه إنه يخلص من الفضيحة قبل ما تحصل..
أبويا بعد ما كان رافضك وحاسس إنك أقل مني فجأة سألني إذا كنت لسه عايزني ولا لأ!!
أنت متخيل حسيت بإيه وقتها؟
حتى عاصم مكنش حد يعرف عنه حاجة، كان بيحاول يدخل حياتي وأنا برفضه طول الوقت أول ما شاف رقمه عندي طلب مني أرتبط بيه عشان الناس الأغنيا دي مش هتفرق معاهم حالتي!!
إزداد نحيبها بشدة واهتز جسدها وهي تتذكر ما مرت به:
_ متخيل أبويا أنا يقولي كدا، أنا فجأة لقيت نفسي لوحدي، لا حبيبي لقيته جنبي ولا أبويا طبطب عليا وأخد لي حقي، وأنا كنت مدمرة، أنا عشت أسوأ حاجة ممكن أي بنت تعيشها، فكرة إن حد ينتهك جسمك بالطريقة المؤذية دي صعبة أوي، والله صعبة أوي..
رفعت صبا يديها المرتجفتين ونظرت إليه وقالت بصوتٍ مهزوز مُتلعثم:
_ مكنش في إيدي حاجة غير إني أقبل بعاصم في حياتي.. كنت فاكرة إني بكدا هعفيك من حِملي وهبعد عن أبويا الفضيحة اللي كان خايف منها!
_ للدرجة دي يا صبا مكنتيش عرفاني؟ مكنتيش عارفة إني لا يمكن استغنى عنك مهما حصل؟ وإني هفضل جنبك ولا أي حاجة تفرق لي غيرك أنتِ، يعني بعد كل دا وتطلعي مش عرفاني!!
هتفها بتأثرٍ يُخالطه اللوم، فهتفت هي عاليًا:
_ هل أنا وقتها كان فيا عقل أفكر كويس؟ رد عليا وقولي لما أبويا اللي أنا من دمه يحسسني إني عبء هل ممكن عقلي يستوعب إنك هتكون غيره؟ مش بتفكر زيه؟
مسحت صبا دموعها بظهر يدها، ونهضت وقفت مقابله، وأردفت بثباتٍ قليل:
_ ومع ذلك كان عندي أمل إن كل دا يطلع كابوس، اتعلقت في قشاية يمكن هي طوق نجاتي..
عادت صبا بذاكرتها إلى تلك الليلة عندما أجابت عاصم وأخبرته بقبولها للزواج منه:
_ بس فيه حاجة الأول أنت لازم تعرفها...
أخذت نفسًا عميق ثم أخبرته بنبرة غير سوية عن حادثتها، كانت تبدو نبرتها جامدة لا تآبى ما تعرضت له، عكس باطنها التي تخفي به انهيارًا عظيمًا ودت لو تُظهره لكن لم تجد من تشاركه معه فالتزمت تلبس ثوب القوة أثناء مكالمتها مع عاصم الذي أخذ وقتًا يحاول استيعاب حقيقة ما أخبرته به ثم انتهى من تفكيره قائلًا:
_ أنتِ وافقتي على طلبي مضطرة ولا...
قاطعته صبا مجيبة بجفاء:
_ مضطرة.. أنا مش عندي حل تاني، لو أنت مش قابل مفيش مشكلة.. بس لازم تفهم إنك لو وافقت فأنا معنديش أي حاجة أديهالك، اللي بتتكلم دي مجرد صوت من غير روح! من غير قلب ومن غير مشاعر! أنا فاضية من جوا مش هقدر أديلك حاجة أنت عايزها!
بعد تفكيرٍ ردّ عاصم بقراره الأخير الذي حسم فيه أمره:
_ وأنا موافق، حتى لو كنت ملجأ لهروبك، كفاية عليا إنك فكرتي فيا وقت محنتك، وأنا مش هخذلك..
_ أنا محتاجة أمشي من هنا في أقرب وقت ممكن..
هتفت بها صبا وهي على وشك الإنهيار، فقال عاصم بجدية:
_ جهزي نفسك وأنا ساعة بالكتير هكون عندك...
قالها فأنهت صبا الإتصال على الفور ثم أچهشت باكية بألم وحسرة على حياتها التي على وشك الإنتهاء، نفضت عنها أفكارها التي ليست في أوقاتها ثم نهضت وخرجت من الغرفة فوجدت والديها يجلسان في الخارج.
أخذت نفسًا زفرته على مهلٍ وبثباتٍ قالت:
_ أنا هتجوز عاصم!
نزل الخبر كالصاعقة على والدتها، فهبت واقفة واقتربت منها قائلة:
_ إيه اللي بتقوليه دا؟ وجواز إيه وعاصم مين؟
ربتت إجلال على ذراع صبا وتحدثت برجاء:
_ استهدي بالله يا صبا، أنا عارفة إنك بتمري بفترة صعبة، بس بلاش قرارات دلوقتي يا حبيبتي هتندمي عليها بعدين.. وبعدين هو فين عبدالله؟
لمعت عيني صبا بالخزي والحسرة، فعاودت والدتها مُتحدثة بصرامة:
_ مفيش جواز من حد متعرفيهوش يا حبيبتي، مش هنصلح غلطة بغلطة تانية..
قاطعها محمود تلك الأثناء قائلًا:
_ إجلال.. سيبيها! بنتك هتعمل الصح..
كان محمود يفاجئهن كلما تحدث بكلمةٍ، رمقته صبا بخيبة أمل كبيرة شعرت بها تجاهه، أطالت به النظر وشفتيها مزمومتين، ثم عادت إلى الغرفة لتُحضر حقيبتها فلحقت بها والدتها وحاولت منعها مما تفعل متوسلة:
_ عشان خاطري بلاش قرارات مفاجئة أنتِ أكتر واحدة هتندمي عليها، اهدي وخلينا نفكر بالعقل، وسيبك من ابوكي، هو مصدوم وبيقول أي كلام، فين عبدالله يا صبا.. فين وأنا اعملكم أحسن فرح في البلد كلها!!
توقفت صبا عن جمع مختصاتها وتقوس ثغرها بٍبسمة باهتة قبل أن ترُد:
_ كل حاجة بانت على حقيقتها، عبدالله اتخلى عني.. وبابا زي ما أنتِ شايفة، أنا استحالة أقعد ثانية في البيت دا..
ثم تابعت لملمة أشيائها المُتبقية، حتى فرغت وقامت بارتداء ملابسٍ لها وجلست على الفراش في انتظار وصول عاصم بعيون متورمة من فرط البكاء.
على جانب آخر؛ وقف عاصم أمام والديه داخل غرفتهما وهتف:
_ أنا عارف إنه قرار مفاجئ ومش مفهوم بالنسبة ليكم، بس أنا محتاجكم جنبي وقت كتب الكتاب..
تبادلا والديه النظرات المذهولة؛ ثم بدأ عز الحديث:
_ هو أنت بتتكلم بجد ولا اختبار لينا ولا إيه، أنا مش فاهم حاجة؟
أسرع عاصم مجيبًا إياه بنبرةٍ متلهفة:
_ أنا بتكلم بجد..
فقاطعته نهال باندفاعٍ:
_ بجد إزاي؟ يعني إيه فجأة تقولنا هتجوز؟ مين دي وظهرت امتى وليه الجوازة السريعة دي؟ فيه حاجة غلط!
أخذ عاصم نفسًا وبدأ يشرح لهم جدية الأمر متعمدًا عدم ذكر السبب الحقيقي:
_ مين دي، دي الدكتور صبا اللي كانت بتعالجني في المستشفى، وظهرت من وقتها وأنا متعلق بيها وبحاول أقرب منها، وهي إدتني فرصة وأنا حابب أكتب الكتاب على طول.. ومفيش أي حاجة غلط في الموضوع، الموضوع طبيعي خالص بس هو سريع شوية!
نظر عز إلى نهال ثم أمرها بنبرة رزينة:
_ نهال لو سمحتي سيبنا لوحدنا..
تناوبت نهال النظر بينهما قبل أن تنسحب من الغرفة، فقام عز بالإقتراب من عاصم وسأله بتوجسٍ:
_ عاصم يا حبيبي، بكل هدوء كدا فهمني كل حاجة براحة، أنت والبنت دي غـ...
لم يتقبل عاصم سماع اتهام كبير كهذا وقاطعه قائلًا:
_ مفيش أي حاجة من اللي حضرتك بتفكر فيها دي، دي مش أخلاقي، والبنت سُمعتها أحسن مافيها، ومحترمة ومش بتاعت الكلام دا..
خرج عز عن ثوب هدوئه الذي يتلبسه منذ سماعه بخبر زيجة ابنه واندفع به:
_ أومال في إيه؟ على رأي والدتك فيه حاجة غلط!
شهيقًا وزفيرًا فعل عاصم ليكون في صدره متسع لمجاراة حوراهما وإقناع والده:
_ يا بابا أنا بأكد لك إن مفيش أي حاجة مش طبيعية، صدقني لو سمحت، كل الحكاية إني عايزكم جنبي وقت كتب الكتاب تحضروه معايا وبعد كدا هتتعرفوا عليها وصدقني هتحبوها و...
لم يتحمل عز سخافاتٍ أخرى، وصاح مندفعًا بنفاذ صبر:
_ إحنا في هنحبها ولا لأ؟ يابني لو متورط معاها في حاجة قول وأنا هعرف أخرجك منها، لكن متحاولش تقنعني أبدًا إن الجوازة المفاجئة دي طبيعية من غير أسباب كدا؟!
شعر عاصم بمُحاصرته من قِبل والده، أولاه ظهره بعد أن تملكه التوتر وظل يحك مؤخرة رأسه بقوة، يحاول جمع حلولًا تُخرِجه من مُحاصرة أبيه، وبعد وقتٍ استدار بجسده ونظر لوالده مُطولًا قبل أن يُردف:
_ البنت واقعة في مشكلة، ومتطلبش مني تعرف إيه هي عشان مش هقدر أقول، احتاجتني وأنا لازم أقف جنبها..
الأن اتضحت لعز بعض الأمور، تنفس بعض الهواء وقال:
_ مفيش حاجة اسمها مش هقول، أنت ممكن تكون عايز تساعد بحسن نية وبعد كدا تلاقي نفسك اتورطت في مصيبة، أنا أبوك ولازم أعرف، أنا ليا نظرة غيرك وأفهم إذا كانت مساعدة ولا توريط في مصيبة..
نفذ صبر عاصم على الإلحاح، ولم يقف ثانية أخرى، توجه إلى الباب وهو يُردد عاليًا بتمردٍ:
_ خلاص مش عايز منكم حاجة، أنا هعرف أتمم كتب الكتاب لوحدي..
كاد يدير مقبض الباب فصاح عز مُحذرًا:
_ أنا بمكالمة مني أخلي كل مأذون في مصر ميقدرش يكتب لك الكتاب اللي مُصر عليه دا! وأنت عارف إني أقدر أعمل كدا كويس..
أغمض عاصم عينيه بضيقٍ، فلقد غلف الإختناق صدره، التفت ونظر إلى والده عندما حاصره الآخر بتحذيره الأخير، ابتلع ريقه وتحدث:
_ الكلام اللي هقوله دا محدش يعرفه حتى ماما، ماما بالذات مينفعش تعرف
أماء عز لِيُطمئنُه فقص عليه عاصم حقيقة الأمر، حتى انتهى من حديثه وقال:
_ أنا عرّفتك مش عشان تقولي أه أو لأ، أنا في كل الأحوال هقف جنبها، بس أنا عرّفتك عشان تقف أنت جنبي ومكنش لوحدي في خطوة زي دي
كان عز مذهولًا مما وقع على مسمعه، كان يُطالع الفراغ أمامه في محاولة استيعاب ما أخبره عنه عاصم، خرج عز حالة شروده متسائلًا بجدية:
_ وأنت ليه يابني تعمل كدا؟ ليه تحمل نفسك حاجة زي دي مش سهلة أبدًا وعواقبها كتيرة ومحسومة؟ دي خطوة جريئة منك ومش أي راجل يتقبلها؟
بحسمٍ صاح:
_ عشان أنا حابب أعمل كدا، محدش ضغط عليا، أنا في كامل وعيي وأنا باخد قرار زي دا، وعارف إن قرار متهور بس أنا مش بفكر في أي عواقب غير إني أساعدها وبس!
استطاع عاصم إقناع والده ببعض المفاهيم الأخلاقية ثم توجه برفقة والديه لاصطحاب صبا حتى يُتمِم عقد قرانهما.
في فندقٍ من أهم الفنادق الذي يتعامل معها عز وعائلته، جلس عاصم في غرفةٍ للمناسبات، ينتظر حضور صبا في الغرفة الذي قام بحجزها لهما، بينما وقفت صبا في منتصف الغرفة تبكي بشدة، غير راضية عن تلك الخُطوة المُقبلة عليها.
نظرت إلى والدايها وقالت مُحاولة إيجاد حلًا آخر غير زواجها من عاصم:
_ أنا هكلم جلال، أكيد عنده حل غير إني اتجوز، ياخدني عنده أو يعمل أي حاجة تانية
توجهت باحثة عن هاتفها فأسرع والدها في اللحاق بها ثم سرق منها الهاتف فجأة وأردف بجدية:
_ متعرفيش اخوكي حاجة، مش لازم كله يعرف بلي حصل، وبعدين يا بنتي بصي حواليكي وشوفي إحنا واقفين فين وبنتعامل إزاي لمجرد إننا تبع الباشمهندس، دي فرصة متتعوضش، الشاب قِبل بوضع هو ملوش ذنب فيه وواضح إنه شكله بيحبك وإلا مكنش وافق على الشيلة دي..
هتعيشي معاه مرتاحة، بصي لمصلحتك يا صبا!
فكري بعقلك مش بعواطفك!
وضعت صبا كِلتى يديها خافية وجهها بقلة حيلة، كانت في وضعٍ لا تُحسد عليه، يُحاصرها الإجبار من جميع الزوايا، اهتز جسدها ورفض عقلها الخضوع لتلك الزيجة وهتفت:
_ عبدالله لا يمكن يعمل فيا كدا، لا يمكن يتخلى عني بالسهولة دي.. أكيد فيه حاجة غلط!
مدت يدها إلى أبيها وقالت من بكائها:
_ اعطيني الموبايل هكلم طنط أحلام..
تلك الأثناء اهتز هاتف صبا مُعلنًا عن وصول رسالةٍ، فتفقدها والدها الذي ما أن قرأها حتى أدار لها الهاتف ووضعه في وجهها، فأخذت صبا تقرأ محتواها تحت تأثير الصدمة من تلك الكلمات القاسية المدونة على الشاشة.
وكأن الوقت قد وقف من حولها، ولم يعد هناك حياة لها تلك اللحظة، فلقد تبخرت كل آمالها الأن، جذبت الهاتف من يدي والدها وقامت بإغلاقه ثم توجهت بقامة منتصبة شامخة إلى الخارج دون أن تنبس حرفٍ.
وبعد دقائق، كان زواجها قد تُمِمَ، عادت صبا إلى الوقت الحالي تحت نظرات عبدالله المصدومة مما وقع على أذنيه، وبصعوبة بالغة خرج سؤاله بصوتٍ متحشرج:
_ رسالة إيه؟
نهضت صبا عن مكانها بعد أن جلست عليه مؤخرًا وهي تقص عليه ما حدث معها وقالت بجمودٍ:
_ زينب أختك بعتت لي إنك استغنيت عني ومش عايز تعرفني تاني وياريت مصعبش الموضوع أكتر وأشوف نفسي بعيد عنك!
ولو أنه قد تلقى خبر موت عزيزٍ أهون عنده من سماع ما قالته صبا للتو، أغمض عبدالله عينيه وظل يُمسد بِخُطوط طولية على رأسه في حالة تِيه لا يستوعب عقله ما تلقاه البتة.
تملك من صدره الإختناق المفاجئ، حتى شعر أنه لم يعد يستطع التنفس، فقام بفك بعضًا من أزرار قميصه وأخذ يتنفس بصوتٍ مرتفع فخشت صبا حالته التي بات عليه وأسرعت نحوه قلِقة:
_ أنت حاسس بإيه؟
_ مش حاسس..
همس بها فساعدته صبا على الجلوس ثم انتظرت قليلًا وعاودت سؤاله وهي تجسي على ركبتيها أمامه تتفقد ملامحه:
_ مش حاسس إنك أحسن؟
فتح عبدالله عينيه ببطءٍ وأخفض عينيه حيث تجسي وتحدث بخفوت:
_ أنا عمري ما استغنيت عنك يا صبا! أنتِ كنتي روحي، ومحدش يقدر يستغني عن روحه!
قابلته بعيون دامعة وصوتٍ مهزوز وهي تُردد قوله:
_ كنت!
هربت بعينيها بعيدًا عنه، ونهضت تُجمع شتات نفسها، ابتلعت ريقها وقالت وهي لا تستطع النظر في عينيه:
_ أنا همشي..
تساقط دمعها فأسرعت بتوليه ظهرها لتفر هاربة لكنها تريثت عندما وقعت كلماته على أذنيها:
_ من شوية..
نهض عبدالله وتوجه نحوها حتى بات مقابلها واستأنف:
_ سمعتك بتصرخي..
انتابه غصة في حلقه لم يقدر على التحدث، فجاهد نفسه ثم واصل بقية سؤاله:
_ هو عمل لك حاجة؟
بجفاءٍ قالت:
_ أنا كويسة، متقلقش عليا يا جاري!
تشدقت ساخرة مما وصلا إليه، ثم تابعت خروجها من الغرفة، فتَبِعها عبدالله ولم يخفض بصره عنها، فكان داخله سؤالًا لحوحًا يطوق لمعرفته، وبترددٍ بالغ قابله في البداية صاح:
_ صبا..
أكتفت بالنظر إليه فأخذ عبدالله وقته يُجمع سؤاله ثم أخرجه بحرجٍ شديد:
_ هو لمسك؟
اندهشت صبا من سؤاله الذي جدد مشاعرٍ قد اختفت داخلها، جدد لديها آمالاً بعودة الوصال بينهما، فاجتاحها الخجل الصريح واخفضت رأسها
في حياء شديد وأجابته بإيجاز:
_ إجابة سؤالك دا نفسه إجابة سؤالك اللي قبل كدا..
ألقت عليه نظرة أخيرة ثم انسحبت عائدة إلى البيت بينما وقف عبدالله يجمع ما تقصده من خلف كلماتها، حتى وصل إلى إجابتي أسئلته في آن واحد، إذًا كان صراخها رفضًا قاطعها لاقترابه منها.
لم يدري بماذا شعر لحظتها، لكنه تعجب من ابتسامته الخفية التي تشكلت على شفتيه، استند بجسده على الباب يُتابع خُطواتها حتى اختفت من أمامه خلف باب البيت فعاد هو إلى الداخل، اعتلى الأريكة المجاورة للفراش وطالع أمامه يُعيد ما أخبرته به صبا ثانيةً حتى وصل بذاكرته إلى أمر الرسالة فتجهم وجهه وصر أسنانه بغضبٍ وتوعد أشر وعيد لزينب.
بينما في البيت المجاور، عادت صبا إلى غرفتها فوجدت عاصم ما زال هناك، بحثت سريعًا عن هاتفها القديم التي لم تستخدمه منذ حادثتها، وجدته في حقيبتها فأخذته وتوجهت إلى الغرفة المجاورة ثم أحكمت من توصيد الباب خلفها حتى لا يستطيع الوصول إليها ثانيةً.
جلست على الفراش وقامت بإعادة فتح الهاتف، وماهي إلا ثوانٍ حتى جاءه رسائل عديدة عندما اتصل بالانترنت، لم تتفحص سوى رسائل عبدالله التي تفاجئت بذلك الكم الهائل من الرسائل منه.
كانت تبكي مع أحد الرسائل تارة وتضحك تارة، ثم تعيش مشاعرٍ حزينة وأخرى سعيدة وهي تسبح بين سطور رسائله، تندهش من حالاته التي وصل إليها في غيابها وتبكي تحسرًا لألامه التي جعلته يعيشها بفقدانها.
ظلت تقرأ طوال الليل دون مللٍ، وكلما انتهت منهم تُعيد قرائتهم من البداية وتعيش المشاعر ذاتها كأنها تقرأهم للمرة الأولى.
***
في الصباح الباكر، كان قاسم جالسًا في كافتيريا مرموقة، يرتشف قهوته وهو ينتظر وصول آدم، مرت مدة لا بأس بها حتى ظهر آدم وجلس مقابله:
_ صباح الخير..
_ صباح الخير يا حبيبي، نفطر سوا؟
رد قاسم التحية بمزاج صافٍ ثم تساءل باهتمامٍ فأماء آدم بالقبول:
_ تمام
أشار قاسم إلى النادل وأمره بإحضار وجبة فطور تليق بهما، ثم تسامر مع آدم في شتى المجالات مُبديًا اهتمامه البالغ به، وصل الطعام وبدأَ كليهما يتناولان حتى امتلأت معدتهما.
تراجع قاسم مستندًا على ظهر الكرسي وبدأ يُمهد للحديث الذي خصص تلك المقابلة من أجله، حمحم وأردف بصوتٍ رخيم:
_ أنت عارف يا آدم إني كنت متجوز أم عبدالله قبل والدتك ولظروف صعبة اضطرينا ننفصل، ومن بعدها اتجوزت والدتك وحصلت الفجوة في العيلتين بسبب بُعدي عنكم.
اعتدل في جلسته وتابع بهدوءٍ:
_ وأنا لما رجعت المرة الأخيرة كنت راجع ونيتي أجمع شمل العيلتين وأدوب الجليد اللي بينا، وأحاول أصلح اللي غلطت فيه زمان..
ضاق آدم بعينيه وهو يُتابع تمهيده للحديث وقال:
_ بابا أنت عايز تقول إيه؟
أخذ قاسم نفسًا عميقًا ليتسع صدره ثم أخبره:
_ أنا هتجوز والدة عبدالله!
كانت صدمة كبيرة بالنسبة لآدم الذي حدق بوالده لبرهة يستوعب ما سمعه، حرك رأسه يسترد صوابه، كما حرك لسانه بحركاتٍ دائرية على شفتيه وقال مختصرًا:
_ مبروك..
استشف قاسم ضيقه وحاول محي ما يشعر به بكلماته:
_ أنا فاهم إن الموضوع حساس بالنسبة ليك جدًا، ومش سهل أنك تعرف إني هتجوز واحدة على والدتك، بس أنت مش صغير يا آدم ومهما خبينا عنك وحاولنا نتصنع إننا كويسين وعلاقتنا كويسة فأنت أكيد شايف الفجوة الكبيرة اللي بيني وبين حورية.. واختصارًا لأي كلام ملوش لزوم، أنا بحترمها وإحنا مع بعض عشانك أنت، عشان تتربى وسطينا حتى لو القرار متأخر شوية..
زفر أنفاسه المتوترة وابتسم ثم عاود الحديث:
_ أنا محتاج ونس في العُمر دا، وأحلام الوحيدة اللي تقدر تسد الخانة دي وخصوصًا إنها مش جديدة هي من زمان موجودة جوايا، وأم ابني وزي ما أنا حابب إنك تتربى وسط أب وأم حابب عبدالله يعيش نفس الإحساس..
أخفض آدم رأسه محاولًا هضم قرار والده، فرك أصابعه وسأله بنبرة مختنقة وعينيه لا تُرفعان على قاسم:
_ أنت ليه محاولتش تحب أمي؟
تفاجئ قاسم بسؤاله، وما زاد ضيقه وانقباصه قلبه حالة آدم التي بدى عليها، فحاول قاسم انتقاء الكلمات المناسبة حتى لا يجرح قلبه:
_ القلب ملوش سلطان، والحب والمشاعر بإيد ربنا مش بإيدنا، مش إحنا اللي بنختار نحب مين ومين يحبنا، سبحان الله..
حرك آدم رأسه بتفهمٍ وما زال مُنكس الرأس، فمد قاسم ذراعه ورفع رأسه ثم قال:
_ هنكتب الكتاب النهاردة، نفسي تكون معايا..
نظر إليه آدم نظرة مطولة قبل أن يُخبره بقراره:
_ ربنا يسعدك في حياتك يا بابا، بس أنا مش هقدر أعمل كدا في أمي، مش هقدر أوجع قلبها بحضوري كتب كتابك، اعذرني
إلتوى ثغر قاسم ببسمةٍ فخورة، ثم ربت على يد آدم الموضوعة أعلى الطاولة وأردف:
_ أنا مِحترم شعورك بوالدتك جدًا، وأنا مش زعلان بس أهم حاجة تكون أنت راضي عن قراري..
جاب آدم المكان بعينيه ثم عاود النظر إلى والده وردّ مختصرًا:
_ هتعود.. كلنا هنتعود على الوضع الجديد
لم تختفي ابتسامة قاسم قط، فسحب آدم يده ثم نهض معللًا بعد أن تفقد ساعته:
_ أنا لازم أمشي، عندي شغل
ثم انصرف سريعًا وقد باغته وخزة قوية في صدره، بينما نهض قاسم وقام بالمغادرة ليبدأ يومه الفريد والمنتظر منذ زمنٍ.
***
عاد قاسم إلى بيت المزرعة واختلس نظرةً إلى الحديقة التي أمر بتزينها خصيصًا لعقد قِرانه، كان المكان مُزينًا بالورود البيضاء، لقد أضاف رونقًا ساحرًا للحديقة.
تابع سيره حتى وصل إلى أحلام التي تقف أمام الباب تُشاهد ما يحدث، تقوست شفتيها ببسمةٍ خجِلة وأردفت وهي تُشير إلى المكان:
_ إيه اللي بيحصل دا؟
جاورها قاسم ونظر حيث تنظر وهتف بحماسة:
_ أنتِ يتعملك الحلو يا أحلام، هو أنتِ يعني أقل من أي عروسة؟
ابتسمت بسعادةٍ وخجلٍ، وسرعان ما أخفضت رأسها بحياء، فابتسم قاسم بخفة لحالتها، ثم صاح:
_ وبعدين أنتِ واقفة هنا بتعملي إيه؟ أومال الوصيفات اللي جايبهم تحت أمرك دول لازمتهم إيه؟
أخذت أحلام نفسًا ثم قالت وهي تفرك أصابعها:
_ بص بقى ياسي قاسم، أنا مش بتاعت الكلام دا، لا ذِواق ولا فساتين ولا جو الطبقات الاستقراطية دي، أنا ست بلدي على قد حالي، عاجبك على كدا عاجبك مش عاجبك....
قاطعها قاسم وهو يُهلل:
_ مش عاجبني إيه، هو أنا جابني ورا غير البلدي..
غمزها مشاكسًا واسترسل متغزلًا بها:
_ يا بطة بلدي أنت يا حلو
اتسعت مقلتي أحلام بخجلٍ صريح، وفرت هاربة من أمامه فقهقه قاسم ثم ولج البيت ليُبدل ملابسه بأخرى.
بعد ما يقرُب الساعتين، كان قاسم واقفًا في الحديقة برفقة عبدالله وزينب وبعض الأصدقاء القليلون، ترجلت أحلام من درج البيت وظهرت بهيئة رقيقة ساحرة تُناسب عمرها وتليق بكونها زوجة قاسم القاضي.
خفق قلبه وهو يراها تقدُم عليه، وتوجه بخُطاه إليها ثم مد لها يده فنظرت إليه مستاءة وقالت:
_ بعد كتب الكتاب يا قاسم..
_ جدعة يا أحلام، دا الراجل شكله هيخيب ولا إيه
قالها عبدالله مازحًا فتفاجئ قاسم وكذلك أحلام بتعليقه الوقح وعنفاه معًا:
_ عبدالله!
انفجر عبدالله ثم رفع يديه مستسلمًا وردد:
_ تمام ياعمنا..
توجه الجميع إلى الطاولة، جلس قاسم وأحلام على جانبي المأذون، ثم جلس عبدالله وأحد أصدقاء قاسم ليكونوا شهودًا على عقد القِران، كما وقف زكريا ووليد خلف عبدالله يُشاركاه تلك مناسبة.
انتهى المأذون من مراسم عقد القِران وتَممَ حديثه:
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير..
نهض الجميع وباركوا لقاسم وأحلام، نظر قاسم إلى أحلام بنظرة مُحارب انتصر في معركته للتو، ابتسمت هي بحياء وأخفضت عينيها عندما لاحظت عيون الجميع المُصوبة عليها.
في الجوار، لكز زكريا ذراع عبدالله ومازحه ساخرًا:
_ مبروك جواز أمك وأبوك يا صاحبي
رمقه عبدالله بطرف عينيه ثم نهره:
_ ما تتلم
قهقه زكريا وهتف من بين ضحكه:
_ إيه يا عم هو أنا قولت حاجة غلط؟
تدخل وليد متابعًا لسخرية زكريا:
_ ويجيبو لك أخ صغنن كدا تلعب بيه على لما ربنا يفرجها عليك وتتجوز..
_ طب أقطم الكلام بقى منك ليه
هتفها عبدالله بحنقٍ، ثم انتبه ثلاثتهم على دخول ڤاليا الذي خطف الأنظار، ابتسمت فور رؤياها عبدالله وتوجهت نحوه حتى وقفت مقابله وقالت بصوتٍ أنثوي رقيق:
_ هاي عبدالله..
كان زكريا ووليد متابعين لحديثها، وتفاجئوا بأسلوبها، فعلق زكريا مقلدًا نبرتها:
_ طب باي إحنا يا عبدالله
غمزه وليد وهو يبتسم بخفة وهتف:
_ إحنا جنبك هنا هو
ابتعدا عنه قليلًا فصاح زكريا:
_ أيوة يا سيدي الله يسهلوا
رمقهما عبدالله بنظراتٍ مستشاطة متوعدًا لهما، ثم عاد بنظره إلى ڤاليا التي قالت:
_ مبروك لاونكل..
_ الله يبارك فيكي
قالها مختصرًا فعاودت الحديث:
_ المكان حلو أوي بجد.. ذوقه يجنن
اكتفى عبدالله بإيماءة من رأسه، لكنه تفاجئ بتغزلها به وهي تتفحص هيئته جيدًا:
_ وأنت كمان شكلك حلو، البدلة لايقة عليك
أخذ عبدالله نفسًا وبإقتضابٍ ردّ:
_ شكرًا..
وقفت ڤاليا إلى جواره تُشاهد ما يحدث في الأرجاء، فراود عبدالله سؤالًا فسألها بجدية:
_ أنا آسف في سؤالي، بس أنا حاسس إنك المفروض متكونيش هنا..
حمحم وأوضح ما يقصده من وراء كلماته:
_ يعني عشان آدم، الموضوع حساس بالنسبة له، فطبيعي يكون حساس بالنسبة لك أنتِ كمان
أخذت ڤاليا نفسًا وزفرته بقوة تمهيدًا لما ستُصرح به، استدارت بجسدها وقفت مقابله ثم أسبلت عينيها في عينيه وقالت:
_ أنا جاية عشانك أنت يا عبدالله..
تفاجئ عبدالله بكلماتها المبهمة بالنسبة له، ورمقها بطرف عينيها متسائلًا بجدية:
_ مش فاهم الجملة؟ بمعنى؟
أطالت النظر به قبل أن تبُوح بمشاعرها:
بمعنى إني بحبك يا عبدالله!
الفصل التاسع والعشرون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم تسنيم المرشدي
سكون حل لثوانٍ بعد ذلك التصريح المُباشر، لم يُبعد عبدالله نظره عنها، بل كان ينظر إليها مُصدومًا مما وقع على مسامعه، لم يُحرك ساكنًا حتى تفاجئ بيدها التي تُوضع على يده وهي تُردف سؤالها:
_ أنت ساكت ليه؟
سحب يده سريعًا وتفقد المكان من حوله، ثم حمد الله داخله أنه لم يتم رؤياهم، ابتلع ريقه وقال:
_ وهي دي حاجة يترد عليها؟ أنتِ واعية قولتي إيه ولا أنتِ مش فاهمة حجم المصيبة اللي أنتِ قولتيها؟!
أخذت ڤاليا نفسًا وزفرته بقوة قبل أن تُجيب:
_ أنا عارفة إن الموضوع حساس بس...
قاطعها عبدالله بهجومٍ فاجئها:
_ حساس إيه، لا دا أنتِ فعلًا مش شايفة حجم المصيبة! أنتِ بتعترفي لاخو خطيبك بحُبك؟ وآدم دا إيه؟ قاعد على دِكة الإحتياطي؟
كان هجومه قاسيًا ولم تتحمله، لكنها جاهدت نفسها وتابعت شرح مشاعرها بنيةٍ حسنة:
_ أنا مفيش جوايا حاجة لأدم، من وقت ما اتقدم وأنا مش مرتاحة و....
قاطعها ثانيةً باندفاعه المُبالغ:
_ ميخُصنيش، مرتاحة ولا لأ ميخُصنيش، دي حاجة بينك وبينه هو، لكن دا ميديكيش الحق إنك تيجي تقوليلي بحبك وأنتِ مع اخويا!!
تجمعت الدموع في عينيها، وتحشرج صوتها اثر بكائها الحبيس:
_ بس أنا عارفة إن علاقتكم مش قوية ولا...
للمرة الثالثة التي يهاجمها بها ولا يدعها تُواصل حديثها حيث هدر بها شزرًا:
_ ولو، آه علاقتي بيه مش أحسن حاجة..
ضرب عبدالله صدره بقوة وهو يُتابع:
_ بس دا أخويا، بينا دم! واللي أنتِ قولتيه دا ميصحش، ولا حتى ينفع تفكري فيه بينك وبين نفسك! مش مرتاحة معاه فشكلي الخطوبة لكن متستنيش مني حاجة..
تلك اللحظة فشلت ڤاليا في التماسُك وأنهمرت دموعها على مقلتيها، فأسرعت في مسحهم حتى لا يراها أحدهم في تلك الحالة المذرية، بينما شعر عبدالله بالإختناق الشديد مما يحدث، أغمض عينيه يحاول كبح جماح غضبه ثم أعاد النظر إليها وحاول التحدث بصوتٍ هادئ لكنه لم يخلو من التشنج:
_ بصي يا بنت الناس، إحنا مش موبايلات من اللي عندك بتبدلي فيهم، أنا وآدم بينا الراجل اللي هناك..
أشار إلى والده فنظرت ڤاليا حيث يُشير ثم تابع عبدالله استرساله:
_ علاقتي بيه آه مش أحسن حاجة، بس أنا لا تربيتي ولا أخلاقي تسمح لي مجرد تفكير إني
أبص لك بصة غير أخوية، حتى دي موصلتش ليها، أنا دخلت بيتكم بغرض الشغل وأنتِ كنتي مجرد
باب رزق، فأنا جدعنة مني هعمل نفسي مسمعتش حاجة وأنتِ تشيلي الكلام دا من دماغك عشان الدنيا متقعش في بعض!
رمقها عبدالله شزرًا ثم قال قبل أن ينسحب:
_ عن إذنك..
وسرعان ما تحرك من أمامها تاركًا إياها بمفردها، وقفت ڤاليا تتابع تحركاته بعيون لا تتوقف عن البكاء، كلماته يتردد صداها في عقلها فسببت لها وخزة قوية في قلبها، لم يكن هينًا رفضه لها بتلك الطريقة القاسية.
لقد شعرت بصِغر شأنها، وعدم قيمتها بعد حديثه معه، كيف صرحت بمشاعرها دون النظر لتلك العواقب التي أمامها، كيف لم تمنع قلبها من البوح عن حبه للشخص الخاطئ، لماذا هو إذًا إن لم يكن سيصبح لها؟
أولت المكان ظهرها وهرولت إلى الخارج وهي بالكاد ترى أمامها بسبب بكائها الذي يشوش رؤيتها، ركبت السيارة التي جاءت بها وأمرته بالعودة إلى بيتهم تاركة خلفها أذيال خيبتها مُتحسرة على حبها الذي انتهى قبل أن يبدأ عصِره.
****
بعد فترةٍ؛ قام عبدالله بالإتصال على عز، الذي أجاب بعد مدة، فحمحم عبدالله وجاهد على إخراج نبرته شوية غير مشحونة بالغضب:
_ عز بيه..
فرّد الآخر بودٍ:
_ إزيك يا عبدالله..
_ الحمدلله
قالها ثم بدأ ما ود قوله:
_ أنا عايز أبلغك إني مش هقدر أكمل شغل معاك، أنا آسف لأني وعدتك وخلفت بوعدي، بس غصب عني أنا مش هقدر أكمل، بس بكرة إن شاء الله هيكون عندك واحد ثقة مكاني..
تعجب عز من نبرته وانسحابه من العمل فجأةً وسأله مستفسرًا عن السبب:
_ مفيش مشكلة طلاما دا في مصلحتك، بس ليه حاسس إن صوتك مندفع؟ هو فيه حاجة حصلت؟
لم يُخبره عبدالله على الرغم من صوته الداخلي الذي يحثه على إخباره حتى لا تتفاقم الأمور بين العائلتين من وراء ذلك الحب المزعوم لكنه لم يُفصح:
_ مفيش سبب يا عز بيه، أنا آسف مرة تانية، سلام..
أنهى عبدالله الإتصال ووقف برفقة صديقيه وعقله مشغولًا بتصريح ڤاليا وما سيترتب عليه لاحقًا، بينما نظر عز طويلًا إلى الهاتف عندما أنهى عبدالله الإتصال ثم تفاجئ باقتحام ڤاليا مكتبه، وما آثار رعبه، بكائها وانهيارها بذلك الشكل الغير مفهومه.
هب واقفًا واقترب منها بوجهٍ قلِق، وسألها متوجسًا خيفة مما قد أصابها:
_ في إيه يا حبيبتي، أنتِ عاملة في نفسك كدا ليه؟
_ أنا مخنوقة أوي يا دادي!!
قالتها بصوتٍ بالكاد فهمه عز، خفق قلبه رعبًا وقام بضمها إلى صدره حتى تهدأ ثم تساءل بجدية وهو يُمسد على حجابها:
_ مالك بس، حصل إيه لكل دا؟
كانت تطلق شهقاتٍ قوية تهز جسدها، فساعدها عز على الجلوس ثم أحضر لها كوب من الماء وناولها إياه، فأخذته ثم ارتشفت منه القليل بيدين مرتجفتين وبدأت تقُص عليه ما فعلته حتى تفاجئت باندهاشه أو ربما صدمته فازداد نحيبها عندما تأكدت أنها افتعلت كارثة.
فغر عز فاهه بصدمةٍ؛ حاول تجميع الكلمات ليرد بها عليها لكنه لم يجد، أخذ ثوانٍ حتى نطق:
_ إيه اللي عملتيه دا ڤاليا؟
أغمض عينيه مستاءً من حماقة تصرفها قبل أن يواصل بنبرة مندهشة:
_ إزاي تقولي لعبدالله بحبك؟؟
دا أخو آدم! اللي هو خطيبك!
أنتِ عقلك كان وأنتِ بتعملي كدا؟ إزاي مفكرتيش في العواقب اللي هتحصل بعد كدا؟ وآدم هنقوله إيه؟ معلش good luck في المرة الجاية أصل بنتي طلعت بتحب أخوك؟
نهض عز ودار حول مِكتبه وهو لا يستطع هضم السخافة الحادثة، بينما لم تكف ڤاليا عن البكاء وتحدثت بنبرةٍ متلعثمة:
_ يا دادي أنا من الأول مكنتش مُتقبلة آدم، وأنت عارف كدا كويس، ضغطّوا عليا إني أعطي له فرصة وعملت كدا عشانكم بس مقدرتش، مقدرتش أحبه ولا حاسة من نحيته بحاجة خالص، عكس عبدالله من أول ما شوفته وأنا مرتاحة جدًا في كلامي معاه، حسيت بحاجات غصب عني نحيته، والله مش بإيدي..
توقف عز عن المشي وأخفض بصره عليها وقال بحدةٍ:
_ حسيتي بمشاعر وحصل اللي حصل وهنقول كان غصب عنك، لكن مش قادرة تمسكي نفسك، تروحي تقولي للولد إنك بتحبيه؟ منتظرة منه إيه مثلًا يقولك انفصلي عن آدم ويلا نرتبط؟ دي علاقة مستحيلة! مينفعش يا حبيبتي، دا حتى هو لو قِبل أنا مش هقبل لأسباب كتير، أولهم علاقتي بقاسم هتتهز لأني اوردي عملت فجوة وخلقت كُره بين ولاده، وعشان مش هكون مأمن عليكي مع واحد مفرقش معاه مشاعر أخوه عشانك! طب ما هيتخلى عنك في أي وقت..
أخذ نفسًا عميق زفره بقوة ثم بحث عن هاتفه وردد عندما ربط إتصال عبدالله ورفضه في مواصلة العمل بما أخبرته به ابنته:
_ عشان كدا عبدالله اعتذر ورفض يكمل في الشغل..
قام بمعاودة الإتصال عليه وانتظر حتى جائه الرد فقال عز:
_ أنا ڤاليا حكيت لي اللي حصل، وصدقني مش لاقي كلام يوصف أنا حاسس بإيه ولا مش عارف المفروض اعتذر منك ولا إيه التصرف الصح، بس رجاء مني يا عبدالله محدش يعرف باللي حصل.. أنا مش حابب علاقتي مع قاسم تتوتر بسبب تصرفات متهورة
قال كلماته وعينيه يُعاتبان بها ڤاليا المُكورة على نفسها تبكي في صمت وهي تتابع مكالمة والدها، فحمحم عبدالله وأردف بصوتٍ أجش:
_ دا برده نفس رأيي يا عز بيه، مش حابب حد يعرف حاجة، أتمنى منك تقدر تسيطر على أنسة ڤاليا عشان مش عايز الموضوع يوصل لطريق مش هيجيب غير مشاكل!
_ إن شاء الله مفيش مشاكل، بعتذر لك تاني عن اللي حصل..
هتفها عز بخزي شديد، ثم تطلع في إبنته وهز رأسه باستنكارٍ، جلس مقابلها وتحدث بهدوءٍ أرغم حاله على تلبُس ثوبه:
_ هنكلم آدم يجي البيت ونعرفه إنك مش مرتاحة وننهي الموضوع دا، أنا كنت غلطان من الأول لما فكرت ندي له فرصة وأنتِ مش مرتاحة، ودي كانت النتيجة، كفاية عبث لغاية كدا
أخذ عز يبحث عن رقم آدم وتابع حديثه قبل أن يقوم بالإتصال عليه:
_ وأنتِ تنسي موضوع عبدالله دا، متفكريش فيه نهائي، لأنه مستحيل، لأ مستحيل إيه دا من سابع المستحيلات إنه يحصل!
ثم قام بالإتصال على آدم وتحدث بلطفٍ فور إجابة الآخر:
_ آدم يا حبيبي، فاضي النهاردة بليل تيجي نتكلم شوية؟
***
استيقظ عاصم بثِقل في رأسه، لم ينجح في تحريكها جيدًا، قاوم ذلك الشعور المؤلم واعتدل من نومه فتفاجئ بوجوده في غرفة صبا، تفحص المكان ثانيةً بغرابةٍ ثم نهض وخرج من الغرفة باحثًا عنها.
أصابه الصداع عندما وقف فجأة فأمسك رأسه محاولًا السيطرة على الألم لكنه فشل، ترجل الدرج وتوجه ناحية المطبخ عندما خرجت منه أصواتًا تدل على وجود صبا به، وقف على الباب وبنبرةٍ متعبة قال:
_ هي الساعة كام؟
أخذت صبا تتنفس محاولة نسيان ما جعلها تعيشه بالأمس وقالت بإسلوبٍ جاف:
_ الساعة ٧
اتسعت مقلتي عاصم بدهشة وررد مذهولًا:
_ أنا نمت كل دا؟
وسرعان ما ازداد آلم رأسه فتشنجت تعابير وجهه، فعلِمت صبا ما يمر به وقالت:
_ تأثير الخمور بيعمل كدا، مكنتش أعرف إنك بتشرب الحاجات دي!
رمقها عاصم بطرف عينيه ومزيج من المشاعر قد أحس به لحظتها، فلقد خالط خجله واستيائه من شرب الخمور غضبه منها لأنها من دفعته إلى ذلك، تنهد واختصر إجابته:
_ دي أول مرة في حياتي أعمل كدا..
عاتبته صبا بإسلوبٍ يخلو من المشاعر:
_ أنت مش عارف إنها حرام؟ وغلط على الجسم؟
لو يُعقب عاصم، واكتفى برمقها بنظراتٍ تُحملها اللوم، فشعرت بما يرمي إليه من خلال نظراته، وسرعان ما أولته ظهرها وقالت:
_ هعملك قهوة تفوقك..
ثم أخذت تحضر قدح القهوة، بينما راود عاصم سؤالًا خشى إخراجه لكن فضوله قد دفعه للسؤال عنه خصيصًا بعد تعامل صبا معه بجفاء مبالغ، فأخذ يتنهد قبل أن يهتف:
_ هو فيه حاجة حصلت امبارح؟
تفاجئت صبا بسؤاله واهتز داخلها، لكنها تصنعت جهلها وتساءلت:
_ حاجة إيه؟
_ مش عارف أي حاجة، أصل أنا قمت لقيت نفسي في أوضتك.. فخوفت يكون صدر مني أي موقف وأنا مش فايق..
أردفها عاصم يآمل عدم افتعاله لشيءٍ حقير، فنفت صبا وجود شيء قد أحدثه بقولها:
_ أنت رجعت مش شايف قدامك ونمت فسيبت لك الأوضة وخرجت، بس كدا
شعر عاصم بالراحة تغلف صدره، انتهت صبا من عمل القهوة وقامت بسكبها في الفنجان خاصته، فرفع عاصم يده يتناولها من يدها لكنها أبت إعطائها له مُعللة:
_ مينفعش قهوة على معدة فاضية.. لازم تاكل الأول
ثم أخذت تحضر له شطيرة تحت نظرات عاصم المتابعة لها، انتهت صبا مما تفعله ثم وضعتها أمامه وجلست مقابله فتساءل الآخر باهتمامٍ:
_ مش هتاكلي معايا؟
_ سبقتك وآكلت..
قالتها بإيجاز، فبدأ عاصم بتناول الشطيرة حتى سقط على مسامعه الضجة التي في الخارج فعقد ما بين حاجبيه وهو يتساءل:
_ إيه الدوشة اللي برا دي؟
ألقت صبا نظرة على النافذة التي تجاوره قبل أن تجيبه:
_ دا كتب كتاب بابا عبدالله على مامته
تفاجئ عاصم مما قيل وردد:
_ إيه دا؟ فجأة كدا؟ أومال مراته الأولى نظامها إيه؟
رفعت صبا كتفيها مُبدية عدم عِلمها، فأبدى عاصم استيائه:
_ إيه التهور دا؟
انزعجت صبا من تعليقه وهتفت بهجومٍ:
_ إيه التهور في كدا؟ هما مش بينهم ابن؟ وبعدين على حد عِلمي إنهم كانوا قصة حب ولظروف خاصة أجبرتهم يبعدوا عن بعض أكتر من ٣٠ سنة.. أعتقد كفاية بُعد طلاما الحب لسه موجود
تقوس ثغر عاصم ببسمةٍ باهتة وردد:
_ يعني أنتِ عايزة تقولي إن الحب مهما مر عليه سنين بينتصر في الآخر؟
_ لما بيكون الحب متبادل ليه لأ؟
قالتها مُتعمدة لتُبعد اي ذرة أمل قد تكون داخله، فهز عاصم رأسه بتفهمٍ وأبعد عينيه عنها وتابع تناول شطيرته ليرتشف قهوته ربما يشعر بالتحسن.
****
غربت الشمس وحل الليل، انصرف جميع الحضور وبات المكان خاليًا إلا من أصحاب البيت، حيث أسبق عبدالله بالحديث وقال:
_ أنا هاخد زينب ونتعشى برا..
_ تمام يا حبيبي، خلي بالكم من بعض
هتفتها أحلام بحبٍ ثم انسحب عبدالله متجهًا إلى سيارته فاستأذنت زينب منهما وتَبِعته إلى السيارة، بينما ولجا قاسم وأحلام إلى البيت بعد أن غادرا الآخرين.
صعدا إلى غرفتهما، فكانت أحلام تسبِقه بخُطاها، قامت بفتح الباب وفوجئت بالفراش المُزين بالورود الحمراء والشموع التي تملأ الغرفة، وبعض البلالين التي تنسدل بخيط رفيع من السقف.
فاستدارت مسرعة ونظرت إليه بذهولٍ، فلقد فاجئها تصرفه اللطيف ورددت:
_ إيه دا؟ عملت كل دا امتى؟ أنت مسبتنيش لحظة؟
اقترب منها قاسم وشكل إبتسامة سعيدة على شفتيه قبل أن يُخبرها بصوتٍ عذب:
_ أنا طلبت من اللي عملوا ديكور الحديقة يعملوا الأوضة وقت كتب الكتاب عشان متحسيش بحاجة وتكون مفاجأة، ها حلوة؟
_ أوي أوي
أشدت بجمالها وهي تتطلع بالغرفة بعيون ساحرة خطفتها الزينة، ثم عادت ناظرة إليه بوميضٍ مُحبةَ مُتيمة بساكن قلبها وزوجها ثم هتفت:
_ أنت بتعملي حاجات كأني لسه بنت عشرين يا قاسم!!
دنا منها قاسم وملس على وجنتها بحنانٍ وهو يهمس بعذوبة:
_ أنتِ في نظري لسه زي أول مرة شوفتك فيها..
توقف عن الحديث فاتسعت حدقيته فجأة وقال بجدية:
_ تسمح لي أعمل حاجة مفتقدها من ٣٢سنة!!
ضاق نظر أحلام في محاولة معرفة ما يقصده، لكنها فشلت في الوصول لما يرمي إليه فتساءلت مستفسرة:
_ حاجة إيه؟
أخذ قاسم نفسًا ولم يُخرجه، بل حَبِسه حتى فاجئها بعناقه الحار الذي شعر فيه بِدفء يُضمد فقدانها الأعوام الماضية، تلك الأثناء بادلته أحلام الشعور نفسه فزفر أنفاسه بعد أن وضع رأسه على كتفها كطيرٍ شردَ عن سِربه وعاود إليه من جديد، شعور لا يُضاهى بثمن، حينها أغمض قاسم عينيه مُستمتعًا بلذة الوصول.
***
في مكانٍ آخر قطع عبدالله مسافةً لا بأس بها؛ كان يقود ولا يعلم إلى اين يذهب، كان صامتًا جامدًا يآكل عقله التفكير، يزداد بُغضًا من أفعال شقيقته التي تُفاجئه بها.
لم يعد يتحمل، فلقد فاق التفكير قدرته، صف السيارة على جانب الطريق فنظرت إليه زينب متعجبة من أمره وقالت متسائلة:
_ وقفت هنا ليه؟
استشنق عبدالله أكبر قدر من الهواء قبل أن ينظر إلى يمينه رامقها بنظراتٍ ساخطة وهو يهتف:
_ أنتِ إيه اللي خلاكي تبعتي رسالة لصبا تقوليلها فيها إني مش عايزها؟
فغرت زينب فاها وقد حلت الصدمة على وجهها ورددت بدهشة:
_ رسالة إيه؟ أنا مبعتش حاجة!!
تحلى عبدالله ببعض الصبر ليواصل حواره معها، لكنه لم يستطع السيطرة على نبرته التي خرجت متشنجة وكذلك عروق عنقه التي برزت من قوة خروج كلماته:
_ فيه رسالة اتبعتت لها يوم اللي حصل من موبايلك!
شعرت زينب باتهام موجه إليها من خلف كلماته وأسلوبه الفظ معها، دمعت عينيها وردت بصوتٍ يُهدد بالبكاء وهي تحدق بأصابعها التي تفركهم بتوترٍ:
_ أنا عارفة إني عملت حاجات كتير تخليك تشك فيا، لكن دي والله معملتهاش، أنا آه كنت وحشة معاك بس مش للدرجة دي!!
ثم حركت رأسها يسارًا حيث يجلس عبدالله وأضافت وعبرانها تتساقط في صمتٍ:
_ والله ما عملت كدا..
_ أومال اتبعتت إزاي؟
تساءل بجدية من بين أسنانه المتلاحمة فنظرت إليه زينب بعتابٍ وهو تُخبره:
_ يعني بعد كل اللي حصل وأنت لسه بتسأل؟
لم يستوعب عقله دنائة ذلك الوغد وخرج عن هدوئه المصطنع حيث ضرب الطارة أمامه وهتف عاليًا بغضبٍ عارم:
_ ايوا إزاي بس، دا كأنه مِرتب كل حاجة بالمِلي عشان يبعدنا عن بعض، عمل عملته وراح نام جنبك عشان يبعد الشُبهات عنه وبعدها على طول يتقبض عليا وأنا بكلمها في الموبايل وقبل ما أعطيها رد على سؤالها، وبعدها يبعت رسالة يقولها إني مش عايزها فتروح تتجوز واحد غيري! إزاي قدر يرتبها بالشكل دا؟
إزاي عمل كل حاجة بالدقة دي وهو لوحده؟
إيه ساحر!!
مسخر جن معاه عشان اللعبة القذرة دي تمشي مستقيم كدا؟
عاد عبدالله برأسه مستندًا على المقعد، ثم أغلق عينيه بأحد إصبعيه، كان في وضعٍ لا يسمح معه النقاش الآن، مر بِضع دقائق حتى تحدثت زينب حاسمة قرارها:
_ أنا عايزة أطلق منه رسمي يا عبدالله، مش عايزة أي حاجة تربطني بالبني آدم دا!
وكأنها أنارت إليه الحل، فقام عبدالله بسحب هاتفه من جيب بنطاله ثم قام بالإتصال على آدم، انتظر ثوانٍ حتى أتاه الرد:
_ أيوا؟
حمحم عبدالله وعرّف عن نفسه بجمودٍ:
_ أنا عبدالله..
صمت حل لثانية قبل أن يقطعه آدم قائلًا:
_ إيه يا عبدالله، معاك..
_ أنا عايز حمادة عشان يطلق أختي عند المآذون، ياريت لو تعرفه يجي بكرة، عايز الموضوع دا ينتهي بسرعة..
قالها عبدالله محاولًا الإختصار بينما اكتفى آدم بترديد:
_ تمام
صمت الطرفين حتى أنهى الإتصال دون سلام، لم يتطلع في شقيقته، بل تحرك بالسيارة وعاد بها إلى بيت المزرعة، ثم هتف قبل نزولها:
_ لو حد سألك رجعتي ليه قولي عبدالله جاله شغل..
اكتفت زينب بالإيماء ثم ترجلت في هدوء، فتابع عبدالله قيادته حتى اختفى من أمامها، فولجت هي إلى الحديقة، لكنها لم تحب أن تزعج والدتها في يومٍ مميز كهذا، وفضلت البقاء في الحديقة، وما أن جلست حتى هاجمتها ذكرياتها مع حمادة فترقرقت العبرات من عينيها حزنًا على تلك الثغرات التي كانت عمياء عنها.
كيف تغاضت النظر عن شخصية غير سوية مثله؟ كيف قبلت بالعودة إليه بعد إهانته لها وضربه المبرح الذي تسبب بالأخير إجهاض جنينها؟ كيف كانت بتلك الحماقة؟
هل هذا ما يُسمى الحب؟ أن يلغي الإنسان كرامته ويضع عصابة عينين حتى لا يرى أخطاء الطرف الآخر؟ تيقنت حينها كانت أكثر غباءًا عندما قبلت به زوجًا ورفضت وليد الذي يتحلى بالأخلاق الحميدة والأسلوب اللين، البار بوالدته، مقيم الصلاة!!
كم تمنت لحظتها أن يُعاد الزمن مجددًا حتى لا تكرر خطأها ثانيةً، ربما كانت الآن تتناول العشاء الرومانسي معه، أو يخرجان في نزهةٍ ويأتي لها بالزهور الحمراء التي تحبها.
تلك الأثناء؛ في البيت المجاور خرج عاصم ليذهب إلى أصدقائه فسمع همهماتٍ جانبية، فقاده الفضول لمعرفة صاحب الصوت، توجه دون تردد إلى بيت قاسم ومر من خلال باب الحديقة فوجدها زينب تبكي بشدة، نظر في الأرجاء ربما يجد رفيقًا لها فلم يرى أحد.
فقرر الذهاب إليها ربما هي واقعة في مشكلةٍ وبحاجة إلى المساعدة، تفاجئت زينب بقدومه فأسرعت في مسح دموعها ثم هبت واقفة تستقبله، وقف عاصم وهو لا يدري أين يبدأ الحديث بالتحديد، ابتلع ريقه وحاول إيجاد الكلمات فأردف بتعلثمٍ:
_ آسف لو دخلت فجأة، بس أنا سمعت صوت زي عياط وقلقت، فحبيت أطمن..
حمحم عاصم وهو يجوب بعينه المكان من حوله ثم عاود النظر إليها وتساءل:
_ أنتِ كويسة؟
جاهدت زينب على التصرف كما لو كانت بخير، فأومات بتأكيدٍ قبل أن تجيبه:
_ أنا كويسة.. شكرًا لاهتمام حضرتك..
ابتسم عاصم وقال مازحًا:
_ لا بلاش تكليف، إيه حضرتك دي قوليلي يا باشمهندس!
نجح عاصم في رسم الإبتسامة على ثغرها، فشاركها الضحك ثم قالت هي:
_ ماشي يا باشمهندس..
كان مرتبكًا بعض الشيء، لم تكف عينيه عن التطلع يمينًا ويسارًا، تعجبت زينب من حالته المريبة وسألته مستسفرة:
_ هو حضرتك بتدور على حاجة؟
_ لأ، بس هو فيه سؤال حاسس إني هكون متطفل لو سألته..
هتفها على أمل سماحها له بعرض سؤاله، فرحبت زينب بذلك وأردفت بتلقائية:
_ طبعًا اتفضل أسأل
_ أنتِ بتعملي إيه هنا في وقت زي دا، يعني متفهمنيش غلط بس المنطقة هنا مقطوعة ويُستحسن إن في الوقت دا تكوني في البيت مش هنا لوحدك!
قالها وانتظر ردها، بينما أطالت زينب النظر به، وحاولت الإتيان بإجابةٍ، نظرت حيث موطن البيت قبل أن تُعطيه ردًا بحرجٍ:
_ هو أنا مش معايا مفتاح ومحبتش أزعجهم، فقعدت هنا على لما عبدالله يرجع..
حرك عاصم رأسه بتفهمٍ ثم أشار إلى بيته قائلًا:
_ طيب تعالي اقعدي عندنا لغاية ما عبدالله يرجع، بلاش تقعدي لوحدك هنا
أبدت زينب رفضها التام:
_ لا أنا مرتاحة هنا وهو أكيد مش هيتأخر
عاتبها عاصم بنظراته وأصر على اصطحابها إلى منزله:
_ صدقيني الأحسن إنك تقعدي في البيت، فيه هنا حيوانات شرسة بتخرج بليل، وبعدين أنتِ هتقعدي مع صبا أنا أصلًا كنت خارج
نظرت إليه مطولًا تفشل في أخذ قرار فحسم عاصم أمرها:
_ متفكريش كتير، تعالي
أسبق بخُطاه إلى البيت خاصته، فتَبِعته زينب على استحياء شديد، قام عاصم بفتح الباب ودعاها إلى الداخل وقال وهو يُسير إلى الأعلى:
_ هنادي صبا.. لحظة
فأسرعت زينب بالتحدث بخجلٍ يسيطر عليها:
_ أنا بجد حاسة إن وجودي هنا ملوش لزوم، عبدالله مش هيتاخر و...
قاطعها عاصم هاتفًا:
_ مش فاهم ليه الحزازية دي مش صبا تبقى جارتك وصاحبتك، ودا بيتها يعني مفيش داعي للحرج خالص، ثواني هنادي عليها
وما أن أنهى جملته حتى صعد سريعًا إلى الطابق العلوي لكي لا يواجه اعتراضًا آخر لبقائها هنا، توجه إلى غرفة صبا وحاول فتح الباب لكنه كان موصدًا من الداخل، فاضطر إلى الطرق عليه حتى جائه صوتها الخائف خشية إعادة ما أحدثه البارحه:
_ عايز إيه؟
أجابها عاصم بهمسٍ حتى لا يصل صوته إلى أذني زينب:
_ أخت عبدالله تحت وأنا قولتلها هنادي عليكى تقعدي معاها..
فتحت صبا الباب وحدجته بعيون ضائقة متسائلة عن سبب مجيئها:
_ زينب بتعمل إيه هنا في وقت زي دا؟
شرح لها عاصم ما حدث بإيجاز ثم أنهى حديثه قائلًا:
_ انزلي يلا عشان أنا خارج..
ترجلت معه صبا فاستأذن عاصم منهن وغادر على الفور، بينما وقفت صبا أمام زينب تفشل في استقبالها بشكلٍ مريح، فكيف تفعل وهي تشعر بالنفور الشديد منها، قاومت صبا شعورها وقالت وهي تشير إلى الأريكة:
_ اقعدي..
استشعرت زينب ما خلف معاملتها الجافة بعد ما علِمته مؤخرًا من عبدالله، واستغلت الفرصة لنفي التهمة من عليها، جلست أولًا وانتظرت حتى جلست صبا ثم هتفت بحرج:
_ على فكرة مش أنا اللي بعت الرسالة..
تشدقت صبا ساخرة وهتفت بلا مبالاةٍ:
_ معدتش فارقة مين اللي بعتها!
_ لا تفرق يا صبا، أنا لا يمكن أعمل كدا في اخويا! يمكن علاقتنا مكنتش أحسن حاجة بس أنا مش وحشة لدرجة أفرق بينكم.. أنا حقيقي مش عارفة اتبعتت إزاي من موبايلي بس هو مفيش غير..
أخفضت زينب رأسها في خجلٍ سيطر عليها ولم يُمكنها من التطلع في عيني صبا لحظتها، ازدردت ثم استأنفت:
_ مفيش غير حمادة اللي ممكن يكون عمل كدا!
_ ومين السبب إنه يخليه يعمل كدا؟ مش أنتِ؟!
هاجمتها صبا بعنفٍ غير متقبلة سماع اسم ذلك الوغد، فدمعت عيني زينب وقالت:
ـ أنا مكنتش أعرف إنه كدا..
ثم رفعت عينيها بها وأخذت نفسًا طويلًا قبل أن تسألها بقلبٍ يرفض سماع الإجابة لكنها تود معرفة الحقيقة:
_ هو فعلًا حمادة اللي عمل فيكي كدا؟!!
تفاجئت صبا بسؤالها، فكان آخر ما توقعته ذلك السؤال الأخرق، فهبت واقفة وصاحت عاليًا:
_ أنتِ لسه بتسألي؟ لسه معرفتيش حقيقته، الحيوان دا اللي دمرلي حياتي، أنا حياتي واقفة من وقت اللي حصل، مش قادرة أعيش طبيعي ولا قادرة اتخطى، ولا حتى علاجي فرق معايا بنسبة كويسة، كله بسببه هو، أنا لو أطول أخنقه بإيدي والله ماهتردد أبدًا بس هو يظهر قدامي!
أولتها صبا ظهرت تقاوم حاجتها في البكاء، بينما نهضت زينب بقلبٍ ينفطر حزنًا على ما أصابها، ثم هتفت ببغضٍ وكُره شديدين:
_ أنا هساعدك ناخد حقنا منه يا صبا...
اندهشت الأخرى مما وقع من كلماتٍ لم تتوقعها منها على مسمعها، التفتت بجسدها إليها وأطالت النظر بها غير مُصدقة فأكدت زينب على نواياها في الإنتقام لهن:
_ حطي إيدك في ايدي وهنقدر سوا نسجنه وناخد حقنا منه..
رفعت زينب يدها على بطنها ثم قالت بصوتٍ يكسوه البكاء:
_ وحق ابني أو بنتي اللي راحوا بسببه!
تساقطت عبراتها كهطول الأمطار المفاجئ وهي تتابع مسترسلة:
_ أنا اتعلمت بس متأخر، بعد ما تقريبًا خسرت حب وثقة أهلي، وبعد ما خسرت جنيني اللي راح من قبل ما اشوفه وألمسه..
وضعت زينب يدها على يسار صدرها حيث موضع قلبها وتحدثت بنبرة فظة تعكس مدى كُرهها إليه:
_ أنا بكرهه ونفسي أعمل أي حاجة تبرد اللي حاسة بيه، أنتِ مش متخيلة كنت عايشة على أمل واحد بس إنه ميكنش جه جنبك، مش عشان لسه جوايا حاجة ليه، بس عشان كُرههي لنفسي ميزديش إني كنت مغفلة بإرادتي!! كنت معمية بحب مش موجود، كنت موهومة بحاجات لما بفتكرها مش عارفة إزاي عديتها بسهولة كدا وكنت شيفاها أمور عادية وبتحصل بين أي اتنين متجوزين.. أنا هساعدك تاخدي حقك منه يا صبا يمكن دا يغفر لي عندك وعند عبدالله شوية..
تأثرت صبا للغاية من كلمات زينب التي ضاعفت الألم داخل قلبها، ثم فتحت ذراعيها فلم تتردد زينب وألقت نفسها بين أحضان صبا، وباتت كلتاهن تبكيان متحسرتين على ما مررن به من خلف ذلك الوغد متوعدتين له أشر وعيد.
***
أحضرت ليلى وجبة العشاء ثم خرجت من المطبخ، فألقت نظرةً على زكريا الذي يتفحص هاتفه، وضعت الصينية أمامه وجلست ثم انتبها كليهما على رنين هاتف زكريا، فكان قريبًا من ليلى التي مدت يدها تلقائيًا لتأتي له به.
لكن سرعان ما إلتقطه منها قبل أن تلمس الهاتف وقال:
_ هاتي..
رمقته ليلى بطرف عينيها ورددت مستاءة من تصرفه:
_ أنا كنت هجيبهولك..
لم يُعلق بل نهض وابتعد عنها ثم أجاب على الإتصال وهو يغلق باب الغرفة التي دلفها، تحت نظرات ليلى المذهولة من تصرفه، وشعرت بريبة في الأمر لكنها حاولت ألا تعطي اهتمامًا كبيرًا، فزكريا بات غريب الأطوار مؤخرًا.
بعد دقيقتين خرج من الغرفة وقال:
_ أنا نازل، هقابل عبدالله ووليد..
_ والأكل؟
قالتها فهتف الآخر وهو يتوجه ناحية الباب:
_ كُلي أنتِ، هبقى أكل أي حاجة برا
ثم انصرف سريعًا دون إضافة المزيد، لم تخفض ليلى نظرها عن الباب الذي اختفى خلفه، زفرت أنفاسها وخرجت من شرودها ثم تطلعت بالطعام ولم تشعر بحاجتها إلى تناوله، فلقد فقدت شهيتها.
نهضت لتُعيد ما أحضرته إلى أماكنه، ثم ولجت غرفتها وألقت بنفسها على الفراش، حدقت بالسقف وهي تفكر في تلك الفترة العصيبة التي تمر ببطءٍ، ولا يتغير شيء بها، بل تزداد الأمور تعقيدًا بينهما، للمرة المئة قد راودها شعور الندم حيال عدم حرصها والتي تجني ثماره الآن.
****
في قهوتهما المعتادة؛ جلس الشباب يتناولون شطائر الكبدة خاصة العم حسن المفضلة لديهم، وتناولا أطراف الحديث عن العمل المشترك الذي سيبدأونه معًا، فتحدث عبدالله بعملية:
_ إحنا عايزين نشوف إيه الحاجة المشتركة بينا، يعني إيه الحاجة اللي إحنا التلاتة بنعملها زي بعض ودي الحاجة اللي نقدر نفتح فيها مشروع!
تبادل الثلاثة النظرات فلم يصلا زكريا ووليد إلى مراد عبدالله من الحديث فبدأ الآخر يوضح قصده:
_ يعني مثلًا أنا بشتغل على عربيات من زمان، وزكريا بيصلحهم، ووليد شغال في مصنع ضفاير العربيات، يبقى كدا إحنا التلاتة فاهمين كويس أوي في إيه؟؟؟
_ في العربيات!!
ردداها الشابين في آنٍ واحد، فهلل عبدالله عاليًا:
_ عليكم نور، إيه بقى الحاجة اللي ممكن نفتحها تخص العربيات ونكون فاهمين فيها؟
أخذوا يفكرون لبعض الوقت حتى قطع زكريا ذلك الصمت باقتراحه:
_ ممكن نفتح مركز صيانة كبير، يعني مش على قد ملاكي بس، يبقى ملاكي ونقل وكل حاجة ماشية على الطريق
_ هو تفكير حلو، بس دا تخصصك أنت إحنا بقى هنعمل إيه؟
هتفها عبدالله بعملية، فعاودوا من جديد يفكرون حتى اقترح تلك المرة وليد:
_ ممكن نفتح مكان لبيع قطع غيار العربيات..
_ حلو دا برده.. بس عارفين الأحلى فين؟
أثار عبدالله فضولهما، ثم ابتسم وهو يخبرهم بحماسة:
_ نفتح مركز متكامل، نص صيانة صيانة عربيات ونص قطع غيار، يعني الزبون يدخل بعربية كارو يخرج بيها BMW، ها قولتوا إيه؟
لاحظ عبدالله وميض عينيهما اللامع، قبل أن يقطعه وليد مرددًا بيأس:
_ الكلام حلو، بس اللي أنت بتتكلم فيه دا كبير علينا أوي، إحنا يدوب كل واحد معاه اللي يأكله يومه يابني..
نظر إليه عبدالله شزرًا قبل أن يُبدي استيائه:
_ حد قالك إنك هتدفع جنيه! المشروع كله أبويا اللي متكفل بيه وإحنا يدوب هنشغله..
دنا منه زكريا واستند بمرفقيه على الطاولة أمامه وأردف بصوتٍ أجش:
_ أيوة يا صاحبي، بس إحنا كدا مدفعناش حاجة، يبقى هنشتغل إزاي؟
تأفف عبدالله بتذمرٍ لإحباطهما له وهلل بفتورٍ:
_ يا جماعة أنتوا بتقفلوها ليه؟ أبويا وعايز يعملي المشروع، هنشتغل مع بعض دي اللي مزعلاكم أوي يعني؟!، خلاص هتشتغلوا عندي حلو كدا؟
تبادلا الشابين النظرات قبل أن يهتفان معًا:
_ إذا كان كدا ماشي
ثم انطلقت نوبة ضحك بينهم، وأخذوا يتسامرون حول العمل وما سيحتاجونه للبدء فيه، حتى قطع عليهم لحظتهم رنين هاتف زكريا، فتفقد المتصل ثم استأذن منهم قائلًا:
_ هرد على المكالمة دي وراجع لكم..
ابتعد عنهما مسافةً لا بأس بها، حتى لا تقع كلماته على مسامعهم وأجاب:
_ المكالمات اللي كل شوية دي متنفعش، قولتِلك هكلِمك وقت ما أكون لوحدي
الفصل الثلاثون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم تسنيم المرشدي
وصل آدم الفيلا خاصة عز، صف السيارة وترجل منها وداخله يخبره بثمة أمرًا لا يَسُر، يُقلِقه، ولج الفيلا بقلبٍ غير مطمئن فاستقبله عز بإبتسامة هادئة لم يحبها آدم، وما زاد توجسه نظرات نهال التي تقف على استحياء، وعدم مواجهة ڤاليا له.
ابتلع ريقه واقترب مباشرةً من عز وصافحه والقلق يطغو في نبرته عندما تساءل:
_ هو فيه حاجة يا أونكل؟
أشار عز إلى الأريكة يدعوه للجلوس مُمهدًا للحديث:
_ اقعد يا حبيبي الأول...
جلس آدم على طرف الأريكة، واختلس نظرة أخيرة على ڤاليا ذات الرأس المُنحني، ثم انتبه على صوت عز الذي بدأ كلامه بنبرةً متوترة:
_ آدم يا حبيبي أنت عارف إن كل شيء قسمة ونصيب، ومش كل اللي عايزينه بيكون مقدر ومكتوب لينا...
_ هو فيه إيه يا أونكل، ياريت حضرتك تكلمني بكل بصراحة، مش بحب التمهيدات دي..
هتفها آدم بنفاذ صبر، فأجبر عز على التصريح بما دعاه للمجيء من أجله وهو يُعطيه عُلبة الحُلي:
_ كل شيء وقسمة نصيب يا آدم، ڤاليا هتبقى بتظلمك معاها لو كملت في العلاقة دي..
اهتز كيان آدم بشدة؛ شعر بقلبه يخفق بقوة، حالة مريبة قد تملكت منه جعلته غير قادر على التحدث، حمحم ليُساعد كلماته الحبيسة على الخروج فقال:
_ ممكن أفهم إيه السبب؟ يعني لو أنا كنت عملت حاجة ممكن أغيرها..
_ أنت معملتش أي حاجة يا آدم والله، بس الموضوع قبول وراحة وڤاليا للأسف مش حاسة بالحاجات دي..
هتفها عز ناهيًا الحوار فشعر آدم بغصة في حلقه، اختلس نظرةً على ڤاليا الواقفة على مسافة قريبة وهو يُحادث عز:
_ ممكن يا أونكل أتكلم مع ڤاليا لوحدنا...
شعر عز بالآسى حِيال محاولاته البائسة التي لن تجدي نفعًا مع إبنته، تنهد ورفض طلبه حتى لا يُصعب الأمر على كليهما:
_ آدم يا حبيبي، متصعبش الأمور على نفسك وعليها، لو فيه كلام كان يتقال صدقني مُكناش قاعدين دلوقتي بنتكلم..
هز آدم رأسه بخيبة أمل كبيرة، أخذ عُلبة الحُلي ونهض وعينيه تهربان من عيون الآخرين، سار حتى وقف بجوار ڤاليا فألقى نظرةً أخيرة عليها قبل ذهابه، خرج من الفيلا ووقف على الباب يستنشق الهواء الذي فقده في الداخل.
شعر باختناقٍ يلتف حول عنقه فجأة، ففتح بعضًا من أزار القميص ثم توجه إلى السيارة وقام بالجلوس خلف الطارة، وألقى العُلبة جانبًا، أخذ يتنفس وهو يُتابع بنظره الفيلا ثم انطلق بالسيارة مبتعدًا عن المكان.
عاد إلى البيت، وصف السيارة بإهمالٍ ثم ترجل وهو بالكاد يرى أمامه، جر قدميه بِثقل حتى دلف الفيلا فاستقبلته والدته وهي تصرخ بغضبٍ:
_ أبوك اتجوزها عليا!! بعد كل سنين الحرمان اللي أنا عشتها على أمل يرجع ليا في يوم ندمان وفي الآخر يرجع لها!!
لم يُعقب آدم وكأنه لم يستمع لحرفٍ مما قيل، مر بجوارها وتابع صعوده إلى الطابق العلوي حيث غرفته تحت نظراتها المستشاطة، لم تقبل حورية عدم مبالاته لأمرها، وصعدت الدرج خلفه بخُطواتٍ
ثائرة حتى بلغت غرفته ووقفت تنهره مُعنفة:
_ هو أنت مش سامعني؟ ولا حاسس بلي اللي أنا حاسة بيه!!
_ أنا وڤاليا سيبنا بعض..
قالها آدم بصوتٍ مهزوز فأجبر والدته على الصمت، انتباها الدهشة ووقفت تتطلع به بعيون مُتسعة لا تصدق ما وقع على أذنيها، وبعد مدة كانت قد استوعبت ما سمعته وتوجهت ناحيته ثم جلست بجواره تربت على ذراعه ورددت بهدوءٍ متأثرة لحالته:
_ إيه اللي حصل بس يا حبيبي، احكيلي..
***
اهتز رنين هاتفه الموضوع على وضعية الصامت، فاستيقظ من نومه اثر ذبذبات الهاتف، سحب الهاتف لكي لا يُقلق تلك الغافية بجواره وأخفض الصوت، ثم تأفف حين قرأ إسم المتصل، تفقد الوقت فشعر بثمة أمر طارئ وربما عليه الإيجاب.
نهض وابتعد عن الفراش ليُجيب:
_ إيه يا حورية؟ يارب يكون فيه حاجة تستاهل الرن في وقت متأخر زي دا
بِسخريةً أجابت:
_ آسفة إني قطعت عليك ليلتك يا عريس، بس ابنك محتاجك، ابنك أولى بيك من الهانم اللي جنبك دي!
لم يتقبل قاسم سماع تراهات أكثر واندفع بها بانفعالٍ شديد:
_ احترمي نفسك وأنتِ بتتكلمي، وآدم ماله فيه إيه؟
_ ڤاليا سابته وحالته حالة ومش...
لم يسمعها لأكثر، بل أنهى الإتصال فور عِلمه، ثم نظر في الفراغ أمامه بصدمةٍ، لا يصدق ما سمعه، حتمًا هو في حال يرثى له، أخذ قاسم نفسًا وعاد إلى الغرفة، اقترب من أحلام وتردد في إيقاظها لكن لابد من إعطائها خبرًا بذهابه.
_ أحلام..
قالها بهدوءٍ حارصًا على عدم تسبُب الذعر لها، بينما قلقت أحلام على صوته فنظرت إليه بريبة مرددة سؤالها:
_ قاسم، في إيه؟
حاول طمأنتها بصوته الرخيم:
_ متقلقيش مفيش حاجة، بس آدم انفصل عن خطيبته، فأنا لازم أروح أفهم في إيه وأكون جنبه..
انتفضت من مكانها وتساءلت قلِقة:
_ يا خبر! ليه كدا؟
رفع قاسم كتفيه مُبديًا عدم معرفته بالأمر ثم أولاها ظهره ليُبدل ملابسه وقال:
_ مش فاهم حاجة لما هروح هفهم منه..
اعتدلت أحلام في جلستها وقد أنارت الإضاءة، ثم تابعت ما يفعله قاسم وقد راودتها فكرةً ضاق صدرها من خلفها، أخذت نفسًا عميق وزفرته قبل أن تردف:
_ ممكن يكون حصل كدا بسبب جوازنا؟
توقف قاسم عما يفعل ونظر إليها لبرهة قبل أن يُظهر استيائه من ظنها:
_ ليه تفكري كدا؟ بس عشان ترتاحي فعز عمره ما يعمل كدا فيا ولا في ابني عشان مسائل شخصية ودا أولًا تاني حاجة حتى لو كان الموضوع كدا فالكل يضربوا دماغهم في أقرب حيط، أنا أعمل اللي أنا عايزه!
اقتربت منه أحلامه بملامح متوترة حزينة وأردفت:
_ أنا مش عايزة أكون سبب إن حياة حد تبوظ..
دنا منها قاسم وملس بيده على وجهها وهتف كلماته الحنونة ليُطمئن قلبها الجميل:
_ أنتِ ملكيش أي علاقة بالموضوع صدقيني، بعيد أوي عنك يا أحلام، لو فكرنا فيها يعني..
اطمني يا حبيبتي أنا هروح دلوقتي وهاجي الصبح وهقولك السبب عشان تطمني..
أسرعت أحلام في رفض عودته مُعللة:
_ لا خليك جنبه، مش لازم تيجي لغاية ما يكون كويس..
ضاق قاسم بعينه معاتبًا إياها بنظراته ثم لامها بلطفٍ:
_ لحقتي تزهقي مني؟
اتسعت حدقتيها بذهولٍ ونفت ذلك بقولها:
_ لا طبعًا، بس أنت لازم تكون جنب ابنك في ظروفه دي..
_ ما أنا رايح له أهو
قالها ثم غمزها مشاكسًا:
_ بس يعني كنت مستني تقوليلي مستنياك على نار، أو ترجعلي بالسلامة يا جوزي يعني أي حاجة من الكلام اللي الواحد مسمعوش طول حياته دا
حدجته أحلام بعيون واسعة مذهولة مما يُردده، ثم أطلقت ضحكاتها وقالت من بين ضحكها:
_ يووه أنت عايزني أقولك مستنياك على نار؟
_ وماله؟ وحشة؟
تساءل قاسم بنبرة مازحة فهللت أحلام وهي تدفعه خارج الغرفة:
_ يلا يا قاسم ابنك مستنيك على نار يا حبيبي
نظر إليها مستاءً وهو يردد:
_ لا أنا عايزِك أنتِ، هو هعمل بيه إيه؟
هزت رأسها مستنكرة ما يتحدث به الآن، وهللت غير مصدقة:
_ أنت في إيه ولا إيه بجد؟ روح لابنك يلا
جمد قدميه بالأرض ولم يتحرك قبل أن يسمع منها ما يريده:
_ طب مش ماشي غير لما أسمعها..
شهقت أحلام بغير تصديق لتلك التصرفات المراهقة، قهقهت عاليًا وهي تردد ما يود سماعه من بين ضحكها المستمر:
_ روح يلا مستنياك على نار، بس متتاخرش أصل أتلسع
ثم انفجرا كليهما ضاحكين، تلك اللحظة لم تعد أحلام تستطع النظر في وجهه من وراء خلجها المفرط فدفعته إلى الخارج وهي تردد:
_ امشي بقى
وفي النهاية نجحت في إخراجه من البيت، بينما ركب قاسم سيارته وتحرك بها متجهًا إلى الفيلا الأخرى، بعد مرور مدة ليس بقصيرة وصل إلى وِجهته، صف السيارة وولج الفيلا في هدوءٍ، قابلته حورية بنظراتٍ مشتعلة أحرقته.
لكنه لما يآبى لها وكأنها نكرة ليس لها وجود، صعد حيث غرفة آدم ودلف الغرفة بعد أن طرقت الباب مُعلنًا عن وصوله، تفاجئ آدم بوجوده، اعتدل في جلسته وسأله بجدية بعد أن تفقد الوقت:
_ أنت بتعمل إيه هنا في الوقت دا؟
عقد قاسم حاجبيه بغرابةٍ وهو يردد:
_ وأنا المفروض أكون فين وأنت في حالتك دي؟ ما طبيعي أكون هنا جنبك..
بمزاجٍ غير سوي أردف آدم وهو يهرب بعينه:
_ قوم روّح يا بابا، أنا مش قادر اتكلم في حاجة..
_ لا مش همشي، وبعدين ضروري تتكلم عشان تخرج من حالتك دي، فهمني إيه اللي حصل؟
قالها قاسم حاسمًا الأمر بعدم ذهابه فما كان من آدم إلا أن قص عليه تحت إصرارٍ منه:
_ أونكل عز كلمني أروح عندهم، وفجأة لقيته بيعطيلي الدهب وبيقولي كل شيء قسمة ونصيب..
قطب قاسم جبينه بغرابةٍ وتساءل بريبة:
_ فجأة كدا؟ ومقالش أسبابها إيه؟
تشدق ساخرًا قبل أن يُخبره وعينيه تجوب الغرفة دونًا عن والده:
_ بيقول إن العلاقات راحة وقبول وهي ملقتهمش معايا..
ثبت بصره على قاسم وأضاف بنبرة مختنقة:
_ أنا عملت لها كل حاجة عشان أحس إنها راضية وهي مرضتش! مرتاحتش معايا وأنا كنت مسهل لها كل سُبل الراحة، حتى الحاجات اللي كانت بتضايقني فيها كنت باجي على نفسي واتغاضى عنها عشان مضايقهاش بكلامي أو متفتكرش إني بحاول أسيطر عليها.. أنا معملتش أي حاجة غلط!
أخذ قاسم نفسًا زفره على مهلٍ بعد أن استمع إلى آدم ثم ربت على فخذه وقال بنبرة حكيمة:
_ هي مبتتحسبش كدا يا حبيبي، وزي ما قالك عز الموضوع قُبول وراحة ومش شرط عشان أنت عملت كل اللي عليك تكون البنت مرتاحة، دي حاجة مش بإرادتها، سبحان الله هو اللي بيخلق جوانا الراحة لأشخاص مُعينين لو طلبوا مننا نبلع الزلط هنعمل كدا بكل حب ومش هنبص أبدًا إن دي سيطرة، وأنت من الأول كنت حاسس إن فيه حاجة غلط في تعاملها معاك يعني متفاجئتش، وهو في الأول والآخر نصيب..
أقنع عقلك إنها مش نصيبك، ودي مش آخر الدنيا، أنت لسه صغير وقادر تتخطاها وتحب تاني بس أهم حاجة تكون واثق من اختيارك، متتسرعش غير لما تحس إن الراحة دي متبادلة من البداية
رفع قاسم يده ووضعها خلف آدم، ثم ربت على ظهره بحنانٍ يأزره في محنته واستأنف بإبتسامة هادئة:
_ هون على نفسك يا حبيبي.. لو كل الناس فهمت إن اللي بيحصل دا تخطيط ربنا بحاجة أحسن لينا في المستقبل مكنش حد زعل أبدًا، مش بيقولك أنت تحلم بنجمة وبتدابير ربنا يعطيك قمر..
شد قاسم على ظهره وردد مازحًا:
_ اضحك بقى يواد، مش كفاية إني عريس وجاي لك لغاية عندك!
ابتسم آدم بسمةً لم تتعدى شفتيه ثم سأله بجدية:
_ هو أنت إزاي فِلت من ماما، أنا حسيت إنها لو شافتك آسف يعني هتعملك بانيه!
قهقها كليهما حتى قطع ضحكهما قاسم قائلًا:
_ أيوا كدا اضحك محدش أخد منها حاجة..
ثم أخذا يتسامران معًا ولم يُكفا عن الضحك لمدة، حتى شعرا كلاهما بالنعاس فخلع قاسم حذائه وسترته وجاور آدم الذي قال مازحًا:
_ أوعى يا بابا تكون أخد حاجة كدا ولا كدا وتفكرني العروسة!
تفاجئ قاسم من وقاحة آدم، وقام بضربه بعنفٍ في ذراعه فانفجر آدم ضاحكًا وهلل عاليًا:
_ أنا بطمن على نفسي بس!
هز قاسم رأسه في استنكارٍ، وشاركه الضحك، يكفيه رؤية ابتسامته التي نجح في رسمها على محياه في تلك الظروف الذي يمر بها.
***
في الصباح الباكر، وصلت زينب برفقة عبدالله إلى المستشفى، صف السيارة أمام بابها والتفتت بجسده إليها وتساءل بجدية يُخالطها القلق:
_ أنتِ جايبانا هنا ليه؟ أنتِ تعبانة ومش عايزة تقولي؟
نفت بحركة من رأسها ثم أخبرته ما جائا لأجله:
_ جاية أقابل الدكتور اللي كان متابع حالتي المرتين اللي كنت جيت فيهم هنا..
ضاق عبدالله بعينه فلم يستشف السبب خلف ما تقوله متسائلًا بفضول:
_ ليه؟
أجابته بسلاسة:
_ هحاول أقنعه يعملي تقرير طبي بحالتي وقتها بتاريخ قريب عشان أرفع قضية على حمادة!!
فغر عبدالله فاهه بصدمةٍ، لم يكن سهلًا البتة تصديق ما سمعه بسهولة، انتبهت زينب على شروده فلوحت بيدها بيدها أمام وجهه لتجذب انتباهه، فقطعت عليه حبال أفكاره وقالت:
_ أنت روحت فين كدا؟
_ مش مصدق اللي أنتِ عايزة تعمليه!
هتفها ثم تقوس ثغره للجانب وغمزها وأضاف:
_ بس عجبني، يلا انزلي
ابتسمت زينب وهرولت خارج السيارة وكذلك عبدالله، وباحثا كليهما عن الطبيب الذي عالجها عندما وصلت إلى هنا، أخذا وقتًا ليس قصيرًا في البحث عنه حتى وجدوه أمامهما فأسرع عبدالله إليه وأمسك ذراعه بعد بحثٍ طال:
_ دكتور لو سمحت..
رمقه الطبيب بعيون ضائقة محاولًا تذكر ذلك الوجه، فقال عبدالله:
_ حضرتك مش فاكرني؟
ثم أشار إلى زينب الواقفة خلفه وسأله وهو يشير إليها:
_ طب مش فاكر زينب؟ كانت جت مرتين هنا وهي حامل و....
قاطعه الطبيب بترديده:
_ أيوا أيوا افتكرتكم..
تنهد عبدالله براحةٍ وقال:
_ كنا عايزين حضرتك في موضوع مهم.. كنت قولت لي وقتها لو عايز أعمل تقرير طبي عن حالتها واعمل محضر، ينفع تعمل التقرير دا دلوقتى؟
عقد الطبيب حاجبيه وهو يتذكر المدة اللي مرت:
_ بس دا عدى عليها وقت كبير...
مال عبدالله بقرب الطبيب هامسًا:
_ بص يا دكتور، إحنا عايزين نعمل محضر في جوزها بكل اللي عمله فيها، أنا ياما قولتلها وقتها بس هي مردتش كانت باقية على العشرة معاه، بس هي معدتش قادرة تستحمل، فلو ينفع تعمل لنا تقرير طبي عن حالتها وقتها ولو ينفع يتعمل بتاريخ قريب ياريت تعمله، إحنا حقيقي محتاجينه جدًا..
أطال الطبيب النظر في عبدالله، ثم نظر خلفه حيث تقف زينب وسألها بعملية:
_ جوزك فعلًا اللي كان بيعمل فيكي كدا
أكدت زينب بالإيجاب على سؤاله:
_ أيوا والله
أخذ الطبيب نفسًا أخرجه بقوة وقال وهو يوليهما ظهره:
_ تعالوا معايا..
تَبِعاه حتى غرفته، ثم جلس الطبيب على مقعده وأمسك فأرة الحاسوب ونظر إلى زينب وسألها بعملية:
_ حضرتك مش فاكرة كنتي هنا يوم إيه بالظبط؟
تناوبت زينب النظر مع عبدالله ثم وضعت يدها على بطنها وكاد يتساقط دمعها لكنها تمالكت حالها وأجابته بذلك التاريخ التي لم تنساه مطلقًا، فحرك الطبيب رأسه وهو يُردد:
_ تمام أوي..
كتب تاريخ تواجدها فظهر أمامه وضعها الصحي وقتها، فغر فاهه وردد بعينين واسعتين مذهولًا:
_ دا أنتِ أجهضتي وقتها!!
لمعت عينيها متأثرة، وأكدت بإيماءة من رأسها فبدأ الطبيب يكتب تقريره الطبي عن حالتها والأضرار الناتجة عن ضرب ذلك الزوج ثم انتهى ورفع عينيه في زينب وقال:
_ التقرير دا يجيب له عقوبة مشددة، الإجهاض دا جناية والحكم فيها بيكون صعب، ربنا يقويكي على اللي جاي..
أخذت زينب منه التقرير ثم شكرته، فاستأذنا منه وغادرا المستشفى، ركبا السيارة فتساءل عبدالله بجدية:
_ ودلوقتي؟
نظرت زينب إلى التقرير المُمسِكة به وقالت بِبُغضٍ:
_ على قسم الشرطة!
***
استيقظ عاصم من نومه، وبدل ملابسه بأخرى تليق بخروجه، ترجل الدرج فوجد صبا تضع الفطور على السفرة، فتجمدت قدميه مكانه وهو يتابع ما تفعله، ثم تابع خُطواته متجهًا نحوها وتساءل وهو يتطلع بالفطور مذهولًا:
_ هو حد جاي لنا ولا إيه؟
وقفت صبا وقالت وهي تُحرك رأسها نافية:
_ لا دا ليك أنت!
كان ردها مفاجئة قوية له، ولم يمنع ابتسامته العذبة التي تشكلت على محياه، فلاحظت صبا انعكاس حالته وأسرعت في إيضاح الأمور إليه:
_ كنت عايزة أتكلم معاك في موضوع.. أو بصراحة
هما موضوعين!
ضاق عاصم بعينيه عليها فقالت وهي تدعوه للجلوس:
_ اقعد الأول..
ترأس عاصم الطاولة، فجلست صبا إلى جواره وبدأت تتنفس بعض الهواء قبل أن تهتف:
_ الموضوع الأول هو إني عايزة أرجع الشغل.. حاسة إني محتاجة ارجع أعمل الحاجة اللي كنت بحبها يمكن دا يساعدني أكتر ارجع لنفسي القديمة..
مد عاصم يده وأخذ الخبز وبدأ بتناول الطعام بعد سماعه طلبها ثم قال:
_ طيب حلو، مفيش مشكلة سهلة دي..
إلتوى ثغر صبا ببسمةٍ هادئة تُمهد لتلك القُنبلة التي ستُفجرها، أخذت نفسًا عميقًا وأردفت:
_ أنا هرفع قضية على حمادة، هاخد حقي منه!
توقفت الُلقيمات عن النزول إلى معدته، لم يهضم ذلك الخبر المفاجئ، ترك بقية الخبز وأمسك زجاجة المياه وأخذ يشرب الكثير حتى استطاع بلع الطعام، أخذ نفسًا بهدوء وزفره على مهلٍ قبل أن ينظر إليها ويردد:
_ بلاش يا صبا..
صعقت صبا مما قاله ورمقته بعيون مذهولة، فلم تنتظر منه ردًا كهذا، حاولت أن تتحلى بالصبر وتساءلت بنبرة جامدة:
_ ليه بلاش؟ مش دا حقي والمفروض كان يحصل من وقتها!!
_ ومحصلش، وأنتِ دلوقتي متجوزة عاصم سليمان فأعتقد مش هتفرق معاكي حاجة..
هاجمها بأسلوبٍ فظ، فاستشفت صبا ما وراء ثورته ورفضه، تراجعت للخلف ورفعت حاجبيها غير راضية عن رفضه:
_ آه يعني عشان أنا متجوزة عاصم سليمان مينفعش أخد حقي عشان أحمي إسمه!
أغمض عاصم عينيه قبل أن يُخرِج كلماته بضيقٍ يحاول إخفائه:
_ لا الموضوع مش زي ما أنتِ فاكرة..
_ أومال؟، فهمني أنت، بصراحة آخر حد أتوقعه يرفض هو أنت يا عاصم، حسيت إني أول ما هقولك أنت أكتر واحد هتدعمني..
قالتها صبا بحزنٍ ثم أضافت بنبرة متفهمة:
_ بس أنت معاك حق، اسمك مينفعش برده يتقال عنه حاجة وحشة، ودي مش حاجة سهلة، وأنا آخر حاجة أتمناها إنك تتأذى ولو نفسيًا بسببي..
أخرجت تنهيدة مهمومة ونظرت إليه لبرهة قبل أن تقول آخر ما لديها:
_ إحنا ممكن نتطلق على فكرة وبكدا محدش هيقول عنك حاجة...
_ بس يا صبا..
هتفها أمرًا فلم تتوقف عن الحديث وتابعت:
_ دا الحل اللي قدامنا ويرضي الطرفين
فازداد انفعال عاصم وهو يأمرها بالتوقف:
_ اسكتي يا صبا..
لم تصمت بل تابعت إيجاد حلولا:
_ الحل الوحيد إن اسمك يفضل نضيف إننا نطلق...
تلك اللحظة؛ ضرب عاصم الطاولة بعنفٍ فأجبرها على الصمت، نظر إليها بعينين حمراوين يشع منهما الغضب وأخذ يهتف عاليًا:
_ اسمي إيه اللي بتتكلمي عنه؟! أنت لو عملتي كدا فأنتِ هتقطعي آخر وصل بينا، أنتِ متعرفيش ممكن أهلي يعملوا إيه لما يعرفوا، دا آخر أمل ليا معاكي وأنتِ عايزة تقطعيه!
تفاجئت صبا بتفكيره، وتأثرت للغاية لحالته، كم كانت غبية عندما اتخذته ملجأً لهروبها، كم تصرفت بحماقة عندما وضعت شرطًا بعدم إتمام زيجاتهما وهي أمامه طيلة الوقت، حتمًا سيبني آمالا ويتعلق بالوصول إليها يومًا.
هبت صبا واقفة وقالت بحسمٍ:
_ كنت غبية لما فكرت إني لما أقولك أننا مينفعش مننا حبيبين يبقى بكدا أكون عملت اللي عليا، أنت اتعلقت بيا اكتر وأنا مش هسمح أظلمك معايا أكتر من كدا.. أنا هرفع القضية يا عاصم.. لو أنت شايف إن دا آخر وصال بينا فللأسف هقولك أيوا..
زفرت أنفاسها الحبيسة وأضافت مسترسلة:
_ وعشان أنا مشوفتش منك غير كل خير هطلب إن الجلسات تكون سرية عشان أحافظ على اسمك
ومكنش سببت لك أي اضرار..
تركته وصعدت إلى الطابق العلوي تحت صدمته، كان يُطالع أمامه بعقلاٍ مُشتت وقلبٍ ينبض بقوة محاولًا هضم افتراقهما الذي على مشارف حافته.
بينما أبدلت صبا ملابسها وترجلت، وقفت أمامه وأردفت بنبرة جافة:
_ أنا رايحة المستشفى..
أخذ الآخر نفسًا ثم نهض وقال بجمودٍ دون النظر إليها:
_ تمام، يلا هنروح سوا
أسرعت صبا في رفض مرافقته لها مرددة:
_ أنا هروح لوحدي..
قاطعها عاصم بحسمٍ وهو يُطالعها بضيق:
_ هنروح سوا يا صبا.. ومتخافيش يا دكتورة المرافقة دي مفيش من وراها أي تفكير من اللي أنتِ خايفة منه..
ثم توجه ناحية الباب دون إضافة المزيد قاطعًا عليها أي دروبٍ للرفض، فتوجهت صبا خلفه بعد أن زفرت أنفاسها بضيقٍ، استقلت السيارة بجواره ثم تحرك عاصم مبتعدًا عن البيت متجهًا إلى المستشفى.
وبعد مرور مدة؛ وصلا كليهما، فترجل عاصم عندما فُتح له الباب من قِبل عامل الأمن، وكذلك فتح العامل الآخر الباب الخاص بصبا، توجه عاصم إليها وهو على دراية بالإستقبال الحافل الذي سينالونه من خلف اسمه المعروف.
وكان ذلك مُراده من مرافقتها، حتى تعلم من تزوجت وتتحسر على تركها له، لا يدري لماذا فكر بتلك السطحية لكنه يود أن يرى الندم في عينيها عندما تعرف مكانته ومن يكون جيدًا.
مد لها ذراعه لتتعلق به لكنها نظرت إليه مستاءة ورددت هامسة:
_ عاصم!
بصوتٍ جاف قال:
_ عاصم سليمان طلاما داخل مكان مع مراته يبقى لازم تمسك في ايده
مال بقرب أذنها وأضاف بخفوت:
_ الناس متعرفش اتفاقنا، وأنا يهمني صورتي قدامهم..
تراجع للخلف وتطلع في خضراوتيها قبل أن يُستريل بجمودٍ:
_ مش شكلي برده يهمك يا دكتورة؟
كانت صبا مُتفاجئة من تلك المعاملة المفاجئة، لم تحبها، فنظرت إليه بعينين توحيان إليه عتابًا استشفه عاصم لكنه ظل ثابتًا على ذلك الوجه الذي يتلبسه، أعاد مد ذراعه فزفرت صبا أنفاسها ثم تعلقت في ذراعه وسارت إلى جواره تحت نظرات الجميع التي وقعت عليهما.
استقبلتهما إدارة المستشفى استقبالًا حافل واوصلاهما إلى غرفة صبا التي جُهزت لها خصيصًا في الدقائق الأخيرة قبل وصولهما، تعجبت صبا مما يحدث لكنها لم تُعلق وانتبهت على حديث رمزي:
_ مبروك الجواز يا عاصم بيه، مبروك الجواز يا صبا هانم!
تفاجئت صبا بذلك اللقب الثقيل والتي لم تتقبله البتة وأبدت إنزعاجها منه:
_ أنا دكتورة صبا يا دكتور رمزي مش صبا هانم!
_ أنا آسف لحضرتك يا دكتورة
اعتذر لها رمزي تحت نظرات صبا المذهولة من تصرفاته الخرقاء، فلم يكن معها هكذا من قبل، حاولت بألا تُعقب ووقفت حتى انسحب رمزي ثم جائتا ممرضتين حاملتان مشروبات استقبال وحلوى لذيذة ذات شكل شهي، وضعن ما معهن على المكتب ثم انصرفن مسرعتين.
تفقدت صبا ما يحدث أمام عاصم الذي استند بظهره على الحائط عاقدًا ذراعيه عند صدره يشاهد حجم المكانة التي وُضعت بها فقط لأنها زوجته، قطع ذلك الصمت بترديده المغرور وهو يتفقد معالم المكتب:
_ حلو المكتب مش بطال، دول جهزوه وإحنا يدوب في الطريق!!
التفتت صبا ناظرة إليه فهي على دراية بتلك اللعبة التي يلعبها ليُريها حجم مكانته بين الناس، أخذت نفسًا وأردفت معاتبة بهدوءٍ:
_ مش لايق عليك اللي بتعمله، عاصم اللي عرفته عجبني فيه شهامته وجدعنته وإنه بيعمل الخير من غير مقابل ولا بيستخدم اسمه ولا إسم عيلته عشان يبهر أو يندم اللي قدامه!!
تفاجئ عاصم بكلماتها التي وصفت تصرفاته، اعتدل في وقفته وأنزل يديه إلى جواره واستمع إلى بقية حديثها:
_ وتبقى غلطان لو فاكر إني وافقت نتجوز عشان اسم عيلتك اللي أنا أصلًا معرفوش، ودا مش تقليل منك أبدًا، بس دا جهل مني، دايرة معلوماتي صغيرة أوي مبخرجش عنها.
اقتربت منه بِضع خُطوات وأضافت بلومٍ:
_ ولو أنت قاصد تندمني عشان مش فارق معايا الحياة دي فأنت برده غلطان ومقرأتش شخصيتي صح، أنا لا المناصب ولا الفلوس بتبهرني قد شخصية البني آدم وانسانيته، ودا اللي بحاول أوصله ليك ويمكن اللي تاعبني إني مش عايزاك تتحول لشخص غير عاصم اللي أنا عرفته واتعاملت معاه..
شعر عاصم بِصغر حجمه لحظتها، فهو افتعل شيئًا لا يُشبهه ولا يليق به، أغمض عينيه محاولًا جمع شتاته قبل أن يردد:
_ أنا ماشي يا دكتورة، لو احتجتيني كلميني..
لم يضيف المزيد وانصرف خارج الغرفة، بينما نفخت صبا بضيقٍ فلقد ضاق صدرها مما يحدث، ألقت نظرة أخيرة على المكتب ثم حملت حقيبتها وخرجت متجهة إلى مكتب المدير، وقفت أمامه وبنفاذ صبر قالت:
_ أنا عايزة أرّجع مكتبي القديم..
***
تجمع الثلاثة حول الطاولة، فلقد حرص قاسم على تناول الفطور معًا ربما ينفع آدم ذلك، كان عابسًا شاردًا لا يُشاركهما الطعام ولا الحديث، فقطع قاسم عليه حبال شروده بقوله:
_ كدا مش هينفع يا آدم، ليك حق تزعل يا حبيبي لكن فيه حاجات مينفعش تقف، الحياة مش بتقف، لازم تاكل وتتكلم وتروح شغلك ومع الوقت هتتخطى..
_ مش قادر، حاسس إن كل حاجة تقيلة على قلبي ومعنديش ذرة طاقة أعمل أي حاجة، أنا بفكر اطلب إجازة
قالها بفتورٍ شديد فعقب قاسم على حديثه:
_ ولو إني مرجحش طلب الإجازة دا لأنك وقتها هتقعد أنت وعقلك مع بعض ومش هتبطل تفكير، بس لو أنت حاسس إنك هتبقى أحسن كدا، خد إجازة أخرج فيهم مع صحابك، سافر لك يومين في أي مكان تروق لك فيهم على نفسك المهم تكون كويس..
أماء آدم بتفهمٍ ثم نهض فتساءل قاسم بجدية:
_ رايح فين؟ اقعد كمل أكلك
_ لا مش قادر آكل حاجة، أنا هروح اخلص إجراءات طلب الإجازة..
هتفها وغادر سريعًا قبل مُقابلة أي اعتراضاتٍ، بينما سحب قاسم المنشفة الصغيرة التي كانت أسفل عنقه ومسح يده وفمه ثم وضعها على الطاولة ونهض، فكان له نصيبًا من تعكير صفوه من وراء كلمات حورية التي صاحت بها:
_ مش قادر يكمل أكله، قام يجري زي المراهقين عشان يروح لخطافة الرجالة
تفاجئت حورية بسبابته التي وُضعت فجأةً في وجهها محذرًا إياها:
_ أنا لغاية دلوقتي عامل حساب لابنك اللي فوق دا، كلمة تانية ملهاش لازمة مش يهمني ابني وهـَهِينك جامد
قالها وغادر على الفور تحت نظراتها التي يتطاير منهما أدخنة النيران التي اتقدت داخلها، صرت أسنانها ببغضٍ شديد وهمست بينها وبين نفسها:
_ يارب ما تتهنى لحظة واحدة معاها يا قاسم!
في الخارج، ركب قاسم سيارته وتوجه بها إلى بيت المزرعة حيث موطن حبيبته التي اشتاق إليها بين عشية وضحاها، كان يقود بسرعة كبيرة يَعُد الثوانِ حتى يصل إليها وينال عناقًا حار هو في حاجة إليه ليمحي أي توترٍ قد عاشه منذ قليل.
وبعد مرور وقتًا لا بأس به، وصل إلى البيت وترجل من السيارة فوجدها تقف أمام الباب عند سماعها بوق سيارته تستقبله بإبتسامةٍ سعيدة، توجه بقربها وقبل أن تُردف ترحيبها كان قد ألقى بنفسه بين ذراعيها، فاتسعت عيون أجلام تلقائيًا ولامته بحرجٍ شديد:
_ إحنا في الجنينة يا قاسم ممكن حد يشوفنا
دون مبالاةٍ لتصرفه الجرئ أجاب كلماتها:
_ ما يشوفوا براحتهم، واحد ومراته إيه العيب في كدا يعني؟
ابتسمت بخجلٍ ثم حاوطت ظهره بذراعيه متبادلة معه العناق فكان لروحهما شفاءًا ضمدا جروحًا لا زال لها أثرًا داخلهما، تراجع قاسم بعد أن اكتفيا الآن فأسبقت أحلام متسائلة:
_ ابنك كويس؟
_ هيبقى كويس، الحياة هتنسيه..
قالها مُكتفيًا بذلك الرد فترددت أحلام في سؤاله لكن فضولها قادها لمعرفة السبب:
_ هو أنت قولت هو زعلان من إيه؟
قطب قاسم جبينه لغرابة سؤالها ثم أجابها:
_ انفصل عن خطيبته، أنتِ لحقتي تنسي؟
ردت وهي تلوح بيدها:
_ إحنا كنا متأخر ومكنتش فايقة..
هز قاسم رأسه متفهمًا وقال:
_ طب تعالي ندخل جوا أحسن
***
مساءًا، عاد عاصم من عمله، دلف البيت وبحث عن صبا فلم يجدها، تفقد الوقت، ثم حاول الإتصال بها فلم يصل إليها فكان هاتفها مغلق، أخذ نفسًا وفكر قليلًا أين يجدها في ذلك الوقت المتاخر، فكان بيت قاسم أول ما جاء في خاطره.
فتوجه إليه مباشرةً، طرق الباب وبعد قليل فتحت له زينب الباب، وابتسمت له بخجلٍ مرحبة به:
_ أهلًا يا باشمهندس، اتفضل
بودٍ يُخالطه الحرج تساءل:
_ هي صبا موجودة هنا؟
بحاجبان معقودين ردت:
_ لا مشوفتهاش النهاردة خالص، هو فيه حاجة؟
شرح لها عاصم الوضع الذي وقع به:
_ هي راحت المستشفى الصبح، وبكلمها موبايلها مغلق مش عارف هي خلصت ولا لسه؟!
أومأت زينب بالفهم، ثم سألته:
_ هي الساعة كام؟
_ ١٠
قالها بعد أن تفقد ساعة يده، فحاولت زينب طمأنته بقولها:
_ لا متقلقش لسه قدامها ساعة على ما تخلص، كان عبدالله دايمًا بيروح لها على ١١!!
صعق عاصم مما وقع على أذنيه، وحدق بها مذهولًا فشعرت زينب بفداحة ما اقترفته وأسرعت في توضيح الأمر له:
_ عمي محمود بابا صبا كان مكلف عبدالله يوديها ويجيبها من المستشفى، أنت أكيد عارف إنه كان بيشتغل على عربية بيوصل الناس..
رفع عاصم حاجبيه عندما فهم الأمر لكن داخله يخبره بثمة أمرًا أكبر مما أخبرته عنه زينب، أخرج تنيهدة معها شعوره السيء الذي شعر به من خلف كلماتها، وحاول إنهاء الحوار بينهما فقال:
_ طب تمام، هروح أنا بقى عشان أطلب آكل على لما صبا ترجع يكون وصل.. آسف على الإزعاج
بإبتسامة ودودة أردفت:
_ مفيش إزعاج يا باشمهندس..
أولاها عاصم ظهره ليُغادر فترددت زينب فيما تود فعله كثيرًا أخذت وقتًا حتى أقنعت عقلها بأن الأمر إنساني فقط، عادت إلى الداخل وقامت بوضع الطعام المُتبقي عندهم في الفرن الكهربائية لترتفع حرارته، ثم وضعته في أوانٍ وحملتهم في صينية، خرجت من البيت متجهة إلى البيت المجاور.
طرقت الباب ووقفت أمامه وقتًا حتى فتح لها عاصم وتفاجي كليهما ببعض، فكان عاصم يقف أمامها عاري الصدر محاوطًا خصره بمنشفةٍ تُخفي بقية جسده، تتساقط بعض القطرات من شعره.
وسرعان ما أخفضت زينب رأسها في حياء شديد، فأسرع عاصم بالوقوف خلف الباب وأبدى اعتذاره عن صورته التي ظهر بها:
_ أنا آسف والله فكرت صبا رجعت، وأنا عارف إن هي مفيش معاها مفتاح...
بصعوبة بالغة قابلتها في الحديث حاولت الرد عليه بعد أن ابتلعت ريقها مراتٍ عديدة من فرط التوتر:
_ ولا يهمك، أنا كنت جايبة لكم أكل... هحطه على الباب
انحنت زينب بجسدها ووضعت الصينية أرضًا وسرعان ما انصرفت من أمام الباب، بقلبٍ يخفق بشدة، وحاولت نسيان ما رأته حتى يتبخر توترها، بينما أخرج عاصم رأسه من خلف الباب يتأكد من ذهابها أولًا قبل أن يخرج بكامل جسده، حمل الصينية فتغلغلت رائحة الطعام الذكية إلى أنفه وزادته جوعًا.
كان يود انتظار صبا لكنه لم يستطع، فطالبت معدته بالطعام، جلس بنفس هيئته وبدأ بتناول الطعام الذي شعر لوهلة أنه لم يتذوق بجماله من قبل.
أغمض عينيه لبرهة مستمعتًا بذلك المذاق الشهي، والذي حثه على تناول الطعام بشراهة لم يتناول مثلها من قبل، حتى شعر بامتلاء معدته فتراجع للخلف متحسسًا بطنه في حركات دائرية وهو يردد:
_ لما دا أكل أومال اللي كنت باكله دا إيه؟
نهض وصعد إلى الأعلى ليرتدي ملابسه ثم ترجل ثانيةً على صوت قرع الجرس، فتح الباب وكانت صبا من جاءت ويبدوا عليها التعب، دلفت بخُطاها وقد انتبهت على الطعام فاقتربت منه بمعدة تطالب به، جلست على الكرسي وتساءلت بفضول:
_ مين اللي جايب الاكل دا؟
رد عاصم بتلقائية:
_ اخت عبدالله!
_ زينب؟!
رددتها صبا بريبة، وكادت تسأل عن بقية الأمر لكن قرع الجرس قد أوقفها، بينما توجه عاصم إلى الباب وقام بفتحه فظهرت هيئة ذلك الرجل الأربعيني فاتسعت عيونها حينما ظهر لعينيها بوضوحٍ، انتفضت من مكانها فجأة وهللت دون تصديق:
الفصل الحادي والثلاثون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثلاثون 30 - بقلم تسنيم المرشدي
اخترقت صبا صدره حين عانقته بكل ما أوتيت من قوة، بادلها الآخر عناقًا حار فهُما لم يروا بعضهما منذ أعوامٍ، كانا يُذبيان الجليد التي بُنيته أعوام الغربة بذلك العناق الحميمي.
حتى سقط نظر جلال على ذلك المصدوم مما يحدث أمامه، فلم يمنع ابتسامته من التشكيل على شفتيه، أبعد صبا عنه فتعجبت صبا من إبعاده لها ونظرت إليه بحاجبين معقودان فأشار جلال بعينه إلى عاصم وابتسامته لم تفارق وجهه.
فنظرت صبا حيث ينظر جلال حتى استشفت الأمر ولم تستطع منع ضحكتها أيضًا وبادرت بتعريف بعضهما البعض وهي تُشير بالتناوب بينهما:
_ باشمهندس عاصم، جلال أخويا..
شعر عاصم ببعض الراحة وزفر أنفاسه المتوترة، ثم شكل بسمةً ودودة ورحب به:
_ أهلًا بيك نورت بيتنا..
بادله جلال المصافحة الودية ثم انفجر ضاحكًا وأردف مازحًا:
_ بس أنت يا راجل تسيب مراتك تحضن أي راجل متعرفوش كدا؟
كتم عاصم ابتسامته الخجولة وهو يحك مؤخرة رأسه بإحراج شديد وحاول توضيح الأمر:
_ أنا معرفش حد في عيلة صبا فخمِنت إن أكيد أنت من عيلتها..
غمزه جلال وشاكسه بأسلوبٍ طريف:
_ خمِنت ولا اتمنيت؟
إزداد خجل عاصم الذي تلونت وجنتيه بالحمرة، فبادرت صبا بإنهاء الحوار حتى لا يأخذهم إلى طريقٍ هي ليست بحاجته، حمحمت ورحبت بشقيقها:
_ ادخل جوا، أنت وحشتيني أوي
ربت جلال على ظهرها بقوة وهو يُبادلها الشوق:
_ وأنتِ كمان يا حبيبة أخوكي.. مش متخيلة وحشاني قد إيه، أنا أول حاجة عملتها لما خرجت من الحبس نزلت مخصوص عشان أشوفك أنتِ وماما وبابا..
_ حبس!!
رددتها صبا بصدمةٍ فزم جلال شفتيه بحزنٍ قبل أن يردف:
_ دا أنا شوفت أيام!! أومال مكنتش بعرف أوصل ليكم ليه؟
حدجته صبا بعيون واسعة مذهولة؛ ثم دعته إلى الداخل مُتلهفة لمعرفة ما مر به:
_ تعالى اقعد واحكي لي إيه اللي حصل معاك..
اقترب جلال بخُطاه من الأريكة وجلس أعلاها بتعبٍ ثم أخرج تنيهدة مهمومة قبل أن يبدأ حديثه، لكنه تفاجئ بانسحاب عاصم عندما قال:
_ طب أنا هطلع فوق، خدوا راحتكم.. عن إذنك يا أستاذ جلال، وحمد الله على سلامتك
_ الله يسلمك، بس تطلع ليه أقعد معانا أنت بقيت من العيلة خلاص..
هتفها جلال ليمحي الحرج بينهما ويُشعره بأنهما عائلة واحدة، بينما ألقى عاصم نظرةً علي صبا قبل تم يُبدي رفضه:
_ لا معلش، خليكم براحتكم أحسن..
ثم انصرف سريعًا تحت نظرات جلال المبهمة، فأعاد النظر إلى شقيقته وسألها مستفسرًا:
_ هو ماله في إيه؟
زفرت صبا أنفاسها لتُخبره بالأمر الذي يجهله:
_ أنا وعاصم مش زي ما أنت فاهم، جوازنا صوري.. على الورق بس
_ نعم!!
أردفها جلال مذهولًا وقد ظهرت على تقاسيم وجهه الإستياء الشديد مما أخبرته به وهلل:
_ يعني إيه صوري؟ ودا في شرع مين دا؟
تحولت ملامح صبا إلى الخزي وقالت بنبرة حزينة:
_ هفهمك كل حاجة، بس احكي لي أنت الأول، كنت محبوس ليه؟
شهيقًا وزفيرًا فعل جلال قبل أن يقُص عليها حقيقة ما عاشه:
_ مفيش ياستي أنا ومراتي اتطلقنا، وطبعًا عشان أنا في دولتها ميحقش ليا أخد العيال، فأنا روحت لهم المدرسة واخدتهم من وراها وهي بلغت فيا..
كانت تصغي إليه بدهشة مُشكلة على تقاسميها، وهتفت غير مُصدقة ما يقع على أذنيها:
_ وبعدين، كمل كمل
تابع جلال ما لم يُنهيه من القصة:
_ الولاد ضغطوا على ولدتهم وجت خرجتني بس بشرط مقربش منهم نهائي..
فغرت صبا فاها بصدمة كبيرة تزداد كلما أخبرها شيئًا وأردفت متسائلة باهتمام لمعرفة ما سيفعله:
_ طب وأنت هتعمل إيه؟ معتش هتشوف ولادك فعلًا؟
_ لأ طبعًا، أنا بس أول ما خرجت حسيت إني محتاج لكم ومحتاج أقعد وسطكم أرتب أفكاري كويس وبعدين هرجع تاني وأحاول معاها، ربنا يسهل
قالها جلال ثم دنا بجسده منها وتساءل بجدية:
_ المهم سيبك مني، إيه حوار جوازك الصوري دا؟
اقتربت منه صبا بعد أن تفقدت السُلم وتأكدت أنه خالٍ لا يقف عليه عاصم وسألته:
_ هو أنت متعرفش حاجة خالص؟
قطب جبينه وهو يردد بعدم فهم:
_ حاجة إيه؟ أنا كل اللي عرفته لما نزلت وقابلت أمك وأبوكي إن محصلش نصيب بينك وبين عبدالله والباشمهندس تقريبًا شافك في المستشفى واتقدم لك وكان عايز جواز سريع..
تملك الأسى والتأثر الشديد حيال كلماته عنها ورددت بحزنٍ يُسيطر على صوتها المتسائل:
_ هما قالولك كدا؟
شعر جلال بِثَمة ما لا يعلمه من خلف نبرتها وسؤالها المُبهم وبادرت بسؤالها:
_ هو الموضوع غير كدا؟
انتباتها حالة من الشجن لحظتها، تأثرت بما عاشته وما عرضته عليه ذاكرتها تلك اللحظة، أخذت تتنفس بعض الهواء حتى لا تتأثر نبرتها بما يحدث داخلها وقالت وهي تتطلع في عينيه:
_ ياريتك كنت موجود، مكنتش عِشت كل اللي عِشته دا!
ثم أخذت تقُص عليه ما عاشته منذ تلك الليلة العصيبة إلى يومها هذا تحت صدمةٍ أو لو أنه كان هناك وصفًا أدق لما يعيشه جلال الآن، فغر فاهه محاولًا جمع الكلمات التي هربت فجأة ولم يعرف ماذا يعلق.
فوجد نفسه يسحب يدها ويضُمها إلى صدره بحنانٍ أرغمها على البكاء، وكم من الندم راودها لحظتها، ناهيك ألمها الذي تضاعف الآن وكأنها تعيش تلك الحادثة للتو، بعد فترة؛ تراجعت للخلف ومسحت براحة يدها عبراتها وحاولت الإبتسام وهي تردد:
_ بس كويس إنك رجعت، عشان تسندني في اللي جاي..
رمقها جلال بطرف عينيه فاستشعرت سؤاله وأجابته على الفور:
_ هرفع قضية وهاخد حقي!
تلك الأثناء أغمض جلال عينيه لبرهة قبل أن يعاود النظر إليها من جديد وهو يتساءل عن كل ما جال في خاطره:
_ أنتِ إزاي عشتي كل دا لوحدك؟
ثم تشنجنت عروق عنقه وخرجت نبرته حادة غاضبة:
_ وإزاي بابا مراحش قتل الحيوان دا وقتها وأخد حق عرضك اللي انتهك؟ إزاي استسلم بالشكل دا؟
تساقطت عبرات صبا رغم محاولاتها في التماسك أمامه ورددت بنبرة مهزوزة:
_ أنا عشت أسوأ ليلة عدت عليا يا جلال، ليلة رمتني في بحر عميق ومن وقتها وأنا مش عارفة أخرج منه، ولا مني بغرق وبموت ولا مين عايشة كويس!
إزداد نحيبها وهي تخبره بندمها الشديد:
_ ليلة خلتني أشوف كل حاجة في عيني سودة، فجأة أبويا بقى خايف من الفضيحة، وفجأة ملقتش عبدالله جنبي، ملقتش حد يداوي اللي كنت حاسة بيه، يا جلال أنا جسمي كان بيوجعني أوي أوي وحتى مهانش على حد يقولي تعالي نروح المستشفى حد هناك يسكن وجعك دا!
تأثر جلال لحالتها وبكى بشدة، ثم ربت على يدها وقال:
_ بس أنتِ مش حاسة إنك اتسرعتي أوي في إنك تاخدي قرار زي قرار الجواز دا؟
مسحت عبراتها التي لا تتوقف عن النزول واضافت:
_ كنت تايهة وضعيفة وعقلي واقف، بتعلق في أي قشاية تنقذني، والله مكنتش مستنية أي حاجة غير إنهم يحضنوني لغاية ما أكون كويسة، بس أنا ملقتش دا، وسط اللي حصلي وسط ما أنا لسه مفوقتش ولا خرجت منه ألاقي الكل بينسحب فجأة، ملقتش حد جنبي ولا حد طبطب عليا، أبويا فجأة بقى واحد تاني وعايز يجوزني وخلاص، وبعد ما كان رافض عبدالله لأنه شايفه أقل مني فجأة وافق عليه، وفجأة برده عرض عليا اتجوز عاصم اللي هو نفسه ميعرفش مين دا بس عشان يخلص مني وخلاص
حبيبي اللي حبيته ملقتهوش، بغض النظر عن اللي معرفته بعدها بس أنا ملقتهوش وقتها، مكنش موجود!!
كل دا فجأة حصل في ليلة، أنا كنت فاكرة إني بجوازي من عاصم بنتقم لنفسي وببعد عن اللي اتخلوا عني من غير ما أفرض عليهم وجودي، بس الحقيقة هي إني عاقبت نفسي بالجوازة دي، أكبر عقاب ممكن الإنسان يعمله حق نفسه، أنا لا قادرة اتأقلم ولا أعيش طبيعي، وعلقت بيا إنسان عايش على أمل إني أحبه في يوم، ووجعت قلب إنسان تاني بفراقي عنه، أنت متخيل أنا عملت في نفسي وفي اللي حواليا إيه؟!!
تحشرجت نبرتها من فرط البكاء، فتوقفت عن الحديث لتضبُط وتيرة أنفاسها المرتفعة، وظلت تردد بندم يشوبه ضعف حيلتها:
_ أنا غلطت بس والله غصب عني، مكنش قدامي حلول تانية ولا طريق تاني أمشي فيه غير الجوازة دي، ياريتك كنت موجود يا جلال مكنش كل دا حصل..
حاول جلال تهدئتها بضمه المستمر إلى صدره، فهي الآن ليست بحاجة سوى عناقًا دافئ يُحاول به تضميد ولو جزءًا من جِراحها، هدأت صبا تدريجيًا حتى تبخر بكائها وهدأ صدرها عن الصعود والهبوط بقوة.
فأبعدها جلال عنه وتفقد خضراوتيها اللذان فقدا رونقهما، ثم أردف بصوتٍ أجش:
_ طب إيه؟ مش ناوية تصلحي الغلط وتنهي الجواز دا؟
_ طبعًا هنهيه، بس مش هينفع دلوقتي!
قالتها صبا فأثارت ريبة جلال الذي تساءل بجدية وحزمٍ:
_ ليه مش هينفع دلوقتي؟
أخذت صبا شهيقًا عميق قبل أن تخبره قائلة:
_ أنا لو انسحبت دلوقتي وسيبت عاصم متعلق بيا كدا هوجعه أوي، وأنا مش عايزة كدا، عاصم وقف جنبي وساعدني ومشوفتش منه غير كل خير، فأنا حابة أرد له الخير دا، ومش صح أبدًا أسيبه دلوقتي، لازم الأول أصلح اللي بوظته عشان وقت انفصالنا يكون هو نفسه راضي بالقرار دا وشايف إنها خطوة صح.
عقد جلال مابين حاجبيه وهو يتساءل بفضولٍ حول ما ستفعله شقيقته:
_ ودا هيحصل إزاي؟
ابتسمت صبا بحماسٍ وهتفت:
_ هقولك..
أخذت تُملي عليه ما تود فعله حتى انتهت فبادر جلال بسؤالها:
_ طب عاصم وفهمنا ناوية على إيه، طب وعبدالله؟
تلك اللحظة خفق قلبها بشدة، وشعرت بالإرتباك يراودها، حمحمت وحاولت إخفاء تلك الحالة التي تملكت منها ورددت بصوتٍ رقيق مهزوز:
_ ماله عبدالله؟
ابتسم جلال بخفة لحالتها التي أصبحت عليها، وأوضح ما يقصده من وراء سؤاله:
_ ناوية معاه على إيه؟
ازدردت صبا قبل أن تعاود رفع عينيها في عيني شقيقها وأردفت بنبرةٍ بها مزيج من الحزن واللهفة:
_ عبدالله بالذات مينفعش أفرض نفسي عليه بعد اللي حصل..
ابتسمت بخجل صريح وأضافت:
_ مش هكذب لو قولت إني مش نفسي نرجع أوي لبعض، ونعوض اللحظات اللي فاتتنا، ونعيش ليالي وإحنا سوا بدل اللي ضيعناها في بُعادنا، بس أنا هكون أنانية لو روحت له وقولتله حقيقة مشاعري دي..
أخفضت صبا رأسها وفركت أصابع يدها وهي توضح مخزى كلامها:
_ يمكن هو معتش عايزني في حياته بعد اللي عملته فيه وجوازي من واحد تاني، أنا متأكدة إن لسه ليا مكان في قلبه، بس يمكن هو يستاهل فرصة أحسن مني، عبدالله طيب ويستاهل يتعوض عن اللي أنا عيشته فيه، صعب أوي عليا إني أتخيله مع حد تاني، بس زي ما اختارت الأول إني أبعد لازم أسيب له مطلق الحرية في حياته ومستقبله، هو أولى يعرف عايز يكمل مع مين ومين اللي يستاهل تكون في حياته حتى لو مش أنا!
كلماتها آلمت قلب جلال للغاية، يصعُب عليه رؤية ابنته التي ترعرت على يديه تعيش ألم الحب ولا تعيش لذة الوصول إليه، ربت على كتفها وسألها باهتمام ونبرةً هادئة:
_ طب وأنتِ يا صبا؟ مش نفسك ليها حق عليكي، ناوية تعملي معاها إيه؟
تشدقت صبا ببسمة ساخرة يكسوها الحزن قبل أن تجيبه:
_ أنا اللي يهمني دلوقتي إني أصلح الغلط اللي عملته في حياة اللي حواليا، أعتقد دا هريحني..
شد جلال على يدها يأزرها ثم هتف بثقة كبيرة:
_ متحمليش هم لأي حاجة بعد كدا، أخوكي في ضهرك يا حبيبي أخوكي
لمعت عيون صبا متأثرة وسرعان ما ألقت بنفسها للمرة التي لا تعلم كم بين أحضانه لتكتسب من عناقه قوة تساعدها على تخطي الماضي والوصول إلى أهدافها القادمة.
****
في الصباح الباكر؛ وقفت زينب تُحضر الفطور مع والدتها، بينما جلس عبدالله في غرفة الطعام على الأريكة التي يعلوها النافذة الزجاجية يكتُب دراسة جدوى مبسطة حتى يقدمها لأبيه.
في الجوار؛ يقف قاسم أمام الطاولة يطرق بأصابعه عليها وهو يُحادث آدم في الهاتف:
_ ها قدمت طلب الإجازة؟
أجابه مختصرًا:
_ أيوا واتوافق لي عليه..
_ طيب عال أوي، ناوي تعمل إيه؟
تساءل قاسم مهتمًا لما سيُقبل عليه فردّ آدم وهو يهز رأسه:
_ مش عارف لسه محددتش، هبقى أعرفك
_ تمام يا حبيبي، ابقي كلمني
هتفها قاسم ثم أنهيا كليهما الإتصال، وضع قاسم الهاتف أعلى الطاولة وأسقط بصره على ذلك الشارد، فتوجه إليه دون تردد وسأله مستفسرًا:
_ بتعمل إيه يا عُبد؟
رفع عبدالله رأسه ونظر إليه وهو يُجيبه:
_ بحاول أحسب التكلفة اللي هتغطي المشروع، يعني دراسة جدوى بسيطة كدا..
هز قاسم رأسه بتفهمٍ ثم التقط الورقة من بين يديه وقام بتقطيعها تحت نظرات عبدالله المذهولة مما يفعله، نهض وقبل أن يسأله هو بادر قاسم بالحديث:
_ أنت مالك ومال التكلفة، أنت قولتلي على مشروعك أنت وصحابك وخلاص ملكش دعوة بالباقي، في خلال شهر أو أقل إن شاء الله هنكون واقفين في الإفتتاح..
نجح قاسم في رسم البسمة على وجه عبدالله؛ ثم انتبها كليهما على مجيء زينب برفقة أحلام، ثم وضعن الطعام وجلس الجميع حول المائدة، بينما ترأسها قاسم الذي أغمض عينيه مستمتعًا بتلك الرائحة الشهية وأبدى إعجابه الشديد:
_ الله الله، إيه الروايح دي دا الواحد مكنش بياكل على كدا..
ثم بدأ بتناول الطعام بشهية كبيرة، رفع بصره في أحلام عندما تناول من البيض وقال بصوتٍ خشن حاد:
_ آخر مرة تحطي إيديك في الأكل تاني يا أحلام، أنتِ فاهمة؟!
تفاجئ الجميع وخصيصًا أحلام التي رمقته بذهولٍ متسائلة عن السبب:
_ ليه يا خويا الأكل وحش؟ معجبكش؟
_ لا بس حلاوته زايدة وأنا أخاف يجي لي السكر!
تغزل بطعامها بأسلوبٍ مشاكس، أجبرهم على الضحك، بينما لكزته أحلام بخفة في ذراعه معاتبة إياه:
_ خضتني والله، وبعدين بعد الشر عنك إن شالله عدوينك
مال قاسم بجسده منها فكان قريبًا للغاية من وجهها وتساءل بلهفة لسماع إجابة سؤاله:
_ قد كدا بتخافي عليا؟
بنبرةٍ مُتيمة تخشى إصابته بمكروهٍ ردت أحلام:
_ أومال، مش راجلي لازم أخاف عليه
_ راجلك!! بس؟
تساءل بهمسٍ فأجابت الأخرى من بين ضحكها الخجول:
_ وحبيبي..
فهلل قاسم عاليًا عند سماعه ذلك:
_ الله الله الله
ثم انتبها كليهما على النظرات المراقبة لهما في صمت، تفقداهما ثم انفجروا أربعتهم ضاحكين على ما يحدث، بينما علق عبدالله ساخرًا:
_ أنا بقول أخد زينب ونرجع الحارة ونسيبكم على راحتكم..
أخذت أحلام حديثه على محمل الجد وأبدت رفضها بانزعاج:
_ لا طبعًا محدش منقول من هنا.. والله لو عملتوها تلاقوني سبقاكم
تجهمت تعابير قاسم وأظهر تذمره من كلماتها:
_ وتسبيني يا أحلام؟
نظرت إليه وقد رققت من نبرتها وهتفت:
_ لا مقدرش، هبقى أخدك معايا
قهقه قاسم وكذلك الآخرين، ثم تابعوا تناول طعامهم في صمتٍ قطعته أحلام بسؤالها:
_ ابنك عامل إيه مع خطيبته؟
وكانت الصدمة الذي تلقاها قاسم وقد ترك الخبز من يده على الطاولة وحدجها غير مُصدقًا سؤالها، أطال النظر بها قبل يُردد:
_ آدم معتش خاطب يا أحلام، أنت نسيتي؟
أغمضت أحلام عينيها مستاءة من تناسيها الأمر وقالت معتذرة:
_ معلش والله نسيت خالص..
_ نسيتي إيه بس دا الموضوع كان مبقالوش يومين!
هتفها بعدم تصديق لمدة نسيانها الغير معقولة، فتحدثت أحلام بلامبالاةٍ:
_ أنت عايز كل اللي عديت بيه الفترة اللي فاتت دي ومنساش
ثم أضافت مازحة:
_ كويس إن أنا لسه فاكراكم..
أخذا الجميع حديثها على محمل المزاح إلا من قاسم الذي لم يخفض نظره منها وحالة من القلق قد سيطرت عليه.
***
بعد مرور بضعة أيام؛ صباح يوم الخِطبة، خرجت ليلى من غرفتها باحثة عن زكريا كعادتها من كل صباح في الأيام الماضية، وجدته يخرج من الغرفة الأخرى وبيده قميصًا باللون الأبيض وبنطال أسود كلاسيكي.
نظر إليها وقال:
_ ليلى عايز القميص دا يتكوى كويس..
اقتربت منه وأخذت القميص ثم تفقدته جيدًا قبل أن ترفع نظرها عليه متسائلة بفضولٍ:
_ القميص دا جديد؟
أماء زكريا وهو يُوليها ظاهره عائدًا إلى الغرفة، فأثار غيظها منه، هرولت خلفه وهتفت بحنقٍ:
_ أنت حتى مسألتش أنا هلبس إيه يوم خطوبة أختك! روحت اشتريت لنفسك وأنا مش مهم، أولع..
تفاجئ زكريا بثورتها والتفت إليها وتحدث ببرودٍ:
_ أنتِ لسه عروسة يا ليلى يعني أكيد عندك حاجات تلبسيها، إلبسي أي حاجة على لما تتعدل وابقي هاتي اللي أنتِ عايزاه..
لم تتقبل كلماته التي زادتها حنقًا منه وصاحت مندفعة:
_ هي المشكلة في اللبس؟
تأفف زكريا وصاح متسائلًا:
_ أومال إيه المشكلة يا ست ليلى؟
أجابته بانفعالٍ يخالطه العتاب:
_ المشكلة إنك مفكرتش فيا، فكرت في نفسك بس روحت اشتريت لنفسك واللي في البيت دي حتى السؤال لو محتاجة حاجة متسألش!!
خرج زكريا عن شعوره واندفع بها بغضبٍ عارم:
_ أوف بجد موال وحوار على الصبح عشان اشتريت ليا حتة قميص أحضر بيه خطوبة اختي، يا ساتر يارب..
اقترب منها ثم التقط من يدها القميص بعنفٍ وهو يهتف:
_ هاتي أنا هنزل لأمي تكويه واقعدي أنتِ مع نفسك بقى.. دي مبقتش عيشة!
لم تحرك ليلى ساكنًا بل تجمدت مكانها حتى استمعت إلى صوت إغلاق الباب فتساقط دمعها بحزنٍ بالغ كما لم تشعر به من قبل..
وفجأة اختل توازنها وسقطت دون أن تشعر، حتى وجدت نفسها بين أحضان أرضية الغرفة، فلم تمتلك القدرة لحظتها على النهوض وبقيت مكانها تبكي فكان للبساط نصيبًا من تلقي دموعها أعلاه حتى جفت عينيها.
فاعتدلت ونظرت في الفراغ أمامها لبرهة قبل أن تساعد نفسها على الوقوف، ثم خرجت باحثة عن هاتفها وقامت بالإتصال على عليا التي أجابت بعد ثوانٍ:
_ صباح الخير يا لولو
بصوتٍ باكي حاولت إظهاره طبيعيًا قدر الإمكان وردت:
_ صباح النور..
ترددت كثيرًا في طلب منها فستانًا لكنها مضطرة إلى ذلك فقالت:
_ بقولك يا عليا، عندك فستان ينفع أخده منك النهاردة بس..
تفاجئت عليا بطلبها، ثم رددت بعفوية:
_ إيه دا أنتِ مجبتيش فستان، طب مقولتيش ليه كنا نزلنا سوا جـ..
قاطعتها ليلى بحرجٍ:
_ الظروف جت كدا بقى، لو مش عندك خلاص..
_ لا لا عندي طبعا، هقول لماما تطلعولك لأن أنا مشيت مع خلود روحنا للميك أب أرتست
قالتها عليا مسرعة فعلقت ليلى بإيجازٍ:
_ تمام
ثم أنهت عليا الإتصال وقامت بعمل مكالمة أخرى، وانتظرت حتى أجابتها والدتها فقالت:
_ ماما.. لو سمحت طلعي الفستان اللي أنا كنت هلبسه في الحنة لـ ليلى..
_ نعم؟ ودا ليه إن شاء الله؟
تساءلت هناء غير راضية عن عرضها، فاضطرت عليا إلى التوضيح:
_ مجابتش فستان تلبسه يا ماما، لو سمحتي طلعيه بسرعة..
بغير رضاء لإخراج ذلك الفستان هتفت هناء:
_ ما تاخد أي فستان من بتوعك اشمعنا دا يعني؟ دا لسه جديد وبتاع الحنة المفروض محدش يشوفها بيه قبلك
بإصرار تام أردفت عليا:
_ لأ أنا حابة إنها تلبس حاجة جديدة زينا كلنا، عشان خاطري طلعيه، لو عرفت أنك طلعتي حاجة تانية بجد هزعل
وافقت هناء تحت ضغطٍ منها، فأخذته هناء من الخزانة ثم صعدت إلى الطابق الكائن به شقة ليلى، قرعت الجرس ففتحت لها ليلى بعينين حمراوين لاحظتها هناء لكنها لم تود سؤالها لكي لا تخجلها.
ناولتها الفستان وقالت بنبرة ودودة:
_ اتفضلي يا ليلى، مش محتاجة حاجة تانية؟
نفت ليلى بحركة من رأسها وقالت باقتضاب:
_ شكرًا
فغادرت هناء، بينما تفقدت ليلى الفستان وتفاجئت عندما وجدته نفسه الذي اشترته عليا خصيصًا لـليلة الحناء خاصتها، وضعته بحذرٍ على الفراش ووقفت تطالعه وداخلها يرفض بشدة ارتداءه قبلها.
قطع عليه حبال أفكارها رنين الهاتف، فقامت بالإيجاب:
_ إيه يا عليا؟
_ ماما طلعت لك الفستان؟
تساءلت باهتمامٍ فقالت ليلى:
_ ايوا، بس أنا مش هلبسه، دا بتاع حنتك ولسه جديد وأنتِ المفروض أول واحدة تلبسه..
بنبرةٍ حاسمة لا تقبل النقاش هتفت عليا:
_ مفيش حاجة اسمها المفروض، أنا وأنتِ واحد ومش فارقة مين تلبسه أول واحدة، ليلى بجد هزعل أوي لو ملبستهوش..
بتردد شديد قالت:
_ بس..
قاطعتها عليا بإصرار:
_ والله هزعل..
أخذت ليلى نفسًا ولم تريد إحزانها فقبلت بارتداءه:
_ خلاص هلبسه..
_ طب احلفي..
أرادت عليا أخذ منها قسمًا حتى يطمئن قلبها؛ فأردفت ليلى بحسمٍ:
_ خلاص والله هلبسه..
أخفضت ليلى رأسها في حياء وأضافت ممتنة:
_ شكرًا يا عليا
_ شكرًا على إيه يا عبيطة أنتِ، ما قولنا إحنا واحد، يلا روحي جهزي نفسك عشان متتأخريش..
قالتها عليا مازحة ثم أنهت الإتصال لتقوم بدورها مع شقيقتها بينما أمسكت ليلى بالفستان ثم وضعته عليها ووقفت أمام المرآة تتفقده، فظهرت على وجهها ابتسامة فرحة عندما وجدته يليق على جسدها.
***
بعد غروب الشمس، وصل وليد الذي يرتدي حُلة كلاسيكية سوداء جعلته جذابًا وزادته وسامة إلى مركز التجميل الذي فيه خلود، دلف المكان فوجدها تقف في زاويةٍ لا تريده أن يراها.
فابتسم بخفة وتوجه نحوها لرؤياها فتفاجئ بها تدور حول نفسها لكي لا يراها فتوقف ثم هتف مازحًا:
_ إحنا هنلعب قط وفار كتير، أوقفي يابت أنا دوخت..
ضحكت خلود ثم التفتت إليه بكامل هيئتها التي ظهرت إليه بوضوحٍ، فشعر بقلبه ينبض بحيوية، تشكل على ثغره ابتسامة عذبة وهو يتفقد جمالها الهادئ الرقيق التي حرصت على الخروج بتلك الهيئة، وكذلك فستانها ذو اللون الكريمي الناعم الذي ينساب على جسدها كأنه خصص لها فقط، فأخذ وليد نفسًا وتغزل بجمالها:
_ إيه القمر دا؟
أخفضت خلود نظرها بحياء شديد وهي تبتسم بخفة، ثم تفقدت هيئته الوسيمة التي سرقت قلبها وتراقص الفؤاد لجماله الذي سيكون لها بمفردها وقالت بحياء:
_ وأنت كمان شكلك جميل..
ابتسم وليد بعذوبة وبصوتٍ رخيم قال وهو يُعطيها باقة الزهور:
_ اتفضلي..
أخذتها منه ثم تعلقت في ذراعه عندما مَدهُ لها وتحركا إلى الخارج ثم استقلا سيارة عبدالله الذي أصر على ركوبهما معه مثلما فعل مع زكريا لكن الفارق الآن أنها سيارته تعود إليه.
كانت هناك سيارتان تسير خلفهما إحداهما تضم بها عليا وحازم، والأخرى يقودها زكريا الذي قام بتأجيرها خصيصًا ليوم مميز كهذا.
بعد مرور مدة ليس قصيرة؛ وصلا إلى المنطقة خاصتهم فترجل الجميع ووقفا أمام السيارات ثم انضم إليهم بعض شباب المنطقة وكذلك بس الأطفال والجيران، أخرج وليد من الصندوق الخلفي للسيارة بعض الألعاب النارية والألعاب المضيئة ثم ناول صديقيه مثله وقاموا بإشعال النيران بهم فاتقدت شرارة حمراء قوية من فوهتها.
ملئت السماء بذلك الدخان الأحمر المُتطاير وهما يُلوحان بيدهم ويتراقصون على أنغام الأغاني الشعبية الصادرة من السيارات خاصتهم.
كان وقتًا ممتعمًا لهما معًا حيث أظهروا فرحتهم لوليد تلك الأثناء بتصرفاتٍ تلقائية مثل أن قاما زكريا بالإنحناء ليساعد عبدالله وليد على الجلوس أعلى كتفيه، وكذلك فعل عبدالله الذي جلس على كتفي حازم وبدأ يرقص مع وليد بمهارة واحترافية سعيدًا بخِطبة صديقه.
وبعد مدة انتهوا مما يفعلوه ثم صعدوا جميعهم إلى بيت العم محمد المُقام به الحفل، أخذ وليد مكانه الذي خُصص لهما، وتفقد الزحام الذي أمامه وردد مازحًا:
_ هنعمل الخطوبة على الضيق، هي فعلًا بقت على الضيق مفيش مكان حد يقف فيه
انفجرت خلود ضاحكة وهتفت سؤالها من بين ضحكها:
_ إيه اللي جاب الناس دي كلها هنا محدش قالهم حاجة
مال وليد قليلًا بقُرب أذنها وهو يُخبرها بصوتٍ منخفض حتى لا يقع على مسامع الآخرين:
_ يا بنتي الناس دول أهلنا وجاين يفرحوا لنا مش محتاجين عزومة
_ أيوا بس أنا حرانة أوي، مفيش هوى خالص
قالتها خلود وهي تُلوح بيدها أمام وجهها على أمل إيجاد الهواء، انضمت إليهما عليا التي أعطت خلود تلك المِروحة اليدوية المصنوعة من الورق وهتفت:
_ هوي على نفسك الجو صعب أوي..
أخذها منها وليد وقام هو بالتهوية على خلود التي ابتسمت بخجل فردد هو بعد أن غمزها:
_ أي خدمة..
فزدادت ابتسامتها خجلًا، على الجانب الآخر كان يقف زكريا وتجاوره ليلى التي إلتزمت الصمت، لم توجه إليه الكلام، فقط تقف ليكون مظهرهما لائق أمام الجميع، ثم انتبهت على رنين هاتفه ولهفته في الرد بإبتسامة عريضة قد تشكلت تلقائيًا على شفتيه عندما قرأ الإسم الذي يتوسط شاشة هاتفه.
شعرت ليلى بالريية وخصيصًا بعد انسحابه إلى الخارج، فلم تتردد وخرجت خلفه على الفور ربما تعلم من يكون المتصل، وجدته يُرسل بعض الكتابات ثم أعاد وضع الهاتف في جيبه ليعود فوجدها أمامه، صر زكريا أسنانه ولم يعطها وجه بل عاد إلى الداخل وانشغل بين الجميع دون أن يكترث لها.
بينما لم تكن هي مطمئنة لما يحدث، حتمًا هناك أمرًا غير أخلاقي يقوم به، نجح شيطان أفكارها في إدخال تلك الأفكار السيئة إلى عقلها فزادتها اختناقًا وغيرة وعزمت على معرفة الحقيقة.
انتهت الخِطبة بعد وقتٍ وقام الشباب بالخروج للتنزه بعدها؛ قضوا وقتًا ممتعًا حتى تأخر الوقت وعادوا جميعًا إلى البيت، صعدا وليد برفقة خلود وخلفها عليا التي تساند ليلى.
ولجت عليا إلى بيتهم وكذلك ليلى التي صعدت إلى بيتها تاركين خلود مع وليد بمفردهما بينما كان زكريا بالأسفل مع عبدالله يتسامر معه فيما هم مقبلون عليه.
_ كان يوم حلو أوي
قالتها خلود بسعادة فوافقها وليد الرأي قبل أن يتغزل بها:
_ أحلى مافيه أنتِ!
تلونت وجنتيها بالحمرة وهربت من عينيه اللذان يتطلعان بها، ثم انتبهت على سؤاله:
_ ها، هتلبسي النقاب امتى
نظرت إليه بعيون جاحظة وهي تردد بعدم تصديق:
_ قول والله!
ضحك وليد على حالتها وتحدث بنبرة جادة:
_ مش أمك كانت عايزة العريس وأنا وعدتك وقتها إني هقنعهالك، أديني جبت لك العريس ومعتش عندها موانع!
تذكرت خلود ذلك المساء الذي وعدها فيه بإقناع والدتها، لم يخطر ببالها لحظة أنه سيقوم بكل تلك الترتيبات من أجل أن ترتدي النقاب، لم تُفارق البسمة وجهها وسألته بفضولٍ:
_ بس أنت متأكد إنك عايزني ألبسه فعلًا الفترة دي؟
أكد وليد إصراره على ارتدائها له بقوله:
_ أيوا متأكد، أنا أصلًا من وقت ما سمعت إنك عايزة تلبسي النقاب حسيت بإحساس غريب وقتها، حسيت إني عايزك فعلًا تداري عن عيون الشباب ومحدش يشوفك غيري أنا، واحساسي دا وقتها اللي خلاني أفكر يا ترى ليه فكرت فيكي كدا بالشكل دا وفي الآخر عرفت..
أنهى جملته بإبتسامة عذبة، وقد رأى السعادة تشع من عينين خلود التي لا يسع قلبها السعادة، قفزت خلود عاليًا بفرحة عارمة وبتلقائية غير مُسبقة التفكير قامت باحتضانه مُظهرة مدى سعادتها بقراره.
تلك اللحظة، تفاجئ وليد بل وصعق من تلك التي اخترقت صدره وتعلقت في رقبته حتى تنعم بعناقٍ، اهتز داخله بشدة، وشعر بإضطراباتٍ غير مسبوقة لم تراوده من قبل.
كان مستسلمًا لتصرفها كأنه مغيب العقل، لكنه لم يبادلها العناق، فلقد استاء من تصرفها الأرعن المفاجئ، كانت يديه بعيدة عن جسدها وكذلك هو حاول التراجع حتى يضع مسافةً بين جسديهما.
تلك الأثناء؛ كان زكريا صاعدًا السُلم بعد أن ذهب عبدالله وتفاجيء بذلك الوضع الحميمي الذي يحدث أمام عينيه، فلم يتقبل رؤيتهما على ذلك الوضع وصاح بغضبٍ هز أرجاء البيت:
_ خلود!!
***
عاد عبدالله إلى بيت المزرعة، صف سيارته جانبًا وقبل أن يدخل إليه قام بتفقد البيت المجاور التي تسكن فيه صبا، وقف يشاهد نوافذ البيت على أمل رؤياها فوالله لقد فاض به الشوق.
كاد يدلف البيت لكنه تريث عندما وجد باب البيت المجاور يُفتح، وتفاجئ بخروج زينب برفقتها، إزداد قلبه خفقانًا باقترابها منه، اقتربت زينب منه برفقة صبا التي لم تبعد عينيها لثانية عن عينيه، فهناك لغة بين أعينهم قد خُلقت في الأيام الأخيرة، يتحاوران ويُبديان مدى اشتيقاهما لبعض دون حديث.
خرج عبدالله من شروده بها على صوت زينب المتحدثة:
_ عبدالله، صبا عايزة تتكلم معاك في موضوع..
لم يحرك عبدالله ساكنًا بل ظل يتطلع بها في إنتظار سماع ما تريد التحدث به معه، حمحمت صبا بعد أن أشاحت بصرها عنه بصعوبة وأردفت:
_ أنا عملت محضر النهاردة ضد حمادة!
ابتعلت ريقها لتواصل:
_ وطبعا الإجراءات القانونية محتاجة شهود على الحادثة..
تحشرج صوتها ولم تعد تستطيع مواصلة الكلام عندما تذكرت تلك الليلة حينما وقعت بين يدي عبدالله بعد ما حدث لها، جاهدت على إخراج كلماتها التي باتت أكثر صعوبة:
_ محتجاك تشهد معايا.. طبعًا مش هتكون لوحدك، طنط أحلام وكل اللي شافوني يومها محتاجاهم معايا..
اكتفى عبدالله بإيماءة من رأسه دون تعليق صوتي على الأمر، ثم انتبه ثلاثتهم على وصول سيارة قاسم وترافقه بها أحلام، تعجبا من وقوف ثلاثتهم معًا وتوجها إليهما فبادر قاسم بالحديث:
_ يارب دايمًا متجمعين في الخير..
أخفضت صبا رأسها في خجلاٍ بينما لم يُبعد عبدالله نظره عنها قط، فتولت زينب الكلام وأخبرته بحقيقة وقوفهم:
_ صبا بلغت عن حمادة، ومحتاجة عبدالله وماما يشهدوا معاها..
تدخلت أحلام معلقة:
_ طبعًا يا حبيبتي هنشهد، ربنا ينصرك يارب
اكتفت صبا ببسمةٍ باهتة ثم انتبهت على سؤال قاسم الجاد:
_ أنتِ وكلتي محامي يا صبا؟
رفعت عينيها في عينيه ونفت بحركة من رأسها قبل أن تجيبه:
_ لا لسه، أنا يدوب عملت محضر، إن شاء الله بكرة أدور على حد كويس
_ لا لا متتعبيش نفسك، مِتر صادق المحامي بتاعي هيتبنى قضيتك أنتِ وزينب عشان الكلب اللي اسمه حمادة ياخد جزاءه
قالها قاسم بحسمٍ للأمر بينما لمعت عيني صبا بامتنان كبير وشكرته على لطفه:
_ شكرًا جدًا يا عمي..
_ العفو يا دكتورة، أنتِ زي بنتي، زيك زي زينب بالظبط
قالها قاسم بتلقائية فنظرن إليه الفتاتان بحبٍ وامتنان لـ كلماته اللطيفة التي طيبت خاطر كلتاهن، ثم انضم إليهم عاصم الذي وصل للتو من عمله، التفتت صبا وتراجعت بِضع خُطوات لتترك له مجالًا للوقوف معهم فكانت قريبة للغاية من عبدالله الذي وصل إليه عبير رائحتها.
أسقط نظره على يدها الموضوعة خلف ظهرها وشعورًا لا إرادي قد قاده إلى لمس يدها، فحرك يده بقربها فلمس نعومتها التي قشعر بدنه أثره لمسته السريعة، على المقابل شعرت صبا وكان صاعقًا كهربائي قد صعق جسدها فجأة على الرغم من لمسته التي لم تكاد تشعر بها من خفتها.
لكنه لم يدرك ماذا فعل بها، الكثير من المشاعر والأسئلة والاضطرابات قد هاجموها فجأة، ولكن الأهم من بينهم، هل هو قاصدًا لمسته أم أنها حركة غير مرتب التخطيط لها؟
رمقته بطرف عينيها فوجدته ما زال مُثبتًا بصره عليها، فتسارعت نبضاتها وسرعان ما هربت من نظراته وحاولت إلهاء عقلها مع الجميع حتى لا تفتعل شيئا أحمق.
كان قاسم يتبادل الحديث مع عاصم عن انفصال ڤاليا وآدم حيث علق عاصم برأيه:
_ كل إحساس صعب مع الوقت بيقل... ربنا يكتب لهم الخير
ربت قاسم على كتف عاصم بامتنان لـ تفهمه، ثم وجه عاصم بصره على زينب الواقفة وقال بحماسة:
_ مفيش أكل النهاردة كمان يا شيف زينب ولا إيه؟
سؤاله كان محض انتباه الآخرين، حيث صُوبت الأنظار جميعها على زينب غير قادرين على فهم ما تفوه به عاصم للتو، بينما جحظت عينيها بصدمة عندما شعرت بمحاصرتها من الجميع الذين ينتظرون منها إجابة على سؤال عاصم المبهم
الفصل الثاني والثلاثون من هنا