تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في البداية وجب توجيه الشكر لجميع القراء في كل مكان على دعمهم الإيجابي، تشجيعهم المتواصل، وانتظارهم الشغوف لمتابعة أحداث فصول الرواية، بالإضافة للتحليلات العظيمة والتعليقات الجميلة على مدار الأجزاء السابقة .. وأرجو من الله أن يكون الجزء الثالث هو استكمال لتلك الملحمة الشعبية الأصيلة .. أترككم مع أحداث الفصل الفصل السبعون أخطأت حين هاتفت ابنتها، لتعلمها وسط نوبة بكائها المُقطعة لنياط القلوب، بما آَلم بشقيقها الوحيد، حينها صرخت منادية باسمه، أنهت الاتصال بعد إلمامها بالتفاصيل البسيطة، لتذهب ركضًا إ...
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد ..
باعتذر عن عدم نشر الفصل بالأمس، لأن كنت مع ابني لوقت متأخر عند الدكتور، الحمدلله هو أحسن النهاردة..
بشكركم على سعة صدركم، ودعمكم
الطاووس الأبيض
الفصل التاسع والتسعون
لحظات من التشتت الذهني عاشها بمفرده، وهو يسترجع شريط الذكريات، وكأنه يُنشط ذاكرته بما أراد تناسيه بعد وفاتها. إحساسه بالندم، وتأنيب الضمير اضمحلا بدرجة كبيرة، حتى شعوره بالإشفاق عليها لقتلها بشكلٍ مأساوي أصبح غير موجودٍ، فمن كانت في يومٍ ما زوجته، لم تملك نية الإخلاص في البوح بالحقائق المصيرية التي تخص كلاهما، متجاهلة حقه الشرعي في معرفة ذلك، ربما كان في موتها رحمة للجميع!
جعلته صدمة المفاجأة حانقًا على ما هو متعلق بها، بدا "تميم" ناقمًا على كذبها وخداعها، بل والأسوأ من ذلك، قدرتها العجيبة على إلقاء التهم الباطلة على الأبرياء، غير عابئة بالظلم الواقع على غيرها. زاد الاشتعال في صدره، وجعل معدته تتقلص من الاحتراق، تنفس بعمقٍ ليهدئ من الانفعالات الثائرة المتجمعة بداخله، طوى الأوراق الموجودة بين يديه، وخاطب نفسه في سخطٍ:
-مالوش لازمة العتاب واللوم.
ضغط على شفتيه كاتمًا أنفاسه الغاضبة، ثم حررها دفعة واحدة، وتابع حديث نفسه:
-كل واحد خد جزائه في الآخر.
انتصب بكتفيه، وبحرصٍ ما زال يلازمه نهض عن الفراش برويةٍ، ليتحرك بعدها في اتجاه التسريحة واضعًا الأوراق بأحد الأدراج العلوية. عقد "تميم" النية على تجاوز تلك المرحلة المتخمة بكل تلك الأحداث الموجعة، وأكد لنفسه من جديد، كنوعٍ من التحفيز المعنوي:
-خلينا نركز في اللي جاي.
تلقائيًا تجسد طيف وجه طاووسه في مخيلته، جاعلاً البسمة تزحف على شفتيه، خاصة مع اعتصاره لعقله ليستعيد ذكرى رؤياها عن قربٍ، فكانت السلوى له في عزلته الإجبارية، وهونت عليه ما اعترى صدره من آلام وأحزان. تلاشت صورتها الناعمة حينما ورده اتصالاً هاتفيًا من والدته، فأخذ نفسًا عميقًا يشحذ به قواه استعدادًا لمكالمة طويلة يسرد لها عبرها عن تفاصيل يومه المشحون بأحداثٍ وهمية، على أمل أن تنطلي عليها حجة انخراطه في العمل.
.........................................................
إلحاحه العنيد، وتمسكه بتلك الرغبة الغريبة في الزواج بابنة عمه، بدلاً من رأب الصدع مع زوجته السابقة، جعل والده يستنكر محدودية تفكيره، وانسياقه وراء ما اعتبرها نزواته اللحظية. حدجه "اسماعيل" بنظرة دونية مليئة بالغل، وهدر به يوبخه بصوته المرتفع:
-إنت اللي جوا دماغك ده فِجل مش مخ.
عبس "فضل" بملامحه، ورد في تبرمٍ:
-ليه بس يا حاج؟ هو الجواز بقى حرام اليومين دول؟
جاءه رده مباشرًا ومحملاً بالاستهجان:
-حرام للي زيك، يتجوز، ويطلق، ويرمي عياله لغيره يربيهم.
هتف مستنكرًا كلامه المنطقي:
-ده بدل يابا ما تشكرني إني بلم عرضنا، ولحمنا.
سأله في غيظٍ:
-واللي رميتهم دول مش لحمك وعرضك؟
انبعجت شفتاه عن تعبير ناقمٍ، بينما تابع والده توبيخه:
-المفروض تصلح الغلط اللي عملته بدل ما بتفكر تتجوز تاني، روح رجع مراتك ولم عيالك في حضنك، ده الأهم دلوقتي.
غمغم في استياءٍ، ووجهه ما زال متجهمًا:
-يادي أم السيرة الفقر، يابا أنا معنتش عايزها، دي دماغها فاضية، ماتنفعنيش...
تمادى في إساءته لزوجته السابقة، وتابع:
-وبعدين الولية اللي جاية من ورا الجاموسة تمامها كده معايا.
رمقه "اسماعيل" بنظرةٍ مشتعلة غير راضية عن وقاحته، وعلق عليه في تهكمٍ ساخر:
-وإنت جاي بقى من ورا إيه؟ ده الطينة واحدة يا "فضل"!
إهانة لاذعة نالت منه، وأصابت هدفها في مقتلٍ، لم يتحملها بالطبع، ودمدم في انزعاجٍ:
-ليه بس الغلط يابا؟ المفروض تقف معايا وتكبرني، و...
قاطعه والده بلهجةٍ متشددة:
-الرجالة بتكبر بتصرفاتها، بأفعالها، مش بلعب العيال والهبل اللي إنت عامله ده.
تطلع إليه "فضل" بعينين حانقتين، في حين أكمل أباه وصلة الاستهزاء به:
-بس إنت مفكر نفسك فوق الكل، واللي بتعمله بيصغرك في عينين الناس، وبيعرفهم نوعك إيه؟
صاح في تنمرٍ:
-ده أنا طالب حلال ربنا، إيه الحرام في كده؟ ولا الناس هتتبسط لما أمشي بطال؟
رد عليه بنفس الأسلوب الصارم:
-حلال ربنا بالأصول، مش بالافترا، والتفريط في عيالك وأمهم.
وكأنه لم ينصت لكلمة مما قالها، وأردف معقبًا عليه:
-طب بص يا حاج، احنا مش هنتكلم في ده دلوقتي، أنا عارف إنك لسه مضايق، لكن وقت ما تهدى وتفكر بالعقل، وتحسبها صح هتعرف إني باتستر على عرضي، وباحفظ اسم العيلة.
تقوست شفتاه ببسمة خبيثة وهو يضيف:
-وعلى رأي المثل جحا أولى بلحم توره.
نظرة يائسة يتخللها النفور والإنكار حدجه بها، قبل أن يستدير مغادرًا المكان وهو يردد:
-لله الأمر من قبل ومن بعد.
...........................................................
بنشاطٍ ظاهر عليها، وتطلعات كبيرة نحو مستقبلٍ مختلف عن ذي قبل، تحركت "فيروزة" في اتجاه دكان عائلة "سلطان"، لتلتقي بالحاج "بدير". استقبلها الأخير بحفاوة معتادة، وأجلسها على المقعد الخشبي المجاور له، ثم التفت آمرًا أحد عماله ليحضر لها ما لذ وطاب من الفواكه الطازجة، بالإضافة إلى مشروبٍ بارد تنعش به معدتها. شدد عليها تناول ما قدمه بلهجة جمعت بين الأبوة والحزم:
-ماتقوليش بقى عاملة دايت، وبايت، والحاجات الغريبة اللي بنسمع عنها اليومين دول، إنتي تاكلي كل اللي قدامك ده كله.
ابتسمت في رقةٍ وهي تشكره:
-تعيش يا حاج.
أضاف بصوته الجاد:
-والواد أنا بعته عند البيت بحاجات بسيطة كده للجماعة عندك.
تحرجت من كرمه السخي، وقالت مجاملة:
-مالوش لزوم التكاليف دي.
عاتبها بلطفٍ:
-هو في بين العيلة تكاليف؟ ده إنتي في مقام "هاجر" بنتي، وأنا باجيب لبنتي مش لحد غريب.
شكرته بنفس الوجه المبتسم:
-ربنا يخليك لينا يا حاج "بدير"...
سحبت الهواء سريعًا إلى رئتيها، وطردته لتخبره بعدها بنوعٍ من الجدية:
-عشان معطلش حضرتك، أنا كنت عايزة منك طلب.
دقق النظر إلى ملامحها المهتمة، وقال:
-أؤمري يا بنتي.
قالت على مهلٍ:
-الأمر لله وحده، هو الموضوع يخص الدكان بتاعنا.
سألها بترقبٍ، وهو يتفرس في تعابير وجهها الغامضة:
-ماله؟
بتريثٍ أفصحت له عن نواياها:
-أنا كنت عايزة أكمل باقي توضيبه عشان يشتغل، ومحتاجة من حضرتك توصلني بنجار شاطر وبوهيجي وآ...
قاطعها بزفير ارتياحٍ:
-ده أنا افتكرت حاجة مهمة، ماتشليش هم الحكاية دي، هايكون متشطب من كافة شيء.
شعرت بالسعادة لمساعدته، وانعكس ذلك بوضوحٍ على قسماتها، سرعان ما كسا تعبيراتها طابعًا جديًا عندما سألها:
-بس مقولتليش إنتي هتعملي بيه؟ في حد عايزه للإيجار؟
دون ترددٍ أعلمته بنبرةٍ عازمة:
-لأ، أنا هاقف فيه.
حلت الدهشة عليه، وارتفع حاجباه للأعلى، قبل أن يسألها في ذهولٍ:
-إنتي؟
ردت مؤكدة بإيماءةٍ من رأسها:
-أيوه.
استغرب من تفكيرها في تلك المسألة، وعرض عليها بلهجةٍ غير مازحة:
-قوليلي لو ناقصك حاجة بدل ما تتبهدلي وآ...
للحظةٍ شعرت بالحرج من عرضه الكريم، وقاطعته بإصرارٍ، وعزةِ نفسٍ واضحة، رافضة التواكل على غيرها:
-كتر خيرك يا حاج، أنا مش حابة حد يساعدنا مهما كان مين.
صحح لها مبينًا حُسن نواياه:
-دي مش مساعدة، احنا أهل وعيلة واحدة.
علقت "فيروزة" مظهرة تشبثها برأيها بتمسكٍ أشد:
-معلش يا حاج "بدير"، دي رغبتي، وأنا بحب أعتمد على نفسي، وبعدين دي فرصة اشتغل في حاجة ملكي، بدل ما أروح عند الغريب.
نظر لها مليًا، دون أن ينبس بكلمةٍ؛ وكأنه يكتشف صفات جديدة لم يكن يعلمها عنها. سألته بعينين شبه متوترتين:
-ها، حضرتك قولت إيه؟ هتساعدني؟
هز رأسه مبديًا موافقته وهو يخاطبه:
-حاضر يا بنتي، كل اللي عايزاه هيتعمل، وعلى أحسن حاجة.
أكدت عليه مجددًا:
-تمام، والتكاليف كلها هدفعها...
ثم وضعت يدها داخل حقيبتها، وأخرجت مغلفًا أبيض اللون، بداخله مبلغًا ماليًا. مدت يدها به نحوه، وقالت:
-اتفضل يا حاج "بدير"، ده جزء من التكاليف، يعني زي ما بتقولوا كده عربون.
تبدلت نظراته للضيق، وأشار لها بيده رافضًا أخذه:
-شيلي فلوسك في شنطتك يا بنتي.
أصرت عليه بعنادٍ:
-معلش، الشغل شغل يا حاج، ودي حاجة متزعلش حد.
أتاها رده عائمًا في تلك الجزئية:
-ربنا يسهل، هنشوف ده بعدين، رجعيهم دلوقتي مكانهم.
حاولت بشتى الطرق إقناعه بقبول النقود؛ لكنه كان أكثر عنادًا منها، فما كان منها إلا أن استسلمت أمامه، وأعادت المظروف إلى حقيبتها وهي تشكره:
-ربنا يكرمك يا رب.
........................................................
رفعت المعلقة إلى فمها، ونفخت بلطفٍ في الحساء الموجود بها، لتخف سخونته قليلاً، قبل أن تنفرج شفتاها لتتذوق طعمه. بدت "همسة" راضية عن مذاقه الشهي، وأعادت وضعت الغطاء على الوعاء، ليحتفظ بنفس درجة السخونة، قبل أن تغلق الموقد، ثم استدارت بعدها نحو الجهة المقابلة وهي تبتسم في غبطة، شهقت في فزعٍ، وسقطت الملعقة من يدها المرتجفة، عندما رأت "بثينة" تقف على بُعد خطوتين منها، وفي يدها سكين تقطيع اللحم. حبست أنفاسها المرتعبة داخلها وقد بدأت في رفعه للأعلى ليغدو نصب عينيها، ظلت تحملق فيها بارتعابٍ شديد، ومع هذا حاولت ضبط رجفتها، والسيطرة على اهتزازة صوتها وهي تسألها:
-أساعدك.. في حاجة يا طنط؟
ما زالت أنظارها الخائفة معلقة بالنصل الحاد، وقد تجرأت لتطلب منها بحذرٍ:
-عنك يا.. طنط.. السكينة..
بلعت ريقها وواصلت كلامها المتلعثم:
-إنتي بس شاورلي على اللي عايزاه، وأنا .. هعملهولك على طول.
ترقبت بتوجسٍ ردة فعلٍ متهورة منها، وحدث ما توقعته، حينما أرخت "بثينة" أصابعها عن السكين، فسقط على الأرضية، مسببًا صوتًا مزعجًا، ونظراتها الغامضة مثبتة عليها. انحنت "همسة" لتلتقطه سريعًا قبل أن تلحق الضرر بها، أو بنفسها، واعتدلت في وقفتها لتجدها ما زالت تنظر لها بعينين فارغتين من الحياة، وذلك التعبير الجامد مسيطر على كافة ملامحها. رفعت نبرتها منادية، وعيناها مرتكزة على حماتها:
-يا "هيثم"، تعالى.. بسرعة .. يا حبيبي.
جاء الأخير على صوتها المنادي متعجبًا من تواجد والدته بالمطبخ، فقبل قليل كانت غارقة في سباتٍ عميق. أشارت "همسة" له بنظراتها، وأخبرته بهدوءٍ زائف:
-شوف كده لو ... مامتك عايزة حاجة، عشان .. كانت ماسكة السكينة، وأنا.. خايفة عليها، و...
لعقت شفتيها، واستأنفت بكلماتٍ موحية:
-ده ميعاد الدواء بتاعها، خليها تاخده.
اندهش من تصرف أمه المريب، وحاوط كتفيها بذراعه متسائلاً:
-خير يامه؟ إنتي ناقصك إيه؟
وبتريثٍ حثها على التحرك على خطوته، فسحبها إلى خارج المطبخ متابعًا كلامه معها:
-خليكي مرتاحة، وكل حاجة هتتعمل وتيجي لحد عندك.
اصطحبها إلى غرفتها، وأجلسها على الفراش، ثم خاطبها وهو يفتش عن أقراص الدواء التي تتناولها بين المجموعة الموضوعة على الكومود إلى جوارها:
-كلنا هنا عشان نخدمك ونريحك.
وجد ضالته، فابتسم في ارتياحٍ، والتفت نحوها ليناولها إياه، بعد أن ملأ كوبها بالقليل من الماء وهو يقول:
-خدي يامه دول.
التقطت "بثينة" القرص من راحته، ودسته في فمها، ثم أخذت الكوب وارتشفت رشفة واحدة منه، لتعيده بعدها إلى ابنها الذي أسنده في مكانه. أحنى "هيثم" رأسه على جبينها، وقبلها بحنوٍ وهو يرجوها:
-الله يكرمك يامه، بلاش تعملي حاجة تخوفنا عليكي، إنتي اللي بقيالي.
تراجع عنها لينظر إلى عينيها الغريبتين، فابتسمت له، ورفعت يدها لتمسح على صدغه، استقام في وقفته، وأشار بيده نحو الباب قائلاً:
-أنا هاجهزلك الأكل في صينية وهاكلك بنفسي، ماشي؟
هزت "بثينة" رأسها كتعبيرٍ عن موافقتها، فاتسعت ابتسامته أكثر، تحرك مبتعدًا عنها، فانتظرت انصرافه لتبصق القرص من فمها، وتلك النظرة العدائية تغطي كامل نظراتها.
................................................
نهارٌ انقضى، وتبعه آخر، ليلاحقه ثالث ورابع، قبل أن يمضي النهار الخامس، ومن بعده السادس، والعمل يجري على قدمٍ وساق في الدكان الذي بدا كخلية نحلٍ، بسبب تزاحم العمال بداخله، لإعادة توضيبه في وقتٍ قياسي. ظلت "فيروزة" جالسة على مقربة من دكانها في كرسيها الخشبي، متشحة بالسواد، تراقب بحماسٍ ما يتم الانتهاء منه، ليزداد شغفها لليوم الذي سيعلن فيه عن افتتاح مشروعها. التفتت برأسها نحو "بدير"، وقد شرع في مخاطبتها بنوعٍ من العتاب:
-بردك مصممة تقعدي كده كل يوم؟ هو أنا قصرت في حاجة؟
نهضت واقفة وهي ترد نافية بتحرجٍ طفيف:
-لأ يا حاج، متقولش كده، ده حضرتك قايم بالواجب وزيادة.
لمحت بطرف عينها أحد العمال وهو يحضر المقعد له، فشكره الأخير قبل أن يجلس عليه، جلست هي الأخرى إلى جواره، واستمرت في إظهار عرفانها بصنيعه:
-الصراحة محدش من أهلي كان ممكن يعمل زي حضرتك كده.
من جديد أكد عليها:
-ده إنتي في غلاوة بنتي.
عاد الصمت ليسود بينهما، وتفكيرها مشحون بمسألة محددة، فإلى الآن ظل يرجئ أخذ النقود منها بحججٍ لم تكن مقنعة لها؛ لكنها لم تتوقف عن المحاولة، حتى انتهى بها المطاف إلى سؤاله مباشرة دون تمهيدٍ:
-هو حضرتك مش عايز تاخد مني الفلوس ليه؟
تطلع إليها بثباتٍ، ولم يعلق بكلمةٍ، فاسترسلت قائلة:
-وحتى لما جيت أحاسب المقاول برضوه مرضاش، وقالي أستنى للآخر.
حافظ على سكوته، مما دفعها لإخباره:
-يعني أنا عايزة أعرف التكاليف هاتكون في حدود أد إيه، عشان أظبط أموري، وماتفاجئش.
حاد ببصره عنها، وراح يخبرها بصوته الرخيم:
-لما نيجي وقتها.
ضغطت عليه بإلحاحها، ونظرة الشك تكسو حدقتيها:
-يا حاج "بدير"، أنا مش هاقبل حد يصرف عليا مليم أنا مستحقوش، والناس اللي شغالة ليل نهار أكيد محتاجين فلوس، ده غير إن اللي زيهم بيشتغلوا باليومية، إزاي بقى موافقين على كده؟
استدار ناظرًا إليها وهو يخاطبها:
-ماتشغليش بالك بالحاجات دي، حقهم مضمون.
ردت بعندٍ:
-خلاص خليهم ياخدوا جزء من حقهم.
رفع ذقنه للأعلى قليلاً، وقال بتعابيرٍ مرتخية:
-سبيها على الله، كله في النهاية هيتراضى.
لم تسترح لرده العائم، ومماطلته الغريبة، التي أوحت لها أنه يساعدها في الخفاء، وهذا ما كان يزعجها بشدة!
...................................................
على الجانب الآخر، وعند مسافة لم تكن بعيدة عنهما، توقفت سيارة النصف نقل أمام دكانه، ليترجل منها "تميم" بشموخٍ، ورأس مرفوع للأعلى في اعتزازٍ، مسح المكان الذي اشتاق إليه بنظراتٍ شاملة، حانت منه نظرة سريعة نحو "سراج" الذي تبعه، صاح أحد العمال مهللاً ومرحبًا بوجوده بعد غيابٍ قد بدا طويلاً، فتجمع على إثر إعلانه البقية، ورحبوا به باستقبالٍ حار. مرر "تميم" نظراته من جديد على داخل الدكان وهو يتساءل في دهشة حائرة:
-أومال الحاج "بدير" فين؟ أنا مش شايفه هنا؟ هو منزلش النهاردة ولا إيه؟
أجابه واحد من العمال وهو يشير بذراعه للأمام:
-ده موجود في الدكان التاني مع المقاول.
قطب جبينه مرددًا في اندهاشٍ أكبر:
-دكان تاني؟
أومأ برأسه مانحًا إياه المزيد من التوضيح:
-أيوه يا معلم، اللي على الناصية، قصاد البقالة.
عرف أين يتواجد، فأشار للعامل بالانصراف، وزوى ما بين حاجبيه في استغرابٍ، متسائلاً مع نفسه بصوتٍ خفيض:
-بيعمل إيه هناك؟!
انتشله "سراج" من سرحانه السريع بسؤاله:
-عايز مني حاجة تانية يا معلم "تميم"؟
استدار نحوه يشكره بامتنانٍ كبير:
-لأ يا "سراج"، تعيش يا خويا، وقفتك معايا دي مش هنساها، وإن شاءالله نردهالك.
عاتبه بابتسامةٍ ودودة تنم عن ألفة طيبة:
-عيب ماتقولش كده، أنا معملتش حاجة.
بادله الابتسامة وهو يرد:
-ابن أصول.
استأذن "سراج" بالانصراف وهو يشير نحو سيارته:
-أسيبك بقى تشوف مشاغلك، سلام يا معلم.
ودعه بعد مصافحة حارة باليد:
-في حفظ الله.
ظل "تميم" واقفًا في مكانه يراقبه إلى أن غادر بسيارته المنطقة، ثم التف بجسده نحو الناصية، مُركزًا بصره على الدكان الذي تحدث عنه العامل، وقد غاب عن ذهنه كليًا نقل ملكيته. همَّ بالتحرك؛ لكن استوقفه أحد العمال متسائلاً:
-نبعت نجيب القهوة بتاعتك يا معلم؟
رد نافيًا:
-لأ، مش دلوقتي ...
عاد لينظر أمامه وهو يكمل:
-أنا رايح أشوف الحاج.
...........................................
وفقًا لإحساس قلبه النابض -والذي بات بوصلته مؤخرًا- شعر بحضورها الطاغي على ما حولها، قبل أن يتأكد حقًا من وجودها هناك. علا الضجيج المتحمس في صدره، وانتشرت وخزات غريبة من نوعٍ لم يعهده مسبقًا في أنحاء جسده، تحفزه، تستثيره، وتستحثه على الركض إليها. بجهدٍ متعاظم تحكم "تميم" في انفعالاته المتحمسة ليبدو هادئًا.
ارتفع دبيب فؤاده حتى صم أذنيه، عندما رأها تُحادث والده، وضحكة رقيقة تنير الوجه قبل الشفاه. خانته تعابيره الصارمة، وارتخت باستسلامٍ متلهف أمام طوفان نعومتها غير المتكلفة. لاق اللون الأسود بها كثيرًا، منحها فخامة وقوة، جعلته يتقين أنها لا تستحق سوى الأفضل في كل شيء، فمن يريد الظفر بها، عليه أن يبذل الغالي والنفيس لأجلها، ومع هذا لا يمكن مقارنة اللون الأسود بالأبيض، فالأخير يضاهيه في جماله عليها؛ وكأن ذلك اللون النقي اقترن بها، فأصبح لا يراها مثالية الجمال في أي لونٍ غيره.
منحه القدر فرصة أخرى ذهبية، غير مرتب لها، للتمتع برؤية نظرة التلهف في بحر الفيروز، عندما ناداه والده بترحيبٍ لا يخلو من المفاجأة السارة:
-"تميم"، حمدلله على السلامة يا غالي ............................................... !!
....................................................
يتبع >>>>>>>>>
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد ..
يا رب يكون الجميع بخير ..
في البداية كان في بنوتة وعدتها أهنئها بعيد ميلادها اسمها (روئا) قبل أسبوعين، وللأسف الأسبوع الماضي معرفتش أكتب ده عشان مكنش اللاب معايا أعمل أي تعديل أو إضافة ..
فأنا حابة أقولها كل سنة وإنتي طيبة، وكل حد عيد ميلاده الفترة دي أو اللي فاتت يكون طيب وبخير وفي أحسن حال ..
ميعادكم مع الفصل الـ 100 من الطاووس الأبيض ..
ملحوظة على السريع في تكملة هتنزل متأخر، أنا هبدأ فيها، بس عشان اللي عندهم امتحان يلحقوا يقروا حاجة قبل ما يناموا ..
وربنا يوفق الجميع
الفصل المائة
مع التفافة رأسها السريعة، تطاير طرف وشاحها الأسود غير المربوط، والمصنوع من قماش الشيفون، حيث كانت تطرحه على شعرها لتغطيته قليلاً، لتنظر في نفس الاتجاه المحدق به الحاج "بدير"، وضعها له اعتبرته أولى خطواتها نحو الاعتياد على ارتداء ما يغطي رأسها، رغم كونها تضع في أغلب الأوقات منديل الرأس؛ لكنها أرادت أن يكون التزامها بارتداء الحجاب كاملاً، وليس كما اعتادت سابقًا مجرد حجب لشعرها.
التقت الأعين ببعضها البعض، فتلبكت "فيروزة" من النظرات التي غمرتها كليًا، وأشعرتها أنها حقًا محور الاهتمام، وإن لم يصرح "تميم" بهذا علنًا! كانت قد علمت بمحض الصدفة عن غيابه بحجة السفر، وتجاهلت التفكير في الأمر، مؤكدة لنفسها أن شأنه لا يعنيها، لا داعي لمنحه أهمية أكثر من اللازم، فما جمعهما من مواقف لا يستدعي كل هذا التضخيم؛ لكن مع حضوره تبخر ما ظنت أنه الأصح لها. أحنت رأسها على صدرها، متحاشية طريقة تطلعه إليها، لتمد يدها ساحبة الوشاح من جديد على رأسها، وملقية بطرفه المحلول على جانب كتفها.
استرعت حركتها العفوية انتباه "تميم"، فلم يلحظ ما تضعه في البداية، ربما لكونه ملفوفًا حول عنقها، ومع هذا انتابته حالة من الفضول الشديدة، للتأكد من نواياها إن أقبلت حقًا على ارتداء الحجاب، تمنى باشتياق أن تفعلها، فلا يتمتع الغريب عنها بما هو محرم عليه، لمعت عيناه في توقٍ لرؤية تلك الأمنية تتحقق على أرض الواقع، ليحظى وحده بكامل سمات جمالها الفطرية، فقط إن شاء المولى ويسر له الزواج بها. تقدم "بدير" نحو ابنه، واستقبله في أحضانه، رابتًا على ظهره وهو يُحييه:
-منور يا ابني، طولت الغيبة المرادي.
رغمًا عنه، خالف "تميم" وعده لأبيه، واستمر في تحديقه لها من زاوية رؤيته، تلك التي منحته المزيد من الفرص المغرية لتأملها عن كثب. ابتسم في بهجةٍ، وقال:
-الحمدلله يابا، أنا رجعت خلاص.
وبجهدٍ مضاعف عن ذي قبل أبعد نظراته المتشوقة عنها، ليركز بصره على والده، وتابع حديثه له:
-متقلقش عليا.
رد "بدير" متسائلاً بابتسامته الوقورة، وهو يسحبه نحو الجانب:
-طب خير، عديت على أمك ولا لسه؟
أجابه ابنه نافيًا:
-لأ، أنا جيت عليك على طول.
ربت على جانب ذراعه، يستحثه على التحرك معه، بعيدًا عن "فيروزة" تحديدًا، وهو يخبره:
-طيب روح عندها طمنها، زمانها متشوقة تشوفك.
أومأ برأسه قائلاً وهو يتبع خطواته الموجهة:
-وأنا والله...
لهنيهةٍ توقف عن الكلام ليسأله في فضولٍ قاومه كثيرًا:
-بس مقولتليش بتعمل إيه هنا؟
نظرة حازمة منه إليه، تبعها قوله الجاد:
-بعدين يا "تميم".
حمحم مبديًا طاعته لأمره المتواري بصوتٍ خفيض:
-حاضر يا حاج.
بالكاد أوشك على الذهاب حينما ارتفع عيناه نحو الأعلى، لينظر نظرة شاملة على المكان عمومًا، وسريعة خاطفة نحو طاووسه العائد؛ لكن تجمدت نظراته على العامل الذي كان يطلي الواجهة وهو يقف على السقالة الخشبية، فقدمه كانت قريبة من وعاء الطلاء، وقبل أن يبادر "تميم" بتحذيره، ركله العامل بعنفٍ –وبغيرِ قصدٍ- وهو يتحرك للجانب لينسكب ما فيه، مسببًا فوضى عارمة على الأرضية. هدر "تميم" عاليًا في غضبٍ:
-إنت يا ابني، مش تفتح وتاخد بالك؟
انتفضت "فيروزة" للكارثة الحادثة على مقربة منها، والتفتت للجانب ملقية نظرة مصدومة على ما حدث، فرأت لطخات عشوائية من الطلاء قد طالت ثيابها السوداء فأفسدت مظهرها الخارجي، بينما واصل "تميم" صياحه الحانق:
-في بني آدمين واقفين هنا، عجبك البهدلة دي؟
رد عليه العامل بقليلٍ من التوجس، قبل أن يهبط عن السقالة الخشبية، وقد رأى علامات الغضب واضحة على تعابيره:
-ماخدتش بالي يا ريس، لا مؤاخذة.
دنا منه "تميم" ملوحًا بذراعه وهو يهدده علنًا بخشونةٍ قوية:
-ودي أصرفها منين لا مؤاخذة بتاعتك دي؟ ليلتك طين.
جاء والده من خلفه يطلب منه بجديةٍ:
-سيبه يا "تميم".
استدار ناحيته يخاطبه:
-إنت مش شايف يا حاج استهتاره؟
هز رأسه وهو يشدد عليه:
-معلش، اهدى.
استاءت "فيروزة" من إفساد ثيابها، ببقع متفرقة من الطلاء، يصعب إزالتها بالمناشف الورقية، ومع هذا لم ترغب في نشوب الشجار وتصاعد الأحداث، خاصة بعد تجمهر القليل من المارة الذين وقفوا لمشاهدة ما يحدث بتطفلٍ مبرر. تنحنحت قائلة بضيقٍ محسوس في صوتها:
-خلاص يا جماعة، حصل خير.
رد "تميم" محتجًا:
-لأ، محصلش.
رأى "بدير" ثيابها غير النظيفة، وتساءل في انزعاجٍ:
-هتمشي إزاي كده يا بنتي في الشارع؟
على مضضٍ أجابته:
-يعني هتصرف، هاشوف تاكسي ولا حاجة قريبة توصلني للبيت.
دون إعادة تفكيرٍ، خلع "بدير" عنه قفطانه الداكن، ومد به يده نحوها عارضًا عليها:
-خدي ده عليكي.
تحرجت من تصرفه اللبق، وقالت:
-بس آ...
قاطعها بإصرارٍ:
-مافيش بس، أحسن ما الناس تتفرج عليكي.
جابت بنظراتها سريعًا على الأشخاص المراقبين للموقف، لم يكن من المحمود أبدًا التحرك هكذا أمام أنظارهم الجريئة، تحولت نظراتها نحو "بدير" مجددًا، فالأخير كان يملك من الفطنة ما جعله يتدارك الموقف سريعًا، بل ويجيد التصرف فيه بحكمةٍ وروية، لهذا لم تجادله كثيرًا، تناولت القفطان منه، ولفت به كتفيها، لينسدل على كامل ظهرها، ثم ضمت طرفيه معًا، فغاصت بداخله. رفعت "فيروزة" رأسها للأعلى، عندما تابع "بدير" أوامره الجادة لها:
-تعالي معايا أوصلك.
هزت رأسها موافقة، ولم تحاول النظر في اتجاه "تميم" الذي لم يفوت الفرصة ليتأملها بثياب أبيه في دهشة لا تخلو من الغرابة والذهول، قبل أن يبعد عينيه عنها ليحدق في العامل بنظراته المهددة. التفت "بدير" نحوه يحذره بإشارة من عكازه:
-"تميم" مش عايز أي عاركة هنا، الواد مايقصدش، لِم الدور.
كز على أسنانه هاتفًا بصوتٍ محموم:
-ماشي كلامك يا حاج.
لكزة مؤلمة بكوعه، سددها "تميم" للعامل في ذراعه وهو يعنفه:
-ابقى ركز يا بأف.
أحنى رأسه مرددًا في انصياعٍ:
-تمام يا ريس.
صفق "تميم" بكفيه معًا، هادرًا في التجمهر البسيط المتواجد في محيط الدكان:
-الليلة خلصت يا جدعان، الكل على أشغاله الله يكرمك.
في أقل من لحظاتٍ انفض التجمع، وعادت نظراته تهيم فيما نسجه الخيال مجددًا لصورة طيفها، وهو يكبح ابتسامة مسرورة تعانده للظهور على محياه.
..................................................
ما إن انتهى من شحن هاتفه المحمول برصيدٍ زائد، حتى ولج إلى بعض المواقع الإباحية لتحميل بضعة مقاطع خارجة، لمشاهدتها خلسة مع نفسه، عله يستدعي جذوة نشوته المنطفأة، فتزداد وهجًا واشتعالاً. تمدد "فضل" على فراشه، عاقدًا ساقيه معًا، وممسكًا بالهاتف بيده، حملق ملء عينيه في الشاشة، بعد أن أخفض نبرة الصوت، وهمهم بنبرةٍ هامسة محفزًا نفسه:
-وأدي أعدة، أما نشوف بقى الحلويات دي، بردك عايزين نستعد، ونعيد الذي كان بعد ما نسينا الدلع والهشتكة.
مقطع أعقبه آخر، ولا أدنى تأثير عليه، فاستمر في البحث عما يبث النار في خلاياه الحسية؛ لكن دون جدوى، شعر بتبلده وجموده، فانتابه القلق. اعتدل في رقدته، وتساءل في خوفٍ:
-إيه ده؟ ولا حاجة كده!!
قضى ما يقرب من الساعة وهو يسعى بشتى الطرق لإنعاش إحساسه، ورغم ذلك، بقي جسده خامدًا دون استجابة مشجعة. تصبب عرقًا باردًا، وردد في ارتعابٍ، مستعيدًا في عقله لمحاتٍ من الضرب العنيف الذي تلقاه على يد "تميم":
-لأحسن يكون اللي في بالي صح.
ساعة أخرى انقضت عليه، وقد نفذ كامل رصيده، بعد مشاهدات لأكثر المواقع إثارة، دون تأثيرٍ حسيٍ ملموس، ألقى بالهاتف في عصبيةٍ، ولون بشرته قد صار باهتًا. هبط عن الفراش مدمدمًا في توترٍ مذعور:
-تبقى سنة سوخة لو ده بجد.
حاول تهدئة نفسه، والتجاوز عن هواجسه مخاطبًا نفسه:
-أنا كويس، مافياش حاجة، هوهم نفسي ولا إيه؟
بلع ريقه الجاف مستشعرًا مرارته، وتابع بأنفاسٍ مضطربة؛ وكأن عقله قد أضاء بفكرةٍ جهنمية:
-مقدميش إلا أشوف الحباية إياها، ما أنا كنت مضغوط الأيام اللي فاتت، وأعصابي تعبانة.
عقد "فضل" العزم على شراء إحدى الأدوية المنشطة، لتحفيز الكامن من خلاياه، مقتنعًا بأنه لا يعاني من أي مشكلة عضوية، وتجربة الاعتداء البدني عليه، خلفت فقط بضعة سجحاتٍ وتسلخات داوتها الأدوية.
..................................................
امتلأت المائدة المستطيلة بكل صنف طعام اشتهى ابنها تناوله، فباتت وجبة الغذاء وليمة عظيمة تكفي لعشرات الأشخاص. وضعت "ونيسة" في صحن "تميم"، الكثير من الطعام، وهي تشجعه على إفراغه من محتوياته:
-كُل يا ضنايا، ده إنت وشك أصفر زي الليمونة.
ابتسم لها وهو يلوك لقيمات منه في جوفه، بينما استمرت في تفرس وجهه وهي تسأله بتشكيكٍ:
-إنت كنت تعبان ولا إيه؟ وشك دبلان.
بلع ما مضغه، ليعلق بعدها:
-أنا الحمدلله كويس.
هزت رأسها معترضة:
-لأ، مش باين عليك.
في حين أخبرها "سلطان"، وهو يتأمل تصرفها الأمومي الحريص باستغرابٍ:
-سبيه يا "ونيسة"، الواد كويس قدامك أهوو.
أيده "تميم" في رأيه ناظرًا في اتجاهه:
-قولها يا جدي.
احتجت على كليهما بقولها:
-أنا أدرى بابني، هو خاسس، ومش عاجبني.
أقبلت عليهم "هاجر" وهي تحمل رضيعها على ذراعها، وبيدها الأخرى تمسك بصحن الملوخية، وضعته في منتصف المائدة، قبل أن تمرر أنظارها على أفراد عائلتها وهي تسألهم في اهتمامٍ:
-ناقصكم حاجة تانية؟
ردت "ونيسة" نافية:
-لأ يا "هاجر"، اقعدي.
أشــار لها "تميم" بيده:
-هاتي الواد العفريت ده عنك شوية.
اقتربت منه برضيعها، وأعطته له مبدية ترحيبها الشديد بطلبه:
-أهوو تريحني منه.
هدهده "تميم" بمحبةٍ كبيرة وهي يتساءل:
-حبيب خالو، عامل إيه معاكي يا "هاجر"؟
بعد زفيرٍ مزعوج أجابته:
-مطلع عيني.
اعترضت عليها أمها بسخطٍ:
-هو لسه عمل حاجة؟ ليل نهار بتشتكي منه.
بررت ضيقها موضحة:
-ما أنا بصراحة مش فهماله حاجة، على طول زن وعياط.
علقت عليها أمها بصوتٍ مال للجدية:
-هما العيال في السِن ده كده، وبعدين ده الأيام بتعدي هوا.
رد "تميم" برجاءٍ:
-ربنا يباركلك فيه، وتحسني تربيته.
مسحت "هاجر" على كتف شقيقها، وقالت بابتسامةٍ حنونة:
-يا رب أشوفه زيك كده يا "تميم".
أتاها تعقيبه مؤكدًا:
-إن شاءالله، ده أنا اللي هاربيه على إيدي.
استدارت شقيقته برأسها نحو أبيهما عندما خاطبها مباشرة للفت انتباهها:
-بأقولك يا "هاجر"..
التفتت ناحيته هاتفة:
-أيوه يابا.
قال بعد تناول ملعقة من الشوربة الساخنة:
-كنت بأفكر أبيع الشقة بتاعتك، وأحطلك فلوسها في حسابك في البنك، مالهاش لازمة قفلتها، إيه رأيك؟
تنهدت قائلة بفتورٍ:
-اللي تشوفه صح اعمله.
راح يشورها في الأمر مشددًا عليها:
-أنا باخد رأيك، مش عايز أعمل حاجة إنتي مش عايزاها.
بعد لحظة من الصمت نطقت بوجهٍ يميل للتجهم:
-بيعها يابا، أنا مش عايزة حاجة تفكرني باللي عشته وشوفته مع قليل الأصل.
رد في استحسانٍ:
-ماشي يا بنتي.
وجهت "ونيسة" حديثها لزوجها تسأله في اهتمامٍ:
-ها يا حاج خلصت توضيب دكان "فيروزة"؟
تطرق أحدهم لسيرتها كان كفيلاً بجعل نبضات قلبه تتسارع، جاهد "تميم" ليبدو هادئًا، غير مقروء التعبيرات، بينما تحفزت كل حواسه لتقصي أخبارها بالكامل، ادعى انشغاله بالعبث فيما يملأ صحنه من طعامٍ، وركز سمعه مع والده الذي أجاب:
-فاضل كام حاجة ونقفله.
رددت أمه في تضرعٍ:
-ربنا يجعله فاتحة خير عليها، هي بنت حلال وتستاهل، وكويس إنك معاها يا حاج، بدل ما الغريب يضحك عليها.
قدرته على البقاء بلا ردة فعلٍ كانت مستحيلة، لاك الطعام ببطءٍ، وهو يشعر بتلاحق خفقاته، واضطرابٍ في معدته، تشنجت يده على الملعقة حينما أضافت "هاجر" في إعجابٍ:
-أه والله، هي أصلاً بنت جدعة، مابتحبش تعتمد على غيرها.
وافقتها "ونيسة" في الرأي:
-مظبوط.
حقًا كان غير يسيرٍ عليه أن يمثل عدم مبالاته أمام مدحها عفويًا بكل الصفات المحمودة التي يحبذ سماعها عنها، دفع "تميم" مقعده للخلف، وأعاد الرضيع لأمه، ليتحرك مبتعدًا عن المائدة. سألته "ونيسة" في استغرابٍ:
-رايح فين يا "تميم"؟
أجلى أحباله الصوتية، وأجابها مشيرًا بذراعه:
-هاخش أريح جوا.
مصمصت شفتيها معقبة في إشفاقٍ:
-أكيد تعبان من السفر والشقا ليل نهار.
رد وهو يفرك مؤخرة عنقه:
-يعني.
أخبرته والدته بنوعٍ من الإعلام:
-ماتحاولش تنام، أنا بعد ما ألم الأطباق هاعملك شوية شاي تظبط بيهم دماغك.
استحسن عرضها، وقال في امتنانٍ:
-تسلم إيدك يا ست الكل.
انسحب بعدها من المكان، موليًا عائلته ظهره، ويده موضوعة على صدره، تتحسس قلبه القافز بين ضلوعه في رغبةٍ ورجاء، لا يمكن إنكار الابتسامة العريضة التي أنارت وجهه، وتلك المرة لم يبذل جهدًا لإخفائها.
...................................................
جاءت بصحبة والدها، في الموعد المتفق عليه مع مضيفتها، لتجمع متعلقاتها الشخصية، وما يحتاج إليه أبنائها من ثيابٍ وأشياءٍ ضرورية كانت متروكة فيه، لكونه كان فيما مضى مسكنها. رحبت "سعاد" بطليقة ابنها، واستقبلتها بودٍ، ليظل والد الأخيرة جالسًا بالخارج في انتظارها. عاودت احتضانها قبل أن تعاتبها في لطفٍ:
-بقى كده يا بنتي؟ تهون عليكي العِشرة؟
في سخطٍ متهكم أجابتها:
-أنا بردك يا خالتي؟ إنتي بنفسك عارفة عملت إيه عشان أرضي ابنك، وفي الآخر اترميت في الشارع.
هتفت بسجيةٍ، معللة تدهور الأوضاع بينهما:
-ده شيطان ودخل بينكم، استهدي بالله كده وآ...
قاطعتها في احتجاجٍ حانق:
-يا خالتي ابنك مصدق خلص مني، وطلقني بالتلاتة، بعد ما خلاني أبريه من كل حاجة، تقوليلي شيطان وكلام من ده؟
أطرقت رأسها في خزيٍ وهي تغمغم:
-والله أنا وشي منك في الأرض.
ابتلعت غصة في حلقها، وواصلت الحديث معها بضيقٍ:
-محدش ليه ذنب غير ابنك، وقلة أصله...
لكن ما لبث أن غلف الألم صوتها وهي تكمل:
-أنا اللي رخصت نفسي من الأول، ورضيت أخد بالجزمة فوق دماغي، وأسكت عشان عيالي.
طردت كتلة ثقيلة من الهواء عن صدرها، وأضافت بتعابيرٍ واجمة:
-الكلام مش هايغير حاجة، كل واحد خد نصيبه، خليني ألم حاجتي، وأخد كام هِدمة للعيال يغيروا فيهم.
قالت بملامح آسفة:
-ده بيتك يا "سها".
همَّت بالتحرك؛ لكن ظهر لها من العدم آخر من ترغب في رؤيته، بسحنته المقلوبة، وتعابيره اللزجة. على الفور بادر "فضل" بالهجوم عليها بإهانةٍ سافرة:
-هي بوز الإخص دي بتعمل إيه هنا؟
حذرته والدته من التمادي في الخطأ بلهجةٍ غير راضية:
-ما تحفظ لسانك يا "فضل"، بلاش قلة أدب.
بينما قابلت "سها" إهانته بردٍ وقح، لم يتخيل أن تجرؤ على النطق به، وهي تشير بسبابته نحوه؛ وكأنها تقلل منه بازدراء شديد:
-سبيه يا خالتي، هو مافهوش إلا لسان؟
اهتاج من احتقارها الفظ، وسبها بوجهٍ مشتعل:
-آه يا بنت الـ....
قاطعته قبل أن يواصل إهانتها، مهددة إياه بقوةٍ لا تعرف كيف امتلكتها أمامه، بعد سنواتٍ من الذل والخذلان:
-عندك، أبويا واقف برا، ولو مديت إيدك عليا هاخليه يسجنك.
صاح بها في حنقٍ مغتاظ:
-إنتي جاية تهدديني في بيتي؟
ضحكت هازئة به:
-لأ، هو أنا أقدر يا سبع البرومبة؟
سألها بنبرةٍ مغلولة وهو يرمقها بتلك النظرة الدونية:
-جاية ليه يا وش البومة؟
جاوبته بتأففٍ:
-أخد حاجتي، وماشية.
لوح لها بيده وهو يهدر بها:
-طب انجزي وغوري..
حدجته بنظرة نارية قبل أن تكمل سيرها؛ لكنه استوقفها هاتفًا، وكأنه يغيظها:
-ولعلمك بكرة هاتجوز ست البنات وأكيدك.
ضحكت في استهجانٍ وهي تخبره:
-دي أكيد أمها داعية عليها اللي تتبلي بيك.
اشتاط غضبًا من ردها المستخف به، وصاح في حقدٍ:
-شايفة يامه الغلط؟ وتزعلوا لما أكسر دماغها.
توقفت عن الضحك لترد بلهجةٍ جامدة تحمل الوعيد:
-أنا لو أعرف إنك موجود مكونتش دخلت من أساسه، والأحسن أنادي على أبويا يتصرف معاك.
تدخلت "سعاد" لتهدئة الوضع المتأزم بينهما بقولها:
-الموضوع مش مستاهل يا "سها"، خلي أبوكي مرتاح في المضيفة، وشوفي حاجتك..
ثم التفتت نحو ابنها تطلب منه بصوتٍ منزعج:
-وإنت يا "فضل"، امشي من قدام وشها السعادي.
هتف في حرقةٍ، وأمارات الغيظ تتراقص في ملامحه:
-أنا ماشي من الخلقة اللي تغم النفس دي.
اختفى "فضل" من أمامها، ملقيًا ببعض اللعنات المسيئة إليها، بصوتٍ قصد أن يكون مرتفعًا، لتصل إهانته لها، فرددت "سها" تدعو عليه رافعة كفيها للسماء:
-ربنا يسلط عليك، اللي لا يخاف ولا يرحم، يا "فضل" يا ابن "سعاد" ...................................... !!
.......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم Manal Salem
للساهرين بعد منتصف الليل
فصل جديد ..
الفصل المائة وواحد
بعينين ترمشان في توترٍ ملحوظ، حملقت في سقف الغرفة، ويداها معقودتان معًا فوق بطنها المنتفخ قليلاً، أثناء استلقائها على الفراش إلى جوار زوجها. سحبت "همسة" شهيقًا عميقًا، لفظته من رئتيها على مهلٍ، واستطردت تبوح لزوجها بما يستبد بها من مخاوفٍ تزداد ترسخًا فيها بمضي اللحظات:
-مكدبش عليك يا "هيثم"، أنا بقيت أخاف من مامتك...
بترت باقي كلامها، لتدير رأسها في اتجاهه، وجدته محدقًا مثلها بالسقف، وهذا التعبير الغامض يكسو وجهه، لعقت شفتيها، وتابعت استرسالها في ترددٍ:
-حاسة إنها ناوية على حاجة وحشة، وده مش مريحني.
رفعت جسدها قليلاً لتنظر إليه، ثم سألته في ترقبٍ:
-إنت مش حاسس بكده برضوه؟
أجابها وهو يسحب ظهره للخلف ليستند على عارضة الفراش ورائه:
-والله ما عارف أقولك إيه، هي أمي ...
لامست الألم في صوته عندما أكمل:
-وماينفعش أرميها في مصحة ولا الشارع، مش بعد العمر ده كله أبهدلها.
ردت في كلماتٍ مهونة عليه تخبطه:
-وأنا مقصدش ده أبدًا، بس فعلاً حالتها مش بتتحسن، وإنت أكيد ملاحظ ده.
وسَّد ذراعه خلف رأسه، وقال بزفيرٍ بطيء:
-بكرة أكلم الدكتور، وأخدلها ميعاد معاه، جايز يفيدنا بحاجة.
ابتسمت في امتنانٍ لقراره الجيد، وقالت:
-كده أفضل.
التفت برأسه ناحيتها لينظر إليها بعمقٍ قبل أن يخبرها:
-ولو إنتي مقلقة منها ابقي انزلي عند خالتي "ونيسة"، خليكي أعدة معاها، وأنا هفهمها الوضع، مهما كان هي بردك أختها، وأكيد هتساعدني ناخد بالنا منها الفترة دي.
أومأت برأسها موافقة:
-ماشي.
عاودت الاستلقاء مرة أخرى على ظهرها، وهي تطبق على جفنيها، مستدعية النوم إليها؛ لكن شتت حالة الاسترخاء المذبذبة سؤال "هيثم" الغريب:
-إيه الريحة دي؟
استنشقت الهواء المعبق بتلك الرائحة المزعجة، وقالت بوجهٍ متقلص:
-في ريحة شياط.
سألها مستفهمًا بحاجبٍ مرفوع للأعلى:
-هو إنتي ناسية حاجة على النار؟
ردت نافية على الفور، بتعابيرٍ تبدلت للاسترابة:
-لأ، أنا نضفت البوتجاز، وفصلت محبس الغاز.
أزاح الغطاء عن جسده، وتساءل في حيرةٍ قلقة:
-أومال دي جاية منين؟
منحته جوابًا عائمًا وهي تعتدل في رقدتها:
-يمكن من برا ولا حاجة، أنا متأكدة إن مافيش حاجة عندنا.
تقدم "هيثم" نحو باب غرفة نومهما، فاقتحم أنفه المزيد من الرائحة الخانقة، تلقائيًا وضع ذراعه حول أنفه ليقلل من نفاذها إليه وهو يهتف في توجسٍ:
-ده الريحة بتزيد.
مثلما فعل، هبطت "همسة" عن الفراش، ودنت منه وأنفها يشم بقوةٍ تسرب الرائحة إلى داخل الغرفة، سعلت قليلاً، لتعقب بعدها بقلبٍ يدق في ارتعابٍ:
-معاك حق، الموضوع كده يخوف.
أشار لها لتبقى وهو يخبرها:
-استني كده أنا هاطلع برا أشوف في إيه.
أصرت على الذهاب معه بقولها:
-أنا جاية معاك.
غادر الاثنان الغرفة، ليجدا سحبًا من الدخان الكثيف تنبعث في الصالة، وتغطي الفراغ، بل وتنتشر بسرعة البرق في أرجاء المنزل، أسرع "هيثم" أولاً في خطاه باحثًا عن مصدرها، وكان اتجاهه الأول هو المطبخ، تجمد عند أعتابه ناظرًا بعينين على كامل اتساعهما من الصدمة المرعوبة، عندما رأى ألسنة اللهب تتصاعد من أعلى الموقد، من المقلاة تحديدًا، لتصل إلى السقف. هلل في فزعٍ، مع شحوب مخيف لوجهه، وقد رأى والدته تجلس على المقعد أمامها تحملق فيها في هدوءٍ عجيب؛ وكأنها تستمتع بمنظرها:
-يا ساتر يا رب، حاسبي يامه.
صرخت "همسة" مستغيثة:
-يا لهوي، الحقونا يا ناس، البيت بيولع!
حاول زوجها تهدئتها، ودفعها بعيدًا عن مرمى النيران، وهو يصيح بصوتٍ اختلط بالسعال:
-اهدي، خليني أعرف اتصرف.
من بين سعالها المؤذي لحلقها أمرته بلهجتها المذعورة:
-افصل محبس الغاز بسرعة.
امتثل لنصيحتها الهامة، وأسرع بغلق المحبس الموصول بالموقد، ليقطع إمداده بالغاز الذي يزيد من تغذية النيران المتوهجة، بالكاد استطاع الاقتراب من والدته الجالسة في ثباتٍ عجيب أمام الألسنة؛ وكأن ما يحدث نصب عينيها لا يهز شعرة من رأسها. جذبها بقوةٍ من على المقعد وهو يأمرها بصوته المختنق:
-تعالي يامه برا.
قاومته رافضة الذهاب معه، وهي تشير بيدها نحو فمها؛ وكأنها تخبره برغبتها في تناول الطعام، لم يفهم مقصدها، ولم يضع الوقت في هراءٍ لا يفيد، دفعها بخشونةٍ طفيفة نحو باب المطبخ مرددًا:
-متخافيش يامه، خدي بالك بس.
نظرت "همسة" إلى وجه والدته الملطخ برمادٍ محترق، وحدقت في شعرها المشعث بنظراتٍ تعبر عن خوفٍ صريح، انتشلها من تحديقها فيها صوت "هيثم" الهادر:
-هاتي بطانية بسرعة يا "همسة".
هزت رأسها هاتفة وهي تسعل:
-طيب.
أبعد "هيثم" أمه عن الخطر، وأجلسها بالصالة وهو يردد في تضرعٍ:
-نجينا يا رب.
عادت إليه زوجته تحمل الغطاء الثقيل، فهرول ركضًا نحو المطبخ ليطرحه على المقلاة المشتعلة عن بكرة أبيها، ليخمد بها النيران، سحب الغطاء من جديد، وكرر الفعلة لبضعة مراتٍ، قبل أن يستعين بالماء ليضمن انطفاء كامل ألسنتها، في حين ظلت "همسة" مرابطة في مكانها، تتطلع إلى "بثينة" بنظراتها الوجلة، والأخيرة تضحك بشكلٍ هيستري قبل أن تتوقف عن الكركرة، لتشير بإصبعها نحوها. توقفت عن التنفس لحظيًا مع حركتها تلك، وزاد جفناها اتساعًا في رهبةٍ، خاصة عندما وضعته على عنقها لتشير إلى نحره، لم تتحمل كم الخوف الذي تبثه حماتها لها، فسقطت مغشيًا عليها، وقد غاب عن وعيها الإدراك.
......................................................
في تلك الأثناء، انتبه "تميم" للجلبة الصادرة من الأعلى، في البداية لم يعر الأمر الاهتمام، وظل جالسًا على فراشه؛ لكن مع الصرخات المستغيثة انتفض هابطًا عنه، ليخرج من غرفته بخطواتٍ سريعة، شبه عرجاء، متجهًا نحو البهو المتسع، حيث يجلس أفراد عائلته، متسائلاً بنبرة حائرة:
-سامعين الدوشة دي؟
ردت عليه "ونيسة" بجبينٍ مقتضب:
-أيوه يا ابني.
وأيدتها في كلامها "هاجر" بقولها، وهي تداعب رضيعها:
-وقبلها في حد صوت.
أمره جده بلهجته الحازمة:
-اطلع بص كده يا "تميم"، وشوف في إيه.
رد وهو يومئ برأسه إيجابًا:
-ماشي.
هتفت والدته من خلفه، قبل أن تتبعه حتى باب المنزل:
-ربنا يستر.
نظرة سريعة ألقاها "تميم" للأعلى، وهو يصعد درجات السلم متوجهًا للطابق العلوي، قرع الجرس، ودق على باب منزل "هيثم"، وأنفه يستنشق الرائحة الغريبة المنبعثة من الداخل، مسح أرنبته بظهر كفه، وانتظر بترقبٍ فتحه له، ظهر "هيثم" أمامه، فشمله بنظرة متفحصة لهيئته الفوضوية، ليسأله بعدها في ريبة:
-خير في إيه يا جماعة؟
أجابه وهو يفسح له المجال للمرور:
-ربنا لطف، حريقة قامت في المطبخ، بس لحقتها قبل ما تكبر.
ردد مذهولاً:
-يا ساتر يا رب، من إيه كده؟
جاوبه وهو يهز كتفيه في حيرة:
-مش عارف يا "تميم"...
ثم استخدم يده في الإشارة وهو يوضح له تفاصيل ما حدث:
-أنا فجأة شميت ريحة شياط، وببص لاقيت أمي قاعدة جوا المطبخ والنار هابة من البوتجاز.
فكر "تميم" مليًا فيما سرده، بعد أن ولج إلى المطبخ معه، ليمعن النظر بتدقيقٍ شديد في بقايا أثر الحريق، ودون مقدماتٍ تمهيدية، سأله مباشرة؛ وكأنه يشك في أمرٍ بعينه:
-تفتكر تكون أمك عملت كده؟
ضغط "هيثم" على شفتيه قائلاً بعد زفيرٍ طويل أظهر تردده:
-مش عارف، بس الموضوع بقى مقلق ..
لم ينبس ابن خالته بكلمة، متفهمًا طبيعة الموقف، وتبع بنظراته "هيثم" وهو يدنو من الحوض، ليحضر كوبًا ملأه بالمياه، ظلت أنظاره عليه عندما خاطبه:
-ده غير إن "همسة" تعبت من الريحة، وأغمى عليها، وبالعافية فوقتها.
اقترح عليه "تميم" بإصرارٍ:
-طب خلي جماعتك تنزل تحت عندنا مع أمك، لحد ما نتأكد إن كل حاجة بقت تمام، وهما هياخدوا بالهم منهم، وأنا هافضل معاك لغاية ما نشوف حل مناسب يريح الكل ويطمنهم.
كان "هيثم" في أمس الحاجة لفسحة من الوقت للتفكير بذهنٍ صافٍ، بعد الذي اختبره اليوم، لذا استحسن اقتراحه، ووافق عليه دون جدالٍ:
-ماشي.
.........................................................
جرفتها مشاعر الخوف ودفعتها للمكوث ليلاً في منزل عائلة "سلطان"، على أن تبقى في منزلها مع والدة زوجها، بعد تهديدها الصامت لها، فتشاركت الغرفة مع "هاجر"، ولازمت الفراش مقاومة الرجفة الغريبة المسيطرة عليها، حاولت الأخيرة تهوين الأمر عليها، فقالت وبين شفتيها ابتسامة مطمئنة:
-ماتقلقيش من حاجة، الدنيا هنا أمان.
قوست "همسة" شفتيها لتبتسم عندما ردت بحرجٍ:
-أكيد، أنا .. أسفة لو زاحمتك في أوضتك.
تصنعت "هاجر" العبوس، وأخبرتها بلطفٍ:
-إنتي نورتيني، وبعدين الأوضة واسعة زي ما إنتي شايفة.
شكرتها بامتنانٍ شديد:
-كتر خيرك.
تساءلت مضيفتها في نوعٍ من الفضول:
-هو حصل إيه بالظبط؟
تهربت من إعطائها الإجابة حتى تتحدث أولاً مع زوجها، وقالت:
-مـ.. مش فاكرة، أنا أغمى عليا من الخضة.
جلست "هاجر" على طرف الفراش إلى جوارها، ومسحت بحنوٍ على جانب ذراعها، وهي تتنهد قائلة:
-الحمدلله، عدت على خير.
بتوجسٍ لم تستطع ضبطته في نبرتها تساءلت "همسة"، والذعر يزحف على عينيها:
-أومال .. فين.. طنط "بثينة"؟
أجابت بتلقائية وهي تشير بيدها:
-خالتي، نايمة في أوضة أخويا، هي ماما معاها.
عضت على جانب شفتها قبل أن تسألها بتلعثمٍ يشوبه الخوف:
-طب ممكن طلب؟
ردت مرحبة:
-اتفضلي.
أخبرتها وهي تزدري ريقها:
-ممكن نقفل الباب بالمفتاح؟
تعجبت من طلبها الغريب، وسألتها مستوضحة:
-ليه؟ في حاجة؟
وقبل أن تمنحها ردها أخبرتها معتقدة أنها تفكر في تلك المسائل البديهية البسيطة:
-لو قلقانة إن في حد هيدخل علينا اطمني، الكل هنا بيراعي الخصوصية وبيحترمها.
أصرت على رغبتها دون تبريرٍ واضح:
-معلش، عشان خاطري.
استجابت لطلبها، ووافقت بإيماءة من رأسها:
-حاضر.
صاحبتها "همسة" بنظراتها الخائفة وهي تتجه نحو الباب، غمرها القليل من الارتياح بعد أن سمعت صوت حركة المفتاح في قفله لتوصده، وهمهمت بصوتٍ هامس للغاية:
-يا رب نجيني من شرها.
..........................................................
بدا الخيار الأسلم، بعد الكارثة التي وقعت في المنزل، إبقاء والدته بعيدًا عن محيطها، وتحديدًا في منزل شقيقتها، تحت مراقبة ورعاية العديد من الأشخاص، ريثما يتخذ التدابير اللازمة، لنقلها لمكانٍ متخصص يتم فيه رعايتها نفسيًا وعقليًا، حتى لا تكرر فعلتها بجنونٍ أكبر لا يمكن السيطرة عليه. لم تخبر "همسة" والدتها بتفاصيل الحادث المشؤوم في حينها، بل انتظرت مرور يومين لتطلعها على الأمر، فجاءتها الأخيرة على الفور بصحبة توأمتها، لتعاتبها بلومٍ شديد:
-يعني لو مكونتش كلمتك بالصدفة، مكونتش عرفت باللي حصلك؟
هتفت بنبرة هادئة:
-عدت على خير يا ماما.
نظرت "فيروزة" لتوأمتها بنظراتٍ متفرسة، ثم خاطبتها بجديةٍ؛ وكأن في مضمون حديثها لها تحذيرًا متشددًا:
-الموضوع بقى خطير يا "همسة"، ماينفعش يتسكت عنه، الست دي لازم تروح مصحة نفسية تتعالج.
تطلعت إليها، وحركت شفتيها ناطقة:
-وده اللي "هيثم" ناوي يعمله.
سألتها والدتها بصبرٍ نافذ:
-وده امتى إن شاءالله؟
التفتت ناحيتها قبل أن تجيب:
-مش عارفة
أصرت عليها بخوفٍ أمومي بائن في صوتها:
-وإنتي مستنية إيه؟ لما تتهف في مخها أكتر، وتعمل فيكي حاجة؟
بتعابيرٍ مستاءة علقت عليها:
-وأنا في إيدي إيه أعمله يا ماما؟ الدواء بديهولها في ميعاده، وواخدة بالي منها على أد ما أقدر، ودلوقتي هي بعدت عني، وأعدة مع أختها.
هتف في تنمرٍ غير راضٍ:
-ده مش كفاية.
أضافت "فيروزة" بما يشبه النصيحة:
-طب كلمي جوزك، وفهميه بالعقل كده، عشان يتحرك بسرعة.
بينما استمرت "آمنة" في إظهار هواجسها لها بترديدها:
-وبعدين لو مش خايف عليكي، فاحنا خايفين عليكي وعلى اللي في بطنك.
على مضضٍ عقبت ابنتها:
-ربنا يسهل.
تنهدت "فيروزة" طالبة من والدتها:
-خلاص يا ماما متقلقيهاش أكتر من كده.
على ما يبدو لم تكن "آمنة" راضية كليًا عن التفريط في حياة ابنتها وسلامتها، فاقترحت على ابنتها:
-تعالي روحي معانا.
رفضت رغبتها بلباقةٍ:
-عشان "هيثم" مايضايقش.
صاحت في اعتراضٍ مغلف بالسخط:
-هو إنتي هتقعدي في الشارع، ما هو ده بيتك.
بابتسامة لطيفة حاولت تبديد مخاوف والدتها، وأخبرتها:
-والله أنا دلوقتي كويسة.
يئست من إقناعها بالقبول رغم إلحاحها الشديد عليها بكافة الطرق، فنطقت أخيرًا في إحباطٍ:
-طب خدي بالك من نفسك، ماتخليش عقلي يودي ويجيب من القلق عليكي.
هزت رأسها في طاعةٍ وهي ترد:
-حاضر يا ماما.
أرادت "همسة" تغيير الموضوع بآخرٍ، فخاطبت توأمتها متسائلة في اهتمامٍ:
-أخبار محلك الجديد إيه يا "فيرو"؟
بحماسٍ انعكس في صوتها استطردت "فيروزة" تشرح لها:
-قربنا خلاص أهوو، بأشوف البضاعة اللي محتاجاه، وجمعت حاجات كتير، وقت ما استلمه بعد التشطيب هابدأ أرصها.
بنفس اللهفة قالت؛ وكأنها تشاركها حماسها:
-أنا هساعدك فيه ماليش دعوة، وهتلاقيني بنط فوق دماغك كل شوية، وليا لي نسبتي.
ضحكت وهي تعقب عليها:
-تعالي يا "هموس"، هو أنا هحوشك؟
تابعت "آمنة" حوار الشقيقتين، ومخططاتهما لتطوير العمل قبل أن يبدأ فعليًا بنظراتٍ لامعة، مليئة بالسعادة والحبور، ثم تنهدت داعية للمولى في سريرتها برجاءٍ كبير:
-ربنا يخليكم لبعض يا حبايبي.
....................................................
وقف كلاهما على بَسْطة السلم يتبادلان الحديث الجاد، بعيدًا عن الثرثرة الجانبية للنساء، والتي قد تفسد تفكيرهما المنطقي، بسبب تأثير مشاعر العطف والشفقة. أشعل "هيثم" سيجارة أخرى، نفث دخانها بمجرد أن احترق طرفها، بينما اكتفى "تميم" بالواحدة التي تناولها قبل قليل، ليتطلع إلى ابن خالته بنظراته الثاقبة، كان الأخير صامتًا، مستغرقًا في التفكير، تبدو الحيرة ظاهرة على محياه. زفر "تميم" عاليًا، وارتكن إلى جانب الحائط، ليستطرد قائلاً بملامحه الجادة:
-أنا رأيي ماتسكتش عن حالتها، لازمًا حد متخصص.
قال بنوعٍ من التبرم:
-وأنا مقصرتش معاها!
حاول إيضاح أبعاد خطورة إرجاء التصرف المنطقي والسليم، بسبب تحكم عواطفه بقراره، فتكلم بعقلانية:
-طب ما إنت شايف عملت إيه وإنت موجود، ما بالك لو عينيك غابت عنها؟
لفظ الدخان من رئتيه، وتذوق التبغ في لعابه وهو يبلعه قبل أن يهمهم:
-ربنا يستر.
كرر عليه من جديد عله يدرك ما قد يغيب عن ذهنه:
-الصح إنها تفضل هناك شوية، وأنا اطأست وعرفت إن المكان ده كويس، فبلاش تأخر مرواحها.
قبل أن يأتيه تعليقه، التقطت أنظاره الأطياف المنعكسة على الجدران، لتنبهه لقدوم أحدهم، فاعتدل مستقيمًا في وقفته. كجرس إنذارٍ انطلق دويه فجأة، قفز قلبه بين ضلوعه عندما أطلت عليه بوجهها الناعم، وهي تتهادى في خطواتها هابطة الدرجات متأبطة ذراع والدتها. جالت عيناه على ذلك الوشاح الأسود المتطاير حول وجهها، مداعبًا صدغيها بدلالٍ، كما لو كان النسيج يغازل بشرتها النضرة. سرعان ما تدارك نفسه، وأخفض رأسه مقاومًا خيبة الأمل التي اجتاحت وجدانه، لإبعاد عينيه عن تأملها. استمع إلى صوت "هيثم" وهو يتساءل:
-ما بدري يا جماعة؟
اقتحم أنفه الرائحة الزكية المنبعثة من العطر الغارق فيه ثيابها، ومع إرهافه السمع لصوت تنهيداتها، تحفزت حواسه وتيقظت على الأخير، فبدا وكأنه في حالة استنفارٍ، قاتل مستنزفًا طاقة صبره ليوأد ما نبض في خلايا جسده، وبعث الحياة فيها. حاول التركيز مع صوت والدتها التي ردت:
-عشان تاخدوا راحتكم، والحمدلله إنها جت على أد كده.
علق "هيثم" في رضا:
-قدر ولطف.
أوصته "آمنة" بلهجة الأم المتشددة:
-خد بالك من "همسة"، دي أمانتي عندك.
قال بصوتٍ مغاير للهادئ الذي كان عليه قبل لحظة:
-اطمني يا حماتي...
ألقى بالسيجارة، ودعس طرفها المحترق بقدمه قبل أن يكمل جملته:
-تعالوا أوصلكم.
رفضت إرهاقه قائلة بتهذيبٍ:
-لا يا ابني، ماتتعبش نفسك، المسافة مش بعيدة.
تسارعت النبضات، وكادت تنطق علنًا باستسلام فؤاده صريع حبها المتغلغل في أعماقه، أمام الصوت المتسائل في لطافةٍ اختزلت في الجميع النساء إلا سواها:
-هو الحاج "بدير" موجود؟
جاهد لتبدو نظراته عادية، غير فاضحة لأمره، وهو ينظر إلى قطعتي الفيروز عندما أجابها متسائلاً:
-أيوه، عايزاه في حاجة؟
استغربت والدتها من طلب ابنتها الغريب، وسألتها هي الأخرى:
-خير يا بنتي؟
التفتت برأسها في اتجاه والدتها، وأجابت بصوتٍ كان إلى حدٍ ما خافتًا:
-الفلوس بتاعة العمال يا ماما معايا، بما إننا موجودين بالمرة أديهاله.
التقطت أذناه كلامها، ووجد نفسه في موقفٍ حرج، فوالده الوحيد المنوط بإدارة تلك المسألة المادية، لذا أخبرها بهدوءٍ:
-طب أنا هاشوفه نايم ولا صاحي.
اعترضت "آمنة" على إزعاجه قائلة بحرجٍ، ونظراتها اللائمة تتجه إلى ابنتها:
-لأ خلاص، مالوش لازمة تقلقه، خليها وقت تاني.
ضاقت عينا "فيروزة" في احتجاجٍ، وألحت عليها:
-بس يا ماما، دي فرصة وآ...
قاطعتها بحسمٍ، ونظرة صارمة تكسو عينيها:
-عيب يا بنتي، مايصحش نزعج الناس في بيوتها.
تدخل "تميم" في حوارهما قائلاً بترحيبٍ شديد وهو يشير نحو باب المنزل:
-ولا إزعاج ولا حاجة، اتفضلوا.
تمسكت برفضها لتلبية رغبة ابنتها، وبادرت بالتحرك نحو الدرج وهي تقول:
-وقت تاني إن شاءالله، عن إذنكم...
سحبت ابنتها من ذراعها خلفها قائلة لها:
-بينا يا "فيروزة".
لكز "تميم" ابن خالته في جانب كتفه، ليستحثه على الحركة، وصوته يأمره بلهجةٍ لا تقبل بالتهاون في تنفيذ ما قاله:
-انزل معاهم لتحت يا "هيثم"، وركبهم تاكسي وحاسبه.
حمحم قائلاً بإذعانٍ:
-طيب.
بمجرد أن هبط خلفهما "هيثم"، تحرك "تميم" ناحية حافة الدرابزون ليحني رأسه للأسفل، عله يلتقط لمحة أخيرة منها، قبل أن تغيب شمسه عن سماه. تحرر الهواء المشحون بالآمال والأحلام من صدره، مصحوبًا بدعاءٍ لا يتوقف اللسان عن ترديده ليل نهار:
-ربنا يقرب البعيد ................................... !!
.......................................................
يتبع >>>>>>>>>
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم Manal Salem
باعتذر عن التأخير ..
الفصل متاح للقراءة
الفصل المائة واثنان
بكفين مرفوعين للأعلى، ولسانٍ يلهج بالشكر، اختتم "تميم" صلاة الجماعة مع جده، حيث قام بتأدية فرضه الرئيسي كعادته في غرفة الأخير كلما سنحت له الفرصة بذلك، خاصة بعد عودته من العمل. كانت الحجرة ملجأه المؤقت ريثما يتم نقل خالته من غرفته للمشفى النفسي. نهض من مكانه ساحبًا مصليته من أسفله، ليطويها بعد ذلك، ويضعها في مكانها المعتاد على التسريحة. التفت ناظرًا إلى جده الذي بادر قائلاً بنبرة خاشعة:
-تقبل الله.
رد مبتسمًا:
-منا ومنكم إن شاءالله ...
شعر بوخزة طفيفة في ركبته، فانحنى قليلاً ليدعكها بيده، وهو يتابع كلامه معه:
-متأخذنيش يا جدي، بقالي كام يوم مزاحمك في الأوضة...
ثم تنهد ببطءٍ، وأضاف:
-ربنا يسهل على "هيثم" ويودي أمه المصحة.
جاءه تعليق جده مؤيدًا انتقالها للمشفى النفسي، وقد ضاقت نظراته:
-أيوه، خلي الكل يرتاح.
تحدث "تميم" معقبًا على تأجيل ابن خالته تنفيذه للأمر:
-غصب عنه يا جدي، مهما كان دي أمه، مش هيرميها.
لمحة من الضيق ضهرت على وجهه وهو يكمل كذلك:
-ده غير جو الصعبنيات اللي كل شوية تعمله، وده مأخر الحكاية.
رد عليه جده بتعابيره الهادئة:
-ومين قالك إني مضايق من قعدتك معايا؟
ببساطةٍ أخبره مستخدمًا يده في الإشارة:
-برضوه عشان تاخد راحتك.
عاتبه "سلطان" بنوعٍ من المزاح اللطيف:
-دي فرشتك يا واد من زمان، ولا نسيت كنت بتعمل إيه وإنت صغير؟
وكأنه شرد في ماضٍ كان الأفضل على الإطلاق، فأخذ يشاركه في الاسترسال متحدثًا عنه:
-فاكر يا جدي، كنت باستنى أما أمي تنام، وأطلع من أوضتي أتسحب عشان أنام مكانك قبل ما ترجع من الدكان.
اتسعت بسمته وهو يواصل سرد المميز في طفولته:
-وكيس الحلويات، كنت أقوم من النوم ألاقيه محطوط جمبي على المخدة.
علق جده في حبورٍ، مبديًا سعادته باستعادة تلك الأحداث الطيبة:
-يــاه، ذكريات فات عليها زمن.
اقترب "تميم" من جده، وأحنى رأسه على قمة رأسه ليقبله في وقارٍ، ثم تراجع عنه مرددًا في تضرعٍ:
-ربنا يديك طول العمر يا جدي، وتعمل كده مع ولادي.
أومأ برأسه قائلاً في استحسانٍ وهو يمسح على جانب ذراعه:
-يا رب..
جلس "تميم" على جانب الفراش، وتطلع إلى جده الذي سأله بتلميحٍ مبطن:
-كله تمام معاك يا "تميم"؟ الدكتور طمنك؟
تقوست شفتاه عن بسمة راضية، بعد أن فهم ما يرمي إليه وهو يرد:
-الحمدلله، أحسن عن الأول.
هز رأسه مغمغمًا في ارتياح:
-يستاهل الحمد...
ثم لاحقه بسؤاله الآخر؛ ولكن بشكلٍ مباشر
-مش ناوي بقى تاخد خطوة؟
زوى ما بين حاجبيه متسائلاً في غموض:
-في إيه؟
نظر في عينيه، وأجابه محذرًا:
-إنت فاهمني يا واد، ولا لازم أتكلم بالمفتشر؟
حمحم في خفوتٍ قبل أن يخبره بتنهيدة مغلفة بالآمال:
-والله نفسي، النهاردة قبل بكرة، بس مش عايز أستعجل في الحكاية دي بالذات، بدل ما تبوظ، خلي كل حاجة تيجي على مهلها.
كان تعقيبه عليه مريحًا له:
-كله شيء بأوان إلى أن يأذن الله.
ابتسم وهو يرد:
-ونعمة بالله.
أضاف جده خاتمًا حوارهما اليومي:
-ربك عليه جبر الخواطر، ماتبطلش بس دعا، وسعي.
نهض من جلسته، وأومأ برأسه هاتفًا:
-يا مسهل الحال، حاضر يا جدي.
..........................................................
وضع إلى جواره على الأريكة المزدوجة، كيسًا بلاستيكيًا أسود اللون، ثم مد يده إلى كوب العصير المسنود على الطاولة القصيرة أمامه، وقربه من شفتيه، ليرتشفه مرطبًا حلقه الجاف بشيء حلو المذاق، بعد يومٍ شاق ومرهق في العمل. ظل "هيثم" صامتًا في البداية يستمع بغير تركيزٍ إلى الحوارات الجانبية بين خالته والجد "سلطان"، قبل أن تتجمد نظراته على خالته حينما سألته في عتابٍ:
-مجتش تتغدى معانا ليه يا "هيثم"؟ مش أنا موصياك من إمبارح؟
اعتذر منها بلباقةٍ، وعيناه تتطلعان إلى والدته الساكنة:
-معلش يا خالتي، كان ورايا شوية مصالح بأقضيها، وبعدها طلعت على "همسة" أشوف ناقصها إيه، ورجعت.
ربتت "ونيسة" على ظهره تشجعه وهي تقول:
-ربنا يقويك.
بابتسامة باهتة تساءل، دون أن تحيد نظراته عن والدته:
-أمي عملت إيه معاكو النهاردة؟
أجابت "ونيسة" وهي توزع نظراتها بينهما:
-هي كويسة يا ابني، اطمن.
قال في حرجٍ:
-تعبك معايا يا خالتي.
ردت مؤكدة ترحيبها بتقديم كل المساعدة المطلوبة دون كللٍ أو ملل:
-دي أختي يا حبيبي.
انضمت إليهم "هاجر" بعد قليل، تنهدت شاكية في تعبٍ:
-أخيرًا نام، أنا مش مصدقة نفسي.
نظرت إليها والدتها تسألها:
-الحمدلله، غطتيه كويس؟
أومأت برأسها قائلة:
-أيوه يامه.
تحركت عيناها في اتجاه "هيثم" عندما مد يده بالكيس البلاستيكي ليناولها إياه:
-اتفضلي يا "هاجر".
سألته في استغرابٍ وهي تأخذ الكيس منه:
-إيه دول؟
أخبرها بوجهٍ جاد التعبيرات:
-نصيبك من بيع الدكان لـ "سراج".
أسندت الكيس أمامها، وتساءلت في حيرة:
-وأنا هعمل إيه بكل الفلوس دي؟
في غمرة حوارهما لم يلحظ أحدهم عيني "بثينة" المعلقة بالكيس المليء بالنقود، غامت نظراتها، وتحولت للقساوة بشكلٍ مريب، لتبدو منفصلة عمن حولها، فيما عدا ذلك الوهج الطامع الملازم لنظراتها دومًا مهما تبدلت بها الظروف. خاطبت "ونيسة" ابنتها، وكأنها تنصحها:
-أهوم متعانين للزمن، محدش ضامن هيحصل إيه.
ردت "هاجر" في رضا:
-الحمدلله، خير ربنا موجود.
أضاف "هيثم" بعد زفيرٍ شبه مسموع:
-ربنا يزيدك، ونصيب أمي، أنا استلمته خلاص، هعين جزء منه في البنك، وجزء هصرفه عليها وأجيبلها أحسن الدكاترة عشان تتعالج.
اتجهت نظرات "بثينة" نحو ابنها، ارتكزت عليه بقوةٍ، وملامحها تنم عن وعيها الكامل لكل ما يدور من حولها، فبدت وكأنها غير راضية عن تصرفه في شئونها، في حين عبست "ونيسة" بتعبيراتها بعد سماعها لجملته تلك، وعاتبته بنبرة الأم الحنون:
-واحنا قصرنا معاها يا "هيثم"؟
رد عليها بإصرارٍ:
-معلش دي فلوسها، وحاجاتها، وأنا مسئول عنها دلوقتي.
من نظراته المتفرسة بها خلال مراقبته الحذرة لها، استشف "سلطان" أن الجالسة معهم، رغم سكوتها الإجباري، تدعي الجنون، فإدراكها لما يحدث في محيطها، والتحولات السريعة في تعبيرات وجهها أكدت له شكوكه، وحتى لا يبدو مختلقًا للأمر، قرر كشف أمرها بحيلة بسيطة. ضرب بعكازه على الأرضية، وصاح موجهًا كلامه لـ "هيثم":
-بأقولك إيه يا واد..
حرك "هيثم" رأسه في اتجاهه قائلاً في طاعة:
-أيوه يا جدي.
بنفس الصوت القوي الهادئ قال، وكامل نظراته الخبيرة على "بثينة":
-عايزك تاخدني شقة أبوك.
سأله في استرابة:
-ليه؟ في حاجة؟
بابتسامةٍ ماكرة تتدلى على جانب شفتيه أخبره بما يشبه الغموض:
-هاقولك هناك، أصله زي ما تقول سر، ماينفعش يتعرف.
لم يكن "هيثم" فضوليًا ليلح عليه لمعرفة السبب الذي يدعوه للذهاب إلى هناك، فرأسه كان مشحونًا بالكثير من المشاغل، لهذا كان رده عاديًا عليه:
-ماشي يا جدي، شوف الوقت اللي يناسبك، وأنا جاهز.
منح والدته نظرة ذات مغزى، قابلتها بنظراتٍ تعكس عدائية شرسة، وكأن ما بينهما ما صنع الحداد، قبل أن يجبر نفسه على النهوض وهو يخبر الجميع:
-بأمر الله، أنا هاقوم أريح شوية.
هتفت "ونيسة" على الفور:
-خد راحتك يا حاج، ولو عوزت حاجة ناديني.
-تسلمي.
قالها باقتضابٍ وهو يولي الجميع ظهره، متوقعًا أن تكون أنظار "بثينة" عليه، كان حدسه ينبؤه أنها لن تمرر الأمر على خير، ورغم هذا تمنى أن تخيب ظنونه لمرة واحدة!
.................................................
بقلبٍ خاشع، وصوتٍ يرتل في عذوبة، استمر الجد "سلطان" في قراءة ورده اليومي من المصحف الشريف، تاركًا باب غرفته مواربًا، غير متوقعٍ أن تُقبل "بثينة" على إيذائه نهارًا جهارًا، فالأخيرة ولجت إلى المطبخ، واختطفت من أدواته الموضوعة بداخل الدواليب يد الهون النحاسية، لتستخدمها في تهشيم رأسه بها. قضت "بثينة" ساعات الليل الطويلة، تنتظر على أحر من الجمر، مجيء اللحظة المناسبة، للإقدام على تنفيذ خطتها الإجرامية البسيطة، خاصة وأن الجميع مؤمن بكونها فاقدة للعقل والأهلية، راقتها تلك الفكرة كثيرًا، أن توجه انتقامها لكل من تسبب في مقتل ابنتها، بشكلٍ غير مشكوكٍ فيه، ناكرة تورطها بصورة رئيسية في إفساد شخصها، وفي إزهاق روحها جراء طمعها الذي لا حدود له.
سارت بخطواتٍ متسللة متجهة إلى غرفة الجد، وكلها إصرار تلك المرة على الخلاص منه، دفعت الباب بيدها بخفةٍ، وعيناها تتطلعان إلى ظهره الموالي لها، ابتسامة شيطانية زحفت على شفتيها، فقط بضعة خطواتٍ تفصلها عنه، ستتخلص منه، ولن يتمكن من مقاومتها، فالأفضلية هنا لها! تابعت تقدمها نحوه، ويدها ترتفع تدريجيًا للأعلى، وقبل أن تصل إليه، كان "تميم" في طريقه إليه ليلقي عليه التحية قبيل مغادرته للعمل، هلل في ارتعابٍ وهو يثب في خطواته ليقبض على رسغها قبل أن تمس رأسه:
-حاسب يا جدي.
انتفض "سلطان" ناهضًا من مكانه هاتفًا في دهشة:
-يا ساتر يا رب.
استدار لينظر إلى الاثنين بعينين حائرتين، فحفيده نجح في تقييد رسغي خالته، والأخيرة تتأوه صارخة في غضب غير مفهومٍ، للحظة شُل تفكيره وهو يحاول تفسير ما يحدث، سرعان ما تجمدت أنظاره على يد الهون، وتفقه ذهنه لما حدث، لهذا سألها مستنكرًا:
-إيه اللي بتعمليه ده؟
قاتلت "بثينة" حتى الرمق الأخير، ويدها تلوح بالهون في كل الاتجاهات قاصدة إيذاء "تميم"؛ لكنه نجح في السيطرة عليها، وانتزاعه من قبضتها، ليصيح بها بكل ما اعترى صدره من غضبٍ جم:
-عايزة تقتلي الحاج؟
رد عليه "سلطان" بنظرة قاسية تلومها:
-واضح إن الجنان اشتغل.
جاءت كلاً من "ونيسة" و"هاجر" إلى الغرفة على إثر الصياح الجهوري المريب، وتفاجأت كلتاهما بما يحدث، لطمت الأولى على صدرها مرددة في صدمةٍ:
-ليه كده ياختي؟
صوت زئيرها المحموم، وعدائيتها المرئية تجاه من حولها، أكد للجميع أنها لم تكن نادمة على فعلتها، ولو اتيحت لها الفرصة لكررتها مرة أخرى. هدر "تميم" آمرًا والدته:
-كلمي "هيثم" ينزل بسرعة.
بصوتٍ تحول للاختناق، وعينين حزينتين ظلت والدته تردد:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، طب ليه يا "بثينة"؟
نجحت "بثينة" في الإفلات من قبضة "تميم"، وهرعت نحو شقيقتها تريد خنقها من عنقها؛ لكنه أمسك بها، وأبعدها عنها وهو يهتف في حنقٍ متعاظم:
-حاسبي يامه.
حلت الصدمة المستنكرة عليها، ونطقت في قهرٍ:
-حتى أنا؟ للدرجادي بتكرهيني؟
أبعدتها "هاجر" عن مرمى بصرها، وحاوطتها من كتفيها قائلة لها بنوعٍ من التعاطف الذي يتخلله الذهول:
-تعالي معايا يامه.
هتف الجد مشددًا:
-معدتش ينفع تفضل كده.
وافقه حفيده الرأي، وأكد عليه:
-أيوه، لازمًا تتنقل المصحة، هناك هتتعالج صح.
ظل صوت "ونيسة" يكرر في خذلانٍ أثناء خروجها من الغرفة:
-لله الأمر من قبل ومن بعد.
.................................................
تعاونا معًا، لإخراجها من المنزل، وتقييد حركتها بعد إجلاسها بالسيارة، من أجل اقتيادها نحو المشفى الذي وقع عليه الاختيار لإبقائها فيه، فقاومتهما بكل ما أوتيت من قوة، وانهالت يداها بالصفع تارة على وجه ابنها، وبالخدش والضرب على ظهر "تميم" تارة أخرى، خلال قيادته للسيارة، لم يعبأ بما تفعله، واستمر في طريقه إلى أن وصل إلى البوابة الرئيسية.
ترجل "تميم" أولاً، ودار حول السيارة ليفتح الباب الجانبي الخلفي الملاصق لابن خالته، خرج الثاني قبل والدته، وحاول سحبها من مكانها قائلاً لها:
-اللي بأعمله ده لمصلحتك يامه.
لكنها قاومته بشراسة، فانتزعت حذائها من قدمها، وضربته به بغلظةٍ على رأسه، فتأوه بألمٍ شديد، ومع هذا تغاضى عن وجعه لينجح بعد جهدٍ جهيد في إخراجها، ليبدأ بعدها "تميم" في الإمساك بها من ذراعها، وجرها معه جرًا نحو الداخل، اعتذر منها "هيثم" مجددًا في حزنٍ:
-سامحيني، بس والله ما برميكي، أنا باعمل ده عشانك.
تضاعفت مقاومتها للاثنين، وزمجرت بصراخٍ هائج، على أمل أن تفلت منهما، ورغم ذلك كان "تميم" لها بالمرصاد، لم يفلتها، وشدد على ابنها بلهجته الصارمة:
-امسك كويس يا "هيثم".
وكأنه يُحادث الفراغ، فالأخير ما زال يتكلم مع والدته؛ كأنما يبرر لها تصرفه:
-أنا على طول هاجي أزورك، بس إنت خدي دواكي عشان خاطري، وهتخرجي قريب.
صاح "تميم" مناديًا على الأمن الخارجي لاستدعاء بعض الممرضين:
-عاوزين مساعدة هنا يا إخوانا.
دقائق، وكانت "بثينة" محتجزة بالداخل، في إحدى الغرف الفردية، بعد حقن وريدها بمهدئ، ليسكن جسدها الثائر، وتخضع للمراقبة الطبية المتخصصة. ارتعشت يد "هيثم" وهو يكمل تسجيل بياناتها في الأوراق الموضوعة أمامه، رفع عينيه الدامعتين لوجه ابن خالته، وأخبره في حزنٍ:
-قلبي متقطع عشانها.
رد عليه بثباتٍ:
-ده لمصلحة الكل، بدل ما تأذي نفسها وتأذي غيرها.
تنفس بعمقٍ ليكبح رغبته في البكاء حسرة عليها، ودمدم في دعاءٍ:
-ربنا يشفي عنها.
بإيجازٍ واضح آمن عليه "تميم" وهو يضغط على كتفه، كنوعٍ من الدعم له:
-يا رب.
..................................................
وسط صخب العمال المحاوط بها في الدكان، حاولت "فيروزة" التركيز، وترتيب أفكارها في رأسها المشحون، لتنتهي اليوم من المهمة المحددة التي جاءت لأجلها، حتى تضع النقاط فوق الحروف، بعد الإرجاء والمماطلة الزائدة التي ضاعفت من شعورها بالاسترابة والقلق. لم تمد "فيروزة" يدها نحو طبق الفاكهة الموضوع قبالتها، ولم تمس شفتاها علبة المشروب المنعشة أيضًا، اكتسبت ملامحها طابعًا جديًا ورسميًا للغاية، عندما خاطبت الحاج "بدير":
-كده ماينفعش يا حاج.
بصوته الهادئ الرزين سألها:
-وإيه اللي خلاه ماينفعش؟
أجابته في تبرمٍ يشوبه الاحتجاج:
-أنا مدفعتش ولا مليم، وحضرتك متكفل بكل حاجة، وبصراحة ده مضايقني، أنا مش حابة أستغل حد.
ضم "بدير" كفيه معًا فوق رأس عكازه، وتكلم معها بأسلوبه الهادئ، علها تقتنع بحججه:
-بصي يا بنتي، من غير ما نرغي كتير، هاقولك الخلاصة عشان ترتاحي.
أبدت ترحيبها بسماعه، فقالت وهي تلقي بطرف غطاء رأسها المتدلي على كتفها:
-اتفضل.
نظر إليها مليًا، قبل أن يخبرها على مهلٍ:
-اللي بأعمله معاكي، بأعمله مع أي حد بيفتح دكان جديد من التجار حبايبنا، بنسانده لحد ما يقف على رجليه، ويشم نفسه كده، ويبيع ويشتري، والزبون يروح ويجي على دكانه، ويبقى معروف في السوق، وبعدها بقى نقعد ونتحاسب.
ما زالت ملامحها تعكس عدم رضائها الكامل عن تصرفه السخي معها، وإن لم تنطق بهذا حاليًا، حاولت إثنائه عن رأيه بطريقة أخرى، فاستطردت بصوتٍ عبر عن تحفزها:
-اللي حضرتك بتقوله ده تمام، ومقدراه جدًا ...
بلعت ريقها وأخبرته صراحةً:
-بس مافيش ورقة ولا إيصال يثبت حقك، أو حتى يضمنه.
بوجهٍ شبه مبتسم علق واثقًا:
-الكلمة في عرفنا اتفاق، مش محتاج لعقود.
دون ترددٍ ألحت عليه بعنادٍ:
-طب يبقى على الأقل أمضيلك على إيصال أمانة.
أصبحت ملامحه إلى حدٍ ما جادة وهو يرفض اقتراحها بلهجةٍ لم تكن لينة نسبيًا:
-وأنا مقبلش بكده، معمريش عملتها مع الغريب، هعملها معاكي إنتي؟ وبعد العمر ده كمان؟!!
شعرت بالحرج من نفسها بعد موقفه النبيل، وحاولت تبرير تصرفها:
-بس يا حاج أنا آ...
قاطعها بحزمٍ، ونظراته تتجه نحو أحد العمال المقبل عليه:
-اهتمي باللي ناقص في محلك وبس، وماتشغليش بالك بالحاجات البسيطة دي.
نطق الأخير وهو يشير بيده نحو الخارج:
-يا حاج، المعلم "عوف" واقف برا عايزك.
نهض "بدير" من مكانه قائلاً:
-أنا جايله.
بدورها نهضت "فيروزة" هي الأخرى من مقعدها، وقالت بتهذيبٍ رقيق،
-هستأذن أنا، وأرجع لحضرتك بعدين.
أشـار لها بيده لتمكث وهو يرد:
-طب استني هبعت معاكي واد من هنا بحاجات لخالك.
تنحنحت معترضة في لباقةٍ:
-يا حاج خيرك مغرقنا.
قال وبين شفتيه ابتسامة ودودة:
-ده لخالك، مش ليكي، عشان عارفك حنبلية.
قالت بوجهٍ تورد قليلاً من الحرج لتطرقه إلى سمة متأصلة فيها:
-أنا مش بحب أبقى تقيلة على حد.
علق مادحًا حُسن أخلاقها الكيسة:
-يا ريت كل الناس زيك.
ردت مجاملة:
-الله يكرم حضرتك يا رب.
التفت "بدير" آمرًا العامل بصوته الصارم:
-تعالى يا واد جهز من كل صنف خمسة كيلو، وحطهم في أقفاص، المفعص لأ، عايز فرز أول، وأوام مع الأبلة لبيتها.
هز العامل رأسه قائلاً في امتثالٍ:
-تؤمر يا حاج.
نظرت "فيروزة" إلى ما يضعه العامل من أصناف مختلفة من الفاكهة في أقفاص بلاستيكية متنوعة، بعينين متسعتين، وشعورها بالحرج متمكن منها، حاولت اعتراض طريق العامل، والإشارة له بالتوقف عن ملء الأقفاص:
-كتير يا حاج، كفاية كده.
بوجه تبدل للابتسام طلب منها:
-ميغلاش على الغالي، خليكي مرتاحة لحد ما يخلص.
لم تجد ما تنطق به أمام سخائه وكرمه، فتراجعت خطوتين للخلف وهي ترمقه بنظراتها الممتنة.
...........................................
على الجانب الآخر، صف "تميم" سيارته بمحاذاة الرصيف المقابل للدكان، ليفسح المجال للشاحنة الكبيرة عندما يدور بها السائق، ويخرج من الزقاق الضيق نحو الشارع الرئيسي، ترجل بعدها واتجه إلى العمال المنهمكين في عملهم يشجعهم:
-الله ينور.
مسح بنظراته البوابة الأخرى للدكان، فوجد والده يتحدث مع "عوف"، اتجه إليهما مرحبًا بالأخير بحرارة:
-صباحك فل يا حاج "عوف".
بادله التحية بعشمٍ غير زائف:
-صباح العسل يا "تميم"، عامل إيه يا ابني؟ عاش من شافك، جيت كذا مرة وملاقتكش.
قال وهو يرفع يده للأعلى، ليمسح على رأسه:
-مصالح بخلصها.
ربت "عوف" على كتفه قائلاً:
-الله يقويك.
أمره "بدير" بهدوءٍ مستخدمًا يده في الإشارة:
-هاتلي الدفتر من جوا يا "تميم"، عشان نقيد فيه البضاعة اللي طالعة.
هز رأسه هاتفًا في طاعة:
-عينيا يا حاج.
امتدح "عوف" ما يقوم به رفيق الكفاح:
-شغلك طول عمره على مياه بيضا، لا بتغش في كِيلة ولا ميزان.
بثقةٍ تامة، ورضا لا حدود له رد عليه "بدير":
-احنا عايشين ببركة الحلال.
استدار "تميم" نحو المدخل الآخر للدكان، لكون الأول مزدحمًا بعشرات الأقفاص الخشبية المُعدة للتحميل، ومع هذا وجد العمال مشغولين في قذف الأقفاص، واحدًا تلو الآخر بحرفية ومهارة لنقلها من مكانها، وضمها للبقية الممتلئة بالمطلوب من بضائع طازجة، حذرهم وهو يتراجع برأسه للخلف، ليتفادى قفصًا بالكاد كان على وشك لمسه لانخفاض مستواه عن البقية:
-حاسب يا ابني الأقفاص.
رد العامل بثقة:
-متقلقش يا معلم.
رد ممازحًا بنوعٍ من التحذير:
-لما يلبس في وشي ساعتها إنت اللي هتقلق.
ابتسامة عريضة حلت على وجهه والعامل يرد في توجسٍ، محاولاً بتملقه اتقاء غضبه إن اندلع:
-رقبتي فداك يا معلم.
بقيت تلك الابتسامة الضاحكة على وجه "تميم"، وزادت اتساعًا وقد وقعت عيناه على "فيروزة"، لام قلبه الذي لم يتنبأ ككل مرةٍ بوجودها؛ ورغم ذلك لم ينتقص من فرحته شيء، بدا وكأنه طفل صغير تلقى مكافأة غير متوقعة، حتمًا يومه سيصبح أكثر تشويقًا! كانت الأخيرة مشغولة بالنظر إلى هاتفها المحمول، لذا لم تره في البداية، فتنحنح مناديًا؛ وكأنه يخاطب أحد العمال:
-رص الحاجة كويس يا ابني.
حينها رفعت عينيها لتنظر إليه، فتضاعفت السعادة بداخله، أي شيء آخر يريده غير هذا؟ نظرة واحدة منها كفيلة بقلب كيانه! تقدم نحوها مرحبًا بها بلسانٍ تحول للتعلثم؛ وكأنه يتعلم النطق من جديد:
-صباح .. الخير.
بادلته ابتسامة صغيرة رقيقة وهي ترد:
-صباح النور.
الرقة مع الجمال الفطري معادلة يصعب عليه تحملها، لعق شفتاه، وأخبرها مجددًا ترحيبه:
-منورة الـ.. الدكان.
قالت في اقتضابٍ:
-شكرًا.
سألها وهو يحك مؤخرة عنقه، محاولاً ألا يطيل النظر إليها، احترامًا لوعده لأبيه:
-في حاجة ... نقصاكي ولا حاجة يا.. أبلة؟
أجابت نافية:
-لأ، كله تمام.
سألها في اهتمامٍ، كمحاولة جادة منه، لاستطالة الحوار معها:
-أخبار دكانك إيه؟
ردت في استرسالٍ:
-المحل؟ تمام، وكله بصراحة بفضل الحاج "بدير" بعد ربنا.
بعفويةٍ قال لها، علها تفهم تلميحه الضمني:
-أبويا عمره ما يتأخر عن حد احتاجه في حاجة، ما أنا طالعله.
هزت رأسها قائلة بهمهمة خافتة:
-أها.
واصل كلامه معها بحماسٍ غريب اجتاحه كليًا:
-وإن شاءالله يكون فاتحة خير عليكي.
تنحنحت قائلة ببسمة كانت شبه مصطنعة:
-يا رب، عن إذنك.
تنحى للجانب لتمر، وهو يقول بتعابيرٍ شابها القليل من الحزن تأثرًا بذهابها:
-اتفضلي.
وقبل أن تخطو نحو الخارج هتف آمرًا العمال، حتى لا تتعرض دون قصدٍ للإيذاء:
-إنت يـــــا ابـــني، خد بالك، استنى لما .. الأبلة تعدي.
رد عليه العامل بصوته المرتفع:
-تمام يا ريسنا.
بصعوبةٍ أبعد نظراته الساهمة عنها، وتحرك في اتجاه الثلاجة، ليبدو غير مهتم بمتابعتها، فلا يظن أحدهم بها السوء، إن لاحظ مدى اهتمامه بها، وادعى انشغاله بالنظر لما يوجد بداخل الثلاجة للحظاتٍ، ليضمن مغادرتها لمحيطه، ثم اتجه إلى المكتب ليحضر الدفتر لأبيه، ويده الأخرى تختطف ثمرة تفاح لامعة، كانت موضوعة على المكتب، قربها من شفتيها، وقطم قطعة منها، ليحادث نفسه وهو يتلذذ بمذاقها الطيب:
-أحلى صباح على التفاح.
..................................................
-بتعملي إيه يا "فيروزة"؟
تساءلت "آمنة" بتلك العبارة، وعيناها الحائرتان تراقبان ما تفعله ابنتها أمام المرآة، بهذا الكم المتنوع من أغطية الرأس. التفت تتطلع إليها، واستلت الدبوس المعدني من بين شفتيها، لتعقد به طرفي الغطاء عند عنقها، ثم أجابتها وهي تعاود التحديق في انعكاسها على السطح الزجاجي، لتضبط مقدمة حجابها:
-بأحاول أظبط شكل الطرحة عليا.
سألتها والدتها في تلهفٍ فرح:
-خلاص نويتي يا حبيبتي؟
أجابت مؤكدة:
-أه يا ماما، الفترة اللي فاتت كنت بأعود نفسي عليه، صحيح اتأخرت في الخطوة دي كتير، بس خلاص هعملها.
دعت لها في سعادة كبيرة:
-ربنا يزيدك من فضله.
-يا رب.
دنت "آمنة" من فراشها، وجلست على طرفه، ثم ركزت بصرها عليها، قبل أن تسألها في جدية:
-مش ناوية تقلعي الأسود؟ عدتك قربت تخلص خلاص.
بعد لحظات من الصمت المتردد تكلمت وهي تتنهد مطولاً، رافضة السماح لعقلها بالانخراط في ذكرياتها الحبيسة في أعماقها:
-أنا كده مرتاحة.
اعترضت على ما قالته بملامح مزعوجة:
-يا بنتي إنتي لسه صغيرة، هتحبسي نفسك جوا اللون الأسود؟
أعطتها مبررًا منطقيًا، قد يبدو مقنعًا لها:
-معلش، ده أحسن، وعشان محدش من الناس يتكلم عليا، ويقولك دي مصدقت.
راحت ترد في ضيقٍ:
-مالناش دعوة بيهم، هما هيتحكموا في حياتك؟ صحيح كله قضاء ربنا، بس ده ماينفعش لو جت فرصة آ...
قاطعتها "فيروزة" بجديةٍ شديدة:
-ميعاد دوا خالي جه يا ماما.
تلقائيًا ارتفعت عيناها نحو ساعة الحائط، وقالت وهي تنهض من مكانها:
-أه صحيح، هاروح أديهوله ...
وقبل أن تخرج من الغرفة، أشارت لها بسبابتها قائلة:
-بس هنتكلم تاني.
تصنعت الابتسام وهي ترد:
-إن شاءالله.
استمرت في التحديق بالمرآة متأملة الحزن المتسرب إلى وجهها، ولفظت الهواء محدثة نفسها في ألمٍ، لم يختبر قساوته سواها:
-محدش عارف اللي فيها، خليني مدارية فيه.
.....................................................
ابتلع القرص كاملاً، رغم نصيحة زميله بأخذ نصفه فقط؛ لكنه تجاهله، وانساق خلف رغبته في تنشيط جسده الساكن. خرج "فضل" من المطبخ متجهًا إلى حيث تجلس والدته، وجدها تستند بوجهها على كفها المضموم وهي تجلس على المصطبة، يبدو الهم جليًا على ملامحها الغائمة؛ وكأن تعاسة الدنيا بأكملها قد تجمعت أمام عينيها، لتزيد من إحساسها بالبؤس. زفيرٌ طويل أعقبه آخر، وهي ما زالت تدمدم بكلماتِ الندب البائسة. رفعت "سعاد" أنظارها تجاه الباب، حينما أقبل عليها ابنها، تطلع إليها الأخير بنظراتٍ متعجبة، قبل أن يستطرد متسائلاً:
-مال بوزك شبرين كده ليه يامه؟
أجابته بغموضٍ:
-مادرتش باللي حاصل؟
سألها ساخرًا، قبل أن ينفجر ضاحكًا، مستهينًا بحرمة الموت
-في إيه؟ العمدة مات؟
نظرت له شزرًا قبل أن تجيبه بتبرمٍ:
-لأ يا فلحوس، "سها"، أم عيالك، هتتجوز.
مسحت دمعة نافرة من طرفها، وأكملت:
-سمعت طراطيش كلام من أهل البلد، وقت ما تخلص عدتها، هيتعقد عليها من حد قريبهم.
فاجأها برده الوقح غير المكترث:
-يالا في داهية، أهوو غيري يلبس في النحس...
سرعان ما تبدلت نبرته المتهكمة للتهديد وهو يكمل:
-بس لو عاملة كده عشان تحدف العيال عليا، لأ تنسى، هي أخرها معايا مصروفهم، ما أنا بردك عايز أدلع نفسي وأتجوز.
حملقت فيه "سعاد" بنظراتٍ مستهجنة، وسألته في استنكارٍ شديد:
-هترمي عيالك يا "فضل"؟
كان رده الفظ صادمًا لها:
-هما أعدين في الشارع؟ ما هما عند أهلها اللي عايشين زي ضربة الدم.
عنفته لأسلوبه المستفز:
-يا ساتر عليك.
وقبل أن تتمادى في تكديره بالأخبار السخيفة، رفع سبابته أمام وجهها ينذرها:
-بأقولك إيه؟ أنا مروق دماغي، مش ناقص عكننة تطير المزاج بتاعي.
نهضت من مكانها، وألقت عليه نظرة آسفة لسوء تربيتها له، وهتفت في امتعاضٍ:
-ربنا يهديك لنفسك.
لوح بيده أمام رأسه معلقًا في سخطٍ:
-متشكرين يامه.
انتظر ذهابها ليفرك صدره مخاطبًا نفسه في نشوةٍ متحمسة:
-المفروض كده المسائل تشعشع.
أخرج هاتفه المحمول من جيبه، وانزوى في ركنٍ هادئ، ليشاهد المقاطع الإباحية الجديدة التي ملأ بها ذاكرة هاتفه، وتحفز لتجديد إحساسه بتجاوبٍ يسري في عروقه؛ لكن خاب مسعاه، فاشتاط غضبًا، كز على أسنانه مدمدمًا في نقمٍ:
-لأ، كده كتير، شكلها جابت ضرفها معايا ولا إيه؟
استبد الغضب الممزوج بالغيظ في صدره، وطفحت آثاره على وجهه، فالأقراص المنشطة التي ابتاعها تعد قوية المفعول، وسريعة التأثير، كلفته الكثير من الجنيهات، احتدم حنقه الحاقد بداخله، ليردد بعدها ملقيًا اللوم على واحدةٍ بعينها، اعتبرها المتسببة في إصابة مصدر رجولته بالعطب:
-كله منك يا بنت الكلب، لو كنت قصيت لسانك ساعتها مكانش الحيوان ده عَلم عليا.
أغلق الهاتف، وقبض عليه بأصابعه في تشنجٍ، حتى ابيضت مفاصله، ثم واصل وعيده لها، وقد غامت نظراته بشكلٍ سوداوي مخيف:
-بالله ما هسيبك، هاجيبك تحت رجلي بالعافية، حتى لو وصلت للخطف ....
فحيح ملوث بأنفاسه الكريهة خرج من فمه وهو يختتم ما قطعه على نفسه من عهدٍ واجب النفاذ:
-وساعتها هاخد حقي منك ........................... !!!
.............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم Manal Salem
القراء الحلوين معلش اتأخرت شوية عليكم ..
بس أرجو إن الأحداث المشتعلة تعجبكم ..
قراءة ممتعة
الفصل المائة وثلاثة
حز في قلبه بشدة، أن يراها تتألم، وهو يقف كالعاجز، لا يقوى على تقديم أدنى مساعدة لها، ينعم بحريته، وهي حبيسة أربعة جدران. رفض الطبيب المتابع لحالتها العقلية السماح لـ "هيثم" بزيارة والدته، رغم تردده على المشفى لأكثر من مرة؛ لكون الأخيرة بحاجة للبقاء معزولة عن الآخرين لفترة من الزمن، حتى لا تعرض غيرها للضرر بسبب تصرفاتها غير المتوقعة. عاد إلى منزله مجرجرًا أذيال الخيبة ورائه، بالكاد يمسح دمعاته الهاربة من طرفيه، استقبلته زوجته بكل حنوٍ وود، حاولت تهوين الأمر عليه، واحتواء أحزانه المتمكنة منه بعاطفتها الجياشة.
مال "هيثم" برأسه على كتفها، وانتحب يشكو لها ما يضمر في صدره:
-صعبانة عليا أوي يا "همسة".
مدت يدها لتمسح برفقٍ على ذقنه النابتة بحركة متكررة، بينما استمر في استرساله المليء بالأسى:
-كل ما أروحلها يمنعوني من الزيارة، بيقولوا حالتها ماتسمحش تستقبل حد.
حاوطته بذراعها من كتفه، وقالت كنوعٍ من المواساة:
-إنت عملت اللي عليك وزيادة.
بدا في حالة بائسة للغاية عندما أخبرها:
-أنا مش عايزها تفتكر إني رميتها.
ردت مصححة له بصوتها الهادئ:
-مين قال كده؟ إنت فكرت في اللي فيه مصلحتها، اللي يفيدها مش يضرها، وأكيد لو كانت أذت حد تاني مكونتش هتسامح نفسك.
أبعد رأسه عن كتفها، وتطلع إليه بعينيه التعيستين متسائلاً:
-تفتكري هي مسمحاني على ده؟
ردت بابتسامة ناعمة علها تطمئن قلبه الملتاع ألمًا عليها:
-أي أم بتسامح ولادها مهما عملوا.
حاولت الحفاظ على عذوبة بسمتها وهي تضيف:
-وبعدين بكرة تبقى أب، ونشوف هتعمل إيه مع ولادك.
بادلها ابتسامة باهتة وهو يقول لها:
-"همسة"، أنا مش عارف أقولك إيه..
رمشت بعينيها في اهتمامٍ، وقد رأت الصدق بازغًا في نظراته نحوها. تنهد مكملاً على مهلٍ، كأنما يجدد اعترافه النادم لها:
-إنتي أكتر حد وقف جمبي في كل أزماتي، أنا مكونتش البني آدم العِدل، بالعكس ياما عملت مصايب وكوارث، كنت ماشي بدماغي، باستسهل عمايل الغلط، وحتى خطوبتي منك مكانتش وقتها برضايا.
قابلت كلامه بعباراتٍ ذات مغزى، عنت له الكثير:
-ساعات الخير بيبقى موجود جوا الشر، بس مستنينا نفتش عنه، وإنت كان جواك الخير ده، والحمد لله لاقيته.
أقبل عليها يحتضنها، وهو يعلق في حبورٍ شديد:
-إنتي الخير كله يا حبيبتي.
كفكف العالق من دموعه، وتابع داعيًا المولى:
-ربنا يخليكي ليا، ويقدرني أعملك كل حاجة بحلال ربنا.
ضمته إليها مستشعرة ثقله على صدرها، وقالت مؤمنة على دعوته:
-حبيبي، ربنا ما يحرمني منك.
................................................
-نثبت على كده يا أوستاذة؟
تساءل المقاول الواقف على يسارها بتلك العبارة المهتمة، وهو يوجه تعليماته بيده للعاملين الواقفين على سلمين خشبيين متقابلين، ليتمكنا من وضع اللافتة الجديدة في المنتصف بالضبط، أعلى مدخل الدكان بعد توضيبه. أمعنت "فيروزة" النظر فيها، قارئة بهمسٍ بالكاد تحرر من بين شفتيها:
-محل الفيروزة لتغليف الهدايا وتجهيز لوازم السبوع والمناسبات.
اعتلى ثغرها بسمة فرحة، وأخبرته بإيماءة موافقة من رأسها:
-أه تمام كده...
ثم التفتت ناظرة إليه، وتابعت تبريرها:
-أصلها في الأول كانت معوجة شوية.
علق بنبرة عادية:
-اللي تؤمري بيه، خدامك.
شكرته على سعة صدره، وصبره الطويل معها، فقالت:
-الله يكرمك يا رب.
وجه من جديد تعليماته للعاملين:
-ثبتوا اليافطة على كده.
رد أحدهما بامتثالٍ، وهو يرفع الشاكوش للأعلى:
-حاضر يا ريس.
في تلك الأثناء، كان الشوق يستحثه للذهاب إليها، ليتأكد مما رأه قبل يومين، فلم تكن كعادتها تطرح غطاء الرأس على رأسها، بل كان تلك المرة معقودًا، يلف وجهها كجوهرة ثمينة، جاهد بعزمٍ من حديد ليرجأ ما يطلبه القلب؛ ولكن كلما قاوم أكثر، كلما ازدادت رغبته فيها. اشتهى "تميم" رؤية وجهها، فغلبته عواطفه، وانهزم صموده أمام لوعة الاشتياق، ومع هذا كان يقدم قدمًا ويؤخر الأخرى، حبه يدفعه للتقدم نحوها، وعهده لأبيه يلزمه بإبقاء مسافة بينهما!
علق "تميم" في المنتصف بين الآمال والالتزامات، فجال بخاطره أن يدعي شرائه لقداحةٍ جديدة من الكشك المرابط عند الناصية، والذي يبعد بضعة أمتار عن مدخل دكانها، ربما بهذا يتمكن من لمحها دون أن تراه فعليًا. وقف عند بقعة أتاحت له الرؤية من منظوره. لحظه العثر لم تكن واقفة، اشرأب بعنقه محاولاً البحث عنها، ومع هذا بدت غير مرئية له، أصابه الإحباط الشديد، وتسرب اليأس إليه؛ لكن سرعان ما تبدل الضيق لفرحة اجتاحته، أطلت بحجابها الأسود المعانق لقديها، وملامحها المشرقة فتبددت كل الهموم.
سارت "فيروزة" بخيلاء وعزة، وإلى جوارها المقاول المكلف بإتمام العمل هناك، دقق النظر فيهما، فوجد الأخير يلوح لها بيده، وكأنه يشرح لها أمر ما، لوهلة شعر بالغيرة لكونه يحظى بما حُرم منه، تحامل على نفسه، وتغاضى عن الأمر متصنعًا الجدية.
بصعوبةٍ أبعد عينيه عنها، وحملق في اتجاه صاحب الكشك عندما سأله باحترامٍ:
-طلباتك يا معلم؟
أجابه بإيجازٍ:
-عايز ولاعة.
هز رأسه وهو يبحث عن الغرض المطلوب:
-حاضر.
بعد لحظةٍ، أعطاه الأخير القداحة، وناوله "تميم" ثمنها، فأصبح بلا حجةٍ للبقاء، لذا فكر في ادعاء تحدثه في الهاتف، وحتى لا يُكشف أمره، وضع الهاتف على خاصية الصمت، ورفع من نبرة صوته قائلاً:
-أيوه يا حاج .. سامعك.
تحرك مستندًا على أحد أرفف الكشك، وسلط كل نظره على "فيروزة"، مراقبًا ما يحدث، ارتفعت عيناه للأعلى عندما رأى اللافتة، وتلقائيًا تشكلت ابتسامة مبتهجة على ثغره لرؤية اسمها ينير المكان، أحس بالمزيد من السعادة تطوقه، وبذل مجهودًا يفوق الطبيعي ليبدو غير متأثر بما يراه، حمحم من جديد بصوتٍ شبه متحشرج، وقال:
-تمام، اللي تطلبه هايكون جاهز.
لم يطل البقاء في مكانه، وانسحب بعد اختطاف نظرة أخيرة سريعة نحوها، أرسل معها تنهيدات حارة، تشتاق للتمتع بضحكة نضرة، تفتت ما حاوط القلب من جمود.
.......................................................
بأوداجٍ منتفخة قليلاً، وبشرة تميل للحمرة؛ بسبب ارتفاع حرارة الجو إلى حد ما، ترجلت "فيروزة" من سيارة الأجرة، تضع نظارة شمسية على عينيها، وحاملة بكلتا يديها أكياسًا بلاستيكة، ممتلئة بالكثير من البطاقات المطبوعة التي استلمتها من المطبعة. ساعدها السائق على إخراج الباقي من المقعد الخلفي، وناولها إياه، شكرته باقتضابٍ بعد إعطائه أجرته:
-تسلم.
رد في رسمية:
-العفو.
اتجهت نحو مدخل بنايتها القصيرة، وهي تحاول ألا تفلت شيئًا من يديها، زوت ما بين حاجبيها، وحدقت أمامها في فضولٍ مهتم، عندما لفت أنظارها وجود بضعة أشخاصٍ غرباء، مستندين على حافلة صغيرة، يقفون على بُعد عدة أمتارٍ من المدخل، نظروا جميعهم إليها كما لو أنه يتم فحصها تحت المجهر.
لم تستمع "فيروزة" لسؤال أحدهم العابر، ونظراته الجريئة تتجول على تفاصيلها؛ وكأنها تجردها من ثيابها:
-هي دي يا رجالة ولا لأ؟
همس له زميله الواقف على ميمنته:
-لأ، هو قال مش محجبة، وأنزوحة في نفسها.
بينما أضاف آخر كنوعٍ من التخمين:
-شكلها واحدة جايبة بضاعة تصرفها.
حذرهما ثالث بلكزة خفيفة على صدر الأقرب إليه:
-خلاص ماتبصوش أوي عليها، ألا تاخد بالها.
أبعدوا نظراتهم المتطفلة عنها، ليعودوا إلى همهمتهم الصاخبة مع بعضهم البعض، استنكرت تسكعهم هنا، وتابعت سيرها للداخل وهي تبرطم في ضيقٍ:
-ده اللي ناقص، شوية صيع يقفوا هنا.
................................................
التقطت أنفاسها اللاهثة بصعوبةٍ، بعد مجهودٍ مضاعف منها، لصعود الدرجات التي بدت لا تنتهي، لتصل إلى عتبة باب منزلها، تركت كل شيء على الأرضية، مستشعرة الأنين الصارخ في ذراعيها، فركتهما بحنوٍ، وحفزت نفسها المتعبة بكلماتٍ مشجعة:
-هانت يا "فيرو"، دي آخر حاجة، الباقي سهل.
بحثت في حقيبة ظهرها الجلدية عن مفتاح المنزل، أخرجته من جيب صغير بها، ودسته في القفل، ثم انحنت لتجمع الأكياس، وأدخلتهم للبهو وصوتها يهلل مرحبًا:
-سلامو عليكم، أنا رجعت يا ماما.
كانت مشغولة بوضع الأكياس على أقرب طاولة، لذا لم تنتبه للضيف غير المرحب به المتواجد في صالون المنزل، وعلى ما يبدو ينتظرها منذ وقت طويل. عرجت "فيروزة" أولاً على المطبخ تبحث عن والدتها فيه وهي تواصل استرسالها عن تفاصيل يومها بصورة عفوية:
-كلها كام يوم ونقفل كل حاجة، ويبقى المحل جاهز على الافتتاح.
اتجهت من تلقاء نفسها نحو الردهة الطويلة، لتقع أنظارها على والدتها الجالسة بحجرة الصالون، سألتها في دهشة:
-ساكتة ليه يا ماما؟ في حاجة حصلت.
نظراتها الممتعضة أوحت لها بوجود خطب ما، وقبل أن يتبادر لذهنها أي هاجس مأساوي، هتف "فضل" من ورائها بعد أن عاد من الحمام:
-إزيك يا بنت عمي؟
التفتت كالملسوعة لتنظر إليه في سخطٍ وكره، ثم سألته في وجوم:
-إنت بتعمل إيه هنا؟
أجابها وهو يفرد كتفيه في زهو لا يليق به أبدًا:
-جاي عشان أخدك معايا.
غامت ملامحها، وتحولت تعبيراتها للشراسة وهي تهاجمه برفضٍ عدائي:
-نعم، إنت اتجننت؟ ولا شكل مخك جراله حاجة؟ تاخد مين معاك؟
ببرودٍ سمج كرر إجابته عليها؛ وكأنه يتلذذ باستفزازها:
-زي ما سمعتي، هاخدك معايا يا بنت عمي.
حضر من ورائه على مقعده المتحرك "خليل"، أدار الكرسي المدولب في اتجاهه لينظر إليه في استنكارٍ، ثم نطق بتلعثمٍ يعبر عن عدم رضائه:
-بـ...تقــ..ول إيه.. يا .. "فضل"؟
صاحت "آمنة" في صدمةٍ وقد هب واقفة هي الأخرى على قدميها:
-إيه التخاريف دي؟
عادت "فيروزة" لتخاطب والدتها متعمدة الاستهزاء بتصريحه:
-سامعة يا ماما الهبل اللي بيقوله؟
مرر أنظاره عليهم، وقال مؤكدًا بسماجةٍ لزجة:
-ده مش هبل يا عروسة...
لم تكن نبرته بالمازحة وهو يخبرهم بحسمٍ:
-إنتي هتفضلي في بيت عمك، لحد ما تخلص عدتك وأتجوزك.
شخصت "فيروزة" بعينيها في ذهولٍ حانق، وأنكرت "آمنة" ما ألقاه في وجوههم كالقنبلة:
-إيه الكلام ده؟
بينما رد "خليل" رافضًا بصوته المتقطع:
--مش.. هــ...يحـ..صل.
أهانه "فضل" بوقاحةٍ فجة وهو يرمقه بتلك النظرة الاحتقارية:
-اركن إنت على جمبك يا خال، بدل ما أنا مش فاهملك كلمة.
استوعبت "فيروزة" ما قاله بعد لحظة من الشلل في تفكيرها، واندلع غضبها كالبركان، خاصة مع توجيهه الإهانة لخالها العاجز، فصرخت فيه:
-احترم نفسك يا حيوان، والله شكلك كده شارب حاجة على الصبح.
امتدت يده لتقبض على ذراعها، هزها بعنفٍ وهو يتوعدها:
-بتغلطي فيا؟ أنا هعرف أربيكي بطريقتي.
بغضبها المستعر فيها نفضت ذراعها مزيحة قبضته عنها وهي تعنفه:
-إياك تلمسني يا حيوان.
نظر لها باستخفافٍ، وتابع تهديده:
-اغلطي كمان، احنا نرجع البلد الأول، وبعدها هاشوف هاعمل معاكي إيه.
تراجعت خطوة للخلف تاركة مسافة بينهما، وردت عليه بتحدٍ وهي تشير بسبابتها:
-مش هايحصل، وأنا هوديك في داهية.
قال بازدراءٍ صريح:
-داهية عشان هتجوزك، وأتستر عليكي، وعلى فضايحك اللي ريحتها فاحت؟!
قابلت اتهاماته الباطلة بوابلٍ من السباب العنيف:
-إنت بني آدم سافل ومنحط...
ما لبث أن أصبح صوتها أكثر حدة وانفعالاً وهي تكمل:
-أنا أشرف من أي حد، ويكون في معلومك، لو كنت آخر راجل في الكون كله، مش هاتجوزك.
رمقها بنظرة دونية قبل أن يعلق باستحقارٍ:
-إنتي مالكيش رأي أصلاً، إنتي هتنفذي اللي بأقوله، والجزمة في بؤك، ولا عايزاني أركب قرون، عشان تتسرمحي مع كل من هب ودب؟!!!
لم تتحمل إجحافه الظالم في قذفها بالباطل من الاتهامات، فتقدمت نحوه بكل ما يستعر فيها من غلٍ وغضب، رفعت يدها للأعلى، وهوت به على صدغه تصفعه في شراسةٍ وهي تلعنه:
-إنت أوطى خلق الله ...
لم تهاب عينيه المتقدتين كالجمرات، وطردته باستبسالٍ دومًا يظهر فيها عند الشدائد:
-امشي اطلع برا.
كز "فضل" على أسنانه مرددًا بأنفاسٍ محمومة:
-بتمدي إيدك عليا؟
بقدمين ثابتتين، وأنفٍ مرفوعٍ للأعلى في كبرياءٍ وعزة، ناطحته الرأس بالرأس، وواصلت إهانتها له:
-دي أقل حاجة يا بغل، امشي غور من هنا.
بات السبيل الوحيد لرد اعتباره، بعد انتقاصها لرجولته، أمام الاثني، هو كسر نعَرتها، ودعس عنقها بقدمه، لذا قبض على رأسها بيده الغليظة، ولواها بعنفٍ قاصدًا إيلامها وهو يهدر بها:
-أنا هوريكي.
تدخلت "آمنة" متعلقة بذراعه، ومحاولة انتزاع يده من على ابنتها، وصوتها يصرخ به:
-ابعد عن بنتي.
حرك "خليل" مقعده، ليضرب به ساقه فيدفعه عنوة للخلف، ثم هتف بما يستطيع من طاقة، عله يردعه:
-سـ..يبها.. ما.. تقربــ..ش منها.
حاول "فضل" إزاحته عن طريقه؛ لكنه فشل، فخالها بقي حائلاً بينه وبينها، ووالدتها استمرت في اعتراض المسافة المتبقية للمرور إليها، ارتفعت نبرته المهددة، وعيناه تقدحان بالشرر:
-قسمًا بالله ما هتباتي فيها يا "فيروزة"...
نجح في تجاوز "آمنة"، ووصل إلى ابنتها، قبض على ذراعها، وحفر أظافره في لحمها المغطى بالثياب، ليلويه خلف ظهرها، يريد حقًا إيذائها بلا رحمة، ثم دفعها أمامه، واستطرد يخاطبها بما يحرق أحشائه من حقدٍ متعاظم:
-مش نازل من هنا إلا وإنتي معايا.
صرخت "فيروزة" مقاومة إياه:
-ابعد إيدك يا قذر، ماتلمسنيش.
رد بعدائيةٍ، وهو يزيد من ضغطه على ذراعها الملتوي:
-إيه مفكراني مش هاقدر عليكي؟ ده أنا جايب رجالة معايا يجرجوكي من شعرك لهناك.
سريعًا استعادت "فيروزة" في ذهنها صورة المتسكعين بجوار مدخل المنزل، ورددت بأنفاسٍ منفعلة:
-إنت بتقول إيه؟
قرب فمه من أذنها، وأخبرها بنبرته الحانقة:
-هترجعي معايا دلوقتي، ولو قتلت فيها الكل.
استعانت "آمنة" بالمزهرية المصنوعة من الفخار لتضرب بها على عضده، فنجحت في تحرير ابنتها، وهتفت تزود عنها بمشاعرٍ أمومية مقاتلة:
-حاسب إيدك عن بنتي.
على الفور استغلت "فيروزة" الفرصة لتهرب من براثنه، وقفت عند عتبة مدخل غرفة الصالون، واستدارت تواجهه بوجهها المتقد غضبًا:
-إنت مجنون رسمي.
صاح بها يتوعدها:
-مش سايبك النهاردة.
هتفت فيها أمها ترجوها، وهي تلوح بالمزهرية مرة أخرى أمام وجه "فضل"، كنوعٍ من التهديد الظاهري له، وإن لم يكن كافيًا لردعه:
-اجري يا "فيروزة"، ابعدي عن خلقته، واطلعي عند "همسة".
فهمت دون عناءٍ الإشارة المبطنة من والدتها للذهاب عند توأمتها والاختباء لديها، فالأخيرة قد عادت لمنزلها منذ يومين، وربما تصريحها بذلك يجعل "فضل" يعتقد أنها ستختبئ بالطابق العلوي على أقصى تقدير.
في حين سد "خليل" المدخل بكرسيه، ليعوقه عن اللحاق بها، وصوته المتلعثم يأمرها بخوفٍ حقيقي:
-امـ...شي، بســ..رعة.
تلك المرة لم تعارض أيًا منهما، فبحسبةٍ عقلية صغيرة، الكفة لن تكون راجحة لصالحها، والغلبة حتمًا له، لو استعان بالأوغاد الذين استأجرهم، خاصة بعد إمساكه ليد والدتها التي انهالت على مقدمة رأسه بالمزهرية.
قررت "فيروزة" أن تعمل عقلها، وتصرفت بسرعة بديهة، لذا هرولت ركضًا نحو باب المنزل، فتحته وخرجت منه مغلقة إياه بهدوءٍ، ثم أسرعت هابطة درجات السلم بتعجلٍ، كفرار غزالٍ شريد من ضبع جائع يُجاهد للحاق به لافتراسه.
..........................................................
توقفت عند مدخل البناية تلتقط أنفاسها اللاهثة، ثم تابعت سيرها للخارج؛ لكنها سرعان ما تراجعت مختبأة، فقد انتبهت لوجود هؤلاء الغرباء على مقربة من المدخل، اجتهدت لتضبط انفعالاتها وتستعيد هدوئها، لئلا تثير الريبة حينما تخرج من جديد، وبالتالي تسهل عليهم الفرصة للقبض عليها. تنفست "فيروزة" بعمقٍ، وهي تطل برأسها لتلقي عليهم مرة أخرى نظرة مختلسة، همست مرددة في تساؤل حائر مع نفسها:
-هعمل في دول إيه كمان؟
لحسن حظها كانوا منهمكين في ثرثرتهم، لذا تشجعت للمضي قدمًا في سيرها، متسللة تحت أنظارهم غير المنتبهة لها، جاهدت لتبدو عادية في مشيتها، أولتهم ظهرها، وانتصبت خلال خطواتها المتزنة، متخذة الطريق المعاكس مسارًا لها. تابعت المشي حتى نهاية الرصيف، حينها فقط ركضت بأقصى ما تستطيع محاولة عبور الطريق للجهة المقابلة، وحتى لا تضيع الوقت أوقفت سيارة أجرة لتستقلها هاربة من الجحيم الملاحق بها، أخبرت السائق بأنفاسها المتسارعة:
-اطلع بسرعة.
.....................................................
خليط من الغضب، الحقد، السخط، والكراهية استبد به، فلم يعد يضع في اعتباره أي شيء! اقتحم "فضل" غرف المنزلين كالمجنون، باحثًا عن "فيروزة" دون مراعاة لخصوصية أصحابه، احتد غضبه عندما لم يجدها، فقط تسبب بهوجائيته في إيقاظ الصغيرة "رقية"، ومع هذا لم تسلم من بطشه، أطبق على عنقها، ورفعها عن الفراش مهددًا:
-هاتقولولي خبتوها فين وإلا هاموتها!!
صرخت به "آمنة" في ارتعابٍ:
-إنت اتجننت؟!!
بكت "رقية" مستغيثةً، وهي تمد ذراعها نحو أبيها العاجز، طالبة النجدة منه:
-بابا!
تجمد الأخير بمقعده في مكانه، يتطلع إلى طفلته الوحيدة بنظراتٍ مذعورة خائفة، وبصوته المتلعثم صاح:
-سـ..يب ... بنـ..تي.
استمر "فضل" في تهديده المجنون هادرًا بهما:
-انطقوا، وديتوها فين؟
أجابته "آمنة" بوجهها الخائف:
-منعرفش.
بعد لحظة من التفكير، استجمع شتات أفكاره، ونطق عن شكوكه الدائرة في ذهنه:
-يبقى أكيد راحت عند اللي ما تتسمى أختها، ما هي مش موجودة هنا، تبقى معاها.
سعلت الصغيرة "رقية" من قبضته التي تضغط على مجرى الهواء، فخشيت أن يزهق روحها في غمرة هياجه الثائر، صاحت مجددًا به، وهي تتقدم خطوة نحوه:
-سيب البت يا "فضل"، هي معملتش حاجة.
وضع يده الأخرى على فم وأنف الصغيرة، ليقطع كليًا الهواء عنها، وهددها بفجورٍ:
-هاتي عنوانها، وإلا أقسم بالله هارميها من الشباك، بعد أخد روحها.
صرخت به في فزعٍ، وقلبها ينتفض خوفًا على الطفلة:
-حرام عليك، إنت شيطان ولا إيه؟
حمل "فضل" الصغيرة بذراعٍ للأعلى، وتحرك في اتجاه النافذة مكملاً تهديده:
-شكلك فكراني بهزر
في جزعٍ هتفت به ترجوه:
-استنى، هاقولك.
أرخى قبضته عن الصغيرة وألقاها أرضًا، لتتكوم عند قدمي عمتها، ثم رفع إصبعه متابعًا كلامه معها بنبرة التهديدية:
-لو بتكدبي عليا هادبح بنتك، معنديش اللي أخاف عليه.
...........................................
-أيوه يا اللي بتخبط.
هتفت "همسة" بتلك العبارة، وهي تسرع الخُطى في اتجاه باب منزلها، بعد سماعها للدقات القوية المتلاحقة عليه، فتحته لتتفاجأ بوجود توأمتها أمامها، نظرت إليها ملء عينيها في دهشة فرحةٍ، ورحبت بها بابتسامةٍ عريضة:
-"فيروزة"، حبيبتي آ...
قاطعتها الأخيرة بصوتها اللاهث، وهي تدفعها نحو الداخل، حتى تتمكن من غلق الباب خلفها:
-اقفلي بسرعة يا "همسة".
أوصدت القفل الخارجي مثلما طلبت، والتفتت نحوها تلاحقها بأسئلتها:
-في إيه؟ هو حصل حاجة؟ إنتي بتنهجي كده ليه؟
على أقرب أريكة ألقت "فيروزة" بثقل جسدها المنهك من فرط المجهود العضلي الذي بذلته في فترة وجيزة، ثم أخبرتها بصدرٍ ينهج في توترٍ:
-الكلب "فضل" عايز ياخدني معاه بالعافية للبلد.
انفرجت فتحتا فمها في صدمة ناكرة، وصاحت مستهجنة:
-نعم؟ إيه الكلام الفارغ ده؟
تابعت "فيروزة" كلامها بلمحة من السخرية:
-لأ، ومأجر ناس زي العصابات عشان يخطفني.
علقت في ذهولٍ، لا يخلو من الاستنكار الشديد كذلك:
-ده اتجننت.
سحبت "فيروزة" شهيقًا عميقًا ثبطت به النهجان المسيطر على صدرها، وقالت بعد لحظاتٍ:
-فلت منه بالعافية، بس مش ضامنة إن كان هيعرف يوصلي هنا ولا لأ.
أمسكت "همسة" بهاتفها المحمول، وردت بتحفزٍ:
-أنا هكلم "هيثم" يجيلنا بسرعة يوقفه عند حده.
رفعت توأمتها ذراعها ووضعته على جبينها، ظلت أنفاسها غير منتظمة، وهي تخبرها بما يجول في عقلها من هواجس قلقة:
-ربنا يستر ومايكونش عمل حاجة في ماما ولا خالك.
ردت عليها تطمئنها:
-مش هايقدر رأس العجل ده.
خفضت "فيروزة" ذراعها، وسلطت نظراتها المحتدة عليها مؤكدة لها:
-والله لو مس شعرة منهم لأوديه في داهية.
أشــارت لها "همسة" بيدها عندما سمعت صوت زوجها على الطرف الآخر، وخاطبته مستطردة في عجالةٍ:
-ألو، أيوه يا "هيثم".
.............................................................
لم تكن المسافة بالبعيدة ليستغرق وقتًا للوصول إليها، وبمساعدة الحافلة متوسطة الحجم، بلغ وجهته في زمنٍ قياسي. أشار "فضل" لأحد أتباعه بإيقافها عندما لمح البناية المنشودة، وضرب بيده على الباب الخارجي لها قبل أن يترجل منها آمرًا من معه:
-ورايا يا رجالة، هنطلع هنا.
سأله من يبدو أنه زعيمهم في جديةٍ، بوجهه الذي يعلوه ندبة لجرحٍ عميق:
-لو الحكاية قلبت عوأ نتصرف على طريقتنا؟
أجابه بابتسامةٍ متباهية؛ وكأنه بهذا يثبت قدرته على شراء ما لا يستطيع بالمال:
-معاكو كل الصلاحيات، وكله بحسابه.
فرك الرجل كفيه معًا في نشوةٍ، وقال بحماسٍ ظاهر عليه:
-زي الفل يا كبير.
....................................................
على غير المتوقع، تفاجأت "فيروزة" من وصوله إلى البناية بعد أن لمحته من النافذة، فهرعت إلى شقيقتها تطلب منها إغلاقه بالمفتاح والقفل لضمان عدم اقتحامه للمنزل، خاصة في غياب "هيثم"، والذي تعذر عليها الوصول إليه بسبب سوء شبكة الاتصالات وانقطاع المكالمة بمجرد إجابته على اتصالها. قفزت كلتاهما في توترٍ يشوبه الخوف، مع بداية الدقات العنيفة على باب المنزل، احتضنت "همسة" توأمتها، كأنما تحميها، وهتفت في ذعرٍ غمر كامل بدنها:
-أنا خايفة أوي.
دمدمت من بين شفتيها في غيظٍ:
-ده جبان، متحامي في شوية كلاب زيه.
ضربة أخرى على الكتلة الخشبية تبعها تهديده العالي:
-افتحي يا "فيروزة"، أنا عارف إنك جوا، مش هاسيبك النهاردة.
ردت عليه بنفس الأسلوب المهدد:
-امشي أحسنلك بدل ما أطلبلك البوليس.
هتف مستخفًا بها:
-ده لو لحقوكي يا حلوة.
استمر في دقه العنيف، قاصدًا خلع الباب، أو تحطيمه، هنا أسرعت "فيروزة" نحو المطبخ باحثة عن أداة تستخدمها في الدفاع عن نفسها، وحماية توأمتها أيضًا، لم يكن أمامها سوى السكين، استلته من الدرج، وعادت إلى البهو حيث نجح الوغد "فضل" في خلع الباب من مكانه بمعاونة من معه، ولج أولاً للداخل وزهوة الانتصار تعلو ملامحه، ثم رفع يده للأعلى مشيرًا لأتباعه بالتوقف، ليبدو وكأنه قائدهم الهُمام في مشهد هزلي مثير للتأفف. من تلقاء نفسها أبعدت "همسة" شقيقتها عن مرماه بصراخه المرتعب:
-حاسبي يا "فيروزة".
لوحت الأخيرة بالسكين مهددة بشجاعةٍ تُحسد عليها:
-هاموتك لو قربت.
حدجها بنظرة متعالية لينطق بعدها هازئًا منها:
-ارمي البتاعة دي يا بت.
بدون سابق إنذار حركتها في خفة ليلمس نصلها الحاد وجهه، فمنحته جرحًا مباغتًا جعله يستشيط غضبًا، نعتها بسبابٍ نابٍ، قبل أن يناوله أحد الأتباع عصا خشبية غليظة، ليستعين بها في مواجهتها. ضرب معصمها بقوةٍ جاعلاً السكين يسقط من يدها، ومسببًا لها الألم الشديد، ارتفع صراخها الموجوع، واختلط بصوت "همسة" المستنجد، والذي لم يتوقف للحظة منذ اقتحامه مسكنها:
-الحقونا يا ناس!
وقبل أن تفيق "فيروزة" من الصدمة قبض "فضل" على عنقها بيده، أحنى رأسها للأمام بطريقة مذلة، وسحبها معه بالإجبار خارج المنزل.
..................................................
في تلك الأثناء، كان اثنان من عمال الدكان مُكلفان بشراء وإيصال احتياجات العائلة لمنزل الحاج "بدير"، اندهش كلاهما من الغرباء الذين ولجوا إلى المدخل في خطوات متعجلة ومتلاحقة؛ وكأنهم قد جاءوا للقبض على أحدهم، تبادلا النظرات المستريبة، وبادر أحدهما متسائلاً:
-مين دول؟
رد عليه زميله في توجسٍ حائر:
-مش عارف، بس شكلهم مش مريحني.
حذره بلهجةٍ جادة:
-طب خد بالك، لأني حاسس كده إنهم جايين يعملوا قلق هنا.
هتف في سخريةٍ وهو يفرقع فقرات عنقه بتحريكه للجانبين:
-يبقى وقعتهم مهببة، ومش هاتقوملهم قومة من تاني.
ثم جمع الأكياس في يدٍ واحدة، وأخرج هاتفه من جيب بنطاله الجينز وهو يخبره:
-أنا هبلغ الحاج.
رد في استحسانٍ:
-يكون أحسن.
وقبل أن يسمع رده على الجانب الآخر، انتبه الرجلان لصوت الصراخ النسائي المستغيث، فتركا ما بأيديهما على الجانب ليركضا نحو الداخل في تحفزٍ كبير.
.....................................................
كان ما يحدث على درجات السلم، كالبلاء الذي حل بأرضٍ عامرة بالبشر، تزاحم الجيران المتجمعين على إثر الصرخات العالية لإبعاد هؤلاء الغرباء عن الشابة العالقة بينهم، مما اضطرهم لاستخدام العنف المفرط معهم، لتفريقهم، إزاحتهم عن طريقهم؛ كان من بين هؤلاء "ونيسة"، تفاجأت بأحدهم يجرجر "فيروزة" على السلم، وهو يسحبها من عنقها خلفه، ليجبرها على القدوم معه رغم إرادتها، أسرعت تعترض طريقه صارخة به:
-إنت بتعمل إيه فيها؟ سيبها يا جدع إنت.
استنجدت بها "فيروزة" بصوتها المتألم:
-الحقيني يا طنط.
حاولت تخليصها من قبضة "فضل" المحكمة عليها؛ لكنه لكزها في كتفها وهو يهدر بها:
-حاسبي يا ولية لأزرفك قلم أكومك.
صراخ العامل المستثارة دمائه لتهجمه على السيدة الوقورة مع إهانتها جعلته يقفز عليه دون تفكيرٍ، وباندفاعٍ جنوني ليطرحه على الدرجات وصوت هتافه يرج المكان:
-إنت اتجننت يا (...).
تسابق مع العامل الآخر في ضربه، مما جعل أتباع "فضل" يهرعون إليه لمساعدته، فمنح ذلك "ونيسة" الفرصة لانتشال "فيروزة" المتكومة أرضًا، وأدخلتها إلى منزلها. ظهر الجد "سلطان" وإلى جواره "هاجر"، هتف الأول بصوته الأجش يتوعده:
-يا ويلك يا ديل الكلب، مش هتتساب النهاردة.
في حين تساءلت "هاجر" في رعبٍ:
-إيه اللي بيحصل هنا؟ دول بيعملوا كده ليه؟
قيل في الأمثال الشعبية الدارجة "أن الكثرة تغلب الشجاعة"، وللأسف الشديد مالت كفة الميزان لصالح فريق "فضل" الإجرامي، فتكالبوا على العاملين وأبرحوهما ضربًا بكل قساوةٍ وعنف. خافت "هاجر" على جدها من الأذى، فسحبته نحو الداخل وهي ترجوه:
-تعالى يا جدي بسرعة.
ظل ثابتًا، صلبًا في مكانه، لم تهتز عضلة في وجهه، ولم يبدُ عليه أدنى بادرة خوفٍ أو تردد، رفض التحرك، وضرب بعكازه الأرضية الصلبة، صائحًا بقوةٍ وبإصرارٍ عنيد:
-مش "سلطان" اللي يجري زي الفيران قصاد شوية (...) عاملين نفسهم رجالة.
............................................................
بخوفٍ لا يمكن إنكاره، اقتادتها "ونيسة" نحو الداخل، وأوصلتها إلى أول غرفة كان بابها مفتوحًا، دون أن تهتم إن كانت لابنها البكري أم لغيره، فالموقف متأزم للغاية، وبالنسبة لها بدت الملجأ الآمن حاليًا، لحمايتها من بطش عديمي الشرف. أمسكت "فيروزة" بيدها المتورمة، ونظرت إليها في قلقٍ، فشددت عليها "ونيسة":
-اقفلي عليكي الباب، وماتخرجيش مهما حصل.
ردت بإيماءة طائعة:
-حاضر يا طنط.
انتظرت خروجها لتوصد الباب خلفها، وتلفتت حولها ملقية نظرة مشتتة على المكان المحبوسة به، كانت فاقدة للتركيز، وانتابتها رجفة باردة جعلت كامل بدنها يرتعش بشدة، لذا جلست على طرف الفراش محاولة لملمة شتات نفسها المبعثرة، تأوهت بأنين موجوع عندما لمست معصمها المنتفخ، لكن صوت الصراخ المرتفع بالخارج جعلها تتلبك بشدة، وتتجاوز عن ألمها.
خشيت "فيروزة" من نجاح "فضل" في اقتحام الغرفة، لهذا فكرت في البحث عن شيء تستعين به في الدفاع عن نفسها إن لزم الأمر، فما كان منها إلا أن مدت ذراعها الآخر، وفتحت درج الكومود الأول، لتفتش فيه عن شيءٍ تستخدمه لهذا الغرض؛ لكن أبصرت عيناها ما لم تتوقع إيجاده مُطلقًا ............................................ !!
............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد ...
ده فصل قصير تكميلي تلبية لرغبة القراء
الفصل المائة وأربعة
منديل الرأس، أول ما وقعت عليه نظراتها المندهشة، أيعقل أن يكون ذلك خاصتها؟ التقطته بيدها المرتعشة من فرط انفعالها، وقربته من عينيها لتتأكد منه، ارتفع نهجان صدرها مع رؤيتها للبقية بقاع الدرج، اتسعت عيناها على آخرهما وهي تكاد لا تصدق ما تراه. قبضت "فيروزة" على متعلقاتها براحتها، وتساءلت في صدمةٍ حائرة:
-إيه اللي جاب دول هنا؟
تشتت تفكيرها للحظاتٍ وهي محدقة في أشيائها، باعدت عينيها عنهم لتدور بهما حول الغرفة في نظرة شاملة تمسح بها تفاصيلها، وكانت صدمتها الأخرى، إنها بغرفة "تميم"، الآن تذكرت أنها رأتها من قبل، عندما وقفت أمام بابها، خلال الاحتفال بميلاد الرضيع "سلطان". انتفضت واقفة عن الفراش، وكأن عقربًا لدغها، وحالة من الذهول والإنكار مسيطرة عليها، أطبقت بأناملها المتشنجة على متعلقاتها، واعتصرت عقلها عصرًا لتتذكر أين فقدتهم؛ لكن في خضم ما تمر به الآن، لم تسعفها ذاكرتها، وبات الأمر عسيرًا عليها، فقط شيئًا واحدًا طغى على السطح، اتهامات "خلود" لها بمحاولة سلب زوجها منها بطرقٍ ملتوية، جال ببالها أن تكون قد رأت منديل الرأس والمشابك. قفز قلبها في رهبةٍ، وزادت مخاوفها، نطق لسانها بما يستحوذ على كامل تفكيرها:
-لأحسن تكون شافت الحاجات دي، وفكراني آ...
لم تستطع إتمام جملتها خوفًا من تصديق ذلك الاعتقاد الخطير، وإن لم يكن صحيحًا! تراجعت مبتعدة عن كل ما له صلة بـ "تميم"، لتهرع نحو الباب قاصدة فتحه، وهاربة مما قد يسيء إليها، خرجت من الغرفة سريعًا، واتجهت عائدة للصالة، تحدق بعينين مفزوعتين لظهر الجد "سلطان"، وحفيدته "هاجر"، ومن خلفهما "ونيسة"، الوضع أصبح متأزمًا للغاية، كارثة أكيدة على وشك الحدوث. ظلت متجمدة في مكانها، لم تبرحه، وصوت لائم يتردد بداخلها:
-هو أنا عملت إيه؟ ورطت الناس دول معايا ليه؟ هما ذنبهم إيه؟
.................................................
من كل حدبٍ وصوب، جاءوا معه سائرين، وركابًا، لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، بعد تلقيه لمكالمات جمة من غالبية الجيران، لإخباره بالوضع المتدهور بالبناية. صوت احتكاك مكابح السيارات كان كفيلاً بإثارة الرعب في النفوس، ترجل "تميم" من سيارته دون أن يأبه بغلقها، وهرول ركضًا آمرًا عماله بصوت جهوري رن صداه المخيف في أركان المنطقة، وهو يُلقي بسلسلة حديدية لأحدهم:
-باب العمارة يتقفل من برا بالجنزير، محدش لا يدخل ولا يخرج، سامعين!
رد عليه العامل مبديًا طاعته الكاملة بنبرته الخشنة:
-تمام يا معلم.
اقتحم البناية عشرات الرجال الأشداء، على رأسهم كان "تميم"، يقفز على الدرجات صعودًا، وأبقى ثلاثة منهم أمام البوابة بعد غلقها بالقفل والسلسلة الحديدية الغليظة. أتاه صوت جده الأجش صائحًا وهو مازال بالطابق السفلي:
-ارمي البتاعة اللي في إيدك دي يا (...).
راح يسمع صوتًا مقيتًا إلى نفسه، يرد بازدراء حقير، جعل الدماء المغلولة تصعد من صدره لرأسه في كتلٍ محمومة:
-اتكلم على أدك يا راجل يا كُهنة، إنت مش هتستحمل ضربة مني، ده إنت رجلك والقبر.
وقبل أن يوبخه "سلطان" هدر "تميم" عاليًا بصوتٍ أرعب الجميع:
-القبر ده هتخشه النهاردة يا (...).
التفت الجمع المصاحب لـ "فضل" لمصدر الصوت المزلزل، وحدث كل شيء كالبرق في سرعته، امتدت يد "تميم" اليمنى القابضة على عصا غليظة نحو أحد الأوغاد، فأطاحت برأسه، والأخرى الممسكة بسكينٍ طويل أحدثت جرحًا غائرًا في عضدِ آخرٍ، وشتائمه اللاعنة لا تتوقف أبدًا. تبعه رجاله الذين تلاحموا بشراسة عنيفة، لا يمكن وصفها مع كل من تطاله أياديهم؛ وكأن بينهم ثأرًا قديمًا مضى عليه قرون.
تلاشت لغة العقل والمنطق، وحلَّ أسلوب الغابة والوحشية المُطلقة، فتناثرت الدماء، وتكسرت العظام، والتوت الأذرع، وضربت الرؤوس. كالجرذ المذعور تراجع "فضل" متجهًا نحو الجد يريد إيذائه، اعتبره فريسة سهلة المنال، وربما وسيلته المؤقتة لإخراجه من الجحيم الذي سقط فيه بإرادته؛ لكن الأخير باغته بضربة غير متوقعة من عكازه على كتفه، جمع فيها كل غيظه وغضبه من تدنيس حرمة منزله، فارتد للخلف فاقدًا اتزانه، وقدرته على الصمود، ليقع في يدِ من لا يرحم.
.................................................
رغم حالة الهلع المسيطرة عليها إلا أنه استجمعت نفسها، والتقطت هاتفها المحمول الذي أسقطته أرضًا أثناء المواجهة مع ذلك الدنيء النجس، بادرت بالاتصـال بالشرطة على أمل أن يأتوا في الوقت المناسب، لمنع "فضل" من اختطاف توأمتها قسرًا. لم تتوقف "همسة" عند ذلك الحد، بل هاتفت أيضًا "علا"، علها تنجح بطريقة أخرى في ردعه، إن نجح وأخذها عنوة. حمدت الله في نفسها أنها ما زالت تحتفظ برقم هاتفها لديها، فتوسلتها بصوتها المتقطع عندما أجابت عليها:
-كلمي "ماهر" بيه يلحقها بسرعة، أنا خايفة أوي عليها، ده ممكن يقتلها.
ردت عليها تطمئنها في نبرة كانت متلهفة كذلك:
-متقلقيش يا "همسة"، مش هايقدر يأذيها، البلد مش سايبة، و"ماهر" ليه صلات بناس كتير، اطمني، هيعرف يوصلها حتى لو كانت فين.
استعطفتها بمزيدٍ من الرجاء:
-أوام الله يكرمك.
قالت مؤكدة:
-حاضر، اقفلي، وأنا هاطلبه.
-ماشي.
نطقت بتلك الكلمة الموجزة وهي تبعد الهاتف عن أذنها لتجري خارج منزلها، لكنها توقفت في مكانها، وأمسكت بكلتا يديها بحافة الدرابزون، بعد رؤية التلاحم العدائي الشرس الدائر بالطابق السفلي.
............................................
تكوم إلى جوار صندوق القمامة، شاعرًا بألمٍ حارق يعصف بكتفه؛ لكنه لا يُقارن بالألم الرهيب الذي نال من ذراعه، عندما انقض عليه "تميم" ليكسره في عصبيةٍ خرجت عن السيطرة. صرخ "فضل" بعويلٍ باكٍ مستنجدًا:
-الحقوني!
شقًا طوليًا لن يلتئم جرحه بسهولة وجد مكانه في جبين "فضل"، صوت صراخه المرتفع كان كأنشودة تطرب الآذان، ومع هذا لم يشفِ غليله منه! نادى "سلطان" حفيده الجاثم على ذبيحته بركبته:
-"تميم"!
رد متوعدًا بأنفاسٍ حارقة، وعيناه تتقافز فيهما شرارات ملتهبة:
-مش هارحمه يا جدي!
لجأ "فضل" لقشةٍ أخيرة، ربما قد تكون السبب في إحراقه حيًا، أو كسب المزيد من الوقت للنجاة بحياته من براثن ذلك العتي، لعق شفتاه، وهدر بصوتٍ عالٍ قاصدًا لفت الأنظار:
-إنت هتموتني عشان بألم عرضي اللي دست عليه ووسخته؟!
صوت طاووسه البري الحانق جاء من ورائه يرد على ظلمه المجحف:
-إنت أوسخ خلق الله، أنا يا كلب أشرف من أمثالك، وأطهر من كل كلمة قولتها.
تخطت دماء "تميم" درجة الغليان بكثير، واستثير على الأخير بحمئتها المتعصبة، فأصبح كالأعمى، لا يرى إلا شيئًا واحدًا، قطع لسان ذلك النجس فورًا لإخراسه، لكن يده سبقت مديته، وصفعه أولاً صفعة عنيفة جعلت صفي أسنانه تتخلل من فرط قوتها، ثم سدد له لكمة أسفل فكه كادت تحطمه وهو يصيح به بسبابٍ لاذع:
-اخرس يا (...)! لسانك النجس ده هاقطعهولك.
انكمش "فضل" على نفسه من شدة الألم المنطلق في وجهه، ورغم هذا استمر في قذفها بالباطل، ورفع من نبرته متابعًا اتهاماته غير الحقيقية لكليهما، كوسيلة أخيرة لكسب تعاطفٍ غير موجودٍ من المتواجدين:
-اشهدوا يا ناس، شوفوا هيعمل فيا إيه الكلب ده وعشيقته.
شهقة "فيروزة" المصدومة اخترقت أذني "تميم"، أتبعها نفيها القاطع:
-إنت كلب، واحد قذر، تستاهل الحرق والموت.
نظر إليها قائلاً بسعالٍ متحشرج:
-أيوه اعملي الشويتين دول، وأنا اللي كنت جاي اتستر عليكي بعد ما ريحتكم فاحت، وسيرتك بقت على كل لسان.
بين طرفة عينٍ وانتباهتها تحول "فضل" لكيسٍ للملاكمة، تكسرت فيها ضلوع صدره، وتناثرت الدماء من كل فتحة في وجهه، قبل أن تجد مديته طريقها عند فمه لتحدث شقًا غائرًا في جانبه. أوقفه الجد "سلطان" بصعوبة عن غرزه بندائه الغليظ:
-"تمــيم"!
بالكاد توقف عن تعميق النصل حينما لمح بطرف عينه منديل الرأس المحتفظ به أعلى درج الكومود يسقط على مقربة منه، فأدار رأسه في صدمة وجلة للجانب، ليجد "فيروزة" تفترش الأرضية بجسدها الغائب عن الوعي، سحب مديته بقسوة من جلد وجهه غير عابئ بصراخ "فضل" الجنوني، لينتقل سريعًا نحوها، ولون وجهه المحتقن يشبه الأتون المتقد منذ ساعات. جثا قبالتها، وهلل بصوته الصارم يأمر رجاله:
-خدوا الـ (...) دول كلهم على السطح...
والتفت برأسه نحو "فضل" متابعًا إملاء باقي أوامره عليه:
-والنجس ده يطلع مسحول على ضهره.
استجاب كافة العمال له بهمهمات طائعة، قبل أن يعاود النظر إلى الوجه الذي انطفأ من قساوة ما جابهه في وجوده، أحس "تميم" بنيران تحرق كامل جسده، معتقدًا أنه لوهلة خذلها عندما لم يسكت لسان الباطل.
...............................................
قاوم السعير المتأجج فيه، ومرر "تميم" ذراعيه أسفل جسد "فيروزة" الممدد عند قدمي جده المحني عليها لحملها، قام بإدخالها لمنزله، توقف في مكانه مترددًا أين يضعها؛ وكأن عقله قد توقف عن التفكير بمنطقية. أرشده جده بأمرٍ نافذ من خلفه:
-وديها أوضتي.
لم يلتفت إليه، وتابع سيره نحو غرفة جده ليضعها بالفراش، وصوت "سلطان" الرزين يكلمه:
-كل حاجة هتتحل، ماتقلقش.
نعم أراح جسدها بالفراش؛ لكن ذلك لا يعني أنه استراح، فالحرب قد اندلعت لتوها بين الحق والباطل. وقعت أنظاره على يده المنتفخة، فزاد اشتعال صدره متوقعًا أن تكون إصابتها جراء الصدام مع ذلك الوضيع، برزت عيناه أكثر عندما رأى أناملها ترتخي عن مشابكها، التقطهم سريعًا واحتفظ بهم في راحته، وعقله مزدحم بأسئلة عن كيفية اكتشافها لكنزه الثمين. انتشله من سرحانه المشحون بأنواعٍ متناقضة من الأفكار قبضة جده الموضوعة على كتفه، شعر بضغطه الجامد عليه قبل أن يستطرد قائلاً:
-واللي غلط هياخد جزائه، بس نهدى ونفكر بالعقل.
إن كان يتحدث جده عن التريث، فقد ذاب وتبخر مع شدة غضبه! وإن كان يقصد منح الرحمة لمن لا يستحق تجنبًا للعقوبة، فقد انعدمت تلك الصفة منه! نظر إليه "تميم" بعينين متشبعتين بحمرةٍ لا يمكن إنكار رؤيتها، وأخبره بنفسٍ ثقيلٍ من بين شفتيه:
-مش مع ده، هيتعلق ويدفن بالحيا.
اعترض جده طريقه، وقد رأى في عينيه إصرارًا قويًا على تنفيذ ما صرح به، وخاطبه:
-وتضيع نفسك مع كلب؟
قال بحرقةٍ شديدة:
-مش فارق معايا.
خفف من حدة صوته وهو يقول مستعينًا بنظرة ذات مغزى من عينيه:
-طب فكر فيها؟
كبحْ غضبه الآن كان من رابع المستحيلات، فهو ينهش في روحه ويستحثه على الصعود لقتل "فضل"، بعد إذاقته ألوانًا من العذاب، ليعي الأخير مع أي شخص قد عبث وأساء. ولجت "ونيسة" إلى الغرفة -ومعها ابنتها- تتساءل في جزعٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، هو في كده؟ إيه الظلم ده؟
بينما أعلمته "هاجر" وهي تنظر إليه:
-العمال برا واقفين مستنينك يا "تميم".
-أنا أسفة إني دخلت كده من غير استئذان.
صوت "همسة" المعتذر جعل الجميع يلتفت نحوها، وجدوها تقف عند أعتاب الغرفة وهي تتطلع إليهم بنظراتها المرتعبة، رمشت بعينيها، وتابعت قائلة بصوتٍ يملأوه الخوف:
-بس عايزة أطمن على أختي.
أقبلت عليها "ونيسة"، واستحثتها على الدخول بقولها المهتم:
-تعالي يا بنتي، ده بيتك.
اندفعت "همسة" نحو توأمتها، واللوعة تستبد بقلبها آسفًا عليها، مالت عليها، واحتضنتها قائلة لها ببكاءٍ:
-الحمدلله إنك هنا.
ثم رفعت رأسها تخاطب البقية، مدافعة عن شقيقتها بحرجٍ ملموس في صوتها؛ لكون الأمر يمس عائلة "سلطان" بشكلٍ مباشر وسافر:
-والله العظيم هو كداب، بيهلفط بأي كلام.
قال الجد بثباتٍ وهو يومئ برأسه:
-احنا متأكدين يا بنتي من ده، مش محتاجة تبرأي ذمة أختك.
كان "تميم" على وشك الرد أيضًا لولا سماعه لصوتها الجريح، يهتف من ورائه بأنفاسٍ غير منتظمة، ليدرك أن مهجة القلب ومالكته قد أفاقت من إغماءتها:
-هاقتلك يا "فضل" .......................................... !!!
.......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الفل ..
يا رب تكونوا بخير، باعتذر لو الفصل قصير قليلاً، يومي كان مشحون حبتين، وكنت فعلاً مرهقة، ويدوب حاولت أكتب اللي كان ناقص من الفصل بدلاً من إرجائه ..
قراءة ممتعة
الفصل المائة وخمسة
صراعها معه لم يكن مجرد خصومة عادية، ينتهي النزاع فيها بجلسةٍ عرفية، أو بتدخل وساطة عائلية لعقد مصالحات وهمية؛ لكنها حربٌ ضروس بين شهادة الحق، ولسان الزور. دفعتها كل المشاعر المكبوتة بداخلها، والتي فاقت حد الاحتمال الطبيعي، للانتفاض مجددًا من قوقعتها، واستعادة إدراكها الحسي، ليبدأ وعيها في التيقظ والانتباه لما يحدث حولها. في البداية كانت الأصوات متداخلة، متزاحمة، غير مفهومة لها، تكاد تصيبها بالصمم، ومع القليل من التركيز تبينت أن ما خاضته ليس بكابوسٍ عابر، وإنما واقع أليم فُرض عليها القتال فيه لإثبات طهرها، وأن عفتها لم تدنس.
شرفها الذي ما زال كما هو، لم تمسه يد، ولم يره مخلوق، كيف يستبيح الخوض فيه هكذا بجراءة وفُحش؟ استعر الغضب في أحشائها، وغزا كامل عروقها، لتصبح كل خلية فيها كجمرة لم تغرب النار عنها. صوت "فيروزة" الجريح زأر مرة أخرى بحرقةٍ زادت من وهج النيران المشتعلة في صدره:
-هاقتلك، والله ما هاسيبك يا بغل.
تركزت كل الأنظار معها، وأسرعت "همسة" في احتضان توأمتها، محاولة دعمها بقولها غير المجدي:
-ربنا هينتقم منه، اهدي بس يا حبيبتي.
في غمرة انفعالها، دفعتها بقسوةٍ لتبعدها عن طريقها، وأصرت على الاقتصاص منه فصاحت بكل عنفوانها:
-هموته، ده الحل الوحيد.
ردت عليها "ونيسة" بغيظٍ:
-والله معاكي حق، اللي زيه يستاهل الموت بدل المرة عشرة.
ثم مصمصت شفتيها متابعة بانزعاجٍ:
-ده عرض ولايا اللي خاض فيه.
أضافت عليها "هاجر" بتوجسٍ:
-والناس مابتسبش حد في حاله، حتى لو متكلموش قصادنا بحاجة تجرح، هيلسنوا بكلام مش حقيقي.
نفس الكلمات تتردد، نفس العبارات المبطنة التي تودي بها إلى خيارٍ لا مناص منه، وإن لم تبح به الألسن بعد؛ لكنها لم ولن تلجأ إليه أبدًا مهما دفعتها الظروف، لن تسمح لأحدهم بالانتقاص منها، بسحقِ البقايا الصامدة فيها. ثارت ثائرتها من جديد بعصبيةٍ مضاعفة استغربها من حولها:
-والله لموته، مش هاسيبه يعيش.
وكأن بكلماتها العنيدة تستثير حمئته أكثر وأكثر، فلم يعد يطيق البقاء ساكنًا، فاندفع بعزم ما فيه للخارج قاصدًا تلك المرة نحر عنقه، وإن كان في هذا سجنه للأبد، لتحيا هي كريمة، حرة، مرفوعة الرأس، على أن يدعس حقير مثله طرفها! تجاهل "تميم" نداء جده وهو يَزْعق من خلفه:
-استنى يا "تميم"، اسمع هاقولك إيه.
همهم بصوتٍ لم يفارق ثغره وهو مستمر في تقدمه:
-معدتش ينفع مع اللي زيه كلام يا جدي.
أشــار بعينيه الملتهبتين من كم الغضب المنتشر فيهما بالتحرك أيضًا، فنفذوا أمره غير المنطوق بإذعانٍ كامل، ليخرج الجميع من المنزل متجهين إلى السطح، وخلال صعوده صاح "تميم" في جيرانه بنبرة جمعت بين الحزم والعرفان بالجميل:
-كتر خيركم يا جماعة، خشوا بيتكم، الليلة عندي أنا...
ظل ثابتًا في مكانه وهو يكمل بتحذير شديد اللهجة، مستخدمًا سبابته في الإشارة، وكامل نظراته تدور على الأوجه المتطلعة إليه:
-ولو كلمة اتحكت عن اللي دار هنا لأي حد في الحتة، ولا شميت خبر إن سيرة حد من طرفنا اتمست بسوء مش هحاسب حد إلا إنتو، أيًا كان من هو...
بالطبع لم يجرؤ أحدهم على مناقشته، أو الاعتراض على تصرفاته الآمرة، أو السؤال عن تفاصيل تلك المشادة الدموية، أو حتى معرفة نهايتها المأساوية، خاصة وهو في حالة من الاستنفار الرهيب، والتي تؤكد لمن يراه بأنه عائد للسجن لا محالة. باعد نظراته العدائية عنهم ليقول بصوته الأجش المجلجل:
-وكتر خيركم من تاني على وقفتكم، مردودالكم.
همهمات تنوعت ما بين شاكرة وطائعة لم يعبأ بها "تميم"، واصل صعود الدرجات، ومع كل درجة يتخطاها كان يشحذ المزيد من حنقه، صوتها النافذ إلى قلبه قبل أذنه جعله يتخشب في مكانه كتمثالٍ من الحجر، حتى أن قبضته الممسكة بحافة الدرابزون تصلبت عليه، عندما هدرت عاليًا بالأسفل:
-سيبوني عليه، محدش يمنعني.
جاءه صوت والدته يرجوها:
-يا بنتي اهدي، أنا مش ملاحقة عليكي وعلى "تميم".
ردت بحرقة وَأدت بصيص الرحمة بداخله:
-ده شرفي، وأنا مش هسامح في اللي مسه!
خاطب "تميم" نفسه مؤمنًا عليها:
-ولا أنا.
تابع صعوده برويةٍ لتلتقط أذناه دمدمتها الغاضبة، متغاضيًا عن أصوات صراخ الأوغاد المحتجزين، والذي يخترق الجدران من شدة الضرب والوجع على يد عماله المتعصبين الذين أذاقوهم ألوانًا من العذاب الأليم.
............................................
مكالمة عاجلة أتته من زوجة شقيقه تخبره فيها بملاحقة ابنه لابنتها، واستئجاره لغرباءٍ من أجل اختطافها عنوة، فأدرك أن توابع رعونته هذه لن تمضي على خير ككل مرة، خاصة إن لجأت إلى من يخشى الصدام معه؛ لأنه ليس بشخصٍ عادي، يمكن تهدئته بمعسول الكلام؛ لكنه من أرباب السجون، لا يعرف سوى لغة العنف، وأساليب الإيذاء الشرسة. تطلع "إسماعيل" أمامه محدقًا في الطريق الترابي على مدى بصره، ورفع ذراعه ملوحًا للسائق وهو يخاطبه برجاءٍ يميل للتوسل:
-سوق يا ابني بسرعة الله يكرمك.
بتعابيرٍ هادئة، وجسدٍ مرتخ علق عليه السائق:
-حاضر يا حاج...
ثم لوى ثغره معللاً بطء الحركة:
-بس إنت شايف الطريق عامل إزاي.
رجاه بصوته القلق:
-معلش يا ابني، في نصيبة ولازم ألحقها.
نظر إليه السائق بنظرة فضولية سريعة قبل أن يحدق أمامه، وقال:
-ربنا يسترها علينا جميعًا.
لفظ "إسماعيل" الهواء الثقيل من صدره، وظل يدمدم داعيًا:
-جيب العواقب سليمة يا رب...
بقيت أنظاره عالقة بالطريق المزدحم بعشرات السيارات في مختلف أحجامها وأنواعها، وتابع كلامه مع نفسه:
-أنا قلبي كان حاسس إنك ناوي على مصيبة يا "فضل".
هز رأسه في استنكارٍ مرددًا بين جنباته في حزنٍ وسخط:
-بقى دي أخرتها، اتبهدل في السن ده؟ وأجري ألم ورا ابني؟!
عاد ليحدق في السائق، واستعطفه من جديد:
-يالا يا ابني، دوس بنزين، السِكة فضت شوية.
أومأ برأسه وهو يرد:
-عينيا يا حاج.
ظل يدعو الله كثيرًا في سريرته، أن يصل في الوقت المناسب، قبل أن تزداد الأمور تعقيدًا، ويعجز حينها عن نجدة ابنه، أو تخليصه من جرائر شره.
.................................................
لم يستطع أحدهم منعها من تسلق درجات السلم لبلوغ السطح سوى جسده العريض والذي ظل عائقًا أمامها، يحول دون دخولها إليه. رفعت "فيروزة" عينيها إلى ظهره المنتصب، ترمقه بنظرة نارية محذرة قبل أن تهدر به بأنفاسها المنفعلة:
-حاسب، خليني أدخل.
لم يلتفت إليها "تميم"، ولم يفِ بوعده لها بتلبية ما تطلبه أيًا كانت ماهيته تلك المرة، بل على العكس بدا متحكمًا، متشددًا في رأيه، فرد ذراعه ليضعه على حافة الباب، وعاندها رافضًا بشكلٍ قاطع، لئلا تلوث نظراتها بهيئة ذلك النجس مجددًا:
-لأ .. مش هايحصل.
استطاع أن يشعر بالألم في نبرتها وهي ترد بإصرارٍ:
-أنا هاخد حقي بإيدي، مش هاسمح لكلب زي ده يجيب في سمعتي بالباطل، ويفلت كده بسهولة..
خنقت غصتها القاتلة، وأكملت بكبرياءٍ ما زال جريحًا:
-أنا مش رخيصة.
قال على الفور محتجًا على وصفها بحنقٍ متزايد دون أن يأخذ اللسان حذره:
-إنتي غالية عندي ...
تدارك زلة القلب، وصحح بنفس الصوت المتشنج:
-عند الكل، وحقك أنا هاجيبهولك.
ألا يكفيها ما سمعته من افتراءات لتسمح بالمزيد من القيل والقال، إن ارتضت بمساعدته؟ تخبطت في تفكيرها، واختلط عليها العاطل بالباطل، لذا هتفت تسأله في عصبيةٍ معترضة على تدخله في شأنها:
-ومين فوضك تعمل كده؟
أجاب بخشونةٍ ضاربًا بقبضته المتكورة على الحافة الخشبية:
-أنا مش محتاج تفويض.
بألمٍ مازال يشوب صوتها أخبرته؛ وكأنها تبرر سبب حمئته الرجولية:
-أه صح، لأن الكلام مسَّك، ولازم تبرئ نفسك ...
لمحة من السخرية المريرة غلفت نبرتها عندما أتمت الباقي من جملتها:
-ما هو أنا اللي ضحكت على سيد المعلمين، وجرجرته ورايا.
هنا التفت "تميم" ناحيتها ليواجهها وجهًا لوجه، وجد في نظراتها إليه بهاءً يخالطه الشموخ، وثباتًا مغريًا لا يمكن إنكاره، بالرغم من أمارات الغضب النافرة منها، شتت عينيه عن جوهرتيها الساحرتين، ليلقي نظرة شمولية على تعبيراتها، فقرأ في ملامحها جرحًا عميقًا لا يمكن اندماله بين عشية وضحاها. أعادت "فيروزة" تكرار سؤالها على مسامعه بشفاه مقلوبة:
-مش ده اللي هيتقال؟ صح ولا أنا غلطانة؟
رد نافيًا بإجابة قاطعة:
-مش هيتقال حرف.
استهجنت ثقته الغريبة، وظنت أنه يمنحها مسكنًا مؤقتًا لتتراجع عن الثأر لنفسها، لذا هدرت تسأله بصوتها المتشنج:
-ده على أساس إيه بالظبط؟
مجددًا شرد سريعًا في نظراتها المسلطة عليه، كانت قادرة حقًا على أسره وسط نوبة هياجها، انتابته أمنية عجيبة حينئذ، ألا يمكن أن يحظى معها –ذات يومٍ- بحوارٍ هادئ غير ذلك المشحون بكافة درجات الغضب والحنق؟ أفاق من سرحانه الخاطف في التفكير فيها مؤكدًا عليها:
-لأني قولت كده.
أهانته دون تعمدٍ:
-ما تقولش حاجة إنت مش أدها.
كل ما كان يضطرم به حاليًا نيرانًا لا نهاية لها، حاول اختلاق الأعذار لها، مبررًا في نفسه أنها لا تعلم بعد ما هو قادرٌ على فعله إن أعطى أحدهم وعدًا. استدارت "فيروزة" برأسها للجانب عندما سمعت صوتًا ذكوريًا يخاطبها بتحذيرٍ واضح:
-حاسبي على كلامك يا بنتي.
أمعنت النظر في وجه الجد "سلطان" الذي تقدم نحوها، وواصل كلامه معها بلهجته الجادة:
-احنا متأكدين من أصلك وفصلك، مش هنمشي ورا حتت (...) قال كلمتين طق حنك يكسب بيهم بونط، بعد ما اتخسف بيه الأرض.
انضمت إليهم كلاً من "ونيسة"، و"همسة"، فسادت لحظة من الصمت المشحون، قطعته الأولى حينما صاحت مبررة مقصدها:
-هي أكيد عارفة ده يا حاج، بس إنت عارف البني آدم ساعة الغضب بتخليه أعمي، وينطق بحاجات مش قاصدها.
حاوطت "همسة" توأمتها من كتفيها، تأملتها بنظراتٍ حانية، ثم رجتها بحرجٍ طفيف:
-اهدي يا "فيروزة"، مايصحش كده، الحمد لله إنهم واقفين معانا.
أدارت رأسها في اتجاه شقيقتها، فرنت إليها الأخيرة بنظرة إشفاق استثارت غزيرة الدفاع لديها، رفضت تقبل مثل ذلك النوع من التعاطف الممتزج بالخجل، خاصة حينما جالت بعينيها سريعًا على الأوجه المتباينة في تعبيراتها، كأن هناك خذلانًا متواريًا وراء نظراتهم إليها، لوهلةٍ غمرها شعورًا غريبًا بأن كل شيءٍ يتكرر، وكأنها تعايش نفس الموقف المليء بالإدانة من جديد مع اختلاف تفاصيله، لذا اتخذت موقفًا هجوميًا على الفور، وأزاحت يدها عنها لتتراجع قائلة بحدةٍ وهي تشير بسبابتها:
-لو فاكرين إني هاصلح غلط بغلط فده مش هايحصل، حقي هاجيبه منه، وهاقطع لسانه اللي افترى عليا زمان ودلوقتي.
حملق فيها "تميم" بنظراتٍ غريبة، فكلماتها كانت ذات دلالات قوية، تمنى ألا يكون تفسيرها هو ما يدور في خلده، بلع ريقه، وسألها بصوتٍ أجش جاهد ليبدو هادئًا معها:
-تقصدي إيه بكلامك ده؟ وضحي.
لم تحد بنظراتها عنه وهي ترد بشيء لم يتوقعه:
-إني أتجوز...
بتصريحها المفاجئ بدت له وكأنها تتسرب من بين أصابعه كالزئبق، توقف لهنيهة عن التنفس من صدمته، أحس بانقباضة تعتصر قلبه، وكأن الموت قد حط عليه ليقبض روحه، غامت ملامحه، وأظلمت نظراته أكثر عندما تابعت بنفس الثبات الحاسم:
-سواء بيه أو بغيره، فده مش هايحصل مهما كان.
وحده كان يعلم أي ألم يقاسيه حفيده الآن، نظراته المتفرسة إلى وجهه الواجم بشدة أكدت له معاناته الصامتة، فهناك شرخ جديد تصدع في حبه السري، ربما يهدم كل شيء إن تصاعدت الأمور، نبضاته السريعة المتلاحقة كانت ظاهرة في عرقه الذي انتفض في جبينه، ورغم ذلك لم يحاول الجد "سلطان" التدخل، والنطق بما لا يفيد الآن، بقي ساكنًا ومرر نظراته على "فيروزة"، كانت في أوج غضبها، لا ترى إلا ما حاق بها من ظلم، إذًا ليتركها تهدأ؛ لأن العقل لا يتكلم، وإنما صراخ روحها المفطورة.
أضافت "فيروزة" قائلة باعتزازٍ وهي تسند يدها المتورمة على راحتها الأخرى:
-أنا عمري ما هطاطي راسي، لأني معملتش الغلط اللي يخليني أدارى، وأرضى بحاجة مش عايزاها، عشان أخرس ألسنة الناس.
أراد أن يكون اختيارها له عن طواعية تامة، أن ترغب فيه بإرادتها الكاملة، وليس لأنه فُرض عليها جراء موقفٍ ما تحتم عليها ذلك فيه؛ وإن كانت كل الشواهد ترجح ذلك الاختيار. منحها "تميم" حرية ظنت أنها مسلوبة منها بقوله:
-وأنا عايزك ترفعي راسك من غير جواز.
بعزة نفسٍ لا تدرك أنه يعشقها فيها أخبرته دون أن يرف لها جفن:
-هرفعها وقت ما أقتله بإيدي.
ضيق نظراته نحوها، فحدجته بنظرة مليئة بالإصرار وهي تكرر عليه أمرها:
-وسع من طريقي.
رؤيتها لهذا القميء مجددًا يعني انطلاق شارات الإنذار بجريمة أكيدة، ستحدث على يده، احمر وجهه من غضبه الذي يكبته أمامها، محاولاً كبحه بشتى الطرق، لم يحبذ أبدًا أن ترى الجانب القبيح منه، خاصة عندما يثور، ويفقد قدرته على ضبط انفعالاته، لذا كور قبضته، وضغط على أصابعه حتى ابيضت مفاصله، قبل أن يلكم الباب الخشبي بعنفٍ مباغت جعلها تنتفض في ذهولٍ قلق. حذره جده من التمادي في عصبيته صائحًا:
-بالراحة يا "تميم".
كلمات جده لن تخمد أبدًا ما اندلع في صدره، شتت انتباهه لحظيًا عن النظر في اتجاهه، تلك الخطوات السريعة الصاخبة المصحوبة بنداءٍ يلفت الانتباه:
-يا معلم، يا معلم!
اتجهت الأنظار نحو العامل الذي تابع باقي حديثه بصوتٍ شبه لاهث:
-عربيات البوليس جاية من على أول الشارع...
بلع ريقه على عجالةٍ ليختتم بعدها جملته:
-الظاهر حد بلغ.
بتوترٍ ظاهر على وجهها هتفت "همسة" مخاطبة الجميع:
-أنا فعلاً كلمت البوليس، كنت بأحاول أتصرف بأي شكل عشان ألحق أختي.
تحولت أنظار "سلطان" نحو حفيده، وسأله بهدوءٍ:
-هتعمل إيه يا "تميم" دلوقتي؟ الموضوع دخل في الجد.
رد بعنادٍ يحوي رغبة جمة على الانتقام المهلك، حتى أنه فاق طاووسه بكثيرٍ:
-أنا قولتها للكلب ده بدل المرة اتنين، إدي بالك جيالك، والظاهر إن التالتة ثابتة، هاخلص عليه وقتي.
هدرت فيه "فيروزة" بغيظٍ:
-لأ عندك، أنا اللي هموته.
صاح "سلطان" بتهكمٍ مستاء:
-هو إنتو بتتعزموا على بعض في حاجة عِدلة؟
أطبقت "فيروزة" على شفتيها؛ لكن نطقت ملامحها بالكثير، بينما استمر الجد في مخاطبه حفيده بلهجةٍ عقلانية:
-الموضوع دخل في الجد يا "تميم"...
ثم دنا منه، وخفض من نبرته عندما تابع:
-ولو خايف على اللي يخصك يبقى تُفضها حالاً.
نظر له مليًا وهو مقتطب الوجه، في حين تساءل العامل بصوته اللاهث:
-هنعمل إيه يا معلم؟
أخرج من جيبه سلسلة المفاتيح المعدنية، وقذفها في الهواء نحوه وهو يملي عليه أوامره بوضوحٍ:
-خد مفاتيح العربية التلاجة، ومعاك الرجالة اللي جوا، واخرجوا بالأنجاس دول من سطح العمارة اللي جمبنا، هتلاقي العربية مركونة ورا، واشحنوهم على طريق المطار.
هز رأسه طائعًا:
-ماشي الكلام يا معلم.
همَّ بالتحرك في اتجاه السطح، لكنه استوقفه أمر "تميم" التالي:
-وكلم الواد بتاع الكاميرات، خليه يفرمت كل حاجة اتسجلت، هو فاهم هيعمل إيه.
أدار رأسه ناحيته قائلاً بنفس الصوت المطيع:
-عُلم يا ريسنا.
حاولت "فيروزة" المرور، والدخول خلف العامل؛ لكن سد عليها "تميم" الطريق مرة أخرى، فأصابها الغضب، اشتعل وجهها على الأخير وصاحت فيه، كأنما تعنفه:
-إنت بتعمل إيه؟
لم يجبها، وأكمل سحب المزلاج المعدني الغليظ، ليوصد الباب، نظرت له بوجهٍ مشتط، وواصلت هتافها المغتاظ منه:
-حاسب، أنا مش هاسيبه يفلت باللي قاله، هاقطع لسانه.
تنفس بعمقٍ ليكبح نوبة تتجدد بداخله لتنفيذ طلبها، ثم التفت ناحيتها، ونظر إليها بنظرات جادة، لا تحمل سوى الوعد، ورجاها بزفيرٍ ثقيل طرد معه قدرًا ضئيلاً مما يعتريه من مشاعر هائجة:
-انزلي دلوقتي يا أبلة.
ردت عليه برفضٍ معاند:
-لأ مش نازلة.
لم يتحرك قيد أنملة، وبقي ساكنًا صامتًا، ينظر إليها بنظراتٍ غير تلك الهائمة الساهمة التي اعتادت عيناه عليه، نظراتٍ عبرت عن رغبته في محو أي تعاسة حطت بها. فسرت "همسة" صمته الطويل بأنه يمنع نفسه من التفوه بحماقة، لذا بادرت بالتحرك، وحاوطت توأمتها من كتفيها، فانتفضت الأخيرة عندما هبطت يدها لتلمس ذراعها المتورم دون قصدٍ، وتطلعت إليها بعينين حادتين، فأخبرتها الأولى بتوسلٍ شديد:
-استهدي بالله يا "فيروزة"، واسمعي الكلام.
هتفت في عنادٍ أكبر:
-مش هاسيب حقي يا "همسة".
تلك المرة أكد عليها "تميم" بصوتٍ لم يكن بالمازح أبدًا:
-هتاخديه، بس من غير بهدلة ليكي.
تكرر صياح الجد الآمر مع لكزة من عكازه على الأرضية الصلبة:
-يالا أوام، ولو مجابوش ليكي يبقالك الكلام.
اضطرت مرغمة أن تتراجع عن عنادها المُهلك، وبدأت تنسحب خلف الجد الذي كان أول الهابطين، ليظل "تميم" باقيًا في مكانه، حتى تأكد من نزولها، حينها فقط تنفس الصعداء وتبعهم؛ لكن توقف غالبيتهم بالتدريج عن الهبوط عندما وصلوا للطابق المتواجد به منزل "همسة"؛ فالشرطة قد اقتحمت البناية، وبدأت في التحري عن البلاغ الذي تم التقدم به. صاح الضابط بصوته الجهوري الصارم:
-كله ثــــابت! محدش يتحرك من مكانه.
مر "تميم" بينهم ليتجاوزهم، ووقف قبالة الضابط يسأله بوجهه المتصلب:
-في إيه يا باشا؟
كما سأله الجد أيضًا:
-خير يا حضرت الظابط؟
بنظرة شمولية فاحصة لكل وجهٍ على حد أجاب الضابط:
-جالنا بلاغ إن في حالة خطف.
من تلقاء نفسها قامت "همسة" بتفسير تصرفها بتلعثمٍ مرتبك:
-أيوه .. ده أنا آ...
لم يرغب "تميم" في توريط أي فرد قانونيًا، لهذا أعمل عقله سريعًا، وتصرف بسرعة بديهة، فقاطعها بلهجةٍ بدت خشنة وجافة، مخاطبًا الضابط، ليتولى تفسير الموقف عنها:
-لا مؤاخذة يا باشا، مرات ابن خالتي خافت لما شافت حد غريب عندها، أصله كان حرامي جاي يسرق الشقة، وافتكرها فاضية، واتعرض لأختها لما شافها، فكلمتكم تلحقوها.
نظر الضابط في اتجاهه، وسأله بعدم اقتناعٍ بنبرته المحققة:
-كده في عز الضهر؟!!
تحدث من زاوية فمه بنوعٍ من التهكم:
-ما هو حرامي غشيم، مش متودك في الشغلانة.
علق عليه الضابط متسائلاً بجديةٍ، وهو يطالعه بنظراته المتشككة:
-وإنت بقى عارفه؟
تدخل الجد قائلاً بتنهيدة متعبة:
-يا حضرت الظابط الحمدلله الحكاية عدت على خير، ولحقنا بناتنا.
تحولت أنظار الأخير ناحيته ليسأله في استهجانٍ:
-وراح فين الحرامي ده؟
أجاب "تميم" عن جده رافعًا كفيه في الهواء:
-فص ملح وداب.
تأمل الضابط الكدمات والعلامات الحمراء الجافة المطبوعة على جلده، وشعر بالاسترابة مما يلفق من أكاذيب، فهدر به بحدةٍ:
-بالبساطة كده؟ هو إنت بتكلم واحد أهبل.
أخفض كفيه، وقال ببرودٍ:
-لأ لا سمح الله، ده اللي حصل.
نظر له بنظرة دونية قبل أن يقول:
-هنشوف، ده بلاغ رسمين وهيتحقق فيه بطريقتنا.
بابتسامة شبه مغترة لاحت على ثغره استطرد معقبًا عليه:
-براحتك يا باشا، شوف شغلك.
خبت نبرته للغاية، ليبدو كأنما يعاهد نفسه مجددًا، وقلبه يرنو دون عينيه إلى حبيبة ليست ببعيدة عنه؛ إن كان يحول بينهما الموج، فلن يتخلى عنها، لعل وعسى -ذات يومٍ- ينفذ سهم العشق إليها، فتدرك حينئذ ما ضمرته الروح لها من كل درجات الهوى:
-راسك عمرها ما هتطاطي طول ما أنا عايش ............................... !!
..................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم Manal Salem
مساء الخيرات عليكم
موعدكم مع الفصل الجديد
الفصل مائة وستة
لعبت الوساطة القوية دروها في حل الأزمة القائمة، وتغيير مجريات الأمور القانونية، ليتحول البلاغ المقدم عن محاولة لاختطاف أحدهم عنوة، لمجرد بلاغٍ عن سرقة فاشلة، نجح السارق فيها في الهروب قبل إلقاء القبض عليه. كان مدخل البناية مزدحمًا بعشرات الأفراد، ما بين أفراد الشرطة، وعمال الدكان، والمتورطين في الحادثة، فيما عدا الجد "سلطان"، و"ونيسة"، وأيضًا "هاجر". تولى الحاج "بدير" الذي عاد لتوه إدارة الموقف، مستغلاً علاقاته الواسعة في ضبط الوضع، والتأكد من عدم توريط أحدهم قانونيًا، بل وإنهائه هنا بعيدًا عن التواجد في القسم الشرطي.
لدهشة الضابط وجد اتفاقًا غير معلن بين الجيران على تكرار نفس العبارات المبهمة عن عدم رؤية أحدهم لما حدث؛ وكأنهم اتفقوا فيما بينهم على توحيد أقوالهم، ليجد نفسه حائرًا في الوصول إلى الحقيقة الأكيدة عما دار هنا. نظر شزرًا إلى "تميم" الذي كان يستفزه بنظراته المغترة، قبل أن يبعدها عنه ليتطلع إلى "همسة" ويأمرها:
-امضي على أقوالك هنا يا مدام.
تقدمت نحوه، وأمسكت بالقلم الحبري لتوقع حيث أشار لها على الأوراق الرسمية، تصنعت الابتسام وهي تعيد القلم إليه، فخرجت بسمتها باهتة مهزوزة، انسحبت عائدة إلى حيث تقف توأمتها. شردت "فيروزة" مستغرقة في تفكيرها الحائر، وكلمات "تميم" تتردد في صدى عقلها عن عدم جرأة أحدهم على التطرق لما قيل مُطلقا، لم تقل دهشتها عن الضابط، وزاد فضولها لمعرفة كيف فعل هذا، تحفزت بتعابيرٍ ناقمة مع سؤال الضابط لها بطريقته التشكيكية:
-متأكدة يا أستاذة إنك ماشوفتيش وشه؟
هنا تأهب "تميم" في وقفته، وباتت كامل نظراته عليها، لم ينكر أنه خشي من ردة فعلها، ومخالفتها لأي اتفاقٍ قد عُقد معها، لرغبتها الشديدة في الثأر لسمعتها التي تدنست بلسانٍ غير شريف أباح لنفسه الخوض في عرضها. حبس أنفاسه مترقبًا؛ لكن ما لبث أن طرد الهواء في ارتياحٍ عندما أجابت بوجهها العابس:
-لأ، كان مغطيه.
طالت نظرات الضابط المتفرسة نحوها، قبل أن يسألها مرة أخرى بطريقته المحققة:
-واللي في إيدك ده من الحرامي؟
انخفضت نظرات "فيروزة" نحو معصمها المتورم، وأجابت بعد لحظة من التفكير:
-أيوه.
تدخل "تميم" في الحوار مقاطعًا إياهما بلهجةٍ أظهرت انزعاجه من رؤية ذلك التورم جراء تصديها لهذا الوغد الحقير:
-يا باشا احنا لو كنا مسكنا الحرامي ده كنا علقناه على باب العمارة، وخلناه عبرة لمن لا يعتبر، قبل ما يمس شعرة من حد من طرفنا.
حملقت فيه "فيروزة" بوجومٍ، ولم تنطق بشيء، في حين علق عليه الضابط بنظراته الهازئة:
-في قانون في البلد يا حضرت، مش شغل فتوات، ولا لوي دراع.
كان على وشك الرد عليه لولا إشارة صارمة من يد أبيه أتبعها قوله المُلطف:
-إنت عارف الشباب يا باشا، وقت ما يشوفوا حد في أزمة بيجروا يلحقوه، فما بالك بأهل بيته.
وجه الضابط أنظاره ناحيته، وأخبره بلهجته الجادة:
-أنا عايز أخد أقوال الحاج الكبير اللي كان معاكو.
استبق "تميم" في إعلامه:
-جدي ماشفش حاجة، كان نايم، وصحى على صوت الدوشة.
نظر الضابط ناحيته مرة أخرى، نمت تعابيره أنه لم يكن راضيًا عن فرض سطوته المكشوفة، وتمسك برغبته قائلاً:
-مش إنت اللي هتحدد، أنا عايز أسمع منه، وكمان الستات اللي آ...
منعه من إتمام جملته اقتراب أحد زملائه وفي يده هاتفًا محمولاً، مال عليه هامسًا له في أذنه:
-يا باشا، كلم سيادة اللواء مدير الأمن.
ضيق عينيه في استغرابٍ، وتناول الهاتف منه ليخاطبه برسميةٍ بحتة:
-ألو، أهلاً وسهلاً بمعاليك، أخبار سعادتك إيه؟
طال صمته، وعكست تعابيره تباينًا مقلقًا خلال إنصاته للطرف الآخر، ليستطرد بعد برهةٍ:
-حاضر يا فندم، اللي سيادتك تؤمرنا بيه.
أنهى معه المكالمة، والتف نحو الجانب ليحادث زميله بخفوت، ثم ألقى نظرة شاملة على الحاضرين قبل أن يردد بتبرمٍ أكد اضطراره للرضوخ أمام الأمر النافذ:
-اتفضلوا وقعوا.
نظرة ذات مغزى تبادلها "تميم" مع والده، فالأخير عرف كيف يستعيد الزمام بحنكةٍ وروية. انقضت الدقائق الباقية في إنهاء المعاملات القانونية، ليغادر بعدها الضابط والقوة الأمنية المطوقة للمكان. ما إن انصرفوا حتى اعترضت "فيروزة" طريق "تميم" لتسأله بوجهٍ محتقن، وهي تتطلع إليه بنظراتها الغاضبة:
-هتوديني عنده امتى؟
إصرارها على المضي قدمًا حتى النهاية في انتقامها حفز نزعته الهجومية من جديد، حاول تثبيط رغباته، وأجابها بعد زفيرٍ متمهل طرد معه ضيقه:
-لما نتأكد إن البوليس مشى، ولا حابة ناخدهم معانا؟
رفعت سبابتها أمام وجهه تحذره بعنادٍ:
-اعمل حسابك إني مش هاسيبه.
على مضضٍ أخبرها:
-ربنا يسهل.
التفتت برأسها ناظرة نحو "بدير" عندما خاطبها:
-"فيروزة" يا بنتي، حقك هيرجعلك بالكامل، مش عايزك تقلقي.
زوت ما بين حاجبيها قائلة:
-مش قلقانة لأني هاجيبه بإيدي.
سألها بنوعٍ من العتاب:
-واحنا روحنا فين؟
قالت بترفعٍ يتضمن القليل من الوقاحة:
-وأنا مش هاستنى حد يردهولي مهما كان مين.
استاء "تميم" من استخفافها بقدراته، فضم شفتيه في تبرمٍ مانعًا نفسه من التلفظ بما قد يفسد الأمور المتوترة مسبقًا، بينما استمر "بدير" في معاتبتها بأسلوبه الودي الأليف:
-بس أنا مش أي حد، ده أنا في مقام أبوكي، ولا ماستهلش ده؟
شعرت بالحرج من كلامه، وقالت بدمدمةٍ مزعوجة:
-حضرتك على عيني وراسي بس آ..
قاطعها رافعًا يده:
-من غير بس، خلينا نهدى ونفكر بالعقل.
بدأ "تميم" يتكلم من تلقاء نفسه قاصدًا لفت الانتباه إلى إصابتها:
-وبعدين يا حاج شايف إيدها بقت عاملة إزاي؟ ماينفعش نسيبها كده!
ألقى "بدير" نظرة مدققة عليها، وقال بجدية:
-معاك حق، خلي الدكتور يبص عليها ...
وقبل أن تعترض عليه أضــاف بنفس الصوت الجاد:
-وبعد كده هنعمل اللي إنتي عايزاه.
أرخت عينيها عنه قائلة بطاعةٍ لم تكن كاملة:
-ماشي يا حاج.
..........................................
امتدت يده لداخل جيب بنطاله الخلفي، وأخرج من محفظته الجلدية قطعة نقدية، أعطاها لحفار القبور الذي تولى تنظيف وتهذيب الحشائش في قبر والده الراحل، انتظر "هيثم" رحيله ليبدأ بعدها في قراءة الفاتحة على روحه، واستطرد يخاطبه بكلماتٍ آسفة نادمة:
-حقك عليا يابا، بقالي زمن مجتش أزورك ولا أقرالك الفاتحة.
كان شحيح الزيارات له، خاصة بسبب شعوره العميق بالذنب جراء كارثته غير المقصودة في دكانه القديم، لهذا مجيئته إليه يعد من الأشياء نادرة الحدوث. تنهد بعمقٍ، وواصل كلامه الأحادي معه:
-شوفت اللي جرى لأمي؟
غلف الحزن صوته وهو يتابع:
-مابقتش عارف أعمل إيه عشان ترجع زي الأول.
لم تساعده قدماه على الوقوف، فافترش الأرض جالسًا أمام شاهد قبره، متذكرًا حديث الطبيب النفسي المعالج لحالة والدته، والتي أخبره عنها بإيجازٍ أنها لجأت لإحدى طرق الدفاعات النفسية اللا شعورية، وهي رفض الواقع وإنكاره، بل والإسقاط على الآخرين فأصبحت تتعامل مع قضية مقتل ابنتها على أنها لم تكن المتورطة المباشرة فيها، وإنما غيرها من تسبب في إزهاق روحها، لذا نمت بداخلها رغبة شعورية في تحقيق العدالة المنقوصة من وجهة نظرها، وباتت مهمتها الانتقام لها بوسائل عنيفة قد تلحق الأذى والضرر بنفسها وبغيرها. زفيرٌ آخرٌ طرده من صدره قبل أن يكمل في تردد وحيرةٍ:
-وخايف لو.. سبتها ترجع تعيش معايا.. تعمل مصيبة، وساعتها مش هسامح نفسي.
كفكف عبراتٍ علقت بجفنيه، وظل جالسًا على تلك الو ضعية لبرهةٍ، محاولاً تفريغ الشحنة المكبوتة بداخله، أخفض يده نحو جيبه ليخرج هاتفه المحمول، حتى يعرف الوقت، تذكر أن بطاريته قد نفذ شحنها خلال اتصال زوجته به أثناء وجوده بالمشفى النفسي، لم يكن ذهنه صافيًا آنذاك لمعاودة الاتصال بها، فخرج هائمًا على وجهه وهموم الدنيا متجمعة أمام عينيه، كان بحاجة لمكان يهرب إليه، فأرشده عقله لزيارة والده.
نهض من مكانه قائلاً بعد فرك عنقه:
-أوعدك مش هطول في الغيبة يابا، وهاجيلك كل شوية.
..................................................
الطوق الأمني المفروض حول البناية جعل قلبها يدق في عنفٍ، طاردتها الهواجس السيئة بشأن نجاح "فضل" في اللحاق بابنتها، وإلحاق الأذى الشديد بها. ظلت تدعو الله تضرعًا وخفية ألا تكون ظنونها حقيقية، ركزت بصرها على الحشد الغفير المتزاحم هناك، وتقدمت دافعة مقعد شقيقها المدولب بيدٍ، وبيدها الأخرى أمسكت بابنته الصغيرة. حاولت "آمنة" اختراقه، والولوج للداخل؛ لكنها فشلت، لذا وقفت أمام الفرد الأمني ترجوه:
-خليني يا ابني أدخل.
أصر على منعها قائلاً برسميةٍ جافة:
-ممنوع يا ست.
استعطفه "خليل" برجاءٍ:
-معــ..لش يا شــ..اويش.
أخبرته "آمنة" وهي تشير بيدها:
-أنا بنتي عايشة جوا، وده خالها وبنته، احنا عايزين نطمن بس عليها.
قال بوجهٍ جامد في تعبيراته:
-ماينفعش حد يدخل، دي أوامر.
اشرأبت بعنقها محاولة رؤية ما يحدث في الداخل؛ لكنها لم تستطع، فلعقت شفتيها، وسألته بتوسلٍ:
-طب اللمة دي ليه؟ في حاجة حصلت؟ الله يكرمك رد عليا.
لم يرأف حالها القلق، وقال بنفس الأسلوب الجاف:
-معرفش.
رغمًا عنها فاضت العبرات من عينيها، وتابعت بنواحٍ:
-ربنا ما يوقعك في ضيقة، ريحني، أنا قلبي واقع في رجليا، في حد جراله حاجة؟ قولي يا ابني، ده أنا زي أمك.
يئس من إلحاحها، فنطق بتذمرٍ:
-ده بلاغ عن سرقة، ارتحتي كده.
لاحقتها بأسئلتها وقد أراح جوابه صدرها:
-بس؟ مافيش حاجة تانية؟
رد نافيًا باقتضابٍ:
-لأ.
كررت عليه سؤاله بلوعةٍ:
-إنت متأكد؟
خاطبها بصبرٍ نافذ وهو يشير لها بيده:
-أيوه يا ست، ويالا بقى من هنا، إنتي كده هتجلبيلي مع الظابط، وهو من النوع الرزل.
أومأت برأسها قائلة بنبرة طائعة وهي تمسح دموعها بظهر كفها:
-حاضر يا ابني، كتر خيرك.
تراجعت للخلف مع "خليل" الذي سألها:
-هـ..نعمل إيه؟
أجابته مشددة من قبضتها المحكمة على يد الصغيرة، وعيناها تفتشان عن إحدى ابنتيها بين الكتل البشرية المتواجدة بالداخل:
-هنقف نستنى لحد ما يبان في إيه؟
بلع ريقه، واقترح عليها:
-جـ..ربي تـ..طلبي "هــ...مسة".
نظرت إلى هاتفها، وقالت بتوترٍ:
-مش بترد، وده مخوفني أكتر.
هز رأسه في قلقٍ، وغمغم بصوته المتلعثم:
-ربـ...نا يستـ..ر.
طال انتظار ثلاثتهم بالخارج، إلى أن هتفت الصغيرة "رقية" وهي تشير بيدها:
-عمتو، بصي!
استدارت تنظر إلى حيث أشارت الطفلة، فوجدت "فيروزة" مع "همسة"، تنفست الصعداء، وهللت في سرور عظيم:
-الحمدلله يا رب إنهم بخير، يا رب ما تضرني فيهم أبدًا.
على أحر من الجمر انتظرت ابتعاد رجال الشرطة، لتتحرك بخطاها المتعجلة مجرجرة الصغيرة معها، ومن خلفهما "خليل" بمقعده المدولب نحو المدخل الذي بات متاحًا الآن، سبقها صوت صياحها المنادي في لهفة:
-"فـــيروزة"!
على إثر ندائها التفت ابنتها ناحيتها، ورددت في سعادة كبيرة لرؤيتها:
-ماما.
أقبلت عليها الأخيرة تحتضنها، وتفيض عليها بكل ما يعتريها من مشاعر الأمومة الجياشة، تراجعت عنها، وألقت نظرة فاحصة لها من بين دموعها الرقراقة، قبل أن تسألها وكلتا يداها تضمان وجهها:
-إنتي كويسة؟
هزت رأسها بالإيجاب وهي ترد:
-أيوه.
سألتها بنفس اللهجة الملتاعة، ونظراتها ما زالت تفحص ملامحها:
-"فضل" عملك حاجة؟
أجابتها بتجهمٍ شديد:
-ماتجبيش سيرته يا ماما، عشان هاموته.
دق قلبها في ارتعابٍ، متوقعة حدوث الأسوأ، وتابعت متسائلة بعينين ترمشان في خوفٍ:
-أذاكي إزاي؟
لم يطاوعها لسانها لإخبارها بمحاولته الملفقة لإلصاق الريبة بسمعتها، وتدنيسه لشرفها بتهمه الباطلة أمام الغرباء، لتبدو كفتاة ساقطة في أعينهم، توترت والدتها من صمتها، وكررت سؤالها عليها:
-عمل فيكي إيه؟
ردت باقتضابٍ، وبشرتها تشتعل من جديد:
-ملحقش يعمل.
تابع "تميم" حوارهما باهتمامٍ، ودَّ لو استطاع محو تلك اللحظات السيئة من ذاكرة مهجة فؤاده، فلا تضطرم النيران في صدرها، أو ينكوي قلبها بحرقةٍ كلما تطرق أحدهم لذكر ما يخص هذا الدنيء، مال على والده يهمس له:
-وقفتهم كده مش حلوة، ولا إنت إيه رأيك؟
قال وهو يربت على ذراعه:
-معاك حق.
انتبهت "آمنة" لـ "بدير" عندما جاءها صوته قائلاً بنبرة مرحبة:
-اتفضلوا يا جماعة، ماينفعش الوقفة دي في الحوش، تعالوا نتكلم فوق براحتنا.
اعتذرت منه على الفور:
-حاج "بدير"، أنا أسفة، متأخذنيش، اتلخمت في بنتي وآ..
تفهم خوفها الغريزي، وقال بنفس الود:
-اطمني عليها، وخدي راحتك معاها، بس فوق ...
اتسعت ابتسامته قليلاً وهو يؤكد لها:
-وبعدين مش عايزك تقلقي عليها، هي في حمى رجالة.
انتشى "تميم" لسماعه لمثل تلك الجملة المادحة، خاصة مع نظراته المسلطة عليه؛ وكأنه يقصده بها تحديدًا، أخفى بصعوبة بسمة راضية كادت تلوح على ثغره، ليدعي الجدية في حضرة الجميع. شكرته "آمنة" على موقفه النبيل مرددة:
-ربنا يخليكوا لينا.
لمح "بدير" شقيقها وهو يدفع مقعده للأمام، فاتجه إليه ليستقبله بترحيبٍ لا يقل في حفاوته عن استقبال زائر هام:
-عم "خليل" يا ألف مرحب، تعالى يا غالي، بنفسك جاي لحد عندنا.
حياه بصوته المتقطع:
-سلامـ..و علـ..يكم، إزيــ..ك يا حـ..اج؟
أجابه بوجهه المرتخي في تعبيراته:
-احنا في نعمة والحمدلله.
ثم التفت آمرًا ابنه:
-تعالى بس يا "تميم"، مع الأستاذ "خليل".
.................................................
كتمت تأويهة موجوعة والطبيب يلف رباطه الضاغط حول معصمها، لم تكن في أغلب الوقت منتبهة لما يفعله، خلال جلوسها مع أفراد أسرتها بغرفة الصالون، فيما عدا الصغيرة "رقية"، والتي جلست بصحبة "هاجر" في غرفتها؛ كان عقلها منفصلاً عن المحيطين بها، استغرقت في تفكيرها العميق في كل ما طرأ عليها في الساعات الأخيرة؛ ملاحقة "فضل" لها، اكتشافها لوجود منديل الرأس ومشابكها الضائعة في غرفة "تميم"، حيرتها عن كيفيفة حصوله عليهم، توجسها بشأن احتمالية رؤية "خلود" لهم في الدرج، ولو على سبيل المصادفة، وأخيرًا الاتهامات الباطلة التي نالت من سمعتها على لسان الأقرب إليها.
بدا صوت الطبيب مبهمًا وهو يوصيها بنصائحه الجادة حول ضرورة الاهتمام بإجراء أشعة فاحصة لكدمتها، ومتابعة التضخم على مدار الساعات القادمة. هزت رأسها بإيماءة خفيفة وهي ترد:
-إن شاءالله.
أغلق حقيبته، وهمَّ بالانصراف ليصحبه "تميم" نحو الخارج، تنحى للجانب قليلاً عندما مر بالردهة، ليفسح المجال لوالدته التي أتت ومعها صينية مليئة بالحلوى والمشروبات، وضعتها على الطاولة التي تنتصف الغرفة، ودعت ضيوفها لتناول ما بها قائلة:
-اتفضلوا يا جماعة، حاجة بسيطة لحد ما نجهز الأكل.
اعتذرت منها "آمنة" بحرجٍ شديد:
-مالوش لزوم والله، احنا هنمشي، كفاية وقفتكم مع بناتي طول اليوم.
اعترضت عليها "ونيسة" بإصرارٍ:
-ودي تيجي؟ والله نزعل منكم، احنا أكتر من أهل.
بينما أضــاف "بدير" الذي مد يده ليكمل ارتشاف قهوته:
-إنتو منورينا يا حاجة، ده بيتكم، خدوا راحتكم فيه.
وقف "تميم" عند أعتاب باب الغرفة يخبرهم بجدية:
-النجار لسه قدامه شوية عقبال ما يخلص تصليح الباب فوق، أنا سايب اتنين من العمال معاه.
انزلقت "همسة" قائلة من تلقاء نفسها:
-أنا قلبي وقع في رجليا لما لاقيت الحيوان ده واللي معاه كسروه، وداخلين علينا كده، مابقتش عارفة أتصرف إزاي، عمري ما كنت أتخيل إنه يعمل كده، لأ وفي مين، بنات عمه اللي من لحمه ودمه.
ردت عليها "ونيسة" وهي تضع يدها على صدرها:
-الحمدلله إن ربنا سترها معاكو.
تحولت كافة الأنظار نحو "آمنة" التي أردفت قائلة:
-أنا كلمت عمك وقولتله على اللي حصل.
اشتاط وجه "فيروزة"، واربد بحمرةٍ غاضبة بعد تصريح أمها، في حين نطقت "همسة" بنبرة مستهجنة:
-عمي، تفتكري هيعمل إيه معاه؟
ردت عليه بتفكيرها السطحي:
-أهوو يوقف ابنه عند حده، ويأدبه وآ...
فاض بها الكيل من سماع تلك المهاترات المستفزة، لذا قاطعتها "فيروزة" بتشنجٍ:
-ماما، يكون في معلومك أنا مش هاسيبه، وهاقتله.
انقبض قلبها في جزعٍ، ورجتها بوجهٍ شبه شاحب من خوفها:
-استهدي بالله كده، عايزة تودي نفسك في داهية؟
-أحسن ما أخلي اللي زيه عايش.
قالت جملتها وهي تنظر في اتجاه "تميم" الذي تقلصت عضلات وجهه أمام نظراتها المليئة بالإصرار، أخفض عينيه المشتعلتين لينظر للأسفل، محاولاً كبح جماح نفسه، فلا يندفع بهوجائية ويسبقها في تنفيذ رغبتها بنحر عنقه دون رحمة. حل تشابك ساعديه، وباعدهما عن صدره، ليدس يديه في جيبي بنطاله، شعر برجفة خفيفة تسري في عروقه؛ فمشبكها ما زال متواجدًا به، أحس بالتلبك، وجاهد ليبدو ثابتًا غير مقروء الملامح؛ لكن قلبه أبى البقاء ساكنًا. حاد بنظراته عن البقعة الوهمية المتطلع إليها لينظر ناحية "آمنة" عندما تشدقت قائلة:
-ده عمك بيتصل.
زادت الحمرة في وجه "فيروزة"، واحتقنت نظراتها أكثر مع رؤيتها لارتباك والدتها؛ كأنما تضع له اعتبارًا لا يستحقه، وقبل أن تمنعها من الإجابة على مكالمته، ردت والدتها بنبرة جمعت بين القلق والغضب:
-ألوو، أيوه يا حاج "إسماعيل".
قامت "همسة" من مكانها في تباطؤ، لتجلس على مسند أريكة "فيروزة"، سعت لتخفيف حدة عصبيتها، لذا مالت عليها، وحاوطتها من كتفيها قائلة بصوتها الخافت:
-اهدي يا "فيرو"، بالراحة يا حبيبتي، ماتعمليش في نفسك كده.
رفعت عينيها الناريتين نحوها لتخبرها بهسيسٍ متألم:
-محدش حاسس بالنار اللي جوايا يا "همسة".
أرهف "تميم" السمع عن قصدٍ إلى جملتها التي أحدثت تأثيرها الجارح في نفسه، أحس بغليانٍ يأكل هدوئه الزائف، وقال بصوتٍ حبسه في جوفه:
-بس أنا حاسس.
شتت من جديد نظراته الخاطفة عنها، ليتطلع إلى أي شيء غيرها مضطرًا؛ كان على استعداد تام للانقضاض عليه دفاعًا عنها، وتحجيمه لتلك النزعة القتالية بداخله تطلب مجهودًا استنفز طاقات صبره. أنهت "آمنة" المكالمة بعد كلماتٍ مقتضبة غامضة، لتدور بنظراتها المتوجسة على الوجوه المحدقة بها، ثم قالت بترددٍ:
-عمك جاي.. على .. هنا، علشان يتفاهم معاكي.
بمنتهى العصبية والغيظ ردت عليها "فيروزة" وقد هبت واقفة على قدميها:
-يتفاهم مع مين؟ معايا؟ مش هيحصل.
انتصب "تميم" في وقفته، وعاد لاستنفاره من جديد في لمح البرق. استطرد "خليل" معقبًا بضيق، مستحضرًا تهديد ابنه الخطير لابنته:
-الأولى كـ..ان يــ..ربيه، بدل مـ...ا كــ...ان هددنا ببنتـ..ي.
أدارت "فيروزة" رأسها في اتجاهه، وسألته بوجهٍ غائم:
-هو عمل مع "كوكي" إيه؟
ضغطت "آمنة" على شفتيها في حزنٍ، قبل أن تجيب عن شقيقها:
-هددنا لو مقولنالوش على مكانك إنه هيرميها.
نطق "تميم" لاعنًا إياه دون احترازٍ، وقد تخلى عن طور هدوئه المفتعل:
-ابن الـ (...)، هي وصلت لكده كمان؟ حقنا نقطع لسانه قبل راسه!
حذره "بدير" بلهجةٍ متشددة نسبيًا:
-"تمـــيم"!
رد دون ندمٍ:
-معلش يابا متأخذنيش، غصب عني.
أشـارت "فيروزة" بيدها مخاطبة والدتها:
-وأنا مش هستناه لما يجي عشان يقول كلمتين مالهومش أي لازمة عندي...
التفتت محدقة في وجه "تميم"، وأمرته بحدةٍ وهي تتقدم نحوه:
-وديني عند الحيوان ده.
وقفت قبالته تطالعه بعينين يتقافز فيهما كل أنواع الغضب، وتلك المرة لم يحد بنظراته عنها، بل بادلها نظرات عازمة على إظهار طاعته لها؛ لكن والده نطق بتعقلٍ حازم:
-اسمعيه الأول، ولو معجبكيش الكلام اعملي اللي إنتي عايزاه.
تحول صوتها لما يشبه الصراخ، مقاومة بشدة ما يقتحم ذاكرتها من مشاهد خذلانه لها قبيل الكشف عن عفتها:
-وأسمعه ليه؟ عشان في الآخر يطلعني غلطانة؟
سألها "بدير" باستنكارٍ:
-ومين هيسمحله بكده يا بنتي؟
أجابته بصوتٍ جريح رغم ارتفاع صوتها:
-ومين كان منعه لما صدق اللي اتقال عني زمان؟ ده كان أكتر حد عارف أخلاقي كويس، ورغم كده كان أول واحد دبحني.
لاشك أن طابعه الإجرامي العنيف كان أو ضح ما يكون في تلك اللحظة، ارتكزت كل نظراته عليها وحدها، يكاد يفني روحه لمعرفة ما الذي خاضته وسبب لها كل هذا الألم الشديد. انفصل "تميم" ذهنيًا عمن حوله ليبقى عقلاً، وقلبًا، وروحًا معها فقط، صار وجهها ما يراه الآن دونًا عن البقية، حدق فيها بتحفزٍ شديد، وصوتًا مُلحًا يصرخ بداخله:
-هما عملوا فيكي إيه ..................................... ؟!
........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم Manal Salem
مساء الفل على القراء الغاليين في كل مكان
موعدكم مع الفصل الجديد
قراءة ممتعة
الفصل مائة وسبعة
عند تلك المنطقة النائية، وتحديدًا على الشاطئ الرملي الفاصل بين الحيد الصخري، الذي تتكسر عليه الأمواج العتية، والطريق السريع للسيارات، وقف عدد من العمال متأهبين أمام إحدى العشش المصنوعة من البوص، من يتطلع إليهم من مسافة بعيدة يظن أنهم قد جاءوا صحبةً، للقيام برحلة صيدٍ للأسماك، خاصة أن الأكواخ في تلك المنطقة مهجورة من ساكنيها، فلن تثير الريبة. انتظر العمال الجديد من الأوامر لتنفيذها في التو، خرج أحدهم من الداخل، وتساءل وهو يفرك كفيه معًا:
-هنعمل إيه في الأشولة اللي جوا؟ هنسفرهم ولا إيه النظام؟
أجابه آخر وهو ينفخ في يده ليبعث الدفء في راحته المتجمدة:
-مافيش جديد لسه، مش إنت سايبهم في الطل؟
قال وهو يستحضر في ذهنه تجريدهم من معظم ثيابهم الخارجية:
-أيوه، مروق عليهم، ده غير إن الهواء هنا ملتم، مخليهم يرصرصوا من البرد.
هتف في استحسانٍ:
-زي الفل.
أضاف ثالث بلهجة آمرة:
-جهز شوال الملح، جايز المعلم يحتاجه.
أدار رأسه ناحيته، وقال:
-محطوط جوا...
سعل قليلاً ثم تابع في سخرية:
-عيب البهايم دول إنهم لعبوا مع الناس الغلط.
ضحك رفيقه، وعلق:
-على رأيك، صحيح عملت إيه في البأف إياه؟
شاركه الضحك الهازئ قبل أن يجيبه:
-مش قادر أقولك بقى عامل إزاي، خرقة! معدتش نافع ببصلة.
أخبرهما الثالث بتحمسٍ:
-ولسه لما المعلم "تميم" يجيله، ده هياخده على الرايق رايح جاي.
تبدلت تعابير الأول للتوتر وهو يعقب عليه:
-ربنا يكفينا شره لما بيقلب.
أيده في رأيه قائلاً:
-أه والله، الوش التاني بيطلع، ومحدش بيعرف يوقفه.
صفق الثالث بكفيه يستحثهما:
-كفاية كلام يا رجالة، وراقبوا بس الطريق، مش عايزين لبش.
أخبره الأول بثقةٍ وهو يومئ برأسه:
-عيب عليك، عدة الصيد اتنصبت، ومحدش هيركز معانا.
شدد عليه من جديد وهو يشير له بنظراته الجادة:
-الحرص واجب برضوه.
..........................................................
لو كان الأمر بيده، لتسلط على رقبته بتجبرٍ لا مناص منه مطلقًا، وأذاقه من العذاب ألوانًا، فلا يتعافى أبدًا من شروره المستطيرة! أثناء وقفتها الشامخة في بهاءٍ عظيم، شملها "تميم" بنظراته المتفرسة الدقيقة، آملاً أن ينجح ولو لمرة في النفاذ إلى داخل رأسها، لاكتشاف ما عانته وسبب لها كل هذه المعاناة. استمر في تطلعه إليها وهي تسأله من جديد بصوتٍ مازال مكتسبًا القوة والثبات:
-هتوديني عنده؟
أجاب بردٍ قاطع، وعيناه تتعهدان لها أيضًا:
-أيوه.
لامس "تميم" اعتراضًا ظاهرًا في وجه أبيه، فأخبره بجدية، وبإشارة ذات مغزى من رأسه:
-خليها تاخد حقها، جايز ده يريحها...
-وأنا موجود معاها.
قال كلماته الأخيرة وهو ينتظر إليها مجددًا لتتأكد من جديته، في حين نهض "بدير" واقفًا، وتقدم بخطواته نحو "فيروزة" ليخاطبها:
-أنا خايف عليكي يا بنتي، مرضالكيش البهدلة.
ردت وهي تقتل غصة عالقة في جوفها:
-كتر خيرك، أنا أدها.
هتفت "ونيسة" في استنكارٍ شديد، وقد نهضت بدورها من مقعدها:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، منهم لله الظلمة اللي عملوا كده.
بينما احتجت "آمنة" على ما يحدث بخوفٍ كبير، وعيناها تبحثان عن المساعدة بينهم:
-إنتو هتسبوها تروح لقضاها؟ ما تمنعوها يا جماعة.
أمسكت "همسة" بيد توأمتها، ورجتها بارتعابٍ:
-عشان خاطري يا "فيروزة"، والله العظيم مايستاهل.
أزاحت قبضتها عنها بهدوءٍ، وقالت بإصرارٍ:
-محدش يقولي المرادي لأ.
ثم أسرعت في خطاها متجاوزة "تميم"، ومتابعة اندفاعها نحو الخارج دون تريثٍ، وغضبها مستبد بها. هتف" بدير" يأمر ابنه بصرامةٍ:
-معاها يا "تميم"، ماتخليهاش تعمل حاجة غلط تضرها.
أومأ برأسه مؤكدًا له:
-اطمن يابا...
انخفضت نبرته ليواصل ختم جملته بين جنبات نفسه، وهو يهرول ركضًا خلفها:
-مش هاسمح لحد يمس شعرة منها طول ما فيا النفس!
............................................
خروجها من المنزل كان محفوفًا بغضبها المبرر؛ لكنه كان حتميًا لاسترداد كامل حقها، ومع هذا تسرب إليها شعورًا مغايرًا لاستبسالها العنيد، قاومته في مهده محافظة على اتقاد مشاعرها الغاضبة. لم تكن "فيروزة" على استعدادٍ للتنازل أو التراجع عما تريد تنفيذه، واصلت هبوط الدرجات بتحفزٍ شديد، مقاومة مشاعر الألم، الخذلان، القهر، وكل ما قد يدفعها نحو الغرق في همومها العميقة، والاستسلام للضعف والهوان.
حاولت توجيه ما يضطرم في صدرها في اتجاه واحد؛ الانتقام وبقسوة. لم تعبأ بمن يلحق بها، فلن يمنعها أحدهم عن تأديبه مهما كلفها الأمر، حانت منها التفافة جانبية من رأسها عند انحرافها عند الطابق السفلي، لتجد "تميم" يلحق بها بخطواته المتعجلة، أبعدت عينيها عنه، وواصلت نزولها السريع؛ لكن تجمدت قبضتها على حافة الدرابزون قبل أن تصل لنهايته، وتسمرت في مكانها عندما رأت عمها يتجه صعودًا عليه، رفع الأخير رأسه ناحيتها، ولهث قائلاً في ارتياحٍ:
-كويس إني لحقتك.
رددت بدهشةٍ لا تخلو من انزعاجٍ حانق:
-عمي!
سار في اتجاهها حتى بلغ الدرجة الأولى من السلم، تلك التي تقف عليها، بينما توقف "تميم" على بُعد أربعة درجات منهما، ووزع نظراته بين الاثنين مراقبًا في صمت ما يحدث بينهما. راح "إسماعيل" يطالعها بنظرة فاحصة قبل أن يقول بنوعٍ من التمهيد:
-أنا شايف إنك بخير الحمد لله...
اختلج وجهها علامات الغضب بالتدريج، أكان يريد رؤيتها مذبوحة مثلاً ليشعر بالإشفاق نحوها؟ استشاطت سريعًا، وفشلت في تخبئة نقمها الظاهر على قسماتها. زادت حدة غيظها مع سؤاله المستفز:
-فين "فضل"؟ هو عملك حاجة؟
احتدت نظراتها نحوه، وغامت ملامحها بشكلٍ كبير، أهو أعمى لتلك الدرجة فلم يستطع أن يرى الضمادة التي تلتف بها يدها؟ تجاهلت منحه الإجابة على الجزئية الأولى، وردت بكتفين منتصبين في استعلاءٍ وقوة:
-لأ اطمن، مقدرش عليا، وأنا واقفة قصادك أهوو.
أصابه التخبط من كلامها الغامض، وتابع مستفهمًا:
-أومال هو فين؟ أمك قالتلي إنه عِرف سكتك، وكان جايب ناس أغراب معاه، وآ...
قاطعته بصوتٍ مال للعصبية:
-عشان ياخدني غصب عني.
كز على أسنانه ناعتًا إياه في ضيقٍ:
-غبي.
وضع يده على كتفها ضاغطًا بلطفٍ عليه، فلم تهتز من لمسته الخشنة، بدت قادرة على مجابهته في ردودها بشجاعة واستبسال واضحين، كرر ربته برفقٍ على جانب كتفها قبل أن يستطرد معتذرًا:
-حقك عليا يا بنتي...
ربما كانت لانت نسبيًا إن كان اعتذاره عن طيب خاطر، ومحاولة أبوية منه لاسترضائها؛ لكن سرعان ما أفسده بباقي حديثه المعلل:
-ده طيش شباب، واستعجال مالوش لازمة ...
احتقنت نظراتها بشدة، وبدأت أنفاسها في الانفعال، في حين كان "تميم" على نفس شاكلتها وأكثر، تضاعف الغليان المستعر في صدره، وأطبق على أصابعه مكونًا قبضة فولاذية تود الإطاحة به في الحال، حدجه بنظرة مميتة عندما تابع تبريره الواهي، أو ما اعتبره مجازًا بالقشة الأخيرة التي قسمت ظهر البعير:
-أصله عشمان إنك توافقي تتجوزيه لما تخلصي عدتك، وآ...
لم يتحمل "تميم" المزيد من هرائه الباعث على غضبه الشديد، هبط الدرجات مقاطعًا سخافته المثيرة للغثيان:
-لا مؤاخذة في قطع كلامك...
تعمد التباطؤ في التلفظ بباقي جملته؛ وكأنه يهزأ به:
-يا كبير حتتك، يا كُبارة البلد.
تطلع إليه "إسماعيل" بنظراتٍ غير مريحة، بينما أضاف "تميم" من بين أسنانه بازدراءٍ، ومستخدمًا يده في الإشارة:
-في كلمة أصلها محشورة في زوري.. ومش قادر أبلعها.
استمر في هبوطه، ليجبر "فيروزة" على النزول للأسفل قاصدًا إبعادها عن مواجهة عمها، وأصبح يقف مكانها فأظهر ذلك فارقًا في الطول، والقوة، والمهابة. نظر "تميم" في عينيه، وسأله بزفيرٍ ثقيل:
-هو إنت بتسمي اللي عمله البغل ده طيش شباب؟
وقبل أن يختلق كذبة مستفزة بادر بالهجوم عليه محولاً النقاش لحربٍ كلامية:
-ده اتهجم على بيوتنا ومرعاش حرمتها، قل أدبه على كبير عيلتي، ولسانه طال على حريمنا...
تلون وجه "إسماعيل" بأكثر من لونٍ، وحملق فيه بعينين شاخصتين، لم يتوقف "تميم" عن تهديده الصارخ له:
-يعني أقل واجب معاه يتكسر إيديه ورجليه ده بعد ما يتقطع لسانه النجس، فبلاش يا حاج تبرر اللي عمله الكلب ده، عشان الزعلة هتبقى معاك إنت.
لكونه على علمٍ بطباع ابنه المشبعة بالجبن، بدا "إسماعيل" مذهولاً للغاية مما يسمعه، فأنكر عفويًا ذلك:
-مش معقول يكون عمل كل ده؟ هو بردك بيراعي الأصول.
استفزه هرائه، فصاح به في تشنجٍ، وقد انطلقت صافرات الإنذار لتؤهب كامل قواه:
-يعني أنا بافتري عليه؟
لعق شفتيه، وبرر بحجة ضعيفة:
-مقولتش كده، بس هو مش أهبل عشان يودي نفسه في داهية عشان يتجوز.
من منظورها فقد كل شيء قيمته بعد ما رأته بأم عينيها من ردة فعل عمها المدافعة عن سلوك ابنه القميء تجاهها؛ وكأن ما فعله بها حقًا مشروعًا ومكتسبًا له، بل ولا يحق لها الاعتراض عليه، ربما افترض أنها ستتغاضى عن إساءاته المتكررة إكرامًا لصلة الدم والقرابة، أحست بثقل الهواء يطبق على صدرها، بعدم انتظام أنفاسها، وبانفلات أعصابها الوشيك، قبل أن تنفجر فيه كان "تميم" الأسبق عنها، حيث اهتاج من أسلوبه المهترئ في تبرير تصرفات ذلك الحقير، وهدر بانفعالٍ:
-ما هو جاب اللي يسنده، لأنه خرونج، مش أد مواجهة الرجالة لواحده، تمامه كده.
رد عليه مكررًا على مسامعه نفس السخافات المستفزة التي لا معنى لها:
-يا ابني قولتلك مايقصدش، أه هو مندفع شويتين، بس غرضه شريف.
صاح به "تميم" في غيظٍ لم يستطع كبته أكثر من هذا:
-اللي غرضه شريف يخش البيت من بابه يا حاج!
احتقنت نظرات "إسماعيل"، وتابع "تميم" هجومه عليه بدفاعٍ مستميت، شعرت خلاله "فيروزة" أنه يسترد لها كرامتها بشكلٍ غير مباشر:
-يحترم أهله، يقدر قيمة الإنسانة اللي هيطلبها للجواز، يصونها، ومايهينهاش لا بكلمة ولا بنظرة تجرحها، يعززها، يعلي من قيمتها، مش جايب شوية شمحطجية معاه يعمل نِمرة قصادها، ومسمي دي رجولة.
تطلعت "فيروزة" إليه مليًا باستغرابٍ يشوبه القليل من الدهشة؛ وكأنها تكتشف جانبًا آخرًا في شخصه، يجبرك على الاعتزاز بوجود مثله إلى جوارك. انفرجت شفتاها عن المزيد من الاندهاش عندما أخبره بحمئةٍ:
-أنا دخلت السجن عشان كام كلمة اتقالوا بالغلط عن أختي، ماستحملتش حد يمس طرفها بسوء، فما بالك بقى باللي اتهجم على أهل بيتي، وكشف ستر ناسي؟!!
بصوتٍ لم يهتز مطلقًا، وثبات يدعو للفخر أضاف أيضًا:
-معنديش مشكلة إني أروح فدا اللي بحبهم، المهم مايطاطوش راسهم أبدًا لحد!
خفق قلبها متأثرًا لعباراته الرنانة التي مست روحها، وأشعرتها بالأمان المفقود في حياتها. شتت نظراتها عنه لتحملق في وجه عمها حينما خاطبها بلهجةٍ منزعجة، بعد أن أدرك أنه وصل إلى طريقٍ مسدود في النقاش معه:
-لمي الدور يا بنت أخويا...
اختلج بشرتها حمرة غاضبة، وتضاعفت مع لومه الفج:
-مش ناقصين فضايح زيادة، ولا عايزين نُحشر الغُرب معانا.
ردت عليه في حرقةٍ:
-الفضايح ابنك هو اللي عملها بنفسه، وهيتحاسب على غلطه.
تحرك "إسماعيل" من مكانه ليقبض على ذراعها، سحبها معه نحو مدخل البناية وهو يأمرها:
-تعالي معايا.
انتشلت ذراعها من قبضته، وصاحت في غضبٍ:
-ماتمسكنيش كده.
نظر لها باستهجانٍ، واستطرد يعنفها بغلظةٍ:
-خلاص صوتك علي وعيارك فلت، إيه مافيش حد قادر عليكي؟
لم تقبل أن تبتلع لسانها وتسكت توقيرًا لمكانته وعمره، ناهيك عن شعورها العميق بأنه يحملها اللوم كاملاً، لذا دافعت عن موقفها بتحفزٍ، وبأنفاسٍ منفعلة:
-صوتي عالي في الحق على طول يا عمي، وإنت عارف ده كويس عني، لا بأقبل الغلط، ولا هارضى بالظلم ...
غلفت نبرتها لمحة من الازدراء وهي تتابع:
-ولا إنت ماتعرفش تقول كلمة الحق عشان الزفت "فضل" قل منك؟
اعتبرها إهانة فجة أن تتطاول عليه هكذا، وفي حضرة هذا الغريب، كأن لا قيمة له، لذا ردًا لاعتباره رفع ذراعه للأعلى مهددًا بصفعها وهو يصرخ بها:
-اخرسي.
لم يرف لها جفن متوقعة أن يتورم صدغها من الألم؛ لكنها كانت عاقدة العزم ألا تحني رأسها لمخلوق، ومع هذا اتسعت عيناها ذهولاً وقد رأت قبضة "تميم" تستوقفه قبل أن يمسها، تبعها صوته الأجش المهدد:
-لأ عندك، كده مش حلو خالص.
أجبره على إخفاض ذراعه في مذلةٍ، ولم يترك قبضته، ظل محكمًا أصابعه حولها، ليعجز عن الإفلات منه، اشتاط "إسماعيل" غضبًا، وعنفها مجددًا:
-جيبالي واحد كمان يفرد عضلاته عليا؟ هي دي أخرتها؟
رد عليه "تميم" بخشونةٍ تتضمن التهديد، وقبضته لا تزال تعتصر رسغه:
-مش أحسن من اللي بيتشطر على اللي أضعف منه.
تلوى "إسماعيل" بمعصمه محاولاً تخليص نفسه من قبضته، وحين يئس من نجاحه صاح في ضيقٍ:
-نزل إيدك، مش عارف محشور معانا ليه؟ إنت مالك أصلاً؟
استقام بكتفيه، وأخبره بنفس الصلابة المهيبة:
-لأ مالي ونص، والموضوع بقى عندي أنا.
تحولت كافة الأعين نحو "هيثم" الذي أقبل عليهم متسائلاً في غرابة:
-في إيه اللي بيحصل هنا؟
أرخى "تميم" أصابعه عنه، وأخبره بلمحة من السخرية:
-تعالى يا "هيثم"، سلم على عم مراتك الأول.
تقدم في خطواته متسائلاً بقلقٍ:
-خير؟ حد جراله حاجة؟
رد عليه ابن خالته بغموضٍ ليستثير فضوله:
-كان .. بس ربك سترها معانا.
التفت ناحيته متسائلاً في توترٍ، وقد جال بخاطره أن تكون زوجته قد تعرض للأذى خلال غيابه، خاصة مع تعذر اتصاله بها:
-ما تفسر كلامك يا "تميم"، "همسة" جرالها حاجة؟
أجابه نافيًا:
-لأ، اطمن .. بس آ...
بتر كلامه عن عمدٍ ليستحوذ على كامل انتباهه، وأضاف:
-مش تشوف الحاج اللي جاي يأدبنا، إكمن احنا عايزين ناخد حقنا من البغل ابنه.
تجهم وجه "هيثم" للغاية، وتساءل في نفورٍ:
-الطاعون الأزلي ده، هو عمل إيه تاني؟
استطرد موضحًا له، وعيناه تراقبان إيماءات "إسماعيل" المتوترة:
-قول ماعملش إيه، ده اتهجم على بيوتنا، وكسر باب شقتك على مراتك وأختها، وهما كانوا لوحدهم، وبالعافية رجالة دكانا لحقوه بعد ما بهدلهم ورفع عليهم السلاح، وكان ناقص بس يمد إيده على جدك "سلطان" لما وقفله.
قست ملامحه للغاية، وهتف غير مصدق جراءته:
-نعم؟ وأنا معرفش.. وقعة اللي جايبنه سودة.
تدلت ابتسامة هازئة على زاوية فم "تميم" وهو يتم باقي عبارته:
-وفي الآخر نطلع أغراب مالناش عين نرفعها، ولا حق نطالب بيه.
توعده "هيثم" بشراسةٍ متضاعفة:
-ده أنا هانفخ أمه.
توتر "إسماعيل" من التهديدات الخطيرة المحدقة بابنه، شعر بأنه هالكٌ لا محالة إن لم يبذل ما في وسعه لإخراجه من تلك الورطة الشنيعة، بالطبع وجد أن الجانب الملائم لتحميله الذنب كان في شخص "فيروزة"، اتجه إليها بحنقه، وعنفها:
-عجبك كده؟ مبسوطة إنك قلبتي الدنيا على بعضها؟
اعترض "تميم" طريقه بجسده مفتول العضلات، وهدده بلهجةٍ لا يستهان بها:
-ماتكلمهاش، كلامك معايا أنا دلوقتي.
تراجع عنها خطوتين، وهو يضغط على شفتيه، ومع ذلك حاول "إسماعيل" إظهار شجاعة غير موجودة فيه، وهتف فيهما مشيرًا بسبابته:
-اسمع يا ابني إنت وهو، أنا مش بتاع مشاكل، ولا حوارات، ليكم حق هتاخدوه بالأدب وبالأصول، وأنا مش هقصر معاكو، بس هاتولي ابني قصادي.
علق عليه "تميم" بابتسامة أرعبته:
-ده لو لسه عايش.
ارتفع حاجباه مصعوقًا، وصاح في جزعٍ:
-بتقول إيه؟
أخبره وهو يفرك قبضته المضمومة في راحة يده:
-ما هو احنا رجالتنا دمها حامي، ماتقبلش حد يفكر يمد إيده على حريمنا من غير ما تقطعاله.
زاد صوته صخبًا وهو ينطق مهددًا:
-أنا عايز ابني حالاً، لأوديك إنت وهو في داهية، يا شوية عصبجية!
لاحت على جانب شفتي "تميم" ابتسامة مستخفة به، فشعر بالمزيد من الرهبة من أسلوبه غير المتسامح، جلَّ ما كان يخيفه حاليًا ألا يعثر على ابنه مطلقًا، فأمثال هؤلاء القساة العتاة، لا يتهاونون في التفريط في حقوقهم! حادت أنظاره عنه ليحدق في وجه "هيثم" وهو يتساءل بتشنجٍ:
-الكلب ده وديته فين؟
بصوتٍ هادئ أخبره:
-سفرته عند المطار.
لهنيهة شرد في التفكير قبل أن يقول بإيماءة من رأسه:
-خلاص عرفت مكانه...
تطلع إليه "إسماعيل" في عجزٍ، وأحس بانقباضة مؤلمة تضرب صدره و"هيثم" يصيح آمرًا بغضبٍ:
-ابعتله "دنجل" على هناك.
مرر "تميم" يده على رأسه ليدعكها قبل أن يقول:
-شديد عليه.
أصر على إرساله إليه مرددًا في اقتضابٍ:
-يستاهله.
تحركت "فيروزة" لتقف أمام "هيثم"، وأخبرته بنبرتها العنيدة:
-أنا رايحة قبل.
لم يبدُ مهتمًا بالاحتجاج على ذهابها، واكتفى بإلقاء نظرة حانقة عليها، لا يعني أنها المقصودة بها؛ لكنه كان مستاءً من الموقف برمته. بدأ ثلاثتهم في الخروج بخطواتٍ متلاحقة من المدخل، ومن خلفهم "إسماعيل" يصيح متوعدًا في حدة، وذلك لحفظ ماء وجهه:
-مين ده كمان؟ والله لو مروحتش عند "فضل" لأطربأها على دماغ الكل.
توقف "تميم" عن السير، ليلتفت نحوه، رمقه بنظرة غامضة، ثم أخبره بهدوءٍ وتره، وتلك البسمة الماكرة تتدلى على شفتيه:
-من غير حلفان يا .. حاج، هنوديك عنده.
بلع ريقًا غير موجودٍ في جوفه، وقال مسرعًا في خطاه:
-وأنا مش سايبكم النهاردة.
أشـار "تميم" بيده لـ "فيروزة" ليوجهها:
-تعالي في العربية عندي...
وقبل أن ترفض طلبه أوضح لها:
-هتقعدي في الكرسي الوراني، لأن "هيثم" معاه الربع نقل، مش هتبقى مريحة ليكي، عفشتها عايزة تظبط ...
ثم أدار رأسه نحو عمها، وأكمل بصوتٍ لم يخفِ فيه تبرمه:
-وعمك هيركب معايا، ماينفعش أسيب اللي في سنه يتبهدل.
استحسنت اقتراحه، واتجهت نحو سيارته لتستقر في المقعد الخلفي، غير مكترثة بحديثه الموجز مع عمها، سددت أذنيها عن أي هراء ينغص صدرها، ويجعلها تكره صلة الدم التي ربطتها بمن يخذلها، حدقت في السماء بنظرات شاردة، متوقعة أن تكون المعاناة والألم رفيقتا دربها في الفترة القادمة.
..............................................
أين المأوى من أناسٍ يجيدون اغتيال روحك بشرورهم الخبيثة في كل فرصة تسنح لهم لفعل هذا؟ لقد بذلت الغالي والنفيس لتحافظ على نظافة سريرتها، نقاء سمعتها، وفي لمح البصر يأتي من يدنس ذلك الطهر بأقبح الاتهامات، ليلتصق بها هذا الظلم حتى فناء عمرها، فما أسهل تصديق الافتراء عن تكذيبه! تطلعت "فيروزة" إلى ظهر عمها الجالس أمامها على المقعد بعينين حبست فيهما دموعها الرقراقة، إن كان السند الحقيقي غير موجود فيه، فكيف تستجدي منه عطفًا وداخلها يؤكد لها أنه لن ينصفها لحظة المواجهة؟
لم ترغب في معايشة تجربة الخذلان مجددًا، يكفيها ما ذاقته في السابق من صنوفه المؤلمة، فروحها لم تتعافَ بعد من آثار الماضي المهلكة، تصدع ما ظنت أنه يجعلها صلبة كالفولاذ، وانتشرت الشروخ فيه ليتهشم في الحال مع انتقال السيارة للطريق السريع، عادت لتصبح هشة، مجوفة، ومهيضة الجناح، لذا صاحت فجأة، وكأن مسًا طالها:
-مش عايزة أروح، رجعوني البيت.
قطب "تميم" جبينه مصدومًا، فطوال قيادته كان يراقبها باهتمامٍ تارة، وبفضولٍ تارة أخرى، كانت غائبة بذهنها عمن حولها، كما لو كانت روحها قد انتقلت بالزمن لعصور سابقة، فلم تعد تسمع أو ترى سوى السراب، ظل باله مشغولاً بها، ولاحظ لأكثر من مرة تبدل تعبيراتها بشكلٍ جعله حائرًا في فهم ما الذي يدور في رأسها، لن ينكر أن قرارها المفاجئ أصابه بالدهشة والتخبط، فمن يرى إقدامها قبل برهة لا يظن أنها بمثل هذا الجبن لتتراجع في اللحظة الأخيرة! كررت عليه طلبها حينما وجدته صامتًا:
-أنا عايزة أرجع البيت، لف بالعربية.
سألها ليتأكد وهو لا يواري دهشته:
-إنتي متأكدة؟
ردت بإصرارٍ زاد من تعجبه المُحير:
-أيوه، مش عايزة أشوف الحيوان ده.
أومأ برأسه معلنًا امتثاله الكامل لرغبتها دون استفسارٍ:
-تمام.
أحس "إسماعيل" بأن هناك أمرًا يُحاك في الخفاء ومن وراء ظهره، فاستدار بجسده نصف استدارة ليواجه ابنة أخيه، حدجها بنظرة مشتعلة، وبادر بتعنيفها في استياءٍ حانق:
-هو احنا جايين نهزر هنا؟ هو إيه اللي مش عايزة؟
ردت بصوت حاولت جعله هادئًا:
-زي ما حضرتك سمعت، تقدر تروحله من غيري.
اتهمها زورًا وهو يلوح بذراعه:
-قولي بقى إنك عاملة فيلم عليا إنتي والأفندي ده؟ هتستفادي إيه من بهدلتنا كلنا؟ إيه اللي مفرعنك كده علينا؟
برزت عيناها في استنكارٍ جلي، وأنكرت إجحافه بحرقةٍ:
-بعد ده كله مش عايز تطلع ابنك غلطان؟
علق عليه بدمدمةٍ ساخطة:
-أنا مقولتش إنه عمل حاجة عِدلة، صحيح هو مابيوزنش الأمور الأول بعقله، بس آ....
احتدت نظرات "تميم" لسماعه ترهاته، كما اشتدت قبضته على عجلة القيادة، لم ينتظر تزييفه المشبع بالضلال فقاطعه محذرًا:
-إوزن الكلام يا حاج قبل ما تقوله، وخليك فاكر إن زعلي وحش أوي!
عاد "إسماعيل" لينظر إليه، فاخشوشنت نبرة "تميم" وهو يكمل، دون أن يخلو كلامه من التهديد:
-وبعدين قول الحمد لله إنها طلبت ده، عشان رجوعها البيت رحمة ليه من اللي كنت هاعمله فيه.
كز على أسنانه معترضًا:
-إنت آ...
قاطعه مرة ثانية وهو ينذره:
-قبل ما تقول حاجة تانية، أنا حابب أعرفك إن قلبي ميت مع اللي يأذي عيلتي، ولو حد لجألي وهو مظلوم ...
اِسودت تعابير وجه "إسماعيل"، وانعكس الخوف في نظراته نحوه، بينما أخبره الأول بلهجته الشديدة:
-فأنا سنده، مابعرفش أسامح، ولا بأفوت وأنسى، فاتقي شري.
انزلق معقبًا عليه في قهرٍ:
-حسبي الله ونعم الوكيل.
سدد له نظرة قاسية، وقال بجفاءٍ:
-وفر الدعوات دي لابنك، هيحتاجها جامد.
حدق أمامه في عجزٍ وهو يخفت من صوته ليردد:
-لله الأمر من قبل ومن بعد.
تطلع "تميم" إلى المرآة الأمامية مانحًا "فيروزة" نظرة حانية، فبادلته حينها –وللمرة الأولى- نظرة امتنانٍ حقيقية، أظهرت عرفانها بصنيعه؛ لكنها جعلت ثغره يتقوس ببسمة صغيرة تلاشت في لحظة لتحل الجدية على تعبيراته وهو يتحدث هاتفيًا:
-ألوو، أيوه يا "هيثم"، أنا هاوصل الجماعة البيت وراجعلك..
تعمد الالتفاف برأسه نحو "إسماعيل" وهو يتابع:
-ماتتهورش لحد ما أجيلك، ماشي؟
سأله الأخير في ذعرٍ:
-هو ناوي على إيه؟
أنهى "تميم" الاتصال، وابتسم من زاوية فمه قائلاً:
-ادعي ربنا إن جوز بنت أخوك يسمع الكلام، أصله دماغه أنشف من الحجر.
ابتلع لعابه المُر، وتضرع في خيفةٍ:
-استرها علينا يا رب.
مكالمةٌ أخرى أجراها "تميم" لوالدته أخبرها فيها:
-أيوه يا ست الكل، احنا راجعين...
صمت لوهلة، وقال نافيًا:
-لأ اطمني، بس خلي الحاجة "آمنة" تسبق على البيت عشان تستنى الأبلة.
أدار رأسه مجددًا نحو "إسماعيل"، وتعمد التشديد على كلماته وهو يقول، كأنما يخاطب شخصه بشكلٍ غير مباشر:
-كويس، يعني أبويا هيبقى هناك؟
لحظة من الصمت أتبعها تصريحه:
-وأنا هخلي كام واد من بتوعنا الشُداد يقفوا تحت البيت عشان لو حد احتاج حاجة من الجماعة.
التهى "إسماعيل" عن الإنصات لتلك المكالمة ليبحث عن هاتفه الذي رن في جيبه، امتدت يده لتخرجه من جلبابه، نظر إلى شاشته بتمعنٍ، ثم أجاب بعد زفيرٍ منزعج:
-أيوه يا "أم فضل".
سألته "سعاد" في لهفةٍ تبينها من صوتها المسموع للجميع:
-وصلت لابنك؟ لحقته؟ طمني بالله عليك.
أجابها نافيًا باقتضاب:
-لأ لسه، ادعيله.
لاحقته بأسئلتها التالية:
-و"فيروزة" كويسة؟ عملها حاجة؟ دي غلبانة ومالهاش حد إلا احنا.
ظهر الكدر في وجهه، وحمحم متهربًا من الإجابة عليها:
-بعدين يا حاجة، سلام.
نظر إليه "تميم" من طرف عينه في ازدراءٍ لم يخبأه، أراده أن يرى مدى جديته في ردعه، ليتقين أنه لا نجاة تلك المرة من العقاب الحتمي. مضى بعض الوقت إلى أن عادت السيارة إلى منزل "فيروزة"، تمالكت الأخيرة قواها حتى ترجلت منها، حينها فرت ماشية بخطوات بدت أقرب للركض غير ناظرة خلفها تختفي بالداخل. شيعها "تميم" بعينين تتلهفان للذهاب ورائها، وتضميد جراحها غير الظاهرة، اضطر آسفًا أن يرحل بعد ركوب والده للسيارة، غادر وقلبه يؤلمه لبعاده عنها، انطلق بالسيارة وهو يطلق زفرة مزعوجة، كابحًا قدر استطاعته ما يتقد في صدره من كافة مشاعر العداء تجاه عمها المنكمش على نفسه.
.............................................
لمسةٌ من يد والدتها الحنون كانت كبلسمٍ مسكن لجراحها النابضة، احتوتها "آمنة" في أحضانها بمجرد عودتها إلى المنزل، وذهاب الحاج "بدير" مع ابنه، لتبقى تحت حراسة بعض من عمال الدكان الذين تواجدوا بالأسفل. أغدقت عليها بفيض حبها الأمومي، لعل القلب الشقي يهدأ وتسكن أوجاعه. ارتمت "فيروزة" على صدرها طالبة منها بصوتٍ مال للبكاء:
-ماتسبنيش يا ماما، محتاجة حضنك أوي.
ضمتها بقوةٍ لتشعر بدفء أحضانها عليها، وأخبرتها بنبرة مختنقة:
-أنا جمبك يا بنتي، ماتخافيش يا حبيبتي، أنا معاكي أهو.
رفعت "فيروزة" عينيها الدامعتين نحو والدتها تسألها:
-هو ليه كل ده بيحصلي؟ ليه حظي كده؟
لم تجد ما تخبرها به سوى قولها الملطف:
-جايز يكون ده ابتلاء من ربنا، بيمتحنك عشان يشوف صبرك، وإن شاء الله تعدي منه على خير.
أطبقت على جفنيها، وانكمشت داخل حضنها مرددة بتعبٍ تمكن منها:
-أنا عايزة أنام، بس خليكي جمبي.
ربتت على جانب ذراعها، وقالت:
-حاضر يا ضنايا، أنا هافضل معاكي.
أخذت "آمنة" تمسد على رأسها برفقٍ، وتمسح على جبينها بلمساتٍ رقيقة، ولسانها يتلو في خشوعٍ:
-بسم الله الرحمن الرحيم، " اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ".
ظلت تردد عددًا من الآيات القرآنية لبعض الوقت حتى استغرقت ابنتها في نومٍ آملت أن يكون هانئًا، وخاليًا من الأوجــاع والأثقال.
............................................
سرت في بدنه رجفة خوفٍ قوية فاقت في تأثيرها البرودة السائدة في هذا المكان النائي، جال "إسماعيل" بنظراته المذعورة باحثًا عن ابنه، فقط نباحًا مسعورًا لكلبٍ جائع كان يسود في الأرجاء، مرر عينيه على الرجال المرابطين في حالة تحفزٍ، لم تظهر على وجوههم أي بوادر شفقة أو تهاون، حينها استدار ناحية "تميم" يخاطبه بلهجة متشنجة، محاولاً إظهار شجاعة مفقودة:
-فين "فضل"؟ وديتوه فين؟
أجابه "هيثم" باحتقارٍ وهو يشير بيده نحو الكوخ الظاهر على مرمى البصر:
-ملحق مع البهايم اللي جابهم هناك...
ثم قست نبرته وهو يضيف:
-ما يستهلش نزفر إيدينا بدمه، احنا هنسيب "دنجل" عليه.
وأشـار بيده نحو الكلب الشرس المربوط بسلسلة بالكاد تحول دون إفلاته، ارتاعت نظرات "إسماعيل" أمام الأنياب الحادة، واللعاب السائل على جانبي فكه، بدا وكأن الكلب يتلهف لافتراسه حيًّا إن رأه قبالته. لم يتحمل تخيل المشهد في رأسه، وهدر مهددًا وهو يلوح بعكازه:
-والله لو أذيتوه ما هسيب حد فيكم، هوديكم في داهية.
كان "تميم" على وشك الاشتباك معه لولا تدخل والده لإسكاته بإشارة من يده، فكبت انفعالاته توقيرًا لحضوره المهيب، خاصة أمام رجاله. استمر "إسماعيل" في صراخه ملوحًا بعكازه في عصبيةٍ:
-إنتو عالم ظلمة، ده يرضي ربنا يا ناس؟ الواد هيموت في إيدكم، اعتقوه لوجه الله!
رد عليه "هيثم" بسخطٍ:
-هو لعب مع اللي مش أده.
صاح فيه بصوتٍ حانق:
-هو يعني كان كفر لما فكر يصون لحمه؟
لم يتمكن من كبح لسانه تلك المرة، فعلق عليه "تميم" بغلظةٍ:
-يصونه بالأصول، مش بالغصب يا حاج.
انفجر هادرًا فيه:
-تقوموا تخطفوه؟!!
بقساوة رد عليه "تميم"، وعيناه تطلقان الشرر:
-زي ما كان هيعمل، العين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم.
أحس "إسماعيل" بالكارثة التي هبطت على رأس ابنه، لم يكن أمامه سوى استجداء مشاعر "بدير" لعله يفعل معجزة ما توقف قطار الهلاك المنطلق، اتجه إليه يرجوه:
-ما تقول كلمة يا حاج، اعمل اعتبار للشيبة دي، ولا ملكش كلمة على عيالك؟!
راح يرمقه بنظرة طويلة، وقال بلهجة آمرًا دون أن يحيد بعينيه عنه:
-هاتوا الواد ده من جوا.
لم يجرؤ أحدهم على الاعتراض على أمره، حتى ابنه البكري، بل أظهر طاعته واحترامه له، وكان في طليعة الرجال الذين ذهبوا لإحضاره من الكوخ؛ لكنه لم يمسك به، ترك تلك المهمة لغيره، فجروه جرًا طوال المسافة إلى أن ألقوه عند قدمي "إسماعيل"، جثا الأخير فور أن رأه مسجي على ركبته أمامه، رفع رأسه النازف إليه، وتأمل وجهه المشبع بالجروح الغائرة، صرخ في اهتياجٍ مصدوم:
-يادي المصيبة، إيه اللي عملتوه فيه ده؟ حرام عليكم!
رد عليه "تميم" بنبرة تبين فيها عدم ندمه على ما ارتكب:
-ماهو مرعاش الأصول، واتهجم على حريمنا، ولو دمك حامي زينا مش هاتقبل بده.
تأوه "فضل" بأنين وخوار وهو ينظر إلى أبيه في عجز، يتوسله بعينيه أن ينجده من حافة الموت، زمجرة "تميم" المهددة جعلته يبول على نفسه عندما قال علنًا:
-في عُرفنا اللي زيه لازم يتقطع دابره.
بنحيبٍ من فمه المجروح غمغم "فضل"، محاولاً التشبث بيده في ذراع والده:
-أبا، خدني من هنا.
رد عليه "إسماعيل" بقلبٍ يعصره الألم:
-حاضر، مش سايبك ليهم.
ثم رفع أنظاره إلى "تميم" يهدده:
-أنا هوديكم في داهية.
أخبره "تميم" بنصف ابتسامة هازئة:
-وماله ودينا...
ما لبث أن اختفت البسمة ليضيف بلهجةٍ مليئة بالتهديد، وأشد قسوة:
-بس اعمل حسابك قبلها إن تسجيلات خطف بنت أخوك معانا، ماهو احنا مركبين كاميرات في كل العمارة، سهل أوي نسلمها للبوليس نثبت بيها التهمة، ده غير بقى إنه مش هايبقى محضر واحد، لأ خد عندك سرقة كمان، وسب وقذف، واعتداء على أنثى، وغيره وغيره، من الآخر كده مش هاسيبه إلا في السجن ...
جحظ كل منهما مصدومًا، وزاد ارتعابهما وهو يختتم كلامه قائلاً برنة استمتاعٍ:
-وهناك بقى أنا داخله بنفسي، هاروقه على الهادي!
ثم فرك كفيه معًا ليظهر تشوقه لمجيء تلك اللحظة، فاستبد المزيد من الخوف بـ "إسماعيل" وابنه. صاح "بدير" فجأة منهيًا ذلك الصراع:
-كفاية عليه كده يا "تميم"، محدش يعمله حاجة.
استدار ناظرًا لوالده محتجًا في صدمةٍ:
-يا حاج آ...
قاطعه بإشارة من كفه:
-هي كلمة.
على مضض نطق، ووجهه محموم بعلامات الغضب:
-مش هراجعك يابا.
تنفس "إسماعيل" الصعداء، وشعر بأن الحبل المطبق حول عنق ابنه قد ارتخى قليلاً؛ لكن سرعان ما ضاق صدره، وأصابه التوتر عندما استطرد "بدير" يخبره بغموضٍ:
-احنا متنازلين عن حقنا، بس حق "فيروزة" لأ!
تفاجأ "تميم" من حديث والده، وشعر بالفخر والرضا لكونه يعيد إليها كرامتها المسلوبة بحنكته المعروفة، في حين هتف "إسماعيل" مستنكرًا بشدة:
-نعم؟ حق إيه ده كمان؟
أجابه بصوتٍ هادئ:
-تعويض عن البهدلة اللي شافتها.
سأله وكأنه يستكثر عليها هذا الأمر:
-هي قالتلك كده؟ عشان إيه يعني؟
بنفس الهدوء الرزين أكد عليه:
-من غير ما تقول، ده مراضية ليها.
صاح "إسماعيل" يسأله بصبرٍ نافذ:
-يعني عايزين إيه؟
دس "بدير" يده في جيب جلبابه، وأخرج ورقة مطوية، ناولها إياه وهو يجيبه:
-ابنك يمضي على وصل الأمانة ده، ومعاه مهلة 6 شهور يجهز المبلغ، وإلا هيتسجن بيه.
ضاقت عيناه في تذمرٍ عندما قرأ المبلغ المدون فيه، وهتف معترضًا:
-ده كتير أوي.
شدد عليه بلهجةٍ لم تكن لينة أبدًا:
-عشان يتربى، ويعرف إن الغلطة بفورة...
لم يمنحه فرصةً للتفكير، وحصر عليه الاختيار قائلاً:
-وده لمصلحته، لأني حايش ابني عنه بالعافية، بس ماضمنش لو سبته يعمل إيه فيه.
احتاج "إسماعيل" لشجاعة تضاهيه ليواجهه؛ لكن ابنه خذله برعونته المستمرة، لذا لم يكن أمامه بدًا أمام توسلاته ورجاواته الصامتة والمنتحبة أن يضغط عليه قائلاً:
-امضي يا "فضل".
بكى في قهرٍ محاولاً الرفض:
-أبا ..
أخفض من صوته وهو يلح عليه:
-امضي وإنت ساكت، بدل ما تروح مني.
أعطاه أحد العمال قلمًا حبريًا كان بتابلوه واحدة من السيارات، فاضطر بيده المرتعشة أن يوقع على الورقة الصغيرة، استعادها منه العامل، وأعطاها لـ "بدير" الذي طواها واحتفظ بها في محفظته، تطلع بعدها إلى الاثنين، وقال:
-خد ابنك وامشي يا حاج "إسماعيل"، بس هاقولك كلمتين تحطهم حلقة في ودنك.
نظر إليه الأخير وهو يحاول إجبار ابنه على التعلق بذراعه ليساعده على النهوض، تكلم "بدير" قائلا بتعابير صارمة بمجرد أن وقف ذلك الدنيء على قدميه:
-بنات أخوك أمانة عندي ...
احتقنت نظراته، فواصل بتهديد صريح:
-واللي هيقرب من الأمانة دي مايلومش إلا نفسه.
سأله "إسماعيل" في استهجانٍ:
-إنت هتخاف عليهم أكتر مني؟
ببساطة أجابه وبين شفتيه ابتسامة متهكمة:
-أيوه، بدليل أنا واقف هنا بأتوسط عند ابني يسيبه بدل ما يجزر رقبته.
صاح في غلٍ:
-ربنا ينتقم من الظالم.
أمن عليه بهدوءٍ:
-يـــا رب.
ثم وجه خطابه لأحد العمال:
-وصله يا واد.
أذعن العامل لأمره مرددًا بإيماءة من رأسه:
-عينيا يا حاج.
ساد الصمت المشحون بالتساؤلات لبعض الوقت –فيما عدا صوت نباح الكلب- حتى غادر الاثنين المكان، حينها التفت "هيثم" نحو "بدير" يسأله في ضيقٍ:
-سبته ليه يا جوز خالتي؟ حقنا كنا رميناه في المالح وهو نصيبه.
بعد زفرة طويلة متعبة أخبره:
-كده أريح للكل، خليه يغور ببلاويه.
دمدم "هيثم" في تزمتٍ:
-في 60 داهية.
تحرك "تميم" ليقف أمام والده، وسأله بنظراتٍ متفرسة:
-رأيك إيه في اللي حصل يابا؟ الحكاية لغفنت على الآخر.
بهدوءٍ واثق قال وهو يربت على كتفه:
-سيبها على الله، ربك عليه تيسير الأمور، وهيفرجها لما تضيق.
رفع "تميم" عينيه إلى السماء، والرجاء يملأ نظراته، نجاه كعادته سرًا بتنهيدات الشوق:
-ماليش غيرك يا رب، حلها من عندك يا كريم ........................ !!
......................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الأربعون 40 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد ..
في البداية وجب الاعتذار عن التأجيل الاضطراري للفصل يوم الجمعة ..
موعدكم دلوقتي مع الفصل
بس قبلها بذكر حضراتكم إن معرض الأسكندرية للكتاب هيبدأ من يوم الخميس، كل أعمالي هاتكون متاحة في جناحنا #إبداع بأسعار مخفضة وفي المتناول
أسيبكم مع الأحداث
الفصل مائة وثمانية
أمضت ثلاثة ليالٍ حبيسة منزلها، انطوت في ركنٍ فيه غالبية وقتها، لا تخرج من غرفتها إلا قليلاً، تقضي نهارها صامتة، وليلها ساهدة، حتى والدتها فشلت في إخراجها من حالة الحزن المسيطرة عليها، كذلك لم تشفع محاولات توأمتها وابنة خالها في الترويح عنها، تجاوبت "فيروزة" معهما بالكاد، وحافظت على ذلك الجمود المستبد بمشاعرها؛ لكن الليل بساعاته التي لا تنقضي بسهولة، كان يمنحها الفسحة للتفكير بإمعانٍ في كل ما خاضته بتفاصيله المستنزفة للروح، فما زادها ذلك إلا حزنًا وغمًا! وفي اليوم الرابع كانت قد حسمت أمرها كليًا لإنهاء الصراع الدائر بداخلها، لعلها تنشد بهذا سلامًا لم تنعم به إلا نادرًا.
أمام شباك غرفتها الخشبي الموارب، وقفت "فيروزة" تتطلع للمارة على الطريق، أرادت أن يسطع النهار عليها لتنتهي من المهام التي ألزمت نفسها بتنفيذها اليوم، لتغلق كافة أبواب النميمة والقيل والقال عنها، استدارت محدقة نحو والدتها التي تفاجأت بها ترتدي كامل ثيابها وهي تناديها:
-"فيروزة"، الفطار جاهز يا حبيبتي، تعالي آ...
لم تكمل "آمنة" جملتها للنهاية، وسألتها باستغرابٍ ظاهر على تعبيراتها:
-هو إنتي خارجة ولا إيه؟
أجابت بملامح جادة غير مرتخية:
-أيوه يا ماما.
سألتها مستفهمة وقد تقطب جبينها:
-رايحة فين كده على الصبح؟ ده لسه النهار في أوله؟
بنفس الأسلوب الغامض قالت:
-ورايا مشاوير.
دنت منها متسائلة باعتراضٍ وبحاجبين معقودين:
-ضروري يعني النهاردة؟ ده إنتي لسه شكلك تعبان من اللي حصل...
وقفت قبالتها، وتفحصت ملامحها الذابلة قبل أن تتم جملتها:
-وحتى وشك باين عليه الإجهاد، وإيدك كمان مخفتش.
ردت "فيروزة" بهدوءٍ مريب وهي تخفض عينيها لتحدق في الضمادة الطبية الملفوفة بها رسغها:
-أنا كويسة.
وضعت أمها يدها على ذراعها لتربت عليه، وأضافت بصيغة شبه آمرة:
-طب تعالي افطري.
هزت رأسها نافية:
-ماليش نفس ...
ثم استلت حقيبتها لتعلقها على كتفها، وتابعت:
-ويدوب ألحق أخلص اللي ورايا.
نظرت إليها في توجسٍ وهي تخبرها:
-يا بنتي أنا مش عايزاكي تجهدي نفسك.
لم تحاول الابتسام عندما علقت عليها بأسلوبها الجاف:
-متقلقيش عليا.
ضمت "آمنة" شفتيها للحظةٍ، وكأنها تستصعب إطلاعها بالأمر؛ لكنها قالت في الأخير:
-مرات عمك اتصلت سألت عليكي، أنا الصراحة ماديتهاش وش، مش كفاية اللي ابنها عمله.
احتقنت نظرات "فيروزة" تلقائيًا، وبدا وجهها الشاحب يكتسب حمرة غاضبة، حاولت والدتها أن تشتت تفكيرها عن تلك الذكرى المشؤومة فأكملت:
-والحاجة "ونيسة" اتصلت كمان تطمن عليكي، ست ذوق بصراحة.
أطلقت زفرة مشبعة بانفعالاتٍ هائجة حاولت إخمادها في مهدها، ورددت في نبرة بدت إلى حد ما غير ثابتة:
-أنا مش هتأخر.
ألحت عليها وهي تلحق بها:
-طب قوليلي رايحة فين بالظبط.
قالت دون أن تنظر خلفها:
-لما أرجع يا ماما، سلام.
لم تتمكن والدتها من الخروج بمعلومة مفيدة منها، فاكتفت بغلق الباب من خلفها، ولسانها يدعو لها بعد تنهيدة مهمومة:
-ربنا يبعد عنك أي شر يا بنتي.
...................................................
كل ما كان بها مجرد صلابة مخوخة، أخفت هشاشة روحها بقناعٍ الجمود المرسوم على وجهها، ونظرات القساوة المسيطرة على عينيها. استمرت "فيروزة" في تقدمها نحو وجهة بعينها، بعدما انتهت من سحب جميع النقود الموضوعة في حسابٍ بنكي، ادخرت فيه ما حصلت عليه من ميراث زوجها البغيض، أفرغته بالكامل، وجمعته في عملات نقدية من فئة كبيرة. التفت أناملها حول يد حقيبة كتفها، وكأن جلدها قد التصق بها، رتبت أفكارها في رأسها طوال مشيها، لتبدو مستعدة للمواجهة التالية.
قبيل وصولها إلى هناك توقفت عن السير ملقية نظرة شاملة لم تخلُ من التوتر على محيطها، اختطفت نظرات سريعة على أوجه المارة، على ما يبدو كان من حولها مشغولاً بأمورٍ أخرى ليس شأنها الخاص بالطبع واحدًا منهم، ومع هذا سرت رجفة قلقة في بدنها، قاومتها قدر المستطاع، وتنفست بعمقٍ لتحرك بعدها قدميها في اتجاه الدكان. وجدت عينيها ضالتها المنشودة في نفس المكان المعتاد؛ الحاج "بدير"، يجلس أمام مدخله، يخاطب أحدهم، أطبقت على جفنيها لثانية، وحررت دفعة من الهواء كانت محبوسة في رئتيها، لتتابع السير ناحيته، وما إن رأها الأخير حتى ناداها بترحيبٍ شديد وهو ينهض من كرسيه الخشبي:
-منورة الدكان يا بنتي، تعالي اتفضلي.
برسمية بحتة طلبت منه:
-ممكن أتكلم مع حضرتك شوية لو مش مشغول.
هتف بنفس الترحيب الحار المليء بالود والمحبة الصافية:
-ولو مشغول حتى أفضالك، ده إنتي من الغاليين.
ثم أشــار لها لتجلس على مقعدٍ أحضره لها العامل، فقالت باقتضابٍ:
-شكرًا.
..................................................
في تلك الأثناء، كان "تميم" قد انتهى لتوه من مراجعة بعض الفواتير المؤجلة، أعطى تعليماته للعمال بتجهيز نقلة جديدة لتسليمها لإحدى المراكب السياحية، همَّ بالانصراف لولا أن سمع رنة صوتها، تلك التي تبعث البهجة على القلب، والسرور على النفس، تأهبت كافة حواسه وتنشطت برغباتٍ مشتاقة لرؤيتها والاطمئنان عليها في الحال، كانت سلواه في الأيام الماضية مكالمات والدته لأمها، أراحته نسبيًا؛ لكنها لم تكن كافية لملء الفراغ الذي استبد به. لم يستطع تلك المرة منع نفسه من رؤيتها، ربما ساقها القدر إليه! دق قلبها في تلهفٍ، وعادت البسمة إلى شفتيه، ألا يحق للحبيب الارتواء من كأس العشق ولو بالقليل؟ استسلم لسكرات الحب المغيبة للعقل، وخرج لإملاء عينيه من بهاء وجهها.
راح "تميم" يتطلع إليها عند المدخل بكل ما تحمله الكلمة من مرادفات الاشتياق، فوجد ساحرته كعادتها تسرق أنفاسه طواعية، ارتفع ضجيج قلبه بين ضلوعه، فلم يعد قادرًا على ضبط إيقاع نبضاته الراقصة، ترك ذلك الشعور الممتع يغمره، يتخلل تحت جلده، حتى أصبح إدمانه اللذيذ، وحملق فيها بنظراته الساهمة الوالهة، بجهدٍ عسير شتت نظرته عنها ليحدق في اتجاه أبيه المتسائل:
-إيه أخبارك دلوقتي؟ كله تمام معاكي يا بنتي؟
أجابته "فيروزة" بجديةٍ ملحوظة:
-الحمدلله.
شدد عليها "بدير" مجددًا:
-لو في حد مضايقك، ولا حاجة مزعلاكي، قوليلي وأنا أتصرف.
لم تبتسم وهي ترد مجاملة:
-كتر خيرك.
لم يحبذ "تميم" إبقاء مسافة بينه وبينها، احتاج للتواجد بقربها، لأخذ نظرة من لؤلؤتيها، استحثه الشوق، وحفزه العشق لفعل ما تمنى، ليكن ما يكن، حتمًا سيغضب والده قليلاً؛ لكنه سيقدر مشاعره التي غلبت عقلانيته. تقدم نحوهما ساحبًا مقعدًا خشبيًا، ووضعه تلك المرة جوار أبيه، حتى تصبح نصب عينيه، حمحم قائلاً بربكةٍ طفيفة:
-صباح الخير، إزيك يا ..أبلة؟
نظرت نحوه بجمودٍ جعله يستريب من أمرها، لتنطق بعدها بجفاءٍ لامسه في صوتها:
-الحمدلله.
تبادل نظرة حائرة مع والده، شعر بالتخبط يضرب رأسه، فكل ما يلحظه بها يؤكد له أن هناك خطب ما فيها، وقبل أن يحاول استدراجها للحوار، بادر "بدير" مستطردًا:
-نورتينا يا بنتي، أنا كنت عايز أشوفك أصلاً، لأني عايز أكلمك في موضوع، بس قولت أسيبك كام يوم كده لحد ما تروقي وتبقي تمام.
وكأنها تجاهلت ما أخبرها به، لتبدو مبرمجة كآلة لا روح فيها وهي تعقب عليه:
-في الحقيقة أنا كنت جاية عشان خاطر موضوع المحل بتاعي.
ارتسمت علامات الدهشة على كليهما، وسألها "بدير" مستوضحًا:
-ماله يا بنتي؟
شدت سحاب حقيبتها لتخرج منها مغلفًا مغلقًا، مدت به يدها نحوه وهي تقول:
-اتفضل.
تناوله منها "بدير"، فحصه بعينيه دون أن يفضه، وأردف متسائلاً في فضول، وكامل نظرات "تميم" عليها تراقبها في توجسٍ:
-إيه ده؟
أجابته بهدوءٍ وبتعابيرٍ جامدة:
-دي الفلوس اللي حضرتك صرفتها في المحل ...
حملق فيها الاثنان بدهشة يشوبها الإنكار، في حين تابعت "فيروزة" بنفس اللهجة الهادئة:
-أنا لحد دلوقتي معرفش التكلفة الفعلية، بس أقدر اتكلم مع المقاول وأعرف منه صرف أد إيه بالظبط، ولو الفلوس ناقصة متقلقش، كله هيرجعلك، أنا مش بأكل حق حد.
تجهمت تعابير وجه "بدير"، وعاتبها بلطفٍ:
-مش أنا قولتلك يا بنتي مش هاقبل أخد منك حاجة لحد ما تشتغلي، وتقفي على رجلك...
أصر على إعادة المغلف لها، وقال بجدية شبه صارمة:
-شيلي فلوسك يا بنتي، عيب كده.
نظرت إليه بعينين فارغتين، وقالت بعد زفيرٍ ثقيل:
-يبقى للأسف هتضطرني أروح للحل التاني.
هنا نطق "تميم" متسائلاً في جزعٍ، وقد أحس بقلبه يهوي بين قدميه:
-وده إيه كمان؟
نظرة ضيقة منحتها له، قبل أن تتحول أنظارها نحو "بدير" الذي سألها بتريثٍ:
-حل إيه يا بنتي؟
أخرجت من جيب حقيبتها مفتاحًا معدنيًا، رفعته في مرمى نظره، وقالت بصوتٍ جاهدت ألا يبدو مذبذبًا:
-أرجع لحضرتك مفتاح المحل، بيعه وخد حسابك، معدتش فارق معايا...
عفويًا استحضرت مشهد حرق باكورة أحلامها البسيطة في ذهنها، غطت على الذكرى سريعًا، وقتلت غصة جارحة في حلقها وهي تكمل:
-وبعدين يعني، ماهياش أول مرة أحلم فيها بحاجة أحققها، وماتكملش.
بدت وكأنها نشطت ذاكرته بما لم ينسه يومًا، حين تم إحراق عربة طعامها؛ وكان متورطًا في الأمر بشكلٍ غير مباشر، أوغرت كلماته المحملة بطعم الألم صدره، فانفجر صائحًا بلهجةٍ لم تبدُ هادئة أبدًا، محاولاً إثنائها عما اعتبره قرارها الخاطئ:
-إيه اللي بتقوليه ده؟ محل إيه اللي يرجع؟
حذره والده بنظرة غير راضية:
-اهدى يا "تميم"، بالراحة.
لمعت عيناها بعبراتٍ تسللت إليها تأثرًا بذكرياتٍ لا تزال حية فيها مهما سعت لمقاومتها، وأخبرتهما بوجهها العابس:
-كله واحد بياخد حقه، وكفاية لحد كده، مش عايزة حد يشيل همي، ولا يساعدني في حاجة.
اختلجت قسمات وجه "تميم" كافة علامات الغضب والحنق، كان مستاءً من كلامها، وشعر بالذنب ناحيتها لكونه واحدًا ممن تسببوا في أذيتها سابقًا، بينما استمر "بدير" في عتابه لها بأسلوبه الأبوي الحاني، علها تتراجع عن رغبتها:
-عيب يا بنتي الكلام ده، أنا زي أبوكي، في حد يحاسب أبوه على حاجة بيعملها لعياله؟
رمشت بعينيها لتمنع العبرات من التجمع في مقلتيها وهي تخاطبه:
-ربنا وحده عالم مكانة حضرتك عاملة إزاي عندي، بس معدتش ينفع.
هدر "تميم" مجددًا وهو يسألها:
-كله ده بسبب الكلب إياه؟
استدارت في اتجاهه، وقالت بوجومٍ شديد:
-مش عايزة أحكي في اللي راح.
ضم "تميم" أصابعه معًا، ليشكل قبضة متشنجة، وبدأ أنفاسه في الخروج بثقلٍ من جوفه، التفت ينظر إلى أبيه مستجديًا مساعدته في تليين رأسها المتيبس؛ وكأن الأخير قد فهم توسله الصامت، فاستطرد يسألها برزانةٍ:
-وإنتي هتشيلي نفسك ذنب حاجة مالكيش يد فيها؟ ده ما يرضيش ربنا، إنتي أعقل من كده يا بنتي.
شغفها للمقاومة، للكفاح، وللنضال من أجل تحقيق أحلامها لم يعد موجودًا، فقدته مع كل لحظة كان يتم فيها اغتيال إرادتها، نهضت واقفة وهي توجه حديثها لكليهما:
-أنا أسفة إن كنت عملتلكم مشاكل مالكوش يد فيها، وإن شاء الله ده ما يتكررش.
هب "تميم" بدوره واقفًا، نظر إليها مليًا، وسألها بحرقةٍ بائنة في صوته:
-المشاكل مش هتسيبنا سواء بيكي أو بغيرك، إنتي ليه توقفي حياتك عشان حتت بغل مايسواش نعل في رجلك؟!!!!
عيناها كانتا مرآة لروحٍ فاقدة لمعنى الحياة، لم تجبه، وقالت موجزة، كنوعٍ من الهروب الإلزامي بعد أن وضعت المفتاح على الطاولة قبالته:
-عن إذنكم.
لم تنتظر كلمة وداعٍ منهما، التفتت سائرة بخطواتٍ بدت أقرب للركض، تاركة تلك المرة دموعها المكبوتة تتحرر من طرفيها، فغزت كامل وجهها؛ كأنما فقدت عزيزًا لتوها. تقطعت العضلة النابضة بين ضلوع "تميم" لرؤيتها ممزقة هكذا، استدار يسأل والده في عصبيةٍ ولوعة:
-إنت هاتسيبها تمشي يابا؟ عاجبك اللي قالته ده؟
قبض على ذراعه يستوقفه وهو يأمره:
-استنى يا "تميم".
رد بزفير محمومٍ من بين أسنانه:
-الكلب ابن الـ...، هو السبب.
بهدوء متعقل أخبره:
-اللي شافته مش قليل، هي مش واعية بتعمل إيه.
هتف في غيظٍ أشد:
-لو كنت سبتني عليه كنت سيحت دمه، كنت شفيت غليلها منه، على الأقل ماتبقاش كده.
هز "بدير" رأسه بإيماءات خفيفة متعاقبة، وقال:
-الأيام كفيلة تداويها.
دمدم بسخطٍ عكس عدم قناعته:
-ماظنش
صمت مرغمًا؛ لكنه لم يكن راضيًا عما يحدث، فقبلها كانت حياته روتينية، مجرد امتداد لفراغٍ استحوذ على قلبه خلال سنوات حبسه الطويلة، لم يتذوق طعم الحب حين نال حريته، ولم يعرف السكينة في أحضان زوجته، إلى أن ألقاها القدر في طريقه، لحظتها بدأت في وضع بصمتها المميزة على كل تفصيلة تخص أمره، ورويدًا رويدًا غدت بشخصها الفريد، وشجاعتها غير الاعتيادية هي كل ما يحتاج إليه لملء الفجوة المتسعة في حياته، لذا بدا الألم المختلط بالغضب ظاهرًا على وجهه وهو يراها تغادر بانكسارٍ، وإن كانت تدعي الجمود في وجودهما!
.................................................
أدت واجبها وما جاءت إليه بإتقانٍ لم تتوقعه، جرجرت "فيروزة" ساقيها مبتعدة عن المكان، تاركة خلفها أحلامها تنسل منها بإرادتها؛ لكن الألم لم يتركها، تغلل في أعماقها، حتى إحساسها بالقهر والخذلان استبد بها مجددًا، كما راحت ومضات عشوائية خاطفة مما عاشته سابقًا تسطع في عقلها لتضاعف من هذا الشعور القابض للروح. افتقرت تلك المرة للمقاومة، وتخلت عن شجاعتها لتصبح كغصنٍ كُسر فرعه، فعصفت به الرياح في كل اتجاهٍ تريد اقتلاعه. همست بصوتٍ يملأه الشجن:
-معدتش عندي حاجة أبكي عليها.
تأرجح تفكيرها وتخبطت في الصراعات التي أنهكت قواها، بدأت خطواتها في الثقل، جاهدت بأنفاسها التي تحولت للهاث لتحريك قدميها أكثر، والابتعاد عن البشر بأنماطهم؛ لكن على ما يبدو أبت الاستجابة لأمر عقلها، فكانتا كالجبال، بذلت جهدًا أكبر في إجبارهما على الحركة، واستمر التثاقل في الازدياد، تجمدت كلتاهما في مكانها، فلم تستطع الحفاظ على اتزانها، ومنع نفسها من الانكفاء على وجهها مع قوة حركتها الفجائية، لهذا طُرحت أرضًا، واصطدمت رأسها بحافة الرصيف الحجرية، لتفقد بعدها وعيها، ودموعها تسبقها في السقوط.
.............................................................
قلبت الصحن المليء بالحساء بضعة مرات بالملعقة قبل أن ترفعها للأعلى بحذرٍ، لتقربها من فم ابنها الراقد على الفراش قبالتها، حيث انتقل لهذا المشفى المتواضع ببلدتهم بعد نجاح والده في إخراجه بمعجزة من الكارثة التي تسبب فيها، أصرت "سعاد" على إطعام ابنها قائلة:
-يا ابني اشرب الشوربة دي، ماتتعبش قلبي معاك.
أدار "فضل" وجهه المليء باللاصقات الطبية للجانب، وهتف رافضًا:
-مش .. عايز.
عاتبته في نفاذ صبرٍ:
-كل يوم في الموال ده؟ هتخف إزاي وإنت بالعافية بتاكل؟
عاد لينظر إليها مكررًا شكواه السقيمة:
-كله من بنت الكلب "فيروزة" واللي معاها، اتكاتروا عليا يامه.
ردت عليه والدته مُصححة له:
-هنعيده تاني؟ إنت اللي جلبت معاها من الأول.
صاح في غيظٍ وهو يطيح بالمعلقة من أمام فمه:
-أماه، انزلي من على دماغي.
تناثر ما بها على الملاءة وثيابها، فزجرته في تبرمٍ:
-كده يا "فضل"؟ هي دي أخرتها.
نفخ عاليًا في سأم، وحاد بنظراته عنها ليحدق في باب الغرفة الذي أطلت منه طليقته السابقة؛ كانت آخر من يريد رؤيته الآن، رمقها بنظرة نارية كارهة لها، ولعنها في خفوت، بينما استطردت "سها" ملقية بالتحية:
-سلام عليكم.
انتبهت لها "سعاد"، وأقبلت عليها ترحب بها:
-"سها"، تعالي يا بنتي، اتفضلي.
احتضنتها الأولى في ودٍ، وقالت بابتسامةٍ مصطنعة:
-إزيك يا .. "أم فضل"؟
أجابتها بألفةٍ معهودة بها:
-بخير، إنتي عاملة إيه؟ والعيال أخبارهم إيه؟
جاوبتها بإيماءة صغيرة من رأسها:
-كلنا في نعمة والحمدلله.
حانت من "سعاد" نظرة سريعة على ابنها وهي تقول:
-فيكي الخير إنك جاية تسألي على أبو العيال.
لوت شفتيها معلقة بسخطٍ بائن:
-أيوه.. طبعًا.
سألها "فضل" بعينين حانقتين، وهو يحاول رفع جسده للاعتدال من رقدته المؤلمة:
-إيه؟ جاية تشمتي فيا؟
نفت عنها اتهامه الوقح قائلة ببرودٍ:
-مع إنك تستاهل كده، بس مش طبعي يا أبو ولادي.
استفزه أسلوبها الساخر، وسألها بإهانةٍ فجة:
-أومال جاية ليه يا وش النحس؟
ردت بسخافةٍ:
-كلمتين هأقولهم وماشية.
توترت "سعاد" من احتدام المشاحنات بينهما، فتدخلت مُلطفة:
-على الواقف كده؟ اقعدي يا بنتي.
تحولت نبرتها للجدية وهي تعقب عليها:
-أيوه يا حاجة، أنا مش هطول.
بصبرٍ نافذ صاح بها "فضل" مستخدمًا يده في التلويح:
-لخصي في أم يومك الفقر.
كتفت "سها" ساعديها أمام صدرها، وقالت بزهوٍ:
-الحمدلله بعد ما ربنا ريحني منك جالي حد يقدرني ويعرف قيمتي، صحيح لسه مافيش حاجة رسمي، مستنيين لما العدة تخلص، بس أنا مش ممانعة ولا أهلي كمان.
هدر بها بنبرة مغتاظةٍ، وقد تلون وجهه بحمرة منفعلة:
-وعايزاني أعملك إيه؟ أقوم أطبل ولا أزغرط؟ ما تولعي.
حذرته والدته من إساءته لها بقولها المتحرج:
-عيب كده يا "فضل"!
استمر في هجومه المسيء هاتفًا:
-دي ولية واطية عايزة الحرق.
ردت عليه "سها" بتعابيرٍ ناقمة:
-مش هارد على واحد لسانه زفر زيك، أنا كنت جاية أعرفك إني مش هافضل هنا في البلد.
تشنج وهو يعلق عليها:
-هتلوي دراعي عشان أخد العيال، وأتلبخ بيهم عشان تتمرقعي يا روح أمك؟ طب مش هايحصل!
هتفت في استنكارٍ:
-هو الجواز بقى مرقعة عندك؟ عمومًا مش ده اللي جاية أقولهولك، أنا بس بأعرفك إني هاخد العيال معايا.
نطقت "سعاد" في صدمةٍ:
-نعم؟ تاخديهم؟
أخبرتهما أسبابها مباشرة:
-الصراحة أنا مأمنش عليهم معاه، العيال عايز أب يحبهم، ويخاف عليهم، مش واحد يمن عليهم إن هو أبوهم!
حاولت "سعاد" تأجيل الحديث عن ذلك الأمر حاليًا، ورجتها:
-مش وقته الكلام ده يا بنتي، استهدي بالله كده، وآ...
قاطع "فضل" والدته بعصبيةٍ جمة:
-إنتي هتسترجي البُلغة دي يامه؟ إياكش تتحرق...
ثم مد يده ليمسك بكوب الماء، وقذفه ناحيتها وهو يطردها بتعنيف وقح:
-غوري يا بومة من هنا، وأنا هنكد عليكي يا وش المصايب، مش هانيهكي على حاجة.
تراجعت "سها" للخلف لتتفادى الكوب، وأبلغته بثقةٍ لا يعرف من أين استمدتها:
-أعلى ما في خيلك اركبه، ولو عايز تمشيها محاكم، فأنا وأهلي مش هنسيب العيال ليك ....
رمقته بنظرة احتقارٍ استحقها، واختتمت كلامها معه موجهة إصبعها إليه:
-أنا قولت أعمل حساب للعشرة، بس فعلاً قليل الأصل لا تعاتبه ولا تلومه.
.............................................
برحيلها الواجم اختطفت معها لحظات السعادة المحدودة، فأصبح ما في عينيه كئيبًا غائمًا، لا يستحق النضال من أجله، خاصة عندما أدرك أنها لم تتعافَ أبدًا من التجربة الأليمة التي خاضتها .. دار "تميم" في حلقات مفرغة حول أبيه، محاولاً التحكم في العصبية التي نالت منه، والأخير يراقبه بهدوءٍ محاولاً منعه من التصرف بحماقة، ضجر من برطمته الناقمة، وأمره:
-ما تقعد يا ابني على حيلك، مافيش حاجة هتتحل كده.
توقف عن الدوران، ليتجه إليه، ثم أخبره بأعصابٍ تالفة:
-مش قادر يابا، أنا مخنوق، وهاتجنن، دي شكلها بقى واحدة تانية غير اللي أعرفها، للدرجادي مأثر فيها اللي حصل؟!
رفع "بدير" حاجبه للأعلى مستنكرًا تصريحه باهتمامه الزائد بها، ولم يبذل ابنه جهدًا في التغطية على مشاعره المكشوفة، تفهم أسباب خوفه عليها، ووعده ببساطةٍ:
-أنا هاروح أتكلم معاها.
في لهفة تساءل "تميم" وهو يجلس على المقعد أمامه:
-امتى طيب؟
زم شفتيه للحظة قبل أن يجيبه:
-مش دلوقتي، يومين كده وأزورها.
احتج على ما اعتبرها مماطلةٍ، وقال:
-بس آ...
قاطعه بإشارة من عينيه قائلاً:
-ده أحسن ليها.
استدار كلاهما في اتجاه الصوت المنادي بصياحٍ مرتفع:
-إلحق يا حاج "بدير"!
على الفور تساءل "تميم" بوجهه المتجهم:
-حصل إيه؟
بينما زوى "بدير" ما بين حاجبيه متسائلاً:
-في إيه يا واد؟
التقط الصبي أنفاسه، وأخبرهما وهو يستخدم يده في الشرح والإشارة:
-قريبتكم اللي كانت هنا من شوية ....
خفق قلب "تميم" في خوفٍ مع كلماته الاستهلالية، وزادت الانقباضات به عندما تابع موضحًا:
-وقعت من طولها على أول الشارع، والناس قعدوها على كرسي في القهوة.
ردد "تميم" في ذهولٍ مرتعب وقد شخصت أبصاره:
-بتقول إيــــه!!!!!!
......................................................
صدمه النبأ، فركض كالأعمى لا يرى أمامه، كل ما استحوذ على تفكيره هو الذهاب فورًا إليها، وتخبئتها في أحضانه، ليعزلها عما تسبب لها في الأذى، اتجه إلى حيث أرشده الصبي، اخترق الحشد القليل المتجمهر عند المقهى الشعبي، محاولاً الوصول إليها، وقلبه يحترق خوفًا عليها؛ كانت "فيروزة" مستلقية على مقعد خشبي بالداخل، جبينها مجروح، وخيط رفيع من الدماء ينساب على جانب صدغها، حتى وجنتيها كانتا مبتلة بدموعها، تقلصت أحشائه في ارتعابٍ، وبدا في حالةٍ لا يحسد عليها، أدار ظهره ليحجب عنها الأعين، وصاح بصوت أجش عبر عن انزعاجه:
-كتر خيركم يا جدعان...
حاول صرف ذلك التجمع بعجالةٍ، وساعده في هذا العاملين في المقهى، ليصبح المكان في أقل من دقيقة خاليًا من رواده، حينها استدار ينظر إليها مجددًا، شملها بعينيه الفاحصة لوجهها وهو يتساءل في جزعٍ:
-حصلها إيه؟
أخبره أحد العاملين في حيرة:
-منعرفش، احنا فجأة لاقيناها وقعت في الشارع.
ردد زميله من خلفه:
-حاولنا نفوقها معرفناش يا معلم.
انتبه "تميم" لصوت أبيه القائل:
-حد كلم الإسعاف؟
أجابه رجل من الخلف:
-لأ، بعتنا واد عندكم الأول يعرفكم.
شكره "بدير" بوجهه الجاد:
-كتر خيرك.
في حين وجه "تميم" أمره إلى آخر طالبًا منه:
-خد المفاتيح دول وخلي واد من عندنا يجيب العربية هنا.
تناولها منه، وقال مظهرًا انصياعه له:
-أوامرك يا معلم.
انتظر "تميم" انصرافه ليهمس لوالده في استياءٍ حانق:
-مش قولتلك يابا أنا مش مرتاح، هي كان باين عليها.
رد عليه بصوته الخافت:
-خلاص يا ابني، خلينا نطمن عليها الأول.
اتجهت أنظاره الملتاعة إليها، وغمغم في توعدٍ:
-والله لو جرالها حاجة ماهسيب البغل ده عايش، أنا بأعرفك يابا أهوو.
حذره والده بنظرة صارمة من عينيه ليتوقف عن الثرثرة بما قد يُساء فهمه أمام الغرباء في غمرة انفعاله، وجذبه من ذراعه ليخبره بصوته الخفيض:
-بلاش شوشرة.
كبح "تميم" بصعوبة انفعالاته الثائرة، في حين استطرد والده مكملاً:
-كان وارد يحصلها كده، وأكتر من مرة أفهمك إن اللي شافته مش قليل عليها.
توقفا عن الهمهمة مع مجيء العامل الذي هلل ليلفت انتباههما:
-العربية برا يا معلم.
أمر "بدير" ابنه في الحال:
-بينا ناخدها على أقرب مستشفى.
لم ينتظر أوامره لتلبيتها، خاصة حينما تتعلق بها، تحرك "تميم" في اتجاهها ليحملها بين ذراعيه عن المقعد، ألقى نظرة حزينة على تعبيراتها الشاحبة؛ كانت أقرب إلى الموتى عنها إلى الأحياء، فحز في قلبه بشدة رؤيتها هكذا! تقدم بها نحو سيارته، وأجلسها على المقعد الخلفي، حاذر حينما أراح رأسها على الجانب، نظر لها مرة أخيرة ملقيًا باللوم على نفسه لتفريطه في حقها، استقام واقفًا، وأغلق الباب ليدور حول السيارة، هامسًا بين جنباته بوعدٍ أراد حقًا أن تسمعه وهو يقطعه على نفسه:
-مش هسمح لحاجة تأذيكي تاني، حتى لو مُت فيها ............................. !!
......................................................