تحميل رواية «الطاووس الأبيض ©️» PDF
بقلم Manal Salem
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في البداية وجب توجيه الشكر لجميع القراء في كل مكان على دعمهم الإيجابي، تشجيعهم المتواصل، وانتظارهم الشغوف لمتابعة أحداث فصول الرواية، بالإضافة للتحليلات العظيمة والتعليقات الجميلة على مدار الأجزاء السابقة .. وأرجو من الله أن يكون الجزء الثالث هو استكمال لتلك الملحمة الشعبية الأصيلة .. أترككم مع أحداث الفصل الفصل السبعون أخطأت حين هاتفت ابنتها، لتعلمها وسط نوبة بكائها المُقطعة لنياط القلوب، بما آَلم بشقيقها الوحيد، حينها صرخت منادية باسمه، أنهت الاتصال بعد إلمامها بالتفاصيل البسيطة، لتذهب ركضًا إ...
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الحادي عشر 11 - بقلم Manal Salem
باعتذر عن تأخيري الاضطراري ..
الفصل الثمانون
برودها المشهودة به، تبخر مع رؤيتها لوجهٍ، بات مصحوبًا بلعنة فقدان أولادها، انفلتت أعصابها، وفقدت كامل قدرتها على التحكم في تصرفاتها، اندفاعها الأهوج نحو الثلاثة كان كفيلاً بإثارة الفضول. اِربد وجه "حمدية" بعلامات الغضب المخيفة، كما برزت عيناها بغلها الحقود، صرخت "رقية" مع اقترابها منها؛ معتقدة بشدة أنها تريد افتراسها، بأنيابها الحادة التي تظهر من بين شفتيها، توارت خلف "همسة"، وتلك الرجفة تصيب جسدها، خاصة مع صراخ "حمدية" بها، بأنفاسٍ كانت كفحيحٍ من النار:
-جايبين دي هنا ليـــــه؟!
تقدمت "همسة" بجسدها دافعة الصغيرة خلفها، ونظرت إلى زوجة خالها بتوترٍ قلق، ما ضاعف من تلبكها اتجاه أنظار الحاضرين إليها، وشعرت بالتخبط وبتلعثمٍ عظيم يجتاح لسانها، عندما ردت عليها؛ وكأنها تدافع عنها:
-هي مالهاش دعوة بحاجة.
على عكسها اعترت الدهشة الممزوجة بالحيرة ملامح زوجها، فعلى الأغلب، ومن البديهي للجميع، أن "حمدية" لم تلتقِ بالطفلة من قبل؛ وربما إن تقابلت معها مصادفة في الطريق، لم تكن لتتعرف إليها، إذًا لماذا كل هذا الغضب تجاهها؟ لم يدع حيرته تشغله كثيرًا، وسألها مباشرة:
-هو إنتي عارفة دي مين يا حاجة؟
انتبهت له "حمدية"، ونظرت له بعينيها الحمراوتين، فأكمل "هيثم" جملته المتشككة:
-أصل عصبيتك عليها مالهاش تفسير عندنا.
بلعت ريقها، وكظمت غيظها مضطرة، بعد أن تداركت خطئها الأرعن، والذي من المحتمل أن يثير التساؤلات أيضًا، التفتت بظهرها نحو الحشد المتجمع، وبدأت فاصلاً جديدًا من اللطم والعويل:
-عيالي ماتوا، ومحدش حاسس بالنار اللي أنا فيها، ده مش واحد ولا اتنين، دول التلاتة في غمضة عين.
وبالنفس الأسلوب المتسول لمشاعر الغير، نجحت في اكتساب تعاطف المتواجدين، فالتفوا حولها يرثونها بكلمات المواساة المستهلكة، علَّ حزن قلبها المحترق يهدئ قليلاً.
على الجانب الآخر، تجمدت أنظار الطفلة عليها، بقيت محدقة بها بخوفٍ مرتاع، متذكرة ملامحها المألوفة عليها، ربما رأتها لمرة واحدة؛ لكن تجهم وجهها الحاقد، المليء بالغلٍ، لا يمكن نسيانه، انكمشت على نفسها مجددًا، واختبأت خلف "همسة" التي محاولة عدم النظر في اتجاهها، وإن خانتها النظرات.
تابع "هيثم" انسحــاب "حمدية" مع بعض المعزيين، وعودتها لمكانها بالسرادق بنظراته المليئة بالشك، استدار ناظرًا إلى زوجته معلقًا بفضول:
-هي تعرفها منين؟
ردت وهي تهز كتفيها بالنفي:
-مش عارفة.
ضاقت عيناه بشكٍ، وأكمل تعليقه المستريب:
-على ما أظن محدش يعرف إن خالك كان متجوز عليها إلا من ساعة ما دخل المستشفى.
رمقته بنظرة لا تقل في ظنونها عنه، وأضافت:
-مظبوط، ودي أول مرة أصلاً نشوف فيها بنته.
تنفس بعمقٍ، ليردد بعدها:
-حاسس إن في حاجة غلط كده، الحكاية مش راكبة على بعض.
قالت "همسة" بإنهاكٍ بدا متمكنًا منها:
-الواحد دماغه مش فيه عشان يركز.
جاء رده عليها محايدًا:
-عمومًا، كل حاجة هتبان مع الوقت...
ثم استعد للتحرك وأشار بيده قائلاً:
-طب تعالي نطلع بدل وقفتنا دي.
أومأت برأسها بالإيجاب، والتفتت ناظرة إلى الصغيرة، ربتت على ظهرها وهي تدفعها للتحرك:
-يالا يا "رقية".
تجمدت قدماها في مكانها، ورفضت الاستجابة لها، لتهتف بعنادٍ:
-لأ.. مش عاوزة
سألتها "همسة" بتمهلٍ، محاولة إقناعها بالذهاب معها:
-ليه يا حبيبتي؟
ببراءتها السجية أجابت عليها، وعيناها تعكسان خوفها الطبيعي:
-مش عايزة أروح عند عمتو الوحشة.
تمتم "هيثم" باندهاشٍ، بعد سماعه لوصفها المريب:
-عمتو الوحشة؟!!
في حين نهرتها "همسة" بلطفٍ، رغم ظهور علامات الضيق عليها:
-عيب يا "رقية"، متقوليش كده.
لكزت الطفلة بقدمها الأرضية، مقاومة جذبها الخفيف لها، قاصدة الإفلات من قبضتها، وصاحت بصوتٍ أقرب للبكاء:
-أنا عاوزة أروح عند ماما.
حاولت شدها ناحيتها، وخاطبتها بصوتٍ هادئ:
-يا حبيبتي مش هاينفع، ماما مسافرة.
ردت الطفلة بحزنٍ:
-وديني عند بابا.
غصة علقت بحلقها، شعرت بألمها، وهي تقول لها:
-بابا لسه تعبان.
استمرت "رقية" في مقاومتها، وهي ترد:
-أنا عاوزة أمشي من هنا.
ضجر "هيثم" من الجدال غير المجدي، فاقترب من الطفلة، وانحنى ليحملها على ذراعه قائلاً لها:
-يالا يا بنتي، مش ناقصين مناهدة.
صاحت الصغيرة ببكاءٍ فيه إلحاح مزعج:
-ودوني عند ماما، أنا عاوزة ماما.
بدا الاستياء على وجه "هيثم"، الذي واصل السير بها، مقاومًا ركلاتها المتذمرة، وصراخها المؤلم لأذنه، مُحدثًا نفسه:
-شكلها هتبقى ليلة فلة!
.........................................................
على مكتبه الخشبي الأنيق، جلس المحقق الشرطي، المسئول عن هذه القضية تحديدًا، يُطالع بنظراتٍ مدققة الأوراق المفرودة خارج الملف، ركز كامل انتباهه على ما يقرأه، مدونًا ملحوظاتٍ جانبية في ورقة صغيرة. استغرق في تفكيره الاستباطي لوقتٍ لا بأس به، رفع رأسه فقط حينما سمع دقات على باب مكتبه، حينها سمح للطارق بالدخول. ولج أحد الضباط إليه، وفي يده مغلف مغلق، ناوله إياه وهو يخبره بلهجةٍ رسمية:
-تقرير تشريح جثة القتيلة وصل يا فندم، تقدر حضرتك تطلع عليه.
مد يده ليأخذه معقبًا باقتضابٍ:
-تمام.
ثم أشار له ليجلس، وبدأ في فض المغلف، لينظر بعدها للورق الرسمي الموجود بداخله، مضت بضعة دقائق، وهو يقرأ في صمت ما احتوته الأوراق، تساءل الضابط الآخر المعاون له في فضولٍ:
-إيه الأخبار يا باشا؟
أجابه بملامح جادة:
-زي ما توقعت، الرئتين مافيش فيهم دخان، لأن الضحية ماتت بالتسمم قبل ما انفجار الغاز يحصل عندها في الشقة.
ظهر الاستغراب على معالم وجه زميله، في حين تابع المحقق بنفس اللهجة الجادة:
-ده لما نطابقه مع التحريات اللي وصلها رجالة المباحث، وكلام بنت المجني عليها، الشبهات كلها متجهة لأخت الزوج، المدعوة .. "آمنة".
أضاف زميله بهدوءٍ:
-في حاجة كمان يا فندم لازم حضرتك تاخد خبر بيها.
تساءل بتعابيرٍ مهتمة:
-إيه هي؟
بعد زفيرٍ بطيء أجابه:
-أولاد الراجل ده ماتوا بنفس المادة المسممة دي بعد تخديرهم.
برقت نظراته في دهشة، بينما استأنف زميله حديثه مشددًا على نقطة بعينها:
-والزوجة الأولى اتهمت العمة بعمل ده.
قال المحقق بابتسامة صغيرة لاحت على زاوية فمه:
-واضح كده إن الموضوع هيتحل أسرع مما نتخيل، رغم إني عندي شوية تحفظات على أركان الجريمة.
سأله بنبرته المهتمة:
-زي إيه يا فندم؟
كان جوابه عليه مليئًا بالتساؤلات المتعاقبة:
-إيه الدافع اللي يخلي أخت تقتل ولاد أخوها؟ هل خلاف على ميراث قديم مثلاً؟ عداوات بينهم؟ وده ماظنش موجود، بدليل إنهم ساكنين في بيت واحد.
زم شفتيه مرددًا:
-حاجة تحير.
أكمل المحقق كلامه بإراحة ظهره للخلف:
-كمان من الواضح إن "خليل" ده متجوز من ورا مراته، يعني ماتستبعدش إن الزوجة الأولى تكون عرفت، وحابة تنتقم منه.
تساءل الضابط في اندهاشٍ لا يخلو من الاستنكار:
-وتقتل عيالها؟! بيتهيألي لأ يا باشا، ده غير إن أقوال الجيران والبنت الصغيرة بتأكد إن عمتها هي اللي كانت موجودة.
بدت نظراته محملة بالاستهجان وهو يقول:
-هانشوف، بس أنا حاسس إن في حاجة غامضة في الجريمة دي، حلقة مفقودة، رابط مشترك بين حدوثهم، وأكيد هنوصل لتفاصيل كل حاجة.
تحفز الضابط في جلسته، وتساءل بكتفين منتصبين:
-والمطلوب مني إيه دلوقتي يا فندم؟
برسميةٍ بحتة أمره:
-تطلع بقوة على بيت "آمنة" و"حمدية"، وتجيبهم القسم ناخد أقوالهم.
أومأ برأسه قائلاً في امتثالٍ:
-حاضر يا فندم.
أضــاف عليه مؤكدًا:
-كمان عايز دايرة التحريات توسع، ويتم مراجعة كل كاميرات المراقبة في المنطقة، وأخذ أقوال السكان من تاني، وخصوصًا اللي اتعاملوا مع الضحية قبل وفاتها.
هزة انصياعٍ من رأسه، تبعها قوله المعبر عن إطاعته لأوامره:
-مفهوم معاليك.
..............................................................
دقات عنيفة على الباب الخشبي، مع قرع متواصل للجرس كانوا مدعاة للقلق والاسترابة، خاصة مع انتهاء أيام العزاء، وعودة الجميع للبلدة، وانشغالها برعاية ابنة شقيقها اليتيمة. تحركت "آمنة" بخطواتها الثقيلة المتعبة نحوه لفتحه، لم تنكر أن قلبها كان يدق في توجسٍ. بلعت ريقها، وردد لسانها متسائلاً:
-يا ساتر يا رب، إيه الخبط ده؟
استوقفها "هيثم" قبل أن تفتحه بقوله الصارم:
-استني كده يا حماتي، أنا هاشوف مين.
تنحت للجانب، حامدة الله في نفسها، على إقامته معها طوال الفترة الماضية، تركته يتقدم عنها بخطواته الأسرع، أدار المقبض، وتطلع بعينين متسعتين للأوجه الكثيرة المرابطة عند عتبة المنزل، بنظرة خاطفة أدرك من هيئتهم المميزة أنهم ينتمون لجهة رسمية، ازدرد ريقه، ليتساءل بعدها:
-خير يا بشوات؟
أجاب عليه أحدهم، ويبدو من هيئته أنه المنوط بتولي تلك المهمة:
-ده بيت "آمنة العربي"؟
أجابت "آمنة" من خلف "هيثم" بصوتٍ مهتز، ونظراتها تجول على الأوجه المراقبة لها:
-أيوه أنا، في إيه يا حضرت؟
أجابها الضابط وهو يخرج من جيبه، ورقة مدموغة بختم رسمي، ليضعها نصب عينيها:
-معانا أمر بتفتيش البيت، واستدعائك للتحقيق.
لطمت على صدرها مرددة في خوفٍ:
-يا نصيبتي؟ ليه أنا عملت إيه؟
أجاب بصوته الجاف:
-هتعرفي في القسم.
خرجت "همسة" من الداخل، لتتفاجأ باقتحام الغرباء للمنزل، احتوت الطفلة في أحضانها، ورفعتها على ذراعها، قبل أن تتجه أنظارها نحو والدتها التي أمسك بها أحدهم، حينها تحركت نحوه متسائلة في جزعٍ:
-عايزين أمي ليه؟
استدار الضابط ناحيتها، وقال ببرودٍ، ونظرته الجامدة مثبتة عليها:
-مطلوبة للتحقيق يا مدام.
صاحت في استنكارٍ شديد:
-تحقيق؟ ليه؟ ده هي طول عمرها في حالها.
علق بتهكمٍ، ونظرة ازدراء احتلت عينيه:
-مالناش دعوة بالكلام ده ...
ثم خاطب "آمنة" بلهجته الآمرة، وفي طياتها تحذير واضح:
-البسي يا حاجة هدومك، وإلا هناخدك كده.
تساءل "هيثم" بارتباكٍ حائر:
-طيب يا باشا ممكن تفهمنا فيه إيه؟
منحه نفس الجواب المبهم بقوله:
-في القسم هتعرف، يالا يا حاجة متعطليناش.
التفتت "آمنة" نحو ابنتها ترمقها بنظراتها الخائفة، فأردفت الأخيرة تخبرها بحسمٍ:
-أنا جاية معاكي يا ماما، مش هاسيبك لوحدك.
تحركت نحو غرفتها، متمتمة بتوجسٍ متزايد، وابنتها من خلفها تتبعها:
-استرها يا رب.
لم يكن "هيثم" بحاجةٍ لتبديل ثيابه، فما زال يرتدي ملابسه الخارجية، لهذا انتظر بالصالة برفقة الضابط ومعاونيه، تأهبت حواسه، واستدار نحو باب المنزل مع صياح أحدهم بصوته الجهوري:
-لاقينا الحاجات دي يا باشا في كرتونة صغيرة في بير السلم.
أمره الضابط بنبرته غير القابلة للنقاش:
-اتحفظ عليهم لحد ما نشوف دول إيه كمان.
تضاعفت هواجس "هيثم" مع هذا الكلام المثير، انتابه إحساسًا مزعجًا بأن القادم لا يبشر بخير.
.........................................................
شعرت بالحرج لطلب هذا منه؛ لكنه بدا الخيار المناسب مؤقتًا، لإبقاء الطفلة في مأمن من الأذى، ريثما يتفقه أذهانهم لما يدور، خاصة بعد اصطحاب الشرطة لوالدتها، والتفتيش في المنزل، كما لو أنهم ارتكبوا جريمة حقًا. لم يعارضها "هيثم"، فتواجد الصغيرة في مكانٍ يعج بالمنحرفين عن القانون، ومعتادي الإجرام لا يعد أمرًا لائقًا، لمن هم في مثل عمرها، صعد كلاهما إلى منزل عائلة "سلطان". بكلٍ خجلٍ وحياء طلبت "همسة" من "ونيسة"، التي استقبلتها بودٍ وألفة:
-هستأذنك يا طنط ينفع نسيبها عندك شوية؟
ردت دون أن تسألها عن السبب:
-أه وماله.
في حين تساءل "بدير" في استغرابٍ:
-خير؟ في حاجة حصلت؟
أجاب "هيثم" عن زوجته التي انعكس المزيد من الإحراج على ملامحها:
-طالبين الست أمها في القسم، واحنا رايحين نحصلها، بس مش هاينفع ناخد البت معانا.
تفهم للموقف، وعلق عليه بوجهٍ جاد:
-لأ مايصحش طبعًا، خليها معانا، وأنا هاكلم المحامي يروح وراكم على القسم، يشوف في إيه، بس قولي إنتو في قسم إيه.
أدله على العنوان قائلاً:
-احنا في (...)
أشار له "بدير" بيده ليترك الطفلة، وتابع:
-طيب روح إنت يا "هيثم"، وماتضيعش وقتك...
ثم وجه حديثه لـ"همسة" قائلاً:
-ماتخليكي يا بنتي معانا.
اعتذرت منه بتهذيبٍ حرج:
-مش هاينفع أسيب ماما لواحدها، أنا قلقانة أوي عليها.
برر لها سبب استدعائها للتحقيق، بما احتوى على شيءٍ من المنطقية:
-تلاقيه إجراء شكلي بعد اللي حصل، ما هي الحكاية مش بسيطة.
هزت رأسها بحزنٍ، وقالت في رجاءٍ متضرع:
-ربنا يستر ويعديها على خير.
قال معقبًا عليها:
-يا رب.
انحنت جاثية على ركبتها، وخاطبت الطفلة بابتسامةٍ حاولت أن تبدو لطيفة ومطمئنة، وهي تمسك بكفيها بأناملها:
-"رقية" حبيبتي، إنتي هتفضلي هنا مع تيتة "ونيسة" شوية، وجدو "بدير"، واحنا مش هنتأخر عليكي.
تقلصت عضلات وجه الصغيرة، وقالت بعبوس:
-بس أنا عايزة أروح معاكي.
وعدتها بصدقٍ، وهي ترفع ذراعها للأعلى، لتمسد بيدها، على شعرها المعقود في جديلتين:
-وأنا والله ما هتأخر.
مالت عليها "ونيسة"، واحتضنت الطفلة من كتفيها، وأخبرتها بحنوٍ:
-ده أنا هاجيبلك لعب كتير حلوة، وهتشوفي النونو بتاعنا، وتساعديني أأكله مع أمه.
استرعى كلامها الأخير انتباهها، وتساءلت في فضولٍ طفولي:
-النونو؟
ردت عليها "ونيسة" مؤكدة بابتسامة صافية:
-أه ما احنا عندنا واحد صغنن أد كده...
اتسعت ابتسامة "ونيسة" أكثر، ودعتها بنفس النبرة الودية:
-تيجي معايا تشوفيه؟
بإيماءات مشجعة من عينيها، وكذلك بإمداد كفها لها، حثت الصغيرة على الترك معها، فاستجابت الطفلة لدعوتها، وتركت يد ابنة عمتها، لتسير بصحبة مُضيفتها التي أغدقت عليها بالكثير من العاطفة والحب، اطمأنت "همسة" لإيداعها معها، واستدارت محدقة في "بدير" بامتنانٍ كبير، عجزت فيه عن التعبير عن شكرها لمحبته غير المحدودة، ومؤازرته الدائمة لها ولعائلتها، في كل محنة تجابه الأسرة. حبست دموعها المتأثرة، وأردفت تخبره:
-ربنا يخليك لينا يا حاج "بدير".
قال مبتسمًا:
-عيب ما تقوليش كده، هزعل منك، دي زي بناتنا، متقلقيش عليها معانا.
استطرد "هيثم" يقول بجدية:
-بينا احنا عشان نلحق وقتنا.
على الفور تقدمت في خطواتها، لتسبقه، بينما تابع "بدير" من خلفهما:
-أنا معاكو على التليفون، والمحامي هيجيلكم، اطمنوا.
جاءه صوته قبل أن يغلق الباب مباشرة:
-ماشي يا حاج.
.............................................................
بعباءتها السوداء، ووجهها الذابل، وعينان لا تكفان عن البكاء، جلست على المقعد المخصص لها، في غرفة مكتب المحقق الشرطي، تتحاشى النظر إليه. عمدت "حمدية" إلى تنكيس رأسها، والتواري خلف مناديل القماش الممتلئ به كفها، صدر من بين شفتيها نحيبًا خافتًا، كدليل عن استمرار أحزانها العميقة لفقدان أبنائها. استهل الوكيل حديثه بكلماتٍ معزية تقليدية، تقبلتها منه بإيماءة بسيطة من رأسها، ليواصل بعدها متسائلاً بنوعٍ من التمهيد اللبق:
-جاهزة يا ست "حمدية".
ردت عليه متسائلة، وهي ترمش بعينين لامعتين بعبراتها:
-إنتو جايبني هنا ليه يا سعات البيه؟
كرر عليها إجابته بصيغة مختلفة:
-شوية أسئلة عادية وهتمشي.
هتفت في استهجانٍ شديد؛ وكأنها تشكو إليه تكالب المصائب عليها:
-وهو أنا بقى فيا عقل يا باشا؟ عيالي التلاتة راحوا مني دفعة واحدة، بقيت مقطوعة في الدنيا، وجوزي لا حول ليه ولا قوة، من ساعة ما سمع الخبر طب واقع، لا قادر يتحرك ولا عارف ياخد عزا عياله، وسعاتك تقولي بوليس ونيابة، هو أنا فيا حيل للبهدلة دي؟ سيبوني في همي يا باشا!
شبك كفيه معًا، وعلق بإيجازٍ:
-ربنا يصبرك...
للحظة سكت عن الكلام، ليضيف من جديد:
-أنا مقدر الظروف، بس محتاج أسئلك في كذا حاجة، تخص اللي حصل لولادك كمان.
بحثت عن ريقٍ غير موجود لتبلعه، وقالت:
-اتفضل يا بيه.
بأسلوبه المهني الخبير، استطرد مباشرة لصلب موضوع تحقيقه:
-من التحريات اللي وصلنا ليها، عرفنا إن جوزك متجوز عليكي واحدة تانية، اتقتلت من كام يوم.
ادعت دهشتها، ولطمت على صدرها، قبل أن تنفلت منها شهقة شبه مفتعلة، وراسمة على وجهها تعابير مذهولة، لتدمدم بصوتٍ عمدت لإظهار ذهولها المستنكر:
-يا نصيبتي، "خليل" متجوز عليا؟ لأ مش معقول، "خليل" ما يعملش كده!!
تطلع إليها بنظراتٍ مطولة، دارسة لردات فعلها، قبل أن يأتي سؤاله:
-يعني إنتي مكونتيش تعرفي؟
نفت جملةً وتفصيلاً، دون أن تمنح نفسها الفرصة للتردد:
-أبدًا يا بيه، دي أول مرة أسمع الكلام ده...
تحولت نبرته للندب وهي تتساءل ضاربة كفها بالآخر:
-طب عمل كده ليه؟ هو أنا قصرت معاه في حاجة؟
استدعت دموعًا غير موجودة بها، وواصلت نحيبها:
-ده أنا قايمة نايمة بخدم فيه وفي عيالي الله يرحمهم، يطلع في الآخر متجوز عليا، لا إله إلا الله، ناقص إيه تاني يحصلي؟
راقب المحقق انفعالاتها المتزايدة، وطلب منها:
-اهدي شوية...
قاطعته بصوتٍ تبدل للصراخ:
-أهدى؟ طب إزاي؟ عايزني أعرف إن جوزي متجوز عليا ومخلف كمان وأهدى؟!!!
التقط زلة لسانها موضحًا لها بنظراتٍ نافذة تحمل الشك:
-بس أنا مقولتش إنه مخلف!!!
بهتت ملامحها قليلاً، وبدا له كما لو جفت دموعها الزائفة، حتى شفتيها انفرجتا عن دهشة متلبكة، فتابع الضغط عليها:
-أنا مكانش في كلامي أي تلميح عن إن جوزك مخلف، عرفتي ده منين؟
أعطته تفسيرًا ارتجاليًا، تمنت أن ينطلي عليه:
-أنا جوزي بيحب العيال، وكان بيزن عليا من فترة أجيبله عيل كمان، بس أنا صحتي على أدي، معنتش حِمل خِلفة من تاني، ورفضت، وكان هددني إنه لو مخلفتش هيتجوز عليا، تلاقيه عشان كده اتجوز تاني، لاقى واحدة تجيبله بدل العيل عشرة.
لم يبدُ مقتنعًا بتبريرها الغريب، ومع هذا قال بحيادية:
-تمام...
توقف عن الحديث ليراقب ردات فعلها المرتبكة، ثم أكمل بصوته الهادئ:
-لما سألنا الجيران، قالوا إن في واحدة زارت المجني عليها قبل ما تموت بحاجة بسيطة، واتضح من كلامهم إنها أخت جوزك.
صاحت مستنكرة بعصبيةٍ حاولت أن تبدو مقنعة:
-يعني "آمنة" كمان كانت عارفة؟ ومقالتيش؟ بقى تهون عليها العِشرة؟ ده أنا باعتبرها أكتر من أختي، وبناتها هما بناتي.
لم يأبه تلك المرة بصراخها الحاد، وتحدث بلهجة رسمية للغاية:
-ست "حمدية"، ما قولك في إن إخطارات المستشفيات اللي كان فيها الأربع أطفال أكدوا إنهم كلهم تناولوا مادة مسممة، مختلطة بمواد مخدرة، مع اختلاف نسبتها، وأماكن الإبلاغ عن الإصابة؟
تفاجأت من توصله لمثل تلك التفاصيل الدقيقة، وأنكرت بلجلجة خفيفة بائنة في صوتها:
-معرفش .. حاجة عن ده...
تأملها المحقق بنظراته الغامضة المطولة، فاسترسلت توضح له؛ وكأنها توجه التهم بشكل غير مباشرٍ، نحو شقيقة زوجها:
-بس "آمنة" هي اللي على طول بتعمل العجين لعيالي يكلوه ني، وكان في بينها وبين جوزي خناقات كتير، بسبب الإيراد اللي بيجيلها من البلد، ومشاكل كده مكانوش بيحكوا فيها قصادي، أصلاً أنا مابحبش أتحشر بينهم، فأكيد هي اللي قصدت تأذي عيالي، وبنت "خليل" كمان، حبت تنتقم منه.
زلة أخرى من لسانها، أفصحت عنها دون وعيٍ، غافلة عن تدارك نفسها، فأدارت الدفة نحوها. أنصت لها الضابط بلا مقاطعة، ثم علق عليها بهدوءٍ مميت:
-أنا برضوه مقولتش إن جوزك مخلف بنت!
شحوبٌ مريب زحف إلى بشرتها، ورددت في صدمةٍ، وقد ارتفع حاجباها للأعلى:
-إيه؟
سألها بلهجته الرسمية، وكامل نظراته الجامدة عليها:
-عرفتي منين إنه عنده بنت؟
لفقت كذبة ساذجة فورًا في عقلها، وأخبرته بنبرة متأرجحة في ثباتها:
-هو.. كان .. نفسه في بنت، أنا بأقول كده بالحظ.
ضيق عليها الخناق بسؤاله المراوغ ليوقعها أكثر:
-بس إنتي بنفسك قايلة إنك متعرفيش إنه متجوز، يبقى منين خمنتي صح؟
أجهشت ببكاءٍ غريب في غير محله، مواصلة تحسرها المليء بالعويل:
-أنا عيالي ماتوا يا بيه، قلبي متقطع عليهم، بهلفط بأي كلام، حسوا بيا يا ناس، ده بدل ما أقعد اتحسر على عيالي؟ أتجرجر في الأقسام زي المجرمين؟
جاءها تعليقه خاليًا إلى حد ما من التعاطف معها، عندما قال:
-يا ست "حمدية" دي جرائم قتل، مش حادثة عادية والسلام، وماتستبعديش يتوجه ليكي إنتي شخصيًا تهمة الإهمال مع القتل العمد.
هتفت بمزيدٍ من البكاء:
-أنا يا باشا؟ هو في أم تقتل عيالها؟
ثم شرعت في لطم وجهها بقسوةٍ، بكلتا يديها، آملة أن تشتت انتباهه عن أسئلته التحقيقية، التهبت بشرتها، وهدرت بصراخٍ مصحوب بالنحيب المتقطع:
-ليه؟ ده أنا محلتيش إلا هما، دول اللي طلعت بيهم في الدنيا، وخلاص راحوا مني؟ ليه بتعملوا فيا كده؟
أشـار لها المحقق بيده لتكف عن صراخها، مناديًا إياها بصوتٍ شبه مرتفع:
-يا ست "حمدية"...
قاطعته بصراخٍ أكبر، مكملة ضرب وجهها وصدرها بكفيها:
-منها لله "آمنة"، هي السبب، موتت عيالي، وحرقت قلبي عليهم.
ضجر مما تفعله، وقال بحدةٍ:
-مش هاينفع نكمل التحقيق بالشكل ده.
تجاهلته، لتضاعف من عويلها، بهياجٍ أكبر:
-حرام عليها، عملتلها إيه؟ مكفهاش إني كنت تحت رجليها، اللي تطلبه بأعمله من غير ما أتكلم، تاخد مني عيالي ليه؟
ثم نهضت من مقعدها، وجثت على ركبتيها على الأرضية، لتضربها بيديها، وهي تهز رأسها في جنونٍ، هب المحقق واقفًا وصاح بها بعد أن رأى هياجها الكبير:
-يا ست لو سمحتي...
استمرت في ضرب وجهها حتى لم تعد تشعر به؛ لكن لا يهم حاليًا، فإن نالت بعض التورمات به، أفضل من أن يشك بها، صرخت حتى جرحت أحبالها الصوتية:
-ليه كده؟ آآآآآآه يا ولادي، يا ريت كان ربنا خدني، وفضلتوا إنتو عايشين، آآآآآه يا عيالي، هاعيش لمين بعدكم.
ضغط المحقق على الزر الجانبي المثبت في مكتبه، مستدعيًا أحد أفراد القوة الأمنية، ثم أمره بنفاذِ صبرٍ:
-إنت يا ابني هاتلها ليمون، ولا شوفلنا دكتور.
...........................................................
أبقاها المحقق بالخارج، بعد نوبة الجنون الموترة للأجواء، ريثما تستعيد انضباط أعصابها المتلفة؛ لكنها استغلت الفرصة لمهاتفة "اسماعيل" واستدعائه على وجه السرعة، بعد إخباره بالمستجد في قضية مقتل أولادها، حضر الأخير رغم تعبه، مصطحبًا معه ابنه، وبحث بعينين قلقتين عن نساء العائلة المحتجزات في القسم، أبصر "حمدية" جالسة على المصطبة الخشبية بمفردها، في منتصف الردهة، وما إن لمحته حتى انتفضت واقفة لتقول ببكاءٍ يعبر عن جزعها:
-شوفت اللي حصل يا حاج "اسماعيل".
رد بصوته اللاهث، وهو يشير بعكازه نحو ابنه:
-احنا جينا على ملى وشنا.
دون مقدمات نطقت في وجهه:
-"آمنة" قتلت عيالي
سألها "فضل" مصدومًا:
-إنتي بتقولي إيه؟
نظرت في اتجاهه، وأكملت مستخدمة يدها في الإشارة نحو أحد الأبواب المغلقة:
-أهو البيه الظابط بيحقق معاها جوا...
ثم عادت لتحملق في وجه أبيه، وتابعت بلومٍ:
-للدرجادي بتكرهني، أنا عملتلها إيه؟ ده أنا طول عمري في حالي، لا بأهش ولا بأنش.
رمقها "اسماعيل" بنظرة مزعوجة، وقال:
-دلوقتي نعرف في إيه.
توسلته ببكائها:
-ماتسبنيش لوحدي يا حاج "اسماعيل"، ده أنا غلبانة ومنكسرة.
تنهد على مضضٍ، ولم يعدها بشيء، فقط شتت نظراته عنها، ليحدق في الباب المغلق هامسًا مع نفسه:
-لطفك يا رب.
دار بعينيه في المكان فوجد "همسة" تقف مع زوجها عند الزاوية، وقبل أن يتحرك في اتجاهه، انتبه لصرير الباب الذي فتح توًا، حيث خرجت منه "آمنة"، أقبل عليها ومن خلفه ابنه؛ لكن كانت ابنتها الأسبق في الوصول إليها، وبكل تلهفٍ مرتاع تساءلت، وقد رأت أحدهم يدفعها من ذراعها للأمام:
-ماما واخدنيك على فين؟
حذرها الفرد الأمني بلهجته الحادة، مانعًا إياها من الإمساك بها:
-شوية كده يا ست.
سأله "فضل" بسماجته غير المقبولة:
-إنتو قابضين عليها ولا إيه؟ فاهمنا يا شاويش
رمقته "همسة" بنظرة نارية، أبعدتها عنه لتنظر إلى الفرد الأمني، وسألته بتوجسٍ كبير:
-إنت واخد ماما على فين؟
رد بنفس الجمود الصارم:
-وسعوا يا أساتذة من طريقي.
علق "فضل" ببسمة متهكمة:
-شكل أمك عملتها يا بت.
هنا صــاح به "هيثم" يحذره بعدائية:
-وأنا شكلي هاعملها مع أمك لو مالمتش لسانك
هدر به "فضل" مهددًا بإهانةٍ قاسية، وقد استشاط غضبًا:
-إنت بتجيب في سيرة أمي يا (...)؟
تدخل "اسماعيل" على الفور، ليحول بينهما، قبل نشوب مشاجرة عنيفة، بداخل القسم الشرطي:
-ما تلم نفسك يا فضل، إنت اللي بادي بالغلط
اعترض عليه بتبرمٍ:
-يابا...
قاطعه بزجرةٍ حادة ليخرسه:
-خلاص! إنتو هنا في القسم، مش هاتبقى مصيبة تانية كمان.
رد "هيثم" بحنقٍ، وعيناه تتوعداه "فضل":
-لولا وجودك يا حاج، متأخذنيش يعني كنت رقدت ابنك وقتي!
عاد الثلاثة لينتبهوا لـ "همسة" التي صرخت منادية بصوتها الباكي:
-ماما!
أتاها صوت "آمنة" يوصيها:
-خدي بالك من نفسك يا بنتي، وماتقوليش لـ "فيروزة" حاجة.
انخرطت في بكاءٍ أشد، بينما أخبرها "هيثم" بجديةٍ، كنوعٍ من بث الطمأنينة لها:
-المحامي زمانه جاي يشوف في إيه، متقلقيش يا حماتي.
حلت الصدمة المختلطة بالاندهاش، على الجميع مع صياح "حمدية" المليء بالاتهام الصريح، وهي تدنو من "آمنة" محاولة الاعتداء عليها:
-منك لله يا شيخة، قتلتي عيالي وعاملة فيها بريئة.
تفاجأت "همسة" بتصرفها، وأسرعت تمنعها من الاقتراب منها، وصوتها يهدر بها:
-إنتي بتقولي إيه؟ ماما مالهاش دعوة بعيالك، حرام عليكي بطلي ظلم فيها.
ضربتها "حمدية" في كتفها، رافعة نبرة صراخها:
-شيلي إيدك.
التفتت "همسة" باحثة عن زوجها، وجدته في إثرها، يصد بجسده هجمات "حمدية" الهوجاء عليها، إلى أن فصل بين الاثنتين، وسط تدخل أفراد الأمن، اعتذر منهم، وسحب زوجته بعيدًا عن محيطها، نهجت في انفعالٍ، وقالت:
-الحق يا "هيثم" ماما، والله هي مظلومة.
رد بغموضٍ لم تتفقه له:
-أنا عارف، خليكي هنا ثانية كده...
وقبل أن تتبعه واصل تحذيره لها:
-وإياكي تقربي من الولية دي!
اختطفت نظرة حاقدة نحو "حمدية" التي وقفت تشكوها لعمها وابنه، عادت لتحملق في وجه زوجها الذي أكد لها بنبرة مبنية على يقين صريح:
-إن شاءالله براءة أمك على إيدي.
لم يستطع كبت شكوكه لأكثر من هذا، فمنذ ليلة العزاء، وأفكاره عن وجود رابط خفي يجمع بينها وبين الطفلة لم يفارق تفكيره، لم يسترح لتصرف "حمدية" الانفعالي الزائد، والذي نم آنذاك عن معرفة مسبقة بالضحية وابنتها، وإلا لما بدت على تعبيراتها الهائجة كل تلك الكراهية غير المفهومة، لطفلة لم ترها مسبقًا أو تتعرف إليها! احتفظ بصمته، وبأفكاره المتشككة لنفسه إلى أن وجهت اتهاماتها الصريحة، لحماته المغلوبة على أمرها. تأكد حينئذ من احتمالية تورطها في قضية القتل بدرجةٍ كبيرة، وإن لم يمتلك بعد الدليل المادي الملموس على هذا. خرج "هيثم" عن صمته، وقطع الردهة الطويلة أشواطًا بخطواته المتسعة والسريعة، ليعود إلى غرفة المحقق، قاصدًا مقابلته، وإعلامه بما غفل عنه الآخرين، عل بحديثه هذا يضع الأمور في نصابها الصحيح ........................................................... !!!
.........................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثاني عشر 12 - بقلم Manal Salem
في البداية شكرًا على دعوات حضراتكم الطيبة بالشفاء، وباعتذر عن تأجيلي بالأمس لتعبي الشديد..
الحمدلله أنا النهاردة أحسن شوية، وحاولت استغل وقتي كده بكتابة جزء من الفصل، اعذروني لو كان قصير، بس ده شيء تعويضي بسيط ..
قراءة ممتعة
الفصل الحادي والثمانون
إنجابها لا يعني بالضرورة عشقها لصغارها، ورغبتها في الفوز بلقب الأم الحنون؛ لكنه كان لإثبات أن بأحشائها أرض تصلُح للإنبات، ولهذا ألقت بعبء تربية أولادها على شقيقة زوجها، فكانت الأخيرة لهم أمًا بلا رحم، وكانت الأولى لقبًا بلا حق. وقفت "حمدية" في مكانها، وتركيزها بالكامل على "اسماعيل"، تشكو له هوانها المستضعف، ووحدتها القاتلة، علَّه يشفق عليها بعاطفةٍ تمنت أن تكون لها يومًا، لهذا لم تنتبه لـ "هيثم" الذي هرول ركضًا لمقابلة المحقق دون ميعادٍ مسبق، مُصرًا بحزم على البوح بشكوكه إليه.
في الطرف الآخر من الردهة الطويلة، استندت "همسة" بظهرها على الحائط الرمادي البارد، تحملق في بابٍ أُغلق خلف زوجها، تدعو الله بإخلاصٍ شديد، أن يجعله أحد أسبابِ نجاة والدتها، تأهبت في وقفتها وقد رأت شخصًا يرتدي حلة رسمية، يُعرف بنفسه كمحامٍ مكلف بمتابعة تحقيق أمها، ذاك الذي أرسله "بدير" للوقوف إلى جوارهما، تهللت تعابيرها المتجهمة قليلاً؛ لكنها لم تتمكن من الحديث معه، بسبب دخوله للحجرة لمعرفة التفاصيل. ظلت باقية في مكانها تترقب خروج أحدهما من الداخل لطمأنتها؛ لكن اكفهرت ملامحها مع إزعاج "فضل" السمج لها، عندما سألها بسخافته غير المحتملة:
-واقفة لوحدك ليه؟ وفين النطع جوزك؟
رمقته بنظرة حادة، قبل أن ترفع إصبعها أمام وجهه تحذره، بجراءة تفاجأت من وجودها بها:
-"فضل" أنا مش ناقصة كلام يحرق الدم، ابعد عن وشي السعادي.
تحدث من زاوية فمه بمزيدٍ من الهراء المستفز:
-الحق عليا اللي سايب حالي ومالي وجاي أشوف اللي حصل لأمك.
ردت بحدةٍ أكبر:
-متشكرين، مكونتش تتعب نفسك.
ابتسم قليلاً، قبل أن يكمل ظرافته السمجة:
-وأديني جيت.. بس يكونش جوزك راح يجيب عيش وحلاوة، ما هو أمك باين هتطول في التخشبية كتير.
خرجت عن شعورها مع تهكمه الصارخ، وهاجمته بعصبيةٍ لفتت بها الأنظار:
-إنت إيه؟ معندكش دم؟ جاي تتريق على أمي وهي في الظروف دي؟
في تلك الأثناء، فُتح باب الغرفة، وخرج "هيثم" من الداخل، ليتفاجأ بانفعالِ زوجته، لم يضبط نفسه، أو يتريث لمعرفة التفاصيل، بل اندفع بغضبٍ شحذه ضده مسبقًا، نحو "فضل" ليلكزه بكوعه في أنفه، فآلمه بشدةٍ، وجعله ينزف الدماء من فتحتيه، ثم مد قدمه ليعرقله في لمح البصر من ساقه، وطرحه أرضًا، وسط ذهول المتواجدين. كان "هيثم" على وشك أن يجثو فوقه ليكيل له ما يستحق من لكماتٍ، لولا أن تجمع أفراد الأمن حوله، وفصلوا بينهم.
تدخل أحد الضباط متسائلاً بضيق، وبنبرته الجهورية:
-إيه المهزلة اللي بتحصل هنا؟
على الفور رد المحامي من ورائه معتذرًا، ومحاولاً فض الاشتباك قبل أن يتفاقم، ويتخذ شكلاً رسميًا لا داعي له الآن:
-أسفين يا فندم، ده سوء تفاهم بسيط.
اشتكى "فضل" للضابط بنواحٍ، وهو مستلقي على ظهره، وواضعًا يده على أنفه النازف:
-اثبِتي عندك يا حكومة، بأضرب وأتهان على أرضك.
التفت المحامي ناظرًا إليه، وحذره بلهجته الجادة:
-متكبرش الموضوع يا أستاذ.
رد بعنادٍ:
-هو كبر خلاص...
ثم هدر مناديًا والده الذي تفاجأ من الاعتداء على ابنه، متوقعًا أن يكون ابنه هو الطرف المستفز
-شوفت يابا؟ بيعمل إيه فيا النطع ده؟
هتف فيه "هيثم" متوعدًا إياه بشراسةٍ، وملوحًا بذراعه كتهديدٍ صريح:
-النطع ده هيقطع لسانك النهاردة.
هنا هدر الضابط بغضبٍ مبرر:
-هو أنا مش مالي عينكم؟
ثم أمر أحد رجالته بصرامته الواضحة:
-خدهم يا عسكري على الحجز لحد أما أشوف حكايتهم.
انزعج "اسماعيل" من قراره؛ وإن كان محقًا فيه، لعدم احترام كليهما لطبيعة الظروف، ومع هذا هتف معترضًا بما يشبه الرجاء:
-حقك علينا يا باشا، ده سوء تفاهم، وهيتحل.
قال له الضابط بوجهه المتجهم:
-إنتو في قسم، مش في سويقة!!
تجاهله مجددًا، ووجه أوامره للفرد الأمني:
-اتحفظ عليهم يا عسكري.
احمر وجه "اسماعيل"، واستدار نحو ابنه يدمدم بغيظٍ:
-عاجبك كده يا "فضل"؟
علق عليه ابنه بحدةٍ:
-ده أنا اللي مضروب يابا.
غمغم أباه في استياءٍ لا يخلو من التبرم:
-ما هي المشرحة ناقصة قُتلى.
وبالفعل حاوطت قوة بسيطة الاثنين، وتم اصطحابهما لغرفة أخرى، ريثما يتفرغ أحد الضباط للتحقيق في أمرهما.
....................................................
لم تتوقع أن يتم احتجازها هي الأخرى على ذمة التحقيقات، بعد نوبة الجنون الهيسترية التي أظهرتها للمحقق، على ما يبدو لم يأبه بكل ما قامت به، وأصدر أمره بإبقائها رهن الحجز، إلى أن يستكمل باقي التحقيق. وبين جدران تلك الحجرة، ذات الإضاءة الخافتة، افترشت النساء المحبوسات الأرضية والمصاطب الخشبية القصيرة، نظرة مذعورة كست وجه "حمدية" وقد دُفعت قسرًا للدخول إليها، انتفضت كالملسوعة نحو الباب المعدني وقت غلقه بصوتٍ قوي، تنظر إليه في صدمةٍ غير مصدقة، أن المطاف قد انتهى بها هنا، مع تلك النسوة العابثات، لحظة من الخوف القوي سرت في أوصالها، بلعت ريقها في حلقها الجاف، وسارت باحثة عن بقعة شاغرة لتجلس بها؛ لكن رؤيتها لـ "آمنة" تبكي في نفس الزاوية بمفردها، استفز غضبها، فهاجمتها دون مقدماتٍ، ملقية بكامل اللوم عليها:
-إنتي السبب في اللي احنا فيه؟ إنتي اللي خربتي حياتي وموتي عيالي
نظرت لها "آمنة" بذهولٍ وهي تكفكف عبراتها المنسابة، قبل أن تنطق بصوتها المرتعش، بما يشبه السؤال:
-أنا يا "حمدية"؟ ده ربنا وحده اللي عالم بيا، وبالقهرة اللي عايشة فيها، من يوم ما ....
قاطعتها بصوتٍ هادر، وهي تدنو منها لتتشاجر معها:
-اللي ماتوا دول عيالي مش عيالك، إنتي هيفرق معاكي إيه؟
تعلقت بياقتي عباءتها، جذبتها منها بعدوانيةٍ بحتة، لتجبرها على الوقوف، وأكملت إلقاء التهم عليها:
-وأخرتها اتحبس هنا بسببك إنتي وأخوك اللي اتجوز عليا.
دافعت عن نفسها بنبرتها المختنقة:
-أنا زيي زيك يا "حمدية"، معرفش حاجة عن جوازة "خليل" التانية، والله العظيم قلبي محروق على عيالك أكتر منك.
صرخت بها بانفعالٍ أشد؛ وكأن كل غضب الدنيا قد تجمع أمام عينيها في تلك اللحظة:
-كفاية مُحن بقى، وسهوكة، ناقص إيه تاني تاخديه مني؟
حاولت "آمنة" إبعاد يديها عنها؛ لكنها واصلت هزها العنيف، مع صياحها المستمر بها:
-قضيتوا عليا وضيعتوا شبابي وحياتي.
تدخلت بعض السيدات للفصلِ بينهما، وهتفت بهما واحدة بصوتٍ أجش تقريبًا:
-ما كفاية بقى يا نسوان، صدعتونا.
استدارت "حمدية" تطالع المرأة بعينين مغلولتين، واتهمت "آمنة" علنًا ببكاءٍ مصحوبٍ بالعويل:
-الولية دي قتلت عيالي، وعاملة فيها الملاك البريء، عايزني أسيبها إزاي؟
بمكرها الخبيث نجحت في شحن النساء الآخريات ضد تلك المغلوبة على أمرها، وبدأن في التكالب ضدها، وأوشت إحداهن عن ضربها، لولا أن تدخل أحد الضباط في اللحظة الأخيرة، بعد ارتفاع الصخب داخل غرفة الاحتجاز، فأصدر أوامره الصارمة بعدم تعرض أي واحدة للأخرى، وإلا لتلقت عقوبة قاسية، تُضاف إلى ملف تهمها، فأتي تهديده الصريح بنتائجه السريعة، وجلست النساء ملتزمات الصمت، رغم احتقان النفوس. وبصوتٍ لم يخرج من جوفها، رددت "آمنة" في عجزٍ يائس:
-عملتي إيه يا "آمنة" في دنيتك، عشان يحصلك ده كله؟
........................................................
بصعوبةٍ تمكن من إقناعها، لتتخلى عن رأيها العنيد، وتعود معه إلى منزل عائلة "سلطان"، بحجة رؤية الطفلة التي تحتاج إليها؛ لكنها كانت وسيلته لإبعادها عن القسم الشرطي، بعد التصالح الودي بينه وبين السمج "فضل"، لكون تواجدها هناك لا طائل منه. لم تجلس "همسة" منذ أن وطأت المنزل، وأصرت على أخذ الصغيرة "رقية"، رغم استغراقها في النوم في غرفة "هاجر" مع رضيعها. اعترض عليها "بدير" قائلاً بصوته الرخيم:
-يا بنتي ماينفعش كده.
تشبثت بعنادها، وقالت:
-معلش، خلوها تصحى، وأنا هاخدها ونفضل قصاد القسم، مش هاسيب أمي لوحدها.
أخبرها "بدير" بتمهلٍ، علّها تنصت لصوت العقل، وتتوقف عن التصرف هكذا:
-وهي مش لواحدها، المحامي قال ده إجراء طبيعي في الظروف دي، وحتى مرات خالك محبوسة معاها، هنعمل إيه تاني؟
ردت عليه بتزمتٍ:
-ماليش دعوة بيها، أنا كل اللي يهمني أمي.
هتف "بدير" بزوجها طالبًا منه دعمه:
-ما تعقل مراتك يا ابني.
قال بيأسٍ:
-غلبت معاها يا جوز خالتين هي راكبة دماغها.
هز "بدير" رأسه للجانبين، وعلق بعد زفيرٍ طويل:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، طب اطلعي شقتك فوق لحد ما أتصرف، وأكلم ناس حبايبي، جايز يقدروا يساعدوا.
جاءه ردها الأكثر عندًا عن ذي قبل:
-أنا عايزة أكون جمب أمي، مش هاروح في حتة إلا القسم.
غمغم في نفاذِ صبرٍ:
-أنا مش حِمل مناهدة في السن ده.
لاحظ "هيثم" علامات الضيق البادية على وجه زوج خالته، فألح على زوجته بلطفٍ، محاولاً استمالة رأسها المتيبس:
-اسمعي الكلام يا "همسة"، وتعالي معايا.
نطقت بألمٍ ومرارة، وعيناها تفضيان بدموعٍ لا حصر لها:
-يا "هيثم" ماما مش وش بهدلة، بقى أخرت المتمة تروح أقسام وتنام مع المجرمين؟ الله أعلم عاملين فيها إيه دلوقتي.
حز في قلبه أن يراها هكذا، ويقف مكتوف اليدين، فربت على كتفها برفقٍ، ورجاها:
-طب إهدي، كل اللي إنتي عايزاه هنعمله.
من الداخل أتت "ونيسة" وهي تحمل كوبًا يحوي مشروبًا باردًا، قدمته إلى "همسة" وهي تصر عليها:
-خدي اشربي العصير ده يا بنتي.
رفضت تناوله، وقالت بنحيبٍ:
-مش عايزة حاجة.
أصرت عليها، وأجبرتها على ارتشاف ما به بحنوها الأمومي:
-اسمعي بس الكلام، والله هازعل منك.
رغمًا عنها تناولت الكوب منها، وبدأت في تجرع ما به، لم تشعر بمذاقه الحلو، فالعلقم المنتشر في حلقها غطى على أي حلاوة به، التفتت بعدها تتطلع إلى "بدير" الذي شغلها بحديثه، فمالت "ونيسة" على "هيثم" تهمس له بصوتٍ خفيض:
-بأقولك إيه، أنا دوبتلها في العصير قرص منوم.
برقت عيناه، واستدار برأسه نصف استدارة مبديًا اندهاشه بتصرفها، فتابعت:
-كده أحسن بدل ما تفضل في المناحة دي للصبح.
أخفض نبرته معقبًا عليها في استحسانٍ:
-خير ما عملتي يا خالتي.
أوصته بصوتها الخافت:
-إنت وشطارتك تخليها تشربه للآخر.
رد مؤكدًا، بابتسامةٍ أخفاها جيدًا:
-حاضر.
وقبل أن تفكر زوجته في التوقف عن تناول مشروبها، تقدم نحوها، وحاوط كفها الممسك بالكوب، ليرفعه إلى شفتيها وهو يصر عليها:
-اشربي يا "همسة"، دي شوية مياه.
لم تجادله، وتجرعت كامل ما في جوفها، شاعرة بثقلٍ خفيف يزحف نحو عينيها، التقط منها الكوب الفارغ بعد ارتشافه، وأجلسها على الأريكة مدعيًا حديثه الجاد عن قضية والدتها، إلى أن غامت الصور في عقلها، وغفت بعد دقائق، مستسلمة لتأثير النوم الإجباري الذي فُرض عليها. تعجب "بدير" مما أصابها، وتساءل:
-إنتو عملتوا فيها إيه؟
أجاب "هيثم" مبتسمًا في امتنانٍ:
-دي خالتي الله يباركلها.
تفقه ذهنه سريعًا للتفسير الغامض لحالتها، وسأل زوجته ليتأكد من شكوكه:
-إنتي إديتها يا "ونيسة" من اللي الأقراص بتاعتك؟
قالت ببساطة:
-مش كده أحسن يا حاج.
أومأ برأسه موافقًا، وأضاف:
-أيوه، خد يا ابني مراتك على شقتكم، ولينا كلام تاني لما المحامي يشوف تفاصيل حكايتها إيه.
رد "هيثم" بانصياعٍ واضح:
-ماشي يا جوز خالتي.
وقبل أن يحمل زوجته، أخبرته "ونيسة" بنوعٍ من التعاطف:
-خلي البت "رقية" بايتة هنا، دي أخدت بحس "هاجر" من ساعة ما جت.
علق عليها "بدير" بدهشةٍ:
-سبحان الله، مين كان يصدق إن "خليل" متجوز وعنده بيت تاني.
هتفت زوجته في استنكارٍ:
-ولا كان يبان عليه، وربنا عاطيله بدل العيل تلاتة.
اختتم "بدير" الحديث في شأنه بقوله الحاسم:
-محدش عارف الظروف إيه، فُضنا من سيرته، والله يصلح حال عبيده، بنته أمانة عندنا لحد ما نشوف الليلة هتسرى على إيه.
أكدت عليه زوجته:
-اطمن يا حاج، دي في عينيا.
لم يجد "هيثم" ما يخبرهما به، فكلمات الشكر تعجز أمام عطائهما اللا محدود، وسعيهما الدائم في تقديم الخير للغرباء قبل الأقرباء، وهذا ما كان يجهله عنهما! دومًا كانت تبث والدته في نفسه بذور الكراهية والحقد نحوهما؛ لكنهما كانا ومازالا –رغم كل شيء- أبعد ما يكون عن تلك السمات الخبيثة! وبحذرٍ واضح عليه، مرر ذراعيه أسفل جسد زوجته، حملها برفقٍ، متجهًا بها نحو باب المنزل، ومن خلفه خالته، سبقته قبل أن يصل إليه لتفتحه له، وأوصته للمرة الأخيرة؛ كما لو كانت متنفسها لتتحدث بنوعٍ من التورية، عن ابنتها المتألمة بالداخل:
-خد بالك منها يا "هيثم"، دي غلبانة، واحنا عندنا ولايا زيها.
أبعد نظراته عنها، ليحملق في وجه "همسة" النائم، وقال بحبٍ لا يحتاج لإثباتٍ مادي ملموس:
-أنا مش محتاج توصية على مراتي، هي في عينيا.
.................................................................
آخر ما تذكره قبل أن تستفيق من سباتها الذي شعرت أنه كان عميقًا، غريبًا، وربما امتد لساعاتٍ أطول من المعتاد، أنها عانتٍ من ألم مبرح، صاحبه إضاءة بيضاء طغت على عقلها، كصاعقة برقٍ مباغتة، قبل أن تختفي عنها المشاهد كليًا، ويتحول كل شيءٍ للإظلام. تململت "فيروزة" في فراشها الغريب، محاولة إجبار عينيها على اعتياد الإنارة القوية، تأويهة متألمة تسللت من بين شفتيها، تكررت بأنين موجوعٍ، وقد شعرت بمطارقٍ عنيفة تدق في رأسها، رفعت ذراعها ببطءٍ للأعلى، فالتقطت نظراتها المشوشة إبرة طبية موصلة بها، تغاضت عنها مؤقتًا، وأكملت طريقها للأعلى لتتحسس جبينها، شعرت بقماشٍ ما يحاوطه، فتساءلت مع نفسها بحيرة:
-هو إيه اللي حصل؟
لحظات من التفكير والصمت مرت عليها محاولة استعادة ذاكرتها، تأملت الغرفة المتواجدة بها حاليًا، لم تكن فيما يُعتبر مكان إقامتها الحالي، بل الأدق أن يُقال أنها كانت فيما يشبه غرفة بالمشفى، بسبب التجهيزات الموجودة بها، مع انتشر لبعض المعدات الطبية بها، استرعى الأمر كامل انتباهها، وبدأت في اعتصار ذاكرتها لتستعيد ما هو منقوص عن المشهد، بعد محاولات مضنية تسربت إليها ذكرى مشادتها الأخيرة مع "آسر"، حينما استفزها الأخير بتلميحه القذر عن نشر مقاطعًا مزيفة لها، قبل أن تخرج عن شعورها، وتدمر حاسوبه المحمول. انتشلها من سرحانها العميق صوتًا بدا مشابهًا للغتها، وهو يقول:
-حمدلله على السلامة يا مدام "فيروزة".
وقع لقب (مدام) مع اسمها بدا شاذًا على مسامعها، ومع هذا التفتت نحو صاحب الصوت الذكوري، وسألته بحشرجةٍ بائنة في صوتها:
-إنت مين؟ وأنا بأعمل إيه هنا؟
تأملته بعينين فضوليتين، فرأته يرتدي زيًا طبيًا، ويراجع الأوراق المعلقة في حاملٍ معدني على حافة فراشها، توقف عن المطالعة، ونظر إليها مبتسمًا، ليعرف بنفسه بودٍ لطيف:
-أنا الدكتور "هاني" المتابع لحالتك هنا.
على الفور لاحقته بسؤالها المليء بالاستغراب:
-وأنا إيه اللي جابني هنا؟
بخطواتٍ متمهلة اقترب من فراشها، وأخبرها:
-جوزك.
تعقدت تعبيراتها بوجوم سقيم، فواصل إطلاعها على المزيد من الحقائق الغائبة عنها:
-إنتي بقالك هنا حاولي 10 أيام.
حلت الدهشة المصدومة على تعبيراتها، وكذلك نظراتها إليه، تحرك فكها ليهتف في ذهولٍ:
-إيه؟ 10 أيام؟ مش معقول.
تعمد أن يكون بطيئًا في حديثه وهو يتابع إعلامها بالمزيد مما تجهله:
-ده اللي حصل، جوزك نقلك على هنا، وقال إنك اتزحلقتي لما كنتي بتنضفي الشقة، وخبطتي دماغك جامد.
أنكرت بعصبيةٍ آلمت رأسها:
-محصلش.
أشار لها بيده لتهدأ، وقال:
-أنا عارف
ضاقت عيناها بشكٍ، فأكمل تفسيره ليزيح الغموض السائد في الأجواء:
-اللي قصادك دكتور، وفاهم شغله كويس، وفي فرق أكيد بين حد اتزحلق، ومحاولة قتل، ده غير إن "كاران" حاكيلي عن ظروفك.
رددت في صدمةٍ أخرى:
-"كاران"؟
حرك رأسه بالإيجاب، وقال:
-أيوه...
تابعته بنظراتها المتوترة، وهو يتحرك ليقف على رأس فراشها، قبل أن يضيف:
-مدام "فيروزة"، أنا هنا عشان أساعدك.
لعقت شفتيها، وتساءلت في ارتباكٍ:
-أنا مش فاهمة حاجة، تساعدني إزاي؟
قال مبتسمًا في ثقةٍ:
-اللي هيفهمك أكتر على كل حاجة شخص جالك مخصوص، ومنتظر اللحظة دي أكتر من جوزك نفسه.
كان محقًا في كلماته الأخيرة، فعلى الأغلب يريد زوجها هلاكها ليفلت من جريمته النكراء، ويُصدق الجميع أكذوبته بأنها زلت قدمها حينما كانت تنظف المنزل، تركت أفكارها الحائرة جانبًا، وتساءلت بفضولٍ كبير عن هوية الزائر الغامض:
-مين ده؟
رد دون أن تفتر ابتسامته:
-المقدم "ماهر".
اتسعت عيناها أكثر وهي تهتف في اندهاشٍ عجيب:
-بتقول مين؟
تابع مفسرًا لها:
-"كاران" تواصل مع سفارة بلدك، وتقريبًا القدر كان مرتبلك لقاء بيه معاه، لأنه كان بيحاول يوصلك بأي شكل.
احتفظت بملامحها المدهوشة وهي تحاول استيعاب الأمر، بينما أكمل "هاني" مشددًا عليها:
-أنا عايزك ترتاحي لحد ما أتصل بيه عشان يجي يقابلك .. هنا!
مزيدٌ من أمارات الدهشة ارتسمت على ملامحها المتعبة، ومع هذا قابلها بعبارته المؤكدة:
-واطمني جوزك مش هايعرف إنك فوقتي، إنتي بالنسباله لسه في غيبوبة.
تراءى لها -رغم قلقها والهواجس المستبدة بها- أن "كاران" لم يتخلَ عن وعده بمساعدتها، وإنقاذها من براثن شخصية وضيعة كزوجها، منحها كل الدعم لإبقائها في أمانٍ، وإن كان بتوفير مساعدة خفية من هذا الطبيب الغريب كليًا عنها، ناهيك عن النجدة الأخرى القادمة إليها، والمتمثلة في وجود الضابط "ماهر"؛ وإن لم تعلم بعد السبب الحقيقي لقدومه .......................................... !!!
.....................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثالث عشر 13 - بقلم Manal Salem
قراءة ممتعة
الفصل الثاني والثمانون
رغبته في تجنيد فئة جديدة، تنضم للعمل معه، وفق شروطه الصارمة، قد أصبح أمرًا مؤجلاً حاليًا، بعد تدهور الأعمال مؤخرًا، وتعليق بث الجديد من المحتوى المثير على موقعه. فرك "آسر" رأسه بيده، محاولاً البحث عن وسيلة لتعويض الخسائر المتزايدة، خاصة بعد أن رأى انخفاض الأرباح، والمشاهدات عليه؛ لكن تعذر عليه الوصول للحل السحري، في وقت قياسي. تلفظ بسبةٍ لعينة، وأغلق الحاسوب النقال في عصبيةٍ، ليريح ظهره للخلف، على الأريكة الجالس عليها. تحرك بؤبؤاه نحو بقعة الدماء الجافة، التي ما زالت آثارها باقية على السجادة، ليعود بذاكرته لأيامٍ مضت، حينما تهورت "فيروزة" وسكبت القهوة الساخنة على لوحة مفاتيح حاسوبه القديم، في لحظة هوجاء منها.
آنذاك خرج عن شعوره، واختطف الفنجان من يدها، ليقبض عليه، ثم رفعه للأعلى، وانهال به على جانب رأسها في ضربة عنيفة مباغتة، جعلت نظراتها تبرق، وجسدها يتصلب. كرر الضربة بقساوةٍ أشد، فترنحت على أثرها، وتفجرت الدماء من رأسها، طُرحت أرضًا، وسكنت أطرافها، ركلها بقدمه في جانبها وهو يصرخ بها بوعيدٍ مُهلك:
-أنا هوريكي أيام سودة!
لكزها بعنفٍ مرة أخرى، على أمل أن تنتفض بألمٍ؛ لكنها بقيت ساكنة، تأملها بنظراتٍ محتقنة، مليئة بالغضب والغيظ، سريعًا ما تبدلت للقلق والارتعاب، مع ظهور بركة من الدماء أسفل رأسها، خشي أن تكون ضرباته العنيفة قد أحدثت الأسوأ، جف حلقه، وانحنى جاثيًا إلى جوارها، ناداها بصوتٍ أظهر خوفه على نفسه:
-"فيروزة"! بلاش الحركات دي!
وضع يده على كتفها يهزها منه، بقيت كما هي، لا حراك في جسدها، شحب وجهه، وحملق فيها بنظراتٍ مذعورة، دقق النظر في جرح رأسها، كان غائرًا، مخيفًا، الدماء تتدفق منه، تراجع في ذعرٍ، ومد إصبعيه نحو عنقها، ألصقه به متفقدًا نبض قلبها، شعر بوجوده، فتنفس الصعداء، وتساءل بأنفاسٍ مضطربة:
-العمل إيه دلوقتي؟
شعر بتلاحق دقاته، وقد تدارك حجم الكارثة التي زج بنفسه فيها، غمغم في هلعٍ:
-أنا كده هاروح في داهية! والناس في البلد دي مابترحمش.
أعمل عقله بكامل طاقاته، محاولاً إخراج نفسه من تلك الورطة المهلكة، توهجت نظراته حينما طرأ بباله أن يحول المسألة برمتها لحادثة عرضية غير مقصودة، لا دخل له بها، ومُلقيًا باللوم عليها، لإهمالها في الانتباه لنفسها، لهذا قام "آسر" بتعديل وضعية جسدها، فأمسك بها من كتفيها، وقلبها على بطنها، لتبدو كما لو أنها تعرقلت في خطواتها، دون وعيٍ، فانكفأت على وجهها. نهض من جوارها، واتجه بخطوات شبه راكضة نحو الحمام، جال بنظراتٍ سريعة باحثًا عن الدلو الفارغ، وجده في الزاوية، فأمسك به، وملأه بالمياه، ثم أضاف مقدرًا كبيرًا من مسحوق الغسيل، ليحمله بعد ذلك نحو الخارج.
وقف بجوار جسدها المستكين، نظرة أخرى ألقاها عليها، قبل أن يشرع في تنفيذ باقي خطته، حيث ألقى بكميةٍ لا بأس بها على الأرضية، لتصبح زلقة للغاية، وبحذرٍ انحنى مجددًا عليها، قاصدًا نزع ثيابها الفوقية عنها. تعمد "آسر" أن يخفف من ثيابها المحتشمة، لتظهر نوعًا ما على أريحيتها، بقميصٍ منزلي قصير، شبه عاري، وكأنها كانت منهمكة في تنظيفها للمنزل بحريةٍ كبيرة، غير مكترثٍ بما يظهر من جسدها للغرباء حينما ينظرون إليها، لتكون تلك وسيلته الرخيصة لتشتيت الأنظار عنه. لم ينسَ كذلك إحضار الممسحة، ورفع بعض الأثاث، ليظهر المشهد منطقيًا. انتبه كذلك لفنجان القهوة الملوث بدمائها، أخذه إلى حوض المطبخ ليغسل الآثار من عليه، ثم نزع ثيابه عنه، وولج إلى الحمام مجددًا ليبلل كامل جسده بالمياه، فيبدو كمن انتهى لتوه من الاستحمام.
وما إن تأكد من إنجاز خطواته بالترتيب، حتى لف جسده بمنشفة قماشية، ثم سحب نفسًا عميقًا استعاد به انضباط أعصابه المرتبكة، وبدأ يهلل في فزعٍ؛ وكأنه قد تفاجأ بما أصابها:
-"فيروزة" حبيبتي، إيه اللي حصلك؟
تعمد أن يجثو إلى جوارها لتبتل المنشفة مكان ركبتيه، ثم نهض من مكانه، وهرول نحو باب المنزل مكملاً صراخه المستنجد باللغة الانجليزية:
-النجدة! أريد المساعدة هنا، زوجتي فاقدة للوعي.
في أقل من دقيقة نجح في إحداث جلبة بالمكان، وتجمع في منزله بعض الجيران، ينظرون في فضولٍ للجسد الساكن على الأرضية؛ لكن لم يجرؤ أحدهم على لمسها أو تحريكها، انضم إليهم الحارس الأمني "كاران"، اخترق الكتل البشرية، ليجد جسدها مستلقيًا في وضعٍ أقل ما يمكن وصفه بأنه مخيف. اعترته صدمة مرتاعة عليها، متوقعًا ألا تكون تلك الحادثة عابرة أو بمحض الصدفة، عكست نظراته المسلطة على وجه "آسر" شكوكه الكبيرة نحوه. لم يضيع الوقت، وهاتف الإسعاف على الفور، آملاً ألا يكون قد تأخر كثيرًا على إنقاذها.
استفاق "آسر" من شروده على رنين هاتفه المحمول، التفت برأسه نحو الجانب، والتقطه من جيبه، لينظر إلى شاشته، تجهمٌ عظيم استبد بكامل وجهه، دمدم بلفظة مزعوجة، قبل أن يجيب على الاتصـال:
-مرحبًا سيدي.
تلقى توبيخًا من الطرف الآخر، جراء الخسائر المتوالية، فقال بنوعٍ من التعهد:
-سأعوض كل شيء، فقط أمهلني بعض الوقت.
اخترق الصوت الغاضب أذنه قائلاً له:
-إن لم تصلح الأمر سريعًا، ستكون نهايتك!
وقبل أن يستجدي رب عمله أنهى المكالمة معه، لتزداد تعابيره إظلامًا، قذف بالهاتف في عصبيةٍ على الأرضية، وهتف في غضبٍ:
-هو أنا ناقص! هلاحق على إيه ولا إيه؟!!!!
.............................................................
-كيف حالك الآن؟
تساءل "كاران" بتلك الكلمات المهتمة، بعد أن أخبره الطبيب "هاني" باستعادة "فيروزة لوعيها، ليأتي على الفور لزيارتها، محتفظًا لنفسه بتلك الأخبار السارة، وملتزمًا بالتعليمات المشددة حول التكتم على خبر إفاقتها. نظرت في اتجاهه بعينين تعكسان حملاً ثقيلاً من الهموم، قبل أن تتقوس شفتاها لتظهر بسمة امتنانٍ له وهي ترد:
-بخير.
حاول أن تكون جملته التالية بلغتها الأم، عندما تعهد لها:
-سينال الحقير عقابه.
أطبقت على جفنيها في ألمٍ، مقاومة انجرافها وراء ذكريات إهدار حريتها مع شبيه البشر المسمى بزوجها. فتحت "فيروزة" عينيها، ونظرت ناحيته، لتردد بقليلٍ من التفاؤل:
-أتمنى.
قاطع حديثهما دخول الطبيب "هاني" لغرفتها، أبصرت ابتسامته البشوش المحتلة وجهه، في حين ألقى الأخير نظرة مهتمة عليها وهو يسألها:
-إيه أخبارك يا مدام "فيروزة"؟ حاسة بإيه النهاردة؟
ردت بتنهيدة بطيئة:
-الحمدلله.
لثوانٍ تفقد الأوراق المثبتة في الحامل المعدني على حافة فراشها، وقال بهدوءٍ:
-التقارير بتقول إنك في تحسن..
لم تنطق بشيء، فاستأنف قائلاً، وعيناه تتطلعان إليها:
-قريب هتخرجي من هنا.
عكست تعبيراتها وجومًا مغلفًا بالألم، فأكد عليها بلهجةٍ غير ممازحة:
-بس مش هترجعي عند الحيوان اللي متجوزاه.
قالت بانهزامٍ، وهي تطرق رأسها للأسفل:
-أنا عايزة أرجع بلدي.
-هايحصل يا "فيروزة"!
رفعت رأسها فجأة للأعلى، بعد سماعها لتلك الجملة، من صوتٍ كان مألوفًا كليًا لها، ارتسم الارتياح على ملامحها الذابلة، وقد رأت الضابط "ماهر" يلج إلى الغرفة، رفرفت بعينيها لتتأكد أنها لا تتوهم وجوده، اضطربت أنفاسها، وهتفت تناديه غير مصدقة أنه هو:
-"ماهر" بيه!
قال "هاني" بابتسامة عريضة، بما يشبه التساؤل:
-إيه رأيك في المفاجأة دي؟
شعرت بوخزٍ في عينيها مصحوبًا بحرقةٍ بسيطة نظرًا لتجمع العبرات فيهما، لم تخجل من هذا، فبعد معاناتها المتواترة، كانت بحاجة للبكاء والتنفيس عن مشاعرها المكبوتة، كذلك تلقيها لكل تلك المساعدات، من هؤلاء الغرباء عنها، جعلها أكثر حساسية عن ذي قبل. تحرك "ماهر" نحو فراشها، ليبدو قريبًا منها، دارت نظراته على آثار الكدمات الظاهرة على ذراعيها، فلم تشفَ بعد كامل تورماتها القديمة، استنشق الهواء، ونطق بهدوءٍ أخفى خلفه ضيقه الشديد:
-سلامتك يا "فيروزة".
افتقرت للشجاعة لتشكو له جريرة سوء اختيارها، لزوج لم يعاشرها بالمعروف، ولم يمنحها سوى الألم والقسوة؛ لكنه بادر بإزالة حاجز الصمت الواضح، ليتطرق لهذا الموضوع الحرج، بإخبارها:
-"آسر" خدعنا كلنا زي ما خدعك يا "فيروزة"، مش إنتي بس اللي ضحيته.
بجهدٍ لا بأس به كبحت رغبة غريزية في البكاء، وسحبت نفسًا عميقًا تُحجم به مشاعر ضعفها. استقام "ماهر" في وقفته، ووعدها مرة أخرى:
-وقريب هتاخدي حقك منه، بس...
بتر جملته قبل اكتمالها مما أصابها بالقلق، رفعت عينيها إليه، وسألته بقلبٍ يدق في خوفٍ:
-بس إيه؟
لم يكن من السهل عليه إطلاعها على القادم؛ لكن لا مفر، حتى تسير خطته على ما يرام .. بدت ملامحه مزعوجة، واكتسب صوته لمحة من الضيق وهو يجيب عليها:
-لازم ترجعيله مؤقتًا.
هتفت رافضة دون منح نفسها أي فرصةٍ للتفكير:
-مش هايحصل!!!!
تفهم عزوفها المنطقي عن العودة إليه، ومع هذا تمسك بطلبه قائلاً:
-عشان يتحاسب على كل جرايمه معاكي ومع غيرك، أنا محتاج إنك تتعاوني معايا، ورجوعك ليه هيسهل علينا نوصل لأدلة تدينه في جرايم تانية، توصله لحبل المشنقة.
تشبثت برفضها الشديد، لتصيح بتشنجٍ:
-أنا مش هارجعله تاني، ده كان هيقتلني.
رد بتريثٍ:
-عارف ومقدر...
اِربدت بشرتها بحمرةٍ محتقنة، بينما اكتسب صوته إيقاعًا جادًا وهو يتابع:
-إنتي مش لوحدك، كلنا معاكي، في تعاون كامل بين الجهات الرسمية لحمايتك، وفي نفس الوقت تكليف بالقبض على "آسر" واللي وراه.
ضغطت على شفتيها بقوةٍ؛ لكن نهج صدرها في انفعالٍ. راقب "هاني" اضطراباتها باهتمامٍ، وتحولت أنظاره نحو "ماهر" الذي واصل حديثه:
-واحد زيه مش هايكون شغال لوحده، في رؤوس كبيرة بتحركه.
تمسكت برفضها، وهتفت بصوتٍ متألم:
-يا "ماهر" بيه أنا غلطت مرة لما سكت عن اللي عمله فيا، و"كاران" شاف أذيته ليا، مش هاضيع حقي تاني.
رد "كاران" مؤمنًا على أقوالها:
-نعم، لقد تآذت بشدة، لا يمكن عودتها إليه.
رمقه "ماهر" بنظرة ضائقة، قبل أن يبعد عينيه عنه، لينظر إليها برجاءٍ، فامتناعها عن التعاون معه، سيزيد الموقف صعوبة، طرد الهواء من رئتيه، وقال على مهلٍ:
-صدقيني مش هايلمس شعرة منك.
علقت عليه بتهكمٍ ساخط:
-إزاي إن شاءالله؟
قال بغموضٍ مثير للفضول:
-بالخدعة يا "فيروزة".
لم تبدُ مهتمة بمعرفة التفاصيل، وصاحت معلنة تمسكها برغبتها في الرحيل:
-أنا مش عايزة غير إني أرجع لأهلي.
تعهد لها بجديةٍ تامة:
-والله كل ده هيتم، بس لما نقبض عليه.
حملت نبرتها طابعًا من السخرية وهي تعقب عليه:
-إذا كان الشرطة مش عارفة تمسكه، أنا اللي هاعرف؟!
تغاضى عن استهجانها قائلاً:
-أيوه، وبدون أي مجهود.
تساءلت بتبرمٍ:
-فزورة دي؟
أجابها نافيًا:
-لأ، حاجة بسيطة جدًا.
قطبت جبينها بعبوسٍ، واستدارت برأسها في اتجاه "هاني" الذي أردف مسترسلاً في شرح معالم الخطة الغامضة:
-مدام "فيروزة" احنا هندعي إنك فقدتي الذاكرة مؤقتًا، مش فاكرة أي حاجة سوى إن جوزك بيحبك.
استنكار ممتزج بالنفور اعتلى تعبيراتها، احتدت نظراتها نحوه، وهتفت في دهشةٍ لازمها الازدراء:
-نعم؟!!
..................................................
على الرغم من توفير ما يلزمها من احتياجات أساسية، مع معاملة لائقة، تهون عليها لياليها القاسية، إلا أن بقائها في مكانٍ يعج بأمثال معتادي الإجرام كان لا يليق بسيدة مثلها، لم تجابه شيئًا مذلاً كهذا طوال حياتها. وضعت "همسة" يدها على كف والدتها المسنود على حجرها، مسحت عليه بحنوٍ، وخنقت دموعها التي تنازع للتحرر من حدقتيها، قبل أن تنطق بتفاؤلٍ لم يكن مقنعًا:
-هانت يا ماما، هتخرجي قريب
سحبت يدها من أسفلها، وقالت بنبرتها البائسة:
-مش باينلها يا "همسة" خروج.
بلعت الغصة العالقة في حلقها، ورسمت بسمة لطيفة على محياها، لتضيف بعدها:
-متخافيش يا ماما، المحامي قالنا إن دي إجراءات لازم تتعمل في القضايا اللي من النوع ده.
ردت عليها بتحسرٍ لا يخلو من الاستهجان:
-شوفتي مرات خالك؟ عمالة تقول إيه للكل؟
هتفت في حنقٍ مغلولٍ ضدها:
-تقول اللي هي عايزاه، المهم النتيجة في الآخر.
أكدت عليها "آمنة" من جديد:
-اقسم بالله يا بنتي ما أعرف حاجة عن مراته التانية، ولا عمري حتى شوفتها.
تعقدت تعبيراتها، وصاحت بضيقٍ:
-هو أنا مش عارفاكي يا ماما،؟ ده مافيش أغلب منك...
تضاعف الحزن على وجهها، فأضافت مهونة عليها الأمر:
-إن شاءالله ربنا هيظهر براءتك قريب.
تنهدت قائلة بإحباطٍ بائن عليها:
-يا رب.. عشمي فيه كبير...
للحظة صمتت "آمنة" عن الكلام، لتتساءل بعدها بقلبها الملتاع:
-"فيروزة" كلمتك؟
أجابتها "همسة" نافية:
-لأ لسه.
أخبرتها بهاجسٍ ما زال يراودها إلى الآن:
-والله أنا حاسة إنه جرالها حاجة، مكانتش بتغيب عنا المدة دي كلها.
أخفت ابنتها قلقها هي الأخرى عليها أيضًا، لتقول بوجهٍ عابس؛ وإن كانت نبرتها تُظهر العكس:
-إنتي في إيه ولا إيه يا ماما؟ خلينا نطلعك من هنا، وبعد كده نشوف أحوالها.
اكتفت بهز رأسها، وأخفضتها محدقة في علب الطعام الموضوعة أمامها، لم تتناول سوى لقيماتٍ معدودة مما أحضرته لها، فمن لديه الشهية ليأكل في مكانٍ كهذا؟!
.......................................................
أعطى إشارته للمعاون الجالس إلى مسافة قريبة منه، ليبدأ في تسجيل أقواله، بعد سماح الطبيب له باستجوابه؛ وإن تعذر الحصول منه على ردود واضحة. تطلع المحقق إلى "خليل" المستلقي على ظهره، بقيت أنظاره عليه عندما استطرد يسأله بلهجة جادة:
-أستاذ "خليل" بتشك في حد معين يكون ورا قتل المرحومة "سماح"
نحيبٌ خافت صدر منه لسماعه لهذا اللقب الموجع، ففراقها ما زال يؤثر به كثيرًا. أعاد المحقق كلامه:
-عايزك تهدى كده، وتركز، عشان تقدر ترد على أسئلتي..
بالكاد سيطر على نوبة بكائه، والمحقق يكمل بهدوءٍ:
-خلينا نوصل للي عمل فيها كده، ويتعاقب على جريمته.
منحه "خليل" إشارة من عينيه، كتعبير عن تجاوبه معه. لفظ المحقق الهواء من صدره، وسأله بصيغة أخرى:
-تفتكر مين ممكن يأذي مراتك؟
أظهر صعوبة في الرد عليه، عندما حرك شفتيه ليقول:
-مـ..عرفـ..ش.
هز رأسه بإيماءة روتينية، وتابع أسئلته له:
-الجيران بيقولوا إن في واحدة زارت مراتك قبل وفاتها بحاجة بسيطة، عندك خبر عن الموضوع ده
انعكست علامات الاستغراب على محياه، فنادرًا ما كانت تستقبل زوجته الراحلة أحدًا في منزلهما، لعق شفتيه، ورد نافيًا:
-لأ
أكمل المحقق استجوابه الرسمي، وقال بنظراتٍ ثاقبة؛ وكأنه يتعمد بهذا أن يراقب ردة فعله:
-في كلام تاني إن أختك هي اللي كانت عندها.
تمتم "خليل" مرددًا اسمها بدهشة عظيمة، كما لو أنه يتساءل:
-"آمنة"؟
أكد عليه المحقق بصوته الجاد:
-أيوه، واحدة من الجيران شافتها عندها.
نفى "خليل" بكلماتٍ متقطعة، آمل أن تسعفه في إيضاح الحقيقة:
-أختـ..ي ما..تعـ..رفش "سـ..ماح"، أنا.. مقولتـ..ش.. لحد.. عنها.
رد عليه المحقق بنظراته الذكية:
-بس بنتك قالت إن عمتها كانت هي اللي عندها.
ظل "خليل" يؤكد عليه بجهدٍ شديد:
-"آمنة" ما..تعــ..ملش كده.
-طيب هل بتشك في مراتك الأولى إنها تكون ليها صلة بالموضوع؟
نطق بإرهاقٍ مضاعف:
-"حمـ..دية"!
استأنف المحقق توضيحه:
-وخصوصًا إن أولادك الله يرحمهم ماتوا بنفس الطريقة اللي اتسممت بيها بنتك، ده بعد ما حصلنا على التقارير الطبية اللي بتؤكد ده.
بهتت ملامحه، وتقلصت عضلات وجهه، فبدا وكأنه ينازع للنطق بما يعجز اللســان عنه، استجمع بمجهودٍ زائد نفسه ليخبره:
-"حــ..مدية" تـ..عملها.
سأله بهدوءٍ شديد، رغم الوهج الظاهر في عينيه:
-إيه دليلك على إنها ممكن ترتكب جريمة بشعة زي دي؟
جاوبه بملامحٍ تحولت للاحتقان:
-هـ..ي قـ..ادرة، معندهــ..اش قلب، ولا بتـ..حب حد.
علق المحقق بمنطقية:
-بس ده مش كلام يتاخد بيه في المحكمة.
ظل "خليل" يكرر رغم صعوبة نطقه، بانفعالٍ شديد:
-"حمـ...دية" تـ..عملها.
حاول المحقق استخراج المعلومات منه، وفهم أسبابه؛ لكن دون جدوى، فقد بقي يردد بألمٍ وحرقة:
-هي.. "حمــ..دية"!
سعى المحقق لتهدئته، ومع هذا فشل، تشنجت أطرافه، وزاد احمرار وجهه، لذا طلب الطبيب المتابع لحالته التوقف عن استكمال التحقيق، بعد ملاحظته للضرر الذي لحق بجسده، جراء انفعالاته المتعصبة، استجاب له الأول، وأنهى استجوابه له، واضعًا المزيد من النقاط الهامة في الاعتبار.
............................................................
تنهد كأنه خرج من مهمة شاقة، بعد انتظاره لأيامٍ، ليحصل على تفريغ كاميرات محال المنطقة، حيث أظهرت في محتواها، دخول امرأة ما، مختبأة في نقابٍ أسود، لا يُبين معالم وجهها، إلى البناية القديمة، لتمكث بالداخل لبعض الوقت، قبل أن تخرج بعد برهةٍ. هيئتها الجسمانية أشارت لتطابقها الكبير مع "حمدية"، على عكس "آمنة" التي بدت مكتنزة إلى جوارها، وأقصر في القامة. حامت الشكوك حول الأولى، وتأكد من صحتها بعد إطلاع الجارة "أم دعاء" على صورة فوتغرافية تم التقاطها لها بالقسم، لتؤكد أنها من رأتها بالداخل، قبيل إعطائها لمفتاح منزلها لجارتها الفقيدة. تبقى أمام المحقق مهمة أخيرة، تحتاج للتعامل فيها بأبوة أكثر عن مهنيته المعتادة.
رهبة التواجد في مكانٍ كهذا لا يمكن تخيلها على صغيرة مثلها؛ لكن لا مفر من استدعائها لسؤالها شخصيًا، فربما بشاهدتها تظهر الحقيقة كاملة، وبكل ودٍ وألفة، أجلس المحقق الطفلة على الأريكة الجلدية، في حضور ابنة عمتها وزوجها، لإشعارها بالأمان، وكذلك لسؤالها بعد تبديد مشاعر الخوف في نفسها، قدم إليها لوحًا من الشيكولاته، وسألها بلطفٍ:
-بتحبيها يا "رقية" ولا لأ؟
أجابته بتلقائية:
-ماما قالتلي ناكل حتة صغيرة عشان ماتوجعش أسناني.
مسد على رأسها، وقال بنفس الوجه المبتسم:
-برافو، إنتي كده شطورة.
تركها تعبث بالورقة المغلفة للوح الشيكولاته، ثم ناداها بصوتٍ كان خافتًا:
-"رقية"!
نظرت إليه، فتابع بابتسامةٍ ظهرت مقتضبة:
-لو سألتك على حاجة ممكن تجاوبي عليا؟
اكتفت بالإيماء برأسها، فواصل حديثه في هدوءٍ:
-يا ترى خالتو اللي زارت ماما ولا عمتو؟
ببساطةٍ منحته جوابًا مباشرًا:
-أنا معنديش خالتو.
في نفس الأثناء تحفزت "همسة" في جلستها، وتطلعت بنظراتٍ مترقبة مليئة بالخوف إلى وجه الطفلة، خاصة مع سؤال المحقق الواضح:
-يعني عمتو هي اللي جت عندها؟
أتاه ردها قاطعًا:
-آه.
انعكست علامات الجدية على تعابيره، وبرزانةٍ أكمل أسئلته:
-كانت بتيجي كتير؟
أجابت الصغيرة نافية:
-لأ
تنفس بعمقٍ، ولاحقها بسؤاله التالي:
-طب وعرفتي منين إنها عمتو؟
جوابها لم يحمل أي مراوغة عندما أخبرته:
-ماما قالت كده.
نظرة مطولة منحها للطفلة، قبل أن تضيف ببراءة:
-بس الكيكة بتاعتها وجعت بطني، أنا مش عايزة أكلها تاني.
شهقت "همسة" في ارتعابٍ، فتشتت نظرات المحقق عن الطفلة، ليتأمل قسماتها المذعورة، عاود التحديق في وجه الصغيرة، وسألها على مهلٍ:
-وإنتي عرفتي منين إنها بتاعتها؟
تلكأت في إجابتها قبل أن تغمغم أخيرًا:
-ماما قالتلي دي من عمتو.
تضاعفت مخاوف "همسة" مع اعتقادها الشديد بأن الطفلة بعفويتها تلك، تزيد من توريط والدتها في هذه القضية الشائكة، لهذا تدخلت دون تفكيرٍ في الحوار، ونطقت بصوتٍ خرج مهتزًا، محاولة بهذا الدفاع عنها؛ وإن لم تملك الدليل المادي الملموس:
-يا فندم أنا عايزة أقول لحضرتك إن ماما كانت بتعامل "رقية" أكتر من بنتها من وقت ما عرفنا بوجودها، استحالة تأذيها، وهي فضلت أعدة معانا كام يوم، يبقى إزاي هتضرها؟ في حاجة غلط والله، ده احنا معرفناش عنها إلا من خالي.
رمقها المحقق بنظرة غامضة قبل أن يقول:
-أنا فاهم شغلي كويس يا مدام.
هتفت مُصرة على البوح بما يعتري صدرها من هواجس مخيفة:
-والله العظيم ما بأكدب، ماما متعرفش عنها حاجة، وأنا اللي جبتها من المستشفى ليها، استحالة تكون شافتها قبل كده، وآ....
قاطعها محذرًا:
-يا مدام أنا عارف بأعمل إيه، فلو سمحتي ماتدخليش.
وضع "هيثم" قبضته على ذراع زوجته، وأخبرها بصوتٍ خافت؛ لكنه صارم:
-خلاص يا "همسة".
التفتت نحوه تقول بنواحٍ:
-يا "هيثم" والله ماما بريئة.
أخبرها مشددًا قبل أن تتلقى توبيخًا مزعجًا من المحقق:
-سيبي الباشا يشوف شغله يا "همسة".
لم تستوعب وسط مخاوفها الزائدة، أن المحقق يستخلص الحقائق الكاملة من فم الصغيرة، لربطها بما جمعه من معلومات أخرى موثقة، وذات الصلة بالمرأة التي زارت والدتها القتيلة، ليكتمل المشهد الناقص، وتصبح الأدلة واقعية، غير قابلة للتشكيك ........................................... !!!
...............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الرابع عشر 14 - بقلم Manal Salem
معذرة على التأخير يا غاليين ..
الفصل الثالث والثمانون
المواجهة، هي الخطوة الأخيرة المتبقية في تحقيقه، لتكتمل كافة الأركان، ويتم إثبات التهمة على المذنبة الحقيقية، قبل إرسال الأوراق الرسمية إلى الجهة القضائية، للنظر في تلك الدعوى، لهذا في الموعد المتفق عليه، وبعد استدعاء الأطراف المنوطة بالشهادة، انتظر المحقق قدوم كلاً من "حمدية" و"آمنة" من غرفة الاحتجاز للالتقاء بالشهود، وكانت البداية مع المرأة التي التقت بها "حمدية" مصادفة عند البقالة، حيث استدرجتها في الحديث لتخرج منها بمعلوماتٍ عن "خليل" مدعية آنذاك أنها قريبته. تعرفت عليها تلك السيدة على الفور، وهتفت مستخدمة سبابتها في الإشارة نحوها:
-هي دي اللي قابلتها يا سعات الباشا.
تنفست "آمنة" الصعداء، ورفعت بصرها للسماء تشكر المولى سرًا، فدلائل براءتها تظهر تدريجيًا، في حين صرخت "حمدية" ناكرة معرفتها بهذه السيدة:
-إنتي كدابة، هو أنا شوفتك قبل كده؟
أكدت المرأة بشدة، وعيناها تشتعلان في غضبٍ لكذبها الواضح:
-أيوه شوفتيني، واتكلمت معاكي، بأمارة ما قولتيلي إنك معرفة الأستاذ "خليل" من البلد، ووريتك مكان بيته، ده أنا كان ناقصني شوية وأطلع شقتي تقعدي معايا.
التفتت "حمدية" ناظرة نحو المحقق، وأصرت على كذبها بقولها:
-محصلش.
صاحت بها المرأة؛ وكأنها على وشك مهاجمتها:
-إنتي كدابة...
ثم نظرت إلى المحقق، وتابعت باقي جملتها، موجهة أصابع الاتهام نحوها:
-يا بيه هي نفس الست اللي اتكلمت معاها، وأنا مابنساش حد شوفته.
هز رأسه بهدوءٍ، بينما واصلت "حمدية" هتافها المليء بالإنكار:
-دول بيفتروا عليا، أنا واحدة ولادي ماتوا، وراحوا مني، إزاي هـ....
قاطعها المحقق بصرامةٍ:
-مالوش لازمة الكلام ده.
ثم أمر المعاون الجالس إلى جواره بتدوين ما حدث، وأخذ توقيع المرأة على أقوالها، لينتقل بعدها للشاهدة التالية؛ وكانت الجارة "أم دعاء"، والتي بدورها تعرفت أيضًا على "حمدية"، لتؤكد هي الأخرى، وكامل نظراتها عليها:
-أيوه يا باشا، دي الست اللي شوفتها عند "سماح" اللي يرحمها، وقت ما سبت مفتاح الشقة معاها
احتقن وجه "حمدية"، وصرخت مستنكرة اعترافها بعصبيةٍ شديدة:
-هو إنتي جاية ترمي بلاكي عليا؟
قالت الجارة بنبرة متهكمة، ونظراتها الساخطة تتجول عليها:
-أعوذُ بالله، الخِلقة دي سهل الواحد يفتكرها.
سألها المحقق من جديد، لتكون الإجابة قاطعة كذلك:
-يعني مش الست اللي واقفة جمبها؟
وكانت نظراته موجهة نحو "آمنة"، تطلعت إليها الجارة، ونفت عنها التهمة دون تفكيرٍ:
-لأ دي ماشوفتهاش قبل كده...
حملقت مرة أخرى في ملامح "حمدية" المتجهمة بغلٍ، وأضافت مشيرة بإصبعها ناحيتها:
-هي دي يا بيه، وحتى بالأمارة كانت لابسة نقاب، ورافعة البرقع عن وشها.
نفت "حمدية" كلامها بالتمسك بكذبها، فرفعت نبرتها لتصيح في وجهها بحدة:
-أنا ما عمريش لبست نقاب، حرام عليكي، اتقي الله.
هددها المحقق بعد أن بدا صراخها خارجًا عن السيطرة:
-اسكتي أحسنلك.
رفضت الانصياع لأمره، وقالت ببكاءٍ حاولت استدعائه:
-يا بيه دول بيفتروا عليا، أنا غلبانة ومظلومة...
استشاطت نظراتها، واستدارت تحدج شقيقة زوجها بكل ما فيها من كراهية، واتهمتها علنًا:
-"آمنة" هي اللي عملت كده.
شهقت في ارتعابٍ، وقالت برجفةٍ مذعورة:
-والله العظيم ما حصل، أنا عمري ما فكرت أذي حد.
قال المحقق ببساطة:
-الحقيقة معروفة يا ست "آمنة".
هتفت "حمدية" بنزقٍ، وهي تلطم على صدغيها، لتثير التعاطف حولها:
-كلكم موالسين مع بعض عشان تودوني في داهية، إنتو بتكرهوني ليه؟ عايزين تلبسوني حاجة معملتهاش، وعيالي لسه آ...
لم يبدُ المحقق متأثرًا بما تفعله، بل بدا نافرًا منها، لم ينتظر انتهاء نوبة عويلها، وقاطعها بلهجته الرسمية الصارمة:
-فوقي من شغل الجنان ده، إنتي في كارثة.
أبعد نظراته عنها، وأكمل أوامره للجارة:
-امضي على أقوالك.
ردت عليه "أم دعاء" بخنوعٍ:
-حاضر يا باشا،...
ثم دمدمت مضيفة بتبرمٍ وهي تنهض من مكانها لتوقع بجوار المعاون:
-منها لله الظالمة، يتمت البنت، وكانت هاتجيب أجل السُكان كلهم.
صرفها المحقق ليأتي بالشاهدة الأخيرة، والتي حرص أن يستقبلها بنفسه، وبمفردها، ليزيل أي رهبة تعتريها، عندما ترى قاتلة والدتها بالداخل؛ وإن لم تدرك هذا حرفيًا. حدقت "رقية" في وجه كلتيهما بنظراتٍ قلقة متوترة، وجه "حمدية" الغاضب كان باعثًا على الانقباض، بينما تعابير "آمنة" الحزينة كانت تدعو للإشفاق. أجلسها المحقق على حجره، وسألها بصوته الهادئ:
-مين فيهم عمتو اللي زارت ماما يا "رقية"؟
لحظات من الترقب سادت على الجميع، في انتظار سماع قولها الفاصل، وزعت "رقية" أنظارها على الاثنتين، ونطقت أخيرًا بعد صمتٍ قليل:
-دي عمتو!
كان ذراعها يشير نحو "حمدية"، التي انفجرت صارخة بجنونٍ أكبر:
-إنتي بتقولي إيه؟ مين دي اللي عمتو؟ هو أنا شوفتك قبل كده يا بت إنتي؟
كانت على وشك الهجوم عليها، والإطباق على عنقها، لولا تحذير المحقق الصارم الذي أوقفها في اللحظة الأخيرة:
-اهدي كده!
انتحبت ترجوه، بدموع التماسيح التي لم تساعد في تقوية موقفها:
-يا بيه كلهم متفقين مع بعض عليا، عايزين يلبسوني جريمة معملتهاش، عشان يطلعوا المجرمة الحقيقية براءة...
ثم صرخت في وجه "آمنة" بقولها:
-هي دي عمتها، ليه كلكم جايين عليا!
كان صياحها بلا طائل، تجاهلها المحقق، وركز انتباهه مع الطفلة، ليبدأ في سؤالها بهدوءٍ، قاصدًا الاستماع مجددًا لتفاصيل زيارتها المشؤومة:
-ها يا "رقية"، قوليلنا عمتو دي عملت إيه عند ماما؟
..................................................................
في موقف السيارات القريب من بلدته القديمة، صف شاحنته الصغيرة، تلك التي يعمل عليها حاليًا، أمام أحد المخازن، منتظرًا انتهاء العمال من تعبئة كراتين الزيت. تركهم يكملون مهمتهم على مهل، وأحضر لنفسه قهوة زهيدة الثمن من المقهى الموجود في الجهة المقابلة. رشفة تبعها بأخرى، قبل أن يمتزج مذاقها المرير العالق في جوفه، بطعم التبغ الرخيص الذي يدخنه. وقف "شيكاغو" مستندًا بظهره على مقدمة شاحنته الصغيرة، تلك التي يعمل عليها حاليًا، في نقل البضائع، من مكانٍ لآخر. تحركت أنظاره في اتجاه "حمص" الذي خاطبه بتبرمٍ:
-ها يا عمنا؟ خلصت ولا لسه؟ عايزين ننجز في أم الليلة دي، لسه مشوارنا طويل.
قال بنوعٍ من التنمر:
-مكانوش نفسين بنطيرهم في الهواء!
علق عليه بتهكمٍ:
-نفسين، تلاتة، إن شاءالله عشرة، خليك على وضعك، بس ماترجعش تبخ في وداني لما تسمع كلمتين مالهومش لازمة من المعلم "ناجي".
هتف في ضيقٍ، وهو يلقي بعقب سيجارته أسفل قدمه:
-خلاص يا عم "حمص"، أدي السيجارة طفيناها...
ثم سلط أنظاره على البضائع المتراصة فوق بعضها البعض، وتساءل:
-النقلة اتوثقت ولا لسه؟
أجابه "حمص" وهو يفرك كفيه معًا:
-كله تمام وألسطا.
حذره بلهجةٍ أظهرت انزعاجه:
-مش عايزين حاجة تفلت مننا، المرة اللي فاتت لحقنا كراتين الصيني بالعافية.
أوضح له بتعابيره المتجهمة:
-الرك على الحمار اللي ربطهم، مشدش الحبل على الآخر.
تأكد "شيكاغو" من عقد نهايات الحِبال في الخطافات المعدنية البارزة من صندوق شاحنته، ثم رفع رأسه للأعلى، ليلمح شخصًا يشبه في ملامح وجهه "محرز"، أمعن النظر فيه، ليتأكد منه، وتساءل بصوتٍ مسموع مخاطبًا رفيقه:
-هو ده مش المعلم "محرز"؟
نظر "حمص" إلى حيث أشار بعينيه، ورد مؤمنًا عليه:
-أه هو.
وجداه يستقل إحدى حافلات الأجرة ذات الحجم المتوسط، لكز "شيكاغو" رفيقه في كتفه قائلاً له:
-طب تعالى نسلم عليه، بدل ما يكون شافنا ويفتكرنا طنشناه.
-معاك حق.
تحرك الاثنان في اتجاه الحافلة؛ لكن خطواتهما كانت بطيئة نسبيًا، لم يستطيعا اللحاق به، فتوقفا في منتصف المسافة ينظران إلى بعضهما البعض، فقال "شيكاغو" بزفيرٍ لاهث:
-المكروباص طلع، نبقى نشوفه عند الدكان.
سأله "حمص" بنوعٍ من التطفل:
-بس إيه اللي جايبه الموقف ده؟
أجابه بعدم اهتمامٍ:
-تلاقي في مصلحة هنا كان بيخلصها، ما كان قايلنا زمان إن أهل أبوه من هنا...
ثم التفت عائدًا إلى شاحنته وهو يتكلم بجدية:
-طالما مايخصناش مالناش فيه.
رد باقتضابٍ:
-ماشي الكلام.
أمره "شيكاغو" وهو يعطيه حفنة من النقود، قبل أن يستقر في مقعد السائق:
-حاسب القهوجي وحصلني.
على مضض غمغم "حمص":
-طيب.
..............................................................
بعبارات اعتذارٍ متكررة، أبدى الزائر أسفه لتقاعصه في السؤال عن رفيقه طوال الفترة الماضية، بسبب تنقلاته وسفره لأكثر من مكانٍ في وقت قصير، وما إن علم بالكارثة التي حلت على دكانه، حتى هرع إليه يتفقده، والندم يبدو جليًا على قسماته. جلس "ناجي" على المقعد المجاور لفراش "تميم"، وأعاد على مسامعه من جديد بخجلٍ لم يخفه:
-والله ما كنت أعرف خالص، أنا مش عارف أقولك إيه، أنا مقصر معاك جامد يا صاحبي.
تنهد قبل أن يعلق عليه:
-حصل خير.
هتف معترضًا بضيقه الواضح:
-لأ محصلش، لو أعرف بس اللي عمل فيك كده هاجيبه من رقبته، وأرميه عند رجليك.
لمحة من السخرية شابت نبرته وهو يخبره:
-ما احنا عارفينه.
برقت عيناه في اهتمامٍ، وسأله بتلهفٍ:
-مين؟ أكيد حد غريب عن منطقتنا، ومايعرفكش؟ مظبوط؟
بنفس الصوت الهادئ أجابه نافيًا:
-لأ، ده قريب أوي مننا.
صدمه جوابه، وصاح يسأله بتحفزٍ:
-إزاي؟ مين اللي اتجرأ وعمل كده؟
بعد صمتٍ قليل نطق بتعابيرٍ مكفهرة:
-"محرز".
هبط رده على رأسه كالصاعقة، فانتفض واقفًا، ليردد بعدها بعدم تصديقٍ:
-نعم؟ قول كلام غير ده!!!
أشــار له "تميم" بيده ليجلس، وقال بصوتٍ لم يبدُ متأثرًا، رغم الضيق المختلج صدره:
-زي ما سمعت.
ألقى "ناجي" بثقل جسده على المقعد، وظل يدمدم بصوته المذهول:
-مش معقول، ده أنا ممكن أصدق إن أي حد يعمل كده إلا هو، ده إنتو معتبرينه ابن العيلة التاني، حتى الحاج "بدير" بيستشيره في كل كبيرة وصغيرة، ده غير إن تقريبًا كلمته مسموعة عند كل تجار السوق.
انقلبت شفتاه وهو يعقب عليه:
-أهوو ظهر وشه التاني، وأول ما بدأ كان معايا.
هتف في غيظٍ عظيم:
-الله يحرقه، أه لو بس أمسكه بإيدي...
بجهدٍ تحكم في أعصابه، وسأله:
-وعلى كده هربان فين ابن الـ (...) ده؟
ضاقت عينا "تميم" بشدةٍ، قبل أن يجيبه بنوعٍ من السخط:
-وهو أنا لو أعرف هاسيبه مثلاً؟!
قال في حرجٍ:
-طبعًا لأ.
أضــاف "تميم" قائلاً بعد تنهيدة مرهقة:
-مسيره يظهر، والعيون كتير في كل حتة.
رد عليه رفيقه مشددًا عليه:
-اعتبرني من عيونك يا "تميم"، ولو شميت أي خبر عنه هابلغك.
هز رأسه في استحسانٍ وهو يحدثه:
-إن شاءالله.
مكث "ناجي" برفقته لوقتٍ لا بأس به، إلى أن حان موعد ذهابه، تركه مضطرًا، وبقي الأخير بمفرده، شاعرًا بالضجر من وجوده غير المستحب في المشفى، حرك أنظاره في اتجاه الطبيب الذي ولج للغرفة، ليتفقده كعادته يوميًا في مثل هذا التوقيت، سأله بروتينيةٍ، وهو يتفحص جانب جسده الأيمن بدقة:
-إيه الأخبار النهاردة؟
أجابه "تميم" بضجرٍ:
-الحمدلله، أنا كويس.
ثم تطلع إليه متسائلاً بقليلٍ من الصبر المحسوس في نبرته:
-هو أنا هاخرج إمتى يا دكتور؟
مازحه الطبيب بلطفٍ، وهو يواصل فحص جانب جسده الأيسر:
-إنت زهقت مننا ولا إيه؟
أخبره ببساطةٍ ودون مجاملةٍ:
-إن جيت للحق أنا مابحبش أعدة المستشفيات.
ابتسم الطبيب معقبًا عليه:
-ومين بيحبها أصلاً، بس ده ضروري عشان مصلحتك.
بنبرةٍ ملولة تابع إخباره بما يجيش في صدره:
-بس أنا عايز أخرج من هنا، نفسي أرجع أقف على رجلي من تاني، واشتغل زي باقي الناس.
اتجه الطبيب نحو حافة الفراش، مد يده وأمسك بالحامل المعدني المثبت به بعض الأوراق، دقق النظر فيها، ودوّن الجديد من الملحوظات، قبل أن يعاود النظر إليه ليتكلم معه بتفاؤلٍ:
-هانت .. التقارير قدامي بتقول إن التحسن كبير، وده شيء كويس جدًا...
خبا الحماس من صوته عندما قال:
-بس آ...
سأله "تميم" في توجسٍ:
-بس إيه؟
بلع ريقه، ونطق بحذرٍ:
-الموضوع اللي كلمتك فيه قبل كده، عن قدرتك الإنجابية.
أغمض "تميم" عينيه قائلاً بألمٍ لن يشعر به أحد سواه:
-أنا راضي بحكم الله.
حاول الطبيب أن يبث روح الأمل فيه، فأكمل قائلاً:
-ونعم بالله، كل شيء ليه علاج، وأنا نصيحتي ليك إنك تتابع مع دكتور أمراض ذكورة، هايفيدك أكتر، وماتحاولش تضغط على نفسك خلال علاقتك بمراتك، أكيد إنت فاهمني.
بلع غصة مريرة في جوفه، وقال وهو يبتسم بحزن:
-من الناحية دي اطمن يا دكتور، أنا منفصل.
تفاجأ من تصريحه، فاعتذر الطبيب فورًا، وإحساسه بالحرج يغمره:
-أسف مقصدش أتدخل في حياتك، أنا غرضي آ...
قاطعه "تميم" منهيًا الحوار في تلك الجزئية تحديدًا:
-مالوش لازمة الرغي فيه، أنا كده مرتاح...
باعد بينه وبين نظرات الإشفاق الظاهرة على وجهه، ثم حملق في الفراغ مكملاً حديث نفسه بسخرية أشد مرارة:
-وشكلي هافضل واخد أجازة على طول.
.................................................................
كانت الأرضية الخشبية تهتز تحت قدميها، وهي تتحرك بخطواتها المتعجلة، لتهبط الدرج نزولاً للأدوار السفلى، علامات الاستنكار افترشت وجهها، ونظرات الغضب احتلت حدقتاها، كما لو أنها ستطلق الشرر بعد لحظات. التفتت "بثينة" ناظرة إلى ابنتها بتأففٍ، واستطردت تلومها بشدةٍ، بعد أن علمت مصادفة باحتفاظها بمقتنياتها الذهبية في منزل الزوجية السابق:
-بقى ساكتة كل ده يا بت، وسيباهم هناك؟ مش خايفة يتسرقوا؟
ردت عليها "خلود" ببرودٍ:
-ما أنا قافلة عليهم الدولاب.
هتفت بها بحدةٍ، وهي تدفعها بيدها لتخرج من مدخل البناية:
-دولاب إيه ده اللي هايحوش الحرامي عنهم؟ ربنا يستر بقى، مدي يالا في خطوتك.
تكلمت بتبرمٍ، ساحبة ذراعها من أسفل قبضتها:
-ماشي يامه.
واصلت كلتاهما السير المتعجل، إلى أن أشارت "بثينة" بيدها لإحدى عربات الأجرة، لتقلهما للمنزل الذي لم يكن بعيدًا، فقط إن استمرت بالمشي لربما وصلت خلال بضعة دقائق. توقفت السيارة أمام العمارة، فترجلت منها أولاً، وأعطت للسائق أقل من أجرته، وكأنها تمنّ عليه:
-كفاية عليك كده!
رد السائق معترضًا على إنقاص نقوده:
-ده مايرضيش ربنا يا حاجة.
تجاهلت تذمره، وسحبت ابنتها نحو المدخل، ثم أخبرتها بصوتٍ شبه لاهث، جراء المجهود العضلي الذي تبذله:
-صحيح، خالتك كانت قالتلي إن المعدول ابنها احتمال يخرج على أول الأسبوع الجاي.
توقفت "خلود" عن الحركة، وتجمدت محدقة في وجه والدتها التي استقرت في مكانها هي الأخرى، لتهتف الأولى بعدها بسخطٍ عكس نقمها الشديد عليه:
-وأنا المفروض أعمله إيه؟ زفة وفرح، ولا أقف أتحزم وأرقص في وسط الحتة؟!
أشــارت لها أمها لتمضيا قدمًا، وقالت ببرودٍ سمج:
-ماتعمليش حاجة، أنا بأقولك من باب العلم بالشيء.
لم تنكر أن نيران الحقد ما زالت متقدة بداخلها، تكره كل ما له صلة به، وما يذكرها بما خسرته، سنوات متعاقبة من عمرها، انتظارها الطويل لأجل الفوز بحبها، وفي الأخير كان نصيبها الهجر والتعاسة، ونيل لقب (مطلقة). طغى غليلها عليها، فلفت رأسها نحو والدتها، أثناء صعودها، تسألها بخبثٍ:
-صحيح إنتي هاتسيبي مرات ابنك تبرطع على مزاجها؟ أنا بيتي يتخرب وهي تعيش وتتهنى؟
ردت بأنفاسٍ بطيئة، تحمل الوعيد:
-أنا بس أفوق وأروقلها، وهاطلع البلى الأزرق على جتتها.
سألتها بسخطٍ:
-هتعملي إيه يعني فيها؟ وماتنسيش الشقة باسمها!
بالغت والدتها في إظهار نقمها عليها بإسهابها المزعج:
-محظوظة بنت الفقرية، مكانتش تحلم بكده، جوز وشقة والله أعلم إيه تاني.
رددت "خلود" بغيظٍ:
-النحس بس اللي راكبني أنا، لا طولت بلح الشام، ولا عنب اليمن.
قالت "بثينة" من خلفها:
-أنا قلبي حاسس إن معمولك عمل، لازمًا أوديكي عند شيخ يفكه.
قلبت شفتيها، وتساءلت في سخريةٍ:
-ومين بقى اللي عاملهولي؟
ببساطةٍ أجابتها؛ وكأنها تختلق الأعذار لفساد حياتها:
-أكيد واحدة حسداكي على النعمة اللي كنتي فيها، أخدة أجدع شاب في المنطقة، مع الحسب والنسب، و...
كانت يائسة للحد الذي جعلها تصدق مجددًا، أن "فيروزة" هي من تقف وراء فشل زيجتها، توحشت نظراتها، وغلف حدقتاها كراهية مقيتة، لتنطق بعد من بين أسنانها، بزفيرٍ محموم:
-مافيش غيرها!
لم تفهم والدتها هسهستها، وسألتها:
-بتقولي إيه يا "خلود"؟
توقفت أمام باب منزلها، وأخبرتها بصدرٍ ناهج، يعبر عن انفعالها المتصاعد:
-أنا شاكة يامه في بوز الإخص اللي اسمها "فيروزة".
لوت والدتها ثغرها، ونطقت في استياءٍ واضح، بنبرة أقرب للوم:
-هنرجع تاني للسيرة الفقر دي؟ أنا مصدقت إنك فوقتي من أوهامك.
انفجرت تصيح بغضبٍ أدهشها:
-هي يامه اللي استكترت عليا جوزي، وشغلت تفكيره، أكيد عملتله حاجة تسحره بيها، تكرهه فيا، ده كان قرب يبقى زي الخاتم في صوباعي.
كتمت رغبتها في نهرها مؤقتًا، فهي أمام مهمة محددة، لفظت الهواء بقوةٍ، وأشارت لها بعينيها تأمرها:
-خلينا نشوف الحكاية دي بعدين، وافتحي الباب، عايزين ننجز في يومنا.
..............................................
صرف كليهما من الغرفة، ليحظى بقدرٍ من الخصوصية معها، وذلك ليتسنى لها معرفة تفاصيل خطته دون مقاطعة سخيفة من "كاران"، أو تعليق موتر من الطبيب "هاني". كان شاكرًا لمجهوداتهما في دعمها؛ لكنه بحاجة لبث الثقة في نفسها المذبذبة لتقبل بالتعاون معه عن اقتناعٍ تام. تنفس "ماهر" بعمق، ونظر بلا حرجٍ في عينيها، ليستطرد قائلاً بصوت اكتسب طابع الجدية:
-بيتهيألي كده هنعرف نتكلم على راحتنا.
ضغطت على شفتيها، ونظرت بشيء من الارتباك نحوه مع إتمامه لعبارته:
-"فيروزة" أنا عارف إن اللي بأطلبه منك مش سهل، ومعاكي حق ترفضي.
تلجلجت وهي تتهرب منه:
-"ماهر" بيه، أنا متعودش أخذل حد طلب مني حاجة، بس الموضوع ده بالذات صعب أوي عليا.
رجاها بخفوتٍ، وهو يميل بجسده نحو فراشها قليلاً:
-أنا عايزك تسمعيني الأول قبل ما تاخدي قرارك النهائي، وفي كل الأحوال هرجعك مصر تاني.
أومأت برأسها تستحثه على الحديث، بالرغم من الخوف المتسلل إليها:
-اتفضل.
أراح "ماهر" ظهره للخلف، وأردف يشرح لها:
-"آسر" مكانش مجرد صاحب عمري أنا و"وجدي"، ولا حتى كنا بنعتبره المحامي النبغة، ده كان بيدخل بيوتنا، بيقعد وسط أهلنا، بيتكلم مع إخواتنا كأنه واحد مننا، ويمكن لما اتقدملك، كان صعب يترفض، باعتباره الشخص المناسب، اللي فيه كل الإمكانيات المناسبة.
قالت في أسفٍ وألم، وهي مدركة كليًا لتبعات سوء اختيارها:
-معاك حق.
سألها متحققًا:
-تفتكري واحد دماغه داهية زي دي، مش عامل حسابه إزاي يأمن نفسه من الخطر؟!
نظرت له بتوترٍ، فتابع بمنطقيةٍ:
-سهل جدًا يطلع زي الشعرة من العجينة من أي ورطة يتحط فيها، طالما مافيش الدليل اللي نقدر ندينه بيه.
ما أملاه عليها تعتبر افتراضات لا يمكن استبعاد حدوثها، وأضاف عليها بلهجته الجادة:
-كمان مصادرنا الخاصة قالت إنه شغال في حاجات مشبوهة، ده غير تجارة المخدرات، يعني متورط في غسيل أموال، بيدير مواقع ليها علاقة بـ...
لحظة من التردد سيطرت عليه قبل أن يوضح لها:
-بالدعارة.
اشتعل وجهها في حمرةٍ غاضبة لتصريحه الأخير، ورمشت بعينيها في حرجٍ أكبر، عادت لتركز انتباهها معه وهو يختتم حواره قائلاً:
-فمتستبعديش يعمل أي حاجة عشان يجبرك تكوني معاه، وتنفذي كل أوامره.
نكست رأسها في خزيٍ، وأخبرته بعد لحظة من الاستغراق في التفكير:
-للأسف هو عمل كده.
تقلصت تعابيره متسائلاً:
-إزاي؟ طلب منك حاجة معينة؟
قبل أن تتراجع عن رأيها، تسلحت بشجاعتها لتطلعه على الحقيقة، وقالت بلعثمةٍ خفيفة:
-هو .. فبرك فيديوهات ليا، وبيهددني بيها...
اختنق صوتها، وظهرت به لمحة من العصبية حينما تابعت مؤكدة، وعيناها تلمعان بعبراتٍ حبيسة:
-بس أقسم بالله مش أنا اللي موجودة فيها.
لم يشكك في أقوالها، وطمأنها بهدوءٍ:
-سهل نثبت تزييفها، وبالعكس ندينه كمان بيها، ما هو التكنولوجيا زي ما فيها الجانب الإيجابي فيها برضوه الجانب الوحش.
تشعبت روحها المستنزفة بقدرٍ من إحساس الارتياح، وسألته بلهفةٍ:
-بجد يا "ماهر" بيه؟
رد دون جدالٍ:
-أيوه طبعًا، وأكتر من كده كمان، هنسجنه، كل بس اللي عايزه منك، تمثلي دورك كويس.
سرت عدوى الارتجاف في بدنها، وانتشرت في كامل أوصالها. بلعت ريقها في حلقها الجاف، ونظرت إليه قائلة:
-بس أنا خايفة.
بتمهلٍ خاطبها:
-طبيعي تخافي، لكن أنا واثق إنك هتنجحي.
لم تكن متيقنة من نجاحها، شعرت بمزيدٍ من الخوف يزحف إليها، انتبهت له مجددًا عندما أكمل:
-في جزء يخصنا هنقوم بيه، من تأمينك، وزرع أجهزة تنصت عالية الدقة في المكان، وجزء تاني عليكي.
انزوى ما بين حاجبيها وهي تسأله:
-إيه هو؟
جاءها جوابه واضحًا، ومباشرًا:
-اعتراف شفهي منه بجرايمه.
احتجت باستهجانٍ كبير:
-حضرتك بتطلب مني المستحيل...
ثم توقفت لهنيهةٍ عن الكلام، قبل أن تضيف، وهي تشير بيدها:
-ده حاول يقتلني عشان بوظتله جهاز، إزاي هقدر أخليه يعترف ببساطة إنه آ...
بملامحٍ جادة قاطع استرسالها:
-بالحيلة يا "فيروزة"، أومال احنا قولنا هتدعي إنك فاقدة الذاكرة ليه؟ ودي مهمتك تستخدمي مهارتك كزوجة جميلة في استدراجه.
حملقت فيه مطولاً بعينين تائهتين، ما لم يعلمه الضابط "ماهر" أو غيره، أن "آسر" أبعد ما يكون عن التأثر بمفاتنها الأنثوية، إن أرادت حقًا استغلالها في إثارته، وسلب عقله، فهي من وجهة نظره منقوصة الإغراء، لا تصلح إلا للسخرية والازدراء!
.........................................................
توسدت أحضانها، مستشعرة الدفء الأمومي النابع منها، بعد أن عشش الحزن قلبها وملأه بالهموم الثقيلة، فمنذ إطلاق سراحها، تبدلت أحوالها للأفضل قليلاً، وأصبحت في حالة من الغبطة والانتشاء، رغم قساوة الحقائق المفجعة، إلا أن براءة والدتها عنت لها الكثير. أبعدت "آمنة" رأس ابنتها عن صدرها، ونظرت لها بحنوٍ، قبل أن تقول لها:
-مش كفاية بقى كده يا "همسة"؟
ارتمت مجددًا في أحضانها، وقالت بابتسامةِ رضا:
-عايزة أشبع منك يا ماما، إنتي مش متخيلة الأيام دي عدت عليا إزاي.
تنهيدة معبأة بأوجاعٍ كبيرة تحررت من صدرها، لتقول بعدها:
-الحمدلله، ربنا أظهر الحق، واتنصفت في النهاية، مع إن قلبي موجوع على ولاد أخويا.
اعتدلت "همسة" في جلستها، وحدقت في والدتها بنظراتٍ منزعجة وهي تردد:
-ربنا ما يسامحها، هي اللي عملت فيهم كده، قلبها الإسود خلاها تيجي على الكل، وتأذي الأقرب ليها.
تساءلت "آمنة" في توترٍ، وعيناها تفتشان عن الطفلة:
-أومال فين "رقية"؟ أنا مش سمعالها حس.
ابتسمت وهي تخبرها:
-موجودة عند الحاج "بدير".
حل الضيق على ملامحها، وهتفت في إنكارٍ حرج:
-يادي العيبة، كمان مشيلينه هم البت؟
ردت موضحة الأمر لها:
-لا بالعكس يا ماما، ده بيعاملها ولا كأنها حفيدته.
همّت بالنهوض، وقالت في عزمٍ:
-طب تعالي نروح نجيبها، وبعد كده نطلع على أبوها، ميعاد زيارته جه.
هزت رأسها هاتفة:
-ماشي.
تساءلت "آمنة" وهي تتجه نحو غرفة نومها بقلبٍ ظل مشغولاً على قطعة منها:
-مافيش جديد برضوه عن "فيروزة"؟
ضمت شفتيها في أسفٍ، قبل أن تنطق نافية:
-لأ يا ماما.
رفعت والدتها رأسها للسماء، لتتضرع للمولى في رجاءٍ كبير، وذاك الهاجس مازال يزعجها:
-استرها يا رب عليها.
..................................................................
راقبه من مسافة شبه آمنة، تحول دون رؤيته له؛ لكنه ضجر من الانتظار والترقب، كان يريد الصعود إليها، فما معه من أموال قد نفذ، وباتت هي مصدره المتاح للإتيان بما ينقص عليه. استغرق "محرز" في أفكاره اللئيمة، إلى أن وصل لفكرة داهية، حتمًا ستكون لها مفعول السحر، في إعطائه الغطاء الجيد، لذا بمجهودٍ بسيط، وحيلة مستهلكة، ادعى بالكذب قيام ذاك الشاب المرابط أمام بناية "بثينة" بالتربص بالفتيات، يعاكسهن جيئة وذهابًا، بكلماتٍ خادشة للحياء، فاستثار حمية الرجــال، والتفوا حوله يتجادلون معه، مما منحه فرصة ذهبية للتسلل إلى الداخل. قفز الدرجات علوًا ليصل إلى طابقها، ودق الباب منتظرًا فتحها له، لم يجد أي استجابة منها، فاختلج وجهه تعابير الغضب، ولعنها بألفاظٍ نابية، قبل أن يتوعدها:
-وربنا ما هاسيبك، مش بعد العز اللي دوقتيه على إيديي تطنشيني دلوقتي.
توارى في بقعة معتمة بالطابق العلوي عندما سمع وقع أقدام آتية من الأسفل، رفع رأسه يراقب القادم بحذرٍ شديد، تقوست شفتاه ببسمة شبه فرحة، وقد لمح "بثينة" تدس المفتاح في القفل، منتظرة أمام عتبة منزلها مع ابنتها، همهم لنفسه في نشوةٍ:
-ده أنا حظي من السما.
بمجرد أن قامت بفتحه، حتى وثب في خفةٍ، وتبعهما سريعًا، ليلحق بهما قبل أن تقوما بغلقه. شهقت "خلود" في فزعٍ، عندما شعرت بيدٍ تجذبها من حجاب رأسها، انتزعه عنها، ودفعها للأمام ليتمكن من وصد الباب ورائه، جحظت بعينيها في ارتعابٍ عند رؤيته، وزاد اتساع بؤبؤيها مع إشهاره لمديته الحادة، شُل تفكيرها لحظيًا من أثر المفاجأة، وقبل أن تفكر في الهروب قبض عليها بذراعه، لفه حول عنقها، ولامس بطرف المطواة الحاد جلد عنقها. قاومته "خلود" برجفةٍ عظيمة، ثم صرخت مستغيثة بوالدتها:
-الحقيني يامه!
عادت "بثينة" إلى ابنتها، وهي تحمل في يدها حقيبة يدها المعبأة بالمشغولات الذهبية، تفاجأت هي الأخرى بوجوده في صالة منزلها، ارتخت أناملها عن الحقيبة، وظهرت أمارات الرعب على ملامحها، كانت على وشك الصراخ، لولا أن حذرها مهددًا بلهجةٍ صارمة:
-لو فتحتي بؤك، هادبح بنتك قصادك.
تحولت أنظارها المذعورة نحو "خلود"، لم يكن بالمازح، وطرف ذاك النصل الحاد يغرز في عنق ابنتها. كتمت بظهر كفها فمها، لتؤمئ بعدها برأسها كتعبيرٍ عن طاعتها التامة له. تحرك "محرز" في اتجاهها، ساحبًا معه ابنتها الأسيرة، مُخاطبًا إياها بلومٍ:
-مش قولتلك هاجيلك تاني، افتكرتيني بهزر معاكي؟
هزت رأسها بالنفي، فصاح متسائلاً بتشنج:
-فين الفلوس؟
تقطع صوتها وهي تخبره كذبًا:
-ملحقتش أجيب حاجة.
رمقها بتلك النظرة النارية، ليهدر بها بهياجٍ:
-عليا بردك؟ ده إنتي نايمة على كنز يا ولية، أومال الألوف اللي كنتي بتاخديها مني راحوا فين.
واصلت كذبها بقولها:
-مش هنا يا "محرز".
هدير صوته المنفعل ارتفع أكثر حينما سألها:
-أومال فين؟ شكلك عايزة تخلصي من بنتك..
ثم غرز النصل أكثر في جلدها لتصيح "خلود" في ألمٍ، نظرت الأخيرة إلى والدتها، وفي عينيها استجداءٍ مرتعب، ثم رجتها بشدة:
-إديله يامه اللي هو عايزه، بدل ما يموتني...
وقبل أن تختلق كذبة مكشوفة، بادرت "خلود" مقترحة عليه:
-دهبي موجود في شنطة أمي، خده يا "محرز"، كله ليك، أنا مش عايزاه.
برقت عيناه في اهتمامٍ، بينما انحنت "بثينة" تمسك بالحقيبة، ضمتها إلى صدرها؛ وكأنها ترفض المساومة به مقابل حياة ابنتها. صــاح "محرز" يأمرها:
-هاتي الشنطة يا ولية؟
سألته بعينين بارزتين، وقد ازداد تشبثها بالحقيبة:
-هتعمل بالدهب ده كله إيه؟ ده حق بنتي، اللي طلعت بيه من جوازتها.
بينما هتفت "خلود" تتوسلها، وهي ترى بأم عينيها جدالها العقيم معه:
-يامه إديهوله.
ألصقت "بثينة" الحقيبة بصدرها أكثر، وصرخت في ابنتها:
-إنتي مش فاهمة حاجة، "محرز" ده طماع، خربها على نفسه، وعايز يخربها علينا احنا كمان.
أدرك "محرز" من تصرفها الأرعن، أنها لن تمنحه ما يريد، إن لم يكن جادًا في تهديده، لهذا مرر النصل بقساوة على عنق ابنتها، قاصدًا إحداث شقًا غائرًا فيه، وهو يقول لها بنظراتٍ امتلأت بقساوةٍ خالية من الرحمة:
-الظاهر إنك مستغنية عن بنتك.
اللون الأحمر القاني الذي تفجر بغرازة من جلد ابنتها، أكد لها تنفيذه الصادق لتهديده، خاصة بعد أن تركها تصارع الموت، لوسة عقلية أصابت "بثينة"، بعد رؤيتها للمشهد الدموي العنيف، صرخت في هلعٍ، واندفعت نحوه تهاجمه؛ لكنه تفاداها بمهارةٍ، ومد قدمه ليعرقلها، فتكومت بجسدها الممتلئ بالشحم على الأرضية، وقبل أن تستفيق من صدمة ارتطامها الموجع، كان مُطبقًا على فكها، يعتصره بقبضته بقوةٍ. رفع "محرز" مديته للأعلى، وبنفس النصل الملوث بدماء ابنتها، غرزه بوحشيةٍ في لسانها قاصدًا قطعه، وهو يخبرها بصوتٍ كالفحيح:
-كنتي اشتريتي حياتك وحياة بنتك يا خالتي ........................................ !!
....................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الخامس عشر 15 - بقلم Manal Salem
الفصل الرابع والثمانون
في العمر لحظة، يحسم فيها الإنسان اختياراته؛ إما بالسير على طريق الصراط، أو الانحراف نحو غياهب الضلال، وقد كان اختياره! ما زالت قبضة "محرز" تعتصر فك ضحيته الجديدة، أكمل قطع لسانها في لمح البصر، مثلما اعتاد أن يقطع ثمار الفواكه عن أغصانها العالقة في سرعة وحرفية، ووسط الدماء المتفجرة من فمها تابع لومه لها:
-حياتكم مكانتش تسوى شوية دهب يا خالتي؟!
تلوت "بثينة" بألمٍ شديد، وعيناها تبكيان في حرقةٍ أشد، كتم بيده صراخها المبتور، وعلى وجهه تلك النظرة المظلمة، اعتدل في وقفته، ناظرًا في اتجاه "خلود"، وجدها تسير بتعثرٍ، تترنح في خطواتها كلما سارت للأمام، أدرك أنها تحاول الفرار منه قبل أن يطالها، كانت كلتا يديها حول عنقها النازف، همَّ باللحاق بها؛ لكن أوقفته "بثينة" بالتعلق في ذراعه، فما كان منه إلا أن غرز المدية مجددًا في صدرها، ليصدر منها خرير متحشرج.
تحرر منها بسهولةٍ، ولحق بابنتها التي أمسكت بالمقبض، وقبل أن تديره التف ذراعه حول رقبتها، جذبها بقوته الجسدية للخلف، وأعاد وضع النصل الحاد على جرحها الغائر ليكمل نحر عنقها، وهسيس صوته يُخبرها في أذنها:
-أمك حكمت عليكي بالموت!
اجتاحها ألمًا حارقًا ألهب أنسجتها الجريحة، مع زيادة تعميقه للنصل، حينها مر شريط ذكرياتها أمام عينيها، بكل حلوه ومُره: طفولتها المذبذبة، عزاء أبيها المحترق، آمال مراهقتها المُطعمة بالزواج من الرجل الوحيد الذي نذرت له قلبها، خطبتها لـ "تميم"؛ فارس أحلامها، إيداعه السجن، انتظارها الطويل، لقائها معه الخالي من حرارة الاشتياق، ليلة زفافها، افتقارها لنشوة الحب في حياتها، تلهفها على الإنجاب، دسها لحبوب الدواء في طعام زوجها، شكوكها عن حبه لغيرها، خبر حملها، تلاه انفصالها، قتلها لما كان ينمو في أحشائها، انغماسها في أحزانها.
رن في أذنيها كلام "تميم" الأخير لها، فتسابقت عبراتها المقهورة، وامتزجت بالدماء الساخنة، كانت في أعماقها تخشي من مواجهة الحقيقة، لم يكن يُحبها، ومع رحيلها المؤسف لن يذرف العبرات لفراقها، ستغدو سرابًا بمضي الأيام؛ وإن حزن عليها قليلاً، غمرها المزيد من القهر، لتخرج بعدها شهقة أخيرة محملة برائحة الموت .. بأهةٍ مفطورة الفؤاد على حياة سلبت منها عنوة، ولم تنل في نهايتها إلا الشقاء، فارقت "خلود" الحياة للأبد.
................................................
تراخت أطراف "خلود"، وهمد جسدها كليًا خلف ذراع "محرز" القابض عليها، لم يجفل للحظة، ولم تطرف عيناه رهبةً؛ وكأنما اعتاد على ذبح الأبرياء كلما تعارض وجودهم مع مصالحه. سحبها للخلف، وأسند ظهرها على الحائط، ليلقي نظرة أخرى على والدتها الغارقة في دمائها. جثا على ركبته ليتفقدها؛ لكن جذب أنظاره وهج الذهب البارز من حقيبتها، زحف سريعًا إليه؛ وكأنه تذكر سبب مجيئه منذ البداية بعد أن التهى بهما، نظر إلى القطعة المغرية بعينين طامعتين، قبض عليها بيده الملوثة بالدماء، برقت حدقتاه في توترٍ، عاد الآن إلى رشده، وأدرك أن بقائه في هذا المنزل قد طال كثيرًا.
مسح يده في سترته الداكنة، ليخفف من الحمرة العالقة بها، ثم خبأ الحقيبة بداخلها، أسفل إبطه، ليهرع بعدها خارج المنزل، دون أن يهتم بغلق الباب ورائه، هبط الدرجات بخطواتٍ قافزة، اصطدم بإحدى الجارات وهي في طريقها للصعود للأعلى، نهرته بتزمتٍ، محاولة رؤية ملامحه:
-ما تبص قدامك، متسربع على إيه؟
لم تتمكن من تبينه، فمصمصت شفتيها، وأمسكت بالدرابزين متابعة صعودها وهي تدمدم بتبرمٍ:
-معدتش حد بيراعي الأصول أبدًا.
وقفت تلتقط أنفاسها بعد هذا المجهود المرهق لجسدها المسن، عند بسطة الدور التالي، قطبت جبينها، وضاقت نظراتها في اندهاشٍ، فقد لمحت باب جارتها "بثينة" موارب، دفعها الفضول للاقتراب، ورؤية ما يدور بالداخل، خاصة مع انتشار بقع حمراء اللون على طول البلاط، وقبيل العتبة. أسندت يدها على الكتلة الخشبية لتحركها، وصوتها العالي يُنادي بألفةٍ:
-يا "أم هيثم"؟ إنتي جوا ياختي؟
وما إن فتحته، حتى اتسعت عيناها على آخرهما في فزعٍ لم تجابهه طوال سنوات عمرها، تراجعت للخلف وهي تنتفض، ثم صرخت صرخات متعاقبة بها استغاثات مليئة بالهلع:
-يا نصيبتي! الحقونا يا خلق هووووو! قتلوهم!
أحدث صراخها المرتفع صخبًا مدويًا، جعل الأبواب المغلقة تُفتح على مصرعيها.
...................................................
بأعجوبةٍ أفلت من الإمســاك به، عبر تسلله الخفي من منور البناية الخلفي، ليجد نفسه في الشارع الجانبي، ومنه انتقل إلى الأزقة الضيقة، إلى أن بات في مأمنٍ من أي تهديد من السكان، ومع هذا لم تهدأ دقات قلبه. انزوى "محرز" في بقعة معتمة، مخفية عن الأعين، نظر إلى يده المرتعشة، كور أصابعه ليتحكم في تلك الحركة اللا إرادية، أمعن النظر في الحمرة العالقة بكفه، ليشرد لحظيًا ويتحول كل شيءٍ إلى أطيافٍ وذكرى، خُيل إليه أنه عاد إلى سنوات طفولته الأولى، وفي أذنيه ترن الهمهمات المألوفة لأناسٍ رحلوا منذ زمنٍ عنه، عندما كان يعطف عليه أثرياء بلدته بالقديم من الثياب، والفضلة من الطعام. لم يفهم شيئًا آنذاك؛ لكنه كان سعيدًا بما يجودون عليه، معتقدًا أن ذلك السخاء نابعًا من محبتهم له، فيما بعد أدرك أنه من إحسانهم عليه.
نقم "محرز" حياته الفقيرة المعدمة، تلك التي جعلته في أنظار الآخرين من ذوي العوز والحاجة، لا فارق بينه وبين المتسول المشرد سوى بأن والده يعمل كأجير لدى واحدًا من الأعيان، تصادق مع ابنه، ولازمه أغلب الوقت، فلم يعرف غيره. شاع التجهم في محياه وقد طفى في عقله ذكرى طمرها في أعماقه، تجسد المشهد بكامل تفاصيله في وعيه، ليجد نفسه في عمر الثانية عشر مع صديقه الوحيد، ينتظر منحه بالفتات المتبقي منه ليصير مثله، وعلى غير المتوقع نشب بينهما شجارًا من العدم، خلال تواجدهما بالقرب من المصرف الزراعي القديم، حينما مازحه رفيقه بنوعٍ من التفاخر، وهو ينظر للسماء التي اتشحت بالسواد:
-أبويا أغنى واحد في الناحية دي، يقدر يشتري أي حتة يشاور عليها بالناس اللي فيها.
رد ساخرًا منه:
-مش للدرجادي.
أطلت نظرة احتقارٍ منه قبل أن يرد بوقاحةٍ؛ وكأنه يعايره:
-إيش فهمك إنت، إذا كان أبوك وعيلتك كلها شغالين عندنا بالأجرة.
بدأ الغضب يتصاعد في صدره، وحذره بأنفاسٍ مختنقة:
-بلاش الكلمة ده!
علق بنفس أسلوب الازدراء ليستفزه:
-ما دي الحقيقة، وإنت نفسك شاحت اللي لابسه مني.
هدر به في عصبيةٍ:
-أنا مش شحات.
ضحك ساخرًا منه قبل أن يهينه:
-بلاش النفخة دي، أومال جايب الجلاليب دي منين؟ من أبعدية أبوك؟
كور قبضته ضاغطًا على أصابعه حتى ابيضت مفاصله، تنفس بعمقٍ، وانعكس على وجهه حمرته الغاضبة، أطلق زفرة بطيئة –ومسموعة أيضًا- من بين أسنانه، أنذره بعدها بصدرٍ يطق فيه الحنق الشديد:
-متغلطش أحسنلك!
أولاه الأخير ظهره، بعد أن رمقه بنظرةٍ متعالية، ثم قال بنبرة غير مبالية، لا تخلو من الاحتقار:
-اتكلم على أدك يا "محرز"، اللي زيك هايعيشوا ويموتوا خدامين عند اللي زينا.
بلغ غضب "محرز" أقصــاه، وبات يسمع دقات قلبه المتلاحقة، لم يتحمل إهاناته الجارحة، أراد إسكات صوته المقيت المحتقر لشخصه، فوقعت أنظاره على حجرٍ مهمل على الأرضية الطينية، انحنى ليلتقطه، كان قاسيًا، وحاد الأطراف في راحته. قبض عليه بشدةٍ، وتبع رفيقه المتغطرس رافعًا الحجر للأعلى، لم يتردد للحظة حينما هوى به على رأسه قاصدًا سحقها، صرخ الأخير من الألم المفاجئ، ووضع كلتا يديه على موضعه؛ لكن عاجله قاتله بضربة أخرى قوية، أفرغ فيها كل ما يحتويه صدره من حقدٍ وغل، ولسانه يصرخ فيه:
-أنا مش خدام عندك، مش خـــــدام!
استمر في عنفه المميت حتى هشم عظم رأسه، وجعله يهلك صريع الغدر، أفاق من نوبة هياجه على منظر الدماء المتفجر، واللحم المتناثر. هلع في ارتعابٍ، وألقى بالحجر على الأرضية الطينية، ناظرًا إلى راحته التي امتلأت بالشقوق والجروح الغائرة.
انهار جالسًا قبالته، يحدق فيه بعينين ضائعتين، فاقدًا إحساسه بما حوله، تخشب كامل جسده، وبدا كالأصنام في جموده، استمرت تلك النظرات الشاردة على وجهه الشاحب، يراقب جثمان رفيقه الوحيد في صمتٍ، لا يعرف ماذا يفعل، غمره شعورًا عظيمًا بالندم، بكى مقتله، وأبدى حزنه على خسارته، لكن صدى كلماته الجارحة عاد ليفسد توبته قبل أن تبدأ، فتوقف عن البكاء، وتطلع إليه بوحشية، ليدمدم بعدها بصوته الباكي؛ وكأنه يلقي بالذنب عليه:
-إنت اللي عملت في نفسك كده! أنا قولتلك بلاش، بس إنت ماسمعتنيش.
أخذ يردد تلك العبارات مرارًا وتكرارًا على أمل أن ينبعث مجددًا ليخبره بعفوه عنه؛ لكن فاضت الروح لبارئها، وبقيت يداه ملوثة بدمائه. فزع لرؤيتها على جلده، فغمسها في الطين علها تزيل آثارها القاتمة، وصوت أنفاسه اللاهثة يصدح في سكون الليل، يقاطعه صوت خرير المياه الجارية في المصرف. بقي على تلك الوضعية المضطربة لوقت طويل، استغرق في أفكاره السوداوية حتى لم يعد يدرك كم مضى عليه وهو جالس هكذا، في الأخير سول له شيطانه التخلص منه، ليواري الثرى عن جريمته، وإلا لهلك معه، لهذا استجمع نفسه، وقام بسحبه من ذراعيه نحو حافة المصرف، ليلقي بجثمانه في المياه، وما هي إلا لحظات وابتلعته ظلمتها الباردة.
وقتها عاد إلى كوخه مرتعشًا، محمومًا، في حالة من الهذيان والرعب، ظن والده أن مسًا من الجنون أصابه، بناءً على التخاريف المنتشرة آنذاك، ولم يظن أحدهم أن ما طاله جراء شعوره المتعاظم بالذنب. لاحقًا طفت جثة القتيل على سطح المياه في إحدى البلدات المجاورة، فاعتقدوا أنه تعرض للسرقة والقتل، على يد أحد قطاع الطرق، ولم يتم التوصل إلى شيء يدين شخصًا بعينه، لتؤيد بعدها القضية ضد مجهول.
أفــاق "محرز" من شروده على صوت أبواق متلاحقة، انتبه إلى نفسه، وانتظر هدوء الحركة من حوله، ليشرع بعدها في مواصلة هروبه قبل أن يتم الإمساك به.
.....................................................
كقنبلةٍ مدوية انتشر الخبر المفجع في أرجاء المنطقة، وتزاحم مئات الأشخاص حول البناية لرؤية ما حدث، وكأن سبقًا صحفيًا بالمكان، كما تواجدت عربات الإسعاف لنقل الضحيتين، وفرض أفراد الشطرة طوقًا أمنيًا حول مسرح الجريمة ريثما يتم الوقوف على أبعادها الغامضة، وبدأ المحققون في استجواب الجيران والمارة، لجمع المعلومات المتاحة، علها تفيد في سرعة القبض على مرتكبها.
روع "هيثم" وانفطر قلبه، مستعيدًا في ذهنه نفس الذكريات المؤلمة، فور سماعه لتلك الأخبار القاسمة للأظهر؛ هرع إلى منزل أبيه، لا يعرف كيف بلغه، اخترق الحشد، وقلبه يئن في حسرةٍ، بلغ الطوق الأمني، لكن منعته الشرطة من اجتياز الحواجز، صرخ بهياجٍ وهو يحاول المرور رغمًا عنهم:
-دي أمي وأختي.
أشفق عليه الحاضرون، وتدخل أحد الضباط ليهدئ منه، قائلاً بنوعٍ من المواساة:
-شِد حيلك، واحنا مش ساكتين.
هدر في ألمٍ شديد:
-هتعملوا إيه؟ وسعوا خلوني أشوفهم.
تفهم الضابط لطبيعة انفعالاته، فالفاجعة ليست هينة، نظر إليه في أسفٍ، وربت على كتفه، بينما تجمع حوله عددًا من رجال عائلة "حرب"، ممن أرسلهم "منذر" لدعمه، الوقوف إلى جواره، وكبح جموحه ريثما يصل إليه، بعد أن اتخذت مؤامرة هذا القاتل شكلاً دمويًا رهيبًا.
..............................................
انهمرت الدموع من عينيها بغزارةٍ، وهي تجلس في مقاعد الانتظار بالمشفى تنتظر سماع ما يطمئنها عن شقيقتها وابنتها، بعد أن تم نقلهما إلى هنا، ذاك المكان الذي بات مستقرًا لكل من له صلة بها، لم يتوقف لسانها عن الدعاء، توسلت للمولى بكل ما تحفظه من عبارات مستجدية، على رجاواتها تستجيب، التفتت "ونيسة" نحو ابنتها "هاجر"، لم يختلف حالها عنها كثيرًا، فلطالما أحبت "خلود" وخالتها، على الرغم من عيوبهما، كانت بمثابة الأخت القريبة منها. انتفضت كلتاهما واقفتان عندما لمحتا الطبيب من على بعد، وجهه كان مرآة لأسفٍ كبير، ملامحه لم تنطق إلا بالوجوم، فالأخبار غير مبشرة، تحمل في طياتها الموت والحسرة، وقبل أن تصرخ إحداهما حذرهما "بدير" بلهجةٍ شديدة:
-مش عايز صوات، ده مقدر ومكتوب.
هدرت فيه "ونيسة" بحرقةٍ متألمة:
-دي أختي وبنتها يا حاج.
قال رغم يقينه بأن الأسوأ قادم:
-ربنا قال فصبرٌ جميل.
بلعقت العلقم المرير في حلقها، وردت بنحيبٍ:
-ونعم بالله.
تقدم الطبيب بخطواتهٍ، أظهر وجهه وجومًا واضحًا، بحث بنظراته عمن يمكن أن يخبره بالتطورات، وكانت المبادرة من "بدير" الذي سأله:
-طمنا يا دكتور؟
في الخلف كان يقف "هيثم" مستندًا بظهره على الحائط، وإلى جواره زوجته، تردد بكلماتٍ مواسية مؤازرة، لم يسمع منها شيئًا، فعقله لم يكن معه، كان معلقًا بمن في الداخل، استقام في وقفته، واندفع نحو الطبيب بمجرد رؤيته، ليهتف بلوعةٍ:
-أخبارهم إيه يا دكتور؟ في جديد؟
نظرة الأسى في عيني الطبيب كانت غير قابلة للتشكيك، أنبئه قلبه بفجيعة أشد وطأة، وقد صار ما خمنه، فتكلم قائلاً بتمهيدٍ:
-حضراتكم عارفين إن احنا عملنا اللي علينا وزيادة عشان ننقذهم؛ لكن مشيئة ربنا فوق كل شيء...
حبسوا أنفاسهم في ترقبٍ، فأكمل على مهلٍ، وقد أطرق رأسه للأسف متحاشيًا نظراتهم:
-للأسف مدام "خلود" كانت واصلة المستشفى ميتة، ومقدرناش نسعفها...
شهقات ما بين مكتومة وظاهرة خرجت من أفواه النساء، تبعها صوت "بدير" المردد في صدمة:
-لا إله إلا الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.
في حين تجمد "هيثم" في مكانه؛ وكأنه لم يستوعب بعد رحيل شقيقته، حملق فيه بعينين فارغتين، تحجزان العبرات في حسرةٍ، وضعت "همسة" يدها على كتفه تضغط عليه، وصوت نحيبها الصامت يتسلل إلى أذنه؛ لكنه بقي على حالته المنكسرة، غير واعٍ لما يُقال. لعق الطبيب شفتيه، وواصل الإضافة بحذرٍ:
-والوالدة في العناية، عندنا أمل كبير في نجاتها، ادعولها.
نظرة خاطفة مررها على الأوجه الناظرة إليه، قبل أن ينسحب في عجالةٍ بعد انتهاء مهمته الشاقة، تاركًا إياهم يتجرعون مرارة فقد الأحبة، وعذاب فراقهم.
..............................................................
جاءته الأخبار غير كاملة من رفيقه "منذر"، عن الاعتداء الغاشم من "محرز" على خالته وابنتها، ورغم ما بينهما من خلافات، إلا أنه لم يكن ليقبل أبدًا أن تنتقل المعارك لتضم النساء؛ كان رفيقه حذرًا في إطلاعه عليها لبشاعتها؛ لكن الأول لم يصمد لسماع المزيد. حاول "تميم" النهوض من رقدته التي طالت على فراش المرض، وقال بإصرارٍ عنيد، رافضًا المكوث بالمشفى، والإصغاء لصوت العقل:
-أنا عايز أخرج دلوقتي.
تدخل الطبيب لمنعه، وجاهد لإثنائه عن رأيه، فأخبره معترضًا
-مش هاينفع، في خطورة عليك، الكسور مش سهلة وآ...
قاطعه بعنادٍ أكبر:
-إن شاء الله أموت، مش هافضل هنا لثانية واحدة.
تعثر "تميم" في وقفته، وفقد اتزانه، فأسرع "منذر" لإسناده؛ لكنه لكزه رافضًا الشعور بالعجز، ربت عليه ورجاه:
-اهدى بس، واللي عايزه هيتعمل.
احتدت نظراته أكثر، والتفت يرمق الطبيب بعينين صارمتين، ليهتف بعدها بخشونة:
-سمعتني، أنا هاطلع حالاً!
وقف الطبيب حائرًا أمام إصراره، فاقترح "منذر" لتسوية الأمر:
-هو هيتابع من البيت، اطمن يا دكتور، كلنا جمبه.
استسلم قائلاً على مضضٍ:
-ماشي، بس لازم يبقى في متابعة.
رد "تميم" بفتورٍ، وهو يستند على عكازين طبيين:
-إن شاءالله.
أخفض "منذر" صوته طالبًا من رفيقه التعقل:
-ماتعملش في نفسك كده يا "تميم".
بصوته المحتقن سأله:
-ناقص يحصلنا منه إيه تاني؟
أكد عليه مشددًا على كلماته:
-هيتجاب.. والله هيتجاب!
نظر في عينيه قائلاً بحسم:
-يبقى وأنا واقف على حيلي، مش مرمي هنا.
ساعده على ارتداء ملابسه، وإنهاء الأوراق المطلوبة للخروج من المشفى، وقبل أن يصل الاثنان إلى الخارج، التقيا بـ "بدير"، تطلع "تميم" إلى والده باندهاشٍ قلق، وسأله بوجهه المكتسب لعلامات الضيق:
-خير يابا؟ في حاجة تانية؟
أطرق رأسه للحظةٍ، كأنه يفتش عن كلمات مناسبة يستعين بها، لاحظ "تميم" تردد والده، فعمق من نظراته الفضولية نحوه؛ لكن لا مهرب من الحقيقة، رفع وجهه الحزين نحوه، وأخبره بوجومٍ:
-البقاء لله، بنت خالتك في ذمة الله.
وخزة مؤلمة اعتصرت قلبه، هتف غير مصدقٍ، بتعابيرٍ تحولت للشحوب:
-إيه؟ إزاي؟
..............................................................
مأتم وراء مأتم، اجتمع فيه الجيران قبل المعارف والأقرباء، لتقديم واجب العزاء فيمن له الصلة بتلك العائلة، وإن اختلفت أماكن التواجد، بالطبع كان على رأس الحاضرين "اسماعيل" وابنه، لمصاهرتهم مع "هيثم". جلس كلاهما متلاصقين، بعيدًا عن الحشد المتجمهر عند مدخل السرادق؛ وكأنهم يخططون لأمر خطير. مال "فضل" على والده يهمس له للفت انتباهه:
-بأقولك إيه يا حاج؟
ضاقت نظراته نحوه متسائلاً بصوتٍ خفيض:
-خير يا "فضل"؟
قال بسماجةٍ وقحة:
-مش تحس كده إن قدم بنات عمي شؤم.
رمقه والده بنظرة مستنكرة، قبل أن يوبخه:
-إيه الكلام الماسخ ده؟ مايصحش كده!
تابع سخافته الثقيلة، غير مبالٍ باستهجانه:
-الصراحة من يوم شبكة البت "همسة"، والمصايب نازلة ترف، فتحسها كده أقدام.
دمدم مغتاظًا منه:
-أعوذُ بالله منك.
انزعج من صده، وعاتبه:
-جرى إيه يا حاج؟ ده أنا بأفضفض معاك كده في كلمتين محشورين في زوري!
نهره والده بكلامٍ لاذع، وهو يصر على أسنانه:
-شغل الحريم ده تفكك منه يا "فضل"، وخليك راجل، تعرف امتى تكلم وامتى تسكت.
اعتبرها إهانة ضمنية لفحولته، فغمغم بتشنجٍ:
-ده أنا راجل غصب عن التخين، أومال كوم العيال دول جبتهم إزاي؟
لمحة من السخرية غطت تعابيره، قبل أن يوضح له بكلماتٍ ذات مغزى، تمنى أن يعيها جيدًا:
-الرجولة مش الخلفة وبس يا "فضل"، الرجولة حاجات تانية، بتظهر في المواقف، وتبين معادن الرجالة اللي بجد...
تراجعت أنظاره عنه، واختتم حديثه:
-يا ريت بس تفهمها.
..........................................................
في ركنٍ منزوٍ، اتخذ مقعده بعيدًا عن المعزيين، قاصدًا الاختلاء بنفسه، ووجهها اللائم بنظراتها الباكية يحتل مخيلته؛ وكأنها تدينه لتخليه عنها. توغل في أعماقه شعورًا كبيرًا بالذنب ناحيتها، اختنق صدره، واستبدت به هواجسه، فتفاصيل قتلها كانت مفزعة للأبدان، بدا على وجهه حزن راسخ، رفع "تميم" رأسه المنكس لينظر في اتجاه جده "سلطان" الذي استطرد قائلاً، وهو يجلس إلى جواره:
-وحد الله يا ابني.
أطلق زفيرًا طويلاً، وقال بغصةٍ موجعة:
-لا إله إلا الله.
تطلع الجد إلى وجه حفيده، رأى في عينيه ألمًا عميقًا، شعر بما يعتلي صدره من شجنٍ، فأردف يخبره وهو يربت على فخذه:
-ادعيلها يا "تميم".
بعينين تحجزان العبرات الرقراقة سأله:
-تفتكر أنا ظلمتها يا جدي؟
أجابه بهدوءٍ؛ وكأنه يفهم ما يدور في نفسه:
-كله مقدر ومكتوب.
مسح تلك العبرة المتسللة من طرفه، وتابع باختناقٍ ظاهر عليه:
-لو كانت فضلت على ذمتي مكانش الكلب ده مسها!
تطلع إليه الجد بنظراتٍ مطولة، ثم نطق بعد صمتٍ قليل:
-محدش يملك في نفسه حاجة، الأعمار كلها بيد اللي خلقها.
قال وشعوره بالذنب يعتصره:
-بس أنا قصرت معاها، جيت عليها جامد.
رد عليه بصوته الرخيم:
-يا ابني متحملش نفسك فوق طاقتها، كل واحد مولود ومعروف هيموت امتى وإزاي، وده نصيبها، مالناش دخل في اختيار ربنا.
طفرت العبرات بقوةٍ من عينيه، وقال بصوتٍ يملأه الشجن، باكيًا موتها:
-مش قادر يا جدي، حاسس إني ظلمتها أوي، لو كنت صبرت عليها، جايز كانت فضلت عايشة وسطنا.
هز رأسه معقبًا عليه:
-لا راد لقضاء الله، ادعيلها، وأذكرها بالخير.
لم يعد هناك ما يقال، ضغط "تميم" على شفتيه كاتمًا أنينه الحزين، بكاها في صمتٍ بمشاعرٍ صادقة. ارتفعت أنظاره للأعلى حينما حضر إليه "منذر"، ليخبره بلهجة جادة، وتلك النظرة الغائمة على وجهه:
-عرفنا مكانه يا صاحبي ................................... !!
............................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السادس عشر 16 - بقلم Manal Salem
باعتذر عن التأخير في النشر، بدأت الكتابة متأخر
الفصل الخامس والثمانون
ارتكن بظهره على الجدار الممتد لمدخل بنايته، بعدما انسحب بهدوءٍ من العزاء مستندًا على عكازيه الطبيين، بقي "تميم" لدقائق بمفرده، مترقبًا عودة رفيقه إليه، ونظراته تدور على الأوجه المارة من حوله. النظر في وجهه في تلك اللحظة يعني رؤية كافة تعابير الغضب، كظم ما يعتريه من مشاعر حانقة، ريثما تتضح له كافة الأمور الغامضة؛ لكن ما أراحه قليلاً معرفته لمكان اختفاء هذا النذل القاتل. انضم إليه "منذر" وهاتفه على أذنه، دون تأخيرٍ أنهى الاتصــال، وأخفض يده ليتطلع إليه، استطرد قائلاً دون مقدمات استهلاليةٍ:
-اتنين من رجالتي قريبين من الحتة اللي هو موجود فيها، هيسبقونا على هناك ويستنونا.
علق متسائلاً باستهجانٍ يشوب صوته وملامحه:
-واحنا إيه معطلنا؟ ما نطلع نجيبوه على طول ابن الـ (...) ده!
أجابه موضحًا له بقليلٍ من التعقل:
-يخلص العزا وهنتوكل على الله، مش عايزين نلفت النظر لينا يا "تميم"، وخصوصًا إن في كذا حد من الداخلية هنا.
نفخ في سأمٍ رافضًا المماطلة وإضاعة الوقت هباءً، فكل دقيقة تمر تعنى منحه فرصة للهرب قبل الإمساك به. وضع "منذر" يده على كتفه، ضغط عليه بأصابعه مؤكدًا عليه:
-وربنا ما هيتساب.
سأله "تميم" بنوعٍ من الفضول:
-قولي إنت عرفت مكانه إزاي؟
جاوبه وهو يدير رأسه للخلف:
-من "ناجي".
تقطب جبينه في دهشةٍ، لينطق لسان حاله:
-ناجي؟!!!
أومأ برأسه بالإيجاب، وأكمل مسترسلاً:
-أيوه، رجالته "شيكاغو" و"حمص" قالوا إنهم شافوه في بلده القديمة.
ظلت تعابيره مليئة بأمارات الاندهاش، في حين أضاف "منذر" بوجهٍ مزعوج:
-ده غير إننا مسكنا واحد من العمال عندك في الدكان، كان مشغله عين ليه عليك، يبلغه بكل خطواتك!!
احتقنت نظراته، وحلت غمامة غاضبة على تعبيراته عندما هتف في حدةٍ:
-كمان، واحد من رجالتي دلدول عنده؟ وبيخوني؟
استياءٌ صريح انعكس على وجه "منذر" الذي تابع:
-هانقول إيه بس، في ناس كده (...) مايطمرش فيها اللقمة، وبعدين "محرز" ده طلع داهية، محدش يتوقع إن المصايب دي كلها يعملها.
عقب رفيقه بغصةٍ حارقة:
-اللي حازز في نفسي أكتر إني كنت مأمنه على أختي وأهلي ومالي، وفي الآخر يطلع (...).
أطلق "منذر" زفرة طويلة، تمتم بعدها:
-هو استغفل الكل، ووقت الحساب جه.
استقام "تميم" في وقفته، ومرر عكازيه أسفل إبطيه ليساعداه على السير، وقال بلهجةٍ قاتمة:
-شوفلنا العربيات يا "منذر"، أنا مش هاقدر أستنى لحد ما الناس تمشي، أبويا موجود وجدي، هما موجودين يسدوا مكانا.
أدرك صديقه أنه لن يستطيع إثنائه عن رأيه، فتنهد مرددًا:
-ماشي يا سيدي، هاشوف "دياب" وراجعلك.
تركه بمفرده ليستدعي شقيقه، ويرتب معه في عجالةٍ ما قد يحتاجون إليه للانتقال بالعدة والعتاد للقبض على "محرز"، بجهد جهيد حاول "تميم" تثبيط الانفعالات الثائرة بداخله، فما زال إحساسه بالتراخي في حماية جزءٍ من عائلته يعذبه؛ وإن لم يعلم بعد بالمؤامرات الخبيثة التي حيكت ضده لإهلاكه.
.................................................
سحقًا لأمثاله من عديمي المشاعر، مقتنصي الفرص لإظهار الشماتة علنًا، هكذا كان "فضل"! يستمتع بنشوةٍ منفرة بإظهار نواقص غيره؛ وكأنما يخلو شخصه المقيت من العيوب، فحينما لمح "تميم" يقف بعكازيه، وعلامات الألم تبدو عليه كلما جاهد ليتحرك قليلاً على الرصيف، حتى أحس بسرور غريب يتفشى في روحه العليلة، ظن أنها فرصته المناسبة لرد الصاع صاعين له، والاقتصاص منه لإهانته الوقحة له، بكلماتٍ تستثير غيظه، وتجعل في نفس الآن غير قادرٍ على مجابهته. دنا منه، ورمقه بنظرة استعلاءٍ متشفية، قبل أن يستوقفه صائحًا بنبرةٍ شبه هازئة:
-سلامتك يا .. معلم، مين اللي عَلم عليك كده؟ شكله واحد إيده طارشة، مايعرفش أبوه.
لم يكن مراعيًا لمشاعر غيره الحزينة، وقاحته تخطت المقبول، استدار "تميم" ليواجهه، ونظراته توحي بغضبةٍ على وشك الاندلاع فيه، زجره متسائلاً بصوته الأجش:
-عَلم عليا؟ إنت اتجننت يا بنى آدم؟
واصل سخريته منه، غير مكترث بتبعات لغو لسانه الأحمق:
-أومال اللي حصلك ده من إيه؟ أوعى تقول قشرة موزة مثلاً دوست عليها بالغلط وإنت بتنقل الأقفاص؟
هدر به "تميم" بخشونةٍ، وهو يرفع عكازه في وجهه ليهدده به:
-القفص ده هتلبسه في دماغك لو مغورتش من قدامي.
أزاحه "فضل" بيده، قاصدًا دفع "تميم" بعدائية للخلف لطرحه أرضًا، رغم كون الأخير قد حافظ على اتزانه، إلا أن ذلك الوقح تابع استفزازه البارد بقوله السمج:
-بالراحة يا معلم، لأحسن عروقك تطق، وإنت شكلك مش حِمل خناقة تانية.
وقبل أن يضيف المزيد من العبارات المهترئة التف بغتةً حول عنقه ذراعًا قوية، لم يستطع المناص منها، فشل رغم محاولاته إبعاده، وأصبح أسيرًا لمن لم يستطع رؤية وجهه. ضغط "منذر" بعضلات ذراعه أكثر عليه، ليحبس الهواء عنه، وتساءل بهدوءٍ؛ وكأنه يتعمد إذلاله، وإظهاره بحجمه الحقيقي:
-في إيه "تميم"؟ قولي الشِوال ده مضايقك في حاجة؟
أجابه بتجهمٍ:
-شايف نفسه البغل.
تلوى "فضل" بجسده الممتلئ، وعجز عن تحرير نفسه، فقال بصوتٍ مختنق، وبوجهٍ مشتعل في حمرته:
-أوعى كده..
سدد له "تميم" نظرة استحقارٍ، بينما أكمل "منذر" كلامه، بنفس السيطرة المطلقة، قاصدًا إهانة هذا السمج:
-ما تسترجل يا جدع، وتنشف كده؟ هو أنا لسه عملت حاجة، ولا إنت بتقلب حُرمة لما بتشوف الرجالة اللي بجد؟
زادت مقاومة "فضل" لقسوته، وبدا على وشك البكاء من شدة الألم، تدخل "دياب" في الحوار قائلاً بتسلية:
-لأ سبهولي يا "منذر"، أنا إيدي بتاكلني عايز أضرب حد، ومعنديش مشكلة أعلقه على باب العمارة.
ولأن الموقف لا يتحمل المزيد من التهكم، فأنهى "تميم" تلك السخافة هاتفًا بوجومٍ:
-سيبوه!
هز "منذر" رأسه احترامًا لرغبته، وتركه مع دفعةٍ غليظة للأمام، ليستدير "فضل" لمواجهته، رأه يفوقه طولاً وحجمًا، بالكاد إن تلقى لكمة طائشة منه لأعاد ترميم قسماته، بلع ريقه، وصاح بصوتٍ مهتز حاول أن يحفظ به ماء وجهه المُراق:
-إنتو مجانين.
استشعر "منذر" رهبته، وسأله بنظراتٍ مهددة:
-مش كنت عامل فيها دكر؟ خوفت ليه؟
تراجع بعيدًا عن محيطه خطوتين، وقال بلجلجة بائنة وهو يشير بيده نحو "تميم":
-أنا .. كلامي مش.. معاكو.
على الجانب الآخر، اندفع "هيثم" خارج البناية، بخطواتٍ مهرولة أقرب للركض، ومن خلفه زوجته تحاول اللحاق بخطاه السريعة، لم يكن في حالةٍ جيدة، غضبه خرج عن حدود السيطرة، وربما إن تركته بمفرده لارتكب من الحماقات من قد يودعه في غياهب السجن. توسلته وهي تسعى لإيقافه بالتعلق بذراعه:
-استنى يا "هيثم"، عشان خاطري ماتروحش وإنت في الحالة دي.
نفض ذراعها، والتفت يحدجها بنظرة مشبعة بحمرة ملتهبة وهو يقول في تهكمٍ سافر:
-عايزاني أقعد مع الحريم أولول جمبك؟
انزعجت من حدته، ولم تعاتبه تقديرًا منها لحالته النفسية؛ لكنه أكمل بنفس اللهجة المنفعلة:
-وطبعًا أسيب الكلب اللي قتل أختي كده عايش حياته ومبسوط؟
ردت برجفةٍ طفيفة، أظهرت خوفها عليه:
-لأ، بس مش عايزاك تودي روحك في داهية.
رفع إصبعه أمام وجهها، وأخبرها بلهجةٍ عبرت عن ألمه العميق:
-حق أختي هاجيبه يا "همسة"، مش هاسيب دمها ولا دم أمي يروح هدر...
أدمعت عيناها تأثرًا، فأضاف بنبرةٍ متشددة:
-واطلعي يالا على فوق.
أصرت على البقاء معه رغم تحركه، تبعته من جديد، وهتفت محتجة:
-لأ يا "هيثم"، مش هاطلع، ومش هاسيبك تضيع نفسك إنت كمان.
تجاهلها متجهًا إلى "تميم" ومن معه، وصوته الآمر يرن عاليًا:
-اطلعي فوق
توقفت "همسة" عندما رأت ابن خالته ورفاقه، استعطفتهم برجاءٍ:
-بلاش تتهوروا، وخلوا الشرطة تجيب حق اللي راح، إنتو في غنى عن المشاكل.
تكلم "تميم" قائلاً دون أن ينظر في اتجاهها:
-المشاكل جت عندنا من زمان.
صاح "هيثم" بها موبخًا إياها:
-متوجعيش دماغي، هي كلمة، اطلعي اقعدي فوق.
نظرت له بعتابٍ، تنفست بعمقٍ لتمنع نفسها من البكاء أمامهم، وأردفت تسأله بصوتٍ خرج مضطرمًا متقطعًا:
-يعني ماليش خاطر عندك؟
بنفاذِ صبرٍ هدر بها:
-يوووه، كفاية بقى، أنا مش هاتكلم كتير.
تحرك "منذر" ليقف إلى جواره، لف ذراعه حول كتفه ليهدئه، وأخبره بصوتٍ خفيض:
-بالراحة يا "هيثم"، الجماعة خايفين عليك.
على عكسه فكر "فضل" في استغلال الموقف، وإظهار رجولةٍ زائفة ليكسب بها بضعة نقاطٍ يعيد بها كرامته المبعثرة، لذا خشن من نبرته، وهتف في "همسة"؛ وكأن إحراجها أمرًا عاديًا:
-ما تتلمي يا بت وتسمعي كلام الرجالة...
هتف "هيثم" يحذره بعد أن تفاجئ من إقحام نفسه في شأن لا يخصه:
-ماتدخلش!
بينما تدلى فك "همسة" السفلي في صدمةٍ مليئة بالذهول، وحملقت في ابن عمها بعينين متسعتين، ليتابع هجومه الوقح عليها:
-ولا مفكرة إن بعد ما اتجوزتي عيارك هايفلت، لأ ده أنا ممكن أكسر رقبتك فيها، إياكش مفكرة نفسك هتستعصي عليا؟ أختك وجبت رقبتها تحت رجلي.
كلماتٍ نطق بها بعفويةٍ استرعت انتباه ذاك المحمل بهمومٍ كالجبال، قست عينا "تميم"، وهو يتطلع إليه، وقد استحوذ وجه "فيروزة" على خلايا عقله، لم يطرف جفناه، بل ازداد وجومًا وقسوة، استمر في مطالعته، كما لو كان يحاول بنظراته النافذة كشف غموض جملته المبطنة، تلك التي تخص الطاووس المهاجر، بقي كامل تركيزه معه، رغم الغيظ المستبد بـ "همسة"، والذي غلف صوتها وهي ترد ملوحة بيدها:
-إنت بتكلمني كده ليه؟
-إياكي ترفعي صوتك عليا!
قال "فضل" عبارته الأخيرة وهو يهوي بكفه على وجنتها ليصفعها، كان تصرفه الأرعن كفيلاً بنزع فتيل غضب "هيثم"، حيث اندفع الأخير كالمجنون نحوه بكامل ثقله، تعلق بتلابيبه، ثم هزه بعنفٍ وهو يصيح به:
-إنت اتجننت؟ بتمد إيدك على مراتي؟
بدا "فضل" وكأنه سيبول على نفسه من خوفه الشديد، لعق شفتاه، وبرر تصرفه قائلاً بارتعابٍ شديد:
-ده أنا بأدبها .. عشانك يا أبو نسب.
هدر به في غضبٍ أهوج:
-تقوم تضربها؟ هو أنا اشتكيتلك؟
صاحب صياحه المنفعل لكمات متتابعة عنيفة في أنحاء وجهه، حتمًا ستترك أثرها عليه، ليطرحه أرضًا بعد ذلك، ويجثو فوق عنقه بركبته، قاطعًا عن مجرى تنفسه الهواء، في البداية لم يمنعه أحد، رأى من حوله أن يستحق هذا الجزاء لطيشه، لكن إشارة جادة من عيني "تميم" لـ "دياب" دفعت الأخير للتحرك نحوه، وبصعوبةٍ تمكن الأخير من انتشال "هيثم" من فوقه، وهو يخبره:
-كفاية عليه كده، إنت ربيته يا "هيثم".
قاومه بشراسةٍ، وهدر بنفس النبرة الغاضبة:
-لأ مش كفاية.
أتى الحاج "اسماعيل" مهرولاً في اتجاههم، بعد غياب ابنه لمدة طويلة، خرج من السرادق للبحث عنه، وحدث ما كان يخشاه، وجده يتشاجر مع من هم أشد منه قوة، جحظت عيناه رعبًا عليه، وهتف متوسلاً السماح:
-بالله عليك تسيبه، حقك عليا أنا يا ابني!
حينها انحنى "منذر" هو الآخر ليجذبه من كتفه، وهتف في أذنه:
-إنت عملت معاه السليمة، سيبه!
استعان بمساعدة شقيقه ليفصله عنه، فأخذ "فضل" يصدر أنينًا موجوعًا، وقال بنوعٍ من الشكوى، ملقيًا بالذنب على "همسة" في تبجح منفر:
-شايف يابا، عشان مش راضي بالغلط من بنت عمي، يتكاتروا عليا، بقى هي دي المرجلة؟
قال والده في ازدراءٍ؛ وكأنه لا يصدقه:
-هو أنا مش عارفك يا "فضل"؟
غمغم ابنه بكلماتٍ متبرمة غير مفهومة، لاعنًا إهانتهم المذلة له؛ لكنه لم يجرؤ على النطق بهذا علنًا، كان بحاجةٍ للمساعدة للنهوض، ولم يمد له أحد يد العون، حتى والده وقف كالمتفرج ينتظر قيامه، بمزيدٍ من الجهد استند على راحتيه، ليرفع جسده عن الأسفلت القاسي، بمجرد أن استقام واقفًا، اعترض "تميم" طريقه، نظر في عينيه بنظراتٍ تقدح شرًا، ارتعب الأول من طريقة تحديقه به، وانعكس الخوف على كامل وجهه، بدا صوت الأخير قريبًا منه، ثم أخبره بلهجة لا تعرف للمزح لونًا:
-لو فكرت تقرب من جماعة "هيثم"...
اشتدت نبرته قساوة وحزم، عندما أتم باقي جملته:
-ولا حتى أختها، عيالك هتتيتم!
انتصبت كامل شعيرات جسده على إثر تهديده، أكدت نظراته الفارغة من الحياة جديته، شحبت بشرته أكثر، وتراجع بخطواتٍ متعثرة للخلف هاربًا من أمامه، كفرار الفريسة من الأسد الجامح.
صراخ جنوني صدح في الأجواء، أجبر الجميع على الالتفات نحو المدخل، لتطل بعدها "هاجر" وهي تهتف مستغيثة، ويدها على رأسها المغطى بحجابٍ غير محكم:
-الحقني يا "تميم"! ابني اتخطف!
....................................................................
أصبح من الصعب ردعه، بعد وصوله لتلك المرحلة الحرجة، في مشواره المتخم بالجرائم النكراء، اِنقاد وراء جنونه غير المحدود، تاركًا عاطفته الأبوية وراء ظهره، ليشرع لاهثًا خلف ما ينجيه من الهلاك؛ وإن كان يعني هذا اختطاف رضيعه للمساومة به من أجل المال، بعد عقده لصفقة جديدة لتهريبه خلال البلاد، سلبت ما بحوزته من نقود ومشغولات ذهبية مطعمة بالدماء. استغل "محرز" عدم توقع الغالبية العظمى لقدومه خلال مراسم العزاء، ليختبئ في عباءة نسائية فضفاضة، وسوداء اللون، يزينها نقاب طويل يخفي وجهه، فيبدو كواحدة ممن جئن لتقديم هذا الواجب الضروري، ولكونه يعرف مداخل المنزل جيدًا، لم يجد صعوبة في التجول بحريةٍ ليصل إلى غرفة "هاجر".
كانت الأخيرة تنوح موت "خلود"، خلال بقائها مع حفنة من النساء في صالة منزلها، فرحيلها بتلك الصورة الشنيعة شكل صدمة أوجعت قلبها، خاصة مع تقاربهما الشديد، وأيضًا لكون القاتل زوجها، بكت مدمدمة بنحيبٍ:
-آه يا حرقة قلبي عليكي يا أختي! كنتي غالية عندي.
واستها إحدى السيدات قائلة:
-هوني على نفسك يا حبيبتي، ربنا يرحمها برحمته الواسعة.
ضربت بكفيها على فخذيها، وتابعت عويلها المليء بالشجن:
-لأ واللي قتلها جوزي؟ شوفتي النصيبة! هي الدنيا جرالها إيه؟
ردت عليها أخرى وهي تزم شفتيها:
-ربنا يلطف بيكي وبالست "ونيسة".
هزت جسدها للجانبين في حركة اهتزازية متكررة، وهي تواصل ندبها:
-مابقناش ملاحقين على المصايب، منك لله يا "محرز"، أشوفك متعلق على حبل المشنقة، يا رب انتقم منه!
ربتت عليها ثالثة، وطلبت منها بنوعٍ من التعاطف:
-ماتعمليش في نفسك كده يا حبيبتي، وقومي شوفي ابنك، هو اللي باقي.
التفتت ناظرة في اتجاهها، وعلقت باستهجانٍ شديد:
-ابني؟ هاقوله إيه لما يكبر؟ أبوك ماشي يقتل في الناس؟
أطرقت رأسها في أسفٍ، وقالت:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، معلش يا بنتي، ده النصيب.
هتفت تلعنه في حرقةٍ:
-نصيب منيل ومهبب، ربنا ياخد يا "محرز".
استندت على مسند الأريكة لتنهض من جلستها، سارت عبر الردهة في اتجاه غرفتها، ولم تنتبه للخطوات التي تتعقبها، ولجت إلى حجرتها، باحثة عن رضيعها المتواجد في فراشه، انحنت لتحمله بين ذراعيه، وما إن التفتت حتى وجدت "محرز" أمامها، شخصت أبصارها، وهمّت بالصراخ؛ لكنه أطبق على شفتيها بكفه، ولف ذراعه الآخر حول رأسها، شعر بحرارة أنفاسها المكتومة تحرق راحته، رمقها بنظرة ميتة أرعبتها، صر على أسنانه متسائلاً بغلٍ محموم:
-بتدعي عليا يا "هاجر"؟
سرت ارتجافة رعب في كامل بدنها، صحبتها خفقات عنيفة كادت توقف نبض قلبها، الواقف قبالتها الآن يختلف كليًا عمن عاشرته، ليس هذا بزوجها الذي أفنت سنواتها لرعايته والاهتمام به، خفقة أخرى مرتاعة عصفت بها، حينما توعدها بفحيحه الذي جعلها تزداد جحوظًا:
-أنا هاحسرك على ابنك.
بغريزة أمومية متأصلة فيها، ضمت رضيعها بقوةٍ محاولة حمايته من بطشه الأعمى، الشرر المتطاير من مقلتيه أكد لها عزمه على تنفيذ تهديده. شحنت "هاجر" قوى هاربة منها لتقاومه بضراوةٍ دفاعًا عن وليدها؛ لكنه باغتها بضربة مؤلمة على مؤخرة رأسها، تبعها بأخرى عنيفة أفقدتها الوعي، ثم تلقف الرضيع منها، وحاوطه بحجاب نقابه ليخفيه عن الأعين، ثم تسلل مثلما جاء خارج الغرفة، بخطواتٍ متعجلة، قاصدًا باب المنزل، ومنه قفز الدرجات هبوطًا للأسفل.
تجمد مشدوهًا عند مدخل البناية، حينما رأى "تميم" ومن معه، اعتراه الخوف، وكاد يتراجع عن استكمال خطته الدنيئة لولا أن وقف الحظ في صفه، والتهوا بشجارهم الغريب، لينسحب في تخفي مثلما جاء، مع فارق أنه سرق ابنه الوحيد.
حينما أفاقت "هاجر" من إغماءتها السريعة، فتشت بنظراتٍ مشوشة عن رضيعها، هتفتٍ بقلبٍ واجل:
-"سلطان"، ابني!
التقطت حجابها الأسود، طرحته على رأسها، وهرولت صارخة خارج غرفتها تصيح باهتياجٍ:
-"محرز" خطف ابني!
واصلت هرولتها المذعورة، قافزة على درجات السلم، لم تهتم إن انكفأت على وجهها أم لا، المهم أن تلحق بفلذة كبدها قبل أن يطاله الأذى، في الأخير وقفت أمام شقيقها، وبأنفاسها اللاهثة المليئة بكل ما فيها من لوعةٍ وجزع استنجدت به:
-الحقني يا "تميم"! ابني اتخطف!
صراخها الملتاع جذب كافة الأنظار إليهم، فلم يعد للسكوت معنًا، هدر "تميم" آمرًا من حوله من رجالٍ أشداء:
-يالا يا رجالة، مش هايطلع عليه نهار.
وقبل أن يتقدموا نحو السيارات التي اصطفت أمام الرصيف، ظهر "بدير" في المشهد، ومن خلفه "سراج"، هتف الأول متسائلاً بشكلٍ عابر، رغم تعابيره القلقة:
-إيه اللي حصل يا ولاد؟
أجابه "دياب" مباشرةً:
-الكلب خطف ابنه، شكله عايز يلوي دراعنا.
جزع "بدير" للخبر، وردد في خوفٍ:
-الكلب ده ممكن يأذيه!
كلماته العفوية ضاعفت من ارتعاب "هاجر"، فاندفعت نحو شقيقها تتوسله بعينين غارقتين في الدموع:
-رجعهولي يا "تميم"، أنا مش عايزة أخسره، متوجعش قلبي عليه.
لامست بلهفتها المحترقة قلب "سراج"، فاربدت تعابيره بالحنق والغضب، سلط أنظاره على شقيقها، ورأه يضع قبضته على كتفها ليخبرها بنظراتٍ أظهرت وحشية يفهمها جيدًا:
-هارجعه يا "هاجر".
هزت رأسها بإيماءات متتالية عبرت عن تصديقها المطلق لوعده، ثم أمرها بصوته الخشن:
-اطلعي فوق، وخليكي مع أبويا وجدي، ماتنزلوش من البيت مهما حصل
التفت "منذر" نحوه مقترحًا عليه:
-أنا هاسيب كام حد من رجالتنا هنا يأمنوا الجماعة، ماشي؟
وافقه الرأي، واستدار مواجهًا أبيه:
-خد بالك منهم يابا، الليلة نهاية "محرز".
لم يبدُ والده مصدومًا من عزيمة ابنه القاطعة، فالعائلة تأتي أولاً، وقبل أي شيء، صدّق عليه بتشجيعه للمضي قدمًا للنهاية:
-رجع حق اللي راحوا كلهم يا "تميم".
قامت "همسة" باحتضان "هاجر"، وسحبتها نحو الداخل، بينما أسرع "سراج" في خطاه حاسمًا أمره:
-أنا جاي معاكو برجالتي.
لم يلقَ معارضة من الرجال، على ما يبدو صحت مقولة عصر الشهامة لم ينتهي بعد، اتفق الجميع على الوقوف معًا لردعه، فكلما كثر الحشد، كلما دبوا في قلب هذا الوضيع الرعب!
.........................................................
حافظ مؤقتًا على جموده الهش حتى يصل إلى هناك، حينها فقط سيظهر غضبه الكاسح، ولن يأبه لشيء، سيفنيه عن بكرة أبيه. مرت الدقائق كأنها ساعات، رغم انطلاق السيارات تتبع بعضها البعض بسرعات تجاوزت المسموح، ركز "تميم" كامل أنظاره على الطريق، وسأل "منذر" الجالس خلف المقود بصوته الأجوف:
-فاضل كتير؟
أجابه باقتضابٍ يخفي خلفه شحنة من الغضب المكبوت:
-هانت يا صاحبي.
استمر في قيادته لما يقرب من النصف ساعة، ظهرت تشنجات أصابعه خلال إدارته للمقود بين الفنية والأخرى، حاولت الاسترخاء لكنه فشل، فالورطة تلك المرة ليست بالهينة، وربما تحصد بعض الأرواح معها. قبيل الانعطاف للجسر المؤدي للبلدة المنشودة، استطرد "منذر" يُعلمه:
-وصلنا خلاص
تحفز "تميم" في جلسته، وتقلصت جميع عضلاته مسببة له ألمًا لا يمكن احتماله، غالب أوجاعه ليظهر استعداده بقوله الصارم:
-الكلب ده بتاعي، أنا اللي هحاسبه.
رد دون جدالٍ:
-ماشي الكلام.
..................................................
-الفلوس هاتكون عندك في ظرف يومين، بس إنت خلصني.
عبر هاتفه المحمول، نطق "محرز" بتلك العبارات بصوتٍ بدا متجهمًا، ووجهه يداعبه القلق العميق، استدار ناظرًا نحو رضيعه الذي شرع يهمهم ببكائه، حاول إسكاته بحمله بيده الأخرى وهدهدته؛ لكنه فشل بسبب عصبيته الواضحة، أسنده على فراشه الحقير، وأكمل مكالمته بلهجةٍ غاضبة:
-ملكش دعوة هاتصرف إزاي، إنت ليك أكل ولا بحلأة؟ وبعدين ما إنت سيبتلك الدهب كله، يعني تعتبر خدت فوق حقك وزيادة.
أطلق زفرة مسموعة، واختتم معه المكالمة بترديد:
-أيوه هنتقابل في نفس المكان، سلام.
ضغط على زر إنهاء الاتصال، ودس هاتفه في جيب بنطاله، ثم لف بذراعه الآخر الرضيع ليحتويه، نظر إليه بغرابةٍ، وأردف يكلمه بابتسامة ساخطة على زاوية فمه:
-مين كان يصدق يا "سلطان" إني أعمل فيك كده؟ بس هاعمل إيه، ما أنا روحي بقيت على كف عفريت!
تململ الصغير بين ذراعيه، وتلوى ببكاءٍ أصبح مزعجًا، فتش بعينيه عما يمكن أن يستخدمه لإلهائه لبعض الوقت، فقد غفل في غمرة تفكيره الدنيء، عن إحضار ما يلزم لرعاية رضيعٍ مثله يحتاج للطعام والشراب في هذا المكان المقفر:
-اهدى شوية على نفسك، أنا كده مش عارف أركز.
شوش صوت الرضيع الباكي، على الأصوات الحثيثة المتسللة، والتي اقتربت من كوخه البائس الواقع على مقربة من المصرف الصحي. مع نجاحه في إخراسه لم يرتاب في شيء، بالنسبة له بدا الوضع طبيعيًا. نظرة مدققة ألقاها "دياب" عبر سدات الغاب المعقودة معًا، ليحصر المتواجدين بالداخل، لم يجد سواه، حاول وسط الإضاءة الباهتة أن يتفحص المكان، لينقل الصورة كاملة لأقرانه، وما إن أكمل مهمته، حتى عاد إليهم مثلما جاء بحيطة أكبر، انخفض بجسده، وهمس بصوتٍ شبه لاهث لمن معه:
-الكلب موجود لوحده.
رائحة المكان الكريهة، أصابت المتواجدين بالغثيان والنفور، تغاضوا عنها مرغمين، ليبادر "منذر" متسائلاً بتعابيرٍ جادة:
-هنطلعه برا إزاي؟
هتف "هيثم" بتهورٍ من بين أسنانه المضغوطة:
-سيبوني أطلع أجيبه من رقبته!
أمسك به "منذر" ليثبته في مكانه، محذرًا إياه بصرامةٍ:
-هي مش فتونة ولا فرد دراع دلوقتي يا "هيثم".
على مضضٍ تحامل على نفسه، بينما تنفس "تميم" بعمقٍ، وأشار لهما بيده ليصمتا، ثم أخبر الجميع بصوته الأجوف:
-في دماغي فكرة، هي صحيح فيها مجازفة، بس مقدمناش إلا كده.
تفقه ذهن "منذر" لما طرأ في بال رفيقه، وسأله بصوته الخفيض:
-أوعى تكون ناوي تحرق العشة عليه؟
عقب عليه بنظراتٍ غاب عنها الإشفاق:
-مافيش غير كده، ده هيجبره يطلع برا.
استطرد "سراج" يقول في توترٍ حقيقي:
-أنا خايف على الواد الصغير، بعد الشر النار تمسك فيه، مافيش حاجة مضمونة.
أدار "تميم" رأسه في اتجاهه ليخاطبه:
-هو جمب واحد اللي هنولع فيه، وفي نفس الوقت نهجم برجالتنا من الجمب التاني.
سأله بقلقٍ أكبر:
-طب لو فكر يدبح ابنه!
إن كانت نفسه الخبيثة بمثل هذا السوء، فلن يتمكن بالطبع من رده، رجا "تميم" الله ألا يتهور بأملٍ مغلف بالشك:
-إن شاءالله مايحصلش.
.........................................................
التزم كل رجلٍ بمهمته الخطيرة، واضعين جميعًا في المقامِ الأول حياة الرضيع، وبدأوا في محاصرة الكوخ من كافة الاتجاهات، حتى لا يجد "محرز" مهربًا بعد تضييق الخناق عليه، وعند الإشارة المتفق عليها، أُلقيت على ذاك الجانب من الكوخ البعيد عن الفراش، زجاجة مليئة بمادة الكيروسين، فوهتها تسدها قطعة قماشٍ مشتعل طرفها، فالتقطت سدات الغاب النيران بلهفة الجائع، واضطرمت سريعًا فيه، أتى صوت "محرز" المذعور مخترقًا سكون الليل، انتفض خارجًا من الكوخ حاملاً الطفل بين ذراعيه، تسمر في مكانه عندما رأى "تميم" يواجهه بعكازيه، استدار باحثًا عن مهربٍ آخر، فوجد كل المخارج مسدودة برجالٍ قساة في تعاملهم.
دار حول نفسه، وذراعاه يشتدان على الرضيع، هدر مهددًا بتشنجٍ:
-اللي هايقرب مني هاموته.
رد عليه "تميم" بصوته القاتم، المليء بالتهديد الصريح:
-جرب تلمسه، وساعتها هتتمنى الموت ومش هتنوله!
في حين أضاف "منذر" بنبرة جليدية، تعبر عن استعداده للتضحية:
-كلنا مسيرنا نموت يا "محرز"، مش فارق مين الأول، بس إنت كده كده رايح.
هدر "هيثم" مرددًا بحرقة شديدة، وقلبه يدق في عنفٍ:
-قتلت أختي، ورميت أمي بين الحياة والموت في المستشفى، ومن قبلهم "نوح"، فكرك هاسيبك تعيش للحظة؟
التفت ناحيته، وأخبره بلمحةٍ ساخرة:
-ده أنا ريحتكم منهم، هو إنت فاهم إنهم ملايكة؟ دول مايفرقوش عني.
تحركت عينا "محرز" نحو "تميم"، وخاطبه ويده تلتف حول عنق الرضيع:
-اللي إنت فيه كان بأوامر الست خالتك.
حملق فيه الأخير بتعابيرٍ ذاهلة جعلت "محرز" يستمتع بانتشاءٍ برؤيته على حالته المصدومة؛ وكأنه ظفر بنصرٍ ساحق؛ لكن صوت "هيثم" المستنكر شتت أنظاره عنه ليستدير مجددًا ناحيته عندما هلل:
-إنت كداب.
بكل برودٍ دمدم عاليًا:
-مش محتاج أكدب، هي متتخيرش عني، و"خلود" كان فاضلها تكة وتطلب مني أقتل "أبو الرجولة" من تاني، ده يعني لو كانت فضلت عايشة!
التفافه حول نفسه للرد على الصيحات الغاضبة، جعله غير منتبه لذاك الزاحف على بطنه، بطول حافة المصرف الصحي، ليصل إليه في غفلةٍ منه، وقد نجح بعد مجهودٍ مضني، انتظر "سراج" اللحظة المناسبة، ليرفع جسده المغطى بالطين عن الأرض، وينقض عليه. في غمضة عين هب قابضًا على قدمه اليسرى، وعرقله منها بكل ما أوتي من قوة ليسقطه على جانبه، وكردة فعل سريعة، استغل "تميم" تلك الفرصة الغالية، لينتفض على الفور، متخليًا عن عكازيه، وملقيًا بثقل جسده عليه، فقد كان الأقرب إليه من تلك الناحية. لكزه بكوعه في فكه، وانتشل من براثنه الرضيع، وأبعده عنه.
حاوط "سراج" الرضيع ببدنه، وزحف به لبقعة آمنة، بينما تعانق جسدا "تميم" و"محرز" في قتال بالأيدي، جعلهما يدورا في دوائر متواترة قادتهما نحو حافة المصرف، وقبل أن يهوى كلاهما في أعماقه المظلمة، امتدت أيادي "منذر"، و"دياب"، و"هيثم" للإمساك بـ "تميم" من ساقيه، ألمًا مبرحًا اجتاح نصفه السفلي مما جعله يصرخ بشدة، شعر وكأن عظامه تنفصل عن بعضها البعض مع شدة الجذب، خاصة بعد تعلق "محرز" في عنقه، تشبث الأخير به، وهتف بأنفاسٍ ملتهبة، وتلك النظرة الخبيثة تكسو عيناه:
-مش هاموت لوحدي.
غالب "تميم" أوجاعه القاتلة، ووضع أصابعه في عيني ذلك الجاحد يريد اقتلاعها وهو يخبره:
-ساعتك أزفت خلاص.
بين طرفة عينٍ وانتباهتها، ارتخت قبضتي "محرز" عن عنقه، مستسلمًا لمصيره الأسوأ على الإطلاق، سقط وحده في القاذورات النجسة، ضرب بذراعيه المياه الملوثة عله يبقى على سطحها؛ لكنها رحبت به بحفاوة بين بقاياها الآدمية .. أدرك حينئذ أنه غارقٌ فيها لا محالة، اشتد صراخه الجنوني المجلجل لوهلةٍ قبل أن تسحبه نحو أعماقها الكريهة ..................................................... !!
..................................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل السابع عشر 17 - بقلم Manal Salem
مساء الورد عليكم ..
لا تبخلوا بالتعليق على الأحداث، كلامكم الداعم بيفرق كتير
الفصل السادس والثمانون
بين المخلفات الآدمية النجسة، غاص جسده الفاني إلى حيث بدأت جرائمه، وانتهت نوائبه، دون أن تُذرف دمعة واحدة على فقدانه؛ وكأن بموته قد أراح العالم من شره. بحرصٍ مختلط بالحيطة سحب الرجال الثلاثة "تميم" بعيدًا عن الحافة، وصوت صراخه المتألم يصدح في سكون الليل، حملوه معًا بحذرٍ إلى مسافة آمنة، ليمددوه على ظهره على الأرضية. تساءل "منذر" أولاً في جزعٍ:
-قولي حاسس بإيه؟
أجابه بصوتٍ تبين منه مدى ألمه الشديد:
-رجلي.. مش قادر.
تفهم ما يمر به بسبب الجذب الشديد الذي تعرض له من الجانبين، وقال بلهجةٍ جادة:
-تحب ننقلك على المستشفى.
رد دون جدالٍ:
-يا ريت.
بعزمٍ أخبره في الحال:
-على طول يا صاحبي، هاجيب العربية قريب من هنا.
بينما أضاف "دياب" بنفس الاهتمام الجاد:
-اطمن، هاتبقى كويس بأمر الله، وكلنا معاك.
رد دون شكٍ:
-عارف.
وزع "تميم" نظراته الشاكرة على من حوله، لتتحرك عيناه بعشوائيةٍ وهو يتساءل:
-فين "سلطان"؟
أتاه صوت "سراج" مطمئنًا، وذراعاه تضمان الرضيع إلى صدره:
-متقلقش عليه، هو معايا وفي أمان.
ابتسم له في حبورٍ، وقد رأه يهدهده في حنوٍ، يعطف عليه وكأنه من صلبه، على الرغم من العداء القديم بينهما إلا أنه كان الأسبق في نجدته في كل موقفٍ يحتاج فيه للمدد. اكتفى بنظرات العرفان بالجميل، ولم يعلق عليه. نظرة جانبية حانت منه في اتجاه "هيثم" الذي بدا شاردًا، وجهه يعكس حزنًا عميقًا، امتدت يده لتمسك بذراعه، فالتفت الأخير ناحيته يطالعه بخزيٍ، قبل أن يخفض رأسه مستشعرًا مدى خذلانه له. استطرد "تميم" قائلاً بصوته المرهق:
-إنت ملكش ذنب في أي حاجة حصلت.
رغم يقينه بصحة ما حدث، بناءً على طبيعة شخصية والدته الطامعة، إلا أنه لم يستطع إعفاء نفسه من الذنب، نكس "هيثم" رأسه متحاشيًا نظراته، ليردد بغصةٍ:
-هو أنا قادر أرفع عيني في عين حد فيكو؟
أخبره بعد لحظة من السكوت:
-مافيش حد بيشيل شيلة حد، وكل واحد في النهاية خد جزائه.
كان في أعماقه يخشى من مواجهة الحقيقة؛ لكن لا فرار منها، فقال بمرارةٍ:
-أنا مش عارف أزعل على أختي وأمي، ولا أروح...
قاطعه "دياب" مشددًا قبل أن تسيطر عليه هواجسه:
-أمك تبرها لحد آخر نفس، حتى لو كانت إيه، محدش بيختار أهله.
الإضاءات الأمامية القوية لسيارة "منذر" جذبت الأنظار نحوها، فهتف "سراج" بصوته المرتفع:
-يالا يا رجالة.
تحامل "تميم" على نفسه، وحاول الاعتدال في رقدته؛ لكن ألمه أبى أن يتركه دون معاناة، بمساعدة الرجال الأشداء حملوه بحرصٍ نحو السيارة، ليستلقي في المقعد الخلفي بمفرده، وما إن جلس "منذر" خلف المقود تساءل بلهجته المليئة بالجدية:
-الحكاية مش هتعدي كده، إنت عارف ده؟
نظرات حائرة تبادلها الاثنان قبل أن يتكلم "تميم" في النهاية:
-أيوه، بس خليني أروح المستشفى الأول، وبعدها هتصرف.
أخبره "منذر" بنبرة عازمة، حاسمًا هو الآخر أمره:
-إنت مش هتشيل الليلة لوحدك، احنا معاك فيها.
لم يكن يملك من الطاقة الذهنية –أو البدنية- ما يدفعه للنقاش معه، فكامل قواه قد استنزفت بالكامل، كان في حاجة لفسحة من الوقت ليستعيد خلالها قدرته على التفكير واتخاذ القرار. استمر "منذر" في تحديقه به، وسأله بصوتٍ هادئ:
-هنبلغ البوليس؟
صمت للحظاتٍ ليفكر في الأمر، فبادر بإخباره، كنوعٍ من الإيضاح:
-مش عايزك تقلق، كل حاجة مترتبلها
علق عليه بعد زفرة تحمل أنات التعب:
-إزاي يعني؟
أجابه بابتسامةٍ بسيطة:
-أنا عامل حسابي، فاكر لما قولتلك إني بعت اتنين من رجالتي قبلنا؟
هز رأسه بالإيجاب، فأكمل:
-كنت موصيهم يصوروا كل اللي هايحصل من بعيد، كأنهم معديين بالصدفة، فمافيش حاجة هتدينك.
رد على مهلٍ، وتعابير الرضا ترتسم على محياه:
-مش عارف أقولك إيه يا "منذر"؟
-استدار ليحدق في الطريق مرددًا بارتياحٍ بسيط:
-متقولش حاجة، احنا إخوات.
..........................................................
راحت تتابع بقلبٍ مرتاع، ونظراتٍ مليئة باللوعة والخوف الطريق من نافذتها، لم تتجلس للحظة، ولم تتوقف عن الدعاء، عقلها مفصول عمن حولها، تنتظر بترقبٍ مذعور قدوم شقيقها بابنها المختطف، أشفق الجميع عليها بعد انتشار خبر اختطافه على يد أبيه القاتل. لمسة حانية من والدها على كتفها جعلتها تدير رأسها نحوه، انسابت بغزارة عبراتها الحارقة، شهقت قائلة بصوتٍ متقطع، معبرة له عن هواجسها:
-خايفة على ابني يابا، هو مالوش ذنب.
قال بيقينٍ لا تشكيك فيه:
-ربك هينجيه، خلي عندك إيمان بالله.
عادت لترفع بصرها للسماء، وتوسلت بتضرعٍ شديد، وعيناها تتسابقان في ذرف العبرات:
-يا رب إنت عالم بحالي، ماتضرنيش في ابني أبدًا.
قال مؤمنًا عليها:
-أمين يا رب.
رن هاتفه في يده، فنظر إلى شاشته قبل أن يجيب على الهاتف، وصوت ابنته يلاحقه:
-مين يابا؟
أشار لها بيده لتصمت، ونطق بتريثٍ:
-أيوه يا "تميم".
لم يكن ابنه المتصل، بل تولى "منذر" المكالمة عنه، وأخبره بإيجازٍ عما حدث. تابعت "هاجر" سكوت والدها بقلبٍ يخفق في قلقٍ، طلت نظرات ارتياعٍ من عينيها، حبست أنفاسها، وضمت قبضتيها إلى صدرها في توجسٍ متعاظم، انتابها هاجس لخطي من حدوث الأسوأ، فلاحقته متسائلة ببوادر هلع، عندما طال صمته:
-لاقاه؟ عرف يوصله؟
أشار لها بعينيه لتصمت، هدوء والدها أكد لها أن الأمر ما زال بخير، وازداد تأكيدًا بترديده بعد برهةٍ:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب.
سألته على الفور، وقد تعلقت بذراعه:
-ابني معاه صح؟
أومأ برأسه مُجيبًا إياها وهو يضغط على زر إنهاء المكالمة:
-الحمدلله عرف يجيبه، بس آ...
بتر عبارته بشكلٍ جعل الرعب يدب في قلبها، سألته بنظراتٍ شاخصة:
-بس إيه؟ جراله حاجة؟
قال نافيًا، والعبوس يملأ ملامحه:
-لأ، "محرز" مات.
لم تبدُ آسفة على وفاته، ولم تتعاطف معه، بل ظنت أنه نال ما يستحق عقابًا لجرائمه، ودمدمت بصوتٍ تحول للحنق:
-منه لله الظالم، عقابه عند ربنا...
عادت اللهفة لتكسو تعابيرها، وسألته:
-هيرجع "تميم" بيه امتى؟
أجاب بتنهيدة مرهقة:
-مسافة الطريق.
ضمت "هاجر" يديها معًا، وركزت كامل أنظارها على الطريق، ولسان حالها يدعو برجاءٍ كبير:
-ردهم سالمين يا رب.
...........................................................
نظرات متأملة، محملة بالشوق والحنين، سلطها على النافذة العلوية، طامعًا أن يلمحها إن أطلت منه، رغم عدم تأكده من حدوث ذلك؛ لكن قلبه التواق منحه الأمل الزائف، فهو لم يشبع بعد من رؤيتها، الدقائق لم تعد كافية، احتفظ عقله بصورة طيفية لملامح وجهها المليء بدموعه الفرحة بعد أن سلمها رضيعها، ضمته بشدة، وكأنه سينفذ إلى ضلوعها، رغبة منها في حمايته من شرور البشر، خاصة والده الحقير منعدم المشاعر والضمير، كم تمنى "سراج" في تلك اللحظة أن يرزقه الله بطفل منها ينال عاطفتها الكبيرة! تذكر صوتها الباكي وهي تشكره بعينين متلألأتين:
-كتر خيرك يا معلم "سراج".
خفقة موترة ضربت فؤاده، وجعلت دقاته تتلاحق، صوتها الناعم المليء بالشجن، كان له أكبر الأثر على نفسه، شعر وكأن الكلمات فرت من على طرف لسانه، فقال بتلعثم المراهقين:
-ده واجبي يا.. ست البنات.
أخفضت "هاجر" نظراتها لتنظر إلى شاله الصوفي، والذي لف به الرضيع ليحميه من البرد، كانت على وشك نزعه عنه، فأصر عليها بخوفٍ غير مصطنع وهو يشير بكفيه:
-والله لتخليه، أنا مش عايزه.
نظرت إليه بأهدابٍ رطبة، بسمة باهتة اخترقت الحزن السائد على وجهها، لتختفي بعدها كما تشكلت. شكرته مجددًا بخفوت، وانسحبت بوليدها للداخل، آلمه رؤيتها تقاسي في صمت، أراد لابتسامتها الرقيقة أن تدوم على شفتيها، أن يمسح عنها همومها، أن يسمع صوت ضحكاتها يجلجل عاليًا في سعادةٍ ومرح، فهل يُكتب له في يومٍ تحقيق هذا؟ حرر "سراج" تنهيدة ثقيلة من صدره بعد أن عاد لواقعه الخالي من وجودها، تحفز في جلسته، وأدار المحرك بمجرد أن استقر "بدير" إلى جواره في مقعد الراكب؛ كان الأخير شاكرًا لمعروفه معه، وأجزل له من عبارات الثناء والتقدير، فقال:
-والله يا "سراج" يا ابني اللي بتعمله معانا كتير، غيرك كان آ...
قاطعه بعتابٍ رقيق، وهو يوزع نظراته بينه وبين الطريق:
-عيب كده يا حاج، والله هتزعلني، في النهاية احنا كلنا أهل.
حرك "بدير" رأسه بهزة خفيفة، وزفر مرددًا بكلماتٍ ذات دلالة صادقة:
-الله يديم المعروف والخير بينا يا رب، فعلاً ما محبة إلا بعد عداوة.
رد بهزة صغيرة من رأسه:
-الله كريم، وحمدلله على سلامته يا حاج "بدير".
التفت ناحيته ليخاطبه بنبرة ودودة:
-الله يسلمك يا ابني، ربنا يكرمك ويصلح حالك.
خرج صوت "سراج" مفعمًا بالألفة وهو يتابع حديثه معه:
-كنت ارتاح يا حاج، مالهاش لازمة تتعب نفسك، كلنا واقفين مع "تميم"، محدش فينا قصر معاه.
تهلل وجهه بأمارات الاستحسان، وقال بنوعٍ من المدح:
-ونعم الصُحبة.
واصل "سراج" إخباره، كتمهيدٍ مُسبق لإطلاعه على مسألة إعادة احتجاز ابنه في المشفى:
-مش عايزك تقلق يا حاج من كلام الدكاترة، إنت عارفهم بيحبوا يهولوا الأمور، صحيح هما يعني صمموا إن "تميم" يفضل كام يوم في المستشفى، بس إن شاءالله يقوم منها على خير، ويرجع يقف على رجليه.
بدا هادئًا وهو يعقب عليه:
-طالما فيه الصالح ليه، منقدرش نعترض.
........................................................
افترشت علامات الضيق وجهه، لم يكن راضيًا عما تم تنفيذه دون الرجوع إليهم، لكون الأمر مؤثرًا بشكلٍ كبير على ترتيباتهم السرية، تلك التي لا يعلم عنها أحد شيئًا؛ لكن خرج الأمر عن السيطرة، ومع جنون "محرز" فسدت كافة المخططات الحالية، وربما عرقلت مضيها في الطريق السليم. انتصب الضابط "وجدي" في وقفته بالغرفة الراقد فيها "تميم"، ووجه له توبيخًا بدا إلى حدٍ ما قاسيًا حينما أخبره بصوته المرتفع:
-كان لازم تستنانا، مكانش ده الاتفاق، إنت كده عملت اللي في دماغك.
ظهر الألم على قسماته وهو يرفع جسده للأعلى مستخدمًا مرفقيه، ليريح ظهره على الوسادة الموضوعة خلفه. نظر في عينيه بقوةٍ، وعلل له بصوته المرهق:
-يا باشا كل حاجة جت بسرعة، وزي ما شوفت أنا كنت هاروح فيها.
رمقه بنظرة غامضة، لا تتوقف عن لومه، وردد مع نفسه بصوتٍ خفيض حائر:
-كده الحسابات كلها اتلخبطت.
سأله "تميم" بعينين ضائقتين:
-لو في إيدي حاجة آ...
رفع "وجدي" يده أمام وجهه ليقاطعه بلهجة جادة، كنوعٍ من إنهاء المناقشة:
-خلاص يا معلم، في ظابط هايجي ياخد أقوالك.
رد بإجهادٍ:
-أنا موجود مش رايح في حتة.
تركه متجهًا نحو الخارج، ويده تطلب الرقم الدولي الخاص برفيقه المقيم حاليًا بالخارج، وما إن أجاب عليه حتى اندفع يخبره بضيقٍ شديد:
-ألوو، أيوه يا "ماهر"، عندي أخبار مش حلوة ليك.
......................................................
كالتاجر المفلس حينما تنضب مصادر تمويله، يُفتش في دفاتره القديمة، عله يجد بين المنسي دينًا غفل عنه، هكذا كان "آسر" مؤخرًا! فعندما ضاق الخناق عليه، وشحت الأموال المتاحة في يده، أخذ يبحث بين ملفاته القديمة عن تسجيل مرئي لإحدى زوجاته السابقات، ممن اشترين شرفهن بالنقود، رغبة في التخلص منه، ليقوم بابتزازها مجددًا، فتغدق عليه بالأموال، منعًا لتلويث سمعتها. وبعد وقتٍ طويل من مراجعة حقيبة الأسطوانات العتيقة وجد ضالته. ابتهجت أساريره، وشعر بنشوةٍ عارمة تجتاحه، خلل أصابعه بين شعره قائلاً ببسمة انتصارٍ خبيثة:
-كده مش ناقص غير أكلم المُزة...
زادت ابتسامته اتساعًا وهو يضيف:
-وهترجع تزهزه معاك من تاني يا "آسر".
...................................................................
أرجأ إطلاعها على الأخبار السيئة، لم تكن بحاجة لمعرفة كل شيء في الوقت الحالي، خاصة أن هذا الجزء لا يهمها، وإن كان ذو صلة وثيقة بقضيتها. سحب "ماهر" المقعد، وقربه من فراش "فيروزة" التي بدت أفضل حالاً عن ذي قبل، ومع هذا عكس وجهه وجومًا غير طبيعي، استشعرته حتى من نظراته نحوها، كانت على وشك الاستفسار منه؛ لكنها ابتلعت السؤال في اللحظة الأخيرة، تركته يستهل الحديث معها بقوله:
-في الوقت اللي "آسر" مش موجود فيه في البيت، رجالتنا زرعوا أجهزة التنصت في الشقة، ما عدا أوضة النوم والحمام.
نظرت له بغرابة، فأكمل موضحًا بعد أن ضغط على شفتيه للحظة:
-وده عشان خصوصيتك إنتي، مش حد تاني.
ابتسمت له في امتنانٍ لمراعاته تلك الجزئية تحديدًا، فالشعور بأنها مراقبة من أعين غريبة لن يكون مريحًا على الإطلاق، خاصة حينما تتشارك الفراش مع ذلك النذل المسمى زوجها، انتبهت له بتركيزٍ أكبر وهو يشدد عليه:
-بس ده هيخليكي تقومي بالمهمة دي بنفسك، تسجليله من غير ما ياخد باله، بالجهاز اللي هايكون معاكي.
أبدت استعدادها بمهمتها الجديدة، وقالت:
-مافيش مشكلة يا "ماهر" بيه، عرفني بس إزاي أتعامل مع الجهاز.
-دي بسيطة.
نطق بجملته وهو يخفض أنظاره نحو هاتفه المحمول، فقد ورده اتصالاً هاتفيًا من أحد الأشخاص المكلفين بالتعاون معه في هذا البلد العربي. نهض "ماهر" من مقعده، وانسحب مستأذنًا من غرفتها ليجيب على مكالمته بعيدًا عنها، انعكس القلق على تقاسيمه، واستطرد يقول بصوتٍ حاول أن يبدو هادئًا:
-خير يا فندم؟
...................................................
على مسافة بضعة كليومترات من تلك البلدة، أقيمت محطة حديثة لمعالجة مياه الصرف الصحي على نمطٍ مستحدث، تخدم المنطقة ومن حولها من بلدات صغيرة. المحطة الرئيسية مقسمة داخليًا لعدة محطاتٍ صغيرة، كل واحدة تختص بدورٍ محدد خلال مراحل المعالجة، في البداية تتحرك كافة المخلفات المتجمعة عبر محطة الرفع، ليتم صبها عبر الأنبوب الواسع إلى المحطة التالية؛ محطة الغربلة، حيث يتم فصل المواد الصلبة، والحيوانات النافقة، وغيرها من الأشياء العالقة غير القابلة للذوبان، وهناك وقف أحد مسئولي المتابعة يراقب أداء العمل في منطقته تلك، نظراته كانت تدور بين الحين والآخر على المخلفات المتراكمة بالحوض المتسع. جاءه أحد المشرفين يشكوه:
-يا ريس في مشكلة عندنا في المحطة.
سأله بتعابيره الجادة:
-في إيه؟
أجابه وهو يشير بيده:
-منسوب الضخ قليل.
في بعض الأحيان، تستعمل خطو الصرف الصحي في غير أغراضها المخصصة لها، حيث يقوم بعض المواطنين بتصرفاتٍ مضرة للبيئة دون وعيٍ أو إداركٍ لخطورة أفعالهم غير المدروسة من خلال إلقائهم للحيوانات النافقة، والمخلفات الزراعية الصلبة، والبقايا غير القابلة للتحلل العضوي في غير مناطق التخلص منها، مما يؤدي في الأخير لحدوث انسدادٍ أو عطب في إحدى المحطات. فكر مسئول المتابعة مليًا للحظة، وأمره:
-كلم الغطاس ينزل يشوف إيه اللي سادد المِجرى، مش ناقصين دوشة.
أومأ برأسه قائلاً:
-تمام يا ريس.
ذهب سريعًا لاستدعاء الغطاس، فأعد الأخير أدواته ليهبط بواسطتها، إلى داخل مياه الصرف الخاصة بمنطقة الرفع، للكشف عن سبب هذا العطل. أزاح بعض الأغطية البلاستيكية الممزقة، وفروع الأشجار المقطعة، وبعض من الطحالب والبقايا النباتية، وجد كذلك طيورًا نافقة، أزاحها عن الفتحة، وكانت المفاجأة الصادمة حينما امتدت يداه لتجذب ما بدا وكأنه ذراعًا، في البداية لم يستوعب الأمر، إلى أن استمر في جذبه للكتلة الثقيلة، فظهرت له بقيتها، معالم جثة بشرية، مُلطخة بالأوساخ، برقت عيناه، خاصة مع تشوه أطرافها واختراق لحمها المهترئ لبعض الأغصان الخشبية الحادة. اضطرب تنفسه، وكاد يختنق بالأسفل جراء أصابته بصدمةٍ لحظية، سيطر على خوفه، وتركها تقبع في مكانها، ليصعد بتعجلٍ للأعلى محملاً بأخبارٍ ستقلب المحطة رأسًا على عقب.
.........................................................
ممارسة تلك المهام غير القانونية لا تتم دون تخطيط منظم، أو ضوابط معينة، هناك أشخاص غير معلوم هويتهم، يقفون بالمرصاد لكل من يشرد عن القطيع، أو يتصرف وفق أهوائه دون الرجوع إليهم، اعتقادًا منه أنه قادر على إدارة أزمته وحده؛ لكن ذلك يدفعه للوقوع في المحظور. أمام واجهة غرفة مكتبه الزجاجية -والتي تمتد بطول الحائط- حملق ذاك الرجل المهيب في الفضاء الشاسع الممتد لمساحة لا نهاية له، وكأسه الممليء بالنبيذ يلامس شفتيه. لم يدر رأسه للواقف خلفه عندما سأله مستفسرًا بلكنته الأجنبية:
-ماذا قررت بشأنه؟
تذوق النبيذ باستمتاعِ رجل خبير، وقال بنبرته الباردة:
-أصبح ورقة محترقة.
سأله ليتأكد من جديته:
-إذًا أنت مع التخلص منه؟
جاوبه رافعًا كأسه للأعلى، ويده الأخرى تندس في جيبه:
-وفي أسرع وقت.
حادثه بلهجته الرسمية:
-كما تأمر سيدي.
..........................................................
على حسب الموعد المتفق عليه، اختال في مشيته وهو يتجه نحو الطاولة المحجوزة باسمه في هذا المطعم الراقي المطل على الخليج، ساعدته ثقته الكبيرة في نجاح خطته على الظهور بمظهر القوة، خاصة مع استجابة ضحيته له، واستجدائها المستميت له بألا يتهور ويفسد حياتها المستقرة بذكريات الماضي المدنسة. مرر أنظاره على الجالسين من حوله، بدت الأجواء طبيعية، باعثة على الهدوء، حتى الخلفية الموسيقية عززت من هذا الشعور، غاص "آسر" في مقعده، واضعًا ساقه فوق الأخرى، تقدم نحوه أحد الندلاء بصينية تحمل قهوته، وضعها أمامه وهو يبتسم له بعمليةٍ، بدأ في ارتشافها على مهلٍ وهو ينتظر بترقب قدوم ضيفته، لمحها من على بعدٍ، فدفع مقعده للخلف لينهض مستعدًا لاستقبالها، دنت منه إحدى السيدات بخطواتٍ شبه عاجلة، ونظراتها القلقة تحوم حولها، طمأنها ببسمته المغترة عندما أصبحت في مواجهته:
-متخافيش، المكان ده محدش هيعرفك فيه....
ثم أشار لها بيده لتجلس، وتابع بنفس الهدوء المستفز:
-اتفضلي، مش معقول هنتكلم واحنا واقفين.
بعصبيةٍ متوترة جلست قبالته، وضعت المرأة حقيبتها على الطاولة، وصاحت فيه؛ وكأنها تنذره:
-اعمل حسابك دي آخر مرة هدفعلك فيها فلوس.
أسبل عينيه معاتبًا إياها بنعومةٍ زائفة:
-طب مش نسلم على بعض الأول ونشرب حاجة كده؟ ده احنا بقالنا زمن ماشوفناش بعض.
صاحت في استهجانٍ منفعل:
-وأنا مش عايزة أعرفك تاني، إنت صفحة واتقفلت من حياتي.
رمقها بنظرة محذرة قبل أن يرد عليها:
-اهدي كده يا مدام، ماتنكريش إن لولا معرفتك بيا مكونتيش بقيتي هانم دلوقتي.
احتقن وجهها من تلميحه القذر، وهدرت به:
-إنت مش محترم!
قست نظراته، وسقط القناع عن وجهه الحقيقي، ليواصل تهديدها بتبجحٍ مستفز:
-هتغلطي فيا هزعلك، ماتنسيش الفيديو بتاعك لسه معايا.
تضرجت بشرتها بمزيدٍ من الحمرة المنفعلة، وسألته بنبرةٍ متشنجة:
-إنت بتعمل كده ليه؟ هتستفاد من أذيتنا إيه؟
ببرودٍ أجابها، وهو يرفع فنجان قهوته إلى شفتيه:
-ده شغل.
كزت على أسنانها متسائلة بهسيسٍ حانق:
-بتعتبر ابتزازك ليا ولغيري بفيديوهات مش حقيقية شغل؟
هز رأسه إيجابًا ليستفزها، فتشدقت قائلة بنزقٍ:
-لأ ده بيتقال عليه حاجة تانية!
رفع سبابته أمام وجهها الغاضب يحذرها بسخافةٍ باردة:
-لسانك يا بيبي.
لعنته بسبة لم تفارق ثغرها، ثم قامت بفتح حقيبتها لتخرج منها مظروفًا يحوي عملات أجنبية، مدت يدها به في اتجاهه، وقالت بغيظٍ واضح عليها:
-خد، ومش هادفع تاني.
سحب المظروف من أسفل يدها، وتلك النظرة المتوهجة تشع من عينيه، ثم قال بابتسامةٍ منتشية:
-تسلمي يا حبي.
وقبل أن يدس المغلف في جيب سترته، قبضة قوية أوقفت يده مصحوبة بلهجة آمرة:
-عندك!
رفع "آسر" عينيه للأعلى لينظر بذهولٍ صادم لرفيقه الذي حجب بطوله الفاره الرؤية عنه، لعق شفتيه، وردد بتعابير مدهوشة؛ وكأنه لم يفق من صدمته بعد:
-مين؟ "ماهر"؟
ابتسامة غرور، تتبعها نظراتٍ فخرٍ اعتلت قسمات وجه "ماهر"، ظل قابضًا على يده، وأخبره بنبرة بدت هازئة:
-منور يا "آسر".
حاول أن يتمالك نفسه محاولاً السيطرة على انفعالاته، تنحنح بربكةٍ ملحوظة، وسأله بلجلجة بائنة في نبرته:
-إنت.. بتعمل إيه هنا؟ جاي زيارة؟
وفي لمح البصر تشكلت حول الطاولة طوقًا أمنيًا من أفرادٍ ظهروا بملابسٍ رسمية، باعد "آسر" أنظاره المتوترة عنهم، ليحدق في وجهه عندما أخبره ببساطةٍ:
-لأ، ده أنا جاي عشانك مخصوص، أقبض عليك.
ارتفع حاجباه للأعلى في دهشةٍ، وسأله بوجهٍ بُهت بشكلٍ ملحوظ:
-تقبض عليا؟
اكتسى وجه "ماهر" بالجد عندما أكد عليه:
-أه طبعًا...
ثم تحولت أنظاره نحو المرأة التي تغيرت ملامحها للسرور، وتابع:
-هو أنا مقولتلكش إن الهانم مرتبة معانا عشان نمسك بيك مُتلبس؟
انفجر مستنكرًا في غضبٍ جم:
-ده كدب، أنا محامي، وده مقدم أتعاب اتفاق شغل بينا، يعني أقدر أطعن على المهزلة دي بسهولة.
ربت على كتفه معلقًا عليه باحتقارٍ واضح:
-اطمن يا اللي كنت صاحبي، مش هاتعرف تطلع منها المرادي، لأن كله متسجل صوت وصورة.
برقت عيناه أكثر وهو محدق به مطولاً بتعابيره الذاهلة، فرغم باعه الطويل في استدراج السُذج من النساء للإيقاع بهن في شباكه الغريقة، لاستغلالهن واستنزافهن ماديًا حتى تفرغ حاجته منهن، إلا أنه لم يتوقع أن يتم الإمساك به بتلك السهولة، وعلى يد رفيقه، كان حدوث ذلك أبعد ما يكون عن الخيال. للحظة توقف تفكيره عن العمل، تضاربت أفكاره، وبدا مشتتًا، أعمل عقله بجهدٍ شديد ليصل إلى حل ينجيه من تلك المعضلة الشائكة. أحس "آسر" في خضم هذا الموقف بألمٍ يجتاح أسفل معدته، تغاضى عن حدته التي ازدادت تدريجيًا، وحاول أن يشرح لرفيقه معللاً بأكاذيب اجتهد في ارتجالها:
-إنت فاهم غلط يا "ماهر"، صدقني دي واحدة مش تمام، وضحكت عليا، وأنا كنت بأجاريها في اللي بتقوله، إنت تعرف عني كده؟ ده احنا عِشرة سنين، وأختك آ...
قاطعه بحزمٍ:
-ماتجيبش سيرة "علا" على لسانك.
بالكاد تمكن من ضبط أنفاسه التي اضطربت، وهتف يرجوه، متلمسًا الفرصة لإعادة صياغة الأحداث:
-ماشي حاضر، بس إديني فرصة أصلح سوء التفاهم اللي حصل ده، إنت لو سمعتني للآخر هتعرف إني مظلوم.
قبض عليه من ذراعه، ليرد برسميةٍ بحتة:
-إنت هترجع معايا على مصر، وهناك هنتحاسب على القديم والجديد.
تقلصت أحشائه بوخزاتٍ أعنف، وأحس بنيرانٍ حارقة تتصاعد في بدنه، تضاعف عرقه المتصبب من كامل جسده، تلقائيًا وضع يده أسفل معدته ليمسك بها، كز على أسنانه مستنجدًا:
-بطني بتتقطع، الحقني يا "ماهر".
تجاهل ما قاله لينظر له باستخفافٍ، قبل أن يخاطبه بما يشبه التهكم:
-مش شايف إن الحركات دي مهروسة؟
لم يكن "آسر" بالمازح في إظهار ألمه، تقوس ظهره، وانحنى للأمام مقاومًا بضراوة الآلام التي تفتك به. ارتفع صوت لهاثه المتحشرج، وغرق جسده في عرقه الغزير، حتى دقات قلبه كانت تنبض بعنفٍ لم يستطع مضاهاته .. نظرة خاطفة وسط الغيمة التي حطت على رأسه سددها لوجهٍ بدا مألوفًا له، تعمد ذاك الرجل الظهور في محيطه ليرسل له رسالة صريحة صامتة وهو يرفع فنجان قهوته للأعلى، تعني أنه قد صدر الأمر النهائي بالتخلص منه، وها قد نُفذت الأوامر. تضاعفت التشنجات في أطرافه، وترجرج كامل جسده، حتى لم يعد "ماهر" قادرًا على تثبيته. افترش "آسر" الأرضية بجسده، وفمه يريق سائلاً رغويًا غريبًا، شهقة أخيرة متحشرجة خرجت من أعماقه قبل أن يهلك صريع السم على مرأى ومسمع من الحضور المذهولين ..................................................... !!!
....................................................................
#منال_سالم
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل الثامن عشر 18 - بقلم Manal Salem
مساء الورد على السهرانين ..
الفصل متاح للقراءة، وأعذروني لو بتأخر عليكم .. بانتظر لما ابني ينام عشان اكتب، وهو وظروفه بقى
مش هاطول عليكم
قراءة ممتعة
الفصل السابع والثمانون
بدا على وجهه خيبة الأمل والتذمر، بعد تفقده للعرق النابض في عنقه ليتأكد من موته الذي كان صادمًا له، بالرغم من مقته لكل تصرفاته المسيئة. استقام "ماهر" واقفًا، ووجه أوامره لمن حوله بتطويق المكان أمنيًا، وعدم السماح لرواد المطعم بالخروج قبل استجوابهم كل فردٍ على حد، نظرًا لاحتمالية تورط أحدهم في قتله. اتجهت أنظاره نحو المرأة التي بدت غير راضية عن احتجازها، وصاحت في غضبٍ معترضة على إبقائها قسرًا:
-يعني إيه تحققوا معايا؟ إذا كنت أنا اللي مبلغة عنه.
توجه ناحيتها، وأخبرها بهدوءٍ:
-حضرتك فاهمة إن دي جريمة قتل، وده إجراء طبيعي هيتعمل مع الكل.
سألته بنظرةٍ متشككة:
-يعني أنا مش مقبوض عليا؟
جاوبها نافيًا بنفس الأسلوب الهادئ:
-لأ.
لم يملك "ماهر" النية لاستمرار حديثه معها لولا أن بادرت بقولها الشامت:
-الحمدلله إنه خد جزائه، ده ذنب كل واحدة جه عليها في يوم، مع إنه كان يستاهل أكتر من كده.
استرعت انتباهه بكلماتها العفوية، فسألها مستوضحًا بطريقته المحققة:
-قصدك إيه يا مدام؟
هتفت بنقمٍ حانق:
-يا فندم قناع الشياكة والبراءة اللي كان موريه للكل كان وراه صندوق أسود، مليان بلاوي شبهه.
تنحنح طالبًا منها:
-ممكن توضحي أكتر؟
أخبرته دون الحاجة لأدنى رجاء لفعل هذا:
-حضرتك عارف إني مكونتش أول ضحية ليه يبتزها؟ أنا زيي زي غيري ضحك عليهم عشان فلوسهم، ولما يتكشف المستور يساومنا، إما ندفع ونخلص منه، أو يفضحنا بفيديوهات متلفقة.
احتدت نظراته متسائلاً بنظراته الثاقبة:
-إزاي؟
بشفاه مقلوبة أجابته؛ وكأنها تشمئز لذكر ما هو متعلق به:
-البيه اللي عامل نفسه محامي محترم كان بيدير مواقع دعارة وقلة أدب.
رد عليها بهدوءٍ:
-ما ده عارفينه.
جاءه سؤالها نزقًا، صادمًا وهي ترمقه بنظرةٍ ذات دلالة قوية:
-وحضرتك كنت تعرف إنه كان عاجز؟
هتف مشدوهًا:
-نعم؟
أكدت عليه معلنة عن كامل أسراره:
-أيوه زي ما قولت لحضرتك، جوازاته كلها كانت أونطة، كانت سِكة يجيب بيها تمويل لمشروعاته القذرة.
دعاها للجلوس ليقول بلباقةٍ:
-هستأذنك كده تحكيلي كل حاجة بالتفصيل.
ردت موافقة على طلبه:
-حاضر...
ومع هذا أبدت سخطها على نهايته التي بدت غير مؤلمة بقولها:
-كان نفسي مايموتش بالسهولة دي، واحد زيه كان لازم يتجلد ويتعذب مليون مرة، يدوق المرار كله قبل ما يقول حقي برقبتي.
بتريثٍ عقلاني تحدث إليها:
-حسابه عند ربنا دلوقتي، يا ريت تسيبك من طريقة موته، وتقوليلي كل حاجة عرفتيها عنه.
فرصة واتتها على طبقٍ من فضة؛ وإن لم تجدِ نفعًا الآن، لكونه أصبح ميتًا، لن تقتص منه؛ لكنها أرادت إطلاع الجميع، على ما احتواه صندوق أسراره الأسود من قاذوراته النجسة، ردت مبتسمة في نشوةٍ واضحة عليها:
-هاعرفك بكل حاجة أعرفها عنه.
................................................................
حول فراشه المريح بغرفته المستقلة بالمشفى، اجتمع أفراد عائلته ورفاقه المقربين، في الوقت المخصص لزيارته للمكوث معه قدر المستطاع، ورغم تذمرات إدارة المشفى من التجاوزات غير المسموح بها، والتي قد تسبب في إرهاق المريض، إلا أنه تم وضع استثناء مؤقت له، بعد اللجوء لوساطات خارجية لتسهيل الأمر. تساءل الجد "سلطان" موجهًا حديثه للطبيب الواقف عند حافة الفراش، يدون بعض الملحوظات في الأوراق المثبتة بالحامل المعدني:
-يعني هيخرج امتى؟
أجابه بابتسامةٍ لبقة:
-قريب يا حاج، هو في تحسن، لكن وجوده دلوقتي هنا أفضل عشان مايحصلش مضاعفات تضره فيما بعد.
سعل "تميم" قليلاً، وخاطب والدته المحدق بها:
-سمعتي يامه، أنا كويس أهوو، بلاش قلق عليا.
ربتت "ونيسة" على جانب ذراعه، ودعت له بابتسامةٍ متفائلة:
-ربنا ما يسمعني غير كل خير عنك يا حبيبي.
في حين أضافت "هاجر" من ورائها وهي تهدهد رضيعها:
-حمدلله على سلامتك ياخويا.
وجه أنظاره إليها متسائلاً بودٍ:
-أخبار "سلطان" الصغير إيه؟
ببسمة مشرقة أجابته، وهي ترفعه للأعلى قليلاً ليتمكن من رؤية وجهه:
-الحمدلله، بيبوس إيد خاله.
هز رأسه في حبورٍ، وقال:
-ربنا يحفظهولك.
أردف "بدير" قائلاً بحماسٍ وهو يشير بيده:
-بإذن الله الأيام الجاية العمال هتخلص توضيب الدكان، معدتش إلا حاجات بسيطة.
استدار ناظرًا نحوه ليرد:
-على خيرة الله.
في حين علق "منذر" بدوره في نوعٍ من المزاح:
-بيتهيألي كده وجودنا معدتش ليه لازمة؟ الوضع بقى مستتب، وكله تمام.
عقب عليه "بدير" بعتابٍ ودود:
-متقولش كده يا ابني، إنتو أصحاب مكان.
قال "منذر" مؤمنًا على كلامه:
-أه طبعًا يا حاج، احنا بس هنشوف مصالحنا، ومواجدين معاكو.
بمرحٍ أضاف "دياب" وهو يربت على كتف شقيقه:
-هما يومين بالعدد، وهتلاقينا فوق دماغك يا "تميم".
التفت "منذر" يرمقه بنظرة متشككة، قبل أن ينطق ساخرًا منه:
-مسمعتكش ست الأبلة، كانت سنجفتك.
ضيق "دياب" نظراته، وأكد له بابتسامةٍ عريضة:
-عيب عليك، ده أنا مسيطر برا وجوا.
كتم ضحكة هازئة منه عندما رد:
-إنت هتقولي يا "دياب".
ترديد ذلك اللقب الدارج بصورة عفوية، أعاد بقوةٍ إحياء ذكريات محدودة في خبايا عقله، كانت في وقت ما مصدر بهجته الوحيدة. حافظ "تميم" على جمود تعابيره غير المقروءة رغم الحزن الكائن في قلبه، ليبقى كما هو هادئًا، مبتسمًا، وإن ظل الألم مستقرًا في أعماقه، حتى يأذن الله بتغييره!
...........................................................
في غرفة أخرى، بدت مريضتها وحيدة كليًا، لا أقارب يودونها، ولا معارف يبكونها، كانت "بثينة" تستقر على فراشها، الهدوء من حولها، فيما عدا صخبًا محدودًا ناتجًا عن طنين الأجهزة الموصولة به، كانت يقظة الوعي؛ لكنها فاقدة للنطق، رفرفت بجفنيها بوهنٍ حينما أطل عليها ابنها، تأكدت أنها لا تتوهم وجوده. وقف "هيثم" أمام فراشها، يتأملها بنظراتٍ آسفة مليئة باللوم والحسرة، تقدم نحوها ليبدو قريبًا من وجهها الذي تركز عليه، لم يجلس، ولم يمسك بيدها، ليواسيها؛ وكأنه استصعب إظهار إشفاقه عليها. تخشب في مكانه، في حين احتجزت مقلتاه عبراتٍ حارقة، صوته بدا مختنقًا عندما سألها:
-عملتي كده ليه فينا كلنا يامه؟
نظرت له بعجزٍ، فتابع أسئلته المحملة بالذنب:
-استفدتي إيه في النهاية؟
فقط نظراتها بقيت مرتكزة عليها، قتل غصة احتلت حلقه حلقه، وخاطبها بألمٍ:
-لا بقيتي أغنى واحدة في الحتة كلها، ولا بقينا كلنا حواليكي.
غلف صوته المزيد من الشجن مع سؤاله التالي لها:
-تقدري تقوليلي فين "خلود" دلوقتي؟
لم يكن متعاطفًا مطلقًا مع محاولتها لتحريك كتفها المصاب وتقريب ذراعها منه، بل نبذ قربها بتراجعه خطوة للخلف، وقال كأنما يجيب على سؤاله الذي طرحه سابقًا كبديلٍ عنها:
-ماتت، بس بعد ما اتعذبت عشان تحقق أحلامك إنتي...
رأى الألم يجتاح عينيها؛ لكنه لم يرفق بها، بل زاد من لومه القاسي عليها، بصوته المتذبذب:
-إنتي خدتيها وسيلة توصلي بيها للي عايزاه، طمعتيها في حاجة عمرها ما كانت هتبقى ليها.. وفي الآخر حصلها إيه؟
طفرت الدموع من عينيه بغزارةٍ وهو يسألها:
-طب بلاش هي، قوليلي أنا بالنسبالك كنت إيه؟
المزيد من مشاعر الوجع والإحباط اجتاحته عندما استرسل في الإفراج عن مكنوناته:
-حاجة مهملة، واد خايب، مافيش فيا رجا لأني خرجت مع تحت طوعك، مع إنك زرعتي جوايا حقد وغل لجوز خالتي، ولأي حد في عيلة "سلطان"، وهما مايستهلوش كده، لومتي عليهم موت أبويا، حملتيهم كل الذنب، بس...
توقف عن الكلام لهنيهةٍ، وصوت شهقاته يرتفع قبل أن يخبرها بحرقةٍ:
-الحقيقة اللي محدش يعرفها إني...
بالكاد أطبقت على جفنيها وهي تتأمله في صمتٍ إجباري، رأى تأثير حديثه عليها، توترت نظراتها، وتقلصت عضلات وجهها، أنين مبتور خرج من بين شفتيها، بصعوبة نطق معترفًا بالحقيقة الغائبة:
-أنا السبب، أنا اللي حرقت دكانه بدون ما أقصد.
اتسعت عيناها في ذهولٍ، فاستدار متحاشيًا نظرات عينيها الجوفاء، وقال بندمٍ:
-غيري شال ذنب حاجة معملهاش، وأنا فضلت ساكت.. خايف أتكلم وأقول الحقيقة وآ...
لكنه عاد ليلتفت نحوها، ويرمقها بنظرة جامدة مسيطر عليها دموعه وهو يواصل إخبارها بمرارةٍ:
-ونفس العيلة اللي بتكرهيها هي اللي واقفة معانا لحد النهاردة، هي اللي كانت بتدور على الحق عشان تحمينا كلنا، هي اللي إنتي اتفقتي تأذي ابنهم مع الكلب "محرز"، وبنتك اتقتلت على إيديه.
كفكف عبراته بظهر كفه، وسألها بصدرٍ متهدج من انفعاله:
-قوليلي يامه طلعتي بعد ده كله بإيه؟
جاوبها بكف يضربه بالآخر:
-ولا حاجة!!
نظرة ازدراء استحوذت على عينيه وهو يتابع بصوتٍ يملأه الشجن:
-وريني بقى هتصلحي اللي فات إزاي بعد ما كله راح منك.
غص بالبكاء مجددًا، حتى لم يعد يحتمل وجوده بقربها، تراجع مبتعدًا عنها بالمزيد من الخطوات، وخاطبها بلومٍ شديد:
-"خلود" بقى هترجعيها إزاي؟ ها ياما؟ هي مش راجعة تاني...
أولاها ظهره، واتجه إلى الباب ليغادر الغرفة؛ لكن قبل أن يخرج منها، أشار لها بسبابته ملقيًا بكامل اللوم عليها للمرة الأخيرة:
-ذنب اللي حصلها هيفضل متعلق في رقبتك يامه.
نظراتها نحوه كانت زائغة، مشبعة بالعبرات، تبدو متأثرة بحديثه المؤلم، ومع هذا لم يكن قادرًا على تصديق مشاعرها كأم مكلومة، رانت من "هيثم" نظرة أخيرة منكسرة، لينصرف بعدها من غرفتها وهو موقن أن توبتها؛ وإن كانت بحق، لن تبعث الموتى من جديد.
..............................................................
بدت أفضل عن السابق بكثير، اِلتأم جرح رأسها، كما تعافت كدماتها الظاهرية، وخفت آثارها في مختلف أنحاء جسدها؛ لكن لم تندمل بعد جروحها المعنوية. مسدت "فيروزة" بيدها شعرها وجمعته معًا بربطةٍ رأس صغيرة، لتتركه خلف جسدها على هيئة ذيل حصان، اتجهت إلى الفراش لتجلس عليه عندما سمعت نقرات خفيفة على باب غرفتها، تمددت وسحبت الغطاء على جسدها، ثم صاحت داعية الطارق للدخول:
-اتفضل.
تعلقت أنظارها بـ "ماهر" الذي خطا ببطءٍ في اتجاهها، ابتسمت مرحبة به:
-"ماهر" بيه، اتفضل.
كعادته سحب المقعد، وقربه من فراشها ليجلس عليه، قبل أن يسألها في اهتمامٍ، وإن عكست تعابيره وجومًا غريبًا:
-أخبارك النهاردة إيه يا "فيروزة"؟
قالت بحماسٍ، محاولة إخفاء توترها:
-الحمدلله أحسن، وجاهزة أقوم بدوري.
رفع رأسه وأخبرها بغموضٍ:
-لأ خلاص، مش مطلوب منك حاجة.
استرابت من عزوفه عن إتمام مهمتها بعد التدريب المكثف الذي تلقته في الأيام الماضية، زوت ما بين حاجبيها في استغرابٍ، ثم سألته وقد اشتد كتفاها:
-ليه؟ هو "آسر" كشف الحكاية؟ أنا مشفتوش خالص من يوم ما دخلت المستشفى.
لحظة من الصمت سادت بينهما، تخللها نظرات غريبة نحوها، إلى أن قرر "ماهر" النطق في النهاية، فأعلمها بصوتٍ أجوف:
-"آسر" مات.
تطلعت إليه باندهاشٍ لوهلةٍ، قبل أن تردد في إنكارٍ ساخر:
-مات؟ أكيد دي نكتة.
رد عليها مؤكدًا بنفس الثبات الانفعالي العجيب:
-دي الحقيقة.
هتفت في استهجانٍ، وتلك الابتسامة المتهكمة تحتل زاوية فمها:
-حضرتك بتهزر يا "ماهر" بيه؟ استحالة يموت بالبساطة دي!
واصل إطلاعها على ما لم تعلمه بكلماتٍ انتقاها بعناية:
-صدقيني يا "فيروزة" هو اتصفى.
رددت في صدمةٍ مختلطة بالذهول:
-اتصفى؟
أومأ برأسه وهو يوضح لها:
-أيوه، اتقتل.. لأنه معدتش ليه لازمة عند اللي مشغلينه.
افتر ثغرها على ذهولٍ كبير، بدت تعبيراتها ما بين الصدمة والاستنكار، لم يأتِ ببالها أن كابوسها المهلك للنفس، والمؤذي للروح انتهى هكذا فجأة، بعد أن سعت جاهدة لتتهيء نفسيًا لمكوثها معه، بتلفيق أكاذيب الحب والغرام. حملقت في وجه "ماهر" وهو يخبرها بحقيقة أخرى واقعة لا محالة:
-إنتي كده بقيتي حرة.
لم تعلق عليه، بقيت صامتة، نظراتها أوحت بأنها ما تزال تحت وقع الصدمة، ناداها بلهجة جادة:
-"فيروزة"!
انتبهت له، فأردف قائلاً بندمٍ محسوس في صوته:
-أنا أسف.
ضاقت عيناها نحوه، فاستفاض في توضيحه:
-كنت هورطك في حاجة، وأنا مكونتش عارف طبيعة البني آدم اللي كنتي عايشة معاه.
أدركت تلميحه الضمني، فغطت عليه بادعائها:
-مش .. فاهمة حضرتك.
آثر عدم الضغط عليها لتؤكد له ما خاضته من معاناة ضرتها نفسيًا، وتابع بزفرة مسموعة عبرت عن استيائه من تسرعه في الدفع بها في شيء كهذا، دون إدراكٍ جيد لأبعاد مخاطرته:
-بس أنا فاهم، وسامحيني لأني كنت هأذيكي من غير ما أخد بالي.
احتفظت بصمتها، بينما نطقت نظراتها عن الكثير من التخبط والحيرة، تأثير الخبر الصادم كان قويًا، يحتاج لمساحة من التفكير لاستيعابه، لم يجرؤ على التطلع إليها، وأكمل اعتذاره اللبق:
-أحيانًا في شغلنا ده، بنضطر نبص على الحاجة من برا، اللي يخدم مصالحنا وبس، من غير ما نتأكد كويس إن كان في حد يتضر ولا لأ، فأنا أسف يا "فيروزة".
بدت أكثر إحساسًا بالضياع والتشتت، خاصة مع إضافته الأخيرة:
-أنا مش عارف إن كنت أهنيكي على حريتك ولا أعزيكي، لكن كل اللي أقدر أقولهولك إنها فرصة تانية ليكي عشان تبدأي من أول وجديد، وتعيشي حياتك بجد.
كانت بحاجة لقول أي شيء، لتظهر له تقديرها لمجهوداته؛ لكن الكلمات المناسبة لم تسعفها، فما كان منها إلا أن تمتمت بهدوءٍ، أخفت خلفه صراعًا من المشاعر المتضاربة:
-شكرًا ليك يا "ماهر" بيه.
نهض من مقعده، وقال متصنعًا الابتسام وهو يخرج من جيبه هاتفًا محمولاً:
-تقدري تتواصلي مع أهلك يا "فيروزة"، ده رقمهم ومعاكي موبايل جديد.
نظرت إلى ما وضعه على الفراش، ثم رفعت عيناها إليه عندما طلب منها:
-بس أتمنى ماتحكيش عن اللي حصلك إلا لما ترجعي، يعني هايكون أفضل.
اكتفت بتحريك رأسها بالإيجاب، قبل أن تنخفض عيناها نحو الهاتف، ارتكزت نظراتها الشاردة عليه، حتى أنها لم تتابع مغادرته للغرفة، كما لو أنها غاصت في ذكرياتٍ طويلة مؤلمة، أعادتها لأيامٍ تعيسة بائسة، مضت عليها بطيئة ثقيلة، ساحقة لكبريائها قبل صمودها.
.......................................................
-اتفضلي يا أم البنات، ده نصيبك عن إيراد السنادي.
قال "اسماعيل" هذه العبارة، وهو يضع على الطاولة الرخامية، أمام زوجة شقيقه المتوفي، رزمة من النقود الملفوفة برباطٍ مطاطي، خلال زيارته لها في منزلها مع ابنه "فضل". نظرت إليه "آمنة" في امتنانٍ، وقالت كنوعٍ من المجاملة:
-خلي يا حاج "اسماعيل".
رد عليها بإصرارٍ:
-لازمًا الحق يوصل لأصحابه...
ثم أسند رزمة أخرى إلى جوارها، وأتم جملته:
-وده نصيب "خليل" كمان.
شكرته على تعبه بترديدها:
-تعيش يا حاج.
أخبرها مقترحًا بعدم امتناعٍ وهو يلوح بيده:
-ولو حابة تراجعي الورق والحسابات، أنا معنديش مانع.
غامت تعابير "فضل"، واستنكر تصريحه الأخير، فقال:
-هي هتخونك يابا ولا إيه؟
نظر ناحيته قائلاً بصوته الرخيم:
-معلش، الحق مايزعلش حد.
ابتسمت له "آمنة" وهي تعيد تكرار امتنانها له:
-طول عمرك أبو الأصول يا حاج "اسماعيل".
استدار "فضل" ناظرًا إليها، ثم طلب منها بوقاحةٍ طفيفة:
-ما تعلقيلنا على شوية شاي يا مرات عمي، دماغي اتفلقت من كتر الرغي.
تحرجت منه، وردت وهي تنهض من جلستها:
-حاضر يا ابني.
انتظر انصرافها ليعاتب والده:
-يابا إنت بتديها وش ليه؟ هي مالهاش حاجة عندنا، كتر خيرك أوي إنك قايم على الأرض وطالع عينك فيها.
رمقه بنظرة محذرة وهو يسأله بلهجةٍ شبه غاضبة:
-ده حق ربنا، عايزني أكله عليها عشان ربنا ينتقم مني دنيا وآخرة؟
قال على مضضٍ:
-لأ.. بس احنا بنتعب، وآ...
قاطعه خاتمًا حديثه معه في تلك الجزئية:
-ملكش دعوة، طول ما أنا عايش هارد الحق لأصحابه.
لم يكن راضيًا عن تصرفه، فأشاح بوجهه بعيدًا، وخاطب نفسه بصوتٍ خفيض عكس سخطه:
-خليك كده طيب مع ناس ماتستهلش!
انتبه لرنين هاتف "آمنة"، فمد يده ليلتقطه، حملق في الرقم الغريب الذي ظهر على شاشته، وحين دقق النظر فيه أدرك أنه لم يكن محليًا، تحفز بشكلٍ مريب، ونهض قائلاً:
-هادي التليفون لمرات عمي.
رد والده باقتضابٍ وهو يشير له بالانصراف:
-ماشي.
لكنه لم يفعل ما أخبره به، بل اتجه نحو الشرفة، ليضغط على زر الإجابة، قبل أن يلصق الهاتف بأذنه، أتاه صوت "فيروزة" واضحًا عندما نطقت بنعومةٍ محملة بالأشواق:
-ماما.
اعتلى ثغره ابتسامة خبيثة، حتى نظراته لم تبدُ بريئة، بدا وكأن خياله الجامح يصورها له بأشكالٍ فاتنة مثيرة، تداعبه فيها بجراءة يرغب فيها، ليستثير حواسه للتجاوب معه. وضع "فضل" يده الأخرى على صدره يمسحه في حركة دائرية، وهتف بلعابٍ يسيل من جوفه:
-أهلاً بالعروسة.
على ما يبدو صُدمت لسماع صوته، فتبدلت نبرتها للجدية وهي تغمغم:
-"فضل"؟
قال باستمتاعٍ، وبابتسامة بلهاء لن ترغب "فيروزة" في رؤيتها حتمًا على وجهه:
-كويس إنك لسه فكراني يا بنت عمي.
سألته مباشرة بجمودٍ:
-فين ماما؟
رد بنوعٍ من المماطلة السمجة:
-مش تسألي عليا الأول؟
هاجمته بحنقٍ واضح:
-وأسأل عليك إنت ليه من الأساس؟ وبعدين إنت بترد مكانها ليه؟ اوعى يكون جرالها حاجة؟
أجابها نافيًا ببرودٍ استفزها:
-لأ، أمك صحتها أحسن مني ومنك.
صاحت فيه بغضبٍ متصاعد في نبرتها:
-الله أكبر عليك، إديها الموبايل خليها تكلمني.
زاد أسلوبه استفزازًا بسؤالها:
-إيه دلوقتي افتكرتي إن ليكي أهل؟
استمرت في صياحها الهادر به؛ وكأنها تهدده:
-إنت يا بني آدم، أحسنلك تودي الموبايل آ....
لم يمهلها الفرصة لإكمال جملتها، قطع عليها الاتصــال، وقال ببسمة حقيرة قاصدًا استثارة أعصابها:
-كده أحسن، خلي دمك يتحرق.
ثم تعمد غلق الهاتف نهائيًا لتفشل في الوصول إليها؛ كما لو أنه بذلك يحقق انتقامه الغبي منها، التفت كالملسوع، حينما سألته "آمنة" فجأة، وقد تعجبت من وجوده بالشرفة:
-في حاجة يا "فضل"؟
تلجلج وهو يدعي بالكذب:
-لأ يا مرات عمي، كنت بأبص في الساعة، لأحسن موبايلي فصل.
ثم رفع هاتفها الموجود في يده للأعلى، وواصل ادعائه:
-وموبايلك كمان.
لم تشكك في نواياه الدنيئة، وقالت معتقدة أنها أهملت في الانتباه لخاصتها:
-أصلي بأنسى أشحنه.
تعمد تغيير الموضوع متطرقًا لآخر بصورة ملتوية:
-بأقولك إيه صحيح.
بدت منتبهة له، وسألته:
-خير يا "فضل"؟
أخبرها بغموضٍ في صيغة سؤالٍ مبطن:
-مش ناوية تعفي بنت أخوكي؟
لم يصلها مغزاه، فسألته مستفهمة:
-قصدك إيه؟
جاوبها بعد زفرة طويلة:
-الزمن غدار يا مرات عمي، فخلينا نأمنها من بدري أحسن.
ما زال عقلها في حالة من الحيرة، ولم يعِ بعد مراده، فكررت عليه سؤالها، عله تفهمه:
-إنت بتكلم عن إيه؟
بكل ما فيه من سماجةٍ قال؛ وكأنه أمر مفروغ منه:
-نطاهرها يعني يا مرات عمي، إنت راح عن بالك الحكاية دي ولا إيه؟
استنكرت تطرقه لتلك المسألة، وعارضته محتجة:
-هو أنا عملت ده لبناتي لما هاعملها لبنت أخويا؟
لامها بوجهٍ مكفهر على ما اعتبره تقصيرًا جسيمًا:
-ماهو عشان كده متنططين علينا، أنا خدتها من قاصرها وعملتها للبت بنتي.
تدلى فكها السفلي في صدمة، ثم استجمعت نفسها، وسألته:
-ومراتك "سها" وافقت؟
قال بلهجة من لا يُخير أبدًا:
-هي تقدر تنطق بكلمة، ده أنا أجيب رقبتها تحت جزمتي.
برقت عيناها وهي تسأله:
-وأبوك الحاج "اسماعيل" واقف على كده؟
بوقاحةٍ كان رده عليها:
-أنا صاحب الكلمة في عيالي، مين ما كان مالوش يقول رأيه.
اغتاظت منه، وللمرة الأولى واجهته بتحدٍ، فارضة رأيها عليه:
-وزي ما إنت حر معاهم، أنا كمان مش هاعمل حاجة لـ "رقية"، دي أمانة أبوها عندي.
عقب بشيء من الزهو:
-ما إنتي بتحافظي عليها، اسمعي كلامي وإنتي تكسبي.
كان قرارها حاسمًا معه:
-أنا هحافظ عليها، بس مش بطريقتك دي.
استهزئ برأيها قائلاً:
-بكرة ترجعي تندمي، وأنا نصحتك لوجه الله.
رفعت الصينية الفارغة التي حملتها بيدٍ واحدة أمام وجهه، وقالت بتعابيرٍ واجمة:
-اشرب الشاي يا "فضل"، زمانه برد.
رددت جملتها قبل أن تنصرف، فتصاعد الغيظ في صدره مستهجنًا على أسلوبها غير الاعتيادي في التحاور معه، كور قبضة يده، وقال متعهدًا في نفسه، وعيناه تتبعان إياها:
-بقى كده؟ ماشي يا مرات عمي، أنا مش ورايا غيرك إنتي وبناتك، وهنشوف رأي مين اللي هايمشي عليكم كلكم ................................................ !!
..................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل التاسع عشر 19 - بقلم Manal Salem
مساءكم زي الورد
النهاردة كان عندي وقت فراغ والحمدلله، قولت استغله في كتابة فصل جديد ..
حابة كمان أشكركم على كل تعليقاتكم الجميلة واللي ادت روح للرواية
أسيبكم مع الأحداث
الفصل الثامن والثمانون
كان يراهن –بقوةٍ- على سجيتها الساذجة، فأمثالها من النساء محدودات التفكير، لن يستطعن -بما اعتبره عقولهن الناقصة- مضاهاة ذكائه الخارق، سيطرت عليه فكرة بغيضة، كان واثقًا بشدة أن "آمنة" لن ترتاب في أمره، إن أفسد هاتفها المحمول عن قصدٍ. وبكل ما فيه من خسةٍ ونذالة قام "فضل" بالعبث فيه، ليصبح قطعة من الخردة، لا تصلح لشيء. ابتسم في انتشاءٍ، وقال بزهوٍ مريض:
-زي الفل! الله على دماغك يا "أبو الأفضال"!
استمر في التفاخر الزائف بنفسه قائلاً؛ وكأنه يصنع المعجزات:
-آه لو كان البلد دي فيها اتنين منك، كنت عملت العجب.
وقبل أن تستريب زوجة عمه فيه، ترك الهاتف موصولاً بشاحنه، وعاد إليها متسائلاً بلهجةٍ جادة:
-أومال مافيش أخبار عن بنتك "فيروزة"؟
تنهدت قائلة بتعاسةٍ معكوسة على قسماتها:
-لا والله يا "فضل"، ربنا يرد الغايب.
تحدث من زاوية فمه قائلاً:
-تلاقيها مصدقت يا مرات عمي...
وزاد الطين بلةٍ باتهامها كذبًا:
-ما هو في ناس بطرانة، أول ما القرش يجري في إيديها تنسى أصلها، وفصلها.
استاءت من إساءته لابنتها، ودافعت عنها بضيقٍ:
-بس "فيروزة" مش كده.
استفزها بأسلوبه الوقح، فقال ليوغر صدرها ناحيتها:
-وتسمي تطنيشها ليكي إيه؟ ده حتى المثل بيقول اللي مالوش خير في أهله مالوش آ....
لم يكن ينقصه سوى صراحته الفجة ليثير أعصابه، والظروف لا تحتمل مضايقاته المستمرة، لذا قاطعه "اسماعيل" محذرًا، بتعابيرٍ غير راضية:
-ملكش دعوة يا "فضل".
رد بتذمرٍ:
-هو أنا قولت حاجة غلط؟
نهض والده من جلسته، وصاح بلهجةٍ اكتسبت الجدية، منهيًا سخافاته اللا محدودة:
-لا غلط ولا صح، بينا من هنا، لسه مشوارنا طويل.
بامتعاضٍ كبير غمغم؛ وكأنه طوع بنانه:
-ماشي يا حاج، اللي تشوفه.
أوصلتهما "آمنة" إلى باب المنزل، وأغلقته بعد ذهابهما، لتستدير عائدة إلى غرفة ابنتيها، حيث تغفل "رقية" على الفراش الذي احتضنهما سابقًا، راقبتها بشرودٍ وتفكيرها المهموم ازداد قلقًا وحزنًا على ابنتها، عاتبتها بصوتٍ لم يتحرر من حلقها:
-بقى كده يا "فيروزة" أهون عليكي؟ كل المدة دي ومافيش مكالمة منك؟
أطرقت رأسها بأسى، وتابعت في خيبةِ أمل:
-ربنا يهدي الحال.
......................................................
بقامته الطويلة، وكتفيه العريضين، وقف أمام مدخل الدكان، على مسافة مترين، يحملق بنظراتٍ كلها تركيز، على العاملين الواقفين على السلالم الخشبية، فالاثنان يحاولان بجهدٍ تعليق اليافطة الخشبية الجديدة. لم يتوقف "سراج" عن إرشادهما لضبطها في المنتصف، خاصة أنه من أصر على إهدائها لعائلة "سلطان"، كنوعٍ من تجديد روابط الود والمحبة بينهما، ارتفعت نبرته عاليًا وهو يملي بأوامره:
-هاتها يمين شوية، اوعى تفلت منك.
وضع يده أعلى خاصرته اليسرى، وأشار بذراعه الآخر متابعًا أمره:
-كده زي الفل.
استمر على تلك الحالة المهتمة لدقائق أخرى، حتى انتهى العاملان من تثبيتها، فأثنى على مجهوداتهما، وأعطاهما من المال ما جعل نواجذهما تظهر. تأملها لبرهةٍ بإعجابٍ قبل أن تنخفض نظراته لتحدق في بقعة مجاورة لمدخل الدكان، حيث اعتاد الحاج "بدير" الجلوس على مقعده الخشبي، وأمامه طاوله صغيرة مستديرة يضع عليها فنجان قهوته. ابتسم من تلقاء نفسه وقد انتعشت ذاكرته بذكرى رؤيته لـ "هاجر" للمرة الأولى، وبدا وكأن الأمر قد حدث بالأمس القريب.
آنذاك كان متواجدًا مصادفة بالدكان، منتظرًا إفراغ إحدى شاحناته لحمولتها الثقيلة، خفق قلبه بتوترٍ، حين أبصرت عيناه وجهًا نضرًا، يعكس لطافةٍ محببة للنفس مقبلاً عليه، تلبك في جلسته، وأخفض نظراته سريعًا مستشعرًا بحرجٍ غير مبرر، خاصة مع صوتها الناعم المتساءل:
-فين "تميم" يابا؟ المفروض يوصلني المدرسة دلوقتي، عاوزة ألحق الدرس.
أجاب "بدير" بلهجته الجادة:
-أخوكي خد العربية يخلص مشوار، شوية وهتلاقيه جاي.
زمت شفتيها للحظة قبل أن تنطق بتبرمٍ:
-بس أنا كده هتأخر عليه، ومش هالحق الشرح من أوله.
وجد "سراج" لسانه ينزلق من تلقاء نفسه مقترحًا:
-أنا معايا العربية، تعالوا أوصلكم يا حاج مطرح ما تحبوا.
اعترض "بدير" بتعابيره الجادة:
-لأ يا ابني مايصحش.
أصر عليه "سراج" ببسمة صغيرة، وعيناه تتقاتلان لعدم النظر ناحيتها:
-ما احنا أعدين مابنعملش حاجة، وعقبال ما الرجالة ينزلوا البضاعة نكون روحنا وجينا.
أخبره بحرجٍ لم يخفه:
-أنا كده هتعبك.
رد متمسكًا برغبته:
-تعب إيه بس، العربية موجودة، ومافيش حاجة ورايا...
نظرة سريعة اختطفها نحوها قبل أن يضيف بلجلجة خفيفة:
-بينا يا حاج عشان .. ست البنات.. تشوف مصلحتها.
شكره "بدير" مبديًا عرفانه بجميله:
-تعيش يا ابني ...
ثم وضع يده على كتف ابنته ليدفعها نحو سيارته وهو يأمرها بهدوءٍ:
-تعالي يا "هاجر".
وكأنه بلغ قمة سعادته في لحظة مميزة، حينما استضافها في سيارته، وجلست بالمقعد الخلفي، أحس بدقات قلبه تتصاعد في فرحةٍ غير مسبوقة، رغم أن الأمر لا يستحق؛ لكن وجودها معه بأدبها الواضح، وحياءها الخجل أعطاه لمحة من السرور. ظل "سراج" جالسًا في سيارته عندما ترجلت مع والدها بالقرب من مدرستها، راقبها بعينين تلمعان بشدة، لم يعرف أنه كان يبتسم، اختفت بسمته وتجهم وقد أرهف السمع لتعليقًا سخيفًا يأتي من جواره:
-شايف الراجل الشايب ده ماسك مُزة طلقة.
اتجهت أنظاره المحتدة إلى حيث مصدر الصوت، فرأى شابين يتسكعان على بُعد متر من جانب سيارته، وعلى ما يبدو لم ينتبها لوجوده بها. أضاف الآخر بلهاثٍ طفيف:
-احنا نستناها أما تخلص، ونجرب حظنا معاها.
لم يستطع "سراج" ضبط أعصابه، تصاعد غضبه المحموم إلى رأسه، وشعر بحتمية إخراسهما بعد أن يلقنهما الدرس الذي يستحقانه. هبط عن سيارته، صافقًا الباب بعنفٍ لينتفض الاثنان على إثر قوة الصوت، وقبل أن يتفوه الشاب الأول بكلمة، سبقته لكمة في فكه جعلت الحروف تتحول لصراخ متألم، ثم ناول الآخر ركلة قاسية في ركبته، أجبرته على الانحناء والتأوه، قبل أن يوجه قبضته المتكورة إلى أسفل معدته، وكل ذلك مصحوبًا بلعناتٍ مهينة لكليهما. واصل "سراج" تعنيفهما بشراسةٍ مفرغًا كامل شحنته الغاضبة فيهما، إلى أن خرج "بدير" من المدرسة، أسرع ناحيته متسائلاً:
-في إيه يا "سراج"؟
صمت للحظاتٍ ريثما ركض الشابان هاربين من أمامه، فالتفت ناحيته ليرد وهو ينفض كفيه معًا:
-مافيش حاجة يا حاج، دول شوية عيال ناقصة رباية كنت بأعرفهم غلطهم.
مسح "بدير" براحته على ظهره ليحثه على التحرك قائلاً له:
-طب تعالى احنا نرجع الدكان، البت لسه قدامها ساعتين، وهايكون "تميم" رجع يبقى يروحلها.
رفع رأسه للأعلى ليلقي نظرة أخيرة على المبنى، وقال بتنمرٍ خفيف:
-ماشي يا حاج.
......................................................................
جلس عند قدمي والدته، على حشية من القطيفة، تفترش الأرضية، حيث اعتبرها جلسته المفضلة حينما يفضفض معها بأريحية تامة. استدار "سراج" برأسه مركزًا نظره مع حركة يديها وهي تقشر ثمرة البرتقالة، وأضــاف بتنهيدة شبه حارة، وخياله يجسد له طيفًا لوجهها الناعم:
-أما يامه بنته دي حكاية! تقول للقمر قوم وأنا أقعد مطرحك.
ضحكت أمه ضحكاتٍ صغيرة عذبة، وقالت في استمتاعٍ:
-للدرجادي يا "سراج"؟
أكد عليها بعينين تشعان بوهجِ الحب:
-وأكتر يامه.
أزاحت والدته البقايا البيضاء عن الفصوص، وناولتها لابنها وهي تخبره:
-اللي أعرفه إن مرات الحاج "بدير" ست كُمل، وبنتها ستات الحتة بيتكلموا عن أدبها وأخلاقها، بس محالفنيش الحظ أشوفها.
علق عليها وقد ارتخت نظراته:
-تسلمي يامه، ما أنا يدوب لمحتها بالصدفة، ساعة ما وصلتها مع أبوها.
ضحكت مجددًا، ومازحته:
-ما إنت من ساعتها حالك متشقلب.
أطرق رأسه متسائلاً بحرجٍ:
-هو أنا باين عليا؟
ردت مؤكدة بتسليةٍ وهي تعبث برأسه:
-ده أنا أمك وعرفاك أكتر من حالك، ربنا يجعلك نصيب معاها.
عاد ليتطلع إليها مرددًا برجاءٍ:
-يا رب ادعيلي يامه...
تناول فصًا مما معه، لتسيطر على نبرته مظاهر الجدية وهو يكمل:
-أنا عمال اسأل وأطأس من بعيد لبعيد كده، عشان أعرف إن كان في حد متكلم عليها ولا لأ...
توقف للحظة ليبتلع ما في جوفه، ثم تابع:
-وماينفعش اكلم أخوها كده خبط لزق، دمه حامي، ومابيستحملش الهوا على أهل بيته، جايز يفهمني غلط.
اقترحت عليه باهتمامٍ:
-خلاص شوفلك حد من القريبين منهم اسأله، واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
بدا مترددًا وهو يخاطبها:
-في دماغي اتكلم مع "محرز"، أنا شايفه مناسب، باعتباره دراع الحاج اليمين، هاخد وأدي معاه بالمحسوس.
حذرته والدته بملامحٍ جادة:
-بس خد بالك في الكلام معاه.
اكتسى وجهه بالجد، وقال مؤمنًا عليها:
-اه اطمني، أنا هافهمه إني طالب القُرب، مش حاجة تانية لا سمح الله.
أبدت ترحيبها بإقدامه على تلك الخطوة، وأضافت:
-خلاص يا ابني، وأنا هازور الست أمها وربنا يكتبلك كل خير يا ابني.
هلل بابتسامة اتسعت معها نظراته المتفائلة:
-ايوه يامه ادعيلي.
.....................................................
ليلتها انتظر بكل ما يعتريه من لهفةٍ وأشواق عودتها إلى المنزل، لتطلعه على نتائج زيارتها الودية لعائلة "بدير"، لم يستطع التركيز في عمله، ولم يبقَ لوقت متأخر في دكانه بالسوق، ولم يجرؤ على إيصالها، آثر البقاء بعيدًا متحملاً تبعات الانتظار المشوق. كالأطفال الصغار وقف "سراج" أمام الباب عندما عادت يستنطقها بصبرٍ نافذ:
-ها شوفتيها يامه؟ وإيه رأيك؟
قالت بزفيرٍ لاهث وهي تنزع دبوس طرحتها عنها:
-طب سيبني أخد نفسي كده.
تبعها نحو أقرب مقعدٍ جلست عليه، ووقف فوق رأسها يلح عليها:
-طمنيني بالله عليكي.
رفعت عينيها إليه، وردت بعد ابتسامةٍ باعثة على الراحة:
-مش مخطوبة، ولا في حد متكلم عليها خالص.
هلل في سعادة غامرة:
-اللهم صلي على النبي، أيوه كده.
أكملت والدته حديثها بما يشبه المدح:
-والشهادة لله هما عيلة زي الفل، تشرف بصحيح، وأنا رأيي أول ما تطلع نتيجة مدرستها تكلم أبوها على طول.
دون تفكيرٍ حسم أمره قائلاً:
-اتفقنا يامه، هاكلم الحاج "بدير"، وأرتب معاه.
لكن أتت الرياح بما لا تشتهي السفن، وتوترت الأجواء من لا شيء، ليصبح ما تمنى حدوثه يومًا في مهب الريح، بل وتحولت مشاعر الألفة لعداءٍ بغيض، بسبب الشائعات المغلوطة التي انتشرت على الألسن، دون أن يُعرف مصدرها، لتصل في نهاية المطاف لشجار دموي، تبعثرت فيه ما ظن أنها صداقة الرجال.
أفاق "سراج" من شروده الذي طال على صوتٍ مزعجٍ لأحد العمال، فتدارك نفسه، ونفض ما دهمه من ذكرياتٍ، ليتحرك في اتجاه سيارته، والحنين يحتل قلبه، بل ويستحثه على استعادة ما كان له يومًا.
........................................................................
سمح له الطبيب بالخروج من المشفى، والعودة إلى منزله، بشرطِ ألا يبذل مجهودًا يضر بجسده، خاصة ساقيه، لانعكاس الضرر الأكبر عليهما جراء حادثته الأخيرة، فأكد عليه "تميم" التزامه بهذا؛ وإن لم ينفذ كافة أوامره، فبعد مكوثه لما يقرب من أسبوع متنقلاً بين الغرف، عندما يشعر بالملل، لا يفعل شيئًا مهمًا، ضجر من حاله، وأحس بأن الإعياء لن يفارق بدنه ما لم يعود إلى عمله، لذا قرر الذهاب إلى الدكان، وقضاء نهاره هناك. اعترض عليه والده، فسأله بتجهمٍ غير راضٍ:
-برضوه مصمم يا "تميم"؟
قال وهو يمشط شعره بيدٍ، ومستندًا باليد الأخرى على عكازه الطبي:
-أنا عايز أشوف الناس، تعبت من رقدة البيت.
لام عليه تسرعه في قراره بإظهار احتجاجه الواضح:
-ده إنت لسه خارج من المستشفى مابقالكش كام يوم؟ لحقت؟
التفت ناظرًا إليه، ورد معاندًا:
-يابا بأقولك زهقت، خليني أشغل بالي بالشغل.
أمام إصراره تنهد "بدير" مغمغمًا:
-أنا خايف عليك يا "تميم".
أكد عليه بهدوءٍ:
-ما أنا مش هاعمل حاجة تتعبني، هاظبط الدفاتر، وأشوف الفواتير اللي علينا.
استسلم في الأخير لرغبته، ورضخ له معقبًا:
-اللي يريحك.
اقترب "تميم" من والده، وانحنى مقبلاً كتفه وهو يدعو له:
-ربنا يخليك ليا يابا.
..............................................................
وقفت عند أعتاب الغرفة تتطلع إليه بنظراتها المشفقة، كانت متفهمة للظروف النفسية السيئة التي يمر بها، احترمت رغبته في الانفراد بنفسه، والابتعاد عن الآخرين، معتقدة أن ذلك لن يدوم إلا لفترةٍ مؤقتة؛ لكنه تمادى في عزلته كثيرًا، فأصبح وحيدًا، لا يخاطبها إلا قليلاً، ولا يشاركها في أي مظهر من مظاهر الحياة اليومية. فاض بها الكيل، وعقدت العزم على إخراجه من بوتقة أحزانه. بكل ما فيها من ضيقٍ اندفعت لغرفة نومهما المعتمة، متجهة نحو النافذة، أزاحت الستائر عنها، لتسمح لضوء النهار بالتسلل إليها، والتفتت نحو الفراش المستلقي عليه، تعاتبه بعطفٍ، يتخلله القليل من الجدية:
-اللي إنت بتعمله يا "هيثم" ده ماينفعش!
تقلب على جانبه، ساحبًا الغطاء أعلى رأسه، وقال بخشونةٍ:
-سبيني لوحدي يا "همسة".
هتفت فيه باستياءٍ:
-يعني عاجبك منظرك وإنت كده؟
صاح بتعصبٍ، وهو يبعد الغطاء عن وجهه ليرمقها بنظرة واجمة:
-يووه، ما تزهقنيش.
أطلقت زفرة طويلة من صدرها، قبل أن تسحب شهيقًا عميقًا تثبط به مشاعرها المنزعجة، ثم دنت من الفراش، وجلست على طرفه، طالعته بنظراتها الحنون قبل أن تستطرد بنبرة راجية:
-يا "هيثم" أنا صعبان عليا اللي إنت عامله في نفسك، كل واحد بياخد في الآخر نصيبه، وربنا كاتبلهم كده.
بضيقٍ يشوبه الحدة صاح بها:
-وأنا مش عايز أشوف وش حد، أنا مبسوط كده.
نفذ صبرها من عناده العقيم، وردت في عصبيةٍ:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، بجد أنا تعبت، ومابقتش عارفة أعمل إيه معاك.
أدار جانبه للناحية الأخرى، وقال ببرود استفزها:
-تسبيني أنام.
قست عينا "همسة"، وانتفضت ناهضة لتنذره بدمدمة غاضبة:
-ماشي يا "هيثم"، بس يكون في معلومك أنا مش هاسكت على كده!
غادرت الغرفة، والعصبية تملأ تعبيراتها، كتفت ساعديها معًا، وهتفت بعزمٍ:
-لازم حد يساعدني من عيلته، وأنا مش قادراله لوحدي.
................................................................
عملت بنصيحته الخبيرة بعد تفكيرٍ ملي، ألا تسرد ما مرت به هاتفيًا، فبعض المسائل لا يستحب قولها من على بعد، إذًا لترجئ مشاعر الدعم والمؤازرة ريثما تقابل عائلتها وجهًا لوجه، عل وجودهم يخفف من وطأة ما قاسته في غربتها، ويمنحها دفء قربهم السلوى والسكينة. طوال الأيام المنصرمة، لازمها "ماهر" في كافة خطواتها القانونية، للانتهاء من كل ما يتعلق بـ "آسر"، فتطوي صفحته للأبد. اعتقدت "فيروزة" خلال محادثتها الأخيرة أن ما يقوم به معها بدافع الشفقة، خاصة لتوهمها بأنه قد تفقه لمسألة عذريتها، ليس لكون زوجها من يعاني من علة خطيرة؛ ولكن لاعتقادها الراسخ بأن تشوهها الجسدي هو ما حال دون إتمام زيجتها. ولم تتطرق للحديث عن هذا الأمر منذ تلميحه المتواري في المشفى، أبقت سرها لنفسها.
بلغت أخيرًا نهاية السعي، وعادت إلى موطن أمانها، تاركة خلفها ماضيًا لا تفخر به، فقط لحظات الوداع من "كاران"، والطبيب "هاني" هي ما علقت في ذهنها، وجدت نفسها تبتسم ابتسامة باهتة، عندما تذكرت حديث الأول:
-إن جئت لمصر، سأزورك حتمًا مع عائلتي.
رحبت بهذا، وقالت بابتسامةٍ منمقة:
-سأسعد بذلك.
أعطاها تذكارًا –على هيئة بلورة- لتحتفظ به، فنظرت له مطولاً وبترددٍ، فتلك الهدية نشطت ذاكرتها بمثيلتها، عندما أهداها لها "آسر" قبل أشهر؛ لكنها تحطمت في لحظتها، بسبب حركة فجائية -لا تعلم إن كانت غير مقصودة أم متعمدة- من "تميم"، وقد كان بارعًا في إغاظته، واستثارة أعصابه من العدم. لاحت بسمة أكثر غبطة على شفتيها، وهي تستعيد المشهد في مخيلتها، برقت عيناها في دهشة غريبة مستنكرة تفكيرها فيه، غطت سريعًا على ابتسامتها بلمحة من الجدية، وردت في امتنانٍ وهي تشير بيدها:
-شكرًا لك "كاران"، على الهدية، وعلى كل شيء.
أوصاها بلكنته التي مزجت بين العربية ولغته:
-انتبهي لنفسك "فـ..اروزا".
تنهدت على مهلٍ وهي تستفيق من دوامة شرودها، على إثر الهزة العنيفة التي أعادتها لأرض الواقع، حملقت من نافذة الطائرة لوهلةٍ، عندما بدأت تستقر على مدرج الهبوط، باعدت أنظارها، وأغمضت عينيها بقوةٍ، ثم حبست أنفاسها في ترقبٍ. ومع زيادة الاهتزازات تشبثت بقبضتيها في مسندي مقعدها، أحست بأمعائها تتقلص، ربما لرهبتها من المجهول الغامض الذي ينتظرها بالأسفل، خف الشعور القابض لصدرها تدريجيًا، بإعلان المضيفة عن وصول لأرض الوطن. فتحت "فيروزة" عينيها، ورفرفت بهما لعدة مراتٍ، قبل أن تدور بعشوائية على الأوجه المتباينة في فرحتها، على عكسهم كانت واجلة القلب، متخبطة الفكر. تطلعت أمامها بنظراتٍ بدت تائهة وهي تسأل نفسها:
-يا ترى مستنيني إيه هنا؟
................................................................
في ميعاد الزيارة اليومي بالمشفى، جاءت إليه على الموعد بالضبط، ومعها طفلته، لتقضي الأخيرة وقتها بصحبته، فتنعم بأحضانه الأبوية، وإن لم يضمها فعليًا. جلست "رقية" على الفراش بجوار أبيها، وأمامها على المقعد استراحت عمتها، استطردت الأخيرة تُعلمه بما أقدمت عليه:
-أنا دفعت يا "خليل" فلوس المستشفى من نصيبك في الإيراد، ونصيبي هاحطه في مصروف البيت، ومتقلقش على "رقية" كل اللي نفسها فيه هاجيبه، وربنا يقومك بالسلامة.
قال بصعوبةٍ، وفي عينيه استجداء عاجز:
-خـ..رجيني.. من.. هــ..نا.
قطبت جبينها مرددة في استنكارٍ:
-أخرجك؟ هو ده ينفع؟
كرر عليها بصوتٍ متقطع:
-عــ...ايـ..ز أرجع .. بـ..يتي.
اعترضت على رغبته موضحة له:
-يا "خليل" الدكاترة هنا واخدين بالهم منك، وآ...
قاطعها بنبرةٍ بدت باكية متوسلة:
-طلـ..عيني.. يا .. "آمنة".
لم تتحمل رؤيته يستعطفها، فنهضت من مكانها، وانحنت نحوه لتربت على كتفه قائلة:
-حاضر يا خويا، اللي إنت عاوزه هاعمله، هدي نفسك بس.
............................................................
ارتفعت وتيرة القلق في عروقها النابضة، عندما توقفت السيارة أمام مدخل منزلها، دفعت الأجرة للسائق، وترجلت منها تنتظر مساعدته لها في إخراج حقيبتها، شكرته على ذوقه، وبدأت في شحذ طاقتها المعنوية لتبدأ بالسير نحو الداخل. للغرابة شعرت بأن المنزل لم يعد كما كان سابقًا، السكون المريب من حولها عزز هذا الشعور بقوةٍ، في الأغلب كانت أصوات صراخ أبناء خالها ترن في جنبات المكان، وتوبيخات "حمدية" تكاد تسمعها من ناصية الطريق، بالإضافة لصوت المذياع أو التلفاز من شقة والدتها؛ لكن لا شيء، فقط حفيف الهواء يحيطها.
جذبت قميصها الأسود للأسفل، ولفظت زفيرًا ثقيلاً من صدرها، مستشعرة انقباضة قوية في قلبها، غالبت توترها، وكبحت هواجسها لتصعد إلى الأعلى. أمسكت بحقيبة يدها، وفتحتها لتفتش عن المفتاح فيها كلزمة تلقائية معتادة. توقفت عن البحث متذكرة أنها تركته قبل أن تسافر في رحلتها المشؤومة، التي ستظل روحها مدموغة بآثارها. بعد تفكيرٍ متأنٍ وطويل، توصلت إلى قرار بدا الأنسب لها، يقيها من الحقد والشماتة، لما لا تكون معاناتها مقيدة، حبيسة وجدانها؟ ربما في هذا السلامة لروحها قبل غيرها.
شعرت "فيروزة" بالخجل من نفسها، ليس لأنها كانت ضحية لمخادع حقير، وإنما لتحميل أسرتها عبئها من جديد. عبست ملامحها من واقعية أفكارها، وبدأ الحزن يطفو على نظراتها، حاولت أن تخفي آلامها، لترسم ابتسامة مفتعلة على ثغرها وهي تطرق على الباب، وكيف تُنير وجهها بسمة كهذه ومن المفترض أنها تحتدُ على زوجها؟ تراجعت عن هذا، وفضلت أن تكون تعبيراتها عادية.
دقت الباب مرة ثانية، وثالثة، ورابعة .. ظل السكوت هو سيد الموقف، مما أخافها كثيرًا. ألصقت حقيبة سفرها بباب المنزل، واتجهت للدرج لتصعد إلى شقة خالها، بالنسبة لها، لم يكن وجه زوجته "حمدية" من الأوجه المستحب رؤيتها بعد رحلة شقائها، فتطفلها السمج لن تطيقه حاليًا. تحاملت على نفسها، وواصلت صعودها، طرقت على بابه، ثم قرعت الجرس، ولدهشتها لم تجد أدنى استجابة، وكأن المنزل هجره قاطنيه! دب الخوف في قلبها، وتساءلت بملامح باهتة:
-هما راحوا فين كلهم؟
لعقت شفتيها ورددت بتوجسٍ:
-ربنا يستر ومايكونش حصلهم حاجة.
عاتبت نفسها بقسوةٍ لتقاعصها عن إعادة الاتصال بوالدتها:
-مكانش لازم اتأخر كل ده عنها
بحثت في حقيبتها عن هاتفها المحمول، ولسوء حظها نفذت بطاريته، فانزعجت أكثر. طرأ ببالها أن تتوجه لبيت توأمتها، فمن المحتمل أن تكون والدتها في زيارة لها، أراحها ذلك التفكير، ودون ترددٍ استدارت مغادرة المكان، وآمالها معقودة على اللقاء بكلتيهما هناك.
....................................................................
تصارعت بداخلها الكثير من المشاعر المتضاربة، وهي تخطو خطواتها المتمهلة إلى داخل بناية عائلة "سلطان"، فبين جدرانه شهدت على وقائع مؤسفة، أجبرتها على اختيار طريق مملوء بالشوك، لتتأذى وحدها بوحشيةٍ على طول دربه. حاربت "فيروزة" أوجاعها المغموسة بنزيف قلبها، لتتقدم في خطاها. أمسكت بالدرابزين، ودفعت جسدها للتحرك للأعلى، مضت سريعًا في صعودها، مانعة عقلها من التفكير في شيء.
توقفت أمام باب منزل توأمتها، طرقت عليه بقبضتها المضمومة، بعد أن قرعت الجرس، ثم تراجعت خطوة للخلف وهي تسحب أنفاسًا عميقة تهدئ به من توترها. انتظرت مطولاً قبل أن تكرر المحاولة، وذاك الهاجس المزعج والمتساءل يلح في رأسها، أين ذهب الجميع؟ لم تجد استجابة بسيطة تشير لوجود أحدهم بالداخل، ازداد قلقها، وانعكس على وجهها الشاحب. تجمدت قدماها عند الدرج وهي تفكر في حلٍ أخير، لم يعد غيره لتلجأ إليه.
هبطت للطابق السفلي، وصوت دقات قلبها المتوتر يرتفع بين ضلوعها، نازعت شيئًا بداخلها، أربكها على نحو غريب، قبل أن تجد نفسها واقفة في مواجهة الباب الخشبي. تنفست "فيروزة" بعمقٍ، واستجمعت جأشها لتدق عليه، وتلك الرعشة الخفيفة تتسرب إلى جلدها. في خطوةٍ متخاذلة منها، فكرت في التراجع قبل أن تلامسه؛ لكن فسدت أمنيتها بفتح الباب بغتةً، ليجد الهائم في أحزانه، طاووسه المهاجر، بشحمه ولحمه، قد عاد إلى وطنه العزيز، يناظره عن قربٍ خطير، بدا –لعمره- مستحيل التحقيق. خفق الفؤاد بخفقةٍ، بعثت بقوتها نبض الحياة فيه من جديد، وانفرجت الشفاه تنادي بهمسٍ يملأه الحنين:
-"فيروزة" ..................................................... !!!
..................................................................
رواية الطاووس الأبيض ©️ - الجزء الثالث الفصل العشرون 20 - بقلم Manal Salem
مساءكم ورد ..
باعتذر في البداية عن تأخيري في نشر الفصل وكذلك لقصره، أنا كنت هاجله النهاردة لانشغالي طول اليوم بحاجات مهمة مشتتة طاقتي وذهني، وللأسف مكانش في وقت نهائي للكتابة ..
باعتذر عن تقصيري ده، لكن حقيقي حاولت أكتب حاجة بسيطة، وإن شاءالله هاعوضكم ..
دعواتكم
الفصل التاسع والثمانون
في مشورته الحكيمة كانت المساعدة الخبيرة التي تحتاجها، للتعامل مع حالته العنيدة، لجأت بعد تفكيرٍ مضنٍ إلى الجد "سلطان" طالبة منه الوقوف بجوارها، لإخراج زوجها من حالة الاكتئاب المستبد به مؤخرًا، خاصة بعد انعزاله عن الجميع، وعزوفه عن البوح بما يعتريه من مشاعر مثقلة بالهموم، خشيت من تدهور وضعه، وربما حدوث الأسوأ، فبدا ذلك الاختيار الملائم حاليًا، وعلى طرف الفراش جلست "همسة" في مواجهة مقعده الجالس عليه، ثم سألته بتوترٍ، وهي تتطلع إليه:
-يعني هتكلمه يا حاج؟
أكد عليها بصوته الهادئ:
-أيوه يا بنتي، هاطلعه، ومعايا "بدير" كمان.
شكرته بامتنانٍ شديد:
-ربنا يخليك ليا، أنا مش عارفة من غيركم كنت هاتصرف إزاي.
بابتسامةٍ صافية تعكس حنانه الأبوي أخبرها:
-ده ابننا، واللي مر بيه مش سهل، ولولا إن الواد ربنا بيحبه مكانش اتجوز واحدة بنت أصول زيك.
قالت ببسمةٍ بدت شبه باهتة:
-الله يكرمك.
رد مؤكدًا من جديد ليشد من أزرها، فلا تستسلم أمام عناده العقيم:
-دي الحقيقة، الست اللي بجد هي اللي بتبقى في ضهر جوزها، تاخد بإيده وقت ما يكون عاجز، تفهمه من غير ما يتكلم.
زفرت ببطءٍ، وعقبت:
-ربنا يصلح حاله.
......................................................
على نحوٍ غير مسبوقٍ أو متوقع، باتت الآمال المستحيلة قيد التحقيق، مجرد رؤيتها أمام ناظريه كان مُرضيًا له، مشبعًا لجوع قلبه الشغوف لذاك الدفء الناعم الذي خلا منه. ربكتها البائنة، نظراتها التائهة، لمحات الحزن الظاهرة، حفزت كامل حواسه على التركيز معها، لتتضاءل أكبر همومه وتندمل في حَضرتها الآسرة. ابتسامة صادقة عذبة عرفت الطريق إلى شفتيه، عندما نطقت بصوتٍ يشوبه الخجل:
-سلامو عليكم يا معلم.
القليل منها يكفيه، بل ويغنيه عن أوجــاع ما قساه. رد "تميم" بقلبٍ يرقص غبطةً على أنشودة العاشقين:
-وعليكم السلام ...
ثم تنحى للجانب مستندًا على عكازيه، كدعوة صريحة منه للدخول إلى منزل عائلته، قبل أن يرددها علنًا، ووجهه ما زال مشرقًا بابتسامته:
-اتفضلي.
نظرة حرجة ألقتها "فيروزة" ناحيته، قبل أن تخفضها سريعًا، متذكرة حديث توأمتها السابق عن الحادث المؤسف الذي تعرض له، آلمها آنذاك ما سمعته؛ لكنه رؤيته على تلك الحالة أوجعها بقدرٍ ما. أجبرت نفسها على النظر مجددًا إلى وجهه الهادئ، حاولت الاعتذار عن الدخول، وقالت مبررة بنوعٍ من التردد:
-أنا كنت.. جاية عند أختي فوق، بس خبطت كتير ومحدش فتحلي.
أخبرها بهدوءٍ مشيرًا برأسه، ومديرًا إياه نحو الداخل:
-هي موجودة عندنا جوا، مع جدي.
قفزت علامات الاستفهام إلى تعبيراتها، وتساءلت بشكلٍ آلي:
-عندكم؟ ليه؟ في حاجة؟
هز كتفيه نافيًا:
-مش عارف.
ظل على حالة التردد تلك، وضغطت على شفتيها قائلة باقتضابٍ:
-شكرًا.
أصــر عليها بحماسٍ جعل آلامه تتبدد في لحظة؛ وكأن عظامه لم تُطحن أبدًا:
-مايصحش تفضلي واقفة برا كده، اتفضلي جوا...
وقبل أن تتمسك برفضها شدد عليها عن قصدٍ، ليبث فيها الأمان:
-دي أمي وأختي كمان موجودين، يعني اطمني.
قضمت شفتها السفلى، وردت:
-مافيش داعي أزعجكم.
انزلق هاتفًا من تلقاء نفسه، ونظرة عتاب تكسو وجهه:
-تزعجي مين، ده بيتك..
قطبت جبينها بشكلٍ ملحوظ، فصحح لها بعد نحنحة خافتة:
-قصدي يعني زي بيتك.
حاولت أن تبتسم وهي تعقب:
-شكرًا يا معلم.
أمام إلحاحه الواضح استجابت "فيروزة" لدعوته، وبدأت في التحرك، لتلج إلى داخل منزله وهي تمسح بعينيها المكان، في حين تسمر "تميم" في مكانه يرقبها بإشراقة غطت على ما كان به من تعاسة، لم تعرف ضيفته أن السعادة في تلك اللحظة تنتفض بقوةٍ بين ضلوعه، حتى تأثيرها الكبير انعكس بقوةٍ على ملامحه حينما أضافت بعفويةٍ:
-حمدلله على سلامتك صحيح، زعلت حقيقي لما عرفت.
هتف من خلفها بحبورٍ يخالطه الحماس، ذاك الذي استغرب منه؛ كأنما لم يحزن مطلقًا:
-الله يسلمك، كله من عند الله خير...
للحظة التقط أنفاسه، وأكمل مؤكدًا لها:
-وبعدين أنا دلوقتي كويس وبخير.
ندم على جملته الأخيرة، وتجهم قليلاً ربما كانت كلماته متسرعة، فاهتمامها بالسؤال عنه قد يفتر لمعرفتها هذا، تدارك تشتته اللحظي، وتابع بجديةٍ، وعيناه تنظران إليها:
-لا مؤاخذة الكلام خدني ونسيت أعزيكي، البقاء لله، وربنا يصبرك، دي مشيئة ربنا.
استغربت بشدة لمواساته الغريبة، وسألته بملامح شديدة الجدية، ودون أن ترف عيناها:
-وإنت عرفت منين؟ أنا مقولتش لحد.
أثار ردها استرابته بشكلٍ عجيب، فمن البديهي أن يعزيها في وفاة أبناء خالها؛ لكن ردة فعلها كانت مدعاة للشكوك، توجهت أنظار كلاهما نحو الصوت الأنثوي المتسائل:
-مين يا "تميم"؟
بتنهيدة عكست أشواقًا تفاجأ بها شخصيًا، هتف ناطقًا باسمها بين شفتيه؛ كما لو كان ترديده لحنًا عذبًا تُطرب له الآذان:
-دي الأبلة "فيروزة" يامه.
سماعها لاسمها يتراقص بتلك الطريقة على لسانه -وبهذا الاهتمام المليء بالمشاعر- الغريب داعب شيئًا ما بداخلها، تغاضت عنه لتنظر في وجه "ونيسة" التي أقبلت عليها لترحب بها بألفةٍ:
-يا أهلاً وسهلاً يا بنتي، شرفتينا.
بابتسامةٍ صغيرة قالت:
-إزي حضرتك يا طنط؟
احتضنتها "ونيسة" ومسحت على ظهرها بحنوٍ، ثم تراجعت عنها متسائلة:
-أخبارك إيه يا بنتي؟
أطلقت زفرة بطيئة قبل أن تجيبها:
-الحمدلله.
نظرت "فيروزة" من فوق كتفها، عندما سمعت صوت شقيقتها يأتي من الخلف وهي تشكر أحدهم قبل أن تغلق الباب خلفها:
-كتر خيرك يا حاج، تعيشلنا، أشوفك على خير يا رب.
تحركت "ونيسة" للجانب، لتظهر توأمتها أمام عيني "همسة"، لم تصدق الأخيرة وجودها، وهتفت صائحة في صدمة:
-"فيروزة"!
ودون أن تضيع الوقت هرولت ناحيتها لتحتضنها بكل ما تحمله من ودٍ، وشوق، وتهلفٍ، وحنين. بقيت في أحضانها للحظات قبل أن تنطق بنبرة متأثرة، وعيناها تحجزان العبرات فيهما:
-وحشتيني أوي أوي يا "فيرو"، كنت هاتجنن عشان أوصلك، حاجات كتير حصلت وإنتي مش هنا، أنا محتاجة وجودك أوي معايا.
مسحت "فيروزة" بيدها على جانب ذراعها، وردت بتنهيدة معبأة بالهموم:
-وأنا خلاص رجعت.
تلك الكلمات الموجزة لامست قبل المعذب من خلفهما، فمن المفترض أن يترك "تميم" الشقيقتين تتحدثان على انفرادٍ، احترامًا لخصوصيتهما؛ لكنه بقي على غير عادته، لإشباع توق الروح لساكنها. انتبهت حواسه، وبدا واجمًا عندما تساءلت "همسة" بتلقائية:
-وفين "آسر"؟ هو رجع معاكي؟ واقف تحت؟ ولا وصلك؟ ولا عمل إيه؟
مع تلك الأسئلة المتلاحقة تسلل الحزن إليه، ليذكره أن الطاووس المهاجر إن عاد إلى وطنه، فلا يعني ذلك أنه يخصه! سرى مفعول الألم في عروقه، وشعر بالوهن يزحف إليه. اليأس، الاستياء، الحزن، وكافة المشاعر السلبية هاجمته في لحظة، أوهامه المخادعة مصيرها الفناء! استدار منسحبًا من المكان بخطواتٍ شعر بثقلها، في نفس الأثناء سادت لحظة من السكون المغلف بالتردد الأجواء، حسمتها "فيروزة" بإخبار الجميع بنزقٍ، وعلى حين غرة:
-لأ، "آسر"... مات.
وكأن الحياة بُعثت فيه من جديد، بدا كمن يتلقى إنعاشًا بجهاز الصدمات القلبية ليعود من السراب إلى حيث الأمل. خفق قلب "تميم" في ذهولٍ، واتسعت عيناه مصدومًا، حتى خلايا عقله عادت لتعمل بكامل طاقاتها، التفت مستديرًا ناحيتها ليتأكد من أنه لم يتوهم سماع ذلك، وراقب تعابير "همسة" المتسائلة في صدمةٍ:
-يعني إيه مات؟
بينما رددت "ونيسة" بنفس التعابير المصدومة، وهي تضع يدها على صدرها:
-لا حول ولا قوة إلا بالله، هو إيه اللي حصل في الدنيا؟
ثم ربتت على ذراع "فيروزة" تواسيها بإشفاقٍ:
-البقاء لله يا بنتي، قلبي عندك والله، ده إنتي لسه عروسة جديدة.
خجلٍ ممزوجٍ بالألم انتشر في وجهها، فكلماتها وإن كانت عادية؛ لكنها لامست جرحها العميق. ابتلعت "فيروزة" غصة مليئة بالعلقم، وجاهدت لتتجاوز تلك اللحظات بثباتٍ انفعاليٍ عجيب، تدربت عليه كثيرًا في ليالي غربتها الموحشة. سألتها "همسة" في فضولٍ حزين:
-إزاي مات؟
لم تمنحها الجواب، وقالت بنوعٍ من الهروب:
-هابقى أحكيلك بعدين، مش وقته..
غالبت حشرجة طفيفة في صوتها، وأكملت بقلقٍ:
-بس فين ماما؟ أنا عديت عليها ملقتهاش موجودة في البيت.
أجابتها على الفور:
-تلاقيها مع "رقية" عند خالي في المستشفى.
انقلبت شفتاها، وتساءلت في استغرابٍ:
-"رقية"! وفي المستشفى؟ مين دي كمان؟
لم ترغب في إطلاها على الأخبار غير السارة دفعة واحدة، وقالت بعد زفيرٍ حزين:
-ما هو في حاجات كتير حصلت.
فهمت عزوفها عن التحدث بأريحية هنا، وقالت بتعابيرٍ جادة:
-طيب يالا بينا، بلاش نضايق الناس بوجودنا.
عبارة في غير موضعها استنكرتها "ونيسة"، وعاتبت "فيروزة" عليها:
-والله أزعل منك، تضايقونا إيه بس؟ ده احنا عيلة واحدة.
ردت بحرجٍ:
-شكرًا لحضرتك يا طنط، كلك ذوق.
تساءلت "همسة" بصوتٍ خفيض:
-شنطك فين؟
أجابتها بنفس الصوت الخافت:
-عند البيت.
أومأت برأسها تخبرها:
-تعالي نروح على هناك.
هتفت "ونيسة" طالبة من ابنها:
-وصلهم يا ابني في سكتك، مش التاكسي مستنيك تحت؟
اعترضت "فيروزة" مبدية تقديرها لظروفه:
-لأ يا طنط، مافيش داعي، السكة مش بعيدة، احنا هنمشيها، و...
التفتت ناظرة إلى "تميم" بنظرة مهتمة نفذت إليه كالسهم المارق:
-ومش عايزين نتعبك يا معلم.
قاطعها "تميم" قائلاً بلطفٍ:
-ما هو التاكسي موجود، أنا مش هاعمل حاجة تتعبني.
احتجت عليه بعنادٍ:
-بس آ...
رفع يده قائلاً بجديةٍ وهو يستدير ليتحرك:
-خلاص يا أبلة، مش قضية يعني.
لم تجادله، وتنهدت بصوتٍ مسموع لتتبعه مع توأمتها على مهلٍ، حتى يتمكن من هبوط الدرجات دون تعجلٍ. ناظرته "فيروزة" عن قربٍ مستغلة عدم انتباهه لها، لتجده رغم ما مر به مازال متماسكًا، صلبًا، يجابه آلامه بشجاعةٍ يحسد عليها. لم تدرك أنها أطالت النظر نحوه، فعندما استدار عند بسطة السلم، أمسك بعينيها المتطلعتين إليه، فبادلها نظرة كانت تلمع بشيءٍ ما كذب الفؤاد رؤيته .......................................... !!!
....................................................