تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في البداية وجب توجيه الشكر لجميع القراء في كل مكان على دعمهم الإيجابي، تشجيعهم المتواصل، وانتظارهم الشغوف لمتابعة أحداث فصول الرواية، بالإضافة للتحليلات العظيمة والتعليقات الجميلة على مدار الأجزاء السابقة .. وأرجو من الله أن يكون الجزء الثالث هو استكمال لتلك الملحمة الشعبية الأصيلة .. أترككم مع أحداث الفصل الفصل السبعون أخطأت حين هاتفت ابنتها، لتعلمها وسط نوبة بكائها المُقطعة لنياط القلوب، بما آَلم بشقيقها الوحيد، حينها صرخت منادية باسمه، أنهت الاتصال بعد إلمامها بالتفاصيل البسيطة، لتذهب ركضًا إ...
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد وخير يا رب ..
دي تكملة لباقي فصل يوم الثلاثاء القصير ..
لو متواجدين استمتعوا بالأحداث، لو لأ هنتظرتعليقاتكم الجميلة في الصباح
الفصل التسعون
النظر في عينيها في تلك اللحظة الفارقة، كان كالتمتع بجنة الإله على الأرض، كالتحليق في فضاءٍ فسيح عامر بما يخطف الأنظار. سرق نظرة أخرى من قطعتي الفيروز، سرى تأثيرها في عروقه كما تسري في الروح الأنفاس. أكمل "تميم" هبوط درجات السلم، وقلبه يدق في فرحة، آلامه الساكنة في عظامه خفت حدتها مع ما اكتشفه اليوم من حقائق ربما أعادت له الأمل المفقود. وما إن خرج من المدخل هتف آمرًا في سائق سيارة الأجرة:
-ماتطلعش، استنى.
لم يجادله الأخير، وأبقى على المحرك دائرًا وهو ينتظره خلف عجلة القيادة، في حين امتدت يد "تميم" ليفتح الباب الخلفي، والتفت ناظرًا لكلتيهما، ليستطرد قائلاً:
-اتفضلوا.. على مهلكم.
نظرة ثالثة نالها من "فيروزة" عن قربٍ أشد، وهي تلحق بتوأمتها، جعلت النابض بالحياة بين ضلوعه، يرغب في التحرر من القيد المفروض عليه. شعر بابتسامةٍ مرحة تداعب ثغره فشل في تخبئتها، وكيف له ألا يضحك والاشتياق تغلب على حزنه؟ استقر في مقعده بعد دقيقةٍ مخاطبًا سائقه:
-هنروح على بيت الجماعة الأول.
رد السائق مؤمئًا برأسه:
-حاضر يا معلم.
يبدو أن الحظ قد عرف الطريق إليه، فجلوس "فيروزة" خلفه، جعل جانبًا كبيرًا من وجهها يظهر في مرآة السيارة الجانبية، ورغم شرودها في تأمل الطريق، إلا أن كان لذلك ميزة خطيرة في التنعم بتأملها دون مقاطعة، مناجاة شديدة الرجاء للمولى تضرع بها في تلك اللحظة تحديدًا آملاً أن تسترد روحه ما افتقدته، همسه الراجي خرج من بين شفتيه عفويًا:
-يا رب.
ظن السائق أنه يُحادثه فتساءل مهتمًا:
-بتقول حاجة يا معلم؟
أجاب نافيًا، وعيناه معلقتان بها:
-لأ، ركز في سكتك.
أمسكت به "فيروزة" تلك المرة وهو ينظر لها بنظراته الساهمة، تلبكت، ورمقته بنظرة غامضة احتوت بداخلها على حزنٍ عميق، قبل أن تدير وجهها لتواصل تحديقها في الطريق. للوهلة الأولى استطاع قراءة ما غلف نظراتها دون كلام، بدا له أن لعينيه قدرة خاصة نفذت إلى روحها، فكشفت الغطاء عما يخيفه قلبها من ألم ومعاناة تقاتل لإخفائهم في أعماقها المهزومة. شتته عن تأملها الفضولي الطويل صوت السائق المتسائل:
-هنا يا معلم؟
تنبه "تميم" لما حوله، ومسح المكان بنظراتٍ سريعة قبل أن يوجهه:
-لف من الناصية دي عشان تقف قصاد مدخل البيت.
قال دون جدالٍ:
-ماشي.
وبعد لحظاتٍ كانت السيارة مصفوفة بمحاذاة رصيف البناية القصيرة، ترجلت "فيروزة" أولاً، ثم تبعتها "همسة"، وقبل أن تتحرك كلتاهما تساءل "تميم" عاليًا:
-أومال "هيثم" عامل إيه دلوقتي؟
كان سؤاله مجرد حجة زائفة لإبقاء الأخيرة، ناولت "همسة" المفتاح لتوأمتها لتسبقها، وقالت بتنهيدة مهمومة:
-والله حاله اليومين دول مش أد كده.
رد بهدوءٍ بعد أن ترجل من السيارة، واستند واقفًا على عكازيه:
-متقلقيش، احنا هنشوفله حل.
أخبرته بوجهٍ شبه واجم:
-أنا اتكلمت مع الحاج "سلطان" وهو وعدني هيتصرف.
قال مبتسمًا، وبنوعٍ من الثقة:
-طالما جدي اتدخل اطمني أوي، مش هايسيبه.
ردت بنبرة راجية:
-يا رب يسمعنا خير.
همَّت بالتحرك؛ لكنه استوقفها قائلاً:
-أنا ممكن أطلب منك طلب قبل ما تمشي.
رددت في اهتمامٍ:
-اتفضل.
اعتدل في وقفته، وقال بملامح جادة للغاية.
-بلاش تحكي لأختك عن اللي حصلكم..
نظرت له في حيرةٍ، فأكمل موضحًا لها:
-استني لما الست أمك ترجع، هايكون أحسن، على الأقل تشم نفسها الأول، وتستريح، كفاية اللي هي فيه.
فألمها وإن كان صامتًا يحتاج للتطييب، هزت رأسها في استحسانٍ، ووعدته:
-حاضر، هاعمل كده...
ثم ابتسمت تشكره:
-كتر خيرك، تعبناك معانا.
قال بهدوء، وقد شعر بقليلٍ من الارتياح:
-مافيش أي تعب، وحمدلله على سلامتها.
هتفت وهي تشرع في خطاها:
-الله يسلمك.
انتظر ذهابها ليستدير ويعاود الجلوس بالسيارة، سأله السائق مستفهمًا:
-هنطلع على الدكان يا معلم؟
لحظة من التفكير سيطرت عليه، قبل أن يجيبه نافيًا:
-لأ.
سأله باستغرابٍ:
-أومال على فين؟
أجابه مشيرًا بكفه للأمام:
-اطلع وهاقولك في السكة.
حاضر يا ريسنا.
قالها السائق بإيماءةِ انصياعٍ وهو يدير عجلة القيادة مغادرًا المكان، بينما بقيت أنظار "تميم" –وروحه من قبلها- معلقة بومضاتٍ خيالية لوجهٍ سكن قلبه منذ أن عرف للحبِ مرادفًا.
...................................................................
خفقة متوترة شعر بها وهو يتحامل على نفسه، ليصعد الدرجات الرخامية لمدخل هذا المبنى الطبي حديث الطراز. ألقى نظرة مترددة على اليافطة الزجاجية المكتوب عليها على جانب الجدار (المركز الطبي المتطور لعلاج أمراض الذكورة والعقم). لا يعرف ما الذي جال في خاطره ليستحثه بقوةٍ للذهاب إلى هنا؛ لكنه لم يبدُ نادمًا على مثل تلك الخطوة. تنفس "تميم" بعمقٍ وهو يتابع سيره الحذر نحو الاستقبال، بلع ريقه، واتجه إلى أحد الموظفين مستهلاً حديثه معه بإلقاء التحية:
-سلامو عليكم.
رد الموظف بلباقةٍ:
-وعليكم السلام، اتفضل يا أستاذ، أقدر أساعدك في إيه؟
بتلعثمٍ شبه حرج، حاول "تميم" تكوين جملة مفيدة وهو يجيبه:
-أنا عايز أعرف النظام إيه هنا؟
أخبره الموظف بنبرة عملية، لاعتياده على مثل تلك المواقف:
-حضرتك هتحجز كشف هنا، وهتنتظر دورك لحد ما الدكتور يقابلك، وهو هيتناقش معاك في تفاصيل كل حاجة عايز تعرفها.
سأله مستوضحًا، وعيناه تدوران حول الإعلانات المعلقة على الحائط لتقرأ ما فيها:
-وإنتو فاتحين كل يوم؟
أجابه بصوته الزرين مشيرًا للافتة خلفه مدون عليها مواقيت العمل:
-أيوه يا فندم، دي مواعيدنا ما عدا يوم الجمعة أجازة.
هز رأسه قائلاً بإيجازٍ:
-تمام.
سأله الموظف بابتسامته العادية:
-تحب أحجز لحضرتك كشف؟
بعد لحظة من التفكير العميق أتاه جوابه قاطعًا:
-أيوه، ولو في مستعجل يكون أحسن.
عقب عليه بنبرته العملية وهو يطبع بأصابعه على لوحة الحاسوب الالكتروني الموجود على مكتبه المستطيل:
-حاضر.. ممكن بياناتك، والبطاقة بعد إذنك.
بوجهٍ جاد في تعبيراته قال، وهو يحاول استخراج هويته من محفظته الموضوعة في جيب بنطاله الخلفي:
-ماشي.
......................................................
-ماما اتأخرت أوي.
قالت "فيروزة" تلك العبارة وهي تجلس على الأريكة تربع ساقيها أسفل منها، بعد أن بدلت ثيابها بأخرى منزلية مريحة، تلك التي تركتها في دولاب ملابسها، تاركة مهمة إفراغ حقائب سفرها لوقت لاحق. ناولتها "همسة" طبقًا يحوي ثمار الفاكهة المقطعة، وردت عليها:
-متقلقيش، ده ميعادها، دلوقتي هتلاقيها داخلة علينا.
كانت فاقدة لشهيتها، فأسندت الطبق أمامها، وسألتها بتوجسٍ:
-أنا حاسة إن في حاجات كتير متغيرة، هو حصل إيه في غيابي؟
ضمت شفتيها لبعض الوقت مترددة في إطلاعها على الأخبار غير السعيدة، تذكرت وصية "تميم" لها بإرجاء الأمر ريثما تعود والدتها للمنزل، فالتزمت بها، ومنحتها ردًا فاترًا:
-والله يا "فيروزة" احنا شوفنا أيام صعبة أوي، بس كله بيعدي.
وقبل أن تحاصرها بأسئلتها، بادرت مستفهمة بتعابيرٍ حزينة:
-المهم طمنيني عليكي إنتي، إيه اللي حصل لـ "آسر"؟
تهربت من إجابتها صراحةً بما مرت به بقولها المحايد:
-قضاء ربنا.
مسحت "همسة" على جانب ذراعها برفقٍ، وقالت مواسية بتعاطفٍ بائن عليها:
-حبيبتي، أكيد الوقت ده كان صعب عليكي.
حررت زفرة ثقيلة من صدرها قبل أن تتمتم في رضا:
-الحمدلله.
انتبهت "فيروزة" لضوضاء خفيفة آتية من خارج المنزل، فأدارت رأسها ناحية الباب، رأت والدتها تلج للداخل، ومن خلفها طفلة صغيرة، على ما يبدو كانت "آمنة" مشغولة بها، فكامل تركيزها كان معها، خاصة وهي تشدد عليها:
-ماتفتيحش الحاجة الحلوة إلا بعد الأكل، وإلا هزعل منك، أنا مش عايزاكي تملي بطنك على الفاضي.
أغلقت الباب وابتسمت لـ "رقية" وهي ترد بطاعةٍ:
-حاضر.
استدارت سائرة بتلقائيةٍ نحو المطبخ؛ لكن الصوت المليء بالشجن واللهفة جمدها في مكانها حينما ناداها:
-ماما.
التفتت تنظر إلى ابنتها، وقلبها ينطق قبل لسانها بلوعةٍ:
-"فيروزة"!
تحركت ابنتها ركضًا ناحيتها وهي تكرر على مسامعها ذلك اللقب الغالي:
-ماما
ثم ارتمت في أحضانها، شاعرة بضمتها الحنون التي طالما افتقدتها كثيرًا، انتحبت "آمنة" قائلة بصوتٍ متأثر، وقد قفزت العبرات في عينيها:
-حبيبتي يا بنتي
زادت "فيروزة" من ضمها لها، ورددت بأنينٍ مشتاقٍ له:
-وحشتيني أوي.
بقيت كلتاهما على تلك الوضعية لدقيقة وأكثر بقليل، ذرفت خلالها "آمنة" الدموع الفرحة لعودتها بعد غيابٍ أتعب قلبها، تراجعت عنها، دون أن تترك قبضتيها جانبي ذراعيها، نظرت لها نظرة مليئة بالعتاب، وقالت بصوتٍ شبه باكي:
-بقى كده يا "فيروزة"؟ أهون عليكي متسأليش عني المدة دي كلها؟
ردت مدافعة عن نفسها:
-والله غصب عني، بس أنا طلبتك كتير جدًا، وموبايلك كان مقفول، وآخر مرة كلمتك فيها "فضل" اللي رد عليا، وحتى قفل السِكة في وشي.
اِربد وجه "همسة" بالضيق متذكرة غالبية مواقفه اللئيمة، تلك التي تثبت خسته ومحدودية تفكيره، لعنته بغيظٍ متصاعد فيها:
-أما واحد ناقص بصحيح.
في حين أخبرتها "آمنة" بصدقٍ:
-موبايلي كان بايظ، وقالي هياخده يصلحه، بس والله ما عرفني خالص إنك اتصلتي.
دمدمت "فيروزة" هي الأخرى تنعته في حنقٍ:
-بني آدم مستفز.
تساءلت توأمتها في حيرة:
-معرفش بيعمل كده ليه معانا؟ فعلاً أنا مش بأطيقه.
علقت عليها والدتها في البداية بعدم مبالاة، ما لبث أن تحولت للفرحة:
-سيبوكم منه، المهم عندي إنك رجعتي يا "فيروزة" بالسلامة.
وجدت الابتسامة طريقها على ثغر ابنتها، وتساءلت وقد أبصرت عيناها طفلة خجلة تراقبها من على بعدٍ:
-مين البنوتة اللي معاكي دي يا ماما؟
صاحت "همسة" مُعرفة بها من تلقاء نفسها:
-دي "رقية"، بنت خالك "خليل".
شهقة مصدومة انفلت من بين شفتيها، ورددت في دهشةٍ ذاهلة:
-معقولة؟ بنت خالي؟ يعني خالي كان متجوز واحدة تانية غير مراته العقربة واحنا منعرفش؟
بنظرة مؤكدة أجابتها "همسة":
-أيوه.
أضافت "فيروزة" في تسلية لطيفة:
-ده زمان "حمدية" ولعت لما عرفت...
ثم صمتت للحظةٍ قبل أن تتم جملتها:
-عشان كده هي مش موجودة فوق، أكيد خدت عيالها وراحت البلد.
انقلب وجه "همسة"، وعقبت عليها بتعابيرٍ متنمرة:
-والله إنتي على نياتك، دي عملت بلاوي سودة.
حذرتها والدتها من التطرق حاليًا لما قامت به بنظرة صارمة من عينيها، قبل أن تقول:
-مش وقته يا "همسة".
وزعت "فيروزة" نظراتها المتشككة بين الاثنتين، وردت بإصرارٍ:
-أنا عايزة أعرف تفاصيل كل حاجة، ماتخبوش عليا.
علقت عليها والدتها بأسئلتها المهتمة، وهي تشير بيدها:
-ماشي، بس قوليلي الأول فين جوزك؟ هو وصلك ومشى؟ وراجع تاني امتى عشان أجهزله أحلى أكل؟ اوعي تقوليلي إنه سابك وراح شغل، أنا كده هزعل منه.
انخفضت قبضتي "فيروزة" لتمسك بكفيها، وقالت بعد لحظةٍ من السكوت، تبادلت فيها نظراتٍ ذات مغزى مع توأمتها المراقبة للوضع:
-ماما.. "آسر" .. مات.
هتفت والدتها في صدمة مفجوعة، وقد ارتفع حاجباها للأعلى:
-يا نصيبتي، مات؟ واحنا معندناش خبر؟
ردت بصوتٍ هادئ لا يعبر عن حزنها لرحيله:
-ده قضاء ربنا، الحمدلله على كل حال.
ورغم اندهاش "آمنة" من ثباتها الداعي للاسترابة إلا أنها هتفت تسألها في جزعٍ:
-حبيبتي يا بنتي، فجأة كده؟ ده مكانش بيشتكي من حاجة، وإنتي عملتي إيه لوحدك؟
عادت لتحتضن والدتها، وذلك الزفير الثقيل يتحرر من صدرها، ثم أخبرتها بتنهيدة بطيئة، وهي ترتمي برأسها على كتفها:
-هاقولك، بس خليني أشبع من حضنك يا ماما، أنا محتاجاه أوي.
مسدت على ظهرها بيدها بعدة مراتٍ، مستشعرة تلك الرجفة الخفيفة فيها، أوغرها قلبها قهرًا على ما أصابها، وأفصحت لها بغريزتها الأمومية:
-قلبي كان حاسس إن غيبتك دي وراها حاجة.
....................................................................
بصعوبةٍ خبت نوبة البكاء التي اجتاحتها، بعد أن عرفت بوفاة أبناء خالها الثلاثة، انقهر قلبها على رحيلهم المفجع، ولم تتمالك دموعها، بكتهم بحزنٍ صادق؛ وكأنها فقدت أشقائها، فالصغار احتفظوا بمنزلة غالية في قلبها. حاولت والدتها تهوين حزنها، ورجتها لأكثر من مرة بصوتٍ شبه مختنق:
-خلاص يا "فيروزة"، ماتوجعيش قلبي، احنا ماسكين نفسنا بالعافية عشان الغلبانة دي.
هتفت بصدرٍ يغص بالبكاء الحارق:
-حرام اللي حصل ده كله، إزاي يجيبها قلب تعمل كده؟ مخافتش من ربنا إنه يردها فيها؟
علقت عليها "همسة" بصوتٍ حزين:
-ربنا المنتقم الجبار، حرمها من عيالها.
بينما تنهدت "آمنة" قائلة في حسرةٍ"
-ربنا يصبرك يا "خليل" المصايب نزلت فوق راسه ورا بعض، مبقاش ملاحق.
أخبرتها "همسة" بالبقية في ضيقٍ كبير:
-وكانت عايزة تلبس أمك الليلة كلها، بس الحمدلله ربنا جابلها حقها، وبراءتها ظهرت.
احتقنت نظرات "فيروزة" بشدة، وكزت على أسنانها هاتفة:
-دي مش بني آدمة، يا ريتني كنت هنا، والله ما كنت سيبتها.
ردت عليها توأمتها:
-منها لله، ربنا يخلص منها.
تساءلت "فيروزة" في اهتمامٍ يشوبه الإشفاق، وعيناها تتطلعان إلى الصغيرة المنشغلة بألعابها:
-طب وهتعملوا إيه في "رقية"؟
أجابتها والدتها بتعابيرها المليئة بالأسى:
-أهي قاعدة معايا هنا، واخدة بحسي في البيت.
استحسنت "فيروزة" ذلك، وبدت تعبيراتها مرتخية لبقائها مع أمٍ حنون كأمها، تعوضها عن فقدان والدتها، وغياب أبيها، فما أصعب الشعور باليُتم في سنٍ صغيرة! تبدلت تعبيراتها للقساوة بعد أن هتفت "همسة" بنزقٍ:
-قوليلها يا ماما على المصيبة اللي "فضل" ناوي يعملها.
سألتها في جزعٍ، ونظراتها تتجه نحو والدتها:
-ماله البلوى ده؟
مالت عليها توأمتها لتهمس في أذنها؛ كما لو كانت تخشى من سماع الصغيرة لحديثهما الخطير عنها:
-عايز يطاهر "رقية"، وأمك وقفتله في الحكاية، بس شكله مصمم على كده.
توحشت عينا "فيروزة" على الأخير، وانعكس فيهما غضبًا متصاعدًا، أحست بدمائها الثائرة تتدفق باندفاعٍ هائج في عروقها، مستعيدة في ذاكرتها ما عاشته من ألم نفسي مهين بسبب حقارته الوضيعة، تضاعف غليلها،و استبد بها حنقها. اشتدت أنفاسها انفعالاً، وصاحت بصرامةٍ؛ وكأنها بهذا تقطع وعدًا نافذًا -غير قابل للتراجع- على نفسها:
-قسمًا بالله ما هيحصل، طول ما أنا عايشة مش هخلي البغل ده يلمسها، ويبقى يوريني نفسه هيعمل إيه .................................... !!!
.....................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم Manal Salem
باعتذر يا جماعة عن قصر الفصل ..
إن شاءالله هايكون ليه تكملة، لأن حقيقي كنت مشغولة طول اليوم، الفترة دي صعب الواحد يلاحق فيها من كم الضغوط اللي عليه ..
التكملة هاتكون بكرة بأمر الله مالم يحدث شيء طارئ
الفصل الحادي والتسعون
انتقاله لزيارة أحدهم بالخصوص، يعني أن ذاك الشخص عزيزًا لديه، وإلا لاستدعاه للقدوم إليه احترامًا لمقامه وسنوات عمره الطويلة. لم يدخر "سلطان" وسعه في مساعدة من لجأت إليه بعد نضوب جميع الاختيارات لديها، صعد إلى الطابق العلوي، ورفع عكازه ضاربًا به الباب الخشبي، وصوته ينادي:
-افتح يا واد لجدك.
كرر خبطه على الباب بقوةٍ أكبر ليثير انتباه "هيثم"، لحظاتٍ انقضت عليه قبل أن يسمع وقع خطواته القادمة، فتح له الباب ورحب به بوجهه المتجهم، وذقنه المهملة:
-اتفضل يا جدي، نورت البيت.
أمره بأسلوبه الصارم وهو يلكزه بعكازه في كتفه:
-فسح كده خليني أدخل.
رد عليه "هيثم" بصوته الناعس وهو يفرك شعره المهوش:
-بيتك يا جدي.
نظر له "سلطان" بنفورٍ، لاويًا ثغره، ليوبخه بعدها:
-وبعدين إيه اللي إنت عمله في نفسك ده؟ أخد جمب، وعازل نفسك عن الكل، حتى مراتك.
سأله بضيقٍ:
-هي اشتكيتلك؟
أجابه ببساطةٍ:
-أه اشتكتلي، ما أنا زي جدها، هتروح لمين يعني لما تلاقي حالك مايل بالشكل ده؟
تحرك الجد في اتجاه أقرب مقعدٍ، وجلس عليه، بينما ألقى "هيثم" بجسده الكسول على الأريكة المجاورة له، ثم أخبره بزفيرٍ بطيء، وشعوره بالخذلان متمكن منه:
-يا جدي أنا فيا اللي مكفيني، مش ناقص نأرزة من حد.
سأله بنظراته النافذة:
-وإنت عملت إيه عشان تاخد جمب كده؟
أجابه بعد أن لفظ زفيرًا مسموعًا:
-مقهور يا جدي على اللي حاصل.
ركز بصره عليه، وسأله:
-ليه هو إنت اللي كنت خططت مع أمك ونفذت؟
نفى في الحال:
-لأ، بس أنا ابنها، والكل هيلومني على اللي عملته
تفهم حالة الإحباط المتكمنة منه، وليهون عليه الأمر خاطبه بلين الكلامِ:
-يا ابني ربنا بيقول "ولا تزر وازرة وزر أخرى"، ليه هنشيلك ذنب حاجة إنت معملتهاش من الأساس؟
بألمٍ أخبره:
-مش لازم تقولوها في وشي، كفاية أشوفها في نظراتكم ليا.
رد في استياءٍ منزعج من تفكيره الخاطئ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، هو إنت شوفت مننا حاجة تقولك كده؟ معاملتنا ليك اتغيرت في أيتها شيء؟
أجابه وهو يهز رأسه:
-الشهادة لله لأ
عاتبه بلهجةٍ لم تكن متشددة:
-أومال بتقولنا وتعودنا حاجات معملنهاش ليه؟ غاوي تجيب لنفسك النكد؟
غمغم في امتعاضٍ:
-يا جدي..
قاطعه بحزمٍ:
-بس يا واد، اسمع الكلمتين اللي فيهم الخلاصة.
تمتم بخنوعٍ:
-حاضر
أوصــاه مشيرًا بيده:
-أمك حقها عليك تراعي ربنا فيها بما يرضي الله، ماتسمعش كلامها لا في معصية ولا في حاجة تغضب ربنا، وده اللي إنت عملته مظبوط؟
أومأ برأسه مرددًا:
-أيوه.
تابع استرساله معه:
-واللي حصل كان مقدر ومكتوب، ربنا كاتب تشوف ده في حياتها، إنت عليك تراعيها وتاخد بالك منها لحد ما السر الإلهي يطلع.
تطلع إليه في صمتٍ، بينما أضاف الجد بنبرته العقلانية، ليزيل الغشاوة الحاجبة عن فهمه للأمور من هذا المنظور الضيق:
-وأختك "خلود" جايز ربنا أراد إنها تاخد منزلة الشهادة في موتها، وعشان كلنا ندعيلها بالرحمة والمغفرة، مش أحسن ما كانت تأذي غيرها؟ وإنت عارف أختك كانت عاملة إزاي، وناوية على إيه .. وساعتها كان الكل هيدعوا عليها، أنهو الأفضل بقى اختيارنا ولا اختيار ربنا؟
لم يجبه "هيثم" فصاح به:
-رد يا واد.
قال بوجومٍ:
-اختيار ربنا طبعًا.
أخبره بلهجةٍ كانت ما بين اللين والشدة:
-يبقى تقول الحمدلله على كل حال، وقوم كده فوق لنفسك ولمراتك، ده إنت ربنا رزقك بواحدة بنت أصول، متربية، ومافيش زيها.
وحين وجد استجابة طيبة منه، ألح عليه:
-ماتبقاش نكدي وغاوي هم وغم.
لم يظل "هيثم" متعنتًا في فكره، وقال في استسلامٍ:
-حاضر.
أمره الجد بنفس الصوت الحازم مستخدمًا نظراته في الإشارة:
-وقوم هوي البيت كده، أنا عارف إنت طايق الكمكمة دي إزاي؟
نهض واقفًا وهو يرد بانصياعٍ كامل:
-اللي تؤمر بيه يا جدي.
........................................................
انقشعت مؤقتًا غيمة الحزن عنها، لتلتهي بحديثها مع الصغيرة الجالسة إلى جوارها على فراشها القديم. أمعنت "فيروزة" النظر في وجه ابنة خالها، وشعرت بعاطفة حانية نحوها، لا تنقُص في مقدارها عما شعرت به تجاه من فارقوا الحياة، بل زادت عليها بمحبةٍ أكبر. سألتها "رقية" وهي تعبث بدميتها الصغيرة:
-إنتي هتنامي جمبي؟
أجابتها بابتسامة لطيفة:
-أيوه، ما هو ده كان سريري زمان، ودي كانت أوضتي مع "همسة".
بعفويةٍ استرسلت الصغيرة متحدثة معها:
-أنا كان عندي أوضة كبيرة أوي عند ماما قبل ما تروح لربنا.
شعرت بغصة تؤلم حلقها تأثرًا بها، وضمتها من كتفيها إلى صدرها وهي تشدد عليها:
-حبيبتي، كل حاجة موجودة هنا بتاعتك، وأنا هاجيبلك كل اللي إنتي عايزاه.
على الفور طلبت منها بعينيها ذات اللون الزيتوني:
-أنا عايزة ماما.
لم تجد من الكلمات المناسبة ما ترد به عليها، فزادت من ضمها لها، وكبتت قدر استطاعتها نوبة بكاء مهددة بالظهور. حاولت "فيروزة" أن تغير من الموضوع بسؤالها:
-تحبي أحكيلك حدوتة؟
ردت متسائلة في اهتمامٍ:
-عن إيه؟
أجابتها بسؤالٍ آخر:
-إنتي بتحبي تسمعي إيه؟
هزت كتفيها قائلة في حيرة:
-مش عارفة.
مطت شفتيها للحظةٍ قبل أن تخبرها بنوعٍ من الحماس الزائد:
-طيب تعالي نفكر سوا هنحكي عن إيه.
منحتها مع كلماتها ابتسامة صافية، لم تكن لتحمل ضغينة أبدًا لها، فابتسمت لها "رقية" وهي تطالعها ببراءة، مستشعرة معها بمودةٍ حقيقية، وكان الشعور متبدلاً بصدق.
............................................................
غاب عن دكانه أيضًا لليوم التالي، ولم يتواجد في وقت الغذاء، وأصبح حضوره مقتصرًا على وقت المبيت ليلاً، مما استرعى انتباه والده الذي اعتقد في وجود خطب ما به، انتظره ريثما عاد للمنزل، وتبعه إلى غرفته، ليجلس على المقعد الفردي المتواجد بها، ثم سأله في اهتمامٍ يشوبه القلق:
-كنت فين يا ابني طول اليوم؟ وامبارح بردك مكونتش معانا.
تنحنح بحشرجةٍ خفيفة، وأجابه بنوعٍ من المراوغة:
-شوية مشاوير بأقضيها.
عاتبه "بدير" بتبرمٍ:
-وإنت ناقص تعب؟ ما الرجالة موجودين في الدكان، شوف ناقصك إيه ويعملوه.
هز رأسه معقبًا عليه بهدوءٍ:
-أنا عارف يا حاج، بس في حاجات ماينفعش تتعمل إلا بوجودي.
زفر مطولاً قبل أن يرد عليه محذرًا:
-الله يقويك، بس لازمًا تاخد بالك من صحتك، إنت قايم من بهدلة.
بنفس التعابير الهادئة خاطبه "تميم":
-ربنا المعين.
استقام والده واقفًا، وشرع في التحرك تجاه باب الغرفة؛ لكنه استدار ليخبره:
-بأقولك إيه، احنا هنكلم جماعة بيت "خليل"، نعرفهم إننا جايين بعد كام يوم، يعني عشان نعمل واجب العزا في جوز بنتهم، أمك عرفتني بده، وقالتلي أستنى شوية يرتبوا أمورهم.
بريق غريب اجتاح نظراته، حتى قسماته تلبكت إلى حد ما وهو يقول:
-واجب يا حاج.
أضاف بعد تنهيدةٍ:
-شوف نفسك ساعتها، لو فاضي ابقى تعالى معانا.
لم يرغب أن يبدو عليه الاستعجال في حضرته، فأعطاه ردًا عاديًا؛ وكأنه لا يهتم:
-بإذن الله.
أما عن داخله فكان متشوقًا بلهفةِ صغير ينتظر ليلة العيد لهذا اللقاء الرسمي، لم يشكل فارقًا معه، فخلاله سيملي عينيه برؤيتها الشافية لأي أوجــاع.
......................................................................
بضعة أيامٍ مرت على استقرارها في منزلها، وهي تسعى بجهد جهيد لاستعادة ما افتقدته في حياتها السابقة، محاولة تخطي تلك الفترة البائسة، والتي منحتها تعاسة أبدية لا يمكن محوها بسهولة. ولتمضى قدمًا دون الشعور بالخزي من نفسها، أو حتى الحصول على شفقة وتعاطف الآخرين، اكتفت بالادعاء كذبًا أن وفاة زوجها ناجمة عن سكتة قلبية مفاجئة، دون الخوض في تفاصيل مأساتها، لتظل أسرارها المؤلمة مدفونة في أعماق روحها المنتهكة. وعلى حسب الميعاد المتفق عليه، أتت إليها رفيقتها لمواساتها، فاستقبلتها بنفس الود السابق، حتى لا ترتاب في أمرها. احتضنتها "علا"، وقالت بعينين دامعتين:
-البقاء لله يا "فيرو".
ردت بتعابيرٍ جامدة، لا يظهر عليها التأثر رغم محاولتها العكس:
-الدوام لله وحده.
تابعت "علا" قائلة بصوتها المختنق:
-أنا اتقهرت أول ما عرفت، مصدقتش "ماهر" لما قالي، إزاي ده حصل؟ عُمر "آسر" ما كان بيشتكي من حاجة، والله موته فرق معانا.
لم يكن شقيقها راضيًا عما يسمعه، ولكونه لم يطلعها على حقيقته الصادمة، بقي مكتوف الأيدي، عاجزًا عن إفساد صورته في عقلها، لذا كانت على سجيتها في التعبير عن تأثرها بوفاته؛ لكنه ضجر في النهاية من ثرثرتها المحرجة، فهتف بها بلهجةٍ صارمة:
-خلاص يا "علا"، مالوش لازمة الكلام ده، هو أجله جه كده.
ناظرته بعينين منزعجتين، وعاتبته:
-المفروض إنت تزعل عليه أكتر مني، ده كان صاحبك.
هتف في تزمتٍ:
-أنا زعلي كده.
لاحظت "فيروزة" توتر الأجواء بينهما، فتدخلت قبل أن تزداد حدة بقولها المجامل:
-شكرًا لتشريف حضرتك يا "ماهر" بيه.
استدار محدقًا فيها، واستطرد متسائلاً:
-على إيه بس يا "فيروزة"، قوليلي أخبارك إنتي إيه دلوقتي؟
جاوبته وهي ترسم بسمة صغيرة على ثغرها:
-الحمدلله أحسن.
باهتمامٍ واضح عليه سألها:
-عملتي إيه في موضوع إعلام الوراثة؟
أعطته ردًا حاسمًا، بوجهٍ عابس التعبيرات:
-احنا اتكلمنا قبل كده فيه، مش عايزة حاجة.
وقبل أن يضغط عليها بأسئلته، صدح رنين هاتف شقيقته، أخرجته من هاتفها معتذرة بنعومةٍ، ثم قالت بنحنحة بسيطة:
-هستأذنكم بس هارد على التليفون.
علقت عليها "فيروزة" وهي تشير بيدها نحو الشرفة لتتجه إليها:
-خدي راحتي هناك.
انتظر "ماهر" انصرافها، لينحني للأمام بجذعه نحوها يلومها بصوتٍ خافت:
-ميراث إيه اللي مش عايزاه؟ ده حقك الشرعي.
خفضت من نبرتها لتخبره بألمٍ:
-يا "ماهر" بيه حضرتك وأنا عارفين كويس مصدر الفلوس دي إيه.
شدد عليها بلهجته الجادة:
-أنا باتكلم عن أملاكه اللي هنا، اللي كان أصلاً وارثها عن أهله.
أصرت على رفضها قائلة:
-مش عايزة حاجة منه.
رفع إصبعه أمام وجهها يحذرها بضيقٍ:
-ما تركبيش دماغك يا "فيروزة"، إنتي محتاجة فلوس تساعدي بيها نفسك قبل عيلتك.
لوهلةٍ شعرت بالإهانة المبطنة من كلماته؛ وإن كانت غير متعمدة. بلعت غصة جارحة في حلقها، وقالت بعزةِ نفسٍ:
-مستورة والحمدلله يا "ماهر" بيه.
تدارك زلة لسانه، واعتذر منها:
-سوري، ده مكانش قصدي، بس آ...
توقف عن إتمام جملته عندما انضمت شقيقته إليهما مجددًا، وهي تعلل سبب مكالمتها الطارئة:
-أسفة، كانت زبونة بتأكد عليا على ميعاد استلام حاجتها.
علقت "فيروزة" بتفهمٍ:
-ولا يهمك.
سألتها رفيقتها في اهتمامٍ:
-ناوية تعملي إيه يا "فيرو" الفترة الجاية؟
تهدل كتفاها في فتورٍ وهي تخاطبها:
-لسه مش عارفة.
اقترحت عليها برقةٍ:
-طب ما ترجعي تقفي معايا في المحل، بجد إنتي ممتازة وآ...
رفضت عرضها بلباقةٍ:
-بلاش يا "لولو"، اعفيني.
استدارت تتكلم مع شقيقها تحثه على دعمها:
-ما تقولها إنت يا "ماهر".
خالف توقعاتها، واحترم رغبتها بتأيده لها علنًا:
-سبيها على راحتها يا "علا"، ماتزهقيهاش، هي محتاجة وقت.
منحته "فيروزة" نظرة امتنانٍ صامتة، لتشرع بعدها في تغيير الحديث لأشياء أخرى غير تلك التي تخصها، فيكفيها ما تجرعته من مرارة وآلام خلال ما مضى.
..................................................................
نظرة تعاطفٍ مصحوبة بحزنٍ سددتها لتلك الراقدة على فراشها بالمشفى، فبعد أن كانت "بثينة" رمزًا للوقاحة، والإساءة للآخرين بلسانها السليط، أصبحت الآن لا حول لها ولا قوة، بالكاد تستطيع التماسك وتدبر أمورها، ومع هذا اقترحت "همسة" على زوجها، أن يأتي بها إلى منزلهما، لتكون تحت أنظارهما، كبديلٍ عن إبقائها بالمشفى وحيدة، وتعيسة، لا تفيق من لوم نفسها، فربما بتواجدها معهما تتحسن حالتها النفسية، خاصة بعد إشارة الأطباء لحاجتها للمتابعة مع أحد المتخصصين لتجاوز تلك الأزمة الخطيرة.
وما إن رأى "هيثم" والدته غافلة، حتى تحدث إلى زوجته بصوتٍ خافت يوصيها:
-خليكي معاها هنا لحد ما أدفع الحساب.
قالت بإيماءة موافقة من رأسها:
-ماشي يا "هيثم".
بقيت إلى جوار فراشها، جالسة على المقعد، وكامل نظراتها المهتمة عليها. لم تتوقع "همسة" أن يصيبها كل هذا الضرر في وقت قصير؛ ولكن على الباغي تدور الدوائر، تنهدت في أسفٍ، ورغم هذا دعت لها بالشفاء. تحفزت في جلستها عندما وجدتها تفتح عينيها، مالت ناحيتها لتقول ببسمة لطيفة:
-حمدلله على سلامتك يا طنط.
ثم ربتت برفقٍ على ذراعها المسجي إلى جوار جسدها، وتابعت:
-إن شاءالله تبقي كويسة.
حاولت "بثينة" التكلم، لم يسعفها لسانها الناقص، بدا صوتها كالأنين الباكي، وتشنج ذراعها بانفعالٍ وهي تتحسس به وجهها. انتفضت "همسة" واقفة، وسألتها بقلقٍ مهتم:
-عايزة إيه أجيبهولك يا طنط؟ شوريلي بس.
تضاعف تشنجها مع عجزها عن النطق بما تريد، فصاحت "همسة" مستغيثة:
-يا جماعة، حد يلحقني.
على إثر صوتها المرتفع، تجمعت بضعة ممرضاتٍ -وقبلهن الطبيب- لإسعافها، دفعتها إحداهن للخارج قائلة لها بلهجةٍ بدت آمرة:
-معلش انتظري برا شوية.
استجابت مرددة في توجسٍ:
-طيب.
فركت "همسة" كفي يديها معًا، شاعرة بارتفاع معدل نبضاتها، ظلت تتمتم بتضرعٍ:
-عديها على خير يا رب.
بعد دقيقتين، جاء إليها زوجها، ألقى نظرة حائرة عليها، قبل أن يسألها باستغرابٍ:
-إيه اللي حصل؟ واقفة هنا ليه؟
زمت شفتيها للحظة، ثم أجابته:
-مامتك تعبت شوية.
انخلع قلبه في خوفٍ، وسألها:
-من إيه؟
ردت وهي ترمش بعينيها:
-مش عارفة ...
ثم وضعت يدها على جانب كتفه تطمئنه:
-دلوقتي هيطلعوا يطمنونا، ادعيلها يا حبيبي.
إحساسًا مرعبًا انتابه في تلك اللحظة، خشي ألا يتحمل قلب والدته -أو عقلها- صدمة خسارة شقيقته بسبب طمعها الجشع. شحب وجهه من هواجسه المتواترة؛ لكن بقيت ابتسامة "همسة" الصافية، دليله الحسي الملموس بأن الأمور ستصير على ما يرام ...................................................... !!
.................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم Manal Salem
زي ما وعدتكم امبارح تكملة الفصل النهاردة
قراءة ممتعة مع الأحداث، وفي انتظار تعليقاتكم
الفصل الحادي والتسعون (الجزء الثاني)
زيارتها له كانت ضرورية، رغم تأجيلها لبضعة مراتٍ، بسبب بعض الظروف الطارئة؛ لكنها أرادت رؤيته، والاطمئنان عليه، تناسى القلب كل الحزن والضغينة تجاهه، حين وقعت الأنظار على ذلك العاجز، أحست بصدرها يعتصر ألمًا عليه. وقفت "فيروزة" إلى جوار فراش خالها بالمشفى، مسحت بيدها على جبينه، وانحنت تقبله، قبل أن تحييه:
-سلامتك يا خالي.
فتح عينيه بثقلٍ، ونظر إليها نظرة البائس العاجز، لا يصدق أنها موجودة معه، تعامله بإحسانٍ، وعطف. محبتها لم تكن مزيفة، ومشاعرها كانت مليئة باللهفة والحزن. مسدت ابنة شقيقته على كتفه بحنوٍ، وأضافت بصوتٍ اجتهدت ألا يظهر مختنقًا لحسرتها على مُصابه:
-إن شاءالله تعدي منها على خير.
ثم ابتسمت وهي تتابع:
-ومتقلقش على "رقية"، دي أختي الصغيرة، هحميها وأخد بالي منها لحد ما تقوملنا بالسلامة.
حملق فيها مليًا بعينيه الكسيرتين، وبادلته نظرات عكست صفاء نيتها. حرك "خليل" شفتيه ليناديها بصعوبةٍ:
-"فـ..ير..وزة".
ردت باهتمامٍ شديد:
-أيوه يا خالي.
رأت في عينيه العبرات النادمة محتجزة فيهما، بلعت غصتها، وكبحت دموعها عندما ردد بنفس الصوت المتلعثم:
-سـ..امـ..حينـ...ي.
انحنت على رأسه تقبله، وهي تقول دون تفكيرٍ:
-مسمحاك يا خالي...
بالكاد سيطرت على رغبتها بالبكاء المتأثر، وهي تستكمل جملتها:
-قوملنا إنت بالسلامة، عايزينك معانا.
اعتدلت بعد ذلك في وقفتها، ومسحت بظهر كفها العبرات المتسللة من طرفيها، وأخبرته بحماسٍ:
-احنا هنظبط البيت عشان تنام معانا، مش هنسيبك لوحدك، كلنا موجودين حواليك ومعاك.
لم يستطع التعليق سوى بالانخراط في نوبة بكاءٍ نادمة، شعرت خلالها بالأسى عليه، ترجته بقلبٍ موجوع:
-خلاص يا خالي، هو أنا بأقولك كده عشان تزعل؟ والله هاعيط جمبك، وهخلص علبة المناديل دي.
ثم حولت حزنها إلى مزاحٍ وهي تدعي الضحك:
-خليني أقولك عن "رقية" والشقاوة اللي بتعملها، ماهي شكلها طلعالي.
سحبت المقعد لتلصقه بفراشه، واستطردت تحكي له عن ابنته بحماسٍ، غير غافلة عن أدق التفاصيل، ليشعر وكأنه لم يتركها ليومٍ، خلال حديثها المستفيض، تغلغل داخله ندمًا أشد، فرغم ظلمه المجحف، ومعاملته القاسية لها على الدوام، إلا أنها بيّنت له طبية لا حدود لها، لا تخلو من أنهر من المحبة، رغم توهمه أنها جاءت لإظهار شماتتها فيه، خاب ظنه، وأدرك حينئذ أن النبتة الطيبة أصلها طيب وثابت.
...........................................................
انسحب من أسفل المظلة الجالس تحتها، ليتحرك بعيدًا عن الرجال المجتمعين حوله، حتى يتكلم بأريحية تامة، دون أن يرهف أحدهم السمع لمكالمته الهاتفية، فينقل أخباره لأهل البلدة، كعادة المعظم هنا في تناقل الشائعات بإضافة الكثير من المغلوطات دون دقة. تبدلت قسمات "اسماعيل" المرتخية للوجوم، ونظراته للعبوس، بعد سماعه لهذا الخبر المشؤوم من زوجة شقيقه المتوفي. حرر زفيرًا مزعوجًا من صدره، قبل أن يعقب بحسم:
-احنا هنيجي عندك في أقرب وقت.
على ما يبدو اعترضت على إرهاقه بالقدوم، فأصر عليها:
-دي الأصول والواجب.
صمت للحظةٍ، وتابع:
-عزيها بالنيابة عني، سلامو عليكم.
التفت "اسماعيل" بجسده ليجد ابنه مقبلاً عليه، تفرس الأخير في وجهه متسائلاً بتطفله الاعتيادي:
-في إيه يا حاج؟
أجابه بزفيرٍ مهموم:
-دي مرات عمك، بتبلغني إن بنتها "فيروزة" رجعت.
علق "فضل" هازئًا:
-على طول كده؟ تلاقي جوزها طفش من زنها، وقرف.
صحح له نافيًا، والاستنكار يبدو ظاهرًا على ملامحه:
-لأ يا فالح، ده جوزها ربنا افتكره في الغربة.
جحظت عيناه هاتفًا في ذهولٍ يتخلله القليل من الشماتة:
-إيه ده مات؟
بنفس الأسلوب المنزعج اقتضب في رده عليه:
-أيوه.
حك "فضل" مؤخرة عنقه، وغمغم بسماجة مرفوضة:
-الصراحة ومن غير زعل، بنات عمي أقدامهم فقر على نسايبهم.
نهره والده بغلظة:
-إيه الكلام الخايب ده؟
بوقاحته الفجة تفوه بالمزيد:
-خايب إيه بس؟ إنت مش شايف يابا سرهم الباتع.
صاح "اسماعيل" في نفاذ صبر:
-استغفر الله العظيم.
سأله "فضل" ببسمة ماكرة:
-وناوي تعمل إيه؟ هتروحلهم؟
أجابه دون أن يستغرق لحظة في حسم أمره:
-أه طبعًا...
ثم حدجه بتلك النظرة المستهجنة وهو يزجره:
-أومال يعني هاقعد جمبك ألت وأعجن زي الحريم؟
فرك طرف ذقنه، واقترح عليه بنظراته الخبيثة:
-طب ما تخليك وأنا أروح بدالك، ورانا شغل كتير في الأرض، والأُجرية عايزين فلوس أد كده، وإنت بتعرف تتفاهم معاهم.
كشف أمره بسؤاله المباشر:
-أسيبك تروح لوحدك عشان تعك الدنيا زي تملي؟
تلجلج وهو يبرر له:
-يابا أنا هاقوم بالواجب وراجع على طول، مش هالحق أعمل حاجة يعني.
رمقه بطرف عينه، ثم عبر له عن تشكيكه في نواياه:
-أنا مش ضامنك يا "فضل".
غمغم بنظراته المتنمرة:
-ليه بس كده؟ وبعدين ما احنا أخدين السِكة قياسة، كل يوم والتاني عندهم، وأنا هسد مكانك.
صاح منهيًا النقاش معه:
-بأقولك إيه هي كلمة، مش هتتنقل من هنا إلا معايا، أنا مش ناقص مشاكل.
على مضض ادعى انصياعه؛ وكأنه يسكته فقط:
-طيب، اللي تشوفه.
نظراته الطويلة نحوه عكست نوايا لئيمة، وإن لم يفصح بذلك علنًا؛ لكنه عقد عزمه على الذهاب إلى منزل عمه بمفرده، لإثبات أنه الآمر الناهي الوحيد في هذه العائلة، بعد فناء جميع رجالها، وإن كان خالها ما زال حيًا؛ لكنه اعتده عاجز الجسد والعقل، غير قادر على اتخاذ القرارات الصائبة.
..........................................................
احترامًا للعادات والتقاليد، تم إعلام نساء المنزل قبل القدوم بوقتٍ كاف للاستعداد كفاية لاستقبال عددهم الكبير في منزلهم، رغم عدم حاجتهم لأي ترتيب مسبقٍ، بسبب المصاهرة بين العائلتين؛ لكن "بدير" أراد أن تتم الأمور بهذا الشكل تقديرًا للظروف الراهنة. بعد صلاة العشاء، توافد أفراد عائلة "سلطان" على المنزل، استقبلتهم "آمنة" بترحابٍ حار، واستضافتهم في صالون منزلها، فجلس الجد على أريكة منفردة، وعلى المجاورة له جلس "تميم"، أما "بدير" فاستقر إلى جوار زوجته على أريكة ثنائية، واتخذت "هاجر" مكانها عند الجانب الآخر مع رضيعها، لتتبقى الأريكة الواسعة شاغرة، إلى أن احتلتها "آمنة" وإلى جوارها الصغيرة "رقية".
وحده كانت أنظاره معلقة بالباب، ينتظر تلك اللحظة التي تطل فيها عليه، لهفة قلبه أوحت أنه لم يأتِ لتقديم واجب العزاء، وإنما لتجديد عهد الحب النابض في فؤاده. تسارعت دقاته عندما لمحها تأتي بثيابها السوادء، أحس بشيءٍ يناوش مشاعره، ويستحثه بشدة، لإطالة النظرات نحوها بجراءةٍ غير معهودة، وأمام عائلته. خجل "تميم" من نفسه، وأخفض عينيه في حرجٍ، قبل أن تقبل "فيروزة" عليهم؛ وكأنه لم يرها.
ولحسن حظه جلست قبالته، فلا مهرب لعينيه الحالمتين من نظراتها الشاردة. حاول أن يركز انتباهه مع والده وجده؛ لكنه وجد صعوبة في تحقيق ذلك، فكامل حواسه أبت الانصياع لإرادته، خاض قتالاً صامتًا، كان الفوز فيه من نصيب جوارحه، استقرت عيناه على وجهها الناعم وصوت أبيه يعزيها:
-البقية في حياتك يا بنتي.
قالت بصوتٍ هادئ:
-الدوام لله وحده.
هتفت "آمنة" قائلة في حسرةٍ:
-الواحد مابقاش ملاحق من المصايب اللي نازلة فوق دماغه، مش عارفين نقول إيه؟
رد عليها الجد بصوته الرخيم، وهو يدير عصا عكازه بين أصابع قبضته في حركة دائرية:
-نقول الحمدلله على كل حال.
تنهدت مرددة بإيماءة قنوعة:
-الحمد والشكر ليك يا رب.
قالت "ونيسة" كنوعٍ من الدعم:
-ربنا حاططنا في ابتلاء صعب، بندعيه نعدي منه على خير.
وافقتها "آمنة" الرأي، وردت عليها:
-ونعم بالله.
استمرت الأحاديث والهمهمات الجانبية بين المتواجدين، تشارك فيها "فيروزة" أحيانًا، وفي كثير من الوقت بقيت صامتة. قرع الجرس المفاجئ أجبر رأسها على الاستدارة، وقبل أن تنهض أشارت والدتها لها وهي تأمرها بصوتها الخافت:
-خليكي إنتي.
تحركت "آمنة" خارج الغرفة متجهة إلى الباب، فتحته وهي تتأكد من ضبط حجاب رأسها بلزمةٍ لا إرادية، حلت علامات المفاجأة على تعبيراتها عندما أبصرت "فضل" واقفًا على الأعتاب، حركت فكها متسائلة في دهشة:
-"فضل" إنت جاي ليه السعادي؟
حدجها بنظرةٍ غير مستساغة، وقال بشفاه مقلوبة:
-جرى إيه يا مرات عمي؟ هو ممنوع ولا إيه؟
أخبرته نافية:
-لأ، بس أبوك قايلي إنكم جايين على بعد بكرة، فأنا مستغربة.
بسماجته الزائدة حادثها:
-لاقيت نفسي فاضي، قولت أعدي عليكم.
ودون انتظار سماحها له بالدخول، اندفع مقتحمًا الصالة، مجبرًا إياها على التنحي للجانب وهو يتساءل في فضولٍ:
-إيه الدوشة دي؟ هو إنتي عندك ضيوف؟
أجابته بصوتها الخافت:
-عيلة الحاج "سلطان" جاية تعزي في وفاة المرحوم "آسر".
عنفها بخشونةٍ بالرغم من انخفاض نبرته:
-ومحدش يقولي ولا يديني خبر؟
ردت بعتابٍ، وقد ضاقت نظراتها:
-يعني هانقول للناس لأ ماتجوش؟ دي مش الأصول.
شمر عن ساعديه، وكأنه يستعد للشجار، ليقول بعدها بنيةٍ غير محمودة:
-طب أنا داخلهم.
استبطأت حركته بالتعلق بذراعه، وطلبته منه:
-بالراحة يا ابني، الناس في بيتنا.
بوجهٍ قاتم، ونظرة حادة هسهس بفحيحٍ كالأفعى:
-هو أنا غريب؟ ده أنا صاحب مكان.
حذرته من جديد بانزعاجٍ ظاهرٍ على ملامحها، وفي نظراتها أيضًا:
-خلاص يا "فضل"، لم الدور.
دفعها للجانب وهو يتحرك قائلاً بتصلبٍ:
-ملكيش دعوة يا مرات عمي.
تبعته هامسة بتوجسٍ:
-استر يا رب، هو احنا ناقصين فضايح.
بكل ما فيه من قباحة النفس وشرورها، ولج "فضل" إلى الصالون صائحًا بصوتٍ تعمد أن يكون خشنًا وجافًا:
-سلامو عليكم.
أتاه الرد متفرقًا من جميع المتواجدين بالحجرة:
-وعليكم السلام.
بدا النفور ظاهرًا على وجه "فيروزة"، لم ترحب بابن عمها، ونهضت خارجة من الغرفة لتجد والدتها تضم يديها معًا في توترٍ ملحوظ، سألتها باستغرابٍ، وهي ترفع حاجبها للأعلى:
-في إيه يا ماما؟ واقفة على جمب كده ليه؟
بصوتٍ قلق همست لها:
-"فضل" ناوي يشبك مع الجماعة اللي عندنا.
استشاطت غضبًا على الفور، وهتفت مهددة باندفاعٍ:
-والله ما هسكتله، هو اتجنن في عقله، بصفته إيه أصلاً؟
حاولت والدتها استبقائها، وترجتها بخوفٍ مرتبك:
-استني يا "فيروزة".
تجاهلتها مرغمة لتنضم للبقية الحاضرة، وهي في حالة تحفزٍ شديد، منتظرة اللحظة التي يظهر فيها وقاحته لتهاجمه بما يعتريها من غيظٍ وغضب. ونال مراده عندما استطرد هاتفًا باستهجانٍ هازئ:
-ماشاء الله عليكم، منورين البيت.
لم تنتظر التعليقات المجاملة، وبادرت بردها على الفور، ونظرتها الاحتقارية طالته من رأسه لأخمص قدميه:
-البيت طول عمره منور بأصحابه واللي فيه.
في حالةٍ من الغليان راقب "تميم" ما بينهما، كابحًا بصعوبة منع نفسه من التطاول -لفظيًا وجسديًا- على كتلة الشحم الغبية الحاضرة معهم، وكعادة "فضل" المستفزة كانت إهانته فجة عندما زجر ابنة عمه:
-اتركني على جنب كده، وخليني أقول البؤين اللي عيزهم.
تصاعد غضب "تميم" إلى ذروته، حتى عروقه باتت تنتفض بقوةٍ؛ وكأنها ترجوه للانقضاض عليه والفتك به. اختلجت بشرته بحمرةٍ شديدة، كأن جلده يفح نارًا، بينما هاجمته "فيروزة" بزمجرةٍ غاضبة:
-بصفتك إيه إن شاءالله؟
التفت "فضل" ناحيتها يلوح لها بذراعه، ولسانه يسبقه:
-بأقولك إيه....
بلغ صبره منتهاه، والسكوت لم يعد خيارًا متاحًا، هدر "تميم" يقاطعه بنبرة اخشوشنت على الأخير؛ وكأنه على وشك الاقتتال معه:
-إنت يا ابني اتكلم معايا أنا.
على إثر صوته المحموم بكل درجات الغضب، انتفض الجميع في جلستهم، وركزوا أنظارهم معه، بادر الجد بتهدئته بأمره بصرامةٍ، قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة:
-استنى يا "تميم"، وخليني أتكلم.
وأيده "بدير" بلهجته المتشددة:
-اسمع الكلام.
بعينيه الناريتين، ووجهه المشتعل قال بنبرة محملة بأنفاسه الهادرة، ودون أن تحيد نظراته عن وجه "فضل":
-أوامرك يا جدي.
توجهت عينا "سلطان" إلى الضيف الثقيل، وسأله ببرود؛ وكأنه نكرة:
-كنت عايز تقول إيه؟
غاص في مقعده، ورفع ساقه فوق الأخرى، كما لو كان حقًا شخصية هامة لها اعتبارها، ثم لفظ الهواء ببطءٍ، وقال وهو يلوي ثغره:
-يعني هو يصح تيجوا وراجل البيت مش موجود؟
كلماته المستفزة استثارت "فيروزة"، فصاحت به بعصبيةٍ:
-ومين نصبك راجل علينا؟
أدار "فضل" رأسه ناحيتها، ورفع ذراعه عاليًا يهددها علنًا:
-اخرسي بدل ما أسفخك قلم أرقدك فيها.
هنا تدخل "تميم" في الحوار ينذره بصوتٍ أجوف قاتم، اجتمعت فيه شراسة سبعة أعوامٍ عجاف، في سجنٍ لا يظهر أدنى شفقة للضعفاء:
-طب جرب ترفع إيدك عليها، وأنا هكسرهالك نصين، ما هتعرف ترجعها مكانها تاني، وده قبل ما أدغدغ عضمك كله.
صوت "سلطان" كان نافذًا وهو يأمر حفيده:
-اهدى!
ثم أمر "فيروزة" بلهجته الجادة:
-وإنتي استني يا بنتي شوية...
تحولت أنظاره نحو "فضل" ليخاطبه بتحفزٍ واضح:
-وكلمني أنا كبير الأعدة، بس الأول تنزل رجلك لتحت.
ولكز بعكازه الأرضية بقوةٍ جعلت ساق هذا الأرعن تنخفض خوفًا من هيئته، تنحنح في خفوت، وادعى ثباته قائلاً بغطرسةٍ مصطنعة، وكأنما يحفظ ماء وجهه:
-نعم يا.. حاج.
استقام الجد بكتفيه في شموخٍ مهيب، ثم سأله بما يشبه الازدراء:
-قولي إنت كينونتك إيه هنا؟
بنبرة متعالية أجابه، كما لو كان شخصًا فريدًا من نوعه:
-أنا "فضل"، ابن الحاج "اسماعيل"، عمهم الكبير.
عامله الجد باستحقارٍ عندما سأله:
-أيوه يعني، إيه ميزتك في الكون؟
رد بتشنجٍ وهو يبلع ريقه:
-ما أنا قولتلك يا حاج إني ابن عمهم.
سأله بنفس اللهجة المهينة له:
-غيره، بني آدم مهم يعني؟ ماسك منصب واحنا منعرفش؟
رد عليه بوقاحةٍ:
-جرى إيه يا حاج؟ إنت جاي تهزقني في بيتي؟ لأ تقف عوج وتكلم عدل.
مع ختامه لجملته هاج "تميم" ينعته بشراسةٍ، وقد تخلى عن عكازيه ليقف باستقامةٍ، ودون أن يوجد ما يعيقه عن قتله:
-عندك يا (...)، هاطلع ميتينك النهاردة.
انتفض "فضل" واقفًا، وتراجع خطوتين للخلف، ليقف إلى جوار "آمنة"، خوفًا من بطشه الأعمى، فنظراته القاتلة أكدت نيته التامة على تنفيذ قوله، دون إبداء ذرة ندمٍ واحدة، لأن العائلة كانت ولا تزال خطًا أحمرًا لا يمكن المساس به.
دهشت "فيروزة" من حميته، كانت مرتها الأولى التي تراه على تلك الحالة الثائرة، ولأجل من؟ لأجلها ودفاعًا عنها دون وجود ما يربطه بها، أو حتى الدافع للقيام بهذا، أظهر خلال تلك الدقائق المنصرمة استعدادًا كاملاً، للخوض في معركةٍ دامية لا تخصه، من أجل حمايتها من أقل ضرر، خفق قلبها لهذا، وتطلعت إليه ملء عينيها، لحظتها لم تكن ترى سواه، وإن لم يلمح نظراتها المثبتة عليه.
حلقت بعينين سارحتين في فضاء هيمنته الحاضرة بقوة، فرأت بالإضافة إلى استبساله، شهامته، صلابته، اعتزازه بعائلته قبل نفسه، دفاعه المستميت عنهم، وتضحيته غير المشروطة لحماية الضعيف، دون أن يطلب منه المساعدة. لامس ما فعله مشاعرها، ونفذ كالسهام الموجهة إلى قلبها، فشعرت بتلك الخفقة التي أنعشت ما كان كامنًا، لتدرك في أعماقها أن هناك ما يجذبها نحوه؛ وإن أنكرت واستنكرت هذا. أفاقت من تحديقها فيه، على صياح والدتها اليائس، غير متوقعة نجاحها في تهدئة الوضع بعد وصوله لذروته:
-اهدوا يا جماعة وصلوا على النبي، مش كده.
رد عليها "فضل" بوجهه المتقع، بنفس الأسلوب المهين:
-مش لما يعرفوا في الأصول الأول يبقوا يتكلموا.
عنفه "تميم" بلهجته القاتمة، وقبضته المتكورة تأكله لتحطيم فكه:
-الأصول عارفينها غصب عنك يا بغل.
هتف "فضل" بصوته المهتز، وقد تحرك تلك المرة ليقف خلف "آمنة":
-اغلط كمان، ما إنت مش متربي.
همَّ بالتحرك بما يجتاحه من ثورة ثائرة؛ لكن استوقفته قبضة أبيه الموضوعة على ذراعه قبل نبرته الآمرة:
-"تميم"، اهدى.
ومن خلفه هتف جده يأمره:
-خليك واقف.
بزمجرةٍ محتجة صاح "تميم" مهددًا:
-أدوني الإذن وأنا هانيمه زي الدبيحة.
رد عليه الجد يهدئه:
-احنا جايين نقوم بالواجب، مش نتخانق، وأدينا قومنا بيه، يالا بينا.
قاطعه معترضًا بزفيرٍ متشنج:
-بس آ...
منعه "بدير" من الاحتجاج بصرامته الواضحة:
-جدك قال كلمته، متجادلش.
خنع بصعوبةٍ لكليهما، ودمدم بصوته الغاضب:
-ماشي كلامكم.
وزعت "فيروزة" نظراتها عليهم، وقالت وعيناها تحدقان في اتجاه "تميم"، الذي كان مسلطًا كامل أنظاره على الوغد المختبئ خلف النساء:
-أنا أسفة جدًا على اللي حصل.
أخبرها الجد وهو ينهض واقفًا:
-الغلط مش عندك يا بنتي، الغلط معروف مع مين.
شتت نظراتها عن تعابيره المتشنجة، لتحملق في الجانب، ناحية "بدير" الذي ربت على كتفها وهو يؤكد عليها أيضًا:
-شدي حيلك واحنا معاكي في أي حاجة، احنا مش نسايبك وبس، لأ أهلك كمان.
شكرته بابتسامةٍ بسيطة:
-تسلملي يا رب.
من تلقاء نفسها أدارت وجهها للأمام، لتجده واقفًا على بُعد خطوةٍ منها، أنفاسه المنفعلة تكاد تلفح بشرتها، رعشة خفيفة انتابتها لاقترابه غير المتوقع، كما شعرت بخفقةٍ مباغتة تصيب تلك العضلة النابضة فيها، فازدادت خفقانًا كما لم يحدث من قبل. تلبكت وأحست بحمرةٍ ساخنة -غير غاضبة- تطفر على صفحة وجهها، نظرته العميقة نفذت إليها عندما أكد لها بصوته الجاد:
-لو حد اتعرضلك يا أبلة قوليلي...
حادت عيناه عنها للحظة لترتكز من جديد على وجه "فضل"، وهو يكمل تهديده:
-بالله ما هيشوف نفسه إلا وهو مدفون حي في قبر محدش يعرفله طريق جرة.
هلل "فضل" متسائلاً بعصبيةٍ؛ كما لو كان يحاول رد كرامته المبعثرة:
-هو يقصدني أنا؟ عايز يموتني؟ لأ ده أجيبله البوليس.
صاحت فيه "آمنة" بصبرٍ نافذ:
-هو إنت بتخانق دبان وشك؟ اسكت بقى.
عادت عيناه الهائمة تنظر إليها عن قربٍ مغرٍ، ليجد قطعتي الفيروز ازدادتا وهجًا، صوتها الناعم غمر كيانه كاملاً، فجعل وخزات الحب والشعور تعمل بكامل طاقتهاوقد قالت باقتضابٍ ممتن يصحبه ابتسامة رقيقة، كانت خصيصًا له:
-شكرًا.
يا لقرع الطبول الآن في قلبه! فقط لو تعلم ما الذي يكنه لها، ابتهجت روحه، وطربت، وسرَّت، وفرحت، وسعدت كما لم تسعد من قبل. حافظ "تميم" على ثباته ليخبرها بلهجته التي هدأت، وإن لم تخبت صلابتها، مؤكدًا عليها من جديد، عزمه الشديد على تنفيذ تهديده لحظيًا، فقط إن منحته الإشارة بهذا:
-مش بأهزر، إنت بس قولي.
رمشت بعينيها قائلة بوجهٍ شبه متوتر:
-كتر خيرك.
تحرك مبتعدًا عنها، وعيناه تُلقي نظرة مودعة عليها، بما تحتويه من شغفٍ ودفء، وعدٌ بلقاءٍ قريب تعهد به قلبه في صمتٍ. واصل سيره، دون الاستعانة بعكازيه، متحملاً بعض الألم في ساقيه، تعمد "تميم" الوقوف أمام "فضل" ليحدجه بنظراته الميتة، فانكمش الأخير على نفسه، كادت تنفلت منه شهقة مذعورة حين رفع ذراعه يدعي تهديده به، قبل أن يخفضه ليسنده على كتفه، ضغط بأصابعه بخشونةٍ عليه، حتى كاد يعصره، وقال له باستهجانٍ:
-الرجالة نازلين يا... راجل، جاي، ولا هتكمل ليلتك مع الحريم؟
أجابه بذبذبةٍ وهو يحاول إزاحة قبضته المتشبثة به:
-لأ قاعد.
أخبرته "آمنة" بوجومٍ ناقم:
-واحنا بقى هنقفل وننام بدري، بالسلامة يا "فضل".
لو كان مثيله يملك إحساسًا، لما ظهر بوجهه مجددًا، بعد ما تلقاه من إحراجٍ متعاقب، تنحنح قائلاً وهو يزيح يد "تميم" القابضة عليه:
-ماشي يا مرات عمي.
وقبل أن ينفذ بجلده هاربًا منه، أمسك به "تميم" من مؤخرة عنقه، يعتصر فقراته بشدة، فتأوه بأنينٍ، ولم يستطع المناص منه. اقترب من أذنه يهمس له:
-حاسب على أيامك كويس...
نبرته الهامسة زادت قتامة، وأشعرته بأنه بات قاب قوسين أو أدنى من الهلاك الحتمي مع إتمام جملته:
-عشان يومك قرب يا... بغل .......................................... !!
.............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم Manal Salem
قراءة ممتعة مع الفصل ..
في انتظار تعليقاتكم الداعمة
الفصل الثاني والتسعون
بنفس القبضة القوية المحكمة حول عنقه، والغضب الذي لم يهدأ بعد، دفعه "تميم" دفعًا بخشونةٍ أمامه إلى خارج المنزل؛ وكأنه يُلقي بقمامةٍ مهملة، لا مكان لها هنا، ليضمن عدم عودته بعد مغادرة الجميع. حاول "فضل" المناص منه، فلم يقوَ على هذا، رغم كون الأخير في غير كامل قوته، ويستخدم ذراعًا واحدة، وبالكاد يسير باستقامة، أظهر فقط قدرًا مما يشحذه ضد سماجته المفرطة. لم يحرره، وصــاح كأنما يحادثه:
-عايزك في كلمة برا يا... راجل.
طريقة تلفظه بالكلمة الأخيرة عنت أنه أراد إهانته، وليس مدحه كما يظن البعض. أدار "تميم" رأسه للجانب، عل الحظ يبتسم له، ليحظى بفرصة أخرى لرؤية إشراقة حدقتيها، ذاك البريق الذي تلألأ فيهما بوضوحٍ، بعد أن أظهر جانبه الآخر المدافع عنها. وقد حدث ما رجاه، حيث كانت "فيروزة" في إثرهما لغلق الباب، تطلعت إليه بطريقة جعلت الروح تشتاق، والأحزان تذوي، شتته عنها قليلاً برطمة كتلة الغباء القابض عليه، أجلى صوته، وأمرها بإشارة مدعمة كذلك من عينيه:
-اقفلي يا أبلة عليكم.
علقت عليه بنعومةٍ، رافقتها ابتسامة ممتنة، زادت من لهيب الأشواق:
-حاضر يا معلم.
وقبل أن توارب الباب تابع بلهجته الجادة، وعيناه قد تحولتا لتحدج "فضل" بقتامةٍ أرعبته:
-زيادة أمان، عايز أسمع صوت الترباس.
استجابت لأمره، وأغلقت الباب ليسمع بوضوحٍ حركة القفل فيه، عند تلك اللحظة ارتخت قبضته عن مؤخرة رقبة "فضل"، ليس لتحريره، وإنما لدفعه بظهر ساعده من عنقه نحو الحائط، حاصره برأسي عكازيه الطبيين، وضغط على مجرى تنفسه، ليقطع الهواء عنه، ثم بيده الأخرى أشهر مطواته، وجعل بريق نصلها الحاد ينعكس في عينيه المذعورتين، أخفض يده قليلاً ليلصق النصل المدبدب في جلد صدغه، همس له من بين أسنانه المضغوطة:
-إنك تستقوى على الحريم مش مرجلة.
تلوى "فضل" بجسده محاولاً تحرير نفسه، والتقاط أنفاسه المقطوعة، على أمل الفرار من أمام شرارات غضبه الحارقة؛ لكنه كان عاجزًا تحت قبضتيه، مسلوب الإرادة والقوى. خفض "تميم" النصل للأسفل، ليغرزه طرفه الحاد عند بنطاله، وتابع تهديده الهامس له:
-عشان لو اتكررت تاني، هاشيلك الحتة اللي مخلياك تفكر نفسك كده!
نبرته الجوفاء، مع نظراته المظلمة، أكدت أنه لا يمزح مطلقًا في تنفيذ كلامه. استمر "تميم" في الضغط برأسي عكازيه على عنقه، حتى بات لون بشرته أزرقًا، حرره بعد أن سدد لكمة قاسية بركبته في أسفل معدته جعلته يسعل ويئن في ألم شديد، قبل أنه يكومه بجانب صندوق القمامة. نظر له باحتقارٍ مشمئز، ثم أمره مهددًا:
-قوم على حيلك، وامشي من هنا، بدل ما أنزلك بطريقتي
طار من عينيه كل استبسال زائف ظن أنه فيه، زحف "فضل" على أطرافه الأربعة ليصل إلى الدرج، ثم رفع أحد ذراعيه ليمسك بالدرابزين محُملاً عليه ثقل جسده، بالكاد نهض وهو يهبط في عجالةٍ، فأوشك على الانكفاء على وجهه بطريقة مضحكة؛ لكنه استعاد اتزانه وفر سريعًا قبل أن يطاله الأذى. ابتسم "تميم" ساخرًا منه، على الرغم أن ذلك لم يكن مرضيًا بالكامل له، واستدار بعدها ليحملق في الباب الخشبي الذي يفصله عنها، مستشعرًا بقوة حضورها، آه لو تتبين مدى الشوق والحب الغارق فيه وجدانه نحوها! انصـرف من المكان وقلبه يدق في لوعة، لم يعد يحتمل الابتعاد، وما زال مترددًا من الاقتراب.
من الناحية الأخرى، شهدت "فيروزة" ما فعله، وراقها للغاية تلقينه لهذا الدرس القاسي، شعرت بصدق أنها استردت عن طريقه جزءًا من كرامتها المهدورة، وإن لم يعلم بعد ما عانته من جبروت هذا الغليظ، وحينما استدار لينظر ناحية الباب، شعرت أن نظراته اخترقت الحاجز الخشبي لتصل إليها، خفق قلبها في ارتباكٍ، وارتجفت في خجلٍ لم تشعر به ناحيته من قبل، لولا يقينها بأن هناك فاصلاً بينهما لصدقت أنه يراها قبالته. ابتعدت عن الباب، وألصقت ظهرها بالحائط، وهي تشعر بتهدجٍ غريب يجتاح صدرها، تحسست نبضاتها بيدها، وهي لا تستوعب الاضطراب المغري الذي اعتراها؛ لكنه كان مقرونًا بشيء استلذته.
......................................................................
أمام مرآة تسريحتها، أجلست الصغيرة على مقعدها القديم، ووقفت خلفها وهي ممسكة بمشطها تصفف خصلاتها الطويلة برفقٍ، كانت تبتسم لها بين الحين والآخر، إلى أن شرد عقلها لبعض الوقت مستعيدة تفاصيل ذلك الحوار السابق الذي دار بين أمها وتوأمتها بعد عودتها من السفر، لإطلاعها عن الجديد من الأخبار؛ وإن لم تكن في أغلبها محمودًا، حينها عرفت عن كرب عائلة "سلطان"، والنوائب التي توالت على رؤوسهم؛ لكن ما أحزنها -بقدرٍ لا يخلو من التعاطف- مقتل "خلود" غدرًا، لن تنكر أنها لم تحبذ أسلوبها الفظ في استفزازها، واستثارة أعصابها بتعاليها ومعايرتها المتكررة لها في كل فرصةٍ تتاح لها؛ لكن أن تنتهي حياتها هكذا، كان أمرًا بشعًا لم يمكن تصوره!
علقت "همسة" آنذاك:
-بجد الواحد عاش أيام صعبة، ولحد دلوقتي "هيثم" لسه متأثر باللي حاصل، وأنا محتارة معاه.
ردت عليها والدتها تبرر تصرفاته:
-مش أمه وأخته.
أضافت بنوعٍ من الشفقة:
-اللي يقهر بجد إن اللي هاجمهم جوز بنتهم "هاجر"، اللي اسمه "محرز"...
ثم خاطبت توأمتها تسألها:
-عارفاه يا "فيرو"؟
أجابتها بفتورٍ:
-أه، أفتكر شكله.
أكملت "همسة" قولها بضيقٍ منزعج:
-لأ ومكتفاش بكده، كمان خطف ابنه في العزا، شوفتي الجبروت؟
ظهر الاستياء على تعبيراتها وهي تعقب:
-صعب أوي بجد.
تنهدت متابعة بلهجة جادة وهي تشير بيدها:
-بصراحة لولا "تميم"، وجوز صاحبتك اللي في البلد "أسيف"، الله أعلم كان ممكن يحصل للولد ده إيه.
التطرق لذكره جعل حواسها الخاملة تتيقظ بالكامل، اسمه بات على الدوام مقرونًا بالشهامة والمروءة، ابتسامة خفيفة استقرت على شفتيها وهي تقول باستحسانٍ:
-كويس إنه كان موجود.
مازال التجهم مسيطرًا على وجه "همسة" عندما أخبرتها:
-تعرفي الزفت اللي اسمه "فضل" يومها مد إيده عليا، كام عايز ياخد نمرة على حسي قصاد الرجالة.
تبدلت تعابير توأمتها إلى الحنق في لمح البصر، وصاحت في استهجانٍ:
-قطع إيده، هو اتجنن في عقله؟ إزاي يعمل كده؟ وإنتي سكتي؟
جاوبت بابتسامةٍ راضية نسبيًا:
-الرجالة قاموا معاه بالواجب، وبالعافية "هيثم" سابوه.
هدرت أنفاس "فيروزة" وهي تعقب عليها، وبشرتها تشع حمرة غاضبة:
-اقسم بالله سيرته تفور الدم، حاجة كده استغفر الله العظيم تحرق أعصابك.
استمرت "همسة" قائلة:
-حقيقي ساعتها حسيت بالسند والضهر.
تطلعت إليها "فيروزة" بنظراتٍ ساهمة؛ وكأنها شردت لوهلةٍ عنها، مستعيدة في عقلها ومضاتٍ خاطفة لوقوفه إلى جوارها في القسم الشرطي، أثناء اتهام زوجته السابقة لها بمحاولة الاعتداء عليها وقتلها. لم يكذبها مُطلقًا، آمن ببراءتها بلا دليلٍ يبرهن ذلك، دعمها في وقتٍ كان من المفترض أن يتخذ صفًا مضادًا لها. لم تعرف "فيروزة" أن شفتيها تقوستا بعفويةٍ لتظهر بسمة تشكلت لأجل ذكراه، أخفتها سريعًا وشقيقتها تتابع:
-ربنا يزيحه من طريقنا.
زفرت معقبة بإيجازٍ:
-يا رب.
تساءلت "آمنة" باستنكارٍ:
-اللي الواحد مستغربه هو في بني آدمين كده عايشين وسطنا؟ يطعنوك في ضهرك وإنت مديهم الأمان؟ إزاي يقدروا يعملوا ده؟
أجابت "فيروزة" بلمحةٍ من الحزن في صوتها:
-في يا ماما كتير، بس للأسف الطيبين اللي زينا بيتخدعوا بسهولة.
تضرعت والدتهما قائلة برجاءٍ:
-ربنا رحيم بعباده، وينجينا من شر العالم دول.
جمعت "همسة" حقيبتها، وعلقتها على كتفها لتضيف وهي تنهض من مكانها:
-أنا هاقوم بقى، الوقت اتأخر، عايزين حاجة مني؟
ردت "آمنة" نافية وهي تهز رأسها:
-لا يا "هموسة"، خدي بالك من نفسك.
قالت مبتسمة:
-حاضر يا ماما...
ثم التفتت ناظرة إلى توأمتها التي وقفت تحتضنها، ربتت على ظهرها قائلة بتنهيدة مشتاقة:
-والله يا "فيرو" كنت مفتقداكي، رجعتك دي مش عارفة فارقة معايا إزاي.
تراجعت عنها لتنظر لها عن كثبٍ، وقالت:
-حبيبتي، ربنا ما يحرمني منكم، أنا معنديش أغلى منكم.
ودعت "همسة" الصغيرة التي غفت خلال ثرثرتهن على الأريكة، بقبلة طبعتها على جبينها قبل أن تعتدل واقفة، حينها شعرت بدوارٍ غريب يجتاح رأسها جعلها تترنح في خطواتها، أسندتها "فيروزة" وهي تسألها في جزعٍ:
-مالك يا "همسة"؟
أجابتها بإعياءٍ بسيط:
-دماغي لفت كده فجأة.
ظلت ممسكة بذراعها، وأجلستها على الأريكة وهي تطلب منها:
-طب ارتاحي شوية.
قالت بابتسامةٍ لم تكن مقنعة:
-أنا كويسة محصلش حاجة.
في حين عاتبتها والدتها بتزمتٍ:
-ما إنتي هارية نفسك، من هنا لهنا، ريحي شوية.
عقبت على أمها بتبرمٍ مزعوج:
-هو احنا بنلحق؟ إنتي شايفة يا ماما، كله جاي ورا بعضه، مش بإيدي والله.
لانت نبرتها المعاتبة، وأوصتها بحنوٍ:
-ربنا يقويكي، بس خدي بالك من نفسك، بدل ما تقعي من طولك.
في تلك الأثناء أحضرت لها "فيروزة" كوبًا من الليمون البارد، طلبت منه ارتشاف قدرًا منه، قبل أن تتكلم بقليلٍ من التعب:
-حاضر يا ماما، والله أنا بقيت كويسة، سلامو عليكم.
انتشلها من شرودها صوتًا يناديها عاليًا، فأعادها لمحيطها الواقعي:
-"فيروزة".
استدارت برأسها تنظر في اتجاه الباب، وهي ترد:
-أيوه يا ماما.
سألتها أمها في استغرابٍ:
-إنتي مش سمعاني ولا إيه؟
أجابتها متسائلة:
-في حاجة؟
أخبرتها بنوعٍ من الاسترسال؛ وكأنها تسرد عليها ما قامت به من خطواتٍ:
-بأقولك أنا و ضبت هدوم خالك في الدولاب عندي، ونقلت الدواء بتاعه على الكومدينو، بكرة بإذن الله نروح نجيبه.
هتفت في حبورٍ:
-على خيرة الله.
أضافت تُعلمها:
-وكمان كلمت أختك، وقالتلي حماتها خرجت من المستشفى، وقاعدة عندها.
باقتضابٍ عقبت عليها:
-كويس.
تنهدت والدتها مكملة حديثها:
-عايزين نبقى نعدي نشوفها ونقوم بالواجب، اللي حصلها مش هين.
ورغم امتعاضها من تلك الزيارة، لوجود الخلافات السابقة، وما تحمله النفوس من ضغائن ربما لم تكن سببها، إلا أنها أبدت استعدادها بقولها غير المعارض:
-أكيد طبعًا.
ابتسمت والدتها متمتمة:
-خلاص هظبط مع أختك وأقولك.
-ماشي.
قالت تلك الكلمة وأناملها تعمل على خصلات "رقية" لتصنع منها جديلة طويلة، انتهت عند طرفها بعقدها برابطة صغيرة كانت تحوي طاووسًا أبيض اللون.
.......................................................
واربت الشباك الخشبي، وسحبت الستارة الخفيفة عليه، لتبدو الإضاءة معقولة، لا تزعج عينيها، قبل أن تنظر إليها مجددًا باهتمامٍ، وتتفقد انتظام أنفاسها. مسحت "همسة" بالمنشفة القطنية المبتلة كفي "بثينة" لتنظيفهما، ثم جففتهما بأخرى، قبل أن تشد الغطاء على جسدها، وبهدوء حريص انسحبت من الغرفة لتجد زوجها منتظرًا بالخارج، تحدثت بصوتٍ خافت، حتى لا تُفيقها:
-هي نامت بعد ما خدت الدوا، متقلقش عليها.
رد "هيثم" في ارتياحٍ:
-الحمدلله.
أشارت له ليتبعها بعد أن أغلقت الباب بهدوءٍ تام، ثم أخبرته مستخدمة يدها في الإشارة:
-بص أنا عملت كشف بمواعيد الأدوية بتاعتها، معلقاه على باب التلاجة عشان ناخد بالنا وماننساش، وربنا يجعله بالشفا.
حملق فيها بنظراتٍ ممتنة، احتوت على حبًا عميقًا، لا يضاهيه شيء، ناداها باسمها بتنهيدة حارة:
-"همسة".
قالت بابتسامتها النضرة:
-أيوه يا حبيبي.
انخفضت يداه لتمسك بكفيها، داعبهما بإبهاميه، وعبر لها عما يشعر به الآن جراء مواقفها النبيلة، بصوتٍ غلفه الشجن:
-أنا مش عارف أقولك إيه، واحدة غيرك بصراحة، بعد اللي أمي عملته كانت آ....
قاطعته برقةٍ، وعيناها تحدقان فيه بمحبةٍ واضحة:
-متكملش، كفاية اللي هي فيه.
ترك يديها بعد أن جذبها إلى أحضانه، ضمها إلى صدره، وأسند رأسه على كتفيها وهو يواصل إخبارها:
-ربنا يخليكي ليا، إنتي سندي في الدنيا، من غير وجودك في حياتي كان زماني ضعت...
وقبل أن تعلق بشيء، جدد اعترافه الصادق لها:
-أنا بحبك.
بوجهٍ ازداد خجلاً وإشراقًا نطقت هي الأخرى:
-وأنا كمان..
استلت نفسها من أحضانه الدافئة، وتابعت بحماسٍ؛ وكأنها تُدللــه:
-طب تعالى معايا عشان أجهزلك الفطار قبل ما تنزل.
سألها بنشاطٍ:
-عايزة مساعدة؟ ده أنا شاطر في رص الأطباق.
ضحكت قائلة:
-ده إنت كده ملكش زي.
أضاف في زهوٍ وهو يشاركها الضحك:
-ده أنا أعجبك على الآخر.
استدارت تأمره بصوتٍ تصنعت فيه الجدية:
-طب بص آ....
بترت عبارتها قبل أن تكتمل، عندما شعرت بذلك الدوار المريب يضرب رأسها بقوةٍ، لاحظ "هيثم" شحوبها، وعدم اتزان حركتها، فسألها بمزاحٍ يخالطه القلق:
-"همسة"، في إيه؟ هو أنا حسدتك ولا إيه؟
نفت وهي تقبض على ذراعه لتستند عليه:
-لأ أنا كويسة، مافيش حاجة، وآ...
أحست في تلك اللحظة بظلام دامس يحتل وعيها، فغابت الصور عن عينيها، وسقطت في أحضان زوجها فاقدة للوعي، صــاح "هيثم" في فزعٍ:
-"همســـــة"!
.....................................................
أغلق حزام بنطاله الجينز، وهندم من ياقتي قميصه ذي اللون الأزرق الفاتح، قبل أن يشمر عن ساعديه، ليضع بعدها ساعة يده التي قلما يرتديها؛ لكنه كان بحاجة إليها لمعرفة الوقت، ليكون على الموعد المتفق عليه. دقات متتابعة بشيء بدا صلبًا على باب غرفته، جعلته يعرج بخطواته في اتجاهه لفتحه في الحال، دهشة غريبة اعتلت ملامحه وقد رأى جده واقفًا خارج حجرته في تلك الساعة المبكرة، خاصة أنه في مثل هذا التوقيت يواظب على قراءة ورده اليومي من القرآن الكريم. سأله الجد مستأذنًا:
-صاحي يا "تميم"؟ عايز اتكلم معاك شوية.
دعاه للدخول وهو يتنحى للجانب قائلاً:
-تعالى يا جدي، اتفضل، أنا خلصت لبسي، ونازل على الدكان.
سأله في اهتمامٍ بنبرته الجادة، بعد أن جلس على طرف الفراش:
-عامل إيه دلوقتي؟ هديت كده؟ مردتش أتكلم معاك وقت ما رجعنا.
على مضضٍ أجابه:
-يعني ...
ثم تحولت نبرته للضيق الحانق وهو يتابع:
-بس والله لولا خاطرك، وأوامرك اللي فوق راسي، كنت نهيت عمره، مش بغل زي ده هيتنى ويتفرد علينا.
عقب في عدم اكتراثٍ:
-سيبك من راس العجل ده، وقولي..
نظر له مهتمًا وهو يسأله:
-خير يا جدي؟
جاءه سؤاله مباشرًا:
-بتحبها؟
راوغه في منحه الإجابة متنحنحًا:
-احم.. مين دي؟
بملامحه الجادة وبخه، ولكن بلهجته المعتدلة:
-يا واد، متلفش وتدور على الشيبة دي، إيش حال ما أنا مربيك على إيدي.
لم يماطل "تميم" في التخبئة عليه، كان كالكتاب المفتوح له، يستطيع قراءة ما يُدون على الأسطر، لذا سأله برأس خفيض في حرجٍ:
-هو أنا باين عليا أوي كده؟
ضحك الجد بخشونةٍ قبل أن يمازحه:
-لأ خالص، ده إنت ناقص تعلق إعلان في الحتة، ولا على باب الدكان، إياكش البُنية تاخد بالها.
جلس "تميم" إلى جواره، وحملق في وجهه متسائلاً بترددٍ:
-تفتكر هتحس بيا؟ ولا يمكن تفكرني مش مناسب ليها، أو مش أد المقام؟
قال "سلطان" ببساطةٍ، وهو يربت على فخذه:
-إنت تشرف أي حد، انوي بس خير وربنا ييسرلك كل عسير.
هتف في رجاءٍ:
-يا رب، أنا نيتي خير والله.
بنبرته الواثقة أخبره "سلطان"؛ وكأنه متيقن من تحقيق ذلك:
-يبقى استنى فرج ربنا، هانت.
توسله في لهفةٍ:
-ادعيلي بالله عليك يا جدي.
مازحه من جديد بأسلوبه اللين:
-إنت كده مدلوق خالص، يا واد اتقل.
مال "تميم" برأسه على كتف جده، قبله مطولاً، ورد بسعادةٍ تخللت أوصاله:
-حبيبي يا جدي، ربنا يخليك ليا.
القليل من الاستغراب اعترى ملامحهما عندما سمع كلاهما دقات عنيفة على باب المنزل، مصحوبة بقرع متواصل للجرس، تساءل الجد في تعجبٍ:
-ده مين جاي السعادي؟
استقام "تميم" واقفًا، وقال بعزمٍ وهو يتجه خارج غرفته:
-مش عارف، هاطلع أشوف مين.
استوقف والدته قبل أن تصل إليه وهو يأمرها:
-استني يامه.
رددت "ونيسة" من خلفه في توجسٍ:
-ربنا يستر.
أدار "تميم" المقبض، وفتح الباب ليتفاجأ بوجود "هيثم" قبالته، وعلامات الذعر تنفر من وجهه، سأله في قلقٍ:
-خير يا "هيثم"؟ في حاجة حصلت؟
أشــار له بيده وهو يجيبه بأنفاسٍ شبه لاهثة:
-"همسة" وقعت من طولها، ومش بتحط منطق.
جزع لسماع تلك الأخبار وهتف قائلاً:
-يا ساتر يارب.
تحركت "ونيسة" للأمام لتتجاوزه، وصاحت وهي تضع حجابها على رأسها:
-استنى أنا طالعالها.
بينما أضاف "تميم" وهو يخرج هاتفه المحمول من جيبه الأمامي:
-وأنا هاطلبلك دكتور.
رجاه بخوفٍ شديد:
-بسرعة الله يكرمك.
دون تردد أكد عليه، واضعًا الهاتف على أذنه:
-على طول.
........................................................
ببطءٍ حذر حركت رأسها للجانبين، وهي تحاول فتح جفنيها، في البداية كانت الرؤية مشوشة؛ لكن بعد لحظاتٍ أصبحت الأطياف المحاوطة بها واضحة المعالم. أدارت "همسة" عينيها للجانب، لتنظر إلى زوجها الجالس بجوارها، رأت على ثغره ابتسامة عريضة، أتبعها قوله المطمئن:
-حمدلله على سلامتك.
سألته في حيرةٍ:
-هو إيه اللي حصل؟
وقبل أن يجيبها تحولت أنظارها نحو "ونيسة" التي بادرت بإخبارها بهذا الخبر السار:
-مبرووووك يا حبيبتي، ربنا يكملك على خير.
لم تستوعب مقصدها، وتساءلت ببلاهة:
-على إيه؟
تلك المرة انحنى "هيثم" على جبينها يقبله، وقال في ابتهاجٍ عظيم:
-الدكتور قالنا إنك حامل.
اعتلتها دهشة مصدومة، فردت في ذهولٍ غير مصدقة ما أملاه على مسامعها:
-حامل؟
قال مؤكدًا بإيماءة من رأسه:
-أيوه، والله العظيم حامل.
أدمعت عيناها تأثرًا، فأكمل بنفس اللهجة الغبطة:
-شوفتي كرم ربنا عامل إزاي؟
خرج صوتها مختنقًا، متقطعًا بشكلٍ محسوس، من بكائها الوشيك وهي تنطق:
-أنا.. حامل؟
من جديد أكد عليها ويده تلوح في الهواء:
-أيوه، كلها كام شهر والبيت يتملى علينا بالعيال.
تمتمت "همسة" في امتنانٍ متضرع، وعيناها تتطلعان للأعلى؛ وكأنها تنظر للسماء:
-اللهم لك الحمد والشكر.
دعت لها "ونيسة" قائلة:
-ربنا يسعدك يا بنتي، ويراضيكي بالخير على كل اللي بتعمليه في أختي وابنها.
ضحكت وهي تبكي، ورفعت يدها تمسح دموعها المنسابة من طرفيها، أخبرها "هيثم" بنبرته المتحمسة:
-كلمي أمك عرفيها، أكيد هتفرح أوي لما تعرف.
-حاضر.
تطلعت "همسة" أمامها، وهي تكاد لا تصدق عطية المولى لها، تبددت كل أحزانها مع كم الخير الذي قدمته دون انتظار المقابل، لهج لسانها بالمزيد من الشكر، وعيناها تفيضان بالدمع:
-الحمدلله يا رب، وكذلك نجزي الصابرين فعلاً ................................. !!!
................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم Manal Salem
مساء الورد على الحلوين ..
الفصل الجديد في الطريق إليكم
دعمكم الحلو بيفرق كتير، شكرًا على كل حاجة حلوة ..
الفصل الثالث والتسعون
في الاستقبال الواسع، جلس كلاهما بالقرب من باب المنزل الخشبي، ليتركا مساحة من الخصوصية لأصحابه، ليتمكنوا من التحرك بأريحية، دون الشعور بتطفل غيرهم عليهم. وما إن انصــرف الطبيب بعد تلقي الجميع البشارة حتى نهض الجد "سلطان" واقفًا، وأخبر حفيده الجالس معه بلهجته الجادة:
-خليك معاهم يا "تميم"، جايز يحتاجوا حاجة كده ولا كده.
هب واقفًا على قدميه، ومستندًا بيدٍ على عكازه الطبي، ثم أومأ برأسه مرددًا في طاعةٍ واضحة:
-ماشي يا جدي، اللي تشوفه...
بدأ الجد في السير المتهادي نحو الباب، فتبعه حفيده مضيفًا:
-أنا مستني الواد من الدكان يجيب الدوا اللي الدكتور طلبه.
علق في استحسانٍ:
-كويس...
وأضاف مشددًا عليه بابتسامةٍ وقورة:
-وخلي الواد "هيثم" يعدي عليا، قوله جدك عاينلك حلاوة البشارة.
لاحت ابتسامة لطيفة على محياه وهو يقول:
-ربنا يباركلنا في عمرك يا جدي.
ربت "سلطان" على كتف حفيده، وخاطبه بلهجةٍ ذات مغزى:
-وعقبال ما تبشرني إنت كمان.
لم يبدُ "تميم" خجلاً تلك المرة، بل خرج صوته مُنيبًا راجيًا:
-يا رب.
هز الجد رأسه بإيماءاتٍ صغيرة، وهو يختتم حديثه:
-كله على الله، سلامو عليكم.
بادله تحية الوداع قبل أن يغلق الباب في إثره:
-وعليكم السلام.
عاد ليجلس في مقعده، وانتقى تلك المرة ذاك القريب من الباب، موليًا ظهره لمن بالداخل، حتى لا يبدو وجوده مزعجًا، التهى بإجراء بعض المكالمات الخاصة بالعمل، والتأكد من إتمام نقل حمولات البضائع لأصحابها. شتت تركيزه هذا الرنين المتكرر لهاتف محمول بدا قريبًا منه؛ لكن صوته كان مكتومًا إلى حد ما، وكأن شيئًا موضوعًا عليه يمنع صدوره بوضوح. أرهف السمع ليحدد مكانه، نهض باحثًا عنه، فوجده بالفعل موصولاً بالشاحن على قطعة (الدريسوار) الملاصقة للحائط، ومن فوقه أحد المفارش، أزاحه عنه، وحملق بعينين متسعتين في الاسم الذي أضاء الشاشة، وأنعش قلبه بنبضٍ زائد؛ "فيروزة". أحس بنوبة من الحماس والنشاط تجتاحه، بتدفق الدماء الغارقة في العشق في كافة شرايينه، تستحثه على الرد عليها، ظهر التردد عليه، وتساءل مع نفسه بصوتٍ خفيض، يعبره عن حيرة مصحوبة بربكةٍ بائنة على تصرفاته:
-طب أعمل إيه؟
حدق في اسمها بنظرة مفتونة، ولهة، تنم عن حبٍ عميق، لا يمكن إنكار حقيقته أبدًا، مط فمه في ضيقٍ، عندما انقطع الاتصال، كما حل العبوس على قسماته المبتهجة، وكأن مصدر السعادة انسل من بين يديه؛ لكن عادت تعابيره للإشراق مجددًا، ونظراته للمعان، حينما ملأ اسمها الشاشة، دفعته اللهفة للإجابة على مكالمتها، بالنسبة له سماع صوتها كان الحافز المثالي لبدء يومه الطويل، والذي أصبح لا معنى له بدونها.
وضع "تميم" الهاتف على أذنه، حابسًا أنفاسه، عاجزًا عن إيجاد الحروف التي ينطق بها لتبادل الحديث معها، وقبل أن يجد مسعاه، انطلق صوتها ثابتًا، قويًا، يتخلل وجدانه وهي تتساءل باهتمامٍ:
-إنتي فين يا بنتي؟ من بدري باتصل عليكي وإنتي مش بتردي...
ابتسامة مسروة استقرت على شفتيه، ازدادت اتساعًا مع استرسالها الضاحك:
-فاتك نص عمرك إمبارح يا "هموسة"، كان لازم تكوني موجودة، "تميم" نفخ البغل "فضل"، عرفه مقامه الحقيقي، اقسم بالله كان واقف زي الكتكوت المبلول قصاده..
يا لقلبه الراقص طربًا لنطقها باسمه مجردًا من أي ألقاب! يا لعذوبة لسانها بحروفٍ تُدلل اسمه بنعومة مغلفة بالضحكات! أي شيء بعد يريده وقد نال السعادة بعد الشقاء؟ ودَّ لحظتها –بكل جوارحه- لو رأت ما يلوح على وجهه، وينعكس في وهج عينيه، من بهجة فاقت حد أي فرحة حظى بها في كامل حياته. تحليقه الحالم في سماء مُلبدة بالمشاعر الفياضة انتهى سريعًا كما بدأ، عندما أتمت جملتها:
-بصراحة اللي عمله فيه برد ناري شوية، وهو يستاهل أكتر من كده.
استشعر حنقًا دفينًا في صوتها الذي تبدل، وكبح ما اهتاج في عروقه من دماءٍ ثائرة، وذاكرته قد تنشطت بالتلميحات المبطنة السابقة عن تعرضه لها بالأذى، أصبحت أنفاسه ثقيلة، مشبعة بالحقد والغيظ، ومع صمته الطويل تساءلت "فيروزة":
-إنتي مش بتردي ليه؟
لم يعد هناك أي سبيل للمماطلة، فقد نال فرصته لليوم، لهذا تنحنح بخشونة طفيفة:
-احم..
سألته على الفور؛ وكأن نبرتها قد تحولت للتحقيق:
-مين معايا؟
تردد لوهلة قبل أن يبادر بالتعريف بنفسه، بتلعثمٍ محسوس، ودقات قلبه تتسارع بين ضلوع التي تحجزه:
-صباح الخير يا .. أبلة...
حل السكون على الطرف الآخر؛ وكأن الصدمة قد ألجمت لسانها، فأكمل ناطقًا باسمه، مُتمنيًا أن يحالفه الحظ وتناديه به:
-أنا "تميم".
لم يجد استجابة منها، فسألها متوجسًا:
-إنتي معايا؟
استمع إلى صوتها المرتبك وهي ترد:
-آ.. أيوه.
كان سؤاله عفويًا؛ لكنه أراد حدوثه فعليًا، لذا أناب للمولى سرًا في دعائه الراجي:
-يا رب دايمًا.
تدارك نفسه، وتابع مفسرًا، بجملٍ لا يعلم إن كانت مرتبة أم لا:
-لا مؤاخذة رديت على تليفون أختك، هي تعبت شوية، متقلقيش مش حاجة خطيرة، الدكتور عندها وطمنا.
سألته في جزعٍ:
-مالها؟ حصلها إيه؟
طمأنها بتريثٍ:
-والله هي كويسة...
لم يحبذ إطلاعها على الأخبار السارة دون الرجوع أولاً لشقيقتها، لكون الأمر شأنًا عائليًا، فأضاف بدبلوماسية:
-لما تيجوا هتعرفوا منها.
هتفت دون انتظارٍ:
-أنا جاية مع ماما على طول.
انزلق لسانه مرحبًا بحرارة:
-تنوري.
تقلصت تعابيره في ندمٍ لتسرعه الأهوج في التعبير عن فرحته المتعاظمة لقدومها، أنهى المكالمة، وعنف نفسه بتجهمٍ شديد:
-إيه الهبل اللي بأعمله ده، المفروض أبقى راسي عن كده.
أعــاد "تميم" الهاتف في مكانه، وأخرج تنهيدة بطيئة قبل أن يعاود أدراجه، ويقف بالقرب من النافذة المطلة على الشارع، متحرقًا بتلهفٍ -يزداد بمضي الساعات- لرؤيتها، فحلمه الذي انطلق من أعماقه، أصبح على وشك التحقيق؛ إن شاء المولى!
................................................
على الجانب الآخر، ضربت بظهر كفها جبينها في لومٍ حرج، بعد أن عرفت بهوية مُجيب اتصالها، انعكس تأثيره الحسي عليها، فانبعثت من بشرتها حمرة ساخنة، لم تكن لتشعر بهذا مسبقًا مع من تخاطبه؛ لكن بدا الأمر مختلفًا تلك المرة بشكلٍ لم ترغب في مقاومته، حتى دقات قلبها، نشطت بصورة عجيبة دفعتها للتفكير في مدى تفاعله مع حضوره. ازدحمت الأفكار في رأس "فيروزة" عن ظنونه بها، خاصة مع اعترافها النزق بسعادتها الغامرة لتصرفه العدائي تجاه "فضل"، أوشكت أن تموت من الخجل. أطبقت على جفنيها، وتجعد جلد وجهها وهي تُغمغم:
-يادي الكسفة اللي كنت فيها!
برطمت بكلماتٍ مزعوجةٍ قبل أن تزيد من توبيخ زلة لسانها الأحمق:
-مش كنت أبلع لساني شوية، هيقول عليا إيه دلوقتي؟
أخرجها من تخبط رأسها سؤال والدتها:
-كلمتي أختك؟
استدارت تنظر في اتجاهها، وأجابتها بعد نفسٍ عميق استعادت به انضباط نفسها:
-أيوه يا ماما، وعرفت إنها تعبانة، والدكتور عندها.
هتفت "آمنة" في تخوفٍ اكتسبه صوتها، وهي تضرب على فخذيها:
-قلبي كانت حاسس والله، البت بقالها كام يوم مش عجباني، وشها دبلان، وعلى طول مش مريحة نفسها.
ردت تطمئنها:
-إن شاءالله خير يا ماما، متقلقيش.
أمرتها والدتها بلهجتها المتوترة:
-لبسي "رقية" أوام، عايزين نروح نشوفها قبل ما نطلع نجيب خالك.
هزت رأسها إيجابًا وهي تقول:
-طيب.
.............................................................
بداخل غرفة خُصصت لجلوس العائلة معًا، جلس وحده يتناول إفطاره باستمتاعٍ شهي؛ وكأنه لا يحمل همًا. قضم رأس البصل الأخضر بأسنانه، قبل أن يلوكها في جوفه، وأتبع ذلك بلع لقيمة خبزٍ مغموسة بالفول المدمس الذي أجادت زوجته صنعه، لم يكتفِ بهذا، وأكمل بلعه للجُبن القريش بنصف رغيف الخبز المتبقي في حجره، ثم تأمل البقايا الموجودة في الصينية بعينيه، ورغم امتلاء معدته، إلا أنه حشر المتبقي في كل صحنٍ في جوفه، غير عابئ بالضرر الذي قد يلحق بجهازه الهضمي من كثرة الطعام بأحشائه. مسح يده المستخة في طرفي جلبابه، وصاح مهللاً بعد أن تجشأ:
-الشاي يا ولية، عايز أحبس.
تجشأ مجددًا، واضعًا يده على صدره، تحركت نظراته نحو والده الذي أقبله عليه يأمره بملامحه الجادة:
-فضي نفسك من بكرة بدري، رايحين عند مرات عمك.
قال وهو يغرز ظافر إصبعه الصغير بين أسنانه:
-لأ مش عايز.
سأله "اسماعيل" بتهكمٍ:
-ليه؟ وراك الديوان؟
أخفض ساقه المثنية على المصطبة المريحة، وأجابه نافيًا ببرودٍ:
-لأ، بس خلاص أنا روحت.
تجهمت تعابير وجهه، وعنفه:
-بردك نفذت اللي في دماغك، وعصيتني؟
ضم "اسماعيل" يديه معًا، فوق رأس عكازه، وأكمل بحدةٍ متوقعًا تسبب ابنه في كارثة ما بسبب رعونته الطائشة:
-تلاقيك عملت هناك دقة نقص من إياهم.
رد كاذبًا بتكاسلٍ ظاهر على جسده:
-والله إنت ظالمني يابا، ده أنا غلبان، وفي حالي...
توقف لهنيهةٍ عن الحديث، لكن انعكست وحشة غريبة على نظراته، وبدأ شيطان رأسه في الوسوسة له، فادعى بالباطل:
-ولو مكونتش روحت مكونتش عرفت اللي بيحصل من ورا ضهرنا.
كلامه الغامض استثار حفيظة والده، فسأله بقليلٍ من الاسترابة:
-هو إيه اللي بيحصل؟
وجد في كذبه المُرتب الحيلة المقنعة لخداع والده، لهذا رسم علامات الامتقاع على وجهه، ثم نفخ قائلاً بلهجةٍ غير مريحة على الإطلاق، متعمدًا الإساءة لسمعة "فيروزة" تحديدًا:
-رجالة داخلة خارجة ليل نهار، ومافيش أي اعتبار لحُرمة البيوت.
انفعل عليه "اسماعيل" بحنقٍ:
-إيه الكلام ده؟
بنفس البرود السمج أكد عليه كذبه:
-بأقول اللي شوفته يا حاج، ومش لوحدي، ده كل الحتة هناك...
وليزيد من الطين بلة أضاف منتهكًا عفتها، وبنبرة موحية، تدل على استباحة المحرمات:
-ما خلاص السِكة المقفولة بقت سالكة.
هاج أباه في عصبيةٍ وحمية:
-إنت سامع نفسك؟ كلامك ده فيه قطع رقاب!!!
غامت عيناه، وعلق بتشنجٍ، مستخدمًا يده في التلويح:
-أنا مبقولش حاجة غلط، وبدل ما تزعقلي يا حاج، روح اسألهم، ومش هايقدروا ينكروا، الحتة كلها شايفة كوم الرجالة اللي طالع عندهم في أنصاص الليالي، والاسم أنا جاي من غير ميعاد...
راقب احمرار وجهه الغاضب، وإظلام نظراته، كان متيقنًا من نجاحه في جعل الهواجس تدور في رأسه، فتابع مستفزًا عصبيته، وشحذ تعاطفه –إن بقي متواجدًا- ضدها:
-ولعلمك عم "خليل" مكانش موجود، يعني السايب في السايب، وكل من هب ودب عندهم، ده غير صوت الضحك والمرقعة اللي جايب التايهين.
هدر به "اسماعيل" في غلظةٍ:
-"فضــــــل"!
هب واقفًا من مكانه، وأخبره مدعيًا اكتراثه لأمرها، رغم ما تعكسه عيناه من شرٍ مستتر:
-اهدى يابا، صحيح مهما كانت النفوس شايلة، بس دي بنت عمي، من دم واحد، والكلام هيمسنا في الأول ولا في الآخر.
ضرب "اسماعيل" بعكازه على الأرض، وصاح بنبرته الواجمة:
-أنا ليا لي كلام مع "آمنة".
تحرك "فضل" ليقف بجوار أبيه، وأردف يوصيه بنزقٍ، وهو يتأمل ملامحه المكفهرة:
-متصدقش حججها، النسوان ياما بتهلفط عشان تبرأ نفسها ...
التوى ثغره، وتابع بنبرة كانت هازئة، لم يتوقع أن تُؤخذ على محمل الجد:
-تلاقيها هاتقولك أنا كنت بأخطبلها.
التفت يحدجه بنظرة غائمة، قبل أن يأتيه تعليقه:
-وماله، لما تخلص عدتها تجوزها، بس بالأصول.
انقلب السحر على الساحر، صدمه رده، وهتف مستنكرًا:
-إنت بتقول إيه يابا؟
تكلم بلهجته الصارمة:
-اللي سمعته.
سأله بصيغة أخرى واضحة، ليتأكد مما صرح به:
-يعني لو في حد خطب البت "فيروزة" هتوافق؟
كان جوابه قاطعًا:
-أه طبعًا، أومال هتفضل كده مترملة طول عمرها؟
جحظت عيناه لوهلةٍ، وقال دون تمهيد:
-طب أنا أولى بيها من الغريب، أنا عايز أتجوزها.
ضاقت نظرات "اسماعيل" في اندهاشٍ، بينما صرخت "سها" مصدومة، وقد سقطت صينية الشاي من يديها، لتبدأ بعدها فاصلاً من العويل:
-يا نصيبتي! إيه اللي إنت بتقوله ده يا راجل؟ بقى دي أخرتها تتجوز عليا؟
تجاهل ما اعتراها من نواحٍ وصراخ، لتبقى أنظاره على أبيه وهو يلح عليه بطلبه:
-جوزني "فيروزة" يابا.
منحه نظرة غير مريحة، وقال حاسمًا الأمر:
-ده مش وقته يا "فضل"...
ثم سلط أنظاره على "سها"، وأمره:
-شوف مراتك، وراضيها قبلى.
استنكر بوقاحةٍ فجة كامل واجباتها الزوجية معه، وتضحيتها بصحتها في سبيل إسعاده وراحته:
-هي دي ولية تتعاشر؟
دعت على جحوده علنًا:
-منك لله يا شيخ، ربنا ينتقم منك.
استشاط غيظًا من تصرفها الطبيعي، واندفع نحوها يتوعدها بإيذاءٍ بدنيٍ عنيف:
-بقى بتدعي عليا يا وش البومة؟ طب أنا مش سايبك النهاردة.
انهال عليها بقبضته بصفعاتٍ، وضرباتٍ موجعة على جسدها جعلتها ترتد بقوةٍ، وتسقط على ظهرها، تدخل "اسماعيل" لمنعه من إفراغ غضبه غير المبرر بها، وهتف هادرًا به:
-ياخي بطل افترا بقى.
ثم أمسك به من ذراعه، وحال بينهما بجسده، فدمدم "فضل" بحقدٍ:
-بأربيها يابا، أومال أسكتلها؟
أدار والده رأسه في اتجاه زوجته المسكينة، واعتذر منها:
-حقك عليا يا بنتي، خشي جوا، وأنا ليا لي كلام معاه.
نظرت له بعدم اقتناعٍ، وغمغمت من وسط بكائها وهي تنهض من رقدتها:
-ربنا على الظالم.
............................................................
على مقربةٍ من البناية القاطنة بها ابنتها، أبطأ السائق سيارته الأجرة، عند ناصية الشارع تحديدًا، ليتمكن من الدخول إلى المنطقة، ألقى نظرة خاطفة عبر مرآته الأمامية لوجه المرأة القلق الجالسة في الخلف، عاد ليركز في طريقه، وصوتها يردد بتضرعٍ:
-استر يا رب.
انتبه لها مجددًا عندما صاحت عاليًا:
-على جمبك ياسطا.
تهادت سرعة السيارة لتصطف بمحاذاة الرصيف، شكرته "آمنة" لسرعة استجابته:
-كتر خيرك يا ابني.
خاطبت "فيروزة" والدتها بهدوءٍ:
-اطمني يا ماما، هتبقى كويسة.
ثم خفضت من نبرتها:
-أنا هحاسب، اطلعي إنتي.
ترجلت والدتها أولاً لتسبقها، بينما ظلت "فيروزة" بالخلف ومعها ابنة خالها، مدت يدها تخرج من حافظتها ورقة نقدية بفئة عالية، مدت بها يدها نحو السائق وهي تحدثه:
-اتفضل.
نظر إلى ما بين إصبعيها، وقال بوجهٍ جاد:
-معييش فكة.
لم تملك من العملات النقدية فئاتٍ أقل، فقالت بعد أن مسحت المكان بنظرة سريعة؛ وكأنها قد وجدت الحل الفوري لمشكلتها البسيطة:
-طب ثانية هاشوفلك في الكُشك اللي هناك ده، استناني بعد إذنك.
أومأ برأسه قائلاً:
-ماشي.
هبطت من السيارة، ساحبة في يدها "رقية"، وبخطواتٍ متعجلة -حاولت الصغيرة مجاراتها فيها- اتجهت الاثنتان نحو أقرب كشك يبيع الحلوى، لم تلمح "فيروزة" ذاك الذي انتظرها على جمرات الأشواق في مدخل البناية، ما إن استشعر قربها العزيز حتى خفق قلبه باضطرابٍ غبط لرؤياها، بنظراته المتفرسة المتابعة لها فطن ذهنه لسبب ذهابها بعيدًا، دون الحاجة للاستفسار. اقترب "تميم" من السائق، وأعطاه ما يزيد عن أجرته متسائلاً:
-تمام حسابك؟
نظر السائق إليه في امتنانٍ، وعقب بابتسامةٍ راضية:
-أيوه يا باشا.
خبّط على مقدمة سيارته يستحثه على التحرك وهو يأمره:
-اتكل على الله.
انصــاع السائق له، وبدأ في التراجع بسيارته للخلف، مغادرًا المكان برمته، لمحته "فيروزة" وهو يبتعد فجذبت الصغيرة من يدها لتسرع في خطاها لتلحق به وهي تهتف:
-تعالي يا "كوكي".
نادت على السائق ملوحة له بيدها الأخرى بالنقود:
-يا أسطى، استنى.
لم تصل إليه، فقد انحرف مبتعدًا عند الناصية، توقفت عن ملاحقته مرددة بلهاثٍ:
-ده مخدش حسابه.
بقيت متسمرة في مكانها، والحيرة مسيطرة عليها، استغربت من ذهابه، وتنهدت مستديرة للجانب لتكمل طريقها، ترددت خطواتها بشكلٍ ملحوظ عندما رأت من خطر على بالها طوال الساعات الماضية واقفًا عند المدخل، رمشت بعينيها في حرجٍ، متذكرة ما تفوهت به من حماقةٍ، قبل أن تتحاشى النظر إليه، والخجل يزداد فيها. النعيم بكامل متعه الخفية تجسد في حضورها، لعثمتها الخفيفة كانت آسرة للعقول عندما استطردت ناطقة:
-معلم "تميم".
يا لجمال الشفاه التي تنطق بعذب الأسماء! ابتسامة محملة بالغرام وجدت مستقرها على ثغره، هتف يُحيها، وعيناه تهيمان شوقًا في تأملها:
-صباح الخير.
لم تنظر إليه، وردت بهدوءٍ رقيق:
-صباح.. النور.
وقبل أن يستأنف حواره معها، بادرت بسؤاله، لتشبع فضولها المحير:
-هو إنت دفعت للسواق؟
ببساطةٍ أجابها:
-مايصحش وأنا موجود.
مدت يدها بالنقود إليه، وأصرت عليه:
-طب اتفضل فلوسك.
رمقها بنظرة معاتبة، وهو يقول:
-عيب كده يا أبلة، ده احنا..
شدد على تتمة جملته وهو ينظر بعمقٍ في عينيها:
-عيلة.
مسَّ الدفء قلبها بكلمته تلك، ورفعت عينيها لتتطلع إليه بوميضٍ كان جاذبًا لأنظاره، حاولت الابتعاد عن محيطه المُربك لها بشكلٍ غير اعتيادي؛ لكنه استوقفها بتهذيبٍ:
-ممكن كلمة؟
تصنعت الجدية، وضيفت نظراتها متسائلة:
-خير؟
دنا منها مقلصًا المسافات بينهما، وقف قبالتها من جديد، تنهيدة بطيئة تحررت من صدره قبل أن يخبرها بصدقٍ:
-مش عايزك تترددي للحظة إنك لو احتاجتي لأي حاجة ..
ركزت كامل انتباهها معه، مما منحه فرصة للتعمق في تأمل عينيها، ورؤية ما تضمره روحها من حزنٍ راسخ حتى النخاع يحتاج للتطييب، خُيل إليه أنه نفذ إلى داخلها بنظراته، فلامس الوجع الدفين في كيانها. ازدرد "تميم" ريقه، وأخفض نبرته ليقول بلهجةٍ هادئة؛ لكنها جادة على الأخير:
-تطلبيها مني.
أغمضت عينيها متجنبة نظراته المسبلة نحوها، وشعرت برجفة تعصف بها عندما همس بصوتٍ أعاد الطمأنينة المفقودة إليها:
-أنا .. سندك.
اهتز كيانها مع تصريحه غير الموضوع في الحسبان، فبدت كالكتاب المفتوح أمامه، بنظرة واحدة يقدر على رؤية أسرارها، ويطلع على جراحها غير المندملة. لم تستطع مواجهته، وتجاوزته هاربة من حصار نظراته الكاشفة لشقائها، أسرعت نحو الدرج وهي تردد بصوتٍ مضطرب:
-آ.. عن إذنك.
صاحبها بعينيه حتى توارت بالأعلى، نظرة واحدة ساهمة من لؤلؤتيها، كانت كفيلة بقلب كيانه من النقيض للنقيض. طرد الهواء المعبئ بتنهيداته الهائمة، وقلبه يرجو أن يكون بقربه منها دوائها، كما كان عزائه في البُعدِ طيفها.
....................................................
انحنت عليها وهي ممددة على فراشها، تحتضنها في عاطفةٍ جياشة، قبل أن تتراجع عنها، بادلت "همسة" توأمتها بنظراتٍ سعيدة ما زالت تحتفظ ببقايا دموعها الفرحة، التفتت ناظرة نحو والدتها التي كررت تهنئتها لها:
-ألف مبروك يا حبيبتي، والله ما مصدقة.
ردت عليها بامتنانٍ شاكر:
-ربنا رضاني من وسع.
تمتمت "آمنة" قائلة:
-الحمد والشكر ليك يا رب.
تساءلت "فيروزة" بلهجةٍ مالت للجدية:
-عرفتي حماتك؟
أجابتها وهي تشير بيدها:
-"هيثم" في الأوضة التانية بيقولها.
علقت عليها والدتها:
-أهي حاجة تفرحها وتنسيها شوية الحزن اللي في قلبها.
قالت فيروزة" على مهلٍ:
-ربنا يصبرها ويعينها.
سألتها توأمتها بنظراتٍ شبه متوترة:
-هتسلمي عليها يا "فيرو"؟
هزت كتفيها قائلة بترددٍ:
-مش عارفة يا "همسة"، قلقانة شوية.
تساءلت في اهتمامٍ:
-من إيه؟
أجابت بعد استغراقها لحظات في الصمت:
-يعني لما هتشوفني هتفتكر بنتها، والمشاكل اللي كانت بينا، بلاش أحسن، على الأقل دلوقتي.
تفهمت عزوفها، وقالت مومئة برأسها:
-براحتك.
أوصتها والدتها بوجهٍ جاد:
-أهم حاجة تاكلي كويس، وتريحي جسمك الفترة دي.
بينما أضافت "فيروزة" لافتة أنظارها:
-عايزين نشوفلك دكتور تتابعي معاه الحمل.
حركت رأسها مغمغمة:
-ماشي.
أشارت "آمنة" لـ "فيروزة" مشددة عليها:
-شوفيلها حد كويس، عايزين نعمل اللي علينا معاها.
ردت عليها بابتسامة مقتضبة:
-حاضر يا ماما.
أدارت رأسها ناحية "همسة" عندما خاطبتها مجددًا:
-أنا عايزاكي يا "فيرو" معايا، في مشوار كده لما تفضي.
ردت ضاحكة وهي ترفع يديها:
-أنا فاضية على طول، عايزة تروحي فين؟
....................................................
لم يكن مسترخيًا في جلسته على المقعد الجلدي أمام مكتب الطبيب، فالأخير كان يُطالع ملفه الطبي بتركيزٍ واضح، راقبه وهو يراجع لأكثر من مرة نتائج التحاليل، والأشعة، وما قام به مؤخرًا من فحوصات جسدية، تشنجت عضلات وجهه عندما رفع رأسه لينظر إليه مستطردًا نقاشه العلمي معه:
-من واقع الورق اللي قدامي أنا حابب أكون صريح معاك.
استشعر "تميم" الخطر في كلامه المبطن، وسأله صراحةً:
-هي الحالة خطيرة للدرجادي؟
نفى الطبيب بنبرته الهادئة:
-لأ مش زي ما إنت فاكر، بس خليني أشرحهالك بطريقة مبسطة.
هز رأسه، وتابعه بانتباهٍ كبير، فواصل قوله بتمهلٍ:
-لما سحبنا العينة منك، وفحصناها وجدنا إن عدد الـ sperms أقل من 3 مليون.
نظر له بغرابةٍ، فأوضح مقصده:
-أقصد الحيوانات المنوية.
تنحنح متسائلاً بحرجٍ طفيف:
-وده وحش ولا حلو؟
أجابه بتريثٍ وهو يراقب ردة فعله:
-ده معناه في مشكلة، إن الحيوانات المُنتجة ضعيفة، فيها خلل، ما بيتمش توفير العدد المطلوب عشان يحصل إخصاب للبويضة قبل ما تصل رحم الأنثى.
أخبره بتلقائيةٍ، مسردًا له بعض الحقائق التي وقعت بالفعل:
-أنا كنت متجوز بنت خالتي الله يرحمها، وكانت حامل يا دكتور، يعني حصل ده.
سأله الطبيب مستفهمًا وهو ينظر في اتجاهه:
-الحمل ده كمل؟
هز رأسه نافيًا، ولمحة من الحزن تكسو قسماته:
-لأ.
زم الطبيب فمه للحظةٍ، وسأله مستوضحًا:
-حصل إجهاض مبكر، مظبوط؟
بعد تفكيرٍ سريع، أجاب "تميم" بترددٍ، متحاشيًا الخوض في التفاصيل:
-هي كانت اتزحلقت ووقعت، وربنا ماردش الحمل يكمل.
بنفس الأسلوب الهادئ، خاطبه الطبيب بعقلانية مهنية، واضعًا في الاعتبار توضيح أبعاد مشكلته له:
-طيب أنا عايز أفهم حضرتك حاجة، بعيدًا عن ملابسات ظروف المدام .. لو الحيوان ضعيف عمومًا فجودته وكفاءته هاتكون غير الحيوان الطبيعي اللي مافيش فيه مشاكل، وبفرض حصل إخصاب للبويضة، وتم النجاح في تلقيحها، فالجنين في مراحله الأولى هايكون مشوه، تركيبه في خلل، وبنسبة كبيرة هيحصل إجهاض مبكر، يعني مش هايكتمل الحمل لوجود عيوب وتشوهات في أساسه.
تدلى فكه السفلي مدهوشًا، وتساءل في خوفٍ محسوس في نبرته:
-يعني أنا.. كده مش.. هاخلف؟
علق عليه الطبيب:
-أستاذ "تميم"، كله في النهاية بأمر ربنا.
كان وجهه في تلك اللحظة واجمًا، حزينًا، وممتلئًا بالهموم، بلع ريقًا غير موجودٍ في وجهه، وأطرق رأسه قائلاً:
-ونعم بالله ..
تابع الطبيب إخباره:
-حالة حضرتك مش مستعصية، وبناءً على اللي شايفه، فإنت عندك دوالي، ودي سهل تتعالج بعملية جراحية بسيطة، ومع كورس علاجي فيه مقويات، ومحفزات منشطة للخلايا المنتجة أتوقع بإذن الله يكون في نتيجة حلوة.
خفت حدة الخوف المتسللة إليه بعد عبارته الأخيرة، وبلهفةٍ متشوقة عليه تساءل:
-يعني في أمل؟
أومأ برأسه مؤكدًا:
-بأمر الله، احنا بناخد بالأسباب وبنعمل اللي علينا.
لم يترك عقله لوساوسه الجوفاء تنخر فيه، وتبدد ما عقد عليه الآمال، بل نفضها بالكامل، وقال بحماسٍ يشوبه التفاؤل والثقة في تعويض الخالق –عزوجل:
-وبنعم بالله، وأنا عندي ثقة إن ربنا مش هيكسر بخاطري، شوف الصح اللي المفروض يتعمل وأنا معاك فيه يا دكتور ........................................ !!!
...........................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد ...
في البداية وجب الإعلان عن انطلاق الرواية الورقية الجديدة المشتركة مع الجميلة ياسمين عادل (لتكن لي غفرانًا) ..
هاتكون مع بداية الشهر القادم متاحة في المكتبات بأمر الله ...
دعواتكم بقى ...
الفصل الرابع والتسعون
مثلما اتفق معها مسبقًا، على القدوم في هذا التوقيت تحديدًا، استقبلت "آمنة" ضيفها في صالون منزلها بعد اطمئنانه على شقيقها، رحبت به بتقديرٍ غير مبدية استغرابها لعدم تواجد ابنه الفظ، فالأخير قد أحدث القليل من الفوضى، ولولا حنكة ضيوفها لكان الآن يرقد بين المصابين بالمشفى. لحسن نيتها، توقعت أن يظهر الحاج "اسماعيل" أسفه على تصرفاته غير المقبولة؛ لكنها تفاجأت به يسألها عن طبيعة تلك الزيارات الغريبة من رجال المنطقة لمنزلها، وللمرة الأولى اتخذت موقفًا حادًا معه، فهبت واقفة، وأخبرته بلهجةٍ صارمة، وتعبيراتها تعكس سخطها:
-شوف يا حاج "اسماعيل"، إن كنت جاي تعزي بنتي في جوزها، فأهلاً وسهلاً بيك، غير كده هتمسوا سمعة بنتي بحرف فأنا مش هسمح بده.
رد مبررًا كلامه السخيف المبني على ادعاءات ابنه الباطلة:
-احنا بنتكلم في الأصول.
صاحت بتشنجٍ استغرب كثيرًا منه:
-الأصول طول عمري ماشية بيها من زمان، من وقت ما جوزي الله يرحمه مات وأنا جمب الحيطة، قافلة على نفسي وعلى بناتي، وإنت أكتر واحد عارف الكلام ده يا حاج، عيب أوي لما تصدقه على طول مهما كان مين اللي قالك.
حمحم في خفوتٍ، وقال مُختلقًا الأعذار ليحسن من مظهره، ويحفظ ماء وجه ابنه:
-كل الحكاية إني مش عايز آ....
قاطعته بعصبيةٍ، وقد اِربد وجهها بالغضب:
-يا حاج ده إنت ناقص بتتهم بنتي علني، والجماعة اللي شرفوا البيت معروفين في الحتة كلهم أهل مروءة وشهامة، وعارفين الأصول أكتر مني ومنك.
نظر لها بعينين ضيقتين، بينما تابعت عصبيتها المزعوجة:
-مش هايجي على آخر الزمن اللي يطعن في شرف بنتي وأنا أسكتله.
أطلق زفرة بطيئة وهو ينهض من جلسته، ثم عقب بصوته الهادئ:
-عمومًا يا "آمنة"، ده مش وقته، بنتك تخلص عدتها، وبعد كده نتكلم.
قطعت عليه التطرق لتلك المسألة بقرارها الفوري والصارم:
-لا بعدين ولا قبلين، الموضوع ده مرفوض فيه الكلام.
تحرك في اتجاه باب المنزل وهو يودعها بقليلٍ من الحرج:
-أنا عملت الواجب خلاص، سلامو عليكم.
تبعته سائرة خلفه قائلة بنفس اللهجة المتشددة:
-قول لـ "فضل" يرحم نفسه، ويركز مع مراته وعياله أحسن، هما اللي هايبقوله.
على مضضٍ غمغم باقتضاب:
-ربنا يسهل.
وقبل أن تغلق الباب في إثره رفعت نبرتها مكررة على مسامعها:
-إن كنت سِكت مرة، وسبت بنتي تتهان، فالمرادي لأ، وصل الكلام ده لابنك يا حاج.
لم يعلق عليها، وواصل هبوطه الدرج، للحظات بقيت في مكانها متسمرة عند الباب، صدرها يلهج في ضيقٍ غاضب. في تلك الأثناء، كانت "فيروزة" في طريقها للنزول مع "رقية" بعد أن انتهت كلتاهما من تنظيف المنزل بالأعلى، تساءلت الأولى في دهشةٍ:
-أنا شايفة عمي نازل من فوق، هو لحق؟
أشارت ابنتها بيدها للأعلى، وتابعت بصوتٍ شبه لاهث:
-ده أنا يدوب قفلت شقة خالي بسرعة، عشان أنزل اقعد معاه.
رفعت "رقية" أنظارها نحوها متسائلة في براءة:
-كده أروح ألعب؟
ابتسمت قائلة لها وهي تداعب طرف ذقنها:
-أه يا حبيبتي، العبي لحد ما تزهقي.
ركضت الصغيرة للداخل لتلهو، بينما لم تجد تعليقًا من والدتها، فقط نظراتها الحانقة مسلطة على ما كان أثرًا لعمها، تقدمت نحوها، وتساءلت بتوجسٍ:
-مالك يا ماما، في حاجة حصلت؟
تنهدت بصوتٍ مرتفع، وأجابتها بوجهها العابس:
-"فضل" لَسِّن بكلام مالوش أي لازمة
قطبت جبينها متسائلة بشكٍ:
-عن مين؟
لازمت "آمنة" الصمت المريب، فلاحقتها بسؤالها التالي، وبوادر الغضب تتصاعد إليها:
-اتكلم عني؟ صح؟
نظرت في اتجاهها، وردت بنفس الوجه الواجم وهي تربت على ذراعها:
-مش عايزاكي تزعلي يا "فيروزة"، أنا كلمت عمك جامد.
اهتاجت على الفور، وصرخت بانفعالٍ كبير:
-مين ده أصلاً عشان يتكلم عني؟ هو إيه مصدق؟
حاولت والدتها تهدئتها؛ لكن فلتت زمام الأمور منها، أضافت "فيروزة" تتوعده بكراهية بغيضة:
-والله العظيم لو فتح بؤه بكلمة عني تاني لهقلع اللي في رجلي وأضربه بيها على دماغه.
توسلتها "آمنة" بتخوفٍ، بعد أن رأت حالتها المتعصبة:
-اهدي بس يا "فيروزة"، أنا رديت حقك.
وكأنها تخاطب نفسها، لم تصغِ لكلمة واحدة مما قالتها، حيث اقتحم عقلها مشهد إذلالها في عقر داره، بحجة التأكد من عفتها وطهرها. انقبض قلبها للذكرى، وشعرت بالوخزات تطعن فيه وهي تنطق بصوتٍ جريح متألم:
-هو مكفهوش اللي عمله فيا؟
وضعت والدتها كلتا يديها على كتفيها تهزها برفق منهما، ورجتها بخوفٍ بائن عليها:
-متضايقش نفسك.
احتقنت عينا "فيروزة" على الأخير، تجمع في وجهها كل أشكال الحقد والغضب، ودمدمت بأنفاسها الهادرة:
-اللي زي البني آدم ده عايش على أذية الناس، مفكر نفسه أحسن واحد في الكون، وهو مايسواش، البغل أحسن منه.
احتضنت وجهها براحتي يدها، ومسحت عليهما بحنوٍ وهي تؤكد عليها:
-خلاص يا حبيبتي، ماتتعصبيش، مافيش حد يستاهل تضايقي نفسك عشانه.
قالت معبرة بحرقةٍ اكتوت بها حتى أبت جراحها الاندمال:
-تغور القرابة اللي بالشكل ده.
ضمتها والدتها إلى صدرها، حاولت احتوائها في أحضانها الحانية، أبقتها لبرهة بين ذراعيها، ومسدت على رأسها بمزيدٍ من العاطفة، على أمل أن تنجح في امتصاص نوبة غضبها المسيطرة عليها.
...................................................................
فقدت شهيتها، وعزفت عن تناول الطعام لبقية اليوم، أثرت قضاء الساعات في غرفتها معزولة عمن حولها، لم تضغط عليها والدتها، متوقعة أن تنضم إليها لاحقًا، حينما تخبت عصبيتها، وتنطفئ جذوة غضبها. استلقت "فيروزة" على الفراش، وحملقت بالسقف مليًا، بنظراتٍ شاردة، ساهمة، لا تعي المحيط بها، انفصلت ذهنيًا عمن حولها، فصدماتها المكبوتة لم تتركها لحالها، طفت بقوةٍ على السطح من جديد، ودق ناقوس الأحزان في رأسها، ليذكرها بكل ما جابهته وعاشته بمفردها من قساوةٍ، معاناة، وشقاء. أغمضت عينيها في قهرٍ، وحزنها الراسخ مستبدٌ بجوارحها، تكالبت عليها كل الأوجاع، فاستغرقت في نومٍ كان أبعد ما يكون عن الراحة. اندفع تيار من الذكريات السيئة ليحتل أحلامها القريبة.
رأت "فيروزة" نفسها محتجزة في غرفة مربعة، جوانبها الأربعة مصنوعة من الزجاج، لا مخرج منها، ولا مهرب، ترتدي ثوبًا أبيض اللون، يغطي كامل جسدها بأكمامٍ متسعة، فيما عدا رقبتها ووجهها، كما انسدل شعرها خلف ظهرها. دارت حول نفسها في دهشةٍ، وحمى الرعب تسري في أوصالها. اندلعت النيران فجأة لتحاوطها من الخارج، وبدأت سحب الدخان تشق طريقها إليها، اندفعت في جنونٍ نحو أحد الجوانب، ضاربة بيدها الزجاج علها تنجح في إزاحته، أو تجد منفذًا يساعدها على الهروب قبل أن تختنق في محبسها الغريب؛ لكن لا جدوى، عجزت عن الخروج.
برزت عيناها في خوفٍ أشد، وتدلى فكها للأسفل عندما رأت "آسر" واقفًا على مسافة قريبة، زاد جحوظ عينيها وقد أبصرته يلقي بمادة ما غريبة على الزجاج؛ وكأنه يرغب في إحراقها حية، حركت شفتيها لتصرخ؛ لكن لم تجد صوتًا، وكأنها فقدت قدرتها على الكلام. التفتت راكضة نحو الجانب المقابل، فوجدت "فضل" واقفًا أمامه، يحدجها بنظراته الشهوانية الشامتة، وسوطًا غليظًا يرفعه للأعلى في يده، تراجعت في ذعرٍ متجهة لناحية أخرى، فرأت خالها يزحف أرضًا وهو يمد ذراعه العاجز نحوها، ومن خلفه تقف "حمدية"، كأنما تعيق تقدمه، وعيناها المغلولتان لا تكفان عن إظهار بغضها الدفين لها.
لم يتبقَ لها سوى جانبًا واحدًا لجأت إليه، شحذت كامل قواها الهاربة لتحرك الزجاج، نظرت أمامها، ووسط غيمة الدخان الكثيفة، وجدت صاحب الوعد الصادق الذي نفذ إلى قلبها قبل روحها، يقاتل شيئًا غامضًا، لم يكن "تميم" منتبهًا لها، بدا ملهيًا عنها بصراعه الخفي، فطرقت على الزجاج بقبضتيها في عنفٍ، راجية أن ينظر ناحيتها، تألمت يديها من خبطها الشديد، يئست من سماعه لاستغاثتها، فهتفت تناديه بقلبها، والدموع تنساب بغزارة من عينيها:
-"تمـــــيم"!
.............................................................
أثناء استغراقها في كابوسها المؤلم، ولجت "رقية" إلى داخل الغرفة، والسرور يملأوها بعد أن انتهت من متابعة مسلسلها الكرتوني المفضل. ألقت نظرة فضولية على ابنة خالها النائمة، وهي تشرأب بعنقها للأعلى، نادتها بخفوتٍ:
-"فيروزة".
وقفت إلى جوار فراشها، وأكملت تسألها:
-هتلعبي معايا شوية؟
انتظرت أن تجيبها؛ لكن لا شيء، فاعتقدت أنها ما زالت غافلة، لذا تحركت على مهلٍ لتفترش الأرضية، وتلهو بالدمي المتجمعة إلى جوار الدولاب، انتفضت في قلقٍ حينما سمعت أنينًا مكتومًا يصدر عنها، تجاهلته في البداية وواصلت اللعب؛ لكنه تزايد فوثبت على قدميها لتتجه إليها، نظرت إليها في خوفٍ غريزي، وقد رأت جسدها يهتز بصورةٍ عنيفة، وضعت يديها على ذراعها لتفيقها وهي تناديها:
-"فيروزة"!
زادت حدة التشنجات، فصرخت عاليًا:
-عمتو، تعالي بسرعة!
على إثر صوتها المرتفع حضرت "آمنة" متسائلة في استغرابٍ:
-في إيه يا "رقية"؟
أجابتها بتحيرٍ والخوف يتجلى على قسماتها:
-"فيروزة" بتعيط مش عارفة ليه.
لطمت "آمنة" على صدرها، وهتفت بجزعٍ:
-يا نصيبتي.
كانت نوبتها تلك المرة أشد وطأة عن ذي قبل، لم تختبر مسبقًا مثل تلك الحالة معها، فخفق قلبها رعبًا عليها، حاولت إيقاظها وهي تهزها من كتفيها:
-ردي عليا يا "فيروزة"، إيه اللي حصلك بس؟
قفزت "رقية" على الفراش، لتجلس عند الناحية الأخرى، ومالت على رأسها تناديها بصوتٍ مال للبكاء:
-"فيروزة"، اصحي.
ثم رفعت عينيها في اتجاه عمتها، وقالت ببراءة:
-أنا خايفة.
لم تقف مكتوفة الأيدي تشاهد ابنتها تعاني، هرولت بخطواتٍ لا تتماشى مع جسدها الممتلئ، لتأتي بهاتفها المحمول، وبحثت عن رقم "همسة" لاجئة إلى مساعدتها. وما إن ردت على اتصالها هتفت بصوتها اللاهث:
-الحقي أختك يا "همسة"، الحالة رجعتلها، وأنا مش عارفة أتصرف.
..........................................................
-استر يا رب.
ردد "هيثم" تلك الكلمات المناجية للمولى، وهو يهبط على درجات السلم، بخطواتٍ متعجلة، متجهًا للأسفل، فبمجرد أن أطلعته زوجته على الوضع الصحي لتوأمتها، حتى أسرع بتبديل ثيابه المنزلية بأخرى أكثر ملائمة، ليهرع إلى نجدتها بعد أن طلب منها المكوث، وبصعوبةٍ تمكن من إقناعها بالبقاء، وتركها تبكي في حزنٍ وخوف. قابل عند المدخل "تميم" الذي كان في طريقه للصعود مستندًا على عكازه، سأله الأخير متعجبًا:
-إنت رايح فين السعادي؟
ودون أن يجيبه، وضع قبضته على ذراعه، وجذبه منه قائلاً بغموضٍ مقلق:
-تعالى معايا يا "تميم".
ســار معه متسائلاً بنبرة حائرة، وعيناه تفحصان تعابيره الغريبة:
-ما تقولي يا ابني حصل إيه؟
أبطأ من سيره المتعجل، والتفت ناظرًا إليه، ليجاوبه بوجهه الغائم:
-الست حماتي بتقول بنتها جاتلها الحالة، ومش عارفة تتصرف.
لحظة حديثه عنها، انقبض قلبه في فزعٍ، وسأله ليتأكد من مقصده، وهو يدعو الله أن تخيب ظنونه، بملامحٍ بهتت من خوفه الحقيقي عليها:
-إنت بتكلم عن "فيروزة"؟
رد باقتضابٍ:
-أه هي.
استرجع في ذهنه ما مرت به سابقًا من حالة جمود غريبة، جعلتها آنذاك فاقدة للإحساس بمن حولها، اتسعت عيناه لمجرد تخيله للأمر، وشعر بانسحاب روحه من جسده، بأن أنفاسه توقفت، باعتصارة مميتة نالت من قلبه، اهتز كيانه بالكامل، بالكاد تماسك، أظهر ثابتًا زائفًا، وهتف بقسماتٍ غامت بشدة، وبعقلٍ سبقه بلهفته المذعورة إليها:
-يالا أوام.
..............................................................
لو كان الأمر بيده لنقل كامل أوجاعها إلى جسده، لتنخر فيه وحده، فلا تتأذى، ولا يسرق الألم منها بسمتها، يكفيه أن تكون في مأمن من أقل ضرر. عدَّ "تميم" الثواني ليصل إليها، ولسانه يدعو سرًا للخالق بأن ينجيها من آلامها، سبقه "هيثم" في خطواته بعد أن صف السيارة إلى جوار مدخل البناية القصيرة، ورغم إحساسه بالوخزات الحادة في ساقه لضغطه القاسي عليها ليصعد ركضًا، إلا أن ذلك لا يصف مدى الوجع الذي حز في قلبه لتخيل معاناتها.
وجد الباب مفتوحًا عندما وصل إلى طابقها، قرع الجرس تحسبًا، ونادى مستئذنًا:
-يــا رب يا ســاتر.
خرجت إليه "رقية" تبكي وهي تخبره:
-"فيروزة" تعبانة أوي.
هبط قلبه بين قدميه فزعًا، وسألها بصوتٍ حاول أن يبدو هادئًا:
-هي ماما مش معاها؟
أجابت عنها "آمنة" بصوتها الحزين:
-كتر خيركم يا ابني، معلش جبناكم على ملى وشكم.
سألها بصوتٍ متذبذب، لم ينجح عبره في إخفاء توتره المرتعد عليها:
-هي عاملة إيه؟
ردت والدموع تطفر من عينيها:
-"هيثم" بيكلم الدكتور يجي يبص عليها، أنا مش عارفة جرالها إيه.
تعاظم إحساسه بالخوف، واستأذنها بلوعةٍ، غير عابئ بالتقاليد والأعراف في تلك المرة:
-طب.. ينفع أشوفها؟
نظرت له بترددٍ؛ وكأنها تفكر في الأمر، فألح عليها بنظراته الخائفة، تلك التي نطقت بوضوحٍ عن مشاعره العميقة، وإن لم يسعفه لسانه في البوح بها، أومأت برأسها موافقة وهي تشير نحو الداخل:
-تعالى يا ابني.
اضطربت أنفاسه وهو يسير خلفها ليتبعها، لم يكن ليتجرأ على تلك الخطوة المناقضة لمبادئه لولا فقدانه للسيطرة على كبح خوفه المتزايد عليها. توقف عند أعتاب غرفتها ينظر إلى جمود جسدها بنظراتٍ تجمع فيها كل مشاعر الحب، والخوف، والقلق، واللهفة، والحُرقة. احتجزت عيناه –تلقائيًا- العبرات، طردها بظهر كفه، ودنا من فراشها يتأمل تيبس جسدها في صمتٍ؛ كانت شاحبة، جامدة، وباردة الملامح، خُيل إليه لحظتها أنها تخلت عن رغبتها في الحياة، تكورت أصابعه حول عكازه حتى ابيضت مفاصله من ضغطه الشديد. إن أمعنت النظر إلى صدره لوجده ينتفض في ثقلٍ؛ وكأن جبلاً يجثم عليه، برقت عيناه بصدمةٍ حينما نادته بهسيسٍ وسط سكونها القابض للأرواح:
-"تميم".
دون مقدماتٍ جثا على ركبته أمام فراشها، امتدت يده لتمسك بكفها المسنود إلى جسدها المسجى على مستوى نظره، ضم أناملها داخل قبضته، وقال بصوتٍ أقل همسًا:
-أنا جمبك.
شعر بحركة خفيفة داخل راحته، فأخفض نظراته نحو أصابعها، ودقات قلبه تتسارع، ثم عاد ليحملق في وجهها، وناداها بتنهيدةٍ خافتة، جمعت ما بين لوعة الألم وحرقة الشوق:
-"فيروزة"!
لو لم يكن واعيًا في إدراكه لتوهم ابتسامتها الباهتة له، هربت دمعة من طرف عينه، وأخبرها بصوتٍ متأثر:
-أنا معاكي، وسندك.
همهمة غير مفهومة آتية من الخارج جعلته ينتبه لتصرفه الذي قد يُساء فهمه، إن رأه أحدهم في تلك الوضعية الحرجة، ترك يدها مرغمًا، وتدارك نفسه، ليستقيم بعدها في وقفته، ثم تراجع خطوتين للخلف، تاركًا المسافات بينهما؛ لكن ظلت عيناه مثبتة عليها. ولج الطبيب لداخل الغرفة مستأذنًا:
-ممكن تتفضلوا برا عشان أشوف شغلي، يا ريت بس والدتها تكون معايا.
انسحب بهدوءٍ، والحزن يعتصر قلبه، أدار رأسه في اتجاه "هيثم" الذي خاطبه:
-تعالى يا "تميم".
................................................
بكل ما فيها من بطءٍ وكسل مرت الدقائق عليه كأنها سنوات، أثناء وقوفه بالشرفة منتظرًا الأخبار المطمئنة، استنفذ ما يملك من صبرٍ، وأصبح على شفا الخروج عن عقلانيته الزائفة، استرخائه كان مستبعدًا، فكيف يهنأ البال، وطاووسه حبيس أوجاع الماضي؟ التفت كالملسوع وصوت "آمنة" يردد شاكرًا:
-كتر خيرك يا دكتور.
خرج متكئًا على عكازه الطبي، ونظراته تتوزع بينهما محاولاً فهم ما يدور، شدد الطبيب قائلاً، كنوعٍ من التوصية:
-مش لازم تسكتوا عن الحالة دي، يُفضل إنها تتابع مع دكتور نفسي متخصص، طالما متكررة معاها.
هزت رأسها في أسفٍ وهي ترد:
-حاضر يا دكتور.
مد يده بورقة انتهى من الكتابة فيها، وتابع:
-ويا ريت تجيبوا الأدوية دي ليها.
أقبل عليه "تميم" مختطفًا الوصفة الدوائية من أصابعه قائلاً بعزم:
-تمام يا دكتور، أنا هتصرف.
نظرت له "آمنة" في امتنانٍ، فأكمل وهو يخرج من جيبه مبلغًا نقديًا:
-اتفضل.
تناول الطبيب أجرة زيارته الاستثنائية العاجلة، ورد مبتسمًا بنبرة موجزة:
-شكرًا.
علق "هيثم" بجديةٍ، حتى لا يرهق ابن خالته، قبل أن يرافق الطبيب في اتجاه الباب:
-عنك يا "تميم"، أنا هوصل الدكتور في سكتي، وهاجيب الدوا.
أومأ برأسه في حبورٍ، واستدار ناظرًا إلى "آمنة" يسألها بصوته القلق:
-أخبارها دلوقتي إيه؟
ابتسمت قائلة في رضا:
-أحسن من الأول بكتير، تسلم يا ابني، تعبتك وإنت مش قادر.
رد بزفيرٍ مضطرب:
-أنا معملتش حاجة...
لعق شفتيه، وسألها مستفهمًا:
-بس هي مش كانت بطلت الحكاية دي؟
بعد تنهيدة مرهقة أجابته:
-أه، يجيلها فترة، بس معرفش إيه اللي جد...
على ما يبدو تذكرت عصبيتها اليوم، فانزلقت تُعلمه من تلقاء نفسها؛ وكأنها تفكر بصوتٍ مسموع:
-أكيد اللي قاله "فضل" لعمها ضايقها.
تبدلت تعابيره للقساوة، ونظراته للقتامة وهو يسألها بنبرةٍ لم تكن تبشر بخير:
-هو قال إيه عنها؟
تحرجت من إخباره بالأمر، وتهربت قائلة:
-خلاص مالوش لازمة، المهم إنها بقت كويسة.
بالكاد كبح رغبة عارمة في المغادرة فورًا، والذهاب إلى ذلك الوضيع في عقر داره، لتلقينه درسًا لا ينساه ما دام حيًّا، غمغم بفحيحٍ لم تسمعه "آمنة" جيدًا:
-الحساب يجمع!
سألته في استغرابٍ:
-بتقول حاجة يا معلم؟
رد نافيًا، وتعابيره ما تزال قاسية:
-لأ، مافيش.
لفظ دفعة من الهواء من صدره، وقال:
-أنا هستنى تحت لحد ما "هيثم" يرجع.
أصرت على بقائه مرددة:
-ليه ما تخليك؟
كان بحاجة لمتسع من الفراغ، لينأى بما يكبته من مشاعر غاضبة تهدد بالظهور، كلما جاء لسان أحدهم على ذكر الحقود "فضل"، واستمرار بقائه هنا، وهو في تلك الحالة المستنفرة لن يسفر إلا عن كارثة حتمية، لهذا اعتذر منها:
-تسلمي يا حاجة، كده أحسن.
شكرته مجددًا على موقفه النبيل، واصطحبته إلى باب المنزل، ليجد الصغيرة "رقية" ترمقه بنظرة ممتنة، قبل أن تودعه ببراءة:
-باي باي يا عمو، هستناك تجيلنا.
مسَّت كلماتها العفوية قلبه، وبردت قليلاً النيران المستعرة في صدره، منحها نظراته الحانية، ويده تمتد لتداعب أعلى رأسها، ثم انحنى بجذعه ناحيتها ليبدو قريبًا منها، وقال مبتسمًا:
-وأنا مستني أشوفكم تاني.
طبع قبلة صغيرة على وجنتها، وهمس بالقرب من أذنها بابتسامةٍ عادت للإشراق، وعقله سارحٌ في مُهجة الفؤاد:
-دي ليكي، و... لـ "فيروزة" ......................................... !!
..................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد ..
يا رب تكونوا بخير ..
فصل لطيف كده على السريع لحضراتكم
منتظرة تعليقاتكم الحلوة
وماتنسوش رواية (لتكن لي غفرانًا) هاتكون متاحة قريبًا في المكتبات بأمر الله
الفصل الخامس والتسعون
مطت جسدها بإرهاقٍ، مستشعرة وجود الألم في كامل عضلاتها؛ وكأنها قد قضت ساعاتها الأخيرة في ممارسة تمارين رياضية قاسية، غالبت رغبتها بالاستغراق في النوم، لتجبر عقلها على التيقظ. سمعت "فيروزة" همهمات غير واضحة، وقريبة من أذنها، تقلبت على جانبها لتجد ابنة خالها جالسة إلى جوارها تعبث بخصلات دميتها محاولة صنع جديلة مثل تلك التي اعتادت أن تصنعها لها، تثاءبت قبل أن تسألها بصوتٍ ما زال يغلفه آثار النعاس:
-بتعملي إيه يا "كوكي"؟
شهقت الصغيرة في صدمةٍ فرحة، تحركت سائرة على ركبتيها لتقترب أكثر منها وهي تسألها:
-إنتي صحيتي؟
نظرت لها بدهشةٍ، ورفعت جسدها قليلاً لتسنده على الوسادة، ثم أجابتها:
-أيوه، ليه في حاجة؟
دون مقدماتٍ احتضنتها "رقية" بمحبةٍ كبيرة، وتعلقت بعنقها، ضمتها "فيروزة" إليها، والاندهاش ما زال مسيطرًا عليها، لم يفقه ذهنها بعد لتصرفاتها الغريبة، أبعدتها عنها وأعادت تكرار سؤالها عليها:
-هو حصل حاجة يا "كوكي"؟
نظرت إليها بعينين تعكسان براءتها المحببة للنفس، أومأت برأسها قائلة:
-أه، إنتي تعبتي أوي، وأنا عيطت عليكي.
وضعت "فيروزة" يدها أعلى رأسها تفركه محاولة تذكر ما حدث، لمحات مما خاضته بدأت تتسرب إلى عقلها، لتذكرها بالحزن الراسخ في أعماقها، تنهدت ببطءٍ، ونفضت ما قد يعكر صفو مزاجها، ثم ابتسمت تطمئن الصغيرة:
-أنا بقيت كويسة أهوو، متقلقيش عليا.
عادت "رقية" لتحتضنها للحظاتٍ، رافضة تركها، استغربت ابنة عمتها مما تفعله، ومع ذلك ظلت تمسح على ظهرها بحنوٍ، تراجعت الأولى برأسها عنها، وابتسمت لها في صفاءٍ قبل أن تنحني على وجنتها، لتطبع قبلة صغيرة عليها، وهي تخبرها بنبرتها الطفولية:
-دي مني.
ضحكت "فيروزة" ملء شدقيها في سعادة، وقالت:
-إيه الدلع ده!
قفزت الصغيرة للناحية الأخرى، وأعطتها قبلة ثانية وهي تضيف:
-ودي من عمو.
ضاقت نظراتها في تعجبٍ مندهش، وسألتها بوجهٍ متعقد التعبيرات
-عمو مين؟
ردت بابتسامةٍ مرحة:
-اللي معاه عصايا بيمشي بيها.
تلقائيًا وجدت "فيروزة" لسانها ينطق باسمه، مستحضرة صورته في ذهنها، وتلك الخفقة تداعب قلبها:
-"تميم".
هزت الصغيرة كتفيها قائلة:
-معرفش.
ساورتها الشكوك، وحملقت فيها بشرودٍ للحظات غير مصدقة قدومه، كانت متيقنة إلى حد كبير أن ما خاضته من معاناة أهلكتها يعود لكابوس مؤلم احتوى على رواسب ما عاشته. قفزت بعدها "رقية" من على الفراش تنادي عاليًا:
-"فيروزة" صحت يا عمتو.
تتبعتها بنظراتها وهي تنصرف ركضًا للخارج، لتظل على حالتها الواجمة، أتت إليها والدتها بتعابيرٍ مشرقة تردد في حبورٍ:
-حمدلله على سلامتك يا "فيروزة".
أقبلت عليها، واحتضنتها بمشاعرٍ أمومية فياضة، ثم مسحت بيدها على بشرتها، وعيناها تتفحصان وجهها وهي تسألها:
-عاملة إيه دلوقتي؟
تجاهلت إجابة سؤالها، لتسألها بنبرة بدت محققة نسبيًا:
-حصل إيه يا ماما؟
جاوبتها "آمنة" بتعابيرها القلقة:
-رجعتلك الحالة يا بنتي إمبارح، ومابقتش عارفة أتصرف إزاي.
بشكلٍ آلي، لاحقتها بسؤالها التالي:
-وفي حد جه هنا؟
كان ردها مترددًا بعض الشيء:
-ده جوز أختك، ومعاه الدكتور، والمعلم "تميم" قريبه.
تأكدها من شكوكها جعل مشاعرها المستاءة تتغلب على باقي ما تشعر به، لم ترغب أبدًا أن يكون شعور التعاطف والإشفاق هو ما يُمنح لها من غيرها، وليس التقدير والاعتزاز، وحتى الحب. اِربدت خلجات وجهها بالضيق، وهتفت تعاتبها في استهجانٍ شديد:
-وإزاي يا ماما تخليهم يشوفوني في الحالة دي؟
بررت لها بأسفٍ:
-يا بنتي أنا مكونتش عارفة أتصرف إزاي، والمرادي كانت صعبة أوي عليكي، خوفت يجرالك حاجة.
كانت صادقة في لهفتها المذعورة عليها كأي أم تخشى أن يصيب صغارها مكروهًا، طردت كتلة من الهواء من صدرها، وعلقت بامتعاضٍ:
-خلاص يا ماما حصل خير.
أشــارت "آمنة" بيدها نحو كيس بلاستيكي يحوي بعض العبوات الطبية، وأخبرتها بلهجةٍ مهتمة:
-الدكتور كتبلك على أدوية، ووصاني أوديكي عند دكتور نفساني.
التطرق إلى مسألة الطبيب النفسي، نشط ذهنها بنفس ما خاضته من حوار قبل سابق مع الطبيب "هاني"، عندما اقترح عليها في إحدى المرات خلال متابعته اليومية لها، بضرورة اللجوء لطبيب متخصص في الأمراض النفسية، لمساعدتها على تجاوز أزمتها، والشفاء من جراحها المعنوية، لكونها تترك تأثيرًا سلبيًا على النفس. تدلت على زاوية فمها ابتسامةٍ متهكمة، وردت بوجومٍ:
-أه، إن شاءالله.
تابعت والدتها مضيفة بأسلوبها الحاني:
-أنا عملتلك شوربة لسان عصفور من اللي بتحبيها، هاجيبهالك تشربيها عقبال ما يجي ميعاد الغدا.
علقت ساخرة:
-حد ياكل شوربة على الصبح؟
ردت حاسمة النقاش معها:
-إنتي محتاجي تتقوي، شكلك هفتان ودبلان، مش هاسيبك تقعي من طولك تاني.
همهمت "فيروزة" بصوتٍ بالكاد خرج من بين شفتيها:
-يا ريت الحكاية كانت أكل وبس يا ماما.
خرجت "آمنة" من الغرفة، واتجهت إلى المطبخ، قبل أن تصل إليه سمعت طرقًا على باب منزلها، فانحرفت بخطواتها ناحيته، فتحته بعد لف حجاب رأسها بغير ترتيبٍ حولها، دهشة سريعة اعترتها حينما رأت كم الأقفاص المليئة بالفاكهة المرصوصة أمام عتبتها، رفعت بصرها في اتجاه أحد العمال الذي استطرد قائلاً:
-سلامو عليكم يا حاجة.
ردت بتعابيرها المدهوشة:
-وعليكم السلام يا ابني...
أشارت بيدها نحو الأقفاص، وسألته:
-إيه دول؟
أجابها موضحًا وهو ينحني لرفع واحدًا يحوي ثمار التفاح الطازجة:
-الحاج "بدير"، ومعاه المعلم "تميم" باعتين دول عندكم.
هتفت معترضة بحرجٍ:
-بس ده كتير أوي.
وكأنها لم تتلفظ بشيء، سألها بشكلٍ آلي، منفذًا ما جاء لأجله:
-أحطهم فين؟
تنحت للجانب، لتفسح المجال له للمرور، وأجابته مشيرة بيدها:
-دخلهم جوا يا ابني.
تنحنح بصوتٍ خشن، قبل أن يمرق للداخل، ثم أخبرها وهو يتابع سيره نحو المطبخ:
-والمعلم بيبلغك إن الحاجة أمه جاية آخر النهار تزوركم، وهتتصل تعرفكم بده.
ردت بترحيبٍ:
-تشرف وتآنس، البيت بيتها.
انتظرت انتهائه من رص الأقفاص في ركنٍ شاغرٍ بالمطبخ، ومنحته مبلغًا بسيطًا نظير تعبه، شكرته بودٍ على مجهوده، ورافقته لباب المنزل، استدارت بجسدها لتجد ابنتها في إثرها تسألها في فضولٍ:
-هو مين جه عندنا يا ماما؟
تحركت في اتجاه المطبخ وهي تجيبها:
-دي زيارة باعتها الحاج "بدير" لينا.
قطبت جبينها متسائلة بغرابةٍ:
-بمناسبة إيه؟
خمنت والدتها السبب البديهي لإرســال تلك الكمية، وقالت ببساطة:
-الظاهر لما عرف إنك تعبانة حب يعمل الواجب لحد ما الست "ونيسة" تجيلنا بالليل.
رددت من خلفها:
-كمان؟ كبرتوا الموضوع أوي، وهو مش مستاهل.
انفرجت شفتا "فيروزة" عن دهشةٍ كبيرة عندما رأت ما تم إرســاله، حملقت في وجه والدتها، وصاحت مازحة:
-كل ده؟ هو بعت الدكان كله ولا إيه؟
تجاوزتها "رقية" لتقترب من قفص التفاح، التقطت واحدة، وسحبت أخرى، ثم التفتت نحو عمتها تستأذنها:
-عمتو ممكن أكل أنا و"فيروزة".
قرصتها "آمنة" من وجنتها، كنوعٍ من المداعبة، وهتفت بإيماءةٍ موافقة:
-خدي اللي عايزاه يا حبيبتي، بس استني أغسلهم الأول.
تناولت التفاحتين منها، وسارت في اتجاه الحوض لتغسلهما، ثم أعادتهما لها، فأسرعت "رقية" نحو ابنة عمتها، تمد يدها بواحدةٍ لها، وقالت بابتسامتها الصافية:
-اتفضلي.
انحنت عليها لتقبلها من رأسها، وشكرتها وهي تأخذها:
-تسلمي يا "كوكي".
قالت والدتها وهي تفرز ما في الأقفاص:
-أختك "همسة" مابطلتش سؤال عليكي، اتفقت مع جوزها إنها هتعدي علينا تقضي اليوم كله معانا.
هزت "فيروزة" رأسها متمتمة:
-مالوش لازمة تتعب نفسها، خليها في حملها.
علقت عليها بتنهيدة:
-هي مصممة، وراكبة دماغها.
ابتسمت وهي ترد:
-مافيش مشكلة يا ماما...
ثم أشــارت بعينيها وهي تتابع:
-خلينا نروق المطبخ اللي قلب على سوق الفاكهة ده.
رددت "رقية" وهي تقضم قطعة من ثمرتها، لتلوكها في جوفها:
-حلو التفاح بتاع عمو، تاخدي حتة يا عمتو؟
حديثها العفوي ذكرها بتلك القبلة الغريبة التي تلقتها منها على وجنتها، امتدت أناملها لتتحسس بشرتها، وهاجسٌ بداخلها يؤكد لها أنه أرادها تعلم بقدومه؛ لكنها لم تحبذ أن يكون اللقاء في أشد لحظاتها احتياجًا وضعفًا. تردد صدى كلمات "تميم" السابقة في عقلها، مذكرًا إياها بأنه دومًا معها، وإلى جوارها. حدقت "فيروزة" في التفاحة الموجودة براحتها، قربتها من شفتيها، وقضمت منها جزءًا وهي تبتسم بحياءٍ طفيف هامسة مع نفسها:
-الرسالة وصلت.
...................................................................
-يعني قولتلهم زي ما فهمتك؟
تساءل "تميم" بتلك العبارة، وهو يقف في شرفة منزله، تلك التي قضى بها ليلة الأمس حتى أشرقت عليه شمس اليوم الجديد، وهو يعيش لأجلها حالة من الغضب، يشوبها الغل، الحنق، والتخبط الممزوج بالتوهان. كل ما له علاقة بها جعله متحفزًا، في وضعية هجومٍ للاقتصاص لها. بجهدٍ جهيد عاد إلى منزله كابحًا رغباته الجائعة في سفك دمائه. نفخ الدخان في الهواء، وأطفأ عقب سيجارته شبه المنتهية في المطفأة المتزاحمة بعشرات السجائر المحترقة، ثم تابع كلامه معه بلهجته الآمرة، بعد أن استمع إلى رده:
-ماشي، ارجع على الدكان، وشوف وراك إيه وإنجزه.
ضغط على زر إنهاء المكالمة، ودس بين شفتيه سيجارة جديدة أشعلها بولاعته، ثم بحث بين الأرقام المحفوظة على هاتفه على رقم صديقه "ناجي"، اتصل به، ووضع الهاتف على أذنه منتظرًا إجابته، بادر الأخير مرحبًا به:
-صباحك فل يا معلم.
رد يسأله بنبرته الخشنة دون تمهيدٍ:
-عايزك في مصلحة كده، فاضي؟
أتاه رده قاطعًا:
-طبعًا يا صاحبي، دايس معاك.
سأله مستوضحًا، وقد احتدت نظراته المحملقة على مدى بصره:
-ماتعرفش حد من التجار حبايبنا قريب من (...)؟
غرق في الصمتِ لبرهةٍ، وكأنه يفكر في الأمر، قبل أن يجيبه:
-بيتهيألي في واحد أعرفه هناك، كنت خلصتله زمان كام مصلحة.
سأله مباشرة دون أن يوضح غرضه:
-ليك دلال عليه؟
تردد وهو يجاوبه:
-تقريبًا أه.
كرر عليه بحزمٍ، وقد قست نظراته بشكلٍ يبعث على القلق:
-أه، ولا لأ؟ أنا عايز رد واضح.
حمحم متسائلاً بفضول:
-ليا لي عنده، خير؟ إنت عايز إيه بالظبط؟
جاءه رده غامضًا، وتلك اللمعة الغريبة تظهر في حدقتيه:
-خدمة كده صغيرة، بس تركز عشان تُظبط.
أبدى استعداده التام لتلبية أوامره بترديده المذعن له:
-ماشي كلامك.
........................................................
في تلك الأثناء، ولجت "ونيسة" إلى غرفة ابنها لتدعوه لتناول طعام الإفطار، تفاجأت بفراشه نظيفًا، ومرتبًا؛ وكأنه لم يمسه طوال الليل، فتشت عنه بعينيها، فرأته يتحدث في هاتفه بالشرفة، انتظرته حتى أنهى مكالمته، ونادت عليه:
-يا "تميم"!
استدار ناظرًا ناحيتها، ثم حمل مطفأة السجائر في يده، وسار عائدًا للداخل بخطواتٍ شبه عرجاء، دون أن يأخذ عكازه الطبي. تقدم نحوها متسائلاً:
-أيوه يامه، عايزة حاجة؟
سألته بتعابيرها المغلفة بالاستغراب:
-هو إنت مانمتش في فرشتك؟
ورغم الإرهاق الظاهر على قسماته، إلا أنه قال نافيًا:
-لأ، مجاليش نوم.
سألته بنبرة مهتمة، وهي ترمقه بنظرةٍ منزعجة:
-وإيه اللي مسهرك كده؟
لم يكن الجواب بتلك السهولة ليمنحه لها، فعقله ظل مشغولاً بأمر معذبته، كيف يتذوق طعم الراحة، وهي محاصرة في أحزانها القاتلة؟ جفاه النوم من كثرة تفكيره في أحوالها، وبات الأرق رفيقًا ملازمًا له. انتبه لشروده اللحظي، وراوغها في الرد مغمغمًا باقتضابٍ:
-مشاغل.
عاتبته بخوفٍ غريزي:
-يا ابني صحتك، ده أنا مصدقت إنك بقيت أحسن عن الأول بكتير.
لاحت على جانب شفتيه ابتسامةٍ صغيرة وهو يعقب:
-سبيها على الله.
لعقت والدته شفتيها، وتابعت:
-أنا لاقيتك اتأخرت على نزول الدكان فقولت أعملك فطار.
شكر صنيعها قائلاً، وبنظرة ممتنة كذلك:
-كتر خيرك يامه.
انخفضت نظراتها نحو المطفأة المليئة بأعقاب السجائر المحترقة، شهقت لاطمة على صدرها قبل أن تنظر إليه لتوبخه:
-وإيه السجاير دي كلها؟ يا ابني ارحم صدرك.
كانت وسيلته المتاحة للتنفيس عن مشاعر الحنق الملتهبة بداخله، زفر الهواء على مهلٍ، وقال غير مبالٍ:
-ماتخديش في بالك...
ثم طلب منها بلطفٍ:
-اعمليلي بس قهوة من إيدك الحلوة، هاشربها وأبقى زي الفل.
عقدت حاجبيها متسائلة:
-والفطار؟
قال بتعابيرٍ ممتعضة:
-ماليش نفس.
بررت عزوفه عن تناول الطعام بقولها الساخط:
-هتاكل إزاي وإنت نفسك اتصدت بالسجاير؟!!
انحنى ليقبل أعلى كتفها، وهتف مدعيًا:
-معلش دماغي مش فيا، بأفكر في كام مصلحة عايز أنجزهم.
دعت له بصدقٍ:
-ربنا يقويك يا ضنايا، ويكرمك في كل خطوة بتخطيها.
أمن على دعائها المتضرع بترديده المناجي:
-يا رب.
انشغلت "ونيسة" بلملمة بعض الأشياء المبعثرة هنا وهناك، بينما وضع "تميم" يده في جيب بنطاله، ليضم في راحته المخبأة مشبك رأسها، ذاك الذي احتفظ به حينما رأها بحلتها البيضاء، قطعة امتلكتها كانت حقًا سلواه في ليله الطويل الساهد، بقي بداخل كفه وهو يتشدق متسائلاً:
-بالحق كلمتي الست "آمنة" تسألي على بنتها؟
رفعت نظرها نحوه، وأجابته:
-أه يا حبيبي.
اشتدت قبضته على المشبك، وشعر بتسارع دقات قلبه، بالكاد حافظ على جمود تعابيره، وهو يسألها:
-وإيه الأخبار؟
اعتدلت في وقفتها قبل أن تجيبه:
-الحمدلله بقت أحسن.
أثلجت جملتها صدره، وشعر بقليلٍ من الارتياح يغمره؛ وإن لم يكن كاملاً، ادعى جموده، وهز رأسه معقبًا باقتضابٍ حتى لا يثير شكوكها نحو اهتمامه الزائد بها:
-خير.
تابعت إخباره وهي تسير في اتجاه الباب:
-بالليل هعدي عليهم مع أختك، واطمن بنفسي، واجب برضوه، هما عمرهم ما اتأخروا عننا في حاجة.
تلك المرة لم يستطع منع نفسه من الابتسام وهو يشكرها:
-تعيشي يامه.
أشارت له بعينيها ليتبعها:
-طب تعالى عشان تفطر مع أختك.
-حاضر يامه.
قالها باستسلامٍ وهو يخرج من جيبه المشبك، ليضعه في مكانه بالدرج العلوي بالكومود الملاصق لفراشه. أزاح منديل الرأس، ودسه أسفله ليحجبه عن الأعين، فتظل -كما تعهد لها- في مأمنٍ عن الضياع.
.................................................................
انتهى عامل القهوة المجاورة للدكان، من رص أكواب الشاي الزجاجية على الطاولتين المتلاصقتين، قبل أن يضع كوبًا منفصلاً مليئًا بالسكر على الجانب، ليعاود أدراجه مستأنفًا عمله في تلقي طلبات الزبائن. مد "سراج" يده، وأمسك بالملعقة ليضيف ثلاثة ملاعق من السكر في كوبه، ثم قلب المحتويات معًا، وخبط بطرف المعلقة على حافة كوبه، كتقليدٍ يُلازم الأغلبية من محبي تناول الشاي.
سلط أنظاره على "بدير"، و"هيثم"، يراقب ردة فعلهما بعد أن فاتحهما في موضوع شراء الدكان المملوك لـ "محرز" و"بثينة" بمبلغٍ ضخم. تردد كثيرًا قبل التطرق إليه؛ لكن بعد مضي ما يقرب من شهر على مقتل الأول، واستقرار الأوضاع تقريبًا في منزل الثاني ظن أن التوقيت مناسبًا للحديث عنه، بالإضافة لوضعه في الاعتبار أن تقبلهما للأمر يعني من وجهة نظره تمهيدًا للشأن الآخر الهام الذي يتوق شوقًا للحديث عنه. نفض عن عقله ما يشوش تفكيره، ووجه سؤاله لهما وهو يرفع شايه إلى فمه:
-ها قولتوا إيه؟
استغرق الاثنان في تفكيرهما المتأني، وتبادلا نظراتٍ مترددة بعد طرح "سراج" لعرضه السخي.
-خلينا ناخد وندي مع بعض الأول، وبعد كده هنديك كلمة فيه.
رد بتفهمٍ:
-خدوا راحتكم على الآخر، أنا مش مستعجل.
هتف "هيثم" مشددًا:
-لازم أعرض الحكاية دي على أمي.
لم يعارض رغبته، وحادثه بإصرارٍ:
-وماله، بس بدل قفلته كده، أهوو أشغله بمعرفتي.
تحدث "بدير" قائلاً:
-ربنا يسهل، اشرب إنت شايك.
استدار برأسه ليواجهه، ورد:
-حاضر يا حاج.
نهض "هيثم" عن كرسيه، وسحبه بيده للخلف مخاطبًا "بدير":
-أنا هاقوم أشوف النقلة جهزت ولا لأ، عايز ألحق باقي النهار.
عقب عليه زوج خالته بهزة رأسٍ خفيفة:
-ماشي يا ابني، الله يقويك.
انتظر "سراج" مغادرته، ليقرب مقعده قليلاً من مُضيفه، واستأذنه بصوتٍ جعله خافتًا:
-حاج "بدير"، ممكن أتكلم معاك كده في موضوع بعيد عن الشغل.
نظر له بإمعانٍ، وشجعه للمضي في حديثه:
-قول يا "سراج".
تنحنح لأكثر من مرةٍ ليجلي أحباله الصوتية، كذلك ليعطي نفسه الفرصة لترتيب أفكاره المتداخلة في رأسه، قبل أن ينطق أخيرًا بلمحةٍ من التردد:
-أنا عارف إنه مش وقته، ومايصحش بردك أفتح السيرة دي دلوقتي، بس عشمي فيك كبير بعد ربنا.
تفرس في وجهه متسائلاً بتوجسٍ ملحوظ:
-خير؟ قلقتني.
قال على الفور ليطمئنه:
-كل خير إن شاءالله يا حاج.
توقف للحظة عن الكلام ليستجمع شجاعته، وحرك فكه ليقول بتلعثمٍ كان ظاهرًا:
-أنا كنت.. يعني .. بأفكر .. لما..
انزعج "بدير" من مماطلته غير المفهومة، فصاح به بنفاذِ صبرٍ:
-ما تخش دوغري في الموضوع على طول.
بلع ريقه الذي جف كليًا من جوفه، وقبل أن يفكر في التراجع نطق دفعة واحدة بما يريده:
-هو بصراحة كده، أنا طالب القرب منك.
اندهش من طلبه العجيب، وسأله باستغرابٍ:
-القرب مني؟ قصدك مين؟
رمش بعينيه، وخفض رأسه متحاشيًا نظراته المسلطة عليه، ليوضح بعدها:
-أنا قصدي على ست البنات "أم سلطان"، بنتك يا حاج...
بحذرٍ اختلس النظر نحوه بعد أن لاحظ صمته، وتابع باقي كلامه:
-يعني بعد ما تخلص عدتها بأمر الله، لو مافيش مانع عايز أتقدملها.
جدية بحتة اكتست تقاسيم وجهه، وردد يسأله بصدمةٍ:
-بتقول إيه؟
برر على الفور نواياه الصادقة، حتى لا يُساء فهمه:
-اقسم بالله ما طمعان في حاجة غير رضاها، أنا غرضي شريف.
أطبق على شفتيه محتفظًا بصمته لبعضٍ من الوقت، وهتف أخيرًا بعد سكوت موتر:
-إنت فاجئتني يا "سراج".
ضغط عليه بتلهفٍ لم يستطع كتمانه:
-أنا عشمان إنك توافق يا حاج.
تهرب من منحه جوابًا مباشرًا، فقال:
-والله ما عارف أقولك إيه، ده مش وقته ولا مكانه.
استمر في تأكيد حسن نواياه:
-أنا عارف يا حاج، بس بأجرب حظي، ولو قلقان من معاملتي لـ "سلطان" الصغير اطمن، ده في عينيا، والله كأنه ابني بالظبط.
نظر له "بدير" مليًا بنظراته الثاقبة، تفرس في ملامحه، فرأى فيها -بخبرة السنين- جدية تامة على حُسن معاملة ابنته ورضيعها، إن ارتضى به زوجًا لها، بينما واصل "سراج" القول بحماسٍ أكبر، لا يعرف من أين جاءه بعد أن زالت الرهبة:
-وكافة شيء تطلبه ست البنات هايكون عندها، من مهر، وشبكة، وشقة في أجدع حتة.
زفر على مهلٍ، وأخبره بحياديةٍ:
-مش هينفع أديك كلمة دلوقتي، ولا حتى أقولك رأيي، الكلام مش معايا أنا بس.
هز رأسه معقبًا عليه:
-شور على اللي إنت عاوزه يا حاج، وخد وقتك على الآخر، أنا مش مستعجل، بس حبيت أمشي تبع الأصول، وأدخل البيت من بابه.
زم شفتيه لبعض الوقت، مديرًا الأمر في رأسه، قبل أن يتكلم في النهاية:
-ربنا يقدم اللي فيه الخير.
رفع "سراج" كوبه إلى فمه، وقال بابتسامةٍ متحمسة:
-بإذن الله، ونشرب المرة الجاية الشربات.
سدد له نظرة صارمة وهو يعلق على جملته الموحية:
-طب اشرب شايك الأول.
ابتسم في سرورٍ وهو يرد:
-ماشي يا حاج.
.......................................................................
راقباه جيدًا، خلال سيره المتهادي، على الطريق الزراعي، ليعود إلى منزله بعد انقضاء عمله مع المستأجرين من الفلاحين؛ كان "فضل" لسوء حظه يمشي بمفرده، مما بدا صيدًا سهلاً لمتعقبيه، هؤلاء الذين جاءوا خصيصًا إليه. تحركت السيارة في إثره ببطءٍ لتتبعه، ونظرات من فيها مرتكزة عليه. تساءل "حمص"، وعيناه لم تحيدا عنه:
-هننفذ دلوقتي؟
أخبره "شيكاغو" بصوته المتحشرج، وهو يلقي بسيجارته من النافذة:
-لأ استنى، قبل الكوبري.
برزت ابتسامة انتشاء على محياه، وردد بتحفزٍ:
-اشطا .. شكلها هتبقى ليلة فل.
من المقعد الخلفي شدد عليهما "ناجي":
-عايزين نجيبوه في السريع، ده متوصي عليه جامد.
رد "شيكاغو" بتذمرٍ، وهو ينظر إليه عبر مرآته الأمامية:
-هي دي أول مرة يا ريس.
وعند نقطة معينة، وقبيل وصول "فضل" للكوبري العلوي الذي يمر من أسفله مصرفًا زراعيًا، وفي نفس الوقت يربط بين ضفتي البلدة، ضغط "شيكاغو" على دواسة البنزين، مضيقًا المسافة عليه، وليحاصره أيضًا عند مطلعه. توقف عن السير، وهمَّ بالتشاجر مع راكبي السيارة، غير متوقع أن ما يحدث معه ما هو إلا حيلة لاختطافه .. في لمح البصر ترجل كلاً من "حمص" و"ناجي"، وانقضا عليه يجذباه بشراسةٍ من جسده نحو المقعد الخلفي للسيارة، رفع "شيكاغو" جسده عن المقعد لينضم إليهما، وضرب مؤخرة رأسه بشيء ثقيل ليفقده الوعي، ثم هتف فيمن معه:
-يالا يا رجالة.
استقر الجميع في أماكنهم، بعد إحكام الوثاق عليه، ليتولى "شيكاغو" بعدها القيادة منطلقًا نحو وجهة محددة تم الاتفاق عليها مسبقًا، إلى حيث يتواجد "تميم".
............................................................
أفاق على وخزة مؤلمة في جانب كتفه؛ وكأن شيئًا غليظًا ضربه فيه، كان من الخير له أن يظل فاقدًا للوعي، فما ينتظره من مشاعر الغضب الساخطة سيفوق ما يمكنه تحمله. فرك "فضل" جانب رأسه بيده وهو يتأوه بأنينٍ بدا كالنعير، وما إن فتح عينيه، حتى رأى آخر من يرغب في رؤيته الآن، واقفًا عند قدميه، ينتظره بترقبٍ، وبملامحٍ فَزِع منها للغاية. كان جبانًا للحد الذي يجعله ينطق بذلك علنًا، متجنبًا أي مواجهات حقيقية مع الرجال الأشداء. حاول الاعتدال في رقدته على الأرضية الباردة وهو يتساءل:
-أنا فين؟
أجابه "تميم" بصوتٍ أجش، وهو يحدجه بنظراته المعبأة بقساوة السجون:
-عندي.
بلا عكازٍ ليستند عليه، وبشموخٍ يبعث الرهبة في النفس، استأنف كلامه في صيغة سؤالٍ تهديدي:
-مش أنا حذرتك قبل كده ما تقربش منها لا بحلو ولا بوحش؟
رغم فهمه لتلميحه المبطن بأنه يقصد "فيروزة" بجملته تلك، إلا أنه بطبعه الجبان أنكر أي اتهامٍ قد يضره، وهو يزحف بمرفقيه للخلف، ليبتعد عن محيط شره المستعر:
-وربنا ما عملت حاجة.
هدر به ينعته بكلمات نابية، وبصوتٍ زلزل الجدران:
-يعني مش بس (***)، لأ كمان كداب.
ازدرد ريقه، وهتف بصوتٍ مرتعش:
-صدقني يا ... معلم.. أنا قاعد هنا في حالي، لا روحت ولا جيت.
تقدم نحوه "تميم"، وأحنى جذعه قليلاً لتصل قبضته المتشنجة إلى قدمه، أمسك به منها، محكمًا أصابعه عليها، بحيث لا يقدر على الإفلات منه، جذبه إليه بكل ما يعتريه من قوة غاضبة تزداد في حدتها بمرور الوقت، ليصيح بعدها متوعدًا بوجهٍ غابت عنه الوداعة:
-وقت الحساب أزف ................................................... !!
.................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد بأمر الله ..قبل نشر الفصل وجب إطلاعكم على إن بعد يوم الثلاثاء القادم هاتوقف مؤقتًا عن كتابة ونشر فصول رواية الطاووس الأبيض لحوالي 3 أسابيع، يعني مافيش يوم الجمعة 29 يناير فصل، وده بسبب ظروف السفر العائلية، وللأسف هيتعذر عليا استكمال الفصول، هاكون مشغولة مع الأسرة غالبية الوقت، كمان أنا هودي اللاب توب يتصلح ويتظبط كام حاجة فيه خلال الفترة دي .. التوقف ده فعلاً خارج عن الإرادة، وفي نفس الوقت ضروري .. عارفة إن كتير منكم متابعين الطاووس الأبيض، وبقت جزء أساسي من يومنا، لكن ده شيء اضطراري مؤقت، هستمر معاكو في التعليقات على الجروب، ومتابعة كلامكم الجميل عن كل الروايات، وهعرفكم طبعًا بالجديد من الأخبار هنا على الصفحة ..بعد المدة دي وإن شاءالله متطولش،، هنكمل الفصول بالتتابع في نفس الجزء، مافيش جزء جديد، كفاية أوي تلاتة، بس لازم تبقوا عارفين إن الفصول مطولة سيكا .. مش عارفة هتوصل لكام، بس احنا مستمرين فيها، وشكلها كده هاتكون تاني رواية تجتاز حاجة المائة فصل ككيان متتابع بعد ثلاثية الذئاب قبل ما تبقى سداسيةمش هطول عليكم ..وربنا يعدي الفترة الجاية على الجميع بالخير .. وتكون أيام طيبة علينا جميعًا
الفصل السادس والتسعون
برعونته الطائشة، وتصرفاته غير المدروسة، نجح في استدعاء الوحش الكامن الذي يرقد بداخله، ليصبح شديد الخطورة في ملامحه، ونظراته، وحتى تلميحاته العدائية. لم يعد هناك حدًا للعنف، طبيعته الشرسة طغت على أي مظهر وديع كان يملكه قبل برهةٍ. قبض "تميم" على قدم غريمه، ورفعها للأعلى، ليلوي كاحله بقساوة دفعت "فضل" للصراخ المستغيث والبكاء في ألمٍ وهو يرجوه:
-بالله عليك تسيبني، أنا معملتش حاجة.
قال بتوعدٍ بعد أن ترك قدمه:
-هو أنا بدأت لسه؟
صراخه المتعاقب جعل مالك دكان الفاكهة المتواجدين بداخله -والذي يدعى "فهيم"- يدخل في الحال لرؤية ما يحدث. وقعت عيناه على "فضل"، فهتف مستجديًا مشاعر "تميم"، عله يرفق به، دون أن يفهم بالضبط أبعاد مشكلته معه:
-خلاص يا معلم، اعتبره عيل وغلط.
إشارة صارمة من عيني "تميم" منحها لـ "ناجي" جعلت الأخير يتحرك صوب "فهيم" ليحاوطه من كتفه، سحبه بعيدًا عنهم وهو يقول:
-تعالى معايا يا حاج ...
وأخفض نبرته قائلاً بجديةٍ:
-وسيب الرجالة يتفهموا مع بعض على طريقتهم.
اعترض بترددٍ قلق:
-بس كده آ..
قاطعه بحزمٍ ليطمئنه:
-متقلقش من حاجة، إنت في السليم.
أتاه صوت "تميم" عاليًا ليُعلمه:
-حاج "فهيم"، احنا محتاجين التلاجة الكبيرة شوية.
استدار برأسه ناحيته، وقال وهو يبلع ريقه:
-المكان مكانك يا معلم "تميم".
رد يشكره بنصف ابتسامةٍ، وكامل نظراته على "فضل":
-تعيش يا حاج، مردودالك في أي خدمة
كان غرضه من اختيار ذلك المكان البارد، عدم لفت الانتباه للضجيج الذي سيحدث لاحقًا. هلل "فضل" مستغيثًا حتى بح صوته:
-الحقوني، هيموتوني، غتووووني يا ناس.
علق عليه "تميم" يتحداه بابتسامة هازئة احتلت زاوية فمه، ونظراته القاتمة مسلطة عليه:
-عايزك تصوت على أد ما تقدر...
بدا صوته كالهسيس وهو يكمل:
-عشان محدش هيغيتك الليلادي.
تسول رحمته بنحيبه:
-طب شوف إنت عايز إيه وأنا هاعمله، حقك عليا، لو عايزني أبوس راسك قصاد الناس دي، فأنا مش ممانع، خليني بس أقف على حيلي...
ثم نشج ببكاءٍ مسموع وهو يواصل:
-ده أنا عندي عيال غلابة، وولية مكسورة الجناح، يرضيك يتحسروا عليا؟
هتف غير مكترثٍ بخشونةٍ مرعبة:
-أه يرضيني.
بلع ريقه وقد جحظت عيناه أكثر متخيلاً ما يمكن أن يفعله به، في حين خلع "تميم" قميصه البني -والمقسم في نقشته المطبوعة عليه إلى مربعات صغيرة متفاوتة في درجاتها- ليظل بثيابه السوداء التحتية التي أبرزت عضلاته المفتولة، ثم انتزع حزامه الجلدي من بنطاله الجينز الأسود، ونظرات "فضل" المذعورة تراقب بشخوصٍ كل حركة تصدر عنه، متوقعًا حدوث الأسوأ بين لحظةٍ وأخرى، انحنى عليه مجددًا ليمسك بقدمه الملتوية، وأحكم ربط حزامه الجلدي حولها، فصاح "فضل" يسأله وهو يحاول التملص منه:
-إنت بتعمل إيه؟
تجاهله ليأمر "حمص" و"شيكاغو":
-فضوا السكة.
تقدم الاثنان في خطواتهما سريعًا لإزاحة أي عائق عن الطريق، وأيضًا لتهيئة المكان بداخل ثلاجة حفظ الفاكهة المخزنة لتستوعب وجودهم فيها، بينما شرع "تميم" في جذب خصمه من قدميه بقوةٍ، ليتدحرج "فضل" أرضًا على ظهره، قبل أن يتم سحله وصولاً إلى هناك، وأنين صراخه المستغيث يزداد حدةً وخوفًا.
..........................................................
بعد بضعة دقائق، كان "فضل" مستلقيًا على ظهره بداخل الثلاجة، ووُضع فوق عنقه مقعدًا، لينحر طرفه الخشبي الخشن في جلد رقبته. جلس "تميم" عليه، مُلقيًا عليه نظرة ازدراءٍ من مسافته العالية، ويده تتدلى بمطواته التي تدور بين أصابعه في خفةٍ. تأمله باحتقارٍ قبل أن يستطرد قائلاً في صيغة سؤالٍ، كنوعٍ من التخيير:
-تفتكر أبدأ معاك بإيه؟
أجهش "فضل" بالبكاء وهو يحاول استرقاق قلبه:
-ولا حاجة، ده أنا غلبان.
كركر ضاحكًا لسخافته، فأكمل الأخير بنواحه، نافيًا عن نفسه أي تهمة:
-وربنا ما عملتلها حاجة، ولا جيت جمبها من ساعة ما كنت عندها.
لم تنطلِ حيلة بكائه كثيرًا، فدموع التماسيح نضبت بعد لحظةٍ، وبدا صوته عاديًا عندما سأله وهو يرمش بعينيه:
-هي قالتلك حاجة؟
وقبل أن يجاوبه تابع بصوته المرتجف:
-وبعدين ده أنا ابن عمها، من لحمها ودمها، وخايف عليها، يعني مايرضنيش حد يقول عنها كلمة.
نقل "تميم" مطواته لليد الأخرى، ومررها بين أصابعه بنفس الحركة الاحترافية، تأكد من متابعة نظرات "فضل" له، ثم توقف فجأة عن تحريكها، وخاطبه بصوتٍ أجوف عميق:
-وماله تخاف عليها بالأصول، مش بالندالة!
رد بنبرته المرتعشة:
-أه .. طبعًا..
ثم نهض عن المقعد، وركله بقدمه، ليصبح عنقه طليقًا، ظن لهنيهة أنه سيحرره؛ لكنه باغته بالانقضاض عليه وجذبه من ياقته ليجبره على النهوض، فذعر بشدةٍ، ووضع قبضتيه المرتجفتين على ساعديه يستعطفه:
-إنت قلبك كبير يا معلم، بلاش تروح في داهية، الموضوع مش مستاهل.
لسانه الأهوج كان الأسبق في إضافة جملةٍ كدرت الأجواء الغائمة:
-ده الحريم ياما بيقولوا، هنعمل عقلنا بيهم.. دول ناقصين عقل ودين ..
لعق شفتاه واختتم حديثه:
-ده مش كلامي، ده كلام ربنا.
نطق في تهكمٍ سافر:
-وإنت ماشاء الله عليك بتعرف في الدين.
ودون أن تحيد نظراته عنه، وجه أوامره لرجليه الواقفين خلفه:
-ثبتوه على الحيطة!
هتف "شيكاغو" أولاً مبديًا طاعته له:
-حاضر يا معلم.
في حين تقدم "حمص" لتنفيذ أمره في صمتٍ، وعلامات الشر تبدو جلية على قسماته.
صرخ "فضل" بأقصى ما يستطيع، وهو يبذل كامل طاقاته للخلاص من الحصار المطبق عليه:
-هيقتلوني يا نـــــاس.
لم يحتاج كلاهما لجهدٍ زائد لإلصاق وجهه بالجدار البارد وتثبيته، ضغط "شيكاغو" على رأسه، ليسحقه في بروز الجليد المتكون على سطحه، فتتسبب حوافه الحادة في تمزيق جلده، وقام "حمص" بتكبيل يديه ليضعف من مقاومته، وحشر قطعة من قماش الأجولة في جوفه، ليكتم صوت صرخاته. ظل "تميم" واقفًا على بُعد بضعة خطوات، وهتف كتمهيد استباقي لما سيحدث لاحقًا:
-لما الوارد الجديد بيشرف عندنا في أبو زعبل بيتعملهم حفلة استقبال، تشريفة تليق بيهم ..
فتش بين الأغراض المحاوطة به عن شيء غليظ، وواصل مخاطبته:
-بعدها بنلاقي واحد ولا اتنين كده متنططين، عايزين يعملوا نمرة، ياكلوا بيها الجو، بس مشكلتهم بيعملوها مع الناس الغلط ..
تأوه "فضل" من الألم المستبد بجسده، وبكى في خوفٍ أكبر، بينما تابع "تميم" حديثه له بلهجةٍ عبرت عن بواطن شرورٍ عظيمة، لا يحبذ اختبارها على البشر:
-ساعتها بقى بيتعمل معاه السليمة، ويتعرف إن كان راجل وأد كلمته، ولا واحد متنسوِن، يقلب على مَرَة لما يخش في الغويط.
دفع "فضل" بلسانه القطعة المحشورة في جوفه، عله ينجح في إسقاطه ومواصلة الصراخ. تقدم "تميم" بخطاه المتأنية، وعيناه تبرقان بشيءٍ خطير، كما اشتدت نبرته قساوةٍ عندما نطق:
-وأنا حذرتك ..
موجة الغضب التي اجتاحته لم يعد بإمكانه إيقافها، لذا أوضح له باقي تهديده:
-عشان المرادي هاعمل معاك الجُلاشة، مش هاخليك تعرف ترفع عينك لا في راجل ولا حُرمة.
سقطت الخرقة من فم "فضل"، فصاح على الفور طالبًا النجدة:
-غتوووني يا ناس.
توقف "تميم" على مسافة خطوة منه، ومال عليه ليبدو صوت تهديده في أذنه حينما أخبره، وبين شفتيه ابتسامة انتصــار:
-إدي بالك عشان جيالك، وبالجامد أوي.
............................................................
أمام النافذة الأرضية، أطلت برأسها تراقب المارة عن كثب، فموعد عودته قد تأخر كثيرًا، فعلى الأغلب كان يعود إلى المنزل مبكرًا، تاركًا غيره يكمل ما تقاعص عن أدائه. تنهدت "سعاد" بصوتٍ مسموع، وتحركت لتجلس على المصطبة بجوار زوجها، ثم أخبرته وهي تفرك كفيها معًا:
-لأ، أنا كده اتوغوشت بزيادة، مش بعوايده "فضل" يتأخر كده.
أردف قائلاً وهو يدير حبات مسبحته بإبهامه:
-الغايب حجته معاه.
وضعت هاتفها المحمول على أذنها بعد أن هاتفته، وقالت في قلقٍ أكبر:
-باتصل عليه تليفونه مقفول.
افترض "اسماعيل" مرددًا بعد برهةٍ من الصمت:
-جايز يكون راح عند أهل مراته يصالحها، ماهو كان غبي معاها آخر مرة.
غمغمت بتبرمٍ وهي تخبط يدها الطليقة على فخذها:
-بردك يقول، ولا يتصل يعرفنا، مايسبناش كده في حيرة وقلق.
علق عليها بامتعاضٍ:
-إنتي عارفة ابنك ماشي بدماغه، محدش بيقدر يحوشه لما يحب يعمل حاجة.
التفتت للجانب لترمقه بنظرة ساخطة، ولامته بشكلٍ صريح ومباشر وهي تلوح بيدها:
-متزعلش مني يا حاج، إنت اللي عودته على كده، لو كنت بتقفله من الأول كان اتلم، بس هو ساق فيها، وأديك شوفت عمل إيه مع الغلبانة "سها".
نظر لها من طرف عينه، ونطق بعد زفيرٍ طويل:
-ربنا يستر المرادي، لأحسن مش مرتاح، وخايف أبوها ياخد موقف.
بنفس الأسلوب المتنمر استطردت معقبة:
-هايكون معاه حق لو عمل كده، كل مرة ترجعله بنته متبهدلة ومضروبة، وده مايرضيش ربنا.
واصل "اسماعيل" تقليب حبات المسبحة بحركة ثابتة، ولسانه يلهج داعيًا:
-ربنا يعديها على خير.
......................................................
حينما يتحير في أمر ما، يلجأ إليه، فيجلس بأريحية عند قدميه، ويبوح له بكل ما يختلج صدره، ليمنحه الجواب الحاسم، بخلاصة خبرته الحياتية الطويلة. لذا لم يتردد "بدير" في إطلاع والده على ما أخبره به "سراج" في دكانه، وكيف تعامل مع الموقف المفاجئ، اختتم سرده المستفيض قائلاً:
-أنا قولتله إن "هاجر" ماستوفتش عدتها لسه، ومايكلمنيش في حاجة قبل كده، إيه رأيك في الكلام ده يابا؟
أومأ برأسه في استحسانٍ وهو يرد:
-عين العقل.
سأله بتوجسٍ، وقد ضاقت عيناه:
-بس تفتكر البت ترضى؟
ببساطةٍ جاوبه:
-دي حاجة ترجعلها هي.
همهم ابنه مضيفًا، وأمارات التفكير تظهر جلية على قسماته:
-والله أنا محتار، ما هو احتمال "هاجر" متوافقش، وأنا هتحرج مع الراجل، وخصوصًا بعد وقفته معانا.
اعتدل "سلطان" في جلسته، وحادثه على مهلٍ:
-بص يا "بدير"، بنتك بعد اللي شفته مع "محرز" مش هتوافق بسهولة، لأن اللي عاشته مكانش قليل، وده بعد ما جه في الآخر على ضناها، يعني مارحمش حد.
هز رأسه يؤيده:
-معاك حق.
واصل كلامه العقلاني معه:
-وإنك تفاتحها دلوقتي عن حد متقدملها هيقلب معاها بالعكس، وهتفتكر كل اللي مرت بيه.
نظر إليه معلقًا بإيجازٍ:
-مظبوط.
أنهى النقاش في تلك المسألة بقوله الحاسم:
-احنا نكفي على الخبر ماجور، لحد ما ربنا يأذن، ووقتها يحلها الحلّال.
رد دون اعتراضٍ:
-ماشي يابا، اللي تؤمر بيه.
قال مبتسمًا وهو يربت على كتفه:
-لأ ده الصح، واللي المفروض يتعمل.
بادله الابتسام وهو يدعو له:
-ربنا يباركلي فيك يابا، ويديمك فوق راسنا.
................................................................
ما لاقاه على يده كان مهينًا لأبعد الحدود، جعل اعتقاده الراسخ في ذهنه، وما تربى عليه منذ نعومة أظافره، بأن الرجولة تتمثل فيما يمتلكه الفرد من أعضاءٍ حددت هويته لحظة الميلاد، لا يساوي شيئًا أمام إذلاله وكسر شوكته في حضرة الغرباء. وعند نفس البقعة التي اختطف فيها، تم إلقاء جسده المنتهك بجوار الكوبري، ليزحف بعدها "فضل" ناهضًا وهو يئن من الألم والانكسار، تلك المرة لم تتبعثر كرامته فحسب، وإنما قُضي على جبروته الزائف، هذا الذي يمارسه على الضعفاء. جرجر ساقيه عائدًا إلى منزله، ووجهه ملطخًا بدمائه، ودموعه الذليلة. هللت "سعاد" في هلعٍ حينما أبصرته على تلك الحالة المشينة:
-يا نصيبتي السودة! إيه ده يا "فضل"؟ حصلك إيه؟
بصوتٍ مرتجف، وجسد لا يتوقف عن الارتعاش رد كاذبًا:
-ما.. مافيش يامه.
استنكرت كذبه المكشوف، وأصرت على معرفة الحقيقة بضغطها اللحوح عليه:
-إزاي مافيش؟ ده إنت متبهدل خالص، وإيه اللي في وشك ده كمان؟
انكمش على نفسه في رهبةٍ عندما امتدت يدها لتلامسه، وقال بحرقةٍ، متجنبًا الجلوس رغم صراخ جسده ليستلقي:
-سبيني يامه السعادي.
رفضت تركه لشأنه، وتبعته إلى الداخل قائلة بعنادٍ:
-لأ مش هاسيبك يا "فضل"، لازمًا أعرف حصلك إيه...
ثم رفعت من نبرتها، ونادت:
-يا حاج "اسماعيل"، تعالى بسرعة، شوف ابنك واللي جراله.
أتى إليها زوجها مرددًا في توجسٍ:
-يا ساتر استر يا رب.
وقعت أنظاره على ابنه، جال ببصره عليه ليفحصه من رأسه لأخمص قدميه، ثم سأله بدهشةٍ مستهجنة:
-إيه ده يا "فضل"؟ من إيه كده يا ابني؟
صرخ في يأسٍ، والخزي مستبد منه:
-يوووه، ما كفاية بقى تحقيق ...
عنفه والده بضيقٍ، وهو يرمقه بتلك النظرة المزعوجة:
-دي جزاتنا إني أنا وأمك قلقانين عليك؟
خبت نبرته العالية، وأخبره بلجلجةٍ، أظهرت فداحة ما يحاول نسيانه:
-مش قصدي يابا، بس.. أصلي.. تعبان، و...
بلع ريقه، ومسح دموع الألم العالقة بأهدابه ليتابع بكذبةٍ بدت لائقة في لحظتها:
-وبعدين.. دول .. حرامية.. أه، هما حرامية طلعوا عليا...
وجد أنها حيلة مناسبة لإقناع أبويه بما تعرض له، بعيدًا عن قص تفاصيل الاعتداء الجسدي المهين الذي خاضه، فاستفاض في سرد كذبته:
-ثبتوني في حتة مقطوعة، وسرقوا اللي كان معايا، وبهدلوني آخر بهدلة، وأنا مكونتش قادرلهم.
هتف "اسماعيل" بوجهٍ تحول للغضب:
-حرامية نواحينا؟ يبقى لازمًا نبلغ المركز.
خشي من افتضاح أمره، فصحح له:
-ما أنا ملحقتش أشوف وشهم، كانوا متلتمين، واتكاتروا عليا، وخدوني غدر.
ربتت "سعاد" على كتفه بحنوٍ وهي تواسيه:
-كبدي عليك يا ابني، منهم لله البُعدة...
تقلصت تعبيراتها، وأضافت توصيه في حزمٍ:
-إنت مش لازم تسكت يا ضنايا، حاول تقعد مع نفسك وتفتكر هما مين، جايز نوصلهم.
تشدق رافضًا بنزقٍ:
-لأ مش عايز.
نظرت له باستغرابٍ، فراوغها في الكذب:
-قصدي يعني أما أفوق الأول، سبيني أروح أغسل جتتي، وأفرد ضهري.
هزت رأسها تستحثه:
-ماشي يا ضنايا، على مهل، وأنا هحضرلك لقمة تاكلها.
استوقفه "اسماعيل" متسائلاً:
-هتعمل إيه مع مراتك؟
قال بنفورٍ وهو يلوح بذراعه في عصبيةٍ جعلته يئن من الألم:
-وده وقته يابا، سيبوني في الهم اللي أنا فيه.
تابعه والده وهو يتوارى عن أنظاره مهمهمًا:
-ماشي براحتك.
بخطواتٍ متمهلةٍ وساقين شبه منفرجتين استمر "فضل" في سيره الحثيث، وصوت همسه المغلول بالكاد يُسمع:
-منه لله الظالم، عرف إزاي يكسر عيني.
..............................................................
أرادت والدتها شرائه خصيصًا له، معلنة عن تكفلها بكامل مصاريفه بعد بيع قطعٍ من مشغولاتها الذهبية، فلا شيء يُقارن برؤية شقيقها جالسًا معهم، ولهذا كلفت ابنتها بتلك المهمة الهامة، فلم تفكر "فيروزة" مرتين، وقضت وقتًا مطولاً -على شبكة الإنترنت- تبحث عن الأماكن التي توفر مثل تلك النوعية الحديثة من الأجهزة الطبية، إلى أن وقع الاختيار على المناسب لحالته الصحية. وبعد اتفاقٍ مسبق مع الصيدلية القريبة من المنزل، وردها اتصالاً هاتفيًا من أحد العاملين بها يخبرها فيه بتوافر الكرسي الكهربي المدولب، ذاك الذي رغبت والدتها في منحه كهدية لـ "خليل".
ارتدت "فيروزة" ثيابها، وتأكدت من هندمة ثياب "رقية" لتشاركها في ابتياعه، ولم تحبذ "همسة" -الماكثة في المنزل- تفويت الفرصة عليها، فأصرت على الذهاب معهما، ليتسابق ثلاثتهن على فعل الخيرات. وقبل أن يصلن للصيدلية، راودت "فيروزة" فكرة فجائية تحمست لها بشكلٍ غير مسبوق، لما لا تعرج في طريقها على الدكان وتلقي التحية على من فيه؟ خاصة مع قرب المكان من الصيدلية. تعاظمت رغبتها في تنفيذ ذلك مع تقدم خطواتها، وأقنعت نفسها بحجة ضعيفة، أنها تفعل هذا لإبداء عرفانها بالجميل، وليس لغرضٍ آخر، هكذا أوهمت نفسها! حمحمت قائلة بنوعٍ من الجدية، وكأنها تستشيرها:
-بأقولك إيه يا "همسة"، إيه رأيك لو عديت على الحاج "بدير" أسلم عليه؟
حملقت فيها بغرابةٍ، فتابعت موضحة لها:
-يعني كتر خيره قايم معانا بالواجب وزيادة، ومراته كمان جت زارتنا من كام يوم، ده غير ما بعتولنا زيارات، وحاجات كتير بصراحة، ها إنتي رأيك إيه؟
رحبت باقتراحها قائلة:
-وماله يا "فيرو"، روحي إنتي، وأنا هاسبقك على الصيدلية مع "كوكي".
ضاقت عيناها وهي تسألها باندهاشٍ:
-هو إنتي مش هاتيجي معايا؟
ضحكت قبل أن تجيبها:
-يا بنتي أنا في وشهم ليل نهار، هما زمانهم زهقوا مني، روحي إنتي وحصلينا.
ضغطت على شفتيها لثوانٍ قبل أن تنطق أخيرًا باقتضابٍ؛ وكأنها لم تكن راضية عن الأمر:
-تمام.
ودعتها بابتسامتها اللطيفة:
-متتأخريش علينا، سلام
انتظرت "فيروزة" في مكانها لبضعة لحظاتٍ حتى غادرت توأمتها المكان مع ابنة خالها، ثم استدارت بعدها متجهة نحو الزقاق الضيق الذي يختصر المسافة إلى الدكان، لو لم يكن الطريق مُبعدًا لصدقت أنها تتعثر في خطواتها، فهناك ربكة غامضة تعتريها كلما دنت أكثر من محيطه، تجبر ساقيها على الالتفاف، حتى خفقاتها لم تعد ثابتة، ازدادت سرعتها بشكلٍ استثار استغرابها؛ ومع هذا لم تكن ممانعة لما يحدث معها. تنفست بعمقٍ قبيل وصولها إليه، لتستعيد انضباط انفعالاتها، ورددت مع نفسها:
-أنا جاية أشكر الراجل، مافيهاش حاجة يعني.
استمرت في إقناع نفسها بهذا، وتقدمت أكثر للأمام، نظرة سريعة خاطفة ألقتها على من هو مرابط بالدكان، لم تتبين وجهًا مألوفًا بين المتواجدين، سوى الحاج "بدير"، فالأخير كان جالسًا كعادته أمام مدخله، تنحنحت مجلية أحبال صوتها، واقتربت أكثر منه لتلقي التحية عليه، وهي تزيح خصلة نافرة سقطت على جبينها إلى خلف أذنها:
-سلامو عليكم يا حاج.
صوتها الناعم الذي يعرفه جيدًا، اخترق الجدران الخرسانية ليصل إليه، وهو يقف بين عماله يحصر ما استلمه للتو من بضائع طازجة، ليستعبد كامل حواسه عن طواعيةٍ ورغبة، مستشعرًا بقوة وخزات الحب وهي تعصف بكيانه. قفز قلبه في صدره فرحًا، كمن يمارس حركات البهلوان باحترافية، التفت يأمر أحدهم، دون أن يركز في هويته:
-كمل باقي الفرز.
خرج "تميم" مستندًا على عكازه، ليجدها تضحك ملء شدقيها، بابتسامةٍ أعطت لعشق الفؤاد سحرًا فريدًا، سحرًا كان وما زال تأثيره عليه مُبينًا. ابتسم عفويًا لضحكتها، وعيناه تهيمان في ملامحها، حركت رأسها ناظرة إليه بنظرةٍ عميقة، احتوت على شيءٍ خاص به، نظرةٌ هائمة، بها أصدق التعبيرات، كانت له وحده، لم يكن ليحلم أبدًا بها، يا لروعة النظرات! ما الذي يريده أكثر من هذا؟ أفاق من سرحانه المتيم في تأملها على صوتها المتسائل:
-إزيك يا معلم؟
حشرجة خفيفة اعتلت نبرته أجلاها سريعًا وهو يرد:
-الحمدلله...
تنحنح يسألها وهو يفرك مؤخرة عنقه:
-إنتي عاملة إيه دلوقتي؟
قالت بنفس الابتسامة المشرقة:
-أحسن الحمدلله ...
ثم وزعت نظراتها بينه وبين أبيه، وهي تواصل القول:
-أنا تعبتكم معايا الفترة اللي فاتت، وقلقتكم.
قبل أن ينطق والده هتف من تلقاء نفسه يعاتبها:
-متقوليش كده، والله أزعل، ده إنتي غالية عندي.
اندهش "بدير" من جملته الأخيرة، ولم تقل دهشة "فيروزة" عنه، فحاول تصحيح زلة لسانه:
-عند .. العيلة كلها.
تابع التغطية على إحراجه بإضافة:
-إنتي هتفضلي واقفة كده يا أبلة، اتفضلي اقعدي، مايصحش مانقومش معاكي بالواجب.
وتراجع خطوتين ليسحب لها مقعدًا خشبيًا وضعه أمامها ليدعوها للجلوس، اعتذرت منه بلباقة:
-وقت تاني، أنا ورايا مشاوير بخلصها.
أصر عليها بعينين لمعت في حزنٍ طفيف لرحيلها المبكر:
-والله ما يحصل ..
أسبل عينيه نحوها، وتسللت من بين شفتيه تنهيدة بطيئة وهو يكمل جملته:
-يعني خليكي معانا شوية، بلاش تحرمينا من طلتك الحلوة.
توردت بشرتها من كلماته المصحوبة بنظراته الساهمة، وتجنبت التحديق في وجهه، لتنظر إلى أبيه قائلة بربكةٍ شبه ملحوظة:
-مش .. عايزة أزعجكم.. إنتو وراكم شغل كتير.
بتعجلٍ أخبرها "تميم" دون تفكيرٍ:
-الشغل يستنى.
نطق "بدير" أخيرًا ببسمةٍ ذات مغزى، وهو يدور بنظراته على الاثنين:
-أه طبعًا، يتعطل عشان الغاليين.
تسربت دفعة من الحُمرة الساخنة إلى بشرتها حرجًا من كلامه المبطن، وقالت ببسمة خجلة:
-شكرًا يا حاج، تتعوض مرة تانية، اعذرني المرادي.
أصر عليها "بدير" إرضاءً لتلهف ابنه الغريب:
-والله أنا اللي هزعل، دول دقيقتين، مش حكاية يعني، مسافة ما الحاجة الساقعة تيجي.
لم ترغب "فيروزة" في رفض طلبه، وباستحياءٍ جلست على المقعد، متحاشية النظر في اتجاه "تميم" الذي اختفى للحظات بداخل الدكان، ليعود إليها وفي يده ثمرة تفاحٍ كبيرة طازجة، لونها مغري للأنظار، وملمسها ناعم على اليد. وضع مقعده مجاورًا لها، ثم قرب يده منه، ليقدمها إليها قائلاً بما يشبه الغزل:
-اتفضلي يا أبلة .. التفاح للتفاح.
رفعت عينيها ببطءٍ لتنظر من على قربٍ إلى ملامحه المشرقة، وهي تشعر أن لون بشرتها قد غدا مثل التفاحة الممسوكة بيده، ابتسامة اعتبرها مغرية تدلت على جانب شفتيها وهي ترد:
-شكرًا، مش جعانة.
وكأنه تناسى ما حوله من مارة، وزحام، وأعين متلصصة، وأنوف فضولية، فطغى الهوى على العقل، وسقط القلب أسيرًا للغرام. عمق "تميم" من نظراته الساهمة، غارقًا في سحر الفيروزتين، أراد إخبارها أنه اقتص لأجلها، ممن أذاها بالقول والفعل، أذله، وجعله يقاسي ما لم يخطر على بال؛ لكنه لم يفعل، أسره في نفسه حتى إشعارٍ آخر، حينما يتجدد اللقاء، وتكشف القلوب عن الأسرار. ابتسم لها، وسألها بعتابٍ رقيق:
-كده هتكسفيني؟
ردت نافية، وجفناها لا يتوقفان عن التحرك:
-لأ، بس أنا...
قاطعهما "بدير" بلهجةٍ جادة، جعلت "تميم" يتدارك نفسه، ويخفض أنظاره في حرجٍ كبير:
-خديها يا بنتي خلينا نخلص.
قالت بنفس الوجه الخجول:
-حاضر يا حاج.
وجه "بدير" حديثه لابنه، يأمره بصرامةٍ، لا تخلو من تحذير موحي:
-وإنت يا "تميم" قوم شوف مصالحك، الناس مابتسبش حد في حالها، وإنت عارفهم أكتر مني.
فهم ما يرمي إليه بنظرة واحدة منه، وقال ساحبًا مقعده معه بضيقٍ:
-ماشي يابا.
ورغم تعابيره الجادة إلا أن صوته كان هادئًا معها وهو يودعها:
-أشوفك على خير يا أبلة.
ردت بإيجاز، وهي تتحاشى النظر إليه:
-إن شاء الله.
انصرف عنهما عائدًا إلى الدكان، مبرطمًا ببعض اللعنات المزعوجة؛ لكن والده كان محقًا في إبعاده عن محيطها في تلك اللحظة، حتى لا يلصق بها ريبًا، فتضر في سمعتها دون مقصدٍ منه، راقبها من زاوية بعيدة، وقلبه يخفق مع ابتساماتها النضرة، تلك التي تتراقص على أوتاره الحساسة. تجددت مناجاته الصامتة، مستحضرًا بقوة في ذهنه، حلمًا يرجو فيه التمتع بنعيم قربها:
-اجعلها من نصيبي يا رب ........................................... !!
.................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم Manal Salem
موعدنا الآن مع آخر فصل قبل التوقف الاضطراري لبعض الوقت، وقريبًا هعاود الكتابة والنشر ...
الفصل السابع والتسعون
لوقتٍ متأخرٍ بعض الشيء، بقى والده منتظرًا انصــراف جميع العمال بالدكان، ولم يكن هذا من عاداته، للانفراد بابنه للحديث معه حديثًا جادًا، وبعيدًا عن الصخب المحيط بهما. تأكد "تميم" من إغلاق أبواب الدكان الداخلية والخارجية، ثم جر المقعد الخشبي في اتجاه أبيه، أسنده إلى جواره، وأراح جسده عليه متسائلاً في اهتمامٍ وهو يركز بصره عليه:
-خير يابا؟ كنت عايزني في إيه؟
أطلق "بدير" زفرة بطيئة من صدره، استطرد بعدها يخبره على مهلٍ، مستخدمًا تشبيهًا ملائمًا، ليبدو مُقنعًا في حُجته:
-قولي يا "تميم"، لو في مرة كده جيت لاقيت أختك قاعدة هنا مكانك، بتتساير مع واحد من المعلمين حبايبنا، وهو واخد راحته أوي معاها، مش مدي اعتبار لحد، ساعتها هتعمل إيه؟
فهم مقصده، والمغزى من وراء كلامه المُعاتب، دون الحاجة للاستفاضة في الإيضاح؛ كان يقصد طاووسه بتوريته عنها، فأطرق رأسه حرجًا منه، وغمغم في ترددٍ:
-أنا..
قاطعه والده بصوته الرزين:
-متقولش حاجة، ولا تبرر..
ظل "تميم" محنيًا لرأسه، بينما استمر أباه في مخاطبته بنفس الأسلوب المتريث العقلاني:
-أنا بس عايز أفهمك، إن اللي مانرضهوش على بناتنا، مانرضاش بيه على بنات الناس.
هز رأسه يؤيده وهو يرمش بجفنيه:
-معاك حق يابا.
وضع "بدير" راحته على كتف ابنه، وضغط عليه قائلاً:
-لو عينك منها، وعايزها، يبقى بالأصول ...
أحس بتدافع دقاته بعد جملته تلك، وزادت حدة باستكماله:
-وندخل بيوت الناس من بابها، مش ننط زي الحرامية.
حمحم في خفوتٍ، متجنبًا نظراته الكاشفة لأمره:
-حاضر.
أومأ "بدير" برأسه في هزة صغيرة، ومدح أخلاقها قائلاً:
-بس هي بنت حلال، وتستاهل كل خير.
وكأن ما قاله عنها راقه، فابتسم "تميم" بتلقائيةٍ، وأخذ يفرك أصابع كفه في توترٍ. ضحك والده مُضيفًا بتسليةٍ، وقد راقه رؤية ابنه متخبطًا:
-لأ وإنت قايم تجيبلها من التفاح الفاخر.
لازم "تميم" الصمت، ووجهه يكسوه تعابيرًا حرجة، فلكزه والده بقليلٍ من القوة في ذراعه، وهو يتابع:
-شكلك متوصي بيها بقى.
تنحنح مجددًا وهو يعقب عليه:
-خلاص يا حاج.
استقام "بدير" واقفًا، وأخبره بلهجته الجادة:
-لكل مقامٍ مقال، وده مش وقته...
ثم أشــار نحو باب الدكان المفتوح، وأمره:
-شِد الباب ويالا بينا، يدوب نلحق الجماعة في البيت.
قال ممتثلاً له بطاعةٍ واضحة:
-حاضر يا حاج.
تحرك في اتجاه باب الدكان المفتوح، أغلقه بقفلٍ داخلي، ثم امتدت يده للأعلى لسحب باب الصاج للأسفل، وانحنى بجذعه لتلامس يده القفل الأرضي. اعتدل في وقفته، واستدار نحو والده ليقول بصوتٍ شبه مجهد:
-بالمناسبة، أنا هسافر كام يوم كده.
ضيق عينيه متسائلاً بدهشة:
-عشان إيه؟
أجابه بردٍ حيادي، لا يثير الشكوك:
-ورايا كام مصلحة لازم انجزهم لناس حبايبي قاصدني فيها من زمان.
سأله بنبرة محققة نسبيًا:
-وماينفعش حد يروح مكانك؟
بإيماءةٍ نافية من رأسه منحه جوابه:
-لأ، صعب .. وبعدين هما متعشمين فيا.
لامه على إصراره بنظرةٍ محذرة:
-سفر وإنت لسه تعبان؟!
أكد عليه وهو يفرد ذراعيه:
-الحمدلله أنا بقيت أحسن ...
اتسعت ابتسامته أكثر وهو يتابع باقي جملته:
-وبعدين يابا الرزق يحب الخفية.
علق عليه ببساطةٍ:
-ماشي، بس إن لبدنك عليك حق.
كرر على مسامعه مؤكدًا وهو يقبل ظهر كفه وباطنه:
-والله أنا كويس يا حاج، الحمدلله في نعمة من ربنا.
حرر والده زفرة بطيئة من رئتيه، وسأله على مضضٍ:
-وسفرك ده هايكون امتى؟
حك "تميم" طرف ذقنه قائلاً:
-لسه مش عارف بالظبط، لما أرتب معاهم.
بوجهٍ ما زال مترددًا بعض الشيء اختتم حواره معه:
-طيب .. ربنا يقدملك اللي فيه الخير.
اقترب "تميم" من والده، وانحنى على كتفه يقبله في تقديرٍ، قبل أن يتحرك الاثنان معًا نحو سيارته التي عاد لقيادتها مؤخرًا، والآمال معقودة في نفسه على إنجاح مسعاه الدؤوب.
........................................................
بحرصٍ مبالغ فيه، تعاون ثلاثتهن على إجلاسه على المقعد المدولب، قبل وضع غطاءٍ رقيق على ساقيه، لتبدأ بعدها "فيروزة" في إرشاده إلى كيفية استخدامه بشكلٍ مبسط، من خلال الكُتيب المرفق معه، فانعكست مظاهر السعادة على محياه. ترقرقت العبرات في عيني "خليل"، ونطق بصعوبةٍ:
-أنا... فرحـ...ان.
رددت "آمنة" داعية له في سرورٍ كبير:
-دايمًا يا رب.
تساءلت "رقية" في مرحٍ، وهي تقفز على ساقي أبيها، لتجلس في حجره:
-كده بابا يعرف يوديني في كل حتة؟
ردت عليها "همسة" بضحكة مبتهجة:
-طبعًا يا "كوكي"، شوفي بقى عايزة تروحي فين.
هتفت مقترحة على الفور:
-الملاهي.
ضحكت "فيروزة" هي الأخرى، واعترضت بلطفٍ:
-مش أوي كده يا "كوكي".
توقفت الابتسامات المرحة عندما نادى "خليل" شقيقته بلسانه الثقيل:
-"آ...آمنة".
على الفور سألته في نبرة مهتمة:
-أيوه ياخويا، عايز إيه واعملهولك؟
أخبرها على مهلٍ، محاولاً ترتيب جملة مفيدة:
-اطـ...لعي.. افتحـ..ي .. الدولاب، وخـ...دي فلـ..وس منه.
تعقدت ملامحها متسائلة في استغرابٍ:
-بتوع إيه؟
أجاب بعد لحظةٍ من الصمت:
-الـ...كرسي
احتجت على دفعه لثمن هديتها، وقالت بعبوسٍ طفيف:
-ودي تيجي يا "خليل"؟
رد بإصرارٍ:
-عشـ...ان.. خاط..ري.
تمسكت برفضها بعنادٍ أكبر منه:
-والله ما يحصل.
اقتربت "فيروزة" منه، وأخبرته هي الأخرى بابتسامةٍ ودودة:
-لأ يا خالي، دي هدية ماما ليك، عايز تزعلنا ولا إيه؟
رفع أنظاره نحوها، وقال بعينين تلمعان بندمه:
-بس.. كده... كتـ..ير.
حافظت على ابتسامتها الرقيقة وهي ترد:
-مافيش حاجة تكتر عليك.
بدت حدقتاه وكأنهما تحتجزان الدموع فيهما، أطرق رأسه شاعرًا بالأسف، قبل أن يحرك شفتيه ليقول:
-أنا.. ما..ستهلـ..ش ده منــ...كم.
لم تحبذ "فيروزة" التطرق للذكريات الحزينة التي عاشتها على يد خالها، وأخبرته وهي تدفن رواسبها الأليمة في أعماقها:
-خلينا ننسى اللي فات، وبعدين "كوكي" عايزة تتفسح، مين هيفرجها على كل الأماكن الحلوة غيرك؟
منحها نظرة نادمة عبرت عن مدى شعوره بالخزي من تصرفاته العنيفة معها فيما مضى، لو كان بقدرته إعادة عجلة الزمن للوراء لما تردد لمحو ما تسبب فيه من ضرر نفسي وبدني لها. تحولت أنظاره نحو توأمتها التي استطردت قائلة:
-أنا اتفقت مع "هيثم" يجيب عمال يعدلوا في السلم، بحيث يبقي سهل تطلع وتنزل عليه من غير ما حاجة تحوشك.
سألها في عدم تصديق، وقد فشل في السيطرة على دموعه:
-كــ..ل ده.. عشــ..اني؟
قالت "آمنة" بوجهها البشوش وهي تتحرك لتقف خلفه:
-إنت راجلنا دلوقتي يا "خليل"، ربنا يخليك لينا، ولبنتك.
بصوت غص بالبكاء كرر اعترافه:
-سـ...امحـ...وني، أنا جــ..يت .. علـ...يكم أوي.
ربتت "آمنة" على كتفي شقيقها بحنوٍ، ومالت عليه لتقبل رأسه وهي تخبره:
-عفا الله عما سلف ...
اعتدلت في وقفتها وصاحت وهي تتجه نحو الطاولة لتأتي بطبق الحلوى الشرقي الذي أعدته سلفًا:
-سبونا من الزعل، ويالا عشان تكلوا لقمة القاضي، أنا عملاها حكاية.
هللت "همسة" في حماسٍ، وكلتا يداها تتسابقان لاختطاف أكبر قدر من حلواها الشهية:
-طول عمرك أستاذة في الطبيخ يا ماما.
حذرتها "فيروزة" بنوعٍ من المزاح:
-طب بالراحة، مش عايزين يطلعلك بدل الكرش اتنين.
ضحكوا جميعًا على طرفتها، فتجهت تعابير توأمتها قليلاً، ومع هذا استمرت في دس الحلوى في فمها، وتناولها باشتهاءٍ سعيد.
..................................................................
كلما اختلى بنفسه، كلما تذكر إهانته وإذلاله، بالرغم من انقضاء بضعة أيام على الاعتداء عليه، إلا أنه لم يتجاوز بعد شعوره بالخزي والمذلة. ما زالت ذكراته تنتعش وتشرد بتذكر تفاصيل المشهد؛ وكأنه حدث بالأمس، حينما انسحق وجهه في نتوءات الجليد المتجمد على جدار غرفة التبريد بالدكان الذي احتجز به، قاوم آنذاك الأيادي المتطاولة عليه وهي تصفعه بعنفٍ على صدغه ومؤخرة عنقه. صوت صرخاته انفلت حينما شعر بلسعات مؤلمة تصيب عجيزته وظهره بشيء حاد، فعلى ما يبدو وجد "تميم" واحدة من خشب الخيرزان الرفيع ليبرحه ضربًا بها، والأخير لم يبخل في تلقينه درسًا قاسيًا. زادت حدة الألم غير المحتمل مع انتقال الضربات الموجعة إلى موطن فخره، فنالت الالتهابات والجروح من معظم جلده، وأصبح عاجزًا عن الاستلقاء أو الجلوس، وبقي غالبية الوقت واقفًا ليتجنب وخزات الألم الحادة. تعافى "فضل" قليلاً، وما زال جسده يحتفظ بآثار الاعتداء ليُذكره بأن إذلاله لم يكن هينًا، صوت الضحكات الهازئة به أيضًا ما زال يتردد في أذنيه، خاصة مع لمحه لومضاتٍ سريعة خاصة بأحد الهواتف، لالتقاط صورًا فاضحة له لضمان اكتمال إذلاله، وكسر شوكته، فلا يجرؤ على رفع صوته، أو الشكوى، أو حتى التطرق إلى ذلك مُطلقًا، وقد كان .. بقي ذليلاً، كسير النفس، شعوره بالخزي والمهانة يتضاعف مع مرور الوقت. نفخ الهواء في زفيرٍ طويل، وغمغم مع نفسه وهو يفرك كفه بالآخر، أثناء جلوسه -مائلاً إلى حد ما بجسده- على المصطبة:
-عرفت تذلني صح، وماتخلنيش أعرف أرفع عيني فيك، ولا أوري وشي لمراتي ولا غيره.
تجسد طيف وجه "فيروزة" في مخيلته، وتابع حديث نفسه، مُلقيًا بكامل اللوم عليها:
-كل ده بسببها هي.
صر على أسنانه يتوعدها:
-آآآخ لو كنتي تحت إيدي.
شعر بطنينٍ في أذنه أخرجه من سرحانه الدائم، ليحدق أمامه في وجه والده الذي زجره بصبرٍ نافذ:
-إنت مش سامعني يا "فضل"؟
رفع بصره إليه، وسأله بفتورٍ سمج:
-أيوه يا حاج، في حاجة؟
صاح به "اسماعيل" بضجرٍ كبير:
-إنت هتفضل قاعد كده مبلط في البيت لا شغلة ولا مشغلة؟ الناس تقول عنك إيه؟
علق في سخطٍ، وهو يلوي شفتيه:
-وقعدتي دي مضايقة الناس في إيه؟
جاءه تعقيبه المستريب:
-يا ابني إنت داخل فوق الـ 10 أيام قاعد فيهم هنا، مش بعوايدك يعني.
زفر عاليًا، قبل أن يرد بنبرة متبرمةٍ:
-بأريح يابا، على طول بشقى، مافيهاش حاجة لما أخدلي كام يوم أفرد فيهم جتتي.
سأله والده مستفهمًا:
-وموضوع مراتك؟
انقلب وجهه أكثر وهو يبادله السؤال:
-مالها سُخام البرك دي؟
انزعج من إهانته لها، ومع ذلك تجاوز عن تلك النقطة ليسأله مستوضحًا:
-هتعمل معاها إيه؟
بسماجةٍ أخبره:
-هي مش أمي راحتلها تطيب خاطرها بكلمتين؟ خلاص بقى، مش ناقص خوتة على الفاضي، ما تعملهاش شغلانة.
عنفه بحدةٍ، وقد اختلجت حمرة غاضبة تعابيره:
-ده إنت اللي غلطان في حقها، وحالتها وحشة وآ...
قاطعه بعدم اكتراثٍ:
-يابا سيبك منها، دي ولية تجيب النكد.
توجهت أنظارهما نحو "سعاد" التي جاءت تجرجر ساقيها في ثقلٍ؛ وكأنها تحمل فوق ظهرها أثقالاً، تساءل زوجها أولاً بما يشله القلق، وهو يتفرس ملامحها الواجمة:
-مالك يا "سعاد"؟ سحنتك مقلوبة ليه إنتي التانية؟
ركزت عينيها مع ابنها، وخاطبته بصوتٍ اكتسب رنة حزنٍ:
-مراتك سقطت اللي في بطنها يا "فضل".
هتف "اسماعيل" مصدومًا:
-لا إله إلا الله، لطفك يا رب.
على عكسه بدا "فضل" غير مبالٍ، وقال بجمودٍ؛ وكأن خسارة الجنين ليس بالخطب الجلل:
-أحسن، خدت إيه من خلفتها يعني!!
هدر به والده في حرقةٍ:
-يا ابني إنت جبلة؟ اللي نزل ده من صلبك!
التفت يقول بنفس الأسلوب اللزج:
-نصيبه بقى، هعمل إيه يعني؟
علق "اسماعيل" رأس عكازه على ذراعه، وضرب كفه بالآخر مرددًا في نبرة بائسة متحسرة:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، استعوضت ربنا فيك وفي تناحتك.
جلست "سعاد" على المصطبة الخشبية، وأضافت في تحيرٍ:
-الواحد مش عارف ياخد بخاطرها إزاي، دي يا حبة عيني آ...
قاطعها "فضل" بأسلوبه المتنمر:
-يامه سبيك منها، متعمليش ليها قيمة، كده هتخليها تركب وتتنطط علينا.
استدارت ترمقه بنظرةٍ حادة، لتوبخه بعدها:
-ياخي ده بعدها عنك غنيمة، فالح تخلينا ناخد عدوات مع الناس.
رد بسخافةٍ أكبر:
-والله إنتي اللي ما عارفة تتعاملي مع الأشكال اللي زي دي.
انتفضت "سعاد" واقفة، وحدجته بنظرة مستاءة قبل أن تقول بتجهمٍ:
-أنا داخلة جوا بدل ما أقعد أسمع كلام يحرق الدم.
رسم ابتسامته اللزجة على ثغره، واستطرد:
-براحتك يامه.
تمهل في مخاطبة أبيه ريثما تغادر والدته المكان، ونهض واقفًا ليقترب منه، ثم تشدق قائلاً:
-بص يابا، أنا عايز أغير عتبة، والبت "سها" بقت فقر عليا، وجيبالي الهم.
سدد له نظرة محتدة قبل أن يزيد في تعنيفه المنزعج منه:
-شوف أنا بكلمه في إيه، وهو بيقول إيه؟!!
استقام في وقفته؛ لكن آلام جسده جعلته يعاود الانحناء، ثم بلع ريقه، وأخبره بما شبه التفاخر:
-أنا راجل، وأقدر أفتح بدل البيت اتنين وتلاتة...
توقف لهنيهة ملتقطًا أنفاسه ومراقبًا لردة فعله، ثم استأنف بعدها:
-وطالما مش مرتاح مع وش البومة دي، ليه ماتجوزش اللي تدلعني، وتشوف طلباتي؟
قست نظراته متسائلاً بنبرة لائمة:
-هي مراتك قصرت في حاجة؟ ده إنت جاي عليها أوي يا "فضل، ده بدل ما تقف جمبها وآ...
قاطعها ناعتًا إياها بعصبيةٍ:
-دي ولية نكد، وماتتعشرش..
ثم تقوست شفتاه عن ابتسامة ماكرة وهو يضيف:
-وبعدين الجديدة مش هتكلفني كتير، أخرها أوضة نوم عمولة، وكام هِدمة جديدة.
رمقه والده بنظرة احتقارية طالته من رأسه لأخمص قدميه قبل أن يهتف به:
-تصدق الكلام معاك يفور الدم.
همَّ بالتحرك مبتعدًا عنه؛ لكن صوتًا عاليًا استوقفه في مكانه حينما ناداه:
-حــــاج "اسماعيل".
تنحنح مصدومًا لحضور والد "سها"، وقال بلجلجة محسوسة في صوته:
-يا أهلاً وسهلاً.. بالغالي، لسه.. كنت بتكلم مع ابني، وبأقوله.. لازمًا نروح ناخد بخاطر.. الغالية مراته، وآ....
قاطعه بتشنجٍ، وبانفعالٍ كبير:
-لا مرواح ولا مجي، ومعنتش عايز كلام ولا سلام، احنا نفضنا من الجوازة الهم دي.
حفظًا لماء وجهه، رجاه "اسماعيل" بهدوءٍ، عله يمتص غضبه المندلع:
-الكلام أخد وعطا، اسمع بس يا حاج، واقعد مش هنتكلم على الواقف.
تجاهل استجدائه الضمني، ورفع إصبعه في وجهه ينذره:
-خلي ابنك يطلق بنتي بالذوق، بدل ما أعمل فيه محضر أبهدله، ده عشان العِشرة القديمة.
لعق شفتيه، واستعطفه:
-طب بس آ...
قاطعه بنفس الأسلوب الحاد:
-ومافيش سلامو عليكم.
انصرف الرجل مغمغمًا بكلماته الناقمة، فالتفت "اسماعيل" نحو ابنه يعنفه بغضبٍ:
-مبسوط دلوقتي؟
بدا منتشيًا من الأمر؛ وكأنه جاء على أهوائه، فعلق بسعادةٍ غريبة:
-جبت من عندهم، بكرة أتجوز ست ستها وأكيدها.
نظر له بنظراتٍ احتقارية، وردد في استهجانٍ وهو يتحرك مبتعدًا عنه:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، فوضت أمري فيك لله.
................................................................
جاء لرؤيتها في منزلها بعد انتهائه من استخراج إعلام الوراثة الخاص بزوجها الراحل، كان يسعى جاهدًا لتعويضها عما لاقته في غربتها، إيمانًا منه أنها تستحق الأفضل بعد تجربتها المؤلمة، لولا سوء حظها لكانت حظت بشريكٍ آخر غير "آسر"، فتذوقت معه رحيق الحب وتنعمت في ملذاته. ارتشف "ماهر" بضعة رشفاتٍ من فنجان قهوته، وعاد ليحدق بها وهي تتطلع إلى الورق الرسمي الذي قدمه لها بعد إنهائه للإجراءات القانونية بناءً على تفويضها الرسمي، تنهدت قائلة بغير رضا:
-برضوه يا "ماهر" بيه؟ مكانش في داعي.
رد بهدوءٍ:
-أيوه يا "فيروزة"، ده حقك الشرعي، ماينفعش ماتخديهوش.
أخفضت نبرتها لتخبره:
-حضرتك عارف الفلوس دي مصدرها إيه وجاية منين.
خبت نبرته هو الآخر عندما علق عليها:
-وأنا قولتلك قبل كده إنها من أملاكه اللي ورثها عن أهله ...
التوى ثغره بتعبيرٍ منزعج وهو يستكمل كلامه، ليوضح لها الصورة كاملة:
-يعني قبل ما يتلط في الشغلانة الهم اللي كان فيها.
لفظت دفعة من الهواء الثقيل عن رئتيها، وهمهمت في ترددٍ:
-مش عارفة أقول لحضرتك إيه.
أراح ظهره للخلف بعد أن أمسك بفنجانه، ونصحها مبتسمًا:
-ابدأي من جديد، وعيشي حياتك، الدنيا مابتقفش على حد.
أومأت برأسها قائلة:
-ربنا ييسر اللي فيه الخير.
لانت نبرته قليلاً وهو يرجوها:
-أنا بس عايز أطلب منك طلب، ده شيء شخصي شوية.
انعقد حاجباها إلى حدٍ ما في توجسٍ وهي تبدي ترحيبها:
-اتفضل، تحت أمرك.
أشار بسبابته مشددًا عليها:
-مهما حصل ماتخليش "علا" تعرف، مافيش داعي نتكلم في حاجة انتهت.
بلعت غصة الألم في جوفها، وأكدت له بابتسامةٍ مصطنعة، خبأت ورائها جراحًا لم تندمل بعد:
-أنا لسه على اتفاقي معاك يا "ماهر" بيه، اطمن.
ترك فنجان قهوته في الصينية، واستقام واقفًا، ثم تطلع إليها قائلاً بجديةٍ:
-عمومًا أنا موجود في الخدمة، ورقمي معاكي، وقت ما تعوزي أي حاجة اطلبيني على طول، ماتكسفيش مني يا "فيروزة".
وقفت هي الأخرى لترد عليه ببسمةٍ صغيرة:
-حاضر.
وقفت والدتها عند أعتاب غرفة الصالون وفي يدها طبقًا من الحلوى، تقدمت نحوه قائلة:
-اتفضل يا بيه، حاجة بسيطة كده يا رب تعجبك.
اعتذر من جودها بلباقةٍ:
-شكرًا يا حاجة، أنا يدوب هامشي.
اعترضت هاتفة:
-ما لسه بدري؟ ده احنا ملحقناش نعمل مع سيادتك الواجب؟
أصر على ذهابه بقوله المهذب:
-تتعوض وقت تاني، عشان ورايا شغل، عن إذنكم.
تنحت "آمنة" للجانب لتسمح له بالمرور، وتبعته "فيروزة" لتودعه وهي تقول من خلفه بودٍ:
-شرفت وأنست يا "ماهر" بيه.
......................................................
-خلاص يا ابني جهزت حاجتك؟
تساءلت "ونيسة" بتلك العبارة وهي تلقي نظرة متفحصة على الحقيبة التي امتلأت عن آخرها بثياب ابنها، ساعدته في غلق السحاب، بعد وضع جوربًا نظيفًا في الجيب الأمامي لها. جلست على طرف الفراش، وراقبته وهو يحمل الحقيبة ليضعها بجوار دولابه. التفت "تميم" ناظرًا إليها ليرد بتنهيدة شبه متعبة:
-أيوه يامه، الحمدلله.
سألته في استغرابٍ حائر وهي تضع إصبعيها على طرف ذقنها:
-بس لازمتها إيه الهدوم دي كلها؟ هو إنت مهاجر على طول؟
ابتسم مبررًا لها بوجهه السَمح:
-عشان لو الهدوم اتبهدلت مني، مش معقول هالبس حاجة مش نضيفة؟
علقت بتبرمٍ:
-أنا مش فاهمة يعني، ناس مين دول اللي مش قادرين يمشوا الشغل من غيرك؟!
ببساطة أتاها رده:
-يا ستي حبايبي كتير، ووقت ما بتزنق واحتاج حد فيهم، بلاقيه في ضهري.
كان محقًا في هذا، فحينما تعرض لأزمته الأخيرة وجد عددًا من أصدقائه يقفون إلى جواره، يشدون من أزره، ويتسابقون في تلبية طلباته، مسحت "ونيسة" بيدها على ظهره في رفقت، وهتفت داعية له:
-ربنا يوقفلك ولاد الحلال، ويكفيك شر الطريق.
أمسك بكفها واحتضنه بين يديه وهو يرجوها:
-أيوه يامه ادعيلي.
قالت بعينين لامعتين:
-دعيالك والله، لساني مابيبطلش.
مال "تميم" على كتف أمه يقبلها منه، فأكملت في صوتٍ شبه خافت:
-وعقبال ما يكرمك ببنت الحلال اللي تستاهلك.
رفع رأسه لينظر إليها بابتسامة تفترش ثغره، وعيناه تنشدان استجابة قريبة من المولى لمناجاته المتواصلة، هسهس مؤمنًا عليها بين جوارحه:
-يـــــا رب.
..........................................................
بعد وقت الظهيرة بقليل، خرجت كلتاهما معًا، تمشيان الهوينا، وتتأبطان ذراعيهما، على الرصيف الذي يعج بمحال شراء الثياب المختلفة، والقريب من طريق الكورنيش. ألقت "فيروزة" نظراتٍ خاطفة على الواجهات المزدحمة بأحدث ما أنتجته بيوت الأزياء والموضة العالمية، تساءلت وعيناها معلقتان على إحدى البلوزات اللامعة:
-مقولتليش بقى رايحين فين؟
سحبتها "همسة" للأمام؛ وكأنها تجرها، بعد أن تباطأت في سيرها، لترد بغموضٍ:
-هتعرفي، احنا قربنا نوصل خلاص.
أدارت توأمتها رأسها نحوها، وحذرتها بلهجةٍ لم تكن متساهلة:
-بلاش تمشي كتير، الدكتور منبه عليكي، مش عايزينك تتعبي مننا.
قالت في تذمرٍ:
-هو أنا بقيت بأعمل حاجة أصلاً، الشهادة لله "هيثم" شايل عني كتير طول ما هو في البيت، وفي الفترة اللي مش موجود فيها بأخد بالي من مامته.
لمحة من السرور انطبعت على صفحة وجهها وهي تخاطبها:
-ربنا يجعل تعبك معاها في ميزان حسناتك.
-إن شاء الله ..
تابعت الاثنتان السير المتهادي إلى أن هتفت "همسة" بحماسٍ، ويدها تسبقها في الإشارة نحو أحد المحال:
-وصلنا.
حملقت "فيروزة" بدهشةٍ متعجبة في المعروضات المعلقة على جانبي المحل، والتفتت تسألها بتعابيرٍ مليئة بعلامات الاستفهام:
-إنتي هتجيبي إيه من هنا؟
سحبت شقيقتها نفسًا عميقًا عبقت به صدرها، قبل أن تطرده، لتقول بعدها بكلماتٍ متأنية:
-بصي يا ستي، أنا بصراحة كده مكسوفة أوي من نفسي، يعني ربنا –سبحانه وتعالى- كرمني بحاجة، مكونتش متخيلة إنها تيجي كده على طول، من غير تعب ولا انتظار، ولا حتى مشاكل، فإزاي أبقى مقصرة معاه وهو كان كريم معايا؟
انفرجت شفتاها متسائلة في دهشة أكبر:
-إنتي ناوية آ...
بادرت "همسة" بإتمام باقي جملتها عنها، بإعلانها الصريح والواثق:
-أتحجب.
سألتها في ذهولٍ:
-بجد؟
أكدت بابتسامة ارتياحٍ:
-أيوه، وعقبالك إنتي كمان يا "فيرو".
نظرت لها بعينين أظهرت افتخارها بها، وقالت بعد لحظة استغرقتها في التفكير:
-تعرفي، طول عمرنا بنعمل كل حاجتنا سوا، ودي أول مرة تسبقيني فيها بالتفكير في حاجة.
ضحكت وهي تعلق عليها:
-مرة من نفسي.
ضيقت "فيروزة" عينيها، وقالت بإيماءة من حاجبها:
-بس مش هاسيبك لوحدك، هتحجب معاكي.
شهقة غبطة انفلتت من جوفها، كتمتها بكلتا يديها، قبل أن تخفضهما قليلاً، لتسألها بقلبٍ يدق في بهجةٍ عظيمة:
-بتكلمي جد؟
جاءها جوابها مقتضبًا وحاسمًا:
-أيوه.
احتضنتها دون تمهيدٍ، وعبراتٍ فرحة تتسلل إلى مقلتيها، ظلت تضمها إلى صدرها وهي تتمتم بنفس النبرة السعيدة:
-الله، أنا فرحانة أوي أوي، ربنا ما يحرمنا من بعض.
تراجعت عنها "فيروزة" لتنظر إلى وجهها الضاحك الباكي وهي تقول في حرجٍ:
-طب بس بقى عشان الناس بتتفرج علينا.
هتفت غير مبالية وهي تعاود احتضانها:
-يتفلقوا، فرحتي بيكي أكتر من فرحتي بنفسي.
................................................................
بداخل غرفة العمليات المعقمة، استلقى بظهره على الطاولة الطبية التي تنتصف المكان، وهو يشعر بدفعة من التوتر الكبير تجتاح جسده. حُجته المرتبة لإقناع عائلته أنه مسافر لبعض الوقت لاقت مردودًا طيبًا، ولم يستريب أحدهم في أمره. تأكد بعدها من نقل حقيبته التي ضبها لمنزل زيجته الأولى؛ كان الاختيار المناسب للمكوث به خلال فترة تعافيه القادمة، وملأ الثلاجة بما قد يحتاج إليه من طعام ولا شراب يكفيه لمدة أطول، فلا يضطر للنزول وهو في حالته تلك. ابتلع "تميم" ريقه في حلقه الجاف، محاولاً الحفاظ على انضباط أعصابه القلقة، وتابع بنظراتٍ شبه مراقبة ما يدور حوله من حركة دقيقة للتأكد من تجهيز ما يلزم لإجراء عمليته الجراحية. أقبل الطبيب عليه وهو يخفي معظم وجهه بقناعه الطبي، سأله بنبرته الهادئة:
-جاهز يا أستاذ "تميم"؟
قال وهو يدير رأسه في اتجاهه:
-إن شاءالله.
تابع مطمئنًا إياه:
-مش عايزك تقلق، الموضوع بسيط، وبأمر الله يعدي على خير.
غمغم بنبرة شابها القليل من الاضطراب:
-الله كريم.
عاد ليسأله وهو يوليه ظهره:
-في حد مستنيك لما تخلص؟
بعد لحظة من التفكير جاوبه:
-أنا مرتب أموري.
استدار ينظر إليه مرة أخرى وهو يملي عليه نصائحه الجادة:
-تمام، وأنا عايزك تلتزم باللي قولتلك عليه بعد العملية، ويا ريت تخف موضوع التدخين ده كمان، لأن ليه تأثيره على إنتاج الـ Sperms، وأكيد مش عايزين حاجة مضرة زي دي تبوظ اللي بنعمله.
ضم شفتيه في اعتراضٍ ملحوظ، وتكلم بعد هنيهةٍ:
-هشوف الموضوع ده بعدين، نخلص بس من الحاجة الأولانية، ونشوف اللي بعدها.
هز رأسه في تفهمٍ، واقتضب قائلاً:
-مافيش مشكلة.
بعد نفسٍ عميق سحبه إلى داخل صدره، أرخى "تميم" عضلاته المتشنجة نوعًا ما، وحملق في الإضاءات القوية التي تعتلي رأسه. ردد بصوتٍ خفيض، وهو يطبق على جفنيه، مستحضرًا في ذهنه طيف وجهها المبتسم في نعومة ورقة، حينما التقاها في مرته الأخيرة:
-توكلت على الله ...................................................... !!
.....................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثلاثون 30 - بقلم Manal Salem
مساءكم فل بأمرالله..
يا رب يكون الجميع بخير، الأجازة البسيطة الخاصة بالتوقف كانت لاستكمال كتابة فصول رواية #لتكُن_لي_غُفرانًا ومراجعتها وتدقيقها قبل تسليمها لدار النشر بالموبايل، والحمدلله خرجت للنور وأصبحت متاحة في إبداع بوك ستور بوسط البلد بالقاهرة، وكذلك معظم المكتبات الآن.
حرفيًا أنا مخدتش أجازة، بالعكس الشغل مابيخلص ومطلوب من الواحد حاجات تانية كانت تتعمل، وبعض الظروف جدت أصابت الواحد بالإحباط والحزن، لكن الحمدلله كل شيء بيعدي.
عشان مطولش أنا كتبت فصل النهاردة برضوه بالموبايل ، وحقيقي الموضوع بالنسبالي مرهق جدًا عشان اكتب بصوباع واحد، وأفضل أنسق وأراعي عدم وجود أخطاء إملائية على قدر المستطاع.. بس إن شاء الله نواظب على النشر والمفاجآت بعد تطور الأحداث.
قراءة ممتعة مع الفصل ❤️🌹
الفصل الثامن والتسعون
تأويهة متألمة وجدت طريقها من بين شفتيه المنفرجتين قليلاً، وهو يدير رأسه بحركة لا إرادية للجانبين، ليجبر عقله على الإفاقة من الغيبوبة الغارق فيها. صوتًا مبهمًا، ظل يناديه لبضعة مرات، مما دفع إدراكه للتيقظ الكامل. وبثقلٍ ملحوظ على جفنيه جاهد "تميم" لفتحهما؛ كانت الرؤية مشوشة في البداية، بدا من يُحادثه -بلطفٍ وعن قربٍ- طيفًا غير واضح المعالم؛ لكن سرعان ما لبث أن ظهرت قسماته بوضوحٍ تدريجي، حتى تبين له أنه وجه طبيبه المعالج هو من يخاطبه. نطق الأخير بابتسامةٍ بشوشة بعد أن وجد منه استجابة معقولة:
-حمدلله على سلامتك يا أستاذ.
سأله "تميم" بصوته الذي ما زال ثقيلاً:
-إيه أخبار العملية؟
أجابه بنبرة مطمئنة:
-الحمدلله تمت على خير، وإن شاء الله مع استمرار المتابعة والعلاج تحقق نتيجة كويسة.
تقوست شفتاه عن ابتسامةٍ متعبة وهو يعلق عليه:
-الحمدلله، كله خير من عند ربنا.
سأله الطبيب مستفهمًا من جديد:
-في حد منتظرك عشان يوصلك لبيتك؟
صمت لبرهةٍ قبل أن يأتيه جوابه محايدًا:
-أنا مظبط أموري.
هز رأسه في استحسانٍ:
-طيب تمام، وحمدلله على سلامتك .
همَّ بالتحرك؛ لكنه توقف في منتصف المسافة ليسأله بفضولٍ:
-مين "فيروزة" دي اللي كنت عمال تنادي عليها وإنت في الإفاقة؟
تبدلت قسماته المرهقة للضيق والحرج، ولاحظ الطبيب ذلك التغيير المرئي على ملامحه، فاعتذر منه بلباقةٍ:
-مقصدش اتطفل على أمورك، عن إذنك.
لم يعقب عليه "تميم" واكتفى بنظرة مزعوجة سددها له، ثم أشاح بوجهه بعيدًا عنه ليحملق في السقف، ولسانه ينطق سرًا بأملٍ يزداد مع مرور الأيام:
-دي اللي هاتجوزها إن شاء الله.
..............................................
التفافة نصف دائرية بمقود سيارته جعلته ينحرف عن الطريق الرئيسي المزدحم بالعربات إلى آخر أقل زحامًا. صف "سراج" سيارته – الربع نقل- بمحاذاة الرصيف، وترجل منها ليستند بظهره على الباب، وهاتفه موضوع على أذنه. بدا وجهه متجهمًا وهو يخاطب المتصل:
-يا حاج "عوف"، احنا متفقين على السعر معاه من بدري، مايجيش دلوقتي ويغير الكلام عشان احنا في وقت زنقة، دي مش أصول شغل؟!
ظلت تعابيره غائمة وهو ينصت إليه قبل أن يستأنف مكالمته معه:
-أنا هاخد التوريد منه المرادي، بس مايزعلش لما أدور على غيره، وأخد البضاعة اللي أنا عايزها بسعر أقل.
كان صوت زفيره مسموعًا قبل أن يكمل:
-يا حاج كلامك فوق راسي، بس الشغل شغل.
بنفس التعابير المتجهمة اختتم الاتصال بقوله:
-ماشي يا حاج "عوف"، على تليفون، مع السلامة.
ظل "سراج" يغمغم بكلماته المتبرمة وهو يستدير نحو مقدمة سيارته. لمح على مدى بصره – مصادفة، آخر من توقع رؤيته على الجهة المقابلة، يرتدي على غير العادة جلبابًا، ويسير على مهلٍ وبخطوات شبه متباطئة، وهو مستند بكف يده على الحائط. تلقائيًا ردد لسانه في دهشة:
-معلم" تميم"!
انعقد حاجباه متسائلاً:
-هو بيعمل إيه هنا؟!
دون إضاعة الوقت في تخمين سبب تواجده عند المركز الطبي الشهير، عبر الطريق متجهًا إليه وهو يناديه عاليًا ليلفت انتباهه إليه:
-معلم "تميم".
استدار الأخير برأسه ناحية مصدر الصوت المألوف، وعلامات الدهشة مرسومة على قسمات وجهه. بدا غير مستريحٍ لرؤيته، على الأحرى مصدومًا لتواجده، وسأله بوجوم:
-"سراج"، بتعمل إيه هنا؟
أجابه بنفس النبرة المتسائلة:
-ده أنا كنت جاي أسألك نفس السؤال يا معلم، خير في حاجة؟
لاحظ "سراج" تقلص عضلات وجه "تميم"، وظهور الإعياء عليه، فسأله في توجسٍ:
-إنت كويس، فيك حاجة؟
جاءه رده عائمًا:
-الحمدلله.
زادت الشكوك بداخل "سراج" عندما وجده يستند على الحائط ويحاول هبوط الدرجات بحذرٍ شديد. بادر بتقديم المساعدة له وهو يصر عليه:
-هات إيدك يا معلم.
لم يتردد في الاستناد عليه بعد انتهاء امتداد الحائط الحجري، اتكأ "تميم" على ساعده إلى أن هبط عن كامل درجات السلم الرخامية، فطلب منه وهو يشير برأسه:
-وقفلي تاكسي.
اعترض بإصرارٍ:
-ودي تيجي؟ العربية موجودة هناك أهي.
هز رأسه بالرفض، فدقق "سراج" النظر في ملامحه المتعبة، وسأله في قلقٍ:
-يا معلم "تميم" إنت كويس؟ طمني عليك بس، لو في حاجة قولي، وأنا أساعدك.
شكره بوجهه الشاحب:
-كتر خيرك...
ثم ادعى كذبًا، ليتجنب أسئلته التحقيقية:
-أنا مافياش حاجة.
اقترح عليه الأول باهتمامٍ:
-طب أوديك عند الجماعة؟
راح "تميم" يخبره برفضٍ قاطع؛ وكأن في حدوث هذا كارثة كبيرة:
-لأ.
تعقدت تعابير "سراج" باستغرابٍ، فأوضح له "تميم" بوجهٍ متقلص من الألم الذي يعانيه:
-أنا رايح مكان تاني، وقفلي تاكسي الله يكرمك.
استمر على اعتراضه المستنكر قائلاً:
-تاكسي إزاي وإنت في الحالة دي؟!
أشار له بذراعه مكملاً إصراره عليه:
-تعالى بس وأنا هوديك مطرح ما إنت عايز.
لم يستطع المناص منه، لذا رضخ لإلحاحه وسار معه بخطواته المتمهلة نحو سيارته، وبحرصٍ مبالغ فيه جاهد ليستقر في المقعد كاتمًا أنينه قدر المستطاع. لم يتطفل عليه "سراج"، واحتفظ بأسئلته الفضولية داخل نفسه، وما إن وجده قد جلس أخيرًا حتى بادر بسؤاله:
-على فين العزم؟
أجابه مشيرًا بعينيه للأمام:
-اطلع على بيتي القديم.
حل المزيد من الدهشة على قسماته، ومع هذا لم يطرح أي أسئلة مزعجة عليه، بل كبت فضوله، وقال مبتسمًا:
-ماشي يا معلم "تميم".
......................................................
شعرت بنفحات خفيفة من الهواء الساخن تضرب جانب صدغها، فدفعتها للانتباه من غفلتها المؤقتة، واستعادة إدراكها الحسي بما حولها. فتحت "همسة" عينيها بتكاسلٍ وهي تدير رأسها في اتجاه مصدر الهواء الغريب، انتفضت ناهضة من رقدتها في فزعٍ انعكس على كامل ملامحها، حينما رأت "بثينة" تنظر لها عن قربٍ مخيف. اعتدلت ناظرة إليها في توجسٍ حائر، زادت انتفاضتها مع شعورها بقبضةٍ محكمة على رسغها، انخفضت نظراتها نحو يدها المتشبثة بها، وخفقات قلبها تتسارع. استلت ذراعها بحذرٍ من قبضتها برجفة خفيفة، وأرجعت ظهرها للخلف لتلصقه بعارضة الفراش وهي تسألها بصوتٍ ظهر مهتزًا:
-اعملك حاجة يا طنط؟
بالطبع لم يكن من المتاح أن تجيبها لظروفها الحالية؛ لكن نظراتها الغامضة نحوها أوحت لها بشيء مخيف. ازدردت ريقها في توترٍ محسوس، ولعقت شفتيها متابعة كلامها الموجه إليها:
-ده آ... "هيثم" زمانه جاي، و... آ هيقعد معاكي.
حدجتها "بثينة" بنظرة أكثر غرابة عن ذي قبل، فحاولت الظهور بمظهرٍ متماسك أمامها، وأضافت:
-تحبي نستناه سوا؟
استمرت في تحديقها بها للحظاتٍ قبل أن تنصرف بعدها، وهي تغمغم بلسانٍ لا ينطق إلا بكل ما هو مبهم. تنفست "همسة" الصعداء، وارتخت عضلات جسدها المتشنجة. بقيت أنظارها معلقة على أثرها للحظاتٍ مستشعرة تلاحق دقات قلبها، تنهدت بعمقٍ لتهدئ من روعها، فركت رسغها براحة يدها متسائلة مع نفسها بصوتٍ خفيض:
-يا ترى كانت عايزة إيه مني؟!
.........................................................
باستمتاعٍ ظاهر على وجهه، نفخ "فضل" دخان نارجيلته في الهواء وهو يضبط وضعية حجر الفحم ليزيد من وهجه. لم تتغير قسماته المرتخية، وبدا هادئًا لأقصى حد ووالده يصيح متسائلاً باهتياجٍ:
-عملت اللي في دماغك بردك يا "فضل"؟
كان على علمٍ مسبق بأسباب غضب والده منه، فقد انتهى اليوم من الإجراءات القانونية للانفصال عن زوجته، ضاربًا برغبة والده في إعادة لم الشمل واستعادة الود عرض الحائط، بالرغم من توصيته له بعدم فعل أي شيء متهور دون الرجوع إليه. زجره "اسماعيل" بعصبيةٍ:
-خلاص مابقاش عندك كبير ترجعله؟ بتطلق بنت الناس كده على طول؟
كان رده عليه باردًا لأقصى الحدود:
-ده هم وانزاح من على قلبي.
هدر به بصوته المنفعل:
-وأبوك مالوش قيمة عندك؟ كده تصغرني قصاد نسايبك؟
هتف في سماجةٍ وهو يواصل تدخين النارجيلة:
-قصدك اللي كانوا، خلاص المولد اتفض...
حدجه أباه بنظرة نارية عندما أكمل:
-وبعدين يابا إنت تزعل مني لو كان حد يستاهل؛ لكن الولية دي ماتسواش، دي لامؤاخذة مقلعهاش من رجلي.
حذره بغيظٍ وهو يشير بعكازه:
-عيب تكلم عنها كده، مهما كانت دي أم عيالك. بشفاه مقلوبة عقب عليه:
-هي غارت في ٦٠ داهية خلاص، وعيالي هياخدوا حقهم وزيادة مني، مش هقصر معاهم في مليم.
ضرب "اسماعيل" جانب جسده بذراعه، وقال في يأسٍ، وتلك النظرة الناقمة تسيطر على ملامحه:
-فوضت الأمر فيك لله.
بسمة لزجة احتلت فمه وهو يخبره بتلميحٍ ضمني:
-يا حاج انسى، وخلينا نركز في اللي جاي.
ضاقت عينا والده بشكٍ مستريب، وسأله مباشرة:
-إنت شكلك بتنمر على إيه كده؟ هات اللي في بطنك يا "فضل".
ترك الأخير خرطوم نارجيلته جانبًا، ونهض ليقف قبالته قبل أن ينطق بوجهٍ لم يكن مريحًا مطلقًا:
-من الآخر كده يابا أنا عايز أتجوز بنت عمي.. "فيروزة".
........................................................
بيدٍ مرتجفة تمكن من إخراج المفتاح من جيبه، ثم دسه في قفل باب منزله، ليديره بعدها، وبمساعدة بسيطة من "سراج" فتحه على مصراعيه، ليلج الاثنان إلى الداخل. التفت "تميم" للجانب نحو ضيفه، وقال مبتسمًا:
-كتر خيرك يا "سراج"، تعبتك معايا.
علق عليه بجدية:
-متقولش كده يا معلم، هو أنا عملت حاجة أصلاً.
اكتست تعابير "تميم" بالجمود وهو يطلب منه:
-بأقولك يا "سراج"..
ردد الأخير متسائلاً في نبرة مهتمة:
-خير يا معلم؟
اكتسب صوته المزيد من الجدية وهو يخبره:
-مش عايزك تجيب سيرة لمخلوق إني موجود هنا...
تطلع إليه في دهشة، بينما شدد الأول على باقي جملته ونظراته قد تحولت للصرامة:
-وخصوصًا أهل بيتي.
قطب جبينه معترضًا:
-بس آ....
قاطعه مبررًا بأسلوبه الصارم:
-هما عارفين إني مسافر، مافيش داعي تقول إنك شوفتني هنا.
رضخ لأمره، وقال بنوعٍ من الحيرة:
-حاضر، بس أنا مش فاهم حاجة، هو إنت فيك إيه بالظبط؟
حمحم قبل أن يخبره بحرجٍ ملموس في صوته:
-عملت عملية بسيطة، ومش عايز حد يقلق عليا، يومين وهبقى كويس، وإنت عارف الجماعة عندي بيكبروا المواضيع.
قال ممازحًا:
-فكرتني وقت ما ركبت شريحة ومسامير في ركبتي بعد الخناقة إياها، كانت هيصة وهوليلة.
فهم تلميحه المبطن عن شجارهما العنيف، وعقب باقتضابٍ:
-كله بيعدي.
رد عليه بوجهه المبتسم:
-الحمدلله، ربنا كريم، وبيسترها معانا...
عاد ليتناقش معه في موضوعهما الأساسي:
-المهم أنا بس مش حابب أسيبك لوحدك.
أصر على ذهابه بقوله:
-أنا بخير، متقلقش.
ألح عليه بعنادٍ:
-طب قولي ناقصك إيه وأجيبهولك؟
تمسك برفضه قائلاً:
-خير ربنا موجود، تسلم.
لم يتراجع عن تشبثه برغبته، وأصر عليه:
-لا وربنا ما يحصل، أنا رقبتي سدادة، قولي بس، ده احنا زي الأهل.
تقوست شفتاه عن بسمة صغيرة وهو يشكره:
-ابن أصول، متشكر.
تحرك كلاهما في اتجاه الردهة ليتجها نحو غرفة النوم، ساعده "سراج" ليصل إلى الفراش، ويتمدد عليه، ثم استأنف حديثه معه:
-طب إيه رأيك لو وصيت الحاجة أمي تعملك أحلى أكل يرم العضم.
بلباقةٍ رفض طلبه السخي:
-مافيش داعي أنا عامل حسابي.
أصر عليه بشدة:
-لأ كله إلا كده، دي تبقى عيبة في حقي، وربنا مايحصل أبدًا.
هتف مجاملاً:
-بيت كرم، بس حقيقي أنا مش عاوز حاجة، سيبني بس ارتاح.
لم يضغط عليه، وخاطبه بنفس أسلوبه المهتم:
-طيب أنا رقمي معاك، واسمحلي كده اتصل وأشقر عليك.
أومأ برأسه وهو يقول:
-مافيش مشكلة.
أشار "سراج" بيده نحو الكومود المجاور للفراش موضحًا:
-الدوا أنا حطيته جمبك أهوو عشان يبقى قريب منك.
هتف في استحسانٍ مقتضب:
-تمام.
ودعه "سراج" بنفس مشاعر الود والعشم:
-أسيبك في رعاية الله، وسلامتك يا معلم "تميم".
رد يشكره بابتسامةٍ صغيرة:
-الله يسلمك، نردهالك في الفرح.
قال ضاحكًا:
-الله يجعل الجاي من أيامنا كلها فرح.
اكتفى بالابتسام المجامل له، وودعه مجددًا قبل أن يغادر ضيفه المنزل، ليبقى بعدها بمفرده. وسَّد "تميم" ذراعه خلف رأسه، وتساءل مع نفسه في حيرة:
-والله شكلي ظلمتك زمان، وماسمعتش كلام جدي لما قالي محكمش على حد من الكلام.
..........................................................
عاد من عمله مرهقًا، ومع هذا لم يظهر ضجره من سماعه لشكوى زوجته المريبة بشأن والدته، بل بدا مهتمًا بمعرفة المزيد عن تصرفاتها مؤخرًا. اتجه "هيثم" إلى حيث تنام "بثينة"، فوجدها تغط في نومٍ عميق، دنا من فراشها، وسحب الغطاء عليها ليدثرها جيدًا، واستدار عائدًا إلى زوجته الواقفة عند أعتاب الغرفة. أشار لها بعينيه لتتحرك بعيدًا، واستطرد قائلاً بصوتٍ خافت:
-هي نايمة، وشكلها غطسان في النوم كمان.
ردت عليه" همسة" مؤكدة بلمحة من الانزعاج:
-والله العظيم كانت صاحية من 5 دقايق، وعملتلها شوربة سخنة تشربها دلقتها على الأرض، وبعد كده نضفت المكان.
حك مقدمة رأسه هاتفًا في تخبطٍ:
-غريب اللي بتقوليه ده!!!
أخبرته بتشنجٍ طفيف مبدية استنكارها لما يحدث:
-والله ده اللي حصل يا "هيثم"...
لم تتوقف عند هذا الحد، وأفصحت له عن مخاوفها، لذا عبرت له دون احترازٍ:
-ومكدبش عليك أنا بصراحة بقيت قلقانة من اللي بيحصلها، تصرفاتها بقت تخوف.
صمت مليًا ليفكر في الأمر قبل أن ينطق أخيرًا:
-طيب لو ده اتكرر انزلي عند خالتي تحت، وخليها تطلع معاكي تشوفها.
وجدت اقتراحه مناسبًا، فتنهدت قائلة بقليلٍ من الارتياح:
-ماشي.
بينما تابع "هيثم" كلامه معها:
-وأنا برضوه هكلم الدكتور اسأله، جايز يفيدني بحاجة.
استحسنت قراره وأيدته:
-كده أحسن.
دفعها "هيثم" من ظهرها للأمام وهو يطلب منها:
-طب تعالي عشان ناكل مع بعض.
ابتسمت في نعومة وهي ترد:
-ماشي يا حبيبي.
....................................................
في شرفة المنزل، وبعد استغراق خالها وابنته في النوم، جلست كلتاهما معًا ترتشفان الشاي الساخن بها. تطرقت "فيروزة" لموضوع شغل تفكيرها كثيرًا في الفترة الأخيرة، احتفظت بتفاصيل فكرتها لنفسها، إلى أن تخمرت جيدًا في رأسها، واتضحت كامل معالمها لها، تبقى لها فقط مفاتحة والدتها في الأمر، والشروع في تنفيذها على أرض الواقع. كانت فكرة العمل الجديد الذي استحوذ على اهتمامها تدور حول تشغيل الدكان الذي منحه الحاج "بدير" للعائلة في تغليف الهدايا، وتجهيز متعلقات السبوع والخطبة الأسرية بتكاليف تناسب الجميع. لم تبدُ "آمنة" مقتنعة بقدرتها على إدارة هذا العمل -وما يرتبط به من أعباء وتوابع قانونية وحسابية- بمفردها، لهذا عارضتها بتخوفٍ غريزي:
-مالوش لازمة يا "فيروزة".
هتفت محتجة:
-ليه بس؟
-هو إنتي ناقصة وجع دماغ؟ ده غير رزالة الزباين.
قالت عن ثقة واضحة:
-يا ماما دي مش أول مرة اعمل فيها مشروع، وأنا بأعرف إزاي مع الزباين.
جاءها تعليقها محذرًا من وجهة نظرها:
-بس شوفتي حصل إيه في الآخر؟ بلاش نعيده تاني.
قالت في هدوءٍ لا يخلو من الإصرار:
-المرادي غير.
تمسكت باعتراضها عليها، وهتفت في وجومٍ:
-بس يا بنتي آ...
قاطعتها على الفور قبل أن تستبد بها هواجسها:
-يا ماما، ده أحسن حل لينا كلنا، وخصوصًا في الظروف اللي احنا فيها دي.
بنفس الوجه المنزعج قالت:
-ما هي مستورة والحمدلله.
خاطبتها بهدوءٍ لتقنعها:
-طبعًا يستاهل الحمد على كل حال، بس إنتي فاهمة كويس إن المصاريف مش هتكفي كل الالتزامات اللي علينا.
علقت عليها بنبرة تحولت للجدية:
-خالك ربنا يشفي عنه أنا خلصتله ورق معاشه، واهوو القرشين بتوعه هيساعدوا مع الإيراد، وآ....
مجددًا قاطعتها في تزمتٍ:
-واحنا مش هنفضل نستنى الحسنة اللي بيديهالنا عمي كل كام شهر...
سرعان ما غلف صوتها غصة جاهدت لإخفائها عندما تابعت:
-ده غير البغل اللي ما يتسمى "فضل"، لازم هيطلعلنا بمليون حجة عشان تيجي الفلوس ناقصة، دي دماغه سم، وأنا مجربة أذيته بالذات في أكتر من حاجة.
فهمت والدتها ما ترمي إليه، فاعتذرت منها بندمٍ حقيقي:
-حقك عليا يا "فيروزة"، يا ريتني وقفت لابن عمك زمان.
هتفت ترجوها في ضيقٍ:
-قفلي على السيرة دي يا ماما.
أومأت برأسها قائلة:
-حاضر...
لكن ما لبث أن انعكست رنة القلق في صوتها وهي تكمل:
-بس هو إنتي مكتوب عليكي الشقا والبهدلة بعد ده كله؟!
استنكرت وصفها قائلة:
-بهدلة ليه ودي أصلاً حاجتنا؟!
نظرت لها والدتها بنظراتها المتوترة، بينما واصلت "فيروزة" محاولاتها المضنية لإقناعها:
-وبعدين بدل ما أنا أعدة كده في البيت لا شغلة ولا مشغلة، أهوو هعمل حاجة أنا كويسة فيها.
سألتها باسترابة:
-يعني إنتي واثقة إنك هتنجحي؟
أجابتها بعد زفيرٍ طويل:
-أنا هعمل اللي عليا والباقي على ربنا.
دعت لها "آمنة" برجاءٍ:
-ربنا يكتبلك كل اللي فيه الخير.
أخبرتها وهي تنهض من على كرسيها:
-أنا هاكلم "ماهر" بيه اسأله على الإجراءات بتاعة عمل السجل التجاري، جايز يعرف حد يساعدني.
التفتت برأسها لتتبعها وهي ترد:
-ربنا يكرمه، بني آدم ابن حلال مصفي، مايتخيرش عن جوزك الله يرحمه.
تسمرت في مكانها لهنيهة، والتوى ثغرها عن نصف ابتسامة متهكمة، تنفست بعمقٍ، وغمغمت في سخرية مريرة:
-أه طبعًا، إنتي هاتقوليلي.
.....................................................
على مدار بضعة أيامٍ، واظب "تميم" على تناول أدويته، ورعاية نفسه بمساعدة "سراج" الذي أثبت له حسن نواياه، والتزامه بعهده معه بعدم إطلاع أي فرد من عائلته عن عمليته ريثما يكتمل شفائه، ويتعافى بشكلٍ يمكنه من التحرك بصورة طبيعية دون أن يثير الشكوك حوله، ناهيك عن إحضاره للطعام المطهو منزليًا يوميًا ليتغذى جيدًا. ما لفت انتباهه الأيام المنصرمة -أو الأحرى ما توقعه- هو اختفاء كافة المشغولات الذهبية، والأشياء الثمينة من الأدراج، والتي كانت السبب بالطبع في مقتل طليقته "خلود"، في حين بقيت كافة الثياب كما هي في الدواليب، وكذلك متعلقاتها الشخصية، وحتى ما يخصه ظل في مكانه، وكأن ما كان يهمها حقًا هو الذهب دونًا عن غيره.
تحرك "تميم" بتؤدةٍ نحو التسريحة، يبحث عن مسكنٍ بديل بعد أن نفذ خاصته، فتش في الأدراج الجانبية، حيث اعتاد ترك الأدوية بواحدٍ منهم، لم يجد شيئًا؛ لكن تجمدت نظراته على الملف الطبي الموضوع به، أخرجه ليلقي نظرة فاحصة على ما دُوّن فيه، خاصة بعد أن قرأ اسم "خلود" أعلاه، وتساءل مع نفسه:
-وده متساب هنا ليه؟
عاد إلى الفراش ليجلس على طرفه، وبدأ في مطالعته بتريثٍ، وجد صعوبة في فهم الرموز الطبية، والمصطلحات المستخدمة لتقييم حالتها. انتابه الملل مع زيادة إحساسه بعدم استنباط ما تحويه الأوراق، كاد يترك الملف برمته جانبًا لولا أن لمح ملحوظة جانبية، مكتوبة بالقلم الحبري، وباللغة العربية في آخر صفحة، بعد الأسطر المكتوبة باللغة الإنجليزية كترجمة لها، وتحديدًا في السطر الأخير. قرأها "تميم" بصوتِ عكس صدمته:
-يرجى تحديد موعد أقصاه يومين على الأكثر لإجراء عملية الإجهاض، ويوصى بكحت الرحم لإزالة آثار الجنين الميت.
برقت عيناه بلمعانٍ مذهول، قبل أن يردد في صدمةٍ، والأحداث السابقة التي تخص اتهام ابنة خالته لـ "فيروزة" تتزاحم في عقله:
-يعني "خلود" كانت عارفة إنه ميت من الأول، وخبت الحقيقية دي عليا، وعلى الكل ..................................................................... ؟!
...................................................
يتبع >>>>>>>>>>>