تحميل رواية حان الوصال بقلم امل نصر pdf
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
االفصل الاول 1 ما بعد الفجر وقبل الصباح، ذاك الوقت الفاصل ما بين ظلام الليل وشروق الشمس، هذا هو وقتها، الذي تجد فيه سكينتها، تصلي الفجر ثم تقف في شرفتها تتمتع بالنسمات العليلة مع الهدوء الذي يعم المنطقة الا من بعض الاصوات القليلة للمارة الذاهبين الى شئونهم، ان كان الى عمل او شيء آخر. تتأمل المباني حولها وتراقب انقشاع الظلام رويدا رويدا حتى تحط الشمس بضيائها وتزين الأرض. تتنفس هواء نقيًا، بعيدا عن الصخب والمسؤوليات المعلقة في رقبتها. بهجة…. هذا اسمها وياليتها نالت حظها منه، او ربما كانت تناله قدي...
رواية حان الوصال الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثالث والثلاثون 33 بقلم امل نصر
نقطة فاصلة
وخز الضمير الذي يذكرك بخطأك، يذكرك انك إنسان مازلت تشعر وداخلك بوصله توجهك إلى الطريق الصحيح، ربما تنتبه وتحاول تقويم نفسك.
هذا ما كان يحركه اثناء نزوله الدرج الخارجي للمدخل، وعيناه منصبة عليها وهي تعطيه ظهرها وتسقي زهورها التي ازداد بهائها منذ توليها مهمة الاهتمام بها.
طلت منها نظرة عابرة نحوه والتقت بندقيتيه بخاصتيها العاتبة بغضب خفي بعد حديثه القاسي بالأمس، لتزيد من صعوبة الأمر عليه، وقد عادت
بعد ذلك لما تشغل به نفسها .
ليخطو بتردد حتى اقترب منها يلقي عليها تحية الصباح:
– صباح الخير
– صباح الخير
ردت التحية بصوت فاتر دون ان تلتف اليه، حتى سمعت حمحمة وصوت ضعيف يوضح مدى صعوبة الأمر عليه وهو يغلب كبريائه.
– انا اسف على كلام امبارح، كنت مخنوق ومش شايف قدامي.
قالها وتحرك سريعًا قبل ان تلتقي ابصارها به، ليثير بثغرها ابتسامة عابثة، كانت تود إيقافه ولكن منعها صوت الهاتف ودوي اتصال مفاجيء
اما عنه فقد واصل طريقة، يتجنب النظر للخلف حتى لا ينظر اليها مرة اخرى ويظهر المزيد من الضعف اتجاهها، دائما ما تغلبه برقتها منذ آن كان طفلا صغيرا، كان كل اقرانه لديهم والدات حازمات إلا هو كان لديه امرأة جميلة يخشى دائما الوقوع في الخطأ حتى لا يرى على محياها الجميل عتاب ولا حزن .
ولكن الحياة لا تترك شيئًا جميلا على حاله
تنهد بأسى ينفض عن رأسه التفكير بشيء قد يجره نحو الذكريات السيئة، ليركز اهتمامه على المغادرة، وقد اقترب من السيارة التي سوف تقله إلى عمله، ليدلف اليها يشعل المحرك، لكن، وقبل ان يهم بقيادتها جاء اتصال منها على هاتفه، ليضطر الإجابة عليها بارتياب:
– الوو…. عايزة حاجة يا ماما قبل ما امشي؟
جاءه صوتها بنبرة جزعة:
– الحقني يا رياض، لورا باينها عملت حادثة، مامتها اتصلت بيا دلوقتى وبلغتني
❈-❈-❈
صففت لها شعرها وضفرته لها، لتتأمل نفسها امام المراَة الآن تردد بتخايل ومرح:
– الله يا بيبو، حلوين الضفرتين النهاردة، اكيد هيعجبو نوجا صح؟
ضحكت تجيبها بغبطة هي الآخرى:
– اكيد يا عيوشة يا قمر انتي، هي عمرها اساسا ما شافتك بالضفرتين، متأكدة انها هتتجنن بيكي.
– وانا فرحانة اوي اني هشوفها، اصلي بحبها اوي أوييي، انا هخليها تقعد معايا اليوم كله معايا في الكافيه، همسكها وظيفة المدير عشان تيجي كل يوم .
قالتها في تعبير صادق عن محبتها القوية لها، لتحتضنها شقيقتها بتأثر ضاحكة، حتى اذا توقفت اخذها الشرود في القادم، عن مصير هذه العلاقة الجميلة ببن الاثنتان اذا ما حدث وانفصلت هي عن رياص ان اختار الفراق.
❈-❈-❈
هرعت العائلة بأكملها إلى المشفى بعد ورود المكالمة الهامة من احد الأشخاص يخبرهم عن إصابة المدعو سامر خميس الرواي وضرورة خضوعه لعمليه جراحية لإنقاذه.
ليتوقف الجميع الاَن خارج حجرة العمليات في انتظار خروجه والاطمئنان عليه، وحالة من الوجوم اكتست بها الوجوه، خميس وولديه الاثنان، زوج رحمة وسمير،
حتى خطيب ابنته ووالده ايضًا كانا حاضرين بحكم علاقة النسب الجديدة والصداقة بين الرجلين الكبيران
اما سامية فقد كانت جالسة على مقاعد الانتظار تتجنب النظر نحو المدعو خطيبها والذي كان يبدو عليه الجدية، ويتصرف بمسؤولية على قدر الحدث، ولكن كانت تخونه عيناه احيانا في النظر اليها، فتقابله بتعالي كعادتها او تحاول الهروب من محاصرته لها بالتهوين عن والدتها، والتي كانت تندب وتولول بصورة اثارت استياء تلك الواقفه في ركن وحدها، تدعي الثبات والقوة، رغم حالة الفزع
التي مازالت تجتاح خلاياها ، وهذه المشاعر الغريبة التي لأول مرة تشعر بها مع رجل مثله، ابعد ما يكون عن فكرها وشخصيتها
لقد نجت اليوم بفضله ، بفضل دفاعه عنها، هذه اول مرة تجد من يدافع عنها، بل ويُقاتل من أجل نجاتها حتى يوشك على الموت.
جسدها يرتجف بشدة خوفًا عليه، من وقت ان ضمته اليها، وتلوثت ملابسها بدمائه، تصرخ من أجل انقاذه، وتناديه أن يتماسك، كيف اتتها الجرأة لذلك؟ لتتخلى عن عنجهيتها في رجاء الأطباء لآسعافه، ثم الانتظار الان حتى تطمئن عليه بنفسها، رغم استهجانها المتعاظم للأسلوب السوقي لوالدته في التعبير عن حزنها وقلقها، الا تستطيع اغلاق فمها وتكف عن ازعاج المرضى والعاملين بصوتها العالي، انها حتى لا تراعي صورتها كامرأة كبيرة ولا يصح لها تلك الأفعال
– لورا.
تلقفت صوت والدتها والنداء بإسمها بلهفة شديدة حتى
كادت ان تبكي وهي تقطع نصف المساحة لترتمي بحضنها:
– اخيرا جيتي يا ماما؟ انا كنت محتاجاكي اوي
– يا حبيبتي يا بنتي، ايه اللي حصل معاكي بس؟ انا مش فاهمة حاجة
صاحت بها المرأة في تساؤل وحيرة عاصفة نحو ابنتها تريد منها تفسير واضح
اما في الجهة الأخرى، فلم يقوى خميس هو الاخر، على التجاهل اكثر من ذلك:
– ولد يا سمير، انا لحد دلوقتي مش فاهم، البت دي ايه علاقتها باخوك عشان تنقذه؟ ثم كمان هي كانت بتعمل معاه ايه في المنطقة الصناعية؟
سمع منه الاخير، يزفر بضيق شديد، ليرد عليه بصعوبة فا أقصى ما يهمه الاَن هو الإطمئنان على شقيقه، اما التفاصيل تأتي بعد ذلك:
– كله هيبان يا ابوبا، يفوق سامر بس واحنا نعرف منه كل حاجة ادعيلوا انت ادعيلوا.
قصد سمير بالاخيرة نحوه حتى يتفرغ للدعاء لولده ويكف عن توجيه الأسئلة اليه مرة اخرى ، الا يكفيه المحزنة التي تفعلها والدته، تلفت ابصار الجميع نحوها لغرابة ما تفعله
❈-❈-❈
استيقظ هذه المرة باكرًا وبمزاج رائق، تناول كوب الشاي الساخن ليضع السيجارة داخل فمه، ويجلس خلف الشرفة التي تتوسط المنزل الصفيحي الذي يسكن به الآن، يتنعم بنسمات الصباح الرقيقة، والهدوء الذي يعم المنطقة في هذه الا.وقات، يستمع ويتابع على هاتفه ما تم تسجيله من مكالمات وصورة التقطتها الكاميرات داخل الهاتف الاخر الذي تم اختراقه اخيرا، وقد حفظ منهم الكثير بالامس، رغم غيظه الشديد لرؤية العديد من الصور التي تجمعها مع زوجها العدو الاول له الآن، ولكن لا بأس، فلابد من ان يصبر نفسه، حتى يصل إلى غايته.
دخل سجل المكالمات لينتبه بوجود مكالمتين جديدتين، واحدة مع زوجها مدتها تقارب الساعة، والأخرى مع شهد ومدتها نصف ساعة، هم ان يبدأ بالأولى ولكن الحنين غلبه لسماع صوت الأخرى، حبه الاول، والسبب الاساسي في كل ما يمر به الآن، يتمنى أن يشمل الحديث بعض الأسرار عنها هي ايضًا، ولسوف يستمتع كثيرا بابتزاز كل منهما، بنات ناصر الدكش
❈-❈-❈
داخل غرفة الإفاقة، وبعد أن استعاد وعيه، كان وجهها اول شيء وقعت ابصاره عليه، لتتشبث عينيه بها، وكأنه لا يصدق وقوفها امامه بهذا السكون، بعد صراخها وافعالها المجنونة من أجل اسعافه، والان تخاطبه بصوت هاديء لأول مرة يسمعه منها، وتواصل غير مفهوم بين عينيها وخاصتيه:
– حمد على سلامتك، الدكتور طمنا عليك.
لم يجد ما يسعفه للرد عليها او حتى بالإيماء بأجفانه، وكأنه يرى امامه امرأة اخرى لا يعرفها، ليست تلك النفس الخبيثة التي تمنى حرقها في بعض الأوقات، لا يدري ان كان هذا تصنعًا لتخفي من وراءه مصيبة تفاجأه بها، او ربما تأثرا بما حدث له، هذا ان كان قلبها يعمل مثل البشر.
– ايه ده؟ انت فتحت عينك؟ سامر فتح عينه ياما، سامر فتح عينه يابا؟
كان هذا صوت شقيقته، والتي صارت تهلل بها لتجذب انتباه الجميع، بعدما استدركت هي الاخرى لإفاقته، ليجد الأسرة كاملة في اقل من ثانية حاوطته، وهي تنسحب من بينهم ، ومن امام عينيه، بعدما تشوشت الرؤية بهجوم والدته عليه في تقبيله
– يا حبيبي يا بني، ربنا قومك بالسلامة عشان خاطر امك الغلبانة، دا انا كنت هموت لو حصلك حاجة يا حبيبي.
تركته بين عائلته، لتخرج من الغرفة وحالة من الشرود تكتنفها، ماذا يحدث معها؟ كيف تحولت مشاعر الغضب نحو هذا الرجل إلى اخرى مناقضة تمامًا، تحمل اللهفة والفرح؛ فور ان رفرفت اجفانه امامها، تمهيدًا لعودته إلى الوعي؟ لم يسبق لها ابدًا ان تعاطفت مع احد مهما كانت صفته لها، إذن ما هذا الذي تشعر به؟
كانت غارقة في افكارها وتساؤلاتها حتى اصطدمت عينيها بأخر شخص تود رؤيته الآن.
– رياض باشا؟
لم تنتبه لوالدتها ولا لنجوان التي اقتربت تضمها من أجل الإطمئنان عليها:
– حبيبتي عاملة ايه؟ في حاجة حاجة حصلت ولا حد قربلك؟
نفت بهزة من رأسها وصوتها خرج بتأثر لطيبة المرأة التي لطالما تمنت الخلاص منها، وقد كانت تظنها عقبة تعيقها عن الوصول إلى الاخر، ذلك الذي يطالعها الآن بنظرات غير مريحة على الإطلاق:
– حمد لله يا طنت، انا محصليش اي حاجة، سامر هو اللي خد كل الضرب والطعنة بالسكين عشان كان بيدافع عني؟
– عرفتيه منين؟
– ها
اقترب بهدوءه المريب يصافحها بكف يده، يردف بلهجة جعلها عادية:
– اولا الف سلامة عليكي يا لورا، انا بس بسألك عن الولد اللي انقذك، مش دا برضو اللي جه واتخانق عندنا من مدة كدة مع تميم العامل في قسم الملابس في المصنع؟
اومأت رأسها باضطراب يعصف بها
– اه هو، انا شوفته صدفة لما عطلت عربيتي، ولما اتعرف عليا اصر بشهامته يوصلني، واحنا في طريقنا اتعرض لنا اللبلطجية واللي حصل حصل.
انهت سريعًا تتلقي كلمات الدعم من المرأتين، لتتجاوب في الحديث معهما، وتتهرب بنظرها عنه، حتى تتجنب الأسئلة المتوقعة منه، وترتب افكارها بناءًا على ما اختلقته من قصة وهمية الآن، لا تعرف كيف فعلتها؟!
اما هو فقد كان ينتظرها متوعدًا، يعلم أنه مهما راوغت سيأتي وقت حسابها، وها جاءت البداية، بحضور احد الضباط للتحقيق معها .
❈-❈-❈
هناك اوقات لا يصح فيها الا الواجب، والذي يجبرك احيانًا في تحمل مالا تطيق في التعامل مع أشخاص تتمنى حتى الا تقابلهم في طريق رغم قربهم، ولكن اصلك الطيب يمنعك .
– ابن عمتك جاي يطمن عليك، تعالى يا شادي
كان هذا صوت الشقيق الأكبر زوج رحمة، والتي تكفلت بإخبار شقيقها، ليأتي الان إلى المشفى كي يطمئن على ابن خاله المصاب، فيلقي التحية على الجميع اولا.
-‘السلام عليكم
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
جاء الرد من معظمهم في الغرفة الممتلئة بعددهم، أفراد عائلة المريض وعريس ابنتهم وابيه
والتي انتصبت في جلستها باهتمام شديد تتابعه يصافح ابيها ويتحدث مع شقيقها المريض وباقي من بالغرفة ، ولكن بتجاهل تام لها ولولداتها، وكأنه لا يراهما من الاساس.
– دا طلال خطيب بنتي يا شادي، ودا عماد يبقى ابوه صاحبي وعشرة عمري.
تمتم خميس بتفاخر قابله شادي بابتسامة واسعة، يهنيء الرجلين الكبيرين قبل ان يصافح العريس ييارك له ايضًا في حديث ودي قام به سريعًا معهم، ثم غادر تتبعه عيناها، حتى ودت ان تلحق به، بصورة فضحتها امام هذا المتربص ليحدجها بجمرتيه المشتعلتين، يلتزم ضبط النفس بصعوبة.
❈-❈-❈
اجرا بعض المكالمات الهامة في النقاش مع شريكه في العمل وبعض الأمور المطلوب البت فيها على وجه السرعة، ليجلس محله الاَن على احدى مقاعد الانتظار وحده، بعدما تركته والدته لتذهب مع لورا ووالدتها في عمل بعض الفحصوات للإطمئنان عليها .
يلقي بنظره على ساعة يده كل لحظة، يحصي الدقائق حتى ينتهي من هذا الواجب الثقيل، يزعجه هذا الهاتف الذي تركته والدته في حقيبتها وهو لا يكف عن الدوي، حتى اضطره الفضول لإخراج الهاتف والإطلاع على هوية المتصل
فاتفاجأ بإسمها المحبب يزين الشاشة لترتسم على ثغره ابتسامة مزجت ما بين الغيظ واللهفة لسماع صوتها الذي صدح كنغمة موسيقية بأذنه المشتاقه اليها مثل كل خلية من جسده.
– صباح الفل يا قلبي، انتي اتأخرتي ليه؟ ميعادك عدى عليه ساعة.
– ميعاد ايه اللي عدى عليه ساعة؟
انتفضت محلها فور ان اخترق اسماعها النبرة الرخيمة، حتى اللجمتها الصدمة فلم يقوى لسانها على النطق حتى اجفلها بحدته:
– مبتروديش ليه يا بهجة؟ سامعة واحد غريب إلى بيكلمك دلوقتي في التليفون؟
صدرت منها حمحمة سريعة كي تجلي حلقها، وتحاول الثبات في الرد، او ضبط خفقات قلبها القوية، التي اصبحت تضرب في صدرها كطبول افريقية، فتخرج منها الكلمات بعدم تركيز:
– لا طبعا مين قال كدة؟انا بس….. يعني استغربت انك ترد على تليفون نجوان هانم، اصل انا اتصلت عشان هي وعدتني تيجي النهاردة عندنا المحل وو اتأخرت عن ميعادها…. هي فينها؟
كادت ان تفلت منه ابتسامة مشاغبة عقب سؤالها الاخير لعلمه بحجم تأثيره عليها مهما أنكرت وادعت القوة في الاستغناء، وهذا ما يزيده تعلقًا هو الاخر ، ليجيب استفهامها بجدية:
– أحنا مش في البيت اصلا يا بهجة، شكلك متعرفيش اخر الاخبار، ابن عمك ولورا طلع عليهم بلطجية امبارح يتهجموا عليهم، وأصابوه بطعنة كبيرة في بطنه.
– يا نهار اسود، ابن عمي انا شقوا بطنه بالمطوة، مين اللي عملها؟ وفين؟ و….. استنى صحيح…. انت تقصد ابن عمي مين فيهم؟……. وايه اللي جاب سيرة لورا اصلا؟ وانت ونجوان…….. ايه دخلكم؟!
صاحت بها بهلع في رد فعل طبيعي، لكن سرعان ما استدركت غرابة الحديث، لتردف بالاسئلة؟ فنتجت بثغره ابتسامة هذه المرة لكن بدون مرح يجيبها:
– دخلنا ان لورا كانت معاه في الوقت ده، وهي اللي بلغت البوليس والاسعاف عشان ينقذوه، احنا بقى في المستشفى عشانها وعشان نطمن كمان على نجاة ابن عمك سامر….. ايوة سامر، حسب ما عرفت .
صرخت ضاربة بيدها على صدرها بفزع وحماقة لم تحسب حسابها:
– سامر يا لهوي، دا كان معايا امبارح وزي الفل، هو الموضوع دا حصل ازاي؟ قولي على اسم المستشفي يا رياض، انا حالا لازم اجي واشوفه…..
قاطع حديثها المتسارع بحدته، يوقف استرسالها:
– استني عندك قبل المستشفى وقبل الزفت…. انتي كنتي معاه فين بالظبط؟ وامتى يا ست بهجة؟
– هااا
تمتمت بها، لتعض بأسنانها على جانب شفتها السفلى، وقد أدركت حجم هفوتها امامه، فتحاول التوضيح:
– ما هو يبقى ابن عمي،، يعني شيء عادي لو شوفته في اي حتة واتكلمت معاه، ثم احنا في ايه ولا في ايه بس يا رياص؟
وكأنها تبتغي بكلماتها الاخيرة ان تفحمه، فجاء رده بغموض:
– اه صحيح عندك حق، مش وقته فعلا، ولا وقته خناق ولا معاتبة، تمام اوي يا بهجة، البسي هدومك بسرعة وأنا هبعتلك عم علي يجي ياخدك بالعربية….. عشان تيجي تشوفي ابن عمك….. وتتطمني عليه!
❈-❈-❈
يدخن بشراهة، مطرقًا بإصبعيه على الطاولة الخشبية القديمة، بتفكير متعمق، بعد انتهاء المكالمة وسماعه لحديث الشقيقتين، وقد تحفزت كل خلاياه للتخطيط، بعد معرفته بوجودها بمنزل اسرتها، أصبح الشغف اكثر متعة.
لابد ان يجد طريقة للذهاب اليها، لن يخبر أحد هذه المرة حتى لا يعلم الضابط زوجها بحضوره، لن يهدأ حتى ينال ما يبتغيه، طالما في كل الأحوال يطارده، وأصبح محل اشتباه، اذن ما المانع في تحقيق ما تهفو اليه نفسه، ولكن كيف يجد الطريقة؟ فقد قرر ان يصل اليها، وقريبا
❈-❈-❈
بالتهليل والدعوات الخالصة من القلب، خرجت صفية من قاعة المحكمة تجتاحها نشوة الانتظار، بعد ان تمكنت بمهارتها بالفوز ببرائة كاملة للفتاة المظلومة التي كانت تترافع عنها.
– ربنا يبارك فيكي يا ست المحامية، يحميكي ويرضيكي ويرزقك بابن الحلال اللي يقر عينك ويريح قلبك .
– خلاص يا ست ام ريري، ربنا يخليكي دا انا شبعت من دعواتك النهاردة، هو انا يعني عملت ايه اكتر من واجبي؟
– متقوليش كدة يا ست المحامية، اللي عملتيه مع بنتي جميل لا يمكن انساهولك ابدا، وربنا من فرحتي ما عارفة اكفيكي اللي تستحقيه، روحي يا شيخة، تخرجي من هنا تلاقي ابن الحلال في وشك دوغري.
– دوغري في وشي والله انت دمك عسل.
رددت بها صفية ضاحكة نحو المرأة تتبادل معها الحديث حتى تركتها وخرحت من مبنى المحكمة، تبحث عن سيارتها وسط العدد الهائل من السيارات المصطفة في الجهة المخصصة لذلك داخل المحيط الضخم، ولكن وأثناء بحثها ابصرت بعيناها طيف شخص ما يشبه ذلك الطبيب الذي ازعج يومها بالأمس، لتنفض عن رأسها الفكرة محدثة نفسها:
– ايه اللي هيجيبه هنا بس؟ دا انتي شكلك يا صفية بدأتي تخرفي، يعني مش كفاية حلمتي بيه كمان؟
زفرت توبخ نفسها من الداخل متجهة مباشرة نحو سيارتها بعدما حددت مكانها بالمظبوط، تنهدت ببعض الارتياح تقنع رأسها ان ما رأته لم يكن إلا وهما نتيجة التفكير طوال الأمس، ولكن وفور ان قامت بفتح باب السيارة تفاجأت بالصوت يخترق اسماعها:
– آنسة أستاذة صفية.
اغمضت عينيها بشدة تدعو ان يكون الصوت ايضًا مجرد وهم، ليأتي الإثبات بعكس ذلك.
– بنده عليكي يا متر، انا الدكتور هشام لتكوني نسيتيني، ولا افتكرتيني حد بيعاكس؟
ألتفت اليه بغيظ شديد مرددة:
– هنساك ازاي يعني وانا شايفك امبارح؟ فاقدة الذاكرة مثلا؟ ولا انت ادتني فرصة ان انساك اصلا؟
تبسم بملئ فمه، يرمقها بمكر زاد من حنقها، حتى خرجت عن شعورها:
– هو انت ايه جابك هنا ليه؟ المحكمة فيها مستشفي هي كمان؟ ولا جاي تتفسح؟.
صدحت ضحكته بصوت عالي لفنت ابصار المارة نحوها، حتى خجلت توبحه:
– ايه يا عم انت الضحكة دي؟ خليت الكل يبص علينا، هو انا قولت نكتة؟
توقف يتماسك بصعوبة ويملي عيناه من خجلها الذيذ والذي ظهرت اثاره على بشرتها الخمرية الصافية وقد زحفت السخونة لوجنتيها تلونهم بالاحمرار، لتزيدها روعة، فتحدت بجدية يصطنعها بصعوبة:
– لا طبعا يا أستاذة صفية العفو، انا جيت هنا لحاجة تخصني بقالي فترة طويلة اوي مأجل مشوارها، ما صدقت الاقي نفسي فاضي ساعتين وقولت اجي اخلصها، وشوف سبحان الله….. اتقابل بيكي….. صدفة سعيدة اوي يا استاذ يا آنسة صفية .
– انا اسعد
تمتمت بها بما يشبه العكس، لتدفع بحقيبتها واشيائها داخل السيارة لتسأله بفراسة:
– على العموم كويس، انك اتحركت وبتروج وتيجي اهو، بعد الارتجاج اللي حصل امبارح من حتة بوكس في الوش، يعني اتحسنت.
أجاب بمسكنة:
– الحمد لله العلاج جاب نتيجة بعض الشيء وقدرت اتحرك واعمل حاجتي زي ما بتقولي، ما انا وحيد لو معملتش حاجتي هلاقي مين يعملي؟ انا متشكر انك فاكرة تسأليني عن صحتي.
زمت شفتيها بحنق متصاعد لا تعلم سببه لتنهي هذه المقابلة سريعًا:
– مفيش داعي للشكر، الف سلامة عليك، طب انا مستعجلة بقى، عن اذنك عايزة اروح.
– اذنك معاكي يا أستاذة يا آنسة صفية، هو انا مانعك يعني؟
لقد استفزها بالفعل، وهذا الوصف المركب في النداء عليها، لتنفجر به:
– مية مرة اقولك متندهنيش بأي زفت ولا بأي هباب، لا آنسة ولا أستاذة ولا مدام مبحبش اي واحدة فيهم….. قولي يا متر وبس كدة ماشي….
توقفت تشعر بخطأ انفاعلها المبالغ به، رغم انه يستحق، ولكنها لا تنكر خطأها، تتوقع انصرافه وغضبه، وقد تجمدت ملامحه امامها، ولكنه فاجأها بهذه النظرة المتمعنة بها وكأنه يقرأ افكارها وكشف دواخلها، ليباغتها بابتسامة رائعة مرددًا :
– عيوني يا متر صفية، حلو كدة؟
– حلو اوي، حلو خالص، عن اذنك بقى.
هتفت بها، وكأنها على وشك البكاء، لتسقط داخل سيارتها، تشعل المحرك في نية للذهاب، وكما حدث بالأمس، ظل واقفًا محله يتابع انصراف سيارتها بابتسامة لم تترك محياه، تزيدها غضبًا من نفسها ومنه ، تنفعل على أقل فعل منه، فيقابلها هو بتساهل يثير الاندهاش، هل لأنه هاديء لدرجة البرود؟ ام لأنه يكشفها……
توقفت عند خاطرها الاخير بهلع تحدث نفسها:
– طبعا…. ما هو دكتور نفسي، وأكيد فاهمك يا منيلة،…. كان طلعلي منين دا بس ياربي؟
❈-❈-❈
كان في انتظارها، منذ انتهاء مكالمته معها وهو في انتظارها، يتابع مع العم علي بالإضافة إلى مكالمات العمل التي لا تنتهي، فهو ايضًا لا يستطيع ترك والدته ولا التخلي عن لورا رغم كل عيوبها واخطاءها الفادحة والمؤذية نحوه ونحو بهجة.
بعد قليل كانت تتوقف السيارة التي تقلها بالقرب من المشفى، فترجلت منها تدلف قادمة اليه والى رؤية ابن عمها بعد اصابته الخطيرة ، خطت داخل المشفى والهاتف على اذنها تجري مكالمة مع شقيقها:
– يعني خلصت كل إجراءات الكلية يا إيهاب؟……. مبروك يا قلبي، عقبال يارب ما تخلص دراستك وتبقى دكتور قد الدنيا يارب…… ما هو انا مشيت وسيبت اخواتك البنات هما اللي فاتحين الكافيه…… لا مدام نجوان مقدرتش تيجي عشان عندها ظرف كدة، هبقى احكيلك بعدين………. ايه؟ وانت كمان خارج مع صحابك القدام؟ واجب ايه؟…..
قطعت معه بعدم تركيز لتتوقف عند مكتب الاستقبال ، تنهي المكالمة سريعًا حتى تسأل احد الموظفات عن الغرفة التي يمكث بها ابن عمها
في هذا الوقت لم يتمكن رياض من الوصول اليها لانشغال الهاتف، مما اضطره للإجابة على احد العملاء والبحث عن زاوية هادئة حتى يتثنى له الحديث مع الرجل عبر الهاتف بوضوح.
فدلفت هي للمصعد متجهة للأعلى وحدها، ودت ان تتصل به لكن حدث معها مثل ما حدث معه، واعطاها الرقم مشغول، مما اضطرها الإعتماد على نفسها، لتذهب إلى غرفة ابن عمها وحدها.
طرقت تدفع باب الغرفة التي كانت مازلت تعج بالحضور، رغم انصراف معظمهم، مثل خميس وصديقه وخطيب ابنته طلال الشهير بشيكاغو، وزوج رحمة كان قد غادر قبلهم مع شادي، ليتبقى في الغرفة الآن والدته وسامية وسمير الذي انتفض بأعين جاحظة فور ان وقعت عينيه عليها.
– بهحة
تمتم الاسم بعدم تصديق، وارتجافة حلت بجميع خلاياه، لقد مر وقت طويل منذ انتقالهم من مسكنهم والبحث عنها، ثم الانغماس في رحلة علاج ابنه الوليد، لتطل عليه الآن، فتجعل الساكن بين ضلوعه يأن من وجع الاشتياق اليها، بعدما ظن انه قد نساها.
السلام عليكم، انا كنت جاية اطمن على سامر
القت التحية عليهم باضطراب أصابها تاثرا بفعله، لتركز ابصارها نحو ذاك المتسطح على التخت الطبي والذي ارتفعت عينيه اليها، يدعوها للدخول رغم إجهاد الإصابة:
– ادخلي يا بهجة، هتفضلي واقفة مكانك كتير
استقبلت الدعوة لتدلف بحرج فتواجه ناريتي زوجة عمها والتي وقفت هي الاخرى، بحقد يطل من عينيها،
بعدما رأت التغيير الذي حل عليها لتزداد توهجًا وجمالا
لا تستوعب عودتها اليوم، ولهفة ابناءها الاثنان نحوها، وكأن شيئًا لم يكن، لترمقها من اعلى لأسفل بتفحص لا يقل عن ابنتها التي كانت ملتصقة بالجدار خلفها وكأن اصابها الخرس لرؤيتها:
– اهلا يا بهجة، عاش من شافك.
اضطرت لمصافحتها، واغتصاب ابتسامة باهتة تبادلها:
– الله يخليكي يا مرات عمي حمد الله على سلامة سامر
رد الاخير يريد التخفيف عنها:
– الله يسلمك يا بهجة، هو الخبر انتشر للدرجادي؟
❈-❈-❈
خرجت لورا من غرفة الفحص بعد الإطمئنان عليها بعمل الفحصوات والأشعة، بمرافقة والدتها ونجوان التي لم تتركها حتى في تحقيق الشرطة بخصوص الحادث، لتزيد من ثقل ما تشعر به نحوها،
فلالطالما كانت لئيمة معها ومؤذية في مرضها، هل من المعقول الا تكون عالمة بذلك الآن بعد شفاءها، تشك بذلك تمام الشك،
– أحنا اتأخرنا اوي على رياض، يدوب بقى اتصل بعم علي يجي وياخدنا، الدكتور نبه انك ترتاحي، اللي حصلك مش قليل يا لورا، بس انتي طلعتي شجاعة يا بنتي .
عقبت والدة لورا على قول نجوان:
– طلعت شجاعة بس خلعت قلبي، هي طول عمرها قوية، بس بصراحة المرة دي فاجأتني
تبسمت المذكورة على حديث المرأتين بحزن:
– شجاعة في غير محلها، وحتى القوة اللي بتقولوا عليها، انا لولا لقيت اللي يدافع عني مكنتش هقدر أواجه أبدا، كان لازم حد يضحي بنفسه عشان اشوف الدنيا على حقيقتها وافهم .
لم تغفل نجوان عن اللهجة المختلفة التي تتحدث بها لورا المتعجرفة دائما، بها تغير ما لاحظته منذ ان وقعت عينيها عليها أليوم، تتمنى ان يكون للأحسن لا للأسوء، تضرعت بداخلها لصلاح حالها
والتزمت الصمت بعض الشيء، حتى تفاجأت بأحد الأشخاص يقترب نحوها بهيئة غريبة، مرددًا بلهفة وكأنه يعرفها منذ سنوات :
– مدام نجوان، انتي جيتي هنا ازاي؟ وكنتي مختفية فين.
ارتدت لا اراديًا بإجفال:
– انت مين؟ وبتكلمني كدة ليه؟
تدخلت لورا تطمئنها رغم قلقها هي ايضا، وقد بدا غريبا امامها:
– دا والد سامر يا طنت، هو انت تعرف مدام نجوان يا انكل؟
حاول خميس ظبط لهفته، وقد لاحظ جزع الثلاث النساء منه، فقال ملطفًا:
– يا بنتي دي تبقى الهانم اللي شغالة عندها بنت اخويا بهجة، وياما جات عندنا الحارة، بس هي بقالها مدة طويلة مشرفتناش بزيارتها، معقول تكوني نستيني؟
طالعته بمزيد من الدهشة، وذوت ما بين حاجبيها قائلة بفظاظة تنبع من عدم ارتياحها له:
– لا طبعا مش فاكراك، وبهجة مش شغالة عندي، لا بقى دي تبقى زي بنتي، وابعد كدة من وشنا عشان نعدي ، ابعد .
خرجت الاخيرة بصيحة جعلته يتراجع للخلف يفسح لهما الطريق متفاجأ بشراسة قطة متحفزة للهجوم عليه:
– اهو يا افندم عدي، انا قولت بس اسلم.
❈-❈-❈
واقفة تأبي الجلوس، في لحظات معدودة من أجل السؤال وعمل الواجب، تشعر بشرار النظرات الموجهة نحوها تخترقها، ولولا حديث سامر المتواصل معها رغم تعبه، لكانت اكتفت بالسلام وفقط.
– ابن عمك كان بيتخانق مع تلاتة بلطجية يا بهجة، بتوع السيما والمشاهد اللي بتيجي في الأفلام.
تبادله معه باضطراب شديد:
– معلش يا بن عمي، علقة تفوت ولا حد يموت، ربنا يقومك بالسلامة، انا بس مستغربة امتى دا حصل؟ واللي خلاك تروح حتة مهجورة زي دي في الليل؟ دا حتى الورش بتبقى قافلة.
– النصيب يا بهجة، الكلام دا حصل بعد ما قابلتك بساعتين، تقريبا على عشرة.
قال الاخيرة وانتبه الثلاثة، فتشتعل اذهانهم، لتبدأ حرب الكلمات، وأولهم كان سمير الذي جاء قوله؛ نابعًا من غيرة اشتعلت بقلبه:
– يا ماشاء الله، دا على كدة سامر اخويا كان قايم بالواجب معاكي يا بنت عمي وزيادة، وانا اللي كنت حاسس بالذنب على فراقكم لينا .
رمقته بهجة بغضب شديد وقد فهمت على تلميحه المبطن، لكن وقيل ان تتمكن من الرد، توالى تعقيب سامية ووالدتها بخبث وفحيح:
– لأ ذنب ايه يا حبيبي بقى، هو انت مش شايف التغير اللي ظهر على بنت عمك، باين البلية لعبت معاكم يا بهجة، دا الطقم اللي انت لابساه لوحده بمرتب موظف شهرين.
– ايوة والله يا بنتي، باين بيتنا كان فقر عليكم يا بهجة.
إلى هنا، ولم تقوي على السكوت، لتتوجه بحدة نحو درية:
– والله عندك حق يا مرات عمي، انتو كمان دورو على نفسكم، ولا اقولك، جيبلكم شيخ يفك النحس، ولا يشوف ليكون في حاجة معمولالكم.
كان رد بهجة طبيعي لاستفزاز الاثنتان، فلم تتذكر قصة الشيخ وما أخبرها به شادي عما حدث لسامية؛ سوى بعد ان رأت تأثير الكلمات عليهما، وقد شحب الوجوه بجزع يحاكي الأموات، رغم أنها لم تفضي بالسر ولكن درية علمت من نظرة ابنيها نحوها انكشاف أمرها اماههم، ليغمض سامر على عينيه بضيق يجثم انفاسه مخمنًا الآن السبب الحقيقي لمغادرة بهجة منزلهم،
اما سمير فقد توجه بالسؤال مباشرة نحوها يريد الإجابة بوضوح:
– قصدك ايه يا بهجة؟ هو انتي كان في حد عملكم حاجة في البيت؟
بارتياع ظاهر نفت بتحريك رأسها تهم بالخروج على الفور:
– مين قال كدة؟ أحنا سيبنا البيت عشان كان وشه فقر فعلا زي ما قالت مرات عمي، عن اذنكم بقى، حمد الله على سلامتك يا سامر .
قالتها وتحركت اقدامها سريعًا نحو باب الغرفة، يتبعها سمير دون تردد، بعدما توجه بنظرة نارية نحو والدته التي تبادلت مع ابنتها بقلق شديد، ازداد اضعاف حينما رأت الأتهام ايضًا في عيني ابنها سامر بوضوح تام.
❈-❈-❈
اما عن سمير والذي خرج يسرع بخطواته ليلحق بها، ثم يوقفها قابضًا على عضدها:
– استني هنا يا بهجة انا عايزة اعرف بالظبط، انتي من امتى تعرفي بحكاية الأعمال والسحر؟
حاولت نزع ذراعها عنه نافية:
– اعمال ايه وكلام فارغ ايه؟ ابعد ايدك عني يا سمير ، خليني امشي .
ازداد ضغطه بعنف حتى أنه امسك بذراعها الثاني، غير ابهًا بألمها الذي لا يقارن بما يجتاحه الآن:
– لا يا بهجة مش هسيبك، عشان انا دلوقتي بس اتأكدت ان ده سبب عزالكم البيت، ومش بعيد كمان يكون سبب فراقنا عن بعض وطلاقك مني، انا بقالي فترة طويلة شاكك في كدة، لأني عمري ما هسيبك وانا بعقلي، انا كنت مغيب ساعتها عشان اسيبك واتجوز واحدة غيرك،.
حاولت افلات ذراعيها وقد آثار جذعها بتصريحه:
– في ولا مفيش، انت جاي دلوقتي تقولي الكلام ده؟ ابعد عني يا سمير انت باينك اتجننت؟
كان كالذي تلبسه الجنون، ليُضاعف بتصميمه:
– لا مش هسيبك يا بنت عمي، بعد ما عرفت خلاص الحقيقة، احنا لازم نرجع لبعض يا بهجة، لا يمكن هسيبك تضيعي مني تأتي……
– شيل ايديك الاتنين عنها يا حيوان.
وصلها الصوت وكأنه يأتي من البعيد، لترفع رأسها نحو مصدره، فتتفاجأ بزوجها العزيز يقبض على عنق ابن عمها من الخلف، بملامح يشملها الغضب في أقوى صوره، وكأنه على وشك الفتك به،
تركها سمير بالفعل ليتوجه بكليته نحوه، يحاول نزع يده على رقبته شاعرًا بالإهانة:.
– اوعي شيل ايدك دي يا اخينا، مالك انت تتدخل ليه ما بينا؟ دي بنت عمي ومراتي اللي هردها من تاني .
شهقت بهجة بارتياع تأثير الكلمات على زوجها الذي تلونت عينيه بلون الجمر، وحماقة ابن عمها تدفعه للجنون، مدمدًا بهدوء خطر:
– بنت عمك ومراتك اللي هتردها من تاني!…… هو انت بقى الشطور اللي كنت كاتب كتابك عليها؟
كان يتحدث بلهجة زادت من استفزاز الاخر ليصرخ به ويدفعه على صدره بعنف من أجل تركه:
– شطور ولا امور انت باينك عيل تنح وعايز تتربى، وشكلك مش عارف مين هو سمير الراوي .
صرخت بهجة تحاول منع الاثنان من الاشتباك ، موجهه الحديث لكل منهما:
– يا نهار اسود، يا نهار اسود سيبه يا رياض باشا دا مكنش قاصد من الاساس، يا سمير يا بن عمي، دا يبقى صاحب المصنع اللي شغالة فيه، وقريب لورا اللي عملت الحادثة مع اخوك والله.
– وجوزها .
صدرت كلمته لتوقف كل شيء، تصعق هي باعترافه الان امام ابن عمها الذي ارتخت يداه عن الشجار، وكأن على رأسه الطير، وتحدي الاخر وهو يعود مردفًا:
– سمعتني بقولك ايه، انا ابقى مديرها في الشغل وجوزها .
استدركت اخيرا لتجمع عدد من البشر حولها، من ضمنهم كانت لورا ونجوان ووالدتها، وقد بدت على وجوههم تأثير وقع الخبر عليهم، ولكن صدمة بهجة بالفعل كانت في الشخص الاخر، والذي تفاجأت بحضوره، في الجهة المقابلة، واقفًا يشاهد مع صديقيه القدامى من منطقتها، متجمدا محله بلا حراك او حتى يرمش بعيناه وكأنه تمثال.
فتشخص ابصارها نحو متمتمة بقلب منفطر:
– إيهاب
الفصل الرابع والثلاثون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الرابع والثلاثون 34 بقلم امل نصر
بانهزام تام، دلف عائدًا إلى غرفة شقيقه في المشفى بعد انتهاء كل شيء وانقطاع الأمل الذي عاش عليه لسنوات، لم يعد هناك مفر من الواقع وقد تبخر الحلم لينمحي مع سنوات ضاعت في الا شيء .
فسقط بثقله على مقعد الاستراحة في جانب الغرفة، يحاوط رأسه بين كفيه، ولا يستطيع تحمل حديث والدته التي انتعشت بعد ما حدث، تأخذها الحماسة في اللقاء اللوم وتأنيب ابنيها.
– عشان بس تبقوا تصدقوني بعد كدة، بنت خليل الله يرحمه طلعت مية من تبن، راسمة دور البراءة والبت الشريفة وهي ماشية مع المدير اللي بتشتغل عنده على حل شعرها
تمتم سامر ردًًا لها بقوة وتحذير رغم تعبه :
– بهجة متجوزة مش ماشية على كيفها يا ماما، ونقي كلامك عشان دا عرضنا على فكرة.
شهقت سامية باستنكار في دفاع عن والدتها التي صدمها بقوله:
– اسم الله يا حبيبي على عرضك وطولك، دا جواز في السر يا عنيا، يعني سيرتها هتبقى لبانة في بق الخلق وبكرة الكلام يلطك انت كمان بصفتك ابن عمها
غمز يفحمها بكلمات مقصودة:
– ما اتلطيت في الأقرب هتيجي على بنت عمي يعني؟ ولا انتي مش واخدة بالك .
جحظت بصدمة بعد تلميحه بموضوعها السابق فجاء الاستنكار من والدتها:
– في ايه يا واد؟ بتدافع عنها وتعاير اختك بغلطة مش قصداها، طب حتى افتكر انك تعبان وبين ايدين كريم، بذمتك ربنا يرضى بكدة .
تبسم ثغره بابتسامة ساخرة يشيح بعيناه عنها ليزيد من غيظها مما جعلها تثور بزوجها كي يوقفه:
– ما تقولوا حاجة الواد ده يا خميس، بنت اخوك لحست عقله، حتى بعد ما اديته الصابونه هو واخوه برضو بيبررلها اللي عملته.
ألتفت اليها مرة اخرى يحدجها بنظرة حارقة خلف كلماتها الاخيرة، اما خميس الذي كان جالسًا متربع الذراعين منذ البداية بصمت تام فقد ازداد عبوس ملامحه دون ان يريحها بكلمة ليأتي الرد من ابنه الاخر وقد اشتعلت رأسه بالظنون:
– بصراحة بقى انا كمان مستغربك، زي ما مستغرب كمان استمرار علاقتك بيها رغم علمك بجوازها، وليكونش معشماك بحاجة يا بن امي وابويا؟
التمعت عيني درية وابنتها بالشغف امام تلميحه الفج، وتحول حنق سامر إلى الاخر يعنفه بازدراء:
– بالذمة دا كلام تقوله؟ بقى دي اخلاق واحد بيحب بجد؟ بنت عمك اللي عايش عمرك كله تتحسر عليها في اقل اختبار شوف ازاي بتخوض في عرضها اخص فعلا، والله ولا عمرك كنت تستاهلها، ولا حتى تستاهل مراتك اللي على زمتك
انتفض سمير، تأخذه العزة بالاثم، يخفي من خلفها خزي يكتنفه من الداخل، حتى وإن انكر فكلمات شقيقه أصابت هدفها به:
– ماشي يا خويا، سيبتهالك انت تتهنى بيها بعد ما يشبع منها التاني ويرميهالك .
وتحرك سريعًا يغادر، تتبعه شياطين نفسه،
اما خميس والذي خرج صوته أخيرًا ، يوزع ابصاره نحو الثلاثة المتبقين امامه، معبرا عن رفضه لما يراه من تشاحن بمنظوره المادي بطبيعته:
– خليكم كدة يا خلفة الندامة، قطعو وعايرو في بعض ولا اكنكم فرحانين بالخيبة بتاعتكم، طب على الاقل هي طلعت ناصحة واتجوزت اللي يشيلها هي واخواتها، اهي بت واحدة وعملت اللي ما حد فيكم عرف يعمل نصه، جاتكم نصيبة تاخدكم كلكم .
ونهض متأففًا يغادر هو ايضًا، يزيد على إحباط زوجته وابنتها، وقد أخذهم العشم برد فعل يتلج الصدر الذي ازاد حريقه بنجاح الأخرى ونيلها الحظ الأوفر بزواجها من الغني الوسيم.
❈-❈-❈
داخل سيارته وقد كان يقود بالاثنتان ذاهبًا بهما الى منزلها برفقة والدته التي لم تتركها ولو لحظة بعد ما حدث، تحتوي حزنها في تلك اللحظة، والتهوين عليها، فبكائها لم يتوقف حتى الاَن:
– يا حبيبتي خلاص كفاية، قطعتي عينك من العياط.
– ولسة هعيط اكتر لو فضل زعلان وقلب البنات كمان عليا، يارب اموت ساعتها ولا يحصل الكلام يااارب.
صرخت بالاخيرة لتزيد من حنقه فيخرج عن شعوره حتى تتوقف:
– ما خلاص كفاية بقى دعى على نفسك وعياط، هو اخوكي دا غبي اوي للدرجادي مابيفهمش، احنا متجوزين على سنة الله ورسوله، مش ماشية على حل شعرك معايا يعني.
وكأن بكلماته ضعط على زر الانفجار بها، كي تفرغ شحنة الكبت بداخلها منه:
– انت بتقول كدة عشان مش عليك لوم، كل حاجة سهلة معاك ومفيش حد هيحاسبك، مش هامك صورتي قدام اخواتي ولا عمي وعياله اللي هيشفوني واحدة مش كويسة، انت ايه اخي ما تحس بيا بقى، بقالك شهور منشف ريقي، قوم يوم ما تيجي تعترف بجوازنا يبقى على الملأ وبفضيحة .
– الفضيحة دي انتي السبب فيها، لو كنتي بتعرفي تصدقي ولا توقفي كل واحد عند حده، مكنش الكلب ده اتجرأ عليكي وانا اعصابي فلتت عليه، ثم تعالى هنا مش دا اللي كنتي عايزاه؟ ان اعترف بجوازي منك يا بهجة.
آثار جنونها بتصريحه ليزداد هياجها وكأن الشيطان تلبسها:
– لا مكنتش عايزة يا رياض، ومكنتش عايزة الجواز دي اصلا ولا اقرب منك، انت السبب في كل اللي بيحصل معايا دلوقتي وفرقتي عن خواتي لو حصلت، وربنا ما…….
– بس بس، كفاية كدة يا بهجة
تمتمت نجوان بالكلمات تكتم بكفها على فمها من الخطأ اكثر من ذلك، وقد تعدت بعصبيتها غضب ابنها الذي تضاعفت فورته هو الاخر:
– اه بقى هتعملي ايه يا ست بهجة؟ عايز اعرف انا……
– وقف انت كمان يا رياض، هي مش في حالتها الطبيعية خالص دلوقتي، خليك في سواقتك بدل ما تعمل بينا حادثة، ممكن بقى تسكت لحد ما نوصل
سمع من والدته التي كانت تشدد باحتضان تلك المنهارة، ليضرب بقبضته على عجلة القيادة صائحًا:
– ماشي، ماااشي، هفضل ساكت وأما اشوف اخرتها ايه؟ ادينا قربنا نوصل.
❈-❈-❈
وفي جهة اخرى مختلفة
حيث غرفة لورا والتي كانت جالسة على طرف تختها بحالة من الوجوم تكتنفها منذ عودتها، لا بل منذ معرفتها الحقيقة، حينما قالها بملئ فمه وأمام الجميع يعترف بزواجه بها، كيف؟!
عقلها يرفض الاستيعاب ، فتراه شخص آخر، ليس ذاك الارستقراطي الذي تربت ونشأت معه، ينزل بمستواه المخملي وينظر لعاملة في مصنعه، لا بل جليسة او بالاصح خادمة كما كانت تصنفها هي بغبائها منذ البداية، لقد علمت بعلاقتهم منذ مدة ورأت بأم عينيها، ومع ذلك اقنعت نفسها بأنها نزوة، او علاقة عابرة مقابل المال، لكن ان يتحدى العالم بها مثل ما حدث اليوم، ويتضح انه زواج حقيقي هذا خارج حدود عقلها
نهضت تجر اقدامها نحو المرأة لتقف امامها وتتأمل ملامحها، بدون مساحيق، دون الوان، دون تصفيف شعرها حتى، انها جميلة وتعرف بذلك، ومع ذلك كانت تفعل المستحيل من أجل لفت نظره، هل كان عليها ان تظل بطبيعتها تلك كي تعجبه كما فعلت الأخرى واستطاعت فيما فشل به غيرها
أم تلقي باللوم عليه، لأنه كان أعمى عن امرأة مثلها، تساويه في المكانة الاجتماعية، وواجهة مشرفة له امام مجتمعهم الذي لا يرحم بالانتقاد والذم لكل ما هو اقل منهم.
سالت الدمعة العزيزة من القلب المتحجر، هذه اول مرة ترى الحقيقة بدون رتوش، ليتها ما ضيعت يوما واحد في الانتظار، ليتها اهتمت بلورا من أجل لورا ، وليس من اجله
❈-❈-❈
توقفت السيارة بالقرب من المنزل، فاعتدلت بجذعها تمسح بأطراف اصابعها اثار الدموع على وجنتيها، باضطراب واستعداد للمواجهة الأهم في عمرها
وبدعم متواصل، اخرجت لها نجوان محرمة ورقية تعطيها لها قائلة:
– امسحي دموعك كويس وحاولي تبقي هادية، احنا نازلين معاكي ومش هنسببك.
– انتو الاتنين؟
قالتها بتساؤول موجهه ابصارها نحوه، فجاء رده بعملية ، يرمقها بتجهم، ثم يسبقها في الترجل من السيارة، صافقًا بابها بقوة جعل الاثنتان تنتفضان تأثرا بعنفه، ليتبعانه بعد ذلك، حتى اذا وصلا إلى مدخل المنزل ، تقدمتهم بهجة في الولوج لداخل المنزل بخطوات متمهلة، تهتف منادية أسماءهم بتردد :
– إيهاب، جنات ، عائشة ، انتو فين؟
رددت مرة اخرى بأسماءهم حتى خرجت اليهم جنات من غرفتها، تتبعها عائشة والتي هللت بصخب فور رؤيتها لنجوان، وهرولت تحتضنها
– نوجة
وكان استقبالها الحافل فرصة لامتصاص التوتر بعض الشيء، لترحب بها الأخرى وتضمها اليها بقوة ، قبل ان تصافح جنات برقتها كالعادة والتي انتابها الحرج بالزيارة المفاجئة لهذا الغريب عنها:
– اهلا اهلا، مش تقولي يا بهجة انكم جايين، على الاقل كما عملنا حسابنا:
تبسمت شقيقتها بتفهم، شاعرة بما يكتنفها، فتكلفت تقدمه اليها:
– دا رياض باشا يا جنات اللي حضر معانا افتتاح الكافيه ابن نجوان هانم وصاحب المصنع…..
– وجوزها
صاح بها هذا الثائر خارجًا من غرفته، تفوح منه طاقة من التحفز غير مطمئنة على الإطلاق، ليسقط قلب بهجة من القادم معه، فيُعاود الكرة نحو شيقيقاته يخاطبهم بتهكم:
– صحيح يا عائشة، سلمتي يا حبيبتي على انكل ولا لسة؟ ولا انتي يا جنات، مكسوفة طبعا انك خرجتي بالبيجاما وبشعرك مكشوف قدامه، شيلي عنك الحرج يا قلبي، دا في مقام اخوكي الكبير دلوقتي.
– ايه التخريف اللي انت بتقوله دا يا إيهاب؟
هنفت بها الاخيرة باستنكار، لتضيف عليها بهجة:
– سبيه يا جنات، انا عارفه ومقدرة اللي هو فيه، بس انا عايزاه يسمعني، ممكن يا إيهاب بدل التريقة تسمع مني ومتجريش وتسيبني زي ما عملت في المستشفى.
شددت نجوان من ضم عائشة المذهولة بما يحدث امامها، ولغة تواصل بالأعين لا يفهم عليها إلا كلتاهما امام جنات؛ التي اجبرها الترقب على الصمت ، فتدخل رياض في دعم لزوجته:
– أحنا مش بنطلب منك حاجة صعبة يا إيهاب، عايزينك بس تدى نفسك فرصة انك تفهمنا.
– اها رياض باشا بنفسه بيكلم العبد الغلبان؟
تمتم بها بسخرية، ثم اقترب ناظرًا بعيناه يردف بتقريع مباشر:
– طب مش كان الأولى برضو يا باشا، القعدة والاحترام ده يبقى من البداية ، يعني تيجي كدة تقابلني راجل لراجل، تكلمني وتطلبها مني، بدل ما اتفاجأ زيي زي الاغراب، لما اسمعك تقول انها مراتك وانا معرفش.
اتجه نحو بهجة متابعًا:
– طب يرضيكي انتي الكلام دا يا اختي الغالية؟ اروح المستشفى انا واصحابي عشان نزور مدرس الرياضة اللي شال الزايدة، قوم بقى نتفاجأ بالمشهد الاكشن الرومانسي ده، دا ولا شغل السيما والله،
إلا هنا ولم تقوى على الصمود لتلقي بثقلها عليه، تلف ذراعيها حوله قائلة بانهيار:
– سامحيني يا حبيبي، ياريتني كنت موت ولا اعيشك اللحظة دي، بس والله ما كان بخاطري، الظروف هي اللي اضطرتني لكدا.
شعرت فجأة بتجمده، وخرج صوته بنبرة خطرة موجهًا ابصاره نحوه:
– معناه ايه اضطريتي لكدا؟ هو ضغط عليكي؟ ولا ابتزك؟
نفت على الفور بتحريك رأسها وبرعب جعلها تبرر بسجيتها:
– لا والله ما غصبني، دا كان كريم اوي، وهو اللي ساعدني كمان اجيب البيت ده والكافيه، وخلاني ابعد بيكم عن أذى مرات عمي اللي كانت….
قطعت فجأة مجفلة بنفض ذراعيها عنه بأعين تطلق شرر استدراك سربع؛
– هو انتي مش كنتي قايلة ان البيت والكافية من تعويض المحكمة في القضية اللي كسبتيها من المصلحة اللي كان شغال فيها بابا؟ ولا دا كمان كان كدبة؟!
ابتعلت بوجه شاحب تبحث عن رد مناسب، يعتلي تعابيرها التردد، تريد اخباره الحقيقة وفي نفس الوقت تخشى رد فعله، فجاء الرد الحازم من الاخر:
– في كل الحالات واحد يا إيهاب، اختك مغلطتش، دا جواز على سنة الله ورسوله.
– في السر وعلى اخواتها؟ يبقى كدة الإجابة وصلت.
تمتم بها في حسم منه اثار الريبة في قلب شقيقته ، فتدخلت نجوان بهدوء تخاطبه :
– إيهاب من غير ما تتسرع في حكمك دلوقتي وزي ما قولنالك ادي فرصة لنفسك، وياريت لو تقبل بقعدة معايا اتفاهم معاك بطريقتي
– مش محتاجة تفاهم يا نجوان هانم، الحكاية بانت اهي وكل حاجة انكشفت ، اختي العزيزة، جابت البيت والكافيه من ورا جوازة في السر تمن ليها، لكن انا بقى لا يمكن اقبلها على نفسي.
– يعني ايه؟
سألته بهجة بتوجس لتصلها الإجابة فورا:
– يعني انا راجل اقدر اعتمد على نفسي، وميلزمنيش اي حاجة من ورا جوازتك اللي في السر
قالها واتجه نحو غرفته مباشرةً، ليخرج سريعا حاملا حقيبة ممتلئة بالملابس والمتعلقات الخاصة يخبرها امام الجميع:
– جهزتها اول ما وصلت، عشان مش انا اللي اقبلها على كرامتي يا بهجة.
وما ان نطق بالاخيرة وهم بالتحرك امام تجمد الأخرى حتى تفاجأ بها تسقط مغشيًا عليها بين ذراعي زوجها التي تلقتها على الفور، هاتفًا بهلع:
– بهجة.
❈-❈-❈
اثناء سيرهم في طرقة المشفى، في طريق مغادرتهم المشفي، للذهاب الى منزلهم، حيث الحديث الدائر بين درية وابنتها للبحث عن وسيلة مواصلات تقلهم بعد تركهم من قبل زوجها وابنها الأكبر والذي لا تعلم ما مصير علاقتها به في الايام القادمة:
– اخواتك الاتنين قالبين عليا زي ما يكون قاتلالهم قتيل، ولاد الهبلة محدش فيهم قادر يفهم اني بعمل كل ده عشان مصلحتهم.
تحدثت سامية في رد على حديثها بحقد يقطر من كلماتها:
– معذورين ياما، حكم المحروسة بسهوكتها اتمكنت منهم بالجامد، بت اللذينة طلعت قوية اوي، انا كل ما افتكر شكل الباشا اللي كان بيتخانق عليها النهاردة وبيقول انه جوزها، نار تقيد فيا، شكل، ولا حلاوة، ولا هيئة ملوكي، ايه ده؟ عرفت توقعه ازاي ده بس؟
مصمصمت درية بشفتيها:
– عشان تعرفي انك صوت من غير فعل، والله ابوكي ما كدب لما قال عليكم خايبين انتو التلاتة، لا.وكمان انتي اللي هتتجنني، امال انا اعمل ايه؟
اعمل المستحيل عشان ابعدها عن خواتك، تروح هي مدياني القاضية بجوازة جامدة زي دي، اه يا بنت خليل ، دا انتي طلعتي مية من تحت تبن
– حظها ضارب في السما ياما، مش زيي، من غلطة متستاهلش علقلتولي المشنقة وعايزين تدبسوني في شيكاغو
قالتها بازدراء آثار غيظ والدتها حتى همت ان تذكرها بحجم مصيبتها التي اضطرتهم لذلك، ولكن تفاجأت بظهوره امامهم مترجلا من سيارته برفقة زوجها الذي قدم معه ليستقبلهم من نصف المسافة:
– ايه؟ انتو خارجين ليه دلوقتي؟
تحدث هو ايضًا:
– مساء الخير يا حماتي، عاملة ايه يا سامية؟
– كويسة
تمتمت الرد بفتور كعادتها، وتكفلت درية بتلطيف الأجواء:
– هي بخير وسلامة يا حبيبي طول ما شافتك، احنا بس خرجنا نشوف تاكسي يوصلنا عشان نروح، الا انت روحت فين يا خميس؟
اجابها المذكور بمرواغة كعادته:
– يعني هكون روحت فين يعني، ارجعي يالا انت وهي، نقعد مع سامر قد ساعة كدة وبعدها اخدكم واروحكم معايا
– لا انا عايزة امشي
قالتها سامية باعتراض لتجد الرد من خطيبها العزيز:
– خلاص يا سامية اروحك انا وسامر اجيله وقت تاني .
– وتعطل نفسك ليه؟ اي تاكسي يروحني مش حكاية هي
قالتها برفض واضح، فجاءها رده بحزم:
– تركبي تاكسي مع واحد غريب وانا موجود، طب انت ترضاها دي يا عمي؟
– لا طبعا مرضهاش
خرجت من خميس على الفور، ليتوجه نحو ابنته بأمر:
– روحي يا بت مع خطيبك، مش كفاية الراجل مكلف نفسه يوصلني ويرجع تاني يوصلك، ياللا بقى بلاش دلع .
– معلش يا عمي تلاقيها مكسوفة بس مني .
تمتم بها طلال بسخرية مبطنة لتتلقي عدد من
رواية حان الوصال الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الخامس والثلاثون 35 بقلم امل نصر
دفع باب المنزل بعنف ليلج عائدًا من منزلها، بعد قضاءه ليلة كاملة معها في حضنه، ليدخل بثورته الاَن يهدر بوعيد وغضب وصل أوجه:
– انا مسكت نفسي بالعافية عن العيل ده، لولا بس خوفي عليها لتنتكس ما كنت سمحت له ابدا يكمل وكنت سحبتها من هناك غصب عنه وعنها.
بحنق متزايد سألت تضاعف من غضبه؛
– بصفة ايه؟
برقت عينيه بصدمة وعدم تصديق يصرخ بها:
– هو ايه اصله ده؟ انتي كمان هتعومي على عومه، انا مش فاهم والله بتعملوا معايا كدة ليه؟ حتى بعد ما اتنيلت وأعلنت جوازي بيها، اعمل ايه تاني بقى، امسك ميكروفون الف بيه.
اخرجت من جوفها تنهيدة طويلة مشبعة بإحباطها، لتسقط على أقرب مقعد وجدته امامها قائلة:
– رغم ان كلامك كله استهزاء وسخرية، بس انا برضو مش هتضامن معاك، لأن هو معاه الحق، الولد ضغط على نفسه واتقبل الوضع القائم عشانها وعشان صحتها، لكنه مش هيقبل بالاستمرار ولا إنه يشوفك تسحبها على بيتك وتجبره ع التعود .
– بس هي مراتي، اعيش انا في بيت وهي بيت ليه؟ كان لازمتها ايه بقى اعترف من اساسه؟
– شوفت بقى، اهو رد فعلك دا يثبت ان الولد حقه يتصرف كدة، مفيش حاجة أجبرتك تعترف غير غيرتك يا رياض، هو كمان غيران على أخته وعايزاها تبقى معززة مكرمة في بيت جوزها، بإشهار وفرح يعرف الناس كلها .
زمجر بحنق شديد مغادرا امامها بعدم تقبل:
– يا سلاام وانا بقى تحت امر عيل زيه عشان امشي ورا العته ده، يشوف مين اللي هيسمعله ولا ينفذ
تبسمت بسخرية من خلفه، تتابع صعوده إلى غرفته كي يبدل ملابسه ويذهب إلى العمل:
– اما نشوف يا رياض مين اللي هيتسمع كلمته.
❈-❈-❈
على صنية صغيرة وضعت فوق اقدامها المغطاة بغطاء الفراش، بدأت تتناول الطعام بحرج بعد إلحاح من شقيقتها وصديقتها التي حضرت اليوم تطمئن عليها، وتسمع لكل الأحداث بعدما فاتها الحضور بالأمس:
– يا نهار ابيض، كل دا حصل وانا نايمة على وداني من امبارح، طب اتصلي بيا بلغيني، الدنيا تتشقلب وتتعدل وانا خارج الصورة يا بهجة.
تبسمت في البداية بضعف وكأنها سمعت مزحة:
– صورة ايه بس يا بنتي؟ دا كان يوم ما يعلم بيه الا ربنا، انها رسيت على كدة في الآخر، انا كنت بموت في جلدي وانا بتخيل اخواتي يسيبوني ولا انزل من نظرهم، ومازلت والله مقلقة، يمكن هي حكاية التعب دي اللي جات رحمة من عند ربنا عشان يلطف بيا برد فعلهم عليا.
تفهمت صفية جيدا وجهة نظرها، فهي ايضًا كانت تخشى ذلك، لما تعلمه جيدا عن تعلق بهجة بأخوتها وتعلقهم بها، فتحدثت بدعم لها:
– مهما حصل اكيد هيفهمو كويس نيتك، انتي كل اللي بتعمليه عشانهم، وعشان كدة ربنا واقف معاكي، بس مقولتليش بقى عن رد فعل صاحبنا بعد عمايل الدكتور إيهاب لما اتنك واتشرط عليه.
ضحكت بهجة لما تلمسه من تشفي في نبرة صديقتها، لتردد من خلفها بتعجب:
– الدكتور إيهاب! اه طبعا ما انتي الفرحة مش سايعاكي دلوقتي بسبب اللي سمعتيه، على العموم يا ستي انا كنت نايمة ساعتها، واللي حكتلي عائشة، قالتلي انهم كانو هيشدو مع بعض ولولا تدخل نجوان لكانت بقت خناقة، ربنا يستر ، انا كدة مبقتش عارفة اخرتها ايه؟
– اخرتها خير ان شاء الله، خلي انتي تكالك على الله وقولي يارب.
– يارب
تمتمت بها بهجة بتضرع ونهضت صفية مستأذنة:
– طب اسيبك بقى تكملي فطار واروح انا اشوف شغلي، وهبقى اجي اطل عليكي اخر اليوم .
قالتها ودنت تطبع قبلة حانية على جبهتها، قابلتها بهجة بابتسامة شقية تشاكسها:
– متعرفيش الدكتور هشام خف ولا لسة من ضربة اللوكامية؟ اصله صعب عليا اوي بعد الكلام اللي قالهولك عن نفسه، يعيني وحيد وعايز اللي يطمن عليه.
بابتسامة يشملها الغيظ ردت صفية:
– اه يا حبببتي صعبان عليكي اوي، طب ما توصي رياض باشا يقوم بالواجب معاه، أظهري اهتمامك وهو اكيد هيفهم
جارتها بهجة بالمزاح:
– اه يا حبيبتي هيفهم، هيفهم اوي، وساعتها متلوميش الا نفسك لما يضيع العريس منك
– عريس ! ايه الكلام الفارغ اللي بتقوليه دا يا بهجة، انني شكل التعب اثر على دماغك .
هتفت بها بجدية مكشوفة واعتراض زائف، قبل ان تسحب نفسها، هاربة من بهجة التي كانت تضحك لافعال صديقتها المكشوفة.
❈-❈-❈
لم يخبر أحد هذه المرة بوجهته، خرج ليلًا في غفلة من سكان المحمية، تلك المنطقة العشوائية بموقعها الجغرافي المميز، والذي يصعب على قوات الأمن اختراقها، بالإضافة لتكدس السكان بها، وما قد ينتج عنه من خسائر بشرية فادحة لو حدث هجوم امني، واعضاء العصابة دائمًا ما يتخذون البشر كدروع لحمايتهم، لتظل على حالها كبقعة إجرامية لا يتم القبض على أعضاءها سوى بعد الخروج منها، او بعمليات نوعية محددة الأهداف
اما عنه وقد خرج اليوم منها، قاصدًا وجهته دون اعلام احد، يعد نفسه بالعودة اليها مرة اخرى بعد ان ينفذ ما برأسه.
وها هو الآن بداخل المبنى يأخذ مكانه فوق السطح منذ الفجر ، يراقب من أعلى ويتحين الفرصة المناسبة لدخول المنزل دون ان يشعر به احد.
ساعات مرت عليه وهو على هذه الحال، حتى ابصر من موقعه فتح الباب وخروج تلك المتحذلقة الصغيرة إلى جامعتها.
لينتفض متحفزًا ينزل خطوات الدرج بخفة، وحرص شديد في مراقبة لحركة الجيران، حتى لا يشعر به احد،
وصل الى باب الشقة، وضع يده على الجرس وانتظر لحظات مع صوت الخطوات القادمة اليه:
– ايوة يا للي ع البال مين؟
حبس انفاسه يعد على أصابعه في انتظارها، واحد، اتنين ، تلاتة، أربعة..
لم يكمل الى العدة الخامسة والباب يفتح امامه، فتطل منه خالته، والتي ما ان همت برفع رأسها والتعرف عليه وحتى فاجأها:
– مين؟ براهيم…..
على الفور باغتها بوضع قطعة من القماش على فمها وأنفها، ليجبرها على الارتداد بقدميها لداخل المنزل
باستنشاق المادة المخدرة، ، يغلق الباب بجسده من الخلف، فيشدد بعنف على تلك الجاحظة عينيها، تحاول المقاومة بحركات لا تؤثر به، ليواصل بعزم غير مباليًا بمكانتها عنده ولا بصحتها حتى كامرأة كبيرة لم تأخذ في يديه سوى لحظات قليلة، حتى ارتخى جسدها وهوى ليدفعه على الارض أثرت على رأسها بعدم اشفاق، ثم جثى على ركبتيه ينزع عن اصبعيها الخاتمين الذهبيين، ثم الثلاث اساور القديمة من رسغها، والذي لاطالما افتخرت بهم امامهم.، يغمغم لها بسخرية:
– معلش يا خالتي، مضطر اخد شبكة المرحوم الدكش، اصل طول عمري بضايق من شخللتهم قدامي،….
واكمل ضاحكًا يضعهم في جيب بنطاله، ثم اتخذت اقدامه طريقها نحو الغرفة المقصودة، يدفع الباب ثم يلج إلى الداخل بخطوات محسوبة، واتجهت ابصاره على الفور نحو التخت ليجدها كما توقع، مازالت نائمة ولم تستيقظ بعد
فاقترب حتى وقف يطالعها من علو يتأمل بسفور المنحنيات البارزة لجسدها رغم الغطاء فوقه، ليسيل لعابه وعيناه تتركز على بشرتها الناعمة والوجه الذي تغيرت ملامحه التي نحتت بعد فقدان كمًا كبيرًا من الدهون، حتى ظهرت تفاصيله الجميلة جيدًا.
ليتنهد باشتعال سرى بداخله ويده تخرج من الحقيبة الصغيرة التي تعلو كتفه كاميرا صغيرة يبحث عن زر اشغالها وفمه يردد بحديث نفسه:
– كاميرا بصورة فاقئة الجودة، عشان العرض يبقى Hd.
تابع ضاحكًا يبحث عن مكان مناسب لوضعها مرددًا:
– ياما نفسي اشوف رد فعل المحروس جوزك لما يشاهد العرض…..
– انا هو قدامك عشان يبقى البث مباشر.
صدر الصوت من ذاك المتربص والذي تفاجأ به داخل الغرفة معه من خلفه، يبدو أنه كان في انتظاره، ليباغته بضربة كبيرة من الرأس أسقطته حتى قبل ان يستوعب رؤيته:
– حمد لله ع السلامة يا هيما، دا انا مستنيك من زمان.
انتفضت امنيه مجفلة نتيجة صوت الارتطام القوي، لتصعق بالمشهد امامها، زوجها الذي لا تعلم منذ متى قد اتى و……
شقهة مكتومة غص بها جوفها، وهي ترى كابوس حياتها على الارض بعد تلقيه الضربة المفاجئة، لتنكمش على نفسها بفزع شل جميع أطرافها، حتى صوتها لا تستطيع إخراجه.
اما عن ابراهيم، فقد كان يحاول استجماع شتاته، وقد اجتاح الألم الشديد أنفه ليمسح بأنامله سائل الدم الذي كان يسيل بغزارة منها، زمجر بوعيد وما هم بأن يعتدل بجذعه حتى انقض عليه الأخر، يجثو فوقه ، فيكيل له باللكمات العديدة على جميع انحاء جسده، لا يعطيه فرصة لمبادلته او حتى الصد، ينفث به غليل كل العذابات التي تسبب بها له، حتى كاد ان يزهق روحه لولا صراخ امنيه اليه حتى يتوقف:
– كفاية يا عصام، ابوس ايدك كفاية، هيروح فيها احنا مش ناقصين بلاوي، يا عصام كفاية حرام عليك
استفاق اخيرا حينما وجدها تنزل عن تختها بغرض رفعه عنه، فصرخ بها قبل ان تصل اليه:
– مكانك يا امنية، ولا حركة تاني
اذعنت لأمر تترجاه:
– خلاص هقف مكاني، بس انت سيبه قبل ما يموت في ايدك .
– ما هو حلال فيه الموت .
هدر بها يتطلع إلى وجه هذا الفاسد والذي تشوهت ملامحه نتيجة الضربات المتوالية، شيء ما يدفعه للاستمرار حتى يقضي عليه تمامًا، كلما وقعت عينيه على هذه الكاميرا، وما كان ينتوي فعله لزوجته، تلك التي تقف بصعوبة الآن، يشعر بها على وشك التهاوي، وهذا ما يجعله يعود لعقله.
– اسحبي اي حاجة واتغطي بيها الرجالة على وصول
خرجت كلماته وهو ينهض واقفًا ويتصل على هاتفه بأحد مساعديه:
– ايوة يا بني، هات الرجالة وتعالى بسرعة.
❈-❈-❈
خرجت من الغرفة تحمل صغيرها، وعيناها ذهبت تلقائيًا نحو زوجها الغافي على اريكة في وسط الصالة ، وعقلها يدور بالتساؤلات عنه.
منذ الأمس وهو ملتزم الهدوء والانطواء على نفسه بصورة تثير الريبة، فسرتها في البداية قلق على شقيقه ولكن ان يبيت خارج الغرفة رغم عودة العلاقة الزوجية بينهم ، حتى وإن كانت بصورة تبدو عادية معظم الأوقات ولكنه كان مؤشر جيد لها في ان يتبدل حاله ويصبح لها ولطفله المريض الذي غفل عنه منذ الصباح ولم يأتي اليه ليحمله ويداعبه كالعادة، فهو منذ الصباح ملتصق بتلك الاَريكة، لا قام للذهاب الى عمله او حتى تذكر شقيقه في المشفى .
اقتربت بخطواتها لتكسر الجمود بمخاطبته:
– ايه يا سمير؟ الساعة داخلة على عشرة مش ناوي تفطر بقى، دا انا حتى شايفاك صاحي يعني.
اجابها بفتور دون ان يرفع رأسه اليها، وقد كان نائمًا على جانبه متكتف الذراعين:
– لما اجوع هبقى اقوم اكل متشغليش نفسك.
قطبت بشيء من الدهشة صار يتحول لضيق:
– طب واخوك الراقد في المستشفى، مش ناوي تروح تشوفه؟
– يا ستي ميخصكيش انا حر
على صوته بها ، رافعا عينيه اليها بضجر لا يخفيه، غص حلقها تبدي اسفها بصوت خرج مبحوحًا:
– خلاص متزعلش ولا تعصب نفسك…… انت حر.
قالتها وتحركت تلتف ذاهبه من امامه، ليكتنفه غضب متعاظم من نفسه، فانتفض يعتدل بجذعه هاتفًا بإسمها :
– اسراااء
اضطرت للوقوف تجيبه دون تلتف برأسها نحوه:
– نعم .
علم انها على وشك البكاء، ليتضاعف بداخله شعور الذنب، يغمض عينيه بتعب ثم نهض اليها يجذبها من ذراعها يديرها اليه، ليصطدم بذلك الحزن الذي كسى ملامحها، لطالما كان خسيسًا معها، لطالما اهدر حقها كزوجة لديها من المميزات التي يحتاجها اي زوج، لطالما جرحها بصلفه دون حياء او تقدير ، وهي كانت صابرة على أخطائه دائما، حتى انفجارها لم يأتي إلا مرة واحدة وقد كان على وشك ان يخسرها بالفعل، لولا مجييء طفلهم المريض ليعيد ربط علاقتهم مرة اخرى، لقد صدق شقيقه حين ذكره انها لا يستحقها.
دنى بخزي يكتسحه من الداخل، ليقبل رأسها موجهًا باعتذار وذراعه تمتد لحمل الصغير منها:
– معلش انا قايم مخنوق حبتين، متزعلش مني يا إسراء.
تجمدت بدهشة لا تصدق قوله، لتجده اندمج في مداعبة الطفل وكأنه يهرب من عينيها، هل أصبح يخشى على مشاعرها وفي طريقه لأن يعشقها، او ربما صحوة الضمير بعد طول غياب
❈-❈-❈
لم يتوقع حضورها اليوم إلى مقر عملها، بعد حادث الأمس وغياب يومين قبله، فبرغم اشتياقه لتلك اللحظه في مواجهتها، إلا أنه أعطى تعلماته في الا تباشر العمل سوى بعد اخذها قسطًا كبيرًا من الراحة، وها قد حدث وأتت وهو الآن يغمره الشغف لهذا اللقاء العاصف والحاسم.
يشاهدها تلج إليه داخل الغرفة، وصوت حذائها يطرق على الرخام، بأناقة اعتادت عليها لكن بها شيء مختلف اليوم، نظرة منكسرة او حزن، نوع من هذا القبيل.
– صباح الخير يا فندم، الأوراق دي عايزة امضتك بسرعة
حتى لهجتها مختلفة مع تعمد منها لعدم رفع عينيها نحوه، هل عليه ان يؤجل الحديث العاصف مرعاة لحالتها، يبدو أن عليه فعل ذلك بحق.
تنهد بغضب يكتمه ليباشر العمل على الملفات التي طلبتها منه، مؤجلا بداخله الحسم، ولكن ما هذا؟
رفع الورقة المختلفة امام عينيه بسؤال مباشر:
– ايه ده يا لورا؟ دا بجد؟
اجابته برسمية تجيدها:
– دا طلب استقالة يا فندم، انا بحاول اللم كل اللي متأخر النهاردة ومستعدة اقوم بكل المطلوب مع السكرتير او السكرتيرة اللي هيحلو مكاني، لكن المهم انها تتمضي النهاردة
القى الورقة يعطيها كامل انتباهه قائلا بشيء من حدة، وقد تيقن داخله انها تريد التعجيل لا الانتظار:
– ممكن اعرف ايه الأسباب؟
صمت تطرق رأسها بحرج في رسالة واضحة جعلته يتنهد بشيء من الارتياح جعله يتخلى عن الرسمية، فيتحدث مباشرة بما يعتمل بصدره، ونهض عن كرسيه يقابلها وجهًا لوجه:
– واضح ان اسبابك هي نفس الأسباب اللي مخلياني ماسك نفسي بصعوبة عنك دلوقتى، لكني عايز اتأكد اكتر.
حينما لم ترفع عينيها اليه زاد التأكيد داخله، ليواصل هجومه:
– انتي اللي وقفتي سامر وجعلتيه يعمل فضيحة لبهحة هنا في المصنع؟
انتظر لفترة من الوقت حتى ارتفعت رأسها لتواجه اشتعال بندقيتيه بصعوبة تجيبه؛
– عملت كدة وعملت اكتر من كدة، في سبيل وهم في دماغي كنت عايشة عليه، بس انا دلوقتي عايزة افوق من كل اللي انا فيه، ودا مش هيحصل غير لو بعدت، اما بقى لو عايز تعاقبني، فانا مش هعترض على اي جزاء تحكم بيه، لأني عارفة كويس اوي ان أخطائي كتير، وانت في ايدك القرار، بس اهم حاجة دلوقتي تمضيلي عن استقالتي
اومأ يسحب انفاس خشنة، تغمره مشاعر مختلطة ما بين الرغبة في عقابها وما بين اشفاق يغمره لحالها، فمن كانت تقف امامه الآن لا تمت بأي صلة بلورا القوية التي يعرفها.
حسم اخيرا يجلس على كرسيه، ثم تناول القلم يخطو التوقيع على قرارها قائلا :
– وادي القرار يا لورا تم التوقيع، لأن انا كمان شايف انه أصح قرار ليا وليكي دلوقتي، تسميه عقاب، او فرصة تفوقي فيها لنفسك، المهم انه هو دا الصح .
❈-❈-❈
بعد خروج الجميع، لتبقى هي وحدها في المنزل تنعم بالمزيد من الهدوء، دب بجسدها بعض النشاط، لترتب فراش تختها، وتبدل ملابسها، ثم تنثر المعطر في الهواء قبل ان تفتح نافذتها لضوء الشمس، فتملي ابصارها من رؤية المزروعات في حديقة المنزل الصغيرة، لتدخل في قلبها بغض السكينة والاستمتاع، حتى دوى هاتفها فوق الكمود، لتقترب وترا رقمه المميز فتجيبه دون انتظار، :
– الوو…….
– الوو صباح الفل، عاملة ايه دلوقتي؟
اسعدها سماع صوته بعد حديث الصباح المحتد مع شقيقها:
– الحمد لله، يعني كدة حاسة بشوية راحة بعد ما شوفت رد فعل اخواتي، وكأن هم انزاح من على قلبي
– اممم
زام بها بشيء من ضيق ليعبر عما يعتريه:
– عرفتي اكيد باللي عمله إيهاب يا بهجة؟
صمتت لفترة من الوقت، ثم وصله ردها:
– لازم تقدر موقفه، الأمر مش بالسهولة دي عليه.
كان الصمت من نصيبه هذه المرة، وقد استشف من قولها الموافقة المبدأية على فعله، فتحدث بتحدي:
– طب انا عايز اشوفك دلوقتي يا بهجة.
– لا طبعا تيجي فين؟ محدش موجود معايا، اخواتي البنات راحو الكافيه، وايهاب خرج يجيب الناقص في حاجة البيت.
ردت بها بعفوية، ليصله الرد وكأنها توجه الدعوة لحضوره:
– تمام انا جاي اشوفك .
– تشوف مين؟
لم تجد الرد ولا حتى المكالمة وقد انهاها سريعًا دون استئذان، لتطالع الشاشة بعدم استيعاب متمتمة:
– دا ايه اصله ده؟
❈-❈-❈
قدمت شهد بصحبة مجيدة ولينا إلى داخل المشفى تهرول داخل طرقاتها والهاتف على اذنها تحادث زوجها الذي سبقها بعد اتصال شقيقه به واخباره بالأمر.
– ايوة يا حسن، انت فين بالظبط؟
– انا قدامك على طول اهو، ارفعي راسك شوية
وقبل ان تصل اليه بأبصارها، اشارت مجيدة بيدها نحو الجهة الواقف بها:
– اهو اللي واقف هناك يا شهد .
قالتلها تسرع بخطواتها نحوه ليتلقفهم في نصف المسافة يتناول طفله منها، مكنش ليع لزوم تيجوا، الموضوع مش مستاهل.
هتفت به مجيدة موبخة:
– ازاي يعني منجيش؟ دا انت قلبك بارد يا واد انت صحيح ، هي فين اوضة الست؟
رد متبسمًا لفعلها:
– اهي الحجرة اللي هناك دي يا حضرة الناظرة متزوقيش، بس خدي بالك معاها في الكلام، لا تنصب لك مناحة وتعمل مندبة دي ما بتصدق.
قطبت تستوعب النصيحة وهي تتحرك باقدامها ذاهبة نحو الغرفة، فتحدتت زوجته بقلق :
– اختي يا حسن، عاملة ايه دلوقتي؟ اوعى يكون جرالها حاجة؟
– كويسة ان شاء الله اطمني .
– طب واخوك يا حسن قاعد فين دلوقتي؟
كان هذا سؤال لينا الذي توجهت به اليه، ليجيبها مطمئنًا هي ايضا:
– جوزك هو اللي بيقوم بالإجراءات دلوقتى مع الزفت ده ، بالنيابة عن عصام اللي مفارقش المستشفى وهو قاعد دلوقتي جمب مراته.
جفلت شهد بعد سماع الكلمات لتهتف:
– يعني تعبانة اهي، امال بتقولي ازاي كويسة يا حسن.
برر ببساطة كادت ان تجلطها:
– عادي يا شهد، ما انتي عارفة ان حملها كان تاعبها من البداية، وبعد اللي حصل اتأثر اكتر .
لجمت نفسها بصعوبة حتى لا تصرخ به داخل المشفى الذي يعج بأعداد البشر، لتتراجع بقلة حيلة:
– طب قولي فين يا حسن اوضتها بدل ما اتشل وانا واقفة.
❈-❈-❈
داخل الغرفة التي وضعت بها نرجس وقد ألتفت حول رأسها الأربطة الطبية، فوق منطقة الرأس التي تأثرت نتيجة الوقعة الغاشمة من ابن اختها، ورغم ان الإصابة لم تكن بالخطيرة ، إلا أنها ومنذ ان فاقت من المخدر لم يتوقف فمها عن ابدا عن الشكوى.
– ااااه ااااه هموت يا ست مجيدة هموت، انا انكتبلي عمر جديد، ابن اختي، ابن اختي يا ست مجيدة كان عايزة يقتلني شوفتي غدر الزمن وصل لايه؟ شوفتي اللي حصلي يا ست مجيدة؟
– معلش يا حبيبتي، ربنا كتبلك عمر جديد ان شاء الله.
تمتمت بها مجيدة ، تحاول ضبط انفاعلها مع تلك المرأة التي لن تكف عن الشكوى إلى الشهر القادم، لتتجه نحو ابنتها الصغيرة رؤى، تلك المسكينة التي تشتت عقلها، ما بين القلق الشديد على شقيقتها المريضة بالغرفة الأخرى، وما بين رعاية والدتها التي تضخم الأمر وكأن اصابة الرأس لن تشفى منها ابدا.
– اقعدي يا رؤى وريحي رجليكي، عشان بعد شوية توصليني لاوضة امنيه.
– وتسيبني لوحدي
هتفت بها لتردف بدراما ومبالغة
– تسيبي امك لوحدها يا أمنية، مش كفاية الممرضة اللي خرجت ومسألتش.
زفرت رؤى تمسك بأصبعيها أعلى انفها بإجهاد قبل ان تعقب على قولها:
– وهتقعد جمبك تعمل ايه يا ماما؟ دي معاها مية حالة غيرك، يعني تأدي عملها وتروح تشوف الباقي.
– وانا مش من عملها؟ ولا انت كمان هتعملي زيها، وتشخطي فيا؟ وكأنك مش متحملاني
قالتها بنبرة على وشك البكاء لتغمض ابنتها عينيها بيأس، في انتظار وصلة اخرى من البكاء والشكوى، تطالعها مجيدة بحنق وغضب مكتوم.
–
❈-❈-❈
اما في غرفة أمنية والتي انتهت اخيرا من الفحوصات بخروج الطبية زفر زوجها يعبر عن حنقه بعد سماع التعليمات الجديدة الخاصة بهذا:
– استغفرالله العظيم، دا انا قولت الاسبوعين قربوا يخلصو تقوم الدكتورة كاتبة على شهر تاني؟
– شيء طبيعي يا عصام، دا انا خوفت الواد يسقط من الخضة…..
قالتها بعفوية لتجده مقاطعًا بغيظ:
– بس يا امنية كلامك ده، انا على اخري اصلا، ثم انتي اتحركتي ليه من مكانك، ما انا قولتلك ما تتحركيش، اديكي اتنليتي وزلزلتي الواد، كنا ناقصين احنا عطلة.
– طب اعمل ايه طيب؟ وانا كنت قاصدة يعني؟
– اسكتي يا أمنية، بلا قاصدة بلا مقصداش.
قالها يزفر بضيق، مشيحًا بأبصاره عنها ،
كادت ان تتبسم لعلمها بالسبب الحقيقي لثورته، فتمالكت بصعوبة كي لا تزيد من غضبه، حتى استمعت لطرق خفيف على باب الغرفة لتدلف شقيقتها مهرولة اليها يتبعها زوجها ولينا صديقتها:
– أمنية حبيبتي عاملة ايه؟ والجنين اخباره ايه دلوقتي؟
اومأت بابتسامة تطمئنها ، فجاء الرد بانفعال من زوجها، وحدة تلفت الانتباه الجميع:
– كتبتلها على شهر راحة زيادة يا شهد، شهر زيادة عند والدتها.
❈-❈-❈
بخبث يطل من عينيها، تأملت واجهة المشفى الخاص من الخارج تقدر بعقلها الأموال التي قد تم صرفها والمتوقعة في الايام القادمة للعلاج وقضاء الليلة بتكلفة عاليه.
لتغمغم بتفكير متعمق وغيظ شديد:
– قال وأما اطلب انا منه شوية تفاتيف مصاريف البيت والعيال، يعملي فيها واقع من الدور السابع، ماشي يا خميس ماشي.
قالتها واتجهت ماضية في طريقها نحو مدخل المشفى الموجود بداخلها سامر.
❈-❈-❈
وفي داخل غرفته، وقد كان يتناول الطعام بصعوبة من يد والدته، لتستمر في الإلحاح كلما توقف .
– يا بني كُل، خلي الجرح يلم شوية، مينفعش كدة يا حبيبي .
– يا ماما الله يخليكي كفاية متضغطيش بقى.
تمتم بها بضيق شديد، ليعلق والده هو الاخر بغضب:
– ما تسمع الكلام بقى يا بني عشان تخف، ولا انت عاجبك يعني اكل المستشفى اللي يسد النفس ده.
قالها بعصبية وعيناه تتبع هاتفه الذي لا يكف عن الاتصال بقلق، فهذه المجنونة لا تكف منذ الصباح عن مهاتفته، حتى خشى من انتباه زوجته والتي لفت نظرها في إحدى المرات، وحين سألته وجد الرد بكذبة اختلقها كالعادة
– صباح الخير .
اتجهت ابصار الجميع نحو مدخل الغرفة وقائلتها، تلك الجميلة التي عادت اليه بعد يوم عملها، ليتلقاها بابتسامة أشرقت بوجهه رغم مرضه:
– صباح الخير يا لورا اتفضلي .
تلقفت مجيئها درية بمكر تخاطبها:
– تعالي يا بنتي يمكن يسمع كلامك، دا مطلع عيني على معلقتين اكل، شكله مش عايز يخف .
غضب سامر يحدجها بنظرة محذرة، تجاهلتها بلؤم لتواصل استقبالها الحافل وهي تترك لها المكان على ذلك الكرسي المجاور للتخت الطبي:
– تعالي يا حبيبتي مكاني، دا انا بشوفك وروحي تتردلي، ولا اقولك، خدي الطبق ده وحاولي انتي معاه، على ما اروح اتصل انا بالبنت سامية أصلها اتأخرت اوي في المجي.
تمالك سامر غيظه بشدة لافعال والدته المكشوفة امامها ، حتى هم ان يرفض الطعام موفرا عليها الحرج، ولكنها اجفلته حينما تناولت الطبق بزوق اسعد درية:
– ولا يهمك يا طنط
– يا ختي يا روح طنت
رددت بها تبتعد عنهما، لتجفل زوجها المنشغل بالهاتف وتسحبه للخروج:
– ايه في ايه؟ بتسحبيني كدة ليه؟
– يا راجل عايزاك، ما تفهم بقى.
قالتها توميء بذقنها نحو تلك الجميلة ليفهم من نفسه ، فيستجيب للخروج معها.
جلست لورا تجلس بالطبق تحاول ملء المعلقة بالأرز وقطعة لحم صغيرة، فاعترض بحرج :
– مفيش داعي يا لورا انا اقدر اكل بإيدي .
تبسمت تقربها منه:
– معلش يا سيدي خدي مني المرة دي.
تلقبلها على الفور دون انتظار، شاعرا بشهية مفاجئة تصل الى حد الجوع ليتناول الطبق منها بكامله
– احسن دلوقتى بعد ما فضفضتي
– ايوة طبعا
❈-❈-❈
خارج الغرفة توقفت تراقب من الفتحة الصغيرة التي واربتها للباب، بسعادة ترسل الفرشات لمعدتها، غافلة عن ذلك الذي اصفر وجهه في متابعة الهاتف وقراءة تلك الرسالة المرسلة حديثًا لهاتفه:
– يا نهار ابوكي اسود
تمتم بها بدون ان يشعر حتى انتبهت عليه زوجته لتسأله باستنكار :
– هي مين اللي نهار ابوها اسود يا خميس .
انتفض ناهضًا عن مقعده ينفي ويبرر بقلق وتعجل:
– مش عليكي طبعا يا درية ، دا على حاجة كدة….. بصي انا هنزل بسرعة اشوف مسألة…… هبقى اقولك بعدين، هبقي اقولك
وغادر من امامها متجهًا نحو المصعد دون ان تفهم منه شيء لتغمغم في أثره بدهشة:
– يا ختي ماله الراجل ده؟ وشه بيجيب ويقطع في الكلام كدة لوحده؟
مصمصمت بشفتيها ثم رفعت الهاتف تتصل بابنتها التي تنتظر حضورها منذ ساعة، تريد مشاركتها الاهتمام بتلك القصة العجيبة التي تحدث معهم، فأعطاها مشغول لتردف بتأفف:
– وانت كمان متنيلة ومشغولة دلوقتي، دا وقته؟
❈-❈-❈
وفي الاسفل
كانت سامية واقفة في احد الزويا تواصل مكالمتها المحتدة مع ذاك الذي فاجأها باتصاله:
– ايوة يا سي طلال جيت المستشفى لوحدي وبتاكسي، فيها ايه دي بقى؟
– فيها ايه؟ انتي كمان بتسألي؟ خرجتي من غير اذني وركبت تاكسي مع راجل غريب، ولسة بتسألي يا سامية؟
تبسمت باستخفاف تقصد تحديه:
– اه بسأل عشان كلامك ميدخلش عقلي، ولا هعتبر نفسي سمعته اساسًا؟
لو تعلم ان بأفعالها تزيد من تمسكه بها، لما فعلت ابدا
وصلها الرد بضحكة يفيح منها التوعد:
– تمام اوي يا سامية، تمام اوي يا غالية، اعملي ما بدالك .
تبسمت تنهي المكالمة تضيف مزيد من مخزون رصيدها عنده، ثم ألتفت تتوجه بأبصارها نحو الجهة التي سوف تصعد منها إلى طابق شقيقها، لتفاجأ بخروج والدها من المصعد، مهرولا نحو احد النساء ، يبدو أنها كانت في انتظاره، ليقترب منها ويسحبها من يدها نحو الخروج بصورة تثير الاستغراب، تطلعت سامية بملامح المراَة البيضاء جيدا حتى عرفتها، لتمتم بحديث نفسها بتساؤول:
– صفاء قريبة إسراء مرات اخويا!
❈-❈-❈
بعد انهاء حديثه معها في الهاتف لم تمر ربع ساعة حتى وجدته يصل إليها، ليقف امامها الآن يطالعها بأعين مشتاقة لكل خلجة وكل تفصيلة:
– مالك واقفة كدة ليه؟ مش هتقوليلي ادخل يا بهجة؟
استدركت لوضعها، لينتابها التردد بحيرة، فاستغل هو يدفعها للداخل دون انتظار، ثم يصفق الباب بقدميه:
– انتي لسة هتفكري.
ورفعها عن الأرض بين ذراعيه متمتمًا بلوعة:
– وحشتيني وحشتيني اوي
استلسلمت لدفء حضنه الذي احتوى جسدها بتملك يدغدغ أنوثتها بعشق لم يأتي في بالها ان يحدث ابدًا، ليجمع اثنين من عالمين مختلفين، عابرًا لكل الحدود
ورغم كل ما يحدث من عوائق،
اشتاقها بشدة اشتاقها بجنون، حتى لم يعد يملك السيطرة على جموح عاطفته الجياشة بلقائها، لا يتوقف عن تقبيلها وبث اشواقه اليها
اما عنها فلم تكن اقل منه، رغم ادعائها المقاومة،
فحاولت دفعه عنها، حاولت منعه، حاولت بقوة واهية لا ترتقي للصد ابدًا، لتستلم في الاخير، تغرق في بحر امواجه المتلاطمة، تعلو بها الى السماء، وفي نفس الوقت تخشى النزول، ليقتطفا من الوقت لحظات من سعادة لم تدم سوى لحظات قليلة، ليستفيقا على صوت المفتاح بمغلق الباب ينبيء عن مجيء احد من اهل المنزل .
فجاء الصوت كمنبه يحفزها لتملك القوة هذه المرة، وتنزع نفسه عنه، هامسة بلهاث :
– يا نهار اسود، هيقول علينا ايه دلوقتي
كز على اسنانه بحنق شديد، يحجم نفسه عن تصرف لا يعجبها، يشاهد ارتباكها امامه وكأنه افتعلت خطًأ مع ابن الجيران، لتشتعل به روح التحدي لاستقباله، ولكنها أبت ان تجعله ينفذ ما برأسه، لتسحبه على الفور، تدلف بها لاقرب جهة امنة لها في المنزل
ولم تمر سوى ثواني حتى دوى صوت شقيقها مناديًا بإسمها ، وهو يضع عدد الأكياس التي اتى بها من الخارج بعد تبضعه في السوق على الطاولة:
– بهجة انتي فين؟
وصله صوتها المضطرب بعض الشي .
– انا هنا يا قلبي…. في المطبخ.
دلف متجهًا نحو مصدر الصوت، مستغربا قيامها من فراشها، وتحدث يقضم بثمرة التفاح التي اخرجها من كيس الفاكهة الذي ابتاعه:
– طب وايه اللي قومك بس يا قلبي من فرشتك؟ هي البت جنات معملتكيش فطار قبل ما تخر…ج…….
توقف الكلمات وتوقفت عن مضغ قطعة الفاكهة داخل فمه، بذهول احتل ملامحه، يطالع ذلك الجالس حول الطاولة التي تتوسط المطبخ، وكأنه من اهل المنزل، يستقبله بابتسامة متسلية:
– ازيك يا إيهاب، عامل ايه؟
– ازيك يا ايهاب عامل ايه؟
ردد بها من خلفه بشيء من الاستهجان واتجهت ابصاره نحو شقيقته التي اكتسحها الحرج تعطيه ظهرها، تدعي الانشغال في تسوية القهوة على نيران الموقد، تغمض عينيها بخجل شديد تستجدي من الله ان يمر هذا الأمر غلى خير، فخرج صوتها باهتزاز :
– رياض جه عشان يطمن عليا.
– اه !
تمتم بها يزيد من توترها فتحدث الاخر بأريحية وعدم اكتراث:
– مراتي وجيت اطمن عليها يا دكتور، اظن يعني دا شيء عادي أنه يحصل.
– لا مش عادي
قالها إيهاب بتحدي يردف موجها بحدة مقصودة:
– ما هو معلش يعني يا رياض باشا، كان لازم قبل ما تيجي تديني خبر عشان استقبلك، بدل ما تيجي وتكتشف ان مفيش حد معاها في البيت .
اغمضت عينيها بترقب شديد لما يحدث، ثم قامت بصب القهوة في الفنجان متوقعة حدوث المشاجرة لتستدير اليهما فتشاهد الحرب الباردة تدور على اشدها بينهما، وقد صدر من زوجها ابتسامة مستخفة خالية من اي مرح:
– استأذنك!….. انا جوزها يا حبيبي مش خطيبها.
جاء رد إيهاب ببساطة:
– وانا قولتلك اني مش معترف ، يعني كويس اوي ان وصلتها لخطوبة
لطمة قوية بكف يده على سطح الطاولة دوت عاليا كانت بمثابة الرد الفوري بالاعتراض لتنتفض بهجة محاولة تلطيف الأجواء :
– القهووة، انا عملت فنجان رياض وانت يا قلبي هعملك الغدا اكيد راجع جعان
– حتى لو جعان دا مش وقته طبعا.
قالها بجلافة مقصودة ليتجه نحو الأخر والذي تحفز مقابلا له بغضب يردف متابعًا:
– دا غير ان القعدة هنا في المطبخ مش من مقام الباشا ، انا شايف اننا نخرج نضايفه برا في الصالون احسن، حاجة تليق بمقامه.
– ايهااااب
صدر منه الاسم بلهجة تنذر بالخطر، لينهض مواجها له، وكأنه يظهر فرق الحجم بينهما، يستطرد:
– لحد دلوقتي انا ملتزم معاك ضبط النفس، تقديرا لموقفك ولمعزة بهجة في قلبي، بلاش تعكر الشيء الحلو اللي ما بينا، الرسايل اللي قاصد ترميها في وشي دي انا مش غافل عنها وبحاول أديك عذرك، بس مش لدرجة انك تخليني غريب عن مراتي، يا سيدي لو مش قابل حضوري انا اخدها بيتي وتيجي تزوركم براحتها.
كانت بهجة على وشك الوقوع تراقب رد فعل شقيقها وتلك الابتسامة التي ارتسمت على ثغره بشيء لا تفهمه، شيء يثير داخلها الفزع من القادم، فصارت تهتز الصنية بما عليها من فنجان ممتليء بمشروب القهوة الساخن، حتى انتبه الاثنان، هم إيهاب ان يتناولها منها ولكن زوجها كان الأسبق، ليضع الصنية على الطاولة بفنجانها، وعينيه تعلقت بها، يستشف الضعف في مواجهة هذا الصغير، والذي خرج صوته بندية، يسحبه عن التركيز مع زوجته:
– رياض باشا خليك معايا لو سمحت، عشان كل كلامك اللي قولته من شوية، انا شايف انه ملوش معنى، لأن اختي مش هتخرج من بيتنا وتروح لأي حتة تانية الا بجواز اصله الأشهار، والأمر في ايد حضرتك، ولا ايه يا بهجة؟
توجه في الأخيرة نحوها ، لتلتف معه ابصار الاخر، ترقبًا لرد فعل يؤازره ولكنها لم تقوى على مخالفة شقيقها او خسارته في شيء له كل الحق فيه، رغم سقوط قلبها داخلها خشية الخسارة، خسارة من تتوقف انفاسها بحضوره، ذلك الذي في كل مرة تلتقي به، تتأكد تمام التأكيد أنه حبيبها الاوحد ، رغم كل عيوبه
– انا مع إيهاب.
الفصل السادس والثلاثون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل السادس والثلاثون 36 بقلم امل نصر
بعض الجروح لا تشفى إلا بالكي
وهناك اوقات لا يصلح معها إلا القطع، ان تقرر ، ان تفصل، ان تنجى بالباقي من كرامتك، لهو اهون الف مرة من تستمر على الخطأ، حتى وإن كان بالتنازل سعادة وقتية، ثق انها رويدًارويدًا سوف تزول.
كوني قوية ولا تقبلي بأنصاف الحلول، إما عشق بوضوح الشمس وإلا فلا .
❈-❈-❈
– انا مع إيهاب.
– انتي مع إيهاب؟!
تمتم بها بشيء من الصدمة، لا يصدق الرد الفوري منها بهذه السرعة دون ان تعطي نفسها حتى فرصة للتفكير به, تلك من كانت منذ لحظات تذوب بين يديه، تنصر هذا الصغير عليه دون تردد ، هل لهذه الدرجة هو لا يعنيها؟.
– بسهولة كدة، بتمشي ورا كلام العيل الصغير والعته بيقوله ده؟
– انا مش عيل صغير يا باشا، ولا بخرف بعته…….
– ايهاب، استنى انت .
قاطعت بها شقيقها لتعطي كامل انتباهاها له، فيلتقي صفاء خضراوتيها بوهج ببندقتيه الحادتين، في حديث لا يخلو من عتب ولوم وكأنه تذنب في حقه وعلى وشك التخلي عنه دون انتظار .
– ممكن تخرج دلوقتي يا إيهاب؟
تفاجأ شقيقها بطلبها، فجاء رده يضيف مزيدًا من الدهشة بقلب هذا المطعون بموقفها المخزي ضده على حسب ما يرى الاَن:
– واسيبك لوحدك معاه؟
– من فضلك يا إيهاب.
اذعن في الاخير لرغبتها ، ولم يفوته توجيه نظرة الانتصار نحو ذلك المتجمد محله ، والذي لم يرفع ابصاره عنها سوى بعد خروجه ، لتبزغ ابتسامة ساخرة بزاوية فمه قائلا :
– كويس والله انه سمح لنا بالانفراد، بس انتي ازاي جاتلك الجرأة تطلبيها؟
قابلت تهكمه بثبات واهي، وقلبها من الداخل يأن وجع الترقب ،والخوف من النهاية الشويكة بالمواجهة الفاصلة الآن:
– انا مش ببيعك دلوقتي يا رياض، انا بشتري نفسي وكرامتي قبل ما اشتري اخواتي، حتى لو انت شايف اللي بيحصل عته ، وأن اعترافك بجوازنا قدام اسرتي انه أقصى ما عندك أو يمكن معتبره تفضل عليا……
– بلاش كلامك المستفز ده ، عشان انا على اخري اساسا.
هدر بها مقاطعًا بحدة ، ليجبرها على المزيد من المكاشفة، فلم يعد هناك شيء لا ينبغي البوح به:
– بلاش نضحك على بعض، عشان انا عارفة كويس سبب رفضك ، انت لحد الان عامل حساب للمجتمع الراقي بتاعكم ، دماغك صورتلك انك بكدة عملت اللي عليك قدام اخواتي، وتقدر من النهاردة تأخدني على عشنا السعيد ونعيش في امان وسلام، واللي يعرف هيبقى اعداد قليلة يدوب متأثرش على سمعتك، اللي ممكن تنهار لو اتعمل فرح واتكتبت اسم رياض باشا مع بنت خليل اللي كانت شغالة عاملة في مصنعه لا وكمان جليسة للست والدته ، متفتكرش اني غبية ومش واخدة بالي من التفصيلة الصغيرة دي .
لأ ينكر انها أصابت جزء كبير الحقيقة ، وكأنها اقتحمت عقله واكتشفت ما يدور برأسه ولكن روح العند بداخله تأبى الاعتراف ، والتمسك بالهجوم :
– اممم وايه تاني كمان؟ كملي يا بهجة، شكل إيهاب مش جايب ايه حاجة من عنده .
ردت بابتسامة جانبية ضعيفة، لم تصل لعيناها :
– اعتبرها كدة فعلا…. لو انت عايز كدة، بس في كل الحالات احنا وصلنا لطريق نهايته اختيارين، انا عارفة ان الاتنين أصعب من بعض عليك، لكن لابد منهم، وعلى العموم انت تقدر تريح نفسك خالص، وتعتبر حكايتنا قصة وانتهت، لو صعب اوي معاك التنفيذ،
– يبقى انتي اللي اختارتي يا بهجة مش انا، وكدة خليكي قد قرارك .
صدرت منه سريعًا وبدون تفكير، وكأن بها رد لكرامته، بعد تفضيلها لشقيقها عليه.
وتحرك فجأة يسحب نفسه للخارج امام صمتها المريب، حتى سمعت صوت غلق الباب الخارجي للمنزل بمغادرته، ليدلف شقيقها بعد لحظات قليلة ، ويجدها واقفة امامه دون حراك وكأنها تمثال من شمع، لا ترمش حتى عينيها، بهيئة أوقفت قلبه ، حتى صدر قوله بصوت هتز:
– ايه اللي حصل؟ انا شايفه خارج وشه ميطمنش.
لم تنطق ببنت شفاه، حاولت التظاهر بالثبات ، ولكن دموعها أبت الا تخونها، حتى وشكت على الوقوع، قبل ان تتلقفها ذراعي شقيقها حتى لا تسقط.
❈-❈-❈
أجلت الصعود إلى شقيقها، وتجاهلت الرد عن مكالمات والدتها التي هاتفتها عدة مرات، وصارت تتبع هذا المشهد الغريب، بسحب والدها لتلك المدعوة صفاء قريبة زوجة شقيقها، بفضول يكتسحها لمعرفة التقاء الشرق مع الغرب، تلك التي رأتها مرة واحدة اثناء زواج شقيقها وعرفت انها متزوجة في الصعيد، إذن ما الذي يجمع بينها وبين والدها؟
اما عن خميس والذي واصل سحب زوجته حتى وجد المكان المناسب ليدفعها بقوة فيصطدم ظهرها بالحائط الخلفي لمبنى المشفى، في زاوية بعيدة عن المارة وعن الجميع.
فيخرج صوته أخيرًا بعد ان اطمأن بعض الشيء لابتعاده بها عن مصدر الخوف، ويتذكر غضبه منها:
– انتي اتجننتي يا صفاء؟ جيالي برجليكي لحد المستشفى عشان تفضحيني؟
طق فمها بصوت مستهجن تستنكر قوله:
– افضاااحك! ليه يا خميس بقى؟ كنت شبهة مثلًا؟ ولا واحدة ماشية معاك في الغلط؟
صاح بها بحنق شديد:
– لا دا ولا دا؟ وبلاش تحوري في الكلام يا صفاء، تقدري تقوليلي ايه اللي جابك على هنا اصلا؟
تمسكنت بلهجتها تبتغي استعطافه وصب اللوم عليه:
– اخص عليك يا خميس، دا برضو سؤال تسأله وانا قلبي اتخلع من مكانه على ابنك بعد ما سمعت باللي جراله، دا جزاني يعني اني خوفت عليك انت كمان، لتكون تعبت ولا متحملش الخبر؟
جز على اسنانه بغيظ شديد:
– وانا ايه اللي هيجرالي بس؟ شايفاني ضعيف لدرجادي؟ صحتي زي البومب قدامك ولا مش واخدة بالك؟
مطت شفتيها على زاوية تقلب عينيها بتعبير واضح لسخريتها من عبارته، مما ضاعف من غضبه ليواصل بانفعال
– وكمان ابني يعرفك منين اصلا عشان تزويه؟ كان يكفي اتصال منك تسأليني فيه عن صحتي وعن الواد، مش تيجي برجليكي ع المستشفى…..
تخصرت تواجه بخطأه؛
– طب قول لنفسك الكلام دا يا غالي؟ وارفع التليفون كدة وعد كام مرة اتصلت بيك وانت مرديتش؟ من آخر مرة مشيت من عندي وانت خدت ايدك في سنانك وقولت يا فكيك، مش هاين عليك تتطمن على الغلبانة اللي سيبتها ولا حتى ترد على اتصالي، لدرجادي انا حملي تقيل عليك؟
وختمت بادعاء البكاء ليزمجر ضاربًا بقدميه على الارض:
– يووووه، ما هو لو عليكي لوحدك، والله ما كان همني، لكن المصيبة في اللي وراكي، كل مرة اجيلك فيها بكع دم قلبي، حتى اتصالك بيا بيبقى برضو وراه طلبات، لحد ما بقيت اخاف ارد عليكي.
زمت فمها بضيق يكتنفها لتقارعه بحديثها:
– مممم قول كدة بقى، سعادتك بتحسب الملاليم اللي بتدهاني عشان عيالي المساكين، انما اللي من صلبك تجيبلهم اللالي وتصرف بالمية الف في مستشفي استثماري قد الدنيا ميدخلهاش الا الناس العليوي..
– انتي بتحسبي لعلاج ابني؟ عايزاني اسيبه يموت من غير علاج يا صفاء؟
سألها بصدمة لتسارع هي بالتبربر:
– لا طبعا، ايه اللي انت بتقوله دا يا خميس؟ دا ابنك ده يبقى ابني، حتى لو فرق السن ما بينا قليل، انا بس بفضفض من حرقتي، عايزاك ماتفرقش ما بين العيال، ولا تفرق بيني وبين مراتك الاولى، يعني لو هنمشي بعدل ربنا، يبقى يومين عندي ويومين عندها.
هم يذكرها بالسبب المباشر لابتعاده عنها، ولكنها لحقت بذكائها :
– وان كان ع الدفع اللي بتتشكي منه، تعالي المرة الجاية واحنا نتفاهم، انا بتكلم في حقي فيك يا خميس
تابعت حديثها بنعومة تعلم بأثرها جيدا عليه:
اصلك بتوحشني اوي وبشتاقلك، وانا ست صغيرة ومحتاجة جوزي مبيعدتش عني، مش ابقى متجوزة ومش متجوزة…
وجهت كلماتها نحو المغزى الذي يعلمه، لتنطلي عليه ويصدق تبريرها، فيغمره شعور بالزهو، وحماقة تعجبها كي تواصل في خداعه.
– خلاص يا صفاء انا هحاول متأخرش عليكي، يخرج بس ابني من المستشفى واجيلك ان شاء الله، انتي فعلا صغيرة وحقك تخافي على نفسك من الفتنة، وأنا برضو راجل بفهم ولازم ارعي الحتة دي، بس هو يعني لدرجادي بوحشك يا صفاء؟
اخرجت تنهيدة مثقلة، تومي رأسها بادعاء الخجل:
– اوي اوي يا خميس، بس مينفعش افسر عشان مش وقته
– فعلا مش وقته
ردد بها بابتهاج متعاظم ، وقد اطربه حديثها بشدة حتى كاد ان ينسى نفسه ويذهب معها، ولكن استدرك لسوء الظرف، كي يعود إلى عقله ويأمرها
– خلاص بقى مدام اتفاهمنا، روحي دلوقتي على طول وانا مش هتأخر عليكي ان شاء الله.
سمعت منه لتمتد كفها نحوه على الفور:
– خلاص يبقى ايدك بقى ع المواصلات.
– مواصلات ايه؟ هو انتي جيتي مشي؟
– لا يا حبيبي مش مشي، بس انا ايدي فاضية دلوقتي، وعيالي وعدتهم بحاجات حلوة اجيبها معايا ، اول بس اما عرفو اني جيالك، كل واحد فيهم طلب اللي نفسه فيه، ها هتديني ولا اكسر بخاطرهم واقولهم عمكو مش طايقكو ولا طايق سيرتكم، عشان ساعتها يعندو معاك بحق؟
– لا يا صفاء متقوليش ولا تخليهم يعندو
تمتم بها بقلة حيلة، ليخرج من جيب بنطاله حافظة النقود التي كانت ممتلئة على آخرها بلفات النقود حتى اختطفتها منه سريعًا تخرج معظمها ليعترض محاولا لالتقاطهم:
– دول خمسة آلاف هدفعهم للمستشفى.
أبعدت يداها على الفور عنه، لترد بسخرية ردًا على كذبته:
– ارجع ع الوكانة يا حبيبي جيب غيرهم، بس حاول تكترهم شوية، هي الخمسة آلاف دي تعمل ايه في مستشفى استثماري زي دي؟
– وكمان بتخطفي منه المحفظة وبتطلعي منها الفلوس؟
تمتمت بهذا السؤال سامية بحديث نفسها، والتي كانت تتابع من جهة غير مرئية لهما، اللقاء بأكمله
❈-❈-❈
بخطوات مسرعة سارت تغادر مقر عملها في مكتب المحاماة خاصتها، بقلق يعصف بها بعد تلك المكالمة التي أجرتها للإطمئنان على صديقتها ، وما أخبرها به شقيقها عن حالة تلك المسكينة، تمكنت من النزول من المبني وكانت في طريقها إلى سيارتها، والتي ما ان وصلت اليها حتى انتبهت لتتسع عينيها بإجفال وهي ترا الإطار الخلفى من الجهة اليمني امامها متهدل وكأن الهواء قد انسحب منها بإصابة حلت به، تتذكر جيدا حينما أتت بها في بداية اليوم، لم يكن به شيء على الإطلاق، ولكن ما الفائدة الاَن للبحث والتنقيب؟ وهي لا تملك وقتا للتأخر؟
بفعل طفولي، ضربته بقدمها ، قبل ان تتحرك وتتركها لتبتعد قليلًا وتحاول إيقاف سيارة ما تقلها، وجدت المكان المناسب لتقف به، وما ان وقعت عينيها على إحداهما قادمة في الطريق نحوها، حتى ارتفعت كفها تشير الى سائقها وبتركيز شديد تريد لفت انتباه،،
ويحدث ان ينتشلها على حين غرة، صوت صرير سيارة اتيًا من الخلف، فتلتفت رأسها اليه لا إراديًا لتجفل فجأة وبدون سابق انذار بدفعة كبيرة من ماء الارض التي تقف عليها بفضل غسيل إحدى السيارات لساكني المبنى الذي تقف بجواره، وتُنثر على الطقم الذي ترتديه.
كاد قلبها ان يقف من الخضة، تطالع ردائها الجميل وقد تلطخ ببقع المياه والطين، فتظل لفترة من الوقت فاغرة فاهها بصدمة ، حتى ظهر امامها ذلك البلاء يترجل من سيارته ، لينظر الى ما اقترفته يداه هو الاخر بصدمة يدعيها مرددًا:
– يا نهار ابيض، ايه ده؟ ايه ده يا أستاذة يا آنسة صفية؟
خرج صوتها بنبرة توشك على البكاء:
– دا بجد؟! انت كمان اللي بتسأل ؟ على فكرة انا لو جاتلي ذبحة صدرية، ولا جلطة دماغية هيبقى بسببك، هو انت في حد مسلطك عليا؟
بصعوبة شديدة كتم ابتسامة خبيثة، يدعي الحزن :
– انا برضو يا أستاذة يا آنسة صفية؟.
صرخت به، فلم تعد بها طاقة لافعاله:
– يا عم متزفتنيش، متندهنيش بأي زفت، انا على اخري وربنا على اخري .
– وطي صوتك طيب، الناس حوالينا يقولوا عليكي ايه؟ منظرك قدام اهل منطقتك يا أستاذة.
همس بها مقربا رأسه منها، وكأنه يحذرها، لتنتبه هامسة هي الاخرى بغيظ شديد كازة على اسنانها:
– حاضر هتزفت واخرس خالص، انت عايز ايه دلوقتى؟
– اوصلك بيتكم .
– نعم !
– نعم الله عليكي يا أستاذة، قصدي يا ستي اوصلك لبيتكم عشان عربيتك العطلانة، بدل يعني متلقيش تاكسي يرضى يوصلك بالطقم المبقع بالطين ده، ولا تاخدي تريقة من السواق اللي يجي على نفسه ويقبل .
ضاقت عينيها بريبة لتنقل بأبصارها ما بينه وبين سيارتها المعطلة بإطارها المثقوب لتتوجه نحوه بتساؤول:
– وانت عرفت منين ان عربيتي عطلانة بسبب العجلة اللي نايمة؟
كالعادة لا يغلب ابدًا في التفسير، ليجيبها على الفور بتأثر:
– مش محتاجة ذكاء يا أستاذة، واقفة جمب عربيتك وبتشاوري لتاكسي، يا ترى هيكون ليه بقى؟ عشان تاخدي صورة معاه مثلا؟
ضحكة سخيفة تصنعتها في رد على مزحته:
– ظريف اوي يا دكتور هشام، ونبيه، يعني لقطها بسرعة كدة وانت ماشي بعربيتك، مش غريبة دي؟
– لا طبعا مش غريبة، واحنا هنحقق ليه صحيح؟ مش ياللا بقى عشان اوصلك، ولا تكوني مكسوفة مني، دا انتي حتى محامية ولازم تبقي جريئة.
قالها يشير لها عائدًا إلى سيارته، يثير حنقها بشدة، فتضطر في الاخير لتتبعه، قائلة بعند:
– انا هركب بس عشان معنديش وقت زي ما قولتلك وعشان مشواري .
❈-❈-❈
منذ آن قدمت تسبقه بلحظات، وهي لم ترفع عينيها عنه عقلها يدور بالتساؤلات والتكهنات الغير بريئة على الإطلاق عن تلك العلاقة التي تجمع رجل كهل مثله مع امرأة مثل صفاء التي اللعوب التي عرفت باتصال لزوجة اخيها انها مطلقة منذ شهور، إذن كيف اجتمعت مع ابيها لتستغله وتسحب منه الأموال لهذه الصورة الفجة وكأنه تملك الحق فيه؟ هذا الأمر يستحق المتابعة والبحث .
– مالك يا بت متنحة كدة ليه من ساعة ما جيتي؟
كان هذا سؤال والدتها، لتسحبها اليها من دائرة الشرود والتفكير المستمر، فتحاول استماع ذهنها:
– لا يا ما تشغليش نفسك، دي حاجة كدة.
– حاجة ايه اللي كدة يا.ختي؟ ما تتكلمي يا بت .
هتفت بها درية بحزم جعلها تحسم عازمة في نقل الأمر اليها ، ولكن نظرة واحدة نحو تلك الفتاة المرفهة الجالسة بقرب شقيقها المريض، وتذكر ما قد يحدث من فضائح، ان تكلمت الآن، وربما قد ينجى منها ويكذبها بقصة يختلقها كعادته، انها ادرى الناس به، لتعود لعقلها وتتراجع مؤجلة الحديث لوقته:
فتنقل بنظرة حادة متوعدة نحوه قائلة:
– معلش ياما، كل شيء ليه وقت، هقولك انا على كل حاجة بس بعدين.
❈-❈-❈
والى ذلك الثائر، وبعد ما حدث من تطورات، كان هو المتسبب الاول فيها، يغمره الآن شعور بالهم يقسم ظهره، يعلم أن موقفه صائب ولكن ما ترتب على فعله من حزن لشقيقته، جعل عقله يدخل في حيرة من امره
هو في الاخير شقيقها، يؤلمه ما يؤلمها حتى وإن كان يرى الأمور من زاوية محقة، ولكنه ايضًا لن يغفل عن سعادتها، والتي قد تفقدها بلا عودة ان استمر هذا المتعجرف في صلفه، واتخذ الأمر تحدي معه.
– لسة برضو مضايق، ارفع راسك يا بني انت عملت الصح.
جاءه الصوت الداعم لكل ما حدث من البداية، كمحفز الآن ليرفع رأسه اليه بالفعل، يطالعه بضعف قائلا:
– بس انا خايف عليها، بهجة اختي قوية وضعيفة في نفس الوقت، يعني تبقى زي الوحش في المواجهة، ومرة تانية تلاقيها سقطت من طولها بكلمة واحدة، ودا مش موضوع وخلاص، دا مستقبلها وسعادتها، خايف تكرهني بعد كدة والله.
ارتجف جسده في الأخيرة، بتأثر احتل كيانه، ليربت على كتفه الاخر بقوة وحزم:
– ان شاء الله ميحصلش الكلام ده، لأنه لو معملش الصح، يبقى ميستهلهاش، اختك عاقلة ولو مكانتش فاهمة ومؤيدة مكنتش هي بنفسها وقفلته معاك.
طالعه باستجداء يريد المزيد:
– بجد يا شادي، ولا بتقول كدة عشان تطمني.
رد المذكور بثقة واضعًا عينيه نصب خاصتي الاخر:
– انت كمان متأكد من موقفك، الاستمرار في الوضع ده إهدار كرامة، واختك غالية وتستاهل الدنيا كلها تفرح لفرحتها
❈-❈-❈
– ناوي تطلقها؟
– مين قال الكلام ده؟
تمتم غير مستوعبًا برفض تام، ليردف الاخر في توجيه الحديث اليه:
– رياض انا بسألك عشان تحدد موقفك، بعد اللي حكيته من شوية، واحساس الخذلان اللي حسيته منها زي ما بتقول، هل الحكاية كدة خلصت، وكل واحد هيروح لطريقه بقى؟…….
سمع منه ليزفر بضيق متعاظم ، يغطي بكفه على جبهته بتعب:
– مش عارف احدد اي قرار دلوقتي يا كارم، من ساعة ما خرجت من عندهم والصداع مسكني من كتر التفكير، هموت من الغيظ، ان حتة عيل هو اللي يفرض شروطه عليا، وهي ماشية معاه، طيب تصبر عليا شوية مش يمكن مع الوقت…….
– هيحصل ايه مع الوقت يا رياض؟
يقاطعه بأسئلته الواضحة بصورة تجعله محشورا في زاوية لا تعجبه، ليعبر عن سخطه نحوه:
– كارم انت معايا ولا معاهم؟ ما تخف عليا في أسئلتك دي يا سيدي .
تبسم الاخير بشيء من المكر في الرد له:
– طب وانا ايه ذنبي بس يا عم رياض عشان تحطني معاهم؟ انا مجرد واحد بيتكلم معاك بالمنطق عشان توصل لقرار، انت لازم تحدد اهدافك ، ان كنت هترضى وتنفذ المطلوب ولا تسيبها لحال سبيلها، أصلها مش هتفضل معلقة…..
– تروح لحال سبيلها ازاي يعني ؟
سأله بشيء من توجس واستنكار، ليأتي رد الاخر بكل وضوح:
– قصدي يا سيدي انها مش هتفضل معلقة وأكيد في يوم هتشوف حالها وتتجو……
– دا انا اقتلها واشرب من دمها.
هتف بها بحدة اجفلته ، لترتسم على محياه ابتسامة خبيثة ضاعفت من حنق الأخر، ليهتف به ينهاه:
– كارم بلاش اسلوبك ده عشان انا على اخري.
اومأ برفع كفيه امامه باستسلام:
– طب خلاص خلاص متزعلش…… دا انت الله يكون في عونك
غمغم بالاخيرة بصوت خفيض يخفي ابتسامته حتى لا يثور به مرة اخرى، وبداخله يشفق عليه بالفعل، فلا يعرف بصعوبة موقفه الا رجل مثله ومن نفس الطبقة، بل ويزيد عليه، تلك العقد التي ترسخت بمرور السنوات بعقله، ربما يحتاج الكثير من الوقت ليحارب وحوش الماضي، او ربما يستسلم لها وينسى بهجة وسعادته التي وجدها معها
❈-❈-❈
بكت كثيرا، ونامت كثيرا، ثم قامت وجلست بجوار النافذة تنظر في الفراغ ، بمشاعر لا تعلم لها مسمى، يغلب عليها الحزن، وربما اشياء اخرى، هل ما مرت به اليوم ، هو لحظة الوداع الفارقة؟ ام انها التمهيد لبداية جديدة؟
مازال قلبها يأن من الوجع، كم من مرة حضرت نفسها لتلك اللحظة، تعلم من البداية النهاية الطبيعية لذلك الزواج المشروط، ولكن لحظة الوداع لها وقع اخر، عذابها لا يضاهيه شيء، ألمها موجع، هل كان عليها التنازل والاستمرار في اقتطاف اللحظات الجميلة بينهم ، ولكن إلى متى؟
تنهيدة مثقله خرجت منها لترفع عينيها إلى السماء، متجهة إلى ربها بتضرع:
– يارب ساعدني، يارب قويني، اللهم ارح قلي بما انت به أعلم.
– بهجة.
ألتفت برأسها نحو صاحبة الصوت التي دلفت اليها بخطوات مسرعة، لتلقف لقاءها كالغريق:
– صفية.
❈-❈-❈
خرج من غرفة مكتبه، بعد انتهائه سريعًا من بعض اعماله، كان متخذًا طريقه نحو الصعود إلى جناحه حينما وصله صوت طرق الحذاء الانثوي على درجات السلم فتوقف محله، يتابع هبوطها بهيئتها التي دائما تبهره، ولكنها كانت غاضبة، وهو ليس بالغبي حتى يغفل عن السبب، فيكفي النظرة التي تحدجه بها، هي خير دليل على صدق ما يظنه:
– مساء الخير يا نجوان هانم
بادلته رد التحية بما يشبه السخرية:
– مساء الفل يا قلب نجوان، يارب تكون مبسوط دلوقتي؟
ابتسامة صغيرة لاحت بثغره، وقد أكدت له الان، انها على علم بكل ما حدث، ليسألها بهدوء:
– مبسوط على ايه يا ست الكل بالظبط؟ ممكن توضحي اكتر
ولأنها تفهمه جيدا قررت مراوغته هي ايضا:
– يا قلبي دا سؤال عادي، ما انا بتمنالك طول الوقت انك تكون مبسوط، عن اذنك بقى عشان خارجة
انزاح بجسده عن طريقها لتتخطاه متجهة المغادرة، وما ان وصلت لنصف المسافة من المنزل حتى وجدته يهتف بها:
– متنسيش تسلميلي عليها طيب .
❈-❈-❈
عادت مساءًا تترجل من سيارة الأجرة، تعطي السائق عدد من الورقات المالية تلقفها بضحكة متغزلًا:
– من ايد ما نعدمها يا قمر.
قابلت اطراءه بابتسامة منتشية، وابتهاج يدغدغ اسماعها ، في كل مرة استمعت لكلمات توصف جمالها او جمال جسدها المتناسق في تلك العباءة السمراء ، لتتمايل بخطواتها بدلال مقصود من أجل لفت انتباه المارة في الشارع، وسائق الاجرة الذي ظل على وضعه، يتابع مرورها امامه بابتسامة بلهاء، توقفت فجأة حينما لمع النصل الفضي بجوار رأسه، ليجفل منتبها لهذا السلاح الابيض، وحامله ذو الملامح الاجرامية الواضحة، فتصدر منه شهقة مرتعبة يتسائل نحوه بجزع:
– انت عايز ايه يا جدع انت؟
بكلمات محددة قرب وجهه ذو الندوب الواضحة به، يخاطبه بصوت بدى كالفحيح:
– في اقل من دقيقة، تطلع انت وعربيتك برا المنطقة دي، يا كدة يا تقول على نفسك يا رحمن يا رحيم، وما حد يعرفلك طريق جرة، لا انت ولا عربيتك.
سمع منه الرجل ليدير المحرك على الفور، فيتحرك بسيارته سريعًا، كي يغادر من امام هذا الرجل وتهديد المروع
راقبه الاخر قليلًا، ثم هرول يقطع الطريق نحو البناية التي يقصدها في اقل من دقيقة، ليلحق بتلك المتمردة والتي كانت وصلت الى منزلهم، وما ان شرعت بفتح الباب بمفتاحه، حتى شعرت بكف قوية تدفعها من ظهرها لداخل المنزل.
شهقت على اثرها بفزع حتى كادت ان تصرخ مستنجدة بأحدهم، قبل ان تلتف رأسها، وتفاجأ بهذا المدعو خطيبها، يصفق الباب الخارجي عليها وعليه، فتثور هذه المرة به ناهرة
– ايه يا عنيا انت اتجننت ولا ايه؟ اخرج حالا دلوقتي يا طلال، بدل ما اصرخ والم الشارع كله عليك.
تقدم نحوها بهيئة متحفزة تثير بداخلها الأرتياع مرددًا:
– طبعا ما انتي وشك مكشوف وتعمليها، بس اعمليها يا سامية وانا مش همنعمك حتى لو لميتي المحافظة كلها علينا، برضو كله هيصب في مصلحتي، عارفة ليه يا حلوة؟
عشان انا خطيبك، يعني اخري اخدلي كلمتين على تسرعي لما اساعدك واقطع هدومك دلوقتي، وأثبت التهمة عليا، عشان يستروا الموضوع ويلمونا في يوم وليلة بقى، بلا فرح بلا كلام فارغ، المهم تبقي في بيتي عشان اكسر سمك ده بقى واخلص، في ايه يا بت؟
انتفضت بفزع تأثرا بصرخته التي دوت فجأة ليخرج صوتها باهتزاز وهي تتراجع للخلف خوفا منه:
– انت اللي في ايه؟ ما تقول لنفسك الكلام ده؟ جاي ورايا لحد البيت تقفل الباب علينا لوحدينا، طب اعمل حتى حساب لابويا صاحب ابوك ، ولا لاخواتي الرجالة، هي دي برضو أصول يا طلال؟
– يا حلاوة طلال وهي طالعة من بوقك اللي زي الشهد ده.
تفوه بها يهتز بجسده امامها ، ليزيد من بث الرعب بقلبها، وهي مازالت تتراجع حتى اصطدم ظهرها بالعمود الذي يتوسط الصالة، لتقع يدها على تلك المزهرية الموضوعة بالقرب منه على طاولة صغيرة، بشكل إبداعي ضمن اثاث المنزل، فوجدتها فرصة كي ترفعها وتدفعها نحوه، لكنه كان اذكي من ان يمكنها، ليلحق سريعًا، ويسيطر على يدها بالمزهرية التي تمسكها واليد الأخرى سيطرت على ذراعها الثاني، يهدر بها:
– عايزة تفتحي دماغي يا بت؟
انتفضت شاعرة بحجم الخطر الذي ورطت نفسها به، قربه منها بهذه الصورة، وسيطرته على حركة جسدها ، حتى ان انفاسه كانت تصل بشرتها، ليردف متشفيًا:
– ايه رأيك يا حلوة؟ البيت خالي علينا لوحدنا والوضع اللي احنا يجعل الشيطان يلعب في راسي بمفك.
فخرج صوتها هذه المرة بتوسل:
– وانت تسمع ليه للشيطان يا طلال، ما تفتكر ان ليك اخوات بنات ومترضاش ان حد يعمل معاهم كدة
– بس انتي هتبقي مراتي يا بت، يعني مش اي حد .
صرخ بها بنظرة مرعبة جعلتها تفقد كل الثبات الذي تدعيه، حتى ان كانت على وشك البكاء، افلتها على حين غرة، يتنفس بخشونة، يرمقها بنظرات مشتعلة وهي بالكاد تحملها اقدامها، فما زال الرعب يحتل كيانها منه، وقد جفف الدماء في عروقها دون ان تهتز له جفن
عيناه مظلمة بالرغبة والشر ايضًا، يريدها ويريد تأديبها، يعلم أن الطريق مع امرأة مثلها ليس بالهين، ولكن منذ متى هو استحب السهل؟
دفع المزهرية على الارض بعنف يجفلها، ثم أصدر اوامره لها:
اسمعي يا سامية، انا النهاردة هكتفي ان اكلمك بالعقل،
وهتسمعي الكلام عشان مصلحتك، إياكي تخرجي مرة تاني من غير ما تبلغيني، مشيتك المعوجة قدام الناس في الشارع عشان تلفتي النظر وتسمعي منهم الكلام الحلو لو اتكررت هكسرلك رجلك، البس المحزق تنسيه خالص يا اجي وبإيديا الاتنين دول اولعلك فيهم.
إلى هنا ولم تعد تقوى على التحمل لتصرخ به بأعين باكية:
– في ايه؟ من يوم ما خطبتني وانت اوامر اوامر زي ما يكون اشترتني، دا كله في الخطوبة ، امال لو حصل بجد واتهببت اتجوزتك هتعمل فيا ايه؟
– هدلعك واكلك الشهد.
صدرت منه، لتُبهت ناظرة اليه بعدم استيعاب، فاستطرد يؤكد لها:
– ايوة يا سامية، صدقي كلامي ومتفكريش اني بضحك عليكي، قولتهالك المرة اللي فاتت يا بنت الناس، انا رايدك، بدليل ان اقدر اخدك دلوقتي، ومش هتقدري تصديني على فكرة، لكني مُصر احافظ عليكي، عارف اني مش عاجبك بس انا جيبتها من تحت، وحتى كل الغلط اللي عملته في حياتي، بحاول اصلحه دلوقتي عشان انا عايز كدة، زي ما انا عايزك برضو…..
اعقلي يا بت الناس وانتي تلاقيني عجينة طرية بين ايديكي، وأن كان ع الكلام الحلو اغرقك فيه واعيشك احلى خطوبة كمان، بس انتي بصي للحلو اللي فيا، وحاولي تنسي شيكاغو القديم، زي ما انا بزيح من دماغي سامية اللي قدامي، ومستني سامية اللي بتمناها.
❈-❈-❈
ولأن الانتظار في المنزل هو اسوء الأشياء لحالتها الآن.
سحبتها صفية لتخرج بها الى المحل حيث كان اشقائها في انتظارها هناك في اوقات عملهم، ولكن ما لفت نظرها بحق هو وجود شادي وزوجته، ونجوان التي هرعت اليها فور رؤيتها:
– بهجة يا قلبي
تفوهت بها نجوان تتلقفها من وسط المسافة، تحتضنها وتضمها بقوة، ثم سحبتها لتجلسها بجوارها على الطاولة التي تضمهم أجمعين، لتلقي التحية وتصافحهم قائلة بمزاح:
– مساء الفل يا جماعة، انتو بتجمعو بعض امتى وازاي؟
جاء الرد اولا من صبا التي ضحكت تحضنها هي الاخرى:
– حبيبتي القلوب الطيبة بتجمع بعضيها، وانتي مفيش أطيب منك يا بهجة.
– والله دا انتي اللي عسل.
تبسم شادي بارتياح، يعجبه روح المودة التي تجمعهم، فيتدخل بينهما مشاكسًا:
– هي عسل وانتي عسل ، كدة تعملوا قافلة
ضحك الجميع استجابة لمزحته، قبل ان يتخذ كل فرد منهم مقعده حول الطاولة، فتحدث إيهاب بنوع من الندم:
– بهجة انا اصريت ابعد البنات النهاردة عن القعدة معانا عشان اخد راحتي معاكي واقولك قدامهم، ان والله ما ما واخد الموضوع عند معاه، اكيد انتي فاهماني ، لكني في نفس الوقت، مستعد اوافق على اي قرار منك مهما كانت صعوبته عليا، لو هتبقى شايفة فيه سعادتك، عشان متجيش في يوم، تقولي اخويا هو السبب
طالعته بهجة بتأثر واضح تخفف عنه:
– انت السبب في ايه بالظبط يا عبيط انت، دا قراري قبل ما يكون قرارك على فكرة.
تدخلت صفية بحدتها:
– اه والله عبيط، دا انت استني عليا بس، ان ما كنت اطلع عينه، مبقاش انا
– اتلمي يا بنت، ايه اللي انتي بتقوليه ده؟
صدرت بحمائية من نجوان، لتستدرك الاخرى هفوتها قائلة بحرج :
– يا نهار ابيض، انا اسفة يا نجوان هانم، معلش بقى اخدتني الجلالة ودخلت في مود المحاماة من غير ما انتبه لوجودك.
ردت تحذرها برقة لا ترقى للحديث الجاد اصلا:
– حتى لو ما كنتش موجودة، برضو تاخدي بالك، ثم مين قالك اساسا انه هيحتاج لمحاكم ، شكلك انت كمان عبيطة .
قابلت توبيخها بالنبرة الناعمة، بشيء من التسلية جعلها تضحك بمرح حقيقي تواصل ابداء اعتذارها، حتى توقفت حينما تفاجأت بقوله من خلفها:
– تدوم الضحكة.
ألتفت اليه بحدة، تجده يلقي السلام على باقي اعضاء الطاولة، قبل ان يتخذ جلسته بجوار نجوان التي اصرت على تقديمه:
– مش عايزاكم تستغربوا يا جماعة، الدكتور هشام عارف بكل حاجة، وبصراحة ثقة.
جاء الرد من شادي:
– اي حد من طرفك ثقة يا نجوان هانم ، مدام انتي قولتي عليه تمام يبقى تمام
– مرسي ربنا يحفظك.
تفوهت بها نجوان، ليضيف على قولها الاخر، وعيناه تطالع الأخرى بصورة مكشوفة:
– تشكر على زوقك يا استاذ شادي، انا عرفتك من كلام مدام نجوان عنك، زي ما عرفت إيهاب من سنه الصغير والانسة الأستاذة صفية دي مش محتاجة تعريف اصلا، ولا ايه يا أستاذة؟
تطلعت اليه بغيظ تكتمه بصعوبة، وقد انتابها الحرج الشديد، للنظرات المصوبة منهم بتسلية نحوها، ليزيد عليها بمشاكسته الثقيلة.
– كان نفسي تعزميني ولو بكباية شاي حتى اطلع اشربها مع الأسرة، شكلك بخيلة يا أستاذة يا آنسة صفية.
الفصل السابع والثلاثون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل السابع والثلاثون 37 بقلم امل نصر
تقبض على عجلة القيادة بشدة من فرط غيظها، وفمها لا يتوقف عن صب اللعنات نحو هذا السمج الذي جعلها أضحوكة الليلة كما يصور لها عقلها:
– غتت وغلس ودمه يلطش، لأ وعاملي فيها
دكتور بجد وبيوجه النصايح، بس كله من مدام نجوان، هي السبب، خلته ياخد الثقة عشان يفتي براحته.
على الكرسي المجاور لها، كانت بهجة تكتم بكفها على فمها الذي لا يتوقف عن الضحك منذ ان استقلت معها السيارة، تسمع لها ولا تستطيع المجادلة، تقديرًا لحالتها، فما فعله هذا الشيطان معها اليوم ، في مشاكسة خجلها والغزل المبطن بصورة مقصودة أظهرت اهتمامه الصريح بها امام الجميع ممن كانوا حاضرين سهرة اليوم، حتى شقيقتها الصغرى انتبهت للأمر.
– كفاية ضحك يا بهجة انا على اخري .
صاحت بها لتجبرها على التحدث وإبداء الأسف:
– يا ستي سامحيني، بس انا والله ما قادرة أوقف، كل ما افتكره وهو بيناديلك الأستاذة الآنسة صفية مبقدرش امسك نفسي، ولا كمان لما يناغشك ويستفسر بغلاسة على اي جملة تقوليها، فظيييع…….
– هو فعلا فظييع، بس بغلاسة بغتتاتة بأي حاجة وحشة.
كانت تتحدث ضاغطة على اسنانها بصورة تزيد من استمتاع بهجة التي كانت تجاهد للأ تزيد عليها:
– معلش يا حبيبتي، هو يمكن هزاره تقيل عليكي، عشان شايفك بس مؤدبة زيادة عن اللزوم وبتصديه على اي كلمة يقولها .
– وعشان مؤدبة بيستغل يقلل من احترامي ويضحك اي حد عليا، دا حتى شادي ابن عمتك، الراجل الوقور المحترم مكنش قادر يمسك نفسه هو ومراته، ولا اخواتك هما كمان، مكنش ناقص غير اللي على باقي الطرابيزات في الكافيه تتفرج علينا
هذه المرة تحدثت بلهجة أوشكت على البكاء، تجبر بهجة على التوقف، بل والتخفيف عنها:.
– بس هو مقللش منك ولا ضيع احترامك في اي وضع، انتي اللي واخدة الأمر على اعصابك، عشان عارفة قصده كويس اوي واحنا كمان عارفين وشادي ابن عمتي راجل حبيب وحاجة زي دي متخفاش عليه، ميبقاش عقلك مقفل واستوعبي .
ارتخت معالمها وخفت حدتها بعض الشيء مرددة باستفهام:
– استوعب لإيه بالظبط؟ هو قصدك إعجاب ولا الكلام الفارغ ده انا مليش دعوة ولا اعترف بيه أساسًا، انا محامية يا بهجة، والبلاوي اللي بشوفها في مهنتي تخليني اكره الصنف كله.
– يا سلام، انتي مصدقة نفسك يا صفية، الرجالة زي الستات، في كل حتة في الوحش والحلو ، في الطيب وفي الشرير .
– عارفة.
تمتمت بها ثم توقفت برهة قبل أن تستطرد بقلق:
– بس برضو انا معرفهمش عشان عمري ما اختلطت بحد غريب عني منهم، كل معرفتي بيهم تتمثل في اتنين، واحد فيهم ابويا وانتي عارفاه دا يخليكي تقتلي الصنف كله مش تكرهيه، اما بقى التاني فهو خالد خال زهرة اختي وخالي انا بالتبيعية لها، ودا بيعاملني زي بنته، لكن ناس من سني مجربتش، حتى لما كنت في الجامعة، عمري ما سمحت لحد من الشباب يزود عن السؤال معايا، ولما اشتغلت محامية بقى كل علاقاتي يا خناق في المحكمة مع حد منهم، يا يبقى برا المحكمة في منافسة العمل وإثبات الذات،
تركتها بهجة حتى انتهت لتعقب بمرح:
– يا عيني يا حبيبتي، شوفي انتي بتكرهيهم ازاي؟ قوم حظك يوقعك مع واحد منهم زي الدكتور هشام، استاذ في الفرض والمكر، زي التعلب بالظبط.
– دا على نفسه؟
قالتها صفية لتتبدل ملامحها للشراسة مرددة:
– تعلب بقى ولا ديب ميهمنيش انا، لا هو ولا غيره، حد يقدر يهز شعرة فيا، وانا هوقفه عند حده، وابقي تشوفي.
رددت من خلفها بجدية وحماس:
– ماشي هبقى اشوف
❈-❈-❈
– إنت قاعد في الضلمة ليه يا رياض ؟
صدر السؤال من والدته بعد عودتها إلى المنزل وتفاجأها بجلوسه في بهو المنزل دون إضاءة ولو خفيفة حتى من مصابيح المنزل المتعددة، لتضغط وتنير عدد منهم ، قبل ان تتجه وتأخذ جلستها على الكرسي المقابل، متابعة بقلق عقب عدم رده :
– بكلمك يا رياض، هو انت مسمعتش
زفر يجيبها:
– سمعت يا ماما، بس انا دماغي مشغولة، ومكنتش حاسس بجو الضلمة اساسا.
تمتمت بما يشبه السخرية:
– لدرجادي؟ ع العموم اللي ياخد عقلك يتهنا به، المهم تكون بخير بس .
– بخير يا ماما، أن شاء الله هكون بخير
قالها بتحدي جعلها تنهض عن مقعدها قائلة:
– اتمنى والله ، مفيش ام تكره الراحة لابنها، عن اذنك بقى اروح انام .
وما شرعت بأن تحركت حتى سمعته يوقفها:
– على فكرة انا عندي ليكي خبر جديد
– سألته بدهشة:
– هو ايه؟
❈-❈-❈
في اليوم التالي.
خرجت مع شقيقاتها صباحًا على ميعاد فتح محلهم ، في ظل انشغال شقيقها باستعدادته لدخول الجامعة، فقد قررت صرف عقلها عن التفكير او على الاقل المحاولة بالانشغال الدائم، وقد ساهم لقاء امس مع الأحبة ان يعطيها دفعه للاستمرار حتى يحدث الله امرَا،
كانت في هذا الوقت تمسح على الطالاوت وعائشة وجنات قد تولتا أمر المطبخ، في التحضير لعمل اليوم مع الرواد
وكانت المفاجأه حينما وجدته فجأة أمامها ، حتى كادت ان تفرك بعينبها حتى تتأكد من هويته، ولكنه أكد بقوله اليها:
– صباح الخير يا بهجة، عندك وقت تقعدي معايا وتسمعيني؟
كتمت زفرة الإحباط داخلها، فالبداية غير مبشرة على الإطلاق، لتربط على قلبها في محاولة للتماسك والاستعداد للقادم منه:
– اكيد طبعا، اتفضل وقول اللي انت عايزه.
وأشارت بيدها على أقرب طاولة بينهما، وجلست تسبقه في الجلوس، تبتلع ريقها بتوتر شديد تحاول السيطرة عليه، فتبعها بهدوء يتخذ مقعده مقابلا لها، لتلتقي بندقتيه بخضرواتيها وحديث سريع دار بينهما ، يحمل عتابًا، يحمل اشتياقًا ولوعة، يحمل قلقًا ترتجف له أطرافها:
– اتفضل انا سمعاك، ومستعدة لأي قرار منك.
لم يجيبها إلا بعد فترة من التأمل قائلا:
– تصدقي انك وحشتيني رغم اني شايفك امبارح ، ورغم الخناق، مش عارف هعمل ايه في الايام اللي جاية بعد…..
– إنت خلاص قررت وهننفصل خلاص؟
فضحتها اللهفة امامه، حتى اثارت على ثغره ابتسامة رائقة يشاكسها:
– انتي عايزة ايه؟
اخجلها بلفتته، فحاولت الإنكار بردها:
– يعني هعوز ايه؟ ما انت سمعتني امبارح، القرار في ايدك .
خبئت ابتسامته فور ذكرها عن حديث الأمس، ليتمالك متحدثًا بجدية:
– تمام يا بهجة عرفت، وانا جي النهاردة عشان ابلغك…
انتبهت جميع الحواس وتحفزت كل خلية بجسدها في الترقب مرددة بضيق بعد قطعه للعبارة:
– تبلغني بإيه؟
– ابلغك اني مسافر يا بهجة.
تقافزت الأسئلة برأسها تتمتم بها باستفهام لا يتوقف:
– مسافر فين بالظبط؟ وليه؟ وكدة معناها انك مفارق خالص يعني؟ طب هتسيب طنط نجوان ولا هتاخدها معاك؟
زم شفتيه في انتظار انتهائها، حتى إذا توقفت جاء رده:
– اديني فرصة اكمل يا بهجة.
ابتعلت رمقها بقلق متعاظم توميء له بالمواصلة، وخفقان قلبها المتسارع تخشى ان يصل لأسماعه:
– انا مسافر اخلص شوية شغل يا بهجة، كان المفروض اللي يقوم بالمهمة دي كارم، بس انا نحيته عشان أخدها فرصة اغير جو وافكر كويس، يعني ممكن المدة تطول عن الكام يوم لأسبوع، او الشهر لو احتاجت….
– او لسنة كمان براحتك خالص على فكرة
أضافت بها بانفعال آثار تسليته ليعقب:
– وافرضي وصلت لكدة فعلا، ايه اللي يعصبك؟
– ازاي يعني ايه اللي يعصبني؟ انت واخد بالك بتتكلم في ايه؟ وأحنا كنا متفقين على ايه امبارح؟ لو ناوي تخلع يا بن الناس قول وخلص، عشان كل واحد يروح في طريقه ويشوف سكته، مش اقعد انا في انتظارك وانت تلوف على واحدة تنسيك البلد واللي فيها هنا.
كاد ان ينفعل هو الاخر ردًا على ثورتها، ولكن بانتباهه لقولها الأخير تحول غضبه لابتسامة متسعة كي يغيظها:
– يعني انتي اللي قالقك هو اني ممكن ابص لوحدة تانية وانساكي؟
امتقعت ملامحها بالحمرة القانية لتعود للإنكار والمكابرة:
– لأ طبعا انا بتكلم عن نفسي، ما هو مش معقول يعني أفضل كدة مركونة ع الرف، مش يمكن انا كمان اشوف نفسي ولا الاقي اللي يعجب بيا…….
– اخرصي يا بهجة
هتف بها مقاطعًا بحدة اللجمتها على المواصلة، يحدجها بنظرة قادرة على احراقها، ثم اردف بحزم:
– خلي بالك من كلامك عشان انا لحد الان مصبر نفسي ومطول بالي، مش عايز ازعلك ولا أزيد عليكي، انتبهي بقى.
اسبلت اهدابها عنه، غير قادرة على مواجهة الجمر المشتعل بثاقبتيه، واضطرت التزام الصمت ، تتركه يردف:
– الأمر مش هيطول للسنة والكلام الفارغ ده، انا قولتك هخلص شغلي واخدلي كام يوم راحة، واهي نعتبرها فرصة لينا احنا الاتنين……..، فاهماني يا بهجة؟
اومأت بتحريك رأسها لتجيبه باستدراك متأخر:
– اكيد فاهماك، سافر يا رياض، ووقت ما تلاقي نفسك قدرت وقادر على الاستغناء ياريت متأخرش عني، عشان انا متأكدة اني مهما طال البعد او وجعني، برضو مش هغير رأيي .
زفر بحنق لا يعجبه تحليلها ، وفي نفس الوقت لا يملك الحجة لإقناعها بغير ذلك، لينهض فجأة يجفلها بطلبه:
– طب مش هتودعيني بأي حاجة وانا ماشي دلوقتي؟ .
استقامت عن مقعدها هي الاخرى قائلة بعدم فهم:
– اودعك بإيه يعني انا مش فاهمة؟
– تعالي انتي لسة هتفكري.
قالها ليباغتها على حين غرة بسحبها اليه، كي يضمها إلى صدره، يسحب رائحتها داخل رئتيه، وكأنه يدخل اليهما الهواء ليحيا، شدد عليها بذراعيه مغمض العينين، لا يريد من العالم شيء آخر، وهي لا تقل عنه، حتى تلك القشرة الواهية التي تتحلى بها في مقاومته لم تعد تشعر بها الآن، وقد ذابت في غمرته، كطفلة ينقصها الحنان، ولكن لا تقبله إلا من والدها.
– هتوحشيني يا بهجة، انا واثق ان مهما طالت المدة او قصرت هفضل دايما مشتاقلك، ربنا يقدرني بقى.
– وأنا كمان ربنا يقدرني
قالتها بصدق، ولم يشغلها توضيح المعنى، لتستدرك بعد ذلك لوجود شيقيقتيها داخل المطبخ، فربتت على ساعده تنبهه:
– البنات جوا يا رياض .
افلتها مضطرا ليعود لتأملها قليلًا قبل أن يجبر قدميه للتحرك والذهاب من أمامها، فتسقط عائدة لمقعدها بتعب لا ينتهي، تنظر إلى السماء بتضرع، ترجو النهاية لهذا العذاب
❈-❈-❈
وفي قسم الشرطة
حيث اللقاء المباشر لسميرة بابنها ولأول مرة منذ القبض عليه، وعلاج الجروح المنتشرة بوجهه وبعض أعضاء جسده، لتهتف بصب اللعنات على من فعل به ذلك، متغاضية كعادتها عن السبب الاساسي لما وصل به إلى هذا المصير وكأنه بالفعل مظلوم :
– جاته كسر ايده، شالله ما يوعي يعمل بيها حاجة تاني، البلد دي فيها حكومة، انا بكرة افضحهم في الدنيا كلها واجيبلك حقك يا حبببي، انت لازم تساعدني يا متر
توجهت بالاخيرة نحو المحامي الموكل بالدفاع عنه، ليعقب محذرًا:
– تحت امرك يا هانم، بس احنا كدة هنفتح علينا طاقة جهنم خصوصا وإن ابراهيم ممسوك متلبس، وفي كذا قضية حضرتك
شهقت بغضب وجاء رد ابراهيم بقرف:
– مين ده يا ما، مجبتيش ليه اللي اتولى القضية المرة اللي فاتت؟ هو كان حرامي بس بيجيب الناهية مش صاحبنا ده، شكله الجواب باين من عنوانه
بادله الرجل توجيه النظرات بازدراء ، فجاء الرد من والدته:
– إنت قولتلها بنفسك حرامي، دا اللي طلبه مني المرة دي، ضعف اللي لهفه المرة اللي فاتت عشر مرات، يعني فوق طاقتي يا بني.
جأر بها غاضبًا:
– فوق طاقتك ده ايه يعني، والمحروس جوزك راح فين؟ الفلوس اللي بيكوم فيها دي هيبسبها لمين غيري لما اقعد العمر كله محبوس؟
– هيسبها لعياله من مراته التانية .
– ننننعم، انت بتقولي ايه؟
ردت بنبرة باكية :
– بقولك اللي حاصل يا نور عيني ، بعد اللي حصل ابوك قالهالي في وشي مش من حد غريب، بقالو سنتين متجوز في اسكندرية واحدة من هناك، الملعونة خلفتلو توأم مش واحد، قال عشان يعوضوه عنك، بعمايلك اللي كانت دايما مسودة وشه.
دخلت في نوبة من البكاء تواصل :
– انا كنت ناوية أفرج عليه خلق واشحططه في المحاكم، بس هو هددني، أن ما كنت ارضى لا يطلقني ويديني كل حقوقي بس مش هيصرف مليم عليك، وانا
اضطرت اوافق عشان خاطرك يا بني.
وأكملت ببكاءها، ليتمتم بالسباب والشتائم غير مباليًا بوضع الرجل اليه، ويردد متوعدًا :
– ماشي اوي، خليه يفرح بالسنيورة، أنا ان ماكنت اطلع منها واخنق له الجوز ، انت يا راجل انت، تعمل المستحيل وتطلعني من هنا ، يا اطلع انا روحك
ردد الرجل يراضيه بالكذب خوفا منه:
– طبعا طبعا يا عم هيما، ان شاء الله هعمل كل جهدي واخرجك من المصايب دي.
❈-❈-❈
في الناحية أخرى
اعتدلت بجذعها عن الفراش تستقبل ضاحكة ، ذاك الذي دلف اليها في غرفة النوم بصنية الطعام التي أعدها بيديه، مرددًا بطرافة:
– الفطار يا ستو هانم،
انتظرت حتى اقترب يضع الصنيه على قدميها بحرص متابعًا بتفاخر:
– شوفي كدة، صنعة ايديا يا خرابي عليا.
زادت ضحكاتها وهي تتطلع إلى ما تحتويه الأطباق امامها، مرددة:
– بصراحة هو فعلا يا خرابي عليا، البيض محروق يا عصام، ولا الجبنة… انت دلقت العبوة كلها، ليه يا حبيبي؟ ولا…..
– ولا.. ايه؟ ارفع انا الصنية خالص مدام هتتحفيني بانتقداتك لمجهودي العظيم.
وهم ان يرفعها بالفعل ألا انها لحقت تمعنه لتتحول لهجتها للتملق:
– لا يا عم انت صدقت ولا ايه؟ دا انا بس بهزر ، هات هات حد طايل اصلا؟ دا الواد اللي في بطني هيدعيلك.
– اااه، حبيب ابوه ده، عشان خاطره بس.
قالها بتأثر ليدنو يقبل فوق بطنها، ثم سحب الكرسي ليتناول معها أفطاره، مردفًا:
– وانا اللي مصبرني على البهدلة دي غيره، خليه يطلع بقى ابن الجزمة ده، روحي انا اللي هتطلع على ما يوصل .
ردت بإشفاق:
– بعد الشر عليك يا حبيبي هانت، بس انت كمان محمل نفسك زيادة عن طاقتها، ما لو كنت وافقت اروح لأمي….
– بس يا امنية، تروحي لمين؟ هي امك دي حد يروح لها دلوقتي ولا يشوف وشها اساسًا بعد اللي حصل معاها، دي حتة تعويره في راسها، مقومة الدنيا عليها وعاملة فيها صاحبة اصابة خطيرة، عليا النعمة انا بتصعب عليا رؤى.
كان يتحدث بإسهاب فلم ينتبه لتغيرها سوى اخيرا، ليسارع بالتلطيف:
– ايه يا باشا، احنا هنزعل ولا ايه؟ اعتبريني متكلمتش أساسًا.
تبسمت مستجيبة لمزاحه:
– دا على اساس اني عيلة صغيرة يعني، ماشي يا عصام باشا، ع العموم انت مقولتش حاجة غلط، دي امي وانا عارفاها، عندها حتة الجهل زيادة شوية، بس انا اتعودت عليها، اصل مش هتبرى منها يعني.
– لا يا ستي متتبريش، انتي بس شدي حيلك عشان تقفي على رجلك من تاني ، ونخلص بقى من تحكمات الدكتورة دي بقى، انا جيبت أخرى يا ست
قالها بدراميه جعلها تعود للضحك مرة أخرى بصوت أعلى، مرددة لترضيته:
– حاضر…. والله حاضر…..
❈-❈-❈
وفي مطار القاهرة الدولي
توقفت محلها وسط مجموعة كبيرة من ألافراد من كافة الجنسيات تراقب توجهه نحو المغادرة إلى طائرته، يجر حقيبة السفر، ورأسه تلتف كل دقيقه نحوها، وهي متربعة الذراعين، مكتفيه بحديث العيون، لقد عرض عليها بالأمس الذهاب معه إلى تركيا، وقضاء الوقت بين أعضاء الفرع الثاني من العائلة، ولكنها رفضت، لسبب واحد، وهو ان تعطيه الفرصة الكاملة ليحدد قراره، رغم يقينها الكامل به، إلا أنها تفضل ان يأتي عن قناعة كاملة منه وحده.
وهي الآن عليها التحرك داخل الوطن، لتفعل ما برأسها، وضعت نظارتها السوداء فوق عينيها، لتغادر صالة المطار، لتذهب نحو وجهتها.
❈-❈-❈
خرجت من البناية التي بها مقر عملها، مكتب المحاماة خاصتها، بعد انتهاء نوبة عملها الصباحية، حتى تعود إلى المنزل، ثم تأتي على ميعاد نوبتها المسائية، مندمجة في الحديث مع إحدى السيدات التي ترافعت عن ابنتها قريبًا وحصلت لها على البراءة:
– ولا يكون عندك فكر يا ام ريهام، انا مش ههدى ولا يرتاح لي بال غير لما اطلعها من القضية وإن شاء الله المرة دي ماتوصلش للنيابة ولا تتحول للمحكمة ، انا شايفة الموضوع ميستاهلش بإذن الله.
– بجد يا ست المحامية، يعني مش هتشحطط وراها زي ما حصل المرة اللي فاتت .
– بإذن الله مش هيحصل اطمني، بس ياريت توصيها بقى تخف عصبيتها دي شوية، مش اي حد يكلمها تفتح نفوخه، خليها تتعلم تتجاهل حبتين، دا احنا بنقابل بلاوي ياما في حياتنا.
سمعت منها المرأة لتردد بعفويتها تدعي:
– من عيوني هقولها وهوصيها كمان، مع انها خدت الأمان من ساعة ما بقت تخرج من الحبس على ايدك، اللهي يارب يفتحها عليكي ويرزقك بالقضايا لحد ما تبقي محامية قد الدنيا .
– ربنا يخليكي يا ستي، تعالي اوصلك معايا في عربيتي
تلقت المرأة دعوتها بمزيد من الامتنان:
– لا انا مشواري قريب يا أميرة يا بنت الامرا، روحي انتي، وربنا يكرمك وتلاقي العدل، مسافة ما تلفي راسك تلاقيه في وشك، سلام يا ست المحامية، الف سلامة
وتحركت تغادر امامها، فتتبسم في اثرها صفية متمتمة بسخرية:
– مسافة ما الف الاقيه في وشي كمان، والله انتي عسل يا ام ريري.
تنهدت ضاحكة لتلتف نحو سيارتها، فتجحظ عينيها حينما وجدته امامها، بابتسامته المتسعة متكئًا على سيارتها، يخاطبها ببرود لا يتخلى عنه أبدًا في حضورها:
– أستاذة آنسة صفية، عاملة ايه؟
ضاقت عينيها بغيظ اختلط بريبة لا تفهمها، لتلتف برأسها للخلف نحو المرأة التي تاهت وسط المارة ثم تعود اليه سائلة:
– هو انت ليك علاقة بام ريري؟
سألها بعدم فهم:
– مين ام ريري؟
ضغطت عينيها وقامت بفتحهم سريعًا بإحباط، وقد استوعبت ان الأمر لا يتخطى الصدفة، مما زاد عليها، لتغمغم بغيظ شديد:
– الله يسامحك يا ام ريري، انا شكلي هيحبسلها بنتها المرة دي، عشان استريح منها ومن دعواتها.
– انتي بتكلمي نفسك، يا آنسة يا أستاذة صفية؟
نزعها من شرودها بكلماته، لتنفعل به:
– متقولش يا زفته، انت جاي ليه اساسا ها؟ لتكون قاصد توصلني كمان المرة دي؟
أجابها بهدوءه المعتاد:
– بعد الشر عليكي، لا الحقيقة انا مش جاي اوصلك للأسف يعني، انا جايلك بصفة رسمية، اصل امي عايزة تقابلك.
– نعم!
– بخصوص قضية، اصل خالي واكل ورثها، وهي عايزة اشوفك تدليها بإيه؟
– يا سلام، وانت عايزني بقى اقولك في الشارع.
– لا طبعا انا جاي اخد رأيك الاول، تجيلك ع المكتب ولا على بيتكم احسن.
صارت بعصبية مرة اخرى، لا تستوعب حديثه.
– بيت ايه اللي تجيني فيه؟ دكتور هشام هي والدتك عايزة ايه بالظبط؟
تنهد يتصنع الجدية في رده لها:
– اشرحلك اكيد يا أستاذة بالتفصيل عشان تشوفي أبعاد الموضوع ، بس كدة يستلزم قعدة بقى، تحبي نرجع فوق على مكتبك، ولا نخرج برا على اي كافيه او كازينو قريب من هنا، يا آنسة يا أستاذة صفية؟
❈-❈-❈
دلفت إلى محل الكافيه خاصتهم ، وبعد الترحيب بعائشة والمزاح معها، تجولت تبحث عنها، حتى وجدتها بزاوية مختصرة، بعيدة عن الجميع، ممسكة بهاتفها مندمجة عليه بتركيز على شيء ما،
– ممكن افهم، سايبة اخواتك وقاعدة لوحدك ليه بقى؟
اجفلت بهجة في البداية لحضورها، لكن سرعان ما استوعبت تجيبها:
– معلش بقى، اصل لقيت نفسي مضايقة قولت اشوف مستقبلي، واديني دخلت اهو على موقع الكلية، يعني مش هبكي ع الاطلال.
– ومين طلب كدة؟ وهو في اطلال اصلا؟ قومي يا بنت تعالي معايا.
خطفت منها الهاتف تجبرها على النهوض والتساؤول:
– اروح معاكي فين؟ وانتي خدتي التليفون لي اصلا؟
باغتتها بجذبها من يدها لتسحبها وتجبرها على السير معها:
– هقولك واحنا ماشين، تعالي ياللا .
حاولت بهجة التوقف بمزيد من الدهشة والاستفسار:
– طب قوليلي طيب، ساحباني ورايحة بيا على فين؟
واصلت نجوان الخروج بها مرددة:
– هفهمك كل حاجة مستعجليش.
❈-❈-❈
في ذاك القصر الضخم الذي يطل على بحر البوسفور، حيث الجمال والمشاهد الساحرة لذلك الجزء الخاص من المدينة، فلا يسكنه سوى القلة المحظوظة من البشر.
كانت الجلسة التي تجمع بين اثنين افترقا منذ سنوات عديدة، وانفضت صداقة تجمعهما بحكم القرابة وتقارب الأعمار بينهما، ليأتي اليه الأن، وتسحبه أقدامه اليه، يتحدث اليوم ويسهب مخرجًا ما في قلبه،
– إنت تقريبًا من سني، وتفكيرك نفس تفكيري، لو كنت مكاني، كنت تقدر تقوم بالخطوة دي؟
فترة من الصمت مرت في تبادل النظرات بين الاثنان، ما بين حيرة وغموض غير مفهوم حتى خرج صوت الأخر:
– طب انت عارف انك عملت اللي كان نفسي اعمله انا في يوم من الايام .
سأله قاطبًا:
– هو ايه اللي كان نفسك تعمله في يوم من الايام؟
تنهد بشجن ليشيح بأبصاره نحو زرقة المياه الصافية امامه من شرفة المنزل العريق، بحنين عاد يذكره بنقطة ما في العقل لا يقوى على نسيانها ابدًا:
– اني اتجوز اللي بحبها يا رياض، انا أعجبت بستات كتير وعاشرت ستات اكتر، واتجوزت ست جميلة وفيها تقريبا كل الصفات اللي يتمناها اي راجل ، بس محبتش في حياتي غير واحدة بس، واحدة عرضت عليها فكرة الجواز في السر زيك كدة، بس انت حظك كان احسن من حظي لما وافقت وطولتها، انما انا بمجرد عرض الفكرة نفسها خسرتها، وفضلت عليا واحد اقل مني في كل حاجة، لأنها شافت التقدير منه، اللي ملاقتهوش مني انا .
سأله بفضول وقد استرعى اهتمامه الضعف الذي يلمسه ولاول مرة من شخص مثله:
– مين دي اللي قدرت تهز قلبك؟ لا وكمان لقت اللي تفضله عليك انت؟
اجابه بشرود وقد تمثلت صورتها الجميلة امامه:
– عيون بلون العسل، بشرة خمرية من اجمل ما رأت عيني، وشخصية معتزة بنفسها وكرامتها، شموخ الجبال ورقة الصبا.
عبر رياض عن دهشته:
– يااه، انت كمان بتقول فيها شعر، والله ما كنت أتوقع أن الكلام ده يطلع منك انت يا عدي، ولا يمكن عشان مطولتهاش زي ما قولت .
صمت الاخر برهة بتفكير متروي قبل ان يرد على سؤاله بسؤال:
– طب ما اخد انا رأيك انت بما انك خضت التجربة فعليا، بعد ما طولت اللي أعجبت بيها او حبيتها، مش راضي تسيبها ليه دلوقتي.
اجابه بصدق
– عشان مش قادر، ان كان الحرمان صعب، فنار القرب والتهديد بالبعد أصعب بكتير، امال انا سيبت البلد وجايلك ليه؟ عشان مش قادر، مش قادر يا عدي وعايز النصيحة يمكن الاقي عندك الحل
– كنت نفعت نفسي
قالها الاخير بمزيد من الأسى الذي ارتسم على ملامحه الوسيمة، وجدية تختلف تماما عن العبث الذي يتحلي به معظم الأوقات، بصورة ضاعفت من ذهول الأخر، وتعجبه أيضًا، ليستائل:
– طب ومراتك؟ وولادك ؟ ايه وضعهم بالظبط؟
تبسم يجيبه:
– مراتي بحبها، وولادي بموت فيهم، بس برضو هتفضل البنت اللي بقولك عليها، ليها مكان في القلب عمره ما يتغير ولا ينمحي بأي وقت.
داخل غرفة سامر والتي كان يدخلها ولأول مرة منذ الحادث، عائدًا من المشفى الذى قضى بها عدة أيام للعلاج ، مستندًا على ذراع شقيقه، يرافقه والدته وشقيقته، وتلك التي أقلته بسيارتها:
– اتفضلي يا لورا، هو انتي غريبة؟ دا انتي بقيتي خلاص من أصحاب البيت
قالتها درية بتملق تحثها للتقدم حينما وجدتها تقف على مدخل الغرفة ولم تواصل الى داخلها،
فجاء ردها هي بحرج :
– مرسي يا طنت، انا اصلا ورايا مشوار.
هتف هو مناديًا بإسمها بعد أن سطحه شقيقه على الفراش:
– تعالي يا لورا، اقعدي حتى دقيقتين قبل ما تمشي، على الاقل تاخدي واجبك، ولا انتي شيفانا بخلا؟
– تبسمت مستجيبة لندائه قائلة:
– لا يا سيدي مش بخلا ، بس انت قولت اني مش غريبة، يعني مفيش داعي.
تكفل بالرد هذه المرة سمير بشيء من المزاح:
–
– لا طبعا في داعي، دا كفاية انك تعبتي نفسك ودخلتي بعربيتك الغالية الحارة المقندلة دي، وع العموم اطمني مش هنعمل غير كوباية شاي ومن غير سكر لو عايزة عشان الرجيم.
ضحكت لمزحته، ثم قبلت في النهاية، لتأخذ جلستها السريعة على الكرسي المقابل له، ويدور بينهما حديث سريع عقب خروج درية وسحبها للبقية معها، في أفعال مكشوفة تثير دائمًا غضب ابنها، فيحاول التوضيح مبررًا:
– مااا معلش لو مستغربة عمايل والدتي، أصلها ست جاهلة وتفكيرها محدود،، ف أكيد انتي فاهمة يعني.
مطت شفتيها بابتسامة ماكرة تدعي عدم الفهم:
– لا الحقيقية انا مش فاهمة، فهمني انت .
تضاعف الحرج بداخله حتى كاد ان يكرر المحاولة، ولكن سريعًا ما استدرك لتلاعبها بتلك النظرات الماكرة، فيعبر عن ضيقه:
– لورا الله يخليكي بلاش استعباط، عشان انتي فاهمة كل حاجة، متبقيش لورا اصلا لو مجيبتهاش وهي طايرة.
أعجبها اطراءه لتزداد ابتسامتها انتشاءًا، وتقول:
– ماشي يا سيدي، مدام نكشتني كدة انا كمان مش هعمل فيها غبية، لأن تفكير مامتك دا شيء طبيعي بالنسبة للمجتمع اللي نشأت فيه، المهم انا وانت عارفين اللي ما بينا ايه؟
استرعى انتباهه كلماتها الواضحة، كما انها اثارت فضوله ليردد خلفها باستفساره:
– ايه هو بقى اللي ما بينا يا لورا؟
– ارتياح
خرجت منها سريعًا لتردف شارحة:
– معاك بتكلم وبعبر بسهولة عن اللي جويا، بشرح وبتكلم من غير حساب لأي شيء ، يمكن عشان انت الوحيد اللي شوفتني على حقيقتي بعيوبي، وبأخطائي، دا غير انك بتسمعني ودي لوحدها ميزة
أكان يأمل بإجابة غير تلك، سيكون من الجنون ان تشطح به الظنون لغير ذلك مع امرأة مثلها، وفي تلك الفترة القصيرة من معرفته بها، ولكنه لا ينكر ان مجرد القرب منها يسعده.
– ايه بقى سرحت في ايه؟
سألت تنتشله من شروده، فجاء رده بابتسامة صافية:
– اكيد مش في حاجة وحشة يا لورا، ما هو انا كمان بحب اتكلم معاكي واسمعلك، انتي ست جميلة يا لورا، ولازم تكتشفي نفسك .
❈-❈-❈
تخطو بقدميها الى ذلك البهو الضخم في القصر التاريخي، تجول عيناها داخله وفي اجواءه برهبة وخوف، مشاعر مختلطة لا تعلم لها تفسير، تكتنفها رغبة شديدة للخروج والذهاب، ولكن اليد التي تسحبها تجعلها غير قادرة على التراجع، حتى وهي مازلت تحاول:
– نجوان هانم، خليني ارجع ربنا يخليكي.
ألتفت اليها المذكورة هذه المرة بضيق وتصميم:
– تاني هنعيده يا بهجة، هو انا هقولها كام يا روحي، امشي معايا عن سكات وبلاش زن بقى زي العيال الصغيرين .
– ما هو اصل يعني؟
– لا اصل ولا فصل، اتحركي ياللا مفيش وقت
هتفت بالاَخيرة لتعود للسير بها غير اَبهة باعتراضها، محددة وجهتها نحو إحدى الغرف الضخمة لتجفل بعدد من السيدات حول طاولة كبيرة بأوراقهم ونقاش دائر بينهما، وكأنها داخل دائرة حكومية:
– مساء الخير اتأخرت عليكم .
القت نجوان بالتحية لترتفع جميع الرؤوس نحوها، وكان اولهم ، تلك المرأة العجوز التي تترأس الجلسة، ترتدي العوينات الطبية في الإطلاع على مجموعة من الأوراق امامها، وقد تركتهم، لترتكز ابصارها عليها وهي تدلف بهيئتها الساحرة تخطف قلوب الحاضرات من سيدات مجتمع يرحبن بها وكأنها النجمة، تهدي لهن الابتسامات، تلقي إليهم ردودها برقة بالغة، وبيدها تسحب…..
ماهذا؟!…..
احتدت ابصارها تنظر بشرار عينيها نحو بهجة التي كانت بالكاد تدعي الثبات وهذه تقترب بها من بهيرة لتحيها اولا بقبلات زائفة:
– هاي يا بهيرة عاملة ايه يا قلبي؟
واقتربت تهمس بجوار اذنيها:
– شوفتي بقى انا بقيت مطيعة ازاي؟ بدل ما نتشحطط انا وانتي وولادنا في المحاكم على ميراثنا في القصر، وافقت بكرم اخلاقي اني اشاركك العمل الخيري واهو اخد الثواب معاكي.
الصدمة اللجمت بهيرة، حتى برقت عينيها في النظر اليها، دون ان ينبت فمها ببنت شفاه، ولكنها لم تكترث او حتى تعطيها فرصة للإستيعاب، فقد انتصبت تلفت ابصار الجميع نحوها، بسحب مقعد لها ومقعد لبهجة تجلسها بجوارها، ثم تخاطب السيدات الحاضرات؛
– حبايب قلبي أعضاء الجمعية الموقرة، واضح ان مش كلكم عارفين بمنصبي الجديد وسطكم، بس انا هعرفكم، اصل انا بقيت نائب رئيس مجلس الإدارة، والأمورة دي.
واشارت على بهجة تلف ذراعها حول كتفيها تستطرد:
– دي تبقى بهجة خليل المساعد بتاعي .
– المساعد بتاعك!
كان هذا صوت بهيرة التي استعادت بأسها، تستنكر بسخرية مقيته تتابع:
– مين دي اللي تبقى مساعد يا نجوان؟ انتي جايبه الجلي……
قاطعتها مؤكدة بصوت واضح:
– بهجة خليل كلية حقوق، اينعم هي لسة في الدراسة بس انا واثقة فيها وفي شطارتها.
وتوجهت نحو باقي الحضور موجهة الحديث لهم:
– وبكدة يبقى اكتمل نصاب الجمعية، نبتدي بقى الاجتماع.
❈-❈-❈
انه لا يعنيها بشيء، هي الآن تتصرف بعملية وتعامله بصفة رسمية من أجل العمل ، العمل وفقط، حتى واسلوبه الغريب لا يعجبها، ونظراته الاغرب أيضًا.
اصدرت صوت حمحمة بفمها لتبادره بالأسئلة، بعد أن اجلسته على المقعد المقابل لمكتبها:
– اتفضل يا دكتور، اتكلم
– اتكلم اقول ايه بالظبط؟
قالها ببرود متناهي بعد أن ظل لفترة يتأملها بتلك الابتسامة التي تجعلها توشيك على تهشيم فكيه، حتى يكف عن عبثه:
– تتكلم عن قضية الست الوالدة اللي عايزة ترفعها على اخوها اللي اكل حقها في الورث.
تشدد على الكلمات بضيق مقصود ومع ذلك لا يتراجع هو عن نهجه معها في المراوغة:
– اه صحيح فكرتيني على قضية خالي اللي واكل ورث امي، طيب هي فعلا عايزة ترفع قضية، بس نفسها كمان يرجع من نفسه بدل المحاكم والقواضي والشحططة.
كانت قد أمسكت الدفتر تدون به بعض الملاحظات الهامة والتي سوف تبني عليها أسس القضية، لكن وما ان نطق بكلماته الأخيرة حتى توقفت تدفع القلم من بدها بعدم استيعاب :
– افندم حضرتك، ازاي يعني؟ افهم من كدة ان هي هترفع ولا مش هترفع؟
زاد اتساع ابتسامته يجيبها بسهولة:
– ما انا بقولك اهو يا متر، هي عايزة ترفع وفي نفس الوقت مترددة، اصل دا برضو اخوها، حتى لوا كان حرامي .
توقفت برهة تطالعه بأعين شاخصة، لتهتف بصوت بالكاد تجعله يخرج طبيعي:
– يعني عايزة ترفع ولا مش عايزة؟ هو سؤال وجاوبني عليه، بس كدة، الله يخليك.
وكأنها تتحدث في واد اخر ، اقترب برأسه فجأة نحوها، يتمعن النظر بها قائلا:
– هو انتي عنيكي لونها بني ولا اسود، انا اللي اعرفه انها سودة، ليه المرة دي شايفها بني؟
اربكها بالفعل حتى أصبحت تبحث عن صوتها :
– وانت ا انت مالك ان كانت سودا ولا خضرا حتى ، تبحلق ليه من اساسه؟
صار مستندًا بمرفقيه الاثنان يتحدث بأريحة غير مبالي بثورتها:
– بس انتي مش محتاجة بحلقه يا أستاذة يا آنسة صفية، عيونك وسع الفنجان يعني ولو انا على مدخل الاوضة هنا هعرف لونهم،
– الله اكبر …. في ايه يا حضرة؟ هو انت هتقر، انا نظري اصلا ضعيف على فكرة ودا لينسز عشان يكون في علمك يعني
– طب اللون الأصلي يبقى ايه؟
– يبقى الأسود يا سيدي، استريحت
تبسم هذه المرة بانتصار بعدما استدرجها بمكره للحديث الذي يريده قائلا:
– انا برضو عجبني الأسود اوي وشايف انه يليق على بشرتك.
تأثرت في البداية لإطراءه لكن سرعان ما استدركت لهفوتها، فهدرت به بانفعال:
– في ايه؟ هو انت جاي في قضية ولا عن حديث العيون؟ سيادة الدكتور المحترم انت جاي عشان ايه؟ قول من الاخر .
نهض يجيبها وبيده يغلق زارار سترته:
– في قضية طبعا ، بس اديني فرصة كدة يومين تلاتة اروح البلد اقنع امي، سلام يا أستاذة يا آنسة صفية
وخرج مغادرا تنظر في أثره لمدة من الوقت متمتمة بدهشة:
– دا ماله ده؟
❈-❈-❈
عودة إلى درية التي ضاقت وفاض بها من أفعال ابنتها، وهيئتها المتغيرة، حتى انتظرت خروج الضيفة العزيزة لتختلي بها داخل غرفتها وترى ما بها:
– انا عايزة اعرف بقى يا روح امك آخرة القلبة دي ايه؟
رفعت لها حاجبًا متسائلة باستخفاف مستفز:
– قلبتي انا؟! ليه بقى؟ هو انا اللي ما صدقت ان سامر اتكتبله على خروج، وقومت خدت ديلي في سناني ومشيت بحجة ان ورايا شغل ولازم اخلصه بسفرية مستعجلة.
شهقة استنكار صدرت من درية لتعقب على قول ابنتها الغريب:
– ودا ايه اصله ده؟ انا بسألك عن نفسك، بتحولي علي ابوكي ليه يا بت؟
صاحت بها:
– عشان ابويا سبب قلبتي ياما، مخنوقة ومبقوقة من افعاله، الراجل جوزك ملبسنا كلنا العمة ياما.
سمعت منها لينعقد حاحبيها بشدة فتجلس جوارها على الفراش تلكزها بعنف تريد التوضيح:
– عمة ايه يا بت؟ هو انتي تعرفي عنه حاجة مش مظبوطة؟ قولي يا سامية بدل ما اخلص عليكي.
نزعت عنها يدها تصرخ بها:
– وتخلصي عليا ليه بقى ان شاء الله؟ ما ترحيلو هو وشوفيه، اسأليه بيضيع فلوسه على صفاء العايقة ليه؟
استبد بدرية الغضب حتى صار مقاربًا للهياج، لتطبق بكفيها على قماش بلوزتها مردفة:
– انتي دلوقتي حالا تفهميني يا بت الكلب، مين هي صفاء العايقة؟ وايه دخلها بابوكي؟
❈-❈-❈
انتهى الاجتماع أخيرًا، بعد إقرار عدد من البنود الهامة والقرارات الفاصلة في عدد من الموضوعات، حاولت بهيرة عدة مرات احراج بهجة بالاسئلة ولكن شقيقتها كانت لها دائمًا بالمرصاد وكأنها وكلت بالدفاع عنها، مما ضاعف حالة الغضب والهياج الذي تكتمه داخلها، حتى إذا انفض جمع النساء الحاضرات طرقت عصاها بعنف تظهر ذلك الجزء من شخصيتها المتعجرف بتعالي يتخطى الحدود :
– زودتيها اوي يا نجوان، انا لما كلمني المحامي امبارح وقالي على اتفاقه معاكي وافقت على اساس انك تلاقي حاجة تشغلك وتنضمي لصف نساء المجتمع اللي يناسب مكانتك واسم عيلتك، مش تنزلي بمستوى الجمعية كلها وتجيبي جليستك وتعينيها في منصب هام زي ده، مع ستات من أرقى نساء العاصمة.
شعرت بهجة بالاختناق، فهي بالكاد قضت تلك الساعتين من النقاش الممل على مضض، وسط ترقب دائم لرد فعل هذه المرأة المتسلطة، فلا ينقصها الآن قسوة الحديث الجاف منها، وبدون أن أدنى رد منها، دفعت كرسيها للخلف بجذعها تهم بالنهوض ولكن نجوان منعتها بالقبض على كفها، لتوجه ردها نحو الأخرى :
– اولا عايزة افكرك ان انتوا اللي ساعيتو ورايا عشان متأكدين من صحة موقفي في القضية واللي كانت هتخسركم كمان سمعتكم كجمعية محترمة، يعني الموافقة كانت مني، انا اللي اتفضلت عليكم منعًا للشوشرة والقيل والقال على اسم العيلة الكريمة، ثانيًا وهو الأهم، انا مسمحلكيش تقللي منها، وحطي في بالك ان اللي يمسها يمسني، التجريح دا لو اتكرر تاني انا هنسى صفة الأخوة، ولا حتى فرق السن ما بيني وما بينك يا اختي يا كبيرة .
ونهضت فجأة امام زهولها، تعاود سحب بهجة للخروج بها هذه المرة، من غرفة الاجتماعات تلك، فكانت فرصة بهجة للتعبير عن رفضها ، تنزع يدها منها:
– نجوان هانم ارجوكي، لحد كدة وكفاية، انا جيبت اخري وشايفة كل اللي بيحصل ده عبث، سيبني بقى امشي….
قالتها وكادت ان تشرع بالذهاب، ولكن نجوان قاطعتها:
– مش هتمشي يا بهجة ولا تروحي في اي حتة، لأن احنا مش بنعمل عبث، وياريت بقى تخلي بالك من كلامك يا بنت .
قالت الأخيرة بحدة انتبهت لها بهجة لتشعر بخطأها على الفور، فتبدي اعتذارها:
– انا اسفه، بس انا اصلي….
قاطعتها مرة أخرى:
– يا بنتي ما قولتلك لا اصل ولا فصل، تعالي كدة بدل الرغي.
قالت الأخيرة لتعاود جذبها من يدها، وتتحرك بها الى جهة اخرى ، حتى أجبرت بهجة على التذمر:
– يالهوي عليا هتروحي بيا فين تاني؟
– يالهوي عليا.
غمغمت بها بابتسامة لعفويتها لكن سرعان ما تحولت للجدية تنهاها برقة اختلطت بالمزاح:
– خلي بالك يا بيبة، مش عايزين يالهوي ويامصيبتي والحاجات دي، طنتو بهيرة شوكت هتعلقني انا معاكي لو اللفظ دا سمعته بين أعضاء الجمعية، دا غير ان ممكن يحصلها حاجة ودي برضو اختي وتهمني.
– تقبلت بهجة نقدها، لتتخيل رد فعل الأخرى ان وقع هذا اللفظ على اسماعها فتتبسم قائلة بخبث؛
– تصدقي انا نفسي فعلا اشوف رد فعلها لما تسمعيها، يالهوي دا يبقى شكلها مسخرة، لتكمل بضحك، فتعفب نجوان :
– تاني يا بهجة تاني يا لهوي.
❈-❈-❈
برد فعل سريع عقب سماع الحديث من ابنتها عن المدعوة صفاء والشكوك الدائرة حول علاقتها بزوجها الذي سافر اليوم حتى قبل خروج ابنه من المشفى، تحركت على الفور نحو خزانة الملابس دون انتظار او الاخذ والرد في التفكير، غير مبالية بإلحاح ابنتها التي تريد منها الانتظار:
– استني ياما، طب حتى لما نسأل ولا نشوف الأمر ايه؟
نهرتها تدفعها عنها لتواصل ارتداء عبائتها السوداء وطرحتها:
– لا تشوفي ولا تزفتي، انا رايحة دلوقتى بلدها البت دي، مش ههمد غير لما اعرف كل حاجة بنفسي، ويا ويله لو طلع كلامك صح وله اي علاقة بيها، هدفنهم هما الاتنين ان شاء الله.
صارت تلطم بكفيها على وجنتيها:
– يا مصيبتي يا مصيبتي، يا خوفي لا تفضحينا وتخلي سيرتنا على كل لسان، ساعتها ولادك هيحطو غلبهم فيا ويقولو عليا فتانة .
– يقولو ولا يعيدو يا بت ، محدش اصلا هيجيب سيرتك، انبطي بقى وغوري شوفي وراكي ايه؟
وارتدت حذائها لتتحرك مغادرة بعدما التقطت محفظة النقود خاصتها، فتردد سامية في اثرها:
– مصيبة لا البسها انا كمان المرة دي والنعمة اروح فيهم في داهية
❈-❈-❈
والى تركيا
وبعد أن ترك جلسته مع ابن خالته، ودلف الآن إلى الفراش من أجل اخذ قسطًا من الراحة، نتيجة تعب السفر وارهاقه،
ولكن عقله الساخن بالأفكار الطاحنة، أبى أن يعطيه غايته، صدى كلمات عدي مازال يتكرر برأسه، الحزن الذي كسي تعابيره، والحسرة التي تخللت وجدانه، ذلك العابث الذي تربى معه وكان في وقت ما ، أقرب الأشخاص اليه، يعلم جيدا بشخصيته، كان يظنه ابعد ما يكون عن العشق والهوى، ليس بالعاطفي او الحالم كمصطفى شقيقه، ولكن لما الاستغراب؟ من كان يظن أن رجل مثله هو ، يحمل كل عقد الماضي، يعشق ويحب امرأة مثل بهجة؟ يبدو أن سلطان الهوى أقوى من اي شيء .
اعتدل بجذعه فجأة، ليتاول الهاتف غير عابئًا بكل الوعود التي قطعها على نفسه قبل ان يأتي إلى هنا، ويعطي لنفسه مساحة للتفكير بعيدا عن تأثيرها عليه، اللعنة انه حتى لم يمر يوما واحدًا وقلبه أصبح يتلظى نار الشوق اليها .
❈-❈-❈
اما عنها فقد كانت في هذا الوقت تتفقد الغرف المتعددة داخل القصر الضخم برفقة نجوان التي صارت تعرفها على ركن بالمنزل وبالتحديد داخل الطابق الثاني، ،ذلك الذي كان يجمعها بأشقائها، بحنين يقتلها للقاء بمن فارقوا:
– شايفة با بهجة، اهي دي تبقى اوضة اخويا كاظم الله يرحمه، دا اتوفى وهو شباب، كان من اقرب الناس ليا ، جميل وبيحب الحياة عكس بهيرة في كل الصفات، لذلك رغم انه كان ولد لكنه كان اقربلي منها. من يوم ما توفى وهو ساب لي فراغ كبير في حياتي، حتى بعد جوازي من الراجل اللي بحبه وخلفتي منه، مكان الأخ ولا يعوضه كنوز الدنيا.
بصوت متأثر وقد ازداد تعلقها بهذه المرأة الحنون:
– ربنا يرحمه يارب، بس تفتكري بهيرة هانم عرفت بموضوع جوازي من رياض، يعني تكون لورا قالتلها.
بتفكير عميق نفت نجوان بتحريك رأسها؛
– لا مفتكرش عشان لو حصل كنتي هتلاقي معاملتها هتبقي بشكل تاني كمان ودا اللي مخليني مستغربة ان لورا مقلتلهاش، بس محدش عارف، عندي احساس ان البنت دي اتغيرت…. معرفش ليه؟ ياللا بقى ربنا يهديها ويرزقها باللي يسعدها
تبسمت لها باتساع تعبر عما تشعر به نحوها :
– انتي ست جميلة اوي .
ضحكت بحب تقرصها من وجنتيها:
– والله انتي اللي جميلة وزي القمر، استني عليا بس، دا انا محضرالك مفاجأت……
– تاني…. لا الله يخليكي كفاية عليا المنصب اللي طلعلي من تحت الارض، افهم ايه انا في نظام الجمعيات الأهلية والكلام الكبير ده؟
عبست تدعي الجدية في توجيه الأمر لها:
– بلاش كلام فارغ يا بنت، بكرة تتعلمي كل حاجة، بس انتي تفتحي دماغك.
– والله، يعني انتي عايزة تفهميني….
قطعت منتبهة لدوي الهاتف برقم غريب، قطبت تطالعه عبر شاشة الهاتف بتساؤل، اجابتها عنه نجوان غامزة بطرف عيناها:
– دا رقم دولي يا بيبو، ردي بقى عليه وخدي راحتك معاه، وانا هروح اطل طلة على بهيرة واشوفها لتكون ولعت في باقي أعضاء الجمعية.
قالتها على عجالة وتحركت ذاهبة من امامها، تتركها داخل الغرفة الضخمة وحدها، تجري مكالمتها مع ذلك الطالب من الرقم الدولي، فيأتي ردها بتردد:
– الوو…. مين معايا؟
جاءها الصوت بعد فترة قصيرة من الترقب، ليدغدغ حواسها، وينشر الفراشات بمعدتها:
– انا رياض يا بهجة، وحشتيني.
كادت ان تسقط دمعتها من فرط شوقها اليه، رغم مرور عدد من الساعات فقط على فراقهما، ولكن يبدو أن بعد المسافات زاد من وطأة ما يجتاحها نحوه، وهو ايضًا لا يقل عنها:
– وانت كمان وحشتني، وحشتني اوي
❈-❈-❈
لم تستغرق رحلة الذهاب إلى المدينة التي تعرفها، والتي تسكن بها هذه المدعوة صفاء، سوا ساعتين معها ، بعدما استقلت سيارة أجرة خاصة بها، لتقف بها امام المنزل تماما، حتى حينما فتح لها احد الأبناء، فسألته عن والدته، أخبرها انها قي الطابق الثاني ولا يصح الصعود اليها بناءًا على تعليمات منها، حينها أخبرته بالقرابة التي تجمعها بها ، ولكنه ايضا منعها، لتهتدي الى ضالتها في الاخير، بإعطاءه عدد من الأوراق الماليه، جعلته يتراجع عن تشدده، ويترك لها الفرصة حتى تصعد وتتولى والدته أمرها.
وبالفعل وصلت الى شقة العروس بالطابق الثاني ، ولحسن حظها كان الباب مفتوحًا بعض الشيء لتستغل وتدلف على أطراف اصابعها دون ان يصدر منها اي صوت،
بحثت داخل غرفتين فلم تجد بهم الا الفراغ بالإضافة إلى الردهة، لا يوجد سوى صوت التلفاز بالصالة الفارغة ايضا، إلا ان رائحة العطر القوية بغباء شخصيته، هي فقط من دلتها عن مكان مكوثه، بعدما فقدت الأمل وكادت ان تغادر، لتتسمر محلها على مدخل الغرفة الجانبية المنزوية، وهي تجده بهذه الهيئة الجديدة والغريبة عنه.، يرتدي منامة بيتيه ملتصقة بجسده المتكور، بدون أكمام وسروال قصير حتى أعلى الركبة، بهيئة تبدو شبابية ولكن لا تليق به كما ترى امامها،
لتتوقف فاغرة فمها لوقت من الزمن، تراقبه بذهول، بعدما انكشف لها اخيرا كل هذه الأسرار عنه، يكتنفها احساس قوي ان احد ما قد صفعها على رقبتها من الخلف ( قفاها)
– ازيك يا خميس؟
صوت صرخته الفزعة لحضورها كاد ان يخرج للخارج من علوه، وقد التف اليها بإجفاله والتصق ظهره بالخزانة كمن رأى ملك الموت امامه
– دددددورية
صدر الاسم بلجلجة واضحة، تلقفتها هي تردد، واقدامها تتقدم نحوه بنية واضحة :
– هي بذات نفسها يا قلب دورية، ايه بقى رأيك في المفاجأة؟
ابتلع ريقه الجاف بصعوبة ليتملقها بزيف مكشوف:
– تجنننن، انا هموووت من الفرحة طبعًا، بس انتي عرفتي تيجي هنا ازاي؟ ومين دلك على مكاني؟
ردت تجيبه بهدوء خطر:
– عرفت ازاي؟ دي متخصكش، اما عن اللي دلني على مكانك هنا؟ فدي ساهلة اوي…… من ريحتك يا خميس،
توقفت بنظرة شاملة له بالكامل وبأعين برقت بشر، وبتهكم واضح:
– بس انت ايه الحلاوة دي يا خميس ، يا راجل دا انا معرفتكش.
بجسد ينتفض ونبرة مهزوزة بارتياعه منها، رد يبادلها الغزل بكذب مفضوح، علٌه يؤثر بها:
– ممش احلى مننك يا روح قلبي، دا اننتي القمر.
بضحكة ساخرة تقطعت لعدة مرات بقصد منها، فاستجاب يبادلها بصعوبة، لتوففه فجأة بلهجة صارمة وأعين تلونت بالإحمرار :
– انا بقول نخوش في الجد احسن يا خمسينو، مش جه برضو وقت الحساب؟
سمع منها، ليتمتم بقلب على وشك التوقف:
– خمسينو كمان، اااه جالك الموت يا تارك الصلاة.
زامت تقترب منه بصورة أظهرت وكأنها على وشك الفتك به، لينتفض صارخًا من امامها:
– يانهار اسود، انتي جايه تموتيني ولا ايه؟
صرخت به تمسك سكين فاكهة التي التقطها من الطبق امامها
– اموتك واشرب من دمك كمان، بقى وصلت بيك الجرأة تخوني انا مع خرابة البيوت دي اللي من كل جوزاة عيل .
– ومالها يا اختي اللي من كل جوازة عيل، على الاقل بشرفي
صدر الصوت من خلفها ، لتفاجأ بتلك المدعوة صفاء تلف رأسها بالمنشفة، وترندي عباءة ملتصفة بجسدها، صورتها تلك أشعلت النيران بجسدها ، لتردد معقبة بسخرية وتهكم:
– شيللاه يا شرف ، هو انتي لو عندك شرف اصلا ، كنتي قعدتي راجل غريب في بيتك يا ام شرف .
صدحت لها بضحكة مائعة، لتسحب خميس الذي يرتجف محله من الرعب، تقربه منها ، فتخبرها بتشفي:
– طب وهو فين الغريب ده؟ لهو انتي متعرفيش ان خمسينو يبقى جوزي على سنة ورسوله.
– ايييبه، دا انا اخلص عليكم انتو الأتنيييبن.
صرخت بها لترفع السكينة امامهما بتهديد جعل خميس يتراجع بارتياع هو الاخر، اما صفاء والتي وقفت محلها تتحداها متخصرة:
– اعمليها طيب وعوريني ولو بخدش واحد بس، عشان ازود عليكي التهم، بنصيبة اكبر، بعد ما دخلتي البيت واتسحبتي تهددي الإمن وتتهجمي عليا انا وولادي، ومش بعيد البسك قضية ارهاب كمان، دا انا هخليكي تروحي في تأبيدة .
ارتخت ذراعي درية بالسكين، لا تصدق الجبروت الذي تتحدث به هذه الملعونة، لتتجه نحو خميس بعدم استيعاب:
– إنت واخد بالك البت دي بتقول ايه ؟
لم تجد منه ردًا ، وقد الجمه الخوف منها ومن الأخرى، والتي كانت له الآن كدرع حامي، لتواصل لها بتهديدها:
– الواد ابني اللي عكمتيه بشوية فلوس عشان يسيبك تطلعيلي، اتصل بيا بلغني وانا بقى يا غالية اتصلت بالشرطة عشان ياخدو الحرامية اللي داخلة بيتي تتسحب ودلوقتي ماسكة عليا السكينة،، يعني تقفي مكانك كدة وإياك تتحركي سمعاني.
على الفور سفطت منها السكين على الارض تصرخ بزوجها:
– اللحقني يا خميس الولية عايزة تلبسني نصيبة.
الفصل الثامن والثلاثون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثامن والثلاثون 38 بقلم امل نصر
تألقت أمام مراَتها وتزينت ترتدي طقمًا جديدًا من الملابس التي انتقتها معها تلك المرأة العزيزة على قلبها ، تذكر انها في بداية الأمر لم يعجبها الزوق الجديد، بظن منها انه لن يليق بها، ولكن خاب ظنها حينما نظرت إلى المرأة وهي ترتدي احدهم، لتكتشف نفسها وكأنها امرأة جديدة، بذلك التغير الذي يطرأ معها تدريجيًا، ان تكون امرأة راقية، ليس من أجل رجل حتى لو كان حبيبها او غيره، بل من أجلها هي وفقط، هي الاحق بالاهتمام لنفسها ، وبالطبع سوف يرتد ذلك على البقية .
صوت صفير من الخلف انتشلها من شرودها، لتلتف نجو شقيقتها الوسطى جنات:
– ايه يا عم الحلاوة دي؟ ما شاء الله عليكي يا بيبو، احنا ناقصنا بس سجادة حمرا ونمشي عليها باللبس اللي يجنن ده.
استدارت اليها بابتسامة لا تنكر سعادتها بالإطراء:
– بجد يا بت يا جنات، يعني الطقم الجديد لايق عليا ، اصل كنت خايفة اوي لا يطلع ضيق عليا بس نجوان قالتلي مقاسي، هو فعلا مقاسي ولا تفتكرتي انها بتجاملني؟
ضحكت المذكورة بشقاوة محببة تطمئنها مرددة :
– والله يا ستي ما بتجاملك، اديني حلفتلك بالله اهو ، البلوزة ماركة مشهورة اوي، والبنطلون والجاكيت كمان ، حتى الجزمة والحجاب، كلهم زوق عالي، مبينك واو، حاجة كدة اخر حاجة، وبنفس الوقت رقيقة ومتحفظة،
زوق ليدي بالفعل، والله نجوان دي عسل، ست جميلة كدة تنقلك طاقة الحب بمجرد ما تقعد معاكي.
عقبت بهجة على قولها بتفهم:
– هي فعلا كدة، وانا فاهمة قصدها كويس اوي باللي بتعمله معايا، انها تزقني في منصب مهم في الجمعية، وتساعدني ان اطور من نفسي في اللبس والشخصية دا حقها على فكرة، عشان صورتها قدام المجتمع اللي هي نشأت فيه، حتى لو هي مقالتش ولا وضحت بكدة انا لازم افهم من نفسي واحاول حتى لو لا قدر الله موضوعي انا ورياض منفعش برضو مش هخسر حاجة لما اتحسن او اتقدم في حياتي، لان في كل الاحوال دا فايدة ليا، وكفاية ابص لنفسي واشوف التغير
تابعت تشير اليها بيدها نحو ما ترتديه من الأعلى إلى الأسفل:
– وزي ما انتي شايفة قدامك اهو، بتابع الدراسة في الجامعة، وفي نفس الوقت بروح الجمعية بشكل يختلف بمية وتمانين درجة عن السنين اللي فاتو ، من عاملة على مكنة خياطة بعباية سمرا باهتة، لواحدة بلبس ماركة مشهورة على رأيك،
تأثرت جنات بشدة حتى خرج قولها بصوت مفعم بالمشاعر الصادقة داخلها:
– عشان دا مكانك الحقيقي يا بيبو، انتي اتظلمتي ونسيتي نفسك، بس عدل ربنا نصفك.، وبلبسك ده اللي يشوفك يقول انك اتولدتي هانم، والله ما بهزر.
– حبيبتي.
صدرت من بهجة لتقترب منها تقبلها بابتهاج، والتف ذراعها حول كتفيها لتضمها اليها تردف بحماس:
– حلو اوي رفع المعنويات ده، نروح نفطر بقى مع جوز المتشردين قبل ما يخلصو على الاكل.
اومأت جنات رأسها بموافقة، لكن فاجأتها بتقريب انفها منها قائلة بإعجاب:
– الله يا بيبو، انتي حتى ريحتك بقت غير، دا كدة التطور عدى اميال كمان، بقولك ايه، انا بحبك اوووي.
ضحكت ردا لها:
– وانا كمان بموت فيكي يا ام عقل شاطح
❈-❈-❈
والى اسطنبول
حيث كان يتسكع بدون سيارة، داخل المدينة التي لا يزورها إلا قليلًا رغم عشقه لها، وذلك بفضل اشغاله الكثيرة، يستمتع بأجواءها والهاتف على اذنه يتحدث معها عبره، بعد انتهاءئه لعدد من اعماله، وقد اقترب ميعاد رجوعه واشواقه اليها ازدادت اضعاف.
عدة ايام مرت عليه، ولم يتوقف مرة عن الاتصال بها، والسؤال عن كل كبيرة وصغيرة في شئونها، وكأن الفرصة التي أعطاها لنفسه في البعد عنها، أتت نتائجها بالعكس، حاول إشغال نفسه بالعمل ، او باللقاء بأقرباءه هنا، حتى الذهاب إلى النوادي الليلة والتعرف على نساء غيرها، ولكن قلبه أبى أن يدق إلا لها، يراها في كل امرأة تأتي امامه، حتى كاد ان يسلم الراية ويعلنها من هنا كي تصل الى العالم اجمع:
– أيوة يا بهجة انا كويس والحمد لله، المهم انتي طمنيني عليكي، عرفيني عاملة ايه من غيري .
سبق اجابتها ضحكة رقيقة مرحة:
– حلوة حكاية عاملة ايه من غيري دي؟ اكيد عايشة يعني والحمد لله ما جراليش حاجة، دا كلهم كام يوم بس اللي غيبتهم يا رياض مش زمن يعني.
– بالنسالك انتي مش بالنسبالي، انا بيمروا عليا كأنهم سنين صوتك دا ذاته بيزود الاشواق في قلبي، ومع ذلك برضو مش قادر ما اتصلش، ولا اسمعه، يوم عن يوم بتعلق بيكي اكتر مش العكس.
كان يصله صوت انفاسها، وصمتها المعبر بقوة عما يكتنفها، من قال ان الكلمات فقط هي المعبر في تلك الحالة، هناك ما هو اقوى، الإحساس الذي يجمع بين الطرفين، وتألف الارواح ما أعظمه
– سكتي ليه يا بهجة؟
– يعني هقول ايه؟ انت قولت كل الكلام، في انتظار رجوعك بقى.
– اممم، ماشي يا بهجة،طب بقولك ايه انا واقف دلوقتى قدام محل هدوم حريمي، عنده شوية هدوم عندي احساس انها هتجنن عليكي، ايه رأيك؟
– بجد يا رياض، طب ابعتلي كدة خليني اشوف الزوق التركي .
قالتها بلهفة وحماس جاهلة عن تلك الابتسامة الخبيثة التي ارتسمت على ثغره وهو يتأمل الموديل العارضة خلف الواجهة، ترتدي فستان يشبه قطعة النوم، بل اكثر عري ولكنه رائع التصميم والأناقة حتى أنه بالفعل أصبح يتخيلها ترتديه، لذلك قرر على الفور شرائه، ولكن في البداية لابد له من التسلية برد فعلها الآن، وذلك بإرسال الصورة التي التقطها حالا بكاميرا الهاتف، ليصله رد فعلها على الفور، بشهقة تسبقه:
– ايه ده؟ دا برضو فستان؟! لا سيدي مش عيزاه ولا عايزة زوقك ال…… اقفل يا رياض وروح شوف مصالحك، بلا شرا فستانين بلا كلام فارغ الحاجات دي ليها اصحابها.
ضحك بصخب ينهي المكالمة بناءًا على طلبها، يلج لداخل المحل عازمًا على أمر شرائه ومجموعة أخرى تضاعف من سعادته في مشاكستها والاستمتاع بردود افعالها الغير متوقعة.
❈-❈-❈
القت الهاتف من يدها على سطح المكتب الذي تعمل به الآن كمساعد لنائب مجلس الإدارة بالجمعية الموقرة ، بوضع اجتماعي يسهل عليها الكثير من الأمور،
لكن تلك المشاعر التي تكتسحها وتزيدها تشتتًا، في كل مرة تسمع إلى صوته، كيف تجد لها حلا كما انه هو ايضًا لا يساعدها بأفعاله، اللعنة، وهل تلك نبرة رجل يريد الفراق بالفعل .
– سرحانة في ايه يا بهجة؟
قالتها نجوان وهي تدلف اليها داخل الغرفة التي اصبحت تجمعهما سويًا لتجعلها تنتبه اليها وتجيبها:
– لا عادي يعني….. متشغليش نفسك.
قطبت تجلس على الكرسي المقابل لمكتبها واضعة قدما فوق الأخرى
– مشغلش نفسي ازاي يعني؟ ما تتكلمي يا بنت.
صمتت برهة من التفكير حتى اجابتها بتشتت:
– مش عارفة صراحة اقولك ايه؟ بس…. اصلي يعني كنت بكلم رياض قبل ما تيجي وو….
– ايه يا بنتي ، انتي هتنقطيني بالكلام، هو رياض عرف بمنصبك الجديد معايا؟
اجابت عن سؤالها تنفي برأسها، لتبزغ ابتسامة واسعة على فمها، لتقول:
– كويس اوي، انا كمان مش عايزاه يعرف دلوقتي.
قطبت بهجة وعقدت ما بين حاجبيها بريبة وحيرة متسائلة:
– طب ليه؟ ليه مش عايزاه يعرف اني بشتغل معاكي؟ ولحد امتى؟ دا خلاص قرب يرجع من سفره
تبسمت بمرح زادها اشراقًا تجيبها:
– وماله يا عبيطة لما يرجع من سفره؟ وهو احنا يعني هنفضل مخبين العمر كله، انا بس اعملهالو مفاجأة.
– مفاجأة!
– اه مفاجأة واسمعي الكلام وبطلي عبط بقى، وقومي جهزي نفسك عشان خارجين بعد ساعة كدة ورانا مشوار .
سألتها بهجة قاطبة:
– مشوار ايه؟
تبسمت تجيبها بمكر:
– ندوة يا بهجة، ندوة للتعريف عن انشطة الجمعية وذكر الانجازات اللي بنعملها في وقت قياسي.
❈-❈-❈
انتهى من شراء المجموعة التي يريدها، وأشياء أخرى اكثر حماسًا تحفزه على اللهو وتشعل خياله الخصب للقادم معها، ثم واصل تسكعه ليتوقف امام محل المصوغات الشهير، يطالع الواجهة رافعًا النظارة السوداء عن عينيه قبل أن يتحرك ويدلف داخله، يستقبله عامل المحل بابتسامته الودودة قبل أن ينتبه صاحب المحل، فيرحب بها بمبالغة نظرا للمعرفة القديمة وما يجمعهم من تاريخ في التعامل معه، وهو مصري يجمع بين الجنستين التركية والمصرية.
– رياض باشا، بقالنا سنين كتير اوي ماشوفناش بعض، من عهد اا.
كاد ان يذكر اسم والده ولكن استدرك سريعًا ليقطع مردفًا بغبطة:
– بس وحشتنا والله، وبسمع عنك من ولادي اخبار تفرح، دا غير مدام نجوان كمان، امتى بقى تنورونا من تأني المحل؟
تبسم ردا له:
– إنت عارفها، كل حاجتها من عندك، اكيد مع أول عودة ليها بعد السنين اللي مرت، هتيجي وتشتري منك، المهم دلوقتي انا عايز انقي لها هدية .
هلل الرجل فرحًا بقوله:
– يا ماشاء الله، دا انا هطلعلك احلى مجموعة عندي تنقي منها، حاجة سبيشيل تليق بيها، دي زوقها راقي ولا يعلى عليه.
– وعايز حاجة رقيقة تناسب واحدة في العشرين.
هتف بها قبل ان يقوم الرجل كي يأتي بمجموعة المجوهرات، ليقطب الاخير بابتسامة ماكرة:
– لمين بقى؟ ياريت اعرف الصفة او مقدار الغلاوة عشان احدد على اساسه الهدية المطلوبة
من دون تفكير، وكما حركه احساسه، نطق لسانه بما يحمله القلب:
– يبقى تجيب أغلى حاجة عندك، عشان دي أقرب لي من النفس اللي بتنفسه.
❈-❈-❈
عودة إلى الوطن
وبالتحديد داخل منزل خميس الغائب عنه منذ ايام، لا يملك الشجاعة للعودة بعد ما حدث منه او بالأصح من زوجته الثانية مع الأولى التي نالها ما نالها من صفاء حينما اقتحمت عليها منزلها كما ادعت وبلغت الشرطة، لتجعلها تبيت داخل المحبس عدة ليال حتى تنازلت لها اخيرا بعد إلحاح مقابل مبلغ كبيرا من المال تحصلت عليه، لتجعل درية الآن ممسكة برأسها المربط بمنديل قماش تندب غير قادرة على التوقف، امام اولادها الثلاثة؛
– اه يا نفوخي، يا نفوخي اه، هموت ياناس بقهرتي، نااار بتاكلني ، اخلص منها ازاااي؟
مصمصت ابنتها بشفتيها تستهجن فعلها للمرة الالف حتى تكف عن النواح:
– افضلي كدة احرقي في دمك لحد ما تنزل عليكي حاجة لا قدر الله عشان تكمل ياما، الفلوس وغارت عشان نطلعك، كنا هنعمل ايه يعني.
– تعملي ايه؟!
صاحت بها باستنكار تردف موجهة ابصارها نحو ابنيها الجالسان على الاريكة المقابلة لها بصمت ، كوضع المتفرج:
– ما هو انتي لو معاكي اخوات رجالة، مكنتيش سألتي السؤال ده؟ راجلين قد الحيطة يقعدو على امهم وهي في الحبس، مش قادرين على حتة مرة ولا تسوى، يحايلو فيها عشان تتنازل وتخرجني من السجن، بدل ما يجيبوها من شعرها ولا يخطفوا عيل من عيالها يعرفوها ان الله حق، انا يتعمل فيا كدة انا؟
زفر سمير يشيح بأبصاره للناحية الآخرى، اما سامر والذي مازال يمسك بكفه على موضع الجرح فقد لاحت على طرف شفته شبه ابتسامة خاليه من اي مرح في الرد عليها:
– ونزود علينا الفضايح صح، ما هو دا اللي ناقص، نلبس كمأن في قضايا خطف عيال عشان تكمل .
صرخت به غير تدهشه بمنطقها وعدم اكتراثها:
– وماتكمل ولا تفرقع حتى، مش احسن من لهفها لمية الف جنيه منكم، بنت الجعانة، ما صدق ولاقتلها فرصة عشان تطلع منها بمصلحة، بس اقول ايه؟ ما كله من يوز الاخص ابوكم، هو السبب في كل اللي جرا، سابها تبهدلني وتلم عليا الناس، اه يا ناري لو اطوله هو كمان، دا انا مغلولة منه غل
– اهو ذنب ناس بتخلصه ناس
غمغم بها سامر بصوت خفيض لتهدر به والدته:
– بتبرطم بتقول ايه يا واد؟ طبعا يا اخويا اعملوا ما بدالكم ما انتو حاطين أيديكم في المية الباردة.
لم يكلف نفسه عناء الرد عليها، ليتبع نهج شقيقه في الصمت وتركها لولولتها حتى ولجت زوجة ابنها الاكبر، لتنتفض صارخة وكأنها وجدت ضالتها في افراع غضبها :
– وليكي عين تيجيلي برجلك يا إسراء، بعد اللي عملته بت الكل…. قريبتك ، ليكي عين يا إسراااء؟!
وقبل ان تصل اليها وجدت من يتلقفها من وسط الطريق يتصدر امامها ليمنعها عنها:
– صلي النبي ياما وسيبي إسراء في حالها، ولا انتي مقدرتيش ع الحمار هتتشطري ع البردعة
هتفت تنهره بغليل وهي تدفعه عنها:
– إنت كمان يا روح امك بتدافع عنها، دا بدل ما تجيب حقنا وتروحها على بيت ابوها، ولا تكون بلفتك هي كمان زي قريبتها ما عملت مع ابوك الاهبل؟
جز سمير على اسنانه بغيظ شديد يحاول الا يزيد عليها برد لا يعجبها، وقد فاض به من افعالها، اما إسراء والتي وقفت تشدد على طفلها بجسد يرتجف، فردت تعترض بدفاع عن نفسها:
– طب وانا ايه ذنبي؟ انا حتى معرفتهمش ببعض عشان ابقى سبب، ان كان عمي اللي لاف عليها ولا اللي لافت عليه، الاتنين كبار ومحدش فيهم فاقد الأهلية عشان نجيب الذنب ع التاني .
زمجرت درية تحاول الفكاك من ذراعي ابنها تواصل الهجوم عليها بالتجريح:
– لا يا اختي الذنب علينا احنا، احنا اللي سيبنا الدنيا كلها وروحنا لبلدكم الجعانة، ما بتصدقوا تلاقوا راجل في وشكم تلوفوا عليه .
إلى هنا ولم يعد قادرا على ذرة واحدة من التحمل، ليدفعها عنه بغضب شديد:
– لحد هنا وتوقفي ياما، عشان انا مراتي بنت ناس، واهلها مش جعانين، وكلمة تانية هتزوديها عليها، قسمًا بالله ما ادخلك بيت تاني .
– صلي على النبي يا سمير، دي لحظة غضب.
كان هذا رد شقيقه، والذي اضطر للتدخل رغم تعبه، خشية تفاقم الشجار امام زهول درية التي تصنمت محلها من الصدمة، وابنتها صارت تحاول تهدئتها:
– تعالي ياما ارجعي ريحي اعصابك، الهري دا كله هيخسرك صحتك وعيالك كمان، مش بس الفلوس.
وتحرك سمير يسحب زوجته ويخرج بها، بعدما حمل ابنه منها، ليتركها بأنفاس متدهجة، وكأنه على بعد شعرة واحدة من أن يقطع معها الى الأبد
❈-❈-❈
قارب على الانتهاء من استعداداته للسفر، فلم يتبقى سوى اشياء قليلة ينهيها قبل أن يتخذ طريقه للعودة ، أغلق الحقيبة الكبيرة بعد أن حشر بها أشيائه، ليضعها في مكان واحد مع الهدايا والمشتريات التي ابتاعها على مدار اليومين الماضيين، وعليه الآن أن يتجهز للاستحمام وتبديل ملابسه للخروج بصحبة رفيق الطفولة في احتفال صغير اعده له قبل رحلة عودته.
دلف إلى غرفة الملابس وانتقى منها حلة رائعة تليق بالمناسبة، لكن وما ان هم بخلع ما يرتديه قبل الذهاب إلى حمام غرفته، حتى دوى الهاتف باتصال من المذكور، ليجيبه على الفور متبمسًا:
– ايوة يا عدي باشا، انا كنت حالا دلوقتي داخل اخد شاور عشان اجيلك…….. بتقول ايه؟……. مين؟ ناريمان! مالها ناريمان؟ ……… ايه حصل لها يعني؟
بإجفال شديد صار يستمع إلى قول الاخر، يخبره بتلك المستجدات التي طرأت على رأسه بدون سابق انذار، واحداث لم تكن في الحسبان، ليتماسك اخيرا بصعوبة يلملم شتات نفسه، يجيب على استفسار الاخر من الجهة الأخرى:
– لا طبعا مش هستني، انا هسافر حالًا عشان ادم، هو الأهم عندي دلوقتى.
❈-❈-❈
داخل منزل صفاء ، والتي كانت واضعة طبق كبير من الفاكهة بحجرها الآن تتناول منه باستمتاع امام شاشة التلفاز، التي تشاهد عليها بصحبة اولادها، وكل فرد منهم يحمل واحد مثلها، واصوات مضغهم المستمر ترافق الفوضى التي يحدثونها في مزيج يجعل فرد مثل ذاك الغريب وسطهم ، لا يكف عن متابعتهم بغيظ شديد وحسرة تكتنفه لما أوقع نفسه به:
– في ايه يا خميس؟ عايز تاكل ما تاكل خير ربنا قدامك كتير ، بدل ما انت حاطط عينك على الولاد ، براحة عليهم لا يزورو.
قالتها بقصد استفزه ليخرج عن صمته في رد لها:
– مش هحسد عيالك يا صفاء اطمني، انا بس مضايق عشان البهدلة اللي بيعملوها في الصالة وهما بياكلوا، فيها ايه يعني لما الواحد فيهم ياكل حتة الفاكهة ويطلع البذرة في الطبق، بدل التفتفة على الارض، والسجاد اللي اتغير لونه من البقع اللي فيه.
صدر من فمها صوت استنكار سبق ردها اليه بقوة واستهزاء:
– وما يتغير لونه ولا يخلوها زريبة حتى، امهم بصحتها وتنضف من وراهم ، يعني محدش قالك انت نضف
فغر فاهه في تعبير عن ذهول تام لردها الذي جعله يردد خلفها بدهشة:
– محدش قالي انضف! في ايه يا صفاء؟ انا بتكلم ع الزوق عشان العيال تتعلم، يعني عجبك من شوية لما الواد تف لب البطيخ من بقه، لزق في خدي؟
ردت ببساطة:
– طب وفيها ايه؟ ما هو عيل يعني مش قاصد، انت اللي مش طايقهم ولا متحمل اي حاجة منهم، وع العموم يعني لو مش عاجبك، محدش غصبك على القعاد معاهم
قالتها بقصد واضح فهم عليه، لتندفع الدماء برأسه مغمغمًا بغيظ منها:
– امال هقعد فين يعني؟ بعد ما سودتي وشي بعملتك الاخيرة مع العيال وامهم، يعني لو كان بس ربنا هداكي ووافقتي ع الصلح من اول مرة، من غير ما تنشفي راسك ع الفلوس وتعملي عمايلك مش كان احسن برضو، على الاقل كان هيبقالي فرصة اتكلم معاهم، بدل ما انا لازق هنا جمبك، لا قادر اروح بيتي ولا أدير الوكالة اللي باكل عيش منها.
استمعت حتى إذا انتهى من كلماته اشتدت ملامحها بضيق واضح مخاطبة له:
– انا جيبت حقي يا خميس، وبلاها منه التقطيم فيا ع الرايحة والجاية، اما بقى عن وكالتلك يا غالي فدي لازم ترجعلها من تاني وتكمل فيها، وتشوف لك صرفة، عشان انا مش فاتحاها تكية، عيالي يعتبر يتامي، يعني عايزين اللي يجيبلهم مش يشاركهم لقمتهم.
❈-❈-❈
داخل النادي الاجتماعي الخاص بعدد مشتركيه من اسر محدوده من علية القوم ، كانت بهيرة
مع منظمة الندوة التي تقام اليوم بالنادي من أجل التعريف بأهداف الجمعية امام الأعضاء به، تتناقش معها قبل ان بدأ الفاعليات لتفاجأ باقتراب احد النساء فجأة تخاطبها :
– باهي حبيبتي مشيتي بدري النهاردة ولا مجتيش الجمعية من اساسه؟ اصل انا ماشوفتكيش نهائي.
اغمضت عينيها الأخيرة بغضب جلي، لتلتف إلى شقيقتها المتأنقة، وقد زادها الإشراق بهاءًا، واضعة النظارة السوداء فوق عينيها، وشعرها المفرود على الجانبين، وكأنها امرأة في عمر الثلاثون، تصطنع ملامح الأسى، وتسحب خلفها تلك الفتاة في ذيلها:
– لا يا نجوان، انا مروحتش، مكانش ليا نفس اروح النهاردة، اصلي بقيت اتخنق من الجمعية واللي بيتحدف عليها.
قالت الأخيرة موجهة ابصارها نحو بهجة التي تماسكت بصعوبة حتى لا ترد عليها، اما نجوان والتي أظهرت امامها عدم اكتراث:
– اه يا قلبي اكيد تعبتي كمان من المجهود، الله يكون في عونك بقالك كتير في العمل الخيري، على العموم انا قاعدة وهسد مكانك في اي وقت، انا والمساعدة بتاعتي، احنا يهمنا راحتك يا روحي.
وارتفعت رأسها نحو المرأة الأخرى توجه الحديث لها:
– مدام ايفون انا وبهجة المساعدة بتاعتي مستنينك عند المنصة الرئيسية للقاعة، متتأخريش علينا،
اومأت المرأة رأسها بطاعة، وتحركت هي:
– ياللا بينا يا بهجة.
وتحركتا الاثنتنان تاركة بهيرة تفور من الغيظ لتضرب بعصاها على الارض موجهه اعتراضها نحو المرأة:
– مكنش له لزوم يا ايفون توجهي ليها دعوة، من امتى حد غيري اصلا بيتكلم بإسم الجمعية؟
جاء رد المرأة على تردد:
– ما هي بقت النائب بتاعك يا بهيرة هانم يعني شيء طبيعي تحضر، دا غير انها مستنتش دعوتي بمجرد ما عرفت لقيتها على طول مبلغاني بحضورها .
– اه وتسحب في ديلها البنت الدخيلة دي، لأ وكمان تدمجها مع أعضاء النادي المميزين، دا شيء بقى لا يحتمل.
تطلعت المرأة نحو ما تنظر نحوه بهيرة، في تلك الجهة الموجودة بها نجوان وسط عدد من الفتيات الصغيرات والسيدات تتحدث معهم بتباسط كعادتها، وتخطف الاضواء، وتشرك مساعدتها في الاندماج معهن في خطة زكيه تتبعها الاولى، لتعبر المرأة عن إعجابها:
– بس منقدرش ننكر يا بهيرة هانم ان البنت بقت حاجة تانية عن أول يوم دخلت لنا فيه، لمسة نجوان واضحة اوي في لبسها وفي طريقتها في الكلام، دي واقفة وسط البنات ولا اكنها منهم .
– ما هو دا اللي هي عايزاه
غمغمت بها بهيرة داخلها، يغمرها الغيظ الشديد نحو أفعال شقيقتها
❈-❈-❈
كان الوقت يقارب على الساعة الخامسة عصرًا حينما استيقظت على هزهزة عنيفة، وصوت والدتها تحاول معها:
– بت يا صفية، قومي يا بت قومي يا منيلة، قومي يا بت شوفي الضيوف اللي جم عشانك.
فتحت عينيها اليها مجفلة:
– اقوم فين يا ماما؟ وضيوف مين؟ انتي بتصحيني ليه اساسًا؟
هتفت بالاخيرة تعيد شد الغطاء عليها للعودة الى النوم، مما دفع والدتها لرفعه من عليها بأكمله تلقيه ارضًا، لتشدد عليها بغيظ:
– قومي يا بت انا مرارتي مفقوعة اصلا مش كفاية عليا ابوكي اللي طب عليا بالناس الغريبة فجأة، قومي اخلصي.
اذعنت صفية تعتدل بجذعها على تخوف، يكتنفها الاجفال بعدم الفهم:
– ضيوف…. وناس غريبة! هو في ايه؟ وانا مالي اصلا؟ انا قدامي ساعتين على ميعاد المكتب عايز اريح شوية .
دنت منها سمية تزوم كازة على اسنانها بحنق شديد ، تحاول التوضيح مرة أخرى علًها تستوعب هذه المرة:
– ما هو يا هبلة يا بت الهبلة، الضيوف جاين عشانك، عريس كلم ابوكي عليكي ودلوقتي هو وأمه قاعدين في الصالة في انتظارك..
سمعت منها ليعود اليها الوعي كاملا، وروح التمرد تكتسحها ، فتتحفز كل خلاياها وكأنها على وشك الدخول في معركة.
– نعم! عريس واتفاق على جوازة صالونات مع ابويا وانا نايمة على وداني، ليه؟ هي بهيمة والشاري بيتفق مع صاحبها عليها من غير ما يتاخد رأيها، انا اعترض…. قصدي أرفض النوع ده في ترخيص الأنثى والمساس بكينونتها .
تجمدت سمية لبرهة من الوقت فاغرة فاهها بعدم فهم للكلمات التي وصلت لأسماعها، ثم سرعان ما نفضت رأسها تجليها من هذا العته، لتأمرها بضجر:
– نيلة ولا زفت على دماغك انتي وابوكي، تقومي حالًا تحضري القعدة اللي برا دي، يمشو التاس واتفلقو انتو الاتنين، توافقي بيه ولا ترفضي ولا تعنسي حتى، في ستين داهية حتى، المهم اخلص الورطة الزفت دي، جاتك القرف، قومي يا بت.
صدرت الأخيرة بقوة جعلتها تنتفض ناهضة من الفراش على غير ارادتها، لتتمتم بتوعد:
– ماشي يا ماما، عشان خاطرك انتي بس، انما عريس الهنا ده هطفشه هو وأمه ان شاء الله.
❈-❈-❈
ما أبشعها من مفاجأت، تلك التي تباغتك على حين غرة بالأسوء. في الوقت الذي غمرك احساس ما، بنفض الهموم وراء ظهرك كي تلتفت للأمام وتمر على احزانك يأتي الماضي ويطل عليك، فيتصدر امام كل تقدم .
ما كان يكتنفه في هذه اللحظة اقوى من اي شيء وكل شيء، مشاعر لا يعرف لها اسم تجتاحه الآن وهو واقف خلف اللوح الزجاجي في المشفى، بعد وصوله منذ ساعة إلى أرض البلدة الأوربية الجليدية.
شقيقه الصغير امام جسد والدته، يطالعها بنظرات الوداع بدموع لا تتوقف، يشفق عليه، يريد احتضانه، وفي نفس الوقت يخشى رد فعله حين يقترب منه، ليته تجاوز عن كره المرأة الوحيدة في تدمير اسرته وتقرب من شقيقه على الاقل ، لربما سهل الأمر عليه الآن.
– رياض انت لسة واقف مكانك؟
قالها عدي قادمًا من الخارج بصحبة احد الرجال، ليلتف اليه ويرد بصعوبة، شاعرًا بثقل الكلمات على لسانه:
– يعني هروح فين بس؟ مش قادر اتحرك واسيبه، دا اني غير متلغبط ومش عارف اعمل ايه اصلا
قالها بإشارة نحو شقيقه، والذي ابصره عدي من محله ليعقب بدعم له:
– معلش انا عارف الحمل تقيل عليك، بس هنعمل ايه؟ دا شيء محدش كان يتوقعه ابدأ
اومأ برأسه يوافقه، قبل ان يرفع اليه عينيه سائلًا:
– طب انت معرفتش السبب لموتها المفاجيء
اهتزت رأسه بأسف يخبره:
– خطأ في عملية تجميل أجرتها هنا في عيادة خاصة لشد الجسم، ادت لحدوث نزيف أثناء الجراحة نتيجة خطأ في التخدير ودا كان السبب الاساسي للوفاة، يعني اهو رغم كل التقدم والحوادث دي برضو بتحصل رغم ندرتها لكن حظها بقى.
اغمض يسحب دفعة كبيرة من الهواء داخل رئتيه، قبل ان يفتح عينيه طاردهم من صدره بعنف، بغضب يتسلل داخله، نحو تلك المرأة التي لا يصح لها الآن الا الرحمة، لو كانت تعلم ان تعلقها الشديد بمغريات الحياة سيكون السبب الاساسي لفقدها أيضًا، ما كانت استمرت في تلك الأفعال أبدًا
تابع عدي يضيف المزيد عله يطمئنه:
– انا خلصت كل الإجراءات مع المحامي بتاعنا هنا، فاضل بس موضوع ابنها….
توقف يطالعه بتساؤول واستفهام أجاب عنه رياض دون تردد:
– طبعًا مش هسيبه.
سأله بمزيد من الفضول:
– وهتتصرف ازاي معاه؟ الولد ميعرفكش اساسًا؟ انا بقترح اخده معايا واهو يقعد مع الولاد ، على ما ياخد عليك ، يمكن مع الوقت…..
– مفيش مع الوقت يا عدي.
قاطعه به بملامح طغى عليها الهم، ومسؤولية تقسم الظهر:
– لو مخدتش عليا من دلوقتى مش هيقبلني بعد كدة ابدًا، قعاد عندك ولا هنا مش هينفع، ادم لازم يجي معايا مصر، رغم صعوبة القرار والنتائج المترتبة عليه، بس انا شايف انا دا اسلم حل .
❈-❈-❈
بملامح عابسة، ووجه لم تضع به نقطة واحدة من مساحيق التجميل والزينة كما تفعل باقي الفتيات في مثل تلك المناسبات، ضاربة بتعليمات والدتها وتوصياتها عرض الحائط، حتى انها لم تخشى رد فعل ابيها الذي وقعت عينيها عليه اول الحضور في الجلسة، وقد كان مسترخيًا في الحديث بصورة أظهرت ترحابه الشديد بالأمر، فاليأخذ فرحته الآن قبل أن تصدمه برفضها، نحو هذا ال….. تبًا، انه هو!
– عروستنا القمر، قدمي يا صفية وقفتي ليه؟
قالها محروس يدعوها للمواصلة بعدما توقفت في وسط الصالة امامهم، بأبصار شاخصة، المفاجأة جمدتها محلها حتى لم تستوعب لفعلها سوى بعد قول والدها، ودفع والدتها التي نهضت من محلها، لتجذبها من ذراعها بابتسامة ظاهرة، وهمس خفي:
– بلمتي في نص السكة ليه يا منيلة؟
علت بصوتها بعد ذلك بأدعاء الضحك لتغطي على توترها:
– عروستنا مكسوفه بقى يا جماعة اعذروها.
– اكيد يا طنت لها عذرها
نطق بها يشعل رأسها ناحيته، وقد وقف يستقبلها بابتسامة وأدب جم، بجوار والدته التي بدت على ملامحها الطيبة وهي تتلاقها بالتكبير والتهليل:
– بسم الله ما شاء الله، تبارك الرحمن فيما خلق، دا انتي قمر فعلا يا عروسة تعالي يا حلوة وسلمي، ولا الكسوف هيمنعك ما تسلمي علينا.
انتفض داخلها وتحفزت نحوه بشر، ليندفع الادرينالين بعروقها وتتقدم بخطوات مسرعة هذه المرة لتنفي عنها الصفة السابقة:
– ابدا يا طنط مفيش كسوف ولا حاجة ازيك .
قالت الأخيرة وامتدت كفها تصافح المرأة، والتي جذبتها اليها تضمها بقوه، وتقبل وجنتها بأصوات واضحة:
– يا ختي يا حلاوتك، قمر يا ناس قمر، وطبيعي ولا نقطة مكياج، والله وعرفت تنقي يا واد.
قالت الأخيرة بغمزة نحو ابنها الذي اتسعت ابتسامته غير مباليًا بشرار عينيها الموجه نحوه في تلك اللحظة وهي تترك والدته وتمتد كفها اليه بندية:
– اهلا يا دكتور، اَنست وشرفت .
ضغط على كفها يرد التحية لها:
– دا نورك يا أستاذة صفية.
– ايه ده؟ هو انتو تعرفوا بعض؟
تسائل خميس باستفساره فجاء الرد من ابنته التي ألتفت تجلس امامهم بثقة، رافعه عنها غطاء الخجل:
– يعني يا بابا، تقدر تقول كدة معرفة سطحية.
أضاف هو يوضح بمنظوره:
– اااه بس كانت كافية اوي ان اعرف اخلاقك الممتازة يا أستاذة واجري على والدتي واقولها ان لقيت بنت الحلال اللي تستاهل ابنك الغالي
– اللي تستاهل !
تمتمت بها بتعجب ازداد مع قول والدته التي أيدته:
– اه والله يا اسطى محروس ، دا انا كمان قلبي انشرح دلوقتي بشوفتها وهاين عليا ازغرط من دلوقتي. عشان انتو اكيد مش هتكسفونا صح؟
رد على قولها محروس:
– لا طبعا، معاش اللي يكسفك يا حجة، هي تطول اساسًا؟.
توسعت عينيها بإجفال لقول والدها، ليصدر اعتراضها بانفعال، غير قابلة بالتقليل من شأنها:
– هي مين اللي تطول ولا متطولش يا بابا؟ انا محامية وليها وضعها، لو سمحت بلاش تقليل، انا…..
قاطعها هو يكمل من عنده:
– انتي الأستاذ الاَنسة صفية، هي دي حاجة محتاجة نباهة برضو؟ ولا انا لسة هعرفك يعني؟
وعاونته والدته هي الاخرى:
– معاش اللي يقلل منك يا سيادة المحامية، دا على كدة ابني صدق لما كان بيقول فيكي شعر .
وكأن بقولها اطفأت بدلو من الماء نيران على وشك الاشتعال، رغم المبالغة في القول، لكن العفوية في التحدث كان لها أثر السحر عليها، لتبدي اسفها نحو المرأة بحرج:
– متشكرة يا خالتي، انا كمان مكنش قصدي اتعصب.
واصلت المرأة بمعسول الكلام:
– يا ختي عليكي وعلى حلاوتك، شوفت كدة يا دكتور الحلاوة ع الطبيعة بيظهر فايدتها ازاي مع الكسوف، الوش احمر وبقى زي حبة الطماطم.
– اه والله يا ماما عندك حق
سمعت منه لترتفع عينيها اليه بغيظ، وتحدث والدها بمبالغته:
– والله انتو اللي مفيش احلى منكم، انا من ساعة ما الدكتور كلمني وانا الفرحة مش سايعاني، اصل البت دي مرزقة، زي اختها زهرة هي كمان اتجوزت راجل أعمال كبير ومشهور اوي، انا راجل على قد حالي اه، لكن عندي بنات يتقالوا بالدهب ، أهم حاجة السمعة والاخلاق
والدها يتحدث عن السمعة والأخلاق!
كادت ان تبزغ ابتسامة جانبية ساخرة منها تعقيبا على قوله، ولكنها تماسكت ، لتعطي انتباهاها للمرأة التي صارت تتحدث عن قريتهم، واسم عائلتهم الكريمة، وما يملكون من اراضي زراعية، ثم الثناء على اخلاق ابنها الجالس بأدب القرود بينهم الآن،
ذلك الذي بمجرد النظر اليه، يثير داخلها التحفز، فما يفعله الآن بالتقدم اليها مباشرة ودون اخذ رأيها يدفعها للتهور وعدم الزوق، ولكن بوجود تلك ألمرأة الطيبة او ربما الذكية دائمًا ما تجهض محاولاتها من البداية.
حسنًا فالتمر الجلسة على خير ولابد من مراعاة أصول الضيافة،
– كدة انتو عرفتو كل حاجة عنينا يا سيادة المحامية، مستنين بقى ردك ، مع اني كان نفسي تبقى قراية فاتحة دلوقتى .
– عادي يا حجة نخليها قراية فانحة
قالها محروس ببلاهة إعادتها لنفس النقطة من الغضب حتى كادت ان تقلب الطاولة بالرفض لولا ان الاخر لحق يسبقها:
– لا يا عمي طبعا مينفعش، العروسة لازم تاخد فرصتها في التفكير، ولا ايه؟
توجه في الأخيرة نحوها بابتسامة المعهودة، لتبادله بنظرة مقصودة يفهمها:
– عادي وماله، ناخد وقتنا في التفكير
الفصل التاسع والثلاثون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل التاسع والثلاثون 39 بقلم امل نصر
وما كان شوقي لك إلا صفحة صغيرة في كتاب الألم والعذاب الذي أحيا به وعليه، لا اتمنى الاستغناء او الفراق مهما عانيت
ذلك لأنك انت سر سعادتي ومصدر شقائي
انت بلسمي وترياقي
بنت_الجنوب
انقضت نصف المهمة بدفن الفقيدة في الأرض الاجنبية، نظرًا لاستحالة نقلها إلى أرض الوطن بتلك الاجراءات المعقدة، وظروف الوقت القصير مع صعوبة الأمر، فالفقيدة كانت في الأساس في نظر ذويها متوفاة منذ سنين مضت، بعد حادثها مع حكيم ، وقد اختارت وباعت الاهل وكل شيء مقابل الاستقلال والرفاهية في الدولة الغريبة حتى صار بها مثواه الاخير.
اما عنه فقد أحسن إكرامها كما لو كانت من اهله بالفعل، وكل ذلك بالطبع كان من اجله، من أجل ذلك الجالس الآن بركن وحده في حديقة منزلهم، بعد عودتهما من دفنها، بصمت يتخذه نهجًا منذ ان قدمه محامي العائلة، وقام بتعريف صفته من القرابة اليه، لم يعترض ولم يصدر منه أي رد فعل لرفضه، بل ظل مستلسمًا لكل ما قد تم فعله، ليأتي الان الشيء الأصعب على الطرفين، او بالأصح عليه هو، كيف يتواصل معه كي يتقبله؟ كيف يقنعه بالسفر وترك المدينة التي نشأ بها، وقد حان وقت الرحيل من البلد بأكملها…..
تقدم منه عدي، والذي كان يراقب حيرته هو الاخر، عارضًا المساعدة:
– اروح افتح معاه انا وامهدله عنك؟
اجابه بنزق:
– تمهدله ايه يا عدي؟ ما هو عرف اني اخوه، الموضوع بقى عليا انا دلوقتي، لازم اكسر الحواجز ما بينا، مينفعش الوسيط
اومأ عدي رأسه بتفهم:
– مهمتك صعبة بس ربنا يعينك .
زفر بتمهل، ليشجع نفسه حاسمًا هذه المرة:
– يبقى مامنوش فايدة الانتظار اكتر من كدة، عن اذنك هارحله.
تفوه بها وتحرك يتجه مباشرة نحو شقيقه دون تردد، والذي انتبه عليه هو الاخر يطالعه بأبصاره حتى اقترب يستأذنه في الجلوس بجواره على الارجوحة متفوهًا باللغة الإنجليزية:
– I want to sit next to you.
جاء رد الصغير يفاجئه:
– اتفضل
صعق بإجفال حين وصلت لأسماعه الكلمة بالعربية حتى تسمر امامه بعدم تصديق ليؤكد له الاخر بقوله:
– ماما كان كل كلامها معايا باللغة العربية،
– كووويس اوي
صدرت منه بشيء من الارتياح لم يدم كثيرًا حينما اردف ادم متابعًا :
– دا غير اني كنت عارفك من الاول، لأنها كانت دايما بتكلمني عنك انت وبابا الله يرحمه.
سأله بريبة ووجه مخطوف:
– كانت بتقولك ايه بالظبط؟
وكأن الصغير ود التلاعب به، صمت قليلًا يطالعه بملامح مبهمة قبل أن يعطف عليه بالإجابة:
– كانت بتقولي أن انت اللي بتصرف علينا من فلوس بابا الله يرحمه ، لأنه كان راجل أعمال كبير وانت زيه، وكانت عايزاني اكبر بسرعة عشان ابقى زيكم انا كمان .
– اها
تمتم بها بتفهم لشخصية الراحلة، فماذا كان يتوقع، يحمد الله انها لم تشوه صورته امام شقيقه، ليدخل بصدره بعض الهواء ويجلس على الارجوحة يجاوره مردفًا:
– كويس انها كانت مفهماك وضعك، واضح كمان ان عقلك سابق سنك، يعني بكرة ان شاء الله تبقى رجل اعمال اكبر مني ومن والدك.
ناظره ادم بملامحه المغلفة يباغته؛
– بس انا شوفتك وانت بتحاول تخنقها
اللعنة، انه يذكره بهذا اليوم حينما انفعل عليها ، ليبتلع رمقه بتوتر يجاهد لإخفاءه في البحث عن رد يناسب عمره:
– مكنتش طبعا عايز اخنقها، دي بس كانت لحظة انفعال لما….
– لما ماما رفضت تسلمني ليك.
– ايه؟
– ماما قالتلي انك كنت عايز تاخدني منها و
هي رفضت فحصلت مشادة ما بينكم لدرجة انها شتمتك
– ايه؟ شتمتني انا؟
–
– اه وانت مستحملتش الشتيمة واتعصبت عليها.
رغم غضبه من التحميل عليه بشيء لم يحدث من الاساس ، إلا أنه لم يملك الا التغاضي وتمرير القصة الوهمية التي اختلقتها هذه المرأة من أجل شقيقه ذاك الذي يتحدث بصدق وذكاء يثير الإعجاب.
– ماشي يا ادم، ع العموم خلينا نعدي اللي فات ونركز في الحاضر، انت هتيجي معايا على مصر، احنا دلوقتي ملناش غير بعض، واوعدك ان مش هتعصب عليك ولا ازعلك.
فرك ادم بكفيه الصغيرين بتفكير متعمق، ليتأمله رياض بإعجاب، يتمعن ملامحه عن قرب، يحمل ما بين صفات العائلة، وسمة البلد التي نشأ بها، البياض الشديد والشعر الأسود الحريري الطويل نسبيا، العيون الواسعة والأنف المستقيم بإرستقراطيه، تطغى عليه وسامة حكيم بالإضافة إلى الذكاء والمرواغة كما يحدث الآن، في جعله يحترق للإجابة التي أتت بعد فترة من الوقت؛
– تمام انا موافق.
❈-❈-❈
قلق شديد يعصف بها منذ الامس، وذلك بسبب انقطاعه المفاجيء عن مهاتفتها، حتى الرد على محاولاتها في الاتصال به لا يجيب، مكتفيًا بتلك الرسالة المبهمة التي ارسلها اليها يطمئنها انه مشغول جدا وحينما يفضى سوف يتصل بها، ومع ذلك لم يفعل، تذكر حينما أخبرها انه انهى كل اعماله هنا وهو الآن على وشك المغادرة والعودة إلى أرض الوطن، إذن ما الذي حدث؟
– اللبن يا بيبو.
هتفت بها عائشة وهي تسرع بيدها لإطفاء الموقد قبل أن يفور الحليب عليه ويطفئه وقد كان على وشك. نتيجة لشرود شقيقتها التي لم تنتبه سوى الآن، لتبدي امتنانها لها:
– متشكرة اوي يا عائشة، معلش سهيت ومخدتش بالي .
ضحكت عائشة تساعدها في وضع باقي الأطباق على صنية الطعام التي تعدها للإفطار معقبة بمكر:
– معلش يا بيبو، اللي واخد عقلك يتهنى به.
بكف يدها لطمتها بخفة على جبهتها:
– ومين هياخد عقلي على أول الصبح كدة يا مصيبة؟ شيلي يا بت الصنية دي واطلعي بيها شيلي.
اذعنت ترفع الصنية مرددة بمزاحها كالعادة:
– حاضر والله يا أبلتي حاضر، هو احنا نقدر على زعلك يا ست بيبو .
قالتها وتحركت خارجة من المطبخ تتبعها بهجة التي حملت خلفها، صنية الحليب والشاي، وقد كان في انتظارهم ذاك الذي تلقفهما من وسط الطرقة يحمل عنهما ، ليتناول الطعام بعجالة معلقًا:
– خمس دقايق كمان وكنت هروح ع الكلية من غير فطار، يرضيكي كدة يا بيبو؟
تبسمت تخطف قبلة من وجنته:
– لا طبعا ما يرضنيش، سيادة الدكتور المحترم يدخل محاضراته ولا السيكشن على لحم بطنه، دي حتى تبقى عيبة في حقنا
– حبيبتي
تمتم بها ليأتي التعقيب من جنات التي تجهزت هي الاخرى لجامعتها:
– هيسوق لنا فيها بقى، ما تاكل اي حاجة في طريقك وانت ماشي يا سيدي، مش المهم انك ترضي بطنك وخلاص،
عقبت عائشة هي الاخرى:
– كبري مخك منه يا جيجي دا البالطو الأبيض لحس مخه خلاص.
رمقهم إيهاب متصنعًا التعالي والازدراء، فتدخلت بهجة بسلطتها على قلوبهم :
– انتو هتتفقوا عليه انتي وهي عشان ما هو الولد الوحيد وسطنا، لا اصحو كدة دا في حمايتي
هلل شقيقها مغيظًا لهم:
ايوة بقى انا في حماية الكبيرة، يعني تقفلي بوقك يا قرشانة انتي وهي، انا في حماية عُليا .
تعبيرات الامتعاض على وجهي الاثنتان كانت أجمل رد لبهجة التي صارت تضحك لمشاكساتهم، حتى قطعت بانتبهاها لدوي اتصال بهاتفها، فركضت سريعًا تتناوله أعلى الطاولة الجانبية، لكن خاب املها حينما رأت رقم صديقتها، وليس هو
فتجيبها بنبرة يتخللها اليأس:
– الوو، اهلا يا صفية عاملة ايه؟……. اروح معاكي فين؟….. لا مش هينفع النهاردة احتمال كبير اتأخر في الجمعية، ممكن تجيني الكافيه على سبعة المسا، او بعد ما تخلصي شغلك نخرج مع بعض
❈-❈-❈
كانت في طريقها إلى عملها، حينما انهت المكالمة مع بهجة بعد اتفاقهما على موعد للقاء معًا، لتتوقف بسيارتها امام البناية التي بها مكتبها، فتقع عينيها عليه مستندا بظهره على سيارته، ف المكان الذي تصطف به سيارتها، بهذه الابتسامة المستفزة، يبدو واضحًا انه ينتظرها.
ترجلت تضع اقدامها على الارض، عينيها نصب عينيه بتحدي، فتغلق باب السيارة بعنف وتتجاهل إلقاء التحية له عن عمد، وتتخذ طريقها نحو مدخل البناية ثم دلفت داخل البنايه لتصعد آلى طابقها، دون ان تهتم حتى بالالتفاف للخلف، في تصميم على إظهار عدم الإكتراث ، رغم دوي قلبها الذي كان يضرب بقوة داخلها، ولا تعلم لماذا؟
وصلت امام المصعد ولم تتوقف دقيقة فقد فتح امامها على الفور، يخرج منه عدد من البشر ، لتحل محلهم وتلج داخلها ، وما ان أعتدلت بظهرها لتضغط على ذر الطابق الذي تريده، حتى اجفلت به ينضم معها والمصعد يغلق عليهما فيتكفل هو بمهمة اختيار الطابق مرددًا بمرح يحمل غيظًا خفي:
– كدة برضو يا أستاذة تعدي من غير ما ترمي التحية، دا حتى السلام لربنا .
انتابها الحنق الشديد وانتفخت ذاتها بتلك الندية التي تجعلها على وشك التحفز دائمًا :
– واسلم ولا ارمي التحية ليه؟ ايه اللي بيني وبينك من اساسه؟ هما حيالله كلمتين لسه ما تبتش الأمر فيهم.
وبرد فعل سريع قصر المسافة الفاصلة بينهم لتصير مجرد سنتيمترات، ويصبح بكليته امامها بالكامل، قائلا بتسلية:
– وايه اللي مأخرك؟ ما تبتي يا ستي في الامر
انتفضت يلتصق ظهرها بالمرأة من خلفها وانفاسها تصعد وتهبط بتوتر شديد أصبح يقبض على انفاسها، فترفع سبابتها امامه بتهديد وتحذير، وكلمات تخرج بصعوبة:
– سيادة الدكتور المحترم، ارجوك بلاها منها الحركات دي، احنا مش عيال صغيرين.
رد بهدوء لا يخلو من حزم، يتأمل جمال سوداوتيها كقمرين اسودين بكامل سحرهما رغم الزعر الذي يرتسم داخلهما، وجهها على هيئة قلب يميزه طابع الحسن اسفل الذقن، البشرة الخمرية النضرة، جمال مصري اصيل، رغم عدم اهتمامها بذلك الأمر ولكن الأجمل هو ذاتها.
– ما احنا فعلا مش عيال صغيرين، احنا ناضجين وفاهمين، يعني مالوش لازمة نلف وندور على بعض، انتي عايزاني زي ما انا عايزك، حتى لو بينتي غير كدة.
زاد الرعب داخلها تأثرًا بهيئته الجديدة امامها، رغم العبث الذي يدعيه دائمًا إلا أنها ولأول مرة يكتنفها الرعب من رجل ويكون هو،
– ابعد عني، والا والله… والله .
صارت تردد بها بصورة أثارت قلقه، حتى أنه غفل عن السبب وهو يحاول الإطمئنان عليها:
– والله ايه؟ هو انتي عندك فوبيا من الأماكن الضيقة، ولا ايه اللي حاصل معاكي بالظبط؟
ماذا تخبره؟ وهي في الأساس تخشى منه هو نفسه، ضافت انفاسها حتى اسودت الصورة امام عينيها فلم تعي بشي بعد ذلك، ولا بجسدها الذي سقط فجأة عند اقدامه:
– صفية، صفية مالك؟
❈-❈-❈
دفع الباب ليدلف داخل مكتب المحاماة الخاص بها حاملا لها بين ذراعيه، حتى اجفل الفتاة مساعدتها في العمل، لتنتفض في استقباله:
– يا نهار اسود، هي الأستاذة جرالها ايه؟
هدر بها بصرامة:
– انتي لسة هتسألي؟ روحي افتحي اوضتها عشان اريحها على اي كنبة وافوقها .
ركضت الفتاة تفتح له باب غرفتها ليدلف ويسطحها على الأريكة القريبة من المكتب، فتخاطبه بلهفة:
– اروح اجيب لها قزازة ريحة نفوقها بيها؟ ولا اتصل بدكتور احسن؟
هتف بها حازمًا:
– انا الدكتور يا بنتي، تعالي ساعديني عشان افوقها
بحيرة اعتلت تعابيرها، اقتربت تسأله بفضول، وهي تراه ممسكًا رسغ يدها بعملية يقيس النبض
– طب انا اعمل ايه يا دكتور؟ واساعدك ازاي؟
رمقها بغيظ يأمرها:
– فكي الحجاب بتاعها الأول خليها تاخد نفسها.
على اثر صيحته الاخيرة انتفضت تنفذ ما أمرها به ، تراقب ما يفعله في افاقتها بتركيز شديد، لكنه لم يمنعها من سؤاله:
– حضرتك تعرفها منين؟ ولا هي وقعت قدامك صدفة يا دكتور؟
كانت صفية في هذه اللحظات بدأت تحرك عينيها في بدايه للعودة لوعيها، ليطمئن قلبه بعض الشيء فيجيب تساؤل هذه الفتاة الفضولية، بجدية الواثق:
– انا خطيبها يا آنسة.
شهقة عالية صدرت من الفتاة حتى ارتد اثرها على صفية لتفتح عينيها بالكامل فيصلها صوت الفتاة :
– يعني إنت بجد خطيب الأستاذة صفية؟ طب هي مقالتش ليه؟ مقولتيش ليه أستاذة انك مخطوبة لدكتور وزي القمر كده ؟
تبسم بمكر وقد أعجبه رد فعلها، وعيناه لا تفارق تلك التي بدأت تنتبه اليه والى وضعها امامه، وارتسم الجزع على ملامحها لتنتفض بجذعها صارخة به؛
– انا جيت هنا ازاي؟ وانت قاعد قدامي كدة ليه؟ ايه اللي حصلي؟
جاء الرد من الفتاة مساعدتها بلهفة:
– يا أستاذة متقلقيش ولا تخافي، انت كان مغمي عليكي والدكتور خطيبك هو اللي فوقك.
– خطيبي!
تمتمت بها بأعين توسعت فجأة ليلحق هو مخاطبًا الفتاة:
– بسرعة يا اسمك ايه هاتيلي كوباية ميه عايز اشرب، وياريت تعملي كوباية عصير للأستاذة الآنسة صفية.
– من عيوني.
قالتها الفتاة وركضت بحماس تترك لهما المجال لتبدأ بينهما جولة من النقاش المحتدم:
– البت سندس بتقول عليك خطيبي، مين فهمها كدة؟
ردد بمرواغة:
– يعني اللي خرجت دي اسمها سندس؟ طب والله ما اعرفها، بس هي اكيد مش هتألف من مخها، ما هو انا كمان، كان لازم ارد على سؤالها لما سألتني وانا داخل بيكي شايلك.
– داااخل بيا شايلني! يعني انت شيلتني بجد؟
تردد بها بهلع وهو يزيد عليها بقوله:
– ايوة طبعا بعد ما اغمى عليك في الاسانسير، كان لازم اطمن عليكي، دا انتي قعدتي يجي ساعة افوق فيكي.
– ساعة كمان تفوق فيا.
استدركت لكلماته لترفع يدها على شعرها، فتعي على وضعها بدون حجاب لتنتفض فجأة من جواره ناهضة بهلع، حاول تخفيفه عنها:
– خلي بالك ان سندس كانت معانا، وهي اللي قلعتك الحجاب عشان تفوقي .
تجالهت كل ما تفوه به، وقد توقف عقلها على شيء واحد:
– قاعدة ولا مش قاعدة ميهمنيش، المهم اني كنت بشعري! بقالي ساعة قدمك بشعري! يا نهار اسود، يعني انا شعري انكشف قدامك ؟!!
تبسم بخبث يجيبها ببساطة:
– وليه الخضة دي بس؟ ما انا يعتبر برضو خطيبك ، ولو مكانش يبقى الاسلم توافقي عشان ما يبقاش شعرك انكشف على حد غريب
سمعت منه، فتحولت ملامحها لقطة شرسة على وشك الهجوم على خصمها لولا دخول مساعدتها بصنية تحمل ما قامت بإعداده:
– العصير والميه يا حضرة الدكتور
❈-❈-❈
حطت الطيارة التي تحمل الشقيقين على أرض الوطن، فكان في استقبالهم كارم، في بادرة منه للدعم والمؤازرة، بعدما علم من صديقه عدي بالقصة كاملة، والذي اوصاه من جانبه هو الاخر بالاهتمام.
ليتكفل ويقلهما داخل سيارته، وحديث دائر بين الشريكين لا يُخفي القلق.
– كل حاجة تمام في الشغل، متقلقش خالص.
– اكيد مش قلقان يا كارم، حتى لو تقلت عليك، انا عارف انك قدها وقدود.
تفوه بها رياض يعرب عن امتنانه الشديد له، حيث كان جالسًا على الكرسي المجاور له في الامام، وشقيقه في الكنبة الخلفية، يشاهد من نافذة السيارة أجواء البلد التي يراها لأول مرة، ليشاكسه كارم بقوله:
– عجبتك البلد يا آدم؟ اوعى تقول لا وتقارنها بالبلد اللي عيشت واتربيت فيها ، ازعل منك.
اومأ له ادم بإجابة مقتضبة قائلا:
– بالعكس هنا أجمل، على الاقل الشمس في كل مكان ودافية.
تبسم كارم يردد ضاحكا باستدراك؛
– اااه، ياعيني انت صحيح متربي ع التلج والضباب، الشمس بتطلع زي هلال العيد عندكم .
هذه المرة كان الرد مستجيبا لمزاحه بابتسامة صافية، ليردف كارم في ترحيب له:
– منور بلدك يا آدم، وان شاء الله بكرة تبقى سعيد بصحبتنا .
أضاف على قوله رياض:
– ان شاء الله….. وبكرة هو يشوف بنفسه….
شعر كارم من نبرته بثقل لسانه، ومدى ما يعتريه من هم، ليعقب بسؤاله مستفسرا عن القادم:
– طب انت كدة هتعمل ايه؟ هتروح بيه على بيتكم ولا فين بالظبط؟
رد يجيبه بتنهيدة خرجت من العمق:
– انا هقولك دلوقتي على فين تروح بينا؟
❈-❈-❈
وصل به كارم إلى منزله الخاص، فلم يجرؤ على الذهاب به إلى والدته، خشية حدوث انتكاسة لها بهذه المفاجئة المدوية، لابد من التمهيد والحذر الشديد في مفاتحتها، ف الأمر ليس بالهين على الإطلاق.
كان في استقبالهم جوليا الخادمة الإيطالية والتي رحبت به بحفاوة بلكنتها الغير متقنة، ليقوم بتقديمها اليه، بعد انصراف كارم لمتابعة الأعمال المشتركة بينهما:
– دي جوليا يا ادم اشطر واحدة في العالم تعمل مكرونة ايطالي، وكل انواع البيتزا اللي انت بتحبها، اطلب منها وهي تعملهالك، دا لو ليك فيها يعني.
في استجابة منه، اومأ بهزة خفيفة من رأسه ليجفله بسؤاله:
– مامتك؟
ضحكت جوليا وقد فهمت عليه، ليسارع هو بالنفي:
– لا يا ادم مش هي، والدتي هعرفك عليها بعدين شوية مش دلوقتي، حضريلنا انتي الغدا يا جوليا وتعالي انت يا حبيبي اقعد، وبعدين ابقى اتعرف على البيت براحتك بعد كدة.
توجه اليه بالأخيرة، حتى يكف عن السير في ارجاء المنزل وتأمله ، ليياغته ادم مرة أخرى بأسئلته:
– طب وانت هتعيش معايا ولا معاها؟
اخذ برهة قليلة من التفكير قبل يحسم بإجابته:
– معاك يا ادم، لحد ما ربنا يحلها ونجتمع كلنا في بيت واحد، وعلى ما يجي اليوم ده، هحاول اخلص كل الإجراءات وادخلك المدرسة والنادي اللي تمارس فيه هوايتك، انا عارفك انك هتتعب شوية في البداية عشان متعرفش حد في مصر بس بعد كدة……
– لا أعرف..
قاطعه بها ليثير بداخله الفضول للمعرفة:
– تعرف مين هنا في البلد يا آدم؟
– خالتو نادين اخت ماما، ما هي الوحيدة اللي كانت بتتكلم معايا فيديو، انا عايز اتصل بيها واكلمها.
❈-❈-❈
أثناء العمل معاً، كانت تدون ما تمليه عليها نجوان التي اندمجت في مدة بسيطة في الدور الخيري حتى أصبحت تدمنه، ما كانت تتوقع ابدا ان تعشقه بهذه الصورة، ولكن الاقدار دائمًا ما تدهشنا بتدبير الخالق ، الذي يضع كل إنسان فيما خلق له.
– وبكدة يبقى خلصنا بند المنازل اللي محتاجة معونة سريعة لبرد الشتا، وندخل بقى على بند السيدات المطلقات والارامل.
– لازم يعني؟
تذمرت بها بهجة في رد فعل عفوي، جعل الاخرى تنتبه اليها لتترك من يدها الملف الذي كانت على وشك البدء فيه، فتمعنت النظر بملامحها التي انكمشت بخجل تبدي اعتذارها:
– معلش انا اسفة كملي
عارضتها نجوان برقتها المعهودة، تخلع العوينات الطبية عنها:
– لا خلاص بقى انا نفسي تعبت، تقدري انتي تروحي يا بهجة، وانا اخلص بس جلستي مع مدام ايفون واروح انا كمان .
بتردد ملحوظ حاولت بهجة اثناءها:
– مفيش داعي، انا هخلص معاكي وبعدين اروح .
طالعتها بنظرة كاشفة جعلتها تطرق برأسها عن مواجهتها، لتلطف معها بعد ذلك:
– مفيش داعي تيجي على نفسك وانتي معايا، الدنيا مطارتش اصلا، روحي ارتاحي ونكمل بعدها براحتنا، ياللا قومي.
زجرتها هذه المرة بتصنع، لترفع عنها الحرج، فنهضت تلملم اشيائها مرددة لها بطرافة اختلطت بامتنانها:
– خلاص بقى اقوم وانفذ الأمر، انتي اللي امرتي، اعملك ايه؟
– لا يا ستي متعمليش حاجة نفذي الأمر
تمتمت بها نجوان تجاريها المزاح، قبل ان تستأذنها بحق هذه المرة وتذهب من امامها، وما ان اختفت من امامها حتى اجفلها اتصال نبوية، لتجيبها على الفور:
– الووو، في حاجة يا نبوية……… مين؟ رياض رجع من السفر وسأل عني كمان؟ وانتي قولتيلو ايه؟
❈-❈-❈
حينما خرجت في طريقها للذهاب، استوقفها مجموعة من الفتيات من أعضاء الجمعية في الفناء الخارجي للقصر للأستفسار والحديث معها في بعض الاشياء المكلفين بها، وبالطبع لم تقوى على التنصل من مسؤوليتها معهم، فاندمجت تشرح لهم على عجالة.
حتى غفلت عمن قدم بهيئته المهيبة حتى سرق اهتمام الفتيات بالنظر اليه وإبداء الإعجاب فيما بينهن، حتى لفت انتباهاها اخيرًا لتجفل وتتوسع عينيها بصدمة ، جعلتها تشك في بصرها، معقول! رياض.
– رياض مين؟ انت تعرفي الباشا الحليوة دا يا بهجة؟
لم تجيب الفتاة، يل اكتفت تحدجها بنظرة نارية، ثم تتركها وتلحق بهذا الشبح الذي ظهر فجأة، وهي التي كانت تظنه في بلاد الأناضول الآن.
واتجهت مباشرة نحوه بخطوات مسرعة، حتى دلفت خلفه داخل ردهة القصر، فتصدرت امامه على حين غرة تمنع مروره وتتأكد من هويته، فتجفله هو بهيئتها، بعدما مر عليها منذ لحظات حينما كانت تعطيه ظهرها مع مجموعة من الفتيات ولم يعرفها.
– بهجة!
خرج اسمها من بين شفتيه بملامح جمعت ما بين الدهشة والتساؤول، وكأنه لا يصدق رؤيتها من الاساس وبهذه الصورة وهنا، فيأتيه التأكيد منها، وهي تردد له:
– ايوة يا بهجة باشا، مش مصدق طبعا ظهوري المفاجيء في وشك كدة من غير سابق انذار.
خرج صوته بتشتت:
– مش حكاية مش مصدق؟ بس…
قاطعته بلوم:
– بس ايه؟ بس ايه يا رياض؟ يعني إنت هنا في البلد؟ ورجعت من السفر من غير ما تبلغني وانا اللي مشغولة عليك من امبارح وعمالة اتصل يجي مية مرة عايزة اطمن ، وانت اللي قدرك ربنا عليه هي رسالة بالعافية بعتها!
تصيح به بعتاب اشبه بتوجيه الاتهام وهو مازال على وضعه متجمدًا تطوف عيناه عليها بذهول تام، لا يستوعب حتى الآن المفاجأة بوجودها امامه هنا داخل قصر اجداده، وبتلك الهيئة الجديدة كليًا، اللعنة، لقد مر عليها في طريقه إلى هنا ولم يعرفها.
– رياض انا بكلمك، ما بترودش ليه؟
بسؤالها الاخير نفض عن رأسه الاندهاش قليلًا ليبادلها الرد بسؤال هو الاخر:
– اقول ايه بالظبط؟ فهميني الاول انت اللي ايه جابك هنا يا بهجة؟ ومن امتى التغير الشامل ده؟
أشار بسبابته عليها كليًا ، لتنتصب بثقة، قائلة له:
– مستغرب اوي شكلي الجديد؟ وبتسأل عن وجودي في قصر العائلة المعظمة، طب انا هريحك بقى واقولك اني بقيت موظفة هنا في الجمعية، مساعد لنائب مجلس إدارة.
– نائب لخالتو بهيرة ازاي يعني؟
– من غير ما تتخض اوي كدة، انا نائب لنجوان هانم ، اللي جاي تسأل عليها هنا، وناسي ان في واحدة قاتلها الخوف عليك من امبارح
– بهجة.
تمتم اسمها بلوعة الاشتياق التي تقتله الآن برؤيتها، بعد تقصيره في التواصل معها منذ نهار الامس، نظرا لانشغاله التام في أمر ناريمان وجنازتها ودفنها والعودة إلى البلد يشقيقه، بماذا يبرر؟ وكل الحروف قد فقدت معانيها امام سطوة خضراوتيها التي تاه في حقولها، حتى نسي الغرض الاساسي من مجيئه الى هنا.
تاني يا رياض مش هترد عليا، واضح ان المفاجأة برؤيتي مهباش سارة لحضرتك
– اللي انتي بتقوليه دا يا بهجة؟
زفر يشيح ابصاره عنها بضيق ملحوظ، فحضورها في هذا الوقت لم يأتي في باله على الإطلاق، عقله الذي يستحضر الحديث ومفاتحة والدته في الأمر المصيري بظهور الشقيق المختفي، لا يجد مساحة لشيء آخر حتى لو كانت هي، وهي أقرب اليه من نفسه….. تلومه ولها الحق في ذلك… ولكن ليس الآن.
– بقول اللي شايفاه يا رياض، دا انت حتى مش راضي تبص في وشي؟ هو في ايه بالظبط؟
عاد اليها يمسح بكفه على وجهه، وخلافًا لكل ما توقعته، تحدث متجاهلًا ثورتها، بكلمات خرجت من القلب وبدون تفكير:
– ما هو انا فعلا مش عايز ابص في وشك، لأني عايز ارمي نفسي في احضنك يا بهجة من غير مقدمات، تقدري تعطفي عليا بالمنحة دي وتتجاهلي كل الأفكار والشكوك في دماغك، لأن ملهاش اي اساس
اربكها بحق، يالها من حمقاء، لقد تأثر جزء داخلها بكلماته حتى أوشكت على التسليم لأشواقها، واحتضانه بالفعل، لولا يقظة عقلها ورفضها الاسلوب الملتوي منه، في التسفيه بغضبها منه:
– حلو اوي الاسلوب ده، ما هو بيجيب نتيجة صحيح مع واحدة غبيه زيي، طب حتى قدر احساسي في اللحظة دي وانا كل تفكيري بيدور على انك بتلعب بيا. وبتستغل سذاجتي.
ردد بعدم استيعاب لجملتها:
– انا يستغل سذاجتك يا بهجة؟
همت ان تلفظ باقي هجومها، ولكن النداء بأسمه جعلها تلتف نحو والدته التي أتت هي الاخرى وكأنها على علم بحضوره ولم تخبرها:
– رياض يا حبببي حمد الله ع السلامة
واقتربت تحتضنه مردفة:
– نبوية قالتلي انك روحت البيت وسألت عني؟ كنت عايزني في ايه بقى؟
توقف بنظرات مترددة ينقل بأبصاره ما بينها وبين بهجة ليحسم اخيرا:
– ممكن نقعد انا وانتي لوحدنا عشر دقايق .
الفصل الاربعون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الاربعون 40 بقلم امل نصر
“ليتني كنت القوة التي تحمل عنكِ الأوجاع، ليت لي يداً تمسح تعبك وتخفف همك. ليتني أكون الحماية التي تحيط بكِ، ليتني أستطيع أن أكون كل شيء تحتاجينه. ليتني أُم، لأكون لكِ كل الأمان والراحة يا أمي.”
اهداء الادمن القمر سنا الفردوس
ممكن نقعد أنا وأنتِ لوحدنا؟
دوت هذه العبارة في ذهنها، مع انتباهها الشديد لتجنبه المقصود، وتهربه من النظر إليها. لقد صدق ما قالته بالفعل، أن رؤيتها لم تكن مفاجأة سارة على الإطلاق. ابتلعت الغصة التي مرّت في حلقها، وعلت فوق جرحها، مفضلة الانسحاب بكرامتها، في تعارض مع نجوان التي اكتنفها الحرج والدهشة في آن واحد.
وماله، نتغدى الأول أنا وأنت وبهجة، وبعدين…
مفيش بعدين يا نجوان هانم، أنا أصلاً كنت ماشية. عن إذنك بقى، أسيبك مع الباشا.
استدارت على الفور مغادرة، بقلب مفطور، تتابع نجوان انصرافها بذهول مضاعف نحو ابنها الذي لم يرفع حتى بصره أو يبادر لإيقافها.
فخرج قولها بتوبيخ:
في إيه يا رياض؟ مخدتش بالك إنك أحرجت البنت؟
زفر بتثاقل، مخرجًا دفعة من الهواء المحبوس في صدره، يعلق على قولها بجمود:
بهجة مقدور عليها إن شاء الله. المهم إنك ما تضيعيش مني.
عقدت حاجبيها بريبة واستفهام:
وأنا أضيع منك ليه؟ إنتَ مخبي عني إيه بالضبط؟
رد متمعنًا النظر بها:
هتعرفي دلوقتي، لما نفتح في الحديث اللي بقاله سنين معلق بينا.
❈-❈-❈
كانت في طريقها إلى السوق، حينما اصطدمت عينيها به، جالسًا على إحدى المقاهي ينفث الدخان من خرطوم أرجيلته بشموخ، فارضًا سيطرته على من حوله. هو الآخر انتبه لرؤيتها، فتحفز معتدلًا بجذعه بتركيز تام لھا رغم حديث شخص آخر معه. ثم نهض فجأة متجاهلًا الرجل، وتقدم نحوها.
ارتجف داخلها برد فعل غريزي أصبح يلازمها كلما التقت به، رغم إنكارها طوال الوقت وادعائها العكس، لكن ذلك لا ينفي أبدًا فرض سطوته عليها.
ماشية كده، وواخدة في وشك، رايحة فين؟
توقفت على غير إرادتها، لتزفر بسأم، قائلة:
يعني هكون رايحة فين؟ بالعباية السودا دي اللي لابساها؟ أكيد طبعًا مش هبعد عن السوق اللي ورانا بشارعين، أظن دي مش محتاجة استئذان.
أمممم…
زم بها ثم أومأ بعينيه كي تتراجع عن طريق المارة وتقف في زاوية قريبة من البناية المجاورة لها. اضطرت للتراجع واطاعة الأمر، فلطمت بيدها على ظهر الآخر، وتابعت بحنق:
اديني اتنيلت، لكن لزومها إيه الوقفة في الشارع؟ على فكرة، أنا بكره كده.
وافقها الرأي مؤيدًا بنبرة لائمة:
وأنا كمان مبحبش يا سامية، بس اعمل إيه بقى؟ وإنتِ سايقة العوج، وقافلة نفسي من المرواح لبيتكم عشان أقابلك وأقعد معاكِ؟ ولا أكلمك في التليفون زي أي اتنين مخطوبين؟ ولافكرك إن ده هين عليا، بس بصبر نفسي على ما تيجي بيتي ونتكلم ونرغي كمان. هو انا هفضى لحاجة تانية غيرك.
هل كان هذا خجلًا؟ تلك اللمحة التي طفت على ملامحها سريعًا، قبل أن تُجليها بسرعة، عائدة لطبيعتها الشرسة، بصورة أظهرت اضطرابها وهي تنهره:
لمّ نفسك وبلاها تلميحاتك القبيحة دي يا طلال.
ردد بابتسامة رائقة علت محياه:
يا حلاوة طلال اللي طالعة منك، تصدقي حبيت اسمي، مع إنّي كنت اتعودت على شيكاغو.
زمت ثغرھا بضيق تدعيه، رغم تأثرها الواضح بغزله، تستدعي حدتها في الرد:
أنا بنطق الاسم عادي، عشان ده اللي اتعودت عليه من وأنا عيلة صغيرة، مش دلع يعني عشان يستاهل ده كله. عن إذنك بقى، كفاياها عطلة.
لم يتأثر بخشونتها، ليوجه السؤال نحوها بنعومة عارضًا:
تحبي أبعت معاكي حد من عيال الشارع؟ ولا أروح أنا وأشيل عنك؟
بالطبع كانت عازمة على الرفض، ولكن ما أجبرها على التريث هو طريقته الجديدة واللطيفة في الحديث معها، حينما لامس حس الأنثى الذي يتأثر بالتدليل، فارتد عليها ذلك بانتقاء كلماتها في الرد عليه بلطف:
متشكرة أوي، هما يدوب كام حاجة هجيبهم، مش كتير… عن إذنك.
إذنك معاكِ.
تمتم بها من خلفها، يتابع أثرها بنظرات كانت تشعر بها كسهام تخترقها، والغريب أنه لم يزعجها، بل العجيب أن هذا الشعور الذي يشبه الراحة كان يرافقها بمراقبته لها واستحواذه على اهتمامها.
❈-❈-❈
دلف خلفها داخل غرفة المكتب الخاص بها، في منصب نائب مجلس إدارة الجمعية الموقرة، بخطوات متأنية، دارت عيناه قليلًا يتأمل محتوياته، والديكور الأنثوي الرقيق لأغلى امرأتين على قلبه، مكتب والدته بالقرب من مكتب حبيبته.
كانت من خلفه تتأمله بتوجس حتى فرغ من استكشافه ليلتفت إليها قائلاً بإستدراك جيد لفعل والدته من تغيير شامل قامت بھ لحبيبته
حقك عليا أني أشكرك يا نجوان هانم، عملتي مع بهجة اللي معرفتش أعمله أنا.
مفيش داعي للشكر، لأنّي ما عملتش حاجة. بهجة حتة جوهرة، كانت محتاجة انھا تبان للنور وتعرف قدرها. المهم، سيبنا من الكلام ده، وادخل في الموضوع على طول… حديث إيه يا رياض اللي معلق بقاله سنين؟
بادرته بطلبها المباشر، فلم تكن لديها طاقة للتريث، وكأنها على استعداد تام للمواجهة وفتح جراح الماضي. بالطبع هو يريد ذلك، ولكن هذا لن ينفي صعوبة الأمر.
جلس على أقرب كرسي وجده أمامه، وأشار لها بيده لتقابله في جلسته، ومرت لحظات قليلة من الصمت كان الترقب فيها هو سيد الموقف، قبل أن يحسم الموضوع ويبدأ بمفتاح الحديث:
ناريمان.
اعتدلت في جلستها وتحفزت كل خلية بجسدها، لتعلق بحدة، مُعلنة أنها ما زالت متذكرة:
مالها؟
تردد قليلاً في إجابتها، لتواصل هي بحدة:
إنت لسة ليك علاقة بيها يا رياض؟
كادت أن تصيبه خيبة الأمل لوقوفها عند نفس النقطة في الخلاف القديم، لكن في النهاية تدارك لالتقاط الفرصة أخيرًا في توضيح موقفه، فخرج قوله بهدوء:
أولًا، يا ست الكل، أنا عمري في حياتي ما كان لي علاقة بيها.
فتحت فمها في نية لمقاطعته، لكنه لحق ليوقفها قبل أن تبدأ:
أرجوكي يا ماما، اسمعيني المرة دي… وبلاش تعملي زي المرة اللي فاتت لما ضيّعتي نفسك وضعت أنا بعدها معاكِ.
استجابت لرجاءه، وأغلقت فمها، بشفاه مرتعشة ودموع تلألأت بعينيها، لتزيد من صعوبة المهمة عليه. ولكن آن الأوان لكشف كل الحقائق. يناجي الله المساعدة:
أنا مقدر صعوبة الموقف عليكِ لما تكتشفي بعد وفاة بابا في الحادثة إياها، إن غريمتك حيّة وفي بيتك كمان، بس أنا كنت مُجبر أحتفظ بيها، مش حبًا فيها، قسمًا بالله العظيم وربنا شاهد.
دموع حارقة أصبحت تسيل على خديها، وذهنها يستعيد تلك اللحظة القاسية بعد الحادث الأليم وانهيارها، لتمكث أيامًا وليالي داخل المشفى تتلقى العلاج المكثف كي تستعيد رغبتها في الحياة بعد صدمتها القصوى في حبيب العمر، واكتشاف خيانته لها مع تلك الفتاة اللعوب سكرتيرته، والتي ظنت وفاتها مثله كما شيّع وانتشر أمام الجميع، حتى جاءت القاصمة، حينما قطعت علاجها، لتخرج من المشفى بنفس لم تهدأ وجرح لم يُشفى.
بدون تصريح من طبيب أو إعلام أحد من عائلتها أو الطاقم الطبي المسؤول عنها، هربت عمدًا ذلك اليوم لتذهب إلى منزلها. فكانت المفاجأة حين دخلت المنزل لتفاجأ بتلك الفتاة حية أمامها. كانت الفتاة في طريقها للخروج، مستندة بجسدها إلى ذراع ابنها الوحيد، والذي تجمدت عيناه باتساع هلعًا لرؤيتها. حاول أن يترك الأخرى ليشرح لها حقيقة الموقف، لكنها لم تسمع أو تري ظلت تصرخ فقط ،صوتھا يدوى في أنحاء المنزل الخالي إلا منهم:
“إنت كمان يا رياض، انت كمان طلعت زيه، طلعت شبهه، طلعت شبهه!”
وسقطت بعدها في دوامة من الصدمة والإنكار، ترفض الواقع والحياة، ولا تريد سماع أي تفسير منه.
“ليه يا رياض؟ ليه؟ من وقت ما استرديت عقلي، وأنا رافضة أسألك عشان عايزة أنسى وأعيش. إنت بقى جاي دلوقتي تفكرني بيها ليه؟”
عشان أقولك السبب الحقيقي اللي خلاني أخبيها في بيتي يا ماما. إنتِ كنتِ في المستشفى وهي كانت محتاجة علاج ورعاية شديدة بعد الحادثة. مكنش في مكان قدامي غير بيتنا. كانت فترة مؤقتة على ما أجهز لها الأوراق اللي هتسافر بيها والمكان اللي هيكون سكنها بعيد عنك، مش عشان سواد عيونها لا سمح الله، لأ، دا كان عشان حملها. ناريمان كانت حامل يا ماما، حامل في أخويا.”
“إنت بتقول إيه؟”
انتفضت كمن لدغها عقرب، تطالعه بعينين متسعتين، وقد نثرت في قلبه الهلع، ولكنه استجمع شجاعته ليكمل الحقيقة التي يعلم أنها ستنكشف عاجلًا أو آجلًا.
“رد عليا يا رياض، حكيم خلّف من الخاينة دي كمان؟ وإنت كنت مخبيهم عليا هي وابنها؟ وجالك قلب؟”
“الخاينة ماتت يا ماما.”
“نعم؟”
“بقولك الخاينة ماتت يا ماما، وسابت ابنها وحيد، وملوش في الدنيا غيرنا.”
هكذا أخبرها دفعة واحدة، حتى لا يترك مجالًا للتخمينات، وليكن الله في عونها الآن.
في جهة أخرى
داخل غرفتها التي انكمشت بها بعد رجوعها إلى المنزل، واتصالها بصديقتها لتأتي وتُفرغ مكنون حزنها معها بعيدًا عن أشقائها، وعدم رغبتها في إظهار ما يؤلمها أمامهم.
حسيت نفسي غريبة وسطهم يا صفية، أنا غريبة عنهم، حتى ما عبّرنيش وأنا بمشي وأسيبهم، لدرجادي مش فارق له؟ ولا شكله استغنى عني، وأنا اللي افتكرته خلاص راجع يصالحني، ويعرف الدنيا بصفته بيا. لدرجادي كنت عبيطة، لدرجادي؟
شدّت على كفّها صفية تبث فيها الدعم والمؤازرة:
متقوليش كده يا بت، خليكي واثقة في نفسك ومتقلليش منها، عمر الطيبة ما كانت عبط، ولا الحب كان ضعف، إلا إذا كان من طرف واحد.
سمعت منها تشير على نفسها بسبابتها:
أنا الطرف الواحد يا صفية، وأنا العبيطة عشان أصدّق إنه واحد زيه ممكن يحب بجد واحدة في ظروفي. كان إعجاب وراح، ولا رغبة زي ما قالها لي من البداية.
مظنش يا بهجة.
قالتها صفية تعتدل في جلستها، لتربع ساقيها على الفراش مردفة:
عشان ابن حكيم حبه ليكي مفضوح للأعمى، هو بس فيه حتة غباء وعنترية ودماغ جزمة عايزة الدق.
دماغ جزمة عايزة الدق!
رددت بها بهجة بدهشة من خلفها، لتعود إليها الأخرى بتصميم:
أيوة زي ما بقولك كده. انتي تعيشي وتستمري في حياتك الجديدة، استغلي التغيير اللي حصل فيها، وما تبصيش وراكي ولا تخلي حاجة توقفك. هو لو يستاهل حبك هيتمسك ويعمل المستحيل، إنما لو غير كده، يبقى ما يصعبش عليكي ولاتقعدي تقطّمي في نفسك.
تمتمت بهجة بما يكتنفها في هذه اللحظة:
الكلام سهل أوي يا صفية، بس التنفيذ صعب، صعب أوي كمان.
عادت تشدّد عليها بتصميم:
أنا ومش بس أنا، إحنا كلنا في ضهرك يا بهجة، حبايبك اللي بيحبوكي هنقف معاكي عشان تفضلي قوية. الراجل ما يحبش الست الضعيفة والمجتمع كله ما بيرحمهاش، يبقى لازم نبقى أقويا وما نربطش حياتنا بشخص ممكن يستغنى في أي لحظة. مفيش راجل مضمون أبدًا في الزمن ده.
بشيء من الاستيعاب المتأخر، تمتمت بهجة تسألها:
هو أنا ليه حساكي بتوجهي الكلام لنفسك قبل ما يكون ليا؟
نفت باستنكار تام يقارب التشنّج:
لا طبعًا، إيه اللي بتقوليه ده؟ هو أنا عمري كنت ضعيفة، ولا ألتفت لراجل أصلًا. ما تركزي معايا كده، وبلاش ندخل في مواضيع تانية غير موضوعك.
رددت بهجة من خلفها بسخرية:
أنا برضو اللي بدخل في مواضيع تانية غير موضوعي الأصلي؟ آه صحيح عندك حق.
❈-❈-❈
ضمها إليه
بعدما انتهى من حديثه الشاق عليها وعليه،
لم ترفضه، بل هي من ألقت برأسها على صدره لتبكي بنشيّج هادئ يُقطع نياط قلبه، ومع ذلك يدخل في قلبه بعض الارتياح، لعلمه الأكيد أن هذا أفضل بكثير من الكبت الذي أدى بذهاب عقلها في السابق.
خلاص يا ماما، أنا آسف إني فتحت الموضوع ده قدامك، بس كنت هخبّي إزاي بس والولد جه البلد، وفي أي مكان بعد كده ممكن تقابليه…..
مش عايزة يا رياض، مش عايزة أشوفه ولا أشوف خيانة حكيم متمثلة قدامي فيه. أوعى تخليني أشوفه يا رياض أوعى.
حاضر يا ست الكل، بس الولد إيه ذنبه؟…..
مالوش ذنب يا رياض، ولا أنا بقولك اظلمه ولا تقصر في رعايته، أنا بس مش عايزة أشوفه، أرجوك يا رياض أرجوك.
توقف عن الإلحاح، يواصل فقط مهادنتها، بترديد الكلمات وتقبيل رأسها:
حاضر يا ماما، خلاص ولا يهمك. أنا مش هخليكي تشوفيه ولا تصادفيه في أي حتة، كويس كده يا ست الكل؟
كويس أوي، كويس خالص. عشان كده أحسن، كده أحسن يا رياض.
❈-❈-❈
دلف إلى داخل الحارة
بأقدام مرتعشة، يتلفت يمينًا ويسارًا وفي كل الأنحاء. الخوف يكتسح جميع أطرافه، ولكنه مجبر على التقدّم وادعاء الشجاعة في سبيل الوصول إلى وكالته، فقد نفد المال وزوجته الأخرى لا ترحمه في التقريع المباشر والكلمات القوية في تسميم البدن. اللعنة عليها! امرأة لديها جرأة وأعين مكشوفة لا تراعي ولا تعمل حسابًا لشيء سوى مصلحتها وفقط.
عم خميس.
دوى صوت المنادي باسمه، كنجدة حطّت عليه من السماء يتلقفها بلهفة، يهرول نحو صاحبه:
طلال يا بن الغالي، إزّيك يا حبيبي وإزّاي أبوك؟ عامل إيه ها؟ عامل إيه؟
رغم استغراب الأخير من مبالغته في الحديث واضطرابه الملحوظ في المصافحة، إلا أنه حاول التعامل بشكل عادي، يسحب كفه المطبق عليه بيديه الاثنتين:
كويس يا عمي، ربنا يخليك. أصل بقالك فترة مختفي يعني، ومش قاعد في وكالتك.
تلعثم في الرد عليه بكلمات غير مفهومة:
أاا ما أنااا مكنتش فاضي أااا
خلاص يا عم خميس، انت قاعد ومراتك الجديدة، دي اتعرفت في كل الحتة. مش مستاهلة لخبطة في الكلام هي.
باغته بالكلمات يفحمه بها، فلا يجد ما يسعفه في الرد عليه، ليواصل طلال:
إنت راجل حر يا عم خميس، ومحدش له حق يحاسبك. بس إيه ذنب الوكالة تفضل مقفولة اليوم كله وما تتفتح غير ع المسا بعد المغرب، بعد رجوع سمير من الشغل؟
إيه؟ مقفولة طول اليوم؟ يا ولاد المؤذية.
غمغم بها خميس بحسرة، قبل أن يردف نحو الآخر مبررًا:
طبعًا دي باب رزق، ولازم تبقى مفتوحة اليوم كله. بقولك إيه يا طلال، أنا عايزك تيجي معايا دلوقتي، نقعد نتوانس فيها.
رد طلال بابتسامة مرحة لاحت على زاوية شفتيه، وقد فهم سبب رعبه وخوفه الشديد:
وماله يا عمي، دي حتى فرصة عشان أفاتحك في موضوعي.
موضوع إيه؟
هقولك لما نوصل وأشرب معاك كوباية شاي يا عمي، تعال معايا.
ماشي ماشي يا بني، يلا بينا.
❈-❈-❈
وصل إلى الوكالة
ليقوم بفتحها متخذًا صهره المستقبلي درعًا حاميًا له.
ليدلف داخلها وهو معه يتطلع إلى أرجائها باشتياق معبرًا عنه:
ياااه، دي الوكالة كانت وحشاني أوي.
سخر طلال من خلفه، يسحب أحد المقاعد ويجلس عليها معقبًا:
ولما وحشتك كده، كان إيه اللي منعك بس يا عم خميس؟ اقعد يا راجل اقعد، خلينا نقول كلمتين، أنا كمان ورايا شغل.
انتاب خميس الذعر فور ذكره الذهاب، ليسارع في منعه:
تمشي ليه بس يا بني؟ هو انت لحقت تقعد؟ وأنا اللي قلت أتونس بيك! بقولك إيه، انت قاعد معايا النھار كلھ مش ماشي.
تبسم طلال شاعرًا بخوف خميس مخاطبًا:
النهار كله؟ طب اقعد بس نقول كلمتين الأول، وبعدها نشوف الموضوع ده.
وما كاد ينهي عبارته، حتى أجفل بدفعة قوية، وكأن إعصارًا هب، ليفاجأ الاثنان بولوج مصدر الخوف لدى خميس.
أهلااا… انت نورت يا سبع البرمبة.
انتفض على الفور يلتصق بصهره:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! هما بيهلوا أمتى دول؟
كبت طلال ضحكته بصعوبة ليعطي اهتمامه لتلك المرأة بهيئتها المتوحشة، وكأنها على وشك الفتك بهذا المسكين:
أخيرًا جيت توريني وشك يا خميس! إيه يا غالي؟ مبلبع حبوب الشجاعة قبل ما تيجي؟
تمتم خميس في رد لها بتلعثم مكشوف وارتجاف يشمل جميع أعضاء جسده:
حبوبب ششجاعة؟… ليه؟ هو انتي فاكراني خخايف منك؟
هذه المرة لم يقوَ طلال على كبت ضحكته، فهذا الرجل بجبنه لا يعطيه فرصة للجدية بأفعاله:
خالتي درية، اقعدي واهدي كده، الراجل جاي يفتح مكان شغله، ماعملش حاجة غلط.
كل ده وماعملش غلط؟ انت بتقول لمين الكلام ده يا طلال؟ اشحال إن ما كان كله على يدك انت وأبوك؟ بقي أنا، أنا درية! أتسجن ويتمسح بكرامتي الأرض بسببه وبسبب مراته تربية الشوارع، بنت ال…
متغلطيش في بنات الناس، الله يرضى عنك! انتي معاكي ولاية يا خالتي درية، الله.
صاح بها طلال مقاطعًا بحدة أرعدتها، حتى تمسك لسانها من البداية عن إضافة المزيد من الشتائم والبذاءة، التي ليست بغريبة عنها.
فولجت على صيحته سامية بدهشة تستفسر قبل أن تقع عيناها على والدها:
في إيه ياما؟ وإيه اللي حاصل؟… أبويا؟
قطعت محدجة والدها بحقد، فاستغلت درية الموقف:
تعالي شوفي يا بنتي بنفسك، أبوكي جاي يتحامى في خطيبك، وطلال بيدافع عنھ! مش حامل كلام مني عن المحروسة مراته! بدل ما يقف للراجل اللي قبل على مراته تنسجن، مكنش العشم والله، مكنش العشم.
وانطلقت تذرف الدمعات لتجلب تعاطف ابنتها، التي رمقت والدها بمقت وغضب عاصف نحوھ ھو خطيبها المزعوم.
فهم طلال ما تفعله المرأة وخبثها في بث سمومها، لترتد بأثرها على خطيبته التي يأمل في إصلاحها يومًا، لكن بوجود هذه المرأة يعلم باستحالة الأمر:
معلش، ياما، عشان بس تتعلمي ما تتعشميش بحد.
أنا متعشمتش يا بنتي! أنا بس عايزاكِ تعرفي الظلم اللي اتعرضتله والإهانة! هو ده كله شوية عليا يا ناس؟
إلى هنا وقد فاض به، ليهتف بحزم يوقف هذا العرض المسرحي:
سامية، خدي أمك وروحي بيها عَ البيت.
نعم؟ وهي عمل…
بقولك، اسحبي أمك وروحي بيها، اسمعي!
هدر الأخيرة بأعين تلونت بالاحمرار، تذكرها بشيكاغو الذي تعلمه المنطقة بأجمعها، حتى انتفضت درية تتكفل هي بسحب ابنتها والخروج بها خوفًا منه.
ليلتقط خميس أنفاسه، فيعبر عن فرحته:
تسلم مرجلتك يا واد ياطلال! أيوة كده! الولية دي مفترية وتستاهل اللي يشكمها.
رمقه بنظرة شرسة، يباغته بقوله:
اسمع أما أقولك، بدل الهري ده كله عشان أنا خلقي ضيق، فرحي على بنتك يتم في أقل من شهر، يا إما هطربقها عليك وعليهم كلهم.
ردد خلفه بعدم استيعاب:
في أقل من شهر! طب إزاي؟ ده إحنا ماجبناش حتى نص الجهاز، ده غير إنك شوفت الظروف يعني و…
قابل قوله مقاطعًا بصرامة:
مليش فيه يا عم خميس! أنا قلت كلمتي ومعنديش فيها تراجع.
❈-❈-❈
هذا يومها.
كان يعلم من البداية أن مرور ذلك الأمر ليس هينًا عليها،
حتى مع رغبتها القوية هذه المرة في التمسك بالحياة، عكس الماضي. لكن الفتح في جرح قلبها الثائر، رغم ضعفه، كان له الأثر البالغ عليها في تلك اللحظات، وعليه المسؤولية الكبرى الآن في احتوائها.
وقد أتى بها إلى المنزل، وأجبر نفسه على الاتصال بذلك الطبيب المستفز كي يأتي ويشرح له الأمر بعد فحصها والاطمئنان عليها. وها هو الآن يُلقي عليه وعلى الدادة نبوية التعليمات الواجب اتباعها كي تمر الأزمة:
زي ما قلتلكم من البداية، هي عايزة رعاية شديدة اليومين دول لحد ما تتجاوز محنتها بإرادتها. نجوان حساسة أوي وده سبب تعبها، يعني واجب ناخد بالنا منها أوي، فاهمني؟
أيوة طبعًا فاهمين يا دكتور هشام.
قالتها نبوية، بينما الآخر اكتفى بالصمت كما يفعل منذ البداية. فتوجه إليه بعينيه كي يضطره للإجابة. ليكز على أسنانه بغيظ شديد، يهديه ابتسامة صفراء:
فاهمك، في حاجة تاني؟
بادله نفس الابتسامة بهدوئه المعتاد:
لا، كفاية كده بقى. أنا كمان هفضل مداوم على رعايتها ومش هسيبها، عن إذنكم بقى.
ماشي.
تمتم بها بحنق شديد، يتركه يغادر مع الدادة نبوية، ثم تناول هاتفه كي يتصل ببهجة قلبه، ولكنها لم تجب للمرة الألف. ليحسم أمره، ناهضًا يتناول سترته الملقاة على ذراع الكرسي منذ عودته، فيرتديها مناديًا على نبوية:
دادة، خلي بالك منها على ما تصحى، وبلغيني بالأخبار كل شوية، تمام؟
دي في عنيا يا رياض يا بني.
تسلم عنيكي الجوز.
واتخذ طريقه نحو الخروج، ليذهب إليها. حيث كانت في هذا الوقت تستمتع بوقتها في الكافيه الخاص بها، هي وإخوتها.
❈-❈-❈
وإلى مكان آخر…
داخل مكتب المحاماة، حيث تعمل فيه بجدية، منهمكة في شرح ملابسات القضية الجديدة للمدعوة ريهام مع والدتها:
يا أم ريري، يا أم ريري، اسمعيني. بنتك مش هتجيبها لبر، وأنا للمرة الألف بحذرك. مش كل مرة تسلم الجرة. هي كل ردود أفعالها بالأيد مع أي راجل يكلمها، تفتح دماغه برُوسية ولا بإزازة. مفيش مرة ترد بالشتيمة حتى!
ما هي متكلة عليكي يا أستاذة صفية وعلى شطارتك. كل مرة بتخرجيها.
كان هذا قول المرأة قبل أن تشدد عليها صفية بحزم:
خلاص، بقى دي آخر مرة. ونبهي عليها تشوف لها حد تاني بعد كده، لأن أنا جبت آخري. المرة دي وافقت بس عشان خاطرك.
تطلعت إليها بابتسامة مرحة تغازلها بمعسول الكلام:
ده كلام من ورا قلبك عشان تتعظ وما تكرر عمايلها. أنا فھماكي يا أستاذة ذكية انتي. إلهي يا رب يرزقك ب…
الله يخليكي متكمليش.
هتفت بها صفية مقاطعة برجاء، جعل المرأة تسألها بدهشة:
مكملش ليه؟ دي دعوة يا أستاذة صفية! حد يكره الدعوة؟
معلش، خديني على قد عقلي وبلاش دعوات من أصله ممكن.
تمتمت بها صفية بيأس قبل أن تجفلها مساعدتها وهي تلج إليها مهللة:
أستاذة صفية، أستاذة صفية! الدكتور خطيبك وصل، وبيستأذن برا إنه يدخلك.
وقبل أن تفتح فمها بالاعتراض والتوبيخ لها، سبقتها أم ريري بالاستفسار:
هي الأستاذة اتخطبت؟ طب ليه ما قلتوليش؟ ولا هو فين أصلاً عشان أبارك له؟
ردت سندس بلهفة:
اتخطبت يا أم ريري. دكتور زي القمر قاعد بيسلم على الناس وبيعرفهم بنفسه.
هو مين اللي بيسلم ع الناس ويعرفهم بنفسه؟
صاحت بها صفية في تساؤل نحو مساعدتها، لتفاجأ بدخول استعراضي من الآخر:
مساء الخير. ممكن أدخل يا أستاذة؟
همت بتوبيخه، ولكن أم ريري سبقتها للمرة الثانية:
هو ده الدكتور خطيبها؟
أيوة أنا الدكتور خطيبها.
أجاب بها هشام وهو يدلف إلى داخل الغرفة بابتسامة الواثق، ليصدر رد أم ريري بالتهنئة وزغرودة دوت عاليًا وبقوة تصل للبناية أجمعها بل وللمباني المجاورة:
يا ألف مبروك يا أستاذة! والله صبرتي ونلتي! لولولوي!
سقطت صفية على كرسيها بعجز على إيضاح الموقف أو نفيه، بعد موقف حمله لها وكشف شعرها، والآن يضعها هذا الماكر في موقف لا تُحسد عليه. لتطالعه بتوعد، يقابله بعبثه المعتاد وتلك الابتسامات التي تجعلها تود الانقضاض عليه حتى يغلق فمه، ولا يظهر لها تلك الأسنان اللؤلؤية البيضاء.
❈-❈-❈
داخل الكافيه، حيث كان مزدحمًا اليوم بصورة تزيد على باقي الايام، يرجع ذلك لاقامة حفل عيد ميلاد احد الرواد به، فكانت هي تتولى مهمة التجهيز في المطبخ، نظرا لانشغال شقيقاتها في الخدمة في الخارج، وبانهماك تام في تزين قالب الحلوى في انتظار موعد الخروج به إلى صاحبة الحفل، ليصلها صوت قدوم احدهم من الخلف، خمنت برأسها هوية القادم، تتحدث:
– هتيجي تاخدي انتي التورتة يا جنات، ولا هتيجي البت المروشة صاحبة عيد الميلاد؟
– ينفع انا .
شهقة عالية صدرت منها اوقعت منها طبق قطع الفراولة التي كانت تزين منه، وتلتلف اليه بإجفال، تردد اسمه :
– رياض !
– ايوة رياض يا قلب رياض اللي وحشتيه
تفوه بها واقترب فجأة وبدون استئذان ليرفعها بين ذراعيه بشوق يكتسحه، فيضمها ويقبلها:
حاولت الاعتراض:
– يالهوي انت بتعمل ايه…. رياض حد يدخل دلوقتي.
– مفيش حد هيدخل انا قافل باب المطبخ ومخلي عائشة حارس عليه.
– يانهار اسود خليت حارس؟
– وامسكها سلاح كمان عشان اوصلك،
كانت تلك اخر الكلمات التي نطق بها، ليجبرها على الاستسلام، في لحظات من العشق المختطف، انستها غضبها وعتبها ، واسمها، تغرق معه ويغرق معها قبل ان يقطع علبهم دوي الهاتف الذي استمر دون انقطاع حتى
اجبره على النظر به ليجفل بالرقم الغريب وصوت المرأة التي تهاتفه ولأول مرة !
الفصل الواحد والاربعون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الواحد والاربعون 41 بقلم امل نصر
خطفها في سمائه الوردية، ليحلق بها في عالمه الجميل، حيث لا عقد ولا حسابات ولا واقع بائس يعكر صفو لقاء الحبيبين
كيف حدث هذا؟ وكيف استسلمت بعد الوعود التي قطعتها على نفسها من أجل وضع حد لهذا المد والجزر بينهم؟ لا تدري؟ ربما الفرح بعودته ولقياه المفاجيء كان هو السبب، وربما رجع الفضل لتلك اللهفة في بث اشواقه اليها، ليرتد ذلك بأثره عليها فتبادله نفس الشوق والحنين الي
ضمته القوية لها بذراعيه وكأنه يغرزها بين ضلوعه
قبلاته العاشقة، حتى صارت تذوب بين يديه، يبدد مقاومتها، لمساته الرقيقة، تبدد صقيع ليلها الطويل، فتنشر الدفء به، لتزهر أحلامها بالورود
ثم انقشع كل ذلك، حينما تركها بغتةً، ليجيب على صاحبة الاتصال المفاجيء، ذلك الشعور المميت بابتعاده المفاجيء عنها ،تلك البرودة التي زحفت بها فجمدتها، احساس المهانة الذي اكتنفها في تلك اللحظة، بعد ارتفاعه بها بعنان السماء، ثم القاءها في قعر الارض
وقد ابتعد عنها بالهاتف، يحاول السيطرة على ضجيح انفاسه القوية، والتغلب على رغبته بالحبيبة التي طال اشتياقه لها، ليحيب المتصلة على مضض:
– الوو، عايزة ايه يا جوليا، من امتى انتي بتتصلي بيا اساسا؟…….. ايه؟…….. خرج امتى يعني؟ انتي ازاي سبتيه اصلا يخرج؟…… نادين مين دي كمان؟ انا هطربق الدنيا، اقفلي يا جوليا اقفلي
انهى المكالمة والتف نحو تلك التي كانت متجمدة محلها ، تطالعه بأعين خاوية كالزجاج، ليحاول التبرير بقلة حيلة، لا يعرف كيف يعبر عن اسفه، بالإضافة انه لا يوجد وقت للتفكير من الأساس
– بهجة انا
بهدوء ما يسبق العاصفة:
– إنت ايه؟
نبرتها الغريبة وهيئتها الغير مريحة تزيد من ثقل ما يضغط على صدره، ليقترب منها، ويخاطبها على عجالة كي يذهب:
– معلش يا حبيبتي، انا مضطر اخرج حالا دلوقتي عشان ا….
– عشان ايه؟
صدحت بها ترتد بجسدها عنه للخلف، مفضلة الإبتعاد عنه قبل أن تنفجر مرددة:
– عشان ايه يا رياض؟ عشان انا غبية وبسلم زي الهبلة، فرحت برجوعك ونسيت اهانتي ونسيت كرامتي المجروحة بسببك،………
لتخرج انفاس القهر من صدرها، مردفة بوجع اعتمل بصدرها:
– امشي وروح المكان اللي انت عايزه، ولا اقولك انا اللي ماشية، لأن أنا اللي مش عايزاك
وسارت نحو المغادرة تجفله بفعلها، حتى كاد ان يوقفها حينما امسك بذراعها:
– استني هنا، مش لما تفهمي الاول
– اوعى سيبني
صرخت تنزع يدها من قبضته، كصاعقة ضربت بوجهه، فتشخص ابصاره وترتخي يداه عن التمسك، وتهرول هي نحو الباب الذي تقف خلفه من الخارج عائشة، فتتخطاها دون ان تنطق بكلمة
فكان رد فعل الأخيرة ان توجهت نحوه بالسؤال:
– مالها بهجة، هي معيطة ليه؟
بالطبع لم يجد اجابه للرد عليها، كما انه لا يملك الوقت للحاق ببهجة، وهناك من هو على وشك فقدانه ان لم يخرج سريعًا للبحث عنه
❈-❈-❈
توقف بسيارته امام واجهة محل المأكولات الشهير، حيث وقوف شقيقه امامه، بناءًا على التعليمات التي ألقاها عليه عبر الهاتف، حتى لا يشرد ويرهقه بالبحث،
يحمد الله ان الساعة التي يرتديها، بها خاصية تحديد الموقع، والا ما كان أبدا استطاع تحديد المكان المتواجد به، وهو لا يعرف اسماء الشوارع ولا حتى الميدان الذي يقف بالقرب منه الان
تتصارع المشاعر برأسه، ما بين غضب لخروجه بدون إذن او توجيه، وارتياح للعثور عليه قبل أن يتوه وسط زحام المدينة التي لا يعلم عنها شيء،
تقدم ادم اليه قائلا بنبرة عادية لا تتناسب مع الحدث:
– جيت بسرعة يعني افتكرتك هتتاخر
ترجل هو من السيارة، يغلق بابها بقوة، ويرمقه بتجهم وصمت مهيب، دام لحظات، قبل ان يأمره بحزم:
– أركب يا ادم، كلامنا مش هيبقى في الشارع
– كلام ايه اللي لسة هنقوله؟ مش انت خلاص وصلت واطمنت عليا، روح بقى ولا شوف وراك ايه؟ خالتو زمانها على وصول، انا قولتلها على المكان وهي وعدتني نتعشى مع بعض في المطعم اللي ورايا .
خرج عن شعوره يضرب بقدمه على إطار السيارة بغضب:
– ما تخلص بقى وفوضها، خالتك مين اللي هتجيلك وخليتك تسيب البيت عشان تخرج لها، انت معندكش مخ؟ مكنتش قادر تصبر على ما ارجع انا واشوف حكاية الزفتة دي.
– ممكن لو سمحت متقولش على خالتو كدة عشان انا عارف ان الكلمة دي معناها مش كويس،
قالها بهدوء يثير التعجب، حتى كاد ان يجلطه، وهو الذي يشتهر بهدوء الأعصاب، جاء من دمه من اهو ابرد منه، ليعض على باطن خده بغيظ شديد، يحاول الا ينفجر به حتى لا يخسر ثقته من البداية:
– ماااشي، مش هقول عليها كدة تاني، ممكن بقى يا حبيبي تروح معايا ؟
لم يجد منه رد فوري بل ظل يرمقه بنظرات غامضة، وملامح مغلفة لا تتناسب مع سنوات عمره القليلة، يتسائل داخله، أين براءة الأطفال التي كان يسمع عنها؟
– خالتو جات اهي؟
صدح آدم بالكلمات وقد ألتفت رأسه نحو الجهة المقابلة، حيث السيارة البيضاء التي توقفت بالقرب منهم، تترجل منها امرأة ثلاثنية، ترتدي فستان اسود محكم على جسدها بأناقة، بدون أكمام يصل حتى ركبتيها، بأنوثة متفجرة لفتت ابصار المارة والجميع نحوها، وجه فاتن وشعر بني مموج حتى نصف ظهرها،
– خالتو نادين
هتف بها آدم لتفتح هي ذراعيها اليه تلقاه بترحاب:
– حبيبى يا قلب خالتو
وركض نحوها بلهفة يتقبل عناقها له، فيغمغم ذلك المتابع لمشاهدهم بحديث نفسه:
– خلصت انا من ناريمان عشان تطلعني نادين، وحكيم الصغير مكان حكيم الكبير
❈-❈-❈
بخطوات مسرعة، خرجت من البناية وكأن شياطين الارض تلاحقها، لا تلتفت ولا تلقي بالًا لذاك التي ينادي بإسمها من الخلف، يعصف بها الغضب منه ومن افعاله الغريبة، نالت منه ما يكفيها لقتله حتى تستريح منه، والهروب الان هو اسلم حل حتى تؤذي مستقبلها بجريمة ترتكبها في حقه
– ساعة انده عليكي وما تروديش.
هتف بها، يرافقها ضربة قوية على باب السيارة التي كانت وشك القيام بفتحه، ليجفلها بفعلته حتى صدرت منها شهقة عالية، جعلته امسك ابتسامته بصعوبة يستطرد:
– عايزة الناس يقولوا علينا ايه؟
الى هنا وانفرط العقد، ولم تعد بها طاقة على ضبط النفس، فامتدت قبضتها تضرب كل ما تطاله يداها على صدره او ذراعه:
– ناس مين اللي تقول علينا ها؟ ناس مين؟ ولا انت كذبت الكذبة وصدقتها بجد، انت طلعتلي من فين يا عم انت؟
امسك رسغ يدها بين كفه، يضغط عليه متمتمًا بتلك الابتسامة التي تستفزها:
– على فكرة كدة غلط ، الناس لما يلاقوكي بتضربي خطيبك في نص الشارع ومن غير اعتبار، مش هيصدقوا حكاية خطوبتنا دي بالعكس، دا كدة هيفتكرونا متجوزين.
كاد ان يضحك بملء بفمه، وهو يشاهد التعبير الذي اعتلى ملامحها، وقد فغرت فاهاها من فرط الذهول، وهو يغلبها في كل مرة بمكره، اجتمعت فيها أجمل الصفات، شرسة وفي نفس الوقت طيبة وشهية وهذا ما يجعله يزداد تعلقًا بها:
– اقفلي بوقك يا أستاذة، قولتلك منظرنا كدة في الشارع بيأكد الظن اللي قولته،
همس بها بإغواء وعيناه تمشط ملامحها بجرأة، لتعي على وضعها بهذا القرب منه، بعدما احكم قبضته على رسغها حينما حاولت افراغ غضبها به، ياله من لعين؟
– سيب ايدي.
تمتمت بها بقلة وقد فقدت الأمل من ان تشفي غليلها بضربه، مفضلة الانسحاب.
وقبل ان يصدر رد فعله دوى هاتفها بتلك النغمة المميزة لرقم صديقتها، فوجه قوله لها:
– طب ردي ع التليفون الاول
هتفت به بخشونة:
– بقولك سيب ايدي، ولا انت عايزانى اعملك فضيحة:
رد غير مبالي بغضبها:
– انا ماسك ايد واحدة، ما تردي بإيدك التانية….
زمجرت كقطة شرسة لتجبره على تركها هذه المرة، رغم تسليته بهيئتها تلك، فتناولت على الفور هاتفها تجيب صديقتها؛
– الوو يا بهجة……… مالك بتعيطي ليه؟……… طب قوليلي انتي فين وأنا اجيلك……. خلاص اقفلي جيالك بسرعة
انهت المكالمة، لتشرع باستقلال سيارتها بنية الذهاب اليها، ولكن ما ان حاولت إشعال المحرك حتى فوجئت بتعطلها، لتحاول مرة ومرات، حتى يأست لتخرج وتصفق الباب بعنف فتجده يخرج رأسه من نافذة سيارته :
– هتفضلي واقفة مكانك كتير تستني التاكسي، تعالي ياللا عشان اوصلك معايا
همت ان ترفض، ان تلقي عليه الاتهامات بتعطيلها كالمرة السابقة، ولكنه لم يعطي لها فرصة:
– انتي لسة هتفكري؟ كدة البنت ممكن تتفلق من العياط ولا يجرالها حاجة لا قدر الله، اخلصي ياللا يا أستاذة بقى
❈-❈-❈
داخل المطعم الشهير، وبعد اصرار والحاح رضخ لرغبة شقيقه ومرافقته في تناول وجبة العشاء مع هذه الدخيلة التي تذكره بالراحلة، رغم اختلاف الشكل بينهما، لكن الجرأة في الحديث ونظراتها المكشوفة نحوه، وكأنها هي:
– يا روحي يا ادم، كبرت يا روح خالتو، بس شكلك ع الحقيقة احلى بكتير من ع الشاشة.
– وانتي كمان يا خالتو، انا مبسوط اني جيت مصر عشان اشوفك.
سمعت من ادم لتتوجه بحديثها نحو شقيقه:
– يبقى احنا كدة واجب علينا نشكر رياض باشا، اللي اتكفل بكل حاجة، ولا ايه يا دومي
شبه ابتسامة اغتصبها بصعوبة، ليعقب ردًا لها:
– دا اخويا، يعني مش محتاج توصية، ولا انا منتظر منه شكر
– طبعا اكيد ، بس انت طلعت شهم اوي ودي مبنلاقيهاش في رجالة كتير في الزمن ده، ولا ايه، اصل مش اي حد يقبل يعني .
قالتها بتملق مكشوف، قابله بمكر يقارعها:
– امال يعني كنت هرميه، دا اخويا يعني من دمي، ودي مسالة مفيهاش نقاش بعد موت المرحومة والدته، لكن هي تبقى اختك من آلاب والأم برضو؟
باغتها بسؤاله الاخير، لتقطب بعدم فهم تجيبه:
– اه طبعا من الاب والام، ليه السؤال؟
تبسم ساخرا، يلقي بنظرة جريئة على ما ترتديه من فستان ضيق وعاري، لا يمت للحداد بصلة سوى في اللون:
– اصل واضح انك حزينة اوي عليها، بدليل انك لابسة اسود
لم تكن غبية حتى لا تفهم تلميحه، ومع ذلك جارت تهكمه، باصطناع الحزن:
– طبعا البس اسود، دي كانت اقرب واحدة ليا في اخواتي، رغم بعد المسافات ما بينا، لكن طول الوقت كنا بنكلم بعض.
وختمت بادعاء البكاء الذي صدقه ادم يهون عليها:
– خلاص يا خالتو، هي اكيد في الجنة دلوقتي يعني مينفعش حد يزعلها.
– جنة! ربنا يسمع منك يا بني .
غمغم بها رياض بحديث نفسه،شاعرا بالاختناق، يحصي الدقائق في انتظار ان ينتهي من هذا الجلسة الثقيلة ويغادر بشقيقه، ليفرغ لبهجة وترضيتها
❈-❈-❈
– عمل معاكي ايه؟ عمل معاكي ايه ها قوليلي؟
هتفت بالكلمات نحو صديقتها فور ان وقعت عينيها عليها، جالسة بزاوية درج منزلهم الصغير، منزوية على حالها في الظلام، تبكي بصمت، لتسرع اليها وتضمها اليها، متمتمة بالتوعد:
– انا هخربلك بيته، والنعمة لا اجبلك حقك من عنيه ابن نجوان.
ظلت بهجة على وضعها من البكاء بحرقة، تقطع نياط قلب صديقتها وذلك المرافق لها ، حتى تدخل في الحديث معهما:
– بهجة احنا كلنا في ضهرك، اتكلمي وقولي ع اللي زعلك، واللي ماتقدريش تقوليه لاخوكي، قوليه ليا، انا هعرف اجيبلك حقك بالطريقة اللي انتي عايزاها.
كلمات التهوين والدعم كانت تلقي على اسماعها من الاثنان لمدة من الوقت، حتى ملكت صوتها، لتتحدث وتفرغ عن مكنون حزنها:
– قلبي اتعلق بواحد معندوش قلب، كنت اخدة عهد على نفسي اني محبوس، دايما كنت بعمل حساب للفراق، ومتوقعة انه في اي لحظة يفارقتي، لكن اللي حصل كان غير كدة خالص، لا هو راضي يسبني ، ولا انا قدرت ابقي قوية قصاده.
شهقة بنشيج غص بها حلقها، تمسح بأصابعها الدموع التي كانت تسيل بغزارة دون توقف وهي تواصل امام صمت الاثنان وقد التزما بالاستماع لها الآن:
– يقولي بحبك، وانتي النفس اللي اتنفسه، يطلع بيا لساابع سما، ثم يجي فجأة ومن غير سابق انذار، يرميني على جدور رقبتي، واللي بيحز فيا ويقهرني، هو اني دايما بصدقه، بصدق لحظة العشق، بنسى وعودي، وبنسى نفسي وبنسى كياني معاه….. مع واحد شايفني مش قد المقام، واحد حاططني ع الهامش في حياته ومليش قيمة، عشان عارفني متاحة في اي وقت، مش بعترض ولا اضايقه، وحتى لو حصل مبكملش……….. بقيت حاسة نفسي قليلة اوي
وانطلقت لموجة أخرى، التقطتها أحضان صديقتها لتضمها اليها، تؤازرها بالتهديد والوعيد نحو المذكور:
– متفلقيش نفسك في العياط، ولا تزعلي خالص، مش هو رافض يسيبك، انا بقى بكرة اخلصك منه ومن قرقه، في واحدة تأمن لراجل من الاساس، دول صنف وسخ اساسا.
قالتها بحقد جعلت الاعتراض يخرج من فم الاخر:
– بتعممي ليه يا ست الاستاذة؟ طب راعي شعوري وسطيكم، ولا انتي مش شايفاني راجل قدامك مثلا؟
اخجلها بلفتته، وقد غفلت عنه بالفعل، بعد أن اخذتها الجلالة تعيش دورها الدائم في صب اللعنات على صنف الرجال بأكمله، في القضايا التي تتولاها للدفاع عن حقوق النساء.
– اسفة مخدتش بالي
قالتها كنوع من الاعتذار بتعالي يميزها، وهي تشيح بأبصارها عنه، تستفزه ليشاكسها كالعادة، ولكن هذا ليس وقته، تغاضى بصعوبة، ليتحدث مخاطبًا بهجة بجدية:
– انتي عمرك ما كنتي قليلة يا بهجة، وعشان تبقي عارفة بس، مفيش راجل بيتمسك بالست القليلة، انتي قوية بس الحب هو اللي بيضعفك، مش عايز اوجهلك نصيحة، بس انتي الوحيدة اللي تقدري تحددي، آن كنتي عايزة التطور في العلاقة ما بينكم او انهاءها، وفي الحالتين لازم تبقى قوية وتفصلي،
– انا عايزة انهيها، مش عايزة أشوف وشه حتى .
صدرت منها سريعًا وبدون تفكير، لتجعله يسألها بتشكك:
– متأكدة يا بهجة من قرارك ده؟
عرضت صفية تسبقها بحماسها:
– لو متأكدة من قرارك، ليكي عليا امشي في الإجراءات من دلوقتي، وأجبره انه ينفصل عنك، حتى لو وصلت اني اشرشحه في المحاكم.
– مستعجلة انتي اوي على خراب البيوت، ما تهمدي شوية يا أستاذة، وخفي كدة على البنية، واهدي ها، اهدي.
عضت على شفتها، تحدجه بغيظ شديد، قبل ان تعود لصديقتها متراجعة قليلًا:
– خدي وقتك في التفكير يا بهجة…… وانا في انتظارك ومعاكي يا حبيتي في اي وقت
❈-❈-❈
صباح اليوم التالي
فلم يغمض له جفن، إلا سويعات قليلة، بعدما غلبه التعب الجسدي نتيجة السفر والاجهاد المستمر في الساعات الاخيرة، وها هو يستقيظ باكرًا حتى عن ميعاده اليومي، وكان اول شيء يقوم به هو النظر بشاشة الهاتف ومطالعة سجل المكالمات والرسائل، ولكن النتيجة واحدة، لم تكلف نفسها بالرد ، رغم عدد محاولات الاتصال الكثيرة بها، او النظر حتى بالرسائل التي ارسلها.
لينهض متمتمًا باللعنات، يشرع بلقائها اليوم وتصفية جميغ الخلافات بينهما، يعلم انه قصر معها كثيرًا، ولابد من ترضيتها، فهي تستحق.
دلف إلى المرحاض، يأخذ حماما سريعًا كعادته، ثم خرج وارتدى ملابسه ليتجهز للخروج، اطمن على شقيقه نائما، ثم ذهب إلى منزل والديه ، ليرى والدته، صعد إلى الطابق الثاثي متوجها نحو غرفتها، ولكن تفاجأ بقدومها امامه، تقابله بابتسامتها الرائعة:
– صباح الخير
– صباح الفل يا ست الكل.
تمتم بالتحية، يقترب منها ويقبلها على جانبي وجهها مردفًا بغزل:
– عيني باردة عليكي، زي القمر النهاردة، وانا اللي فاكرك لسة تعبانة ورايحلك اطمن عليكي.
تبسمت تسحبه، ليهبطا الدرج معًا قائلة:
– ما انا كرهت السراير والنوم يا قلبي بقى، ما صدقت اخرح للنور، وحمد لله قادرة وماشية على رجلي اهو.
عقب بارتياح تسلل اليه:
– يارب دايما يا أمي، دا احب ما عليا.
– حبيبي ربنا يخليك ليا .
تمتمت بها نجوان نحوه ، تضمه اليها من خصره، ليصدح صوت نبوية في الأسفل وهي تتابع نزولهما بسعادة للم شمل الام بابنها اخيرا، بعد سنوات من الجفاف والابتعاد :
– بسم الله ما شاء، اللي يشوفكم، ميقولش ام وابنها، يقول عروسة وجوزها، ربنا يحرسكم من العين.
تبسم هو لقول المرأة وردت نجوان ضاحكة:
– بطلي مبالغة يا ست انتي هتخليني اصدق بجد ، المهم بقى جهزتي اللي اتفقنا عليه.
اجابتها نبوية بلهفة:
– كل حاجة زي ما امرتي، قبل ما تنزلي بالظبط عم علي دخل اخدهم وسبقك على العربية.
– هما ايه اللي اخدهم عم علي وسبقك بيهم على العربية
تسائل بها رياض قبل أن تأتيه الإجابة من والدته:
– دي حاجات للاطفال الأيتام يا قلبي ، اصلنا طالعين بيهم رحلة النهاردة نرفه عنهم، يعني اكيد هتأخر معاهم برا يعني متقلقش.
باستدراك سريع واصل يستفهم منها:
– طب وبهجة، رايحة معاكي كمان؟
نفت له بهزة من رأسها :
– لا هي اتصلت واعتذرت، بتقول عايزة تريح النهاردة في البيت مدام مفيش شغل في الجمعية.
❈-❈-❈
وفي منزلها
وقد غادرت عائشة بصحبة شقيقها إيهاب ولم يتبقى سوى جنات والتي تأخرت عنهما، حتى ترفع الاطباق والطعام المتبقي من وجبة الإفطار التي اعدتها بنفسها اليوم، نظرا لعدم استيقاظ شقيقتها حتى الآن، وقد جافى النوم عينيها، حتى موعد اذان الفجر، حتى أدت صلاتها وقرأت وردها من القرآن ثم غلبها سلطان النوم اخيرا.
قامت جنات بتنظيف المطبخ وجلي الاواني، قبل ان ترتدي ملابسها وتتجهز للخروج، ثم دلفت اليها لتخبرها، فدنت منها تدفعها بأصبعها بخفة:
– بهجة يا بهجة،
زامت بفمها لتشد عليها الغطاء بتذمر:
– اممم عايزة ايه يا جنات، سبيتي عايزة انام انا لسة راسي تقيلة.
همست لها بصوت خفيض حتى لا تزعجها:
– انا عايز اقولك بس اني ماشية يا بيبو، إيهاب كمان سحب عائشة يوصلها لمدرستها قبل ما يروح هو على جامعتي، تحبي نجيبلك حاجة معانا؟ ولو في شيء ناقص في البيت نشتريه معانا واحنا راجعين……. بهجة
ردت بنصف وعي حتى ترجع لنومها مرة أخرى:
– لا مش عايزة، ولو عوزت هبقى اتصل بيكي.
– ماشي يا بهجة
تفوهت بها جنات ، بعد أن تيقنت من إيقاظها تتابع:
– طب انا همشي بقى، وهبقى اتصل بيكي عشان الشباب اللي هيفتحو الكافيه على ما نرجع احنا من جامعنتا، سلام يا بيبو.
ختمت بها تطبع قبله أعلى رأسها، ثم تحركت تغادر وتتركها تغوص في نومها، حتى تريح العقل المتعب من كثرة التفكير، فلم تشعر بمرور الوقت ، ولا بالذي دلف إلى غرفتها يضع الحقيبة التي كان يحملها على الارض، ثم خلع سترته يلقيها على جانب الفراش، ليصعد التخت ويزحف بخفة حتى يتسطح بجوارها متكئًا على مرفقه، يتأمل ملامحها الجميلة، وتلك السكينة التي تنام بها، يلعن غباءه الذي آخره في اتخاذ خطوة جريئة تمكنه من الاحتفاظ بها داخل منزله ، وعلى سريره، في مكانها الطبيعي داخل حضنه وبين ذراعيه، طال تجديقه بها، حتى تجرأ يزيح شعرها للخلف، ويمسح بأنامله على بشرتها الناعمة برقة، حتى استفاقت، تفتح اجفانها للضوء، فتقابل وجهه بهذا القرب الشديد يبتسم لها بحنان ، وخضراوتيها تطالعه بسكون، فقد ذهب ظنها للحلم، كانت تظن انها تحلم فلم تعي بحقيقة حضوره امامها سوى عندما دنى يقتطف قبلة من شهد ثغرها، لتنتفض بإجفال ، ثم تبعده عنها بقبضتيها صائحة بها:
– يا نهار اسود، انت حقيقة ولا خيال؟ ايه اللي جابك هنا؟
رفع كفيه امامها باستسلام حتى تهدأ:
– اهدي يا بهجة انا رياض حبيبك مش خيال ولا عفريت طلعلك من الحيط
سمعت منه تطالعه بذعر تنقل بأبصارها ما بين باب الغرفة وبينه، تحاول الاستيعاب:
– طب ودخلت هنا ازاي؟ دخلت ازاي يا رياض واخواتي مش موجودين، ولا كسرت الباب؟ كسرت الباب يا رياض كسرت الباب
– طب واكسر الباب ليه؟ وانا معايا المفتاح.
قالها بسهولة يرفع مفتاح مشابه طبق الأصل لذلك الخاص بمنزلهم، لتتوجه له بالسؤال:
– وايه اللي يجيب مفتاحنا عندك؟
تبسم يجيبها:
– انتي ناسية ان انا اللي مضيت العقد مع صاحب البيت القديم، وانا اللي اديتك مفتاحه؟ احتفظت يا ستي بنسخة منه، عشان تعرفي بس ان مفيش باب يمنعني عنك.
ودنى يخطف قبله أخرى من ثغرها، ليفاجأ بتجمدها، ونظرتها مرتكزة عليه دون ان يتحرك لها جفن:
– مالك يا بهجة؟ دا زهول دا ولا اندهاش؟ ولا هي صدمة وعايزاني افوقك.
قال الأخيرة بعبث، يهم بتكرار فعلته، ولكنها هذه المرة استفاقت لتدفعه عنها بعنف، ثم تنهض بجزعها الفراش والتخت ايضًا لتقف قائلة له بغضب:
– لو اعرف من البداية انك تملك نسخة تانية منه، البيت دا مكنتش عتبته ولا قبلت اسكن فيه ولو يوم واحد
نهض هو الاخر، وقد صدمه رد فعلها، ليحاول التخفيف بما يشبه الاعتذار؛
– لدرجادي يا بهجة، انا بس كنت عايز أعمالهالك مفاجأة، مكنتش اعرف انك هتاخديها بالحساسية دي، دا انا جايبلك معايا شنطة هدوم وهدايا كتير، اهي تعالي افتحها وتشوفي جايب ايه فيها.
– بس انا مش عايزة منك هدوم ولا هدايا
قاطعته بها بنبرة حادة يقطر منها الجفاء، ليترك الحقيبة يوجه ابصاره نحوها بتمعن، ملامحها التي تغيرت بشدة وكأنها اصبحت امرأة أخرى:
– انتي مالك متغيرة كدة؟ عارف انك زعلانه، بس…..
– بس ايه؟
– بس انا جاي اصالحك
– وانا مش قابلة.
هتفت بها باستغناء يثير الدهشة، تمط شفتيها بابتسامة ساخرة فتضاعف من زهوله:
– معلش بقى، قابلت مفاجأتك الرائعة بقلة زوق مني، قلة اصل بقى تقول ايه؟
كان هنا قد استعاد بأسه، ليقبض على ذراعها يهزهزها بغضب:
– ما تهدي بقى واعقلي الكلام اللي طالع منك، مقدر انك زعلانة من موقف امبارح لما سيبتك، بس انتي تعرفي انا كان واريا ايه؟ جايلك عشان اشرحلك……
– مش عايزة اسمع.
صاحت بها لتنفجر بوجهه مرددة:
– لا عايزة اسمع ولا أفهم ولا احس حتى، تعبت منك، معدتش فيا حيل لقلباتك، كرهت حبي ليك، وكرهت ضعفي معاك، انا حتى كرهت نفسي بسببك. خلصني يا رياض بقى وريحني.
تحدثت بحرقة جعلته يحتقر غباءه الذي اوصلها لهذه المرحلة، ولكنه الآن يريد الأصلاح، كيف يعيد اليها صفاءها ورقتها؟
– مش هبرر يا بهجة ولا أدي نفسي أعذار، انا بس عايزك دلوقتي تسمعيني.
– تاااني
صرخت بها، ترافقها دمعة خائنة سالت على وجنتها، لتردف بيأس:
– انا اللي عايزة أفهمه بس، بتستفيد ايه لما تعشمني وتبني في خيالي قصور على شيء معروف نهايته، مش احنا كان اتفاقنا من البداية مدة وتنتهي يا ابن الناس، انت اشتريت وانا بعت…..
قطعت في الأخيرة مجبرة وقد قبض بكفه على فمها يمنعها من الاكمال
– بس بقى بطلي غباء، دا كان كلام وراح لحاله خلاص افهمي
صارت عيناه تناجيها باستجداء، ولكن قلبها المجهد من افعاله، لم يعد به طاقة في تحمل المزيد، ليصبح سيل الدمعات منها هو فقط المتحدث
تجبره على تركها، بألم ينزف داخله، مفضلا مهادنتها :
– انا همشي دلوقتي وهسيبك تهدي، عشان واضح ان معندكيش نية تسمعي، هتاخدي وقتك وبعدها نتفاهم:
– يبقى هتضبع وقتك ع الفاضي عشان انا حسمت واخدت قراري
بهدوء يحسد عليه، تجاهل ثورتها، ليتناول سترته ويرتديها قائلا:
– عادي خالص لما يضيع وقتي معاكي، انا قابل، عشان عمري ما هسيبك يا بهجة.
ضحكة مكتومة بسخرية كانت هي اجابتها، لتوقفه قبل ان يخرج؛
– المفتاح لو سمحت، عشان انا محدش يدخل بيتي من غير اذني، خصوصا لما أكون دافعة فيه تمن غالي اوي..
قالتها بمغزى واضح فهم عليه، يزيد من وهيج النار بداخله، لينزع المفتاح من سلسلة مفاتيحه بعنف يلقيه ارضا، ثم توجه نحو باب الخروج من الغرفة على الفور
يهم بالمغادرة، ولكنها عادت توقفه:
– وياريت تاخد شنطتك معاك كمان، عشان انا مش قابلة هدايا ولا هدوم.
وكأن بقولها، قد وجد المنفث الذي يخرج به غضبه، ليكيل بأقدامه على الحقيبة بالركلات كازًا على اسنانه:
– اهي يا بهجة، اهي، اهي الشنطة، ارميها في الزباله احسن، ارميها في الزبالة
انتهي منها حينما انفتحت وتناثرت منها الملابس على الارض وقد توجعت اقدامه، يرمقها بأنفاس لاهثة لمدة من الوقت، حتى أجبر نفسه على المغادرة، يصفق باب المنزل الخارجي بعنف اهتزت له الجدان، حتى جعلها تنتفض رعبًا، ثم تحمد الله انه ذهب وتركها سليمة دون ان يؤذيها بحالته المجنونة تلك.
زفرت تطرد انفاس مكتومة بصدرها، تنزل بعيناها نحو الفوضى التي احدثها، بهياجه لتنتبه بعيناها على تلك الملابس الزاهية على الارضبة، غلبها الفضول ، لتتناول احدى القطع تتفحصها جيدا حتى فغرت فاهاها إعجابًا وانبهارًا بجماله، لتندفع بإحساس الأنثى تقف امام المرأة به تقيسه على جسدها، فتتمنم بتذكر:
– يالهوي ع العرياني، دا اشتري فعلا الفستان اللي بعتهولي في الصورة، بس طلع حلو اوي، اروح اشوف جاب ايه تاني بقى؟
الفصل الثاني والأربعون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الأربعون 40 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثاني والأربعون 42 بقلم امل نصر
ليت تحقيق الاماني كان في الإمكان دائمًا، ما كنا تعبنا ولا ارهقنا شوق الليالي في الانتظار، كنا اكتفينا بالحلم وفقط، مادمنا نملك الأمل في تحقيقه.
ياليت
❈-❈-❈
رباب، جهّزتي الولد ولا لسه؟
هتف بالسؤال كارم فور خروجه من غرفة مكتبه صباحًا، وقبل الذهاب إلى مقر عمله، ليأتيه الرد من زوجته وهي تهبط الدرج ممسكة بيد صغيرها:
أهو يا كارم، حبيب ماما جهّز وجاي لك زي الفل.
ألقى الأخير بنظرة رضا نحو صغيره، ينتظره حتى نزل إليه، ليقبّل أعلى رأسه قائلًا بتفاخر:
وهيجنن البنات بوسامته ورزانته كمان، هو ده ابني.
عقّبت ببعض الغيرة متكتّفة الذراعين:
طبعًا ابنك حبيبك، يعني تبوسه ويعجبك لأنه شبهك.
رمقها بمكر يردد بكلمات ذات مغزى:
ولو مش شبهي كفاية إنه حتة منك، ولا تحبّي أثبت لك أنا معجب بيكِ قد إيه دلوقتي؟
ختم بغمزة وقحة أعلمتها بقصده، فلاح الخجل على ملامحها، لتحاول تنبيهه بعينيها حتى لا يتمادى أمام الولد:
لا حبيبي، متشكرين قوي، مش محتاجة إثبات. المهم تاخد عموري توديه المدرسة دلوقتي، وافتكر إن انت اللي أصريت توصله النهارده. ها، افتكر.
تبسّم بثقة بعدما رأى بأم عينيه تأثير تلميحه البسيط عليها، ليتجاوز بصعوبة حتى لا ينفذ ما خطر بباله، وعيناه تتفحص معالمها من أعلى المنامة الحريرية الملتصقة بجسدها الغض بافتنان لا يتوقف. رغم عشقه لصنف النساء، إلا أنه لا ينكر سطوتها عليه، أن تجعله يكتفي بها. هذا شيء لم يكن يتوقع أن يحدث يومًا ما.
استفاق من أفكاره المنحرفة الآن والتحديق بزوجته الجميلة، ليعطي اهتمامه للصغير الذي ملّ من انتظاره:
بابي، لو مش فاضي، أخلي السواق يوصّلني زي كل يوم.
تحمحم مستعيدًا جديته في شرح ما يبتغيه والتعليمات:
يا بني، ما قولت لك إني مفضي نفسي مخصوص النهارده علشان أوصلك، وعشان أعرّفك بآدم اللي هيبقى صاحبك الجديد. واخد بالك من كلامي؟ آدم اللي وريتك صورته إمبارح على التليفون. عايزك تعرفه على باقي أصحابك كمان. هو أجنبي، آه، بس بيعرف عربي أكتر مني ومنك.
رد صغيره بتذمّر:
فاهمك يا بابي، بس هو كبير عليا وانت قولت لي ما أصاحبش اللي أكبر مني.
هذه المرة تدخلت والدته بمرح أمام اندهاش أبيه:
لا وانت بتسمع الكلام قوي! إحنا بنقول لك كده على الأولاد الغريبة يا قلبي. أما آدم، فده هتصاحبه علشان ياخد ع الجو الجديد للمدرسة ويندمج. عمو رياض هو اللي موصي وطالب مننا كده، عشان عارف عموري حبيب بابي ومامي راجل وقد المسؤولية.
تبسّم صغيرها باعتزاز وقد أعجبه الإطراء:
ماشي يا بابي، أنا هاصاحبه وأعرّفه على كل أصحابي.
أنا قولت من الأول إنك ابني.
قالها كارم بتهليل، ليسحبه بعد ذلك من يده كي يذهب به، ملقيًا بآخر تعليماته نحو زوجته:
ما تنسيش تجهّزي قبل تمانية النهارده عشان حفل الجمعية. مش عايزين تأخير يا رباب.
وكانت إجابتها بطاعة كالعاده:
حاضر يا قلبي، قبل الميعاد هتلاقيني جاهزة كمان.
❈-❈-❈
توقف بسيارته أمام مقر الجمعية الموقّرة داخل قصر عائلة والدته، بعدما اطمأن على شقيقه داخل المدرسة الجديدة التي تم نقله إليها، بعد إجراءات معقدة قام بها في نقل الوصاية إليه استغرقت أيامًا، في ترتيب إقامته معه هنا داخل الوطن.
وجاء الآن وقت ممارسة هوايته اليومية في مراقبتها. عدة أيام مرت منذ رفضها له. لم يضغط أو يلحّ أو حتى يحاول معها مرة أخرى. فقد تعمد تركها حتى تهدأ ويجد الوقت هو الآخر للتفرغ لها. وقد شغله أيضًا نقل آدم وتهيئة الأجواء لاستقراره هنا.
يختلق الحجج كي يأتي للقاء والدته ورؤيتها. حتى وهو يلمس منها الجفاء لا يتوقف. اليوم فقط لن يدخل القصر، وما حاجته؟ وقد انتبه عليها بشرفة إحدى الغرف المطلة على الخارج. تراه ويراها، يدور حديث بالعيون بصمت أبلغ من أي حديث. يعلم أنها تريده، ولكن رأسها اليابس يصرّ على إغلاق الأبواب أمامه. أضاع الكثير من الفرص حينما كانت فاتحة ذراعيها تتقبل الفتات من المشاعر بصبر ورضا. وحين جاء وقت الشرح منه، وجدها صامة أذنيها، وقد فاض الإناء وامتلأ بأخطائه.
ولكن لا بأس، فليتريث قليلًا حتى يفرغ لها تمامًا.
❈-❈-❈
وفي الأعلى، كانت هي لا تقل عنه توقًا وشوقًا، ولكن نفسها العزيزة تأبى الرضوخ، تأبى التنازل بعد أن اتخذت قرارها. حتى وقلبها يئن وجعًا، ولكنها وضعت السلطة لكبريائها الآن.
خلاص، مشي يا بهجة.
صدر التعقيب من نجوان، والتي كانت خلفها منتبهة لكل ما يحدث، لتردف بمزيد من الأسى قبل أن تعود أدراجها داخل الغرفة التي تجمعها بها في عملهما:
مش فاهمة أنا والله تنشيف الدماغ ده آخره إيه بس؟ حقيقي، ربنا يهديكي.
تبعتها بهجة تبرر مدافعة:
أنا برضو اللي ربنا يهديني؟! طب قولي الكلام ده للباشا ابنك اللي كبر من كله.
طالعتها نجوان بأعين كاشفة حتى جلست على الكرسي المقابل لمكتبها لتواجهها:
طب بذمتك، إنتِ مصدقة كلامك ده؟ حتى بعد ما شرحت لك وقلت لك بنفسي عن السبب الأساسي اللي خلاه ينشغل عنك
موت ناريمان وتولي رياض مسؤولية طفل صغير، يجيبه من بلده اللي اتولد ونشأ فيها، ويدمجه هنا في مجتمع غريب عنه، وملوش أي حد في الدنيا غيره، دي غير البلاوي التانية اللي فوق دماغه.
قالت بشيء من الإشفاق تخلل نبرتها، لكن يغلبه العند:
والله أنا مقدرة وبقول ربنا يعينه، بس كمان ميرضكيش اتنازل عن كرامتي أكتر من كده معاه، هو اللي عايز البعد ومصر يخليني على الهامش في حياته. لو بيحبني هيشركني، لو بيحبني هيعلن عن علاقته بيا قدام الدنيا كلها، لكن بقى دا يحصل إزاي؟ والباشا شايفني مش قد المقام.
يووووه يا بهجة… تمتمت بها نجوان بسأم لتواصل بتوجيه الأمر لها؛
انتي يا بنت انتي، ما اسمعكيش تقولي الكلام ده تاني، وإلا والله يا بهجة هزعل منك…
سارعت بهجة لترضيتها:
خلاص يا ستي من غير حلفان مش هكررها، هو أنا أقدر على زعلك أصلاً؟ دا يارب أموت ولا يحصل.
هذه المرة ضايقتها بالفعل لتهدر بها تنهاها:
ما أزعل أنا ولا اتفلق حتى، انتي تدعي على نفسك ليه؟ ولا انتي جاية تعصبيني النهاردة وخلاص؟
حاولت بهجة كتم ضحكتها حتى لا تضاعف من غضبها، تشرع أن تراضيها ولكن الأخرى لم تسمح بمقاطعتها:
اقفلي بوقك دا خالص واسمعي مني وبس، فاهمة؟
فاهمة.
قولت إيه أنا؟
إلي هنا ولم تقوى على الصمود، لتوميء برأسها لها، وفمها المغلق لا يتوقف عن الضحك.
زاد غيظ نجوان منها، ولكن لم تملك إلا أن تتجاوز حتى تصل لغايتها في الحديث معها:
النهاردة الحفلة زي ما اتفقنا هتخرجي بدري معايا عشان نجهز مع بعض قبل ما نروح الحفلة، بس أنا هسبقك طبعًا بعد كده، فاهماني؟
توقفت بهجة عن الضحك عند ذكر ذلك الأمر، لتتخلى عن صمتها فتجادل:
انتي لسه برضو مصممة على الموضوع ده؟ ما تخليها مرة تانية، أنا حاسة نفسي مش جاهزة وعايزة وقت…
وقت تاني يا بهجة؟
رددت بها نجوان بنفاذ صبر، لتتابع بحسم حتى تنهي معها:
عشان أقفل عليكي من أولها، مهما حاولتي معايا أنا مش هتنازل، وعشان تبقي مرتاحة أكتر، دا ملهوش علاقة بجوزك المحترم ابني، هو ضيف عادي زي باقي الضيوف من رجال الأعمال المعزومين، أما بقى لو عاملة حساب الرفقة، فصاحبتك يا ستي معزومة، عندك حجة تانية بقى؟
❈-❈-❈
داخل مقر عملهما بالمصنع، وبعد الانتهاء من مناقشة الملفات الهامة، كان الحديث العادي الآن بينهما:
شكل مصطفى ابن خالتك عامل حفلة كبيرة، أنا عرفت كذا واحد من رجال الأعمال اللي عازمهم، غريبة اهتمامه الزايد يعني بحاجة زي دي.
ولا غريبة ولا حاجة؟ تفوه بها رياض يترك الملف المتبقي من يده،
ليعطي اهتمامه بالكامل مردفًا:
مصطفى مش بس زكي وبيحب دايمًا يلمع صورته، لا هو كمان ليه في الخير من غير حب المظاهر زي ما بيعمل بعض الناس، ولا حتى ليه في الرياء، بالإضافة إنه السنادي كمان عاملها بحب عشان ماما.
والدتك، هو لدرجة دي بيحب والدتك؟ تسائل بها كارم بدهشة تضاعفت برد الآخر، وقد تجلت به الغيرة بصورة واضحة:
ولو قولتلك إنه بيحبها أكتر من والدته كمان متستغربش، أصل دماغه قريبة أوي من دماغها، الرومانسية المفرطة والحنية بشكل أوفر، مصطفى اللي بتشوفوه مع رجال الأعمال، وحش الاقتصاد، مع والدتي ومراته حاجة تانية، هتقولي إزاي؟ هقولك معرفش.
❈-❈-❈
داخل السيارة التي كانت تقلها معه الآن، خطوبة مؤقتة هذا هو المسمى الذي فرضته لعلاقتها به، بعد أن ضاقت ذرعًا من فرض حصاره عليها وعلى مشاعرها المربكة من الأساس، لتهتدي في الآخير لعقد هذا الاتفاق معه، حتى تأخذ وقتها في التفكير بروية بعيدًا عن ضغط والديها، المصرين باستماتة على زواجها به، وكي تختبر أيضًا تلك العاطفة التي تنبت داخلها، فتعلم باختلاطها به إن كان عشق حقيقي أم هو وهم إعجاب محض وسيزول مع الوقت.
أما هو ورغم فرضها الشروط الغريبة وافق، بل وأصبح يتعامل معها بسهولة بعض الشيء وتفهم، لكنه أيضًا لا يكف عن مشاكستها، كما يحدث الآن وقد كان يقود السيارة بها في الذهاب إلى الحفل المدعوين إليه يتبادل معها الكلام القليل، وعيناه لا تفارقها، تتنقل ما بين مراقبة الطريق الذي يقود فيه السيارة وبينها، حتى فاض بها:
ممكن تخلي بالك من الطريق بدل ما نعمل حادثة؟ هتفت بها بعصبية قابلها هو بهدوئه المعتاد:
مش عارف أنا والله مدايقك في إيه يا آنسة يا أستاذة صفية؟ شوفتيني دخلت في شجرة مثلًا ولا دوست حد؟ ولا هي النظرة نفسها ناحيتك حرام عليا؟….. أظن يعني إن دا من حقي، ولا عشان أنا غلبان يعني ومش بطالب بباقي حقوقي زي كل الخطاب؟ تحبي أذكرلك بيعملوا إيه يا أستاذة يا آنسة صفية؟
قصد بالأخيرة حتى يربكها بالخجل، ليصدر رفضها على الفور:
وأنا مالي باللي بيعملوه، أنا مسمحش أصلاً بأي تجاوز وبأي صورة.
رد بدرما يتصنعها جيدًا:
وأنا يعني شوفتيني طلبت ولا حتى قادر بالتلميحات؟ آخري نظرة وحتى دي مستكتراها عليا، الله يسامحك.
أشاحت بوجهها إلى خارج النافذة حتى لا يرى ابتسامتها، لكنه أبى إلا أن يستغل الفرصة:
كمان الابتسامة مستكتراها عليا، يا ما أنت غلبان يا هشام ومش لاقي اللي يحس بيك، دعيتيلي ولا داعية عليا يا أما بس؟ على صوته بالأخيرة ليجعل ابتسامتها تتحول للضحك المكتوم، قبل أن يجفلها توقف السيارة بعنف اهتز له جسدها بالأكمل، فتهدر هاتفه به:
إنت عملت فينا حادثة بجد؟
تمتم يجيبها وعيناه في الخارج؛
لا والله ما حادثة، أنا بس اتخضيت ومن غير ما أقصد دوست فرامل ووقفت، مش دي صاحبتك برضو؟ ولا أنا عيني دغششت.
دغششت؟ رددت بالكلمة من خلفه باستنكار لتتوجه بأبصارها نحو الجهة التي ينظر بها، وصديقتها القادمة نحوهما، بطلة مبهرة سلبت اهتمام جميع المارة والأشخاص من حولها، حتى هذا الجالس بجوارها عقب بذهوله:
يا وعدي عليك يا ابن حكيم، مش بعيد قلبك يقف بعد ما تشوفها الليلة دي.
إنت بتعاكس صاحبتي؟
نعم! التف إليها بعدم تركيز ليفاجأ بها رافعة حاجبها بشر مرددة:
بسألك يا دكتور، لا تكون بتعاكس صاحبتي؟ أصابه شيء من الاضطراب اللذيذ، شيء يقارب الاستمتاع بهيئتها الخطرة تلك، لمجرد نظرة منه نحو صديقتها، اللعنة أتكون قد أصابتها غيرة!
مبترودش ليه؟ أنا بكلمك على فكرة. ضحك بمكر يجيبها:
ما أنا خايف أصارحك باللي واصلني من فعلك دلوقتي تحرجي وتولي وشك مني بعد ما تاخدك الجلالة كالعادة، وأنا مكدبش عليكي، عاجبني أوي شكلك كده.
همت تثور به منكرة ما فطنت إليه من تلميحه، ولكن منعها وصول بهجة لتنضم معهما داخل السيارة، والتي رددت فور دخولها حينما لامست بحاستها نوعًا من التوتر بينهما:
با ساتر على وقفة الشارع وقرفها، الحمد لله إنكم وصلتم أخيرًا، إنتو مبلمين كده ليه؟ لتكونوا متخانقين؟
صدر السؤال بتوجس جعل صفية تسارع بالنفي:
لا يا قلبي مش متخانقين ولا حاجة، دا العادي بتاعنا أصلاً.
أيوة العادي بتاعنا أصلاً. ردد بالكلمات من خلفها ليضيف عليهم بخبثه:
بس إنتي إيه الحلاوة دي يا بهجة، أقسم بالله ما عرفتك في البداية، إنتي كده عديتي الكل، وربنا اللي يشوفك يقول بنت زوات بحق.
تبسمت لغزله ولكنها أيضًا لم تغفل صديقتها في الثناء عليها والإطراء:
يا سيدي متشكرين على ذوقك، بس إنت معاك القمر يا دكتور، ملكة جمال وعلى طبيعتها، مش زينا إحنا يا غلابة، دي كلها لمسات نجوان، أفهم إيه أنا في ذوق الهوانم؟ أهي ليلة تعدي وخلاص.
لا إنتي هانم وست الهوانم يا بهجة متستهونيش بنفسك. قالتها صفية في رد لها، ليأتي الرد من الآخر:
وإنتي كمان ملكة جمال على طبيعتك، هي مكدبتش على فكرة. أجفلها بجديته، لتغزو السخونة وجنتيها بخجل، ويصيبها اضطراب مباشر في البحث عن رد مناسب أو الصمت غير قادرة على مواجهة جرأة عيناه القادرة على اكتشاف سبر أغوارها، لتنقل نظرها نحو صديقتها وكأنها تبتغي العون، لتشفق بهجة، وتتوجه نحو هذا الماكر بما يشبه الأمر:
أنا كده هتأخر على الحفلة يا دكتور هشام، ناوي توصلنا ولا ننزل ناخد لنا تاكسي؟ أصل أنا مش همشي من غيرها عشان تبقى عارف.
سمع منها ليعود على الفور لعبثه:
لا طبعًا إزاي؟ دا أنا أخدكم معايا كعابي ولا أسيبكم تروحوا من غيري، واحدة هانم والتانية ملكة جمال أسيبكم بقى لوحوش المدينة، دا كلام برضو، دا كلام.
❈-❈-❈
توقفت بسيارتها أسفل العقار الذي دخلته قبل سابق، وها قد أتتها الفرصة، لتحضر الاحتفال بعقد قران شعبي، بدعوة من أحد أفراده المقربين لها، حتى الآن لا تجد وصفًا لهذه العلاقة التي تجمعها به، لكن جل ما يميزها هو الارتياح، الارتياح في الحديث معه دون حسابات أو عقد، تبوح بكل ما يعتمل بقلبها معه، دون تفكير أو تديير.
وجدته في مدخل العقار وكأنه كان ينتظرها، ليستقبلها بكلماته:
افتكرتك بتهزري والله ومش هتيجي.
تبسمت تقترب منه، وتعطيه العلبة المغلفة ليحملها عنها مرددة:
وأنا بعد ما وعدتك يا عم سامر، تفتكر إن هخلف بوعدي مثلًا؟ دا أنا أصلاً جاية وكلي حماس أشوف الفرح الشعبي.
صدحت ضحكته وهو يصعد معها الدرج الأسمنتي في طريقهما نحو المنزل مرددًا:
والله إنتي طيبة، بقى كتب كتاب عملتيه فرح شعبي، مصيبة لتكوني حاطة في دماغك كمان، رقاصة وأغاني مهرجانات. لكزته بقبضتها بخفة على ذراعه معارضة استخفافه:
بطل بقى، أنا مش هبلة لدرجة دي يعني، فرح ع الضيق يعني بنات بيرقصوا داخل البيت بينهم وبين بعض مش كده برضو.
زام بفمه بتفكير متعمق، ثم صارحها بقوله:
اممم حتى دي مضمنهاش، أصل البت أختي دي عقلها طاقق، ولحد دلوقتي عمالة تعترض على خطيبها، لولا بس قارصين عليها عشان الواد راجل وقد كلمته، مكنتش كملت الخطوبة أصلاً.
كان قد وصلا إلى مدخل المنزل المفتوح على آخره، في استقبال المهنئين، وقعت عينيها على العروس التي تحتل مقعدها في الواجهة، فظهرت أمامها بالكامل، بالزينة الصارخة والفستان الحريري الملتصق بجسدها بصورة فجة، فعقبت لورا بفراسة ساخرة:
واضح أوي إنها مغصوبة بدليل إنها فرحانة بإمكانياتها.
تمتمت الأخيرة بصوت خفيض، لتدلف إليها وتحضر الحفل الجديد عليها.
❈-❈-❈
داخل الحفل الضخم الذي تم إقامته بمقر الجمعية، ليزيده عراقة وهيبة، وبترتيب عالي الجودة من مصطفى عزام، الذي أعطاه كامل اهتمامه خلافًا عن كل المرات السابقة وكأنها سنة مميزة بالنسبة له، بمقصد غير معلن ولكن فهمت عليه والدته، بعدما رأت بأم عينيها ما جعلها تزداد حقدًا وغيرة، لتعبر عما يعتريها من غضب مكتوم أمام مساعدتها:
شايفة يا إيفون، الكبير العاقل لافف إيد نجوان على دراعه وبيلف بيها يقدمها للجميع وكأنها عروسته مش خالته، حتى مراته الغبية ماشية معاهم ومبسوطة باللي بيعمله.
تطلعت إيفون نحو الجهة التي تقصدها بهيرة، لتعقب بذكائها المهني البحت:
وماله يا بهيرة هانم، الظهور المميز لنجوان بعد الغيبة سنين طويلة، وحضور نور بصفتها نجمة كبيرة، بالإضافة طبعًا للدور الكبير اللي قايم بيه مصطفى والحفل الضخم برموز البلد المهمين اللي عازمهم، دا كله يصب في زيادة شهرة الجمعية، وعلو سعرها وزيادة نشاطها أكتر وأكتر.
زيادة نشاطها أكتر وأكتر. تمتمت بها بهيرة تلوي بغيظ شديد شفتيها التي ترسم بها الابتسامات في مجاملات مع الجميع دون ود حقيقي، لترفع رأسها فجأة بقدوم الأشخاص المفضلين إليها، كارم وزوجته، وابن شقيقتها رياض، والذي قادته أقدامه إليها بعد الترحاب ومصافحة بعض الأشخاص الذين يعرفهم من أعضاء الحفل.
رياض حبيبي. رددت بها بحنين تفتح ذراعيها إليه، وكأنها تجد به المأوى أو ربما البديل، لتجبره على مبادلتها العناق لكن بحرص:
أهلا يا خالتو، عاملة إيه؟
ردت بود مبالغ فيه:
أنا كويسة أوي يا حبيبي لما شوفتك، ياريتك معايا كل يوم، أنت بتوحشني أوي يا بني. اضطر في الأخيرة أن يدعي التصديق، رغم تعجبه الشديد من طريقتها، ليوميء برأسه في استجابة لحديثها والرد بمجاملة، قبل أن تنقل أبصارها نحو المرافقين له:
وأنت يا كارم ومراتك القمر دي، كل مرة كده تزيدي حلاوة عن المرة اللي قبلها يا رباب.
مفيش حلاوة من بعدك يا هانم.
علقت بها رباب لتأخذ دورها في مجاراة المرأة العجوز مع زوجها، في حديث متبادل، لا يخلو من التملق والمجاملات الزائفة في تلك اللقاءات، أما رياض، والذي احتفظ بطبيعته الجليدية فقد اندمج هو الآخر في الترحيب بعدد من الأشخاص الذين يعرفهم، وشعور بالضيق يجثم على أنفاسه، وهو يتابع هذا المدعي في الاستحواذ على والدته، وعدم تركها حتى تتنبه إليه ولحضوره، يتساءل عن غياب بهجة، لقد كان يتوقع حضورها اليوم كما سمع من والدته، لو يعلم من البداية عن غيابها، ما كان حضر من الأساس.
هذا ما خطر بعقله قبل أن يجفله وعلى حين غرة ظهورها أمامه بطلة ملائكية جعلت الرؤوس تلتف ناحيتها، ليس لتفوقها في أناقة الرداء الذي ترتديه وفقط، ولا بزينة الوجه، التي جعلته فتنة وقبلة للنظر، بها هالة تخطف الأبصار نحوها، عروس من الأساطير، أو أميرة أتت من عالم الخيال.
يا نهار أبيض! معقول دي بهجة؟ كان هذا تعليق كارم الذي غمره الذهول هو الآخر، حتى صدر منه الاستفسار، لتعلق زوجته هي الأخرى:
مين بهجة دي؟ بنت حد نعرفه؟
جاء الرد من بهيرة التي امتقعت ملامحها بمقت شديد:
لا يا روحي عمرك ما هتعرفيها، عشان دي مجرد مساعدة لنجوان في الجمعية، عاملاها لعبتها وكل يوم بتفرضها على الوسط بعد ما كانت جليسة عندها، أكيد اللي معاها دا يبقى خطيبها.
مراتيييي. صدرت من رياض لينهض فجأة مؤكدًا على الكلمة:
بهجة تبقى مراتي يا بهيرة هانم، ياريت تخلي بالك من كلامك بعد كده عنها.
قالها وتحرك ذاهبًا، غير آبهٍ بوقع الخبر على المرأة العجوز، والتي شخصت أبصارها، وانسحبت الدماء من بشرتها بهلع، لا تصدق ما وصل إلى أسماعها، صدمة حلت بها أفقدتها النطق والسؤال عن صحة ما سمعته.
❈-❈-❈
أما عن بهجة، والتي بالكاد استطاعت تخطي توترها، بدعم صديقتها التي لا تتركها، والطبيب هشام الذي ذهب ليأتي إليهما بكوبين من العصير، وقبل أن يصل إليهم، جاء هو ليخطفها من بينهما ويسحبها من يدها دون استئذان، حاولت صفية إيقافه لكن هشام منعها، أما بهجة فقد صارت تهمس مرددة له بحرج:
إيه ده في إيه؟ ساحبني كده ورايح بيا فين يا رياض؟ رياض منظرنا قدام الناس، رياااض. لم ينطق ببنت شفاه، بل واصل سحبها غير مكترثٍ بنظرات البشر التي تستغرب فعله.
ليدلف بها داخل إحدى الشرف الواسعة للقصر والمطلة على الحديقة، ودفعها عنه، لتصبح مقابلة له، فتواجهه بانفعالها:
أفندم حضرتك، ساحبني زي البهيمة قدام الناس، ولا مراعي حتى منظري قدام أعضاء الجمعية اللي شغالة معاهم.
ميهمنيش. قالها ببساطة ضاعفت من حنقها:
بس أنا بقى يهمني، ولا يمكن أسمح لحضرتك بأنك تهز صورتي ولا تقلل من احترامي، وقبل ده كله، أنا لازم أحافظ على سمعتي.
ضاقت عينيه بشر، وانتفخت أوداجه بطاقة من الغضب قادرة على إحراق الأخضر واليابس، يطالع نظرة التحدي بعينيها، وذلك الاستخفاف المقصود منها، ليطبق على ذراعها بعنف مهددًا:
من غير حلفان يا بهجة لو ما لميتي نفسك ومشيتي دلوقتي حالًا وسيبتي الحيوان اللي برا ده مع البت المسترجلة اللي معاه، لا أعملك فضيحة وأنت المسؤولة.
نزعت يداه عن ذراعها للتخصر أمامه وتدهشه بفعلها:
أولًا هو مش حيوان، بل بالعكس، دا دكتور محترم، ومحترم أوي كمان، وثانيًا بقى، أنا مقبلش إنك تتكلم كده عن صاحبتي، ولا عشان هي لسانها طويل وبتقف زي الشوكة في الحلق قدام الرجالة الظلمة.
بما يشبه الصدمة، أشار بسبابته نحو صدره:
إنتي تقصديني أنا بالكلام ده؟ أنا في نظرك ظالم يا بهجة. ارتفع كتفيها وارتخيا بمراوغة تجيبه:
والله أنا بتكلم عن الظلمة، لو أنت شايف نفسك كده هعملك إيه؟
لاحت بثغره ابتسامة ساخرة يعقب:
واتعلمتي اللوع كمان يا بهجة، بعد ما كنتي قطة مغمضة.
والمغمض مسيره يفتح. قالتها تقرب وجهها منه في مقارعة له، غافلة عن تأثيرها على قلبه المشتاق بلوعة، منذ أن رآها تلج إلى داخل الحفل بهيئتها الساحرة تلك، تخطف أبصار الجميع نحوها وهي تمر كالملكة برفقة هاذين الغبيين. كم ود لو يخطفها من بينهم أو يسحبها من يدها ويخرج بها، رغم وجود الحضور من أصدقائه ومعارفه، ولكنه أضحى لا يضمن رد فعلها، كما يحدث الآن وقد بعثر كيانه ونسي حتى غضبه، بعد أن كان على صفيح ساخن منذ دقائق، لمجرد نظرة واحدة منها، وهذا الدلال الذي صارت تتعمده في كل مرة تخالفه، وكأنها تستمتع باحتراقه.
بهجة يلا. جاء الصوت من مدخل الردهة الصاخبة بأعداد الحضور، لينتشله من لحظته، ويعيده إلى نقطة الصفر، ليلتف إلى صاحبها بأعين مشتعلة، قابلها الآخر بابتسامة سمجة وكأن الأمر لا يعنيه، تساعده تلك المتحذلقة:
الدكتور هشام وراه العيادة، مش عايزين نأخره بقى يا بهجة. في رد منها، تبسمت إليهما بملء شدقيها:
عيوني جاية أهو. قالتها وهمت تتحرك ذاهبة إليهما، ولكنه أوقفها يقبض على رسغها يتمتم كازًا على أسنانه:
هقتلك الاتنين، هقتلك الاتنين يا بهجة. رفضت تنفض يده عن ذراعها بعنف:
والله لما نبقى نكلمك ولا نمس طرفك حتى، ابقى اعمل اللي أنت عايزه يا باشا، أما دلوقتي، أنت ملكش حاجة عندي، خليك مع البشوات اللي من مستواك وسيبني أنا مع الناس اللي من طينتي، عن إذنك بقى.
.
وتركته وذهبت دون أن تلتف برأسها حتى إليه، إلى متى سيصبر على عنادها؟ لولا الخوف من أن يمس اسمها بفضيحة، ما كان تركها من الأساس، لكن فليتحلى الآن بالتروي حتى يعيدها إليه، وإن لم يكن بخاطرها سوف يجبرها. وليحدث ما يحدث بعدها.
❈-❈-❈
صدحت أصوات الزغاريد تسمع لآخر الحارة بعد انتهاء عقد القران الذي حضره عدد من الرجال من أقارب العروسين وعدد من النساء والجيران، ليغادر الآن معظمهم، ولا يتبقى إلا القليل.
خميس، الذي قضى الوقت في توتر دائم وقلق، دلف إلى ابنته بصحبة عريسها ووالده ليبارك لها على عجالة:
مبروك يا قلب أبوكي، مبروك. تقبلت سامية قبلاته على جانبي وجهها لاويّة فمها، لتهديها ابتسامة صفراء:
الله يبارك فيك يا بابا.
صنع الابتسامة هو الآخر ليبارك لخطيبها الذي أصبح زوج ابنته الآن:
وانت يا جوز بنتي يا غالي، ربنا يتمملكم بخير. أسيبكم أنا بقى.
قال الأخيرة بقلق فور أن تقابلت عينيه بعيني زوجته الحادة بخطر. لحق به سمير قبل أن يخرج من باب الشقة، ليوقفه قبل أن يخرج:
استني شوية يا با، طب حتى أقعد شوية مع عريس بنتك، ولا هي أمي هتاكلك يعني؟
سمع منه، لتلتف رأسه إلى الخلف نحوها، ليعود إليه مؤكدًا بهلع:
قادرة وتعملها يا بني، سيبني يا حبيبي . العمر مش بعزقه، وأنا مش مضحي بعمري. سلام يا بني. تركه سمير يغادر ليعود إلى الجمع المتبقي من أفراد عائلة العريس وقد انسحب معظمهم أيضًا، ليتركهم هم أيضًا ويذهب إلى رعاية طفله داخل غرفته، وكانت زوجته منشغلة في هذا الوقت بإعداد الطعام داخل المطبخ.
أما طلال، الذي اتخذ مقعده بجوار عروسه فاردًا ذراعيه على الأريكة التي تمضها معه بأريحية غير عابئ بعبوسها، بل ظل تاركًا لها المجال، تتحدث مع هذه، وترقص مع تلك، وهو يدخن سجائره مراقبًا لها بصمت. حتى أتى دور لورا في توديعها بعدما أهدتها أسورة جميلة أبهرتها حتى صارت تتفاخر بها أمام الفتيات صديقاتها، والاتي انسحبن هن الأخريات بحرج منها، لتصفو في الأخير الجلسة عليها وعليه، ويأتي دوره في الحديث:
شكلها عجبتك أوي الأسورة أكتر من شبكتك؟
صارت تلوح برسخها الملتف حوله الأسورة، ترفعها أمام عينيه بإعجاب واضح.
جميلة وحاجة روعة بهواتي كده، مش زي الشغل البلدي.
ضحك بسخرية منتبهًا لتلميحها المقصود، وعلى حين غرة أمسك بيدها يطبق عليها داخل قبضته بتهديد واضح:
النهاردة كتب كتابنا يا عسل، يعني بلاها منها الحركات المكشوفة، ولا إنتِ عايزة نكد حتى في ليلة حلوة زي دي؟
حاولت نزع يدها من قبضته الحديدية، تنهره بحنق:
بذمتك دي عمايل واحد مش عايز نكد؟ سيب إيدي يا طلال بدل ما أعلي صوتي وانده على حد من اللي قاعدين في المطبخ بيجهزولك العشا.
أصدر صوت رفض من فمه قائلًا:
مش قبل ما تصالحيني يا سامية، النهاردة أنا عريس، وإنتِ بقى نكدتي عليا، أنا برضو بقيت جوزك وميصحش تقللي مني.
والله، وأنت بقى عايزني أصالحك إزاي إن شاء الله؟ تمتمت بها تعوج شفتيها بإستهزاء، ليجفلها هو بإيقافهم عن الكلام من الأساس، حينما حط بخاصتيه عليِهما، ليباغتها بهجوم كاسح وسريع زلزل كيانها، وأفقدها القدرة على التفكير، حتى لم تعِ لنفسها سوى بعد لحظات من الصدمة، لتضربه بقبضتيها على كتفيه، حتى إذا تركها أخيرًا رفعت كفها تبتغي تكرار فعلتها الأولى في لطمه، ولكنه لحق ليمسك على رسغها بعنف، يردف بحزم:
لا يا حلوة متنسيش نفسك بدل ما توحشك، إنتِ دلوقتي بقيتي مراتِ وأنا وعدتك إني مش هلمسك غير في بيتي، بس دي اعتبريها هدية كتب الكتاب، أصل بصراحة بقى……
توقف يتابع بنظرات تشملها بجرأة وقد ارتخت قبضته:
بصراحة بقى مقدرتش أمسك نفسي، ما أنا برضو بشر وإنتِ بطل يا بت.
دفعته بكلتا يديها التي نزعتهم من قبضته على صدره بعنف وملامح شرسة جعلته يزداد إنبهارًا مرددًا:
آه، معلش نفوتلك دي يا بطل، ما أنا برضو بموت في شراستك.
زفرت تشيح بوجهها عنه، تدعي الغضب، ولكن من داخلها جزء ما سعيد بإطراءه، وتلك الصفات التي تدلل أنوثتها، رغم كرهها له، تكرهه بالفعل، ومع ذلك لم تبغض قبلته، أو حتى تصمم على قرارها برفض عقد زواجه بها.
وكأنه قرأ أفكارها، هتف ينادي والإبتسامة أترسمت على وجهه بوضوح وعيناه مرتكزة عليها:
العشا يا حماتي، أصل أنا جوعت أوي، أووي.
❈-❈-❈
وعودة إلى الحفل الآخر، وقد انضمت بهجة إلى الطاولة التي تجمع الصفوة من نساء المجتمع، تاركة الطبيب وصديقتها للانفراد بجلستهما معًا بعد أن سحبتها نجوان لتجلسها على المقعد المجاور لها رغم رفضها في البداية، وكأنها تُصر على إظهارها للجميع، وتمسك نفسها بصعوبة عن ذكر صفتها الأصلية، في تحد لشقيقتها الغاضبة وابنها الحانق من تجاهل الاثنتين له.
لا يرفع عيناه عنهما مهما تحدث مع أحدهم، أو انشغل بأمر ما، وكأنها الحرب الباردة بينهما، لا أحد يعلم بنهايتها.
حتى التقت عيناه بأخر إمرأة يتمنى لقاءها الآن:
نادين! ردد بالاسم بعدم تصديق وعيناه منصبة نحوها، حتى انتبه شريكه إلى الجهة التي ينظر بها، وتلك المرأة التي تخطف الأبصار بهيئتها الملفتة بفستان أسود يضيق على معالمها، وينعكس على بياض بشرة سيقانها الظاهرة بسخاء من الفستان القصير، ليعقب بمرح:
أوعي بقى، إيه يا عمنا، هو إنتِ الليلادي موعود ولا إيه؟ الأولى بهجة وجمالها الأسطوري، ودلوقتي نادين صاحبة الإمكانيات الجبارة، لا رورو أنا كده أحسدك.
زفر بضيق يشيح بوجهه للناحية الأخرى، حتى لا تنتبه إليه، يحذره كازًا على أسنانه:
لم نفسك يا كارم، أنا مش ناقصها دي كمان، دي ما هتصدق تلاقيها حجة لو شافتني، ولا أقولك أنا همشي أحسن.
للأسف اتأخرت. قالها كارم، والآخر ينهض من جواره ليهم بالذهاب، ليصعق بها أمامه مباشرة:
رياض باشا، مش معقول، أنا متوقعتش حضورك النهاردة. تبسم بضيق معقبًا:
معلش بقى، أصل أنا مليش أوي في أعمال الخير، أنا جيت مجاملة، وعلى العموم أنا كنت ماشي أصلاً.
شرع في التحرك ولكنها أوقفته بقولها:
ليه بس؟ ولا هي إذا حضرت الشياطين يعني؟ دا أنا حتى كنت عايزة أكلمك على آدم، أصل اتصل بيا النهاردة ومعجبنيش.
ماله آدم؟ سألها بقلق على شقيقه.
هقولك كل حاجة بس تسمحلي أقعد؟ أومأ بموافقة:
اتفضلي حضرتك، أنا عايز أسمع منك، على العموم دا كارم شريكي في الشغل، يعني مش حد غريب.
تشرفنا يا كارم باشا. ألقت بالتحية نحو كارم وهي تسحب كرسي الطاولة لتجلس عليه، فتبسم الآخر يجيب تحيتها:
الشرف لينا إحنا أكيد، أنا هقوم أشوف مراتي بقى أصل ده ميعادنا عشان نروح، عن إذنكم.
وتحرك مغادرًا ، ليترك رياض وحده، يجلس مقابل هذه المرأة ليعرف غرضها، وفي الناحية الأخرى اشتعل زوج زمرديتين صافنتين بغضب، توجه سؤالها نحو نجوان الصافنة هي أيضًا برؤية تلك المرأة ذات الهيئة الغير مريحة على الإطلاق:
ودي مين الحلوة دي؟ وإيه علاقتها برياض؟ تسائلت بها بهجة، ليأتيها الرد من نجوان:
أكيد دلوقتي نعرف يا بهجة، مع إني حاسة زي ما يكون شوفتها قبل كده، بس فين معرفش.
الفصل الثالث والاربعون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا