تحميل رواية علي دروب الهوي بقلم تسنيم المرشدي pdf
بقلم تسنيم المرشدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
عَ دروب الهوى مَشّاني حبيبي عَ دروب الهوى مَشّاني وعَ كرم الهوى وَصَّلني حبيبي وعنقودو اسْتوى وناداني ناداني سوا سوا رحنا نمشي إيد بإيد والهَوا يْلَوّحنا متل العَناقيد غَمَرني بالهَنا وسَحَرني بالغِنا حتّى إسمي أنا نسّاني كان يقف على أطراف أصابعه ويمُدُ ذراعه للأعلى لتصل كلمات الأغنية إلى آذانها، انتظر قليل فقليلًا بعد، ثم انشرح ثغره بابتسامةٍ سعيدة حين فُتحت أبواب شُرفتها، وظهرت هي بطلتها الساحرة، التي تسرق قلبه بعد أن استمعت لصوت فيروز، تلفتت يمينًا ويسارًا تتفقد المكان من حولهما قبل أن تُسقِط...
رواية علي دروب الهوي الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم تسنيم المرشدي
آهٍ وألف آه على ذلك القلب الذي تحطَّم عِند نُطق لسانه بتلك الكلمة دون وعيٍ، كأنها تسرَّبت من جوفه دون إرادة، قالها دون إدراك، خرجت على غفلة اعترته.
أغمض زكريا عينيه ثم رفع ذراعيه للأعلى وقام بضرب رأسه براحتي يده ناعتًا نفسه:
_ ليه كدا؟ يا غبي ضيعتها من إيدك يا غبي
لم يكُف عن لكم رأسه حتى شعر بالألم لكنه لم يتوقف، كانت ليلى تقف مشدُوهة، تشعر بفراغٍ داخلها كأنها باتت خالية من المشاعر لحظتها، كانت تنظر إليه بعيون لامعة لا تقدر حتى على البُكاء.
توجه زكريا إلى الأريكة وألقى بجسده أعلاها بإهمالٍ، ثم حدَّق بالسقف برُؤى مشوشة، وعقلاٍ مُشتت لا يقدر على وزن الأمور في الوقت الحالي.
_ ارتحتي كدا يا ليلى، ارتحتي لما نطقتها، خِلصتي مني كدا؟!
تمتم بها بنبرةٍ مُنهكة مُثقلة بالهموم والأعباء، ثم لم يحرك ساكنًا وبات يُحدق بالسقف يعيش حزنه بداخله دون أن ينبُس بشيءٍ، بينما كانت الأخرى في حالة من الصدمة التي تملكتها.
لم يكُن في مِخيلتها بأن يراودها ذلك الألم والحُزن الذي عمَّ قلبها، مشاعرٍ مُتناقضة قد هاجمتها لحظتها، مزِيجٍ من الغضب والحسَّرة على ما وصلا إليه، كانت في الأمس تتمنى لحظة زواجهما، واليوم سعت للإنفصال بكامل إرادتها.
لم تستطع الوقوف مكانها لثانية أخرى وقامت بالركض نحو غرفتها، أغلقت الباب ووقفت خلفه مُستندة عليه تتطلع في الفراغ أمامها بضياع، ماذا تعيش؟ ما الذي أصرَّت عليه؟ أليس ذلك من تمنَّتُه يومًا؟
شعرت برجفة قوية في قلبها هزت كيانها، كان عقلها مُشوشًا لا يُدرك ما عليه الشعور به الآن، أتشعر بالسعادة لتخلصها من ذلك الخائن أم تعيش حزنها على حياتهما التي انتهت قبل أن تبدأ؟!
اجتاحها الغضب المُفاجئ والذي جعلها تهرول نحوه خزانتها ثم أسقطت حقيبة ضخمة وأخذت تحشر ملابسها في الحقيبة بتشنجٍ، ويدين ترتجفان، كأن كل قطعة بها ثقيلة على صدرها.
ثم توقفت فجأة، وشعرت بعدم حاجتها لفعل ذلك، هي غاضبة، تود إفراغ مشاعرها المُحتقنة، فقامت بتبديل ملابسها، ثم لَقِفت حقيبة يد ووضعت فيها بعض المحتويات المهمة وخرجت مهرولة تحت نظرات زكريا المُتابعة لها.
هب واقفًا وتوجه نحوها بِخُطى مهرولة مُتسائلًا بتلهفٍ:
_ أنتِ راحة فين؟ أنتِ عارفة الساعة كام؟
وقف زكريا مُشكلًا حاجزًا بينها وبين الباب فصرخت هي بانفعال:
_ ابعد لو سمحت، خليني أمشي..
_ الصبح ابقي اعملي اللي أنتِ عايزاه، لكن دلوقتي لأ
هتفها باندفاعٍ، فعاودت ليلى الصُراخ في وجهه:
_ قولتلك ابعد، خلاص ملكش كلمة عليا..
قالتها ثم حذرته وهي تضع إبهامهما في وجهه:
_ والله لو ما بعدت ما زكريا هصوت وألم البيت علينا!!
رفع زكريا حاجبيه للأعلى ثم انتصب في وقفته وبتحدٍ قال وهو يضع كلتى يديه في منتصف خصرِه:
_ لمي البيت يا ليلى، كدا كدا خربت، بس خروج من هنا دلوقتي مش هيحصل!
أغمضت ليلى عينيها مُحاوِلة كبح جِماح غضبها الذي ودَّت لو تفتك به ثم حذرته ثانيةً لكن تلك المرة بهدوءٍ:
_ لآخر مرة بقولك أبعد وخليني أمشي، والله العظيم لو اللي جوايا خرج ما هتعرف مين اللي قدامك..
_ اللي عندك إعمليه، بس مش هتخرجي برده من البيت في ساعة زي دي
كانت كلماته هادئة لكنها تحمل ثباتًا وإصرارًا على عدم خروجها، فتفاجئ بليلى التي خرجت عن طورها وانسدلت عليه ببعض الضربات المُبرِحة في صدره مُحاولة إبعاده عن الباب وهي تصيح عاليًا:
_ أنت عايز مني، مش اطلقنا، خلاص كل حاجة خلصت، سيبني في حالي بقى..
تلك الأثناء؛ انفلت زمامه وفاض به الكيل ثم انفجر غضبه عليها وهو يُمسكها من ذراعها وأخذ يهُزها بعنفٍ:
_ أنتِ بتعملي كدا ليه؟ مش دا اللي كنتي عايزاه، مش أنتِ اللي أصريتي تطلقي؟ مضايقة دلوقتي ليه؟
ليه يا ليلى، ليه؟
دفعته ليلى بعيدًا عنها بكل ما أوتيت من قوة، ونهرته بسخطٍ:
_ وأنت ما صدقت، كأنك كنت مستني اللحظة اللي هتخلص فيها مني..
ضربته بقوة في صدره وهي تهدُر بغيظٍ:
_ روح اجري على الهانم اللي كنت بتكلمها، المرة اللي فاتت كان كلام بس، المرة دي هيبقى لـ...
قاطعها زكريا بوضعه كفه على فمها مانعها من مواصلة حديثها الغبي، حدجها بعينين حمروين من فرط غضبه، وصاح من بين أسنانه المُتلاحمة:
_ بطلي قرف، بطلي تخيلاتك اللي بتوصلك للقذارة دي، مش للدرجة بقى، بطلي كلامك اللي زي السم دا، قولتلك عمرها ما كانت هتحصل ولا هيحصل دلوقتي حتى لو أنتِ مش في حياتي وقبل ما يكون عشانك فهو خوف من ربنا
أزاحت عنه يدها وقهقهت بسخريةٍ وعلقت بتهكمٍ:
_ ربنا؟ وأنت مخوفتش من ربنا ليه وأنت هاجِر مراتك الحامل ونايم في أوضة تانية وبتكلم عليها واحدة؟
بلاش تقول كلام مش لايق على الوضع!
_ أقسم بالله يا ليلى أنتِ بني آدمة غبية، وكلامك دا هتتحاسبي عليه، عشان أنا تعبت، مش عارف أعمل لك إيه عشان تفهمي إني بحبك أنتِ، اتنيلت وغِلطت وعرفت غلطي وندمان وبحاول أصلحه وأنتِ كل شوية ترجعينا لنقطة الصفر تاني..
قالها بثورةً هزت أرجاء البيت، دنا منها وأمسك ذراعها مرة أخرى وتابع غضبه الذي خرج على هيئة كلماتٍ أمام شفتيها التي ترتجفان:
_ دا أنا مقدرتش استنى زي أي واحد ليوم فرحه وقربت منك!
دفعها عنه مُضيفًا باسيتاء:
_ مروحتش ليه اترميت في حضن واحدة تانية طلاما أنا وحش كدا؟ على الأقل كان أسهل لي، وكنت لاقيت بدل الواحدة مليون، ودي شغلتهم، لكن أنا...
صمتَ من تِلقاء نفسه، ثم زفر أنفاسه المُضطربة وتمتمَ بِهدوءٍ عندما فهم ما يحدث:
_ أنا بدفع تمن الغلطة دي لغاية دلوقتي، ربنا عمىٰ عيوني عن أي حاجة حلال عشان استعجلت الحرام..
أولاها ظهره ومطَّ ذراعيه في الهواء وأفضى مافي داخله بضعف حِيلة:
_ بس حرام إزاي، دا أنتِ كنتي مراتي وقتها قدام ربنا والناس كلها!! ليه كل دا بيحصل بس؟
أعاد يديه إلى جِواره، فبكت ليلى بغزارة، ثم استغلت ابتعاده عن الباب ولَقِفَت حقيبتها ثم توجهت نحو الباب مُسرعة، فلحق بها زكريا وأمسك يدها فأدارت رأسها نحوه بينما أردف هو بصوتٍ مُتحشرج يملأه البكاء:
_ متمشيش يا ليلى..
سحبت يدها وقالت بجفاءٍ:
_ معتش فيه اللي يربطنا خلاص يا زكريا، إحنا من الأول مكناش شايفين العلامات اللي كانت بتعطل الجوازة، وكملنا ودي كانت النتيجة، كفاية لغاية كدا، أنا مش قادرة أتعافى من كل اللي فات..
ألقت عليه نظرة أخيرة ثم خرجت من البيت فتركها الآخر، لم يبرح مكانه، بل كان ينظر إلى الباب التي اختفت خلفه شاعرًا بغُربة داخلية، يتخبط بين الندم والغضب.
يكره نفسه الآمارة وأيضًا يكره إصرار ليلى على انفصالها عنه كأنها لم تعش معه لحظاتٍ تغفر له خطأه.
في الخارج؛ ترجلت ليلى السُلم سريعًا ودموعها لا تكف عن النزول، تلك الأثناء، كان والد زكريا عائدًا من عمله، فتقابل معها على الدرج، تعجب من هرولتها فتفقد المكان خلفها فلم يجد مُرافقًا لها.
فدعبَ الشك داخله، وما أكد له أن ثَمة أمرًا سيء قد حدث، عينيها التي كشفتها، وقف أمامها وتساءل بجدية:
_ في إيه يا بنتي مالك بتعيطي كدا ليه، ونازلة في ساعة زي دي لوحدك راحة فين؟
تجمَّدت ليلى أمامه، فلم تستطع إخباره من البداية، فكانت في وضعٍ مُذري لا يسمح لها بالتحدث، جاهدت على استعادة رُشدها ثم ردَّت على سؤاله:
_ رايحة بيت بابا يا عمي، أنا وزكريا اتطلقنا..
_ نعم؟! إيه التهريج دا؟ يعني إيه اطلقتوا؟
هتف دون استيعابٍ لذلك القرار المفاجيء، كان يتطلع بها بعيون جاحظة فنكست ليلى رأسها عندما لم تقدر على مواجهته وقالت:
_ اللي حصل.. عن إذنك
كادت تُغادره إلا أنه أوقفها بقوله:
_ استني بس أنتِ رايحة فين؟
دون أن تنظر إليه أجابته:
_ هقعد أعمل إيه؟
لوهلة جهل محمد حُسن التصرف؛ لكن داخله يأبى ذهابها وخصيصًا في ذلك الوقت المتأخر من الليل، ابتلع ريقه وحاول الإتيان بشيءٍ يُرغمها على البقاء دون أن يُظهر أنه قد أجبرها.
بعد لحظاتٍ، فتح فاهه عندما جاءه من الكلمات الحكيمة قدرًا ثم أردف بصوتٍ رزين:
_ مينفعش تسيبي بيتك في حالة طلاقكم دي، عندك ٣ شهور عِدة مينفعش تخرجي فيهم من بيتك وإلا هيكون عليكي ذنب، اطلعي يا بنتي بيتك الله يهدي بينكم ويصلح حالكم...
تفاجئت ليلى بكلامه، ونظرت إليه في تِيه ونُفور من عودتها، فأصر محمد قائلًا:
_ أنتِ مش معاكي موبايل وعليه نت، ادخلي ابحثي عن كلامي دا وهتلاقي إن مينفعش الست تسيب بيت جوزها وقت العِدة، دا كلام ربنا لازم يتنفذ!
رمقته طويلًا بصدمة لحديثه ثم تمتمت بصوتٍ بالكاد سمعه بعد أن تفكيرٍ لمدة:
_ بس أنا مش هقدر أرجع فوق تاني..
قام محمد بمسك يدها لِيُرغمها على التحرك قبل أن يُردف:
_ تعالي وأنا هطلعك بنفسي..
عاودت ليلى الصعود مُجددًا، لم يكن محمد في حاجة لقرع الجرس، فكان الباب مفتوحًا، ولج بِخُطاه فتفاجئت ليلى بوقوف زكريا مكانه دون تحركٍ.
نكست رأسها فلم تتحلى بالشجاعة على مواجهته بعد عودتها وهي المغادرة، بينما تحدث محمد بنبرة ثابتة رغم غضبه الذي يتأجج داخله:
_ ادخلي يا بنتي أوضتك، وزي ما قولت، عندك عِدة ٣ شهور مينفعش تخرجي من بيتك غير بعدها...
انسحبت ليلى تجُر قدميها بخيبة أمل حتى بلغت غرفتها فقامت بغلق الباب خلفه، بينما عاود محمد نظره إلى زكريا وعنَّفه من بين أسنانه بعصبية بالغة:
_ أنت تغلط وتطلق كمان؟ يا بجاحتك والله!
يعني بدل ما تسايس أمورك وتصلح غلطك، تقوم تصلح الغلط بغلط أكبر؟
بالله مين هيقبلك غيرها؟
دا إحنا حتى مبقيناش عارفين نبص في خِلقتك بعد عملِتك، البنت دي لو ضاعت من إيدك صدقني لا أنا أبوك ولا أنا أعرفك، عشان كدا كتير بجد، أنت مجبور إنك تخليها تسامحك
مجبور تتشقلب كدا وتخليها ترضى عنك تاني، قدامك ٣ شهور تحل مشكلتك فيها وترجعها لذمتك تاني، وإلا وقتها هيكون ليا كلام تاني معاك!
أولاه ظهره عندما انتهى حديثه، لكنه تريث قبل مُغادرته ثم أدار رأسه ثانيةً وأضاف بأمرٍ:
_ وأه، ياريت محدش يعرف عشان محدش يأثر على قراركم، وغير إن اختك كتب كتابها كمان يومين ومش عايزين نعكنن عليها..
أغلق الباب خلفه وغادر، بينما كان ينظر زكريا إلى الباب بعيون لامعة وكأنما تكالبت عليه دُنياه، يقف مقهورًا مُشتت، يشعر بالضغط وفاقد القدرة على حُسن التدبير..
وأخيرًا حرك قدميه عن الأرضية، وعاود إلى الأريكة ثم تمدد أعلاها وقام بوضع ذراعه أسفل رأسه مُحدقًا بالسقف بِقلة حِيلة لكثرة المصائب الذي وقع فيها ولا يستطيع التصرف.
في الداخل؛ جلست ليلى على طرف الفراش تتطلع أمامها بجهلٍ لما هي مُقبلة عليه، كانت تشعر بأن يديها مُكبلتان ولا يُمكنها فِعل شيءٍ، فأخذت تِفكر ما الذي عليها فِعله في الأيام القادمة وكيفية التعامل بعد ذلك الوضع.
***
بينما كان يتأكد أن كل شيءٍ على ما يرام في المكان قبل ذهابه؛ تفاجي بمجيء أحد الشباب الذي جهل هويته، فسأله بجدية:
_ اتفضل، حضرتك محتاج حاجة؟
ابتسم الشاب بعملية وهتف سؤاله:
_ حضرتك أستاذ عبدالله القاضي؟
أماء عبدالله بتأكيدٍ ثم أردف:
_ ايوا، أنا، أؤمرني.
أعطاه الشاب عُلبة ورقية مُزينة ثم أوضح ماهي:
_ كل سنة وحضرتك طيب، التورتة دي جاية ليك..
تفاجئ عبدالله بكلامه، وأطال النظر به ثم تفقد التقويم في هاتفه فوجد أن اليوم عيد مولده، فعاد ببصره على الشاب وقام بأخذ العُلبة منه مُتسائلًا بفضولٍ:
_ مين اللي باعتها؟
رفع الشاب كتفيه قبل أن يوضح:
_ لا مش عارف والله يا فندم، أنا مجرد دليفري
هز عبدالله رأسه بتفهم ثم قام بإخراج بعض الورقات النقدية من جيبه وأعطاها للشاب الذي رفض:
_ حسابي وصل يا فندم، شكرًا لحضرتك
فأصر الآخر على أخذه للنقود:
_ دي مني أنا، بمناسبة عيد ميلادي
ابتسم الشاب ببشاشة ثم شكره مُمتنًا وهو يلتقط النقود:
_ شكرًا مرة تانية، وكل سنة وحضرتك طيب
_ وأنت طيب
أنهى بها عبدالله الحوار بينهما ثم انسحب الشاب إلى الخارج، فتطلع عبدالله في عُلبة الكعك وهو في حيرة من أمره، يا تُرى من أرسلها إليه، خرج من حيرته على قرقرة بطنه، فرفع عبدالله حاجبه الأيسر وهو يُحادث معدته:
_ أنتِ لحقتي تعرفي إن فيها آكل!!
ثم فتح العُلبة فظهرت معالم الكيك، فتقوس ثغر عبدالله تلقائيًا عندما وجدها كعكة على جوز الهند المفضلة لديه، فلم يكن بحاجة للإطالة في التفكير
عمن أرسلها، فهو تذكر المرات التي قد جاءته تلك الكعكة يوم مولده.
أخرج تنهيدة قبل أن يُردد:
_ صبا..
ثم تقوس ثغره للجانب مُشكلًا ابتسامة فرحة يُخالطها الألم لأن الهدية ناقصة اليوم، أخذ نفسًا زفره على مهلٍ وبدأ في تناولها حتى امتلأت معدته وشعر بالشبع فأعاد غلق العُلبة ثم أغلق المكان واستقل سيارته وكاد يغادر.
لكنه تريث لِيُفكر قبل أن يتحرك ما الذي يريد فِعله، سحب هاتفه من أمامه وفتح المُحادثة بينه وبين صبا، مرَّ الكثير وهو لا يدري ماذا يُرسِل، أخرج تنهيدة طويلة ثم أغلق الهاتف دون أن يُرسِل شيئًا، ثم دعس على البنزين ليشغل محرك السيارة وهو واقعًا في حيرة داخلية.
وفجأة لم يواصل إشعال المحرك وأمسك هاتفه ثانيةً ودون تفكيرٍ قام بإرسال رسالته المُبهمة:
" آدام الله علينا تلك العادة، وزادنا من فضله عطيَّة مزيدة"
أغلق الهاتف ووضعه جانبًا وقام بالتحرُك من المكان عائدًا إلى البيت.
في مكانٍ بعيد؛ حيث غرفة صبا التي تقف في شرفة غرفتها الصغيرة، مُمسكة بالهاتف بعد أن أخبرها العامل بوصول الكعكة، لا تدري ما الذي تنتظره، لكنها كانت تتمنى أي شيء يؤكد لها بأن عبدالله قد علم أنها المُرِسلة.
أغمضت عينيها شاعِرة بنبضاتها القوية التي يتردد صداها في صدرها، محتضنة الهاتف بيدها داعية بألا تَمُر الليلة هباءً، وتلقى ما يَسُر نفسها، وماهي إلا ثوانٍ حتى اهتز هاتفها من بين يديها فازداد خفقان قلبها مُتلهفة لرؤية الرسالة.
تفقدت مُحتواها وقرأتها مِرارًا تؤكد لعقلها أن حدسها مما لمسته من بين الكلمات قد أصاب، لمِعت عينيها ولم تكُف عن إعادة القراءة حتى ابتهجت نفسها وانفرج ثغرها تبسُمًا بسعادة أسرت قلبها.
نعود إلى عبدالله الذي وصل للتو؛ ترجل من السيارة ومعه عُلبة الكيك، تفاجئ بجلوس والدته على الأرجوحة التي تتوسط الحديقة، فمشى بِخُطىٌ ثابتة نحوها مُتسائلًا باسيتاء:
_ أنتِ قاعدة لوحدك في وقت متأخر كدا ليه؟
وما أن قالها حتى وقعت عينيه على قاسم الذي يقف خلف الحائط الزجاجي يُراقب الوضع ثم أشار إليه بأن كل شيءٍ على ما يرام فاطمئن قلب عبدالله، ثم انتبه على لهفة أحلام التي هتفت:
_ تعالى يا عبدالله، اقعد جنبي..
إلتوت شفتي عبدالله بسعادةٍ عارمة عندما تذكرته، وأسرع في الجلوس جوارها مُرددًا بلهفة:
_ إيه يا حبيبتي.. وحشتيني يا ماما
التفت إليه أحلام كطِفلاٍ يريد الثرثرة وقالت:
_ عارف، ماما امبارح عملت لي كيكة فيها كريمة وجوز هند، كانت حلوة أوي، وأنا قولت لها هقول لكل صحابي عليها عشان كانت حلوة
أطال عبدالله النظر بها لكنه لم يترك مجالًا للحزن أن يُسيطر عليه، هذا أمر الله وما عليه سوى الإحتساب، أغمض عينيه لبُرهة يستعيد رونقه ثم جذب العُلبة من أمامه وقام بفتحها وقال:
_ كيكة جوز زي ما أنتِ بتحبيها، الف هنا
جحظت عيونها بصدمة تحولت إلى سعادة بالغة، مالت على وجنت عبدالله وقامت بتقبيله فانشرح صدره وقال بصوته الرخيم وهو يُشير إلى قاسم:
_ إيه رأيك نجيب بابا ياكل معانا، بدل ما يقعد يبص لنا وبطننا توجعنا..
وجهت أحلام نظرها حيث يُشير عبدالله وطالت في تفكيرها حتى قالت بقبولٍ:
_ ماشي..
فابتسم عبدالله وتوجه إلى أبيه الذي استقبله بِترحاب:
_ تعالى، أحلام رضت عنك وهتاكل معانا تورتة عيد ميلادي
اتسعت عيني قاسم وهو يُردد متفاجئًا:
_ إيه دا، النهاردة عيد ميلادك!!
دنا منه قاسم وقام بمعانقته، وأردف مُهنئًا إياه في يوم مولده:
_ كل سنة وأنت طيب يا حبيبي، ربنا يرزقك طول العمر والبركة في أيامك الجاية
آمن عبدالله على دعاء والده ثم تراجع قاسم للخلف وقال:
_ طب يلا نحتفل يا حبيبي..
بحث عبدالله بعينيه فى الأرجاء حوله قبل أن يتساءل باهتمامٍ:
_ زينب فين؟
_ زينب نايمة من فترة..
أخبره قاسم فأصر عبدالله على إيقاظها مُعللًا:
_ طيب ممكن تجيب أنت الأطباق والشوك على ما أصحيها، حابب نكون مع بعض في يوم زي دا، الله أعلم أحلام هترضى عننا تاني امتى
_ خير ما هتعمل يا عُبد، يلا روح صحيها
هتفها قاسم ثم اتجه كليهما إلى مكانٍ مختلف، وبعد قليل؛ تجمع أربعتهم سويًا وقاموا بالغناء لعبدالله فكان وقتًا لطيفًا قد ضمدت عثرات وبثت الطمأنينة بعد اضطراباتٍ وخوفٍ قد عاشوها في الآونة الأخيرة.
وبعد قليل؛ تساءلت أحلام وعينيها على الكيك:
_ مين اللي جايب التورتة الجميلة دي؟
ردَّ عبدالله على سؤالها بِترحابٍ:
_ حد بحبه أوي عارف إني بحبها فجابهالي..
ابتسمت في وجهه وأردفت:
_ وأنا كمان عندي حب بحبه..
مالت على أذن عبدالله وأخبرته عن حبيبها ظنًا أنها تهمس بصوتٍ منخفض لكن الجميع قد سمعوها بوضوحٍ:
_ اسمه قاسم!
اتسعت عيني عبدالله مُتصنعًا دهشته قبل أن يوجه بصره على قاسم الذي عادت إليه حيويته ثم غمزه عبدالله بمشاكسة:
_ يا بخته قاسم دا بِحُبك والله...
تدخل قاسم تلك الأثناء وقال وهو يأمرهم بالإبتعاد برأسه الذي يُشير بها باتجاه الباب:
_ طب يلا يا جماعة خليكم لُطاف وسيبوني مع حبيبتي شوية..
نهض عبدالله أولًا وهتف مُمازحًا:
_ ماشي يا عمنا، الله يسهلوا
ثم رافق زينب إلى البيت، بينما اقترب قاسم من أحلام وأحاط كتفها بذراعه فلم تنفر منه، بل استكانت فتحدث قاسم:
_ إيه رأيك نلف العالم دا كله؟
_ نروح فين؟
تساءلت بفضولٍ فقال هو:
_ هنروح في كل مكان، مش هنسيب مكان واحد مش هنروحه، موافقة؟
أماءت بقبولٍ، فشعر قاسم بالسعادة تَدُق طُبول قلبه، ثم سحبها برفقٍ إلى حضنه فلم تُمانع الأخرى، فكان قاسم في غاية سعادته لأنها لم ترفضه تلك المرة.
***
في اليوم التالي؛ في وقت الظهيرة، كان وليد مصطحبًا خلود وزوجة عمه ووالدته، ليقوموا بشراء كل ما يخُص عقد القِرآن، حيث ذهبوا أولًا إلى متجر الأزياء.
جلست هناء ورافقتها عزة بينهما كانا وليد وخلود
يتفقدا الفساتين، إلى أن حضرت عليا وانضمت إليهما، كانت خلود تنتقل من ارتداء فستانًا والآخر بسعادة تنتهي برفضٍ من وليد الذي علل:
_ كلهم ضيقين، مفيش حاجة منفوشة ولا كلهم بالمنظر دا
_ أكيد فيه يا فندم، بس حضرتك مقولتوش طلبكم من الأول وأنا كنت ساعدتكم من البداية..
قالتها العاملة التي تقف في المكان، فردَّ وليد:
_ العيب عندنا، اعذرينا، عايزين حاجة واسعة بلاش شغل الرقاصين دا
تفاجئ الجميع برده، فلكزته خلود في ذراعه وهمست بعيون مُتسعة:
_ إيه اللي أنت بتقوله دا؟
اتسعت عيني وليد أيضًا وهو يهُز رأسه ويُردد:
_ مقولتش حاجة غلط أنا..
ازدادت خلود حُنقًا من إصراره، بينما تدخلت عليا ناهية ما يحدث عندما وجَّهت حديثها إلى الفتاة:
_تعالي وريني الاستايلات المنفوشة
تعمَّدت عليا التعلُّق في ذِراع الفتاة، لِتُرغمها على الإبتعاد عن وليد ليأخُذ راحته في التعبير، فصاح الآخر بنفاذ صبر من نظرات خلود المشتعلة:
_ في إيه؟ إيه بصات الساحرة الشريرة دي!
تأففت خلود بضجرٍ بائن وتمتمت بغيظ:
_ خليك ألطف من كدا، وكلامك يكون ذوق مع الناس، إيه شغل رقاصين دا؟!
_ ماهو شغل رقاصات فعلًا، مش شايفة المنظر إزاي؟
قال آخر كلماته وهو يُشير إلى الفساتين المُعلقة، فحركت خلود رأسها باستياء ثم تركته وتوجهت بِخُطاها حيث اتجهتا عليا والفتاة، فقلب وليد عينيه وتمتم بينه بين نفسه:
_ مش عارف إيه اللي يزعل في كلامي..
أدار رأسه وتفقد الفساتين للمرة الأخيرة قبل أن يُردف بإصرارٍ:
_ والله شغل رقاصات وعالي كمان!
أنهاها ثم لحِق بخلود، وما أن وقع بصره على الفساتين الواسعة حتى هلل عاليًا:
_ أيوا كدا، دي الفساتين ولا بلاش..
نظر إلى العاملة الشابة وأضاف بنبرة رخيمة:
_ دا إيه الجمال والحلاوة دي، مش كنتي تجبينا هنا من بدري..
بابتسامة عملية ردَّت:
_ ما أنا قولت لحضرتك يا فندم، أنتوا محددتوش
محتاجين أنهي شكل، تايبست ولا منفوش
_ طب ورينا الأشكال..
أردفها وليد فبدأت الفتاة تُعرض الفساتين المتاحة، تحت إعجابٍ من الثلاثة، انتقت خلود من بينهم واحدًا كان رقيق المظهر باللون الأبيض ذو اتساعٍ لا بأس به.
ارتدته وخرجت فهلل وليد بإعجابٍ ساحق:
_ جمال ودلال.. دا أنا يا بختي والله
فاجئها غزله أمام الجميع، فنكست خلود رأسها في استيحاءٍ، تلك الأثناء انتبهت خلود على يد عليا التي أمسكت يدها فجأة، ناهيك عن شعورها بتلك الرجفة التي سرت فجأة في يد عليا، فتفقدت خلود معالم وجهها الذي قد شحب لونه فتساءلت بقلقٍ:
_ في إيه مالك؟
وضعت عليا يدها الأخرى على جبينها وردَّت وهي مُغمضة العينين:
_ مش عارفة دوخت، تقريبًا ضغطي واطي، بقالي كام يوم بيحصلي الموضوع دا..
_ طيب تعالي اقعدي..
قالتها خلود وساعدتها على السير حتى وصلن إلى هناء التي أسرعت نحو ابنتيها مُتسائلة بريبة:
_ مالك يا عليا؟
تولت خلود الرد على سؤال والدتها:
_ دايخة، بتقول ضغطها واطي
ساعدتها هناء على الجلوس مُرددة:
_ طب اقعدي يا حبيبتي، لازم تاكلي حوادق عشان ضغطك يتظبط..
رفعت عزة رأسها ونظرت إلى وليد قبل أن تُوجه حديثها إليه:
_ روح يا وليد هات لها أي حاجة حادقة تاكلها..
بعدم استيعاب تساءل:
_ حوادق زي إيه مش فاهم؟ شيبسي بالملح يعني؟
نظرن إليه في استنكارٍ، فتغلغل الحرج داخل وليد الذي رفع كتفيه وقال:
_ إيه؟ بالشطة؟
انفجرت عليا ضاحكة فسببت حالة من الضحك بينهم، ثم هتفت من بين ضحكها:
_ حوادق زي مخلل مثلًا، بس أنا بقيت تمام يعني شكرًا يا أستاذ وليد على المساعدة..
ببسمةٍ بلهاء قال:
_ على الرحب يا بنت عمي
هزت خلود رأسها مُستنكرة قبل أن تهتف مازحة:
_ الله يستر عليا لو حصلي حاجة بعد الجواز، على ما يفهم أكون مت.. أنا بقول أعيد نظر في الموضوع دا، أنا مش بايعة صِحتي
تجهمت تعابير وليد وردد بضيقٍ سيطر على نبرته من خلف كلماتها:
_ واللَّهِ؟!
شعرت خلود بالحرج من أسلوبه الجاف، الذي عكس ضيقه من كلماتها، كادت تؤكد له مُزحتها لكنه أسبق بالحديث وقال:
_ يلا شوفي هتاخدي إيه، عشان نكمل بقيت الحاجة، ورايا شغل
رمقته خلود بعيون لامعة لا تصدق أنه حقًا قد اتخذ موقفًا من خلف مُزاحٍ، كادت تبكي حرجًا ممن حولها لكنها جاهدت نفسها وانسحبت من بين الجميع حتى ابتعدت عنهم، فتَبِعها وليد لينهي الأمر سريعًا، فاستغلت هي وقوفهما بمفردهما وحاولت تبرير موقفها:
_ أنا كنت بهزر على فكرة..
_ أنا حسيت بتقليل من كلامك يا خلود..
هتفها مُبديًا ضِيقه، ففرت دمعة من مقلتيها وهي تُردد بصوتٍ يُهدد بالبُكاء:
_ وليد..
كان نطقها لإسمه بمثابة فرصة أخيرة له بأن يتراجع عن ذلك الوحه الذي يتلبسه، فتفاجئ وليد بحالتها التي باتت عليها في لمح البصر، أغمض عينيه وشدَّ ملامحه ثم زفر أنفاسه وعاود النظر إليها مُجددًا وقال بصوتٍ هادئ خاليًا من التَشنُّج:
_ خلاص يا خلود يلا كملي، ورانا لسه حاجات كتير هنجيبها..
دنت منه حتى باتت قريبة للغاية ورفعت رأسها مُتفقدة ملامحه وبرقةٍ مُبالغة همست سؤالها:
_ يعني مش زعلان مني؟
تفاجئ وليد بِقُربها منه حتى أنه تأثر بها، اهتز وجدانه واجتاحه مشاعرٍ في ميل النفس لها، ابتعد خُطوة ليمنع تلك المشاعر عن الشعور بها وقال:
_ مش زعلان، يلا بقى أصل..
_ إيه؟
صمت فتساءلت مُتلهفة، فتابع الآخر بابتسامةٍ عذبة ماكرة:
_ هقولك كمان يومين
عبست خلود وأصرَّت على معرفة ما يود قوله:
_ أوف قول بقى..
_ والله ما ينفع دلوقتي
هتفها ضاحكًا، فتأففت بحنقٍ ثم أولته ظهرها وغادرت من أمامه وهي تضرب الأرض بغيظٍ فقهقه وليد على تصرُفها ثم حاول ضبط هوى نفسه الذي مال وهمس لنفسه مُستنكرًا:
_ فيه إيه ياعم ما تهدى كدا..
ضرب صدره بخفة ليُعيد إليه رشده ثم انتظر حتى انتهت خلود من اختيار أحد الفساتين، فتوجه إلى المُحاسب ليدفع ثمن الفستان، خرج من المتجر ثم نظر إلى خلود وقال:
_ تعالي معايا، هنجيب حاجة..
عقدت ما بين حاجبيها وتساءلت بفضولٍ:
_ حاجة إيه؟
_ تعالي بس..
قالها وأسبق خُطاه فلحِقت به تحت نظرات الأُخريات المُتعجبات من هرولتهما، وقفن مكانهن يُتابعن دخولهما أحد المتاجر التي تجاور متجر الأزياء.
_ إحنا جاين هنا نعمل إيه؟
تساءلت وهي تتفقد معالم المتجر، بينما تحدث وليد مباشرة إلى العاملة التي استقبلتهم بحفاوة:
_ اتفضلوا يا فندم..
_ لو سمحتي محتاجين نقاب وخمار أبيض يليقوا على فستان كتب كتاب!
وقعت كلماته على أذني خلود فجعلتها تُحدج به دون استيعابٍ وتصديق لما سمعته، خرجت من حالتها ورددت مذهولة:
_ أنت قولت نقاب؟!
غمزها وليد وهي يبتسم بجاذبية ثم هتف:
_ آه هيتلبس يوم كتب الكتاب، عشان يبقى أنا الراجل الوحيد اللي مسموح لي أشوف الوش القمر دا..
ازدادت ضحكاتها بهجةً، وهللت غير مُصدقة:
_ قول والله إنك مبتهزرش
_ الود ودي كنت خرجتك من هنا وأنتِ لابساه، بس أنا كدا هكون عاقِبت نفسي إني مشوفكيش يومين بحالهم
أردفهم وليد بنبرةٍ هائمة وهو يُسبل عينيه، فعضت خلود على شفاها شاعِرة بحُبٍ تِجاهه لم يُراودها ذلك الكم من قبل.
ثم انتبها كليهما على عودة الفتاة وهي تُردف:
_ النقاب والخمار، حاجة تاني يا فندم؟
نظرت إليها خلود ثم أخبرتها ببعض المُكملات التي هي بحاجة إليها بعد أخذ تلك الخُطوة، ثم خرجا من المتجر فهرولت خلود نحو العائلة رافعة ذراعيها للأعلى وهي تهتُف بحماسٍ وحيوية:
_ اشتريت نقاب!
وقفت أمام والدتها وبتحدٍ أردفت وهي تُشير بيدها على وليد ثم إلى النقاب:
_ وأدي العريس، وأدي النقاب
ثم دارت حول نفسها بسعادةٍ عارمة وهي تُدندن عاليًا:
_ و اخيرًا اتجوزت ومعدش نقصنى حاجه، محدش له كلمه عليا ولا حد له عندى حاجه
فأسرع وليد في إيقافها مُستاءً مما تفعله:
_ أنتِ بتعملي إيه إحنا في الشارع!!
فتدخلت هناء مُعلقة بغيظٍ:
_ لما نشوف ابوكي رأيه في الكلام دا!
جحظت عيني خلود بدهشة، تجمَّدت قدميها وهتفت متوسلة إياها:
_ لا لا بابا إيه اللي يعرف، قلبك أبيض يا هنوءة، وبعدين دي مجرد اغنية، هتاخدي على كلام العيال برده؟
لكزها وليد في كتفها قبل أن يهتُف بثقة:
_ أنتِ جبتي ورا في ثانية كدا ليه؟ على العموم كلها يومين وتبقي حرم وليد الششتاوي وأعلمك متخافيش من حد خالص
رفعت هناء حاجبيها وهدرت بحنقٍ:
_ واللَّهِ بجد يا سي وليد؟ أنت هتقويها على أبوها وأمها، دا اللي ناقص!!
قهقه وليد وهتف مُمازحًا:
_ لا مش موضوع بقويها عليكم، بس على رأي خلود محدش هيبقى له عندنا حاجة
تشدقت هناء وعقّبت مُستاءة:
_ أنتِ محسسني إنها هتروح معاك على البيت، دي لسه في بيتنا يا حبيبي..
رفع وليد إصبعه للأعلى شارِحًا الوضع بثقة وثبات:
_ بنتك هتبقى مراتي قدام ربنا والناس، يعني موضوع إنها تروح معايا البيت دا أمر حتمي بس مؤجل..
قلبت هناء عينيها بازدراء لثقته المبالغة، ثم انتبهت على عليا التي هتفت بتعبٍ:
_ ممكن نتحرك بقى يا جماعة، أنا مش حاسة نفسي كويسة..
بقلقٍ يشوبه الخوف هتفت هناء:
_ أنتِ قلقتيني، لازم تكشفي وتطمني على نفسك..
_ إن شاء الله، بس دلوقتي نمشي
قالتها عليا فتحرك الجميع ناحية السيارة التي استعارها وليد، ثم تحرك إلى الوجهة التالية لينهوا جميع مشترياتهم.
***
داخل الشركة؛ حيث وقت الراحة، خرج عاصم من مكتبه بهيئة شامخة وطلَّة جذابة، توقفت قدميه عند زينب ثم أخذ يشُم رائحة المكان وسألها مستفسرًا:
_ إيه الريحة دي يا زينب؟
نهضت زينب فجأة وحاولت شم الهواء لتصل إلى الرائحة الذي يتساءل عنها قبل أن تُبدي جهلها بما يقصد:
_ حضرتك قصدك أي ريحة؟
عاود عاصم شم الهواء ليتأكد من تلك الرائحة التي تغلغلت داخل أنفه وهتف:
_ ريحة حاجة حلوة.. حلويات مثلًا
الأن قد سلَّط لزينب الضوء على حقيقة الرائحة فقالت وهي تتناول شيئًا من حقيبتها:
_ حضرتك أكيد تقصد دا، لأنه الوحيد اللي معايا
_ إيه دا؟
سألها بلهفة وهو يُشير بعينه وإصبعه، فأجابت دون تفكير:
_ دا قرع عسلي...
وما كادت تُخبره حتى صاح عاصم عاليًا:
_ قرع عسلي في مكتبي!! بتهزري
شعرت زينب بالريبة والقلق حيال طريقته، ونظرت إليه بتوجسٍ كما لو أنها افتعلت أمر فادح، فصاح عاصم عاليًا وهو يُلوح بيده كمن يطلب شيئًا:
_ اعطيني بسرعة، أنتِ عارفة أنا بقالي كام سنة مكلتش قرع عسلي؟
تقريبًا آخر مرة وانا عندي عشر سنين!
تفاجئت زينب بحديثه، لكن الراحة قد غمرتها حينها، ثم انحنت بجسدجا وقامت بفتح العُلبة وأعطتها له مع مِلعقةٍ، فسحب عاصم كرسي من جواره وجلس مقابلها ثم تذوق المِلعقة الأولى، فأُغمِضت عيناه تلقائيًا من شِدة استمتاعه، وابتسم مُعبرًا عن إعجابه بها ثم تمتم:
_ الطعم حكاية!
أعاد فتح عينيه ونظر إلى زينب بعيون مفتونة وأضاف:
_ لا بجد عاش يا زينب، أحييكي على الطعم عشان خطير
ارتسمت ابتسامة مُمتنة خجُولة على شفاه زينب التي رددت:
_ شكرًا لحضرتك، ألف هنا
فعاود عاصم تناول الحُلو وكلما تذوق مِلعقة أشدى باعجابه الشديد بطعمها، حتى فرغ فقال:
_ أنا عايز من الطبق مرة في الأسبوع
ثم غمزها وتابع مازِحًا:
_ هزود لك المرتب عشان خاطر الطبق دا
اكتفت زينب بابتسامة هادئة ثم سحبت منديلًا ورقيًا من أعلى مكتبها وقامت بمد يدها نحوه موضحة:
_ بوق حضرتك محتاج يتمسح..
نظر عاصم إلى يديه المتسخة وقال بعفوية:
_ امسحيه أنتِ، ايدي مش نضيفة
دُهِشت زينب من طلبه، وأطالت النظر به لبُرهة فحثَّها عاصم على فِعلها:
_ يلا قبل ما حد يجي وأنا بالمنظر دا، مش هيكون لطيف..
ابتلعت ريقها ثم أقربت يدها من وجهه وقامت بمسح فمه جيدًا تحت خجلاٍ صريح منها، كانت مواجهة عينيه التي سببت إرباكها، انتهت ثم ألقت المنديل المتسخ في صندوق القمامة الموضوع أسفل المكتب.
فنهض عاصم مُباشرةً وشكرها وهو يغمزها:
_ الغدا النهاردة عليا، اطلبي لك أي أكل بما إني أكلت لك الحلو بتاعك..
رفضت زينب عرضه بحرجٍ:
_ لا مش مستاهلة..
رمقها عاصم بطرف عينيه قبل أن يلومها:
_ لا أنتِ كدا مش هتخليني أكل منك حاجة تاني، وأنا بصراحة مش هقدر..
_ أنا بجد مش جعانة ومكنتش هطلب أكل..
قالتها زينب مؤكدة فأردف الآخر بصوتٍ رخيم:
_ عمومًا أي وقت تحبي تطلبي الحساب عليا
غمزها مرة آخرى ثم غادرها فتفاجئ بوقوف ڤاليا على مقربةٍ منهما، تقف عاقدة ذراعيها أعلى صدرها، فاقترب بِخُطاه منها وتساءل بريبة من أمر وقوفها على ذلك الوضع الغريب:
_ مالك واقفة كدا ليه؟
أعادت ڤاليا يديها إلى جوارها ثم أشارت بعينيها حيث زينب وأردفت متسائلة:
_ هو إيه اللي بيحصل بالظبط؟
نظر حيث تُشير ثم عاد إليها وقال بعدم فَهم لما ترمي إليه:
_ هو إيه اللي بيحصل، تقصدي إيه؟
رفعت ڤاليا حاجبها الأيسر قبل أن تخبره بما تقصده:
_ الكلام والقُرب لزينب، وكمان بتخليها تمسح لك بوقك؟! مش غريبة دي؟
قلب عاصم عينيه مستاءً من تفكيرها، وهدر بتهكمٍ وهو يرفع كفوفه أمام عينيها:
_ ايدي مش نضيفة فطلبت منها تمسح لي بوقي، أكيد مش همشي كدا في الشركة يعني!!
دون تصديق لمحاولة تبريره الضعيفة هتفت:
_ وهو عادي كدا إن السكرتيرة يكون لها صلاحية إنها تمسح لك بوقك بالمنديل يا باشمهندس؟
اجتاح عاصم الضيق من خلف اتهاماتها المنبعثة، فخرجت نبرته متشنجنة وهو يرُد عليها:
_ محبتش الطريقة دي منك ولا تفكيرك، عشان واصل لحتة بعيدة ومش حلوة..
أنهى جُملته وتركها وغادر، فتملك منها الخجل وفرت هاربة إلى مكتبها، بينما ولج عاصم إلى المرحاض وفتح صنبور المياه ليغسل يديه، رفع رأسه ورمق صورته المنعسكة وكلمات ڤاليا تتردد في ذهنه، ثم هز رأسه طارِدًا تلك الأفكار من عقله وخرج باحثًا عن شيءٍ يفعله حتى انتهاء وقت الراحة.
***
استيقظ زكريا ولاحظ أنه لم يبرح الأريكة منذ البارحة، يجهل متى راوده النُعاس، فلقد كان غريقًا بين أفكاره وعذاب ضميره لتطليقه ليلى، اعتدل في جلوسه فشعر بألمٍ حول فكه لكن الفم نفسه كان به تنميلًا، ناهيك عن ذلك الوخز الذي ينبض بقوة في تلك المنطقة.
رفع يده وحاول عمل تدليك لمنطقة فَكِه ربما إثر نومه عليها لكنه لم يشعر بالتحسُن، فلم يُعطي للأمر أهمية عندما استمع إلى قرع الجرس، نهض بتعبٍ شعر به في ثائر جسده، وتابع خُطاه حتى وقف أمام الباب وقام بفتحه.
فإذا بها هناء من تقف أمامه، ابتسمت بخزيٍ وألقت التحية:
_ صباح الخير..
اكتفى زكريا بهزة من رأسه ثم عاد إلى مِقعده، فولجت هناء باحثة بعينها عن ليلى، وعندما لم تجدها جلست أمامه وقالت:
_ أومال ليلى فين، لسه نايمة؟
_ مش عارف..
نطق بصعوبة من خلف ذلك الألم الذي يشعر به، حتى انتبهت هناء على تدليكه لمنطقه فمه باستمرار، وكذلك كان يضغط على أعصاب الطرف الأيسر من الوجه فتوجست خيفة في نفسها وسألته بقلقٍ:
_ مالك، أنت تعبان ولا إيه؟
_ أنا كويس..
اكتفى بقولها فلم تقتنع هناء بتلك الإجابة، اقتربت منه وأصرَّت على معرفة مابه:
_ يعني إيه كويس؟ أنت مش شايف وشك عامل إزاي؟ وعينك دم، أنت موضوع العصب الخامس دا رجع لك تاني ولا إيه؟
_ شكله كدا..
كانت إجابته باردة مختصرة أثارت استفزاز هناء التي صاحت:
_ أنت مالك واخد الموضوع ببساطة كدا ليه؟
ثم تأففت وضربت بيدها على قدميها مُنفعلة:
_ أقول إيه واعاتب مين؟ وأنت السبب في اللي أنت فيه دا، حد يعمل يعمل عمايلك دي يا زكريا؟!
لم يتحمل زكريا سماع المزيد من اللوم، واندفع بها غاضبًا:
_ والله العظيم ما مستحمل تقطيم، كفاية بقى كفاية..
قالها ثم هب واقفًا وغادر المنزل على الفور تحت نظراتها المُتابعة له بحسرة لحاله، نهضت لتغادر لكنها تريثت ثم توجهت ناحية باب الغرفة وقامت بالطرق عليه ثم عرَّفت عن هويتها:
_ أنا هناء يا ليلى، ممكن نتكلم..
ثوانٍ قليلة وقامت ليلى بفتح الباب، فتفاجئت هناء بتورم جفنيها حتمًا كانت تبكي طوال الليل لتصل إلى ذلك الوضع، قامت ليلى بالدخول مرةً أخرى فتَبِعتها هناء ثم جاورتها على طرف الفراش وقالت:
_ أول الكلام أنا آسفة على كل كلمة أو أسلوب مكنش كويس معاكي..
نهضت هناء ودنت منها ثم انحنت بجسدها وقامت بتقبيل رأسها قبل أن تُضيف بندمٍ:
_ حقك عليا يابنتي، والله العظيم أنتِ ما تعرفي العذاب اللي أنا فيه من وقت اللي حصل..
أنا شايلة ذنب كل حاجة على اكتافي ومحدش حاسس بيا، وبرجع أقول لازم استحمل عشان أنا كنت سبب كبير..
نكست رأسها وفركت أصابع يدها ثم تابعت مُسترسلة:
_ أنا عارفة إن اللي عمله زكريا ميتغفرش بسهولة، ومش أي واحدة تقدر تتغاضى عنه وخصوصًا لو كانت طيبة وبنت حلال زيك ومفيش حاجة تعيبها، بس الإنسان خطَّاء وأنا عمري ما شوفت زكريا ندمان كدا
أعادت رفع رأسها فتقابلت مع عيني ليلى وأضافت:
_ من وهو صغير كان صعب يعترف بغلطه وكلمة آسف مكنتش بتخرج غير للشديد القوي، لكن اللي أنا شيفاه دلوقتي غير كدا خالص، ودا معناه إنه عرف غلطه وندمان عليها، والأهم من كل دا إنه بيحبك وإلا مكنش حاول كل المحاولات دي عشان تسامحيه..
مسحت ليلى عبراتها التي انهمرت رغمًا عنها وقالت سؤالها بِثباتٍ ونبرة قوية:
_ لو حازم أو وليد هما اللي عملوا كدا في بناتك دا برده هيكون رد فعلك؟
تفاجئت هناء بسؤالها، ولم تطيل في التفكير بل أجابت في الحال:
_ لو شايفة ندم وتوبة الشخص وإنه ملهوف على زعل بنتي وإنه يرضيها هقولها استحملي وإعطيه فرصة، بس تربيه..
قطبت ليلى جبينها بعدم فهم فأوضحت هناء مخزى كلامها:
_ أيوا يا ليلى ربيه، شوفي الحاجات اللي كان بيحبها وكانت أهم حاجة عنده واعمليها قدام عينه وميكنش طايلها منك، كأنك بتسويه على نهار هادية لغاية ما يقول حقي برقبتي ويفضل يستسمحك لغاية ما يندم بدل المرة عشرة ويفكر ١٠٠ مرة قبل ما يغلط تاني
أخفضت ليلى رأسها في حسرة وأردفت بنبرةٍ هزمها الحُزن:
_ فات الأوان خلاص، أنا وزكريا اتطلقنا امبارح..
صعقت هناء كمن صعقها البرق، رمقتها بعيون جاحظة وصاحت عاليٍا:
_ ليه يا بنتي الخراب دا بس؟
لم تستطع ليلى مُواجهتها لحظتها واكتفت بترديد:
_ أنا طلبت وهو نفذ، أنا أصلًا كنت راجعة بيت بابا امبارح وعمي محمد شافني ورجعني، قالي لازم أقضي العِدة في بيتي عشان ميقعش عليا ذنب، لولا كدا مكنتش استنيت هنا لحظة واحدة، كل حاجة انتهت خلاص
_ بالله عليكي متقوليش كدا يا بنتي، بلاش الكلام دا، وعمك محمد زين ما عمل إنه رجعك، وزي ماهو قالك نص الكلام أنا هكمل لك النص التاني اللي هو أكيد مقدرش يقوله في وشك، لكن إحنا ستات زي بعض وواجب عليا أعرَّفِك..
هتفتها هناء بجدية فنظرت إليها ليلى وعلامات الاستفهام تشكلت على تقاسيمها، فأخبرتها هناء مواصلة:
_ في فترة العِدة، الست لازم تلبس أحلى حاجة عندها، وتتزين وتكون على سنجة عشرة، ودا بيقرب الود بينهم تاني..
كادت ليلى تُعارض كلامها وما تودها أن تفعله لكن لم تُعطيها هناء فرصة للحديث وتابعت هي:
_ ودا بالظبط اللي قصدي عليه، دي فرصتك إنك تربيه وميبقاش عليكي ذنب واحد، خليه يتجنن عليكي ويعرف إنه ضيع جوهرة من إيده،
خليه يعرف قيمتك أكتر وأكتر وإنه من غيرك ناقص ومش قادر يعيش إلا بيكي..
احتضنت هناء يدها وأصرَّت على فِعل ليلى لتلك الحِيل:
_ إعملي كل اللي نفسك كنتي تعمليه ومش قادرة وهو مش هيقدر يِلُومك، بالعكس هو هيبلع لك الزلط عشان ترضي عنه..
رققت هناء من نبرتها التي مالت إلى التوسل:
_ لكن بلاش تسبيه عشان خاطري ليلى، لاجل كل لحظة حلوة شوفتيها معانا حتى لو مش كتير بس بلاش تخربي البيت، الواد زكريا بيحبك، وزعلان على اللي بيحصل دا، ودي حاجة انا أُجزم لك عليها..
زكريا من وهو صغير كان وقت ما حاجة تزعله جامد كان بيجيله حاجة اسمها العصب الخامس، ودا عبارة عن تنميل في الوش ووجع صعب مكنش بيقدر يتكلم منه..
وأنا داخلة عليه دلوقتي كان على نفس الوضع دا، وهو مهما غِلط في الآخر ابني ومش قادرة أشوفه تعبان كدا..
حاولي يا ليلى تستغلي الفرصة بس المهم متسيبهوش!
لم تنبُس ليلى بحرفٍ، بل إن زكريا كان شاغلها الأساسي، تألمت لأجل مرضه، لكنها جاهدت بألا تُفكر به تلك الأثناء لكي لا تتأثر وتضعف وتتخذ قرارًا غير صائب تندم عليه لاحقًا.
تركت هناء يدها برفق، ثم نهضت وقالت آخر ما لديها وهي تربُت على كتف ليلى:
_ ربنا يصلح بينكم يارب..
ثم انسحبت بهدوءٍ إلى الخارج تاركة ليلى غارقة بين أفكارها التي شتت قراراتها وفشلت في حُسن التصرف لحظتها.
***
مر يومان؛ وحان موعد عقد القِرآن لطالما انتظره وليد بفروغ صبرٍ، وقف أمام مِرآته يتفقد هيئته الجذابة، حيث كان يرتدي بنطالًا كستنائي فاتح يعلُوه قميصًا أبيض، يفصل بينهما حِزامًا بُنيّ يتماشى لونه مع لون الحِذاء.
كانت خُصلاته مُرتبة بعد أن صفف شعره عند الحلاق فضاعف وسامته، خرج من الغرفة فقابلته والدته التي ارتسمت الإبتسامة تلقائيًا على وجهها فور رؤياه، دمعت عينيها متأثرة وقالت:
_ ربنا يحميك يا حبيبي ويتمم لكم على خير يارب
_ اللهم آمين يا حبيبتي
آمن على دعائها بصوتٍ رخيم ثم قبَّل يدها بحنانٍ وأردف:
_ يلا ننزل عشان المأذون على وصول..
غادرا المنزل وترجلا حيث الطابق الكائن به شقة عمِه، لم يكونا بحاجة لقرع الجرس فكان الباب مفتوحًا يستقبل الزُوار، دلف وليد بقامته الطويلة وهيئته الساحِرة فجذب العيون حوله، ثم ارتفعت بعض الزغاريد من بعض صديقات خلود.
كان ترحيب حافل من قِبل الجميع له، وقف وليد عند الباب لاستقبال ضيوفه لكن عينيه كانت تُسرِق نظرةً من آن لآخر على باب غرفة خلود لربما يُمتع عينيه برؤياها.
في الطابق الثالث؛ حيث شقة زكريا، خرجت ليلى من المرحاض مُحاوطة جسدِها بمنشفةٍ قصيرة تعمَّدت ذلك بعد تفكيرٍ في نصيحة هناء لها، وشعرت أنها بحاجة ماسة لتجعله يعيش عذابًا من نوع خاص، وإما النهاية تكون انفصالهما أو توطيد علاقتهما بشكلٍ أقوى.
خرج زكريا من الغرفة أثناء دخولها فارتطم بجسدها، كادت تسقط ليلى إثر اختلال توازنها، لكنه قد منع وقوعها بِمُحاوطته خصرِها بيده، فباتت حبيسة بين ذراعه وصدره.
اجتاح كليهما مشاعرٍ حميمية لحظتها، مشاعرٍ لم يعيشاها منذ فترة، قطعت ليلى تلك اللحظة بتراجُعها للخلف، لم تقدر على مُواجهة عينيه فهربت بنظرها بعيدًا عنه، بينما حمحم زكريا وهتف باقتضاب:
_ ياريت تلبسي بسرعة عشان ننزل..
مرّت من جانبه وهي ترُد على كلامه بجفاء:
_ انزل أنت، أنا هلبس وانزل لوحدي..
صرَّ الآخر أسنانه وتحلى ببعض الهدوء ثم أردف:
_ لا هننزل مع بعض، هستناكي برا متتأخريش..
قالها ثم التفت بجسده مُختلسًا نظرةً على مظهرها الذي حرك غرائزه، فانتبهت عليه ليلى ولم تتردد في غلق الباب في وجهه، فابتلع زكريا ريقه وتوجه نحو الأريكة في انتظار انتهائها.
بينما وقفت هي في حيرة أمام الخِزانة، ماذا ترتدي؟ حتى وقعت عينيها على فُستانًا جهلت معالمه، فلم يكن هنا من قبل، أخرجته وأخذت تتفقده بعيون واسعة مذهولة، فلقد كانت تسأل عن سعره منذ أيامٍ وهي تتصفح الإنترنت.
وجَّهت عينيها تلقائيًا باتجاه الباب وعلمت أنه قد رأى تعليقها وهو من أحضره لها، مشاعرٍ مضطربة قد هاجمتها تلك اللحظة، كادت تُعيده إلى الخِزانة وترتدي غيره، لكن داخلها أخبرها بأن ترتديه، فهو جديدًا ومُناسبًا لحضور عقد القِرآن.
دقائق قليلة وقد انتهت، ثم خرجت من الغرفة وعينيها رافضة النظر إليه حتى لا ترى شعور الإنتصار في عينيه بسبب عدم تقديم اعتراضٍ واحد لارتداء ذلك الفستان.
في الجِهة المُقابلة، تفاجئ زكريا بطلَّتِها الفريدة، لن ينكر أنه لم يتوقع رؤيته عليها دون جِدالٍ، اقترب بِخُطاه منها وعلَّق وهو يقوم بفتح الباب:
_ لايق عليكي..
لم ترد، بل التزمت الصمت، فلم يُعيد زكريا حديثه وفضل الإكتفاء بذلك القدر الآن حتى لا يتعكر صفوهما اليوم، ترجلا الدرج حتى وصلا إلى ذقة والديه فتفاجئ زكريا بهذا الكم الحاضر.
أوصل ليلى إلى عائلته ثم ذهب للوقوف إلى جانب وليد وعبدالله الذي وصل للتو، مرَّت بِضع دقائق حتى حضر المأذون، فقام وليد بتوجيهه إلى الطاولة المُزينة بالورود البيضاء التي صُنِعت خِصيصًا لتلك المناسبة.
ثم وقف وصوَّب عينيه على ذلك الباب الذي فُتح، وخرجت منه تلك الهالة البيضاء، الذي لم يظهر منها سوى عينيها، كانت في غاية الجمال والروعة في زِييها الجديد، لقد أخفى النقاب جمال وجهها لكنه أضاف سحرًا خاص لمن يراها به.
كانت تسير خلود برفقة والدها، وقد لاحظت وجوه الحاضرين المُتفاجئة بطلَّتِها، وصل محمد إلى وليد وقال بامتنانٍ:
_ والله يا بني أنت كل شوية بتأكد لي إنك راجل، أنا اتفاجئت بيها لابسة النقاب ومتعرفش الفرحة اللي حسيت بيها وقتها..
ابتسم له وليد بامتنانٍ يُخالطه بعض الخجل، ثم نظر إلى خلود وأبدى إعجابه الشديد بها:
_ مش قولتلك أنا يا بختي واللَّه..
انحنى قُرب أُذنها وهمس:
_ وما خفى كان أعظم..
ابتسمت بسمةٍ خجُولة لم يراها لكنه أحس بها من خلال عينيها التي ضاقت، ثم أفسح لها وليد المجال للمرور والجلوس على كُرسيها، وكذلك جلس هو، كانت يديه قريبة للغاية ليد خلود المُتوترة، بينما توسط المأذون كلًا من وليد وعمِه، وبدأ يتلو خطبة النكاح وقد عقد وليد يده مع عمه، وبدأ يُردد صِيغة العقد خلف المأذون.
لحظاتٍ معدودة ويغدوا منتقلًا من العزوبة إلى الزوجية، يا لها من لحظاتٍ مهيبة، كيف لكلماتٍ بسيطة كتلك أن توصف بالميثاق الغليظ، كان قلبيهما يخفق بقوة من فرط الحماسة والتوتر المتدفق في الأدرينالين كأن قلبيهما صار مُحركًا لا يهدأ.
انتهى المأذون من مراسم العقد بترديده:
_ " بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير"
وما أن أنهاها حتى احتضن وليد يد خلود من أسفل الطاولة وشدَّ عليها ثم نظر في عينيها وكأنه يُخبرها بأنها باتت مِلكه الآن، خرجا من حالتهما على مُباركة الجميع لهما، كانا يتلقيا التهنيئات ويديهما لا تفترقان عن بعض.
وصل عبدالله أمام وليد بعد أن اجتاز الحضور بصعوبة، وقام بمعانقته مُرددًا:
_ مبروك يا حبيبي..
بادله وليد العِناق الحار وأحاط ظهره بيدٍ واحدة والأخرى ما زالت مُمسِكة بيد خلود ولا يتركها، ألقى عبدالله نظرةً على يد صديقه وغمزه مشاكسًا:
_ الله يسلهوا يا سيدي، ربنا يكتبها علينا
رفع وليد رأسه للأعلى وآمن على حديثه:
_ يارب يا عبدالله والله، هتبقى هي دي الفرحة الحقيقية
بادله عبدالله نظرات مُمتنة ثم انسحب تارِكًا مساحة للجميع أن يباركوا لهما، وبعد مرور وقتٍ كافٍ كان قد انسحب الحضور تدريجيًا حتى بات المكان خاليًا إلا من العائلة.
وقفت عليا ونظرت إلى الجميع قبل أن تهتف بحماسٍ:
_ يلا ناخد سيلفي بمناسبة إننا كلنا متجمعين..
وقف الجميع في صفوفٍ متساوية، بينما وقفت عليا بمفردها في الأمام، ثم رفعت الهاتف مُتصنعة إلتقاط صورة لهم، ودون أن يشعُر من حولها قامت بسحب اختبارًا من حقيبتها ثم أدارت الكاميرا حتى تُسجل رد فعلهم، وبصوتٍ مُتحمس هتفت:
_ أنا حامل!
حينما أفصحت لهم عليا عن خبر حملها، عمّت الدهشة وجوه الجميع، ثم انفرجت شفاهم بابتساماتٍ عريضة، وامتلأت عيونهم بدموع الفرح، وتعانقت القلوب قبل الأيدي.
كانت هناء أول من هرولت نحوها وضمَّتها بفرحة عارمة:
_ والله كان قلبي حاسس، ربنا يكملك على خير يا نن عيني
ثم تهافت عليها الجميع مُعانقين إياها بسعادةٍ أسرت قلوبهم إلا من حازم الذي تجمد مكانه حتى تحولت النظرات عليه ثم قهقه البعض على حالته، بينما وقفت عليا أمامه ولوَّحت بيدها أمام وجهه لتجذب انتباهه:
_ إيه يا زومي، أنت ساكت كدا ليه؟
خرج حازم من صدمته لكنه كان ضائعًا لا يُصدق ذلك الخبر المُفاجئ ودون حديثٍ قام بجذبها إلى حضنه هاتفًا بفرحة ظاهرة في صوته:
_ مبروك يا روح قلبي..
أبعدها عنه وتفقد معالم وجهها وسألها للتأكيد:
_ حامل بجد والله؟!
دمِعت عيني عليا وابتسمت وهي تومئ برأسها مؤكدة، فأعادها إلى حضنه مرة أخرى، تأثر الجميع من خلف رد فِعله، خِصيصًا تلك المُتألمة في صمتٍ.
ألا وهي ليلى التي لمس قلبها ذلك التصرف لطالما تمنت عيشه بذلك الحماس والفرحة، لكنها لم تناله... فرت دمعة من مقلتيها أسرعت في مسحها تحت نظرات زكريا الذي لم يرفع بصره عنها حينما أفصحت عليا عن خبر حملها، فعاش معها ألمًا مُضاعف لأنه سببًا فيما تعيشه الآن.
حمحمت ليلى ووجهت حديثها إلى عليا خافية حُزنها خلف نبرتها المفعمة بالسرور:
_ مبروك يا لولو، ربنا يتمم لك على خير يارب
_ الله يبارك فيكي يا ليلى...
قالتها عليا مُمتنة، ثم استأذنت ليلى وغادرت المكان سريعًا فانسحب زكريا أيضًا ولحِق بها، بينما انسحبت عليا وزوجها ليحتفلا في الخارج بذلك الخبر السار.
بات المكان فارغًا إلا من وليد وخلود ووالديها، ابتلعت خلود ريقها وقالت:
_ هدخل أغير الفستان وراجعة..
أماء وليد بالقبول، ثم توجهت هناء إلى المطبخ لتقوم بتحضير الطعام التي أعدته باكرًا، بينما دعى محمد وليد إلى غرفة الضيوف:
_ تعالى يا وليد لما نقعد جوا، المكان هنا مكركب..
تَبِع وليد عمِه الذي استمع إلى همهماتٍ خافتة خلفه فالتفت برأسه فوجدها خلود تُشير إليه بأن يذهب إليها، فتوجه محمد مباشرةً نحوها فقالت هي على استحياء عند دخوله الغرفة بلطفٍ:
_ تسمح لي يا بابا أخرج بشعري؟
أخذ محمد يُفكر قليلًا قبل أن يُعطيها إجابة:
_ ضروري يعني؟
عضَّت خلود شفاها قبل أن تُردف بعد أن أخفضت رأسها:
_ اللي حضرتك تشوفه..
ابتسم محمد لخجلها، ولم يُطيل حتى لا يُضاعفه وقال بحسمٍ:
_ ماشي ياستي اخرجي بشعرك، بس الوضع كما هو عليه، مفيش أي تعدي حدود، مش كدا برده؟
تفاجئت خلود بقوله وأسرعت في إثبات نيتها:
_ أيوا طبعا، حضرتك متقلقش..
ارتسمت ابتسامة راضية على محياه ثم ربتَّ على كتفها وقال:
_ يلا اخرجي، متسيبش الواد لوحده
اكتفت خلود بابتسامة خجِلة ثم مرَّت بجوار أبيها وتوجهت إلى غرفة الضيوف، وقفت أمام الباب مُترددة للظهور أمامه بهيئتها الجديدة، شهيقًا وزفيرًا فعلت ثم خطَّت أولى خُطُواتها إلى الداخل، فوجدته مُنشغلا في هاتفه.
فأطلقت بعض الهمهمات الخافتة حتى انتبه عليها، رفع وليد رأسه مُتَفاجئًا بتلك الطلَّة التي خفق لها القلب بعنفٍ، إلتوى ثغره للجانب مُشكلًا ابتسامةٍ عذبة وهو يتفحص كل أنشٍ بها.
بدايةً من خُصلاتها المُحَررة التي تنسدل بعضًا منها على وجهها إلى فستانها الذي يُظهِر ذراعيها وجُزءًا من ساقيها الذي يُحيطها خلخالًا، نهض عن مكانه واقترب منها، أخذ يُحدق بها بعينين يفيض منهم العشق، فخرجت كلماته العذبة واصفًا جمالها بُعباراتٍ حالمة:
_ دا طلع ما خفى عظيم أوي أوي أوي
كانت خلود تستمتع إليه بقلبٍ أسير، تبتسم خجلًا من غزله، بينما لم يكتفي وليد بذلك القدر، فلقد قطف زهرةً من باقة الزهور الذي اشتراها لها خِصيصًا وقام بدسها بين خُصلاته مُصرحًا:
_ الوردة مكانها هنا مع وردة جميلة زيها!!
عضَّت الأخرى على شفاها وبرقةٍ مُبالغة تحدثت:
_ إيه الكلام الحلو دا، أنا مش عارفة أرد
_ مش لازم تردي، بس تعالي هنا يا حرامية..
هتفها بهجومٍ فضاقت خلود بعينيها عليه وتساءلت بجدية:
_ حرامية؟ سرقت منك إيه إن شاء الله؟
أمسك يدها ثم وضعها على يسار صدره وأجابها هامسًا بِهُيامٍ:
_ سرقتي قلبي!!
قالها ثم رفع يدها بِقُرب فمه، ثم طبع قُبلةً حارة داخل كفها وصرَّح بمشاعره:
_ بحبك
_ وأنا كمان بحبك..
همستها بتلعثمٍ وعيون تتهرب من نظراته، ووجنتين تتوردان كزهرة نبتت على استحياء، فأثارت رغبة وليد لعيش مشاعرٍ أخرى معها، قابل تردُدٍ كان يمنعه من الإقتراب منها للحفاظ على عهده مع عمِه.
لكن عِناقًا لن يَضُر، رفع ذراعيه ثم أحاط بهما خصرِها، وبهدوءٍ شديد قام بجذبها إلى صدره المُحترق، فازداد لهيبًا بِقُربها، ثم دفن وليد رأسه بين خُصلات شعرها فتفاجئت خلود بتصرفه المتهور.
سرت رجفة قوية إثر عناقه في ثائر بدنها شعر بها وليد فشدَّ على ظهرها يود لو بإمكانه وضعِها داخل قلبه والإغلاق عليها حتى لا يذهب عنه ذلك الشعور الرائع بقربها.
خلود!!
صدح صوت هناء فجأةً و.....
الفصل الثالث والاربعون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم تسنيم المرشدي
خفق قلبيهما بذُعرٍ، لكن من كان لها النصيب الأكبر من الخوف هي خلود؛ التي دفعت وليد عنها ورمقته بعينين يترنح فيهما الرعب، ثم ابتلعت ريقها والتفت بجسدها فوجدت والدتها تقف على باب الغرفة من الخارج.
تآملت بألا تكون رآتهما وإلا لن يمُر الأمر مِرار الكِرام، توجهت بخُطواتٍ مُثَقلة إلى خارج، وحدجت والدتها طويلًا ربما تستشف من خلف تعابيرها ما أن رآتهما أم لا.
كانت هناء جامدة، باردة، أعطتها الطعام دون تعقيب لا بالخير لا حتى الشر، فضاعفت الخوف داخل خلود، التي تناولت منها الصينية وفرت إلى الداخل عندما لم تقدر على مواجهتها لوقتٍ أكثر.
وضعت الصينية على الطاولة بيدين ترتجفان، ثم استقامت في وقفتها ورفعت رأسها قليلًا حيث يقف وليد قبل أن تردف بحالة من الهلع الذي سيطر على خلاياها:
_ أنا حاسة إنها شافتنا..
ثم تحسست يسار صدرها حيث موضع قلبها براحة يدها المرتجفة وأضافت بصوتٍ مُتلعثم:
_ أنا قلبي هيقف والله..
رفعت كِلتى يديها أمام وجه وليد المُتابع لها واسترسلت برعبٍ:
_ بص إيدي، والله حاسة إن هيجرالي حاجة من كتر الخوف..
تدخل وليد محاولًا تهدئة روعها خشية أن يصيبها الخوف بمكروهٍ، أمسك يديها وشد عليهما، ثم قال:
_ اقعدي واهدي..
قامت خلود بالجلوس وكذلك فعل وليد الذي أضاف بنبرة هادئة ربما يستطع امتصاص ذلك التوتر:
_ خلود خلينا واقعين، مرات عمي لو كانت شافتنا
أظن مكنتش هتبقى هادية كدا، كان زمان البيت دا مقلوب علينا دلوقتي، ولا نسيتي المرة اللي فاتت؟
نظرت إليه كمن مغلوبٌ على أمره، وأعادت ترديد الكلمات خاصته في عقلها مرارًا حتى يهدأ قلبها، لكنها لم تنجح في ذلك بنسبة كبيرة فنظرات والدتها كانت مريبة:
_ بس دي كانت بتبص لي بصَات غريبة أوي، كأنها بتلومني أو مستنية نكون لوحدنا وتعرَّفني إنها شافتني..
قالتها فلم يُعطي لها وليد فرصة للتفكير حيث هتف مستنكرًا:
_ وحتى يعني؟
ثم قام برفع إبهامه أمام عينيها مواصلًا بثباتٍ:
_ أنتِ مراتي على فكرة! وهي لو فاهمة في شرع ربنا هتعرف إن أي لمسة بينا مش حرام!
قاطعته خلود بنبرة متوترة:
_ بس عيب!
_ الحرام قبل العيب، وطلاما اللي حصل مش حرام يبقى مش عيب..
هتفها على أمل أن يتبخر خوفها، لكنها أبت ورددت:
_ بس مينفعش يحصل.. بص مهما حاولت تهديني مش هتعرف..
_ والعمل؟
تساءل وليد بجدية، فرفعت خلود كتفيها إلى الأعلى قبل أن تردد:
_ مش عارفة..
صمت وليد للحظات قبل أن تقع عينيه على الطعام، فحاول إلهاء عقلها في شيءٍ آخر حيث أردف بنبرة رخيمة:
_ طب أنا جعان، هناكل ولا أنتِ راسمة تاكلي الأكل لوحدك بعد ما أمشي..
تفقدت خلود الطعام ثم قالت وهي تُقرب منه الصينية:
_ لا أبدًا، كُل.. ألف هنا
_ هو إيه اللي كُل ألف هنا؟ هو أنتِ مش هتاكلي؟
تساءل مُستفسرًا فرمقته خلود لبعض الوقت قبل تُجيبه بترددٍ:
_ هو أنا لو قولت مش قادرة آكل هكون سخيفة صح؟
_ آه وهقوم أمشي كمان، خلود متبوظيش اليوم على أوهام في دماغك، أنا متاكد إنها ملاحظتش حاجة حتى، والدليل إنها دلوقتي قاعدة برا بكل هدوء معملتش أي شوشرة، هو أنا برده اللي هعرفك قلبِة مرات عمي؟
هتف كلماته بنفاذ صبر، مُتمنيًا بألا تُطيل، وكما تمنى فعلت هي، تصنعت لامبالاتها وأخفت خوفها داخلها حتى لا تفسد رونق الليلة، زفرت أنفاسها لتُخرج الطاقة السلبية الي سيطرت عليها مع خروج أنفاسها.
مالت شفتيها للجانب وشكلت بسمةً رقيقة تُشبه رِقة ملامح وجهها، ثم قالت وهي تُشير إلى الطعام:
_ خلاص مفيش حاجة، يلا ناكل
بادلها وليد الإبتسام وهلل:
_ أيوا كدا، هناء مش هتنط لي في كل حاجة وتبوظها، حرام بجد!
رمقته خلود بنظراتٍ مُندهشة لكلماته الجريئة ورددت:
_ هناء؟!
انفجرت ضاحكة وقالت وهي تحاول السيطرة على ضحكها:
_ طب كُل وبلاش كلام عنها عشان متوترش تاني..
دنا وليد من الطعام وأردف:
_ لا وعلى إيه تتوتري تاني، يلا ناكل، بسم الله
كاد يتناول لكنه تريث ونظر إلى أصابع يدها، ثم رفع رأسه رامقًا عينيها قبل أن يُردف بخبثٍ:
_ ما تدلعيني يا خلود وتأكليني من الصوابع الحلوين دي؟
حدجته بعيون مُتسعة غير مُصدقة طلبه، أطالت النظر به دون استيعاب لذلك التحول الجذري فهزَ وليد رأسه قبل أن يطرح سؤاله:
_ إيه البصة دي؟ أنا قولت حاجة غلط؟
_ مستغرباك! حساك بقيت حد تاني فجأة، يعني أنت كنت لسه من شوية حد هادي ومؤدب، ودلوقتي بقيت...
لم يدعها تُكمل حديثها وتابع هو بثباتٍ:
_ قليل الرباية، عارف
أردفها بثقة عمياء فلم تستطع خلود منع قهقهتها التي صدحت عاليًا فأسرع وليد في وضع يده على فمها مانعًا تسلل ضحكها إلى آذان الآخرين مُعلقًا باستياء:
_ لا أنتِ كدا عايزة هناء تيجي تاخدنا فومين غسيل..
كلما حاولت السيطرة على ضحكها تُعاود كلماته من جديد في إضحكاها بصوتٍ أعلى، فاضطر وليد إلى الإقتراب منها حتى يضمن غلقه بإحكامٍ، فأصبح وليد قريبًا للغاية حتى أنها شعرت بأنفاسهما التي تضرب وجهيهما.
ذلك الحين؛ اختفت ضحكات خلود تدريجيًا وقد انبعث من وجهها حرارة حارقة تسببت في إحمرار وجنتيها، بينما شعر وليد بمشاعرٍ مختلطة لكنه أجاد ضبط نفسه وتراجع للخلف هاربًا من عينيها، وكذلك فعلت هي، ولم يجرأ أحدهما على النظر في عيني الآخر مدة.
تهرب وليد بحديثه:
_ يلا كُلي..
أماءت خلود، ثم تذكرت طلبه فأخذت بعض الطعام بأصابع يدها التي قربتها من فمه، فتفاجئ وليد بتصرفها، ولم يُخِجل يدها، بل انحنى برأسه على يدها وأخذ يأكل مما تحمل مستمتعًا بمذاق الطعام.
ثم بادلها فِعلتها وأطعمها بيده فلم تتردد خلود في تناوله، ظلا على الحال نفسه حتى فرغا من الطعام، ثم تحدثا في شتى المواضيع، منها ما أضحكهما ومنها ما كان رومانسيًا حتى مر الوقت دون أن يشعُرا به.
***
دلفت البيت بِخُطى غير متزنة، ألقت حقيبتها جانبًا
وهرولت نحو غرفتها وهي بالكاد ترى أمامها، اعتلت طرف الفراش ثم أجهشت باكية فاهتز جسدها وارتجفت أضلاعها مع كل شهقة بكاء.
تفاجئ زكريا بتلك الحالة التي كانت عليها، فاعتصر قلبه ألمًا وغرس الحزن فؤاده، ناهيك عن ضميره الذي اتقدت نيرانه، توجه نحوها ثم جسى على ركبيته أمامها محاولًا التخفيف من عليها باحتضانه ليديها المرتجفتان وتمتم بكلماتٍ مُبعثرة لا يدري ماذا يقول:
_ ليلى..
أنا آسف إنك حسيتي بكدا..
شدَّ على يدها وتابع برجاء:
_ عشان خاطري إدينا فرصة تانية وكل حاجة هتبقى كويسة..
نهض زكريا وجلس مُقابلها ثم رفع رأسها باتجاهها قبل أن يسترسل مواصلًا ببمسةٍ هادئة قد ارتسمت على شفتيه:
_ هنبدأ من أول وجديد، وهنجيب عيال كتير، والله ما هقولك تاني لأ على أي حاجة، حتى لو عايزة تجيبي عشرة، مش هعترض
سحبت ليلى يدها من بين قبضته، ولوحت بيدها وهي تفيض بمشاعرها الجياشة:
_ رد فعل حازم وجعني أوي، حسسني إني قليلة بشكل، ليه ملقتش رد فعل زي دا؟
رد فعلك كان وحش أوي يا زكريا!
خرجت كلماتها مندفعة بصوتٍ يرتعش بقوة، فرمقها زكريا بحزنٍ لما قاسته ليلى من خلفه، أغمض عينيه يستمد بعض القوة الداخلية، ثم نظر إليها مجددًا وحاول لمس يدها ثانيةً لكنها أبت ورفعت كِلتى يديها للأعلى وهي تصرخ في وجهه:
_ متحاولش، مفيش حاجة هتهدي اللي أنا حاسة بيه دلوقتي
أنت بوظت أي لحظة حلوة اتمنيت أعيشها معاك!
_ خلينا نبدأ من جديد، ونبني ذكريات جديدة ننسى بيها الذكريات دي..
قالها بعيون لامعة يترقب ردها بلهفة، يتشبث ببصيص أمل على موافقتها، لكنه وجدها تنهض مبتعدة عنه وقالت وهي تجُوب الغرفة ذهابًا وجيئا:
_ مش هقدر، كل ما هشوف موقف قدامي هيفكرني وهعيش نفس وجعي تاني..
أنت حتى مسبتش باب صغير يرجَّع أي ذرة وصل بينا، الأبواب كلها اتفقلت!!
وقفت فجأة ونظرت إليه قبل أن تُضيف:
_ الحمد لله إننا اتطلقنا، العِدة هتخلص وهمشي من هنا..
وما أن أنهت جُملتها حتى أولته ظهرها وقد عقدت ذراعيها أعلى صدرها في إنتظار خروجه، بينما نظر إليها زكريا طويلًا ثم نهض عن الفراش وتوجه ناحيتها مُردفًا كلماتها بنبرة مهزومة:
_ بس أنتِ كدا بتظلميني يا ليلى، أي إنسان محتاج فرصة تانية يِثبت نفسه فيها، مش معقول كل حاجة تخلص بسهولة كدا
أمعنت ليلى النظر به دون أن ترمش وقالت بثبات:
_ في حاجة اسمها العفو عند المقدرة، وأنا للأسف مش قادرة..
وبعد نظراتٍ من اللوم هز زكريا رأسه ثم استدار وخرج من الغرفة مُوصدًا الباب خلفه، توجه إلى الأريكة وقام بالجلوس أعلاها مُستندًا بمرفقيه على فخذيه، خافيًا وجهه براحتي يده، حتى هاجم نصف وجهه من اليسار ألمًا حاد كمن صعقته الكهرباء.
فهب زكريا واقفًا وظل يدور حول نفسه كالمجنون محاولًا تدليك وجهه وتحريك فكه على أمل التخفيف من ذلك الألم المفاجئ، أخذ وقتًا ليس بقصير حتى تخلص من ذلك الألم بصعوبة ثم عاود التمدد على الأريكة، لم يتوقف عن التفكير حتى تغلب عليه النوم وبات في ثُباتٍ عميق فكان لعقله طوق نجاة قد أنقذه من دوامة أفكاره.
***
كانت عينيها مُصوبتان على باب الفيلا التي تقترب منها السيارة، وعندما وقفت أمامه قامت بعمل اتصالًا، انتظرت فترة حتى أجابها الطرف الآخر ببعض الغرابة لاتصالها:
_ صبا؟
بمزيجٍ من التردد والحرج أردفت:
_ أنا برا البيت عندك، فيه حاجات ليا لسه موجودة في الأوضة، محتاجة أخدها..
_ برا البيت بتعملي إيه، ادخلي على طول..
قالها بلهفة، فتحدثت صبا وهي تترجل من السيارة:
_ افتح لي الباب اللي برا..
ثم وقفت أمامه حتى فُتح تلقائيًا عند فتح عاصم له من الداخل، لم تكاد تخطو مسافةً بعد حتى وجدته يستقبلها بإبتسامته المُشرقة:
_ البيت نور يا دكتورة..
ارتسمت ابتسامة على شفاه صبا، ورحبت به أيضًا:
_ دا نور أصحاب البيت يا باشمهندس..
حمحم عاصم ولم يجد من الكلمات ما يقولها، فخرجت كلماته مُندفعة دون تفكير:
_ جيتي مخصوص ليه؟ كنتي قوليلي وأنا أجيبهم لغاية عندك..
نظرت إليه صبا في حرجٍ، فشعر بالحرج لاندفاعه وبرر مقصده:
_ قصدي يعني مكنتيش تعبتي نفسك كل المسافة دي..
أماءت صبا بتفهمٍ ثم أوضحت سبب مجيئها:
_ أنا كنت راجعة من المستشفى، فحبيت يكون مشوار واحد
هز الآخر راسه واكتفى بذلك القدر من الكلمات، فكانا قد وصلا إلى باب البيت، فدعاها عاصم إلى الدخول بيده:
_ اتفضلي خدي راحتك، أنا هستنى هنا
بامتنانٍ ظاهري ابتسمت صبا في وجهه ثم ولجت بِخُطاها حتى بلَّغت الغرفة وأخذت تُجمع بعض الأشياء التي نسيتها هنا، وبعد أن انتهت عاودت النزول، تلك الأثناء؛ فوجئ عاصم بخروج زينب من بيتها مُقبلة نحوه، فابتسم بعذوبة مستقبلها بترحاب حار:
_ يا أهلًا يا أهلًا بالجارة العزيزة..
_ حاسة إن حضرتك زهقت مني، هنا وفي الشغل كمان، كتير..
قالتها ضاحكة فضحك عاصم ونفى وجود أي مللٍ:
_ لأ، متقلقيش موصلتش لمرحلة الزهق لسه
هتفها مُمازحًا فاستشفت مُزاحه وأردفت وهي تُناوله طبقًا مغلف بالورق الحراري موضحة ما هذا:
_ كنت بعمل غدا بكرة عشان مش بلحق أعمل حاجة قبل الشغل، وقولت يمكن تحب تجرب نوع حلويات جديد..
ضاق عاصم بنظره عليها أولًا ثم أخفض بصره على الطبق وتساءل بحماسٍ:
_ إيه دا طيب؟
إلتوى ثغر زينب للجانب قبل أن تردد:
_ ممم خمن..
_ لا مش عارف، مش قادر أحدد بالظبط
هتفها بجدية فتحدثت الأخري مستاءة:
_ يعني حضرتك عرفت ريحة القرع العسلي اللي جوا شنطتي ومش عارف تحدد الطبق وهو قدامك؟!
_ يمكن عشان مش جعان؟!
قالها فعبست زينب وأردفت بملامح بها ظلال من الحزن الخفيف:
_ إيه دا يعني حضرتك مش هتاكل من أم علي؟
رمقها عاصم عند عِلمه بما أحضرته دون أن يُبدي أي دهشة فتعجبت الأخرى من عدم إظهار لهفته تلك المرة وتساءلت بترددٍ:
_ حضرتك مش بتحبها ولا إيه؟
حك عاصم مؤخرة رأسه بحرجٍ وارتباك واضحين ثم أجاب سؤالها بكلماتٍ متلعثمة:
_ ممم، مش أوي، يعني مليش فيها بس ممكن ادوق..
ارتسمت البهجة على وجه زينب التي اختفت ابتسامتها فجأة عند رؤياها خروج صبا من البيت، شعرت بوخزة قوية في صدرها أضاقت رَحِبها، فلقد تجمعت بعض المخاوف في عقلها بأن تعود علاقتهما مجددًا.
وبينما هي مُنهمرة بين أفكارها وخوفها تفاجئت صبا بوقوف زينب مع عاصم لكنها لم تكن منزعجة، بل أرادت معرفة إلى أي درجة قد اجتازاها.
_ إزيك يا زينب، وحشاني
بادرت صبا بالحديث، فشكلت زينب بسمة على محياها وأجابت:
_ بخير، أنتِ أخبارك ايه؟
_ الحمد لله
اكتفت بها صبا بينما لم تستطع زينب منع فضولها حول مجيء صبا، حمحمت قبل أن تردف بودٍ زائف:
_ بقالي فترة كبيرة مشوفتكيش هنا..
استشعرت صبا ما يدور خلف سؤالها، وما كان عليها إلا أنها ابتسمت بهدوءٍ وأجابتها بكلماتٍ تُطَمئنها:
_ كان في حاجات نسيتها هنا، جيت أخدها، من حُسن حظي إني شوفتك، الله أعلم هنتقابل تاني امتى...
نجحت صبا في اطمئنانها، حيث تشكلت البهجة على تقاسيم زينب التي ابتسمت، وما كادت تفعل حتى انتبه الثلاثة على وصول سيارة عبدالله.
فلم يحب عاصم الالتقاء به وقرر الإنسحاب حيث وجه حديثه إلى صبا:
_ تعالي يا صبا لما أوصلك..
رفضت صبا مُعلِلة وهي تُشير بعينيها نحو الباب:
_ لا مفيش داعي، التاكسي مستني برا..
تلك اللحظة زفرت زينب أنفاسها براحة لرفض صبا، فلقد شعرت بالضجر عندما رسم عقلها خلوتهما والذي سيترتب عليها، بينما أماء عاصم بتفهمٍ وقال بصوت أجش:
_ طب أنا هدخل لو مش محتاجة حاجة تاني
_ لا لا أنا كدا تمام، شكرًا يا باشمهندس، تصبح على خير
هتفتها صبا فاختصر عاصم حديثه قائلًا:
_ وأنتِ من أهله
ثم وجه بصره نحو زينب وأضاف:
_ عن إذنك يا زينب
اكتفت الأخرى ببسمةٍ، فأولهن عاصم ظهره وتوجه إلى باب البيت، تحت نظرات زينب التي لم تُرفع من عليه، غير آبيه لنظرات صبا التي تُراقبها في صمتٍ انتهى ببسمةٍ أخفتها سريعا.
تلك الأثناء ترجل عبدالله من سيارته؛ فتفاجئ بخروج أبيه من البيت فور وصوله وهرولته نحوه بِخُطى غير متزنة مُرددًا بهلع:
_ إلحقني يا عبدالله، إلحقني يا بني، أحلام مش بتتحرك خالص..
_ يعني إيه مش بتتحرك؟!!
رددها عبدالله دون استيعاب، ثم انطلق بأقدامٍ كأن بها مُحركًا جعلته يهرول بسرعة فائقة، فكاد يعاود قاسم ويحلق به إلا أن بصره وقع على صبا المُرافقة لزينب، فلم يتردد وتوجه نحوها مُسرعًا.
وهلل عاليًا قبل أن يصل إليهن:
_ يا صبا، أنتِ جيتي لي نجدة يا بنتي، إلحقيني
انتبهت عليه صبا وقد تشكل القلق على تقاسيم وجهها عند رؤيتها لقدومه بذلك الشكل نحوها، وكذلك لم تكن أقل منها زينب قلقًا، فلقد دبَّ الرُعب قلبها وهرولت نحوها بِخُطى مُتعثرة مُتسائلة برُعبٍ:
_ في إيه يا عمي؟
_ أحلام.. أمك يا زينب
قالها بتلعثمٍ من بين أنفاسه المتعالية، وقف يلتقط أنفاسه تحت نظرات الأخريات المريبة، لكنه ما لبث أن استعاد قاسم جزءًا من توازنه حتى أوضح مقصد كلماته:
_ فجأة معدتش بتتحرك خالص، تعالي يا بنتي طمنيني عليها..
صعقت زينب وكانت أول من هرول إلى البيت، بينما لحقا بها قاسم وصبا في الحال، تحت نظرات عاصم المُراقب لما يحدث من أحد نوافذ البيت العُلوية، انعقد حاجبيه تلقائيًا فلقد شعر بثَمة أمرًا سيء يحدث وقرر النزول ومعرفة ما الأمر.
في الداخل؛ وصل عبدالله إلى فراش والدته المُستلقية أعلاه، أخذ يَهُزها يمينًا ويسارًا مُناديًا عليها:
_ أحلام، مالك أنتِ تعبتي ولا فيكي إيه
انحنى بجسده عليها واقترب من أنفها وقام بسماع
أنفاسها فلم يشعر بهم، خفق قلبه رعبًا وقرر إستخدام يده للشعور بأنفاسها، فوضعها أمام أنفها حتى أنه كتم أنفاسه حتى لا تخدعه وتؤثر على عدم شعوره بها.
فلم يشعر بشيء، ارتجف صدر عبدالله بأنفاس متلاحقة، تجمَّدت قدميه وهو يتطلع بها مذهولًا لا يقدر على الحِراك، وفجأة استمع إلى صوت صبا التي اقتحم الغرفة وحثته على التحرك:
_ خليني أشوفها يا عبدالله..
تراجع خُطوة إلى الوراء وقد خالط صوته ارتجاف واضح وهو يهمس:
_ مش حاسس بنفسَّها يا صبا، أمي مش بتتنفس!
أدارت صبا رأسها حيث يقف ورمقته بعيون مُتأثرة للهجته التي آلمت قلبها، ثم عاودت فحص أحلام بعناية، تجمَّدت مكانها وأصبحت ثابتة لا تتحرك ولا تواجه الآخرين.
فدبَ الرُعب أوصال الواقفين؛ وكان قاسم أول من تقدَّم نحوها مُتسائلًا بتوجسٍ خيفة:
_ فيها إيه يا بنتي؟ أحلام مالها؟
اهتز كيان صبا، ورجف جسدها فجأة، نهضت عن مكانها ولم تستطع النظر في أعينهم، وبصوتٍ بالكاد سمعوه تمتمت:
_ البقاء لله..
سقطت الكلمة على سمعهم بُبطءٍ موجع لم يستوعبوه، وكأن الصوت انقطع من العالم حولهم، لم يفهم أحدهم في البداية ما قيل، فكانوا ينظرون في وجوه بعضهما البعض يُريدون تكذيبٍ يُريح قلوبهم.
_ البقاء لله في مين؟ متقوليش على أمي كدا..
هتفها عبدالله غير مصدق ما قالته، ثم اقترب من والدته وانحنى عليها محاولًا إيفاقتها بهزها على جانبيها:
_ قومي يا أحلام، بلاش تعملي كدا بالله عليكي، أنتِ عارفة أنتِ غالية عندي إزاي، وأنا كمان عارف إن خضتي عندك غالية ومش ههون عليكي، يرضيكي طيب ابقى شحط كبير كدا وابقى يتيم؟
أنا بعدك مش هقدر، مش هقدر والله
مين اللي هيطبطب عليا وقت زعلي؟
هجري على مين أفرحه وقت فرحي؟
مين اللي هياخدني في حضنه غيرك؟ حضن من غير يِساع وجعي يا أحلام؟
انحنى على يدها وظل يُقبلها دون توقفٍ وهو يُدرك خسارتها التي لا تعوض:
_ موت إيه؟ إحنا متفقناش على كدا..
عاد إلى ملامح وجهها الساكنة، ملامح انطفأت منها الحركة، وشحب لونها قليلًا، كانت جامدة في هدوء يُشبه النوم العميق، أطال النظر بها دون تصديقٍ، ظنًا منها أنها ستُعيد فتح عينيها للحظة وتعود إليه من جديد، وعندما طالت المدة والحال كما هو عليه حدَّثها مُعاتبًا إياها:
_ فاكرة لما قولتي ليا، عمري ما هسيبك في يوم؟
جه اليوم أهو وبقيت لوحدي، أنتِ عمرك ما خِلفتي وعد ليا، اشمعنا دلوقتي؟
طب هيهون عليكي وجع القلب اللي هعيش فيه بسببك؟
هان عليكي تسبيني وتمشي؟
طب أنا أعمل إيه دلوقتي؟
قوليلي أعمل إيه، مش عارف
مش عارف، أنا مهما كبرت لسه العيل اللي بترسمي له الطريق
إزاي تمشي وتسبيني تايه كدا؟
وعندما أدرك لحظتها أنها لن تُجيبه، وأنها ذهبت بالفعل، سقط بإهمالٍ على الأرض، جلس القرفصاء ونظر في الفراغ أمامه وأجهش باكيًا بصوتٍ اهتزت له أعمدة الغرفة.
بينما وقف أمامه قاسم مذهولًا، كأن الزمن وقف من حوله، لا يُدرك ما حوله سوى صدى الخبر الذي هز كيانه، بدا وكأن الصدمة شلّت حركته، فلم يُبدي أي تعابير، كان خبرًا ثقيلًا على عقله الذي رفض تصديقه.
عيناه تُحدقان بأحلام، صدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطعة، شعر بالفراغ داخله، وجهل بأي شعورٍ عليه أن يعيشه الآن.
تلك الأثناء لم تتحمل زينب المكوث في الغرفة بعد صدمتها في فراق حبيبة فؤادها، فلقد سيطر الهلع قلبها وفرت هاربة خارج الغرفة بعد عدم استطاعتها على تقبل تلك الفجيعة.
اصطدمت بجسدٍ فرفعت رأسها متفقدة هويته، وما أن وجدته عاصم حتى خارت قوة تماسُكها وازداد انهيارها، ثم صرخت بصوتٍ مرتجف واهِن:
_ ماما، ماما...
تفاجئ عاصم بهلعها، خفق قلبه رُعبًا وفشل في التعامل، لكنه تمالك نفسه وتحلى بالقوة ثم سألها:
_ إهدي طيب وقوليلي مالها؟
_ ماتت!!
قالتها ثم خرت واقعة؛ فلم تعد قدميها تحملها، كان خبرًا صاعقًا لم يصدقه عاصم في البداية، تفاجئ بسقوطها دون سابق إنذار فمال بجسده نحوها ثم جسى على ركبتيه محاولًا فِعل أي شيء يجعلها تهدأ.
_ إهدي يا زينب، لو سمحتي متعمليش كدا..
كلماته لم تُضمد ذلك الجرح الحديث، فهي لم تصغي إلى كلامه من الأساس، ظلت تصرخ غير واعية لما تفعله فما كان من عاصم إلا أنه قام بضمها بكل ما أوتي من قوة، يعلم أنه قد اخطأ بِفعلته لكنه أراد تقديم المساعدة فقط.
شدَّ عاصم على ظهرها فشعر باهتزازة جسدها القوية التي كان يتردد صداها داخل صدره، فظل يربُت على ظهرها بحنانٍ هامسًا بعض الكلمات لربما يُمكنه تهدئتها:
_ ششش اهدي، من فضلك يا زينب..
حاولي تتنفسي، خدي نفس طويل وخرجيه بهدوء
فعلت زينب ما يخبره إياه دون إدراكٍ، وكأنها مسلبة الروح، هدأت رجفة جسدها لكنها ما زالت تطلق آنينًا موجوع، تلك الأثناء تراجع عاصم للخلف بهدوء وتفقدها فوجد جسدها مُتراخيًا يترنح يمينًا ويسارًا.
فلم يُبعد ذراعيه عنها، بل كان محاوطها جيدًا حتى لا تهوى أرضًا، ثم نهض وساعدها على الوقوف، فنهضت بالإتكاء على ذراعيه، فلم يفضل عاصم إعادتها إلى البيت في تلك الحالة، حتمًا لن تجد من يشد أزرها، بالتأكيد الجميع في حالٍ يرثى له.
اصطحبها إلى الفيلا خاصته، ثم ساعدها على الجلوس، فعاد نحيبها من جديد، فلم يكف عاصم عن ترديد بعض الكلمات ربما تخفف من حزنها:
_ أنا عارف إن مفيش كلام هيداوي، بس أنا جنبك يا زينب، خرجي كل اللي أنتِ حاسة بيه ومتخافيش من وجودي، المهم تكوني كويسة في الآخر
وكانت كلماته سبيلًا قد لجأت إليه، فأجهشت في البكاء المرير، لم يجف جفنيها من الدموع، وكلما شعرت بالهدوء قليلًا تعاود إليها نوبة نواح من جديد.
لم يتدخل عاصم، بل ترك لها مطلق الحرية في إخراج مشاعرها الحزينة حتى تصبح بخير، لكنه كان مشفقًا لعيشها فجعة الموت المفاجئة تلك.
****
كانت جامدة، لا تقدر على الحركة من هول الصدمة، كانت ترى انهيار عبدالله بالكامل ولا تقدر على مواساته، فأي مواساةٍ تستطيع تقديمها لتلك الخسارة؟
لكنها الوحيدة التي يجدر عليها فِعل أي شيء، شهيقًا وزفيرًا فعلت صبا مِرارًا، ثم حركت قدمها وتوجهت ناحية أحلام، ثم قامت بدسر الغِطاء أعلاها حتى لم يعُد يظهر منها شيء، فانتبه عبدالله على فِعلتها وهب واقفًا ثم أزاح عن والدته الغطاء وهو يصرخ في صبا دون وعيٍ:
_ أنتِ بتعملي إيه؟ متغطيش أمي كدا تاني، أمي كانت بتتخنق لو حاجة لمست وشها أنتِ سامعة!
بكت وبكت ولم تكُف عن البكاء لحظتها، ثم هتفت محاولة إدراك عقله بأن روحها قد زهقت إلى ربها:
_ عبدالله، آبلة أحلام مش حاسة بحاجة... لازم نغطي وشها..
باستنكارٍ تام صرخ كطفلاٍ ضائع:
_ مش هنغطي حاجة، ومش هنعمل حاجة، هي حاسة بكل اللي بيحصل، هي حاسة بيا وبوجع قلبي..
أخفض نظره حيث والدته وأضاف وهو يُحادثها:
_ صح يا أحلام، أنتِ حاسة بيا ومش هتخليني أعيش الوجع دا عليكي صح؟
يا أحلام..
ناداها مِرارًا دون فائدة، فواصل حديثه على أمل أن ترُد في مرةٍ:
_ طب أنا تعبان ومحتاج لحضنك، مش هتقومي تفتحي لي دراعك وتقوليلي حضن أمك موجود يا عبدالله؟!
لم يجد رد يُرضيه فجن جنونه وخرج عن السيطرة وصرخ بعويلٍ ضاعف الألم داخل صبا التي تبكي بصوتٍ مفجوع لحالته، جاهدت نفسها وهتفت من بين بكائها:
_ عشان خاطري متعملش كدا، هي في مكان أحسن يا عبدالله..
لم تُنهيها بعد وقد وجدت منه تحذيرًا بسبابته التي وُضعت أمام وجهها:
_ بس بس، اسكتي
قالها ثم أسرع في التمدد بجوار والدته وقام بمحاوطتها بذراعيه مُعانقًا جسدها الزاهق، مُستندًا برأسه على صدرها، فتساقطت دموعه على ملابسها، ما يفعله كان يزيد شفقتة وآسى صبا التي جهلت التعامل في ذلك الموقف.
خرجت من حالتها على صوت قاسم الهزيل من خلفها:
_ لو سمحتي يابنتي كلمي صحابه يكونوا جنبه..
أماءت صبا بقبولٍ، وسرعان ما انسحبت من الغرفة ونحيبها لا يقل، حاولت أخذ بعض الأنفاس لتسطيع إعطاء أصدقائه خبرًا، وقفت لوهلة تبحث بين الأرقام على أسمائهما فلم تجد، إنها لا تمتلك أرقامهما أساسًا، هدَّأت من روعها وجاءت برقم ليلى، حاولت ضبط أنفساها المضطربة، وانتظرت رد ليلى التي لم تُجيب من الإتصال الأول، فأعادت صبا الإتصال حتى أجابت الأخرى ببعض القلق لتلك المكالمة المفاجئة:
_ صبا..
بصوتٍ متهدّج وكلماتٍ مُبعثرة أردفت صبا:
_ مساء الخير يا ليلى..
توجست ليلى خيفة في نفسها من خلف نبرة صبا المُتعثرة ورددت بقلبٍ يخفق بقوة:
_ مساء النور، صبا حبيبتي أنتِ كويسة، صوتك مش تمام..
ابتلعت الأخرى ريقها وزفرت بعض الأنفاس قبل أن تخبرها:
_ آبلة أحلام توفت يا ليلى، عرفي زكريا يجيب وليد ويجوا ضروري، عبدالله في حالة صعبة أوي ومحدش عارف يتعامل معاه!
تجمَّدت ليلى من الصدمة وبهت وجهها وأخذت تردد بعدم تصديق:
_ لا حول ولا قوه الا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون..
لم تطيل صبا المكالمة وأنهتها على الفور، ثم أجهشت باكية، حتى انتهبت على وصول أحد الرسائل على الواتساب خاصتها فتفقدتها، كان عاصم المرسل إليها، فقامت بفتح المحادثة وقرأت ما أرسله:
_ زينب عندي.. وضعها صعب لو تقدري تيجي تكوني جنبها
وضعت صبا علامة القبول على كلامه، ثم التفتت برأسها ونظرت إلى عبدالله الذي يحتضن جسد والدته وتنهمر دموعه بنواحٍ، كم تمنت تقديم مساعدة خاصة له، لكن كيف؟
فالظروف تحول بينهما، وقيَّدتها مكانتها عن الإقدام،
عاقتها جميع السُبل لتقديم مساعدةً كان عليها القيام بها وحدها، هي فقط من كان يُتيح لها عِناقه والربت على ظهره وتركه يبكي على كتفها حتى يهدأ.
فالقدر عاق، والكون حال، ومشيئة الله لم تأذن.
لم تستطع تركه والذهاب تلك المرة، لم تنجح العوائق على توفير فرصة الهرب من واجبها تجاهه، هو بحاجة إليها حتى إن لم تنبس بحرفٍ، يكفيها مجاورته ومشاركته فجيعة مصابه.
تلك الأثناء؛ أعادت الإتصال بـ ليلى التي أجابت على الفور فقالت صبا برجاء:
_ لو سمحتي يا ليلى تعالي أنا لوحدي هنا ومش عارفة اتعامل، محتاجة حد يكون جنب زينب..
أبدت ليلى قبولها، ثم أنهت الإتصال فعاودت صبا الدلوف إلى الغرفة، فتفاجئت بوقوف قاسم مكانه، لم يُحرك ساكنًا، بل ظل على الوضع نفسه منذ عِلمه بخبر وفاة أحلام.
عضت صبا شفاها بتأثرٍ شديد، ثم توجهت نحوه أولًا وقالت:
_ اقعد يا عمي، لا قدر الله ممكن يحصلك حاجة..
_ هو لسه هيحصل يابنتي، ماهو خلاص أحلام ماتت!! هيحصل ايه أكتر من كدا..
همس بها قاسم فكادت تنفجر صبا باكية لكنها تماسكت، حتى أنها كتمت أنفاسها لِتُسيطر على نوبة بكائها ثم أطلقت الحُرية لأنفاسها الحبيسة، وحاولت التخفيف من عليه ببعض الكلمات:
_ عشان خاطري تعالى أقعد هنا..
ساعدتها حتى جلس على الأريكة ثم بحثت بعينها سريعا في الغرفة حتى وقع بصرها على كتاب الله، وقامت بجذبه ثم أعطته إياه وقالت:
_ أحسن حاجة تصبر بيها قلبك، كلام ربنا..
لم يتردد قاسم وقام بأخذه منها، فتح أولى صفحاته وبدأ يتلوا بصوتٍ مرتجف، وعلى الرغم من حزنه الشديد الذي تبدد داخل قلبه إلا انه كان صامدًا لم تسقُط منه دمعة واحدة، كان يعيش حداده داخليًا لا يراه أحد، فيحسبه الآخرين بقلبٍ صلب صبور على الشدائد.
***
طلع الفجر على الجميع باهتًا، لكن دِفئه لم يصل إلى قلوبهم التي أطفأها الفقد، وأشرقت الشمس على وجوهٍ انهكها البكاء، كأن الضوء عجز عن اختراق وجعهم.
كان الجميع متواجدًا في بيت المزرعة، جميع العائلات من عرفوا بمصابهم حضروا ليكونوا بجانبهم، كان الجميع جالسًا ما بين ردهة البيت والحديقة إلا من عبدالله الذي لم يتحرك من جانب والدته.
وصلت المُغسلة فأوصلها وليد الذي أحضرها خصيصًا، ثم أوصلها إلى قاسم الشارد لا يشعر بما يدور حوله، وقد انحنى عليه وهمس:
_ عمي، المُغسلة وصلت..
انتبه عليه قاسم ونظر إليه بعينين حمراوين كأنه لم يفهم عليه، فأعاد وليد كلامه وهو يشير إلى المرأة:
_ المُغسلة وصلت..
هز قاسم رأسه ثم حاول النهوض فلم يستطع، أين ذهبت قوتك يا رجل؟ تساءل في نفسه فلم يجد إجابة، فأشار وليد إلى زكريا الذي حضر على الفور وقاما بمساعدته، فتفقد قاسم وجوهيهما كأنه يجهل معالمهما وردد:
_ شكرًا يا شباب، أنا تمام، أقدر أمشي لوحدي
قالها فتركه وليد أولا وتلاه زكريا ثم مشى قاسم ببطٍ شديد، كأنه يتعلم المشي للتو، وصلا إلى غرفة أحلام برفقة المُغسلة بينما وقفا الشابان في الخارج.
توجه قاسم بِخُطى مُتعثرة نحوهما، ووجه حديثه إلى عبدالله الذي لم تجف له عين:
_ قوم يا عبدالله، لازم نغسل والدتك..
لم يتحرك، لم يسمع كلماته، فهو لا يريد تركها، فتدخلت المُغسلة عندما رأت وضعه وقالت بعض الكلمات تآزره:
_ ربنا يرحمها، ادعيلها بالرحمة وادعي لنفسك بالصبر، الفراق صعب بس إحنا لازم نغسلها..
النتيجة ذاتها، كلماتها دون فائدة، لم تضيف إليه سوى الألم، فاضطر قاسم للجوء إلى صديقيه، فقام بالخروج وهتف فور رؤيتهم:
_ ساعدوني يا شباب الله يكرمكم، مش راضي يسيب حضنها أبدًا..
أماءا بالقبول وتبعوه إلى الداخل، وأول ما رآى وليد عبدالله علي وضعه ذاك فانهارت حصونه وأجهش باكيًا متأثرًا بما يراه، بينما شعر زكريا بوخزة قوية في قلبه، فتجمَّد مكانه ولم يقدر على الإقتراب.
فكيف يقترب منه وهو مُحطم هكذا، كيف يُبعده عن ملاذه الآمن، فهي كانت نور عينيه والنبض الأول للحياة، فكان على دِراية بمدى تعلُّق عبدالله بها، كيف الآن يُبعده عنها؟
_ يلا يا زكريا..
خرج من شروده على صوت وليد الذي حثه على التحرك، فتقدم بخطواته تجاه عبدالله، ثم انحنى بجسده ليكون أقرب إليه وقال بصوتٍ مهزوز:
_ عبدالله، أنا آسف يا صاحبي، بس لازم تسيبها..
محاولة أخرى دون فائدة أيضًا، فاضطرا إلى إبعاده عنوة، قاموا بسحبه بكل ما أوتوا من قوةٍ، فصرخ الآخر رافضًا تركها:
_ متبعدونيش، خلوني جنبها، معتش هشوفها تاني، بالله عليكم تسيبوني..
كان يهتف متوسلًا إليهما من بين محاولاته في العودة إلى والدته، لكنهما أحكما من إمساكه ونجحوا في إخراجه من الغرفة تحت صُراخٍ منه لا يتوقف.
تلك الأثناء ؛أحكم قاسم من توصيد الباب حتى لا يعود مجددًا، فدفع عبدالله بصديقيه بعيدًا وعاد إلى الباب وظل يطرق عليه بعنفٍ مُرددًا:
_ خليهم يفتحولي يا أحلام، عايزين يبعدوني عنك، قوليلهم خلوه جنبي...
هدأ طرقه تدريجيًا وهمس بخفوت:
_ ياما...
قالها ثم هوى أرضًا فركض نحوه صديقيه وقاموا بالجلوس أمامه، فكان وليد أول من واساه:
_ يا صاحبي متعملش كدا، اهدى الله يباركلك، هيجرالك حاجة..
كان عبدالله تاركًا نفسه، لا يستطع التحكم في توازن جسده، نظر إلى وليد وقال بنبرة باكية مهزومة:
_ أمي ماتت يا وليد..
قالها وقد خارت قواه وازداد نواحه الذي يقطعه بعض الشهقات القوية التي تهز جسده، فقام زكريا بسحبه إلى صدره فلم يجد صعوبة في ذلك فكان جسده خاويًا كما لو لم تكُن به روح، ربتَّ على ظهره وشاركه البكاء ولم يبتعد على أمل أن يهدأ من جرحه.
بعد مرور بعض الوقت، كانت المُغسلة قد أعدّت أحلام للغُسل، كان يرافقها قاسم وزينب، وكانت تعطيهم المُغسلة التعليمات ويفعلون ما تخبرهم عنه.
وبينما كانت زينب تنهمر دموعها بغزارة، كان قاسم قويًا ثابت النظرات، لا يجزع ولا يظهر عليه انهياره الذي يخفيه داخله، توقف فجأة عما يفعله ثم انحنى على جبينها وطبع قُبلة وداع طويلة قبل أن يهمس:
_ مع السلامة يا حبيبة القلب..
مع السلامة يا أحلى مافي العمر وفراقك آمر مافيه
استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه يا نور عيني
أنهاها ولم يستطع المكوث لحظتها ففر هاربًا إلى الخارج، عندما خانه رِباط جأشه تلك الأثناء، بينما تابعت المُغسلة حتى انتهت ثم تركتها وغادرت.
***
حان موعد صلاة الظهر، فعمَّ النداء أرجاء المكان، ودعا المؤذن القلوب قبل الأجساد، وقف الجميع يؤدون صلاة الظهر ثم تلاها صلاة الجنازة بعد أن وقف إمام المسجد يلقي كلمة الوداع.
كان عبدالله واقفًا بعقلاٍ خاوٍ، وجسدٍ فارغ، يتطلع في الفراغ أمامه دون الشعور بأي شيء، يترنح جسده يمينًا ويسارًا، ثم يقف بثباتٍ ويعاود الترنح من جديد، حتى دعا المؤذن إلى صلاة الجنازة.
فخارت قوة عبدالله الذي صدحت شهقاته القوية أثناء الدعاء لوالدته، انتهت الصلاة وقام الشباب بِحمل النعش، كان عبدالله يبادرهم في حمل والدته، ثم مضى الجميع سيرًا حتى بلغوا المقابر.
وقاموا بوضعها، ثم انسحب الجميع تاركين الأهل يأخذون مساحتهم في الدعاء، فوقف قاسم وهتف بصوتٍ عال:
_ محدش يمشي يا جماعة بعد إذنكم، هي في أكتر وقت محتاجة فيه للدعاء لقول نبينا:
' استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل'
تراجع البعض عن الذهاب ووقفوا جميعًا يدعون لها حتى مضى ما يُقارب الساعة فغادر الجميع، إلا من عبدالله الذي رفض الذهاب وجلس أمام باب المقبرة وأسند رأسه عليه ثم حادث والدته:
_ بيقولوا إنك سمعاني، أنا يمكن مقولتش الكلام دا في وشك قبل كدا، بس بحبك أوي ياما..
أنا المفروض مكنش خايف لأني أنا اللي برا، بس قلبي بيترعش، حاسس إحساس وحش أوي، كأني عريان..
أنا مش قادر أمشي وأسيبك هناك لوحدك..
كان وليد مُرافقًا له لكنه يقف على بُعدٍ تاركًا له الحرية في التعبير، بينما ذهب زكريا مع قاسم ليتولى هو مهمة نصب سُرادِق العزاء حتى يُسهِل على قاسم الإجراءات اللازمة فهو في حالٍ لا يمكنه فعل شيء بمفرده.
***
بعد مرور ثلاثة أيام؛ في مساءِ اليوم الأخير من أيام العزاء، انتظرت صبا حتى انصرف الجميع وبات عبدالله برفقة صديقيه ووالده فقط، ولجت السُرادِق بِخُطى ثابتة فانسحب الجميع تاركين لهما المساحة الكافية للحديث.
كان عبدالله شاردًا في الفراغ أمامه لم ينتبه عليها حتى جاورته هي تاركة بعض المسافة بينهما، وبعد أن زفرت أنفاسها مرات عديدة بدأت حديثها المتلعثم:
_ ربنا يرحمها يا عبدالله، الفراق صعب، بس الأصعب إنها تكون قدامك بمرض الوضع فيه بيتدهور لدرجة متقدرش تستحملها
قلبك مكنش هيكون مرتاح أبدًا وأنت شايفها بتتأذى بالشكل الصعب دا
ربنا رحيم ولطف بيها..
سحبت نفسًا عميق قبل أن تواصل:
_ ابتلاء صعب أنا عارفة بس..
قاطعها عبدالله بأسلوبه الهادئ رغم كلماته المُعاتبة:
_ لا أنتِ متعرفيش حاجة، محدش يعرف الإحساس دا غير اللي بيعيشه وبس، كل دا كلام مُسكنات بتقوليه عشان أبقى كويس، بس أنا مش عارف أكون كويس..
قلبي محدش حاسس بوجعه غيري..
ابتلع ريقه واسترسل مواصلًا بنبرة مُتهدّجة:
_ طول أيام العزا كنت محتاجِك جنبي..
_ أنا كنت جنبك طول الوقت يا عبدالله!
هتفتها فاستنكر ردها وأردف مُهاجمًا:
_ كنت عايزك جنبي وأنا يحق لي اترمي في حضنك وأعيش حُزني عليها معاكي، بس معرفتش، عشان ميحقليش أصلًا أعمل كدا..
أنتِ مش من حقي يا صبا..
إحنا بقينا بُعاد أوي
قومي إمشي وشوفي حياتك وانسيني..
أنهاها بقلبٍ ينفطر حُزنًا على انسحابه من تلك العلاقة الغير مفهومة، نهض فجأة ومضى بِضع خُطوات مُبتعدًا عنها فتساقطت عبراتها بغزارة ونادته بقلبٍ موجوع:
_ متقولش كدا يا عبدالله..
يا عبدالله..
لم يلتفت لها وتابع سيره حتى اختفى طيفه من أمامها فازداد نحيبها، تلك الأثناء وجدت يد جلال ممدودة إليها ثم أردف:
_ يلا صبا، معتش فيه داعي نستنى أكتر من كدا
رفعت صبا عينيها اللامعة على أخيها، فحثها على الذهاب، تفقدت صبا مكان اختفاء عبدالله ثانيةً على أمل عودته لكنها لم تجده، فتعلقت بيد أخيها وسارت بجواره ورأسها مُنحني على كتفه تطلق آنات خافتة موجوعة على حبهما الضائع الذي ليس مُقدر لهما أن يلتقيا.
***
عاد قاسم إلى بيت المزرعة بمفرده بعد أن رفضا عبدالله وزينب العودة معه، فضلا المكوث في بيتهما الآخر تلك الفترة، وما أن بلغ قاسم باب البيت حتى خارت قواه، وضعفت نفسه ولم تعد قدميه باستطاعتها حمله.
فلقد تبخر تماسكه وتصنعه بالقوة والصلابة وبدت عليه أمارات الوهن، وقف عاجزًا لا حيلة ولا قوة كأن الحزن نخر في عظامه، تدلت كتفاه وانطفأ بريق عيناه.
وبصوتٍ واهن ضعيف تمتمَّ:
_ الظاهر مكتوب على البيت دا يفضل فاضي يا أحلام، دخلتيه وخرجتي منه بسرعة البرق، ولما فكرت إن الدنيا ضحكت لي والأيام هتعوضني ودخلتيه تاني خرجتي منه بس المرة دي بلا عودة...
فراقك صعب أوي يا أم عبدالله، مش قادر استحمله..
هتف بها ثم خر واقعًا دون مقدمات...
الفصل الرابع والاربعون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الثالث والأربعون
على دروب الهوى
+
***
+
خفق قلبيهما بذُعرٍ، لكن من كان لها النصيب الأكبر من الخوف هي خلود؛ التي دفعت وليد عنها ورمقته بعينين يترنح فيهما الرعب، ثم ابتلعت ريقها والتفت بجسدها فوجدت والدتها تقف على باب الغرفة من الخارج.
+
تآملت بألا تكون رآتهما وإلا لن يمُر الأمر مِرار الكِرام، توجهت بخُطواتٍ مُثَقلة إلى خارج، وحدجت والدتها طويلًا ربما تستشف من خلف تعابيرها ما أن رآتهما أم لا.
+
كانت هناء جامدة، باردة، أعطتها الطعام دون تعقيب لا بالخير لا حتى الشر، فضاعفت الخوف داخل خلود، التي تناولت منها الصينية وفرت إلى الداخل عندما لم تقدر على مواجهتها لوقتٍ أكثر.
+
وضعت الصينية على الطاولة بيدين ترتجفان، ثم استقامت في وقفتها ورفعت رأسها قليلًا حيث يقف وليد قبل أن تردف بحالة من الهلع الذي سيطر على خلاياها:
_ أنا حاسة إنها شافتنا..
+
ثم تحسست يسار صدرها حيث موضع قلبها براحة يدها المرتجفة وأضافت بصوتٍ مُتلعثم:
_ أنا قلبي هيقف والله..
+
رفعت كِلتى يديها أمام وجه وليد المُتابع لها واسترسلت برعبٍ:
_ بص إيدي، والله حاسة إن هيجرالي حاجة من كتر الخوف..
+
تدخل وليد محاولًا تهدئة روعها خشية أن يصيبها الخوف بمكروهٍ، أمسك يديها وشد عليهما، ثم قال:
_ اقعدي واهدي..
+
قامت خلود بالجلوس وكذلك فعل وليد الذي أضاف بنبرة هادئة ربما يستطع امتصاص ذلك التوتر:
_ خلود خلينا واقعين، مرات عمي لو كانت شافتنا
أظن مكنتش هتبقى هادية كدا، كان زمان البيت دا مقلوب علينا دلوقتي، ولا نسيتي المرة اللي فاتت؟
+
نظرت إليه كمن مغلوبٌ على أمره، وأعادت ترديد الكلمات خاصته في عقلها مرارًا حتى يهدأ قلبها، لكنها لم تنجح في ذلك بنسبة كبيرة فنظرات والدتها كانت مريبة:
_ بس دي كانت بتبص لي بصَات غريبة أوي، كأنها بتلومني أو مستنية نكون لوحدنا وتعرَّفني إنها شافتني..
+
قالتها فلم يُعطي لها وليد فرصة للتفكير حيث هتف مستنكرًا:
_ وحتى يعني؟
+
ثم قام برفع إبهامه أمام عينيها مواصلًا بثباتٍ:
_ أنتِ مراتي على فكرة! وهي لو فاهمة في شرع ربنا هتعرف إن أي لمسة بينا مش حرام!
+
قاطعته خلود بنبرة متوترة:
_ بس عيب!
+
_ الحرام قبل العيب، وطلاما اللي حصل مش حرام يبقى مش عيب..
هتفها على أمل أن يتبخر خوفها، لكنها أبت ورددت:
_ بس مينفعش يحصل.. بص مهما حاولت تهديني مش هتعرف..
+
_ والعمل؟
تساءل وليد بجدية، فرفعت خلود كتفيها إلى الأعلى قبل أن تردد:
_ مش عارفة..
+
صمت وليد للحظات قبل أن تقع عينيه على الطعام، فحاول إلهاء عقلها في شيءٍ آخر حيث أردف بنبرة رخيمة:
_ طب أنا جعان، هناكل ولا أنتِ راسمة تاكلي الأكل لوحدك بعد ما أمشي..
+
تفقدت خلود الطعام ثم قالت وهي تُقرب منه الصينية:
_ لا أبدًا، كُل.. ألف هنا
+
_ هو إيه اللي كُل ألف هنا؟ هو أنتِ مش هتاكلي؟
تساءل مُستفسرًا فرمقته خلود لبعض الوقت قبل تُجيبه بترددٍ:
_ هو أنا لو قولت مش قادرة آكل هكون سخيفة صح؟
+
_ آه وهقوم أمشي كمان، خلود متبوظيش اليوم على أوهام في دماغك، أنا متاكد إنها ملاحظتش حاجة حتى، والدليل إنها دلوقتي قاعدة برا بكل هدوء معملتش أي شوشرة، هو أنا برده اللي هعرفك قلبِة مرات عمي؟
هتف كلماته بنفاذ صبر، مُتمنيًا بألا تُطيل، وكما تمنى فعلت هي، تصنعت لامبالاتها وأخفت خوفها داخلها حتى لا تفسد رونق الليلة، زفرت أنفاسها لتُخرج الطاقة السلبية الي سيطرت عليها مع خروج أنفاسها.
+
مالت شفتيها للجانب وشكلت بسمةً رقيقة تُشبه رِقة ملامح وجهها، ثم قالت وهي تُشير إلى الطعام:
_ خلاص مفيش حاجة، يلا ناكل
+
بادلها وليد الإبتسام وهلل:
_ أيوا كدا، هناء مش هتنط لي في كل حاجة وتبوظها، حرام بجد!
+
رمقته خلود بنظراتٍ مُندهشة لكلماته الجريئة ورددت:
_ هناء؟!
+
انفجرت ضاحكة وقالت وهي تحاول السيطرة على ضحكها:
_ طب كُل وبلاش كلام عنها عشان متوترش تاني..
+
دنا وليد من الطعام وأردف:
_ لا وعلى إيه تتوتري تاني، يلا ناكل، بسم الله
+
كاد يتناول لكنه تريث ونظر إلى أصابع يدها، ثم رفع رأسه رامقًا عينيها قبل أن يُردف بخبثٍ:
_ ما تدلعيني يا خلود وتأكليني من الصوابع الحلوين دي؟
+
حدجته بعيون مُتسعة غير مُصدقة طلبه، أطالت النظر به دون استيعاب لذلك التحول الجذري فهزَ وليد رأسه قبل أن يطرح سؤاله:
_ إيه البصة دي؟ أنا قولت حاجة غلط؟
+
_ مستغرباك! حساك بقيت حد تاني فجأة، يعني أنت كنت لسه من شوية حد هادي ومؤدب، ودلوقتي بقيت...
لم يدعها تُكمل حديثها وتابع هو بثباتٍ:
_ قليل الرباية، عارف
+
أردفها بثقة عمياء فلم تستطع خلود منع قهقهتها التي صدحت عاليًا فأسرع وليد في وضع يده على فمها مانعًا تسلل ضحكها إلى آذان الآخرين مُعلقًا باستياء:
_ لا أنتِ كدا عايزة هناء تيجي تاخدنا فومين غسيل..
+
كلما حاولت السيطرة على ضحكها تُعاود كلماته من جديد في إضحكاها بصوتٍ أعلى، فاضطر وليد إلى الإقتراب منها حتى يضمن غلقه بإحكامٍ، فأصبح وليد قريبًا للغاية حتى أنها شعرت بأنفاسهما التي تضرب وجهيهما.
+
ذلك الحين؛ اختفت ضحكات خلود تدريجيًا وقد انبعث من وجهها حرارة حارقة تسببت في إحمرار وجنتيها، بينما شعر وليد بمشاعرٍ مختلطة لكنه أجاد ضبط نفسه وتراجع للخلف هاربًا من عينيها، وكذلك فعلت هي، ولم يجرأ أحدهما على النظر في عيني الآخر مدة.
+
تهرب وليد بحديثه:
_ يلا كُلي..
+
أماءت خلود، ثم تذكرت طلبه فأخذت بعض الطعام بأصابع يدها التي قربتها من فمه، فتفاجئ وليد بتصرفها، ولم يُخِجل يدها، بل انحنى برأسه على يدها وأخذ يأكل مما تحمل مستمتعًا بمذاق الطعام.
+
ثم بادلها فِعلتها وأطعمها بيده فلم تتردد خلود في تناوله، ظلا على الحال نفسه حتى فرغا من الطعام، ثم تحدثا في شتى المواضيع، منها ما أضحكهما ومنها ما كان رومانسيًا حتى مر الوقت دون أن يشعُرا به.
+
***
+
دلفت البيت بِخُطى غير متزنة، ألقت حقيبتها جانبًا
وهرولت نحو غرفتها وهي بالكاد ترى أمامها، اعتلت طرف الفراش ثم أجهشت باكية فاهتز جسدها وارتجفت أضلاعها مع كل شهقة بكاء.
+
تفاجئ زكريا بتلك الحالة التي كانت عليها، فاعتصر قلبه ألمًا وغرس الحزن فؤاده، ناهيك عن ضميره الذي اتقدت نيرانه، توجه نحوها ثم جسى على ركبيته أمامها محاولًا التخفيف من عليها باحتضانه ليديها المرتجفتان وتمتم بكلماتٍ مُبعثرة لا يدري ماذا يقول:
_ ليلى..
أنا آسف إنك حسيتي بكدا..
+
شدَّ على يدها وتابع برجاء:
_ عشان خاطري إدينا فرصة تانية وكل حاجة هتبقى كويسة..
+
نهض زكريا وجلس مُقابلها ثم رفع رأسها باتجاهها قبل أن يسترسل مواصلًا ببمسةٍ هادئة قد ارتسمت على شفتيه:
_ هنبدأ من أول وجديد، وهنجيب عيال كتير، والله ما هقولك تاني لأ على أي حاجة، حتى لو عايزة تجيبي عشرة، مش هعترض
+
سحبت ليلى يدها من بين قبضته، ولوحت بيدها وهي تفيض بمشاعرها الجياشة:
_ رد فعل حازم وجعني أوي، حسسني إني قليلة بشكل، ليه ملقتش رد فعل زي دا؟
رد فعلك كان وحش أوي يا زكريا!
+
خرجت كلماتها مندفعة بصوتٍ يرتعش بقوة، فرمقها زكريا بحزنٍ لما قاسته ليلى من خلفه، أغمض عينيه يستمد بعض القوة الداخلية، ثم نظر إليها مجددًا وحاول لمس يدها ثانيةً لكنها أبت ورفعت كِلتى يديها للأعلى وهي تصرخ في وجهه:
_ متحاولش، مفيش حاجة هتهدي اللي أنا حاسة بيه دلوقتي
أنت بوظت أي لحظة حلوة اتمنيت أعيشها معاك!
+
_ خلينا نبدأ من جديد، ونبني ذكريات جديدة ننسى بيها الذكريات دي..
قالها بعيون لامعة يترقب ردها بلهفة، يتشبث ببصيص أمل على موافقتها، لكنه وجدها تنهض مبتعدة عنه وقالت وهي تجُوب الغرفة ذهابًا وجيئا:
_ مش هقدر، كل ما هشوف موقف قدامي هيفكرني وهعيش نفس وجعي تاني..
أنت حتى مسبتش باب صغير يرجَّع أي ذرة وصل بينا، الأبواب كلها اتفقلت!!
+
وقفت فجأة ونظرت إليه قبل أن تُضيف:
_ الحمد لله إننا اتطلقنا، العِدة هتخلص وهمشي من هنا..
+
وما أن أنهت جُملتها حتى أولته ظهرها وقد عقدت ذراعيها أعلى صدرها في إنتظار خروجه، بينما نظر إليها زكريا طويلًا ثم نهض عن الفراش وتوجه ناحيتها مُردفًا كلماتها بنبرة مهزومة:
_ بس أنتِ كدا بتظلميني يا ليلى، أي إنسان محتاج فرصة تانية يِثبت نفسه فيها، مش معقول كل حاجة تخلص بسهولة كدا
+
أمعنت ليلى النظر به دون أن ترمش وقالت بثبات:
_ في حاجة اسمها العفو عند المقدرة، وأنا للأسف مش قادرة..
+
وبعد نظراتٍ من اللوم هز زكريا رأسه ثم استدار وخرج من الغرفة مُوصدًا الباب خلفه، توجه إلى الأريكة وقام بالجلوس أعلاها مُستندًا بمرفقيه على فخذيه، خافيًا وجهه براحتي يده، حتى هاجم نصف وجهه من اليسار ألمًا حاد كمن صعقته الكهرباء.
+
فهب زكريا واقفًا وظل يدور حول نفسه كالمجنون محاولًا تدليك وجهه وتحريك فكه على أمل التخفيف من ذلك الألم المفاجئ، أخذ وقتًا ليس بقصير حتى تخلص من ذلك الألم بصعوبة ثم عاود التمدد على الأريكة، لم يتوقف عن التفكير حتى تغلب عليه النوم وبات في ثُباتٍ عميق فكان لعقله طوق نجاة قد أنقذه من دوامة أفكاره.
+
***
+
كانت عينيها مُصوبتان على باب الفيلا التي تقترب منها السيارة، وعندما وقفت أمامه قامت بعمل اتصالًا، انتظرت فترة حتى أجابها الطرف الآخر ببعض الغرابة لاتصالها:
_ صبا؟
+
بمزيجٍ من التردد والحرج أردفت:
_ أنا برا البيت عندك، فيه حاجات ليا لسه موجودة في الأوضة، محتاجة أخدها..
+
_ برا البيت بتعملي إيه، ادخلي على طول..
قالها بلهفة، فتحدثت صبا وهي تترجل من السيارة:
_ افتح لي الباب اللي برا..
+
ثم وقفت أمامه حتى فُتح تلقائيًا عند فتح عاصم له من الداخل، لم تكاد تخطو مسافةً بعد حتى وجدته يستقبلها بإبتسامته المُشرقة:
_ البيت نور يا دكتورة..
+
ارتسمت ابتسامة على شفاه صبا، ورحبت به أيضًا:
_ دا نور أصحاب البيت يا باشمهندس..
+
حمحم عاصم ولم يجد من الكلمات ما يقولها، فخرجت كلماته مُندفعة دون تفكير:
_ جيتي مخصوص ليه؟ كنتي قوليلي وأنا أجيبهم لغاية عندك..
+
نظرت إليه صبا في حرجٍ، فشعر بالحرج لاندفاعه وبرر مقصده:
_ قصدي يعني مكنتيش تعبتي نفسك كل المسافة دي..
+
أماءت صبا بتفهمٍ ثم أوضحت سبب مجيئها:
_ أنا كنت راجعة من المستشفى، فحبيت يكون مشوار واحد
+
هز الآخر راسه واكتفى بذلك القدر من الكلمات، فكانا قد وصلا إلى باب البيت، فدعاها عاصم إلى الدخول بيده:
_ اتفضلي خدي راحتك، أنا هستنى هنا
+
بامتنانٍ ظاهري ابتسمت صبا في وجهه ثم ولجت بِخُطاها حتى بلَّغت الغرفة وأخذت تُجمع بعض الأشياء التي نسيتها هنا، وبعد أن انتهت عاودت النزول، تلك الأثناء؛ فوجئ عاصم بخروج زينب من بيتها مُقبلة نحوه، فابتسم بعذوبة مستقبلها بترحاب حار:
_ يا أهلًا يا أهلًا بالجارة العزيزة..
+
_ حاسة إن حضرتك زهقت مني، هنا وفي الشغل كمان، كتير..
قالتها ضاحكة فضحك عاصم ونفى وجود أي مللٍ:
_ لأ، متقلقيش موصلتش لمرحلة الزهق لسه
+
هتفها مُمازحًا فاستشفت مُزاحه وأردفت وهي تُناوله طبقًا مغلف بالورق الحراري موضحة ما هذا:
_ كنت بعمل غدا بكرة عشان مش بلحق أعمل حاجة قبل الشغل، وقولت يمكن تحب تجرب نوع حلويات جديد..
+
ضاق عاصم بنظره عليها أولًا ثم أخفض بصره على الطبق وتساءل بحماسٍ:
_ إيه دا طيب؟
+
إلتوى ثغر زينب للجانب قبل أن تردد:
_ ممم خمن..
+
_ لا مش عارف، مش قادر أحدد بالظبط
هتفها بجدية فتحدثت الأخري مستاءة:
_ يعني حضرتك عرفت ريحة القرع العسلي اللي جوا شنطتي ومش عارف تحدد الطبق وهو قدامك؟!
+
_ يمكن عشان مش جعان؟!
قالها فعبست زينب وأردفت بملامح بها ظلال من الحزن الخفيف:
_ إيه دا يعني حضرتك مش هتاكل من أم علي؟
+
رمقها عاصم عند عِلمه بما أحضرته دون أن يُبدي أي دهشة فتعجبت الأخرى من عدم إظهار لهفته تلك المرة وتساءلت بترددٍ:
_ حضرتك مش بتحبها ولا إيه؟
+
حك عاصم مؤخرة رأسه بحرجٍ وارتباك واضحين ثم أجاب سؤالها بكلماتٍ متلعثمة:
_ ممم، مش أوي، يعني مليش فيها بس ممكن ادوق..
+
ارتسمت البهجة على وجه زينب التي اختفت ابتسامتها فجأة عند رؤياها خروج صبا من البيت، شعرت بوخزة قوية في صدرها أضاقت رَحِبها، فلقد تجمعت بعض المخاوف في عقلها بأن تعود علاقتهما مجددًا.
+
وبينما هي مُنهمرة بين أفكارها وخوفها تفاجئت صبا بوقوف زينب مع عاصم لكنها لم تكن منزعجة، بل أرادت معرفة إلى أي درجة قد اجتازاها.
+
_ إزيك يا زينب، وحشاني
بادرت صبا بالحديث، فشكلت زينب بسمة على محياها وأجابت:
_ بخير، أنتِ أخبارك ايه؟
+
_ الحمد لله
اكتفت بها صبا بينما لم تستطع زينب منع فضولها حول مجيء صبا، حمحمت قبل أن تردف بودٍ زائف:
_ بقالي فترة كبيرة مشوفتكيش هنا..
+
استشعرت صبا ما يدور خلف سؤالها، وما كان عليها إلا أنها ابتسمت بهدوءٍ وأجابتها بكلماتٍ تُطَمئنها:
_ كان في حاجات نسيتها هنا، جيت أخدها، من حُسن حظي إني شوفتك، الله أعلم هنتقابل تاني امتى...
+
نجحت صبا في اطمئنانها، حيث تشكلت البهجة على تقاسيم زينب التي ابتسمت، وما كادت تفعل حتى انتبه الثلاثة على وصول سيارة عبدالله.
+
فلم يحب عاصم الالتقاء به وقرر الإنسحاب حيث وجه حديثه إلى صبا:
_ تعالي يا صبا لما أوصلك..
+
رفضت صبا مُعلِلة وهي تُشير بعينيها نحو الباب:
_ لا مفيش داعي، التاكسي مستني برا..
+
تلك اللحظة زفرت زينب أنفاسها براحة لرفض صبا، فلقد شعرت بالضجر عندما رسم عقلها خلوتهما والذي سيترتب عليها، بينما أماء عاصم بتفهمٍ وقال بصوت أجش:
_ طب أنا هدخل لو مش محتاجة حاجة تاني
+
_ لا لا أنا كدا تمام، شكرًا يا باشمهندس، تصبح على خير
هتفتها صبا فاختصر عاصم حديثه قائلًا:
_ وأنتِ من أهله
+
ثم وجه بصره نحو زينب وأضاف:
_ عن إذنك يا زينب
+
اكتفت الأخرى ببسمةٍ، فأولهن عاصم ظهره وتوجه إلى باب البيت، تحت نظرات زينب التي لم تُرفع من عليه، غير آبيه لنظرات صبا التي تُراقبها في صمتٍ انتهى ببسمةٍ أخفتها سريعا.
+
تلك الأثناء ترجل عبدالله من سيارته؛ فتفاجئ بخروج أبيه من البيت فور وصوله وهرولته نحوه بِخُطى غير متزنة مُرددًا بهلع:
_ إلحقني يا عبدالله، إلحقني يا بني، أحلام مش بتتحرك خالص..
+
_ يعني إيه مش بتتحرك؟!!
رددها عبدالله دون استيعاب، ثم انطلق بأقدامٍ كأن بها مُحركًا جعلته يهرول بسرعة فائقة، فكاد يعاود قاسم ويحلق به إلا أن بصره وقع على صبا المُرافقة لزينب، فلم يتردد وتوجه نحوها مُسرعًا.
+
وهلل عاليًا قبل أن يصل إليهن:
_ يا صبا، أنتِ جيتي لي نجدة يا بنتي، إلحقيني
+
انتبهت عليه صبا وقد تشكل القلق على تقاسيم وجهها عند رؤيتها لقدومه بذلك الشكل نحوها، وكذلك لم تكن أقل منها زينب قلقًا، فلقد دبَّ الرُعب قلبها وهرولت نحوها بِخُطى مُتعثرة مُتسائلة برُعبٍ:
_ في إيه يا عمي؟
+
_ أحلام.. أمك يا زينب
قالها بتلعثمٍ من بين أنفاسه المتعالية، وقف يلتقط أنفاسه تحت نظرات الأخريات المريبة، لكنه ما لبث أن استعاد قاسم جزءًا من توازنه حتى أوضح مقصد كلماته:
_ فجأة معدتش بتتحرك خالص، تعالي يا بنتي طمنيني عليها..
+
صعقت زينب وكانت أول من هرول إلى البيت، بينما لحقا بها قاسم وصبا في الحال، تحت نظرات عاصم المُراقب لما يحدث من أحد نوافذ البيت العُلوية، انعقد حاجبيه تلقائيًا فلقد شعر بثَمة أمرًا سيء يحدث وقرر النزول ومعرفة ما الأمر.
+
في الداخل؛ وصل عبدالله إلى فراش والدته المُستلقية أعلاه، أخذ يَهُزها يمينًا ويسارًا مُناديًا عليها:
_ أحلام، مالك أنتِ تعبتي ولا فيكي إيه
+
انحنى بجسده عليها واقترب من أنفها وقام بسماع
أنفاسها فلم يشعر بهم، خفق قلبه رعبًا وقرر إستخدام يده للشعور بأنفاسها، فوضعها أمام أنفها حتى أنه كتم أنفاسه حتى لا تخدعه وتؤثر على عدم شعوره بها.
+
فلم يشعر بشيء، ارتجف صدر عبدالله بأنفاس متلاحقة، تجمَّدت قدميه وهو يتطلع بها مذهولًا لا يقدر على الحِراك، وفجأة استمع إلى صوت صبا التي اقتحم الغرفة وحثته على التحرك:
_ خليني أشوفها يا عبدالله..
+
تراجع خُطوة إلى الوراء وقد خالط صوته ارتجاف واضح وهو يهمس:
_ مش حاسس بنفسَّها يا صبا، أمي مش بتتنفس!
+
أدارت صبا رأسها حيث يقف ورمقته بعيون مُتأثرة للهجته التي آلمت قلبها، ثم عاودت فحص أحلام بعناية، تجمَّدت مكانها وأصبحت ثابتة لا تتحرك ولا تواجه الآخرين.
+
فدبَ الرُعب أوصال الواقفين؛ وكان قاسم أول من تقدَّم نحوها مُتسائلًا بتوجسٍ خيفة:
_ فيها إيه يا بنتي؟ أحلام مالها؟
+
اهتز كيان صبا، ورجف جسدها فجأة، نهضت عن مكانها ولم تستطع النظر في أعينهم، وبصوتٍ بالكاد سمعوه تمتمت:
_ البقاء لله..
1
سقطت الكلمة على سمعهم بُبطءٍ موجع لم يستوعبوه، وكأن الصوت انقطع من العالم حولهم، لم يفهم أحدهم في البداية ما قيل، فكانوا ينظرون في وجوه بعضهما البعض يُريدون تكذيبٍ يُريح قلوبهم.
+
_ البقاء لله في مين؟ متقوليش على أمي كدا..
هتفها عبدالله غير مصدق ما قالته، ثم اقترب من والدته وانحنى عليها محاولًا إيفاقتها بهزها على جانبيها:
_ قومي يا أحلام، بلاش تعملي كدا بالله عليكي، أنتِ عارفة أنتِ غالية عندي إزاي، وأنا كمان عارف إن خضتي عندك غالية ومش ههون عليكي، يرضيكي طيب ابقى شحط كبير كدا وابقى يتيم؟
أنا بعدك مش هقدر، مش هقدر والله
مين اللي هيطبطب عليا وقت زعلي؟
هجري على مين أفرحه وقت فرحي؟
مين اللي هياخدني في حضنه غيرك؟ حضن من غير يِساع وجعي يا أحلام؟
+
انحنى على يدها وظل يُقبلها دون توقفٍ وهو يُدرك خسارتها التي لا تعوض:
_ موت إيه؟ إحنا متفقناش على كدا..
+
عاد إلى ملامح وجهها الساكنة، ملامح انطفأت منها الحركة، وشحب لونها قليلًا، كانت جامدة في هدوء يُشبه النوم العميق، أطال النظر بها دون تصديقٍ، ظنًا منها أنها ستُعيد فتح عينيها للحظة وتعود إليه من جديد، وعندما طالت المدة والحال كما هو عليه حدَّثها مُعاتبًا إياها:
_ فاكرة لما قولتي ليا، عمري ما هسيبك في يوم؟
جه اليوم أهو وبقيت لوحدي، أنتِ عمرك ما خِلفتي وعد ليا، اشمعنا دلوقتي؟
طب هيهون عليكي وجع القلب اللي هعيش فيه بسببك؟
هان عليكي تسبيني وتمشي؟
طب أنا أعمل إيه دلوقتي؟
قوليلي أعمل إيه، مش عارف
مش عارف، أنا مهما كبرت لسه العيل اللي بترسمي له الطريق
إزاي تمشي وتسبيني تايه كدا؟
+
وعندما أدرك لحظتها أنها لن تُجيبه، وأنها ذهبت بالفعل، سقط بإهمالٍ على الأرض، جلس القرفصاء ونظر في الفراغ أمامه وأجهش باكيًا بصوتٍ اهتزت له أعمدة الغرفة.
+
بينما وقف أمامه قاسم مذهولًا، كأن الزمن وقف من حوله، لا يُدرك ما حوله سوى صدى الخبر الذي هز كيانه، بدا وكأن الصدمة شلّت حركته، فلم يُبدي أي تعابير، كان خبرًا ثقيلًا على عقله الذي رفض تصديقه.
+
عيناه تُحدقان بأحلام، صدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطعة، شعر بالفراغ داخله، وجهل بأي شعورٍ عليه أن يعيشه الآن.
+
تلك الأثناء لم تتحمل زينب المكوث في الغرفة بعد صدمتها في فراق حبيبة فؤادها، فلقد سيطر الهلع قلبها وفرت هاربة خارج الغرفة لعدم استطاعتها على تقبل تلك الفجيعة.
+
اصطدمت بجسدٍ فرفعت رأسها متفقدة هويته، وما أن وجدته عاصم حتى خارت قوة تماسُكها وازداد انهيارها، ثم صرخت بصوتٍ مرتجف واهِن:
_ ماما، ماما...
+
تفاجئ عاصم بهلعها، خفق قلبه رُعبًا وفشل في التعامل، لكنه تمالك نفسه وتحلى بالقوة ثم سألها:
_ إهدي طيب وقوليلي مالها؟
+
_ ماتت!!
قالتها ثم خرت واقعة؛ فلم تعد قدميها تحملها، كان خبرًا صاعقًا لم يصدقه عاصم في البداية، تفاجئ بسقوطها دون سابق إنذار فمال بجسده نحوها ثم جسى على ركبتيه محاولًا فِعل أي شيء يجعلها تهدأ.
+
_ إهدي يا زينب، لو سمحتي متعمليش كدا..
كلماته لم تُضمد ذلك الجرح الحديث، فهي لم تصغي إلى كلامه من الأساس، ظلت تصرخ غير واعية لما تفعله فما كان من عاصم إلا أنه قام بضمها بكل ما أوتي من قوة، يعلم أنه قد اخطأ بِفعلته لكنه أراد تقديم المساعدة فقط.
+
شدَّ عاصم على ظهرها فشعر باهتزازة جسدها القوية التي كان يتردد صداها داخل صدره، فظل يربُت على ظهرها بحنانٍ هامسًا بعض الكلمات لربما يُمكنه تهدئتها:
_ ششش اهدي، من فضلك يا زينب..
حاولي تتنفسي، خدي نفس طويل وخرجيه بهدوء
+
فعلت زينب ما يخبره إياه دون إدراكٍ، وكأنها مسلبة الروح، هدأت رجفة جسدها لكنها ما زالت تطلق آنينًا موجوع، تلك الأثناء تراجع عاصم للخلف بهدوء وتفقدها فوجد جسدها مُتراخيًا يترنح يمينًا ويسارًا.
+
فلم يُبعد ذراعيه عنها، بل كان محاوطها جيدًا حتى لا تهوى أرضًا، ثم نهض وساعدها على الوقوف، فنهضت بالإتكاء على ذراعيه، فلم يفضل عاصم إعادتها إلى البيت في تلك الحالة، حتمًا لن تجد من يشد أزرها، بالتأكيد الجميع في حالٍ يرثى له.
+
اصطحبها إلى الفيلا خاصته، ثم ساعدها على الجلوس، فعاد نحيبها من جديد، فلم يكف عاصم عن ترديد بعض الكلمات ربما تخفف من حزنها:
_ أنا عارف إن مفيش كلام هيداوي، بس أنا جنبك يا زينب، خرجي كل اللي أنتِ حاسة بيه ومتخافيش من وجودي، المهم تكوني كويسة في الآخر
+
وكانت كلماته سبيلًا قد لجأت إليه، فأجهشت في البكاء المرير، لم يجف جفنيها من الدموع، وكلما شعرت بالهدوء قليلًا تعاود إليها نوبة نواح من جديد.
+
لم يتدخل عاصم، بل ترك لها مطلق الحرية في إخراج مشاعرها الحزينة حتى تصبح بخير، لكنه كان مشفقًا لعيشها فجعة الموت المفاجئة تلك.
+
****
+
كانت جامدة، لا تقدر على الحركة من هول الصدمة، كانت ترى انهيار عبدالله بالكامل ولا تقدر على مواساته، فأي مواساةٍ تستطيع تقديمها لتلك الخسارة؟
+
لكنها الوحيدة التي يجدر عليها فِعل أي شيء، شهيقًا وزفيرًا فعلت صبا مِرارًا، ثم حركت قدمها وتوجهت ناحية أحلام، ثم قامت بدسر الغِطاء أعلاها حتى لم يعُد يظهر منها شيء، فانتبه عبدالله على فِعلتها وهب واقفًا ثم أزاح عن والدته الغطاء وهو يصرخ في صبا دون وعيٍ:
_ أنتِ بتعملي إيه؟ متغطيش أمي كدا تاني، أمي كانت بتتخنق لو حاجة لمست وشها أنتِ سامعة!
+
بكت وبكت ولم تكُف عن البكاء لحظتها، ثم هتفت محاولة إدراك عقله بأن روحها قد زهقت إلى ربها:
_ عبدالله، آبلة أحلام مش حاسة بحاجة... لازم نغطي وشها..
+
باستنكارٍ تام صرخ كطفلاٍ ضائع:
_ مش هنغطي حاجة، ومش هنعمل حاجة، هي حاسة بكل اللي بيحصل، هي حاسة بيا وبوجع قلبي..
+
أخفض نظره حيث والدته وأضاف وهو يُحادثها:
_ صح يا أحلام، أنتِ حاسة بيا ومش هتخليني أعيش الوجع دا عليكي صح؟
يا أحلام..
+
ناداها مِرارًا دون فائدة، فواصل حديثه على أمل أن ترُد في مرةٍ:
_ طب أنا تعبان ومحتاج لحضنك، مش هتقومي تفتحي لي دراعك وتقوليلي حضن أمك موجود يا عبدالله؟!
+
لم يجد رد يُرضيه فجن جنونه وخرج عن السيطرة وصرخ بعويلٍ ضاعف الألم داخل صبا التي تبكي بصوتٍ مفجوع لحالته، جاهدت نفسها وهتفت من بين بكائها:
_ عشان خاطري متعملش كدا، هي في مكان أحسن يا عبدالله..
+
لم تُنهيها بعد وقد وجدت منه تحذيرًا بسبابته التي وُضعت أمام وجهها:
_ بس بس، اسكتي
+
قالها ثم أسرع في التمدد بجوار والدته وقام بمحاوطتها بذراعيه مُعانقًا جسدها الزاهق، مُستندًا برأسه على صدرها، فتساقطت دموعه على ملابسها، ما يفعله كان يزيد شفقتة وآسى صبا التي جهلت التعامل في ذلك الموقف.
+
خرجت من حالتها على صوت قاسم الهزيل من خلفها:
_ لو سمحتي يابنتي كلمي صحابه يكونوا جنبه..
+
أماءت صبا بقبولٍ، وسرعان ما انسحبت من الغرفة ونحيبها لا يقل، حاولت أخذ بعض الأنفاس لتسطيع إعطاء أصدقائه خبرًا، وقفت لوهلة تبحث بين الأرقام على أسمائهما فلم تجد، إنها لا تمتلك أرقامهما أساسًا، هدَّأت من روعها وجاءت برقم ليلى، حاولت ضبط أنفساها المضطربة، وانتظرت رد ليلى التي لم تُجيب من الإتصال الأول، فأعادت صبا الإتصال حتى أجابت الأخرى ببعض القلق لتلك المكالمة المفاجئة:
_ صبا..
+
بصوتٍ متهدّج وكلماتٍ مُبعثرة أردفت صبا:
_ مساء الخير يا ليلى..
+
توجست ليلى خيفة في نفسها من خلف نبرة صبا المُتعثرة ورددت بقلبٍ يخفق بقوة:
_ مساء النور، صبا حبيبتي أنتِ كويسة، صوتك مش تمام..
+
ابتلعت الأخرى ريقها وزفرت بعض الأنفاس قبل أن تخبرها:
_ آبلة أحلام توفت يا ليلى، عرفي زكريا يجيب وليد ويجوا ضروري، عبدالله في حالة صعبة أوي ومحدش عارف يتعامل معاه!
+
تجمَّدت ليلى من الصدمة وبهت وجهها وأخذت تردد بعدم تصديق:
_ لا حول ولا قوه الا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون..
+
لم تطيل صبا المكالمة وأنهتها على الفور، ثم أجهشت باكية، حتى انتهبت على وصول أحد الرسائل على الواتساب خاصتها فتفقدتها، كان عاصم المرسل إليها، فقامت بفتح المحادثة وقرأت ما أرسله:
_ زينب عندي.. وضعها صعب لو تقدري تيجي تكوني جنبها
+
وضعت صبا علامة القبول على كلامه، ثم التفتت برأسها ونظرت إلى عبدالله الذي يحتضن جسد والدته وتنهمر دموعه بنواحٍ، كم تمنت تقديم مساعدة خاصة له، لكن كيف؟
فالظروف تحول بينهما، وقيَّدتها مكانتها عن الإقدام،
عاقتها جميع السُبل لتقديم مساعدةً كان عليها القيام بها وحدها، هي فقط من كان يُتيح لها عِناقه والربت على ظهره وتركه يبكي على كتفها حتى يهدأ.
فالقدر عاق، والكون حال، ومشيئة الله لم تأذن.
+
لم تستطع تركه والذهاب تلك المرة، لم تنجح العوائق على توفير فرصة الهرب من واجبها تجاهه، هو بحاجة إليها حتى إن لم تنبس بحرفٍ، يكفيها مجاورته ومشاركته فجيعة مصابه.
+
تلك الأثناء؛ أعادت الإتصال بـ ليلى التي أجابت على الفور فقالت صبا برجاء:
_ لو سمحتي يا ليلى تعالي أنا لوحدي هنا ومش عارفة اتعامل، محتاجة حد يكون جنب زينب..
+
أبدت ليلى قبولها، ثم أنهت الإتصال فعاودت صبا الدلوف إلى الغرفة، فتفاجئت بوقوف قاسم مكانه، لم يُحرك ساكنًا، بل ظل على الوضع نفسه منذ عِلمه بخبر وفاة أحلام.
+
عضت صبا شفاها بتأثرٍ شديد، ثم توجهت نحوه أولًا وقالت:
_ اقعد يا عمي، لا قدر الله ممكن يحصلك حاجة..
+
_ هو لسه هيحصل يابنتي، ماهو خلاص أحلام ماتت!! هيحصل ايه أكتر من كدا..
همس بها قاسم فكادت تنفجر صبا باكية لكنها تماسكت، حتى أنها كتمت أنفاسها لِتُسيطر على نوبة بكائها ثم أطلقت الحُرية لأنفاسها الحبيسة، وحاولت التخفيف من عليه ببعض الكلمات:
_ عشان خاطري تعالى أقعد هنا..
+
ساعدته حتى جلس على الأريكة ثم بحثت بعينها سريعا في الغرفة حتى وقع بصرها على كتاب الله، وقامت بجذبه ثم أعطته إياه وقالت:
_ أحسن حاجة تصبر بيها قلبك، كلام ربنا..
+
لم يتردد قاسم وقام بأخذه منها، فتح أولى صفحاته وبدأ يتلوا بصوتٍ مرتجف، وعلى الرغم من حزنه الشديد الذي تبدد داخل قلبه إلا انه كان صامدًا لم تسقُط منه دمعة واحدة، كان يعيش حداده داخليًا لا يراه أحد، فيحسبه الآخرين بقلبٍ صلب صبور على الشدائد.
+
***
+
طلع الفجر على الجميع باهتًا، لكن دِفئه لم يصل إلى قلوبهم التي أطفأها الفقد، وأشرقت الشمس على وجوهٍ انهكها البكاء، كأن الضوء عجز عن اختراق وجعهم.
+
كان الجميع متواجدًا في بيت المزرعة، جميع العائلات من عرفوا بمصابهم حضروا ليكونوا بجانبهم، كان الجميع جالسًا ما بين ردهة البيت والحديقة إلا من عبدالله الذي لم يتحرك من جانب والدته.
+
وصلت المُغسلة فأوصلها وليد الذي أحضرها خصيصًا، ثم أوصلها إلى قاسم الشارد لا يشعر بما يدور حوله، وقد انحنى عليه وهمس:
_ عمي، المُغسلة وصلت..
+
انتبه عليه قاسم ونظر إليه بعينين حمراوين كأنه لم يفهم عليه، فأعاد وليد كلامه وهو يشير إلى المرأة:
_ المُغسلة وصلت..
+
هز قاسم رأسه ثم حاول النهوض فلم يستطع، أين ذهبت قوتك يا رجل؟ تساءل في نفسه فلم يجد إجابة، فأشار وليد إلى زكريا الذي حضر على الفور وقاما بمساعدته، فتفقد قاسم وجوهيهما كأنه يجهل معالمهما وردد:
_ شكرًا يا شباب، أنا تمام، أقدر أمشي لوحدي
+
قالها فتركه وليد أولا وتلاه زكريا ثم مشى قاسم ببطٍ شديد، كأنه يتعلم المشي للتو، وصلا إلى غرفة أحلام برفقة المُغسلة بينما وقفا الشابان في الخارج.
+
توجه قاسم بِخُطى مُتعثرة نحوهما، ووجه حديثه إلى عبدالله الذي لم تجف له عين:
_ قوم يا عبدالله، لازم نغسل والدتك..
+
لم يتحرك، لم يسمع كلماته، فهو لا يريد تركها، فتدخلت المُغسلة عندما رأت وضعه وقالت بعض الكلمات تآزره:
_ ربنا يرحمها، ادعيلها بالرحمة وادعي لنفسك بالصبر، الفراق صعب بس إحنا لازم نغسلها..
+
النتيجة ذاتها، كلماتها دون فائدة، لم تضيف إليه سوى الألم، فاضطر قاسم للجوء إلى صديقيه، فقام بالخروج وهتف فور رؤيتهم:
_ ساعدوني يا شباب الله يكرمكم، مش راضي يسيب حضنها أبدًا..
+
أماءا بالقبول وتبعوه إلى الداخل، وأول ما رآى وليد عبدالله علي وضعه ذاك فانهارت حصونه وأجهش باكيًا متأثرًا بما يراه، بينما شعر زكريا بوخزة قوية في قلبه، فتجمَّد مكانه ولم يقدر على الإقتراب.
+
فكيف يقترب منه وهو مُحطم هكذا، كيف يُبعده عن ملاذه الآمن، فهي كانت نور عينيه والنبض الأول للحياة، فكان على دِراية بمدى تعلُّق عبدالله بها، كيف الآن يُبعده عنها؟
+
_ يلا يا زكريا..
خرج من شروده على صوت وليد الذي حثه على التحرك، فتقدم بخطواته تجاه عبدالله، ثم انحنى بجسده ليكون أقرب إليه وقال بصوتٍ مهزوز:
_ عبدالله، أنا آسف يا صاحبي، بس لازم تسيبها..
+
محاولة أخرى دون فائدة أيضًا، فاضطرا إلى إبعاده عنوة، قاموا بسحبه بكل ما أوتوا من قوةٍ، فصرخ الآخر رافضًا تركها:
_ متبعدونيش، خلوني جنبها، معتش هشوفها تاني، بالله عليكم تسيبوني..
+
كان يهتف متوسلًا إليهما من بين محاولاته في العودة إلى والدته، لكنهما أحكما من إمساكه ونجحوا في إخراجه من الغرفة تحت صُراخٍ منه لا يتوقف.
+
تلك الأثناء ؛أحكم قاسم من توصيد الباب حتى لا يعود مجددًا، فدفع عبدالله بصديقيه بعيدًا وعاد إلى الباب وظل يطرق عليه بعنفٍ مُرددًا:
_ خليهم يفتحولي يا أحلام، عايزين يبعدوني عنك، قوليلهم خلوه جنبي...
+
هدأ طرقه تدريجيًا وهمس بخفوت:
_ ياما...
+
قالها ثم هوى أرضًا فركض نحوه صديقيه وقاموا بالجلوس أمامه، فكان وليد أول من واساه:
_ يا صاحبي متعملش كدا، اهدى الله يباركلك، هيجرالك حاجة..
+
كان عبدالله تاركًا نفسه، لا يستطع التحكم في توازن جسده، نظر إلى وليد وقال بنبرة باكية مهزومة:
_ أمي ماتت يا وليد..
+
قالها وقد خارت قواه وازداد نواحه الذي يقطعه بعض الشهقات القوية التي تهز جسده، فقام زكريا بسحبه إلى صدره فلم يجد صعوبة في ذلك فكان جسده خاويًا كما لو لم تكُن به روح، ربتَّ على ظهره وشاركه البكاء ولم يبتعد على أمل أن يهدأ من جرحه.
+
بعد مرور بعض الوقت، كانت المُغسلة قد أعدّت أحلام للغُسل، كان يرافقها قاسم وزينب، وكانت تعطيهم المُغسلة التعليمات ويفعلون ما تخبرهم عنه.
+
وبينما كانت زينب تنهمر دموعها بغزارة، كان قاسم قويًا ثابت النظرات، لا يجزع ولا يظهر عليه انهياره الذي يخفيه داخله، توقف فجأة عما يفعله ثم انحنى على جبينها وطبع قُبلة وداع طويلة قبل أن يهمس:
_ مع السلامة يا حبيبة القلب..
مع السلامة يا أحلى مافي العمر وفراقك آمر مافيه
استودعك الله الذي لا تضيع ودائعه يا نور عيني
+
أنهاها ولم يستطع المكوث لحظتها ففر هاربًا إلى الخارج، عندما خانه رِباط جأشه تلك الأثناء، بينما تابعت المُغسلة حتى انتهت ثم تركتها وغادرت.
+
***
+
حان موعد صلاة الظهر، فعمَّ النداء أرجاء المكان، ودعا المؤذن القلوب قبل الأجساد، وقف الجميع يؤدون صلاة الظهر ثم تلاها صلاة الجنازة بعد أن وقف إمام المسجد يلقي كلمة الوداع.
+
كان عبدالله واقفًا بعقلاٍ خاوٍ، وجسدٍ فارغ، يتطلع في الفراغ أمامه دون الشعور بأي شيء، يترنح جسده يمينًا ويسارًا، ثم يقف بثباتٍ ويعاود الترنح من جديد، حتى دعا المؤذن إلى صلاة الجنازة.
+
فخارت قوة عبدالله الذي صدحت شهقاته القوية أثناء الدعاء لوالدته، انتهت الصلاة وقام الشباب بِحمل النعش، كان عبدالله يبادرهم في حمل والدته، ثم مضى الجميع سيرًا حتى بلغوا المقابر.
+
وقاموا بوضعها، ثم انسحب الجميع تاركين الأهل يأخذون مساحتهم في الدعاء، فوقف قاسم وهتف بصوتٍ عال:
_ محدش يمشي يا جماعة بعد إذنكم، هي في أكتر وقت محتاجة فيه للدعاء لقول نبينا:
' استغفروا لأخيكم، وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يُسأل'
+
تراجع البعض عن الذهاب ووقفوا جميعًا يدعون لها حتى مضى ما يُقارب الساعة فغادر الجميع، إلا من عبدالله الذي رفض الذهاب وجلس أمام باب المقبرة وأسند رأسه عليه ثم حادث والدته:
_ بيقولوا إنك سمعاني، أنا يمكن مقولتش الكلام دا في وشك قبل كدا، بس بحبك أوي ياما..
أنا المفروض مكنش خايف لأني أنا اللي برا، بس قلبي بيترعش، حاسس إحساس وحش أوي، كأني عريان..
أنا مش قادر أمشي وأسيبك هناك لوحدك..
+
كان وليد مُرافقًا له لكنه يقف على بُعدٍ تاركًا له الحرية في التعبير، بينما ذهب زكريا مع قاسم ليتولى هو مهمة نصب سُرادِق العزاء حتى يُسهِل على قاسم الإجراءات اللازمة فهو في حالٍ لا يمكنه فعل شيء بمفرده.
1
***
+
بعد مرور ثلاثة أيام؛ في مساءِ اليوم الأخير من أيام العزاء، انتظرت صبا حتى انصرف الجميع وبات عبدالله برفقة صديقيه ووالده فقط، ولجت السُرادِق بِخُطى ثابتة فانسحب الجميع تاركين لهما المساحة الكافية للحديث.
+
كان عبدالله شاردًا في الفراغ أمامه لم ينتبه عليها حتى جاورته هي تاركة بعض المسافة بينهما، وبعد أن زفرت أنفاسها مرات عديدة بدأت حديثها المتلعثم:
_ ربنا يرحمها يا عبدالله، الفراق صعب، بس الأصعب إنها تكون قدامك بمرض الوضع فيه بيتدهور لدرجة متقدرش تستحملها
قلبك مكنش هيكون مرتاح أبدًا وأنت شايفها بتتأذى بالشكل الصعب دا
ربنا رحيم ولطف بيها..
+
سحبت نفسًا عميق قبل أن تواصل:
_ ابتلاء صعب أنا عارفة بس..
+
قاطعها عبدالله بأسلوبه الهادئ رغم كلماته المُعاتبة:
_ لا أنتِ متعرفيش حاجة، محدش يعرف الإحساس دا غير اللي بيعيشه وبس، كل دا كلام مُسكنات بتقوليه عشان أبقى كويس، بس أنا مش عارف أكون كويس..
قلبي محدش حاسس بوجعه غيري..
+
ابتلع ريقه واسترسل مواصلًا بنبرة مُتهدّجة:
_ طول أيام العزا كنت محتاجِك جنبي..
+
_ أنا كنت جنبك طول الوقت يا عبدالله!
هتفتها فاستنكر ردها وأردف مُهاجمًا:
_ كنت عايزك جنبي وأنا يحق لي اترمي في حضنك وأعيش حُزني عليها معاكي، بس معرفتش، عشان ميحقليش أصلًا أعمل كدا..
أنتِ مش من حقي يا صبا..
إحنا بقينا بُعاد أوي
قومي إمشي وشوفي حياتك وانسيني..
+
أنهاها بقلبٍ ينفطر حُزنًا على انسحابه من تلك العلاقة الغير مفهومة، نهض فجأة ومضى بِضع خُطوات مُبتعدًا عنها فتساقطت عبراتها بغزارة ونادته بقلبٍ موجوع:
_ متقولش كدا يا عبدالله..
يا عبدالله..
+
لم يلتفت لها وتابع سيره حتى اختفى طيفه من أمامها فازداد نحيبها، تلك الأثناء وجدت يد جلال ممدودة إليها ثم أردف:
_ يلا صبا، معتش فيه داعي نستنى أكتر من كدا
+
رفعت صبا عينيها اللامعة على أخيها، فحثها على الذهاب، تفقدت صبا مكان اختفاء عبدالله ثانيةً على أمل عودته لكنها لم تجده، فتعلقت بيد أخيها وسارت بجواره ورأسها مُنحني على كتفه تطلق آنات خافتة موجوعة على حبهما الضائع الذي ليس مُقدر لهما أن يلتقيا.
+
***
+
عاد قاسم إلى بيت المزرعة بمفرده بعد أن رفضا عبدالله وزينب العودة معه، فضلا المكوث في بيتهما الآخر تلك الفترة، وما أن بلغ قاسم باب البيت حتى خارت قواه، وضعفت نفسه ولم تعد قدميه باستطاعتها حمله.
+
فلقد تبخر تماسكه وتصنعه بالقوة والصلابة وبدت عليه أمارات الوهن، وقف عاجزًا لا حيلة ولا قوة كأن الحزن نخر في عظامه، تدلت كتفاه وانطفأ بريق عيناه.
+
وبصوتٍ واهن ضعيف تمتمَّ:
_ الظاهر مكتوب على البيت دا يفضل فاضي يا أحلام، دخلتيه وخرجتي منه بسرعة البرق، ولما فكرت إن الدنيا ضحكت لي والأيام هتعوضني ودخلتيه تاني خرجتي منه بس المرة دي بلا عودة...
فراقك صعب أوي يا أم عبدالله، مش قادر استحمله..
1
هتف بها ثم خر واقعًا دون مقدمات...
+
***
+
رواية علي دروب الهوي الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم تسنيم المرشدي
بعد مرور بِضع ساعاتٍ؛ استعاد عبدالله جُزءًا من رُشدِه، تفقد المكان من حوله بنظرة سريعة حتى وقعت عينيه على قاسم الذي يتطلع به في انتظار صحوته.
اعتدل عبدالله في جلوسه وفرك عينيه بتعبٍ قبل أن يردد:
_ هو فيه إيه؟
كان قاسم يضع قدمًا على الأخرى، أزاحها ومال بجسده للأمام حيث يكون قريبًا منه، وأجاب سؤاله:
_ أنا اللي عايز أفهم في إيه؟ وِصلت تتعاطى مخدرات؟
باستنكارٍ لمبالغته هتف عبدالله مُستهزءًا:
_ أتعاطى إيه بس، هي مرة بتتحسب تعاطي خلاص؟!
_ ماهو مرة بتجيب مرة في مرة للغاية ما يبقى تعاطي رسمي!!
قالها قاسم وقد انعكست نبرته ومالت إلى الحِدة والحزم مُضيفًا بِحاجبان معقُودان بضجرٍ:
_ أنت للدرجة دي ضعيف؟ كل ما يحصلك حاجة تهرب ومتواجهش، وياريت بتهرب لحاجة نقدر نبلعها، لكن دا أنت بتإذي نفسك من غير ما تحس..
هب عبدالله واقفًا غير مُتقبلًا عتابه وصاح بحنقٍ وهو يتخطاه بِخُطواته:
_ أنت قولت بنفسك أهو، نفسي! أأذيها بقى أحرقها أنا حر!
_ ويا ترى أحلام كانت هتكون مبسوطة وأنت بتإذي نفسك كدا؟
أردفها قاسم مُتعمدًا ذِكر والدته حتى يؤثر عليه بالتراجع، فتسمَّرت قدمي عبدالله وطالع أمامه لبُرهة، ثم ابتلع ريقه وتساقطت عبراته رغمّا عنه ثم التفت بجسده ناظرًا إلى أبيه وقال:
_ أنا تعبان أوي، بُعدها تاعبني، مخليني عامل زي اللي بيحلم حلم وحش ومش عارف يفوق منه..
وقف قاسم وتوجه نحوه بِخُطى ثقيلة مُتهملة، وقام بجذبه إلى صدره فأطلق عبدالله العنان لدموعه الحبيسة، حيث كان يهتز جسده بشدة كما تضرب شهقاته صدر أبيه من شِدتها.
فما كان من قاسم إلا أنه شدَّ بكل ما أوتيَّ من قوة على ظهره مُرددًا:
_ بسم الَّله على قلبك حتى يهدأ.. الله يرد سكينة قلبك ويبرد وجعك.. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، اصبر واحتسب يا عبدالله
كلماته قد أثقلت نفس عبدالله من خلف بكائه الذي ضاعف نحيبه حتى أنه مال إلى النواح، تركه قاسم يُخرج ما لديه حتى شعر باستكانة جسده فتساءل باهتمامٍ دون أن يبتعد عنه:
_ قلبك هِدَى؟
أماء عبدالله برأسه؛ فتراجع حينها قاسم إلى الخلف وتفقد ملامحه، ولوهلةً شعر بغرابتها، أخرج تنيهدة مُحملة بالهموم قبل أن يردف وهو يُشير إلى ذاته:
_ أبوك لسه موجود يا عبدالله، رمي حمولك عليه ووقت ما تحس إنك خلاص مش قادر تستحمل هتلاقي حضنه موجود، يساع وجعك، بس القاعدة في البيت وشُرب المخدرات مش الحل يا حبيبي، دا أسوأ هروب ممكن الإنسان يخدع بيه نفسه، لأن دا قاع الإكتئاب نفسه، وسيطرة كبيرة من الشيطان عليك، أنت أقوى من كدا، متسيبش الحزن يتغلب عليك ويلغي عقلك، متوجعش قلبي عليك أنت كمان، كفاية خسارتي في أمك وحسرتي على أخوك اللي مرمي في السجن
متبقاش أنت الشوكة اللي تقطم لي ضهري يا عبدالله!!
نجح قاسم في تأنيب ضميره، وشعوره بالندم حيال كل ما عاشه، وأخذ يُردف نادُمًا بعينين تلمعان:
_ أنا آسف، حقك عليا
أنهاها واقترب من رأسه مُقبلًا إياه بحرارة وأضاف بصوتٍ يكسوه حشرجةً واضحة:
_ أنا آسف إني سيبتك الأيام اللي فاتت دي لوحدك، بس أنا مكنتش قادر أدي أي حد حاجة، زينب في الأوضة اللي جنبي مش قادر أقوم أطمن عليها، سامحني يا بابا
_ مِسامحك يا حبيبي، هو مين فينا كان قادر يداوي نفسه عشان يقدر يداوي غيره، بس دا غلط وخلانا نبعد أوي عن بعض، وإحنا المفروض نكون أقوى من كدا عشان نعدي المِحنة دي، وعشان نقوم أقوى لازم نفضل سوا دايمًا..
نطقها قاسم بعزيمة لعودتهما عائلة من جديد، ثم رفع ذراعه وربتَّ على ذِراع عبدالله وأضاف بحسمٍ:
_ يلا يا حبيبي، تعالى لما ناخد أختك ونرجع بيتنا، البيت اللي أحلام جمعتنا فيه، مينفعش يفضل فاضي كدا..
اماء الآخر بقبولٍ ثم سار إلى جواره حتى بلغا كليهما السيارة، استقلاها ثم انطلق قاسم عائدًا إلى الحارة حتى يصطحبا زينب ويعودان إلى بيت المزرعة كأفراد عائلة يعمِّرُون بيتهم من جديد.
***
تململ في فِراشه بكسلٍ، ثم فتح جفونه لتضح رؤيته، فتفقد الغرفة الذي ينام بها سريعًا حتى وقعت عيناه على ليلى التي تجاوره وترمقه بنظراتٍ لم يستشف ما يوجد خلفها.
قُطب جبينه بغرابةٍ لذلك الوضع الذي كانا فيه، وتساءل مُستفسرًا عما يحدث:
_ هو في إيه؟ أنا جيت هنا امتى؟
_ أنت مش فاكر حاجة؟
تساءلت برأسٍ مائل فأثارت ربيته وردَّ على سؤالها: _ مش فاكر حاجة، آخر حاجة فاكرها لما كنت في المركز مع عبدالله وشربنا...
صمت فجأة ولم يُكمل، ثم انتفض من نومه فبات جليس الفراش، تطلع في الفراغ أمامه مُحاولًا استعادة ما حدث في الأمس، فقطعت عليه حِبال أفكاره باكمالها لحديثه الناقص:
_ شربتوا حشيش!!
اتسعت حدقتي زكريا بصدمةٍ لِعلمها ما شرباه، حدجها بعيون مذهولة ثم هتف:
_ عرفتي منين؟
_ منك.. قولت لي وأنت مش حاسس بنفسك خالص
هتفتها مُعاتبة إياه في نظراتها وصوتها الحاد، بينما هرب زكريا بنظره إلى الجانب الآخر فوقعت عيناه على صورته المنعكسة في المرآة فوجد نفسه عاري الصدر، فأخفض بصره مُتفقدًا حاله وتساءل بفضولٍ يطوق لمعرفة ما أحدثه:
_ هو إيه اللي حصل بالظبط، هو أنا عملت إيه؟
توردت وجنتي ليلى وهربت ببصرها بعيدًا عن عينيه المُثبتاتان عليه، فأثارت الريبة داخل زكريا الذي هز رأسه وهو يتساءل عما أحدثه ولا يتذكره بصوتٍ مندفع:
_ إيه يا ليلى أنا عملت إيه؟
_ معملتش حاجة..
قالتها وسُرعان ما نهضت مُبتعدة عنه فأزاح زكريا الغطاء عنه ولحق بها، ثم أمسك يدها وأعادها إليه وبإلحاحٍ ظاهر تساءل:
_ ردي عليا، وفهميني حصل إيه؟
ابتلعت الأخرى ريقها ثم هتفت بخجلٍ دون أن تُقابل عينيه:
_ قلعت قميصك وقربت مني و......
_ و إيه؟؟
قالها مُتلهفًا لسماع البقية فأجابته ليلى بعفوية:
_ وقولتلي وحشتني وفجأة نمت!!
_ مغفل!!
صاح بها ضاربًا كفوفه في بعضهما، ثم عاد ناظرًا إليها بعيون ضائقة وسألها:
_ بس أنتِ بتتكلمي معايا عادي، ونيمتيني هنا وصحيت لقيتك جنبي، مش لعله خير؟
رفعت ليلى كتفيها للأعلى مُتصنعة بلامبالاةٍ:
_ عادي يعني..
أولته ظهرها سريعًا لكنها تفاجئت بِذراعه المُتلف حول خصرِها لِيُعيديها إليه فباتت حبيسة صدره، ابتلعت ريقها وهتفت:
_ أنت بتعمل إيه، على فكرة إحنا متطلقين لو ناسي!
انحنى زكريا برأسه فكان قريبًا من عُنقها، شم عبيرها قبل أن يهمس بحرارة:
_ مش ناسي، تعالي نرجع، كفاية كدا..
قالها ثم أدارها وقام بإسناد رأسه على جبينها، شاعِرًا بأنفاسها المتلاحقة، وبصعوبة قابلتها ليلى في الحديث تمتمت:
_ اللي بتعمله دا ميصحش..
قالتها ثم أبعدته عنها لِتُغادر فهلل زكريا بيأسٍ تملك منه لمحاولاته البائسة وهو يضع كِلتى ذراعيه في منتصف خَصرِه:
_ يارب أموت يا ليلى عشان تخلصي مني
تجمَّدت ليلى مكانها، آلمتها كلمته وشعرت بالخوف الشديد خشية خسارته، استدارت بجسدها فوجدته قد أولاها ظهره فهرولت ناحيته وقامت باحتضانه مرددة بقلبٍ يخفق بقوة:
_ بعيد الشر عليك يا حبيبي..
كانت مفاجئة صادمة لزكريا الذي شعر لوهلة أنه ما زال نائمًا وهذا حُلم حتمًا، تفقدت الدماء بغزارة في عروقه فتسببت في زيادة خفقان قلبه، التفت بلهفةٍ يتأكد مما يحدث، ودون مجهودٍ قام بادخالها داخل صدره العاري بكل ما أوتي من قوة مرددًا بهمسٍ:
_ رديتك يا ليلى، لذمتى وحياتي وقلبي
أخذ يُقبل خُصلات شعرها فكانت أقرب إليه وتمتم من بين قُبلاته:
_ وحشتيني بشكل مش طبيعي، ياريتني دعيت على نفسي من زمان...
ما كاد يُنْهِيها حتى وضعت ليلى إصبعها على فمه هاتفة:
_ بطل تقول كدا...
انحنى زكريا برأسه قليلًا، ثم طبع بعض القُبلات أعلى جفونها، ثم انخفض أكثر فبات أمام شفتيها، ابتلع ريقه وجاهد نفسه بصعوبة بألا يلمسهما، فيغرق معها في بحورٍ خاصة لا يودها الآن حتى يثبت لها بأنها ليست مجرد جسدًا بالنسبة إليه.
تراجع للخلف وتفقدها كأنه غير مصدق آلا إليه، ثم انحنى بجسده وأحاط خَصرِها بذِراعه وقام برفعها عن الأرض ودار بها فرحًا، فضحكت ليلى عاليًا وتعلقت برقبته هاتفة:
_ كفاية أنا دوخت..
توقف ثم أنزلها وقال بحماسٍ:
_ يلا إلبسي خلينا ننزل نفطر برا
نظرت إليه ليلى متفاجئة فردد الآخر متسائلًا:
_ إيه؟
_ هو الفطار بقى بيتاكل برا؟
ردت ليلى مُبدية تعجُبها، بينما أوضح هو:
_ فطار وغدا وعشا، من هنا ورايح دلع وبس..
ارتسمت البسَّمة على شِفاها، ثم اقتربت منه وأحاطت ذراعه بيدها الصغيرة، ثم رفعت رأسها للأعلى وتمتمت بنبرة تحمل من الخوف قدرًا:
_ متخلنيش أندم إني إديتك فرصة تانية، عشان خاطري يا زكريا عامل ربنا قبل ما تعاملني، قبل ما الشيطان يحاول يلعب في عقلك افتكر إني وثقت فيك تاني، إوعى تخون ثقتي دي..
رفع زكريا يُمناه ثم تحسس وجهها بنعومة وهمس بصوتٍ خافت:
_ الكلام سهل يتقال وبرده سهل يتنسى، الأيام بينا وهتشوفي بعينك وهتعيشي بنفسك..
اقترب من وجنتها وطبع قُبلة سريعة ثم أضاف:
_ يلا روحي إلبسي..
كانت ليلى مُتعجبة من هروبه الملحوظ كلما اضطر إلى لمسها، فلم تتوقع جِهادًا قاسٍ كالذي يعيشه، ابتسمت داخلها لإثباته بأنه لا يراها جسدًا فقط، أخرجت زفيرًا على مهلٍ ثم توجهت إلى الخزانة وقامت بلقف بعض الملابس لها ووقفت ترتديهم.
وكذلك فعل زكريا تمامًا، حتى انتهوا معًا، فمدَّ لها يده وقال بحماسة:
_ يلا..
لم تُمانع وقد شبَّكت يدها في فراغ يده، ثم سارت معه حتى خرجا من الباب وترجلا السُلم، وقف زكريا أمام شقة أبيه فتساءلت ليلى ببعض التوتر:
_ أنت وقفت هنا ليه؟
_ عشان أعرفهم إننا رجعنا لبعض...
أخبرها بنواياه فتأكد حدسها وإزدادت ارتباكًا وخجلًا من مواجهة الآخرين، لكنها لم ترفض وتركته يفعل ما يشاء، فطرق زكريا الباب ووقف ينتظر من يفتحه لهما ويده تَشُد على يد ليلى بقوة.
فُتح الباب من قِبل والده الذي تفاجئ بوجودهما، أخفض بصره على يديهما المُتشابكة وقبل أن يُعطي رد كان قد أخبره زكريا بحقيقة الوضع:
_ أنا رديت ليلى..
في البداية، كان محمد صامتًا، تلقى الخبر بسعادة أخفاها داخله حتى يتأكد من رضاء ليلى التام عن ذلك، وجه أنظاره عليها وسألها باهتمامٍ:
_ أنتِ وافقتي ترجعي له برضاكي ولا هو أجبرك؟
بهدوءٍ تحلت بيه ليلى أجابته:
_ برضايا يا عمي..
وعندما أكدت له قُبولها دون ضغطٍ، تشكلت البسّمة على محياه وهلل:
_ ربنا يصلح حالكم يارب..
ثم دنا من ليلى وأضاف هامسًا:
_ أي حاجة تحصل تقوليلي أنا وأنا عارف أشد لك ودانه إزاي؟
تفاجئ زكريا بكلامه، فأصدر طقطقةً بأصابعه ليلفت انتباه أبيه ثم صاح مازِحًا:
_ يا حاج أنا اللي ابنك..
فضحكت ليلى ومعها محمد، فانضمت إليهم هناء التي تفاجئت من مظهرهما، فارتسمت الإبتسامة تلقائيًا على ثِغرها وقالت بسعادةٍ نابعة من القلب:
_ نقول مبروك؟
أماء زكريا مؤكدًا، فازدادت ابتسامتها بهجةً، وقامت بالإقتراب من ليلى وضمتها إلى صدرها قائلة:
_ ربنا يعوض قلبك خير ويكتب لك كل جميل في أيامكم الجاية..
ربتت ليلى على ظهر هناء بمشاعرٍ صادقة تَبادلنها سويًا، فعلَّق زكريا مُستاءً على ما يحدث:
_ يا جدعان والله أنا اللي ابنكم، إيه فرق المعاملة دا
تراجعت هناء للخلف ورمقته باستنكارٍ قبل أن تهتف مستاءة:
_ من هنا ورايح إحنا في ضهر ليلى وبس، فكر بس تزعلها وأنت هتلاقي اللي عمرك ما شوفته مننا..
_ ااه طيب
أردفها زكريا ثم نظر إلى يمينه حيث تقف ليلى ووجه حديثه إليها:
_ يلا يا بنتي، واضح كدا إنهم متفقين عليا..
ضحكت ليلى وودعت الآخرين ثم ترجلت معه بقية السُلم، حتى خرجا من البناء، فتفاجئ زكريا بوجود سيارة عبدالله أمامه، تفقد ليلى بإبتسامةٍ لم تعرف معناها، ثم سحب هاتفه وقام بعمل اتصالًا، وتحدث فور إجابة الآخر:
_ ولا يا وليد، عربية عبدالله بتعمل إيه تحت بيتنا؟
_ ما إحنا رِجعنا بيها امبارح، أومال كنت هرجع بيك وأنت في حالتك دي إزاي، يسلم عمي قاسم إدالي المفتاح وجينا بيها..
أخبره وليد، فتحدث الآخر بتلهفٍ:
_ طب احدف لي المفتاح..
_ ليه رايح فين؟
تساءل وليد مستفسرًا فرد زكريا وهو يُحيط ليلى بِذراعه يُقربها منه:
_ هروح أفطر أنا ومراتي!!
_ ياااه، أخيرًا اتصالحتوا، على البركة يا إبن عمي، ثواني هحدفهولك..
نطقها وليد بسعادةٍ بعودة علاقتهما من جديد، ثم أنهى الإتصال ونهض ليلقي إليه مِفتاح السيارة من الشُرفة، فَلقِفُه زكريا ثم لوح إليه مودعًا وعاد ناظرًا إلى ليلى وهتف بمزاجٍ سوي:
_ هفطرك بالجي كلاس يا ليلى، دلع دلع يعني
قهقهت ليلى على دُعابته ثم توجهت إلى الباب الأمامي، وما كادت تفتحه حتى صاح زكريا مانعها:
_ استني بس بتعملي إيه؟
نظرت إليه في حيرة من أمره، فوجدته يقترب منها ويقوم بفتح الباب لها ثم غمزها وتمتم:
_ اتفضلي يا روح قلبي
لمعت عينيها متأثرة مما يفعله، فلم تُواجه تلك النسخة منه من قبل، ابتسمت بسعادةٍ ثم انتبها كليهما على صفير وليد من الأعلى مُهللًا:
_ عصفورين كناري يا اخواتي
برقت عيني ليلى بصدمة ثم نظرت إليه وهي تضع يدها على فمها مانعة ضحكها المفاجئ، بينما هتف زكريا بثقةٍ:
_ اللي غيران، يعمل زينا يا حبيبي
ضحك الثلاثة، بينما ركبا زكريا وليلى السيارة فطرحت سؤالها فور ركوبها:
_ هو وليد من عارف على موضوع الطلاق؟
_ لأ، هو عارف إن علاقتنا كانت مش أحسن حاجة، محدش يعرف عن الطلاق غير أبويا وأمي.. وبعدين سيبك من السيرة اللي تقبض القلب دي بقى..
قالها ثم التقط يدها بين قبضته ورفعها عند فَمِه طابعًا قُبلةً حارة عليها، هامسًا وهو يُسبل في عينيها اللامعتان:
_ بحبك
_ وأنا كمان بحبك يا زيكو..
قالتها بصوتٍ رقيق مُصرحة عن مشاعرها بصدقٍ، فابتسم لها زكريا ثم نظر أمامه وقام بإشعال محرك السيارة وتحرك بها ولا زالت يده تحتضن يد
ليلى لا يتركها لأي أسباب.
****
ركضت مهرولة باتجاه كافيتريا المستشفى، عندما أعطتها إحدى الممرضات خبرًا بوجوده، وصلت أخيرًا بأنفاسٍ متلاحقة، بحثت عنه وعندما وجدته جالسًا على إحدى الطاولات، تابعت سيرها إليه حتى وقفت أمامه ثم أردفت بتلهفٍ:
_ صباح الخير يا عمي، حضرتك جاي لي مخصوص؟ هو حصل حاجة؟
نظر إليها قاسم بملامحٍ خالية من أي مشاحنات، ابتسم بهدوء وأشار إلى الكرسي المقابل له وقال:
_ اقعدي يا صبا..
جلست صبا وعينيها مُثبتة عليه، لا تُرفع، حمحمت وبارتباكٍ بائن لعينيه سألته:
_ حضرتك كويس؟
_ أنا كويس، بس عبدالله اللي مش كويس أبدًا..
هتفها قاسم وقد مالت نبرته للآسى على وضع ابنه، بينما أخفضت صبا رأسها في حزنٍ رُسِمَ على تعابيرها، فتابع قاسم كلامه بطرحِه سؤالًا مُفاجِئًا:
_ أنتِ لسه بتحبيه يا صبا؟
لم تستطع صبا مواجهة عينيه من وراء خجلها الذي سيطر على أوصالها، حمحمت وقالت وهي مازالت منكسة الرأس:
_ محبتش غيره يا عمي..
زفرت أنفاسها وكأن شيئا ثقيلًا قد أُزيل من على صدرها عندما اعترفت له، فابتسم الأخر وكاد يتحدث لكنها أسبقت بالكلام:
_ بس هو رفضني، قالي انسيني، شكله زهق وهيكون معاه كل الحق، اللي عاشه من ورايا مش سهل برده.. هو يستاهل يعيش حياة هادية مفيهاش صِراعات، وواحدة تعوضه على حُزنه اللي عاش فيه الفترة اللي فاتت..
_ بس عبدالله مش عايز غيرك، أنتِ لوحدك اللي قادرة تعوضيه!!
هتفها قاسم فخفق قلب صبا بإضطرابٍ، فلم يكتفي قاسم باخبارها عن حُب عبدالله لها مُضيفًا بجزمٍ:
_ والله يا بنتي أكاد أجزم لك إنه هو كمان بيحبك ومش قادر ينساكي، وإلا كانت الظروف اللي عدت عليكم خليتو يشوف غيرك وخصوصًا بعد مسألة جوازك..
عبدالله لما رفضك مكانش كُره ولا إنه خلاص بطل يحبك أو مش عايزك، بس عبدالله بقى أكتر إنسان يائس، اللي اتاخد منه خلاه يفقد ثقته في كل اللي حواليه، ورافض أي مساعدة حتى مني.. بس هل دا عشان مش بيحبني؟
لا طبعًا، بس خسارته كانت كبيرة على عقله وخلاه يعزل نفسه في دايرة يدوب أخداه هو بس، رافض تدخل صحابه وأنا واخته وأنتِ
فإحنا لازم نحط إيدينا كلنا في إيد بعض عشان نقدر نرجعه لطبيعته تاني..
ودا مش هيحصل غير لو حس بإحساس الأمان اللي فقده بسبب وفاة والدته..
مستعدة تُحطي إيدك في إيدي ونوفره الأمان اللي هو محتاجه يا بنتي؟
أطالت صبا النظر به لبُرهة قبل أن تتخذ قرارها وتُخْبِره به، فنهض قاسم بعد أن استمع إليها وهتف بصوتٍ رخيم:
_ أنا همشي، أظن أنا كدا عملت اللي عليا..
غادرها تحت نظراتها المتابعة له حتى اختفى خلف الباب، فعاودت صبا الجلوس ناظرة أمامها بضياعٍ
محاولة ترتيب أفكارها التي تشتت بعد زيارته.
***
ولجت غرفتها في بيت المزرعة، جلست أعلى فراشها تتفقد الغرفة من حولها، كأنها باتت غريبة كالمرة الأولى التي جاءت إليها، تشعر بالغُربة في مكانٍ يفتقد كثيرًا لبعض اللمسات من والدتها.
نظرت إلى الباب فخُيل إليها أنها تدلف الغرفة بِخُطاها مبتسمة كعادتها تُناديها بإسمها وتطمئن على أحوالها، ترقرقت العبرات من عيني زينب عندما تأكدت أنها الوحيدة التي كانت تهتم لها، والآن لم تعد موجودة، ولم يعد من يهتم لأدق تفاصيلها.
فازداد نحيبها، كما آلمها قلبها على فقدانها الذي لم تتقبله بعد، وما زادها حُزنًا ذلك الحب الذي انتهى قبل بِدءه، لقد تركت العنان لعقلها لعيش الكثير من المواقف الحميمية مع عاصم، لقد خذلها الحُب ثانيةً.
أغمضت عينيها ثم عادت بظهرها مُستلقية إلى الفراش بغير حول ولا قوة، ظلت على الحالة نفسها حتى اهتز هاتفها مُعلنًا وصول إشعارًا، ففتحت عينيها وتفقدت الهاتف وهي لا تزال نائمة.
اتسعت حدقتيها بصدمةٍ عندما كان الأشعار صورة لعاصم على حالة الانستجرام خاصته وهو على متن الطائرة، مُحددًا وِجهته حيث كانت أميريكا ولاية فلوريدا.
رفت عينيها عندما لم تستوعب سفره المفاجئ، ثم اهتز داخلها فانعكس على صدرها الذي كان يهبط ويعلوا بشكلٍ عنيف تكتم به شهقاتٍ لو أخرجتها لتجمع من في البيت إثرها.
اعتدلت في جلوسها ثم هبت واقفة راكضة نحو شرفة غرفتها، نظرت إلى السماء ثم أجشهت في البكاء المرير الذي كان حبيس صدرها لفترة، حتى أنها كانت تقطعه ببعض الكلمات وهي تُحدق ببيت عاصم كأنها تُحادثه شخصيًا:
_ ليه؟
أنا عملت إيه عشان يكون الرفض من نصيبي، أنا فكرتك هتعوضني عن بهدلتي مع حمادة، حبيت طريقتك وأسلوبك، حبيت مشاركتك وتفهمك، حبيت عفويتك وقلبك اللي مقابلتش زيه قبل كدا..
هو أنا مش من حقي أتحب من واحد مثالي زيك كدا؟
أنا فيا إيه أقل من صبا؟
عشان عبدالله يحبها وأنت كمان تحبها؟
عبدالله يِحرّم على نفسه الحب لغيرها وأنت تهرب مني بعد حبك ليها!!
أنا اللي فيا العيب ولا هي ولا أنتوا؟
أنهت جُملتها ثم سقطت بإهمالٍ وهي تبكي بانهزامٍ لم تشعر به من قبل، استمعت إلى طرقاتٍ على الباب ثم دلف عبدالله الذي نادها:
_ أنتِ فين يا زينب؟
لم تُجِيبه، بل كان صوتها دليلًا له، هرول عبدالله نحوها مذعورًا من بكائها الهستيري، جلس القُرفصاء أمامها وتساءل بتوجسٍ وقلقٍ تملكا منه لرؤيتها في ذلك الوضع:
_ مالك يا حبيبتي، إيه اللي مقعدك هنا وبتعيطي كدا ليه؟
خرجت نبرتها مهزوزة متعثرة وهي تتردد:
_ هو أنا وحشة يا عبدالله؟
_ مين اللي قالك كدا؟
تساءل بنبرة مشحونة ظنًا من أن أحدهم قد قلل من جمالها، فهتفت الأخرى موضحة:
_ محدش قالي، بس مش معقول مليش حظ في أي حاجة كدا، كل حاجة بتروح من بين ايديا.. كل حاجة بتمشي.. تفتكر أنا السبب؟
كان متفاجئًا من مشاعرها التي بوحت بيها؛ فضمها عبدالله بهدوءٍ إلى صدره وقال:
_ واضح إننا إخوات فعلًا حتى في الأقدار، شبه بعض حتى التفكير والظن!!
آه يمكن خِسرنا كتير، بس دا مش معناه إننا وحشين يمكن السبب إن ربنا عايز يمتحن قوة تحملنا وصبرنا، وإحنا مع الأسف بنفشل لا قادرين نصبر ولا قادرين نتأقلم ونستحمل اللي بيحصل..
تنهد عبدالله مُخرِجًا همومه، ثم أضاف بعد أن تراجع قليلًا ونظر إلى عيني زينب:
_ بس أنا اكتشفت حاجة إحنا معمين عنها، اكتشفت إن حتى حجم الخسارة اللي إحنا خسرناها كانت وسط ظروف كويسة
أشار حوله وتابع مسترسلًا بصوتٍ رخيم:
_ بصي حواليكي وشوفي إحنا فين، شوفي حتى وقت زعلنا قادرين منجيش على نفسنا أكتر ومجبورين ننزل نشتغل، بالعكس قاعدين مرتاحين بزعيش زعلنا براحتنا في أي وقت
بصي على وجود أبويا في حياتنا، أبويا اللي كنت رافضه زمان دلوقتي مش متخيل الحياة من غيره..
مش متخيل من غير هلاقي مين يدعمني ويقف في ضهري ويخرجني من حُفرتي اللي بقع فيها كل مرة
ودا بينطبق عليكي برده، أخوكي جنبك، فإحنا لازم نبص على الإيجابيات عشان نقدر نخرج نفسنا من الدايرة اللي دخلنا فيها نفسنا دي..
ابتسم في وجهها ثم نهض وانتصب في وقوفه، مدَّ لها يده وحثَّها على النهوض:
_ تعالي..
فتعلقت في ذراعه ناهضة، ثم وقفا كليهما بجوار بعضهما أمام سور الشرفة يستنشقان الهواء البارد ربما يُثلج صدرهما من نيران فقدهما للأشياء الحبيبة إليهما.
***
للمرة التي لا يعلم كم، أعاد الإتصال بها من جديد والنتيجة دون جدوى؛ لا تُجيب، تأفف بِحنقٍ لعدم استطاعته للوصول إليها، فأغمض عينيه ليأتي بِفكرةٍ يجعلها تُجيب.
فخطرت زوجة عمه على عقله، وقام بالإتصال بها على الفور دون ترددٍ، بعد ثوانٍ قليلة جاءه صوتها المُرحِب:
_ صباح الخير يا وليد..
_ صباح الخير يا مرات عمي، خلود عندك ولا نزلت الكُلية؟
بادلها التحية ثم سألها باندفاعٍ دون إنتظارٍ، فاستشفت هناء ثَمة مُشادة بينهما من خلف أسلوبه وقالت وعينيها تطلعان على غرفة خلود:
_ لا هنا، لسه منزلتش..
_ طيب معلش خليني أكلمها..
قالها بنفاذ صبر، فكادت هناء تسأله عما بهما لكنها تراجعت عن السؤال وتركت لهما بعض المساحة الشخصية، ثم نهضت وتوجهت إلى غرفة خلود، مدت يدها نحوها موضحة:
_ وليد على الخط..
خفق قلب خلود وارتسم التوتر على تقاسيمها بشكلٍ ملحُوظ واضحًا لعيني هناء، التي تعمدت المغادرة سريعًا قبل أن يُسيطر عليها فضولها لمعرفة ما الأمر.
بينما وضعت خلود الهاتف على أُذنها وتمتمت بخفوت:
_ ألو...
وما أن قالتها حتى تفاجئت بانفجاره بها بصوتٍ مُنفعل:
_ أنتِ مش بتردي على مكالماتي من امبارح ليه؟
بتوترٍ بالغ اختلقت كذبةً:
_ مسمعتش الموبايل..
_ مسمعتيش الموبايل!!!
صاح بها بغير تصديق، ثم عاود الصُراخ في الهاتف:
_ وأنا المفروض أصدق الرد المستفز دا؟ طب فرضًا صدقته، رسايلي على الواتس اللي أنتِ بتشوفيهم ومش بتردي دا إيه؟
حاولت خلود الهرب منه فهتفت أول ما جال خاطرها:
_ على فكرة أنا مش فاضية، من الكلية لمحضراتها وبرجع تعبانة مش قادرة بكون عايزة أنام..
تفاجئ وليد بردها، فهدأت نبرته المُنفعلة تدريجيًا وتحدث باستياءٍ:
_ آه يعني أنا اللي بعطلك، طب تمام، سلام بقى عشان معطلكيش أكتر من كدا..
قالها وأنهى الإتصال سريعًا، فنادته خلود مِرارًا على أمل ألا يغلق الخط:
_ استنى بس يا وليد..
تأففت عندما تأكدت من غلقه، ثم نظرت إلى الهاتف بضيقٍ بائن، وحاولت الإتصال به من هاتفها، لكنه قد أغلق الهاتف تمامًا، فضربت الأرض بغضبٍ ونعتت نفسها المُتسرعة، سحبت حقيبتها وبعض الأشياء الخاصة بجامعتها، خرجت بوجهٍ مقتضب مقتصرة حديثها مع الآخرين.
فتأكدت هناء من حدسها حين ذاك، لكنها لم تُعلق لترى آخر ما يحدُث، بينما تقابلت خلود مع وليد على السُلم، تفاجئت به وألحقت بِخُطاها نحوه مُحاولة إيقاف ذلك القطار السريع:
_ ثواني يا وليد، نتكلم
دون أن يلتفت هتف:
_ لا لا أصل أعطلك..
نطقها بأسلوبٍ مُندفع غاضب وتابع نزوله فهرولت خلود خلفه بِخُطوات مُععثرة، فانزلقت قدماها دون أن تشعر، ليختل توازنها بشكل مفاجئ قبل أن تستوعب ما حدث فسقطت، فجلست عند آخر درجة عندما توقف جسدها وأخذت تبكي ألمًا وإحراجًا.
والأهم أنها اعتقدت ذهاب وليد، مالت بجسدها وتفقدت مكان الألم عند كاحِلها فوجدت به علامة حمراء دائرية لم تستطع لمسها، تلك الأثناء تفاجئت بيدين تلتف حول قدمها فحبست خوفها عندما وجدته وليد يتساءل بوجهٍ مشدود:
_ حاسة بإيه؟
وما أن تقابلت أعينهم معًا حتى ترقرقت العبرات سريعًا من عيني خلود، فأغمض وليد عينيه في محاولة منه على إخماد نيران غضبه المتقدة، وعندما شعر حاله أفضل أعاد فتح عينيه وقال بصوتٍ هادئ:
_ عايزاني أعمل إيه بعد ما قضيت يوم كامل عايز اطمن عليكي وأنتِ مش بتردي عليا، كنت هتجنن عليكي، وكلمت مرات عمي وقالت لي إنك نايمة، والصبح نفس الوضع بكلمك مش بتردي، وفي الآخر لما أجبرك تكلميني تردي بمنتهى البرود وتقوليلي مش فاضية وورايا وقدامي؟!
ابتلعت ريقها وجاهدت على إمساك تلك العبرات التي تنهمر بغزارة، فأضاف وليد سؤالًا:
_ أنا لو عملت حاجة قوليها في وشي لكن الهروب دا بيعصبني، وأنا مش فاكر إني عملت لك حاجة تخليكي كدا!
_ لأ عملت..
هتفتها وهربت بنظرها سريعًا، فعقد وليد ما بين حاجبيه وأخذ يُفكر بما فعله فلم يجد، فتنهد واسترسل:
_ عملت إيه، آخر مرة لينا لما كنا واقفين على السُلم وبعدها..
قاطعته خلود بحديثها دون النظر إليه:
_ أيوا وقتها..
فغر وليد فاهه واتسعت مقلتيه عندما أدرك الأمر الآن، ثم تشكلت ابتسامة على محياه وهو يردد:
_ يعني كل دا عشان البو..
قاطعته خلود مُحذرة:
_ وليد!!
انفجر وليد ضاحكًا، ولم يتوقف عن الضحك فاستاءت منه خلود وأخفت عينيها بيديها حتى لا تتقابل معه، بينما هز الآخر رأسه وصاح:
_ كل دا عشان مكسوفة مني؟!
_ بس بقى، اسكت
قالتها مُتمنية بألا يُطيل، فأجبر وليد نفسه بألا يضحك، وقال وهو يُعَاود مسك قدمها:
_ طب رِجلك كويسة؟
آنت خلود بألمٍ عند لمسِه كاحلها وقالت:
_ متضغطش أوي..
_ طب إيه، مش هتروحي الكلية؟
تساءل مستفسرًا فأجابت خلود وهي تنهض:
_ لا هروح، عندي امتحان
ساعدها وليد على الوقوف ولم تختفي الإبتسامة من على محياه، فشدت خلود ملامح وجهها باستياءٍ وهتفت وهي تَمُر من جواره:
_ أنا ماشية اضحك براحتك بقى..
لحق بها وا٦مسك ذراعها مُعيدها إليه، فنفرت منه وحذرته بوضعها لإصبعها في وجهه:
_ مش بحب الحاجات دي، إحنا لازم نحط حدود
باستنكارٍ قال وهو يلوي شفاه للجانب:
_ أنتِ عايزها تفضل ناشفة كدا سنتين كمان؟!
_ ابقى حط لها مرطب تطرى شوية!!
رددتها بتهكمٍ، فصاح وليد متسائلاً:
_ هي إيه دي؟
_ اللي أنت تقصده..
قالتها بتزمجرٍ، فضحك وليد وغمزها مشاكسًا:
_ وأنتِ عارفة أنا أقصد إيه؟
_ مش عايزة أعرف، وسع كدا..
قالتها وهي تُحاول التملص من بين قبضته؛ فشد وليد بيده على ذِراعها رافضًا ذهابها وهتف بخبثٍ:
_ طب تصبيرة طيب على ما السنتين دول يعدو..
_ ولا حتى فتفوتة، ابعد
هتفتها ثم جمعت قوتها ودفعته بعيدًا عنها وهرولت راكضة إلى الأسفل تحت نظراته عليها فهلل معاتبًا:
_ بقى كدا؟ ماشي
لم تلتفت إليه حتى باتت خارج البناء، بينما تابع وليد نزوله متوجهًا إلى عمله وداخله يتمنى بأن يَمُر العامين سريعًا.
***
وضعت الحقيبة الخاصة بملابسها على فراش البيت الجديد التي استأجرته مؤخرًا، قامت بفتح الحقيبة لِتُخرج منها الملابس وتُعلقها في الخِزانة، لكنها تريَّثت ووقفت تتطلع في الفراغ أمامها وكلمات قاسم تتردد في ذِهنها دون توقفٍش منذ الصباح.
تركت ما بيدها، وشعرت بحاجتها للذهاب إلى حبيب فؤادها، والآن
أغمضت عينيها مُستنشقة أكبر قدرًا من الهواء على أمل أن يرد إليها صوابها، فالوقت بات متأخرًا، لكنه أزاد من لهيب شوقها إليه كما ضاعف حاجتها في لِقائه وعودتها إليه الليلة قبل صباح الغد.
مالت شفتيها للجانب وشكلت ابتسامة حماسية، ثم أخذت ترتدي ملابسًا لها سريعًا وخرجت من البيت وهي لا تُطِيق الإنتظار، تَعُد الثواني حتى تقِف أمامه وتفصح عن مشاعرها ربما تنجح في توطيد العلاقة بينهما مرةً أخرى.
بعد مرور مدة ليست بقصيرة؛ وصلت صبا إلى المركز الخاص به، فكانت على دِراية بمكوثه حتى وقتًا متأخر من الليل، وقفت أمام الباب وتفقدت المكان، ولِحُسن الحظ أنه كان حُاليًا من العُمال.
خطَّت أُولي خُطُوَاتها إلى الداخل باحثة عنه، حتى وجدته واقفًا وظهره إليها، غارِقًا في الحسابات اليومية الذي يتفقدها، وقفت خلفه فأحدثت أنفاسها ضجِيجًا ملحوظ من فرط توترها التي تعيشه.
_ جاية ليه يا صبا؟
صدح سؤال عبدالله المُفاجئ بالنسبة لها، فلم تتحدث بعد! كيف عرف بها؟ أخرجت زفيرًا طويلًا وتساءلت مُستفسرة:
_ أنت عِرفت إنه أنا إزاي اللي واقفة وراك؟
أغلق ذلك الدفتر أمامه ثم استدار بجسده ونظر إليها بعيون جامدة مُجيبًا بهدوءٍ مال إلى البرود:
_ أنا حافظ صوت نفسك يا صبا!!
اتسعت حدقتي صبا مذهُولة بذلك الرد، فالتمع وميض عينيها وازداد قلبها عُنفوانًا، فأعاد سؤاله مرة أخري:
_ مجاوبتنيش، جاية ليه؟
شهيقًا وزفيرًا فعلت، قبل أن تُصَرِح سبب مَجِيئها:
_ جاية عشان أشوفك..
قالتها ثم اقتربت منه بِضع خُطُوات، حتى أصبحت أمامه وتابعت بتعلثمٍ:
_ أنا تعبت من البُعد دا، أنا كنت فاكرة إني هقدر أعيش واتخطاك، بس مقدرتش، كل حاجة كانت بتقول إن علاقتنا عمرها ما هتكمل، الظروف كانت ضدنا، اتألمنا، وزعلنا واتفرقنا، وعِشنا ليالي كتير ودموعنا على خدنا، طاقتنا استهلكت، والحزن نهش في قلوبنا وسرق من أيامنا لحظات كان ممكن نعيشها حلوة سوا..
ابتلعت ريقها وتابعت بنبرةٍ مهزوزة يغلفها البُكاء الحبيس:
_ تعالى نرجع، ونكمل اللي وقفنا عنده، يمكن مش هنقدر ننسى اللي فات واللي عيشناه، ومش هنقدر نمحي ذكريات صعبة عِشناها بس ممكن نِداوي الفجوة اللي جوانا وإحنا مع بعض..
هنشفِي جروحنا وإحنا سوا..
هنجازي قلوبنا اللي تعبت وزعلت واتقهرت برجوعنا تاني..
عبدالله أنا لسه بحبك، مش قادرة أشوف غيرك ولا أحس مع حد نفس اللي بحسه معاك!
أنت أول حب، وأول إحساس، وأول نظرة، وأول كل حاجة حلوة أنا عيشتها..
البداية كانت معاك أنت، والنهاية كمان عايزاها معاك!
أنت وبس!
صدرَّ عنه قهقهةً خافِتة قبل أن يردُف غير مصدق ما خرج من فمها:
_ ياااه يا صبا، نرجع!!
بتطلبي مني دلوقتي إننا نرجع تاني؟ عايزاني أنسى كل حاجة حصل وأبدأ من جديد معاكي؟
أنسى بُعدك عني ولا جوازك من غيري ولا اختيارك للبُعد مرة تانية بعد طلاقك، عايزاني أنسى الأيام اللي عيشت طول لِيلها بعيط عليكي؟
ولا أنسى وأنا بتخيلك في كل ثانية وبسمع صوتك اللي كان ونس ليا في وحدتي؟
هتقدري تِدَواي إيه ولا إيه؟
مفتكرش إن ينفع نرجع تاني.. بينا حواجز كتير اتبنت وسدت كل طُرق الرجوع..
متأخر أوي كلامك دا!
تسابقت العبرات في النزول من عيني صبا التي تفاجئت بردِه، لقد خيَّب آمالها، وأهُدم تخيلاتها
التي رسمتها لهما، كل شيء تحطم بكلماته التي أبلغها بيها أنهما لن يعودا كما كانا.
لكنها لن تستلم؛ فكان الهروب ملجأها الوحيد في كل مرةٍ خُيرت فيها بين المواجهة والهروب، والآن عليها المواجهة إلى آخر أنفاسها، مسحت عبراتها بظهر يدها وأخرجت كلماتها بصوتٍ باكٍ مُصرًا للوصول إلى اكتساب حبها:
_ أنا عارفة إني جرحتك، بس كان غصب عني، وأنت عارف كدا كويس، عارف إني كنت مُجبرة وكنت قليلة الحيلة، مكنش قدامي غير إني أهرب من قدري واستغنى عن حبي، كل دا كان غباء مني، عارفة والله
بس أنا جسمي فجأة شخص حقير انتهكه، عيشت أبشع حادثة ممكن أي بنت تتعرض لها، خوفت وعيطت وقاومت واتمنيت الموت ألف مرة في الثانية الواحدة.
الحادثة دي مش بس سرقت مني شرفي، دي سرقت عمري وحياتي وأماني وأفكاري ومعتقداتي،
كل حاجة اتغيرت، كل حاجة بقت سودة في وشي، أنا ملقتش حتى اللي يضحك عليا ويقولي هنعدي منها سوا
دنت منه أكثر واسترسلت بدموعٍ تسيل دون توقف:
_ عبدالله، الظروف كان أقوى مننا، القدر مكتبش لينا إننا نكمل مع بعض وقتها، لكن الوقتي ممكن...
تعالى نعوض كم الخسارة اللي خسرناها ونعوض في اللي الجاي..
استمع لها ببرودٍ مُتعمد، كان جامدًا كلوحٍ من الثلج الصلب الذي لا يذوب بسهولة، لوهلة جهلت صبا معالمه، فلم تتعامل مع ذلك الوجه من قبل، انتظرت قليلًا فقليل ا بعد، والنتيجة ذاتها، واقفًا بثباتٍ، وكأن كلماتها لم تَمِسه، وجهه جامد لا يبوح بأي شيءٍ كأن قلبه خالٍ من العاطفة.
بينما هزت صبا رأسها بتفهمٍ، ونظرت إليه في دهشةٍ لا تُصدقها عيناها، أحست بأن الذي أمامها لم يَعُد حبيبها، بل غريبٍ يتعامل معها ببرودٍ موجع وكأن قلبه قد أوصد بابه في وجهها، وأن مكانها في قلبه قد خلى منذ زمنٍ.
زمت شفتيها بِحُزنٍ وهي بالكاد تتماسك أمامه، ثم أولته ظهرها عندما تأكدت من عدم وجود أي ذكرى لهما قد تربطهما ثانيةً، جرت خيبة آمالها خلفها بِثقل متوجهة إلى الخارج.
_ وهو العمر فيه قد إيه عشان أعمل حبيبة تانية؟!
هتفها فتجمٍَدت صبا مكانها، كانت أفكارها مُشوَّشة فلم تستطع تفسير كلماته، استدارت بجسدها ونظرت إليه كمن يسير في صحراءٍ جرداء منذ أيامٍ ويريد أن يروي عطشه فتساءلت:
_ يعني إيه؟
_ يعني وحشتيني يا دكترة!
صرَّح باشيتاقه لها مُتعمدًا ذكر ذلك اللقب الذي لم يُناديها به منذ زمنٍ، كما أن ثِغره قد تقوس إلى الجانب مُشكلًا ابتسامة آسِرة، فوقعت صبا أسيرة لابتسامته، لكن سرعان ما انجرف تيار عبراتها من عينيها.
فتوجه إليها عبدالله مُتسائلًا عن سبب بكائها:
_ طب ليه العياط دا دلوقتي؟
من بين بكائها أجابته بصوتٍ مرتجف:
_ كنت فاكرة إني مش هسمع الكلمة دي تاني... بس إيه الكلام اللي قولت دا؟
أجابها موضحًا:
_ كنت بقوله لنفسي طول الوقت عشان أقدر أنساكي بيه ومقدرتش!
إزداد نحيبها، وبوحت بمشاعرٍ صادقة:
_ وحشتني يا عبدالله، خوفت أوي تحب واحدة غيري..
لم يستطع عبدالله الوقوف بعيدًا وسمح لنفسه بالإقتراب منها، ثم رفع يده وتحسس وجهها بشوقٍ حار، فمالت صبا برأسِها على يده عندما شعرت بِدفءٍ افتقدته، فإذ بكلمات عبدالله المُتَيمة تخرج من لسانه وعينيه هائمة بها:
_ الغرام لغيرك حرام يا دكترةؤ كلهم اتحرموا على قلبي بعدك!
حينها؛ أغمضت صبا عينيها ثم أمسكت بيده الموضوعة على وجهها وقامت بطبع قُبلةً داخل كفها، وهمست وهي تُعيد فتح عينيها التي مال لونها إلى الإحمرار الدافِئ حيث كانت تفتقد ذلك الدِفء وتمتمت:
_ بحبك..
قالتها ثم أخفضت يده بِهدوءٍ عنها وأضافت ببسمةٍ لم تختفي من على محياها:
_ خلينا نكمل باحترام زي ما بدأنا... بلاش لمس لغاية ما الوقت يسمح ولمساتنا دي تكون في إطار حلال..
أماء عبدالله مِرارًا وعينه لا تُرفعان من عليها، يتفحص كل أنشٍ بها بشوقٍ لو لم يُسيطر عليه لكان هذا المكان شاهِدًا على بداية جديدة فريدة من نوعها تليق بعودة عِشقهما.
دمعت عيني صبا وهي تُخْبره مخاوِفها التي كانت تُحاصرِها طيلة الوقت:
_ كنت خايفة تنساني وأكون مُجرد ذِكرى..
إلتوى ثغر عبدالله للجانب فتشكلت ابتسامة جذابة بها بعض العِتاب وأخذ يُدندن بنبرة مُفعمٕة بالحُب:
_ وإزاي تقول أنساك وأتحول، وأنا حُبي لك أكتر من الأول، وأحب تاني ليه، واعمل بِحُبك إيه، دا مستحيل قلبي يِميل ويحب يوم غيرك أبدًا أبدًا، أهو دا اللي مش ممكن أبدًا
وبعد أن أنهاها هتفت صبا مازحة:
_ متقولش، أنت كنت وحي الست أم كلثوم برده؟!
_ أومال، دا أنا على كل لون تلاقيني
رده أضحكها ثم قطعت قهقهتها وهتفت:
_ دا أنت قديم أوي على كدا
أماء بأهدابه، ثم هدأ ضحكهما وتحول إلى إشاراتٍ ولغات تنبعث من خلال عينيهما، أشعارٍ من الحب و الإشتياق الذي يشع من نظراتهما الهائمة، كان قلب عبدالله يخفق بقوة أمام عينيها الخضراوين، كم ودَّ لو أنه ألقى بنفسه بين ذراعيها الآن ونال عِناقًا يداوي غِيابًا طال ويُثْلِج صدره المُحترق على فراق أحِبته.
خرجا من شرودهما على صوت هطول الأمطار الغزير، تفقدا الخارج من خلال الحائط الزُجاجي ثم تقابلا في نظرةٍ استشفا كليهما ما يدور في ذِهن الآخر، فتقوست شفتيهما بابتسامةٍ حماسية قبل أن يركضا مُهرولين إلى الخارج.
تحت زخّات المطر، وقف العاشقان مُتقابلين، كأنّ العالم من حولهما قد صمتَ احترامًا لفرحتهما، تساقطت القطرات على وجهيهما، فامتزجت بضحكهما البريء، وتلألأت أعينهما ببريقٍ لا يُشبه إلا نور الفرح.
مطّ عبدالله ذراعيه في الهواء، لتنسدل حبات المطر على كامل جسده، ففعلت صبا مِثله تمامًا فكان في حبهما دِفءٍ يُناجي برد المطر، وكأنّهما يُخبّئان في تلك اللحظة وعدًا بألا يفترقا ثانيةً، كانت السماء تُمطر حبًّا، والأرض تشهد ميلاد سعادةٍ لا توصف.
توقفت صبا فجأة عندما تخلَّلت جسدها تلك البرودة التي جعلته يرتجف، فأحاطته بذراعيها على أملاٍ أن ينبعث بعض الدِفء من ذلك العِناق البسيط، فانتبه عليها عبدالله الذي اقترب منها وتساءل:
_ بِردتي؟
أماءت وجميع حواسها ترتجف بقوة، فقال الآخر وهو يُشير بعينه إلى المركز:
_ تعالي ندخل جوا..
ثم أسبق بِخُطاه إلى الداخل فتَبِعته صبا ووقفت تُشاهد بحثه عن شيءٍ في الأرجاء، حتى عاد إليها حاملًا غِطاء ثقيل هاتِفًا باهتمامٍ وهو يضعه أعلى كتفيها:
_ لِفي نفسك بيه عشان تدفي..
اكتفت بإيماءة من رأسها فلم تمتلك قوة التحدث الآن من خلف اهتزازة جسدها، بينما أشار عبدالله إلى الأريكة وأردف مُوضحًا:
_ تعالي اقعدي، هعمل لك حاجة سخنة تشربيها..
فامتثلت صبا لأمره، وجلست ثم حاوطت جسدها جيدًا بالغِطاء فلم يكن ذلك قويًا بما فيه الكفاية حتى يُدفئ جسدها، بينما ذهب عبدالله إلى مطبخ المكان وقام بعمل كوباين من الشاي الساخن وعاد إليها، ناولها كوبها ثم جلس على طرف الأريكة تاركًا مسافة بينهما.
أخذا يرتشفان حتى شعرا كليهما بِدفء مفاجئ يُسيطر على جوفيهمها تدريجيًا حتى عادت حرارة جسدهما إلى الطبيعي، فابتسمت صبا بِعذوبة واستنكارٍ لما فعلاه وعلَّقت ساخرة:
_ إحنا إيه اللي عملناه دا؟
بادلها عبدالله الإبتسام ورد على سؤالها:
_ دي نقطة في بحر اللي هنعمله مع بعض بعد جوازنا يا دكترة!!
تفاجئت، حقًا أسرت تلك الجُملة قلبها، وجعلته يخفق بقوة، ابتسمت في خجلٍ فتعجب عبدالله من تفاجُئها بما أخبرها عنه:
_ إيه المفاجئة دي؟ أنتِ مكنتيش عاملة حسابك على جواز ولا إيه؟
قهقه ثم أضاف مازِحًا:
_ كنتي ناوية نقضيها في الحرام؟
عاتبته صبا بنظراتها وهمست مُجيبة سؤاله وعينيها تلتقيان بعينه:
_ إيه دا لأ طبعًا، بس من كُتر ما عقلي خلاص اقتنع إننا صعب نرجع تاني، فكِلمة جوازنا دي فاجئتني، حسستني إنها مكانتش في الخِطة، أو مكانتش هتحصل..
_ هتحصل يا صبا، طلاما إحنا عايزين يبقى هتحصل، أنا بحبك أوي، ونفسي في اليوم اللي كِلمتي تخرج فيه مش حرام، ولا لمستي ونظرتي، حتى أفكاري، عايز كل حاجة تكون حلال معاكي أنتِ..
هتفها بفيض من المشاعرٍ الصادقة فازدادت ابتسامة صبا عنفوانًا، ثم ابتلعت ريقها بتوترٍ، فكانت أنفاسها مرتفعة بسبب تسارع نبضاتها التي تزداد خفقانًا، أخرجت تنهيدة طويلة وتمتمت بحبٍ:
_ وأنت تيجي بدري من شغلك ونعمل فِشار ونتفرج على أفلام عامر منيب؟!
أعاد عبدالله قول كلماتها بعيون هائمة بها وصوتٍ آسَرَهُ حُبها:
_ وأرجع بدري، ونعمل فِشار ونتفرج على أفلام عامر منيب وأنتِ في حضني!!
لم تستطع صبا مواجهة عينيه بعد تصريحه الأخير، وهربت بأنظارها إلى الجانب المُعاكس له، مُحاولة السيطرة على حالاتها المُضطربة والمُتنَاقِضة التي تعيشها من خلف كلماته.
حمحم عبدالله ليجذب انتباهها، فعاودت صبا النظر إليه فقال وقد تشكل الحُزن على تقاسيمه:
_ إحنا لازم نكتب الكتاب في أقرب فرصة، كفاية بُعد لغاية كدا، بس أنا مش هقدر أعمل فرح وأغاني وهيصة يا صبا، مش قادر أتخطى موت أمي بسهولة كدا..
إلتفتت صبا إليه بكامل جسدها وقالت بعد أن رسمت بسمةً هادئة على ثِغَرها الوردي:
_ أنا كل اللي يهمني أنت وبس، مش عايزة غيرك!
بادلها الآخر ابتسامة عفوية وتحدث:
_ بس أنا برده مش هعرف أجي عليكي، أنتِ من حقك تلبسي فستان ونوثق يومنا بشوية صور للذكرى، وبعدها نكتب الكتاب في مسجد أو قاعة مفتوحة ونروح على بيتنا.. موافقة؟
أماءت بقبولٍ ثم رددت دون تصديق:
_ بيتنا يا عبدالله!!
مال عبدالله برأسه قليلًا مُشكلًا ابتسامة عذِبة جذابة على محياه مًرددًا للتأكيد:
_ بيتنا يا دكترة، أنا وأنتِ وبس..
إلتمعت عيني صبا بوميضٍ مختلف، وقد راودها بعض التخيُلات بأعذب المواقف التي قد تجمعهما في بيتٍ واحد، فانبعثت من شفتيها ضحكة سعيدة، ثم انتبهت على صوت عبدالله الذي قال:
_ قومي لما أوصلك البيت عشان تِعَرَفِي أهلك إني جاي اتقدم لك..
اختفت ضحكتها وقالت موضحة الوضع الذي تعيشه:
_ بس دا أنا لسه ناقلة شقة مع هدى زميلتي النهاردة..
عقد عبدالله جبينه مُستاءً وهتف:
_ معنداش بنات تقعد في شقق لوحدها، ارجعي بيتكم يا صبا، عشان تخرجي منه على بيتي أنا..
اكتفت بالإيماء دون اعتراضٍ، فخرجا من المكان ثم وقفا ينظران حولهما، فتساءلت صبا مستفسرة:
_ هي عربيتك فين؟
_ مع زكريا، أنا نسيتها خالص..
قالها وزفر أنفاسه باسيتاءٍ لنسيانه الأمر، ثم نظر خلفه وردد:
_ ثواني هجيب عربية من اللي بيتعمل لها صيانة هنا أوصلك بيها..
_ طيب ما نطلب عربية أحسن، عشان ميكنش ضرر عليك..
قالتها صبا مُهتمة لأمره، فضاق عبدالله بعينه مستاءً وقال:
_ ضرر إيه!! معذورة ما أنتِ شوفتي عبدالله الكحيان، مشوفتيش النسخة المُعدلة
ابتسمت له وأردفت بسعادةٍ:
_ أول ما اكتشفت رجوعك لباباك، كنت مبسوطة بس كان جوايا شوية غيظ بصراحة من نحيتك..
قطب عبدالله جبينه بغرابةٍ مُتسائلًا بفضولٍ حول ذلك الغضب المزعوم:
_ إيه دا ليه كدا؟
حمحمت صبا وبترددٍ أخبرته أسبابها:
_ يعني أنا اتحايلت عليك كتير أوي عشان تِدي لباباك فرصة في حياتك، وأنت كنت رافض، بصراحة ومن غير زعل حسيت وقتها إنك يمكن لو كنت قِبلت بيه مكنش وصل بينا الوضع للي إحنا فيه دا حاليًا..
أخرج عبدالله تنيهدة مُحملة بين طياتها بالندم وهتف:
_ أنا حاليًا بعد ما عرفت أبويا وقربت منه، ندمان على عمري اللي ضاع من غيره، وبقول زيك كدا، يمكن لو قِبلتُه من بدري ماكنش دا حالي، كان أكيد معايا شهادة، وشِبِعت حنان وكنت هكون مرتاح عشان عارف إن ليا ضهر اتسند عليه، والأهم إنه كان فاتنا متجوزين ويمكن عندنا عيال كمان..
أخفض بصره بآسى وأضاف بنبرةٍ يملأها مزيجٍ من الندم والحسة على عمره الضائع:
_ بس برده يمكن حصل كدا عشان نعرف قيمة كل حاجة ونخاف عليها أكتر.. يمكن حصل كدا عشان حُبنا يزيد للناس اللي الحياة فرقتنا في يوم..
إلتوى ثِغر صبا بإبتسامة أسِرة وهي تردف سؤالها:
_ يعني أنا قميتي زادت عندك؟ وحبتني أكتر؟ وكمان بقيت بتخاف عليا؟!
قلب عبدالله عينيه مُمازِحها قبل أن يقترب بِضع خُطوات منها حتى بات قريبًا للغاية لكنه حافظ على الحدود بينهما وهمس مُجيبًا أسئلتها:
_ قيمتك كنت عارفها من الأول، بس دا ميمنعش إنها زادت أكتر، وحُبي ليكي بقى أضعاف، كنت فاكر إن البُعد بينسي ويعلم القلب الجفا بس زي ما بيقولوا الممنوع مرغوب، أنتِ طول الوقت كنتي مرغوبة بالنسبة لي يا دكترة..
أما بقى بالنسبة للخوف عليكي، فأنا أخبيكي بين رمش عيوني ولا إن حاجة تِمْسك..
هرمون السعادة خاصتها كان في أقصى مراتبه، كلماته كانت تُسبب لها الهياج في نبضاتها وتجعل نظراتها أكثر لمعانًا وحماسًا، عضَّت صبا شِفاها قبل أن تفيض بمشاعرها:
_ يا بختي بيك، يا بخت قلبي عشان حبيته بالشكل دا، أنت رِزقي في الدنيا يا عبدالله، ربنا بيحبني عشان دخلك حياتي.. أنا بحبك أوي يا بودا!!
_ بودا، يلهوي!!
نطقها دون تصديقٍ، ثم ردد مستاءً:
_ هو يعني كنا لازم نعدي بكل الدُرُوب دي عشان أدلع؟
إلتوى ثِغرها للجانب، وهتفت في خجلٍ:
_ دا في ياء مِلكية كمان هتتحط بس مش دلوقتي، بعد كتب الكتاب
_ لا لو على كدا نكتبه من بكرة لاجل عيون الياء الملكية
هتفها مُبتسمًا بجاذبية، فأسْبَلت صبا عينيها لوقتٍ، فهي غير مُصدقة ما وصلا إليه قبل أن تُصرح ظاهرة شوقها إليه:
_ أنت كنت واحشني أوي يا عبدالله..
_ ممم، قولتيلي كنت واحشك أوي!!
رددها عبدالله بمكرٍ فأضافت صبا بلوعة:
_ أنت على طول واحشني، في كل مرة بتغيب فيها عني كنت بتمنى لو أشوفك لحظة، نفسي منتفرقش تاني أبدًا..
أخرج عبدالله تنهيدة حارة قبل أن يُخبرها:
_ والله أنا اللي معتش هقدر أعيش لحظة من غير الكلام دا..
حمحم ثم واصل:
_ من بكرة هبدأ في إجراءات كل حاجة، هدور على بيت وأخلص إجراءات كتب الكتاب وأول ما كل حاجة تكون جاهزة هنكتب على طول، مش هنستنى ثانية بعدها..
ابتلع ريقه وتابع عندما تذكر شيئًا:
_ بس أنا مش بتاع فيلل يا صبا، أنا بحب البيوت زي ما اتعودنا عليها..
قطبت صبا جبينها بغرابةٍ، ورددت سؤالها:
_ ومين جاب سيرة الفيلل؟
_ يعني، تكوني اتعودتي عليها في الفترة اللي فاتت دي..
قالها عبدالله وهو يفرك أصابعه دون أن يواجه عينيها التي عاتبته بهما وصححت مفاهيمه:
_ البيوت باللي ساكنين فيها مش بِوسعها ولا كام دور، إن شالله في أوضة واحدة، المهم معاك أنت..
فرك عبدالله مؤخرة رأسه؛ ثم ابتسم وهتف مازحًا:
_ لأ أوضة دي تقوليها لما كان إسمي عبدالله القاضي، إنما دلوقتي أنتِ بتكلمي عبدالله قاسم القاضي، فيه فرق طبقات ومستويات حصل بطريقة متتصدقش
قهقهت صبا على دُعابته، ثم اقترحت:
_ طب إيه رأيك منجبش بيوت خالص ونقعد مع عمي قاسم في البيت، على الأقل ميكُنش لوحده، يتونس بوجودنا، وبصراحة كدا مش حابة أخدك منه، كفاية سنين الفُراق اللي عِشتوها من غير بعض..
بإمتنانٍ واضح لها، هتف:
_ هنعمل كدا طبعًا، بس مش في أول فترة، الفترة الأولى دي لينا لوحدنا، بعيد عن جنس البشر.. هاخدك ونروح مكان معزول يدوب أنا وأنتِ والليل وسماه ونجومه وقمره..
تبادلا كليهما الضحكات السعيدة، ثم أضاف عبدالله بحسمٍ:
_ يلا عشان أروحك، الوقت اتأخر أوي
أماءت صبا بالموافقة، فهما بالخروج بعد أن أغلق عبدالله المكان ثم قام بركوب السيارة التي استعارها من المركز للغد، تحرك بها فكانت عينيه تجوب الطريق تارة وتارة أخرى تتفقد صبا التي لم ترفع نظريها عنه.
فابتسم عبدالله وصاح:
_ هتفضلي بصالي كدا كتير؟
تنهدت صبا بلوعة وقالت بتوجسٍ:
_ والله خايفة أكون بحلم، وافوق من الحلم ومتكُنش جنبي!
_ الأحلام كانت زمان، دلوقتي فيه حقيقة وبس..
هتفها فبثَّ بقلبها الطمأنينة التي انعكست على شفتيها المنفرجتان، ثم قام بتشغيل مُسجل السيارة بعد أن قام بوصله للهاتف، انتقى أغنيةً خِصيصًا لهما.
بعد قليل؛ صدح صوت ميادة الحناوي منه، وهي تغني أغنيتهما المفضلة "أنا بعشقك"، ابتسمت له بِعذُوبة تحولت إلى ضحكات عندما ارتفع صوت غنائه كأنه يُعبر عن حُبه من خِلال كلمات الأغنية.
ظلا على الحال نفسه حتى أوصلها إلى بيت أبيها بعد رفضه التام لبقائها في بيتٍ آخر، فتحت صبا بابها ثم نظرت إليه قبل أن نُزولها وقالت برقةٍ أنثوية:
_ هتوحشني..
_ أحب احتفظ بالرد لبعد كتب الكتاب..
هتفها بعفوية فرفعت صبا حاجبيها وتساءلت بفضولٍ:
_ إيه دا!! ودا ليه بقى؟
_ عشان يليق بعدد الأيام والليالي اللي بِعدنا فيها عن بعض!
لمعت عينيها بعد سماعها لذلك الرد، تنفست بعض الهواء ثم قامت بإخراج قِلادتها من حقيبتها وقالت:
_ هيتجمعوا أخيرًا..
فقام عبدالله بسحب قلادته التي يَخفيها خلف ياقة قميصه وتحسَّسها هاتفًا بحماسٍ:
_ هيتجمعوا يا دكترة!
لم تُفارق البسّمة شفتي صبا ذلك المساء، حمحمت ثم ودعته وغادرت بينما لم يبرح عبدالله مكانه حتى اختفت من أمامه فقام بالتحرُك، بشعورٍ لا يوصف بالكلمات، لا يوجد أحرفٍ يُمكِنها وصف ما يعيشه الآن.
تزاحمت أفكاره بين ترتيبات حفل زفافه التي هاجمت عقله فلم يعي أي منهما يفعل من فرط حماسته، فضرب الطارة بيده ثم تحسس بالأخرى مكان قلبه ودندن بسعادةٍ غمرت قلبه، كما ابتسمت روحه وعاد إليه رونقه وحيويته الذي افتقر إليهما في الآونة الآخيرة.
***
بترددٍ قابلته في الحديث قالت:
_ زكريا، معلش أوقف عند أول صيدلية تقابلك عشان أجيب حاجة لعسر الهضم، إحنا آكلنا كتير وبطني وجعتني..
أشار زكريا إلى عينيه ثم قال:
_ عيوني..
ابتسمت إليه بهدوء، ثم قالت ليلى مازحة وهي تتفقد ساعة يدها:
_ يااه الوقت أتأخر جدًا، إحنا إزاي قضينا كل الساعات دي برا من غير ما نحس؟ مش كان مشروع فطار بس!!
ضحك زكريا وعلَّق ساخرًا:
_ فطار جاب سينما وشوبينج وغدا وعشا ويا جيبك اللي فِضَى يا زكريا..
ضاقت ليلى بعينها عليه وهتفت بقوة:
_ مضايق ولا حاجة؟
رمقها زكريا بطرف عينيه قبل أن يردف مُجيبًا:
_ فداكي فلوسي وعمري كله يا لولا، ولا أي حاجة تِسوَى قُصاد إنك جنبي وراضية عني
لم تمنع ابتسامتها التي تسللت وارتسمت على شفاها، ثم أخفضت عينيها في حرجٍ، تلك الأثناء؛ أوقف زكريا السيارة وقال:
_ هنزل أجيب لك الدوا وراجع..
فأسرعت ليلى في مسك ذراعه مانعة نزوله، تعجب زكريا من تصرفها لكنه تريث حتى يفهم سببه، فقالت هي بإصرارٍ واضح:
_ لا خليك أنت، عشان عايزة أجيب حاجات تانية مش هتعرف تجيبها
وقبل أن يُعطيها زكريا ردًا كانت قد ترجلت من السيارة فأثارت الشك داخل زكريا الذي تابعها بنظراته حتى عادت إليه بعد خمس دقائق، فعاود قيادة السيارة إلى أن وصل إلى المنطقة خاصتهم.
صف السيارة أمام البيت، ثم ترجل منها سابقًا بِخُطواته ليلى، ثم قام بلقفها بين يديه فشهقت هي بذُعرٍ لتصرفه المفاجئ، ابتلعت ريقها مُحاولة ضبط أنفاسها ثم تفقدت المكان حولهما مُعاتبة إياه بلطفٍ:
_ أنت بتعمل إيه يا زكريا، إحنا في الشارع..
_ الناس نامت خلاص..
قالها ثم توجه بها داخل البناية، فهللت ليلى عاليًا:
_ طب الشنط اللي في العربية؟
_ هبقى أجيبهم الصبح..
قالها وقام بصعود السُلم، ولم يكف عن التغزل بها بنظراته قبل كلماته، حتى وصلا إلى شقتهم، قام بإنزالها ليفتح الباب.
ولجا خلف بعضهما، فكان زكريا لا يطيق الانتظار حتى يقترب منها بشكلٍ خاص، فلقد اشتاق إليها للغاية، لكن داخله ما يُسرِع ويُذَكِره بالتأني حتى لا تكرهه.
بينما بادرت ليلى بدخول الغرفة، وبدلت ملابسها بقميصٍ قصير باللون الأحمر، من الستان يتناسق مع تقاسيم جسدها الأنثوية، خرجت إليه بُخُصلاتٍ شاردة، فرأت في عينيه لهفته وانجذابه بمظهرها، لكنه لم يُحرك ساكنًا، غير ظاهرًا رغبته التي تشع من بؤبؤ عينيه.
ابتسمت خِفية، واقتربت منه بِخُطى مُتمايلة تعمدتها، فرأت عينيه تهربان بعيدًا عنها، عضَّت شفتيها لتخفي ضحكتها خلفها ثم جلست بجواره
واضعة قدميها أعلى الطاولة أمامها مُرددة بصوتٍ متعب:
_ اليوم كان جميل أوي
تعمدت الإقتراب منه طابعة قُبلةً حارة قُرب أذنه هامسة:
_ شكرًا يا زيكو..
أغمض زكريا عينيه مُستمتعًا بتلك الرجفة التي سرت في أوصاله إثر قُربها، كما ارتفعت وتيرة أنفاسه بشكلٍ ملحوظ قد أحست بما يعيشه ليلى، آلمها ضميرها من خلف عذابه المتسببه هي به وقررت إنهاء تلك السخافة.
احتضنت وجهه بيديها وتمتمت بخفوت أمام شفاه:
_ موحشتكش؟
أغمض زكريا عينيه شاعرًا بمشاعرٍ لا يريدها الآن، احتضن يديها الموضوعة على وجهه وبهدوءٍ قام بإنزالها عنه قائلًا:
_ أكيد وحشاني..
تثاءب زكريا مُتصنعًا النوم، ثم نهض هاربًا منها وقال:
_ اليوم كان طويل، أكيد تعبتي، يلا ننام عشان ترتاحي...
إصراره على إظهار عدم اكتراثه للهفته الداخلية في الإقتراب منها قد أنبت ضميرها، وأشعرتها بتغييره الذي وعدها به، وما أعجبها في الأمر أنها المتحكمة الآن في سير حياتهما، دون أن يؤخذ منها مالا ترضاه.
أخرجت بعض الأنفاس قبل أن تَهِم بالنهوض، أسرعت في اللحاق به وقامت بالتعلُّق في عُنقِه مِتسائلة باهتمامٍ:
_ أنت بتبعد عني ليه؟
ضاق زكريا بعينه عاقدًا مابين حاجبيه، ناهيك عن تصنعه لعدم فهمه لما ترمي وتساءل:
_ ببعد عنك إزاي؟ ما أنا طول اليوم جنبك، ودلوقتي كمان جنبك أهو..
ثم غير مسار الحوار مُضيفًا مزحة بسيطة هاربًا بها من عينيها التي تكشفانه مُتحسسًا عينيها بأصابعه:
_ ولا أنتِ مش شايفة ولا إيه بالظبط؟
كانت ليلى متفهمة هروبه، وقامت بانزال يديها عن عُنقه ثم أمسكت بذراعيه ووضعتها على خصرِها فأرغمته على مُحاوطتها، بينما عاودت التعلُّق في رقبته، ثم أردفت:
_ أنا مش هضايق على فكرة لو..
صمتت عندما خجلت في مواصلة حديثها؛ وعندما فشلت في توضيح مقصدها قامت باللجوء إلى حلٍ آخر، حيث أنها بدأت بتقبيل وجنته بنعومة متعمدة، ثم قبلته بحرارة متمنية بألا يطيل في هروبه ذاك لأنها لن تستطيع الإطالة فيما تفعله بمفردها.
ذلك الحين، فقد زكريا صموده أمام قُبلتها، ولعن نفسه مرارًا وتكرارًا لأن بأفعاله الدنيئة لم يحظى بعيش مشاعرٍ رومانسية منذ وقتٍ بعيد، فبادلها مشاعره بلهفتةٍ واشتياقٍ حار.
لكنهما لم يدوما طويلًا؛ فلقد تراجعت ليلى للخلف فعاتبها زكريا بنظراته لابتعادها عنه، فأوضحت ليلى سبب تراجعها:
_ نسيت أخد الدوا.. راجعة حالًا
وما أن قالتها حتى أولته ظهرها وأسرعت ناحية المطبخ مهرولة بِخُطى مُتعثرة، فلم يطمئن قلب زكريا وأراد معرفة ما تخفيه فذهب خلفها على الفور، وعندما استشعرت ليلى وجوده أخفت ما بيدها خلف ظهرها ظاهرة ارتباكها له.
فتأكد حدس زكريا بِثَمة ما تُخفيه، اقترب منها وهو يتساءل بجدية:
_ مخبية إيه ورا ضهرك؟
أنهاها ثم قام بإدارتها واكتشاف ما في يدها، فتراجعت ليلى خُطوة إلى الخلف ونظرت إليه في خوفٍ سكَن ملامح وجهها المُترقب رد فعله، بينما تفقد زكريا شريط الأقراص قبل أن تتشكل معالم الدهشة على تقاسيمه، فرفع بصره على ليلى المُنكمشة في نفسها وأردف:
_ عايزة تاخدي برشام منع حمل دلوقتي ليه يا ليلى؟
الفصل السادس والاربعون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم تسنيم المرشدي
الفصل الخامس والأربعون
على دروب الهوى
+
***
+
بعد مرور بِضع ساعاتٍ؛ استعاد عبدالله جُزءًا من رُشدِه، تفقد المكان من حوله بنظرة سريعة حتى وقعت عينيه على قاسم الذي يتطلع به في انتظار صحوته.
+
اعتدل عبدالله في جلوسه وفرك عينيه بتعبٍ قبل أن يردد:
_ هو فيه إيه؟
+
كان قاسم يضع قدمًا على الأخرى، أزاحها ومال بجسده للأمام حيث يكون قريبًا منه، وأجاب سؤاله:
_ أنا اللي عايز أفهم في إيه؟ وِصلت تتعاطى مخدرات؟
+
باستنكارٍ لمبالغته هتف عبدالله مُستهزءًا:
_ أتعاطى إيه بس، هي مرة بتتحسب تعاطي خلاص؟!
+
_ ماهو مرة بتجيب مرة في مرة للغاية ما يبقى تعاطي رسمي!!
قالها قاسم وقد انعكست نبرته ومالت إلى الحِدة والحزم مُضيفًا بِحاجبان معقُودان بضجرٍ:
_ أنت للدرجة دي ضعيف؟ كل ما يحصلك حاجة تهرب ومتواجهش، وياريت بتهرب لحاجة نقدر نبلعها، لكن دا أنت بتإذي نفسك من غير ما تحس..
+
هب عبدالله واقفًا غير مُتقبلًا عتابه وصاح بحنقٍ وهو يتخطاه بِخُطواته:
_ أنت قولت بنفسك أهو، نفسي! أأذيها بقى أحرقها أنا حر!
+
_ ويا ترى أحلام كانت هتكون مبسوطة وأنت بتإذي نفسك كدا؟
أردفها قاسم مُتعمدًا ذِكر والدته حتى يؤثر عليه بالتراجع، فتسمَّرت قدمي عبدالله وطالع أمامه لبُرهة، ثم ابتلع ريقه وتساقطت عبراته رغمّا عنه ثم التفت بجسده ناظرًا إلى أبيه وقال:
_ أنا تعبان أوي، بُعدها تاعبني، مخليني عامل زي اللي بيحلم حلم وحش ومش عارف يفوق منه..
+
وقف قاسم وتوجه نحوه بِخُطى ثقيلة مُتهملة، وقام بجذبه إلى صدره فأطلق عبدالله العنان لدموعه الحبيسة، حيث كان يهتز جسده بشدة كما تضرب شهقاته صدر أبيه من شِدتها.
+
فما كان من قاسم إلا أنه شدَّ بكل ما أوتيَّ من قوة على ظهره مُرددًا:
_ بسم الَّله على قلبك حتى يهدأ.. الله يرد سكينة قلبك ويبرد وجعك.. ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا لله وإنا إليه راجعون، اصبر واحتسب يا عبدالله
+
كلماته قد أثقلت نفس عبدالله من خلف بكائه الذي ضاعف نحيبه حتى أنه مال إلى النواح، تركه قاسم يُخرج ما لديه حتى شعر باستكانة جسده فتساءل باهتمامٍ دون أن يبتعد عنه:
_ قلبك هِدَى؟
+
أماء عبدالله برأسه؛ فتراجع حينها قاسم إلى الخلف وتفقد ملامحه، ولوهلةً شعر بغرابتها، أخرج تنيهدة مُحملة بالهموم قبل أن يردف وهو يُشير إلى ذاته:
_ أبوك لسه موجود يا عبدالله، رمي حمولك عليه ووقت ما تحس إنك خلاص مش قادر تستحمل هتلاقي حضنه موجود، يساع وجعك، بس القاعدة في البيت وشُرب المخدرات مش الحل يا حبيبي، دا أسوأ هروب ممكن الإنسان يخدع بيه نفسه، لأن دا قاع الإكتئاب نفسه، وسيطرة كبيرة من الشيطان عليك، أنت أقوى من كدا، متسيبش الحزن يتغلب عليك ويلغي عقلك، متوجعش قلبي عليك أنت كمان، كفاية خسارتي في أمك وحسرتي على أخوك اللي مرمي في السجن
متبقاش أنت الشوكة اللي تقطم لي ضهري يا عبدالله!!
+
نجح قاسم في تأنيب ضميره، وشعوره بالندم حيال كل ما عاشه، وأخذ يُردف نادُمًا بعينين تلمعان:
_ أنا آسف، حقك عليا
+
أنهاها واقترب من رأسه مُقبلًا إياه بحرارة وأضاف بصوتٍ يكسوه حشرجةً واضحة:
_ أنا آسف إني سيبتك الأيام اللي فاتت دي لوحدك، بس أنا مكنتش قادر أدي أي حد حاجة، زينب في الأوضة اللي جنبي مش قادر أقوم أطمن عليها، سامحني يا بابا
+
_ مِسامحك يا حبيبي، هو مين فينا كان قادر يداوي نفسه عشان يقدر يداوي غيره، بس دا غلط وخلانا نبعد أوي عن بعض، وإحنا المفروض نكون أقوى من كدا عشان نعدي المِحنة دي، وعشان نقوم أقوى لازم نفضل سوا دايمًا..
نطقها قاسم بعزيمة لعودتهما عائلة من جديد، ثم رفع ذراعه وربتَّ على ذِراع عبدالله وأضاف بحسمٍ:
_ يلا يا حبيبي، تعالى لما ناخد أختك ونرجع بيتنا، البيت اللي أحلام جمعتنا فيه، مينفعش يفضل فاضي كدا..
+
اماء الآخر بقبولٍ ثم سار إلى جواره حتى بلغا كليهما السيارة، استقلاها ثم انطلق قاسم عائدًا إلى الحارة حتى يصطحبا زينب ويعودان إلى بيت المزرعة كأفراد عائلة يعمِّرُون بيتهم من جديد.
+
***
+
تململ في فِراشه بكسلٍ، ثم فتح جفونه لتضح رؤيته، فتفقد الغرفة الذي ينام بها سريعًا حتى وقعت عيناه على ليلى التي تجاوره وترمقه بنظراتٍ لم يستشف ما يوجد خلفها.
+
قُطب جبينه بغرابةٍ لذلك الوضع الذي كانا فيه، وتساءل مُستفسرًا عما يحدث:
_ هو في إيه؟ أنا جيت هنا امتى؟
+
_ أنت مش فاكر حاجة؟
تساءلت برأسٍ مائل فأثارت ربيته وردَّ على سؤالها: _ مش فاكر حاجة، آخر حاجة فاكرها لما كنت في المركز مع عبدالله وشربنا...
+
صمت فجأة ولم يُكمل، ثم انتفض من نومه فبات جليس الفراش، تطلع في الفراغ أمامه مُحاولًا استعادة ما حدث في الأمس، فقطعت عليه حِبال أفكاره باكمالها لحديثه الناقص:
_ شربتوا حشيش!!
+
اتسعت حدقتي زكريا بصدمةٍ لِعلمها ما شرباه، حدجها بعيون مذهولة ثم هتف:
_ عرفتي منين؟
+
_ منك.. قولت لي وأنت مش حاسس بنفسك خالص
هتفتها مُعاتبة إياه في نظراتها وصوتها الحاد، بينما هرب زكريا بنظره إلى الجانب الآخر فوقعت عيناه على صورته المنعكسة في المرآة فوجد نفسه عاري الصدر، فأخفض بصره مُتفقدًا حاله وتساءل بفضولٍ يطوق لمعرفة ما أحدثه:
_ هو إيه اللي حصل بالظبط، هو أنا عملت إيه؟
+
توردت وجنتي ليلى وهربت ببصرها بعيدًا عن عينيه المُثبتاتان عليه، فأثارت الريبة داخل زكريا الذي هز رأسه وهو يتساءل عما أحدثه ولا يتذكره بصوتٍ مندفع:
_ إيه يا ليلى أنا عملت إيه؟
+
_ معملتش حاجة..
قالتها وسُرعان ما نهضت مُبتعدة عنه فأزاح زكريا الغطاء عنه ولحق بها، ثم أمسك يدها وأعادها إليه وبإلحاحٍ ظاهر تساءل:
_ ردي عليا، وفهميني حصل إيه؟
+
ابتلعت الأخرى ريقها ثم هتفت بخجلٍ دون أن تُقابل عينيه:
_ قلعت قميصك وقربت مني و......
+
_ و إيه؟؟
قالها مُتلهفًا لسماع البقية فأجابته ليلى بعفوية:
_ وقولتلي وحشتني وفجأة نمت!!
+
_ مغفل!!
صاح بها ضاربًا كفوفه في بعضهما، ثم عاد ناظرًا إليها بعيون ضائقة وسألها:
_ بس أنتِ بتتكلمي معايا عادي، ونيمتيني هنا وصحيت لقيتك جنبي، مش لعله خير؟
+
رفعت ليلى كتفيها للأعلى مُتصنعة بلامبالاةٍ:
_ عادي يعني..
+
أولته ظهرها سريعًا لكنها تفاجئت بِذراعه المُتلف حول خصرِها لِيُعيديها إليه فباتت حبيسة صدره، ابتلعت ريقها وهتفت:
_ أنت بتعمل إيه، على فكرة إحنا متطلقين لو ناسي!
+
انحنى زكريا برأسه فكان قريبًا من عُنقها، شم عبيرها قبل أن يهمس بحرارة:
_ مش ناسي، تعالي نرجع، كفاية كدا..
+
قالها ثم أدارها وقام بإسناد رأسه على جبينها، شاعِرًا بأنفاسها المتلاحقة، وبصعوبة قابلتها ليلى في الحديث تمتمت:
_ اللي بتعمله دا ميصحش..
+
قالتها ثم أبعدته عنها لِتُغادر فهلل زكريا بيأسٍ تملك منه لمحاولاته البائسة وهو يضع كِلتى ذراعيه في منتصف خَصرِه:
_ يارب أموت يا ليلى عشان تخلصي مني
+
تجمَّدت ليلى مكانها، آلمتها كلمته وشعرت بالخوف الشديد خشية خسارته، استدارت بجسدها فوجدته قد أولاها ظهره فهرولت ناحيته وقامت باحتضانه مرددة بقلبٍ يخفق بقوة:
_ بعيد الشر عليك يا حبيبي..
+
كانت مفاجئة صادمة لزكريا الذي شعر لوهلة أنه ما زال نائمًا وهذا حُلم حتمًا، تفقدت الدماء بغزارة في عروقه فتسببت في زيادة خفقان قلبه، التفت بلهفةٍ يتأكد مما يحدث، ودون مجهودٍ قام بادخالها داخل صدره العاري بكل ما أوتي من قوة مرددًا بهمسٍ:
_ رديتك يا ليلى، لذمتى وحياتي وقلبي
2
أخذ يُقبل خُصلات شعرها فكانت أقرب إليه وتمتم من بين قُبلاته:
_ وحشتيني بشكل مش طبيعي، ياريتني دعيت على نفسي من زمان...
+
ما كاد يُنْهِيها حتى وضعت ليلى إصبعها على فمه هاتفة:
_ بطل تقول كدا...
+
انحنى زكريا برأسه قليلًا، ثم طبع بعض القُبلات أعلى جفونها، ثم انخفض أكثر فبات أمام شفتيها، ابتلع ريقه وجاهد نفسه بصعوبة بألا يلمسهما، فيغرق معها في بحورٍ خاصة لا يودها الآن حتى يثبت لها بأنها ليست مجرد جسدًا بالنسبة إليه.
+
تراجع للخلف وتفقدها كأنه غير مصدق آلا إليه، ثم انحنى بجسده وأحاط خَصرِها بذِراعه وقام برفعها عن الأرض ودار بها فرحًا، فضحكت ليلى عاليًا وتعلقت برقبته هاتفة:
_ كفاية أنا دوخت..
+
توقف ثم أنزلها وقال بحماسٍ:
_ يلا إلبسي خلينا ننزل نفطر برا
+
نظرت إليه ليلى متفاجئة فردد الآخر متسائلًا:
_ إيه؟
+
_ هو الفطار بقى بيتاكل برا؟
ردت ليلى مُبدية تعجُبها، بينما أوضح هو:
_ فطار وغدا وعشا، من هنا ورايح دلع وبس..
+
ارتسمت البسَّمة على شِفاها، ثم اقتربت منه وأحاطت ذراعه بيدها الصغيرة، ثم رفعت رأسها للأعلى وتمتمت بنبرة تحمل من الخوف قدرًا:
_ متخلنيش أندم إني إديتك فرصة تانية، عشان خاطري يا زكريا عامل ربنا قبل ما تعاملني، قبل ما الشيطان يحاول يلعب في عقلك افتكر إني وثقت فيك تاني، إوعى تخون ثقتي دي..
+
رفع زكريا يُمناه ثم تحسس وجهها بنعومة وهمس بصوتٍ خافت:
_ الكلام سهل يتقال وبرده سهل يتنسى، الأيام بينا وهتشوفي بعينك وهتعيشي بنفسك..
+
اقترب من وجنتها وطبع قُبلة سريعة ثم أضاف:
_ يلا روحي إلبسي..
+
كانت ليلى مُتعجبة من هروبه الملحوظ كلما اضطر إلى لمسها، فلم تتوقع جِهادًا قاسٍ كالذي يعيشه، ابتسمت داخلها لإثباته بأنه لا يراها جسدًا فقط، أخرجت زفيرًا على مهلٍ ثم توجهت إلى الخزانة وقامت بلقف بعض الملابس لها ووقفت ترتديهم.
+
وكذلك فعل زكريا تمامًا، حتى انتهوا معًا، فمدَّ لها يده وقال بحماسة:
_ يلا..
+
لم تُمانع وقد شبَّكت يدها في فراغ يده، ثم سارت معه حتى خرجا من الباب وترجلا السُلم، وقف زكريا أمام شقة أبيه فتساءلت ليلى ببعض التوتر:
_ أنت وقفت هنا ليه؟
+
_ عشان أعرفهم إننا رجعنا لبعض...
أخبرها بنواياه فتأكد حدسها وإزدادت ارتباكًا وخجلًا من مواجهة الآخرين، لكنها لم ترفض وتركته يفعل ما يشاء، فطرق زكريا الباب ووقف ينتظر من يفتحه لهما ويده تَشُد على يد ليلى بقوة.
+
فُتح الباب من قِبل والده الذي تفاجئ بوجودهما، أخفض بصره على يديهما المُتشابكة وقبل أن يُعطي رد كان قد أخبره زكريا بحقيقة الوضع:
_ أنا رديت ليلى..
+
في البداية، كان محمد صامتًا، تلقى الخبر بسعادة أخفاها داخله حتى يتأكد من رضاء ليلى التام عن ذلك، وجه أنظاره عليها وسألها باهتمامٍ:
_ أنتِ وافقتي ترجعي له برضاكي ولا هو أجبرك؟
+
بهدوءٍ تحلت بيه ليلى أجابته:
_ برضايا يا عمي..
+
وعندما أكدت له قُبولها دون ضغطٍ، تشكلت البسّمة على محياه وهلل:
_ ربنا يصلح حالكم يارب..
+
ثم دنا من ليلى وأضاف هامسًا:
_ أي حاجة تحصل تقوليلي أنا وأنا عارف أشد لك ودانه إزاي؟
+
تفاجئ زكريا بكلامه، فأصدر طقطقةً بأصابعه ليلفت انتباه أبيه ثم صاح مازِحًا:
_ يا حاج أنا اللي ابنك..
+
فضحكت ليلى ومعها محمد، فانضمت إليهم هناء التي تفاجئت من مظهرهما، فارتسمت الإبتسامة تلقائيًا على ثِغرها وقالت بسعادةٍ نابعة من القلب:
_ نقول مبروك؟
+
أماء زكريا مؤكدًا، فازدادت ابتسامتها بهجةً، وقامت بالإقتراب من ليلى وضمتها إلى صدرها قائلة:
_ ربنا يعوض قلبك خير ويكتب لك كل جميل في أيامكم الجاية..
+
ربتت ليلى على ظهر هناء بمشاعرٍ صادقة تَبادلنها سويًا، فعلَّق زكريا مُستاءً على ما يحدث:
_ يا جدعان والله أنا اللي ابنكم، إيه فرق المعاملة دا
+
تراجعت هناء للخلف ورمقته باستنكارٍ قبل أن تهتف مستاءة:
_ من هنا ورايح إحنا في ضهر ليلى وبس، فكر بس تزعلها وأنت هتلاقي اللي عمرك ما شوفته مننا..
+
_ ااه طيب
أردفها زكريا ثم نظر إلى يمينه حيث تقف ليلى ووجه حديثه إليها:
_ يلا يا بنتي، واضح كدا إنهم متفقين عليا..
+
ضحكت ليلى وودعت الآخرين ثم ترجلت معه بقية السُلم، حتى خرجا من البناء، فتفاجئ زكريا بوجود سيارة عبدالله أمامه، تفقد ليلى بإبتسامةٍ لم تعرف معناها، ثم سحب هاتفه وقام بعمل اتصالًا، وتحدث فور إجابة الآخر:
_ ولا يا وليد، عربية عبدالله بتعمل إيه تحت بيتنا؟
+
_ ما إحنا رِجعنا بيها امبارح، أومال كنت هرجع بيك وأنت في حالتك دي إزاي، يسلم عمي قاسم إدالي المفتاح وجينا بيها..
أخبره وليد، فتحدث الآخر بتلهفٍ:
_ طب احدف لي المفتاح..
+
_ ليه رايح فين؟
تساءل وليد مستفسرًا فرد زكريا وهو يُحيط ليلى بِذراعه يُقربها منه:
_ هروح أفطر أنا ومراتي!!
+
_ ياااه، أخيرًا اتصالحتوا، على البركة يا إبن عمي، ثواني هحدفهولك..
نطقها وليد بسعادةٍ لعودة علاقتهما من جديد، ثم أنهى الإتصال ونهض ليلقي إليه مِفتاح السيارة من الشُرفة، فَلقِفُه زكريا ثم لوح إليه مودعًا وعاد ناظرًا إلى ليلى وهتف بمزاجٍ سوي:
_ هفطرك بالجي كلاس يا ليلى، دلع دلع يعني
+
قهقهت ليلى على دُعابته ثم توجهت إلى الباب الأمامي، وما كادت تفتحه حتى صاح زكريا مانعها:
_ استني بس بتعملي إيه؟
+
نظرت إليه في حيرة من أمره، فوجدته يقترب منها ويقوم بفتح الباب لها ثم غمزها وتمتم:
_ اتفضلي يا روح قلبي
+
لمعت عينيها متأثرة مما يفعله، فلم تُواجه تلك النسخة منه من قبل، ابتسمت بسعادةٍ ثم انتبها كليهما على صفير وليد من الأعلى مُهللًا:
_ عصفورين كناري يا اخواتي
+
برقت عيني ليلى بصدمة ثم نظرت إليه وهي تضع يدها على فمها مانعة ضحكها المفاجئ، بينما هتف زكريا بثقةٍ:
_ اللي غيران، يعمل زينا يا حبيبي
+
ضحك الثلاثة، بينما ركبا زكريا وليلى السيارة فطرحت سؤالها فور ركوبها:
_ هو وليد من عارف على موضوع الطلاق؟
+
_ لأ، هو عارف إن علاقتنا كانت مش أحسن حاجة، محدش يعرف عن الطلاق غير أبويا وأمي.. وبعدين سيبك من السيرة اللي تقبض القلب دي بقى..
قالها ثم التقط يدها بين قبضته ورفعها عند فَمِه طابعًا قُبلةً حارة عليها، هامسًا وهو يُسبل في عينيها اللامعتان:
_ بحبك
+
_ وأنا كمان بحبك يا زيكو..
قالتها بصوتٍ رقيق مُصرحة عن مشاعرها بصدقٍ، فابتسم لها زكريا ثم نظر أمامه وقام بإشعال محرك السيارة وتحرك بها ولا زالت يده تحتضن يد
ليلى لا يتركها لأي أسباب.
+
****
+
ركضت مهرولة باتجاه كافيتريا المستشفى، عندما أعطتها إحدى الممرضات خبرًا بوجوده، وصلت أخيرًا بأنفاسٍ متلاحقة، بحثت عنه وعندما وجدته جالسًا على إحدى الطاولات، تابعت سيرها إليه حتى وقفت أمامه ثم أردفت بتلهفٍ:
_ صباح الخير يا عمي، حضرتك جاي لي مخصوص؟ هو حصل حاجة؟
+
نظر إليها قاسم بملامحٍ خالية من أي مشاحنات، ابتسم بهدوء وأشار إلى الكرسي المقابل له وقال:
_ اقعدي يا صبا..
+
جلست صبا وعينيها مُثبتة عليه، لا تُرفع، حمحمت وبارتباكٍ بائن لعينيه سألته:
_ حضرتك كويس؟
+
_ أنا كويس، بس عبدالله اللي مش كويس أبدًا..
هتفها قاسم وقد مالت نبرته للآسى على وضع ابنه، بينما أخفضت صبا رأسها في حزنٍ رُسِمَ على تعابيرها، فتابع قاسم كلامه بطرحِه سؤالًا مُفاجِئًا:
_ أنتِ لسه بتحبيه يا صبا؟
+
لم تستطع صبا مواجهة عينيه من وراء خجلها الذي سيطر على أوصالها، حمحمت وقالت وهي مازالت منكسة الرأس:
_ محبتش غيره يا عمي..
1
زفرت أنفاسها وكأن شيئا ثقيلًا قد أُزيل من على صدرها عندما اعترفت له، فابتسم الأخر وكاد يتحدث لكنها أسبقت بالكلام:
_ بس هو رفضني، قالي انسيني، شكله زهق وهيكون معاه كل الحق، اللي عاشه من ورايا مش سهل برده.. هو يستاهل يعيش حياة هادية مفيهاش صِراعات، وواحدة تعوضه على حُزنه اللي عاش فيه الفترة اللي فاتت..
+
_ بس عبدالله مش عايز غيرك، أنتِ لوحدك اللي قادرة تعوضيه!!
هتفها قاسم فخفق قلب صبا بإضطرابٍ، فلم يكتفي قاسم باخبارها عن حُب عبدالله لها مُضيفًا بجزمٍ:
_ والله يا بنتي أكاد أجزم لك إنه هو كمان بيحبك ومش قادر ينساكي، وإلا كانت الظروف اللي عدت عليكم خليتو يشوف غيرك وخصوصًا بعد مسألة جوازك..
عبدالله لما رفضك مكانش كُره ولا إنه خلاص بطل يحبك أو مش عايزك، بس عبدالله بقى أكتر إنسان يائس، اللي اتاخد منه خلاه يفقد ثقته في كل اللي حواليه، ورافض أي مساعدة حتى مني.. بس هل دا عشان مش بيحبني؟
لا طبعًا، بس خسارته كانت كبيرة على عقله وخلاه يعزل نفسه في دايرة يدوب أخداه هو بس، رافض تدخل صحابه وأنا واخته وأنتِ
فإحنا لازم نحط إيدينا كلنا في إيد بعض عشان نقدر نرجعه لطبيعته تاني..
ودا مش هيحصل غير لو حس بإحساس الأمان اللي فقده بسبب وفاة والدته..
مستعدة تُحطي إيدك في إيدي ونوفره الأمان اللي هو محتاجه يا بنتي؟
+
أطالت صبا النظر به لبُرهة قبل أن تتخذ قرارها وتُخْبِره به، فنهض قاسم بعد أن استمع إليها وهتف بصوتٍ رخيم:
_ أنا همشي، أظن أنا كدا عملت اللي عليا..
+
غادرها تحت نظراتها المتابعة له حتى اختفى خلف الباب، فعاودت صبا الجلوس ناظرة أمامها بضياعٍ
محاولة ترتيب أفكارها التي تشتت بعد زيارته.
+
***
+
ولجت غرفتها في بيت المزرعة، جلست أعلى فراشها تتفقد الغرفة من حولها، كأنها باتت غريبة كالمرة الأولى التي جاءت إليها، تشعر بالغُربة في مكانٍ يفتقد كثيرًا لبعض اللمسات من والدتها.
+
نظرت إلى الباب فخُيل إليها أنها تدلف الغرفة بِخُطاها مبتسمة كعادتها تُناديها بإسمها وتطمئن على أحوالها، ترقرقت العبرات من عيني زينب عندما تأكدت أنها الوحيدة التي كانت تهتم لها، والآن لم تعد موجودة، ولم يعد من يهتم لأدق تفاصيلها.
+
فازداد نحيبها، كما آلمها قلبها على فقدانها الذي لم تتقبله بعد، وما زادها حُزنًا ذلك الحب الذي انتهى قبل بِدءه، لقد تركت العنان لعقلها لعيش الكثير من المواقف الحميمية مع عاصم، لقد خذلها الحُب ثانيةً.
+
أغمضت عينيها ثم عادت بظهرها مُستلقية إلى الفراش بغير حول ولا قوة، ظلت على الحالة نفسها حتى اهتز هاتفها مُعلنًا وصول إشعارًا، ففتحت عينيها وتفقدت الهاتف وهي لا تزال نائمة.
+
اتسعت حدقتيها بصدمةٍ عندما كان الأشعار صورة لعاصم على حالة الانستجرام خاصته وهو على متن الطائرة، مُحددًا وِجهته حيث كانت أميريكا ولاية فلوريدا.
+
رفت عينيها عندما لم تستوعب سفره المفاجئ، ثم اهتز داخلها فانعكس على صدرها الذي كان يهبط ويعلوا بشكلٍ عنيف تكتم به شهقاتٍ لو أخرجتها لتجمع من في البيت إثرها.
+
اعتدلت في جلوسها ثم هبت واقفة راكضة نحو شرفة غرفتها، نظرت إلى السماء ثم أجشهت في البكاء المرير الذي كان حبيس صدرها لفترة، حتى أنها كانت تقطعه ببعض الكلمات وهي تُحدق ببيت عاصم كأنها تُحادثه شخصيًا:
_ ليه؟
أنا عملت إيه عشان يكون الرفض من نصيبي، أنا فكرتك هتعوضني عن بهدلتي مع حمادة، حبيت طريقتك وأسلوبك، حبيت مشاركتك وتفهمك، حبيت عفويتك وقلبك اللي مقابلتش زيه قبل كدا..
هو أنا مش من حقي أتحب من واحد مثالي زيك كدا؟
أنا فيا إيه أقل من صبا؟
عشان عبدالله يحبها وأنت كمان تحبها؟
عبدالله يِحرّم على نفسه الحب لغيرها وأنت تهرب مني بعد حبك ليها!!
أنا اللي فيا العيب ولا هي ولا أنتوا؟
3
أنهت جُملتها ثم سقطت بإهمالٍ وهي تبكي بانهزامٍ لم تشعر به من قبل، استمعت إلى طرقاتٍ على الباب ثم دلف عبدالله الذي نادها:
_ أنتِ فين يا زينب؟
+
لم تُجِيبه، بل كان صوتها دليلًا له، هرول عبدالله نحوها مذعورًا من بكائها الهستيري، جلس القُرفصاء أمامها وتساءل بتوجسٍ وقلقٍ تملكا منه لرؤيتها في ذلك الوضع:
_ مالك يا حبيبتي، إيه اللي مقعدك هنا وبتعيطي كدا ليه؟
+
خرجت نبرتها مهزوزة متعثرة وهي تتردد:
_ هو أنا وحشة يا عبدالله؟
+
_ مين اللي قالك كدا؟
تساءل بنبرة مشحونة ظنًا من أن أحدهم قد قلل من جمالها، فهتفت الأخرى موضحة:
_ محدش قالي، بس مش معقول مليش حظ في أي حاجة كدا، كل حاجة بتروح من بين ايديا.. كل حاجة بتمشي.. تفتكر أنا السبب؟
+
كان متفاجئًا من مشاعرها التي بوحت بيها؛ فضمها عبدالله بهدوءٍ إلى صدره وقال:
_ واضح إننا إخوات فعلًا حتى في الأقدار، شبه بعض حتى التفكير والظن!!
آه يمكن خِسرنا كتير، بس دا مش معناه إننا وحشين يمكن السبب إن ربنا عايز يمتحن قوة تحملنا وصبرنا، وإحنا مع الأسف بنفشل لا قادرين نصبر ولا قادرين نتأقلم ونستحمل اللي بيحصل..
+
تنهد عبدالله مُخرِجًا همومه، ثم أضاف بعد أن تراجع قليلًا ونظر إلى عيني زينب:
_ بس أنا اكتشفت حاجة إحنا معمين عنها، اكتشفت إن حتى حجم الخسارة اللي إحنا خسرناها كانت وسط ظروف كويسة
+
أشار حوله وتابع مسترسلًا بصوتٍ رخيم:
_ بصي حواليكي وشوفي إحنا فين، شوفي حتى وقت زعلنا قادرين منجيش على نفسنا أكتر ومجبورين ننزل نشتغل، بالعكس قاعدين مرتاحين بنعيش زعلنا براحتنا في أي وقت
بصي على وجود أبويا في حياتنا، أبويا اللي كنت رافضه زمان دلوقتي مش متخيل الحياة من غيره..
مش متخيل من غيره هلاقي مين يدعمني ويقف في ضهري ويخرجني من حُفرتي اللي بقع فيها كل مرة
ودا بينطبق عليكي برده، أخوكي جنبك، فإحنا لازم نبص على الإيجابيات عشان نقدر نخرج نفسنا من الدايرة اللي دخلنا فيها نفسنا دي..
+
ابتسم في وجهها ثم نهض وانتصب في وقوفه، مدَّ لها يده وحثَّها على النهوض:
_ تعالي..
+
فتعلقت في ذراعه ناهضة، ثم وقفا كليهما بجوار بعضهما أمام سور الشرفة يستنشقان الهواء البارد ربما يُثلج صدرهما من نيران فقدهما للأشياء الحبيبة إليهما.
+
***
+
للمرة التي لا يعلم كم، أعاد الإتصال بها من جديد والنتيجة دون جدوى؛ لا تُجيب، تأفف بِحنقٍ لعدم استطاعته للوصول إليها، فأغمض عينيه ليأتي بِفكرةٍ يجعلها تُجيب.
+
فخطرت زوجة عمه على عقله، وقام بالإتصال بها على الفور دون ترددٍ، بعد ثوانٍ قليلة جاءه صوتها المُرحِب:
_ صباح الخير يا وليد..
+
_ صباح الخير يا مرات عمي، خلود عندك ولا نزلت الكُلية؟
بادلها التحية ثم سألها باندفاعٍ دون إنتظارٍ، فاستشفت هناء ثَمة مُشادة بينهما من خلف أسلوبه وقالت وعينيها تطلعان على غرفة خلود:
_ لا هنا، لسه منزلتش..
+
_ طيب معلش خليني أكلمها..
قالها بنفاذ صبر، فكادت هناء تسأله عما بهما لكنها تراجعت عن السؤال وتركت لهما بعض المساحة الشخصية، ثم نهضت وتوجهت إلى غرفة خلود، مدت يدها نحوها موضحة:
_ وليد على الخط..
+
خفق قلب خلود وارتسم التوتر على تقاسيمها بشكلٍ ملحُوظ واضحًا لعيني هناء، التي تعمدت المغادرة سريعًا قبل أن يُسيطر عليها فضولها لمعرفة ما الأمر.
+
بينما وضعت خلود الهاتف على أُذنها وتمتمت بخفوت:
_ ألو...
+
وما أن قالتها حتى تفاجئت بانفجاره بها بصوتٍ مُنفعل:
_ أنتِ مش بتردي على مكالماتي من امبارح ليه؟
+
بتوترٍ بالغ اختلقت كذبةً:
_ مسمعتش الموبايل..
+
_ مسمعتيش الموبايل!!!
صاح بها بغير تصديق، ثم عاود الصُراخ في الهاتف:
_ وأنا المفروض أصدق الرد المستفز دا؟ طب فرضًا صدقته، رسايلي على الواتس اللي أنتِ بتشوفيهم ومش بتردي دا إيه؟
+
حاولت خلود الهرب منه فهتفت أول ما جال خاطرها:
_ على فكرة أنا مش فاضية، من الكلية لمحضراتها وبرجع تعبانة مش قادرة بكون عايزة أنام..
+
تفاجئ وليد بردها، فهدأت نبرته المُنفعلة تدريجيًا وتحدث باستياءٍ:
_ آه يعني أنا اللي بعطلك، طب تمام، سلام بقى عشان معطلكيش أكتر من كدا..
+
قالها وأنهى الإتصال سريعًا، فنادته خلود مِرارًا على أمل ألا يغلق الخط:
_ استنى بس يا وليد..
+
تأففت عندما تأكدت من غلقه، ثم نظرت إلى الهاتف بضيقٍ بائن، وحاولت الإتصال به من هاتفها، لكنه قد أغلق الهاتف تمامًا، فضربت الأرض بغضبٍ ونعتت نفسها المُتسرعة، سحبت حقيبتها وبعض الأشياء الخاصة بجامعتها، خرجت بوجهٍ مقتضب مقتصرة حديثها مع الآخرين.
+
فتأكدت هناء من حدسها حين ذاك، لكنها لم تُعلق لترى آخر ما يحدُث، بينما تقابلت خلود مع وليد على السُلم، تفاجئت به وألحقت بِخُطاها نحوه مُحاولة إيقاف ذلك القطار السريع:
_ ثواني يا وليد، نتكلم
+
دون أن يلتفت هتف:
_ لا لا أصل أعطلك..
+
نطقها بأسلوبٍ مُندفع غاضب وتابع نزوله فهرولت خلود خلفه بِخُطوات مُععثرة، فانزلقت قدماها دون أن تشعر، ليختل توازنها بشكل مفاجئ قبل أن تستوعب ما حدث فسقطت، فجلست عند آخر درجة عندما توقف جسدها وأخذت تبكي ألمًا وإحراجًا.
+
والأهم أنها اعتقدت ذهاب وليد، مالت بجسدها وتفقدت مكان الألم عند كاحِلها فوجدت به علامة حمراء دائرية لم تستطع لمسها، تلك الأثناء تفاجئت بيدين تلتف حول قدمها فحبست خوفها عندما وجدته وليد يتساءل بوجهٍ مشدود:
_ حاسة بإيه؟
+
وما أن تقابلت أعينهم معًا حتى ترقرقت العبرات سريعًا من عيني خلود، فأغمض وليد عينيه في محاولة منه على إخماد نيران غضبه المتقدة، وعندما شعر حاله أفضل أعاد فتح عينيه وقال بصوتٍ هادئ:
_ عايزاني أعمل إيه بعد ما قضيت يوم كامل عايز اطمن عليكي وأنتِ مش بتردي عليا، كنت هتجنن عليكي، وكلمت مرات عمي وقالت لي إنك نايمة، والصبح نفس الوضع بكلمك مش بتردي، وفي الآخر لما أجبرك تكلميني تردي بمنتهى البرود وتقوليلي مش فاضية وورايا وقدامي؟!
+
ابتلعت ريقها وجاهدت على إمساك تلك العبرات التي تنهمر بغزارة، فأضاف وليد سؤالًا:
_ أنا لو عملت حاجة قوليها في وشي لكن الهروب دا بيعصبني، وأنا مش فاكر إني عملت لك حاجة تخليكي كدا!
+
_ لأ عملت..
هتفتها وهربت بنظرها سريعًا، فعقد وليد ما بين حاجبيه وأخذ يُفكر بما فعله فلم يجد، فتنهد واسترسل:
_ عملت إيه، آخر مرة لينا لما كنا واقفين على السُلم وبعدها..
+
قاطعته خلود بحديثها دون النظر إليه:
_ أيوا وقتها..
+
فغر وليد فاهه واتسعت مقلتيه عندما أدرك الأمر الآن، ثم تشكلت ابتسامة على محياه وهو يردد:
_ يعني كل دا عشان البو..
+
قاطعته خلود مُحذرة:
_ وليد!!
+
انفجر وليد ضاحكًا، ولم يتوقف عن الضحك فاستاءت منه خلود وأخفت عينيها بيديها حتى لا تتقابل معه، بينما هز الآخر رأسه وصاح:
_ كل دا عشان مكسوفة مني؟!
+
_ بس بقى، اسكت
قالتها مُتمنية بألا يُطيل، فأجبر وليد نفسه بألا يضحك، وقال وهو يُعَاود مسك قدمها:
_ طب رِجلك كويسة؟
+
آنت خلود بألمٍ عند لمسِه كاحلها وقالت:
_ متضغطش أوي..
+
_ طب إيه، مش هتروحي الكلية؟
تساءل مستفسرًا فأجابت خلود وهي تنهض:
_ لا هروح، عندي امتحان
+
ساعدها وليد على الوقوف ولم تختفي الإبتسامة من على محياه، فشدت خلود ملامح وجهها باستياءٍ وهتفت وهي تَمُر من جواره:
_ أنا ماشية اضحك براحتك بقى..
+
لحق بها وأمسك ذراعها مُعيدها إليه، فنفرت منه وحذرته بوضعها لإصبعها في وجهه:
_ مش بحب الحاجات دي، إحنا لازم نحط حدود
+
باستنكارٍ قال وهو يلوي شفاه للجانب:
_ أنتِ عايزها تفضل ناشفة كدا سنتين كمان؟!
+
_ ابقى حط لها مرطب تطرى شوية!!
رددتها بتهكمٍ، فصاح وليد متسائلاً:
_ هي إيه دي؟
+
_ اللي أنت تقصده..
قالتها بتزمجرٍ، فضحك وليد وغمزها مشاكسًا:
_ وأنتِ عارفة أنا أقصد إيه؟
+
_ مش عايزة أعرف، وسع كدا..
قالتها وهي تُحاول التملص من بين قبضته؛ فشد وليد بيده على ذِراعها رافضًا ذهابها وهتف بخبثٍ:
_ طب تصبيرة طيب على ما السنتين دول يعدو..
+
_ ولا حتى فتفوتة، ابعد
هتفتها ثم جمعت قوتها ودفعته بعيدًا عنها وهرولت راكضة إلى الأسفل تحت نظراته عليها فهلل معاتبًا:
_ بقى كدا؟ ماشي
+
لم تلتفت إليه حتى باتت خارج البناء، بينما تابع وليد نزوله متوجهًا إلى عمله وداخله يتمنى بأن يَمُر العامين سريعًا.
+
***
+
وضعت الحقيبة الخاصة بملابسها على فراش البيت الجديد التي استأجرته مؤخرًا، قامت بفتح الحقيبة لِتُخرج منها الملابس وتُعلقها في الخِزانة، لكنها تريَّثت ووقفت تتطلع في الفراغ أمامها وكلمات قاسم تتردد في ذِهنها دون توقفٍش منذ الصباح.
+
تركت ما بيدها، وشعرت بحاجتها للذهاب إلى حبيب فؤادها، والآن
أغمضت عينيها مُستنشقة أكبر قدرًا من الهواء على أمل أن يرد إليها صوابها، فالوقت بات متأخرًا، لكنه أزاد من لهيب شوقها إليه كما ضاعف حاجتها في لِقائه وعودتها إليه الليلة قبل صباح الغد.
+
مالت شفتيها للجانب وشكلت ابتسامة حماسية، ثم أخذت ترتدي ملابسًا لها سريعًا وخرجت من البيت وهي لا تُطِيق الإنتظار، تَعُد الثواني حتى تقِف أمامه وتفصح عن مشاعرها ربما تنجح في توطيد العلاقة بينهما مرةً أخرى.
+
بعد مرور مدة ليست بقصيرة؛ وصلت صبا إلى المركز الخاص به، فكانت على دِراية بمكوثه حتى وقتًا متأخر من الليل، وقفت أمام الباب وتفقدت المكان، ولِحُسن الحظ أنه كان حُاليًا من العُمال.
+
خطَّت أُولي خُطُوَاتها إلى الداخل باحثة عنه، حتى وجدته واقفًا وظهره إليها، غارِقًا في الحسابات اليومية الذي يتفقدها، وقفت خلفه فأحدثت أنفاسها ضجِيجًا ملحوظ من فرط توترها التي تعيشه.
+
_ جاية ليه يا صبا؟
صدح سؤال عبدالله المُفاجئ بالنسبة لها، فلم تتحدث بعد! كيف عرف بها؟ أخرجت زفيرًا طويلًا وتساءلت مُستفسرة:
_ أنت عِرفت إنه أنا إزاي اللي واقفة وراك؟
+
أغلق ذلك الدفتر أمامه ثم استدار بجسده ونظر إليها بعيون جامدة مُجيبًا بهدوءٍ مال إلى البرود:
_ أنا حافظ صوت نفسك يا صبا!!
1
اتسعت حدقتي صبا مذهُولة بذلك الرد، فالتمع وميض عينيها وازداد قلبها عُنفوانًا، فأعاد سؤاله مرة أخري:
_ مجاوبتنيش، جاية ليه؟
+
شهيقًا وزفيرًا فعلت، قبل أن تُصَرِح سبب مَجِيئها:
_ جاية عشان أشوفك..
+
قالتها ثم اقتربت منه بِضع خُطُوات، حتى أصبحت أمامه وتابعت بتعلثمٍ:
_ أنا تعبت من البُعد دا، أنا كنت فاكرة إني هقدر أعيش واتخطاك، بس مقدرتش، كل حاجة كانت بتقول إن علاقتنا عمرها ما هتكمل، الظروف كانت ضدنا، اتألمنا، وزعلنا واتفرقنا، وعِشنا ليالي كتير ودموعنا على خدنا، طاقتنا استهلكت، والحزن نهش في قلوبنا وسرق من أيامنا لحظات كان ممكن نعيشها حلوة سوا..
+
ابتلعت ريقها وتابعت بنبرةٍ مهزوزة يغلفها البُكاء الحبيس:
_ تعالى نرجع، ونكمل اللي وقفنا عنده، يمكن مش هنقدر ننسى اللي فات واللي عيشناه، ومش هنقدر نمحي ذكريات صعبة عِشناها بس ممكن نِداوي الفجوة اللي جوانا وإحنا مع بعض..
هنشفِي جروحنا وإحنا سوا..
هنجازي قلوبنا اللي تعبت وزعلت واتقهرت برجوعنا تاني..
عبدالله أنا لسه بحبك، مش قادرة أشوف غيرك ولا أحس مع حد نفس اللي بحسه معاك!
أنت أول حب، وأول إحساس، وأول نظرة، وأول كل حاجة حلوة أنا عيشتها..
البداية كانت معاك أنت، والنهاية كمان عايزاها معاك!
أنت وبس!
1
صدرَّ عنه قهقهةً خافِتة قبل أن يُردِف غير مصدق ما خرج من فمها:
_ ياااه يا صبا، نرجع!!
بتطلبي مني دلوقتي إننا نرجع تاني؟ عايزاني أنسى كل حاجة حصلت وأبدأ من جديد معاكي؟
أنسى بُعدك عني ولا جوازك من غيري ولا اختيارك للبُعد مرة تانية بعد طلاقك، عايزاني أنسى الأيام اللي عيشت طول لِيلها بعيط عليكي؟
ولا أنسى وأنا بتخيلك في كل ثانية وبسمع صوتك اللي كان ونس ليا في وحدتي؟
هتقدري تِدَواي إيه ولا إيه؟
مفتكرش إن ينفع نرجع تاني.. بينا حواجز كتير اتبنت وسَدِت كل طُرق الرجوع..
متأخر أوي كلامك دا!
+
تسابقت العبرات في النزول من عيني صبا التي تفاجئت بردِه، لقد خيَّب آمالها، وأُهْدِم تخيلاتها
التي رسمتها لهما، كل شيء تحطم بكلماته التي أبلغها بيها أنهما لن يعودا كما كانا.
+
لكنها لن تستلم؛ فكان الهروب ملجأها الوحيد في كل مرةٍ خُيرت فيها بين المواجهة والهروب، والآن عليها المواجهة إلى آخر أنفاسها، مسحت عبراتها بظهر يدها وأخرجت كلماتها بصوتٍ باكٍ مُصِرًا للوصول إلى اكتساب حُبها:
_ أنا عارفة إني جرحتك، بس كان غصب عني، وأنت عارف كدا كويس، عارف إني كنت مُجبرة وكنت قليلة الحيلة، مكنش قدامي غير إني أهرب من قدري واستغنى عن حُبي، كل دا كان غباء مني، عارفة والله
بس أنا جسمي فجأة شخص حقير انتهكه، عيشت أبشع حادثة ممكن أي بنت تتعرض لها، خوفت وعيطت وقاومت واتمنيت الموت ألف مرة في الثانية الواحدة.
الحادثة دي مش بس سرقت مني شرفي، دي سرقت عمري وحياتي وآماني وأفكاري ومعتقداتي،
كل حاجة اتغيرت، كل حاجة بقت سودة في وشي، أنا ملقتش حتى اللي يضحك عليا ويقولي هنعدي منها سوا
+
دنت منه أكثر واسترسلت بدموعٍ تسيل دون توقف:
_ عبدالله، الظروف كان أقوى مننا، القدر مكتبش لينا إننا نكمل مع بعض وقتها، لكن الوقتي ممكن...
تعالى نعوض كم الخسارة اللي خِسرناها ونعوض في اللي الجاي..
+
استمع لها ببرودٍ مُتعمد، كان جامدًا كلوحٍ من الثلج الصلب الذي لا يذوب بسهولة، لوهلة جهلت صبا معالمه، فلم تتعامل مع ذلك الوجه من قبل، انتظرت قليلًا فقليلًا بعد، والنتيجة ذاتها، واقفًا بثباتٍ، وكأن كلماتها لم تَمِسه، وجهه جامد لا يبوح بأي شيءٍ كأن قلبه خالٍ من العاطفة.
+
بينما هزت صبا رأسها بتفهمٍ، ونظرت إليه في دهشةٍ لا تُصدقها عيناها، أحست بأن الذي أمامها لم يَعُد حبيبها، بل غريبٍ يتعامل معها ببرودٍ موجع وكأن قلبه قد أوصد بابه في وجهها، وأن مكانها في قلبه قد خلى منذ زمنٍ.
+
زمت شفتيها بِحُزنٍ وهي بالكاد تتماسك أمامه، ثم أولته ظهرها عندما تأكدت من عدم وجود أي ذِكرى لهما قد تربطهما ثانيةً، جرت خيبة آمالها خلفها بِثقل متوجهة إلى الخارج.
+
_ "وهو العمر فيه قد إيه عشان أعمل حبيبة تانية غيرك؟!"
هتفها فجأة فتجمٍَدت صبا مكانها، كانت أفكارها مُشوَّشة فلم تستطع تفسير كلماته، استدارت بجسدها ونظرت إليه كمن يسير في صحراءٍ جرداء منذ أيامٍ ويريد أن يروي عطشه فتساءلت:
_ يعني إيه؟
+
_ يعني وحشتيني يا دكترة!
صرَّح باشيتاقه لها مُتعمدًا ذكر ذلك اللقب الذي لم يُناديها به منذ زمنٍ، كما أن ثِغره قد تقوس إلى الجانب مُشكلًا ابتسامة آسِرة، فوقعت صبا أسيرة لابتسامته، لكن سرعان ما انجرف تيار عبراتها من عينيها.
1
فتوجه إليها عبدالله مُتسائلًا عن سبب بكائها:
_ طب ليه العياط دا دلوقتي؟
+
من بين بكائها أجابته بصوتٍ مرتجف:
_ كنت فاكرة إني مش هسمع الكلمة دي تاني... بس إيه الكلام اللي قولت دا؟
+
أجابها موضحًا:
_ كنت بقوله لنفسي طول الوقت عشان أقدر أنساكي بيه ومقدرتش!
+
إزداد نحيبها، وبوحت بمشاعرٍ صادقة:
_ وحشتني يا عبدالله، خوفت أوي تحب واحدة غيري..
+
لم يستطع عبدالله الوقوف بعيدًا وسمح لنفسه بالإقتراب منها، ثم رفع يده وتحسس وجهها بشوقٍ حار، فمالت صبا برأسِها على يده عندما شعرت بِدفءٍ افتقدته، فإذ بكلمات عبدالله المُتَيمة تخرج من لسانه وعينيه هائمة بها:
_ الغرام لغيرك حرام يا دكترة، كلهم اتحرموا على قلبي بعدك!
+
حينها؛ أغمضت صبا عينيها ثم أمسكت بيده الموضوعة على وجهها وقامت بطبع قُبلةً داخل كفها، وهمست وهي تُعيد فتح عينيها التي مال لونها إلى الإحمرار الدافِئ حيث كانت تفتقد ذلك الدِفء وتمتمت:
_ بحبك..
+
قالتها ثم أخفضت يده بِهدوءٍ عنها وأضافت ببسمةٍ لم تختفي من على محياها:
_ خلينا نكمل باحترام زي ما بدأنا... بلاش لمس لغاية ما الوقت يسمح ولمساتنا دي تكون في إطار حلال..
+
أماء عبدالله مِرارًا وعينه لا تُرفعان من عليها، يتفحص كل أنشٍ بها بشوقٍ لو لم يُسيطر عليه لكان هذا المكان شاهِدًا على بداية جديدة فريدة من نوعها تليق بعودة عِشقهما.
+
دمعت عيني صبا وهي تُخْبره مخاوِفها التي كانت تُحاصرِها طيلة الوقت:
_ كنت خايفة تنساني وأكون مُجرد ذِكرى..
+
إلتوى ثغر عبدالله للجانب فتشكلت ابتسامة جذابة بها بعض العِتاب وأخذ يُدندن بنبرة مُفعمٕة بالحُب:
_ وإزاي تقول أنساك وأتحول، وأنا حُبي لك أكتر من الأول، وأحب تاني ليه، واعمل بِحُبك إيه، دا مستحيل قلبي يِميل ويحب يوم غيرك أبدًا أبدًا، أهو دا اللي مش ممكن أبدًا
1
وبعد أن أنهاها هتفت صبا مازحة:
_ متقولش، أنت كنت وحي الست أم كلثوم برده؟!
+
_ أومال، دا أنا على كل لون تلاقيني
رده أضحكها ثم قطعت قهقهتها وهتفت:
_ دا أنت قديم أوي على كدا
+
أماء بأهدابه، ثم هدأ ضحكهما وتحول إلى إشاراتٍ ولغات تنبعث من خلال عينيهما، أشعارٍ من الحب و الإشتياق الذي يشع من نظراتهما الهائمة، كان قلب عبدالله يخفق بقوة أمام عينيها الخضراوين، كم ودَّ لو أنه ألقى بنفسه بين ذراعيها الآن ونال عِناقًا يداوي غِيابًا طال ويُثْلِج صدره المُحترق على فراق أحِبته.
+
خرجا من شرودهما على صوت هطول الأمطار الغزير، تفقدا الخارج من خلال الحائط الزُجاجي ثم تقابلا في نظرةٍ استشفا كليهما ما يدور في ذِهن الآخر، فتقوست شفتيهما بابتسامةٍ حماسية قبل أن يركضا مُهرولين إلى الخارج.
+
تحت زخّات المطر، وقف العاشقان مُتقابلين، كأنّ العالم من حولهما قد صمتَ احترامًا لفرحتهما، تساقطت القطرات على وجهيهما، فامتزجت بضحكهما البريء، وتلألأت أعينهما ببريقٍ لا يُشبه إلا نور الفرح.
1
مطّ عبدالله ذراعيه في الهواء، لتنسدل حبات المطر على كامل جسده، ففعلت صبا مِثله تمامًا فكان في حبهما دِفءٍ يُناجي برد المطر، وكأنّهما يُخبّئان في تلك اللحظة وعدًا بألا يفترقا ثانيةً، كانت السماء تُمطر حبًّا، والأرض تشهد ميلاد سعادةٍ لا توصف.
+
توقفت صبا فجأة عندما تخلَّلت جسدها تلك البرودة التي جعلته يرتجف، فأحاطته بذراعيها على أملاٍ أن ينبعث بعض الدِفء من ذلك العِناق البسيط، فانتبه عليها عبدالله الذي اقترب منها وتساءل:
_ بِردتي؟
+
أماءت وجميع حواسها ترتجف بقوة، فقال الآخر وهو يُشير بعينه إلى المركز:
_ تعالي ندخل جوا..
+
ثم أسبق بِخُطاه إلى الداخل فتَبِعته صبا ووقفت تُشاهد بحثه عن شيءٍ في الأرجاء، حتى عاد إليها حاملًا غِطاء ثقيل هاتِفًا باهتمامٍ وهو يضعه أعلى كتفيها:
_ لِفي نفسك بيه عشان تدفي..
+
اكتفت بإيماءة من رأسها فلم تمتلك قوة التحدث الآن من خلف اهتزازة جسدها، بينما أشار عبدالله إلى الأريكة وأردف مُوضحًا:
_ تعالي اقعدي، هعمل لك حاجة سخنة تشربيها..
+
فامتثلت صبا لأمره، وجلست ثم حاوطت جسدها جيدًا بالغِطاء فلم يكن ذلك قويًا بما فيه الكفاية حتى يُدفئ جسدها، بينما ذهب عبدالله إلى مطبخ المكان وقام بعمل كوباين من الشاي الساخن وعاد إليها، ناولها كوبها ثم جلس على طرف الأريكة تاركًا مسافة بينهما.
+
أخذا يرتشفان حتى شعرا كليهما بِدفء مفاجئ يُسيطر على جوفيهمها تدريجيًا حتى عادت حرارة جسدهما إلى الطبيعي، فابتسمت صبا بِعذوبة واستنكارٍ لما فعلاه وعلَّقت ساخرة:
_ إحنا إيه اللي عملناه دا؟
+
بادلها عبدالله الإبتسام ورد على سؤالها:
_ دي نقطة في بحر اللي هنعمله مع بعض بعد جوازنا يا دكترة!!
+
تفاجئت، حقًا أسرت تلك الجُملة قلبها، وجعلته يخفق بقوة، ابتسمت في خجلٍ فتعجب عبدالله من تفاجُئها بما أخبرها عنه:
_ إيه المفاجئة دي؟ أنتِ مكنتيش عاملة حسابك على جواز ولا إيه؟
+
قهقه ثم أضاف مازِحًا:
_ كنتي ناوية نقضيها في الحرام؟
+
عاتبته صبا بنظراتها وهمست مُجيبة سؤاله وعينيها تلتقيان بعينه:
_ إيه دا لأ طبعًا، بس من كُتر ما عقلي خلاص اقتنع إننا صعب نرجع تاني، فكِلمة جوازنا دي فاجئتني، حسستني إنها مكانتش في الخِطة، أو مكانتش هتحصل..
+
_ هتحصل يا صبا، طلاما إحنا عايزين يبقى هتحصل، أنا بحبك أوي، ونفسي في اليوم اللي كِلمتي تخرج فيه مش حرام، ولا لمستي ونظرتي، حتى أفكاري، عايز كل حاجة تكون حلال معاكي أنتِ..
هتفها بفيض من المشاعرٍ الصادقة فازدادت ابتسامة صبا عنفوانًا، ثم ابتلعت ريقها بتوترٍ، فكانت أنفاسها مرتفعة بسبب تسارع نبضاتها التي تزداد خفقانًا، أخرجت تنهيدة طويلة وتمتمت بحبٍ:
_ وأنت تيجي بدري من شغلك ونعمل فِشار ونتفرج على أفلام عامر منيب؟!
+
أعاد عبدالله قول كلماتها بعيون هائمة بها وصوتٍ آسَرَهُ حُبها:
_ وأرجع بدري، ونعمل فِشار ونتفرج على أفلام عامر منيب وأنتِ في حضني!!
+
لم تستطع صبا مواجهة عينيه بعد تصريحه الأخير، وهربت بأنظارها إلى الجانب المُعاكس له، مُحاولة السيطرة على حالاتها المُضطربة والمُتنَاقِضة التي تعيشها من خلف كلماته.
+
حمحم عبدالله ليجذب انتباهها، فعاودت صبا النظر إليه فقال وقد تشكل الحُزن على تقاسيمه:
_ إحنا لازم نكتب الكتاب في أقرب فرصة، كفاية بُعد لغاية كدا، بس أنا مش هقدر أعمل فرح وأغاني وهيصة يا صبا، مش قادر أتخطى موت أمي بسهولة كدا..
+
إلتفتت صبا إليه بكامل جسدها وقالت بعد أن رسمت بسمةً هادئة على ثِغَرها الوردي:
_ أنا كل اللي يهمني أنت وبس، مش عايزة غيرك!
+
بادلها الآخر ابتسامة عفوية وتحدث:
_ بس أنا برده مش هعرف أجي عليكي، أنتِ من حقك تلبسي فستان ونوثق يومنا بشوية صور للذكرى، وبعدها نكتب الكتاب في مسجد أو قاعة مفتوحة ونروح على بيتنا.. موافقة؟
+
أماءت بقبولٍ ثم رددت دون تصديق:
_ بيتنا يا عبدالله!!
+
مال عبدالله برأسه قليلًا مُشكلًا ابتسامة عذِبة جذابة على محياه مًرددًا للتأكيد:
_ بيتنا يا دكترة، أنا وأنتِ وبس..
+
إلتمعت عيني صبا بوميضٍ مختلف، وقد راودها بعض التخيُلات بأعذب المواقف التي قد تجمعهما في بيتٍ واحد، فانبعثت من شفتيها ضحكة سعيدة، ثم انتبهت على صوت عبدالله الذي قال:
_ قومي لما أوصلك البيت عشان تِعَرَفِي أهلك إني جاي اتقدم لك..
+
اختفت ضحكتها وقالت موضحة الوضع الذي تعيشه:
_ بس دا أنا لسه ناقلة شقة مع هدى زميلتي النهاردة..
+
عقد عبدالله جبينه مُستاءً وهتف:
_ معنداش بنات تقعد في شقق لوحدها، ارجعي بيتكم يا صبا، عشان تخرجي منه على بيتي أنا..
+
اكتفت بالإيماء دون اعتراضٍ، فخرجا من المكان ثم وقفا ينظران حولهما، فتساءلت صبا مستفسرة:
_ هي عربيتك فين؟
+
_ مع زكريا، أنا نسيتها خالص..
قالها وزفر أنفاسه باسيتاءٍ لنسيانه الأمر، ثم نظر خلفه وردد:
_ ثواني هجيب عربية من اللي بيتعمل لها صيانة هنا أوصلك بيها..
+
_ طيب ما نطلب عربية أحسن، عشان ميكنش ضرر عليك..
قالتها صبا مُهتمة لأمره، فضاق عبدالله بعينه مستاءً وقال:
_ ضرر إيه!! معذورة ما أنتِ شوفتي عبدالله الكحيان، مشوفتيش النسخة المُعدلة
+
ابتسمت له وأردفت بسعادةٍ:
_ أول ما اكتشفت رجوعك لباباك، كنت مبسوطة بس كان جوايا شوية غيظ بصراحة من نحيتك..
+
قطب عبدالله جبينه بغرابةٍ مُتسائلًا بفضولٍ حول ذلك الغضب المزعوم:
_ إيه دا ليه كدا؟
+
حمحمت صبا وبترددٍ أخبرته أسبابها:
_ يعني أنا اتحايلت عليك كتير أوي عشان تِدي لباباك فرصة في حياتك، وأنت كنت رافض، بصراحة ومن غير زعل حسيت وقتها إنك يمكن لو كنت قِبلت بيه مكنش وصل بينا الوضع للي إحنا فيه دا حاليًا..
+
أخرج عبدالله تنيهدة مُحملة بين طياتها بالندم وهتف:
_ أنا حاليًا بعد ما عرفت أبويا وقربت منه، ندمان على عمري اللي ضاع من غيره، وبقول زيك كدا، يمكن لو قِبلتُه من بدري ماكنش دا حالي، كان أكيد معايا شهادة، وشِبِعت حنان وكنت هكون مرتاح عشان عارف إن ليا ضهر اتسند عليه، والأهم إنه كان فاتنا متجوزين ويمكن عندنا عيال كمان..
+
أخفض بصره بآسى وأضاف بنبرةٍ يملأها مزيجٍ من الندم والحسة على عمره الضائع:
_ بس برده يمكن حصل كدا عشان نعرف قيمة كل حاجة ونخاف عليها أكتر.. يمكن حصل كدا عشان حُبنا يزيد للناس اللي الحياة فرقتنا في يوم..
+
إلتوى ثِغر صبا بإبتسامة أسِرة وهي تردف سؤالها:
_ يعني أنا قميتي زادت عندك؟ وحبتني أكتر؟ وكمان بقيت بتخاف عليا؟!
+
قلب عبدالله عينيه مُمازِحها قبل أن يقترب بِضع خُطوات منها حتى بات قريبًا للغاية لكنه حافظ على الحدود بينهما وهمس مُجيبًا أسئلتها:
_ قيمتك كنت عارفها من الأول، بس دا ميمنعش إنها زادت أكتر، وحُبي ليكي بقى أضعاف، كنت فاكر إن البُعد بينسي ويعلم القلب الجفا بس زي ما بيقولوا الممنوع مرغوب، أنتِ طول الوقت كنتي مرغوبة بالنسبة لي يا دكترة..
أما بقى بالنسبة للخوف عليكي، فأنا أخبيكي بين رمش عيوني ولا إن حاجة تِمْسك..
+
هرمون السعادة خاصتها كان في أقصى مراتبه، كلماته كانت تُسبب لها الهياج في نبضاتها وتجعل نظراتها أكثر لمعانًا وحماسًا، عضَّت صبا شِفاها قبل أن تفيض بمشاعرها:
_ يا بختي بيك، يا بخت قلبي عشان حبيته بالشكل دا، أنت رِزقي في الدنيا يا عبدالله، ربنا بيحبني عشان دخلك حياتي.. أنا بحبك أوي يا بودا!!
+
_ بودا، يلهوي!!
نطقها دون تصديقٍ، ثم ردد مستاءً:
_ هو يعني كنا لازم نعدي بكل الدُرُوب دي عشان أدلع؟
+
إلتوى ثِغرها للجانب، وهتفت في خجلٍ:
_ دا في ياء مِلكية كمان هتتحط بس مش دلوقتي، بعد كتب الكتاب
+
_ لا لو على كدا نكتبه من بكرة لاجل عيون الياء الملكية
هتفها مُبتسمًا بجاذبية، فأسْبَلت صبا عينيها لوقتٍ، فهي غير مُصدقة ما وصلا إليه قبل أن تُصرح ظاهرة شوقها إليه:
_ أنت كنت واحشني أوي يا عبدالله..
+
_ ممم، قولتيلي كنت واحشك أوي!!
رددها عبدالله بمكرٍ فأضافت صبا بلوعة:
_ أنت على طول واحشني، في كل مرة بتغيب فيها عني كنت بتمنى لو أشوفك لحظة، نفسي منتفرقش تاني أبدًا..
+
أخرج عبدالله تنهيدة حارة قبل أن يُخبرها:
_ والله أنا اللي معتش هقدر أعيش لحظة من غير الكلام دا..
+
حمحم ثم واصل:
_ من بكرة هبدأ في إجراءات كل حاجة، هدور على بيت وأخلص إجراءات كتب الكتاب وأول ما كل حاجة تكون جاهزة هنكتب على طول، مش هنستنى ثانية بعدها..
+
ابتلع ريقه وتابع عندما تذكر شيئًا:
_ بس أنا مش بتاع فيلل يا صبا، أنا بحب البيوت زي ما اتعودنا عليها..
+
قطبت صبا جبينها بغرابةٍ، ورددت سؤالها:
_ ومين جاب سيرة الفيلل؟
+
_ يعني، تكوني اتعودتي عليها في الفترة اللي فاتت دي..
قالها عبدالله وهو يفرك أصابعه دون أن يواجه عينيها التي عاتبته بهما وصححت مفاهيمه:
_ البيوت باللي ساكنين فيها مش بِوسعها ولا كام دور، إن شالله في أوضة واحدة، المهم معاك أنت..
+
فرك عبدالله مؤخرة رأسه؛ ثم ابتسم وهتف مازحًا:
_ لأ أوضة دي تقوليها لما كان إسمي عبدالله القاضي، إنما دلوقتي أنتِ بتكلمي عبدالله قاسم القاضي، فيه فرق طبقات ومستويات حصل بطريقة متتصدقش
+
قهقهت صبا على دُعابته، ثم اقترحت:
_ طب إيه رأيك منجبش بيوت خالص ونقعد مع عمي قاسم في البيت، على الأقل ميكُنش لوحده، يتونس بوجودنا، وبصراحة كدا مش حابة أخدك منه، كفاية سنين الفُراق اللي عِشتوها من غير بعض..
+
بإمتنانٍ واضح لها، هتف:
_ هنعمل كدا طبعًا، بس مش في أول فترة، الفترة الأولى دي لينا لوحدنا، بعيد عن جنس البشر.. هاخدك ونروح مكان معزول يدوب أنا وأنتِ والليل وسماه ونجومه وقمره..
تبادلا كليهما الضحكات السعيدة، ثم أضاف عبدالله بحسمٍ:
_ يلا عشان أروحك، الوقت اتأخر أوي
+
أماءت صبا بالموافقة، فهما بالخروج بعد أن أغلق عبدالله المكان ثم قام بركوب السيارة التي استعارها من المركز للغد، تحرك بها فكانت عينيه تجوب الطريق تارة وتارة أخرى تتفقد صبا التي لم ترفع نظريها عنه.
+
فابتسم عبدالله وصاح:
_ هتفضلي بصالي كدا كتير؟
+
تنهدت صبا بلوعة وقالت بتوجسٍ:
_ والله خايفة أكون بحلم، وافوق من الحلم ومتكُنش جنبي!
+
_ الأحلام كانت زمان، دلوقتي فيه حقيقة وبس..
هتفها فبثَّ بقلبها الطمأنينة التي انعكست على شفتيها المنفرجتان، ثم قام بتشغيل مُسجل السيارة بعد أن قام بوصله للهاتف، انتقى أغنيةً خِصيصًا لهما.
+
بعد قليل؛ صدح صوت ميادة الحناوي منه، وهي تغني أغنيتهما المفضلة "أنا بعشقك"، ابتسمت له بِعذُوبة تحولت إلى ضحكات عندما ارتفع صوت غنائه كأنه يُعبر عن حُبه من خِلال كلمات الأغنية.
1
ظلا على الحال نفسه حتى أوصلها إلى بيت أبيها بعد رفضه التام لبقائها في بيتٍ آخر، فتحت صبا بابها ثم نظرت إليه قبل أن نُزولها وقالت برقةٍ أنثوية:
_ هتوحشني..
+
_ أحب احتفظ بالرد لبعد كتب الكتاب..
هتفها بعفوية فرفعت صبا حاجبيها وتساءلت بفضولٍ:
_ إيه دا!! ودا ليه بقى؟
+
_ عشان يليق بعدد الأيام والليالي اللي بِعدنا فيها عن بعض!
لمعت عينيها بعد سماعها لذلك الرد، تنفست بعض الهواء ثم قامت بإخراج قِلادتها من حقيبتها وقالت:
_ هيتجمعوا أخيرًا..
+
فقام عبدالله بسحب قلادته التي يَخفيها خلف ياقة قميصه وتحسَّسها هاتفًا بحماسٍ:
_ هيتجمعوا يا دكترة!
+
لم تُفارق البسّمة شفتي صبا ذلك المساء، حمحمت ثم ودعته وغادرت بينما لم يبرح عبدالله مكانه حتى اختفت من أمامه فقام بالتحرُك، بشعورٍ لا يوصف بالكلمات، لا يوجد أحرفٍ يُمكِنها وصف ما يعيشه الآن.
+
تزاحمت أفكاره بين ترتيبات حفل زفافه التي هاجمت عقله فلم يعي أي منهما يفعل من فرط حماسته، فضرب الطارة بيده ثم تحسس بالأخرى مكان قلبه ودندن بسعادةٍ غمرت قلبه، كما ابتسمت روحه وعاد إليه رونقه وحيويته الذي افتقر إليهما في الآونة الآخيرة.
+
***
+
بترددٍ قابلته في الحديث قالت:
_ زكريا، معلش أوقف عند أول صيدلية تقابلك عشان أجيب حاجة لعسر الهضم، إحنا آكلنا كتير وبطني وجعتني..
+
أشار زكريا إلى عينيه ثم قال:
_ عيوني..
+
ابتسمت إليه بهدوء، ثم قالت ليلى مازحة وهي تتفقد ساعة يدها:
_ يااه الوقت أتأخر جدًا، إحنا إزاي قضينا كل الساعات دي برا من غير ما نحس؟ مش كان مشروع فطار بس!!
+
ضحك زكريا وعلَّق ساخرًا:
_ فطار جاب سينما وشوبينج وغدا وعشا ويا جيبك اللي فِضَى يا زكريا..
+
ضاقت ليلى بعينها عليه وهتفت بقوة:
_ مضايق ولا حاجة؟
+
رمقها زكريا بطرف عينيه قبل أن يردف مُجيبًا:
_ فداكي فلوسي وعمري كله يا لولا، ولا أي حاجة تِسوَى قُصاد إنك جنبي وراضية عني
+
لم تمنع ابتسامتها التي تسللت وارتسمت على شفاها، ثم أخفضت عينيها في حرجٍ، تلك الأثناء؛ أوقف زكريا السيارة وقال:
_ هنزل أجيب لك الدوا وراجع..
+
فأسرعت ليلى في مسك ذراعه مانعة نزوله، تعجب زكريا من تصرفها لكنه تريث حتى يفهم سببه، فقالت هي بإصرارٍ واضح:
_ لا خليك أنت، عشان عايزة أجيب حاجات تانية مش هتعرف تجيبها
+
وقبل أن يُعطيها زكريا ردًا كانت قد ترجلت من السيارة فأثارت الشك داخل زكريا الذي تابعها بنظراته حتى عادت إليه بعد خمس دقائق، فعاود قيادة السيارة إلى أن وصل إلى المنطقة خاصتهم.
+
صف السيارة أمام البيت، ثم ترجل منها سابقًا بِخُطواته ليلى، ثم قام بلقفها بين يديه فشهقت هي بذُعرٍ لتصرفه المفاجئ، ابتلعت ريقها مُحاولة ضبط أنفاسها ثم تفقدت المكان حولهما مُعاتبة إياه بلطفٍ:
_ أنت بتعمل إيه يا زكريا، إحنا في الشارع..
+
_ الناس نامت خلاص..
قالها ثم توجه بها داخل البناية، فهللت ليلى عاليًا:
_ طب الشنط اللي في العربية؟
+
_ هبقى أجيبهم الصبح..
قالها وقام بصعود السُلم، ولم يكف عن التغزل بها بنظراته قبل كلماته، حتى وصلا إلى شقتهم، قام بإنزالها ليفتح الباب.
+
ولجا خلف بعضهما، فكان زكريا لا يطيق الانتظار حتى يقترب منها بشكلٍ خاص، فلقد اشتاق إليها للغاية، لكن داخله ما يُسرِع ويُذَكِره بالتأني حتى لا تكرهه.
+
بينما بادرت ليلى بدخول الغرفة، وبدلت ملابسها بقميصٍ قصير باللون الأحمر، من الستان يتناسق مع تقاسيم جسدها الأنثوية، خرجت إليه بُخُصلاتٍ شاردة، فرأت في عينيه لهفته وانجذابه بمظهرها، لكنه لم يُحرك ساكنًا، غير ظاهرًا رغبته التي تشع من بؤبؤ عينيه.
+
ابتسمت خِفية، واقتربت منه بِخُطى مُتمايلة تعمدتها، فرأت عينيه تهربان بعيدًا عنها، عضَّت شفتيها لتخفي ضحكتها خلفها ثم جلست بجواره
واضعة قدميها أعلى الطاولة أمامها مُرددة بصوتٍ متعب:
_ اليوم كان جميل أوي
+
تعمدت الإقتراب منه طابعة قُبلةً حارة قُرب أذنه هامسة:
_ شكرًا يا زيكو..
+
أغمض زكريا عينيه مُستمتعًا بتلك الرجفة التي سرت في أوصاله إثر قُربها، كما ارتفعت وتيرة أنفاسه بشكلٍ ملحوظ قد أحست بما يعيشه ليلى، آلمها ضميرها من خلف عذابه المتسببه هي به وقررت إنهاء تلك السخافة.
+
احتضنت وجهه بيديها وتمتمت بخفوت أمام شفاه:
_ موحشتكش؟
+
أغمض زكريا عينيه شاعرًا بمشاعرٍ لا يريدها الآن، احتضن يديها الموضوعة على وجهه وبهدوءٍ قام بإنزالها عنه قائلًا:
_ أكيد وحشاني..
+
تثاءب زكريا مُتصنعًا النوم، ثم نهض هاربًا منها وقال:
_ اليوم كان طويل، أكيد تعبتي، يلا ننام عشان ترتاحي...
+
إصراره على إظهار عدم اكتراثه للهفته الداخلية في الإقتراب منها قد أنبت ضميرها، وأشعرتها بتغييره الذي وعدها به، وما أعجبها في الأمر أنها المتحكمة الآن في سير حياتهما، دون أن يؤخذ منها مالا ترضاه.
+
أخرجت بعض الأنفاس قبل أن تَهِم بالنهوض، أسرعت في اللحاق به وقامت بالتعلُّق في عُنقِه مِتسائلة باهتمامٍ:
_ أنت بتبعد عني ليه؟
+
ضاق زكريا بعينه عاقدًا مابين حاجبيه، ناهيك عن تصنعه لعدم فهمه لما ترمي وتساءل:
_ ببعد عنك إزاي؟ ما أنا طول اليوم جنبك، ودلوقتي كمان جنبك أهو..
+
ثم غير مسار الحوار مُضيفًا مزحة بسيطة هاربًا بها من عينيها التي تكشفانه مُتحسسًا عينيها بأصابعه:
_ ولا أنتِ مش شايفة ولا إيه بالظبط؟
+
كانت ليلى متفهمة هروبه، وقامت بانزال يديها عن عُنقه ثم أمسكت بذراعيه ووضعتها على خصرِها فأرغمته على مُحاوطتها، بينما عاودت التعلُّق في رقبته، ثم أردفت:
_ أنا مش هضايق على فكرة لو..
+
صمتت عندما خجلت في مواصلة حديثها؛ وعندما فشلت في توضيح مقصدها قامت باللجوء إلى حلٍ آخر، حيث أنها بدأت بتقبيل وجنته بنعومة متعمدة، ثم قبلته بحرارة متمنية بألا يطيل في هروبه ذاك لأنها لن تستطيع الإطالة فيما تفعله بمفردها.
+
ذلك الحين، فقد زكريا صموده أمام قُبلتها، ولعن نفسه مرارًا وتكرارًا لأن بأفعاله الدنيئة لم يحظى بعيش مشاعرٍ رومانسية منذ وقتٍ بعيد، فبادلها مشاعره بلهفتةٍ واشتياقٍ حار.
+
لكنهما لم يدوما طويلًا؛ فلقد تراجعت ليلى للخلف فعاتبها زكريا بنظراته لابتعادها عنه، فأوضحت ليلى سبب تراجعها:
_ نسيت أخد الدوا.. راجعة حالًا
+
وما أن قالتها حتى أولته ظهرها وأسرعت ناحية المطبخ مهرولة بِخُطى مُتعثرة، فلم يطمئن قلب زكريا وأراد معرفة ما تخفيه فذهب خلفها على الفور، وعندما استشعرت ليلى وجوده أخفت ما بيدها خلف ظهرها ظاهرة ارتباكها له.
+
فتأكد حدس زكريا بِثَمة ما تُخفيه، اقترب منها وهو يتساءل بجدية:
_ مخبية إيه ورا ضهرك؟
+
أنهاها ثم قام بإدارتها واكتشاف ما في يدها، فتراجعت ليلى خُطوة إلى الخلف ونظرت إليه في خوفٍ سكَن ملامح وجهها المُترقب رد فعله، بينما تفقد زكريا شريط الأقراص قبل أن تتشكل معالم الدهشة على تقاسيمه، فرفع بصره على ليلى المُنكمشة في نفسها وأردف:
_ عايزة تاخدي برشام منع حمل دلوقتي ليه يا ليلى؟
+
***
كنت حابة اكتب مشهد كتب الكتاب بس البارت طول واتأخر، فهنضطر نستنى الفصل الجاي
+
رواية علي دروب الهوي الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم تسنيم المرشدي
الفصل السادس والأربعون
على دروب الهوى
+
***
+
الإرتباك دون غيره كان مُسيطرًا على تقاسيم ليلى التي انكمشت على نفسها وتراجعت للخلف متوجسة خيفة لاكتشافه أمر الأقراص، بينما استنكر زكريا ذلك الرُعب التي أظهرته إليه وأخرج بعض الأنفاس الضَجِرة، ثم قام بالإقتراب منها وأمسك يدها رافِعًا رأسها للأعلى مُجْبرها على النظر إليه.
+
تنهد ثم أردف بهدوءٍ غير مُتوقع:
_ أنتِ ليه خايفة كدا؟ وليه تاخدي حبوب منع حمل وأنتِ بتستخبي؟!
+
صمت لبُرهة قبل أن يُتابع بنبرة أكثر رزانة:
_ ليلى أنتِ مش عايزة تحملي دلوقتي؟ ولا أنتِ بتاخديه عشان كنت رافض الحمل؟
+
تطلعت به بعينين لامعة، لم تقدر على إعطائه إجابة فهتف زكريا بنظرةٍ حنونة وهو يُمَلس على خُصلاتها المُحررة:
_ حبيبتي ردي عليا، أنا محتاج أسمع منك، عشان لو بتاخديه عشاني، فأنا مش عايزك تاخديه، أنا عايز أخلف في أقرب فرصة ونجيب بنوتة تشبه لك وكمان نسميها ليلى، أما بقى لو أنتِ مش عايزة يحصل حمل دلوقتي هحترم رغبتك ومش هعارضك فيها أكيد ليكي أسبابك، بس فهميني الأول..
+
هدوء أسلوبه، كلماته الرزينة، تفهمه للوضع وشرحه بعقلانية، كان مفاجأة كبيرة لـ ليلى التي أطالت النظر به دون تصديقٍ، ابتلعت ريقها مُحاولة هضم ذلك التغير الكبير قبل أن تُجِيبه ببعض التردد:
_ دا كان قرارك من الأول، ويمكن عشان محترمتوش حصل...
+
قاطعها زكريا ولم يدعها تواصل هاتفًا بندمٍ واضح:
_ كان قرار غبي، ولو رجع بيا الزمن عمري ما هاخده تاني.. أنا آسف يا ليلى إني كنت أناني، سامحيني
+
ابتسمت له بعذوبة وقالت بسماحة:
_ يعني إحنا هيبقى عندنا بيبي صغير؟
+
_ يارب يسمع منك ربنا
دعاها زكريا بتمني ولهفة شديدة، ذلك الحين وضع الأقراص في صندوق القمامة وعاد إلى ليلى ثم أمسك يدها قائلًا بوقاحة:
_ يلا نجيب ليلى الصغيرة
+
لم تُعلق ليلى واكتفت ببسمةٍ خجولة، ثم احتضنت يده المدودة نحوها وسارت خلفه حتى بلغا غرفتهما، وقام زكريا بإغلاق الباب خلفه ليضع بصمته الخاصة لطالما اشتاق أن يَحصُل عليها مؤخرًا.
+
***
+
عاد عبدالله إلى البيت؛ فوجد قاسم واقفًا أمام الحائط الزجاجي في انتظار عودته، ولج البيت واقترب منها بِخَطى حماسية ودون أن يتوقع قاسم خُطواته التالية فاجئه عبدالله بِعناقٍ اخترق صدره من قوته.
+
اتسعت حدقتي قاسم تِلقائيًا فور احتضان عبدالله له، ثم ابتسم وربتَّ على ظهرِه بحُبٍ مُرددًا سؤاله السعيد بذلك العِناق:
_ إيه الحضن المفاجئ دا، لعله خير
+
تراجع عبدالله بعد أن شعر بالإكتفاء القليل منه، وأجاب سؤال أبيه بنبرةٍ شغوفة:
_ هو لسببين، أولهم وأهمهم، إني بحبك أوي، وإني ندمان على كل لحظة عيشتها وأنا بعيد عنك، أنت مش متخيل كل ما افكر إني كنت رافضك بضايق من جوايا إزاي، إزاي ضيعت نص عمري وأنا رافض أب جميل زيك كدا..
+
كان قاسم يصغي إليه وقلبه يُرفرف عاليًا من فرط سعادته، ربتَّ على ذِراع عبدالله بِحُبٍ، ثم تساءل مُستفسرًا:
_ طب والسبب التاني؟
+
سحب عبدالله نفسًا عميق قبل أن يُخبره بلهفةٍ:
_ أنا وصبا رجعنا لبعض!!
+
تصنع قاسم الدهشة، ثم شَكل على محياه ابتسامةٍ سعيدة لكنه لم يُمرق الأمر دون مشاكسته:
_ الله! أومال إيه انسيني وابعدي عني والكلام دا، دا أنا صدقتك يا راجل!!
+
تحول لون وجه عبدالله إلى الإحمرار خجلًا من والده، ثم تجرأ وأفصح عن مشاعره:
_ كنت بكدب، كنت بقولها ابعدي وأنا هموت عليها، صبا بالنسبة لي مش بس حبيبة وخلاص، اللي بينا أكبر من كلام الحب، أبعد بكتير من مجرد اتنين بيحبوا بعض، إحنا يبان إننا اتنين بس الحقيقة إننا روح واحدة، قلب واحد، كانت وحشاني أوي وكنت متأكد إننا أكيد راجعين..
+
لم تُفارق الإبتسامة وجه قاسم الذي سَعِد لسماعه ذلك الكلام منه، لقد يأس أن يراه سعيدًا مُجددًا، زفر بعض الأنفاس ثم قام بإعادته إلى حضنه برفقٍ وربتَّ على ظهره بِحُبٍ وحنانٍ قبل أن هتف:
_ متتخيلش ضحكتك دي هونت عليا إيه، ربنا يسعدك يا حبيبي..
+
تراجع قاسم للخلف ثانيةً؛ وقال بحماسٍ لما هم مُقدمون عليه:
_ ها احكيلي بقى رتبتوا للفرح إزاي؟
+
عبست ملامح عبدالله قليلًا وأخذ يُخبره بقرارهما:
_ مش هنعمل فرح، مجرد كتب كتاب في مكان وسط العيلة وبعد كدا هنرَّوح على بيتنا..
+
قطب قاسم جبينه فلم يُرحب بتلك الفكرة واقترح عليه:
_ مش عيب بعد كل اللي حصلكم دا ومتعملوش فرح؟
+
لمعت عيني عبدالله، ثم أخفض رأسه سريعًا هاربًا بنظراته عن قاسم حتى لا تتساقط عبراته، أخذ يفرك أصابع يده مُرددًا:
_ أنا مش هعرف أفرح وأحلام مش موجودة معايا، فرحتي هتكون ناقصة
+
تحشرج صوته إثر بكائه الذي حبسه عُنوة، وأضاف بصوتٍ مهزوز:
_ كانت بتحلم باليوم دا أوي، كان نفسها تشوفني وأنا عريس
+
رفع رأسه وقابل عيون والده التي يترنح فيهما الدموع وتابع بتعثرٍ:
_ فِكرة إنها مش هتشوفني مخلياني مش عايز أعيش اللحظات دي أساسًا، بس أنا مش هقدر أظلم صبا، هي من حقها تفرح وتلبس فستان زي أي عروسة، فدا اللي هقدر أعمله..
+
قاوم قاسم تلك الغصَّة في حَلقِه، وبصعوبة قابلها تحدث:
_ طيب ما تستنوا شوية، وجعك يكون خف و....
+
_ مش هيخف، أمي يتزعل عليها العمر كله
قاطعه عبدالله وقد خانته عبراته التي تسارعت في النزول، فتحدث قاسم مُحاولًا تغير الحوار حتى لا يُعَكر صفوه:
_ خلاص يا سيدي، إحنا المهم عندنا إنك أنت وصبا سوا، كل دي تقاليد نقدر نستغنى عنها.. الفرحة الحقيقية إن يكون ليكم بيت يجمعكم..
+
أماء عبدالله برأسه، ثم ضبط أنفاسه المتلاحقة، وقال:
_ أنا بس كنت عايز أطلب منك طلب!
+
_ طلب واحد! أنت بس تشاور وكل حاجة تبقى بين ايديك
هتفها قاسم بنبرة واثقة، فأخبره عبدالله طلبه:
_ أنا عايز أسافر شهر عسل، في مكان بعيد، بعيد أوي، مفيش فيه بشر، يدوب أنا وهي بس، آه ويكون فيه بحر..
+
مالت شفتي قاسم للجانب مُشكلًا ابتسامة دافئة وهو يصغي إلى حديث عبدالله بشغفٍ حقيقي، فرفع يده وربتَّ على كتفه وتمتم مُطمئِنًا إياه:
_ سيب كل حاجة عليا، وأنا هعمل لك كل اللي أنت عايزه
+
تبادلا الإثنان الإبتسام بحيوية ورونقٍ قد أحيا فيهما بعض المشاعر التي دُفنت في الأيام الأخيرة، وأخذا يتناولان أطراف الحديث حول ترتيبات زواج عبدالله.
+
****
+
صباح يوم التالي، كان عبدالله أول من استيقظ، حتى أنه لا يتذكر أنه قد نام تلك الليلة، فكيف ينام
المرء وهو على مشارِف تحقيق حُلمه؟!
بدّل ملابسه بأخرى زادته جاذبية وأبرزت شبابه، خرج إلى شرفة غرفته ولم يطيق صبرًا لانتظار آذان الظهر لإيقاظ صديقيه، فقام بالإتصال عليهما في الحال، مُخصصًا مكالمة فيديو جماعية.
+
في غرفة زكريا، قلقت ليلى من نومها إثر اهتزازة الهاتف، تململت على صدره العاري بكسلٍ ثم نادته بصوتٍ ناعس:
_ زكريا اصحى، موبايلك بيرن..
+
استيقظ الآخر على صوتها، فتح عينيه ببطءٍ فرؤياه مشوشة بعد، ابتلع ريقه وهتف مُتسائلًا بصوتٍ أجش:
_ مين بدري كدا، ربنا يستر..
+
تفقد الإتصال فازداد قلقِه من تلك المكالمة التي لم تحدُث منذ زمنٍ، نظر إلى ليلى وقال:
_ ابعدي يا لولا شوية، لما أشوف عايزين إيه دول..
+
ابتعدت عنه ليلى بضع سنتيمرات قليلة، فأجاب زكريا في الحال، ظهرت صورة صديقيه على شاشة هاتفه، وما أن ظهرت صورته لهما حتى انفجرا ضاحكين فاستاء الآخر وتساءل بِحُنقٍ:
_ بتضحكوا على إيه يا غجر؟
+
رد وليد موضحًا سبب ضحكهم:
_ أصل أنت لما اتاخرت قولت له اعذره، صباحيته النهاردة، بقاله كتير بعيد عن الملاعب
+
صعق زكريا مما قيل، ثم نظر إلى يساره حيث تجلس ليلى التي طالعته بعيون واسعة مصدومة مما سمعته، فأسرع زكريا في النهوض من جوارها ناعتًا وليد بعصبية:
_ بتقول إيه يا جحش أنت..
+
ثم التقط تيشيرتٍ له وقام بارتداءه هاتفًا:
_ أنتوا عايزين إيه على الصبح؟
+
تولى عبدالله الرد على سؤاله حيث قال بإبتسامةٍ شغوفة:
_ أنا وصبا رِجعنا لبعض!
+
سكون حل للحظاتٍ صمتَّ فيها الآخرين، يستوعبون ما وقع على مسامِعهم، ثم تحولت الدهشة إلى سعادةٍ انعكست على وجهيهما، فتشكلت البسمة تِلقائيًا، فأخذ وليد يهلل بسعادةٍ عارمة:
_ يا أخي هي دي الأخبار ولا بلاش، دا صباح الخير بجد بقى
+
لِيُضيف زكريا بصوتٍ مُفعم بالحيوية والنشاط الذي اكتسبهما من خلف ذلك الخبر المفاجئ:
_ خبر في الجون، حلال فيه الصُحيان بدري، مبروك يا حبيب قلبي
+
هنئاه صديقيه، وباركا له بسعادةٍ ضاعفت السرور داخل قلب عبدالله، الذي تحدث ببهجةٍ كما لو أن الحُزن لم يطرق بابه قط:
_ يلا إلبسوا وتعالولي عشان هنروح نجيب شوية حاجات أخدهم معايا بليل وأنا رايح أتقدم لها..
+
وافقاه، ثم أنهوا الثلاثة الإتصال، وتوجه وليد إلى خِزانته حتى يُبدل ملابسه سريعًا، بينما عاد زكريا بأدراجه إلى ليلى المُستلقية على الفراش، وقام بخلع التيشيرت خاصته وألقاه بعيدًا ونظر إليها بمكرٍ فهتفت ليلى متسائلة حول نظراته المُريبة:
_ في إيه؟
+
_ هنحتفل..
قالها زكريا وهو يتودد إليها، فتعجبت الأخرى وسألته مستفسرة:
_ هنحتفل بإيه؟
+
_ برجوع عبدالله وصبا..
وما أن أخبرها حتى أرغمها في التحليق في سمائه الخاصة.
+
بعد مرور بعض الوقت؛ خرج زكريا من المرحاض وهو يُجفف خُصلاته بالمِنشفة على صوت طرقات الباب، فتوجه إليه ثم قام بفتحه فإذا به وليد ذو الوجه المُحتقن الذي اندفع فيه ما أن رآه:
_ هو أنت فين؟ أنا بقالي ساعة برن على الموبايل وأنت مش بترد!!
+
ببرودٍ تحدث زكريا وهو يُتابع تجفيف شعره:
_ مش فاضي لك..
+
_ أنت مستفز والله، الصُلح دا مش جاي مع حد سكة غيرك
لم يدعه زكريا يُكمل حيث صاح:
_ خلاص يا بغل أنت، إهدى كدا ومتاخدش كل حاجة على صِدرك أصل يكبر..
+
صمتَّ كليهما يستوعبان ما هتفه زكريا للتو، ثم انفجرا ضاحكين على دُعابته الغير متوقعة، بينما صاح وليد من بين ضحكه:
_ هستناك تحت، بالله عليك متتأخرش
+
_ خلاص والله نازل وراك أهو
قالها زكريا ثم أغلق الباب عندما غادر وليد، فتوجه زكريا إلى غرفته وقام بتمشيط شعره ثم خرج من الغرفة فتقابل مع ليلى التي خرجت لتوها من المرحاض.
+
_ أنا هروح مع عبدالله مشاويره وبعدين هطلع على الشغل..
أخبرها عن سير خُطاه اليوم فتساءلت ليلى باهتمام:
_ طيب أطبخ إيه؟
+
لَقِف زكريا يديها وطبع قُبلاته عليهما قبل أن يُردف:
_ أي حاجة من الإيدين الحلوين دول هتكون حلوة..
+
ابتسمت ليلى بِحُبٍ فأضاف زكريا قبل ذهابه:
_ ولا أقولِك متطبخيش حاجة، هجيب أكل وأنا راجع، ابقي كلميني عرفيني عايزة إيه
+
_ إذا كان كدا أوكي
قالتها ليلى داعمة لقراره، فأطال زكريا نظره بها ثم هتف مازحًا:
_ مفيش لأ يا حبيبي، مضعيش فلوسك؟!
+
قهقهت ليلى عاليًا وقالت:
_ تؤتؤ مش هعمل حاجة خلاص، خليك قد كلمتك
+
_ ماشي ماشي، لما نشوف آخرة الدلع دا إيه
هتفها ثم انحنى على وجنتها وطبع قُبلة حارة وأردف:
_ سلام..
+
_ مع السلامة
قالها وغادر المنزل سريعًا، فلم تخفض ليلى بصرها عن الباب الذي اختفى منه، شاعرة بمشاعرٍ مُمِتَنة لذلك الشخص الجديد، وتمنت بأن يدوم حنونًا، لطيفًا، مُحبًا كالأن.
+
***
+
في المساء؛ طُرق باب البيت، فخفق قلبها توترًا، هبت واقفة ثم تفقدت هيئتها في المرآة، كانت ترتدي بنطالًا أبيض فضفاضًا من القماش، ينساب برقة مع خُطواتها، يعلوه قميص أبيض واسع أدخلت نصفه في البنطال بعفوية أنيقة، يفصل بينهما حزام تُزيّنه نجوم صغيرة تلمع كأنها بريقًا منعكس من الضوء، وتُكمل إطلالتها بحجابٍ أبيض يضفي عليها صفاءًا وهدوءًا.
+
خرجت من غرفتها بُخُطوات مُتعثرة، فتقابلت مع عائلتها، ابتسمت بخفة تُخفي خلفها مشاعرٍ خجولة، ثم وقف محمود يفتح باب البيت ويليه جلال وصبا ووالدتهما، كان عبدالله من يقف خلف الباب، حاملًا باقة تحوي تِسع وتسعون زهرة حمراء، يُغلفها غلاف ورقي باللون الأسود الأنيق، يعلو الزهور شريط ورقي أبيض مُدون عليه عبارة " طالبين إيد دكتورتكم"
+
ولج عبدالله بأُولى خُطواته وقام بمصافحة محمود دون تقبيله، فهو إلى الآن لم يهضم رفضه، وأن بسببه عاشا أسوء فراق مرَّ عليها، وقف عبدالله بعد مُصافحته مُعرِفًا عن أبيه بكل اعتزازٍ:
_ قاسم القاضي، أبويا!
+
دلف قاسم بهيئة شامخة، ورأسٍ مرفوع، كان يرتدي حُلة سوداء جعلت مظهره مُهيبًا لمن يراه، صافح محمود ثم تلاه البقية، وكذلك فعلت زينب لكن بترحيبٍ عابر دون لمسٍ، بينما وقف عبدالله أمام صبا التي ابتسمت إليه برقةٍ، وقال وهو يناولها باقة الزهور:
_ اتفضلي، عشان التسعة وتسعين وردة يكملوا مية!
+
تضاعفت البهجة على وجهها، وارتسمت الضحكة المُمِتَنة والسعيدة على محياها، ولج الجميع الصالون الخاص بالضيوف، ثم جاءت صبا بعد فترةٍ حاملة صينية من أكواب القهوة لكلٍ منهم مذاقٍ مختلف، ثم جلست بِقُرب عبدالله محافظة على ترك مسافةٍ بينهما.
+
وبعد تناول العائلتين بعض أطراف الحديث المختلفة، بدأ قاسم كلامه فيما جاءوا من أجله:
_ إحنا جاين النهاردة مش عشان نخطب دكتورتنا لعبدالله، إحنا جاين نحدد ميعاد كتب الكتاب، أظن الأطراف كلها عارفة بعض، والأهم إن عبدالله وصبا عندهم قبول وعايزين يكملوا حياتهم على سنة الله ورسوله، ولا إيه رأيك يا أستاذ محمود؟
+
بقبولٍ تام دون إبداء أي اعتراضاتٍ تحدث محمود:
_ يشرفنا طبعًا إن عبدالله ياخد بنتنا، على بركة الله.. نقرأ الفاتحة
+
رُفعت أيادي الجميع وقاموا بقراءة سورة الفاتحة، فنظر عبدالله تِلقائيًا على صبا التي ترتجف يديها من فرط الإرتباك، وعندما انتهى قام بسحب علبةً حمراء من أمامه وفتحها مُفصحًا عما بها:
_ هدية عبدالله قاسم القاضي..
+
تفاجئت صبا بذلك الخاتم الذي يتلألأ كنجمةٍ صغيرة في العُلبة، يتوسطه حجر ألماسٍ صافٍ كضياءٍ آخاذ، يتلألأ بريقه في عيون الجميع كأنه قطعة من القمر، أخذهم سحره ولم يرفعوا عينهم
عنه بسهولةٍ، ثم تبادلوا النظرات بين الإعجاب الشديد والدهشة.
+
بينما خفق قلب صبا بشدة، لقد سلب عقلها ذلك الخاتم الرائع، تمامًا مثلما تراه في المسلسلات التركية، ابتسمت بعذوبة وهي تردد:
_ إيه دا؟
+
تناول عبد الله يدها وقام بإلبسها الخاتم مُجيبًا إياها:
_ عشان يليق بمقام الدكترة..
+
كانت الدموع تترنح في عيني صبا تأثرًا لجمال كلماته، لم ينتهي عبد الله بعد، فلقد سحب عُلبةً أخرى مُغلفة بالورق، وهتف موضحًا ماهي:
_ دي بقى هدية عبدالله القاضي بس، الهدية اللي شقيت وتعبت كتير عشان أجيبها في يوم، الهدية دي غالية عندي لأني تعبت بجد فيها..
+
أنهى جُملته وقد أزال الغُلاف الورقي عن العُلبة الاسطوانية، فاتضحت تلك اللاصقة التي تدور حول الأسطوانة المكتوب عليها ' عشان اتجوز صبا'
ثم قام بإخراج خاتمًا آخر لكنه من الذهب، وقال:
_ أنا كدا اتقدمت لك مرتين لسه مرتين عشان تبقي الأربعة المُحللين ليا!
+
مد لها يده فأعطته يدها وأخذ يُلبسها الخاتم في يدها تحت تأثُرًا شديد منها، حتى أن عينيها قد انسدل منهما بعض العبرات عندما لم يصدق عقلها ما آلا إليه، فكيف فرقتهما الحياة ولم تحظى بلطافته وحنانه، وحبه الكبير ذاك من قبل عدد؟
+
رفع عبدالله يدها قُرب فمه وقام بتقبيلها هامسًا:
_ بحبك...
+
وقبل أن ترد صبا كان جلال قد تدخل عندما أصدر صوتًا جاذبًا انتباه الجميع:
_ آسف على المقاطعة يا عرسان، بس أنا محتاج أقول حاجة ضرورية، أنا خلاص حجزت تذاكر سفري على آخر الشهر دا، وكنت أتمنى إني أحضر فرح صبا دي أختي الصغيرة والوحيدة، مش عارف إذا كان هينفع ولا لأ..
+
قاطعه محمود بقوله:
_ أقل من شهر إيه بس يا جلال يابني اللي هنحلق نخلص فيه كل تجهيزات الفرح دي.. حاول أنت تأجل السفر دا شوية..
+
فتدخل قاسم وتولى الرد عليه مُوجهًا حديثه إلى جلال:
_ متأجلش حاجة يا أستاذ جلال، عبدالله مش محتاج لأي حاجة عشان نستنى أكتر من شهر، هما بس يفضوا لنا نفسهم أسبوع مش أكتر يختاروا فيه كل حاجة وكل حاجة هتكون تمام في أقل من شهر إن شاء الله
+
حالة من الدهشة تملكت والدي صبا من خلف ثقة قاسم الذي أضاف مُتعمدًا إظهار مكانته:
_ وزينب معاكي يا صبا، أنتوا بنات زي بعض وأكيد فاهمين الحاجات اللي ناقصة، لو أنتِ نسيتي حاجة هي تفكرك والعكس، ساعدوا بعض لغاية ما الموضوع يتم إن شاء الله
+
كان قاسم يريد إشاركها في شيءٍ يُرغمها على الخروج من دائرتها المغلقة التي أصبحت بها، فقبلت صبا ووافقته الرأي:
_ أكيد طبعًا، أنا مليش اخوات بنات وزينب اختي..
+
اكتفت زينب بإبتسامةٍ ثم تساءلت بفضول:
_ عندك حد معين تفصلي عنده الفستان؟
+
_ بصراحة أنا مش عارفة أي حاجة، وحاسة إني متلخطبة ونسيت كل حاجة فجأة، كل حاجة حصلت بين وليلة..
قالتها صبا بنبرةٍ متلعثمة، فتحدثت زينب بثباتٍ:
_ أنا اتعرفت على أتيليه جميل أوي هعرفك عليه متأكدة إن تصميماتهم هتعجبك..
+
_ هي الفكرة إنهم أكيد مش هيلحقوا، يا جماعة إحنا بنتكلم في أقل من شهر، مُتخيلين!!
هتفتها صبا مُحاولة توضيح الأيام القليلة التي أمامهم، فكان رد عبدالله واثقًا يشوبه بعض العجرفة:
_ وإيه يعني؟ اختاري أنتِ بس وفي أقل من أسبوع يكون في دولابك..
+
_ طب حلو أوي، الفستان واتحل، ها الميك آب ارتست مين بقى؟
تساءلت زينب باهتمامٍ لإتمام تلك التفاصيل، فلم تكاد صبا تُجيبها حتى هتف عبدالله بعد أن حمحم:
_ أنا بس ليا تعقيب كدا.. لو حابة تاخدي بيه يعني
+
هزت صبا رأسها بمعنى ماذا، فاسترسل عبدالله ما يريد قوله:
_ أنا حابك تكوني طبيعية، مش عايزك تبوظي شكلك بالمكياج والكلام دا..
+
ابتسمت الأخرى بِخفة وعدلت إليه اعتقاده الخاطئ:
_ بس الميك آب بيبرز الملامح وبيحليها مش بيبوظها!
+
رد عبدالله بتلقائية وحسمٍ:
_ بيحلي الوحشين، لكن أنتِ حلوة هيبوظ لك ملامحك القمر دي..
+
تفاجئت صبا بتغزله ولم تقدر على مواجهة عينيه تلك الأثناء عندما تأكدت أن العيون عليها، فأسرعت في خفض رأسها بحياءٍ، بينما تدخل جلال مُ للهعلقًا بمشاكسةٍ:
_ في إيه يا جدع مش كدا، دا أنت حتى مش عامل اعتبار للي قاعدين، احترمنا طيب
+
التفت إليه عبدالله وقد شكل ابتسامةٍ جذابة قبل أن يَرُد:
_ لأ معلش اللي أنا عيشته وشوفته يحق لي أعمل أكتر من كدا..
+
غمزه جلال بمشاغبةٍ لطيفة:
_ حقك، محدش يقدر يلومك!
+
قهقه كليهما ثم تابعا معًا ترتيب بعض التجهيزات ووضع النقاط على الحروف حتى يكون كل شيءٍ جاهزًا في الموعد دون تأخيرٍ.
+
****
+
بعد مرور بِضعة أسابيع؛ جاء اليوم الموعود، حيثما انتظرا الجميع ذلك اليوم بفروغ صبرٍ، وتمنوا انتهاء ترتيباته حتى يجمعهم بيت واحد في نهاية المطاف، لقد حلمُوا كثيرًا والآن الحُلم على وشك تحقيقه.
+
كان عبدالله واقفًا في منتصف الحديقة، من بين العشرات من العُمال والطُهاه، يساعد بيديه في تجهيز الأطعمة ووضعها في الأطباق البلاستيكيه، كما يقوم بتغليفها مثلما يرى العامل يفعل.
+
كانت الحديقة تجمع حشدٍ كبير، الجميع يعمل بِجدٍ ولا يَمِلوا لكي ينتهوا من تلك الكمية الهائلة من الطعام قبل أن يُرفع آذان الظهر، خرج قاسم من البيت مُتفقدًا الجميع، ثم أسقط نظره على عبدالله الواقف رافعًا أكمام قميصه وكذلك رافعًا بنطاله للأعلى لِيسهُل عليه التحرُك، كما أنه يتصبب عرقًا لضغط نفسه في العمل.
+
حرك قاسم رأسه باستنكارٍ؛ ثم توجه إليه، وقف خلفه وهتف:
_ يا بني أنت بِتتعب نفسك في يوم زي دا ليه؟ أومال أنا جايب كل العُمال دي ليه، مش عشان يخلصوا هما..
+
دون أن يلتفت إليه أجاب وهو يُتابع تغليف العُلب:
_ أنا مبسوط وأنا بعمل بإيدي الإطعام، كفاية إنه لروح أحلام، أنا مش تعبان..
+
بتأثرٍ شديد ربتَّ قاسم على كتفه، ثم وقف إلى جواره بعد أن اكتسب منه بعض الحماسة للمشاركة في إعداد الطعام، مرت دقيقة ثم أردف قاسم عندما وجد أنه مازال هناك الكثير بعد:
_ المفروض الإطعام دا كنا نعمله في يوم لوحده يا عبدالله، بحيث نكون متفرغين له طول اليوم، لكن بالشكل دا مش هنحلق نخلص قبل الضهر، الكمية ما شاءالله كبيرة.
+
_ إن شاء الله نلحق، أنا حابب إنها تشاركني يومي، كل حاجة هتبقى تمام..
هتفها عبدالله متابعًا ما يفعله بحيوية دون كللٍ، حتى جاءه أحد العاملين ووجه حديثه إليه:
_ الـ ٣٠٠ كيس اللي حضرتك قولت نجهزهم خلصوا..
ٍ
هز عبدالله رأسه بتفهمٍ، ثم التقط مِنشفةٍ صغيرة وقام بمسك يده ثم أخرج من جيبه ورقةً وناولها إياه موضحًا:
_ دا العنوان اللي هتروح عليه وهتلاقي موجود رقم وليد وزكريا صاحبي رن عليهم وهما عارفين هيوزعوا فين.. آه وخلوا الناس تترحم على أمي..
+
_ تمام
أنهاها العامل ثم انصرف، بينما وقف عبدالله يُتابع الجميع ويحثهم على الإسراع، وبعد مرور بِضع ساعات، كان قد انتهى الجميع مما يفعلوه، وبعد أن تمًَم عبدالله على كل شيءٍ وتأكد بنفسه من وصول الطعام إلى المكان خاصته، صعد إلى غرفته وتلاه زكريا ووليد اللذان انضما إليه مؤخرًا.
+
وقف أمام الحامل المُعلق أعلاه الحُلة السوداء خاصته، أطال النظر بها ومزيجٍ من المشاعر الدافئة قد راودته، أضفت السعادة على ملامحه حيوية، ولمعت عيناه تأثُرًا، ها هو ثوب حفل زفافه على من تمناها قلبه.
+
_ أخيرًا يا صاحبي
رددها وليد وهو يضع يده أعلى كتف عبدالله، بينما صاح زكريا عاليًا:
_ أنا لو عملتوا إيه، مش هصدق برده إنكم بقيتو لبعض غير بعد ما المأذون يتمم الجوازة دي..
+
ضحك عبدالله ثم التفت إليه قبل أن يردد:
_ والله وأنا كمان، حاسس إني لسه بحلم، أصل مش مصدق إن الدنيا تضحك لي فجأة كدا..
+
_ إن شاء الله تفضل تضحك لك طول العمر يا صاحبي
قالها وليد داعيًا داخله، ثم بدأ عبدالله في ارتداء حُلته بمساعدة صديقيه، وبعد أنتهى انضم إليهم مصفف الشعر خاصة عبدالله والذي بدأ على الفور تصفيف شعره.
+
بعد مدة؛ كان الجميع قد انتهوا من تجهيزاتهم، وقف الثلاثة يتطلعان في المرآة بإعجابٍ وسعادة لا تُضاهى، استمعوا إلى طرقات الباب فالتفتوا ناظرين نحوه فاذا بقاسم قد ظهر من خلفه بطلَّة فريدة من نوعها، تليق بكونه أبا العريس.
+
تقوس ثغره تلقائيًا عند رؤية عبدالله، توجه ناحيته والإبتسامة تتضاعف كلما اقترب منه، كان قلبه يعزف على ألحان سعادته بتلك الطلَّة، رفع كفوفه وتحسس بها وجهه بعيون لامعة وهتف:
_ الحمدلله إن ربنا مَنْ عليا بِشوفة الطلَّة دي، الحمد لله يارب..
+
اهتز كيان عبدالله؛ وأسرع في احتضان يدي قاسم الموضوعة على وجهه وقام بتقبيلهم، ثم وضع يده خلف رأس والده ليستطع تقبيل جبينه براحة هاتفًا بإمتنانٍ عظيم:
_ لو حد محتاج يحمد ربنا فهو أنا، عشان عوضني بيك أنت، ربنا يباركلي في عمرك يارب
+
أعاد عبدالله تقبيل رأس والده مِرارًا حتى اكتفى، فقال قاسم:
_ طب يلا بقى، العروسة جاهزة من بدري ومستنية حضرة العريس
+
إلتوت شفتي عبدالله ببسمةٍ عذبة، ثم أماء بقبولٍ، خرج من الغرفة بِخُطى مهرولة لا تُطِيق الإنتظار، وقف أمام أحد الغُرف الكائنة في ذلك الطابق، ثم طرق الباب ووقف يَعُد الثوانٍ لرؤية عروسه المصون، فكان عبدالله حارِصًا بأن يُقَام كل ترتيبات الحفل في المنزل حتى تحاوطه روح والدته ويشعُر بمشاركتها له في يومه المميز.
+
فُتح الباب فعبس عبدالله عندما وجدها فتاة غريبة الملامح، فلم ينتظر خروج سوى صباه، لكن من تلك؟
+
_ أنا رانيا الفوتوغرافر، معلش يا عريس اعذرنا مش هينفع تدخل عشان هتبوظ لنا الخطط اللي راسمينها للفريست لوك، لو سمحت استنى تحت في الجنينة والعروسة هتيجي لغاية عندك..
هتفتها بعملية فنفخ عبدالله بعدم صبرٍ، ثم حاول الوقوف على أطراف أقدامه ربما ينعم برؤيتها لكن المُصورة قد أغلقت الباب ولم يتبقى سوى رأسها الظاهر منه وقبل تغلقه بالكامل أردفت:
_ أنا سمعت إنكم قصة حب كبيرة، معلش استحمل خمس دقايق كمان ومش هنأخرها عليك، وعد مني..
+
ابتسم الآخر بمكرٍ ثم حذرها بأصابعه التي تشكلت على رقم خمسة:
_ خمس دقايق، خمسة وثانية هتلاقوني عندكم في الأوضة باخدها بنفسي..
+
ضحكت الفتاة وأعطته وعدًا حاسمًا:
_ لا لا هما خمس دقايق مش أكتر، متقلقش..
+
أومأ عبدالله برأسه ثم غادر على مضضٍ، ناعتًا تلك العقبات التي لازالت تُفرقهما، خرج إلى الحديقة وانضم إلى صديقيه بضجرٍ مُنعكس على تقاسيمه، وقف يتسامر معهم مُتفقدًا ساعة يده بين كل دقيقة والأخرى، حتى مر خمس دقائق فردد بحسمٍ:
_ لا مش هستنى أكتر من كدا..
+
وما كاد يستدير بجسده حتى تفاجئ بحضور صبا، ارتجف جسده فجأة من هول المفاجأة، كما أن قلبه لم يكف عن الخفقان بصورةٍ عنيفة، لم يصدق عينيه ثوبها الأبيض الرقيق الذي أضفى لملامحها سِحرًا خاص ذو بريقٍ فريد سرق نظريه فلم يستطع رفع عينيه عنها، هز عبدالله رأسه غير مُصدقًا ما يراه، مُشكلًا ابتسامةٍ صافية، ناهيك عن عينيه التي شاركت بدموعٍ تساقطت من فرط سعادته.
+
اقترب بِخُطى مُتهملة حتى بات أمامها، ثم همس سؤاله:
_ هو دا بجد؟
+
أماءت صبا مؤكدة وعينيها تترقرق فيهما الدموع، كانت تقف أمامه مُحاولة سحب أكبر قدر من الهواء حتى تضبط أنفاسها المضطربة، فكانت في حالة يرثى لها، بالكاد تتماسك، فلا تريد أن تطلق العنان لبكائها أن يفقد رونق اليوم.
+
أحاطت العائلة والأصدقاء العروسين، في أعينهم لغة الفرح، يتآملونهم بنظراتٍ مُفعَمة بالسعادة والودٍ، وقُلوبٍ تتدعي لهم بالبركة، كان كل ثنائي يقف معًا يعيشون تلك اللحظات الدافئة سويًا.
+
كان زكريا واقفًا يحيط خصر ليلى ويضُمها إلى صدره بكل حميمية، كأنه يقول لمن يراهم أنها مِلكه وحده، بينما كان وليد مُحتضنًا ثغرات يد خلود ويَشُد على يدها بِحُبٍ، كما لم تخلوا نظراته من العشق وتمنى عيش لحظاتٍ ثمينة كالذي يُشاهدونها.
+
أمسك عبدالله يد صباه وتوجه إلى الطاولة المُزينة بالورود البيضاء التي صُمْمِت خِصيصًا لعقد القِرآن، جاور عبدالله المأذون وإلى جانبه جلست صبا، بينما في الطرف المقابل لهم جلس محمود وإلى جواره قاسم وجلال ليكونا شاهدي على عقد الزواج.
+
جلس الجميع في هدوء، ابتسم المأذون وهو ينظر إلى العروسين، ثم قال بصوته الواثق:
_ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
+
حمحم ثم أضاف مُوجهًا حديثه إلى محمود:
_ قول ورايا يا أبو العروسة، زوّجتُ ابنتي الدكتورة صبا محمود النيجيري من الأستاذ عبدالله قاسم القاضي، على الصداق المسمّى بيننا، وعلى كتاب الله وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما أمر الله به من إمساكٍ بمعروفٍ أو تسريحٍ بإحسان
+
أنهاها المأذون ثم رددها محمود فنظر الآخر إلى عبدالله وتحدث بوقارٍ:
_ قول ورايا يا أستاذ عبدالله، قَبِلتُ الزواج من الدكتورة صبا محمود النيجيري على الصداق المسمّى بيننا عاجله وآجله.
+
ها هي اللحظة الحاسمة التي تفصله لجعلها امرأته أمام الله والجميع، كانت لحظاتٍ مُهيبة على عبدالله الذي أرتفع معدل نبضات قلبه، أخذ شهيقًا عميق ثم زفره بتهملٍ قبل أن يهتُف عاليًا بصوتٍ عاشق وعينين مُغرمةٍ بصباه الذي التفت برأسه ونظر إليها بِهُيامٍ:
_ قَبِلتُها زوجة لي، ورفيقة دربي وحَلى عمري، وسكنًا لقلبي
لتُطييب جِراحي
هي بهجة أيامي
وملجأ هُمُومي، هي سِربِي الآمن
هي خُطى على طُرقًا قد فرّقتنا، لكنها لم تغيب والله لحظة عني، وطيفُها لم يُفَارقني، واسمها لا يبّرح لساني في خلّوتي
فكان حديثُها شمّسِي إن جاء الليّل، وكانت عينيها قمرًا يُنِير أحلامي
ظننتُها رحلت عني للأبد، وظننتني نَسيت، لكن الله كان أحن مِنّا وجمعَنا وكتب لعودتنا نصيب
واليوم أكُتب كِتابي على من أحببتها في السِر والدُعاء
اليوم هي عَرُوسي، حبيبتي الأولى، بِكر قلبي الرشيد، قدري الذي لم يخذلني حينما رجوت عودته.
+
سكن الصمت المكان بعد أن أنهى عبدالله كلمات الغزل بصباه، كأن الأنفاس عُلِقت بين الإعجاب والدهشة، ثم انفرجت الوجوه حولهما بالإبتسامات، وارتفعت الهمهمات المليئة بالفرح المُنعكس على عيونهم اللامعة، كما أن بعض النسوة يُخفين دموعٍ متأثرة.
+
بينما صبا غمرتها المحبة والدِفء من خلف كلماته التي فاجئها بها، كان الجميع يُبادلونها نظرات فخرٍ
وسعادةٍ خالصة، كأن كلماته كانت موجهة إليهم فصغوا إليها بقلوبٍ سعيدة فرِحة.
+
هنا جاء آخر كلمات المأذون الذي بارك ذلك الزواج بقوله:
_ بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينهما في خير
2
تعالت التصفيقات لحظتها؛ كما أطلق الشباب بعض الصافرات فتناغما إيقاعهما معًا مُصدرين سيمفونية رائعة عاكسة مدى سعادتهم.
+
نهض عبدالله والحضور، لكنه لم ينتبه لأي من الواقفين، فنظراته تتمعن النظر في صباه التي أصبحت زوجته، أمسك يديها ثم رفعهم بِقُرب فمه وهمس:
_ أول بحبك تتقال في الحلال وأنتِ مراتي حلالي، بحبك يا أغلى من عيوني
+
تبخر تماسك صبا لحظتها، وانهارت من البكاء مرددة بعدم تصديق لما يحدث:
_ هو اللي بيحصل دا بجد، إحنا كدا خلاص متزوجين؟!
+
شاركها عبدالله بدموعه التي انهمرت من عينيه ثم أثبت لها أن ما يحدث حقيقة ملموسة عندما جذبها برفقٍ إلى صدره ونال عِناقًا تمناه طويلًا، وكان عناقه خير إثبات، فاستكانت صبا على كتفه وأغمضت عينيها عندما عاد إليها آمانها الذي سُرِق منها تلك الليلة الحزينة التي تركت وجعًا لا يُنْسَى.
+
الآن لم يَعُد هناك أثرًا لأي آلام داخلها، كأن قلبها لم يشهد وجعًا مُطلقًا، عمّت السكينة جوفها، وهدأت نبضاتها، كما بات عقلها فارِغًا من المُشاحنات والتوتر وغيره من المشاعر السلبية.
+
كانا يُضمَا بعضهما البعض وكأن في ضَمِهما شِفاء لروحهما، عِناقٍ يُداوي جُراح الأيام وقساوة الأحداث ومرارة ما عاشاه.
+
وكأنما وقف الوقت من حولهما فلم يشعُرا كم مر من الوقت، فهما لا يريدان الشعور بأي شيءٍ ولا تدخلٍ يُعكر رونق تلك اللحظة الثمينة، حمحم جلال الذي تدخل للفصل بينهما، فهناك أناسٍ واقفون للمباركة.
+
أصدر صوتًا عالٍ ثم وضع يده على صبا التي انتفضت مذعورة، للتو أدركت أنها تناست الجميع، تراجعت للخلف وتفقدت العيون التي تبتسم شفاها وهما يهمسان إلى بعضهم، فأسرعت في خفض رأسها هاربة، ثم انتبهت على اقتراب زميلاتها فكادت تقترب منهن لكنها تفاجئت بيد عبدالله التي حاوطت يدها قبل أن يهمس:
_ متبعديش، خليكي جنبي..
+
ابتلعت صبا ريقها وأماءت بِقبولٍ ولم ترضى الإبتعاد عنه، كذلك لم يترك عبدالله يدها، وأخذا كليهما يُقابلان الحضور ويديهما معقودة ببعض، اقترب وليد من عبدالله وتفقد يده المُمسكة بيد صبا وعلّق ساخرًا:
_ لا الحتة دي بتاعتي، معلش
+
ضحك عبدالله وهلل وهو يضربه في رأسه بِخفة:
_ يعني بزمتك أنت عملت نص اللي عملته عشان تعلق لي على مسكة الإيد؟
+
_ ولا رُبعه حتى، أنت بتهزر؟!
قالها وليد مستهزءًا من نفسه، ثم قهقه الثلاثة فأضاف زكريا مُقللًا من شأن رومانسيته:
_ دا أنا كنت مسمي نفسي زكريا هرمون الرومانسية، طلعت صِفر على الشمال جنبك يا جدع..
+
قهقه وليد قبل أن يُعقب ساخِرًا:
_ زكريا هو هرمون واحد بس اللي أنت عارفه وإحنا كمان عارفينه متضحكش على نفسك
+
تبادلا الثلاثة النظرات ثم حك زكريا مؤخرة رأسه قبل أن ينفجروا ثلاثتهم ضاحكين، فقال زكريا مؤيدًا:
_ عندك حق، مش قادر أنكر..
+
إزدادت ضحكاتهم وارتفعت، ثم هدأت تدريجيًا حتى هتف زكريا:
_ إحنا مش هنرقص ولا إيه؟
+
هز عبدالله رأسه رافضًا وأوضح:
_ مفيش رقص ولا أغاني.. اتلم
+
_ نعم يادلعدي؟؟
صاح زكريا بصوتٍ يشبه النسوة وواصل صياحه بإنكارٍ:
_ هرقصك يا عبدالله.. هو اليوم دا بيجي كل يوم؟
+
أولاه زكريا ظهره والإصرار بائن في تصرفاته، فهتف عبدالله محاولًا إيقافه:
_ استنى هنا يابني، يا زكريا أنا مش هرقص
+
لكن دون جدوى، لم يتلفت إليه وتابع سيره مُبتعدًا عنه، فتساءل عبدالله بفضول:
_ دا رايح فين دا؟
+
رفع وليد كتفيه جاهلًا وقال ونظريه تتبعان زكريا:
_ مش عارف، بس طلاما قال هيرقصك يبقى هيرقصك!
+
_ لا بالله عليك يا وليد، إلحقه وقوله ميعملش حاجة من دي، أنا كدا تمام..
أردفها عبدالله مُتوسلًا لوليد الذي أسرع خلف زكريا يمنعه من فعل ما يريده حتى لا ينزعج عبدالله، بينما وجه عبدالله انتباهه الكامل إلى صبا
ووقفا يتلقيان التهنيئات السعيدة من الحضور.
+
بعد قليل، لاحظ عبدالله انسحاب الشباب من المكان، بما فيهم العُمال شركائه في العمل، وبعض الشباب الآخرين من الأقارب، عقد حاجباه بغرابةٍ وتمتم متسائلًا:
_ هو فيه إيه؟ كلهم اختفوا فجأة كدا وراحوا فين؟
+
وما أن أنهى سؤاله حتى انطفأت الإضاءة من حولهم، ثم أُنير المكان ثانيةً لكن بإضاءة خافتة حمراء، وصدح صوت موسيقى لا يعلم من أين تأتي، وما جعله يُحدق بذهولٍ خروج الشباب من بيت المزرعة في شكلٍ مُتناسق، حيث كل اثنين إلى جوار بعضهما ثم يتفرف كل واحدٍ منهما إلى جانب مختلف حتى شكلا دائرة مفتوحة لتمرير عبدالله من خلالها.
+
أشار زكريا إليه بالمجيء فرفض بهزة من رأسه، لكن الشباب قد هتفت معًا بصوتٍ عالٍ بإسمه حتى استسلم إليهم وتوجه بِخُطى ثابتة وهيئة شامخة حتى بات في منتصف الدائرة، فاصطفّ الشباب في دائرة حول عبدالله، كتفًا بكتف، تتشابك أذرعهم وتعلو ضحكاتهم.
+
كانت الأرض تهتزّ تحت خُطواتهم المتلاحقة، يقفزون في حماسٍج كأنهم قلب واحد ينبض بالفرحة، اقتربوا منه شيئًا فشيئًا، يهتفون بإسمه ويُحيطونه بِحبّهم، تتلألأ في عيونهم نشوة الفرح، ويغمر الجوّ صوت الأغنية التي شعروا بأنها خُصصت إليهم.
+
انتهى الحفل على خير، اكتفى عبدالله بهذا القدر وانسحب من بين الجميع ليهرُب بعروسه إلى عُش الزوجية لطالما بنى أحلامه فيه، أوقفه أبيه قبل ذهابه وقد استند بمرفقيه على نافذة السيارة، وأردف:
_ الطيارة بكرة بليل الساعة ١٠، كل حاجة متظبطة زي ما أنت طلبت بالظبط
+
غمزه قاسم فابتسم له عبدالله وبامتنانٍ قال:
_ حبيبي والله يا بابا، ربنا يخليك ليا
+
أنهاها ثم استمعا إلى صوت بكاءٍ قد تسلل إلى شحمتي أذنه فبحث عن مصدره وإذا بها زينب تقف على مقربةٍ منهم تبكي، فترجل عبدالله سريعًا وتوجه نحوها ودون سابق إنذار قام باحتضانها بكل ما أوتي من قوة مُرددًا:
_ ليه العياط دا بس يا زوز؟
+
أجابته بصوتٍ متحشرج إثر بكائها:
_ فرحانة لك، وزعلانة إني هكون لوحدي.. أنا هعمل إيه وأنت مش موجود وماما كمان..
+
قاطعها عبدالله بوضعه يده إلى فمها مانعة من مواصلة حديثها وأردف:
_ أنا مش هغيب عنك، كلها شهر بالكتير وأرجع لك، وبعدين، أنا اتكلمت مع بابا وخليته يشوف مكان في شركة محترمة عشان تشوفي نفسك يا زينب، أنتِ محتاجة تقدري نفسك وتعرفي قيمتك كويس، محتاجة تحبي نفسك وتعرفي إن مش لازم الواحد يلاقي دعم ولا كلمة حب من غيره تسنده وتقويه، لأن الدنيا مش دايمة وكلنا مش باقين، واظن أنتِ فاهمة كلامي..
+
أماءت زينب بتفهمٍ فأضاف الآخر بلهجةٍ مرحة مُشاكسها:
_ عايز أرجع ألاقيكي بقيتي مديرة الشركة، تمام
+
نجح عبدالله في رسم الإبتسامة على وجهها، شاركها الإبشتسام ثم قام بتقبيل جبينها وتمتم قبل ذهابه:
_ فكري في اللي قولتك عليه، متسبيش نفسك للزعل، اعتمدي على نفسك وطلعي كل طاقتك في الشغل، اعرفي قيمتك يا زوزو، ماشي
+
كانت زينب تومئ برأسها دون حديث، فعاود عبدالله تقبيل جبينها ثم توجه إلى سيارته وانطلق
بها إلى عُشه الجديد.
+
***
+
عادوا جميعًا إلى الحارة، فأسبق وليد خُطاه إلى الأعلى منتهزًا غياب زكريا وذهابه لشراء أقراص للصداع الذي أصابه، وقف برفقة خلود أمام باب منزلهم، كان قد عادا أبويها في وقتٍ باكر عنهم، استند وليد بظهره على الحائط وأخرج زفرة ملوعة حارة وهو يردد:
_ ما تيجي نتجوز يا خلود، أنا راجع من الفرح دا عندي طاقة ونفسي مفتوحة على الجواز، رغم أنه بسيط ومحصلش فيه أي حاجة زيادة إلا إن إحساس عبدالله خلاني عايز أعيش اللحظات دي
نفس اللي هو عايشه..
+
إلتوت شفاه خلود للجانب بعد أن رفعت نقابها وأيدت رأيه:
_ فعلًا، تقريبًا كلنا راجعين بنفس الطاقة..
+
فاجئه ردها فغمزها وليد مشاكسًا:
_ يعني إيه؟ أكلم عمي نحدد الفرح؟
+
انتصبت خلود في وقفتها وهللت رافضة:
_ لأ طبعار فرح إيه دلوقتي، أنا مستحيل أقدر أوفق بين الكلية والجواز، أنا بغرق في شربة مية، مش بعرف أعمل حاجتين في وقت واحد ابدًا، لذا يا ابن عمي مضطر تستنى سنتين كمان
+
_ وربنا ابن عمك معتش قادر يستنى دقيقتين على بعضهم، وافقي يابت خلينا نتلم في بيت واحد
قالها بإلحاحٍ فهدرت به خلود:
_ لأ يعني لأ، وبعدين لما أنت واقع كدا خطبت واحة صغيرة ليه؟ كنت خد واحدة من سنك، كان فاتك متجوز دلوقتي
+
رفع وليد حاجبيه تلقائيًا وردد بعدم تصديق لما سمعه:
_ والله؟
+
ثم أراد إثارة غيظها، فهتف:
_ بس تصدقي عندك حق، كان فاتي أخد فريدة بنت خالتي دلوقتي..
+
صعقت خلود مما سمعته، ورمقته بعيون جاحظة، مُرددة باسيتاءٍ وحُنقٍ واضحين:
_ والله؟ طب خلي فريدة تنفعك
+
لكزته بقوة في صدره، ثم أولاته ظهرها لتدلف البيت، لكنه أمسك ذراعها وشد عليه مانعها من المغادرة، أعادها إليه وهو يضحك على زمجرتها:
_ استني بس، والله ما يملى عيني غير واحدة بس، واحدة مطلعة عيني ومش بتبل ريقي بكلمة واحدة حلوة، عيّلة كدا شبر ونص اسمها خلود، تعرفيها؟
+
نظرت إليه بجمودٍ فلم تُحرك كلماته ساكنًا بها، فبالغ وليد في مدحه حتى ترضى عنه:
_ بحبها أوي، ومستعد استنى ٤سنين مش سنتين بس عشانها، المهم إنها في الآخر تكون ليا..
+
مال وليد بقُرب شفتيها فتفاجئ بها تُصيح بهلعٍ:
_ زكريا..
+
فتركها وليد تلقائيًا وتراجع للخلف، مُتفقدًا خلفه فلم يجده، عاود ببصره نحوها فوجدها قد ولجت البيت وعلى وشك إغلاق الباب، ففهم لُعبتها وهلل بغيظٍ:
_ بقى كدا؟
+
_ روح لفريدة يا بتاع فريدة
هتفتها وقامت بغلق الباب في وجهه فوقف وليد خلفه يفصح عن مشاعره تِجاهِها:
_ يابت والله قلبي مش بيدق دقات كدا عادية، دا عمال يقول خلود، خلود، حتى تعالي اسمعي كدا
+
لم يأتيه ردًا منها فصاح الآخر بزمجرةٍ:
_ تمام أوي، أنا هخليه يدق ويقول فريدة، على الأقل هتديني ريق حلو مش زي ناس..
+
استدار بجسده وابتعد عن الباب بِضع خُطُوات، فتفاجئ بفتحها للباب وركضها نحوه، وقفت خلفه وأرغمته على النظر إليها ثم قامت بضرب يسار صدره حيث موضع قلبه بقوة مُحذرة إياه بوعيدٍ:
_ دا أنا أخليك ماشي من قلب أحسن!
+
قهقه وليد ثم اقترب منها وهمس بخفوت وهو يُحيط خصرِها بذراعه:
_ ويهون عليكي أمشي من غير قلب؟
+
_ آه عادي
قالتها من بين أسنانها المتلاحمة بنبرةٍ يملؤها الغيظ، فأضاف وليد وهو ينحني برأسه أكثر فأكثر:
_ دا أنتِ طلعتي شريرة أوي..
+
برقت عيني خلود فجأة وصاحت بِذُعر:
_ زكريا..
+
أطلق وليد ضحكة استهزاء قبل أن يردف بثقة:
_ مش هتخيل عليا المرة دي
+
_ والله العظيم زكريا طالع
هتفتها مؤكدة، فاستمع وليد إلى صوتٍ أصدره زكريا فدفع بخلود بعيدًا عنه وهتف:
_ أنتِ لازقة فيا كدا ليه، بقولك متوضي..
+
حدجته خلود مذهولة لقلب الطاولة عليها، بينما تدخل زكريا بتهكمٍ:
_ يا جدع! اتوضيت امتى وأنت بترقص في الفرح؟
+
تثاءب وليد بصوتٍ مسموع مُتصنعًا النُعاس ثم أردف هاربًا:
_ طب تصبحوا على خير يا جماعة
+
أولهما ظهره وقبل أن يصعد السُلم أوقفه زكريا بيده، ومال على أذنه هامِسًا:
_ نوم العوافي يا حبيبي، بس إبقى خِف شوية
+
غمزه زكريا فاستشف وليد ما يرمي إليه ودون إضافة المزيد تابع صعوده إلى الأعلى بهدوء، وكذلك فعل زكريا مُصطحبًا ليلى إلى بيتهما، ولجا البيت وما كادوا يفعلون حتى صاحت ليلى قائلة:
_ إحنا ليه مطلعناش شهر عسل؟
+
_ عشان مكنش معانا فلوس
صارحها زكريا دون خجلٍ وهو يضحك فشاركته الضحك وسألته:
_ ودلوقتي؟
+
_ الحمدلله، مستورة
قالها بمزاحٍ فأخبرته عما تريده:
_ أنا عايزة أروح دهب..
+
_ وماله، نروح دهب
هتفها زكريا بسهولة لم تصدقها ليلى، واعتقدت إنه يسخر منها فرددت مستاءة:
_ أنت بتتريق؟
+
نظر إليها زكريا وأكد نواياه:
_ لا والله هتريق ليه، نطلع دهب عادي، بكرة أشوف شركة رحلات واظبط معاها..
+
ابتهجت ليلى وقفزت في الهواء، ثم تعلقت في عنقه وهتفت:
_ حلوة أوي النسخة المُعدلة دي منك، لدرجة إني مببقاش مصدقاك أحيانًا..
+
أحاطها زكريا بذراعيه ورد:
_ والله نفسي أعمل أي حاجة تخليكي راضية عني على طول..
+
قَبلتُه ليلى في وجنته بحماسة ثم تحررت من بين قبضته وقالت وهي تُهرول داخل غرفتها:
_ هدور أنا على شركات، مش هقدر استنى لبكرة
+
ضحك زكريا على هرولتها الحماسية ثم انضم إليها وجلسا كليهما على الفراش يبحثان على الشركات السياحية التي يُمكنهما الحجز معها رحلةً إلى دهب.
+
***
+
لحظة وصولهم إلى ذلك البيت الجديد كانت مُهيبة، وقفا كليهما أمام الباب ثم تبادلا النظرات المُندهشة، هل تلك نهاية المطاف؟ أم بدايةٍ لِقصصٍ لازالت سَتُعاش؟!
+
ابتسما بحيوية ثم أمسك عبدالله يد صبا ووضع بها المفتاح حتى يفتحا الباب معًا، شهيقًا وزفيرًا فعلا ثم خَطوا أولى خُطُواتهما في بيتهما، كان صدر صبا يعلو ويهبط بعنفٍ، مُسببًا اضطرابٍ في أنفاسها التي تلاحقت.
+
حاولت ضبطهما قدر استطاعتها، لكنها تفشل كلما خُيل لها ما سيحدث بعد قليل، كيف تجرأت على زواجها دون النظر إلى العواقب، لقد ظنّت أنها تعافت، لكن ما يبدوا أنها ما زالت أسفل تأثير تلك الليلة.
+
بعد محاولاتٍ لطمأنة قلبها، أخذت تُخبر عقلها أنه عبدالله ليس غيره، حبيب فؤادها، ورفيق دُرُوبٍ قد مرت ودُرُوبٍ ستَمُر وهي برفقته، أغلق عبدالله الباب ثم عاد إليها والبسمة لم تُفَارق شِفاه.
+
أخرج تنهيدة طويلة مخرجًا معها همومه وأحزانه الذي عاشها في الفترة الأخيرة، ثم هتف وهو يجوب البيت بنظراته:
_ مصدقة إننا اتخطينا كل الدروب دي وواقفين في بيتنا؟!
+
نفت صبا بحركة من رأسها، فتابع هو بحيويةٍ طاغية:
_ طب إحنا هنفضل مش مصدقين كدا كتير؟
+
احتضن يدها ثم طبع قُبلةً داخل كفها قبل أن يَردُف بحماسة:
_ طب يلا نصلي ونشكر ربنا على قدره الجميل..
+
وافقته صبا الرأي ثم توجها إلى غرفتهما معًا، وقفت صبا محاولة فك سِحاب فُستانها الخلفي لكنها لم تستطع بمفردها، فكان عبدالله يخلع معطفه وقد رآها، فتوجه نحوها دون تفكيرٍ، وقام بسحبها لها مُرددًا بمزاح:
_ من أولها هنتقل ومش هنطلب مساعدة؟ لا أنا عايزاك مدلوقة طول الوقت، تيجي تفتحي برطمان تستعبطي وتقوليلي خد افتحهولي، عايزة تجيبي حاجة من المطبخ تيجي تقوليلي مش طايلة تعالى هاتهالي، بصي عايز ليفل الإستعباط يكون عالي..
+
قهقهت صبا بمرحٍ، ثم سحبت ملابسًا لها حتى ترتديها في المرحاض، لكن عبدالله قد أبى خروجها مُعللًا:
_ أنا عارف إني المفروض أعطيكي مساحتك، وخصوصًا في يوم زي دا، بس أنا مش عايز كدا، أنا حابب نتشارك كل حاجة من البداية، أنا مش عايز أي حواجز تانية بينا يا دكترة..
+
قال آخر جُملته وهو يتحسس وجهها الناعم، فضحكت صبا بتوترٍ أخفته، وقالت وهي تبتعد عنه:
_ حواجز إيه بس، دا كل الحكاية إني هغير في الحمام
+
عاود عبدالله الإقتراب منها بِخُطاه حتى بات مُلاصِقًا لها، ثم تعمد أن يُحرك يده على ظهرها بنعومة من خلال فتحة الفستان الخلفية فسبب لها القشعريرة، أغمضت صبا عينيها مُحاوِلة الثبات، وهي تصغي إلى كلماته الخافتة:
_ بُعدك دا حاجز، لكن أنا مش عايز أي حاجة من دي خالص، أنا تعبت استنى معتش عندي صبر..
+
أنهى كلامه، وأسدل فُستانها على الأرض، وهي ما زالت مُغمضة العينين، تتلاحق أنفاسها كمن يهرب من شيءٍ يخيفها، ثم تبخر خوفها فجأة عندما صدح صوت عبدالله القائل:
_ يلا عشان نتوضى..
+
حينها استطاعت فتح عينيها التي تحول لونهما إلى الإحمرار الملحوظ، لم يُعلق عبدالله فكان على دراية بتوترها التي تعيشه، وأراد أن يجعلها تفصل قليلًا، فحثها على تأدية ركعتان، سحب منها القميص المُمِسكة به ووضعه أعلى الفراش.
+
ثم ذهبا نحو المرحاض، وتوضأ معًا في سكينة تغمرهما، لم يألفاها من قبل، ثم وقفا للصلاة، فوقف عبدالله إمامًا لها تلك الليلة الأولى لهما، وخلفه خطت صبا خُطاها على سجادة الصلاة،
كانت أول ركعات تجمعهما تحت سقفٍ واحد، فامتزج الخشوع بالحب والطمأنينة ببداية حياة جديدة.
+
وبعد أن انتهوا؛ إلتفت عبدالله لها ثم أمسك كِلتى يديها ونظر إلى الأعلى مُناجِيًا ربه:
_ يارب أنا تعبت أوي على ما وصلت للحظة دي، وأنا راضي والله، يارب بارك لنا في حياتنا الجاية، يارب ميمسهاش وجع فيمسني أضعافه يارب، اللهم عوضني بها خيرًا، واجعلنا خير الزوجين لبعض.
+
_ آمين، آمين
آمنت صبا على دُعائه، ثم رفعت يده المُحتضنة يديها وقامت بتقبيلهم بِحُبٍ ونفسٍ راضية مُصرحة عما تشعر:
_ بحبك أوي يا عبدالله
+
فقام عبدالله بجذبها تلقائيًا إلى صدره وأخذ يتنفس عبيرها باستمتاعٍ وشوقٍ حار، ثم همس بخفوت:
_ وأنا كمان بحبك أوي يا دكترة..
+
شعر بانسجام جسديهما لحظتها، فنهض ومد لها يده، تعلقت به صبا ونهضت ثم قام عبدالله بحمْلِها ودخل بها الغرفة ثم أنزلها وقال:
_ تعالي نشوف هتلبسي إيه..
+
أصابت الدهشة صبا، وحدقت به بإرتباكٍ، بينما نظر عبدالله إلى ذلك القميص الموضوع على الفراش، وتفحصه جيدًا قبل أن يُبدي رأيه:
_ حلو أوي دا، حماتي ذوقها حلو
+
رمقها بطرف عينيه وبِخبثٍ تساءل:
_ ولا دا ذوق بنتها؟
+
_ بس بقى يا عبدالله، بطل..
قالتها على أمل أن يتوقف ولا يُزيد من خجلها، فقهقه الآخر وررد باستسلامٍ:
_ خلاص بطلت..
+
توجه نحو الفراش وقام بإلتقاط القميص وعاد إليها، فحاولت أخذه منه:
_ هاته أنا هلبسه..
+
رفض إعطائها إياه وقد أبعد يده عنها وأردف بحسمٍ:
_ تؤتؤ، أنا اللي هلبسهولك بإيدي..
+
ثم أخذ يخلع عنها ما تبقى من مُكملات فستانها وهو يُدَنْدِن برُومانسية:
_ الليل ونجومه وأنا وعينيه .. مع صوت الموج وايدي في ايديه
وقمر في السما و قمر تحتيه .. وحبيبي معايا .. وده كفاية
خلينا يا ليل هنا قاعدين .. وهنمشي ازاي نروح على فين
ويا شمس تعالي بعد يومين .. وسيبيلي حبيبي ويايا
العمر معاه يا ريته يطول .. وأعيش وياه فصول وفصول
انا عايزه يكون هنا على طول .. يعيش ويايا وجوايا
لو فين هيروح يا ليلي هروح .. ويغيب ع العين ده مش مسموح
مش بس حبيب ده توأم روح .. وكأني شايفني في مرايا
+
توقف عن الغناء بعد أن انتهى مما يفعله، تراجع خُطوة للخلف مُتفحصًا هيئتها الحابسة للأنفاس بإعجابٍ طغى على ملامحه وابتسم بخبثٍ، عاد إليها ثم رفع يدها ووضعها على أزرار قميصه وبدأ يفك أول زِر منه، تحت رجفة يدها التي شعر بها.
+
لكنه قاومها وتابع ظنًا أنه سينجح في تبدُد خجلها، انتهى من خلع قميصه ثم بدأ يُقبلها برقةٍ دون اندفاعٍ، فازداد رجفتها وكلما انتقل إلى مرحلةٍ أخرى تتضاعف حتى شعر بجسدها ينتفض بين ذراعيه.
+
توقف فجأة وتفقدها فوجد دموعها تنهمر بغزارة، وتشنج جسدها يزداد، فرفع يديه للأعلى قائلًا بخوفٍ:
_ في إيه يا صبا؟ أنا عملت حاجة غلط؟
+
نفت بحركة من رأسها، ثم إزداد نحيبها وهي تُخبره حقيقة أمرها:
_ أنا آسفة، أنا كنت متخيلة إني اتخطيت.. أنا..
+
قطع بكائها كلامها، فانتاب عبدالله حالة من الصدمة، فجهل التعامل في البداية لكنه أرغم نفسه على الإسراع نحوها والتعامل مع الأمر كما يجب عليه، اقترب منها وبحذرٍ في لمسها قال:
_ طب اهدي، أنا بعيد أهو، أنا مش عارف المفروض أعمل إيه؟
+
لم تستطع صبا التحكُم في نوبة هلعها التي سيطرت عليها بالكامل وهي تتذكر لمسات حمادة المقززة، فصرخت عاليًا بصوتٍ موجوع، فازدادت ربكة عبدالله وشعر بعدم قُدرته على فعل ما يجعلها تهدأ.
+
فما كان منه إلا أنه اقترب منها وقام باحتضانها بقوةٍ هاتفًا بعض الكلمات لربما تُهدئ من روعها:
_ طب خلاص اهدي، وغلاوتي عندك متفتكريش أي حاجة قديمة، مش دي اللحظة اللي اتمنيناها؟
+
وأخذ يُمسِد على خُصلاتها تارة وتارة أخرى على ظهرها بحنانٍ حتى استكانت بين أضلعه، فتساءل عبدالله باهتمامٍ:
_ بقيتي أحسن؟
+
أرغمها تنظر إليه برفعه لرأسها، فأومأت صبا مؤكدة، ثم انتفضت مُبتعدة وهي تردد:
_ أنا محتاجة أكلم دكتور ماجي..
+
لحق بها عبدالله وأمسك يدها هاتِفًا بصوتٍ أجش:
_ مش محتاجة تكلمي حد دلوقتي..
+
_ معلش يا عبدالله، أنا عايزة أعمل كدا
قالتها بنبرة مهزوزة، فهز عبدالله رأسه بِقبولٍ مُردفًا كلماته بهدوء:
_ تمام، لو دا هيخليكي أحسن
+
رمقته صبا قليلًا ثم أولاته ظهرها باحثة عن حاسوبها المحمول وعندما وجدته خرجت من الغرفة لتستطيع التحدث مع طبيبتها بأريحية بينما جلس عبدالله على طرف الفراش مُستندًا براحتي يده عليه، مُطلقًا زفيرًا قوي لعل طمأنينته تعود إلى جسده المذعور.
+
بعد قليل؛ عادت صبا إلى الغرفة على استحياءٍ شديد، تفرك أصابع يدها بتوترٍ، وقالت وهي تُشير إلى الخارج:
_ فيه برا على اللابتوب ورقة، ياريت تقرأها..
+
_ دلوقتي؟
تساءل مُستفسرًا فأماءت صبا، بينما نهض هو وتوجه إلى الخارج ثم جلس على الأريكة والتقط الورقة الموضوعة أعلى الحاسوب، زفر أنفاسه بقوة وأخذ يقرأ المُدون بها، ففهم أن الطبيبة قد أخبرته لصبا حتى يستطيع التعامل إن عادت إليها نوبة هلعها مرةً أخرى من اقترابه.
+
_ لا أنا مكنتش متخيل الموضوع معقد كدا..
قالها وهو يضع يده على وجهه بمللٍ، أعاد الورقة مكانها ونهض عائدًا إلى الغرفة، فوجدها تقف على أطراف أصابعها تتلوى يمينًا ويسارًا بارتباك وخجلٍ ظاهرين له، ابتسم لها واقترب منها فوجدها في وضع الإستعداد لِبدء ما لم ينهوه.
+
حيث أنها أغمضت عينيها، فحرك عبدالله رأسه برفضٍ وهتف:
_ صبا، بُصيلي لو سمحتي...
+
أعادت فتح عينيها فتابع عبدالله بنبرة رخيمة مُتزنة:
_ حبيبي، إحنا مش مجبورين نعمل حاجة طلاما أنتِ مش جاهزة، أنا المهم عندي إننا بقينا سوى، والموضوع دا آخر حاجة ممكن أفكر فيها، أنا حبيتك لشخصك، لجمالك، لنفسك، لقلبك، ولصفاتك، مش لجسمك خالص..
+
قاطعته صبا بإلحاحٍ:
_ أنا عارفة والله، بس أنا عايزاه يحصل عشان أقاوم الحالة اللي بتحصلي دي، أنا مش عايزة طول الوقت تكون أعصابي مشدودة، ومتوترة وحاسة إني في امتحان، أنا عايزة أكون واحدة عادية، مش بتحس بكل الحاجات دي..
+
_ بس أنا مش عايزك تكوني خايفة مني كدا تاني..
قالها محاولًا إقناعها بأن الأمر لا يهمه إلى ذلك الحد فأفصحت صبا عما يجهله:
_ الموضوع مش خوف منك، ولا إني مش عايزاك، دي حاجة خارج إرادتي، ولازم أقاوم نفسي وخوفي عشان أتخطى الوضع دا، ودا مش هيحصل غير معاك أنت، عشان بحبك..
+
كلماتها قد حركت فيه غريزته، تريث قليلًا مُتذكرًا تعليمات الطبيبة التي قرأها منذ دقيقتين، وبدأ يتعامل تمامًا كما يجب، وعندما عادت انتفاضة جسدها من جديد كاد عبدالله ينسحب، لعدم قبوله التعامل في ظروفٍ كتلك كأنه ذئب بشري فقط يريد الوصول إلى مُبتغَاه.
+
لامته صبا في نظراتها لابتعاده، وهمست معاتبة:
_ متبعدش..
+
_ مش عارفة اتعامل بالشكل دا...
قالها من بين أنفاسه المتلاحقة، بينما إزداد نحيب صبا لتلك الكومة التي من الواضح لن تخرج منها بسهولة، وضعت يديها أمام عينيها حاجبة رؤيتها وأخذت تبكي بشدة، فكان عبدالله في وضعٍ لا يُحسد عليه، لا يعلم ما عليه فعله، أيُساعدها ويتحول إلى حيوانٍ لا يتأثر بما يحدث لها أم يثبت على رفضه من الإقتراب منها ويسوء الوضع بينهما ويزداد تعقيدًا؟
+
****
أنتوا رايكم ايه؟
+
أيها الراقدون تحت التراب، فين رأيكم بجد؟
+
رواية علي دروب الهوي الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم تسنيم المرشدي
مزيجٍ من المشاعر التي شعر بها زكريا؛ الخوف والتوتر وعدم استطاعته على حُسن التدبير في ذلك الموقف، وكأن يداه مُكبلتان بالأصفاد، انتبه على صوت وليد الذي يحثه على أخذ قرارٍ:
_ إيه يابني هتعمل إيه؟
التفت إليه بتِيهٍ ثم عاود النظر إلى ليلى التي تنحني بظهرها إلى الأمام تتكأ على بطنها بألمٍ شديد يُراودها، وحينذاك استعاد رشده وهتف بلهفة:
_ هنطلع على المستشفى، اللي صبا بتشتغل فيها..
أماء وليد وأسرع عائدًا إلى السيارة مُستقلًا مِقعده خلف المقود، بينما ساعد زكريا ليلى على الوصول إلى السيارة والركوب في الخلف، ثم جاورها محاولًا بث الطمأنينة فيها وهو فاقد لها.
بعد فترة؛ وصلوا إلى المستشفى، ترجل زكريا ونادى مُطالبًا المساعدة، فجئن في الحال ممرضتان بكرسي متحرك وقاموا بوضعها أعلاه متجهين بها إلى الطوارئ، بينما وقف زكريا رفقة وليد في الخارج يجوب الممر المقابل للغرفة ذهابًا وجيئا بهلعٍ.
اقترب منه وليد وسأله باهتمامٍ:
_ هو دا ممكن يكون إيه؟ إيه سبب النزيف اللي حصل دا؟
توقف زكريا عن السير وأجابه وهو ينظر داخل عينيه بصوتٍ مهزوز:
_ ليلى حامل، كنا ناوين نفاجئكم لما نرجع، بس شكلنا مش هنلحق!
_ بس يا أخي متقولش كدا، كل منطوق واقع قدره، قول إن شاء الله تخرج بالسلامة هي والجنين وربنا هيراضيكم بإذن الله..
هتفها وليد بنُصحٍ، فدعا الآخر بِصدقٍ:
_ يارب يا وليد، لو حصل حاجة هيبقى عقاب من ربنا عشان اتبطرت على النعمة قبل كدا...
بآسى وشفقة شديدين ربتَّ وليد على كتف زكريا مُآزرًا إياه:
_ إن شاء الله يا صاحبي ربنا هيطمنك، اتفائل خير أنت بس!
أخذ زكريا يهُز رأسه وتابع سيره في المكان بغير صبرٍ لمرور تلك الثواني حتى يعلم وضع ليلى، بعد مرور بِضع دقائق أخرى، خرجت الطبيبة فتوجه زكريا نحوها على الفور بينما وقف وليد على بُعد مسافةٍ يخشى سماع ما يخافه زكريا.
_ طمنيني يا دكتورة، ليلى كويسة؟ والجنين أخباره إيه؟ تساءل بتهلفٍ، وبإبتسامةٍ عملية أخبرته حقيقة الوضع:
_ متقلقش، هما الإتنين كويسين، بس الحمل في بدايته خالص وهي بلغتني إنكم كنتوا مسافرين ساعات طويلة ودا طبيعي يحصل من حركة الطريق، بس المدام محتاجة راحة تامة الشهور الأولى لأن الحمل ضعيف ومش مستقر، أنا كتبت لها على مثبت وبعض الفيتامينات ضروري تاخدهم عشان الوضع يستقر..
لم يشعر زكريا بشفتاه اللتان ابتسمتا في وجه الطبيبة بسعادةٍ أدركتها هي، وبامتنانٍ واضح شكرها:
_ شكرًا يا دكتورة، إن شاء الله مش هتقوم من على السرير لغاية ما تولد..
ضحكت الطبيبة ثم استأذنت منه وغادرت، بينما تفقد زكريا وليد قبل دلوفه الغرفة فابتسم له الآخر ورمش بأهدابه بمعنى أن كل شيءٍ بخير، فولج زكريا إلى ليلى، وجدها تُعدل من هندمة ملابسها بمساعدة الممرضة.
فانضم إليهن وقال:
_ جت بسيطة يا لولا..
ابتسمت ليلى بطمأنينة سكنت قلبها وانعكست على تعابيرها ونبرة صوتها الحيوية:
_ الحمدلله.. ربنا كريم
بينما وجه زكريا كلامه إلى الممرضة عندما وقعت عيناه على الكُرسي المتحرك:
_ لو سمحتي ممكن نستخدم الكرسي دا لغاية برا بس..
تفقدت الممرضة الكرسي ثم قالت:
_ آه طبعًا مفيش مشكلة..
فتدخلت ليلى مُعلقة:
_ أنا كويسة يا زكريا، ملوش لزوم الكرسي دا..
بإصرارٍ في عينيه وصوته أردف:
_ لا معلش الدكتورة قالت راحة تامة، مش هتقومي من على السرير خالص طول ال ٣شهور الأولى ومش عايز منك غير حاضر وبس، تمام؟!
ابتسمت الممرضة على لطافة زكريا ثم عقّبت بسؤالها المُوجه لـ ليلى:
_ دا أول حمل؟
أكدت ليلى بإيماءة من رأسها فضحكت بِخبثٍ وقالت:
_ هما بيبقو كدا في الأول، في الحمل التاني بقى لو نمتي خمس دقايق بس ترتاحي هيُقِيم عليكي الحد، أما بقى لو الحمل التالت، من وأنتِ لسه بتخرفي في البنج هيقولك فوقي يلا بسرعة عشان تعمليلي حاجة آكلها أصل جعان
جحظت عيني ليلى وهتفت دون تصديقٍ موجهة حديثها إلى زكريا:
_ أنت هتعمل كدا؟
_ لا لا مفيش الكلام دا هسيبك بعد ما تفوقي ...
هتفها زكريا مُمازحها، فقهقهن الأخريات ثم غادرا الغرفة بعد أن أصر على إخراجها بالكرسي حتى لا تشعر بالتعب أثناء سيرها.
اعتدل وليد في وقفته وشكل بسمةٍ هادئة على محياه وقال:
_ مبروك يا ليلى، ربنا يتمم لك بخير يارب
_ الله يبارك فيك يا وليد، شكرًا
قالتها بإمتنانٍ يشوبه الخجل لوضعها، بينما أشار وليد بعينه على ذلك الكرسي مُستسفرًا بسؤاله عنه:
_ لازمته إيه الكرسي، مش أنتِ كويسة الحمدلله؟
تشدقت ليلى بتهكمٍ وهي تخبره:
_ أسأل إبن عمك، مُصمم يخرجني بيه..
ضحك وليد وعلّق ساخرًا:
_ حنيته دي مش متعودين عليها، لدرجة تقلق، عندك حق
_ من اعتاد القلق ظن الطمأنينة فخًا
قالتها ليلى وضحكت عاليًا فشاركها وليد الضحك، بينما تدخل زكريا متزمجرًا:
_ هو أنا أبقى وحش مش عاجب، حلو مش عاجب، استغفر الله العظيم، هتخرجوا الواحد عن شعوره..
إزداد ضحكهم، وأثناء دفع زكريا للكرسي هتف وليد وهو يسير بجواره:
_ بس أمانة لو طلع ولد سميه وليد
_ هي ناقصة قرف يابني، كفاية مستحملينك بالعافية!!
هتفها زكريا بحنقٍ مصطنع، بينما فغر الآخر فاهه بصدمةٍ وهلل مستاءً:
_ تصدق إنك لولا خال عيالي كان ليا كلام تاني معاك
_ إتلهي
هتفها زكريا فالتزم وليد الصمت حتى وصلوا إلى الخارج وركبوا السيارة، بينما أشعل وليد المُحرك ثم دعس على البنزين فانطلقت السيارة بسرعةٍ عائدًا إلى منطقتهم.
وعِند وصولهم؛ استقبلتهما العائلة بحفاوةٍ، وبعد انتهاء الترحيب الوِدي، وقف زكريا وتعمد جذب ليلى إلى صدره ثم هتف بحماسة شديدة:
_ ليلى حامل!!
تفاجئت القلوب وابتهجت، وتحدثت العيون قبل اللسان، وعندما استوعبت عقولهم الخبر ارتفع صخب المباركات لـ ليلى وزكريا، حتى دمعت عيونهم تأثرٍ.
ومن بينهم احتضنت هناء ليلى بسعادةٍ وهتفت:
_ ربنا استجاب لدعايا، الحمدلله دعيت كتير ربنا يعوضكم خير..
شدَّت ليلى على ظهر هناء، بينما نظر وليد إلى خلود وغمزها وقال باستنكارٍ وهو يُشير بعينه إلى ما يحدث:
_ اللي بيحصل دا مش محرك حاجة جواكي؟
نفت بحركة من رأسها، فاستنفر وليد منها وتمتم بغيظ:
_ أكيد أنتِ معندكيش قلب! غيرك كان فاتها اتأثرت وجِرت عليا قالتلي يلا نتجوز..
إلتوى ثغر خلود للجانب رافعة حاجبها الأيسر ثم أشارت بإصبعيها:
_ بعد سنتين..
إزداد وليد حُنقًا وصاح فيها:
_ هما السنتين دول مش بينقصوا عندك، اتقي الله بقى أنا على أخري
انفجرت خلود ضاحكة، فانتبه عليها الجميع، فحاولت كتم ضحكاتها بخجلٍ من وراء نظراتهم، ثم لم يكف الجميع عن الحديث ظاهرين سعادتهم بطُرقٍ مختلفة، حيث أن البعض كان يختار الأسماء معهم، والبعض الآخر يدعو لهما بإتمام الحمل، بينما لم يكف وليد عن مشاكسة خلود طيلة الوقت.
***
وبينما كانت شاردة الذهن، جاء قاسم حاملًا صينية العشاء، وضعها على الطاولة فلم يجد أي انتباه منها، وكأنها لم تُلاحظ وجوده، قطب جبينه وحمحم ليجذب انتباهها، والنتيجة ذاتها، فاضطر إلى إصدار صوتًا ليعلم ما يوجد خلفها:
_ للدرجة دي مش حاسة بوجودي، إيه اللي شاغلك بالشكل دا؟
انتبهت عليه زينب، ثم اعتدلت في جلستها وقالت بتِيه:
_ محستش فعلًا بوجود حضرتك... كنت بتقول حاجة؟
_ لا أبدًا، بس جبت العشا، ولقيتك سرحانة فاستغربت..
هتفها قاسم موضحًا، فألقت زينب نظرةً على الطعام ثم اجتاحها الخجل، وأردفت على استحياء شديد:
_ يا خبر! حضرتك اللي جبت العشا بنفسك، أنا آسفة والله معر...
قاطعها قاسم عندما أعطت للموضوع حجمًا أكبر من حجمه:
_ بتتأسفي على إيه؟ مفيش حاجة تتأسفي عليها، وبعدين أنا حبيت أحضر يوم العشا، ولا وأنتِ بقى خايفة على بطنك من أكلي؟
تعمد سكب المُزاح بين كلماته، فابتسمت زينب وهتفت:
_ لا طبعًا، أكيد حضرتك مش هتعمل حاجة وحشة.. بس دا كان واجبي يعني إني أنا اللي أعمل العشا..
باستنكارٍ صاح:
_ واجب إيه يا عبيطة، الأكل دا مشاركة وبيتعمل بحب الناس اللي بنحبها، وأنا بكون مستمتع وأنا بعمله لحد بحبه وأنا قولت الكلام دا قبل كدا لعبدالله والنهاردة بقولهولك أنتِ كمان..
إزدادت زينب سعادة، ثم اختفت أي معالم للراحة من على وجهها فاستشعر قاسم ثَمَة أمرًا يشغل بالها فسألها باهتمامٍ بعد أن جلس على الأريكة المقابلة لها:
_ حاسس إن فيه حاجة شغلاكي، حابة تتكلمي؟
أطالت زينب النظر به، وقعت بين التردد والحيرة من إخباره أم تحتفظ بذلك السر دون أن تفصح عنه لأحد؟
أخرجت تنهيدة قوية وقالت وعينيها تنظر في الفراغ أمامها:
_ مش عارفة بصراحة المفروض أتكلم مع حد ولا اتعامل أنا وخلاص..
_ احكي لي ووعد محدش هيعرف عن الموضوع حاجة، مش يمكن ألاقي لك حل لحيرتك دي؟
قالها بحكمةٍ وهدوءٍ، فأجبر زينب على النظر إليه وكأنه كان ملجأً لها، أخذت نفسًا وزفرته بقوة وبدأت حديثها بتعلثمٍ:
_ الموضوع ممكن يفاجئك، وممكن يصدمك، والله أنا حاولت أنساه بس هو رجع تاني كلمني فأنا رجعت تاني أفكر فيه غصب عني..
ضاق جبين قاسم عندما لم يفهم شيء مما قالته، وتساءل حول كلماتها المبهمة:
_ تنسي مين ومين اللي رجع يكلمك؟ فهميني براحة..
ابتلعت زينب ريقها ثم دنت منه قليلًا واسترسلت بترددٍ كان حاجزًا لخروج كلامها:
_ عاصم!
بُص هو الموضوع بدأ من عندي، لما قربت منه وشوفت أسلوبه وطريقته وحياته عمومًا، شخص حنون لدرجة مشوفتهاش قبل كدا، مُهتم بتفاصيل اللي بيحبهم، شخص عفوي ولسانه طول الوقت بيقول كلام حلو..
أخفضت رأسها في حياء، وتابعت وهي تفرك أصابع يدها بخجلٍ صريح:
_ أنا اتشديت لكل دا، اتمنيت أكون في حياته، يمكن دا نقص عندي من اللي شوفته وعيشته مع..
لم تستطع نطق اسم حمادة، ففضلت الصمت وقد استشف قاسم قصدها، وتابع استماعه لها بآذان صاغية مهتمة، فرفعت زينب رأسها مُسرعة ووضحت ما يُمكنه فهمه من وراء كلماتها:
_ بس والله عمري ما اتمنيت إني أخده من صبا، رغم إني كنت عارفة إن جوازهم مش طبيعي، أنا بس كنت حابة أتحب واتعامل بنفس الأسلوب والطريقة..
صمتت وتفقدت معالم وجه قاسم، فكان مُستكينًا هادِئًا لم تستشف من وراءه بماذا يدور داخله فتساءلت بترددٍ:
_ حضرتك ساكت ليه؟
_ بسمعك، كملي..
قالها بنبرةٍ رخيمة، جعلتها تواصل رويها للحكاية:
_ وقت وفاة ماما الله يرحمها، كان أكتر شخص واقف جنبي، مكنش بيعدي يوم غير لما يكلمني ويطمن عليا ومكنش بيقفل المكالمة قبل ما أوعده إني مش هعيط..
كان كل واحد مشغول في حُزنه وقتها سواء حضرتك أو عبدالله، فكان هو الوحيد اللي جنبي..
أنا تقريبًا قدرت أتخطى الفترة دي بفضله هو
الفترة دي حسيت إن علاقتنا اتنقلت لحتة تانية، مبقتش علاقة جيران، أو مدير وسكرتيرته، حسيت إن العلاقة بقت قريبة مقدرتش أحط لها اسم ولا معنى لأن أنا وهو معترفناش بحاجة بس جوايا كنت حاسة الإحساس دا..
إن علاقتنا بقت في مرحلة تانية خالص غير الأول..
لغاية ما هو صدمني..
نكست رأسها في حُزنٍ غلف صوتها التي اهتز، وخيَّم تقاسيم وجهها، كما جاهدت على منع عبراتها من النزول، ثم استأنفت بنبرة مهزومة:
_ تقريبًا أخته لاحظت هي كمان إن علاقتنا بقت قريبة، وواجهته فهو حب يوصلي بهزار إن تخيلي ڤاليا مفكرة إننا في علاقة!!
فشلت زينب في التماسُك، وتسابقت دموعها في النزول ثم واجهت عيني قاسم الذي تأثر بكلماتها وأردفت مواصلة:
_ كان خايف أكون شايفة أنا كمان زيها!!
أنا وقتها حسيت إن قلبي اتقسم نصين
آه هو معترفش ليا بحاجة صريحة
ويمكن كان بيتعامل بعفوية زي عادته
بس كون إنه قالي كدا يعني هو عِرف مشاعري نحيته، عِرفها ورفضها..
يعني اتوجعت مرتين، مرة لموقفي اللي كان زي الزفت قدامه بسبب أنه عِرف مشاعري نحيته، ومرة لما رفضني!!
أجهشت زينب في البكاء، وعندما فشلت في استجماع شتاتها وضعت يدها على وجهها، ودون تفكيرٍ نهض قاسم وجاورها ثم ربتَّ بيده على ذراعها وردد:
_ إهدي يا زينب، لو ليا خاطر عندك..
أزاحت زينب يدها عن وجهها وهتفت عاليًا بنبرة مشحونة:
_ لقيته النهاردة بيكلمني وبيعتذر لي، بيقولي إنه كان غلط وفاكر إن البعد الحل، بس اكتشف غير كدا وإني كنت شاغله تفكيره طول فترة سفره..
التفتت برأسها إلى اليمين حيث قاسم وأضافت باستياءٍ:
_ بعد إيه؟ بعد ما كسر قلبي، وبعد ما اختار الهروب وسافر فجأة؟!
بعد ما عيطت وحاولت اتأقلم على بُعده، بعد ما حاولت أنساه واشتغل على نفسي، جاي بعد كل دا تاني ليه؟
ليه يرجعني للصفر، ليه أحس باللخبطة اللي أنا فيها دي، وأبقى مش عارفة أخد قرار
مش عارفة أرفضه وأوجعه زي ما هو عمل ولا قادرة أكمل في اللي وصلت له في شغلي بعد ما اشتغلت على نفسي كتير..
ليه جاي دلوقتي يلخبطني كدا؟
ممكن حضرتك تقولي لو مكاني هتعمل ايه؟
أخذ قاسم نفسًا زفره على مهل، وبدأ حديثه قائلًا:
_ لو مكانك، ههدى الأول، عشان القرارات دي مش محتاجة توتر وعياط ولا الحالة اللي أنتِ فيها دا خالص، هحاول اصفي ذهني تمامًا، أشرب لي حاجة سخنة كدا وأبدأ أفكر براحة وبهدوء، بس أفكر بعقلي مش بقلبي..
أحط النُقط على الحروف، وأشوف عاصم من كل الزوايا، أدرسه صح، أشوف كل العواقب اللي هتقابلني، أصل الموضوع مش هيكون خاص بيكم بس، متنسيش إن عاصم وصبا كانوا متجوزين، وعبدالله وعاصم مش ألطف حاجة مع بعض، علاقة صبا عملت حاجز كبير بينهم..
وهبص، هل هقدر أتجاوز وأفصل بين إنه بقى معايا وإنه كان مع صبا..
لو قدرتي تتخطي كل دا ولقيتي نفسك قادرة تواجهي عبدالله من غير ما يزعل اعملي كدا..
لأن افتكر إن عبدالله كان مُعترض على جوازك من حمادة وأنتِ شوفتي النتيجة، طبعا دي مقارنة ظالمة أننا نقارن عاصم بحمادة، بس عندنا اعتراض عبدالله في المرتين، لو أنتِ فعلًا حباه وقادرة تعيشي معاه وتنسوا صفحة الماضي، حاولي تقنعي عبدالله وتسمعي منه رأيه بهدوء لأن الوضع هيكون حساس أوي يا زينب..
أماءت زينب بقبولٍ، ثم نهضت فأوقفها قاسم قائلًا:
_ على فين؟ والأكل اللي حضرته دا هاكله لوحدي؟
تذكرت زينب أمر الطعام ثم عاودت الجلوس وشَرعَ كليهما في الطعام، لكن زينب كانت غارقة بين أفكارها وحيرتها في أخذ قرارٍ صائب.
***
بعد مرور فترةً؛ وبينما كانت منهمرة في عملها على مكتبها، تفاجئت بيد قد وُضعت أمامها وصوتٍ يُهاجمها:
_ هو أنا لازم أنزلك مخصوص عشان تتكرمي وتردي عليا؟!
وقبل أن تُصدق آذنيها ما سمعته، رفعت رأسها وتفقدته فأصاب حدسها وبالفعل وجدته نفسه، خفق قلبها بقوة، وسيطر عليها حالة من الإضطراب التي جعلتها تفقد النُطق لفترة.
وبصعوبة قابلتها قالت:
_ باشمهندس عاصم!!
_ باشمهندش!!
رددها باستنكارٍ تام، ثم استقام في وقوفه واستأنف:
_ هو أنا ممكن أفهم أنتِ مش بتردي عليا ليه؟
أنا مش قولتلك فكري وعرفيني رأيك؟
هربت زينب بنظرها بعيدًا عنه، وهتفت مُتعجبة من أمر ظهوره أمامها فجأة:
_ أنت عرفت مكاني إزاي؟
_ هيفرق يعني؟ على العموم مش صعب يعني، أنتِ حطاه في الديسكربشن على صفحتك..
أخبرها ليرضي فضولها، ثم أضاف وهو يتفقد المكان حوله:
_ بس أنتِ ملقتيش غير شركة أنس النشار؟!
نهضت زينب فجأة؛ وثأرت لسيرة مديرها التي حضرت:
_ ماله باشمهندس أنس؟
رفع عاصم حاجبيه بغرابةٍ واستنكار، ثم قال:
_ وأنتِ مالك بتتكلمي كدا ليه كأنه إبن خالتك؟
_ طبيعي محبش حد يجيب سيرة مديري بأسلوب مش كويس..
قالتها مندفعة فازداد عاصم حُنقًا وردد:
_ والله بجد؟
وقبل أن يُواصل جُملته تفاجئ كِلاهما بخروج أنس من غرفة مكتبه، بدى عليه علامات الدهشة والضيق لرؤياه عاصم، لكنه اقترب منه بثباتٍ، وهتف:
_ عاصم سيلمان منافسي القوي واقف عندي في شركتي؟
أجبر عاصم شفاه على الإبتسام، ثم وضع يده في جيبه بنطاله حيث شمخت هيئته ونظر إلى أنس كصقرٍ يتحداه قبل أن يردف:
_ ليا عندك حاجة تخصني جيت أخدها..
ضاق الآخر بعينه عندما لم يستشف مخزى كلامه،
تلك الأثناء تدخلت زينب ووجهت حديثها إلى أنس بعد أن تفقدت ساعة يدها:
_ ميعاد قهوة حضرتك يا باشمهندس، تحب اطلبهالك؟
_ ياريت يا زوز والله، دماغي مش مظبوطة.. خليهم اتنين عشان الباشمهندس عاصم...
دلَّلها أنس بعفوية، جعلت نيران غيرة عاصم تشتعل داخله، تشنجت ملامحه، وضاقت عينيه التي رمق بهما أنس بحدةٍ، ناهيك عن شفتيه المضمومتين يكتم غيظه بصعوبة.
كان شاردًا في ملامح الآخر كأنه يود لكمه، حتى أخرجه أنس من شروده قائلًا:
_ تعالى يا عاصم ندخل المكتب ندردش شوية، وبالمرة تقولي إيه اللي يخصك عندي في شركتي..
انصرفت زينب من أمامهما مُسرعة، بينما ولج عاصم على مضضٍ خلف أنس الذي جلس أولًا ثم بدأ حديثه بعجرفةٍ:
_ أنت صحيح رِجعت امتى من السفر؟ دا أنا كنت سمعت إنك معتش راجع هنا تاني..
كان الهواء أثقل من الكلام بينهما، يتنفس عاصم بصوتٍ مسموع كمن يقاوم شيئًا داخله، يحاول جمع شتات كلماته، أن يجبُر صوته على الخروج، وبصعوبةٍ قابلها أجابه وهو يجلس أمامه، فقط ليرى التعامل بينه وبين زينب إلى أي مدى قد وصلا.
دار بينهما حوارًا، حتى جاءت زينب ووضعت كوبان القهوة على الطاولة بينهما فتحدث أنس ببرودٍ:
_ إحنا نسينا نسأل الباشمهندس بيشرب قهوته إيه..
ثم وجه أنظاره على عاصم واسترسل:
_ بس أيًا يكن القهوة اللي زينب عملتها فأحب أأكد لك إنك هتطلب واحدة تانية من حلاوتها..
ومن بين قهقهته تغزل أنس في زينب:
_ لا مقصدش حلاوة زينب، قصدي على حلاوة القهوة..
فارت دماء عاصم وبلغ ذُروة تحمله، فهب واقفًا مما أثار الريبة حوله، اقترب من زينب وأمسك يدها جاذبًا إياها بقُربه، فاستشاط أنس غيظًا ووقف وعينيه مُصوبتين على يدهما، ثم تساءل بجمودٍ يخفي خلفه نيران مُتقدة على وشك إحراق عاصم:
_ إيه اللي بيحصل هنا؟
ثم وجه حديثه إلى زينب وسألها بحدةٍ:
_ في إيه يا زينب بالظبط؟
لاحظ أنس محاولات زينب على تحرر يدها، فاقترب من عاصم بعينين حادتين وقال من بين أسنانه المتلاحمة:
_ احترم إنك في مكتبي وسيب ايديها..
دنا منه عاصم حتى أنه خبط في صدره، وهتف بملامح غاضبة وأسنانٍ تحتك ببعضها:
_ قولت لك برا إني جاي أخد حاجة تخصني! وزينب تخصني!
أنهاها ثم شدَّ على يد زينب وأجبرها على الخروج تحت صدمةٍ من زينب على جُرأته، لم تخفض نظرها عن أنس وشعور الخجل قد تملك منها، حتمًا سيخلق فكرةً سيئة عنها الآن.
طلب عاصم المصعد الكهربائي وولج به رفقة زينب التي ما أن أغلق بابه عليهما حتى سحبت يدها بعنفٍ وصاحت متذمرة:
_ إيه اللي أنت عملته دا، أنت كدا خسرتني شغلي! وبأي حق أصلًا تمسك إيدي وتخرجني من الشركة غصب عني كدا؟
بتهكمٍ تحدث عاصم:
_ زعلانة أوي على الشغل؟ أنتِ عارفة مين أنس النشار؟
راجل مُتعدد العلاقات، أنا مش عارف أنتِ وصلتي له إزاي؟
_ وأنا مالي متعدد العلاقات ولا لأ، كل اللي بينا شغل، شغل وبس!
هتفت بغضبٍ شديد، فانفعل عاصم من خلف أسلوبها الفظ:
_ اللي بينكم شغل بالنسبة ليكي لكن بالنسبة له لأ، أنس متجوز يجي فوق العشرين مرة وكلهم كانوا السكرتيرات بتوعه، بيتسلى تحت إطار شرعي، يقعد يتغزل في أي سكرتيرة بتيجي له جديد، لغاية ما يوقعها ويُطلب منها الجواز ويقضي له معاها يوم ولا اتنين ولا شهر بالكتير وبعدين يطلقها ويجيب غيرها، وتقريبًا إن مكنش أكيد الدور كان عليكي!!
ودا بالظبط اللي خلاني أرجع أول ما عرفت إنك اشتغلتي هنا..
صدمة حلت على وجه زينب، وتذكرت المرات العديدة التي شعرت بها بالنفور من تصرفات أنس، ناهيك عن تودده إليها من بين الحين والآخر، فشعرت بالإسيتاء الشديد لسذاجتها، فلم تستطيع مواجهة عيني عاصم بعد ما علمت به.
توقف المصعد وخرج منه عاصم وانتظرها حتى انتبهت عليه فخرجت إلى جواره، وسارا حتى خرجا من المبنى فتوجه عاصم إلى سيارته بينما كادت زينب تُغادر من طريقٍ مُعاكس فصاح عاصم وهو يُعَاود غلق باب سيارته:
ـ أنتِ راحة فين؟
توقفت وأجابته بنبرةً جامدة:
_ ماشية..
_ هو أنا نازل من أمريكا ومنزلك من هنا عشان تسيبني وتمشي، ما أكيد جاي لك عشان نتكلم، اتفضلي اركبي
قالها باسيتاءٍ لهروبها، فترددت زينب في الركوب معه، فحثها عاصم على مُرافقته:
_ يلا يا زينب لو سمحتي.. محتاجين نتكلم
توجهت نحوه بِخُطى ثابتة، وقامت بركوب السيارة معه، فتحرك عاصم وتساءل باهتمامٍ:
_ تحبي تروحي مكان معين ولا...
قاطعته زينب باقتضابٍ:
_ أنا مش عايزة أروح في أي مكان أنا عايزة أروح..
_ مش اتفقنا نتكلم؟!
قالها وهو ينظر إليها بعتابٍ فهتفت زينب دون النظر إليه:
_ ممكن نتكلم في العربية عادي..
لم يُريد عاصم الضغط عليها، أخرج تنيهدة ليكون في صدره مُتسع للحديث وبدأ كلامه بصوتٍ أجش:
_ طب أنتِ مكنتيش بتردي على مكالماتي ليه؟
_ عشان مكنش عندي رد..
هتفتها بهدوءٍ فعبست ملامح عاصم وقال بضيقٍ:
_ يعني إيه؟
_ يعني إحنا قدامنا عواقب كتيرة أوي وأنا مش عارفة أخد قرار بسببهم
قالتها فصف عاصم السيارة على جانب الطريق، ثم اعتدل حيث يكون مقابلها وتساءل حول تلك العواقب:
_ عواقب إيه دي؟
رفعت عينيها في عينيه، وتأثرت بنظراته حيث أن قلبها خفق بقوة، فوسامته كانت طاغية للغاية وهي لن تنكر اشتياقها له حتى وإن لم تُظهِر:
_ أنت ناسي إنك كنت متجوز، واللي كنت متجوزها دي بقت مرات اخويا، أخويا اللي عمري ما هعمل حاجة تزعله حتى لو على حسابي، كفاية أوي عِنادي قبل كدا وصلني لإيه..
نظر أمامه وتفقد الطريق لبرهة قبل أن يُعاود النظر إليها وردد بتلهفٍ:
_ بس أنتِ وأخوكي وكلكم عرفتوا خلاص حقيقة جوازي من صبا، مش محتاج أقول إنه مكنش مبني على حب وكان جواز طبيعي عشان يكون عقبة!!
_ بس في الآخر اسمه جواز، وأنت وعبدالله علاقتكم مش أحسن حاجة من وقتها، ووجود صبا كمان صعب عليا، عشان حتى لو جوازكم مكنش حقيقي بس في الآخر كنتوا متجوزين وأنا شوفت تعاملك معاها عن قُرب ودي تاني عقبة وتالت عقبة أهلك، يا ترى هيقبلوني؟
وقبل ما تبرر عايزاك تعرف إن مهم عندي أوي إني أكون مرغوبة وخصوصًا من أهلك، لأن أنا بقيت لوحدي أوي، وأنا محتاجة تجمعات عائلية مليانة دفا وحنان..
أخرجت زفرةً مهمومة ثم أخفضت بصرها وداعبت أصابع يدها قبل أن تُضيف:
_ حاجات كتير أوي قدام علاقتنا يا عاصم، مش هقدر أتخطاها عشان تكون في الآخر معاك، وأنا معتش قادرة أحارب، طاقتي خلصت ونفسي اتقطع، محتاجة علاقة مُريحة، مفيش فيها مشاكل ولا صِراعات، ودا مش هيكون فيه علاقتنا خالص!
تقبل عاصم كلامها بصدرٍ قد ضاق رحبه، لكنه تحلى ببعض الصبر وأردف بجدية:
_ بس أنا لسه نفسي طويل، وطاقتي مشحونة، ومستعد أواجه كله عشانك، أنا مش محتاج غيرك يا زينب في حياتي..
أنا بكون مرتاح وإحنا سوا، الشعور اللي بحسه دا ميتقلش بالدهب ولا له وصف حتى بالكلام..
إحساس نفسي أعيشه كل يوم وكل ساعة وكل دقيقة، ودا مش هيحصل غير وأنتِ في حياتي.. فأنا مستعد أواجه عبدالله وأحسِن علاقتي معاه عشان خاطر عيونك..
تنهد بقوة واستأنف:
_ أما لو على أهلي، فمش هقدر أقولك إنهم مش هيمانعوا ودا مش لشخصك، إطلاقًا بس أكيد هيربطوا جوازي بصبا بيكي، بس أنا متأكد إنهم مع الوقت هيتقبلوا علاقتنا لما يعرفوكي، ويشوفوكي
زي ما أنا شايفك!!
ودلوقتي مفضلش غير موافقتك أنتِ.. ها قولتي إيه؟
أطالت زينب النظر به، تتخبط بين القبول والرفض، حتى حثَّها قلبها على القبول فمال ثغرها للجانب وشكلت بسمةً رقيقة جعلته يبتسم بجاذبية ويُهلل عاليًا:
_ ضحكت يبقى قلبها مال ولا إيه؟
أخفضت رأسها في حياءٍ وتمتمت بخفوت:
_ مال خلاص..
تبادلا النظرات الحماسية وخفق قلبهما بسعادةٍ لم يعهداها منذ فترة طويلة، وأخذا يتفقان كيف سيُفاتحان الجميع عن أمر علاقتهما.
***
انقضى شهر عسل العروسين، وعادوا إلى منزلهم، نقلهم قاسم رفقة زينب بالسيارة من المطار، كان عبدالله جالسًا في الخلف جوار صبا وزينب إلى جوار قاسم في المقاعد الخلفية، بينما بدأ قاسم الحديث مُعلِقًا ببسمةٍ:
_ شهر العسل تأثيره باين على وشك، أول مرة من يوم ما عرفتك أشوف وشك مرتاح كدا..
تقوست شفاه عبدالله ببعض الخجل ثم رمق صبا وقال بعذوبة:
_ الفضل يرجع للدكترة..
غمزها بوقاحةٍ فبرقت صبا بعيونها مستنكرة جُرأته، بينما ضحك قاسم وشاركه عبدالله الضحك، حتى انتهى وأردف بحسمٍ:
_ بما إننا مع بعض يبقى نقضي اليوم سوا ونتغدى سوى
بادرت زينب في الرفض مُعللة أسبابها:
_ لا غدا إيه، أنتوا راجعين من سفر ومحتاجين ترتاحوا، خلوها يوم تاني..
أصرَّ عبدالله على بقائهم قائلًا:
_ لا لا، إحنا نايمين كتير في الطيارة، متقلقيش علينا..
هنقضي اليوم مع بعض، أنا كمان هكلم العيال يجوا بليل ونسهر سوا، أنتوا مش متخيلين كلكم واحشِني قد إيه..
_ والله غيابك كان فارق جدًا، بس الواحد كان بيصبر نفسه إنك مبسوط.. ربنا يديم وجودك يا حبيبي
هتفها قاسم بحبٍ فأجبر عبدالله على القيام بنصف قامته وقام بتقبيل رأسه من الجانب حيث كانت قريبة منه مرددًا بنبرةٍ بها حنانًا:
_ ربنا يبارك فيك يارب..
ثم عاود الجلوس، وتسامر الجميع حتى وصلا إلى عش الزوجية الخاص بعبدالله وصبا، وتحت إصرارٍ من عبدالله علي بقائهما قد قبلا، صَعِدَ الجميع حيث الطابق الكائن به الشقة، ثم ولجوا وأخذ كلًا مجلسه.
استأذنت صبا للدخول الى غرفتها، بينما كانت زينب شاردة، تود الإفصاح عما يدور داخل عقلها، لكن تتراجع فهما للتو قد وصلا من سفرٍ، عليها الإنتظار قليلًا، قليلًا فقط.
_ مالك يا زوز، مين اللي واخد عقلك؟
هتفها بمزاحٍ، فانتبهت عليه زينب وقد رسمت ابتسامة لم تتعدى شفاها وقالت:
_ مفيش..
فعاود عبدالله سؤالها:
_ عاملة إيه في الشغل؟
بتلقائية دون تفكيرٍ:
_ أنا سيبته بقالي فترة ..
عقد عبدالله جبينه وتساءل مستفسرًا:
_ ليه، حصل حاجة لا إيه؟
تبادلت زينب النظرات مع قاسم الذي حثَّها على البوح بما تخفيه، فأثارت نظراتهما الريبة داخل عبدالله الذي هتف بقلقٍ:
_ هو فيه إيه، أنتوا بتبصوا لبعض كدا ليه؟
أخفضت زينب رأسها وداعبت أصابع يدها بخجلاٍ صريح قبل أن تُجيبه بترددٍ:
_ بالنسبة للشغل، سيبته لأنه مكنش مناسب، بس فيه حاجة تانية..
ابتلعت ريقها تحت اهتمامٍ كبير من عبدالله لسماع بقية الحديث التي تابعته زينب:
_ فيه شخص متقدم لي..
ارتسمت معالم المفاجئة على تقاسيم عبدالله، ثم ابتسم قبل أن يُعقب:
_ مين دا؟ حد أعرفه؟
رفعت زينب رأسها وأطالت النظر في عيني عبدالله وهي تتصور رد فعله بعد إخباره بهويته، فتعود بأدراجها ولا تود الإفصاح عن الهوية لكن إلى متى ستهرب؟
_ عاصم!
نطقتها بسُرعة البرق، متأملة عدم سماعه لكن هيهات لأذنيه اللتان التقطا الإسم ولم يريد تصديقه فردده دون استيعابٍ:
_ عاصم؟ عاصم مين؟ إوعى يكون عاصم نفسه...
قاطعه قاسم مؤكدًا:
_ هو يا عبدالله..
هب عبدالله واقفًا وعينيه قد ضاقت وظهر فيهما التزمجر، تلك الأثناء عادت صبا من الداخل ورأت غضبه الذي صدر منه بصوتٍ منفعل:
_ أنتوا بتقولوا إيه؟ عاصم مين اللي متقدم لك؟ يعني إيه أصلًا؟ يعني دا حصل بناءً على إيه؟ هو في إيه يا زينب؟
سيطر الخوف لحظتها على زينب، فشعر بها قاسم وتولى الإجابة على أسئلة عبدالله بنبرة رزينة:
_ عبدالله اهدى لو سمحت، واقعد وافهم..
رمقه الآخر طويلًا ثم عاد إلى كُرسيه، فتابع قاسم حديثه بهدوءٍ:
_ أنت أكيد مش ناسي إنهم اشتغلوا مع بعض فترة، والفترة دي هما الإتنين حساباتهم اتغيرت ومشاعرهم من غير ما يقصدوا اتحركت، وبقول من غير ما يقصدوا لأن كل واحد فيهم بِعد وعاش حياته، هو سافر وزينب اشتغلت في مكان تاني، بس جواهم كان طول الوقت مشغول بالتاني، لغاية ما عاصم كلم زينب من فترة وطلب يتقدم لها..
كان مبالغًا لعقل عبدالله ليتم استيعاب ذلك القدر، نظر إلى زينب مدهوشًا وأردف:
_ أنتِ عايزة عاصم يا زينب؟
أسرعت في خفض رأسها فلم تتجرأ على مواجهة عيني أخيها وهمست مُجيبة سؤاله بخجلٍ:
_ أنا يهمني رايكم أنت، لو مش موافق فأنا كمان مش موافقة!
أخرج عبدالله زفرةً ثم ألقى نظرةً على صبا التي تُجاهد على إخفاء سعادتها، ثم عاود النظر إلى زينب وهتف:
_ مش مهم أنا قد ما هو مهم رأيك أنتِ، أنا محتاج أفهم إزاي، ملقتكيش غير عاصم يا زينب؟
رفعت رأسها وقابلت عينيه بمزيجٍ من الخوف والتوتر، وتمتمت:
_ والله ما كان فيه حاجة مترتبة ومعرفش حصل إزاي، بس أنا لقيت فيه كل إحساس ناقصني، لقيت فيه حاجات كان نفسي أعيشها، وكان نفسي ألاقيها في شريك حياتي.. بس صدقني كل دا مش مهم خالص لو أنت مُتقبل العلاقة، وبِنفس راضية يا عبدالله مش هزعل، أنا المهم عندي أنت
وقع عبدالله في حيرة من أمره، كم تمنى أن يكون حُلمًا ليس إلا، لكن الأسوأ أنه حقيقة، تنهد بقوة وتمتم بتعلثمٍ:
_ طب أنتوا قولولي المفروض استوعب إزاي أصلًا اللي بيتقال دا، عاصم اللي كان....
لم يستطع مواصلة كلامه عندما لم يتقبل لسانه حمل تلك الكلمات الثقيلة لقلبه، وصمت ثم استأنف:
_ يعني إيه أحط ايدي في ايده والمفروض أتعامل عادي؟ صبا هتفضل حاجز بينا، ومفتكرش إني هعرف أتعامل معاه كويس وخصوصًا في وجودها..
جماعة أنتوا فاهميني؟
_ هو أنا ممكن أقول حاجة يا عبدالله؟
قالتها صبا باحترامٍ فنظر إليها الجميع وقد سمح لها عبدالله فأردفت موضحة بعض النقاط:
_ أنا عارفة يا حبيبي ومتفهمة جدًا إحساسك، ودا طبيعي، بس اللي مش طبيعي إنك تكون عارف حقيقة الجواز منه وتفضل أخد موقف..
دا أولًا، ثانيًا، فيه علاقات بتحسها مستحيلة ومش مُتقبلها بس بتكمل عادي، زي إن الزوج يتجوز أخت مراته، أو الراجل يتجوز مرات أخوه لو حصل طلاق أو موت، وبتلاقي الحياة عادي، أنا شايفة طلاما في إطار حلال يبقى فين المشكلة؟
ثم إن زينب بتحبه وبتقول إنها لقت فيه حاجات كانت مفتقداها، وأنا متأكدة إنه هيحافظ عليها وهيعوضها..
لأن عاصم شخصية جميلة وأنت لو عرفته هتحبه..
_ لأ، كفاية أنتِ عرفتيه وحبتيه يا دكتورة!!
يا ترى التعويض كان حلو؟ لو حلو وهيعوض أختي زيك فأنا معنديش مشكلة..
هتفتها بغضبٍ ثم نظر إلى زينب وقال:
_ مبروك عليكي عوض عاصم يا زينب، شخصية جميلة، الدكتورة أدرى طبعًا!!
وما إن أنهى جُملته الصادمة، حتى خيّم الصمت على المكان، تجمّدت الوجوه، وتبدّلت النظرات، وكلٌّ شعر بالصدمة على طريقته، غير أنّ أكثر من تأذّى كانت صبا، اتّسعت عيناها بدهشة، وانقلبت ملامحها بين وجعٍ وإهانة.
شعرت أنّ كلماته لم تكن جارحة فحسب، بل كانت قاسية، مقصودة، وأمام الحاضرين جميعًا.
وقبل أن ينطق أحد بكلمة، نهضت بثباتٍ مكسور، تركته واقفًا في منتصف الحديث، ودخلت الغرفة وأغلقت الباب خلفها بصمتٍ موجع
الفصل التاسع والاربعون من هنا
رواية علي دروب الهوي الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم تسنيم المرشدي
الخاتمة
يابني إيه اللي أنت عملته دا؟ قوم راضيها، وإحنا هنمشي..
هتفها قاسم بضيقٍ لما أحدثه عبدالله، كاد يقف لكن عبدالله بادر بالوقوف وردَّ عليه:
_ أنا راجع لكم، محدش يمشي، الموضوع دا لازم يتحط له حد!!
قالها ثم أولاهما ظهره وتوجه إلى الغرفة التي اختفت خلفها صبا، بينما لم تتمالك زينب عبراتها التي تسارعت في النزول وهتفت ناعتة نفسها:
_ أنا السبب، ياريتني ما اتكلمت، ياريتني رفضته من نفسي ومكنش دا حصل!!
أخرج قاسم زفرةً مهمومة قبل أن يُردف:
_ أنا من الأول قولتلك الموضوع هيكون حساس جدًا، وأنتِ طلاما واجهتي يبقى تكملي للآخر، واللي حصل دا غلطة عبدالله مش غلطتك أبدًا، لأنه مهما حصل مكنش ينفع يقول كدا لصبا وخصوصًا قدامنا..
نظرت إليه زينب كغريقٍ يتعلق في قشٍ، بينما أشار إليها قاسم بأهدابه أن تهدأ، فحاولت إسكات صوتها الداخلي الذي لا يكُف عن اللوم.
في الداخل؛ ولج عبدالله الغرفة فوجدها جالسة على طرف الفراش تستند بكفيها على الغِطاء، تُحدق أمامها في صمتٍ مريب، أغمض عينيه وأطلق زفرةً قوية لِيُخرج شُحنته السلبية ثم تابع خُطاه نحوها، جاورها في الجلوس وحدق أمامه دون حديثٍ لوقت.
يُرتب كلماته قبل إخراجها حتى لا يزداد الأمر سوءًا، تنهد ثم التفت برأسه ورمقها أولًا وتحدث بصوتٌٍ نادم:
_ والله العظيم من غِيرتي اتكلمت كدا.. أنا آسف، حقك عليا...
بس حُطي نفسك مكاني، لو جيت اتكلمت قُصادِك عن واحدة غيرك وبمدح فيها هيكون إيه رد فِعلك؟
_ هغير أكيد.. ومش هتقبل الكلام
تمتمت بها صبا، فشعر عبدالله بطوق نجاته في كلماتها وردد:
_ شوفتي؟!، ودا بالظبط اللي حصل معايا!!
أدارت صبا رأسها وبملامحٍ حزينة همست بنبرةٍ مهزوزة:
_ بس مش هجرحك بالشكل دا قدام حد، وهحاول أحكِم عقلي وأمسك لساني قبل ما يزعلك.. كنت هغِير بس بطريقة لا تقلل منك ولا تجرح قلبك
هبّت صبا واقفة واسترسلت بصوتٍ مرتفع قليلًا:
_ على فكرة بقى، بعيدًا عن الغيرة والكلام دا، اختك مش هتلاقي واحد يصونها زي عاصم، أنا فِضلت في بيته مُعززة مُكرمة مِتصانة، راجل وِفَى بوعده معايا..
_ خلاص يا صبا..
صاح بها عبدالله قبل أن ينتفض من مكانه غير مُتقبلًا كلامها، فتابعت هي دون توقف:
_ لا مش خلاص، أنا عشان بحب زينب وعيشت معاها تجربتها الأولى عايزاها تعيش حياة كويسة مع إنسان كويس بيفهم وهيراعي ربنا فيها
_ اسكتي بقى، بطلي تجيبي سيرته قدامي، بتجنن..
تكلم بصوتٍ جهوري، اهتزت له الجدران من شدته، فصرخت صبا بما لديها:
_ أنت متعرفش أنا بعيش تأنيب ضمير إزاي كل ما افتكرت إني بوظت لعاصم حياته مقابل إنه وافق يتجوز واحدة من غير أي ترتيب ولا حتى فكر في العواقب وقتها...
_ ششش، اسكتي اسكتي مش عايز أسمع كلامك دا
ارتفع صوته المُنفعل كأن الغضب قد دفع بكلماته دفعًا، ظل يصرخ وهو يضرب الحائط بيده فصمتت صبا عندما وجدته خرج عن طوره، وأسرعت نحوه مُحاولة إيقافه بإبعاد يده عن الحائط:
_ خلاص عشان خاطري، أنت هتإذي ايدك كدا
ولكن هيهات لغضبه الذي يريد أن يُفرغه حتى لا يقتل أحدهم، فاضطرت صبا للوقوف أمامه ُمشكلة حاجزًا بينه وبين الحائط وأثناء وقوفها لكم عبدالله وجهها دون قصدٍ فرفعت صبا كِلتى ذراعيها تحمي بهما وجهها من لكماته.
حينذاك توقفت يدي عبدالله، ولعن نفسه حينما أدرك أن تسرعه وتصرفاته الغير محسوبة كانت سببًا في إيذاء صبا، وزاد آلمه حين رآها تقف أمامه تُحاول حماية نفسها منه، وكأن خوفها منه خنجرًا قد غرس في قلبه.
جذبها إليه مُحاولًا إدخالها إلى صدره، فكانت صبا مُتجمدة مكانها، وبندمٍ شديد ظل يعتذر مُرارًا وهو يُقبل رأسها:
_ أنا آسف، والله ما كنت أقصد، حقك عليا..
أزاح يدها عن وجهها فوجد أثرًا على وجهها إثر لكمته، فتشنّجت تعابيره وعض شِفاه بعنفٍ انتقامًا لها من نفسه، هاتفًا بشجنٍ وصوتٍ مهزوز:
_ ياريتها كانت اتقطعت ولا اتمدت عليكي
وأخذ يُقبل وجهها مكان لكمته، فتراجعت صبا للخلف ثم توجهت بِخُطى هزيلة إلى الفراش فَتَبِعها عبدالله بعينه حتى جلست وقالت وعينيها مُثبتة على الأرض:
_ لو سمحت سيبني لوحدي..
رفض عبدالله واقترب منها مُحاولًا إرضائها:
_ صبا، أنا..
لم تُعطِيه فُرصة لمواصلة حديثه حيث تحدثت هي بنبرةٍ مُتشنجة رغم انخفاض مستواها:
_ عايزة أكون لوحدي، سيبني لوحدي
أطال النظر بها قبل أن يُتركها تهدأ وهو يُجمع شتاته ثم يعود إليها مُجددًا، وقف أمام باب الغرفة وتذكر أمر أبيه وزينب الجلسان في الخارج فشعر بالحرج من نفسه فبأي وجهٍ سيُقابلهما بعد صُراخه.
فتح الباب فجأة، لِيَحدُث كما يحدُث، لقد خرّب كل شيء، لكن المفاجأة أنه لم يجدهما، زفر أنفاسه ببعض الراحة لكن سُرعان ما انتابه شعور الخِزي من نفسه، التفت برأسه ورمق طيف صبا الظاهر من الغرفة بعيون دامعة وصدرٍ مكلوم.
لم يستطع المكوث مكانه، وعاد إلى الغرفة، توجه نحوها مباشرةً وجسى على رُكبتيه أمامها، ثم أمسك يديها وطبع بعض القُبلات داخل كُفوفها فتساقط دمعه على يدها ثم رفع عينيه في عينيها التي تنهمر منهما الدموع في صمتٍ وقال بصوتٍ مبحوح:
_ والله ما أقصد.. سامحيني
أنا مش برر لنفسي، بس فكرة إنك كنتي لغيري مِجنناني، مِخلية شيطاني يتخيل حاجات صعبة، مش قادرة أتخطى يا صبا، بس وعد هحاول.. المهم متكونيش زعلانة..
ابتلعت صبا ريقها، وتنفست بعض الهواء لِتَغمُر رئتيها بالأكسجين، ويكون هناك مُتسعًا في صدرها، ما كان ليهون عليها بُكاءُه، فرفعت يدها ومسحت عبراته بنعومة فابتسم لها عبدالله ابتسامة خُلقت من قلب وجعه، وقام بإسناد رأسه على قدميها مُتمتمًا بأسفٍ:
_ متزعليش مني يا دكترة..
أخفضت صبا رأسها إلى مستوى رأسه وأسندتها عليه دون حديث، فمرت دقيقتين ثم نهض عبدالله وجوارها متفقدًا عينيها ليستشف إذ الحزن ما زال
بهما، ثم سمح لنفسه بطبع قُبلاتٍ حارة على طرف ثغرها هامِسًا كلماتٍ مُحملة بالغيرة التي لم يستطع إخفائها:
_ غصب عني مش قادر أستلطفه، أنتِ كنتي حبيبتي وبقيتي مراتي يعني بقيتي روحي، جزء مني
كان يُصرِّح بذلك من بين قُبلاته التي تزداد كإثباتٍ لِعشقه وغيرته الشديدة، تمادى عبدالله في التودّد إليها، لا حبًّا فقط، بل رغبةً في بسط هيمنته علّ ذلك يُعِينه على تَخطّي زيجتها السابقة.
لم تصده صبا، بل تركته يتودد إليها، أملاً في أن يُخفّف ذلك غيرةً أرهقته ويُطفئ ما أثارته مُخيّلته، حتى أنه كان حاد التعامُل، على نحوٍ لم تعهدهُ في أي مرة سابقة، لكنها أرادته أن يهدأ مهما كان الأسلوب.
***
بعد فترةٍ، خرج عبدالله من المِرحاض يتوسط خَصْرُه مِنشفةً طويلة، توجه مباشرةً إلى الخزانة فتحدثت صبا وهي تُتَابع حركته من خِلال المِرآة التي تجلس أمامها وتُجفف خُصلاتها بالمُجفف الكهربائي:
_ أنا مخرجة لك هدوم على السرير..
_ دي هدوم بيت، أنا رايح بيت المزرعة..
قالها وهو يسحب بعض الملابس له، بينما لم تُعلق صبا فتابع حديثه بجدية:
_ قومي يلا إلبسي عشان تيجي معايا..
أخفضت صبا عينيها من عليه سريعًا وتصنعت انشغالها قبل أن تُعطيه ردًا:
_ روح أنت، خليني أنا هنا..
رمقها عبدالله لثوانٍ وتوجه إليها ثم انحنى بجسده وقام بإسناد يديه أعلى كتفها مُقبِلًا وجنتها رافعًا عينيه في عينيها المنعكسة من المِرآة وأردف بنبرةً رخيمة:
_ هنروح سوا يا صبا، أنا محتاج أصلّح اللي عملته قُصادهم..
نهضت صبا مُبتعدة عنه وقالت بخجلٍ صريح:
_ أنا يا سيدي راضية بالمُصالحة الخاصة، كفاية أوي عليا كدا..
_ وأنا مش راضي، زي ما ضايقتك بالكلام قصادهم يبقى واجب عليا اراضيكي برده قصادهم..
قالها بإصرارٍ على مُرافقتها، لكنها اعترضت أمره:
_ يا عبدالله أنا مش هعرف أبص في وش حد.. فمتضغطش عليا لو سمحت..
_ ودا السبب بالظبط إني مُصر أخدك معايا..
هتفها ثم دنا منها وتحسس وجهها بنعومة مـستأنِفًا بصوتٍ هادئ:
_ مش عايز عينك دي تكون مكسورة قدامهم في أي مُقابلة ولا يكون جواكي إحراج منهم، يلا بقى يا حبيبي إلبسي عشان خاطري..
شجعها للقَبُول، فلم تجد سببًا آخر للإعتراض، ولبت أمرِه، قامت بتغير ملابسها وغادرت المنزل معه، ركبا السيارة حتى وصلا إلى بيت المزرعة وبعد مُدةٍ، تعمد عبدالله احتضان يدها وهما يقفان على باب البيت، بينما كانت صبا مُضطربة خجولة، تُحِيطها مشاعرٍ عِدة من كل جانب.
بعد لحظاتٍ؛ فتح قاسم الباب وقد بدت عليه معالم الدهشة لوجودهما، شعر أنه لا يمكنه التصرف أو إبداء فعلٍ بعد ما حدث قبل ساعاتٍ، لا يدري ما عليه الشعور به، لكنه رحب بهما ودعاهم إلى الداخل.
جاءت زينب في الحال لترى من الزائر، فتفاجئت بوجودهما أيضًا، ولم تُبدي رد فعل، فكان على عبدالله المُبادرة وبِدء ما جاء لأجله، حمحم وقال وعينيه تتناوب النظر بين الثلاثة:
_ الكلام جنني ومعرفتش أنا بقول ولا بعمل إيه؟
بس أنا دلوقتي هِديت، وجيت هنا عشان أصلح اللي عملته..
نظر إلى صبا وتابع بصوتٍ نادم يُريد رد اعتبارها أمامهما:
_ حقك عليا يا صبا، والله العظيم دا من غِيرتي عليكي بس اتكلمت كدا، وياستي من عفا وأصلح كان له أجرًا عظيما، أنا بحبك والله
غمزها فابتسمت هي وبمزاحٍ هتفت:
_ خلاص عفونا عنك
ضحك عبدالله فتسللت السعادة في قلبي قاسم وزينب، الذي جاء دورهما في الحديث حيث قال وهو ينظر إلى زينب:
_ ودلوقتي دورك يا أستاذة، أنا عايز أعرف أنتِ عايزة إيه بالظبط، ومن غير ما تُبصي ليا خالص..
_ طب نقعد الأول وبعدين اتكلموا
اقترحها قاسم فجلس الجميع، وتوجهت الأنظار على زينب التي انكمشت في نفسها خشية أن يحدث ما حدث سابقًا، فاستشف عبدالله ما تعيشه وأراد طمأنتها:
_ متخافيش يا زينب، اتكلمي وقولي أنتِ عايزة إيه..
أخرجت زينب زفرة طويلة، وأردفت بصوتٍ بالكاد سمعوه ورأسٍ منخفض لا تُجابِه عيونهم:
_ أنا نفسي أحس إني مرغوبة يا عبدالله، نفسي أحس بالأمان، عايزة شخص يقدرني ويحترمني، وكرامتي عنده رقم واحد، عايزة أكون مُرفهة مش شايلة هم حاجة، ولا خايفة من بكرة، والأهم إن العلاقات حواليا تكون كويسة، مش عايزة أكرر نفس الغلطة وأخلق بيني وبينك مسافات تانية أنا في غِنى عنها..
سحب عبدالله نفسًا هادئًا رزينًا ثم هتف سؤاله الجاد:
_ وأنتِ شايفة إن عاصم يقدر يحقق لك كل دا؟
بصعوبة رفعت زينب عينيها ورمقته لوقتٍ ثم أعطته إجابةٍ متلعثمة:
_ مش عارفة، يمكن آه ويمكن لأ..
_ طب وإحنا نعرف منين إنه الشخص المناسب؟ وهيكون جدير إنه يِسد كل الخانات دي ليكي؟
تساءل باهتمامٍ، فردَّت زينب مُقترحة:
_ أنا محتاجة وقت لأسباب كتير، أولهم إني أتأكد أنه الشخص المناسب اللي هقدر أكمل معاه بقيت حياتي، يعني مسألة الجواز دي مش في دماغي حاليًا، مش قبل ما اطمن وأحِس من جوايا إني عايزة أكون معاه في بيت واحد..
_ وتاني سبب؟
كان سؤاله أكثر جدية فابتلعت زينب ريقها وبتوترٍ
أجابته:
_ إن العلاقة بينكم تكون بقت كويسة، ومفيش أي مُشاحنات، أصل مش هنضحك على بعض، مفيش حد هيحب ولا هيتقبل حد في يوم وليلة، دا جُهد كبير محتاج وقت طويل، محتاج مواقف وأزمات نُعدي بيها مع بعض عشان نعرف قيمة بعض..
عايزة أهله يكونوا مُتقبلين علاقتنا عشان شايفينها مناسبة، مش عشان خاطر ابنهم عايز كدا، عايزاهم هم كمان يحبوني، ودا يمكن يحصل مع الوقت..
فإحنا قدامنا كتير أوي على ما نحقق التارجت دا..
حل الصمت لوقت، كان الجميع مُترقبًا لقرار عبدالله، الذي هز رأسه مِرارًا ثم قال بحسمٍ :
_ وأنا موافق نديله فرصة يا زينب..
فغرت فاها بصدمةٍ، لقد أدهشها قراره، لم تتوقعه، ارتسمت السعادة على وجوه الجميع، كأن الفرح أشرق في قلوبهم فجأة.
***
_ مين؟ زينب مين!!
هبّت نهال واقفة، وهي تُصيح باندفاعٍ ونفاذ صبر، بينما تحلّى عاصم بالهدوء ورفع رأسه ناظرًا إلى والدته وأجاب سؤالها:
_ زينب أخت عبدالله!
فاجئ عاصم الجميع، حتى أنهم لم يتحلو بالنُطق لحظتها وفضلوا الصمت إلا من نهال التي أغمضت عينيها ثم هتفت مُستاءة:
_ هو أنت مالك يابني ومال العيلة دي؟ تجربة والحمد لله أنها عدت، عايز تكررها تاني ليه؟
أنت مش بتتعلم أبدًا، مرة واحد جاية بفضيحة وعايزاك تستر عليها والتانية عايزاك تلم بواقي غيرك!
لم يتقبل عاصم تلك الإهانة منها وهبَّ واقفًا بقامة مُنتصبة شامخة وهلل بانزعاجٍ شديد:
_ كلامك دا صعب، صعب أوي بجد، أنتِ بتهِيني إبنك قبل ما بتهيني بنات الناس، صبا وراحت لحالها ومحبش أبدًا إنك تتكلمي عنها بالطريقة دي، حتى لو مبقتش في حياتي، لأنها في الآخر بنت محترمة وبنت ناس وعلى ذِمة راجل دلوقتي يعني كلامك مرفوض شكلًا ومضمونًا..
أما عن زينب فا دي هتكون مراتي، على إسمي مسمحش لأي حد مهما كان مين إنه يِهِينْها بالشكل دا!!
_ مراتك!! أنت خلاص خليتها مراتك؟
أنت للدرجة دي بقيت مغيب؟
بعقلٍ يكاد يجن صدح صوت نهال، ثم نظرت حيث عز وقالت:
_ أنت ساكت ليه يا عز؟ ما تقول حاجة
_ ولما أقول إيه اللي هيتغير، ابنك يعني هيعمل بكلامي؟ ماهو قبل كدا أخد قرار جوازه فجأة وسافر ورَمَانا وراه، ورجع طلّق من نفسه وسافر، برده ودلوقتي عايز يتجوز تاني، لما أنا أقوله يعني متتجوزش هيقولي سمعًا وطاعة؟!
هتفها عز بتهكمٍ واستياء واضحان، فأخذ عاصم يستنشق الهواء ليتسع رحبه، ثم هدَّأ من غضبه، ورمق جميع من حوله مُتمتمًا بثباتٍ وهدوء:
_ يا جماعة أنا جاي لكم النهاردة مش عشان أجبركم على وضع أنتوا مش عايزينه.. أنا جاي بقولكم عايز أتقدم لواحدة عِجبتني وحبيتها، لقيتها مناسبة ليا، البنت شاطرة في شغلها وست بيت بمعنى الكلمة، وأهم من كل دا بلاقي نفسي معاها.. بحس معاها إني مش عايز أبعد، ودا مش قرار مفاجئ ولا متهور زي ما أنتوا فاكرين،
بالعكس أنا سافرت وبِعدت عنها على أساس إني معلقهاش بيا، بس الحقيقة هي إني أنا اللي اتعلقت بيها!!
صمت ليستشف أيًا من تعابير وجه أبيه لكنه كان جامدًا، ووجهه خاليًا من أي مشاعر، بينما كانت والدته متذمرة كما هي لم يخمد غضبها، لكنها تحلت ببعض الصبر وأردفت بهدوء مصطنع:
_ يا حبيبي طب ما تدور على واحدة تانية واحدة، تكون شبهك وشبهنا، نفس عقليتنا، ومستوانا، بنوتة مش واحدة مُطلقة!!
_ طب ما أنا مُطلق، هل دا يِعِيبني؟ وهل يِعِيبها إنها منجحتش في علاقة جواز قبل كدا؟
مش يمكن دي تدابير ربنا عشان نتجمع وننجح إحنا؟
وبعدين إحنا أصلًا ليه نسبق الأحداث، أنا مش بكلمكم على جواز، أنا بكلمكم إني مرتاح لها وعايزها في حياتي، بس إحنا عمومًا محتاجين فترة نتعرف فيها على بعض، ونِدرس بعض، ونشوف مناسبين ولا لأ
والأهم طبعًا إن العلاقة تكون مقبِولة منكم وراضين عنها، عشان كدا بتمنى تعطونا فرصة..
حدج عاصم أبويه وشقيقيه لفترة، قبل أن تُبدي ڤاليا رأيها:
_ بصراحة أنا أول واحدة موافقة ومُتقبلة العلاقة،
أصل طلاما الطرفين عايزين بعض ليه نقف قصادهم؟ هما في الآخر اللي هيتحملوا نتيجة اختيارهم..
لِيُضيف عامر رأيه:
_ انا رأيي نِدي له فرصة، هو شكله اتعلم من تسرعة المرة الأولى ومش عايز يكرر الغلطة دي، يعني هيدرس العلاقة ولو مناسبين يتجوزوا، وافتكر في الفترة دي هتتعرفوا عليها أكتر وهتتقبلوها مع الوقت..
كان عاصم مُمتنًا لدعم اخويه، ثم نظر إلى أبويه في انتظار قرارهما، فتبادلا النظرات ثم وقف عز وهتف بحسمٍ:
_ لو هيكون فعلًا فيه فترة تقيموا بعض فيها يبقى مفيش مشكلة نجرب، التجارب بتعلم..
تفاجئت نهال بقبول الجميع لتلك العلاقة، فما كان عليها سوى الإستسلام والرضوخ لطلب عاصم على مضضٍ:
_ بس لو محدش ارتاح فينا كلنا العلاقة تنتهي فورًا
أمال عاصم شفاه للجانب مُبتسمًا بسعادةٍ دقت طُبول قلبه، ثم قام بِعناق والدته وقال
_ طبعًا طبعًا اللي أنتِ عايزاه هو اللي هيحصل
ثم نظر إلى الآخرين وغمز بعينه فانفجروا ضاحكين تحت غرابة نهال المتعجبة من أمرهم.
***
بعد مرور أربعة أشهر، مساءًا؛ كان قاسم جالسًا في مِكتبه يشعر بالوحدة والملل اللذان رافقاه المدة الماضية، صدح صوت رنين هاتفه فسحبه بمللٍ تحول إلى القلق واللهفة عندما قرأ الإسم الظاهر أمامه وأجاب في الحال:
_ صادق! آدم كويس؟
_ اطمن يا قاسم بيه، آدم بخير، دا حتى فيه خبر هيفرحك أوي..
قالها صادق بصوتٍ حماسي فاثار اهتمام قاسم الذي تلهف لمعرفة ما ذلك الخبر السّار:
_ إيه، فرحني؟
_ آدم هيُخرج حُسن سير..
وما أن قالها صادق حتى انتفض قاسم من مكانه فرُحًا بذلك الخبر وهلل بسعادة لا تسعه وعيون لامعة:
_ قول واللَّه
_ واللَّه، أنا بـكرة هروح من بدري أخلص إجراءت خروجه..
هتفها فشكره قاسم بِعرفان:
_ الله يفرحك يارب زي ما فرحتني ، عرفني بُكرة كل التفاصيل عشان أكون معاك
أكد قاسم عليه ثم أنهى الإتصال، كانت الغرفة لا تسع أجنحة قاسم وشعر بحاجته لمشاركة سعادته مع أحدهم، فقرر الذهاب إلى شخصِه العزيز دون التفكير في عاقِبة ذهابه.
***
عاد عبدالله من الخارج، حامِلًا بعض الأكياس البلاستيكية، فاستوقفه ظلام البيت الغير مألوف،
أضاء زِر الإضاءة، فإذا بالورود الحمراء تتناثر على الأرض، والشموع تتلألأ على المائدة، وقد أُعِدَّ العشاء والحلوى بعنايةٍ لافتة، ثم وقعت عيناه على صبا الواقفة في بهائها، بمظهرٍ سلب قلبه من فرط جمالها.
ابتسم بعذوبة ثم انحنى بجسده تارِكًا ما معه من أكياسٍ، وتوجه نحوها حتى أصبح أمامها وتساءل وهو يتفقد المكان من حولهما:
_ هو النهاردة عيد وأنا مش عارف ولا إيه؟
بسعادةٍ عارمة أجابته بذلك الصوتٍ القيق المُتحمس:
_ دا بمناسبة مرور خمس شهور على جوازنا..
رُفع حاجبي عبدالله تلقائيًا، وقال وهو يتفحصها بعناية:
_ عُقبال الخمس وعشرين مع بعض يا حبيبتي
تضاعفت ابتسامتها، وقالت:
_ تعالى نتعشى عشان أعطيك هديتك..
_ وكمان هدية، طب أنا كدا شكلي وحش وأنا مش مشارك في الإحتفال دا بأي حاجة
هتفها عبدالله مازحًا فقالت صبا بتلقائية:
_ كفاية وجودك، وبعدين الهدية أنت مشارك فيها برده، مش أنا لوحدي...
أثار كلامها فضول عبدالله وتساءل مستفسرًا:
_ لا كدا مش هقدر استنى لما نتعشى، اديني هديتي دلوقتي لو سمحتي..
ضحكت صبا عاليًا وبحماسة شديدة قالت:
_ بصراحة وأنا كمان مش قادرة استنى عشان اديهالك، بس هلعبك لعبة الأول عشان تلاقيها بنفسك..
قلب عبدالله عينيه مصطنعًا الإستياء وهتف بمللٍ:
_ وليه الفرهدة دي بس، ما تديهالي على طول
_ تؤتؤ، دا شرطي وإلا بعد ما ناكل..
بدلالٍ مبالغ هتفتها، فردد عبدالله باستسلامٍ:
_ أمرنا لله ياستي، قولي هتعملي إيه؟
ضحكت ثم أوضحت له ماهي اللعبة:
_ هنلعب لعبة سخن، وسخن جدًا لو قربت أوي من المكان وبارد وبارد جدًا لو بِعدت أوي، عشان تعرف مكان الهدية، هتدور عليها وكل ما بِعدت عنها هقولك بارد، وكل ما قربت منها هقولك سخن لغاية ما تكتشف مكانها..
ضاق عبدالله بعينيه وقال:
_ مش فاهم أوي بس ماشي هفهم وأنا بجربها..
رفعت صبا يديها وصفقت مُشجعة إياه:
_ اوكي يلا ابدأ، دور في أي مكان..
ابتعد عبدالله، وأخذ يبحث في جميع الأرجاء فكان ردها المُتكرر:
_ بارد جدًا
حتى شعر عبدالله بالملل وهتف:
_ إيه دا كل حاجة بارد، أومال انتي حطاها فين؟
مدّت صبا شِفاها للخارج رافعة كتفيها للأعلى وأخبرته:
_ أنت اللي بتدور في أماكن بعيدة، دور في مكان تاني أقرب..
تأفف الآخر وبدأ رحلة بحثه ثانيةً بمكانٍ قريب من صبا فكان ردها:
_ ساخن جدًا ..
_ يا فرج الله
هتفها مُتأملًا اقترابه من الوصول إلى الهدية، وتابع بحثه حتى وقف أمامها بنفاذ صبر وقال:
_ لا بقى، كدا الهدية هي أنتِ ولا إيه
إزدادت بهجة صبا وأردفت:
_ يعني حاجة زي كدا، كمل تدوير..
بعدم فهم لما يحدث تابع عبدالله البحث في ملابس صبا فكانت تُخبره كلما ابتعد عن المكان المُراد بأنه بارد حتى لمس بطنها فقالت:
_ ساخن جدًا
تأمل عبدالله عينيها وقال:
_ هي جوا بطنك ولا إيه؟
دمعت عيني صبا بتأثرٍ وأمسكت يده وثبتتها على بطنها ثم أماءت بتأكيدٍ لسؤاله فاستوقفه حديثها لبُرهة يحاول استيعاب مخزى كلامها، فابتلعت الأُخرى ريقها وتمتمت:
_ أنا حامل!!
ساد الصمت لثواني، تجمد عبدالله مكانه، اتسعت عينيه بدهشةٍ، لقد حانت لحظةً لطالما تمناها في السِر، ثم تبدلت ملامحه شيئًا فشيء، من الذهول إلى فرحٍ مكتوم ثم أظهر ابتسامةٍ عريضة عجز عن إخفائها.
_ صبا هو أنا كدا هكون أب؟ يعني إحنا هنبقى عيلة مش مجرد اتنين بيحبوا بعض؟
رددها مذهولًا فأماءت صبا مؤكدة وعيونها تترقرق منهما العبرات.
ضمّها عبدالله إلى صدره بهدوءٍ ثم دفن رأسه في خُصلاتها المحررة وتمتم برضاءٍ:
_ شكرًا يارب إنك منِيت عليا بالإحساس دا..
تراجع للخلف وبإبتسامةٍ عريضة صاح:
_ هتبقي ماما؟
قهقه بفرحة عارمة وواصل هاتفًا:
_ أحلى ماما فى الدنيا كلها
_ يا بختهم بيك، هتبقى أب حنون أوي
همستها صبا وهي تُملس على ذقنه بنعومة، فحملها عبدالله برفقٍ ودار بها مُراعيًا حركته، ثم استمعا كليهما إلى قرع الجرس، فقطب عبدالله جبينه وتساءل:
_ مين جاي في الوقت دا؟
_ رفعت صبا كتفيها للأعلى جاهلة الزائر، فقال عبدالله بأمرٍ:
_ طب ادخلي جوا لما نشوف مين دا؟
تفقد عبدالله العين السحرية فابتهج وفتح الباب على الفور مستقبله بِترحابٍ فريد:
_ أنت جاي في وقتك بالمِلي.. ادخل ادخل
_ يارب خير..
هتفها قاسم وهو يُولج بِخُطاه فنادى عبدالله بصوتٍ عالٍ حيوي:
_ تعالي يا صبا دا بابا..
بدَّلت ملابسها سريعًا وخرجت إليهما مرحبة بقاسم بلطفٍ:
_ أهلًا يا عمي، البيت نور والله، كويس إنك حضرتك جيت عشان ناكل سوا..
رحب قاسم بها وقال بحماسٍ طاغيًا على نبرته:
_ مش هقول لا..
تعجب عبدالله من أمره وأردف سؤاله الفضولي وهو يرمقه بطرف عينيه:
_ إيه السعادة دي كلها؟
ثم وجه بصره على صبا وسألها:
_ أنتِ عرفتُيه قبلي ولا إيه؟
ضاق قاسم بعينه عليهما وتساءل مستفسرًا:
_ عرفتني إيه؟
تقوست شِفاه عبدالله وهو يُخبره بذلك الخبر السّار:
_ صبا حامل!
بينما سيطر الخجل من صبا التي توردت وجنتيها وعضّت شِفاها السُفلية وهي تُعاتِب عبدالله في نظراتها وكأنه اقترف أمرًا فادِحًا بإخباره أمر الحمل، اتسعت حدقتي قاسم بدهشة انعكست على شفتيه التي تبسمتا، وأخذ يُهنئهما بسعادةٍ تضاعفت داخله.
فالأخبار السّارة كانت مؤجلة حتى تأتي دُفعة واحدة لتمنحه شعورًا قد افتقر إليه منذ فترة، وبعد أن بارك لهما ردد بمزاجٍ سوي:
_ الأخبار الحلوة كلها بتيجي مع بعض، الحمد لله
غمزه عبدالله مُشاكسًا إياه، وقال سؤاله الفضولي:
_ أنت كمان عندك أخبار حلوة؟، طب فرحنا، مع إن أشُك إن فيه أحلى من خبر حمل صبا!!
ابتسم قاسم وبعفوية تحدث دون إدراكٍ لما سيفعله كلامه:
_ آدم خارج بكرة!!
اختفت الإبتسامات وتجهمت الوجوه، وخِصيصًا صبا التي كزت أسنانها بغضبٍ تجدد داخلها، حينها دنا قاسم من عبدالله الذي تجمد مكانه دون إبداء أي ردٍ، وأمسك بيده وتوسله:
_ نفسي أشوفكم مع بعض، نفسي أطمن عليكم وتكونوا سند لبعض عشان أرتاح..
انتبِها كليهما على صوت صبا الذي صدح من خلفهما:
_ طب بعد إذنك يا عمي، أسيبكم على راحتكم
أوقفها قاسم قبل ذهابِها بقوله:
_ استني يا بنتي
وعندما عاودت الوقوف تابع كلامه بشجنٍ:
_ الكلام ليكي برده يا صبا، العلاقة مش هتكون قوية غير وانتوا كلكوا ايد واحدة..
وقبل أن يُضيف المزيد قاطعته صبا بترديدها الهجومي رغم انخفاض نبرتها:
_ العفو عند المقدرة يا عمي، وأنا للأسف مش في مقدرتي أسامحه، دا مشتمنيش عشان أسامحه كدا بسهولة، دا دمر لي حياتي، سرق مني أماني وعيشني أسوأ أيام عدت عليا، أنا بسببه عملت حاجات عمري ما تخيلت إني أعملها، أنا مِسكت سلاح عشان أموت بيه نفسي، لخبطت للناس حياتها ولغاية دلوقتي عايشة بتأنيب الضمير..
هو مدسش على طرف هدومي، اللي عمله مش بسهوله يتسامح عليه.. دا استحالة يحصل
لكن أنا هكون متفهمة جدًا لو عبدالله صلّح علاقته بيه، هو في الآخر أخوه، ودي أمنيتك وأنا مش هقدر أقف قُصاد رغبة حضرتك، لكن أنا.. آسفة حقيقي مش هقدر
أنهت الجُملة وسُرعان ما هرولت إلى الغرفة هاربة قبل أن تخونها دموعها، بينما أطلق عبدالله زفرةً مهمومة ضَجِرة وقال بصوتٍ مهزوز وعينيه تتهربان من عيني والده:
_ كان نفسي أوي، لو كنت جيت لي من كام سنة كنت متأكد وقتها إن الكُره دا آخرته حُب وعلاقتنا هتكون كويسة، بس للأسف الكُره دا وصلنا لدايرة مقفولة على أذى عيشنا عواقبه وأظن أنت بنفسك عاصرت معايا الفترة دي، فأنا مش هقدر..
رفع عينيه في والده وتابع:
_ سيبها للوقت، يمكن يحصل اللي أنت عايزه، محدش عارف بكرة فيه إيه..
تبخّرت معالم السعادة من قلب ووجه قاسم الذي بدى عليه العجز، كأن عمرًا قد أُضيف على عُمره، نكس رأسه ثم ربتَّ على ذِراع عبدالله وأطلق بسمة انكسار قبل أن يُوليه ظهره لِيُغادر، لكن عبدالله قد رفض ذهابه على حاله ذاك.
أسرع نحوه وقام بتقبيل رأسه قائلًا:
_ يعز عليا أمشيك زعلان كدا، بس غصب عني، اللي عيشته بسببه مكنش سهل.. حقك عليا يا بابا
_ أنت عملت إيه بس عشان تقول كدا، على رأي صبا العفو عند المقدرة..
قالها بحزنٍ خيّم ملامحه، وصوته، تنهدوتابع كلامه بعد أن شكّل بسمةٍ باهتة على محياه:
_ أنا بس فرحة خروجه خلتني اتعامل بعفوية من غير ما أفكر في العواقب، يلا تصبحوا على خير
أصرَّ على الذهاب تحت نظرات عبدالله المُتابعة له بحزنٍ شديد لحاله الذي تبدل، أغلق الباب ووقف يُعيد تفكيره في الأمر من أجل والده لكنه وجد رفضًا قاطع لإعادة الوصل بينه وبين أخيه، فوكل أمره لله هو يُدبره كيف يشاء.
***
صباح اليوم التالي، وقف قاسم أمام مركز الشرطة،
في انتظار خروج آدم بفروغ صبر، مر وقتًا طويل حتى ظهر أمامه بهيئته التي اشتاق إليها القلب وارتوت بها العين.
لم ينتظره قاسم حتى يأتيه بل توجه نحوه مُهرولًا فاتِحًا ذراعيه على مصرعيه فألقى آدم بنفسه بين يدي أبيه، ليحظيا بعناقٍ حار يُداوي فراق الأشهر الماضية ليحل مكانه دِفء وطمأنينة.
تراجع قاسم ونظر إلى آدم بتفحصٍ قبل أن يُردف بلهفةٍ:
_ يلا يا حبيبي عشان نرجع البيت تاخد شاور كدا وأحضر لك أحلى فطار..
أماء آدم بقبولٍ لكنه اعترض كلامه:
_ تمام، بس فيه مشوار الأول لازم أعمله وبعدين نروح على البيت..
_ مشوار إيه دا؟
بغرابةٍ شديدة تساءل قاسم، فهو للتو قد خرج من السجن، كيف لحق ورتب مشاويره؟ تنهد آدم وقال بثباتٍ وعيناه تنظران على الفراغ جوار أبيه:
_ هنروح عند أونكل عز!!
قطب قاسم جبينه بمزيجٍ من الغرابة والقلق اللذان راوداه ثم سأله بجدية:
_ نعمل إيه عند عز؟
صوَّب آدم بصره على قاسم وأجابه:
_ لما نروح هتعرف يا بابا..
رفض قاسم التحرُك من مكانه قبل معرفة ما الأمر:
_ لأ لازم أعرف دلوقتي أنت ناوي على إيه؟
لم يُود آدم الإفصاح عما ينوي فعله، فتنهد بقوة وقال وعيناه تبحثان في الأرجاء:
_ خلاص روَّح أنت يا بابا حضر الفطار وأنا هخلص هناك مصلحتي وهجيلك..
ثم أولاه ظهره وابتعد عنه بِضع خُطوات، باحثًا عن سيارة أجرة، فناداه قاسم بحدةٍ:
_ اركب يا آدم وأنا هوديك، لما نشوف آخرتها إيه
دون تفكيرٍ عاد آدم مُتجهًا إلى السيارة دون مواجهة عينين أبيه حتى لا يُكشف أمره، بينما لم يكُن قلب قاسم مُطمئنًا لذهابه إلى عز بعد خروجه مباشرةً، وكأن قلبه يُخبره بثَمة مصيبة في طريقهم.
بعد فترة؛ قد وصلا إلى فيلا عز، صف قاسم سيارته ولم يكاد يفعل حتى ترجل آدم مـسرعًا وتوجه إلى الباب بسرعة فائقة، ضاعفت القلق داخل قاسم الذى دعى داخله أن يمُر الأمر مِرار الكُرام.
تَبِعُه حتى دلفا البيت، فاستقبلهما عز ومعالم الدهشة جلية على وجهه لرؤية آدم في بيته:
_ أهلًا يا قاسم، حمد لله على سلامتك يا آدم، أنت خرجت امتى؟
ببرودٍ قال:
_ لسه خارج دلوقتي..
ثم جاب آدم المكان بعينيه كأنه يبحث عن شيءٍ فأثار الريبة داخل عز الذي بادر بالسؤال:
_ هو فيه حاجة يا قاسم؟
تلك الأثناء حضر جميع من بالبيت، ومعالم الذهول مُشكلة على تقاسيمهم، فكان الأمر مريبًا لهم إلا من ڤاليا التي تملكها الخوف والارتباك وانكمشت في نفسها وعينيها لم تـرفعان من على آدم.
في المقابل رد قاسم على سؤال عز ظاهرًا عدم عِلمه بما يحدث:
_ أنا مش فاهم حاجة، هو طلب مني يجي على هنا..
_ اهدوا يا جماعة وانتوا تفهموا..
هتفها آدم وبِخُطواتٍ شامخة توجه إلى ڤاليا وقام بمسك يدها تحت صدمة من الآخرين، ثم نظر إليهم بثباتٍ كصيادٍ يتحد فريسته وأردف بصوتٍ أجش:
_ أنا جاي أخد مراتي!!
حل الصمت لثواني، جحظت أعين الجميع، وخفقت قلوبهم بشدة، تناقُض شديد قد عاشاه، خوفٍ من كلماته أن تكون حقيقة، وصدمة لعدم استيعاب عقولهم لذلك الهراء.
وأخيرًا استطاع عز التحدث فخرجت نبرته مُتشجنة يُغلقها غيرة الأب لرؤية يد ابنته في يد رجلٍ غريب:
_ هو إيه الكلام دا؟ مرات مين
ثم وجه أنظاره الحادة إلى قاسم وصاح:
_ ما تشوف ابنك بيقول إيه يا قاسم
بقلة حيلة هتف قاسم وعينيه تتناوب النظر بين عز وآدم بصدمة:
_ أنا مش فاهم حاجة.. مراتك إزاي يا بني، ما تفهمنا أي حاجة!
فتدخل عامر بنفاذ صبر وهو يُحاول إبعاد آدم عن شقيقته:
_ أنتوا لسه هتسألوا، ابعد ايدك دي عن اختي..
ليضيف عاصم بحُنُقٍ لتلك السخافة الحادثة:
_ هو إيه اللي بيحصل هنا، وأنتِ ساكتة ليه يا أستاذة ڤاليا؟
جاء دور آدم للرد على أسئلتهم، أخذ نفسًا وتحلى بالهدوء الواثق قبل أن يعترف بالحقيقة ويده مُشبسة في يد ڤاليا:
_ أنا وڤاليا اتجوزنا في السجن..
ثم قام بسحب ورقةً من جيب بنطاله وقال:
_ وأدي العقد العُرفي كمان.. اللي إن شاء الله هنخليه رسمي وقدام الناس كلها
خرج الجميع عن طورهم، وارتفع صخب غضبهم وهما يهاجمون آدم بالكلمات، فتداخلت الأصوات في بعض وبدت غير مفهومة، حتى صرخ عز من بين الجميع بصوتٍ اهتز له الهواء:
_ العقد دا باطل، تِبلُّه وتشرب ميته..
ودون إدراكٍ من آدم قام عامر بسحب الورقة من بين يديه وقام بتقطيعها إلى قُطع صغيرة أمام عينيه بتحدٍ، مُرددًا من بين أسنانه المُتلاحمة بشرٍ:
_ ورينا عرض اكتافك..
شدَّ آدم على يد ڤاليا، وصاح عاليًا دون خجلٍ حتى يُخرس ألسنة الجميع:
_ أنا كنت بطلب بنتك في خلوة شرعية!! كان بيتجهز لي اجدعها أوضة هناك عشان اخد حقوقي منها!!
_ اخرس، أنت بتقول إيه يا حيوان؟!!!
نطقها عز بعد أن أسدل صفعةً عنيفة على وجه آدم، الذي صرَّ أسنانه بغضبٍ، لكنه تحلى بالثبات لآخر أنفاسه، بينما نظر عز إلى ڤاليا بنظراتٍ تحمل من الإشمئزاز قدرًا وسألها وهو يهُز جسدها بقوة:
_ الكلام اللي بيقوله دا صح؟
ردي عليا، انطقي وقولي غلط!!
لم تُجيبه، كانت خائفة لا تتحلى بالشجاعة للإعتراف أمام أبيها بذلك، فنكست رأسها في خجلٍ، وتمتمت بأن تنشق الأرض وتبتلعها، وما كادت تخفض رأسها حتى أعادها عز منتصبة فتفاجئت ڤاليا بيده التي رُفعت للأعلى حتى تنسدل على وجهها بصفعةٍ غاضبة لو كانت انسانًا لأدخلها قبرها تلك الليلة.
أغمضت عينيها سريعًا تنتظر ذلك الألم التي ستشعر به لكن يد آدم منعت ذلك، حيث أنه أمسك ذراع عز وهتف:
_ خد حقك مني أنا، مراتي محدش يلمسها!
دفعه عز بكل ما أوتي من قوةٍ، ثم شعر أنه ليس بخير، وأن الأرض تدور من حوله، ترنح بين اليمين واليسار فأسرع نحوه عاصم وعامر وأسنداه حتى استقر توازنه.
فتدخل آدم قائلًا:
_ ڤاليا هتيجي معايا، لغاية ما أشوف أقرب ميعاد مع المأذون نكتب فيه الكتاب، سلام
أنهاها ثم أرغم ڤاليا على السير وعينيها مُثبتة على والدها، فلقد نهش الندم قلبها لجعل والدها مقهورًا بذلك الشكل القاسي، خرجت من البيت وتلاهما قاسم الذي لم يقدر على مواجهة صديقه، فكان قليل الحيلة لا يقدر على مواساته حتى!
خرج مُنكس الرأس حتى وقف أمام آدم، فحدق به بعينين لا تحملان غضبًا بقدر ما تحملان وجعًا وعِتابًا صامتًا، لم يكن قويًا بما يكفي لقيادة السيارة، فتوجه إلى الباب الخلفي واستقل المقعد بأنفاسٍ أصبحت ثقيلة عليه.
بينما ساعد آدم فاليا على الركوب، واستقل هو أيضًا خلف المقود وتحرك بالسيارة مُبتعدًا عن البيت، حتى وصل في وقتٍ قياسي إلى الفيلا الخاصة بعائلته.
ولج الثلاثة إلى الفيلا، وقبل أن يصعد آدم إلى الطابق العلوي تحدث قاسم بصوتٍ هزيل:
_ محتاجين نتكلم!!
أماء آدم بقبولٍ، ثم صعد برفقة ڤاليا حتى بلغ غرفته، وما أن ولجاها حتى تبخر هدوء ڤاليا لطالما تلبست ثوبه إجبارًا وانفجرت باكية، ثم صرخت في وجه آدم:
_ ليه قولت كدا؟ مكنش دا اتفاقنا، متفقناش على كدا أبدًا، إزاي قولت كدا عني، إزاي يا أدم؟
حاول آدم لملمة ما اقترفه في حقها:
_ مكنش قدامي حل غير كدا، اهلك مش بالسذاجة اللي هيقبلوا بحتة ورقة عُرفي ملهاش أصل، أنا كنت مضطر، لو مقولتش كدا مكنش حد سابك تخرجي معايا من البيت!
_ تقوم تقول ان٥ي كنت بجيلك عشان.. إزاي قِدرت تنطق عني كدا، فِرقت أنا إيه دلوقتي عن بنات الليل؟ إزاي هان عليك تقول عليا كدا؟
هتفتها بعدم تصديق وهي تقع على الأرض بإهمالٍ، انتفض جسدها من شِدة بُكائها فوقف آدم مُكبل الأيدي، للتو أدرك خَطْوته الطائشة التي خلّفت وراءها انكسارًا وهدمت كل ما بُني من ثقةٍ.
جلس آدم القرفصاء أمامها محاولًا إصلاح ما اقترفه بالكلمات مُتمنيًا أن يشفي جرحها الذي تسبب فيه:
_ والله العظيم مقصدتش خالص كل دا، أنا قولت كدا عشان هما استحالة كانوا يقتنعوا بجوازنا طول ما مفيش سبب قوي، والدليل إنهم اخدوا الورقة وقطعوها وكنت هخرج زي ما دخلت..
بس أنا قدرت أخدك معايا بسبب الكلمتين دول
هرب بعينه لوقتٍ قبل أن يُعاود النظر إليها ويستأنف حديثه بهدوءٍ حزين:
_ عارف إن الكلام صعب عليكي، دي ضريبة إننا نكون مع بعض، إحنا اتفقنا على حاجة وبدأناها ومكنش ينفع نرجع مهما كانت العواقب..
إهدى يا ڤاليا، هما مع الوقت هيقتنعوا بعلاقتنا، لما يشوفوكي سعيدة معايا، وقتها هيتغاضوا عن اللي حصل..
مدت يدها إلى الأمام بضعف وقلة حيلة هامسة بخفوت:
_ طب هما هيحترموني إزاي بعد كدا؟ إزاي بابا هيقدر يتخطى إنه بنته اللي وثق فيها تخون ثقته دي وتعمل كدا؟
طب أنا إزاي هحترم نفسي إزاي وأنا عارفة سبب جوازنا؟
حاول آدم تهدئة روعها ببعض الكلمات، فلا يملُك غيرهم الآن مُتأملًا نجاحه:
_ أنتِ بس عشان لسه الوضع جديد جواكي ١٠٠ إحساس في نفس الوقت، بس لما تعدي فترة مش هتكوني كدا، وهما كمان هَيِهْدُوا ومع الوقت هينسوا، وأنا أوعدك إني هرجع علاقتكم قوية زي ما كانت.. بس أنتِ متسبيش إيدي وخليكي معايا، ماشي يا فيفو؟
نظرت إليه بعيون تترقرق منهما الدموع، فنهض هو وأضاف:
_ هروح أتكلم مع بابا وراجع لك تاني، حاولي تهدي، تمام..
غادر الغرفة على الفور، ثم ترجل السُلم باحِثًا عن والده الذي وجده في ردهة البيت يُشاهد الخارج، وقف خلفه وبنبرةٍ يُخيّمها الخجل الصريح تمتم:
_ بابا..
التفت إليه قاسم، وانسابت من عينيه نظرةً كسرت آدم قبل أن ينطق بحرفٍ، ثم تحدث بِثقل:
_ إزاي تحط أبوك في موقف زي دا؟ هان عليك شكلي؟ إزاي قِدرت تصغرني قدام الناس كدا؟
شكل الضيق على معالم وجهه قبل أن يوبخه:
_ أنت إزاي أصلًا تعمل عملتك دي؟ جبت الجُرأة دي منين؟
_ يا بابا اسمعني..
لم يكد يُنهيها حتى صرخ فيه قاسم:
_ أسمع إيه بس؟ هو لسه فيه حاجة تتسمع؟
بتتجوز عُرفي يا آدم، كنت بتطلب البنت تيجي لك
بكل وقاحة!!
بتوسلاٍ حاول آدم إيضاح الأمور له:
_ والله العظيم مفيش أي حاجة من دي حصلت، هتجوزها إزاي بس من غير موافقة أبوها؟ فرضًا عملت كدا، هل دا هيكون جواز قدام ربنا، لا طبعًا، دا حتى أنا فكرت إني اكتب عليها ويكون عاصم وليّها وكل حاجة تمشي حسب الشرع والقانون منفعش طلاما أونكل عز موجود وصحته كويسة وهو الوصي عليها ، صدقني أنا قبل ما أخد أي خطوة سألت وفكرت في كل الحلول بس ملقتش..
كنت مضطر أكدب عشان أقدر أخدها، لو مكنتش عملت كدا مكانتش ڤاليا معانا في البيت دا دلوقتي!
بعدم اقتناع لما أخبره عنه هدر به شزرًا:
_ هو بالغصب يابني؟ تاخدها بالغصب!!
كنت استنى ونفكر سوا في حل يرضي الكل، لكن أنت اخدتها عِند وبفتحة صدرك بوظت كل حاجة!!
_ الظاهر إن حضرتك مش شايف إن كل حاجة بايظة اساسًا، أنا مستقبلي خلاص ضاع، شُغلي وخسرته، وبعد ما كان بيضرب لي تعظيم سلام، دلوقتي مفرقش حاجة عن أي مجرم خارج من السجن، أنا لا مكان هيقبل يشغلني ولا أهل ڤاليا كانوا هيقبلوا بيا لو وقفت على راسي!!
قال كلماته بتهكمٍ لاذع، فظهر في صوته مرارة دفينة وكأن سخرية صوته مُحَاولة يائسة ليسمع أبيه حجم الخراب الذي لا يراه، فنجح آدم في جعله يتأثر به ويُشفق عليه.
فرت دمعة من عيني آدم وهو يتابع بصوتٍ ثقيل مهزوم:
_ أنا هكتب كتابي وأبعد عن هنا خالص، هسافر برا، أحاول أبدأ من جديد، هحاول أقوِّم نفسي وأربيها، هشتغل وهتعب من غير واسطة، هتعلم أحب مراتي والناس من غير حقد وكُره، هحاول أتغير بجد، ووقتها يمكن عيلة ڤاليا تسامحنا على اللي عملناه، وعبدالله وصبا يكونوا قدروا يتخطوا الحادثة ويسامحوني هما كمان، لكن دلوقتي محتاج أبعد اوي..
ساعدني يا بابا
فلما أنهى كلامه، احتضنه قاسم بكل قوته، متأثّرًا بالوجع الذي يعيشه، مشفقًا عليه، وقرر أن يكون أكبر داعم له في كل خُطواته المُقبِلة.
***
في مساء اليوم التالي؛ كانت عائلة عز حاضرة رِفقة قاسم الحاضر مع والدة آدم، يتوسط الأريكة المأذون الذي ينهي إجراءات الورق، وعلى جانبيه يجلسان آدم وڤاليا، كانت بعض الوجوه متجمهة وبعضها عابسة يتغلب عليها الضيق.
لا نفس يصدر، هدوء يُشبه سكون الفجر، لكن سكون مجبور، يتنافى مع الغضب والرفض اللذان يتجلا داخل الجميع، قطع المأذون ذلك الصمت عند إصداره همهمة لجذب انتباه الحاضرين ثم بدأ مراسم عقد القِران حتى أنهاها بمباركته لهما:
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير وعلى خير إن شاء الله..
غادر المأذون بعد إتمام مهمته، ثم نهض آدم وتفقد ساعة يده وقال مُوجهًا حديثه إلى ڤاليا:
_ يدوب نلحق نوصل المطار..
أماءت بِقَبولٍ ثم صوّبت أنظارها على عائلتها، وقد انهمرت العبرات من عينيها بخليطٍ من المشاعر، لا تستوعب أنها ستغادر وعلاقتهم مضطربة، كانت تنظر إليهم تستعطف مشاعرهم نحوها، تُود أن يتقبلاها كما في السابق، لكن هيهات لذلك الحُزن التي خلَّفته من وراء اتفاقها مع آدم، لقد دمر الوصال بينهم.
تسلل عز إلى الخارج أولًا دون النظر خلفه، تلاه الآخرين تحت نظرات ڤاليا المتأثرة بذهابهم قبل أن يسامحوها، وما أن خَرجَ الجميع حتى أجهشت في البُكاء المرير، كمن فقد عائلته إلى الأبد.
دنا منها آدم وقام باحتضانها، مُرددًا بدعمٍ:
_ كل حاجة هتكون كويسة، أوعدك هصلح كل دا..
بعد مُدة؛ كانا على متن الطائرة، ليبدأوا حياة خاصة بهما، وإعادة تأهيل أنفسهم، ليكونوا قادرين على إصلاح العلاقات المهدومة، تاركين خلفهم كل ماضي كان قاسيًا.
***
بعد مرور عام وبِضعة أشهر قليلة، انقضى حفل زفاف وليد وخلود،
ولجت خلود إلى الغرفة الخاصة بهما، رِفقة عليا التي أصرّت على تقديم المساعدة لها، وقفت خلفها تخلع عنها حجابها.
فأثارت خلود التي تتمايل غرابتها، وتساءلت وهي تُتَابع خلع تلك الدبابيس التي لا تنتهي:
_ أنتِ يابت واقفة ترقصي ومزاجك رايق..
مالت عليا على أذنها وهمست سؤالها:
_ أنتِ مش خايفة؟ أو متوترة؟
توقفت خلود عن الحركة، وقد قضبت جبينها بغرابةٍ وهتفت:
_ وأخاف ليه؟
_ يعني.. أي بنت بتكون متوترة في يوم زي دا
قالتها عليا، فاستنكرت خلود مفهومها وردت مُستاءة:
_ هو وليد دا أنا لسه عارفاه من يومين؟ إحنا مع بعض بقالنا ٣سنين، معتش فيه فرق بينا خلاص..
_ أومال أنا كنت مرعوبة يومي ليه؟
تساءلت عليا بفضولٍ، فضحكت خلود وهتفت ساخِرة:
_ يا بنتي أنتوا علاقتكم كانت، نفذ يا عسكري، تمام يا فندم
انفجرت خلود ضاحكة، وهي تُمثل الموقف كأنها عسكريًا يقف أمام الضابط الأعلى رُتبه منه يُلبي أمره بوضعه يده قُرب رأسه، فلكزتها عليا وصاحت بحنقٍ مُصطنع:
_ أمك السبب يختي.. مكنتش بعرف أعمل حاجة بسببها
_ لا والله أنتِ اللي عبيطة، ما أمك هي هي، بس الفرق إننا كنا بنسرق اللحظات الحلوة، دا غير إن وليد كان قلبه جامد وبيعمل اللي هو عايزه ومش بيخاف منها، لكن جوزك ياعيني كان بيترعب منها..
نطقتها خلود مُتهكمة، فاستنكرت عليا وصف زوجها بالجبان وعدّلت ذلك الوصف:
_ مسمهاش بيترعب منها، قولي بيحترمها..
سحبت نفسًا عميق ثم تابعت:
_ أنا خلصت، وراحة لجوزي، لما نشوف فتحة الصدر دي هتدوم لإمتى
أطلقت عليا ضحكة ساخِرة فقلبت خلود عينيها مُستاءة ورددت بثقة:
_ يا بنتي عمري ما أخاف من وليد والله، أنتِ بس اللي مش عارفاه..
_ كفاية أنتِ عارفاه.. سلام يا كتكوتة
ودعتها عليا ثم خرجت من الغرفة، بينما وقفت خلود تخلع فستانها
في الخارج؛ انسحب الجميع من البيت؛ فولج وليد إلى الغرفة فصرخت فيه خلود مانعة دخوله وهي تخفي معالم جسدها بفستانها:
_ استني، خد البيجامة بتاعتك أهي واستناني برا..
استنكر وليد ذلك ثم رفع حاجبيه مُرددٍ بعدم إعجاب:
_ هو أنا مستني ٣ سنين خطوبة عشان يوم الفرح يتقالي خُد البيجامة بتاعتك واستناني برا!
ضحكت خلود وأوضحت إليه مقصدها من خلف طلبها:
_ ما أنا عايزاك تتفاجئ يا ليدو، يلا بقى استنى برا
أطال النظر بها قبل أن يُردد ببسمةٍ عذبة حماسية:
_ ما بقى إلا القليل، يا مسهل
قالها ثم أخرج تنيهدة بلوعةْ لا يُطيق الإنتظار؛ سحب بيجامته وخرج من الغرفة، فأسرعت هي في إغلاق الباب خلفه، فذهب وليد إلى ردهة البيت ووقف يتفقد بيجامته مًرددًا بتهكمٍ:
_ وبيجامة إيه دي كمان اللي هلبسها يوم فرحي؟
ألقاها على الأريكة، وأخذ يخلع حُلته إلى أن بات لا يرتدي سوى سِروالًا قصير، فضّل المُكوث به، تلك الأثناء صدحت اهتزازة قوية من هاتفه مُعلنة عن وجود اتصال، فعقد وليد ما بين حاجبيه بغرابةٍ لذلك الإتصال.
لَقِف الهاتف ثم هز رأسه يمينًا ويسارًا عندما قرأ إسم المتصل، وأجاب في الحال:
_ والله العظيم كنت عارف إنه أنت، مش معقول حد معندوش دم غيرك هيكلمني دلوقتي!
هنبتديها رخامة من بدري كدا؟
أنا قولت مثلًا هتصحيني الصبح بدري، لكن دا أنا لسه واقف بالشورت يا حبيبي عيب كدا
اخلص عايز إيه يا زكريا
قهقه الآخر وتحدث بسخافةٍ:
_ واقف بالشورت ليه، معندكش هدوم؟ أطلّعلك من عندي؟
_ لا يا سيدي متشكر، دا أنا لو هقعد ملط مش عايزك تيجي..
هتفها وليد بنفاذ صبر، فتابع الآخر مشاكسته:
_ اتعشيتوا من الأكل اللي أنا جايبه؟
_ يابني هو أنا لحقت أعمل حاجة؟ بقولك أختك طرداني من الأوضة وواقف في الصالة بشورت!
أخبره وليد بإنكارٍ لتلك المكالمة الغير منطقية، فهلل زكريا بفرحة:
_ من أولها كدا طرداك برا الأوضة، ادبح لها القطة يابني من بدري..
تلك الأثناء؛ فُتِح باب الغرفة وخرجت منه خلود بِطلةٍ خفق قلب وليد إثرها، اهتز كيانه لتلك الهيئة التي يراها عليها لمرته الأولى، كم كانت رائعة، للمرة الأولى الذي يفهم فيها معنى كلمة أنثى.
إلتوى ثِغره للجانب مبتسمًا بجاذبية، ثم قال بعقلٍ هائم:
_ طب بالسلامة أنت يا زكريا..
_ رايح فين؟
تساءل الآخر بفضولٍ فردَّ وليد وعينه يتفحصان كل أنشٍ بخلود:
_ رايح ادبح القطة..
أنهاها ثم أغلق الهاتف وألقاهُ بعيدًا دون النظر للعواقب، وقف وليد يتطلع بها بعينين تلمعان من شِدة إعجابه بمظهرها الفريد الذي وحده يمكنه رؤيتها عليه، ذلك الحين راوده مقطعًا من إحدى الأغاني فرددها وهو يُشير لها بالقدوم إليه:
_ قدُك المياس يا عمري
يا غُصين البان كاليُسر
أنت أحلى الناس في نظري
جل من سواك يا قمري
جاءته وهي تتغنج بدلالٍ بالغ، فهلل الآخر دون تصديق:
_ سيدي يا سيدي..
وصلت إليه وقامت بالتعلُّق في رقبته، فرفعها وليد عن الأرض بمحاوطتة خَصْرِها بذراعيه، ثم اقترب من وجهها حتى شعر ببعض حواسها القريبة من وجهه، وهمس بعذوبة أمام شفتيها:
_ إيه الدلع دا؟ لا متوقعتش الجُرأة دي، كنت راسم إنك هتطلعي عيني زي الخطوبة كدا
_ مش من حقي دلوقتي..
تمتمت بها فكان وليد متفاجئًا بشخصيتها الجديدة، وعلّق بسعادةٍ:
_ ولا يا ولا، دا شكل الدلع للرُكب
ابتسمت خلود في خجلٍ، فأضاف وليد متسائلاً:
_ طب مش خايفة مني؟
نظرت إليه خلود بجبينٍ مقضوب، وردت بحيرة:
_ لأ، ليه بتقول كدا؟
أوضح له مقصده من سؤاله:
_ يعني.. البنات في يوم زي دا بيكونوا خايفين ومتوترين.. كدا يعني
ابتلعت خلود ريقها قبل أن تُخبره بنبرةٍ مُدللة:
_ ممم بس أنت حبيبي، حد يخاف من حبيبه؟!
انحنى وليد على شِفاها وطبع قُبلةً رقيقة، وهمس بصوتٍ عذب مُتيم:
_ والله أنت اللي حبيبي
ثم تراجع للخلف مُحاولًا تفقد قميصها قبل أن يُبدي إعجابه الشديد:
_ أول مرة أفهم جُملة صِبرت وِنُولت..
فعضّت الأُخرى شِفاها بحياءٍ ولم تستطع منع سؤالها الذي دفعه فضولها حول معرفة إجابته:
_ يعني أنا حلوة؟
_ يخراشي، هو دا سؤال؟! دا أوي أوي
قالها وهو يغمزها بمشاكسةٍ، ثم خَطى خُطواته باتجاه الغرفة وهو يدندن:
_ عيونك سود يا محلاهم قلبي تلوع بهواهم
صار لي سنتين بستناهم حيرت العالم فى أمري
فأطلقت خلود قهقهةً عالية فهلل وليد:
_ يا الله
ثم ركل باب الغرفة عندما بلغها، كأنه يزيل آخر حاجزٍ يفصل بينه وبين بداية حياتهما الخاصة، فكانت الغرفة شاهدةً على لحظةً يُكتب فيها فصلًا جديدًا من عُمرهما، فصلًا عُنوانه البِدء معًا.
***
صباح اليوم التالي، طلع النهار وقد أشرق يومًا جديدًا على العروسين يحمل الأمل والبِدايات، استيقظت خلود بحالٍ ليس على ما يُرام، لكنها لم تُظهر، كانت رؤياها مشوشة وتشعُر بِدوارٍ طفيف.
وعندما حاولت التحرُك من على صدر وليد، تسببت
في قلقِه، فتساءل بصوتٍ ناعس:
_ راحة فين؟
_ معتش عارفة أنام..
اكتفت بها، فأعادها وليد إلى حُضنه، ثم قبّل خُصلاتها وهمس:
_ متبعديش عني، لسه مشبعتش منك..
مال برأسه قليلًا ليتلاقي مع عينيها وسألها باهتمامٍ:
_ أنتِ كويسة دلوقتي؟
_ بصراحة مش عارفة، حاسة إني دايخة..
عبِست ملامح وليد وأردف:
_ دا أكيد عشان متعشتيش امبارح..
أطلق ضحكة خبيثة قبل أن يُضيف:
_ الغلطة دي عندي، مقدرتش اصبر شوية، أنا آسف..
ثم نهض فجأة وقام بجذب يديها لِيُساعدها على الوقوف قائلًا بحماسة:
_ قومي نفطر، عشان تبقي كويسة..
أماءت خلود برأسها، وسارت إلى جواره حتى شعرت بأنفاسها تُثْقل ورأسها يدور بشِدة فتعلقت في ذراع وليد هامسة بنبرة تائهة:
_ مش قادرة.. أنا تعبانة
وما أن قالتها حتى خارت قواها واختل توازنها، فأسرع وليد في اللِحاق بها قبل أن تسقط أرضًا، حملها بين ذراعيه ووضعها على الفِراش بقلبٍ ينبض خوف، وظل يُناديها وهو يضرب وجهها بِخفة:
_ خلود.. متقلقنيش بالله عليكي، إيه اللي حصل دا؟؟
انتصب وليد في وقوفه وطالعها بِذُعرٍ وصدرٍ يعّلوا ويهبط خشية أن أصابها مكروهٍ، وضع يديه التي ارتجفتا في منتصف خصرٍه يحاول جمع شتاته الذي تبعثر لِيُحسِن التصرف، وعندما فشل في جعلها تستيعد وعيها قام بالإستعانة بهناء:
_ لو سمحتي اطلعي بسرعة يا مرات عمي، خلود وقعت فجأة ومش عارف أعمل لها إيه؟!
فقط مر بِضع دقائق، وكان الجميع يَغْزُون البيت، وعلى الرغم من التزاحم إلا الهدوء كان يَعُم المكان، منتظرين حضور زكريا للطبيب.
ولم يخلوا وليد من النظرات المعاتبة في عيون الواقفين.
حتى أن والدته نادته وتحدثت معه في زاويةٍ لا يستطيع أحد سماعها بها:
_ أنت عملت لها إيه يابني، ما البنت كانت زي الفل امبارح؟
فارت الدماء في عروق وليد وبرزت بشِدة ثم صاح:
_ هعملها إيه يعني؟ إيه السؤال الغريب دا؟!
وما كاد يُنْهي جُملته حتى خرجت هناء مُهللة بهلع:
_ أنا عايزة أعرف بنتي حصلها إيه؟
أغمض وليد عينيه بضجرٍ ثم استدار بجسده وواجه زوجة عمه قبل أن يُعطيها ردًا:
_ ما أنا قولت لحضرتك، صحيت من النوم قالت إنها دايخة، خمنت عشان متعشتش بليل وقولت لها قومي نفطر وفجأة وقعت كدا..
_ وإيه اللي خلاها متتعشاش بليل؟
صدح سؤالها فوقع وليد في كومة خجلٍ ولم يستطع إعطائها إجابة، ثم انتبه الجميع على الباب الذي دخل منه زكريا، فكان حضوره للطبيب ملجأً لوليد للهرب من سؤال زوجة عمه.
ولج الطبيب إلى الغرفة، ورافقاه وليد وهناء التي رفضت البقاء في الخارج، بعد قليل؛ خرج الطبيب وشرح وضع خلود بعملية:
_ اطمنوا يا جماعة، خير إن شاء الله
بس واضح إنها ضعيفة شوية، ومحتاجة تهتم بصحتها أكتر، وياريت تعمل تحليل أنيميا عشان نشوف لو قليلة تاخد علاج، على العموم أنا ركبت لها محلول وهتحتاج واحد تاني بليل عشان تكون أفضل، حمد لله على سلامتها..
تدخلت هناء مُعقبة:
_ أيوا فعلًا دي بقالها يجي أسبوع مأكلتش كويس..
حدجها وليد بعيون واسعة، للتو كان ترمي اللوم عليه، حرك رأسه بإنكارٍ ثم وصّل الطبيب إلى الخارج وعاد من جديد يرمقهم بنظراتٍ واثقة فكان كل كلمة من الطبيب أظهرت براءته، وأشارت للآخرين أنه ليس هو المسؤول.
دلف الجميع إلى الغرفة ليطمئنوا على خلود إلا من زكريا الذي لحِق بوليد قبل دُخوله ونهره:
_ أنت عملت في البت إيه يالا؟
_ وحياة أمك هناء؟! على أساس كلام الدكتور مكنش قدامك؟!
هتفها باستياءٍ شديد، ثم قلب عينيه ضجرًا وتمتم بغيظٍ:
_ عيلة أسهل حاجة عندها يغلطوني، دا حتى أمي اتعلمت منكم..
قهقه زكريا ودفع بوليد نحو الغرفة هاتفًا بمزاحٍ:
_ طب ادخل يا خفيف..
ولج كلاهما الغرفة، فتفاجئ وليد بانكماش خلود على نفسها، وما أن رأته حتى لامته بإشاراتٍ من عينيها أنه تركها تواجه ذلك الكم بمفردها، فكانت خَجِلة لا تقدر على مواجهة عيونهم.
استشعر وليد ذلك من خلف شِفاها التي آكلتها وتوجه نحوها بِخُطى ثابتة، ثم جاورها وحاول جذب انتباها إليه:
_ كدا تخضيني عليكي يا خوخة؟
نكست رأسها وردّت بخفوت:
_ مش عارفة إيه اللي حصلي فجأة كدا..
وما أن استمعت لها هناء حتى صاحت تلُومها:
_ عشان تِبقي تسمعي كلامي وأنا بتحايل عليكي طوب الأسبوع تاكلي كويس وتهتمي بصحتك، وأنتِ كل اللي عليكي مش فاضية، مش قادرة، بعدين، وآخرتها متتعشيش امبارح، كان وراكي إيه شاغلك عن الأكل؟
برقت عيني خلود وهو تَتَطلع في والدتها، غير قادرة على إعطائها إجابة، ناهيك عن وليد الذي لم يرفع عينيه البتة عليهم، فكان واضحًا للجميع الإجابة، فبادر محمد بالحديث:
_ يلا جماعة ننزل، ملوش لزوم وجودنا هنا، طلاما اطمنا عليها..
ثم نظر إلى ابنته وقال:
_ حمد لله على سلامتك يا حبيبتي، خدي بالك على نفسك أكتر من كدا
ثم أمر هناء قائلًا:
_ يلا يا هناء سيبي البنت ترتاح
أبت النزول معه مُعلِلَة:
_ انزل أنت، أنا هحضرلها الفطار الأول وبعدين أنزل وراك..
تدخل وليد مُرددًا:
_ متتعبيش نفسك يا مرات عمي، أنا هعمل لها الفطار بنفسي..
باسيتاءٍ وتزمجرٍ هتفت:
_ يا أخويا كنت خليتها تتعشى الأول..
لم يستطع زكريا منه ضحكاته التي خرجت رغمًا عنه فتوعد له وليد بنظراته، بينما لم يتقبل محمد إصرار زوجته وأمرها بجدية:
_ يلا قدامي يا هناء، جوزها يحضرلها الفطار..
وعندما استشفت نبرته الجادة لم تُبدي اعتراضٍ، وأسبقت بِخُطاها إلى الخارج، تلاها الجميع حتى بات البيت خاليًا إلا من خلود وليد الذي أخرج زفرةً كان يكتُمها داخله.
_ عاجبِك اللي عملتيه فيا دا؟ كلهم فكروني عملت فيكي حاجة؟!
قالها وهو يهُز رأسه ويضحك مُتذكرًا اتهامات الآخرين، فشاركته خلود الضحك ورددت باستحياء:
_ أنا آسفة والله..
تنهد وليد ثم نهض وردد ساخرًا:
_ يعملي إيه آسفك دا بس، لما أروح أحضرلك الفطار وأجي..
أولاها ظهره ثم توقف وعاود النظر إليها، مُتسائلًا بابتسامةٍ عريضة:
_ أومال أنتِ متعشتيش امبارح ليه صحيح؟
غَزت البسّمة وجه خلود، التي أسرعت في إخفاء وجهها بيدها التي تستطيع تحريكها وهتفت بتذمرٍ مصطنعًا:
_ إمشي يا وليد من هنا..
قهقه عاليًا وانسحب من الغرفة، قام بتحضير الفطور لهما وعاد إليها، شَرعَ وليد في تناول الطعام كما يُطعمها بيده حتى امتلأت معدتها فقالت:
_ كفاية، شِبعت..
_ متأكدة؟ بدل ما تقعي تاني، مش ناقص إتهامات تانية!!
بمزاحٍ هتف، فأكدت خلود على كفايتها من الطعام فأعاد الصينية إلى المطبخ وعاد إليها متسائلًا باهتمامٍ:
_ محتاجة حاجة اعملهالك؟
أماءت وأخبرته:
_ شعري مضايقني، ممكن تجمعوا..
تفقد وليد خُصلاتها الشارِدة قبل أن يبدأ بالبحث عن الفُرشاة ورِباط الشعر المُلون، عاد إليها وجعلها تجلس في وضعيةٍ يُمكنه الجلوس خلفها وبدأ يُمشط شعرها برفقٍ كي لا يؤلمها، ابتسم حينما تذكر شيئًا وشاركه معها:
_ فاكرة وأنتِ صغيرة لما كنا بنلعب كلنا في الشارع وشعرك كان مضايقك وبينزل على عينك وأنا وقفت ضفرته ليكي..
عقدت خلود ما بين حاحبيها مستاءة من عدم تذكُرها للأمر ورددت:
_ إيه دا، امتى الكلام دا؟ مش فاكرة حاجة!
_ كنتي صغيرة أوي، تقريبًا كنتي ٤ سنين، أكيد مش هتكوني فاكرة..
تمتم بحنينٍ لذكراه التي تركت أثرًا جميل داخلهما، ثم تابع نسج جديلة من خُصلات شعرها الطويلة بحرفية وجمال، حتى انتهى منها فضمها إلى صدره بلهفةٍ وخوف ظهر في صوته:
_ خوفتيني عليكي أوي يابنت الإيه، مكنتش أعرف إني بحبك للدرجة دي، حسيت إن روحي اتسحبت مني ومتردتش إلا لما اطمنت عليكي..
كلامه كان بابًا قد تسللت منه السعادة إلى قلبها، فانعسكت ابتسامة فرحة على ثِغرها، أخذت يده الموضوعة عليها ورفعت كفه عند فمِّها ثم طبعت قُبلة رقيقة داخله، هامسة وعينيها تلتقي بعينه:
_ ربنا يخليك ليا
رفع وليد يدها وقبّلها بحبٍ، وصرَّح بمشاعره الدافئة:
_ ويخليكي ليا يا أغلى من روحي..
استندت خلود برأسها على كتفه، وغمرت مشاعر الحب والأمان والدفء المكان، فصار الجو من حولهما كأنَّه حضن لا يُفارق قلبَيهما.
***
في أحد أيام الربيع، حيث النسيم العليل يُلاعب أوراق الأشجار والطيور تُغرد بألحانها العذبة، وانتشر عبير الزهور في الأرجاء، كان الجو بديعًا يملأ القلب صفاءً وسعادة.
يجلس الجميع في حديقة بيت المزرعة، كما اعتادوا في آخر يومٍ من كل شهر، كانت فكرة عبدالله قد اقترحها لتجميع العائلات، الأحباب والأصدقاء معًا، كما يُشرك والدته معهم أيضًا بطهي وجباتٍ لا حصر لها وتوزيعها على المحتاجين.
لَقِف عبدالله ذلك الصغير الذي يركض نحو الموقد وأخذ يُدغدِغه وسط صراخٍ وضحكات منه، فهتف عبدالله مُشاكسًا:
_ أنت شكلك جُعت، صح؟ تعالى لما نسرق لنا كفتة ونجري..
رفع عبدالله صغِيره وأجلسه فوق كتفيه ثم توجه به حيث الموقد وقال:
_ يا مامي، يَحيىَ جعان وعايز كفتة
رمقته صبا بطرف عينيها قبل أن تهتف بحاجبين مرفوعان:
_ يَحيىَ برده اللي عايز كفتة؟
مال عبدالله برأسه نحوها وهمس قُرب أُذنها:
_ يَحيىَ، أبو يَحيىَ، الإتنين واحد يا أم يَحيى
غمزها فضحكت صبا ثم أخذت واحدة وقامت بإطعام عبدالله في فمه، فأغمض عبدالله عينيه مُلتذِذًا بطعمها الذكي ثم هلل بإعجابٍ:
_ تحفة تحفة، إرميلي ١٣ واحدة تانين كدا
قهقهت صبا ثم دفعته بعيدًا وقالت:
_ أنت عايز تاكلها لوحدك، روح أقعد وإحنا خلاص بنحضر الأطباق وهتاكل..
رمقها عبدالله شزرًا ثم أولاها ظهره وغادر متمتمًا لإبنه:
_ تعالى نروح نلقط رِزقنا من الشيش طاووق اللي هناك دا
_ يا زكريا، حرام عليك بجد، سايبلي ليلى وآيلا وقاعد تتمشى هنا وهناك، طلاما مش بتعمل حاجة خُد واحدة منهم أو ياريت الإتنين عشان بيجروا ومعطليني..
صدح صوت ليلى متوسلة زكريا بأن يصطحب التوأم، فجسى زكريا على رُكبتيه وتناوب بنظره بينهن وقال:
_ أنتوا مش بتلعبوا مع ولاد عمتوا عليا ليه؟
_ تؤتؤ..
قالتها إحداهن وهي تُحرك إصبعها رافضة، فتساءل زكريا عن السبب:
_ ليه بس؟
_ ماما..
اكتفت بقولها، فهي لا تستطيع ترتيب جُملةً كاملة بعد، بينما نظر إلى الآخرى الساكنة وقال بمزاحٍ:
_ طب ليلى وفهمنا أسبابها، وأنتِ مش بتلعبي معاهم ليه يا آيلا؟
_ ليلى..
نطقتها بتلعثمٍ فهز زكريا رأسه مُتفهمًا ثم هتف وهو يهُزها برفقٍ:
_ يا بنتي خلي عندك شخصية، هتفضلي ماشية ورا ليلى كدا لغاية امتى؟
ثم قام بحملِهن وأخذ يُلاعبهن تحت ضحكاتٍ بريئة منهن.
على جانب آخر؛ انتقت خلود مِقعدٍ بعيد عن الطعام، إذ لا تتحمل شم رائحته بسبب حملِها، اقترب منها وليد عندما رآى تعابيرها مشمئزة وتساءل:
_ أنتِ كويسة؟
_ ريحة الأكل قالبة مُعدتي، قولت لك بلاش أنا المرة دي، وأنت أصريت..
وما كادت تُنهيها حتى راودها شعور الغثيان فركضت مهرولة إلى الداخل لِتُفرغ ما في معدتها.
وبينما كانت زينب تضع الطعام على الطاولة المستطيلة التي قاموا بوضع عِدة طاولات جنبًا إلى جنب لتصبح مائدة طويلة تكفي الجميع، نادتها نهال:
_ زينب حبيبتي، أحط الأطباق دي فين؟
بابتسامة هادئة أشارت زينب إلى هناك:
_ في كراسي هناك قدامها فاضي، ممكن حضرتك تحطيهم هناك، مع إن شايفة إن ملوش لزوم تتعبي نفسك وإحنا هنحضر كل حاجة..
_ بصراحة أنا مبسوطة وأنا بعمل كدا، الأجواء هنا جميلة أوي..
صرَّحت نهال باعجابها الشديد لتلك التجمعات، ثم توجهت حيث أشارت زينب ووضعت ما معها من طعامٍ وعادت من جديد تحمل الأطباق الأخرى، بينما علّق عاصم على تصرفات والدته ببعض الدهشة:
_ والله أنا مش مصدق إن أمي بتعمل كدا، بركاتك يا زوزو
قهقهت زينب ثم وضعت في يده طبقًا وأوضحت:
_ أنت هتفضل تعلق على اللي رايح واللي جاي بس، ساعدني يلا..
كادت تُغادره، لكنه لحِق بها وأمسك ذِراعها وقال بنبرةٍ أنهكها الإنتظار:
_ أبوس ايدك كفاية فترة تعارف لغاية كدا، وافقي نتجوز بقى..
استنشقت زينب نفسًا عميق وأردفت مُختصرة:
_ مش وقته، خلينا نخلص اليوم دا وبعدين نشوف موضوع الجواز..
أولاته ظهرها وغادرت، بينما وقف يُتَابعها هو بشوقٍ حار وعيون لامعة من شِدة تلهفه لإتمام زواجهم، خرج من شروده من تعليقٍ ساخر:
_ لسه برده منشفة دماغها؟
مال عاصم حيث مصدر الصوت فاذا به عبدالله، حرك رأسه مُبديًا انزعاجه وأجابه بفتورٍ:
_ مش عارف هنفضل كدا لغاية امتى؟!
_ هتقبل النهاردة!!
هتفها عبدالله ثم غمزه ومشى مُبتعدًا عنه، فجدد الأمل داخل عاصم الذي ابتسم بعفوية وذهب يضع الطبق الذي بيده على الطاولة.
عِند بوابة الحديقة، دخلت سيارة حديثة بِخُطواتٍ
صاخبة، كل العيون ارتكزت عليها ف صمتٍ مفاجئ، وما أن فُتح بابها، ونزل منها آدم وڤاليا فتجمدت الأنفاس وعلت علامات الدهشة على وجوه الجميع، فلم يتوقعوا حضورهم اليوم.
أمسك آدم يد ڤاليا ثم باليد الأخرى حمل صغِيره ذو الشهور الأولى وولج نحو أبيه الذي ألقى بنفسه بين ذراعيه بشوقٍ حار، فلم يتحلى برؤياه منذ زمنٍ بعيد.
ثم حمل عنه صغيره ورمقه بعيون متأثرة، فكان يشبه آدم بشكلٍ كبير، ابتسم بسعادةٍ ثم نظر إليهما ورحب بهما:
_ حمد لله على سلامتكم، نورتوا بيتكم
_ الله يسلمك
قالاها في آنٍ واحد، ثم توجهت أنظار ڤاليا تلقائيًا إلى عائلتها، وقد حملت صغيرها عن قاسم وتوجهت إليهم بعد أن استمدت الشجاعة من عيني آدم الذي تَبِعَها.
وقفت أمامهم ثم نظرت إلى صغِيرها وقالت:
_ عز يا دادي.. حفيدك
جسمٍ صغير لا يتخطى عمره الأربعة أشهر قد أعاد إلى عز دفءٍ ومشاعرٍ جميلة تجاه ابنته، ثم علا صوت آدم من خلفهم:
_ أنا وعدت ڤاليا إني زي ما كنت سبب في تفريقكم أكون السبب في جمعكم، عشان خاطر عز الصغير سامِحنا..
ترقرقت العبرات من عيون عز ثم انحنى على الصغير وقَبلهُ على جبينه، رفع عينيه على ڤاليا التي تترقبه بلهفةٍ شديدة، ودون أن تُدرك فِعلته قام بجذبها إلى حُضنه فباتت هي وصغيرها ينعمان بحضن عز الذي أعاد لڤاليا الأمان لطالما افتقدته منذ رحيلها عنه.
وعندما اطمئن آدم من عودة الوِصال بينهما توجه إلى عبدالله، لقد حان دوره في أخذ مسامحةً منه ليوطد علاقته به، وقف أمامه وقبل أن يتحدث كادت تغادر صبا المكان لكن آدم قد لحِق بها وقال:
_ وغلاوة يَحيىَ تستني..
توقفت صبا على مضضٍ، فبدأ آدم حديثه بمزيجٍ من الندم والرجاء:
_ أنا عارف إنكم أكتر ناس أنا آذيتها، وكان آذى كبير وعواقبه كبيرة، بس برده أنا دفعت التمن، وعندي أمل إننا نكون عيلة، إنكم تقبلوني بينكم ووسط كل الناس دي
أنا ندمان والله، اتعاقبت واتربيت واتحرمت من حاجات كنت بحبها، كفاية لغاية كدا، آن الأوان إن ولادنا يكبروا وسط عيلة بتحب بعض
مش عايزهم يعرفوا يعني إيه كُره، أنا أذيتكم نتيجة إني اتربيت على كُره من صغري
ومش عايز أكرر دا مع ابني، عايزه يطلع سوي ودا مش هيحصل غير لما يتربى وِسط عيلة بتحب بعضها ومفيش بينهم خلاف ولا زعل
تماسك آدم قدر الإمكان لألا يبكي ثم خص صبا بالحديث:
_ سامحيني يا دكتورة، عشان خاطر ربنا تسامحيني وتنسي اللي فات!
انهمرت دموع صبا رغمًا عنها، حملت صغيرها الذي يَشُد في ملابسها ونظرت إليه ثم تفقدت ڤاليا التي انضمت إليهم هي وصغيرها ثم قالت لآدم:
_ هسامحك عشان خاطر ابني وابنك يطلعوا سويين ويحبوا بعض، عشان تجربتك أنت وعبدالله متتكررش تاني..
زفر آدم أنفاسه الحبيسة، لقد أزالت صبا ثِقل ذلك الحِمل من على صدره، لم يشعر بابتسامته التي غزت شِفتاه بسعادةٍ عارمة، وحينها نظر إلى عبدالله الذي فتح له ذراعيه فلم يتردد لحظة وألقى آدم بنفسه على الفور شاعِرًا بِدِفء الإخوة لطالما افتقر إليه.
استغل عاصم تلك الأجواء الحميمية، واقترب من زينب التي تبكي في صمتٍ تأثُرٍ بما يحدث حولها، لكزها بخفة وهمس:
_ يعني مش عيب كل دول يفرحوا كدا وأنا لأ؟
مسحت زينب دموعها براحة يدها، ثم قالت بهدوءٍ:
_ أنا موافقة..
اتسعت حدقتي عاصم بذهولٍ وهتف ليتأكد:
_ قولي واللَّه
_ واللَّه
أقسمت فهلل عاليًا دون تصديق:
_ اللَّه أكبر..
تحولت النظرات عليه، فضحك وصاح:
_ اعذروني يا جماعة، من حقي والله، دا أنا بقالي سنتين بتحايل عليها توافق نتجوز!!
قفز في الهواء واستأنف حديثه ببهجةٍ شعر بها من هم حوله:
_ النهاردة الحد، يوم الخميس الجاي الفرح، كلكم معزومين
فغرت زينب فاها بصدمةٍ وأردفت بعيون واسعة:
_ خميس إيه، أنت بتقول إيه؟
_ واللَّه العظيم ما انا راجع في كلامي أبدًا، الخميس يعني الخميس، أنا مش ضامنك، دلوقتي تقولي موافقة وتيجي كمان يومين ترجعي في كلامك، فإحنا نلحقك أحسن
هتفها بأسلوبٍ طريف جعل الجميع يضحكون، ثم توجهوا إلى المائدة وأخذت كل عائلة مكانها، وقبل أن يشرعوا في تناول الطعام هتف عبدالله:
_ متنسوش أمي من دعائكم..
فدعوا لها جميعًا بالرحمة، وشرعوا في تناول الأطعمة الذكية، وبينما كان الجميع مُنشغلًا بين الأكل والأحاديث الجانبية كان قاسم مُترأس الطاولة، يجلس في صدر المجلس كأن المكان يستقيم به، يُمرّر نظراته على الوجوه من حوله، أبناؤه، أسرته، أصدقاؤ وعيناه مُمتلئتان بحب صافٍ وامتنان دافئ