تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في البداية وجب توجيه الشكر لجميع القراء في كل مكان على دعمهم الإيجابي، تشجيعهم المتواصل، وانتظارهم الشغوف لمتابعة أحداث فصول الرواية، بالإضافة للتحليلات العظيمة والتعليقات الجميلة على مدار الأجزاء السابقة .. وأرجو من الله أن يكون الجزء الثالث هو استكمال لتلك الملحمة الشعبية الأصيلة .. أترككم مع أحداث الفصل الفصل السبعون أخطأت حين هاتفت ابنتها، لتعلمها وسط نوبة بكائها المُقطعة لنياط القلوب، بما آَلم بشقيقها الوحيد، حينها صرخت منادية باسمه، أنهت الاتصال بعد إلمامها بالتفاصيل البسيطة، لتذهب ركضًا إ...
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم Manal Salem
باعتذر عن التأخير يا غاليين
الفصل مائة وتسعة
استمر التردد يمسك بخطواته وهو يتجول في الردهة الطويلة، كمتنفسٍ متاح لإفراغ انفعالاته المتوترة المكتوبة بداخله، ريثما يخرج أحد الأطباء لطمأنته عليها. أحس "تميم" بمطرقة تهوي على رأسه كلما تذكر رؤية وجهها المخضب بالدماء بعد فُقدانها للوعي، أين اختفت الضحكات النضرة؟ أين ذهبت الأحلام والتطلعات؟ تحول البهاء إلى شحوبٍ وقهر. اعتصر الألم صدره، وضغط على قلبه فبات على وشك البكاء حسرةً عليها. تتبع والده حركاته العصبية بعينين متفرستين، ثم ناداه عاليًا:
-تعالى يا "تميم" جمبي، ارتاح شوية، بلاش الخايلة الكدابة دي.
اعترض عليه وهو يستدير ناحيته ليخاطبه:
-مش قادر يابا.
رد "بدير" بهدوءٍ محاولاً تخفيف حدة التوتر المعكوس عليه:
-إن شاءالله الدكتور يطلع ويطمنا.
أخبره ابنه بما يدور في رأسه من هواجس جعلت معدته تتقلص وهو يفرك كفيه معًا:
-خايف يجرالها حاجة، ولا تـ.. تروح مني ..
بنفس النبرة المطمئنة قال له عن يقين عظيم:
-إن شاءالله هتعدي منها، حط أملك في ربنا.
رفع "تميم" أنظاره إلى السماء، والدموع تنفر من عينيه، ثم تنهد هامسًا بخشوع:
-يا رب احفظها ليا.
اضطربت كامل حواسه، واضطرم في فؤاده الخوف عندما رأى الطبيب مقبلاً عليهما، تحرك في اتجاهه، كما نهض والده أيضًا من على المقعد المعدني، وقبل أن يبادر "تميم" بسؤاله عنها؛ كان الطبيب الأسبق في الاستفسار:
-إنتو قرايب المريضة؟
أكد عليه دون تفكير:
-أيوه...
ثم غلف التلهف صوته وهو يسأله:
-هي مالها يا دكتور؟
دار الطبيب بنظراته بين وجهيي الاثنين، وخاطبهما بتمهلٍ، محاولاً شرح طبيعة حالتها:
-من الناحية العضوية مافيش حاجة مقلقة، يعني الجرح اللي في رأسها بسيط، ومع الوقت هيخف...
استشعر "تميم" بقلبه أن القادم في حديثه يحمل سوءًا، وصدق حدسه عندما تابع مسترسلاً في إيضاحه:
-للأسف هي في حالة انهيار عصبي شديد، ولازم تفضل تحت الملاحظة لكام يوم.
سأله "بدير" مستفهمًا:
-وده خطير يا دكتور؟
أومأ برأسه إيجابًا وهو يجيبه:
-أيوه، ممكن يحصل مضاعفات، ويوصلها لحالة أسوأ، ده لو مافيش خطوة جدية للمتابعة والعلاج النفسي، وعشان كده الزيارة ممنوعة عنها اليومين دول.
بقلبٍ يدق في جزع رجاه "تميم"، وبؤبؤاه يتحركان بشكلٍ مرتعد:
-طب قولنا نعمل إيه عشان تفوق وترجع زي الأول، واحنا مش هنتأخر عليها، اللي هتأمر بيه هيتنفذ في الحال.
تحولت أنظار الطبيب نحوه، وبلهجته العملية حادثه:
-الأفضل طبعًا ليها إنها تتابع مع دكتور نفسي، هو المتخصص في النوعية دي من الحالات وآ...
لحظة صمت فيها عن الكلام، ليضمن استحواذه على كامل انتباههما، قبل أن يضيف بما يشبه النصيحة، فشدد عليهما:
-ويا ريت الفترة الجاية تبعد عن أي ضغوطات نفسية، لأن مانضمنش ردة فعلها هاتكون إيه، وخصوصًا وهي في الحالة دي.
انخلع قلب "تميم" في رهبةٍ، وشعر برجفة باردة تسري في عروقه رغم ارتفاع حرارة جسده؛ لكنه خوفه عليها فاق حد احتماله، بينما هز "بدير" رأسه معقبًا:
-ماشي كلامك يا دكتور.
استأذن بالانصراف وهو يرسم على ثغره ابتسامة عملية منمقة:
-عن إذنكم.
لم ينبس "تميم" بكلمة، انفصل كليًا بوجدانه وعقله، ليفكر فيها متوقعًا تدهور حالتها، حدق في الفراغ بنظراتٍ ذائغة، تائهة، تحمل من الهموم أثقالاً، بدا وكأن أحدهم هشم رأسه بحجرٍ صلب فجعل كالعاجز، لا يقوى على شيء. وضع "بدير" قبضته على كتفه، استعاد الأول القليل من انتباهه مع ضغطه القوي عليه، والتفت محملقًا فيه بوجومٍ تعس، استطرد والده قائلاً بنبرته الهادئة:
-احنا معاها يا ابني، مش هانسيبها لوحدها.
بصوتٍ لم تخيبه أذنه، نطق "تميم" منتحبًا، وكأن البكاء قد شق طريقه إلى نبرته:
-خايف تروح مني يابا بعد ده كله.
شدَّ عليه كنوعٍ من العتاب الرقيق:
-كله مقدر ومكتوب يا ابني، خليك مؤمن بقضاء الله، وحكمته في كل حاجة بتحصل، وأنا بأقولك إنه مش هاسيبها، وهيعوضها ويجازيها خير عن كل أذى شافته ...
لمعت عينا ابنه بعبراتٍ كثيفة، فأضاف أباه مرددًا:
-واحنا معاها وواقفين جمبها، وفي ضهرها، مش هنقصر معاها في حاجة، كل اللي هتحتاجه هنوفره ليها، ولو حكمت هنسفرها برا هنعمل كده.
انزلق "تميم" يحتضن والده في حبورٍ، وعيناه تنفران الدمعات الساخنة منهما، سحب نفسًا عميقًا يهدئ به من حالة التأثر الحزينة المسيطرة عليه، ثم تراجع عنه ليشكره:
-ربنا يخليك لينا يابا.
حمحم والده مكملاً بلهجته الجادة:
-المفروض نكلم أمها نعرفها، مش معقول لحد دلوقتي متاخدش خبر باللي حصلها.
هز رأسه متفهمًا ذلك، فتابع موجهًا إياه:
-كلم الواد "هيثم"، وعرفه اللي حصل بالهداوة، وقوله يروح لعند أمها يحكيلها بالمختصر المفيد من غير ما يخضها، ويجيبها ويجي.
-ماشي يا حاج.
قال "تميم" عبارته وهو يخرج هاتفه المحمول من جيبه، لينفذ ما أمره والده كما أشار حرفيًا، احتاج إلى شجاعته الآن ليقف ثابتًا أمام ما تجابهه؛ لكن الروح خانته فافتقر إلى بسالته، وظل قلبه يدعو الله لها طمعًا في أن يزيح عنها همومها.
..........................................
جاءت على وجه السرعة، وفي عينيها خوف شديد، تلفتت "آمنة" بنظرات تائهة متوترة حول نفسها باحثة عن رقم غرفة ابنتها بعد أن تم نقلها إليها، قابلت في الردهة "بدير" ومعه ابنه، يقفان خارج حجرتها، تسابقت في خطواتها مع الصغيرة المتعلقة في كفها، تاركة "هيثم" يلحق بها في تباطؤ. توقفت عن الهرولة، وتساءلت بصوتٍ لاهث لا يخلو من الجزع:
-بنتي فين؟ حاجزينها ليه هنا؟
اعتدل "تميم" في وقفته المرتكنة إلى الحائط، لينظر نحوها بترقبٍ، خاصة لتسلط نظراتها عليه تحديدًا، بينما أجاب عنه "بدير" بوجهه غير مشدود:
-اطمني عليها هي كويسة.
ما زالت تعبيراتها محتفظة بخوفها الأمومي وهي تخبره تلقائيًا:
-دي كانت نازلة من البيت زي الفل.
رد مؤكدًا عليها:
-متقلقيش، هاتبقى أحسن.
هتفت في إلحاحٍ محاولة الولوج لغرفتها:
-أنا عايزة أشوفها حالاً.
اعترض "تميم" طريقها قائلاً بوجوم:
-مش هاينفع يا حاجة.
انقبض صدرها بخوفٍ أكبر، ورددت بعويلٍ وبنظراتٍ شاخصة:
-يبقى بنتي جرالها حاجة وإنتو مخبين عليا.
هدأها "بدير" مصححًا سوء فهمها:
-لأ يا حاجة، دي أوامر الدكتور، محدش يخشلها إلا لما تفوق ويشوفوها الأول.
زمت شفتيها تشكوه في أسى:
-هي يا حبة عيني بقالها كام يوم عمالة تكتم في نفسها، أما خلاص مابقتش مستحملة.
غصة آلمت قلبه لمعرفته بمعاناتها المستمرة، وهو الذي ظن أنها تخطت ذلك الصدام؛ لكنها بقيت محتجزة بين قضبانه القاسية. أدار "تميم" رأسه في اتجاه والده الذي استمر في طمأنتها:
-كل حاجة هتبقى بخير، ارمي حمولك على الله.
هتفت في حزنٍ:
-ونعم بالله .. خد بإيدها يا رب وزيح عنها.
تبادل "تميم" مع "هيثم" نظرات تحية صامتة، ووقف الأخير إلى الجانب منتظرًا معرفة التطورات اللاحقة، فاتجه إليه الأول ليطلعه على التطورات بعبارات موجزة، لينطق بعدها "هيثم" بصوتٍ خفيض:
-على فكرة أنا مقولتش لمراتي حاجة.
استحسن إرجائه لذلك بترديده الخافت:
-بعدين، بلاش تقلقها، كفاية الست أمها.
بنفس الصوت الهامس علق أيضًا:
-ما أنا قولت كده، هتعملي شوشرة، والحكاية مش باين معالمها لسه.
في هذه الأثناء، وقعت عينا "بدير" على الطفلة المبتسمة، بدا غير مرحبٍ بوجودها، وتساءل بتعابيرٍ مقتضبة:
-جايبة البت الصغيرة معاكي ليه؟
أجابته "آمنة" بعد تنهيدة مهمومة، وهي تجفف العبرات عن صدغيها:
-هاسيبها لمين بس؟ ما إنت عارف الظروف يا حاج.
قال، وفي عينيه نظرة غير راضية:
-ماينفعش البهدلة ليها في المستشفيات.
ضمت شفتيها في ترددٍ، قبل أن تخبره:
-هي هتفضل تحت نظري.
احتج على إبقاء الطفلة بقوله الصارم:
-لأ كده تلبخك...
ثم أدار رأسه نحو ابنه يناديه بعد أن انزوى إلى جوار ابن خالته عند الحائط:
-يا "تميم"!
دنا منه هاتفًا في طاعة:
-أيوه يا حاج.
حادثه وهو يشير بيده الممسكة برأس عكازه:
-خد الكتكوتة دي معاك وديها عندنا في البيت، وخليهم ياخدوا بالهم منها.
تحرجت "آمنة" منه، وقالت بشيءٍ من العشم:
-يادي الكسوف والله، على طول مشيلينك همنا يا حاج "بدير".
رد في هدوءٍ:
-احنا عيلة ...
ثم خاطب "تميم" من جديد:
-يالا يا ابني.
هز رأسه ممتثلاً له وهو يرد:
-على طول يابا.
وقبل أن يتحرك بالصغيرة نحو الخارج طلب من ابن خالته:
-خليك يا "هيثم" هنا عشان لو احتاجوا حاجة، وأنا هابقى معاك على تليفون.
أطاعه دون جدالٍ:
-ماشي.
ذهب "تميم" بخطواتٍ شبه زاحفة؛ كأنما يستصعب الرحيل، وظل الحزن معششًا في صدره؛ لكن لم ينقطع الرجاء في شفائها عما قريب.
.................................................
انتُزعت آخر ذرات الصبر منه بمرور يومين على بقائها بالمشفى، وهو غير قادر على الذهاب لزيارتها هناك، أو حتى رؤيتها، التعليمات كانت صريحة وواضحة؛ تُمنع عنها الزيارات إلى أن تصبح في حالٍ أفضل، يسمح لها بالتفاعل الإيجابي مع غيرها. انتشى "تميم" سماع ما يشبع توقه، وكانت المكالمات العابرة بين الفنية والأخرى من والدته لأمها كقبسٍ من نور في ظلمة حالكة، هداه عقله بعد استغراق طويل في التفكير للاستعانة بشقيقته، ربما إن زارتها بدلاً منه تطفئ عنه لهيب القلب المشتاق إليها.
دق باب غرفتها مستأذنًا بالدخول:
"هاجر" فاضية شوية؟
جاءه صوتها مرحبًا:
-أه يا خويا.
ولج إلى الداخل وهو يفرك رأسه بيده، بدا كأنما يقدم قدمًا ويؤخر الأخرى خلال اقترابه من فراشها، لاحظت "هاجر" تردده، فسألته بنبرة مهتمة:
-خير في حاجة؟
تنحنح قائلاً بلعثمةٍ طفيفة، بعد لحظة من السكوت:
-كنت عايز.. منك طلب كده.
أبدت استعدادها لتنفيذ رغبته قائلة:
-اتفضل، قولي عايز إيه؟
بلع ريقه، وسألها برفرفة متوترة من جفنيه:
-ينفع تبقي تعدي تزوري الأبلة؟
سألته في تعجب يشوبه الفضول:
-أبلة مين؟
حمحم من جديد، وأخبرها متحاشيًا النظر في عينيها:
-أخت مرات "هيثم".
للتأكد من مقصده نطقت اسمها في صيغة سؤالٍ مختصر:
-"فيروزة"؟
ازدرد ريقه بربكةٍ محسوسة، وتابع معللاً طلبه:
-أه هي، يعني زيارة المريض واجب وآ... يعني .. حاجة ضرورية.
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيها وهي تعقب عليه:
-من غير ما تطلب، من عينيا حاضر.
تصنع الجدية وهو يشكرها:
-تسلمي.
همَّ بمغادرة الغرفة؛ لكنها استوقفته بسؤاله العابث:
-بس مقولتيش إنت شاغل بالك ليه بيها؟
اشتدت قسماته، وساد التوتر على محياه، لم يلتفت نحوها وهو يدعي نافيًا:
-لأ.. عادي، ده بس عشان غلبانة، ومالهاش حد، فأهوو نهون عليها اللي حصلها.
ردت ضاحكة في تسلية:
-أه وماله، وهي بنت حلال وتستاهل كل خير.
حاول ضبط انفعالاته ليبدو غير متأثر بتلميحاتها المراوغة؛ لكنها استمرت في إغاظته عندما سألته:
-صح ولا أنا غلطانة؟ مش هي كده؟
اكتسب صوته طابعًا جادًا، وكذلك ملامحه، وهو يخبرها:
-شوفي "سلطان" يا "هاجر"، عمال يعيط.
تابعت الضحك المتقطع، وأومأت برأسها قائلة:
-هاشوفه، متقلقش يا "تميم".
خرج من حجرتها مسرعًا في خطاه، وتلك الابتسامة المتلهفة تتراقص على شفتيه، التقطتها والدته، فسألته في فضولٍ:
-خير يا "تميم"، عرفت حاجة تبسطك؟
أجلى أحباله الصوتية، ونفى بتعابيرٍ شبه جادة:
-لأ يامه...
حاول اختلاق كذبة لحظية، فاستطرد مستخدمًا يده في الإشارة:
-ده الواد "سلطان" بيلاغيني.
ربتت "ونيسة" على كتف ابنها، وشاركته الابتسام داعية لكليهما:
-ربنا يخليك ليه يا ضنايا، ده إنت أبوه.
اكتفى بالابتسام وهو يهرب من نظراتها المتفرسة فيه، حتى لا تكشف كذبته الهزيلة، وتدرك أن وراء ابتسامته امرأة واحدة، أسماها طاووسه البريء!
....................................................
أزاحت الستارة قليلاً، لتسمح لضوء النهار الساطع بالتسلل إلى غرفتها عبر الزجاج، ثم استدارت لتتطلع إلى توأمتها المستلقية على الفراش في سكونٍ حز في قلبها بشدة. أخفت "همسة" ضيقها لرؤياها هكذا بابتسامة مبتهجة، جاهدت خلالها ألا تبدو مُخادعة، تقدمت نحو فراشها، وفتحت علبة حلوى الشيكولاته التي أحضرتها لها لتعطيها واحدة منها، هزت "فيروزة" رأسها رافضة أخذها، وأخفضت نظراتها لتحدق في الإبرة الطبية الموصولة إلى كفها، فمنذ سقوطها الأخير، وقد عزفت عن تناول الطعام، فقدت الشهية والرغبة في التمتع بملذات الحياة البسيطة؛ كانت تدعو الموت لزيارتها، تتعجل اقترابه ليريحها مما تقاسيه؛ لكن حالت بينها وبينه مشيئة المولى.
سحبت "همسة" المقعد إلى جوار فراشها بعد أن أعادت الحلوى لمكانها، ومدت ذراعها نحو جسدها المسترخي لتمسح عليه بحنوٍ، ثم عاتبتها بصوتٍ شبه مختنق:
-كده تخضينا عليكي يا "فيرو"؟ قلبي اتوجع أوي..
حاولت أن تواري ضيقها، فابتسمت مضيفة بمرحٍ مفتعل:
-ده أنا بقالي يومين معسكرة عند أمك مش عايزة أسيبها، عشان ماتجلكيش من غيري، ما هو احنا روحين في زكيبة واحدة.
اختفت رنة السرور من صوتها مع سؤالها التالي:
-قوليلي حاسة بإيه؟
نظرة شاردة، فارغة، غير مبالية، والأكيد أنها خالية من الحياة منحتها "فيروزة" لشقيقتها، قبل أن تبعد عينيها عنها، لتحدق كالعادة في الفراغ، ورغم ذلك استمرت "همسة" في الكلام مجبرة نفسها على الابتسام:
-مش عايزاكي تقلقي من حاجة، كلنا معاكي يا حبيبتي.
عادت لتضيف بحماسٍ لم يكن كافيًا لإقناعها:
-وبعدين لازم تشدي حيلك، وتوقفي تاني على رجلك، مش ده اللي يكسرك يا "فيرو".
لم تنظر في اتجاهها، وظلت جامدة بلا حراك؛ كأنها قطعة من الأثاث، ملقاة بإهمالٍ في أحد أركان الغرفة، لا مكسب من وجودها، ولا خسارة من فقدها. واصلت "همسة" الحديث معها، وسألتها بنفس النبرة المتحمسة:
-أومال مين هينقي معايا حاجات النونو؟
سرحت بنظراتها كأنما تتطلع إلى شيء وهمي غير موجودٍ إلا في خيالها، ثم تنهدت وهي تقول:
-نفسي أعرف نوعه إيه، بس الدكتور قال المفروض نستنى للشهر الخامس عشان نتأكد.
رمشت بعينيها وهي تركز بصرها على توأمتها عندما خاطبتها:
-و"هيثم" مش فارق معاه أجيب إيه، كل اللي قلقه إنه مايعرفش يكون أب كويس، بس أنا عارفة إنه هايكون حنين وطيب.
ربتت على ذراعها من جديد، ثم خفضت من يدها لتحتضن راحتها بين أناملها، واستحثتها برجاءٍ شديد، والعاطفة تنبعث من عينيها:
-يالا بقى يا خالتو، بلاش الرقدة دي، أنا مش متعودة منك على كده.
.........................................................
انتظر وصول المصعد إلى الطابق الكائن به حجرتها بأعصابٍ مشدودة، ظهر تأثير ترقبه على ملامحه، وإن جاهد لإظهار عدم اكتراثه، فضحته نظراته، واضطرابات أنفاسه. بمجرد فتح بابه المعدني، انزلق "تميم" خارجًا منه، ليسبق شقيقته بخطوةٍ حتى يرشدها إلى مكانها. توقف قبل بلوغه وجهته، واستدار نحوها ليوصيها وهو يبلع ريقه:
-طمنيني لما تطلعي يا "هاجر".
هزت رأسها قائلة:
-حاضر ياخويا...
ثم سألته في استغرابٍ:
-بس مش كنت تيجي معايا؟
تنحنح مبديًا أسباب تحرجه من فعل ذلك، رغم الشوق الحارق لصدره:
-لأ مايصحش، عشان تبقوا على راحتكم.
قالت ببسمةٍ ذات مغزى:
-حاضر يا عين أختك.
شيعها بنظراته وهي تواصل سيرها، حبس أنفاسه عندما طرقت على الباب قبل أن تفتحه، وتختفي بالداخل، لم يحالفه الحظ في رؤيتها، فأصاب وجهه العبوس، جلس بالخارج على المقعد المعدني، وفرك أصابع يديه معًا، استنشق الهواء بعمقٍ، ولفظه هامسًا:
-يا رب تكوني بخير.
توزعت نظراته القلقة بين الباب المغلق تارة، وبين الردهة الطويلة تارة أخرى. لفت أنظاره شخصًا بدا مألوفًا من بعيد، ضاقت عيناه نحوه حينما فطن إلى هويته، إنه الضابط "ماهر"، ذاك الذي يظهر كندٍ عتيد في كل فرصة تتهيأ له للتواجد معها، اكفهرت قسماته، وانعكس الانزعاج في مقلتيه، كز على أسنانه مغمغمًا:
-وده إيه اللي جابه هنا؟
نفخ بصوتٍ مسموعٍ، واستكمل بنبرته المتبرمة:
-الحكاية مش نقصاه.
نهض من مكانه مجبرًا ليتجه إليه، لم ينكر أن وجوده في محيطها لم يكن من اليسير عليه، خاصة مع معرفته الكاملة للفارق بينهما. لاحظ تواجد شابة معه، تقاربه في الملامح؛ لكنها أقصر منه في الطول، نطقت الأخيرة وهي تشير بيدها:
-الأوضة في نهاية الطُرقة دي يا "ماهر".
بلهجته الآمرة قال:
-طيب اسبقيني يا "علا"، وأنا هاحصلك بعد شوية، عاوز أتكلم مع الدكتور المتابع معاها، هو قال هيقابلني هنا.
ضغطت على شفتيها للحظةٍ، لتخبره بعدها بحاجبين معقودين:
-أوكي، متتأخرش يا "ماهر".
رد موجزًا:
-على طول.
كان "تميم" على وشك الوصول إليه لولا لمحه للطبيب الذي توقف للحديث معه، فأرجأ خطواته ليسترق السمع إليهما، بدا نقاشهما جادًا للغاية، أوحت تعابير وجه الطبيب بهذا، تقدم بحذرٍ منهما لتلتقط أذناه سؤال "ماهر" الجاد:
-يعني تقترح إيه يا دكتور؟
تكلم الطبيب قائلاً بأسلوبه العلمي:
-رأيي تتابع مع دكتور نفسي متخصص، وخصوصًا إن حضرتك بتقول إنها مش أول مرة، حصلت لما كانت مسافرة، يعني احتمال كبير تكون في انتكاسة تانية.
فرك طرف ذقنه معقبًا عليه:
-معاك حق، وأنا بصراحة كمان مسألتش، وأهملت في المتابعة معاها.
انقبض قلب "تميم" بقوةٍ وقد استمع إلى ما يدور بينهما، أحس بانسحابٍ مؤلم لروحه وهو يتخيل مدى معاناتها في غُربة لا تمنح لاجئها سوى الوحشة والقسوة، ومض عقله بأفكارٍ غير محمودة بشأنها، وزاد ذلك من حيرته الموجعة. بصيصٌ من التفاؤل تسرب إليه مع إضافة الطبيب المبشرة:
-كل شيء ممكن يتلحق، المهم ناخد خطوة جدية وإيجابية في العلاج.
سألها "ماهر" كنوعٍ من الاستعلام:
-في عندك ترشيحات لحد معين؟
أجابه بعد لحظات من الصمت؛ كأنما يعصر خلالها ذهنه عصرًا، ليصل إلى مراده في عجالةٍ:
-أيوه، معايا اسم زميلة متفوقة في مجالها، إديني دقيقة أجيبلك الكارت بتاعها.
علق "ماهر" في استحسانٍ:
-ماشي.
تعمد "تميم" الظهور أمامه بعد انصراف الطبيب مباشرة، تفاجأ "ماهر" بوجوده، وردد بلمحةٍ من التعالي:
-إنت؟
قرأ "تميم" في وجهه استخفافًا هازئًا به، وإن لم يصرح بهذا علنًا، حافظ على ثبات انفعالاته، ولوى ثغره مرحبًا به:
-أهلاً يا باشا.
بنفس الطريقة التهكمية الساخرة تساءل "ماهر"، وهو يسدد له نظرة دونية:
-مش شايف إنها غريبة كل شوية نتقابل؟
انتصب "تميم" في وقفته، واستعرض كتفيه العريضين بهيبةٍ عكست تهديدًا خفيًا، لم يكن الخوف ما يستبد به بقدر شعوره المتعاظم بالغيرة، لكون آخرًا يوليها الاهتمام، اخشوشنت نبرته وهو يرد عليه بازدراءٍ متبادل:
-يا باشا احنا مناسبين عيلة الأبلة، يعني بقت من عيلتنا، فلما حد يتعب من عندنا كلنا بنبقى واقفين معاه، مابنسبوش ...
قبل أن يلاحقه "ماهر" برده التالي، سبقه في القول:
-وبعدين الزيارات الكتير مش حلوة ليها.
اغتاظ من أسلوبه المستفز، وزجره في تزمتٍ:
-وإنت هتعرفي إيه اللي ينفعلها واللي ماينفعش؟
رفع "تميم" كفه أمام وجهه قائلاً ببرود:
-لأ يا باشا، بس كلنا سامعين الدكتور بيقول إيه وآ...
قاطع الطبيب ما كان بينهما من نقاشٍ محتدم عندما هتف وهو يمد يده بورقة صغيرة:
-اتفضل يا فندم، ده الكارت.
التقطه من إصبعيه، وقال مجاملاً:
-شكرًا، تعبتك.
ثم التفت إلى "تميم" ليخاطبه بأسلوبه العنجهي:
-هنبقى نتكلم تاني.
تحدث من زاوية فمه قائلاً ببسمة ساخطة:
-طبعًا.
أخمد نشوب الشجار كذلك ظهور "هاجر" في الردهة، تحرك شقيقها في اتجاهها، وأمرها بتعابيرٍ غائمة:
-يالا يا "هاجر".
اندهشت من تبدل أحواله، وسألته:
-مالك؟
كأنما صمَّ كل أذنيه عمن حوله، فلم يبقَ سوى وجه "ماهر" في عقله، ببرطمةٍ مبهمة ردد مع نفسه:
-ربنا يستر ومايبقاش صداع في دماغي.
تبعت "هاجر" خطوات شقيقها، والدهشة ما تزال ظاهرة عليها، انتظرت ركوبهما المصعد لتكرر عليه السؤال:
-هو حصل حاجة يا "تميم"؟
أجاب نافيًا:
-لأ ...
طرد كتلة غاضبة من الهواء من رئتيه محاولاً تصفية ذهنه عما يكدره، وسألها:
-قوليلي أخبارها إيه؟
ضغطت على شفتيها للحظةٍ، وأخبرته:
-هي فايقة، بس مابتكلمش...
نظر إليها بنظرة متسائلة، فتابعت موضحة:
-يدوب بتبص على كل واحد شوية، وترجع تتوه عننا، زي ما تكون مش حابة حد يبقى معاها.
غامت ملامحه أكثر وهو يزفر عاليًا، ناداته برقةٍ:
-"تميم"!
أدار رأسه قائلاً:
-أيوه.
سألته بنظراتٍ متفرسة في وجهه:
-قولي بصراحة وماتخبيش، هو إنت في بينك وبينها حاجة؟
قست ملامحه محتجًا بتشنجٍ:
-إنتي تعرفي عني كده يا "هاجر"؟ هو أنا بتاع الحاجات دي؟
ظلت نبرتها لينة لطيفة وهي توضح له مقصدها:
-لأ، وعشان أنا عارفاك كويس، أنا متأكدة إن اهتمامك الزايد بيها مش من فراغ.
خرج من المصعد وهو شبه متحفز، لم ينظر ناحيتها وهو يأمرها:
-تعالي أروحك عشان ما نتأخرش.
لحقت بخطاه مسترسلة بودٍ:
-براحتك .. مش هاضغط عليك في الكلام، بس خليك واثق إني أتمنالك الخير مع اللي تستاهلك، صحيح أنا حبيت "خلود" -الله يرحمها- زي أختي وزيادة، وزعلت أوي على طلاقكم، واللي حصل بينكم، واتقهرت على موتها، بس ده مايمنعش إني أفرح لفرحتك.
بينهما كانت أخوة عميقة، وتفاهمًا كبيرًا، لم تفسده الأيام الصعاب، ولا الخلافات العابرة، كانت قادرة على قراءته في معظم الأحيان، وكان مستعدًا للتضحية من أجلها إن احتاجت إليه دون تردد، ظل النسيج قويًا مترابطًا يزداد صلابة بمرور الوقت. حاول المناص من أسئلتها التحقيقية بتهربه:
-إنتي رغاية أوي يا "هاجر"، هو احنا في إيه ولا إيه؟ يالا عشان الطريق مايزحمش.
مرة أخرى أنار ثغرها بسمة عبثية ضاعفت من حدسها الأنثوي بشأن بزوغ بذرة عاطفة حقيقية في قلب شقيقها، وإن لم يصارحها بهذا بعد، كل الشواهد توحي بذلك. ارتكزت عينا "هاجر" عليه، وأكدت لنفسها:
-والله أنا شاكة فيك، وإحساسي مايكدبش أبدًا!
..............................................
لم يتخلص عقلها بعد من الشوائب التي تسحبها إلى دوامة الذكريات الموجعة، تلك المآسي التي تستهلك طاقتها، وتجعل روحها المنكسرة تتآكل أكثر فأكثر.
استسلمت لهزيمة أخرى، ولم تقاوم الخروج منها بإرادتها، يئست من المحاولة، وأثرت الانسحاب إلى ما قبل الموت؛ الاحتضار. زيارته غير المتوقعة لها كانت كالصدمة، تطلعت "فيروزة" إلى الجد "سلطان" الذي فاجأها بقدومه، نظرت إليه بغرابةٍ، وبوجهها الذابل، ألقى عليها التحية وهو يخطو بتمهلٍ نحوها:
-السلام عليكم.
لم ترد عليه، واكتفت بالنظر إليه، كانت والدتها في إثره، فاستطردت تخبرها بتقديرٍ كبير:
-الحاج الكبير بنفسه جاي عشانك، شوفتي بقى يا "فيروزة"؟
تساءل "سلطان" وهو يستلقي جالسًا على المقعد:
-إزيك يا بنتي؟ عاملة إيه النهاردة؟
ردت عليه "آمنة" في حزنٍ:
-أهي زي ما إنت شايف يا حاج، على الحال ده من يوم ما فاقت.
استدار برأسه لينظر إليها، وقال في رضا:
-يبقى نقول الحمدلله.
ردت بتنهيدة:
-الحمدلله.
استأذنها بهدوءٍ:
-ينفع تسبيني معاها شوية؟
قالت على الفور:
-يادي العيبة؟ من غير استئذان يا حاج، ده إنت تؤمر تُطاع.
رد يشكرها في ودٍ:
-الأمر لله وحده، كتر خيرك.
انسحبت بعدها مغادرة الغرفة، لتترك الاثنان معًا، والفضول يساورها لمعرفة عما سيتحدثان. أراح "سلطان" ظهره للخلف، ومنحها نظرة محبة قبل أن يستهل كلامه قائلاً كنوعٍ من التمهيد:
-تعرفي ...
انتبهت له، فتابع بإيماءة بسيطة متكررة من رأسه:
-قليل أوي لما أروح أزور حد، ما أنا مابروحش غير للغاليين وبس.
كان وجهها جامدًا، إلى حدٍ ما مشدودًا؛ لكن لا يظهر على قسماتها الذابلة شيء. أطلق "سلطان" زفرة بطيئة، وقال:
-أنا جاي أتكلم معاكي شوية النهاردة، بس مش عنك، عني.
عاد برأسه للخلف، وتابع بقليلٍ من المزاح المقبول:
-زمــان، وأنا صغير، ما هو أنا مكونتش بالشيبة دي دلوقتي، لأ كنت أعجب أتخنها حد.
لم يتوقع أن تتجاوب معه بالابتسام المجامل، وواصل قوله بنبرته الرخيمة:
-كنت راجل من وأنا عيل، دمي حامي، عصبي، ومتهور حبتين...
تعمد التوقف عن الكلام كل فترة ليضمن تركيزها معه، وأضاف بعدها وعيناه مسلطتان عليها:
-زي الواد "تميم" حفيدي، بس هو مايجيش واحد على عشرة من اللي كنت عليه.
ضاقت حدقتاها في غرابةٍ، ومع هذا بدا "سلطان" مرتخيًا في تعبيراته. حرك عكازه باهتزازة بسيطة عندما أخبرها:
-تقريبًا كنت معظم وقتي لوحدي، ماليش سند، ولا حد، أصلي أصغر إخواتي البنات، وأمي ماتت وأنا مكملتش 4 سنين، وأبويا شوية وحصلها، فإخواتي سابوني عند أعمامي يربوني، ماهو كان فيهم اللي اتجوزت، واللي سافرت حتة تانية،، واللي ملبوخة بكوم العيال اللي عندها، يعني زي ما بيقولوا كده اترميت في السوق ومعمعته بدري بدري، فعضمي اتشد، وبقيت عصب وناشف أوي، الكل بيعملي حساب من وأنا صغير، كلمتي مسموعة عند الكبير قبل الصغير.
بزهوٍ لا يمكن إنكاره شرد وهو يُحادثها؛ كأنما استحضر طيفها في عقله:
-كنت مفكر هافضل كده عايش لوحدي، ماليش لا عزوة ولا سند، بس ربك رضاني بالحاجة "أم بدير"، حاجة كده في عينيا زي البدر في تمامه، تتحط على الجرح يطيب، تنسي معاها أي هم وتعب ..
خفض من رأسه قليلاً، وتابع بشجنٍ طفيف لامسته في صوته:
-عافرت معايا عشان أحس بيها، مكانتش بتشتكي ولا تلوم، كانت راضية بأي حاجة مني، على طول تقولي وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان ..
لمحت من السخرية شابت نبرته حينما نطق:
-وأنا الصراحة كنت بتريق عليها، هي مفكراني شيخ جامع، ولا درويش؟ ده أنا راجل ابن سوق، حقي بأخده بدراعي.
تنهد مليًا قبل أن يكمل:
-طنشتها، ومدتهاش اهتمام نُهائي، دايمًا معاها عصبي، بخانق دبان وشي عمال على بطال، وهي صابرة، راضية بعيشتي معاها.
غصة نادمة عصفت بصوته وهو يقول:
-اعتبرتها في الأول مجرد واحدة تخلف وتجيبلي عيال، وبالمرة تشوف طلباتي آخر النهار، ومعترضتش، كانت على طول تحت رجلي ..
أطبق على جفنيه مقاومًا الذكرى، ونكس رأسه قليلاً، كما ظهر التأثر في صوته وهو يتابع:
-لحد ما رقدت في البيت في عاركة من بتوع السوق، كانت الرقدة طويلة، والحمل شديد أوي، يهد جبال، زي ما بيتقال مالهاش قومة ....
عاد التفاخر يسطع في صوته وهو يخبرها:
-ساعتها شوفت الضهر اللي اتسند عليه، الحُرمة اللي فكرتها عويلة ومكسورة الجناح، كانت بـ 100 راجل، ست يعتمد عليها، بيتعملها مليون حساب، دي مشت رجالة بشنبات بكلمة واحدة منها، وفت بكل الالتزامات اللي عليا، وحافظت على اسمي بين معلمين السوق، ومقصرتش في رعايتها ليا، وقتها عرفت أد إيه كنت ظالمها، كنت متجني عليها، مادتهاش حقها..
احتاج لهنيهة ليحافظ على ثبات نبرته التي تأثرت حينما استكمل حديثه:
-ويعلم ربنا من ساعتها مقصرتش معاها في حاجة، راعيت ربنا فيها، عرفت إني من غيرها ولا حاجة، حبيتها وفضلت محافظ على الحب ده حتى بعد ما المولى استرد أمانته، ومانكرش إني اتكسرت من بعدها، مافيش واحدة ملت عيني غيرها، كانت الله يرحمها النفس اللي بتنفسه، الحلو من بؤها شهد، والضحكة منها تهون عليا أي حاجة.
مسَّ حديثه المسترسل قلبها، أحست بكلماته المتجسدة في اعترافات صادقة بنفاذها إليها، فبرقت عيناها بلمعانٍ متأثر؛ وكأن ما بها من جمود قد لان بشكلٍ عجيب. بحركة خاطفة من سبابته، مسح "سلطان" عبرة متسللة إلى طرفه، ثم تنفس بعمقٍ، وخاطبها بصوتٍ ما زال هادئًا:
-اللي عايز أقولهولك يا بنتي، إن السند مش لازم يكون من دمك ولحمك، في ناس كتير حواليكي يتمنوا يبقوا سندك، ضهرك اللي يحميكي، من غير أي حاجة، وتلاقيهم وقت الشدة أول حد يدافع عنك..
تلقائيًا اقتحم انعكاسًا لوجه "تميم" فضاء عقلها، مصحوبًا بشهامته المتكررة في كل موقف تطلب منه هذا، تداخلت المواقف، وتزاحم به رأسها، فحاولت إجبار عقلها على تجاوزه، تبخر الطيف بالتدريج وصوت "سلطان" يُذكرها:
-مش كل الناس زي راس العجل اللي ما يستحقش يكون قريبك!
تعقدت ملامحها، وظهر الألم على وجهها؛ لكن الجد عاد ليشدد عليها بما يشبه النصيحة، مستعينًا بيده في الإشارة:
-إنتي بس محتاجة الأول تشيلي الغشاوة من على عينيكي، وتبصي حواليكي تشوف مين اللي يتمنالك الرضا، وكلمة حلوة منك تكفيه.
للغرابة تجدد الطيف بقوةٍ، كأنما ضغطت في عقلها على زر استدعاء صورته، كسا وجهها حمرة طفيفة، متحرجة من تفكيرها الغريب فيه، وخاصة في حضرة جده. استنكرت ما شطح فيه خيالها، وزادت من عبوس تعابيرها. نهض "سلطان" من مقعده، ووقف أمام فراشها ينصحها برفقٍ:
-يا بنتي إدي فرصة لنفسك تنسي فيها اللي فات، ومش عيب لما تبدأي من جديد لو وقعتي، ده إنتي لسه شباب، أومال اللي زيي يعملوا إيه؟!
همَّ بالذهاب وهو يقول:
-مش هتعبك أكتر من كده، أنا خلاص قولت اللي عندي.
كان على وشك الاستدارة عندما قال فجأة؛ كأنما لم يكن ليغفل عنه:
-أه، قبل ما أنسى، ده مفتاح الدكان بتاعك.
أخرجه من جيبه، وأسنده على الوسادة إلى جوارها، وكرر عليها بصرامةٍ:
-مش هيرجع، عايز أشوفك واقفة فيه.
أدخل "سلطان" يده في جيب جلبابه مجددًا، وبسط راحته بميدالية مصنوعة من الفضة، تم تشكيلها على هيئة طاووس معتد بنفسه، قربها منها قائلاً بسخرية لطيفة:
-ودي من الواد "تميم"، معرفش إيه حكايته مع الطاووس!
اتسعت ابتسامته نسبيًا وهو يتم جملته:
-بس موصيني أديهالك لما أشوفك.
فاجأته "فيروزة" عندما التقطتها من راحته، لترفعها إلى عينيها، وتنظر إليها عن قربٍ، وبإمعانٍ واضح. ظل وجهه محتفظًا ببشاشته عندما نطق دون تردد، وعن عمدٍ صريح:
-الواد ده عامل زيي، لما بيحب .. بيحب بجد، مايعرفش يحوَّر.
حادت "فيروزة" بنظراتها عن الميدالية لتحملق في وجهه باستغرابٍ محير، منحها ابتسامة مطمئنة، ليوصيها بعدها:
-خدي بالك من نفسك ...
ضم قبضتيه معًا فوق رأس عكازه، ونظر إليها بثباتٍ قبل أن يكرر من جديد على مسامعها بكلماتٍ موحية، كان واثقًا أنها ستدرك حتمًا مغزاها، فقط إن نفضت عن عقلها ما يعيق صفاء ذهنها:
-وزي ما قولتلك، السند هنا جمبك، ودايمًا قريب منك ................................... !!!
....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد
حاولت متأخرش عليكم، بس الفصل ليه تكملة مشهدين، لكن الوقت للأسف مش هيساعدني لارتباطي بحاجات تانية تخص شغلي ..
فلو ربنا يسر هاحاول أكتبهم بكرة وانشرهم، لو لأ يبقى هضيفهم على فصل الجمعة ..
أسيبكم مع الأحداث
الفصل مائة وعشرة
وازن بين أدائه لعمله، وبين شروده في التفكير فيما حدث من مقابلة جده معها، حاول الالتهاء بإشغال نفسه قدر المستطاع بأعمالٍ لا حصر لها، حتى لا يدع لعقله الفرصة في توقع الأسوأ؛ لكن دومًا فضوله يطغى على أي شيء آخر. بدا "تميم" مشتت التركيز معظم الوقت، رغم سعيه لإظهار العكس، فأوكل إلى أخلص رجاله مهمة مراجعة تعبئة إحدى الشاحنات، وأمسك بدفتر الفواتير محفزًا نفسه على قراءة الأرقام؛ لكنها تداخلت وبدت معقدة وغير مفهومة.
ترك ما في يده، وفرك جبينه بيده مرددًا مع نفسه:
-إنتي عاملة فيا إيه بس؟!
حالة التخبط المسيطرة عليه لم يمانعها؛ لكنه لم يحبذ لفت الأنظار إليه، تحركت عيناه نحو هاتفه المسنود إلى جواره، امتدت يده لتمسك به، كان مترددًا في مهاتفة والدته، وظل يرجئ الأمر بضعة مراتٍ حتى انتهى رصيد الصبر لديه، نهض من خلف المكتب الخشبي، والتقط الهاتف بيدٍ، ثم اتجه إلى زاوية هادئة نسبيًا من الدكان، واتصل بها، ترقب إجابتها عليه. سرعان ما توترت ملامحه حينما سمع صوتها، سألها بنبرة جاهد لتبدو ثابتة غير كاشفة لأمره:
-إيه الأخبار عندك يامه؟
جاوبته بصوتها العادي:
-أه يا ضنايا، كله تمام عندنا.
سألها على مهلٍ، وكامل نظراته مرتكزة على نقطة وهمية بالأرضية:
-وجدي رجع من مشواره؟
جاءه ردها طبيعيًا:
-أيوه من شوية، "هيثم" طلعه، وأنا عملتله القهوة بتاعته.
حمحم متسائلاً بترددٍ لطيف؛ كأنما يبحث في كلامها عما يشبع حيرته:
-وهو كويس؟ قالك حاجة يعني؟
أخبرته بتريث:
-قالنا إنه اطمن على "فيروزة"، وبقت أحسن شوية، وبعدين دخل على أوضته ...
ذكرها لاسمها طرب أذنيه، وأشعره بسعادة خفية تغمره، للحظة صمتت "ونيسة" قبل أن تبادر بسؤاله:
-إنت عايزه في حاجة؟
أمسك التخبط بصوته على الفور، وقال نافيًا مستشعرًا بفضولها ناحيته:
-لأ .. ده أنا .. كنت بأطمن عليه.
تنحنح بخشونة طفيفة، وسألها كنوعٍ من المراوغة لتغيير اتجاه الحديث، وإبعاد الريبة عنه:
-إنتو مش ناقصكم حاجة يامه؟
جاوبته بنبرة لامس فيها الرضا:
-خير ربنا موجود وزيادة، تعيش يا ضنايا.
أنهى معها المكالمة قائلاً بتعجلٍ:
-ماشي يامه، سلام.
زفر الهواء سريعًا، ولام نفسه لحماقته في إظهار مبالاته بخروج جده غير الاعتيادي، تمنى في قرارة نفسه ألا تستريب والدته من الأمر، خاصة لعلمها أن لذهابه علاقة بزيارة طاووسه المتعافي. التفت متجهًا نحو باب الدكان، فوجد والده يخاطب أحدهم، كان على وشك الاستدارة والعودة إلى مقعده ليستأنف مراجعة الفواتير؛ لكنه نــاداه بلهجةٍ جادة:
-يا "تميم"، تعالى عايزك شوية لو خلصت اللي في إيدك.
أبدى اهتمامه متسائلاً:
-خير يا حاج؟
أجابه "بدير" مستخدمًا يده في الإشارة:
-هنتكلم برا في الطل.
هز رأسه موافقًا، وتبعه إلى الخارج ليجلس إلى جواره على الكرسي الخشبي، رفع أنظاره إليه متسائلاً في فضول:
-كنت عايزني في إيه يابا؟
استند والده بكفيه على رأس عكازه، وأجابه:
-في عريس جاي لأختك ...
تحفز "تميم" في جلسته، وانعكست على تعابيره أمارات الدهشة، فتابع موضحًا له:
-هو فاتحني، وأنا عرفت جدك، بس قولت أخد رأيك الأول، قبل ما نكلم "هاجر" ونعرفها، لأنه ...
بتر عن عمدٍ باقي جملته ليضمن حوزته على كامل انتباهه، فواصل القول على مهل:
-كان السبب في حبسك.
برقت عينا "تميم"، وتساءل بقسماته المندهشة:
-إنت بتكلم عن مين يابا؟
أجابه بحذرٍ:
-قصدي على "سراج"!
صمت مدهوشًا للحظات محاولاً استيعاب المفاجأة، فأكمل والده مفسرًا:
-قبل ما نديله أي كلمة لازم الكل يكون موافق عليه، ورأيك عندي يهمني زي أختك.
توقع أن يرفض رفضًا قطعيًا جراء الماضي المشؤوم بينهما، ولن يلومه على ذلك؛ لكنه فاجأه بمدحه:
-هو.. ابن حلال، وجدع، معدنه الحقيقي بان وقت الشدة ...
هل حقًا يتحدث عن "سراج"؟ من زج به في السجن وقضى على زهرة شبابه هناك؟ حملق فيه والده مصدومًا لبرهةٍ، غير مصدق ما يسمعه بأذنيه، أضاف ابنه مسترسلاً، وهو يستحضر في ذهنه دعمه الكامل له في أكثر من موقف تطلب مروءة كبيرة، ناهيك عن موقفه الأخير إبان عمليته الطبية الحرجة:
-والصراحة أنا مشوفتش منه من يوم ما الدكان ولع بيا غير كل خير، وفي الأول وفي الآخر الرأي رأي "هاجر"، هي اللي هتتجوز، مش أنا.
لم يفق "بدير" بعد من صدمته المندهشة، وقال وهو يعيد رأسه للخلف:
-والله يا ابني أنا ما عارف أقولك إيه، الصراحة إنت فاجئتني.
صاغ "تميم" سؤاله بشكلٍ بسيط:
-عشان اللي حصل زمان؟ وعمري اللي ضاع في السجن؟
أتاه جوابه مقتضبًا وواضحًا:
-أيوه.
تنفس بعمقٍ، وقال:
-ده مقدر ومكتوب، وقتها أنا كنت أعمى، مش شايف الحقيقة مظبوط ...
ما لبث أن غلف صوته القسوة وهو يتم جملته:
-وكلنا عرفناها بعدين، إن الكلب "محرز" كان السبب الأصلي في المشكلة دي.
رد مؤمنًا على كلامه:
-معاك حق.
ابتسم قليلاً وهو يردد:
-وأهي أيام عدت بحلوها ومُرها، خلينا في النهاردة.
لانت ملامح "بدير" المشدودة، وعلق في تفاخرٍ:
-ربنا يكملك بعقلك يا ابني.
امتدت يد "تميم" لتربت على فخذ أبيه وهو يعقب:
-تسلم يا حاج، ده إنت الخير والبركة بتاعتنا، كلنا بنتعلم منك ومن جدي.
لمعت عينا "بدير"، وسأله بمكرٍ:
-بمناسبة جدك، قالك في جديد؟
ادعى ابنه عدم اهتمامه، وقال بنبرة غير مبالية:
-جديد إيه؟
لكزه في ذراعه معاتبًا إياه بمرحٍ:
-يا واد عليا برضوه، إيش حال ما أقفاص التفاح رايحة جاية؟
ضحك في سرور، ونهض من مكانه قائلاً:
-ربنا يكملها على خير يابا، وتبقى أقفاص مانجة، وفراولة وكل خيرات ربنا، ادعيلي بس.
قال وهو ينهض بدوره:
-أنا بأدعي، ومستني استجابة المولى.
رفع كفيه للسماء مرددًا في رغبةٍ:
-يا رب نسمع البشارة قريب
........................................................
مال برأسه للجانب ليمنع سقوط الهاتف من على أذنه، وهو يحاول بيدٍ دس المفتاح في قفل باب منزل أبويه، وباليد الأخرى كان حاملاً لحقيبة متوسطة الحجم. دفع "هيثم" الكتلة الخشبية بقبضته، واعتدل برأسه ليمسك بالهاتف، ثم استطرد مخاطبًا زوجته وهو يخطو للداخل:
-أنا وصلت عند البيت أهوو، هاجيب كام حاجة لأمي زي ما قولتلك، وأوديهم عندها، وأقعد معاها شوية، وقبل ما هروح هافوت عليكي.
توقف عن السير ليستدير مغلقًا الباب من ورائه، ثم تحسس الحائط باحثًا عن زر الإنارة وهو يتابع:
-حاضر، مش هتأخر...
فرك طرف أنفه محاولاً الاعتياد على رائحة الهواء العطنة السائدة في المكان، طرد زفيرًا ثقيلاً من رئتيه، وسألها:
-إنتو أعدين لسه في المستشفى؟ ولا هترجعي عند أمك؟
استمع إلى ردها، وعلق مختتمًا معها المكالمة:
-طيب خلاص، على تليفون.
ضغط على زر إنهاء الاتصـال، ودار بنظراته على بهو منزله الذي شهد جريمة بشعة، لا يمكن محو تبعاتها من الذاكرة مُطلقًا، كان معظم الأثاث مُغطى بالملاءات البيضاء، كما جُمعت التحف في مكان واحد، وطُرح عليها قطعة قماشية لمنع الأتربة من المساس بها، ورغم هذا ما زال السجاد محتفظًا ببقع الدماء الجافة رغم تنظيف كل شيء، آلمه شعوره بفقد شقيقته غدرًا، وأحس بوخزات تضرب في صدره حسرة عليها، تنهد مطولاً، ودعا لها بخفوتٍ:
-ربنا يرحمك يا "خلود".
تجاوز ما يزدحم به رأسه من أفكارٍ سوداوية حزينة، ليكمل ما جاء إليه، فقد أوصــاه الطبيب المعالج لوالدته بإحضار بعض الأشياء والمقتنيات التي كانت تحبذ الاحتفاظ بها، لم يفهم السبب وراء هذا؛ لكنها على الأرجح إحدى وسائله في خطة علاجها طويلة الأمد. ولج إلى داخل غرفة نومها، وجاب بنظرة شمولية على ما فيها، كل شيءٍ كان على حاله؛ وكأنه تُرك بالأمس القريب. تقدم في خطواته، واتجه نحو الفراش ليضع الحقيبة الجلدية عليه، ثم استدار ناحية الدولاب الخشبي ليفتح ضلفته، مرر نظراته سريعًا على محتوياته، وبدأ في انتقاء ما وجده مناسبًا، طرأ في باله اقتراح ما، فنطق به؛ كأنما يفكر بصوتٍ مسموع:
-أما أشوف ألبوم الصور، جايز ينفع.
اتجه ناحية الكومود، وجلس على طرف الفراش، ليفتش في أدراجه عن الصور العائلية القديمة، وجد ضالته بالدرج السفلي، فابتسم في رضا، وألقى نظرة سريعة على ما تضمنته صفحاته من لقطات حملت براءة، وسعادة بسيطة. أغلق الألبوم وهمَّ بالنهوض؛ لكن أثناء قيامه ضغط ثقل قدمه على البلاطة المنزوعة فتسبب في فلقها، تفاجأ من تصدعها أسفل السجادة، وانحنى ليزيحها عنها حتى يرى مدى الضرر الذي تسبب فيه؛ وكانت المفاجأة الصادمة له!
أبعد شقي الحجارة، وحدق بعينين متسعتين ذهولاً في كومة النقود المرصوصة بعنايةٍ والمدفونة بالأسفل، مد يده ليخرج رزمة منهم ليتأملها في صدمة، ولسان حاله يتساءل:
-إيه ده؟
أصيب تفكيره بشللٍ مؤقت، وظل يتطلع إلى ما في يده بنفس النظرات الذاهلة محاولاً استيعاب ما يراه. تلقائيًا امتدت يد "هيثم" لتخرج البقية في عدم تصديق، وصوت عقله يسأله:
-إيه كل ده؟ ودول جوم منين؟
تقافز إلى ذاكرته مشاهدًا سابقة عن ادعاء والدته للفقر، وعن استيلاء زوج خالته عن حقوق أبيه المتوفي، لتعاني من ويلات العوز والاحتياج؛ لكن ما يجده الآن نصب عينيه يناقض كل ذلك الكذب الملفق! تخبط تفكيره أكثر، وأصابته الحيرة، شعر بأنفاسه تضطرب، مع رؤية للمقتنيات الذهبية المحشورة أسفل النقود، بحسبة عقلية بسيطة، يُعد ما وجده كنزًا ثمينًا يُغني عائلته عن مد اليد للآخرين، وتسول مساعدتهم. ارتخى ما التقطته أصابعه متسائلاً:
-طب إزاي؟
انهار كل ما ظن أنه الصواب، عندما تدارك أنه ضحية خدعة محكمة، أجادت والدته إتقانها على مدار سنواتٍ طويلة. كان "هيثم" بحاجة ماسة لفهم ما يدور حوله، ووحدها كانت تملك مفتاح حل اللغز.
.....................................................
-دوقي كده يامه، ملحه مظبوط؟
قالت "هاجر" تلك العبارة وهي تتذوق بطرف لسانها الحساء الذي طهته، لتتنحى للجانب قليلاً حتى تتمكن والدتها من تجربة مذاقه، وهو ما زال موضوعًا على الموقد، استحسنت والدتها صنيع يديها، ومدحتها في ابتهاج:
-زي الفل، طالعة لأمك يا حبيبتي.
شعرت بالرضا عن حالها، واتجهت إلى الحوض لتغسل الصحون المتسخة، بينما أخبرتها "ونيسة" بلهجة جادة:
-أول ما أعلق على المحشي ويستوي، هاكلم "هيثم" يجي يودي الأكل عند حماته، اهي حاجة ترم عضمهم، وتقوتهم.
نظرت ابنتها ناحيتها، وقالت باهتمامٍ وهي تدعك بقوةٍ الوعاء المليء ببقايا السمن:
-كتر خيرك يامه، شاغلة بالك بيهم.
علقت أيضًا بنفس اللهجة الجادة:
-دي الأصول يا بنتي، الناس لبعضيها.
نفضت "هاجر" الماء عن يديها، وبحثت عن منشفة قطنية لتجففهما بها، واستطردت متسائلة بنزقٍ:
-صحيح يامه، مانفسكيش تفرحي بـ "تميم"؟
قطبت والدتها جبينها، وقالت بعد تنهيدة:
-ده يوم المنى والله، نفسي ربنا يعوضه خير، ده ملحقش يتهنى يا حبة عيني.
نظرت في عينيها متابعة سؤالها:
-طب لو كان في حد معين في دماغه، رأيك إيه؟
تطلعت إليها بنظراتٍ متشككة، وسألتها في فضولٍ مهتم:
-هو فاتحك في حاجة زي كده؟
أجابت نافية:
-لأ، بس أنا بافترض ده.
....................................................
في تلك الأثناء، عاد "تميم" لتوه إلى المنزل، كان على وشك مناداة والدته، لولا سماعه للمحادثة الدائرة بينها وبين شقيقته، استرعى الأمر انتباهه، فسار بخطواتٍ حثيثة، غير محدثٍ لجلبة حتى لا يتوقفا عن الثرثرة بأريحية، خاصة حينما علم أنه المقصود بكلامهما. أرهف السمع لوالدته وهي تقول برجاءٍ:
-يا ستي يأشر بس، وأنا أروح أخطبهاله، المهم يكون عايز كده...
ظهرت نبرتها حزينة نوعًا ما وهي تكمل:
-مش عايزة أفرض عليه واحدة بعينها، ويرجع يحصل زي ما كان حاصل مع "خلود" في أيامهم الأخيرة سوا.
اتفقت "هاجر" معها فيما قالته، ورددت:
-على رأيك .. الواحد مبقاش مستحمل النكد.
سكتت كلتاهما عن الكلام، فتابع "تميم" تقدمه؛ لكنه تجمد في مكانه، غير قادر عن الحركة، مستشعرًا بدفعة من التوتر تجتاح كامل جسده مع سؤال شقيقته المباغت:
-طب إيه رأيك في "فيروزة"؟
أجابت "ونيسة" عليها بصيغة متسائلة؛ وكأنها تريد فهم مقصدها:
-من ناحية إيه؟
أوضحت لها بتلقائية:
-يعني في العموم.
ترقب بقلقٍ شديد ردة فعل والدته، شعر وكأنه في خضم معرفة نتيجة امتحانه الفاصل، حيث لا مناص من النجاح أو الرسوب، توقف عن التنفس لهنيهة، بالرغم من تلاحق دقاته باضطرابٍ ملحوظ. شعوره في تلك اللحظة لا يمكن وصفه عندما أعطت جوابها بشكلٍ فطري:
-هي بنت حلال، وكويسة، بس الدنيا جت عليها جامد.
لاحقتها "هاجر" بسؤالها التالي:
-تفتكري تنفع أخويا؟
زاد توتره، وعاد القلق ليسود كل كيانه، ودَّ لو استطاع إيقاف شقيقته عن إحراجه بتلك الطريقة الغريبة، فهو لم يعتد على تولي غيره زمام أمره، أرهف السمع لوالدته وهي تتساءل:
-هو لمحلك بحاجة زي كده؟
كان ردها نافيًا:
-لأ خالص، ده أنا بأقولك كده من نفسي.
علقت عليها في الحال بحزمٍ:
-يبقى مالوش لازمة نعمل حوار من حاجة مش موجودة، خلي كل واحد شايل شيلته، وهو لو عايزها أكيد هايقول، أخوكي لا بتاع لف ولا دوران، سيبي كل حاجة لوقتها.
دعت له عن طيب خاطرٍ:
-ربنا يعمل اللي فيه الخير ليه ولينا.
أمنت عليها والدتها بهدوءٍ:
-يا رب.
ما سمعه مصادفة كان بالنسبة إليه كالماء البارد حينما يروي جسدًا لفحته الحرارة الحارقة، شعر "تميم" بطوفان من السعادة والبهجة يغمره، وتلك البشارة تلوح في الأفق. انسحب في هدوءٍ غير راغب في معرفة المزيد، يكفيه أن يجد الدعم من أفراد أسرته، ليتشجع أكثر في مواصلة كفاحه، في حبٍ لن يعرف معه المستحيل.
....................................................
طرقة خافتة أتبعها سماحه له بالدخول، فولج بتعابيره المسرورة إلى حجرته، طامعًا في إنعاش قلبه بأخبارها المشوقة. ابتسم "تميم" لجده، واستطرد معه بالأسئلة التقليدية المستهلكة كتمهيد لشغفٍ يريد إشباعه، جلس عند قدميه، ورفع رأسه إليه يسأله بعينين تلمعان بوهج الحب النضر، ذاك الذي لا يستطيع إخفائه عنه:
-اطمنت عليها يا جدي؟
رد "سلطان" بإيماءة من رأسه:
-أيوه.
تبعه بوابل من الأسئلة المتلهفة:
-بقت أحسن؟ اتكلمت معاك؟ طب قالتلك حاجة معينة؟ كانت عاملة إزاي؟
هز رأسه للجانبين متعجبًا من حال حفيده، ومع هذا لم يمانع رؤيته يعايش ما يشفي النفس من أوجاعها. أطلق زفرة بطيئة، وأخبره بهدوءٍ:
-هي سمعت اللي أنا عايز أقوله.
إلى حدٍ ما بدا هذا مرضيًا، فسأله بوميضٍ متحمس معكوس في نظراته نحوه:
-والميدالية؟ خدتها؟
رد بهزة خفيفة من رأسه:
-أيوه.
فرك "تميم" كفيه معًا في انتشاءٍ، وبرزت ابتسامة عريضة على محياه، ثم هتف في بهجةٍ كبيرة:
-كويس أوي ...
شرد محاولاً تخيل وجهها وهي ترى هديته المنتقاة بعناية لها، فتضاعف التوق بداخله، نظر مجددًا إلى جده، وسأله:
-وبعدين، قالتلك حاجة؟
جاوبه نافيًا:
-لأ..
حل العبوس على قسماته، وبدأت ابتسامته تفتر، فأضاف الجد مؤكدًا:
-بس عايزك تعرف إن الضربة اللي مابتموتش بتقوي، وهي هتاخد وقتها وترجع زي الأول وأحسن.
نطق في رجاءٍ يشوبه اللهفة:
-يا ريت.
ضحك "سلطان" معلقًا عليه:
-اصبر يا واد، ماتبقاش متلهوج كده.
بادله الضحك المرح، ثم قال مازحًا، وبين شفتيه ابتسامة متشوقة، يرجو بشدةٍ أن تراها على وجهه حينما تكون إلى جواره، لتدرك كم أحبها ويحبها حقًا:
-ده أنا عايز صبر على الصبر اللي عندي، هون يا رب ................................................. !!!
..........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد، باعتذر عن التأخير .. كان عندنا زيارة عائلية مفاجئة، وده أدى إن كان في احتمال تأجيل للفصل، لكن حاولت والله أكتب جزء منه .. والباقي بكرة بأمر الله
باعتذر عن تقصيري غير المقصود
وشكرًا لتفهم حضراتكم
الفصل مائة وأحد عشر
الوفاء، الاعتزاز، الحنين، الاشتياق، والإخلاص العميق كلها سماتٍ استشعرتها بصدقٍ خلال حديثه المسترسل عن حياته السابقة، لم تكن "فيروزة" مهتمة في البداية بما يخبرها به الجد "سلطان"؛ لكن لمحة التأثر الظاهرة في صوته، وأيضًا في عينيه، نفذت إلى قلبها، وجعلتها تشعر بما يكنه في صدره من مشاعر غير مزيفة. نصائحه المتوارية، وتلميحاته المبطنة، كانت كإشاراتٍ خفية لإرشادها نحو الطريق الذي انحرفت عنه بفعل الضغوطات النفسية المتعاقبة عليها، ناهيك عن التذكار الذي تلقته من حفيده على وجه الخصوص، بدا مفاجأة غريبة ودافعة للفضول في نفس الآن. حملقت فيه بين الفنية والأخرى لوقت طويل، تستعيد مع تلك النقشة مواقف عايشتها جمعت بين الحزن والفرح؛ لكنها رمزت إلى قوتها، إلى تمردها، إلى صمودها، إلى معافرتها حتى تقف على قدميها.
أطبقت "فيروزة" بأناملها على الميدالية، كأنما تحاول استمداد قوتها منها، سرعان ما ارتخت قبضتها عنها، وشعرت بالوهن ينخر في روحها، فأغمضت عينيها تاركة فيضًا من الدموع ينساب من طرفيها؛ كانت مستنزفة القوى، زاهدة في مقاومتها، أرادت استعادة ما كانت عليه؛ لكن أين السبيل لهذا الطريق وهي تشعر بالوحدة والوَحشة؟!
.....................................................
انقضى على تلك الزيارة يومان، ومع هذا ظلت آثارها حاضرة، دومًا تصدح كلمات الجد في رأسها خلال استغراقها في التفكير، لتذكرها أنها ليست الضعيفة المستكينة لتستسلم هكذا، وفي نومها فتشت بداخل أعماقها المظلمة عن ذرة صمودها؛ لكنها ضلت عن دربها، وكادت تيأس من بلوغها، لولا أن رأته حاضرًا لأجلها، خفقة لذيذة أنعشت فؤادها، وأيقظت ما كان في الوجدان كامنًا، استيقظت "فيروزة" من نومها في حالة غير الليالي السابقة، بدت هادئة، منتبهة لما يدور من حولها، أحست أن شعورها بالخذلان قد خبا قليلاً عن السابق؛ وإن ظل ملازمًا لها.
تحولت أنظارها نحو باب الغرفة حينما أطلت "علا" منه أولاً، وهتافها المرح يقول:
-"فيرو" حبيبتي، وحشتيني أوي...
تقدمت نحو فراشها، ولمحت بطرف عينها شقيقها يتبعها، مالت عليها الأولى لتحتضنها وهي تواصل سؤالها باهتمامٍ:
-عاملة إيه النهاردة؟
شملتها بنظرتها، وأضافت:
-حساكي أحسن، مظبوط؟
لم تتوقع أن تجيبها، فقد لجأت للصمت الإجباري كوسيلة للهروب عن المواجهة، التفتت "علا" ناظرة إلى شقيقها تسأله؛ وكأنها تدعوه لمشاركتها في تفقدها بطريقة لطيفة:
-إيه رأيك يا "ماهر"؟
ألقى عليها نظرة فاحصة قبل أن يومئ برأسه مؤكدًا:
-هي فعلاً شكلها أفضل، ولسه برضوه لما نطمن من الدكتور.
جلست "علا" على طرف الفراش، وامتدت كلتا يديها لتحتضن كفها، وأخبرتها بغموضٍ مثير:
-أنا عايزاكي تشدي حيلك، وتخرجي من هنا بسرعة ...
توقفت للحظة لتضمن سماعها للبقية، ثم غمزت لها قبل أن تكمل:
-في مناسبة حلوة في الطريق.
تنهدت ببطءٍ، وتابعت بابتسامةٍ مزجت بين الخجل والحماس:
-خطوبتي قريب ..
رمشت بعينيها مضيفة:
-وطبعًا محدش هيساعدني ولا يظبط الديكور غيرك يا "فيرو"، ما إنتي أكتر حد فاهم ذوقي عامل إزاي.
علق "ماهر" من خلفها بابتسامةٍ هازئة، وهو يدس يديه في جيبي بنطاله:
-الله يكون في عون "وجدي"، أنا عارف عجبه فيكي إيه؟!
اغتاظت من طريقته المستفزة، وهتفت تشكوها في عبوسٍ زائف:
-شايفة يا "فيرو"؟ ده بدل ما ياخد صفي؟
رد بنفس أسلوبه المازح:
-يا بنتي ده كفاية إني مستحملك، ليه نبلي غيرنا بيكي.
استاءت منه، وأوشكت على التشاجر معه بقولها:
-بلاش كده يا "ماهر"، إنت هتعصبني.
توقفا عن الثرثرة مع دخول إحدى الشابات الأنيقات للغرفة، لم يكن وجهها مألوفًا في البداية لثلاثتهم، بدأت بالترحيب بهم، كاستهلالٍ منمق للتعريف بنفسها:
-مساء النور على حضراتكم.
ركز "ماهر" أنظاره المحققة عليها، وبادلتها "علا" التحية بقولها:
-مساء الخير.
تابعت تقديم نفسها بابتسامة مهذبة:
-أنا الدكتورة "ريم هلالي"، جاية للمدام بناءً على تعليمات الدكتور المسئول عن علاجها.
ظلت عينا "ماهر" عليها تتفرس بها، بدا وكأنه يعرفها من مكانٍ ما؛ لكن عقله لم يسعفه بعد لتذكرها. حمحم بصوتٍ خفيض، وسألها بلهجةٍ كانت شبه رسمية:
-حضرتك الدكتورة النفسية؟
نظرت في اتجاهه، وأجابته باقتضابٍ، دون أن تفتر بسمتها:
-أيوه.
قال بقليلٍ من الترفع:
-تشرفنا.
ردت مجاملة:
-شكرًا.
أوصاها وهو يخرج إحدى يديه من جيبه ليشير بها:
-شوفي يا دكتورة أنا مش هوصيكي على "فيروزة"، دي في مقام أختي، وآ...
قاطعته بثقةٍ ظاهرة على تعبيراتها الهادئة:
-مش محتاجة وصاية، أنا بحب أقوم بشغلي على أكمل وجه.
هتفت "علا" تشجعها:
-يا ريت بجد يبقى في نتيجة مع "فيرو"، أنا مش حابة أشوفها أعدة كده.
طمأنتها "ريم" ببسمتها الرقيقة:
-متقلقيش، بإذن الله هايكون في نتيجة طيبة.
تحركت رأسها في اتجاه "ماهر" لتنظر إليه بحاجبين معقودين عندما سألها:
-حاسس إني شوفتك قبل كده، هو والدك كان شغال في الداخلية؟
رغم تطفله الفضولي الغريب –وغير المستلذ عليها- إلا أنها أجابته بأسلوبها الرزين المهذب:
-أيوه، كان لواء، بس تقاعد بقاله فترة.
صمت لهنيهة معتصرًا ذاكرته قبل أن ينطق أخيرًا في صيغة متسائلة:
-اللواء "فاروق الهلالي"، صح كده؟
تفاجأت من صحة تخمينه، وأكدت هذا بترديدها:
-أيوه، حضرتك تعرفه؟
ارتخت تعابيره، واعتلت ملامحه ابتسامة زهو وهو يرد:
-أه، أنا خدمت معاه زمان، فكريه بيا "ماهر حجازي".
هزت رأسها قائلة:
-حاضر.
تبدلت نبرته المليئة بالعنجهية لأخرى ودية إلى حدٍ ما في سؤاله التالي:
-إزي صحته؟ وأخبار سيادته إيه؟
جاوبته ببسمةٍ ناعمة:
-الحمدلله.
ضحك وهو يكرر عليها:
-طالما طلعنا معرفة كده، يبقى مش هوصيكي على "فيروزة".
لم تفتر ابتسامتها وهي تعقب عليه بقليلٍ من العتاب:
-تاني؟ حضرتك اطمن، إلا إن كنت مش واثق فيا.
ارتسمت قسماته بالجدية وهو يقول:
-لأ إزاي.
راقبت "علا" ما يدور بينهما من حوارٍ تحول من تعارفٍ عابر إلى وسيلة لتعميق الصلات في طرفة عينٍ، مالت نحو "فيروزة" تهمس لها ساخرة منه:
-شايفة بيعمل إيه؟ فاكر إنه بيثبت البنات بطريقته دي.
اعتدلت في وقفتها، وانتبهت لـ "ريم" التي قالت:
-هستأذنكم تسبوني معاها شوية.
ردت عليها وقد انبعجت شفتاها عن بسمة مفتعلة:
-أوكي.
في حين استطرد "ماهر" قائلاً وهو يمد يده لمصافحتها:
-فرصة سعيدة، وإن شاءالله نتقابل تاني، سلامي لسيادة اللواء.
بادلته المصافحة، وقالت:
-حاضر.
وضع "ماهر" يده على كتف شقيقته يستحثها على الخروج وهو يقول:
-تعالي يا "علا"، خلي الدكتورة تاخد راحتها.
لكن كانت أنظاره مرتكزة على "ريم" التي تحاشتها لتتطلع إلى مريضتها المستلقية على الفراش. ودعت "علا" رفيقتها هاتفة:
-باي يا "فيرو"، هاجيلك تاني.
انتظرت مغادرتهما للمكان، لتغلق الباب خلفهما، ثم قامت بحمل أقرب مقعدٍ، ووضعته مجاورًا لفراش "فيروزة"، جلست عليه في مواجهتها، وبدأت في خلق جو من الحوار الودي معها بقولها اللطيف:
-مساء الخير، اسمحيلي أفرض نفسي عليكي شوية.
أخرجت مفكرة صغيرة من حقيبتها الجلدية، وسحبت قلمًا من جيبٍ داخليٍ بنفس الحقيبة، لتبدأ بعدها في تقليب الصفحات، وتدوين ملحوظاتٍ سريعة. تطلعت إلى مريضتها بنظراتٍ حانية وهي تخبرها بصورة ودية:
-أكيد إنتي عرفتي اسمي، الدكتورة "ريم"، وأنا موجودة هنا عشان أساعدك.
نظرات "فيروزة" نحوها كانت ضيقة، حذرة، أظهرت جانبًا دفاعيًا فيها، ومع هذا قابلت "ريم" أسلوبها المتحفظ بلينٍ معكوسٍ في نبرتها عندما خاطبتها:
-أنا عارفة إنك مريتي بحاجات كتير، واللي خلاكي توصلي للحالة دي مش موقف ولا اتنين، دي تراكمات على فترات طويلة.
كانت كمن يضع يده على الجرح المفتوح، فجعلتها تتحفز تتلقائيًا وتتخذ موقفًا غير متساهلٍ معها؛ لكن "ريم" استمرت في طمأنتها:
-ودوري هنا إني أساعدك تتجاوزي المحنة دي، وترجعي أفضل من دلوقتي بكتير، وقادرة على مواجهة أي مشكلة بعزيمة.
حافظت "ريم" على نعومة ابتسامتها وهي تكمل:
-أتمنى إن يكون في بينا استجابة كويسة، وحابة أقولك إني مش مستعجلة على النتيجة، أنا أفضل إننا ناخد وقتنا، لحد ما تتخطي أزمتك بنفسك، وتكوني أقوى من الأول.
لانت تعابير "فيروزة" المشدودة نسبيًا مع عبارتها الأخيرة، فتابعت توصيها مجددًا:
-تعاونك معايا هيفرق كتير.
أغلقت المفكرة، وأعادتها إلى مكانها بداخل الحقيبة، ثم قالت في نفس الأسلوب الودي الهادئ:
-النهاردة مجرد تعارف بسيط بينا، وإن شاءالله هنظبط مواعدينا سوا.
بقليلٍ من المجازفة مدت "ريم" يدها، وربتت على كفها عدة مراتٍ في حنوٍ، وأخبرتها وهي تتطلع إليها بنظراتٍ متفهمة:
-وأتمنى إني حقيقي أقدر أفيدك، زي ما كنت سبب في مساعدة ناس كتير.
..................................................
نزعت بجشعها اللا محدود كل ما كان ثابتًا في حياته، ألجمت الصدمة لسانه، وأصابت تفكيره بالعطب، بل وجعلته يتجمد في مكانه لمدة طويلة، محاولاً استيعاب الحقائق المريرة التي اكتشفها بمحض الصدفة، أعاد "هيثم" كل شيء إلى مكانه فيما عدا بضعة رزم من النقود، قطع متنوعة من الذهب، والأوراق التي أظهرت كذب والدته، وادعائها بالباطل على زوج خالته، فوالده الراحل لم يكن مالكًا لمحله المحترق، وإنما مستأجرًا لم يسدد دينه مطلقًا منذ اللحظة التي وطأه فيها، والأدهى من ذلك أنه تلقى مساعدات كثيرة لإقامة مشروعات عدة، أظهرت العقود القديمة هذا، إذًا كيف يكون "بدير" مخادعًا، وهو من كان يمول كافة أعمال أبيه غير الناجحة؟ من المفترض أن يُطالب بدفع مستحقاته؛ لكن على العكس تحمل مغالطات والدته، واتهاماتها الباطلة له على مدار سنوات.
شعر بكسرة النفس، بألمٍ قاسٍ يحز في قلبه، جر ساقيه خارجًا من المنزل وهو يمسح دموعه لئلا يراه أحدهم فيظن السوء. لا يعرف كيف قاد سيارته إلى المستشفى، جلس منتظرًا رؤيتها بصدرٍ موجوع، وحزن لا يمكن شرحه، بدا انتظاره طويلاً لا نهاية له، لم يعرف كيف يبدأ معها؛ لكن لا فرار من المواجهة بينهما. دار بنظراته في الحديقة المورقة المتواجد بها، لم تساعده المناظر الخلابة على تهدئة رأسه المشحون، كان فاقدًا لشعور السكينة، ومشبعًا بإحساس الألم، تحفز في مقعده، ونظر إليها في لومٍ عندما لمحها من على بعدٍ تسير ناحيته، جاءت إليه بصحبة إحدى الممرضات، أجلستها الأخيرة قبالته ليتحدثا معًا، وبقيت على مقربة منهما، حتى تتدخل عند استدعت الحاجة لذلك. اكتسب صوت "هيثم" ألمًا واضحًا عندما استطرد قائلاً:
-كويس إنهم سمحوا بالزيارة المرادي يامه.
بدت غير مهتمة بما يقول، ونظرت له باستخفافٍ غير مبالٍ، بالكاد ضبط نبرته، وجحَّم من انفعالاته وهو يخبرها:
-مكونتش هاقدر أكتم في نفسي.
تنفس بعمقٍ، ونظر إليها مليًا قبل أن ينطق بأنفاسٍ لم تكن منتظمة:
-مش أنا عرفت خلاص اللي موجود تحت البلاطة.
جحظت "بثينة" بعينيها مذهولة، وأدرك حينها أنها فهمت ما يرمي إليه. رفع الحقيبة الصغيرة المسنودة إلى جوار مقعده البلاستيكي ليضعها على الطاولة أمامها، فتح سحابها بأصابع متعصبة، وأخرج منها النقود والمشغولات الذهبية ملقيًا إياهم قبالتها وهو يردد في حرقةٍ:
-دول كانوا أهم عندك مني أنا وأختي.
ارتكزت كامل نظراتها عليهم، بل وامتدت يداها لتتحسهم، شعر "هيثم" بالمزيد من الغضب الممزوج بالاستياء منها، حدجها بنظرة لائمة وهو يعنفها:
-عيشتينا في كدب وضلال، وكل ده عشان تكنزي فلوس على أد ما تقدري، ومش مهم احنا يجرالنا إيه، الفلوس أهم عندك.
ارتفعت نبرته الحانقة نوعًا ما وهو يتابع هجومه عليها:
-سنين فاكر إن احنا اتنصب علينا، بس الورق اللي قريته، والحقيقة اللي عرفتها أكدتلي إنك مش على حق!
اختنق صوته مع إكماله:
-ورغم كده محدش لامك، سابوكي تتهمي، وتدعي بالباطل إن أبويا اتاخد حقه، وأهي حجة عشان تبرري بيها اللي بتعمليه، وتغرسي جوانا الشر والحقد.
تجمعت العبرات في عينيه، وأصبح صوته أكثر حدية عندما هتف بها:
-وطبعًا "خلود" كانت أول ضحية ليكي...
رأى "هيثم" في عينيها وهج الذهب، وطمع المال جليًا، لم تكن معه بذهنها، ولم تعبأ بصياحه المعاتب، تخيل أن لعابها يسيل وهي تأكل بعينيها قبل يديها ما يملأ الطاولة، هب واقفًا ليهاجمها مرة أخرى بعصبيةٍ جعلت الممرضة تنهض من مكانها في وضع تحفزٍ مستريب:
-يا ترى الفلوس دي هترجعها من قبرها؟ ولا جايز هتخلي لسانك يتعدل؟
جمع ما استعرضه قبالتها وسط نوبة من الصراخ غير المفهوم منها، اختطف ما حاولت الاحتفاظ به عنوة، وواصل لومه الشديد لها:
-ظلمتينا يامه بطمعك، ومحدش دفع التمن دلوقتي إلا احنا.
اهتاجت "بثينة" واِربدت قسماتها بعلامات الغضب الحاقدة، تهجمت عليه، ونبشت أظافرها في وجهه غيظًا من تصرفه، تفاجأ من جحودها، من تحجر مشاعرها؛ لكنه تماسك أمام صدمته، نجح في إبعادها عنه، وفي الاحتفاظ بمحتويات الحقيبة دون أن ينقص منها شيء. على الفور تدخلت الممرضة لمساعدته، ومع هذا لم تتمكن من تقييد حركتها. أولى "هيثم" ظهره لوالدته، وأخبرها بعزمٍ حاسم وهو يعلق الحقيبة على كتفه:
-الفلوس دي هرجعها لأصحابها.
نجحت "بثينة" في الإفلات من الممرضة، وانقضت على ظهر تضربه بعنفٍ وقسوة، مما جعله يرتد للأمام، بالكاد منع نفسه من الانكفاء على وجهه، واستدار ليواجهها، فأطبقت بكلتا قبضتيها على عنقه في غضبٍ أشد تريد خنقه، صرخت الممرضة عاليًا طالبة للمساعدة الفورية، فجاءت إليها وبدأوا في تخليصه منها. هتف "هيثم" عاليًا في صوتٍ متألم:
-إنتي خسرتيني يامه بطمعك.
لم تكف والدته عن الصراخ الهائج طوال سحبها للداخل، ونظرات "هيثم" تتبعها في حسرةٍ وألم، نكس رأسه في خزي معترفًا لنفسه:
-أنا مُت من وقت ما عرفت سرك.
تسللت الدموع الحارقة إلى عينيه، ولم يقاوم انسيابها، بل تركها تنهمر على وجهه ولسانه يردد في انكسارٍ:
-ليه ظلمتينا يامه؟ ليه ........................................... ؟!!
....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم Manal Salem
كلمة في البداية
يا رب يكون الجميع بخير..
تعقيب بسيط على بعض التعليقات الحادة لمجرد إني كتبت فصل قصير مختزل في ٣ مشاهد بدل من التأجيل!
حضراتكم شايفين العمل سخيف، طويل، فيه مط احترم رأيكم جداااا، وأوصيكم بعدم متابعته لأنه بقى كده من وجهة نظركم، ده أنا هاصر عليكم تنفذوا ده.
للأسف دي كانت طاقتي بالأمس ووقتي المتاح كان من الساعة ١٠ ونص لحد واحدة بعد منتصف الليل، عشان اكتب الجزئية دي بعد مجهود يوم طويل عندي، ويعلم ربنا مكونتش قادرة فعلاً حتى افتح عيني، بس قولت معلش احترامي لوعدي مع القراء.. وهكمل الباقي المفروض النهاردة.
طبيعي وارد يحصل عند أي حد ظرف غير متوقع، يضطر إنه يأقلم نفسه عليه، وارد أكون منهكة بدنيًا وذهنيًا ومش عارفة اكتب، وارد يكون عندي متطلبات لشغلي الرئيسي تستدعي التفرغ الفترة دي، وارد ابني الصغير يكون تعبان وأعدة جمبه بأراعيه، وارد يكون في زيارة استثنائية لحد من العيلة تطلبت حسن استقبال الضيف .. في أعذار وأسباب كتير ممكن يمر بيها الشخص مكانش عامل ليها حساب..
واللي عارفني هيلاقيني منظمة.. وواضحة، وعلى طول بأطلعكم على الجديد أول بأول
وأنا كتبت لحضراتكم والله إني لم اتقاضى مليم واحد من وقت اتجاهي للكتابة على المنتديات والصفحات والواتباد من عام ٢٠١٥، باكتب عشان باحب ده.
مافيش منفعة قسمًا بالله منه سوى إنك بتعمل شيء يسيب بصمة مع القارئ في أي وقت.
بالعكس ده أي حد بيطلب مني ياخد الروايات ينشرها عنده بأوافق بشرط إنه يكون باسمي والغلاف لأنها أبسط حقوقي.
حتى الأسلوب المتبع لمعظم الكتاب اليومين دول لو الفصل مجابش كام لايك ولا كام تعليق مش هينزل الجديد معملتوش بالله ولا حتى مرة.. مش باقبل الطريقة دي أبدًا.
مافيش مرة جيت وقولت التفاعل النهاردة مش عاجبني، أنا قعدت ٥ ساعات اكتب وملاقتش حتى كلمة شكر ولا استيكر دعم مش هياخد ثواني من وقتكم! لأ سايبة ده لتقديركم وذوقكم.
حاجة أخيرة، حضرتك لما بتختار تقرأ أي عمل بتشوف الوقت المناسب ليك، عشان تكون متفرغ وتستمتع بده، مش اللي بيفرضه عليك غيرك، وبيبقى مناسب ليك.
نفس الحال معايا بأسعى أوفر وقت للكتابة وتلبية الأعباء اللي عليا.
عمومًا أنا مش بأفرض على حد يقرأ أي عمل كتبته، لاقيته غير مناسب ليك لأي سبب حتى لو تافه سيبه نهائي، احذفه، محدش هيحاسبك على قرارك..
ببساطة دي مقدرتي الحالية وده مجهودي
وأخيرًا الكلمة الطيبة صدقة
تكملة أحداث الأمس
الفصل مائة واثنا عشر
رغمًا عنها تركت توأمتها مضطرة، دون أن تنتظر حتى مجيء والدتها للمكوث معها، وعادت على الفور إلى منزلها، عقب تلقيها لمكالمة زوجها المريبة، دق قلبها خوفًا عليه، فصوته لم يكن مُبشرًا بالخير، وصدق حدسها حينما رأت ملامحه الحزينة العابسة في غرفة نومهما. دنت "همسة" منه، وألقت نظرة أكثر دقة عليه، كان شاردًا، متهدل الكتفين، هتفت متسائلة في توترٍ:
-مالك يا حبيبي؟ قلقتني لما قولتلي أرجع البيت، فيك حاجة؟
رفع "هيثم" عينيه الحمراوتين إليها، ولم يجبها، زاد قلقها ناحيته، بلعت ريقها، وجلست على طرف الفراش إلى جواره متابعة تخمينها:
-إنت شكلك كمان متغير أوي.
دون مقدماتٍ مال عليها طامعًا في احتوائها له وهو يخبرها:
-تعبان أوي يا "همسة"، خديني في حضنك.
لم تتردد في ضمه إلى صدرها، مسحت بحنوٍ على ظهره، حاولت أن تسيطر على مخاوفها المنتشرة في عقلها، وسألته بصوتٍ شبه مهتز:
-حصل إيه؟ طمني.
انفجر باكيًا في أحضانها، وألقى برأسه على كتفها مما أوغر صدرها أكثر، استمرت "همسة" في المسح على رأسه وظهره بعاطفةٍ حانية، ورجته قائلة:
-طب إهدى، مافيش حاجة إن شاء الله.
ارتفعت نهنهات بكائه، فواصلت التأكيد عليه بقلبٍ واجل:
-كله هيعدي، متقلقش يا حبيبي.
استمر كلاهما على تلك الوضعية لما يزيد عن الدقيقة، و"همسة" لم تضغط عليه للخروج منه بمعلومة مفيدة تشبع فضولها الحائر، بل على العكس أفصحت له بإصرارٍ:
-أنا هبات هنا النهاردة معاك، هكلم ماما وأعرفها بكده عشان تفضل مع "فيروزة"، مش هاسيبك في الحالة دي.
كفكف "هيثم" عبراته، وتراجع عن زوجته ليستلقي على الفراش قائلاً بصوته المنتحب:
-أنا عايز أنام.
نهض من مكانها، وسحبت الغطاء عليه لتدثره وهي ما تزال تحنو عليه قائلة:
-طيب، افرد ضهرك.
ظلت واقفة للحظات تراقبه في صمتٍ، ولم تكف عن تمسيد رأسه براحة يدها إلى أن غرق في سباتٍ مريب، أبعدت عينيها عنه متسائلة مع نفسها بتوجسٍ:
-إيه اللي حصلك بس يا "هيثم"؟
.............................................................
الظهور في وضح النهار لم يكن محبذًا له، لكون آثار الندوب المحفورة على وجهه بائنة كقرص الشمس في كبد السماء، لذا آثر التجول في بلدته قبيل المساء، محاولاً نشر شائعة تعرضه لمحاولة سرقة عن عمد كادت تودي بحياته، لولا العناية الإلهية. آمل "فضل" أن تنطلي أكاذيبه على السذج، وتلعب الألسنة دورها في تضخيم الأحداث، ليغدو بطلاً مغوارًا في أعين الجميع؛ وإن كان بالكذب.
لوح بيده مرحبًا بأحدهم وهو يطئ بقدميه المقهى الشعبي المتواجد على أطراف البلدة، اتجه نحو المصطبة الخشبية الموجودة عند أحد أركانه، حيث اعتاد الجلوس عليها، واتخذ مكانه بها، ثم نادى على أحد الفتيان ليأتي له بالنارجيلة ومعها قطع الفحم ليزيد من وهج الدخان وهو يملأ به رئتيه، جلس أمامه أحد معارفه، واستطرد حديثه معه قائلاً:
-بقالك كتير ماجتش القهوة يا "فضل".
أجابه بإباءٍ سخيف، وهو يطرد الدخان في الهواء:
-مشاغل.
مال الرجل بجذعه للأمام ليسأله في تطفلٍ، وعيناه مثبتتان عليه:
-صحيح اللي سمعناه، في جماعة طلعوا عليك بهدلوك؟
استرخى في جلسته، ورفع ساقه للأعلى، ليخبره بزهو مبالغ فيه:
-دول حرامية ولاد (...)، زي ما تقول كانوا حاطين عينهم عليا، خادوني غدر بعد ما استلمت فلوس الاتفاق على الزرعة الجديدة.
قال الرجل في أسفٍ:
-البلد معدتش فيها أمان.
أيده مومئًا برأسه وهو يسحب نفسًا عميقًا، فأضاف آخر معلقًا عليه وهو يتفحص ندوبه الغائرة قبل أن يجلس على يساره:
-بس دول جوم عليك جامد.
غامت تعابيره وهو يرد بقليلٍ من العصبية:
-هو أنا سكتلهم؟ ده أنا طحنت فيهم لحد ما اتكاتروا عليا، وإنتو عارفين الكترة تغلب الشجاعة.
اتفق معه الرجل الأول قائلاً:
-إيوه صح.
نطق الآخر قائلاً بما بدا له شماتة:
-بس وشك اتبهدل خالص، العلامات اللي فيه مش هاتروح.
رغم استيائه من طريقته اللزجة إلا أنه رد ببرودٍ:
-هعمل إيه بقى .. الحمدلله إني لسه عايش، كنت هاسيب أبويا وأمي لمين؟
هتف الأول منهيًا هذا الحوار:
-فضنا من السيرة دي، وخلونا نشرب شاي في الخمسينة.
نادى الرجل على عامل المقهى ليأتي له بثلاثة أكوابٍ من الشاي، والتفت يسأل "فضل" بتطفلٍ غير مقبول:
-ألا صحيح موضوع جماعتك ده بجد؟
تحفز الأخير في جلسته متسائلاً بعدم فهمٍ:
-جماعتي مين؟
أجابه بإشارة ضمنية من عينه:
-أم عيالك يا جدع.
اكفهرت تعابير "فضل" بشدة، والرجل يختتم جملته:
-ده الناس بيقولوا هتتجوز قريب.
هتف في حقدٍ مضاعف:
-الولية الفقر دي؟ إياكش تغور في 60 داهية، ده أنا ربنا بيحبني ونجدني منها.
استرعى فضولهم بافترائه الباطل، فبادر أحدهم متسائلاً:
-يا ساتر، ليه كده؟
استدار برأسه ناحيته، وأجابه مسترسلاً في الكذب:
-دي ولية ماتعرفش ريحة النضافة، غلبت معاها بالحُسنى والكلمة الطيبة، مافيش، يا ستي يهديكي يرضيكي أبدًا، ده غير لسانها الزفر، أعوذُ بالله.
احتج الرجل على لسانه السليط، وقال متنحنحًا:
-لأ متقولش كده، مهما كان دي أم عيالك وآ ....
قاطعه بتشنجٍ:
-خلوني مكتوم وساكت، وربنا ده اللي هياخدها ما هيطقها دقيقة.
لامه الرجل الآخر في تبرمٍ:
-عيب يا جدع.
غمغم "فضل" قائلاً بسخط:
-اللي مايعرفش يقول عدس.
واستمر على تلك الحالة يلقي بالتهم جزافًا على زوجته إلى أن ضجر أحد الجالسين على مقربة منه مما يقول، ثارت حمئته، وانتفض يوبخه بتعصبٍ:
-إيه يا عم "فضل"؟ مايصحش اللي بتقوله ده .. ده إنت بتخوض في الأعراض.
زجره في برودٍ:
-ملكش دعوة.
هدر الرجل به مهددًا بتشنجٍ أكبر وهو يلوح بذراعه:
-لأ ليا، ولو غلطت هنضارب فيها.
رمقه "فضل" بنظراتٍ شمولية كانت مستخفة في البداية، وبحسبة عقلية أدرك أن فارق القوى الجسمانية لصالح هذا الرجل، فأشاح بوجهه بعيدًا عنه، وقال بفمٍ ملتوٍ في امتعاضٍ:
-روح الله يسهلك، مش ناقصة غباء.
توعده الرجل بنديةٍ واضحة:
-ماشي، ماترجعش تزعل من اللي هيحصل فيك.
ثم قذف بقدمه الكرسي الخشبي ليرتد على الأرضية في ارتطامٍ عنيف جعل الأنظار كلها تتجه إليهما، قبل أن يترك المقهى ويغادره، تبادل بعدها "فضل" نظرات حذره مع رفيقيه، وقال وهو يضع خرطوم النرجيلة في فمه:
-واحد فاضي، أنا عارف محموء على إيه، دي فردة قديمة قلعتها من رجلي.
شجعه الرجل الأول على مواصلة الحديث عن طليقته قائلاً بخبث:
-سيبك منه، وكمل.
لم يعبأ بالتهديد الذي تلقاه، واستمر في تلفيق حكاياته الكاذبة عنها، كأنما ينفس عن غيظه منها بهذا الأسلوب المتواضع والدنيء.
........................................................
وقفت مرتكنة بظهرها على الحافة الخشبية وهي تكتف ساعديها معًا لبعض الوقت تراقب شقيقها في هدوءٍ، وتلك الابتسامة اللطيفة على محياها، تطلع "تميم" عبر شرفته للفضاء الفسيح أمامه، لم يشعر بوجود "هاجر" حوله، بدا لها وكأنه يسرح في ملكوت خاص به، توقعت أن تكون (هي) سبب شروده، بالرغم من عدم مشاركته لها عن مكنونات صدره تجاه إحداهن؛ لكن كأنثى أنبئها حدسها بهذا، حمحمت بصوت مرتفع لتخرجه من عالمه الخيالي، فانتصب في وقفته، واستدار ناظرًا إليها. خطت نحوه مقترحة عليه بوجهٍ مبتسم:
-أعملك حاجة ياخويا تشربها؟
رد نافيًا بتهذيب وهو يرفع كوب شايه الفارغ:
-لأ، كله تمام.
وقفت إلى جواره، واستندت بمرفقيها على الحافة الحديدية قائلة له بغموضٍ:
-طب بأقولك إيه، كنت عايزة أروح معاك في مشوار كده.
ركز بصره عليها متسائلاً بنبرة مهتمة:
-مشوار إيه ده؟
بادلته نظرة طويلة ذات مغزى قبل أن تخبره ببسمة ماكرة:
-عايزة أزور "فيروزة".
لم تتوقع ردة فعله عندما تبدلت ملامحه المسترخية للتوتر والخوف، بل وملاحقته لها بأسئلته المذعورة:
-ليه؟ حصلها حاجة وحشة؟ أمها اتصلت وعرفتكم بده؟ هي مش كانت كويسة؟
قطبت جبينها في دهشة، فصاح بصبرٍ نافذ:
-ما تكلمي يا "هاجر".
حافظت على نعومة بسمتها وهي ترد:
-لأ، هي بخير.
تنفس الصعداء، ولفظ الهواء بصوتٍ مسموع، فتابعت قائلة بعبثيةٍ:
-متقلقش أوي كده يا سيد المعلمين.
مرر يده على رأسه، ووضعها خلف مؤخرة عنقه مبررًا لهفته بتلعثمٍ مكشوف:
-ده .. أنا آ...
هتفت ضاحكة في استمتاعٍ:
-خلاص يا خويا، دي كل الحكاية إني كنت عايزة أشوفها شوية، وأقعد معاها، يعني تحس إن في حد بيسأل عنها.
رؤياها تعني نقل جوارحه إلى أسمى مناطق العشق، كما لو كان كاهنًا يتعبد بصلوات إخلاصه في محراب جمالها الآخاذ، هز رأسه بإيماءاتٍ صغيرة متعاقبة، فسألته بعينين لئيمتين:
-ها قولت إيه؟
حاول أن يبدو جامد التعبيرات وهو يرد:
-ماشي .. شوفي إنتي عايزة تروحي إمتى.
بقيت أنظارها عليه مبدية تمتعها برؤية تخبطه اللذيذ قبل أن تمنحه جوابها:
-على بكرة بأمر الله.
خفق ما كان ساكنًا بنبضاتٍ واثبة، ترجو بتلهفٍ راغب، انقضاء ساعات الليل في لمح البصر، ليجمعه بها لقاء جديد لطالما انتظر حدوثه. تنحنح "تميم" قائلاً بلهجةٍ ظهرت غير جادة:
-طيب.
ربتت "هاجر" على جانب ذراعه تشجعه بغمزة من طرفها:
-فضي نفسك بقى.
أدار رأسه مجددًا ناحيتها، وبادلها ابتسامة متحمسة لم يقاوم إخفائها على شفتيه، ثم قال:
-حاضر.
انصرفت شقيقته من الشرفة، وبقي في أوج ترقبه، لخفقةٍ بعينها، لا تصيب القلب إلا في وجودها!
.......................................................
ضبطت من وضعية الملاءة، وجذبت أطرافها لتصبح متساوية عند الجانبين وهي تطلع توأمتها على تبعات زيارة زوجها لوالدته في المشفى النفسي، لم تكن ملمة بعد بالتفاصيل الدقيقة؛ لكنها توقعت أن حالة الاستياء العظيمة التي نالت منه تعود للقائه بها. تنهدت "همسة" قائلة بنهجانٍ خفيف:
-الحمدلله إنها جت على أد كده، بس صعبان عليا أوي، مش ملاحق المصايب اللي فوق دماغه.
جلست على المقعد مريحة ظهرها، وأضافت وهي تمسح حبات العرق عن جبينها:
-ربنا يعدل حالنا جميعًا.
أصابها النشاط فجأة وهي تستطرد:
-صحيح أما في خبر بمليون جنية لازمًا تعرفيه.
نظرت إليها "فيروزة" في عدم اكتراثٍ؛ لكن توأمتها نهضت من مكانها لتجلس على طرف الفراش، وأخبرتها بنوعٍ من التشفي:
-المفترية مرات خالك، اتحول ورق قضيتها للمفتي، لسه عارفة بالخبر ده، يعني طازة.
وعلى غير المعتاد راق ما سمعته لها، وانعكس هذا في بسمة باهتة زحفت إلى شفتيها. تكلمت شقيقتها قائلة:
-إن شاءالله تاخد جزائها، وربنا يعين ماما على تربية "رقية"، ما هو أكيد خالنا مش هايقدر على كده لوحده.
لوهلة كسا الحزن وجه "همسة"، وبدا مقروءًا في عينيها كذلك عندما قالت برجاءٍ:
-نفسي أوي يا "فيرو" تردي عليا زي زمان، مفتقدة كلامك معايا جدًا.
استعدادها لمشاركة غيرها الحوار كان وشيكًا؛ لكنها ما زالت تفتقد ما يستحثها على تنفيذ هذا، منحت "فيروزة" توأمتها ابتسامة متفهمة، فبرزت أسنانها جراء بسمتها العريضة والمسرورة لتجاوبها البسيط معها، تلقائيًا قامت من مكانها لتحتضنها وهي تخبرها:
-ربنا يخليكي ليا.
................................................
بتوترٍ لا يمكن إنكاره فرك "تميم" كفي يده معًا، محاولاً كبح التخبط المستبد بكيانه الآن، وهو يتجاوز الردهة الطويلة متجهًا إلى حجرتها بالمشفى، لم يكن من المنطقي أن يكون على تلك الحالة الغريبة، وهو من يهاب غضبته أشد الرجال خشونة! بدا ما يجابهه ملحوظًا لشقيقته، فسألته في استغرابٍ:
-مالك قلقان كده ليه؟
قال على عجالةٍ:
-أنا عادي على فكرة.
قبضت "هاجر" على ذراعه، وضغطت بيدها برفقٍ عليه وهي تؤكد عليه بلطفٍ:
-دي زيارة يا "تميم".
بنفس الملامح المرتبكة علق عليها:
-أيوه .. مظبوط.
وصل الاثنان عند باب غرفتها، وهناك تصاعدت دقات قلبه كقرع طبول الحرب، رعشة متحمسة سيطرت عليه، تنفس بعمقٍ لعدة مرات ليضبط من انفعاله، التفت ناحية شقيقته يسألها وهو يعدل من ياقتي قميصه الأزرق الجديد:
-شكلي كويس؟
أجابت بابتسامة ماكرة:
-عريس.
حذرها بتوترٍ:
-"هاجر"!
كتمت ضحكتها قائلة بجدية زائفة:
-حاضر يا خويا، يالا بينا.
لم تمنحه فرصة للاستعداد لهذا اللقاء المشوق، حيث دقت على الباب مستأذنة بالدخول، فتضاعف حماسه كثيرًا، سبقته في خطواتها مُلقية بالتحية:
-السلام عليكم.
ردت عليها "همسة" بترحابٍ:
-وعليكم السلام، يا أهلاً وسهلاً، في ميعادكم مظبوط.
أردفت "هاجر" متسائلة بشكلٍ روتيني:
-إزيك يا "همسة"؟ عاملة إيه؟
أجابتها بعد زفيرٍ متعب:
-الحمدلله في نعمة.
تجاوزتها لتقف أمام فراش شقيقتها، وسألتها بوجهها البشوش:
-أخبارك إيه يا "فيروزة"؟ أنا جاية مع أخويا عشان نشوفك النهاردة ونطمن عليكي.
مع كلماتها الأخيرة استدارت برأسها نصف استدارة لتشير إلى وجوده خلفها، فضاقت عينا "فيروزة" ناحيتها باندهاشٍ، على ما يبدو لم تكن على علمٍ بمجيئه مسبقًا، أو ربما أخبرتها توأمتها خلال شرودها المتكرر بهذا ولم تنتبه لها. انتشلتها من تفكيرها التخميني قول "هاجر" المتفائل:
-بس بسم الله ما شاء الله، وشك منور، لأ ولسه، لما ترجعي بيتك، هتبقي أحسن.
في الخلف سعى "تميم" لمقاومة مشاعره المعاتبة لعدم جراءته على اتخاذ أي خطوة واللحاق بشقيقته، حيث تجمد في مكانه، والتردد متمكن منه، انتاب عقله هاجسًا مخيفًا من احتمالية رفضها لتواجده، فتراجع في رهبةٍ، والشحوب يزحف على بشرته، كور قبضته مخاطبًا نفسه:
-إنتي أكتر حاجة اتمنيت تحصلي، وخايف أكون خسرتك، وأنا ماليش ذنب غير إني حبيتك وبس.
نداء "هاجر" له جعل جسده ينتفض، فانحلت عقدة قدميه، وانزلق سائرًا للداخل، ليجد بهاءً فطريًا ما زال بانتظاره. قابلت عيناه الدافئتين وجهها الهادئ، فانطلقت شرارات الحب في حدقتيه لتغدو أكثر عمقًا وحبًا، تقدم دون ترددٍ من فراشها، فالروح اشتاقت لساكنها. وقف "تميم" أمامها محدقًا بها بنظرات مطولة، تاركًا للغته غير المنطوقة الفرصة للبوح بما يمتنع اللسان عن النطق به حاليًا.
شهدت "هاجر" بأم عينيها ما لم تكن لتصدقه عنه، شقيقها يعشق بحق! لمعت نظراتها بفرحةٍ لفرحته، وطلبت منه بجدية:
-حط الشنطة عندك يا "تميم".
قال بارتباكٍ:
-طيب.
ثم أسند ما ابتاعه من عصائر وحلوى على المنضدة المجاورة للفراش، حاولت "هاجر" من تلقاء نفسها خلق فرصة طيبة لشقيقها للانفراد بمعشوقته دون مقاطعة، فاستدارت نحو "همسة" تسألها:
-بالحق يا "همسة"، هو إنتي كنتي خدتي حقنة التيتانوس؟
أجابت الأخيرة نافية:
-لأ لسه.
سألتها من جديد باهتمامٍ مفتعل:
-دكتورك قال إمتى؟
حكت "همسة" جبينها قائلة:
-مسألتوش.
جذبتها "هاجر" من ذراعها برفقٍ نحو النافذة وهي تخبرها:
-طب تعالي أما أقولك شوية نصايح على جمبك عشان تفيدك الفترة الجاية.
تحمست لاقتراحها، فقالت مرحبة وهي تسير معها:
-يا ريت.
كان ممتنًا بشدة لما حدث؛ وإن كان يشك في نوايا شقيقته؛ لكنها أعطته مساحة من الخصوصية. جلس "تميم" على المقعد، ليبدو في مستوى نظرها، بلع ريقه الجاف في حلقه، واستطرد يسألها بصوتٍ خافت:
-إيه أخبارك؟
ابتسم متابعًا بنفس النبرة الخفيضة، وهو يشير بنظراته نحو "هاجر":
-أختي رغاية حبتين، بس طيبة والله، ومابتشلش في نفسها.
أطل شغف متعاظم من عينيه وهو يتطلع إليها عن قربٍ، بدت بهية رغم تعبها، مثيرة للحب رغم جمودها، شاع المرح في قسماته وهو يتنحنح مرددًا بربكةٍ حرجة:
-احم .. جدي كان قالي إنه جه زارك، هو أصله بيحبك أوي ...
تحاشي النظر إليها وهو يتم باقي كلامه:
-الصراحة كل العيلة عندي بتحبك وبتعزك جدًا.
لم يطمع في أكثر من هذا؛ لكن ابتسم الحظ له، وبسطت "فيروزة" كفها المحتضن لميداليته، فاتسعت عيناه مذهولاً، وتضاعفت دهشته مع همسها المقتضب:
-ليه؟
باغتته بسؤالها، فقد كان يعلم جيدًا أنها عازفة عن الكلام بإرادتها، أحس بخفقةٍ تعصف بصدره، بقلبه يقاتل للتحرر من ضلوعه، وبغزو الأدرينالين المتحمس لكامل عروقه. ظلت نظراتها الحائرة مسلطة عليه، ازدرد ريقه، وعمق من نظرته ناحيتها وهو يجيبها بنبرة ما زالت خافتة:
-عشانه شبهك ...
رفعت حاجبها للأعلى في اهتمامٍ، فأسبل عينيه مكملاً بتنهيدة، وتلك البسمة النضرة تزين ثغره:
-ده غير إنه .. بيفكرني بحد شجاع أوي، زمان رمى نفسه في النار عشان ينقذ غيره، رغم إنه مكانش يربطه بيه حاجة.
ودَّ لو احتضن كفها في تلك اللحظة، وأطبق على أناملها المحتوية لهديته، لتشعر بصدق وعده وهو يخبرها:
-أنا عايزك متخافيش، أنا جمبك، ولو وقعتي اتسندي عليا ..
تدارك سريعًا زلة لسانه –المقصودة تلك المرة- مصححًا:
-يعني علينا كلنا عشان تقفي، احنا أمانك وضهرك، احنا موجودين عشانك.
للمرة الأولى، بعد معاناتها الأليمة، منحته شفتاها بسمة صغيرة سرعان ما سحبتها بعد ثوانٍ؛ لكنها جعلته ينطلق ويحلق في الأفق الفسيح من شدة فرحته، اتسعت ابتسامته حتى برزت نواجذه، وسألها مازحًا وهو يقفز من على المقعد بسعادة مثيرة للشكوك:
-تاخدي عصير؟
أخرج من الكيس البلاستيكي علبة كرتونية، ناولها إياها وهو يقول:
-ده تفاح ...
لم ترفضها منه، فأصبح أكثر حماسًا بالتطور المشوق الذي أحرزته، جلس مجددًا وردد بمزاحٍ:
-صحيح مش زي الفاخر اللي يستاهلك، بس أهوو حاجة حلوة تبلي بيها ريقك.
انطلقت طاقة فياضة من المشاعر الصادقة في تلك اللحظة، عجز عن كبحها، أو حتى إعادتها إلى مهدها، ولسانه يتحرك ليعترف لها دون احترازٍ:
-صوتك وحشني ....................................... !!!
....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد ..قبل الشروع في قراءة الفصل، أو التوجيه بالنقد لقصره، لكون البعض يتطلع لاستباق الأحداث، فأنا حابة أقول كلمة بسيطة، استعجال حدوث الشيء يعني إفساد حلاوته، صح الفصول تخطت المائة بشوية، بس العمل بيتكلم في كذا أسرة، وكذا حاجة مختلفة، مش مجرد عمل رومانسي، لأ ده قالب اجتماعي يمس حاجات بنحس إنها قريبة مننا مع اختلاف الظروف والشخصيات ..خلال الكتابة بتطرأ بعض الظروف، ممكن فعلاً تخلي الواحد عنده الأفكار، لكن فاقد شغف الكتابة، وده بيخليك ككاتب مش عارف تتناول الفكرة إزاي، بتحس بفتور وإنت بتسرد، مش زي الحماس المعتاد، وده بديهي لأن احنا بشر أحوالنا المزاجية بتختلف من وقت للتاني.فبأكد لو فقدتوا الشغف ده، سيبوا الرواية ..حاليًا باكتب على قدر طاقتي وتفرغي حاجة أخيرة الرواية هتقف في شهر رمضان الكريم ..
الفصل مائة وثلاثة عشر
أسكرته النظرات الساهدة من جوهرتيها، فغار القلب من فطرة جمالها، وجعل اللسان الأحرف تتشكل بمعسول عباراتها، لتنطق عفويًا بما يعمر الروح الخاوية. لم يبدُ "تميم" نادمًا على تصريحه النزق، كان يعني كل ما عبر عنه بمختصر الكلام ويفيض عنه أضعافًا، تطلعت إليه "فيروزة" بعينين تضيقان في حيرة، لم تحتج على ما سمعته، ولم تستاء منه، بدت وكأنها استمدت طاقة خفية من مشاعره النقية. لسعادته أعطته بسمة أخرى أقل في مدتها؛ لكنها أرق في نعومتها.
كاد يرقص فرحةً وهو جالس قبالتها، تحول في غمضة عين لطفل صغير فاز لتوه بتذكرة مجانية لمدينة الملاهي، حمحم يسألها وهو يشير نحو علبة العصير الممسكة بها:
-تحبي أفتحهالك؟
أخفضت نظراتها تلقائيًا نحو العلبة، وعادت لتحدق فيه بترددٍ، فأصر مشيرًا بيده، وللغرابة لم تمانع إعادتها إليه ليفتحها لها! ابتسامة عريضة ممتزجة بحماسٍ ووله طغت على كامل قسماته، انتفض مع لمسة غير مقصودة من أناملها وهو يناولها إياها مجددًا؛ كأنما لامس جسده تيارًا كهربيًا، مع فارق أنه من النوع المنعش للحواس.
نظرات خاطفة بين الحين والآخر سددتها لهما "هاجر"، كذلك كانت تتعمد إطالة الوقت مع "همسة" في الحديث عن مواضيعٍ شتى، لتلهيها عن توأمتها، علَّ شقيقها يحظى بفرصة طيبة مع من أنسته الأحزان، وأوجدت الآمال. تحولت كافة الأنظار نحو باب الغرفة عندما أطل منه الطبيب وهو يلقي التحية:
-مساء النور.
تحركت "همسة" لتستقبله قائلة:
-مساء الخير، اتفضل يا دكتور.
اضطر "تميم" آسفًا أن ينهض من مكانه، ويتراجع بعيدًا عند الزاوية، ليمنح الطبيب المساحة للقيام بفحصه الروتيني لمريضته، خفق قلبه سرورًا عندما سمعه يردد في رضا:
-عال أوي، أنا شايف في تحسن كبير، يعني أقدر أقول إنه ممكن أكتبلك على خروج النهاردة.
هللت "همسة" في سعادة شديدة:
-بجد يا دكتور؟ الله ده أحلى خبر.
ضحكت "هاجر" مضيفة بتلميحٍ شبه متوارٍ:
-ماشاء الله، باين وشك حلو عليها يا "تميم"...
ثم غمزت له بطرف عينها وهي تتم جملتها:
-مش كنا نعمل الزيارة دي من بدري؟
تحرج "تميم" من أسلوب شقيقته الملتوي في إظهار اهتمامه بـ "فيروزة" بهذا الشكل، وحاول ألا ينظر في اتجاه الأخيرة فلا يشعرها هي الأخرى بالحرج، وأولى ظهره للجميع، مدعيًا تطلعه للمشهد خارج النافذة. أضافت "همسة" بمزيدٍ من السرور:
-دي ماما هتفرح أوي لما تلاقيها داخلة عليها البيت.
ردت عليها "هاجر" تؤيدها:
-طبعًا، وإن شاء الله ترجع تنوره، هو البيت يبقاله حس من غير أصحابه؟
ثم ركزت أنظارها على "فيروزة" تسألها في خبثٍ:
-وعقبال ما تنوري دكانك يا حبيبتي كمان، ولا إيه؟
رغمًا عنه أدار "تميم" رأسه ليختلس النظرات نحو "فيروزة" من زاويته، أراد بشدة معرفة ردة فعلها، ولدهشته العظيمة أومــأت برأسها إيجابًان فطرب القلب بعد جفاءٍ، وابتهج بعد كربٍ. تابعت "هاجر" قائلة بلؤمٍ، ونظراتها الماكرة تتجول تارةً على "تميم"، وتارة على معشوقته:
-احنا هنتسناكو عشان نوصلكم، مايصحش تاخدوا مواصلات واحنا هنا.
اعترضت عليها "همسة" بقليلٍ من الحرج:
-يعني هنتعبكم معانا وآ...
قاطعتها "هاجر" بإصرارٍ ودي:
-تعب إيه بس؟ ده احنا أهل وآ...
تعمدت النظر في اتجاه "تميم" وهي تختتم جملتها:
-حبايب.
برقت عيناه مصدومًا من تلميحاتها المتعمدة، وشعر بانكشاف أمره، فخفض رأسه حرجًا، محاولاً تخبئة ما يعتريه من توتر وربكة، بينما شكرتها "همسة" بامتنانٍ كبير:
-ربنا يخليكوا لينا.
تنحنح بعدها "تميم" قائلاً، وهو يتحاشى النظر نحو الجميع:
-احم .. أنا هاقف برا.. وخدوا راحتكم.
ردت عليه "هاجر" بضحكة لطيفة:
-خليك قريب يا خويا، عشان أما نناديلك.
رمقها بنظرة مزعوجة؛ لكنها لم تبالِ بتحذيره البائن فيها، كانت تريد بذل ما في وسعها لتمهيد الطريق إليه، وإن كان دون إرادته.
...........................................................
وقف بالخارج في حالة جمعت بين أحاسيسٍ متنوعة: اللهفة، الشوق، السرور، الهيام، والحماس. لم ينكر "تميم" انزعاجه من تصرفات شقيقته الجريئة، والمناقضة لطبيعته المتحفظة بشأن ما يخص أموره الخاصة، حاول ردعها بنظراته، وبملامحه المحذرة؛ لكنها تجاهلته لتثير في الأجواء ما لم يكن ليفعله بمفرده مُطلقًا، وجد نفسه يبتسم ببلاهة وهو يمسد بيده على رأسه، حين استعاد في مخيلته حواره اللطيف المفعم بالأمل والابتهاج مع "فيروزة"، شعر مرة أخرى باندفاع قلبه بين ضلوعه، بخيطٍ أصيل من الضوء يبدد الظلمة الكائنة في الروح، كل هذا جدد الأحلام في نفسه، فرفع بصره للسماء مناجيًا بتضرعٍ:
-يا رب قرب البعيد، يا رب ماتردش دعائي ليك.
لبرهةٍ تمسك باعتقاده بأنه أذاب جزءًا من الجليد الفاصل بينهما، وإذا استمر الوصـال بينهما على ذلك الوضع، لربما رقَّ الفؤاد، وتذوق حلاوة الغرام. انخفضت عيناه نحو يده، تأمل أصابعه التي لامستها دون قصدٍ بنفس الملامح المتفائلة، احتضن كفه بالآخر، وأكد لنفسه بعد تنهيدة عاشقة:
-الإيد مش هتمسك واحدة غيرك.
..........................................................
بقلبٍ ما زال يئن في صمتٍ، أصر "هيثم" على اصطحاب زوج خالته، والجد "سلطان" إلى منزل أبويه، دون أن يمنح أيًا منهما التفسير وراء هذا الطلب المُلح. أوقف السيارة أمام مدخل البناية، وترجل منها بخطواتٍ أظهرت انكسارة نفسه، في حين تبادل "بدير" مع أبيه نظرات غريبة حائرة، واتجه ثلاثتهم للداخل. صعد "سلطان" الدرجات بتؤدةٍ تخفيفًا لآلام ركبتيه، وسأله قبيل بلوغه للطابق المتواجد به المنزل:
-خير يا واد، جايبنا هنا ليه؟
نظر له بخزيٍ وهو يجيبه:
-هتعرف دلوقتي يا جدي.
قال بلمحةٍ من السخرية:
-يا خبر بفلوس.
فتح "هيثم" باب المنزل، وأشار لهما بالدخول بعد إضاءة البهو، فردد "بدير" بصوتٍ خفيض موجهًا سؤاله لوالده:
-هو قالك حاجة يابا؟
أجابه نافيًا:
-لأ، العلم عند الله.
أجلسهما "هيثم" على الأريكة، وانسحب مغادرًا ليختفي بالداخل للحظاتٍ قبل أن يعود ومعه الحقيبة الجلدية، وضعها نصب أعينهما، فبادر "سلطان" متسائلاً بفضول:
-إيه دي؟
حرك السحاب ليكشف عن محتوياتها الغامضة، وأجاب وهو يقرب الحقيبة منهما بعد أن ظهر ما احتوته من أموال ومشغولات ذهبية:
-ده حقكم.
قطب "بدير" جبينه متسائلاً في دهشة:
-حقنا؟
خنق "هيثم" الغصة القاسية في حلقه، وأوضح لهما:
-أيوه، أنا عرفت كل حاجة خلاص، وفهمت إن أمي كانت عاملة حوارات كتير عشان تستغلكم وتسرق بفلوسكم على حِس إنه حق أبويا الله يرحمه.
تشدق الجد متسائلاً بوجهٍ غير مقروء التعبيرات:
-إنت لاقيت اللي تحت البلاطة؟
اتجهت أنظار "هيثم" إليه، بعد أن حل الذهول على ملامحه، وسأله مصدومًا:
-كنت عارف يا جدي؟
أومأ برأسه مقتضبًا:
-أيوه.
نخر الحزن في وجدانه، وقال بعنادٍ:
-أنا مش عايز الفلوس دي.
تبادل "بدير" مع أبيه نظرة غريبة، ذات دلالة ما، قبل أن ينطق بحسمٍ:
-ولا احنا يا ابني..
تفاجأ من رفضهما المريب، وزادت استرابته بإضافة "بدير" المتسائلة:
-هو إنت فكرك مكوناش فاهمين هي بتعمل إيه؟
أشار "سلطان" لابنه بالصمت قائلاً:
-استنى يا "بدير".
رد في طاعة:
-اتفضل يابا.
حملق "سلطان" في وجه "هيثم" المتجهم، وأخبره بتريثٍ:
-لما أمك كانت مفكرة نفسها بتستنصح علينا، كنا بنجاريها، بمزاجنا، مش علشانها، بس عشانكم إنتم...
تعقدت ملامحه أكثر والجد يواصل حديثه:
-إنتو تخصونا، ومش هنسمح لولاد "غريب" يتبهدلوا من بعده.
هتف متسائلاً بصوته المتألم:
-طب ليه سكتوا على كدبها؟
بعد زفيرٍ بطيء خاطبه دون أن يبعد نظراته عنه:
-احنا بنراعي الأمانة، أبوك الله يرحمه كان شايل قرشين معانا على جمب، مش قايلها عليهم، احنا دورناهم في السوق وشغلناهم بمعرفتنا، واللي كان بيطلع كنا بنديهولها وزيادة، أول كل شهر، من غير ما تعرف أصل الفلوس دي إيه، مفكراها إحسان، بس الحقيقة غير كده، لأن أبوك وصانا مانجبش سيرة مهما حصل.
امتلأ وجهه بالمزيد من علامات الذهول، وتضاعفت كثيرًا مع إضافته للجملة الأخيرة:
-وكنت عارف إنها مخبية الفلوس تحت البلاطة.
تدلت شفته السفلى عن صدمةٍ أكبر، والجد ما زال يؤكد له:
-أيوه، ماتستغربش، ده سر أبوك ليا، "بدير" نفسه ما يعرفوش.
تراخت ساقا "هيثم" فجلس سريعًا على الأريكة ناظرًا إليه في عجزٍ ودهشة، حاول الجد تهوين ما يعانيه الآن، فخاطبه بلين الكلام:
-هاقولك على حاجة يا ابني...
لمعت عيناه بدموعِ الخذلان، مما جعل "بدير" يتعاطف معه كثيرًا، ويشفق على حاله البائس، بينما استمر "سلطان" في إخباره:
-شوف، الرزق ده بتاع ربنا، إنتو ليكم نصيب في حاجة، ربنا بيبعته ليكم عن طريقنا، فاحنا مش هنمنعه عشان زعلانين من أمك ولا من غيرها.
رد معترضًا بألمٍ:
-بس هي ظلمتكم جامد، وخليتنا غصب عنا نكرهكم.
تقوست شفتاه عن بسمة ساخطة أتبعها قوله:
-محدش بياخد أكتر من نصيبه، وأمك خدت نصيبها سواء من الكره، أو الفلوس.
هب "هيثم" واقفًا، وصاح برفضٍ قاطع:
-وأنا مش عايز الفلوس دي، جابت معاها الغل والحقد وآ...
قاطعه الجد بلهجةٍ ما زالت تحتفظ بهدوئها:
-ده حقك إنت والمرحومة أختك.
تمسك برفضه المعاند:
-بس ده آ...
قاطعه بصرامةٍ نسبية:
-بأقولك إيه سيبك من حكاوي الماضي، خليها مطرح ما هي، إنت دلوقتي راجل متجوز، ومراتك هتجيبلك بعد كام شهر عيل صغير، فالمفروض تفكر في مستقبله.
جلس مرة أخرى في مكانه، وقال وهو يحني رأسه على صدره:
-أنا عقلي مش فيا.
استطرد "بدير" هاتفًا بابتسامة متحمسة قليلاً:
-أقوله يابا على المفاجأة.
رفع بصره إليه، والحيرة تكسو تعبيراته المهمومة، بينما منحه الجد موافقته، فاستمر موضحًا:
-واحنا يا "هيثم" مش ناسينك.
زوى ما بين حاجبيه مرددًا:
-مش فاهم!
استقام في جلسته، وأخبره بصيغة متسائلة:
-عارف محل "عادل" العجلاتي اللي بعدنا بناصيتين؟
هز رأسه إيجابًا وهو يجيبه:
-أه، ده مقفول بقاله زمن.
نطق بتعابيرٍ مبشرة:
-احنا كلمنا صاحب العمارة، وأجرناه باسمك.
هتف غير مصدقٍ، وقد اتسعت عيناه على الأخير:
-إيه؟
تلك المرة تكلم الجد في هدوءٍ:
-ماتستغربش، حوشنالك فلوس الكام شهر اللي فاتوا ودفعناهم خلو للمكان.
وأضاف عليه ابنه يحفزه:
-اتجدعن بقى عشان تشغله قبل ما تتلبخ في الولادة، وطلبات العيل.
أدمعت عيناه تأثرًا بصنيعهما الكبير، وقال في امتنانٍ شديد:
-أنا مش عارف أقولكم إيه؟!
ضحك الجد وهو يُمازحه:
-تقولنا اتفقولي مع التجار.
.......................................................
زغرودة أتبعتها بأخرى -في نفس قوتها وتعبيرها عن فرحتها العامرة- أطلقتها "آمنة" حينما رأت ابنتها تقف عند أعتاب باب المنزل، وإلى جوارها شقيقتها تحاوطها من كتفها، انسابت العبرات السعيدة من عينيها، وأخذتها في أحضانها مرددة بلهفةٍ:
-حمدلله على سلامتك يا "فيروزة"، نورتي البيت يا غالية.
شدت من ضمها لها، وظلت تمسح على ظهرها بحنوٍ أمومي مشتاق إليها. أقبلت على صوت زغاريدها المبتهجة الصغيرة "رقية"، فقفزت طربًا لرؤية ابنة عمتها، وركضت إليها تناديها:
-"فيروزة"!
انضم إليهن "خليل"، وحرك مقعده المدولب في اتجاه الباب محاولاً الترحيب بها أيضًا، فقال بصوتٍ لا يخلو من سعادته:
-البيـ..ت مكانــ..ش ليه حــ..س من غيــ...رك.
هتفت "همسة" قائلة وهي تمسح دموعها العالقة في أهدابها:
-طب خلونا ندخل، مش هنفضل واقفين على الباب كده.
ردت عليها والدتها بصوتٍ شبه متأثر:
-من فرحتنا يا "همسة" بأختك، الحمدلله إن ربنا نجاها من اللي كانت فيه...
ثم أحاطت ابنتها من كتفيها؛ كأنما تحميها من المخاطر المحدقة بها بتلك الطريقة البسيطة، وحثتها على التحرك معها قائلة:
-تعالي يا حبيبتي.
أوصلتها على مهلٍ إلى غرفتها، ووجهت كلامها إلى توأمتها وهي تزيح الغطاء لتهيئ لها الفراش حتى تستلقي عليه:
-بس مقولتيش إنكم جايين ليه؟
أجابتها مسترسلة:
-كله حصل في تكة يا ماما، الدكتور دخل شافها، وقالنا بقت أحسن، وهيكتبلها على خروج، والحمدلله إن "هاجر" وأخوها كانوا موجودين ساعتها، مارضيوش يسبونا لوحدنا، ووصلونا لحد هنا.
تأكدت "آمنة" من تمديد ابنتها لجسدها، وامتدحت حسن أخلاقهما بترديدها
-ناس جدعة، وكلها شهامة ...
ثم تحولت نبرتها للتوبيخ إلى حدٍ ما وهي تسأل "همسة":
-طب ما عزمتيش عليهم ليه يا فالحة يطلعوا؟
أخبرتها الأخيرة بصورة عفوية:
-عملت كده، بس هما مرضيوش خالص، يعني عايزين يسبونا على حريتنا.
زمت شفتيها معقبة عليها:
-ناس أصيلة، فعلاً عيلة تفتخري بمعرفتها.
وافقتها الرأي، وقالت:
-أه والله.
تأكدت "آمنة" من تغطية جسد "فيروزة"، بعد أن تقلبت على جانبها لتغفو قليلاً، وأشــارت لابنتها الأخرى، وللصغيرة "رقية" بالانصراف، حتى لا يزعجاها، ثم أغلقت الباب من خلفهما، وأردفت متسائلة:
-صحيح جوزك عامل إيه دلوقتي؟
التفتت "همسة" ناظرة إليها وهي ترد:
-الحمدلله
سألتها بنبرة مهتمة:
-قالك على اللي مضايقه؟
هزت رأسها نافية وهي تجاوبها:
-لأ، وأنا بصراحة محاولتش أعرف.
علقت في استحسانٍ:
-سبيه، كده أحسن، هياخد وقته، وهتلاقيه يفضفضلك ...
اكتفت بتحريك رأسها كنوعٍ من التعبير عن استجابتها لنصيحتها، بينما تابعت "آمنة" توصيها:
-وإنتي من عندك شوية، لا تزعليه ولا تكسري بخاطره.
ردت مؤكدة لها:
-ربنا اللي عالم أنا بأعمل إيه معاه.
وضعت "آمنة" يدها على كتف ابنتها، وقالت بعد زفير بطيء:
-هو مالوش غيرك دلوقتي، واحنا مجربين الهم لما بيعشش جوا قلب الواحد.
ضمت شفتيها في أسفٍ، قبل أن ترد:
-معاكي حق يا ماما.
.......................................................
-سامع الزغاريط؟
استخدمت "هاجر" تلك الكلمات في سؤال شقيقها، أثناء جلوسها معه في السيارة، كنوعٍ من تحفيزه بشكلٍ متوارٍ وسبر أغواره الكامنة، عله يحرك ساكنًا، ويعترف لها بما يخبئه في أعماقه، فتسعى بطريقتها لتمهيد الطريق له، بقيت كل نظراتها عليه، وأضافت بمكرٍ، وتلك البسمة العابثة على محياها:
-مش كنا طلعنا معاهم؟
استحثته كل ذرة في كيانه على الصعود معها، ومرافقتها حتى اللحظة الأخيرة؛ لكنه قاوم تلك الرغبة بكامل ما أوتي من عزمٍ، حاول أن يبدو غير مهتم، وأخبرها بوجهٍ جاد:
-بلاش نبقى رزلين يا "هاجر".
ضحكت قائلة في استمتاعٍ:
-عليا برضوه يا "تميم"؟ ده إنت تلاقيك آ....
قاطعها محذرًا بجمود جدي:
-"هـــاجر"! مابحبش كده.
لم ترهبها نبرته، وحملقت فيه متسائلة بلؤمٍ:
-طب عيني في عينك؟
أدرك أنه لن يفلت من قبضتها الفضولية إن تابعت الضغط عليه بتلك الطريقة الأفعوانية، لذا أدار محرك السيارة، ولف المقود بكلتا يديه، ثم حرك رأسه بعيدًا عن أنظارها المراقبة له، ليقول بعدها بوجومٍ:
-لا عيني ولا رجلي، خليني أوصلك عشان أشوف شغلي.
استمرت في ضحكها المستمتع وهي ترد:
-ماشي، براحتك خالص يا خويا.
تنفس بعمقٍ، والتزم الصمت ساعيًا ألا يثير الشكوك، وإن كان متأكدًا أنها باتت على دراية بغرقه في بحور العشق حتى النخاع، وإن واصل إنكار هذا أمامها؛ لكنه بات على يقين كبير باقتراب مجيء هذا اليوم الذي يبصر فيه حبه النور، حينها ستزهر براعمه وتنضج على يد واحدة فقط، مملوكة لطاووسه النفيس ................................................. !!!
..............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد
معلش اتأخرت عليكم ..
الفصل المائة وأربعة عشر
(شرُّ الدمعِ ما ليس يُراق)، ترددت تلك الكلمات في رأسها طوال الليل بعد أن قرأتها على إحدى المواقع الالكترونية المهتمة بنشر أبيات الشعر، شعرت "فيروزة" وكأن هذا البيت الشعري يوصف حالها بشكلٍ أو بآخر، فقلما بكى على ما أصابها أحدهم بصدق، نادرًا ما وجدت تعاطفًا حقيقيًا من قريبٍ يُدعمها، دومًا كانت بمفردها، تسعى بصلابة للظهور بمظهر القوة والثبات، إلى أن تصدعت روحها، وتآكلت تدريجيًا، فأصبحت عاجزة عن الصمود، أوشكت على الانهيار، وكادت تستسلم لظلامٍ استدعته، لولاهم!
المدهش في الأمر أن آخر من استبعدت مؤازرتهم كانوا في الصفوف الأولى في كافة المواقف التي احتاجت فيها لهذا! وقفوا إلى جوارها دون كللٍ أو ملل، دون مذلة أو إشفاق، أرادوها قوية الشكيمة، صلبة الإرادة، غير متخاذلة القوى، وسعوا بشتى الطرق إلى إعادتها لما كانت عليه، وها هي الآن تشحذ طاقتها للنهوض بعد عثراتها القاسية.
بسطت "فيروزة" كفها من جديد، لتبرز الميدالية الفضية المخبأة بداخلها، حملقت فيها بنظرات طويلة يتخللها الحيرة والتفكير، تنهدت متسائلة مع نفسها:
-ليه بتعمل معايا كده؟
قليله الصــادق مسَّ روحها حينما اعترف بنزقٍ أنه اشتاق لنبرتها، أغمضت عينيها، وأطبقت على راحتها محتضنة الميدالية من جديد، وهذا الصوت القوي يستاءل في عقلها:
-اشمعنى أنا؟
ومض في مخيلتها ذكرى اكتشافها لمشابك الرأس ومنديلها الضائع، اعتصرت ذهنها عصرًا محاولة تفسير كيفية اقتنائه لهم، والسؤال الأهم الذي تفتش عن إجابته لماذا يحتفظ بخاصتها في غرفته؟ تجددت مخاوفها من احتمالية ظن زوجته السوء بها آنذاك، ولذا كانت تهاجمها بجنونٍ لكونها تعلم بأن تلك أشيائها، فهناك دليل مادي ملموس يُدينها؛ لكن عاد عقلها ليبرر لها، لماذا تشك بها تحديدًا دونًا عن بقية النساء؟ أليست أشيائها عادية شائعة الانتشار في الأسواق المحلية؟ لما الخوف إذًا؟
توقفت "فيروزة" عن تفكيرها التحليلي حينما سمعت صرير الباب وهو يفتح بحذرٍ، لازمت الهدوء لتبدو مستغرقة في نومها الزائف، أحست بحركة أقدام خفيفة تدنو من فراشها، ثم شعرت بيدٍ تمسح بحنوٍ على صدغها، أرهفت السمع لصوت والدتها وهي تدعو لها بهمسها الدافئ:
-ربنا يبعد عنك أي شر، ويوقفلك ولاد الحلال.
انحنت عليها لتطبع قبلة صغيرة على جبينها، ثم انسحبت في هدوءٍ كما جاءت، بمجرد غلق الباب فتحت "فيروزة" عينيها، وأمنت على دعائها قائلة بصوتٍ خفيض للغاية:
-يا رب.
.................................................
بحركة شبه حذرة، شبَّ على قدميه محاولاً الارتفاع للأعلى قليلاً خلال وقوفه على الكرسي الخشبي المرتفع، ليبلغ المصباح المعلق في السقف، حتى يبدل لَمْبته المعطلة بأخرى تعمل. نجح "تميم" في تغييرها، وانحنى ليناول والدته غير الصالحة، راقبته "ونيسة" وهو يقوم بعمله في خفةٍ وإجادة، ثم أخبرته، وعيناها مثبتتان عليه:
-مش كنت خليتها للصبح أحسن؟ ده النهار له عينين
رد بتعابيرٍ جادة، ويداه تعملان على المصباح:
-ما أنا قاعد فاضي، ماورياش حاجة، والفجر قرب يأذن، هاصليه وأريحلي ساعتين.
دعت له برضا:
-ربنا يصلح حالك يا ابني ...
بدت مترددة نوعًا ما وهي تسأله:
-لو وقتك يسمح الأسبوع ده تبقى.. توديني عند أختي أطل عليها؟
أدار رأسه في اتجاهه، وخاطبها:
-شوفي امتى يامه، وأنا تحت أمرك.
تهللت أساريرها وهي تزيد من دعائها له:
-ربنا يراضيك يا حبيبي من وسع زي ما إنت مراضي الكل كده.
انضمت إليهما "هاجر"، وتأملت ما يفعله شقيقها بفضولٍ، ثم تساءلت بمزاحٍ ماكر:
-إنتو لسه سهرانين؟ إيه الفِكر شاغلك؟
خفض "تميم" من نظراته، وسلطها عليها، فوجدها تبتسم في لؤمٍ، بينما رددت والدتهما مستنكرة:
-أعوذ بالله، هو ناقص حاجة تشغل باله؟
قال بهدوءٍ وهو يهبط عن المقعد:
-أنا زي الفل ...
ثم حدج شقيقته بنظرة حادة وهو يتابع:
-بس إنتي عارفة "هاجر"، بتحب تهزر.
حاصرته بسؤالٍ ماكر:
-طب إنت سهران ليه؟ أنا معروف عشان أنيم "سلطان"، إنت بقى بتعمل إيه؟
لم يحبذ تلك الطريقة في استجوابه، لذا بتعابيرٍ غير مسترخية أجابها:
-ولا حاجة، مش جايلي نوم.
غمزت له مكررة عليه نفس كلامها السابق؛ ولكن بابتسامة مستمتعة:
-من الفِكر برضوه ولا حاجة تانية؟
أشار لها بيده نحو باب غرفتها مراوغًا عن منحها ما تريد سماعه:
-شوفي ابنك بيعيط.
في حين وبختها والدتها بضيقٍ:
-مالك ومال أخوكي يا "هاجر"؟
ردت نافية:
-ولا حاجة يامه.
أنذرتها "ونيسة" بلهجةٍ متعصبة:
-ماتزهقيهوش.
ردت بتبرمٍ:
-حاضر، بس صحيح ...
بترت باقي جملتها عن عمدٍ حتى تقف أمام شقيقها، وسألته بنظرة ذات مغزى:
-مش ناوي تخلينا نفرح بيك بقى؟ يعني مش هتفضل قاعد كده لوحدك من غير ما حد يونسك.
تفاجأت "ونيسة" من كلامها، وشعرت بوجود شيء مريب، فتلميحاتها المتوارية مؤخرًا قد زادت عن الحد، رد عليها "تميم" ببرودٍ:
-لما نفرح بيكي الأول.
علقت بعد تنهيدة سريعة:
-أنا خدت نصيبي خلاص.
رفع حاجبه للأعلى معقبًا:
-ومين قالك كده؟
أخبرته بغصةٍ طفيفة:
-أنا عارفة نفسي.
استخدم نفس أسلوبها المراوغ في الحوار، وقال وهو يربت على كتفها:
-ربنا كرمه واسع، مش جايز يراضينا سوا؟ حد عارف هيحصل إيه بكرة.
قطبت جبينها في عدم اقتناعٍ، وتثاءبت قائلة:
-الله أعلم، أنا هاخش أنام، تصبحوا على خير.
ابتسم وهو يودعها:
-وإنتي من أهله.
سارت "ونيسة" خلف ابنتها بتكاسلٍ، ونصحته:
-خش افرد ضهرك الساعتين دول يا "تميم"، إنت يا حبة عيني مابترتحش طول اليوم.
أومأ برأسه قائلاً:
-حاضر.
ثم ودعته هي الأخرى ببسمة بشوشة:
-تصبح على خير يا عين أمك.
لوح لها بيده وهو يستدير في اتجاه غرفته:
-وإنتي من أهله يا ست الكل
أوصد "تميم" الباب من خلفه، لا شك أن النوم مؤخرًا لن يصبح رفيقه، فطيفها المبتسم كان يجبر إدراكه على التيقظ، أراح جسده على الفراش بعد أن استلقى عليه، ووسد ذراعيه خلف رأسه، ليحدق بشرودٍ في الفراغ؛ كأنما يشاهد شاشة عرض سينمائية، مستحضرًا في ذهنه، وقت تواجدها معه في السيارة، وكأنها ذكرى مهمة، تحتاج لطقوس خاصة، لمعايشة تفاصيلها المشوقة من جديد.
كانت "فيروزة" تجلس بالخلف، في حالة سكون، تعابيرها مسترخية؛ لكن ملامحها ما زال يغلفها آثار الإعياء، وحينما التقت عيناها التعيستين بنظراته الدافئة، عبر انعكاس المرآة التي ضبطها عليها، شعر بمشاعر صبيانية حماسية تتسلل إلى أعماقه المعتمة، فأنارت دربه، وملأته بالأمل والسعادة. كم تمنى أن يقف الزمن عند تلك اللحظة! أن يغمر قلبها المتعب بمحبة تزيل قساوة الحياة عنها، وعندما باعدت جوهرتيها عنه، لتتقوقع حول نفسها، أحس بحزنٍ يزحف إليه، تنفس بعمقٍ، ثم أكد لنفسه عن يقين كبير قبل أن يطبق على جفنيه لينام، ووجهها يحتل خياله:
-هانت.
........................................................
أطلقت زفرة طويلة مرهقة وهي تستدير بعد غلق باب المنزل، لتضع عنها حقيبة كتفها، تكبدت اليوم عناءً مختلفًا؛ الإفراج عن جزءٍ آخر ضئيل من مكنونات صدرها المعبأ بأثقاله وهمومه، خلال جلستها مع الطبيبة النفسية؛ كان في زيارتها المنتظمة لها القليل من الارتياح، ومع هذا لا يزال الطريق شاقًا أمامها حتى يكتمل تعافيها. فرت دمعة حبيسة من عينيها مع استعادة ذكرى انتقاص "آسر" لأنوثتها، ذلك الجزء المخفي في أعماقها، لم تحبذ أبدًا التطرق إليها، تحاول تجاوز تلك المرحلة من تلقاء نفسها، ورغم ذلك لا تستطيع، فتلك عقبة قاسية تشعرها بالدونية وعدم الاكتمال.
امتدت يدها لتجفف أثرها قبل أن تلحظه والدتها التي جاءت، رفعت "فيروزة" رأسها في اتجاهها عندما سألتها باهتمامٍ:
-إيه الأخبار؟
حركت شفتيها لترد بإيجازٍ غامض:
-الحمدلله.
سألتها بفضولٍ أكبر وقد لاحظت الصينية المغطاة التي تحملها بيديها:
-الدكتورة دي كويسة معاكي؟
أومأت برأسها قائلة باقتضاب:
-أيوه.
اعتذرت منها "آمنة" بصدقٍ:
-والله لولا إن ميعادها جاي مع العلاج الطبيعي بتاع خالك كنت جيت معاكي، بس هاعمل إيه ماينفعش أسيبه لواحده، ولا حتى البت "كوكي".
قالت في تفهمٍ:
-مافيش مشكلة يا ماما.
انعكست بسمة صافية على وجه والدتها وهي تضيف:
-بس بسم الله ماشاءالله، عيني باردة عليكي، وشك ابتدى يرد، ويرجع زي الأول.
اكتفت بالإيماء برأسها، في حين هرولت "رقية" ناحيتها تسألها في صيغة طلبٍ بتعابيرها الطفولية اللطيفة:
-هتلعبي معايا يا "فيرو"؟
قبل أن تمنحها ردها، اعترضت عليها عمتها معللة تأجيل رغبتها:
-هي لسه جاية من برا وتعبانة، خلينا نتغدى الأول، وبعد كده هتفضالك.
ضمت شفتيها في تذمرٍ، وغمغمت بعبوسٍ:
-ماشي.
نهضت "فيروزة" من مكانها، وسألت والدتها باستغرابٍ طفيف:
-إنتي مودية الأكل ده فين؟
أجابتها بإشارة من رأسها:
-دول للعمال اللي تبع المعلم "بدير".
ضاقت عيناها في شكٍ، ثم سألتها مستوضحة:
-وإيه اللي جايبهم عندنا؟
رمشت "آمنة" بعينيها في ترددٍ قبل أن تسرد لها التفاصيل:
-ما هو من يوم ما حصل اللي حصل، وهو كتر خيره سايب اتنين عندنا، قاعدين على طول قريب من البيت، يعني عشان ياخدوا بالهم مننا، وأنا كل شوية بشأر عليهم، ووديلهم أكل ومياه واللي فيه النصيب.
ظهر الضيق على قسماتها، وبدا ذلك واضحًا أكثر عندما تكلمت محتجة:
-وليه كل ده؟ مالوش لازمة.
بحذرٍ أخبرتها:
-والله يا بنتي اتكلمت معاه كتير، بس هو مصمم.
كانت "فيروزة" فاقدة للرغبة في الجدال بعد ما تكبدته من استعادةٍ لمشاهدٍ لطالما استنزفت من قوى صمودها، همَّت بالتحرك نحو غرفتها؛ لكن والدتها استوقفتها بقولها:
-بالحق، الحاجة "ونيسة" اتصلت بيا، هاتيجي هي والجماعة بالليل عشان يطمنوا عليكي.
التفتت تنظر إليها في عدم رضا، وقالت:
-أنا بقيت أحسن، مكانش في داعي.
رغم معرفتها بعزوف ابنتها عن الالتقاء بأحدهم هذه الأيام، إلا أنها وجدت صعوبة في التهرب من تلك الزيارة، لذا بررت لها من جديد:
-هما ناس بتفهم في الأصول، اتحرجت أقولهم ماتجوش.
أولتها ظهرها وهي تعقب عليها باستسلامٍ ممتعض:
-خلاص يا ماما.
هتفت "آمنة" من ورائها مضيفة:
-طيب يا حبيبتي، خشي غيري هدومك، واغسلي وشك، عقبال ما أودي الأكل ده عشان ناكل كلنا سوا.
بتلقائية هزت رأسها، واقتضبت قائلة:
-طيب.
............................................
في أول الأمر، ضاق بتصرفات شقيقته المكشوفة؛ لكن بعد فترة اعتاد على تلك التلميحات المبطنة، كما لو كانت السبيل لتمهيد الطريق بين قلبين تذوقا الوجه القاسي للحياة. على مائدة الطعام، حيث اجتمعت الأسرة، لتناول الغذاء معًا، وتبادل الحوار عبر المستجد من الأحداث، بادرت "هاجر" مقترحة وهي تدس ملعقتها المليئة بالأرز في جوفها:
-ما تيجي توصلنا يا "تميم" لو إنت فاضي.
نظر في اتجاهها متسائلاً بفتور:
-هو إنتو رايحين فين؟
اتسعت ابتسامتها وهي تخبره:
-عند نسايب السعد!
بنظرته المتشككة فهم ما ترمي إليه، وتحولت تعابيره للاحمرار من الحرج، حاول تجاهل نظراتها الكاشفة لأمره، وادعى انهماكه في تناول ما يملأ صحنه، بينما تساءل الجد "سلطان" مستفهمًا:
-مين دول؟
استدارت ناحيته، وقالت بنفس الوجه المبتسم:
-"فيروزة" يا جدي.
هز رأسه قبل أن يرد ليكمل بعدها قضم قطعة الدجاج المطهية:
-سلمولي عليها.
هتفت في مرحٍ:
-من عينيا يا جدي.
سعى "تميم" لضبط نبرته وهو يسأل شقيقته:
-هي كويسة؟ تعبت تاني ولا إيه؟
ضحكت قبل أن تجيبه:
-ماتتخضش كده، دي زيارة عادية ودية على الماشي.
تعمُدها لإحراجه علنًا، وفي حضرة كامل أسرته، يجعل خنقها أمرًا وجوبيًا؛ لكنه تمالك أعصابه، وعلق ببرود غير مقنع:
-تمام.
أشارت له بحاجبها وهي تسأله بتلك النظرات اللئيمة:
-هاتيجي؟
رد بفمٍ ممتلئ:
-معرفش.
عضت "هاجر" على شفتها السفلى قبل أن تؤكد له عن ثقة:
-يبقى هتيجي.
بغمغمةٍ لم تفارق شفتاه ردد "تميم" في نفسه تعقيبًا عليها:
-إنتي مش سهلة على فكرة!
وجهت "ونيسة" كلامها لزوجها قائلة:
-ها يا حاج، هتيجي معانا؟
رد "بدير" بعد لحظة من التفكير:
-أه، عايز أطمن عليها بنفسي.
أضافت "هاجر" قائلة بنفس أسلوبها المازح:
-والله اللي يشوفنا رايحين عند الجماعة يقول ده في خطوبة.
تلك المرة فقد "تميم" صبره بعد تجاوزها الحدود المسموح بها، فصاح بها بشدةٍ:
-ما كفاية بقى يا "هاجر"، مش عايزين بواخة.
نظرت إليه بنظرات لائمة قبل أن تسأله:
-هو أنا قولت حاجة غلط؟
قال نافيًا دون أن تسترخي نبرته أو نظرته الحادة نحوها:
-لأ، بس مابحبش كده.
لاحظ "بدير" ما يدور بينهما، فأدرك أن ابنته قد تفقه ذهنها لتعلق شقيقها بـ "فيروزة" بشكلٍ أو بآخر؛ فالنساء في مسائل العاطفة خبيرات عن الرجال، وربما كشفت أمره ببديهيتها، لهذا وبحنكة عقلانية أدار الحوار ناحيتها، فاستطرد قائلاً بتعابيرٍ هادئة:
-طب بما إنك فتحتي السيرة دي في عريس جايلك.
ضحكت عاليًا في سخريةٍ قبل أن تعلق:
-عريس؟ ليا أنا؟ أكيد بتهزروا.
بينما تساءلت "ونيسة" في دهشة عظيمة شابها القليل من الفرحة المستترة:
-مين ده يا حاج؟ وأنا معرفش إزاي؟
جاوبها بملامح تحولت للجدية:
-هو فاتحني من فترة، وأنا مدتوش كلمة لحد ما أخد رأي "هاجر".
ظنت ابنته أنها طُرفة ألقاها أبيها كمقابلٍ لاستفزازها لشقيقها، لم تعتقد غير ذلك إلى أن بدا الأمر جديًا للغاية من طريقة عرضه له، فتساءلت بتعابيرٍ شبه قلقة:
-إنتو بتتكلموا جد ولا إيه؟
جاءته الفرصة على طبقٍ من فضة ليعاملها بالمثل، لذا شــارك "تميم" والده الرأي، وقال:
-أه طبعًا، عريس لُقطة، صح يا جدي؟
التفتت "هاجر" ناظرة إلى جدها، فوجدته هو الآخر على علمٍ بتلك المسألة، بعد أن ردد في قبولٍ:
-أيوه، ابن حلال وجدع.
اِربد وجهها بالضيق، وأردفت معقبة عليهم:
-مين ده اللي هياخد واحدة زيي، بعد ما آ...
قاطعها "بدير" قبل أن تتم كلامها مشددًا عليها:
-إياكي تقللي من نفسك يا "هاجر"، إنتي مالكيش ذنب في أي حاجة حصلت بسبب "محرز"، هو خلاص راح عند دار الحق، وهناك ربنا هيقتص منه في كل حاجة أجرم فيها.
لمعت عيناها تأثرًا، فأكمل مؤكدًا عليها:
-وبعدين إنتي بنت "بدير سلطان"، وولاد عيلة "سلطان" مايخجلوش من نفسهم طالما معملوش حاجة لا عيب ولا حرام.
خنقت الغصة العالقة في جوفها، وحادثته قائلة بيأسٍ:
-تعيش يابا، بس أنا خدت نصيبي، خليني كده عايشة لابني.
اعترضت "ونيسة" عليها بضجرٍ:
-وتدفني شبابك بالحيا؟ ليه كده يا بنتي؟
رفضت التفكير في المبدأ برمته، وأصرت على رأيها:
-مش عايزة أعيده تاني.
استطرد "تميم" قائلاً بتسلية وهو يرمقها بتلك النظرة العابثة:
-طب مش تعرفي مين الأول، جايز تغيري رأيك يا "هاجر"، وخصوصًا إنه ماسك فيكي بإيده وأسنانه.
حدجته بنظرة مغتاظة لتشبيهه المحرج، خاصة أنها تجهل هويته، في حين تساءلت "ونيسة" بفضول:
-صحيح مين ده يا حاج؟
بعد أن بلع ما يملأ جوفه قال، وعيناه ترتكزان على ابنته:
-"سراج"!
حملقت الأخيرة في وجهه باندهاشٍ مصدوم، غير متوقعة أن يكون هو من تقدم لطلب خطبتها، بعد كل ما صار بين العائلتين من عداءٍ وكراهية.
....................................................
-نورتونا يا جماعة.
نطقت "آمنة" بتلك الكلمات المرحبة بضيوفها المتواجدين بحجرة الصالون وهي توزع كؤوس المشروبات الباردة عليهم، لتستقر بعد أن أنهت مهمتها على الأريكة الشاغرة إلى جوار ابنتها، شملتهم بنظرة أخرى لتتأكد من عدم تقصيرها في إكرامهم، وتوقفت عيناها على "ونيسة" عندما علقت عليها كنوعٍ من المجاملة اللطيفة:
-الله يكرمك يا رب.
بغيرِ استباقٍ تعمد أن يكون متأخرًا في حضوره، ليحظى بفرصة مقابلتها أولاً قبل أن يحول تواجده بالداخل دون تمتع عيناه بتأملها، وقد كان ما تمناه، عندما أتت بطلتها البهية لتفتح له الباب وتدعوه للدخول، فنال شرف رؤياها. دق قلبه بسعادة كبيرة، كاد يشق ضلوعه ليعلن عن حب عذبه طول الانتظار، تنهد متسائلاً في لهفةٍ فشل في مواراتها:
-إنتي بخير؟
أجابته بنظرة لم تكن حزينة:
-الحمدلله.
حمحم قائلاً في حرجٍ:
-معلش عاملين إزعاج ليكو.
جاملته بوجهٍ ابتسم قليلاً:
-متقولش كده.
اتجهت أنظار الاثنين إلى الصغيرة "رقية" عندما أقبلت ركضًا وهي تنادي:
-عمو.
فتحت ذراعيها كأنما تريده أن يرفعها عن الأرضية، فحملها "تميم" على ذراعه، وسألها بحنوٍ:
-إزيك يا حلوة؟
أجابته بمرحٍ:
-كويسة.
طبع قبلة صغيرة على وجنتها، فسألته ببراءة كانت السبب في إحراجه بشدة:
-دي أديها لـ "فيرو"؟ ولا بتاعتي؟
تلون وجه "فيروزة" بحمرة خجلة لعفويتها، واحتدت نظراتها نحو الصغيرة قبل أن تنهرها:
-"كوكي"!
تفاجأ "تميم" بتلقائيتها النزقة، تلك التي جعلته يرى للمرة الأولى بشرتها تتخضب بلونٍ أضفى على الجمال جمالاً، حاول المناص من إجابتها بردٍ محايد:
-آ.. براحتك.
ثم أنزل الصغيرة على قدميها، فقالت في عبوسٍ معاند:
-مش هديهالك يا "فيرو".
ثم ركضت للداخل، بينما تنحنح "تميم" مضيفًا وهو يضبط ياقتي قميصه الرمادي:
-احم .. هو الجو بقى حر ليه كده فجأة؟ أنا أخش جوا أحسن.
وأسرع في خطاه لينضم للبقية، مقاومًا ابتسامته المبتهجة التي احتلت ثغره، وحدسه ينبؤه أنها ما زالت تخجل مما حدث رغم كونه عفويًا. افترت شفتا "فيروزة" عن ابتسامة ناعمة، غير متكلفة، لوهلةٍ تبادر إلى ذهنها صدامها الحاد معه، بالقرب من مطبخ منزلها، حينما أوشكت على صفعه للمرة الثانية، ومع هذا لم يعاملها بالمثل؛ كان أكثر انضباطًا وتحكمًا في ردة فعله، تلاشت الذكرى كما استحضرتها سريعًا مع فارق أنها أخجلتها من نفسها، وتركت فيها شيئًا من الندم، والارتباك.
سحبت الهواء بعمقٍ إلى رئتيها لتستعيد هدوئها، ثم لفظته ككتلة واحدة، وتحركت للداخل، لتجلس في المقعد الوحيد الشاغر بالغرفة، كأن شيئًا لم يكن. وجه "بدير" حديثه إلى "فيروزة" متسائلاً بنبرة مهتمة:
-عاملة إيه يا بنتي؟
نظرت في اتجاهه، وأجابته:
-الحمدلله.
رد مؤمنًا عليها في حبورٍ:
-يستاهل الحمد، دايمًا يا رب.
استطردت "هاجر" قائلة بحماسٍ:
-إنتي عارفة يا "فيروزة" أنا بقيت أحبك زي أختي والله، مش قادرة أقولك إنك دخلتي قلبي من جوا ..
ثم نظرت بطرف عينها إلى شقيقها، وتابعت:
-حتى اسألي "تميم"، طول اليوم في سيرتك معاه.
شرق الأخير مصدومًا من صراحتها غير الموضوعة في الحسبان، وسعل في حرجٍ، ليعتذر بعدها:
-لا مؤاخذة.
اختلس نظرة سريعة نحو "فيروزة" المحدقة به عن قصدٍ، قبل أن تحيد بعينيها عنه لترد متسائلة في لطفٍ:
-بالحلو ولا الوحش؟
ضحكت وهي تجيبها:
-الحلو كله طبعًا، إنتي ماتعرفيش معزتك عندنا كلنا عاملة إزاي.
عادت لتنظر إلى "تميم" بنظرةٍ خاطفة كادت ترديه قتيل عشقها، بل إنها زادت من أوج الشوق للظفر بحبها، وضاعفت من رصيد اللهفة إلى البقاء في أحضانها، خاصة عندما عبرت لها بإشراقةٍ لم ترَ العين في جمالها:
-يا رب أفضل كده .. دايمًا ...................................... !!
........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم Manal Salem
كل سنة وحضراتكم طيبين وبخير ..يا رب تكونوا في احسن حالرمضان كريم عليكم ..موعدكم الآن مع الفصل الأخير من الجزء الثالث من #الطاووس_الأبيضقبل التوقف حتى نهاية الشهر الفضيلقراءة ممتعة
الفصل مائة وخمسة عشر (الأخير)
سكت كثيرًا حتى نال منه حزنه، فلم يعد يقوى على كتمان ما يُطبق على صدره أكثر من هذا، لكونه يسحبه نحو حافة الانهيار، وهذا ما لم يرغب فيه. تابع "هيثم" بعينيه الكسيرتين زوجته وهي تسير على مهلها حاملة صينية الطعام لتأتي بها إليه في غرفة نومهما، نهض من على الفراش ليحملها عنها، وهتف يشكرها:
-تسلمي يا "همسة".
ردت بوجهها المبتسم لتستحثه على تناول الطعام:
-عايزاك تخلص ده كله، إنت بتتعب طول اليوم.
بادلها الابتسام، وقال مظهرًا طاعته:
-ماشي.
جلسا معًا على جانب الفراش، تفصل بينهما صينية الطعام، وشرعا في تناول لقيمات مما هو موضوع، إلى أن بادر زوجها مستطردًا بنوعٍ من الغموض:
-كنت عاوز أحكي معاكي في حاجة.
قفزت علامات الاستفهام إلى تعبيراتها، ونظرت إليه متسائلة بأسلوبٍ لطيف عكس اهتمامها:
-خير يا حبيبي؟
لفظ الهواء من صدره هاتفًا بملامح شبه عابسة:
-أنا عرفت حقيقة أمي.
زاد الفضول بداخلها، وتابعت ما يقوله باهتمامٍ أكبر؛ لكن التردد ظل بائنًا في صوته عندما قال:
-هي مكانتش صادقة في كل حاجة ...
غلف صوته الاختناق، ووجد صعوبة في بلع الطعام وهو يبوح لها:
-ضحكت علينا من زمان، ومليت نفوسنا غل وحقد ضد جوز خالتنا.
نظرت له في تعاطفٍ شابه الصدمة، بالكاد منع نفسه من البكاء عندما استمر في إخبارها:
-واكتشفت من قريب إني كنت عايش في وهم كبير، وهي أكبر ممثلة استغلتنا كلنا عشان تكوش على الفلوس وتلمها.
رأت العبرات تملأ حدقتيه، فمدت يدها لتربت على كفه المرتجف قليلاً، بثت الطمأنينة في نفسه بقولها:
-سيبك من اللي فات كله، المهم دلوقتي يا "هيثم"، احنا وجودنا مع بعض هو الأهم، وده اللي فارق معايا.
انبعجت شفتاها عن ابتسامة راضية وهي تضيف بتفاؤل:
-خلينا نفكر في مستقبلنا، ومستقبل البيبي اللي جاي.
ظل الألم يوغر صوته وهو يحاول إفشاء ما خبأه كثيرًا:
-في حاجة كمان لازم تعرفيها، أنا مش عايز أخبي عليكي أي حاجة نهائي.
توترت تعبيراتها من هيئته المستريبة، بينما بلع "هيثم" ريقه، ونطق بتلعثمٍ:
-أنا ... آ..
سكت ولم تسكن أوجاعه، كان بحاجةٍ لتفريغ ما اعترته نفسه من هموم، استجمع جأشه ليكمل جملته، والدموع تنساب من طرفيه تأثرًا بالذكرى الأليمة:
-السبب في موت أبويا.
شهقت "همسة" مصدومة، وارتفع حاجباها للأعلى في ذهولٍ، سرعان ما وضعت يدها على فمها تلقائيًا لتكتم أنفاسها، واستمرت تتطلع إليه بنظراتٍ متسعة لبرهةٍ، إلى أن تمالكت أعصابها، خفضت يدها، وسألته بقلبٍ واجل:
-طب إزاي؟
نكس رأسه في ندمٍ، وحادثها بصوتٍ شبه متقطع:
-هاقولك.
.........................................
بدت في بعض الأحيان مأخوذة وشاردة، تتأمل بعينين فاحصتين الأوجه المحبة المتطلعة إليها؛ كانت مشاعر البغض والحقد أبعد ما يكون عنهم، حقًا تخلل تحت جلدها إحساسًا عميقًا بأنها تنتمي إلى هذه العائلة، وإن لم تجمعهم صلة الدم أو القرابة! رأت في نظراتهم المهتمة كافة مشاعر الود، الألفة، والحب. انتبهت "فيروزة" وسط تأملاتها إلى صوت "بدير" الذي يخاطبها:
-عايزك يا بنتي في كلمتين كده.
أدارت رأسها في اتجاهه، وأبدت ترحيبها قائلة:
-اتفضل يا حاج.
نهضت معه متجهة إلى الخارج، وأشارت له ليجلس بالبهو، على أحد المقاعد، تتبعته بنظراتها وهو يخرج من جيب جلبابه محفظته الجلدية العريضة، ليناولها ورقة مطوية، وهو يستطرد:
-ده يخصك.
أخذتها منه متسائلة في استغرابٍ:
-إيه ده؟
فتحتها لتقرأ ما كُتب فيها، وصوته يوضح لها:
-وصل أمانة.
ما زال وجهها يعكس دهشتها وهي تسأله:
-بتاع إيه؟
بدا وديًّا لأقصى الحدود وهو يخبرها:
-رد اعتبار عن اللي حصلك.
فهمت من تلميحه الحذر مقصده، فأعادت الورقة إليه مبدية رفضًا شديدًا:
-مش عايزاه.
أصر عليها بهدوءٍ:
-ده حقك، وضمان إنه مايكررش اللي عمله.
هتفت بعنادٍ يشوبه الغضب:
-أنا مش هاخد حاجة من الكلب ده.
استمر في إقناعها قائلاً بعقلانية:
-خديه يا بنتي، ولو أي حد كان اتظلم، ولجألنا، كنا هنجيبله حقه بنفس الطريقة.
تمسكت برفضها، فقالت بصوتٍ امتزج بحنقها:
-يا حاج "بدير"، أنا متعودتش ....
قاطعها بتشددٍ:
-دي مافيهاش يا حاج "بدير"، الاتفاق تم في وجود الرجالة كلهم، وعمك موافق على ده، مش هنرجع فيه إلا لو كنتي عايزاه ميت!
برقت عيناها مذهولة من تصريحه، فأكدت عليها:
-دي الحاجة الوحيدة اللي تخليني أوافق أرجع الوصل.
أطرقت رأسها قائلة بنبرةٍ شبه جريحة:
-أنا تعبت من المشاكل يا حاج، مابقتش مستحملة حد يضغط عليا بأي شكل.
بنظرته الخبيرة، تدارك ما تمر به من تخبط، فأوضح مبتسمًا:
-وأنا مش بأضغط عليكي ...
ثم صمت لهنيهة ليتابع بأسلوبه الرزين؛ وكأنه يرمم بطيب كلامه نفسها المتخاذلة لتتخلى عن هذا الشعور المحبط:
-أنا عايزك ترفعي راسك، وماتفرطيش في حقك عشان حد داسلك على طرف، إنتي بنتنا، ولو كان حقك في بطن السبع هنشقه ونجيبهولك.
لامس حديثه الأبوي روحها، بالفعل كان قادرًا على إيقاظ نزعة الصمود بداخلها، فعلقت وهي ترفع رأسها لتنظر إليه:
-مش عارفة أقولك إيه يا حاج "بدير" ...
قتلت الغصة المتأرجحة في صوتها وهي تخبره:
-اللي من دمي معملوش كده معايا.
بحكمته المتروية خاطبها:
-يا بنتي القرابة مش لازمًا تكون بالدم، لأ بالود والمحبة.
افترت شفتاها عن بسمة صغيرة، كتعبيرٍ عن إعجابها بحديثه، فأضاف على حديثه قائلاً:
-الراجل اللي بجد يعرف امتى يشد، وامتى يرخي، امتى يحمي أهل بيته، وامتى يقف للظالم.
أومأت برأسها تأيده:
-معاك حق.
أجلى "بدير" صوته من الخشونة العالقة بأحباله، وسألها مباشرة دون تمهيد:
-صحيح، هتنزلي الدكان امتى؟
تنهدت وهي تجيبه بما يشبه المراوغة:
-هشوف الظروف.
برزت الجدية في حدقتيه وهو يسألها بتحذيرٍ محسوس في نبرته:
-اوعي تكوني غيرتي رأيك؟ لأ كده هازعل منك.
ضغطت على شفتيها للحظةٍ قبل أن تحركهما قائلة بردٍ بدا دبلوماسيًا:
-ربنا يسهل.
لم يضغط عليها لإقناعها بالنزول، لكنه استخدم معسول الكلام لتليين رأسها:
-عايزك تنوري الحتة، ده احنا بنتباهى بيكي، بنقول بنتنا عملت وسوت، ماتحرميناش من طلتك.
ابتسمت مجاملة عندما ردت:
-إن شاء الله.
ربت "بدير" على جانب ذراعها، وامتدح رزانتها:
-ربنا يكملك بعقلك، ويرزقك بالخير كله ...
دفع جسده لينهض من جلسته، ثم اختتم جملته قائلاً ببسمة مليئة بقوة اليقين:
-وخليكي فاكرة إن عوض ربنا مالوش حدود.
نهضت "فيروزة" بدورها، وعقبت عليه بتنهيدة صغيرة:
-ونعم بالله!
............................................
ابتعادها عنه -وإن كان مؤقتًا- سحب معه كل مباهج الحياة ليشعر بخواء يصيب قلبه، دبت الروح في جسده المحموم بحبها عندما رأى وجهها المشرق يعود إليهم، تعلقت عينا "تميم" بقسماتها محاولاً رؤية أي تغيير طرأ فيها، ولِحَظه كان إيجابيًا، اختفى الكدر والوجوم من وجهها، فبدت أكثر نضارة، حيوية، وجاذبية، راقب يدها وهي تنخفض لتطرح طرف حجابها الأسود المتدلي، لتعيده إلى كتفها، كم أحب رؤيتها تزدان به!
تلون وجهه بحمرة متحرجة عندما ناداته والدته عاليًا:
-يا "تميم"، إنت مش معانا ولا إيه؟
تساءلت "هاجر" في لؤمٍ، وهي تتعمد إظهار بسمتها الماكرة على ثغرها:
-سرحان في إيه كده؟ مين شاغل بالك؟
اكتسبت ملامحه جدية رهيبة، ورمقها بنظرة قاسية محذرة، قبل أن يدير رأسه ليخاطب "ونيسة":
-خير يا ست الكل؟
أجابته وهي تشير بيدها:
-الحاجة كانت بتسأل على حد بيركب تند، ويكون مضمون، ما تعرفش حد كويس؟
بدلاً من النظر إلى وجه "آمنة"، ارتكزت عيناه على "فيروزة"، وأجاب عن ثقة:
-أعرف، أحسن واحد في البلد، شوفوا عايزين تعملوا إيه وأنا تحت أمركم.
ردت "آمنة" تشكره:
-يبقى كتر خيرك يا ابني.
أكد عليها، وعيناه تحيدان بصعوبة عن وجه الطاووس الغَض:
-متقلقيش يا حاجة، أنا موجود معاكو في أي وقت، إنتي بس أشري.
ضحكت "هاجر" معلقة عليه:
-سيد المعلمين بصحيح ...
ثم حولت بصرها نحو "فيروزة" وتشدقت قائلة عن عمد؛ لكن بصوت شبه خافت، وصل إلى مسامع معشوقته:
-ربنا هيراضيها اللي هتتجوزك بجد، هتشوف معاك الهنا كله.
التفتت "فيروزة" على إثر جملتها الموحية إليها، نظرت إليها بنظرة حائرة، فرأتها تبتسم لها بحبٍ وألفة، تصنعت الابتسام المجامل لها، وفي رأسها يدور سؤالاً بعينه، أُضيف إلى سابقه من تلميحات مختلفة كانت على لسان الجد والأب، كلها لفت في دائرة واحدة، خشيت من استنباط ماهيتها؛ وإن كانت قد خمنت فحواها، وسبقتها العين قبل العقل في تأكيدها، حيث انتقلت نظرتها إليه، وجدته يهيم بنظراته العميقة على وجهها، نظراتٌ أجبرت القلب على الخفقان في ربكةٍ لطيفة، لم تنبذها، ولم تستنكرها، بل إلى حد كبير حركت الركود المستعمر في كيانها، وحولته إلى شيء مشوق جعل حواسها تستفيق من سباتٍ طويل، لتدرك بغتةً أن ما يضمره نحوها ليس بأكاذيب!
............................................................
تطلعت بعيدًا خلال استلقائها على الفراش، كأنما نُقلت روحها إلى عالمٍ آخر، فعكست نظراته المثبتة على سقف غرفتها المعتمة شرودًا واضحًا، فبدت مستغرقة كليًا في تفكيرها العميق، حيث دهمها وابل من الذكريات المتعلقة به وحده، كان "تميم" حاضرًا وبقوة -في تلك الليلة- في ذهنها، كأن الدنيا خلت من الجميع إلا إياه، راحت "فيروزة" تستحضر كافة مشاهد مروءته في مخيلتها، فبزغ في قلبها ميلاً خفيًا نحو شهامته، جعل بدنها يتلبك في توترٍ، اعتصرت عقلها عصرًا لتفسر سبب تصرفاته معها، باحثة عن جواب منطقي ينافى ما استشعرته، فتساءلت بخفوتٍ وهي تتقلب على جانبها:
-إنت عايز مني إيه بالظبط؟
كانت في أعماقها تخشى من مواجهة الحقيقة والاعتراف لنفسها بأنه يحمل لها شيئًا في قلبه، رفضت الانسياق وراء ذلك الاعتقاد، وقاومت التفكير فيه قدر المستطاع، حاولت تبرير دعمه لها بأنه نوع من الإشفاق والتعاطف العابر، سينتهي بمجرد أن تعود الأمور إلى مجرياتها الطبيعية. أطبقت على جفنيها ورددت بتكرارٍ متواصل لتقنع نفسها:
-هي دي الحقيقة، هو بيساعدني لوجه الله، مش أكتر من كده!
استجمعت شتات أفكارها، وأطلقت زفرة بطيئة، لتستعد بعدها للنوم، وهي تأمل بشدة ألا تتكبد خوض تجربة حسية جديدة، ليست مستعدة لها نفسيًا وذهنيًا بعد.
.....................................................
تلك اللحظات التي تنفرد فيها ليلاً بشخصها تمنحها مساحة من التفكير المتأني والرزين، أرجأت "هاجر" إمعانها في تدبر مسألة عرض الزواج المقدم من "سراج" حتى تختلي بنفسها، اعتبرت في البداية الأمر كنوعٍ من المزاح العادي؛ لكن جدية طرح الموضوع أكد لها عدم استهانة أسرتها بالأمر، هدهدت رضيعها بين ذراعيها عندما تململ لتدفعه للنوم في هناء، ثم تنهدت بعمقٍ، وسألت نفسها؛ كأنما تفكر بصوتٍ مسموع:
-طب إزاي؟ عجبه فيا إيه بعد اللي حصل؟
ضاقت عيناها بشكٍ حائر، وتابعت حديث نفسها:
-بيتهيألي هو متجوزش أصلاً من ساعة ما "تميم" خرشمه!
ضحكت رغمًا عنها، وأضافت ساخرة:
-شكله مكانش نافع وقتها
عادت الجدية الممتزجة بالحنق تكسو تعبيراتها وهي تكمل:
-وأنا أجيب لنفسي وجع الدماغ ليه؟ ده كفاية صدمتي في "محرز" الله ينتقم منه، بلاش منه حكاية الجواز دي.
زمت شفتيها مرددة:
-بس بردك أبويا مكانش هيسكتله لو نيته وحشة ...
تنهدت بزفيرٍ طويل مخاطبة نفسها:
-والله أنا احترت من كتر التفكير.
أراحت ظهرها للخلف، واستحضرت مقتطفات خاطفة من زيارة والدة "سراج" الاستثنائية لهم، لم تفهم آنذاك سبب قدومها؛ لكن والدتها رحبت بها بشدة، واستقبلتها بحفاوةٍ على غير المعتاد، شملتها الضيفة بنظراتٍ دافئة حنون، واستطردت تمدحها بضحكاتٍ مرحة:
-ماشاءالله، بنتك دي حتت سُكرة، ربنا يفرحك بيها قريب.
ردت "ونيسة" تجاملها:
-تسلمي يا حاجة.
استمرت في ثناءها عليها، وأضافت:
-يا زين ما ربيتي، فعلاً أبوها لازم يقعد ويتشرط.
علقت بلطفٍ:
-والله بتحرجينا بكلامك العسل ده.
سلطت "أم سراج" أنظارها على ابنتها، ودعت لها بصدقٍ:
-دي الحقيقة، ربنا يبختلك ابن الحلال اللي يسعدك يا بنت الغاليين.
تثاءبت "هاجر" وهي تتمدد على الفراش، لتنفض بعدها الذكرى من عقلها، لتركز نظرها على رضيعها، قبل أن يسحبها النوم في دوامته المغرية.
.........................................................
غرز ظفر إصبعه الصغير بين أسنانه، ليزيح العالق من الطعام بعد أن التهم كافة ما في الأطباق بشراهةٍ لا يسهل إشباعها، ثم سار بتكاسلٍ وهو يجرجر قدميه متجهًا إلى غرفته، استوقفه صوت الدق العنيف على باب المنزل، فاستدار "فضل" ناحيته، وصوته يأمر والدته التي أتت مهرولة في توجسٍ لترى من الطارق:
-استني يامه، أنا هاشوف مين.
ردت من خلفه بصوتٍ قلق:
-استر يا رب.
هلل عاليًا بتوبيخٍ:
-بالراحة يا جحش على الباب، هيتخلع في إيدك.
ثم أدار المقبض وفتحه ليتفاجأ بشخصٍ عريض المنكبين، سدَّ عليه الهواء من طوله الفاره، وانتصاب قامته. أُجبر "فضل" على إمالة رأسه للخلف لينظر إلى وجهه، رمقه بنظرة غريبة قبل أن يسأله بوقاحةٍ:
-إنت مين يا طِحش؟
حدجه الرجل الغامض بنظرة نارية عدائية، قبل أن يخبره بصوته الأجش:
-صحيح اللي قال عن لسانك زفر مكدبش.
انفجر فيه غاضبًا من تعليقه:
-إنت جاي تهزقني في بيتي يا بأف إنت؟
رد الرجل بتهديدٍ صريح:
-أنا جاي أربيك.
شهقت "سعاد" في ذعرٍ بعد أن وصل إلى مسامعها صوته الجهوري، ودنت من ابنها لتفهم سبب هذه المشادة الغريبة، في حين هدر "فضل" بعصبيةٍ:
-نعم ياخويا؟ تربي مين؟
زجره الرجل بإهانةٍ فجة غير مبالٍ به:
-لما واحد جالوس طين زيك يتطاول على حريمنا يبقى يستاهل الرباية.
صاح بتشنجٍ:
-حريم مين؟ هو رمي بلى؟
استقام الرجل واقفًا، فزاد طولاً، وخاطبه بنبرة اخشوشنت على الأخير:
-جماعتي الجديدة، ستك وست كل البنات، اللي إنت داير تلسن عليها بلسانك الـ ...!
قطب جبينه متسائلاً في دهشة:
-إنت قصدك على "سها"؟
أطبق على عنقه غارزًا أصابعه في جلده وهو يحذره:
-ما تنطقش باسمها يا ... !
هتفت "سعاد" بجزعٍ:
-هو في إيه يا ابني؟
انتفض "فضل" بقوةٍ ليتحرر من قبضته الدامية، وهتف يرد بعدائيةٍ حفظًا لماء وجهه:
-اغلط كمان، يا بجاحتك، واقف قصادي تتفرد وتتنى، لأ وبتتهجم عليا في قلب بيتي، وقصاد الخلايق، إنت مين يعني؟
اِربد وجهه بعلامات الغضب، وعرفه بهويته بصلابة جعلته يهابه:
-أنا "رشيد عبد المنعم"، عين أعيان البر الشرقي.
حاول الاستهزاء به، وقال:
-تشرفنا يا سيدي، إنت جاي بقى من غير إحم ولا دستور عشان طق الحنك ده؟
اندفع دون مقدماتٍ نحوه لينقض عليه، جذبه بشراسةٍ من ياقتي جلبابه وهو يتوعده:
-لأ يا روح أمك، ده إنت هتشوف نهار أسود من قرن الخروب.
صرخت "سعاد" في فزعٍ:
-يا نصيبتي! هتعمله إيه؟
في غمضة عين وجد "فضل" نفسه ملقى عند قدميه، والأخير يركله في بطنه بكل ما أوتي من قوةٍ، وصياح "سعاد" الصارخ من خلفه يتوسله:
-سيبه يا جدع إنت، هيموت في إيدك.
هدده "رشيد" بنبرة غير متهاونة أبدًا:
-لو سيرتها جت على لسانك تاني هجرسك وسط الخلق، هخليك ملطشة الصغير قبل الكبير!
ثم سدد له ركلتين أشد قساوة عما سبق أسفل معدته، ليتأوه الأخير باكيًا من الألم المبرح، ليلتفت بعدها نحو والدته ينذرها:
-ربي ابنك يا حاجة، ده لو مش عاوزة تترحمي عليه.
لطمت "سعاد" على صدرها، وانحنت جاثية على ركبتيها إلى جوار ابنها المتكوم تنوح عليه، بينما نفض "رشيد" كفيه معًا، وصاح عاليًا مخاطبًا القلة المتجمهرة على مقربة من المنزل:
-اللي يسمع فيكم الـ ... ده جايب سيرة حريمنا بكلمة يعرف بس أي حد من طرفي، وليه الحلاوة ...
ثم ركز بصره الحانق على "فضل"، وأتم جملته:
-وهو ليه الجِلة!
بصق عليه، وانصرف مخترقًا التجمهر المرابط في محيطهم، تاركًا "فضل" يئن في شكوى وسط همهمات الناس الفضولية، والتي كانت غالبيتها شامتة فيما حدث له.
..............................................
أثرت تلك المرة أن تلتقي بها "ريم" في مكانٍ مفتوح، غير مكتبها التقليدي، لاستكمال جلساتهما العلاجية، وأيضًا كوسيلة غير مباشرة لحثها على تغيير روتينها الاعتيادي، وتقبل المجازفة بعد أن انغلقت على نفسها، خاصة عندما أطلعها "ماهر" على خلفية أزمتها السابقة خلال فترة سفرها. أحست "فيروزة" بنسمات الهواء المنعشة تداعب وجنتيها وهي تدور برأسها في الحديقة المورقة تتأمل إبداع الخالق فيها، التفتت ناظرة إلى طبيبتها عندما سألتها:
-مش كده أحلى؟
أومأت برأسها موافقة، فأضافت "ريم" متسائلة بابتسامتها اللطيفة:
-مش ناوية تخرجي برا دايرة العزلة اللي إنتي حابسة نفسك جواها؟
غامت نظراتها قليلاً، ورفضت التجاوب معها، فاستحثتها على نبذ انطوائها بسؤالها التالي:
-مزهقتيش؟ مانفسكيش تجربي حاجة جديدة تعمليها:
سحبت شهيقًا عميقًا، ولفظته دفعة واحدة قبل أن ترد:
-مش عايزة.
بحذرٍ لاحقتها بسؤالٍ آخر:
-ليه؟
جاوبتها بوجهٍ منزعج:
-ده أحسن ليا.
صمتت لبعض الوقت قبل أن تتساءل في اهتمامٍ لا يخلو من الحيطة:
-إنتي خايفة من إيه يا "فيروزة"؟
بعد فترة من السكوت نطقت في ألمٍ:
-خايفة اتجرح تاني، وأنا معنتش مستحملة أذية.
علقت بهدوءٍ:
-طبيعي تحسي بالخوف بعد كل اللي شوفتيه، بس صدقيني إنك تحاولي وتجربي أحسن بكتير من إنك تستسلمي لخوفك.
احتجت عليها بصوتٍ شبه مختنق، وعيناها تلمعان تأثرًا:
-يا دكتورة "ريم" اللي شوفته كفيل يخليني أكره الدنيا باللي فيها، أنا مصدقت رجعت أفوق شوية من الدوامة اللي غرقت فيها، مش عايزة أتصدم في حد تاني.
بنفس النبرة العقلانية خاطبتها:
-ما هو زي ما في الوحش، في الحلو برضوه.
أشاحت بوجهها تحملق في الفضاء المزدان بالخضرة، فاستمرت "ريم" في حوارها معها:
-ليه مانبصش على ده ونركز معاه؟
لازمت الصمت؛ لكن امتلأ رأسها بصخبٍ تعذر عليها إسكاته، استدارت تحدق في وجه "ريم" عندما شددت عليها بأسلوبها اللين:
-"فيروزة"، إنك تعدي أزمتك مش بس بالكلام، لازم يكون في خطوة فعلية وإيجابية على أرض الواقع.
حافظت على بسمتها الناعمة وهي تؤكد بإصرارٍ:
-جربي، ومش هتخسري حاجة ...
تطلعت إليها بتحفظٍ، فمدت "ريم" يدها نحو ذراعها لتربت عليها وهي تكرر على مسامعها:
-واحنا كلنا معاكي.
جملة لطالما ترددت منه شخصيًا على أذنيها، أشعرتها لحظتها بخفقة سريعة داعبت قلبها، تغاضت عما أصابها، وقالت بوجومٍ مقتضب:
-هاشوف.
...............................................
احتاجت إلى كامل شجاعتها وعزيمتها، لتنفذ ما عقدت النية عليه؛ انتشال نفسها من العتمة المؤذية لها. ارتدت "فيروزة" ثيابها السوداء، وضبطت حجاب رأسها عليها قبل أن تودع والدتها لتغادر المنزل، وتتجه إلى دكانها الجديد، لم تنكر أن التردد ظل يلازم خطواتها، كانت تقدم قدمًا وتؤخر الأخرى، ترتاب من تبعات إقدامها على مواجهة البشر بعد سقوطها الأخير. للغرابة استقبلها بعض الجيران خلال مرورها بهم بالترحاب والسؤال المهتم، دون الخوض في أي تفاصيل تتطرق إلى مواقفها الحرجة؛ وكأن شيئًا لم يحدث معها مطلقًا، تشجعت أكثر في سيرها، وأحست باكتسابها للمزيد من الثقة.
قادتها قدماها إلى طريق دكانه عفويًا، وتفاجأت بنفسها متواجدة في نفس الشارع، شعرت بالتخبط والحرج في نفس الآن، رفعت عينيها لتنظر إلى واجهته، فرأت "تميم" مشغولاً مع عماله، يأمرهم تارة بصرامةٍ، ويساعدهم تارة أخرى بسخاء، انزوى ما بين حاجبيها في دهشة، فكيف لها أن تطالعه بتلك النظرات المهتمة، كما لو أن في رؤياه نشيطًا طاقة عجيبة يبثها لغيره!
سرعان ما خفضت نظراتها، وتوارت عن محيطه لتهرع إلى دكانها بحماسٍ، ووجنتاها تكتسيان بحمرة خفيفة. لم تدرك "فيروزة" أن قلبه رأها قبل أن تبصره، استشعر وجودها بإحساسه المرهف، فاستدار في اللحظة التي أبعدت وجهها عن دكانه ليجدها تخطو في رشاقة نحو دكانها، احتواها بعينيه، وضمها بقلبه المتقافز في سرورٍ شديد، لاحقها بنظراته حتى اختفت عن مدى بصره، وهتف مرددًا مع نفسه في حبور عظيم، وابتسامة عريضة تزين محياه:
-طب هي رايحة الدكان، أنا قلبي بيرقص ليه؟
ناداه أحد العمال لسؤاله عن أمرٍ ما فتجاهله، وأسرع باحثًا عن أبيه وهو يبرطم:
-وأنا هيجيلي قلب أكمل شغل؟!
وجد "تميم" والده يقرأ إحدى الفواتير، فاستطرد يُعلمه بابتهاجٍ:
-شوفتها يا حاج، دي رايحة الدكان.
سأله مستفهمًا:
-مين دي؟
أخبره بوجهٍ تحول للبشاشة:
-الأبلة يابا.
أثنى على حُسن اختيارها قائلاً:
-يا زين ما عملت.
حمحم ابنه قائلاً بما يشبه الرجاء:
-يا حاج ممكن آ...
فهم ما يريد فعله دون إيضاح كامل، فأعطاه موافقته المشروطة وهو يشير بإصبعه:
-روح .. بس ماتطولش، مش عايزين الناس تتكلم.
على الفور قال وهو ينتفض سائرًا في خفة:
-حاضر يا حاج.
.................................................
سعلت سعلة صغيرة، حينما اندفع الهواء المكتوم الممتلئ به المكان، ليقتحم رئتيها وهي تفتح باب الدكان على مصراعيه، كما اقتحم ضوء النهار المدخل فأناره دون الحاجة لإشعال إضاءته. وطأت "فيروزة" داخل الدكان، والتوتر يشع في كيانها، مسحت جوانبه بنظراتٍ سريعة؛ كان كما تركته، على وشك الافتتاح، تنهدت على مهلٍ، وخطت نحو المكتب الخشبي الموضوع في الزاوية، لتحمل علبة كرتونية ممتلئة ببضائع تحتاج للرص، انتفض جسدها مع صوت الرجولي المألوف المرحب بها:
-صباح الفل.
التفتت تنظر إلى "تميم" بتعابيرٍ غير مرتخية، ثم ردت التحية:
-صباح الخير.
كان لقائه بها يلفه إحساس بالألفة والمودة، أسرع في خطاه ناحيتها ليحمل عنها العلبة وهو يقول بإصرارٍ:
-عنك يا أبلة.
حاذر وهو يأخذه منها، فابتسمت في رقه وهي ترد:
-شكرًا.
يا لسعادته! أصبحت لا تبخل عليه بابتساماتها الساحرة، فكيف لا يعشق البسيط منها؟ تنحنح مضيفًا بلهجةٍ جادة:
-هابعت أجيبلك حد يمسح المكان ويروقه.
رفضت عرضه بلباقةٍ:
-مالوش لزوم، أنا هاشتغل بنفسي.
هتف مستنكرًا وقد عبست ملامحه:
-وده يصح؟
ما لبث أن تحولت قسماته للطف وهي يكمل جملته:
-وأنا روحت فين؟
اعترضت بحرجٍ ظهرت آثاره على بشرتها:
-مافيش داعي آ...
قاطعها بإصرارٍ، وعيناه تبصران ذلك التورد الناعم:
-مش هايحصل، عايزة الكرتونة دي فين؟
قالت وهي تشير بيدها:
-خلاص والله.
تلفت "تميم" حوله باحثًا عن موضع شاغر ليضعه به، وهو ما زال يصر عليها:
-أبدًا.
يئست أمام عناده الذي بدا طفوليًا، فاستسلمت تخبره:
-اسندها هناك.
برزت أسنانه من خلف ابتسامته المتسعة وهو يقول:
-عينيا.
راقبته وهو ينقل العلبة حتى فرغ من مهمته السريعة، ليستدير بعدها ناحيتها، ووجهه ما زال محتفظًا بابتسامته المشوقة، تكلمت في هدوء:
-ممكن سؤال؟
أبدى استعداده الكامل لتلبية رغبتها مهما تكلفت بقوله:
-أؤمري.
رغم ما مرت به، اكتسب حضورها بهاءً مغريًا، تسلل إلى أعماقه، ونشط خلاياه الحسية بالمزيد من الأشواق. ملأ الفضول نظرات "فيروزة" وهي تسأله مستفهمة:
-إنت لاقيت دبابيس شعري إزاي؟ أكيد ماخدتهمش من عندي.
صمت قليلاً كأنه يزن ما ينوي قوله حتى لا يفسد بوادر الوصــال معها، فأردف معترفًا لها بهدوءٍ:
-هتصدقني لو قولتلك إن كل حاجة فيهم جت عندي بالصدفة.
تطلعت إليه مليًا بنظراتٍ ثابتة، حتى كادت الهواجس المقلقة تستبد به جراء سكوتها المريب. نطقت "فيروزة" أخيرًا بغمو ضٍ:
-أيوه.
اقتضابها في الرد عاث في نفسه القلق، لذا سألها في دهشة حائرة:
-أيوه إيه؟
ابتسمت وهي تقول في نعومة سحرت كيانه:
-مصدقاك.
وكأنها أهدته عطيةً من السماء، فهلل في فرحة أدهشتها:
-الله أكبر! والله العظيم أنا بأحلم.
لم يكتمل تعبيره عن فرحته بسبب ظهور والده المفاجئ المصحوب بسؤالٍ معاتب:
-دول الـ 5 دقايق بتوعك؟
أحنى رأسه على صدره مرددًا في حرجٍ:
-منور يا حاج.
ثم تراجع بضعة خطوات عن "فيروزة"، تاركًا المجال لأبيه ليتقدم منها، تساءل الأخير في اهتمامٍ:
-إزيك يا بنتي؟ عاملة إيه؟
قالت في لطفٍ وهي تبادله ابتسامة مهذبة:
-الحمدلله يا حاج "بدير"، اتفضل.
هز رأسه معقبًا عليها وهو يشير بيده:
-تسلمي، أنا هتفضل جوا، والمعلم ده هيتفضل برا.
تنحنح "تميم" في حرج أكبر قبل أن يغمغم:
-احم .. ليه الإحراج ده يابا؟
ضرب والده على كتفه بضعة مرات، ليخبره بعدها بصرامةٍ؛ كأنما يطرده:
-في كوم أقفاص مستنيك في الدكان، يالا.
أومأ برأسه في طاعة، ثم رد بامتعاضٍ، وعلامات التبرم تنطلق في وجهه:
-ماشي يا حاج، اللي تؤمر بيه.
في هذه المرة، كانت البداية مبشرة، باعثة بقوة على الأمل، أحس "تميم" باستجابة دعواته المتواصلة، بعد صبره الطويل، وبأنه تلقى البُشرى عندما خاطبته في ودٍ كان يتوق إلى تحقيقه في أقصى أحلامه. تنهيدة عميقة خرجت محملة بالأمنيات والرجاوات من صدره، ليكلم نفسه بيقينٍ بات واثقًا من اقتراب حدوثه:
-مسيرها تروق وتحلى .......................................... !!
..........................................................
-تمت-
يتبع الجزء الرابع >>>>>>>>>>>