تحميل رواية حان الوصال بقلم امل نصر pdf
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
االفصل الاول 1 ما بعد الفجر وقبل الصباح، ذاك الوقت الفاصل ما بين ظلام الليل وشروق الشمس، هذا هو وقتها، الذي تجد فيه سكينتها، تصلي الفجر ثم تقف في شرفتها تتمتع بالنسمات العليلة مع الهدوء الذي يعم المنطقة الا من بعض الاصوات القليلة للمارة الذاهبين الى شئونهم، ان كان الى عمل او شيء آخر. تتأمل المباني حولها وتراقب انقشاع الظلام رويدا رويدا حتى تحط الشمس بضيائها وتزين الأرض. تتنفس هواء نقيًا، بعيدا عن الصخب والمسؤوليات المعلقة في رقبتها. بهجة…. هذا اسمها وياليتها نالت حظها منه، او ربما كانت تناله قدي...
رواية حان الوصال الفصل الأول 1 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال االفصل الاول 1 بقلم امل نصر
ما بعد الفجر وقبل الصباح، ذاك الوقت الفاصل ما بين ظلام الليل وشروق الشمس، هذا هو وقتها، الذي تجد فيه سكينتها، تصلي الفجر ثم تقف في شرفتها تتمتع بالنسمات العليلة مع الهدوء الذي يعم المنطقة الا من بعض الاصوات القليلة للمارة الذاهبين الى شئونهم، ان كان الى عمل او شيء آخر.
تتأمل المباني حولها وتراقب انقشاع الظلام رويدا رويدا حتى تحط الشمس بضيائها وتزين الأرض.
تتنفس هواء نقيًا، بعيدا عن الصخب والمسؤوليات المعلقة في رقبتها.
بهجة…. هذا اسمها وياليتها نالت حظها منه، او ربما كانت تناله قديما ، قبل ان ينكسر ظهرها بموت الاب، الذي كان سندها رغم طيبته الشديدة والتي كانت تصل الى حد السذاجة في بعض الأحيان ، ولكنه كان حنونا ورؤوفا بها، لم يقصر ابدا في واجباته، او يتزوج بأخرى بعد وفاة الأم في ولادة اصغر أبناءه عائشة
لتحمل بهجة المسؤولية معه منذ الصغر ، ثم تتولاها كاملة بعد وفاته في حادث سيارة غادر، لم يعرف أحد بالسائق المتهور الذي دهسه اثناء ذهابه للعمل.
وتبدأ هي مرحلة جديدة تفصلها تماما عن السابق من عمرها، حيث اكتشاف الغدر من اقرب الأشخاص اليها، وانقشاع الغمامة التي كانت تعصب عينيها عن معرفتهم الحقيقية ونفوسهم السوداء، تبًا لتلك الطيبة التي ورثتها عن والدها، وقد كانت من أهم اسباب قهرها في كثير من الأحيان، حتى اشتدت عظامها ونضجت مع مرارة الأيام.
– يا بهجة يا بهجة، انا صحيت يا جميل، فين الفطار؟
كان هذا الصوت المميز لشقيقها، بنبرة خشنة اكتسبها حديثًا مع بدء بلوغه لمرحلة الرجولة رغم صغر سنه.
تحركت لتخرج اليه من غرفتها تهتف بردها:
– حالا يكون جاهز يا سيادة الدكتور المستقبلي، على ما تكون غسلت وشك وصليت الصبح
بعد مدة من الوقت
وقد استيقظ الجميع لتناول الفطور مع بهجة التي اعدته كالعادة قبل ان ترتدي ملابس الخروج للعمل ، وهي الاَن في انتظار البقية لتخرج أخرهم.
خرج شقيقها ايهاب من غرفته اثناء تصفيفها هي لشعر شقيقتها الصغرى، يهديها قبلة قي الهواء وهو في طريقه للذهاب من المنزل:
– سلام يا بيبو ، اركِ اليوم حين اعود .
ضحكت مرددة خلفه:
– ترجع بألف سلامة يا قلب بيبو
بعث لها قبلة اخيرة، ثم اندفع مغادرًا، لتعود هي الى حديث شقيقتها الثرثارة:
– والله زي ما بقولك كدة يا بيبو، بنت عمك كانت رايحة جاية تتقصع قدام شادي وتلاغيه بالكلام قدام خطيبته صبا لحد ما كشرتلها وكانت عايزة تفط في كرشها.
– تفط في كرشها كمان، ياه على الفاظك يا ست عائشة، بتجيبيها منين دي يا بت.؟
– من الشارع ههه
تمتمت بها عائشة ردا على شقيقتها، لتتبادلا المزاح لحظات حتى انتهت من عمل ضفيرتين لها، لتتركها بعد ذلك تنظم حقيبتها والجدول الدراسي، ثم تأخذها وتذهب بها،
وقبل كل ذلك، دلفت بهجة لغرفة شقيقتها الوسطى جنات، والتي استيقظت لها فور دخولها تستقبلها
– صاحية يا بيبو اطمني.
– ولما انتي صاحية مبتقوميش ليه؟
تمتمت بها بهجة تضربها بخفة بالمنشفة القطنية، فضحت لها جنات تقول باستسلام:
– بريح شوية يا ست، لسة راسي تقيلة .
كرمشت بهجة ملامحها بامتعاض مزيف، لتخرج من حقيبتها الصغيرة عدد من الاوراق المالية تعطيهم لها:
– طب خدي يا ختي المصروف على ما رفعتي راسك التقيلة من ع المخدة وقومتي.
– من ايد ما نعدمها يارب.
قالتها جنات وهي تقبلهم برضا، لتتوقف شقيقتها بتأثر،
لهذه الكلمات البسيطة التي تتلقاها من اخوتها، فتزيح عن كاهلها المشقات وعلقم الأيام الذي تتجرعه في عملها والتعامل مع غابة البشر ، فتهون عليها الصبر والتضحية من اجلهم .
استدركت فجأة قبل ان تتحرك ، لتسألها بتذكر:
– استني يا هنا ، هو انتي مش عندك برضوا مصاريف جامعة والكارنيه بتاع الطلبة.
تغضنت ملامح جنات بحرج لتعتدل بجذعها قائلة بتهوين:
– مااا مش مهم بقى الكارنيه والحاجات دي ، انا بحاول اتصرف واخش سرقة مع البنات ، وان كان ع الكتب برضوا تدبر ان شاء الله.
ابتعلت بهجة غصة مؤلمة بحلقها، للإحساس العجز الذي يتملكها في كل مرة لا تقدر على سد احتياجات اشقائها، وخجلهم الدائم بأن لا يزيدو عليها من الهموم.
لتتنهد رافعة ذقنها بابتسامة نحو شقيقتها:
– وتدخلي سرقة ليه ولا تحتاجي للسلف من اصحابك الكتب ؟ انا هدبرهم في اقرب وقت أن شاء الله، وانتي متخبيش عني تاني حاجات مهمة زي دي، دا مستقبلك يعني مينفعش التقصير فيه، ولا انك تعرضي نفسك للاحراج او الإهانة من حرس الجامعة لو اتقفشتي من غير كارنيه، سامعاني.
اومأت جنات بطاعة رغم الحزن الذي يتملكها في كل مرة تزيد بمتطلباتها على شقيقتها الحنون، والتي تضحي بزهرة شبابها من اجلهم ، وحلم الزواج كباقي الفتيات من عمرها قد تبخر ادراج الهواء، بعد صدمتها وتطليقها من ابن عمها الخسيس قبل ان يتم فرحه عليها او يتزوجها، صاغرا لأمر والدته المتجبرة، والتي لم يكف اذاها لهم حتى الاَن.
❈-❈-❈
بعد قليل
كان خروج بهجة من شقتهم في تلك البناية المكونة من أربعة طوابق، يسكن الطابق الارضي الحاجة صبرية مالكة المنزل، وفي الطابق الثاني خميس الراوي وعائلته، اما الثالث فذلك مسكن بهجة واشقائها بعد وفاة الوالد ، فيتبقى الرابع وذلك الذي بني حديثًا منذ سنوات قليلة، ليكون شقة الزوجية لسمير ابن خميس الرواي وابن عم بهجة الذي كانت على وشك الزواج به لولا موت الوالد وما حدث من مشاكل بعدها افسدت كل شيء حتى حدث وانفصل عنها، رغم عقد قرانه به لأكثر من شهور، ليتزوج بأخرى، وتنفض هي عنها فكرة الزواج على الإطلاق، لتقوم على تربية اخوتها ورعايتهم حتى تطمئن عليهم، وقد ساهم هو بغبائه في تأصيل القرار داخلها بعدما رأت منه ومن عائلته خسه ووضاعة جعلتها تفقد الثقة في جميع الرجال.
ولكنها جميلة وليست كامرأة عادية، تمر امام الخلق فتلفت ابصار الجميع نحوها، حتى وهي تتعمد عدم الاهتمام وارتداء الملابس الواسعة التي تفتقر للأناقة،
ولف الطرحة حول وجهها دون نظام، ولكن منذ متى نجحت التغطيه في اخفاء جمال امرأة؟ خصوصا اذا امتلكت الروح الجميلة معها.
نزلت الدرج خلف شقيقتها الصغيرة ، لتفاجأ به كعادته مؤخرًا، يقف في انتظارها، يدعي الانشغال بالهاتف كحجة يستخدمها دائمًا، وعيناه تطالعها بلوعة، يتحرق للحديث معها ، حتى وهو لا يجد منها غير الصد والتجهم ، ونظرة الازدراء، ولكن الشوق يقتله، ولكن نظرة هذه الصغيرة التي كانت رافعة حاجبها بشر، تجعله يعيد النظر، فكم من مرة جلدته بلسانها اللازع، فيتراجع بخزي، لا يعلم من اين تأتي بهذه الجرأة والجبروت رغم سنوات عمرها التي لا تتعدى الحادية عشر
– ما تيلا بقى يا بيبة، عايزين نخرج من العمارة اللي حررت دي على اول الصبح، والجو فيها بقى ملزق.
كبتت بهجة ابتسامتها بصعوبة، لتواصل السير مع هذه الملعونة الصغيرة، ولسانها الذي ليس ظابط ولا رابط.
اما عنه، فقد تسمر للحظات يكتنفه الذهول، انها سبته بدون حتى ان يتكلم ويأخذ فرصته .
واصلتا الفتاتان سيرهما، في طريق الحارة الشعبية التي نشأن بها، وجاء الدور الاَن في المرور على الوكالة التي كان ابيها شريكًا بها، قبل ان يتوفى، ثم استولي عليها عمها خميس بالحيلة والخداع، مستغلا طيبة شقيقه الفقيد، لأنه لم يفعل حساب هذا اليوم،
تنهدت بحسرة، فلو استمر فقط نصيبهم في هذه الوكالة، لكان وفر عليها المشقة والمذلة في اعمال تسحق كرامتها في بعض الأحيان من اجل اخوتها.
كان في هذا الوقت يتشاجر مع احد الزبائن ويصيح بصوته الجهوري به، لتغمغم هي داخلها:
– صوتك ميطلعش غير برا البيت، انما عند درية المستقوية، حتى عينك متقدرش ترفعها فيها.
تنهدت بيأس لتنفض عن رأسها الفكر المرهق،، وتلتف للأمام، ولكن ابصارها اصطدمت بالضلع الثالث من هذه الأسرة التي تحاصرها من جميع الزويا.
– يوووه علينا ، هيهل علينا دلوقتي ويقول اوصلكم.
خرجت من شقيقتها، وكأنها تقرأ افكارها، لتبزغ ابتسامتها فور ان اقترب منهم سامر عارضا بالفعل:
– صباح الخير على احلى عرايس، متيجو اوصلكم في طريقي.
عبست عائشة تكور شفتيها بضيق لا تخفيه، لتتسع الابتسامة على وجه بهجة، فترفض بزوق:
– تشكر يا سامر، بس انت عارفنا بنحب ناخدها كعابي .
شجعته ابتسامتها الا يستلم متابعًا؛
– يا ستي عارف، بس انا نفسي في مرة تعملوها وتجبروا بخاطري.
هذه المرة جاء الرد من عائشة التي لم تقوى على الصمت اكثر من ذلك:
– يا عم اجبر بخاطرنا احنا وعدينا، المدرسة هتفوتني.
اكتنفه الحرج ليعبر بعتاب ومزاح:
– يا نهار أبيض على لسانك يا عائشة ميفضلش في بوقك نهائي، اتفضلي يا ستي وحصلي مدرستك.
أومأت بهجة تكتم ضحكتها، وصارت عائشة معها تهديه ابتسامة صفراء، لتواصل بعد ذلك المرور مع شقيقتها نحو وجهتهم.
❈-❈-❈
وفي مكان اخر
حيث الهدوء الذي يعم الأنحاء، في ذاك المسكن الخاص به ، رجل الاعمال رياض الحكيم، وقد استيقظ في ميعاده الصباحي الساعة الثامنة، دون الاحتياج لمنبه او مساعدة من بشر، وكأن الساعة برأسه، يسير بنظام لا يحيد عنه ابدا .
يستيقظ على ميعاده في الثامنة ، يأخذ حمامه الصباحي ، يتناول وجبة الافطار سريعًا، ثم يرتشف القهوة بداخل غرفة مكتبه، حيث يراجع بعجالة على بعض الملفات قبل الذهاب الي العمل، ورغم امتلاكه لصالة للالعاب الا انه لا يدخلها الا مساءًا بعد ان ينتهي من جميع اعماله، ويطمئن على سير العمل بكل دقة.
عملي لدرجة الجمود احيانا والصلف احيانا، لديه اصرار دائم على النجاح بكافة الصور، ولذلك لم يكن غريبًا ان يتشارك العمل مع رجل مقارب لشخصيته وقد عرفه عليه ابن خالته، عدي عزام قبل ان يستقر بتركيا مع زوجته، يراعي مصالح العائلة وينوب عن شقيقه مصطفي صاحب اكبر راس مال في المنطقة.
في هذا الوقت كان يجري مكالمته التليفونية بغرفة المكتب:
– ايوة يا كارم…….. لا انا معاك يا باشا، قريت دراسة الجدوى وشجعتني اوي عشان اغامر معاك…….. طبعا مغامرة، ومش اي حاجة كمان، بس انا واثق في قدراتك، ومعاك ياااا…… ثوانى
قطع فجأة ينهض عن مقعده بالانتباه الى شيء ما، وقد ارتكزت ابصاره لما خلف زجاج مكتبه، وبالقرب من حوض السباحة، لينهي المكالمة على عجالة:
– كارم هكلمك بعدين.
اغلق على الفور وركض ليلحق قبل ان تأتيه كارثة، خرج اليها، ليرى سبب تعاسته ومشكلته الابدية، تجلس على حافة الحوض الرخامية، تطوح قدميها في المياه باستمتاع، ليكز على اسنانه بغيظ مكتوم، ثم صاح بصوته الجهوري، جعلها تنتفض له:
– يا نبوية ، انتي يا للي اسمك نبوية.
اتت المرأة مهرولة على صيحته، مرددة بإذغان وخوف:
– نعم يا باشا نعم، تؤمر بأيه.
اومأ لها بعيناه لتفهم على الفور فتذهب سريعًا نحو المرأة:
– يا نهار اسود، انتي ايه اللي جابك هنا؟ ولحقتي امتى تخرجي من الاوضة؟ قومي معايا يا ست هانم قومي.
حاولت المرأة الستينية الاعتراض ولكن نبوية بخبرتها استطاعت مهادنتها، لتنهض معها مستجيبة لسحبها وفور ان اقتربت من رياض بررت بأسف:
– سامحني يا بيه، بس انا والله يدوب رديت ع بنتي في مكالمة التليفون، مش فاهمة ساهتني وخرجت امتى؟ .
مد بطول ذراعه امامها كي تذهب بعدم تقبل لعذرها، لتنصاع نبوية لأمره بأسف وتتحرك لتذهب فخرج صوت المرأة الأخرى بعدم اتزان:
– انت شبهه، شبهه.
امتقعت ملامحه بشدة، واحمرت عيناه بخطر جعل نبوية تسرع هاربة بها من العقاب ، ليزفر هو انفاس بحريق ما يشتعل بداخله، وقد فهم على قولها، انها تكرر نفس القول، حتى وعقلها قد ذهب منها، تذكره دائمًا بأبشغ صفة يكرهها، وهو الشبه الكبير بينه وبين والده، الذي كان السبب هو الرئيسي في جنونها، جنون والدته التي احبت رجلا بكل كيانها لدرجة الهوس رغم كل افعاله الخسيسة معها، ثم كانت صدمتها به اكبر من ان يتحملها عقلها .
بعد قليل .
كان قد انتهي من عمله السريع بغرفة المكتب، ليرتدي سترته في طريقه للخروج، فركضت خلفه نبوية توقفه بندائها:
– رياض باشا، يا رياض باشا، دقيقة من وقتك معلش.
توقف يطالعها بأسفل عينيه بجمود لم يؤثر بها، فهي تعلم تمام العلم انه سيأخذ وقته ثم يصفى لها كالعادة، لذلك تجرأت تفاتحه بطلبها على الفور
– سامحني يا باشا، بس انا كلمتك كذا مرة وانت شكلك بتنسى،
تنهد بسأم يقلب عيناه بتفكير مرهق وقد فهم مقصدها، وهذا من اصعب الاشياء على قلبه،
استرسلت نبوية امام صمت الاخر باعتقادها انه قد نسي بالفعل:
– يا سعادة الباشا انا كنت طلبت منك حد يساعدني الفترة الجاية عشان بنتي اللي رجعت من سفرها، انا بروح البيت مهدودة مبلحقش اقعد معاها ولا اتهنى بأحفادي منها.
اومأ بأنفاس خشنة:
– حاضر، حاضر يا دادة، هحاول اتصرفلك في واحدة، بس انتي عارفة اني دي من اصعب المشاكل بالنسبالي، مش كل الناس امينة زيك.
– تشكر يا باشا دا من زوقك.
رددت بها بامتنان لاطراءه، ليرتدي هو نظارته الشمسية، ويتحرك للذهاب فورًا نحو اعماله.
❈-❈-❈
والى هذا العاشق الساخط، وقد كان واقفًا يستند على سيارته، يطالع ساعة يده كل لحظات قليلة، فيزفر بضيق لهذا التأخير الملازم لها ، في كل مرة يذهب بها الى مقر عملهم،
ليغمغم داخله بالتوعد لها، حتى تكف عن هذه العادة التي تفقده اعصابه، فهو المعتاد دائمًا على الانجاز والسرعة، يأتي عليه الوقت الاَن ليقف في الشمس منتظرا بالنصف ساعة لهذه ال……..
توقف سيل تفكيره، فور ان ابصرها، تطل من مدخل البناية بابتسامة قادرة على ان ترديه قتيلا، تقترب منه بملابسها الفضفاضة، ترتدي الحجاب الكبير ، ومع ذلك تبقى فتنة متحركة، كيف يستطيع التماسك امام سحرها؟ او منع نفسه ان يسحقها الاَن بضمها بين ذراعيه؟ لقد طال انتظاره ولم تعد به طاقة للتحمل.
عند هذا الخاطر، اشتدت ملامحه، ليرسم الجمود امامها، حتى اذا تلقى تحيتها:
– صباح الفل .
– صباح النور مكنتي استنيتي ساعة ولا ساعتين تاني.
تهكم بها ، ليفتخ لها باب السيارة ، ثم يلتف هو للجهة الاخرى، فيتخذ مقعده خلف عجلة القيادة
وتجلس هي بجواره تشاكسه كعادتها:
– كان نفسي يا مستر شادي، بس انا الصراحه خوفت على خطيبي من حرجة الشمس.
مال برأسه ساخرا نحوها، ويداه تدير المحرك
– لا يا شيخة هامك اوي خطيبك، صدقت انا !
– ويعني متصدجش ليه بس؟ هكون بهزر ولا بتمسخر مثلًا
قالتها بدلال كاد ان يفقده صوابه، ليقبض على عجلة القيادة بقوة، يغمض عيناه ويفتحها سريعًا يلتف نحوها بتحذير:
– لمي نفسك يا صبا وبطلي دلعك ده، انا على اخري، فاهماها دي؟ على اخري…. يعني تنشفي نفسك كدة وتسترجلي قدامي، يا حل وعدي من اتفاق ابوكي واصورلكو قتيل…
توقف برهة ليستطرد بانفعال:
– كان زمانك حامل بابني دلوقتي، لكن اعمل ايه في ابوكي بقى؟ الله يجازيه
ضحكت بصوت مكتوم، تزيد من مناكفته:
– حرام عليك يا شادي تدعي عليه، وافتكر انه مجبركاش على حاجة، هو بس عرض عليك الأمر وانت تبعته بشهامتك.
– متفكرنيش.
هتف بها، ليتابع بتحسر:
– دا انا كل ما افتكر دمي يغلي، طب جدتك ام امك
ماتت والفرح باقي عليه اسبوعين، ابوكي يطلب التأجيل وانا اوافق عشان الشهامة والرجولة، لكن الحداد بقى يستمر لست أشهر، ليه يا عم؟ ابوكي خمني يا صبا وانا لا يمكن انسهاله دي؟
لم تقوى على كبت ضحكاتها اكثر من ذلك، كما تفعل في كل مرة ذكر لها ذلك الامر، والنتيجة كالعادة ازدياد انفعاله، ، ولكنها تعلمت اخماد غضبه بكلماتها المعسولة:
– انت جولتها بنفسك يا شادي، عشان هو عارف بشهامتك ورجولتك، ودي عوايدنا اللي طلعنا عليها، مفيش فرح يتم طول ما في حزن في العيلة، لازم الكل يفرح مع بعض، كيف ما بنشيل الحزن مع بعض.
ارتخت معالمه، رغم الضيق الذي يدعيه، ليرمقها بنظرة طمأنتها ، قبل ان يعقب بتحدي:
– ع العموم هانت، هو شهر واحد بس اللي فاضل، يفوت زي اللي فاتوا وعلى اخر يوم فيه ان شاء الله نكتب الكتاب،واليوم اللي بعده الفرح على طول، مش هستني دقيقة تاني مهما حصل يا صبا .
– يا سيدي ربنا يمنع الموانع
– ياااارب.
خرجت منه بحرقة اثرت بها، لتغير دفة الحديث بالدخول في موضوع اخر:
– انا كلمت ابويا بخصوص اسبوع ابن رحمة بكرة
– امممم
زام بفمه بترقب لردها، والذي أتى مثلجًا له:
– طبعا وافق، وجالي روحي يا بتي، دا خطيبك دا زينة الرجال.
هذه المرة البسمة لاخت على محياه ليعلق بحيرة:
– ابوكي دا بمية حال يا صبا، يعقدها من ناحية ويوسعها من ناحية تانية، كأنه قاصد يشلني.
وكأن ردها الضحك بدون توقف.
❈-❈-❈
عودة الى بهجة والتي فور ان حطت قدميها بذاك المصنع محل عملها، توجهت على الفور الى رئيستها، مدام صباح، تلك المرأة التي تكن لها كل الاحترام والتقدير، رغم عصبيتها المرافقة لها على الدوام ، ولكن قلبها الطيب هو الغالب، وهذا ما شجعها في طلبها .
– يا ست الريسة، بقولك محتاجة السلفة ضروري، ياريت توصليها النهاردة او دلوقتي لمديرة القسم هنا.
بأعين ضاقت بريبة:
– ومدخليها انتي يا بهجة، ليه مصرة تحشريني حتى في دي.
اجابتها سريعًا وبعفويتها المعتادة:
– بصراحة خايفة منها لترفضني، ما انتي عارفاها ست رافعة مناخيرها في السما ومحدش بيعرف يتكلم معاها، وانا خلقي في مناخيري بصراحة، دي بتخليني اكرر في اسمي كذة مرة عشان تعرفني،
ضاقت عيني صباح نردد باستنكار:
– وعشان كدة بقى بتصدريني انا اتحمل عنجهيتها وكبرها، يا حلاوة عليكي وكمان بتقولهالي في وشي.
تبسمت بهجة بحرج، لتردف بتملق اصبحت تجيده معها هذه الايام:
– ما انتي أكيد بتعملك حساب يا ست الكل،،هو انا في مقامك برضو، عشان خاطري يا ست الريسة، اختي بقالها شهر دخلت الجامعة ولحد دلوقتي لا عارفة تخش كويس من غير كارنيه الطلاب، ولا عارفة تجيب الكتب ومرتب المصنع هنا على ايدك، بيضع كله على مصاريف البيت
اخرجت صباح تنهيدة متعبة تتناول منها الطلب، بوجه تدعي به الجمود، لكن من داخلها، قلبها يقطر ألمًا على حال هذه المسكينة التي تتحمل ما يفوق طاقتها، من اجل رفعة مستقبل اخوتها، على حساب شبابها وجمالها، وسنوات العمر التي تمر مرور المياه بين اصابع اليد.
– خلاص يا بهجة، هشوف موضوعك واللي فيه الخير يقدمه ربنا
– ونعم بالله .
❈-❈-❈
بنصف يوم العمل تشجعت صباح لتذهب إلى هذه المتعجرفة، والطلب في يدها، وكما توقعت تجاهل كالعادة ولكن هذه المرة يزيد عن الطبيعي، في مراجعة الملفات، والتحدث كل دقيقة عبر الهاتف:
– ايوة يا ميمي اخلص بس شغلي ونتقابل على ميعادنا….. لا بقى متسألنيش عن الوقت انتي عارفة بقى مواعيد رياض باشا….. ماشي هحاول متأخرش.
انهت المكالمة ثم القت نظرة سريعة نحو صباح قبل ان تعود لأوراقها:
– قولتلي بقى عايزة ايه يا صباح؟
زمت المرأة شفتيها بضيق لتعاود الكرة في سرد طلبها:
– يا لورا هانم، انا جيبالك طلب السلفة ده عشان تمضيه ، مش هتعب راسك بأي حاجة تاني.
زفرت الاخيرة تصفق بيدها على الاوراق ، لتتناول هذا الطلب وكي تتخلص من ثرثتها، ولكن وما ان وقعت عيناها على الاسم حتى ضيقت عيناها بتذكر تسألها:
– مش بهجة دي برضوا اللي مضيتلها نفس الطلب، من يجي شهرين؟
على الفور بررت لها صباح:
– ايوة سيادتك بس هي اتعذرت من تاني ودي مسكينة وبتسعى على اخواتها، دا انا لو رئيس المصنع اديها مساعدة من عندي.
ضحكة مكتومة صدرت من لورا لتردد بسخرية:
– واخدة راحتك اوي انتي يا صباح، بس يا حبيبتي دي مش تكية ، دا مصنع ماشي بالساعة وهي تبوس ايدها وش وضهر انها شغالة وبتاكل لقمة عيشها منه، اما عن السلفة، ف انا اسفة ابلغك ، ان طلبها مرفوض حسب قوانين العمل هنا .
واصلت صباح باستجداء :
– يا لورا هانم انا بقول استثناء، اعتبروها حالة انسانية، البنت هالكة نفسها والله وبرضوا مش مكفية مصاريف خواتها
قلبت لورا عيناها، لتزفر بسأم اشعر الاخرى باليأس وقبل ان تعطيها ردها النهائي، تسلل لأنفها رائحة العطر القوية التي تعلمها ، لتنتفض عن مقعدها وتعدل هندام ملابسها، ثم تنثر بخصلات الشعر الكثيف المموج على جانبي رأسها على عجالة، ليعطيها مظهرا جذابا يرضيها، أمام دهشة صباح التي لم تعد تشعر بوجودها من الأساس، حتى اذا دلف بهيبته زادت سرعة الدقات في صدرها، تستقبله بلهفة:
– صباح الفل يا رياض باشا.
– صباح الخير يا نورا.
قالها بجموده المعروف، ليدخل غرفة مكتبه ، فتتبعه هي بتناول الملفات المطلوبة ، وتتذكر صباح فتصرفها بقولها:
– روحي انتي دلوقتي يا صباح شوفي شغلك.
همت المذكورة ان تسألها عن ردها الاخير، ولكن الاخرى لم تعطيها فرصة، وقد سبقتها في الدخول الى مكتب رئيسها.
❈-❈-❈
وبداخل المكتب ، وقفت في انتظار انتهائه من المراجعة والتوقيع على الملفات المطلوبة منه، لتأخذ هي فرصتها بتأمله، وهذه الجاذبية الكامنة في جموده الذي يقارب البرود،
كم من مرة تمنت ان ينظر اليها ويلتفت الى هيئتها المتجددة على الدوام، انها لا تدخر جهدا في هذا الشأن حتى تلفت انتباهه، ترى الاعجاب من الجميع الا هو.
وحتى وبرغم صلة القرية التي تجمعهما، تظل معاملته بحدود حتى لا يزرع داخلها العشم، ولو بغير قصد، قلبه كجدران محصنة، لا يستطيع احد اختراقها .
– لورا
اتت صيحته القوية تخطفها من سيل افكارها، لتنتبه وتعتذر بأدب:
– اسفة حضرتك، انا معاك اهو.
اعتقدت بأنه انتهى مما يقوم به، ولكنها تفاجأت به متوقف، ويمرر على خده الايسر بتفكير وشرود ، لتتجرأ وتسأله:
– حضرتك لو في مشكلة انا تحت أمرك.
التف لها بعينيه البندقية التي لطالما افقدتها صوابها، يقول بعتب :
– انا فعلا عندي مشكلة، كنت كلمتك عنها قبل كدة وانتي شكلك مهتمتيش.
اشارت على نفسها بجزع:
– انا ساعدتك، معقول! انا يستحيل منفذش امرك في طلب كلمتني فيه.
مالت رأسه نحوها بشيء من سخرية:
– وجليسة الست الوالدة اللي كلمتك عنها
توقف فاهها مفتوح للحظات قصيرة تذكرت بها الطلب الذي كان منذ الشهر، لتتحمحم، مبررة بحرج:
– انا اسفة يا فندم اني خذلتك فيها دي، بس انا والله عملت جهدي في البحث في كل المكاتب المشهورة، عمالة ادور ع اللي تليق بدخول القصر عندك ، وتتحمل ااا اسفة يعني… الست الوالدة
عند هذه النقطة اشاح عيناه بضيق انتبهت عليه، فواصلت بدفاعها:
– عملت مقابلة مع يجي عشرين واحدة، وانا احاول اجمع فيهم الصفات المطلوبة، انها تكون نضيفة، ومتفهمة وامينة، وعندها قدرة على الصبر زي نبوية بس للأسف كنت دايما بفشل في البحث، او اللي اكلمها عن الحالة، هي نفسها ترفض.
قالت الأخيرة بصوت خفيض، زاد من ثقل ما يحمله بداخله، يعلم انها مشكلة تقارب المعضلة، ف العثور على واحدة مثل نبوية يعتبر دربًا من المستحيل في هذا الوقت، ولكن المرأة تتحمل فوق طاقتها وحتى وهو يغدق عليها بالأموال بغير حساب، ولكنها في الاخير بشر ولها قدرة على التحمل.
ليوميء بتهكم:
– خلاص يا لورا، افضي انا وادور بنفسى، او اخدلي اجازة من الشغل بالمرة، مدام مش لاقي اللي يسد ورايا
قصد بكلماته ان يحفز روح التحدي بداخلها، وهو ما أتى بنتائجه على الفور:
– لا طبعا حضرتك، انا من النهاردة، مش هنام ولا هريح دقيقة حتى غير لما الاقي طلبك.
تبسم بخبث وقد وصل لغرضه:
– وانا واثق فيكي يا لورا ، وطبعا مش هوصيكي انه يبقى في اسرع وقت
❈-❈-❈
بعد دقائق خرجت لورا تغلق باب المكتب من الخارج، تزفر انفاسها بتعب، بعدما كبلت نفسها بهذه المهمة الثقيلة، تعلم ما ينتظرها من مشقة في البحث، وجدولها من الأساس مزدحم هذه الأيام، استعداد لفرح صديقتها الاقرب ميمي
لتتوسع حدقتيها باستغراب، حينما وجدت صباح مازالت في انتظارها ولم تغادر، فسقطت على كرسبها بإرهاق سائلة لها:
– انتي لسة قاعدة مكانك وممشتيش يا صباح
جاء جواب الاخرى:
– ما انتي مردتيش عليا يا لورا هانم، وانا بصراحة عشمانة في مرؤتك، بهجة دي من احسن العمال عندنا ، بتشتغل ورديتين وتهلك نفسها عشان تكفي مصاريف اخواتها
اعتدلت لورا بتركيز وقد استرعت انتباهاها ، فتجاريها لمعرفة المزيد عنها:
– وانتي متشددالها اوي كدة ليه؟، لدرجادي البنت هماكي.
– طبعا يا لورا هانم، دي زينة البنات والله وحرام فيها البهدلة، طب اقولك بقى هي تقدر تتجوز من بكرة، عمال كتير زمايلها وموظفين هنا كلموني عنها، لكن هي ابدا، مصرة تكمل تعليم اخواتها وحارمة نفسها حتى من الهدمة الكويسة. صابرة ع المر وراضية ، بس ياريت الناس ترحمها.
– اممم
زامت بفمها تتراجع بجلستها، وتريح ظهرها بتفكير ، ظل لمدة من اللحظات حتى حسمت امرها قائلة:
– طب مدام انتي واثفة فيها اوي كدة، انا عندي عرض احسن من السلفة مية مرة .
تهللت اسارير صباح تسألها بلهفة:
– ايه هو يا لورا هانم؟ قولي ربنا يعمر بيتك يارب .
❈-❈-❈
– جليسة، اشتغل جليسة في بيت راجل غريب يا ابلة صباح، معقول!
تفوهت بهجة بالكلمات اثناء جلوسها مع المذكورة في وقت استراحة العمال، بجلستها معها على طاولة وحدهم ، تتناول الغذاء بعدد من الشطائر التي تعدهم في المنزل ، حتى لا تزيد عليها التكلفة بشرائهم من كافتيريا المصنع،
ردت الأخيرة والتي كانت متوقفة عن الطعام بقلق داخلها:
– ويعني هو هيشوفك فين؟ دا طول الوقت برا اساسا ، انا اعرف ان الفيلا بتاعته مفيهاش تقريبا غيرها هي الهانم دي، والباقي هما الخدم والحراس ، وتلت اربع ساعات في مبلغ زي ده، فرصة ما تتعوضتش، المشكلة بس…..
– بس ايه؟
زفرت صباح بضيق تجيبها:
– شوفي يا بهجة انا هقولك ع الوضع كله، واشرحلك حالة الست بالظبط، على حسب اللي سمعته، لأن لورا اكيد مبتقولش الحقيقة كاملة، عن الست اللي هتعاشريها لو حصل ووافقتي
❈-❈-❈
مساءًا ،وفي الثامنة بعد المغرب، هذا وقت عودتها من العمل في مصنع الملابس الجاهزة، والذي يعلم عنوانه جيدا ويعلم بوقت خروجها منه، فيأخذ جلسته في شرفة شقته ، ينتظر ان تهل عليه من مطلع الشارع المكشوف امامه.
سمع تأوه من الخلف وخطوات عرف صاحبتها، والتي ما ان اقتربت منه وجهت حديثها اللازع اليه:
– قاعد في البلكونة ليه يا سمير؟ ما تدخل جوا يا حبيبي تحت التكيف، دي حتي القعدة هنا متعبة وتوجع القلب
حرك رأسه بنصف التفافة، رافعًا حاجبه الايسر ليطالعها بطرف عيناه قائلًا بشر:
– خليكي في حالك يا اسراء ومتدخليش في اللي ملكيش فيه، انا اقعد في الحتة اللي تريحني.
بقلب يحترق تطلعت لما اشتدت رأسه وتركزت ابصاره عليه اول الشارع، بعودة المقصودة تتأبط ذراع شقيقها بمحبة تثير الحسد نحوهما من المحرومين مثلها، لتعبر عن حنقها بقهر
– وانا مين يريحني، تعبانة ليل نهار، شغل هنا وشغل تحت عندك اهلك، واختك البرنسيسة قاعدة غير للزواق والدلع، وطبعا مينفعش ارفع عيني فيها، لا الست والدتك تعلقلقي الفلكة وتتهمني اني بغير منها، وانت سواء هنا او هناك في الحالتين مش معايا.
لم يعيرها اهتماما وانتظر بهجة حتى اختفت بداخل البناية ثم رد بعدم اكتراث:
– والله انا كدة ومش هتغير يا بنت الناس، عاجبك ولا مش عاجبك انتي حرة.
انه حتى لا يجاملها بالكذب، يغرز سهام كلماته السامة بنصف صدرها، ولا يكترث لألمها، ياله من ظالم .
– هتفضلي كدة بقى، واقفة فوق دماغي زي صنفور المحطة، اتحركي ياما وهوينا، انا دماغي عايزة الهدوء ومش ناقص.
مطت شفتبها بابتسامة خالية من أي مرح:
– لا وعلى ايه يا سيدي، انا اصلا تعبانة وعايزة ارتاح، يعني مش مشتاقة اوي للقعدة معاك.
قالتها وتحركت ذاهبة ليطالع اثرها بضيق مغمغمًا:
– في داهية يا اختي،
مصمص بشفتيه متذكرا من تحتل احلام يقظته ومنامه:
– الله يسامحك ياما، انتي السبب.
❈-❈-❈
وفي الشقة اسفلهم
دلفت بهجة برفقة شقيقها الذي مازال متمسكُا بها ، مرحبا بأن تستند على كتفه الذي اصبح يشتد هذه الايام رغم نحافته،
– يا هلا يا هلا، الاستاذ ايهاب مع الكبيرة ذات نفسيها، يا دا الهنا يا ولاد.
ضحك شقيقها وجاء الرد من بهجة التي عبرت عن فرحتها:
– الدكتور ايهاب باشا، خلص دروسه وجاه عندي المصنع يروحني معاه، اسكتي يا بت يا جنات ، البنات هناك كانو هيتجننوا على حلاوته وعلى عيونه الخضرا، وانا اقولهم وسعي يا بت وهي، دا ابني حبيبي مش اخويا وبس .
– حبيبتي يا بيبو ، ربنا ما يحرمني منك.
تمتم ايهاب بالكلمات يقبل رأسها بحب، لتعلق جنات بغيرة:
– ايوة يا عم المشاعر الاخوبة الميالغ فيها دي، عايزين ناكل يا حنين، انا قاعدة مستنية بقالي ساعة.
جاء نداء اصغرهم من الداخل هي أيضًا:
– وانا النوم كابس عليا، يعني ممكن انام من غير عشا، ساعتها هيبقى ذنبي في رقبتكم
ولج ثلاثتهم اليها ليجدوها جالسة على المائدة تتناول دون انتظار، ليتمتم ايهاب وهو يسحب احد المقاعد يجلس بجوارها ويشاركها الطعام:
– كل ده وهتنامي من غير عشا يا مفترية، طب سبيلنا حاجة.
انضمت جنات لتشترك معهما، داعيه شقيفتها الكبرى:
– يا للا بسرعة يا بيبو انتي كمان، كيس البانية اللي جايبينوا بالعافيه، هيروح كله في بطون الأوغاد،.
تحركت قدمي بهجة متمتمة لها:
– بالهنا والشفا ليكم انتو التلاتة، انا هروح اغسل ايدي الاول
– خلاص يبقى انا هحتفظ بالطبق لحد ما تيجي.
قالتها جنات ، لتبعد الطبق الكبير بما يحتويه عن متناولهم بالفعل، فتصدر اصوات الاعتراض، مقابل استمتاعها هي بمشاكستهم:
– قولت لا يعني لا يا مفاجيع .
– ويعني انتي اللي عاقلة اوي، دا تلاقيكي واكله نصه اصلا ع البوتجاز.
– برضوا هتصبرو واتفلقوا انتوا الاتنين.
– انتي غلسة اوي يا ست جنات
– ههه عارفة
وقفت بهجة على مدخل غرفتها تتابعهم بشرود، اشقائها الصغار، لم تندم ابدا على تضحياتها من اجلهم ، لأنهم يستحقون مستقبل افضل من مستقبلها ، حظا افضل من حظها البائس
ولكن قلة الحيلة والعجز عن تحقيق الحد الأدنى لمتطلباتهم، يصيب قلبها بالحزن، ترى ما السبيل الاُن؟ اتوافق على العرض المقدم لها بمرافقة هذه المرأة التي ذهب عقلها بموت زوجها المحبوب واكتشافها لخيانته بعد فوات الاوان، كما اخبرتها رئيستها ام ترفض وتتمسك بأمانها ؟
هذه مشكلة كبيرة ولابد من التفكير بجدية الاَن من اجل اختيار القرار الصائب
الفصل الثاني من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثاني 2 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال االفصل الثاني 2 بقلم امل نصر
رواية حان الوصال
تمشطها بعيناها من اعلى رأسها حتى قدميها في الأسفل، بنظرات غير مفهومة وكأنها تحمل بغضًا ما ، حتى اثارت استفزاز بهجة لتبادلها باستفهام وحنق، فكادت ان تثور بها لولا تدخل صباح التي اكتنفها التوجس هي الأخرى:
– دي بهجة يا لورا يا هانم، زي ما قولتلك، ولا انتي مخدتيش بالك.
حدجتها المذكورة بغيظ، تعيد برأسها كلمات الأمس عن هذه الفتاة وما تعانيه، حتى جعلتها ترسم بعقلها صورة مخالفة على الإطلاق لما تراه امامها الاَن، هذه الفتاة ترتدي ملابس باهتة وغير مهندمة كما توقعت، ولكن البؤس لم يؤثر ابدا في جمال وجهها الطبيعي، والافت بقوة.
الاَن فقط شعرت بتسرعها واخبار رئيسها بإيجاد الفتاة المناسبة، ليتها تروت قليلًا قبل اخباره.
– انا افتكرتك يا بهجة، بس المشكلة بقى هي اني نسيت اسمك.
ردا عليها، مطت بهجة شفتيها بابتسامة صفراء:
– سبحان الله يا فندم، نفس الأمر عملتيه معايا المرة اللي فاتت وانتي بتمضيلي، كنتي كل دقيقة برضوا تسأليني عن اسمي .
– يمكن عشان مش لايق عليكي؟
قالتها لورا ببساطة، وبغير تقدير لما احدثته بداخل هذه المسكينة والتي اقرت على صحة قولها بصوت متألم:
– عندك حق يا فندم، بس اعمل ايه انا بقى في حظي، كل واحد بياخد نصيبه، وربنا يرحم والدي اللي سماني كدة .
تألمت صباح لوجعها ف التفت نحو الأخرى تخاطبها بحسم:
– لورا هانم، احنا متأخرين على وردية الشغل، ياريت تدخلي معانا مباشر على طول.
امتقعت ملامح الاخيرة، تهم بإخبارها بالرفض، ولكن منعها صوت الهاتف الذي دوي باللحن المميز الذي تضعه لرقمه، جعلها تأجل لحظات كي تجيبه اولا:
– الوو…. يا رياض باشا تحت امرك
وصلها صوته الغاضب:
– أوامر ايه دلوقتي يا لورا؟ ما تخلصينا وتبعتي البنت اللي قولت عليها، انا عايز اشوفها واديها التعليمات بنفسي، عشان اطمن كمان بالمرة واشوفها ان كانت تصلح ولا لأ
ابتلعت بتوتر تجيبه بثقل ، وقد فات اوان التراجع الاَن، بعد غبائها والمدح فيها امامه بالأمس قبل ان تراها وتتذكرها:
– حاضر سيادتك، انا هجيبها واجيلك حالا.
قالت الأخيرة موجها نظرتها نحو بهجة، وفور ان انهت معه، وجهت الحديث بحزم اليها:
– اسمعي اما اقولك، انا هاخدك ونروح الفيلا دلوقتي، حسك عينك ترفعي عينك في وش رياض باشا، تسمعي كلامه عينك تبقى في الأرض، وحاولي دايما تتجنبيه، والمكان اللي يقعد فيه تبعدي انتي خالص عنه.
نبوية هتفهمك وهاتدربك قبل ما تعتمد عليكي،
طول الساعات اللي هتقضيها هناك، قعدتك بس مع نجوان هانم، اياكي تسيبها ولا تخليه يشوف خيالك، يا اما هتبقي انتي الجانية على نفسك
لماذا التهديد والوعيد؟
غضب مفاجيء اعتلى ملامحها لتنقل بنظرة خاطفة نحو رئيستها التي اشارت لها بالتروي، قبل ان تعود إلى الأخرى تهم بالرفض ولكن الحاجة والعوز الجما لسانها، لتكبت بداخلها متمتمة بالاستغفار تدعو الله الصبر، ثم تتبع هذه المجنونة التي لململت متعلقاتها تخبرها على عجالة :
– ورايا على طول عشان اوصلك، عند الباشا اللي منتظرنا
❈-❈-❈
وفي منزله وقد ضاق ذراعًا بتأخر لورا والجليسة الجديدة هذه الدقائق القليلة، رغم استغلاله الوقت في مراجعة احد الملفات، ولكن هذا لا يمنع الضجر من البقاء في هذا المنزل الكئيب، والذي تقريبا يأتي ويخرج منه كرواد الفنادق ساعة النوم والراحة والطعام.
فوالدته العزيزة لا تقصر ابدا بأفعالها حينما تجده امامها.
زفر بحنق ليتناول الهاتف يتصل باحد الارقام عليه:
– الوو يا كارم، قولي ايه الاخبار؟
❈-❈-❈
بداخل السيارة التي كانت تقلها مع هذه المرأة التي التزمت الصمت، واضعة تركيزها في قيادة السيارة ، ومتابعة الطريق، النظاره على عيناها ، ترديد مع صوت المذياع والاغاني الأجنبية، متجاهلة بهجة، وكأنها ليست معها على الإطلاق،
لتشرد بهجة في التفكير بشأنها، وعقد المقارنة الهائلة بين ما ترتديه من عباءة سوداء باهتة وما ترتديه الأخرى من ماركات باهظة تعلمها جيدا ولكن لا تستطيع حتى الحلم بها، ما أصعبها من مقارنة، حذائها المهتريء مقابل حذاء يلمع كالذهب ، كل شيء بها يثير الحسرة بقلب واحدة مثلها
حرمت من كل تشتهيه الانثى في عمرها، منذ وفاة والدها، وبعد استيلاء عمها على نصيبه في الوكالة ، ليتبقى فقك معاش التأمين والذي لا يكفي حتى الطعام لاربع افراد منهم طفلة تحتاج التغذية حتى تنمو جيدا، عادت برأسها لتنظر من النافذة وتتذكر حديث مر منذ سنة حينما كانت في منزلها في يوم عطلتها الوحيدة
يوم الجمعة
فدوى صوت جرس المنزل، لتسبقها عائشة في فتح الباب ومعرفة الطارق:
– ابلة صفية.
– ازيك يا حلوة يا ام لسان طويل وحشاني.
هللت عائشة بصوت عالي وصل الى شقيقتها:
– ابلة صفية صاحبتك يا بيبة .
اندفعت بهجة بلهفة انستها ما ترتديه، لترحب بصديقتها من الحي المجاور سابقًا، قبل ان تنتقل الأخرى مع اسرتها لمنطقة اخرى ارقى واهم، وذلك بالطبع بعد ان من الله عليهم من فضله .
توقفت في نصف الصالة وقبل ان تصل إليها وتستقبلها، لتبتلع ريقها باضطراب، وقد اجفلت على هيئتها الراقية وتلك الملابس الرسمية لمحامية بعد تخرجها واستلام العمل، هذا الحلم الذي طار ادراج الهواء منها في نصف طريقها اليه .
ليخرج صوتها بحرج:
– اهلا يا صفية، نورتي بيتنا المتواضع.
تبسمت المذكورة بطيبة تعاتبها:
– هو دا سلامك يا خسيسة، كدة من ع الباب.
قالتها واقتربت بخطواتها لتحتضنها بشوق ومحبة اثرت ببهجة، لتغلبها دمعه خائنة هبطت من عيناها، فتلتقطها سريعًا بإبهامها، قبل ان تصل لأعلى كتف الأخرى فتفضح تماسكها الواهي.
وصفية تشدد من احتضانها متمتمة:
‘ وحشتيني اوي يا صاحبتي، انا عارفة اني قصرت في الفترة اللي فاتت، بس ربنا العالم والله، الشغل اصبح واكل كل وقتي تقريبًا
اجادت بهجة رسم ابتسامة زائفة وهي تفلت نفسها عن صديقتها، وتردف هي ايضًا:
– طبعا يستحيل اجيب اللوم عليكي عشان انا كمان مقصرة معاكي ، ما انا برضو الشغل واكل اليوم كله مني
– في مصنع الملابس برضو؟
لهجتها في نطق العبارة تظهر عدم رضاءها على الإطلاق، لتثبت ايضًا بنظرتها السريعة نحو العباءة السمرة التي ترتديها بهجة، بلونها الباهت من كثرة الغسيل..
ثم جلست حتى لا تزيد على المسكينة بدون قصد، متحاشية تكرار هفوتها مرة أخرى:
– طب اسمعيني يا بهجة كدة وركزي معايا، انا بصراحة جاية النهاردة عشان اخد منك شغل ما هو مش معقول يعني ابقى محامية وصاحبتي اقرب واحدة ليا مستنقعش منها
حديثها بتباسط خفف كثيرا عن بهجة وما اكتنفها من مشاعر قاسية في هذه اللحظات القليلة، لتندمج في الأخذ والرد معها:
– لا اله إلا الله، واحنا هننفعك بإيه بقى يا ست المحامية؟ احنا لا عندنا لا حد مشتكي على حد ولا بندور لواحدة مطلقة على نفقة العيال
شهقت صفية بتمثيل ودراما:
– لدرجادي مستهونة بإمكانياتي، يعني انا اخري نفقة مطلقة ولا شكوى على خناقة، انا بحضر في الماجستير يا استاذة، وكلها كام سنة واخد الدكتوراة يعني…..
قطعت فجأة وقد انتبهت على حماقتها، وارتباك بهجة التي صارت تحمحم وتهرب بعيناها عنها.
فهذا الحلم كان من البداية حلم بهجة ، هي التي سبقتها في الالتحاق بالجامعة، وشجعتها في دخول الحقوق، ودائما ما كانت ترسم امالها في ذلك، ولكن القدر كان له رأي اخرى بوفاة والدها ، واستيلاء عمها على نصيبه في الوكالة، عند هذا الخاطر ، اشتدت ملامح صفية لتردف بحزم:
– اسمعي يا بهجة، انا بصراحة جاية النهاردة مخصوص عشان ابلغك اني هرفع قضية على عمك، انا حالفة من قبل ما اتخرج، لشحططه هو والحيزبونة مراته في المحاكم، واجيب حقكم من حبابي عنيه، واطمني يا ستي الاستاذة نوال مرات خالي خالد هي متشجعة وهتساعدني، يعني لو عندك شك في امكانياتي.
سمعت منها لتبزغ ابتسامة على فمها سرعان ما تحولت لضحك متواصل حتى ادمعت عيناها، امام دهشة
صفية، حتى توقفت اخيرًا تعقب على قولها:
– يا عيني يا روح قلبي، نقبك طول شونة، والقضية اللي معشمة نفسك بيها، لو حصل وقدمتيها، هيتحكم فيها من اول جلسة لصالح عمي، ومش بعيد يدفعنا تعويض كمان، بس انا بصراحة معنديش عشان ادفعله، ممكن اقضيها حبس.
– بعد الشر عليكي، ليه بتقولي كدة؟
رددت بها صفية باستهجان، لتخبرها على الفور وتصدمها:
– عشان مفيش اي ورقة تثبت حقنا، ابويا قعد سنين مشارك عمي من غير ورقة واحدة ما بينهم، يعني هو دفع النص بالنص في راس المال، وعمي هو اللي سجل الدكان بإسمه عشان كان بيديرها طبعا، وابويا لانه موظف، كان مكتفي بالمبلغ الشهري اللي بياخده من عمي، ويصدق انه هو الربح اللي طالع من التجارة، وبس كدة،
– وبس كدة
– اه طبعا بس كدة، بابا كان طيب لدرجة السذاجة مع ناس خبيثة زي عمي ومراته الحيزبون، لا ومن بجاحته، يقولي اساعدكم كل شهر بمبلغ من عندي، يعني من فلوسنا عايز يجبي علينا.
زفرت صفية بتعب، وقد فهمت الاَن للمأساة التي تعيشها صديقتها، لتردف بحرقة اصابتها:
– حسبي الله ونعم الوكيل.
❈-❈-❈
وصلت بها الى داخل المنزل المهيب، والحراسة التي تحاوطه من جميع الجهات، لتدلف خلفها تقطع الممر الذي يفصل الحديقة الامامية بالوسط
لم تملك بهجة اي طاقة للفضول او الانبهار، مما تراه امامها ، فشعور الخوف الذي كان يكتسحها من الداخل وما هي مقبلة عليه في هذا المكان الغريب، مع امرأة تعلم جيدا بصعوبة الاختلاط معها، حتى وهي قد قرأت عن حالات مشابهة لها بالأمس عبر محركات البحث، لتعرف كيفية التعامل معها
– رياض باشا مستنينا جوا يا دادة .
كان هذا صوت لورا التي اقتحمت سائلة المرأة باندفاع للداخل قبل ان توقفها نبوية بقولها:
– رياض باشا مش موجود .
– نعم؟
خرجت منها باسفتهام وهي تلتف للمرأة والتي اكدت عليها:
– هو خرج قبل ما توصلوا بخمس دقايق بالظبط، بيقول ان عنده مقابلة مهمة في الشغل، وكلمني انا اقابل البنت واديله التقرير
قالت الأخيرة وقد تركزت لبصارها على بهجة التي تصلبت في وقفتها برهبة، لتشير بذقنها نحوها :
– هي دي؟
زفرت لورا بإحباط لعدم رؤيتها له، بعدما املت في تناول الافطار معه والبعد قليلًا عن جو العمل والرسمية الدائم، فخرج ردها بنزق:
– ايوة هي يا دادة، جربيها شوية وشوفيها تنفع ولا لأ، انا اساسًا موقفتش بحث عن واحدة مناسبة
بحرج متعاظم، جاهدت بهجة لاخفاءه، رفعت ذقنها بإباء توافقها الرأي:
– ايوة صح يا دادة، انا كمان لو مرتحتش…… متزعلوش مني هسيب الشغل هنا فورا.
ارتفعت زاوية شفتي لورا بحنق لقولها، اما نبوية فقد تبسمت باتساع لها، لتعقب بسماحة:
– يا بنتي نبقى احنا الاتنين بقى نجرب بعض اليومين دول، ونشوف الدنيا معانا هترسى على إيه؟، بس انا بصراحة ارتحتلك .
قالتها نبوية بيشاشة ادخلت بعض الارتياح بقلب بهجة ، لتبادلها الرد بابتسامة،
الأمر الذي لم يعجب لورا، لترفع النظاره فوق عينيها ، قائلة بتعجرف:
– طب كويس اوي، امشي انا واسيبكم تتفاهموا مع بعض، اليوم ده اعتبريه اجازة يا ست بهجة لكن من بكرة بقى حضري نفسك لوردية الصبح في المصنع، وبعد الضهر هتيجي على هنا، اما نشوف هتكملي ولا لأ؟
قالت الأخيرة وتحركت مغادرة دون اي كلمة اخرى ، حتى اذا ذهبت خارج المنزل ، صدر رد نبوية:
– كويس اوي انها مشيت عشان نقعد براحتنا، تعالي معايا بقى
تفاجأت بهجة بكف المرأة التي حطت على رسغها تسحبها دون انذار:
– واخداني ورايحة بيا على فين يا خالتي نبوية؟
ضحكت مرددة بتباسط لتفك تشنجها:
– يا ختي حلوة خالتي منك وطالعة زي العسل، احنا هنفطر الاول في المطبخ، وبعدها افهمك كل حاجة
تمسكت بهجة بالارض فجأة تعارضها:
– لا طبعا انا شبعانة، خلينا في الشغل يا خالتي نبوية الله يرضى عنك
ضحكت المذكورة لتعود بالقبض على يدها التي افلتتها منها ، تقول بحزم لا يخلو من لطف:
– ما هو دا تبع الشغل يا بت بطلي خيابة…. الست نجوان لساها نايمة، نلحق نفطر دلوقتي قبل ما ننشغل فيها ولا نقعد يومنا كله من غير اكل .
❈-❈-❈
بداخل المقر الرئيسي للشركة التي جمعت عدي وكارم سابقًا، اجتمع معه يقص عليه تفاصيل المشروع الجديد بإيجاز ، يفند المميزات المتوقعة منه في المستقبل، بالأرقام والتفاصيل الدقيقة والتي كان يطلع عليه رياض اثناء ذلك، ليخرج رده بإعجاب:
برافو يا كارم، عدي لما قال عنك شعلة نشاط مكدبش، لحقت في وقت قياسي تعمل دراسة الجدوى الهايلة دي، انت بتجيب الوقت منين لكل ده؟
ضحك المذكور بزهو، ليأتي رده متوافقًا مع طبيعة شخصيته:
– يا حبيبي الإنجاز دا الصفة الاهم لكل رجل اعمال قادر على الاستمرار، وانا يا قلبي لو معملتش كدة السوق هيبلعني وهنزل في اخر القائمة ، ودي ابشع من اي كابوس في حياتي، انا عيني دايما ع المقدمة
ابتسامة رائقة ارتسمت على ملامح رياض، ليعلق بذكاء شديد:
– يبقى كدة عينك على مصطفى، عشان دا البريمو علينا كلنا في عيلة عزام والمنطقة كلها كمان
اجابه بصراحة وملامح مفعمة بالحماس والتحدي:
– وابقى قدامه كمان ايه المانع؟ انا عارف انه عبقري وعنده علاقات هايلة بروساء الدول كمان، بس انا بحاول اهو بكل جهدي.
– كلنا بنحاول يا حبيبى، بس انت قولت بنفسك عنده علاقات هايلة وخبرة جبارة جعلته يسبقنا كلنا رغم فرق السن البسيط ما بينا وبينه، بس بصراحة هو جدع، ويستاهل المكانة اللي هو فيها،
خرجت من رياض بصدق اثار فضول الاخر لسؤاله:
– طب ولما هو جدع، وانتوا الاتنين رجال أعمال، مخدكش في سكته يكبرك ليه زي ما بيعمل مع اخوه ولا اصحابه جاسر الريان ولا اللي اسمه طارق دا كمان .
قال الاخيرة بضيق ذكر رياض بالعداوة القائمة مع المذكورين رغم عودة المياه بعض الشيء لمجاريها بين العائليتن ، وقد ذكر امامه سابقا السبب الاساسي وراء ذلك، ليرد بمكر:
– قلبك اسود اوي انت يا كارم وعمرك ما هتنسى، ع العموم يا سيدي عشان اجيبلك الفايدة، انا اللي رافض المشاركة والمساعدة من مصطفى دا بالذات رغم عدم وجود أي خلاف او حزازيات ما بينا، ورغم انه عرض عليا قبل ذلك كتير ، بس انا برضو مصمم على موقفي .
– ليه؟
– من غير ليه؟ انا مش عايز .
قالها بجدية جعلت كارم يطالعه بتمعن، مستغربا إجابته وهذا الجمود في نطقها، ليباغته بعد ذلك بسؤاله:
– رياض انت مفيش اي ست في حياتك؟
– وايه دخل الستات في موضوعنا؟
تمتم بها بابتسامة لاحت على محياه، مستغربًا تغير دفة الحديث فجأة لمنحنى مختلف جذريا عن العمل وجديته، وكان رد كارم ببساطة قبل ان يرتشف من عبوة المياه الغازية التي امامه غامزًا بشقاوة:
– مفيهاش دخل يا سيدي، بس هما اللي بيحلو الدنيا، وبصراحة الحياة من غيرهم ملهاش معنى.
سمع منه ليقهقه بضحكة نادرًا ما تصدر كنه منه معلقًا:
– اقسم بالله انت مش معقول يا كارم،
❈-❈-❈
عادت عائشة في ميعادها اليومي من مدرستها ، لتفاجأ بزوجة عمها التي كانت تتقدمها قي دخول البناية، محملة بعدد كبير من أكياس الخضروات والبقالة من لحوم واشياء اخرى، لتقف وتضعهم اول الدرج وتستند هي بذراعها على الجدار تلتقط أنفاسها بلهاث، لتتهكم هي من خلفها:
– ايه دا؟ هما البياعين السريحة اللي احتلو الحارة وصلوا لهنا وعلى سلمنا كمان؟
استدارت لها درية بغيظ سائلة بعدم فهم:
– بياعين مين يا بت
شهقت عائشة بتمثيل ساخر:
– معقووول طنط دررية، اسفة يا طنط، بس انا افتكرتك واحدة بياعة من اللي بيسرحوا بالخضار وجاية تشوف رزقها عندنا .
برقت عيني المرأة بعدم تصديق مرددة:
– انا بياعة يا منيلة؟ ايه يا ختي حصل حاجة في نظرك ولا ايه؟
– لا والله يا طنط انا نظري ما شاء الله ستة على ستة، بس الكياس الكتييرة اوي دي اللي سادة عتبة السلم ، تخلي اي حد في مكاني يظن كدة .
قالتها عائشة مؤدية الكلمات بيداها المفتوحتين في الهواء، وعيناها التي وسعتها نحوهم بقصد، حتى جعلت درية تتمتم بخوف من الحسد
– خمسة وخميسة الله اكبر في عينك، مش تخلي بالك يا بت من كلامك،
شعرت عائشة بداخلها بالانتشاء لرؤية الزعر الذي ارتسم على ملامح درية، فواصلت تزيد عليها:
– وانا جيبت حاجة من عندي يا طنط، ما انتي اللي سادة المجال قدامي بالخضار بتاعك وكياس البقالة والفراخ…. وانا راجعة من مدرستي وعايزة اطلع بيتنا اريح، اعملها ازاي دلوقتي بقى؟ اطير فوقهم يعنى ، اطيرر.
كزت درية على أسنانها بغيظ شديد، لتدنو وترفع اشيائها، ثم تفسح لها الطريق قائلة:
– اتفضلي يا ست البرنسيسة، اديني شيلت الكياس كلها، اطلعي على بيتكم بقى وريحي على كيفك
تحركت على الفور تتبسم لها بوداعة، كأنها لم تكن على وشك ان تجلطها منذ لحظات.
– شكرا يا طنط.
– شكرا يا طنط
رددت بها درية من خلفها بدماء تغلي برأسها بسبب هذه الملعونة الصغيرة، ولكنها تمالكت سريعًا لتدعوها بابتسامة مزيفة، تريد كسب ودها كي تساعدها:
– طب وانتي طالعة كدة وهتسبقيني، ممكن يا عيوشة يا قمورة، تاخدي بس في ايدك كيس البقالة ده، تخففي عن مراتك عمك شوية.
التفت برأسها لها بعد صعود درجتين من السلم ، تطالعها بفاه مفتوح، قبل ان يخرج ردها الازع:
– بقى يا طنط عايزاني انا يا عيلة يا صغيرة، اشيل واحمل على دراعي الضعيف، الكيس اللي يوزن عشرة كيلو ده.
للمرة الثانية تثير زعرها، وتعبر عنه درية هذه المرة بندمها:
– يا نهاار اسود، يا رتني ما قولتلك، اطلعي يا بت اطلعي، مش عايزة حاجة منك، بسم الله الحافظ منك ومن لسانك.
اهدتها ابتسامة رائقة لتنصاع منفذة الأمر بطاعة في الصعود امامها:
– براحتك يا طنط
❈-❈-❈
بمفتاحها الخاص فتحت درية باب المنزل ، لتلج داخله، تضع الاشياء التي تحملها اعلى الطاولة التي توسطت الردهة، منادية باسم ابنتها، والأخرى زوجة ابنها الأكبر
.- بت يا سامية، بت يا اسراء ، واحدة فيكم تيجي هنا تشوف انا جيبت ايه للغدا
استمرت في النداء حتى خرجت لها اسراء من المطبخ تجفف يداها بالمنشفة الصغيرة:
– انا هنا يا خالتي، معلش كنت بغسل المواعين
– ماشي يا اختي، تعالي خدي كيس اللحمة ده اسلقيه ع النار وشوفي هتطبخيلنا ايه؟ عندك الخضار كله اهو، نقي فيه على كيفك
قالت الأخيرة وهي تفتح لها عدد من الأكياس الكثيرة، تريها العديد من الانواع التي أتت بها، فصدر اعتراض اسراء:
– بس الأكل مش عليا انا يا خالتي، انا رتبت البيت وغسلت المواعين، يبقى الأكل دلوقتي على سامية.
لم تكد تكملها حتى اجفلتها الأخيرة بخروجها المفاجيء
من غرفتها هاتفه:
– بس انا مش فاضية النهاردة ، حرام بقى تسدي عني؟
هتفت اسراء بدورها:
– مين اللي يسد عن مين، انا بشتغل والحمل ههدني، وانتي فاضية وموراكيش حاجة
– لا يا حبيبتي ورايا، ومش فاضية خالص على فكرة، انا صابغة شعري من شوية صغيرين، دا غير اني عاملة ايدي منكير، يعني مينفعش اخسر كل اللي عملته.
– لا يا حبيبتي، نقعد احنا من غير أكل
قالتها اسراء بصفة ساخرة لتقابل بالرد المفاجيء من درية:
– وانتي روحتي فين يا اسراء؟ ما هي قالتلك سدي عني.
بدهشة شديدة تطلعت لها فاغرة فاهها لحظات بعدم تصديق حتى خرج صوتها:
– انا اللي اسد عنها يا خالتي، دي بتقولك صبغة ومنكير هو دا عذر؟
– اه يا ختي عذر، انا خارجة بعد شوية ورايحة احضر اسبوع ابن اخويا الكبير، عايزاني اروح مبهدلة، ولا ريحة الطبيخ لازقة فيا، اما دي عجايب صحيح…..
التفت تستدير متابعة حديثها المستفز نحو والدتها:
– انا راجعة لاؤضتي ياما، اكمل اللي بعمله، عن اذنك.
ردت درية بكل تساهل غير عابئة بالقهر الذي تملك زوجة ابنها لعدم الانصاف الذي تشعر به منها، حتى تصنمت كالتمثال:
– خليها تتزوق وتشوف عدلها يا بنتي، مكنتيش انتي بقى بتعملي زيها قبل ما ربنا يكرمك بابني، ولا على رأيها هي ….. اما عجايب صحيح.
❈-❈-❈
قضت قرابة الساعتين في حديث مستمر ومثمر مع المرأة الودود الطيبة، تناولت معها الفطور الفاخر، فقد تفاجأت بالموقع المميز لنبوية، والذي يجعلها محط تقدير الجميع، نظرا لما تقوم به من عمل شاق مع صاحبة المنزل، في رعايتها ، فهي الوحيدة القادرة على السيطرة عليها بحكمتها في تلك الاوقات التي تثور بها ، وتتهور نحو الافعال المجنونة، كما تحمل لها معزة تختلف عن الجميع.
جينما استيقظت نجوان التزمت بهجة بالمكوث في المطبخ بخوف غريزي انتابها في هذا الوقت، فلم تخرج الا على نداء نبوية والتي ادخلتها الى المرأة تعرفها بها وكأنها اخبرتها عنها، عجبا!
– قربي يا بهجة، سلمي على نجوان هانم، خليها تتعرف بيكي.
هذا ما تفوهت به نبوية، اثناء دفعها لها نحو المرأة بخفة ، كي تحثها على التقدم نحوها، بعدما تصلبت محلها، بصدمة اللقاء الاول للمرأة الستنية ذات الملامح الجميلة رغم خطوط العمر التي حفرت على وجهها
كانت هادئة بشكل يثير الريية، تطالعها بتمعن جعل معدتها تتلوى داخلها من الخوف، يحيرها هذا الصمت الغريب، ولكنها يجب ان تغلب خوفها.
ابتعلت تجسر نفسها ترسم ابتسامة في مخاطبتها:
– ازيك يا نجوان هانم، انا بهجة.
طالعتها بهذه الابتسامة الغير مفهومة تتأرجح بكرسيها الهزاز دون اي رد فعل، لتزيد من بث التوتر داخل بهجة، فتدخلت نبوية بحنكتها:
– نجوان هانم هتحبك اوي يا بهجة، عشان انتي طيبة زيها، اصلها بتحب،الطيبين بس وبتعرف الوحشين من نظرة واحدة
ختمت بابتسامة توجهها للمرأة التي ارتخت ملامحها، لتشيح بوجهها نحو الخارج عبر الزجاج الابيض بسكون تام وكأنها ذهبت لعالم اخر، غير عالمهم .
بعد دقائق خرجت بهجة من الغرفة بمرافقة نبوية التي حدثتها بتهوين:
– شوفتي بقى يا ستي، اهي هادية وزي الفل، يعني مبتعضش ولا هتاكلك.
قالت الأخيرة بدعابة لم تستجب له بهجة حتى قالت بتخوف:
– ايوة بس انا اسمع عن اللي زي حالاتها ، ليهم نوبات هياج بتحصلهم احيانا، ما هي لو ساكنة كدة كانت
هتبقى فين المشكلة؟
خبئت ابتسامة نبوية لتوميء لها بإقرار:
– كلامك صح، بس اللي قولتي عليها دي مش بتحصل غير لما ترفض تاخد دواها او لما……
– لما ايه؟
لم نرغب نبوية في اكمال الحديث، فغيرت على الفور معها:
– خلاص انتي تروحي تاخدي يومك الراحة النهاردة، وبكرة ان شاء الله تيجي ع الساعة اربعة زي ما اتفقنا.
❈-❈-❈
وفي مكان اخر ليس بغريب عنا.
خرجت من غرفتها، متأنية بخطواتها بحرص شديد، تضع كفها اسفل بطنها بخوف اصبح ملازمًا لها، تجذبها الرائحة الجميلة نحو المطبخ كالمغنطيس، حتى وقفت على مدخله لتقع عينيها على الصنية الرئعة تخرج من فرن الموقد الغازي،
فسأل لعابها نحوها ، لتعبر عما يجول داخلها:
– الله يا طنط مجيدة، صنية البطاطس باللحمة شكلها يجنن .
شهقت المذكورة متفاجأة بحضورها حتى اهتزت منها الصنية الساخنة وكادت ان تقع منها ، لولا وجود الطاولة التي بالقرب منها، والتي وضعتها عليها سريعًا، لتتمتم بجزع:
– يا لهوي عليا، ايه اللي خرجك من اؤضتك يا شهد؟ انتي يا بنتي مش خايفة على نفسك
قالتها وتحركت سريعًا تجلسها، لتبرر الاخيرة:
– ريحة الصنية يا طنط مجيدة هي اللي خرجتني، بصراحة ريقي جري عليها دلوقتي كمان بعد ما شوفتها، وهموت لو ما دوقتش منها حالا،
– يا حبيبتي بعد الشر عليكي من الموت، انا حالا هعبيلك طبق منها دلوقتي .
قالتها مجيدة ثم تحركت على عجالة لتغرف لها كمية كبيرة به ، ثم توجهت لها برجاء:
– اديني حضرت الطبق اهو يا ست شهد ، ممكن بقى يا قلبي تدخلي على اؤضتك زي الحلوة كدة وتاكليه على سريرك.
بتململ وتعب رددت لها باستعطاف:
– يا طنط ما انا تعبت وزهقت من كتر النوم ع السرير، نفسي بقى اتحرك واروح واجي زي زمان، اتخنقت من الحبسة انا مش متعودة على كدة.
قدمت لها مجيدة طبق الطعام، واقتربت تطبع قبلة على اعلى رأسها تهادنها بحنان:
– مقدرة يا بنتي والله اللي انتي فيه، بس نعمل ايه في أوامر الدكتور ، اللي مشدد على نومتك في السرير، انتي حملك صعب والوقعة زودت الدنيا معاكي اكتر.
سقطت منها دمعة، ازالتها سريعا شهد قائلة:
– حمد لله اللي جات على كدة، ربنا كريم ومسقطتش البيبي مع الوقعة اللي اتكسرت فيها رجلي، بس الصبر مع فترة الحمل صعب اوي، انا كل دقيقة بيصبني الرعب مع اي حركة بسيطة تحصل مني، حتى لو قاعدة نايمة ع السرير، واللي مزود اكتر كمان هو تحمكات حسن، مش مكفيه اني رامية الشغل على امنية، لا دا كمان بيعتبر مراجعتها معايا ع التليفون، للحسابات واخد رأيي في المشاكل اللي بتقابلها، مجهود
ناقص يمنع يعني دخول الحمام، ولا يعملي واحد جمب السرير، تصدقي انه عرض عليا الفكرة في مرة؟
– اهبل ويعملها ما انا عارفاه.
خرجت من مجيدة سريعًا، لتعود اليها ناصحة:
– بس انتي كمان يا حبيبتي لازم تقدري خوفه وتفوتيله،
زمت شهد فمها ببؤس، لتردف مجيدة:
– المهم خلينا في الأكل دلوقتي، حطي ايدك في الطبق ده وانسفيه حالا ، خلي الواد يتغذى، كُلي كُلي
سمعت منها لتلتهم الطعام بشهية وتلذذ، لكن هي ملعقتين، وتفاجأتا الاثنتان بشهقة رجالية تتبعها صيحة :
– يا نهار اسود، انتي سايبة سريرك، وقاعدة هنا يا شهد، وانتي يا ماما سايبها، دا على كدة بقى انتوا بتقرطسوني، ومش بعيد اجي في يوم الاقيها خرجت تتمشى في الشارع كمان.
توقف الطعام بفم زوجته، فجاء الرد من مجيدة:
– ينيلك يا زفت الطين خضيتنا، مش تتنحنح يا واد ولا تعمل اي حركة تعرفنا بحضورك.
خرج صوت شهد بدفاعية:
– هما يدوب خطوتين بس يا حسن من اوضة النوم للمطبخ، مروحتش اي حتة تانية، كنت جعانة، وريحة الاكل تجنن مقدرتش اصبر.
– اه والله يا بني ، حتى شوف .
سمع منهم، وبدون اي نقاش دنى منها يرفعها بين ذراعيه يحملها بحزم مرددًا:
– برضوا تفضلي مكانك وتتصلي بماما ، لو مش قادرة تندهي بصوتك، هاتي الاكل ورانا يا ماما .
تبعته مجيدة وهو يخرج بها من المطبخ نحو غرفتهم، ثم ضجر زوجته:
– يا حسن بقى، كنت مخنوقة والله.
– كنت اتصلتي بيا، وانا جيت من شغلي وعملتك قرد حتى، المهم صحتك وصحة الجنين..
قالها بصوت تغيرت نبرته من العصبية الى الحنو فجأة، لتتبسم من خلفهم مجيدة بغبطة تغمرها، لحال الاثنان وتوافقهم، عكس زوج المجانين الاخران ، ابنها امين وزجته لينا ، وشجارهم على اتفه الأسباب، ثم الصلح ايضا على نفس السبب، بصورة تظهر صغر عقلهما هما الاثنان .
❈-❈-❈
حلاقاتك برجالاتك حلقة دهب فى وداناتك
ويارب ياربنا
تكبر وتبقي قدنا
وتجي تعيش وسطنا وسط الحبايب
تكبر وتروح المدرسة وتصاحب شلة كويسة
وتشوف عيون امك وابوك فرحانة بيك
حلاقاتك برجالاتك حلقة دهب فى وداناتك
انا عايزك تطلع واد مجدع
وفي عز الشدة تكون اجدع من اي حد
صوتك بيسمع ويلعلع
هذه الأغنية الشهيرة التي كانت تدوي عبر السماعات في الاحتفال الصغير الذي تقيمه رحمة مع زوجها، ابتهاجًا بقدوم الصغيرة ومرور اسبوع على موعد ولادتها
صبا والتي اطبقت على الطفلة الوليدة داخل احضانها تضمها اليها بحرص؛ حتى لا تؤديها بمشاعر الحب التي تحملها.
– بنتك حلوة جوي يا رحمة ،
ردت الأخيرة بمحبة متبادلة:
– يا حبيبتي دا انتي اللي عيونك حلوة، شدي حيلك بقى واتلحلحي عايزين نشيل ولادك مع شادي .
قالتها لتجد الرد يأتيها من شقيقها بلوعة هو الاخر:
– اه يا رحمة قوليلها ، دا اخوكي قرب يكلم نفسه
ضحكت شقيقته بمراقبتها لرد فعل صبا، والمشاكسة بعيناها نحو شقيقها المتيم بعشقها، والذي عاد كمراهق في العشرين من عمره بافعاله معها .
تدخل زوجها يدلي بدلوه بينهم:
– يا عم مستعجل على ايه بس؟ بكرة تخلف وتملى البيت العيال وتتحسر على ايام العزوبية اسألني انا .
– شوفي الراجل.
علقت بها رحمة تدعي الاستهجان نحوه، لتثير ضحكات الجميع معها ، حتى أتت سامية مقتربة بنعومة مبالغ فيها، والتي تفاجأت بضحكهم تاركة والدتها في الحديث مع مجموعة من النساء.:
– ما ضحكونا معاكم يا جماعة، ولا احنا ملناش تفس نضحك يعني؟….. انا بصراحة جيت على صوت شادي، بقالي سنين مسمعنهاش الضحكة الحلوة دي .
برقت عيني صبا كلبوة شرسة، نحوه حتى لا يتجاوب معها، تعطي الطفلة الوليدة لوالدتها وكأنها على استعداد تام للقتال .
مما اصابه بالتوتر، ليرد بتحفظ :
– متشكرين يا سامية، عقبال سبوعك انتي كمان لما نيجي نباركلك
وقبل ان تزيد بسماجتها تدخل شقيقها، يصرفها بذكاء:
– معلش يا سامية، اديها نظرة على ولاد اخوكي في المطبخ، قلبي حاسس انهم اكلوا كل الحلويات اللي في التلاجة.
استجابت بفم ملتوي
– اه ماشي هروح اشوف
ذهبت تتبختر في خطواتها بميوعة مقصودة، زادت من استفزاز هذه الشرسة لتعلق بغضب:
– معلش يا جماعة، بس انا البت دي حارقة دمي بشكل غبي، خلوها تتجي شري الله يخليكم.
عاودو الضحك مرة اخرى، لتضيف على قولها رحمة:
– يا بنتي دي قدر بالنسبالنا، ولا امها الست درية؛
بتتعامل مع الناس كأنها صاحبة بيت وجدة المولودة بالفعل، اللي محد بيشوف وشها حتى طول السنة.
– ما هم ما يعرفوش انها مرات ابو جوزك، فوتي وكبري يا ست رحمة.
قالها شادي ليتذكر ويسألها:
– هو صحيح انتي مدعتيش بنات خالك خليل ليه ؟
ردت بأسف:
– كلمت بهجة والله وشددت عليها، بس انت عارفهم بقى نفسهم عزيزة ومبيستحملوش القعدة في مكان واحد مع ساميه وامها، اتحججت بشغلها ودروس اخواتها .
نكس زوجها رأسه بخذلان لقلة حيلته مع اولاد عمه، بسبب فعلة ابيه ، ورفضهم هم في المقابل تقبل المساعدة منه.
ليزفر شادي بتنهيدة مثقلة:
– بهجة دي الله يعينها، اللي هي فيه رجالة كبار ميقدروش عليه.
– هي مين بهجة دي؟ حضرت خطوبتنا عشان اعرفها:
خرج السؤال من صبا ، ليجيبها على الفور:
– هبقى احكيلك حكايتها بعدين ويمكن اعرفك عليها كمان
❈-❈-❈
في اليوم التالي
حضرت على الميعاد لتستلم اول يوم عمل لها، في غياب نبوية التي استأذنت منها ، تأخذها فرصة للراحة هذه الساعات القليلة من مسؤولية الرعاية لهذه المرأة المتعبة
تاركة الأمر لبهجة التي حاولت الحديث معها عدة مرات ولكنها لم تستجب للانتباه لها ، حتى طرأت بعقلها فكرة القراءة في احد الكتب لها.
اوهمتها في البداية بالتركيز معها حتى اندمجت بهجة في إحدى الفقرات، فتكتشف الخدعة بعد ذلك باختفائها من الغرفة.
لتنتفض من محلها وتبحث عنها بذعر في الزوايا وجميع الاركان ، حتى خرجت هاتفة بالنداء عليها، وقلبها سقط بين قدميها، تنتحب:
– نجوان هانم، انتي فبن يا نجوان هانم ؟ يا دي المصيبة السودة عليكي وعلى سنينك يا بهجة، يا نجوان هانم؟ انتي فين بس الله يرضى عنك؟
شعرت فجأة بوجود احدهم خلفها وما همت ان تستدير، حتى تفاجأت بصوت دوى بقوة على الارض الرخامية، لتفاجأ بالمزهرية الكبرى التي تزين الردهة على الارض مهمشة لمئات القطع ،
نزلت تلملم فيهم بفزع ودموع على وشك الهطول:
– يا دي البلوة اللي حطت على راسك يا بهجة، اهي تمت معاكي كمان بالزهرية الغالية، ودي هتدفع تمنها ازاي لو اتورطت فيها؟
– مين اللي كسر الزهرية ؟
دوي الصوت الجهوري من الخلف، يجمد الدماء في عروقها، لتتجمد محلها مستسلمة بيقين النهاية، وصوت يتردد داخلها،
– شكلي كدة روحت في داهية، لا انا اكيد روحت في داهية.
الفصل الثالث من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثالث 3 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال االفصل الثالث 3 بقلم امل نصر
رواية حان الوصال
هل أتى عليك الوقت وتيقن داخلك من قرب النهاية؟
هذا ما كانت تشعر به في هذا الوقت، مع سماعها لخطواته من الخلف تقترب منها برتم كئيب.
وقد تصلب ظهرها من الرعب، مستسلمة لقدرها، وبمعرفة جيدة لحظها البائس، تعلم ان العواقب السيئة سوف تؤدي بها لأبعد ما تتخيل ، خصوصا وهي لا تملك المال لسداد تمن هذه التحفة الضخمة والباهظة الثمن.
فتحت جفنيها فجأة مع تغير الصوت الذي كان تسمعه ، لشيء اشبه بالهسيس.
– بتعملي ايه عندك، انتي عايزة الشغالين يقولوا عليكي ايه بس؟
توسعت عينيها بإدراك لتنهص مستقيمة بطولها، وتلتف نحو الجهة التي أتى منها الصوت، لتجد المرأة المتسببة في كل ما سيحدث لها الاَن، وابنها يحاول سحبها من إحدى الزوايا التي التصقت بها كالاطفال التي تتخفى اثناء اللعب، تتشبث بالارض باعتراض ، وهو يكرر على اسماعها بتحذير وتصميم:
– كنت عارف من الاول ان انتي اللي كسرتيها ما هي العمايل دى محدش يعملها غيرك ، تعالي بقى بلاش فضايح وافتكري وضعك كهانم .
هل ما وصلها كان حقيقيا؟ ام هو درب من خيال صنعه عقلها المسكين للنجاة من هذه المصيبة المحققة، انه يوجه التهمة نحو والدته، بأنها هي من كسرت المزهرية، فيبدو ان رصيدها من هذه الافعال كاف ليشير عليها بآصبعه نحوها دون تحقيق او تدقيق:
– انتي هتفضلي في مكانك انتي كمان، ما تتحركي تساعديني، ولا انتي مش الجليسة بتاعتها؟.
كانت هذه الصرخة الموجهة نحوها، لتنتفض على اثرها، فتهرول نحوهما مرددة بجزع:
– لا والله انا الجليسة بتاعتها.
بسرعة البرق اقتربت لتقف مقابلة لها، وموازية له، بعدما عدلت طرحتها بعجالة حتى غطت نصف وجهها بدون قصد، لتأخذ دورها وتهاودها :
– تعالي يا هانم، نكمل قراية في الكتاب اللي كنا بنقرا فيه من شوية.
استجابت لسحبها لها، عكس ما كانت تفعل مع ابنها، لتثير دهشته في البداية ، والتي ما لبث ان تحولت لغضب ، ليهدر ببهجة فور ان شرعت واستدارت بها:
– المرة الجاية لو سهيتي عنها هيبقى حسابك عسير، أومأت بهزة من برأسها دون ان تمتلك الجرأة لتلتف اليه ، وعادت سريعًا للذهاب بها من أمامه، ثم الاختفاء داخل الجناح الملكي للمرأة المتعبة.
اما هو فقد ظل يلهث خلفهما دقائق بإجهاد ، ينقل ببصره نحو المزهرية الغالية المهشمة على الارض بعدم اكتراث، فقد تعود على الخسائر بأكثر من ذلك بسببها، لكن وبرغم انه لم يتمكن من ملامح الجليسة الجديدة لوالدته إلا ان البريق الاخضر والذي ومض في لحظة ما اثناء صراخه بها لتساعده، فقد لفت نظره ليعود ناظرا في اثرها ، برغبة تدفعه لرؤيتها جيدًا، إلا انه سرعان ما استفاق متذكرًا سبب رجوعه المنزل الاَن لتبديل ملابسه، وحضور موعده الهام مع احد العملاء.
لينفض رأسه من افكارها مغمغمًا باستهزاء اثناء سيره نحو غرفته:
– ما بقاش إلا الخدامين كمان.
❈-❈-❈
ولجت بها داخل جناحها، لتغلق الباب عليهما، ثم تجلسها على احد الاَرائك، وتسقط هي بثقلها على الارض تفترشها وتلهث لمدة من الوقت، لا تصدق انها نجت من هذا المأزق، لقد تم الامر بما يشبه المعجزة ،
هذه المرأة التي لا تحيد بنظرها عنها الاَن، كما كانت هي السبب في ورطتها، كانت هي ايضا سبب نجاتها، لكن لما تشعر بلمحة من مكر في عينيها وكأنها فهمت على ما قد تم، نظرتها اليها بها شيء من اتهام لم تتقبله بهجة، لتخرج منها الكلمات معبرة عما اكتنفها في هذه اللحظات القاسية.
– ايه بتبصيلي كدة ليه؟ لتكوني كمان هتحمليني اللوم في اللي حصل؟ اينعم ابنك جاب تهمة كسر الفاظة عليكي وانتي بريئة ، لكنه برضو كان بسببك، مش انتي اللي غفلتيني وخلتيني اخرج ادور عليكي زي المجنونة؟….. ليه عملتي كدة؟……
اختنقت الكلمات بحلقها، لتبتلع الغصة وتغلبها دموعها في الهطول، فتعتصر عينيها بألم، هذا اكبر من قدرتها على التحمل، هي لا تريد شيئًا سوى سترة اسرتها من العوز، لماذا يحدث كل هذا معها ولا تمر الامور كما تأمل؟ لماذا ؟ لماذا؟
يبدوا ان نجوان قد تأثرت ببكائها، لتغيم عينيها هي الأخرى بغشاء رقيق، وقد تجلى بوضوح تعاطفها معها، ليرتد ذلك على بهجة التي لامت نفسها على الفور، لتجاورها على الأريكه، فتخاطبها:
– اسفة ، اسفة اوي سامحيني، بس انا الضغوط جامدة اوي عليا والله، ومش حمل الاعيبك دي…….
توقفت تجفف بأطراف اصابعها على وجنتيها، قائلة بحسم:
– بصي… لو انتي مش عايزاني، انا مستعدة من النهاردة اسيب الشغل هنا والرزق على الله بس المهم…….
– انتي حلوة.
قاطعتها بها، لتذبهل امامها بهجة، لا تصدق انها فهمتها، لتزيد عليها بعد ذلك، حينما وجدتها تربت بيدها عليها تعيد ما قالتها، محركة رأسها بعدم اتزان:
– انتي حلوة، حلوة.
– انا حلوة، انا حلوة !…….
رددت بها من خلفها لتواصل بارتياب منها واقتناع تام :
– وانتي ملكيش امان.
❈-❈-❈
عادت من العمل اخيرا، بعدما سلمت مهمتها للدادة نبوية ، لتلتقط انفاسها بانتهاء اول يوم لها في المناوبة الكارثية، الاَن فقط علمت سر المعاملة الخاصة لنبوية، وتقديرهم للمجهود الخرافي الذي تقوم به مع تلك المرأة،
نزلت من وسيلة المواصلات الخاصة بالمنطقة، تحمل أكياس الخبز الساخن وبعض المعلبات والمتطلبات للإفطار وعمل الشطائر اللازمة لاشقائها ولها .
تحصي الدقائق وتعد الخطوات حتى تعود للمنزل وسريرها الحبيب كي ترتمي عليه وتغفو حتى الصباح، ولكن من اين تأتيها الراحة طالمة مجاورة لمنزل عمها وأبنائه.
اغمضت عينيها بضيق حينما وجدته ينتظرها على مدخل الحارة، هذا المتبجح، فاقد معاني الرجولة والاحساس، والصفة ابن عمها، وطليقها على الاوراق الرسمية للحكومة، تحمد الله انها لم تتم زواجها به،
انتبهت على تحفزه بالنظر نحوها ، لكنها تجاهلت كعادتها ، لتركز بأبصارها للأمام وكأنه غير موجود على الإطلاق، ولكن ذلك لم يمنعه عما في رأسه، لتجده فجأة متصدرًا بجسده امامها:
– متأخرة ليه النهاردة عن كل يوم؟
رفرفرت بأهدابها قليلًا كي تستوعب:
– افندم، انت بتكلمني انا؟
هتف منفعلا بها:
– اومال بكلم خيالي يعني؟ انا قلقت يا بهجة لما اتأخرتي، وكان هاين عليا اروح المصنع واسأل هناك عليكي……
قاطعته بحدة توقف استرساله:
– كنت عملتها، وانا كنت عملتلك فضيحة، وانكرت صلة الدم اللي ما بينا……
لانت لهجته ليلطف باستعطاف:
– انا عايز اطمن يا بهجة.
– ولا تتطمن ولا تتزفت، انت تشغل نفسك بحاجة غيري، يا اما وديني وما اعبد لاكون موقفاك عند حدك حتى لو حصلت ابلغ فيك بعدم التعرض،
صدرت منها بعنف ألجم الاخر مبهوتا للحظات حتى دوى الصوت الاجش من ناحية قريبة:
– ايه اللي حصل؟ مالك يا بهجة يا بنتي، حد مزعلك.؟
التفت بابتسامة ساخرة نحو عمها، رجل البر، تجيبه بأنف مرفوع:
– ولا حد يقدر يزعلني يا عمي ، متخلقش اصلا اللي يعملها .
قالتها وتحركت ذاهبة بخطوات متأنية ، ترهف السمع لتوبيخ عمها المتوقع لابنه الأحمق، والتي تعلم تمام العلم انه قاصدا ان يصل إليها:
– هترجع تاني لموالك القديم معاها، ما هي لو بتعزك صحيح، كانت وافقت بالجواز بيك عشان تضلل عليها ، واحنا نحطها في عنينا هي واخواتها، مش تتلكك وتطلع كلام في الهوا على ورث وكلام فارغ.
زاد بعلو الصوت ليصبح اكثر وضوحا:
– اه بس لو تفهم وتطلع اللي في دماغها، دول عيال اخويا الغالي ويعز عليا سوء التفاهم اللي حاصل ما بينا.
تبسمت بسخرية دون ان تلتف اليه، لتكمل طريقها مرددة داخلها:
– سوء تفاهم، يا عيني على سوء التفاهم.
❈-❈-❈
وفي منزله
واثناء تناوله الطعام كان الحديث الدائر سريعًا بينه وبين نبوية التي اطمأنت قليلًا بنوم المرأة الكبيرة:
– يعني انتي شايفة انها كويسة وتنفع تكمل؟
– كويسة وبنت حلال مصفي كمان، بدليل ان الهانم ارتحت لها عكس اللي فاتوا .
قالتها نبوية بحماس جعله ينظر لها بتشكك معارضًا:
– معملتش ازاي بس يا دادة؟ اذا كان من اول يوم هربت منها وكسرت الفازة، .
كانت بهجة قد اخبرتها عن حقيقة كسر الفازة، لذلك فضلت الصمت عن اللغو في هذا الأمر واكمال حديثها في الأهم:
– دا شيء طبيعي من نجوي هانم، اذا كنت انا ياللي معاشراها بقالي سنين وبتسهيني وتغفلني، يبقى هتعتقعها هي بقى؟ المهم انها مقلبتش عليها ولا اتصرفت معاها بعنف زي اللي قبلها.
بذكرها لهذا الأمر، توقف الطعام في فمه، ليزفر بضيق يعيد برأسه سجل والدته الحافل بالمصائب والكوارث مع المتدربات، فأتت صورتها اليوم مستجيبة لسحب تلك الفتاة بطاعة اذهلته،… ثم هذا البريق الاخضر.
خرج من شروده على تساؤل نبوية :
– ها يا باشا، قررت تقعدها تساعدني وتخفف عني؟
لم يريحها على الفور، بل توقف لحظات قبل ان يخبرها بشكوكه؛
– غريبة لهفتك دي يا دادة، مع ان لورا قالتلي انها لسة بتدور واحدة تليق بمجالسة الست الوالدة، ودا لأنها انصدمت بهيئة البنت.
زمت نبوية شفتيها بضيق، تمنع نفسها بصعوبة حتى لا تتجاوز في الحديث عن هذه المتعجرفة، ليخرج ردها الحاسم:
– لورا هانم تقول اللي هي عايزاه، وانا كمان بقول اللي شايفاه مناسب، وانت بقى ليك القرار يا سعادة الباشا.
قالتها وكان قراره :
– تمام يا دادة احنا نجربها يومين تاني ونشوف الدنيا ايه بعد كدة، المهم تابعي انتي معاها عشان انا معنديش وقت اقيم بنفسي .
– ❈-❈-❈
دخل الى منزلهم بشراره وناره، بعدما سمع من احد الجيران واستفسر من والده عما حدث، ليزيد بقلبه السخط نحو هذا الجلف المدعو شقيقه، وقد كان مضجعًا الاَن امام تلفاز منرلهم، يأكل من طبق المسليات ويشاهد احدى الماتشات المعاد بثها.
ليذهب هو نحو المتحكم ويغلق الشاشة امامه دون استئذان:
– ايه ده ايه ده؟ بتقفل الشاشة في وشي ليه يا سامر ؟
ردد بها على الفور معترضًا باندهاش لفعلته، وجاء رد الاخر بحرص مراعاة لشعور الزوجة المسكينة بالداخل، رغم غضبه:
– بقفل في وشك عشان تسمع البوقين اللي هقولهم يا سمير ، بنت عمك ملكش دعوة بيها ولا تتعرض لها في اي طريق تمشي فيه، خليك في حالك وابعد عنها احسنلك.
كان يطالعه بفاه مفتوح، حتى اذا توقف تهكم بالرد نحوه:
– وانت بقى كلفتك محامي عنها يا حليوة؟ طب اسمع مني بقى، انت اللي تخليك في حالك ومتتحشرش في اللي ملكش فيه، دي بنت عمي وفي فترة من الفترات كانت مكتوبة على اسمي، اينعم محصلش نصيب ، بس في الاخر برضو هي تخصني، وانت ملكش دعوة .
اهتزت رأس سامر بنصف ضحكة ساخرة ، ليميل عليه محتفظًا بثباته ونبرة الصوت الخفيضة:
– سمير يا حبيبي فوق، بهجة بنت عمك مبقتش تخصك، ولو حاطط في مخك انها ممكن تحنلك بعد دا كله، يبقى انت عايش في الوهم.
– ولو ما فوقتش هيحصل ايه؟ هتاخدها انت بدالي بقى ، امك مش هترضى يا حبيبي.
صاح بها بصوت عالي، ضاربًا بحرص اخيه عرض الحائط، ليكمل بتبجح:
– ايوة يا سمير اسمعها مني عشان تفوق انت كمان، بهجة زي ما اتحرمت عليا هتتحرم عليك وعلى اي حد يبصلها، هي طول عمرها مكتوبة على اسمي، يعني يا تبقى بتاعتي، يا متتجوزش خالص.
تلجم سامر عن الرد ، وقد اذهله المنطق المجنون لشقيقه، وعدم اكتراثه حتى بشعور زوجته التي أتت على الصوت ووقفت امامه متسمرة بصدمة، قبل ان تتماسك وتعبر عن غضبها:
– ولما هي تبقى بتاعتك ، امال انا ابقى بتاعة مين؟ والعيل اللي في بطني ده، حاسب انه ابنك برضو ولا مستني ترجعلها عشان تعترف ان انت خلفت؟
– بطلي هبل يا بت.
خرجت منه برد سريع، مستنكرًا اعتراضها من الأساس، وما همت ان تثور به حتى فاجئتها درية التي خرجت من المطبخ على الشجار، بصحبة ابنتها التي كانت تطرقع بالعلكة بفمها كعادتها، تهتف بزوجة ابنها:
– اطلعي انتي فوق دلوقتي يا اسراء .
– لكن يا خالتي….
– اسمعي كلامي دلوقتي يا بت واطلعي فوق.
اضطرت في الأخير ان تنصاع لأمرها، وتذهب الى شقتها ، تفرغ دموع القهر والضعف بعيدا عنهم .
شعر سامر بالاسف لحالتها، والندم لعدم التريث في مفاتحة شقيقه الأحمق في هذا الوقت اثناء وجودها هي .
اما درية والتي امتقعت ملامحها لفعل الاثنان، فقد كشرت عن انيابها، تظهر هذا الوجه الحازم، امام تمرد اي فرد من عائلتها، والخروج بعيدا عن طوعها، لتقترب من الأحمق الكبير تلكزه بقبضتها، كازة على اسنانها:
– خلاص اتهبلت ومخك راح منك، اصحى يا واد لا افوقك، مرة خناقة في الشارع ، والتانية دلوقتي وقدام مراتك ، وكله ع السنيورة اللي رمتك بطول دراعها يا بن الهبلة.
– قوليلو يا اما يمكن يفهم، هي اللي رفضته، يعني هي اللي مش عايزاه.
تفوه بها سامر ، ليأخذ جزاءه هو الاخر:
– انت تخرس خالص انت كمان، وليكونش فاكرني نايمة على وداني ، ومعارفاش باللي في دماغك.
تلقف سمير قولها ليصيح مهللا:
– ايوة بقى، يعني مش انا بس اللي واخد بالي اهو، خليه يبعد عنها يا اما.
قاطعته على الفور بحزمها، موجهة الحديث نحوهما الاثنان:
– اخررررس، مسمعش صوتك نهائي، الكلام ليكو انتو الاتنين، اياكم اسمع سيرة بنت خليل هنا في البيت ده تاني، فاهمين؟
صمت الاثنان في حضرة جبروتها، لتعلق سامية شقيقتهم، بمصمصة من شفتيها :
– جاتها نيلة اللي عايز خلف، اياك تكون ساحراكم!
❈-❈-❈
مرت عدة أيام على خير، رغم كل ما قابلته بهجة من مصاعب مع هذه المرأة ، وذلك بفضل مساعدة الدادة نبوية التي لم تبخل عليها بالنصايح وتوجيه المرأة المتمردة لطاعتها، ورغم سكونها الدائم واستجابتها لتناول العلاج، إلا ان بهجة لم تعطيها الامان ابدا، تتوقع منها اي شيء ، فالمرأة لديها من التطرف ما يجعلها محل خطر على الدوام.
ولكنها مضطرة للتحمل واكمال المشوار، فالراتب لقاء هذا العمل الشاق مجزيا ويستحق المغامرة من اجل تأمين سبل الحياة مع اخوتها،
تذكرت لقاء لورا وقت ما طلبتها من اجل الاتفاق، لقد كانت حانقة ومتعجرفة بشكل مستفز، حينما القت بعدد من الاوراق المالية على سطح المكتب.
– اتفضلي يا ست بهجة، دا مبلغ محترم، لقاء الكام يوم اللي قضتيهم مع الهانم، رياض باشا قرر خلاص تكملي معاها في مساعدة نبوية .
ضجرت بهجة بشدة، وهي تنظر للنقود التي افترشت سطح المكتب، حتى افقدتها فرحة الحصول عليهم ، دون اللجوء للسلفة التي كانت ستأكل جزء كبير من راتب المصنع.
– مالك مبلمة كدة ليه؟ مش فرحانة انك ثبتي في وظيفة زي دي، بالمبلغ اللي هتاخديه كل شهر، وادي العينة، ولا مش مصدقة.
قالت الأخيرة بابتسامة ساخرة، زادت من الغضب المكبوت لبهجة، والتي جاء ردها بعزة:
– ومصدقش ليه بقى؟ الرقم دا طبيعي كدة مقابل رعاية واحدة زي نجوان هانم، ودي مسؤلية كبيرة الواحد يشيل همها.
– امممم
زامت بفمها لتطلق سهامها في التهديد والوعيد:
– كويس والله انك مقدرة وفاهمة، المهم بس تكوني فاكرة كمان نصايحي، بخصوص رياض باشا،
زفرة طويلة خرجت منها بسأم تردد لها:
– حضرتك فاكرة كل كلامك، وانا فعلا من ساعة ما روحت بحاول اتجنبه، رغم اني مقابلتوش غير مرة واحدة، الباشا اصلا معندوش وقت تقريبا يجي البيت .
زمت لورا شفتيها بحنق لم تغفل عنه بهجة، ولكن لن تكترث بها ولا بفكرتها عنها، فالاهم الان هو المال؛
ذلك الذي حصلت عليه، وقد مكنها اليوم من ابتياع العديد من الأشياء الناقصة من المنزل، وبعض الحلوى التي كان يشتريها والدهم سابقًا واشياء اخرى ، لتدخل البهجة على قلوب اسرتها.
– الله يا ست بهجة، بسبوسه وكنافة بالقشطة، هو احنا النهاردة اول الشهر ولا ايه؟
هذا ما هتفت بها عائشة اثناء تفحصها لعدد الأكياس التي أتت بها شقيقتها، والتي ضحك لسعادتها، لتضيف على قولها جنة هي الأخرى:
– دي كمان جايبالنا بيجامات نقعد بيها في البيت، الله، انا من زمان كان نفسي واحدة قطن ومريحة زي دي، شكرا اوي ليكي يا بيبة .
عقبت بهجة بتأثر:
– كان نفسك فيها من زمان ومتكلمتيش يا جنات، طب قولي يا حبيبتي.
تبسمت الاخيرة بحرج فهمت عليه شقيقتها وتأثرت به، لتزيد عليها عائشة بخفة ظلها:
– النهاردة وانتي داخلة علينا بالكياس يا بيبة ، فكرني بدرية المستقوية، بس دوكها بشوفها كل يوم، تشيل وتكوم على قلبها، بخيلة في كل حاجة، مش فاهمة الناس بتجيب النفس لدا كله منين؟
ضحكت جنات وردت بهجة بابتسامة مكتومة:
– يا بنت عيب، ملناش دعوة بحد احنا يا شوشو، تشيل ولا متشيلش، اوعي تبصي لحد يا قلبي .
عبرت عائشة بسجيتها:
– والله ما ببص، انا بس بتغاظ منها، هي ست مثيرة للغيظ اساسًا، هي وبنتها اللي بتزود المكياج في وشها بالكيلو.
قالتها عائشة فصدحت ضحكات الاثنتان، ليضفن عليها بالمزاح، وهي لا يغلبها كالعادة، حتى دلف اليهم شقيقهم عائدًا من الخارج، ليهلل لمشاهدهم:
– يا بسم الله ما شاء الله، صوت ضحككم واصل للشارع برا، خير في ايه؟
– اتفرج يا غالي وانت تعرف في ايه؟
قالتها عائشة تلفت انتباهه للاشياء التي أتت بها شقيقتهم الكبرى، فكان رده بالفرح ايضًا:
– الله اكبر دي بينها فرجت ولا ايه؟
رددت خلفه بهجة بتأكيد، تخرج له مجموعة من الأوراق النقدية
– فرجت يا حبييي والحمد لله، خد بقى حق الدروس اللي عليك ، ومصاريفك لاسبوع قدام .
تناول منها سريعًا بامتنان:
– من ايد ما نعدمها، بس دول كتير عن كل مرة يا بيبو.
قربت رأسه منها لتقبله على وجنته قائلة بحب:
– ولا كتير وحاجة، انت بس شد حيلك عشان تجيب المجموع اللي يشرف، وتبقي دكتور يا دكتور .
علقت جنات بغيرة اخوية محببة:
– يا عيني يا باشا، خد انت الحب كله كدة وسيب لنا احنا الفتافيت.
– دا انتى في العين من جوا يا بت، خدي تعالي.
قالتها بهجة تخرج مجموعة اخرى تضعهم في جمب وحدهم:
– مصاريف الجامعة والكتب اهي، شبرقي نفسك بالباقي يا ستي، شالله ما حد عوش .
– الله عليكي يا ست الكل.
صاحت به جنات، لتأخذ مكانها هي الأخرى بجوارها وتضمها ، فيأتي رد عائشة:
– وانا بقى اللي وقعت من قعر القفة، ايه يا كبيرة ملناش نصيب كمان ولا ايه؟
فتحت لها ذراعيها:
– فشر يا دلوعة، دا انتي الحب كله يا شوشو.
– ابوة بقى .
تمتمت بها عائشة ، قبل ان تقفز من محلها وتنضم الى اشقائها، في غمرة تجمعهم هم الاربعة، تفيض بالحب والمودة والامتنان.
❈-❈-❈
في اليوم التالي
وبعد خروجها من نوبة العمل بالمصنع، استقلت وسيلة المواصلات نحو وجهتها في منزل رئيسها رياض الحكيم، والذي لم تشأ الصدفة لرؤيته، منذ لقاءهم الخاطف، اثناء الكارثة التي تسببت بها والدته .
رغم اعتياد معظم العاملين به عليها،
– مساء الخير .
– مساء الهنا
كانت هذه التحية والرد بها من قبل نبوية التي استقبلتها بحرارة قائلة:
– كويس اوي يا جميل انك جيتي في ميعادك، انا كنت ناوية اتصل بيكي.
– ليه؟
جاوبت نبوية ردا على سؤالها:
– خير يا قمر، انا بس احتمال اتأخر شوية النهاردة على ميعادي ، بنتي عازمة اخوات جوزها، وطبعا انا مينفعش اسيبها لوحدها في حاجة زي دي، من جهة عشان الأصول، ومن جهة عشان اساعدها كمان.
اصابها بعض القلق عبرت عنه:
– بس خلي بالك انا مينفعش اتأخر، اخري عشرة ، بصراحة دا الميعاد اللي بنقفل فيه علينا انا واخواتي.
ردت نبوية بابتسامة لها:
– عيوني من جوا، هعمل المستحيل عشان متأخرش عليكي، وزيادة عشان تطمني اكتر، رياض باشا ابنها مش هيبقى موجود، اتصل بيا من شوية وبلغني ان عنده حفلة مهمة تخص الشغل، يعني تاخدي الامان ، وربنا يعينك على رعايتها الكام ساعة دول .
– اللهم امين، ويهديها عليا يارب.
❈-❈-❈
وفي مكان اخر
حيث المنطقة الخالية إلا من العاملين بها، في بناء الأبنية الجديدة، وتدشين عدد من الوحدات السكنية، وقفت هي تشرف على العمال وتتابعهم، في تنفيذ المخطط الهندسي بدقة،
وقد اندمجت في العمل واخذت خبرة لا يستهان بها ، رغم صغر الوقت الذي استلمت به، وذلك بفضل مساعدة شقيقتها الدائمة لها،
من يراها الاَن لا يصدق ابدا انها تلك الفتاة المدللة التي لا تراعي سوى طعامها وبشرتها وشعرها،
الشخصية التافهة التي تنبذها، بذكرياتها السيئة مع الملعون ابن خالتها الذي كان يستغل ضعفها امام وهم العشق به.
وقد اكتشفت مؤخرا فقط ان كل السابق ما كان الا وهم بخيالها، بعدما ذاقت حلاوة الحب البريء على يده.
– عصام انا هنا.
هتفت منادية باسمه، وقد وقعت عينيها عليه، يبحث عنها في إحدى الجهات ، بعدما اخبرته عن المكان الذي تعمل به.
التقت عينيها بخاصتيه، يلوح لها كي تأتي، وهي بالطبع خير ملبي.
بداخل سياارته كانت جلستها معه، تعبر عن لهفتها بلقاءه:
– انا مش مصدقة انك عملتها وجيت، عرفت توصل هنا ازاي؟
– انتي عبيطة يا بنتي؟ انا ظابط شرطة، يعني لو العنوان تحت الارض وبرضو هعرف اوصلك، انتي ناسية اني راجل شرطة ولا ايه؟
يتحدث بزهو وثقة تذيبها، حتى الاَن لا تصدق هذا الانقلاب الذي حدث معها، من الارتباط بشخص كإبراهيم الوقح الفاسد ، الذي يحمل نتيجة فشله على المحيطين به ، لخطيبة الضابط الوسيم الذي يجلس جوارها الاَن، بأدبه الجم واخلاقه الدمثة، حتى في أقصى خيالها الجميل، لم تتخيل ان يأتي نصيبها بشخص مثله، رغم تزمته الشديد في بعض الأوقات ، ولكنها لا تنكر انها تعلقت به بشدة، وتتقبل منه اي قرار بتفهم لطبيعته.
اما عنه، فقد كانت سعادته لا توصف، برؤيتها هكذا وسط العمال، تأمر وتفرض احترامها عليهم، وقد كان هذا اول ما لفت انظاره اليها، الفتاة الشجاعة التي انقذت شقيقتها من براثن ابن خالتها الفاسد .
يرى بها الزوجة المناسبة، رغم انها لا تملك الا جمال عادي لا يوازي جمال شقيقاتها، إلا انها تملك جسدًا متناسق، وقد ساهمت الحركة الكثيرة لها في فقدان الدهون، ولكن ظلت بخيرها ايضا، كما تخبره دائمًا بسجيتها، فبرغم اخلاقه العالية مع الجميع، إلا انه في النهاية رجل ، وحلاله احق ان يرى به ما يتمنى ويأمل.
ادار محرك السيارة بعدما اشبع ابصاره منها ، لتسأله هي بلهفة:
– ناوي تاخدني وتروح بيا فين بقى؟ انا مش عايزة اسيب الشغل، لا شهد تعلقني.
دوت ضحكته برجولة مست قلبها، ليردف بزهو:
– تعملها بس ولا تقربلك حتى، دا انتي خطيبة حضرة الظابط عصام ولا مكتوبة على اسمه كمان، يعني شهر بالكتير وتبقي حرمه فعليا، تقدر تتكلم هي ولا المهندس جوزها وانا اللي اعلقهم الاتنين.
تشعر بقلبها على وشك التوقف كلما اخبرها بها، تلك الجملة الساحرة، حرمه، حرم الضابط عصام.
ليأتي ردها كالعادة بابتسامة خجلة، تزيده هياما بها فتفقده البقية الباقية من صبره:
– لااا انا لازم اشوفله حل واختصر بقى ، الكام اسبوع اللي فاضلين ع الفرح دول ، طولوا اوي.
❈-❈-❈
حالها اليوم مختلف عن بقية الايام السابقة، شاردة بصورة غير عادية ، ورغم صمتها الدائم، إلا انها تقطعه كل فترة بطلب تفاجأ به بهجة، كما فعلت الاَن وطلبت منها اعداد طعام تتناوله في هذه الساعة من الليل وقد قاربت على العاشرة مساءً.
واضطرت بهجة لإرضائها، لتجلس مقابلها الاَن وتراقب تلاعبها بالطبق وعودتها للشرود مرة اخرى، وكما تفعل دائمًا، تحدثت تخاطبها بأمل ضعيف في ان تفهمها:
– لو اعرف بس بتفكري فيه ايه؟ عينك رايحة جاية كل شوية ع النتيجة المتلعقة في الحيطة، وكأنك مستنية حد، بعدها تلعبي في طبقك على اساس انك بتاكلي، رغم انك محطتيش معلقة واحدة في بوقك.
بالطبع كان ردها هو المزيد من النظرات الخاوية، والتي تفقد بهجة الامل من شفائها، رغم كم الأدوية التي تتناولها بانتظام بطاعة تدهشها في بعض الاوقات.
– ماشي يا نجوان هانم، بس انا كان غرضي اتكلم معاكي، بصراحة احيانا بحسك فاهمة.
قالتها بهجة ليحدث اتصال بصري بينهما غير مفهوم، واستمر لمدة من الوقت جعلها تتيقن بقرب استجابتها، حتى حدث مالم تتوقعه، حينما باغتتها المرأة بالقاء كوب الماء عليها بدون انذار ، لتشهق مجفلة من فعلتها، فتلتقط انفاسها بفزع متمتمة:
– ايه اللي انتي عملتيه دا؟ حرام عليكي يا شيخة هتقطعي خلفي بعمايلك دي.
سمعت منها وكأنها إشارة الاحتفال، لتنطلق في نوبة من الضحك المتواصل ، تصفق كفيها ببعضهما وتزيد من زهول بهجة التي وجمت تراقبها بصمت،
لتستغل الآخرى، وبحركة سريعة، دفعت الاطباق وما يحتويها من طعام بطول ذراعها، لتسقط على الأرض، وانتشرت الفوضى حولهم بشكل مزري .
حتى صارت بهجة على وشك البكاء:
– يا نهار اسود عليا وعلى سنيني، امتى هلحق انيل وانضف اللي عملتيه ده، والخدامين كلهم مشيو وراحو بيوتهم، هو انتي ايه يا ست انتي، حد مسلطك عليا؟
❈-❈-❈
احتفال صغير اقامه الاثنان مع الشركاء الجدد، بمناسبة عقد الصفقة الهامة والتي ستزيد من رفع رصيدهم امام عمالقة السوق.
انجاز جديد يضاف الى سجله، وقد اثبت انه قادر على التحدي وخلق الفرص، وبمساعدة هذا المدعو كارم، يجد الامال تفتح امامه بغير حساب ،
لكن وبرغم كل ذلك يشعر ان فرحته ينقصها شيء ما،
شيء ما لم يحدده بالظبط، او ربما هو ذلك السبب القديم الذي مهما حاول انكاره، يجد نفسه منغمسا به.
ف اليوم هو الذكرى السيئة، ذكرى وفاة والده .
ترى هل تذكره الاَن، ام ان الله رحمها بنسيانه.
❈-❈-❈
دثرتها تشد عليها الغطاء، بعد أن خلدت الى فراشها ونامت على غير موعدها، وكأنها تهرب الى نومها من حزن ما، رغم كل ما تفعله معها ، إلا انها لا تبغضها، بل تشفق عليها وتحزن من أجلها، لا تصدق ان العشق هو من فعل بها كل ذلك؟ كيف لها ان تكون بهذا الضعف من اجل رجل؟
تحمد الله انها فقدت الثقة بهذا الصنف كله،
تنهدت تعود من شرودها، لتذهب وتطفيء اضاءة الغرفة، ثم تعود إلى ما ينتظرها من شقاء في ترتيب الفوضى التي فعلتها الأخرى على مأدبة الطعام واسفلها،
رغم اقتراب الساعة من الحادية عشر الا ان مروءتها أبت عليها ان تتركهم للدادة نبوية ، فالمسكينة لا ينقصها، خلعت عبائتها السوداء وذهبت بها الى المرحاض القريب ، لتمسح بالماء على بقع الطعام التي طالتها من رمي الاطباق، فمظهرها كان يثير الشفقة بحق.
عادت بها الى الردهة التي يوجد بها مائدة الطعام،
لتلقى بنظرها سريعًا، ثم تسحب شهيقًا مطولا، وتخرجه، قبل ان تستعين بالله ، وتبدأ في رفع الاطباق وتنظيف الارض، ومائدة السفرة، بعدما القت العباءة على احد المقاعد، تتركها كي تجف حتى تنتهي، لتعمل هي بملابسها البيتيه التي كانت ترتديها في الأسفل.
بنشاط وتركيز شديد ، ذهبت بالاطباق الى المطبخ، تجليهم بسرعة، ثم أتت ترفع السجادة الصغيرة ومفرش المائدة، تضعهم في ركن وحدهم لغسلهم بعد ذلك ،
وتنهمك بعدها في التنظيف ومسح الارضية، حتى انها لم تنتبه لمن عاد الى منزله، تاركا الحفل في نصفه، فبرغم القساوة التي تأصلت به على مر السنوات، إلا ان قلبه لم يطاوعه ان يترك والدته في هذا اليوم، دون ان يطمئن عليها،
ليفاجأ الاَن بهذا المشهد،
فتتجمد اقدامه عن التقدم ، يطالع شعرها الحريري الذي كان يغطي وجهها، ملابسها الملتصقة بالقد الملفوف برشاقة مذهلة، بنطالها البيتي المرتفع لأسفل ركبتها، وتيشرت بيجامة في الأعلى،
اشياء عادية غاية في البساطة ولكن عليها كانت تسلب العقل .
تلك الفتاة التي لو لم يعلم من نبوية بوجودها الاَن، لم يكن ليعرفها ابدا، وذلك للصورة ان اخذها عنها، في التخفي اسفل الملابس السمراء.
لقد رأى اجمل النساء من دول عدة، ابدا لم تؤثر فيه امرأة كما حدث الاَن.
كالذي اصابه الخرس، ظل بوقفته مشدوهًا يطالعها، تلك الحورية التي تحتل منزله منذ ايام عدة ، غافلا عنها ولا يعطيها بالا، حتى يأتي اليوم فيتفاجأ بها على هذه الهيئة!
منكفئة فيما تفعل ولا تدري بمن التصقت قدميه بالأرض بالقرب منها، وضاعت في جوفه الكلمات، حتى انتبهت هي اخيرا لترفع رأسها فتقابل ببريقها الأخضر بندقيتيه، فتنتفض بذعر نحو عبائتها المبتلة تضعها عليها متمتمة بارتباك :
– انا اسفة مكنتش واخدة بالي .
ابتلع هو كي يعود لصوابه ، فخرجت كلماته بدون ترتيب ، ورغم انه يعرفها:
– انتي مين؟
اضطربت بحرج، تلف شعرها بعشوائية قبل ان تغطيه بالحجاب، لتطرق وتبتبلع ريقها بصعوبة:
– انا بهجة الجليسة الجديدة للهانم الكبيرة سيادتك.
– انا بس كنت بنضف من شوية الاطباق اللي دلقتها نجوان هانم.
تجاهل كل استرسالها، وركز على شيء واحد، اسمها
والذي علم به من لورا ومن نبوية، لكن منها، يشعر وكأنه لاول مرة يسمعه، وبصره يجول على ملامحها الجميلة، يتعرف بها لأول مرة.
غير منتبهًا لوضعه، وقد اثار بتحديقه بها الرعب، لترتجف داخلها، تود الركض من محلها الى خارج المنزل ، ليتها ما اطاعت الدادة نبوية.
لابد لها من الذهاب الان وفورا.
– انا كدة خلصت اللي عليا، استأذن بقى عشان امشي
قالتها وتحركت نحو محفظتها وهاتفها الحديدي، ترفعهم عن احد المقاعد امام بصره، ليباغتها برده:
– تمشي تروحي فين؟ انتي عارفة الساعة كام دلوقتي؟
الفصل الرابع من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الرابع 4 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال االفصل الرابع 4 بقلم امل نصر
– تمشي تروحي فين ؟ انتي عارفة الساعة كام د لوقتي
تطلعت اليه ببعض الارتباك والتشتت تجيبه بسجيتها :
– عادي يعني , هشوف اي وسيلة مواصلات نقل عام واركب فيها , مش مشكلة.
ضاقت عينيه باستنكار :
هي ايه اللي مش مشكلة ؟ الساعة دلوقتي داخلة على اتناشر.
_ يانهار اسود.
هتفت بها بعفوية اثارت تسليته, لتلقي بنظرها نحو شاشة هاتفها الرديء فتاكدت لتلطم بكفها على وجنتها مرددة بجزع:
– انا خدني الوقت ومحسيتش بنفسي مع الهانم , هي دادة نبوية مجتش ليه ؟ دي كانت مواعداني هتيجي احداشر بالكتير , ازاي قدرت تعمل فيا المقلب ده.
تحدث بابتسامة لم يخفيها رغم ادعاءه الرزانة امامها:
الدادة كلت حلو مع الجماعة قرايب بنتها , وللأسف داخت وتعبت من مجهود العزومة , هي بلغتني انها مش هتقدر تيجي النهاردة , لأنها حاولت تتصل بيكي بس للأسف تليفونك كان بيرن معاها عالفاضي.
اطرقت رأسها بشرود , وخرج صوتها ببحة مزجت مابين الخوف والحزن :
– ربنا يشفيها يارب , خلاص بقى انا همشي دلوقتي وهبقى اتصل بيها اما اروح اطمن عليها , عن اذنك يافندم.
قالتها , وماهمت بأن تتحرك حتى أجفلها بنبرته الحازمة:
بقولك ماينفعش تخرجي دلوقتي الساعة داخلة على اتناشر انتي بتفهمي ازاي؟
برقت عينيها فجأة برفض وغضب لانفعاله الغير مبرر, لتكبت بصعوبة داخلها عدم الرد بشيء لايعجبه, حتى لو اضطرت لخسران وظيفتها ,هذا شيء قد اعتادت عليه:
– حضرتك متشغلش نفسك, انا بعرف اتصرف كويس اوي.
لاحت على جانب فمه ابتسامة لم تفهمها ,ليرد ببرود وعيناه تلاحق تفاصيلها بجرأة تثير الأستفزاز.
– ماشي يابهجة , انا عارف انك سبع رجالة في بعض , لكن برضو انا ما يخلصنيش, ومستعد اوصلك بنفسي.
– لأ.
خرجت منها سريعا وبدون تردد , لتثير اندهاشه أكثر بفعلها:
– قصدي يعني اني مش عايزة ازعجك يا فندم , لأني عارفة طريقي كويس وبعرف اتصرف، عن اذنك والف شكر على زوقك.
قالتها ثم التفت على الفور , متخذة طريقها نحو الخروج, لاتعطي له بالا ,ليفتر فاهه من خلفها مفتوحا بذهول, ثم يتحول لابتسامة متسعة, فيتناول هاتفه, ثم يتصل على احد الاشخاص:
– ايوة يا علي , اسمعني كويس.
❈-❈-❈
بخطوات ثابتة خرجت من المنزل الضخم، متخذة طريقها نحو الباب الحديدي ثم الشارع ، ولتلقى بعد ذلك حظها فى البحث عن وسيلة تقلها، رغم الرعب الذي يتغلغل داخلها في العودة الى منزلها في هذه الساعة المتأخرة من المساء، وهواجس تدور برأسها حول نوعية البشر المضطرة أن ترافقهم حتى تصل الى وجهتها، لتتضرع داخلها، وتناجي الله القوة.
الاَن وقد خرجت من محيط المنزل والحراس التي تحاوطه، تجول عيناها بالشارع الفسيح، وقد خلى من السيارات والمارة الا قليلًا،
تجسر نفسها في السير نحو وجهتها وقد اصبحت وحيدة لا تملك الا ايمانها في مواجهة المخاطر.
– عديها على خير يارب.
صارت تتمتم بها ومجموعة من الادعية والايات الحافظة، حتى تفاجأت باضاءة قوية لإحدى السيارات تأتي في مواجهتها، لتضطر هي للأفساح لمرورها، وكانت المفاجأة حينما اكتشفت هوية السائق، والذي تعرفه من توصيله الدائم للدادة نبوية ، ليطل برأسه وشعره الابيض بابتسامة مشاكسة يخاطبها:
– جايلك قلب ترجعي لوحدك في نص الليالي يا بهجة.
ضحكت باضطراب تهدئ من ضربات قلبها المتسارعة، في ردها للرجل العجوز:
– عم علي… خضتني حرام عليك، افتكرتك واحد غريب وبتعاكس.
– بصراحة انا لو غريب، وشوفت واحدة حلوة كدة في الشارع، لازم اعاكسها .
قالها العم علي بمشاكسة لتسهم بنظرها اليه، حتى جعلته يضحك بملىء فمه، ليتابع بمرح:
– انتي لسة هتنحي؟ ياللا تعالي يا بت اركبي معايا اوصلك في طريقي.
ترددت باعتراض:
– ماا بلاش يا عم علي، العربية مش بتاعتك .
هتف بها حازما دون يختفي منه المرح:
– بلا بتاعتي بلا بتاعة غيري، رياض باشا اساسًا هو اللي أمرني.
– رياض باشا هو اللي أمرك؟
تمتمت بها بعدم تصديق، ليأمرها هو :
– انتي لسة هتسألي؟ اخلصي يا بهجة خليني انا كمان ارجع بيتنا واريح انام، يلا…..
اضطرت تحت إلحاحه ان تزعن لتنضم معه في الكرسي الخلفي بارتباك منها، حتى جعله يعلق بمرح:
– يعني كدة بقيت انا السواق بتاعك، والله تستاهليها.
وختم ضاحكًا، ليظل مستمرًا بأحاديثه معها، كي يخفف من توترها، حتى وصل بها الى مدخل الحارة وقد كان في انتظارهم شقيقها، بعدما اتصلت به وابلغته بعودتها.
❈-❈-❈
– هااا اطمنت على حبيبة القلب انها رجعت.
تهكمت اسراء بالكلمات نحو زوجها الذي انتفض متحفزًا فور رؤيته لطيف غريمتها على مدخل الحارة، بصحبة شقيقها الذي هبط عزيمته في الخروج واستقبالها موبخًا تأخرها حتى هذا الوقت.
وتأتي الاَن زوجته لتزيد عليه وقد فهمت ما يدور برأسه:
– راجعة مع اخوها، يعني ملكش حجة تتعرضلها.
حدجها بنظرة نارية لم تأبه بها لتتابع بعدم اكتراث:
– قوم يا اخويا قوم، نام في فرشتك احسن وافتكر ان وراك شغل في الوكالة، بدل ما انت مضيع وقتك في الفكر ع اللي راح، والحزن ع الاطلال.
زمجر غاضبًا يكاد ان يفتك بها:
– يا بنت ال…. غوري يا اسراء، بدل ما اخليها عشيتك الليلادي انا مش ناقصك.
بابتسامة شامتة علقت وهي تغادر من امامه:
– لا وعلى ايه؟ انت حر.
قالتها واختفت من أمامه، ليعلق في اثرها:
– فرحانة فيا يا بت الجزمة، ماشي.
ادار رأسه للناحية الأخرى مغمغمًا بتوعد نحو المتمردة ابنة عمه:
– وانت كمان يا بهجة، برضو حسابك عسير عشان تبطلي تروحي وتيجي على كيفك.
❈-❈-❈
في اليوم التالي
استيقظت بهجة على اتصال هاتفي برقم غريب ، لترد بصوت ناعس مستفسرة:
– الوو…. مين معايا.
– انا يا بهجة.
وصلها الصوت الرجالي ذو البحة المميزة، لتنتفض بجزعها، تفتح اجفانها على وسعهم، فتبتلع ريقها مرددة بارتباك:
– انت مين يا فندم ؟
للمرة الثانية تسأله بعدم تركيز، وهو يجاهد الحفاظ على جديته:
– انا رياض الحكيم يا بهجة.
حينما ظلت على صمتها وقد اصابتها الصدمة بالخرس، تابع بتسلية:
– شكلك كدة صاحية من النوم ومش مركزة، ع العموم انا هبعتلك عم علي يجي ياخدك بالعربية، تحلي محل الدادة النهاردة لانها تعبانة.
– دادة مين؟
تساءلت بها وكأن عقلها لم يعد يعمل، ليتابع بصبر ليس من شيمه، شارحًا لها وقد اصبح الامر يروقه:
– قولتلك دادة نبوية اللي تعبانة، انا خارج دلوقتي ورايح على شغلي، الهانم متتسابش لوحدها، واياكي تسهي عنها.
قالها وانهي المكالمة على الفور ، لتتطلع هي لفترة من الوقت بشاشة الهاتف، لتتدارك متسائلة بجزع:
– نهار اسود، طب وشغلي في المصنع، مين اللي هيشيله؟ انا اتصل بنبوية دلوقتي ولا الريسة صباح، دا ايه الربكة دي يا ربي على اول الصبح.
❈-❈-❈
وفي مكان اخر،
حيث كانت بين زهورها ، تمر عليهم بدلو الماء لتسقيهم وتراعيهم، وصوت المذياع يصدح بأغاني الزمن الجميل، ليتفق مع مزاجها الرائق وهي تردد خلفهم بما تحفظه، حتى اجفلها صوت الشجار المعتاد في هذا الوقت .
– اتلمي يا لينا واتقي شري على اول الصبح، بدل ما اطلعهم عليكي، انا مش شايف قدامي اساسًا دلوقتى.
– وان ما اتلميتش يا امين هتعمل ايه؟ انا بقى مشتاقة اشوفهم، اللي انت عايز تطلعهم دول.
توقفت مجيدة عما تفعل لتغمغم بعدم فهم، لهذان المعتوهان:
– نهار اسود، هو ايه اللي يطلعهم وهي عايزة تشوفهم؟ هي العيال دي مخها ضرب ولا ايه؟
تحركت على الفور خارجة من الشرفة اليهم، لتجد ابنها يهدد بقبضته نحو هذه المجنونة:
– يا بنتي اتاخري عني وبلاش تستفزيني، قلم واحد بس مني هيطيرلك صف ضروسك كلهم.
– تخصرت امامه بتحدي:
– طب وريني هتطيرلي صف اسناني ازاي يا امين ، انا قدامك اهو .
– يا لهوي عليا.
تمتمت بها مجيدة قبل ان تصل اليهما، وتقف حاجز بين ابنها وزوجته، والتي صارت تزيحها بخفة لتبتعد للخلف.
– اخزي الشيطان يا حبيبي وابعد عنها كدة، دي حامل واحنا مش ناقصين.
تلقف قولها ليصيح بغضبه:
– ما هو دا اوس المشكلة يا ماما، الهانم بقولها تريح شوية عشان العيل وهي مفيش فايدة، قاعدة تتنطط من هنا لهنا زي فرقع لوز لما هتشلني.
وقبل ان تتفوه مجيدة بكلمة، سبقتها الأخرى:
– يا سيدي وانا اشتكلتك، ما انا فل وعال العال اهو.
قاطعتها مجيدة تكبر بتحذير:
– يا بنتي الله اكبر، متفوليش على نفسك يا منيلة.
– عشان تشوفي يس يا ماما، المورستان اللي انا عايش فيه، اهي كل كلامها كدة، لما هتطير برج من نفوخي.
ربتت مجيدة على كتف ابنها لتجذب الأخرى والتي كانت تزفر بضيق، تضمها اليها ، كي تلطف مع الاثنان:
– بعد الشر على نفوخك يا حبيبي، وانتي يا بنتي ربنا يحفظك، هو برضو خايف عليكي اعذريه، روح يا امين على شغلك وانا هتفاهم معاها.
اومأ لها بطاعة وفور ان هم بالتحرك، عاد اليه الجنون مرة اخرى عقب قولها:
– بس انا ورايا شغل يا طنط مينفعش اتأخر.
– اهي يا ماما، عشان تشوفي بنفسك دماغها، دي مينفعش معاها التفاهم ابدا.
تدخل شقيقه والذي كان خارجًا من غرفته يسند زوجته بخطوات متمهلة بطيئة من اجلها:
– مالكم على اول الصبح كدة ازعجتونا وقلقتوا نومنا يا بعدة ، الواحد ميعرفش بقى يريح في بيته منكم.
– يا حبيبي انت يا رايق، سامحنا يا اخويا لو ازعجناك .
عقب بها امين متمهكا بحنق ، ليثير ابتسامة متلاعبة على ثغر اخيه،
– حقكم تصالحونا بقى؟
قالها ليزيد من استفزاز اخيه الذي ارتفع طرف شفته بغيظ له، ليتدارك بعد ذلك حينما وجد زوجته تهرول بلهفة نحو صديقتها:
– شهودة يا قلبي، عاملة ايه النهاردة انتي والبيبي؟
لانت ملامحه، متأثرًا بعاطفة الاخوة التي تجمع بين الاثنتان، ليخاطب هو الاخر زوجة اخيه بتعاطف:
– اخبار رجلك ايه النهاردة يا شهد؟ لساها برضوا بتوجعك؟
اومأت متمتمة له بالحمد ليضيف زوجها بتأنيب ينبع من خوفه:
– ما هي طبعا لسة مخفتش، عشان الحركة عليها، انا عارفها مبتثبتش مكانها، ربنا يستر ع الجنين .
دافعت عن نفسها بكلل وتعب:
– يا حسن انا طول اليوم نايمة على سريري، مش خطوة ولا خطوتين هما اللي هيزيدو تعب الرجل ، ولا هيسقطوا الجنين؟
– تمام يا شهد، انا قاعدلك النهاردة من الشغل خالص، اما اشوفهم خطوتين ولا اكتر.
اشاحت برأسها عنه، والتوى فمها بطريقة اضحكت من انتبه مثل مجيدة وابنها الضابط امين والذي عقب بمرح:
– والله يا شهد انتي الله يكون في عونك.
التقت عينيه بفيروزتي زوجته ، ليتابع بكيد لها بادعاء يجيده، كي لا يضعف امامها:
– وعوني انا كمان معاكي ويصبرني على ما بلاني
❈-❈-❈
سارت تخرج من الحارة مسرعة، وقد غيرت طريقها المعتاد ، وتعجلت عن ميعادها الصباحي، كي تلحق بالسيارة التي اتفقت مع سائقها عبر الهاتف ان يبتعد بقدر الامكان عن منطقتها، وقد تأكدت من الدادة نبوية بحقيقة مرضها بالفعل، كما اخبرتها بالتفصيل عن موقف الامس، وترددها بالذهاب بعدما رأها بهذه الصورة الغير لائقة امامه، حينما كانت تمسح الارضية ببيجامة النصف كم وشعرها الذي ظهر جميعه بغفلة منها ، ولكن المرأة هونت الأمر عليها، بل وسفهت منه، حتى اقنعتها ان الأمر لا يستحق التفكير من الأساس،
وبدورها هي اتصلت بصباح كي تغطي عليها ، حتى لا يحتسب عليها يوم غياب في عملها بالمصنع.
أبصرت عن قرب العم علي، وقد وجد احد الاكشاك، ليجلس مع صاحبه في انتظارها، يتحدث ويتباسط مع الغريب كعادته، ليتها تملك نصف مزاجه الرائق دائمًا.
حينما انتبه اليها ، تبسم لها بتحية ثم ترك كوب الشاي من يده، ذاهبًا نحو محله خلف عجلة القيادة، لتدلف خلفه على الفور متمتمة بقلق:
– اتحرك بسرعة يا عم علي .
ليذعن الرجل مغادرا بها على الفور، رغم استغرابه من توترها.
وبعد لحظات قاربت الربع ساعة، خرجت من خلفها شقيقتها الصغرى لتذهب نحو مدرستها، ثم تقابل بابصارها ابن عمها سمير الذي توقف محله ف مدخل البناية، يطالعها بتساؤل اثار التسلية داخلها، لتسخر كعادتها:
– يا دي النهار الملزق لما يبتدي من اوله.
اصابته كلماتها بالغيظ الشديد حتى انه لم يصمت لها هذه المرة ، يدفعه الفضول ايضا في السؤال:
– بطلي قلة حيا يا عائشة واصطبحي ع الصبح.
رفرت اهدابها بتمثيل لتردد باستخفاف:
– افندم حضرتك انت بتكلمني انا؟
– امال بكلم خيالي.
هتف بها ليقترت متسائلًا:
– اختك مخرجتش ليه معاكي النهاردة؟ هي تعبانة؟
هذه المرة صارت تضرب كفا بالاخر تحدث نفسها بتجاهل له:
– لا اله إلا الله، انا قولت من البداية انه يوم ملزق.
همت ان تتخطاه غير مبالية، ليوقفها ناهرًا وكأنه قد اصيب بالجنون:
– لما حد كبير يكلمك ردي، وبلاش قلة ادب ولا تلقيح بالكلام، اختك ايه اللي أخرها لقريب الساعة واحدة بالليل امبارح؟
وكأنه ضغط على زر الاشتعال، لتفرغ به طاقة الغضب التي تحملها منه ومن اسرته:
– اولا اختي ملكش حق تسأل عليها، ثانيا بقى انا مؤدبة غصب عن اي حد ، ولو مش مؤدبة برضو ملكش دعوة.
لسانها الحاد كسياط تجلد من أمامها، ولكنه ابدا لن يصمت لها:
– بقى دي اخلاق بنات محترمة؟ بترودي على ابن عمك الكبير وتقلي أدبك عليه.
تكورت وجنتيها بضيق طفولي تزفر في وجهه بحنق، ثم تهم ان تقرعه بما يستحقه، ولكن اوقفها مجيء شقيقه الأصغر، ينقذه من براثنها:
– ايه في ايه؟ صوتكم جايب لاخر الشارع ؟ ايه اللي حصل يا عائشة؟
ردت رافعة له حاجبها:
– اسأل اخوك الكبير المحترم، اللي بيتعرض لواحدة قد عياله، وبعدها يتهمني اني بقل ادبي، طب انا ماشية ورايحة مدرستي دلوقتي، واياك الاقيه بيوجهلي اي كلام تاني .
قالتها وتحركت ترفع حقيبتها مغادرة امام صدمة الاثنان، ليردد سمير في اثرها بعدم تصديق:
– بقى انا بتعرضلها وهي قد عيالي؟ ليكون فاكرة نفسها طفلة حقيقي، دي عجوز شمطاء
.
– وحد قالك تقف في وش القطر، اتحمل بقى لسانها اللي زي المرزبة .
تفوه بها سامر ضاحكا، يصعد الدرج لمنزله، قبل ان يتوقف على قول شقيقه؛
– انا كنت بسألها على اختها الكبيرة، الهانم راجعة امبارح على واحدة بالليل، والنهارده مظهرتش خالص.
ارتفع حاجب الاخر بريبة مرددًا:
– واحدة بالليل! ليه يعني؟
❈-❈-❈
حينما توقف بها العم علي داخل محيط المنزل الضخم، ترجلت منها سريعًا والهاتف على اذنها، تتحدث مع الدادة نبوية لتنفذ التعليمات المطلوبة في مجالسة الهانم الكبرى،
كان هو في طريق خروجه نحو عمله لتتشبث قدميه بالأرض فور رؤيتها، حتى مر طيفها يتخطاه، فيصل لأسماعه تحيتها على عجالة:
– صباح الخير يا باشا، ايوة يا دادة انا معاكي
اكملت محادثتها تسرع بخطواتها وكأنها فعلت ما عليها والان تريد الهروب منه، ليتوقف محله ناظرا في اثرها حتى دلفت لداخل المنزل واختفت بداخله .
ثم يعود لصوابه شاعرا بشيء ما غير مفهوم ، ان كان ارتياحًا لمجيئها بديلا في الوقت المناسب لرعاية والدته في وقت مرض المرأة التي تتحملها ، ام هو لمحة من انتعاش سرت داخله برؤيه البريق الاخضر رغم حديثها المقتضب السريع، ثم هذا الشيء المختلف بها، رغم ارتدائها هذا الثوب الرديء ، لكنه لا يليق بها ابدا.
❈-❈-❈
ربتت سميرة على كتف ابنها وهو يتناول الطعام بنهم، اثناء جلستها معه في موعد الزيارة الاسبوعيه، تخاطبه بتعاطف، وعدم احتمال لما وصل اليه.
– كل يا حبيبي وبر نفسك، انا جيبالك اكل كتير اشكال والوان، دا غير الفلوس اللي حطيتها في الامانات ، مش عايزاك تحتاج حاجة خالص يا ابني،
رد ابراهيم يلوك الطعام بفمه:
– انا عايز اخرج ياما، هو دا اللي انا محتاجه، مش شوية الاكل والشرب داخل سجن من اربع حيطان.
مصمصت بأسى وحنق يغمرها:
– ويعني انا هعمل ايه اكتر من كدة يا حبيبي؟ المحامي بياخد شيء وشويات وابوك على قد ما بيعارضني، لكنه في الاخر بينخ ويديني اللي عايزاه عشانك، لكن بقى اللي معقد الدنيا هي شهادة الشهود، خالتك اترجتها كذا مرة، لكن المزغودة امنيه راكبة راسها، نست اللي كان ما بينكم، وباعت بطول دراعها ، بعد ما اتخطبت لحضرة الظابط، الهي ما توعى تفرح.
كلمات الحقد التي تتفوه بها، كانت تزيد من صب الوقود واشعال النيران بصدر ابنها الناقم من الأساس:
– اه ياما متفكرنيش، بت ال……. اللي كانت زي الخاتم في صباعي، لعبة احركها من ايدي دي، لإيدي دي، خلاص كبرت وشافت نفسها.
زفر بحريق من داخله مع دخان السيجارة التي اصبح ينفث بها غليله، بعد ترك الطعام:
– اموت واعرف بس الظابط دا ايه اللي عجبه فيها؟ عادية واقل من العادية كمان، دا غير انها غبية، مفيهاش غير بس جسمها………
توقف وقد لاحت بعد اللقطات القديمة في مخزن والده، وما كان يفعله بخسة معها ، ليمسح بظفر ابهامه على ذقنه النابتة بتفكير:
– يكونش دا اللي عجبه فيها هو كمان؟
تبسم بغليل مغمغمًا:
– ماشي يا امنية، والله ما هاسيبك.
❈-❈-❈
اثناء مطالعته للملفات ، وتوقيعه على الاوراق المطلوبة، وهي تحدق اليه بوله كعادتها، كي تفتح معه اي حديث عادي، تخرج من اطار الرسمية التي يحبسها بها:
– ماما فرحت اوي لما حكتلها عن انجاز الشركة والتوقيع اللي حصل امبارح مع مسؤلي الماركة العالمية للأزياء، مش قادرة اقولك كان ناقص بس تزغرط.
رفع رأسه بشبه ابتسامة خفيفة كرد لها، ليقول ببرود لا يناسب لهفتها قبل ان يعود لما يفعل:
– ربنا يبارك فيها، سلميلي عليها
تمتمت بإحباط اصبح يلازمها من افعاله:
– يوصل ان شاءالله، رغم انها هتموت وتشوفك بنفسها، ترغي وتتكلم معاك.
اوما يرضيها بمجاملة:
– ان شاء الله، اكيد هشوفها في اي مناسبة للعيلة.
بادلته هي الأخرى بابتسامة باهتة، لتتناول منه عدد الملفات ، وقبل ان تلتف أوقفها بقوله:
– صحيح يا لورا، متنسيش تتصلي بالدادة نبوية وتعرفي ايه حالتها عشان تبعتيلها دكتور كويس، اصلها تعبانة جدا على حسب ما سمعت .
تساءلت بتوجس:
– وطنط نجوان مين مراعيها دلوقتي.
– بهجة .
توسعت عينيها بمفاجأة وهو يخبرها عن مجيئها اليوم منذ بداية الصباح بناءًا على طلبه، لتعقب بتشتت وغيط:
– ازاي حضرتك؟ وانا شايفة اسمها في دفتر الحضور للعاملات قبل ما اجي، دي اكيد صباح بتغطي عليها بقى، انا هطين عيشتها.
صدحت منه فجأة ضحكة مجلجلة نادرة، كادت ان تطيح بها، ليقول بمرح:
– طب والله جدعة وعملت اللي انا غفلت عنه، اسمعي يا لورا، احسبي كل الايام اللي هتقضيها بهجة في الشفت زيادة محل الدادة نبوية وجمعيهم في مكافأة لها، دا غير طبعا الايام اللي هتغيبها هنا متتحسبش غياب.
برقت عينيها باعتراض لم تخفيه:
– وافرض استهبلت ولا وزودت فيها، دي عمرها ما هتبقى زي دادة امينة، انا اصلا بدور على واحدة زي دادة عشان نستبدلها في أي وقت.
ترك كل شيء وارتكزت عينيه عليها برد هاديء وحازم:
– وماله يا لورا دوري ولو لقيتي زي الدادة جيبيها برضوا تساعد معاهم….. مش نستبدل..
بقوله الحاسم أنهى كل سبل الجدال معه، لتنصرف من امامه، تغمغم داخلها بكل عبارات الحنق والندم على توظيف هذه الفتاة بمنزله.
❈-❈-❈
– رايحة فين يا سنيورة؟
توجهت درية بالسؤال نحو ابنتها التي خرجت من غرفتها تتمايل بخطواتها المتبخترة، وقد تزينت بمبالغة كعادتها، وارتدت افخر الملابس من خزانتها واضيقها ايضا، كي تبرز المنحنيات والتفاصيل اللافتة بها.
فجاء جوابها من بين تلويك علكتها :
– يعني هكون رايحة فين بس ياما؟ هو انا ليا مين غير بيت اخويا، اهو ازوره وبالمرة اطمن على عمتي المسكينة التعبانة.
– عند شادي.
تمتمت بها درية، لتضيف بعدم رضا:
– احنا مش قولنا نبطل الروحة والجاية على هناك، مدام خطب وكل واحد راح لنصيبه، يبقى نشوف احنا نصيبنا بقى؟
قالتها بمغزى فهمت عليه ابنتها ، لتقارعها برفض:
– وطبعا قصدك بالكلام ده، الواد ربيع ابن عم خيري صاحب ابويا، بقى الاشكال الضالة دي تتسمى نصيب ياما، انا عايزة واحد ببدلة ملو هدومة، مش العيل الشارب ده.
في رد مباغت، مصمصمت درية بشفتيها ترد بسخرية:
– اه يا ختي حقك ما انتي واخدة البكالوريا ولا الاسنس اللي بيقولوا عليه…… فوقي يا روح امك دا انتي شهادة دبلوم صنايع وخدتيها بالغش كمان، يبقى ايه لزوم العنطزة بقى؟
دبدت قدميها على الارض بغيظ وعيناها التفت نحو المطبخ، لتعود اليها هامسة بتحذير:
– ما توطي صوتك بقى ياما، وخلي بالك احنا مش لوحدنا في البيت .
قالت الأخيرة بإشارة نحو زوجة اخيها التي كانت تعد الطعام داخله، ولا تدري بأنها كانت تضحك الان بصوت مكتوم، وقد وصلها الحديث،
اما عن درية فقد امتقع وجهها بحنق، والأخرى تلح عليها:
– سبيني امشي بقى ياما، انا مبعملش حاجة غلط، واحدة ورايحة بيت اخوها وتطمن على عمتها، فيها ايه دي بقى؟
❈-❈-❈
عودة لبهحة التي مازالت تقنع نجوان وتحاول ترضيتها، بعدما استيقظت ولم تجد نبوية التي اعتادت على مجالستها صباحًا ومعظم الوقت:
– يا ست عبريني، يعني لا عايزة تقومي تفطري ولا تغسلي وشك حتى ، هتفضلي لازقة طول اليوم ممدة في السرير.
ظلت على حالها، لا تنطق الا كلمة واحدة:
– نبوية.
تنهدت بهجة داخلها، تناجي الصبر، لتستمر في مهادنتها:
– ما قولتلك كزا مرة انها تعبانة ، هي لو تقدر برضوا هتسيبك ومتجيش.
اشاحت بوجهها للناحية الاخرى ، برسالة واضحة برفضها، لتغمض عينيها بيأس لمدة من الوقت ، حتى رفعت رأسها فجأة تعبر عما خطر برأسها، وهي تراقبها:
– شعرك اصفر وزي الحرير ، سبحان الله، حتى وانتي قايمة من النوم ومنعكش حوالين وشك برضوا مخليكي قمر.
يبدو ان كلماتها قد أتت بأثرها، وقد التفت لها تنتظر المزيد، ف الانثى حتى لو كانت بنصف عقل سوف تستجيب للغزل ،
فتبمست بهجة متابعة بإعجاب:
– انتي عارفة بقى ، انا كان نفسي يطلع شعري اصفر زيك كدة، يعني عشان يليق على لون عيوني، حكم احنا وارثين العيون الملونة دي من امي، انا والواد ايهاب خدنا اللون الاخضر الصافي، اما البت جنات خدت العسلي والمزغودة عائشة اخر العنقود فدي خدت الزتوني، عشان تغيظنا كلنا بروعته.
ظلت نجوان على وضعها وقد وضح جليًا ان الحديث قد اعجبها ، ليخرج صوتها اخيرا:
– انتي حلوة .
– تاني .
صدرت بمرح من بهجة لتتابع باتساع ابتسامتها:
– والله وانتي اللي قمر، ياما نفسي اوصل لسنك كدة وابقى في نص جمالك.
استجابت نجوان وبفعل طفولي اصبحت تهز اكتافها بزهو، لتردف بهجة بتمني:
– يا سلام ع الروقان والجمال يا ناس لما تبقي هادية، اه لو تبقى هادية ورايقة كدة على طول…… بقولك ايه؟ هو انا ينفع اسرح شعرك الحلو ده.،
سمعت منها لتذهب عيناها نحو الفرشاة الملقاة القريبة منهم، لتوميء بعيناها بموافقة، جعلت بهجة تقفز من محلها بحماس:
– حالا هسرحلك واعملك احلى تسريحة.
❈-❈-❈
دفع باب الغرفة ليدلف اليها بخطوات مسرعة ، ليبطأها فجأة مع انتباهه لحالة الاخر، حينما وقعت عينيه عليه،
يتحدث في الهاتف بابتسامة حالمة، يهتز بكرسيه برواق، حتى انه حاول ان ينهض كي يؤدي التحية العسكرية اليه، ولكن امين اوقفه ملوحًا بكف يده.
ليجلس مقابله يسند بمرفقه على سطح المكتب ، مريحًا وجنته على قبضة يده، يتأمله بوجه عابس جعل الاخر يخفي بصعوبة ابتسامته، قبل ان ينهي المكالمة بصوته الهامس، ليعلق امين؛
– يا خويا يا نحنوح، بتحب في تليفون الشغل يا حضرة الظابط.
دافع عصام ضاحكًا:
– الله يا فندم، هو انا بكلم حد غريب؟ دي زوجتي المستقبلية اللي كاتب كتابي عليها.
– اممم
زام بفمه متصنعُا الضيق:
– اه يا خويا فرحان اوي، هما يومين عسل وبعدها تشبع نكد.
اكمل عصام بضحكاته:
– ومالوا يا فندم، ندوق العسل وبعدها يجي النكد براحتوا، يعني احنا هنروح منه فيه.
– يا حبيبي.
تمتم بها بمصمصة من شفتيه، ليردف:
– كنا كدة في حماسك، بس يلا بقى، هو شر لابد منه وخلاص .
– برضوا شر.
– اه شر عندك مانع.
– لا يا فندم وانا اقدر.
– ايوة كدة اتعدل.
قالها امين وصدحت ضحكاتهم، بحديثهم الودي، قبل ان ينخرطوا في العمل والمناقشة حول الامور الهامة بينهم.
❈-❈-❈
قامت لها بتمشيط الشعر الحريري، حتى اعجبها، وصارت تتأمله امام المرأة، لتستجيب لها بعد ذلك وتتقبل الطعام منها، ثم تتناول العلاج دون اعتراض، ليدخل بعض الارتياح قلب بهجة، ولكن ذلك لم يمنعها من الحذر.
فقد تعلمت الا تعطيها ابدا الامان ، مضى نصف اليوم معها، حتى تفاجأت بالخادمة تخبرها:
– رياض باشا طالب يشوفك يا بهجة في اوضة مكتبه.
قطبت بعدم استيعاب:
– رياض باشا عايزني ليه؟ وهو من امتى اصلا بييجي في النهار؟
جاء رد الخادمة بعملية:
– رياض باشا مستنيكي يا بهجة، اتفضلي وانا هقعد مع الهانم اراعيها لحد ما ترجعي.
ابتلعت ريقها بتوتر:
– ودا كمان عايزني في ايه؟ جيب العواقب سليمة يارب.
❈-❈-❈
خرجا الاثنان من المصعد، ويدها مازالت محجوزة في قبضته، تأرجحها بمرح وكأنها طفلة صغيرة تتدلل عليه، وهو يتقبل منها رغم غيظه في بعض الاوقات حينما تزيد عليه.
ولكنه لم يعرف معنى السعادة الا على يدها، وقد اصبح ملازمًا لها ، في الذهاب الى العمل وفي العودة منه، وفي العمل نفسه .
تقارب يحدث بين شخصيتين مختلفتين في كل شيء ولكن الله يوحد القلوب بدون اسباب .
– هتصل بيكي النهاردة بالليل، اياكي تنامي لاطلعه عليكي بكرة في الشغل.
اهدته ابتسامتها الساحرة تشاكسه:
– والله انت وبختك، حصلتني وانا صاحية فل، انما لو روحت في النوم، انسى، حتى لو هتشغلني تاني يوم اشغال شاجة…. اه
قطعت متأوهة حينما ضغط على كفها:
– ردي وقولي حاضر وبس يا صبا، من غير ما تلفي وتدوري معايا، غلبتيني معاكي.
قهقهت بمرح مرددة:
– حاضر يا عم، بس خف يدك دي، لا يطلعلك ابو ليلة وهو اللي يرد عليك.
– والله، يعني انتي بتهدديني بابوكي.
تمتم بها ليكمل بالضغط على كفها :
– طب خليه يطلع دلوقتي وانا اعملها وضع حميمي عشان يلمنا نتجوز بالمرة، انا اساسًا بتلكك.
وكان ردها الضحك المتواصل، تزيده هياما بها، حتى اجفلهما صوت الباب الذي فتح فجأة لتطل عليهم من مدخله :
– الله، انت واقف هنا يا شادي، مش تدخل عشان تطمن والدتك برجوعك،
التفت إليها سائلا بفزع:
– مالها والدتي يا سامية؟ وانتي هنا من امتي.
ردت ببساطة:
– انا جيت اطل عليها واشوفها لو عايزة حاجة، لقيتها زعلانة وكل شوية تسأل انت رجعت ولا لأ.
افلت كف صبا، ليتحرك على الفور إليها بقلق:
– لا يبقى انا لازم اشوفها واطمن عليها بنفسى.
دلف بخطواته المسرعة الى منزله بالداخل، لتظل سامية بوقفتها على مدخل المنزل، تطالع صبا بابتسامة صفراء، قبل ان تصفق الباب فجأة بوجهها، لتعلق هي في اثرها:
– يا بت ال….. ماشي يا سامية الزفت.
❈-❈-❈
كانت تقف خلف باب مكتبه، تفرك كفيها بتوتر يكاد ان يوقف قلبها، لقد ظنت ان الأمر قد مر على خير، وقد نسى هو بانقضاء الليل او كما أخبرتها الدادة نبوية انها هي من تهول الأمر ولا شيء مما يدور برأسها قد يحدث.
أمجنون هو كي يترك كل النساء اللاتي يعرفهن وينتبه لها؟
إذن لماذا طلبها؟ ولماذا هو هنا اليوم من الأساس؟ هذه ليست عاداته كما تعلم.
ابتعلت تحاول تنظيم انفاسها وتهدئة ضربات قلبها التي كانت تدوي بتسارع من الخوف، لتجسر نفسها وتطرق بقبضتها على باب الغرفة ، ليصلها الصوت القوي على الفور:
– أدخل.
اغمضت عينيها تعيد تدريب النفس مرة أخرى، تتمتم بالأدعية تاركة حمولها على الله، لتدفع الباب وتلج اليه في الداخل، فتلقي اليه بالتحية:
– مساء الخير يا فندم، حضرتك طلبتني.
كان جالسًا خلف مكتبه يطالع احدى ملفاته، ليرفع عيناه إليها، فيخلع عنهما نظارة القراءة، ثم يتأملها بسفور وكأنه يستعيد صورتها بالأمس ويقارنها بهيئتها الاَن، بصمت مريب زاد من قلق المسكينة، قبل ان يرد برتابة:
– مساء الفل يا بهجة، انا فعلا طلبتك….. عشان اشوفك.
قال الاخيرة ضاغطًا بنبرة لم تريحها لتطرق برأسها، مسلمة امرها للمولى قائلة:
– تمام يا فندم، اللي تؤمر بيه حضرتك.
سمع منها وفجأة وجدته ينهض من خلف مكتبه، ثم يقترب بخطواته منها ، حتى وقف مقابلها يجفف الدماء بعروقها بقربه، وهذه النظرة المتمعنة بملامحها الجميلة بحق، وخضار عيناها المبهرة بصفاءها وتميزها، ثم يجيب بهدوءه:
– كنت عايز اعرف منك يا بهجة، هي لورا اتفقت معاكي تقبضك كام على شغلك هنا؟
قطبت بعدم فهم لمغزى السؤال، لتقلبها سريعًا برأسها، ثم تأتي بالظن الاسرع لذهنها الاَن:
– بتسأل على مرتبي ليه يا فندم؟ انت ناوي تديني بقية حسابي وتمشيني؟
تبسم ساخرا ليجلس على طرف مكتبه قائلًا:
– وانا لو عايز امشيكي اتصل بيكي بنفسي عشان تيجي الصبح يا بهجة ، ولا انتي عدم التركيز لساه مستمر معاكي من ساعة الاتصال .
اطرقت بحرج دون ان تنبت ببنت شفاه، لتمتقع ملامحها من سخريته التي لم تتقبلها، حتى فهم هو ليستطرد بنبرة آسفة لم تخلو من إعجاب:
– انا مش قصدي اسخر ولا استهزأ، دا كان مجرد هزار.
– تمام يا فندم، وانا مقولتش حاجة، عادي يعني.
– لا مش عادي يا بهجة عشان شكلك زعلتي فعلا
ردد بها يكتنفه المزيد من التسلية في مشاكستها، وهذا الاعتزاز الذي يلمسه في نبرتها ، غير ابهة بصفته، في اصرار منها لوضع الحدود، هذه الفتاة تستحق التأمل والدراسة.
تنهد يعود لموقعه خلف المكتب ، ليتحدث بجدية:
– شوفي يا ستي انا كنت بسأل عشان ازود على شغلك شفت، عشان تخففي اكتر عن دادة نبوية، الست كبرت ومعدتش تتحمل زي الاول، وطبعا اجرك هيبقى اضعاف .
– طب وشغلي في المصنع.
– عادي ممكن تنسقي وممكن نلغيه خالص ونخلي اللي هنا هو الاساسي.
– لا طبعا اللي هناك عليه تأمين ، انما هنا مؤقت.
خرجت منها سريعًا حتى اجبرته على الابتسام مرددًا :
– ما انا ممكن اعملك للي هنا تأمين برضو ؟
هذه المرة ردت برفض لم تخفيه:
– مش موضوع تأمين، انا مش حاطة في خطتي اساسا اني استمر جليسة.
توقف فجأة مضيقا عينيه بتفكير:
– بهجة هو انتي دارسة لحد ايه بالظ
الفصل الخامس من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الخامس 5 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الخامس 5 بقلم امل نصر
حينما سألها قاصدا معرفة المستوى التعليمي لها
ظلت صامتة ولم تجيبه على الفور حتى انه عاود الكرة مرة اخرى ليأتي الرد هذه المرة بنبرة مستنكرة:
وايه لزوم السؤال ده يا فندم؟
حقا تعجبه جرأتها :
– وهو لازم يكون له لزوم عشان تجاوبي يا بهجة ؟
يسأل ببساطة بجهل تام منه عن حجم الحرج الذي ينتابها في هذا الموقف كلما سألها احدهم تكره ان ترى نظرة الاشفاق منهم ,او الحزن على ما وصل اليه حالها كما تفعل بعض النساء معها .
– ثانوية عامة يا فندم، مكملتش جامعة.
– وليه بقى مكملتيش جامعة؟
مطت شفتيها بابتسامة ليس لها معني ترد بامتعاض وقد ضجرت بالفعل من إلحاحه:
– ظروف حضرتك، ودي بتحصل في كل العائلات كنت هتجوز…..
اعتدل عن جلسته مقاطعًا لها:
– واتجوزتي بقى يا بهجة؟
– انكتب كتابي.
– يعني اتجوزتي؟
– دا غبي دا ولا ايه؟
تمتمت بالجملة من داخلها، وقد نفذت طاقتها:
– يا فندم بقولك كنت، وكان كتب كتاب، يعني اتفسخت خطوبتي، واتحسبت مطلقة على الورق زي ما اتجوزت على الورق، ممكن بقى استأذن، عشان انا بدأت اقلق على نجوان هانم .
قالتها والتفت تغادر دون انتظار رده، ولكنه اوقفها على الفور بحزمه:
– لكني برضو مخدتش منك رد نهائي عن موضوع الشيفت الزيادة .
عادت اليه بحسم لا يقبل النقاش:
– انا مستمرة في شغلي في المصنع والشيفت الاضافي بتاع مدام نجوان هنا، كمساعدة لدادة نبوية، بإستثناء اليومين دول بس في تعب الدادة، ممكن امشي بقى يا افندم؟
اومأ لها بذقنه للأمام، لتخرج على الفور، تدخل بعض الهواء لصدرها، بعدما انتهت من اثقل الأحاديث على قلبها.
❈-❈-❈
دلف بخطواته السريعة داخل المنزل حتى وصل الى غرفة والدته دفع الباب دون انتظار بقلقه، ليجفل المرأة التي رفعت راسها عن المسبحة تطالعه بتساؤل .
فيجلس هو على الفور بجوارها يسألها بتفحص:
– ايه اللي حصل يا أمي؟ حاسة نفسك تعبانة ولا النوبة رجعت تاني؟
خرج رد المرأة باندهاش:
– تعبانة ليه يا حبيبي؟ ما انا كويسة قدامك اهو، وبتفرج ع الشاشة والسبحة في ايدي .
– امال كنتي بتسالي عليا ليه وانا برا في الشغل ؟
– انا كنت بسأل عليك؟ مين قال كدة .
– سامية هي اللي قالتلي .
قالها شادي وارتفعت ابصار الاثنان نحو مدخل الباب الذي وقفت واستندت على إطاره المذكورة، لتبرر على الفور:
– ايوة يا عمتي سألتيني عنه امال ايه؟ هو انتي لحقتي تنسي لما كنتي كل شوية تقوليلي اتأخر عن ميعاده، اتأخر عن ميعاده.
شردت المرأة تعصر عقلها قليلًا، ولما يأست من التذكر ، لطفت على الفور حتى لا تحرجها:
– جايز يا بنتي جايز انا برضو عقلي مبقاش بيركز اوي اليومين دول….. استني صحيح…… مش انتي باين اللي كنتي بتسألي عن ميعاد رجوعه عشان يوصلك وانا قولتلك، هو كل يوم بيجي بدري عن كدة، اكيد كان معاه حاجة مهمة النهاردة خلته يتأخر.
قالتها المرأة بسجيتها لتفحمها دون قصد منها، فيبصرها شادي بحنق شديد، يكشف كذبها، ولكنها كالعادة لا تغلب في ايجاد المبرر:
– اه يا عمتي فعلا انا سألتك، بس دا عشان ادوقه من طبق المهلبية اللي عملتهولك من شوية، قوليلو بقى هو عجبك قد ايه؟
اومأت والدة شادي برأسها توافقها بحماس:
– ايوة طبعا دا عجبني قوي، بنت عمتك نفسها حلو اوي قي الحلويات يا شادي، هي جابت لنا طبق كبير، انا خدت منه يدوب معلقتين عشان متعبش، سيبتلك انت الباقي، يستاهلوا بُقك يا حبيبي .
سمع من والدته، لينقل بأبصاره منها إلى هذه المراوغة ، بعدما اوقعت قلبه منذ قليل، وأفسدت عليه لحظة الصفاء مع محبوبته، ليكتشف الان كذبتها بشكل واضح، ووالدته الطيبة، بلعت كالعادة طعمها والاَن تغطي على فعلتها، والعجيب انها تبادله النظر الاَن بوقاحة وكأنها لم تفعل شيء.
– انا رتبت البيت كله يا شادي، ووضبت المطبخ، حكم دا كان متبهدل اوي، طبعا بقى ما هي شقة عازب، بس انت الله يكون في عونك، محدش يلومك.
زفر بداخله يجاملها بامتعاض:
– كتر خيرك يا سامية، بس رحمة اختي الله يباركلها كل يومين تلاتة بالكتير بتيجي هنا تروق كل حاجة، وانا بعمل على قد مقدرتي وماشية، يعني مش محتاجة تعب منك .
تلقفت قوله ترد بنعومة:
– تعبكم راحة يا شادي يا ابن عمتي، هو انا ليا اعز منكم عشان اجي واطل عليكم واعمل بأصلي، شوف بقى انت تقوم دلوقتي، تغير هدومك ولا تتشطف على ما احضر انا الغدا، بالمرة اتغدى معاكم، حكم الوقت خدني، ونسيت اكل من الصبح .
لم تعطيه فرصة للاعتراض، لتختفي من امامه على الفور، عازمة على ما انتوت عليه، لينقل بغضبه نحو والدته:
– البت دي ايه اللي مقعدها لحد دلوقتي ياما هنا؟ ما تروح على بيتهم، ولا تتنيل تكمل قعدتها عند اخوها وعيال اخوها، مالها بأكلنا ولا شربنا؟
ضغطت والدته على شفتيها، تحذره بهمس:
– وطي صوتك يا شادي يا بني، لتسمعك وهي في المطبخ جوا وتحرجها.
– ودي بتتحرج، ولا تتكسف اصلا ياما…..
قطع متأثرا هذه المرة بضغطها على قبضة يده، لتعود مشددة:
– متكملش يا شادي وتزعلني منك، مش بعد ما تعبت في توضيب البيت من الصبح، تكون دي جزاتها مننا ، سامعني؟
ازعن لرغبتها، كابتا امواجًا من الغضب والانفعال بداخله، فوالدته الحنونة، وبرغم علمها جيدا بغرض ابنة اخيها، إلا انها لا تخرج ابدا عن حدود الذوق معها، وتجبره ايضا على مهاودتها، وكأن الطيبة خلقت لها ولشقيقها الراحل، اما الخبث والمكر، فقد طمع بهم الشقيق الاخر له وحده، والد سامية وزوج درية المرأة المتسلطة .
❈-❈-❈
اما عن صبا والتي دلفت بحنقها الى داخل المنزل، تغمغم بالحديث والسباب مع نفسها ، حتى لفتت انتباه والدتها والتي كانت تطوي بكوم الملابس الجافة بعد غسلها ، لتعقب ساخرة على حالتها:
– اسم الله عليكي يا حبيبتي، من دلوك بتكلمي نفسك.
بعبس لم تخفيه:
– ومكلمش ليه نفسي بقى؟ والبت الزفتة اللي اسمها سامية، جفلت الباب في وشي، انا ياما تجفل الباب في وشي؟
– طب حيلك حيلك.
رددت بها زبيدة تلوح بيدها لها:
– فهميني الاول باب مين اللي اتجفل في وشك.
خرج ردها سريعًا بكلمات غير مترابطة من فرط انفاعلها:
– سامية الزفت بنت خال شادي، انا كنت عايزة ادخل معاه، بس خوفت من تحذير ابويا اللي مانعني ادخل بيته نهائي، طب انا عايزة اطمن على حماتي دلوك، اعملها ازاي؟
– يا بت انا مش فاهمة منك حاجة، ثم مالها حماتك كمأن؟ ما انا دخلت عليها الصبح واطمنت عليها .
رددت خلفها بتشتت:
– يعني حماتي مفيهاش حاجة، امال الزفتة دي بتعمل عندهم ايه اصلا ؟
ضربت زبيدة كفيها ببعضهما، وقد فاض بها من هذيان ابنتها:
– لا حول ولا قوة الا بالله، عمالة تهرتلي بالكلام وانا مش فاهمة منك حاجة، ما تجيبي يا بت من الاخر، انت عايزة ايه بالظبط؟
وكأنها كانت في انتظارها، خرج ردها على الفور برجاء:
– عايزاكي تروحي تطمني على خالتي ام شادي، وبالمرة تروحي تشوفي الزفتة دي بتعمل عندهم ايه؟
❈-❈-❈
خرج من غرفته بعدما بدل ثيابه لأخرى عادية للمنزل، ليتفاجأ بوالدته خارجة من غرفتها تتأبط ذراع ابنة خاله ساميه والتي انتبهت عليه لتعلق بابتسامة سمجة:
– كويس انك لحقت بسرعة وغيرت، الاكل سخن ومش محتاج انتظار.
تقدم يتناول ذراع والدته منها قائلا بضيق:
– مخرجاها ليه طيب من الاوضة، ما احنا بنجيبلها الاكل لحد عندها.
شهقت بمبالغة:
– يا نهار اببض، وتوسخ الفرشة من تحتيها، لا طبعا يا شادي، كدة احسن ع الاقل تفرط رجليها في الخطوتين دول.
لا ينكر صحة حديثها، ولكن الخوف هو ما يمنعه دائما عن تنفيذ ذلك، كما يحدث الاَن، مع ارتعاش جميع جسد والدته في كل خطوه تخطوها، فيه.
– انا فاهم كلامك بس برضو الامر ما يسلمش، تعالي يا ماما اقعدي.
قال الاخيرة يجلسها على مقعد السفرة الصغيرة، وجلست هي بلهفة تدعوه:
– ياللا بقى انت كمان معانا، تلاقيك راجع هلكان من الجوع.
دا انا جايبة محشي ورق عنب حكاية، جيبت طبقين واحد طلعته لبيت اخويا والتاني جيبته هنا.
رفض عرضها السخي بابتسامة صفراء:
– متشكر اوي يا سامية على زوقك، بس انا للاسف اكلت فعلا قبل ما اجي .
– كلت فين يعني؟ في الشغل ولا برا الشغل؟
خرجت منها بانفعال جعلته يرد عليها بالمثل:
– اكلت مطرح ما أكلت بقى، المهم اني شبعان وخلاص، كلو انتو بالهنا والشفا.
همت ان تزيد عليه ولكن منعها صوت جرس المنزل الذي دوى فجأة ليذهب اليه فجأة ويرى من الطارق، ليزداد داخلها الغيظ حينما لمحت وجه هذه المرأة السمراء والدة الملعونة صبا التي تكرهها، يتلقاها هو بترحاب مبالغ فيه:
– خالتي زبيدة، اتفضلي الف اهلا وسهلا.
– اهلا بيك يا حبيبي، انا جاية اطمن على حبيبتي الغالية الست الوالدة ، هي صاحية ولا نايمة.
اشار لها بيده نحو والدته التي تبسمت لها ، لتهلل زبيدة برؤيتها جالسة بعيدة عن فراشها:
– وه وه بسم الله الله اكبر عيني باردة عليكي يا غالية .
تقدمت للداخل تتبادل معها المزاح والحديث الودي، اما شادي فقد توقف على مدخل المنزل ، بابتسامة متسعة وعيناه الى الخارج، ليثير فضول ابنة خاله التي شعرت بعدم الراحة بوقفته هذه واعطاءها ظهره، لتميل برأسها حتى تحققت من الجهة التي يتطلع اليها، تلك الملعونة خطيبته تقف على مدخل الشقة المقابلة لهم، تتوعد له وتحذره وهو ييتسم لها بملئ فمه، بوجه مشرق، مستمتعًا بحنقها، وكأنه عاد مراهقًا يشاكس ابنة الجيران.
❈-❈-❈
على مائدة الطعام التي كانت تجمع الاسرة ، يجلس على رأسها خميس ، يتناول طعامه بنهم كعادته ، وزوجته لا تكف عن تقديم المزيد من اصناف اللحوم في طبقه، برعاية تجيدها في أرضاءه:
– كُل يا خميس، دا انت بتشقى وتتعب.
ليتمتم لها بفم ممتلئ:
– ربنا يخليكي ليا دودو ، هي البت سامية فين؟ مش قاعدة معانا ع السفرة يعني؟
– راحت تقضي يوم مع ولاد اخوها وبالمرة تقعد شوية مع عمتها، ما انت عارف بنتك بتحبها قد ايه
اوما بهزة من رأسه ليأتي تعقيب سامر مستنكرًا:
– اه طبعا وتلاقيها هتقعد تتركن هناك ،،ما انا عارفها وعارف اللي في دماغها.
– هو ايه اللي في دماغها يا واد انت،؟ انت هتتكلم بالالغاز، عندك حاجة قول.
زفر سامر بعجز عن الافصاح عما يدور بخلده، وما يعلمه عن تهور شقيقته، وحزم ابن عمته الباتر في كل ما يخصه، ليصمت مجبرا واضعًا همه بطعامه.
وتدخل سمير يغير مجرى الحديث.
-،شوفت بت اخوك يا حج، امبارح راجعة قريب الساعة واحدة بالليل، والهلف اخوها واقف مستنيها على ناصية الحارة.
– ومدام الهلف اخوها كان واقف مستنيها، يبقى هعملها ايه انا بقى؟
تفوه بها خميس في رد مباغت لابنه، ليتوقف الطعام بفمه بصدمة، جعلت بعض من الانتشاء يتسرب الى زوجته التي طالعته بشماتة لم تخفى عليه، لينفعل مبررًا بحماقة لم يحسب لها حسابا؟
– ازاي يعني مالناش دعوة؟ هي دي مش تخصنا برضو، بنت اخوك اللي طايحة دي لو غلطت، العيبة هتلبسك انت يا عمها.
توقف خميس عن الطعام ليطالعه بأعين تلونت بالاحمرار معنفًا له:
– انت بتبرطم بتقول ايه ياض؟ مين دا اللي يتجرأ ويجيب عليا العيبة؟ دا انا كنت ادفنه مطرحه، مش بناتنا احنا اللي يتجاب سيرتهم، انا رايح لها البت دي .
قال الاخيرة وأزاح بجسده المقعد للخلف بعنف يهم بالنهوض إلا ان صيحة زوجته كانت هي الاسبق:
– اقعد يا خميس مطرحك وكمل أكلك .
تطلع لها بتردد لكنها اعادت عليها حاسمة تأمره:
– بقولك اقعد يا خميس، وسيبك من هطل ابنك.
اذعن الرجل لأمرها يعود لجلسته وطعامه، وجاء الاعتراض من ابنها:
– انا اهطل ياما، بقى راجل كبير زيي ، يتقال عليه اهطل ياما.
– وستين اهطل كمان، عشان بتنبش ف اللي ملكش فيه، وعايز تعمل مشاكل احنا في غنى عنها .
رددت بها درية بتصميم وتقريع، وغمغم سامر بسخرية، دون ان يرفع عيناه عن الطعام:
– بتجيب التهزيق لنفسك.
– لم نفسك يا سامر بدل ما احط كل غليلي فيك دلوقتي.
قابل الاخير انفعاله بابتسامة سمجة مستخفة، ليأتي الرد من زوجة الاخر وهي تنهض عن الطعام بغتة:
– الحمد لله انا شبعت.
قالتها بحدة لفتت ابصار الجميع نحوها وهي تذهب نحو باب المنزل مغادرة نحو شقتها، لتعلق والدته من خلفها:
– عاجبك كدة يا بوز الاخص؟ هتطفش مراتك منك بعمايلك السودة .
اضاف سامر على قولها :
– والله عندك حق ياما ، البت ساكتة ساكتة لكن في الاخر هتنفجر في وشه.
– تنفجر ولا تغور في داهية ، انا لا طايقها ولا طايق عيشتها.
– صاح به والده بغضب:
– امال طايق ولا عايز مين يا ابن الكلب، ما هي مشكلتك انك مفضوح قدامنا كلنا وعارف كويس
ان الموضوع منتهي، ومع ذلك بتحرب على خراب عشك ولا حاسس ان جايلك عيل في السكة .
تجهم سمير بوجه ممتقع من الغيظ والغضب المكتوم، يوزع بنظرات الاتهام نحوهم دون ان يقولها صراحة، ولكنها لم تخفى على والدته ، والتي عبرت عنها مدافعة:
– بلاش بصاتك دي يا واد، وافتكر كويس انها هي اللي باعتك لما حطت شرط ورث ابوها في الوكالة، قبل جوازها منك، وهي اساسا ملهاش ورث.
سامر والذي لم يقوى على كبت فضوله هذه المرة:
– بس بهجة دايما بتتكلم ان معاها الحق، انتوا متأكدين ياما ان ملهاش ورث؟
سعل خميس والطعام في فمه، لتلحقه زوجته بالماء، ثم تربت على ظهره، تلقي باليوم على أبناءه:
– اسم الله عليك يا خويا، اشرب اشرب، خليتو ابوكم شرق وكان هيروح في شربة مية جاتكو الهم .
ظل على وضعه لحظات امام ترقبهم، حتى التقط انفاسه ليردف بلهجة مضطربة:
– انا عمري ما اكل حق حد، وربنا العالم انا عملت ايه مع المرحوم، بس كله عند ربنا ، انا مش هتكلم .
لتهتف من خلفه بتأييد يلجمهم كالعادة:
– صدقت يا اخويا، واللي عند ربنا ما بيروحش، كُل كُل وهدي نفسك ، بلا هم.
❈-❈-❈
مساءًً
حينما غادرت منزله، كان هو ما زال قابعًا في غرفة مكتبه ولم يغادره بعد ، أنهى جميع الاعمال المطلوبة منه، بذهن شارد بالكاد يكفيه للمراجعة او القراءة السريعة في اعماله، لتعود صورتها وتحل امامه على الفور،
ثم يأتي الاَن ويقف خلف الجدار الزجاجي يراقبها وهي تغادر ، وعيون الحراس والعاملين أينما مرت تذهب معها، بها شيء لا يفهمه،
جميلة ولا ينكر ذلك، ولكن يوجد الالاف من الجميلات، ولكن هي بها شيء مميز لم يصل إليه بعد؟
حتى طريقة سيرها بهذه العباءة الفضفاضة بمبالغة، حديثها بعزة ولغة راقية بعيدة تمام البعد عمن تعامل معهم من العاملين.
ثم يظل هذا الشيء الاروع، وهو عيناها وذلك الصفاء بخضارها يذكره بنقاء الطبيعية وسحرها،
زفر انفاس خشنة ليعود الى جلسته خلف المكتب ، محدثًا نفسه بتساؤل:
– منذ متى لم يلتفت نحو امرأة او تشغله بهذه الطريقة، يبدو ان تأثير بهجة سوف يستمر معه طويلا هذه الايام حتى تنصرف من عقله او ربما يجد له الحل.
❈-❈-❈
هذه المرة اتخذت احتياطها وخرجت باكرا عن اليوم السابق، وقد افنت يومها في مجالسة نجوان فلم تتركها الا بعدما اخلدت للفراش، لتعود الاَن والساعة تعدت العاشرة فقط.
نزلت من سيارة النقل العام التي كانت تقلها الى منطقتها، وقد رفضت اليوم عرض العم علي في توصليها، تجنبًا للتساؤلات ووجع رأس هي في غنًى عنه، ولكن منذ متى حدث ما نبتغيه؟
– جاية منين يا بهجة؟
جاءها السؤال بغتة من خلفها، لتلتف نحو مصدر الصوت، وتفاجأ بابن عمها الأصغر سامر، مضجعًا على سيارته، التي اصطفها خارج الحارة، وكأنه كان في انتظارها، وقد بدا هذا واضحًا من وقفته، مكتفًا ذراعيه اعلى صدره،
– افندم يا عم سامر انت كمان، اخوك معاك بقى؟ ولا انتو مقسمينها بالدور؟
تهكمت بها في رد واضح على رفضها لتدخله، ولكنه كان اذكى من ان يتحامق معها مثل اخيه، لذلك جاء رده بهدوء :
– لا يا بهجة مش مقسمينها ولا لينا حق نسألك طبعًا، بس يا بنت عمي لما الاقيكي بتغيبي عن بيتكم لحد الساعه دي، دا غير اني لما سألت عنك في شغلك، عرفت انك معتبتيش المصنع من اساسه، يبقى حقي انشغل.
– كمااان روحت المصنع وسألت عني، دا اخوك متجرأش يعملها يا سامر؟
تمتمت بها بحالة من الدهشة والغضب تعتريها، ليقابل ردها بمهادنة وكلمات ذات مغزى:
– انا غير اخويا يا بنت عمي، هو كان غبي ومعرفش يحافظ عن النعمة اللي في ايده ودلوقتي بيبكي عليها بعد ما راحت منه، انما انا الامر عندي غير، انا راجل واعرف اصون اللي معايا كويس، ولما اقرر محدش يقدر يرجعني عن قراري، وف الاول وف الاخر انا سؤالي نابع بس من الخوف عليكي، مش شك ولا اي شيء يزعلك.
ضاقت عينيها وافتر فاهها تطالعه بتفكير وتفحص، لتحسم الجدال معه:
– حاسة كلامك رايح لسكة مش عجباني يا سامر، لذلك انا هنهي معاك من اولها، عشان لو حاطط اي فكرة في دماغك شيلها من اولها عشان انا قافلة الباب بالضبة والمفتاح مع الكل…. وخصوصا انتو .
زفر يطرق برأسه سريعًا ثم يرفعها متطلعا اليها بابتسامة لم تصل لعيناه:
– براحتك طبعا، رغم اني شايف ان الكلام مش وقته، بس انا هرجع وانبهك على موضوع الرجوع بالليل عشان بس سمعتك في الحارة والكلام اللي انتي عارفاه، عشان انا يوم ما هيوصلني نص كلمة بس هولع في الكل ومش هيهمني لا كبير ولا صغير.
– كتر خيرك يا ابن عمي. بس انا مش محتاجة نصيحة ولا دفاع من حد ، واهل الحارة اللي انت بتقول عليهم دول ، هما اكتر ناس عارفين مين بهجة؟ وانا مش محتاجة حماية من حد .
قالتها والتفت ذاهبة نحو وجهتها، دون ان تكلف نفسها بالنظر نحوه ولا بمعرفة تأثير حدتها عليه، فلديها من الهموم ما يكفيها، ولا ينقصها منه هو الاخر .
❈-❈-❈
داخل غرفة أمنية؛ والتي كانت منكفئة مع شقيقتها في حصر الايرادت والمصروفات وكل ما يخص العمل عبر الهاتف ، انتبهت لقدوم والدتها، لتظل واقفة محلها بصمت وترقب، حتى اذا انتهت امنية التفت إليها تخاطبها بفراسة :
– نعم يا ماما، وقفتك والسكوت كدة ، بيقول ان في بوقك كلمتين، قولي انا سمعاكي.
تشجعت نرجس، ثم تقدمت لتجلس على طرف التخت ، تلقي بنظرها نحو الاوراق والدفاتر التي تبعثرت على الفراش بإهمال ، لتعقب ساخرة:
– اللي يشوف الكراريس والكشاكيل يقول عليكي رجعتي تاني للجامعة…..
مصمصمت بشفتيها لتكمل بضيق:
– حسرة عليكي، الشغل الهباب بقى واخد كل وقتك ، حتى الساعتين اللي بترجعيهم راحة للبيت مش مرحومة من الحسابات والهم التقيل ، كان مالك بس بالهم والقرف ده؟
صمتت امنيه لبرهة من الوقت تطالعها دون تعليق، فبمعرفتها الجيدة لها، تعلم ان خلف كلمتها يوجد شيء آخر:
– وماله ياما الشغل والهم ، ما هو حالنا ومالنا، حمد لله احنا مش بنشتغل عند حد ، المهم بس انتي جيبي من الاخر ، عشان انا متأكدة ان دي مقدمة اللي بتبدي بيها دايما.
– اا ما انا فعلا عايزاكي في حاجة .
تمتمت بها نرجس بتلعثم، تدور مقلتيها باضطراب ، مما جعل ابنتها تظل على صمتها في انتظار الآتي، لتردف لها بعد لحظات من التردد :
– بصراحة بقى انا مش هقدر ما تكلمش، ابن عمتك محاكمته قربت، وكنت عايزاكي تتنازلي عن اللي في دماغك بقى وكفاية عليه لحد كدة.
رفرفت بأهدابها امنيه قليلا من الوقت، لكن سرعان ما استوعبت لتزفر وتشيح بابصارها عنها ، تستجدي من الله الصبر ، لتواصل نرجس دفاعها:
– ما تلفيش بوشك عني وتعملي نفسك مش سمعاني، عشان كذا مرة اتحايل عليكي وانتي راكبة دماغك، خالتك مقطعة نفسها وانتي ولا حاسة، وابن خالتك هيضيع مستقبله حرام عليكي.
– حرام على مين؟
صرخت بها بوجهها ، لتواصل بعدم تحمل :
– كام مرة هقولهالك، دا قتل ابويا ، يعني دا جزاته الاعدام ، مش انتي تبكي على مستقبله ، وتنسي حق جوزك ولا بناتك اللي اتيتموا بسببه.
تلجمت قليلًا بحرج منها، لكنها عاودت بعد ذلك :
– الحي ابقى من الميت، وانتي ما شوفتيش بعينك، بتقولي سمعتي، لكن ابن عمتك قال بعد كدة انه كان بيهرتل عشان يغيظ المدعوقة شهد، يعني ما قتلهوش.
– اه بقى وانتي صدقتي؟ يا سلام على طيبتك يا ماما.
عقبت بها بسخرية مريرة ، لتلتف بعد ذلك نحو مدخل الغرفة، وعودة شقيقتها الصغرى والتي اجفلها مشهدهم:
– ايه مالكم؟ شكلكم بتتخانقوا صح.
زمت نرجس فمها بضيق، ليأتي الرد من امنية:
– تعالي يا رؤى وشوفي الست الوالدة، اصلها مازالت زعلانة على ابن خالتك اللي ظلمناه وهنضيع شبابه .
ولعلمها التام برأي ابنتها الأخرى وتشددها، زفرت بقوة لتنهض من جوارهم مغمغمة:
– اتريقوا براحتكم ، ما انتوا خلاص كبرتوا ومبقاش حد مالي عينكم، هروح انا فين فيكم؟ وانا ست غلبانة.
توقفتا الاثنتنان بفاه منفرج لعدة لحظات لا يصدقن منطق والدتهم وتعاطفها مع من قتل زوجها ويتم بناتها، لتعلق رؤى اخيرا :
– تصدقي بالله يا امنيه، انا طول عمري اعرف ان امك سلبية، دلوقتي بس اتأكدت ان معندهاش شخصية ولا تعرف تحكم ولا تحدد رأي، خالتك سميرة تعيطلها حبتين تيجي هي تقلب الدنيا علينا،
اكتفت امنيه بالصمت، فما تحمله بداخلها من غصة وندم على ما قد فات ومرت به من اخطاء بسبب هذا المعتوه، حينما كانت كالدمية بين يديه، حتى انها تتمنى لو تمحي هذه الفترة من سجل ذاكرتها الى الابد. وياليتها تستطيع.
❈-❈-❈
دلفت بهجة لداخل المنزل، بعد أن فتحت بمفتاحها، لتدخل باكياس الأشياء التي تحملها ثم تضعها على الارض، لتبحث بعيناها عن اشقاءها، ولكن؛ وقبل ان تهم بالنداء عليهم وصلها صوت نقاشهم من داخل اقرب الغرف الى الباب، غرفة شقيقها والذي لم يكن موجود ف هذا الوقت لعلمها بمواعيد تحصيل دروسه،
– يا بنتي بقولك هزقته، بيسأل ويطقس، هو ماله اصلا.
– بجاحة يا حبيتي، بس انتي برافو عليكي يا عائشة، انك وقفتيه عند حده، عشان يعرف كويس اننا مش ساهلين ليه ولا لأهله .
طلت عليهم بهجة تردد سائلة:
– هو مين اللي احنا مش ساهلين ليه؟
انتفضتا الاثنتان بجلستهما على الفراش، ليرددن بمرح وجزع وقتي:
– حرام عليكي يا بهجة خضتينا.
قابلت قولهم بابتسامة ضعيفة تشاركهم الجلسة على تخت شقيقهم:
– اولا ايه اللي مقعدكم على سرير ايهاب، ثانيا وهو الاهم عايزة اعرف بتتكلمو على ايه؟
ردت رحاب:
– قاعدين في اؤضة ايهاب عشان رتبناها، والكلام خدنا واحنا بنرغي.
أضافت على قولها عائشة:
– اصلنا كنا بنتكلم على ابن عمنا سمير يا ست بهجة، انا مش فاهمة انتي ازاي كنتي هتتجوزيه ده؟ ازاي مكنتيش حاسة بتقل دمه ولا رزالته.
بابتسامة بالكاد تخفيها:
– ما انا مكنتش ناصحة وقروبة زيك يا ست عائشة، ابويا قالي هتتجوزي ابن عمك مقدرتش اعارضه، وبرضوا هو مكانش وحش اوي كدة، او يمكن انا مكنتش فاهمة الدنيا كويس ولا عارفة طبيعة البشر اللي عايشين وسطيهم.
قالت الأخيرة بغصة مررت حلقها، لتجفلها عائشة بقولها:
– بس انا النهاردة ادتهولك على دماغه، عشان يحرم يدخل في اللي ملهوش فيه.
– ليه هو عمل ايه؟
تكفلت بالرد هذه المرة جنات:
– بيسألها عن رجعتها امبارح الساعة واحدة بالليل ، وانتي عارفة طريقته بقى المستفزة.
قالت الأخيرة بحرج فهمت منه بهجة على مقصد الاخرى، لتتنهد بغيظ مكتوم متمتمة:
– يعني انا هلاقيها منه دا كمان ولا من اهله، هما لا يرحموا ولا يسيبوا رحمة ربنا تنزل
صمتت برهة لتكمل بما يعتريها من قهر:
– خنقة من جميع الجهات.
لطفت شقيقتها الوسطى جنات:
– معلش يا بيبو، دا اكيد من اهميتك يا حبيبتي، ولإنك غايظة الكل بعزة نفسك .
قالتها لتضيف عليها عائشة بفخر:
– ايوة يا بيبة، وانا فخورة بيكي، ان كنتي شغالة في مصنع ملابس، او حتى جليسة لست عجوزة، واي حد يتكلم نص كلمة بديلو على دماغه.
استطاعت بعفويتها ان ترسم ابتسامة على وجه شقيقتها ، لتفتح ذراعيها اليها وتضمها بقوة:
– وانا بقى لو هبقى فخورة بحاجة واحدة بس في حياتي، يبقى انتي يا عين اختك، بلسانك الطويل ده، وعقلك اللي سابق سنك ، بتخلي الكل يعملك الف حساب، ياريتني كنت زيك.
جنات ضاحكة هي ايضًا:
– اه والله، انا نفسي لما اتعرض لاي موقف في الجامعة، بقول ياريتك يا عائشة كنتي معايا، قوية ولسانها مبرد ع الكل .
❈-❈-❈
في اليوم التالي
وعلى غير عادته، فضل تناول الافطار هذه المرة على مائدة تجمعه مع والدته، والتي جلست امامه بصمت واعين مترقبة، لا تقترب يدها من الطعام، ليعلق هو مخاطبًا لها بسخرية:
– ايه يا ست الكل، مش قادرة تاكلي وانا قدامك ، طب اداير وشي لتكوني بتتكسفي من الاكل معايا.
لم تظهر له اي استجابة، بل ظلت على وضعها وهذا الغموض الذي تحاوط نفسها به، حتى يشعر بالعجز عن قراءة ما يدور بعقلها:
– اموت واعرف انتي بتفكري في ايه؟ انا واثق ومتأكدة انك فاهماني يا ماما.
زفر بحنق حينما يأس منها، ليلطم بكفه على سطح المكتب، يشيح بوجهه للجهة الاخرى، وقد ذهبت عنه شهيته، ف اصطدمت عيناه بها .
وهي تدلف اليهم ، وقد تخلت هذه المرة عن العباءة السمراء، وترتدي الاَن ملابس شبابية تناسب عمرها، على قدر بساطتها ولكنها تظهر الجانب الرقيق بها ، مهما حاولت من اخفاء او تقليل، تظل راقية رغم انفها .
– صباح الخير.
القت التحية موزعة ابصارها عليه وعلى والدته التي نهضت فجأة لتلتصق بها، بفعل على قدر ما اصابه بالضجر، ولكنه ايضًا تفاجأ به، لثقة والدته بهذه الفتاة، في هذه الفترة القصيرة، ليعلق:
– يااه يا بهجة دي شكلها ادتك الامان اكتر من ابنها .
ربتت بهجة على ساعدها لتهدئتها قبل ان تلتف اليه قائلة بحرج:
– لا العفو يا فندم مين قال كدة؟ اا انا بستأذنك بس تخلي عم علي يوصلنا للدكتور بتاعها ، انا عرفت من دادة نبوية ان النهاردة ميعاد الزيارة الشهرية.
– اااه
تمتم بها بتفهم، ليتمتم بفراسة:
– عشان كدة بقى انتي، غيرتي العباية السمرا النهاردة،
ابتلعت ريقها بخجل لانتباهه وتعليقه على هذا الأمر، لتوميء برأسها ردًا له، فخرج رده مفاجئًا لها:
– تمام يا بهجة، انا هاخدكم بنفسي ع الدكتور.
– حضرتك بنفسك هتروح معانا ؟
قابل تساؤلها بابتسامة مبررًا:
– مش والدتي يا بهجة، يعني من حقي اطمن عليها، ولا انتي شايفة غير كدة .
نفت بهز رأسها، وذهنها يستعيد تعليمات الدادة نبوية بخصوص ذلك الامر، حينما اخبرتها عن المسؤلية الجسيمة في الحذر من أفعالها، في كل مرة كانت تخرج بها وحدها، لا يرافقها سوى الحراس وسائق السيارة .
انتشلها من شرودها، جذب نجوان لها من ملابسها ، لتشير بالرفض بسبابتها، يبدو أنها لا تريد مرافقته، ليأتي الرد منه بعمليه، وهو يتحدث عبر الهاتف:
– ايوة يا كارم، معلش يا حبيبى، ممكن تنوب عني النهاردة كام ساعة كدة، اصلي خارج بالست الوالدة ع الدكتور واحتمال اتأخر شوية….
قطع مع محدثه، لينقل بعيناه نحو الاثنتان مخاطبًا لها بأمر:
– مستنية ايه؟ روحي ياللا لبسيها ، خلينا نحصل ميعاد الدكتور، ياللا يا بهجة مش عايزين تأخير .
الفصل الخامس من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السادس 6 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال االفصل السادس 6 بقلم امل نصر
أنهى تمرينه الصباحي، واتجه الى غرفة طفله، حيث الموعد اليومي لإيقاظه، من قبل والدته التي لا تمل من تدليله:
– عموري يا قلب ماما، اصحى يا قلبي، اصحى يا روحي.
– قلبك وروحك، وجوزك الغلبان سيبتيله ايه يا ست رباب؟
تمتم بالكلمات وهو يدلف اليهما لداخل الغرفة، لتعقب هي بابتسامة مشاكسة:
– وانت هتعوز ايه تاني؟ ما انت معاك رباب بحالها
مال برأسه يضيق عينيه بحركة فكاهية اضحكت الصغير الذي كان يفتح عينيه في التو، ليتلقفه هو يرفعه اليه مهللا:
– شايفة يا ست رباب، بقالك ساعه تدلعي وتهنني وفي الاخر مصحيش غير على صوت باباه.
– ايوة يا سيدي، عيشها انت بقى عليا، بعد ما جات فرصتك ، كدة برضو يا عموري!
قالت الأخيرة بعتاب نحو الصغير الذي ارتمى بثقله عليها، كمبادرة صلح معها، تقبلتها بصدر رحب ، لتمطره بالعديد من القبل، تشدد عليه بضمتها.
– يا قلب مامي انت، بحبك اوي اوي .
يبدوا ان فعلها لم يعجب كارم ، فقد تجهم فجأة، ليباغتها بالنداء على المربية:
– دادة نعمات، خدي البيه الصغير وحضريه لحضانته.
اما هي فقد عبرت عن ذهولها فور خروجهما:
– كارم هو انت خطفت الولد مني ليه؟ انا كنت هحميه واجهزه بنفسي.
– عشان شايف ان دلعك بقى أوفر يا قلبي، انتي كدة بتفسدي الولد، ودا اللي انا لا يمكن اسمح بيه.
تمتمت بصدمة من خلفه:
– انا بفسده! معقول يا كارم، بقى انا والدته افسده؟!
زفر يقترب منها ملطفًا:
– يا قلبي افهمي، انا مش بتكلم عن حنانك ولا حتى الدلع العادي، انا بتكلم عن الافورة، مش عايز اتعامل مع ابني عسكري زي ما كان بيحصل معايا من بابا، بس كمان مش عايزه يبقى مريء ولا دلوع، انا ابني لازم يكون عضمه شديد وقوي، يبقى ناجح اكتر مني انا كمان، والفرص اللي معرفتش اوصلها انا يوصلها هو .
أومات ببعض الطاعة، وقد بدا انها فهمت على وجهة نظره، ليعبر لها عن فرحته بإقناعها، بضمة كبيرة منه لها:
– حبيبتي المطيعة، بحبك اوي يا قلب كارم.
التقط ثغرها بقبلة جامحة شغوفة كعادته، استجابت تبادله ، حتى تطور الامر باللمسات الجريئة التي تعرفها، فعبرت عن تأففهها:
– كارم انت كلك عرق، دا مش ميعاد حمامك برضو؟
استفاق من نشوته ليستدرك على حالته بالفعل ، فتبسم يرخي ذراعيه عنها ؛
– انا فعلا مخدتش بالي، بس اعملك ايه بقى؟ ما انا معاكي بنسى نفسي.
قال الاَخيرة يقرص على وجنتها ، ليتابع بعد ذلك بعملية حينما انتبه على ساعة الحائط:
– دا انا كمان متأخر على شغلي وشغل رياض في الشركة اللي كلمني انوب عنه فيه.
هم ان يذهب ولكن زوجته لم تقوى على كبت سؤالها الملح:
– دا صاحبك قريب مصطفى عزام مش كدة، لكن دا ايه ظروفه بالظبط، متجوز ولا خاطب، انا عمري ما شوفته مع واحدة ست.
– ولا انا.
قالها زوجها بابتسامة متسعة يستطرد بدهشة وهو يخرج من الغرفة ويسحبها معه:
– من ساعة ما اتعرفت بيه ، وهو كل حياتة شغل في شغل، ماشي تمام اوي ودا اللي عاجبني فيه، بس بستغرب اوي عنه الموضوع ده، اصله كمان مش مقضيها نسوان في الخفا على حسب ما بعرف، ولا يمكن في وهو حريص زيادة.
– او يمكن بيحب.
خمنت بها ليمط شفتاه بعدم معرفة:
– يمكن بس هو انسان غامض اوي، متعرفيش دماغه بتفكر في ايه؟ عكس ابن خالته عدي ، كان واضح اوي معايا، ولا يمكن حكاية والده واللي حصل مع والدته مأثرين فيه.
– هو ايه اللي حصل معاهم؟
سألته بانتباه شديد حتى توقف بها في وسط الردهة، ليداعب ذقنها :
– بعدين يا شاطرة ابقى احكيلك حكايتهم، وابعدي دلوقتي بقى من سكتي خليني اطلع اخد شاور واشوف اللي ورايا.
همت ان تتشبت بقميصه المتعرق وهي تخاطبه برجاء:
– طب دقيقتين بس احكيلي عنه نبذة مختصرة حتى.
ابتعد بجسده عنها مغمغمًا بتسلية:
-،اوعي كدة عني، مش انتي مكنتيش طايقة ريحة عرقي من شوية، خلي الفضول ياكلك بقى.
قالها وتحرك مهرولا يصعد الدرج بخطوات مسرعة، لتغمغم في اثره بغيظ:
– ماشي يا كارم، والله ما هسيبك.
❈-❈-❈
اعتدلت بجذعها عن جلستها بإجفال لا تصدق ما وصل لإسماعها عبر الهاتف:
– كااارم، كااارم مين اللي يمسك الشغل عنك يا رياض؟ وانت هتروح فين بالظبط؟
وصلها صوته الحاد:
– انا بكلمك في الشغل يا لورا ، يبقى تكلميني بصفة رسمية، بقولك شريكي كارم هو اللي هينوب عني النهاردة ، يبقى افهمي بقى من نفسك دا المطلوب منك ومن غير تعطيل.
انتفضت واقفة لتستطرد في محاولة للاستيعاب:
– حضرتك انا مش عايز اعطلك اكيد، انا بس بستفسر، دي مش عوايدك، وانت اهم حاجة عندك الشغل .
هذه المرة خفف من حدته:
– وحد قالك اني ههمل في شغلي؟ انا هوصل الست الوالدة للدكتور وبعد ما اطمن عليها هروح ان شاء الله ع الشغل وامارس نشاطي.
اومأت ببعض التفهم:
– تمام زي ما تحب ، بس معنى كدة بقى ان الدادة نبوية خفت وهي اللي هتروح معاك تراعيها؟
– لأ مخفتش لسة، واللي رايحة معانا بهجة .
– بهجة! بهجة مين؟ طب ما كنت انا روحت معاكم بدل الزفتة دي، ولا هي فاكراها فسحة دي كمان.
هتفت بها بانفعال لم تقوى على كتمانه، ليوقفها هو بصرامة:
– انتبهي لكلامك يا لورا، انا بلغتك بأمر الشغل، يبقى تنفذي المطلوب منك وانتي ساكتة ، وبس كدة.
ختم بجملته ينهي المكالمة بفظاظة، لتطالع هي الشاشة بصدمة، هذه اول مرة يعنفها غير أبهًا بصلة القرابة بينهم ، دائمًا ما كان يحترمها في العمل وغير العمل، تعلم انها بالغت في رد فعلها حينما أتت سيرة هذه الفتاة، ولكنها ايضا لا تحتمل كلمة عنها….
❈-❈-❈
دلفت تسحبها لداخل غرفة الطبيب المختص بحالتها، وقد تقدمهم هو اليه ، ليتلاقاه الاخر بالترحاب والتهليل :
– رياض باشا بنفسه في عيادتي المتواضعة، لا دي حاجة ولا في الخيال بقى.
– سجل بقى عشان تبقى للتاريخ.
قهقه المذكور يتبادل معه المزاح، قبل ان يدخل في صلب الموضوع؛
– يللا يا سيدي اهي الست الوالدة قدامك، عايزين نطمن ونعرف اخر التطورات في حالتها .
ذهبت عيني الطبيب نحو ما اشار ، ولكنه لم ينتبه للمريضة، وقد انصبت ابصاره على من ترافقها:
– مين الأمورة.
صدرت منه كسؤال عادي وإعجاب لم يخفيه، ليأتيه الرد بحدة غير متوقعة من الاخر:
– امورة مين؟ انا بكلمك عن المريضة، خليك في المريضة يا هشام .
بدا واضحا اجفال الطبيب من طريقته الفظة عكس المزاح والحديث الودي منذ قليل، ليتحمحم ويجلي حلقه ، متحدثًا بجدية:
– خلاص يا رياض، انا بس كنت بهزر مع اني كنت عايز اعرف يعني هي تقربلكو ايه؟
– الجليسة بتاعتها يا دكتور.
خرجت منها سريعًا في رد له:
– اه تمام ، خلاص هاتيها قعديها هنا قصادي نرغي شوية الاول.
تقدمت بها نحو ما اشار على الكرسي المقابل له، تجلسها امامه، ليقابلها الطبيب بابتسامته المشرقة:
– مدام نجوان القمر، عاملة ايه النهاردة ؟
❈-❈-❈
بعد قليل خرج الاثنان بها، من غرفة الفحص، دون معرفة حقيقية لما وصلت اليه حالتها، هذا السكون المبالغ فيه والوداعة، يجعلانه دائما في حالة ترقب لها،
حديث الطبيب معه في ان يزيد من قربه لها كي تعطيه الامان وتتصالح معه بعد سنوات الجفاء بينهم، ربما يؤثر في حالتها النفسية ويجعلها تستجيب للتعافي الكامل، ولكن ماذا بيده اكثر من ذلك؟
هي من تجعله ينفعل عليها بأفعالها، حتى كلما حاول كسب ودها صدمته برد فعلها وكأنها لم تعد ترى فيه الا صورة زوجها الخائن الراحل، ونست انه ابنها .
– طب انت كدة ممكن تطلبلنا عم علي يوصلنا، وانت تروح شغلك يا فندم.
نطقت بها بهجة تنتشله من شروده، ليعود اليها، محدقًا بها بتركيز شديد، جعلها تتوتر في وقفتها مخاطبة له:
– يا فندم انا بكلمك عن رجوعنا للبيت لو يعني……
– خلاص سمعت…..
تفوه بها مقاطعًا لها بفظاظة لا يعرف سببها، ولا يعلم بسر هذا الضيق الذي يشعر به الاَن تجاهها، حديثها منذ قليل وفصاحتها في مناقشة ما تلمسه من حالة نجوان مع الطبيب الذي برغم رزانته التي اشتهر بها، إلا انه معها كان كرجل اخر، يتباسط معها ويمازحها، حتى كاد ان ينسى المريضة نفسها وابنها بكل هيبته، هذه الفتاة تفاجأه كل يوم باكتشاف جديد عن شخصيتها:
عض على نواجزه، يكبت غضب غير مبرر داخله، ليردف بخشونة وبصيغة الامر؛
– هاتيها وتعالي ورايا ع العربية ، انا اللي هرجعكم بنفسي.
❈-❈-❈
في السيارة التي كانت تقلهم في طريق العودة ، لم تنسى له طريقته الفظة في التحدث معها، واحساس بعدم الراحة يكتنفها، مع كل نظرة يوجهها لها عبر المرأة حيث كانت جالسة في المقعد الخلفي مع والدته، والتي صبت اهتمامها بها، لتتجاهله ولا تعطي له بالا .
ليلفت انتباهها تركيز الآخرى بالنظر نحو الخارج نحو جهة ما، وهذا البائع الذي التفت حوله الأطفال:
– ده بياع غزل البنات، تحبي اجيبلك منه.
حينما قالتها لم تقصد الجدية ولكن بلهفة الأخرى وتطلعها اليها كطفل صغير، تهز رأسها برجاء.
اجفلت هي لهذا الاصرار العجيب من المرأة لتنقل بنظرها نحو الأخر بارتباك، تردد بتلعثم:
– انا ان كان عليا والله انزلك، بس بقى…..
– هنزل اجيبلها انا .
تمتم بها بخشونة، قبل ان يصطف السيارة فجأة، ويترجل منها بهيبته، ثم يشير للرجل البائع والذي هرول اليه على الفور تاركًا مجموعة الأطفال الملتفة حوله:
– ايوة يا سعادة البيه.
لم تتبين بهجة بالحديث الدائر بينه وبين البائع في الخارج، بجلستها هي في الداخل برفقة نجوان، حتى فاجئها هو بمجموعة دفعهم بضيق، حتى امتلأ حجرها هي والأخرى والتي هللت بوجه مشرق كطفل صغير، جعل الابتسامة تنير بوجه بهجة فرحًا لها،
– ياااه للدرجادي غزل البنات فرحك، ياريتني كنت اعرف من زمان كنت جيبتلك على طول .
فتحت نجوان احدى الاكياس تقطم منه قطعة كبيرة بتلذذ، ثم تناولها هي ايضا قطعة كي تشاركها، تلقتها منها بهجة بترحيب:
– حلوة اوي ، كأنك انتي اللي عملاه والله تسلم ايدك .
وبغير قصد منها لعقت الجزء المتبقي على طرف ابهامها، غافلة عمن تجمد محله في مشاهدتها، حتى انه نسي القيادة ونسي ما ينتظره من اعمال في متابعتها، حتى التقت خضرواتيها بدون قصد ببندقيته، لتطرق بحرج، تستدرك خطأها في عفوية لم تتعمدها، ولكنها فعلت به الافاعيل.
ليتحمحم مجليًا حلقه، وينتبه لنفسه، ليدير محرك السيارة ثم يتحرك نحو وجهته والعودة بهما الى المنزل.
❈-❈-❈
عقب عودتهم الى المنزل، كانت المفاجأة بانتظارهم، بوجود لورا الذى لم يتوقعه رياض ليباغتها بسؤاله على الفور:
– في حاجة حصلت يا لورا؟ وانتي هنا من امتى اصلا؟.
صدر ردها بوداعة:
– جاية هنا عشان الشغل طبعا،.
وقبل ان يستفسر منها توجهت نحو نجوان تستقبلها بود شديد:
– طنط نجوان حبيبة قلبي.
اجفلت الاخيرة بضمها من تلك الفتاة، ونثر القبلات على جانبي وجهها، تخاطبها بحنان مبالغ فيه:
– وحشتيني، وحشتيني اوي، سامحيني لو الشغل هو اللي واخدني منك.، انما انا لو عليا اجيلك كل يوم، وماما كمان دي نفسها اوي تشوفك.
– انتي مين؟
تمتمت بها نجوان لتدفعها عنها بضيق ، ومن دون كلمة اخرى ارتدت بقدميها للخلف، نحو بهجة التي التزمت محلها، لتعود اليها وتتشبث بها كطفل صغير، بمشهد اوقد النيران برأس الأخرى،
لتبرق عينيها بحمم تطلقها نحوها، تلك التي استولت على قلب هذه المعتوهة، لتنال ثقتها، دونا عن المئات منن تقدمن لهذا العمل، ويبدو انه قد حان الان الدور عليه هو.
التفت اليه بأنفاس لاهثة ، لا تقوى حتى على تخيل الفكرة.
– لورا انتي ما قولتيش جاية ليه؟
كانت تلك صيحته نحوها، لتنتفض باستدراك سريع، وتتناول عدد من الملفات التي وضعتها على ذراع الأريكة ، ثم تعطيه اياها:
– حضرتك انا جيبالك دول، كارم باشا قام بالواجب وزيادة بس دول مطلوب فيهم امضتك الشخصية.
ألقى بنظرة سريعة بمستوى الاوراق، ليتمتم باستغراب:
– كان ممكن يستنوا على ما اجي الشركة بنفسي، بس يلا مش مهم ، هاخدهم ع المكتب اراجعهم وامضيهم،
تحرك خطوتين متمتمًا لها:
– استنيني هنا ولا خلي حد من الشغالين يعملك حاجة تشربيها.
اومأت بطاعة وابتسامة حلوة:
– اتفضل براحتك، انا مش غريبة .
حينما انصرف نحو وجهته، وتوقفت هي بوسط الردهة تجول بأبصارها هنا وهناك، حتى وجدت غايتها ، وذلك خلف الجدار الزجاجي ، حيث الجهة الاخرى، والحديقة الداخلية للمنزل،
وجلسة تجمع نجوان مع تلك الفتاة على طاولة لهم وحدهم.
ابتسامة غامضة لاحت على ملامحها، قبل ان تتحرك من محلها قاصدة وجهتهما.
❈-❈-❈
كانت نجوان مازالت تحتفظ بابتسامتها الحالمة وهي تتناول من قطع الحلوى التي أتت بها، تتناولها بتمهل وتلذذ بذوبانها داخل فمها، ونظرات شاردة جعلت بهجة المتابعة لها تعلق بتخمين:
– سرحانة ووشك مورد، شكلك كدة كنتي خارباها فسح ع النيل، حلبسة بقى ودرة مشوية وبطاطا ع الفحم……
توقفت فجأة بتردد مغمغمة:
– خايفة أسألك عن ذكرياتك دي كانت مع مين لا اخرب عليكي حالة الصفاء وانا مش واخدة بالي، بس اقولك بقى اهم حاجة تكوني مبسوطة، يعني انا هعوز ايه اكتر من كدة؟
– انتي هنا يا طنط وانا بدور عليكي.
جاء الصوت من خلفها، لتلتف بجذعها بهجة، فتحققت من هذه المتعجرفة، وهي تقترب منها، بهيئتها كعارضات الازياء ، كل شيء بها مرسوم بدقة، مع اهتمام مبالغ فيه، يجعلها قبلة للنظر.
– أخبارك ايه يا بهجة؟
كان هذا السؤال اول ما نطقت به فور أن توقفت امامهم بابتسامة لا تخلو من استخفاف ،فجاء رد بهجة تبادلها بواحدة صفراء:
– الحمد لله يا لورا هانم رضا.
– اممم ، وعلى كدة بقى، انتي مبسوطة هنا؟
لم تعجبها نبرة السؤال :
– انبساط! لا يا هانم، تقدري تقولي بقيت اتعود ، لكن انبساط دي حاجة بعيدة اوي، ربنا يكرمنا بيها.
زمت شفتيها بهذه الابتسامة المستفزة، ثم جلست مخاطبة لها بزوق غريب عنها:
– ماشي يا بهجة، طب ممكن بقى تقولي لحد من الشغالين يحضرلي حاجة اشربها، يعني لو مش هتقل عليكي.
حينما نقلت بهجة بابصارها نحو نجوان التي انكمشت بنظرات الخوف وكأنها طفلة تخشى الغرباء، سارعت تطمئنها:
– ما تخافيش على طنط انا هراعيها بنفسي، هي اول مرة يعني؟ ولا انا غريبة عنها؟
اضطرت بهجة ان تزعن لالحاحها، وتنهض تنفذ طلبها ، تاركة نجوان التي صارت تتابعها بأعين راجية الا تتركها، لتطمئنها قبل ان تستدير عنها وتذهب:
– جيالك على طول متخافيش.
تطلعت لورا في أثرها بنظرات حارقة، لترتخي ملامحها بعد ذلك وتلطف بقولها نحو الأخرى:
– ايه يا طنط، معقول تكوني خايفة مني للدرجادي، هو انا غريبة عنك يعني؟ ولا هتنسي صلة الدم اللي ما بينا؟
حينما جذبت انتباهها اخيرا، واصلت لورا بطريقتها الناعمة:
– انا عارفة انك عاقلة وست العاقلين كمان، بدليل انك منتبهة لكلامي دلوقتي، طب اقولك على حاجة…….
توقفت فجأة تدور ابصارها في الانحاء كافة قبل ان تعود اليها هامسة:
– انا جيالك النهاردة مخصوص عشان احذرك، البنت دي اللي اسمها بهجة، عارفة تبقى قريبة مين؟
دارت مقلتيها مرة اخرى قبل ان تخبرها بهمس يقارب الفحيح؛
– تبقى قريبة ناريمان، فاكرة ناريمان؟
لاحت على ثغرها البسمة ، حينما رأت الزعر الذي اعتلى ملامح الاخرى، لتكمل بانتشاء .
– ايوة هي بعينها يا طنط ناريمان، وجاية تخطف حكيم منك…… شوفتي بقى .
توقفت تراقب تأثير الكلمات عليها، بعدما حطت بيداها على الجرح الخامد، تنخر فيه بأظافرها، لتقلب كيان المرأة بذكريات بشعة وصورة غريمتها التي حلت امامها، تغشي عينيها عن الرؤية، فيعلو صدرها ويهبط بانفاس متسارعة وبصورة انبأت الأخرى بقرب الوصول لهدفها ، فتنسحب من امامها بهدوء، وتبتعد مع مراقبتها بحرص، حتى انتبهت لعودة الأخرى من الجهة الاخرى، لتنهض نجوان من محلها، تحركها الذكرى البائسة، وقد توقف عقلها عند هذه النقطة، ولم يعد يعمل ولا يميز أي شيء
لتندفع بغضبها مسرعة بخطواتها نحوها وكأنها ذاهبة الى الحرب ، فتتلاقها بوسط المسافة عند المسبح، ويحدث ما يحدث !
❈-❈-❈
تتأوه بتعب ، شاعرة بثقل ودوار يلف رأسها وهي تجاهد لالتقاط الوعي، حتى فتحت عينيها للضوء القوي، مستغربة النعومة الشديدة بالفراش، لتتضح الرؤية رويدا رويدا امامها، ولكن…..
هذه ليست غرفتها، ولا هذا فراشها، ولا….
– يا نهار اسود
هتفت بها تعدل جذعها بجزع، حينما انتبهت على ما ترتديه:
– هدومي راحت فين؟ وهدوم مين دي اللي انا لابساها؟
لترفع عنها الغطاء وتنهض عن الفراش رغم دوار رأسها الذي كاد ان يسقطها ارضا، لولا أن لحقت بنفسها، لتستند بيدها على قائم التخت، لكن سرعان ما استقامت لتتحامل على هذا الدوار الشديد، وتخرج من الغرفة الفخمة تبحث بأبصارها يمينا ويسارًا حتى وقعت عينيها عليه ، جالسًا بأحد الاركان على الاَريكة الاثيرة ،
امام حاسوبه الذي كان يعمل عليه بانشغال تام ، حتى اخترقت اسماعه صيحتها، ليجفل، ويهتز كوب القهوة بيده، حتى اسقط كمية كبيرة من المشروب الساخن على قميصه ولوح المفاتيح للحاسوب، كما احرق جزء من بشرته، ليتأوه بصمت وهو يسمع لها:
– انا كنت في الاوضة االي جوا بعمل ايه؟ ومين اللي غير لي هدومي؟ انتوا عملتو فيا ايه بالظبط؟
اشار بيده والأخرى صار يمسح بها بالمحرمة على قميصه ولوح المفاتيح، متمتمًا ببعض الهدوء:
– طب اهدي خليني افهمك.
– تفهموني ايه؟ دا انا هوديكم في داهية،
صرخت بها، تهم بالمتابعة بالسباب، ولكنه اوقفها بحزم وصرامة:.
– اسمعي مني الاول بقى وافهمي، ولا اسيبك على عماكي احسن ……
انهارت ساقطة على الارض، وقد غلبها التعب الجسدي، وجزع داخلها يجعل قلبها ينتفض خوفا، ان يكون حدث معها شيء لا تستطيع العيش معه، شيء تفضل الموت على ان يحدث.
– انا مش عايزة ابقى على عمايا، انا عايزة افهم، ارجوك انا مش فاكرة اي حاجة..
زفر يمسح بكفه على وجهه لينهض ذاهبًا نحوها، يمد يده اليها :
– قومي يا بهجة الاول واستريحي ع الكنبة، بلاش قعدة الارض.
رفضت قاطعة:
– لا انا مش عايزة اقوم، انت اتكلم وانا كدة مستريحه.
امام اصرارها لم يجد بدا من مهادنتها، ليجلس هو على اقرب المقاعد اليها، ثم يستعيد برأسه ما حدث ، ولحظات من اصعب ما مر عليه
((قبل ساعات من الاَن
وقد كان بغرفة مكتبه، منكفئًا على عمله على عدد الملفات التي أتت بهم مساعدته لورا، بتركيز تام ، حتى اجفل على صوت صراخ غير مفهوم، لم يميزه في البداية، حتى دوى الاسم المعروف بذهنه:
– حكييييم، حكييييم.
انتفض على الفور وقد علم ان تلك والدته، ليخرج مهرولا يتبع الصوت الذي ذهب به الى الحديقة، وكانت المفاجأة حينما وجدها بالقرب من المسبح، تنتحب وتنتفض محلها، وقبل ان يتخذ طريقه نحوها، صعق بالأفظع،
وذلك برؤية الجسد البشري وهو يصارع الغرق بداخل المياه، وقد تيقن تماما من ضعف مقاومتها، وانها على وشك ان تستسلم للموت،
ليتخذ القرار على الفور، ويلقي بنفسه داخل المياه فيحملها من ظهرها بذراع والأخر يدفع به داخل المياه حتى خرج بها يلقيها على السطح الرخامي فاقدة للوعي.
فحاول بخبرته القليلة إجراء الاسعافات الاولية لها ، بالضغط بكفيه وقلبها ايضا لإخراج الماء الذي دخل مجري التنفس لها.
– فوقي يا بهجة الله يخليكي فوقي.
– ايه اللي حصل انا كنت جوا بعمل مكالمة تليفون.
كان هذا صوت لورا التي أتت للتو من الداخل، لم يلتفت لها ، وقد كان مشغولا في اسعاف الأخرى، والتي اضطر في الأخير ان يجري لها تنفس صناعي، ليصدر صوت شهقة مفاجأة من لورا التي كادت ان تصاب بأزمة قلبيه، مع استجابه الأخرى، وسعالها في إشارة لعودتها للحياة مرة اخرى، ولكن بنصف وعي ، ليحملها هو ذاهبًا بها الى الداخل.
– انتبهي على ماما على ما ارجعلك يا لورا؟
صرخت به ضاربة الارض بقدميها:
– ودي هتروح بيها على فين؟
– لم يكلف نفسه عناء الإجابة، فواصل طريقة حتى ذهب بها الى احدى الغرف، مناديا على احدى الخادمات ، حتى تخلع عنها ملابسها وتراعيها، حتى يأتي بالطبيب اليها ، ويذهب هو للاطمئنان على والدته.))
– ادي كل اللي حصل يا بهجة، لساكي برضو مش فاكرة؟
كان هذا سؤاله فور ان قص عليها كل شيء، وقد اقتص من الجزء الخاص بإسعافها ذكر التنفس الصناعي، ليختص به لنفسه ، فيكفيه ما يكتنفه الاَن من مشاعر كاسحة، بقبلة الحياة التي لم يتعمدها، ولكنها قلبت كيانه رأسا على عقب ، بالكاد يحاول التوازن امامها ، وصرف افكاره بقدر الامكان .
لينتبه على اجابتها، بعدما نفت بهز رأسها، وقد تغضنت ملامحها بالحزن، لترد بصوت بالكاد خرج:
– دلوقتي بس افتكرت، انا كنت راجعة من المطبخ، بعد ما سيبتها مع لورا، كانت هادية وراسية بشكل فرحني، لدرجة اني لما شوفتها جاية عليا بوشها مقلوب، افتكرتها بتهزر، قبل ما تفاجأني والاقيها بترميني على حوض السباحة، ووقفت قدامي تبص عليا كأنها تمثال ، وانا بصرخ عليها واقولها:
– بتزقيني ليه انا مبعرفش اعوم؟ نادي حد يخرجني، نادي حد يخرجني.
ختمت تمسح دمعات خائنة سقطت منها، متابعة:
– طب هي عملت كدة ليه معايا، دا انا اديتها الامان وافتكرتها بتحبني.
ردد خلفها بتأكيد:
– بس هي فعلا بتحبك يا بهجة، بدليل صريخها عليكي وعشان حد ينقذك.
– امتى؟ دا انا مش فاكرة غير فرجتها عليا .
– وانا بقولك اللي حصل يا بهجة، ماما من ساعة اللي حصل قافلة على نفسها في حالة مشوفتهاش عليها بقالي سنين، اكيد يعني انا مش هكدب عليكي.
اومأت بتفهم، لا تستبعد هذا الفعل منها. فهي كالبحر مرة تخدعها بهدوها وصفاءها، ومرة اخرى تصفعها بأمواجها العاتية.
استدركت فجأة تسأله:
– صحيح انا كنت سيباها مع لورا، راحت فين وسابتها؟
مط شفتيه بعدم معرفة:
– بتقول انها كانت بتعمل مكالمة ساعة اللي حصل، المهم دلوقتي انا كنت عايز اعرف قرارك عن الاستمرار هنا او عدم الاستمرار، وانا في كل الحالات هعوضك عن اللي حصل معاكي، دا حقك عليا، قرارك دلوقتي بقى يا بهجة.
صمتت قليلًا بتفكير، قبل ان يصدر ردها النهائي:
– انا عايزة اشوفها الاول ، قبل ما احدد اي قرار.
الفصل السابع من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السابع 7 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال االفصل السابع 7 بقلم امل نصر
زمجرة بغليل خرجت منها، تدفع محتويات مكتبها على الارض بعنف اصدر ضجيجًا دوي في أنحاء المنزل، حتى اجفل والدتها من خارج الغرفة، لتدلف اليها سائلة بجزع تستكشف الأمر:
– يا نهار اسود، ايه اللي حصل يا لورا؟
التفت إليها ، قابضة على شعر رأسها تكاد ان تقتلعه مرددة:
– مفيش حاجة حصلت يا ماما، المصيبة ان مفيش حاجة حصلت؟ ودا اللي هيجنني وبيخليني اسأل نفسي كل دقيقة، انا ايه اللي ناقصني عشان ما يشوفنيش؟ ليه دايما حاططني في خانة القرايب او الموظفة اللي عنده، امتى بقى يحس بيا؟ حتى يرحمني من النار اللي بتاكل فيا وانا كل لحظة يدور عقلي بالهواجس، انه يبص لواحدة غيري ولا يفكر في الجواز، هتجنن يا ماما هتجنن.
دفعت في الاخيرة احد المقاعد تسقطها بقدمها، قبل ان تخور قوتها وتسقط على الاخر، بمشهد اثار استفزاز والدتها:
– يعني انا افهم من كدة، ان الجنان والتكسير والبهدلة دي كلها، عشان الباشا اللي مش راضي يعبرك ولا يحس بحبك، ما عنه ما اتنيل، هي خلاص الرجالة صفصفت عليه ؟ الدنيا حواليكي مليانة شباب زي الورد، لكن انتي اللي عميتي نظرك ووقفتي الرؤية عليه هو بس…. فوقي يا حبيبتي قبل الوقت ما يسرقك، ويضيع عمرك بالقعدة جمبه.
طالعتها بحنق متعاظم، تخاطبها بعتب:
– شكرا اوي يا مامي ع المؤازرة، دا بدل ما تقفي جمبي وتدليني على طريقة تقربه ليا.
لطمت والدتها كفيها ببعضهما، لتتخصر ناظرة اليها بقنوط، قابلته لورا بضحكة ساخرة:
– شوفي انتي بتتكلمي ازاي عن إنى اسيبه واشوف غيره بكل سهولة، ومتعرفيش اني بقيت اغير عليه من الخدامين يا مامي، تصدقيها دي؟ انا حالتي بقت متأخرة في حبه، ودوايا هو.
هذه المرة حلت الابتسامة على ثغر والدتها، ولكن بمرارة على حال ابنتها:
– يبقى انتي كدة هتحصلي والدته يا قلبي، ما هو اللي ضيع نجوان هو الهوس بجوزها، اللي هو صورة من ابنه، بس ع الاقل حكيم رغم كل عيوبه كان بيحب مراته، انما انتي يا حلوة، حجتك ايه؟ مهووسة بحب راجل مش حاسس بيكي من الأساس.
وعلى عكس ما توقعت بعدما حدثتها بالمنطق، جاءها رد ابنتها بتصميم وتشبث:
– عشان طنت نجوان كانت ضعيفة يا ماما، يبقى تستاهل اللي حصل لها، انما بنتك بقى……
توقفت تضع قدما فوق الاخرى، تردف بثقة:
– قوية، وقوية اوي كمان، وعمرها ما هتتنازل عن حلمها .
❈-❈-❈
دلفت تتبعه حينما دفع الباب ليتوقفا الاثنان بمدخل الغرفة، فيشير لها بيده نحو الأخرى، وتفاجأ برؤيتها؛ متكومة على الفراش، تحتضن ذاتها من ركبتيها الى صدرها، وكأنها طفل صغير، أضاع والديه، وتاه في عالم غير عالمه الذي يعرفه،
برغم كل ما تحمله من غضب نحوها، إلا ان مشهدها بهذه الصورة مزق قلبها ، كيف انقلبت هكذا من حالة الحالمية والشرود الجميل الى هذه المرأة البائسة التي تبدو كعجوز كسرها الحزن:
– هي ليه عاملة كدة؟
كان هذا هو السؤال الذي صدر منها في رد فعل اولي لما تراه، فتنهد هو بأسى يضع كفيه بجيبي بنطاله قائلا:
– اهي ع الحال ده من ساعة اللي حصل، في البداية كانت بتصرخ بهستيريا واحنا مش فاهمين عايزة ايه؟ فا اضطرينا نديها حقنة مهدئة، نامت بعدها، لكن من ساعة ما صحيت وهي ع الحال ده، مش عايزة تقوم من ع السرير ولا تاكل ولا تشرب ، انا احترت معاها وبفكر جديا اوديها لأي مصحة…..
قاطعته معارضة على الفور:
– لا حرام ارجوك، الدكتور امبارح نبه على قربك منها ، وانها تحس بحبك واحتياجك ليها ، لو نقلتها للمصحة يستحيل ترجع لطبيعتها تاني ولا تخف .
لحظات من الصمت بينهم، وهو يحدق بها بنظرات لم تفهمها، وهي في انتظار رده.
، يدهشه خوفها على والدته رغم ما فعلته معها وقد كانت على وشك الموت بسببها، كيف تمتلك قلبًا يتسع للتسامح في امر كهذا؟
نفض رأسه يتصرف بعمليه، مقررا بذكاء منه استغلال الفرصة:
– طب انا من رأيي تقعدي معاها الاول وتحددي قرارك ، وبعدها اشوف انا الحل المناسب.
اومأت رأسها بتوتر ، لتخطو نحو المرأة المتعبة، تلك التي انتبهت عليها، لتتعلق ابصارها بها، تغشي عينيها الدموع التي بدأت تهطل بندم ورجاء، التمسته بهجة، لتسقط جالسة بجوارها تخطابها بحيرة وعتاب :
– طب بتعيطي ليه دلوقتي؟ انا اللي حقي ازعل منك على فكرة .
اهتز صوتها في الاخير بتأثر واضح، لتفاجأ برد فعل نجوان، التي نهضت بجذعها مرددة بكلمات بالكاد تفهم:
– انتي مش هي، انتي مش هي .
– هي مين؟ وضحي اكتر عشان افهم؟
لم تجد اي رد منها، سوى ان فاجأتها تحتضنها بدموع صامتة، تبلل كتفيها ، تزيد من تشتتها، فتردد بإجهاد وتعب:
– طب والله حرام عليكي اللي بتعمليه فيا ده؟ انا دلوقتي اكرهك ولا احبك، تصعبي عليا ولا ادعي عليكي عشان كنتي هتموتيني؟ انتي ايه حكايتك معايا؟
دوت عبارتها الاخيرة، برأس ذلك المتابع لمشهدهم من اوله، وكأنها تنطبق على حالته معها، تلك الحنون التي تسامحت في غضون دقائق مع واحدة لا تعرفها سوى من فترة لا تتعدى الأسابيع، بفعل لم يقوى هو عليه مع اقرب الناس اليه، رغم مرور السنين.
❈-❈-❈
خرجت اليه بعد قليل،
وقد بدلت ملابسها، لأخرى التي أتت بها، بعدما جففتها لها عاملة المنزل، لتخطو نحوه وملامح التردد تعلو تعابيرها، وهو يراقبها ويتشرب تفاصيلها بشغف هو نفسه لا يصدقه، بعد سنوات لا يذكر عددها، تساوت فيها النساء مع الرجال في نظره، لا يلتفت ولا يعطي بالا لاحداهن، مهما كانت درجة جمالها، ومميزاتها، انما مع هذه…… يبدو ان الأمر مختلف تماما.
– تعالي اقعدي يا بهجة.
هتف يدعوها ، يزيح الحاسوب عن قدميه، مؤجلا العمل عليه حتى ينهي النقاش المهم معها، ليردف فور ان استجابت وجلست امامه:
– ما انا مضطر اتابع بقى الشغل من بيتي.
فهمت على مقصده من خلف الكلمات، لتعقب بأسف:
– معلش يا فندم اننا عطلناك على شغلك.
قالتها لتطرق برأسها بحرج منه، فجاء رده بمراوغة:
– والله لو ع اليوم ده وخلاص ، تعدي يا بهجة، انما المشكلة ع الايام اللي جاية بقى، لو انتي رفضتي الاستمرار، انا بصراحة مش عارف ساعتها هعمل ايه لحد ما تقوم الدادة نبوية من رقدتها الشديدة دي.
افتر فاهاها تهم بالرد ولكنه كان الاسبق :
– انا مش بضغط عليكي يا بهجة، انتي ليكي الحرية انك تحددي قرارك، وحاجة تانية….
توقف يعطيها مبلغا من النقود في ظرف ابيض، قائلًا:
– دول حاجة بسيطة يا بهجة، وملهمش دعوة بأي شيء.
تطلعت في الظرف المغلق بعدما وضع في كفها، يظهر مبلغا كبيرة من النقود، لتعبر عن رفضها:
– بس دول كتير اوي وانا معملتش حاجة.
– انتي كنتي هتروحي فيها يا بهحة، يبقى معملتيش ازاي بس؟
تمتم بها متفكهًا على غير طبيعته، ليجبرها على الابتسام رغم توترها، فترد بخجل:
– العمر والأجل دا بإيد ربنا.
– ونعم بالله .
تمتم بها، ثم صمت في انتظار ردها، والذي جاء بعد فترة سائلة:
– طب ممكن اعرف انت هتعمل ايه معاها؟ بس من بعد اذنك يعني بلاش المصحة.
– معنى كدة انك قررتي عدم الاستمرار يا بهجة؟
جاء ردها بحيرة ظاهرة:
– ما انا بصراحة خايفة منها بعد اللي حصل، وبرضوا صعبانة عليا، ومش فاهمة هي عملت معايا كدة ليه؟
– بس هي بتحبك والتصرف اللي طلع منها دا انا مش عارف هو حصل ازاي ، بس اللي متأكد منه، بعد اللي شوفته جوا معاكي، هو انه لا يمكن يحصل تأني.
اشار في الاخيرة على ما حدث منذ دقائق بداخل غرفة والدته ، حينما تشبثت بها كالاطفال وبأعين دامعة، وهذا لا يحدث الا نادرًا.
حينما وجدها صامتة، تابع يضغط على هذا الجزء الضعيف بها:
– ع العموم لورا لساها بتدور على واحدة ، دا غير انها عرضت عليا تتكفل بيها في بيتها لحد ما الدادة نبوية تسترد صحتها .
– بلاش لورا عشان بتخاف منها.
خرجت منها سريعا بتعبير واضح عن رفضها، ليعقب هو بقلة حيلة لا تخلو من مكر:
– طب اعمل ايه بس يا بهجة، ما هو يا الحل ده، يا اوديها المصحة.
– تاتي المصحة برضو؟
تمتمت بها، ثم اغمضت عينيها تستغفر ربها، وتناجيه العون ، وهو يطالعها بترقب في انتظار الرد، والذي لم يأتي إلا اخيرا:
– طب انا هاخد الكام يوم دول لحد ما ترجع دادة نبوية ويشفي عنها يارب ، بعدها بقى، ابقى اقرر استمراري من عدمه من عشرتي معاها.
زفر بارتياح مغمغمًا:
– وانا مش هنسالك المعروف دا ابدا يا بهجة ، وبرضوا مش هتأخر عنك في عائد مادي تستحقيه.
تمتمت بتوتر :
– مش مهم العائد المادي، قصاد انها متأذنيش، ربنا يهديها عليا .
❈-❈-❈
لا يوجد اجمل من ان يأتيك الفرج بعد طول عذاب، ومن حيث لا تحتسب،
فرحة تغمرها بشكل لا يوصف، رغم الالم ولحظات الأسى التي مرت بها، والوجع الجسدي الذي لم يذهب حتى الاَن.
الا انها لا تنكر فرحتها الاَن، وهذه المبلغ المحترم من المال ، سيمكنها من دفع عدد كبير من الديون والاقساط التي رغم صغرها، إلا ان كثرة عددها، يجعلها طوق في الرقبة يخنقها، سوف تتمكن من شراء شيء ما لها يصلح للخروج، ولشقيقاتها ايضا.
لن تبقي على قرش واحد منهم، فما تصرفه الاَن، تعلم ان الله سوف يخلفه.
– احنا وصلنا الحارة يا بهجة، تحبي تنزلي هنا مطرح ما بتنزلي كل يوم ، ولا ادخل بيكي داخل منطقتكم؟
قالها العم علي بمشاكسة، استجابت لها بابتسامة قائلة:
– كتر خيرك يا عم علي، كل مرة تسألني السؤال وانت عارف اجابته.
تفكه بطرافة منه، يُسمعها قبل ان تترجل من السيارة:
– الحق عليا ، اني مستغليتش وانتي سرحانة، ودخلت بيكي في قلب الحارة وقدام باب بيتكم ، واقولك انزلي.
– ساعتها مكنتش هتعرف تخرج بيها يا عجوز يا لئيم .
صدحت ضحكات الرجل العجوز في قلب السيارة، في رد فعل على كلماتها، لتغادر هي بابتسامة متسعة ، خبئت بعدها بقليل، فور ان وقعت عينيها على ابن عمها الأصغر، والذي وكأنه اتفق مع شقيقه الاخر في تضييق الخناق عليها، الا يكفيها عمها وزوجته المتسلطة وابنتهم الحمقاء التي لا تجد راحتها الا بتعكير صفوها في كل مرة تقابلها، فلينجدها الله منهم.
– راجعة ع الساعة اتناشر وفي عربية اخر موديل يا بهجة.
زفرت تقابله بحنق مرددة:
– وانت مالك؟
اشار بسبابته على صدره بصدمة:
– انا مالي يا بهجة؟
– اه انت مالك؟ ومستعدة اكررها للصبح يمكن تفهمها.
قالتها بتصميم اوغر صدره، حتى كاد ان يتفوه برد قوي، ولكنه توقف على قدوم شقيقها والذي تجهم سائلا:
– واقفة ليه عندك يا بهجة؟
وقبل ان ينطق هو وجدها تجيبه:
– ابن عمك بيحقق معايا على رجوعي الساعة اتناشر، ورجوعي في عربية يا ايهاب، ولما بقوله انت مالك زعل.
– دا بجد؟
غمغم بها شقيقها موجهًا نظراته نحو ابن عمه، ثم اجفله بقوله:
– طب انت مالك صحيح؟
ختم ضاحكا يسحب شقيقته ويذهب بها من أمامه بكل هدوء واريحيه، تاركا الاخر بفاه منفرج في متابعتهم، ثم يغمغم بالسباب والشتائم.
❈-❈-❈
توقف موكب السيارات امام القصر القديم الطراز والمتجدد بأحدث الوسائل، ليترجل من احداهم بهيبته، ثم التف نحو الجهة الاخرى، يتناول كف امرأته التي كانت تجد صعوبة في النزول لولا مساعدته، وذلك نتيجة لحملها في الشهور الاخيرة بالجنين الذي يتشوقا اليه منذ سنين، منذ زواجه بها،
– براحة يا روح قلبي، على اقل من مهلك.
ردت زوجته بامتنان ، تريح برأسها على ذراعه الذي تستند عليه:
– ربنا يخليك ليا يا مصطفي، متحملني رغم التعب المستمر، ولا شكلي اللي بقى بشع.
تنهيدة مثقلة صدرت منه، يقبل كف يدها بلوعة:
– شكلك ايه بس ولا بتاع، هو انا شوفت ولا عمري هشوف غيرك، يا نجمة الجماهير انتي، ياللي هتخلفيلي اجمل طفل على سطح الكوكب، يااااه دا انا متشوق اوي.
ربتت نور برقة على يده التي تحاوطها، ثم قامت بطبع قبلة خاطفة على كتف ذراعه بحب متمتمة:
– هانت يا روح قلبي، فات الكتير مبقاش الا القليل، كلها ايام ويهل ولي العهد ، ربنا يعديهم بقى على خير زي اللي فاتوا .
– يارب يارب .
تضرع بها الى الخالق بشوق جارف، يعد على اصابعه، بقرب الوصول لأجمل الأهداف التي ينتظرها، فصبره الذي طال يستحق المكأفاة، بعشمه في كرم الخالق.
– مصطفي.
دوى الصوت القوي ينتشله من عالمه الوردي، ليتفاجأ بها جالسة في انتظاره في بهو القصر، تستند بذقنها على رأس عصاها، وكأنها كانت في انتظاره، لتهمس زوجته بخوف منها:
– مامتك قاعدة مستنياك يا مصطفى، باينها زعلانة كالعادة، انا بصراحة مش هتحمل القعدة، هموت وانام.
رد بهمس هو الاخر:.
– خلاص اطلعي وانا هحصلك.
سحب ذراعه منها، لتعتمد على ذاتها في الباقي، ثم ألقت بالتحية على المرأة ذات الوجه العابس:
– مساء الخير يا طنط،
– مساء النور يا روح طنط.
رددت بها بهيرة بسخرية لم تخفى على ابنها ، الذي تعمد التجاهل كعادته، تجنبا لغضبها:
– نعم يا ست الكل، مش عوايدك يعني تسهري.
مطت شفتيها بابتسامة ليس لها معني، قائلة:
– خلينا نتعلم يا سيدي منكم،… ع العموم دا مش موضوعنا
– امال ايه هو موضوعنا؟
سألها مستفسرًا، لتجيبه بعد برهة من الوقت :
– انا كنت بفكر اشتري قصر جدك شوكت باشا، عايزة اجدده، وارجعه لاصله.
قطب قليلًا بتفكير ، ليعقب بعد ذلك:
– بس دا ورثك مع خالتو نجوان، هتبيع ازاي نصيبها بحالتها دي؟
– من ابنها
– يا ماما وافرضي رياض قبل ومضى، وخالتو رجع لها عقلها بعد كدة وخفت، هتتقبل ازاي الأمر لما تلاقي نصيبها بقى ملكك انتي .
زمت شفتيها تضرب بعصاها على الارض بحنق:
– وانا بقى هفضل تحت امرها؟ حد قالها تروح تتجوز برا العيلة من واحد العوبان زي حكيم، خسرها فلوسها، وبموته اخد عقلها كمان، ما هي لو سمعت الكلام، مكنش دا كله حصل لها.
يعلم ان جادلها ستواصل ولن تتوقف ، وهو بالكاد تحمله قدميه، لذلك فضل مجاراتها:
– حاضر يا ماما ، هشوف الموضوع ده مع رياض، وهو يتصرف، عن اذنك بقى عشان هموت وانام .
لم يتلقى منها رد، فنهض متابعًا انسحابه:
– تصبحي على خير بقى يا ست الكل، عن اذنك.
تابعت انصرافه وهروبه منها بضيق :
– ماشي يا مصطفى،انا برضو مش هسكت غير لما اخد القصر.
❈-❈-❈
مرت عدة أيام في مجالستها للمرأة بهدوء وبعض الارتياح بما لمسته منها من تغير، وقد اصبحت تستجيب لها وتطيعها دوما ، أدمنت القصص والروايات، وقراءتها من قبل بهجة، وكأنها تكفر عن ذنبها وخطأها.
حتى أتى ذلك اليوم حينما وصلها اتصال من شقيقتها، تخبرها عن حمى مفاجئة أصابت شقيقها، عقب عودته من إحدى دروسه.
فحاولت الاتصال بصاحب العمل حتى تستأذنه وتترك نجوان في حوزته، فمسؤولية الخروج الاَن مع عدم توقع أفعالها الغير مضمونة على الإطلاق يقيد عقلها عن التفكير بأي شيء ، ولكنها لا تقدر على المكوث هنا وشقيقها لا تعلم بما اصابه ومع محاولات الاتصال المتكررة وفشل الوصول اليه، اضطرت في الأخير ان تبعث رئيستها في عمل المصنع لتُعلم هذه المتعجرفة مساعدته في المصنع كي تخبره، وحينما لم تجد منها نتيجة هي ايضا، حسمت امرها لتتخذ القرار.
❈-❈-❈
– قلب اختك يا حبيبي، ايه اللي حصله يا جنات؟
هتفت بكلماتها، فور ان دلفت اليه عائدة من الخارج، تسحب بيدها نجوان التي وقفت محلها بانشداه،
وهي تراها تسقط بجوار شقيقها على الفراش.
لياتيها الرد من جنات:
– رجع من برا ع الحال دي يا بهجة، جسمه مولع وبيجر رجليه بالعافية، حاولت معاه بالكمادات، الحرارة نزلت يدوب شوية صغيرين، وبعدها رجعت تاني رغم البرشام اللي خده، انا مش عارفة والله اعمل معاه ايه تاني؟
– متعمليش حاجة، انا اساسا اتصلت بالدكتور، وانا جاية وبتابع معاكي في السكة.
اومأت جنات برأسها لتشير اليها بعد ذلك بذقنها، نحو الأخرى باستفهام ، لتنتبه بهجة على وقفتها مازالت محلها؛
– اه دي نجوان هانم اللي انا شغالة عندها، اقعدي يا هانم، واقفة ليه على رجلك، تعالى اقعدي ع الكنبة اللي هناك دي.
بحالة من الارتباك ، لم تتحرك نجوان من محلها ، لتنهض جنات بسرعة بديهة، فتقترب منها وتسحبها برقة ولطف:
– تعالي اقعدي وريحي رجلك، اينعم هي الكنبة على قد الحال، بس والله مريحة.
اومأت رأسها باضطراب، تسجيب لسحبها ، حتى جلست على هذا الشيء الجديد عليها ببعض الهدوء، الذي طمأن بهجة بعض الشي لتهتم بشقيقها، بعدما اعطت تعليماتها لجنات بقفل باب المنزل الخارجي والحرص الشديد منها، فهي حتى الاَن لا تعطيها الامان .
❈-❈-❈
وفي الاسفل
هللت سامية نحو اسرتها تخبرهم:
– شوفتي ياما، شوفت يابا، الحارة كلها مقلوبة تحت ع العربية الزيرو اللي سادة الشارع.
سبقهم بالرد شقيقها الأوسط سامر:
– اه يا ختي شوفناها، وشوفنا كمان مين نزل منها ، عارف يابا العربية دي تبع مين؟
رد خميس بلهفة:
– مين يا واد؟
– بهجة بت اخوك يابا، ودي مش اول مرة على فكرة، انا شوفتها نازلة قريب منها برا الحارة، ودلوقتي جايبة معاها واحدة ست شكلها هانم بشعر اصفر، ولا اللي بيطلعو في المسلسلات التركي بحلاوتهم رغم سنها الكبير.
برقت عيني والده بشغف استفز درية لتتدخل وتنهره:
– تركي ولا مصري، هي جاية بيها هنا ليه؟ وتعرفها منين اصلا؟
– الله اعلم.
تمتم بها سامر، ليجلس محله ويتكيء مضجعًا على الاريكة، فعلقت شقيقته بحقد:
– ودي هتغلب برضو، اكيد لقت لها سكة مع الست اللي بتقول عليها، انا ملاحظاها هي وواخواتها بقالي فترة، كلهم طقموا بالجديد، والنعمة بانت عليهم، دا البلوزة اللي خرجت بيها البنت جنات امبارح، انا كنت هموت عليها واجيبها، بس معرفتش تتجاب من اي محل.
بضحكة ساخرة عقب شقيقها باندهاش:
– يا نهار ابيض عليكي يا سامية، بقى كل الهدوم اللي انتي جايباها دي، ومعجبكيش غير البلوزة اللي لابساها جنات وهي رايحة الكلية؟
عبست سامية بضيق لم تخفيه، ليتهكم والدها بضجر منها:
– ودي بتشبع ابدا دي؟ دي لو جابت كل اللي في السوق، برضو مش هتستكفى .
تجاهلت درية كل ما يقال ، لتتسائل بفضول :
– هو الواد سمير راح فين؟ مطلعش ليه هو كمان يرغي ويحكي، زي ما بيعمل في اي حاجة تخص المحروسة، دا بقُه ما بيتبلش فيه فولة.
❈-❈-❈
– اتفضل يا دكتور اتفضل.
بحنق يسري داخلها، وقفت تستقبل الطبيب الخارج من غرفة شقيقها، برفقة هذا البغيض ابن عمها، والذي تفاجأت به، حينما أتى به، فور ان رأه يدلف الى داخل البناية يبحث عن عنوان المنزل الذي وصفته له عبر الهاتف، ليأخذها حجة، لفرض خدماته عليهم. لولا الخوف من الفضائح ، ووضع صحة شقيقها في الاولوية،
لكانت رفضت واعطته درس لن ينساه، هذا الوغد المتخاذل، يحاول الاَن تحسين صورته امامها، بعدما خيب ظنها في اشد اوقاتها احتياجًا له، كسند تتحامي به وقت أن كانت زوجته على الورق .
– الدكتور بيطمنك عليه متقلقيش يا بهجة.
بضيق لم تخفيه رمقته بنظرة عابرة، تتجاهل الرد عليه، لتتوجه مخاطبة الطبيب :
– طمني يا دكتور على حالته.
اوما لها الطبيب بعمليه، يشير لها نحو الأخر:
– انا كتبت كل التعليمات والارشادات اللي لازم تلتزمو بيها، مع روشتة العلاج، واديتهم للاخ قريبكم….
سارع بالتصحيح له.
– ابن عمها يا دكتور واكتر كمان.
كتمت زفرتها بصعوبة، تبتغي التوضيح:
– افهم من كدة انه مش دور برد عادي مع حمى، تتعالج بالأدوية اللي احنا عارفينها ؟
وافقها بأسف:
– في الحقيقية هو فعلا كدة، المريض عايز رعاية كاملة، خلو بالكم من الاغذية كمان، دي حاجة مهمة اوي عشان تقوي مناعته، وبإذن الله خير متقلقلوش.
ختم بالاَخيرة ، ليسحب نفسه كي يغادر ولكن بهجة اوقفته من اجل ان تنقده:
– استنى يا دكتور حق الكشف .
اشار بكفه:
– لا ما قريبكم قام بالواجب.
صدمة احتلت ملامحها ، لتعد العشرة بداخلها، حتى اذا خرج الطبيب ، وتحرك هو يعطيها ظهره، باغتته بجذبه من قماش قميصه، ثم وبحركة سريعة تخطف ورقتي التعليمات وتلك التي مدون بها اسماء الادوية، وقبل ان يستوعب، وجدها تضع ورقة النقود ذات الفئة العالية داخل كفه قائلة:
– كدة بقى يبقى في ايدك حق الكشف ، وكتر خيرك اوي بقى على كدة.
اعترض غير مستوعبًا لسرعتها في التنفيذ:
– انتي ازاي تعملي كدة؟ شايفاني كرودية يا بهجة، ولا مش مالي عينك عشان تديني حق الكشف وتمنعيني من ان اجيب العلاج لابن عمي؟
بابتسامة ساخرة خالية من أي مرح:
– بلاش اقولك انا شايفاك ازاي؟ اما بقى عن ابن عمك ، ف انت يا سيدي كتر خيرك اوي ، عملت الواجب اللي عليك وزيادة لما دخلت مع الدكتور اللي كشف عليه، اما بقى تدفعله مليم واحد في كشف او دوا ف دا لايمكن اسمح بيه.
امتقع وجهه بغضب شديد:
– على فكرة دي قلة زوق منك يا بهجة، عشان انتي كدة بتهينيني وتقلي مني، طب قدري حتى صلة الدم اللي ما بينا .
– يا سيدي والله مقدرة، بدليل اني ما طردتكش وانت داخل مع الدكتور وفارض نفسك في مرافقته.
– فااارض نفسي.
– ايوة فارض نفسك ، وياللا بقى معلش لو سمحت عشان انا عايزة ادخل لاخويا اطمن عليه، وزي ما انت عارف البيت كله حريم.
تجمد محله، يطالعها بأنفاس هادرة، وصدر يصعد ويهبط بانفعال مكبوت، يمنع نفسه بصعوبة عن التصرف بحماقة قد يندم عليها بعد ذلك، وهذه الرفض القاسي لأي محاولة للقرب او التصليح، يصيب عقله بالعجز والغضب، وهي الاَن تطالعه بتحدي وكأنها تقرأ افكاره.
ليقطع لحظة الصمت بينهم ، ولوج عائشة عائدة من المدرسة، ثم تعليقها بدهشة لا تخلو من تهكم:
– ايه ده ايه ده؟ هو انا لغبطت ودخلت بيت غير بيتنا ولا ايه؟…… ولا يكونش عقلي اللي بيكوبس دايما بالعفاريت بالليل، اتطورت حالته وبقى يشتغل في النهار كمان؟
– عفريت لما ياخدك يا بعيدة.
كان هذا رده، قبل ان ينسحب ويخرج ذاهبًا من حيث أتى .
لتطالع شقيقتها بتساؤل فور خروجه، ولكن هذه المرة بجدية، جعلت بهجة تجيبها على الفور :
– تعالي ورايا على اوضة ايهاب وانتي تعرفي بنفسك.
❈-❈-❈
بداخل الغرفة، كانت المفاجأة، حينما اكتشفت وجود نجوان بجوار شقيقها على الفراش جالسة ، وبأناملها تمر على شعر رأسه بحنو جلي ، جعلته يغمض عينيه براحة، لتطالعها بهجة بدهشة وعدم استيعاب،
اما عائشة والتي كانت اول مرة تراها، فعبرت سائلة باستغراب:
– مين الحلوة ام شعر اصفر ؟ دي تبع الدكتور ولا خارجة من مسلسل في التليفزيون.
انتبهت لها نجوان لتقرب رأسها منها، وتنظر الى عينيها مباشرةً، ثم خرجت كلمتها باقتضاب كما عودت بهجة:
– زتوني.
ضحكت لفعلها بهجة، وقد تيقنت من تقدم حالتها، بتذكرها لهذه الشيء الصغير، لترد محفزة لها:
– ايوة هي بعينها ، دي يا ستي عائشة ام عيون زتوني، والقردة بتاعتنا ام لسان طويل، برافو عليكي بقى انك افتكرتيها، ودي بقى جنات طالبة الجامعة، وايهاب اكيد عرفتيه، هي دي عيلتي المتواضعة يا ستي، ربنا يباركلي فيهم.
ابتسامة خلابة لاحت بثغرها، لتوزع بأبصارها عليهم والثلاثة يبادلنها بمودة، ما عدا ايهاب والذي غرق في النوم تأثرا بفعل نجوان وحقنة الطبيب التي حقنه بها قبل مغادرته،
لتعلق عائشة بفراسة:
– كدة بقى انا عرفت لوحدي، هي دي الست اللي انتي شغالة عندها يا بيبة صح؟
– صح .
– ومشرفانا النهاردة فى البيت.
– ايوة .
تدخلت جنات باقتراحها:
– طب كدة مدام ايهاب نام، يبقى احنا بقى نعمل بأصلنا مع الضيفة اللي مشرفانا النهاردة ونأكلها، ولا ايه رأيك يا بهجة.
سمعت الاخيرة تجيبها بعمليه:
– خلاص يبقى خلو بالكم منها، سايروها واتكلموا معاها، وانا هحضر اللي يناسبها، اصلها مش بتاكل اي حاجة.
❈-❈-❈
سقط بجسده على كرسي مكتبه ، يحرك رأسه يمينا ويسارا، ثم يدلك على رقبته بتعب واجهاد متعاظم، وقد أنهى اخيرا جولاته مع احد العملاء الجدد، ليعرفهم على جودة بضائعه ومميزاته التي تصلح للمنافسة العالمية، ثم نقاش وغداء عمل وتوقيع صفقات،
يوم مرهق مر به من اجل تحقيق احد أهدافه التي يسير على خطاها بجد واجتهاد، يساعده على ذلك شريكه الجديد بنشاط وحنكة اكتسبها في سنوات عمره بالعمل ليست بالقصيرة.
– رياض باشا، يحقلك دلوقتي ترتاح وتنام بعد الإنجاز العظيم اللي قومت بيه النهاردة.
خاطبه بامتنان حقيقي:
– كله بفضل ربنا وبعده انت يا كارم، بجد انا مبسوط من عدي اللي عرفني بيك.
تبسم بثقة وتواضع يعدل في ياقة قميصه:
-ياااعم بقى اخجلتم تواضعنا.
صدحت ضحكة الاخر، مرددا بمرح:
– والله انت مشكلة يا كارم.
قالها وارتفعت رأسه فجأة نحو باب الغرفة، ليأمر الطارق بالدخول، لتلج اليهم لورا بملابسها الرسمية بأناقة ظاهرة، يطرقع حذائها ذا الكعب العالي على الارض، وهي تتبختر بخطواتها للفت النظر نحوها، حتى اقتربت تميل نحوه بعدد الملفات التي طلبها منها، امام ابصار كارم الذي لا تفوته فائتة بطبيعته:
– اهم يا فندم، عقود الصفقات اللي امرت بيهم .
اومأ لها:
– تمام يا لورا، اتفضلي انتي وانا هبعتلك لما اخلصهم.
– تحت امرك.
تمتمت بها ثم خرجت بنفس الصخب الذي دلفت به، ليعلق كارم في اثرها:
– مش دي برضوا قريبتك وقريبة عدي على حسب ما بعرف.
رد بجدية دون ان يرفع رأسه عن مراجعة الاوراق التي امامه:
– اه، هي تعتبر بمثابة بنت خالي، وعدي نفس الأمر.
– اااه.
اومأ محركا رأسه، قبل ان يميل عليه مغمغمًا بهمس:
– طب ايه بقى يا عم؟ قريبتك ونشيطة وواجهة مشرفة زي ما انا شايف،إيه اللي ناقصها بقى؟
قطب حاجبيه في البداية، لكن سرعان ما وصل الى مقصده، ليردف حاسمًا:
– مش ناقصها حاجة وتكاد تكون مكتملة زي ما بتقول، بس انا مش شايفها غير في موقعها ده او قريبتي اللي اعرفها من وهي طفلة، لكن زوجة ولا اي حاجة تانية انسى.
– امممم.
زام بفمه كارم ، ليعقب بتفهم ، رغم دهشته:
– حقك طبعا، انا متجوز قبلك وعارف قيمة الحب في الارتباط، لذلك عمري ما هلوم عليك.
– حب!
دوت الكلمة بداخله، حتى صرفته عن كل ما كان يعمل عليه، ليظل بنصف ذهن حتى انصرف شريكه، لينفض رأسه من افكارها، قاصدا الاهتمام بعمله، ليضغط على زر الجرس، يطلب مساعدته، حتى اذا أتت اليه:
– كنت عايز اطمن على سير العمل النهاردة بالمصنع، بما اني طول اليوم كنت برا، ياريت لو تعمليلي تقرير مفصل قبل ما امشي.
اومأت برأسها، ثم تحركت خطوتين بتردد انتبه له، ليسألها بتوجس:
– ايه مالك؟ في حاجة يا لورا ؟
ابتلعت ريقها تظهر اضطرابها امامه:
– بصراحة حضرتك انا مش فاهمة في ايه بالظبط؟ بس صباح رئيسة العمال جات عندي اثناء غيابك، تبلغني ان اللي اسمها بهجة، خدت نجوان هانم وخرجت بيها.
انتفض من محله بجزع:
– بتقولي ايه؟ يعني خدتها وراحت فين من غير ما تبلغني؟
اهتزت كتفيها بعدم معرفه تردف:
– الله اعلم يا فندم، بس انا اخاف تأذيها البنت دي شكلها اتجرأ اوي بعد ما خدت الثقة و….
لم ينتظر منها تفسيرات اكثر من ذلك، وقد دنى على الفور يتناول اشياءه بعجالة من فوق سطح المكتب، ثم يتحرك سريعًا مغمغمًا بتوعد:
– انا هعرف احاسبها كويس لو جرتلها اي حاجة، هي اتجننت عشان تتصرف من دماغها ولا ايه؟
ابتسامة ماكرة لاحت على جانب ثغرها مرددة:
– ياريته يحصل بجد عشان اخلص من الاتنين.
❈-❈-❈
وقف يستقبلها متخصرا، وعيناه الصقرية ضاقت بريبة جعلت الخوف يسري بداخلها، بعدما طلبها عبر الهاتف، لتأتي بوالدته فورا من مكان ما ذهبت بها، فتزعن هي في اقل من نصف ساعة تحضر بها، بواسطة العم علي سائق السيارة الخاصة بها.
– حمد الله ع السلامة.
ظهر جليًا التهكم في نبرته، مما اثر على نجوان لتتوقف محلها عن التقدم بخوف جعله يهدر بدون سيطرة:
– ما انا مش وحش وهياكلك يا ماما، ولا انتي خلاص استحليتي تدي الامان للغريب وابنك لا؟
زادت ملامحها رعبًا، ليزفر بضجر يشبح بوجهه عنها ، لتضطر بهجة للتدخل:
– اسمحلي اوصلها لاوضتها يا رياض باشا.
– اتفضلي
هتف بها، فاردًا ذراعه نحو الدرج ، ليباشر بغضبه:
– توصليها وترجعيلي حالا ، عشان عايز اتكلم معاكي.
اومأت بهزة من رأسها، لتسحب المرأة نحو غرفتها، وفور ان اطمئنت بتهدئتها، هبطت اليه، بأقدام بالكاد تحملها، هيئته ليست مبشرة على الإطلاق للتفاهم او الاخذ والرد في الحديث، ولكن ما باليد حيلة، فلتخوض المواجهة بخيرها وشرها وليحدث ما يحدث.
وصلت لتقف امامه في بهو المنزل الذي اتخذ جلسته به، يبدو كبركان خامد على وشك على الانفجار:
– ايوة يا رياض باشا، انا تحت امرك اهو.
زفر بأنفاس خشنة، ليعتدل بجلسته واضعًا قدما فوق الاخرى، يبذل مجهود مضنيا في السيطرة على انفعاله:
– اتفضلي انتي يا بهجة، فهميني بالظبط ايه بيحصل، وازاي خرجتي من الفيلا بالست الوالدة…..
خرجت الاخيرة بصيحة اجفلتها، قبل ان يتابع بنبرة اهدى لكن اقوى:
– من غير ما تبلغيني.
برغم الزعر الذي سرى بكل خلية من جسدها، الا انها سرعان ما تمالكت لتقابل انفعاله بشجاعة تخبره:
– حضرتك انا مخرجتش بيها من نفسي ولا هي كانت فسحة، اختي اتصلت تبلغني بالتعب الشديد اللي حل باخويا، وانا حاولت اتصل بيك مية مرة عشان استأذنك اروح اشوفه، لكن محاولاتي باءت بالفشل وتليفونك بيرن ع الفاضي من غير ما تفتح عليا ولو مرة واحدة، لما غلبت كلمت الريسة تبلغ لورا، لكنها هي كمان مدتش اهتمام وقالتلها انك مشغول ومش فاضي لأي رغي ، انا كنت ساعتها هعمل ايه واخويا بيفرفر من السخونية مع اختي اللي مش عارفة تتصرف.
– تقومي تاخديها بيتكم؟
– امال كنت هسيبها في مسؤولية الخدم اللي عندهم شغلهم اساسا، ممكن يكون تصرفي معجبكش، بس انا اضطريت لكدة، وهي الله يباركلها، قضت اليوم كله من غير ما تعمل معايا اي مشاكل.
سمع منها فصاح بها بعدم استيعاب:
– قضت اليوم عندكم! امي انا قضت يوم بحاله عندكم في الحارة يا بهجة؟
ابتعلت ريقها باضطراب تبرر:
– يا فندم ما انا بقولك اني اضطريت لكدة، للظرف المهم اللي حصل عندي، انت مكنتش بترد على تليفوناتك، وانا مقدرش اسيبها لوحدها هنا في البيت، ولا قدرت اتخلى عن اخويا اللي تعب اوي وكان لازم اروح اشوفه.
– تقومي تاخديها عندكم الحارة، مخوفتيش بقى لاتهرب ولا تعمل مصيبة بردود أفعالها الغير متوقعة.
– بالعكس، دي انبسطت اوي بتغيير الجو، حتى الدكتور هشام قالي دي خطوة هايلة…..
– وهشام دا شوفتيه فين؟
قاطعها بأعين برقت بترقب وهدوء ما قبل العاصفة، فصدر ردها بعفوية:
– عادي ما هو كان بيتصل عليا يطمن عليها .
سمع منها ليجفلها على الفور بصرخته:
– انا هقتله واشرب من دمه عشان يحرم ما يعملها تاني،… ثم تعالي هنا وقوليلي، دا من امتى بيحصل ان شاء؟
الزفت ده من امتى بيتصل بيكي يا بهجة؟…..
هذه المرة كان كالمجنون، ليضاعف من فزعرها، ناهضُا من محله بملامح غريبة عن هدوئه المعروف، مما جعلها ترتد بأقدامها للخلف تجيبه بصوت مهتز:
– من وقت ما روحنا كشفنا للهانم عنده، هو كان عنده نمرة دادة نبوية اصلا، وكلمها ياخد نمرتي منها عشان يسألني عن الهانم الكبيرة واحوالها .
– وانتي بقى بتجاوبيه عادي، وتحكيلوا عن تصرفاتها بالتفصيل، واكيد طبعا بيعلق بهزاره السخيف اللي انا عارفه.
– عادي مش شغله.
قالتها ببساطة جعلته يصرخ بعدم سيطرة:
– شغل مين يا بهجة متحرقيش دمي، الزفت دا تمسحي نمرتك من عنده، وانا من النهاردة هغيره واروح بوالدتي للي احسن منه، فاهماني ولا لأ، تمسحي نمرته نهائي.
– تحت امرك طبعا، دي الست والدتك وانت ادرى بمصلحتها.
تمتمت بها بصوت يحمل في طياته اعتراضًا ظهر في استرسالها بعد ذلك:
– مع اني شايفة انه انسان محترم ومعملش حاجة……
– اسكتي يا بهجة.
صاح بها بحدة، مقاطعًا لها، ليمسح بكفيه على وجهه يحاول السيطرة على انفاسه الهادرة، وحالة الهياج التي قلما ما تصدر منه، نظرا لطبيعته الصارمة، والمتحكمة دائما في ردود أفعاله، ولكن مع هذه الفتاة يصبح الأمر مختلف، انها الوحيدة التي تستطيع اخراجه عن طوره الهاديء، ببرائتها المستفزة.
– طب انا كدة عايزة اروح بقى يا فندم
– نعم.
انتشلته من حالة الشرود والتشتت، لتواصل بقولها:
– يا فندم بقولك اخويا تعبان، والحمى اللي عنده لسة مخفش منها، يعني عايز رعاية كبيرة اليومين دول..
اومأ بتفهم، مخففا من حدته في مخاطبتها:
– خلاص يبقى المستشفى اولى برعايته، هناك هيبقى تحت عين الدكاترة وهياخدو بالهم منه اكتر .
صدر ردها بمعارضة:
– مستشفى ايه بس يا فندم؟ ما احنا جيبناله الدكتور البيت، اشحططه في مستشفيات وقرف ليه بس.
رمقها بغيظ مرددًا:
– مفيش شحططة ولا زفت يا بهجة، انا هكلمهم دلوقتي عشان يحضرولوا سرير ويستقبلوه.
– يستقبلوه فين؟
لم يلتفت لها، وقد انشغل بالاتصال الذي صار يجريه مع احدهم، يأمره بالفعل بما نوه عنه منذ قليل، حتى اذا انهى المكالمة، ثم التف اليها موضحًا:
– دي مستشفى احنا من ضمن المساهمين فيها، هتخرجي دلوقتي مع عم علي، هيروح بيكي هناك، الدكاترة هيشوفوه ويحددو حالته بالظبط ان كانت تحتاج رعاية وحجز، ولا يرجع ع البيت، وفي كل الحالات متشليش هم اي مصاريف.
الفصل الثامن من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثامن 8 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال االفصل الثامن 8 بقلم امل نصر
عدة أيام مرت، وشقيقها محتجز في المشفى المتخصص الفاخر، بعدما انزاح عنها هم علاجه المُكلف، بفضل كرم رئيسها في العمل، وقد ثبت بالفعل خطورة الحمى التي تعرض لها، ولولا العلاج المكثف لكان الأمر تطور اكثر من ذلك
ولكن في المقابل كانت مشتتة ما بين متابعة شقيقها، ومراحل تقدمه، في هذا الوضع ، وما بين رعاية نجوان التي تعلقت بها كالأطفال ، وهي لن تخذل رئيسها والذي اغدق عليها بكرمه في اشد الأزمات التى تعرضت لها هذه الفترة .
ولكن الاخرى لا تكف عن الطلب منها معظم الاوقات للذهاب بها الى منزل عائلتها مرة اخرى، كما يحدث الاَن، وهي ترفض تجنبًا لغضب رئيسها:
– مينفعش يا نجوان هانم، والله ما ينفع، مش ناقصة مسؤولية انا .
رغم صمتها الدائم الا انها تستطيع بأفعالها التأثير عليها ، بعبوس الملامح وكلمة واحدة تصر تكررها عند الحاجة.
– عائشة
– يقطع……
هتخليني ادعي على اختى يا مدام نجوان، بس هي السبب بعمايلها ولعبها معاكي، خليتك تتعلقي بيها .
زفرت بتعب لتسقط ، ممسكة رأسها الذي كان على وشك الانفجار، حتى أتى هو بهيبته يتدخل في الحديث معهم:
– ايه في ايه؟ ليه النرفزة والعصبية ما ببنكم؟
انكمشت نجوان كعادتها، ليحدجها بضجر قبل ان يتجه نحو بهجة التي ردت بحالة من الاجهاد:
– مفيش حاجة حضرتك، انا بس تعبت من اصرارها على انها عايزة تروح معايا البيت، وانا بقولها مينفعش.
قطب بعدم استيعاب، يستعيد بذهنه الجملة مرة اخرى:
– بتصر ازاي يعني؟ هي بتتكلم اساسًا؟
– كلمة واحدة بس؟
– كلمة ايه؟
– عائشة.
– عائشة مين؟
تنهدت تخبره:
– دي تبقى اختي يا فندم، بس هي صغيرة اوي، يدوب حداشر سنة، بس المرة اللي فاتت اندمجت معاها في اللعب والهزار.
مط بشفتيه، وابتسامة مليحة اعتلت ملامحه:
– يا سلام، يعني حتة عيلة صغيرة، عملت اللي محدش فينا عرف يعمله، وعلقتها بيها.
نقل بأبصاره نحو والدته ، يخاطبها بعتاب ممازحًا:
– اجيبها تعيش معاكي هنا…..
– لأ، الله يخليك بلاش تقول كدة لتمسك فيها بجد.
صدرت منها بمقاطعة يشوبها الرجاء ، ليتوقف هو محدقًا بها، لا يمل ابدًا من حفظ تفاصيلها، وهي رغم الخجل الذي يصيبها، لكن سرعان ما تتمالك، فهي لا تقتنع ابدا بإعجابه بها وتعتبرها نظرات عادية بالنسبة لطبيعته الباردة:
– مكنتش اعرف ان ماما تأثيرها جامد كدة عندك، ع العموم تمام .
ختم بتنهيدة، ليفاجئها بقوله:
– خلاص يا بهجة خديها معاكي مدام بتفرح، وخلي واحد من الحراس يروح معاكم للأمان .
ظهرت بوادر الفرح على وجه والدته، مما جعله يرتد بأثره على بهجة، التي وبرغم المسؤولية التي سوف تلقى على عاتقها، إلا انها فرحت بفرحها:
– شكلها انبسطت بالفعل، بس انا رايحة المستشفى دلوقتي، خليها وقت تاني يا نجوان يا هانم.
اصدرت جملتها الاخيرة بوضوح تام نحو نجوان التي حركت رأسها بتشنج دليل على رفضها، ليأتي الحل منه هو:
– خلااص يا بهجة، انا هاخدكم ع المستشفى، تخلصوا مشواركم وبعدها تروح معاكي بيتكم ، ساعة ولا ساعتين كدة وتيجو مع عم علي، واهي تغير جو،
جهزوا نفسكم.
قالها وتحرك ذاهبًا من امامها بهدوءه المعتاد، لتتصلب هي محلها تطالع اثره حتى اختفى بصعوده الدرج، هذا الرجل يذهلها بأفعاله الغير متوقعة، ولكن لما الاستغراب ؟ فهو يفعل مع نبوية اكثر من ذلك بحكم العشرة التي تجمع بينهم، والتضحيات التي تبذلها في رعاية والدته، اذن فلا يجب ان تشطح بأفكار غبية.
❈-❈-❈
خرجت من المصعد، عائدة من الخارج بصحبة والدتها ، تحمل عددا من المشتريات النسائية وذلك لقرب ميعاد زفافها ، لتقع عينيها عليه، يغلق باب منزله، وحالة من غضب قلص تعابير وجهه، مع الترديد دون توقف بالاستغفار:
– استغفر الله العظيم يارب، استغفر الله العظيم، استغفر الله العظيم.
القت بالتحية والدتها، رغم استغرابها هي الأخرى من هيئته،:
– مساء الخير يا شادي يا ولدي.
رد موجهًا التحية نحوها ونحو خطيبته المندهشة لحاله المتغير بعجالة متوجها نحو المصعد:
– مساء الخير يا خالتي، مساء الخير يا صبا.
سمعت الاخيرة لتترك ما بيدها لوالدتها ، لتعود عن طريقها وتوقفه:
– رايح فين يا شادي؟ وايه اللي معصبك بالشكل ده؟
زفر طاردًا دفعة من الهواء المشبع بقلة حيلته:
– والله قرفان يا صبا، ومخنوق، حاسس اني قليل اصل واستاهل الضرب على نفوخي، بعدين اما ارجع بقى من مشواري هبقى احكيلك.
– وانا لسة هستنى على ما تيجى؟
امام تشبثها قرر تغيير طريقه من المصعد، ليهبط الدرج على اقدامه برفقتها، كي يعبر لها عما يعتريه من ضيق:
– ولاد خالي اليتامى يا صبا، النهاردة بس عرفت بمرض الولد الوحيد فيهم، وحجزه في مستشفى، بقالوا اكتر من أسبوع، أسبوع وانا نايم على وداني ومعرفش، بتقصيري في السؤال عنهم، بعد ما ولاد درية قطعوا رجلي من عندهم بالكلام الزفت بتاعهم.
ذوت ما بين حاجبيها بضيق وعصبية:
– ليه يعني؟ مش عيال خالك دول يتامى، هيضرهم ايه ولاد الست المفترية دي لما تسأل عنيهم.
تنهد يحرك رأسه بانفاس يجتاحها الغيظ:
– انتي قولتي بنفسك مفترية، وعيالها ورثو التناحة والاستعباط، واحد كان كاتب كتابه علي بنت خالى الكبيرة واتفسخت خطوبته بيها قبل الفرح، واتجوز وشاف حاله ولسة برضو فارض نفسه وعنده امل والتاني عايز دور اخوه.
توقف يتابع لها بانفعال، حتى غفل عن تبعاته:
– يا مؤمنة، دول منعوني ما اروح عندهم ولا اسأل عليهم ، بحجة انهم بنات وميصحش ادخل بيت مفيهوش راجل كبير، انا دمي بيغلي يا صبا، ما هو لولا عمايلهم دي مكنتش ابدا سيبت بهجة ولا اخواتها من غير ما اقف جمبهم.
استرسل تأخذه الجالالة، متوقعًا انفعالا منها هي الأخرى، لتفاجأه بردها:
– هي بهجة دي حلوة جوي للدرجادي؟
بحالة من عدم الاستيعاب، صار يتطلع لها، وقد توقف عقله عن التفكير، عاجز عن فهم عقل الانثى، والذي ترك جميع ما سبق ليركز على معلومة تافهة مثل هذه، ليقرر منهيًا الجدال من اوله:
– صبا يا حبيبتي، اطلعي لامك اللي سبتيها فوق، وانا لما ارجع من مشواري، نبقى نشوف الموضوع المهم ده، سلام.
ما كاد ان يتمها حتى وجدته يسرع بالهبوط من أمامها، لتتمتم هي من خلفه بتصميم، عازمة على الذهاب معه:
– وانا بعد اللي جولته ده هسيبك تروحلها لوحدك، والله ما هسيبك ، استني يا شادي.
❈-❈-❈
خارج الغرفة المحتجز داخلها شقيقها، وقد اطمأنت عليه بعد زوال الخطر، ولم يعد يتبقى على خروجه الا القليل ، وقفت تلتقط انفاسها بحضوره، متمتمة بالإمتنان:
– الف حمد وشكر ليك يا رب، اني اطمنت عليه، ياريت كمان الدكاترة تستعجل بخروجه، عشان يحصل اللي فات من دروسه.
تبسم برزانة واضعًا كفيه بجيبي بنطال حلته، بهيبة تليق به، يخاطبها:
– مش وقت دروس ومذاكرة يا بهجة، المهم التعافي بالكامل عشان يبقى المخ مستعد لحشو المعلومات وفهمها.
– ايوة والله عارفة، بس دا حلمه الطب، والتقصير اكتر من كدة هيأثر عليه.
– لو ممتاز هيلحق اللي ناقصه يا بهجة، ولو محصلش، الدنيا موقفتش يعني ع الطب وبس ، الناجح ناجح في اي مجال.
– لا ان شاء الله يحصل ويدخل طب، يارب يارب، تحقق له امنيته يارب.
صدرت منها بلهفة وعفوية، جعلته يضحك ممسكًا جبهته بيأس منها:
– لا انتي مفيش منك فايدة ابدا، انا هروح اشوف مدير المستشفى، وبعدها اعدي عليكم قبل ما امشي، خلي بالك بقى منها.
قال الاخيرة بإشارة نحو والدته؛ والتي كانت واقفة خلف مدخل باب الغرفة ، تلوح كفها ببرائة نحو ايهاب الراقد في سريره، وهو يبادلها بابتسامة متسعة وكأنه على معرفة بها منذ زمن،
لتعقب بهجة بدهشة:
– سبحان من يوفق القلوب مع بعضها، وانتي يا نجوان ولا اكنك على معرفة بإيهاب من سنين، ربنا يهديكي بقى ومتعمليش حركة غدر ، انا مش قدها ابدا والله.
التفت عنها لتفاجأ بابن عمتها يقترب بهلع نحوها:
– ازيك يا بهجة، وازاي اخوكي ايهاب، اخبار صحته ايه؟
اومات تطمئنه برقتها المعتادة:
– كويس والله يا شادي، متقلقش، ازمة وعدت على خير الحمد لله.
– مقلقش ازاي بس؟
تمتم بها بأسف من حاله، ليتدارك بعد ذلك وجود صبا، فيعرفها به:
– دي صبا خطيبتي يا بهجة، انا كان نفسى من زمان والله اعرفك بيها بس النصيب.
تبسمت بسماحة ترحب بها:
– زي القمر، ربنا يخليهالك، ازيك يا صبا.
ابتلعت الاَخيرة ريقها ، تصافحها بيد باردة ترد تحيتها ، ومن داخلها تردد بصدمة:
– يا لهوي عليكي يا صبا، دي طلعت حلوة جوي.
❈-❈-❈
وفي مدخل المشفى،
تقدم سمير نحو موظف الاستقبال، يسأله عن غرفة ابن عمه ايهاب، تاركًا شقيقته تجول بأبصارها في الأجواء بأعين يملأؤها الانبهار، والحقد ايضًا، لتأخذه التساؤلات عن مصدر الاموال والتكلفة ومن اين؟
– انت هتفضلي واقفة في مكانك يا سامية؟ ما تيلا يا بنتي .
كان هذا صوت شقيقها والذى توقف عن تقدمه من اجلها، لتتحرك بخطواتها السريعة نحوه متسائلة:
– سمير، عيال عمك جابو منين حق المستشفى الاَلاجة دي؟ اسبوع بحاله بأيامه ولياليه، وابن عمك محجوز فيها، دا اكيد كلفتهم بالالافات.
خلط رده بضحكة ساخرة، انتي بتقولي فيها، دي الليلة هنا اقل حاجة تكلف عشر تلاف، هموت واعرف قدروا عليها ازاي؟ دا ابوكي اللي معاه الفلوس بجد، عنده استعداد يموت على أبواب المستشفى الحكومي ، ولا انه يزيد بجنيه واحد لمستشفى زي دي.
– عشان حظنا فقر ، وقعنا في راجل بخيل زيه، انما برضوا انا هتجنن لو معرفتش، دفعو تمن القعاد في المستشفي دي ازاي.
عاد بصحكته الساخرة قائلا :
– يبقى اتجنني احسن، عيال عمك ايد واحدة مع بعض، مفيش حد هيغلط ويريحك ابدا، دي المزغودة عيشة ممكن تقيم عليكي الحد لو بس فتحتي معاها كلام .
اكمل بضحكة زادت من سخطها، ليدلفا داخل المصعد، كي يصل بهم الى الطابق الثاني، ومنه الى غرفة ايهاب، والتي ما ان حطت اقدامهم بداخل الطرقة المؤدية اليها، حتى جحظت ابصارهم، بوجود شادي برفقة بهجة يتحادث معها في جانب قريب من الغرفة، لتصدر زمجرة غاضبة من سمير:
– شوفي الزفت بيستغل الموقف، وقاعد يتمحلسلها، وياخد ويدي معاها ، دا مش بعيد يكون هو اللي دافع حق المستشفى، ما انا عارفه، مقتدر بحكم وظيفته، والنعمة ما انا ساكتله.
قالها وتحرك بأقدامه مسرعًا، مبيت النية على الصدام .
لتمصمص هي في اثره بغيظ، وتسرع باللحاق به:
– يعملها ما انا عارفاه، فالح بس يكشر في وشي ع الفاضية وع المليانة، لا وجايب خطيبته الهبلة معاه صورة، استنى يا سمير.
وصل اليهم المذكور، يلقي التحية بتهكم واضح:
– عاملة ايه يا بهجة يا بنت عمي، شكل شادي ابن خالك قايم بالواجب وزيادة .
امتقع وجه الاخير بغضب يحاول السيطرة عليه، ليأتي الرد من بهجة:
– وما يعمل الواجب ولا ميعملش حتى، انت مالك ؟ متعصب ليه يا سمير؟
– بصورة تفضح ما بداخله خرج صوته الغاضب:
– طبعا يا ست بهجة وانا هتعصب ليه؟ خلي الراجل يقوم بواجبه ويزود اكتر ، ما احنا عارفين اللي فيها.
قال الاخيرة بنظرة مقصودة نحو صبا التي كانت جالسة على مقاعد الانتظار بجوار نجوان الملتزمة بجسلتها الهادئة، لتضيف سامية مباشرة نحوها:
– قصده يعني على شهامته، اصله بيقوم بالواجب وزيادة، بالذات مع بهجة……… مش بنت خاله بقى.
مطت شفتيها بالاخيرة قاصدة اشعال الغيرة بقلب هذه العاشقة، حتى تقلصت ملامحها بغضب، ولكنها التزمت الصمت تكتم داخلها، مع احتداد النقاش بينه وبين هذا الأخرق ابن خاله:
– احترم نفسك يا سمير، انت في مستشفى محترمة، الحركات العبيطة دي لا مكانها ولا وقتها، انت جاي ليه اصلا ؟
سمع منه الاخير، يصيح مهللا بصفاقة:
– لا اطردني احسن يا شادي، اصل انا قاعد في بيتك ، في مستشفى وليها وضعها، ما تتكلمي يا بنت عمي، ياللى عاجبك الوضع.
صدر ردها بقوة كي تلجمه:
– وضع في عينك، احترم نفسك يا سمير ، ولا لمها احسن وروح، وكتر الف خيرك يا سيدي.
– لا يا شيخة، دا انتي كمان عايزة تمنعيني من ابن عمي وزيارته، اخص عليكي يا بهجة ، دا احنا لو عدوينك مش هتعملي معانا كدة.
تدخلت سامية هي الأخرى بأسلوبها الملتوي:
– هدي اعصابك يا اخويا، شادي ابن خالي اكيد ميقصدش حاجة وحشة، ما هي برضو بنت خاله، وحقه يطمن عليها .
ضغطت بالاخيرة، ليهدر شقيقها بغضب وبدون تقدير :
– ايوة بقى قولي كدة، يعني واخد اخوها حجة، طب ما تقولها صراحة يا شادي.
عند الاخيرة لم يتمالك شادي قبضته، والتي ارتفعت بدون تفكير لتسقط بثقلها على جانب فكه الايمن، حتى كادت ان تطير صف اسنانه، يرافقها سبته:
– دي عشان تتعلم الادب.
شهقت الفتيات بهلع، لتصدح صرخة سمير الذي ارتمى على الارض كالخرقة، بإهانة لم يتقبلها، لتصدر صرخاته التي ضجت في قلب المشفى، وهو ينهض في محاولة للهجوم عليه ، وقد تلقفه شادي ليلف ذراعه خلف ظهره، يحاول السيطرة على هياجه، ويأمره بالتوقف امام صدمة الفتيات:
– اهدى بقى وبطل فضايح، الناس بتبص علينا.
وكأنه طلب العكس، زاد صراخ الاخر مع تجمع البشر من حوله حتى أتت صيحة قوية:
– ايه التهريج ده؟ ايه اللي بيحصل هنا.؟
ليطل بجسده الضخم، يوزع بنظراته القوية على المتشاجرين، ثم تتوقف عليها بتساؤل ، فيحاصرها بأعين تلونت بالإحمرار، وتتسمر هي محلها بحرج يكتسحها، ولسان يعجز عن ايجاد التعبير المناسب لما يحدث الاَن، اتخبره ان المشاجرة التي واقعة امامه الاَن بسببها !
❈-❈-❈
– اتنين، اتنين رجالة يا بهجة بيتخانقو عليكي.
هي نص ساعة بس اللي غيبتها ، امال لو اتأخرت شوية كمان ، كان هيحصل ايه؟
قابلت صيحته بغصة مؤلمة مررت حلقها، فجعلت كلماتها تخرج بنبرة يكسوها الحرج:
– مكانتش خناقة بالمعنى المعروف، هو بس الزفت ابن عمي اللي زودها وكان داخل بشراره وناره، مش ناوي على خير ، انما شادي ابن خالي فدا راجل محترم …..
– شادي مين يا بهجة؟ متحرقيش دمي ولا تجيبي سيرة أي زفت منهم.
للمرة الثانية تخرجه عن طوره الهاديء، كلما حاول التماسك والعودة لطبيعته، يحدث العكس مرة اخرى، لقد كان على وشك ارتكاب جريمة منذ دقائق بسببها.
اما عنها فقد كانت تتمنى ان تنشق الارض وتبتلعها من امامه، لذلك لم تجد بدا من الاسف والانسحاب:
– ع العموم يا فندم انا اسفة لو سببتلك أي حرج، انا مستعدة حتى مجيش هنا تاني غير بعد ما اخويا ينكتبله على خروج.
قالتها والتفت تتحرك ذاهبة من امامه، ولكنها لم تكد تكمل خطوتين، حتى مالت بسيرها فكادت ان تقع ، لولا ذراعيه التي تلقفتها، لترتطم بصدره وقد لاح عليها الضعف بقوة، ايه مالك يا بهجة؟ حاسة بحاجة تعباكي؟
رفرفرت بأهدابها لبرهة من الوقت، تتمالك ذاتها من الدوار الذي لفها منذ لحظات قليلة، لتعي على نفسها بحضنه وهذا القرب منه ، فقد كان وجهه لا يفصله عنها سوى انشات قليلة، يخاطبها بقلق واضح، ولكن الوضع لم يكن مريحًا بالمرة، لتستحضر على الفور ارادتها ، فتنتصب، ثم تدفعه عنها بخفة ، ولكنها، وما كادت ان تقف جيدا حتى سقطت مرة اخرى بين رحاب ذراعيه، ولكن هذه المرة فاقدة للوعي تماما، مما اضطره ان يدنو ثم يرفعها من اسفل ركبتيها، فيحملها اليه،
وجهها الملائكي بصورة تختلف تمامًا عما تدعيه من قوة ، عظامها اللينة برقة ألهبت مشاعر قد كبتها منذ زمن ، لتعود الاَن وبشدة، هو بالكاد حاول تخطي قبلة الحياة التي فعلها مجبرًا من أجل افاقتها من الغرق،
ماذا بها هذه الفتاة لتجعل هذا الخافق بين ضلوعه، ينتفض كعصفور بللته امطار الشتاء القارص، بمشاعر امتزجت بالقلق واشياء اخرى لا يعرف تفسيرًا لها.
زفر بنفض رأسه من كل ما يعتريها من افكار ، ليتحرك بها نحو افاقتها.
❈-❈-❈
بداخل السيارة التي كانت تقلهم للعودة، وهو يقودها ينقل بنظراته كل لحظة نحوها، متابعًا صمتها المستمر منذ خروجهم من المشفى، وردودها المقتضبة، على عكس طبيعتها المشاكسة معه، ليخرج عن صمته فجأة موجها حديثه اليها بانفعال:
– لا بقى، كتر السكوت دا بقى يقلق، لتكوني صدقتي يا صبا كلام العيل الأهبل ده؟ انتي تعرفي عني الاخلاق دي؟
خرج ردها بحدة بعدما اجبرها على الألتفاف اليه:
– ما هو مش بكلام العيل الأهبل يا شادي، افعاله متدلش غير على حاجة واحدة، وهي ان عنده اسباب، حتى برغم تفاهته ورغم كل عمايله، لكن الحرقة اللي بيتكلم بيها ناحيتك مش هتيجي من فراغ…..
يعلم انها شديدة الذكاء، ومدامت قد وصلت به لهذه النقطة، هو ابدا لن يبخل عليها بالحقيقة، وليحدث ما يحدث:
– ماشي يا صبا، انا هجيبلك من الآخر عشان تبقي على بينة، وارجو تحترمي شجاعتي وما تحمليش الامور اكبر مما تحتمل.
يبدو ان القادم ليس جيدًا ولكنها لن ترضى الا بالمعرفة، لتوميء له بتوجس:
– اتفضل يا شادي اتكلم.
صمت قليلًا يستحضر الذكريات ، ليأتي بالاهم مباشرةً:
– سمير بيغل مني عشان انا اللي وقفتله في موضوع طلاقه من بهجة، هو مكانش عايز يطلق ولا يحلها من جوازه منها ، وهي بعد ما نزل من نظرها في موضوع ورث ابوها من الوكالة، كانت بتفضل الموت على انها ترتبط بيه؟ وانا مقدرتش اقف متكتف، ساعدتها بالمحامي اللي يخلص، وجمعت كبار المنطقة حكموا حكمهم بعدم جبر اليتيمة على شيء هي مش عايزاه، ومن يومها وهو مش شايلني من دماغه، حتى بعد ما خطبتك، برضو المتخلف اللي في دماغه في دماغه.
– حاولت تتقدملها عشان تتجوزها انت يا شادي؟
سؤالها المباشر اصابه بالتشتت، ليحيد ببصره عن الطريق والتف اليها بفاه منفرج، ونظرة فهمتها على الفور، ليصحح موضحًا لها:
– مش عشان اللي في دماغك والله يا صبا، انا كنت عايز اضلل عليهم هي واخواتها، واحميهم من جبروت خالي خميس ومراته وعياله، بس هي فاجأتني برفضها، والاعتماد على نفسها ، وسبحان الله بعد ما كانت ضعيفة وتاكل عشاها القطة، ربت لها ضوافر وقدرت بعزة نفسها تفرض شخصيتها على الكل، انا مقدرش امنع نفسي من احترامها، ولا اقدر امنع نفسي عن حبك، اقسم بالله انا ما دق قلبي ولا عرف العشق إلا ليكي يا صبا.
استطاع بصدقه ان يصل بها الى بر الامان الذي تتنعم فيه بعشقه، حتى ارتخت ملامحها في إشارة لبدء اقتناغها، لكن سرعان ما انقلبت فجأة بتذكرها:
– بس بصراحة هي طلعت حلوة جوي يا شادي، ازاي يعني عجلي ما يشتش ولا برج من نفوخي يطير.
ضحك يرفع كفها اليه ، ثم يقبل ظهرها تعبيرا عن حبه، مرددًا بغزل واقرار:
– وانتي والله قمر واحلي من القمر نفسه، دا اللي عجبني فيكي ثقتك بنفسك يا صبا، يعني مهما كان جمال بهجة، هيجي ايه جمب جمالك وانتي متربعة في قلب حبيبك، ربنا ما يحرمني منك يا قلب شادي انتي.
❈-❈-❈
استعادت وعيها اخيرًا لتفتح اجفانها للنور والحياة، فوقعت ابصارها اولا على السقف الابيض والانارة الخفيفة، ثم نزلت نحو المحلول المعلق بيدها، لتنتبه على دفء بكفها الاخر، وتفاجأ بنجوان تحاوطها بكفيها الاثنين ، مشهد بقدر ما اثار ذهولها، بقدر ما اثر ليلمس نياط قلبها، ونظرة الحنان التي تطل من عينيها، لتسخر متسائلة:
– ليكون دخلت الجنة من غير ما اعرف ولا انا بحلم ولا ايه بالظبط.
جاءها الصوت الرخيم من جهة النافذ الكبيرة والستائر البيضاء، معلقًا:
– عشان تعرفي بس خوفها عليكي، اهي ع الحال ده من ساعة ما انتي تعبتي، حتى والدكاترة بيسعفوكي برضو ماسابتش ايدك ابدا.
استدركت لحالها الاَن، وما اردف به، لتتسائل بقلق:
– هو ايه اللي حصل؟ انا اغمي عليا مش كدة؟ طب ليه المحاليل والحاجات دي؟
اقترب قائلا بمطة صغيرة من شفتيه :
– انتي فقدتى الوعي خالص يا بهجة، والدكتور فحص حالتك واقر انك ضعيفة ومحتاجة تغذية، دا غير طبعا الاجهاد والإرهاق، كلهم اتجمعوا عليكي.
– يعني حاجة عادية الحمد لله، دا انا افتكرت حاجة خطيرة، اقوم بقى اشوف اللي ورايا.
تمتمت بها بتقليل، ليتفاجأ بنزع ابرة المحلول من يدها، بصورة جعلته يتسائل بجذع:
– بتعملي ايه يا مجنونة انتي؟ مش تستنى الاول رأى الدكتور.
نقلت بنظرة سريعة نحو نجوان ، لتلف حول رأسها الحجاب قائلة:
– واستنى ليه تاني؟ مدام المحلول جاب فايدته والحمد لله ورفع عني شوية، اروح بقى اطمن على اخويا، قبل ما اروح، زمان اخواتي البنات رجعوا من دراستهم.
وقبل ان يصدر اعتراضه، وجد والدته تقوم باللازم، في التشبث بها، لتصدح ضحكته:
– انتي اللي بتجيبيه لنفسك، اهي مش هتسيبك حتى وانتي تعبانة، ارجعي لسريرك احسن يا بهجة، خليكي عاقلة.
وعلى عكس ما توقع من اعتراض منها لحالة الوهن بها، رحبت بسماحة تذهله:
– وماله خليها تيجي، ع الاقل يراعوها معايا شوية، مدام بتفرح بلقاهم، انا عمرى ما هقولها لا.
❈-❈-❈
انتهت جولة اخرى من المحاكمة المستمرة طوال اشهر في الشد والجذب من اجل تحديد مصيره، ليعلن القاضي تأجيلها كالسابق، ولكن هذه المرة هناك بارقة امل، بعد مرافعة المحامي الجديد، وقد اثبت انه داهية ويستحق رزمة النقود الكبيرة والتي تحصل عليها من والدته، بعدما شكك في شهادة الشقيقتان واتهمهم بتلفيق تهمة قتل ابيهم من اجل الاتتقام منه، فكرة شيطانية فاجأه بها، مع مجموعة من الحجج والقصص المؤلفة عن صحة خطف شهد من الأساس ، وانه مجرد خلاف عادي تطور لتشابك بالأيدي، ومنه اتجهت الفتيات لتلفيق التهم اليه.
– بشرة خير يا ابراهيم، شكل المحامي عقر وهيجيب البراءة المرة دي.
كان هذا صوت والدته، والتي هرولت اليه خارج قضبان القفص المحبوس به، عقب قول القضاة ليفتر فاهه بالابتسام بتردد:
– اما اشوف ياما ، هتكمل على كدة ولا هتتقلب من تاني.
أتت الإجابة من المحامي المحنك، يحدثه منتفش الريش بزهو:
– متقلقش يا ابراهيم، انا ياما عدى عليا قضايا من النوع ده وانيل مية مرة، تجار مخدرات وسلاح وقتل وجميع الجرايم، كلهم طلعوا بفضل مهارتي، واظن والدتك حكتلك عن سمعتي .
– حكتلي يا متر، بس انا برضو مليش غير النتايج، غير كدة متقوليش.
– ان شاء الله هتظهر النتايج قريب ، بس انت متفولش.
قالها الرجل ليسحب حقيبته ويذهب من جوارهم، فتعلق سميرة من خلفه:
– حار ونار في جتته، خد مني فلوس بالهبل، بس معلش اهم حاجة يطلعك براءة ، والنعمة لو ما نفذ بوعده، لاكون فضحاه ومجرساه في كل الدنيا.
– قلبك ابيض ياما.
تمتم بها بضحكات متقطعة، ليصدر السؤال منه بعدها:
– الا خالتي مجاتش ليه معاكي؟ ولا اي واحدة من مضاريب الدم بناتها:
عوجت شفتيها يمينا ويسارًا، مرددة بغيظ:
– يتفلقوا، عنهم ما جم خالص، بيجهزو لفرح الزفتة امنية، انهاردة حنتها بقى ، وبكرة تتزفت على النيلة الظابط خطيبها.
سمع منها وتحولت ملامحه من الابتسام الى التجهم بشده، انفاس حارقة كالدخان ، يخرج من أذنيه وفتحتي انفه، ليقبض على قضبان المحبس الحديدية بقوة ابيضت لها مفاصله، حتى انتفضت والدته بالزعر تخفف عنه:
– متزعلش نفسك انت يا حبيبي، بكرة تتجوز ست ستها، واللي احلى منها كمان.
ظل على وضعه، فصار صوت انفاسه الخشنة فقط مع هزهزة اسلاك القضبان بغضب وعنف وهي تهون عليه، حتى سحبه رجل الأمن من امامها، يدخل به داخل الممر المؤدي الى الردهة الداخلية، ويجمعه مع مجموعة السجناء من زملائه، قبل العودة بهم الى محبسهم الاساسي، فلم يخرج عن صمته سوى بعدما وقعت عينيه على غريمه، يخرج من إحدى الغرف بصحبة عدد من زملائه الضباط:
– يا عصام باشا، انت يا عصام باشا.
صوته العالي جعل الاخير يلتف اليه، مع انتباه الجميع له، ليهدر بالرد عليه غاضبًا:
– عايز ايه يا ابني انت، وبتنده عليا ليه بصوتك العالي؟ انت اتجننت.
جاء قوله بلهفة:
– لا يا باشا متجننتش، انا بس عايز اكلمك في موضوع ضروري، انا ابراهيم لو مش عارفني، ابن خالة خطيبتك، واللي كنت خطيبها قبلك.
برقت عيني الاخير على الفور بإجفال وغضب، وقد توقفت جميع الاصوات، والجميع مصوبا ابصاره نحوهما ، بعد هذا التصريح الغبي منه،
فاتجه نحوه يقبض على ياقتي قميصه معنفًا له، وقبل ان يتمكن من ضربه او سبه، اردف ابراهيم مصححًا:
– اسف يا باشا، والله ما قصدي حاجة، انا بس عايزك في كلمتين.
على صوته يزجره:
– وانت تكلمني بصفة ايه؟ ولا يكونش فاكر نفسك قريبي صح.
صدر رد ابراهيم بصوت يتخلله المسكنة:
– مش بأي صفة والله، هما بس كلمتين محشورين في زوري ونفسي اقولهم.
❈-❈-❈
بإحدى الصيدليات، وبعد أن تم الانتهاء من تضميد الجروح، بالمعقمات، وتناول المسكن لهذا الالم الرهيب بفكه، ليتمكن من توجيه شقيقته بحدة:
– انتي يا بت ، اياكي تبلغي حد باللي حصل النهاردة، لاشرب من دمك .
شهقة غاضبة صدرت منها لتعقب بتهكم:
– تشرب من دمي كمان، لهو انت مقدرتش ع الحمار هتتشطر ع البردعة.
هدر بها يحذرها بعنف:
– لمي نفسك يا سامية انا على اخري، مش ناقصك انتي كمان .
اشفقت تتراجع عن سخريتها بعد شعورها بنبرة الحزن التي تغلف صوته، لتلطف قائلة:
– انا مش قصدي اشمت فيك ولا اتريق ، انا بس اضايقت من كلامك الناشف وتهديدك ليا.
– عشان عارف بقك اللي ميتبلش فيه فوله يا سامبة، وانا بقى على اخري ومش قابل نص كلمة من حد .
اومأت بتفهم ، فهي الاعلم برد فعل والدتها لو علمت ولا غضب اسراء او شماتة سامر، ثم سخرية والدها ومعايرته.
– خلاص يا سمير انا مش هتكلم وان حد سألتي عن اللي في وشك، هقول دي خناقة في الشارع.
– جدعة .
تمتم بها ليغمغم بحسرة من داخله:
– مهما عدت السنين ولا شوفت في حياتي نسوان، ما في واحدة هتحل مكانك يا بهجة، وبرضوا مش هسيبك.
❈-❈-❈
خرج من وكالته، يرفع عيناه للأعلى نحو شرفة منزل شقيقه، يمني نفسه برؤية القمر كما حدث منذ ايام، وقد توقف عقله عند هذه اللحظة حينما رأى المرأة الجميلة، ذات الشعر الاصفر كسلاسل الذهب والبشرة البيضاء البهية، بصحبة ابنة شقيقه، تتطلع في الحارة وابتسامة تذهب بالعقل مرتسمة على ملامحها الفاتنة.
لقد رأى شبيهات لها على التلفاز وفي مسلسلات الدراما التركية كما وصفها ابنه، لكن على الحقيقة ، لم يصادف ابدا كهذه الفتنة المتحركة، يجزم بأن الاعجاب متبادل، فقد التقت عيناها بخاصتيه وتبسمت باتساع، لقد طار عقله وقتها حتى كاد ان يتخلى عن رزانته، ويصعد اليها بشقة شقيقه الراحل، ولكن منعه الحرج من بهجة واشقائها، فقد انقطعت الصلة بينهم منذ وقت طويل، بعد مشاكل الميراث، من أين يجد الحجة اذن ليفعل؟
ليتعلق قلبه بالأمل في عودتها، لربما وجد الفرصة وقتها في لقاءها وحدها بعيدا عن الحوش من أبناءه وابناء شقيقه ، والملعونة درية .
– ااااه
تأوه داخله بلوعة، يتمنى ان يبتسم الحظ له ،ويعوض ما فاته بالزواج من امرأة مثلها، تضيء بالظلام، ليست كدرية التي لا يقدر عليها سوى الله.
فهو رجل مقتدر، يملك اموالا لا حصر لها ، جزء في التجارة على العلن، واضعاف في الخفاء، لا يعلم عددها الا هو ، وان كان ينقصه بعض النحافة بذلك البطن الممتد امامه ( كرش) رغم رشاقة معظم الجسد، ثم زرع كمية من الشعر بوسط الرأس التي تلمع من نعومتها بتلك الصلعة الكبيرة بوسطها، اما عن الطول فمنذ متى كان فارقًا له.
لابد من الاهتمام بنفسه، ويدللها بعد الشقاء، فما فائدة ما حصده طوال هذه السنوات ، ان يتركه من خلفه، كي يرثه أبناءه الحمقى وزوجته المتسلطة .
شهقة صدحت بداخله، فور ان تفاجأ بدخول السيارة المذكورة تلج الى المنطقة وكأنها لبت نداء قلبه الضعيف،
ابنة شقيقه الراحل، جالسة في الخلف، بجوار تلك الحورية، ما أجملها من امرأة.
– اااه.
خرجت هذه المرة بتنهيدة مسهدة، لتتحرك قدميه ويتبعهم ، حتى اذا توقفت السيارة امام البناية خاصتهم، اقترب يستقبلهما:
– يا أهلا بالضيوف اللي معاكي يا بنت اخويا
قطبت الاخيرة بدهشة وهي تترجل من السيارة، وتسحب خلفها نجوان التي توقفت هي الأخرى بإجفال، تطالع الرجل المتوسط الطول، بجسده الصغير، ذلك الذي يميزه البطن الكبير، عكس باقي أعضاء الجسد، وكأنه ياكل ويخزن داخل احشاءه فقط ، ثم هذه الابتسامة المتوسعة، والشارب الرفيع بشدة ، يحدق بها بصورة فجة جعلتها تعود برأسها للخلف بجزع منه، لتتصدر بهجة امامها، قائلة:
– نعم يا عمي في حاجة؟
صار يشب برأسه موجها الحديث نحو الأخرى:
– حاجة ايه بس يا بنتي؟ انا بتكلم على ضيوفك، الناس الالافرنكة دي، مش واجب برضو نتعرف بيهم وياخدو الواجب، انا عمها يا هانم.
في الاخيرة امتدت كفه نحوها يريد المصافحة، ليزداد رعب الأخرى، بظن منها انه سوف يؤذيها، لتهب بهجة بنجدتها ، بأن ابتعدت بها عنه قائلة:
– معلش يا عمي، بس الهانم مبتقبلش تسلم ولا حتى تتعرف بحد غريب، عن اذنك.
قالتها وتحركت بها سريعًا تتخطاه، ليقف هو متطلعًا باثرهما، وبكفه التي مازالت ممتدة ليعلق بصدمة:
– الله، طب وهو السلام في ايه يعني؟ هو انا جربة مثلا؟
❈-❈-❈
كان منغمسًا بشروده ، يهزهز بمقعده للخلف كالأرجوحة، معطيا ظهره بعكس الجلسة خلف مكتبه.
حتى لم ينتبه على دخول رئيسه اليه، ولا حينما توقف خلفه، ليجفله فجأة بالصوت المزعج للملفات التي القى بها على سطح المكتب دفعة واحدة:
– ايه يا غالي، قاعد سرحان وسايب شغلك متكوم فوق بعضه، ما تعمل بقى بلقمتك في الكام الساعة دي، قبل ما تاخد الاجازة وتغرق في العسل .
ابتسامة ضعيفة صدرت منه كاستجابة لمزحته، ليرد بمرح مصطنع:
– معلش بقى لازم تعذرني، اي حد في مكاني هيبقى مش بعقله.
انتبه امين على تغيره ، وهذه النبرة لم تريحه، ليميل نحوه قاطبًا بقلق:
– ايه مالك يا عصام؟ انت في حاجة مضايقاك؟
زاد بتصنع الابتسام وادعاء عدم الفهم:
– بتقول كدة ليه بس يا باشا، هو انا حد قدي النهاردة مثلا عشان اضايق.
زم شفتيه الاخر، مضيقًا عينيه بريبة يعقب:
– مش عارف، حاسس حاجة فيك متغيرة، مش مطمني شكلك كدة، اصل انت بالذات مفضوح قدامي، وانا عارف كنت هتموت ع الجواز ازاي والفرح.
– طب وايه اللي حصل يعني؟ ما انا لسة برضو هموت ع الجواز والفرح.
يرافق كلماته الاخيرة ضحكة مكشوفة اكدت لأمين صدق ظنه، ليخاطبه بنصح:
– ماشي يا عصام انا مش هضيق عليك، بس عايزك تعرف كويس اوي، ان انا تحت امرك في اي وقت، سواء في الفرح او في الشدة ، انت اخويا الصغير ياض، وفرحتي بيك ولا فرحتي بابني اللي لسة مشوفتوش.
جذبه في الاَخيرة اليه ، ليعانقه عناقًا رجولي، يربت بكفيه على ظهره، متمتمًا بالتهنئة:
– ربنا يتمم فرحتك على خير يا حبيبي.
تقبل عناقه بامتنان حقيقي معبرا عنه:
– والله وانت كمان يا امين باشا، ربنا العالم باللي شايله في قلبي ناحيتك، انت اخويا الكبير فعلا حتى لو مش بالدم .
عاد يربت على ظهره، ثم بدأ يمازحه بجرأة كعادته وهو يحاول ان يجاريه، حتى اذا تركه وخرج.
سقط بثقله على كرسيه بإرهاق، عائدًا لجموده، وهذه الكلمات التي تدوي برأسه من وقت لقاءه بهذا الفاسد ابراهيم.
في وقت سابق،
وبعد أن استجاب لمطلبه، ليدخل به احدى غرف الامن ، وينفرد باللقاء معه:
(( – اتفضل يا زفت، قول عايزني في ايه؟ خلصني.
تمتم بكلماته ليجلس واضغًا قدما فوق الاخرى، بصورة ازعجت ابراهيم الواقف امامه، والاصفاد بيده، ليزيد الحقد بقلبه، على من لفظته كخرقة بالية، والاَن تكافأ بهذا المتعجرف، الذي يبدو امامه كالوضيع :
لتبزغ ابتسامة قميئة على محياه قائلًا:
– وليه العصبية دي بس يا باشا؟ دا احنا حتى في صفة مشتركة بتربط ما بينا…… امنية.
انتفض عصام بجلسته بعد سماع اسمها ليعتدل هادرًا به:
– احترم نفسك يا زفت انت، واياك تنطق اسمها تاني على لسانك، واوعى تفتكر ان اللي عملته برا هعديهولك ، انا بس مسكت نفسي عشان اجيب اخرك، اخلص قول انت عايز ايه؟
ردد بفحيح الافاعي وابتسامة الحرباء :
– خلاص يا باشا، بلاش اقول اسمها…….. بس اشيل الذكريات الحلوة بقى من دماغي ازاي بقى؟ طعم الشفايف اللي تعبت من كتر ااا…….
توقف ينتشي برد فعل الاخر، والذي فاجأته الصدمة لتبرق عينيه بذهول فتابع يضع كفه على موضع القلب يردف بوقاحة ودناءة:
– ولا الشامة اللي هنا في الحتة دي، اكيد انت عرفتها ولا يمكن لسة موصلتلهاش، دي حتى جامدة اوي، ساعة ما تمسك فيها ، تبقى ولا العيل الصغير بتشبط ومش عايز تسيبها……..
قطع في الاخيرة، وقد انقض عليه كالأسد الجريح يكيل له بالضربات في كل ما تقع عليه يده:
– يا حيوان يا سافل يا منحط، انا هخلص عليك النهاردة.
ورغم قوة الضربات لم يكتفي ابراهيم، فظل يواصل رغم الالم المبرح:
– يا باشا بقولك ذكريات، انت زعلان ليه بس؟ اه ..
…… بكرة تعرف كلامي من نفسك….. ولا اقولك اسألها وهي تجاوبك عن مغامرات المخزن…. بس بصراحة….. اااه،….. كنا بنعمل كل حاجة الا الاخيرة اللي انت عارفها دي….. عشان البقف اللي هيشيل بعدي…..
ختم بضحكاته الماجنة ترافق صرخاته التي دوت بقوة للخارج، حتى ارغمت رجال الامن لاقتحام الغرفة عليهم، ثم سحبه من بين يديه، مستندا على الاكتاف لا يستطيع الوفوف على قدميه، بعدما ابعدوه عنه بصعوبة وقد كان على وشك قتله،
يلهث كدب مفترس، بعد ان قيده الرجال بصعوبة، للخروج بالاخر، يتجاهل الرد على التساؤلات والتفسيرات التي توجه له منهم ، عيناه لا تفارق هذا الفاسق، والذي لم يكف عن الابتسام له، بوجهه الذي اصبح خريطة تزينها البقع الزرقاء والحمراء والتورمات المنتشرة بها.
يصارع بكل قوته للإفلات منهم والفتك به، والرجال لا يكفون:
– بس لو تفهمنا يا باشا الواد ده عمل ايه واحنا نأدبهولك. ))
عاد من شروده بعروق منتفضة، وقبضة ابيضت مفاصلها، تناديه للعودة للاكتفاء بقتله، ولكن ان نفذ وفعل، اين موضعها هي من الاعراب،
هي من سلمت وتساهلت معه، هي من جعلت وضيع كهذا يحتفظ في سجل رأسه بذكريات سافرة عنها وعن جسدها…
كز على اسنانه يخرج زفيرا كغليل الحمم، يعدد الفرق الشاسع بخطبتها به، حتى وبرغم عقد القران، ابدا لم يحاول ان يفعل مثل باقي الرجال وينال منها ولو قبلة صغيرة، كل ملامساته لم تتعدى مسك الايدي، وبعض الكلام الجريء في الاونة الاخيرة انما بحرص، وذلك لتهيء نفسها للقادم في عالمهم الجديد الذي يجمعهما.
لماذا يحدث هكذا معه؟ وهو الملتزم دوما، والذي لم يفعل ابدا مثل باقي الشباب الذين يتلاعبون بعقول الفتيات؟
دوي صوت الهاتف من جواره على سطح المكتب ، يتطلع لهذا اللقب الجديد الذي سجل به رقمها (( زوجتي ❤))
ليزفر انفاسًا مهتاجة، متجاهلا الرد عليها، ليعود لأفكاره القاتمة. يدمي شفته السفلى بالعض عليها من الغيظ.
❈-❈-❈
كانت مضجعة على اريكتها ، تتابع الحديث الشيق بين شقيقتها ونجوان التي كانت تضحك بملء فمها، على اقل مزحة تردف بها الصغيرة والتي لا تكف عن سرد ما يحدث معها في المدرسة ومغامراتها في صد الفتيات طويلات اللسان معها ، وكيف تفحمهم بردودها الحادة، لتفرض شخصيتها القوية عليهم .
– سبحان من بيجمع القلوب صحيح.
عقبت بها بهجة ، يسعدها هذا الاندماج بين الغريبتين، وقد توافقت شخصياتهم رغم كل الفروق الشاسعة بينهم .
ليصدح هاتفها بنمرته، فردت برسميه كعادتها معه
– الوو….. افندم يا رياض باشا .
وصلها الرد بنبرته الرخيمة الهادئة:
– الوو يا بهجة عاملة ايه؟
ابتلعت ريقها ترد بكلمات منتقاة؛
– الحمد لله كويسة حضرتك، لو بتتصل عشان الست الوالدة، فهي مبسوطة دلوقتي مع عائشة شوية كدة و…
قاطعها بقوله:
– انا مطمن عليها وهي معاكي يا بهجة.
صمتت لا تجد من الكلمات بما يسعفها بالرد عليه، ليردف هو :
– اتا كنت بسأل على صحتك، لسة برضو حاسة بالضعف ولا دايخة ؟
اومأت بارتباك تهز رأسها وكأنه واقف امامها، لتجيبه برقة لم تتصنعها:
– ما انا قولتلك كويسة يا فندم ، انا احسن بكتير دلوقتي، دا غير ان اختي جنات قايمة بالواجب من ساعة ما رجعت من الكلية وعرفت، عصاير بقى واكل بتعمله بنفسها.
– كويس اوي يا بهجة… خلي بالك من نفسك.
كانت تلك كلماته الاخيرة قبل ان ينهي معها المكالمة يتركها بحالة من التشتت والارتباك تلفها، وتفسيرات تدحضها بعقلها برفض تام لها.
حتى شعرت بالدوار بالفعل، لتتمتم بحديث نفسها:
– انا مالي دوخت بجد ليه بقى؟ ما كنت قايلاله اني خفيت :
الفصل التاسع من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل التاسع 9 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل التاسع 9 بقلم امل نصر
بخطوات مسرعة رغم حرصها المعتاد، عبرت المساحة الفاصلة بين غرفتها والغرفة الأخرى ، لتطرق على بابها متجاهلة الحرج، او الخجل في ازعاج البشر وايقاظهم في هذا الوقت المبكر.
حتى اذا فتح باب الغرفة قوبلت بالسخرية والاندهاش على الفور :
– يا نهار ابيض، معقول ! انتي جاية من اوضتك لحد هنا برجليكي ومن غير توصيلة كمان؟ هو فين حسن؟ ازاي يسمح بالتسيب ده.
وقبل ان يفتر فاهها بالرد ظهرت من خلفه زوجته هي الأخرى تتضامن معه عليها ضاحكة:
– اه صحيح دي شهد، وعلى باب اوضتنا صح يا امين، اكيد حسن نايم وهي بتغفله كعادتها.
صاحت تسكتهم هما الاثنان بنزقها:
– دا مش وقت هزار الله يخليكم، انا جاياك في سؤال يا امين، ارجوك تجاوب عليه لو تعرف.
لفتت بجديتها انتباههم، ليتخلى امين عن عبثه سائلا لها بتوجس:
– ايه الحكاية يا شهد قلقتيني؟ تعالى ادخلي الاول مش هتفضلي واقفة ع الباب.
في الاخيرة هم ان يجذبها من قماش عبائتها للداخل ولكنها تشبثت بالأرض معبرة عن رفضها:
– دا مش وقت كلام ولا راحة، انا عايزاك بس تشوف صاحبك دا اللي غايب عن عروسته من امبارح، وعماله تتصل بيه ما بيرودش، هي بس رسالة يتيمة، رد بها على اخر العشية وقال انه مشغول جدا، بعدها قفل تليفونه وكأنه فص ملح وداب، لدرجة اهله نفسهم واخته اللي حضرت الحنة معانا امبارح كمان قلقت وبقت مش عارفة تبرر تصرف اخوها.
– اختفى! وليلة حنة العروسة كمان! ازاي يعني؟
تمتم بها عاقد الحاجبين بشدة، ليدلف على الفور داخل غرفته، متوجهًا نحو الهاتف:
– انا هشوف الواد دا راح فين يا شهد متقلقيش، اتصلي على أختك وطمنيها، عصام من اول ما اتعرفت عليه وهو راجل، يعني لو في أي حاجة هيتكلم على طول، مش هيقل بنفسه ولا يستندل في شيء مهم زي ده.
تبعته زوجته الى الداخل وقد اصابها القلق هي الأخرى، وتوقفت شهد تلتقط انفاسها بتوتر يعصف بها، تتابع اتصاله في محاولات باءت بالفشل لعدم استجابة الاخر بالرد عليه، لينتقل شعور القلق داخله هو الاخر، فجاء رده الحاسم:
– انا نازل دلوقتي، ولو في سابع ارض هعرف اجيبه.
ردت باستجداء تخاطب نخوته:
– ياريت يا امين، دا البت ما قادرة تنام من امبارح، هتموت من القلق والخوف، دا عمره ما عملها ولا ردش على مكالمتها الا لو في الشديد القوي، اللي يمنعه.
اومأ يوافقها الرأي، فهو الاعلم بلهفة الاخر في الارتباط والزواج من شقيقتها، وعقله الاَن على وشك التوقف بحيرة اصابته، عن ماهية هذا التحول العجيب، في ظرف هام كهذا.
– شهد واقفة مكانك بتعملي ايه؟
كانت هذه صيحة زوجها، بنبرة الجزع التي تعلمها، لتدافع مبررة على الفور :
انا كنت جاية في طلب مهم يا حسن وماشية اهو .
قالتها وكادت ان تميل بسيرها، لولا ذراعيه التي لحقت عليها كي تسندها، فغمغم بتوبيخ:
– وتجيلو انتي بنفسك ليه؟ ما كنتي كلميني انا وانا اجره من قفاه لحد عندك، عايزة تتعبيني في اللف وراكي وبس يا شهد.
تجاهل امين الرد على مزحته، وتركه في الأخذ والرد مع زوجته، طوال طريق وصولهم لغرفتهم، اما هو فقد اغلق الباب سريعًا ليخلع عنه التيشرت البيتي الذي يرتديه، باحثًا عن شيء يصلح للخروج في خزانة الملابس بعجالة اجبرت زوجته للتساؤل:
– طب انت هتخرج كدة من غير ما تحدد وجهتك، مدام بتقولك ان اهله مش عارفين مكانه، يبقى كدة هتروح على فين تسأل عليه بقى؟
التف نحوها باستدراك متذكرًا تغيره بالأمس، ليلتف عائدًا لهاتفه على الفور، يتصل بأحد ما :
– الوو يا صبري انا الظابط امين………… يا أهلا وسهلا بيك يا حبيبي، معلش انا كنت بتصل في استفسار سريع كدة…… تسلم يا حبيبي الله يخليك؟ شوف يا سيدي انا عارف طبعا ان انت كنت مرافق عصام في مشوار المحكمة امبارح ونقل المساجين و………. بتقول ايه؟……..
اعتدلت لينا من جسلتها تتابع رد فعل زوجها في تقلص ملامحه وهو يستمع الى الطرف الأخر عبر الهاتف، وسرده عما حدث دون انتظار السؤال:
– ازاي يعني اتخانق في المحكمة؟ ومع مين؟…….. السجين ابراهيم بتاع قضية الخطف والقتل القديم…….
تمتم الاخيرة بملامح انقبضت تعابيرها بشدة، وهذه المفاجأة بذكر اسم هذا البغيض، تشعل برأسه ملايين التساؤلات، عما قام بفعله، ليحدث هذا التغير بشخص هاديء كعصام.
❈-❈-❈
خرج من غرفة مكتبه ، بعد فترة طويلة من مراقبتهم من خلف الحائط الزجاجي، وحالة السكون تلك التي تميز بها والدته هذه الايام، رغم قلقه في بعض الاحيان ، فهي ليست مضمونة على الإطلاق، ولكنه لا ينكر ارتياحه باندماجها مع هذه الجميلة، كزهور الحديقة من حولها، تشيع بهجة بالمكان رغم حزنها، مشرقة مثلهم، وصافية بصفاء السماء فوقها، وخضار العيون الساحرة يمتزج مع لون الخضرة بجوارها، بامتزاج يثير الدهشة.
– صباح الخير.
القى التحية بصوته الرخيم مفاجئًا لهم، ف انتفضت والدته برد فعل اعتاد عليه، ولكن اثار غيظه:
– في ايه بقى يا ماما، مش عفريت انا واقف قصادك يعني عشان تتخضي كل مرة كدة .
لطفت بهجة على الفور بعد ترديدها التحية وكأنها تولت مهمة الدفاع عنها:
– معلش يا رياض باشا، بس هي كدة مع الكل، شكل نجمها خفيف زي ما بنقول عندنا في الحارات الشعبية.
حدق بيدها التي كانت تضعها على ذراع والدته كدعم لها، وكأنها تبثها الاطمئنان بلفتة بسيطة جعلته يعلق بابتسامة:
– ماشي يا بهجة نديها عذرها، طب ممكن تسمحولي اشاركم الجلسة على الترابيزة ولا اشرب من العصير اللي بتشربوه؟
– يا نهار ابيض يا فندم، اتفضل حضرتك.
تفوهت تنهض عن مقعدها بفعل اثار استيائه:
– انا بقول اشاركم يا بهجة، مش تقومي واقعد مكانك.
اكتنفها الحرج لتعود لجلستها تتمتم بالاسف بكلمات غير مترابطة من فرط ارتباكها، وجلس هو مقابلا لها، بقرب اثار الخجل بها، رغم المسافة الفاصلة بينهم بالطاولة، لديه هالة وهيبة تثير بقلبها الرهبة فتفقدها التوازن، على الاقل داخلها :
– ما قولتليش بقى، عن سر تعلق ماما بعائشة الصغيرة.
على اثر سماع الاسم انتفضت نجوان بانتباه، جعله يعلق بمرح:
– يااه للدرجادي عائشة معلقة معاكي؟
تبسمت تجيبه بسجيتها:
– يمكن عشان بترغي معاها، اصل انا اختي ما تتوصاش ابدا في الحتة دي، تجيب الشرق ع الغرب وما بتملش، انا وجنات وايهاب بنتعب منها ونسيبها، أما بقى نجوان هانم بحسها تنبسط من رغيها مش عارفة ازاي؟
ختمت باتساع ابتسامتها التي زادتها جمالا ليحدق بها برهة من الوقت جعلتها تعود لخجلها ، حتى استدرك هو ليتحمحم من حالته تلك ، ليقول بجدية:
– على فكرة انا كلمت دادة نبوية من شوية طمنتني المرة دي عليها وبشرتني انها هتعود قريب لمزاولة شغلها .
– بجد ، يعني انا هرجع لشغل المصنع من تاني؟
قالتها بلهفة بقدر ما ادهشته، بقدر ما اثارت استياءه من الداخل ليشاكسها بلؤم:
– زهقناكي وتعبناكي اوي معانا يا بهجة صح؟
افتر فاهها واغلقته عدة مرات وقد غمرها الحرج كطفلة صغيرة تعجز عن الرد للحظات حتى تمكنت بتلعثم:
– لا والله يا فندم….. ااا مش حكاية اني زهقت ولا تعبت، انا بس اشتقت لشغلي ولصحبة البنات الغلابة اللي زيي والريسة صباح.
لطف يخفف عنها رغم استمتاعه بهذا الوهج الذي طغى على بشرتها الشفافه حتى اصبحت كتلة ملتهبة امامه، ثم برائتها التي تكاد ان تطيح بعقله.
– انا فاهم يا بهجة مفيش داعي تبرري، مهمها كان المميزات هنا لكن انتي برضو محتاجة تخففي عنك المسؤولية.
قال الاخيرة بنظرة جانبية نحو والدته التي تتابع وكأنها تفهم ما يدور بعقله، رغم ان الظاهر غير ذلك .
تحمحم يستفيق من حالته، لينهض فجأة عن الجلسة الممتعة متذكرًا ما ينتظره من اعمال:
– انا هقوم اشوف الشغل اللي ورايا، رغم ان القعدة هنا ما يتشبعش منها، محتاجة حاجة يا بهجة قبل ما اخرج؟
– انا يا فندم؟ لا طبعآ.
نفت بها وعلى الفور حتى تسبب في ضحكة عابثة على شفتيه ليعود موضحًا:
– انا بسأل يعني عن الست الوالدة يا بهجة ، ولا دي كمان مش محتاجة؟
تبسمت باضطراب لتتذكر ما ينقصها من دواء:
– اه صحيح حضرتك انا كنت عايزة اقولك عن العلاج المستورد ، هو قرب يخلص والاحسن يعني نجيب غيره قبل ما ينقص مننا، بس انا دلوقتي مش فاكرة اسمه، اصله تقيل اوي، اروح بسرعة اجيبهولك.
اشار لها بالجلوس:
– مفيش داعي، خليكي مكانك، لما تدخلي جوا ابعتي الاسم، او صوريه في رسالة.
– ابعتلك رسالة فين يا فندم؟
اجاب عن سؤالها بابتسامة مستترة:
– عم طريق الواتس يا بهجة، ولا عايزة تقولي ان معندكيش واتس؟
ردت بعفويتها المعتادة:
– لا طبعا عندي يا فندم.
ابتسامة مشاغبة سيطر عليها بصعوبة قائلاً قبل ان يغادر:
– كويس اوي، متنسيش بقى.
حينما غادر ظلت لبرهة من الوقت تتطلع في ظهره، حتى اذا انتهت تنفض رأسها من العبث الذي اصبح ينخر بها، عادت لنجوان ، وجدتها تحدق بها بنظرات لم تفهمها على الإطلاق، ولا تجد لها تفسيرا.
❈-❈-❈
بفاه منفرج، ظلت لمدة من الوقت تستوعب ما قد وصلها من اخبار عبر الهاتف، من إحدى الطبيبات التي تعمل بالمشفى التخصصي المشهور، وتملك العائلة جزء كبير من اسهمها،
عن زيارات رياض الشبه اليومية لها منذ قرابة الاسبوع، ورعاية شاملة لهذا الفتى شقيق الملعونة التي اصبحت كطيف شبح لها هذه الايام يطاردها في الصحو والمنام،
لا تصدق تلك المبالغ الكبيرة في علاج هذا الفتى ، سوف يتم اختصامها من نصيبه السنوي.
كيف يفعل شيء كهذا لمجرد عاملة بمنزله، تعلم عنه الكرم خصوصا مع العاملين على خدمة والدته، كمثال نبوية التي تحظى بكل الاهتمام لاجل مكانتها عبر السنين.
انما هذه ، اي مكانة قد صنعتها في هذا الوقت القصير، يبدو أنها قد استهونت بأمر هذه الفتاة:
– يا ترى قدمتي ايه تخليه، يتكفل بالمبلغ الضخم دا عنك، يا بهجة الزفت.
كان هذا هو السؤال الذي دوى داخلها، حتى تفوه بها لسانها :
– مبقاش انا لورا ان ما لقيتلك صرفة.
❈-❈-❈
وصل الى منزل عائلته، ليضغط على الجرس بحرج، لا يعلم من اين سيدخل اليهم بتساؤله؟ بعدما سأل معظم الاصدقاء والمعارف التي يعرفها، في السؤال عنه، وعما ان كان قد قضى السهرة معهم، وحين مل من عدم الوصول إلى نتيجة، قادته قدماه الى هنا، ربما وجد ما يدله عليه منهم.
فتحت شقيقته لتتلقاه بابتسامتها العذبة؛
– اهلا حضرة الظابط امين، مشرفنا ومنورنا.
لحق يبرر عن سبب مجيئه في الوقت الباكر من اليوم:
– صباح الخير ، معلش لو جيت في وقت غير مناسب، بس انا كنت جاي اسأل على عصام.
– الله، وهو حضرتك غريب يعني؟ دا انت تيجي في اي وقت، ع العموم هو نايم في اوضته حاليًا، اتفضل ادخل وصحيه الكسلان ده، يشوف اللي وراه، دا اليوم طويل اوي النهاردة.
قالتها تنزاح بجسدها من امامه، ليعبر خلفها الى داخل المنزل، تغمره الدهشة، فإن كان الامر طبيعيا الى هذا الحد، فما سبب الغياب عن عروسه وعدم السؤال.
بعد لحظات قليلة،
كان عنده بداخل الغرفة، يتطلع الى نومه الهاديء بسكينة، مناقضة تماما لحالة القلق البالغ والتوتر التي اصابت اهل العروس.
– انت يا باشا، انت يا زفت انت ياللي نايم وسايب الدنيا تتطربق برا.
استيقظ عصام يفتح اجفانه للضوء، فيقابل وجه رئيسه فوق رأسه متابعًا بإصرار:
– اصحى ياض انت واتعدل، خليني اتكلم معاك انا مش فاضيلك .
قطب عصام يستجيب له، ليعتدل بجسده متمتمًا، بابتسامة متكاسلة:
– سيادة الباشا امين بذات نفسه، في اوضة نومي وبيصحيني كمان، دا ايه النهار النادي ده؟
عبس موبخًا له:
– يا برودك يا اخي، مأنتخ وصاحي ناموسيتك كحلي ، والبت واهلها مفكرين انك هربت وطفشت يوم فرحكم.
قطب يدعي عدم الفهم :
– بنت مين؟ قصدك امنية؟ وايه اللي هيخليني اطفش واسيب فرحي عليها المجنونة دي؟ هو انا غاوي مصاريف تترمي ع الارض ولا ناس تشنع علينا بكلام مش لطيف.
انفعل امين مرددًا بغيظ:
– ولما هو كدة يا ظريف، طفشان من امبارح ليه ، واختك يسألوها تقول معرفش مكانه، انتو متفقين مع بعض توقعوا قلب البت واهلها.
– لا لا لا حرام عليك متظلمش عبير اختي، هي فعلا قالت الحقيقة، لان انا بالفعل كنت غايب عن البيت ومرجعتش الا وش الفجر، يعني اكيد ملحقتش تطمنهم، ع العموم احنا لسة فيها ، اطمنهم انا بنفسي.
قالها ثم توقف يتناول هاتفه من فوق الكمود المجاور له ، ليهاتف الأخرى امامه:
– الوو يا امنية صباح الفل يا قلبي…….. يا بنتي وليه القلق بس وتكبري الموضوع؟ انا قايلك من امبارح اني مشغول…
التقت عينيه بخاصتي رفيقه، والذي كان يرمقه مضيقًا عينيه بريبة وهو يواصل التبرير مع خطيبته:
– لا يا قلبي متقلقيش، النهاردة ليلة عمرنا، روحي ارتاحي واشبعي نوم قبل ما تدخلي في دوشة التجهيزات والعك اللي مستنيكي في اللبس والمكياج……. انا هقفل معاكي كمان عشان انتبه للي ورايا، دا حتى امين باشا مشرف منزلي المتواضع….. يلا سلام بقى.
انهى المكالمة، ليلتف اليه بتنهيدة مقللاً:
– اهو يا باشا زي ما شوفت بنفسك، الوضع عادي جدا، ومفيش اي حاجة وحشة لا سمح الله.
– يا شيخ.
تمتم بها امين، بشك اصبح يرواده بقوة، ليتناول المقعد الوحيد يقربه من التخت، ثم جلس مقابلا له، يبدأ حديثه الجاد:
– عصام، انا عرفت بخناقتك امبارح في المحكمة، لما ضربت الزفت اللي اسمه ابراهيم وكان هيموت في ايدك ، لولا رجالتنا اللي حاشوه عنك، دي مش طبيعتك ولا شخصيتك ابدا، كون انك تضربه بالشكل ده، وانت عارف بالصلة اللي كانت بتجمعه بخطيبتك، وبعدها تغطس وتختفى عن فرحك، دا ملهوش غير معنى واحد عندي، هو ان الولد ده قالك او استفزك بشيء انت مقدرتش تتحمله، واكيد الكلام…. كان عنها.
كان صريحًا في مواجهته ، غير آبهًا بشيء سوى ان يفتح قلبه اليه، ولكن الاخر لم يكن بطاقة لتحمل حتى ذكر اسمها في موضوع خاص كهذا، تأبى رجولته ان يناقشه مع احد ما ، مهما كانت صفة قربه له.
فجاء الرد وكأنه كان مستعدا له:
– اي كلام ده اللي هيقدر يهلفط بيه الولد ده؟ وانا اصلا هسمحله يجيب سيرتها على لسانه من الأساس، كبر دماغك يا باشا، هو اخره كان محروق مني عشان خطيبته سابته وهتتجوزني انا بداله، زود في الهرتلة، انا مستحملتش، قومت مديله الطريحة ، عشان يحترم الفرق اللي ما بينه وما بينى ، وميكررهاش.
اما عن امين ، فلم يكن غبيا على الاطلاق، ليبتلع القصة رغم حبكتها، ولكنه فضل السكوت ومجاراته ليقينه الاكيد باستحالة افصاح الاخير عن الحقيقة، ولكن لا بأس .
لينهض زافرا بقنوط:
– ماشي يا سيدي براحتك، ع العموم انا في اي وقت تحت امرك وقت ما تحب تتكلم، قلبي مفتوحلك، وبرضو مش هسألك اختفيت فين الوقت دا كله؟ دلوقتي بقى خلينا في ليلة النهاردة، فاضلك اي حاجة لسة مخلصتهاش؟
نهض عن تخته بحيوية، ليسترسل عن اخبار القاعة والمدعوين، وما تم تجهزيه وتحضيره لهذه الليلة.
❈-❈-❈
وفي هذه الاثناء،
هرولت هي من غرفتها، نحو الجالسين بوسط الصالة بحالة من البؤس تكتنفهم نتيجة ما يحدث:
– اتصل يا ماما اتصل، اتصل يا رؤى، حتى عبير اخته كمان اتصلت وراه على طول تتأسفلي عشان لما رجع متأخر راحت نامت وملحقتش تتصل وتطمني عليه.
تهلل وجه رؤى على عكس والدتها التي استنكرت بضيق :
– ومالك يا اختي فرحانة اوي كدة ليه؟ بقى بعد ما اتغمينا ليلة بحالها بسبب تناحة المحروس وتناحة اهله، لسة ليكي نفس تفرحي وتنسي عملته!
تجلت الصدمة على وجه امنيه بوضوح والتي توقعت مؤازرة او تخفيف عنها، في وقت عصيب كهذا من اقرب الناس اليها، والدتها، فجاء الدعم من شقيقتها الصغرى العاقلة:
– ولا يهمك يا امنية، اعتبريها ليله وعدت، بصراحة احنا كان لازم يصيبنا النكد، بعد اللي عملتوه في ليلة الحنا امبارح ورقصك الاوفر ع الفاضي وع المليان مع البنات، ودول معظهم كانو مبيننها اوي بطريقة كلامهم وقرهم عليكي انك هتتجوزي ظابط.، إن كل ذي نعمة محسود يا اختي .
عبرت امنية عن اقتناعها ببعض الندم:
– صدقتي، بس انا كنت فرحانة اوي يا رؤى، ولحد دلوقتي مش قادرة اصدق جماله ولا رقته معايا، دا بيعاملني كأني ملكة، مش المصدي اللي كان شايف نفسه ياما هنا ياما هناك، ودائما محسسني اني اقل منه.
قالت الأخيرة بقصد واضح نحو والدتها، ودفاعها المستمر عن هذا الاخرق ابراهيم، والتي مصمصت بشفتيها تصدر صوتا يجتاحه الغيظ :
– ايوة يا ختي شوفي نفسك علينا من دلوقتي، طبعا ، هو انت حد هيملى عينك بعد كدة.
– يا ساتر يارب.
غمغمت بها رؤى، وقد استهجنت جهل والدتها وغبائها في التعبير حتى يخونها الرد مع ابنتها، لتنهض ملطفة:
-طب مدام اطمنتي ، يبقى روحي نامي بقى الساعتين الفاضلين دول، عشان تريحي بشرتك وتروقي للجاي .
رحبت امنية بابتسامة ملء فمها:
– هو كمان قالي كدة، عشان ابقى مصحصحة واروق له، عن اذنكم .
– ايوة بقى .
عقبت بها رؤى بابتسامة شقية، تغازل شقيقتها التي غادرت بعد ذلك بارتياح ، لتنام قريرة العين بعد ليلة طويلة من السهد والسهر،
وتتناول هي هاتفها تتصل على شقيقتها الكبرى شهد كي تطمئنها، بعدما شغلتها معهن رغم تعبها .
❈-❈-❈
جاء المساء
واجتمع الاحباب والأهل والاقارب في القاعة التي امتلأت عن اخرها بالمدعوين، العروسين في منصة العرس يستقبلان التهاني والمباركات والتقاط الصور بكل ترحاب،
العروس كانت جميلة وفاجئت الجميع بطلتها، وعريسها المغوار يتبادل المزاح مع اصدقائه وضحكاته خير دليل عن مدى سعادته،
لقد أجاد دوره بالفعل، اما هي ففرحتها كانت بسعة الكون، ترقص بين صديقاتها وشقيقاتها وصيفات لها، رؤى وفريال المتغربة دائما، حضرت اليوم من سفرها من اجل هذا الحدث الهام، تجبر والدتها على الاندماج معهم، رغم أدعائها الرزانة طوال الوقت.
اما شهد فقد كانت مقيدة بجوار زوجها الذي لم يكف عن تحذيراته.
– خفي هز بوسطك يا شهد وانتي قاعدة، الحركة غلط عليكي، كفاية بقى .
خرجت زفرتها برد له قبل ان تتجه باعتراضها نحو مجيدة :
– شايفة يا طنط، طب بذمتك انا بهز، انا بهز ، حتى السقفة كمان بقى اسمها هز وانا قاعدة!
تضامنت مجيدة معها كالعادة رغم تحفظها:
– طبعا يا حبيبتي معاكي حق هو مزودها، بس انتي بردو خدي بالك، لانك من فرحتك بتهزي من غير ما تحسي.
تطلعت لها بصدمة لتنقل بتساؤل نحو صديقتها لينا والتي ضحكت توافق حماتها الرأي:
– بصراحة اه يا شهد، ودنك ماشية مع الأغنية وبتعبري بانسجام يجنن يا قلبي، انا بجد مش عارفة بتعمليها ازاي؟
أتى قول زوجها بتحكم كالعادة:
– اول مرة يقولو كلمة حق، اسمعي الكلام بقى وانتي ساكتة.
بالطبع لم تصمت له، وصارت تجادله في الأخذ والرد ، امام متابعة جيدة من مجيدة التي كانت تتدخل بتسلية حين يلزم الامر ، و
رواية حان الوصال الفصل العاشر 10 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل العاشر 10 بقلم امل نصر
اتكلمي يا بهجة، مين اللي حط في دماغك الكلام ده؟
على اثر صيحته الاخيرة انتفضت بارتباك واضح امامه، ورفض قاطع لاخباره، لكن بذات الوقت تعجزها الحيلة عن إيجاد رد مناسب، لتتلجلج بالكلمات امامه:
– اهوو بقى….. عرفت وخلاص…. لمااا سمعت واحد ااا، بيسأل الريسبشن على اجرة الليلة……في المستشفى، ساعتها حسبتها وقلبي وقع في رجلي……..
– امممم.
زام ليتحرك عائدا لمقعده خلف المكتب، وهي لا تعرف ان كان صدقها ام لا…
ولكنه أظهر اقتناعا زائفًا:
– ماشي يا بهجة، يعني افهم من كدة انك عرفتي بالصدفة
– ايوة بالصدفة..
صدرت منها سريعًا لتردف موجهه له السؤال:
– دلوقتي بقى هسددلك ازاي؟….. انا مخي هيوقف من التفكير.
تبسم ساخرا لمعاناتها:
– طيب يا بنتي ومخك يقف ليه من التفكير؟ هو انا طالبتك؟ انا مش عايز منك حاجة يا بهجة، افهمي بقى.
بقلة حيلة دبت قدمها بإصرار مرددة :
– فهمت………. بس مينفعش.
– مينفعش ليه؟
سألها بابتسامة حاول لملمتها بصعوبة، فكان جوابها:
– عشان هو كدة، المبلغ كبير قوي، وانا اخته يعني لازم اتكفل بمصاريفه، قولي بقى، هسدده ازاي دلوقتي؟ اخد قرض اسدد نصه والباقي مثلا يبقى يتقسم على شهور،
يتخصمو من قبض كل شهر؟
زفر مقلبًا عينيه، وقد يأس من الجدال معها، لينهي حازمًا:
– خلاص يا بهجة، انتي قولتي اللي عندك، وانا هفكر، او لو لقيت طريقة تاني هبقى ابلغك بيها، ممكن بقى تسبيني اكمل شغل دلوقتي؟
لم تتحرك على الفور، ، وكأنها تريد منه المزيد من التوضيح ، فواصل قائلا لها بأمر:
– ما قولنا خلاص يا بهجة، اخرجي ياللا خليني اكمل شغلي ، وروحي انتي سلمي على دادة نبوية .
– والنبي بجد، يعني هي جات فعلا؟
صدرت منها بلهفة، وابتسامة اشرقت بمحياها، بطيبة جعلته يوميء رأسه لها ببطء وعيناه تتأمل فرحتها بانشداه، حتى اذا انصرفت من امامه، ذاهبة نحو المرأة، ظل هو لمدة من الوقت ، يطالع اثرها بشرود، يعيد برأسه كل خلجة وكل همسة صدرت منها، بشغف شغله عما كان يعمل به قبل اقتحامها عزلته، وحين عاد في محاولة لاستعادة التركيز على الملفات، وجد نفسه يدفعها عنه بقرف، وكأن عقله يرفض مشاركه احد ما غيرها ولو حيزًا ضئيلًا من فكره.
❈-❈-❈
خرج من غرفة مكتبه حينما يأس من التركيز، وقد ذهب ادراج الرياح، ليرتدى سترة حلته مقررا الذهاب لعمله، وجدها في وسط الردهة تضحك بعفوية في المزاح والنقاش مع نبوية التي كانت تشاركها هي الأخرى بسجيتها ومزاحها، ووالدته العزيزة، جالسة بينهما، بابتسامة لا تفارق ملامحها، وكأنها تفهم على الحديث الذي يدور بينهم، متشبثة بذراع رفيقتها الاولى، ليصل الى سمعه ما يدور بينهم:
– ايوة بقى، من لقى احبابه يا عم، خلاص نسيتيني يا نجوان هانم بمجرد ما شوفتي حبيبتك.
جاء رد نبوية باعتزاز:
– طبعا يا حبيبتي، دي عشرة عمر بحاله، قبل انتي حتى ما تتولدي يا ست بهجة بسنين .
تصنعت الدراما بقولها:
– اخص ع الصدمة، دا انا كنت قربت اصدق اني بقيت حبها الوحيد، لدرجادي كنت مخدوعه فيكي يا نوجة.
– نوجة.
تمتم بها هو فور ان اقترب منهم، يجفلهم بحضوره، فتدخل مرددًا باندهاش:
– نوجة! دا اسم جديد دلع لماما يا ست بهجة .
اخجلها بسؤاله المباغت حتى جعلها تبرر بحرج:
– لا يا فندم دا مش اسم جديد ولا حاجة، انا بس خدت بالي اني كل ما أدلعها بتبقى هادية ومتتعبش قلبي في اي طلب اطلبه منها.
– امممم.
زام بها، يمط شفتيه بابتسامة يشوبها الرزانة قبل ان يلتف نحو نبوية:
– البيت كان ناقص من غيرك يا دادة، وماما زي ما انتي شايفة، ولا كأنها لقيت مامتها.
ردت نبوية بطيبة ليست بغريبة عنها:
– البيت منور بأهله، انا كمان في بيتي وكنت حاسة كأني غريبة عن المكان، وان دا بيتي الاصلي، اما عن الهانم، دي كانت وحشاني اوي.
قالت الأخيرة بإشارة نحو نجوان التي زادت من تشبثها بها وكأنها فهمت الكلمات، ليتفاجأ هو حينما وجد بهجة تنهض من جوارهم متمتمة بتأثر:
– ربنا ما يحرمكم من بعض يا دادة، اقوم انا اشوف شغلي بقى في المصنع، مدام الحمد لله ربنا يسر الأمور.
– خدي اليوم اجازة يا بهجة، وابتدى من بكرة .
همت ان تفرح بعرضه السخي، ولكنها تذكرت عودة المنزل في ذلك الوقت، والوحدة في انتظار عودة اشقائها من محل دراستهم، لتعبر بالرفض على الفور:
– لا يا افندم الف شكر، نأجل الاجازة لوقت تاني، اصل انا وحشني اوي المصنع وصحابي وحبايبي اللي فيه عن اذنكم بقى.
قالتها وما همت ان تستدير عنهم، حتى اوقفتها نجوان بقولها:
– عائشة.
– يا نهار ابيض تاني برضو؟
صدرت من بهجة، تلوي فمها بابتسامة، ثم تردف بعدها :
– في اقرب وقت هاخدك ليها ان شاء الله، عن اذنكو بقى.
❈-❈-❈
اعتدل بجذعه على الفراش، بعد فترة طويلة من التململ والتقلب على تخته بدون فائدة، وقد ذهب عنه النوم منذ نهوضها من جواره، حين تسحبت بهدوء بظن منها انه مازال نائمًا، لتتجه نحو المرحاض وتغيب به لأكثر من نصف ساعة، حتى اثارت قلقه عليها ، لولا استماعه لصوت المياه من الداخل، لظن ان بها شيء ما.
يعلم انه كان قاسي معها بالأمس، ولكن ماذا كان بيده، ونيران قلبه لم تخمد حتى الاَن، لا يصدق ان تلك كانت ليلة عمره التي كان يخطط لها ويجهز المفاجأت. ان تمر بهذا السوء، هو ابشع كوابيسه.
انتبه على صوت باب الحمام الذي اندفع تخرج منه،
ترتدي منامة قطنية، وشعرها المبتل يحاوط وجهها،
بوجه احمر ندي، رغم هذه الانتفاخات البسيطة حول عينيها، ليتيقن من صدق ظنه انها كانت تبكي بالداخل .
تبدو المنامة منزلية بالأساس، بربع كم وبنطال صغير بالكاد يغطي ركبتيها.
صوت ضعيف خرج منها في القاء التحية نحوه، قبل ان تعطيه ظهرها وتتجه نحو المراَة لتصفف شعر رأسها امامها:
– صباح الخير.
– صباح النور .
خرجت منه جوفاء، بوجه خالي من أي تعبير، لتتركز ابصاره بها، يقيم تفاصيلها بعين الرجل الخبيرة بمفاتن زوجته التي رأها بالأمس، لديها جسد يغوي القديس على الخطيئة، وهو ليس بمحصن، فرغم كل غضبه لم يستطع منع نفسه عنها، فصارت رغبة امتزجت بعنف غضبه، لتؤدي الى هذه النتيجة، وتزيد من اشتعال رأسه ان احد ما اطلع على ملكه غيره، حتى وقد تأكد من صدق قولها باحتفاظها بعفتها، إلا ان باقي التفاصيل الأخرى…..
انتفض كالملسوع عن الفراش كي يهرب من افكاره السامة، فيصبح خلفها تماما، ويظهر لها انعكاس صورته امامها، بانعقاد حاجبيه ، وصوت انفاسه الهادرة، حتى اصابها التوتر ، لتلتف له متسائلة:
– ايه ؟؟ في حاجة؟
ظل على وضعه صامتًا لمدة من اللحظات يتأمل بشرتها، وتلك العلامات المتبقية من اثار معركة الأمس، حتى وقعت عيناه على تلك الشامة التي نال منها، غير مكترث بما يسببه من الم لها، وقد وضح الاثر جليا عليها الاَن، لتندفع حمم سائلة بأوردته، ورغبة جامحة تدفعه لتكرار الامر ،
وفي نفس الوقت، صوت ما بداخله ينادي بالترفق بها،
وما بين ذاك وذاك، لم يشعر إلا بيده قد ارتفعت لتطبق اصابعه على وجنتيها المكتنزتين، وهذه الشفاه المنتفخة بإغراء، فدنى نحوهم دون سابق انذار، ليلتهمهم بنهم، يرتشف منهما ما يسكر عقله ويرطب عليه من التفكير المستمر. غير واعي ان كان شغف او جموح، او عنف، وذراعه تعتصر خصرها، فلم يستفق الا بدفعتها القوية له، لتلتقط انفاسها، ثم قالت لتوقفه، وبصوت يهتز برجفتها:
– امي زمانها على وصول، هي واخواتي البنات، وعيلتك كمان ، دا الميعاد اللي قالوا عليه من امبارح.
❈-❈-❈
بعد قليل،
وقد اجتمعت الاسرة في منزل الزوجية الجديد، قبل ذهاب العروسين الى رحلتهم في قضاء شهر العسل في احدى المنتجعات الشهيرة، كما هو مخطط من البداية.
وكما فعل بالأمس، أجاد تمثيل الزوج السعيد بمهارة اذهلتها، يتبادل النكات والمزاح مع اهل العروس ووالديه وشقيقته، يظهر مشاهد السعادة الجمّة بينها وبينه، وهي تحاول مجاراته، رغم حزنها المتفاقم لجرحه، وما تسببت به من اذى لرجل بأخلاقه، فهي الاعلم الان بحجم معاناته، كم ودت ان يعود بها الزمن وتصلح كل ما فات، او تمحيه من ذاكرة الزمن وذاكرتها، لو كانت تعلم بما يخبئه القدر لها من عوض جميل، ما كانت ابدا قللت من ذاتها بالارتباط بشخص فاسد وقميء مثل ابن خالتها ابراهيم، فليجازيه الله بأفعاله.
❈-❈-❈
وفي محبسه،
بالتحديد داخل مبنى المراحيض ، بزاوية مختصرة، بعيدة عن اعين رجال الامن، اجرى مكالمته الهاتفية عبر الهاتف النقال الذي استأجره من احد المساجين القدامى.
مع والدته، والتي ما ان سمع بردها على سؤاله، حتى صاح لها باستنكار:
– ايه؟ اتجوزت وعملت فرح عليوي كمان؟…….. وما استغربش ليه ياما؟ شكل الظابط بتاعها دا راجل قلة ومعندوش حرارة…………. ايوة معندوش حرارة وانا برضو مش هحلهم من دماغي……. عشان تبقي عارفة……… سيبك ياما من الهرتلة دي وركزي مع محامي الزفت، ادفعيلو ودفي جيبه بالفلوس، خليه يخرجني في اقرب وقت، انا دمي بيغلي………. متقوليليش اهدى، انتي تعملي اللي بقولك عليه وتخرجيني، هو دا اللي هيريحني…….. ماشي ياما؟ اسيبك بقى.
فور ان انهى المكالمة، أٌختطف الهاتف من يده، بواسطة الرجل الذي يملكه، يحدثه بصوته المتحشرج:
– شاطر يا حلو، دقيقة تانية وكنت هحسبها عليك بالضعف، عشان دي تتسمى بعرفنا ضريبة الوقت الزايد.
ختم بضحكة سمجة اثارت سخط الأخر ، يرمقه بازدراء، ثم يبتعد عنه، مغادرا من المرحاض المقرف، ليتناول احدى السجائر من علبتها، يشعلها بالقداحة، يغمغم بالتوعد داخله:
– ماشي يا بنات ناصر الدكش، انا مفيش ورايا غيركم .
❈-❈-❈
على الاريكة التي كان مضجعًا عليها يشاهد مع شقيقه احدى برامج تحليل القنوات الرياضية، يدعي الاندماج مع نقاش المذيع مع المحلل الرياضي، وعيناه تذهب كل دقيقة نحوه بابتسامات خبيثة كان يتجاهلها الاخر في البداية حتى فاض به، لينهره بحنق؛
– ما تتلم يا عمنا انت في يومك ده، شايفني اراجوز قدامك ؟ ولا وشي فيه حاجة مش عاجباك؟
اطلق سامر ضحكته الصاخبة ليردد:
– حاجة واحدة! قول حاجات ، انت وشك كله متشلفط يا باشا، بقى عامل زي الطريق الدائري….
ختم ضاحكا مرة اخرى ليستفز الأخر حتى هدر به :
– احترم نفسك يا سامر، اقسم بالله انا على اخري منك.
ببرود شديد واصل سامر ضاربًا بغضب شقيقه عرض الحائط:
– طب بدل ما تعصب نفسك وتتنزفز كدة، ما تريحني وقولي على صاحب الخناقة الحقيقية ، اللي سببلك البهدلة دي في وشك، قولي يا اخويا عشان اروح اخدلك بتارك من سواق الغبرة اللي زنق عليك بعربيته.
زفر يكظم حقده، يود لو يفتك به، فتلميحات هذا الأحمق تثير بداخله الريبة، ولكنه يأبى كشف الحقيقة امامه:
– لا يا اخويا اطمن وحط في بطنك بطيخة صيفي، انا ظبطت الراجل ومسحت بيه بلاط الشارع، يجي ايه اللي في وشي ده عن اللي انا عملته فيه.
– يا بطل.
تمتم بها سامر ليطلق ضحكة رنانة أذهبت الباقي من عقل شقيقه، لينهض فجأة يهجم عليه ، يمسكه من تلابيب ملابسه، وقد ضج من سخريته:
– تحب اعرفك عملي انا عملت فيه ايه؟ شكلك مش مصدق وانا بقى عايز اثبتلك.
صدح صوت دريه من خلفه يوقف المعركة من اولها:
– في ايه يا زفت انت وهو، فاكرين نفسكم عيال صغيرين وهنحوش ما بينكم، ولا ديوك وهتتناقروا، شيل ايدك عن اخوك يا سمير.
صدحت الاخيرة بأمر اجبره على ترك هذا المستفز، والذي لم يكف عن ابتسامته اللزجة وشقيقه يشتكي لوالدته:
– خليه هو يلم نفسه عني ياما، عمال مقلتة عليا بقالوا يومين وانا ساكتله، انما والمصحف لو زودها…….
– مفيش داعي للحلفان، هو مش هيعملها تاني….
صدرت منها بمقاطعة حادة، لتتوجه بالأمر بعد ذلك نحو الأخر:
– سمعت انا قولت ايه يا سامر؟ مش هتعملها تاني، يا اما هتلاقي حسابك معايا انا يا حبيبي، جاتكم الهم، ولا اكنكم عيال اتناشر سنة، مش رجالة كبار ، قطيعة .
بصقت كلماتها وانصرفت من امامهما نحو وجهتها داخل المطبخ، والذي وقفت على مدخله اسراء تراقب بصمت كعادتها، لترمقه بنظرة لائمة وكأنها هي الأخرى تفهم على ما اصابه، ليزداد الشك بداخله ان تكون شقيقته الملعونة قد افشت امره.
❈-❈-❈
بعد لحظات،
دلف الى داخل غرفتها يباغتها بقوله:
– انتي يا بت، بلغتي الواد ده باللي حصل صح؟ قولي الحقيقة لا اشلفط وشك.
شهقت تخرج صوتا مستنكرا، بعدما أجفلها بحضوره اثناء وضعها لطلاء الاظافر على اصابع يدها:
– ودول بيطلعو امتى دول، محدش قالك يا حبيبي، ان دي اوضة بنات ومحدش ينفع يدخلها هجم كدة من غير استئذان.
اقترب منها هادرا بهمس:
– بطلي قلة حيا وردي على سؤالي، الاوضة اساسا دخلتها لما لقيت بابها مفتوح، يعني مش مقفول عشان اخبط عليكي، ولا انتي عايزة تاخذيني في دوكة وتهربي من السؤال؟
عبست ملامحها بضيق تقر امامه باعترافها:
– بصراحة بقى، امك هي اللي زنقت عليا، وانت عارفها لما بتحتل على موضوع بتجيب قرار اللي قدامها، انا حاولت والله اداري على قد ما اقدر، بس هي بقى فضلت تجرجرني لحد ما حكيتلها كل حاجة.
بحالة من الزعر تمتم خلفها بعدم تصديق:
– يا نهار ابوكي اسود ، انتي كمان حكيتي لامك ، دا على كدة البيت كله عرف.
– لا والله مش كله، انا اعترفتلها هي بس، انما الزفت سامر معرفش لقطها ازاي؟
– سمعنا بقى ولا……
– ولا ايه تاني يا زفتة؟ انا كنت عارف من الاول انك متستريش لذلك نبهت وشددت عليكي، لكن اللي فيه داء ميروحش منه .
اطرقت رأسها بخزي، فهي بالفعل لم توفي بعهدها معه، رغم محاولتها ذلك، لكن والدتها لطالما عرفت كيف تسحب منها ما تريد.
ليضرب شقيقها بكفيه على جانبي فخذيه، يغمغم بتفكير:
– اااه، وطالما امك ماتكلمتش ولا فتحت معايا سيرة يبقى مرقدالي ، او يمكن انا مش في حساباتها من الأساس، وهتجيب اللوم كله على بهجة، دي امك وانا عارفها.
مصمصت بشفتيها لتردد بضيق:
– وانت شاغل نفسك بيها ليه بقى؟ ما هي فعلا السبب يا حبيبي، لولا قعدتها معانا في نفس العمارة، مكنتش هتبقى حاططها في دماغك كل ده، كنت هتبص لمراتك المسكينة دي، بدل ما انت سايبها ومش معبرها.
– اه يا اختي مراتي المسكينة؟ لما هى صعبانة اوي عليكي كدة، ما تروحي تساعديها في المطبخ، ولا هو حط المونكير مينفعش يتأخر.
عقب بها ثم سحب نفسه ليذهب من الغرفة، يكتنفه الغيظ بشدة لفعل هذه الحمقاء.
❈-❈-❈
بهيئة جديدة كليا عن كل ما سبق، قصت شعرها بعدما صبغته بدرجة من اللون جديدة عنها، واسلوب مختلف في الملابس، حتى اثارت انتباه ذلك الذي كان يعمل مع رئيسها في هذه الوقت في مقر المصنع، ليوجه بحديثه عنها معه؛
– رياض…. البت قريبتك اللي برا دي، اقطع دراعي ان ما كانت بتحبك ومتعلقه بيك.
رفع اليه نظرة خاطفة بابتسامة مستخفة، قبل ان يعود إلى عمله ، وكأنه لم يسمع شيء ، ليعيد عليه مشددًا :
– طب وربنا انا ما بقول كلام جزافا، ما تجرب يا بني معاها، مش يمكن تطلع كويسة، انا مش فاهم، انت عايش ازاي من غير نسوان.
اطلق ضحكته النادرة برزانة ليعقب بمرح:
– مفيش فايدة فيك يا كارم، هو احنا في ايه ولا في ايه بس يا بني؟ بقى قاطع الشغل عشان تكلمني عن النسوان في حياتي، وتقولي عايش ازاي؟ عايش عادي يعني يا سيدي، ولا ينقصني اي حاجة.
– لا والله ينقصك.
ردد بها يخالفه بتأكيد :
– بكرة لما تقع على بوزك وتحب، هتعرف قيمة الكلام اللي بقوله دا كويس .
عاد رياض ضاحكا متمتم له:
– ماشي يا حبيبي هبقى افتكرك.
تمتم بها بسخرية، يظهر عدم اكتراثه، بقناعة رسخها بداخله ، ان العشق ضعف وهلاك، ولا شيء يستحق شغل جزء في تفكيره، سوى العمل والنجاح، لكن لماذا صورتها لا تفارقه؟ تلك البهجة التي حلت قريبًا بمحيط حياته، لماذا لا تتركه الاَن بتركيزه الجدي في عمله؟
بعلمه انه لا يفصله عنها الاَن، سوى طابق واحد،
هي في الأسفل تعمل ضمن طبقة العمال لديه، وهو في الأعلى بين اعماله والمناقشات مع شريكه.
بعد مغادرة كارم، ظل لفترة من الوقت يحاول التركيز ولكن عقله المتمرد، ابى الاستمرار.
لينهض فجأة مقررًا الذهاب بنفسه للاطمئنان على سير العمل بين العمال، بلفتة لا يفعلها تقريبا الا في الضرورات القصوى، او نادرا.
هبط الدرج الرخامي، يقف في المنتصف، عيناه تجول على العمال وانشغالهم على الماكينات الحديثة بجد ونشاط في تفصيل الملابس بحرفية عالية الدقة.
الاعداد ضخمة والبحث عنها وسطهم كالأبرة في كوم من القش،
رجال ونساء، كالنحل ميز وسطهم صباح نظرا لجسدها الضخم، او ربما لأنها هي من انتبهت عليه لتهرع من وسطهم مهرولة، وقبل ان تصل إليه، وقعت عينيه على تلك البهجة، بملابس العمل، منكفئة على احدى القطع، وكأنها تصنع لوحة بدقة عالية، حتى انها لا تلتفت للحديث مع احد، لا يستغرب الاَن سر تمسكها بالعمل هنا، لكن مهلا من هذا الذي أتى يقف جوارها ويحدثها ؟!
– رياض باشا، يا أهلا وسهلا نورتنا، دي مفاجأة ولا هلال العيد والله.
كان هذا صوت صباح التي هللت بفرحة لمجيئه، فكان رده ان اومأ لها على عجالة، قائلا بعدم تركيز :
– هلال العيد ليه بس؟ انا جاي اطمن على سير العمل، ايه الاخبار؟
سمعت منه، لتسهب بالحديث عن ما تم تنفيذه في التصميمات الجديدة، وانجاز الطلبيات القديمة، والخ والخ.
وهو غير منتبه لاي جملة منها ، فعيناه كانت تتابع بشغف تلك الحورية، وذاك الغراب الذي يدور حولها، يتصنع الحديث ليلفت انتباهها، ثم يسحب منها ابتسامة توزعها كالبلهاء اليه، ثم تتناول منه كوب الشاي فترتشف منه متلذذة، وتلك الشفاه تترجم الشكر والامتنان له، وكأنه قد أتى لها بعلبة شيكولاتة فاخرة، تبًا.
– عندك تعليمات عايزني ءأمر العمال بيها؟
اردفت بها صباح، حينما طال صمته معها وعدم تعقيبه على كل ما استرسلت به من حديث في التو، ليستدرك بفطنته، قائلا لها:
– لو عندي تعليمات هبلغهالك يا صباح ومش هستنى تطلبي مني. انا بس كنت عايز أسألك ، هو مين اللي واقف هناك عندك بهجة وبيكلمها؟
شبت ببصرها نحو ما يرنو اليه، لتجيبه على الفور:
– دا تميم، شغال معانا هنا تبع قسم القص، بس ايه، واد شاطر وايده تتلف في حرير.
وجه كلماته بحدة نحوها:
– ولما هو واد شاطر وايده تتلف في حرير، سايب مكانه ليه وبيلاغي في العمال؟
دافعت على الفور صباح عن الشاب بلهفة:
– لا يا باشا، هو اكيد خلص شغله، اصله شاطر زي ما بقولك، وان كان على وقفته عند بهجة، فدي عشان ليها وضع خاص معاه.
– خاص.
دوت الكلمة برأسه، لتبرق عينيه بلهيب مخيف، جعل المرأة تسرع في التصحيح:
– خاص مش بمعنى غلط يا باشا، انا قصدي انه رايدها بحلال ربنا، عايز يتجوزها، ربنا يارب يفرحنا بيهم قريب.
تتحدث بتلقائية وابتسامة حالمة بغباء، وكأنها ستفرح بأبنائها، غافلة عن ذاك الذي كان يرمقها بغيظ متعاظم ، يجاهد للمحافظة على ثباته امامها، رغم حمم البراكين التي تغلي بداخله، ليغتصب ابتسامة ليس لها معني في مخاطبته لها:
– طب روحي يا صباح اندهيلها خليها تيجي ورايا ع المكتب، عشان عايزها في امر ضروري.
– بخصوص الست الوالدة يا باشا ولا في حاجة تاني؟
زفر بضيق من تدخلها :
– ميخصكيش يا صباح ، انتي عليكي تنفذي وبس؟
لم ينتظر ردها، وتحرك يستدير معاودا الصعود ليتفاجأ بلورا امامه، تسأل قاطبة:
– انت هنا بنفسك يا رياض باشا، مقولتليش ليه، لو عايز تعمل جولة على الأقسام؟
اجابها بنزق:
– مدام مطلبتش منك يا لورا، يبقى متقلقيش نفسك.
قالها والتفت رأسه نحو صباح يشدد عليها:
– متنسيش اللي قولتلك عليه، ابعتي لبهجة خليها تيجي ورايا حالا .
اكمل طريقه بعد ذلك يتخطاها، غير ابهًا، بغروره المعتاد، لتتوجه هي بغضبها نحو صباح:
– البت دي طالبها في ايه؟
اومأت الاخيرة بهزة من اكتافها، تزيد من حيرتها.
– والله ما اعرف يا هانم.
❈-❈-❈
والى منزل بهجة،
حيث ذهب الجميع منهم الى اماكن دراستهم والعمل، بعد خروج جنات الى جامعتها على ميعاد محاضرتها، لتستغل هي انشغال أبنائها في الوكالة محل ابيهم ، بعد اختفائه هو الأخر، دون ان يخبرها بوجهته.
لتصعد الدرج بخفة، وعيناها تدور في كل الأنحاء بحرص شديد، حتى وصلت الى باب شقتهم، لتُخرج من جب صدرها، تلك النسخة من مفتاح المنزل، والتي مازالت تحتفظ بها حتى الاَن، رغم مرور السنين وموت اصحابها، وقت ما كان الود موصول، قبل ان يتبدل لعداء بعد موت خليل شقيق زوجها.
ليأتي الاَن فائدته، فتضعه في مغلق الباب ، ثم تدفعه بهدوء، لتلج بداخل المنزل، تتأمل محتوياته سريعًا، والتغيرات التي طرأت به حديثًا، ثم تخطو نحو وجهتها في غرفة بهجة.
بحثت سريعًا بعيناها نحو شيء ما تريده، وحين لم يعجبها شيء، لم تجد امامها سوى التوجه نحو خزانة ملابسها، لتعثر اخيرا على هذا الحجاب الصغير القديم ، ترفعه امام عينيه محدثة نفسها:
– هى دى، اكيد مش هتحس بيها لما تغيب ، طرحة قديمة ومرمية وسط الهدوم.
وضعتها على انفها تشتم الرائحة، لتردد بارتياح اكبر:
– وكمان فيها ريحتها، يعني عز الطلب.
وضعتها سريعًا بجب صدرها، لتواصل حديث نفسها:
– كدة بقى سيدنا يشتغل صح.
جرت اقدامها نحو المغادرة بعد انتهاء مهمتها، لتعيد غلق المنزل من الخارج، وتنزل الدرج بخطوات واثقة الى حد ما حتى وجدتها امامها فجأة لتشهق مزعورة، وتبصق في فتحة ملابسها في الأعلى:
– بسم الله الرحمن الرحيم، بيطلعو امتى دول .
توقفت عائشة تطالعها بنظرات ثاقبة ترد بسخرية:
– بيطلعو للي خايفين منهم.
اجفلتها بردها الغريب، ليتسلل القلق بداخلها، توبخها بشجاعة زائفة:
– واخاف منك ليه يا اختي؟ هتولعي فيا ولا افتكرتي نفسك بتخوفي صح؟
تعلم انها ملعونة وحادة الذكاء بإجرام لا يتوفر حتى في اشقائها الكبار، فتأخرها عن الرد ، وهي تحدجها برفع حاجب واحد بشر يبث بقلبها الخوف بالفعل، لتلسعها بالسؤال المباغت:
– هو انتي كنتي نازلة من فين يا طنط؟ ومرات ابنك وابنك مش في الشقة اساسا؟
ابتلعت درية ريقها الذي جف في حضرة هذه الملعونة، لتبرر بغضب:
– وانتي مالك يا اختي ان كانوا قاعدين ولا مش قاعدين، انا اطلع شقة ابني وقت ما انا عايزة، وسعي كدة من قدامي، مبقاش الا العيال كمان، وسعي.
تخطتها لتنزل رافعة رأسها بتعالي، تدعي عدم الاكتراث ، وقلبها يرجف من الداخل، تتخيل نفسها لو تأخرت دقيقتان ودلفت هذه الملعونة عليها الشقة، على اقل تقدير كانت ستتسبب لها بفضيحة، ان لم تلبسها تهمة سرقة، او تشعل بها النار وهي حية ، تجزم انها قادرة على فعل ذلك.
التفت رأسها بدون قصد نحو الأعلى، لتجدها مازالت محلها ، وابصارها منصبة عليها، بصورة اعادت الفزع الى قلبها، لتدلف الى شقتها سريعا ، واضعة يدها على قلبها تلهث ببعض الارتياح:
– يا لهوي عليكي بت، وقفت شعر راسي من الخضة.
❈-❈-❈
أتت بهجة بناءًا على امر استدعائها، لتقابل اولا تلك الفتاة المتعجرفة، ترمقها بنظرات ازدراء من اعلى حجابها في الأعلى حتى ما ترتديه من حذاء في قدمها،
تبرع دائما في بث صفة النقص بداخلها، ورغم ادعاء بهجة غير ذلك، إلا داخلها ينجرح بالفعل ، ولكن ابدا لن تعطيها غايتها في التقليل من ذاتها.
اهدتها ابتسامة صفراء قبل ان تخبرها:
– رياض باشا طالبني .
صدر رد لورا بتعالي، تشير بسبابتها نحو مكتبه دون ان تكلف نفسها حتى عناء الرد، لتعود اليها بهجة بنفس الابتسامة الصفراء دون رد هي الأخرى، قبل ان تتحرك ذاهبة نحو وجهتها، تتمتم بصوتها كالهمس:
– جاتك قرصة في ايدك يا بعيدة.
وصلت الى باب غرفته، تطرق بخفة ، حتى اذن لها بالدخول.
ثم دلفت الى داخل الغرفة التي ولأول مرة تخطوها بقدميها ، لتفاجأ به تاركًا مقعده خلف المكتب، واقفًا امامه بتحفز اثار بداخلها التوتر ، لتوجه سؤالها له بقلق:
– افندم يا رياض باشا، الريسة صباح بلغتني ان حضرتك طلبتني، هي نجوان هانم جرالها حاجة؟
– مجراش اي شيء، وهي تمام وعال العال يا بهجة، انا كنت طالبك في حاجة تانية بعيدة عن البيت والست الوالدة.
اردف بكلماته على عجالة وكأنه لا يطيق الاسهاب، ليثير بداخلها الفضول والسؤال للمرة الثانية:
– افندم يا باشا عايزني في ايه؟
زفر انفاسه الخشنة بصمت دام لحظات وكأنه يبحث عن حجة لسؤاله، ليحسم فجأة مندفعا:
– كنت عايز اعرف منك، صحة الكلام اللي قالته صباح، عن اللي اسمه تميم ده ورغبته ، في انه عايز يتقدملك.
قطبت بعدم استيعاب، وقد تفاجأت بالسؤال الغريب:
– تميم مين يا فندم؟
ردد بانفعال يزيدها اندهاشًا :
– تميم زميلك في المصنع عندنا يا بهجة، انتي مش مركزة ليه؟
الاَن قد فهمت رغم استغرابها لعصبيته المفرطة وسؤاله عن شيء يخصها، الا انها تمالكت تجيبه في الاَخير:
– هو فعلا عايز يتقدملي، بس بلغته كذا مرة انه مينفعش عشان اخواتي.
– يعني صباح بتكدب؟
– لا طبعا الريسة مبتكدبش، اصل هو كل شوية يكلمها عني في انتظار موافقتي .
تتحدث بعفوية، غافلة عن تبدل ملامحه وغضب غير مبرر يلوح في الافق، ليوميء برأسه فجأة ويردد بغيظ مكتوم، يفسر الأمر بمنطقه:
– اااه يعني الباشا مفقدش الامل، ورايح جاي يدور حواليكي، ومهمل في شغله؟
– لا يا باشا، تميم انسان محترم، وشايف شغله كويس.
– متدافعيش عن حد قدامي يا بهجة وخليكي في اللي يخصك ، انا شوفت بنفسي وانا اللي بقولك دلوقتي.
قابلت عصبيته بدفاع عن الشاب، وقد استفزها تحامله عليه:
– انا مش بدافع يا فندم، انا بقول الحقيقة، بس انت شوفته فين صحيح وهو بيدور حواليا؟ قصدك يعني لما جه وجابلي كوباية الشاي من شوية؟ …..
– اسكتي يا بهجة.
صاح بها مقاطعًا، لا يريد شرحا ولا تفسيرا، فقد رأى بنفسه ما يكفيه، ويجعل الدماء تغلي برأسه، ليفاجأها بقوله:
– قوليلي يا بهجة، انتي مشتغلتيش عندنا ليه بشهادتك؟!
– شهادتي.
رددت بها من خلفه، وكأنها تستوعب المغزى من السؤال، لتجيبه بعدها بحرج:
– وشهادتي دي بقى، هشتغل بيها ايه حضرتك؟ دي ثانوية عامة، يعني مفرقتش كتير عن الاعدادية.
– والحقوق……. انا عرفت انك دخلتيها، بس مكملتيش فيها.
اجفلها بمعرفته لهذه المعلومة عنها، فهي لا تتحدث بها على الإطلاق، ولكن يبدو ان لديه سبله الخاصة في البحث خلف من يعمل بمنزله، اذن لما التعجب.
– حضرتك انا مدرستش في حقوق غير سنة واحدة ، والتانية يدوب حضرت فيها كام محاضرة، وبعدها قطعت نهائي، يعني اكيد متتسماش دراسة.
زفر يجلس على كرسيه مرددًا بلمحة من ضيق :
– انا طبعا مش هسألك عن السبب، عشان متقوليش نفس الحجة، في حكاية انك كنتي هتتجوزي ومحصلش نصيب….. لكن دلوقتي انا بتكلم عن الوضع الحالي، وانا شايف انك تصلحي لوظيفة ارشيفية حتى لو بشؤون العاملين، بدل التفصيل والقعدة على المكن يا بهجة .
تخيل موافقتها على الفور، ولكنه تفاجأ بردها:
– بس انا بحب التفصيل فعلا على فكرة.
زفر بغضب مكتوم يردف حازما:
– تقدري تكملي هوايتك دي في البيت يا بهجة، انا بعرض عليكي دلوقتي فرصة ووضع احسن لواحدة متعلمة زيك.
حينما ظلت على صمتها ضرب بكفه على سطح المكتب:
– فكري كويس وخدي فرصتك يا بهجة، وانا من بكرة همضي قرار تعيينك.
اومأت برأسها بموافقة، لكن سرعان ما انتبهت لقوله معقبة بعدم فهم:
– افكر ازاي واخد فرصتي وانت حاسم قرار تعييني؟
اومأ بلهجة لا تقبل النقاش:
– امشي دلوقتي يا بهجة، واعتبري القرار اتنفذ، بقووولك امشي يا بهجة.
اضطرت في الأخير ان تنصرف من امامه، بتشتت اصابها، لا تصدق حزمه في امر يخصها كهذا، غير قابل حتى للمناقشة، لطالما وصفته الفتيات زميلاتها في العمل انه المغرور الوسيم، لتتيقن هي الاَن من صفة جديدة به، وهي انه ديكتاتور أيضا.
❈-❈-❈
بداخل السيارة التي كانت تقلها معه، حيث كانت جالسة بجواره في الامام ، وفي طريقهم نحو المنتجع السياحي، لقضاء شهر العسل ، ليته كان كذلك بالفعل.
تراقب صمته وقيادته الناعمة للسيارة بهدوء يثير تعجبها، رغم صخبه والمزاح المبالغ فيه، حينما يقابله شخص ما يعرفه، او يقف بلجنة ما ويصادف برؤية احد اصدقاءه من أفراد الشرطة، فيُقابل التهاني والمباركات منهم، بالابتسام وسعادة يجيدها امامهم، حتى اذا اختفى الجمع واختلت به كما يحدث الاَن، ظلت ابصاره منصبة على مراقبة الطريق، لا يتلفت اليها الا للضرورة، يحدثها بكلمات محددة ومقتضبة.
برغم كل ما حدث منه بالأمس معها ، إلا انها تعطيه عذره، ولن تتوقف عن محاولاتها في القرب منه مرة اخرى، علُه في يوم ما، يعود اليها عصام القديم.
– عصام…… ممكن تنتبهلي ولو دقيقة.
هتفت منادية حتى تخرجه من حالة الوجوم التي تتلبسه، وكما توقعت جاءها الرد بعد برهة من الوقت .
– نعم يا امنية، عايزاني انتبهلك ازاي وانا بسوق؟
تبسمت بضعف تجيبه:
– والله دي حاجة سهلة اوي، ممكن تتكلم وانت بتسوق عادي، دا لو عايز تتكلم….. انا عايزة اسمع صوتك يا عصام، عايزة نتكلم مع بعض زي الاول ومنوقفش…. حتى لو هتفتح في الموضوع اياه…… انا قابلة.
رغم ترددها ، إلا انها ملكت الشجاعة لقولها، وهذا يحسب لها، ولكنه كان بحالة من الغليان المكتوم من اجلها، حتى لا يجرحها، وما دامت طلبت بنفسها، اذن فلتتحمل.
التف اليها بتنهيدة مثقلة قائلًا:
– ماشي يا امنية نتكلم ، انا بقى عايز اعرف منك، حصل كام مرة؟ والامر دا كان في الخطوبة بس؟ ولا قبل كمان؟
قطبت بعدم فهم في البداية، لكن سرعان ما وصلت لمقصده، لتتنحنح بحرج تجيبه:
– مش بالصورة اللي في دماغك يا عصام، انا مكنتش هبلة للدرجادي، هما كام مرة بس بعد الخطوبة، لكن قبل الخطوبة والله ما حصل .
التف برأسه عنها معقبا بضيق متعاظم:
– في الحالتين مش فارقة، ما دام حصل، وكذا مرة كمان .
زفر دخان من حريق صدره، حتى شعرت بسخونته وصل اليها، لتردد بضعف:
– والله ما حصل غير بعد ضغط منه، كان بيستغل اوي فرق السن ما بينا وعدم خبرتي.
– يعني محصلش مع اي حد تاني غيره؟
اجفلها بسؤاله، حتى ارتجفت بزعر تنفي:
– اقسم بالله ما حصل، حتى جيبلي المصحف احلف عليه.
قبض على مقود السيارة حتى كاد ان يكسره، ليعبر عن حسرته كازا على اسنانه بشدة :
– كان نفسي الإجابة دي تبقى شاملاه هو كمان، تبقى شاملة الجميع، وانا ساعتها وربي كنت هصدقك من غير حلفان، لكن انتي يا امنية…..
قطع بأنفاس لاهثة، يمنع نفسه على المواصلة، بعدما شعر، بيداها التي التفت حول ساعده العضلي، وتميل برأسها عليه تذرف الدموع بندم مرددة:
– وانا والله اكتر منك، كنت اتمنى ابقى اعقل من كدة، كنت اتمنى اشوفك من زمان، انا كنت في احتياج للحب من اي حد، حتى لو كان وهم زي اللي كنت عايشاه مع الزفت ده اللي ربنا يجازيه…
زادت من ضمه ذراعه بقوة لتردف برجاء:
– انا شبعت بحبك عن كل العالم، اوعى تسيبني ولا تتخلى عني، عاقبني زي ما انت عايز، بس متسبنيش لحالتي في الضياع من تاني يا عصام…… ارجوك.
لانت ملامحه برجاءها، ورق قلبه لها حتى تخلى عن جموده، ليربت بكفه على وجنتها مهونا:
– خلاص بطلي عياط، انا مكنتش عايز افتح في مواضيع اصلا، بس انتي اللي جبرتيني.
– عشان عايزاك تطلع اللي في قلبك يا عصام، تجرحني احسن ما تشيل في نفسك ، وعقلك يشتغل بالظنون.
قالتها بضعف ورغبة صادقة التمسها في نبرتها، ليميل على رأسها فجأة يخطف قبلة على جبهتها، قبل ان يعود لقيادته، مردفًا:
– ماشي يا امنيه، ريحي انتي دلوقتي ، لسة قدامنا كذا ساعة على ما نوصل.
لم تتخلي عن تشبثها بذراعه، بل زادت من قربها منه قائلة:
– انا راحتي في قربك يا عصام، هضرك لو انام على كتفك وانت بتسوق؟
رحب بابتسامة رائقة:
– لا طبعا مش هتضريني يا امنية ، اخري بس الكتف هينمل، لكن يا ستي ولا يهمك.
تبسمت بارتياح لتسند رأسها مستسلمة لنوم تنشده منذ الامس، وهو يواصل القيادة، بعقل هدأ قليلًا، او مؤقتًا، ليشعل المذياع على اغنيه هادئه لفيروز، تساهم في ترطيب الأجواء المشحونة الى حد ما .
أنا لحبيبي وحبيبي إلي
يا عصفورة بيضا لا بقى تسألي
لا يعتب حدا ولا يزعل حدا
أنا لحبيبي وحبيبي إلي
حبيبي ندهلي قلي الشتي راح
رجعت اليمامة زهر التفاح
و أنا على بابي الندي والصباح
و بعيونك ربيعي نور وحلي
و ندهلي حبيبي جيت بلا سؤال
من نومي سرقني من راحة البال
أنا على دربو ودربو عالجمال
يا شمس المحبة حكايتنا أغزلي
❈-❈-❈
بيد مرتجفة صارت تقرأ البنود في العقد الذي امامها، بعدم تصديق، تدقق النظر في الاسم، علُه تشابه يحدث كثيرا، ولكن كيف هذا؟ من في العالم بهذا الاسم غيرها تلك الملعونة؟ لترفع ابصارها اليه ، فيلتقط نظرتها هو بتحدي، وكأنه ينتظرها.
– ايه يا لورا، ساعة بتقري في بنود العقد الجديد!
بغضب مكتوم تجاهد لعدم انفلات الامر من يدها:
– ما انا بصراحة مش مصدقة، إيه لازمة نقل عاملة من قسم الملابس، لموظفة على مكتب، ما احنا لو محتاجين ، في غيرها كتير يستاهل.
تبسم ببرود يجيده:
– اكيد طبعا في غيرها يا لورا ، الدنيا مليانة كفاءات، بس انا قررت نقلها ببنود العقد الجديد اللي قدامك.، إيه المشكلة عندك بقى؟
– يا فندم المشكلة مش عندي، انا بتكلم عن الكفاءة، احنا اساسا لو محتاجين نعمل اعلان وهيتقدم الافات، ليه بقى نبدل ونفتح علينا فاتحة من باقي العمال اللي هيغيروا منها اكيد؟
زاد اتساع ابتسامته في استفزازها، ليردف بحسم:
– انا اصدرت امري، وانتي عليك تنفذي اللي عليكي، اما بقى عن مشاكل ولا اي عوق تاني، ميخصكيش يا لورا، انا المسؤول عنها يا ستي.
افحمها عن المجادلة لترفع راية الاستسلام امامه، وتستأذن للانصراف حتى اذا وصلت الى مكتبها، لطمت بكفيها على سطحه، تضغط على اسنانها، مانعة نفسها بصعوبة عن الصراخ او تكسير اي شي امامها تعبيرا عن غضبها ، حتى اذا تمالكت بأسها اخيرا رفعت رأسها متمتمة داخلها بتوعد :
– انا لازم يكون لي صرفة المرة دي وبسرعة .
❈-❈-❈
استيقظت من نوم القيلولة على اثر حركة ما في غرفتها، وبجوارها على الفراش، حتى اذا فتحت عينيها صرخت مزعورة:
– انت مين يا راجل انت……
قطعت مجبرة حينما حطت الكف الغليظة التي تعلمها جيدا، مع صوت صاحبها وهو يحذرها:
– اسكتي يا ولية هتفضحبنا ، انتي ايييه؟ مجهزة نفسك ع الصريخ .
رفع كفه حينما شعر بارتخائها، وهذه النظرة المندهشة منها ، لتعقب بعدم تصديق لما تراه امامها:
– انت ايه اللي عامله في نفسك دا يا خميس؟
تبسم يمسح بكفيه على جانبي شعره بزهو مرددًا:
– ايه فاجأتك صح؟ بس ايه رأيك في النيولوك الجديد؟ لايق عليا؟
هدأت اخيرا من صدمتها لتردد رافعة طرف شفتها بنزق:
– هو ايه اللي لايق عليك؟ انت صبغت شعرك ولا عملت ايه بالظبط؟ انا حاسة ان فيك حاجة غريبة مش فاهماها.
افتر فاهه بابتسامة بعرض وجهه تظهر الصف الامامي لاسنانه بالكامل، وهو يجيبها بفرحة:
– صبغت وزرعت يا درية، مش بقولك نيولوك.
اهتزت رأسها باستفسار تنقل بابصارها نحو الصلعة التي تقلصت الى حد ما :
– زرعت فين؟ ما الصلعة موجودة لسة؟
– لا ما انا زرعت نصها، لسة الباقي هياخد كام يوم .
مالت رأسها للخلف تطالعه بريبة لهذه اللهفة:
– والشعر اللي زرعته ده جيبته منين؟ انت ضامن دا جايبنه من فين؟
ضحك بتفكه ومبالغة لم تستجيب لها وهو يخبرها بتفاخر:
– يا ولية مايبقاش ضميرك سو ، مفيش حاجة اتزرعت من برا ، جوزك كله خير، ولا انت ناسية اني عندي غزارة في الانتاج ، وسوء في التوزيع.
ختم بضحكاته رافعا ذراعه امامها، لتظل هي على صمتها وراسها الاجرامي يدور بالظنون، حتى صدر ردها اخيرا:
– مبروك يا خميس ، الف مبروك يا حبيبي، عقبال يارب ما تحصد اللي زرعته.
جاء رده بالضحكات:
– حلوة احصد دي.
– عجبتك؟
– ايوة عجبتني اوي .
– اممم.
زامت بالاخيرة بابتسامة صفراء واضعة كفها على وجنتها تسمع منه الأحاديث التافهة التي كالعادة يجيد تأليفها من خيال عقله، حينما يريد التغطية على شيء ما برأسه.
فهي تفهمه اكثر مما يفهم هو نفسه.
❈-❈-❈
بداخل مطبخها، بعدما عادت من عملها، تقف امام القدر التي تقلبه على النار ، وتستمع الى حديث شقيقتها:
– يا بهجة صدقيني، صوت الباب اللي سمعته وانا طالعة، دا صوت بابنا ، انا حاسة الست دى دخلت شقتنا .
التفت لها شقيقتها بسأم:
– للمرة التانية بتقولي نفس الكلام يا عائشة، ايه هيدخل بس الست دي بيتنا؟ ليها ايه عندنا؟ ثم ازاي كمان؟
دبت عائشة قدمها على الارض بيأس:
– انا بقولك ع اللي حاساه يا بهجة، وانت مش عايزة تصدقيني.
– عشان انا بتكلم بالمنطق يا قلبي .
قالتها ثم دنت تطبع قبلة على وجنتها، تضمها اليها بحنان:
– ياريت الشطارة دي والبحث نوفرهم للمذاكرة، مش التفكير في حاجات تضر.
اومأت بهز رأسها، رغم عدم اقتناعها ، لتخطف قبلة اخرى قبل ان تامرها :
– ياللا بقى خدي اطباق السلطة دي وحطيهم ع السفرة ، على ما أكون جهزت الاكل اللي في ايدي .
اذعنت تطيعها، وما كادت ان تخرج من المطبخ، حتى دوى صوت الهاتف ، لتتناوله، تجيب نفس الرقم الذي اجابت عنه سابقًا:
– الوو يا رياض باشا، فيه حاجة؟
وصلها صوت ضحكته ، ليردد بمرح:
، ليه يا بهجة؟ هو انا لازم يبقى في مصيبة عشان اكلمك .
تحمحمت بحرج، لتصمت لحظات حتى أتى ردها:
– انا اسفة حضرتك.
– مفيش داعي للأسف يا ستي،انا كنت بتصل عشان ابلغك ، بقرار التعيين الجديد، انا مضيته ومن بكرة تيجي تستلمي كموظفة.
رفرفرت اهدابها بعدم تصديق تجادله:
– مضيت امتى حضرتك؟ هو انت مش قولتلي فكري وخدي فرصتك.
– وقولت اني هنفذ برضو يا بهجة .
ختم بضحكة نادرا ما تصدر منه ، لتبرق عينيها بدهشة للتغير المفاجيء لهذا الرجل ، حتى اذا انتهت المكالمة، غمغمت متسائلة مع نفسها بعدم تصديق :
– دا ايه اصله ده ؟
الفصل الحادي عشر من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا