تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في البداية وجب توجيه الشكر لجميع القراء في كل مكان على دعمهم الإيجابي، تشجيعهم المتواصل، وانتظارهم الشغوف لمتابعة أحداث فصول الرواية، بالإضافة للتحليلات العظيمة والتعليقات الجميلة على مدار الأجزاء السابقة .. وأرجو من الله أن يكون الجزء الثالث هو استكمال لتلك الملحمة الشعبية الأصيلة .. أترككم مع أحداث الفصل الفصل السبعون أخطأت حين هاتفت ابنتها، لتعلمها وسط نوبة بكائها المُقطعة لنياط القلوب، بما آَلم بشقيقها الوحيد، حينها صرخت منادية باسمه، أنهت الاتصال بعد إلمامها بالتفاصيل البسيطة، لتذهب ركضًا إ...
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الأول 1 - بقلم Manal Salem
في البداية وجب توجيه الشكر لجميع القراء في كل مكان على دعمهم الإيجابي، تشجيعهم المتواصل، وانتظارهم الشغوف لمتابعة أحداث فصول الرواية، بالإضافة للتحليلات العظيمة والتعليقات الجميلة على مدار الأجزاء السابقة ..
وأرجو من الله أن يكون الجزء الثالث هو استكمال لتلك الملحمة الشعبية الأصيلة ..
أترككم مع أحداث الفصل
الفصل السبعون
أخطأت حين هاتفت ابنتها، لتعلمها وسط نوبة بكائها المُقطعة لنياط القلوب، بما آَلم بشقيقها الوحيد، حينها صرخت منادية باسمه، أنهت الاتصال بعد إلمامها بالتفاصيل البسيطة، لتذهب ركضًا إليه، وقلبها يدعو الله بتضرعٍ كبير ألا يضرها فيه. لم تعرف "هاجر" كيف ارتدت ثيابها، وكيف حملت رضيعها على ذراعها، بالكادِ صمدت وهي تهرول بها بها نحو أقرب سيارة أجرة، لتقلها للمشفى الراقد فيه "تميم". عجزت عن الوصول إلى زوجها، فهاتفه مغلق منذ ليلة الأمس؛ وكأن وجوده أصبح والعدم سواء، تحرك فكها ليتساءل تلقائيًا:
-فينك يا "محرز"؟
لم تلك في حالة صفاءِ ذهنٍ لتفكر في أمره، شاغلها الأكبر حاليًا بلوغ المشفى في أقصى سرعة. وما إن ولجت للاستقبال، حتى أسرعت نحو إحدى الموظفات تستعلم منها عن مكانه، أرشدتها إحدى الممرضات إلى مكان انتظار عائلات المرضى، وهناك لمحت والدتها الباكية تنتحب على أحد المقاعد المعدنية، خطت في اتجاهها، وصراخها الموجوع يقطع السكون المشحون بالأحزان، والسائد في الأرجاء:
-أخويا جراله إيه يامه؟
كلمة واحدة أجابتها بها "ونيسة" بصوتٍ اختلط ببكائها الحارق، وجعل قلبها ينقبض أكثر:
-ادعيله.
تعبيرات والدتها المكلومة، نهنهاتها المخيفة، وعيناها المنتفختان أكدت لها أن الجلل عظيم، كادت "هاجر" تُسقط رضيعها من ذراعها المرتخي، لولا إسراع "سراج" الذي كان لا يزال متواجدًا لالتقاطه منها، قبل أن يرتطم جسده الضئيل بالأرضية القاسية، وتزداد حسرة العائلة بفاجعة جديدة، نبهها وسط سرعة ردة فعله:
-خدي بالك!
وكأنه يُحادث الفراغ، لم تكن "هاجر" في وعيها، انتابتها نوبة من الصراخ المصحوب بالعويل واللطم، شعورها بالذنب نحوه كان عظيمًا، لكونها كانت على خلافٍ كبير معه، ظنت أنه على وشك مفارقة الحياة، وهو لم يُغضبها يومًا، لم يحمل قلبه نحوها أدنى ضغينة؛ وإن قست عليه كثيرًا، زادت حدة صرخاتها، فنهاها والدها عن ذلك بلهجته الصرامة:
-مش عايز ندب هنا! أخوكي لسه مامتش عشان تعددي عليه.
وضعت يدها على فمها تكتم شهقاتها التي تقاتل للخروج، بينما تابع "بدير" أوامره:
-مش عايز أسمع حِس حد فيكم، مفهوم؟
تخلل صوته ألمًا واضحًا عندما أكمل بإجهادٍ ظاهر عليه:
-ابني بين إيدين ربنا دلوقتي، مقدمناش حاجة نعملها غير ندعيله ربنا ينجيه.
انهارت "هاجر" جالسة على المقعد إلى جوار والدتها، ووقف "سراج" في مكانه ينظر بحيرةٍ للأم تارةً، ولرضيعها الذي ما زال بين ذراعيه تارة أخرى، في النهاية حسم أمره بإبقائه معه ريثما تتمالك والدته نفسها، وبدأ في هدهدته بتؤدةٍ وحنو، حتى استكان في أحضانه، وغفا بعمقٍ لنومٍ لن ينعم به من حوله لوقتٍ طويل.
...............................................................
قناع البرود الذي لطالما لازمه، سقط لتوه مع تهديدات "محرز" له، بإحراق الأرض ومن عليها، إن لم يتدخل بشكلٍ حاسم لإنقاذه، فالأخير لم يتوقف عن الاتصــال به طوال الساعات الماضية، من أجل الضغط عليه، لتخليصه من الكارثة التي زج بنفسه بها. استقر "آسر" في سيارته، وقادها بعيدًا عن الحي السكني القاطن به، عاود الاتصـال به، وعرف منه تفاصيل رعونته المهلكة، فهاج يعنفه بكل ما فيه من غضبٍ وحنق:
-هو أنا قولتلك اتصرف كده يا غبي؟ إنت ما بتفهمش؟!
رد "محرز" بسماجةٍ:
-أهوو اللي حصل.
سأله بحدةٍ، ويده الأخرى تقبض على المقود:
-والمطلوب مني إيه دلوقتي؟
أجابه ببرود مستفز للغاية؛ وكأن جريمته سهل التعامل معها:
-تساعدني أطلع من القرف ده.
بعصبيةٍ زادت في نبرته، علق عليه "آسر":
-يعني إنت تُعك الدنيا، وأنا أنضف وراك؟
أخبره بلهجةٍ لم تكن مازحة أبدًا، ومالت للتهديد أكثر:
-ماتنساش إني راجلك، ولو وقعت مش هاقع لوحدي.
توقف عن القيادة، وصف سيارته على جانب الطريق، ثم سأله مباشرة بعد أن فهم تلميحه الضمني:
-ده تهديد يا "محرز"؟!!!
ببساطة رد قائلاً بنوعٍ من التحذير:
-لأ مش تهديد، بس بأرسيك على الليلة هتمشي إزاي.
للحظات سكت "آسر" عن الكلام ليفكر مليًا في كارثته غير المتوقعة، وقبل أن يزعجه "محرز" بصوته السمج أمره:
-طيب إدارى في أي حتة، لحد ما أشوف هاعمل إيه.
على مضضٍ قال بإيجازٍ:
-ماشي.
شدد عليه "آسر" بصوته الذي تحول للقتامة:
-ومتكلمنيش، أنا اللي هاطلبك.
عقب عليه بتحذيرٍ واضح، بعد زفيرٍ ثقيل:
-طيب، بس ماتغيبش عليا، لأحسن الشيطان شاطر، وجايز يوزني أعمل حاجات متعجبكش!
لعنه "آسر" في سره، وأنهى معه المكالمة، ليشرد بعدها لبرهةٍ، محاولاً التفكير بعمقٍ في كيفية إيجاد حلٍ يزيح تلك المصائب عن كاهليه.
...................................................
توقف محرك سيارته عن العمل، بعد قيادة استغرقت ما يقرب من الثلث ساعة، في الجراج الخارجي الواسع، والمخصص لخدمة المباني المتواجدة في هذه المنطقة الراقية، والخاصة بإدارة المؤسسات الاستثمارية والتجارية العملاقة، كانت الأجواء هادئة من حوله، حركة المارة والسير شبه محدودة، بسبب انقضاء أوقات العمل الرسمية قبل وقتٍ طويل، نظرة عابرة ألقاها على الواجهة الزجاجية لهذا المبنى الشاهق، بعد أن ترجل من سيارته، وعبر المسافة المتبقية متجهًا إليه. واصل "آسر" تقدمه نحو مدخله الفخم، وجهته كانت معروفة دون الحاجة للسؤال، لذا ظهر التردد والارتباك بقوة على قسماته، مهما حاول إخفاء ذلك، ولج لداخل المصعد، وضغط على زر الطابق العشرين بيدٍ ترتعش قليلاً، حتمًا لن يرضى رؤسائه عن الزلات المتكررة والمرتبطة به في هذه الفترة القصيرة، بالكاد نجا بأعجوبةٍ من قضية التهريب، وتكرار مثل تلك الأخطاء الجسيمة غير مقبولٍ في عالمهم! فماذا عن إخبارهم بأنه بات في موضع تهديد؟ لن يسمحوا بهذا مُطلقًا!
توقف المصعد عند الطابق المنشود، فخرج منه "آسر"، ليجد الحراسة الأمنية تحتل الردهة الطويلة، اقترب منه أحدهم بعد أن أشار له بالتوقف، قام بتفتيشه جيدًا، قبل السماح له بالمرور، وهو يخبره بلهجةٍ رسمية بحتة:
-الرئيس في انتظارك.
اكتفى بهز رأسه، راسمًا على شفتيه ابتسامة مصطنعة، حاول أن يخفي بها توتره المتصاعد بداخله، شعر بجفافٍ شديد يجتاح حلقه، ويزيد من شعوره بمرارة العلقم فيه، بلع ريقه غير الموجود، حين وقف أمام أحد الأبواب المغلقة، كور قبضة يده، ورفعها ليدق عليه بخفةٍ، منتظرًا السماح له بالدخول. حاول أثناء ذلك استدعاء شجاعة فارة منه، قبيل مواجهته المصيرية. بأعصابٍ مشدودة على الأخير، ســار "آسر" بساقين مهزوزتين نحو المكتب الخشبي الضخم، والذي يحتل منتصف الغرفة، ومن خلف حائط زجاجي حابس للأنفاس، حيث يمكن للمتواجد به رؤية معالم المدينة عبره. رفع عينيه بحذرٍ للأعلى، باحثًا عن وجه رئيسه؛ لكن الأخير لم يكن ينظر في اتجاهه، بل كان مديرًا مقعده الوثير ناحية المشهد الخلاف، يتأمله في صمتٍ، تضاعف توتر مرؤوسه من سكوته المريب، وبحرصٍ تنحنح بخفوتٍ ليلفت انتباهه إليه، ثم استطرد قائلاً باللغة الانجليزية:
-أعتذر عن إزعاجك سيدي.
استدار بمقعده رجل يبدو عليه السلطة والسيطرة، خمسيني العمر، ملامحه لم تكن عربية، وأكد على أجنبية جنسيته، لكنته الانجليزية الواضحة، حين رد عليه متسائلاً:
-ما الأمر الهام الذي أتى بك الآن؟
بجملٍ قصيرة مرتبة بعناية، أطلعه على المشكلة المهددة في الأفق، متوقعًا أن يثور في وجهه، وربما يوقع عليه بعض العقوبات الشديدة، كنوعٍ من التأديب له لتقصيره، ولسوء اختيار رجاله الأوفياء، بدا وكأن حظه الجيد تخلى عنه، واحتل مكانه طالع السوء، حدجه الرجل بنظراتٍ قاسية، قبل أن ينطق بجمودٍ جعل الخوف يقلص معدته:
-لم يكن ذلك اتفاقنا.
تلجلج وهو يبرر له:
-أعلم سيدي؛ ولكن حدثت بعض التطورات في الأيام الأخيرة، أجبرت أحد رجالي على التصرف برعونة.
هتف الرجل بأسلوبٍ متسائل، وبنبرة شبه حادة:
-مثل إهدار بضاعة تكلفت ملايين الدولارات؟ من سيعوض التنظيم عن تلك الخسارة الكبيرة؟
تضاعف اهتزاز صوته وهو يحاول توضيح ملابسات الموقف:
-للأسف لم يكن ذلك مقصودًا.
انتظر الأول لبرهةٍ، ثم سأله باقتضابٍ، وتلك النظرة الشريرة تكسو نظراته نحوه:
-وبعد؟
تعهد له برجفةٍ لم يتمكن من السيطرة عليها في نبرته:
-سأعمل بكل طاقاتي لـ ....
قاطعه الرجل بخشونةٍ، ضاربًا بقبضته المضمومة بعنفٍ على سطح مكتبه:
-لا نريد وعودًا لا تقدر على الإيفاء بها، أريد شيئًا ملموسًا.
بتوترٍ أكبر قال، وعيناه ترمشان في رهبة:
-ما أملكه من مالٍ لا يمكن أن يغطي هذه الخسارة.
نظر في عينيه بقساوةٍ، ثم ابتسامة باردة ظهرت على زاوية فمه وهو يرد بلهجته الآمرة:
-ولكنه البداية، أفرغ ما ادخرته في خزانتك الآن، وحوله على رقم هذا الحساب، ألست من يدير الموقع الإباحي، ويجني أرباحًا منه؟
صدمه بتحريره المتقصي عن أخبار حساباته البنكية، ولما لا يفعل؟ وتلك المنظمة تدار بإشارةٍ من إصبعه الصغير، حاول أن يعترض على طلبه، فأردف بحذرٍ، منتقيًا كلماته:
-نعم، لكن دخله محدود، بعد إعطاء الممثلين والمصورين أجورهم، وإن سددت بأموالي الخاصة جزءًا من الخسارة، سأكون معدومًا، لن أستطيع أن أنفق على شخصي، وعلى زوجتي أيضًا، خاصة بوجودنا في هذا البلد الغالي.
بحاجبٍ مرفوع للأعلى، ونبرة ساخرة سأله:
-هل تزوجت من جديد؟
لعق شفتيه، ودمدم بنبرة متذبذبة:
-نعم.. لكنها فقيرة، ليست كالبقية.
احتد صوت الرجل وهو يعقب عليه، مكررًا ضربه لسطح المكتب:
-كل مرة تدعي ذلك، ونجد حين ندقق في حسابك ربحًا لا بأس به، قبل أن تحصل تعيسة الحظ على الطلاق منك.
اجتهد لإخفاء حنقه من تتبع تفاصيل حياته الخاصة، وقال بتمهلٍ، آملاً أن يتسبب في غضبه:
-سيدي، تكاليف المعيشة تقضي على أي مدخرات أنالها من تلك البائسات.
هتف بصرامةٍ، وقد قست عيناه:
-ليست مشكلتي، ادفع ثمن غباءك.
لم يكن أمامه سوى إظهار خنوعه، بجهدٍ أكبر رد على مضضٍ، وهذا العبوس يكسو تقاسيمه:
-حسنًا.
تهديده كان صريحًا وقاطعًا، عندما أخبره مرة أخرى، بابتسامته الهادئة:
-صدقني سيد "آسر"، إن لم تصلح خطأك، فلن أضمن لك بقاءك على قيد الحياة.
انقبض قلبه، وقد بات على يقين كامل بأن قراره غير قابل للمفاوضة، حينها أدرك أن رقبته موضوعة على المحك، إن لم يتخذ الخيار السليم الآن، ويعوض رؤسائه عما كبده لهم من خسائر غير مقصودة.
..............................................................
نال منها الإرهــاق بعد انتظــار طويل، لا تعرف كم امتد؛ لكنه جعل جسدها يسبح في سبات عميق، إلى أن شعرت بأنين شكوى من عظامها التي تيبست من نومها غير المريح، اعتدلت "فيروزة" في جلستها، على الأريكة الوحيدة الموجودة بصــالة منزلها، دعكت عينيها بقبضتين مضمومتين، لتزيح آثار النعاس من عليهما، لم تعتد بعد على فارق التوقيت بين الدولتين، فما بدا لها أنه المساء، كان تقريبًا قد تجاوز منتصف الليل، تحركت من مكانها، وتجولت بتأنٍ في الأرجاء المحدودة المحيطة بها، تأملت عن كثبٍ المزيد من تفاصيل مسكنها، أو ما يطلق عليه مجازًا عش الزوجية، وكان بالفعل كذلك، محدودًا في كل شيء: مساحته، أثاثه الموجود به، وحتى في أدوات الطهي. تساءلت بصوتٍ متحشرجٍ، وقد تداركت أنها صارت متزوجة، ويشاركها غيرها في حياتها:
-أومال "آسر" راح كل ده فين؟
اتجهت إلى حقيبة يدها، أخرجت منها هاتفها المحمول، نظرت له بيأسٍ، وهي تعبث به، بدا لها كأنه أداة معدنية، لا فائدة منها، بالطبع لن تستطيع مهاتفة زوجها، بسبب افتقارها لرصيدٍ من العملة المحلية لتلك الدولة، يُمكنها من التواصل معه. تركته من يدها، واتجهت إلى الثلاجة، بعد أن شعرت بالجفاف المحمل بالعلقم يجتاح جوفها، فتحت بابها، وأمعنت النظر في رفوفها الفارغة تقريبًا، تبحث عن زجاجة مياه، لم تجد شيئًا يصلح للشرب، نفخت في سأمٍ، وأغلقت الباب بضيقٍ يكسو ملامحها، ثم دمدمت متسائلة مع نفسها:
-المفروض أعمل إيه دلوقتي؟
ســارت في اتجاه الشرفة، ووقفت خلف الزجاج، تتأمل السواد الحالك الذي يغطي السماء، أخفضت "فيروزة" عينيها، ونظرت إلى أضواء الشوارع الباهتة، كانت المنطقة من حولها خالية من المارة تقريبًا، وللمرة الثانية تجتاحها أحاسيس الوحدة، البعد، والغربة، ضمت ذراعيها إلى صدرها؛ وكأنها تبحث عن أمانها المفقود، في عزلتها القاسية. لوهلةٍ تسرب إليها مجددًا، شعورها العميق بالندم، على تسرعها في اتخاذ قرارها بشأن الزواج ممن أوهمها بتلهفه اللا محدود عليها. الهالة الساحرة المحاوطة به اختفت، بمجرد أن هبطت على أرض الواقع، وأدركت أن ما أخبرها به مجرد أحاديث واهية؛ ظاهرها مُخادع، وباطنها الكذب.
............................................................
اعتبر نفسه سيد اللعبة الآن، بعد أن تغيرت مجريات الأمور، وأصبح في موقف المُهدد، عــاد "محرز" إلى مخبئه، متخفيًا عن الأعين، أغلق الباب من خلفه، وجلس على الحشايا التي تفترش الأرضية القاسية، يفكر مليًا في الخيارات المتاحة أمامه، بعد تضييق الخناق عليه، وقد كانت محدودة، تُعد على أصابع اليد الواحدة. اعتصر عقله اعتصــارًا، ليخرج بخطة طوارئ، تنجيه عند اللزوم، خاصة مع عدم ثقته في جدية "آسر" في تنفيذ وعوده، فاليوم أعطاه إشارة مبطنة بأنه ربما سيتخلى عنه، إن طال الخطر عنقه. طرد الهواء المعبأ بدخان سيجارته من رئتيه، وأخبر نفسه بتعهدٍ:
-هتردم على دماغ الكل لو ضيعت فيها.
انقلبت شفتاه عن تنمرٍ صريح، وهو يكمل:
-مش دي أخرتها بعد خدمة الغُرب، اتسجن وهما يعيشوا في النعيم والنغنغة.
احتقنت نظراته بمزيدٍ من الوعود المهلكة، لن يسمح لنفسه أبدًا بأن يكون كبش الفداء، وانتظر على أحرٍ من الجمر الخبر اليقين من "آسر".
.............................................................
من الجيد أن هاتفها المحمول، خلال تجربة غير مقصودة منها، لتشغيل خدمة (الواي فاي)، قد التقط إشارة بثية، متاحة للجميع، جعلته ينبض بالحياة، وكذلك قلبها المشتاق، تهللت تعابير "فيروزة" الحزينة، حين دلت الإشعارات المتعاقبة التي يستقبلها على استجابته، وأيضًا جودة وقوة الإشارة، لتمكنها من التواصل مع أحبابها. جال بخاطرها، أن تهاتف شقيقتها باستخدام خدمة الإنترنت، لتطمئن منها على أحوال والدتها، وبغض النظر عن اختلاف التوقيت، أجرت الاتصــال، وانتظرت بفارغ الصبر ردها عليها، وما إن سمعت صوتها حتى هتفت تناديها، بكل اشتياق الدنيا ولهفتها:
-"همسة"، وحشتيني أوي.
وعلى عكس ما توقعت، من لهفة مماثلة، وجدت صوتها يعكس حزنًا ثقيلاً وهي ترد ببطءٍ؛ وكأنها تجد صعوبة في الكلام:
-وإنتي كمان.
سألتها في تعجلٍ، ودقات قلبها تتصاعد في صدرها:
-إنتي عاملة إيه؟ وإزي ماما؟ كلكم كويسين؟
جاءها صوتها بطيئًا ومهمومًا:
-احنا كويسين.
لامست رنة الحزن الكثيفة في نبرتها، فألحت عليها بسؤالها:
-"همسة" قوليلي، هو حصل حاجة؟ صوتك متغير، وأنا حاسة بده.
صمتت توأمتها للحظةٍ قبل أن تجيبها بترددٍ:
-أنا مش عايزة أقولك عشان متزعليش...
سكوتها عن الكلام ضاعف من انتفاضة قلبها الملتاع، وبصوتٍ شبه لاهث، مليء بالجزع، سألتها "فيروزة":
-ماما جرالها حاجة؟
حبست أنفاسها، منتظرة ردها المحمل بالأخبار غير السارة؛ لكن توأمتها خيبت توقعاتها السيئة بشأن والدتها، بقولها الهادئ:
-لأ، هي الحمدلله بخير.
عادت لتتنفس الصعداء بشكلٍ طبيعي، كما تخلل تعبيراتها القليل من الارتياح، فأرتخت كثيرًا عن الأول؛ لكن ما لبث أن بدأ القلق يغزو عقلها، مع صمتها المتكرر، لذا بلعت ريقها بصعوبةٍ، وتساءلت بحذرٍ:
-أومال في إيه؟
سكون مخيف ساد بينهما لثوانٍ، إلى أن جاوبتها "همسة"، بغصةٍ خانقة غطت على صوتها:
-دكان المعلم "تميم" اتحرق، وهو فيه.
موجة كاسحة من المشاعر المرعوبة، الخائفة، والمصدومة جرفت روحها المنهكة دفعة واحدة، لمجرد سماعها بالفاجعة الأليمة، أحست "فيروزة" بقلبها يهوي بين قدميها بارتياعٍ عظيم، لم تشعر به من قبل تجاهه. تلقائيًا تجسدت نصب عينيها مشاهد الحريق القديمة، بكل ما فيها من أوجاع مهلكة، وأحزان ثقيلة، ذكريات أبت ألا تتركها حتى في غربتها الموحشة، تحرك فكها لينطق بلهاثٍ، وكأن صدرها يستجدي الهواء ليتنفس، بعد انقطاعه عن رئتيها:
-مين؟!!!
.....................................................
متألمة، حائرة، وغريبة في بلاد استقبلتها ببرودٍ لم تتأقلم معه بعد، خاضت دون استعدادٍ ما اعتقدت أنه لن يأتي بين عشية وضحاها، كانت المسافات الكبيرة كفيلة بتعزيز تلك المشاعر المهمومة عليها، تجمدت "فيروزة" في مكانها لوقتٍ طويل، عقلها مغيب عما حولها، فقط عيناها الباكيتان شردتا في بقايا الظلام المفترش السماء خارج شرفتها، دمعاتها الحارة تنساب في صمتٍ على وجنتيها، لا تعرف إن كان ذلك حزنًا عليه، أم أسفًا على حالها!
شهقة عاجزة انفلتت من بين شفتيها، لم تمنعها، بل أضافت عليها ثانية، وثالثة، ورابعة. نهجان مؤلم ضرب صدرها بقوة، لم تقاومه، تركته يؤجج من حسرتها عليه، "تميم" بوجهه ذي التعابير الجادة احتل انعكاس الزجاج، ليذكرها بأنه لم يكن كغيره وضيعًا معها، رغم المضايقات، والمشاحنات الحادة بينهما، كان باقيًا على عهد الرجولة، والشهامة، مثالاً حيًّا لما يجب أن يكون عليه الرجل الحقيقي، لم يتخلَ عنها حين دعت الحاجة إلى ذلك، كان رفيقها الداعم، كان المدافع –باستماتةٍ- عنها، صدّق ما كذبه الآخرين، آمن ببراءتها؛ وإن كانت بلا دليل. قهرة أشد حرقة اعتصرت قلبها، أشعرتها بأن جدران بيتها الجديد تُطبق على أنفاسها، وهي تردد في صدمةٍ لم تستفق منها بعد:
-اشمعنى هو؟!
أحست بعجزها عن التنفس، لذا فتحت نافذة الشرفة، واندفعت للخارج، تلتقط من الهواء الجاف، ما يهدئ من الآلام النابضة بداخلها؛ لكنه لم يكن كافيًا لفعل هذا، تكالبت الأحزان الثقيلة عليها؛ وكأنها أبرمت اتفاقًا بزيارتها مبكرًا، لكسر بقايا روحها المستنزفة، بكت بنحيبٍ، وانخرطت في نوبة أشد، خشيت أنها كانت لأجله، خاصة حين رجت المولى باستجداءٍ نابع من القلب:
-يا رب نجيه!
...............................................................
أرادت بشدة أن يلتئم شرخها غير المرئي، على لمساتٍ حنونٍ تطيب جراحها، كانت أبسط أحلامها، وسط تلك العتمة المتسربة إليها، أن تحتوي أحضانه ما اعتراها من همومٍ مؤذية للروح، أن يكون السُكنى لوجعها غير المفهوم؛ لكن أمنيتها الضئيلة بقيت حبيسة فؤادها. بقلبٍ متألم، وعينين تخنقان عبراتها، انتظرت "فيروزة" بيأسٍ قدوم "آسر" بعد مرور ليلة طويلة موحشة عليها، تقاسي بشدة من الجفاء، والوحدة، انتظرته حتى شق النهار خيوطه، حينها فقط سمعت صوت المفتاح يُدار في قفله لينفتح الباب، رأته يطل عليها من فتحته المواربة، بملامح متجهمة، اقتربت منه، وسألته في قلقٍ يشوبه الضيق:
-كنت فين كل ده يا "آسر"؟
صاح بها بفظاظةٍ لم تتوقعها منه؛ وكأنها وسيلته المتاحة، للتنفيس عن غيطه المتراكم بداخله:
-وإنتي مالك؟ هتعملي معايا تحقيق؟
أدهشها رده الصادم، والذي بدا بعيدًا كل البعد عن الردود المحتملة منه، كان على النقيض من تلك الشخصية اللبقة، التي تنتقي عباراتها بدقة، تجاوزت عن إساءته الواضحة، لكونها مستنزفة عاطفيًا، وعقليًا، تنفست بعمقٍ، وضبطت بجهدٍ أعصابه، لتخاطبه بعدها بهدوءٍ:
-أنا كنت عايزة أطمن عليك، إنت كنت قايلي هاتجيب حاجة من تحت وطالع.
لم يرغب "آسر" في إفساد ما تبقى من يومه المشحون، لانت تعابيره المكفهرة، وحاول الابتسام معتذرًا منها:
-أسف يا حبيبتي...
تقدم نحوها، وانحنى برأسه على وجنتها ليطبع قبلة عادية عليه، لم تشعر بتأثيرها الحسي عليها، بدت فاترة، غير مليئة بمشاعرٍ دافئة تحتاج إليها بشدة، تراجع عنها، ووضع راحتيه على جانبي ذراعيها يمسدهما ببطءٍ، أسبل عينيه نحوها، وادعى كذبًا كعادته:
-بس حصل مشكلة كبيرة في الشغل، وكان لازم أحلها على طول.
رددت في دهشةٍ، وقد تقطب جبينها:
-بالليل كده؟
هز كتفيه مواصلاً كذبه المرتب:
-دي طبيعة شغلي هنا، مقدرش أقول لموكليني لأ.
لم تتشكك في أمره، وأومأت برأسها قائلة:
-طيب.
برزت ابتسامة أخرى، يُمكن وصفها بأنها لطيفة، وهو يستطرد موضحًا:
-أنا عارف إن النهاردة المفروض تكون دخلتنا، بس آ...
رغبتها في ممارسة أي نوعٍ من التقارب الحميمي معه كان مفقودًا، لذا قاطعته قائلة؛ وكأنها بذلك تُعلمه بتفهمها لما حدث:
-مافيش مشكلة، أنا أصلاً جاية تعبانة من السفر.
تحرك "آسر" ليقف بجوارها، ثم لف ذراعه حول كتفيها ليضمها إليه، ومسد بأصابعه –صعودًا وهبوطًا- على جانب ذراعها معقبًا عليها:
-الأيام قدامنا كتير.
تقوست شفتا "فيروزة" قليلاً لتظهر عليهما بسمة رقيقة، وسارت معه في اتجاه غرفة النوم، حيث من المفترض أن يتشاركا الفراش سويًا، وذلك ما لم تكن مستعدة له بعد؛ لكنها كانت بحاجة ماسة للشعور بدفء وجوده، عله بقربه يبدد شقائها المستبد بعقلها، وكذلك جوارحها.
...............................................................
تلكأت فيما تفعله من ترتيب للوسائد، وإعادة إعداد الفراش، ريثما ينتهي "آسر" من تبديل ثيابه في الحمام، وخلال ذلك لم تجرؤ على انتزاع روبها عنها. أزالت "فيروزة" عن بشرتها بقايا آثار مساحيق التجميل التي تزينت بها، وتأكدت من وضع طبقة كريم ترطيبية عليه، ثم مشطت شعرها، وسوت مقدمته، لتنهي ما تقوم به بنثر القليل من العطر على جانبي عنقها، استنشقت آثاره العالقة في الهواء باستمتاعٍ، فكانت شبه متأكدة أنه سيحوز على إعجابه، اقشعر بدنها وقد صدق حدسها حين علق على ذلك من بعيدٍ:
-البرفان اللي إنتي حطاه ريحته حلوة.
تخلل مشاعرها المرتبكة القليل من الثقة لحسن اختيارها، استدارت نحوه وشكرته:
-ميرسي.
أضاف وهو يتجه نحو الفراش ليستلقي عليه:
-بس في أنواع أحسن هابقى أشتريهالك، أكيد إنتي عملاه تركيب.
أفسد لحظة سعادتها المؤقتة بوقاحته، ولم تستطع ضبط لسانها وهي ترد:
-على الأقل أنا عارفة إنه تركيب، مقولتش عليه أصلي وهو مش كده.
لم يتفقه ذهنه للتلميح المبطن الذي شاب جملتها، على ما يبدو قصدت الإشارة لخداعه لها في مسألة سكنه، ومستواه الاجتماعي المرموق الذي ملأ رأسها به. تلقائيًا تحركت نحو الجانب الآخر من الفراش، وهي تنزع عنها روبها الحريري، توقعت "فيروزة" أن تكون أنظاره تتجول على تفاصيل جسدها الأنثوي بفضولٍ، وهذا أشعرها بالخجل؛ لكن سرعان ما تبدد ذلك الإحساس سريعًا، ليحل الجمود عليها وهو يتساءل بلهجةٍ منزعجة للغاية، لا تشكيك فيها:
-إيه اللي في ضهرك ده؟
استدارت نحوه، ورفرفت بعينيها محاولة إبقاء ثقتها بنفسها، وهي تجيبه بثباتٍ يناقض الصراعات المتواترة بداخلها:
-ده حرق حصلي وأنا صغيرة.
احتفظ وجهها بتلك النظرة المذهولة المتسعة، والمحملة بالصدمة والخزي، عندما تحرك فكه ليسألها بوقاحةٍ، بنبرةٍ مليئة بالاتهام، وخالية تمامًا من أدنى مظاهر الحب أو التعاطف:
-إنتي مقولتليش إنك مشوهة؟
بهتت ملامحها وهي تردد كلمته القاتلة بنبرتها مصدومة:
-مشوهة؟
بدا مستنكرًا لدهشتها، فقال بجمودٍ، وعلامات التقزز تطفو على صفحة وجهه:
-أيوه، إيه الغريب في كلامي؟
انخلع قلب "فيروزة" أكثر، مع قساوة كلامه الجارح، وبشاعته المفرطة، وقد أضــاف بنفورٍ بائن، وبنظراتٍ احتقارية، مشمئزة، أجبرتها على خوضِ إحساسٍ مرعب لم تعهده من قبل، أشعرها فيه، من حمل لقب زوجها، بقبحها الدميم:
-مُسخة ماتنفعش حتى يتبص عليها!!
اتسعت عيناها على آخرهما في صدمةٍ أشد، لم تتعرض مطلقًا لمثل ذلك التنمر المؤذي، وهتفت بكبرياءٍ مترفع يفوق ألمها:
-ماسمحلكش تقلل مني، أنا ...
-إنتي واحدة مقرفة، إزاي عايزاني ألمس بشرتك وهي كده؟
أظهرت هي الأخرى ازدرائها من شخصه المقيت، وردت بعزةِ نفسٍ لا تليق إلا بها:
-وأنا مش عايزاك تلمسني...
ثم زاد صوتها صلابة وهي تكمل:
-اللي حصلي زمان كان قضاء ربنا، أنا ماليش دخل فيه.
أراد التحقير أكثر منها، بل وإفراغ كتلة غضبه المكبوتة بداخله، ليس فقط لإشعار نفسه بأنه في موقف قوة؛ ولكن أيضًا لإخفاء عجزه، خرجت الكلمات من جوفه كالسهام القاتلة وهو يتفوه قائلاً:
-إنتي عاملة زي البضاعة البايظة، ماتنفعش لأي حد...
استشاطت غضبًا من وضاعته غير المحدودة، وقبل أن تبادر بالرد عليه، أضــاف بمزيدٍ من الفظاظة:
-لأ وكنتي عمالة تتأمري عليا، مش راضية بيا.
هدرت به بتشنجٍ، مُذكرة إياه، بما ظن أنها غفلت عنه، وعيناها تقدحان بحممٍ محتقنة:
-وأنا مطلبتش منك تتجوزي، إنت اللي فضل تلف ورايا لحد ما وافقت.
من زاوية فمه أخبرها باحتقارٍ باعث على الغثيان:
-كنت غلطان، فكرت هتجوز أميرة، ملكة جمال، مش مجرد نص ست، ابقي بصي لنفسك كويس في المراية، وشوفي جسمك عامل إزاي؟!
قال جملته الأخيرة، ونظرة الاستحقار موجهة إليها:
-ماظنش في راجل يقبل بكده.
رمقته بنظرة دونية أشعلت بها حنقه، عندما ردت:
-بس إنت قبلت بيا، إلا لو مكونتش آ....
بترت كلمتها الأخيرة قاصدة إهانته بشدة، وإن لم تصرح بذلك علنًا، وصل إليه المغزى من تلميحها المبطن، فأصابت هدفها في مقتلٍ، وبأقل مجهودٍ، ظهر تأثير كلامها –رغم عدم معرفتها بحقيقة عجزه- واضحًا عليه، فحل الجمود على تعابيره، وغامت عيناه نحوها، حاول أن يرد بنفس الأسلوب المهين، ليزدريها أكثر، فقال:
-مكونتش أعرف عيبك قبلها، إنتي غشتيني!
على جميع المستويات لا يمكن أن يعد من اقترنت به كزوجٍ لها رجلاً، اللقب لا يستحقه أبدًا، ومع اتهاماته المجحفة نحوها، برزت كراهيتها الكاملة له، منذ البداية لم تكن له أي مشاعر، ولم تملك عاطفة حسية نحوه، لذا برأسٍ مرفوعٍ للأعلى في إباءٍ خاطبته، دون أن يظهر عليها بادرة ضعف، على الرغم من الشروخ التي هشمت ما تبقى من روحها:
-خلاص ملحوئة، صلح الغلط ده، وطلقني.
زوى ما بين حاجبيه معلقًا في وقاحةٍ لم تعهدها أبدًا:
-بالبساطة دي؟ واللي دفعته فيكي؟
وكأنها تُحادث نخاسًا في سوق الجواري والرقيق، وليس زوجًا من المفترض أنه محترمًا، استنكرت لهجته، وهاجمته ببغض أشد:
-نعم؟ دفعته فيا؟ إنت أصلاً مصرفتش حاجة على الجوازة دي، تقريبًا كانت جوازة ببلاش!!
لم يعترض على وصفها، بل أكد على كل كلمة نطقت بها، وأضاف:
-آه بس دفعت تذاكر سفر، وتأشيرة، ده غير مصاريف قبل الجواز، وده يدوب سعرك!
كررت عليه بإصرارٍ عنيد، ووجهها قد تحول للإظلام:
-طلقني يا "آسر"، احنا ماينفعش نكمل مع بعض.
ساومها بأسلوبه الفج:
-مش قبل ما تدفعي اللي صرفته عليكي.
منعت موجة من الغضب من الانفجار في وجهه، وهي تسأله:
-كام يعني؟
مط فمه للحظة، ونظراته تدور على جسدها؛ وكأنه يقيم بضاعة معروضة في فاترينا المعروضات، ليخبرها بعدها ببرودٍ:
-ممممم.. نقول تقريبًا نص مليون جنية.
استفزها بالسعر المبالغ فيه، وكأنه يثبت لها بالفعل أنه لا يفرق شيئًا عن تاجر الرقيق؛ ولكن في العصر الحديث، لهذا هدرت به:
-إيه؟ إنت اتجننت؟
استقام في وقفته، تطلع إليها بجفاءٍ، قبل أن يبتسم لها بسماجةٍ، أشعرتها برغبة عارمة في التقيؤ، لمجرد النظر في وجهه القميء، ثم تكلم قائلاً؛ وكأنه لم يعر عصبيتها أدنى اهتمام:
-أنا واحد عملي، مش معقول أطلع خسران من أي جوازة.
تصاعدت الدماء الحانقة إلى رأسها، فألهبت خلايا عقلها الثائر، كما شعرت بغليانٍ حارق يسري في عروقها، انتفض جسدها وهي تصرخ به، معيدة جزءًا من جملته الأخيرة في صورة تساؤل عكس صدماتها المتتالية:
-أي جوازة؟ هو إنت اتجوزت قبل كده؟
تقدم نحوها، ونظرة فخر غريبة تطل من عينيه، ليوضح لها حقيقة أخرى، اكتشفتها في ليلتها البائسة:
-يا حبيبتي! أنا بالبلدي كده عايش على قفا النسوان، وإنتي مش أول واحدة أتجوزها.
آخر ما قد يخطر ببالها، اعترف لها به هكذا ببساطة، وبغيرِ ندمٍ، ولا مقدماتٍ تمهيدية! عكست ردة فعله الهادئة اعتياده على مثل تلك الثورات النسائية، تصلب جسدها، وشعرت بقرب انهيارها، مع تحطم الصورة الوهمية، لشخصٍ ظنت أنه الاختيار السليم في وقتٍ حرج، النجاة من تعاسة فرضت عليها قسرًا، وانطلاقة لمستقبل أفضل في بلد كان مغايرًا عما اعتادت عليه في وطنها؛ لكن كانت الحقيقة -غير القابلة للتشكيك- أنه كالجحيم المستعر، اندفعت نحوه لتهجم عليه، ضربته بغيظٍ حانق في صدره بقبضتيها، وقد فقدت السيطرة على ضبط أعصابها، لتلعنه بعدها بإهانةٍ صريحة:
-آه يا واطي، يا حيوان!
قبض على رسغيها، ومنعها من التطاول باليد عليه، دفعها للخلف بعنفٍ، لتسقط على ظهرها، وهو يحذرها بخشونةٍ:
-إياكي تغلطي، وإلا لسانك ده هيخليكي تدفعي أكتر.
الألم البدني لا يقارن أبدًا بالألم المعنوي، وخزات الأخير أشد وطأة على النفس، إهلاكه لها يكمن في عمق تأثيره الغائر، ووسط أوجاعها المدمرة ردت "فيروزة" باستبسالٍ اندهشت هي منه:
-وأنا مش هادفع لواحد زيك مليم، ولو مطلقتنيش بالذوق، أنا هاروح السفارة هنا، وهاشتكي عليك، وهاعرف إزاي اتطلق منك.
برزت عينا "آسر" في صدمةٍ مفاجئة له، بل ومهددة بقوةٍ لمركزه، وربما افتضاح أمره بالكامل، وهو لم يفق بعد من تهديدات رؤسائه، فماذا إن زاد الطين بلة ببلاغها المزعوم؟ دنا منها متسائلاً بلهجةٍ متشددة:
-إنتي بتقولي إيه؟
استندت على مرفقيها، ودفعت جسدها لتنهض، وقفت على قدميها تتحداه في عدم رهبة، كانت معتادة على التعنيف البدني، وبالتالي دفعاته القاسية لم تكن بالغريبة عليها، شحذت كل طاقاتها الغاضبة والناقمة منه ضده، وردت بجراءة أكبر:
-اللي سمعته، ومحدش هيقدر يمنعني، ما هو مش معنى إني في بلد غريب، إني مش هاعرف اتصرف، إنت متعرفنيش كويس يا سيادة الأفوكاتو!!
وصفها بدا أقرب للتهكم عن مجرد كلمة عابرة، بذل قدرًا كبيرًا من الجهد ليسيطر على نفسه، وهتف في استهزاءٍ مستخف بها:
-حلو أوي.. بتهددي كمان؟!
أومأت برأسها مؤكدة دون أن يرتد لها طرف، فزاد من حقده نحوها، وأخبرها مباشرةً كوسيلة أخرى للضغط عليها، وإخضاعها:
-طيب قبل ما تفكري تاخدي الخطوة دي، شوفي الفيديو ده.
تقلص وجهها في ارتيابٍ وهي تسأله:
-فيديو إيه؟
اعتلى زاوية فمه ابتسامة خبيثة، قبل أن يرد:
-حاجة تستاهلك.
قــام "آسر"
-إيه اللي موجود في الفيديو ده؟ دي مش أنا.
-ما أنا عارف، بس تفتكري وقت ما أمك تشوفه، ولا خالك، هيصدقوا إنها مش إنتي؟ طب إيه رأيك نبعته عند أهلك في البلد؟
هدرت به بجنونٍ، ملقية بالهاتف أسفل قدميها لتحطمه، ثم انقضت عليه لتطبق على عنقه:
-دي مش أنا، إنت واحد قذر، نجس، مش بني آدم أصلاً.
لكن قبل أن تصل إليه، سدد لها لكمة مباشرة في وجهها جعلت عقلها يضيء، وتشوش رهيب زحف على عينيها، ترنحت من قوة الضربة المباغتة، ومع هذا جاهدت للحفاظ على اتزانها. امتدت ساقه لتعرقلها وتطرحها أرضًا، حينها فقط خرج عن شعوره، بعد ذلك الكم الكبير من الضغوطات المتوالية عليه، جعلها تبدو أمامه ككيس الملاكمة، انهال عليها بما يقدر عليه من ضربات وركلات، جعلت عظامها تصرخ مستغيثة من عنفه المستبد بها، تعنيفه البدني فاق حدود ما تعرضت له خلال الفترة المنصرمة من حياتها، قاومت حتى الرمق الأخير، وإن عجزت عن صد ضرباته فعليًا، إلى أن أجبرها عقلها المهزوم، في معركة أخرى جديدة عليها، على الانسحاب من واقعها القاسي، وبقي مصير روحها الجريحة معلقًا بين يديه.
توقف "آسر" عن اعتدائه اللا أدمي عليها، بعد أن أفرغ فيها شحنته المجتمعة فيه، لم يعد يشعر بيديه، حرك كلتاهما في الهواء قبل أن يفركهما معًا، أنفاسه اللاهثة اخترقت السكون العجيب الذي احتل الغرفة، مسح عن وجهه العرق الغزير الذي تصبب منه، بيده المرتعشة، تراجع عنها، ونظراته لم تبتعد عن جسدها المتخشب، لم يظهر عليه أي إشفاقٍ نحوها، بل إلى حد ما شعر بنشوة عجيبة تجتاح روحه الميتة، كان بحاجةٍ لمن تكون ذبيحته في تلك الليلة المليئة بالصدامات، وقد كانت هي!
..........................................................
وكأن بين قلبيهما الضائعين خاطرًا غير محسوسٍ سوى منهما، فتح "تميم" عينيه محدقًا في سقف غرفته، كلوحِ الخشب لم يتحرك لثوانٍ، اعتصاره مقبضة نالت من قلبه، فشعر به، وكأن أحدهم ينتزعه نزعًا من بين ضلوعه، شهيق متحشرج شق طريقه بصعوبةٍ ليصل إلى رئتيه؛ لكنه كان مؤلمًا حد الموت. لحظة استفاق فيها عقله من سباته، فهمست شفتاه تناديه بحروفٍ تكاد تكون مقروءة:
-"فـ..ير..و..زة"!
إدراك حقيقة خسارتها للأبد أوهن روحه، جعله فاقدًا للرغبة في المواصلة، حتى عينيه ذرفتا الدموع في ألمٍ وحسرة، عجز جسده المتآذي عن مقاومة الانفعالات المتزايدة عليه، استسلم لضعفه الإجباري، فتشنجت أطرافه بشدة، مما جعل صوت صفير الأجهزة المربوطة به يزأر، لينذر بوجود خطرٍ جسيم محدق به، اقتحمت غرفته الممرضة على إثر الصوت الحاد، خطت نحو فراشه، لتفقد حالته، اعتراها قلق مبالغ فيه، وانعكس بوضوحٍ على تعبيرات وجهها، حين أدركت تدهوره غير المتوقع، هرولت ركضًا للخارج لتستدعي أحد أطباء الطوارئ لإسعافه، وهي ترجو الله ألا يكون في تأخيرها هلاكه ........................................................ !!!
........................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثاني 2 - بقلم Manal Salem
مساء الخيرات عليكم ..
في انتظار تفاعلكم مع الفصل ..
وماتنسوش معرض الشارقة الدولي للكتاب لسه مستمر معاكو لحد يوم السبت القادم بأمر الله، خصومات كبيرة وعروض كتيرة في جناحنا إبداع بصالة 4
أعمالي كلها متاحة هناك ..
أسيبكم مع الأحداث المشوقة
الفصل الحادي والسبعون
على لوح خشبٍ متهالك، بدا وكأنه طوفِ نجاةٍ، يصارع للبقاء بثباتٍ وسط أمواجٍ عاتية، تمدد جسدها المرتعش عليه، شعرت أنه لا يكفي لحملها، بين لحظة وأخرى سيميل على جانبه، ليقذفها وسط تلك الدوامات الجائعة، المتلهفة لابتلاعها، بذلت "فيروزة" أقصى ما تستطيع لتتمسك بحافتيه، تشبثت به وارتجافتها المذعورة تتصاعد مع حدة الأمواج، لم تتمكن من إزاحة الماء العالق برموشها، أحست بحرقة تأكل عينيها، منعتها من الرؤية، ولم تقوَ على فركهما، فإن أبعدت يدها؛ لربما سقطت عن قشتها المُنجية، وبين تلك المعاناة، لمحت شيئًا قادمًا في اتجاهها، لم تتبين في البداية ماهيته، أطبقت على جفنيها وفتحتهما عدة مرات، حتى تتضح لها ملامحه، بعد مجهودٍ لا بأس به، استطاعت أن ترى قاربًا متوسط الحجم يدنو منها، اتسعت عيناها على آخرهما، وقد رأت "آسر" يقف بوجهه الشامت على سطحه، يرمقها بتلك النظرة الدونية، حرقة عظيمة اشتعلت في قلبها، دققت النظر في الواقف خلفه، والذي تقدم خطوتين ليقف إلى جواره، انقبض قلبها المعذب لرؤية شبح "فضل" وشفتاه ترسم ابتسامة حاقدة، ومن خلفهما انضم خالها إليهما، ليشترك الثلاثة في ازدرائها؛ كلٌ على شاكلته، وبطريقته المهينة.
هاجمتها موجة عنيفة، كادت تقلب اللوح على ظهره؛ لكنها نجت في اللحظة الأخيرة، ورغم آلام عينيها رفعتهما "فيروزة" نحو ثلاثتهم، تنتظر تحرك أحدهم لإنقاذها، لم يحركوا ساكنًا! ظلوا يشاهدون معاناتها المهلكة ببرودٍ شديد؛ وكأن قلوبهم كالحجارة أو أشد قسوة، يبتسمون لأنفسهم وهم يشيرون بأيديهم نحوها، وحده من التقطت أذناها ندائه البعيد، أجبرت رأسها على الاستدارة للجانب، لتسمع صوته الرجولي المألوف ينادي مجددًا:
-"فـيروزة!".
غمرها رغم الخطر المحدق بها إحساسًا مطمئنًا بإمانٍ لا حدود له، دق قلبها بقوةٍ، وقد رأته يسبح في اتجاهها، ذراعاه يضربان الأمواج باستماتةٍ، كما لو كان يقاتلها، في حلبة للمصارعة، سعى جاهدًا ليصل سريعًا إليها، ابتسمت تلقائيًا رغم كل شيءٍ لوجوده، شعرت بدفءٍ ينساب من طرفيها، أدركت لاحقًا أنها دموع سعادتها لحضوره المصحوب بأسمى معاني الشهامة، سماتٌ افتقدت وجودها في محيطها الذكوري، انفرجت شفتاها لترد النداء، ليعلم مكانها؛ لكن انحبس صوتها داخلها، كررت المحاولة، ولا استجابة من أحبالها! تلاشى الأمان، وحل الخوف كبديلٍ عنه، صرخ قلبها يناديه، بما عجز اللسان عن النطق به:
-ماتسبنيش!
.....................................................................
مسحت آثار النعاس العالقة بجفنيها، حين رأت ابنتها ما تزال متكومة أمام باب المنزل المنغلق، بمفتاحٍ احتفظت به معها في غرفتها، منذ أن تركتها بالأمس على تلك الوضعية، تضم ركبتيها إلى صدرها، وتحاوطهما بذراعين معقودين عند كفيها، مع اهتزازة ثابتة لكامل جسدها. ألصقت "خلود" ظهرها بالكتلة الخشبية، ما زالت تبكي بنحيبٍ رغم جفاف الدموع في مقلتيها، منحتها "بثينة" نظرة إشفاقٍ على حالها البائس، زمت شفتيها أولاً في تأفف قبل أن تحرك فكها قائلة، بشيء من الرجاء:
-يا بنتي حرام عليكي اللي بتعمليه في نفسك ده.
لم ترفع عينيها نحوها، وقالت بوجهٍ بائس، تعكس نظراتها قهرًا عميقًا:
-ده "تميم" يامه.
ردت والدتها في عصبية، مستنكرة موقفها العطوف نحوه:
-أهوو ربنا خدلك حقك منه، ده بدل ما تفرحي فيه؟
اعترفت لها في لحظةِ صدقٍ:
-حق إيه بالظبط؟ يامه ده احنا اللي جنينا عليه!
غمغمت والدتها في تبرمٍ:
-وهو ماصنش العِشرة...
حقدٌ مضاعف غلف نظرات "بثينة"، كما تحولت نبرتها للمزيد من القساوة، وهي تتابع:
-ده بدل قلبك ما يبقى حجر، طالعة خايبة بالشكل ده؟ احنا في غابة، "تميم" واللي من عينته ياكلوكي لو اديتهم ريق، اتعلمي تدوسي على الناس، ومحدش يدوس عليكي!!
للحظةٍ شردت عينا ابنتها؛ وكأنها تستحضر صورته في ذهنها، ظهرت بحة مختنقة في صوتها، عندما أخبرتها بتملكٍ واضح:
-هو غير أي حد، ده بتاعي أنا، قلبه ملكي لوحدي، مش من حق حد يزعل عليه غيري
زفرت قائلة في ضجرٍ من امتنهانها لنفس الطريقة في استجداء مشاعر الآخرين:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، يا بت اعقلي بقى.
ضمت "خلود" شفتيها في غيظٍ، بينما خاطبتها والدتها بلومٍ، مستشعرة تقصيرها في تنفيذ ما ظلت توصيه بها طوال حياتها:
-كان عندي أمل تعملي إنتي وأخوكي اللي معرفتش أعمله زمان بعد موت أبوكي، بعد ما خدوا كل حاجة مني، وسابوني للهم لوحدي...
تردد بداخلها صوتًا حاقدًا، لم تتمكن من البوح به علنًا:
-أختي خدت كل حاجة حلوة، وأنا كان نصيبي الشقى والحرمان، ويا ريت عيالي طلعوا عدلين، إنما واحد دلدول مراته، تحركه بصوباعها الصغير، والتانية فاضلها تكة وتدخل السرايا الصفرا.
ارتفع صوت نهنهات "خلود"، فصاحت بها والدتها على مضضٍ، رافضة السماح لقلبها بأن يرأف بحالها:
-كفاية بقى يا بت، عيطي على حد يستاهل، ده أنا لو جرالي حاجة مش هتعملي ربع المناحة دي عليا.
هسهست ترد عليها:
-بعد الشر يامه، بس...
بترت باقي جملتها، وأرخت ساعديها لتزحف على ركبتيها في اتجاهها، تعلقت بساقهان ورفعت عينيها المتورمتين –من كثرة البكاء- نحوها تستعطفها بتوسلٍ لم تمانع في إظهاره:
-وديني عنده يامه، أبوس إيديكي ورجليكي خلينيي أكون جمبه.
نظرة يائسة كست عيناها نحوها، كانت مدركة أن ابنتها لن تتوقف عن إذلال نفسها في سبيل استعادة طليقها، والظفر بحياةٍ تعيسة، فرضت عليها منذ البداية، لن تحظى فيها مهما مرت بها الأيام، سوى بالمزيد من القهر، والشقاء. بوجهٍ غائم تطلعت إليها "بثينة"، لتنفخ بعدها في سأم وهي تعلق مستسلمة أمام إلحاحها المريض:
-ماشي يا "خلود"، هوديكي عنده...
لكن ما لبث أن تحول صوتها المستاء للصرامة:
-بس إياكي تعملي حاجة مترضنيش واحنا هنا، عززي نفسك، وخلي عندك قيمة وكرامة.
قفز قلبها طربًا لاستجابتها لها، استندت على كفيها، لترفع جسدها عن الأرضية، وهتفت بفرحةٍ فاقت أي تصور:
-حاضر يامه، اللي إنتي عايزاه، المهم أبقى معاه.
راقبتها والدتها بنظرات مشمئزة مزعوجة؛ لكنها رغم كل شيء انصاعت لها، على أمل أن تسترد عقلها المغيب، بسبب رغباتها الجنونية.
......................................................
اكتظ المشفى بتواجد العشرات من معارف عائلة "سلطان"، الكل تهافت لتقديم العون، الدعم، وأيضًا الوقوف بجانب قطبي العائلة في مصابهما العظيم، فمن يرقد بين الحياة والموت معروفٌ بأصالته في عالم يفتقر لرجالٍ من أمثاله، كان على رأس هؤلاء عائلة "حرب"؛ "طه"، وابنيه؛ "منذر" و"دياب". صمتٍ جليل سيطر على الردهة المزدحمة، لم يقطعه إلا أنفاس مشحونة، أو نهنهاتٍ مكتومة. تحرك "منذر" في اتجاه "سراج"، سحبه من ذراعه ليسأله مستفهمًا، بعد أن انضم إليهما الحاج "عوف":
-إيه اللي حصل بالظبط؟ "تميم" كان لوحده في الدكان؟ ولا مين كان معاه؟
أجابه "سراج" بتعابيرٍ واجمة:
-الظاهر مكانش معاه حد.
في حين أضــاف "عوف" باستهجانٍ شديد:
-ولاد الحرام شكلهم كانوا مرقدينله.
علق عليهما "منذر" بتوعدٍ مهدد، قاطعًا على نفسه وعدًا نافذًا، وبنظراتٍ تحولت للشراسة:
-ولاد الـ ....، قسمًا بالله ما سايب اللي عمل فيه كده، لو كان في المريخ هاجيبه.
مال "سراج" نحو "منذر" برأسه ليقول له، بصوتٍ شبه خافت، وإشارة ضمنية من عينيه:
-بأقولك يا ريس "منذر"..
فهم الأخير تلميحه غير المنطوق، وتحرك معه بعيدًا عن الحاج "عوف" الذي عاود أدراجه لينضمن للبقية. تساءل "منذر" بقسماته الجادة:
-خير يا "سراج"؟
جاوبه بكلماتٍ مستريبة:
-وأنا بأطلع "تميم" من قلب النار في دكانه، كان بينادي على "محرز".
في ذهولٍ ردد اسمه:
-"محرز"؟!!!
أومـأ برأسه مضاعفًا التأكيد على هويته:
-أيوه، حتى أنا فكرته محبوس معاه.
جاب "منذر" بنظراته على أوجه المتواجدين في الردهة المزدحمة، وقال وهو ينظر مرة أخرى في اتجاه "سراج":
-أنا مش شايفه موجود وسط الناس اللي هنا.
عقب عليه بشكٍ:
-ما هو ده اللي أنا مستغربه، والست جماعته قالت إنها متعرفش حاجة عنه من ساعة اللي حصل!
حملق في بصمتٍ، وكأنه قد استغرق في أفكاره التحليلية العميقة، ليضيف بعدها "سراج"، مفصحًا عما يساوره من شكوكٍ،
-بيني وبينك، أنا حاسس كده إن ليه علاقة باللي حصل لـ "تميم".
هتف "منذر" من بين أسنانه، بكراهيةٍ معكوسة كذلك على ملامحه:
-الواد ده طول عمري مابستريحلوش، لِوَني (متلون/مخادع) كده، ومش صريح...
كادت نبرته القاسية ترتفع حين أكمل بعدائية:
-بس لو كان وراها، محدش هيرحمه من إيدي.
اقتضب "سراج" في الرد، فقال:
-هيبان.
توحشت نظراته معقبًا عليه بلهجته الصارمة:
-واحنا مش هنستنى لما يبان، حق "تميم" لازمًا يتجاب.
أمّن على كلامه قائلاً:
-وأنا معاك، صحيح النفوس كانت شايلة من بعض زمان، بس إنت عارفني، مابخونش، ولا أضرب راجل في ضهره.
ربت على كتفه يشكره في امتنانٍ:
-عارف يا "سراج".
تحرك "منذر" للجانب قليلاً، عندما أقبل عليه شقيقه، ليقف في المنتصف بينه وبين "سراج"، سأله "دياب" مستفهمًا، ونظراته المتفحصة تتوزع عليهما:
-الكلام على إيه دلوقتي؟
أجابه شقيقه مباشرةً؛ وكأنه يأمره:
-عايزين نشوف "محرز" متاوي فين.
تقلصت عضلات وجهه في استغرابٍ، وضاق ما بين حاجبيه متسائلاً:
-"محرز"؟ ليه؟
لم يجبه "منذر"، ففهم على الفور مقصده، ونطق يسأله بحذرٍ، وكامل نظراته عليه:
-أوعى يكون آ...؟
هز رأسه بإيماءة مؤكدة، قبل أن يتابع بهدوءٍ:
-"سراج" شاكك في ده، بس مش عايزين نسيح في المكان لحد ما نتأكد.
فرك "دياب" كفيه معًا، ورد على الفور، كما لو أن الأمر يروقه:
-اشطا.
تساءل "سراج" بغرابةٍ:
-هتعرف تجيبهولنا؟
ابتسامةٍ واثقة أنارت زاوية فمه عندما أجابه:
-بسيطة، عندي اللي يقلب الدنيا عليه، حتى لو كان مستخبي في أوم أوم.
رد "سراج" بتشكيكٍ، مستخدمًا يده في الإشارة:
-هتدوروا عليه فين؟ ده زي ما يكون بندور على إبرة في كوم قش.
غمز له بطرف عينه، وهو يخبره بثقة تامة:
-دي لعبتي.
وضع "منذر" يده على كتف شقيقه، وجال بنظراته على الاثنين مشددًا من جديد:
-خلاص يا رجالة، اتفقنا، والكلام ده هيفضل بينا.
استجاب لأمره الصارم "سراج"، وقال:
-ماشي يا ريس.
...............................................................
انحنى أمام باب منزله، ليتمكن من سحب حذائه القديم، من مجموعة الأحذية المتراصة على وحدة الأدراج البلاستيكية، وضعه على الأرضية، واعتدل في وقفته، ثم مد قدميه ليضع واحدة تلو الأخرى فيه. استقام "خليل" واقفًا بعد أن ارتداه، لف ذراعه خلف ذراعه، ليتفقد محفظته الموضوعة في جيب بنطاله الخلفي، ثم صــاح عاليًا، وهو يشرأب بعنقه قليلاً:
-يالا يا "حمدية"، شهلي أوام، كده هنتأخر على الجماعة.
أتت إليه زوجته على عجالةٍ، وهي تضم طرفي حجابها عند عنقها، شبكتهما بدبوس معدني وهي ترد بأنفاسٍ شبه متهدجة:
-على طول أهوو، أنا بألبس الطرحة.
غمغم في خفوتٍ، بنبرة مستهجنة، ونظراته الممتعضة تتباعد عن وجهها:
-يا مسهل، يومك بسنة.
سألته "حمدية" بتعجبٍ، ووفق ما تربت عليه من أعرافٍ:
-بأقولك إيه، هو احنا مش هناخد في إيدينا حاجة واحنا رايحين؟
استدار نحوها بوجهه العابس، معقبًا في تهكمٍ ناقم:
-يعني هما مستنين منا كيلو البرتقان ولا الجوافة؟ ولا هيفرق معاهم هنجيب إيه؟ دول يشتروا السوق برجالته يا "حمدية"!
ببساطةٍ اقترحت عليه بديلاً:
-طب ما نجيب ورد، ولا آ....
قاطعها بسخرية صريحة منها:
-ورد؟ ليه رايحين نخطب؟ وبعدين إنتي عايزانا نرمي فلوسنا في الأرض؟ هو احنا لاقينها بالساهل، خلينا كده نروح خفاف!
هزت رأسها متمتمة:
-ماشي.
لوهلةٍ بدا مترددًا، في مفاتحتها في نفس الموضوع المتكرر، والخاص بتكليفات عمله المفتعلة؛ لكن لا مفر من إخبارها، فزوجته الأخرى وابنته، ألحتا عليه للمكوث معهما لبعض الوقت، ولم يستطع الرفض أو التأجيل، استنشق الهواء بعمق، وتحاشى النظر نحوها، قبل أن يستطرد قائلاً:
-على فكرة، المدير عندنا احتمال يبعتني مأمورية بتاعة أسبوع ولا 10 أيام.
رمقته بتلك النظرة الحاقدة الفاضحة لكذبه؛ وإن لم ينظر نحوها، تحركت في اتجاهه، ووقفت قبالته، رأته يهرب بنظراته عنها، ومع هذا سألته بهدوءٍ، مدعية تصديقها لادعائه الملفق، رغم نيران الغضب المستعرة بصدرها:
-هو إيه مافيش غيرك اللي شايل الشغل على دماغه؟ مايشوف أي حد تاني.
تنحنح قبل أن يبرر لها بمزيدٍ من الكلام المخادع:
-إنتي عارفة مابيثقش في حد غيري، الباقيين مابيعرفوش يمشوا الشغل زي ما هو عايز.
هزت رأسها بإيماءة صغيرة مُؤمنة عليه:
-أها.. قولتلي.
حاول أن يبدو مقنعًا معها، فلا ترتاب في أمره، لهذا وعدها:
-وأنا مش هتأخر، بعد المأمورية دي هاخدك يومين مع العيال تغيروا جو في البلد.
سخرت منه قائلة بابتسامة صغيرة متهكمة، ارتسمت على جانب فمها:
-لا والله شهم بصحيح.
-طب يالا بينا.
ردد تلك الكلمات بنبرة سريعة وهو يخرج من باب منزله، لتتبعه "حمدية" بخطواتٍ متمهلة، متوعدة إياه بشراسةٍ مهلكة في نفسها:
-اصبر عليا يا "خليل"، وأنا هاخليك تقول حقي برقبتي!!!
................................................................
الخسيس عديم الرحمة، والذي لا يملك قلبًا، تركها تقضي ما تبقى من ليلها الموحش، طريحة الأرضية الباردة، فاقدة للوعي، وغير قادرة على الحركة، لم يرأف بها، ولم يكلف نفسه عناء تفقد أحوالها، بل على العكس نام في الفراش بمفرده، هانئًا، وممنيًا نفسه بتدفق أموالٍ جديدة إلى حسابه البنكي، معوضًا ما تكبده من خسائر؛ وإن كان ذلك بأرخص الوسائل، وأكثرها حقارة! تضاعف أنين عظام "فيروزة" حين بدأت تستفيق من غيبوبتها، بقي طيف "تميم" عالقًا في مخيلتها، إلى أن تبخر مع استعادتها لكامل إدراكها.
لم تقوَ في البداية على التقلب على جانبها، فشلت محاولتها البسيطة لتحريك أطرافها، لتؤكد لها حواسها أنها لم تكن تحلم، وما عانته فعليًا كان كابوسها الجديد، مع فارق أنه ألصق بها ريبًا، تعرضت فيه لنوعٍ لم تختبره من قبل، يمتاز بأنه أشدُ حقارة وظلمًا، ويختلف كليًا عن أي شيء جابهته منذ اندلاع حريق الدكان؛ لكن تلك الإرادة القوية بداخلها مدتها بقدرٍ من الطاقة، حفزتها على الصمود، وإن لم تكن كافية للتخلص من آلامها الحديثة.
بصعوبة تمكنت من رفع جسدها، لتعتدل في وضعية الجلوس، حركت ذراعها على مهلٍ، لترفعه إلى وجهها المكدوم، تحسسته بحرصٍ شديد، تأوهات مصحوبة بارتجافةٍ قوية خرجت من جوفها، كردة فعلٍ طبيعية لما أصاب غالبية جسدها من كدمات وتورمات مختلفة، ما زالت تئن من تأثير تعنيفه البدني الأعمى عليها، قشعريرة قارصة نالت بشراسةٍ من جلدها، وجعلت شعيراتها القصيرة تنتصب على طول بشرتها، عندما جاءها صوته المقيت من خلفها يأمرها باشمئزازٍ:
-غطي ضهرك ده، مش ناقص أشوف قرف على الصبح.
رغم أنها لم تكن سوى عارية الكتفين والظهر، إلا أن نظراته الوضيعة جردتها من قطعة الثياب التي تحجب مفاتنها عنه، لفّت رأسها ليبدو وجهه المنفر في مرمى بصرها، وهتفت تلعنه، بأنفٍ مرفوعٍ في إباء أغاظه:
-إنت أحقر واحد آ ...
ما زالت تحتفظ بشموخها، وذلك ما استفزه رغم تحطيمه الموحش لأنوثتها، قاطعها "آسر" محذرًا بسبابته المرفوعة أمام وجهها:
-قبل ما تتهوري تاني بلسانك، افتكري إني معايا اللي أطير بيه رقبتك، وبالعكس كل الناس هتشكرني على ده.
ضغطت على أسنانها تنعته بهمسٍ، خرج بأنفاسٍ مغلولة منه:
-إنت شيطان.
سمع هسيس صوتها، وقال ساخرًا وهو يعقد ذراعيه أمام صدره
-شكرًا على ذوقك، وقومي يالا روقي المكان...
لو كانت النظرات تقتل، لأردته نظراتها المميتة قتيلاً على الفور، ببرودٍ تطلع إليها، وأخبرها كمن يَمنُّ عليها بإحسانٍ:
-على فكرة أنا مش جاي النهاردة على الغدا، هتلاقي في بواقي أكل من امبارح على التربيذة، ده لو ليكي نفس تاكلي.
لم تتحمل احتقاره، فصرخت ببقايا كبرياءٍ محطم:
-إنت بتعمل معايا كده ليه؟ أنا أذيتك في إيه؟
أجابها بتنهيدة بطيئة، وتلك الابتسامة السمجة تحتل ثغره:
-الصدفة أو حظك بقى وقعك في طريقي، وأنا متعودتش أخسر حاجة حطيت عيني عليها، بس المرادي خيبت معايا...
توقف عن إتمام جملته، ليسدد لها نظرة استحقار أشد، وزاد الطين بلة بقوله المهين:
-توقعت هاتجوز واحدة كاملة الأوصــاف، مش نص ست!
وضعت "فيروزة" يديها على أذنيها لتصمهما عن سماع كلامه الحقير، وهدرت بصدرٍ ناهج:
-كفاية، مش عايزة أسمع الكلام ده.
دنا منها أكثر، فبات على بعد خطوتين منها، ناظرًا نحوها بدونيةٍ، قبل أن يحرك فكه ليهددها علنًا:
-اتعودي من هنا ورايح على كده، وبأحذرك من تاني لو فكرتي تأذيني، بأي شكل أنا مش بس هاطلعك زانية، وإني راجل مظلوم، لأ هاحمل الفيديو ده على النت، هاخلي فضيحتك عالمية، ما هو أنا عامل منه نسخ كتير بوشوش رجالة مختلفة، مش بس زي ما شوفتيني معاكي في الموبايل اللي كسرتيه، يعني من الآخر محدش هيصدق إنك بريئة، ووريني بقى هاتقدري تعملي إيه.
كسرةٌ أشد وطأة نالت من روحها المهزومة، فسألته بقهرٍ، وهي تكافح لكبح دموعها أمامه:
-مش خايف من ربنا؟
تجهم كليًا من سؤالها، وهتف في عصبيةٍ وهو يركل قدمها بحذائه:
-يوووه، صدعتي دماغي وأنا لسه بابتدي يومي.
تأوهت من الألم الشديد، قبل أن تدعو عليه في حرقةٍ:
-منك لله يا "آسر".
كان على وشك نعتها بلفظٍ حقير، لولا سماعه لدقاتٍ على باب منزله، فتركها في مكانها، وانصرف خارجًا من الغرفة، تتبعه عينان تلفظان الغضب منهما، وسبابٍ خافت يلعنه. بجهدٍ أكبر تمكنت من النهوض بمفردها، كاتمة أنينها الموجوع، حتى استطاعت أن تقف مجددًا على قدميها، كالعنقاءِ، من الرماد تُبعث وتنهض من جديد، لم تفقد "فيروزة" بعد، بقايا شخصيتها القوية، والتي لطالما تم اختبار صلابتها، دمدمت بصوتٍ خفيض، قاطعة وعدًا نافذًا عليها، عبّرت من خلاله عن احتراقها داخليًا:
-بس لو ده آخر يوم في عمري، هاقتلك قبل ما تمس شرفي، وتوطي راس عيلتي وتحطها في الطين، وده وعد مني بكده!
............................................................
خيّم السكوت على الموجودين، بغرفة الطبيب المعالج للابن البكري والوحيد لعائلة "سلطان"، بعد أن طلب ملاقاتهم للحديث عن تفاصيل حالته الحرجة، والتي أجبرته على وضعه بالعناية الفائقة، لبضعة أيام، ريثما يتجاوب مع العلاج المكثف، وتظهر حالته المتأخرة أي استجابة، ولو كانت طفيفة، خاصة بعد التدهور المفاجئ الذي هاجمه فجأة .. بصعوبةٍ كتمت "ونيسة" آناتها الموجوعة على وليدها؛ لكن صوت نحيبها ظل مسموعًا، وإن جاهدت لخنقه، ولم تختلف ابنتها عنها، شاركتها في بكائها الحارق، ولم تتوقف عن لوم نفسها عن تقصيرها في حق شقيقها، في حين بقي الجد ملازمًا للصمت، ولســان حاله يدعو سرًا لحفيده بالنجاة من كل سوء، أما "بدير" فهتف يسأله بلوعة أبٍ مكلوم:
-خير يا ضاكتور؟ جايبنا هنا ليه؟
قال كلماته الأخيرة وهو يتلفت تلقائيًا نحو الأوجه الواجمة، إلى أن استقرت نظراته على وجه الطبيب، استطرد الأخير حديثه مستهلاً، بحيطةٍ واضحة في نبرته:
-طبعًا يا حاج إنت مؤمن بقضاء ربنا وقدره
هوى قلبه جزعًا، تزعزع تماسكه الزائف، وانعكس خوفه الشديد على ملامحه، فعلق عليه بصوتٍ شابه الاضطراب:
-ونعم بالله، بس تقصد إيه بكلامك؟
بلهجةٍ هادئة لم تخلُ من القلق في بعض المواضع، خاطبه الطبيب موضحًا:
-اللي اتعرضه ابنك مش سهل، ده شروع في قتل، مش مجرد خناقة، ولا حاجة عادية...
لهنيهة توقف عن الحديث، مظهرًا بعض التردد، ثم أكمل أخيرًا، بأسفٍ انتشر في تعابيره:
-اللي ضربوه، كانوا قاصدين يموتوه، وعارفين إزاي يضربوه وفين.
شهقات مليئة بالرعب انفلتت من المتواجدين، أعلاها كانت لوالدته المفطور قلبها. لم يجرؤ الطبيب على المضي قدمًا في حديثه، إلا بعد أن خبت الأصوات، فتابع:
-الكسور سهل تتعالج مع الوقت؛ لكن قلقي دلوقتي من الغيبوبة اللي دخل فيها!
كل ما انعكس في عيني "بدير" لهفةٍ وجزع، حين نظر إليه وردد ببطءٍ، مستشعرًا صعوبة خروج الكلام من جوفه:
-غيبوبة؟
صرخت "ونيسة" في ارتعابٍ، بنواحٍ باكٍ، وهي تلطم على صدرها:
- آه يا حرقة قلبي عليك يا "تميم"، كان مستخبيلك ده كله فين؟!!!!
استدار "بدير" نحو زوجته يحدجها بنظرة صارمة، آمرة، تمنعها من العويل على ابنها؛ وكأنها فقدته، استجابت الأخيرة لأمره غير المنطوق، واضعة يدها على فمها، التفت بعدها نحو الطبيب، وسأله بتلعثمٍ غلف صوته:
-طب.. احنا.. مطلوب مننا إيه؟ نسفره برا؟ نجيبله أحسن حُكما (أطباء) في البلد؟
استغرقه الأمر لحظة ليقول:
-احنا عملنا هنا كل حاجة نقدر عليها، ومافيش قدامنا دلوقتي غير ندعي ربنا يلطف بيه.
خرجت "هاجر" عن صمتها، وتوسلت والدها ببكاءٍ شديد:
-اتصرف يابا .. ده أخويا، وابنك، هاتسيبه كده يضيع مننا؟
إن كان يبدو صلبًا من الخارج، فداخله متصدع على الأخير، أليس ابنه أيضًا؟ تماسكه الظاهري لأجل عائلته، عجز عن ضبط هدوئه، مع جملتها المحملة باللوم والتقصير، لهذا صاح بها في عصبيةٍ:
-أنا بإيدي إيه أعمله؟
ارتفعت نبرة الطبيب وهو يرجوهم، بعد أن رأى بوادر احتدام وشيك بين أفراد العائلة:
-يا حضرات مافيش داعي للخناق، وإنت يا حاج لازم تعذرهم، الحاجة أم، وأكيد قلبها واجعها على ابنها، وعلى فهمت المدام تبقى أخته، وأكيد نفسها تشوف أخوها واقف على رجله، لكن لازم تبقوا واثقين إن احنا هنا عاملين كل اللي علينا وزيادة، والباقي على ربنا.
بثباتٍ وقوة، دق الحاج "سلطان" بعكازه على الأرضية، لافتًا الأنظار إليه، ثم نطق بثقةٍ لا حدود لها، تحوي تفائلاً عميقًا، بعد سكوت طويل:
-حفيدي عضمه ناشف، وهيعدي منها إن شاءالله، ده "تميم سلطان"، مش أي حد والسلام، ادعوله من غير بُكا ولا نواح.
ابتسامة لبقة ظهرت على محيا الطبيب لنجاح الجد في ضبط زمام الأمور، وقال برجاءٍ لا يقل عن المتواجدين شيئًا:
-يا رب.
..........................................................
"كيدهن عظيم"، قولٌ متعارفٌ عليه بين العامة، مشتق من الآية القرآنية "إن كيدكن عظيم"، كدلالة عن مكر المرأة شديد التأثير في الآخرين، راود عقلها تلك الكلمات؛ وكأن بها حافزًا عبقريًا، لتثبيط مشاعر القهر السلبية، فكرت في هذه الجملة مليًا، لتذكر نفسها بأنها لم تكن من النوع الضعيف المستسلم، ذاك الذي يركع عند الأقدام بعد مذلة وازدراء مستديم، عليها ألا تحني رأسها مهما اشتدت عليها الصعاب، بل وجب عليها المقاومة، والصمود لتنأى بنفسها من شرور أشباه البشر، هكذا استعادت "فيروزة" عزيمتها! مستعيدة قدرتها غير العادية على إعادة تطييع الأمور لما فيه نجاتها.
سحبت روبها لتغطي به جسدها، وأحكمت ربطه على خصرها، تهادت في خطواتها وهي تستند على طول حواف الفراش، لتقف عند أعتاب باب الغرفة الموارب قليلاً، حيث وصلها صوتًا ذكوريًا غريبًا يتحدث بصرامةٍ، وباللغة الانجليزية. استرعى الأمر انتباهها، واقتربت أكثر، دون أن تظهر نفسها. تبينت من كلمات الرجل المقتضبة أنه قد جاء للحديث بشأنِ شكوى ما، أرهفت السمع جيدًا، حابسة أنفاسها، فقد بدا الأمر غير عادي، وربما من خلاله تستطيع أن تخلق فرصتها لاستدراج الملعون "آسر"، نحو نفس فخ الخديعة المحكم الذي أوقعها فيه؛ هذا المسمى برباطِ الحب العميق .............................................. !!!
..................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثالث 3 - بقلم Manal Salem
في البداية باعتذر لحضراتكم عن تأخيري في كتابة ونشر الفصل .. وتاني شيء ده طلب شخصي، هستأذنكم تدعو لأخي بالشفاء العاجل لتعرضه لوعكة صحية شديدة .. لعل المولى يستجيب ويرفع عنه البلاء ..
أسيبكم مع الفصل
الفصل الثاني والسبعون
لأنه ليس مقيمًا في بلدٍ لا يُطبق القوانين، لذا فأقل ضررٍ يتسبب فيه، يُعرضه بلا شكٍ للمُساءلة القانونية، وهذا ما حدث معه! فخلال تعنيفه الأهوج لزوجته، تقدم أحد الجيران بشكوى إزعاجٍ للمسئول الأمني، عن البناية القاطن بها، يتهمه بممارسة نوعٍ من العنف مع إحدى السيدات، والذي بدا صراخها اليائس مفزعًا للجميع، قبل أن يسكن تمامًا، ليظن ذاك الساكن أنها تعرضت للأذى بشدة، وبناءً عليه تحرك المسئول للتحقق من الشكوى، التي لن تكون فقط نوعًا من الإنذارِ، إن ثبت الضرر البالغ الواقع على المرأة.
لعق "آسر" شفتيه، وبلع ريقه مبررًا بكذبٍ، بنفس لغة الرجل:
-إنه سوء فهم، كان ذلك صوت التلفاز، أنا لم أرتكب شيئًا مخالفًا، صدقني.
كان وجه المسئول جادًا، وتعابيره رسمية، اتفقت أيضًا مع نبرته حينما أخبره:
-نريد التأكد سيدي، فلم تكن الشكوى فردية، بل تكررت، وأنا هنا لإثبات الأمر من عدمه.
لم يكن أمامه أي مفر سوى الرضوخ له، فقال مستسلمًا:
-حسنًا...
همَّ بالتحرك؛ لكنه توقف في منتصف الطريق، ليقول له متحججًا، حتى يكسب المزيد من الوقتِ:
-اترك لي لحظة لأطلب من زوجتي ارتداء ثيابها، فكما تعلم نحن إلى حد ما ملتزمون، ولا يجوز أن تأتي زوجتي إليك بجسدٍ عارٍ.
تفهم ذلك، ورد ببساطة:
-في انتظار مجيئها.
على الجانب الآخر، تسنى لـ "فيروزة" سماع ما قاله الرجل بوضوح، فأعملت عقلها بشدة، لتخرج من هذا الموقف رابحة، تراجعت بخطواتٍ كانت شبه كارثية ضاعفت من ألمها، بعد إعلان "آسر" عن ذهابه لاستدعائها، وجلست على طرف الفراش، مدعية انشغالها بدعك ساقها المتألمة، رفعت أنظارها في اتجاهه، حين اندفع لداخل الغرفة، مواربًا الباب خلفه، رمقها بنظرة خائفة، تأكدت من صحتها من أمارات الفزع المرسومة على تقاسيمه، انحنى عليها، فانكمشت لتكمل مشهد اضطرابها منه، وإن لم تكن كليًا هكذا! فالمصائب علمتها ألا تظهر بمظهر الضعف، لتفسد شعور أعدائها بالزهو وفرحتهم بالانتصار عليها؛ لكن الظرف هذه المرة مختلفًا، امتدت يداه لتمسك بها من رسغيها، وتودد إليها بعاطفةٍ لم تقنعها مُطلقًا:
-"فيروزة" حبيبتي، عايزك تسمعيني.
انتزعت معصميها من بين قبضتيه، ورمقته بنظرة قويةٍ، قبل أن تحذره بجمودٍ اكتسبه صوتها:
-ماتلمسنيش!
ضاقت نظراتها أكثر وهي تتابع بغضبٍ تصاعد بداخلها، لمجرد وجوده بقربها:
-عايز إيه مني؟
رد بوداعةٍ غريبة، أصابتها بالغثيان، رافعًا كفيه للأعلى:
-حاضر مش هالمسك يا حبيبتي.
كلمة فسدت حلاوتها عندما نطقها فمه المقزز، حدجه بنظرة أخرى حملت كرهًا صريحًا، وكررت عليه سؤالها بصدرٍ شبه متهدج:
-عايز إيه مني؟
ورغم علمها المسبق بما سيخبرها به، إلا أنها أرادت أن تبدو في حضوره جاهلة، مغيبة عن أدنى التفاصيل؛ إن أرادت نجاتها الكاملة من براثنه الخبيثة. دون ترددٍ أخبرها بصوتٍ خفيض، بنوعٍ من التحذير، في طياته تهديد واضح:
-لو مش حابة تفضحي نفسك، وأمحي الفيديو بتاعك، يبقى تنكري أي حاجة يسألك فيها الراجل اللي واقف برا.
برقت عيناها بوهجٍ ناري، لتذكيرها بخسته ووضاعته، وأعادت على مسامعه نفس الجملة التي تلفظ بها قبل لحظاتٍ، بصيغة استفهامية:
-يعني هتمسحه من عندك؟
أومأ برأسه مؤكدًا لها:
-أيوه من اللاب، ومن على أي موقع أنا حافظه فيه.
لم تكن بغبيةٍ لتصدق على الفور تنفيذه لوعده، فمن يقف أمامها حرباء متلونة، يتحين الفرص التي تأتيه، مستغلاً ضحاياه أسوأ استغلال؛ لكنها رغم ذلك لن تظهر له عكس ما تُبطن، لتمنحه ما يريد سماعه حتى تكسب المزيد من الوقت، وربما تنطلي عليه خدعة سهولة اقتياده لها، وسيطرته على حياتها، هزت رأسها بإيماءة صغيرة، وأخبرته:
-ماشي.
تحرك في اتجاه خزانة الثياب المتواضعة الموجودة بجوار باب الغرفة، بحث بداخلها عن رداءٍ أو عباءة فضفاضة، ليعطيها لها، وهو يأمرها:
-غطي جسمك بده، ويا ريت لو عندك طرحة تحطيها، مش عايزين حد يشك في حاجة.
نظرت إلى ظهره بغلٍ مقيت، ودَّت لو انتفض من مكانها، واندفع نحو عنقه تخنقه حتى تفيض روحه بين يديها، أو تأتي بسكينٍ حاد النصل، تطعنه به في ظهره، لتتخلص منه، وتريح العالم من شروره. انتشلها من تفكيرها الإجرامي في القضاء عليه، ندائه الناعم، والذي بدا أشبه بسم أفعى يسري في العروق:
-وصدقيني لو ما اتعملتش مشكلة هنسى كدبك عليا، وهمحي الفيديو، اتفقنا؟
غام وجهها بشكلٍ كبير، لاتهامه الفج بأنها لفقت الأكاذيب عليه، لمجرد تعرضها لحادثٍ مأساوي في طفولتها؛ وكأنها المسئولة عن تشويه جسدها، كبحت غضبها المندلع فيها، وتصنعت الهدوء وهي ترد عليه:
-طيب.
مــد ذراعه بالعباءة التي تحصّل عليها، فارتدتها على مهلٍ، وخبأت وجهها خلف وشاحٍ أسدلته على رأسها، لتسير بتؤدةٍ، كاتمة آلامها الصارخة في قدميها، اقتربت من المسئول الذي استقام في وقفته عندما رأها، دقق الأخير النظر في نصف وجهها الظاهر من خلف حجابها، بنظراتٍ فاحصة، قبل أن يسألها بلهجته الرسمية، وبلغة انجليزية بسيطة:
-سيدتي هل أنتِ بخير؟ هل تعرض أحدهم لكِ بالأذى؟
أدارت رأسها نصف استدارة في اتجاه "آسر" الواقف على يسارها، كان الخوف يملأ كامل وجهه، تحرك بؤبؤاه في عصبيةٍ وتوتر، كانت واثقة أنه سيخر واقعًا عن قدميه، إن اتهمته بإيذائها بدنيًا؛ لكنه لن يمنعه من استخدام الفيديوهات الملفقة في تدمير سمعتها، توقفت عن حملقتها الزائدة في وجهه، لتنتبه للرجل الواقف قبالتها وهو يناديها:
-سيدتي؟ هل كل شيء بخير؟
رغم كل الآلام، الانكسارات، الهزائم التي نالت منها، إلا أن وقت انتقامها لم يحن بعد، قوست "فيروزة" شفتيها، راسمة بسمة رقيقة عليهما، لترد عليه بخفوت:
-نعم...
لحظة بلعت فيها ريقها، قبل أن تضيف، بجملٍ بسيطة مرتبة، لتمنعه من مواصلة أسئلته التحقيقية:
-كنت أشاهد مع زوجي سلسلة أفلام الرعب scream، وربما كان صوت التلفاز عاليًا، نعتذر عن هذا.
ظل المسئول ينظر لها باسترابةٍ، إلى حد كبيرٍ بدا متشككًا في أقوالها؛ لكن بادر "آسر" بالتدخل، واقترب من زوجته، ليحاوطها من كتفيها، وهتف بضحكاتٍ صغيرة، كانت مفتعلة بشكلٍ كبير:
-نحن متزوجان حديثًا، فلا تؤاخذنا، سننتبه بعد ذلك.
جفلت "فيروزة" من اقترابه المقزز، شعرت باحتراق أحشائها، لمجرد لمسة مخادعة لإكمال تمثيليته الزائفة، حرك رأسه بهدوءٍ، وأخبرهما بلهجةٍ متشددة، وهو يشير بسبابته نحوهما:
-رجاءً انتبها للضوضاء، فلا أحد يتسامح مع الازعاج.
رد "آسر" على الفور بابتسامته اللزجة، وذراعه لا يزال موضوعًا على كتفي "فيروزة":
-معك حق، خاصة بعد يومٍ مرهق في العمل.
تابع المسئول كلامه بإملاء المزيد من التحذيرات الجادة عليهما، بشأن القوانين الخاصة بالسكان، في تلك المنطقة، وما إن انتهى حتى استأذن منصرفًا، لتنسل سريعًا من ذراعه؛ وكأن حيّة لدغتها، حافظت على مسافة بينهما، ولم يحبذ "آسر" الاقتراب منها؛ لكنه مدح كذبها:
-برافو عليكي يا "فيروزة"، ماخيبتيش ظني فيكي...
سددت له نظرة نارية، أرادت إحراقه بها، بينما ابتسامة سمجة اعتلت ثغره وهو يتابع:
-مع إني كنت شاكك إنك هتغدري بيا.
أخبرته بهديرٍ متعصبٍ:
-أنا عملت ده عشاني مش عشانك.
اتسعت ابتسامته أكثر معقبًا عليها، وعينه اليسرى تغمز لها:
-صح، المصلحة بتحكم.
لوحت بذراعها تأمره:
-امسح الفيديوهات اللي معاك.
دندن بصافرة مستفزة وهو يستدير متجهًا نحو مرآة صغيرة تحتل الحائط، ليتأمل هيئته، توقف عن الصفير، ومشط بأصابعه أطراف خصلاته غير المستوية، ليرتبها، وحادثها ببرودٍ، غير مكترث بالاشتعال الظاهر في عينيه:
-بعدين، لما أبقى أرجع.
اندفعت نحوه، ووقفت إلى جانبه تصيح فيه بانفعالٍ:
-إنت وعدتني.
رفع ذراعه للأعلى، ليتلمس وجنتها، داعبها براحته؛ لكنها نفرت منه متراجعة للخلف، وتلك النظرة المشمئزة تنطلق من عينيها، بادلها نظرة عادية، غير مبالية، ثم أرسل لها قبلة في الهواء مودعًا إياها:
-سلام عشان اتأخرت.
كزت على أسنانها تلعنه في حنقٍ انتشر في كل خلاياها:
-واطي..
لم تفارق نظراتها الملتهبة شخصه القمئ وهو ينصرف من المنزل، مغلقًا الباب خلفه، استطاعت أن تسمع صوت المفتاح في قفله، لتدرك أنه حبسها بالداخل حتى لا تنفذ تهديدها في غيابه، سيطرت عليها مشاعر الكراهية المختلطة بغضبها، وتوعدته بحرقةٍ اكتسبتها نبرتها:
-بس هتدفع تمن كل حد ظلمته، وأولهم أنا.
....................................................
طوت المصلية، وأسندتها على طرف الفراش، لتنزع بعد ذلك إسدالها، وتعلقه على المشجب، خرجت "آمنة" من الغرفة، تتسند بيدها على حوائط الردهة، شاعرة بدوارٍ طفيف في رأسها، ربما أصابها لكونها لم تتناول الطعام منذ الأمس، تنفست بعمقٍ، واتجهت إلى المطبخ، تبحث في ثلاجتها عن شيء يُمكن أكله يمدها بالطاقة المفقودة، تبعتها "همسة"، وأحضرت لها طبقًا مليئًا بثمار الفاكهة المقطعة، ناولتها إياه وهي تقول لها:
-كلي يا ماما دول، إنتي من امبارح ماحطتيش حاجة في بؤك.
ردت عليها بزفيرٍ ثقيل:
-وحد ليه نفس ياكل بعد الأخبار اللي بنسمعها؟
ضغطت على شفتيها للحظةٍ، قبل أن تعقب بصوتٍ هادئ:
-إن شاء الله خير.
نظرت "آمنة" إلى ابنتها بعينين تحبسان العبرات فيهما، وأردفت تخاطبها بحزنٍ، وقلبٍ ملتاع:
-قلبي واكلني على أختك أوي، عايزة أكلمها، واطمن عليها.
تنهدت "همسة" قائلة بقليلٍ من الضيق:
-ما هي مش فاتحة نت والله يا ماما من آخر مرة اتكلمت فيها.
اقترحت عليها بتلهفٍ:
-ما نكلمها دولي.
في التو أطلعتها على ما قامت به:
-عملت كده، طلبتها على رقمها لاقيته مقفول...
زادت تعابير القلق على ملامح والدتها؛ لكنها أسرعت بتبرير اختفائها الغريب:
-جايز تكون نايمة لسه، برضوه هي لسه عروسة جديدة، وأكيد مع عريسها.
لم تبدُ والدتها مقتنعة بتلك الحجة المنطقية، ما زال قلبها ينبؤها بأن هناك من الأخبار السيئة ما يحيق بفلذة كبدها، تحركت عيناها نحو السماءِ، ودمدمت هامسة:
-ربنا يسترها عليها وما سمعش عنها اللي يضرها أبدًا.
لجأت "همسة" لتغيير الموضوع حتى تخفف من حدة خوفها، وطلبت منها بوجهٍ جادٍ في قسماته:
-مش يالا بينا نجهز، عشان منتأخرش على الحاج "بدير" وعيلته، ميعاد الزيارة قرب.
هزت رأسها قائلة، ودون أن يقل خوفها درجة:
-أيوه واجب نكون معاهم في الظرف ده.
.................................................................
كالعادة ظل استقبال المشفى يعج بالوافدين، ممن أتوا لتقديم الواجب، والاطمئنان على الحالة الصحية، لحفيد عائلة "سلطان"؛ لكن تحولت بقعة في هذا المكان، إلى منطقة حديث خاصة؛ وكأنها حلقة اجتماعية لإجراء اتفاقات البيع والتجارة، بعد أن تعذر إتمامها في الدكان المحترق. أنهى "منذر" مكالمة عاجلة مع زوجته، لتعود ملامحه المرتخية للطابع الصلب، استقر في جلسته على المقعد المعدني متسائلاً، وعيناه مثبتتان على وجه والد رفيقه العزيز:
-ها يا حاج "بدير" في جديد؟
كان الأخير قد انتهى لتوه من مخاطبة الطبيب، والذي لم يأتِ على ذكر جديد، بدا الحزن بائنًا على وجهه الذابل، حين أجابه:
-لا والله يا ابني، الدكتور مقالش اللي يريح بيه قلبنا.
علق بتفاؤلٍ:
-إن شاءالله يعدي منها على خير
جاء رده مقتضبًا:
-الله كريم.
استطرد "سراج" قائلاً، ونظرة عابرة حانت منه في اتجاه "هاجر" ورضيعها:
-ما تخلي أهل بيتك يروحوا يا حاج، كفاياهم بهدلة في المستشفيات.
أيده "عوف" في قوله، فتكلم إليه:
-معاك حق يا "سراج"، هما ذنبهم إيه يفضلوا كده؟
بينما أضــاف "منذر" مشددًا بلهجة جمعت بين الجدية والرفق:
-ارجع معاهم يا حاج، احنا كلنا هنا واقفين مع "تميم"، مش هانسيبه للحظة، ده أخويا، ومايرضناش نشوفك كده تعبان يا حاج.
هز رأسه بالنفي، قبل أن يخرج صوته قائلاً:
-مقدرش، ده حتة مني.
تحولت نظرات "منذر" نحو الجد "سلطان"، والذي كان يقرأ القرآن بهدوءٍ، في ركنٍ منعزل عن البقية، وأكمل:
-الحاج الكبير محتاج يرتاح بردك.
أخبره في يأسٍ:
-أنا حاولت معاه، هو دماغه أنشف مني.
صمتٌ ثقيل ساد في الأجواء للحظاتٍ، احترامًا لمشاعر الأب الموجوع، بضعة همهمات جانبية خاصة بمناقشات مقتضبة عن الأعمال، إلى أن انضم إليهما "خليل" وزوجته، عاد الصخب بحضورهما، خاصة مع تهليل الرجل المزعج:
-قلبي عندك يا حاج.
انتبه إليه "بدير"، ونظر في اتجاهه مغمغمًا:
-متشكر.
ادعت "حمدية" تجفيفها لدموعٍ غير موجودة بطرف حجابها، وقالت بصوتٍ جاهدًا ليبدو متأثرًا:
-ربنا يسمعنا كل خير قريب، شدة وتزول.
كان رده مقتضبًا أيضًا معها:
-يا رب.
أشــارت بيدها نحو المكان الجالسة به "ونيسة"، وأخبرته بنوعٍ من المواساة:
-هاروح أشوف الحاجة أخد بخاطرها كده، كبدي عليها، قلبها أكيد موجوع عليه.
علق عليها "خليل"؛ وكأنه يبدي تفهمه لمشاعر الأسرة المهمومة:
-ما هو ضناها يا "حمدية"، شوفي إنتي لما عيل بيسخن شوية بتعملي إيه؟ ما بالك بقى بالمعلم "تميم" واللي حصله!
مصمصت شفتيها متمتمة:
-أه والله، ربنا ينجيه ويطمنكم عليه.
لم يكن "بدير" في مزاجٍ رائق يسمح له بالمماطلة في أي حديث؛ وإن كان للشد من أزره، لذا جاء تعليقه مختصرًا للغاية:
-أمين، متشكر ليكم.
انسحبت "حمدية" من التجمع الذكوري، وجلس زوجها برفقة الحاضرين، ملتزمًا غالبية الوقت بالصمت، حينما انتقل الحديث إلى موضوعٍ آخر يخص إدارة الأعمال، وكيفية تغطية الخسائر الفادحة التي لحقت بعائلة "سلطان"، بعد احتراق دكانهم الكبير، وتلف البضائع بداخله. حفظًا لماء الوجه، اقترح "خليل" على مضضٍ، ليظهر اهتمامًا زائفًا بالدعم:
-لو محتاج يا حاج الدكان عندنا تحط فيه البضاعة خده، هو بقى متوضب دلوقتي وآ....
قاطعه "بدير" بهدوءٍ، ليشكره بلطفٍ رافضًا عرضه:
-تسلم يا "خليل"، دكان "سلطان" هيرجع أحسن من الأول.
ارتفعت نبرة "عوف" قليلاً عندما اقترح هو الآخر بجديةٍ غريبة:
-ما تستخدم يا حاج الدكان التاني، اللي "محرز" كان بيودي عليه البضاعة.
ظهرت أمارات الصدمة على وجه "بدير"، وانعكست كذلك على نظراته وهو يردد مدهوشًا:
-دكان تاني؟!!
أوضح له "سراج" بتعجبٍ من جهله عن حقيقة امتلاك نسيبه لدكانٍ كبير:
-أيوه، اللي موجود في (...)، إنت معندكش خبر عنه ولا إيه؟
بنفس الوجه المندهش قال:
-دي أول مرة اسمع عنه منكم دلوقتي.
تطلع "عوف" باستغرابٍ إليه، وواصل القول، كما لو كان يمده بقطع المعلومات الناقصة:
-احنا على طول بنوردله بضاعة على هناك، مش كده يا "سراج"؟
هز رأسه مؤكدًا على حقيقة الأمر:
-مظبوط.
تساءل بوجهٍ متجهمٍ، وعينان تتحركان في ضيقٍ، وكأن أحدهم طرق على رأسه بمطرقة غليظة:
-الكلام ده بقاله أد إيه؟
تبادل "عوف" مع "سراج" نظراتٍ حائرة، قبل أن ينطق الأول:
-أديله سنين.
من بعيدٍ جاء "هيثك" بخطواتٍ متهادية، ألقى التحية على الجميع، وتساءل في اهتمامٍ:
-إيه الأخبار يا رجالة؟ في جديد؟
التفت نحوه "منذر"، وقال:
-لأ لسه يا "هيثم".
حمل وجهه تعبيرًا آسفًا عليه، انتقى مقعدًا شاغرًا، وجلس عليه، ليتابع بعدها سرد ما فعله:
-ربنا يسمعنا كل خير، عمومًا أنا سلمت بضاعة المخازن لسفن البحر، ودي الفواتير.
استدار الحاج "بدير" برأسه في اتجاهه، ونطق بصوتٍ عكس حزنه العميق:
-رمينا عليك الشغل كله يا "هيثم".
رد بتلقائيةٍ:
-أنا متعود على كده.
ربت "منذر" على ظهره، يمتدح جديته التي ظهرت مؤخرًا:
-هو أدها وأدود.
قال "سراج" بلهجةٍ غير مازحة مطلقًا:
-لو في أي حاجة نقصاك عرفني، وأنا هورد من عندي على اسم دكان الحاج "سلطان".
أضــاف عليه "منذر" بقامته التي زادت طولاً، حينما استقام في جلسته:
-والنقل من عندنا، العربيات موجودة، توصل لأي حتة عايزينها.
آمن عليهما "عوف":
-مش عايزين حد يتأثر، الناس ملهاش ذنب يتعطل شغلها.
نظرات امتنانٍ تجولت من عيني "بدير" على وجه الرجال المجتمعين من حوله، حقًا حينما تشتد الأزمات، تظهر معادن الرجال الحقيقية، وحوله نخبة ممن يعدون مثالاً للشهامة والأصالة، دمعة فرت إلى طرفه وهو يشكرهم:
-كتر خيركم يا رجالة، أنا مش عارف أقولكم إيه؟
أخبره "منذر" بصدقٍ نابع منه:
-احنا عيلة وأهل، و"تميم" ده أخونا مش بس صاحبي.
منحه نظرة خاصة، تعبر عن محبةٍ صافية، وقال مبتسمًا لهم:
-ده مش جديد عليكم، نردهالكم في الفرح.
صــاح "عوف" قاطعًا على نفسه وعدًا:
-ندرًا عليا لما يخرج من هنا لأدبح عجل وأفرقه على الغلابة.
وأضاف عليه "منذر" بحماسٍ أشد:
-2 من عندي كمان.
ابتسامة متفائلة شقت طريقها أخيرًا إلى محياه، فعلق "بدير" برجاءٍ:
-يقوم بس، وبعدين نقلبها جزارة.
لمسةٌ جادة على كتف "منذر" أجبرته على الاستدارة نحو وجه شقيقه، الذي جاء لمقابلته، تحية سريعة أعطاها للرجال، ثم مال على أذنه يهمس له:
-"منذر" عايزك.
استأذن بالذهاب لدقائق بعيدًا عنهم، ووقف به في منطقة شبه هادئة، متسائلاً بوجهٍ مهتم:
-ها عرفت حاجة؟
علامات اليأس انعكس على تعبيرات وجهه وهو يخبره:
-ولا حس ولا خبر عنه، فص ملح وداب ابن الـ....!!
رد عليه "منذر" بنظراتٍ قاتمة:
-مسيره يظهر، ما هو مش هيفضل مستخبي كده كتير، لازمًا هيحتاج فلوس، ما هو مش قاعد على كنز.
كان المقطع الأخير من حديثه منطقيًا، خاصة مع تطور الأحداث بشكلٍ مفاجئ، ودون ترتيب مسبق. هز "دياب" رأسه وهو يكمل:
-وأنا مكلم رجالتنا في كل حتة كان بيروحها، في عين لينا تبلغنا وقت ما يشوفوه.
بتعبيرٍ غامض ومخيف، ينم علن نية مبيتة، لإذاقته أقسى أنواع الألم، اختتم "منذر" حديثه معه:
-هيروح مننا فين؟
.................................................
أسندت يديها المضمومتين في حجرها، وأطرقت رأسها للأسفل في أسفٍ مصطنع، مدعية تراكم الهموم في صدرها، لتبدو مقنعة وهي تدعي حزنها الشديد على فاجعتها. اعتصرت "بثينة" عينيها بقوةٍ طفيفة، لتلتهب حدقتاها، فتظهر وكأنها كانت تبكي عليه، زفيرٌ بطيءٍ تحرر من بين شفتيها، قبل أن تتبعه بقولها:
-قلبي عندك ياختي.
لم تنظر "ونيسة" في اتجاهها، وردت عليها بصوتها المنتحب:
-شوفتي اللي حصله؟
زمت "بثينة" شفتيها متابعة بحزنٍ:
-آه، يا حبة عيني، ده لسه في عز شبابه...
ثم هزت رأسها، وأشــارت بيدها نحو ابنتها مواصلة حديثها:
-بعيد عنك أول ما "خلود" سمعت الخبر طبت واقعة منب على الأرض، بقيت محتاسة مش عارفة أعمل معاها إيه؟
لكن ما لبث أن غلف التنمر صوتها، عندما أخبرتها بما يشبه اللوم:
-مع إنه جه عليها جامد، بس هي مخلصهاش، صممت تيجي وتقف جمبه، ما هي كانت بردك مراته في يوم من الأيام.
لم تستسغ تلميحها المبطن، فازدردت ريقها، وغمغمت في تبرمٍ:
-كتر خيرك يا "بثينة"، زي ابنك برضوه.
لوت ثغرها قائلة بامتعاضٍ، لم تخفه:
-أيوه.
...............................................
اضطر أن يتوقف عن قراءته المتأنية في مصحفه الشريف، ليرفع رأسه في اتجاه الظل الذي أطل عليه، لم يبدُ "سلطان" مزعوجًا عند رؤيتها، بل على العكس توقع مجيئها؛ لكنه استغرب من تأخير حضورها، وقفت "خلود" قبالته تطالعه بنظراتٍ حائرة، دار بنظراته المتعبة عليها، لاحظ تشكل الهالات السوداء أسفل جفنيها، حتى عينيها كانتا منتفختان على الأخير، بالإضافة إلى أنفها المتورم من كثرة البكاء، نهنهة صوتها كانت واضحة عندما سألته:
-"تميم" عامل إيه دلوقتي يا جدي؟
رد بهدوءٍ، وابتسامة رضا تلوح على فمه:
-في نعمة من نعم ربنا.
سألته بتلهفٍ كبير، ودقات قلبها تنتفض:
-يعني فاق؟
هز رأسه نافيًا:
-لأ.
كزت على أسنانها هاتفة بعصبيةٍ، رغم خفوت صوتها؛ كما لو أنها تلومه:
-أومال بتقولي ليه يا جدي إنه بقى كويس؟
رمقها بنظرةٍ صارمة، وقال ببساطةٍ:
-لأنه في معيّة ربنا، واللي مع ربنا في نعمة.
لم تستلذ رده، وصاحت بحسمٍ:
-أنا عايزة أشوفه.
أرجع رأسه للخلف ليحوز على نظرة كاملة لها، وسألها بصوته الهادئ:
-تشوفيه ليه؟
وكأنها قد تعجبت من سؤاله، فردت باستنكارٍ شديد:
-ده جوزي، ولازم أبقى جمبه.
صحح لها خطئها بنبرة خشنة، خالية من التعاطف:
-لأ مش جوزك يا بنت "بثينة"، ولو محتاج حد، فأهله جمبه، هو لسه معدمناش!
اغتاظت من إقصائه لها، فصاحت بحنقٍ، والغضب يتطاير من مقلتيها:
-وأنا من أهله.
جاء رده عليها صارمًا:
-كنتي خلاص، واللي كان عايزه حفيدي وهو واقف على رجليه، هيتنفذ وهو راقد على فرشته كأنه موجود بينا.
لانت نبرتها قليلاً لتستجدي عطفه:
-و"تميم" هايعوز إيه غير إني أخد بالي منه؟
ثم جلست إلى جواره متابعة بتوسلٍ:
-أنا أولى بيه يا جدي من أي حد، أنا حبيبته، أنا حب عمره.
تلك النعومة المزيفة تلاشت مع إكمالها بأنانية واضحة، وبتوحشٍ ظهر في عينيها:
-أنا من دمه ولحمه، أنا مراته، وعمري ما هابعد عنه، "تميم" مكتوب على اسمي، محدش ليه فيه حاجة غيري.
ضجر الجد من ثرثرتها المزعجة، وهتف عاليًا بصوتٍ آمر:
-يا "بثينة"، خدي بنتك اكشفي على عقلها، الظاهر فوت منها خلاص.
..............................................................
بالرغم من عظامها المتألمة، وكدماتها الظاهرة على أجزاءٍ متفرقة في جسدها، واصلت "فيروزة" بحثها عن هاتفها المفقود، لم تجده منذ الصباح، لوهلة ظنت أنها أضاعته، خلال شجاره العنيف مع ذاك الملقب بزوجها، فتشت عنه في حقيبتها، وسؤالٌ بعينه يتردد على لسانها:
-موبايلي راح فين؟
تركت حقيبتها، واتجهت للبحث عنه في باقي أرجاء الغرفة؛ لكن لا أثر له، انتابتها حيرة مغلفة بالخوف، شعرت بجفافٍ مرير يجتاح حلقها، وصوتها يهتف:
-أنا متأكدة إني كنت سايباه هنا.
قفز قلبها فزعًا لاحتمالية استبعدت حدوثها لوهلة؛ لكن ما إن استغرقت في تفكيرها، أزيلت الغشاوة عن عقلها، واتضحت الصورة المنقوصة، ربما خلال غيبوبتها استغل "آسر" الفرصة وسرقه، كان ذلك التعبير الأدق لوصف ما فعله! وذلك لتضييق الخناق عليها، فلا تلجأ بأي صورة ممكنة لأي مساعدة خارجية، تنجدها من شرور نفسه المريضة، اِربد وجهها بالغضب، وتساءلت في حيرة:
-طب هاعمل إيه دلوقتي؟
غالبت دموع القهر التي ملأت حدقتيها، لتقول لنفسها بنبرة عازمة:
-مهما حاولت تكسرني مش هاتقدر يا "آسر"!
..................................................................
في غفلة من الجميع، تسللت للطابق المتواجد به غرف العناية الفائقة، على أمل رؤيته، بعد أن ضاقت ذرعًا من تلبية أحدهم لرغبتها، تبقت لها عقبة تجاوز الممرضة المسئولة عن متابعة المرضى، حاولت إقناعها بتركها معه بمفردها لبضعةٍ لحظات؛ لكن الأخيرة رفضت بشدة، وقالت بنبرة منزعجة، ومتزمتة في نفس الوقت:
-يا مدام ماينفعش كده.
بكت "خلود" في حرقةٍ لتسترق قلبها وهي ترجوها:
-أنا مراته و...
انخرطت في بكاءٍ أشد، لتضيف بشهقات متقطعة:
-وأم ابنه.
بدت الممرضة آسفة على حالها، ومع هذا تمسكت برفضها:
-ممنوع يا مدام تتواجدي هنا، ماينفعش!
ألحت عليها بصوتها الباكي، ووجه تعمدت أن يكون وديعًا:
-هو محتاجني، لما هيسمع صوتي هيفوق.
أخبرتها بلهجةٍ أظهرت ترددها:
-لو حد شافك هنا هيحصلي مشكلة.
لامست لين رأسها، فأكدت في لوعةٍ:
-أنا مش هاطول، هما 5 دقايق بس.
على مضضٍ استسلمت الممرضة أمام عنادها، وحذرتها:
-ما تزوديش عن كده.
ابتسامة أمل أنارت شفتيها وهي ترد:
-حاضر
أرشدتها الممرضة إلى مكانه، وأوصتها مجددًا بعدم إطالة وقت تواجدها معها، منعًا للمشاكل، أومأت برأسها في انصياعٍ، وانتظرت على أحرِ من الجمر انصرافها لتلج إلى غرفته، نظرة مليئة بالحسرة انتشرت في كامل وجهها، لرؤيته مقيدًا بأسلاكٍ غريبة، موصولة بأجهزة طبية تُتيح للطاقم الطبي متابعة حالته، دنت من فراشه، وقلبها ينبض بقوةٍ، تلمست ذراعه المسنود إلى جوار جسده، خللت أصابعها في كف يده، احتضنته بقوةٍ طفيفة، ورفعته إلى وجنتها ليلمس جلده بشرتها، كفكفت بيدها الأخرى دموعها، ثم اقتربت برأسها من وجهه الساكن، لتهمس له في أذنه:
-"تميم".. حبيبي، سامعني؟ أنا جيت هنا جمبك.
لم تحرر يده، وتحسست بأناملها ذقنه النابتة، أسبلت عينيها تخبره بصوتها الخفيض:
-إزاي جالهم قلب يعملوا فيك كده، وهما عارفين أد إيه أنا بأحبك؟
تحولت ملامحها إلى العبوس، وأضافت بتجهمٍ:
-أنا مش مسمحاهم... كمان مالهاش حق أمي تشمت فيك.
تلاشى اكفهرار وجهها مع تبريرها لتصرفها الفج:
-بس برضوه لازم أعذرها، هي زعلانة عشاني..
استمرت في مداعبة وجهه، ثم همست له:
-عارف لو إنت كنت معايا، مكانش ده كله حصل يا حبيبي...
انخرطت في دوامة أحلامها الوردية، وأغمضت عينيها لتقول بنبرة حالمة:
-كان زمانا نايمين في حضن بعض، وكان ممكن دلوقتي أكون حامل في ابن تاني لينا بدل اللي راح.
تحرك صدر "تميم" بثقلٍ أصابها بالمفاجأة، هسيسٌ غير مفهوم خرجت من شفتيه الجافتين ينادي:
-"فيروزة"!
لم تتبين كلامه غير الواضح، مالت برأسها عليه أكثر، وسألته بقلبٍ يدق بحماسٍ:
-"تميم" إنت سامعني؟
قربت "خلود" شفتيها من فمه، لتسمعه يهمس باسمها، بحنينٍ لم تختبره يومًا معه:
-"فيروزة"!
اختفت مشاعر الإشفاق عليه، حتى لمعان عينيها بسبب دموعها جف سريعًا، "فيروزة" هذا الاسم البغيض إلى نفسها، من اعتبرتها مفسدة حياتها الرومانسية، ها هو وسط ضلالاته يناديها، حررت يده من أصابعها، ورمقته بنظرة نارية مليئة بالغيظ، ظلت شفتا "تميم" ترتجف بهمهمة اسمها، فخرجت عن شعورها، ووضعت كفيها على كتفيه، تصرخ فيه بجنونٍ:
-بتقول اسمها حتى وإنت بتموت؟ إييييييه؟!!
انفجر غضبها مع صمته المستفز، فهدرت بانفعالٍ شديد، لاكزة إياه:
-خلاص، مافيش إلا هي في دماغك؟
حاولت هز جسده المتصلب خلال صراخها به:
-وأنا فين؟ رد عليا؟ أنا فين في حياتك يا "تميم"؟
اختنق صوتها مع استمرارها في الصياح به:
-أنا مراتك، وبنت خالتك، وأم ابنك، ناسيني ليه؟
عادت مشاعرها التملكية تحتل نبرتها، وهي تطلق عباراتها الغاضبة نحوه:
-إنت جوزي أنا وبس، الزفتة دي خلاص غارت في داهية، معدتش موجودة وسطنا، بتفكر ليه فيها؟ عملالك إيه عشان حتى وإنت راقد كده بتنطق باسمها قصادي؟ تفرق إيه عني؟ واشمعنى أنا لأ؟ كل اللي عملته عشانك محيته في لحظة؟ أنا مراتك، إنت اخترتني عشان أكون ليك من زمان، من قبل ما أعرف يعني إيه حب، ورضيت أكمل معاك بعد سنين من الانتظار، يعني إنت من حقي وبس، قلبك ملكي لوحدي أنا بس، محدش غيري ليه حق فيك!!!
اخترق صوتها المحتد طبلة أذنه وهي تكرر عليه بلهاثٍ منفعل:
-سامعني يا "تميم"؟ إنت جوزي.
خبت عصبيتها مع ترديدها:
-إنت حبيبي، وكل حتة فيك ملكي أنا.
تحركت يدها لتلمس ثغره؛ لكنه أوقفها قبل أن تصل إليه، بالقبض على معصمها، في حركة مفاجئة، أصابتها لحظيًا بشلل مؤقت، اتسعت عيناها على آخرهما، وصوته يخرج بطيئًا من بين شفتيه يأمرها:
-إياكي..
بلعت ريقها، وهتفت ببسمة مذهولة:
-"تميم"، أنا مش مصدقة عينيا.
ما كان سائدًا في مجمل مشاعره نحوها، بعد أن استفاق من ظلام عقله، رفضًا قطعيًا لوجودها بقربه، وبصوتٍ جاهد ليخرج ثابتًا، صارمًا، ولا بادرة تردد فيه، أمرها:
-متقربيش مني يا... بنت خالتي...
شهقة غاضبة انفلتت من بين شفتيها المنفرجتين، وقبل أن تفكر في تسول عواطفه، بهذا الشكل المرضي السقيم، حسم وصف علاقته بها، بقوله النهائي الذي لا رجعة فيه:
-إنتي متحرمة عليا، سواء كنت عايش، ولا ميت .................................. !!
........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الرابع 4 - بقلم Manal Salem
معذرة إن كان الفصل قصير إلى حد ما .. الظروف العائلية الحالية تحول دون العودة للكتابة بذهنٍ صافٍ..
رجاء شخصي من حضراتكم قبل الشروع في قراءة الفصل، الدعاء بالشفاء لأخي، عل الله يستجيب لدعواتكم ويرفع الابتلاء عنه
قراءة طيبة مع الأحداث
الفصل الثالث والسبعون
صراخها الحاد المصحوب بعويلٍ غير مفهوم، اخترق سكونه الإجباري، ليحفزه على إسكاتها، فاستعاد تدريجيًا وعيه؛ لكنها لم تدرك هذا وسط نوبة هياجها، استجمع فكره الضائع، وبدأ عقله التائه في منحه تفسيرًا سريعًا لما يدور حوله؛ وإن لم يلم بالصورة الكاملة بعد، نفس الكلمات المستهلكة، والعبارات الباعثة على النفور تتردد بقوة من حوله، لتذكره بواقعه المؤذي معها، الاهتزازات العنيفة التي أصابت بها جسده، جعلته أكثر يقظة، وتنبهًا لتصرفاتها الخرقاء. شحن "تميم" كامل طاقته الخامدة، ليصل إلى يدها، قبل أن تتمكن من لمسه، لم يفتح جفنيه بعد، فقد كان رافضًا بشدة، أن تحظى بأفضلية أول من تبصره عيناه، بعد انقطاعٍ عن عالمه المألوف، وإن كان لم يدرك بعد، كم مضى عليه في هذا الخمول المرهق.
ارتخت أصابعه عنها، فسحبت "خلود" يدها وهي تكاد لا تصدق نبذه الكريه لاقترابها، تملكها المزيد من الغضب الأهوج، وارتفعت نبرة الحقد في صوتها، فسألته:
-يعني إيه متحرمة عليك؟
لم يفتح عينيه بعد، وأجاب بصوته الهادئ، فأظهر وهنه:
-زي ما سمعتي.
آلام عنيفة اجتاحت جسده وهو يحاول تحريك أطرافه، كتم بصعوبة تأويهاته، حتى لا يظهر بالضعف أمامها، تخلى عن تلك المحاولة ريثما يشحن طاقاته المفقودة؛ لكن صوتها المزعج ضاعف من صداع رأسه، وهي تلومه:
-ليه يا "تميم" كده؟ ده أنا مراتك، أنا...
قاطعها بعصبيةٍ بذل جهدًا كبيرًا خلال ذلك، حتى لا ينعكس في صوته؛ لكنه فشل:
-أنا لسه بعقلي، وأنا طلقتك، اللي بينا خلص من زمان، وكفاية بقى تعبت من الأسطوانة دي.
رنة الصراخ باتت مؤذية أكثر له عن ذي قبل وهي تواصل معاتبته ببكائها:
-حرام عليك، بتعمل فيا كده ليه؟
إكرامًا للماضي، منحها فرصة أخيرة، قبل أن يندفع في تجريحها، بقوله الصارم:
-لو لسه عندك شوية احترام لنفسك امشي من هنا.
كورت قبضتها، وضغطت على أناملها حتى ابيضت مفاصلها، عندما سألته بغيظٍ:
-عايزيني أمشي عشان تفضل تفكر فيها براحتك؟
كانت إلى حد ما محقة في جملتها الأخيرة، ولم يكن ليلومها على هذا، لولا أن أساءت إليه بحديثها الفج:
-خلاص كلت دماغك بنت الـ (...) حتى وإنت بتموت؟
للمرة الأولى اضطر أن يتخلى عن رغبته في عدم رؤيتها، لتماديها في إحراق أعصابه بلغوها المزعج، وإساءاتها المتكررة، خاصة إلى من حُرم الفؤاد من التعلق بها، حدجها بنظرة قاسية، خالية من المحبة، قبل أن يهدر بها مهددًا، بصوتٍ آلم صدره:
-احفظي لسانك لو هتكلمي عنها، وإلا...
سعل بشدةٍ حتى جُرحت أحباله الصوتية، كذلك حركته المفاجئة جعل الألم ينتشر بعنفٍ في أنحاء جسده. استفزها دفاعه عن "فيروزة"؛ وإن لم تعد له، شعرت بغليانٍ يكوي قلبها، فسألته بصوتٍ حاقد، ونظرات نارية:
-وإلا إيه يا "تميم"؟
حرك يده ببطءٍ، وأمرها بصوتٍ لاهث للغاية:
-امشي من هنا.
تجاهلت أمره، وسألته بنفس الصوت الحانق، وعيناها تشتعلان أكثر:
-كل ده عشانها؟
سعل مجددًا وهو يخبرها:
-مايخصكيش...
استطاع أن يشعر بطعم العلقم المرير في جوفه، عندما أكمل جملته بهمسٍ متألم:
-ولا حتى هي تخصني دلوقتي.
فقدت آخر ذرات تحملها، فانفجرت تصرخ فيه بهياجٍ أقوى عن كل مرة، مظهرة شماتة مثيرة للغثيان، وهي تلوح بكفيها أمام وجهه:
-ده إنت تستاهل اللي اتعمل فيك.
اتسعت حدقتاه مصدومًا من ردها الوقح، ومع هذا واصلت الإفصاح عن نواياها الشريرة، بتهديدٍ أشد رعونة:
-ولو كانت قصادي كنت قتلتها بإيديا دول، عشان أشوف قلبك محروق عليها.
عجزت أطرافه عن الاستجابة لرغبته في الانتفاض، والتحرك من تلك الرقدة السقيمة، لطردها من محيطه، ما زال جسده يئن من أوجاعه المُهلكة، وهي كالمجذوبة تُلقي بالملح على جروحه الملتهبة، لتزيد من إحراق روحه المعذبة، لو لم يكن مقيدًا بالجبائر الطبية، لفعل الأسوأ في حقها، متناسيًا ما كان بينهما يومًا، تبقى له صوته ليصيح فيها بخشونةٍ:
-اطلعي برا.
تجاهلت مجددًا، وهدرت تسأله بمرارةٍ كبيرة:
-هي أحسن مني في إيه؟
قست عيناها وهي تلعنها باحتقارٍ:
-دي ماتسواش مداس في رجلي!!
جُرحت أحباله وتقطعت بألمٍ عندما هتف بها:
-امشي من هنا.
قضت على قشة الاحترام الأخيرة، بوقاحتها غير المحدودة، وتلك النظرة الحقود تنطلق من عينيها:
-تصدق بالله، إنت تستحق إنك تكون عاجز كده، متقدرش حتى تقوم من مكانك.
استجمع آخر ما تبقى في صوته المبحوح ليهدر عاليًا، بكل ما فيه من غضب:
-غــــــــــوري من هنا.
على إثر احتدام أصوات صراخهما، جاءت الممرضة ركضًا إليها، تفاجأت بإفاقة المريض الذي اعتبرت حالته حرجة للغاية، وما أدهشها أكثر اشتباك زوجته معه، توجهت على الفور إلى الأخيرة، تجذبها من كتفيها بعيدًا عنه، وهي ترجوها، بعد أن أدركت حجم المشكلة التي أوقعتها فيها، بسبب عصبيتها الفاضحة:
-يا مدام، اللي بتعمليه ده ما يصحش.
بنظراتٍ شيطانية تابعت "خلود" قائلة، بنوعٍ من الشماتة الحقود، وهي تقاوم الممرضة التي تسعى لإخراجها من المكان:
-تعرف اللي عمل كده فيك، يستاهل فلوس الدنيا كلها.
حدجها "تميم" بنظراتٍ قاتلة، حافظ على صمت، رغم النهجان الظاهر على صدره، لم يعقب عليها، والتفت ناظرًا إلى الطبيب الذي انضم إلى ثلاثتهم، ليبدأ في توبيخ الممرضة لتساهلها مع حالة المريض:
-إيه المهزلة دي؟ مين سمحلها تدخل؟
أنكرت الممرضة في حرجٍ، ووجهها متضرج بحمرةٍ قلقة:
-مش عارفة يا دكتور.
استخدمت كامل قوتها لتبعدها عن فراشه؛ لكن "خلود" أصرت على إفراغ ما في جعبتها من حقدٍ مغلول، فاستأنفت متوعدة إياه:
-وأنا بأقولهالك يا "تميم"، وقصاد الغُرب والقُرب، بحق كل لحظة حبيتك فيها لأخليك تكره اليوم اللي سبتني فيه، وفكرت في الـ(...) دي!
استعانت الممرضة بزميلتها التي جاءت على إثر الصخب العنيف، تعاونت الاثنتان في إزاحتها من مكانها، وإخراجها من الغرفة، ومع ذلك بقي صوتها المرتفع يهدد بشراسةٍ متعاظمة:
-هخلي حياتك جحيم أكتر ما هي، وهتشوف يا ابن خالتي "خلود" هتعمل فيك إيه.
.............................................................
صدمة على كافة المستويات والأصعدة، لم يكن ليتخيل حدوثها أبدًا، أو ارتباطها به؛ لكن التحريات الدقيقة، والنتائج الأخيرة التي توصلت لها الأجهزة الأمنية، أظهرت تلك الصلة الخفية بين الاثنين، لم يكن "وجدي" ليتصور أبدًا أن رفيقه المقرب، يُدير في الخفاء أعمالاً غير مشروعة. وصمة عار على جبينه، بل وعلى جبين كل من علاقة به، بالطبع لم يخبر "ماهر" عن تلك الأخبار هاتفيًا، أراد أن يطلعه على ذلك شخصيًا، وعلى حسب الموعد المتفق عليه، اجتمع معه في النادي، وهو لا يعرف كيف يفاتحه فيه.
لاحظ "ماهر" الحيرة البادية على وجهه، ناهيك عن الوجوم المنتشر في تقاسيمه، لهذا بادر متسائلاً في اهتمامٍ:
-خير يا "وجدي"؟ كنت عايز تشوفني ضروري ليه؟
سأله مباشرة دون استهلالٍ:
-امتى آخر مرة اتكلمت فيها مع "آسر"؟
صمت للحظاتٍ ليعصر ذاكرته، قبل أن يمنحه الجواب المفسر:
-تقريبًا قبل ما يسافر، وبعتله رسالة أباركله فيها على جوازه من صاحبة "علا".
زم "وجدي" شفتاه لثانية، وعقب بوجومٍ يدعو للريبة:
-طيب.
تفرس "ماهر" في وجهه بنظراته المتشككة وهو يسأله:
-هو في حاجة؟ بتسأل عنه ليه؟
بامتعاضٍ أجابه، دون أن تفتر تعابيره العابسة:
-إنت عارف طبعًا إني شغال على قضية تهريب كبيرة.
هز رأسه مؤمنًا على كلامه، وأضاف:
-أيوه، وبدأت تمسك خيوط فيها.
اقتضب في رده الحذر:
-بالظبط...
تركزت عينا "ماهر" معه، فوراء تردده الملحوظ إيحاءً عظيمًا بكارثة خطيرة، وزاد هاجسه قوة، عندما تكلم بزفيرٍ ثقيل؛ وكأنه يستصعب الأمر:
-ومن ضمن الخيوط دي، اكتشفنا إن في علاقة بين واحد من المتورطين فيها وآ...
في بادئ الأمر، لم يجرؤ على الإفصاح عن هويته، فسأله "ماهر" بفضولٍ مهتم، وقد كان مرتخيًا في تعبيراته:
-مين؟
ثبت أنظاره عليه، ونطق بوجهٍ مكفهرٍ للغاية:
-"آسر".
برزت عيناه في محجريهما لصدمته، وردد في ذهولٍ:
-أوعى يكون قصدك عن آ....
لم يدعه يكمل جملته، وتابع بدلاً منه:
-أيوه هو.. "آسر" صاحبنا.
هتف مذهولاً بتعابيرٍ أشد وطأة في صدمتها:
-طب إزاي؟ أكيد في حاجة غلط! استحالة يكون الكلام ده مظبوط، "آسر" مش من النوعية دي.
كانت ملامحه المتجهمة دليلاً على ضيقه الكبير من الحقيقة الصادمة، ولهذا بدت رنة الحنق واضحة في صوته وهو يعقب عليه:
-أنا عملت زي كده، ماكنتش مصدق، لحد ما اتأكدت بنفسي، بعد ما خدنا أمر من النيابة بتفريغ سجل مكالمات "محرز" من شركة المحمول، كشفنا عن الأرقام، وطلع واحد فيهم بتاع "آسر"، والمكالمات بينهم من زمان.
بعقلٍ رافض للاستيعاب، دمدم "ماهر" بنفس الصوت المذهول:
-استحالة يكون بالوضاعة دي!!
رنة من السخرية، غلفت نبرة "وجدي"، حين قال بكلماتٍ بطيئة متهكمة:
-تخيل إنت بنحكي عن شغلنا قصاده ليل نهار، واللي بنعمله عشان نمسك المهربين، وهو يسمع من هنا، ويظبط عملياته على الأساس ده.
نظر له في أسفٍ، وسأله:
-طيب وهتعمل إيه؟
ظهرت الحيرة على ملامحه وهو يرد:
-لسه مش عارف، ما هو البيه يعتبر هربان برا، وأنا محتاج أجيبه هنا.
صمت الاثنان عن الحديث، ليسترجعا ما كان يجمع ثلاثتهم من صداقة ممتدة، تخللها لحظات فرحة وسرور، ولحظات حزنٍ وهموم. زفر "ماهر" الهواء المحمل بدخان سيجارته المشتعلة، قبل أن ينطق بحنقٍ:
-المصيبة إني كنت فاتحله بيتي، ومأمنه على أختي.
رد في ندمٍ حرج:
-الموضوع ده لطتنا كلنا.
أيده في قوله بإضافة المزيد، باستهجانٍ صريح:
-فعلاً، وجايز يفكروا إننا متورطين فيه، ولا يمكن نكون بنمده بالمعلومات.
رد على مضضٍ:
-ماتستبعدش ده، وخصوصًا إن الكل عارف علاقته بينا.
-أيوه
خرجت كلمته الأخيرة مع إنهائه لسيجارته الأولى، قبل أن يتبعها بأخرى، عل دخانها الحارق يساعده في التنفيس عن الغضب المتجمع في صدره، ارتفعت أنظاره نحو "وجدي" من جديد، وهو يطلب منه برسميةٍ:
-يا ريت يا "ماهر" ماتجيبش سيرة لـ "علا" كمان، مانضمنش تتصرف بتهور، وأنا مش عايزه يشم خبر إننا عرفنا، أو حتى يلاحظ إن في تغيير ولا حاجة في المعاملة، لحد ما نشوف خطة نرجعه بيها للبلد.
علق بتبرمٍ:
-أكيد أنا مش غبي للدرجادي.
تنحنح قبل أن يوضح له:
-لزيادة الحرص مش أكتر.
-تمام.
التفت "وجدي" بعينيه نحو النادل الذي أحضر القهوة إليه، شكره بإيماءة صغيرة من رأسه، تجرعها ببطء، وقد بدا عليه التفكير العميق، نظر في اتجاه رفيقه الذي لم يتوقف عن إحراق السجائر واحدة تلو الأخرى، حرر الهواء المعبق بالدخان من رئتيه، واستطرد مجددًا:
-لازم نفكر سوا عشان نقدر نجر رجله ونخليه ينزل.
بالرغم من الكدر المنتشر في عينيه، أردف "ماهر" قائلاً بغموضٍ:
-في دماغي كده فكرة لو ظبطت، جايز تنفع.
تطلع إليه "وجدي" باهتمامٍ، وحثه على مشاركته أفكاره طالبًا منه:
-قولي عليها.
لم يرف جفناه وهو يحرك فكه لينطق:
-"فيروزة" صاحبة "علا"، أكيد هي زيها، متعرفش حاجة عنه.
في سخرية مريرة علق عليه صديقه:
-ده أكيد، إذا كنا احنا صحابه مكوناش عارفين إنه من موردين المخدرات، هي هتعرف إزاي؟
بلمحة من الثقة واصل القول، وقد بدأت معالم الخطة في التشكل في عقله:
-طرف الخيط هايكون من عندها.
بدا الأمر مشوقًا، فظلت أنظاره المهتمة مرتكزة عليه، بينما تابع "ماهر" بلهجة عملية بحتة، وقد برقت عيناه على الأخير:
-صدقني، لو ظبطنا الحكاية صح، نهايته هاتكون على إيد مراته.
..............................................................
الحظ لا يطرق الباب مرتين! لكن معها اختلف الأمر، ربما لأنها كانت مضطهدة للغاية، فأشفق ذاك الغريب عليها، أو لأنها بالفعل تستحق فرصة للنجاة من الجحيم الذي أوقعت نفسها فيه. لحظات من الصمت الشارد، كان كل ما حصلت عليه، بعد بقائها بمفردها، وإدراكها أنها أصبحت سجينته العاجزة، حاولت "فيروزة" الهروب من قساوة حياتها، بسرحانها الحزين في ذكريات مليئة بالسعادة، جمعتها مع عائلتها، جعلت عيناها تستدعي الدموع إليها. تلقائيًا وجدته يقتحم ذكرياتها الخاصة، بوجه ذي الملامح الجادة، وصفاته المفعمة بالرجولة، وكأنه السلوى لها، في عالم خلى من أمثاله، استنكرت لجوء عقلها للتفكير في "تميم"، بل ومقارنته بمن يحمل لقب زوجها، حقًا المقارنة مجحفة وفي غير محلها!
ذاك الوضيع الذي لعن جسدها بازدرائه المهين، وإهاناته الجارحة، جعل ثقتها تتزعزع، تحركت يدها المستريحة على كتفها، لتهبط للأسفل قليلاً؛ حيث ندوب الماضي المحفورة على جلدها، ارتجفت وهي تتلمس بأطرافِ أناملها، ما وصفه بأنه تشوه متقيح، يحفز النفس على التقيؤ، عند التطلع إليه، أطبقت على جفنيها في حسرة، والدموع تنهمر منهما، طرقة ثابتة على باب المنزل جعلتها تتجمد في جلستها، تخشبت، وفتحت عينيها لتحدق فيه بتوترٍ.
كانت فاقدة لقدرتها على مجابهته، تحتاج لبعض الوقت لاستعادة ضبط انفعالاتها، بعد ما تكبدته من معاناة متواصلة، طرق باب المنزل مجددًا، فانتفضت "فيروزة" في مكانها، لم تطئ غرفة النوم منذ أن خرجت منها، بقيت جالسة على الأريكة الوحيدة الموجودة بالصالة، استقامت في جلستها، ونظرت إلى الباب بعينين فارغتين، استمر الطرق الحذر عليه، فأجبرت نفسها على النهوض، وسارت ببطءٍ في اتجاهه، تسمرت في مكانها، وقد أتاها صوتًا ذكوريًا يخبرها من الخارج باللغة الانجليزية:
-أعلم أنكِ بالداخل، سيدتي.
مشيت على أطراف أصابعها لتصل إلى الباب، ألصقت كفيها به، ومالت برأسها نحوه، ثم أرهفت السمع إلى الصوت الذي واصل القول:
-وزوجك ليس متواجدًا معكِ.
تفاجأت من تصريحه، وشعرت بدقات قلبها ترتفع في صدرها من رهبتها، استجمعت نفسها، وسألته باهتزازة بائنة في صوتها:
-من أنت؟
أجابها بصوتٍ ثابت، باعث على الهدوء:
-أنا حارس البناية الأمني، من تحدث معكِ قبل قليل.
دون تفكيرٍ سألته، وعيناها تتحركان في توترٍ:
-وماذا تريد؟
طلب منها بلطفٍ:
-رجاءً افتحي الباب لنتكلم بالداخل...
وقبل أن ترد عليه أضاف بلهجةٍ شبه جادة:
-فالأمر هام، ويخصك...
بلعت ريقها، وسألته:
-كيف؟
أجابها بلكنة عربيةٍ حاول أن تبدو مفهومة لها:
-اعلم أن زوجك اعتدى عليكِ بالضرب، كان هذا واضحًا، وأنا جئت لمساعدتك.
خفق قلبها بقوةٍ، وقبل أن ترفض مساعدته، أصر عليها:
-لا تقلقي، سيبقى الأمر سرًا، أؤكد لكِ هذا.
ترددت في قرارها، وأخبرته بحرجٍ كبير:
-للأسف، لا أملك المفتاح، فأنا محبوسة هنا.
ببساطة أعلمها:
-لا تقلقي، معي نسخة احتياطية، فقط إن سمحتِ لي.
تصريحه الغريب أشعرها بأن قدومه إليها مقصودًا، استغرقت في تفكيرها الحائر، فشردت عن منحه الرد، وحين طال صمتها سألها بتهذيبٍ:
-سيدتي! هل أنتِ معي؟
تنبهت له، وقالت على عجالةٍ:
-نعم.
كرر عليها طلبه، بإلحاحٍ أشد:
-هل تسمحي لي بالدخول؟ أنا حقًا أريد مساعدتك، هل توافقين؟
ولأن فضولها غلب مخاوفها أجابته:
-نعم، لحظة واحدة.
استدارت بجسدها، تفتش بعينيها سريعًا، عن عباءتها التي انتزعتها، بعد رحيل الحقير "آسر"، وجدتها ملقاة بإهمالٍ على مسند الأريكة، سارت على مهلٍ في اتجاهها، وارتدتها حول جسدها الذي برزت فيه كدماته الزرقاء بوضوحٍ، ضغطت على شفتيها كاتمة أنات الألم، ثم عادت إليه بعد دقائق لم يتعجلها بها، وقفت على بعد خطواتٍ من الباب تهتف من ورائه، بقلبٍ يخفق بشدة:
-تفضل، يمكنك الدخول الآن.
...............................................................
الغليان الذي استعر في صدرها، كان الحافز المثالي، لتحريك دوافعها الانتقامية منه، وها قد بدأت في الشروع في تنفيذ مخططاتها الإجرامية، بعد تفكيرٍ عميق، استغرقها ليالٍ طويلة، رسمت في ساعاتها الممتدة، تفاصيل كل شيء، ليكون انتقامها موجعًا حتى النخاع. توقفت "حمدية" أمام باب المنزل الخشبي، ترمقه من خلف الساتر القماشي الأسود الذي يحجب كامل وجهها بنظراتِ ازدراءٍ كبيرة، لجأت لارتداء النقاب عن عمدٍ، ليكون وسيلتها المضمونة للتخفي السريع عن الأعين، فرغبتها في اختراق بيته الآخر، دون إثارة الشكوك كان واضحًا في تصرفها هذا. كتمت غضبها، ورفعت يدها لتطرق على الشراع الزجاجي، اِربد وجهها بالغضب مع سماعها لصوتٍ ناعم يقول من الداخل:
-أيوه يا اللي بتخبط.
جاهدت لتثبط من أي علامات للانفعال، حتى لا تثير الريبة، وانتظرت على جمرٍ متقد فتح ضرتها لها، وما إن ظهرت قبالتها حتى صعدت الدماء الفائرة إلى رأسها، وغزت كل عروقها لتحفزها على قتلها الآن وفي التو؛ لكنها قاومت رغبتها الدموية، واحتفظت بثباتٍ تُحسد عليه، استقبلتها "سماح" بتعابيرٍ جادة، ونبرة متسائلة في حيرة:
-إنتي مين يا حاجة؟
نظرة دقيقة بطيئة جالت عليها من رأسها لأخمص قدميها؛ وكأنها تقييمها بها، لترى الفارق بينهما، لم تكن بامرأة خارقة الجمال، كانت في مقياسها عادية للغاية، لا ترتقي لإثارة اهتمام الرجال، ومع هذا نجحت تلك اللعوب في استدراج زوجها، وإيقاعه في حبائلها ليتزوج بها، بل ويحتفظ بسر زواجه منها لسنواتٍ طويلة. ضاقت عينا "سماح" عليها، وسألتها بنفاذِ صبرٍ:
-إنتي تايهة ولا حاجة؟
أجابت "حمدية" بكذبٍ ملفق، يشوبه هدوء عجيب، مغاير للحقد الشديد المتغلغل فيها:
-أنا أبقى "آمنة".. أخت سي "خليل" جوزك ............................. !!
...............................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الخامس 5 - بقلم Manal Salem
باعتذر عن التأخير لرغبتي في نشر الفصل بكامل مشاهده
الفصل الرابع والسبعون
لحظاتٍ من الذهول أصابتها، استفاقت منها سريعًا، ليرتفع حاجباها للأعلى في صدمةٍ، تخللتها علامات الفرحة الواضحة، فعلى عتبة باب منزلها، تقف شقيقة زوجها تنتظر استقبالها لها .. وبحركاتٍ لا إرادية مسحت "سماح" على عباءتها المنزلية لتفرد قماشها المجعد، وهتفت مرحبة بها بحرارةٍ شديدة، وهي تتنحى للجانب قليلاً، لتتمكن من إفساح المجال لها، للمرور للداخل:
-يا 100 مليون مرحبًا، نورتي البيت يا ست "آمنة".
لم تزح "حمدية" حجاب وجهها عنها، احتفظت به عليها ريثما تلج لمنزلها، لتضمن عدم رؤية أحدهم لها، ولو مصادفةً؛ كانت حريصة كل الحرص على إخفاء هويتها. تنحنحت وهي ترفع البرقع عنها، لتقول بعدها كنوعٍ من المجاملة، ويدها تحمل كيسًا بلاستيكًا:
-البيت منور بأهله.
سبقتها "سماح" في خطواتها، لتقترب من إحدى الأرائك، نفضتها بيدها لتزيح أي أتربة عالقة فيها، أو شوائب صغيرة، ودعتها للجلوس، بنفس الود الكبير:
-اتفضلي هنا يا غالية.
رسمت ضرتها ابتسامة محبة زائفة على ثغرها، وتحركت في اتجاهها، وعيناها تحملقان بها بغموضٍ؛ وكأنها تدرس تفاصيلها، لترد بعدها بإيجازٍ:
-كتر خيرك.
مقارنة سريعة عقدها عقلها بينها وبين تلك المرأة، اعتبرتها لا ترتقي لمقياس السحر الأنثوي، ولا تستحق النظر إليها؛ فلم تكن تملك من الجمال إلا قدرًا قليلاً، جسدها ممتلئ، غير متناسق المنحنيات، ربما بشرتها أفتح بقدرٍ بسيط، الفارق الجدي الملحوظ بينهما هو اختلاف أعمارهما، فـ "سماح" تصغرها بعشرةِ أعوامٍ على أقل تقدير. انتبهت "حمدية" لنظراتها الزائدة، وأبعدت عيناها عنها، لتعلق بابتسامة صغيرة، وهي تسند الكيس البلاستيكي إلى جوارها:
-ماشاءالله ياختي، بيتك زي الفل...
صاحب كلامها نظرات متأنية، مسحت بها تفاصيل المكان، وجاهدت كذلك أن تخفي ازدرائها فيها، على المنزل البسيط، الذي لا يحوي إلا أثاثًا زهيد السعر. عادت لتحدق في وجه مُضيفتها، وادعت كذبًا بابتسامة بدت إلى حد ما متقنة:
-الصراحة يرد الروح، مش زي بيوت تانية تخشيها يقبض نفسك.
ضحكت عاليًا، وعقبت عليها وهي تجلس على الأريكة المجاورة لها:
-الله يكرمك يا رب، ده من ذوقك والله...
ثم صمتت للحظة، لتضيف بعدها، بمزيدٍ من المدح:
-وربنا "خليل" ما ليه إلا سيرتك على لسانه طول اليوم، وأنا كان نفسي أوي اتعرف عليكي ...
غلف العبوس تعابير "حمدية"، ولم يكن هذا كذبًا، بل صادقًا بدرجة كبيرة، لتعاظم حقدها بداخلها، غالبته بصعوبة، ثم مصمصت شفتيها، قبل أن تتابع بتنهيدة بدت آسفة:
-بس نقول إيه الظروف بقى.
تمتمت "سماح" ببسمةٍ لطيفة:
-الحمدلله.
ضاقت عينا "حمدية"، وأكملت بنبرة تميل للوم:
-مالوش حق جوزك يخبي عليا.
أخبرتها بزفيرٍ مهموم:
-هو اتفق معايا على كده، مانجيبش سيرة لحد من طرفه، مع إن الحكاية دي ضايقتني أوي.
علقت عليها بتذمرٍ:
-هو أنا أي حد؟
ولتبدو مقنعة أكثر في تمثيل دورها، أضافت أيضًا، متجاهلة الغليان الحارق لصدرها:
-وبعدين هاكره لأخويا الخير؟ ده إنتي زي العسل وحلوة ونغشة كده.
كركرت "سماح" ضاحكة على إثنائها، وردت مجاملة:
-ده من ذوقك يا ست "آمنة"، ياما كان نفسي أشوفك من زمان والله.
جاء ردها لطيفًا بشكلٍ مغاير للنيران المحتدمة بداخلها:
-القلوب عند بعضها يا حبيبتي.
لحظة من الصمت سادت بين الاثنتين، قطعتها "حمدية" بقولها الهادئ:
-بس مكدبش عليكي، أنا زعلت أوي لما قالي على جوازته منك، وكانت بالصدفة.
اكتسبت نبرتها إيقاعًا منزعجًا وهي تحادثها:
-هايعمل إيه بس؟ غصب عننا ...
لكن ما لبث صوتها أن تحول للحنق، عندما استكملت جملتها:
-كله من بوز الإخص مراته اللي ماتتسماش، منها لله قرفاه ليل ونهار، إن ما بيقول كلمة حلوة عنها أبدًا، أعوذُ بالله، ست ماتتعاشرش، يتفاتلها بلاد، ما إنتي أكيد عارفاها أكتر مني.
اشتعلت حدقتاها في غضبٍ، لسماعها تلك الإساءات المهينة في حقها، أخفضت أنظارها حتى لا ينكشف أمرها، وعقبت بزفيرٍ ثقيل:
-آه عارفاها.
ضحكة مفتعلة انفلتت من بين شفتي "سماح"، تبعها سؤالها:
-قعدتك الحلوة لهتني، ها قوليلي تشربي إيه؟
من الجيد أنها كانت بارعة في إخفاء مشاعرها المغتاظة، وإلا لفسد ما تخطط له، رسمت "حمدية" تلك الابتسامة الودودة على محياها، وقالت:
-مالوش لزوم، ده أنا جاية أقعد معاكي.
نهضت "سماح" واقفة، وهتفت في سرورٍ:
-ودي تيجي بردك؟ ده إنتي أول مرة مشرفاني، يا ريتني كنت أعرف من قبلها، كنت فرشتلك الحارة رمل وورد.
احتفظت بابتسامتها المشرقة، لترد بإيماءة استحسان من رأسها:
-أدها ياختي.
كررت عليها سؤالها في اهتمامٍ:
-أعملك إيه؟
أشارت بعينيها نحو الكيس الذي جاءت به، وأخبرتها بنفس البسمة الهادئة:
-شوية شاي كده، أهوو ناكلهم مع الكيكة اللي عملتهالكم بإيدي.
هللت "سماح" في اندهاشٍ فرح:
-وكمان تاعبة نفسك؟
خدعتها بقولها الزائف، لتبدو حقًا كشقيقته "آمنة":
-أكيد "خليل" قالك إن نفسي في الأكل حلو.
هزت رأسها بالإيجاب وهي تنطق في تبرمٍ:
-أومال، ده بيقولي على طول إنتي اللي بتطبخيله، بدل وش البومة اللي متجوزها.
سبة لعينة كانت على وشك الإفلات من حلقها، منعتها في اللحظة الأخيرة، وأردفت بنفسٍ عميق، وكلماتٍ بطيئة:
-أه يا.. حبيبتي، ده أنا.. شيلاه على كفوف الراحة، هو أنا عندي غيره سندي؟
نظرت لها قائلة بما يشبه الدعاء:
-ربنا يخليكوا لبعض.
أمرتها "حمدية" بجدية، وقد شرعت في إزاحة الكيس البلاستيكي، عن العلبة الصغيرة المغلقة الموضوعة بداخله:
-علقيلنا على الشاي، وهاتي طبقين من عندك عشان ناكل فيهم...
نظراتها الخبيثة تلونت بلمعانٍ مثير وهي تتم جملتها:
-ويا رب تعجبك.
لم تشكك أبدًا في نواياها الشريرة، وهتفت بترحيبٍ شديد:
-من غير حاجة عجباني يا ست "آمنة"، ده كفاية إنها منك.
اكتفت الأخيرة بهزة بسيطة من رأسها، ثم تحركت أنظارها في اتجاه الطفلة الصغيرة التي ظهرت أمامها، وبقيت لهنيهة مثبتة عليها. خطت "سماح" في اتجاه ابنتها، حينما رأت عيني ضيفتها عليها، أمسكت بذراعها، لتجذبها منه، وهي تقول:
-بت يا "كوكي"، تعالي سلمي على عمتك "آمنة".
بابتسامةٍ مهزوزة نطقت "حمدية"، وشعورها بالغيرة القاتلة ينهش فيها:
-ما شاء الله، دي بقى بنته؟
عرفتها بها، دون احتسابٍ، لسوء عواقب نواياها الطيبة:
-أيوه، "رقية"، وبناديها "كوكي".
على مضضٍ علقت عليها:
-ربنا يخلي...
لازمتها نظراتها القوية، تدرس كل تفصيلة في ملامحها البريئة، إلى أن وقفت قبالتها، فاضطرت مرغمة، أن تحتضنها بكرهٍ شديد، أخفته بمزيدٍ من الجهد، أبعدتها عنها، وناولتها قطعة من الكعكة التي خبزتها لتأكلها الصغيرة، وأردفت قائلة:
-بنتك شبهك إنتي أوي
ردت "سماح" وهي توليها ظهرها:
-أه طلعالي، الكل بيقول كده.
برزت أسنان "حمدية" أكثر، وقد رأت الصغيرة تقطم قطعة من الكعكة، شجعتها لتناولها، بهسيسٍ أقرب لفحيح الأفعى:
-عايزاكي تخلصيها كلها، عشان أبوكي "خليل" يتبسط منك.
دمدمت الصغيرة "رقية" ببراءة:
-حاضر.
تخشبت "حمدية" في جلستها، وجحظت عيناها بشدة، عندما سمعت صوت قرع الجرس، هوى قلبها بين قدميها، وهربت الدماء من وجهها، معتقدة أن زوجها الخائن قد حضر على غير موعده، رغم تأكيد الأخير استغراقه اليوم في عمله لساعات متأخرة، بسبب أعمال الجرد المكلف بها، شيعت "سماح" بنظراتٍ متجمدة، وقد هللت عاليًا، وهي تتجه نحو باب المنزل:
-جاية أهوو.
حبست أنفاسها في ترقبٍ مرتعد، ما لبث أن تبدد بمجرد أن لمحت إحدى السيدات تقف أمام الباب، وصوت "سماح" المرحب يردد:
-إزيك يا ست "أم دعاء"؟
قالت الجارة في حرجٍ، ووجهها يعكس توترًا غريبًا:
-بخير يا حبيبتي، معلش ياختي هاعطلك شوية، وإنتي باين عليكي مشغولة، وعندك ضيوف.
تلقائيًا التفت "سماح" برأسها نحو "حمدية"، وعرفت بها بفخرٍ بائن:
-ده مافيش حد غريب، دي الست "آمنة"، أخت "خليل" جوزي، جت تشوفنا، وتسلم على بنته.
هتفت الجارة بترحيبٍ:
-منورة يا حاجة.
اقتضبت "حمدية" في ردها عليها:
-تسلمي
وجهت "أم دعاء" حديثها لجارتها بلهجة جادة، وقد بدت مشتتة الذهن إلى حد ما:
-بصي يا "سماح"، هاتقل عليكي شوية، ده مفتاح الشقة، بعيد عندك أمي حجزوها في الحميات، وأنا رايحة عندها، واحتمال أبات هناك...
قاطعتها الأخيرة في أسفٍ:
-يا ساتر يا رب، ألف سلامة عليها، دي كانت زي الفل.
غامت تعابير الأولى، وتابعت بحسرةٍ ظاهرة على تقاسيمها:
-الحمدلله على كل حال، لسه هانشوف الدكاترة هايقولوا إيه، وربنا عليه جبر الخواطر.
ربتت "سماح" على كتفها كنوعٍ من المواساة، بينما أضافت جارتها تستأذنها على عجالةٍ:
-المهم يعني البت "دعاء" بنتي لسه في الدرس ومرجعتش، طلبتها على موبايلها، ماردتش عليا، وأبوها عنده وردية لمتأخر، فلو جت وخبطت عليكي اديها المفتاح، أنا هاقولها تعدي عليكي لما تكلمني.
تكلمت على الفور مبدية قبولها:
-وماله ياختي، بيتها، تيجي في أي وقت، أنا مش رايحة في حتة.
شكرتها بامتنانٍ كبير:
-تعيشي ياحبيبتي، ده العشم برضوه.
دعت لها "سماح" بنبرة راجية:
-ربنا يطمنك على الحاجة، ويشفي عنها يا قادر يا كريم.
اختتمت الجارة حديثها معها، فقالت:
-يا رب أمين، ومايوقعكيش في ضيقة أبدًا، فوتك بعافية.
ردت بعبارةٍ مجاملة:
-يعافيكي يا حبيبتي من كل سوء.
وقبل أن تغلق باب المنزل، أتاها صوت جارتها العالي قائلاً:
-سلمي على ضيفتك بقى.
أخبرتها بإشارة من رأسها:
-يوصل يا "أم دعاء".
انتظرتها حتى هبطت بضعة درجات من السلم، لتغلق الباب، واستدارت بجسدها تستعد للذهاب إلى المطبخ؛ لكن فضول "حمدية" استوقفها بسؤالها:
-في حاجة؟
أجابت نافية، وبابتسامة عادية:
-لأ كله تمام، دي جارتي كانت قصداني في خدمة على السريع.
لم تعد مهتمة بمعرفة التفاصيل، طالما أن الأمر لا يُعارض تنفيذ مخططتها الدنيء، عادت توزع ابتساماتها عليها، وطلبت منها:
-طيب يالا ياختي، اعمليلنا شوية الشاي، عشان ألحق أقعد معاكي قبل ما أنزل.
هتفت "سماح" بنفس الترحيب الذي لم ينتقص منه شيء:
-ده إنتي منوراني النهاردة...
وقبل أن تواصل السير، لوحت بذراعها تخبرها:
-وبعدين الزيارة دي ماتتحسبش، دي زي ما بيقولوا أعدة تعارف.
رغم اللهيب المشتعل بداخلها، إلا أنها احتفظت بنفس الملامح الوديعة، وردت بهدوءٍ مريب، بدا وكأنه يسبق حقًا عاصفة كاسحة:
-أيوه، الجايات أكتر من الريحات.
......................................................
أول درجات الثقة بينهما، وربما البداية الجادة للإقدام على فعل المزيد، كانت في تركه يفتح الباب، بالنسخة الاحتياطية التي يحتفظ بها، لاستخدامها عند الطوارئ. أبقت "فيروزة" على مسافة بينها وبين الحارس الأمني، والذي بدا على نحوٍ غير عادي مهتمًا بأمرها .. بلعت ريقًا غير موجود بجوفها، وأشــارت له بيدها نحو الأريكة الوحيدة بالمكان، قبل أن تستطرد قائلة بلغة انجليزية بسيطة:
-تفضل.
هز رأسه باهتزازة صغيرة، وقال راسمًا على محياه، ابتسامةٍ صغيرة، يمحو بها أي بوادر خوفٍ أو توتر:
-شكرًا لكِ سيدتي.
تقدم الرجل ما يقرب من خمسة خطوات، وتوقف في مكانه، رافضًا الجلوس إلى حيث أشارت، ليستطرد بعدها بصوتٍ عميق، كنوعٍ من الاستهلال المطمئن:
-في البداية، أود أن أخبرك أني أتحدث القليل من العربية، مع الانجليزية، فلن تكون هناك مشكلة في التواصل بيننا.
رمشت بعينيها وهي ترد:
-حسنًا.
وضع يده على صدره مضيفًا:
-كذلك أريد التعريف بشخصي، أنا أدعى "كاران"، وأعمل كحارس أمني هنا.
رحبت به بعبارة بسيطة:
-أهلاً بك.
غطى وجهه تعابيرًا جادة، وهو يتابع بنفس اللهجة الثابتة، وببطءٍ متعمد لتفهم مقصده:
-لكن قبل أن انتقل للحديث بشأن سبب زيارتي، أريد أن أوضح لكِ أنه قبل التحاقي بوظيفتي الحالية، كنت أعمل في أحد مراكز التأهيل الخاصة بالنساء المعنفات.
بدت بعض المصطلحات غريبة على مسامعها، فسألته:
-اعذرني، لا أفهم.
حاول أن يفسر لها الأمر بلغتها الأم، فقال على مهلٍ:
-إنها إحدى المؤسسات المتخصصات، في رعاية السيدات اللاتي تعرضن، لأنواع من الإيذاء البدني والنفسي.
قطبت جبينها بتوجسٍ، وتقلصت عضلات وجهها أيضًا، وقد أشار نحوها مستأنفًا كلامه بتوضيح مكشوف:
-وما أراه الآن، يخبرني أنكِ إحدى ضحايا هؤلاء الأزواج القساة.
خفق قلبها في خوفٍ، وهتفت بصوتٍ مهتز:
-سيد "كاران"...
قاطعها بلطفٍ حين لاحظ أنها أجفلت، محاولاً تهدئة روعها قبل أن يتفاقم لاعتراضٍ مُعاند، ربما لا ينفعها:
-لا داعي لتبرير الأسباب، أنا جئت لمساعدتك، فقط عليكِ أن تثقي بي.
أطبقت على شفتيها، تصارع مع نفسها أفكارها المتناطحة بعقلها؛ فهناك ما يحثها على القبول بمساعدته، وأخرى تشدد عليها باتباع خطة ترسم معالمها بنفسها، انتشلها من استغراقها الواضح في التفكير، بقوله:
-ولا أنتظر أي مقابل، هذا واجبي سيدتي.
اعترضت بترددٍ:
-لكن..
من جديد قاطعها بمنطقيةٍ، مظهرًا لها الجانب السلبي لتخاذلها:
-صدقيني، صمتك عن تلك الإساءة الشرسة، سيدفعه لارتكاب المزيد، وربما تكون هناك ضحية غيرك، إن فرغ منك!
حقًا كانت على وشك الانهيار، ورؤية الوجه البشع لـ "آسر"، خلال استحضارها لوحشيته، المصحوبة باحتقاره المهين، قضت على آخر حصون تماسكها، اغرورقت عيناها سريعًا بالدموع الساخنة، وهتفت بشهقاتٍ متقطعة:
-أنا في ورطة كبيرة، وأريد الخروج من هنا، لكني لا أستطيع، ليس الآن.
ترددها لم يكن محسوسًا في صوتها، بل ظهر على انتفاضة جسدها، سألها "كاران" في استغرابٍ، وقد بدا معتادًا على عزوف بعض النساء المعنفات، عن المطالبة بحقوقهن المهدورة:
-وما الذي يمنعك؟
كفكفت دموعها بظهر يدها، وهي ترد بتلقائية:
-ظروف
استطاع أن يفهم كلمتها المنطوقة بالعامية، وأخبرها بعقلانية علها ترضخ لمساعدته الجادة:
-سيدتي بقاءك مع رجل عنيف كهذا، لن يتسبب إلا في إيذائك أكثر، صدقيني، من خبرتي الطويلة، وخلال ما رأيت طوال فترة عملي في مؤسستي السابقة، أعلم أن أمثال زوجك لا يتغيرون مطلقًا، القليل جدًا يتحسنون؛ لكن الغالبية العظمى تمارس العنف بشتى الطرق، ولن تنجي مع وحشيته المستمرة، عند نقطة ما ستنهارين.
قرأ في نظراتها المشتتة حيرتها، وتابع بصوتٍ أكثر جدية:
-إذا أردتِ الخروج من هنا، يمكنني أن أوفر لك كل المساعدة المطلوبة.
نظرت إليه بعمقٍ؛ وكأنها تفكر مليًا في كل كلمة نطق بها، وتلك المرة لم يدفعها للتكلم، منحها الوقت الكافي للتفكير، إلى أن قالت أخيرًا:
-هل يمكن أن أحصل على هاتف محمول حديث الطراز؟
هز رأسه مدمدمًا:
-يمكنني توفير واحدًا لك.
أخبرته بكلماتٍ حاولت أن تبدو جيدة في السياق:
-سأدفع لك، لا تقلق؛ ولكن بإعطاءك قطعة من ذهبي الخاص.
ابتسامة ودودة احتلت ثغره عندما خاطبها:
-سيدتي، لا توجد مشكلة عندي في النقود، المهم حاليًا إخراجك من هنا.
فركت "فيروزة" أصابع يدها معًا، وسألته بلغتها الأم؛ وكأنها للحظة تناست أنه يختلف عنها في الجنسية، واللغة:
-حاجة تانية عايزاها منك تعملهالي، ممكن؟
لم يجد صعوبة في فهمها، ورد بنفس الوجه المبتسم:
-تفضلي.
سحبت شهيقًا عميقًا، استعانت به لتثبط من الانفعالات المتواترة التي انتابتها، لفظته على مهلٍ، وسألته بنبرة بطيئة، وبجملٍ مباشرة تعطيه المعنى المقصود:
-هل يمكن أن أصل لسفارة بلادي؟ أحتاج للتواصل مع أحدهم هناك، بصفة سرية.
منحها رده الموافق بإخبارها:
-لا بأس، سأتدبر الأمر.
شعور بالارتياح عرف الطريق إليها، حتى أنها لم تدرك أنها تبتسم وهي تقول:
-سيد "كاران" لا أعرف كيف أشكرك.
جاء رده عليها ناصحًا، ومحذرًا في نفس الآن:
-لم أفعل شيء بعد، ونصيحتي لك حاولي أن تتجنبي الاحتكاك المباشر به، إن استفزك في أمرٍ ما، أظهري له أنكِ ضعيفة، مستسلمة لأمرك، حتمًا سينجح هذا في خداعه.
هزت رأسها مؤكدة:
-سأفعل هذا.
أخبرها "كاران" وهو يتحرك في اتجاه باب المنزل:
-وسأكون على تواصل دائم معكِ.
تبعته بتؤدةٍ، وصوتها الممتن يقول له:
-شكرًا لك مرة أخرى.
استدار ليواجهها، قبل أن يشير لقفل الباب وهو يضيف:
-ساضطر لأوصده كما كان، حتى لا يرتاب زوجك.
تيقنت من تصرفه البديهي، أنه يتعامل مع وضعها الحرج، بذكاءٍ لا محل للتشكيك فيه، حركت رأسها وهي ترد عليه:
-طيب.
نظر لها بعدمِ فهمٍ، فصححت له:
-أقصد حسنًا
ودعها بتهذيبٍ كبير:
-مسرور لرؤيتك سيدتي.
أخبرته باسمها بعد أن أدركت أنها لم تفعل سابقًا:
-أنا أدعى "فيروزة".
حاول نطقه، فقال بتلعثمٍ طفيف:
-"فـ.. فاروزا"؟
رددته مجددًا ببطءٍ، ليستوعب نطقه الصحيح:
-"فيروزة".
هز رأسه، ووعدها بنبرةٍ، أدركت منها أنه جاد في نواياه:
-اعتذر، سأحاول أن أنطقه بصورة صحيحة في المرة القادمة، حين أحضر لكِ ما تريدين.
لم تعلق عليه، وتراجعت للخلف، ليتمكن من إغلاق الباب، لتغدو وحيدة في غربتها الموحشة، مع اختلاف كبير، أنها لن تستمر طويلاً!
.............................................................
فحصٌ شامل أجراه الطبيب، ومن معه من طاقم طبي، ليتم الوقوف على التطور الطارئ في حالة المريض، والتي شهدت سابقة نادرة قليلاً ما تحدث، في محيطه العلمي، وما إن انتهى من كتابة ملحوظاته، في التقرير المعلق على حافة فراشه، حتى عاد إلى مريضه، أرجأ إخباره بكافة الأخبار غير السارة، إلى أن تكتمل النتائج بين يديه؛ لكن لم يمنعه هذا من إعطائه تلميحًا موجزًا عما مر به، حتى يدرك طبيعة حالته، وبنبرة عملية لم تخلُ من لمحة من التضرع، استطرد الطبيب قائلاً بصوته الهادئ:
-إنت راجل مؤمن بقضاء الله وقدره، اللي حصل في حالتك دي ممكن نعتبره معجزة، يعني لا قدر الله كان ممكن تطول في الغيبوبة، وخصوصًا إن الإصابات اللي اتعرضلتها مش بسيطة ولا سهلة.
زفير مصحوب بآلام لا طاقة لبشر بها، تحرر من رئتيه، تبعه بآخرٍ، ليقول له "تميم" بعدها:
-الحمدلله، أنا حاسس بنفسي، وعارف إن اللي أنا فيه مش هيّن.
أضاف الطبيب بهدوئه المعتاد:
-حاليًا احنا لسه مش قادرين نحدد بالظبط تطور حالتك هايكون إزاي؛ لكن مافيش حاجة بعيدة عن ربنا، كل شيء وارد يحصل.
عقب في رضا:
-ونعمة بالله.
ظهر صوت الطبيب مترددًا بعض الشيء، عندما تحدث معه بغموضٍ ما:
-هي في حاجة فقط اللي أنا قلقان منها.
نظراته الجادة أوحت أن الخطب كبير، فسأله بترقبٍ:
-إيه هي؟
تنحنح في حرجٍ، وهو يجيبه:
-احم.. هو يخص قدرتك الإنجابية.
جملة عادية، بدت موترة للأعصاب، عنها مفسرة لطبيعة حالته الطبية. لعق شفتيه الجافتين، وتساءل بوجهٍ شاحب:
-قصدك إيه؟
حاول أن يبحث عن الكلمات المناسبة لتوضيح الأمر له، فقال بتريثٍ، آملاً أن يكون قد نجح في إيصال رسالته له بتلميحاته المبطنة:
-للأسف المكان ده اتعرض لإصابة مباشرة، واحتمال يكون في أثر سيء عليك كزوج عايز يخلف، أو حتى تكون مع مراتك في وضع آ....
لاحظ "تميم" تعرقه الزائد مع محاولته إكمال جملته؛ وكأنه يخشى انفجاره الأهوج فيه، غضبًا لخسارة ما يميز أمثاله من الذكور الشداد، حيث اختتمها بإضافة:
-لأنه زي ما إنت عارف إنه مكان حساس للغاية، وأي ضرر فيه بـ ....
فهم مقصده الحذر، دون الحاجة لمزيدٍ من التفاسير العلمية المنمقة، لإخباره أنه أصبح عاجزًا عن الإنجاب، بسبب ما مر به، فلا يأمل مستقبلاً في الحصول على طفلٍ، يحمل لقب عائلته، ويرثه، الأسوأ من هذا أنه ربما لن يتمكن من إقامة علاقة حميمية بشكلٍ يدعو للتفاخر؛ إن فكر في الزواج مجددًا، بعد أن ارتضت إحداهن بوضعه المؤسف، إذًا ملخص ما قاله؛ أنه حُكم عليه بالبقاء هكذا للأبد، لم يكن حانقًا رغم قساوة الحقيقة، فأي امرأة تستحق قلبه غيرها؟ أشاح بوجهه المتبلد بعيدًا عنه، وقال بهدوءٍ مريب:
-كله خير من عند الله.
حاول الطبيب أن يهون عليه الأمر، فتابع:
-إنت راجل مؤمن يا معلم "تميم"، والعلم النهاردة بقى آ....
قاطعه بصوتٍ واجم، وعيناه لا تنظران في اتجاهه:
-أنا عايز أشوف أهلي، هما فين؟
أجابه مشيرًا بيده:
-كلهم موجودين برا
التفت نحوه، وطلب منه بصوتٍ آمل ألا يبدو مختنقًا:
-معلش يا دكتور، عايزهم جمبي.
أراد الاعتذار عن تلبية طلبه، فأخبره:
-مش هاينفع، وجودهم معاك وكلامهم فيه إجهاد عليك، وده مش في مصلحتك دلوقتي، وأنا أفضل آ....
ارتفعت نبرته المنزعجة وهو يلح عليه:
-خليهم يشوفوني، ويطمنوا إني بقيت بخير، ده هيريحني أنا.
كان على وشك رفضه؛ لكن رجائه الصارم أوقفه عن الاعتراض عليه:
-أنا متعودتش أسترجي حد، فممكن يا دكتور تدخلهم عندي.
أومأ برأسه موافقًا وهو يرد محذرًا:
-حاضر، بس يا ريت ماتتعبش نفسك.
أطبق على جفنيه، وتنهد قائلاً بإرهاقٍ غلفه اليأس:
-ماشي.
..........................................................
احتضنت كفه بين راحتيها، وألصقت الثلاثة بوجنتها، رافضة إبعاد يده عن وجهها، لتتخلل رطوبة دموعها الحزينة أصابعهم، ظلت أنظارها الحنون مثبتة على وجهه المتعب، فتعابيره الواهنة ما زالت تنطق بآلام مرضه. لم تستطع "ونيسة" ضبط نفسها، وظلت تبقي طوال الوقت، رغم رجاوات ابنها بالتوقف عن هذا، كررت اعتذارها منه، عن جفائها القاسي معه، بصوتها الباكي:
-"تميم"، حقك عليا يا غالي.
رد عليها بتزمتٍ:
-خلاص يامه، متوجعيش قلبي.
هتفت في ندمٍ، وصوت نهنهات بكائها يزداد:
-يا ريتني كنت أنا.
قال بمرارةٍ طغت على لسانه؛ وإن لم تظهر على ملامحه:
-بعد الشر عنك، أنا الحمد لله أهوو بخير قصادك.
هتف "بدير" يوبخ زوجته بضيقٍ، حينما لم تعد قادرة على التحكم في بكائها المزعج:
-يا ولية كفاية نواح عليه، الضاكتور قال كلمتين وبس، مش نقلبها نكد وغم.
حرك "تميم" عينيه في اتجاه والده، وبرر حزنها بابتسامةٍ فاترة:
-سيبها يابا، ماتزعقلهاش، هي كانت قلقانة عليا.
ردت عليه والدته بنظراتٍ عطوف:
-ربنا يباركلي فيك يا ضنايا.
ثم قبلت يده التي تحتضنها، بينما أردفت "هاجر" قائلة باعتذارٍ نادم للغاية:
-سامحني ياخويا، أنا ظلمتك، وجيت عليك جامد.
ركز أنظاره عليها، وأخبرها بنبرة متفهمة:
-إنتي أختي يا "هاجر"، محدش يزعل منك.
صاحت في لوعةٍ، تاركة عبراتها تنطلق على وجنتيها، كما لو كانت في سباقٍ للعدو:
-منه لله الظالم اللي عمل فيك كده.
رمقها "تميم" بنظرة غامضة، على ما يبدو لم تعلم بعد بتورط زوجها الحقير في محاولة قتله، ولم يرغب في إخبارها بهذا الآن، ليترك الأمر معلقًا ريثما يستعيد عافيته، انتبه لصوت جده الذي نطق من جانبه، واستدار ناحيته:
-شيد حيلك يا "تميم".
ظلت ابتسامته الراضية تحتل وجهه، وغمغم بأنفاسٍ متعبة:
-كله على الله يا جدي.
تكلم والده مجددًا، ليقول له:
-كل اللي بيحبوك هنا، و"منذر" و"دياب" واقفين برا، ماسبوناش للحظة، حتى "سراج" فضل معاهم.
المقطع الأخير من حديثه كان مدعاة للحيرة والفضول؛ فرغم العداوات الشرسة بينهما، إلا أنه في وقت أزمته الخطيرة، كان الأسبق لنجدته، دونًا عن أي شخصٍ آخر، ليظهر معدنه الأصيل، ولم ينكر أنه كان ممتنًا لوجوده، وإلا لهلك عن بكرة أبيه. تحركت يد "تميم" لتشير مع آمره الجاد:
-ناديهملي يابا.
تعقدت ملامح "بدير"، وانعكس الاستغراب على نظراته وهو يسأله:
-ليه يا ابني؟
جاوبه على مهلٍ:
-يطمنوا عليا بردك، كتر خيرهم تعبوا أكيد.
هز رأسه وهو يعقب عليه:
-أه والله...
ثم رفع عكازه ليشير به نحو زوجته، وأمرها بلهجته الصارمة:
-تعالي يا "ونيسة"، سيبي ابنك ياخد نفسه.
أطلت من عينيها نظراتٍ حانية، مليئة بلهفةٍ ملتاعة، لتنطق في اعتراضٍ بسيط:
-هاين عليا أفضل هنا تحت رجليه.
-أخبرها ابنها بهدوئه الإجباري:
-معلش يامه، شوية وهترجعي تاني.
رغمًا عنها أزعنت لطلبه، وانسحبت مجرجرة ساقيها، خلف زوجها وابنتها من الغرفة، ليكون الجد الوحيد الباقي معه، تحدث الأخير من زاوية فمه ليخبره بلهجته المتشددة؛ وكأنه يقرأ ما يدور في رأسه:
-ماتسبش حقك يا "تميم".
لم يضلله في قوله الصريح، والمليء بوعودٍ نافذة:
-هايحصل يا جدي.
.............................................................
دفعته نزعته الرجولية، للتصرف بشهامةٍ، مع والدته سليطة اللسان، وشقيقته المزعجة، رغم رغبته في الذهاب مع باقي العائلة لرؤية "تميم"، والاطمئنان عليه. تقدم "هيثم" نحو مخرج المشفى الأمامي، وصاح قائلاً بإشارة من سبابته نحو موقف السيارات المتواجدة على مسافة بضعة أمتارٍ من البوابة الرئيسية للصرح الطبي:
-تعالوا اركبوا معايا أما أوصلكم البيت.
زجرته "بثينة" تنعته بتهكمٍ غير مقبول:
-ماشي يا دلدول المحروسة.
ضرب كفًا بالآخر هاتفًا بتذمرٍ مستنكر لوقاحتها:
-استغفر الله العظيم، ولازمته إيه الغلط يامه؟ دي أخرت المعروف معاكو؟ بدل ما تقوليلي شكرًا، وكتر خيرك يا ابني.
رمقته بنظرة احتقارية ساخطة، قبل أن تواصل تعنيفها الفظ:
-بناقص منها ركوبة، وقفلنا تاكسي يا معدول.
كان يومه مشحونًا بالكثير من الأعباء، ولم ينقصه اكتمال يومه الشاق بتلك السخافات الوقحة، لهذا لم يتحمل "هيثم" إساءتها، ورد عليها بانعدامِ ذوقٍ؛ وكأن اقتراحها قد لاقى ترحيبًا واسعًا منه:
-يكون أحسن يامه...
وقبل أن توبخه هلل عاليًا ليوقف أحد سائقي سيارات الأجرة:
-ياســــــطا!
تبعته "بثينة" بنظراتٍ مغتاظة، وغمغمت من خلفه قاصدة إهانته، وهي تتفل كذلك:
-تربية ناقصة، اتفوو.
لم يكلف نفسه عناء الرد عليها، فقط أعطى للسائق أجرته كاملة، وأخبرها وهو يتحرك بعيدًا:
-ماتدفعيش يامه، سلام.
همهمة غير مفهومة خرجت من جوفها؛ لكنها بدت لعنًا لشخصه على الأغلب، استقرت في المقعد الخلفي، وإلى جوارها جلست "خلود"، لتشير بعدها للسائق بالتحرك، وبمجرد ابتعاد السيارة عن المشفى، نطقت ابنتها بحرقةٍ انعكست حتى في عينيها الملتهبتين:
-كان عندك حق يامه في كل كلمة قولتيها، وكل حاجة عملتيها عشان تنتقمي منهم.
تطلعت إليها والدتها في اندهاشٍ، قبل أن ترد بتبرمٍ:
-أخيرًا عقلتي، وشيلتي أمور الجنان دي من مخك.
لم تنظر نحوها، بل حملقت في الطريق بنظراتٍ مليئة بكراهية مضاعفة، لتخبرها بوعيدٍ حانق:
-عقلت بس؟ ده بحق كل لحظة استنيته فيها، وكل دمعة عيطتها عشانه، لأخليه يندم على اليوم اللي سابني فيه.
تهللت أسارير "بثينة" لسماعها مثل تلك العبارات الناقمة، أدركت حينها أن ابنتها قد عادت لرشدها، وتخلت عن تصرفاتها الصبيانية الخرقاء، ربتت على فخذها، ومدحت إظهارها للجانب الشرس فيها:
-أيوه كده فرحيني، الحمدلله طمرت فيكي اللقمة اللي أكلتهالك.
على الأغلب لم تكن "خلود" منصتة لوالدتها، فلسانها تكلم بنفس اللهجة العدائية، مستجمعة في قلبها كل بُغضها المقيت، لرفضه قربها:
-الأيام بينا يا "تميم"، وبنت خالتك اللي حرمتها عليك موجودة بس عشان تخرب حياتك، وتحرق قلبك على كل حاجة غالية عندك، لحد ما تجيلي راكع، وساعتها هدوس عليك.
.....................................................
بدأ مفعول السم -المختلط بالمخدر الطبي- يسري في عروق الاثنتين، بعد أن دفعتهما بالحيلة، لتناول الكعكة التي أعدتها خصيصًا لهما، حتى تتمكن من التخلص منهما معًا، دون أن تريق ذرة دماءٍ واحدة. وصفة شيطانية ظلت تختبر فاعليتها على القطط الشاردة، حينما كانت تعطيها لهم كإحسانٍ مقنع، بينما غرضها الأساسي ضمان تجربتها. راقبت "حمدية" بنظرات استمتاعٍ مميتة، تراخي جسد "سماح" على الأريكة رويدًا رويدًا، إلى أن سكنت كليًا. انخفضت عيناها نحو يدها المتدلية إلى جوارها، قبل أن تسقط من بين أصابعها، بقايا قطعة لاكت جزءًا منها، وحتمًا مازال البعض عالقًا في حنكها.
نهضت واقفة على قدميها، تحدجها بنظراتٍ استطالت عليها باحتقارٍ أكبر، بعد أن أزاحت طبقها الذي لم تمسه عن حجرها، أسندته على الطاولة، وتقدمت في اتجاهها إلى أن باتت قبالتها. ركلت بقدمها ساقها المرتخية، فاستجابت لدفعتها الغليظة، وتحركت من مكانها، لتؤكد لها فقدانها للوعي. ابتسامة انتصارٍ اعتلت ثغرها، قبل أن تبددها بتحريك فكها لتلعنها:
-بالسم الهاري.
تفلت فوقها باشمئزازٍ، قبل أن تتركها، وتتجول في أرجاء المنزل، لتفتش عن الطفلة الصغيرة، وجدتها في غرفتها مستلقية على الأرضية، رمقتها بنظرة حقودة، مليئة بالغل، وهي تهسهس متسائلة مع نفسها:
-إنتي أحسن من ولادي في إيه؟
اعتلى زاوية فمها ابتسامة انتصارٍ؛ كما لو أنها ظفرت بمعركتها الحاسمة، وهي تواصل قولها:
-أديكي غورتي في داهية إنتي وأمك.
نظرة أخرى شامتة ألقتها على الطفلة، قبل أن تخرج من غرفتها مكملة حديثها المتباهي:
-وريني بقى يا "خليل" هاتعمل إيه لما تعرف بموتهم، لأ، وماتبقاش حتى قادر تزعل عليهم!
كانت مستمتعة –حد المرض- بلذة انتقامها المدمر، وبتؤدةٍ اتجهت إلى المطبخ، ووجهها يبدو وكأنه يفح بشرورٍ لا نهاية لها. بحثت بعينيها عن الموقد، وجدته عند النافذة الوحيدة التي تنير المكان، تحركت صوبه، لتفتش عن الأنبوب الموصول به، تأكدت من عدم غلق صمام أمانه، قبل أن تدير مفاتيحه كلها دون إشعالها، ليتسرب الغاز الخانق منه، فتضمن بهذا الهلاك الحتمي لكلتيهما. خرجت منه عائدة إلى الصالة، لملمت بتعجلٍ أشيائها، ونظرت إلى جسد "سماح" لمرة أخيرة، لتملي عينيها الحاقدتين بجثمانها الفاني، ثم غطت وجهها ببرقع نقابها الأسود، قبل أن تخطو خارج المنزل، وابتسامة شيطانية متسعة تسود على وجهها القاتل.
.....................................................
محبةٌ لا تحتاج إلى تزييفٍ، كانت السمة المشتركة بين ثلاثتهم، حينما وطأوا غرفته، ليكونوا إلى جواره، بعد استعادته لوعيه، أملين أن يكتمل شفائه على خير، فالرجال معادن، ومثله يصعب تعويضه! نظرة مليئة بالتفاؤل أطلت من عيني "منذر"، نحو رفيقه المقرب إلى قلبه، يتبعها جملته الغبطة:
-حمدلله على السلامة يا صاحبي.
التفت ناظرًا إليه وهو يرد:
-الله يسلمك يا "منذر"..
داعبه "دياب" بطرافته المهونة من صِعاب الأمور:
-إيه يا عم، هما غفلوك ولا إيه؟ ده إنت معلم على أجدعها شنب.
كان رده متمهلاً -ومبررًا- عندما تكلم:
-أنا كفيل بيهم، بس الكترة تغلب الشجاعة.
هز رأسه مؤمنًا عليه:
-في دي معاك حق.
بينما أردف "سراج" قائلاً، وهو يتحسس مؤخرة عنقه:
-ياما دقت على الراس طبول، واسأل مجرب.
لم يستطع "دياب" منع ضحكة مرحة من الانطلاق، ومازحه بتسليةٍ، وأنظاره مسلطة عليه:
-طبعًا يا "سراج".
ضحك "تميم" لطرفته المقصودة، فتألم صدره، وتأوه بأنينٍ جاهد لكتمه. حدج "منذر" شقيقه بنظرة صارمة، ليكف عن سخافاته فلا يؤذيه بثقل دمه، ثم عاد ليحدق في وجه رفيقه الذابل، ودخل في صلب الموضوع مباشرة، متسائلاً دون تمهيد:
-من غير ما نتعبك في الكلام، الليلة دي وراها "محرز"، مظبوط؟
بإيجازٍ أجابه "تميم":
-أيوه.
هتف "دياب" في جديةٍ، ونظراته تؤكد سعيه الدؤوب للوصول إليه:
-احنا قالبين الدنيا عليه، ولو تحت الأرض، هانجيبه مرمي عند رجليك.
رد عليه مبديًا ثقته في وعده:
-أنا مطمن...
سعل قليلاً، وتابع بصوتٍ بعيد كل البعد عن الهزل:
-عايزكم لحد ما أقدر أقف على رجلي، تاخدوا بالكم من أهلي.
أخبره "منذر" بلهجةٍ جادة للغاية:
-إنت بتوصينا على ما بين، ده أبوك أبويا، وجدك يعتبر مربيني معاك.
وأيده "دياب" في قوله؛ وكأنه يجدد وعده له:
-كلهم في عنينا.
حاول أن يرفع يده ليؤكد عليه بحنقٍ غلف نبرته المتعبة:
-الكلب "محرز" ما يقربش من أختي.
هنا نطق "سراج" بصرامةٍ غريبة:
-متقلقش عليها، وراك رجالة.
شردت نظراته عن ثلاثتهم، ليحملق بعينين فارغتين في سقفية الغرفة، وهو يحادثهم بتوجسٍ قلق:
-الله أعلم بيفكر في إيه، بس ماتستبعدوش يخطف ابنه منها ويساومنا، وخصوصًا لما يعرف إني قومت منها.
علق عليه "دياب" بشفاه مقلوبة:
-طبعًا ابن حرام مصفي ويعملها، بس اطمن، احنا سدادين.
تساءل "منذر" في اهتمامٍ:
-البوليس زمانه خد خبر كمان، هاتقولهم إيه؟
انخفضت نظرات "تميم" في اتجاهه، وبقيت لبرهة مثبتة على ملامحه الحائرة، قبل أن ينطق بما لا يدع مجالاً للشكِ، أن رده سيكون عنيفًا، ورادعًا:
-حقي بأخده بدراعي.
.........................................................
لهثت أنفاسها، وهي تعدو في خطواتها السريعة، لتصل إلى ناصية الشارع، بعد يومٍ طويل استنزف كامل قواها، وصوت والدتها الحاد ينطلق من هاتفها المحمول، ليخترق أذنها، ويوصيها بالالتزام بالبقاء في المنزل، إلى أن تعود لاحقًا إليها. بمجرد أن توقفت "دعاء" عند مدخل عمارتها، أخبرتها بصوتٍ مُجهد:
-خلاص يا ماما أنا وصلت.. حاضر هاطلع عند أبلة "سماح" أخد منها المفتاح، وآ..
توقفت عن إكمال جملتها، وفقدت تركيزها معها، بسبب رؤيتها لحشدٍ من سكان البناية مجتمعين أسفل الدرج، اقتربت منهم، وتساءلت في فضولٍ:
-في إيه يا جماعة؟
استدارت واحدة من الجارات نحوها، وأجابتها بانزعاجٍ:
-في ريحة غاز في العمارة، ومش عارفين جاية منين.
علقت أخرى في ضيقٍ:
-الظاهر حد نسى يقفل مفتاح الأنبوبة، وكلنا هنتخنق.
ظهر السخط على وجه أحدهم وهو يضيف:
-لازمته إيه الاستهتار ده؟
حاورته إحدى الجارات مبررة الأمر:
-ما جايز اللي التسريب عنده مايعرفش
اقترحت عليهم "دعاء"
-اطلبوا النجدة تيجي آ......
دوي انفجار عنيف، دون إنذارٍ مسبق، جعل الأصوات كلها تخبت بغتةً، وكأنه ابتلعها بقوته العظيمة، ليحل بعدها أصوات طقطقات أشد وطأة في عنفها، اختلطت بأدخنة وحرائق مهلكة، حولت المكان في طرفة عين، لفوهة مستعرة من الجحيم ........................................ !!!
.......................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السادس 6 - بقلم Manal Salem
قراءة ممتعة مع الأحداث ..
في انتظار تفاعلكم الطيب
الفصل الخامس والسبعون
ساد لأقل من دقيقة سكون مشحون بمشاعر مختلفة في حدتها؛ لكن اشتركت جميعها في خوفها، لحظة بدت حاسمة، جعلت القلوب تقفز رعبًا، والأعين تشخص هلعًا، من المشهد المحمل بكل معاني الارتياع، امتلأت حلوقهم بأغبرة لا حصر لها، بعد أن تحول كل شيءٍ للإظلام فجأة، قبل أن تتضح الرؤية وسط ركام التصدعات التي طالت من المبنى. ظل المحاصرون بالداخل يسعلون بحشرجةٍ مؤلمة، ويتفلون ما التقطته أفواههم، هذه الأصوات المتحشرجة، أعطت بارقة أمل، بأنهم لا يزالون على قيد الحياة .. صوتًا صارمًا تخلل الجدران ذات الشقوق الكبيرة يأمر المتواجدين، بتحذير شديد اللهجة:
-كله يطلع من هنا، وحاسبوا النار يا جدعـــــــان.
بدت كريشة يتقاذفها الهواء العنيف، مع قوة الانفجار؛ لكن لحسن حظها تكومت على كتلٍ من اللحم البشري، كانت كالدرع لها، حيث دفعتها الأجساد المسرعة نحو طريق الخروج، والذي بدا بعيدًا للغاية، رغم الأمتار المعدودة التي تفصلها عن المدخل. لم تعرف "دعاء" أي يدٍ جذبتها لتنجدها؛ لكن سعادتها بنجاتها من هذا الجحيم المستعر فاقت خوفها الحقيقي، نظرة زائغة ألقتها على عمارتها المعبقة بالأدخنة والغبار، اتسعت عيناها على آخرهما، وقد رأت ألسنة اللهب تنطلق من نافذة منزل "سماح"، تأخيرها للحظات عن الصعود إليها، كان السبيل لإنقاذ حياتها من موتٍ محتوم. خارت قواها مع عظم المُصاب المفجع، أيادٍ أخرى تلقفتها، وأبعدتها عن محيط الخطر، تذكرت والدتها فجأة، كانت تتحدث إليها قبيل الانفجار المدوي، انخفضت أنظارها نحو يدها، هاتفها المحمول ليس بها، ربما سقط منها سهوًا خلال انشغالها باللحظات المميتة التي مرت بها، أصابها القلق الشديد، فوالدتها حتمًا ستموت فزعًا إن ظنت أنها لقيت حتفها، آملت أن تستطيع الوصول إليها لطمأنتها، عل أحد الجيران يتكفل بهذا.
.....................................................
تعاون أهالي المنطقة على إخراج السكان المحتجزين بالداخل، عائلة وراء الأخرى، لضمان سلامة الجميع، وبقيت فقط أسرة "خليل" المحتجزة داخل منزلهم، بسبب النيران المنبعثة منه. تجرأ أحدهم -ممن يملك سمات الشجاعة والإقدام- على اقتحام المنزل، قفز فوق كومة تحترق، ليقف في بقعة تخلو من الألسنة الجائعة، غطى فمه وأنفه بذراعه، ثم تلفت بعينين تحرقهما الحرارة العالية باحثًا عن ناجين، انتفض في صدمة، عندما تجمد بصره على الأريكة، حيث رأى مشهدًا تقشعر له الأبدان، وجعله يشعر بالغثيان، ورغبة عارمة في التقيؤ، عجز لدقيقة عن إبعاد أنظاره عن جسد "سماح" المتدلي عليها، تفحم معظم جلدها، وطُهي جزء آخر؛ وكأن جثتها كانت معلقة عل حاملٍ في حفلٍ للشواء، هلل مستغيثًا في ارتعابٍ:
-رحمتك يا رب.
فقد جزءًا من شجاعته أمام هول المنظر، وسعل في ألمٍ، بسبب الدخان الخانق، غطى بذراعه أنفه ليمنعه من اختراق رئتيه، وبخفةٍ لا تخلو من حرصٍ كبير تجول وسط النيران، باحثًا عن ابنتها، وصل إلى غرفة مغلقة بباب خشبي، النيران تسعى بنشاطٍ للوصول إليه لإحراقها، تراجع للخلف شاحذًا قواه، ثم اندفع بكامل قوته للأمام، راكلاً الكتلة الخشبية بقدمه، ليفتحه على الأخير. ولج إلى الداخل، ولحسن الحظ وجد الصغيرة ملاقاة على الأرضية في غرفتها، بجوار فراشها، لم تمسها النار بعد، رغم احتراق ما بالخارج، جثا على ركبته، ووضع يده على عنقها، باحثًا عن نبضها فيه، وصوته يتضرع برجاءٍ شديد:
-عديها على خير يا رب.
تنفس الصعداء حينما وجد قلبها مازال ينبض بالحياة، لعل المولى كتب لها النجاة، همس في ارتياحٍ طفيف:
-لطفك يا كريم.
دون ترددٍ، انحنى ليحملها على كتفها، وسحب غطاءً من على فراشها، ليلف جسدها الساكن به، وليحميها من الألسنة المتعطشة لتناول المزيد من اللحم والخشب .. ومثلما دخل في سرعةٍ وخفة، بحث عن طريق عودته بنفس الطريقة، التقى أثناء خروجه بآخرين ممن تشجعوا لمساعدة العالقين، ناولهم الطفلة، وواصل طريقه صعودًا لطابقٍ آخر، عله يجد من يمد له يد العون.
..........................................................
هاجسٌ موتر انتابها بشكلٍ قوي، حينما طرقت على باب منزلها، لتتفقد أحوالها، ولم تجد استجابة منها، فليس من عادتها أن تختفي هكذا دون أن تعلمها مسبقًا بذهابها، ولو كان لمحلٍ قريب. ظلت باقية في مكانها لبضعة لحظاتٍ، معتقدة أنها ربما تكون قد غفلت هي وأولادها؛ لكن ليس مع هذا الطرق المتواصل على الباب، دعا الأمر للاسترابة. تساءلت "آمنة" مع نفسها في اندهاشٍ:
-هاتكون راحت فين كده من غير ما تقولي؟
تركت حيرتها جانبًا، واستبشر خيرًا، تحركت من مكانها، وهبطت الدرجات لتعود إلى منزلها، حيث ما تزال ابنتها باقية معها، سألتها "همسة" بحاجبين معقودين:
-برضوه مش موجودة؟
هزت رأسها بالنفي قبل أن ترد:
-لأ...
تطلعت إليها ابنتها في اهتمامٍ، حين استكملت باقي جملتها:
-وحتى موبايلها مقفول.
بررت "همسة" غيابها، وقالت بوجهٍ عادت عضلاته للارتخاء:
-ما جايز تكون في مشوار وواخدة العيال معاها!
ردت نافية بتعابيرٍ متوجسة:
-"حمدية" متعملهاش، طول عمرها بتسيب العيال عندي لو راحت في حتة، هي بتحب تتحرك خفيفة.
حركت ابنتها كتفيها في عدم اكتراث، وأضافت:
-الله أعلم بصراحة...
ثم صاحبت والدتها بعينيها وهي تتجه نحو النافذة، لتتطلع منها للمارة، صمتت لبرهةٍ، قبل أن تقول كنوع من التعليق على غرابة تصرفات زوجة خالها:
-هي بقالها فترة مش زي تملي، تحسيها على طول ساكتة، وواخدة جمب، زي ما يكون في حاجة مهمة شاغلة تفكيرها.
استندت "آمنة" بوجنتها على كفها، تراقب كل شاردة وواردة، تحدث في الطريق أمامها باهتمامٍ مبالغ فيه، علها تلمح زوجة شقيقها وهي قادمة. تنهيدة مهمومة تحررت من بين شفتيها، تبعها همسها القلق:
-ربنا يستر بقى.
استقامت فجأة في وقفتها عندما لمحتها تترجل من إحدى سيارات الأجرة، على ناصية الطريق، ترتدي ثيابًا لا تشبه ما تضعه على الأغلب. صاحت تلقائيًا، لتُعلم ابنتها بمجيئها، وكامل نظراتها عليها:
-أهي جت ..
اكتسب صوتها رنة قلق غريبة، وقد رأتها تسير بمفردها، لا تصطحب أحدًا، فهتفت بقلبٍ يغمره الخوف:
-دي جاية لواحدها، مش معاها العيال.
استغربت "همسة" من خوفها الزائد، وعلقت على كلامها قائلة:
-مش يمكن سيباها مع خالي؟
دون تفكيرٍ نفت هذا الاحتمال:
-لأ، خالك نازل من أول النهار، وكان لواحده.
سألتها في دهشة، انعكست على ملامحها كذلك:
-أومال العيال فين؟
ردت بوجهٍ شبه شاحب:
-مش عارفة، وقلبي قلقان عليهم.
حاولت "همسة" بث الطمأنينة إليها، فأردفت بابتسامةٍ لم تكن في محلها:
-دلوقتي نعرف، هما هيروحوا فين يعني.
على الفور، وبخطواتٍ متعجلة ابتعدت "آمنة" عن النافذة لتتجه إلى باب منزلها، وقفت قبالته، تنتظر صعود "حمدية" عليه، وما إن رأتها هتفت تسألها بلهجةٍ مزعوجة:
-إيه يا "حمدية"؟ كنتي فين؟
استنكرت نبرتها تلك، وردت بتذمرٍ:
-هو تحقيق ولا إيه؟
تغاضت عن سؤالها عن ثيابها الغريبة، المتناقضة مع ما اعتادت الخروج به، لتجيب عن سؤالها معللة:
-لأ، بس أنا طلعت أخبط عليكي محدش فتحلي.
حررت "حمدية" حجاب رأسها قليلاً، وفتحت حقيبتها لتبحث عن مفتاح المنزل، أسفل البرقع المدسوس بداخلها، تابعت صعود درجات السلم، وصوتها يقول في إرهاقٍ لا يخلو من البرود؛ وكأنها لم تقترف ما تقشعر له الأبدان:
-كنت في مشوار ياختي، عايزة حاجة مني؟
لحقت بها تسألها:
-طب والعيال فين؟ مش معاكي ولا إيه؟
بنفس الصوت البارد أخبرتها:
-ليه؟ هما مش فوق؟ أنا كنت سيباهم نايمين.
عاتبتها بجدية مغلفة بالقلق:
-بس مقولتليش يا "حمدية"، لأني خبطت ومحدش فتح.
لم تلتفت برأسها نحوها، وقالت وهي تتجه نحو منزلها:
-ما أنا قافلة عليهم الباب ونزلت.
بانزعاجٍ ما زال يظهر في صوتها، تكلمت "آمنة" قائلة:
-إنتي متعودة تسيبهم معايا لما تخرجي.
استدارت للجانب لتنظر إليها بتأفف، وردت على مضضٍ، بكذبة بدت مقنعة:
-محصلش حاجة يا حبيبتي، كنت في حتة هنا جمبنا مش مستاهلة.
تحركت أنظار "آمنة" مع حركة يدها وهي تدس المفتاح في قفله، متابعة قولها:
-طيب أنا عملتهم أكل، دلوقتي أخلي "همسة" تطلعه.
تجاهلت "حمدية" الرد عليها، وتعاملت معها بنوعٍ من التعالي والاحتقار؛ وكأنها خادمة تعمل لديها، وليست شقيقة زوجها التي لا تتوانى عن رعاية صغارها، أسندت حقيبتها على الطاولة، وهتفت تنادي بصوتٍ مرتفع، حينما لاحظت الصمت المريب السائد في منزلها:
-يا عيــال، إنتو فين؟
انتظرت للحظة عل أحدهم يأتي من الداخل مسرعًا، ليشكو لها سوء تصرف أحد الأشقاء؛ لكن ما زال السكون المخيف هو سيد الموقف، لوهلةٍ انقبض قلبها، وصاحت بصوتٍ أكثر علوًا، فيه زجرة منزعجة:
-يا واد إنت وهو؟! مش سامعيني ولا إيه؟
ازداد خوف "آمنة" على الصغار، ولطمت على صدرها مدمدمة بهلعٍ أكبر عن ذي قبل:
-يا نصيبتي، هايكونوا راحوا فين؟!!!
هرولت "حمدية" ركضًا نحو غرفة أبنائها، الغريب في الأمر أن باب الحجرة كان مفتوحًا على أخره؛ لكن المفزع حقًا أن ثلاثتهم كانوا يفترشون الأرضية بأجسادٍ فاقدة للوعي. صرخة مرعوبة انطلقت من جوف والدتهم، وهي تراهم على تلك الحالة الهامدة. جثت على ركبتيها أمام الأول، تهزه بعنفٍ، وهي تناديه:
-قوم يا واد رد عليا، إيه اللي حصلك؟
بينما انحنت "آمنة" نحو الثاني تحاول تحريكه بكل ما فيها من خوف وارتعاب؛ وكان مماثلاً لشقيقه، لا يتحرك، مجرد جسد لا يتنفس، متصلب العضلات، يميل للزرقة، وبرودة مخيفة تنتشر في أطرافه، وكأنها قد باتت فاقدة للإحساس. لم يختلف حال الثالث كثيرًا عنهما، ارتفعت أصوات الصرخات المكلومة فزلزلت أرجاء المنطقة. انضمت إليهما "همسة" بعد أن ركضت صعودًا على الدرج، تجمدت في مكانها، وعيناها تبرزان من محجريهما في فزعٍ، انخلع قلبها لوعةً عندما تفاجأت بالمشهد المروع، لم تستطع هي الأخرى كتم صرخاتها المصدومة.
رفعت "حمدية" جثمان طفلها إلى صدرها، ضمته بشدة وهي لا تولول في قهرٍ وحسرة، رأت أسفله قطعة من العجين الذي أعدته لخبز الكعكة المشؤومة، تذكرت أنها تركت باقي الكمية في علبة بلاستيكية صغيرة، كانت قد احتفظت بها في درج الثلاجة الخاص بتخزين الخضراوات والفواكه، لتظل حالتهم طازجة، لم يطرأ ببالها مطلقًا أن يقوم أحد أبنائها بفتح ذلك الدرج، والتفتيش فيه لإيجاد تلك العلبة اللعينة؛ وكأن القدر يعاقبها على جريمتها النكراء. تناست أثناء تخطيطها لفعلتها أن أولادها يحبون تناول العجين هكذا نيئًا؛ وكأنها دون أن تعي ذبحتهم بنفس السكين الذي قتلت به أناس أبرياء غيرهم.
لم تفهم "همسة" ما الذي أصاب الصغار ليفقدوا حياتهم، في غمضة عينٍ، وغفلة عن الجميع، هتفت بصوتٍ متقطع الأنفاس، وعيناها تفيضان بالدمع الحارق:
-خلينا نطلب الإسعاف عشان نلحقهم، أكيد هما هيبقوا كويسين.
بينما رددت "آمنة" بصوتٍ باكي، وقلبٍ مفجوعٍ:
-يا حرقة قلبي عليهم، دول لسه صغيرين.
لوهلةٍ تجمد إدراك "حمدية" العقلي عما يحدث حولها، تخشبت في جلستها، تضم أحد صغارها إلى حضنها، شاخصة لأبصارها؛ وكأن الزمن توقف عند تلك اللحظة، قبل أن يقتحم عقلها سيلاً من مشاهد متقطعة لزيارتها مع ضرتها، وطفلتها الصغيرة، تردد صوتها المرحب بها في عقلها:
-نورتي يا ست "آمنة".
بقي الاسم يتردد بقوة في عقلها، وابتسامة "سماح" المستفزة تزداد اتساعًا، وكأن روحها تخاطبها، تزيد من غيظها، خاصة مع تذكرها لكلامها المهين عنها. تلقائيًا تحركت أبصارها الزائغة نحو "آمنة"، لتنهار بعدها، ملقية بكامل اللوم على عمة أبنائها، في صراخٍ هيستري مقطوع الأنفاس:
-إنتي ..السبب، إنتي... اللي.. قتلتيهم!
لم تنتبه لها أيًا منهما، فكلتاهما كانتا مشغولتان بحمل اثنين من الأشقاء، وصوتها المتقطع لم يكن مفهومًا وسط الصراخ المتكرر، تحركت "همسة" أولاً، محاولة الركض بمن تحمله خارج المنزل، اعترض طريقها زوجها، رفع أنظاره نحوها متسائلاً في قلقٍ كبير:
-في إيه اللي حصل؟ وإيه الصويت ده؟
أجابته بصوتها المنتحب، وهي تحاول أن تخرج جملها مرتبة:
-الحقنا يا "هيثم"، العيال مش عارفين حصلهم إيه، مابيتحركوش.
انخفضت عيناه نحو الصغير الساكن في أحضانها، لم يكن هناك وقتًا كافيًا لإضاعته، كل ثانية تشكل فارقًا، لذا دون ترددٍ، حمل عنها الطفل، وأخبرها بصرامةٍ:
-هننقلهم المستشفى بعربيتي، ده أسرع.
ركض به الدرجات هبوطًا للأسفل، على أمل أن يكون في حضوره غير المتوقع، نجاة لهؤلاء الأبرياء.
.......................................................
لبوا أوامره بحذافيرها، بشأن التأكد من سلامة شقيقته، وعودتها للإقامة الكلية في منزل عائلته، لتكون تحت أعينه مباشرة، وبعيدًا عن أقل احتمال من تعرضها هي أو رضيعها للتهديد بسبب زوجها الوضيع "محرز"، في حين لم تفهم "هاجر" سبب إصرار والدها على إحضار الهام من متعلقاتها الشخصية، وما يكفيها من ثيابٍ ومستلزمات، من أجل المكوث لفترة طويلة بصحبة العائلة، استرابت من الأمر، رغم أنه من الطبيعي أن تظل لفترة، لتكون إلى جوار شقيقها الذي نجا بأعجوبة من حريق الدكان. صعدت لمنزلها، بعد تأكد كلاً من "منذر" و"دياب" من خلوه من أي تهديد، وذاك ضاعف شكوكها أيضًا، كان "بدير" على وشك اللحاق بهما؛ لكن طلب منه "سراج" بلطفٍ:
-خليك إنت مرتاح يا حاج، احنا موجودين، هانقوم بكل المطلوب.
ابتسم له في امتنانٍ وهو يشكره:
-تسلم يا ابني
نظرة خاطفة، بالكاد تكون محسوسة، ألقاها على وجه "هاجر" التي كانت مشغولة في التطلع لهاتفها المحمول؛ وكأنه بهذا يريد تذكر ملامحها، وجد نفسه يتصرف مثلما فعل بالماضي، نظرات خلسة، لا يشعر بها من حوله، خلال لقاءات عابرة، تعطيه طاقة لا حصر لها، ربكةٍ موترة انتابته حينما اتجهت إليه، حيث يقف مع والدها، لم ينظر إليها، وأخفض رأسه في أدبٍ، بينما قالت بتنهيدة بطيئة:
-مش هتأخر يابا فوق، على طول هاجيب المهم.
أومأ برأسه سامحًا لها بالصعود، وقد رأى الشقيقين مقبلين نحوه:
-ماشي يا بنتي.
ثم وجه حديثه للقادمين في اتجاهه يشكرهما:
-كتر خيركم يا ولاد، والله أنا ما عارف أقولكم إيه، وقفتكم معايا دي...
قاطعه "منذر" مبتسمًا، قبل أن يتم جملته:
-ماتقولش حاجة يا حاج "بدير"، ده "تميم" أخونا، وكلامه واجب يتنفذ.
رد عليه "بدير" في ضيقٍ:
-كده أحسن، محدش ضامن ممكن يحصل إيه، وخصوصًا بعد ما عرفنا قلة أصل المأسوف على عمره.
علق "دياب" بنبرة متوعدة، وهو يفرك كفيه معًا:
-ده حسابه كبير، مش هايتعتق من إيد حد فينا.
غمغم "بدير" بوجهٍ مال للعبوس:
-يا ريت نوصله قبل ما الحكومة تمسكه.
احتفظ "منذر" بابتسامته الواثقة، ثم أخبره بعزمٍ غير قابل للتشكيك:
-ولو مسكوه، زي ما لينا إيد طايلة برا، حبايبنا كتير جوا.
في استحسانٍ قال له موجزًا:
-الله كريم.
وبنفس الأسلوب الهادئ تابع "منذر" موجهًا حديثه لثلاثتهم:
-هستأذن أنا ورايا كام حاجة هاخلصها، وهتابع معاكو الجديد في التليفون.
رد عليه شقيقه بإيماءةٍ من رأسه:
-وماله يا "منذر"، متعطلش نفسك.
ظلت أنظاره الجادة عليه، قبل أن يخاطبه بلهجته الجادة:
-مش هوصيك.
لاحت ابتسامة غرور على شفتي "دياب"، وهو يرد:
-عيب عليك.
انسحب شقيقه الكبير من وقفتهم، ليدعو بعدها "سراج" الحاج "بدير" للجلوس والانتظار في السيارة، كبديل عن الوقوف الطويل على قدميه، فاستجاب لطلبه، واستراح على المقعد الأمامي، بينما بقي الاثنان يراقبان الطريق في اهتمامٍ، إلى أن تفرغ "هاجر" من تجهيز ما ينقصها.
بعد برهةٍ، لمحها "دياب" وهو قد قارب على إنهاء سيجارته، ألقى عقبها أسفل قدمه ليدعسه، وهتف قائلاً، كنوعٍ من التنبيه:
-شوف يا "سراج"، الجماعة نازلين بالشنطة.
اعتدل الأخير في وقفته المستريحة على جانب السيارة، لينظر نحو المدخل، رأى "هاجر" تحمل بيدها حقيبة سفر ثقيلة، هرول في اتجاهها ليحملها عنها، وهو يصر بشدةٍ:
-عنك يا ست الكل.
تحرجت من ذوقه، وتركتها له وهي تشكره:
-كتر خيرك.
لحظة تجرأ فيها على رفع عينيه إلى عينيها، لينظر لها عن قربٍ، وسألها بتلعثمٍ طفيف، رجا الله في نفسه ألا يبدو مكشوفًا أمامها:
-في حاجة.. ناقصة تانية؟
أجابت وهي تدير رأسها للخلف، ومشيرة بيدها أيضًا:
-أه، في شنطة فوق، هاطلع أجيبها.
أخبرها بعتابٍ لطيف، وملامحه لا تبدو مازحة أبدًا:
-وإنتي عدومتي الرجالة؟
ضاقت عيناها قليلاً، بينما أكمل وهو يخشى النظر نحوها:
-خليكي مرتاحة في العربية، وأنا هاجيبها بنفسي...
لم تنكر "هاجر" أنها استحسنت الفكرة كثيرًا، وابتسمت لإعفائه لها من مشقة الصعود والنزول لإحضار الحقائب، طلب منها "سراج" بجديةٍ بعد أن وضع حقيبتها في صندوق السيارة:
-هاتي المفتاح عشان أقفل الشقة ورايا.
بحرجٍ بسيط تحدثت قائلة:
-هتعبك معايا يا معلم "سراج".
وللمرة الأولى يتخلى عن تعابيره الجادة، ليبدو مبتسمًا بسرورٍ واضح وهو يقول:
-تعبك راحة.. يا ريتها تيجي على أد كده، احنا سدادين يا ست البنات.
لم تجد ما تعلق به على كرمه الزائد، سوى مبادلة ابتسامة صغيرة معه، قبل أن تتحرك وتتخذ مقعدها بالسيارة. تطلع إليها "دياب" من مرآته الأمامية، والتفت ناظرًا إلى الجالس بجواره يُعلمه بجدية بحتة، قاصدًا بهذا تضييق الخناق على "محرز"، فلا يستطيع الوصول إلى منزله:
-لازمًا تغير الكالون يا حاج في أسرع وقت.
أخبره بهدوءٍ، وكأنه يعي مراده:
-هاكلم النجار يعمل ده.
أضاف كذلك بنبرته العازمة:
-لو عايزيني أكون معاه فأنا فاضي، متقلقش.
تحرج من اهتمامه الكبير، وقال ممتنًا:
-تسلم يا "دياب"، مش عايز أشغل أكتر من كده، إنت بردك وراك مصالح والتزامات.
رد عليه بمرحٍ، مظهرًا عدم اعتراضه على تقديم كل الدعم المطلوب لضمان سلامة جميع أفراد العائلة:
-اشغلني براحتك، أحسن ما "منذر" يطلع عيني.
ربت على جانب ذراعه يدعو له:
-ربنا يخليكم لبعض.
تابعت "هاجر" ما يدور بينهما من حوارٍ غير مفهومٍ بالنسبة لها، فحركت جسدها للأمام قليلاً، وتساءلت في فضولٍ:
-هو إيه الحكاية يابا؟ ليه كنت عايزني ألم حاجتي وأرجع البيت بسرعة؟ ما أنا كده كده قاعدة معاكو؟!!
كان هادئًا في رده الحازم إليها:
-مش وقته، هنحكي في ده بعدين يا "هاجر".
لم تناقش والدها في رغبته، وردت بانصياعٍ واضح، رغم الحيرة التي انتابتها
-ماشي، اللي تشوفه يابا.
...........................................................
فرغ لتوه من صلاته وهو قعيد، حامدًا الله على نجاته العظيمة، من مأساةٍ أقل أضرارها ربما العجز الدائم، وأخطرها غيبوبة تامة تقضي على شبابٍ لم يتنعم به بعد. طيفها الناعم زاره مجددًا، فوجد نفسه يغمض عينيه في استسلامٍ، مستمتعًا بتلك اللحظة المميزة، لم يعد يحصي عدد المرات التي يستدعي فيها عقله ملامحها، كما لو كانت السلوى الوحيدة وسط محنته الشديدة. لفظ "تميم" دفعة من الزفير مرة واحدة، وهمس متسائلاً مع نفسه:
-يا ترى عاملة إيه دلوقتي؟
جلَّ ما شغل تفكيره، أنه يعلم جيدًا في قرارة نفسه، وعن صِدامٍ مباشر معه، أن من تزوجته لا يستحقها أبدًا، لا يرتقي –بطباعه الوضيعة- لأن ينال زوجة فريدة مثلها، بها كل ما كان يحلم به في امرأته، من سمات أنثوية لا تقارن مطلقًا مع غيرها من النساء، تلك التي تمتلك سحرًا يسلب العقول بشخصيتها التي لا تُعوض. لم يقدر تلك المرة على لوم نفسه على استغراقه في التفكير فيها، دومًا مشاعره تُغالبه، فينكث الوعود لأجل لمحة من طيفها .. كان وحيدًا في حُضورها، ومُعذبًا في بُعادها.
اعتدل بقوةٍ مفاجئة في رقدته على فراشه، فألمته تلك الحركة، وجعلت عظامه تئن بقوة، ضاقت عيناه على الأخير، وقد ولج إليه من لم يتوقع قدومهما، هتف مرددًا في اندهاشٍ:
-خير يا بشوات؟
مسح بأنظاره على وجهي ضيفيه غير الاعتياديين؛ "ماهر"، و"وجدي". لم تكن تلك حتمًا بزيارة عادية، فالعلاقات بينهما ليست من النوع الودّي، استطرد "وجدي" متسائلاً دون استهلالٍ تمهيدي:
-"محرز" كان ورا اللي حصلك يا معلم؟
ادعى عدم تذكره، فقال بنبرة شبه متعبة، متجنبًا النظر نحوهما:
-مش فاكر يا باشا، أصل كل حاجة جت بسرعة، وولاد الحرام خدوني على خوانة.
هتف "ماهر" قائلاً بجديةٍ، لم تخلُ من نظرات القلق:
-يا "تميم"، كلامنا معاك مالوش علاقة بأقوالك في المحضر بتاع الدكان، ده ليه علاقة بموضوع تاني خالص، هو شغال فيه من زمان.
نظر نحوه بعينين لا ترمشان، وسأله:
-موضوع إيه؟
لم يتردد في إخباره مباشرة؛ قاصدًا أن يرى وقع الصدمة عليه:
-تهريب المخدرات .................................................. !!
...................................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السابع 7 - بقلم Manal Salem
في البداية وجب تهنئة جماهير ومحبي النادي الأهلي في كل مكان على الفوز في مباراتهم الحاسمة مع نادي الزمالك الليلة، وكل التمني بالتوفيق للاعبي فريق الزمالك في مباراياتهم القادمة ..
الفصل السادس والسبعون
طرأت له فكرة متهورة، أن يعود إلى منزله، باعتبار أنه سيكون مهجورًا في الفترة الحالية، بسبب انشغال العائلة بمتابعة الحالة الصحية لابنهم المفضل، أدرك أن تنفيذ فكرته يتضمن عواقب خطيرة؛ لكنها تستحق المجازفة، فقد أراد الحصول على بعض النقود، قبل أن تنفذ القلة القليلة المتبقية معه، عله تنفعه مؤقتًا لحين حصوله على ما يكفيه. تسلل من مخبأه الآمن، واتخذ الطرقات غير المباشرة ليصل إليه، وقبل أن ينحرف من عند الناصية، تجمد في مكانه للحظاتٍ، راقب فيها المدخل جيدًا. كان "محرز" على وشك التحرك، حينما لمح سيارة ليست بالغريبة تسده، تراجع بجسده للخلف، وتوارى عن الأعين، وهو يتمتم:
-هما بيعملوا إيه هنا؟
ظل متسمرًا في مكانه، ومع هذا شعر بارتفاع دقات قلبه المتوترة، حتى كاد يخرج من بين ضلوعه، اختلس النظرات مجددًا، فرأى "منذر" واقفًا بجوار شقيقه "دياب"، وعلى جانبه "بدير"، الذي يبدو مهمومًا، ثلاثتهم يتحدثون معًا بجدية واضحة عليهم، خمن أن وجود الشقيقين هنا له صلة بـ "تميم"، وهما أخطر في عدائيتهما عن الأخير، بلع ريقه، وتراجع مختبئًا حتى يهدئ من روعته، ثم تحلى بشجاعة زائفة، وأطل برأسه من الزاوية، ما لبث أن تبدل الخوف الشديد إلى غيظ وحقد، حيث احتقن وجهه بشدة، وتصاعدت الدماء إلى رأسه؛ كأنها ستتفجر من فتحات وجهه بالكامل، عندما أبصرت عيناه زوجته تتبادل الحديث مع "سراج"، والأخير يبدو مهتمًا بها بشكلٍ مبالغ فيه، كما لو أنه قدم له فرصة ذهبية ليتودد إليها، على مرأى ومسمع منه، وهو عاجز عن منعه،؛ كان هذا آخر ما ينقصه! الوقح يكرر ما فعله سابقًا قبل أن يفسد الأمر برمته عليه.
توقفت عقارب الساعة عن الحركة، لتعود به لسنواتٍ مضت، عندما كان فقيرًا، معدمًا، لا يملك إلا القليل، يُعد نفسه مجازًا كرئيسٍ للعمال؛ وإن كان لا يرتقي عنهم في منصبه الافتراضي، سوى بدهائه في تطييع الأمور لصالحه، ليستفيد منها على قدر الإمكان. وقتها كلاهما كانا يجلسان أمام إحدى الشاحنات، في سوق الجملة، على مقعدين خشبيين، ينتظران انتهاء العمال من تعبئة الصناديق بالطازج من الفواكه، والخضراوات. نفخ "سراج" دخان نارجيلته في الهواء، والتفت نحوه يحادثه، بنوعٍ من الاستهلال:
-بأقولك إيه يا "محرز"...
ارتشف الثاني قدرًا من الشاي الساخن الذي يملأ كوبه الزجاجي، وقال:
-أيوه يا معلم "سراج".
تردد قبل أن يخبره بحرجٍ:
-عايز اسألك في حاجة كده، بس بعيد عن الشغل، حاجة خصوصي شوية.
ركز أنظاره عليه، وشجعه للحديث معه قائلاً بترحيب، وابتسامته السمجة لا تفارقه:
-قول يا معلم.
ترك "سراج" خرطوم النارجيلة، ومال ناحيته، ليبدو صوته قريبًا –منخفضًا كذلك- عندما نطق:
-بيني وبينك كده.. أنا عايز أفاتح المعلم "بدير" عن خطوبة بنته، عندك خبر عن الحكاية دي؟
غامت ملامح "محرز"، رغم محاولته لإظهار العكس، بينما أضاف "سراج" في حرجٍ أكبر:
-ومايصحش أسأل بردك المعلم "تميم" عن أخته، إن كان في حد في نيتهم يجوزهاله ولا لأ، ماينفعش نتكلم كده من غير إحم ولا دستور، وجايز يكون في حد سبقني، لازم نعمل احترام لغيرنا.. إنت إيه رأيك؟
ظلت تعابير وجهه غير مقروءة، لم يجد ما يخبره به؛ وكأن الخبر قد هبط على رأسه كالصاعقة، وهو الذي كان يعد العدة في الخفاء، للتودد إليها، وإظهار حسن نواياه نحوها، علها تكون السبيل للانتقال من حياة الفقر، إلى النعيم والترف. انتبهت حواسه لصوته وهو يسأله بخفوتٍ، كما لو كان يخشى أن يلتقط أحدهم جملته تلك:
-يعني سمعت إن في حد متكلم عنها يا "محرز"، بما إنك معاهم في الدكان؟
بعد صمتٍ حذر، يكبت به غله الناقم عليه، أجابه:
-اللي أعرفه إن الحاج رافض يجوزها إلا لما تكمل علامها.
سأله بحماسٍ انعكس على نبرته وتعبيراته:
-يعني مافيش حد اتقدملها؟
نفى برده الموجز:
-لأ
استراح "سراج" في جلسته، وتابع بنبرة عازمة:
-زي الفل، خلاص أبعت الحاجة تروح عند جماعة المعلم "بدير" تتطأس كده، واللي فيه الخير يعمله ربنا.
ابتسامة متهكمة احتلت زاوية فمه وهو يغمغم إليه:
-وماله يا معلم.. يا زين ما اخترت.
هلل بعدها "سراج" بسرورٍ يكاد ينطق به كل ذرة منه:
-يالا يا رجالة، شيدوا الحيل شوية، مش عايزين نتأخر على حبايبنا.
نظرة غامضة رمقه بها "محرز"، وقد توقع ارتضاء العائلة به على الفور، باعتباره زوجًا مناسبًا، لا يوجد ما يعيبه، ما لم يفسد هذا عليه أولاً، هكذا وسوس له شيطانه الداهية!
..........................................................
أقل ما يمكن وصفه عنه، أنه شخصية انتهازية، وصولية، غير مؤتمنة، تسعى بشتى الطرق للكسب السريع، وإن كان على حساب أرواح الآخرين، فمنذ نشأته في أسرة بسيطة، وهو يتطلع إلا ما لا يملكه؛ ما بيدِ غيره. لم يكن "محرز" راضيًا عن فقره المدقع، ولا عن سوء الظروف المحاوطة بعائلته، أوجد لنفسه الفرص لتحسين مستواه الاجتماعي والمادي، ولم يكن هذا كافيًا، لجأ للطرق غير المشروعة، على أمل أن تمنحه ما يطمع في اكتسابه، في أقل وقت ممكن، فشارك غيره في التهريب، بطرقٍ مبتكرة؛ لكنه أنفق ما حاز عليه سريعًا.
طمعه الجائع لا حدود له، فدفعه للتفكير في أساليب تتيح له اختلاس المزيد من الأموال، وبدت الفرصة سانحة، عن طريق مصاهرة عائلة "سلطان"، في البداية فكر في توجيه مخططاته نحو "خلود"، الصيد السهل، فوالدها متوفي، لن يضع العقبات أمام زواجه بها، ووالدتها على شاكلته، ترغب في الظفر بكل ما ضنّت به الحياة عليها؛ لكنها كانت قد اختارت هدفها مسبقًا؛ "تميم"، فأدار مسار الدفة نحو "هاجر"، وبدأ في تدبير الأموال اللازمة لتعينه على الظهور بمظهرٍ لائق حينما يتقدم لخطبها، وقبل أن يتحقق مراده، الذي استعد له طويلاً، فاتحه "سراج" مصادفةً في رغبته بمصاهرة العائلة، فلم يكن أمامه إلا إفسادها عليه بأحط الوسائل اللئيمة.
أنفق مبلغًا من المال للاتفاق مع بعض العمال المأجورين، على الادعاء بالكذب على غريمه، ليبدو وكأنه يخوض في أعراض الأسرة، خاصة بعد زيارة والدته الودية للعائلة، فتنطلي الخدعة على "تميم" الذي كانت به سمة مميزة ومهددة في نفس الآن؛ الاندفاع الأهوج لقطع دابر من يتجرأ بالقول أو الفعل على عائلته، وكان ذاك مدخله، أحضر العامل منكس الرأس إليه، وهتف فيه بوجهٍ ممتقع، ليظهر بمظهر الضيق قبالته:
-تعالى ماتخفش، اتكلم وأنا أضمنلك برقبتي المعلم "تميم" مش هيتعرضلك.
رفع "تميم" عينيه نحو الاثنين مستغربًا مجيء أحد عماله إليه، في هذا الوقت المتأخر، قبل أن ينهي مراجعة فواتير اليوم، تساءل بصوتٍ متعب قليلاً:
-في إيه يا "محرز"؟
بنفس الملامح العابسة أخبره، وهو يشير بسبابته نحوه:
-الواد ده عايز يبلغك بحاجة مهمة، وماحبش يروح للحاج على طول.
التفت "تميم" ناظرًا إليه، فوجد العامل مطرقًا رأسه في خزيٍ، والخوف يكسوه، ضجر من صمته المزعج، وصاح به بزجرةٍ قوية:
-انطق ياض في إيه.
لعق العامل شفتيه، ونظر له بارتعابٍ، قبل أن ينطق بنفس اللجلجة:
-أصل يا معلم آ... الحكاية إن... كان...
قاطعه بخشونةٍ:
-أنا مش فاضيلك، لخص في الحوار.
تراجع العامل خطوة للخلف خشية غضبته الوشيكة، وقال ببطءٍ، ونظراته بين الحين والآخر تتجه نحو "محرز":
-الحكاية أصلها تخص آ... أهل بيتك، الست.. "هاجر".
هب "تميم" واقفًا، ليهجم عليه، قبض على عنقه، يخنقه منه، ثم هزه بعنف، وهو يهدر به بعدائية وحمية هائجة:
-نعم... إنت اتجننت يا (...)؟ مالك ومال أختي؟
قفز "محرز" من مكانه، وتدخل بينهما ليمنعه من الفتك به، بصعوبة انتشله من بين قبضتيه، ليرجوه بعدها:
-اهدى يا معلم، اسمعه للآخر عشان تعرف في إيه.
نطق العامل بصوته المرتجف مبررًا:
-ده ست البنات أشرف من الشرف، هو حد يقدر يجيب سيرتها بكلمة، بس الحكاية إني سمعت آ...
هدده "تميم" بصياحه الجهوري، وقد فاض به الكيل من مماطلته، التي لا طائل له بها:
-قول على طول، بدل ما أعلقك هنا!
ظل "محرز" يحول بجسده بين الاثنتين، والتفت برأسه نحو العامل مانحًا إياه إشارة من عينيه ليتابع كما شدد عليه من قبل، فأردف الأخير قائلاً باسترسالٍ:
-أنا سمعت طراطيش كلام من الرجالة في السوق، عن إن المعلم "سراج" بيقول عن الست "هاجر" بعد ما أمه زارتكم في البيت، إنها مش أد كده، وإنه ..
راقب جيدًا التعابير النارية التي اكتسبها وجهه، وأضاف باهتزازةٍ محسوسة في صوته:
-كان بيفكر يخطبها، بس الست أمه قالت عليها أنزوحة، ومش عِشرية، ولما كلمت الواد اللي هلفط بالكلام ده إنه مايصحش، دي بنت سيد رجالة السوق، قالي إن معلمه بيقول آ....
ازدرد ريقه لثانية، وأكمل:
-مافيش راجل غيره في السوق، وإن.. لولا بضاعته كان زمان آ....
تردد قبل أن يتابع بالجزء الأخير من استرساله:
-الحاج "بدير" وابنه بيشحتوا، ومش بعيد نلاقيهم واقفين على أول السوق يبيعوا للزباين بالأجل.
النظر في وجه "تميم" في تلك اللحظة كان كفيلاً لإدراك مدى الغضب العارم المسيطر عليه، وليزيد من وهج حنقه تساءل "محرز" بلهجةٍ حادة:
-إنت سمعته بيقول كده؟!
استدار العامل نحوه، وخاطبه مؤكدًا:
-أيوه يا معلم، إن شاء الله يفرمني قطر، أنا سامعه بوداني اللي هياكلها الدود، وكان معايا الواد "دُقدق"، وصبي المعلم "سراج" وآ....
لم يطق "تميم" استمراره في استفزازه، فهتف بصوتٍ كان باعثًا على الرهبة العظيمة:
-وربنا ما أنا سايبه، هاعرفه مين هو "تميم سلطان".
أوقفه "محرز" بصعوبة، ومنعه من الخروج من الدكان، وهو يحاول نصحه:
-خد حقك بالعقل يا معلم، الكلام هيكتر لو اتجنيت عليه.
رد عليه بأنفاسه المنفعلة:
-كله إلا أهل بيتي!
مشاعره في تلك اللحظة كانت خليطًا من الغضب، والهياج، وزادها حدة قول "محرز" الماكر، ليضمن تحقيق غرضه:
-والله أنا ما عايز أتكلم من زمان، بس فعلاً هو بيغير منك يا معلم "تميم"، كذا مرة يقولي كلام زي كده، وأنا ساكت، وماحبش حد يقول عني بوقع بين معلمين السوق.
عنفه بغلظةٍ، وقد ظهر عليه تأثير كلامه:
-كنت تقول.
أسبل "محرز" عينيه، وعلق بخذلانٍ مفتعل:
-بردك العين متعلاش عن الحاجب.
في تلك الأثناء، بعد أن فرغ من صلاة العشاء، حضر الجد "سلطان" إلى الدكان، وجه أنظاره نحوه حفيده المستشاط غضبًا، سأله مستفهمًا:
-في إيه يا "تميم"؟
توتر "محرز" من مجيئه، وأشار للعامل بإيماءة خاطفة من رأسه ليبتعد، ونظر في اتجاه "تميم" الذي هدر بصدره الناهج:
-الكلب "سراج" جايب سيرة أختي.
تطلع إليه الجد مطولاً، قبل أن يسأله مجددًا، بعقلانية هادئة، ومغايرة للعصبية الهوجاء المستبدة بحفيده:
-وإنت اتأكدت من الكلام ده؟ ولا رايح تتخانق عمياني كده؟!
كان يلهث من فرط انفعاله عندما جاوبه:
-عايزني أسكت يا جدي؟ هستنى إيه تاني؟ لما نلاقي الواغش بيألفوا حكايات عن "هاجر"؟
أتاه رد جده بنفس الصوت الهادئ:
-أه تسكت لحد ما نتأكد، مش جايز يكون الكلام غلط؟
وقبل أن يعارضه أمره بصرامةٍ:
-إنت تفضل هنا لحد ما نشوف إن كان صح ولا لأ
احتج بغضبٍ شديد:
-بس يا جدي كده آ....
قاطعه بلهجته غير المفاوضة:
-أنا قولت إيه؟
أمام نظراته الصارمة، وحزمه الواضح، اضطر أن يرضخ له؛ لكنه أخبره بزمجرةٍ، بما يشبه الوعيد:
-ماشي يا جدي.. بس وعزة جلال الله لو طلع حقيقي، هاخش فيه اللومان.
انسحب "محرز" من المشهد، لاعنًا في سره، فلو جاء الجد متأخرًا دقيقة واحدة، لما تمكن من اللحاق به، ولسُفكت الدماء في الحال.
.........................................................
حربٌ باردة اندلعت -لاحقًا- دون سبب معلوم بين أفراد العائلتين، قُطباها يحتفظان بمشاعر عدائية، تضاعفت مع ازدياد الحاجة، لتوريد بضائع جديدة، شحَّ تواجدها في السوق، وكانت تلك القشة التي استغلها "محرز" مع استمراره في بث سمومه المغلوطة، لكلا الطرفين، ليبدو وكأنهما يتحينان الفرصة، للتنكيل ببعضهما البعض، وقد حدث ما تمناه! وقامت تلك المشاجرة العنيفة في السوق، توقع فيها "محرز" أن يقتل أحدهما الآخر؛ لكنها انتهت بحبس "تميم"، وإقصاء "سراج" عن ساحة التجارة لبعض الوقت، مع ضمان عدم وجود أي بادرة صلح بين الطرفين.
نعم، كانت له طريقته الخبيثة الداهية في التقرب من "بدير"، وقلب الحقائق لصالحه، ليبدو في نظره المخلص المجتهد في عمله، ورويدًا رويدًا تولى إدارة الأعمال، وتعميق الصلات بالزواج من "هاجر"، ليستمر على منواله اللئيم في استنزاف وسرقة أموال العائلة، بذكاءٍ كبير، متلاعبًا في أصول الأوراق، والمستندات، وكافة ما له صلة بفواتير الشراء، إلى أن خرج "تميم" من محبسه، فارتبكت كل حساباته، وضاق الخناق عليه.
أفاق من دوامة الذكريات على صوت تشغيل محرك السيارة، تأكد من عدم رؤيتهم له، أثناء مرورهم من جواره، وأولاهم ظهره؛ لكن بقي الغل يحرق في كبده، كز على أسنانه هامسًا بحقدٍ لا طائل له:
-هي بقت كده خلاص؟
احتفظت تعابيره بعلامات الشر، وأضاف بوعيدٍ لن يخل به:
-مش هتخرب عليا بس، هاخليها على الكل!
.................................................
حديثه المباشر عن تورط زوج شقيقته في قضايا تهريب خطيرة، خاصة تلك المرتبطة بالمواد المخدرة، صدمه على نحوٍ مشمئز، ورغم استنكاره لوضاعة "محرز" وخسته التي تنكشف يومًا بعد يوم، إلا أنه لم يتوقف عن لوم نفسه، لمنحه ثقته لمثيله من الخونة، بل ومصاهرته أيضًا، وإن لم يكن حاضرًا آنذاك؛ لكنه أعطاه مباركته لإتمامها. استند "تميم" على كفيه، ليعيد ظهره للخلف، مستمعًا إلى "وجدي" الذي استطرد قائلاً:
-"محرز" مجرد أداة في إيدين ناس تانية، بيحركوها على مزاجهم، واحنا دورنا كرجال قانون نوقع كل اللي مشغلينه.
تساءل "تميم" بصوتٍ شبه متحشرج:
-والمطلوب مني إيه؟
تحرك "ماهر" من مكانه ليدنو منه، ساحبًا بيده مقعدًا معدنيًا، كان ملتصقًا بالحائط، وضعه بجواره، وجلس عليه، ثم أجابه:
-عايزينك تتعاون معانا، بصورة سرية، وتجيبلنا المعلومات اللي تلزمنا.
علق "تميم" بتهكمٍ صارخ:
-يا باشا سيادتك جاي تتريق عليا؟ معلومات إيه اللي هاعرف أجيبها وأنا بالحالة دي؟ هو أنا قادر أقوم من مكاني؟
نظر في عينيه، وقال بهدوءٍ:
-المعلومات دي متوقعين إن جزء منها يكون عند... أختك
اصطبغت بشرته الباهتة بحمرة غضبه، وهتف بعصبيةٍ انعكست في نبرته:
-نعم؟ أختي؟
أكد له بإيماءة صغيرة من رأسه:
-أيوه.
احتج بغلظةٍ تسببت في إيلام صدره:
-لا متأخذنيش يا باشا، أنا أختي مالهاش دعوة بأي حاجة.
دون تحيزٍ أو انفعال قال له، محاولاً إقناعه:
-احنا واثقين من ده، بس بدل ما يكون الاستدعاء رسمي، وتتبهدل في الأقسام والنيابة، أنا حابب ده يتم بصورة ودية، بعيدًا عن جو المجرمين، أكيد إنت متحبش تشوف أختك هناك؟
منطقيته الواضحة غلبت تعصبه الملازم له، وعلى الرغم من التنمر البادي عليه إلا أنه سأله:
-وهي هتعرف تفيدكم إزاي؟
جاءه الرد هذه المرة من "وجدي"، حيث قال:
-أكيد زي أي واحدة قاعدة مع جوزها، هياخد راحته معاها، يفضفض عن شغله، ويقولها عن شوية أسرار.
التفت نحوه، وخاطبه بتبرمٍ:
-ماظنش "محرز" بالغباء ده.
كان صوت "وجدي" مغلفًا بالبرود وهو يعقب عليه:
-مش هنخسر حاجة.
في حين استأنف "ماهر" باقي حديثه موضحًا له:
-احنا شغالين في كذا اتجاه، ومحتاجين كل مساعدة متاحة عشان نقدر نمسك بالمجرمين دول.
أضـاف "وجدي" من ناحية أخرى:
-وهنستدعي كمان أخو مراتك للتحقيق معاه.
انزوى ما بين حاجبيه في نكرانٍ شديد وهو يدمدم:
-مراتي؟!
أخبره "ماهر" ببساطة:
-أيوه، مدام "خلود".
صحح له بزفيرٍ ثقيل، وبعينين ملتهبتين من غضبه المتزايد بداخله، نتيجة ما يتلقاه من أنباء غير سارة:
-لأ، دي طلقتي يا باشا...
تبادل "وجدي" نظرة اندهاش مع "ماهر"، في حين تابع "تميم" متسائلاً بتوجسٍ:
-هي ليها علاقة بـ "محرز" كمان؟
نفى على الفور "ماهر"، مانحًا إياه مزيدًا من الإيضاح:
-لأ، بس معروف إنه كان صاحب "نوح"، اللي اتقتل من فترة، أكيد إنت عارفه؟
زفر بثقلٍ قبل أن يقول:
-أيوه
اعتبر إفصاحه عن القادم نوعًا من المجازفة؛ لكنه كان مضطرًا للجوء لكل وسيلة متاحة، لإحكام الطوق حول "محرز"، ومن ثم الوصول إليه، حتى تتذلل عقبة الوصول إلى "آسر"، خاصة مع تعذر التواصل مع "فيروزة"، لذا استمر في حديثه معه متابعًا:
-بعد تفريغ كاميرات المراقبة الموجودة في المنطقة اللي ساكن فيها القتيل، اكتشفنا إن "محرز" كان طالع معاه بيته، وبعدها بفترة بسيطة نزل، وكان مش على بعضه.
سأله "تميم" كنوعٍ من التخمين:
-يعني هو اللي قتله؟
أخبره "ماهر" بتريثٍ، ودون أن تكون إجابته حاسمة:
-في احتمال كبير يكون ليه يد في موضوع قتله، وخصوصًا بعد التحريات الدقيقة، مصدرنا أكدت إنه علاقته بيه من زمان، وكان معاهم "هيثم"!!!
احتدت نظرات "تميم" بشكلٍ ملحوظ، وقبل أن يساء فهم كلامه، أوضح له "ماهر":
-بس مش متورط معاه في التهريب، أخره كان سهرات من إياها.
تساءل "تميم" بحيرةٍ سيطرت عليه:
-وهو "هيثم" هيعرف إيه زيادة؟
أجابه بنظرة نافذة:
-السكك اللي ممكن يكون مستخبي فيها...
لمحة من التردد انعكست على تعابيره عندما أضاف "ماهر" بنبرة ذات مغزى:
-احنا عارفين إن حبايبك معاك، وجايز توصل معاهم لـ "محرز" قبلنا.
سأله بهدوءٍ مصطنع، محاولاً إخفاء ربكته:
-بتكلم عن مين يا باشا؟
ببساطةٍ شديدة أخبره:
-ولاد "طه حرب".
رمش بعينيه، وقال متهربًا:
-أنا مش فاهم حاجة.
بوجهٍ جاد التعبيرات علق عليه "ماهر":
-لو مسكتوه، ماتخلصوش عليه.. يلزمنا، وصلت كده يا معلم؟
بعد أن كشفت جميع الأوراق، وأصبح اللعب متاحًا للجميع، ظل "تميم" محافظًا على ثباته، وراوغه في الحديث قائلاً بإرهاقٍ لم يزيفه:
-ادعيلي أقوم بالسلامة يا باشا، وأنا بنفسي مش هرتاح إلا لما أجيبه لحد عندكم.
قال "ماهر" مبتسمًا:
-هاعمل نفسي مصدق كلامك، و...
توقف لهنيهة عن الحديث لينهض من جلسته، وتابع:
-وحمدلله على السلامة.
تنحنح الأخير بحشرجة خفيفة قبل أن يرد مجاملاً:
-الله يسلمك يا باشا.
انصرف بعدها الضابطان، ليتركاه في حالة من مشاعر الغضب والخزي؛ الأولى لكونه عاجزًا عن التحرك بحرية بسبب عطب جسده، والثانية لعدم استطاعته حماية عائلته من أمثال الوغد المتلون "محرز".
.............................................................
ضاق صدره من كم العمل الزائد المفروض عليه، والذي تطلب منه المكوث بعد ساعات العمل الرسمية لوقتٍ إضافي، حتى ينتهي كليًا من مراجعة ما بحوزته، من أوراق. نهض الموظف الجالس في المكتب المجاور له عن مقعده، وسأله بتثاؤبٍ:
-أجيبلك قهوة معايا يا "خليل"؟
رفع رأسه عن الملفات المفتوحة التي يزدحم بها سطح مكتبه، ورد بتبرمٍ؛ وكأنه يشكو له تشبع جسده بالكافيين:
-ده أنا شارب يجي 3 قهوة، و4 شاي، معدتي قفلت خلاص.
همهم الموظف في استياءٍ، بصوته الخافت:
-منه لله المدير الجديد، حبكت يعني يعوز الدفاتر الجرد كلها النهاردة.
عقب عليه بنفس الصوت الخفيض:
-كل ما يجبولنا واحد جديد، نعمل نفس الموال، أما طفحنا.
زفير متعب خرج من جوف زميله، لينطق بعدها:
-هانت.. فاضل كام حاجة ونخلصها.
أمّن عليه "خليل" متمتمًا:
-يا مسهل.
عاد لينهمك في مراجعة الأوراق بتركيزه الشديد، إلى أن قطعه رنين هاتفه المحمول، المسنود على ميمنته، مدّ رأسه في اتجاهه، وحملق في الاسم الذي أنار الشاشة، بدت ملامحه متجهمة قليلاً، عندما عرف أن المتصل أحد جيرانه بمنزله الآخر، تساءل مع نفسه بتذمرٍ:
-وده بيتصل ليه؟
توقعت أن يكون اتصاله –كالعادة- له علاقة بجمع الأموال من سكان المنطقة، لإصلاح تلفٍ ما تأخر الحي في الاهتمام به، لم يستطع التهرب منه، فجاره اللحوح لن يتوقف عن مهاتفته، لهذا لم يكن أمامه مفرًا من الإجابة عليه، فخاطبه بنبرة متعجلة:
-سلامو عليكم، إزيك يا حاج "عماد"؟ إيه الأخبار عندك؟
كان صوته مهومًا حزينًا، لا يبشر بخيرٍ وهو يتكلم معه:
-مش عارف أقولك إيه يا أستاذ "خليل"، قلبي عندك والله.
أدرك من حديثه الغامض أن هناك خطب ما، انتصب كتفاه، وتساءل بتلهفٍ:
-حصل إيه؟
صمتٌ طويل تخللته نهنهات متألمة جعلت قلبه ينقبض، كرر "خليل" سؤاله عليه بقلقٍ متعاظم:
-ما تقول يا حاج "عماد"، في إيه؟
بنحيبٍ مسموعٍ مع صوته أجابه:
-جماعتك يا أستاذ "خليل"... تعيش إنت..
تلقائيًا نطق باسمها غير مصدقٍ ما أخبره به:
-"سماح"؟ إنت بتقول إيه؟
-البيت ولع باللي فيه من شوية، والناس حاولت تنجد جماعتك، بس أمر الله نفذ!
اضطربت أنفاسه، وهربت الدماء من وجهه ليغدو كالأموات وهو يردد مصدومًا:
-مش ممكن، لأ!
ترك عمله مندفعًا كالأعمى، يسابق دموعه التي فرت من عينيه حسرةً على خسارته، ولم يعلم بعد أن المزيد ينتظره!
....................................................
أحست كم هي ضائعة، وهي تتطلع بنظرات فارغة، للردهة الطويلة –باهتة الإضاءة- المستندة بجانبها على حائطها البارد، إلى حيث نقل "هيثم" أولادها الثلاثة للمشفى القريب، من أجل إنقاذهم. سرحت "حمدية" في أفكارها المتداخلة، تتذكر شغف أبنائها بتناول بقايا العجين الطازج الذي كانت تعده "آمنة" ببراعة لا تقارن، ولهفتهم على تذوقه نيئًا، كما لو كان مذاقه الخطير لا يضاهيه شيء، كما اقتحم عقلها مشهد إعدادها للكعكة المشؤومة، وكيف تفانت في تجهيزها هذه المرة، بعد أن اختبرت فاعلية مكوناتها لبضعة مرات سابقة، الفارق أنها أفرطت في وضع الفانيليا لإخفاء المذاق الغريب، وخلطت المادة السامة باللبن، ليبدو الخليط في النهاية متجانسًا، خطأها غير المقصود أنها احتفظت بالبقايا في صحنٍ صغير، كروتين متبع، عقب كل مرة تنتهي منها من تجهيز العجين، في درج الثلاجة.
تذكرت بين ضلالاتها أن أحد أبنائها رأى الوعاء، وكاد أن يختطف منه قطعة، إلا أنها نهرته بغلظةٍ، وهي تضرب كفه بعنفٍ:
-إياك تمد إيدك، وامشي من هنا يا زفت.
نظراته الحزينة مع شفتيه المقلوبتين في عبوسٍ، كانت آخر ما احتفظ به وجهه البريء، لم تمنحه اهتمامها آنذاك، تجاهلت قهره، وبقي كامل تفكيرها منصبًا على الكعكة، تلقائيًا ارتفع كفاها للأعلى تلطم بهما صدغيها، بعد أن تجسد طيف وجهه الوهمي أمامها، وصوت نواحها يهتف في ندمٍ:
-يا ريتني ما زعلتك يا ضنايا، حقك عليا يا غالي.
اتجهت الأعين إليها، خاصة "هيثم"، راقب ردات فعلها بأسفٍ، فالمصاب جلل، لا يمكن احتماله، أقبلت عليها "آمنة" تحتضنها، حاولت أن تشد من أزرها، وتهون عليها ألمها، تدعو الله أن ينجيهم من الموت. أبعد "هيثم" نظراته عنهما، وتطلع إلى زوجته التي لم تتوقف عن البكاء.. متحجر القلب، من لا يتأثر برؤية الحزن الثقيل الجاثم عليهن! جاهد ليبدو متماسكًا أمام الانهيار المسيطر على الثلاثة، اشرأب بعنقه للأعلى في توترٍ، حينما رأى أحد الأطباء يلوح إليه. تحرك في خفة نحوه، وسأله وهو يختطف النظرات نحو "حمدية" التي بدت مفصولة عمن حولها:
-طمنا يا دكتور؟
وجهه عكس الأخبار غير الطيبة، ضغط على شفتيه، وأخبره بأسفٍ لا يخلو من المواساة:
-مش عارف أقولك إيه والله، وأنا شايف الأم مقطعة نفسها هناك.
ما قاله كان تمهيدًا للأسوأ، والذي بدا مؤلمًا حد الموت وهو يتابع:
-شيدوا حيلكم يا جماعة، التلاتة في ذمة الله.
زلزلة عظيمة ضربت بجسد "هيثم"، والذي فُرض عليه تلقي مثل تلك الأخبار المفجعة، شعر أثناء سماعه لها بقلبه يهوي بين قدميه حسرةً على الخسارة الفادحة، لم ينطق لسانه سوى بكلمات الذِكر:
-إنا لله وإنا إليه راجعون، لا حول ولا قوة إلا بالله.
لم يكن الطبيب واثقًا إن كان يتابع حديثه أم لا؛ لكنه أضاف بلهجةٍ تحولت للجدية:
-الأمل في إنقاذهم كان تقريبًا معدوم، وخصوصًا بعد التأكد من إن الأعراض اللي كانت سبب في وفاتهم راجعة للتسمم.
بدا صوته أجوفًا متباعدًا وهو يقول:
-اللهم إنا لا نسألك رد القضاء، ولكن نسألك اللطف فيه.
واصل الطبيب إعلامه بهدوءٍ:
-أنا مضطر أبلغ البوليس، لأن في شبهة جنائية في وفاتهم...
لم ينتظر قراره، واختتم حديثه مواسيًا:
-وربنا يصبركم
تحركت عينا "هيثم" نحو زوجته التي كانت تنظر ناحيته أيضًا، أدركت الأخيرة من شحوبه المريب، ودموعه الزاحفة على صفحة وجهه، أن الفاجعة لا تُحتمل، ارتفعت أصوت شهقات بكائها المتقطع عاليًا، ليتحول بعدها لعويلٍ صارخ يفطر القلوب المكروبة ............................................... !!!
.......................................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثامن 8 - بقلم Manal Salem
زي ما وعدت القراء امبارح في استكمال لباقي الأحداث .. في فصل جديد ..
إن شاءالله تقضوا وقت ممتع معاها
الفصل السابع والسبعون
تقدم ناحية المكان الذي تجلس به، وعيناه مغرورقتان بالدموع، مد يده نحو ذراعها، قبض عليه بلطفٍ، وسحبها من مقعدها بعيدًا عن والدتها وزوجة خالها، فمثل تلك الأخبار المفجعة تحتاج لتمهيدٍ مسبق، حتى لا يكون وقعها مميتًا على من يتلقاها، حاوط "هيثم" زوجته من كتفيها بذراعه، وسار بها في اتجاه السلم، وهناك استطرد يقول بصوته المختنق، وتلك الغصة تجرح حلقه:
-إنتي مؤمنة بقضاء الله وقدره.. صح؟
وضعت "همسة" يدها على فمها تكتم شهقاتها الصارخة، فتابع يوصيها:
-مش عايزين صريخ، ربنا اختارهم يكونوا من لؤلؤ الجنة، هما راحوا عند اللي أحسن من اللي الكل، ده قضائه.
لم تستطع نفسها من البكاء قهرًا على وفاتهم، انفجرت في نوبة مريرة، عجزت عن ضبط انفعالاتها المتحسرة فيها، كان من الحكمة أن انفرد بها بعيدًا عنهما، وإلا لامتلأت جنبات المشفى بوابلٍ من الصراخ العنيف، لن يزيد القلوب سوى ألمًا وانفطارًا. تنفس بعمقٍ، وأخبرها على مهلٍ:
-خلي أمك تكلم أبوهم، متقوليش ليها حاجة دلوقتي، لحد ما هو يجي...
بدت غارقة في بكائها الشديد، فوضع يده على جانبي كتفيها يهزها برفقٍ منهما، وهو يسألها:
-إنتي سمعاني؟
أجابت بصوتٍ متقطعٍ بالكاد استطاع فهمه:
-صعبانين .. عليا .. أوي، هما مالهومش ذنب.
عبارات المواساة أحيانًا في مثل تلك المواقف العصيبة، يتعذر النطق بها، قد تبدو فارغة، غير مجدية لمن يعاني من ويلات الفراق، فالراحلون ذهبوا للأبد، وتركوا من خلفهم لوعة الاشتياق لوجودهم! استدمعته تلك المشاعر، وحجزت العبرات في حدقتيه، تنفس على مهلٍ، ثم تابع بصوته المغلف بحزنٍ ثقيل:
-ربنا يصبر أهلهم، ويعينهم على اللي هما فيه..
انتظر للحظة قصيرة، وقال:
-أنا هاوصي الدكتور والممرضين يفضلوا مكتمين على الخبر لحد ما يوصل خالك، وجوده أكيد هيفرق مع أمهم.
هزت رأسها بإيماءة موافقة، ومسحت بمنديلها الورقي الدموع المبللة لوجهها، قبل أن تتحرك ناحية والدتها لتطلب منها تنفيذ ما أمره بها زوجها.
...........................................................
من بعيد بدت له، كبؤرةٍ من الكتل البشرية المتزاحمة فوق بعضها البعض، وحين اقتربت خطواته المتخبطة من المكان، ترأى له بوضوحٍ، أنه كان حشدًا غفيرًا أتى من كل حدبٍ وصوب، لتفقد البناية التي بدت كأتونٍ من الجحيم. زاد ازدحام المنطقة بعربات الإسعاف، النجدة، والمطافئ، فأصبحت الحركة عسيرة على الغالبية. جرجر "خليل" قدميه نحو منزله، شخصت أبصاره وهو يرى كيف تحول المكان الذي كان يأويه فيما مضى، لركام وأطلال دُفنت فيه ذكرياته مع أحبابه. ضربات خفيفة تلقاها على كتفيه، كنوعٍ من المواساة، أثناء شقه الطريق إليه. منعه الطوق الأمني المفروض حول العمارة وما حولها من الصعود إلى الأعلى؛ لكن هذا لم يوقف صوته عن الصراخ مناديًا:
-"سمــــــاح"! "رقيــــــة"!
لفت الأنظار نحوه، فحاوطه جيرانه، والإشفاق يبدو ظاهرًا عليهم، ربت أحدهم على كتفه يواسيه:
-شد حيلك يا أستاذ "خليل".
وقال آخر بحزنٍ عميق:
-ادعيلها بالرحمة.
لم ينظر بعينيه الزائغتين نحو أي أحدٍ، بقيت أنظاره معلقة للأعلى، ولسان حاله يردد في إنكارٍ شديد، رافضًا تصديق ما حدث لهما:
-هما مماتوش، أنا كلمتهم من بدري، إنتو مش عارفين حاجة.
علق عليه أحدهم من الخلف، وهو يشاطره الأسى:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يصبرك.
بقي متبلدًا في مكانه، لا يقوى على الحركة، عيناه فارغتان، وعقله محجوب التفكير عنه، سد أذنيه عن شبيه هذا الكلام الغريب، أوهم نفسه إنها مجرد عبارات سخيفة لا معنى لها، إلى أن أفاق من صدمته، وانهار مع رؤيته لكيس الجثث الأسود، يمر من جواره، يحمله المسعفين نحو عربة الإسعاف، وصيحات التوحيد، والترحم على المتوفية ترتفع من ورائه، هزة عنيفة نالت من جسده، وأحدهم يواسيه مجددًا:
-ادعيلها يا أستاذ "خليل" بالرحمة.
شهق باكيًا في حسرةٍ، وهو يهتف بصوته المختنق:
-"سماح" لسه عايشة، هي ما.. ماتتش.
تفهم المتواجدون من حوله حالته العقلية المضطربة، فقلبه اضطرمت فيه نيران الوجع، خاصة والجميع يعلم مدى ارتباطه الوثيق بزوجته، وتعلقه بطفلتهما الصغيرة، خسارة مثل تلك لا يسهل احتمالها! مرت الدقائق عليه كأنها ساعات، ازداد نحيبه مع حجم الألم المتولد في صدره، ذاك الوجع الذي لا يمكن مداواته مطلقًا، عفويًا التقطت يده هاتفه المحمول حين اهتز في جيبه، رفعه إلى وجهه، ليجيب على المتصل، صوتًا أنثويًا مكتومًا رن في أذنه:
-"خليل".
تحرك فكه لينطق بصعوبة، وسط بكائه الشديد:
-ألوو.. "آمنة".
سألته بنبرتها الباكية:
-إنت.. فين يا "خليل"؟
من بشاعة المشهد وقساوته، غاب عن ذهنه بعض الحقائق البسيطة؛ عدم معرفة شقيقته بأمر زيجته الثانية، لهذا لم يكن واعيًا بالقدر الكافي، ليستوعب سبب بكائها خلال اتصالها المفاجئ به. سألها بحسرةٍ موجعة، وقد اعتقد أنها تشاركه أحزانه:
-شوفتي اللي حصل يا "آمنة"؟
ظنت أن الأخبار السيئة وصلت إليه، فكان سؤالها متقطعًا، مصحوبًا بوجعٍ محطم للقلوب:
-إنت .. عرفت؟
أجاب عليها بنواحٍ:
-كانوا كويسين، أنا مكلمهم الصبح.
رددت على مسامعه بألمٍ كبير:
-ربنا ليه حكمة في كده.
سألها والحسرة تتوغل في كامل روحه، لتزيد من عذابه:
-هما عملوا إيه عشان ده يجرالهم؟
هتفت ترجوه بنشيجٍ:
-امسك نفسك يا خويا، مراتك عايزاك جمبها.
وكأنه تلمس بارقة الأمل في كلماتها الأخيرة، وسألها بلوعةٍ قاسية:
-"سماح"؟ هي عايشة؟
استغربت من هذا الاسم الغريب الذي نطق به لسانه، وصححت له بدهشةٍ طفيفة:
-"سماح" مين دي؟ أنا بأكلمك عن "حمدية" يا "خليل"، احنا في المستشفى وعايزينك.
كان كمن أصابته صاعقة أخرى، توقف عن الكلام، وشرد بذهنه عنها، غابت عن عينيه الصور، وبدا مشتتًا عن استيعاب أي جديد يُقال الآن، بؤبؤاه تحركا في اتجاه صاحب الصوت الرجولي الذي ناداه:
-يا أستاذ "خليل"...
انخفضت يده الممسكة بهاتفه المحمول عن أذنه، وصوت "آمنة" يهتف:
-يا "خليل"! إنت سامعني؟
أنهى الاتصال، ليركز مع جاره "عماد" الذي واساه بأسفٍ:
-شد حيلك، كله مقدر ومكتوب...
جفل بدنه بالكامل وهو يُعلمه:
-أنا عايز أقولك إن بنتك "رقية" نقلوها على المستشفى، تعالى أوديك عندها.
ارتجفت شفتا "خليل" مهسهسًا باسمها:
-"رقية"!!!!
.........................................................
برائحة ما زالت خانقة، محملة بالأدخنة المؤذية، استمر رجال القانون في فحص المكان، طقطقات الخشب المحترق كانت مسموعة، لكل من يخطو فوقه بحرصٍ، رغبة منهم ألا تفسد الخطوات غير المدورسة ما يمكن الاستدال عليه، لإظهار معالم الجريمة محل التحقيق. أثناء ذلك، ســار اثنان من المسئولين، تبدو على هيئتهما الخارجية أهمية منصبهما القانوني، بتهملٍ حذر على الأرضية المتفحمة، توقفا عند عتبة المطبخ، يتطلعان إليه في اهتمامٍ. تأمل وكيل النيابة، المكلف بتفقد مسرح الجريمة، ما يحويه المطبخ من بقايا هالكة، بنظراتٍ دقيقة فاحصة له، وبدأ حديثه مستفيضًا في طرح بعض الدلائل:
-واضح كده من المعاينة المبدأية للبيت، واتجاه اشتعال الحريق، إنها بفعل فاعل، مش قضاء وقدر.
ثم انصت بعنايةٍ للضابط المسئول عن التحقيق في هذه القضية عندما ناقش معه الملابساتٍ الجديدة تم الوصول إليها:
-رجالة المعمل الجنائي قالوا إن عيون البوتجاز كلها كانت مفتوحة، في الوقت للي مكانش في أي حلل عليه.
تركزت عيناه على ما كان يبدو موقدًا من قبل، والتفت نحو الأخير الذي واصل القول:
-ده غير في بعض السكان قالوا إنهم كانوا شامين ريحة غاز من بدري.
حاوره وكيل النيابة بهدوءٍ:
-مش بأقولك، احنا كده مضطرين نوسع دايرة الاستجواب ونسأل أهالي الحتة، جايز حد يكون شاف ولا سمع حاجة.
أشــار الضابط للوكيل بيده ليتحركا بعيدًا عن المطبخ، عاد كلاهما للردهة المتسعة، جالت أنظارهما على الأريكة التي ما زالت تحتفظ ببقايا النسيج المحترق من جسد الضحية، أشــار وكيل النيابة بيده نحوها، وأردف قائلاً بنبرته الرزينة:
-الغريبة من مكان وضع الجثة، إنها ماتحركتش، مع إن الطبيعي إنها تحاول تنقذ نفسها، أنا حاسس إن في شيء مريب في وفاتها!!
نقر الضابط بسبابته على جانب وجهه، وعلق بتعابيرٍ شديدة الجدية:
-احنا مضطرين ننتظر تقرير الطب الشرعي بعد ما يشرح الجثة.
استدار الوكيل ليواجهه، وأخبره بلهجةٍ شبه آمرة:
-عمومًا ابدأ في استجوابك للأهالي لحد ما نجمع أطراف الخيوط مع بعض.
هز رأسه بامتثالٍ مظهرًا طاعته له، واقتضب في قوله:
-تمام يا باشا.
......................................................
أمام عربة الإسعاف المفتوح بابها الخلفي، جلست إلى جوار ابنتها، ولسانها يلهج بالشكر، لم تتوقف عن احتضانها، كما غمرت صدغيها بعشرات القبلات الحنون، كلما تذكرت أنها أوشكت على خسارتها، نظرت لها والدتها ملء عينيها، وهتفت تردد في تضرعٍ:
-اللهم لك الحمد والشكر يا رب، أنا مش مصدقة نفسي، ده روحي راحت مني، وافتكرتك بعد الشر عنك آ...
قاطعتها "دعاء" قبل أن تتم جملها قائلة:
-ربنا لطف بيا يا ماما.
ردت عليها أمها بعزمٍ:
-أنا لازم أطلع حاجة لله حلاوة نجاتك.
اشرأبت "دعاء" بعنقها لتحملق في الرماد الأسود الذي كسا واجهة البناية، باعدت نظراتها عنه، ودمدمت بغصةٍ آسفة:
-اللي صعبان عليا أبلة "سماح"، و"كوكي".
هزت والدتها رأسها في أسى، وأضافت عليها:
-بيقولوا لحقوا البت، بس أمها بقى ربنا يرحمها، ويصبر أهلها على فراقها.
-يارب
التفتت كلتاهما نحو الرجل الذي دلت ثيابه الرسمية على عمله بالسلك الشرطي، حين صاح بلهجته الخشنة:
-يا ست!
ردت عليه "أم دعاء" قائلة:
-أيوه يا شاويش.
أشـار بيده نحو تجمعًا على بعض خطواتٍ، وقال:
-البيه الظابط عايز يتكلم مع بنتك شوية.
سألته في جزعٍ وهي تلطم على صدرها:
-ليه؟ هي عملت حاجة؟
طمأنها بصوته الأجش:
-ده إجراء روتيني يا حاجة، بيتعمل مع كل السكان.
دون تفكيرٍ أخبرته بصوتها الحاسم:
-طيب، أنا جاية معاها.
نظرة حائرة تبادلتها مع ابنتها، قبل أن تستعد الاثنتان للذهاب إلى الضابط، وصوتٌ مُلح يتردد في عقل الأم:
-هايكون عايز منها إيه يا ترى؟
.............................................................
مرت اللحظات ثقيلة ومؤلمة عليه، خلال انتظاره بالمشفى الحكومي، حيث تُعالج طفلته الناجية، ولولا وجود "عماد" معه، لخر جسده المتخاذل مفترشًا الأرضية القاسية، تضرع في رجاءٍ شديد أن يرأف المولى بحاله، وينجيها. نظر لوجه جاره الذي بدت علامات الإشفاق والتعاطف معه واضحة، حاول الأخير أن يهون عليه حزنه، فقال له:
-إن شاءالله خير، الدكتور دلوقتي هيطلع من جوا ويطمنا، الحمدلله إنها جت على أد كده.
غمغم في ألمٍ:
-هو في مصيبة أكتر من كده؟
وضع يده على كتفه، وضغط عليه برفقٍ، قبل أن يخبره:
-امسك نفسك، بنتك محتاجاك.
نهج صدره بالبكاء الحارق، وظل ينوح خسارته التي لا تعوض إلى أن ظهر أمام عينيه المتورمتين رجلاً يرتدي معطفًا أبيض اللون، تساءل الطبيب في هدوءٍ، وهو يوزع نظراته بينهما:
-مين فيكو والد الطفلة "رقية"؟
على الفور نطق "خليل" بصوته الملتاع:
-أنا! هي عاملة إيه؟
تمهل في حديثه عندما خاطبه:
-الحمدلله احنا لحقناها، لو كانت استنت أكتر من كده، الله أعلم كان ممكن يجرالها إيه، وخصوصًا إنها فقدت وعيها من كمية الغاز اللي ملى الرئتين.
ردد "عماد" في امتنانٍ:
-الحمدلله يا دكتور، مكتوبلها عمر جديد.
بقيت عينا الطبيب مثبتة على "خليل" وهو يكمل سرد ما قام به، من روتينٍ متبع مع الحالات الطارئة:
-لازم حضرتك تعرف إننا عملنا للطفلة غسيل معدة كمان، بعد ما اكتشفنا وجود قيء على هدومها، وبقايا أكل غير مهضوم في بؤها.
بدا "خليل" مصدومًا مما يسمعه، ولم يستطع بعقله المشتت أن يستجمع مقصدهـ في حين عمق "عماد" من نظراته نحوه، وسأله بتشكيك:
-وده ليه؟
تلك المرة التفت الطبيب نحوه، ليجاوبه مفسرًا، بنبرة هادئة مضبوطة:
-كان لازم نعمل اللازم مع حالتها الحرجة، وبعد التحليل الأولي للعينة، من الواضح إن هي عندها حساسية لمادة اللاكتوز، وكلت حاجة فيها منتجات ألبان بكمية كبيرة، حفزت خلاياها ضده، وطبيعي إن جسمها يتفاعل بالعكس مع مادة مش متجاوب معاها، ده غير إن في مواد تانية كانت موجودة ضمن العينة، دكاترة المعمل بيحللوها، ووقت ما تطلع النتيجة هاعرفك.
تساءل "عماد" في حيرةٍ:
-طب ده يأثر عليها؟
كان كلامه محايدًا عندما رد:
-هنشوف، الطفلة محطوطة تحت الملاحظة حاليًا، وغير مسموح بزيارتها.
ألح عليه "عماد" بسؤاله، وهو يمسح بيده على ظهر "خليل":
-يعني أبوها مش هايعرف يشوفها؟
نظر له بجديةٍ قبل أن يصبح تعبيره رسميًا:
-دلوقتي لأ، بس هنحتاجه يكون موجود عشان باقي الإجراءات الخاصة بالمحضر.
دون تردد أتت جملة "عماد" حاسمة:
-احنا مش رايحين في حتة يا دكتور.
جاء تعليقه عليه كنوعٍ من المواساة:
-ربنا يطمنكم عليها.
انصرف الطبيب بعدها ليتابع عمله، فاستدار "خليل" نحو جاره واضعًا يده على ذراعه، وجد نفسه يقول له، بما يشبه التوسل:
-بنتي يا "عماد"، مش عارف أساعدها.
هتف يطمأنه بتريثٍ، عله ينجح في التخفيف مما يعانيه:
-الدكتور قال هتبقى كويسة.
زاد من توسله له قائلاً:
-عايز أشوفها، وديني عندنا
شد جاره من أزره قائلاً بتفاؤل رغم كبر حجم الفاجعة:
-هتشوفها والله، بس يطمنونا عليها الأول.
تهدل كتفا "خليل"، وانحنت قامته، استند بظهره على الحائط، عله يمنحه الدعم ليقف ثابتًا، جلجل صوته المتضرع راجيًا:
-استرها معاها يا رب.
ومع مواصلته للدعاء المستجدي، لم يعبأ بالرنين المزعج –والمتكرر- الأتي من هاتفه المحمول، نبهه له جاره بهدوءٍ، علَّ الاتصال القادم يحمل أمرًا هامًا له:
-تليفونك بيرن يا أستاذ "خليل".
انتشله من شروده المعبق بأحزانٍ لا تنتهي، ليجيب عليه بعد أن قرأ اسم زوجته الأولى فيه، أجلى صوته الكئيب، ليعتذر منها، بصوته الذي ما زال مختنقًا:
-أيوه يا "حمدية"، معلش أنا مشغول جامد دلوقتي، مش هاعرف أجي وآ....
قاطعته بهديرٍ، جعلت ما تبقى من روحه ينسحق:
-ولادك ماتوا يا "خليل"، سامعني، ماتوا وراحوا مننا خلاص.
خُيل إليه أنه أصيب بالصمم وصراخها المؤلم يكرر نفس الكلمات القاتلة عليه، تدارك نفسه وسألها بقلبٍ ينقبض بعنفٍ مُهلك:
-إنتي بتقولي إيه؟ عيال مين؟ إنتي بتخرفي يا ولية؟
هدرت به بجنونٍ:
-ربنا خدهم عشان ترتاح، ها برضوه مش هاتيجي يا "خليل"؟
توالت الكوارث عليه، كل واحدة أعظم في شدتها من الأخرى، تقطع صوته متسائلاً بقلبٍ يتمزق إربًا:
-إيه الكلام ده؟ إنتي بتقولي إيه؟
عويلها الممتزج بنحيبها اخترق طبلتيه عندما أعادت عليه:
-ولادنا ماتوا .. مااااااتوا!
تضاعفت رجفة شفتيه، وشعر بتلك الوخزات المميتة تنخر في ضلوعه؛ كأنها تقطعه، قبض بيده على صدره، يحاول إسكات الألم المبرح الذي عصف به، سأله "عماد" في جزعٍ، بعد أن رأى الشحوب المخيف على بشرته:
-في إيه يا أستاذ "خليل"؟
سقط فاقدًا لوعيه، بعد أن عجز عقله المستنزف، على التعامل مع كم الأخبار المشؤومة التي نال نصيبه منها في يومٍ واحد، حاول "عماد" الإمساك به، وصاح مستنجدًا بمن حوله:
-يا دكاترة! يا ممرضين الحقونا!
.............................................................
حك فروة رأسه بأصابعه، لينشط عقله الثقيل، بعد أن زحف النعاس إليه، ثم فرقع فقرات عنقه، بتحريكه للجانبين، والتفت ساحبًا ورقة أخرى، لينقل بياناتها بدقةٍ على جهاز الحاسوب الألي الموضوع أمامه، كما تنص مهمات وظيفته الحكومية، على تسجيل المعلومات أولاً بأول، فور ورودها إليه، على الشبكة العنكوبتية، لتبقى المعلومات مُحدثة باستمرار. رفع بصره عن شاشته، ليتطلع إلى زميله الذي ولج إلى الغرفة قائلاً بنبرته الآسفة:
-هو إيه اللي حاصل في البلد اليومين دول!
سأله الأول مستفهمًا:
-خير، في جديد ولا إيه؟
أجابه بوجهٍ عابس، وهو يناوله ورقة صغيرة:
-3 عيال ماتوا بتسمم.
تقلصت عضلاته في ضيقٍ، وردد بنوعٍ من الدهشة:
-يا ساتر.
أضاف زميله بتعابيرٍ مصدومة؛ وكأنه ينقل سبقًا صحفيًا:
-وكمان من عيلة واحدة!
تمتم الموظف بنبرة مشفقة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يصبر أهلهم.
وضعها على سطح المكتب، وحرك الفأرة نحو أيقونة ما على شاشة حاسوبه، ليفتح قاعدة البيانات الخاصة بالمرضى، وبدأ في طباعة الأسماء من خلال لوحة المفاتيح. حضر إليهما أحد الموظفين، وسلم إليهما ورقة جديدة، ليُملي عليه زميله، وهو يضعها فوق الأوراق:
-طيب سجل عندك كمان حالة تسمم تانية في مستشفى (...)
نفخ الموظف في سأمٍ، قبل أن يتحول للتعقيب الناقم:
-برضوه؟ معدتش في ضمير عند الناس ولا إيه؟
استغرق في طباعة الأحرف بتباطؤ، ليسحب بعدها الورقة الجديدة، وبدأ في قراءة ما دوّن فيها، اعترت الدهشة ملامحه، وهتف بعفويةٍ، وسبابته تفرك جبينه:
-غريبة أوي!!
تساءل زميله بفضولٍ:
-في إيه؟
أخبره وهو يرفع الورقة إليه:
-اسم البت شبه أسامي الـ 3 عيال اللي ماتوا.
دقق النظر في اسم الطفلة صائحًا بذهولٍ مُحير:
-إيه ده بجد؟
أكد على كلامه قائلاً:
-أه والله
هتف زميله مُصرحًا، والدهشة تفترش قسماته:
-لأحسن تكون أختهم.
ضاقت عينا الموظف في ألمٍ، قبل أن يعلق:
-أوبا.. ده كده صعب أوي، زمان أبوهم وأمهم هيجرالهم حاجة.
تنهد زميله مرددًا:
-ربنا يسترها على عيالنا.
استعاد الموظف الورقة منه، واستكمل تدوين الاسم في خانة المخصصة له، وهو يطلب منه بلهجةٍ تبدلت للجدية:
-طب حاول تجهز الإخطارات عشان نسلمها للعسكري، بدل ما يجي المدير يسمعنا كلمتين بايخين.
أمن برأسه عليه، مختتمًا ثرثرته معه:
-على طول أهوو، ما الغربال الجديد ليه شدّة.
..........................................................
تطلعت إلى طبقها الذي لم تمسه يدها بنظراتٍ منزعجة، خشيت أن تكون ابنتها قد عدلت عن قرارها، واستسلمت لمشاعرها البائسة مجددًا، تلك المشاعر أحادية الجانب، والتي لا تجني منها سوى التعاسة والشقاء. زفرت "بثينة" على مضضٍ، ونظرت إليها بعينين تعكسان نقمها، ثم سألتها بوجهٍ مكفهر:
-مش هاتكلي برضوه؟
رفعت "خلود" عينيها إليها، وأجابت بصوتٍ لا يخلو من الفتور:
-ماليش نفس.
هتفت بها والدتها تسألها بنوعٍ من اللوم، وهي تسدد لها نظرة ساخطة:
-هنرجع تاني نِحن؟
تحدثت من زاوية فمها قائلة بوجومٍ:
-لأ يامه اطمني، معدتش في رجوع، أنا خلاص عقلت.
أحست بالارتياح يتخللها بعد تصريحها هذا، فقالت بحماسٍ انعكس على نبرتها، وظهر بريقه في نظراتها نحوها:
-أيوه كده، وصدقيني بكرة هاجوزك سيد سيده، بس نفوق من اللي احنا فيه.
احتجت بغلٍ اِربد به وجهها:
-لأ مش عايزة أتجوز، أنا عايزة أخلي عيشة "تميم" مرار، مايشوفش في حياة لحظة هنا.
أكدت عليها والدتها بنظراتٍ برقت بوحشيتها:
-هايحصل.
نهضت "خلود" عن المائدة تقول لأمها، بجمودٍ صار تعبيرها الملازم لها:
-أنا هاقوم أفرد جتتي جوا.
ردت في استحسانٍ، وهي تجمع صحون الطعام:
-وماله يا حبيبتي.
كان الوقت متأخرًا لتستقبل زيارة فيه، لهذا حينما سمعت الدقات الخفيفة على بابها استرابت في الأمر، تحركت نحوه متسائلة مع نفسها:
-ده مين اللي جاي السعادي؟
ارتفع حاجباها للأعلى في صدمة يشوبها الخوف، عندما رأت "محرز" واقفًا بشحمه ولحمه، على عتبها، واللا خوف سائد عليه، بلعت ريقًا غير موجود في حلقها، لتلاحقه بأسئلتها؛ ولكن بصوتٍ خفيض:
-"محرز"! إنت بتعمل إيه هنا؟ وجيت إزاي؟ دول قالبين عليك الدنيا، وجايز يمسكوك.
قال بهدوءٍ رغم خفوت نبرته، ونظرة واثقة تلمع في عينيه:
-ماتخفيش يا خالتي، أنا مأمن نفسي...
شعرت بتسارع نبضاتها، خاصة مع همسه القائل:
-مش هاتقوليلي اتفضل.
واربت الباب على قدر المستطاع، لتطل برأسها من فُرجة ضيقة، وأخبرته بنبرة مهتزة، جاهدت أن تكبت خوفها فيها:
-البت "خلود" جوا، وجايز تاخد بالها.
تفهم حرصها، وقال مباشرة:
-ماشي .. مش هاطول عليكي، أنا محتاج فلوس، عايزك تدبريلي قرشين كده يمشوني الأيام الجاية.
تحججت إليه بعذرٍ واهٍ لم ينطلِ بالطبع عليه:
-ما إنت عارف البير وغطاه.
صعد الدم الحانق إلى وجهه، لكونه على يقين كامل بكذبها، أخبرها بصوتٍ رن فيه التحذير:
-يا خالتي الكلام ده يخيل على أي حد غيري، ده احنا دفنينه سوا، الفلوس عندك زمانها بقت أكوام.
أصرت على كذبها الملفق قائلة:
-أونطة، هو في حاجة بتفضل يا "محرز"؟
أوجز في مماطلتها غير المقنعة بإخبارها بغلظةٍ، ونظرة باعثة على التهديد تنطلق من حدقتيه:
-أنا مش هلوك لوك كتير معاكي، يومين وهارجعلك تكوني اتصرفتيلي في مبلغ محترم، وإلا هتطربأ على دماغك قبلي يا ست الحاجة.
استبد بها الخوف من طريقته المُوحية بعنفٍ وشيك، ورجته:
-وطي صوتك يا "محرز".
كرر عليها تحذيره بوجهه الغائم:
-ماتنسيش، هاعدي عليكي تاني.
صرفته على عجالةٍ بترديدها:
-طيب.. طيب .. امشي بقى.
رد وهو يخفي وجهه خلف وشاحٍ من القماش الأسود:
-سلام.
راقبته وهو يهبط الدرجات في خفةٍ، ليختفي مثلما جاء خلسة، أغلقت الباب بحذرٍ، حتى لا تحدث الكتلة الخشبية صريرًا ينبه ابنتها، ابتعدت عنه تبرطم مع نفسها في تبرمٍ، رافضة توريط نفسها معه، أو حتى تهديده الضمني:
-هو أنا كنت نقصــاك؟!!!
...........................................................
معاملته لها، يُمكن أن توصف على أقلِ تقدير، بأنها ازدرائية مفعمة بالاحتقار، ومع هذا تقبلتها منه مرغمة، ليس لأنها شخصية ضعيفة، تجعل غيرها يتغذى على إذلالها؛ ولكنها وسيلتها المتاحة، لخداعه بالحيلة والمكر، مثلما اتبع معها هذا الأسلوب الخسيس، للإيقاع بها في شباكه الدنيئة. دون حياءٍ أو حتى ذرة حرجٍ، استعرض "آسر" قبالتها واجهة موقعه الإباحي؛ وكأنه يتباهى بإنجازٍ خطير، شعرت بالغثيان يضرب معدتها، عندما قال بتفاخرٍ:
-شايفة العظمة يا حبيبتي.
أبعدت "فيروزة" عينيها قبل أن تختطف نظرة غير مقصودة نحو ما تبثه الفيديوهات، لتعلق بتقززٍ:
-ده قرف.
استفزه كلامها، فقال مُعقبًا بسخافةٍ:
-القرف ده، هو اللي بأكلك منه يا بيبي
قاومت رغبة مُلحة في شتمه، وردت تسأله بوجهٍ ملامحه تعكس استحقارها له:
-إزاي قادر تعمل كده؟ مش خايف من ربنا؟
لمحت نظرة عداء في عينيه، عندما هتف بها بصوته الرخيم، والذي سعي ليكون غير مبالٍ:
-أنا مش هاعيش غير مرة واحدة بس...
حاول أن يثير مخاوفها، والتمتع برؤيتها ذليلة، فأضاف بانتشاءٍ:
-ده غير إن الفيديو بتاعك محطوط هنا، إيه رأيك لو أعرضه؟ تفتكري هايجيب مشاهدات أد إيه؟!
نظرة جريئة لا تخلو من وضاعة نكراء رمق بها مفاتنها، قبل أن يضيف مهينًا إياها، وقاصدًا الإشارة لما اعتبره أنوثتها المنقوصة:
-مع إن البضاعة مغشوشة، وماتسحقش إلا نص قيمتها!
باغتها بتهديده الوقح، فحدقت فيه بنظراتٍ متسعة في غيظٍ يُصاحبه القلق، استثار أعصابها بتلاعبه بأصابعه على لوحة المفاتيح؛ وكأنه حقًا سينفذ ما قاله، شعرت بالدم المشبع بغضبها يتدفق بقوةٍ إلى رأسها، فلم تتمكن من كبح رغبتها في تحطيم حاسوبه النقال على رأسه، وبتحفزٍ واضح عليها، أمسكت "فيروزة" بفنجانِ القهوة، وفي لمح البصر أفرغته على جهازه لتفسده، انتفض مع تصرفها المفاجئ، وصرخ بها بشراسةٍ استبدت به:
-إنتي عملتي إيه؟
توقعت أن تتلقى جزاءَ رعونتها، ولم تأبه بذلك؛ لكن لم يعد ما يحيق بها من إيذاء بدني مهم، أي شيء أمام حماية نقاء شرفها يهون، لتحيا بعفتها عاليًا؛ وإن كان يعني فنائها، وليهلك الخسيس بمفرده، ملطخًا بقاذوراته .............................................................. !!
............................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل التاسع 9 - بقلم Manal Salem
في البداية باعتذر عن تأخيري بسبب انشغالي طول اليوم ..
تاني شيء، هتواجد على جروب الروايات (محبي الكاتبة منال سالم) لأول مرة في لايف صوتي للإجابة على أسئلة حضراتكم يوم الخميس الجاي إن شاءالله الساعة 10 ..
وربنا يستر من الفضايح
الفصل الثامن والسبعون
محادثة غير مقصودة بين اثنتين من الممرضــات أثناء تجولهما بالردهة، بجوارها، دون أن تنتبه أيًا منهما، لكونها الوالدة المكلومة. تكلمت كلتاهما بعفويةٍ عن وفاة الأخوة الثلاثة جراء تلك المادة المسممة، حينها استقامت "حمدية" في وقتها، وقد أرهفت السمع لحديثهما العابر، اندفعت نحوهما تعترض طريقهما، وهتفت متسائلة بقلبٍ مفجوعٍ، ويدها تتشبث بذراع الأقرب إليها:
-إيه اللي بتقوليه ده؟
انزعجت الممرضة من طريقة إمساكها القاسية، نفضت قبضتها عنها، وعلقت متسائلة بقليلٍ من الحدة:
-في إيه يا مدام؟
صرخت بها "حمدية" بوجهٍ تضاعفت حمرته الحانقة:
-هو عيالي ماتوا؟ ردي عليا، عيالي ماتوا؟
شعرت الممرضتان بالأسف عليها، والحرج من تماديهما غير المحسوب في الحوار عن الضحايا، بادرت زميلتها تواسيها:
-ربنا يصبر قلبك.
وجهت أنظارها نحوها، وحدجتها بنظرة أشد شراسةٍ، قبل أن تشتبك معها بالأيدي، وصوت صراخها يجلجل في الردهة:
-إنتي بتقولي إيه؟ عيالي لسه عايشين.
تعاملت كلتاهما برأفةٍ وحذرٍ معها، وحاولتا تهدئتها قدر المستطاع، وهما تتفهمان أن للخبر الصادم وقعًا قاسيًا على أعصابها، أردفت الأولى تدعو بحزنٍ لصغارها، والكلمات في تلك المواقف لا معنى لها:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، ربنا يرحمهم.
نهج صدرها، وانسابت دموعها المحترقة تغرق كامل وجهها، وزعت نظراتها الملتاعة بينهما، وصرخت في إنكارٍ شديد، رافضة تصديق حقيقة خسارتهم للأبد:
-أكيد إنتو غلطانين، عيالي بخير، محصلهمش حاجة، أنا سيباهم بيلعبوا وبيجروا ورا بعض...
قاطعتها الممرضة تقول في أسى:
-دي مشيئة ربنا.
تبدلت نبرة "حمدية" للغلظة، ونفضت الأيادي الرابتة عليها، لتهدر بهما بخشونةٍ:
-"خليل" جوزي هيجي يعرفكم مقامكم، إنتو عالم ملاوعة!
وقبل أن تفكر الممرضة في الرد عليها، مالت عليها زميلتها تطلب منها:
-ماتكلميهاش، ربنا يكون في عونها.
تنحت الاثنتان للجانب متجاوزتان عن تصرفاتها العدائية نحوهما، رفضتا التدخل أو التعامل بالمثل، لتقديرهما الشديد للحالة المقهورة المستبدة بها، في حين أسرعت "حمدية" بإخراج هاتفها المحمول من حقيبتها، بحثت عن رقم زوجها لتهاتفه، وضعت الهاتف عن أذنها، مشحونة بكل مشاعر الحزنن الغضب، الألم، والانكسار. جاءها صوته مختنقًا، يبدو من يستمع إليه للوهلة الأولى مصابًا بالزكام، عندما اعتذر منها:
-أيوه يا "حمدية"، معلش أنا مشغول جامد دلوقتي، مش هاعرف أجي وآ....
استوعب عقلها أن التغيير السائد في صوته، ليس طبيعيًا، بل لسبب آخر تعلمه جيدًا، وإن ادعت تناسيها له، استفزها عزوفه عن سماعها، واستشاطت غضبًا من هروبه الدائم من التعامل معها، فقدت أعصابها المستثارة، وقاطعته بهديرٍ، جعلت ما تبقى من روحه ينسحق:
-ولادك ماتوا يا "خليل"، سامعني، ماتوا، وراحوا مننا خلاص.
واصلت عويلها الهائج به، تكرر تلك الكلمات القاسمة للأظهر، حتى لم تعد تسمع صوت أنفاسه، فأنهت المكالمة، وبدأت فاصلاً جديدًا من الصراخ الجنوني، رن صداه في جنبات المكان، فأثارت الرعب في المتواجدين. وعلى إثر هديرها الصاخب، هرولت "آمنة" في اتجاهها، تسألها بصدرٍ ملتاع، وهي تدعو الله بقلبها ألا تكون ظنونها صحيحة:
-في إيه يا "حمدية"؟
التفتت نحوها تخبرها بحرقةِ قلب أمٍ:
-عيـــالي ماتوا، مــــاتوا.
شهقة جارحة للحلق وجدت طريقها في جوفها، تبعها همهمتها المذهولة، والدموع تتقافز بكثافة في حدقتيها:
-إيه؟!!!
شقت "حمدية" عباءتها، لتلطم على صدرها بقوةٍ، قبل أن تتحول للطم وجهها، وهي تندب وفاة أبنائها، بصوتها الصارخ:
-يا حـــرقة قلبي عليكم يا ضنايا.
تهاوى جسد "آمنة"، وبحثت عن أقرب مقعد لتسقط ثقل جسدها عليها، وهي تبكيهم:
-آه يا ولادي!
أظلمت عينا "حمدية"، وبدت مغيبة عن إدراكها، لتهجم بعدائية على شقيقها زوجها، تتهمها في مفاجأة صادمة لكل الحاضرين:
-إنتي السبب، إنتي اللي قتلتيهم!!
وسط ذهولها المفجوع، نظرت إليها "آمنة" في دهشة، وعبراتها تتسابق على صدغيها، رددت في ذهول بصوتها الباكي، معتقدة بأن لغوها غير الواعي يقصد أحدًا غيرها:
-أنا؟ إيه الكلام ده؟
تعلقت بطرفي ياقة عباءتها، جذبتها بشراسةٍ منهما، لتجعلها تقف على قدميها، هزتها بعنفٍ، ثم استدارت بها نحو الناحية الأخرى، لتقول بعدها بصراحةٍ، ووضوحٍ لا يدع أي مجالٍ للشك:
-عملتي كده ليه فيهم يا "آمنة"؟ حرام عليكي، بتكرهي عيالي للدرجادي؟
نفت عنها هذا الاتهام المخيف بترديدها المذعور:
-أنا معملتش حاجة.
لامتها بكل ما فيها من حرقةٍ وغضب:
-عيالك لو مكانوش بيحبوا ياكلوا من إيديكي مكانوش ماتوا، إنتي اللي عملتي كده فيهم، إنتي خلصتي عليهم!!!
ظلت تلقي بالاتهامات في وجهها، حتى كاد يصدق من يسمعها أنها متورطة بالفعل في مقتلهم .. ومع الفوضى والضجيج اللافت للانتباه، ركضت "همسة" في اتجاه الاثنتين، تحاول الفصل بينهما، متلقية بجسدها ضربات غادرة من زوجة خالها، وهي تصيح بها، بنوعٍ من الدفاع الغريزي عن والدتها:
-سيبي ماما، هي مالهاش ذنب، دي حبيتهم أكتر منك.
لحق بها "هيثم"، وشكل هو الآخر بجسده حائلاً يفصل الجميع عن التطاول بالأيدي، في حين هدرت "حمدية" بتشنجٍ حانق، محاولة تجاوز الممرضات الممسكات بها:
-إنتي وبناتك بتكرهوا عيالي، جبتي أجلهم يا ظالمة! يا مفترية!
ردت عليها "آمنة" محاولة انتشالها من جنونها غير العقلاني:
-يا "حمدية" فوقي، إنتي بتتكلمي إزاي؟
ارتفعت نبرتها أكثر، حتى جرحت أحبالها الصوتية، خلال صراخها المحمل بالاتهامات:
-يا نــــاس قتلت ولادي، حرمتني منهم، منك لله يا "آمنة"، ربنا يحرق قلبك زي ما خدتي مني عيالي.
هتفت ممرضة ما من الخلف، مبررة تصرفات المرأة المكلومة:
-الست من صدمتها اتجننت...
أضافت أخرى عليها بعزمٍ:
-أنا هنادي على حد من الدكاترة يتعامل معاها، بدل ما يجرالها حاجة من القهرة.
ترجتها ثالثة، وهي تكافح للسيطرة على تشنجاتها العصبية:
-أوام الله يكرمك.
....................................................
رغم بقائه لفترة طويلة بمفرده، إلا أنه لم يتذمر، اعتبر وجوده في المشفى، نوعًا من الواجب الذي تفرضه قوانين الجيرة الودية، بين أهالي المنطقة الواحدة. جلس في منطقة الانتظار، يتابع كل برهة المستجد بشأن حالة "خليل"، وكذلك طفلته، آملاً خلال ذلك أن يتواصل معه أحد معارفه، ممن تلقوا الأخبار السيئة. رفع "عماد" جسده عن مقعده المعدني، ليتمكن من إخراج هاتفه المحمول من جيبه، أجاب على اتصال زوجته التي هرعت تسأله بتوجسٍ محسوس في صوتها:
-إنت فين يا "عماد"؟
علق بتبرمٍ على سؤالها السخيف:
-في المستشفى يا ستي، هاكون فين يعني؟
هتفت بنبرة مزعوجة:
-كل ده؟ إنت اتأخرت أوي!
أخبرها بزفيرٍ مرهق:
-ما هو الراجل طبّ واقع من طوله قصادي، وبنته ربنا يتولاها بقى.
سألته في اهتمامٍ، وقد بدت متفهمة للموقف:
-طب وهتعمل إيه؟
لحظة من الصمت تخللت حديثهما، ليقول بعدها بحيرةٍ بائنة:
-مش عارف، أكيد مش هاسيبه لوحده في الظروف دي، وبأحاول أوصل لحد من أهله، بس موبايله مقفول برقم سري.
تمتمت في كلماتٍ متأسفة:
-ربنا يصبره على ما بلاه
رد باقتضابٍ:
-يا رب...
ثم طلب منها بصيغة بدت شبه آمرة:
-بأقولك إيه ودي العيال عند أمك، وتعالي عندي.
استغربت من طلبه، وسألته:
-ليه ياخويا؟
ببساطةٍ جاء رده عليها مليئًا بالرحمة والعطف:
-مش هانسيب البت "رقية" لواحدها، هي عايزة حد أكيد معاها.
مصمصت شفتيها قبل أن تعقب عليه:
-عيني عليها، حاضر يا "عماد"، هالبس وألبس العيال، وأبقى عندك، مهما كان أمها الله يرحمها كانت زي البلسم وست عِشرية.
أمرها بهدوءٍ لا يخلو من الجدية:
-خدي تاكسي، بلاش مكروباصات عشان تنجزي.
كان ردها مريحًا له عندما نطقت بإيجازٍ:
-طيب، على طول ياخويا.
أنهى الاتصــال معها، وتطلعت إلى الهاتف الآخر الذي بيده، محاولاً العبث في أزراره، عله يتمكن من فتحه، حيث احتفظ بهاتف "خليل" المحمول، بعد أن تم نقله للطوارئ، للتعامل مع حالته الحرجة. انتفض في جلسته، وقد رأه يهتز برقمٍ غريب، أجاب عليه دون تفكيرٍ، ليستمع لصوت أحدهم يقول:
-ألوو، أيوه عم "خليل".
صحح له "عماد" بعد نحنحة خفيفة:
-لأ أنا صاحبه، إنت مين؟
شعر بلمحة من الاستغراب في نبرته عندما خاطبه:
-أنا "هيثم" جوز بنت أخته، لو هو جمبك خليني أكلمه.
اعتذر منه "عماد" بحرجٍ:
لا والله، ده وقع من طوله بعد اللي حصل لمراته وبنته
ردد مدهوشًا:
-مراته وبنته!!
تعجب من استغرابه، وأطلعه بإيجاز على تفاصيل الحادث المؤسف:
-هو إنتو مادرتوش، البيت ولع بيهم من شوية، وبالعافية لحقنا "رقية" بنته.
سكوت متردد ساد للحظاتٍ معدودة، قبل أن ينطق "هيثم" أخيرًا:
-طب هو موجود عندك فين؟
منحه عنوانه موضحًا:
-في مستشفى (...)، اللي جمب (...).
علق عليه "هيثم" بصوتٍ واجم:
-خلاص عرفتها، أنا مسافة السكة وهاكون عندك.
هتف بصدرٍ شبه منشرح:
-في انتظارك يا أستاذ.
أكد عليه "هيثم" مجددًا:
-جايلك على طول.
........................................................
استغل وضعها تحت تأثير المواد المهدئة، بعد انهيارها العصبي، ليترك زوجته ووالدتها في المشفى معها، ريثما يُقابل ذلك الغريب الذي أخبره، بالجديد والصادم من الأخبار، أرجئ كالعادة ما عرفه مُصادفة، إلى أن يلم بالتفاصيل. التقى "هيثم" بـ "عماد" الذي لم يتوانَ عن إطلاعه بكل شيء، يخص الحادث، وكيف انتهى الأمر برقوده طريح الفراش. أخفى اندهاشه من براعة "خليل"، في تخبئة مسألة زيجته الثانية لسنوات، وخاصة عن زوجته اللئيمة "حمدية"، ولولا وقوع هذا الحادث، لما عَرف أحدهم عنه، ولبقي زواجه في طي الكتمان.
لاحقًا اتجه مع الجار إلى الطبيب لمقابلته، فقال الأخير بجديةٍ، تضمنت تحذيرًا صريحًا:
-المريض هايتحط تحت الملاحظة؛ لكن لازم تبقوا عاملين حسابكم للأسوأ.
تساءل "عماد" بنبرته المهتمة:
-يعني إيه؟ أنا مش فاهم؟
التفت الطبيب برأسه نحوه، وقال:
-هو اتعرض لجلطة دماغية، ودي حاجة مش بسيطة ...
تأكد من متابعة الاثنين لحديثه، قبل أن يكمل جملته:
-من توابعها إنها بتسبب شلل نصفي.
ردد "هيثم" بأسفٍ:
-يا ساتر يا رب.
وقال "عماد" في حسرةٍ:
-هو الراجل ناقص، لا حول ولا قوة إلا بالله.
تابع الطبيب كلامه:
-احنا مش هانقدر نحدد مدى الضرر الحالي، إلا لما يفوق.
أثنى "هيثم" على مجهود الطبيب قائلاً:
-متشكرين لتعبك يا دكتور.
علق في امتنانٍ:
-ده واجبي يا فندم، وربنا يطمنكم عليه.
-يا رب
قالها "عماد" وهو يلتفت ناظرًا إلى "هيثم" ليسأله:
-شوف هتعمل إيه يا أستاذ معاه.
شردت نظراته عنه لثوانٍ، ليأتي رده بعدها، مغلفًا بتوترٍ مضاعف:
-أكيد هاعرف أهله ....
ثم انخفضت نبرته، مستكملاً عبارته؛ وكأنه يُحادث نفسه:
-وربنا يستر من اللي جاي.
...................................................
تأتي المصائب الجسام لتظهر معادن الرجال؛ وكان هو أحد هؤلاء الأشداء، رغم ماضيه المليء بالسقطات، تجاوز عن هفواته، وخط لنفسه طريقًا مستقيمًا، ما زال ملتزمًا بالسير فيه، متعهدًا لنفسه ألا ينحرف عنه، فكان لها ولعائلتها نعم السند في وقت الأزمات. تحركت "همسة" مع زوجها إلى مدخل المشفى الراقد به خالها، قدرتها على الكلام بدت مفقودة، وأي حديث يُمكن أن يُقال بعد الخسائر التي لا عوض؟ تصدع ما كان يمسك بالأسرة بوفاة الصغار، وبات الأبوان على شفير الجنون، مسحت مجددًا عبراتها التي لم تنضب بعد، لتتطلع إلى "هيثم" الذي طلب منها بهدوءٍ:
-امسكي نفسك يا "همسة"، خالك مش مستحمل.
ردت بألم شديد:
-ومين فينا قادر؟ إذا كان أمهم اللي طول عمرنا بنعتبرها معندهاش إحساس، كانت هتموت نفسها، ما بالك هو!
قال في أسفٍ، مقاومًا الغصة الحارقة في حلقه:
-دي مشيئة ربنا، وخلينا نشوفه هو عامل إيه دلوقتي.
بإيماءةٍ موافقة قالت:
-طيب.
أشــار لها إلى حيث توجد غرفته، بعد أن تم إيداعه في إحدى حجرات الرعاية الفائقة، لم يستطع "هيثم" أن يخبرها بعد بمدى سوء حالته الصحية، جراء الجلطة الدماغية التي تعرض لها، والتي حتمًا ستترك أثرها السلبي على جسده، تقدم في خطواته ليسبقها، ثم ولج إلى الداخل، ملقيًا نظرة سريعة على الرجل المستلقي على الفراش، في حالة جمود، رغم رؤية الدموع المبللة لوجهه.
رغمًا عنها انفلتت منها شهقة متحسرة، فشلت في كتمها، تبعتها بشهقات متقطعة مختلطة بنواحها، دنت من فراشه، وواسته بنحيبها الباكي:
-شد حيلك يا خالي.
بصعوبةٍ حاول "خليل" إدارة وجهه ناحيتها، وحينما تمكن من هذا، نظر لها بعينين تسبحان في أنهرٍ من الدموع المقهورة، رأته يُجاهد لتحريك فكه حتى ينطق، فزاد إشفاقها على مصيبته الأخرى. همس متلعثم خرج من بين شفتيه، يرجوها بأحرفٍ متقطعة، وفي عينيه نظرة استجداءٍ تحرك المشاعر المتبلدة:
-"ر..قـ..يــ..ة" بـ..نتـ..ي!
أمعنت النظر فيه، فكرر نفس الكلمات المقتطبة على مسامعها، مع إضافة:
-ما..تسيــ..بهــاش
استوعبت رغبته في رعاية طفلته اليتيمة، والمتواجدة معه في نفس المشفى، لترد مؤكدة له، وهي تكفكف عبراتها:
-حاضر يا خالي، متقلقش عليها، كل اللي إنت عايزه هاعمله.
رأته يبذل ضعف جهده ليرفع ذراعه للأعلى، حركته كانت بطيئة للغاية، تثير الحزن العميق عليه، ذاك الذي كان يرفع ذراعه لينهال بالضرب عليها وعلى توأمتها، متباهيًا بقوته، الآن يعجز عن بسطها، امتدت يدها لتمسك بكفه المرتعش، واحتضنته بأناملها، نظرت له عن قربٍ بنظرات مليئة بالدموع، أوصاها مجددًا بصوتٍ ثقيل للغاية:
-بــ..نتـ...ي!
هزت رأسها بإيماءات متتالية، وهي تعقب عليه:
-متخافش عليها يا خالي.
وسط بكائها الحارق، تخيلت أنها رأت ابتسامة ارتياح على شفتيه الجافتين، ارتخت عضلاته المتشنجة، ليسكن كما كان، جسدًا هامدًا، يحوي أحزانًا، لا حسر لها.
.........................................................
-عامل إيه يا صاحبي؟
تساءل "منذر" بتلك الجملة المهتمة، وقد سحب مقعده، ليجلس على مسافة قريبة من فراش رفيقه المقرب، لينفرد به قبل أن يلتقي بعائلته. هز الأخير رأسه بإيماءة راضية، ثم جاب بنظراته على جسده المتعب، وعيناه تعبران عن ضيقه الشديد، ليقول له بعد زفيرٍ طويل، بقلةِ حيرة:
-أهوو، زي ما إنت شايف لا عارف أتحرك، ولا قادر أقوم أجيب حقي بإيدي.
ربت على ذراعه قائلاً له بتفاؤلٍ:
-فترة وتعدي...
ثم غمز له بكلماتٍ موحية، تدل على علاقة متينة:
-وبعدين احنا إيديك ورجليك.
شكره بمحبةٍ صافية:
-تعيش يا غالي.
تنحنح "منذر" بصوتٍ خفيض، ثم أسبل عينيه نحوه، ليضيف بنوعٍ من التردد:
-أنا عندي ليك كام خبر كده، بش مش ولابد.
تحفز "تميم" في رقدته، وتساءل بقلقٍ:
-خير؟
قال بوجهٍ ممتعض، ونظراتٍ منزعجة، أشارت لضجره:
-واحد من رجالتنا شاف الكلب "محرز" وهو طالع عند بيت خالتك، مكملش دقايق، وخلع قبل ما يمسكه.
استاء من سماعه لذلك، وهتف متسائلاً في حنقٍ:
-وهو راح هناك ليه؟ إيه اللي بينه وبينها؟
بحذرٍ تحرك فكه لينطق، دون أن تخلو نبرته من الغموض:
-بص، في الأول هتستغرب زيارته ليها؛ لكن لما تعرف من اللي احنا وصلناله، هتفهم ليه راحلها.
صاح بنفاذ صبرٍ، وقد استبدت به شكوكه، حول وجود علاقة مريبة، تفاصيلها غير متضحة المعالم بعد:
-قول يا "منذر" على طول، ماتكلمنيش بالألغاز.
منحه التفسير القاطع، بقوله المباشر:
-خالتك هي شريكة "محرز" في الدكان التاني بتاعه، ومن زمان.
انعكس استهجانه على ملامحه التي تحولت للقساوة، وسأله مستنكرًا:
-نعم، إيه الكلام ده؟!
ضغط على شفتيه قليلاً، قبل أن يخبره بضيقٍ:
-احنا اتفاجئنا زيك، بس ورق الدكان باسمهم هما الاتنين.
دمدم في غضبٍ لاعنًا كليهما:
-يا ولاد الـ...
تابع "منذر" حديثه بمنطقيةٍ:
-فماتستعبدش علاقتهم المدارية ببعض، مصالح وشغل وفلوس.
غامت ملامح رفيقه، وزحف الحنق على نظراته، عندما غمغم في غيظٍ:
-ده أنا كنت مغفل كبير أوي.
رد عليه محاولاً التخفيف من وطأة الأمر عليه:
-محدش كان يعرف، بس أكيد إنت فاهم إنه راحلها عشان يسلك قرشين منها يمشي بيها نفسه
في تهكمٍ ساخط علق عليه:
-أه طبعًا، ما هي الخزنة بتاعته.
ربت "منذر" من جديد على جانب ذراعه، وأكد عليه بلهجته الحاسمة:
-عمومًا المرة الجاية لو راح عندها هيلاقينا مستنينه
...................................................
وداعة لطيفة من المحقق الشرطي، تعامل بها مع الطفلة، أثناء محاولته استجوابها، لمعرفة كيف وقعت الحادثة المؤسفة في منزلها، بالطبع لم يجرؤ على إخبارها بمسألة وفاة والدتها، ترك تلك المهمة الشاقة لأقاربها، حينما يظهر أحدهم على الساحة. كان من الغريب عليه أن يجد جيرانها يتواجدون من حولها، يقدمون لها كل الدعم المطلوب لتخفيف الأزمة عليها، بينما تعذر الوصول لعائلة والدتها، فخالها الوحيد سافر للخارج، وجداها توفيا قبل وقت طويل. ابتسم لها وناولها قطعة من الشيكولاته، قبل أن يستأنف حديثه متسائلاً، بنفس الوجه الهادئ:
-يعني بقى كانت أول مرة تشوفي فيها طنط دي؟
أجابته "رقية" ببراءةٍ:
-أيوه.
سألها بلهجته المحققة، دون أن تبدو متزمتة معها:
-وهي صاحبة ماما على كده؟
أجابتها كانت كسابقتها موجزة:
-معرفش.
داعب شعرها بيده، وسألها مرة أخرى:
-طيب قالتلك إيه تاني عنها؟
لحظة سكتت فيها الصغيرة عن الكلام، محاولة تذكر ما أخبرتها به والدته، لتجيب بعد ذلك بترددٍ:
-قالت دي عمتو.
انعكس الاهتمام المثير على وجه المحقق، وعلق بنظرةٍ ذات مغزى:
-عمتو.. كويس!!!
ثم وجه نظرة أخرى للمعاون الموجود معه، ليدون كلامها في الأوراق الرسمية، حتى يتم التحري عنه بدقةٍ، مع مطابقة أقوالها بنتائج العينات المسحوبة منها، وأيضًا بنتائج تشريح جثمان الفقيدة. راقب حركة الصغيرة المتوترة ليديها، واحتضانها لقطعة الشيكولاته؛ وكأنها تخشى ضياعها. لم يكف عن ممازحتها باللطيف من الكلام الطيب، حتى تسترسل في ردودها معه .. بعد عباراتٍ عادية، عن أسئلة بسيطة ومباشرة متعلقة بألعابها، وما تحبذ فعله، سألها المحقق بمكرٍ، ليستشف منها إجابة منطقية، علها تكون المفتاح لكشف اللغز عن الغموض المريب، في تلك الجريمة الشنعاء:
-ويا ترى عمتو جابتلك لعب وحاجات حلوة معاها؟
ردها كان تلقائيًا للغاية عندما قالت له:
-كانت عاملة كيكة كتيرة، وأنا كلت حتة فتفوتة، بس وجعت بطني أوي.
تصنع الأسف وهو يخبرها:
-سلامتك يا جميل.
سألته "رقية" بعينين تعكسان براءة محببة للقلوب:
-هي ماما فين؟
ثم أشارت بعينيها إلى الجارة الواقفة في الزاوية مع زوجها "عماد"، قبل أن تكمل:
-طنط بتقول راحت عند ربنا، أنا عايزة أروح معاها.
شعر بالإشفاق نحوها، ورد باقتضابٍ:
-ربنا يحفظك..
سألته الصغيرة بصوتٍ بدا مُلحًا:
-يعني هاتوديني عند ماما يا عمو، هي اتأخرت عليا.
بلع غصته، وابتسم يقول في حزنٍ:
-كلنا هنروح مع ماما عند ربنا، بس قدامنا شوية.
انتهى المحقق من استجوابها، لينهي محضره هاتفًا بنبرة رسمية:
-اكتب عندك، يتم تسليم الطفلة لأقارب والدها، بعد أخذ التعهد اللازم برعايتها.
أومأ المعاون برأسه، وقال بعدها:
-تمام يا فندم.
...................................................
استرابت من إصرار أبيها على الذهاب لرؤية شقيقها بمفردها، دون أن تأتي والدتها، وفي حضوره شخصيًا، في غير موعد الزيارة المعروف، وقبيل ذهابها للعزاء الخاص بأولاد "خليل". أنبئها حدسها أن للأمر علاقة بزوجها الغائب، فالأخير اختفى عن المشهد كليًا؛ وكأنه لم يعد له وجود. استجابت لطلبه، ووجدت "تميم" في انتظارها بوجهٍ مبتسم، خفف قليلاً من حدة التوتر الذي اعتراها، عندما لمحت شخصًا -يبدو على ملامحه الرسمية الجادة- ينتظر بالخارج، تبعها في هدوءٍ عندما تأكد من دخولها للغرفة.
التمهيد الذي سبق التطرق للموضوع الرئيسي كان ضروريًا، وتلك كانت مهمة شقيقها، لذا استطرد "تميم" يقول على مهل، بمجرد أن استقرت في جلستها إلى جوار فراشه:
-"هاجر".. إنتي عارفة كويس إن مافيش حد أغلى عندي منكم كلكم، صح ولا غلطان؟
ردت بتعابيرها القلقة، ونظرة خاطفة دارت على الأوجه المتطلعة إليها:
-أيوه.
تابع حديثه متسائلاً بقسماتٍ شابها علامات من الجدية المريبة:
-ولو قولتلك حاجة هتصدقيني؟
صمتت لهنيهة، تدرس فيها تعابيره غير المقروءة، والمليئة بالغموض، قبل أن تكون إجابتها قاطعة:
-أيوه يا "تميم".
أثلج جوابها صدره، فواصل القول معترفًا دون مقدماتٍ مُلطفة:
-"محرز" جوزك هو اللي ورا حرق الدكان، وكان قاصد يقتلني ............................................... !!
.....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل العاشر 10 - بقلم Manal Salem
مساء الورد عليكم ...إن شاءالله مكونش اتأخرت عليكم ..
توضيح لطيف:
وجب التأكيد على إن البُعد الزمني للأحدث داخل الرواية، قد يتسبب في ظهور بعض الشخصيات، واختفاء البعض مؤقتًا لأسباب وجيهة، هتبان بوضوح أكتر مع تعاقب الفصول ..
فأتمنى متتعجلوش الأحداث، عشان مايحصلش كروتة.. أنها مهتمة بالتفاصيل أوي في الفصول دي، لأن مبني عليها حاجات كتير ..أسيبكم بقى معاه
قراءة ممتعة
#الطاووس_الأبيض
الفصل التاسع والسبعون
من البديهي الاعتقاد بأن أسوأ الأفكار تهاجمها الآن، بعد اعترافه المفاجئ –والصريح- عن محاولة زوجها الأرعن لاغتياله، ليس لمرة واحدة، بل مرتين: قتلاً، وحرقًا، دون ندمٍ أو خوف، خلال تواجده بالدكان، ورغم أن هذا التصريح يتعارض مع إنكاره السابق، إلا أن مصلحة العائلة، تأتي دومًا –وأبدًا- في المقاوم الأول لديه. حملقت "هاجر" في وجه شقيقها بملامح باهتة مصدومة، سألته بصوتٍ متردد يعكس ذهولها؛ وكأنها تتأكد مما سمعته:
-"محرز" عمل .. فيك كده؟
كان رده واضحًا:
-أيوه يا "هاجر".
انقبض قلبها بقسوةٍ، وشعرت به يتحطم بين ضلوعها، لم يكن ليطرأ في لمحة من خيالها أن يكون زوجها متورطًا في فعلٍ شنيع كهذا، لهثت تتساءل بانفعالٍ، وعيناها تحجزان العبرات فيهما:
-طب ليه؟ ده إنت عمرك ما أذيته في حاجة؟ ليه كان عايز يضرنا فيك؟
نظر لها "تميم" مطولاً، قبل أن يُجيبها:
-إجابة السؤال ده عنده هو، مش عندي.
التفتت برأسها نحو والدها الذي استطرد يخبرها:
-الحمدلله إن ربنا نجاه من شره...
هزت رأسها بإيماءةٍ راضية عن قضاء المولى، وهي تبحث في حقيبتها، عن منديل ورقي، تجفف به العبرات العالقة في أهدابها، بينما واصل أباها القول:
-"هاجر" يا بنتي، حضرت الظابط الموجود معانا هنا، عايز يسألك في شوية حاجات كده.
تجمدت عيناها على والدها، وتساءلت في جزعٍ:
-في إيه تاني؟
هنا أجاب "ماهر" موضحًا لها:
-في احتمال كبير إن جوزك متورط في قضية قتل.
انخلع قلبها مجددًا، ولمعت نظراتها بخوفٍ حقيقي، ثم دمدمت في ارتياعٍ:
-كمان؟ هو أنا متجوزة قتال قُتلة ولا إيه؟
أردف "بدير" قائلاً بهدوءٍ، ليخفف من حدة ارتعابها:
-اهدي يا بنتي، ومتخافيش، كلنا جمبك.
سألته بشكلٍ مباشر، لتبدد الحيرة التي انتابتها سابقًا، بشأن إصرار العائلة على الانتقال للإقامة معهم:
-عشان كده طلبت يابا مني أرجع أعيش معاكو، وأسيب بيتي؟
أجابها دون مراوغة:
-مكدبش عليكي، خوفت الكلب ده يعمل فيكي حاجة، وإنتي لوحدك.
علقت عليه بنبرتها الحزينة المغلفة بالأسف؛ وكأن الغشاوة قد أزيلت عنها أخيرًا، فأصبحت ترى وجهه البشع:
-إذا كان فكر يقتل أخويا وهو عارف غلاوته عندي إزاي...
اختنق صوتها إلى حدٍ ما، عندما تابعت باقي جملتها:
-تفتكر كان ممكن يموتني؟ ولا حتى آ... يأذي ابنه؟!!
رد عليها "تميم" تلك المرة، محاولاً تهوين الأمر عليها:
-محدش فينا كان عارف حقيقته يا "هاجر".
عاد "ماهر" ليسألها مجددًا بلهجته الرسمية:
-مدام "هاجر" أنا محتاج حضرتك تهدي شوية، وتركزي معايا، عشان أقدر أسألك، جايز إجاباتك تساعدنا نمسكه.
أدارت رأسها في اتجاهه، وتساءلت في ترددٍ، وصوتها لا يزال تعيسًا:
-وأنا أقدر أساعد سعادتك إزاي؟ ده أنا خدت مقلب كبير في جوزي.
قال مشجعًا إياها على الوثوق به:
-ماتستقليش بنفسك، أنا متوقع إنك هتفيدينا جدًا.
أضاف "بدير" أيضًا ليحفزها على إظهار شجاعتها في البوح بالأسرار المخبأة، إن كانت توجد حقًا:
-اسمعي كلام البيه الظابط يا "هاجر"، وده لمصلحة ابنك قبل مصلحتك.
لم تملك ابنته سوى الإذعان له، لذا ردت باقتضابٍ:
-حاضر.
أشــار "ماهر" للضابط الآخر المتواجد بالخارج، لينضم إلى المتواجدين بالغرفة، وتابع يقول بنفس الأسلوب الجاد:
-أنا معايا مقطع لفيديو تم التقاطه من كاميرا محل قريب، على اللاب توب ده، عايزك تركزي في الصورة، وتقوليلي هل ده جوزك ولا لأ؟
تحركت أنظارها مع الحاسوب المحمول الذي تم وضعه نصب عينيها، وردت بربكةٍ عظيمة:
-طيب.
بدا وكأن الحمل بأكمله أُلقي على كاهليها، وهي التي لم تفعل شيئًا هامًا في حياتها، سوى رعاية أسرتها، ركزت حواسها مع ما يتم بثه أمامها، خطفت أنفاسها عندما تراءى له بهيئتها، فهتفت قاطعة الصمت الوهمي:
-هو "محرز".
سألها "ماهر" بعينان تلمعان في اهتمامٍ:
-إنتي متأكدة؟
استرسلت في تفسيرها المزيل لما هو غامض، فخاطبته قائلة:
-أيوه، اللبس ده أنا عارفاه، عشان يومها رجع البيت متأخر، ولما سألته عن السبب قالي إنه كان مشغول مع واحد صاحبه عامل عقيقة لابنه.
انتبه لها "ماهر"، وتساءل بنبرته المحققة:
-لاحظتي حاجة غريبة عليه اليوم ده؟
ترددت قبل أن تجيبه، وهي تعتصر ذهنها اعتصارًا لتتذكر تفاصيل هذا اليوم:
-مش فاكرة أوي.. بس هدومه مكانتش نضيفة، كان عليها بقع دم، ولما سألته عنها، قالي إنه كان واقف بيدبح معاه.
تحفز في جلسته، ولاحقها بسؤاله التالي:
-الهدوم دي لسه موجودة يا مدام؟
أجابت نافية:
-لأ.. أنا دورت عليهم في سبت الغسيل، عشان أغسلهم، ملاقتهومش موجودين.
علق عليها "ماهر" بضيق ارتسم على تعابيره:
-طبعًا محتاج يخفي معالم جريمته.
اتسعت عيناها في خوفٍ متزايدٍ، وهي تتساءل:
-جريمة إيه تاني؟
تنحنح قبل أن يجيبها:
-في اليوم ده يا مدام "هاجر"، جوزك استدرج صاحبه، وقتله في بيته...
شهقة مرعوبة خرجت من جوفها، كتمتها في منتصفها، بوضع يدها على فمها، بينما أكمل "ماهر" حديثه بقوله الجاد:
-مش زي ما فهمك، إنه كان في عقيقة ابن واحد معرفته.
لطمت على صدرها مرددة في دهشة مليئة بالخوف والاستنكار:
-يا نصيبتي.
حقائق مستجدة اكتشفها "بدير" أيضًا، جعلته يشعر بالحزن الشديد، لثقته العمياء والمطلقة، في شخصٍ، ظن أنه الاختيار المناسب، لمنحه ابنته. نكس رأسه في خزيٍ، وغمغم بصوتٍ عبر عن إحساسه بالخذلان:
-إزاي أنا أمنت عليه لبنتي؟
رد عليه "تميم" محاولاً منعه من تحميل نفسه الذنب دون داعٍ:
-متلومش نفسك يابا، كلنا اتخدعنا فيه.
نظر في اتجاهه، وقال بنفس النبرة الواجمة:
-عيب على الشيبة دي كلها لما يضحك عليها.
لم يجد "تميم" ما ينطق به، للتعليق على والده المنزعج، فاكتفى بالصمت، وتابع ما يقوم به الضابط "ماهر" بنظراتٍ متحفزة، أملاً في نفسه أن تتخطى شقيقته بأقل الخسائر الممكنة، تبعات تلك العقبة المشينة التي لازمتها لسنواتٍ في حياتها، والمسماة بزوجها.
...............................................
بدا مؤلمًا للغاية، أن ترى شقيقها الوحيد، الذي كان مفعمًا بالحياة والنشاط، راقدًا هكذا على الفراش، كجسدٍ بالٍ، يكافح لتحريك أطرافه دون مساعدةٍ خارجية. لم تستطع ضبط دموعها، مع رؤيتها لحالته المؤسفة، ناهيك عن حزنها العميق لخسارة أبنائه، تزايد الألم بصدرها، ووجدت صعوبة في السيطرة على حالها. فشلت "آمنة" في التماسك أمام سريره، ونطقت بنحيبٍ، وهي تربت على كتفه:
-ألف سلامة عليك يا أخويا، شيد حيلك، إن شاءالله تقوم تقف على رجليك من تاني.
ناضل "خليل" للاستدارة نحوها، وهتف يرجوها بتلعثمٍ جلي، وتلك النظرة المستجدية تحتل عينيه:
-"آ..مــ..نة" بـ...نتـ..ي.
ردت عليه بصوتها الدافئ، وعبرتها طفرت من مقلتيها:
-اطمن ياخويا، أنا هنا معاك.
كرر مرة أخرى اسم ابنته، وعيناه تحبسان دموعًا عاجزة:
-"رقـ...يــ..ة"!
مسحت بمنديلها الورقي دمعه المتساقط على صدغه، وهي تؤكد عليه:
-حاضر، متقلقش.
لم تغالب دموعها، وألقت عليه نظرة أخيرة، حاولت بها طمأنته؛ لكن ملامحه غير المرتخية أكدت أنه يعاني عذابًا لا يشعر به غيره، تركته يستريح في غرفته، واتجهت إلى الخارج، وصوت نهنهاتها الحزينة يسبقها، ما إن رأتها "همسة" حتى أسرعت نحوها لتسندها، أسندتها من ذراعها، وسحبتها نحو أقرب مقعد لتجلسها عليه. ازدادت نوبة بكاء "آمنة"، وشرعت تشكو عجزها عن مساعدة شقيقها:
-قلبي متقطع عليه، مش عارفة أعمل إيه، حاسة إني متكتفة، والمصيبة كبيرة أوي عليا.
قاومت ابنتها رغبة مُلحة في مشاركتها البكاء، وردت عليها بصوتها المختنق:
-ربنا يهون عليه وعلينا.
لحظات بطيئة، من الصمت المعبق بالمشاعر الحزينة، استحوذت على الأجواء بينهما، إلى أن تكلمت "همسة" قائلة، لتُعلمها:
-أنا اتصلت بعمي "اسماعيل" عشان أعرفه باللي حصل.
غمغمت في استحسان:
-كويس، يجوا يقفوا معانا، بدل ما احنا ولايا لوحدنا.
استاءت من إنكارها لمجهودات زوجها، الذي تفرغ من مهامه، ليكون ملازمًا لكلتيهما، وعاتبتها بلطفٍ:
-و"هيثم" راح فين يا ماما؟ ده ماسبناش للحظة.
تداركت خطئها غير المقصود، فقالت:
-أيوه فعلاً، كتر خيره والله، وربنا ما يضره في عزيز.
أمنت على دعائها قائلة بهزة بسيطة من رأسها:
-يا رب.
..........................................................
قبل أن ينتهي الضابط من تسجيل الأقوال في المحضر الرسمي، انسحب "بدير" بهدوءٍ، ليتحدث بعيدًا عن الضوضاء الموجودة بغرفة ابنه في هاتفه المحمول الذي رن في جيب جلبابه، ليعود بعد برهةٍ، مستقرًا في مقعده، لم تتركه نظرات "تميم" طوال فترة غيابه، كان يترقب عودته، ثم مال عليه، وسأله بصوته الخفيض:
-في حاجة حصلت يابا؟
جاوبه بنبرة أقرب للهمس:
-ده "هيثم" اتصل، كان بيعرفنا بالجديد عند خال مراته.
انعقد حاجباه، وتساءل باستغرابٍ ظاهر عليه:
-ليه؟ ماله؟
ما زال صوت والده محتفظًا بخفوته، عندما أخبره:
-بعيد عنك وعن السامعين عياله كلهم.. ماتوا.
سأله على الفور بنبرة ملتاعة:
-يا ساتر يا رب، حادثة ولا إيه؟
كان رده غير مريح حينما قال:
-محدش لسه عارف التفاصيل، لما يجي "هيثم" هنفهم منه، لأنه موجود معاهم.
همس "تميم" بصوتٍ آسف لا يخلو من الحزن:
-واجب يا حاج، ماينفعش يسيبهم للحظة، ولو ناقصهم حاجة آ...
قاطعه والده مؤكدًا، بنبرة جادة للغاية:
-من غير ما توصيني، أنا بس أطمن عليك، وأوصل أختك البيت، وهاروح أطل على الجماعة وابقى معاهم.
شكره بزفيرٍ ثقيل:
-تعيش يابا.
للحظة خاطفة تخيل وسط ما يقاسيه، طيف "فيروزة" يزوره في عقله، بملامح وجهٍ حزينة، وعينان تتماشيان مع اسمها؛ لكن الفارق أنهما تسبحان في عبراتٍ مقهورة، جعلته يشعر بانقباضةٍ غير عادية تسري في فؤاده، وضع يده على صدره، دلكه بحركة دائرية متكررة، وهمس راجيًا بصوتٍ بالكاد تحرر من بين شفتيه، ونظراته تحدق في الفراغ:
-ربنا يسترها عليكي.
.............................................
غرزت الممرضة إبرة أخرى، في المحلول المعلق على الحامل، والتفتت ناظرة إلى المريضة المستلقية على الفراش، تنازع نوبة صراخٍ جارحة لأحبالها الصوتية، بعد أن استفاقت من غيبوبتها الإجبارية. وجدت حولها أقاربها، يواسونها في مُصابها؛ لكن بقيت عيناها على الوحيد الذي اتخذ مكانه بالخلف، لتناديه بالاسمِ، موجهة حديثه له بشكلٍ شخصي:
-خسرت ولادي يا حاج "اسماعيل".
انتصب كتفا الأخير، ونظر لها بإشفاقٍ، فأكملت عويلها بنبرتها الناقمة:
-في فقر أكتر من كده؟
ردت عليها "سعاد"، وقد غص صدرها بالبكاء الشديد، تأثرًا بالفاجعة غير المحتملة:
-ارضي بقضاء الله ياختي.
في حين دعت هاا "سها" بحزنٍ غير زائف:
-ربنا يصبرك على فراقهم، بس بلاش كده، إنتي بتعذبيهم؟
اعترضت بصراخٍ حاد:
-يعني ماندبش ولادي التلاتة؟ ده مش واحد ولا اتنين، دول كلهم راحوا في غمضة عين!
استنكر "اسماعيل" ما تفعله، ومع هذا قال بنوعٍ من التعاطف:
-ربنا يرحمهم برحمته الواسعة، هما عند اللي أحسن مننا كلنا، مايعزوش عليه.
بينما أضافت زوجته وسط بكائها:
-احنا جمبك كلنا يا "حمدية"، مش هانسيبك.
هتفت وهي تلطم على وجنتيها بقسوةٍ:
-بقيت لوحدي خلاص، لا عيل يشيل عني، ويسندني، ولا راجل ياخد بإيدي، أنا اتقطعت من الدنيا.
أمسكت "سعاد" بكفيها لتوقف ما تفعله، وتوسلتها في رجاءٍ كبير:
-بالله عليكي ما تعملي كده في نفسك، احنا كلنا أهلك، ومعاكي يا غالية.
تنهد "اسماعيل" مطولاً، ثم أضاف برثاءٍ:
-ربنا يصبرك على ما بلاكي.
نظرت في عينيه، وقالت بنبرةٍ مليئة بالشجن:
-هايجي منين الصبر وعيالي راحوا مني يا حاج؟
رفع عكازه عن الأرضية، وضربه بها في حركة سريعة متوترة، غير راضية عن سخطها الواضح، فأيًا كان حجم الابتلاء، يكن التعويض الإلهي على مقدار الصبر، التفت برأسه نحو ابنه "فضل" الذي لم يكن مستمتعًا بما يراه من بؤس، وعويل، مال على والده طالبًا منه:
-ما بينا احنا من هنا يابا لأحسن أنا مش ناقص نكد حريم، ومرار طافح، كفاية اللي بنشوفه كل يوم.
عنفه بصوتٍ خفيض، وعيناه ترسلان تحذيرًا شديد اللهجة له:
-خلي عندك دم يا "فضل"، مش نسايبنا دول، والولية قلبها مفطور على عيالها..
قاطعه ببرودٍ مستفز:
-اللي راح راح، هنعملها إيه يعني؟ أجلهم كده.
واصل توبيخه مدمدمًا بهسيسٍ مغتاظ من تصرفاته غير المسئولة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، هو إنت مافيش في قلبك شوية رحمة؟
علق عليه بنفس السماجة:
-كان في وخلصوا.. أنا هاطلع أشرب سوجارة برا.
حضوره لم يكن مرغوبًا، لذا عقب عليه والده، كما لو كان يطرده حقًا:
-يكون أحسن.
وبخطواته البطيئة، تحرك "فضل" خارج الغرفة، متجهًا للردهة الطويلة، وأمام لافتة عدم السماح بالتدخين، أخرج علبة سجائره، التقط واحدة منها، ثم حشرها بين شفتيه، وفتش براحة يده عن ولاعته، حينما وجدها أشعل عقبها، وتنفس دخانها ببطءٍ، غير عابئ بالنظرات المستنكرة لتصرفه الطائش. لمح خلال وقفته المستريحة "همسة" وهي تسير في اتجاه ردهة الانتظار، ألقى ببقايا سيجارته، داعسًا على طرفها، ثم أسرع في خطواته ناحيتها متسائلاً:
-عاملة إيه يا بنت عمي؟
تفاجأت من حضوره، وردت بعبوسٍ، دون أن تتوقف عن المشي:
-الحمدلله.
سألها بابتسامة تبعث على الغيظ:
-أومال فين الأفندي بتاعك؟
توقفت في سيرها، لتستدير في وجهه، ورمقته بنظرة حادة، قبل أن توضح له عن قصدٍ:
-قصدك "هيثم" جوزي؟
كان رده مستفزًا لأبعد الحدود عندما حرك فكه ليرد:
-أيوه، أصلي مش فاكر اسمه الصراحة.
كظمت غضبها من أسلوبه الوقح، وتعاملت برسمية معه، فقالت:
-هو مش فاضي للهيافات، بيخلص إجراءات الدفن، لو عايز تروح معاه فــ....
هتف مقاطعًا بعدم اكتراثٍ:
-لأ ماليش في الحاجات دي، خليه هو يسلك فيها بمعرفته.
علقت عليه بنظراتٍ احتقارية:
-على الأقل أحسن من ناس تانية...
استشاطت نظراته، فأكملت ساخرة منه:
-دايمًا خدوم يا ... "فضل"..
همَّت بالتحرك، لولا أن استوقفها متسائلاً بفضولٍ:
-أومال أختك عرفت ولا لسه؟
جاوبته بنظرة من طرف عينها:
-لأ مقولنلهاش لسه.
تصلبت بحنقٍ مع تلميحه الوقح:
-زمانها غرقانة في العسل.
التفتت تحدجه بنظرةٍ محذرة، وهي تقول:
-الله أعلم بظروفها.
سألها بتطفلٍ أكبر:
-ومبسوطة على كده مع البأف بتاعها؟
زجرته بحدةٍ لم تستطع كبتها:
-هو إنت شايف إن ده وقته يا "فضل"؟
بنفس الطريقة اللزجة عقب عليها:
-إيه بأطمن عليها؟ هو السؤال حُرم؟ ده أنا ابن عمها.
نظرت له بازدراءٍ، قبل أن تنهي حواره السخيف معها:
-هاروح أشوف أمي، بدل الوقفة اللي مالهاش لازمة دي.
لو كان واحدًا غيره لشعر بالحرج لتلك المعاملة؛ لكنه كان على النقيض، باردًا، مستفزًا لأقصى الحدود، لوح لها بذراعه هاتفًا:
-روحيلها...
رافقها بنظراته التي لم تترك تفاصيل جسدها الأنثوي دون مسحة متأنية، لاحت ابتسامة غريبة على جانب شفتيه، وهو يخبر نفسه بصوتٍ شبه خافت:
-بس شكلك ألوظتي يا بت ...
انتفض كالمفزوع، حينما سألته "سها" بغتةً، وقد جاءت من خلفه:
-إنت بتكلم نفسك يا "فضل"؟
نظر لها بتأففٍ، وقال في جفاءٍ:
-أه .. مجنون بقى، عندك مانع؟
ردت عليه وهي تزدري ريقها:
-لأ، بس أبويا الحاج عايزك جوا.
أخبرها بلهجته الفظة، مشيرًا لها بعينيه لتنصرف:
-هاجيله لما أطفح السوجارة.
هزت رأسها قائلة:
-طيب
شيعها بنظراته النافرة، مُحدثًا نفسه:
-أنا عارف حظي وحش كده مع الحريم.
.......................................................
ناولت والدتها كوبًا من الماء، لتبلل به جوفها الجاف المليء بالعلقم المرير، ثم جلست في المساحة الخالية إلى جوارها، نظرت إليها "آمنة" بعينين ما زالت تعاني من آثار البكاء، وتساءلت بقلبِ لم يتعافَ بعد من أحزانه الثقيلة:
-معرفتيش توصلي لأختك؟
على مهلٍ تنهدت "همسة" تخبرها نافية:
-لأ يا ماما، موبايلها مقفول، وحسابها على الفيس بوك مش متفعل برضوه.
بلغ الخوف أقصاه في نفسها، وتساءلتٍ بخوفٍ بائن في نبرتها:
-يا ترى حصلها إيه؟ استرها عليها يا رب.
بعد استغراقٍ في التفكير، حادثتها ابنتها بنبرة عازمة:
-أنا هاكلم "علا" اسألها عليها، جايز تكون عارفة حاجة عنها، هي صاحبتها الأنتيم.
تجدد بريق الأمل المفقود مرة أخرى، وقالت تشجعها على اقتراحها هذا:
-يا ريت يا "همسة"، ربنا يسمعنا عنها كل خير.
أمسكت بهاتفها المحمول، ونهضت من مكانها لتقف منزوية في الجانب، بحثت عن رقم "علا" في قائمة الاتصــال لديها، حمدت الله أنها ما زالت محتفظة به، فتوأمتها كانت تلجأ لاستخدام هاتفها، حينما ينفذ رصيدها، تحدثت إليها بحرجٍ، وحاولت أن تستعلم منها عنها، بطريقةٍ بدت متحفظة حتى لا تثير ريبتها، بعد أن سألت عن أحوالها، وبكلماتٍ مقتضبة أنهت المكالمة، لتعود إلى والدتها، تساءلت الأخيرة في لوعةٍ:
-عرفتي منها حاجة؟
هزت رأسها نافية بأسفٍ:
-لأ ياماما، بتقولي متعرفش عنها حاجة من يوم ما سافرت مع جوزها.
كسا الحزن تعابيرها المجهدة، ونطقت مقاومة بكائها:
-يعني زينا.
ضغطت على شفتيها قليلاً، قبل أن يكون ردها موجزًا:
-أيوه.
رفعت "آمنة" عينيها إلى السماء، ودعت برجاءٍ:
-دي حاجة تقلق، اجعل المخبي لطيف يا رب، متوجعنيش على عيالي يا كريم.
حاولت "همسة" أن تخفف من توجس والدتها الطاغي على قسماتها، فبررت اختفاء توأمتها:
-يا رب .. جايز يا ماما يكون موبايلها باظ منها، والأرقام اتمسحت من عليه.
بقلبٍ يعاني من ويلات كثيرة، تمتمت أمها:
-الله أعلم، بس أنا مش مرتاحة.
بثت "همسة" الأمل في نفس والدتها بقولها المتفائل؛ رغم افتقارها لهذا الشعور حاليًا:
-إن شاءالله هتكلمنا قريب، أنا واثقة من ده، "فيروزة" مش هاتسيبنا كده من غير ما نعرف حاجة عنها.
.................................................................
مضى يومان، خلالهما ازدادت المواقف تأزمًا، بعد اكتشاف السر الذي بقي محفوظًا لما يزيد عن الخمس سنوات؛ لكن لا مناص من التعامل مع الأمر الواقع، وأصبح لِازمًا على الجميع التصرف وفق المُتبع والمفروض. اصطحبت "همسة" الطفلة "رقية" بعد السماح لها بالخروج من المشفى، إلى منزل والدتها، حيث من المفترض أن تمكث هناك، ريثما يتعافى والدها، بناءً على توصيته المتوسلة. ترجلت من سيارة الأجرة، ومعها زوجها، شخصت أبصارها، مع رؤيتها لشيءٍ لم تظن أنه سيتم هنا، فقد تفاجأت بإقامة سرادق كبير في المساحة الخالية بجوار المنزل، لتلقي العزاء في إِخوة لم تعلم الطفلة عنهم شيئًا سوى بعد رحيلهم، لن تفتقدهم، ولن يفتقدوها، فكما كانت سرابًا في حياتهم، كانوا بالمثل معها.
تشبثت بكف الصغيرة، وتساءلت بصوتٍ عكس قلقًا لا تشكيك فيه:
-هنعمل إيه يا "هيثم"؟
نظر بحيرة للسرادق، وقال بنفس التردد:
-مش عارف
توقعت أن يتواجد بداخل السرادق الأقارب، والجيران، وكل من له صلة بالعائلة، وبحسبةٍ صغيرة أدركت أن عواقب رؤية الطفلة لن تكون محمودة، خاصة مع حالة الجنون المسيطرة على زوجة خالها الأولى "حمدية". وقبل أن يصل أحدهما لحلٍ لا يسبب المشاكل، لمحت "حمدية" ثلاثتهم، بسبب تواجدها غير المتوقع في مقدمة جانب النساء، حاولت تخبئة "رقية" خلفها، لتنأى بها عن نظراتها، متوهمة أنها ستنجح في الصعود بها سرًا إلى المنزل؛ لكن سبق السيف العزل، وأصبح الاختفاء عن نظراتها الملتهبة أمرًا مستحيلاً.
أبصرت "حمدية" ابنة ضرتها الناجية، بعينين تقدحان بشررٍ متطاير، امتلأ صدرها بغضبها المختلط بمشاعر الكراهية الشديدة، في ثوانٍ انتفض بركان حنقها عليها، لافظًا كل حممه المتأججة، تلك اللعينة عاشت، وهلك فلذات أكبادها! كالمجذوبة الفاقدة لعقلانيتها، انطلقت دافعة مقعدها الخشبي في عصبيةٍ للخلف، لينكفئ على ظهره، هرولت في اتجاههم، وصوت صراخها المهتاج يجلجل عاليًا، جاذبًا كل الأنظار الشاردة عليهم؛ كما لو تم القبض عليهم بالجُرم المشهود:
-دي جاية هنا ليه .............................................. ؟!
..........................................................
#منال_سالم