تحميل رواية حان الوصال بقلم امل نصر pdf
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
االفصل الاول 1 ما بعد الفجر وقبل الصباح، ذاك الوقت الفاصل ما بين ظلام الليل وشروق الشمس، هذا هو وقتها، الذي تجد فيه سكينتها، تصلي الفجر ثم تقف في شرفتها تتمتع بالنسمات العليلة مع الهدوء الذي يعم المنطقة الا من بعض الاصوات القليلة للمارة الذاهبين الى شئونهم، ان كان الى عمل او شيء آخر. تتأمل المباني حولها وتراقب انقشاع الظلام رويدا رويدا حتى تحط الشمس بضيائها وتزين الأرض. تتنفس هواء نقيًا، بعيدا عن الصخب والمسؤوليات المعلقة في رقبتها. بهجة…. هذا اسمها وياليتها نالت حظها منه، او ربما كانت تناله قدي...
رواية حان الوصال الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثالث والعشرون 23 بقلم امل نصر
وتظن انك قد ملكت زمام امرك، ولا شيء يستطيع أيقافك، حتى يأتي من يسرق النوم من عينيك ويُحرم عليك الراحة، فيتبدل حالك من النقيض للنقيض .
ومن أقوى منه، ذلك الذي يفرض سلطانه، ويجعلك ترضخ على غير اردتك لرغبته.
يُضغفك، نعم هو يُضعفك……. ذلك القلب المتمرد على كل حسابات العقل والمنطق، هو سيد الأمر مهما ادعيت غير ذلك او تجاهلت….. سوف يهزمك في الأخير.
خطت تحمل على يدها مشروب الفواكه الطازجة، تتقدم نحوها داخل الحديقة التي أصبحت ملجأها منذ ان استفاقت من غفوتها وأصبح الوعي يعود اليها تدريجيا، ولكن مقابل ذلك كسى الحزن ملامحها بصورة واضحة وكأن جراحها فتحت من جديد،
الكلمات القليلة التي كانت تتكلم بها، زادت عن معدلها بقليل ولكن ليس في كل الأوقات ، فرص التحدث عندها نادرة ولكن حين تخرج منها تفاجأهم،
دائمًا تثير قلقهم بشرودها، ومع ذلك يصر الطبيب انها تسير على الطريق الصحيح.
تفوهت بهجة كي تنتبه اليها:
– اتفضلي العصير يا نجوان هانم
دنت اليها بكوب المشروب البارد والذي رمقته الاخيرة لعدد من اللحظات قبل ان تمد كفها وتتناوله منها.
تجرأت بهجة لتجلس على الكرسي المقابل لها، كي تتحدث معها:
– معلش هعزم نفسي واقعد معاكي، ممكن القمر تسمحلي ولا اقوم من سكات احسنلي.
ايضا رمقتها دون ابداء أي رد فعل، لتشيح بوجهها عنها بعد ذلك، وترتشف من الكوب.
ولكن بهجة لم تستسلم لتميل اليها قائلة:
– تعرفي بقى ان انا حاسة براحة دلوقتي بعد ما اتأكدت انك بتسمعيني، ولسة كمان منتظرة لما تاخدي وتدي معايا وتأمريني،…..
توقفت تطلق تنهيدة من العمق لتردف:
– حتى ابقى مطمنة عليكي لما اسيبك….
في الاخيرة توجهت اليها نجوان بنظرة لم تفهمها، لا تعرف ان كانت استنكار او عدم تصديق، أو غير ذلك، اصبحت تثير حيرتها بحق، لتسألها بفضول؛
– ايه يا نوجة؟ هتشتاقيلي لما اسيبك؟
هذه المرة تحولت ملامحها للعبوس قبل ان تدير وجهها للناحية الأخرى مرة اخرى، وتتكتف ذراعيها بضيق ملحوظ، حتى همت بهجة ان تشاكسها لولا قدومه المفاجيء، وصوته الذي دوى ينبئهم بمجيئه:
– مساء الخير
ردت بهجة بالتحية تتبادل معه نظرات يسودها التفاهم امام صمت نجوان ووجومها، حتى اقترب منها واضعًا قبلة اعلى رأسها، مخاطبًا لها بلطف:
-،عاملة ايه يا نجوان هانم النهاردة؟.
بنفس الوتيرة اصبحت تحدجه صامتة، يزيدها حدة تلوح في الافق، هو فقط من يفهم عليها، ليستطرد واضعًا عيناه نصب عينيها:
– اتكلمي يا ماما وطلعي اللي في قلبك، حتى لو عايزة تشتميني، انا مستني اللحظة دي من زمان اوي يا نجوان هانم، بس اسمع صوتك وانتي كمان تسمعيني.
نهضت بهجة تستأذن للذهاب ، وقد شعرت بالحرج، أو ربما تود اعطاءهم الخصوصية.
لم ينتبها الاثنان لانصرافها، فلم تحيد ابصارهما عن بعض، ليردف هو:
– مهما استمريتي في عنادك، أكيد هيجي اليوم اللي تحني ولا تضعفي فيه وتتكلمي، انا في أشد الاشتياق للمواجهة دي، على الاقل ساعتها تسمعيني وتقرري، بدل العذاب اللي عايش فيه بقالي سنين .
مال يقبلها على وجنتها قائلا:
– انا في انتظارك يا ماما.
ثم ذهب كما جاء ، وظلت هي تنظر في اثره بشرود كالعادة
❈-❈-❈
أمام مراَتها وقفت تتأمل هيئتها بملابس الخروج، لتلامس بكفها على البطن التي اصبحت تحمل بأحشائها ثمرة الحب وارتباطها برجل حياتها الأول والاخير، والذي مَن الله عليها به، بعد سنين العذاب والتوهة داخل علاقة سامة كادت تودي بحياتها، أو تعيش بمر الحقد على اقرب الناس اليها.
– امنية خلصتي لبس ولا لسة ؟ انا مستعجل وممكن اسيبك وامشي.
كان هذا صوت حبيبها الذى دوى صوته كمنبه لها كي تستفيق لتأخر الوقت، فتتناول حقيبتها سريعًا لتخرج اليه، فتجده كالعادة منشغلا بالحديث عبر الهاتف مع أحد الأشخاص، مشتتًا عن التركيز معها وما تمر به من تطورات لهذا الحمل العزيز عليها، كم ودت ان تبقي الامر سرًا ولا تخبره، حتى لا تقابل بهذه الفرحة العادية، والخالية من اللهفة التي توقعتها..
حتى الاَن لا تعلم السبب الحقيقي لاستقبال شيء هام كهذا منه ببرود تستغربه، رغم علمها انه يحمل حبًا عظيمًا بداخله لها، حتى لو كف عن التعبير عنه، او ربما منعه العقل المشتت عن ذلك.
– انا خلصت يا عصام .
قالتها ليلتف اليها، فترى في عينيه تلك الومضة السريعة في اظهار اعجابه، قبل ان تخبو ايصا سريعًا، ليسبقها مرددًا بروتينة:
– تمام، ياللا بقى عشان نلحق السبوع من أوله.
اوقفته فجأة تجذبه من ذراعه قبل ان يخرج:
– عصام انت مش فرحان لحملي ولا فكرة السبوع دي لأحفاد الست مجيدة محركوش جواك الحنين؟
تجمد فجأة قبل ان يستجيب ويلتف مركزًا ابصاره بها :
– وايه اللي يخليني مفرحش يا امنية؟ هل شوفتي عليا رد فعل يثبت عكس ذلك.
تقربت منه تقول بنبرة حانية، لتصل بها الى غرضها في المعرفة دون ان تثير انفعاله:
– انا مش بتكلم انك مش فرحان، انا بتكلم على رد الفعل، اصل انا كنت متخيلة فرحة وصريخ ، يمكن اكون هبلة في تخيلي، بس الفرحة مفيهاش عيبه ولا ليها كبير ولا صغير.
نصف ابتسامة ساخرة لاحت بزاوية فمه يعقب على كلماته:
– اه بقى دا على اساس انك كنتي مدياني فكرة من الاول، مش الست مجيدة اللي جات وفضحت الدنيا بفرحتها.
– مكنتش لسة اتأكدت يا عصام .
قالتها بحرج شجعه على مواصلة العتب:
– انا بتكلم عن الترجيح يا امنية، كل الاعراض اللي كنتي بتمري دي تخلي اي واحدة ست تفكر ، انا نفسي شكيت بس شيلت من دماغي لما لاقيتك واخدة الأمر انه تعب عادي
لقد قلب الامر بحنكته، وأتى بالحجة عليها، ولكنه لا يعلم بأنها هي ايضا ليست على ما يرام، فما يتسلل بداخلها من مخاوف وهواجس تمنعها من التفكير السليم في بعض الاوقات، بل وتذهب عنها الفرحة كلما تذكرته. اللعنة عليك يا ابراهيم، وبما تسببت به من اضرار في العلاقة بينها وبين زوجها،
القت بنفسها داخل حضنه تفاجئه، في تعبير عن اسفها، أسعده فعلها، وتقبلها يصدر رحب رغم نزفه:
– القميص الابيض يا ست، يقولوا عليا ايه لما يلاقوا الروج عليه.
ضحكت لتردد بدون ترفع رأسها التي استراحت علي صدره:
– قولهم دا اثبات لحب مراتي ليا.
❈-❈-❈
أنهت مناوبتها وكانت في طريقها للمغادرة ، بعدما أطمأنت على نجوان ، وخلودها للنوم مبكرا،
أبصرت بعيناها ضوء غرفة المكتب الخافت، فاتجهت لتطل عليه بداخلها، فتطرق بخفة وعلى تردد قبل ان يأتيها صوته المرحب وكأنه علم بها:
– ادخلي يا بهجة.
دفعت الباب تخاطبه برقتها:
– لو مش فاضي ممكن امشي.
اشار اليها بيديه، يفتح لها ذراعيه الأثنان، معبرا عن احتياجه الشديد لها، وكأنها أتت على نداء قلبه،، لتلبي سريعًا، وتهرول بخطوتها السريعة اليه، فيضمها من خصرها بلوعة قائلا:
– انا مشتاقلك اوي يا بهجة، ومخنوق جدا عشان مقدرتش اجي على ميعادنا ولا اشوفك النهاردة
– انا عارفة ان عذرك معاك.
تمتمت بها تلمس على شعر رأسه بحنو، لتدخل اناملها الرقيقة بين البصيلات فتدلك من بينها، فتفعل بالراس المتعب الافاعيل، حتى اصبح يغمض عيناه مستسلمًا لسحر اللحظات، ليردد باسترخاء:
– اه يا بهجة اه، التدليك دا حلو اوي، كأنه بينزع عني الاجهاد والتعب.
تبسمت قائلة:
– دي عادة ابويا الله يرحمه عودنا عليها، كنا نتسابق عشان نحط راسنا في حجره ويعملها معانا وهو بيتفرج ع التليفزيون، محدش كان بيصمد ولا بياخد وقت في النوم معاه.
تبسم معقبًا:
– والله كنت هسألك لأن انا فعلا حاسس اني هنام من ايدك دلوقتي، حاسس نفسي مرتاح عليها اوي ، ومش عايزك تبطلي ابدا .
– لا مدام فيها نوم، يبقى اشيل ايدي انا احسن.
قالتها لترفع يدها عنه بالفعل، فعبست ملامحه بالضيق يخاطبها:
– ليه يا بهجة رفعتي ايدك ؟
ردت بمرح وهي تبتعد عنه:
– ما انت ممكن تنام في ايدي بالفعل، وابقى انا عطلتلك عن الشغل اللي في ايدك، ويمكن تيجي تاني يوم تحاسبني.
زفر يدفع الملفات نحوه بضجر مرددًا:
– لا يا ستي مش هاحسبك ولا اكلمك، بس منكرش اني ورايا شغل بالفعل.
عاد يخاطبها وابصاره منصبه نحوها:
– النهاردة مضيت عقد مهم اوي يا بهجة، مع اهم عملا في المنطقة، بكرة منتجات مصنعنا، تغرق سوق الوطن العربي ، انا مبسوط اواي عشان كل يوم بقرب من حلمي.
شعرت بالسعادة من أجله حتى رددت بتمنى من قلبها:
– ربنا يبسطك كمان وكمان يا حبيبي وتحقق كل اللي نفسك فيه.
– على فكرة انا مش ناسيكي
قالها ليخرج من جيب بنطاله علبة مخملية صغيرة، وفتحها يخرج منها سلسالًا صغير، يتوسطه قلب ، فرفعه امامها لتسأله باستفسار أبله:
– – ايه ده يا رياض؟
نهض عن مقعده ضاحكًا يجيبها:
– يعني هيكون ايه بس يا روح قلبي، مش باين انها سلسلة؟ ارفعي الطرحة بقى خليني البسهالك.
وبفعل غريزي ارتدت بقدميها للخلف معترضة:
– لا بلاش
– بلاش ليه؟
بماذا تجيب سؤاله ؟ وقد حصر مكافئتها وامتنانه لها بشيء عيني رغم كل ما يحدث من تقارب بينهما، لدرجة تجعلها تنسى الاتفاق اللعين، ولكن ها هو ذا، يذكرها عمليًا به:
– بهجة انتي تنحتي ليه؟ انا عايز اللبسك السلسة بس على فكرة
همت تتحجج بشيء ما ولكن اندفاع الباب فجأة جعلها تنتفض مجفلة نحو مدخل الغرفة، فتصعق عينيها متفاجئة بما تراه، وكان هو الأسبق في رد فعله:
– ماما انتي لابسة كدة ليه؟
سألها بإشارة نحو ملابس الخروج التي كانت ترتديها بأناقة سيدة مجتمع لم تغب عن عالمها يومًا
ولكن امام صمتها وعدم اجابتها تسائلت بهجة أيضًا:
– نجوان هانم انا سيباكي نايمة من يدوب نص ساعة، امتى لحقتي تصحي وتلبسي؟
ردت بعملية ودون تطويل:
– هنروح للدكتور .
– دكتور مين يا ماما؟
تمتم مستفسرًا، لتأتي اجابتها المباغتة له:
– دكتور هشام
– هشام مين؟
غمغم بها لتأتي على الفور صورة هذا البغيض، ليردف بانفعال:
– وايه اللي فكرك بيه الزفت ده دلوقتي؟ انتي عارفة الساعة كام؟ استني للصبخ وانا اوديكي لأحسن دكتور.
تجاهلت وكأنها لم تسمعه لتتجه نحو بهجة وتأمرها:
– ياللا يا بهجة عشان تروحي معايا.
سمع منها ليصيح بها متخليًا عن بروده المعتاد:
– بهجة مين اللي تروح معاكي عند الزفت ده؟ هي اساسا كانت ماشية عشان متقدرش تتأخر عن اخواتها، لكن مادام انتي مصرة اوي كدة ، هاخدك انا اروح بيكي.
بتحدي واضح تجاهلت للمرة الثانية ترمقه بهدوء يزيد من غضبه:
– وانا رافضة اي حد تاني يروح معايا غيرها، ياللا يا بهجة.
خرجت منها الاخيرة بحزم امام غضب الاخر، والذي خشت الاخيرة من تحوله الغريب كل ما ذكر اسم الطبيب، لتبرر ملطفة بعفويتها بين الام وابنها:
– معلش ياااا رياض باشا، هي اساسا مكملتش لسة تسعة، انا هروح مع الهانم وابقى اتصل بيهم ابلغهم…..
– اسكتي انتي….
صرخ بها مقاطعها بحدة، وقد بدا انه على وشك الفتك بها ليزيد على خوفها كازا على اسنانه بنظرة ارعبتها:
– مسمغش صوتك خالص يا بهجة دلوقتي انا على اخري.
اومأت بإشارة نحو غلق فمها تهادنه، وتجنبًا لغضبه، فجاء الرد العملي من نجوان:.
– انا هسبقك ع العربية، حصليني يا بهجة.
قالتها وتحركت مغادرة على الفور ، مما اضطر بهجة للحاق بها، تبدي اسفها امام صدمته:
– هروح احصلها، انا مينفعش اسيبها لوحدها.
قالتها وهرولت ذاهبة من امامه ، ليزمجر من خلفها يدفع الكرسي الثقيل بقدمه، غير ابهًا بالألم، ثم تناول سترته ليلحق بهما مغمغما:
– ماشي يا نجوان هانم، اما اشوف اخرتها معاكي ايه؟
❈-❈-❈
في زاوية مظلمة بطرف الشارع، وقف ينفث الدخان الكثيف من فمه، من تلك السيجارة المحشوة، يخرج بهما ضجره وغيظه، يستنكر ما ال اليه حاله ، ان يُصبح موزعًا لهذه الأشياء التي كانت تأتيه واضعا قدما فوق الاخرى.
بل ولسخرية القدر ان يصبح هو تابعًا لهذا الاحمق الذي اصطبغ شعره باللون الاخضر ، ليُصبح مقاربا بهيئته تلك وملابسه الغريبة، لصوره الضفدع طبق الاصل.
يخطف النظرات نحوه ويراقبه بلؤم كل لحظة ، وكأنه سوف يفر ويذهب بهذه المصائب التي يحملها بجيبه، كي تلتقفه الشرطة في اول لجنة تقابله ، ولحظه البائس اصبح مطلوبا امام القانون، بفضل هذه الملعونة التي تتنعم بحياتها الان، وهو سرقت منه الراحة ولبس قضية، قبل حتى من ان ينال غرضه منها ويشفي غليله، لكن لا بأس، فهو ابدا لن يستسلم .
اما عن اييه، فلن ينسى ابدا له هذا الموقف المخزي، بأن يتخلى عنه، ويرفض صرف المال من اجل نجدته من هذه المصيبة ، يقسم ان يجعله يدفع ثمن هذا الخطأ، ولن يتوانى او يتهاون .
استفاق من شروده على هزيز الهاتف بجيب بنطاله، وقد. علم المتصل من نظرة واحدة نحو هذا الاحمق عزوز ، والذي توجه له بالأمر فور ان فتح المكالمة:
– ركز يا اسطى كدة واصحى، في زبون جايلك حالا دلوقتي
اغلق المكالمة ليبصق من فمه، متمتمًا بسبة وقحة، لاعنا هذا المدعو عزوز والزبون اللذي سوف يستلم منه ومعلمه صاحب المحمية التي جبر على العيش فيها، ولكن هذا الأمر لن يستمر طويلا
❈-❈-❈
فتحت أنيسة تستقبلهم داخل المنزل الذي كان ممتلاءًا بعدد الافراد المدعوين ، بصخب على قدر ما يثير الازعاج، على قدر ما يثير البهجة داخل القلوب،
– اتفضلوا يا حلوين، المرة الجاية يبقى الدور عليكي انتي يا قمر
تقبلت امنيه عناق المرأة تبادلها التهنئة والمباركات ، ثم تدلف خلف زوجها الذي لم يترك يدها، لتقع عينيهم اول الامر على مجيدة التي كانت توزع هدايا الاسبوع على الأطفال، تطاليهم بالغناء لأحفادها وهم لا يقصرون،
فتحت ذراعيها لامنية ، فور ان وصلت اليها هي وزوجها، لتحتضنها وتقابل زوجها بالمزاح:
– عقبالك يا سيادة الظابط لما تتلبخ زي صاحبك.
قالتها في إشارة نحو ابنها الذي كان يحمل طفلته وبهدهدها حتى تكف عن البكاء.
لينتبه عليها هو الاخر فيعلق ساخرًا:
– ايوة بقى يا ست مجيدة خليه يفرح في ابنك اللي اتهزت هيبته من حتة عيلة قد عقله الصباع .
اقترب منه عصام ليقبل الطفلة على وجنتها الصغيرة يغمغم بانبهار:
– حقها يا باشا، بسم الله ما شاء الله بدر منور في ليل تمامه، تعمل ما بدالها بقى .
قابله بابتسامة صفراء ينقل بنظرة سريعة نحو زوجته الجالسة مع صديقتها شهد وعدد من النساء، وقد استراحت بالقاء مسؤوليتها عليه، ليردد بغيظ :
– اه يا خويا حقها، ما هي مش هتجيبه من برا ، نفس الخلقة ونفس الزن، دي كأنها عملت استنساخ لنفسها، يا ساتر يارب، انا كنت قادر على واحدة عشان تجيني الصورة التانية منها
هذه المرة جاء الرد من مجيدة لتتناولها منه بخفة قائلة:
– وانت تطول يا واد، هات هات، دي هتبقى قلب ستها ونور العين من جوا، هي الباشا ريان ابن المهندس، يا اختي عليك وعلى جمالك انتي، خدي بوسي يا بت امنية حور القمر بتاعتنا، ولا تشيليها احسن.
– ما بلاش يا خالتي
قالتها امنيه ببعض الخوف لتحثها مجيدة بحزم:
– امسكي يا بت متخافيش على الاقل تدربي نفسك .
تلقفتها منها بإيدي مرتعشة وقلب يخفق برهبة لحمل هذه القطعة الصغيرة، ذات العيون الفيروزية كوالدتها ،
والتي رغم صغرها لا تكف عن تذمرها والرفص بأقدامها وذراعيها، لتجبرها على الضحك مرددة بانشداه امام زوجها المنبهر هو ايضا:
– بسم الله ما شاء الله، تبارك الرحمن على جمالها وحلاوتها، بس هي فعلا اثبتت انها بنت لينا .
تبسم عصام باتساع لفعل صديقه، الذي عبر يصطنع اليأس وقلة الحيلة:
– انا ربنا يكون في عوني.
بعد قليل
كان المنزل امتلاء لأخره، أصدقاء وصديقات، جيران احباب ، حتى كانت المفاجأة بقدوم رئيس لينا في العمل مع شريكه
– جاسر الريان معقول
كان هذا رد فعل شهد التي تعرف الرجل بمشروعاته الهائلة، وقد تقدمت صديقتها تستقبله وترحب به مع زوجها ووالدتها وقد قدم بصحبة طارق صديق العائلة
ورئيسها في العمل.
عقبت امنية تشاركها الحديث الهامس في زاوية تجمعها مع شقيقتيها الاثنتان.
– دا مش جاي لوحده كمان، دا معاه مراته زهرة محروس اللي كانت ساكنة في الشارع اللي ورانا ، والحلوة التانية اسمها كاميليا يا حلاوتهم
ضحكت شهد لتتدخل بينهم رؤى معلقة هي الأخرى :
– اني مبلمة بتبص عليهم يا عيني بانبهار، تلاقيها افتكرتهم تبع نجوم السيما اللي بياجو في التليفزيون.
ضحكتا الشقيقتان على مزحتها، حتى اتى حسن ليشاكسهم :
– بتتدودو مع بعض تقطعوا فروة مين؟ وانتوا واخدين جمب لوحدكم.
ردت شهد ببرائة:
– احنا يا حسن، تعرف عننا برضوا الكلام ده؟
– يا شيخة ، دا انتي ام الكلام ده.
تمتم بها في رد لها قبل ان يسحبها من يدها مردفا:
– تعالي بقى سلمي ع الناس بتسأل عليكي يا ام ريان.
قال الاخيرة بغمزة غمرت قلبها بالبهجة، لتبادله اللقب الجديد:
– ماشي يا ابو ريان، صحيح هو فين؟
شهق يوبخها بدراما:
– اخص ، بقى دا سؤال تسأله ام في يوم سبوع طفلها، ايه الاهمال ده؟
ضحكت حتى اصبحت تميل بسيرها، لتجاريه مزحته:
– ما انا اصبحت زوجة افسدها الدلال بقى، تعمل ايه؟
تأوه ضاغطًا على شفته:
– اااه يعني انا اللي جيبته نفسي، يبقى اتحمل.
اومأت بهز رأسها، ليضمها اليه من كتفيها مرددًا:
– على قلبي زي العسل يا قلب حسن ، ع العموم انا غيرتله وحطيته في سريره يريح شوية بعد هز الغربال وعمايل الست مجيدة، دا هيشوف على ايديها ايام عنب
تضرعت شهد تدعو من قلبها:
– ربنا يخليهالو يارب.
❈-❈-❈
بوجه مكفهر وملامح ممتقعة كان جالسًا خارج غرفة الفحص مع الطبيب الملعون بعدما اجبرته والدته للخروج وعدم التحدث عن حالتها في حضوره، وبإصرار عجيب فرضت رأيها بمرافقة بهجة، لينسحب هو على مضض امام شماتة هذا الاحمق به
ويظل محترقًا بأعصابه في الانتظار وقد تعدى الوقت النصف ساعة، حتى بدى بوضوح على تصرفاته الغريبة في اهتزاز قدميه، والجلوس والوقوف بصورة تثير الانزعاج، ثم يفرك بكف يده على ذقنه النابتة بشكل متكرر ، جعل التوجس يتسلل الى قلب الممرضة التي اصبحت تتابعه بقلق، ليزيد بلطمة قوية على ذراع المقعد الذي يجلس عليه فتتنقض المسكينة وهو يهدر بها:
– وبعدين بقى؟ هي الجلسة الزفت دي بتستمر لحد امتى؟ دي هتكمل الساعة دلوقتي، هما بيعملوا ايه جوا؟
دافعت الفتاة بخوف:
– يا فندم دي جلسة نفسية يعني ملهاش وقت محدد، ان كان اقل من نص ساعة ولا ساعة…
– ساعة….
صرخ بها مقاطعا ليقف بطوله امامها يردف بأعين تلونت بالاحمرار:
– انا على اخري ومعنديش وقت ، الزفت اللي جوا دا ميعرفش ينهي ويخلصنا في ام الليلة دي، هو ناوي يقعدنا لحد كام بالظبط عشان افهم، ولا هي العيادة دي مفيهاش وزباين غيرنا
– لا فيها يا فندم والله، بس احنا مواعيدنا الاصلية انتهت من زمان والدكتور هشام مرضاش يكسف مريضته رغم انه هلكان شغل من الصبح، من المستشفى للعيادة
– لا يا ختي كان كسفها، ع الاقل ساعتها كنت اشوف اغيره بدل القرف ده.
هتف بالكلمات ردا لها ، ليتركها بعد ذلك، ويعود للسير بعصبية امام باب غرفة الفحص، وكأنه ينتظر الفرصة للهجوم عليها
فتتعلق ابصار الفتاة به فاغرة فاهها بذهول ، لا تصدق الاسلوب الحاد الذي يتحدث به عن الطبيب ووصفه بالزفت ، متخليًا عن وقاره المعروف، واناقة التحدث باتزان ، انه يبدو على وشك الانفجار،
دفع باب الغرفة فجأة لتطل والدته عليه ترمقه بنظرات يشلمها الاستهجان وقد بدى واضحًا صورته الغريبة امامها، فيتجاهل هو عن عمد وينتقل بأبصاره نحو بهجة التي تحدثت بريبة تأثرا لهيئته:
– ااا الدكتور غير لها معظم الأدوية، وخفف لها يدوب على نوعين تلتزم بيهم .
هدر باندفاع رد لها:
– انا بقالي ساعة مستني، كل دا كان بيكشف عليها.
همت بهجة ان ترد ولكن الطبيب كان الاسبق والذي كان خارجًا بالصدفة، بابتسامة متسعة ينظر في الساعة :
– ياه دا احنا فعلا اتأخرنا والوقت خدنا، انا اسف طبعًا يا رياض باشا، الوقت مع مدام نجوان بيمر هوا
قال الاخيرة وابصاره منصبة على بهجة ليزيد من استفزاز الأخر، والذي ردد من خلفه بغيظ شديد :
– مدام نجوان برضو….
زفر انفاس خشنة خرج صوتها بوضوح، ليغمغم بتوعد:
– شكلي كدة هخزقلك عينك يا دكتور الغبرة،
– مش نمشي بقى
توجه بها نحو بهجة ووالدته التي كانت واقفة باتزان عجيب تتابعه، وكأنها تستمتع باحتراقه، ليعود اليها ضاغطًا على اسنانه:
– نجوان هانم، مش ناوية تتحرك بقى ولا انتي عجبك القعدة هنا .
ابتسامة خفيفة لاحت بزاوية ثغرها الصغير، لتهم بالتحرك وتسبقه فجاء صوت الطبيب من خلفها:
– نجوان هانم متنسيش تتابعي ع التليفون معايا تطمنيني على حالتك، ولا تخلي بهجة احسن تبلغني ع الوتس ، انتي عارفة رقمي طبعا يا سيادة المحامية المستقبلية..
الى هنا ولم يقوى على الصمت ليزمجر مندفعا نحوه، وقد كان على وشك الفتك به، لولا تصدر نجوان التي أتت من العدم تطالعه بتحدي حتى يفعل، ليستمر هذا الحديث القصير بالنظرات بينهم، قبل ان تقطعه هي بنفسها:.
– ياللا بهجة العم علي مستنينا .
قالتها وتحركت الاخيرة لتلحق بها ، فيمسح هو بكفه على صفحة وجهه، يناجي نفسه التحلي بالصبر ، ثم تحركت قدميه بخطوات سريعة، ليلحق بزوجته، التي كانت على وشك الخروج من المركز العلاجي للطبيب ، فيوقفها بجذبها من ذراعها:
– استني عندك هنا، انا عايزة اعرف دلوقتي، الزفت ده عرف بموضوع الجامعة وسايبانك ليها ازاي؟ انتي بتاخدي وتدي معاه يا بهجة.
اجفلت لطريقته الحادة في الحديث معها ، لتنفي على الفور:
– لا باخد ولا بدي والله، دا كان سؤال عابر منه عشان يعرفني ع الأدوية المستوردة اللي كانت بتاخدها نجوان هانم في البداية، وطريقة التعامل بها ، انا برد على قد السؤال وبس .
شعر بفظاظته في توجيه السؤال لها، ليتراجع ملطفًا:
– انا مش قصدي اجيب اللوم عليكي، انا بس بتخنق من بروده وطريقته الواضحة اوي في الكلام، البني ادم ده لازم اغيره.، هي قالتله ايه بالظبط ولا كانت بتتكلم عن ايه؟
مطت شفتيها تصدمه بردها
– مقدرش اتكلم ولا اقول حاجة، مدام نجوان تزعل مني، عن اذنك بقى.
قالتها وتحركت من امامه ذاهبة، فتتسمر اقدامه بعدم تصديق مرددًا:
– يعني الاسرار بقيت عليا انا بس! هو ايه اللي بيحصل بالظبط؟
انتهى حفل الاسبوع للطفلان، فغادر معظم الحاضرين، ليظل فقط اقرب الاقربين كجاسر الريان وطارق الذي كان مستمرا بمزاحه:
– اللهلوبة كبرت وبقت ام يا جاسر، القردة اللي كانت تتنطط على حجرنا بقت ام، والله ما انا مصدق يا ولاد .
قالها لتصدح الضحكات من الجميع، فردت هي بغيظ منه كالعادة:
– ما هو كل واحد بيكبر يا سي طارق ، بدليل انت هو قربت تبقى عجوز.
شهق يدعي الهلع وقد صار صوت الضحك يصل إلى الخارج، يردد بحنق ويدفعها بوسادة الاَريكة الخفيفة:
– عجوز في عينك يا قليلة الحيا، اسمعي يا بت، عشر ايام خصم ليكي، مكافأة الولادة وطولة لسانك .
– شوفي الظالم بيعمل ايه؟ ما تشوفي جوزك يا ست كاميليا اللي بيخلط بين الشغل والحياة العادية.
ردت الاخيرة والتي كانت تتماسك بصعوبة هي الأخرى:
– ما انتي لسانك يا لينا هو اللي جايبهالك، اعملك ايه انا بقى؟
بس بصراحة منكرش اعجابي الشديد واندهاشي في نفس الوقت، من شخصيتك اللي بتتحول لمية وتمانين درجة من لينا مديرة المكتب الجادة في الشغل، وبين لينا اللي قاعدة قدامنا دلوقتى بلسانها اللي طوله قد كدة،
واشارت بطول ذراعها لتزيد من مشاكستها فتدخلت زهرة تلطف قبل ان تثور الأخرى:
– انها تفصل بين الشخصيتين، دا دليل انها محترفة يا حبيبتي، سيبك منهم يا لولو ميهكميش،
– قلب لولو
رددت بها لينا تفعل بأصابع يدها الرمز المشهور ، لتبادلها هي الأخرى، فيأتي رد جاسر مخاطبًا لهما:
– ايه يا ست انتي وهي، ما تراعوا مشاعرنا الاتنو الاتنين ، قلوب قلوب، وفري يا ختي مشاعرك دي لجوزك ، وانتي يا زهرة لمي نفسك .
سمعت منه الاخيرة لتكتم بكفها على فمها كي تخفي ابتسامتها، وقد اصابها الخجل الشديد، اما امين والذي اندمج هو الأخر:
– لا انا خلاص اتعودت، حكاية القلوب والمشاعر دي مع واحدة زي لينا تبقى……..
توقف بنظرة ذات مغزى نحوها لتردد هي بتهديد واضح:
– تبقى ايه يا سي امين قول…… خلي بالك الاتنين دول ماشين، وانت بس اللي هتفضل قصادي.
شهقت مجيدة بادعاءء التحذير هي الأخرى تؤازر ابنها:
– هيمشوا هما، امه قاعدة يا حبيبتي، ولا انتي تقدري تكلميه وانا موجودة.
تراجعت على الفور تردد بتغزل وتملق لتكسب ودها:
– اخص عليكي ، وانا اقدر اقربله برضوا وهو في حمايتك، بس سيبك يا ميجو، انتي الحتة اللي في القلب من جوا.
– يالهوي، لا طالما دلعتيني، يبقى خلاص بقى، انتوا أحرار، وهو يستاهل اساسًا الشدة معاه، حكم انا مقرصتش عليه وهو صغير.
قالتها مجيدة بخفة ظلها لتشترك في المؤامرة على ابنها الذي صاح بدراما:
– في ثواني بعتي ابنك يا مجيدة، والله راحت هيبتك يا حضرة الظابط.
– عشان تعرف بس الستات لما يتفقوا يا حبيبي.
قالها طارق يتضامن معه، ليجاريهم جاسر في الحديث ايضا بالمزاح الذي استمر لفترة من الوقت، حتى تحول الحديث الى الجدية مع ذكر العمل ومعرفتهم بمهنة المهندس وزوجته المقاول ، ليعبر جاسر عن دهشته:
– دا بجد، يعني انتي فعلا اشتغلتي مقاول يا شهد؟
ردت تجيبه باعتزاز:
– مكتب ابويا، كنت هسيبه للغريب يطمع فيه.
– برافو عليكي
قالها طارق في تعبير عن اعجابه، ليضيف عليه زوجها:
– ما هي مهنتها كانت سبب في معرفتنا ببعض، رغم استغرابي في البداية زيكم ، لكن حبة حبة وقعت في غرامها واكتشفت انها اجدع من مية راجل مقاول .
– واحلى مقاوول.
قالتها زهرة هي الأخرى، ليأتي العرض المفاجيء من كاميليا:
– خلاص احنا لازم نشتغل مع بعض في الايام اللي جاية ، شغل شركتنا كله متعلق بالمباني والانشاءات، حتى لو هنبتدي بشغل صغير على قد مقدرة المكتب، وشوية شوية تبقى اكبر شركة مقاولات…. ايه رأيك يا جاسر؟
وافقها الاخير باقتناع تام:
– طبعا معاكي، هو احنا هنلاقي فين في مهارة المهندس ولا جدعنة شهد، ع الاقل هما يبقو اهل ثقة.
– هاااااي
صرخة صدحت داخلها ، حتى كادت تنطلق بها امامهم، لولا صوت الحكمة الذي يدعوها للإتزان، تتبادل نظرات الفرح مع زوجها الداعم الاول لها ، واسرتها العزيزة المكونة من مجيدة وصديقتها وشقيق زوجها، قبل ان تجيبهما:
– أكيد دا شيء يشرفني.
❈-❈-❈
اطمأنت عليها حتى سطحتها على الفراش مرة اخرى، قبل ان تستأذن منها كي تغادر منزلها، لتخرج الى العم علي المكلف بمهمة توصيلها في هذا الوقت.
لتبحث يعيناها عنه حينما لم تجد سوى السيارة امامها، حتى همت ان تسأل افراد من رجال الحرس عنه، قبل ان يجفلها بنداءه بإسمها من داخل السيارة التي ذهب بها معهما، ثم خرج منها ليعيد عليها قائلًا:
– مستنية ايه يا بهجة؟ تعالي بقولك
اذعنت تقترب منه وتجيبه بتشتت :
– انا بدور على عم علي، هو راح فين واختفى الساعة دي؟
– انا مشيته.
– نعم
– بقولك انا مشيته يا بهجة، تعالي اركبي ياللا هوصلك
قالها ليعود الى الجلوس خلف عجلة القيادة، ثم توجه اليها بحزم ، حينما ظلت على جمودها:
– وبعدين يا بهجة بقى؟ بقولك اركبي هوصلك
استجابت هذه المرة تدلف بجواره في الامام، رغم حرجها من وجود الحراس وخشيتها من انتباههم لها، لتعبر عن اندهاشها بعد ذلك، حينما ابتعد بها عن المنزل بأكمله:
– ايه اللي خلاها تطق في دماغك؟ هو دا مش وقت نومك برضو؟
رد يتناول كف يدها يطبق عليه بكفه الحرة، ليقول بوضوح:
– انا مقدرتش انزل من العربية اصلا يا بهجة ، قلبي مطاوعنيش اروح من غير ما اطمن عليكي، لسة برضو زعلانة مني؟
نفت بهز رأسها وابتسامة خلابه تزيد من سحرها في هذا الوقت والضوء الخافت ، لترد ببعض العتب:
– مش زعلانة، بس واخدة على خاطري منك، انت اتعصبت عليا من غير سبب، لدرجة انك خوفتني منك .
تبسم لبرائتها ثم يردف ببعض الهدوء:
– يعني انتي بعد كل اللي حصل ده يا بهجة، وبتقولي من غير سبب، لا يا قلبي السبب موجود، وحرق دمي كمان.
تطلعت اليه بنظرة كاشفة ليردف قائلا:
– ايوة يا بهجة ، انا بتعصب من الزفت ده لاني راجل وافهم كويس في نظرة الراجل لواحدة جميلة زيك، ودا غبي موضحها اوي .
قالها بانفعال جعل ابتسامة رائقة تبزغ على شفتيها لتبرر موضحه موقفها:
– بس حتى لو كان زي ما بتقول، انا برضو مليش دعوة ، هو حر وانا برضو……
– لا مش حر.
قالها بانفعال أشد ليواصل:
– ولو بصلك تاني او شوفت منه اي نظرة مش عجباني هخزق عنيه الجوز ، عشان اتوبه عن الصنف خالص.
تصلبت باندهاش ناظرة في عروقه النافرة وملامحه التي اشتدت في لحظة ، لتنكمش على نفسها بخوف ، انتبه عليه هو ليعود الى عقله يلطف:
– انا اقصده هو اكيد يا بهجة، مش انتي ابدا.
رفع كفها اليه يقبلها فجأة مستطردًا بتغزل:
– انتي قلبي من جوا ، الحتة البيضا والبريئة في حياة رياض الحكيم، انتي حياتي يا بهجة.
عاد ليُقبل كفها مرة أخرى عدة مرات وعيناه تتابع الطريق اثناء قيادته، فتتجمد هي محلها بنفس السؤال المُلح داخلها، عن مصير هذا الحب الذي يتشدق به، الى متى سيظل في الظلام، وبعيدًا عن النور؟
– احنا خلاص وصلنا ، حالا كدة الطريق خلص .
تمتم بتساؤله ليلفت انتباهها، فتتخلى عن شردوها وتستفيق اليه، استعدادًا للمغادرة، حتى اذا توقفت السيارة وهمت للترجل ، شدد على يدها قائلًا:
– بهجة انا عايز اخطفك ونقضي يومين مع بعض في اي مكان بعيد عن الناس والعالم كلها
صمتت قليلًا بتفكير، توزنها في عقلها، ما بين الرغبة في ارضاءه، وما بين الصعوبة في فعل ذلك، لتعبر عما في رأسها:
– ودا هيحصل ازاي؟ انا مينفعش اغيب عن الشغل كدة من غير سبب، ولا ينفع اسيب اخواتي لوحدهم، دا غير ان مفيش حجة ابرر بيها اساسًا.
زفر يترك يدها بإحباط، موجهُا أبصاره للأمام متجنبا النظر البها، حتى شعرت بشيء من الذنب تجاهه، لتحاول ترضيته:
– يا رياض ااا
– خلاص يا بهجة…. انا مش زعلان.
تمتم بها مقاطعًا لها، ثم توجه مردفًا:
– كان نفسي بس تاخدي وقت اكتر في التفكير في حل، بدل الرفض كدة مباشرةً
ها هو يضغط على نقطة الضعف الخاصة بها، وهي العاطفة، ولكنها ايضا دائما ما تُحكم العقل، إذن ماذا تفعل في هذا الوضع؟
– طب أجلها شوية على ما اشوف طريقة…. أو حل.
عاد يتطلع اليها ولكن بملامح ارتخت قليلًا عن البداية، يظهر استجابة :
– ماشي يا بهجة، وانا في الانتظار، بس ياريت متأخرين.
عادت اليها الابتسامة تقول بمرح:
– ان شاء الله يكون قريب، تصبح على خير بقى .
– وانتي من اهله يا بهجة قلبي، المهم خدي دي قبل ما تنزلي
قال الاخيرة يتناول تلك العلبة المخملية من جيبه، ليضعها في كفها، ثم مال نحوها، وقد بدا انه على وشك ان يخطف قبلة من وجنتها ، ولكنها انتبهت سريعًا، تترجل من السيارة، قبل ان يخرج احد من اشقاءها ، ويكشف الامر.
لتلوح له بكفها على حرج:
– معلش بقى ، كدة احسن، سلام
ردد متمتمًا خلفها بغيظ:
– سلام
❈-❈-❈
صباح اليوم التالي
وعلى طاولة الطعام كان الأشقاء الاربعة يتناولون وجبة الإفطار قبل ذهابهم الى وجهاتهم ان كانت الدارسة او العمل، والحديث بينهم الاَن كان عن نجوان.
– انتي بتتكلمي جد يا بهجة؟ يعني نجوان بقت عاقلة وبتتكلم زينا دلوقتي،. وانا لو قعدت معاها، هتاخد وتدي معايا فى الكلام؟
كان هذا استفسار عائشة التي مازال عقلها لا يستوعب ما تتفوه به شقيقتها بهجة والتي ردت بمرح:
– يا بت امال انا بتكلم في ايه من الصبح؟ نجوان بقت حاجه تانية غير اللي تعرفيها، او ع الأصح، هي رجعت لطبيعتها، هانم بجد، حتى لو نفسيتها لسة تعبانة وجروحها مطابتش لحد دلوقتي
تدخلت جنات تستفهم:
– طيب ولما هي تعبانة فاقت ازاي؟
أومأت بهز كتفيها تجيبها:
– معرفش والله دا حصل ازاي؟ ممكن تكون بإرادة منها ، او ممكن تكون صدمة لما شافت حاجة جوزها، بس في كل الحالات بيبقى الشفا من عند ربنا، ومتنسوش طبعا انها ماشية على علاج بقالها سنين
عقب إيهاب برجاحة عقله:
– السر مش في العلاج، ما احنا ياما بنسمع عن مرضى بيتعالجوا بقالهم سنين لحد ما ربنا يفتكرهم، انا اعتقد ان موضوع نجوان حصل بإرادة منها.
– وانا كمان مقتنعة بوجهة نظرك، برافو عليك يا دكتور ،
قالتها بهجة بابتسامة فخر واعتزاز بشقيقها الذي تبسم بامتنان لها
– طب انا عايزة اشوفها ، هي مبتسألش عني؟
قالتها عائشة بنبرة يتخللها الحزن، لتسارع بهجة على الفور بالتوضيح لها:
– لا طبعا أكيد بتسأل…. بس مش زي الاول عشان ابقى صريحة، هي اساسًا معظم الوقت سرحانة، وكأن عندها اولويات في دماغها، انا نفسي أحيانًا بفتكره انها لسة على حالها القديم، تقوم هي وعلى غفلة كدة، تفاجئني بطلب ولا حاجة عايزاها مني، ليدي وهانم ابًا عن جد، مكدبش عليكم انا بنبهر وببقى عايزاها تطول في كلامها.
تبسم الثلاثة مندمجين مع حديثها لتعبر جنات بعاطفتها:
– حبيبتي يا نوجة، انا كمان اشتقالتلها اوي
اضافت على قولها عائشة:
– يارب تيجي تزورنا، نتمرجح انا وهي ع المرجيحة في الجنينة او نجري بالطيارة الورق على سطح البيت
فغرت افواه اشقائها واتسعت عيناهم بدهشة عبر عنها ايهاب:
– بقى عايزة نجوان هانم، اللي رجعت ليدي زي ما بتقولك بهجة تجري ع السطح زي العبيطة، يا بنتي استوعبي بقى، معدتش تلعب ولا تنطط زي ما كانت بتعمل معاكي الاول ، عشان خلاص دريت بنفسها وبمقامها
ابتسامة باهتة لاحت على شفتي الصغيرة تصدمهم بقولها:
– تيجي بأي صفة طيب، المهم انها تيجي، ع الاقل احس في ناس بتسأل علينا ، غير اصحابنا او زمايل بهجة في المصنع، دا حتى عمي مفكرش يسأل على عنوانا واحنا ماشين.
تجمد ثلاثتهم بدهشة لما تفوهت به الصغيرة، مستدركين حزنها الشديد وشعورها باليٌتم رغم كل القوة التي تتحلى بها امامهم، واغداقهم عليها بالحنان والدلال الا ان هذا يبدو لا يكفي
تحمحمت بهجة تخفي غصتها لتُحثها على التغاضي:
– وافرضي حتى محدش بيزورنا خالص، احنا الاربعة قوة مع بعضينا، ووحدتنا تغني عن العالم كله.
اضاف على قولها ايهاب:
– وزيادة على كدة يا ستي، احنا خلاص دخلنا في مشروعنا الجديد ، كلها يوم ولا يومين وتلاقينا افتتحنا الكافيه، مش هتلاقي وقت تفكري اساسًا، هتبقي حاضرة مع اي حد فينا بس عشان تسلي نفسك وتلعبي، دا جو الكافيهات دا حاجة روعة وبكرة تعرفي.
استطاع بلفتته البسيطة ان يحول مزاجها سريعًا لتردد بالحماس واللهفة
– ايوة بقى واحط ايدي على خزانة الفلوس، واكل في الايس كريم على راحتي.
– اه يا مفجوعة، هو دا اللي همك
قالتها جنات، ليعود المرح مرة اخرى في حديثهم معًا
❈-❈-❈
تطلع برأسه من مخرج الغرفة، يبحث يمينًا ويسارًا بعيناه، خشية مرور احد ما، فيسمع لنص المكالمة الهامة التي يتحدث بها الاَن
حينما اطمأن ، عاد للمواصله:
– أيوة يا صفصف زي ما بقولك انتي بس ظبطي الدنيا عندك وانا ان شاء الله اكون عندكم النهاردة……… بجد يا صفصف، يعني هتوقفي معايا وتخلي اهلك يوافقوا…….. ايوة امال ايه انا راجل مقتدر وجاهز بالاف والمية الف……… ايوة يا قلبي اتكلمي بقلب جامد خطيبك قادر ومقتدر …….. يااااه، دا انا مستني اوي اليوم ده…… انا وانتي نتجمع مع بعض تحت سقف واحد……. بطلي ضحك عشان انا اعرف اتكلم بقى……… يا بت بقولك بطلي ضحك……
– هي مين اللي تبطل ضحك.
جاء الصوت المباغت من خلفه ليُجفل منتفضًا، يلتف للخلف نحوها برعب جاهد لعدم اظهاره، فيختلق كذبة سريعه يجيبها، وهو ينهي على الفور المكالمة:
– دي منة بنت ابني، خدت التليفون من ابوها ومش مبطلة مسخرة عشان اجيبلها لعبة حلوة لما اروحلهم.
بملامح استنكارية عبرت عن امتعاضها:
– وتجيبلها انت اللعبة ليه؟ ما ابوها بيكسب قد كدة، ومراته كسبانة من الناحيتين، منه ومن اخوها اللي بيكسب بالدولار من شغل الفنادق.
– اهو بيصرفهم على مرض مراته، اتهدي بقى يا درية
هتف بها بضجر، ثم التفت نحو خزانة ملابسه، يبحث عن شيء يرتديه للخروج الى عمله، مصمصمت هي بشفتيها من خلفه، لتردف بعد ذلك بتهكم:
– ماشي يا حنين يا للي صعبان عليك ابن اختك ، انتبه كمان ان ابنك النهاردة عنده مشوار مهم اوي للمستشفى لابنه، تحليل واشاعات طالبها الدكتور،
سمع منها لتتغضن ملامحه بالأسى مرددًا:
– استغفر الله العظيم يارب، هو الطفل الصغير دا يتحمل المرار ده كله، تحاليل واشعة ومرمطة روحة وجاية ،كان مستخبيلنا فين ده بس ياربي؟..
عقبت هي الأخرى بشيء من سخط :
– كل واحد بياخد حظه بقى، واحنا حظنا عرفناه.
طالعها بضيق ليزفر مخرجًا من درج الكمود الذي فتحه بمفتاح يخفيه اسفل وسادة النوم، يُخرج منه عددًا من لفات النقود ذات الفئة العالية يخبرها:
– اتفضلي خدي اديهالوا، وانا ابقى اتصل بيه اطمن عليه، اصل هغيب اليوم كله برا المحافظة، ومش بعيد مرجعش غير ع اليوم التاني
تناولت تسأله باسترابة:
– وايه اللي يخليك تبات لليوم التاني؟ انت رايح فين بالظبط.
انفعل يجيبها بجلالة:
– شغل، شغل يا درية، طلبيات متفق عليها ولازم اروح استلمها بنفسي اوصلها المخزن، فهمتي بقى يا ام العريف؟
❈-❈-❈
داخل غرفتها القديمة التي عادت اليها منذ ايام، بعد عذاب اسبوعين قبلها، نامت قريرة العينين حتى أتت والدتها الاَن لتوقظها :
– صبا ، جومي يا صبا، جوزك مستينكي برا
فتحت عينيها تجيبها بتعب:
– بتصحيني ليه يا ما؟ وجوزي يستناني ليه اساسا دلوك ؟ انا عايز انام.
عبست ملامح زبيدة بضيق واضح ، اختلط بحزنها على حال ابنتها التي تبدلت من زهرة متفتحة، لهذا الشحوب الذي يثير الشفقة:
– معلش تعالي على نفسك شوية وجومي عبري الراجل ، النوم مش هيطير يا بتي
اضطرت صبا تتحامل على ارهاقها الجسماني والتعب الملازم لها، لتنهض معتدلة بجذعها ، ثم تنزل قدميها على الارض حتى كادت ان تقع بفضل هذا الدوار الذي اكتنفها على الفور ، لولا ذراعي والدتها التي التقطتها لتسندها، :
– مالك يا بتي بس؟ ايه اللي صابك؟
ابعدت يديها عنها لتحفظ توازنها بنفسها، ثم تتحرك الى الخارج متمتمة:
– انا راحة اشوفه بسرعة عشان ارجع اكمل نومي.
مصمصمت زبيدة بشفتيها في اثرها، بأسى يسحق روحها على حال صغيرتها، تتضرع الى الخالق بدعوات الشفاء لها ولما اصابها
وفي الخارج كان نفس الامر من زوجها، الذي كان يتطلع اليها وهي خارجة من غرفتها تجر اقدامها، بملامح ناعسة، بشرة شاحبة،خالية تماما من الدماء والحمرة الطبيعية للون الخمري الذي تميزها،
لقد تبدلت لامراة اخرى لا يعرفها، ليست تلك زوجته، وما هذا المرض الذي لا يعرف له اسما حتى الاَن ليجعلها بهذه الهيئة.
– صباح الخير
– صباح النور .
هم ان يقبلها على وجنتها في رد التحية، ولكنها ابتعدت سريغًا بصورة اظهرت عدم رغبتها، تماما كما كان يحدث في الايام الماضية، ليكتم غضبه من الداخل، يتمتم بالاستغفار ومناجاة الخالق الصبر، ثم خطا ليجلس مقابلا لها، يبادرها الحديث بالسؤال عن حالها:
– عاملة ايه النهاردة يا صبا؟ علاج الدكتور الاخير جاب نتيجة معاكي؟
نفت بهز رأسها :
– ولا أي نتيجة، اهو جاعد يتحط جمب اخواته، كلهم مفيش فايدة منهم، ووجع البطن مازال على حاله.
تنهد بأسف، مقلبًا عينيه بسأم لهذا الفشل المستمر في ايجاد حل يوقف الالم الدائم معها، ليعود اليها مهونا:
– معلش يا حبيبتي، اكيد هتلاقي الدكتور اللي يفهم لحالتك، انتي بس متحطيش في نفسك وتزعلي كدة، فوقي يا صبا، وارجعي لحبيبك.
ردت تصدمه بكلماتها:
– ارجع فين يا شادي؟ ما تزعلش مني بس انا الأوضة دي مش هدخلها تأتي.
هتف بها بنفاذ صبر:
– تاني يا صبا، ما تستهدي بالله يا بنت الناس، انا مطول بالي عليكي، لكن متخلنيش اطلع عن شعوري بقى.
وكأنه ضغط على زر الانفجار، لتصيح به بعدم احتمال:.
– لا متصبرش يا شادي، عشان انا جولتها الف مرة وانت مش مصدجني، جلبي بيتجبض، بحلم بكوابيس تشيب الراس، الم البطن بيزيد اضعاف، انت مش مصدجني يبجى انت حر
أتت على صراخها زبيدة لتحتضنها وتحاول التلطيف معه:
– معلش يا ولدي، هي بس عشان تعبانة، ادعيلها بالشفا وبكرة ترجع وردة مفتحة ان شاء الله، وتنسوا الايام الغبرة دي
صوت شهقاتها في البكاء كان يقطع نياط قلبه، منذ متى كانت بهذا الضعف؟ ما يعلمه جيدا هو ان زوجته قوية، مهما حدث معها .
– عين وصابتكم يا بتي، ربنا يبعد ولاد الحرام والنفوس الخبيثة عنيكم.
❈-❈-❈
انتهت من اطعام طفلها، بعدما ابدلت ملابسه لأخرى، غير تلك التي كان يرتديها، لتلف طرحتها حول رأسها، فتتناوله بهدوء حتى لا يستيقظ من غفوته السريعة، فيرهقها بالصراخ كالعادة،
استلت حقيبتها الكبيرة لتضعها على كتفها ثم تخرج الى زوجها المنتظر في خارج الغرفة، ليرتدي حذائه فور رؤيتها استعدادًا للذهاب إلى وجهتهم، تحدثت تخبره بقلقها:
– مش عايزين نتأخر النهاردة، الواد المرة اللي فاتت تعب اوي ومكنش قادر حتى يحرك جسمه.
رد بصوت مختنق، فكل شيء تتفوه به عن طفله يضيف على ظهره المزيد من العجز وقلة الحيلة:
– معلش ربنا يسترها معانا ان شاء الله، انا هعمل المستحيل عشان نروح ونرجع بسرعة، مدي رجلك عشان نلحق.
نهض يضع محفظة النقود والهاتف بيده ليتحرك بعمليه يسبقها، وهي من خلفه تدور العديد من الاسئلة داخلها، ولكن يكتنفها الحرج عن النطق بها ، تعلم بقرارة نفسها ان سبب رجوعه اليها هو الطفل المريض، لكن يا ترى هل مازال متمسكا بحلمه القديم، بابنة عمه والارتباط بها؟ ام نسيها؟ ام ينتظر الفرصة في شفاء طفله حتى يعود إلى محاولاته للتقرب اليها، اللعنة فليحدث ما يحدث، حتى لو تزوجها عليها ، لن تعترض ف الاهم هو شفاء ابنها، ليته يتعامل معها بنفس المنطق.
❈-❈-❈
انهت مناوبة عملها ، لتنضم الى سيارة العم علي يقلها الى مسكنها الزوجي، تلك اللحظات من السعادة التي يختطفانها من الزمن، لم تعد تضع إطارًا لها، فالتقضي اوقاتها الجميلة معه، حتى اذا ابتعدت، احتفظت بعقلها بشريط من الذكريات تعيش عليها…..
استقبلتها العاملة الايطالية تخبرها عن تجهيز كل ما أمرتها به عبر الهاتف، فتتولى هي سريعًا اعداد وجبه الغذاء التي سوف تجمعها معه، حتى اذا انتهت في اقل من نصف ساعة ، لتصعد سريعًا وتزين نفسها بارتداء قطعة جميلة تزيد من اظهار جمالها الخلاب، تصفف شعرها المتماوج والذي لا يحتاج لمصفف شعر نظرا لطببيعته المميزة ،
تنثر عطرها ، وتضيف فقط بعض الرتوش من مساحيق التجميل، حتى اذا انتهت وشعرت بالرضا عن نفسها، اتاها صوت السيارة من الخارج، لتنزل الدرج سريعًا فتكن في شرف استقباله على مدخل المنزل بهيئتها تلك وابتسامة تذيب البقية الباقية من توازنه
فلا يدري بنفسه إلا وهو حاملها من خصرها يحتضنها امام العاملة الايطالية التي اصبحت تعتاد الامر ، لا يُخفي فرحته امامها ، وجنيته بين يديه تضحك بابتهاج لفعلته، ورغم خجلها من المرأة، إلا انها لا تنكر سعادتها بالأمر .
– بس بس كفاية لحد كدة نزلي ، الست تقول علينا ايه بس؟
– ما تقول اللي تقوله، دي حاجات عادية عندهم، حتى ده….
قال الاخيرة يقتطف قبلة سريعة من ثغرها، شهقت على اثرها لتُحاول دفعه عنها مرددة:
– طب بس بس خلاص كفاية، انا كدة أتأكدت انها هتقول علينا مجانين .
– يا محلى الجنان، انا عندي استعداد اثبتلها اكتر. حتى شوفي .
قال الاخيرة يحاول معها مرة اخرى، وهي تحرك رأسها على الجانبين بالرفض وشعرها يتناغم مع حركتها في عدة لحظات من المرح ، وجوليا تتبسم لفعلهم،
حتى تمكنت من الفكاك منه، لتسحبه من يده، وتعرض عليه الاصناف التي قامت بإعدادها سريعًا بفضل مساعدة جوليا التي جهزت كل شيء ، ليثني على فلعها بالتغزل في الطعام وصانعة الطعام، وجمالها الذي ابهج قلبه المظلم، ليتناوله معها بشهية افتقدها منذ سنين، وهي ايضا لا تقل عنه، وقد اعطت لرأسها هدنة من التفكير المُزعج، كي تعيش لحظاتها الرائعة معه..
غافلين عمن تجمدت داخل سيارتها، منذ ان رأت بأم عينيه استقبالهما الحافل على مدخل المنزل ، من مسافة بعيدة في الخارج، بعد أيام من المراقبة الدائمة كي تصل الى النتيجة المحققة من شكوكها طوال الفترة الماضية
لتصل وتتأكد من استنتاجها، فتصعقها الصدمة لمدة لا تعلمها من الوقت حتى تمالكت اخيرا زمام امرها، تحدث نفسها بقهر :
– يا بنت الجزمة، لحقتي تعمليها ازاي في كام شهر قليلين؟ وانا اللي قدامه بقالي سنين مطولتش حتى النظرة، والله ما طلعتيش ساهلة يا بهجة
❈-❈-❈
والى شادي الذي عاد من عمله بوجه مكفهر غاب عنه المرح والسعادة التي ذاقها في قرب حبيبته ، ليعود الى البؤس والحزن الذي يكسو ملامحه ، ما بين القلق عليها ، وما بين العتب والغضب الذي يشعر بها كلما لمس منها الجفاء وعدم الرغبة في العودة اليه .
اكتنفه الاستغراب فور ان حطت قدميه داخل المنزل ، وقد وصل الى انفه رائحة الطعام الشهي، ظن في البداية ان شقيقته من هي بداخل المطبخ ، ليخطو متوجها نحوها، ولكن خاب امله حينما رأى ابنة خاله تخرج احد الاصناف من الفرن ، والتي ما ان انتبهت اليه حتى استقبلته بلهفة.
– حمد الله ع السلامة انت جيت يا شادي، كويس اوي، انا سخنت صنية المعكرونة بالبشاميل، تعالي اتغدى معانا بقى انا وعمتي .
بملامح منزعجة، جاهد الا يثور بها او يعنفها حتى تكف عن أفعالها وزيارتها الدائمة بحجج الاطمئنان على والدته قليلة الحيلة عن صدها ايضا، فهو ليس بغبي عن افعالها.
– متشكر يا سامية انا مليش نفس اساسًا.
قالها ليستدير ذاهبًا نحو غرفة نومه، خرجت من المطبخ تلحق:
– طب حتى كُل معانا عشان تفتح نفسها ، دي يا حبة عيني تعبانة وحالتها لا تسر عدو ولا حبيب.
– ويعني الاكل هو اللي هيخففها، كُلي انتي معاها، انا هخش اصلي العصر وبعدين ادخلها قبل ما اخرج، البيت بقى غير محتمل القعدة فيه.
قالها بفظاظة صدمتها، لتتاملك بعض الشيء ثم تحدث نفسها:
– لاا دا انا كدة ممكن تروح مني الفرصة لو ملحقتش ، لازم من بكرة اروح للشيخ زي ما قالي، يكمل بقى جميلة معايا عشان انول المراد بالقرب، بركاتك يا شيخ
الفصل الرابع والعشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الرابع والعشرون 24 بقلم امل نصر
مرار العشق….. ذلك الذي يستنزف روحك في الركض خلف سراب، تُُعطي من قلبك، لتستجدي نظرة رضا من قلب قاسي، تحترق من اجل وصاله…… وهو لا يكترث بشيء.
فما بالك بمن احببته وأحبك، كنت انت وهو كالجسد الواحد، كالنفس الواحد، كنت كل شيء وهو ايضًا كان لك الدنيا وما فيها، لتصطدم الاَن بجفاء هجرانه، وما بينكما اصبح كبُعد المشرق والمغرب، وكأنك لم تكن تعني له شيئًا يومًا ما.
فُتح باب المصعد لتخرج هي اولهم منه، وخلفها والدها ووالدتها ورحمة ايضًا، عائدين من إحدى العيادات الطبيبة في رحلة البحث عن العلاج لهذا الداء الذي اصابها.
اصطدمت ابصارها به، وقد كان واقفًا بتحفز خارج باب منزله في انتظارهم على ما يبدو، وكعادتها مؤخرًا ازاحت بعيناها عنه بلا مبالاة زادت من احتراقه، ليتوجه بغضبه نحو والديها اللذان كسى الوجوم وجوههما، فتُلقي زبيدة بالتحية نحوه على حرج بعد موقف ابنتها المُخزي واصرارها على عدم ذهابه معهم الى الطبيب ثم تجاهلها الاَن له:
– مساء الخير يا شادي يا ولدي .
– اهلا يا خالتي زبيدة
خرجت منه فاقدة الحياة، لينتبه الى زوجها الذي اقترب يربت على صدره بدعم ومؤازرة، عله يخفف عنه ولو قليلًا، وخلفه رحمة التي فتحت باب المنزل ترحب بالرجل، بصوت يتخلله التوتر:
– تعالي اتفضل يا عم ابو ليلة..
سمع منها الاَخير ليسحب زوج ابنته معه، قائلا بعشم:
– ماشي يا ست البنات، اعمليلنا بس انتي كوبايتين شاي نظبط بيها الدماغ، ولا انت عايز حاجة مختلفة يا شادي يا ولدي؟
بارتباك يشويه التوجس، نفى بهز رأسه ينقل بأبصاره نحو شقيقته بتساؤول، والتي بدا من امتقاع ملامحها، مدى صعوبة القادم، فيتأكد من صحة ظنونه بعد قليل ، وسماع حديث والد زوجته:
– بتقول ايه يا عم ابو ليلة؟ تسافر ازاي يعني؟
صدر تساؤوله، بحالة من التشتت وعدم الاتزان، ليزيد بانفعاله:
– وهي البلد عندكم فيها دكاترة اصلا؟ دا الناس بتيجي من عندكم للقاهرة عشان تتعالج.
ابتلع الرجل غصته ليرد على قوله بأسف موضحًا:
– يا ولدي مش موضوع دكاترة ولا كشف، مع ان برضك احنا عندنا دكاترة وكفاءات، بس انا بتكلم ع النفسية، البت شابطة تروح معانا البلد، وانا بجول ميضرش لو خدناها وسط اخواتها واهلها تغير جو، يمكن ترجع لطبيعتها وربنا يشفي عنها
صاح به بقلب مذبوح، وكل كلمة تضيف على المزيد من جروحه:
– وانا يا عم ابو ليلة هقعد مستنيها لحد امتى؟ شهر، شهرين ، سنة…… هو انتوا ليه محسسني ان انا سبب مرضها؟ انا عملتها ايه صبا عشان تنفر مني ومتبقاش طايقة حتى تشوفني؟ مرض ايه دا اللي يخلي الزوجة مطيقش جوزها ولا حتى تطيق المكان اللي كان بيجمعها بيه؟
زفر مسعود يضرب بكف يده على ذراع المقعد الجالس عليه يغمغم بقلة حيلة:
– والله ما انا عارف، دا انا جربت اصدج كلام التخريف اللي بتهلفط بيه زبيدة عن الحسد وعيون الناس اللي مش سايباكم،
بصوت بح من فرط ما يجتاحه من الداخل سقط جالسًا يتمتم بقنوط:
– حسد وكلام فاضي ، اهي كلها شمعات بنعلق عليها الحجج بتاعتنا.
تغاضى مسعود عن الرد عليه، شاعرًا بما يؤلمه، لينهض فجأة يستأذن بحرج:
– اسيبك انا يا ولدي تفكر براحتك، وفي الاول وفي الاخر هي مرتك، وكلمتك تمشي عليها.
لم يقوى حتى على الرد عليه، ليتطلع في اثره مغمغمًا بانهزام:
– مرتي ! وكلمتي تمشي عليها! هو انا بقى ليا دور في حياتها اصلا ؟
انتفض ظهره على لمسة حانية من شقيقته التي ضمته اليها بدعم تهون عليه:
– معلش يا حبيبي، قادر ربنا يفك الكرب ويزيح الغمة.
– امتى بس يا رحمة امتى؟ انا طول الوقت بدعي في صلاتي وفي سجودي ، ومع ذلك كل يوم بتسوء اكتر، ليه بيحصل لي كل ده مع الست الوحيد اللي حبيتها وحبتني….. طب يعني معقول ان كل اللي فاتت ده كان سراب او وهم انا عايش فيه لوحدي، ولا هي الدنيا استكترت عليا الفرحة…
توقف غير قادرًا على المواصلة، حتى لا يزيد بخطأه فليحق على الفور باستغفاره. ، وشقيقته التي تتظاهر بالثبات، تلتقط بإبهامها الدموع المتساقطة سريعًا، حتى لا يراها شقيقها وتزيد على همه.
❈-❈-❈
– يا الف هنا، شرفت ونورت يا خطيب بنتي
هتفت بها المرأة ترحيبًا به، بعد مشاورات ومحادثات طالت عبر الهاتف مع ابنتها التي مهدت له الأمر في البداية، بعدما سحبت منه الوعود التي تجعلها توافق على رجل يكبرها في العمر بعشرون عامًا على الاقل،
وقد بدت في شرعها فرصة تلتقطها وتستغلها أتم استغلال، أما عنه فقد اشرق وجهه وكأنه فاز بجائزة اليانصيب، امرأة جميلة بالكاد تتخطى الاربعين ، ولكنها تملك من صفات الجمال ما يجعلها فتنة في عيناه
بشرة بيضاء كالحليب، وخصلات شعر صفراء تظهر من تحت الطرحة التي تكشف بسخاء عن العنق المرمري، وجنتين مكتنزتين وشفاه وردية كحبة الكريز.
شابة في عزها كما يصفها بداخله دائمًا، سوف تعيد له شبابه الذي ضاع بالركض خلف لقمة العيش وادخار النقود من اجل تأمين مستقبل اولاده وزوجته المتسلطة،
وزواج في الخفاء في محافظة أخرى، ومتماشيًا مع رغبته وظروفها التي اضطرتها للتقبل، كم يود القفز من الفرح الاَن، او خطفها في عش السعادة الذي سوف يجمعهما معًا ف الغد، وقد تم الاتفاق على كل شيء فهذه الزيارة الثانية له، بعد جلسة التعارف الاولي
– اااه ياما انتي حلوة اوي صفصف
تفوه بالكلمات فور خروج والدتها من غرفة التي تجمعها معًا .
تبسمت المذكورة تبدي الخجل، في رد فعلها امامه:
– يوه بقى يا خميس متكسفنيش بكلامك الحلو اللي يدوخ ده.
قهقه بببلاهة وقد راقه الامر، ليتابع بزهو:
– وانت لسة شوفت حاجة يا جميل؟ دا انا ناوي اكتب قصايد شعر، اه امال ايه؟ محسوبك كتلة مشاعر واحاسيس محبوسة جوايا ونفسها تطلع، تنفجر وتلعلع، وانتي بجمالك تنطقي الحجر ، طب اسمعي دي وانت تصدقي .
توقف بتفكير متعمق كي يفصح مواهبه المدفونة، ولكن خانه التركيز ليشعر بصعوبة الأمر، بعد صمت دام للحظات، امام ترقبها، وكأن الافكار قد هربت منه، ليتحمحم مردفًا بتقطع
– يالوز مقشر يااا يستاهل المزمزمة……. ااا ومنجة عويسي تستاهل ال ااااا.
– اللغوصة
تمتمت بها بقرف، لتغير دفة الحديث حتى لا تنفعل عليه، فتستعيد مرونتها سريعًا، لتركز على هدفها، وتطلق ضحكة مائعة تزيده اشتعالا بدلالها، قائلة:.
– يا خويا من غير ما تقول ولا تشعر ولا تتتعب نفسك ، كلامك واصلني وحاسة بيه كمان، المهم خلينا في المطلوب ، بكرة تحضر فلوس المهر قدام عم عيد وعم سعيد
– مين عيد سعيد ده؟
– بقولك عم عيد وعم سعيد ، ركز بقى يا خميس الله،
انا مش عايزاهم يفرحو فيا اه ، لازم يتأكدو ان ربنا نصرني بعد ما رفضت كل العرسان اللي جابوهم .
كانت تتحدث بعصبية جعلته يبتلع ريقه بتوتر، ليسارع في طمأنتها:
– حاضر حاضر بس متتعصبيش يا صفصوفتي، انا اساسا جاي وعامل حسابي وواخد الاجازة كمان ، هو انا اقدر برضو ارجع في وعدي معاك يا جميل.
اهتز كتفيها تعود إلى لهجتها في الدلال :
– ايوة بقى قول كدة وطمني، مش كفاية وافقت انك تيجي وتقعد عندي، بدل ما تشتريلي شقة ليا لوحدي.
– ما انتي اللي قولتي عشان ظروفك يا صفاء، لاجل ما تبعديش عن ولادك، دا غير انك خدتي المقابل بالمهر اللي هيتدفع الضعف، بدل مية الف ، ميتين الف.
قالها بحرقة شعرت بها، ولكنها كالعادة استطاعت ترويضه على الفور بعتبها :
– لا تكون مستخصرهم فيا يا خميس، قول يا خويا لو هو كدة، نفضها من اولها……
قاطعها على الفور مرددًا:
– لأ نفضها دا ايه؟ اهدي كدة يا بنت الناس ومتخليش الشيطان يدخل ما بينا، انا بس برد على كلامك، ، انما طبعا موافق على كله، على كله طبعا.
❈-❈-❈
حاملة علبة الحلوى والشوكولاته تدور بها داخل قسم تفصيل الملابس مقرها الاول ، بعدما اعطت لزملائها في المكتب ، تريد الجميع ان يشاركها فرحة افتتاح المحل الجديد، الخطوة الحقيقية في تأمين مصدر رزق حقيقي لها ولأشقائها،
ترافقها الداعم الاول لها صباح والتي توزع معها، وتتكفل بالرد عنها أحيانًا حينما تتكابل عليها الاسئلة الفضولية عن مصدر المال ، وكيف؟ ومتى؟ حتى ضجت منهم، لتنسحب سريعًا قبل ان تفسد فرحتها، ولكن كان هناك من نبت بداخله الامل ليتبعها كي يذكرها بطلبه:
– بهجة استني عندك يا بهجة.
هتف مناديًا يوقفها بوسط الرواق الفاصل بين قسم الملابس والأقسام الأخرى، لتجبر على الالتفاف نحوه، تجيبه بابتسامة يتخللها التردد:
– نعم يا تيم، في حاجة؟
اقترب يلوح امام عيناها بقطعة الحلوى، يردد بعتب رغم ابتسامته:
– انا جاي ابارك بنفسي رغم انك اتجاهلتيني ومخدتش حلاوة الافتتاح منك .
ردت تجامله بابتسامة على حرج:
– معلش بقى، ما انت عارف العدد كبير جوا، اكيد مخدتش بالي، بس انت مش غريب.
راقه اجابتها ليتشجع قائلا:
– انا فعلا مش غريب، ومش هزعل رغم اني كنت اتمناها تيجي منك، بس مش مهم، دا كفاية انها بشرة خير، واهي حاجة تنعش من جوايا الامل من تاني .
– امل في ايه؟
سألته قاطبة بعدم فهم، لتبزع ابتسامة صافية على ملامحه يجيب الكلمات بمغزى واضح:
– الامل في حاجة انتي عارفاها كويس يا بهجة، حاجة بقالي اكتر من سنتين بزن عليها ، وشكلها هتفرج قريب، مدام الحال اتحسن زي ما انا شايف ، ولا ايه؟
بماذا تجيبه؟ جف حلقها في البحث عن شيء تتحايل به ككل مرة ، فلم تجد سوى التهرب:
– ااا على فكرة انا اتأخرت اوي ، وشكل الاستاذ عبد الفضيل المرة دي مش هيعتقني؟ عن اذنك بقى لاخد جزا .
قالتها ولم تنتظر رأيه ، لتحرك قدميها مغادرة على الفور، تصعد الدرج بالركض، حتى لا تعطيه الفرصة في توقيفها ، وما ان انتهت تصل للطابق التالي حتى تفاجأت بتلك المتعجرفة امامها ، تستند على السياج الحديدي للدرج، لتفاجأها بابتسامة غريبة عنها ، تخاطبها بود ليس من طبعها:
– مبروك يا بهجة، بتلفي ع الجميع تعطيهم حلاوة افتتاح الكافيه، وجات عليا انا ووقفت.
– نعم انتي بتكلميني انا؟
تمتمت بهجة بالكلمات بدهشة لتتذكر بلاهتها حينما ضحكت الأخرى تقارعها:
– وهو في حد في المصنع كله اسمه بهجة غيرك.؟
اكملت بضحكتها تزيد من زهولها وغيظها ايضًا، فتقترب منها بالعلبة التي على وشك الانتهاء، تعرض عليها :
– معلش يا ستي العتب ع التركيز، اتفضلي بقى لو حابة.
مدت يدها تتناول منها احدى القطع مرددة:
– طبعًا حابة، امال انا بباركلك ليه؟ دا انا ممكن كمان اجيب صحابي ونيجي نقضي وقتنا فيه، اكيد الخدمة هناك هتكون كويسة.
هذه المرة تبسمت بهجة بمرح تخبرها:
– طبعا الكافيه يزيده شرف بوجودك ، بس مفتكرش انه من مقامك انتي وأصحابك، حكم دا حاجة ع القد وفي بداياته كمان، مش فايف ستارز زي اللي بتدخلوها.
رمقتها بنظرة لم تفهمها، لتعقب على قولها:
– وماله يا بهجة لو في بداياته، المهم انك توصلي، وانتي شاطرة وعرفني تخلقي من العدم ، انا بهنيكي بجد، بس الرك ع اللي يضحك في الاخر، عن اذنك بقى اشوف شغلي،
تحركت خطوتين لتردف ؛
– ومرسي اوي ع الشيكولاتة، رغم انها مش من نوعي المفضل، بس هحتفظ بيها .
وذهبت تطرقع بكعب حذائها الرفيع على الارضية، لتصدر صخبًا يعادل ما يدور برأس بهجة، والتي انتقل اليها شعور بعدم الارتياح للمغزى المبطن من خلف كلماتها .
لتزفر بضيق متمتمة:
– استغفر الله العظيم يارب، حرقت دمي من غير ما اعرف قصدها ايه؟ دا ايه هو ده؟
استدركت فجأة لتتحول ملامحها للمرح تتمتم مع نفسها:
– ياللا بلا لورا بلا زفت، خليني اشوف اللي ورايا والأفتتاح اللي مستنيني،..
هرولت بخطواتها، كفراشة تطير بخفة حتى وصلت الى غرفة مكتبها تستأذن من مديرها المغادرة من أجل هذا السبب الهام، والرجل لم يتأخر ، لتلملم اشياءها نحو وجهتها الى المصعد الذي نزل بها الى الطابق الارضي، لتتخذ طريقها الى الخارج على الفور
في هذه الأثناء، كان هو عائدًا مع شريكه في العمل والذي كان يقود السيارة بنفسه يتحدث بعمليه كعادته، بعد ذهابهم الى احد الاجتماعات الهامة لمديري احدى الشركات:
– شوف يا باشا، الناس دي مكسبها فل، يعني حتى لو اتنازلنا معاهم شوية في البداية ميضرش، عارف ليه؟ لأن اللي هيجي من وراهم كتير اوي، دا كفاية العلاقات، وانت شوفت بنفسك الأسماء اللي بيتعاملوا معاها، واخدلي بالك.
اومأ له بعدم تركيز فقد كانت عيناه منشغلة في التطلع نحو الخارج، وهذه الجميلة التي تغادر عملها الاَن في هذا الوقت المبكر، مما جعل عقله يدور بالظنون، حتى اذا توقفت السيارة ترجل على الفور يستأذن رفيقه:
– معلش يا كارم دقيقة.
قالها ولم ينتظر الرد، فقد تحركت اقدامه بخطوتين مبتعدا عن السيارة ليوقفها بندائه:
– بهجة.
على الفور التفت اليه على النداء قبل ان تصل الى بوابة الخروج من محيط المصنع، لتذعن وتغير اتجاهها نحوه، وقد توقف بجوار سيارته المصطفة من البداية، ليباغتها باستفساره فور ان وصلت اليه:
– خارجة ورايحة على فين بدري كدة؟ دي الساعة مجاتش احداشر حتى؟
انتابها الحرج الشديد، وعيناها تدور يمينًا ويسارًا، نحو الأشخاص التي تتطلع الى المشهد الغريب، بوقوف صاحب المصنع المهيب مع احدى العاملات في مصنعه، الم ينتبه هو ايضًا لصورته؟
يبدو كذلك بالفعل وقد انفعل مكررًا سؤاله:
– بهجة انا بسألك مبتروديش ليه؟
ابتلعت تجيبه بإجفال:
– رايحة على المحل بتاعنا والله، النهاردة افتتاح الكافيه واخواتي التلاتة واصحابهم والدنيا مقلوبة، عايز اروح اساعد معاهم، مينفعش اتأخر
ارتخت ملامحه ولكن بدا عليه الضيق في تعقيبه:
– ولما هو كدة مقولتليش ليه يا بهجة؟
– ويعني لو قولتلك كنت هتيجي؟
صدرت منها بدون تفكير، حتى شعرت بتأثيرها عليه، ليبرر اسفًا:
– حتى لو مش هقدر، ع الاقل ابعتلك بوكيه ورد اباركلك.
تبسمت برقة تلطف قائلة:
– اعتبره وصل.
هل شعر بلمسة من الدلال وهي تنطقها؟ ام هو يتوهم وقد راقه هيئتها بخجلها وارتباكها اللذيذ، انعكاس الشمس على خضار العينين بصفائهم المميز، وهي تحاول تغطيتهم بكفها؟
ماذا يفعل امام هذه الفتنة المتحركة؟ كم ود ان يسير خلف اهوائه الحمقاء ويخطفها الاَن بسيارته، فيبتعد بها بعيدا عن العالم اجمع.
– رياض باشا.
صدر النداء بإسمه كمنبه يفيقه من شروده بها، وقد طال صمته بتأملها، ليتحمحم مجليًا حلقه، يلتف للخلف نحو شريكه المتكئ بجسده على السيارة، متربع الذراعين، والنظارة السوداء تغطي على عينيه، ولمحة من المكر تعلو ملامحه، يراها بوضوح قائلا له:
– ثواني يا كارم حاضر.
ردت هي تعفيه من حرجه:
– خلاص روح شوف البيه شريكك، انا ماشية عايز مني حاجة تاني.
نفى بهز رأسه لتتحرك من امامه ذاهبة للخارج، تتبعها ابصار كارم الخبيث وابصاره هو ايضا، يكتنفه شيء من العجز بتركها لقضاء حاجاتها والسعى في الحياة دون اللجوء اليه، ليس له أدنى دور، حتى شيء رائع كهذا لا يعلم عنه الا بالصدفة.
– رياض يا حبيبي انت هتفضل سرحان كدة كتير؟ البنت مشيت
كان صوت كارم وقد اقترب هذه المرة، يخبره بنبرة متلاعبة يعلمها جيدًا، ليبرر بالكذب كرد له:
– كنت بسأل البنت على حاجة تخص الشغل يا كارم، السرحان كان في حاجة في دماغي ملهاش دعوة بيها.
– اه طبعا يا حبيبي انا واخد بالي وفاهمك.
قالها كارم ليتابع بمكر:
– مش هي دي برضو الجليسة بتاعة طنت نجوان؟
كنم زفرته، ليرد بغيظ شديد:
– انت لساك فاكرها، ذاكرتك قوية اوي يا كارم؟
– وهو الوش دا برضو يتنسي.
قالها متبسمًا بتسلية زادت من حنق الاخر والذي امتقعت ملامحه وأصبح ينفث الدخان من فتحتي منخاره واذنيه، ينهاه بعنف:
– يا كارم انا نبهت عليك المرة فاتت، اني محبش الكلام ده ولا بقبله.
تبسم باتساع ليتحرك ويسبقه مرددًا:
– الله يا عم متدقش بقى وفوت لصاحبك، ويلا بقى عشان نشوف شغلنا.
كان كالقنبلة الموقوتة خلفه، لتتحرك اقدامه ويلحق به، ولولا تذكره لوضعه لكن انفجر به غير عابئًا بشيء، وليحدث ما يحدث بعدها
وفي الاعلى كانت الأخرى لا تقل عنه اشتعالا، وقد راقبت بأم عينيها مشهده وهو يخرج من السيارة كالابله ، يوقف هذه الملعونة ويتحدث معها غير عابئًا بهيئته،
صارت تطرق بمقدمة حذائها ، ودائرة التفكير التي تدور بها مستمرة منذ اكتشافها الأمر، حتى الاَن تلتزم الصمت والهدوء، حتى تصل الى ما تريد دون ان تترك أثر ، لن تكن غبية هذه المرة وتتصرف بعاطفتها التي جعلتها تبدو كالحمقاء امامه، ومكنت هذه الملعونة منه
❈-❈-❈
دلفت اليه بخطوات متلهفة، تلقي التحية وتسترسل بكلماتها السريعة:
– سلام عليكم يا مولانا، انا بقالي يجي اسبوعين دلوقتي اجي وامشي من تاني من غير ما اشوفك، كل مرة مبروكة تنيمني بحجة .
التف اليها بملامح منزعجة، يشير اليها لتجلس على الكرسي المقابل له، كي تتوقف وتذعن لأمره ، فانصاعت على الفور لتصبح امامه ، تلهث بتوتر ووجل اعاد اليه الثقة، ليخاطبها بهدوء:
– براحة يا سامية، مش كل حاجة تيجي افش، اكيد يعني انتي عارفة من الاول اني عندي زباين كتير غيرك،
خففت من لهفتها تبرر:
– بس انا كدة ممكن المصلحة تطير مني يا سيدنا، عايزة اللحق اربطه بيا بقى، قبل ما يشوف واحدة غيري واتحسر انا بقية عمري
رد يقارعها بمكر:
– ما انتي اللي غرتك ثقتك بنفسك يا سامية ومجتيش على طول نكمل اللي بدأناه، انا قولتلك من الاول، ان رباط المحبة يكمل الشغل اللي فات، بس انتي بقى اتأخرتي، اعملك ايه انا؟
ابتلعت ريقها بتوتر لتبرر بأسف:
– سامحني يا مولانا، بس انا برضو مقعدتش كتير ولا طولت عن شهر، لكن مبروكة زودت بتأجيل دخولي عندك، الأكلة استوت وفاضل بس اللمسة الاخيرة، وانت هتساعدني مش كدة .
قالتها برجاء جعله يخرج عن طوره المتماسك، لتصدر منه نظرة غير بريئة ولكن بغبائها لم تنتبه لها ، فما يشغل عقلها الاَن، يلهيها عن اي شيء..
زفر بخفة يعود لوقاره وطمأنتها:
– خلاص يا سامية، مفيش داعي تقلقي نفسك، كل حاجة تحت السيطرة، واللي انتي عايزاه هيتم .
– صحيح يا شيخ؟ يعني هفوز بيه عن قريب؟
تساءلت بها بأمل اشرق بملامحها، ليردف لها بثقة:
– اكيد يا سامية، تخرجي من هنا تستني مبروكة والورقة اللي هتهدالك، تنفذي كل المطلوب اللي فيها، وتيجني يوم الجمعة اعملك الرباط اللي يمكنك تطولي اللي انتي عايزاه
تبسمت باتساع وقد اسعدها بوعوده، ليعيد اليها الاحلام الوردية مرة اخرى ولكنها تذكرت شيئا:
– بس انا اعرف ان يوم الجمعة اجازة
صحح لها على الفور:
– مش في كل الاحيان يا سامية، انا قاصد كدة عشان اخفف من الزحمة في اليوم المبارك ده، فهمتي بقى؟
اومأت بتهز رأسها بطاعة تامة:
– تمام يا مولانا.
❈-❈-❈
داخل المحل الذي كان صاخبًا بالحركة، وقد بدا من معظم اعمار رواده الصغيرة، سبب مجيئهم اليوم الافتتاحي، شباب وشابات اصدقاء جنات في الجامعة ، وشباب كثُر اصدقاء شقيقها ايهاب، والذين توزعوا ما بين الخدمة معه ومساعدته، وما بين الجلوس على الطاولات، اما عائشة فحدث ولا حرج، فقد كانت مثل الفراشة بين اقرانها، تعطي الاوامر في بعض الأحيان ، وباقي الوقت ترقص وتلعب او تأخذ الصورة التذكارية.
راكبالي عربية دلع بنات
ماشية فى الاميرية دلع بنات
عملالي اجنبية دلع بنات
كله دلع بنات دلع بنات
يا شاويش امسكها يا بوليس احبسها
يا ناس يا هوه شوفوا دلع البنات
يا حضرة العمدة الحقني يا شيخ الغفر حوش عني
يا ناس الحقوني من دلع البنات
دلفت الى المطبخ على كلمات الاغنية التي تدوي في الخارج، تحمل على يدها علبة كبيرة مغلفة ، لتلقي التحية بمزاحها:
– ايه اللي عاملينه برا دا مجانين، دا مسموش كافيه، احنا نسميه حاجة تانية بقى نايت كلاب مثلا .
التف اليها ايهاب يفاجأها بيونيفرم العمل الرسمي، والذي تم تصميمه في وقت قياسي للعاملين بالكافيه، وقد طبع على مقدمة الصدر في الاعلى الاسم الذي كانت تظن انه تم الاستقرار عليه ( بالعائلة)
لتفاجأ الاَن بشيء مختلف تماما، فتعبر عن دهشتها:
– ايه ده يا مجانين؟ انتو لحقتو امتى تغيروا الاسم……. ولا انتوا اساسًا عاملينها كدة من الاول وبتفاجأنو يا ولا ال…….
– هااا اوعي احنا من نفس الاب لو تفتكري يعني،.
تمتمت بها جنات قبل ان تُلقي بنفسها داخل احضانها ، تقبلها وتخبرها بفرحة:
– دي اقل حاجة تتعملك، ان المحل يبقى على اسمك يا بهجة.
اقترب ايهاب هو الاخر يأخذ مكانه بضمها اليه قائلا :
– حتى يبقى وشه حلو علينا زيك كدة .
لكزته بقبضتها بخفة توبخه:
– انت اقعد ساكت يا مصيبة، ما هو كل حاجة من ترتيبك، وانا اقول اليافطة متعلقتش لحد دلوقتي ليه، وكنت جاية احاسبك، احتفال ايه ده اللي يبقى من غير يافطة؟
ضحك يسحبها من كفها، يتحرك بها للخارج متمتمًا:
– ما هو كل كان في انتظارك يا جميل، تعالي كدة وشوفي بنفسك.
وصل بها الى الخارج ، ليلوح لها الى الأعلى نحو اصدقائه الذين يظبطون اليافطة ذات الشكل المميز بالاسم المحبب ( بهجة )
غامت عيناها بالدموع وهي لا تجد من الكلمات ما يسعفها في الرد عليهم ، لتردد بما اختلج به صدرها:
– لو كنتوا قولتلولي من قبلها، كنت هرفض واشوفها افورة من غير داعي، لكن دلوقتي وانا شايفة اليافطة…… مش عارفة اعبرلكم باللي حاسة بيه…….
– يا ستي من غير ما تعبري واصلنا
قالها ايهاب وهو يضمها من كتفيها ، ليراقبا الانتهاء من تعليق اليافطة، لتضمها جنات من الناحية الأخرى، فتبقى عائشة التي لم تنتظر الدعوة لتأخذ مكانها ملتصقة بشقيقتها وقد لفت ذراعيها حول خصرها تتابع معهم اللحظة الهامة، فتتدخل بعفويتها التي جعلتهم يضحكون لقولها كالعادة:
– الكافيه الجاي هنسميه عائشة
❈-❈-❈
عاد من عمله بحالة من التشتت، شيء ما يجعله شاعرًا بالذنب او التقصير لا يعلمه، او ربما يحاول اخماده، مراعاة لظروف السرية التي صار عليها العهد، بأي صفة يحق له مشاركتها اول خطوات النجاح لها؟
يعلم انه لا يصح، نعم لا يصح
– رياض
جاء صوتها الحاد ينتشله من أفكاره ليلتف اليها فيجدها بكامل اناقتها ليخرج منه السؤال على الفور:
– ماما انتي لابسة ورايحة على فين؟
ردت ببساطة رافعة رأسها للأعلى:
– رايحة لبهحة.
– نعم !
– بقول رايحة لبهجة، دعتني احضر معاها الافتتاح، ياللا اديني مفتاح عربيتي مش عايزة اعطلك.
قالتها ببساطة كادت ان تصيبه بأزمة قلبية:
– تسوقي فين؟ انتي عايزة تسوقي عربية يا ماما؟ انتي بتتكلمي ازاي؟
رفعت ذقنها للأمام، تضع النظارة على عينيها تذهله بحسمها:
– خلاص اوقف اي عربية أجرة توصلني ، عن اذنك .
تحركت على الفور دون انتظار ليصرخ في اثرها بعدم استيعاب، راكضًا خلفها:
– يا نهار اسود، انتي رايحة فين تعالي هنا.
❈-❈-❈
اما بداخل المحل الذي ازداد صخبًا وازحامًا بالمهنئين، والرواد الذين أتو من اجل الاحتفال أيضآ، صوت السماعات يدوي بأصوات المهرجانات، والعمل رغم قلة الخبرة في التنظيم الا انه كان يسير على اروع ما يكون،
اكتمل عدد الحضور من الأصدقاء ولم يتبقى سوى اقرب المحبين، وذلك ما حدث بحضور شادي رغم الحزن الذي يتخلل روحه، إلا انه لبى الدعوة ليأتي بصحبة شقيقته يشارك ابناء خالهم الفرحة، والتي ازدادت اضعاف بمجيئهم ، وذلك ما ظهر في استقبال الاربعة لهم .
– مبروك يا بهجة، ربنا يجعلها فاتحة خير يا بنت خالي .
– ربنا يبارك فيك يا شادي، والله نورتيني بحضورك انت ورحومة، مجاتش صبا ليه معاكم؟.
سألته بسجيتها لترى تأثير السؤال عليه بملامح وجمت وابتسامة باهتة، اظهرت مزيدا من الحزن لتتكفل رحمة بالرد :
– مراته تعبانة يا بهجة، مرض غريب مسك معدتها ما حدش منا عارفله حل، ادعيلها ربنا يشفي عنها.
– امين يارب، بس دي زي القمر، امتى مسك فيها المرض، دا انتو يدوب متجوزين ملحقتوش .
خرج صوته بصعوبة ممتنا لها:
– متشغليش نفسك انتي يا بهجة، خليكي في احتفالك، قادر ربنا يشفي عنها .
عقبت بفضول:
– طب ما تحكولي طيب هي ايه الاعراض اللي عندها طيب، مرض ماسك المعدة وبس ، مفيش دكتور باطنة يفهمها؟
اسئلتها البريئة تزيد من ثقل ما يشعر به، ليغير دفة الحديث حتى لا يفسد عليها فرحتها:
– بعدين يا بهجة هبقى احكيلك، المهم خلينا في احتفالنا.
تدخلت عائشة بمرحها:
– حظك حلو يا عم شادي، هتحضر معانا تقسيم التورتة .
– تورتة ايه؟
لم يكد ينهي سؤاله حتى تفاجأ بجنات تخرج اليهم بكعكة كبيرة مزينة بقطع الفاكهة والشوكولاته، تهتف بصخب وخلفها صديقاتها بالاطباق، لتضعها على طاولة في الوسط :
– تورتة الاحتفال يا شباب ، مين هيحضر عشان يتصور معانا .
تجمع عدد الأصدقاء على الفور، وسحبت بهجة بيد ابن عمتها وشقيقته ليتجعلهما في المقدمة بجوار عائلتها، وما همت ببدء الاحتفال، حتى ظهرت امامهم تلك الجميلة من مدخل المحل بابتسامتها الخلابة ، لتصرخ عليها عائشة:
– نوجة حبيبتي.
ركضت لتحضنها من خصرها، والاخرى لم تقصر في ضمها اليها بحنان امومي، تقبل اعلى رأسها. فتردد الصغيرة بمشاعرها البريئة:
– انا بحبك اوي يا نوجة.
سمعت منها، لتُكور وجهها بين كفيها تقبل الوجنة:
– وانا بحبك اوي اوي
صرخت عائشة لتزيد من احتضانها مرة اخرى ، لتتقدم بهجة نحوها للترحيب بها، ولكن تجمدت خطواتها فجأة حينما رأته امامها بطلته المهلكة وكأنه ظهر من العدم يحدثها بابتسامة رائقة:
– الف مبروك يا بهجة،
كادت ان تسقط بقدميها التي شعرت بارتخائها فجأة، هل هذا حلم؟ ام هو وهم يدور بخلدها؟
ولكن صوته ثم كفه التي امتدت تصافحها بالتهنئة لتتأكد من لمسه انه حقيقة، لقد جاء يشاركها الاحتفال.
– الله الله يبارك فيك يااا يا رياض باشا…. دا رياض باشا رئيس المصنع اللي شغالة فيه
تلعثمها الواضح في الكلمات ، ثم هتافها، لتقدمه الى الجميع بفخر، لتسحب اهتمامهم نحوه، حتى اكتنفه احساس بالذنب، فلولا التصرف المجنون من والدته، كان تجاهل ولم يأتي .
اجفل من شروده على كف كبيرة امتدت نحوه مخاطبًا بصوت يجمع بين الحدة والبأس:
– شرفت ونورت يا رياض باشا، انا شادي
– ابن خالي اللي شوفته قبل كدة.
رددت بها بهجة تسارع في التوضيح له، ثم تعرفه على باقي اشقائها ورحمة التي تطلعت اليه بانبهار لم ينتبه اليه، فقد اخذه الاهتمام بهذا التواصل البصري الذي كان يحدث بينه وبين هذا المدعو شادي، يرى في اسلوبه شيء لا يريحه
ولكنه تغاضي لينتبه لفقرات الاحتفال التي تبدأ بتقطيع التورتة، ثم التقاط الصور التذكارية، والمعبرة عن مدى سعادة الجميع بهذا الحدث الرائع
❈-❈-❈
خرجت من المطبخ بعدما اعدت وجبة العشاء، وكانت في طريقها للتحضير، ولكنها تذكرت عدم وجود زوجها أكبر فاتح للشهية نظرا لنهمه المتواصل في التهام الطعام، عكس ابناءها، ممكن يفضلون الاكل في الخارج او بدون عشاء كما تفعل سامية ابنتها حتى لا يزيد وزنها، والتي لزمت غرفتها منذ ساعات تتصفح الهاتف ووسائل السوشيال ميديا في متابعة اصحاب المحتوى والاغاني والافلام الهابطة،
لتبحث هي عن ونيسها الوحيد الاَن، ابنها الاوسط والذي اللتزم غرفته هو الاخر على غير عادته ، ان يعود باكرًا، ويختفي بها كل هذا الوقت .
دفعت الباب المفتوح لتجده جالسًا بوجه واجم فهتفت تلفت تلفت انتباهه:
– واد يا سامر، هتيجي تتعشي معايا
تطلع اليها بصمت دام للحظات ليجيبها اخيرا بجمود :
– لأ….. مليش نفس.
– ومالك بتقولها كدة وانت قرفان، انت حر يا اخويا
قالتها درية لترتد بقدميها عائدة للخارج، فتتركه هو لشروده، وحالة من الحسرة تسكنه ، لقد رأى بأم عينيه اليوم الاحتفال بافتتاح محل الكافيه لابناء عمه، لقد تخطوهم ومَن الله عليهم بالنجاح والمال ،
الجميع كان حاضرًا الا هم ، اصدقاء واناس اغراب وشادي وشقيقته وتلك المرأة الجميلة ذات الشعر الاصفر وابنها رئيس العمل لدى بهجة كما علم
لم ينقصهم حضور احد منهم، بل الأصح هم استراحوا منهم ، عمها، وزوجته، والأبناء المزعجين
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي
انتهى من ارتداء ملابسه في استعداد للذهاب إلى عمله المعتاد في هذا الوقت، تنفس بهدوء، يحاول السيطرة على دقات قلبه التي تصرخ بالألم، وكأن في انتظار انتزاع روحه من جسده بسفرها المحدد اليوم مع عائلتها الى الوجه القبلي وبلدتهم.
نظر الى ساعة يده شاعرا بأن الوقت تأخر عن الميعاد الذي ذكره له العم ابوليلة، ومع ذلك لن يتصل او يستعجلهم حتى لو اضطر للغياب من عمله اليوم او حتى فصله، على امل تراجعها والعودة الى عقلها وحبيبها الذي ذابت اعصابه واحترقت خشية عدم رجوعها اليه مرة اخرى، او نسيانه واعتباره صفحة وانطوت من حياتها..
دوى صوت جرس المنزل فجأة يفصله عن شروده، ليبتلع ريقه، ويجسر نفسه بالآيات القرآنية ليتماسك، ثم ينهض كي يفتح الباب، فيصطدم برؤيتها امامه، حتى كاد ان ينبت الامل بداخله، لولا تدخل والدتها تقطعه من البداية:
– صباح الخير يا شادي يا ولدي، احنا جايين نلم حاجة صبا في الشنطة لاجل ما نسافر، معلش لو اتأخرنا عليك.
ابتلع غصته ليومي برأسه ، فينزاح بجسده مشيرا بذراعه للداخل:
– اتفضلي يا خالة زبيدة، انتوا مش محتاجين عزومة، دا بيتك اصلا يا صبا، ولا انتي نسيتي ؟
توجه بالاخيرة بقصد نحوها، ولكنها تجاهلت، وقد بدا من هيئتها عدم اتزانها، لتدفعها والدته فتدخلها بصعوبة داخل عتبة المنزل ، تردد لها بتحفيز:
– اتحركي يا صبا، مش هجعد اليوم كله اتحايل فيكي.
خرج صوتها هذه المرة باهتزاز وارتجاف:
– وتتعبي وتحايلي ليه؟ ما انا جولتلك لمي اللي تلاجيه في الشنطة وخلاص.
حزمت زبيدة لتجذبها من يدها وتسحبها معها للداخل:
– عايزاني اهبش وخلاص في حاجتك والهدوم ، جولتلك مية مرة، محدش هيعرف حاجتك اكتر منك، اتحركي يا غلب السنين اللي مستنيني،
استطاعت بقوتها ان تصل بها لداخل غرفة النوم، فيسقط هو بثقله على الاريكة التي كان جالسًا عليها من البداية، شاعر ببرودة تجمد أعضائه، زوجته الحبيبة تدخل غرفتها مرغمة،
ما الذي حدث لتصل الامور بهم الى هذه الحالة المأساوية؟ وكيف يأتي الامل مرة اخرى برجوعها اليه.
في غمرة شروده، دلفت شقيقته، لتدعمه كالعادة بحزن سكن داخلها من اجله، تمنع دموعها بصعوبة، لتُقبل خده ثم تتحرك الى مكان وجودهم، حتى تراهم وترى زوجة شقيقها قبل السفر .
القت التحية وقد وجدت صبا واقفة على قدميها بتوتر، تشير فقط بإصبعها نحو والدتها التي رصت على الفراش عدد من ملابس ابنتها بكافة الأنواع، وأشياء انثويه تخصها، استعدادًا لوضعهم داخل الحقيبة.
– صباح الخير يا خالتي زبيدة، صباح الخير يا صبا عاملة ايه النهاردة؟
قالت الأخيرة تقترب منها وتضمها اليها بسماحة، رغم ما تحمله من عتب نحوها لحالة شقيقها.
اومأت صبا ترد بصوت خفيض مبحوح، فقد كانت تكتنفها حالة من التوتر غير عادية:
– الحمد لله على كل حال، كويسة.
– ونعم بالله .
تمتمت بها رحمة، قبل ان تلتف نحو زبيدة تعرض عليها:
– تحبي اساعدك في حاجة يا خالتي.
اومأت لها المرأة بموافقة، لتتحرك نحو الزاوية الفاصلة بين خزانة الملابس والجدار ، تسحب السلم الحديدي قائلة:
– حاجة بسيطة خالص يا حبيبتي، عايزاكي بس تمسكيلي السلم اجيب شنطة السفر الكبيرة، من فوق الدولاب .
اقتربت رحمة تعترض:
– لا يا خالتي، خليكي انتي وهطلع انا .
– والله ما يحصل، هو انتي فاكراني كبرت يا بت؟
قالتها زبيدة بإصرار لتصعد دون انتظارها، فتضطر رحمة لتسنده على الفور بذراعيها مرددة:
– يا باي على دماغ الصعايدة، هو انا جيبت اساسا سيرة السن يا ولية انتي؟ ولا عايزة بس تركبيني الغلط؟
ضحكت زبيدة لتشب بجسدها الهزيل، تتناول الحقيبة من فوق سطح خزانة الملابس، فتحاول جذبها اليه حتى لهثت بياس من ثقلها:
– دا انا شكلي كبرت صح، بجى حتة شنطة اغلب فيها يا ناس.
عقبت رحمة بشيء من ثقة:
– ما قولتلك يا ست، انزلي انزلي وانا اطلع اجيبها.
– وانا جولت لاه، اثبتي انا هجرب تاني
رددت بها زبيدة، وقد غلبتها روح العناد لتجدد رفضها وتحاول مرة اخرى، حتى مالت بوقفها وكادت ان تسقط لولا تشبثها بحافة الخزانة، لتصرخ عليها رحمة:
– يا خالتي الله يخليكي، براحة على نفسك بقى انا قلبي خفيف ميتحملش، انزلي بقى، وبطلي عِند.
– سلامة جلبك يا حبيبتي، معلش مش هتعبك تاني ان شاء الله و…
قطعت زبيدة وقد شعرت بشيء ما ملتصقًا بحافة الخزانة، لتركز حتى خلعته من مكانة تتطلع به داخل كفها متمتمة بهلع نحو ذاك الذي اللي كان ملتصقًا بسطح الخزانة. .
– ايه اللي في ايدك ده يا خالتي؟
كان هذا سؤال رحمة التي هالها الجزع الذي ارتسم على ملامح المرأة بوضوح، لتميل اليها تعطيه لها بيدها كي ترى ما عثرت عليه بالصدفة، فتنقل بنظرة متحسرة على ابنتها التي كانت ترتجف والدموع تهطل منها بغزارة،
– خدي وشوفي بنفسك يا بتي.
تناولته رحمة وكان اول رد فعل لها، بأن لطمت بكفها على صدرها، وصرخة زعر تصدر منها:
– يا مصيبتي….. دا عمل.
الفصل الخامس والعشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الخامس والعشرون 25 بقلم امل نصر
لم أكن أبدًا مخيرًا
ولم أملك الارادة للتغير
أجبرتني قوة ما على فعل ما لا أطيق، وما لا أريد
كم حاولت التنصل والهروب ولم أتمكن
ربما كان خوف، وربما كان سوء تقدير، وربما كانت مراعاة لشيء عزيز!
ولكن في النهاية كنت انا الخاسر الأكبر
تلك الخسارة التي استمرت معي حتى حينما وجدتها،
اخترت الفوز بها في الظلام، ليتضح لي ان معارك الابطال لا تصلح إلا في ضوء النهار.
❈-❈-❈
داخل غرفته، استيقظ من نومه العميق مجفلًا على صوت المرأة التي نادرًا ما تدخل اليه، رغم طول عشرتها لأهل المنزل، تلهث في ندائها عليه بما يظهر الامر الجلل:
– رياض يا بني، قوم الله يرضى عنك، قومي يا حبيبي شوفي المصيبة اللي شكلها هتحط على دماغنا لو ملحقتاش، استر يارب .
اعتدل بجذعه لوح بكفه امامها متسائلًا بصوت متحشرج، وملامح اصابها الجزع:
– في ايه؟ ايه اللي حصل؟
ردت نبوية تستند على قائم السرير واضعة يدها على موضع قلبها تجيبه بصوت متقطع:
– نجوان هانم يا بني، لا موجودة في اوضتها ولا في أي حتة، دولابها مفتوح، وشكلها لبست هدوم الخروج، وخرجت مع نفسها.
تمتم بانفعال ينهض منتفضًا
– مع نفسها ازاي يعني؟ انتي بتقولي ايه؟
لم تعد تتحمل المرأة التي ظهر عليها الاعياء لتسقط جالسة على الفراش :
– والله ما اعرف، انا تعبانة اصلا من امبارح ، والهانم والدتك محدش بيعرف اللي في دماغها ، حتى بعد ما خفت، انا رجلي مش شايلاني والله، ومش حمل ادور تاتي عليها، روح انت يا بني، واسأل الحراس يمكن حد فيهم لمحها، انا لفيت البيت كله مع الخدم حتى البدروم، مسبناش حتة.
أظلمت ملامحه بغضب مخيف، كم ود ان يصب غضبه بها بتهمة الاهمال، ولكن هيئتها هي ما اجبرته للتغاضي، اشفاقا عليها، ليتناول هاتفه متجهًا نحو الخارج متمتمًا:
– هروح ادور انا كمان وانتي كلمي عم علي يروحك ، ترتاحي، أكيد هنلاقيها، هتكون راحت فين يعني؟
❈-❈-❈
والى بهجة التي كانت تنظف مع اخوتها المحل الجديد في مواصلة للتنظيم وفعل الأفضل، في هذا الوقت المبكر من الصباح، استغلالًا للعطلة الاسبوعية لها من العمل .
وفي ظل انهماكها في العمل اتاها اتصاله، حتى انها تحركت تبتعد عن اشقائها، حتة اجفلها بسؤاله، ليخرج صوتها بهلع:
– لأ مجاتش عندي والله……. يا نهار ابيض، يعني كمان مش موجودة عندكم في الفيلا؟! مال هتكون راحت فين بس؟……. طيب ، طيب انا جاية حالا عشان اطمن عليها بنفسي .
انهت معه المكالمة لتتحرك نحو حجابها ترتديه على الفور، ف التف اشقائها حولها بالأسئلة الفضولية:
– مين يا بهجة اللي ضاعت؟ وانتي رايحة فين دلوقتى؟
اجابتها بملامح ارتسم عليها الزعر:
– نجوان هانم، بيقولوا مش عارفينها راحت فين؟ انا رايحة اطمن عليها بنفسي، مش هقدر اقعد واستنى .
وما همت بأن تتحرك ، حتى تشبثت بها عائشة:
– انا كمان هروح معاكي، لازم اطمن على نوجة بنفسي.
اعترضت بهجة رغم الشفقة التي اصابت قلبها حينما رأت حزنها شقيقتها ورعبها :
– مينفعش يا عائشة، حد فيكم يفهمها الله يخليكم
توجهت بالاخيرة نحو شقيقيها الاخران، فتحركت على الفور الصغيرة التي سالت عيناها بالدموع:
– روحي يا بهجة واحنا هنبقى نتابع معاكي اول باول.
سمعت منها لتتحرك نحو الذهاب، وفور ان امسكت بمنقبض الباب حتى التفت اليها تطمئنها:
– خير ان شاء الله، طمني قلبك يا عائشة، نجوان دلوقتي غير بتاعة زمان، اكيد خرجت وهي محددة وجهتها كويس اوي، بس انتي قولي يارب
– يارب
تمتم الثلاثة وعائشة خرجت منها بالدموع.
اما عن بهجة والتي اتخذت طريقها على الفور نحو منزله، لتصل بعد اقل من ربع الساعة، لتتفاجأ به، على وشك ان يستقل سيارته، وفور ان ابصرها بعيناه توقف ينتظرها حتى أتت اليه، تسأله بلهفة:
– عرفتو مكانها؟
زفر يرد بصوت مختنق:
– اركبي يا بهجة، انا رايح اجيبها
– ليه؟ هي راحت فين طيب؟
عبس بصجر ليدلف الى السيارة يأمرها:
– بقولك اركبي يا بهجة ولا عايزة تستني هنا براحتك .
قالها وهم بإشعال محرك السيارة، لتنضم هي على الفور بجواره، فينطلق سريعًا للخروج من المنزل والذهاب الى وجهته، ثم قال
– الحراس الاغبية، شافوها بتخرج بالعربية ومحدش فيهم قدر يمنعها، لولا انا عملت اتصالاتي بإدارة المرور مكنتش ابدا هعرف هي راحت فين؟
– فين يعني؟ طمني الله يخليك
سألته للمرة الثانية، بعد وقت من الصمت التزمت به بصعوبة، لتتفاجأ بامتقاع ملامحه، يزفر بعنف وبهيئة لا تبشر بخير
❈-❈-❈
بداخل ذلك القصر العظيم
خرجت من غرفتها تتعكز على عصاها، بخطوات بطيئة وتيدة ، نظرا لمجموعة الامراض التي اضاعت صحتها،
تبحث بعيناها يمينًا ويسارًا حتى وجدتها امامها، جالسة بهيئتها الفاتنة ، مصففة شعرها الحريري ترتدي ملابسها الراقية، تذكرها بهيئتها الطبيعية من قبل سنوات مضت ، وكأن العمر لم يمر عليها ولم يترك اثرن كما فعل معها.
وصلت اليها لتردد بدهشة:
– معقول! دا انتي فعلا يا نجوان، انا مصدقتش البنت الشغالة لما قالتلي عن هويتك
ابتسامة باهتة اعتلت محياها ، لتعقب على قولها:
– لا صدقي يا بهيرة، انا خلاص رجعت للدنيا، ولحقي منها.
شددت بالاخيرة عن قصد، لتقطب بهيرة وهي تجلس عل الكرسي المقابل لها مرددة:
– دي شيء يسعدني اكيد، انك ترجعي وتكلميني زي ما بكلمك كدة، من غير ما تكشي في نفسك ولا تخافي، بصراحة منظرك كان مزري اوي طول السنين اللي فاتت .
لم تتغير، هي شقيقتها بطبيعتها القاسية، والغير مبالية لن تتغير أبدًا، هذا ما طرأ بعقل نجوان اثناء حديث الأخرى، ليأتي الرد منها بسخرية:
– ياااي تلاقي منظري كان بشع، شعر منعكش بقى وتصرفات مجانين،
زمت بهيرة فمها بضيق واضح، فطريقتها ف الحديث، لم تعجبها، تذكرها بالشخصية القديمة وعنادها الدائم معها، فتباغتها بقولها:
– خدتي قصر بابا وعايزة تعمليه مقر لجمعياتك والمنظر الاجتماعي المقرف بتاعك ليه يا بهيرة؟
– منظر اجتماعي مقرف!
تمتمت بها المذكورة بعدم تصديق تردف:
– الظاهر ان عقلك لسة مخفش كويس يا نجوان، ايه الوصف المستفز ده؟ شوفتيني بعمل حاجة مخلة؟ ثم كمان تعالي هنا، مين اللي قالك الكلام ده من اصله؟
ابتسامة جانبية لاحت بطرف ثغرها تجيبها بغضب مكتوم:
– انا مش مستنية حد .يقولي، لأني روحت بنفسي وشوفت الشغل في قصر المرحوم بابا، الورث ما بيني وما يينك، ولا اليافطة المحطوطة في جمب لوحدها في الجنينة ، لجمعيات الواجهة الاجتماعية الزائفة،
بدون فايدة حقيقية للبشر، بتستغلي ظروفي الصحية يا بهيرة وتورثيني بالحيا
زفرت الاخيرة لتطرق بعصاها على الأرض الصلبة بعنف:
،-،وقفي شوية بقى واديني فرصة اكلمك، ثم كمان انتي مالك بيه؟ هو انتي كنتي عايزاني افصل سيباه كدة مهجور والغربان تعيش فيه، انا عملت كدة اجدده وارممه، وارجع العهد القديم لشوكت باشا ، ولا انتي بابا كان ايه في زمانه؟
– انا مش فاكرة غير واحدة بس يا بهيرة، جمعيات البر والتقوى بتاعتك تقدري تنفذيها في اي مكان من املاك المرحوم جوزك، او تشتري انتي في الحتة اللي تعجبك، لكن تستغلي انتي اسم بابا، عشان تفتخري بأصلك قدام الناس وتحسسبهم دايما انك أعلى منهم، دا لا يمكن هسمح بيه.
اشتدت التعابير المجعدة، وقد لاخ الغضب جليًا عليها، ليصدر ردها بدهشة لا تخلو من استخفاف:
– ايه القوة دي يا نجوان؟ اللي يسمعك كدة، ميصدقش ان دي الست اللي طار عقلها لسنين فاتت عشان صدمة اتعرضت لها من حب عمرها…..
– واديكي عرفتي بنجوان الجديدة.
صاحت بها مقاطعة بحدة، تفاجأها بحزمها ، كي توقفها
عن الاستمرار في بث سمومها
فدلف على الصوت رياض يدخل بخطواته السريعة والمتلهقة نحو والدته:
– ايه اللي حصل؟ صوتك عالي ليه يا ماما؟
تلقفت بهيرة مجيئه كالنجدة لها:
– رياض حبيبي تعالى شوف والدتك، بتتعصب على سبب تافه، باينها لسة تعبانة…
– مش تعبانة يا بهيرة، انا خلاص خفيت ورجعتلك.
هدرت بها بتحدي واتفعال جعل تلك التي دلفت خلفه ، تتقدم نحوها بقلق:
– براحة على نفسك يا نجوان هانم، العصبية مش كويسة عشانك.
انتبهت بهيرة لتلك التي اقتربت من شقيقتها، تربت على يدها وتهادنها بحنان امتصت به غضبها، في إشارة واضحة لمعزة هذه الفتاة اليها وبإزدراء واضح طالعتها من أعلى لأسفل مضيقة عينيها، وكأنها تستعيد برأسها المواصفات التي ذكرتها امامها قبل ذلك لورا، لتتفوه بالاسم وكأنها تسألها:
– انتي بهجة؟!
– ايوة انا بهجة.
ردت تجيبها بدهشة بالغة تتبادل النظرات معه ومع نجوان التي تحفزت بريبة تحولت لغضب مع قول شقيقتها:
– الجليسة الجديدة اللي سمعت عنها…..
توجهت بأبصارها نحو رياض تخاطبه بتوبيخ:
– ودي صفتها ايه دي عشان تجيبها بيتي؟ لورا راحت فين؟ ولا نبوية حتى؟
أجفلت بهجة لفظاظة المرأة المتكبرة، حتى انها لم تستوعب جيدا إلا بعد الصيحة العالية التي صدرت من نجوان في ظاهرة لاول مرة تراها بها منذ شفائها، تسبق ابنها:
– وهي جاية عشان تضايف عندك ، دي جاية عشاني انا، يا صاحبة الزوق العالي، يا هانم يا بنت الأصول.
كان هذا قولها، ليضيف هو بعروق منتفضة، ضاغطًا بصعوبة على الا ينفجر:
– ع العموم احنا اسفين يا بهيرة هانم لو أزعجناكي، انا جاي اساسا عشان اخد والدتي، وهنمشي على طول، ياللا يا ماما .
نهضت نجوان استجابة له، لتشرع بالذهاب مع بهجة التي مازالت تلفها الصدمة، ف أتى قول الأخرى تلطف مع الوحيد الذي يهمها امره:
– رياض…… أكيد انت عارف بغلاوتك عندي، بس لازم تقدر موقفي يا حبيبي، ما هو مش معقول كل من هب ودب نسيبه يدخل حياتنا وياخد علينا، دي آخرها كانت استنت في الجنينة…….
– كفاية يا بهيرة هانم.
صرخ بها، يقاطعها بحدة ، ليأتي دور بهجة هذه المرة، في رد على عدائية المرأة نحوها:
– اسفة يا هانم لو وسخت لك القصر المعظم، وليكي عليا بيتك ده مخطهوش تاني .
– حقيقي انتي انسانة بشعة وعمرك ما هتتغيري؟
كان هذا رد نجوان ، لتقابلها الأخرى بابتسامة مقيتة تذكرها بجرحها القديم دون ذرة رحمة.
– وانتي عايزة تكرري قصة نريمان من تاني .
تردد الاسم بأسماعها ، لتهتز بوقفتها وكأن مطرقة ضربت رأسها، بمشهد جعل الاثنان يتوجسان خيفة عليها ومنها ايضا، حتى ثارت، تنوي الهجوم عليها وبصوت كالصراخ :
– وانتي معندكيش قلب، وعايزة الكل يبقى زيك، عشان ملقتيش اللي يحبك يا بهيرة، حتى جوزك…..
كانت تتقدم نحوها بهياج، وكأنها تريد الانقضاض عليها ، لولا بهجة وولدها الذان شكلا حاجزًا امامها، يمنعاها من الاقتراب منها، وهي تواصل:
– جوزك يا بهيرة اللي اتلخبط ما بينا في اول زيارة لبيتنا واهله مكلمينه عنك، لما شافني انا كان عايز يغير رأيه….. ومن يوميها وانتي بتكرهيني يا بهيرة عشان عمره ما حبك…… فضلتي دايمًا حطاني السبب، مع انك لو حاولتي وكنتي انسانة طبيعية زينا كان اكيد حبك، لكن انتي انسانة متكبرة، فضلتي تعامليه من برجلك العاجي لحد ما طق ومات منك……
قطعت حينما رأت تأثير الكلمات عليها، وقد تغضنت ملامح الأخرى بأسى، حتى ارتعشت ثغرها الذي تزمه كخط رفيع، وغامت العينين القاستين بدموع نادرة، لتشفق هي وترتخي ذراعيها فتردف بحزن وأسف:
– وجعتك صح، عشان تجربي وتدوقي من نفس الكاس يمكن تحسي زي بقية البشر …… مع اني منظش….
تقطعت الكلمات الاخيرة لتصمت بعدها وتقع مغشي عليها بين ذراعي ابنها الذي لحق بها قبل ان تصل الى الارض ، فصرخت بهجة بجزع:
– نجوان هانم .
❈-❈-❈
طرق على باب غرفتها، بعدما استأذن من والديها الذان تقبلا الأمر بترحيب تام، ليأتي الاَن دوره، ويدفع الباب بخفة بعدما سمع صوتها الناعم تناديه بإسمه:
– ادخل يا شادي .
دلف اليها ليجدها تنهض عن سجادة الصلاة، تضع المصحف الكبير على حامله، فتوقف هو يتأملها، وقد اضفى الاسدال بألوانه الزاهية بهاءًا على البشرة التي اصبح يعود اليها لونها الطبيعي، وينقشع عنها اللون الباهت،
مطرقة رأسها بخجل، ترفض رفع ابصارها نحوه، بعدما عاد اليها وعيها وعرفت من احاديث والدتها الأشياء التي كانت تقوم بها على غير ارادتها.
كم ود ضمها الاَن بين ذراعيه بقوة، حتى يسمع بصوت طقطقة العظام بين يديه، علٌه يخفف شيئًا من شوقه اليها، ولكن لابد من الصبر.
– عاملة ايه النهاردة يا صبا؟
سأل وأقدامه تخطو للأقتراب منها على تردد، لتأتي إجابتها بصوت خفيض:
– الحمد لله، يوم عن يوم، بتحسن اكتر.
ابتلغ يستجدي من الله الثبات امام رقتها وجمال هيئتها تلك ، مواصلا حديث روتيني:
– ااه لسة ماشية على تعليمات الشيخ، وبتنفذيها؟
اجابته بحماس هذه المرة:
– ايوة والله، وكمان مداومة على قراءة القرآن على طول، مش بس ع السور اللي نبه عليها الشيخ، انا كل ما ازود احس بارتياح اكتر .
سألها بقلق :
– طب ووجع البطن لسة برضوا ولالا
– لا الحمد لله
تمتمت بها سريعًا لتردف:
– لدرجة احيانا مش بصدج نفسي وانا باكل وبشرب طبيعي، وبنام طبيعي وبصحى طبيعي، الحاجات دي كلها كنت محرومة منها ، بس الحمد لله.
ردد خلفها بارتياح متعاظم وعيناه للسماء:
– الحمد لله، الحمد لله.
تطلعت اليه بتساؤول، اثار فضوله للإستفسار :
– ايه بتبصيلي كدة ليه؟
ردت تجيبه بحرج؛
– اصلك متكلمتش ولا جولت تعالي يا صبا….. يعني عشان ارجع بيتي.
اسعده عبارتها الاخيرة، وهي تخبره بها بنبرة عادية، دون قصد منها، ليجيب ابتسامة شملها الاضطراب:
– انتي مش محتاجه دعوة يا صبا للرجوع لبيتك، انا بس سايبك تخفي من غير ضغط، دا غير اني قاصد ااجل رجعتك
– زي ما نبهت ان محدش يجيب سيرة عن العمل واني ربنا نجاني لما انفك عني
قالتها بفراستها التي يعلمها عنها ، والتي لطالما اثارت اعجابه بها، ليوضح لها عن السبب الحقيقي:
– كدة احسن يا صبا، عشان اقدر اكشف اللي عملها، ما لو انا اهملت او سكت عن حقي، هيكررها تاني، وانا لا يمكن اكرر غلطتي.
❈-❈-❈
دلف الى داخل الوكالة التي هادئة الحركة فيها في هذا الوقت من الصباح الباكر، عائدًا من سفرته بعد اسبوع لم يكمله رغم تخطيطه المسبق في اخذ إجازة شهر عسل كامل او ع الاقل اسبوعين، وسوف يختلق الحجج في تبرير غيابه بعد ذلك ، ولكن ما حدث…..
– ايه ده انت وصلت يا بابا، حمد ع السلامة، انت رجعت امتى من سفرك؟
خرج السؤال من ابنه سامر بعدما انتبه الى وجوده، اثناء ما كان يراجع على عدد من دفاتر البيع والصرف
فجاء رد خميس بصوت كالغمغمة:
– ركبتي عربيتي خمسة الصبح يا خويا، عشان اوصل على ميعادي، ما انا عارف الهم اللي مستنيني
تعجب سامر من هذه اللهجة المتذمرة، ولكنه تغاضى انزاح بجسده عن مقعد المكتب، ليجلس خميس محله، وانتقل هو للكرسي المقابل للمكتب يتحدث بفضول:
– وعلى كدة بقى خلصت كل الطلبيات اللي كنا عايزينها مع التجار؟
– طلبيات ايه؟
هم ان يتمتم بها، لكن سرعان ما استفاق متذكرًا، السبب الذي تحجج للسفر من اجله الى خارج المحافظة:
– ااا طبعا خلصت واتفقت وكلها كام يوم وتوصل العربيات ع المخازن.
– طب كويس، بس انت قولت ان احتمال تتأخر لأسبوعين لو شبط فيك قريبك يقعدك عنده.
قالها سامر غافلا عن وجه والده الذي احتقن بالغيظ لتذكيره بالخيبة وجد نفسه عالقًا بها، لينفجر بع بعدم احتمال:
– يا خويا قولت ولا زفت، ما هو كان مجرد افتراض، لكن انا حسيت نفسي مش مرتاح، مقبلتش ابلط عند الناس ، فهمت بقى؟ قوم ياللا شوف شغلك ولا رص البضائع، دماغي قد كدة مش حمل كلام منك، قوم ياللا .
اجفل سامر من صيحته، لينهض على الفور، مذعنًا لأمره، رغم تعجبه من هذا الغضب الغير مبرر، ليرجع في الاخير ان الإجهاد الجسدي هو السبب.
اما عن خميس، ازدادت ملامحه بؤسًا، يستعيد برأسه ما صار في الايام الماضية.
منذ بداية زواجه، وبعد ان دفع المهر الغالي، وتم عقد قرانه على تلك الجميلة والتي كاد ان يطير من السعادة، يستعجل الوقت الى لحظة امتلاكها بعد خروج الجميع من الغرفة، رجل الدين واعمامها عيد وسعيد وزوجاتهم، فلم يتبقى سوى هو وهي.
(( حبيبتي يا صفصف، هاتي بوسة من الخدود اللي عاملة زي التفاح بالقشطة دي.
افلتت تبعد عن متنازل يديه تردد بدلال:
– لااا مينفعش.
– لأ ليه بس انتي هتغلبيني من أولها؟
ردد بها باعتراض يهم بالمحاولة مرة أخرى ، ولكنها اوقفته تلوح بكفيها امامه وبضحكة صاخبة بميوعة:
– يا راجل اهدى شوية……. امي هتدخل علينا وهيبقى منظرك مسخرة…..
سمع منها ليتجمد محله يعترض:
– وامك تدخل ليه ان شاء الله؟ هي ممشيتش مع عمك عيد وسعيد ولا ناوية تدخل معانا ؟
شقهة بمرح صدرت منها لتغمغم ردا على وقاحته::
– يا نيلك راجل، دا كلام برضو.
تحولت للجديد تردف وهي تنهض لتتجه نحو باب الغرفة:
– لسة الليلة قدامنا طويلة اعقل اتقل كدة، امي هتعرفك ع الولاد وهتنزل تاخدهم للدور التحتاني على طول ، عشان يخلالنا الجو
عادت اليه ابتسامته، فيتابعها بأدب تنادي على والدتها كي تأتي :
– هاتي الولاد وتعالي ياما، عشان يسلموا على عمو.
التفت في الاخيرة نحوه بابتسامة مغوة جعلت يسبهل في التطلع اليها حتى دلفت والدتها اولا تمسك طفلين صغيرين في عمر الثالثة والخامسة، فتح لهم ذراعيه فور رؤيتهم:
– حبايب قلبي ، تعالو يا ولاد.
تناولهم منها يقبلهم على الوجنتين ويضع اصغرهم على حجره ويداعب الاخر :
– يا حلاوتكم يا قطاقيطكم، حلوين اوي يا صفاء شبهك.
قال الاخيرة وراسه ارتفعت اليها ليصدم بطفلين اخرين، ولكن في عمر اكبر يقارب الثمانية والعاشرة، وقبل ان يسأل وجدها تقدمهم اليه:
– عزمي وحسين، ادخلو يا ولاد سلمو على عمي .
دلفو الطفلان يصافحانه، ليبطالعهم بدهشة، حتى اصبحت صاعقة حينما دلف الطفل الخامس او بالأصح المراهق ، والتي قدمته صفاء بأسم:
– ودا بقى بشير ابني البكري، خمستاشر سنة، يعني راجلي وضي عيني من جوا يا خميس ، سلم على عمه يا ولا .
وقبل ان يقترب الفتى صاح بها ينفض عن عقله الغفلة:
– استني هنا، هو انتي مش قولتي ان معاكي عيلين بس؟
ضحكت ببساطة تجيبه:
– يوه هو انت فهمت ايه؟ انا قصدي عيلين من الراجل التالت ، اما بشير دا من اول بختي، لكن حسين وعزمي من الراجل التاني
ارتفعت اصابعه الثلاثة امامه يردد بصدمة:
– انتي اتجوزتي تلت مرات قبلي يا صفصف؟ يعني الراجل الرابع في حياتك؟
– لا الخامس، حكم اول واحد كنت عيلة صغيرة وملحقتش اخلف منه .
بصوت ذهب منه فرد اصابعه الخمسة امام عينيها ، لتؤكد هي للمرة الثانية:
– ايوة خمسة وفيها ايه يعني؟ خدي العيال واطلعي بيهم ياما .
سمعت منها والدتها لتسحب الاطفال الصغار وتخرج معاها البقية، لتسارع صفاء في طمأنته:
– مالك يا خميس وشك اصفر كدة ليه؟ انا مش عايزك تقلق من حاجة خالص، العيال هينزلو يباتوا تحت مع امي، وانا وانت هنهيص في الدور دا لوحدنا، ايه رأيك بقى؟ اصحى بقى يا خمسينو الليلة ليلتنا .
استطاعت بدلالها ان تسحبه لحالته الاولي ، ليتحول الى طفل صغير معها، ويقضي ليلته متنعمًا بجمالها، ثم اذا اتى الصباح وانقشع الظلام، خرج الى المطبخ يفتح البراد كي يشرب، أو يصبر نفسه بشيء يأكله قبل الافطا، ليجده خاليًا الا من المياه، لا يوجد طعام ولا يوجد أي شي مما أتى به، حتى اذا صرخ بها يسأل اين ذهب الطعام وجدها تبلغه ببساطة.
– الولاد يا خميس، تلاقيهم جاعوا وطلعو ياكلوا ، دي حاجة مستهلة نباهة.
– يا نهار اسود، التلاجة كانت مليانة، فاكهة ومعلبات وفراخ ولحمة، كل دا راح فين؟ ثم كمان هما ازاي يطلعو كدة ويدخلو الشقة من غير خشا ولا حيا، افرضي… افرضي….
– افرض ايه، بلا حسرة.
قالتها لتلوي ثغرها باستخفاف وسخرية مبطنة، لتزيد من ارباكه:
– بلاش يبقى ظنك سو يا خميس، الحكاية مش مستاهلة اصلا القلق، ابعت لنا على دليفري، وشخشخ جيوبك شوية عشان ناكل احنا كمان، مش هم من كله.
وعلى هذا المنوال، استمر عدد من الايام في هذه الدائرة كلما اتى بطعام اختفى بسرعة البرق، ليلتزم بابتياع غيره، فلا يحق له الاعتراض، مقابل الدقاق التي يقضيها معها يدفع الاف الجنيهات، حتى انه اضاع حق البضاعة المتفق عليها مع التجار أكملها ليسحب نفسه اليوم من الساعة الخامسة صباحًا ويسافر قبل ان يستقيظ احد منهم ويتعرض للسانها اللازع ان اخبرها بخلاء جيوبه من المال.
فيجلس الاَن واضعًا يده على وجنته، ينعي حظه العاثر ، يتحسر على المال الذي ذهب مقابل لحظات معدودة حتى لم يعد يشعر لها بطعم الاَن.
❈-❈-❈
خارج غرفة الكشف ، يقطع الطرقة ذهابا وايابا بدون هوادة، يموت من القلق على الاولى، ويعصره الحزن على الثانية، لقد شهد بنفسه اليوم على اهانتها، وعجز لسانه عن الرد في ان يخبر خالته المتعجرفة بصفتها اليه، هي زوجته نعم زوجته، ولكنه لم ينطق بها، نعم نعم لم يجرؤ على النطق بها، لأسباب هو يعلمها، وهي ايضا تعلمها، إذن لماذا الغضب؟ لماذا هذه النيران التي تشتعل بداخله رغم؟ لماذا؟
سقط بثقله على احدى مقاعد الانتظار، يمسح بكفيه على صفحة وجهه، يزفر انفاس عالية وقوية، لم يعد يعلم بما يريد، وما كان يسير عليه قبل ذلك، لقد تغيرت خطته منذ ان رأها ، غيرت خطته وغيرت نهجه وغيرته هو نفسه…… لقد أصبح ضعيفًا، وهذا ما كان يخشاه دائمًا.
انتبه لخروج احدى الممرضات من الغرفة، وما هم ان يوقفها، حتى وقعت عينيه على المدعوة لورا ووالدتها، بخطواتها المسرعة نحوه:
– رياض، طنط حصلها ايه؟
– نجوان مالها يا بني؟
اضطر للرد على المرأة متجنبا النظر الى الأخرى:
– دلوقتي نطمن يا طنط، انتو سمعتو منين؟
– طنت بهيرة اتصلت بينا وبلغتنا، دي قلقانة اوي عليها وحزينة .
في رد صامت لها، التف بأعين تقدح شررًا، يحجم نفسه بصعوبة عن الانفجار بها، فإن كانت تظنه غافلا عن سبب العداء المباشر من بهيرة نحو بهجة والتحامل عليها من قبل رؤيتها….. فهي واهمة.
– مدام نجوان فاقت يا رياض باشا
كان هذا صوت الممرضة والتي اتت تخبره ليتحرك على الفور ويدلف اليها، ومن خلفه لورا ووالدتها، والتي بادرت الجميع تهرول نحوها وبصدق غلقه الصدق:
– حبيبتي يا نجوان، حمد على سلامتك يا قلبي، هو انتي بجد رجعتلنا، انا مش مصدقة عيني.
تبسمت الاخيرة لها بضعف، وبيدها التي اللتصقت بها ابرة المحلول، تقبلت مصافحتها، لتوميء برأسها تظهر استجابة للمرأة، التي صارت تذرف الدموع، بلوعة اشتياق الأصدقاء ، الشيء الذي انبت الامل في قلب ابنتها لتستغل بصوت واضح تريد لفت انتباهها:
– حبيبتي يا طنت نجوان، انا كمان وحشتيني اوي، ووحشتني قعداتك مع ماما، انتوا اكتر من الأصحاب.
لتنقل بنظرها نحو رياض الذي لم يعد مهتما بشيء بعد الاطمئنان على والدته، سوى التركيز مع هذه الجميلة والتي ما ان خرجت من الغرفة بجمودها وتجاهلها لها، حتى خرج هو الاخر وتبعها
– بهجة استني رايحة فين؟
هتف يوقفها بوسط الرواق ، يغلق باب الغرفة خرج منها ، لتلتف اليه تجيبه بلهجة عادية تمامًا:
– رايحة حمام السيدات
اقترب ليصبح امامها مباشرة يتمعن النظر بها جيدا وتلك الصفحة المغلفة لملامحها ، يريد ان يستشف منها أي شيء:
– طب انا عايزة اسألك الاول، انتي كويسة؟
اهتزت رأسها تدعي عدم الفهم :
– وانا هيكون مالي يعني؟ نجوان هانم هي اللي وقعت من طولها وتعبت مش انا .
علم انها ترواغه، وهذه إشارة تزيد من توتره، ليسرع في الدخول مباشرة فيما يريد الوصول اليه:
– انا بتكلم عن تصرف بهيرة معاكي، بلاش نلف وندور على بعض، هي كانت قليلة الزوق معاكي و……
– وعديمة الاحساس، ايه تاني يعني؟
قاطعته بها، لتردف المزيد للتوضيح:
– واحدة بالصفات دي حتى مرحمتش اختها اللي راجعة للحياة من تاني بعد غياب سنين، من غير ما تراعي انتكاسة ترجعها للأسوء هتوقع منها ايه مثلا؟
إجابة نموذجية اظهرت ثباتًا منقطع النظير، لتستطرد على نفس المنهج، امام التشتت الذي اعتلى ملامحه:
– على فكرة وقفتنا كدة في نص الطرقة شكلها مش حلو……..، عن اذنك بقى اروح حمامي، وانت ادخل اطمن على مدام نجوان، حتى مينفعش الناس لوحدهم، لورا هانم ووالدتها.
قالتها وتحركت على الفور، تتركه متجمدًا محله ينظر في اثرها بانشداه.
أما هي وفور ان وصلت لمرحاض السيدات، تغلق الباب عليها لتختلي بنفسها عن الجميع ، بعد وقت طويل من التماسك، ارتمت بثقلها تستند على حافة المغسلة ، تتنفس سريعًا، بصدر يصعد ويهبط بقوة، حتى اطلقت العنان لدموعها المحبوسة تتساقط دون توقف، لتكتم بقبضتها على فمها، تمنع الصوت من الخروج
الم الإهانة ليس بالهين، وما زاد عليه هو ان كل هذا كان امامه، سبب علُتها ومن بيده شفائها، كان بيده ايقاف المرأة بكلمة واحدة ، ومع ذلك لم يجرؤ
ولكن لما الحزن، اليس ما بينهم كان اتفاق، ليتها ما تم وما فعلت من الاساس، فما زادها القرب إلا وجعًا
❈-❈-❈
وفي قسم الشرطة، وبالتحديد داخل غرفة الضابط عصام والذي خرج منها مهرولًا على غير العادة والهاتف بيده:
– اوعي تتحرك من مكانك ، عينك عليه، انا جاي حالا دلوقتي.
لفت ابصار رئيسه أمين، والذي كان في طريقه اليه، ليهتف مناديًا باسمه:
– عصام انت رايح فين؟ عصااام
لم يلتفت اليه المذكور، حتى اوقف هو احد الزملاء يسأله:
– مدحت متعرفش عصام رايح على فين؟
– لا والله ما اعرف، بس اكيد طلعة مهمة يعني، مدام خارج بالشكل ده، ربنا يوفقه يارب.
اومأ له امين بصرفه بنظرة من عيناه، ليتوقف بزفر بقلق، مرددًا بما جال برأسه:
– ربنا يستر .
❈-❈-❈
والى مكان اخر
حيث كان مندمجًا في التفتيش داخل اغراض والده، بعدما وصل الى المنزل، في لحظة خاطفة متخفيًا ، يستغل غياب الرجل في هذا الوقت داخل وكالة العطارة خاصته، وبنساعدة والدته على غير اردتها ورغم توبيخها له:
– يا واد كفاية اللي خدته من درج الكمودينو، ابويا هيطين عيشتي يا ابراهيم
بأعين يكسوها الحمار، رفع رأسه عن الدرج الصغير الذي كان منهمكًا في محاولات فتحه بإحدى الادوات القاسية، يأمرها مبررًا فعله:
– هاتي ياما اي حاجة من المطبخ افتح بيها وبلاش كلامك الخايب ده ، ما هو ضعفك دا اللي خلاه ينفش ريشه علينا ويمنع عني اي قرش وانا في عز ازمتي، اقطع دراعي ان ما كان الدرج المقفول ده فيه مصيبة غير الفلوس، مدام مخبي المفتاح عنك وانتي مراته….
بنوع من التردد وقد اثار فضولها وحرك شيطان رأسها في المعرفة:
– برضو يا ابراهيم، ممكن كدة يغضب عليك اكتر، دا انا كنت ناوية ابعتله يجي يشوفك بعد ما فرحت قلبي بطلتك، يمكن قلبه يحن يا بني ويساعدك .
اصدر صوت شخير من فمه، ليردد بعنجهية رافضًا:
– وانا بقى مش عايز مساعدة ولا شحاتة منو، انا هاخد حقي من حبابي عنيه، ولا انتي فاكراني عامل المجهود كله، وجايلك متخفي زي الحرامية عشان اخد الرضا السامي من الباشا اللي بقى راميني من طول دراعه، وديني لاحصره على فلوسه عشان يمنعها عني تاني، روح هاتي سكين من المطبخ ولا مرزبة حتى، ياللا بسرعة.
صاح الاخيرة بحزم جعلها تذعن مجبرة لرغبته، لتتحرك على الفور نحو المطبخ رغم تذمرها ورفضها، ولكنها وما ان وصلت لداخل المطبخ حتى تفاجأت بدفع الباب بقوة جعلتها تخرج مهرولة لتفاجأ بهذا الضابط زوج الملعونة ابنة اختها يدلف بدون استئذان امرًا رجاله:
– خشوا دورو عليه وهاتوه حالا.
صرخت سميرة بأعلى صوتها من اجل نجدة ابنها وفي اعتراض صاخب على هجومه:
– يا مصيبتك السودة يا سميرة، هي حصلت كمان تهجموا ع البيوت من غير استئذان، هي دي اخلاقك يا حكومة، يا ناس تعالو شوفو يا ناس .
كانت تقصد من بفعلها الشوشرة والتشتيت وهو ما نجحت به الى حد ما تمنع الرجل من الدلوف نحو جهة القابع به، وهي غرفة نوم زوجها التي كان يبحث بها ابنها،
حاول عصام السيطرة على غضبه حتى لا يتهور على المرأة التي تتصرف بحماقة قادرة على أذية نفسها واذيته في عمله، ليهدر بها حازمًا:
– وسعي يا ست خلي الراجل يشوف شغله ، ولا ناخدك انتي مكانك ابنك احسن
صرخت تفرد ذراعيها الاثنان امامهم:
– اعملوها، اعمولها ما انتو قادرين، انا بقى مش هسكت وهجرسكم، عشان تنفضحوا قدام العالم يا ظلمة، يا ناااس حد يحوش الظلمة دول، داخلين على واحدة ست في بيتها لوحدها وعايزين يتهجموا عليها.
– يخربيتك، انتي اتجننتي يا ست انتي؟ ايه الهبل ده؟
صرخ بها عصام ، قبل ان يحسم برفع السلاح بوجهها هادرًا:
– ابعدي يا ست انتي من وشي بدل ، ما اخلي الامين يسحبك في ايده ، بتهمة مقاومة السلطة ابعدي بقولك.
ولكن وما انهى تهديده، حتى وصله صوت دبدبة فوف رأسه، واحد رجاله يصرخ :
– اللحق يا عصام باشا، الواد ابراهيم طلع فوق السطح .
ما كاد ينهي جملته حتى تحرك الاخير راكضًا بسرعة، يصعد الثلاث الدرجات بخطوة واحدة حتى وصل الى السطح، الشي، الوحيد التي ظهر امامه، وهو طرف قميص الاخر وهو يلقي بنفسه من احدى الجهات الاربع للمنزل، ركض عصام ليستكشف الامر، ليفاجأ بهبوط هذا الملعون على كوم كبير من الرمل، لينضم مع احد المجرمين امثاله خلف دراجة نارية ممسوحة الارقام، طارت به بسرعة البرق ، وكأنه كان على استعداد لذلك.
زفر عصام يتمام السباب والشتائم، متوعدًا في الاخيرة على القبض عليه في اقرب وقت، ولن يضيع الفرصة المرة القادمة .
❈-❈-❈
عودة الى المشفى
وقد جففت دموعها واغتسلت لتبدو في هيئتها العادية امام نجوان التي انتبهت اليها فور عودتها لتشير اليها بكفها كي تقترب امام السيدة وتلك المتعجرفة التي التقطتها فرصة للمشاركة وادعاء المؤازرة، رغم تململها، وحنقها المتزايد من تجاهل الاثنان لها.
رياض الذي لم يترك هاتفه اما بتلقي المكالمات، او الانشغال به ، اما نجوان فتلك حكاية وحدها، المرأة التي تطالعها بنظرات غامضة طوال الوقت، تصبح في منتهى الوداعة مع والدتها، او تلك الملعونة التي فتحت مدت لها ذراعها تدعوها للجلوس بجوارها وكأنها من باقي اسرتها.
– تعالي يا بهجة اقعدي جمبي
اقتربت ملبية الدعوة لتسحب الكرسي وتقربه اليها، ولكن الأخرى فاجأتها تشير بجانبها على الفراش الطبي .
– تعالي هنا يا بهجة.
هنا خرج صوت لورا فاقدة السيطرة على انفعالها:
– تقعد فين يا طنت؟ انتي عايزاها تتحشر جمبك ع السرير.
اافحمتها بفظاظة:
– اه انا قابلة.
ابتعلت لورا حرجها تنقل بنظرات ذاهلة نحو والدتها ورياض الذي اذعن لرغبتها بتفهم، رغم تعجبه الشديد من أفعالها:
– اقعدي جمبها يا بهجة، مدام هي عايزة كدة .
استجابت الاخيرة، لتصعد وتندس معها تحت الغطاء، جالسة بحذر، لتزيد من قربها نجوان وتضع رأسها على حجرها، مما اثار فضول والدة لورا للاستفسار:
– واضح انك بتعزي بهجة اوي، ولا شكلها حلت محل نبوية؟
تبسمت نجوان باسترخاء، وقد ساهمت اصابع بهجة والتي تخللت خصلاتها الحريرية بتدليك لطيف، في تهدئتها، لتخبر المرأة بثقة:
– نبوية حبيبيتي طبعا، دا متربية معايا في نفس البيت يا صفية، انما بهجة دي….
نقلت بنظرها نحو لورا بتحدي قبل ان ترسو على ابنها بنوع من الغضب المكتوم تردف:
– تبقي بنتي اللي مخلفتهاش، يعني اللي يزعلها يزعلني.
وصلت الرسالة، هذا ما استقر بداخله، فكلماتها الحادة كانت بقصد واضح له ولبهجة ايضًا التي غامت عيناها بابتسامة بدمعة تحتجزها بصعوبة، لتقبل رأسها بامتنان جلي ، زاد من حنق الأخرى، حتى صارت تغلي من الداخل، وعيناها تتابعه، تتمنى اي رد فعل منه يثلج صدرها بالاعتراض على هذه المهزلة ،
ولكنها الاخر لم يفعل، وقد اكتسى وجهه بشيء من حزن لم تفهمه، حتى قرر الانسحاب ، يستأذن الذهاب:
– طب انا هخرج اشوف الدكتور المسؤول عن حالتك، خليه يصرح لينا بالخروج عشان نروح .
قالها وتحرك نحو مخرج الغرفة، وما هم بفتح الباب ، حتى تفاجأ باندفاغه فجأة ودلوف اخر شخص يتمنى رؤيته في هذا الوقت.
– مساء الخير….. نجوان هانم ايه اللي حصلك بس؟
على الفور اعتدلت تستقبله بلهفة:
– دكتور عصام، اتفضل انا محتاجاك اوي .
– لا الف سلامة عليكي يا هانم، انتي تؤمري.
ردد بها متجها نخوها الى الداخل، ولكن الاَخر اوقفه،
– استنى عندك ، انت عرفت منين؟ ومين اللي بلغك اساسا.
تطلع الطبيب هشام الى قبضته على رسغ يده بقوة بتعجب، وتولت نجوان الرد:
– انا اللي بلغت الدكتور يتصل بيه؟ هو الوحيد اللي يعرف حالتي اكتر من اي حد
اهتزت رأسه بتشنج وغيظ يكتمه بتعاظم:
– يعني هو الوحيد اللي يعرف، هي المستشفى الطويلة العريضة، معقولة مفيهاش دكتور بيفهم، عشان….. عشان نزعج الدكتور ونخضه على حضرتك
تبسم المذكور بسماجة ينزع قبضته عنه، يرد. باستفزاز له:
– مفيش ازعاج طبعا، دي مدام نجوان دي عشرة عمر .
دلف يتبختر امامه يلقى التحية على السيدات ثم على بهجة التي تبسمت رغمًا عنها:
– اهلا بالهوانم اللي نورور المستشفى بطلتهم، وانتي بهجة عاملة ايه النهاردة يقى؟
ردت تجيبه بشيء رغم النظرات الحادة من الاخر لها، يحركها مكر الانثى التي تلتقط الفرصة في رد حقها:
– تمام يا دكتور، ربنا يخليك ع السؤال .
توسعت ابتسامة المذكور ليأخذ مقعده نحو الجهة التي تجلس بها بهجة، ليأخذه الحماس في ممارسة دوره الطبي، وإلقاء على الأسئلة على المريضة التي كانت تجيبه باستفاضة، وتستحيب لمزاحه، وكأنها تستمتع باحتراق الاخر امامها، والذي اصبح امامها كأسد محتجز في قفصه ، شاعرًا بالعجز امام صلفها المتعمد، غير ابها بهيئته امام المرأتين ، والدة التي كانت تستغرب افعاله، ولورا نفسها الي كانت لا تقل عنه احتراقًا، بهذه الغيرة المكشوف امامها
الفصل السادس والعشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل السادس والعشرون 26 بقلم امل نصر
أخطأت، نعم أخطأت
حين سلمتك قلبي وأنا اعلم بمكانتي عندك.
حين ضعفت فازداد تملكك
حين ارتخت حصوني وسمحت لك باقتحام اسواري
حين قبلت خوض معركة……… كنت أنا لست أهلًا لها.
لأرفع لك الراية البيضاء الاَن؛ اعترافًا بهزيمتي
❈-❈-❈
طوال طريق عودتهم، لم يحيد بعينيه عنها، داخله غليل مستمر، من وقت التقاءهم بهذا ال……. المدعو هشام وتباسطها مع حديثه ومزاحه على اتفه الأشياء، مستغلًا الدفاع المستميت من والدته عنه، وتمسكها به، مع وجود المرأتين في زيادة للضغط عليه، ومراعاة صورته امامهم، ليظل على حالته من الغضب المكتوم، يصبر نفسه، حتى سمح لهم الطبيب المتابع لحالتها بالخروج من المشفى.
ليأتي بها الاَن وتصعد هي معها حتى دثرتها في الفراش واطمئنت عليها حتى استسلمت لسلطان النوم بفعل الأدوية المهدئة ونامت.
وجاء وقت انصرافها، لتجده في انتظارها في الاسفل، بهيئة متجهمة تعلمها جيدًا، كما انها لم تكن بغافلة عن احتراقه طوال الساعات الماضية.
– خلاص اطمنتي عليها ونيمتيها؟
خرج السؤال بحدة واضحة، تغاضت عنها لتجيبه بنبرة عادية وهي تكمل سيرها للخارج:
– اه الحمد لله، العلاج المهدئ جاب مفعوله معاها، ياللا بقى خليها ترتاح وانا اروح اشوف اللي ورايا .
كانت على وشك ان تتخطاه ذاهبة ولكنها سبق ليجذبها من ذراعها بعنف ما يعتمل بصدره:
– استني هنا هتروحي فين وتسبيني؟
شهقت بخضة جراء فعلته، لتجد ظهرها التصق بالجدار من خلفها، وهو امامها بهذا القرب، وبصدر يصعد ويهبط بعنف، جراء تسارع الانفاس بداخله، وبصوت بدى كالفحيح:
– بتهزري وتضحكي مع دكتور الغبرة يا بهجة، وانتي عارفة كويس اني لا بطيقه ولا بطيق انك تردي عليه من الاساس .
تمالكت الشجاعة امام هجومه لترد بالمثل:
– وايه اللي يخليك مطيقهوش؟ ولا هو عمل ايه اساسًا عشان انا مردش عليه لو كلمني ولا هزر باحترام معايا ؟
– بلاش تستفزيني يا بهجة.
صاح بها بانفعال أشد، حتى خشت هي المواصلة لتصمت امام ثورته:
– يعمل ما يعملش انتي لا تردي ولا تستجيبي لهزاره، واللي عليكي تسمعي الكلام ومن غير مناقشة…..
ليه عايزة توصليلي انك مش فاهمة ولا حاسة بالنار اللي بتقيد جوايا امام اي حد يبصلك ولا يكلمك لغرض انا عارفه كويس بنفسه…… مية مرة اقولك اني راجل ، وافهم في نظرة الراجل اللي قدامي كويس اوي.
تبسمت بسخرية حين التمست الضعف في كلماته الاخيرة ، لتقارعه بالمنطق:
– لا واصلني اللي انت حاسه كويس اوي على فكرة، بس انا للي عايز افهمك، ان من حق الدكتور اي حاجة من اللي قولت عليهم ، مدام في إطار الاحترام والادب….. طول ما هو شايفني متاحة ومش مرتبطة، مش يمكن قصده شريف….
قاطعها ضاغطًا بكفه التي حطت على رقبتها، وقد كان فاقد السيطرة:
– اخرسي يا بهجة بدل ما اخلص عليكي، انا على اخري.
توقفت برهة امام عنفه لتردد بعد ذلك بصوت تهدج بألم :
– وانا قولت ايه غير الحقيقية، عايزه لو سأل عن حاجة تخص الهانم اعمل نفسي معرفش وانا اقرب واحدة ليها، انا الجليسة لنجوان هوانم لو تاخد بالك يعني؟
– خلاص يبقى بلاها.
نزلت ذراعيه لتضمها هذه المرة مردفًا برجاء:
– بلاها الشغل هنا ولا هناك يا بهجة، انتي تفضلي في مكانك ملكة وانا مستعد اعوضك باللي انتي تطلبيه.
– بس انا مقدرش ابعد عن نجوان.
– يعني ايه؟
جاء تساؤله بصدمة، لتجيبه هي:
– يعني انا خدته عهد على نفسي افضل مراعياها الفترة دي لحد اما يجي ميعاد البعد الحقيقي، ساعتها امشي ع الاقل وانا شبعانة من حنيتها ومطمنة عليها.
– البعد الحقيقي بتاع ايه؟
بدا امامها متناسيًا تمامًا لما يؤرق نومها ويمنع عنها الراحة، لتفيقه من غفلته، تنزع ذراعيه عنها مرددة:
– الافتراق المنتظر ما بينا يا باشا، ولا انت نسيت ان جوازنا مرتبط بمدة معينه ومش جواز طبيعي.
قال الاخيرة بحدة تقصدها، حتى اثارت شياطين رأسه، ترا الجنون يتراقص داخل عيناه، متوقعة رد فعل عنيف منه، على الرغم من انها قالت الحقيقة، ولم تخطيء بشيء، لتأتي النجدة من مدخل الباب، حيث صدح صوت دخول احد الأشخاص، لتظهر امامهم الدادة نبوية بخطواتها اللاهثة من أجل الاطمئنان على رفيقتها، فتقع عينيها عليهما، وتفاجأ بهذا الوضع المريب، بهجة ملتصقة بالحائط وهو الذي كان قريبًا بوقفته منها ، تراجع على الفور بخطوتين يبادر المرأة بأسئلته:
– مدام تعبانة، جيتي ليه بس يا دادة؟
– ما انا مجيتش وراها المستشفي، قلبي واكلني عايزة اشوفها بعيني.
رددت بها المرأة ولكنها لم تغفل عن لمحة الارتباك التي طغت عليه، ولكنه تدارك سريعًا يعود لطبيعته الباردة، أما بهجة والتي بدت بثبات التي لا يعنيها شيء، فقد تحدثت بنبرة واثقة:
– كويس انك جيتي يا دادة، هي كدة ساعة وهتصحى بعد ما ينتهي مفعول المهديء ان شاء الله، ياريت تتعشي معاها وتفتحي نفسها ع الأكل، هي أكيد هتقوم جعانة.
اومأت المرأة تجيبها بابتسامة مودة، تظهر ثقتها بها:
– من عيوني يا حبيبتي، روحي انتي ارتاحي، أكيد تعبتي اليوم كله.
– فعلا يا دادة…. تعبت اوي .
قالت الأخيرة بنظرة خاطفة بطرف عينيها نحوه، لتتخذ طريقها الى الذهاب مباشرةً، وظل هو ثابتًا محله، يراقب انصرافها بتجهم، وبداخله شيء لا يستطيع تفسيره، شعور يبدو…. وكأنه تلقى صفعة منها
❈-❈-❈
عاد من عمله يتجه بخطواته السريعة مباشرة نحو الطابق الاعلى حيث جنته ومصدر الراحة في حضن زوجته وصغيره؛ الذي اشتاق الى مداعبته بشدة، لكن وقبل ان يصل إلى الدرج استوقفه الاضاءة الخافتة داخل الردهة القريبة من غرفة والدته ، ليتفاجأ بشبحها على احد المقاعد التي كانت جالسة عليها، بصمت تام دون أدنى حركة وكأنها تمثال شمعي فاقدًا للحياة.
على الفور غير اتجاهه نحوها يحادثها بقلق:
– مساء الخير، مالك يا ماما قاعدة هنا في الضلمة لوحدك ؟
سمعت بهيرة ولم ترفع رأسها اليه إلا بعد برهة من الوقت، بملامح ازدادت تجعدا وعينان ذابلتان، يطل منها ضعف ابعد ما يكون عن شخصية والدته القوية دائمًا، والمتعجرفة في بعض الأحيان.
اهاله مشهدها، ليسقط على الكرسي المجاور لها يتابع استفساره عن السبب الذي أدى بها الى ذلك:
– ماما انتي ايه اللي جرالك؟ في حاجة تعباكي طيب ولا حد زعلك؟
خرج صوتها اخيرًا بنبرة خافتة يتخللها الحزن الشديد
– خالتك كانت عندي النهاردة يا مصطفي.
سألها بعدم تركيز
– خالتي مين؟
ابتسامة غريبة لاحت بثغرها وهي تخبره:
– خالتك نجوان يا مصطفى، ما هي فاقت ورجعت لعقلها من تاني ، متعرفش انت المعلومة دي؟
– انتي بتتكلمي جد؟ خالتي رجعت لعقلها من تاني! انا مش مصدق، معقول دا حصل وانا معرفش، معقول يا يا ماما انتي مش بتهزري معايا صح؟
ردد بها يظهر حماسه الشديد، لتعقب هي بشيء من ضيق:
– ايوة يا مصطفى خالتك اللي كنت بتحبها اكتر من أمك رجعت من تاني.
– ايه اللي بتقوليه دا يا ماما بس؟ اينعم انا بحب خالتو نجوان، بس مهما كانت معزتها يعني، عمرها ما هتبقى أغلى منك طبعا
لم تقتنع بإنكاره، فتاريخ الأخرى معه ومع كل من أحبتهم هي يثبت العكس، لقد كانت مستحوزة على حب الجميع، كل من يراها يقع بعشقها حتى الرجل الوحيد الذي اردته هي وكان من نصيبها، اولادها منه ، حتى الخائن زوجها، ايضًا كان يعشقها ولولا لحظة ضعف امام امرأة بجمال ناريمان لكانت استمرت زيجتها به وسعادتها معه، اما هي فقد كانت الخاسرة دائمًا امامها.
ضربت بالعصا على الارض بعنف تأتي باللوم عليه:
– خالتك اول ما فاقت للدنيا، فاقت عليا ، جاية تحاسبني على ترميم القصر ومضايقة اني عايزة احوله لجمعية خيرية، ما هو انت لو كنت اشتريت نصيبها من ابنها كنت قدرت اواجهها بقلب مليان، لكنك فضلت تماطلني وادي النتيجة.
اهتزت رأسه بعدم استيعاب، معبرا عن استيائه:
– ماما انتي بتقولي ايه؟ زعلانة عشان خالتو رجعت لعقلها من تاني وبتدور على حقها…. لا وبتأنبيني كمان ان منفذتش رغبتك، هو انتي مش فرحانة لرجعتها؟ معقول لقاءك بيها بعد السنين دي كلها وهي مغيبة عن الواقع كان كلام ع القصر وخناق على تحويله لجمعية……
صمت برهة يحدق بالملامح المغضنة بشيء غير مفهوم، ان كان غضب شديد او حزن، ليسترسل بعاطفة الاشتياق الشديد لها:
– مغلبكيش الحنين تحضنيها يا ماما؟ تسمعي لكلامها اللي بقالنا سنين محرومين منه؟
لا تنكر في قرارة نفسها انها بالفعل تاقت لكل ذلك وبشدة، ولكن شيئا ما منعها، ذلك الشيء الذي يجعلها دائمة التحفز امامها، فيسيطر على انفعالاتها معها، ولكنها ايضًا تشعر بالغيرة في كل يتفوه به ابنها الاَن.
– خلاص يا مصطفى، اديك عرفت ان والدتك قلبها قاسي حتى على اختها الوحيدة، استريحت دلوقتى.
قالتها تشيح بوجهها عنه الى الجهة الأخرى، وبكبرياء لا تتخلى عنه،
فنهض عن مقعده يردد بأسف من خلفها:
– مش مهم انا، المهم انتي يا ماما اللي تستريحي.
قالها وتحرك متابعًا طريقه، ليذهب من امامها، ويتركها في تلك الحالة التي ترفضها من داخلها ولكنها لا تستطيع السيطرة عليها، الحزن!
❈-❈-❈
في قسم الشرطة وداخل غرفة رئيسه، كان يتلقى الاَن التوبيخ منه بعد الخطأ الذي اوقع نفسه به:
– دي عملة تعملها يا عصام، كان لازم تنبهني من البداية وابقى على علم، بتنفذ وتخطط مع نفسك، فاكرني نايم على وداني ومش عارف بعيونك هناك، طب اهو بتسرعك دا كان سبب لهروبه، استريحت كدة بقى؟
غلبه الحماس يردد بتصميم ووعيد:
– لا طبعا مستريحتش ولا هستريح غير لما اجيبه واحطه في الحجز بإيدي، دا عهد عليا يا فندم ولا يمكن هتخلى عن تنفيذه.
عض امين على نواجزه، يكتنفه الغضب الشديد من أفعال تلميذه، رغم تقديره للحالة التي يمر بها ، ولكنه لا يستطيع التهاون مع شيء قد يضره ، ولن يسمح، ليصمت برهة يدور حول مكتبه حتى جلس على المقعد، يضع قدما فوق الاخرى يأمره:
– طب وان قولتلك شيل ايدك وسلم القضية لظابط تاني غيرك.
رد بالرفض سريعًا:
– اسف يا فندم مش هقدر ، القضية قضيتي وحقي وحق مراتي مش هتنازل عنه، حتى لو اضطريت اخلع البدلة الميري والبس مدني.
بانفعال شديد وقد اخرجه عن طوره المتماسك، ضرب على سطح المكتب بهدر به:
– وتضيع مستقبلك يا غبي، انت بتفكر ازاي يا بني آدم انت؟
تنهد بعنف يُقر غير ابهًا بأي شيء:
– تقدر تعتبرني كدة بالفعل يا فندم، غبي… لكن برضو مش هتخلى عن طريقة تفكيري اللي مش عجباك، وع العموم القرار في إيدك تقدر تعاقبني باللي سيادتك تشوفه صح، وانا مش هعترض.
لقد حسمها ولا سبيل لإقناعه، يُقدر ان معه الحق، ولكنه ايضًا يخشى اندفاعه، وصفة الانتقام التي تغلغلت به، لن يستطيع السيطرة عليها بعد ما حدث، سوى بالنيل من هذا الفاسد. ليعض على شفته السفلى بغيظ شديد يأمره.
– امشي غور من وشي يا عصام، امشي ياللا .
بابتسامة مسترة قام الاخير بتأدية التحية يجيبه بطاعة:
– تمام يا فندم.
قالها وتحرك ذاهبًا على الفور من امامه، يتركه في تخبطه والبحث في خطة بديلة للقبض على الفاسد الاخر الان .
❈-❈-❈
بداخل المنزل الصفيحي، صار يضرب بقدميه كل ما تقع عليه عيناه
– ابن الكلب كان قاعد مستنيني ومتربصلي ، وديني ما هحله من دماغي، دا انا ابقي مرا لو سيبته، بقى انا، انا ابراهيم ابن الورداني انط من ع الحيطة زي الحرامية، ولولا كوم الرمل كانت رجلي راحت فيها، وكل ده بسبب مين؟ بسبب الواد الطري ده
توجه بالاخيرة نحو هذا المدعو عزوز والذي كان متكئًا على الجدار بهدوء منقطع النظير ، يمسح بأظافره على سترته الجلدية المهترئة، ليرد بشيء من السخرية:
– طب براحة يا عم الجامد، حتتين العفش اللي عمال تكسر فيهم دول معنديش غيرهم، انا ابويا مش عطار كبير زي جنابك، انا ابويا معرفش طريقه اصلا.
كز على اسنانه ليهجم عليه بقبضتيه ممسكًا بياقتي سترته، وبفحيح ووعيد يعبر عما طرأ برأسه:
– ما هو انا لازم احط غلبي في حد دلوقتي، ومقدميش غيرك، ليه بقى؟ عشان حركة النهاردة تثبت ان الظابط ده عنده عيون هنا، في محمية الزفت بتاعتكم، الخيانة عند مين يا عزوز؟
صاح الاخير يدفع ذراعيه عنه، يظهر وجهه الحازم امامه:
– لا يا حبيي اصحي وفوق لنفسك، مش عاجبك العيشة هنا ولا شاكك في حد فينا، يبقى مع السلامة وطريقك أخضر، ما انا مش هتحمل تهزيقك ولا عنطزتك دي واسكتلك، دا انا ادب صباعي في عينك، انت مش كاسر عيني بحاجة، لا عنيا دا العكس، هنا مش امك اللي مدلعاك ولا ابوك اللي رمى طوبتك.
بذهول شديد ردد بعنجهية يسبه:
– انتي بتعلي صوتك عليا يا ابن الكلب.
– كلب ياكل مصارينك.
صاح بها عزوز ليتجه نحو الباب يفتح على مصراعيه يطرده بطول ذراعه:
– والباب اهو يفوت جمل، ياللا غور كدة ووريني عرض قفاك.
شرع ابراهيم بالتحرك والخروج بالفعل، ولكن الاخر استرسل يذكره:
– بس خليك فاكر، اللي بيخرج من هنا ملهوش راجعة، والمعلم الكبير معندوش ياما ارحميني في اللي يخرج عن طوعه بعد ما خلاص عرف سره.
ابتلع ريقه بخوف حتى برزت تفاحة ادم بحلقه، ليردد بدفاعية:
– بس انا مش هتكلم ولا اطلع سره، ولا انت ناوي تقلبه عليا يا عزوز ، ما انا عارفك واطي.
ضحك المذكور باستخفاف:
– ماشي انا واطي يا بن الأصول وسيبتلك انت التربية العالية، ع العموم الباب اهو مفتوح قدامك لو عايز تمشي، وانا جيبتلك الناهية، اما بقى لو هتعقل وتشغل عقلك كله برضو لمصلحتك، انا ماشي بقى عشان خلتني حرقت معاك كتير، عن اذنك بقى يا بن الورداني.
سحب نفسه وخرج على الفور، بعدما القى بالتهديد الذي يكبله ويقيده عن الاعتراض، وقد غرزت اقدامه في منطقة ألا رجوع .
❈-❈-❈
دلفت المحل الذي اصبح مزدحمًا بعدد الرواد مما اثبت لديها نجاح الفكرة ، بروح الحماس التي صارت تجدها من اشقائها في ممارسة العمل المحبب به، لتطفو السعادة على ملامحها وهي تتابع حركتهم بنشاط في مخاطبة الزبائن او الاشراف على العاملين معهم، لتلوح بكفها نحو شقيقتها جنات والتي كانت تدون طلبات احدى الطاولات، ثم واصلت نحو شقيقها الذي كان مندمجًا مع احد اصدقائه في مناقشة امر ما، لتقترب وتجلس بالقرب منه، حتى اذا انتهى التف اليها يعطيها انتباهه:
– اهلا بالبرنسيس، اتأخرتي يعني يا بيبة، هي نجوان هانم لسة تعبانة؟
أومأت بهز رأسها:
– لا الحمد لله اتحسنت طبعًا، بدليل ان الدكتور كتبلها على تصريح خروج، بس طبعا عايزة متابعة لان الانفعال مش كويس عشانها، وهي النهاردة اتعصبت اوي .
– ليه حصل ايه؟
سألها باستفسار فجاء ردها بإرهاق:
– يا عم سيبك بقى، اللي حصل حصل، حمد لله ربنا سترها وان شاء الله ياخد بإيدها، المهم دلوقتي البت عائشة فين؟ مش شايفاها يعني معاكم؟
تبسم يلتف بجذعه للخلف، ليشير بذقنه الى أحد الزاويا البعيدة يجيبها:
– اهي قاعدة هناك مع ابن عمتك شادي .
– شادي.
انتبهت بالفعل لوجود المذكور، لتستقيم بجسدها عن المقعد الذي كانت تجلس عليه في استعداد للتحرك نحوه:
– ودا من امتى هنا؟
– من يجي نص ساعة، سأل عليكي ولما عرف انك مش موجودة اضطر يستناكي.
– يا نهار ابيض طب مش تقول من الصبح .
قالتها بحرج لتتوجه نحوه مباشرة، والذي ما ان انتبه اليه نهض يستقبل مصافحتها:
– شادي باشا مشرفنا، المحل نور بحضورك. يا عم.
تبسم يتلقى مجاملتها بمودة:
– المحل نور بأصحابه، ربنا يجعلها عتبة خير ، انا شايف ان البداية مبشرة.
– بجد عجبك؟
سألته بلهفة، ليسارع بطمأنتها وعيناه تدور في الأجواء:
– بسم الله ماشاء الله، حاجة تفرح، وانا مش بقول كدة مجاملة على فكرة.
– ربنا يطمن قلبك
تمتمت بها بارتياح، لتنضم للجلوس معه ومع عائشة التي سارعت بسؤالها
– طمنيني على نوجة، عاملة ايه دلوقتى؟ انا كان نفسي اجي المستشفى، بس محدش فيهم رضي يوصلني من اخواتك.
قالتها بحنق طفولي اثار ابتسامة بثغر شقيقتها، وانتباه شادي الذي ضاقت عيناه بتساؤول:
– نوجة دي….. الهانم اللى حضرت الافتتاح، صح ولا انا غلطان؟
اومأت رأسها بموافقة ليتابع باستدراك:
– ووالدة…..!
توقف بمغزى فهمت عليه، لتتوجه نحو شقيقتها تخاطبها:
– نجوان هانم روحت بيتها وهي زي الفل دلوقتي، استني بس على ما تصحى من نومها وليكي عليا اتصلك بيها تكلميها بنفسك، مبسوطة يا ستي؟
– مبسوطة اوي.
تلقفت عائشة ردها بحماس، لتصرفها شقيقتها بعد ذلك وتختلي هي بالجلوس مع ابن عمتها، حتى يتمكن من الحديث معها براحة.
– انا قومت عائشة عشان عارفاك، وحاسة ان عندك كلام عايز تقوله.
تنهد بضيق يستجيب لمصارحتها:
– صح يا بهجة مع اني كنت جايلك في موضوع تاني يخصني بس بصراحة في حاجات تجبر الواحد انه يعترض، انا مش فاهم انتي ازاي قابلة تشتغلي عند والدته جليسة وفي نفس الوقت تبقي مراته، هو قابلها ، انتي راضية ازاي؟
تقبلت نقده بصدر رحب، لتجيبه؟
– هو مش قابل، انا اللي مُصرة، لأني بحبها، بحبها اوي، بالظبط زي عائشة كدة اللي متعلقة بيها .
زفر بتعب سائلًا لها:
– طب وبعدين؟ اخرتها ايه يا بهجة؟ الوضع ده لا يمكن يستمر على كدة.
– ما هو مش هيستمر اصلاً
كادت ان تبوح بها امامه ولكن امسكت لسانها لتجيد الرد عليه بالتهرب وبابتسامة تتصنعها:
– يا سيدي سيبها على الله، محدش عارف بكرة كاتب ايه؟ المهم خلينا في موضوعك انت؟ هي مراتك عاملة ايه الاول؟
تبسم معجبًا بمراوغتها:
– وبقيتي تعرفي تحوري كمان يا بهجة، ع العموم ماشي يا ستي مش هزنق عليكي، ولو ع الموضوع اللي عايزك فيه، فهو مرتبط بسؤالك عن مراتي .
– مالها مراتك؟
اعتلى تعابيره اضطراب واضح ليحسم بقوله:
– عايزة اكلمك عن حاجة حساسة يا بهجة، يمكن الاقي عندك حل، بس قبل ما انطق بحرف طالب السرية منك.
رددت على الفور بقلق انتقل اليها:
– سرك في بير طبعا يا بن عمتي، اتكلم وانا اكيد هفهمك ان شاء الله.
❈-❈-❈
– انا جيت يا عم الشيخ
صدح صوتها في داخل الغرفة التي تمتليء برائحة البخور الكثيفة، بعدما لبت دعوته وأتت بالفعل في ذلك اليوم الذي كانت تظنه إجازة، ولكنها اكتشفت غير ذلك ، حينما رأت عدد قليل جدا من الزبائن، يبدو ان لهم وضع خاص مع الرجل ليستثنيهم في هذا اليوم مثلها.
حتى انها انتظرت دورها لتدخل اليه الاَن وتلقي التحية، فيلتف اليه برزانته المعهودة يشير الى المقعد المقابل له كي تجلس عليه دون صوت،
أذعنت بطاعة تجلس مكان ما اشار اليها، بلهفة اعتلت ملامحها، تطالبه على الفور بعدم الصبر الذي يميزها به:
– هاا يا شيخ، حضرتلي المطلوب، انا مش عايزة اعوق عشان بقوا يزنقو عليها .
تبسم يمسح بأصابعه على اللحية الطويلة مرددًا:
– يا سلام عليكي يا سامية، مفيش فايدة فيكي، الاستعجال عندك حاجة غريبة
ابتلعت ريقها بيأس مرددة:
– خلاص يا سيدنا مش هستعجل، هسكت واستنى اهو .
عاد لابتسامته الغريبة لينهض مسمتعًا بطاعتها، فيغير جلسته، منتقلا الى الكرسي الاقرب اليها، ثم فتح كفه يده نحوها يأمرها:
– هاتي ايدك كدة يا سامية.
اذعنت بتردد تعطيها كفها ليقبض عليها داخل يده ثم رفع الأخرى ممسكًا بقلم ليدون بها على ظهر كفها عدد من العلامات التي لم تفهمها لتسأل بعدم فهم :
– اي ده يا سيدنا؟
رفع رأسه اليها قائلًا:
– مش انتي نفذتي كل اللي المكتوب في الورقة اللي عطيتهالك مبروكة المرة اللي فاتت ولا نقصتي منها حاجة؟
اجابت على الفور:
– كل والله يا سيدنا، ما نقصت ولا حاجة منهم.
بابتسامة جانبية ردد خلفها :
– خلاص يا سامية، يبقى الدور عليا انا دلوقتي، سيبني اكمل، ولا انتي عايزة توقفي؟
ورغم تعجبها الشديد لهذه العلامات الغير مفهومة، إلا ان الإجابة صدرت منها بالموافقة وبدون ان تشعر:
– كمل يا سيدنا.
❈-❈-❈
– يا نهار اسود عمل.
تمتمت بها بجزع وبصوت واضح خرج على غير ارداتها، ليسارع هو الى تنبيهها:
– وطي صوتك يا بهجة، انا كنت منبه عليكي من الاول بإيه بس؟
ابتعلت تتذكر تحذيره، لتخفض صوتها في التعبير عن صدمتها:
– متأخذنيش يا شادي، بس انا اتخضيت والله.
ردد بسخرية من خلفها:
– انتي اتخضيتي من مجرد السمع، امال انا ومراتي نعمل ايه؟ دا احنا شوفنا الويل يا بهجة، من اول ما العمل الشيطاني اشتغل علينا، ولحد ما لقيناه بالصدفة، اقسم بالله مسكته في ايدي ومكنتش مصدق، ولا مستوعب ان حاجة زي دي تحصل معايا انا واهل بيتي ، انا راجل ماشي في حالي اذيت مين عشان يردلي كدة؟ حسبي الله ونعم الوكيل.
ردد بها بحرقة شعرت بها لتسأله بفضول:
– طب وعرفتو تتصرفو ازاي بعد ما اكتشفتوه؟
– جيبنا شيخ ازهر يا بهجة، راجل مشهور عنه السمعة الكويسة والقوة، هو اللي ادانا التعليمات نتصرف ازاي معاه وساهم في علاج مراتي بالقرآن.
– طب وصبا عاملة ايه دلوقتي؟
– لو هنقارنيها بحالتها من اسبوع ، يبقى فرق السما من الارض، الحمد لله على كل حال، بس انا مش هسكت يا بهجة عن اللي عمل معايا كدة، ولازم اكشفه واخليه عبرة، المهم اعرفه، وعشان كدة شددت على الجماعة محدش فيهم ينطق بحرف؛
– طب انت شاكك في حد؟
ظهرت الإجابة بوضوح تعتلي ملامحه، في الرد عليها:
– بصراحة اه، اصلها واحدة بس اللي كانت بتدخل في غيابي انا ومراتي عن البيت غير اختي رحمة، ودي طبعًا بعيدة عن الشك.
– مين؟
– سامية بنت عمك.
توقع المفاجأة، توقع اعتراض منها، توقع دفاع عنها، اي شيء غير هذا البرود في تلقيها الشك منه في اقرب الناس اليها بصلة الدم، مما زاد من شكه:
– بهجة هو انتي كنتي عارفة ان البنت دي ماشية في الكلام ده؟
رغم عدم رغبتها في البوح، إلا ان اضطرت للإجابة تفصح عن السر الذي تحفظه بقلبها، علًه يأخذ احتياطه كما فعلت.
– انا معرفش سامية تعمل كدة ولا لأ يا شادي، لكني مستبعدتش عشان والدتها هي السبب الرئيسيي لتطفيشنا من البيت، بعد ما اتأكدت، وشوفت بنفسي الدليل، زي اللي انت مسكته في ايدك.
سمع منها ليردد بحرقة:
– يا ولاد ال…….. استغفر الله العظيم يارب، هي الناس دي متتعرفش ربنا، وانتي ازاي متقوليليش؟
– ويعني لو كنت قولتلك كنت هتعمل ايه يا شادي؟ المهم خليك انت في نفسك دلوقتي، والله انا لو بإيدي لاحبس مرات عمي وشيح الشوم اللي بينفذلها، قادر ربنا ينتقم منه.
– هو انتي تعرفيه؟
سألها بتحفز وانتباه شديد، ليجدها تجيبه ببساطة كادت ان تتسب له بأزمة قلبية:
– ما هو مفيش غيره يا شادي، الزفت اللي ساكن في الشارع اللي ورانا، دا راجل مربي سمعته ع النصب والدجل ولاقي من امثال مرات عمي كتيرر.
ظل لمدة من الوقت يطالعها بصمت وفقط، يكبح لسانه ع الانفعال عليها، لا يصدق الهدوء الذي تتحدث به في امر كهذا، شيء بمثل تلك الإهمية لا يقبل ابدا التهاون به، ليعود لعقله مقررًا بداخله التصرف بعمليه، ممسكا بهاتفه:
– قوليلي اسمه بالكامل يا بهجة بدل ما اتشل منك
طالعته يأتي بأحد الارقام يتصل عليها، لتسأله بعدم تركيز:
– طب وانت مالك بإسمه، وبتتصل بمين اساسا؟
لوح بقبضته امامها يضغط عليها بشدة، ثم يخبرها حتى تكف عن الجدال:
– هتصل بواحد معرفة في الداخلية، يخلص تاري بالقبض ع الراجل النصاب دا وفورًا، اما عن مرات خالي وبنتها فدول ملهمش دخلة عندي تاني، اللي يمشي في الكلام ده، حتى الكلام معايا متحرم عليه .
❈-❈-❈
مسطحة على الارض امامه، مستسلمة استسلام تام اليه، وهو يتابع بكتابة الأحرف الشيطانية على بشرتها ، والتي غيبتها عن الواقع واصبحت في عالم اخر لا تعلمه
كان قد انتهى من ذراعيها والجزء الاعلى من جيدها، يواصل على ساقها بتركيز تام، رغم تشتيته احيانا من أفعالها،
وقد اشتعلت بها الرغبة تمسح بكفيها وتناظره باستجداء، ليتبسم لها بتسلية:
– حاضر يا سامية هريحك خالص، بس نخلص بقى عشان منبوظش الشغل، ويبقى ارتباطنا للأبد .
وهذا ما كان برأسه ان تصبح ملك طاعته، حتى لو نفذ اليها رغبتها، يساعده جهلها على ذلك، هي وغيرها، هو لم يذهب اليهم، هم من أتو اليه، إذن فعليهم بدفع الثمن ، بوعيهم او بدون، في كل الحالات واحد، الم يعرفون من البداية هو مع من يتعامل؟!
وصل لأسماعه فجأة بعض الاصوات الغريبة من خارج الغرفة، وقبل ان ينهض ليستكشف الامر وجد الباب يدفع بعنف للداخل، ويدلف عدد من رجال الامن، فصدر التعليق باستغراب من اولهم:
– انت بتهبب ايه يا بني أدم انت؟
❈-❈-❈
مساءً
وحينما وضعت رأسها على الوسادة من اجل النوم، نظرت بهاتفها الذي اهملته عن عمد منذ عودتها من هناك، حتى لا تشغل بالها، او يحركها احساس الذنب كما حدث الاَن وقد رق قلبها لسماع صوته عبر الهاتف، تبًا.
اصبحت تعرف بنوبة غضبه ساعة التجاهل، ولكنها ايضًا لم تغفر له حتى الاَن موقف الصباح، إهدار كرامتها من قبل هذه المرأة المتعجرقة واهانتها امامه.
تعرف انها لا تملك الحق في عتابه بفضل هذا الاتفاق اللعين ولكنها ايضًا لا تستطيع التجاهل او التغاضي، نفسها العزيزة والتي كانت سبب بلاءها في الماضي، حينما وقفت امام عمها والمدعو زوجها على الورق، للقبول بربع حقها من ميراث والدها .
هي ايضًا ما تمنعها الاَن من الرد عليه، او ادعاء شيء من المصالحة لا تستطيع الشعور به، أذن فليحدث ما يحدث.
عند خاطرها الاخيرة، ابعدت الهاتف الصامت منذ ساعات، لتضعه على الكمود في الناحية البعيدة عن نومها، تغطي عليه بإحدى الوسادات الصغيرة حتى لا يزعجها اضاءة الهاتف بورود المكالمات التي لا تتوقف.
فتعتدل بجانبها بعيدًا عن جهته وتشد الغطاء حتى رأسها، ولتنعم بنوم هانئ قريرة العينين
❈-❈-❈
وفي الجهة الأخرى، كان هو كالموقد سريع الاشتعال، لا يكف عن محاولات الاتصال بها للمرة التي لم يعد يذكرها بعد ، بغيظ شديد، يضغط على الشاشة التي تأذت بعض الشيء لعنفه، وهو يردد بالسباب، وبرغبة قوية لتعنيفها ردًا على هذا التجاهل، من هي لتتحداه؟ لابد ان يعاقبها حتى لا تفعلها مرة اخرى، ولكن كيف يفعل وهي لا تستجيب حتى على رد الرسائل .
زمجر بغضبه يلقي الهاتف بطول ذراعه، ثم ينهض عن التخت الذي يتقلب عليه منذ اكثر من ساعة بدون أدنى فائدة للنوم، وقد طار منه النوم والراحة بسببها.
كم ود لو يملك السلطة الاَن لدفع باب منزلهم وسحبها من شعرها وبداخل غرفتها، لتذعن بالاسف امامه قبل ان يقرر بعقابها، ولكن كيف يفعل؟
شد بأصابعه على شعر رأسه للخلف حتى كاد ان يخلعه من منبته، هذه اول مرة يقابل بهذا التجاهل، لقد كان غرضه من البداية استرضائها، ولكن بفعلها ذلك حولت كل طاقته نحوها للعكس،
ليضرب بكفه على ذراع المقعد متمتمًا بوعيد:
– ماشي يا بهجة ماشي، انا ان ما كنت اربيكي ع الحركة دي ما بقاش انا .
اغمض عينياه قليلًا يتذكر معناته منذ قليل مع النوم ، بفضل التفكير بها وقد احتلت رأسه، ليدفع تلك الاباجورة ذات الاضاءة الخافتة بيده على الارض بعنف مردفًا بحديث نفسه :
– لكن انام ازاي دلوقتي انا؟ انام ازاي؟
❈-❈-❈
في اليوم التالي صباحًا
وقد استيقظ مؤخرًا عن ميعاده اليومي، بفضل التفكير الذي استولى على معظم ليلته بالأمس، حتى انه حاول استغلال الوقت بالعمل، ولكن بفضل ضياع التركيز منه، لم يستفيد بشيء
فلم يطال النوم سوى قرابة الفجر لينال منه تعب السهر ، فيأتي الاَن الى مقر عمله متأخرًا في سابقة لا تحدث ابدا سوى بالانشغال بأعمال اخرى،
بملامح مكفهرة، اَثار السهر وضحت جليًا عليها، ليدفع باب المصعد بعنف، ثم يغادر بخطواته السريعة منه نحو الجهة التي لم يمر بها إلا نادرًا، فيتحرك متوجها مباشرة نحو مكتب الأرشيف والذي ما ان طل بمدخله حتى اثار الرهبة بقلب الرجل العجوز والذي كان اولهم في الانتباه عليه، ثم ردد يستقبله، امام دهشة الجميع وزهولهم:
– رياض بيه! اهلا اهلا يا فندم نورت المكتب.
دلف بخطوتين داخل الغرفة، موزعًا ابصاره على الجميع ثم توقفت عليها بنظرة واضحة، لتستدرك لجلوسها وحيدة خلف مكتبها الصغير، وقد وقف الثلاثة الباقين احترامًا له ورهبة، فتضطر بارتباك شديد، تجبر اقدامها التي تيبست من الصدمة للوقوف مطرقة رأسها امامه، شاعرة بنصل سهام عينيه تخترقها، رغم محاولات الثبات التي يدعيها مخاطبًا الرجل:
– اهلا يا عبد الفضيل، ايه الاخبار؟
جاء رد الرجل سريعًا بقلق:
– الاخبار فل وعال العال يا فندم، والشغل ماشي زي الساعة، بس دي اول مرة تشرفنا حضرتك، في حاجة.
تبسم بخفة يجيبه باقتضاب لم يريح الرجل:
– مفيش أي حاجة يا عبد الفضيل اطمن.
توقف ينقل بطرف عيناه نحوها يلقي امره اليها :
– تعالي ورايا يا بهجة عايزك .
قالها ثم التف بقدميه للخارج، بدون أدنى تفسير مما اجبر الجميع على التساؤول حتى عبد الفضيل الرجل المسالم:
– بهجة، هو انتي عملتي ايه؟ عشان الراجل يجي يطلبك بنفسه؟
– ودا يعرف اسمها منين اساسًا ولا صفتها؟
قالتها احد المرأتين من زميلاتها، لتضيف عليها الأخرى بقلق:
– دا شكله ميطمنش يا بهجة، اوعي تكوني غلطتي يا منيلة تخسري وظيفتك
كتمت زفرتها تسارع في التوضيح لهم وهي تتحرك للذهاب:
– يا جماعة لا كدة ولا كدة، انا بشتغل عند الست والدته اصلا، تلاقيه بس هيسألني عنها.
قالتها وهي تسارع بخطواتها للخروج حتى تتجنب المزيد من الاسئلة والتي ازدادت اشتعالا بخروجها.
❈-❈-❈
أما عنها، فقد اصطدمت ابصارها به فور خروجها من الغرفة، تتفاجأ بوقفته متحفزًا وهذه الحدة التي تطل من عينيه نحوها، غير ابهًا بفضول الموظفين بالنظر اليه، ولا بهيئته المتجهمة
ليغمرها التوتر الشديد وهي تقترب منه، قائلة بأدب جم :
– افندم حضرتك.
عض على شفته بغيظ شديد، يحجم نفسه عن افعال كثيرة يود التعبير بها عما يكتنفه نحوها، حتى وصلها صوت انفاسه الخشنة ليأمرها كازًا على اسنانه:
– ورايا ع المكتب حالًا.
تمتم بها ثم استدار بقدميه يسبقها بتغطرس وكبرياء، جعلها تغمغم بسخرية من خلفه:
– وكان لزمتها ايه الوقفة بقى؟ فاكر نفسه هيخوفني؟
سحبت شهقيًا طويلا تتبعه، ثم تجسر نفسها بالدعاء.:
– انت المعين يارب.
❈-❈-❈
انتبهت لورا على قدومه لتنتفض واققة باحترام في استقباله:
– صباح الخير يا رياض باشا.
– صباح النور، بهجة جاية دلوقتي حالًا، خليها تدخل ورايا على طول.
قالها على عجالة قبل ان يفتح باب مكتبه، ويختفي بداخله، فتتسمر هي بعدم استيعاب:
– بهجة مين؟ هو انا سمعت صح؟
– بهجة انا.
انتبهت لورا لصاحبة الصوت، تجدها امامها، وبابتسامة صفراء لها:
– معلش يا لورا مضطرة ادخل على طول ، اصل رياض باشا طالبني حالًا.
بذهول تام، تطلعت الاخيرة في اثرها، غير قادرة على منعها، لتتركها، تتجه نحو الغرفة وتفتح بابها، وكأنها داخل منزلها، ثم تدلف اليه، لتسقط هي على كرسيها بقهر تشعر به:
– يا بت ال…….
❈-❈-❈
أما بداخل الغرفة
وفور ان ولجت اليه، ذهبت الشجاعة ادراج الرياح، وذلك الاستخفاف الذي اتخذته منهجًا منذ الأمس في التعامل معه، ليحل محلهم الخوف والرهبة.
وقد تمثل امامها كطاقة من الشر لابد من الحرص والحذر التام في التعامل معها، العروق النافرة ، وهذه الملامح المشتدة، وعيناه….. تبًا، منذ متى كانت حمراء؟
ليقترب نحوها ببطء فهد بري في التعامل مع فريسته ، قائلا بهدوء ما يسبق العاصفة:
– بتصل عليكي من امبارح فوق المية مرة، وانتي تتجاهليني يا بهجة ومتعبرينيش.
حاولت ابتلاع رمقها الذي جف في حضرته، لتدعي زيفًا برأئتها:
– انااا يا رياض؟ ازاي بس؟
حينما برقت عينيه بخطر نحوها، وازدادت ملامحه قتامة، استدركت على الفور لضعف موقفها، لتسارع على الفور بالتوضيح:
– انا اصلي ما شوفتش الرنات، روحت ع البيت وكنت هلكانه من تعب، يدوب أكلت لقمة سريعة مع اخواتي في الكافيه،… وبعدها مشيت ع البيت على طول، حتى نسيت التليفون في الكافيه، والصبح قومت ع الشغل، ما شوفتش الرنات غير قبل ما تدخل عليا تناديني بالظبط.
مواصلا تحقيقه، يجاري كذبتها؛
– والتليفون بقى فضل قاعد في الكافيه؟ وانتي مسألتيش تاني عنه؟ ولا حد من اخواتك نبهك على اتصالي بيكي يجي خمسمية مرة .
– هما مش كانو مية من شوية
قالتها بداخلها قبل ان تلحق بباقي تبريرها:
– التليفون كان معمول صامت ، دا غير اني مسجلالك من غير اسم، هيعرفوا ازاي ان انت اللي بتتصل؟……
شهقت بصرخة كتمتها على الفور حتى لا يخرج صوتها ، وقد باغتها فجأة يقبض على ساعديها، ضاغطًا:
– بلاش تحوري وتلعبى معايا يا بهجة، الحركة اللي اتعلمت امبارح دي لا يمكن اعديهالك، سمعاني؟
اصابها الفزع حتى ندمت بداخلها على الاستهتار بغضبه، ولكنها كانت معذورة، لينهار تماسكها امام حدته:
– براحة يا رياض، دراعي هيتخلع منك .
رق قلبه لضعفها ولكن حريق صدره كان اقوى من أي شيء، ليستمر بضغطه، حتى سالت دموعها امام عينيه، لترتخي ذراعيه عنها، وتتلف حولها في ضمة قوية يهددها بصوت خشن، يدعي الحزم:
– بس بقى بلاش عياط ، عشان انتي اللي استفزتيني أصلًا:
ظلت على وضعها للحظات، يمسح على ظهرها وراسها حتى استكانت قليلًا، وقد شدد ذراعه حولها، ونسي الوضع والمكان، عكسها هي، وقد استدركت سريعًا،
لتسحب نفسها من ضمته اليها بهدوء، وتبعد ذراعيه عنها، فعقب هو باندهاش:
– في ايه؟
جاء ردها برسمية تذكره:
– ميصحش حضرتك، لو حد دخل علينا المكتب كدة فجأة هيقول ايه؟ انا لازم احسب حساب لسمعتي برضو.
– سمعتك!
– ايوة سمعتي، مش كفاية اسئلة الزملا ليا في المكتب قبل ما اجيلك، اللحق بقى اخلقلهم قصة يمكن يقتنعوا، عن اذنك بقى.
قالتها وتحركت ذاهبة ليوقفها بحدته:
– استني هنا هتبرري لمين؟ وهما مالهم اصلا، ثم انا كمان ملحقتش اقعد معاكي.
ردت بوداعة ويدها حطت على مقبض الباب:
– الكلام دا تقولو انت حضرتك، لكن انا ملزمة اني اخاف على صورتي قدام الناس، عن اذنك بقى عشان لو اتأخرت اكتر من كدة كمان، برضو الكلام هيكتر اكتر. سلام .
❈-❈-❈
انتهت اسراء من اعداد عبوة الحليب لاطعام طفلها ، واتجهت نحو الشرفة، حيث تركته مع والده، لتتوقف امام مشهدهم.
زوجها الذي كانت تعده فاقد الاحساس والشعور، يضم طفله اليه بحنو، يهدده برقة بالغة، ربما تأثرا بمرضه، ولكنه يفعل، ليتها لمست هذا الجزء به منذ البداية، تعرف انه لم يكن سيئًا، ولكنه كان ضعيف الشخصية امام والديه، وحين اراد التمرد؛ بدأ بها ، ولكنه عاد الاَن وهذا هو المهم.
– نام الواد؟
توجهت بالسؤال كي يلتف اليها، ليؤميء لها بعيناه كي لا يصدر صوتًا ويزعجه،
– وانا اللي حضرتله الرضعة، ياللا بقى .
تمتمت بها، لتضع عبوة الحليب على الطاولة، ثم تتقدم بهدوء وتتناوله منه بخفة، فاقترب وجهها منه حتى كادت ان تصطدم انفها بذقنه، لولا انتباهها،
لتلتقي عيناها بخاصتيه، يطالعها بنظرة ما لاول مرة تجدها منه، حتى نزلت عيناه على باقي تفاصيل وجهها ، ثم تتوقف على ثغرها، وقد اختلطت انفاسه بأنفاسها، بلحظة لم تكن متعمدة منها او منه.
ولكن يبدو أنها قد أتت بأثرها عليه، ليقترب منها، ودنى امام صمتها وربما توقها لذلك، وما كادت ان تعانق شفتيه شفتيها، حتى انتفضا الاثنان على صوت صراخ يأتي من الأسفل، بالتحديد من منزل والديه.
نهض كي يرهف السمع من الشرفة ليتأكد من صح ظنه ، فيردد بجزع:
– الصوت جاي من تحت ، شكل البت سامية والواد سامر شابطين في بعض، بس دي بتصرخ صريخ جامد ، دا هيخلص عليها دا ولا ايه؟
– انا رايح اشوفهم الحيوانات دول هيجبولنا الفضايح.
قالها وتحرك ذاهبًا من امامها، لتتابع اثره حتى خرج يصفق الباب من خلفه، ثم يصلها صوت ركضه على الدرج، فيخرج صوتها اخيرا بإحباط:
– يعني هما حبكت يتخانقوا دلوقتي؟ …. جات الحزينة تفرح.
الفصل السابع والعشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل السابع والعشرون 27 بقلم امل نصر
نزل الدرج سريعًا يدفع الباب بكتفه بعدم انتظار لطرقه ولا بقرع الجرس، فأصوات صراخها كانت تشق الأذان بصورة فاضحة، يرافقها صيحات جهورية لسامر ووالديه في الجدال معه لتخليصها من يده كما رأى بأم عينيه فور ان اقتحم عليهم، ليجد المشهد امامه.
شقيقه كالمجنون بهيئة اجرامية لم يعهدها عليه قبل سابق ابدًا، ممسكًا بالحزام الجلدي يضرب به في الهواء نحوها، يريد أن يصل اليها، وقد كان والديه يمثلان حاجز بينها وبينه لعدم الفتك بها، على الرغم من تمكنه منها عدة مرات، وهذا ما ظهر على هيئتها التي افزعت شقيقه، ولكن غليله لم يهدأ بعد.
– ايه يا حيوان اللي انت عامله في اختك ده؟ وانتو ازاي سيبتوه يعمل فيها كدة؟
قالها يلتقط شقيقته ويضمها اليه بين ذراعيه، فالتف الثلاثة وتوقف سامر يضحك بسخرية متهكمًا نحو والديه:
– دا جاي يسألني بعمل فيها كدة ليه؟ البيه قاعد في شقته وميعرفش الدنيا اللي اتقلبت حوالينا، وسيرتنا اللي بقت على كل لسان بسببها.
– سيرتنا اللي بقت على كل لسان!
ردد بها سمير يدفع شقيقته عنه يوجه لها السؤال بتوجس:
– الواد ده بيقول ايه يا بت؟ هببتي ايه يا سامية.
انتفضت تتراجع عنه برعب ان تأخذ دورها منه ايضًا لتردد بهذيان:
– والله ما كنت بوعيي، والله ما كنت بوعيي .
انتفض امامها بأعين جحظت بارتياب صارخًا بها، وقد ذهب ظنه لما هو أفظع من خلف كلماتها:
– الله يخرب بيت ابوكي، عملتي ايه يا بت؟
صرخت درية هذه المرة تتمسك به شارحة بلهفة:
– يا بني مش اللي في بالك، الموضوع حاجة تانية خالص، بس حظها زفت واخوك كمان مزودها، الله يخرب بيتكم فضحتونا .
جاءها الرد من سامر:
– أحنا برضو اللي فضحناكي ياما، ثم حظ ايه بالظبط ايه اللي بتتكلمي عنه، بتك لولا البوليس ما دخل ونجدها من ايد النجس ده اللي عامل فيها شيخ، الله اعلم عمل كان يعمل معاها ايه؟ ادي اخرة الدلع يا ماما ، ادي آخرة الدلع يا بويا.
خرج صوت خميس مدافعًا عن نفسه:
– وماله ابوك يا خويا، واحدة طويلة وشحطة، يعني عارفة الصح من الغلط، هقعد قبالها انا بقى، واعد عليها خطواتها، امال امها لازمتها ايه؟
– ما كفاية بقى يا خميس، هو انت اللي عليك امها امها، خلفتها لوحدي انا بقى؟
– بااااااااس
كانت هذه صرخة سمير الذي تشتت عقله بالذهول مما يسمعه، دون توضيح جيد لمغزى ما يتحدثون فيها، ليلقي نظرة نحو شقيقته التي جلست بزاوية وحدها تنتحتب وتبكي، ليستطرد بغضبه:
– انا عايز اعرف دلوقتي بتتكلمو عن ايه بالظبط وتشرحولي بهدوء .
❈-❈-❈
عادت معه هذه المرة في السيارة، بعد لقاءهم في عش الزوجية، وقد تصالحا ونسيا في غمرة الوصال زعل الأمس وقلق الغد، هي ليست غافلة حتى لا تعرف بمقدار عشقها في قلبه، حتى وان كانت تجربتها الاولي في الحب، وحتى وهي لم ترى من الرجال غيره حبيبًا، هو فرحتها الحقيقية وسر عذابها ايضًا،
كانت معه في السيارة، كفها الصغير داخل قبضته يرفعها اليه اثناء القيادة كل لحظة ويقبل ظهرها، وكأنه يطمئن نفسه دائما بوجودها معه.
كان قد اقتربا من منزل والديه، ف انتبهت تذكره:
– رياض وقف هنا، لحد من الحراس يشوفنا .
فاجأها بإصراره:
– لا انا هدخل وانتي معايا وفي داهية الحراس .
شعرت بشيء من السعادة كانت تكبتها من الداخل، حتى لا تظهر لهفتها امامه، وتتركه يكمل احاديثه المستمرة:
– شوفي بقى، انتي تحاولي تلاقي صرفة وتسبيلي نفسك لو حتى يومين، نفسي يا بهجة أختلي بيكي عن العالم كله، اللحظات اللي بنخطفها دي مبقتش تكفيني، انا عايزك على طول معايا.
– وايه مانعك؟
همت ان تتفوه بها ولكنها وعدت نفسها الا تنطق بها ابدًا ، فلابد ان تأتي المبادرة منه.
توقفت السيارة داخل محيط المنزل، لتترجل هي وتسبقه:
هروح انا اشوف مدام نجوان على ما روحت انت ركنت العربية في الجراج
اومأ لها بعيناه وتحرك مغادرًا، لتتخذ هي طريقها نحو المنزل، وبداخلها امل ينمو نحو إمكانية تغيره، لتدلف داخل المنزل فتُزهل بضحكات نجوان التي كانت تصدح بصوت عالي جعلها جعل الفضول يتأكلها، لتتبع الصوت حتى وجدتها في وسط البهو تحمل طفلا ما، وبرفقتها رجل شديد الهيبة ومعه امرأة…… ينتابها الاحساس انها رأتها قبل ذلك في التلفاز؟.
– تعالي يا بهجة، انتي هتفضلي واقفة مكانك.
كان هذا صوت نجوان التي انتبهت اولهم عليها ، لتدعوها بفرح:
– تعالي يا قلبي متتكسفيش، دا ابن اختي مصطفى احب الناس على قلبي، ودي مراته الممثلة المشهورة.
– عرفتها مدام نور .
قالتها بهجة مشيرة بسبابتها نحوها، وقد تأكدت من صدق حدسها، فضحكت الأخرى تؤكد لها بلطفها المعتاد:
– ايوة انا هي يا ستي، عرفتيني ع الطبيعية؟
اقتربت منها بلهفة تصافحها:
– طبعا عرفتك على الطبيعة، دا أنتي قمر على الشاشة وعلى الحقيقة، انا في خيالي مكنتش اتخيل انك بالجمال ده .
تتحدث بعفوية جعلتها تتقبلها بمحبة، فتعلق نجوان وتعرفها لهم:
– دي بقى بهجة يا جماعة، اجمل بنوتة تشوفوها هنا، يعني تعتبرها بنتي اللي مخلفتهاش.
– يا نهار ابيض للدرجادي
قالها مصطفى لتمتد يداه نحو بهجة قائلا بتقدير:
– دا احنا كدة نحسدك يا ست بهجة، محدش يقدر ياخد المكانة دي في قلب خالتو الا اذا كان غالي اوي .
– وأغلى مما تتصور
قالتها نجوان لتمسكها من كفها وتجلسها بجوارها ، مما اخجلها في التعامل معهم وكأنها واحدة منهم، فتواصل بطريقتها لأدماجها معهم:
– شايفة يا بهجة، شايفه الأمور ده، يبقى ابن مصطفى ونور، ايه رأيك بقى؟ جميل زيهم، صح.
❈-❈-❈
أما عنه فقد بدت ان المفاجأة لم تكن سارة له على الإطلاق، وهذا ما ظهر على ملامحه التي انكمشت فور ان وقعت عينيه على أبن خالته رجل الاعمال النجيب، مع زوجته الممثلة المشهورة وبهجة تحمل طفلهما وكأنها…….
– مساء الخير.
صدرت منه التحية بصوت خشن لفت انظار الجميع اليه، لتلتقط نظرته نحوها بلهفة قابلها بجمود وهو يتقدم نحو ابن خالته يرحب به وزوجته قبل ان ينضم مجبرًا للجلوس معهم،
– منور يا مصطفى، مفاجأة مكنتش اتصورها بصراحة.
لاح في نبرته شيء ما لم يريح والدته، فجاء رد الاخير بسجية:
– مفاجأة ليه يا اخينا؟ اينعم انا مشغول اربعة وعشرين، بس دا ميمنعش اني ان اخلق الوقت عشان اجي واطمن على خالتو بعد ما عرفت برجوعها لينا، ولا ناسي بمعزتها عندي؟
استمر بطريقته وابصاره تتجه نحو بهجة كل لحظة بضيق شعرت به:
– لا طبعا انسى ازاي؟ ما هي كمان بتحبك
❈-❈-❈
انتهى سامر من سرد ما حدث، ووصف الخزي الذي شعر به اثناء ذهابه إلى قسم الشرطة لاستلامها، وقد كانت في حالة من الاوعي تُمكن أي شخص حتى لو بدون عقل ان يستغلها، ولكن الله كان رؤوف بهم وجاءت معه سليمة
في كلمات وجيزة ولكنها كانت كفيلة لتجعل الدماء تصير كاللهيب في عروق الاخر، وبصدمه يستشعرها كمطرقة حطت على رأسه ليستفيق من حال الامبالاة التي يتخذها منهجًا امام صلف والديه معه في اي قرار يريد تنفيذه، لينتفض فجأة نحوها وقد ظلت على جلستها في زاوية الغرفة تبكي وتنتحب دافنة رأسها في ركبتيها التي تضمهما بذراعيها.
ليقبض على ذراعها يهدر بفحبح :
– رايحة عند الراجل الوسخ دا ليه يا سامية؟
– اااه
صدر صوت توجعها ليزيد بضغطه امام صمت الثلاثة وقد نال منهم الاجهاد:
– رايحة تعملي عمل يا بت؟ ومين اللي عرفك على سكته من الاساس؟ قولي،
صرخ بالاخيرة لتنتفض والدته على أثرها ، وقد لاحت من ابنتها نظرة نحوها فهم منها الإجالة ، ليتوجه بالكلمات المقصودة:
– طب انا هعيد تربيتك من اول وجديد يا سامية، واللي مقدرش عليه ابوكي وامك، هقدر انا عليه أن شاء، وابقى الاقي حد فيهم يعترض وانا اسف يعني؟
ردد خميس من خلفه بسخرية خالية من اي مرح:
– وانا هعترض ليه يا حبيبي؟ اعمل اللي انت عايزة ، انا خلاص حطيت صوابعي في الشق منكم كلكم، جاتكم البلا، دا انتو تقصروا العمر.
سمع ليلتف نحو والدته بتحدي ونظرات كاشفة:
– وانت ياما، ليكون عندك اعتراض بعد اللي حصل؟
– هو انت ناوي تعمل فيا ايه؟
صرخت سامية تسبق والدتها، والتي جاء ردها ببعض الجدال رغم توترها من تلميحاته:
– ايوة صحيح، انت عايزاني اقول امين من غير ما اعرف هتعمل في البت ايه؟.
تبسم يجيبها بمكر؛
– مش حاجة وحشة والله ياما، الواد سامر ماسك ايده من الوجع من كتر ما ضربها، انا بقى هقصر المسافات واجوزها، حتى الحمد لله العريس جاهز مش محتاجين تعب .
وقبل ان يصدر السؤال من كلتاهما اردف يجيبهم:
– طلال ابن عم منعم صاحبك يا بابا .
صرخت سامية بالرفض امام جزع والدتها:
– نهار اسود، اللحقيني ياما، دا عايز يجوزني للبرمشاجي، اللي لا شكل ولا هيئة.
.
وعلى عكس المتوقع تلجمت درية ليست بقادرة على دعمها او الرفض، عكس خميس الذي تهلل وجهه، وانتقض يستغل الفرصة:
– حلو اوي يا سمير، اهم حاجة يفتح بيت وهو ناصح في الحتة دي، انا هروح ابلغ منعم يفرح ويحددو ميعاد اللي هيجوا فيه.
قالها خميس وهرول من جوارهم لتصرخ سامية:
– اللحقي جوزك ياما، دا ماصدق، الواد دا مبيطقهوش وربنا ما بطيقه.
– اخرصي يا بت مسمعش صوتك خالص، دا انتي تبوسي ايدك وش وضهر لو هو رضي بيكي.
صدرت الصيحة من شقيقها سامر بحزم جعل درية نفسها تنكمش على نفسها، اما سامية فلم يتبقى لها سوى معاودة الندب تلطم على خديها بحسرة على ضياع الحلم لينقلب إلى كابوس طلال
❈-❈-❈
داخل السيارة التي تقلهم للعودة إلى المنزل، كان الحديث الدائر بينهم، لتعبر زوجته عما تشعر به بعفويتها كالعادة:
– انا فرحانة اوي يا مصطفى بزيارة طنت نجوان ورجوعها لينا، بسيطة وطيبة وبتحبك وبتحبني في نفس الوقت يا مصطفى.
ضحك مرددًا خلفها بمشاكسة:
– فرقت معاكي اوي دي يا نور، انها بتحبني وبتحبك، والله انا كمان محبتكيش من شوية.
تبسمت بحرج لتلكزه على ذراعه موضحة:
– بطل غلاستك دي يا مصطفى، انا قصدي مش بتتعالى ، ما انت عارف نظرة مامتك الطبقية ليا، حتى وانا نجمة كبيرة وليا جمهوري
استاء بالفعل لقولها، ولعلمه التام انها لم تكذب، ليتخلى عن عبثيته مبديًا اعتذاره:
– معلش يا قلبي، هي كدة اعملها انا ايه؟
– لا يا سيدي متعملش حاجة، ما انا خلاص اتعودت بقى، المهم خلينا في ابن خالتك ده، انا كنت حاسة انه مش طايقنا.
عاد للضحك مرة اخرى مرددًا بسخرية:
– حاسة بس، طيب ما هو فعلا مش طايقنا؟
توقف يسحب نفسًا قويًا ليردف بجدية:
– رياض ابن خالتي وانا اكتر واحد عارف باللي في دماغه، هو متخطاش الماضي اللي انا كنت جزء منه، لذلك أنا دايما بديله العذر، اللي مر بيه مكانش قليل، هو يستاهل الحب، بس لو يدي لنفسه الفرصة ويشيل العقد اللي مكلبشاه ساعتها هيرجع انسان تأني خالص.
صمتت زوجته تستوعب الحديث، وتوافقه الرأي، فأتت فجأة صورة بهجة بذهنها لتقول بلهفة:
– على فكرة انا لاحظت حاجة غريبة النهاردة، نظرات رياض للبنت القمورة جليسة طنت نجوان مكنتش طبيعية، مش عارفة ليه دخل في قلبي احساس كدة لما لقيته مركز فيها
– قصدك انه يكون بيحبها ولا معجب بيها؟
مطت شفتيها، توضح بعينيها انها لا تستبعد، مما جعله يردف بما شعر به هو الاخر:
– تصدقي عندك حق .
❈-❈-❈
بداخل المكتب كان معطيًا ظهره، واضعًا يده في جيب بنطاله، ينظر من خلال الحائط الزجاجي إلى الحديقة بوجوم تام حينما دلفت اليه حاملة فنجان القهوة الذي تكلفت تصنعه بيدها لتأخذها حجة وتراه، بعد اختفاءه كل هذا الوقت منذ مغادرة مصطفى عزام وزوجته المنزل .
– القهوة اللي بتحبها .
قالتها برقة لم يعيرها اهتمامًا وقد التف اليها بوجه ممتقع الملامح وغضب غير مفهوم، يحدجها بنظرة نارية وكأنها قامت بجرم ما، ليلقي بنظرة خاطفة نحو القهوة فيجلس زافرًا بصوت عالي انفاس قوية، ليزيد بداخلها التوجس حتى عبرت عنه:
– ممكن افهم انا زعلتك في ايه بالظبط عشان ابقى فاهمة بس؟
أجاب بعد فترة من الصمت:
– ومين قالك اني زعلان، شوفتي ايه عليا يخليكي تفتكري كدة؟
لم تحتمل مراوغته في الحديث ، لتنفعل هاتفه به:
– رياااض بلاش اسلوب اللف والدوران معايا، انا مش غبية عشان مفهمكمش، انت متغير من ساعة ما شوفت ابن خالتك والممثلة المشهورة مراته مع مدام نجوان، شكلك كان واضح عليه اوي انك مخنوق، بسبب خلافات بقى ولا مشاكل قديمة، لكن انا ايه ذنبي…..
– بتشيلي ابنهم ليه؟.
اجفلها بها مقاطعًا بحدة جعلتها تقطب بعدم فهم:
– وفيها ايه يعني؟ دي مدام نجوان كانت فرحانة بيه اوي وهي اللي شيلتهولي؟
– وانتي ليه تجاريها؟ هي فرحانة عشان دا ابن الننوس الغالي حبيب العيلة كلها، انتي ليه قعدتي معاهم اصلا؟ ادخل انا الاقيكي شايلة لولد وكأنك ما بينهم……
قطع فجأة ليصلها المعنى على الفور، فشخصت ابصارها بصدمة مرددة:
– قصدك خدامة؟ شايلة ابنهم وكأني الخدامة بتاعتهم .
– اخرصي يا بهجة، انا مقولتش كدة .
نهرها كي تتوقف، ولكنها لم تبالي لتواجهه بتحدي:
– لأ مش هخرص عشان انا مش غبية عشان مفهمش قصدك، بس لعلمك بقى، انا مزعلش منها دي ولا تهمني، انت بقى مش متحمل مجرد الفكرة، يبقى نفضها سيرة من اساسه، وانت تقطع من الخدامة اللي هتعر الباشا ابن الباشا.
نهض من جلسته لينفض عنه الذهول الذي اكتنفه بسماع حديثها القوي، وازدادت عيناه اشتعالا نحوها ليقبض على ذراعها مرددًا بتحذير:
– بطلي كلامك المستفز يا بهجة، انا على اخري اصلا، ومش حمل اي تفسير سخيف منك، ولا عايز ارتكب جناية بسببك.
نفضت ذراعه عنها لتقارعه بغضب:
– بلاش انا تفسيري السخيف يا باشا، وقولي انت عن السبب الحقيقي لقلبتك، انا عايز اسمعك اهو قول.
ظل على جموده في الصمت لتكرر في طلبه بانفعال:
– كذب كلامي بقى واقول اني فهمت غلط، مستني ايه يا باشا؟
اخرج تنهيده من صدره، طاردًا دفعة كبيرة من الهواء، ليتحرك من جوارها عائدًا نحو مكتبه يتكلم بصوت يتخلله الألم:
– انا اللي جوايا كتير يا بهجة، وانتي لا يمكن هتفهميني.
ردت بعدم رضا تجلس امامه:
– ليه بقى؟ شايفني مبفهمش؟
رمقها بحنق قائلًا:
– الموضوع مش زي ما انتي فاهمة، الحكاية ان في تفاصيل كتير انتي متعرفهاش، تفاصيل عدى عليها سنين كتير، كتير يا بهجة.
بشبه ابتسامة لم تصل لعيناها عقبت :
– وانت بقى هتفضل حابس نفسك جوا السنين دي؟ الدنيا كل يوم في حال، واللي النهاردة كويس معاك ، من الجايز بكرة تلاقيه وحش، والعكس كمان، المهم اللي احنا فيه دلوقتي.
حديثها كان به شيء من المنطق لكنه لم يقتنع به، ليأتي رده بتقليل:
– انتي بتقولي كدة عشان دنيتك محدودة، ما شوفتيش نص اللي انا شفته، مش بقولك مش هتفهميني .
نهضت من امامه تردد بيأس احتل معالمها، وقد فاض بها منه:
– عندك حق، انا فعلا مش فاهماك ولا عمري هفهمك يا رياض.
قالتها وخرجت على الفور تتركه في وحدته، يصارع ذكرياته القديمة، في تلك الحقبة اللعينة
بعد ان انهى دراسته الجامعية في الخارج وأتى إلى هنا مع والدته، ليستقرا مع والده الذي سبقهم قبلها بسنوات في تأسيس مصنع الملابس والازياء الحديثة حلم حياته، فيحتك هو بالعالم الواقعي هنا المخالف تمامًا عما نشأ عليه.
عالم المظاهر المبالغ فيه، مال واعمال وعائلة ارستقراضية يختلف تمامًا عما نشأ عليه مع والدته المتواضعة لدرجة السذاجة رغم اصلها النبيل، والده الذي كان يعده قدوة اكتشف مع الوقت سفاهة معظم قرارته، والتي كانت تكلفه الكثير من خسارة الأموال.
على العكس تمامًا مع زوج خالته الهمام وابنه النجيب، نجاحات متتالية دون توقف، يعرف بها القاصي والداني، انجازات تتغنى بها بهيرة في كل اجتماع او مناسبة
وفي المقابل فشل والده المستمر في إدارة مصنعه، حتى قرر المساعدة بالعمل معه كي يصبح له ذراع يمنى كمصطفى عزام ووالده،
ولكن اكتشف مع الوقت المصيبة الحقيقية لتأخر الرجل ، تلك الأفعى التي كانت تشغل عقله بعشقها وأنوثتها الطاغية، يصرف عليها ببذخ، غير مراعيًا لفرق العمر بينها وبينه، مما تسبب له في العديد من الخسارات، الشد والجذب والخلافات المستمرة معه خشية وصول الأمر إلى تلك الغافلة والهائمة بعشقه،
محاولاته في كشف هذه الأفعى، والتي غلبته بمكرها حتى خلقت ضغينة بين الاب وابنه واضعة بعقله تلك الفكرة التي لم تخطر له على بال ، انه يحاربها من أجل الحصول عليها لنفسه.
كان احمقًا لا يعرف بأساليب النساء، ليظل متخبطًا لا يعرف وجهة صحيحة يستند عليها، حتى جاءت القاسمة بحادث السيارة وما تلاها من فضائح تصب المزيد عليها ، قصتهم اصبحت علكة بين الافواه لتظهر الفرق الشاسع ما بين الأسرة الملتزمة والناجحة ، وبين اسرته الفاشلة .
ايام سوداء لن ينساها ولن تنمحي من ذاكرته، ولكنها خلفت في قلبه جروحًا لن تندمل، رغم النجاحات التي حققها، ليكون ندًا للأخر حتى وثروته لا تصل لنصف ما يملك ولكنه اثبت نفسه، رجل ناجح وأسرة مستقرة وزوجة……..
توقف عند الاخيرة يغلق على عينيه بتعب، فقد وقع في نفس الفخ، ومع ذلك يأبى الخروج منه.
❈-❈-❈
منذ تلقيه اتصال صديقه ضابط الشرطة يخبره عن الوضع بعد القبض على الشيخ الدجال، ثم ذكره لاسم ابنة خاله والحالة التي وجدت عليها ساعة القبض على هذا المدعي، شيء مخزي جعل الغضب يتصاعد داخله، وشيء يتعدى الأسف الاف مرات، لما تعرض نفسها لهذه الإهانة؟ لما الاذية له ولزوجته؟ ومن اجل ماذا ينسى المرأ دينه بالاتفاق مع الشيطان فيخسر الدنيا والآخرة؟
ظل شادي لفترة ليست بالقصيرة يصلي ويتضرع إلى الله بالمغفرة والحفظ له ولعائلته
حتى اذا انتهى وذهب إلى والدته قص عليها جميع ما حدث:
– شوفتي بقى يا ماما، عشان انا من الاول كنت شاكك وسبحان الله لما جيت اتأكد انكشف كل شيء، انا مش بأنبك والله، لأنه كله بإيد ربنا، لكني عايز اعرفك بس ان سبب بلاء الطيبين في الدنيا دي هي طيبيتهم .
– سامحني يا بني، انت فعلا عندك حق في كل اللي قولته، ربنا يهديها،،قد صدمتي فيها، قد زعلي عليها ، دي مهما كان بنت اخويا وعرضها يمسني.
لن يلوم والدته على تعاطفها مع تلك الملعونة، فهو ايضًا اكتنفه هذا الشيء ورغم قهره منها ومن بجاحتها ووقاحتها، إلا انه يفضل لها الستر دائمًا .
– انا قايم اشوف مراتي يا ماما، هي اكيد قلقانة من قلة اتصالي بيها من الصبح .
قالها ونهض يهم بالخروج ولكن والدته أوقفته:
– واد يا شادي، مش كفاية كدة بقى ورجعها، ومدام عرف السبب بطل العجب.
تبسم يجيبها بتأكيد:
– هيحصل يا ماما، ما انتي قولتيها بنفسك، معدتش في سبب يمنع والحمد لله.
تمتم بالاخيرة وذهب، نحو من ما ملكت فؤاده، واشتياقًا يحرق صدره إلى رؤيتها، ألا وقد حان الوصال اخيرا بعد الهجران وعذابه.
❈-❈-❈
كأمواج متلاطمة يعلو بها الى عنان السماء مرة، ثم وعلى حين غفلة منها، يهبط بها سريعًا في العمق حتى يكاد ان يغرقها، كم ودت ان تصل معه إلى بر يريحها او حتى بدونه لو استحال الأمر، ولكنه لا يعطيها فرصة، تبًا له من أناني.
دفعت الباب لتكمل السهرة مع اخوتها داخل محل الكافيه الذي اصبح مقرهم الاساسي الان، نظرا للعمل به ، ولأنه ايضًا مكان جيد للترفيه
وقعت عينيها في البداية على شقيقها الذي يتعامل بجدية مع احد الزبائن، حتى همت ان تنادية او تلفت نظره، ولكنها تفاجأت تبصر اعز صديقاتها امامها وكأنها كانت في انتظارها
لتهرول اليها متمتمة بإسمها :
– صفية .
❈-❈-❈
خرج بها اخيرا بعد فترة طويلة من الانشغال بقضية عمره، قرر اليوم اخذ استراحة محارب، يريح عقله قليلًا من التفكير ، ويرفه عنها، شاعرًا بذنب اهماله لها في الفترة الأخيرة، على الرغم من عدم شكواها، مما زاد من تقديره لها.
ليسألها فور الجلوس على طاولة تجمعهما وحدهما بذلك المطعم المختص بتلك اللقاءات .
– قوليلي بقى يا أمنية؟ عجبك المطعم؟
ردت بابتهاج يعتلي تعابيرها:
– اوي، عجبني اوي، إضاءة هادية ومزيكا جميلة، اقدر اسميه عشاء رومانسي ده يا عصام؟
– انتي لسة هتسألي يا أمنية؟ ولا انتي مش مصدقة اصلا ان جوزك يطلع منه الحاجات دي؟
قالها بعفوية ليجد الرد على ملامحها المتبسمة، فيردف معبرا عن استيائه:
– اما صحيح ستات غدارة، عاملين زي القطط تاكلو وتنكروا
– أحنا يا عصام.
تمتمت بها ضاحكة ليستطرد هذه المرة متغزلا:
– طبعا عشان حلوين وليكم حق.
اعجبها اطراءه فتابعت بغريزة الأنثى تريد المزيد:
– يعني شايفني حلوة يا عصام؟
تناول كفه يدها يقبل ظهرها مجيبًا:
– دا انتي قمر مش حلوة وبس، انا عارف اني مقصر معاكي كتير، وانتي متحملة وساكتة، لا بتنكدي ولا بتشتكي، اوعي تفتكري اني مش واخد بالي منها دي، دا انا ابقى راجل غبي لو مقدرش
قالها بامتنان وصل اليها لتعقب بما زاد من سعادته:
– بعد الشر عليك يا حببي من الغباء، زي ما انت مقدر ، انا كمان مقدرة، لا يمكن ازيد على همومك، ربنا يخليك ليا، كلمتينك دول معناهم كبير اوي عندي وربنا العالم
قبل يدها مرة اخرى قائلًا بانتعاش:
– دا انتي اللي تستاهلي الدنيا كلها تحت رجليكي، شوفي بقى، انا قابض وجيبي مليان النهاردة، اطلبي اللي انتي عايزاه، وشاله ما حد حوش .
❈-❈-❈
في تلك الزاوية المظلمة، والتي يقوم بها بدوره في الاستلام والتسليم مع الزبائن المعروفين لديه، كان عقله
منصبًا في التركيز مع هذا الفتى، الذي لا يتوقف عن اللعب في الهاتف بيده، وقد سمع عنه الكثير وعن مهاراته في الاختراق وأشياء كثيرة .
تقدم يتخذ مقعده بجواره، ليفتح معه حديثًا:
– بيقولوا انك شاطر اوي في التليفونات وبتعرف تهكر اي حساب يا عويضة.
رد الفتى باعتزاز:
– طبعا امال ايه، انا مفيش حاجة تصعب عليا، وبكرة تسمع عني لما تلاقيني بهكر حسابات بنوك، انا ماشي في السكة دي وهوصل
– يعني على كدة تعرف تهكر اي حساب أدلك عليه؟
رد الفتي بحماس، وقد اشتعلت رأسه بالتحدي:
– دلني ع الحساب اللي انتي عايزه يا عم إبراهيم وانا بعون الله هعرف .
– طب قولي ازاي؟
سأله بفضول ، ليجيبه على الفور:
– مش مستاهلة تعب، هو لينك تبعته عن مسابقة مثلا ولا حاجة تغري صاحبها بفتحه، المهم نعرف راجل ولا ست عشان نقدر نحدد اللي اهتمامات الزبون وعلى هذا الأساس نشتغل يا باشا .
نالت الفكرة استحسانه، وقد شعر بفائدتها قبل ذلك مع والدتها، فما باله لو صارت التجربة معها، يبدو ان التسلية ستكون افضل بكثير في الايام القادمة، ليقترب منه يغريه بعرضه:
– طب شوف بقى، لو عرفت تهكر الرقم اللي هكتبهولك دلوقتي، ليك عليا الفين جنيه تاخدهم كاش ايه رأيك بقى
– دا الفل الفل يا عم إبراهيم، هاني الرقم اللي انت عايزه وانا هشتغل عليه يوماتي لحد ما اجيب قراره.
❈-❈-❈
لم تحبذ الجلوس معها داخل المحل المزدحم، رغم كم المرح والفرح الذي يغمرها به، بمشاهدة اشقائها وحماسهم في العمل، إلا ان حالتها المزاجية هذا اليوم جعلتها تتلقف لقاء صديقتها كالغريق، لتسحبها معها على الفور وتأتي بها الى هنا داخل المنزل،
فتختلي بها بعيدا عن الجميع في جلسة داخل غرفتها، يستعدن ذكريات المراهقة وجلسات النميمة والأحاديث اللذيذة،
ولكن اليوم كان حديثهم في شيء آخر، ذلك الذي اتعبها وارهقها بكثرة التفكير فيه:
– يعني ايه يا بهجة؟ انا عايز افهم اكتر منك، بيحبك ولا ما بيحبكيش؟
ردت بما تأكد في قلبها:
– لو عندي ذرة شك واحدة بس انه مببحبنيش، عمري ما كنت هقعد ولا استمر معاه ثانية واحدة تاني .
– ولما انتي متأكدة اوي كدة يا حبيبتي من حبه ليكي، تقدري تقوليلي ميعلنش ليه؟ في الضلمة بحبك وبموت فيكي ، وفي النور لا سوري معرفكيش، انا اسفة في صراحتي يا بهجة .
تبسمت متقبله نقدها :
– لا والله ما ازعل منك، عشان عارفة ومتأكدة بصحة كلامك، بس اعمل ايه؟ ما هو ده سبب تعبي معاه يا صفية، ساعات بحس انه في احتياج شديد ليا ودا اللي بيقيدني اخد موقف شديد معاه، وساعات تانية بكرهه واكره جوازنا واكره الظروف اللي اجبرتني على جوازي منه والدنيا كلها .
تنهدت صفية بياس، شاعرة بحجم المعاناة التي تعيشها صديقتها، وبداخلها تريد مساعدتها بأي صورة.
– طب واخرتها يا بهجة
تبسمت بسخرية تعقب:
– تصدقي نفس السؤال ده اتسألته من شادي ابن عمتي، لدرجادري انا موضوعي شاغلكم .
ردت صفية بجدية:
– جدا يا بهجة وانتي عارفة بكدة، وبتكابري وبتهزري،
صمتت تنتظر ردها والذي جاء بعد برهة:
– انتي قولتي بنفسك اني بكابر وبهزر، لكن اكيد مش هفضل كدة كتير، ان كان قلبي النهاردة في مساحة انه يحن، فتأكدي يا صفية ان المساحة دي يوم عن يوم بتضيق، والحل اكيد في ايده هو يا نستمر في النور، يا كل واحدة يروح لحاله، وانا شايفه ان الميعاد قرب اوي
– ميعاد ايه؟
– ميعاد تحديد المصير يا صفية، انا وعدت نفسي من زمان اني لا يمكن هطلبها منه، ان مكانش يعلنها هو من نفسه يبقى بلاها احسن وكل واحد يروح لحاله.
❈-❈-❈
سحبها من يدها، لتدلف بخطوات مترددة داخل المنزل الذي كان عشها السعيد في أيام زواجها الأولى به، تبتلع ريقها بتوتر يصل اليه، ليواصل حثها بالمزاح والمشاكسة:
– روقت ومسحت ورشيت المعطر وخليت البيت فلة، بصي بقى كويس، وقولي ايه رأيك في شطارتي؟
ضحك وجهها الصبوح، لتشرق في قلبه انتعاشًا واملا في عودتها لطبيعتها، صبا الجميلة الساحرة، والتي صارت تطوف بعيناها على ارجاءه تتبسم بمرح، تخفي من خلفه بعض الرهبة التي مازلت تستوطن داخلها، نتيجة ما مرت به في الفترة الصعبة لزوجها به.
تبتلع ريقها وتجاريه في المزاح:
– حلو ومش بطال يا مستر، بس يجي منك صراحة يعني مكدبش
– يجي مني؟
اومأت رأسها تذكره بشقاوتها المحببة:
– امال يعني اكسفك واطلع العيوب، ما نخليها يجي منك احسن.
سحب شهيقًا طويلًا يتخلى عن اتزانه، وقد غلبه
اشتياقه ليضمها فجأة ويرفعها عن الأرض مرددًا بلوعة:
– اااه يا صبا، وحشتيني وحشتيني، حاسس قلبي هيوقف من فرحتي بروجعك
شددت هي ايضًا بذراعيها، تبادله بدموعها:
– وانت كمان يا شادي، ويمكن اكتر والله، أنا روحي اتردلتي برجوعي ليك .
– يا قلب حبيبك انتي.
شدد يعصرها بين ذراعيه، وهي تبادله، تستمد منه الدفء، تستمد منه امانها الذي افتقدته بابتعادها عنه
اخرجها بعد فترة ليست بالقليلة ليكوب وجهها بين كفيه، يتأمل ملامحها الجميلة متغزلا:
– وحشني اوي عيونك الحلوة دي يا صبا، انام بعد ما اشبع من البص فيهم، وأصحى على نورهم، اللي أدفى من نور الشمس، في بعدك لا كنت بعرف انام ولا كان ليا نفس أصحى، كل الايام واحدة وملهاش طعم في غيابك.
سالت دماعاتها مرة اخرى لتردد برجاء:
– كفاية يا شادي، انا كدة والله هكره نفسي .
– لا يا ست تكرهي نفسك دا ايه؟ دا احنا ما صدقنا.
قالها ليجذبها من يدها يتابع بمزاح:
– انا بقول نأجل كلامنا شوية، تسلمي على ماما، وبعدها نكمل ونكره بعض براحتنا.
استسملت له لسحبها حتى دلف بها الى داخل غرفة والدته، والتي فور ان رأتها، فتحت ذراعيها لها تتلقفها في احضانها، تعبر عن اسفها:
– سامحيني يا بنتي، غبائي هو السبب في كل اللي حصلك .
– خرجت من احضانها تنهاها:
– لا خالتي متجوليش كدة، دا في الاول والاخر نصيب، مش ذنبك انك اَمنتي لاجرب الناس ليكي، العيب ع اللي يستغل ومراعاش القربة ولا صلة الرحم، وعلى رأي شادي، الطيبة في الزمن ده بجت بلاء على صاحبها،
اومأت المرأة توافقها الرأي، لتتبادل معها حديث قصير ، قبل ان تخرج مع زوجها تتوجه إلى غرفة النوم التي كانت في بعض الأيام، تمثل اسوء كوابيسها.
مما ارتد بأثره الاَن على خطواتها التي ثقلت رغم تشجيع نفسها والحماية في زوجها الذي كان يصله احساسها ، حتى اذا دلفت داخلها تفاجأت بخلوها من الأثاث ، لتلتف اليه سائلة بإجفال :
– اوضة النوم فين يا شادي؟
– اتصرفت فيها .
قطبت عاقدة حاجبيها بعدم فهم:
– نعم!
لم يزيد في الحديث، ولكنه باغتها، ليقوم بإخراجها متوجهًا بها إلى غرفة اخرى، فتحها امامها لتفاجأ بغرفة نوم جديدة ومختلفة عن السابقة بل واجمل، تطالعها بانبهار وقبل ان تسأل، وجدته يجيب استفسارها:
– شوفي يا ستي انا اتصرفت في القديمة واتبرعت بيها، محبتش يتبقى اي ذكرى وحشة تفكرك باللي حصل، عايزها تبقى صفحة وانطوت ما بينا يا صبا، ايه رأيك فيها بقى؟ عجبتك؟
– جوي ، عجبتني جوي
تمتمت بها ضاحكة وقد ذهب عنها القلق وحل محله الإعجاب التام، تتأمل كل ركن بالغرفه، خزائن الملابس المتلئة بملابسها وملابسه، اشيائها النسائية العديدة من مستحضرات تجميل وعطور ارتصت بنظام على تسريحة المراَة، وفراش التخت المرتب، ليصدر تعقيبه على الآخير :
– معلش بقى، كنت عايز اعمل قلوب وحاجات بالورد الاحمر والشموع بس بصراحة معرفتش، حسيته هيبقى مسخرة، روحت لميتهم في الكيس اللي هناك ده، اهو جمب الدولاب .
وأشار بسبابته نحو احد الأركان، لتهتف هي به، وقد بلغت مشاعرها العنان:
– شااادي
– نعم
وما كاد ينهيها حتى وجدها تلقي بنفسها على صدره وتضمه بقوة:
– بحبك جوي يا شادي
ردد من مستوى طولها بلهجة تشوبها السخرية:
– بحبك جوي، هي دي اللي ربنا قدرك عليها يا صبا.
نزعت ذراعيها عنه قائلة بعدم فهم؛
– امال انت عاوز ايه؟
مال نحوها يجيبها بعملية، مقتطفًا ثغرها بقبلة قوية جامحة، بادلته تستجيب بشوقها اليه، ليرفعها بين ذراعيه بعد ذلك متوجهًا بها نحو التخت مغمغمًا:
– عرفتي بقى باللي انا عايزه، والله وهنعيد أمجاد شهرنا عسلنا من تاني يا صبا.
الفصل الثامن والعشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثامن والعشرون 28 بقلم امل نصر
تتبع الأمل وتدفعك غمغامة العشق على مواصلة الصبر.
حتى وانت ترى بأم عينيك نهاية الطريق الذي تسير فيه؛ تكذب عينيك.
تغلق أذنيك عن سماع النصائح.
تعطي أعذار وتكتم على غصتك.
فتعيش على الوهم
لكن مهما طال تحملك ثق ان لحظات الانفجار سوف تأتي لا محالة
فهي ابدًا لا تكون من فراغ .
❈-❈-❈
قامت صباحًا تؤدي روتينها اليومي في اعداد الإفطار ثم ايقاظ اشقائها لتتناول معهم احب الوجبات في هذا الهدوء من الصباح، قبل الذهاب الى عملها والذي كانت تتجهز له في هذا الوقت .
تلف حجابها بالطريقة العصرية والذي بدأت تتكيف عليها لتتناسب مع الملابس التي اصبحت مع التركيز هذه الأيام تجيد اختيارها، لتليق مع منصبها كامرأة عاملة على مكتبها في وظيفة يتمناها عدد لا بأس به من الشباب
انتهت من اللمسات الاخيرة لتهم بالذهاب، وقبل ان تتناول حقيبتها، دوى هاتفها بتلك الرسالة اليومية منه، لتبتسم وهي تقرأ بتأني الكلمات.
– (( صباح الجمال على الملكة المتوجة على عرش قلبي ))…… (( مستنيكي في عيشنا الجميل النهاردة متتأخريش))
وضعت يدها على موضع قلبها تسمع لصوت الخفقات التي تضرب داخل صدرها بقوة، بقدر ما تسعدها كلماته، بقدر ما يتعبها السؤال، إلى متى؟
لتسحب شهيقًا ناظرة إلى السماء متمتمة بتضرع إلى الخالق:
– يارب .
بعد قليل خرجت إلى أشقائها لتأخذ مجلسها وسطهم، تتناول لقيمات صغيرة وسريعة، فتشاركهم المزاح:
– براحة الدنيا مطارتش يا بيبة، الأكل لازم ياخد وضعه
علقت بها عائشة تشاكسها، فتستجيب لها ضاحكة، لتقول:
– خلاص كبرتي يا شبر ونص وهتشوفي نفسك علينا.
– سبيها يا بيبة تعيش الدور، دا انتي لو تشوفي عمايلها
كمان في الكافيه، دي بتعاملنا كأننا شغالين عندها .
قالتها جنات، وعلق ايهاب هو الاخر:
– ايوة بقى متفكرنيش، انا لولا بقول لاصحابي انها اختي الصغيرة، لكانوا قفشوا هما كمان وسابوا الشغل من تحكماتها عليهم، مش فاهم انا، بتجيب الجبروت دا منين؟ والمصحف ما هي واصلة لحد صدري حتى .
ضحك الثلاثة لينالوا الرد من عائشة:
– يا حبيبي انا طولي مناسب لسني، انت اللي سارح لفوق بشكل غريب عن البشر، العيب فيك يا بابا .
قالتها لتعلو الضحكات مرة اخرى حتى نهضت بهجة، تقبل وجنة شقيقتها بعجالة قائلة:
– ولا تزعلي يا قلب اختك، انتي تؤمري وتتأمري، وهما اللي شغالين عندك، وجزاء للواد ابو طويلة ده، هو اللي هيلم الباقي من الاكل دلوقتي، والبنت الناعمة اللي جمبه هتغسل المواعين.
صاحت جنة معترضة:
– طب وانا ايه ذنبي يا عم؟ هو شايف نفسه بطوله، انا نعومتي بقى ضرتكم في ايه؟
قالتها بدلع جعلت عائشة ترفع طرف شفتها بغيظ زاد من تسلية اشقائها، لترد بهجة:
– اهو كدة بقى ، عشان تخشني شوية بدل المياصة اللي انتي فيها دي يا ناعمة، بنات اخر زمن .
تحركت بعد ذلك ترفع حقيبتها لتغادر ولكن اوقفها إيهاب يخبرها:
– صحيح يا بيبة نسيت اقولك، الواد عصام صاحبي بلغني امبارح ان بنت عمك سامية اتخطبت للواد طلال ابن صاحب ابوها.
– مين طلال…..
تمتمت بها، لتتذكر سريعًا، فهتفت بأعين متوسعة:
– اللي كان مسمي نفسه شيكاغو المنطقة.
ضحك يؤكد لها:
– هو بعينه والله، سبحان الله كانت اكتر واحدة تتريق.
❈-❈-❈
أما هو فقد خرج إلى والدته التي استيقظت باكرًا لتسقي بيدها الورود في الحديقة ، تذكره بعادتها قديمًا، والدته الجميلة والبهية، ليتها تعود لطبيعتها معه ايضًا:
– هتفضل تبصلي كدة كتير؟
توجهت له بالسؤال تظهر له انتباهها لنظراته المصوبة نحوها منذ البداية ، ليأتي رده بابتسامة رائقة:
– معلش بقى، سحرني مشهد الهانم وهي بتسقي الزرع بإيديها، حاجة كدة يسجلها فنان متمكن في لوحة تشبه جمالك، صباح الجمال يا نجوان هانم .
تبسمت ساخرة رغم إعجابها بإطراءه:
– وبقيت تعرف تقول كلام حلو كمان يا بن حكيم ، على العموم مرسي .
ذكرها لاسم والده كانت له إشارة ليست جيدة على الإطلاق ليزوم بفمه قائلًا:
– اممم ، على العموم يا نجوان هانم انا عبرت باحساسي ساعة ما شوفتك، الجمال بيجبر العيون تبصله وتعجب بيه.
فغرت فاهها بابتسامة غير مفهومة لتقول:
– عندك حق الجمال دا شيء رائع، انا نفسي حسيت بإحساسك ده لما قومت وطليت على ازهاري، كنت مشتاقة اوي أراعيهم واهتم بيهم، لأنهم يستاهلو ، الوردة بتحب اللي يراعيها، وتفرح باللي يفرح بيها فتزيد جمال على جمالها، وتعيش اكتر كمان.
قطب مستغربًا لتعبيرها الاخير، حتى هم ان يسأل عن مقصدها، ولكنها تجاهلت لتذهب بخرطوم المياه نحو جهة اخرى من حوض الزهور.. ليضطر في الاخير ان يذهب يمط شفتاه بعدم فهم.
❈-❈-❈
وصلت إلى مقر عملها، لتقع عينيها على أبن عمها سامر واقفًا في إحدى الزوايا وكأنه في انتظارها،
ليتوفق برؤيتها ولأول مرة منذ انتقالها إلى منزل اخر، وتتقابل عينيها بخاصتيه، لقد علمت من صباح بمجيئه إلى هنا عدة مرات للسؤال عنها ولكنه كان يرجع خالي الوفاض دون الحصول على معلومة مفيدة، اختفى بعد ذلك حتى ظنته نسي ان لها ابناء عم من الاساس، ولكنه ها قد عاد،
وعلى عكس ما توقع بهروبها من امامه، فاجئته هذا اليوم لتقترب بخطواتها نحوه تبادره بحديثها؛
– ايه الحكاية يا بن عمي، لتكون مستني؟ ولا جاي تسأل على حل.
تبسم بعدم تصديق انها هي من جاءت لترحب به، وامتدت كفه يتلقى مصافحتها بلهفة، ويجاري مزاحها:
– والله انتي ادرى باللي جيت كذة مرة اسأل عليها، وانتظرت كمان بالساعات وبرضو مقدرتش اشوفها، وكأنها بتختفي زي الزيبق من قدامه
تبسمت بحرج تتقبل عتابه :
– معلش بقى هي جات كدة، بس اكيد يعني لو شوفتك في وشي زي النهاردة، مكنتش هتهرب منك ولا من الكلام معاك، انت برضو في الآخر أبن عمي وانا ما شوفتش حاجة وحشة منك.
تنهد بارتياح وقد اسعده كلماتها، ليعبر عما يكتنفه من الداخل:
– متعرفيش يا بهجة كلامك ده بيأثر فيا ازاي؟ انا عارف انك شايلة يا بنت عمي وليكي حق، ولذلك انا مرديتش أضيق عليكي ولا ازعجك ، حتى لما عرفت بعنوان بيتكم والكافيه، فضلت ان اطمن من بعيد لبعيد ، لحد ما القلوب تصفى ، مع ان كان نفسي أحضر افتتاح الكافية واتعزم زي شادي ورحمة عيال عمتي.
رمقته بدهشة:
– يا نهار ابيض، يعني انت كنت حاضر يوم الافتتاح، طب ليه مجتش يا سامر، طب والله كنا هنرحب بيك
لاحت بزاوية ثغره ابتسامة باهتة يخبرها:
– انا عارفك هترحبي بيا، بس كنت هبقى زي الضيف يا بهجة، وارجع اقولك برضو ان مش عاتب عليكي ، لا انتي ولا اخوتك
كان يتحدث بسجية معاتبًا وهي تقبلت عتابه ترضيه بكلمات رقيقة ومحسوبة في حديث سريع دار بينهم قبل ان تدخل لنوبة عملها، غافلين عن نفس خبيثة توقفت بسيارتها بمسافة بعيدة إلى حد ما، ولكن تمكنها من الرؤية جيدا والتقاط الصور ايضًا، ربما أتت من خلفها بفائدة؛ تتحين الفرصة لها منذ وقت طويل تراقب وتجمع المعلومات، في انتظار هفوة ولو صغيرة منها، تساعدها لتتقدم في تنفيذ ما تريد.
وظلت محلها حتى انصرف الاثنان، كل إلى وجهته، بهجة إلى مقر عملها في المصنع، اما هو فقد اتخذ طريقه في الجهة المعاكسة للمغادرة،
قادت سيارتها تتبعه حتى انعطف في طريق اخر مختصر قليلًا قبل ان يصل إلى العمومي، فواصلت حتى اقتربت منه تبطء من سرعتها، ونادت من نافذة السيارة.
– انت يااا يا اسمك ايه؟ يا حضرت ياااا.
انتبه اخيرًا ليلتف نحوها ويشير بسبابته نحو صدره:
– انتي بتكلميني انا
– اه بكلمك، ممكن خدمة لو سمحت؟
اضطر للتوقف لينتظرها حتى توقفت بمكان جيد إلى حد ما للوقوف بالسيارة ثم ترجلت منها تقابله في وقفته متحدثة بلطف ورقة تتصنعها:
– اسفة لو خضيتك، بس انا بصراحة لما شوفتك واقف مع بهجة زميلتي في المصنع، شدني الفضول عشان أسألك، هو انت تبقالها ايه بالظبط؟
قطب مستغربًا السؤال :
– انا ابقالها أبن عمها، بس انتي ليه يشدك الفضول يعني عشان تعرفي بصفتها ايه عندي؟
تحفزت كل خلاياها لتواصل بمزيد من التأكيد:
– يعني انت أبن عمها اللي كان كاتب كتابه عليها؟ او طليقتلك بمعنى أصح.
لا يعلم ما الذي طرأ برأسه وقتها؟ ربما الارتياب،، ربما التوجس، ولكنه وجد نفسه ينطقها وبدون تفكير:
– اه انا في حاجة بقى؟
انتعش داخلها حتى كادت ان يظهر على ملامحها، وقد تيقنت انها أصابت هدفعا بعد اعترافه بما كانت تتمنى، لتتمالك فرحتها مذكرة نفسها بالطرف الاخر والذي تضعه احتياط لوقت استعماله في خطتها وها قد أتى وقته، فترتدي ثوب المسكنة في الرد عليه:
– انت ليه حضرتك متعصب عليا؟ انا بسألك لغرض جوايا، اصل بهجة دي بتصعب عليا اوي، ونفسي بجد الاقي اللي يساعدها في محنتها، بس انت شكلك معندكش وقت ، او يمكن هي عايزة تخبي عليك، انا آسفة……
– استني هنا
صدرت صيحته فور ان استدارت عنه، ليلتف مقابلا لها ، وقد أشعلت رأسه بقولها:
– انا عايز اعرف بالظبط بتتكلمي عن ايه؟ بنت عمي انا مالها ؟ وايه المحنة اللي هي فيها .
اعتلى الأسى ملامحها، وقد اجادت تصنعه بجدارة، لتجيبه بدراما:
– انا طبعا هضطر اقولك عشان اتوسمت فيك خير، بما انك أبن عمها وطليقها سابقًا فاأكيد مش هيرضيك اللي بيحصل معاها، بهجة يا حضرة طول الوقت بتتعرض يوميا للمضايقات، من واحد بيشتغل معاها في نفس المصنع ، بيفرض نفسه وعايز يتجوزها بالعافية ، لكن هي مضطرة للسكوت عشان لقمة عيشها متتقطعش من المصنع وتضيع هي وأخواتها ..
أشتدت ملامحه بصدمة،
– مضايقات! مضايقات يعني ايه بالظبط؟
– ممصايقات يا اخينا، متعرفش يعني ايه مضايقات؟ دي بتوصل احيانا لتحرشات
– تحرشات…. انتي بتقولي ايه يا ست انتي؟ حضرتك فاهمة معنى كلامك ده ايه؟
ازعجها اسلوبه الحاد نحوها، ولكنها اخفت لتبدي تعاطفها:
– انا عارفة ان الكلام ضايقك، وعندك حق، امال اتكلمت معاك ليه؟ على العموم لو مش مصدقني، روح واتأكد بنفسك، اسأل عن واحد اسمه تيم كان زميلها في قسم التفصيل قبل ما تطلب نقلها لشغل إداري عشان تخلص منه، لكنه برضو مش عاتقها ، قابله واتكلم معاه وانت تفهم لوحدك، على العموم انا عملت اللي عليا، عن اذنك حضرتك .
قالتها وتحركت تستقل سيارتها لتعود بها وعيناها في المراَة منصبة عليه ، تراقبه عن كثب، بعدما القت برأسه جذوة الفتنة، شرار عينيه مازال مسلطًا عليها وعلامات الشك والغضب تعتلي ملامحه، تقود ببطء شديد في انتظار تحركه، والذي لم يطل كثيرا، لتتهلل اساريرها حين وجدته، يندفع عائدًا بخطوات سريعة، يبدو جليًا تحفزه، وكأنه على وشك الدخول إلى معركة،
هذه هي فرصتها في التسبب لها بفضيحة، عراك بين طليقها وحبيبها الحالي في قلب محل عملها، فتصبح علكة في الافواه، تتشوق جدا لمشاهدة رد فعل رياض، حين يرى المرأة التي اغوته وهي تتلاعب بقلوب رجال غيره.
❈-❈-❈
في لحظات قليلة
كان سامر قد وصل الى المصنع عائدًا اليه، ولكنه هذه المرة اتخذ خطواته نحو الداخل ، متخليًا عن تحفظه المعتاد ، يريد التأكد منها عن صحة ما سمعه ، وان صدق حديث الأخرى، سوف يلقن هذا التيم درسًا لن ينساه
كانت هي قد سبقته في الوصول، فراقبته من بعيد وهو يسأل ويقدم مبرراته إلى رجال الأمن كي يسمحوا له بالدخول إلى ابنة عمه، فسار معه احدهم حتى توقف به اسفل المبنى الذي تعمل به بهجة، فيأمره بالانتظار حتى صعد اليها يطلبها، فنزلت بعد لحظات قليلة بهلع عن سبب عودته .
إلى هنا ولم يعد هناك وقت للانتظار، تحركت سريعًا نحو قسم التفصيل، لتجد العمال على وشك البدء في العمل، وهذا المدعو تيم يتسامر كعادته مع صباح وبعض العاملات الاتي يتناولن معه بعض الشطائر للإفطار
دلفت اليهم تتبختر بخطواتها توجه الحديث إلى صباح، بانتقاد كالعادة حتى تجعل دخولها يبدو طبيعي:
– ما شاء الله، لساكم بتفطروا يا صباح وشيفت العمل عدى عليه خمس دقايق .
انتفضت صباح تبرر لها والطعام في فمها:
– اديكي قولتيها يا لورا هانم خمس دقايق بنفطر فيهم، وادينا هنشتغل على طول .
– اممم
زامت بفمها ثم تابعت تلقي بأمرها وتوصل ما تبتغيه:
– ماشي يا صباح، متنسيش بس تعدي عليا النهاردة عشان عايز اخد منك شوية معلومات عن التوريدات الجديدة، وعلى العموم خدي راحتك، ما هو غيرك حولها لمشاكل شخصية، انا جاية دلوقتى شوفت الست بهجة واقفة مع طليقها باينهم بيتخانفوا في قلب المصنع.
– طليق مين؟ هي بهجة متجوزة اصلا؟ انا اعرف ان كان مكتوب كتابها وانفصلت على كدة .
ردد بها تيم بعصبية في استجابة سريعة وقد ابتلع الطعم، لتصحح صباح بما تعلمه:
– ايوة فعلا كان كتب كتاب، بس هو ايه اللي هيجيب سمير هنا وهي عزلت اساسا من عندهم؟
– بتقولك بيتخانق معاها يا ست صباح ، انا رايح اشوف العيل التنح ده.
قالها متحركًا للخروج سريعًا وتبعته بالطبع صباح لتمنعه عن التهور:
– استني يا بني لما نفهم الأول.
تبعها عدد من الفتيات ليستطلعن الامر، فتطالعهم هي بمرح، غير عابئة بمصلحة العمل التي دخلت تتغنى بها فتوقفهم، بل وتحركت خلفهم بانتشاء ، لتعود إلى محلها وتراقب من علو ثمار خطتها.
❈-❈-❈
اما عند بهجة والتي كانت بحالة من التشتت وعدم الفهم، في تفسبر اندفاع الاخر وأسألته الغريبة الموجهة اليها:
– يا بهجة بسألك عن اللي اسمه تيم ده، مبتجاوبيش ليه؟
– أجاوبك اقولك ايه؟ انا اساسا مخضوضة منك ومن سؤالك عنه، تعرفه منين عشان تيجي تعمل تحقيق عنه، وليييه؟
– من غير ليه يا بهجة، انا سمعت ان الجدع ده بيضيق عليكي وعايز يتجوزك بالعافيه، انا عايز اتأكد منك قبل ما اروحله واكسر دماغه لو طلع الكلام صح.
– تشلفط مين؟ تيم مغصبش عليا في حاجة؟
– طب يعني انتي موافقة على جوازك منه؟
– يا نهار اسود ، جواز ايه بس؟ انا مقولتش حاجة، انت جيبت الحوار دا كله منين اصلا؟
في هذا الوقت وصل المذكور يجدها تبرر بانفعال، جعله يتدخل على الفور:
– مالك متعصبة ليه يا بهجة؟ هو اخينا دا جاي يضايقك في حاجة؟
وقبل ان يصدر ردها لتصرفه، سبقها سامر:
– ايه اخينا دي كمان، وانتي مين اساسا عشان تدخل ما بينا؟
– انا تميم زميلها هنا .
– يا حليوة وجايلي برجلك .
تفوه بها سامر في رد سريع ليباغته على الفور، ممسكًا بتلابيب قماشه هادرًا به، يجفله ويجفل بهجة ايضًا:
– لأ وليك عين كمان تيجي في وشي وتبجح، دا انت نهارك مش فايت .
وكانت البداية للشد والجذب والشجار بين الاثنان وبهجة الضحية تحاول الفكاك بينهم ، حتى تدخل عدد من الرجال للفصل.
فقدم هو في هذه الاثناء منتبهًا لهذا التجمع قبل ان يلج داخل المصعد، حتى اذا وصل لطابقه تلقفته لورا من وسط الطريق:
– رياض باشا انت وصلت؟
وجه لها الحديث بعصبية:
– ايوة وصلت يا لورا وشوفت المهزلة اللي تحت، انزلي وشوفي مين المسؤول عن الخناقة دي وحاسبيهم، احنا مش في شارع هنا.
– مش محتاجة اشوف يا باشا، الخناقة اصلا على بهجة.
توقف في وسط الطريق المؤدي الى غرفته، فور ان دوى الاسم بأسماعه ليلتف اليها بنبرة مخيفة مرددًا:
– الخناقة على بهجة ازاي يعني؟ انا عايزة افهم.
بقلب يرقص فرحًا في الداخل، رسمت الجدية لترد بمهنية خالصة:
– دا الكلام اللي داير يا فندم بين العمال ، طليقها السابق جاي يتخانق مع تميم زميلها بعد ما وصلو الكلام عن علاقة حب تجمع ما بين الاتنين، وانهم بيخططو للجواز.
هل رأت الجحيم بعيناه الاَن، نعم تجزم بذلك، وقد تبدلت ملامحه حتى توحشت بشكل لم يسبق ان رأته منه سابقًا على الإطلاق، وبدون ادنى استفسار اخر ، ارتد بأقدامه نحو المصعد الذي خرج منه توًا ، ليهبط مرة اخرى ويرى بنفسه، غير مباليًا بوضعه من الاساس.
– المهزلة اللي هنا دي تنفض دلوقتي فورا، والمسؤولين عن الخناقة يتحركو حالا مكتب شئون الموظفين مع مدير المكتب نفسه.
كانت هذه صيحته الجهورية، التي اصمتت الجميع وجعلت اعداد المتجمعين تنفض شيئًا فشيئًا حتى صفصفت على أصحاب الشجار، سامر والذي كان يلهث من فرط انفعاله، وتيم الذي تمزق جزء كبير من القميص الذي يرتديه وصباح تقف في الوسط كحاجزًا لعدم عودة العراك، اما بهجة فقد خارت قواها لتسقط جالسة على احدى درجات السلم الضخم الذي كانت تقف بجواره، غير قادرة على مواجهة غضبه، شاعرة بتحطمها لأشلاء لا حصر لها، وكأنها كانت تنقصها هذه الفضيحة لتصب مزيدًا من التوتر في علاقتها معه.
❈-❈-❈
داخل غرفتها التي اصبحت تلتزمها منذ ايام، في تعبير عن رفضها واعتراضها على ما تم اتخاذه من إجراءات غير عادلة في حقها من وجهة نظرها، بفضل شقيقاها اللذان استغلا ما حدث أسوء استغلال
وكأنهما كانا في انتظار الفرصة لينتقما منها،والدتها التي كانت الداعم الاول لها دائمًا اصابها الخرس وقلة الحيلة عن الدفاع عنها،
والدها الذي ركض إلى صديقه والذي بدوره لم يكذب خبر وقدم هو وابنه في نفس اليوم لقراءة الفاتحة، اللعنة على هذا الكابوس، الا يكفي احساس المهانة وما سمعته من توبيخ على لسان الضابط المسؤول وتوجيه النصائح لها لتعود عن طريقها الى طاعة الخالق، وكأنها الوحيدة من فعلت هذا الأمر، والفضل يرجع بالطبع لهذا الشيخ الغبي والذي طمع في جمالها وشبابها رغم تعامله الدائم مع والدتها، ولكن لسوء حظها حدث ذلك.
جمالها الذي اغوى الشيخ وجعل طلال الاحمق يظل متمسكًا بها رغم رفضها، لم يؤثر في الرجل الوحيد الذي ارادته
– اه يانا يا حسرتي.
تمتمت بالكلمات بصوت مسموع لنفسها، قد خسرت حتى المحاولة مرة اخرى، بعد اتصال شادي واخبار والدتها انه عرف كل شيء وغير مرحب بأي فرد يبتغي الاذية لعائلته الصغيرة وقد استرد مرة اخرى زوجته بعد ان ذهب منها السحر وشفيت تمامًا.
– يا بنت المحظوظة
– مين هي دي اللي محظوظة يا بت؟
صدر السؤال من والدتها التي عقبت به مستفهمة وهي تلج اليها.
فالتوى ثغر ابنتها لتجيب ضاربة بكفها على ظهر الاخر مرددة بحنق:
– اهي واحدة وخلاص، ناس ليها شادي وناس ليها طلال.
غمغمت الاخيرة بوضوح وصل الى درية، لتمصمص بشفتيها بعدم رضا وتجلس بجوارها على التخت مرددة:
– ايوة يا ختي، ما الدنيا صفصفت ع الرجالة ومبقاش فبها غير سي شادي، ما تصحي يا بت الهبلة، واعرفي ان بعد عملتك الاخيرة اي امل ناحية المحروس خلاص بح، يعني فوقي لنفسك وافتكري عريس الهنا اللي اتقرت فاتحتك عليه من يومين .
صاحت بها بغيظ:
– انتي بتبكتيني ياما، طب سيبي الكلام ده لولادك وجوزك، اللي فرحانين فيا وماصدقو، دا بدل ما يقفوا جمبي ويطبطبوا عليا بعد اللي حصل، فاكرين انهم هيكسروا عيني لكن لا وربنا ما هسكت بعد كدة، انا اتاخدت على ماشمي اول امبارح لما سبتهم يقروا فاتحتي على الواد الأهبل ده، بقى انااا سامية اللي امشي على الارض اخبل الناس بجمالي اتجوز ده طلااال.
صدر صوت استنكار من درية لتردف بسخرية:
– اسم الله عليكي وعلى حواليكي يا ختي، اهدي يا عين امك ومتسوقيش فيها، فرعنتك دي كانت تمشي الأول، انما دلوقتي اخوتك متحلفنلك وابوكي شايل ايده، وانا خلاص بوقي اتخرس، بعد اخوكي سمير ما فهمها، يعني لو اتكلمت بأي حرف هيفتحلي القديم والجديد وكله بسببك….. عشان لو كنتي خدتي شورتي من اولها مكنش المنيل ده طمع فيكي .
سمعت منها لتغمرها غبطة بغباء تفكيرها:
– اديكي قولتيها بنفسك، الراجل اللي طول عمره ماشي تمام معاكي، جاه ومقدرش يمسك نفسه معايا، عشان انا حلوة واستاهل حد قيمة وسيمة، مش طلال اللي مبهدل في نفسه وشكله يعر.
– يا ختييييي
تمتمت بها درية لتمسك بطرف قماش بلوزتها مرددة بنفاذ صبر:
– هتموتني في هدومي منك لله يا بت الهبلة، نقول طول تقولي احلبوه، نقول طلع ديله نجس تقولي عشان مقدرش يتحمل جمالي، طيب يا عين امك ، انا جيت ابلغك ان عريس الهنا جايلك المسا عشان يقعد معاكي النهاردة وابوكي قالي ابلغك تجهزي نفسك، كدة بقى اشوف اللي ورايا واجهزله حاجة ياكلها
قالتها لتنهض من جوارها ، فتعلق سامية باستهزاء:
– اجهز نفسي، لا كمان احط له مكياج ولا البس حاجة نضيفة، هو كان يطول اصلا
❈-❈-❈
وبداخل غرفة شئون العاملين كان الجدال المحتدم بين شقي الشجار بحضور المتشاجربن مع صباح والرجل المسؤول عن التحقيق معهم، وبهجة الجالسة على مقعدها، وكأنها في كابوس تتمنى الاستيقاظ منه؟
– حضرتك انا اتفأجات بالراجل ده وهو بينفعل على بهجة، وأدخلت عشان مش حقه اساسا يجي هنا .
– وانت اللي من حقك تضيق عليها وتتحرش بيها هو الجواز بالعافية
– الكلام دا تقوله لنفسك مش ليا، انت اللي فارض نفسك عليها وهي رافضاك
تدخلت صباح امام انهيار المسكينة، والتي فقدت النطق تقريبا ولم تعد بها طاقة للتحدث:
– ممكن انتو الاتنين تسكتو ، يمكن تفهمو، اولا يا تميم يا بني، دا يبقى ابن عمها بس، اخوه هو اللي كان متجوزها، وانت يا استاذ سامر، لازم تفهم ان كلامك كله عن تميم غلط، هو لا عمره ضيق ولا اتحرش بيها، واللي فهمك الكلام دا واحد عايز يوقع ما بينكم .
صاح سامر:
– يعني ايه؟ صاحبتها اللي بلغتني كانت بتكدب عليا؟ طب ما انا شوفت بعيني اهو، والواد ده جه واتهجم عليا .
دافع تميم عن موقفه:
– انا متهجمتش انا كنت بس بردلك عشان تحل عن بهجة، اقسم بالله هو اللي ابتدا الخناق مش انا ، قوليلهم يا بهجة.
بالطبع لم ترد، فقد فقدت الرغبة بالتحدث عن أي شيء بعد الذي حدث .
ليصدر تعقيب صباح:
– استنوا هنا، انتوا الاتنين ، انا عايزة افهم دلوقتي، مين من زميلاتها اللي بلغتك يا سامر؟
وقبل ان يجيبها جاء النداء من مدخل الغرفة من احد السعاة:
– الآنسة بهجة تحضر فوق، رياض باشا طالبها بنفسه
وكأنها كانت في انتظاره، نهضت على الفور تتحامل على اقدامها التي كانت تحملها بصعوبة ناظرة نحو الرجل تبلغه:
– ماشي يا عم إبراهيم، انا طالعة حالا .
عقب سامر :
– وهو يطلبها ليه لوحدها؟ هي متخانقتش اصلا.
– ايوة صح، لو عايز يحاسب، يحاسبنا كلنا .
قالها تميم هو الاخر، لتطالعهم بابتسامة ساخرة تملؤها المرارة وكأنها سمعت مزحه منهما، اما صباح فقد ربعت ذراعيها امام صدرها تتنهد بغيظ نحوهم قائلة:
– سيبوها في حالة بقى لحد كدة وخليكم في نفسكم، روحي يا بنتي شوفي اللي وراكي، دول مش هيفضوها سيرة النهاردة.
اذعن الأثنان لرغبة المرأة واضطرا للسكوت لتخرج بهجة، وحديث نفسها من الداخل:
– لقد اَن الأوان، فهذه هي اللحظة الفارقة في علاقتها به، والتي كانت تنتظرها من البداية وها قد جاء موعدها.
لا تستهين بامرأة قد يراها البعض ضعيفة لصفتها انثى ولا يعلمون ان قوتها تكمن في ضعفها.
تمتلك الشجاعة ولكن تنقصها الحكمة بعض الأحيان في اتخاذ القرار.
قادرة على الاستغناء ولكن قلبها الضعيف هو من يقيدها.
فهذا سبب كبوتها.
ولكن حينما يتحول هذا القلب إلى عدو ويتعارض مع كرامتها…. تستطيع الدعس عليه مهما أوجعها الألم.
❈-❈-❈
صعدت اليه في الطابق الذي يجمع غرفتها مع زملائها من جهة، والجهة الأخرى تضم غرفة مكتبه مع مديرة مكتبه الخاص
والتي فور ان التقت عينيها بخاصتي بهجة، وقفت تستقبلها بابتسامة منتشية، وكأنها كانت في انتظارها،
وها قد حققت مبتغاها ولم يبقى الا اللمسة الأخيرة، ليتها تجد الوسيلة لترى ماذا سيحدث بينهما الاَن داخل الغرفة المغلقة:
– اهلا يا بهجة، متأخرتيش يعني.
رمقتها بهجة بشك وتعجب لهذه الحفاوة التي تستقبلها بها، ولكن صرفها سوف حالتها المزاجية عن التركيز معها، لتتمتم ردًا لها بفتور:
– ياريت كمان تدخليني على طول، ومتخلنيش انتظر.
– لا يا حبيبتي تنتظري ليه؟ ادخلي حالا اهو.
قالتها لتتقدمها وتفتح لها باب الغرفة، تنبه الاَخر لوجودها:
– بهجة يا رياض باشا.
اتخذت طريقها تتطلع نحوها باسترابة، قبل ان تلج الى داخل الغرفة الضخمة، وينغلق عليهما بابها.
فتجده جالسًا خلف مكتبه، بسكون تعرفه جيدًا، ذاك الذي يسبق العاصفة، عاقدًا حاجبيه بتعبيرات مشتدة، يتبع خطواتها بأعين ضيقة ونظرات تضيف اليها الرهبة، وربما تفسيرات أخرى…. سوف تتأكد منها الاَن، لتسحب شهيقًا قويًا داخلها، فتقف مرفوعة الهامة امامه قائلة برسمية:
– اتفضل حضرتك طلبتني.
طفى على ملامحه شيء من الإجفال تأثرًا بثباتها، ثم ما لبث ان يعود لجموده لينهض عن كرسيه قائلًا؛
– اه فعلا حضرتي طلبك، ما هو شيء طبيعي يعني، لما الواحد يعرف عن موظفة عنده انها اتسببت في خناقة كبيرة لرب ألسما، بين اتنين، واحد منهم كان طليقها اللي مكتوب كتابها عليه، والتاني زميلها اللي كانت عشمته بجوازه منها….. ولا ايه يا….. مدام بهجة.
شدد في الاخيرة بشكل ملحوظ وهو يجلس على طرف المكتب امامها، فيكن مقابلا لها، مربعًا ذراعيه، بنظرات رغم هدوئها لكنها قادرة على حرق من امامها، ولكن هل سيظنها ستخاف؟ بعدما ظهر من طريقته، انه قد حكم بالظاهر، ولم ينتظر نتيجة التحقيق،
لتقارعه بحدة معقبة على كل ما سبق، وتذهله بجرأتها:
– اولا مش هعلق على كلمة مدام دي لان انا فعلا مدام وانت الأدرى، اما بقى عن الاتهامات التانية ف انا مقبلهاش، لأني وبكل بساطة معملتش حاجة غلط، لا علقت تميم في غرامي ولا كان ليا دخل باللي وقفت ابن عمي في الشارع تبخ له بكلام عن تحرش زميلي بيا في العمل، يعني رد فعله لما يجي يتخانق معاه طبيعي جدا.
– طبيعي جدًا
ردد بها من خلفها كازًا على اسنانه رغم احتفاظه بهذه اللمحة من البرود يحجم نفسه بصعوبة أن لا ينفجر بها، فيردف بسخرية وصوت بدى كالفحيح، وقد اعماه الغضب والغيرة الشديدة حتى تشوهت الصورة بكاملها امامه:
– طبيعي ان ابن عمك اللي كان كاتب كتابه عليكي يقف لك كل يوم عند المصنع ويستناكي حتى بعد طلاقك منه، ولا التاني اللي حاطط عينه من زمان وانتي عارفة، يتخانق عشانك ويجازف بعمله عشان خاطر عيونك.
على صوت انفاسه وصدره يصعد ويهبط امامها ليكمل بما شطر قلبها لنصفين، وقد لاح بعقله صورة الأخرى، تلك الملعونة التي شتت اسرته الصغيرة وتسببت له بالماَسي والندوب التي لم يشفى منها حتى الآن:
– هما لو لقيو منك وش خشب يا هانم ولا رفض قاطع، كان هيفضل جواهم الأمل ويستانوكي، ولا يكونش دا قصدك من البداية والغبي اللي قدامك كان عايش في وهم انك بتحبيه؟
صدمها، لا لم تكن صدمة، هذا شيء تعدى الكثير والكثير، هذا صوت قلبها التي تسمع أنينه الاَن، كيف له ان يتحول هكذا للصورة البشعة؟ لقد حكم عليها دون ان يسمع منها او يرى ما يثبت برائتها، ايتوقع ان تعترف بخطأها ام تترجاه كي يصدق دفاعها عن نفسها ، لا والله لن يحدث
بقوة لم تعرف أتت من أين، ابتلعت غصتها كي تنهي كل شيء:
– انا شايفة انك كونت الفكرة وبتتكلم على أساسها، ومدام انا وحشة كدة في عينك وظهرت على حقيقتي قدامك، انا بقول يبقى كفاية كدة احسن .
انتفض مستقيمًا بجسده فور سماعه لكلماتها، لتزداد ملامحه قتامة، وخطا يدور حولها كالفهد بخطوات بطيئة تبث بقلبها الرعب، قبل ان يسألها بلهجة هادئة خطرة
– قصدك ايه بكفاية؟ كملى وقفتي ليه؟
ابتعلت تشجع نفسها على مواجهته، علُها تحل نفسها من هذا الاتفاق الخانق، لتركز ابصارها به دون خوف:
– مش محتاجة اكمل يا باشا احنا اتفاقنا كان على مدة محددة وكل واحد يروح لحاله، وافتكر يعني الكام شهر دول كانوا اكتر من المدة اللي كان عليها اتفاق…..
توقفت باضطراب يعصف بها، مع انتباهها لهيئته الغير مبشرة على الإطلاق، تستطرد بتردد:
– انا عايزة اسوي حاجتي في الشغل، وامشي بقى واروح لحالي، المحل عندنا محتاج اللي يراعيه، وانت كمان يا باشا اكيد هتلاقي غيري كتير…
– يعني عايزة تقولي انك شبعتي ومعدتيش محتاجة خلاص؟ وطبعا حالك ده اللي هو ابن عمك، او المغفل التاني، ما هم الاتنين قاعدين مستينيك؟
تمتم بها، وقد ضاقت عينيه، ليباغتها فجأة قابضًا بكفيه على ذراعيها يضغط بعنف، هادرَا :
– وليكي عين تقوليها في وشي يا بجحة، دا انت باينك اتهبلتي ولا عقلك طار منك، ولا نسيتي انا مين؟ وصفتي ايه بالنسبالك اصلًا؟
صرخت بدورها:
– لأ منستش، بس انت كدة كدة هتسبني، فيها ايه بقى لما اتجوز ابن عمي ولا غيره؟ ولا انا يعني هفضل من بعدك مترهبنة؟…
– بمزاجي، انا اللي احدد إمتى النهاية، وفي الوقت اللي انا عايزه.
صاح بها بأعين يكسوها الحمار، وبصورة ادخلت الرعب في قلبها، ليُضيف بشراسة اختلفت تمامًا عن طببعته الهادئة لدرجة البرود احيانًا:
– انا صاحب الكلمة العليا ، وانا اللي احدد ان كان في نهاية ولا لأ من اساسه، لان انا اللي اشتريت وانتي قبلتي، فاهمة معنى الكلام ده؟ ولا محتاجة افهك اكتر؟
حاولت نفض قبضتيه عنها لتضيف مما زاد من هياجه:
– لا مش محتاجة افهم، لأني تعبت ومعدتش قادرة، ابقى مراتك وحبيبتك في الضلمة، لكن في النور لا، غيرة وشك وفرض أوامر من غير تقدير لوضعي ولا لصورتي قدام الناس ولا اللي ممكن يظنوه فيا، بتتهمني ان معشمة الاتنين، ما انا لو لقيتك معترف بيا كزوجة محدش فيهم اصلا كان هيبصلي اصلا، انا بقى اللي بقولك زهقت، وخلينا نخلص من اللعبة البايخة دي، ارجع يا باشا للوسط بتاعك وشوف اللي تناسبك فيهم، وسيب بهجة تلاقي برضو اللي يناسبها.
– دا انا اموتك احسن، ولا اسيبك تروحي لحد غيري .
قالها وقد ازداد جنونه، ليهزهز جسدها بعنف زاد أضعاف، عقله يرفض استيعاب كلماتها من الاساس:
– عمرك ما هتكوني لحد غيري يا بهجة
وكأنها شجرة يقتلعها من جذورها ، لم ينتبه أنه تمادى إلا حينما سقطت منه, ليتلقفها على صدره بهلع مرددًا:
– بهجة، مالك يا بهجة؟ انا اسف يا قلبي اني اتعصبت عليكي
حملها بين ذراعيه حتى سطحها فوق الكنبة الجلدية في جانب الغرفة، يحاول افاقتها، يربت على كفها ووجنتها بخفة:
– بهجة، قومي يا بهجة، قومي يا بهجة متخلنيش اكره نفسي ارجوكي.
حينما ظلت على وضعها، انتفض من محله يركض إلى لورا مناديًا بجزع كي تأتي وتفيقها، فترى بأم عينيها ضعفه وخوفه، وترقبه بلهفة حتى فتحت عينيها على اثر الرائحة القوية للعطر التي اخترقت حواسها، فتهلل وجهه:
– هي كدة بتفوق صح؟
بغيظ شديد اغلقت على زجاجة العطر تبعدها عنها قائلة:
– ما هي فتحت عيونها اهي، يبقى اكيد فاقت يعني؟
وهي ايه اللي خلاها اغمي عليها اصلا؟
– تعبت ووقعت من طولها يا لورا، محصلتش معاكي قبل كدة، قومي قومي من جمبها خليها تاخد نفسها:
– اجيبلك دكتور يا بهجة؟
استعادت وعيها جيدًا تنتبه على سؤاله، وراسه اعلاها بشيء بسيط ، وتلك المتعجرفة ترمقها بمقت وغل، لتحاول النهوض بجذعها متحاملة على ألمها الجسدي والنفسي:
– انا كويسة والحمد لله
هتف مشيرا بكفيه يحاول منعها:
– لا استني يا بهجة، انا طلبت الدكتور وزمانه على وصول
ردت بجمود ورسمية:
– متشكرة حضرتك، دول اكيد شوية ضعف مش مستاهلة قلق.
حطت بقدميها على الارض، بعد ان ابتعدت عنها لورا، والتي اصبحت تمثل حاجزًا بينهما، حتى لا تمكنه من الاقتراب منها في كل محاولة منه نحوها :
– يا بهجة استني، انتي مش قادرة تصلبي طولك
ردت بإباء وقوة:
– لا اطمن يا رياض باشا، انا لو اتهزيت في وقفتي، برجع اثبت بسرعة عشان مقعش، لان عارفة ان محدش هيسندني غير نفسي، عن اذنك .
– طب استني هوصلك.
قالها يتراجع سريعًا نحو مكتبه فيتناول سلسلة المفاتيح من فوقها لتلحقه لورا على الفور تذكره:
– واجتماعك مع العملا، انت وكارم بيه هتعمل فيه ايه؟
– يتأجل يا لورا
صدرت منه بدون تفكير، لتثير على ثغرها ابتسامة ساخرة لم تصل لعينيها:
– وانا مقبلش يا رياض باشا انك تعطل نفسك، حمد لله رجليا شيلاني ومش محتاجة مساعدة حد.
قالتها بهجة وتحركت تغادر من امامه على الفور، غير قادرًا على اللحاق بها، بعد احراجه امام لورا التي تحدثت بعملية:
– انا رايحة اجيبلك الملفات المتأخرة، حضرتك من الصبح ماشتغلتش على اي ملف فيهم، عن اذنك.
زفر بقنوط ، يلقي المفاتيح من يده، ثم يرفع الهاتف إلى اذنه طالبًا سائقه:
– عم علي، اسمعني كويس .
❈-❈-❈
اما عنها فقد اتخذت طريقها للذهاب على الفور من الباب الخلفي، متجنبة المدخل الرئيسي وما يتبعه في المرور على صباح والأثنان المتشاجران، واي فرد قد يعرفها في المصنع، حتى العم علي الذي وكل بتوصيلها، دخل بنفسه ليأخذها ويخرج بها، ولكن حينما لم يجدها اضطر للسؤال عنها حتى وصل الامر إلى صباح، والتي ضربت بكفها على صدرها بهلع خوفًا من اختفائها المفاجيء، فخرجت تتخذ طريقها للذهاب إلى منزلها ومعها ابن عمها، حتى ود تميم ايضًا الذهاب معهم ولكن منعه الحرج وجلافة سامر الذي كان وشك ان يقتله حينما تفوه عارضًا الامر
❈-❈-❈
امام المراَة وقد تصدرت بجسدها امامه، تتمايل بشقاوة وتغير بلفات الحجاب الذي كانت تتعمد فرده كل لحظة بمشاكسة لهذا الواقف خلفها يبحث عن جزء ولو بسيط يهندم من خلاله ملابسه، حتى فاض به من أفعالها:
– يا بنتي بقى اهمدي، عايز اشوف القميص مظبوط ولا مش متنيل، مش شايف حاجة خالص
التفت اليه تستمر في تمايلها:
– وانا اعملك ايه يا مستر شادي؟ حد جالك تنجي مراية صغيرة في أوضة النوم الجديدة ، كنت بحبحها حبتين واخترت مراية كبيرة.
اقترب يميل نحوها بغيظ لا يخلو من مرح في كل مرة تناكفه بأفعالها:
– ابحبحها برضو! دا على اساس اني جايبها قطع، مش اوضة كاملة، انت ناوية تجنينيني معاكي صح.
ضحكت بغنج:
– انا برضو يا مستر، عشان بس بنصحك، ليكون الراجل صاحب محل الموبيليا ضحك عليك واستخسر .
ضغط على كفها فزادت ضحكتها ليعلق بابتسامته الرزينة هو الآخر:
– لا هو فعلا ضحك عليا، بس انا بقبل بمزاجي، عندك مانع يا بنت ابوليلة؟ ولا تدفعي احسن وتسدي عن جوزك.
تدللت تلف ذراعيها حول عنقه ، وتشب على قدميها مرددة بدلع :
– لااا انت جوزي وحبيبي وكل حاجة، بس عند الدفع معرفكاش،
– طبعا وارثة النصاحة من ابو ليلة .
اومأت برأسها تقول:
– انا كنت دلوعة ابويا ، يعني عيبة في حقك لو مجلعتنيش انت زيه.
– كمان، مش بقولك ناصحة،
قالها ليقبل الوجنتين ثم يرفعها من خصرها ويحتضنها مردفًا بعشق:
– ادلعي على حس جوزك يا قلبي واعملي اللي انتي عايزاه، ربنا ما يحرمني منك ابدا يارب
– ولا منك يا حبيب جلبي .
قالتها تتشبث به هي الأخرى،
تأوه بلوعة؛
– ااه يا صبا، بحبها اوي منك والله يا جلب جلبي انتي، وشكلنا كدة مش رايحين الشغل النهاردة اللي متأخرين عنه اساسًا.
– انت اللي ماسك فيا مش انا
– والله
انزلها لتفك ذراعيها عن عنقه، عارضًا بخبث:
– ايه رأيك نضم أليوم دا كمان اجازة على الكام يوم اللي فاتوا؟ وناخده كله برا، نتفسح ونعمل كل حاجة نفسنا فيها.
اهتزت بكتفيها تدعي عدم الاكتراث، ثم تحذره:
– والله انت حر، بس استلقي وعدك بعد كدة مع المدير نفسه، دا هيشد في شعره منك.
ضحك يتناول هاتفه:
– طب احنا نعمل تيست اختبار نشوف هيسمح، ولا ناخدها من قاصرها ومنجيبش سيرة من اولها..
توقف ينتبه إلى ورود اتصال برقم غريب ، جعله يجيب على الفور حتى يعرف بهوية المتصل:
– الوو مين معايا؟…… مين؟ صباح اللي مع بهجة في المصنع؟….. هي بهجة حصل لها حاجة؟
❈-❈-❈
انتهى اخيرًا من الاجتماع الذي استغرق ساعات، مرت عليه بعذاب التفكير المستمر وعدم التركيز في اي بند، مما الزم كارم للتصرف بحنكته مع العملاء معظم الاوقات، ليأتي الان تعقيبه:
– ايه يا عم رياض؟ انت تقريبا مكنتش معانا خالص النهاردة؟
اوما يجيبه بضجر:
– انا فعلا مكنتش مركز معاك، دا غير ان كنت عايز أاجله اساسًا، وندمت اني منفذتش قراري.
– ندمت!
تمتم بها كارم بدهشة يراقبه ينهض من جواره، فيبتعد عنه ويهاتف احد الأشخاص، ثم ما لبث ان يصله الصوت بعصبية:
– ازاي يعني موصلتهاش؟….. وكمان متعرفش راحت فين؟……. انت بتتكلم في ايه يا عم علي…… لا في بيتها ولا عند أخواتها؟ ازاي يعني؟ طب اقفل طيب وانا هشوف بنفسي.
انهى المكالمة سريعًا وبعصبية ليتفاجأ بكارم بجواره يسأله بقلق:
– هي مين اللي اختفت، مش طنت نجوان خفت على حسب علمي؟
طالعه بصمت ليتحرك ذاهبًا من امامه يحادث الآخرى :
– ايوة يا صباح طمنيني على بهجة.
– بهجة!
تمتم الاسم من خلفه بعدم تصديق، مستندا بجسده على الطاولة يردف محدثًا نفسه:
– ياااه ، هي لدرجادي البنت أكلت عقلك يا رياض؟….. يا نهار ابيض، دي حاجة ولا في الخيال.
❈-❈-❈
في منزل خميس
وقد كان حاضر الان يرحب بعريس ابنته وزيارته الأولى بعد قراءة الفاتحة، يحتفي به بمبالغة كعادته, متجاهلا صوت الهاتف الذي كان يدوي صامتًا في جيب سترته
– يا أهلا وسهلا، نورتنا يا غالي يا بن الغالي، واد يا طلال بلغ ابوك اني زعلان منه، مجاش ليه الراجل ده معاك النهاردة.
تبسم المذكور وعيناه تذهب نحو الجيب الذي كان يضوي امامه كل دقيقة:
– تشكر يا عم خميس، بس هو كان هيجي على فكرة انا بصراحة اللي منعته، متزعلش مني، اصل لا مؤاخذة يعني، انا جاي النهاردة اقعد مع عروستي يجي هو بقى يقعد وسطنا عزول!
قطب يتطلع اليه بازبهلال شاعرًا بأنه حديثه فيه تلميح نحوه، صرف عن رأسه الفكرة حينما قدمت زوجته حاملة صنية العصائر والحلوى، ترحب هي الأخرى بطريقتها:
– يا أهلا يا أهلا بعريس بنتي، شرفت وأنست.
تناول منها الصنية يضعها امامه على الطاولة الصغيرة التي تتوسط الجلسة يرد بطريقته؛
– تشكري يا حماتي، بس مكنش له لازمة التعب.
ضحكت تأخذ جلستها على الكرسي المجاور لزوجها:
– تعب ايه يا حبيبي بس؟ هو انت هتسمي العصاير وحبة الكيك دي تعب.
تناول كوب العصير يرتشف منه،، موجهًا سؤاله نحو الاثنين:
– تسلم ايدك يا حماتي بس هي العروسة فين؟ ولا انا جاي اخد قعدتي معاكم؟
– هاا
تمتمت بها مجفلة لفجاجة السؤال، ولكن انقذها خروج ابنتها من الاحراج، لتردف مشيرة نحوها:
– اهي، العروسة جات اهي، عشان متقولش يا عم ان جاي تقعد معانا وبس.
قابل مزاحها ببرود قائلًا:
– لا ازاي بس يا حماتي؟ دا انتو الخير والبركة.
قالها ووقف يستقبل عروسه تلك التي صارت تتمايل وتتبختر بخطواتها امامه عن قصد، هو ليس بغافل عنه، فيستغل بمكره، يمشطها من رأسها والنصف الحجاب الذي يكشف اكثر مما يغطي من رقبتها وشعرها، زينة وجهها والمساحيق التي لا تتخلى عنها ابدًا، ثم هذا الفستان الضيق يجسم جسدها بالكامل، حتى ما ترتديه بقدميها البيضاء في ذلك الحذاء الذي يظهر الأظافر المطلية في الامام بصورة تثير الإعجاب.
ليتنهد واضعًا كفه فوق صدره ، والتي امتدت بعد ذلك نحوها فور ان اقتربت:
– يا مسا الجمال، أهلا يا عروستي
عبست بوجهها لترفع طرف كفها بتعالي، تبتغي ان تلامس كفه بقرف ولكنه كان الأسبق ليطبق على كفها بضغطة اجفلتها لتبرق عينيها بخضة نحو والديها الذان تطلعها اليه مزهولان وهو يسحبها من يدها التي مازال ضاغطًا حتى كاد ان يجلسها بجواره على نفس الاَريكة، ولكنها تشبثت في الأرض تنزع يدها عنه لتجلس على ابعد كرسي منه، ترد بصوت يتخلله الضيق:
– منور يا طلال.
عض على شفته بغيظ لفعلها، ليحط جالسًا محله يفرك بكف يده على فخذه زافرًا:
– ومالوا ما هو نورك برضو يا عروستي.
بملامح مكشوفة، تعبر عن ضجرها اشاحت بوجهها عنه، ليواصل الفرك بكف يده على فخذه متوجهًا بالحديث هذه المرة نحو درية:
– ايه يا حماتي، انا سمعت انك محضرالي عشا
للمرة الثانية يربكها بجرأته، لتنهض على الفور مرددة باضطراب:
– اه يا بني امال ايه؟ دا انا عملالك عشا ملوكي، ثواني هشوفه على النار.
تحركت ذاهبة نحو المطبخ وقبل ان يتفوه خميس بكلمة من خلفها، سبقه هو:
– ما تشوف التليفون اللي شغال يرن عليك من الصبح دا يا عم خميس، لتكون حاجة ضرروي، ولا ناس محتاجينلك..
– نااس محتاجنلي!
تمتم بها خميس يكتنفه احساس غريب، ان هذا الولد يعرف بهوية المتصلة، لينهض هو الاخر مرددًا بتلعثم:
– اا عندك حق يا بني، انا هروح اشوف مين.
– خد راحتك يا عم خميس.
قالها بصوت عالي جعلها تطالعه بذهول، غير مستوعبة الاريحية التي يتحدث بها وكأنه صاحب المنزل، ليصدمها مرة أخرى بنظراته الفجة نحوها، يمسح بلسانه على طرف شفته السفلى، يزيد من دهشتها، ويقفز فجأة تجده على الكرسي المجاور لها، مرددًا:
– عاملة ايه يا عروسة بقى؟
إلى هنا وتمالكت تنفض عنها الدهشة لتنهره بتكبرها المعهود:
– ايه في إيه؟ ما تظبط كدة يا عمنا، انت فاكرها زريبة….. ااه
صدر تأوهها الاَخير بعدما امتدت يده نحوها يقبض على لحم ذراعها ضاغطًا عليه بعنف محذرًا:
– لأ اصحي يا بت كدة ومتقليش أدبك، طولة اللسان دي ما تمشيش معايا، يعني تأدبيه من نفسك لاقصهولك
فغرت فاهها بصدمة سرعان ما استفاقت منها تحاول نزع يده من على ساعدها:
– اوعي ايدك دي عني لاصوت….
قطعت مرغمة، حينما حطت كف يده الأخرى على جانبي فكيها يضغط على الوجنتين قائلًا بفحيح:
– لأ فوقي لنفسك يا بت وحسك دا ميعلاش عليا، انا واخدك انقاذ موقف بعد فضيحتك مع شيخ الهم، ولا انتي فاكرة الكلام مطلعش وهيئتك كانت ازاي ساعة ما طب عليكي البوليس، انا مش هحقق معاكي، بس انتي لمي نفسك يا حلوة وبلاها النفخة الكدابة دي عشان مقلبش عليكي، انا صاين الود كدة وداخل بقلبي. يعني انتي كمان تراعي.
شخصت ابصارها لتتجمد امامه بصورة كادت تضحكه: فرفع كفيه الاثنان عنها ليردف بنعومة لا تليق به:
– معلش يا قلبي ان كنت خضيتك كدة من اول قعدة لينا مع بعض لوحدنا، بس انتي برضو لازم تاخدي بالك في الكلام معايا، ما هي الواحدة لازم تحترم راجلها عشان يحطها في عنيه ولا ايه؟
❈-❈-❈
اما عند اشقائها في منزلهم، وقد حل القلق على الأربعة بوجود صباح وسامر الذي لم يغادر محله منذ أتى، بعد بحثه عنها مع المرأة وعدم الحصول على نتيجة وافية حتى تجعلهم يغادرون مطمئنين، مما اجبرهم على الانتظار الان، لعلمهم الأكيد انها حتى لو تخلت واستغنت عن الجميع فهي لن تترك اخوتها ابدا دون ان تطمئنهم.
– الساعة داخلة دلوقتي على سابعة المسا، انا بدأت اخاف على بهجة لتكون حصل لها حاجة
تفوهت عائشة بالكلمات تعبر عن خوفها، لتنهرها على الفور جنات:
– تفي من بوقك يا عائشة، بلاش تفولي على اختك بحاجة وحشة
– يا جماعة انا مش بفول والله، بس قلقانة.
ردت صباح والتي انتابها الندم :
– يقطعني يا بنتي، انا اللي خوفتك، دلوقتي تتصل وتطمنا عليها.
تدخل سامر هو الاخر والذي اكتنفه نفس الاحساس ؛
– مش انتي بس يا ست صباح انا كمان غلطان، يا جماعة هي اكيد مضايقة من موقف الصبح، بس انا والله بضرب نفسي بجزمة قديمة، اني مشغلتش عقلي واتحكمت في عصبيتي ساعتها عشان أميز، لكن وربنا البت اللي لبستني العملة دي ما هسيبها، ولازم اربيها على عملتها معايا .
اشاح ايهاب بوجهه عنه مغمغمًا بضيق:
– واحنا مش هنخلص بقى من أذيتكم، حتى بعد ما عزلنا وبعدنا عنكم ورانا ورانا .
عقب سامر بحرج:
– عندك حق يا ايهاب، والله ما هلومك، على العموم يا بن عمي انا هطمن بس على بهجة وبعدها مش هتشوفوا وشي تاني .
دوى هاتف صباح بالرقم الذي تعلم هوية صاحبه، فزفرت بضحر، لتنهض مستنئذونة للرد عليه:
– عن اذنكم يا عيال هرد على التليفون بس .
وتحركت تبتعد بمسافة كافية كي تجيبه:
– ايوة يا باشا عرفت حاجة تطمنا.
– الله يخرب بيتك يا صباح، افهم من سؤالك ده انها لسة مرجعتش، هتكون راحت فين بس؟
– معرفش احنا دورنا كتير وفي الاخر قاعدين في بيتها هنا نستنى اهو.
وصله صوت زفرة قوية منه ثم قال بعصبية:
– ماشي يا صباح، بلغيني اول ما تيجي او تسمعي اي خبر عنها، وانا برضو مش ساكت وبدور عليها.
انهت معه المكالمة لتعود إلى جلستها مع المجموعة، فتتذكر سائلة:
– صحيح يا عيال، ما اتصلتوش ليه بنجوان هانم، مش يمكن تكون عارفة عنها حاجة.
❈-❈-❈
وفي جهة اخرى استيقظت من غفوة نومها الاختياري، لتجد نفسها داخل مكتب صديقتها المظلم، فتستنتج بمرور الوقت:
– يا نهار ابيض، انا شكلي اتأخرت اوي في نومتي .
ارتدت حذائها وخرجت بوجهها الناعس تغمغم مع نفسها :
– يا لهوي عليا لتكون صفية مشيت وسابتني في المكتب…..
– لا يا اختي انا قاعدة ومستنياكي هنا.
اتجهت نحو مصدر الصوت لتجدها جالسة في الردهة الخالية من الزبائن، بحضور شادي وزوجته ، والمفاجأة كانت نجوان.، والتي تبسمت تفتح ذراعيها وتتلاقها:
– ايه يا بهجة، حتفضلي واقفة مكانك كدة كتير. تعالي في حضني يا قلبي .
الفصل التاسع والعشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل التاسع والعشرون 29 بقلم امل نصر
اصطف سيارته بتلك الزاوية المظلمة، والتي تمكنه من الرؤية الجيدة لمحيط منزلها، حتى يتثنى لها ان يراقب ويتابع جيدا اثناء انتظاره لمجئيها، وذلك بعد تعب وبحث مضني، حتى اهتدى تفكيره لأن يقف هنا بسيارته، لعلمه الأكيد وكما قالت صباح، انه أن تخلت عن الجميع لن تترك اخوتها.
لقد مرت عليه ساعات من القلق ، كادت ان توقف قلبه، وهو يدور بالسيارة وينتقل من مكان إلى مكان، حتى المنزل الذي يجمعها معه، ايضًا ذهب اليه، رغم استحالة الفكرة إعتمادًا على غضبها منه، ولكن غباء تفكيره وحالة التشتت التي كان بها جعلته يرجح ذلك بعد يأس تمكن منه
كما يحدث الاَن، وقد احترقت اعصابه، وتمكن منه الاجهاد بجلسته خلف المُقود، يريد الإطمئنان عليها، تلك التي سلبت روحه، وجعلته هائمًا بها رغم كل عقده والأفكار التي نشأ عليها وبنى عليها خططه،
لكن تحديها اليوم جعله يفقد السيطرة ويلعنها ويلعن ضعفه في التمسك بهاء، يطمئن عليها أليوم، ثم يحاسبها ، نعم فهو لن يفوت ابدًا كلماتها، وحتى هذا الغياب لن يمرره دون عقاب، هي من أخطأت وتسببت بفضيحة لها في قلب المصنع نتيجة تهاونها.
اعتدل فجأة وانتبهت كل حواسه مع خروج احد الأشخاص من منزلها، دقق النظر والصورة تتضح رويدًا رويدًا حتى تأكد من رؤيته، هذا الاحمق ابن عمها الذي كان يتشاجر صباحًا مع تميم، ضاقت عينيه بغضب متعاظم وهو يتأمله، كم ود ان يخرج اليه ويحطم عظامه كي يقطع عنه أي امل في العودة اليها مرة اخرى، زفر ينفض رأسه غير متقبلا لفكرة انتمائها ولو على الورق لرجل غيره، هو زوجها الأوحد ولن تكون لأحد غيره الا بموتها…
انتفض لخاطره الاخير يتناول هاتفه ويضغط على رقمها، وحين لم يجد ردًا كعادتها منذ ساعات، بدل على الفور يتصل بصباح، الوحيدة التي يعلق عليها اماله الان، انتظر قليل حتى اجابته، ليصرخ بها:
– وبعدين يا صباح، لسة برضو مفيش اي اخبار؟ انا مسبتش حتة مروحتهاش ودورت فيها.
– لا يا باشا، ما انا عرفت هي فين دلوقتي حالا؟ اصلها اتصلت باخواتها وبلغتنا .
– بتتكلمي جد يا صباح؟ يعني اطمنتي عليها وسمعتي صوتها.
لم تخفى المرأة المحنكة لهفته الشديدة عليها، لتتأكد من ظنها بعشقه الجارف لها، تشفق عليه رغم عتبها وغضبها الشديد منه فتسارع في طمأنته:
– ايوة هي عند واحدة صاحبتها، طلبت مني اني اقضي الليلة معاهم عشان هي هتبات عندها.
سمع منها لتتحول نبرته من القلق الشديد، إلى غضب يقارب الهياج وهو يصيح بها؛
– نعم، تبات فين؟ هي اتجننت دي ولا ايه؟ يعني انا سايب شغلي ومصالحي، والدنيا كلها عشانها، عشان في الآخر تبلغك انتي بالهبل ده، خليها ترد عليا يا اروحلها البيت عند صاحبتها واللي يحصل يحصل.
حاولت صباح التخفيف من حدته رغم غيظها الشديد منه:
– يا رياض باشا، هي قالت انها تعبانة ومش قادرة تكلم حد، أخواتها نفسهم قدرو حالتها، وقبلو بغيابها عنهم الليلة عشان واثقين فيها وعارفين انها مش هتبعد كدة من فراغ ولا دلع .
قالت كلماتها الاخيرة بقصد فهم عليه جيدا، لتفحمه عن المواصلة، ويكظم غضبه بصعوبة زافرا بخشونة:
– ماشي يا صباح، هصبر واتحمل الليلادي وأما اشوف اخرتها ولا اخرة الزعل ده ايه؟ ماشي .
قالها وتحرك اخيرًا يدير محرك السيارة للذهاب، وفمه يغمغم بالكلمات الحانقة، لا يعجبه هذا الفعل ولا بتلميح صباح وكأنه هو الجاني، على اساس أنها لم تكن هي سببًا في كل ما يحدث:
– حتى صباح كمان بتوجه لك انتقادها يا رياض بس بشكل غير مباشر، انا مش فاهم انا كان عقلي فين ساعة ما صارحتني بعلم الست دي، غير التانية صاحبتها الست المحامية، يا ترى قولتي لمين تانية يا بهجة؟
❈-❈-❈
حينما تغلبك قسوة العالم، ولا يتبقى لك إلا قلب يحتويك، فاعلم أنك لن تكون خاسرًا ابدً.
الجنوب
في تلك الجلسة التي كانت تجمعهم حولها ، ورغم مرور اكثر من نصف ساعة إلا أنها لم تتركها حتى الاَن، مازالت تضمها وما زالت تربت على ظهرها وتمسح على ظهرها بحنان ، لتثير زهول الجميع وفضولهم ايضًا، ليتحدث شادي عما يعتريه:
– بصراحة انا مش فاهم لحد الآن، طيب يا مدام نجوان ما دومتي عارفة من الاول بموضوع جوازهم، ليه متكلمتيش مع ابنك وواجهتيه عشان يعلن جوازهم.
تبسمت له بصمت، ليأتي الرد من بهجة التي خرجت من حضنها تجيبه بنبرة يتخللها التأثر:
– مكانتش تعرف يا شادي، دي معرفتش غير قريب اوي مني.
– لا كنت اعرف من الاول يا بهجة .
قالتها نجوان لتجذب انتباه الجميع نحوها، فتردف بتنهيدة من العمق:
– انا والدة رياض، يعني اكتر واحدة تعرفه، زي ما كمان حب بهجة اتغلغل في قلبي من قبل ما حتى ما استعيد وعيي كويس، مش عارفة دا يتسمى ايه، بس انا دايما عندي احساس ان سبب تعافيا الاساسي هو بهجة نفسها،، او يمكن قصتها مع رياض، هتقولولي ازاي؟ هقولكم معرفش
– اكيد عشان انتوا الأتنين قلوبكم صافيه زي بعض.
قالتها صبا لتلعق بهجة التي تأثرت بقولها:
– لا طبعا مفيش اصفى من قلبها، بس انا برضو مش فاهمة، انتي بتقولي انك عرفتي قبل ما انا اقولك، ازاي طيب؟
تبسمت نجوان بثقة:
– والله انتي غلبانة اوي يا بهجة، يعني مفكرة عم علي الراجل العجوز دي هيقدر يخبي عني خصوصا لما ازن عليه، دا كان ناقص نبوية كمان تعرف، رياض مكشوف اوي، يمكن انتي متاخديش بالك، عشان مش انتي اللي مربياه
تدخلت صفية بإعجاب:
– والله دا من حظ بهجة، انها تلاقي ناس طيبة تحس بيها، وهي برضو تتحب وتستاهل والله واحدة زيك رغم ان ابنك عايزة القرص، متزعليش مني
قالتها بجدية اثارت ضحكات الجميع ليضيف عليها شادي:
– معلش الايام جاية يا حضرة الافوكاتو كتير، اصبري على رزقك .
– ليه هتعمل ايه؟
صدرت من بهجة بقلق رغم ادعائها غير ذلك، لتكن اجابته بصمت مبهم، ولكن زوجته لطفت تطمأنها:
– متجلجيش يا بهجة، ابن عمتك مالهوش في الاذية، هو آخره يقرص وبس.
اومأت رأسها رغم عدم اقتناعها، لتتذكر فجأة سائلة:
– صحيح انا معرفتش انتوا اتلميتو ازاي على بعض:
– تبادل الجميع النظرات مع الابتسام ليأتي رد نجوان اولهم:
– شغلي مخك يا بهجة، عم علي مفيش حاجة تخفى عليه، وبالتالي متخفاش عليا انا كمان،
فقال شادي:
– انا بقى تعبت شوية في اللف والبحث، بس لما افتكرت صفية قولت اسألها عنك يمكن تعرف مكانك لقيتها بتبلغني بوجودك معاها في المكتب،
توقف برهة ثم واصل بحرج ؛
– مراتي صراحة كانت معايا ساعة ما سمعت المكالمة، أصرت تيجي عشان هي كمان تطمن انتو عارفين بقى دماغ الصعايدة.
تبسمت بهجة تتغزل بصبا التي انتابها الخجل من كلماته:
– ومالهم الصعايدة يا عم، ما هم حلوين وجدعان، عايز ايه تاني ، دا انت ربنا كرمك بيها والله..
بادلتها صبا تعبر عن امتنانها:
– دا انتي اللي جمر وبدر البدور كمان، انا والله جلجت جدا وكان نفسي اطمن عليكي، بس انتي كنتي عايزة دكتور يفحصك ويشوف حالتك.
– لا انا كويسة والحمد
– وعرفتي منين؟
توجهت بها نجوان نحوها، لتستطرد بجدية:
– لازم دكتور يشوفك يا بهجة، ونطمن عليكي منه.
– ويعني هيكون فيا ايه بس؟ اكيد شوية ضعف .
قالتها بهجة لتنتبه على نظرات ذات مغزى موجهه نحوها، فهمت عليها لتنفي على الفور؛
– لا يا جماعة انا عاملة حسابي كويس من اول يوم،… ودا طبعا لانه مرسيني على الوضع من اوله.
قالت الأخيرة ببعض الحرج، غافلة عن تأثير كلماتها على من لم يعلم بالحقيقة كاملة الا الان، ليعتريه الغضب على الفور قائلًا :
– معنى كدة انه كان رافض الاولاد من الاول يا بهجة.
استدركت لتبرر بتلعثم:
– لا يا شادي…… اصل هو يعني… ااا احنا مجيبناش سيرة الاولاد من اساسه والله، بس انا كان لازم افهمها لوحدي،….
انهت تطرق رأسها بحزن، مما اجبره على عدم المواصلة، فقالت نجوان:
– متقلقوش يا جماعة، كله هيتصلح ان شاء الله، بس احنا برضو لازم نطمن، مفيش حاجة مضمونة، بكرة الصبح بإذن الله، هاخدك ونروح على المستشفى نعمل فحصوات كاملة
– مستشفي ايه؟
تسائلت لتفاجأها الأخرى بردها:
– المستشفى بتاعتنا يا بهجة، عند الدكتور هشام
❈-❈-❈
في اليوم التالي صباحًا
وداخل غرفة مكتبه حيث النقاش الدائر مع شريكه في إحدى الأمور الخاصة بالعمل، وقد كان امامه بحالة يرثى لها، تعب الأمس والقلق والتفكير المستمر، والذي منعه حتى من احذ القسط الكافي من النوم، حتى يستعيد نشاطه والتركيز في هذه الامر الذي يتم النقاش حوله،
حتى فاض بالاخر ليلقي الملف الورقي من يده على سطح المكتب بإهمال معبرا عن اعتراضه:
– مش معقول يا رياض، انا سابع مرة اعيد البند اللي عايزين نتفق عليه قي الصفقة، وانت ولا هنا خالص.
تحمحم يستعيد ذهنه ، ليجلي حلقه مبررًا بأسف:
– انا اسف يا كارم معلش، دماغي بس مشغولة بحاجة كدة، مضيعة التركيز مني
،
رد الاخر بتشكك؛
– حاجة برضو، رياض انا مش عايز أتدخل في امورك الشخصية احترامًا لخصوصيتك، والتعتيم اللي بتفرضو عليها، بس كدة لو هتوصل للضرر في الشغل، يبقى لازم انبهك
– قصدك ايه؟
توقف برهة ثم ما لبث ان يجيبه بمكاشفة:
– قصدي انت فاهمه كويس اوي يا رياض، ومن غير ما تفتكر اني متطفل او متعمد التدخل في شئونك، انا تقريبا فاهم اللي انت فيه والقصة اللي بتحاول تداريها عن الجميع ودا حقك، بس الشغل يستاهل التركيز….
توقف يسحب شهيقًا مطولا ويخرجه ثم نهض يلملم أوراقه متابعًا:
– انا بكلمك كصاحب يا رياض، وبعرض عليك للمرة التانية حتى لو انت رافض….. الوحدة مفيش ابشع منها….و انا تحت امرك في اي وقت تحتاجني فيه
انهى كلماته وتحرك مغادرًا على الفور، وظل هو على جلسته ينظر في أثره بشرود دام لحظات، وصفه عن الوحدة محقًا فيه تمامًا، وهو لم يكره شيء اكثر منه، ولكنها كتبت عليه، حتى الوحيدة التي احتوته وانتشلته من هذا الإحساس الشنيع تتسرب من بين يديه الان، ويبدو انها هي ايضًا تريد تركه، ولكن هذا ابدا لن يسمح به؟
عند خاطره الاخير، تناول هاتفه على الفور يجري اتصالا، كي يعرف منه اخر الاخبار:
– ايوة يا عم علي…… مظهرتش برضو بهجة؟……… مستشفى ايه بالظبط؟ وليه؟………. بتقول مين؟ الدكتور هشااام…….
خرجت صيحته الاخيرة بصوت عالي، يختم مع الرجل، ثم ينهض سريعًا، متناول اشياءه، استعداد للخرج، وقبل ان يتحرك نحو الباب وجدها تدلف اليه حاملة على يدها بعض الملفات قائلة:
– مستندات المورد الجديد للخامات يا فندم اللي كنت طالبه من شوية..
التف اليها يضع الهاتف بجيب بنطاله، يرد على عجالة واقدامه تتخذ طريقها نحو الذهاب:
– أجليهم بعدين لما ارجع .
هتفت تلحق به مندهشة:
– بس انت كنت طالبهم بسرعة عشان متأخرين على الدفعة الجديدة…..
توقفت فجأة ، وقد اكتشفت انها تحدث نفسها، بعد ذهابه السريع من امامها، وكأنه يركض ليلحق القطار، لتسقط بجسدها على الكرسي خلف مكتبها، واحباط ثبط عزيمتها عن المواصلة، وافقدها الحماس بعدما نبت بداخلها الأمل مرة اخرى بعد أحداث الأمس، وهذا الشقاق الذي صار بعلاقته بهذه الملعونة التي تقف حاجزًا بينها وبينه.
❈-❈-❈
بداخل المشفي
وقف العم علي مسافة بعيدة خارج المشفي، يتابع ولوجهم داخل المشفي، بمرافقة الطبيب الذي استقبلهم، وقد كان على علم بحضورهما من نجوان التي هاتفته مسبقا، وكالعادة فمه لا يتوقف عن الحديث ابدا:
– اول ما اتصلتي وبلغتيني انك جاية المستشفى تعملي فحصوات، قررت ااجل محاضرتي في الجامعة واكون في شرف استقبالك.
تبسمت نجوان تتقبل لطفه بامتنان شديد:
– مرسي اوي يا دكتور على زوقك، بس احنا مش عايزين نأخرك اكتر من كدة على طلابك.
– مجاتش على نص ساعة يعني، المهم نطمن عليكي يا نجوان هانم، وانتي يا بهجة، مش ناوية بقى ترجعي لكليتك تاني؟ انا شايف انك شطورة واكيد هتعدي وتتفوقي كمان
صمتت قليلًا بتفكير ، وكأنها تذكرت شيئًا تائهًا منها، ثم نقلت بابصارها نحو نجوان، تستدرك لسبب مجيئها اليوم، ف انتظار معرفة النتيجة التي ستتوقف عليها اشياء كثيرة بعد ذلك، فتأتي اجابتها اخيرًا بيقين:
– ان شاء الله يا دكتور، مهما كانت الأسباب اكيد راجعة.
❈-❈-❈
خرجت من منزلها وذلك الحبس الإجباري داخله اخيرا، لترا نور الشارع بعد انقطاع دام ايام، عقب حادثة الدجال وقسم الشرطة، ثم خطبتها من هذا الاحمق الذي يظن انه سيفرض كلمته عليها، ويطوعها، وكأنه يستطيع بالفعل، لقد هاودت شقيقيها ووالديها حتى تمتص غضبهم، لكنها عازمة ان تعود لطبيعتها المتمردة رويدا رويدا ، ولن تستلم لهذا العته….
– ازيك يا حلويات
شهقت متنتفضة ترتد بأقدامها للخلف، وقد اجفلها بقطع الطريق عليها، يتصدر امامها بجسده، ليشملها بنظرة وقحة، دارت علي جسدها من اعلى لأسفل متفحصًا هيئتها المتأنقة بمبالغة كعادتها، ليردف:
– الصلى على النبي، كدة العروسة رايحة فين بقى من غير ما تبلغ خطيبها.
ارتفع طرف شفتها العليا باستنكار عبرت عنه:
– نعم، هو انت كمان عايزني ابلغك بالخطوة اللي اخطيها برا البيت، ولا انت شكلك صدقت انك خطيبي بجد وهتفرض الأوامر وانا انفذ.
ضحك باستهزاء يرفع السيجارة التي ببن أصابعه إلى فمه، ثم ينفث دخانها في الهواء دون تعليق، مما زاد من استفزازها لتهم بالتحرك مغادرة، ولكنه باغتها يقبض على كفها يعصرها بيده قائلًا:
– على فيين يا حلوة؟ هو انا اديتك الإذن عشان تمشي؟
حدجته بزعر تحاول نزع قبضته عنها مرددة:
– سيب ايدي يا جدع، انت اتجننت، بقولك سيب ايدي، لاصوت والم عليك الناس.
واصل استهزائه غير مباليًا يرد:
– هما فين الناس دول، بصي كدة يا حلوة حواليكي ، لو لقيتي واحد فيهم بس يتجرأ يدخل ولا يفاتحني، يبقى ليكي كلام عندي، انا شيكاغو المنطقة يا بت، محدش يقدر يقربلي ، وانتي المدام بتاعتي يعني تخصيني ومطلوب منك تحترمي .
تطلعت حولها بالفعل، لتجد الجميع مشغول فيما يخصه، ولا احد يلقي حتى بنظرة نحوهما، لتصدر صوت استهجان بفمها تحاول نزع يدها التي اطبق عليها بقوة:
– مدااام ! يا عم هو انت شارب ولا ايه بس ع الصبح؟ ولا يمكن مش عارف تفرق بين قراية الفاتحة وكتب الكتاب، دي ايه النصايب اللي بتحل علينا د
هذه المرة زاد بضغطه فكادت تشعر بطقطقة العظم ، حتى اوجعها بشدة يتمتم محذرًا لها:
– لما اقول مراتي، معناها انه امر مفروغ منه، وع العموم انا برضو هعجل بكتب الكتاب والدخلة على طول، مش هستني تأجيل عشان يبقى رسمي.
نست الألم لتطالعه بزعر ، لا تحتمل حتى التخيل، فدفعها للخلف ينزع كفها التي تخدرت من الألم حتى لم تعد قادرة على فردها جيدًا يامرها بتهديد:
– اخلصي ياللا روحي ع البيت ، وما شوفش وشك في الشارع تاني غير بعلمي يا شوف حكايتك ما خواتك وهما اللي يتولوا المهمة بقى لحد ما توصلي بيتي.
جمدتها الصدمة حتى انها لم تتحرك سوى بعد ان عاد يهدر بها:
– اتحركي ياللا، انتي لسة هتتأملي في جمالي، ياللااا
انتفضت على اثر الاخيرة، لتبدي رفضها وتمردها، ممسكة بكفها التي اصبح يزيد به الألم
– دا لما تشوف حلمة ودنك يا شيكاغو، والنعمة ما انا ساكتالك، ولا هخليك تنول غرضك،
برقت عينيه لها بشر جعلها ترند باقدامها مغادرة، لتواصل بغمغمة كانت تصل اليه:
– قال اتجوزو قال، دا انا انتحر احسن ولا اتجوزك، وديني ما انا ساكتة، هخلي ابويا يشوف صرفة معاك، هو انا رمية ولا رمية
ظل محله يتابعها بابتسامة منتشية، غير ابهًا لكل هذيانها، عيناه تطوف عليها من الخلف بتفحص لا يكتفي منه، ليتنهد مستعيدًا توازنه ، ثم يرفع الهاتف يضغط على زر الاتصال بأحدهم، حتى اذا اجابه، تغيرت نبرته على الفور:
– الوو يا ابو سمرة عامل ايه يا غالي؟ والننوس الصغير اخباره ايه دلوقتي………. ربنا يعفي عنه يارب…. مش عايز ازعجكك يا حبيبي، بس انا كان عندي طلب، ممكن تعتبرها شكوى من عشمي فيكم يعني……… تشكر يا حبببي، انا بس بشهدك، يرضيك عمايل اختك معايا……. احكيلك على السريع وانت تحكم بنفسك.
❈-❈-❈
اما في منزل خميس
والذي لم يجد امامه مكانًا امانًا سوى المرحاض، بعيدًا عن أعين درية، ليتحدث في الهاتف مع زوجته الجديدة، يتقبل عتابها عليه بعد هجرها لأسابيع:
– كدة برضو يا خميس، تطفش وتقول عدولي يا راجل، هو انا لدرجادي هونت عليك؟ ولا يمكن معجبتكش كمان، ما انا عارفة حظي.
وصله صوت بكاءها المصطنع ليسارع في ترضيتها:
– لا يا صفاء متقوليش كدة، دا انتي تعجبي الباشا، بس انا بصراحة خايف اجيلك، ملقيش بعدها حق المواصلة اللي ارجع بيها، متزعليش مني، بس انا المرة فاتت ضيعت حق نقلة كاملة من بضاعة الوكالة، على الاكل والشرب بس عندك.
قال الأخيرة بتحسر عبست له ملامحه، لتجاريه بنعومتها:
– انا معاك انك صرفت كتير المرة اللي فاتت، بس احنا كنا عرسان جداد يا خميس، والعريس بيصرف ويكع دم قلبه عشان يدلع مراته، ولا انت كمان مستخصر فيا اللقمة.
– لا صفاء مش مستخصر فيكي اللقمة، دا انتي تاخدي عيني وانا على قلبي زي العسل، بس انتي بتقولي العريس يصرف على عروسته، انما انا كنت بصرف على عروستي، وعيال عروستي وعيلتها كلها، كان ناقص بس اجيب الناس اللي في الشارع ياكلوا معانا صبح وليل، وياريت اكل عادي، انما دي كلها حاجات من اللي تدبح القلب، إشي لحوم وفراخ واكل جاهز وفواكه من كل صنف ولون،
وضع كفه على صدره يواصل بحرقة:
– انا قلبي بيوجعني لحد دلوقتي على فكرة من الفلوس اللي ضاعت ومش قادر انسى .
تنهدت تزيد من نعومتها:
– خلاص يا خميس متجيبش المرة دي لحمة واكل جاهز، انا هنبه على العيال يلمو نفسهم وان شالله حتى مياكلوش خلاص عشان يعجبك
– مياكلوش ليه يا صفاء؟ وهما في غيابي يعني مش بيلاقوا اكل؟
تجاهلت الرد على سؤاله، لتواصل بلهجة لائمة:
– انا حاساك يا خميس بتتحجج عشان متجيش وخلاص، على العموم ماشي يا ابن الناس انا عملت اللي عليا، هو انا هبوس على ايدك يعني عشان تجيني،
انت حر بقى، ان شالله حتى لو عايز تطلقني طلقني انا معنديش مانع، بس ياريت تديني كل حقوقي، ما هو انا مش متجوزاك عشان تهجرني
– لا لا استني يا روح يا قلبي، طلاق ايه بس وكلام فارغ، هو انا اقدر استغني عنك يا قلبي ولا احنا لحقنا اساسًا نشبع من بعض .
– قول لنفسك
– خلاص انا هحاول اجيلك في أقرب وقت يا صفصوفتي.
سمعت منه لتطلق ضحكتها المائعة، ليهلل ببلاهة:
– يالهوي على جمال ضحتك، سمعيني تاني .
ليظل لمدة من الوقت في هذا الحديث معها، حتى خرج أخيرا، ليفاجأ بصراخ ابنته في وسط الصالة:
– ماعيزاهوش، النهاردة تفسخو خطوبتي منه، سامعة ياما، النهاردة تفسخوا الخطوبة.
عبس خانقًا لتدللها المستفز، حتى كاد ان يعنفها، ولكن سبقه ابنه سمير الذي ولج فجأة داخل المنزل بغضبه:
– حسك عالي ليه يا بت ؟
انتفضت تتلاقاه بعاصفتها:
– اتفضل يا سي سمير، عشان تفرح قوي، اختك اتهانت كرامتها في نص الشارع ، ولا أكن مقطوعة من شجرة، البيه الفتوة اللي خطبتوني ليه، اتصدر قدامي يمنعني اعدي ولا اروح مشواري، بص شوف ايدي كان هيكسرهالي شااايف.
تطلع نحو كف يدها التي جعلتها امامه، يتفحصها بتقليل:
– مالها ايدك؟ ما هي سليمة اهي ، لا فيها اتكسرت ولا اتعورت ولا حتى فيها خدش، ولا انتي عايزة بس تلاقي حجة.
شخصت ابصارها وفغرت فهاها تردد بقهر:
– انا يا سمير عايزة اتبلى، بقولك مانعني اعدي……
– مانعك تعدي ونبه عليكي متنزليش غير بإذنه بعد ما قليتي أدبك عليه، يعني مغلطش فيكي.
شهقت ضاربة بكف يدها على صدرها مرددة بمظلومية:
– اناا اللي قليت أدبي عليه، هو لحق يشتكيلك يا سمير وانت كمان صدقته وبتكدبني.
عقب على كلماته ببساطة:
– اه اصدقه واكدبك، لأنه هو برغم كل عيوبه، لكنه بيحترم الرجالة وبيقدرهم، انما انتي معندكيش عزيز يا غالية
توقفت عن الدفاع وقد الجمتها كلماته، لتتجمد بصدمة فتولت والدتها الرد، تلطف مع ابنها الذي اصبح لا يطيق لها كلمة:
– يا بني بس هو مكانش حقه يعمل كدة معاها، البنت مش حمل……
– بتك كبيرة وتتحمل كل حاجة ياما.
قالها بمقاطعة حادة وشرار عينيه يرسل العديد من الرسائل الغير مطمئنة لها، ليجبرها على الصمت في كل مرة تحدثت معه في أمر ما، فيزداد التوجس داخلها والخوف ايضًا، ليتابع بقوة جديدة على شخصيته التي يعرفونها :
– بعد اذن ابويا طبعا، هو خد مني الإذن عشان يجي هو وابوه ويحددوا معانا معاد الفرح، اصله جاهز ومستعجل، واحنا كمان مش قليلين
صرخت تعود لشراستها:
– فرح مين يا عنيا؟ انا قولت هفسخ خطوبتي منه الواد العرة ده، يعني لا جواز ولا دياولو
تجاهل خميس وكأنه لم يسمع شيء يجيبه:
– يجوا وقت ما يجوا ان شالله حتى النهاردة انا معنديش اي مانع، ياللا بس اللي يشيل.
قالها وتحرك ذاهبًا نحو غرفته، لتصيح من خلفه:
– يبقى هموت نفسي يا بابا، عشان تستريحوا مني كويس يا سي سمير.
تبسم بسخرية يتحرك للمغادرة هو ايضًا يردد لها:
– ياللا يا اختي، بس اتشطري وأعمليها بجد، تبقي ريحتي ووفرتي كمان.
❈-❈-❈
دلف بخطواته السريعة داخل المشفي، يبحث بعيناه عن الاثنتان، يتوعد لهذا الطبيب بكسر رأسه ان رأه يتحدث معها، يحمل طاقة من الغضب قادرة على الفتك يالجميع، وسيكون سعيدًا جدا أن افرغها في هذا المتحذلق، سأل عنها احدى الممرضات، حتى دلته على مكان وجودهما في إحدى حجرات الكشف، ذهب على الفور ليقتحم الغرفة فجأة فيجفل الاثنتان بحضوره المفاجيء، وطاقة من الغضب تشع من كل خليه بجسده، ليصفق الباب بعنف ويصبح امامهما، عيناه تقدح شررًا بغضب عاصف، يتنقل بأبصاره بينهما بصمت مهيب
انكمشت بهجة على نفسها، وقد استطاع بهيئته ان يبث بداخلها الرعب، عكس والدته والتي تطلعت به، تستقبله بتحدي وكأنها كانت في انتظاره:
– مش عيب واحد في مركرك ويقتحم الغرفة على اتنين ستات كدة وفي مكان عام، حتى على الاقل راعي الأصول يا بن حكيم.
تعمدها المقصود بذكر والده زاد بقلبه الشك، ليميل برأسه نحوها مضيقًا عيناه يردد خلفها:
– اَه ابن حكيييم، في كل مرة تفكريني بأسم الوالد ببقى متأكد ان قصدك من وراها حاجة، ودا اللي عايز اعرفه
– تعرف ايه؟
همست بها بتسلية زادت من حنقه ليهدر فاقد السيطرة، موجهًا ابصاره نحو بهجة:
– الهانم اللي طفشانه من امبارح وانا مش عارف لها طريق، بلف وادور في كل حتة، عشان اكتشف دلوقتي انها هنا معاكي، ليه يا ست بهجة؟
ردت بحدة مشجعة نفسها على مواجهته:
– بالعقل كدة، في اؤضة الكشف وفي مستشفى، تفتكر بعمل ايه يا باشا؟
– يعني مش جاية مع ماما عشان الدكتور الزفت؟ ولا انتي فعلا تعبانة يا بهجة.
قال الاخيرة بلهجة ظهر بها القلق لتعلق نجوان بسخرية مقارعة له:
– ويخصك في ايه تعرف ان كانت تعبانة ولا مش تعبانة؟ دا غير انه اساسًا كل تصرفاتك دي مش مفهومة، بتعمل معاها كدة ليه يا رياض؟ هي صفتها ايه بالظبط عندك؟
طفى شي، من الارتباك يعلو ملامحه، يطالعها بتردد دام لحظات، ثم يستدرك لفداحة أفعاله، فقد اعمته الغيرة للمرة الثانية، بعد مكالمة العم علي وذكر اسم هذا الطبيب المستفز، ولكنه ايضًا ليس غبيًا حتى لا ينتبه لتلك الإشارات التي تثبت علمها بالأمر:
– هي اللي قالتلك صح؟
توجه نحو بهجة مردفًا بحدة:
– كان لازم افهمها لوحدي اختفائك المفاجيء، ثم ظهورك دلوقتي معاها، شكلي انا اللي كنت غبي وسطيكم، بس اعرف بقى، هي قايلالك من امتى؟
اكتفت بهجة بالصمت تدعي عدم الاكتراث ، لتتولى نجوان مهمة الرد:
– المهم اني عرفت وخلاص ، ودلوقتي بقى بتصرف بحكم مسؤليتي عن البنت المسكينة دي، عشان متتظلمش لو في حاجة جاية في السكة
شخصت ابصاره فجأة باستيعاب لمغزى كلماته ليهتف:
– قصدك انها ممكن تكون حامل؟!
ظهر بنبرته شيء من الهلع اغضب بهجة لتعلق بابتسامة ساخرة خالية من اي مرح:
– للأسف لسة متأكدناش يا باشا، في انتظار نتيجة التحاليل.
اومأ رأسه بتفهم وعلامات القلق احتلت معالمه، لتنتهزها فرصة نجوان في سؤاله:
– واضح ان مكنتش عامل حسابك لشيء مهم زي ده، ووارد جدا حدوثه، السؤال بقى، لو النتيجة طلعت ايجابية، يا ترى تصرفك هيبقى ايه؟
بدى عليه التوتر، وعيناه تتنقل بحيرة فيما بينهما، مما ازعجها بشدة، فقطعت على الفور لحظات الصمت بينهما ، لتسبقه الرد باعنزاز:
– اطمن يا باشا، ومتزعجش نفسك انا في الحالتين عاملة حسابي.
– يعني ايه مش فاهم؟
ردت بحدة:
– يعني ماتشلش هم، انا من اول يوم في جوازي منك وانا مش حاطة اي امل على الاستمرار .
امتقعت ملامحه فجأة وانتفخت اوداجه بغضب شديد، يتقدم نحوها مرددًا بتساؤول:
– يا سلاام وان شاء الله بقى الحلوة حاطة أملها على مين؟
تصدرت امامه نجوان تمنعه عنها؛
– أوقف مكانك هنا اياك تقربلها، والاحسن انك تخرج اساسا، انت ايه اللي جايبك اصلا؟
جادلها يتشاجر معها، اما بهجة فقد غمغمت بذهول ، تستعجب رد فعله:
– دا ماله ده؟ هو انت تنسى وتفتكر على مزاجك؟
ردد بغيظ:
– اه يا بهجة، انا بنسى وافتكر على مزاجي، ومش هسمحلك تتجوزي حد غيري طول ما انا عايش .
همت تثور به مستغلة دفاع نجوان، ولكن منعهم قدوم إحدى الممرضات واستئذانهم في الدخول:
– نتايج التحاليل يا فندم
امرتها نجوان بالاقتراب لتتناول منها النتائج، ثم تصرفها لتطلع عليها امام ترقب الاثنان، حتى رفعت الورقة امامهم قائلة:
– النتايج سلبية
اخرجت بهجة زفرة ارتياح مرددة بالحمد تنتشله من شروده، ليعود لحدته في الحديث:
– شايفك انبسطي اوي، لدرجادي مش عايزة اي حاجة تربطك بيا.
– دا مجنون ولا ايه؟
تمتمت بها لتتناول حقيبتها وتخرج مغادرة على الفور، دون الرد عليه، ليهم هو بملاحقتها، ولكن والدته منعت تجذبه من ذراعه:
– رايح فين قلبي؟ الدكتور منبه انها تريح، وتبعد ان اي شيء يوترها ولا يعصبها، بعد تعب امبارح، يعني خليك مكانك يا حبيبي
تجمد يتطلع لاثرهما واختفائهما من امامه بعدم استيعاب، ليدفع الكرسي بقدمه باستدراك، يتوعد قبل ان يحرك اقدامه ويتبعهما:
– ااه ودا تلاقيه بقى دكتور الهم بتاعك ما انا عارفه، وديني ما انا سايبه، ماشي يا بهجة، ماشي يا نجوان هانم.
الفصل الثلاثون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثلاثون 30 بقلم امل نصر
ساكنة هادئة، لا يتوقف فمها عن التبسم اليهم، تجاهد لإخفاء ما بداخلها، ولا تدري انها مكشوفة حتى امام عائشة الصغيرة والتي كانت تتابعها الاَن من نافذة الغرفة التي تجمعها هي وجنات، تتمعن النظر بها وهي جالسة على الارجوحة بتلك الحديقة الصغيرة خاصتهم، لتعبر عما تشعر به نحو شقيقتها:
– هي بيبو فيها ايه يا شروق؟ معقول قعادها من الشغل مأثر فيها كدة؟
تحركت جنات بالفرشاة التي كانت تمشط بها شعرها لتتوقف خلفها، وتطالع الجهة التي تنظر بها، فتُشاركها هي الأخرى حيرتها:
– والله ما اعرف يا عائشة، بس هي أكيد عشان اتعودت
على الحركة والاختلاط بزملأها، بالظبط كدة زي الجامعة عندي، لما اغيب كام يوم بشتاق لاصحابي اوي، دا تخميني يعني.
عقبت عائشة على كلماتها؛
– طب ولما هي بتحب الشغل اوي كدة، سابته ليه فجأة؟ ايه اللي بخلي بني ادم يسيب الحاجة اللي بيحبها؟…… أكيد في حد ضايقها؟
مطت جنات شفتيها، لتتوقف فجأة عن لملمة شعرها الذي كانت على وشك ان تعكصه كدائرة قبل ان ترتدي
الحجاب وقد ظهر على ملامحها القلق:
– هي قالت انها عايزة تستريح بعد ربنا ما وسعها علينا شوية، لكن مجابتش سيرة ان حد ضايقها….. ولا يمكن موقف أبن عمك السبب لما اتخانق.
– اكيد يا جنات، ولا انتي ناسية انها سابت الشغل من يوميها؟
قالتها عائشة لتزفر الأخرى بضيق وغيظ:
– منهم لله في اي حتة يحطو فيها رجليهم يجيبولنا الفقر
❈-❈-❈
اما عنها، وقد كانت في هذا الوقت تنظر لهاتفها الذي يصدح بجوارها بنغمة اتصاله بها، بجمود تام، لم تعد تحسب العدد او حتى تكلف نفسها بغلق الهاتف، تكتفي فقط بكتم الصوت وتتركه حتى يتوقف.
رغم اشتياقها الموجع اليه، ولكن نفسها العزيزة تأبى التنازل، لقد قررت وانتهى الأمر، وعليه هو ان ينهي الاتفاق.
سحبت شهيقًا طويلا بعد انتهاء محاولاته الصباحية في الاتصال بها، فرغم القوة الزائفة التي تتحلى بها، إلا أنها لا تنكر ضعفها، الابتعاد عن محيطه هو اسلم الحلول لها وأحسنها، فإن كان هو يتعذب في هجرها مرة، تتعذب هي اضعاف .
انتبهت ترسم ابتسامة جميلة على محياها، فور ان ابصرت خروج أشقائها من المنزل واقترابهم منها، ليبادرها ايهاب بغزله المعتاد:
– الجميل اللي قاعد على المرجيحة ومستكنيص، يا جامد انت يا رايق .
زاد اتساع ابتسامتها كي تجاريه:
– اه يا عم وما روقش ليه؟ فاضية بقى، لا شغل ولا مذاكرة ولا جامعة .
قالت الأخيرة متوجهه بنظرها نحو جنات التي بادلتها الابتسام، اما عائشة فقد خطت نحوها لتجاورها الجلوس على الارجوحة، وتضمها دون استئذان تعبر بعاطفتها:
– ما تيجي معانا الكافيه تهيصي وتشغلي نفسك، بدل القعدة هنا لوحدك
ضحكت بارتباك، لتقبل اعلى رأسها وقد شعرت بشيء من الحزن في نبرتها:
– يا بنتي ما انا باجي عندكم، بس مش لازم اقعد اليوم كله، ما انتي عارفاني محبش الدوشة.
– ايوة بس الوحدة مش كويسة عشانك
للمرة الثانية تربكها، اللهذه الدرجة هي مكشوفة امامهم:
– يا قلبي مفيش وحدة وانا معاكم وانتو مالين الدنيا عليا، جيبتي منين الكلام الكبير ده بس؟
كالعادة حولت الحديث إلى مزاح معهم، تدعي ان امورها بخير ولا ينقصها اي شيء، وهم يتصنعون التصديق.
❈-❈-❈
اما عنه وقد خرج من غرفته متوجهًا إلى مائدة الطعام ، حيث كانت والدته تتحدث وتضحك مع نبوية ، اثناء تناولها الطعام بشهية، وكأنها عادت في العمر عشر سنوات للخلف، ولم تمر بتلك الفترة القاسية ولا ذهب عقلها من الاساس ثم عاد، فلم تنتبه لوجوده او انها كانت تقصد ذلك لا يعلم.
ليتحمحم بخشونة وضيق، يلفت انتباه السيدتين اليه، فاستقبلته هي بابتسامتها الرائقة:
– صباح الفل يا رياض، عامل ايه يا قلبي .
طالعها صامتًا باندهاش ثم توجه إلى نبوية متوجهًا لها بلطف:
– معلش يا دا دة ممكن تخلي حد من الشغالين يعمل لي فنجان قهوة.
– من عنيا يا حبيبي.
قالتها نبوية وتحركت على الفور، ليسحب هو أحد المقاعد يجلس عليها بتجهمه وانعقاد حاجبيه، يحدق بها بصمت ابلغ من الكلمات، فتحدثت هي تدعي عدم الفهم:
– القهوة على الريق غلط على صحتك، كلك اي حاجة تسند بيها نفسك احسن .
تهكم بضيق لا يخفيه:
– كتر خيرك يا نجوان هانم، انا تقريبا اتعودت على كدة بقالي سنين
– غريبة، مع انك كذا مرة تفطر معايا في الايام اللي فاتت .
– كان مزاجي رايق، اما دلوقتي بقى هيجي منين المزاج؟
كادت ان تبتسم ولكن استطاعت التمالك لتواصل تناول طعامها ببرود زاده حنقًا، ليلطم بكفه على سطح الطاولة فجأة بنفاذ صبر:
– على فكرة بقى انا محدش يلوي دراعي، وعايزك بس تبلغي الحلوة اللي انتي معصياها عليا انها تعمل ما بدالها، لأني اخر ما هزهق هسيبها ومش هسأل فيها تاني، عشان تسوق الدلال براحتها.
– تحلت بالثبات الانفعالي حتى لا تستجيب لاستدراجها من قبله، تعلم تمام العلم كذب كل حرف ينطق به، والاثبات هو حرقته في الحديث، لتعقب هذه المرة ببرائة:
– انا شايفة انك متحامل جدا على فكرة، انا ايه دخلني بينك وما بينها، انا اخري اتصل على البنت عشان اطمن عليها وعلى صحتها وبس كدة، مليش انا دعوة بالامور الشخصية اللي تخصكم.
– يا سلام
تمتم بها بعدم تصديق ليردف:
– طب سؤال بقى، مادومتي مبتدخليش في الأمور الشخصية اللي ما بينا، بتتصلي عليها ليه ولا تروحي بيها على الدكاترة؟ هي مش سابت الشغل عندك؟
– وانت ناسي انها مرات ابني؟
قالتها سريعًا بمكر يطل من عيناها، لينفث دخان من فتحتي انفه واذنيه يجر المقعد للخلف وينهض بغضبه من امامها، فلم تعد لديه طاقة كي يتحمل مراوغتها .
❈-❈-❈
في منزل مجيدة والتي كانت تهدهد الطفل الصغير بحنان يثير الاندهاش نظرا لحزمها المعروف في تربية ابناءها، ولكن يبدو ان الأحفاد لهم وضع اخر ، هذا ما شعر به ابنها الأكبر فور ان وقعت عينيه عليها بعد خروجه من غرفته ليشاكسها كعادته:
– يا صباح الفل على حضرة الناظرة اللي حتة عيل مطلع عنيها.
التفت اليه عابسة قائلة:
– وماله يا حبببي، يطلع عيني براحته وعلى قلبي زي العسل، حبيب سته ده.
قالتها لتطبع قبلة كبيرة على الوجنة المكتنزة لتستفزه هو الاخر ويأخذ نصيبه من الصغير بالقبلات والمداعبة:
– ستو بس، وعمو كمان، دا الباشا بتاعنا ده.
فرحت مجيدة لتربت على ظهره مرددة:
– حبيبي ربنا يخليلك بنتك انت كمان، وتخاووهم انت واخوك ، انا عايزة البيت يتملي عيال، ومعرفش اعدي من وسطيهم .
قهقه ضاحكًا:
– ليه يا ماما، هو احنا هنعمل فريق كورة، ما تهدي على نفسك يا ست مجيدة، انتي ملاحقة على الجوز دول عشان نجيبلك تاني.
– ملكش دعوة الاحق ولا ملاحقش، انت عليك تخلف وبس.
– اخلف وبس.
قالها يقبل جبهتها، ليعطيها الطفل ثم تسائل:
– امال ابوه وأمه فين؟ مش شايفهم يعني.
عدلت من وضع الطفل على ذراعها تجيبه:
– راحو يقابلو المسؤول في شركة جاسر الريان عشان الشغل الجديد ما بينهم، ربنا يوفقهم يارب ويفتحلهم باب رزق .
تناول كف يدها يقبل ظهرها، مرددًا بإعجاب:
– حبيبتي يا ماما، وانتي ربنا يكرمك دايما على روحك الحلوة دي، والله انتي حما مفيش زيك .
– يا خويا في زيي كتير مين قال بس، المهم انت مراتك مصحيتش لسة تيجي تفطر معايا؟
جاء صوت لينا من الخلف بهيئة ناعسة:
– لا يا ماما انا صحيت، بس هفطر معاكي وارجع تاني لسريري، عشان هموت وأنام، بنت ابنك طلعت عيني والله.
قالتها وتحركت صوب المطبخ على الفور، ليعبس هو من خلفها مغمغمًا:
– بنت ابنك، على اساس أنها مش امها، ما هي شبها اصلا وزنانة زيها .
لكزته والدته بخفة على ذراعه حتى لا تصل كلماته إلى الأخرى، فجاء صوت زوجته من داخل المطبخ:
– سمعاك يا آمين.
ضحكت مجيدة فعلق هو بهمس:
– ودانها تجيب دبة النملة
لكزته مرة اخرى حتى يكف، فتدعوه للذهاب:
– طب يا اخويا طرقنا كدة وروح على شغلك ، مش ناقصين خناق على أول اليوم.
لتدفعه بيدها ويتحرك هو متمتمًا باعتزاز:
– عشان خاطرك بس يا أمي، ما انتي مش حمل صداع على أول الصبح بخناقاتنا اللي مبتنتهيش
– اممم
زامت بها ضاحكة تتابعه خارجًا ، فتتذكر فجأة وتوقفه قبل ان يصل إلى الباب:
– آمين مقولتيش صاحبك عصام اخباره ايه دلوقتى مع مراته؟
اجابها مبتهجًا قبل ان يخرج إلى عمله:
– فل يا ست الكل، ربنا يبعد عنهم ولاد الحرام .
– اللهم أمين يارب، وما يفرقهم عن بعض ابدًا.
رددت بها من خلفه بتضرع
❈-❈-❈
لم توقظه اليوم، حتى كاد ان يتأخر لولا صوت المنبه الذي جعله ينتبه لتأخر الوقت، فنهض سريعًا يأخذ حمامه اليوم ويستعد للذهاب إلى عمله بارتداء ملابسه الاَن على عجالة، ليهتف عليها هذه المرة كي يوقظها
– أمنية هتفضلي نايمة لحد امتى؟ انا نازل على لحم بطني مفطرتش لقمة.
بصوت ناعس بالكاد يخرج حاولت الاعتدال بجذعها تستجيب بأسف بعدما نظرت هي الأخرى على شاشة الهاتف:
– معلش يا عصام انا آسفة….. هقوم…. دلوقتي….
اقترب منها بقلق:
– مالك في ايه؟ انتي تعبانة؟
اومأت بوجه شاحب تضغط باسنانها على شفتها السفلى بألم :
– يعني مش عارفة كدة، بس حاسة نفسي مش مظبوطة وضهري.
– ماله ضهرك؟
تفوه بالاخيرة يجاورها على الفراش بفزع:
– حاسة بإيه في ظهرك بالظبط؟ ايه اللي حاصل معاكي
حاولت التخفيف حتى لا تثير جذعه:
– متقلقش اوي كدة، هو اكيد من شغل البيت مش اكتر.
– وانتي تجهدي نفسك في شغل البيت ليه يا أمنية بس؟ استغفر الله العظيم يارب
تمتم بانفعال وهو يحاول بحرص ليعيدها للتسطح وقد بدأ الألم جليا على ملامحها، متابعًا بحنق:
– مش فاهم انا لازمتها ايه الشيل والحط والتعب أساسًا ، ما انا كفاية لقمة أكلها وخلاص، ونظافة الشقة اي حد يقوم بيها، وياللا بقى بلاها الشغل خالص النهاردة
صارت تغمض عينيها من الوجع، تدعي زورا انها جيدة:
– يا عصام بلاش الخوف، انا بس اشبع نوم واشرب حاجة سخنة، تعملهالي امي أو رؤى، اي واحدة فيهم هتجري جري اول ما اتصل بيها، روح انت على شغلك.
زفر بغضب ليتناول هاتفه من فوق الكمود مرددًا:
– اروح شغلي ازاي يعني وانت بالشكل ده؟ ما يتحرق الشغل يا ستي، انا هتصل على عبير اختي تروح معانا على الدكتور اللي انتي متابعة معاه، مسمعش كلمة تاني
اومأت هذه المرة بضعف، غير قادرة على الجدال، ليستطرد هو اثناء اتصاله على شقيقته:
– مش قادرة تتكلم ولا تعدل ، وتقولي اشرب حاجة سخنة، الله يسامحك يا أمنية…… الوو يا عبير صباح الفل.
❈-❈-❈
وصل الى المبنى الذي يضم القسم الإداري للمصنع، وقد كان متحجهًا نحو غرفة مكتبه، فذهبت ابصاره تلقائيًا نحو الجهة التي تضم مكان عملها، كم تمنى ان تخلف ظنه اليوم وتأتي فيتصادف برؤيتها كما كان يحدث في الايام السابقة، وكم يتشوق للتحدث معها، ضاربًا بعرض الحائط نظرات الجميع وهمزاتهم، لكنه لم يجرأ على فعلها، والان جاء الوقت ليحرم من هذه الميزة ايضا.
تنهد يسحب شهيقًا طويلا ثم يطرده، عله يساعد في تهدئة السعير الذي يشتعل داخله، ليفاجأ بخلو المكتب وللمرة الأولى يحدث غياب لورا، فيجد صباح جالسة في الانتظار،
لتقف احتراما له، مما دفعه ليقترب منها سائلا بفضول:
– ازيك يا صباح، هي لورا مش موجودة.
نفت له بتحريك رأسها:
– لأ يا رياض باشا، انا بقالي ساعة في انتظارها، عشان اديها البيانات اللي كانت طلباها مني امبارح.
اومأ بهز رأسه متوجهًا نحو غرفته:
– اكيد عندها سبب قوي يأخرها، استني شوية وهي
هي يستحيل تغيب اصلا إلا اذا كان عندها سبب قوي،……
تطلعت اليه باستفسار حينما وجدته يتوقف فجأ ويلتف اليها:
– في حاجة يا رياض باشا؟
انتظر قليلًا بتردد لكن سرعان ما حسم يجيبها:
– كنت عايز أسألك على اخبار صاحبتك اللي سابت الشغل من غير سابق إنذار….. هي عاملة ايه دلوقتي
تعقد حاجبيها بتفكير قليلًا حتى وصلها المعنى:
– انت قصدك على بهجة يا رياض باشا؟ دي بنتي اللي مخلقتهاش مش صاحبتي.
– امممم
زام بفمه يقلب عينيه بسأم، مغمغمًا داخله:
– انتي تقولي امها ونجوان تقول مسئوليتي، عملتو حزب تقووها عليا يا ولاد ال…….
– بتقول حاجة يا رياض باشا؟
زفر بخشونة يحدجها بنظرات نارية عكس الطريقة اللطيفة التي يتحدث بها وهذه الإبتسامة الصفراء:
– مبقولش حاجة يا صباح، بس يعني اللي بتقولي عليها بنتك دي، مش واجب برضو تسلم شغلها وتخلي طرف، بدل ما تقطع مع الكل وكأنها صاحبة حق.
ها قد وصل بها الى ما يبتغيه، وهي لن تصمت ابدًا عن إخراج ما في قلبها :
– طب ما هي فعلا صاحبة حق، واللي حصل كان لعبة وسخة القصد بيها التسبب بفضيحة ليها، لا تميم ولا حتى ابن عمها كمان أخلاقهم بالفجر ده عشان يتخانقوا على واحدة ست في مكان عملها، لكن الفتنة تولع بلاد في بعضها.
اهتزت رأسه باستهجان تام يردد مجادلَا:
– انتي بتقولي ايه يا صباح؟ هو ابن عمها دا لو محترم كان جالها لحد هنا اصلا ولا وقف لها في الشارع، وهي مطلقة منه ولا مفسوخ خطوبتهم، ولا تميم دا كمان…. صفته ايه ده عشان يقف له ويتخانق عليها.
لم تفقد المرأة هدوءها، رغم الانفعال الشديد داخلها لتعمده رمي التهم بدون وجه حق، لتفند له بروية:
– اولا يا سعادة الباشا ابن عمها ده ميبقاش طليقها، دا يبقى اخوه اللي كان جاي يسأل عن بنت عمه ويطمن عليها بعد ما عزلوا مرة واحدة من غير اسباب، وتميم بقى…..
– استني هنا.
قاطعها بحزم ، ليستوعب ما تخبره به، ليردف بانفعال:
– ولما هو مش طليقها؟ ايه اللي جابه يتخانق هنا؟ ثم إن بهجة مقالتش…..
حدقته بأعين تفيض باللوم:
– هي بهجة لحقت تقول اي حاجة يا باشا، انا قولتلك من الاول ملعوب واتعمل يوقع الاتنين في بعض، واحدة الله…… يسامحها، وقفت سامر في نص الشارع تبلغته ان فلان الفلاني بيتحرش ببنت عمه في محل عملها وعايز يتجوزها بالعافية، يعني شيء طبيعي انه يجي ويتخانق، ونفس الأمر مع تميم ، ما هو مش هيسكتلوا يعني
حالة من الجمود اصابته، ليظل على وقفته بصمت مهيب يدير بعقله الكلمات حتى اذا تكلم اخيرًا:
– متعرفيش مين هي الست دي؟
مطت شفتيها بعدم معرفه تقول بكلمات مقصودة:
– الله اعلم، بس أكيد يعني اللي تعمل كدة يبقى ليها مصلحة في تفريقكم عن بعض، وتكون من اهل المصنع
نفسه وعارفة وفاهمة كل اللي بيحصل فيه
قالتها وعينيها اتجهت تلاقئيًا نحو مكتب لورا الفارغ، لتسحب ابصاره هو ايضا نحوه، ربما يجد الإجابة وحده ودون جهد منها.
❈-❈-❈
مقيدة اليدين والقدمين، حتى فمها لا تقدر على إخراج صوت منه، وقد كمم بلاصق يمنع شفتيها حتى عن التحرك ، لا تملك الا ان تزوم بفمها، تحاول المقاومة ، بالضرب بكفيها الاثنان الموثقان في ذلك المكان الضيق الذي انحشرت به، داخل سيارة قديمة الطراز على ما يبدو من هيئتها وطريقة السير على الطريق التي اتعبت ظهرها.
لا تدري كيف أتت إلى هنا، ولماذا؟ تتذكر فقط خروجها بالسيارة صباحًا بتأنقها المعتاد لتذهب إلى عملها ، وقد قطعت معظم الطريق، ولم يتبقى الا جزء قليل، يفصله عن المصنع سوى شارعين تقريبًا، وقد اضطرت للتوقف في احدهم، حينما تعطلت سيارتها فجأة وبدون سابق انذار ، فترجلت كي تعلم السبب في ذلك الوقت، لتكتشف انفجار إحدى إطارتها وكأنه نتج عن عمل تخريبي، كادت ان تعلمه، لولا تلك الذراع الغليظة التي طوقتها من الخلف، وقبل ان يخرج صوتها بالصراخ كانت هناك يد كبيرة تحط على انفها بمادة غريبة اخترقت حواسها، فلم تعي بشيء بعدها، سوى بعد وقت طويل لتجد نفسها في هذه المساحة الضيقة، وأحد ما او ربما أكثر، يقودن بها الى جهة ما لا تعلمها.
ليتها تجد هاتفها لتتصل بأحدهم لنجدتها، او ربما يشعر بغيابها الآخر، فيأتي وينقذها، يا ليت
❈-❈-❈
انتهت من أعمال المنزل، بعدما رتبت الغرف وأعدت الطعام لإخواتها، ولم يبقى شيء سوى الذهاب الى المرحاض كي تنعش نفسها بالمياه، قبل ان ترتدي ملابسها وتخرج إلى اخوتها بداخل محل الكافيه، تذهب بالطعام وتقضي معهم بقية اليوم، كما يحدث يوميا منذ آن اتخذت قرارها بترك العمل وكل شيء يربطها به حتى إشعار آخر.
اتجهت إلى الخزانة لتخرج منها الملابس التي سوف تبدل بها، وما همت بتناول إحدى القطع حتى صدح صوت جرس المنزل، لتقطب باستغراب، فهذا ليس ميعاد اخوتها ولا احد يأتي من المجموعة التي تعرفها سوى بعد الاتصال اولا .
لتتناول حجابها تغطي على شعرها، متجهة لاستكشاف هوية من يزورهم في هذا الوقت، وما ان وصلت لباب المنزل وشرعت بفتحه حتى توسعت عينيها بإجفال، لتهم بغلقه مرة اخرى، ولكن الاَخر لم يسمح لها فقد أوقفه بكف يده:
– عايزة تقفلي في وشي يا بهجة؟
تشبثت تمنع اندفاع الباب للداخل مبررة:
– اصلك بصراحة فاجأتني، دا غير ان مينفعش اصلا تيجي، حد من خواتي لو طب دلوقتي، ساعتها هقوله ايه؟
جاء رده بانفعال:
– بلاش حوارات وكدب، اخوتك التلاتة حاليًا ف الكافيه، ومستنينك تروحيلهم بالغدا، وتقضي باقي اليوم معاهم.
اترتخت يداها وقد فاجأها بمعرفته الدقيقة لتفاصيل يومها، لتعبر عن اعتراضها:
– يعني انت بتراقبني يا رياض؟
استغل هفوتها ليدفعها للداخل ويلج معها، ثم يغلق الباب عليهما، فخرجت شهقتها برعب:
– ايه اللي انت عملته ده؟ انت ازاي تقفل علينا احنا الاتنين، عايز تعملي مشاكل يا رياض؟
لم يتمكن من الرد، وقد تشتت برؤيتها ونسي كل وعيده، يتمعن النظر اليها باشتياق قاتل، ترتدي ملابس اقل من العادية، عبارة عن بيجامة قطنية بنصف كم ، وشعرها المعكوص في دائرة اعلى رأسها غير مرتب، وقد تبعثرت خصلاته على وجهها ورقبتها، كيف لامرأة بهذه الهيئة، وغير مهندمة على الإطلاق ان تسلب عقل رجل مثله؟ ولكن الإجابة واضحة، فهي بهجة، من تمكنت من تغير كل خططه ويبدو انها غيرته هو شخصيًا.
– هتفضل باصصلي كدة كتير وانت ساكت؟
تمتمت بها بأنفاس لاهثة، فحالها هي ايضًا لم يكن اقل منه، ولكنها تدعي القوة حتى لا تضعف امامه وهو خير من يستغل ذلك.
تقدم خطوة ارتدت لها خطوتين للخلف، ليهتف بها بحنق:
– يا سلام، عفريت بقى ولا حرامي هيخطفك
– لا دي ولا دي، بس برضو انت ملكش داخلة هنا جيت ليه يا رياض؟
على صوتها في الاَخيرة حتى استفزته ليباغتها بقطع المسافة الفاصلة بينهم بخطوتين فقط، فيدفعها للخلف نحو الجدار الذي ارتطم ظهرها به، لتجد نفسها محاصرة بين ذراعيه، بملامح غاضبة، لكن وهج بندقيتيه ترى بهما عكس ذلك، فخرج صوته بتحشرج:
– عايز اعرف دلوقتي اخرة البعاد دا ايه؟
بصدر يصعد ويهبط بتسارع الأنفاس بداخلها تمكنت ترد بتحدي:
– قول لنفسك.
مال مقربًا وجهه منها حتى لفحت انفاسه بشرتها الرقيقة:
– قصدك ايه يا بهجة؟ وضحي اكتر
تبًا له، يعلم بحجم تأثيره عليها، ولكنها ابدًا لن تضعف لتبتلع ريقها قائلة:
– مش محتاجة تفسير، من بعد آخر موقف وانا قررت انها خلصت على كدة، اتفاقنا خد اكتر من وقته كمان .
همس غير مباليًا:
– انتي خدتي القرار لوحدك يا بهجة من غير ما ترجعيلي، يعني مفيش اتفاق بيتحل الا بموافقة الطرفين.
وبرد فعل غير متوقع، دفعته فجأة بكفيها على عظام صدره تبعده عنها، وقد آثار بكلماته جنونها:
– لأ بقى ينفع…… ولا انت فاكرني هقعد تحت امرك ومزاجك ساعة ما تعوزني تلاقيني وبس على كدة، وعشان ما انت اشتريت في البداية، ابقى انا جاريتك العمر كله.
قالتها بقصد واضح وصل اليه، تذكره بحديثهما القاسي داخل غرفة مكتبه، لتتغضن ملامحه باستياء من نفسه؛
– دي كانت لحظة عصبية يا بهجة، وانا بعترف اني غلطت بس كمان انتي مقولتيش ولا فهمتيني حقيقة اللي حصل، اي واحد في مكاني أكيد كان هيتجنن.
– وانت ادتني فرصة
قالتها بأعين التمعت فيها الدموع تردف بألم:
– انت خدتني غسيل ومكوى، تعرفني مكاني كويس اوي في حياتك…
– انا اسف
تمتم هامسًا بها بصدق وضح جليًا في نبرته، ليقترب منها يكوب وجهها بين كفيه ويقبل اعلى رأسها عدة مرات، جعلت تلك العبرات تنساب من مقلتيها، وتخونها الشجاعة الزائفة بضمة حانية منه.فيشدد عليها بذراعيه يغمرها بدفئه، يعيدها إلى موطنها الرحب، وتعيده هو إلى انسانيته التي لا يشعر بها الا معها.
طال العناق وتعددت القبلات على رأسها ونزولا إلى بشرتها حتى تبقى فقط ثغرها والذي ما انا لامسه بشفتيه حتى انتفضت تصدح برأسها اشارات الخطر لتنزع نفسها عنه، ترفض الخنوع امام سطوة عشقها له، وفي لحظات بسيطة ملكت زمام أمرها لترمقه بغيظ قائلة:
– رياض امشي
تجمد محله بعدم استيعاب بعدما فاجئته بفعلها، لتعيد عليه الأمر مرة اخرى:
– رياض بقولك امشي، ليه رافض تقدر موقفي، كل ده بيضرني، حس بيا يا أخي
زفر يطرد دفعة كبيرة من الهواء المشبع بإحباطه ، فقد عادت به إلى نقطة الصفر مرة ثانية بعدما شعر بقرب الوصول إليها.
– ماشي يا بهجة همشي دلوقتي، بس ممكن لما اتصل بيكي بعد كدة تردي عليا .
اومأت تجيب بمراوغة تعكس ردها بوضوح:
– ماشي هشوف
– ماشي هشوف
ردد بها من خلفها بيأس، لا يريد الضغط عليها، مقدرًا غضبها منه، ولكن اقدامه لا تطيعه على التنفيذ، ليجفلها بقوله:
– طب ممكن طلب قبل امشي .
قلبت عينيها بسأم:
– اطلب يا رياض، ولو في أيدي مش هتأخر أكيد .
– هو في ايدك طبعا يا بهجة، دي حاجة بسيطة خالص، انا من الصبح ما حطيتش لقمة في بقى، كل الاكل طعمه وحش وانتي مش معايا، نفسي في اي حاجة من ايدك، وحشني اوي اكلك يا بهجة.
– نعم
تفوهت بها بعدم استيعاب، ليقابل قولها ببرائة:
– جعان والله ما بهزرش
❈-❈-❈
استيقظ منتفخًا بغبطة تغمره، بعد قضاءه ليلة أخرى ممتعة مع زوجته الجديدة، خالية من الازعاج، بدون اطفالها ولا والدتها ولا اي فرد من عائلتها، لقد كانت له وحده ولم يتكلف حتى ربع المصروفات التي دفعها المرة الماضية.
– ايه رأيك بقى يا خمسينو يا روح قلبي، مبسوط؟
تمتمت بها زوجته العزيزة بعدما اجلسته حول طاولة الطعام، ليتناول معها وجبه الإفطار التي اعدتها منذ دقائق.
امسك كف يدها يقبل ظهرها يردد بسعادة غامرة:
– اوي اوي يا صفصف، شعور ان اصحى افتح التلاجة الاقيها متعبية بخيرات الله معرفتش قيمته غير هنا،
وبسبابته أصبح يشير على اطباق الطعام مردفًا:
– الجبنة دي من اول امبارح، ولا طبق الفول والمربي والفاكهة، كل دول بقالهم يومين زي ما هما مجرالهمش حاجة، يدوب بينقصو لقمتي ولقمتك وانا وانتي اكلنا عصافيري
وأكمل بضحكة مرحة بادلته إياها على مضض لتعقب:
– عشان تعرف ان شرياك ويهمني راحتك، مش زيك تغيب وتقول عدولي.
زام بفمه:
– اممم ما خلاص بقى يا صفاء، هفضل اصالح فيكي لحد امتى؟ انا من هنا ورايح هتلاقيني راشق عندك كل يومين، انت بس استمري كدة
ضحكت بسخرية :
– استمر في ايه؟ قصدك يعني اسرب عيالي كل مرة عند اختي، يبقي شخشخ انت جيبك يا حبيبي وانا اسربهم يوماتي كمان
– اشخشخ تاني يا صفاء؟
هتف بها، يتوقف عن مضغ الطعام بإجفال فواصلت هي:
– ايوة امال ايه؟ ولا انت فاكر بيت اختي مفتوح سبيل لعيالي، ياكلو ويشربوا عندها بلوشي ، ليه ؟ دا حتى المسكينة ملاقياش اللي توكل نفسها .
– امال بقالهم يومين عندها بياكلو طوب، في ايه يا صفاء؟
ردت تبسط الأمر امامه:
– لأ يا حبببي ما انا اديتها كل الفلوس اللي كانت باقية معايا من قبض الشهر ده من معاش امي ونفقة طليقي، يعني انا دلوقتي على فيض الكريم، وانت يا غالي هتعوضني.
ابتلع رمقه بارتياب:
– اعوضك عن ايه بالظبط يا صفاء؟
ردت بانفعال:
– يعني تديني اللي اكمل بيه الشهر يا خميس جرالك ايه؟ بقولك قبضي كله خلص عشان اهيئلك الجو الهادي اللي انت عايزه، ولا انت زي القطط تاكل وتنكر.
– انا برضو يا صفاء اللي باكل وانكر
زفر بقلة حيلة امام تسلطها وقد رأى بعينيها نظرة غير مريحة على الإطلاق، ليردف باستسلام :
– قصره…. عايزة كام يا صفاء؟
فردت كفيها الاثنان امام عينيه تلوح بهم، ليخمن بعدم تصديق :
– عشر الاف يا صفاء.
صاحت مصححة:
– عشر الاف دا ايه في الدنيا الغلا دي؟ عشرين الف يا غالي .
انتفض كالملسوع ناهضًا من امامها:
– ايه؟ عشرين ، ليه هتأكلي قبيلة، دول كلهم خمس عيال وامك وعمامك اللي بيطبو في اوقات غير مناسبة
تنهدت بضجر رافعة حاجبها بشر:
– الله اكبر في عينك يا خميس وبلاش تنبر على العيال، انا مش جايباك وسطيهم عشان تحسدهم، صلي في قلبك كدة يا حبيبي واسمعني كويس ، انت جوزي، يعني من واجبك تصرف عليا ، وانا من واجبي اصرف على عيالي واعوضهم، واخد بالك منها دي، ولا يكونش فاكرني كمان هرميهم عشان جمال طلتك… اهو دا اللي ناقص.
صدرت كلماتها الاخيرة بشيء من الازدراء لم يعجبه، ولكن التلميح الصريح وصل اليه، ليفهم منها جيدا غرض زواجها به، هي امرأة صريحة ولن تحتمل زوج مثله دون مقابل ابدًا، اذن فعليه الدفع.
– ماشي يا صفاء، هديكي فلوسك، بس استني عليا لما اجيلك المرة الجاية، النهاردة مسافر لكتب كتاب بنتي بكرة ، والفلوس اللي طالباها مش معايا نصهم حتى
– اتصل بأي حد يبعتلك على رقم الكاش، مش صعبة هي
– هو انت عرفتي كمان رقم الكاش يا صفاء.
مصمصمت بشفتيها تقارعه:
– لا انت فاكرني جاهلة، لا يا حبيبى دا انا واصلة لحد خامسة ابتدائي.
❈-❈-❈
يأكل بتأني وتلذذ، عينيه لا تفارقها، مستمعًا بارتباكها، وهي تأتي وتذهب ، تهزهز قدميها بعصبية، في انتظار انتهائه، حتى انفجرت به:
– وبعدين بقى، الوقت بيعدي يا رياض واخواتي ممكن كدة يقلقو عليا، امتى هروحلهم بالغدا؟
وضع إحدى القطع بفمه وكأنه لم يسمع منها:
– الله يا بهجة، طعم المحشي من ايدك يجنن، في حياتي ما دوقت زيه لا من ايد الشغالين ولا في اي مطعم روحته، بتعمليه ازاي ؟
رددت خلفه بعدم اسنيعاب:
– يا نهار اسود ، بقولك اتأخرت على اخواتي، تقولي طعم المحشي .
اللقى بنظره نحو الساعة التي يرتديها على رسغه قائلًا:
– بس الساعة لسة مجاتش تلاتة، يعني لسة الغدا
يكاد ان يجلطها ببروده، لترد بغيظ:
– ما هو يدوبك على ما اجهز يا رياض، عايز استحمى واغير هدومي، امتى هلحق أعملهم دول؟
وضع قطعة صغيرة من لحم الدجاج داخل فمه، ليرد بمكر وهو يلوكها ببطء:
– طيب وما تجهزي وتغيري هدومك ولا تستحمي حتى، انا قاعد مستنيكي، هو انا غريب عنك.
هذه المرة فاض بها لتصرخ به:
– والمصحف يا رياض ان ما قومت دلوقتي وروحت……
قطعت مجبرة حينما حطت كفه على فمها ليمنعها عن المواصلة يهمس بتحذير:
– صوتك يا قلبي لو طلع، ممكن حد يسمعك في الشارع، عايز الناس تقول ايه؟
كان وجهه قريبًا، قريبًا جدًا ، وذراعيه، واحدة تلتف حول كتفيها والأخرى تكمم فمها او على الأصح، على شفتيها بقصد واضح في عينيه الخبيث اللئيم
لتنفضه عنها سريعًا تصيح بتشنج ولكن بصوت اخف حدة:
– اطلع برا يا رياض، لا هصوت والم عليك الناس اللي في الشارع، واللي يحصل يحصل بعد كدة .
رفع كفيه امامها باستسلام حتى تخفف من انفعالها؛
– حاضر والله حاضر، بس متتنرفزيش…… همشي….
قالها ولم يتحرك، لتظل على وضعها يكتنفها الارتياب ، حتى اجبرته على الابتسام يشاكسها وهو يتناول إحدى القطع من الطبق الذي اكل نصفه:
– طب سؤال بس قبل ما امشي، هو انتي ليه عمرك ما عملتيلي الصنف ده، رغم انك طبختيلي كذا مرة، وانا برضو كنت باستطعمهم، بس بصراحة دا يتفوق على الجميع.
كالعادة يستدرجها كي ترد بعفويتها:
– انا كنت بحاول اجاري الاصناف اللي انت متعود عليها، انما دا محشي كرمب، يعني اكله شعبية بامتياز، اش عرفني ساعتها كان هيعجبك ولا لأ.
تناول واحدة أخيرة ليمسح كفيه ببعضهما مرددًا:
– دا مش عاجبني وبس، دا انا بقيت بعشق حاجة اسمها البلدي……
توقف لبرهة بعدما شعر بارتخاء تعابيرها؛
– كنت وحشاني اوي يا بهجة ، فوق ما تتصوري، على العموم انا ماشي مش هزعجك اكتر من كدة.
تحرك بأقدام ثقيلة ليلقي اخر كلماته:
– هصبر عليكي عشان مقدرش على زعلك يا بهجة، لكن مش هسيبك أبدا
❈-❈-❈
اخيرا توقفت السيارة، لترفع رأسها بترقب، ترهف السمع مع اهتزازاها بترجل احدهم منها، ثم صوت الاقدام التي تدعس على الارض الحجرية، حتى توقف ، ليفتح غطاء الصندق الخلفي للأعلى، فيطل عليها هذا الوجه المألوف، متبسمًا بشر:
– اممم ايه رأيك بقى؟ مفاجأ صح؟
جحظت عينيها بذهول، حتى اذا نزع الاصقة من فوق شفتينا بعنف جعلها تصرخ من الألم قبل ان توجه السباب نحوه:
– انت شكلك مجنون يا بني ادم انت، قبل ما تخطفني محدش قالك انا مين؟
– امال يعني جايبك عمياني يا حلوة؟
قالها ثم دنى فجأة يرفعها بين ذراعيه حتى عدلها على كتفه يحملها عليه، فيصبح رأسها للأسفل، متبسمًا بسخرية:
– دا انا جايبك لقضاكي، عشان تفكري بس تعلبي تاني مع حد زيي،
صرخت تحاول المقاومة:
– العب مع مين يا حيوان انت؟ وايه المكان اللي انت جايبني فيه ده؟ والله شكلك بتلعب في عداد عمرك .
ضحك غير ابهًا ليسقطها فجأة على الارض ، غير مكترثًا لألمها، يخرج مفتاح كبير، ويدخله في مغلق الباب الضخم، ليوضح لها:، عشان تعرفي بس اني مش هامنني اي تهديد منك، بصي واحفظي الاماكن، اول حاجة سجلي اسم اليافطة، مخزن المعلم خميس الراوي، ومحسوبك يبقى ابنه
– سامر الراوي.
يتبع….
بقلم امل نصر
الحلقة الثلاثون
ساكنة هادئة، لا يتوقف فمها عن التبسم اليهم، تجاهد لإخفاء ما بداخلها، ولا تدري انها مكشوفة حتى امام عائشة الصغيرة والتي كانت تتابعها الاَن من نافذة الغرفة التي تجمعها هي وجنات، تتمعن النظر بها وهي جالسة على الارجوحة بتلك الحديقة الصغيرة خاصتهم، لتعبر عما تشعر به نحو شقيقتها:
– هي بيبو فيها ايه يا شروق؟ معقول قعادها من الشغل مأثر فيها كدة؟
تحركت جنات بالفرشاة التي كانت تمشط بها شعرها لتتوقف خلفها، وتطالع الجهة التي تنظر بها، فتُشاركها هي الأخرى حيرتها:
– والله ما اعرف يا عائشة، بس هي أكيد عشان اتعودت
على الحركة والاختلاط بزملأها، بالظبط كدة زي الجامعة عندي، لما اغيب كام يوم بشتاق لاصحابي اوي، دا تخميني يعني.
عقبت عائشة على كلماتها؛
– طب ولما هي بتحب الشغل اوي كدة، سابته ليه فجأة؟ ايه اللي بخلي بني ادم يسيب الحاجة اللي بيحبها؟…… أكيد في حد ضايقها؟
مطت جنات شفتيها، لتتوقف فجأة عن لملمة شعرها الذي كانت على وشك ان تعكصه كدائرة قبل ان ترتدي
الحجاب وقد ظهر على ملامحها القلق:
– هي قالت انها عايزة تستريح بعد ربنا ما وسعها علينا شوية، لكن مجابتش سيرة ان حد ضايقها….. ولا يمكن موقف أبن عمك السبب لما اتخانق.
– اكيد يا جنات، ولا انتي ناسية انها سابت الشغل من يوميها؟
قالتها عائشة لتزفر الأخرى بضيق وغيظ:
– منهم لله في اي حتة يحطو فيها رجليهم يجيبولنا الفقر
❈-❈-❈
اما عنها، وقد كانت في هذا الوقت تنظر لهاتفها الذي يصدح بجوارها بنغمة اتصاله بها، بجمود تام، لم تعد تحسب العدد او حتى تكلف نفسها بغلق الهاتف، تكتفي فقط بكتم الصوت وتتركه حتى يتوقف.
رغم اشتياقها الموجع اليه، ولكن نفسها العزيزة تأبى التنازل، لقد قررت وانتهى الأمر، وعليه هو ان ينهي الاتفاق.
سحبت شهيقًا طويلا بعد انتهاء محاولاته الصباحية في الاتصال بها، فرغم القوة الزائفة التي تتحلى بها، إلا أنها لا تنكر ضعفها، الابتعاد عن محيطه هو اسلم الحلول لها وأحسنها، فإن كان هو يتعذب في هجرها مرة، تتعذب هي اضعاف .
انتبهت ترسم ابتسامة جميلة على محياها، فور ان ابصرت خروج أشقائها من المنزل واقترابهم منها، ليبادرها ايهاب بغزله المعتاد:
– الجميل اللي قاعد على المرجيحة ومستكنيص، يا جامد انت يا رايق .
زاد اتساع ابتسامتها كي تجاريه:
– اه يا عم وما روقش ليه؟ فاضية بقى، لا شغل ولا مذاكرة ولا جامعة .
قالت الأخيرة متوجهه بنظرها نحو جنات التي بادلتها الابتسام، اما عائشة فقد خطت نحوها لتجاورها الجلوس على الارجوحة، وتضمها دون استئذان تعبر بعاطفتها:
– ما تيجي معانا الكافيه تهيصي وتشغلي نفسك، بدل القعدة هنا لوحدك
ضحكت بارتباك، لتقبل اعلى رأسها وقد شعرت بشيء من الحزن في نبرتها:
– يا بنتي ما انا باجي عندكم، بس مش لازم اقعد اليوم كله، ما انتي عارفاني محبش الدوشة.
– ايوة بس الوحدة مش كويسة عشانك
للمرة الثانية تربكها، اللهذه الدرجة هي مكشوفة امامهم:
– يا قلبي مفيش وحدة وانا معاكم وانتو مالين الدنيا عليا، جيبتي منين الكلام الكبير ده بس؟
كالعادة حولت الحديث إلى مزاح معهم، تدعي ان امورها بخير ولا ينقصها اي شيء، وهم يتصنعون التصديق.
❈-❈-❈
اما عنه وقد خرج من غرفته متوجهًا إلى مائدة الطعام ، حيث كانت والدته تتحدث وتضحك مع نبوية ، اثناء تناولها الطعام بشهية، وكأنها عادت في العمر عشر سنوات للخلف، ولم تمر بتلك الفترة القاسية ولا ذهب عقلها من الاساس ثم عاد، فلم تنتبه لوجوده او انها كانت تقصد ذلك لا يعلم.
ليتحمحم بخشونة وضيق، يلفت انتباه السيدتين اليه، فاستقبلته هي بابتسامتها الرائقة:
– صباح الفل يا رياض، عامل ايه يا قلبي .
طالعها صامتًا باندهاش ثم توجه إلى نبوية متوجهًا لها بلطف:
– معلش يا دا دة ممكن تخلي حد من الشغالين يعمل لي فنجان قهوة.
– من عنيا يا حبيبي.
قالتها نبوية وتحركت على الفور، ليسحب هو أحد المقاعد يجلس عليها بتجهمه وانعقاد حاجبيه، يحدق بها بصمت ابلغ من الكلمات، فتحدثت هي تدعي عدم الفهم:
– القهوة على الريق غلط على صحتك، كلك اي حاجة تسند بيها نفسك احسن .
تهكم بضيق لا يخفيه:
– كتر خيرك يا نجوان هانم، انا تقريبا اتعودت على كدة بقالي سنين
– غريبة، مع انك كذا مرة تفطر معايا في الايام اللي فاتت .
– كان مزاجي رايق، اما دلوقتي بقى هيجي منين المزاج؟
كادت ان تبتسم ولكن استطاعت التمالك لتواصل تناول طعامها ببرود زاده حنقًا، ليلطم بكفه على سطح الطاولة فجأة بنفاذ صبر:
– على فكرة بقى انا محدش يلوي دراعي، وعايزك بس تبلغي الحلوة اللي انتي معصياها عليا انها تعمل ما بدالها، لأني اخر ما هزهق هسيبها ومش هسأل فيها تاني، عشان تسوق الدلال براحتها.
– تحلت بالثبات الانفعالي حتى لا تستجيب لاستدراجها من قبله، تعلم تمام العلم كذب كل حرف ينطق به، والاثبات هو حرقته في الحديث، لتعقب هذه المرة ببرائة:
– انا شايفة انك متحامل جدا على فكرة، انا ايه دخلني بينك وما بينها، انا اخري اتصل على البنت عشان اطمن عليها وعلى صحتها وبس كدة، مليش انا دعوة بالامور الشخصية اللي تخصكم.
– يا سلام
تمتم بها بعدم تصديق ليردف:
– طب سؤال بقى، مادومتي مبتدخليش في الأمور الشخصية اللي ما بينا، بتتصلي عليها ليه ولا تروحي بيها على الدكاترة؟ هي مش سابت الشغل عندك؟
– وانت ناسي انها مرات ابني؟
قالتها سريعًا بمكر يطل من عيناها، لينفث دخان من فتحتي انفه واذنيه يجر المقعد للخلف وينهض بغضبه من امامها، فلم تعد لديه طاقة كي يتحمل مراوغتها .
❈-❈-❈
في منزل مجيدة والتي كانت تهدهد الطفل الصغير بحنان يثير الاندهاش نظرا لحزمها المعروف في تربية ابناءها، ولكن يبدو ان الأحفاد لهم وضع اخر ، هذا ما شعر به ابنها الأكبر فور ان وقعت عينيه عليها بعد خروجه من غرفته ليشاكسها كعادته:
– يا صباح الفل على حضرة الناظرة اللي حتة عيل مطلع عنيها.
التفت اليه عابسة قائلة:
– وماله يا حبببي، يطلع عيني براحته وعلى قلبي زي العسل، حبيب سته ده.
قالتها لتطبع قبلة كبيرة على الوجنة المكتنزة لتستفزه هو الاخر ويأخذ نصيبه من الصغير بالقبلات والمداعبة:
– ستو بس، وعمو كمان، دا الباشا بتاعنا ده.
فرحت مجيدة لتربت على ظهره مرددة:
– حبيبي ربنا يخليلك بنتك انت كمان، وتخاووهم انت واخوك ، انا عايزة البيت يتملي عيال، ومعرفش اعدي من وسطيهم .
قهقه ضاحكًا:
– ليه يا ماما، هو احنا هنعمل فريق كورة، ما تهدي على نفسك يا ست مجيدة، انتي ملاحقة على الجوز دول عشان نجيبلك تاني.
– ملكش دعوة الاحق ولا ملاحقش، انت عليك تخلف وبس.
– اخلف وبس.
قالها يقبل جبهتها، ليعطيها الطفل ثم تسائل:
– امال ابوه وأمه فين؟ مش شايفهم يعني.
عدلت من وضع الطفل على ذراعها تجيبه:
– راحو يقابلو المسؤول في شركة جاسر الريان عشان الشغل الجديد ما بينهم، ربنا يوفقهم يارب ويفتحلهم باب رزق .
تناول كف يدها يقبل ظهرها، مرددًا بإعجاب:
– حبيبتي يا ماما، وانتي ربنا يكرمك دايما على روحك الحلوة دي، والله انتي حما مفيش زيك .
– يا خويا في زيي كتير مين قال بس، المهم انت مراتك مصحيتش لسة تيجي تفطر معايا؟
جاء صوت لينا من الخلف بهيئة ناعسة:
– لا يا ماما انا صحيت، بس هفطر معاكي وارجع تاني لسريري، عشان هموت وأنام، بنت ابنك طلعت عيني والله.
قالتها وتحركت صوب المطبخ على الفور، ليعبس هو من خلفها مغمغمًا:
– بنت ابنك، على اساس أنها مش امها، ما هي شبها اصلا وزنانة زيها .
لكزته والدته بخفة على ذراعه حتى لا تصل كلماته إلى الأخرى، فجاء صوت زوجته من داخل المطبخ:
– سمعاك يا آمين.
ضحكت مجيدة فعلق هو بهمس:
– ودانها تجيب دبة النملة
لكزته مرة اخرى حتى يكف، فتدعوه للذهاب:
– طب يا اخويا طرقنا كدة وروح على شغلك ، مش ناقصين خناق على أول اليوم.
لتدفعه بيدها ويتحرك هو متمتمًا باعتزاز:
– عشان خاطرك بس يا أمي، ما انتي مش حمل صداع على أول الصبح بخناقاتنا اللي مبتنتهيش
– اممم
زامت بها ضاحكة تتابعه خارجًا ، فتتذكر فجأة وتوقفه قبل ان يصل إلى الباب:
– آمين مقولتيش صاحبك عصام اخباره ايه دلوقتى مع مراته؟
اجابها مبتهجًا قبل ان يخرج إلى عمله:
– فل يا ست الكل، ربنا يبعد عنهم ولاد الحرام .
– اللهم أمين يارب، وما يفرقهم عن بعض ابدًا.
رددت بها من خلفه بتضرع
❈-❈-❈
لم توقظه اليوم، حتى كاد ان يتأخر لولا صوت المنبه الذي جعله ينتبه لتأخر الوقت، فنهض سريعًا يأخذ حمامه اليوم ويستعد للذهاب إلى عمله بارتداء ملابسه الاَن على عجالة، ليهتف عليها هذه المرة كي يوقظها
– أمنية هتفضلي نايمة لحد امتى؟ انا نازل على لحم بطني مفطرتش لقمة.
بصوت ناعس بالكاد يخرج حاولت الاعتدال بجذعها تستجيب بأسف بعدما نظرت هي الأخرى على شاشة الهاتف:
– معلش يا عصام انا آسفة….. هقوم…. دلوقتي….
اقترب منها بقلق:
– مالك في ايه؟ انتي تعبانة؟
اومأت بوجه شاحب تضغط باسنانها على شفتها السفلى بألم :
– يعني مش عارفة كدة، بس حاسة نفسي مش مظبوطة وضهري.
– ماله ضهرك؟
تفوه بالاخيرة يجاورها على الفراش بفزع:
– حاسة بإيه في ظهرك بالظبط؟ ايه اللي حاصل معاكي
حاولت التخفيف حتى لا تثير جذعه:
– متقلقش اوي كدة، هو اكيد من شغل البيت مش اكتر.
– وانتي تجهدي نفسك في شغل البيت ليه يا أمنية بس؟ استغفر الله العظيم يارب
تمتم بانفعال وهو يحاول بحرص ليعيدها للتسطح وقد بدأ الألم جليا على ملامحها، متابعًا بحنق:
– مش فاهم انا لازمتها ايه الشيل والحط والتعب أساسًا ، ما انا كفاية لقمة أكلها وخلاص، ونظافة الشقة اي حد يقوم بيها، وياللا بقى بلاها الشغل خالص النهاردة
صارت تغمض عينيها من الوجع، تدعي زورا انها جيدة:
– يا عصام بلاش الخوف، انا بس اشبع نوم واشرب حاجة سخنة، تعملهالي امي أو رؤى، اي واحدة فيهم هتجري جري اول ما اتصل بيها، روح انت على شغلك.
زفر بغضب ليتناول هاتفه من فوق الكمود مرددًا:
– اروح شغلي ازاي يعني وانت بالشكل ده؟ ما يتحرق الشغل يا ستي، انا هتصل على عبير اختي تروح معانا على الدكتور اللي انتي متابعة معاه، مسمعش كلمة تاني
اومأت هذه المرة بضعف، غير قادرة على الجدال، ليستطرد هو اثناء اتصاله على شقيقته:
– مش قادرة تتكلم ولا تعدل ، وتقولي اشرب حاجة سخنة، الله يسامحك يا أمنية…… الوو يا عبير صباح الفل.
❈-❈-❈
وصل الى المبنى الذي يضم القسم الإداري للمصنع، وقد كان متحجهًا نحو غرفة مكتبه، فذهبت ابصاره تلقائيًا نحو الجهة التي تضم مكان عملها، كم تمنى ان تخلف ظنه اليوم وتأتي فيتصادف برؤيتها كما كان يحدث في الايام السابقة، وكم يتشوق للتحدث معها، ضاربًا بعرض الحائط نظرات الجميع وهمزاتهم، لكنه لم يجرأ على فعلها، والان جاء الوقت ليحرم من هذه الميزة ايضا.
تنهد يسحب شهيقًا طويلا ثم يطرده، عله يساعد في تهدئة السعير الذي يشتعل داخله، ليفاجأ بخلو المكتب وللمرة الأولى يحدث غياب لورا، فيجد صباح جالسة في الانتظار،
لتقف احتراما له، مما دفعه ليقترب منها سائلا بفضول:
– ازيك يا صباح، هي لورا مش موجودة.
نفت له بتحريك رأسها:
– لأ يا رياض باشا، انا بقالي ساعة في انتظارها، عشان اديها البيانات اللي كانت طلباها مني امبارح.
اومأ بهز رأسه متوجهًا نحو غرفته:
– اكيد عندها سبب قوي يأخرها، استني شوية وهي
هي يستحيل تغيب اصلا إلا اذا كان عندها سبب قوي،……
تطلعت اليه باستفسار حينما وجدته يتوقف فجأ ويلتف اليها:
– في حاجة يا رياض باشا؟
انتظر قليلًا بتردد لكن سرعان ما حسم يجيبها:
– كنت عايز أسألك على اخبار صاحبتك اللي سابت الشغل من غير سابق إنذار….. هي عاملة ايه دلوقتي
تعقد حاجبيها بتفكير قليلًا حتى وصلها المعنى:
– انت قصدك على بهجة يا رياض باشا؟ دي بنتي اللي مخلقتهاش مش صاحبتي.
– امممم
زام بفمه يقلب عينيه بسأم، مغمغمًا داخله:
– انتي تقولي امها ونجوان تقول مسئوليتي، عملتو حزب تقووها عليا يا ولاد ال…….
– بتقول حاجة يا رياض باشا؟
زفر بخشونة يحدجها بنظرات نارية عكس الطريقة اللطيفة التي يتحدث بها وهذه الإبتسامة الصفراء:
– مبقولش حاجة يا صباح، بس يعني اللي بتقولي عليها بنتك دي، مش واجب برضو تسلم شغلها وتخلي طرف، بدل ما تقطع مع الكل وكأنها صاحبة حق.
ها قد وصل بها الى ما يبتغيه، وهي لن تصمت ابدًا عن إخراج ما في قلبها :
– طب ما هي فعلا صاحبة حق، واللي حصل كان لعبة وسخة القصد بيها التسبب بفضيحة ليها، لا تميم ولا حتى ابن عمها كمان أخلاقهم بالفجر ده عشان يتخانقوا على واحدة ست في مكان عملها، لكن الفتنة تولع بلاد في بعضها.
اهتزت رأسه باستهجان تام يردد مجادلَا:
– انتي بتقولي ايه يا صباح؟ هو ابن عمها دا لو محترم كان جالها لحد هنا اصلا ولا وقف لها في الشارع، وهي مطلقة منه ولا مفسوخ خطوبتهم، ولا تميم دا كمان…. صفته ايه ده عشان يقف له ويتخانق عليها.
لم تفقد المرأة هدوءها، رغم الانفعال الشديد داخلها لتعمده رمي التهم بدون وجه حق، لتفند له بروية:
– اولا يا سعادة الباشا ابن عمها ده ميبقاش طليقها، دا يبقى اخوه اللي كان جاي يسأل عن بنت عمه ويطمن عليها بعد ما عزلوا مرة واحدة من غير اسباب، وتميم بقى…..
– استني هنا.
قاطعها بحزم ، ليستوعب ما تخبره به، ليردف بانفعال:
– ولما هو مش طليقها؟ ايه اللي جابه يتخانق هنا؟ ثم إن بهجة مقالتش…..
حدقته بأعين تفيض باللوم:
– هي بهجة لحقت تقول اي حاجة يا باشا، انا قولتلك من الاول ملعوب واتعمل يوقع الاتنين في بعض، واحدة الله…… يسامحها، وقفت سامر في نص الشارع تبلغته ان فلان الفلاني بيتحرش ببنت عمه في محل عملها وعايز يتجوزها بالعافية، يعني شيء طبيعي انه يجي ويتخانق، ونفس الأمر مع تميم ، ما هو مش هيسكتلوا يعني
حالة من الجمود اصابته، ليظل على وقفته بصمت مهيب يدير بعقله الكلمات حتى اذا تكلم اخيرًا:
– متعرفيش مين هي الست دي؟
مطت شفتيها بعدم معرفه تقول بكلمات مقصودة:
– الله اعلم، بس أكيد يعني اللي تعمل كدة يبقى ليها مصلحة في تفريقكم عن بعض، وتكون من اهل المصنع
نفسه وعارفة وفاهمة كل اللي بيحصل فيه
قالتها وعينيها اتجهت تلاقئيًا نحو مكتب لورا الفارغ، لتسحب ابصاره هو ايضا نحوه، ربما يجد الإجابة وحده ودون جهد منها.
❈-❈-❈
مقيدة اليدين والقدمين، حتى فمها لا تقدر على إخراج صوت منه، وقد كمم بلاصق يمنع شفتيها حتى عن التحرك ، لا تملك الا ان تزوم بفمها، تحاول المقاومة ، بالضرب بكفيها الاثنان الموثقان في ذلك المكان الضيق الذي انحشرت به، داخل سيارة قديمة الطراز على ما يبدو من هيئتها وطريقة السير على الطريق التي اتعبت ظهرها.
لا تدري كيف أتت إلى هنا، ولماذا؟ تتذكر فقط خروجها بالسيارة صباحًا بتأنقها المعتاد لتذهب إلى عملها ، وقد قطعت معظم الطريق، ولم يتبقى الا جزء قليل، يفصله عن المصنع سوى شارعين تقريبًا، وقد اضطرت للتوقف في احدهم، حينما تعطلت سيارتها فجأة وبدون سابق انذار ، فترجلت كي تعلم السبب في ذلك الوقت، لتكتشف انفجار إحدى إطارتها وكأنه نتج عن عمل تخريبي، كادت ان تعلمه، لولا تلك الذراع الغليظة التي طوقتها من الخلف، وقبل ان يخرج صوتها بالصراخ كانت هناك يد كبيرة تحط على انفها بمادة غريبة اخترقت حواسها، فلم تعي بشيء بعدها، سوى بعد وقت طويل لتجد نفسها في هذه المساحة الضيقة، وأحد ما او ربما أكثر، يقودن بها الى جهة ما لا تعلمها.
ليتها تجد هاتفها لتتصل بأحدهم لنجدتها، او ربما يشعر بغيابها الآخر، فيأتي وينقذها، يا ليت
❈-❈-❈
انتهت من أعمال المنزل، بعدما رتبت الغرف وأعدت الطعام لإخواتها، ولم يبقى شيء سوى الذهاب الى المرحاض كي تنعش نفسها بالمياه، قبل ان ترتدي ملابسها وتخرج إلى اخوتها بداخل محل الكافيه، تذهب بالطعام وتقضي معهم بقية اليوم، كما يحدث يوميا منذ آن اتخذت قرارها بترك العمل وكل شيء يربطها به حتى إشعار آخر.
اتجهت إلى الخزانة لتخرج منها الملابس التي سوف تبدل بها، وما همت بتناول إحدى القطع حتى صدح صوت جرس المنزل، لتقطب باستغراب، فهذا ليس ميعاد اخوتها ولا احد يأتي من المجموعة التي تعرفها سوى بعد الاتصال اولا .
لتتناول حجابها تغطي على شعرها، متجهة لاستكشاف هوية من يزورهم في هذا الوقت، وما ان وصلت لباب المنزل وشرعت بفتحه حتى توسعت عينيها بإجفال، لتهم بغلقه مرة اخرى، ولكن الاَخر لم يسمح لها فقد أوقفه بكف يده:
– عايزة تقفلي في وشي يا بهجة؟
تشبثت تمنع اندفاع الباب للداخل مبررة:
– اصلك بصراحة فاجأتني، دا غير ان مينفعش اصلا تيجي، حد من خواتي لو طب دلوقتي، ساعتها هقوله ايه؟
جاء رده بانفعال:
– بلاش حوارات وكدب، اخوتك التلاتة حاليًا ف الكافيه، ومستنينك تروحيلهم بالغدا، وتقضي باقي اليوم معاهم.
اترتخت يداها وقد فاجأها بمعرفته الدقيقة لتفاصيل يومها، لتعبر عن اعتراضها:
– يعني انت بتراقبني يا رياض؟
استغل هفوتها ليدفعها للداخل ويلج معها، ثم يغلق الباب عليهما، فخرجت شهقتها برعب:
– ايه اللي انت عملته ده؟ انت ازاي تقفل علينا احنا الاتنين، عايز تعملي مشاكل يا رياض؟
لم يتمكن من الرد، وقد تشتت برؤيتها ونسي كل وعيده، يتمعن النظر اليها باشتياق قاتل، ترتدي ملابس اقل من العادية، عبارة عن بيجامة قطنية بنصف كم ، وشعرها المعكوص في دائرة اعلى رأسها غير مرتب، وقد تبعثرت خصلاته على وجهها ورقبتها، كيف لامرأة بهذه الهيئة، وغير مهندمة على الإطلاق ان تسلب عقل رجل مثله؟ ولكن الإجابة واضحة، فهي بهجة، من تمكنت من تغير كل خططه ويبدو انها غيرته هو شخصيًا.
– هتفضل باصصلي كدة كتير وانت ساكت؟
تمتمت بها بأنفاس لاهثة، فحالها هي ايضًا لم يكن اقل منه، ولكنها تدعي القوة حتى لا تضعف امامه وهو خير من يستغل ذلك.
تقدم خطوة ارتدت لها خطوتين للخلف، ليهتف بها بحنق:
– يا سلام، عفريت بقى ولا حرامي هيخطفك
– لا دي ولا دي، بس برضو انت ملكش داخلة هنا جيت ليه يا رياض؟
على صوتها في الاَخيرة حتى استفزته ليباغتها بقطع المسافة الفاصلة بينهم بخطوتين فقط، فيدفعها للخلف نحو الجدار الذي ارتطم ظهرها به، لتجد نفسها محاصرة بين ذراعيه، بملامح غاضبة، لكن وهج بندقيتيه ترى بهما عكس ذلك، فخرج صوته بتحشرج:
– عايز اعرف دلوقتي اخرة البعاد دا ايه؟
بصدر يصعد ويهبط بتسارع الأنفاس بداخلها تمكنت ترد بتحدي:
– قول لنفسك.
مال مقربًا وجهه منها حتى لفحت انفاسه بشرتها الرقيقة:
– قصدك ايه يا بهجة؟ وضحي اكتر
تبًا له، يعلم بحجم تأثيره عليها، ولكنها ابدًا لن تضعف لتبتلع ريقها قائلة:
– مش محتاجة تفسير، من بعد آخر موقف وانا قررت انها خلصت على كدة، اتفاقنا خد اكتر من وقته كمان .
همس غير مباليًا:
– انتي خدتي القرار لوحدك يا بهجة من غير ما ترجعيلي، يعني مفيش اتفاق بيتحل الا بموافقة الطرفين.
وبرد فعل غير متوقع، دفعته فجأة بكفيها على عظام صدره تبعده عنها، وقد آثار بكلماته جنونها:
– لأ بقى ينفع…… ولا انت فاكرني هقعد تحت امرك ومزاجك ساعة ما تعوزني تلاقيني وبس على كدة، وعشان ما انت اشتريت في البداية، ابقى انا جاريتك العمر كله.
قالتها بقصد واضح وصل اليه، تذكره بحديثهما القاسي داخل غرفة مكتبه، لتتغضن ملامحه باستياء من نفسه؛
– دي كانت لحظة عصبية يا بهجة، وانا بعترف اني غلطت بس كمان انتي مقولتيش ولا فهمتيني حقيقة اللي حصل، اي واحد في مكاني أكيد كان هيتجنن.
– وانت ادتني فرصة
قالتها بأعين التمعت فيها الدموع تردف بألم:
– انت خدتني غسيل ومكوى، تعرفني مكاني كويس اوي في حياتك…
– انا اسف
تمتم هامسًا بها بصدق وضح جليًا في نبرته، ليقترب منها يكوب وجهها بين كفيه ويقبل اعلى رأسها عدة مرات، جعلت تلك العبرات تنساب من مقلتيها، وتخونها الشجاعة الزائفة بضمة حانية منه.فيشدد عليها بذراعيه يغمرها بدفئه، يعيدها إلى موطنها الرحب، وتعيده هو إلى انسانيته التي لا يشعر بها الا معها.
طال العناق وتعددت القبلات على رأسها ونزولا إلى بشرتها حتى تبقى فقط ثغرها والذي ما انا لامسه بشفتيه حتى انتفضت تصدح برأسها اشارات الخطر لتنزع نفسها عنه، ترفض الخنوع امام سطوة عشقها له، وفي لحظات بسيطة ملكت زمام أمرها لترمقه بغيظ قائلة:
– رياض امشي
تجمد محله بعدم استيعاب بعدما فاجئته بفعلها، لتعيد عليه الأمر مرة اخرى:
– رياض بقولك امشي، ليه رافض تقدر موقفي، كل ده بيضرني، حس بيا يا أخي
زفر يطرد دفعة كبيرة من الهواء المشبع بإحباطه ، فقد عادت به إلى نقطة الصفر مرة ثانية بعدما شعر بقرب الوصول إليها.
– ماشي يا بهجة همشي دلوقتي، بس ممكن لما اتصل بيكي بعد كدة تردي عليا .
اومأت تجيب بمراوغة تعكس ردها بوضوح:
– ماشي هشوف
– ماشي هشوف
ردد بها من خلفها بيأس، لا يريد الضغط عليها، مقدرًا غضبها منه، ولكن اقدامه لا تطيعه على التنفيذ، ليجفلها بقوله:
– طب ممكن طلب قبل امشي .
قلبت عينيها بسأم:
– اطلب يا رياض، ولو في أيدي مش هتأخر أكيد .
– هو في ايدك طبعا يا بهجة، دي حاجة بسيطة خالص، انا من الصبح ما حطيتش لقمة في بقى، كل الاكل طعمه وحش وانتي مش معايا، نفسي في اي حاجة من ايدك، وحشني اوي اكلك يا بهجة.
– نعم
تفوهت بها بعدم استيعاب، ليقابل قولها ببرائة:
– جعان والله ما بهزرش
❈-❈-❈
استيقظ منتفخًا بغبطة تغمره، بعد قضاءه ليلة أخرى ممتعة مع زوجته الجديدة، خالية من الازعاج، بدون اطفالها ولا والدتها ولا اي فرد من عائلتها، لقد كانت له وحده ولم يتكلف حتى ربع المصروفات التي دفعها المرة الماضية.
– ايه رأيك بقى يا خمسينو يا روح قلبي، مبسوط؟
تمتمت بها زوجته العزيزة بعدما اجلسته حول طاولة الطعام، ليتناول معها وجبه الإفطار التي اعدتها منذ دقائق.
امسك كف يدها يقبل ظهرها يردد بسعادة غامرة:
– اوي اوي يا صفصف، شعور ان اصحى افتح التلاجة الاقيها متعبية بخيرات الله معرفتش قيمته غير هنا،
وبسبابته أصبح يشير على اطباق الطعام مردفًا:
– الجبنة دي من اول امبارح، ولا طبق الفول والمربي والفاكهة، كل دول بقالهم يومين زي ما هما مجرالهمش حاجة، يدوب بينقصو لقمتي ولقمتك وانا وانتي اكلنا عصافيري
وأكمل بضحكة مرحة بادلته إياها على مضض لتعقب:
– عشان تعرف ان شرياك ويهمني راحتك، مش زيك تغيب وتقول عدولي.
زام بفمه:
– اممم ما خلاص بقى يا صفاء، هفضل اصالح فيكي لحد امتى؟ انا من هنا ورايح هتلاقيني راشق عندك كل يومين، انت بس استمري كدة
ضحكت بسخرية :
– استمر في ايه؟ قصدك يعني اسرب عيالي كل مرة عند اختي، يبقي شخشخ انت جيبك يا حبيبي وانا اسربهم يوماتي كمان
– اشخشخ تاني يا صفاء؟
هتف بها، يتوقف عن مضغ الطعام بإجفال فواصلت هي:
– ايوة امال ايه؟ ولا انت فاكر بيت اختي مفتوح سبيل لعيالي، ياكلو ويشربوا عندها بلوشي ، ليه ؟ دا حتى المسكينة ملاقياش اللي توكل نفسها .
– امال بقالهم يومين عندها بياكلو طوب، في ايه يا صفاء؟
ردت تبسط الأمر امامه:
– لأ يا حبببي ما انا اديتها كل الفلوس اللي كانت باقية معايا من قبض الشهر ده من معاش امي ونفقة طليقي، يعني انا دلوقتي على فيض الكريم، وانت يا غالي هتعوضني.
ابتلع رمقه بارتياب:
– اعوضك عن ايه بالظبط يا صفاء؟
ردت بانفعال:
– يعني تديني اللي اكمل بيه الشهر يا خميس جرالك ايه؟ بقولك قبضي كله خلص عشان اهيئلك الجو الهادي اللي انت عايزه، ولا انت زي القطط تاكل وتنكر.
– انا برضو يا صفاء اللي باكل وانكر
زفر بقلة حيلة امام تسلطها وقد رأى بعينيها نظرة غير مريحة على الإطلاق، ليردف باستسلام :
– قصره…. عايزة كام يا صفاء؟
فردت كفيها الاثنان امام عينيه تلوح بهم، ليخمن بعدم تصديق :
– عشر الاف يا صفاء.
صاحت مصححة:
– عشر الاف دا ايه في الدنيا الغلا دي؟ عشرين الف يا غالي .
انتفض كالملسوع ناهضًا من امامها:
– ايه؟ عشرين ، ليه هتأكلي قبيلة، دول كلهم خمس عيال وامك وعمامك اللي بيطبو في اوقات غير مناسبة
تنهدت بضجر رافعة حاجبها بشر:
– الله اكبر في عينك يا خميس وبلاش تنبر على العيال، انا مش جايباك وسطيهم عشان تحسدهم، صلي في قلبك كدة يا حبيبي واسمعني كويس ، انت جوزي، يعني من واجبك تصرف عليا ، وانا من واجبي اصرف على عيالي واعوضهم، واخد بالك منها دي، ولا يكونش فاكرني كمان هرميهم عشان جمال طلتك… اهو دا اللي ناقص.
صدرت كلماتها الاخيرة بشيء من الازدراء لم يعجبه، ولكن التلميح الصريح وصل اليه، ليفهم منها جيدا غرض زواجها به، هي امرأة صريحة ولن تحتمل زوج مثله دون مقابل ابدًا، اذن فعليه الدفع.
– ماشي يا صفاء، هديكي فلوسك، بس استني عليا لما اجيلك المرة الجاية، النهاردة مسافر لكتب كتاب بنتي بكرة ، والفلوس اللي طالباها مش معايا نصهم حتى
– اتصل بأي حد يبعتلك على رقم الكاش، مش صعبة هي
– هو انت عرفتي كمان رقم الكاش يا صفاء.
مصمصمت بشفتيها تقارعه:
– لا انت فاكرني جاهلة، لا يا حبيبى دا انا واصلة لحد خامسة ابتدائي.
❈-❈-❈
يأكل بتأني وتلذذ، عينيه لا تفارقها، مستمعًا بارتباكها، وهي تأتي وتذهب ، تهزهز قدميها بعصبية، في انتظار انتهائه، حتى انفجرت به:
– وبعدين بقى، الوقت بيعدي يا رياض واخواتي ممكن كدة يقلقو عليا، امتى هروحلهم بالغدا؟
وضع إحدى القطع بفمه وكأنه لم يسمع منها:
– الله يا بهجة، طعم المحشي من ايدك يجنن، في حياتي ما دوقت زيه لا من ايد الشغالين ولا في اي مطعم روحته، بتعمليه ازاي ؟
رددت خلفه بعدم اسنيعاب:
– يا نهار اسود ، بقولك اتأخرت على اخواتي، تقولي طعم المحشي .
اللقى بنظره نحو الساعة التي يرتديها على رسغه قائلًا:
– بس الساعة لسة مجاتش تلاتة، يعني لسة الغدا
يكاد ان يجلطها ببروده، لترد بغيظ:
– ما هو يدوبك على ما اجهز يا رياض، عايز استحمى واغير هدومي، امتى هلحق أعملهم دول؟
وضع قطعة صغيرة من لحم الدجاج داخل فمه، ليرد بمكر وهو يلوكها ببطء:
– طيب وما تجهزي وتغيري هدومك ولا تستحمي حتى، انا قاعد مستنيكي، هو انا غريب عنك.
هذه المرة فاض بها لتصرخ به:
– والمصحف يا رياض ان ما قومت دلوقتي وروحت……
قطعت مجبرة حينما حطت كفه على فمها ليمنعها عن المواصلة يهمس بتحذير:
– صوتك يا قلبي لو طلع، ممكن حد يسمعك في الشارع، عايز الناس تقول ايه؟
كان وجهه قريبًا، قريبًا جدًا ، وذراعيه، واحدة تلتف حول كتفيها والأخرى تكمم فمها او على الأصح، على شفتيها بقصد واضح في عينيه الخبيث اللئيم
لتنفضه عنها سريعًا تصيح بتشنج ولكن بصوت اخف حدة:
– اطلع برا يا رياض، لا هصوت والم عليك الناس اللي في الشارع، واللي يحصل يحصل بعد كدة .
رفع كفيه امامها باستسلام حتى تخفف من انفعالها؛
– حاضر والله حاضر، بس متتنرفزيش…… همشي….
قالها ولم يتحرك، لتظل على وضعها يكتنفها الارتياب ، حتى اجبرته على الابتسام يشاكسها وهو يتناول إحدى القطع من الطبق الذي اكل نصفه:
– طب سؤال بس قبل ما امشي، هو انتي ليه عمرك ما عملتيلي الصنف ده، رغم انك طبختيلي كذا مرة، وانا برضو كنت باستطعمهم، بس بصراحة دا يتفوق على الجميع.
كالعادة يستدرجها كي ترد بعفويتها:
– انا كنت بحاول اجاري الاصناف اللي انت متعود عليها، انما دا محشي كرمب، يعني اكله شعبية بامتياز، اش عرفني ساعتها كان هيعجبك ولا لأ.
تناول واحدة أخيرة ليمسح كفيه ببعضهما مرددًا:
– دا مش عاجبني وبس، دا انا بقيت بعشق حاجة اسمها البلدي……
توقف لبرهة بعدما شعر بارتخاء تعابيرها؛
– كنت وحشاني اوي يا بهجة ، فوق ما تتصوري، على العموم انا ماشي مش هزعجك اكتر من كدة.
تحرك بأقدام ثقيلة ليلقي اخر كلماته:
– هصبر عليكي عشان مقدرش على زعلك يا بهجة، لكن مش هسيبك أبدا
❈-❈-❈
اخيرا توقفت السيارة، لترفع رأسها بترقب، ترهف السمع مع اهتزازاها بترجل احدهم منها، ثم صوت الاقدام التي تدعس على الارض الحجرية، حتى توقف ، ليفتح غطاء الصندق الخلفي للأعلى، فيطل عليها هذا الوجه المألوف، متبسمًا بشر:
– اممم ايه رأيك بقى؟ مفاجأ صح؟
جحظت عينيها بذهول، حتى اذا نزع الاصقة من فوق شفتينا بعنف جعلها تصرخ من الألم قبل ان توجه السباب نحوه:
– انت شكلك مجنون يا بني ادم انت، قبل ما تخطفني محدش قالك انا مين؟
– امال يعني جايبك عمياني يا حلوة؟
قالها ثم دنى فجأة يرفعها بين ذراعيه حتى عدلها على كتفه يحملها عليه، فيصبح رأسها للأسفل، متبسمًا بسخرية:
– دا انا جايبك لقضاكي، عشان تفكري بس تعلبي تاني مع حد زيي،
صرخت تحاول المقاومة:
– العب مع مين يا حيوان انت؟ وايه المكان اللي انت جايبني فيه ده؟ والله شكلك بتلعب في عداد عمرك .
ضحك غير ابهًا ليسقطها فجأة على الارض ، غير مكترثًا لألمها، يخرج مفتاح كبير، ويدخله في مغلق الباب الضخم، ليوضح لها:، عشان تعرفي بس اني مش هامنني اي تهديد منك، بصي واحفظي الاماكن، اول حاجة سجلي اسم اليافطة، مخزن المعلم خميس الراوي، ومحسوبك يبقى ابنه
– سامر الراوي
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الواحد والثلاثون 31 بقلم امل نصر
الحياة تسير؛ سعيد او حزين لا تتوقف ، وإن لم تتقدم وتتخطى المعوقات، لا تكن أبدًا اهلا للعيش بها .
الاستسلام هو عدوك الأكبر، فلا تساير الواقع دون مقاومة او بحث عن حلول.
لا تكف عن المحاولة
اصطفت السيارة في المكان المخصص لها، داخل محيط الجامعة الضخم، لتترجل في البداية صديقتها العزيزة، ثم تبعتها هي لتسحب انفاس قوية، وتتوجه بأبصارها نحو المبنى الغالي على قلبها، والذي هجرته منذ سنوات على غير ارداتها ليأتي اليوم وتحاول إكمال المتبقي من الطريق، لتحقيق حلمها.
– ها يا قمر مستعدة؟
توجهت صفية بالسؤال نحوها، والتي أتت معها اليوم لتؤازرها وتساعدها في الإجراءات، وفي دعم معنوي ايضا.
ردت بهجة باشتياق شديد ومشاعر لا تعرف وصف لها؛
– مستعدة جدا، مستعدة اوي، بس خايفة لتحصل معوقات ويرفضو الطلب العودة.
تبسمت صفية بثقة قائلة:
– عيب يا بنتي كلامك ده، دا انا مجهزة طلب العودة من امبارح، شغل المعلم لابنه يعني عملته بمزاج، ان شاء الله مجلس الكلية يوافق ومتواجهناش اي معوقات
– يارب يارب
تضرعت بها بقلق لتقترب منها صفية تضغط على يديها الباردتين تمازحها:
– ايه يا بنتي ايدك متلجة، لدرجادي متوترة، لا اهدي كدة وخليكي واثقة في نفسك وفي صاحبتك، هتكملي يا قلبي وهتنولي كل اللي بتتمنيه، بس نتحرك بقى، مش عايزين نتأخر اكتر من كدة.
تبسمت اليها بامتنان، لتسير معها نحو مبني الهام الذي حرمت منه ، وقبل ان تصل إلى الدرج الرخامي الضخم لمدخله، صدح صوت الهاتف برقمه، لتتبادل مع صديقتها النظر بحيرة قطعتها صفية بالضغط على اغلاق الهاتف قائلة:
– متزعليش مني بقى، احنا مش عايزين عطلة .
وسحبتها تسرع بصعود الدرج، لتعقب بهجة بضحكة اختلطت بتوترها:
– يالهوي عليكي يا صفية، طب افرضي شادي ابن عمتي اتصل دلوقتي عشان يطمن، يلاقيه مغلق ويقلق بقى، ما انتي عارفة انه متابع معانا المشوار.
– هيبقى يتصل عليا يا اختي متشليش هم.
تمتمت بها صفية بإصرار لتواصل السير بها دون اكتراث بمن يحترق محله الاَن، وهذا التجاهل المبالغ فيه، يجعله على وشك ارتكاب جريمة .
– بتقفلي السكة في وشي يا بهجة، دا انتي شكلك اتجننتي، ولا انا اللي طولت بالي عليكي زيادة وخليتك تتفرعني عليا.
– بتكلم نفسك يا حبيبي؟
جاء الصوت الناعم من خلفه ليزيده حنقًا، فيلتف اليها بغضب لا يخفيه:
– لا طبعا يا ست الكل، وانا هتعصب ولا ازعل نفسي ليه؟ والهانم بتقفل السكة في وشي، طبعا حقها مادام بتلاقي اللي يعصيها عليا .
كعادتها هذه الأيام، استطاعت إخفاء ابتسامتها لتجيب بمراوغة:
– تاني بتتحمق وتحمل عليا وعلى المسكينة بظنونك، طب افرض هي مشغولة دلوقتي في تقديم أوراقها، شيء طبيعي أنها تقفل تليفونها.
نهض يطالعها باستهجان واستفسار غير مريح:
– تقدم أوراقها فين؟ هي بتعمل ايه بالظبط من ورايا؟ ومن غير ما تبلغني؟
– بتقدم طلب عودتها للجامعة، فيها ايه دي؟
قالها ببساطة زادت من اشتعاله، ليهدر بها:
– فيها كتير يا نجوان هانم، كتير اوي، دا كفاية أنها بتعرفك خطواتها وانا جوزها ما بتقوليش، لكن تمام، تمام اوي.
بصق كلماته وخرج ذاهبًا من امامها بخطواته السريعة، وقد علمت الاَن طريق اتجاهه، لتردد في أثره بقلق:
– أحنا شكلنا زودانها المرة دي ولا ايه؟ ربنا يستر.
❈-❈-❈
بصق من فمه على الارض بعد خروجه من إحدى المنازل في داخل المحمية الغريبة، بعدما استيقظ من نومه صباحًا يجد نفسه على فراش غريب مع فتاة لا يعرفها، ليكتشف انه أثقل في الشراب السيء والمواد الممنوعة تلك التي يتاجر فيها، وبات على الفراش الرث بعد إقامة علاقة مع هذه الفتاة الرخيصة، والتي كانت تشير اليه الان من نافذتها ضاحكة وقد أعجبها وسامته، عكسه هو، فكل ما يشعر به الآن هو القرف، لا يدري كيف فعل معها ذلك، والفضل يرجع طبعا للمواد المخدرة التي غيبت عقله.
ليبصق مرة ثانية يتجنب الالتفاف لها، رافضًا اي ارتباط معها حتى لو عادي، يغمغم بحديث نفسه؛
– الله يحرقك ويحرق محمية الزفت دي كلها، بقى انا هيما اصحى الاقي نفسي على فرشة وسخة زي دي، ومع مرة عفشة ما تساويش نكلة في سوق النسوان، بعد الستات النظيفة اللي كانت بتترمى تحت رجلي وبفلوسي…
ابصر بعيناه هذا الفتى الذي كلفه بمهمة لم ينجح بها حتى الاَن، ليتذكر من كانت لعبة في اصبعه، تلك التي كان يستمتع بذلها فكان يستكثر عليها نفسه، ويراها في الجمال اقل من العادية، ليتفاجأ بها بعد زواجها من آخر تحولت كليًا، هل كان أعمى عن جمالها؟ ام هي من كانت تتعمد إخفاء فنتنها لمن يستحق، لكن لا والله لن يجعلها تهنأ بعيدا عنه، يسقط هو في الوحل، وتستقر هي في حياتها الجديدة مع رجل اخر يتمتع بما كان حق له ، هذا ابدا لن يستمر
بخطوات سلحفية اقترب من الفتى الذي كان يعطيه ظهره، منشغلا في الهاتف كعادته على احد الالعاب، ليباغته فجأة بالقبض على قماش قميصه من الخلف
– ازيك يا عويضة، وحشتني يا راجل
اجفل الفتى واعتراه الهلع في البداية، قبل ان يستعيد ثباته ليعبر عن اعتراضه نحو الطريقة التي يمسكه بها:
– الله الله يا عم إبراهيم، ايه المسكة اللي شبه عكشة الحكومة دي، نشفت دمي يا راجل.
هزهزه ابراهيم بعنف ليزيد عليه بعدم اكتراث:
– ان شالله انت كلك تنشف على بعضك ولا تغور في داهية حتى، انت متهمنيش في حاجة ياض، عملت ايه في الطلب اللي طلبته منك؟
انتفض عويضة داخله، تأثرًا بهذه الهيئة المخيفة لهذا المدعو ابراهيم، وعيناه الحمراء تبث مزيدًا من الرعب اليه، ليبرر على الفور مدافعًا عن نفسه:
– والله العظيم كذا مرة ابعت لينكات مسابقات وحاجات ياما تخص الستات، لكنها مبترودش ولا اكنها بتفتح اساسا.
– مليش فيه يا حبببي، تتشقلب تعمل نفسك قرد، المهم تتصرف وتهكر الخط، انا مش هعتقك يا عويضة لو ما نفذت وعملتها، انا خلقي ضيق ياض ومعنديش حد يقول كلمة وميبقاش قدها.
يهدر مقربًا وجهه منه، وكأنه على وشك الفتك به، ليجبره على مهادنته، خشية أن يأذيه:
– خلاص يا عم إبراهيم هحاول بكل جهدي النهاردة
دفعه بعنف اسقطه ارضًا:
– ميخصنيش كلمة احاول دي، انا عايز الخبر اليقين فاهم ياض ولا افهمك.
– فاهم والله العظيم فاهم .
تمتم بها عويضة برعب منه، ليستعد بداخله إلى مرحلة اخرى من المحاولات علٌها تأتي بنتيجة هذه المرة.
❈-❈-❈
فتحت رؤى باب المنزل تستقبل زوج شقيقتها الذي كان يحمل عددًا من الأكياس، ملقيًا اليها بالتحية:
– عاملة ايه يا رؤى؟
– حمد لله يا ابيه اتفضل؟
قالتها تتناول بعضهم، ليدلف خلفها بحلة عمله، لتستقبله نرجس بمبالغتها كالعادة:
– اهلا اهلا يا جوز بنتي، شرفت ونورت، طلتك ولا القمر وانتي داخل كدة بالبدلة الميري
تبسم يجاريها في الحديث رغم ضيقه:
– تشكري يا حماتي، اصل انا خلصت شغلي وجيت على هنا على طول، عشان اطمن على أمنية، هي عاملة ايه دلوقتي .
– كويسة يا ابيه اطمن، هي بنفسها قالتلي كدة الصبح .
قالتها رؤى لتضيف نرجس:
– وانت لسة هتسأل، ما تدخل لها يا حبببي ، هو انت غريب يعني؟ دا حتى بيتك ومطرحك.
تردد في استقبال الدعوة ليردد بمكر رغم ادعائه الحرج:
– ماشي يا حماتي، بس انا عايز اطمن الاول، لا يمكن يكون عندها حد من الجيران ولا اصحابها.
– لا والله مفيش، ولو في يبقى هما اللي ينكسفو مش انت
قالتها نرجس بعفويتها، لتعلق رؤى ضاحكة وقد فهمت مقصده:
– هيجو ازاي بس الجيران يا ابيه؟ ومحدش منهم يعرف بموضوع امنيه، ولا انت فاكرنا نسينا تعليماتك .
تبسم يدفعها بخفة على جانب رأسها بيده وقد أعجبه ذكائها:
– لا منستش طبعا يا عفريتة، خليكي على طول كدة شاطرة بقى، وانا هروح اطمن على أمنية
تطلعت نرجس في أثره لحظات، ثم تسائلت نحو ابنتها بعدم فهم:
– هو جوز اختك بيقولك خليكي شاطرة ليه؟
❈-❈-❈
دلف اليها بداخل الغرفة ليجدها نائمة، يبدو أنها لم تشعر به، فلم يكلف نفسه تعب ايقاظها، وقد تحرك بخفة ليرتد ويغلق باب الغرفة، ثم يخلع عنه سترته العليا، ليتبقى فقط بالفانلة البيضاء على البنطال ، واندس بجوارها تحت الغطاء على الفراش، يلف ذراعه حولها
شعرت به لتستيقظ من غفوتها البسيطة، حتى كاد ان يصيبها الهلع، لولا همسه الخفيض:
– اشش انا عصام
غمرها الإطمئنان بغمرته لتحاول الاعتدال نحو جهته او الجلوس بجذعها ولكنه قربها بذراعيه التي تضمها من الخلف:
– خليكي براحتك ماتتحركيش، انا اصلا مرتاح كدة.
تبسمت مزعنة لأمره تسخر:
– انت شكلك تعبان من الشغل وجاي تنام؟
لم ينكر ، فجاء رده وانفاسه تلفح بشرة عنقها:
– بصراحة اه، الليلة اللي فاتت مرت عليا زي الكابوس وانتي مش معايا، وعمال أأنب نفسي اني سمعت كلام الدكتور وجيبتك هنا تريحي عند مامتك، كان واجب تقعدي في شقتنا واقعد انا جمبك واراعيكي.
هذه المرة غلبها الشوق لتعتدل بجسدها وتقابل وجهه، تمسح عليه بكفها الحانية تطمئنه:
– بس انت مهما عملت لا يمكن هتبقى زي امي، هتبقى عطلة ع الفاضي لاني برضو كنت هبعتلها تساعدك
تناول كف يدها التي تلامس بشرته، ليردف باستسلام:
– ماشي انا اتأكدت أنها هتعرف تساعدك وتريحك على ما نعدي الفترة الصعبة دي اكتر مني، لكن انا بقى هعمل ايه في بعدك وانتظار الايام دي اللي محد عارف هتبقى كام يوم لحد ما يطمنا الدكتور،
واستطرد يقرب نفسه أكثر ويقبلها من وجنتيها:
– انا اتعودت خلاص انام على دفى حضنك، حتى لو مفيش اي حاجة بينا، يكفي نفسك جمبي على السرير.
رغم تأثرها الشديد بكلماته، إلا أنها فضلت اخذ الأمر بمزاح حتى لا تدمع عيناها امامه:
– خلاص يبقى انتقل معايا هنا، هات هدومك وكل حاجتك، واهي الأوضة واسعة وتساعي كتير.
قرصها بإصبعي السبابة والابهام على وجننتها مرددًا:
– واضيق على امك واختك في بيتهم يا مجنونة يا أم عقل طاقق.
– ااه براحة يا عصام خدي وجعني.
قابل قولها بابتسامته:
– احسن عشان تبطلي جنان واقتراحات هبلة، اهم حاجة بس طمنيني حاسة بإيه النهاردة؟
أغمضت عينيها بتعب مرددة:
– تاني يا عصام ، ما انا قولتلك كذا مرة في التليفون كويسة، اسجلها ريكورد عشان تسمعها كل دقيقة.
عبست ملامحه يدعي الضيق في رد لها:
– لا يا ظريفة متسجليش عشان انا مش هبطل سؤال والمطلوب منك برضو تجاوبي بصدق، يعني لو في حاجة كدة ولا كدة تقولي ، مش تهملي زي المرة اللي فاتت، فاهمة كلامي.
قال الاخيرة بتحذير فهمت عليه، لتسارع في ترضيته على الفور بقولها:
– خلاص يا عصام والله فهمت ومش هكررها تاني .
– يبقى تسمعي الكلام وانتي ساكتة.
اومأت بطاعة ليضمها اكثر ويغمض عينيه مردفًا:
– شطورة وياللا نامي بقى، عشان اعرف انام انا كمان ، واخطفلي ساعتين بعد سهر الليلة اللي فاتت .
❈-❈-❈
تقدم بخطواته داخل المخزن المهجور منذ سنوات، حتى لم يعد احد يتذكره، نظرا لتوسع تجارتهم واختيار غيره بمسافة أقرب،
نظر إلى داخل المكان الذي تركها به ولم يجدها ، فجالت عينيه يبحث عنه حتى وجدها واقعة بالمقعد الموثفة به، وقد بدا جليًا محاولاتها الحثيثة لفك قيدها حتى انقلبت بهذه الهيئة، وحينما يأست من فشل محالولاتها المستمرة اضطرت للنوم بهذه الصورة، انتابه شيء من الشفقة نحوها، ولكن سرعان ما أخمد هذا الإحساس بداخله،
ليقترب منها ويعدلها بالمقعد المقيدة به، مما جعلها تستقيظ فتصطدم عينيها بوجهه بهذا القرب، لتخاطبه على الفور برجاء:
– انت جاي عشان تفكني صح؟ اكيد رجعت لعقلك وعرفت انا مين ؟
تبسم بثقة يتركها ، ثم قرب احد الكراسي يمسحها من الغبار اولا ثم يجلس مقابلا لها واضعًا قدما فوق الأخرى، يتحدث بهدوء:
– للأسف كان نفسي افرحك، بس الحقيقية هي ان انا واحد مخه طاقق، حتى وانا عارف انتي بنت مين؟ برضو مُصر اعلمك الأدب على عملتك معايا.
صرخت به بعد احباطه لأملها الاخير:
– لا دا انت فعلا مجنون بقى؟ انت مقيدني من امبارح صبح يا معتوه انت، لا اكلت ولا شربت ولا دخلت حمام.
رد ببساطة:
– بس انا ممنعتكيش من الأكل، عرضت عليكي الأكل والشرب امبارح بس انتي رفضتي.
عبرت مشمئزة:
– بقى عايزني انا اكل من ايدك، انا اش ضمني ان كانت نضيفة ولا هببت بيها ايه؟
ضحك يرفع الكفين امام عينيها:
– اهو يا ستي عشان تتأكدي أنها نضيفة، ما هو انتي مفيش قدامك غير الطريقة دي، لأن انا مش هحلك دلوقتي، انسي.
– انسى دا ايه؟ هو انت ناوي تضربني ولا تقتلني.
رددت بها بخوف غلف نبرتها، ليسارع هو بالتوضيح غاضبًا:
– مش انا اللي أمد ايدي على واحدة ست ولا أذيها، حتى لو كانت هي تستاهل
صدرت الاخيرة منه بعنف جعلها تجفل لتستعيد شراستها مرة أخرى في الرد عليه:
– ولما هو كدة حبسني ليه في ظروف غير ادميه، رابطني ومانعني اكل ولا اشرب ولا ادخل حمام.
– لا حول ولا قوة الا بالله
تمام بها ضاربًا كفيه ببعضهما من تذمر يراه غير مجدي معه:
– تاني برضو بتعيدي وتزيدي في نفس الكلام، ما قولتلك يا بنت الناس، اكل مش هتاكلي غير من ايدي، والشرب نفس الأمر، هتدلعي بقى وترفضي براحتك، وخلي الجوع يقرصك بقى.
زامت بقلة حيلة تستلم اخيرا، اذعانًا لصوت الوحوش بمعدتها التي كانت تصرخ من الجوع، لتوميء برأسها قائلة:
– طب الاول قبل ما اكل، عايزة اغسل ايدي، امسح المكياج اللي زمانه بهدل بشرتي.
– وماله يا ستي يعني جيتي في جمل
قالها يضحك بمرح، لينهض من امامها، ثم يقرب الطاولة التي وضع عليها الطعام وزجاجات المياه، ثم تناول محرمة ورقية وما ان رفعها امامها حتى ارتدت رأسها للخلف بخوف منه، ليزفر بضيق قائلًا:
– دي عشان أمسح المكياج اللي باظ في وشك، مش هعملك حاجة وحشة يا ست..
اضطرت للأستسلام، ثم امتدت يداه ليبدأ بالجبهة ثم ينزل بخفة على باقي ملامحها، برقة متناهية، فكلما مسح من المساحيق، كلما ظهر جمال بشرتها الصافية والخالية من أي شوائب، حتى وصل الى الشفتين والتي ما ان أزال اللون القاني منها حتى ظهر لونها الوردي، ليلعلن داخله غباء امرأة مثلها، تتمسك بأحدث صيحات الموضة، وتخفي ما وهبها الله من جمال فاتن.
زفر مرة اخرى ، ليلقى المحرمة من يده، شاعرًا بأشياء لا تصح ابدا مع امرأة مثلها، وجلس بغضب يكتمه ، ليقرب شطائر الطعام المعروفة، ليتهكم مخاطبًا لها:
– مرديتش اجيبلك من البيت ولا اي محل عادي من الشارع، عشان تعرفي غلاوتك عندي، قولت اجيبلك من حاجة مشهورة تفتح نفسك
لوكت قليلًا بفمها تمضغ القطعة التي قطمتها، لتعبس ردا له:
– وانت فاكر يعني ان اكل ال Fast Food حاجة حلوة ولا مستحبة عندي، دا انا بس عشان جعانة.
مط بشفتيه يظهر عدم اكتراثه، ليظل صامتًا في انتظارها حتى تنتهي من طعامها، قائلة:
– انا خلصت اكل، فاضل الحمام هتعملها ازاي دي بقى.
تبسم بمكر ليعود إلى كرسيه مسترخيًا:
– دا حاجة سهلة، المخزن هنا فيه كذا حمام، المهم نتكلم شوية ناخد وندي مع بعض.
جحظت ابصارها نحو الجهة التي أشار اليها، مبنى صغير وضح جليًا فائدته، وقد كان يشبه المراحيض العامة التي تتصادف برؤيتها احيانا في الطريق لتصرخ:
– لا بقى كل الا ده، اتنازلت واكلت من ايدك ، شربت من ازازة مية معدنية مش معروف مصدرها، لكن اسكت على ده اهو دا اللي يمكن يحصل، انا لورا، عيلتي متأصل جذورها لأسرة محمد علي، يعني أمرا وباشوات….
ظل صامتًا، يتركها تهذي وتصيح بالتهديد والوعيد ، يتأملها جيدًا بعدما أزال عن وجهها تلك المساحيق التي كانت تخفي جمالها الطبيعي، فكلمة فاتنة قليلة عنها ، ولكن لسانها وروحها الخبيثة تحتاج المزيد من الترويض، وهو مستعد تمام الاستعداد لذلك
– انت يا بني أدم انت، هتفضل سايبني كدة من غير ما ترد وكأني بكلم نفسي.
تبسم بتكاسل:
– دا ذنبي يعني، اني سايبك تخرجي كل اللي في قلبك، شتيمة وأي كلام زفت على دماغك، المهم انك في الآخر تهدي او تتهدي بمعنى أصح .
فغرت فاهها بانشداه تشعر أنها على وشك الإصابة بجلطة من افعاله:
– يا نهار اسود على برودك، انتي ازاي طايق نفسك كدة؟ لوح تلج.
.
قهقه ضاحكًا بصورة اثار استفزازها، رغم إعجابها بضحكته الغريبة التي لم تسمعها قبل ذلك على الإطلاق، والتي تجمع بين الروح الشعبية التي ينتمي اليها، وبين خشونة الرجال الأقوياء، رغم هدوءه المبالغ فيه، لتنفض عنها تلك الأفكار الغريبة عقب قوله:
– والله انتي حقك تحمدي ربنا اني كدة معاكي، بعد عملتلك السودة معايا والقصة اللي ألفتيها عشان اروح وابهدل الدنيا عند بنت عمي في محل عملها، بس اللي مجنني بقى، انتي ليه تعملي كدة؟ كان قصدك ايه؟ واحدة زيك وواخدة منصب كبير، بتغل ليه من واحدة غلبانة زي بهجة وعايزة توقعها في مصايب .
تبسمت بشر وكأنها وصلت اخيرا للجزء المحبب في الحوار:
– حقك تستغرب اكيد بس بقى لما تسمع مني أسبابي ، وتعرف مين بالظبط هي بنت عمك اللي بتعمل دلوقتي مصيبة عشان خاطرها، اكيد هتقدر ، ومش بعيد تتفق معايا .
تحركت رأسه بعدم استيعاب مرددًا خلفها:
– اتفق معاكي كمان! دي انتي عندك ثقة جامدة في نفسك ، طب انا عايز اعرف بقى دلوقتى، ايه هي اسبابك .
زاد اتساع ابتسامتها الماكرة لتجيبه برحابة:
– حلو اوي الكلام ده، بس الاول كدة هات تليفوني اللي انت محتفظ بيه عندك وانا افتحه بالبصمة واطلعلك الدليل اللي يثبت على كل كلمة اقولهالك
❈-❈-❈
تم الانتهاء اخيرا من الإجراءات، بأخذ الموافقة على عودتها إلى دراستها الجامعية بعد انقطاع، ليأتي الان موعد العودة، وحديث بينهما لا ينتهي.
– انا فرحانة اوي يا صفية، رغم اني حاطة ايدي على قلبي لامعرفش اسد واستوعب المواد اللي نسيتها من الركنة.
– بعد الشر عليكي، هتسدي وتبقى من الشطار كمان، انتي يا قلبي كنتي ممتازة، دا الدكتور مؤيد افتكرك بمجرد ما ذكرت قدامه اسمك.
قالتها صفية وهي تتقدم نحو سيارتها، ليصدح فجأة بوق سيارة اخرى انتفضت له بإجفال، جعل من يقودها يضحك بملئ فمه، اثناء ترجله منها مبديًا اعتذاره:
– انا اسف يا آنسة، مكنش قصدي اخضك وآلله…..
واكمل ضحكاته حتى استفزها لتنهره غاضبة:
– يا خفة، يعني كمان بتستظرف وبتضحك اعرفك منين انا عشان تعمل معايا الحركة دي؟
اجابها ببساطة:
– بس انا مش عامل كدة عشانك
قالها متوجهًا بأبصاره خلفها، ليجبرها على الالتفاف، فتجد بهجة تكاد ان تقع على نفسها من الضحك، كاتمة على فمها ، وما يظهر من بشرتها، قد تلون للأحمر القاني.
– يا سلام، وانتي كمان يا بهجة بتضحكي لهزار البني آدم السخيف ده.
– طب اعمل ايه….. مقدرتش والله،….. هي كدة…… جات فجأة.
تمتمت الكلمات بتقطع نتيجة لفرط ضحكاتها، ليزداد اندهاش صفية عقب قول الاخر والذي تماسك بصعوبة هو الاخر:
– إيه الاخبار يا بهجة؟ خلصتي ورقك بقى؟
– ايه ده؟ انتو تعرفوا بعض؟
توجهت نحوهما صفية بالسؤال، فجاء الرد من بهجة بعدما توقفت بصعوبة عن الضحك، تقدمهما إلى بعض:
– دا يبقى الدكتور هشام يا صفية، اللي متابع حالة مدام نجوان، ودي صفية صاحبتي يا دكتور، المحامية الشاطرة بتاعتي برضو
امتدت كفه نحوها:
– اهلا آنسة صفية، مش برضو آنسة ولا مدام؟!
– استااااذة، تقولي أستاذة، لا آنسة ولا مدام، انا محبش التصنيفات دي اساسًا .
قالتها بانفعال آثار تسليته، ليواصل بسماجة استلذها معها:
– اكيد دا حقك يا أستاذة، بس مجاوبتيش على سؤالي برضو، آنسة ولا مدام
رمقته بشر رافعة حاجبًا واحدًا، وكأنها على وشك الفتك به، رافضة بجدية استخفافه:
– لو سمحت حضرتك يا اسمك ايه أنت ياا دكتور، انا محبش حد يكلمني كدة.
امام عصبيتها المفرطة وارتباكها الخفي والذي وصل اليه، لتزداد ابتسامته اتساعًا، يزيدها استفزازًا حتى خشت بهجة من تطرفها في الرد بعنف نحوه، لتسارع بالتلطيف بينهما:
– الدكتور هشام بيهزر والله يا صفية، هي دي طبيعته وحياة ربنا، انا بقول نمشي احسن بدل ما يتطور الأمر اكتر من كدة.
همت لتسحبها ولكنه تصدر فجأة عارضًا عليهما:
– استنوا طيب، ما تيجو عندي اعزمكم على فنجان قهوة في مكتبي…..
لم تمهله ليكمل وقد صدر اعتراضها على الفور مرددة:
– فنجااان قهوة في مكتبك، هقولهالك تاني،، اعرفك منين انا عشان اقبل بعزومتك؟ ولا هي نفسها، انت بالنسبالها مجرد معرفة عادية على فكرة.
– يالهوي عليا
غمغمت بالكلمات بهجة لتتخطاه هذه المرة ترفض بزوق:
– متشكرين جدًا يا دكتور، بس احنا فعلا والله لازم نمشي، دقيقتين تاني كمان، والجامعة كلها هتولع.
فتحت باب السيارة لتدفعها دافعًا داخلها، امام مراقبة الاخر والذي ظل واقفًا لا يكف عن الابتسام، وقد أعجبه شراستها، وغضبها السريع.
اما هي وقد ظلت على تواصلها البصري متحفزة نحوه:
– انا مش عارفة انتي بتعامليه بزوق ليه؟ دا باين عليه انسان بارد.
حاولت بهجة إخفاء ابتسامتها، تهادنها بالكلمات علها تهدئ:
– والله دي طبيعته يا بنتي، دا كذا مرة يخرج رياض عن شعوره ويبقى على وشك ان يقتله، بس ربنا بيسترها، شغلي العربية بقى، مش هنفضل اليوم كله نبصله ويبصلنا، ان كان عليه هو مبسوط على فكرة، حتى باين من وقفته.
استدركت صفية تشعر بالحرج، وقد تنبهت أنها بالفعل قد أطالت التحديق به، ولكنه هو من يستفزها، لتشيح بأبصارها عنه بصعوبة، تدير المحرك من أجل المغادرة.
ولم يتحرك هو من محله، يرتسم على ثغره ابتسامة منتشية، يتابعها تطالعه من مرأة السيارة الجانبية وسيارتها تمر من جانبه، حتى تلاعب لها بحاجبيه، يرى تحرك شفتيها بكلمات حانقة، وبهجة من جوارها تعود للضحك مرة اخرى، حتى اجفل الثلاثة، بقطع الطريق عليهم، بتلك السيارة العالية، والتي ترجل صاحبها بعد لحظات بسيطة بغضبه امامهم:
تجمدت بهجة بصدمة بمعرفة صاحبها، اما صفية فقد ترجلت تقابله:
– ايه ده ايه ده؟ دا انت كان ناقص تخش فينا بعربيتك يا رياض باشا .
رمقها بنظرة خاطفة وعدم اكتراث، قبل ان يتجه بأبصاره نحو بهجة، ليتحدث بجمود:
– انزلي دلوقتي حالًا يا مدام، وتعالي على عربيتي عشان نتكلم براحتنا.
وقبل ان يصدر ردها سبقتها صفية متهكمة:
– هي سابت الشغل عندك على فكرة يا باشا، وأن كان على موضوع مدام دي اللي انت قاصدها دلوقتي، فهي اكيد بلغتك بقرارها، زي ما بلغتني انا محاميتها.
بابتسامة ساخرة خاليه من أي مرح، تحدث كازًا على اسنانه يحاول السيطرة بصعوبة على نيران غضبه:
– نقطة ومن اول السطر، هعتبر نفسي مسمعتش اي حاجة، دا لمصلحتك على فكرة….
همت تقاطعه، ولكنه اوقفها رافعًا سبابته امامها:
– مسمعش نفس تاني، انا مش بوجهلك كلام من اساسه، انزلي يا بهجة،
صدر أمره الاخير بعنف لتضطر الاخيرة للإنصياع لأمره، خشية تطور الشجار مع صديقتها التي تتحداه، غير اَبهة بهيئته التي تعرفها جيدًا، وكأنه على وشك ارتكاب جريمة.
– خلاص يا صفية هتصل بيكي اطمنك بعدين.
همت الأخرى لتجادلها، ولكن جاء الرد من جهة اخرى مختلفة:
– اي الحكاية يا جماعة؟ غريبة ان رياض باشا جاي بنفسه يعني على الجامعة هنا.
سمع الاخر ليلتف اليه بأعين تلونت بالدماء، وكأنه كان ينقصه، ليلتف إلى بهجة بالتساؤلات العديدة والشكوك، والتي سارعت تنفيها، وقد سقط قلبها من الرعب :
– دكتور هشام قابلنا بالصدفة دلوقتي واحنا خارجين من الجامعة، سلم عليا يسألني على مدام نجوان.
– جرا ايه يا بهجة ما انا عارف ان انتي سيبتي الشغل عندها.
قالها ببساطة ليتابع نحو هذا الذي استوحشت ملامحه:
– انا عرضت عليها تيجي على مكتبي مع صاحبتها وتشرب عصير، اصلي فرحان اوي أنها رجعت لجامعتها من تاني، من هنا ورايح بقى اي حاجة تحتاجيها يا بهجة انا تحت امرك….
وما كاد ينهيها حتى باغته الاخر بلكمة قوية على فكه الأيمن اسقطته للخلف، تتلقفه ذراعي صفية التي غلبها ثقله، لتسقط معه على الارض شاهقة بإجفال، فصدر صوت بهجة بذهول:
– يا نهار اسود، انت عملت فيه ايه؟
لم يكلف نفسه بالرد، ليقبض على كف يدها ويسحبها معه إلى داخل سيارته، ثم تحرك بها على الفور مغادرًا، تاركًا خلفه هذا المسكين الذي تأوه متوجعًا:
– اااه ايده مرزبة يخرب بيته.
تأوهت هي من خلفه تصرخ به:
– هو ايده مرزبة وانت ايه؟ اوعى يا عم بتقلك ده.
اعتدل عنها على الفور يعبر عن اسفه:
– انا اسف والله، بس اديكي شوفتي بنفسك، عامل زي الطور الهايج، وفي الاخر برضو خطف البنت من وسطنا، مفتري.
قطبت صفية تطالعه بتشكك قائلة:
– بس انت استفزيته، بطريقة كلامك معاه…..
تبسم يحاول تدليك الفك المتوجع، وقد فهم على الباقي من حديثها:
– عشان هو يستاهل، بيستهبل مع ان كل تصرفاته معاها فضحاه.
فغرت فاهها بأعين متوسعة:
– يعني انت كمان عارف باللي بينهم .
تبسم بثقة:
– طبعًا مدام نجوان متبخبيش عني حاجة.
لتضرب كف بالاخر مرددة:
– يا نهار اللوان، انا بقيت حاسة الدنيا كلها عارفة بجوازهم، كدة مش فاضل غير أخواتها بقى.
ربما تخشى غضبه ولكنها لا تخافه، يكمن قلقها الأكبر في الخوف عليه من نفسه، نعم فهذا السعير المشتعل في نظرته اليها، ثم الصمت المطبق الذي اتخذه منهجًا منذ آن انضمت اليه داخل السيارة، بعدما اجبرها على ذلك، ليضع همه في القيادة وفقط، دون ان يتوجه لها بكلمة واحدة، حتى اصابها الضجر، ولم تعد بها طاقة للإنتظار:
– اوووف وبعدين بقى؟ انا هفضل ساكتة كدة كتير، وانت بتسوق بيا وانا معرفش راج بينا على فين .
زفر بقوة دون ان يتحرك فمه ببنت شفاه، مما اضطرها للاستكمال:
– رياااض، انا مش طايقة اقعد كدة على اعصابي من غير ما افهم ولا اعرف انت سايق ورايح بيا فين بالظبط؟
ايضًا لم يجيب او يعير استفهامها اعتبارًا لتواصل بإلحاح:
– رياض، يا رياض، يا رياض رد عل……..
قطعت في الأخيرة بعدما اجفلها بنظرته الحادة حينما التف اليها على حين غرة، ليصدر أمره:
– مسمعش صوت تاني يا بهجة لحد ما نوصل،
همت تجادله:
– طب رد على سؤالي..
– قولت اخرسي يا بهجة.
هتف بالاخيرة يوقفها عن الحديث مرة اخرى معه في اي شيء بعدما قاطعها للمرة الثانية، يفرض عليها الصمت، حتى يصل بها الى وجهتهم
❈-❈-❈
بحذر شديد تتحاشى ملامسة الجدار او اي شيء في هذا المرحاض المقرف كما تصفه، بعدما اجبرت على قضاء حاجتها فيه، وغسل وجهها ويديها بماء الصنبور الوحيد به، ثم هندمة ملابسها امام المراَة التي تشغل حيزًا صغيرا به.
لتخرج الاَن من مخرج الباب الذي امسكت مقبضه بالمحرمة الورقية، وتتخذ طريقها نحو هذا الجالس بشرود على كرسيه، يطالع شاشة هاتفها على نفس الصورة التي قدمتها دليلًا اليه يثبت صدق قولها، ليغمرها الانتشاء بعدما استطاعت بدهائها ارباكه، او ربما تجعله في صفها وتنفيذ ما تصبو اليه لتفرقة هاذان العاشقان
هتفت بثقة تسحبه من شروده لينتبه اليها:
– لسة برضو مركز في الصورة؟ مزهقتش من البص فيها، ولا يمكن كمان مش مصدق انها هي؟
بتجهم يعلو ملامحه، وأعين ضاقت بالنظر اليها بتفكير متعمق، وكأنه ينفذ داخل روحها وعقلها الشيطاني، ظل على صمته لتقترب وتجلس مقابله تواصل اقناعه بدهاء تجيده:
– الصور دي عندي من اول يوم كشفتهم فيه، بس انا مرضيتش اتكلم وكتمت في نفسي خوفًا على سمعتها كبنت زي زيي، وبرضو حرص على سمعة المكان اللي بشتغل فيه، ما هو لو الحاجات دي اتنشرت، مين هترضى تشتغل في مصنع مشهور عن رئيسه القصص دي، وبصراحة دي اول مرة تحصل منه، بس أكيد هي السبب معلش يعني، مفيش راجل بيقرب غير لما الست تتجاوب معاه، ودي كانت شغالة عنده في بيته، الله اعلم بقى ايه اللي حصل ما بينهم……
قالت الأخيرة بقصد وصل اليه، لتزيد على غضبه المكتوم، وهو يتظاهر بالثبات بالإنفعالي حتى الاَن، ليخرج صوته اخيرًا، متجاهلا كل ما سبق:
– على فكرة تليفونك رن يجي مية برقم الست الوالدة وأرقام تاني شكلهم قالبين الدنيا عليكي، انا من رأيي تاخدي تطمنيها الاول، لاحسن تبلغ البوليس ولا يمكن عملتها الله اعلم .
تجاهلت كف يده التي امتدت نحوها بالهاتف، فقد كان الفضول يقتلها لمعرفة رد فعله على ما اخبرته به:
– مامي هاتصل بيها بعدين، المهم انت ايه رأيك في الكلام اللي قولته؟
شدد بالكلمات يحذرها:
– امسكي التليفون واتصلي بيها الأول، التليفون اتفتح، يعني لو في متابعة لرقمك فجأة هلاقي البوليس نط فوق دماغي دلوقتي، واديكي شوفتي انا لحد الان معملتكيش حاجة، يدوب بس بردلك المقلب اللي عملتيه فيا
تناولت منه، وارتفع حاجبها الأيسر بضيق تتسائل:
– طب وايه اللي يضمني انك متأذنيش بعد ما اطمن مامي
اجابها بتأفف:
– شايفاني رابطك دلوقتي يعني، ما اديكي قاعدة زي القرد اهو قدامي، ولو عايزة تمشي باب المخزن مفتوح، المهم خلصينا انا مش ناقص عوق، ولا انتي عايزة اللي يخوض في سيرتك لو الموضوع انتشر، الناس ملهاش غير الظاهر.
استدركت بالفعل لصدق قوله، لتسارع بالاتصال بوالدتها وطمأنتها بحجة اختلقتها لتبرير اختفائها، حتى لا يوصم اسمها او يصبح علكة في الافواه والتكهنات التي هي بريئة منها، لتثير على شفتي الاخر ابتسامة ساخرة، لخوفها الشديد على سمعتها رغم خوضها منذ ساعة في عرض ابنة عمه، والتي لم يصدق حتى الاَن ما سمعه منها حتى والصورة تثبت صحة قولها.
– اديني خلصت اهو وطمنت ماما، ما قولتليش بقى هتعمل ايه؟ خد بالك لو هتبلغ والدك أو اي حد من أهلك، متجيبش سيرتي نهائي، تعمل ان انك عرفت من نفسك، وبشطارتك كدة تتصرفوا مع بنتكم اللي جبتلكم العار، اكيد انت مش هتراضاها على رجولتك انك تعرف
حاجة زي دي وتسكت
كانت تأخذها الجلالة في القاء سمومها بأذنه، حتى توجهه في الطريق الذي تبتغيه في التخلص من غريمتها ولا تدري ان مبالغتها تلك لم تكن أبدًا في مصلحتها، بل بالعكس، مع رجل شعبي مثله يحكمه عقله في اختبار الأشياء، حتى يصل إلى قرار حكيم،
– خلصتي كلامك؟
– نعم!
– بسألك خلصتي كلامك؟
اجفلتها طريقته الحادة لينتفض فجأة، ويتناول القيد الملقى على الارض، ثم يباغتها بالقبض على كفيها الاثنان لتصرخ به:
– انت بتعمل ايه يا مجنون؟ مش قولت انك خلاص هتخرجني
شدد بتصميم على قراره:
– قولت يا حلوة، بس دلوقتي طقت في دماغي اروح اتأكد من صاحبة الشأن الاول واسألها واحكم، مش يمكن تكون لعبة منك.
رددت من خلفه بالكلمات حانقة، تحاول اثناءه، ولكنه اثبط عزيمتها بإصراره على عدم سماعها؛
– لعبة ايه يا غبي ما هي الصورة قدامك اهي، دا ايه الهباب دا بس ياربي اووف.
انهى إعادة تقيد رسغيها وقدميها بالمقعد ثم نظر اليها متحدثًا:
– انا اكتفيت بإيدك ورجليكي بس، لأنك مهما صرختي ولا طلعتي صوت محدش هيسمعك، المنطقة هنا كلها مهجورة، يعني لو حصل وحد دخل على صوتك هيبقى عشان يأذيكي مش يساعدك، ياريت تكون وصلتك وفهمتي قصدي ايه؟
❈-❈-❈
لا يدري كيف أتت هذه الفكرة الخبيثة في عقله، ان يدعي التعب وعدم الاتزان امام هذه المرأة الجميلة كي ينال استعطافها وحتى تخفف من حدتها معه، فيتطور الأمر إلى تمثيل كامل وقد أعجبه شفقتها نحوه ، بعدما لامس طيبة قلبها، التي اجبرتها لتحمل رجل غريب عنها ومساعدته حتى تصل به إلى المشفى حتى يتم إسعافه،
يالها من خليط عجيب، شرسة في الدفاع عن الحقوق وتحدي الرجال، وفي نفس الوقت بريئة لدرجة السذاجة حتى تصدق رجل مثله.
– اه يا مناخيري اَه، يا خوفي لا يبقى نزيف داخلي يا خوفي، انا عارف حظي.
مازال يردد ويتصنع التوجع حتى فاض بها لتهتف به:
– يا عم كفاية بقي، حظك ده اللي بتندب عليه لا يمكن هيبقى اكتر من حظي اللي دبسني في مشاوير معاك من غير سابق معرفة، ثم تعالى هنا، مناخير ايه بالظبط اللي وجعاك؟ البوكس كان على الفك ولا المناخير؟
– الاتنين؟
– نعم!
مال نحوها بمزيد من المسكنة، وعيناه تتمعن النظر بملامحها الدقيقة مستغلا انشغالها بالقيادة:
– الضربة كانت تقيلة اوي، وانتي شوفتي بنفسك لما وقعتني عليكي وبعدها مقدرتش أقف على رجلي من الدوخة، هزت كياني كله، يعني الفك والمخ والمناخير، كله اتأثر وكله بيوجعني يا أستاذة يا آنسة صفية .
تعقد حاجبيها باستنكار لما وصل لسماعها
– أستاذة واَنسة ازاي يعني الأتنين في جملة واحدة؟ دا غير اني مقولتكش اني آنسة، مش يمكن اكون متجوزة واستحق لقب مدام؟
انفعلت بها، بغفلة منها عن تأثيرها عليه، وقد سقط قلبه بين قدميه ان تصدق بذكر الإحتمال الثاني بالفعل، لكن سرعان ما ادراها بعقله ليصل إلى يقين استنتاجه، انها تتلاعب به، كما يفعل هو ايضًا، ليستدرجها بذكائه:
– خلاص اعذريني طيب لو غلطت يا مدام صفية…..
– يخرب بيتك .
صرخت بها لتواصل بنفاذ:
– لا تقولي مدام ولا اَنسة ولا زفت حتى، ممكن لو تكرمت تفضل ساكت لحد ما نوصل للنيلة المستشفى اللي قولت عليها؟
كادت تفضحه ابتسامته، ولكنه استطاع ان يكبتها ليميل إلى الخلف، يريح رأسه على المقعد ويعود إلى اتقان التمثيل؛
– زي ما تحبي يا أستاذة، انا كمان تعبان ومش قادر اتكلم، لما نوصل المستشفى اللي قولتلك عليها تبقي تصحيني، دا لو مروحتش في غيبوبة الله اعلم بقى.
تطلعت اليه بعدم استيعاب تجده اغمض عينيه بالفعل لتعقب بضجر:
– دي مكنش بوكس ده يا ربي، يارتني اخدته انا .
❈-❈-❈
توقفت اخيرا السيارة امام البناية التي تعرفها عن ظهر قلب، ورغم اشتياقها الشديد لها، إلا أنها ترفض رفضًا قاطعًا أن تدخلها مرة اخرى دون ان تتغير صفتها من زوجة سرية إلى اخرى في العلن.
– نعم! ممكن افهم انت جايبني هنا ليه؟
التف اليها بتجهمه يتحدث بجدية لا تقبل النقاش.
– خلي بالك ان معنديش الميزة دلوقتي اللي تخليني اسمع ولا اجادل معاكي، انزلي من العربية حالا يا بهجة ومسمعش نفس، اخلصي ياللا.
صاح الاخيرة بحزم جعلها تترجل على الفور، رغم تذمرها، لتتبعه بعد ذلك في الدلوف إلى داخل المنزل الذي كان عشها الجميل، وربما مايزال ولكن هذا مشروط بإعلانه.
توقفت في الوسط بعدما القت بالتحية على الخادمة الأجنبية، والتي انصرفت بعد ذلك حينما شعرت بتوتر الأجواء.
وقد وقف هو ايضًا يقابل عنادها بتغطرس، واضعًا كفيه بجيبي بنطاله، ليعود إلى الصمت الذي يثير انفعالها:
– وبعدين يعني؟ انا هفضل اليوم كله ابصلك وانتي تبصلي من غير ما تتكلم بحرف، لو مش لاقي كلام اللم نفسي واروح احسن .
همت لتلتف ولكنه اوقفها بصيحة جهورية:
– اقفي مكانك يا بهجة ومتخرجيش شياطيني عليكي، انا محجمهم بالعافية.
ابتلعت رمقها تجاهد للثبات امامه، وفي محاولة منها لامتصاص غضبه:
– وانا عملت ايه يعني لغضبك عليا؟ انا اصلا مستغربة نرفزتك من البداية، انا خارجة من الجامعة، مش من مكان وحش لا سمح الله .
تقدم بخطواته البطيئة نحوها يردد خلفها ساخرًا بغيظ :
– لا طبعا وانتي تعملي حاجة وحشة اصلا؟ ست متجوزة رايحة تقدم طلب عودة للدراسة ومبلغة الجميع بخطوتها إلا جوزها، غلطت في ايه يعني؟
جاهدت للثبات امامه، رغم ارتجاف قلبها في الداخل فهيئته كانت غير مطمئنة على الإطلاق، وهي تبرر بصوت مهتز:
– انا شوفت انها حاجة متهمكش ان ابلغك بيها.
احمرت عيناه ليتخلى عن هدوءه صائحًا بها:
– تعليمك ميهمنيش يا بهجة، تهميشك ليا في خطوة تقومي بيها لنفسك او لاخواتك متهمنيش يا بهجة.
واقترب يمسكها من عضديها مزمجرًا بها:
– انتي ايه حكايتك بالظبط؟ سايقة في تمردك وانا صابر عليكي وبقدر زعلك من آخر موقف ما بينا، لكن لحد امتى بالظبط هفضل مستحمل؟ انا فاض بيا خلاص منك ومن عمايلك.
شحذت همتها، لتدفع بقبضتيه عن ذراعيها، فتواجهه بشراسة:
– يبقى ريح دماغك ومتتعبش نفسك معايا، انا واحدة سايقة الاستعباط، تتحمل ليه انسانة زيي؟….
– اخرسي يا بهجة.
صرخ بها يرفع قبضته للأعلى حتى خشت ان يضربها، ليفاجأها بسحبها وضمها اليه على حين غفلة منها، يطبق عليها بقوة، وكأنه يريد إدخالها بين اضلعه، انفاسه الخشنة تهدر بقوة حتى كانت تشعر بها في صدرها، وصوته المتحشرج:
– ليه مصرة تطلعي أسوء ما فيا، دا انا ملقتش روحي غير معاكي، ليه عايزاها تتوه مني من تاني؟ ليه؟ ليه ماحبتنيش زي ما انا حبيتك يا بهجة؟
انشق قلبها نصفين تأثرًا بعذابه، حتى كادت ان تضعف وتخر راكعة طالبة السماح، تعترف بعلو صوتها انها تعشقه، بل تتنفسه كالهواء، كما انها اشتاقت اليه وبشدة، براح العالم في ضمته، رائحته التي تغمرها، دفئه الذي يغنيها عن العالم هو امانها، ولكن مهلُا، ان سلمت وضعفت الاَن فعليها ان تسلم بضياع حقها إلى آخر العمر، ولكن هذا لن يحدث ابدًا.
لتتمالك وتنزع نفسها عنه فجأة بعدما ظن تجاوبها وارتخاء حصونها امام غزوه، فتذهله بقناع القوة الذي ترتديه:
– ومين قالك اني ماحبتكش، بس العشق زي الزهرة يا باشا، بتزهزه وتزهر في ضي الشمس، انما لو خبيتها في أوضة ضلمة، مهما راعيت ولا سقيتها من قلبك عمرها ما بتكبر، بل بالعكس دي بتموت.
– قصدك ايه يا بهجة؟
يسألها وكأن المعنى لم يصله بعد، او ربما لا يريد تصديقه، ورغم الوعد الذي قطعته على نفسها، إلا أنها ترى هذه المرة الضرورة الملحة لإظهار رغبتها:
– مش محتاجة شرح يا باشا، بس انا عايزة افكرك كويس بأول يوم كلمتني فيه عن جوازنا، ساعتها كنت واضح اوي لما اظهرت الأمر مجرد رغبة، وانا اسست نظامي على كدة، بمجرد انتهائها تخلص كل حاجة ما بينا وكل واحد يروح لحاله، انما انت دلوقتي بتكلمني عن غرام وعشق، يعني انا لو هوافقك وابادلك احساسك…. يبقى في النور، لأن العشق اللي في الضلمة ليه اسم تاني؟
بدت الصدمة على ملامحه، وقد وضحت ما تريده الآن وبدون مواربة.
بالطبع لم يعجبها رد فعله، رغم انه لم يتكلم حتى الاَن، إلا ان الإجابة اعتلت تعابيره وبقوة، فما حاجتها لتبرير كاذب لن يجدي نفعًا منها.
– مفيش داعي تتخض اوي كدة يا باشا، انا مش بطالبك بحاجة لا سمح الله، انا عارفة مقامي أوي بالنسبالك، والفرق الشاسع بيني وما بينك، الفكرة بس اني حبيت ابقى واضحة وافكرك…… عشان متجيش وتجيب اللوم عليا بعد كدة، عن اذنك بقى عايزة اشوف اخواتي…..
– استني يا بهجة انا لسة متكلمتش اصلا
هتف بها يوقفها في رد متأخر منه ليوجه السؤال مباشرة لها:
– عايزاني اعلن عن جوازنا يا بهجة، يعني هو دا غرضك من الاول؟
ابتلعت غصتها لتجيبه بعزة نفس:
– لأ طبعا مش غرضي، بس كمان مش هفضل طول العمل عشيقة سرية لجنابك حتى لو بورقة رسمية محللها الشرع والقانون، انا بحط الأمر في ايدك وانت تقرر، ياريت ما توقفنيش تاني وانا ماشية دلوقتي.
قالت كلماتها واستدارت مغادرة على الفور، لتتركه متجمدًا محله، ما تطلبه صعب ، وفراقها ايضًا صعب، اذن ماذا يفعل؟،
سقط بجسده على الكرسي القريب منه، ينزع عنه رابطة العنق التي تخنقه
لماذا لا يسير الأمر كما يخطط له؟ لماذا لا تستمر ايام سعادته معها؟ وهي الوحيد التي احبها وبصدق، لماذا يتكرر كابوسه القديم؟ وتنعاد نفس قصة ابيه، حتى وبهجة لا تشبه ابدا تلك الملعونة من قريب أو بعيد، ولكن القصة واحدة
اما هي فقد خرجت من المنزل لا ترى امامها ، بأعين تغشاها الدموع، تؤلمها النهاية التي تبدو على وشك، ولكن كرامتها تأبى التراجع، حتى وروحها تصرخ داخلها، وقلبها يأن شوقًا، لن تصبح له بعد الآن سوى في النور .
توقفت فجأة في نصف الطريق، بعدما اصطدمت عينيها باَخر شخص تتمنى رؤيته الاَن، مستندًا بظهره على جانب سيارته المتواضعة، بوقفته الغريبة وكأنه كان في انتظارها:
– واقف هنا ليه يا سامر؟
القى بنظره نحو المنزل الذي خرجت منه قبل ان يعود اليها، في رسالة واضحة وصلت اليها ليخرج صوته بعد ذلك بما يشبه الأمر:
– تعالي واريا على العربية يا بهجة، انا عايزك في كلمتين.
أنه قوله، ثم قام بفتح الباب الأمامي ليأخذ مكانه خلف عجلة القيادة، فاتجهت هي إلى الناحية الاخرى لتنضم اليه بشجاعة القبول بالمواجهة مهما واجهها من اتهام
❈-❈-❈
صدح صوت زغروطة عاليه في قلب محل الصائغ المشهور لتصل إلى المارة في السوق تجذب انتباههم؟ فتبعهها عدد آخر؟ تعبيرا عن فرح المجموعة التي موجودة بالداخل لتبتاع منه الحلي وخاتمي الزواج؟ ولا احد يعلم بتلك المتأففة التي اجبرها شقيقها على المجيء حتى أنه حضر حارسًا كي لا يصدر منها تصرف
لا يعجبه.
وقد قدم مع والدته بالإضافة إلى والدة العريس الذي كان لا يرفع عينيه عنها ولا يبالي برفضها الواضح؟ حتى أنه ادخل محبس الخطبة بإصبعها عنوة مستغلا دعم شقيقها له الذي كان يتحدث في الخارج عبر الهاتف الاَن، وانشغال البقية في البحث عن الأفضل ضمن باقة من الحلي العصري والثقيل.
– الدبلة على مقاسك بالظبط يا عروسة، وهتاكل من الأيد الحلوة حتة، عشان تعرفي بس زوق العبد لله.
همت لتنزع يدها منه ولكنه شدد يردف بتحذير هامس:
– اهدي كدة وبلاش قنزحة من غير داعي .
همت لتجأر به رافضة ولكن اصطدمت عينيها بخاصتي شقيقها، الذي التفت بالصدفة نحوها، ليظهر وجهه الصارم لها حتى لا تفضحه بفعل ناقص من افعالها، لتعود إلى هذا السمج كما تصفه، تعطيه ردها بقرف، وبصوت خفيض لا يصل الا اليه :
– دبلة مش من مقامي ولا تلزمني من الاساس، قريب اوي هخلعها من ايدي وارميها في اي مقلب زبالة.
تبسم كازًا على اسنانه يرد على قولها بصوت خفيض هو الاخر:
– دا في خيالك المحدود يا حلوة، الدبلة دي مش هتخرج غير بقطع صباعك، وبكرة تقولي شيكاغو قال
همت ان تقرعه بما يستحقه، ولكنه اجفلها يرفع كف يدها إلى شفتيه، يقبلها قبلة عميقة اثارت قشعريرة بجلدها، ترى في عيناه تحدي واضح للاعتراض، حتى جالت بعيناها نحو شقيقها ووالدتها فلم تجد منهم ردًا يثلج قلبها، بل ازداد غضبها بترحيب والدة شيكاغو والتي صدحت بزغروطة ذات صوت عالي، لتنفرج شفتيه بابتسامة متوسعة يضغط على كفها التي احتجزها داخل قبضته، متوجهًا نحو الصائغ:
– كدة الدبلة تمام وعاجبة العروسة يا عم جورج، شوف لنا باقي الشبكة بقى وشد حيلك معانا مش هناخد اليوم كله عندك .
– من عنيا يا عم شيكاغو، بس قول الكلام ده بقى للهوانم، بقالهم ساعة محتارين في خاتم
قالها رجل الصاغة، ليجد الرد من درية ووالدة شيكاغو بالمزاح معه ومع الرجل، وهو يبادلهم بصورة طبيعية، بعدم تأثر على الإطلاق بتلك التي كانت تصارع لنزع كفها من يده، التي اطبقت عليها ككلابة حديدية ، لولا خشيتها من رد فعل شقيقها لكانت صرخت بصوتها حتى ينجدها احد منه، ولكن مهلا ، هي في الأصل لن تستسلم لهذا العته، وفي القادم خطة توشك على تنفيذها، فالتتحلى الاَن بالصبر
❈-❈-❈
جلست على احدى مقاعد الانتظار منذ ما يقرب من ساعة، من وقت دخولها معه لتلك المشفى التي يعمل بها، اذعانًا لرغبته، مع انها لا ترى الأمر يستحق، ولكنها اجبرت خشية ان تصبح شكوكه حقيقية، فطيبة قلبها مازالت تغلبها رغم وقوفها كنمرة شرسة في الدفاع عن حقوق موكليها في المحاكم، إلا ان تلك الصفة التي ورثتها من شقيقتها زهرة، ليتها ورثت الندالة ايضًا من ابيها، حتى تنفعها في موقف كهذا مع هذا الطبيب الغريب .
وكأنه سمع ما تفكير به، فخرج امامها من غرفة الكشف التي دخلها منذ ما يقرب من ساعة، حتى فاض بها وكادت ان تذهب وتتركه، ليصيبها التعجب الآن وهي تراه مستندًا على ذراع طبيب صديقه، والآخر يرتسم على ملامحه الأسى
– اه براحة يا رمزي عشان متعبش منك.
– اهو براحة يا حبيبي، انا بحاول مضركش
– طبعا يا حبببي انا واثق من كدة، بس اعمل ايه؟ تعبااان.
– سلامتك يا حبيبي سلامتك.
كانت تطالعهم بذهول فاغرة فاهها، حتى اذا اقتربا منها هتفت بعدم استيعاب:
– في ايه؟ دا بوكس واحد اللي خده على فكه، مازدتش عليه.
جلس بجوارها متنهدًا بدراما قائلًا:
– انا مش هتكلم، الدكتور رمزي هو اللي هيشرحلك حالتي
التقط الآخر الإشارة منه، لتأخذه الجلالة في الاسهاب والشرح لتلك المسكينة التي لا تعلم عن الطب سوى المعلومات العامة.
– زي ما قولتلك كدة يا أستاذة صفية، الضربة كانت شديدة اوي على رأس الدكتور هشام، اينعم هي كانت في الفك لكنها تقريبًا عملت ما يشبه الارتجاج، نظرا لضعف بنية الدكتور……
اوقفه مشيرا بسبابته ليوضح لها هذه الجزئية:
– ايوة بس في حاجة يا دكتور، انا جامد وشديد على فكرة، هي بس هزة الراس دي اللي متحملتهاش.
اَزره الاخر يدعمه للنهاية:
– ايوة طبعا يا دكتور وهي دي حاجة محتاجة تشكيك، على العموم يا أستاذة هو محتاج رعاية شديدة اوي في الايام اللي جاية.
– بس انا مش مراته يا سيدي عشان تقولي الكلام ده.
هتفت بها بنفاذ صبر ، ليسارع هو بالرد:
– الدكتور رمزي مش قصده حاجة، دا بس بيشرحلك حالتي عشان شكلك مش مصدقاني.
– يا عم اصدقك ولا اكدبك، انا هيهمني امرك في ايه بس؟ الدكتور صاحبك والمستشفى مكان عملك، انا كدة ابقى خليت مسؤوليتي وعملت اكتر من اللي عليا كمان، عن اذنكم.
– استني يا دكتورة هتمشي وتسبيني؟
هتف بها يوقفها فور ان استقامت واقفة عن مقعدها لتذهب، لتطالعه باستهجان، جعله يعود لإدعاء المسكنة حتى يكسب تعاطفها:
– قصدي يعني هتمشي من غير ما تطمني عليا، انا مليش حد على فكرة، لا معايا ست ولا أطفال، ساكن لوحدي في القاهرة وأهلي في الارياف، فالو ممكن تتصلي بيا حتى تطمني عليا، لتجرالي حاجة في الشقة وملقيش اللي يسأل عليا.
– ما هو صاحبك قدامك اهو ميسألش ليه عليك؟
قالتها تشير بذقنها نحو الطبيب الذي اندمج في اتقان الدور يجاري صديقه:
– للأسف انا طول اليوم مشغول في المستشفى والعمليات، حتى دلوقتي كمان مطلوب في الطواريء عن اذنكم.
قالها وذهب على الفور ليواصل هشام:
– اهو دا كمان مشي وسابني، للأسف شكلي مش هلاقي حد يسأل عليا، ممكن يا دكتورة تديني رقمك على الاقل لو عوزت حاجة وملقتش اللي يساعدني.
تطلعت اليه بغيظ شديد حتى ودت ان تنفجر به، فقررت تجاهله والذهاب، ولكن غلبها قلبها الضعيف
لتعود سريعًا مخرجة من حقيبتها كارت صغير، وضعته بيده قائلة:
دا الكارت بتاع المكتب، فيه تليفواناتي، انا بديه لأي حد على فكرة طالب مساعدة، ارجو ميبقاش اني مسمعش صوتك خالص غير لو كان الأمر يحتاج بالفعل لمساعدة، عن اذنك، يا ساتر
وصل اليه غمغمتها الأخيرة بعدما استدارت ذاهبة من امامه، لتبزغ ابتسامة صافيه على زاوية فمه، وقد اسعدها النتيجة التي وصل اليها بعد المجهود الشاق في التمثيل واجبار صديقه كي يحبكها معه، ليقضي أجمل ثلاث ساعات مع هذه الجميلة الطيبة لدرجة السذاجة رغم ارتدائها ثوب القوة بوجه الجميع، يغمغم بسعادة داخله:
– شكلك محتاجة دراسة يا أستاذة صفية، وانا بحب اوي التعليم والاسكشاف.
❈-❈-❈
وفي مكان آخر
وبعدما توقفت السيارة بهم، لم يتركها تنتظر كثيرا ، حتى اخرج لها هاتفها، يثبت الشاشة على تلك الصورة التي آتى من اجلها، فيقدمها اليها بتساؤول.
نظرت هي بها قليلًا تزفر بتعب، وتطالعه بضيق مكشوف سائلة:
– الصورة دي امتى خدتها؟ او بمعنى أصح، مين اللي ادهالك؟ وبلغك ايه عني بالظبط؟
الفصل الثاني والثلاثون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثلاثون 30 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم امل نصر
لست أنا المرأة التي تقبل أن يتغذى قلبها على فتات المشاعر التي تجود عليا بها فلست بالقليلة كي أتلقى منك احسنًا ترميني به كهبة أخذها بكل امتنان دون الطمع في أكثر من ذلك ، لا لن اقبل أن أعيش معك في المنتصف فكرامتي تستحق أن تكون عالية وقلبي لن ينشطر نصفين وعقلي لن يدمره التفكير بك يا رجل أعيش بين أحضانه بسعادة ملفقة وأنا اعد نفسي كاذبة بأن القادم معك هو الأجمل فأنا اتيقن منك الخذلان حتى وإن كنت أرسم بسمة كاذبة فوق وجهة ضاحك بقلب شطره الحزن.
اهداء الكاتبة القمر/ ايمان فارق
❈-❈-❈
ليلة طويلة، هل سيأتي بعدها الشروق
– طمنيني يا بهجة، انا بقالي ساعات على اعصابي
بصوت مجهد اضطرت لطمأنة نجوان؟
– لا اطمني عدت على خير، بعد انا ما حطيت النقط على الحروف معاه، وسيبت القرار في ايده.
– قرار ايه بالظبط يا بهجة؟
مرت فترة ليست بقليلة من الصمت، حتى جاء ردها:
– قرار اننا نكمل في النور او النهاية .
– وهو كان ايه رده؟
– سكت.
– سكت!
– ايوة سكت وانا مشيت عشان ياخد وقته في التفكير، المهم انه يرحمني من عذابي، حتى لو كان الاختيار الانفصال، اعتقد ان ده بالنسبالي هيبقى افضل كتير من اني تبقى عايشة حبيبة مخفية او نص زوجة.
– انا حاسة انك تعبانة وانتي بتتكلمي، هقفل معاكي يا بهجة، وبكرة الصبح ان شاء الله نتكلم براحتنا، انا بفكر اجي المحل عندكم، عائشة وحشتني اوي
– وانتي كمان وحشاها، المحل محلك اكيد، وبالمرة تباركي لايهاب، اصله خلاص اتقبل في كلية الطب
– يا قلبي الف مبروك، دا انا لازم ابوسه من خدوده الولد ده وإياك يعمل فيها مكسوف…. وادي حلم كمان من أحلامك اتحقق يا بهجة.
– الحمد لله، ربنا بيرطب على قلبي بنجاحهم والله، فرحتهم عندي بالدنيا .
– يا قلبي وانتي كمان هاتاخدي نصيبك من الفرح، صدقيني هيحصل.
كادت ان تغلبها دمعاتها، فتلك الأمنية تراها ضرب من المستحيل، حتى وقلبها يخبرها بغير ذلك.
فخرج صوتها بتحشرج من فرط ما تشعر به:
– ربنا كريم، ربنا كريم .
كادت نجوان ان تبكي هي الآخرى، وقد وصلها ما تشعر به، ولكنها كانت اقوى من ان تزيد عليها، لتواصل دعمها :
– انا معاكي يا بهجة ومش هسيبك أبدًا.
قالتها بصدق وصل اليها، ليخرج ردها بتأثر واضح:
– ربنا ما يحرمني منك.
انتبهت لفتح باب المنزل ، ودلوفه عائدًا من الخارج، لتنهي معها المكالمة سريعًا:
– ولا منك يا قلبي، اسيبك بقى ترتاحي، تصبحي على خير .
– وانتي من اهله يارب
القت الهاتف من يدها واتجهت لتخرج اليه تستقبله وتتحدث معه، متوقعة وجوده كالعادة في مكتبه في هذا الوقت، ولكنه ادهشها حينما وقعت ابصارها عليه، واقفًا في قلب الصالة وكأنه ظل متوقفًا في انتظارها.
– مساء الخير يا نجوان هانم.
طالعته قليلًا بصمت، ترا الإجهاد جليًا في نبرته الرخيمة، وتعابير وجهه التي اكتست بالهم، تؤلمها وبقوة المعاناة التي يشعر بها، وهذا ما يزيد عليها .
– مساء الخير يا… رياض.
سخر بابتسامة لم تصل لعيناه، واقدامه تتقدم نحوها:
– كنتي هتغلطي وتقولي يا قلبي صح؟ بس لحقتي نفسك، عندك حق، ما انا استحقش في نظرك، ما انتي قلبك مات من ناحيتي من زمان .
صدمها قوله، حتى اهتزت في وقفتها امامه:
– وهو في ام قلبها بيموت ناحية ابنها اصلا؟ إنت جاي من برا مضايق ولقتني في وشك، قولت تحط همك فيا، انت ليه مُصر توجع قلبي عليك يا رياض.
صرخ بها، وكأنه بالفعل يفرغ بها همه:
– عشان قلبي انا كمان موجوع، وتعبان بقالي سنين بعاني من آثار الماضي الزفت بتاعكم، لو كنتي ست قوية مكنش دا كله حصل، مكنش استغلك ولا اتجوز عليكي حتة بنت ما تسوى، دا حتى مات من قبل ما تعرفي بمصايبه، عشان اشيل انا كل البلاوي اللي عملها من وراه، وادفع الفاتورة من راحتي واستقراري النفسي.
غامت عينيها بدموع تحتجرها بصعوبة، لتحتفظ بجزء من القوة امامه:
– تاني يا رياض بتحملني ذنب اللي حصل، وترجع بعد كدة تقول ان متغيرة معاك، مش قادر تفهم لحد الان ان قسوتك دي كانت من أهم اسباب مرضي؟ ليه يا بني بتحملني فوق طاقتي، انا كنت ست ضعيفة فعلا معاه، بس هو كان حبيبي قبل ما يبقى جوزي، حبيبي اللي لو عاد بيا الزمن هختاره من تاني، حتى لو عذابي هيزيد اضعاف .
تركزت عينيها بخاصتيه لتردف بقوة:
– الناس كلها بتعيش تاكل وتشرب، لكن قليلين اوي اللي حصلوا على النعمة دي، نعمة القرب من الحبيب، وانا مكنتش بس قريبة منه، لا دا انا اتجوزته وخلفت منه ، وقعدت سنين في السعادة معاه، السعادة اللي انت حارم نفسك منها دلوقتي عشان معتقدات غبية في دماغك، عامل حساب لكلام الناس ونظراتهم، طب خليهم ينفعوك بقى لما تتحصر على ضياع فرصتك مع اللي بتحبها، ولا يمكن يجو يخففوا عنك لما تنام على مخدتك اخر اليوم تعيس في وحدتك أو في حضن واحدة لا انت حاسس بيها ولا عمرك هتحبها….. دا لو قررت في يوم تتجوز غيرها
انهت كلماتها واستدرات تتجه نحو غرفتها وتتركه لهمومه واوجاعه التي يشك ان تنتهي قريبًا
ليزفر باختناق يطبق على انفاسه، غير قادرًا على التحمل، ان لم يجد احد يتحدث معه الليلة، سوف يموت بالفعل.
❈-❈-❈
اما هي فقد عادت إلى فراشها، بعد انتهائها من مكالمة نجوان وتبديل ملابسها، لقد مر يومًا اخر على خير، بفضل ستر الله ودعواتها اليه التي لا تنتهي، وقد سقط قلبها في نصف اليوم بمواجهة لم تتوقعها مع ابن عمها سامر والذي اتى اليها من أجل التحقق فيما وصل اليه
المواجهة التي تمت منذ ساعات
بعدما نظرت إلى الصورة التي تحتل الشاشة امامها، لتعود بها الى لقطات تسجلها بعقلها باهتمام شديد، فتلك الذكريات هي أغلى ما تملكه الاَن، وربما قد تعيش عليها ايامًا وسنوات قادمة، اذا ما استسلم لعنجهيته ودفن عشقها في قلبه بالتخلي عنها.
– الصورة دي امتى خدتها؟ او بمعنى أصح، مين اللي ادهالك؟ وبلغك ايه عني بالظبط؟
رد سامر على سؤالها بسؤال هو الاخر:
– يهمك تعرفي اوي؟ جاوبي على سؤالي وانا اقولك، ريحي قلبي يا بت عمي وانا اقولك .
نظرت له بقوة الواثق من دفاعه:
– يهمني اعرف انت مصدق عليا ولا لأ، لأني اللي يديلك صورة زي دي، لقطها في لحظة غفلة لزوجة بتستقبل زوجها، يبقى اكيد نيته مش كويسة .
– جوزها !
تمتم بها بعدم استيعاب ، لتعود اليه بتأكيد:
– ايوة يا بن عمي ومتجوزاه من غير إشهار عشان ما تتعبش نفسك في التفكير والاستغراب .
وكأن الارض اهتزت من اسفله، رغم جلوسه داخل سيارته، ليكتنفه دوار مباغت نتيجة تصريحها، كم ود تكذيبها الأمر برمته، وأن تكون تلك الصورة لامرأة اخرى تشبهها.
– ايه يا بن عمي سكت ليه؟ لو مش مصدق اجيبلك دليل .
انفعل في رد متأخر:
– مش مهم الدليل، المهم دا امتى حصل؟ وازاي احنا منعرفش؟ ثم ايه حكاية من غير إشهار دي؟
قابلت عصبيته بهدوء شديد غير مبالية بأي شيء حتى صورتها امام عينيه:
– مش محتاجة شرح يا بن عمي، من غير إشهار يعني في السر، مع اني حاسة انه مبقاش سر دلوقتى، بعد كل الناس دي ما عرفت.
– ناس مين تاني غيري، وليه ترضيها على نفسك؟ انتي ايه ناقصك يا بهجة؟
تبسمت بسخرية قاتمة تعقيبًا على كلماته الاخيرة:
– ايه ناقصني؟ انت اللي بتسأل يا سامر؟
توقفت تتنهد بأسى وتشيح بأبصارها عنه، بالنظر إلى الخارج، ليستدرك هو فداحة موقفه ، وقد يأتي الاَن يحاسبها، متناسيًا كل ما مرت به من شقاء بفضل تعنت والديه في اعطائها حقها، حتى شعر بالخزي من نفسه، ولكنه ايضًا لا يقبل.
– مش مبرر يا بهجة انك تبيعي نفسك، انا طول عمري شايفك حاجة عالية اوي وغالية على اي حد، ليه تهزي صورتك في عيني؟ وانت تستاهلي اكتر من كدة بكتير اوي.
– عشان انا مبعتش نفسي، انا اتجوزت اللي بحبه، حتى لو هو شايف غير كدة، او بيكابر وممكن في اي وقت يستغنى عني، انا مش ندمانة اني اتجوزته وارتبط اسمي بيه لو حتى في السر.
– لدرجادي يا بهجة؟
خرج تساؤله بصوت بدى كالمبحوح تأثرًا بجرح شعر به داخل قلبه وكأنه انشطر نصفين، بعد تصريحها، واخباره وبكل وضوح انعدام فرصته في الوصول اليها، ربما ليس جديدًا عليه هذا الأمر ولكنها الاَن تؤكد
– لدرجادي واكتر كمان يا بن عمي، احنا قلوبنا مش بإيدينا، وانا قلبي غبي دونًا عن الناس كلها مختارش غيره.
– مش انتي بس اللي قلبك غبي، شكلنا عيلة بتحب اللي يعذبها.
غمغم كلماته بمعنى مقصود، ولم يوضح اكثر من ذلك، فلم تعد هناك فائدة للكلام.
ليأتي سؤال بهجة المباغت له:
– دلوقتي بقى جه عليك الدور تقولي مين اللي بلغك؟
واداك الصورة؟
❈-❈-❈
انشغلت كعادتها على احدى القضايا، لتضع بها تركيزها الشديد، دون الالتفاف لشيء اَخر حتى الإجابة على مناداة اخوتها ووالدتها التي تعبت من الصياح من خارج الغرفة، لتضطر للولوج اليها :
– وبعدين بقى يا صفية، ساعة بنده عليكي من برا، كل دا مسمعاش؟ تليفونك جمبنا عمال يرن بقالوا ساعة لما صدعنا.
بجدية شديدة رفعت عن عينيها النظارة الطبية لترد بحنق:
– في ايه يا حبيبتي يا ماما بس؟ ما انا مشغولة زي ما انتي شايفة اهو، التليفون حطاه على الشاحن يشحن وبالمرة افضي دماغي للقضية المهمة اللي في ايدي ، دي الموكلة مستأمناني على مستقبل بنتها اللي هيضيع لو مخدتش براءة بكرة…..
هتفت سمية مقاطعة وقد فاض بها:
– خلاص يا ختي احنا مش في محكمة عشان تترافعي وتاخدك الجلالة، هو انا كل مرة اكلمك لازم اسمع الموشح ده، وادي الرنة الزفت كمان خلصت برضو من غير رد، خدي بقى، خلي تليفونك ده جمبك مش ناقصين قلبة دماغ
شددت بالاخيرة تضع لها الهاتف على سطح المكتب لتتابع ساخطة:
– قال هنضيع مستقبل البت قال لو مركزتش في البراءة، كل اللي في سنك اتجوزو يا منيلة، مبقاش فاضل في المنطقة غيرك، يا خوفي لتقعدي في قرابيزي.
التوت شفتيها بعدم رضا دون ان تكلف نفسها برد لا طائل منه، فوالدتها لن تقتنع ابدًا بوجهة نظرها، وهي أيضا لن تتنازل وتطيعها.
دوى الهاتف مرة اخرى برقم غريب، جعلها تتطلع في الشاشة تحاول تذكره بلا فائدة، لتقرر الفتح عليه لتعرف من الطالب مع اندماجها في عدد الأوراق التي امامها
– الووو مين؟
– الوو دا انا يا أستاذة صفية
– إنت مين؟
– انا مين؟!
– ايوة انت مين؟ وبتتصل عليا ليه في الوقت ده؟ لو زبون، يبقى المكتب مفتوح من عشرة الصبح لعشرة الليل، بس كدة، تبلغ السكرتيرة وهي هتقوم بالواجب.
أعجبه حزمها وصرامتها، ولكن هذا اخر ما يحتاجه الان، ليدعي التمثيل والدراما:
– انا بجد مصدوم، ومش قادر حتى اتخيل، معقول تلت ساعات معايا ولسة متعرفنيش يا صيفو
استدركت تتذكره بالفعل، لتضرب بكف يها على جبهتها بيأس مغمفمة، يا ريتني ما افتكرت اصلا، انتي طالبني ليه؟
وصلها صوته بمسكنة:
– ليه الحدة دي بس؟ دا انا بتكلم عشان اطمنك عليا، لما لقيتك نسيتي ما تتصلي.
أبعدت الهاتف من على اذنها تطالعه شاشته بعدم تصديق لما وصل لأسماعها ثم عادت اليه بارقة عينيها بذهول في الفراغ امامها:
– انت بتتكلم بجد؟ يعني انت فعلا متصل بيا عشان تطمني عليك؟!
– ايوة طبعا، ما انا نبهت عليكي النهاردة تسألي عشان انا وحيد، بس حضرتك مسألتيش ولا كلفتي خاطرك، بس انا مسامحك يا صيفو.
نفضت عنها الدهشة من حديثه الغريب، لتصرخ معترضة على الاخيرة:
– يا نهار اسود، ايه صيفو دي كمان، انا كدبت وداني لما سمعتها الاول، حضرتك مش شايف انك زودتها؟
لطف على الفور مبررًا بمكره:
– وهي صيفو دي وحشة؟ انا اسف أن كنت زعلتك بس انا حسيت أستاذة دي تقيلة اوي، تتقال من موكلينك، انما انا بعد اللي عملتيه النهاردة معايا، يصعب عليا اوي اكبرك وانتي كتكوتة وتستاهلي الدلع.
اربكها، لقد علم بذلك على الفور حينما سمع شهقة صغيرة قطعتها سريعًا لترسم الجدية نحوه محذرة، بكلمات متقطعة وغير مترابطة، نتيجة خجلها الشديد، ليتها كانت امامه الاَن ليستمتع بهيئتها اللذيذة تلك:
– لو سمحت يا دكتور انت… انا بحذرك… عشان انا مبحبش الدلع… ولا اللي يدلعني….. انت شكلك بتعاكس صح؟
– لا والله ما بعاكس، انا بس بقول اللي بحس بيه، حسيت اني عايز اتكلم معاكي قوم اتصلت عليكي، حسيت اني عايز اندهلك باسم دلع، لساني نطقها من غير تفكير، وليكي كل الاحترام سيدتي اكيد.
– انت… انت بتقول ايه؟
تلعثمت بالكلمات تزيده انتشائًا ليواصل بلؤم، كي ينهي الأمر قبل ان تلملم شتاتها وتستعيد شراستها:
– انا بوضح احترامي ليكي، ع العموم انا بستأذنك من وقت للتاني اتصل بيكي اطمنك عليا، وإذا قطعت اعرفي اني جرتلي حاجة، ما انا وحيد يا استاذة، ربنا يجعلك دايمًا نصيرة للغلابة، تصبحي على خير.
انهى المكالمة اخيرًا، لتطالع هي الهاتف بعدم استيعاب، ماذا يفعل هذا الغريب معها؟ وكيف يجبرها بأسلوبه الملتوي على الإستماع اليه، فلا تجد حتى فرصتها في الإعتراض.
تنهدت تنفض هذه الأفكار من رأسها، لتعود إلى عملها المحبب، فنزلت بعيناها نحو الاوراق التي كانت تراجع بها منذ قليل، لتجد نفسها لا ترى حتى الكلمات من فرط شرودها، لتدفعهم من امامها بغيظ:
– ارافع عن البنية ازاي دلوقتي وانا حتى مش عارفة اجمع الأحداث على بعضيها؟ ادعي عليك بإيه بس يا هشام يا ابن ام هشام؟ انت السبب.
❈-❈-❈
عاد اخيرًا وقد قارب الليل على الانتصاف، فتح باب المخزن ليجدها تطالعه بلهفة اثارت به الشفقة، رغم غضبه الشديد منها:
– اخيرًا جيت، كنت سيبني ابات احسن، اموت من الجوع والعطش والبرد كمان .
تقدم يضع الطعام الذي كان يحمله على الطاولة، ثم اقترب يقطع الحبال التي تقيد يديها وقدميها، يتمتم باعتذار:
– انا اسف، بس المشوار كان طويل، دا غير العطلة اللي حصلت معايا، والانتظار اللي اضطريت اليه، على العموم انا جايبلك الاكل السخن وكل حاجة تحتاجيها .
دلكت يديها، تجأر به حانقة:
– حاططني في وضع غير ادمي، لا مقدر ولا عندك اي احساس بالمسؤولية، انا واحدة ست Lady قدامك، مش مجرمة ولا رد سجون.
التوى ثغره بضيق، ليقرب الطاولة منها:
– الأكل والمناديل والمعطر والغسول كمان، اعملي ما بدالك، انا مش هربطك تاني اصلا.
– انت بتتكلم بجد ولا بتضحك عليا؟
سألته بتشكك قابله بمزيد من الضجر مرددًا:
– يا ستي والله ما بضحك عليكي، انا مخنوق وعايز اروح بيتي وانام على فرشتي، كفاية ليلة بحالها قاعد حارس على جنابك.
تبسمت تتمعن النظر به، وهذا الإرهاق الذي يعلو ملامحه، وكأنه فقد الشغف وفقد حتى المقاومة، لتسخر بفرح:
– واضح اوي انك اتأكدت من كلامي، ودا اللي مخليك تعبان ومش قادر حتى تتكلم.
زفر يشيح بأبصاره عنها لتتيقن من صحة ترجيحها فيزداد اتساع ابتسامتها، لتتناول احد الأكياس وتنهض من امامه تستطرد بانتشاء:
– انا هروح الحمام اوضب نفسي، مع اني مخنوقة عشان الهدوم اللي مغيرتهاش من امبارح، ولا الحمام اللي بقرف منه، بس كويس انك قدرت وجيبت الحاجات الضرورية دي، هحاول متأخرش عشان نتكلم شوية مع بعض، الظاهر ان الحوار ما بينا هيبقى طويل
ظل صامتًا ولم يعقب بحرف، يتابعها تهرول نحو غرفة المرحاض بنشاط، وقد دب بها الحماس بعدما لاحظت خيبته، لتتأكد من ظنها، وتحاول استغلال الفرصة بخبثها.
لم ينتظر طويلا حتى خرجت اليه، ممشطة شعر رأسها بيداها، وجمال بشرتها الحليبية الصافية، بعد تنظيفها بالغسول، وقد بدا عليها الانتعاش جليًا، ليتها تزيل عن نفسها القذارة كما فعلت مع بشرتها.
جلست امامه تتناول الطعام بنهم وفمها لا يتوقف عن الحديث:
– كان نفسي اخد شاور بس طبعا مينفعش، لكن بسيطة، اصبر شوية واخدها في بيتي ان شاء الله، مقولتليش بقى، عملت ايه مع بنت عمك، او زوجتك السابقة على الورق.
تنهد بقنوط يربع ذراعيه فوق صدره:
– بهجة كان كاتبة كتابها على اخويا مش انا .
توقف الطعام بفمها، وقد استولت عليها الحيرة، تعيد الأحداث برأسها وشجاره وفعله الان، لترتخي ملامحها فجأة، ترمقه بنظرة ماكرة فهم عليها، زادت من غضبه لتجعله يقر معترفًا:
– اه يا ستي كانت خطيبة اخويا وانا كنت بحبها، لانها تستاهل الحب، انما انتي بقى، واحدة ربنا مديها ربنا كل المزايا تعلق نفسها بواحد مش شايفها ليه؟
ارتدت رأسها للخلف وكأنها تلقت لطمة قوية على وجنتها، اثر تصريحه الكاشف، ليتحرك فمها بالسباب نحوه بدون تفكير:
– انت بتقول ايه يا حيوان انت؟ مين قال الكلام ده؟
– مش محتاج حد يقولي، اللي تعمل عملتك وتوقف واحد زيي تسخنه من غير بينة، ولا مراقبتك ليهم ، دي كلها أمور مش محتاجة نباهة، بس اللي مجنني بقى، ان انتي مستمرة في خططك رغم انه سابك انتي بنت الحسب والنسب وراح لعاملة عنده في المصنع، دا كله ميخلكيش تفكري، ميخلكيش تسبيهم في حالهم وتبصي لنفسك ولمصلحتك، فين كرامتك ولا كبريائي عشان تقبلي على حالك وضع زي ده؟ في خانة الانتظار .
لم يكن مخططًا للإنفجار بها، ولكنها اجبرته على ذلك، حتى وهو يرى الاَن ضعفها وارتعاش شفتيها تأثرًا بقسوة كلماته إلا أنه ابدًا لن يشفق عليها، هذه الفتاة تستحق الضرب حتى تفيق.
– انت حيوان ومعندكش أدنى احساس، مين اداك الحق تكلمني بالطريقة دي ولا تتدخل في حياتي، بنت عمك هي ال……
– إياكي تنطفي حرف في حقها فاهمة.
قاطعها بحدة يوقفها قبل ان تكمل بالسباب، غير ابهًا لهياجها ولا بثورتها التي بدأت بعد ذلك:
– خايف اوي عليها بنت عمك، دي اللي علقتك وهي مخطوبة، ولا وما كفهاش دي كمان، دي وقعت رياض الحكيم، اللي مبتتهزش له شعره مع ملكات الجمال، انا مش فاهمة والله، هي جايبة الشطارة دي منين؟ ما تخليها تعلمني يا عم، ما هي أكيد خبرة….
– اخرسي
صرخ بها وارتفعت كفه في الهواء حتى كادت ان تلطم خدها، لتجعلها لا اراديا تنكمش على نفسها وتحاوط وجهها بين كفيها، ترهبها هيئته، وقد تغيرت ملامحه وكأن الشيطان تلبسه، ليردف كازًا على اسنانه:
– قسمًا بالله العظيم لو ما كنتي حرمة، لكان الكف ده نزل عليكي ومخلاش حتة في جسمك سليمة، لأن اللي انتي فيه ده مش قلة عقل، دا اسمه قلة رباية.
اخدت الأمان حينما نزلت يداه عن ضربها، لتستخف بوقاحة:
– ربي نفسك الأول يا خفة، انا لورا بنت الحسب والنسب ، اسم عيلتي لوحده عنوان، وبكرة اربيك على عملتك معايا
قالتها وتحركت تتخذ طريقها نحو الخروج ليهدر بها غاضبًا:
– غايرة على فين دلوقتي؟ استني لبكرة الصبح، المنطقة هنا صناعية والدنيا مش امان.
دبت قدميها على الارض برفض تتحداه:
– ان شالله حتى يكون فيها كلاب وعصابات، انا هخرج من هنا وإياك توقفني، وأن كنت سكتلك من امبارح، دلوقتي لو فيها موتي مش هسكت ولا هستني دقيقة واحدة، غور في داهية
صرخت بالاخيرة لتستدير عازمة على ما في رأسها، يغمغم هو من خلفها:
– غارة تشيلك يا بعيدة.
❈-❈-❈
دلف إلى المنزل الجديد عليه، بناءًا على اتصاله به منذ قليل، فقد شعر بحاجته اليه، حتى أنه هو من وصف له العنوان.
– انت قاعد هنا لوحدك يا رياض؟
كان هذا هو السؤال الذي تمتم به، عقب الترحيب به من الأخر، والذي كان يتحدث بصعوبة وهو يشير اليه بيده للدخول:
– دا بيتي من زمان يا كارم، لما اكون مخنوق بقعد فيه، تعالى معايا جوا عند البيسين.
تحرك معه نحو الداخل حتى وصلا إلى حوض السباحة، ليتخذا مجلسهما في ركن خاص، به اريكة كبيرة وثلاثة مقاعد وطاولة صغيرة تتوسط الجلسة، قريبة من الماء مباشرة بصورة تبعث على الراحة النفسية.
– الله يا رياض، حلو اوي القعدة هنا، منظر يرد الروح فعلا
ابتسامة جانبية باهتة، بزغت على زاوية فمه، جاءت كرد على كلماته، وقد أطلت امامه صورتها، حينما كان يجبرها على النزول معه في الماء وهي لا تجيد السباحة، فتتشبث به بخوف داخل الماء، فيستغل هو رعبها ذلك اجمل استغلال.
كيف للمرء ان ينسى اجمل لحظاته، وهل بالفعل يستطيع استبدالها بأخرى؟
انتبه كارم على شروده:
– مالك يا عم؟ لو هتسرح من بداية القعدة، يبقى ألمها وامشي
– لا خليك يا كارم، انا بجد.محتاج اتكلم النهاردة.
لمس في نبرته نوع من الرجاء جعله يشعر بالتعاطف نحوه حتى من قبل ان يعرف بما يصيبه، ليحثه مشجعًا:
– اتكلم يا حبيبي انا هسمعك، طلع اللي في قلبك حتى لو كان تافه، المهم انك تتكلم .
يعلم بصدقه وهذا ما جعله على استعداد تام للبوح أمامه، لكن تأتي الصعوبة في المقدمة والتي اختصرها عليه الأخر :
– بهجة البنت اللي شغالة عندك صح؟
توسعت عينيه بذهول التقطه اخر معقبًا:
– من غير ما تستغرب ولا مخك يروح لبعيد، انا بس بسهل عليك عشان تدخل في الموضوع مباشرة، لأن انا بجد نفسي اسمع منك .
❈-❈-❈
خرجت رؤى من غرفتها تبحث عن شقيقتها والتي لم تجدها حتى في غرفتها:
– يا أمنية انتي فين يا بنتي؟ اختك بقالها ساعة بترن عليكي، لغاية ما زهقت ، قامت متصلة على تليفوني
جاءها الرد من المرحاض القريب من الغرفة:
– ردي عليها انتي، انا لسة مخلصتش شارو، مصدقت عصام ماشي عشان اريح جسمي بمية سخنة قبل ما انام .
– ما انا تليفوني فصل شحن معاها، هروح اكلمها من تليفونك
قالتها رؤى وهي تتجه مباشرة نحو العودة إلى الغرفة، وافقتها الأخرى بصوت يصل اليها:
– هتلاقيه عندك فوق الكومدينو.
بالفعل اتجهت نحو المكان المذكور وقامت بتناوله تتصل مباشرة على شقيقتها:
– الوو يا شهد، معلش التليفون فصل شحن……. أه ما هي في الحمام، هتخلص وتتصل بيكي على طول……. لا هي كويسة الحمد لله اطمني……. حتى جوزها كان عندها النهاردة…… خلاص ماشي على ما تخرج، ارغوا مع بعض براحتكم.
بعدما انهت المكالمة، همت لتنهض وتترك الهاتف، ولكن اوقفها إشعار احدى الرسائل وذلك الإعلان عن مسابقة لأحدى كبرى المجمعات التجارية في العاصمة، عن فوز محقق بمناسبة اذا ما سجل العميل وتابع الخطوات، لتشهق بحماس حينما رأت المعروض من الجوائز .
– يا نهار ابيض ، دا فيه الماركة المشهور للجزم والشنط اللي كنت بحلم بيها.
خرجت سريعًا بلهفتها لتجد شقيقتها تخرج من المرحاض بمساعدة والدتها حتى تدخلها الغرفة:
– في مسابقة عندك مهمة تكسبي فيها يا أمنية ليه مدخلتهاش وجربتي حظك.
رمقتها بعدم فهم:
– مسابقة ايه؟ انا مبركزش اساسا في الرسايل .
سطحتها نرجس على فراشها لتجذب عليها الغطاء معطية أمرها لابنتها، وقد غمرها الحماس:
– ادخليلها انتي يا بت رؤى ، مدام شاطرة كدة يمكن تفوزيها.
لم تعطي الأمر اهميه لتعبر بعدم اكتراث:
– يا عم انتو بتصدقوا؟ بلا وجع دماغ
اعتدلت على جانبها الأيسر، تبتغي النوم، حتى حينما طالبتها رؤى ان تفعل وتشترك ، لوحت بكفيها دون مبالاة:
– اعملوا اللي تعملوه، انا هغفلي ساعة وبعدها ابقى اتصل بشهد، حاسة نفسي عملت مجهود وانا يدوب استحميت
ضغطت رؤى تدفعها اللهفة على الرابط دون تحقق من مصدره الحقيقية لتسير بعد ذلك على الخطوات، حتى تصل الى الجائزة المذكورة بتشجيع من والدتها وقد خرجتا الاثنتان من الغرفة، غافلين عمن صدح صوته عاليًا في الجهة الأخرى، مهللا بالنجاح اخيرًا، ليركض نحو المتربص في الزاوية التي يبيع بها ممنوعاته يبشره:
– الحلاوة بقى يا عم إبراهيم، اللي انت عايزة حصل.
❈-❈-❈
انهت اخيرًا عملها وبعد صعوبة في التركيز نتيجة التشتت والشرود الذي كان يفصلها كل دقيقة ، من بعد مكالمتها مع هذا الطبيب الغريب، سوف تأخذ قسطًا من النوم وترتاح من تعب اليوم الثقيل، وحين يأتي الصباح تبدأ يوما من أيامها العادية، لتنشغل بعملها وتنسى كل شيء
خلعت نظارة القراء تضعها على الكمود، ثم تناولت الهاتف تلقي به نظرة عابرة كعادتها، ولكن لفت نظرها هذا الإشعار الذي ظهر اعلى الشاشة، طلب صداقة من…… ( الطبيب المشاكس)
قرأت الاسم ليكتنفها الفضول تضغط وتدخل في حساب الطالب لصداقتها، كادت تفلت منها شهقة حينما اصطدمت عينيها بصورته، يضحك بأريحية من الإذن إلى الإذن
به جميع المعلومات عنه والمناصب التي يتولاها حالية، دون ان تدري اصبحت تقرأ وتتصفح المنشورات، كلها تقريبا عن إنجازاته والمناسبات الهامة التي يحضرها، اندمجت فلم تشعر بالوقت إلا حينما رأت الساعة لتتدارك وتخرج سريعا من الصفحة مغمغمة بغيظ :
– الله يخرب عقلك يا شيخ، انت طلعتلي منين بس .
أغلقت الهاتف نهائيا تلقيه بعيدا عنها، ثم اطفت الإضاءة لتغرق الغرفة في الظلام، على أمل النوم دون مجهود، ولكن ما حدث كان غير ذلك، فقد اصبحت تتقلب من اليمين إلى اليسار، دون فائدة، وقد كانت الصور تتلاحق بذهنها وتصرفات هذا الغريب معها وكلماته الغريبة، حتى فاض بها لتتضرع إلى الخالق.
– يارب عايزة انام تعبت
وما ان همت ان تغمض عينيها مرة اخرى حتى فتحتهم على وسعهما بهلع من الفكرة التي أتت برأسها:
– مصيبة لاحلم بيه كمان…. عشان تكمل الليلة الهباب دي.
❈-❈-❈
تحدث واسهب يخرج ما يكتمه بقلبه، وقد كان في حاجة قوية للحديث والاستماع اليه، وذلك ما قام به كارم جيدًا، فلم يقاطعه على الإطلاق، حتى انتهى والتف اليه طالبًا رأيه
– انا عارف انه حقها يا كارم، بس اعملها ازاي؟ الفرق شاسع ما بينا…. دا غير ان القصة القديمة هتنعاد من تاني، وانا ما صدقت انها اندفنت مع الزمن، دي اول مرة اتكلم فيها مع حد انا بجد دماغي هتشت
تنهد كارم بلحظة من الصمت المهيب حتى جاء رده أخيرًا:
– انا اكتر واحد حاسس بيك، وصدقني حقيقي مقدر النار والحيرة اللي انت فيها، بس مكدبش عليك، انا لا يمكن اشور عليك برأي فيها دي، لازم القرار يبقى منك انت، على حسب حبك يستاهل التضيحة وتحمل التبعات، ولا مجرد تعلق او إعجاب ممكن يروح مع الوقت
– معقول يا كارم كل اللي انا حاسس بيه ده ممكن يجي عليا يوم وانساه صح
قالها بحيرة قابلها الاخر بحزمه:
– ما انا بقولك اهو، انت الوحيد اللي تعرف الفرق وعلى اساسه تاخد القرار السليم
❈-❈-❈
كانت تسرع بخطواتها، تتلفت في جميع الانحاء حولها، بقلق يزداد مع الوقت كلما استكشفت خلو المنطقة إلا من اعداد قليلة من البشر تراها بعيد عنها، تعمل في ورش صناعية او مخازن يتم تحميل البضائع بها، كما يوجد ايضا بنايات لمنازل بالكاد تظهر امام عينيها تحتاج وقتًا طويلا حتى تصل اليها.
وهي تبحث عن الطريق او الرصيف الذي تسير به السيارات ربما تجد احدهم يُقلها، ليتها استعانت بسيارة هذا الاحمق الذي تركته بمخزنه، ولكنه كان صادق حين حذرها، ليتها استمعت وانتظرت حتى ضوء النهار، كان الوضع سيصير اكثر اطمئنانًا، فهو برغم كل غباء لم يأذيها سوى بتقيدها وحبسها نهارين وليلة كاملة.
انتفضت تتوقف محلها فجأة، وقد وجدت امامها ثلاثة شباب يبدو على هيئتهم الإجرام، قطعو عليها يتصدرون امامها حتى لم يعد هناك ثغرة تمر بها، فكلما وجدت فراغ لتمر به، وجدت احدهم يسده بجسده
ابتلعت ريقها بخوف لتجأر بشجاعة كاذبة:
– انت ولا هو، ابعد يا شاطر من طريقي خليني اعدي
سمعوا منها وكأنها قالت نكتة شعبية لتصدح ضحكاتهم تجلجل في الأجواء حولها، يزيدونها فزعًا واقدامهم تخطو حولها، يتحدثون بالتبادل.
– طب دا برضو كلام يا حلوة؟
– تمشي وتسبينا لوحدنا
– دا احنا مصدقنا نلاقيكي
– أصلك متعرفيش، دا الحظ الليلة عالي اوي
– ابعدو عني يا زفت انت وهو، حد قالكم ان انا ماشية لوحدي، وربنا لو ما بعدتو لانده لجوزي يكسركم كلكم ، انا جوزي عقيد جامد اوي في الشرطة
كانت تظن ارهابهم بكلماته، ولكن ما حدث لم يزيدهم إلا تصميمًا، يعلق احدهم باستحفاف:
– وجوزك العكيد الختير، سايبك لوحدك في منطقة مهجورة ليه بقى؟ بتلعبي معاه استغماية وهيظهر لنا بحلاوته دلوقتي.
شعرت بالرعب، لترتد بأقدامها للخلف مع ازدياد تقدمهم نحوها، ترى بأعينهم اصرار واضح، كلما خطر ببالها لمس احدهم لها، تنقلب معدتها داخلها، لتحاول باستماتة التهديد برفع سبابتها بوجههم:
– لآخر مرة يا حيوان انت وهو، ابعدوت من طريقي، جوزي هيجي ياخدكم ويحبسكم، ابعدوا عني وربنا ما….. اااه….
قطعت الاخيرة بصرخة مرتعبة، حينما شعرت بقبضتين قويتين حطت على عضديها تسحبانها للخلف بعنف، حتى اعتقدت ان هذا الرابع معهم، لكن سرعان ما هدأت انفاسها حينما وجدته امامها، يتصدر لهم، حاملًا عصًا غليظة هوت على ذراع احدهم فصرخ عاليًا من الوجع ليهدد الاخران كي يتراجعان للخلف ناهرًا بهم:
– مش قالتلك جوزي هيموتكم مبتسمعوش الكلام ليه ياض؟
اصبح يلوح بالعصا يمينًا ويسارًا نحوهم، وتلتف رأسه سريعًا للخلف اليها، يدفع الهاتف في يدها:
– العربية وراكي بكام خطوة تخلصيها، بسرعة روحي استنيني فيها .
– واسيبك لوحدك، ممكن يموتوك
– يخرب بيت فالك يا شيخ
تمتم بها عاليًا ليدخل معهم في معركة شرسة، هو لا يحمل الا العصا وهم بالاسلحة البيضاء وقد اتى احدهم بجنزير دراجة لتصير دعما قويًا امام العصا الغليظة.
فتراجعت هي برعب، لا تطاوعها قدميها على تركه، في نزال حامي مع ثلاثة من معتادي الإجرام كما يبدو من طريقتهم المحترفة في الاشتباك معه، ولكنه كان ندا قويا في مواجهتهم، غير ان الكثرة تغلب الشجاعة كما ذكر المثل القديم، كانت هي تحاول في هذه الاثناء الاتصال بالشرطة.
فرغم الاصابات الفادحة التي سببها لهما لهم، إلا أن الاصابات قد لحقت به ايضا في عدد من أعضاء جسده ، كانت في هذه الاثناء تحاول الاتصال بالشرطة، وتخبرهم عن مواصفات المكان وما يحدث من معركة حتى صدرت منها صرخة قوية حينما انتبهت لذلك السلاح الابيض يستقر في احشائه، فيخر على ركبتيه امامها:
– ساااامر، ضربوه بالمطوة، ضربوه بالمطوة .
صارت تردد بها وهي تهرول نحوه، لتفزع برؤيتها للشق الكبير الذي اخترق القميص في أعلى البطن والدماء تسيل بلا توقف، مما جعلها تصرخ بهستيريا، حتى اثارت فزع الاشقياء ليركض ثلاثتهم، هاربين من جريمتهم، فلم تدري بنفسها وهي تضمه بارتياع ليتماسك وهو ينازع امامها:
– امسك نفسك يا سامر، اوعى تسيبني لوحدي، ارجوك يا سامر، البوليس على وصول والله، ارجوك ارجوك ، .
الفصل الثالث والثلاثون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا