تحميل رواية حان الوصال بقلم امل نصر pdf
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
االفصل الاول 1 ما بعد الفجر وقبل الصباح، ذاك الوقت الفاصل ما بين ظلام الليل وشروق الشمس، هذا هو وقتها، الذي تجد فيه سكينتها، تصلي الفجر ثم تقف في شرفتها تتمتع بالنسمات العليلة مع الهدوء الذي يعم المنطقة الا من بعض الاصوات القليلة للمارة الذاهبين الى شئونهم، ان كان الى عمل او شيء آخر. تتأمل المباني حولها وتراقب انقشاع الظلام رويدا رويدا حتى تحط الشمس بضيائها وتزين الأرض. تتنفس هواء نقيًا، بعيدا عن الصخب والمسؤوليات المعلقة في رقبتها. بهجة…. هذا اسمها وياليتها نالت حظها منه، او ربما كانت تناله قدي...
رواية حان الوصال الفصل الحادي عشر 11 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الحادي عشر 11 بقلم امل نصر
لذة الوصول
هل أتى عليك الوقت وشعرت بها؟ تلك الخفقة القوية التي تنتابك في تحقيق الحلم، وامتلاك الشيء الذي تذوقت مرار الصبر في سبيله، رجفة الأطراف حينما لامسته او امسكت به بين يديك.
ما أصعبه من احساس وما أجمله؛ حين يمر عليك شريط الذكريات وما مررت به من مصاعب حتى وصلت لتلك اللحظة
اذاقكم الله واذاقنا حلاوة الوصول اليها .
رغم مرور اكثر من شهر على مولده، وحمله له عدة مرات ، الا انه حتى الاَن مازال تغلبه العاطفة بفرحته، فلا يقوى على كبت تلك الدمعة التي تفر من عيناه تأثرا بمجيئه الى عذا العالم، قطعة غالية من حبيبة قلبه حصل عليها اخيرا، بعد عناء ومشقة وعذاب في انتظار المستحيل، ولكنه حدث في الاخير بفضل الله وكرمه.
– تاني يا مصطفى برضو بتدمع؟ انا الأحسن اني احرم عليك ما تشيلو بعد كدة .
قالتها نور، وهي عائدة بعبوة الحليب التي اعدتها للطفل، لتأخذ مقعدها بجواره ، تجلس متربعة على الفراش، فتدعي الحزم وهي تتناوله من ذراعي ابيه بحرص، والذي ظهر التأثر في صوته وهو يشاكسها:
– لو تقدري اعمليها، او امنعي انتي نفسك من العياط لما
يسهرك طول الليل وميرضاش ينام.
فغرت فاهاها باستنكار وذهول:
– بتتريق عليا يا مصطفى، طب عقل انت ابنك الاول وخليه يهدى عن جنان الليل وانه ميتعبش مامته في الوردية اللي بيستلمها عليها.
قهقه ضاحكًا بصخب، ليعقب بمرح كلما خرج منها هذا الحديث:
– حاضر من عيوني، بطل تتعب مامتك يا ولد.
صدرت الاخيرة مخاطبًا لطفله لتتبسم هي قائلة:
– يا سلام عليك يا مصطفى، انا كدة ضمنت انه سمع الكلام، الف شكر بصراحة لسيادتك.
اومأ واضعًا كفه على صدره:
– العفو يا قلب مصطفى، مفيش داعي للشكر اساسًا.
انفجرت ضاحكة، لتميل برأسها على صدره، ويضمها بذراعه هي والطفل الذي تطعمه، يستمتع بدفء عائلته الصغيرة ، في لحظات يسرقها من الزمن، يهرب فيها من التزماته وأعماله التي لا تنتهي حتى في وقت نومه
❈-❈-❈
كما توقعت ورغم انه استمر طويلا في جلسته مع اشقاءها، وهي حاولت التصرف بصورة طبيعية معه، تجاهد لإخفاء الارتباك في حضوره، الا انه استطاع في الاخير ان ينفرد بها داخل الحديقة الصغيرة عقب استئذانه في الذهاب وقيامها هي بتوصيله، ليقف الاَن مواجهًا لها، يطالعها بصمت ابلغ من الف كلام،
ورغم التوتر الذي كان يعصف بها، الا انها ابدت ثباتًا يثير الاندهاش امامه، مما شجعه على الأستفسار مباشرةً:
– ليه كدبتي على اخواتك يا بهجة، والبيت دا اساسه انتي جبتيه ازاي؟
حينما صمتت قليلًا اردف :
– انا عارف اني مليش حق في السؤال، بس انا مش قادر يا بنت خالي، الخوف اللي طير مني الراحة من ساعة ما عرفت بعزالكم من البيت، هو نفسه الخوف اللي عاصر على معدتي دلوقتى، وانا دماغي هتشت ورايحة في مية اتجاه، من بعد ما عرفت بقصة المكافأة اللي اتحكم فيها من زمان لصالح الخصم .
استمرت لبرهة اخرى من الوقت قبل ان تحسم قرارها من الداخل قائلة:
– بس انت متأكد، وعارف بأخلاقي كويس.
– دي مسأله مش محتاجة سؤال، انتي بس اتكلمي واي حاجة هتقوليها انا هصدقها، المهم تريحي قلبي يا بنت خالي، فلوس البيت والمحل جات منين يا بهجة؟
– من جوزي
اجفل يستوعب الجملة القصيرة، لتعيد عليه هي بتأكيدها:
-،ايوة يا شادي، انا متجوزة في حلال ربنا، واحد مقتدر فوق ما تتخيل، هو اللي مكني بفلوسه اشتري البيت والمحل، ولو طلبت هيديني تاني كمان، بشرط اني احتفظ بجوازي منه في السر
– في السر!
ردد بها بصدمة وعدم تصديق، لتتجاوز هي غصتها في شيء مخزي كهذا امامه، فتأكد:
– ايوة يا شادي، انا بقولك الحقيقة اهو ، حتى وانا عارفة ان ممكن انزل من نظرك ، بس انا معملتش حاجة حرام، ولولا ثقتي فيك، ما كنت ابدا هقولك
أطرق برأسه يحاول التريث واستيعاب المفاجأة، حتى لا يغلبه غضبه في إفساد الأمر، وقد اعترفت له بالحقيقة التي اخفتها عن اخوتها جميعا، ليعود اليها متماسكا بصعوبة:
– وليه مقولتيش ع الاقل حتى لاخواتك يا بهجة؟
اجابته بثبات:
– مقدرتش،…… مقدرتش اهز صورتي في عيونهم ، مقدرتش اعرضهم للاختيار ما بين موافقتهم على جوازي والانتقال لهنا بعيد عن اذية عمي ومراته ، وما بين رفضهم ورفض كل شيء يجي من ناحية جوازي.
زفر يغمض عيناه بألم، رافعًا رأسه للأعلى بخزي، كيف يلومها؟ ومن اين يجد الجرأة وقد تركها تواجه رياح الظلم وحدها، حتى حينما حاول حمايتها، كاد ان يزيد بالمس بسمعتها نتيجة سوء الظن الذي تعرض له من ابناء عمها ، حتى تنقطع قدمه من الصعود اليهم ولا حتى التدخل في شئونهم.
– شادي انا اعترفتلك عشان واثقة فيك.
قالتها بغرض التخفيف عنه، جاهلة ان بفعلتها قد زادت عليه، ليرد بعتب:
– لو كنتي واثقة فيا كنتي بلغتيني يا بهجة، كنتي ووقفت معاكي حتى لو ضد رغبتي ، المهم كنت حاولت، ان مقدرتش احوله لجوز بأشهار ع الاقل كنت عرفته انك مش لوحدك.
اطرقت بخجل وقد اصاب بقوله، ولكنها حاولت التبرير على تردد:
– هو انسان كويس، وبيعمل كل حاجة عشان يسعدني، بس عنده ظروفه اللي تمنعه ما يشهر جوازنا.
رد بعنف:
– مهما كانت الظروف ، مفيش حاجة تمنع اعلان جوازه منك لو بيحبك بجد، او حتى كان أجل على ما تتحسن الدنيا معاه يا بهجة، ليه اخطف سعادة منقوصة في السر وانا ممكن اخدها كاملة بشوية صبر؟
ابتسامة صغيرة لاحت على زاوية فمها بسخرية
فقال، ابن خالها يتحدث عن الحب والصبر، ولا يعلم بالحقيقة المرة في الاصل من هذا الزواج، بعدما اخبرها قاسي القلب صراحةُ انها مجرد رغبة، حتى لو افعاله كانت غير ذلك بعد الزواج ، لكنها ابدا لن تنساها او تعلق نفسها بوهم حب قد يهلكها، وهو جعلها مسألة بيع وشراء، وهي وافقت على هذا الأساس، حتى تنتهي مدة هذا الاتفاق، وتخرج ع الاقل سليمة القلب .
وحتى ذلك الوقت، لن تخبر احد بالحقيقة المرة، تحتفظ بها لنفسها، اما ابن خالها فيكفيه الاطمئنان على على مصدر المال ولا اكثر من ذلك .
– رياض الحكيم صح؟
انتفضت بإجفال بعد ذكره الاسم لتبرق عينيها نحو باستفهام، فاستطرد هو بفراسة:
– مش هو برضو مدير المصنع اللي اتكفل بعلاج اخوكى على نفقة المستشفى المساهم فيها، انا مش غبي يا بهجة عشان ماخدتش بالي من نظراته ليكي ساعة ما شوفته في المستشفى،
لم تتمكن من الرد لتسبل اهدابها عنه بخجل شديد، اكد له صحة ظنه، ليردف بغيظ:
– اقسم بالله لو شوفته قدامي دلوقتي، لاباركله من قلبي بلوكامية تظير صف سنانه.
❈-❈-❈
عاد الى المنزل محملا بمزيد من التعب والهم، وقد اعتقد ان بالعثور عليهم ومعرفة محل سكنهم سيرتاح، ولكن ما حدث هو العكس تماما ، فبلقاءها ومعرفة السر الذي تخبئه عن الجميع، يشعر انه لن يعرف طعم الراحة بعد اليوم في القلق عليها، حتى ترسو على بر اَمن.
– شادي، اخيرا جيت .
كان هذا صوت زوجته والتي اقتربت تهمس بالكز على اسنانها:
– كدة برضو تعملها فيا يا شادي؟ ساعة بحالها اتصل بيك ومتردش.
القى بنظرة نحو شاشة الهاتف فتأكد من العدد الهائل من المكالمات منها، ليبرر بأسف:
– معلش مخدتش بالي، بس ليه الاتصالات دي كلها؟
ضربت قدمها بفعل طفولي تهمس بحنق شديد اثار التسلية بداخله رغم ارتيابه، حتى اوضحت:
– بتصل عشان جوز البلاوي اللي مستنينك، جال ايه عشان يباركوا، على اساس انهم اصحاب واجب جوي، انا من مخنوجة منهم ومش طايجة نفسي.
– هما مين؟
تمتم بها وقبل ان تجيبه، وصل لأسماعه صوت الضحكة الرقيعة من ابنة خاله خميس، لتيقن الان من السبب الاساسي لغصب زوجته:
– هي سامية قاعدة هنا من امتى؟
ردت على مضص:
– بقالها يجي ساعة هي وامها جوا، وانا رايحة جاية عليها بالعصاير والحلويات عشان مش طايجة اجعد معاهم
تبسم بحنان يهادنها:
– معلش حقك عليا، انا هروح اغير هدومي واروحلهم، هما عند ماما جوا صح؟
اومأت بهز رأسها، ليخطف قبلة سريعة من وجنتها، ثم تحرك صوب غرفته، لتتناول هي صنية العصائر وتدخل بها اليهم، بداخل حجرة والدة زوجها
– العصير يا جماعة.
– تعالي يا حبيبتي اقعدي بقى كفاية، هما الجماعة اغراب يعني.
قالتها والدة زوجها تشير لها لتجلس بجوارها على الفراش، تلك المرأة الحنونة، والتي تتعامل مع الجميع بطيبتها، رغم علمها الجيد بنوياهم:
– منورة يا مرات اخويا،
درية وقد اشتعلت عيناها بالحقد وذلك التوافق بين اخت زوجها وزوجة ابنها، لتتمتم بتصنع:
– البيت منور بأهله يا حبيبتي، عندها حق يا صبا احنا فعلا مش اغراب .
اومأت لها الاخيرة تغتصب ابتسامة صغيرة في رد لها، ثم تسأل بانتباه:
– ربنا يديم الود يا خالتي، هي فين سامية صحيح مش شايفاها؟
جاء الرد من والدة زوجها:
– استأذنت تدخل الحمام، اصلها مزنوقة.
سمعت صبا لتغمغم داخلها بحنق وتوجس:
– مزنوقة برضو ولا راحت تزود ع المكياج عشان تعجب. ابو برودها
وبداخل المرحاض كانت المذكورة تقف في وسطه بحيرة، تبحث بعيناها عن هذا الشيء الذي امرها الشيخ الدجال بإحضارها،
فقد كان كل شيء نظيفًا من حولها، المناشف المعلقة والستائر وو…. هنا توقفت ابصارها على سلة الملابس ، لتركض نحوها وتبحث داخلها، ملابس نوم وأخرى داخليه له ولها، يبدو أنها تم خلعها اليوم، ليزداد الغل بقلبها، على تلك السعادة التي كانت لابد ان تكون من نصيبها
اخرجت المقص الصغير من الجيبة التي ترتديها، كم ودت لو مزعت به تلك المنامة الى قطع صغيرة، ولكنها بذلك سوف تلف الانظار ، لذا لم تجد امامها، سوى قص شريط طويل منها ، لتضعه في كيس بلاستيكي ، ثم تدفسه داخل جيب جيبتها، وتخرج من المرحاض فتلتقي ابصارها به يدلف الى الغرفة التي تجمع النساء،، فتتنهد متمتمة:
– مسيرك تبقى ليا، هانت .
❈-❈-❈
بحث عنه في عدة اماكن يعلمها، كما سأل العديد من الأصدقاء المشتركين بينهما ، حتى تمكن اخيرا من معرفة المكان الذي يتواجد به، قهوة عتيقة ، تناسب المثقفين والفنانين، الأشخاص الذين يبتغون الهدوء او السرية كما يرى الان، بجلوسه في احد الاركان يتهامس مع احد الأشخاص….. لم يتمكن من معرفته وقد نهض فجأة يغادر من الباب الثاني للقهوة.
ود امين ان يركض خلفه، ليعلم بهويته ولكن الفتي كان سريعا بخطواته والاخر ايضا قد انتبه لحضوره، ليستقبله بابتسامة يجيدها بشكل مستفز:
– امين باشا حاضر المكان ، دا ايه النور ده.
صافحه الاخير على مضض ليجلس على الكرسي المقابل له يبادره الحديث:
– اعمل ايه يا خويا وانت بتخفتي زي الزيبق ومحد بيعرفلك طريق جرة، بتهبب ايه من ورايا يا عصام؟
سمع منه ليرسم دور البرائة:
– انا يا باشا؟ يعني هكون بهبب ايه بس؟ دا انا حسيت نفسي مخنوق وقولت اجي اهدي اعصابي وسط الشعرا والفنانين ، زي ما انت شايف اهو، حاجة في منتهي الرقي والحلاوة.
– اممم
اصدر امين صوت استهزاء، ليعلق بسخرية:
– اه صحيح عندك حق، جاي تروق نفسك بعد اللي حصل للمسكينة مراتك، واللي لسة تعبانة من اللي حصلها .
امتقعت ملامح وجهه بغضب جامح، وقد استطاع الاخر بقوله ان يخرجه عن دور البرود الذي يرسمه، فخرج صوته بعتب:
– وايه لزوم الكلام دا بس يا باشا؟ ما انت عارف ان فيا اللي مكفيني.
هدر بع امين يكز على اسنانه بالهمس:
– عشان عارفك كويس وعارف دماغك، والسكون المبالغ فيه دا منك اكيد وراه مصيبة،
– مصيبة ايه بس يا باشا؟ ما احنا ماشين في الإجراءات القانونية وبندور ع الزفت ده وعلى يدك، يبقى ساكت ازاي انا بقى.
قابل امين انفعاله بتأكيد :
– ما دا اللي انت عايز تقنعني بيه يا حبيبي، اوعى تكون فاكرني بلعت حكاية عربية الشرطة اللي ظهرت فجأة تنقذ امنية من ايد الحيوان ده، انت تحت ايدي بقالك سنين يابني، يعني حافظك اكتر من نفسك ..
بملامح مكشوفة رغم انكاره، ردد نافيًا:
– والله براحتك يا باشا لو مش عايز تصدقني، انا راجل قانون وماشي في حق مراتي بالقانون، مبمعملش اكتر من كدة.
– يا راجل .
تمتم بها امين بملامح متشككة:
– اطلبلي حاجة اشربها ياللا، بدل ما اطلع غل الصداع اللي في دماغي عليك دلوقتي، ما هو مش هيبقى قرف في البيت، وقرف في الشغل وبرا الشغل،
ضحك عصام يشير للنادل:
– عنيا يا باشا اطلبلك اللي انت عايزه، تعالي يا بنتي هات قهوة مظبوط للباشا .
❈-❈-❈
والى امنية التي كانت تتحدث مع شقيقتها شهد عبر الهاتف، بأسى وحزن:
– معاملته مش مريحاني يا شهد، حاساه بيشك فيا بس مش لاقي اثبات، دا مش عصام اللي انا عارفاه.
تنهدت شقيفتها عبر الهاتف بحزن معقبة:
– لو بيشك فيكي مكانش قعدك في بيته ثانية ولا بقى عليكي، جوزك اكيد متأثر باللي حصل ، ومحدش يلوم عليه صراحة، ابن الكلب ابن خالتك هبب الدنيا الله يخرب بيته، انا مش فاهمة دا امتى هيتهد؟
– ابراهيم الغل هو اللي بيحركه يا شهد، دا بني ادم بيزعل لو شاف حد سعيد، اسأليني انا من ايام ما كنت معمية على عيني وبحبه، وانا عارفة فيه الصفة دي ، ودلوقتي هو بينتقم مني عشان خرجت عن مساره، وربنا كرمني باللي اعلى منه، حسبي الله ونعم الوكيل.
– عارفاه يا امنية من غير ما تشرحي، ان شاء الله يموت بالسم اللي جواه ، قومي انتي صلي وخلي تكالك على الخالق، دا مفيش احن منه .
– ونعم بالله، بس انا تعبانة اوي يا شهد، عضمي كله واجعني وحاسة نفسي عايزة انام وبس.
– الكلام من ساعة الحادثة
– لا بصراحة من قبل، عشان مكدبش
استرعي انتباه شهد كلماتها، لتصمت للحظات بتفكير، قبل ان تعقب قائلة:
– طب بقولك ايه، انا عايزاكي توصفيلي الاعراض اللي عندك بالظبط.
❈-❈-❈
في احدى النوادي الاجتماعية وقد التقى به، ليرفها عن انفسهما من ضغط العمل المستمر، ليتبادلا اللعب على طاولة البلياردو، فكان الحديث الدائر بينهما :
– مصطفي شكله هيعمل حفلة كبيرة بمناسبة رجوعه من لندن وفرحته بالمولود العزيز، يا سلام بقى ع الطفل المحظوظ، هيورث الشهرة من والدته وامبراطورية مصطفى عزام .
تبسم رياض وهو يصوب بالعصى الخاصة باللعب على الكرة حتى اسقطها في حفرة الطاولة المخصصة لذلك ، فاعتدل بجذعه يعقب على كلمات الاخر:
– مش شرط يا كارم ، ممكن تبقى الدنيا كلها تحت رجليك وبرضو مش سعيد ولا حاسس انك محظوظ، واسألني انا.
توقف الاَخير متكئا على عصاه، المستندة على الطاولة، وقد استرعت انتباهه الكلمات لتجعله يتأمله بتفكير قائلًا:
– انت بتتكلم عن نفسك صح، مع اني اعرف ان والدك كان منفتح جدا ع العالم ووالدتك كمان، ايه اللي كان بيمنعك يا حبيبي عن الانبساط وانت في بلاد الحرية، سهر وشرب وستات وسهولة في التعليم كمان، فين المشكلة فين بقى؟
وعلى عكس ما توقع من غضب يجده منه في كل مرة بتطرق لهذه المواضيع الشائكة، ازداد اتساع ابتسامة الأخر، ليردد مًقرا؟
– وانت مدام حصرت السعادة في الشرب والحرية والستات، تبقى المشكلة فيا انا يا عم كارم، مش كدة برضو .
– اكيد طبعا .
قهقه ضاحكا ليشجعه على المزيد من التدخل، في لحظة الصفا التي لا تأتي كثيرا:
– خلاص يبقى نسيبنا من كل ده ونركز بس مع الحب، انا نفسي جربت كل حاجة، بس اللي وصلت ليه في الاخر، هو ان قعدة واحدة مع مراتي حبيبتي بالدنيا كلها، انت بقى محسيتش بالحاجات دي.
لم يجيبه، ليلهي نفسه بإسقاط الكرات، رافضًا التعبير عن مكنونات صدره، حتى فهم عليه كارم ليشاكسه:
– مدام سكت يبقى جربت ودوبت كمان، بس اشطة يا باشا، انا مش هزود عليك ، لكن ساعة ما تحتاجلي ولا تحب تسمع نصيحة انا موجود يا عم ازودك بخبرتي
هذه المرة جلجلت ضحكته ليردد ساخرًا:
– يعني يوم ما احتاج النصيحة اجيلك انت يا كارم!
– والله لمصلحتك، دا انا استاذ ورئيس كمان، تحب احكيلك عن انجازاتي .
❈-❈-❈
دلفت درية داخل الوكالة بأنفاس لاهثة لتجلس على على احد المقاعد، حتى اذا انتهى ابنها من صرف اثنين من الزبائن، اقترب ليجلس قبالها متحدثًا بحنق:
– خلصتي مشوارك ياما، مع ان مكنش ليه لزوم والله واحنا في الظروف دي
ردت والدته باستهجان:
– وانت كنت شوفتنا رقصنا يعني،، دي زيارة عادية لابن عمتك وبالمرة شوفنا اخوك وعياله….. مقولتليش بقى، ابوك ولا اخوك حد اتصل فيهم .
– اه ياما اتصل ابويا، بيقول ان الواد حالته ميطمنش، والاكيد انهم هيباتو النهاردة يشوفوا ايه اخرتها مع الدكاترة،
قالها سامر بانفعال جعل القلق يسري بقلب درية لتعبر عن مخاوفها:
– ليه يا دي الحوسة؟ هو ايه عنده بالظبط؟
اجابها بضيق يضع مجموعة من النقود داخل الخزانة:
– انا عارف بقى، جوزك بيتكلم من طرف مناخيره وابنك مانع الكلام خالص، وانا هنا موحول لا عارف اروح وراهم ، ولا اسد هنا مكانهم…….خلي البت سامية تجهزلي لقمة انا عايز اقفل بقى لحد كدة، تعبت
ردت وهي تنهض بتأثر بعد معرفتها بما يحدث لحفيدها والذي تعشمت بمولده ان يزيد بربط ابنها من زوجته، فتعود الى منزلها مرة اخرى بسببه:
– خلص وتعالى هجهزلك انا، هي استأذنت مني، وراحت لواحدة صاحبتها.
صرخ بها يدفع من يده القلم الذي كان يقيد به في الدفتر الكبير:
– دلوقتي ياما، والساعة داخلة على عشرة، طب هترجع امتى؟ البت دي معدتش صغيرة ، اقرصي عليها شوية بقى، كتر الدلع هيبوظها واحنا مش ناقصين
مطت شفتيها بامتعاض مرددة:
– اهي عندك اهي، لما تيجي اقرص عليها انت براحتك، انا اصلا بصدع منها لما تيجي تتحايل عليها، وما بصدق اخلص من زنها
غمغم سامر، ناظرا في اثرها :
– ويعني عشان تخلصي من زنها تقومي توافقيها على كل اللي هي عايزاه، الله يسامحك ياما.
❈-❈-❈
اما عنها فقد كانت في هذه اللحظة جالسة امام المدعو بالشيخ، يتأمل القطعة التي قصتها من المنامة يتحسسها بيده وكأنه يستلهم منها شيئًا ما ، وابصاره يخطفها نحوها كل دقيقة، بنظرات غير مفهومة يخبرها:
– شكلك بتعزي البنية دي اوي، خدت منك حاجة كنتي هتموتي عليها.
ردت تصدقه:
– ايوة والله يا سيدنا، هي خطافة رجالة اصلا، تستاهل كل اللي يحصل فيها .
افتر فاهه بضحكة قميئة، وتلك النظرات الغير مفهومة يقول:
– انا عارف يا سامية من غير ما تقولي، وهعملك اللي انتي عايزاه، بس انتي كمان مش تتعبينا في اللي نطلبك منك.
– عيوني
هتفت بها تشير بالسبابة على الاثنتان، فاتسعت ابتسامته قائلا:
– تسلم عيونك، روحي وتعالي بكرة ، اكون جهزت الحاجة اللي انتي عايزاها.
انتفضت بلهفة وفرحة متمتمة:.
– ربنا يخليك يا سيدنا.
لترحل بعد ذلك تاركة ذلك الرجل ينظر في اثرها، ويتلاعب بانامله على الذقن الطويلة بتفكير .
❈-❈-❈
متسطحة على الفراش، متكورة على ذاتها، تذرف الدمعات بعدم توقف، تشعر بالخزي لصورتها التي اهتزت امام ابن عمتها الذي طالما كان يحترمها، وعدد الكذبات التي اصبحت تتقنها امام اخوتها، وهي ابدا لم تعتاد على ذلك ،
حتى حزنها الاَن لا تملك التعبير عنه امام احد، لمن تشكو وهي المذنبة في حق نفسها وحق الجميع.
وكأنه اتي على التفكير به، اضاءت شاشة الهاتف امامها برقمه لتغمص عينيها بتعب:
– مش وقتك خالص يا رياض .
حينما لم يتوقف عن الدوي اضطرت للإجابة على مضض:
– الوو…..
– الوو يا بهجة قلبي ، اخبارك ايه دلوقتي؟
ردت بحزن ظهر في نبرة صوتها:
– كويسة والحمد لله
– كويسة ازاي يعني؟ الصوت دا بيقول ان في حاجة، وحاجة كبيرة كمان.
لم تقوى على الصمود اكثر من ذلك، لتشهق غير قادرة على وقف دموعها، مما زاد من قلقه عليها، فصار يردد متسائلًا:
– يا بنتي ليه بتعطي؟ اتكلمي بقى يا بهجة متعصبنيش.
ردت بعد مدة من الوقت بصوت بالكاد يسمع:
– حاسة نفسي مخنوقة، صوتي منحاش وصدري طابق عليا، مخنوقة يا رياض والله مخنوقة
زفر بصوت عالي ، حتى شعرت بأنفاسه تخترق اسماعها ليهتف امرا.
– طب البسي اي حاجة وانزلي حالا قبليني
رددت بعدم اسنيعاب:
– اانزل اقابلك فين بالظبط؟
– انزلي قبليني تحت بيتكم في الشارع الخلفي يا بهجة .
قالها بجدية لم تتقبلها لتعترض رافضة:
– لا طبعا مينفعش الساعة دلوقتي داخلة على عشرة، انت بتتكلم ازاي ؟
– وانا قولت انزلي يا بهجة، انا خلاص داخل على شارعكم بعربيتي.
– يا نهار اسود ، يعني مصمم وبتتكلم جد كمان، لا رياض مش نازلة.
صمت قليلًا فأعتقدت انه قد اقتنع حتى سمعت صوت قوي لصرير سيارة ، فقال هو:
– انا تحت بيتكم دلوقتي، يا تنزلي انتي من سكات، يا هتلاقيتي طالع عندكم، والحجة موجودة، نجوان هانم طلباكي عندها ضروري.
– يخرب بيت جنانك
تمتمت بها ، لتهرول نحو اقرب نافذة تؤدي للخلف فوجدته بالفعل في انتظارها، وعينيه مصوبة نحوها .
واقفًا بهيبته، يضع كفه في جيب بنطاله، اسفل السترة والاخرى يمسك بها الهاتف، بهيئة تصلح صورة لإحدى مجلات موضة، شعرت بقلبها يكاد ان يغادر قفصها الصدري، وقوة خفقانه على غير المعتاد تسمع للغرفة المجاورة، لتزبهل تطالعه بصمت حتى صرخ بأذنها:
– مستنية ايه تاني يا بهجة بقى، ولا انفذ تهديدي
❈-❈-❈
تطلعت حولها مزبهلة لعدد كبير من اليخوت، تزين ذلك المرسى الذي اتت اليه مرافقة له، بعدما اجبرها بجنونه لتنزل من منزلها في هذا الوقت ثم يطير بها بسيارته، حتى توقف هنا.
– انت جايبنا هنا ليه؟
تبسم باتساع ، ليترجل من السيارة ثم يلتف اليها ويفتح الباب المجاور لها يأمرها:
– انزلي من العربية.
اعترضت برفض:
– لنزل فين يا رياض؟ الساعة عشرة دلوقت…..
– بهجة انزلي..
هتف بها بمقاطعة حادة جعلتها تطيعه، ليصعد بها بعد ذلك الى داخل احدهم، وهي مازالت بحالة من التشتت، تراقبه يذهب إلى قمرة القيادة ، ليشعل المحرك ثم يعود اليها بابتسامته الساحرة فتتمتم بقلق وتوتر:
– يا لهوي عليا، دا بيمشي في النيل، انت رايح بيا على فين .
جذبها اليه، يضمها بقوة لا تخلو من حنو، يهمس بأذنها بصوت دافيء:
– ممكن تنسى كل هموك معايا الساعة دي، انا مش هتأخر بيكي، ليكي عليا ارجعك قبل اتناشر المهم انك تسيبلي نفسك، ونعيش مع بعض اللحظات الجميلة دي
ابعدها عن حضنه قليلًا يطالع الوجه البهي ، وقد انعكست الانوار عليه حتى يزيدها فتنة، ليمسد عليه بانامله بحنان مردفا:
– انتي جميلة اوي يا بهجة، وانا تقريبا ما شوفتش واحدة بجمالك، انك تحتفظي بجمال روحك مع جمال الشكل اللي وهبهولك ربنا ، دي حاجة متحصلش غير قليل اوي، وانا حاسس اني محظوظ ان لقيتك، بتكلم بجد ، الكلام دا طالع من القلب.
للمرة الالف يسرقها من حالها بسحر كلماته، وحتى تلك الكراهية التي تشحذ بها ذاتها في كل مرة كي تقاومه، ينثرها بلمسة حانية منه، فتطير كرماد يختفي مع الهواء.
لماذا يفعل كل ذلك؟ لماذا لا يجغل الامر يسير كما رتبت في ذهنها حتى لا تخرج بخسائر
– مالك سرحانه في ايه؟
سألها لينتشلها من حالة الشرود، فاضطرت للإجابة تتحمحم حتى يخرج صوتها:
– مش عارفة يمكن متلخبطة، او يمكن الجو نفسه مأثر معايا، هو اليخت دا تبعك.؟
علم ان بسؤالها الاخير، هناك نية واضحة للتهرب من الاجابة عن ما يريد معرفته منها، لذلك فضل ان يجاريها ولا يضغط عليها،
ابعدها قليلًا ليتناول كفها، ثم يسحبها، ويصعد بها حتى وقف بها على سطحه موجها ابصارها نحو النيل وذلك الجو الساحر الذي يبعث على الطمأنينة حتى انساها بالفعل حزنها،
يضمها بذراعيه، يهمس بصوته الهاديء:
– اليخت دا انا وارثه عن المرحوم والدي، يعني تحت امري في اي وقت، المرة دي متتحسبش يا بهجة، المرة الجاية لازم تبقى رحلة لعدد أيام كاملين اخطفك من العالم، وتبقي ليا لوحدي
وفي اي وقت تحسي انك مخنوقة ولا مضايقة، تعاليلي وانا عمري ما هرفض اسمعلك يا بهجة.
التفت برأسه اليه بأعين ترقرقت بها الدموع، ماذا تصف وماذا تقول، يرحب بها لتلجأ اليه، وهي في الاصل السبب الاساسي لتعبها.
وبدون ان تتفوه ببنت شفاه وجدت نفسها ترتمي بحضنه الامن ، تود ان تصرخ بها، تلك الكلمة العالقة بجوفها تنتظر منها فقط الاشارة ، لتتنطق بها امام الملأ، ولكن العقل اليقظ دائمًا يلجم اللسان على التفوه بها
…بحبك
الفصل الثاني عشر من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثاني عشر 12 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثاني عشر 12 بقلم امل نصر
يبدع في اصدار الصفير بفمه، كأداة نداء لمحبوبته، صوت خفيض ولكنه مميز ، تعرفه هي فقط
وكأنه عاد مراهقًا، في مشاكسة ابنة الجيران ، والتي أتت بخطواتها الخفيفة على أطراف اصابعها ، من داخل غرفة ابيها والتي تدخلها كاللصوص في غياب الرجل، من اجل مقابلته، داخل الشرفة المجاورة لشرفته،
بعدما غافلت اشقائها وجميع من في المنزل؛
– صباح الخير يا استاذ شادي.
القت بتحيتها الهامسة، تميل برأسها نحوه بشقاوة لا تتخلى عنها في حضوره مهما حاول معها .
التف اليها بأعين تضيق بنظرات مفهومة لها :
– صباح الخير يا استاذة صبا، يارب تكوني بخير .
يضغط على حروف كلماته برسميه اضحكتها، ليلوح بقبضة يده نحوها بابتسامة مستترة قابلتها بمثلها ترتد للخلف محذرة:
– خواتي الولاد في الصالة، ممكن يحسو بأي حركة ويطبوا علينا، ساعتها هيبجى منظرك زي العيال .
ضغط على شفته السفلى يردد خلفها بإقرار:
– وهو انتي اللي يرتبط بيكي يبقى فيه عقل؟. انا فقدت اتزاني والشعور بالعمر من وقت ما شوفتك، مش عارف هتوصليني لأيه في الاخر يا بنت ابو ليلة؟
رفعت كفها تداري على فمها تدعي شهقة مصطنعة:
– انتي هتغلط كمان في الحج ابو ليلة، لااا انا مسمحلكش يا استاذ .
هذه المرة لم ينطق ببنت شفاه، وفضل الصمت متأملا لها، تلك الحيوية والاشراق وجمالها الفاتن، لا يصدق حتى الاَن هدية الله اليه بها ، وقد اقترب الميعاد، وحلمه بها على وشك التحقق.
– إيه ساكت ليه؟
خرج السؤال منها بتوجس لصمته، فما كان منه سوى ان يهديها ابتسامة رائقة قائلا:
– ساكت عشان بفكر يا صبا، العفرتة والشقاوة دي لما تبقي معايا في عشنا بكرة وبين ايديا هيحصل ايه؟
شهقة بإجفال حقيقي صدر منها هذه المرة، وقد اكتست الحمرة وجنتيها على الفور مرددة بخجل :
– يعني هيحصل ايه يعني؟ انا الحج عليا اللي سيبت اخواتي والبيت المليان بالحبايب عشان اجي اجابلك مع انك تجدر تكلمني بالتلفون،
– تلفون!
– ايوة تلفون، وبطل تتنمر على لهجتي يا شادي.
يعلم ان هجومها سببه الاساسي هو ان تغطي على خجلها منه، فهذا اسلوبها وقد حفظه منها، واعتاد ان يجاريها بمشاكسته ايصًا:
– طب واتنمر ليه بس يا بنتي وانا عجباني الكلمة اصلا؟ دا حتى تلفون لايقة اكتر على تليفون .
– تاني يا شادي، طب انا ماشية وسيباك.
قالتها وتحركت اقدامها على الفور، وقبل ان تغلق باب الشرفة بذهابها للداخل تمتمت بالاخيرة امام ابتسامته:
– وخليك انت كدة مع نفسك يا متنمر.
اطلق ضحكة مجلجلة اطربت اسماعها، وابصاره منصبة على طيفها من خلف الستار الذي اغلقته مع الباب الزجاجي للشرفة، يعلم انها هي ايضا تضحك، لحظات الترقب في انتظار اليوم الموعود على قدر صعوبتها، لكن ما أجملها:
– خلاص هانت يا صبا، هااانت كلها يوم وليلة بس وتبقى في حضني .
تمتم بها بصوت مسموع وصلها دون جهد، لتضع يدها على موضع قلبها تحاول تهدئة الضربات التي تتقافز به، باتساع السعادة داخلها لقرب الوصال بمحبوبها.
❈-❈-❈
ليس على طبيعته، حتى ومعاملته الرسمية تبدو امامها بصورة عادية لا يشوبها شيء، لكنها تجزم بداخلها انه متغير من ناحيتها، حتى وكتلة البرود التي يتحلى بها دائمًا تظهر عكس ذلك، لكنها ليست غافلة عن شخصيته التي تعرفها جيدا.
– الورق يا لورا
صدرت بصوت عالي منه تفيقها من غمرة شرودها، اثناء انتظارها لأخذ التوقيع منه على بعض الملفات التي قامت بمراجعتها، لتنتصب بوقفتها، ثم اقتربت تتناولهم منه، وعيناها منصبه نحوه تستجدي نظرة لا يريحها بها ابدا ، تبا له من قاسي.
تبسمت تعيد حساباتها بتغير منهجها في التعامل معه، علُه تكسب نقطة في الطريق اليه:
– رياض باشا، قبل ما امشي انا حابة اعتذرلك .
– تعتذريلي عن ايه؟
تسائل مستفهما يضع القلم بجيب سترته العلوية، لتفاجأه بضعف غريب عنها وهي تقول :
– حضرتك بعترف اني زودتها في الموضوع الاَخير، بس انا مكنتش قاصدة اطرد العمال ولا اهين بهجة، هو بس الصوت العالي اللي ازعجني، وكانت لحظة غضب وانفلتت اعصابي فيها.
مط شفتيه بابتسامة غامضة يتقبل اعتذراها بسخرية:
– مشكورة طبعا يا لورا على رقتك، بس ان جينا للحق الأسف ده من الواجب يروح لصاحبة الشأن مش انا .
برقت عينيها بصدمة، لا تصدق فحوى ما يرنو اليه ، ان تعتذر لهذه الملعونة، وكأنه كان يقصد التلاعب بها ، لطف يخفف عنها بمكره:
– اطمني يا لورا، انا مش هطلب منك تعتذريلها طبعا، بس ياريت تحاولي تنجنبيها، بهجة بقت شيء مهم للست الوالدة دلوقتي، بالظبط زي نبوية، وانتي عارفة اللي يخص والدتي ، بتبقى مكانته ازاي عندي
مازال تأثير الصدمة يلون ملامحها، ليتها ما فعلت ولا اعتذرت من الأساس ، لقد غلبها بخبثه، جعل منها أضحوكة امام نفسها ، وقد وضح مكانة هذه الملعونة بالنسبة اليه، وهذا ما نطق به فمه، فما بالها بما يدور بداخله.
– روحي على شغلك خلاص يا لورا ، انا اعتبرته موقف وعدى ، لحظة غضب زي ما بتقولي .
أومأت بملامح ممتقعة، مستأذنة بصوت بالكاد خرج ، لتجر اذيال الخيبة وقد ذهبت منها النقطة التي تقصدها لصالح هذه الملعونة.
اما هو فقد نهض فور خروجها، ليستقر ببصره خارج النافذة يشرد بتلك البهجة التي طغت برقتها ووداعتها تلون ظلمة قلبه الصدئ، ولا يعلم نهاية هذا الجرم الذي يفعله بنفسه، وقد اقسم قديما الا ينال منه الحب ولا يضعفه.
❈-❈-❈
عدة ايام مرت بهم معه؛ وكأنه يطير بها على خيمة وردية، تلامس طيور السعادة بيداها، يغدق عليها من عشقه حتى ترتوي من فيض حنانه وأكثر، وهو لا يكل ولا يمل من القرب منها، يشعرها بأنوثة كانت ضائعة بمفهوم ترسخ بعقلها القديم، والذي نضج حديثًا على يديه ، معه فقط عرفت معنى الكمال.
كانا الاثنان في هذا الوقت يستمعتان بعطلتهم داخل مياه البحر التي يسبح بها بمهارة، وهي بملابس البحر المحتشمة تسبح محلها، بعدما سحبها معه على غير ارادتها، تحاول مجارة عبثه من تحت الماء ، حيث كان يداعبها على حين غفلة منها كل دقيقة، قاصدا مناكفتها .
– بس يا عصام، وربنا هخرج لو مبطلتش.
ضحك يخرج رأسه المبتل من اسفل المياه غائظا لها:
– طب ما بدل ما تخرجي وتسبيني، انزلي تحت واغلبيني، ولا انتي لزقتي مكانك في المية .
دفعته بكمية من الماء بيدها تنهره:
– انا برضو اللي مش عارفة اعوم، ولا انت اللي عاملي زي تعبان البحر، كل ما ابلبط بدراعي حبتين الاقيك لفيت حواليا ، ومش عارفة الاقيها منك، احوش الايد والرجل ولااااا……..
سحرها بضحكته ينثر شعر رأسه الناعم بعض الشيء، يدفعه نحوها يزيدها تأفافا،:
– ما انتي اللي كسلانة وبصراحة صيدة حلوة للواحد يتسلى عليها جوا المية
بابتسامة مستترة صارت تدفعه عنها تتصنع الضيق وهو يتقبل منها بصدر رحب، مواصلا مشاكستها:
– يا بنتي انتي بتضربي ولا بتهرشي، طب شوية كدة ع الضهر بقى، ولا تحت بطاطي هاتي احسن تحت بطاطي .
استطاع بخفة ظله ان يجبرها على الضحك، رغم انهزامها في كل مرة تدخل معه تحدي.
بعد قليل وحينما شعرت بالاجهاد همت ان تسبقه بالخروج قائلة:
– طب انا هروح اسبقك، واحضرلنا سندوتشين ناكلهم، حكم انا جوعت اوي.
– تمام وانا هحصلك على طول ،
اتخذت طريقها للخروج من امامه، لينقلب هو بمهارة يكمل جولة الاستمتاع بالمياه، حتى ارتفعت ابصاره نحوها فجأة، ليتفاجأ بأحد الشباب المستهرتين من جهة قريبة الى حد ما في هذا الشاطيء الهاديء بعدد افراده القلائل.
يرمقها بنظرة متفحصة وقد كانت غافلة هي بما تفعله، عن نظرات شهوانية لا يفهمها سوى رجل مثله، يضغط بأسنانه على شفته السفلى بفجر تام ، جعل الدماء تغلي بأوردة الاخر، ليخرج اليه على الفور يفاجئ هذه الشاب بهجوم مباغت، وقبضة قوية حطت على فكه ، ليصرخ معبرا عن اعتراضه بالسباب والشتائم نحو هذا الرجل الذي يتعدى عليه دون ان يعرفه:
– ايه ده؟ ايه ده يا بن الكلب؟ انت قد الحركة.
صدر رد عصام على الفور يجذبه من عنقه:
– انا حضرة الظابط عصام يا حيوان، وهعلمك الادب كويس دلوقتي عشان تحرم تبص على اي حاجة تخصه ولا تخص غيره.
سارت الهرج والمرج على الشاطيء بتجمع الافراد حولهم ، وقد الاشتباك بين عصام الذي يريد الفتك بالشاب العابس ، مهددًا بمهنته، وهذا الشاب الذي يصارع من اجل البقاء من بين يديه، بالصراخ وادعاء المظلومية امام الاشخاص التي اشتد بأسها لتخليصه من ايدي الظابط المتعجرف بوجهة نظرهم
وهي التي وقفت محلها بصدمة واضعة كفها على فمها ، لا تصدق هذه العدوانية المفاجأة منه، جاهلة بالسبب الحقيقي وراء تبدله من حالة الاستمتاع معها داخل المياه الى هذا الوحش المفترس.
❈-❈-❈
– ممكن افهم يا عصام ايه اللي قلبك كدة وخلاك تهجم ع الراجل وهتموته في ايدك من غير سبب .
.هتفت بها فور دخولها خلفه غرفة الفندق الخاصة بهم، بعد فترة طويلة من الصمت، طوال طريق عودتهم، لتفاجأ به ينقض عليها قابضًا على ذراعها يهدر بوحشية اهتز لها جسدها من الخوف:
– انتي تخرصي خالص يا أمنية، عشان لولا نظرة الحيوان السافلة ده ليكي، مكنتش انا خرجت عن شعوري ولا حصلت الفضيحة دي على الشط، انا بقيت قدام الناس الظابط المفتري على خلق الله وانتي السبب، انتي السبب يا امنية.
ارتجفت بصدمة وعدم استيعاب، تترقرق بعينيها الدموع:
– انا يا عصام، طب ايه ذنبي؟ ما انا كنت معاك في البحر وهدومي حشمة عن اي واحدة هناك، انت نفسك معترضتش عليها.
صاح بها يدفعها بيده:
– عشان مكنتش واخد بالي، كل حاجة كانت في عيني تمام التمام لحد ما شوفت نظرته عليكي، والهدوم اللي لزقت من المية والهوا فصلت جسمك ، عقلي طار مني ، ان حد يبص لملكي ولا يلمسه انا ببقى عايز اصور قتيل
– يلمسه!
تمتمت بها بضعف تبتلغ الغصة التي مررت حلقها، لقد عرفت الاَن وتأكدت ان هجومه بهذه الشراسة على هذا الشاب، لم يكن سوى غضب مكبوت ينفس عنه، وقد رأى بهذا المتعوس صورة الفاسد سبب كل ما يحدث معها الاَن.
لتشيح بوجهه عنه، بل وتعطيه ظهرها، لتزرف الدموع بصمت ، مما زاد من جذوة غضبه ليهدر حاسمًا، احنا من النهاردة نلم هدومنا، انا كرهت القعدة هنا ومش قاعد فيها، جهزي نفسك.
صرخ بالاخيرة ليدلف نحو المرحاض يتركها تسقط على الفراش تندب حظها وتغرق في موجة من البكاء الحارق ، لماذا تعطيها الدنيا السعادة مغموسة بألاَم الماضي؟ لماذا لم يكن هو نصيبها من البداية؟ لماذ؟
❈-❈-❈
اصدر القاضي حكمه بما توفر لديه من اوراق وبراهين، هذا ما بيده وما يتم الحكم على اساسه، لا يعلم ان خلف حكمه تضيع في بعض الاحيان حقوق وتطمس على اثره حقائق، بفضل شياطين من الإنس تجيد تزوير الدلائل بل وقلبها ناحية المظلوم ، يعميها حب المال فتتخذ من المهنة دفاع لمن يدفع، وليس لمن يستحق.
هذا ما تم في الجلسة حينما قلب هذا المحامي الفاسد الموازين وجعل القضية لا تزيد عن خصومة وشجار ، فلا يوجد من يثبت حقيقة القتل قديما، ولا شهادة محققة عن الخطف، سوى كلام الخصم. وهذا ما لعب عليه بدقة متناهية ، ولكن مهما طال الزمن او قصر حق الله اَت لا محالة .
لتصدح اصوات الزغاريد وتعج القاعة بالصخب فور انتهاء الجلسة:
– مبروك يا ابراهيم، ربنا ظهر الحق يا قلب امك .
تفوهت بها سميرة تمسك بالسياج الحديدي للقفص المحبوس بداخله، وفمها هي وعدد من النساء والرجال من أقاربها والمعارف لا يكفون عن الصيحات بحيا العدل بحيا العدل
ليعقب اليها ابراهيم والذي صار يضحك بعدم سيطرة مع تهاني الرجال ومباركتهم له :
– الله يبارك فيكي ياما يا غالية، فينه ابويا يعرف ان الحق ظهر، وانه كان ظالمني، وربنا ما هفوتها له دي،
– يا خويا خلي قلبك ابيض، كفاية اهو نفعنا بفلوسه وخلاص، انت عايز ايه اكتر من كدة
قالتها سميرة بتباسط ليتدخل معها المحامي المغوار بزهو:
– اه يا ست سميرة، واديكي عرفتي ان الفلوس مترمتش في الارض ، طلعتلك ابنك براءة من حنك السبع ، عشان تعرفي اني قد الكلمة اللي باقوله.
تمتمت له هي بامتنان ليضيف عليها ابراهيم بفرح :
– ايوة انت عمنا وسيد الكل، انا مش هسيبك ابدا، مدام بتعرف تجيبها كدة.
سمع المذكور ، يزداد انتشاءًا بكلماته اما هو فغمغم بداخله:
– ومدام بقى ليا ضهر طول ما الفلوس موجودة، اعمل انا اللي على كيفي بقى،
❈-❈-❈
داخل الشرفة الواسعة، وقد كانت جالسة بالقرب منها تراقب اندماجها على جهاز اللوح اللاليكتروني، حيث كانت تحرك اصبعها على الشاشة، تحارب بالبطل الرئيسي في تلك اللعبة في محاوله منها لأن تهزم الاشرار، بعد ان تعلمتها من شقيقتها عائشة، والتي زاد تعلقها بها ، حتى تجعلها تصر على الذهاب اليها كالاطفال ، كما حدث منذ ايام حينما جعلت الدادة نبوية تهاتفها اثناء العمل وتطلب منها الذهاب معها ضروري الى عائشة بعدما نفذت طاقتها من الحاحها.
تنهدت بقنوط تربع ذراعيها مستسلمة لنسمات الهواء العليلة والتي كانت تطير حجابها كل لحظات وهي تحاول السيطرة عليه ، حتى وقعت عينيها في الأسفل،
نحو موكب السيارات التي توقفت امامها، وهو يترجل من احداهما، وابصاره في الأعلى نحوها، وكأنه يعرف انها في انتظاره، وقد تعودت عليه هذه الايام ، يأتي في ميعاد محدد بعد استلامها لنوبة عملها،
تلتقي عينيها به ، رغم محاولاتها الحثيثة للهروب منه، لا تريد الاستسلام لهذه المشاعر التي اصبحت تجتاحها بوجوده، لقد اغلقت على باب قلبها بمفتاح صديء منذ سنوات عديدة، منذ فسخ خطبتها بابن عمها الذي لم تعرف معه معنى الحب من الأساس، لا بل قبل ذلك، منذ مراهقتها ومشاعر الاعجاب العادية من الفتيات نحو الشباب ، ابدا لم تصل لهذه المرحلة ودقات القلب التي اصبحت تعزف الحانًا له هذه الايام،
لا يجب ولا يصح، ولكن لا تستطيع منع نفسها عن التفكير به، ولا عن افعاله التي تبدو مكشوفة في بغض الاحيان، مثلما حدث منذ يومين
حينما التسعت يدها من كوب الشاي الذي كانت تعده لتفسها في المطبخ، وانفلت من يدها ليقع على الرخامة ومنه ما وصل لظهر يدها، فصدح صوت صرخة منها كرد فعل طبيعي منها، في غياب العاملين في المطبخ بذهابهم لمنازلهم على موعد التاسعة.
وقبل ان تستقيم بجسدها جيدا وجدته امامها بلهفة يسألها:
– بهجة ايه اللي حصل؟ حرقتي نفسك ازاي بس؟
صدر سؤاله الاَخير بعدما انتبه لحرق يدها،
– الشاي، الشاي انكب عليا
تمتمت بها كإجابه ، فلم ينتظر ثانية بعدها، ، ليتناول يدها على الفور فيقربها نحو صنبور الماء ،
– ااه اه، خلاص خلاص، خلاص يا فندم.
رمقها بنظرة لن تنساها، ليظل ممسكا بها حتى هدأت قليلًا، ثم اغلق الصنبور، وتحرك بها ، ليجلسها على احد المقاعد المرتصة نحو الطاولة الصغيرة بالمطبخ، يخاطبها بحنو غريب عنه:
– معلش استحملي شوية.
اومات باستجابة رغم اتجاف يدها بالوجع، فذهب من جوارها، ليأتي لها ببعض الاسعافات بعد لحظات قليلة، يضعهم على الطاولة، ثم يجلس هو الاخر مقابلا لها، يجفلها بتناول يدها مرة اخرى دون استئذان، لتلجمها الدهشة عن الاستفسار، بعدما باشر في اسعاف يدها بتجفيفها من الماء برقة متناقية، يطمأنها بنبرته الدافئة، يشير على احدى علب العلاج:
– الكريم دا سحري ، انا جايبة معايا من رحلتي في السويد ، عايزك بس تتحملي الخطفة الاولى .
– يعني ايه؟
ما كانت تتفوه بها حتى باغتها بوضع كمية على موضع الحرق صرخت على اثرها، حتى كادت عيناها ان تدمع.
– اااه ااه اااه دا بيحرق ….. دا بيحرق اوي.
حاولت جذب يدها ولكنه تشبث بها يهادنها:
– معلش…. اتحملي هي ثواني بس يا بهجة.
امام اصرارها اضطرت ان تتحمل هذه الثواني، والتي لم تدوم كثيرا كما قال، وقد اصبح الالم يخف تدريجيا، حتى سكنت مقاومتها ، ليلاحقها بسؤاله:
– هدأ الالم دلوقتي صح ..
اومأت بهز رأسها دون ان تتمكن من الرد، فتابع بباقي الاسعافات ليلفها بالشاش الطبي بلطف مبالغ فيه، يبثها الامان بقوله:
– من هنا للصبح ان شاء الله مش هتحسي بأي حاجة، حمد لله ان حرق خفيف، وانتي اكيد حمولة يا بهجة ولا ايه؟
ابتعلت رمقها امام هذا القرب، والذي لم تشعر به سوى الاَن، يدها المحتجزة بين كفيه، رغم انتهائه من مهمته،
وهج بندقيتيه اللتان تحدقان بها ، بطريقة عجيبة تأسر من أمامها،
– ما هذا الذي يحدث؟
– وما ذلك الشيء الذي تتأثر به جميع حواسها حتى تشعر به داخل معدتها؟
لقد صار الوضع اكثر من تحملها ، لتحاول نزع يدها بخفة منه ، ولكنه ابى متابعًا حديثه:
– لو حاسة بألم حقيقي قولي متتكسفيش، مش معنى ان بشكرلك في العلاج يبقى لازم اكون انا على حق.
– لاا يا فندم، انت فعلا والله على حق،
رددت بها بارتباك، لتتمكن هذه المرة من نزعها منه مستطردة
– وانا لازم امشي دلوقتي…. اه
صدر تأوه منها مرة أخرى، لتتطلع له باستفسار اثار تسليته:
– الحركة العنيفة هي اللي خليتك تتألمي يا بهجة مش الكريم.
اطرقت بحرج، لتثبت يدها عن الحركة هذه المرة بحرص، فتابع موجهًا لها بالامر :
– هتروحي النهاردة مع عم علي من غير تقاش، هجيبلك في الطريق معاه شوية ادوية من الصيدلية ، تساهم اكتر في الشفا بإذن الله.
حينما ظلت صامتة اردف بتشديد:
– سمعتي انا بقولك ايه يا بهجة ولا نعيد تاني؟
اومأت بحرج متزايد ، تريد الهرب من سطوته ، تريد الافلات بقلبها من شيء لا تريده، نعم لا تريده،
❈-❈-❈
وفي ناحية اخرى
بعد عودته من العمل وسماعه الخبر المشؤوم، لم يطق الانتظار حتى موعده الرسمي ليقود سيارته ، ويأتي اليها على عجالة كي يطمئن عليها، ليتوقف الاَن على مدخل الغرفة ، يتهامس عن حالتها مع والدته:
– هي كدة على وضعها من ساعة ما سمعت الخبر؟..
ردت مجيدة بأسى:
– اه يا كبد امها، انا حاولت معاها، ولينا كمان في التليفون مسيبهاش كل شوية تتصل، حتى امين كمان وعدها انه هيفتح لها ملف القضية من تاني ومش هيسكت غير لما يرجعه السجن ابن امه ده، بس هي مفيش فايدة.
تمتم ردا لها بغيظ شديد:
– ابن ال…… كانت ناقصاه هي….. خلاص يا ماما روحي شوفي انتي ايه اللي وراكي.
ربتت مجيدة على كتفه بدعم ، ثم تركته يدلف الى زوجته، كي يهون عليها مصابها:
– شهد.
هتف مناديا بإسمها، ليجيرها على الإلتفاف اليه، ولكنها انتظرت للحظات حتى جففت دموعها قبل ان تلتف اليه برأسها، فوجدته سقط خلفها على الفراش، يضمها الى صدره مهونا:
– متخبيش عني دموعك يا حبيبتي، انا حاسس بوجعك
قالها ف انطلقت هي في موجة حارقة من البكاء وكأنها كانت في انتظاره:
لتردد بعد فترة من الشهقات المتتاليه:
– حق ابويا يا حسن، حق ابويا ضاع،
لتكمل بنشيج حارق قطع نياط قلبه، ولكنه استمر في طمأنتها:
– حق باباكي راجع غصب عن الكل يا شهد، صدقيني يا حبيبتي مهما طال الزمن او قصر، حقه راجع ، دا غير ان امين اكدلي انه حاطط الموضوع في دماغه، ومسيره يرجع الكلب دا السجن من تاني، هو والمحامي الفاسد بتاعه.
هدنت قليلًا لتتجاوب في الحديث معه؛
– فاسد ولا شريف، المهم انه قدر يخرجه من القضية ، ويضيع حق الميت ويحصرنا اخنا ولاده عليه، دا يرضي مين دا بس يا ربي؟ يعني اروح اشتري مسدس واخد تار ابويا بإيدي، ساعتها الحكومة هتسيبني بقى، ولا تفتكر تنفذ القانون عليا انا بس ، اللي بدور على حق المظلوم .
حاول ان يخفف عليها بدعاباته:
– مسدس ايه يا بس يا عم الخط، استهدي بالله يا روح قلبي وخلي تكالك على الخالق، دا لوحده القادر القهار،يعني ولا مية محامي هيقدر ينجيه من عقاب ربنا ، في الدنيا قبل الاخرى ان شاء الله ، خليكي واثقة في كدة، واللي ظهر حقيقته بعد كل السنين دي، اكيد يعني مش هيبقى صعب عليه يجازيه بعمله
– ونعم بالله ونعم بالله .
صارت تردد بها وهي تندس بحضن زوجها، تنشد الراحة، لقلب احترق بنيران الظلم التي تنادي بالانتقام.
❈-❈-❈
– عائشة عائشة
– يا دي النيلة عليا.
تمتمت بالكلمات بهجة ، خلف الاخرى والتي تصر عليها الاَن الذهاب الى شقيقتها، لتحاول معها لاقناعها:
– بكرة ان شاء الله هاخدك ليها بس النهاردة ……
– عائشة عائشة.
قاطعتها تردد بنفس الاسم ، في رسالة واضحة لعدم التقيل، لتزفر بهجة بيأس ضاربة بقدمها على الارض:
– طب احلها ازاي دي بس وانتي مش قابلة حتى تسمعي.
– ايه اللي حصل يا بهجة؟ ومالك ومتعصبة كدة ليه؟
شهقت ملتفة عنه بحرج، فور ان انتبهت لحضوره، كيف يأتي في هذه الاوقات الحرجة لها
– يا مصيبتي.
لاحت ابتسامة عابثة على شفتيه لهيئتها تلك ، ليلملمها سريعًا في استجداء الجدية:
– بهجة انا بكلمك على فكرة مينفعش تديني ضهرك.
اغمضت عينيها لتعود اليه بوجهها الذي اصبح كتلة مخضبة بالإحمرار،:
– انا اسفة يا فندم، عشان بصراحة مقدرش اخدها النهاردة اصل معزومة على حنة .
– حنة مين؟
سألها بفضول اثار دهشتها ولكنها تغاضت تجيبه:
– ابن عمتي شادي، اللي شوفته قبل كدة في الخناقة، خطيبته عزمتني احضر معاها الحنة انا واخواتي.
وعلى عكس ما توقعت ، جاء رده بعد فترة قصيرة من التفكير :
– بس انتي عارفاها مدام اصرت يبقى انسي تشيل من دماغها ولا نوقف، ايه رأيك حتى لو نص ساعة تشوف الجو الجديد،، وبعدها تروح مع عم علي….. او…… ممكن اعدي انا بنفسي واخدها، هبقى اتصل بيكي توصفيلي المكان
لماذا تشعر ان خلف اقتراحه يوجد شيئًا ما من اللؤم.؟ ولكن ماذا بيدها؟
القت بنظرها نحو نجوان التي زاد الاصرار ملامحها، لتتنهد بيأس:
– ماشي يا فندم
❈-❈-❈
خرجت دورية من غرفتها بعدما تجهزت وتزينت من اجل حضور الحفل، لتفاجأ بدخول ابنتها المنزل عائدة من الخارج، بهيئة صاخبة اثارت استهجانها لتتسائل مقيمة لها من اعلى الى اسفل:..
– ايه يا بت د؟ روحتي هيبتي دا كله فين؟ وامتى لحقتى؟
اجابتها بثقة وهي تتلاعب قي خصلات شعرها.
– لحقت وعملت بسرعة ياما ، عشان كنت حاجزة من امبارح ومجهزة نفسي، بصي بقى على هيئتي كويس اجنن صح، بصراحة انا قاصدة، عايزة ابقى احلى واحدة في الحنة النهاردة، حتى العروسة.
التوى ثغر دورية بضيق عبرت:
– ولما في الحنة وعاملة كدة، امال في الدخلة هتعملي ايه؟ اتحركي يا سامية خلينا نخرج في ليلتك المهببة دي، مقطعة نفسك على حاجة مفيش منها فايدة، زبك زي اخواتك….
قالتها وتحركت تسبقها الى باب الخروج، لتتمتم هي في اثرها:
– واش عرفك انه مفيش منه فايدة، مش يمكن يحصل ولا يتم المراد حتى بعد ما يتجوز، واديني بتسلى، هو انا هخسر ايه يعني؟
❈-❈-❈
عقب مغادرة الاثنتان دورية وابنتها، أتت سيارة العم علي تتوقف امام المبنى، وقد اصبح اهل المنطقة يعتادو عليها بمعرفة ان بهجة تعمل مع صاحبتها، والتي ترجلت بفرحة تغمرها تتلقى استقبال عائشة التي كانت في انتظارهم:
– نوجة صاحبتييي.
تم اللقاء بعناق حار اجبر بهجة للتوقف امام مشهدهم، ان كان فرح شقيقتها بلقاء المرأة التي تسبقها في العمر اضعاف، نابعًا من براءة طفولتها او يمكن تذكرها بحنو الولدة التي لم تراها من الأساس، نظرا لموتها في ولادتها.
فن فرحة نجوان فهي ما تثير الدهشة بحق، هل ترى فيها بالنصف عقل المتبقي لها صديقة تشاطرها اهتمامها، ام هي الأخرى تجد بها تعويضًا عن كل ما تفتقده من حب، بعد رحيل زوجها وهوسها بعشقه، كما عرفت
– براحة، براحة شوية يا شوشو الست مش حملك
جاء التعقيب لصاحب الصوت المعروف من خلفهم، ليجبرهم على الالتفات اليه، وقد اكتملت مرحلة زرع الشعر لتعطيه الثقة الاَن في الحديث امامها، تلك الفاتنة ذات السلاسل الذهبية والتي كانت تتطلع اليه الاَن بنظرات فسرها بداخله ، انها اعجاب بهيئته الجديدة، وقد ابتاع ايضا ملابس عصرية الى حد ما، لتناسب السن وطبيعة الجسد المتكور:
– عاملة ايه يا هانم؟ يارب تكوني بخير، انتي شكلك خلاص بقيتي من اهل المنطقة.
بالطبع لم يجد ردا منها، وقد اعتلت الدهشة تعابيرها، لتزفر بهجة بنزق لهذا المشهد الذي اصبح يتكرر معهما منه، فتسحبها من يدها وتتحرك بها قائلة له بمودة زائفة وكلمات مقصودة::
– للمرة المية هقولهالك يا عمي، نجوان هانم مبتسلمش على حد .
اعترض يدب قدميه على الارض امامها؛
– وهو انتي بتديها فرصة اساسًا، ما كل مرة بتسحبيها بمجرد ما اقرب ارحب بيها ، مش كدة يا بنتي الله،
مالت رأسها نحوها باستهجان ناظرة له، متمتمة له بابتسامة صفراء:
– فرصة ايه يا عمي بس؟ ما قولتلك ترحيبك وصلها، هي كدة مبتحبش الرغي من اساسه، عن اذنك.
جذبتها من امامه تسرع بخطواتها نحو منزلهم، فتوقفت عائشة مزبهلة بالنظر الى الجديد به، لتسأله بفضول:
– عمي هو انت حاطط باروكة فوق الصلعة؟
انتفخ صدره ليجيبها بزهو:
– لا طبعا مش باروكة ولا كلام فارغ، انا زرعت !
– زرعت!
– ايوة زرعت شعري، مسمعتيش انتي عن زرع الشعر؟
تبسمت بشقاوة تتطلع اليه لعدة لحظات ، لتنطق اخيرا:
– طب حاول بقى تسقيها كويس وتراعيها لتنشف ويقع منها شعرك من تاني.
ختمت بضحكة تهرول من امامه، لينتفض هو يلمس على الجزء المزروع متمتمًا برعب حقيقي من حدوث ذلك بعد دفعه للمبلغ الضخم في سبيله
– يوقع في عينك بنت قليلة الادب ، قال يوقع قال، وجع بطنك.
❈-❈-❈
وفي شقة العروس
وقد اجتمعت النساء من اهلها الذين أتو من الصعيد والجيران والمعارف هنا لحضور الحناء، تلك الليلة المميزة في قلب كل عروس، بتباسط النساء ورقصهم معها.
وكالعادة كانت ساحرة بجمالها الخاطف بالاضافة لزينتها المتقنة ، وقد غيرت بارتداء فستان باللون النبيتي واضعة حلى من الذهب في تقليد يسير عليها وعلى باقي افراد العائلة، لتتباهي المرأة بما يأتي به اهلها له، ويدها وقدميها تزينت بالحناء الاسوانية، مع فرقة النساء التي تُحي هذه الليالي بحرفية متوارثة عبر الاجيال
سعيدة وتضحك من قلبها، ترسل كل دقيقة رسالة لحبيبها القابض على جمر النار ، بحرمانه من هيئتها المثيرة تلك ، لتغيظه وتشاكسه، ثم تشارك الجميع برقصها واغنية محمد منير الشهيرة كانت تدوي الاَن:
ايوو شمندورة منجنا بهر جاسكو مينجنا
سجرى مالا واينا مورتنا نا واينا
ع الشط أستني رايحة فين دانا ليكي بغني غنوتين
غنوة عن الآهة والحنين وغنوة لعنيكى ياحنين
آه يا شمندورة لابسة توب
يا اجمل من الصورة دوب يا دوب
يا اسمر يا سمارة دوبت دوب
يا عيون قدارة ع القلوب
آه يا شمندورة صبري طال ردي و جاوبيني ع السؤال
اندمجت نجوان ترقص مع عائشة والفرقة النوبية وكأنها طفلة مثلها، بمشهد اثار الحنين بقلب بهجة، التي بدأت تشعر بالتعلق نحو هذه المرأة النقية فلا تستغرب هروبها الى عالمها الخاص، بعيدا عن الواقع المرير
– واقفة لوحدك ليه يا بهجة؟ ما تدخلي ارقصي مع البنات .
كان هذا صوت رحمة ابنة عمتها وشقيقة العريس، التي تحضر اليوم مع الفتيات لتعيش هذه الليلة الجميلة، بفرحة تناشدها منذ سنوات طويلة لشقيقها، ليأتي اليه العوض الان بأبهى صوره .
اعترضت بهجة برقتها وابتسامة مودة لها؛
– يا حبيبتي ربنا يتمم بخير، انا خليني واقفة هنا ومبسوطة بالفرجة، الرقص نسيته من زمان.
– لا رقص ايه اللي تنسيه؟ والله لا ترقصي معايا دلوقتي، ولا اجيبلك طنط زبيدة تحلف عليكي والله لا ترجصي، ياللا يا بت مفيش اعتراض النهاردة.
سحبتها غنوة لتضعها وسط الفتيات فتجبرها على الرقص بينهم ومشاركة نجوان التي رحبت مع شقيقتها يشاركنها اللحظة. والعروس نفسها معهم.
وفي زاوية لهما وحدهما، لكزت دورية ابنتها مغمغمة من تحت اسنانها:.
– شايفة المحروسة بنت عمتك بتعمل ايه مع الزفتة بهجة، اللي ما قدرها ربنا حتى تشدنا معاهم مجاملة، مع انك انتي الاولي ، على الاقل انتي اخت جوزها.
جاء رد ابنتها بغليل يسري داخلها لما يحدث امامها:
– اسكتي ياما سبيني في حالي، انا على اخري اساسا ومش متحملة، اااه يا ناري .
❈-❈-❈
انتفض في جلسته وسط مجموعة من الشباب التي جاء اليوم يتناول معهم بعض المشروبات المسكرة، من اجل ان ينسى همومه معهم، ليفاجأه هذا الشاب المدعو اشرف بحديثه:
– بتقول ايه ياض؟ مين دي اللي عايز تتجوزها؟
اجابه الشاب بأسلوبه الفج، غافلا عن غضب الاخر:
– اسم الله ع السمع يا حبيبي، بقولك بهجة بنت عمك، موزة الشارع والمنطقة كلها، يالهوي ياما، دا انا قلبي بيرفرف كل ما اشوفها، ولا النهاردة كمان وهي متزوقة وخارجة مع الست اللي بتشتغل عندها،….. اي ده؟ ملكة جمال يابا؟
بعدم تحمل انقض عليه سمير صارخًا بهياج:
– وكمان في بتقولها في وشي ، دا انا هخلص عليك يابن الكلب
– هو انت حد غلط فيك يا عمنا؟ طب انت بقى اللي ابن ستين كلب.
صاح بها اشرف لتندلع معركة حامية ويتدخل بقية الحاضرين للفض بينهم.
❈-❈-❈
توقف ينتظرها بالسيارة اسفل المبنى الذي وصفت عنوانه، حتى خرجت اليه ترافق نجوان حتى ادخلتها لتنضم معه في السيارة بعد عناء ومحايلة ، فلم تستجيب الا بتأثير من عائشة، والتي كان يتعرف عليها لاول مرة، ليعبر عن دهشته:
– انتي بقى عائشة؟ يا نهار ابيض ، دي صغيرة اوي يا بهجة.
ضحكت له الاخيرة متمتمة:
– هي صغيرة اه بس عقلها اكبر من سنها، بدليل انها بقت تأثر على الهانم اكتر من اي حد فينا.
تدخلت عائشة بجرأة معقبة:
– عشان صاحبتها ، والأصحاب دايما يببقي دماغهم واحدة، ولا ايه يا نوجة؟
توجهت بالاخبرة نحو المذكورة ، لتجذبها من يدها وتقربها اليها مرة اخرى، لتعيد عليها عائشة بوعودها باللقاء في اقرب وقت واللعب معها .
فتوقف هو يطالع بهجته بابتسامة لا تخلو من انبهار لهيئتها الجديدة عليه تلك؟
– دي اول مرة اشوفك كدة بالمكياج والفستان يا بهجة،
كنت فاكر ان الحاجات دي من المستحيلات عندك
باغتها بجرأته لتردد مبررة بحرج:
– ما دي حنة بنات يا فندم، يعني بناخد راحتنا فيها، مكياج ولبس .
– اممم
زام بفمه ثم تمتم بما زاد من دهشتها:
– كويس انها حنة بنات وبس عشان تاخدو راحتكم، بس ياريت ما تاخديش راحتك اوي معاهم يعني.
– هااا
– ارتفعت رأسها مغمغمة بها بذهول قابله بابتسامة لم تفهمها، ليلتف نحو سيارته، يستقلها كي يغادر، ثم يرميها بنظرة اخرى بغموضه الذي اصبح يثير بداخلها التساؤلات.
– هو قصده ايه بكلامه ده؟
❈-❈-❈
بعد مدة من الوقت،
بغيظ يفتك بها، وقفت في الشرفة تراقب عودتها من ذاك الحفل اللعين الذي حضرته معها، تتهادى بخطواتها بكهن مدروس، تلفت ابصار الحوش من ابناء حارتها الأغبياء، وشقيقها الابله يتتبعها كالمنوم مغناطيسيًا، يتحين الفرصة للحديث معها
تبًا لها، لقد افسدت كالعادة فرحتها بعدما خرجت من صالون التجميل ملكة على الارض ، بفستانها المموج وشعرها الذي استغرق تصفيفه العديد من الساعات وزينة الوجه التي دفعت فيها مبلغًا من المال لا بأس به، حتى دلفت مع والدتها تنتشي بهيئتها المبهرة، وتملق العديد من الفتيات والسيدات لها واهتمام الشباب ، حتى أتت هذه الملعونة بهيئة اقل من البسيطة برفقة شقيقتها سليطة اللسان ، لتسحب منها البساط
لا تدري ما السر بها وهي ترى نفسها الأجمل والارقي بمال ابيها، عكسها هي العاملة بأجرتها .
– مالك يا بت بتاكلي في نفسك كدة ليه؟
كان هذا صوت والدتها التي انتبهت على هيئتها تلك ، لتلتف إليها بغليلها:
– وما كُلش ف نفسي ليه بقى؟ والست بهجة الزفت مخلية ولادك الاتنين يتمنو رضاها؟ يا عيني عليكي ياما، جوزتي الاول عشان يبعد عنها، قام ساب مراته وحن لها من تاني، بعد اخوه الصغير كمان ما اتشعلق فيها .
قالت الأخيرة وهي تشير بسبابتها نحو الأسفل ، لتستشيط درية، مدمدمة بحنق شديد، يا نهار مزفت ومطين بهباب ، هو انا مش هخلص منها البت دي.
زادت سامية بفحيحها تحركها نيران الغيرة:
– طب اقولك ع التقيلة ياما، اوصلي كدة لحد باب البيت واديها بصة ، ادي دقني اهي، ان ما كان الأهبل الكبير هو كمان قاعد مستنيها، دي مش هتستريح غير لما توقعهم في بعض.
– وقعة تاخدها هي وأخواتها كلهم،
هتفت درية بالكلمات وهي تتحرك بعجالة نحو ما اشارت لها ابنتها لتفاجأ بصدق ما تفوهت، بوقوف ابنها البكر في مدخل المنزل في انتظار أحدهم بالفعل، فوقفت هي الأخرى تراقب
وف الأسفل ولجت بهجة لداخل البناية لتفاجأ به امامها بهيئة غير مبشرة على الإطلاق يبادرها الحديث دون انتظار او تمهيد:
– حمد الله ع السلامة يا برنسيسة، ما كنتي اتأخرتي شوية كمان تلميلنا شوية عرسااان
استغرقت بهجة وقتا لتستوعب ما سقط من هذا الاحمق، قبل ان ترد بجرأة، تسبق شقيقتها الصغرى والتي أوشكت على شتمه.
– وانت مالك؟ اتأخر برا ولا متأخرش، والم عرسان ولا ملمش؟ ايه يخصك؟
صاح بها :
– يخصني انهم بيجوا يطلبوكي مني، اكيد دي حركات مقصودة منك عشان تغيظيني
– وانت تهمني في ايه عشان اغيظك يا بني ادم انت .
تدخلت عائشة تتخصر بذراعيها نحوه قائلة بازدراء:
– دا باين شكله عايش في الدور، فوق يا عمنا، دا انا اختي رمت طوبتك من زمان، وبقيت في نظرها زيك زي الحيطة اللي وراك.
صرخ بها هذا المعتوه وقد اوشك على ان يفقد صوابه:
– لمي نفسك يا عائشة، لاضربك قلمين، انا عامل اعتبار بس لاختك ،
– لا متعملش اعتبار، وفكر بس تعملها يا سمير .
صاحت به بهجة بدورها، ليدخل على الصوت الشقيق الاصغر سامر ، يدلي بدلوه هو الاخر، بعدما فهم الموضوع من نظرة واحدة:
– ليه بتزعقي يا بهجة؟ وانت يا سمير لم نفسك ووسع الطريق لبنات عمك .
سمع الاخير ليزداد اهتياجًا:
– اه يا حبيبي انت كمان، اعملي فيها الحنين ، ما انا عارف غرضك.
قالها بمغزى وصل جيدًا لتمتقع ملامح بهجة، ويثير استفزاز شقيقه، والذي ما ان شرع بالرد الحازم حتى قطع عليه صياح والدته المراقبة من اول الشجار:
– ايوة ايوة يا ولاد خميس، ولعوا في بعض واعملوها خناقة وفضيحة، ما هو دا غرض المحروسة، تفتنكم في بعض.
جحظت عيني بهجة بقهر تعمق داخلها، مع انتباهاها لعدد من افراد الحارة تشاهد المشهد ، فجاء الرد من الصغيرة سليطة اللسان بشجاعتها كالعادة:
– تفتن مين يا حجة؟ قبل ما ترمي بلاكي علينا، شوفي عيالك الملزقين وابعديهم عننا، احنا اساسا مش ناقصين.
شهقت درية بإجفال لوقاحة الملعونة الصغيرة ، فعقب سامر بعتب:
– انا كمان حسبتيني ملزق يا عائشة، الله يسامحك.
قلبت عينيها بسأم، تذكره ان الوضع لا يحتمل التهاون، ليعود لوالدته يخاطبها بجدية:
– من غير كلام ولا فضايح ياما ، قولي لابنك يوسع الطريق لبنات عمه عشان يطلعوا شقتهم، انا مش عايز اتعصب عليه وهو شارب دلوقتي، ليخلص في ايدي .
هم سمير ان يعترض بحماقته، ولكن نداء درية كان الاسبق:
افتحلهم الطريق يا واد، وتعالالي الشقة، لا اطين عيشتك الليلادي، اخلص .
بأنفاس لاهثة اذعن سمير يتنحى عن الطريق لتعبر بهجة التي تمتمت بحزن دفين:
– حسبي الله ونعم الوكيل
تبعتها عائشة والتي رددت بسخربة
– ايوة كدة وسع وسع، ناس متجيش الا بالعين الحمرا، يا ابن درية المستقوية
❈-❈-❈
عاد الى غرفته قرب منتصف الليل ،والظلام يخيم على الارجاء، لولا ضوء القمر الذي يأتي من الجزء المكشوف من ستار الشرفة، لطالما وصفه بالجو الشاعري في اليالي الماضية، وسعادته الجمة في وصالها
اما الاَن فقد بدى على ملامحها الباكية وهي متكورة على ذاتها، مدى الحزن وذرف الدموع قبل ان يغلبها النوم على هيئتها تلك،
لا يعلم كيف فعل بها ذلك، هي لم تخطيء ليقهرها بالذنب القديم، ولكن ماذا كان بيده؟ وغليل رأسه لم ينتهي بعد، فكرة النظرة الى شيء يخصه لا يحتملها فما باله بمن……
تنهد يرفع رأسه للسماء مناجيا الخالق بالرحمة من هذا العذاب الذي ينخر برأسه ، ما ابشعها من افكار .
عاد اليها وقد رق قلبه لها ، ليخلع عنه حذاء قدميه، ثم ملابسه ، قبل ان يندس بجوارها يسحبها الى حضنه، حتى شعرت به، تردد باسمه ما بين الغفو والاستيقاظ:
– عصام،
– ايوة انا يا امنية، نامي نامي.
وكأنه القى بتعوذيته السحرية، لترتخي سريرتها، وتربح رأسها على صدره مستسلمة لنوم عميق ، فيُقبل رأسها هو، ثم يغمض عينيه، متنعمًا بدفء حضنها القادر على ان ينسيه همومه وافكاره السوداء حتى لو مؤقتًا
الفصل الثالث عشر من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثالث عشر 13 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثالث عشر 13 بقلم امل نصر
مرت من امامه اثناء ذهابه الى غرفة مكتبه، والتي بنفس الطابق الذي يضم القسم الذي تعمل به، ومع ذلك لا يراها الا نادرا، نظرا لعدم صلتها المباشرة بعمله،
لكنه دائمًا ما يصبر نفسه بلقائها في منزله على موعد مناوبتها او يسعده الحظ برؤيتها صدفة كما يحدث الاَن، لتفتح شهيته على اليوم بأكمله.
– بهجة.
هتف بأسمها امام عدد من افراد الموظفين المارة غير مباليًا بوضعه ولا بهيبته التي تثير الرهبة في قلوبهم أجمعين، ولكن معها ، هناك دائمًا استثناء.
برد فعلي طبيعي استجابت تغير وجهتها نحوه ثم لتتبعه، بعدما اشار لها بيده نحو غرفة مكتبه، كي تلحق به، لتمر على لورا التي وقفت بالتحية له ، حتى اذا وقعت عينيها على بهجة، خبئت ابتسامتها ولم تعلق على دخولها خلفه لغرفة المكتب، وهل تجرؤ في حضرته؟
❈-❈-❈
– افندم يا رياض باشا كنت عايزني في حاجة؟
صدر منها السؤال فور دلوفها، ليجلس هو خلف مكتبه على كرسيه بهدوء يجيبها:
– خير يا بهحة متقلقيش.
صمت برهة ثم تبسم مستطردًا امام ترقبها:
– ما قولتلك خير يا بنتي، انا بس استغربت لما دادة نبوية بلغتني بغيابك النهاردة عن مجالسة الهانم الكبيرة…..
ردت بلهفة:
– ايوة يا فندم، ما انا بلغتها عشان النهاردة معانا فرح ابن عمتي شادي اللي حضرت حنة خطيبته امبارح.
– اه
اومأ بهزة من رأسه، ثم اردف سائلًا:
– وهو الفرح مينفعش بعد ما تخلصي يا بهجة؟ ولا هو هيخلص على عشرة ؟
برقت خضرواتيها في اندماج واضح للرد عليه، جاهلة عن استمتاعه بوهجها المضيء وعفويتها في موضوع محسوم من الأساس ولكنها حجة للحديث معها:
– لا طبعا يا فندم، مينفعش بعد ما اخلص، امتى هلحق اتجهز انا واخواتي، دا مشوار القاعة نفسه محتاج وقت.
– وضع كفه بتسلية سائلًا:
– ليه بقى؟ وهي دي تبقى فين على كدة؟
اخبرته بطيبتها عن اسم القاعة وعنوانها بالتفصيل الدقيق، وهو يتحاور معها وكأنه من الحضور:
– ياريتني كنت معزوم معاكم يا بهجة، بصراحة انا من زمان نفسي احضر حاجة شعبية كدة، خصوصا وانتي بتقولي ان اهل العروسة صعايدة، يعني هتبقى ليلة.
– ايوة والله عندك حق يا فندم ، اصل شادي ابن خالي تعب كتير في حياته وصبر على عيا والدته، ربنا عوضه بعروسة أدب وجمال ، هو يستاهل كل خير…..
– خلاص يا بهجة.
صدرت منه بانفعال وعدم احتمال، فقد تبدل مزاجه في دقيقة، وكأنه لشخص آخر، ليتمالك بعدها بابتسامة ملطفا بعدما شعر بحرجها:
– انا قصدي بلاش كلام ع العريس نفسه، وخلينا في الفرح، هيبقى مزمار بقى وحصان ، لو كدة اعتبريني حاضر من غير عزومة.
ضحكت بخجل نافية:
– والله ما اعرف يا فندم، انا اخري معزومة زي اي حد، بس انت اكيد تشرف اي حد بحضورك.
– تسلمي يا بهجة على زوقك.
قالها بهدوء وتباسط لتتدارك هي للوقت، فتحمحمت تستأذنه في المغادرة:
– طب انا كدة بقى اخرج اروح على شغلي ولا في حاجة تاني؟
نفى بهزة رزينة من رأسه:
– لا يا بهجة مفيش حاجة تاني، اتفضلي روحي على شغلك.
اومأت تهديه ابتسامة ساحرة، قبل ان تستدير وتغادر الغرفة، لتتركه في حالة من الانتعاش لا تكتنفه مع سواها.
اما هي وقد خرجت من عنده ودقات قلبها تعزف الحانا ونغمات تطرب اسماعها، دغدغات بمعدتها، مؤجلة صوت العقل وما يخبرها به دائما عن استحالة حدوث هذا الأمر ، وان ما يصلها لا يزيد عن لطف من الرجل لا اكثر.
التقت عينيها بخاصتي لورا والتي تفاجأت بهدوئها المريب هذه المرة، رغم عدم ارتياحها لنظراتها العدائية دائما نحوها، فتواصل هي طريقها تغمغم داخلها:
– لا حولا ولا قوة الا بالله، ولا اكني قتلتلها قتيل.
❈-❈-❈
أما عن لورا،
فقد مطت شفتيها بابتسامة خبيثة تطالع اثر بهجة في الذهاب، وهي تعيد برأسها، حديثها بالأمس حينما التقت ببهيرة شوكت في النادي الاجتماعي مع والدتها عن قصد حتى اذا التقت بالمرأة، بالطبع سوف تسألها عن رياض.
مساء الأمس،
(( – اخبار رياض ايه بقى في الشغل؟ انا بسمع عنه من مصطفى اخبار كتيرة تبهر.
– بالفعل هو كدة يا طنت، ما شاء الله في الفترة الصغيرة اللي مسك فيها المصنع عمل انجازات تأهله يبقى الاول ع الجمهورية ، وع الشرق الأوسط كله كمان في السنوات اللي، بس ااا……
– بس ايه يا بنتي؟ هو لسة تعبان مع نجوان؟
سألتها باهتمام لتتنهد هي بقنوط، فيعتلي الأسى ملامحها:
– ما هي طنط نجوان دايما تعباه، من ساعة والده ما مات وهي تعباه، ورغم ذلك عمره ما أثر على شغله، دايما بيرفكت وبيعرف يفصل كويس بين مشاعره والشغل، لكن بقى…
– لكن ايه يا بنتي؟ ما توضحى اكتر عشان افهم، اللي حاصل مع رياض؟
صمتت هذه المرة لبرهة بسيطة ، ثم تلتقط فرصتها على الفور:
– بصراحة بقى هو الموضوع له صلة بطنط نجوان…. البنت اللي شغالة مع نبوية في رعايتها……
، مالها؟
– بيعاملها معاملة خاصة.
قطبت بهيرة تتراجع برأسها للخلف مستفسرة:
– تقصدي ايه بمعاملة خاصة مع واحدة بتشتغل عنده؟ جيبي من الاخر يا لورا..
تراقصا مقلتيها باضطراب تقصده، لتواصل بث فحيحها:
– انا مش عارفة الوضع بالظبط، هناك عند طنت ايه ظروفه معاها، دي واحدة بتتشارك معاه البيت في غياب نبوية، وطنت نجوان دي في دنيا تانية، يعني الله اعلم بقى بتعمل معاه ايه، المهم انه بقى متعلق بيها ورقّاها في المصنع من عاملة على مكنة لوظيفة مكتبية، رغم عدم وجود مؤهلات، بصراحة يا طنت انا بقيت خايفة ان قصة عمو حكيم الله يرحمه مع السكرتيرة بتاعته تتكرر كمان مع رياض والبنت دي…..
برقت عينيها بغضب دفين، تطرق بعصاها على الارض بعنف قائلة:
– وتتكرر الفضايح للعيلة من تاني ، انتى ازاي ساكتة دا كله ومبلغتنيش؟
اسبلت اهدابها عنها وبصوت خفيض مزجته بالمسكنة ردت تجيبها:
– يعني انا في ايدي ايه بس يا طنت؟ لا انا خطيبته ولا ليا صلة مباشرة بيه عشان اتدخل ولا اشكي، انا يادوب موظفة عنده، وهو اساسًا مش مديني فرصة على الاعتراض، دايما بينصرها عليا، من غير ما يراعي فرق المكانة ولا الترتيب الوظيفي ولا حتى القرابة اللي بتجمعني بيه.
احتدت عيني بهيرة، ناظرة للأمام ، وقد اشتدت خطوط وجهها بتجهم غير مبشر بالخير على الاطلاق، لتطرق بعصاها على الارض قائلة:
– يبقى انا لازم اشوف الموضوع ده بنفسي. ))
❈-❈-❈
دلفا الى منزلهما الجديد عائدين من رحلة المنتجع الساحلي وقضاء اسبوعين عطلة شعر العسل، ليضع الحقائب على الارض ، وينطق فمه اخيرا بعد فترة طويلة من الصمت.
– انا هروح اطمن ع الست الوالدة واطمنهم بوصولنا، ع العموم الشقة فيها كل حاجة، يعني لو حبيتي تاكلي الاكل جاهز فى الثلاجة، ولو ليكي غاية للطبخ، كافة شيء هتلاقيها في المطبخ ، عبير قامت بالواجب قبل ما نوصل.
– كتر خيرها، انا مليش نفس وهروح انام.
خرجت منها بصوت ضعيف يكتنفه الحزن، لتستدير متوجهة نحو غرفة النوم، فزفر هو متهدل الاكتاف فور رؤيتها على تلك الحالة، ولم يقوى على منع نفسه هذه المرة من ايقافها وجذبها اليه، يحتضنها مشددًا بذراعيه، يحتويها بغمرته، حتى بللت دموعها قميصه بصمت ابلغ من الف كلمة، فيستدرك هو بحجم جرمه:
– للدرجادى زعلانة مني يا أمنية؟ طب انا اسف يا حبيبتي، ممكن بقى تصفي؟
رفعت وجهها المغرق بالدموع قائلة:
– انا عمري ما اشيل منك يا عصام، كل اللي مزعلني هو زعلك، واللي بيدور في دماغك وتاعبك من الداخل، نفسي نعيش حياتنا طبيعي، بعيد عن اي ماضي ولا شيء راح وولى، التفكير في اللي فات مابيجيش من وراه غير كل الهم ووجع القلب، ليه توجع قلبك يا عصام وتوجعني معاك؟
زفر يتأملها بقلب يتمزق لحالتها تلك، فرق قلبه، ليطبع قبلة رقيقة فوق عينيها متمتمًا بصوت متحشرج:
– بعد الشر عليكي من الوجع يا امنية، انا لو مش بحبك مكانش دا هيبقى وضعي، بس حاضر، هحاول من هنا ورايح اشيل من راسي عشان نعيش حياتنا ومنوجعش بعض.
تبسم محياها بالفرح، لتشب على أطراف اصابع قدميها، فتباغته بقبلة على وجنته مغمغمة بامتنان:
– ربنا يخليك ليا يا عصام، لو انت بتحبني ف انا بموت في التراب اللي بتمشي عليه.
– يا قلب عصام.
خرجت منه، قبل ان يدنو فجأة ويرفعها بين ذراعيه مردفًا:
– لا احنا كدة نعمل معاهدة صلح ع السريع، الكلام ع الواقف كدة مينفعش.
لاحقته ضاحكة:
– طب مش هتخرج تطمنهم بوصولك؟
قطف ثغرها بقبلة شغوفة سريعًا، ثم تحرك بها مرددًا:
– معاهدة الصلح اهم في الوقت الحالي يا امنية، اي حاجة تيجي بعدها؟
❈-❈-❈
دوى صوت المزمار في قلب الحارة بصخب، ليتجمع معظم افرادها في الطرقات وشرفات المنازل ، لاستقبال هذا المتعجرف، والذي ترجل من السيارة يستقبل التهاني والمباركات وكأنه المظفر بالنصر بعد هزيمة الخصم، تصاحبه اصوات الزغاريد من النساء ووالدته التي كانت تصيح بأعلى صوتها.
– عقبال عندكم يا حبايب، ربنا نصفه بعد ظلمه، ندرًا عليا لاكون عاملة ليلة كبيرة الكل ياكل فيها لحمة، حلاوة ان ربنا فك كربته وظهر الحق؟ زغرتو يا حبايب وفرحوا قلبي .
صدحت الزغاريد مرة اخرى بعد مطلبها، وتنطلق المباركات للمرأة ودعوات التمني:
– عقبال فرحه يا سميرة ، وتعملي ليلة اكبر منها .
– ان شاء الله يا حبايب، ان شاء الله يارب، يلا يا واد ارقص وفرح قلبي بيك .
تلقى منها ابراهيم لينطلق مع مجموعة الشباب من افراد حارته ليرقص ويتمايل معها على انغام المزمار، مندمجًا في الدور، وعيناه تدور باحثة عن والده، الفرد الوحيد الغير موجود ، ليكتم غيظه بداخله، الا يكفيه امتناعه عن زيارته طوال مدة سجنه، ليكملها الاَن بعدم اهتمامه امام افراد المنطقة.
تمتم بالعبارات المتوعدة من داخله، لكن سرعان ما تحول كل ذلك الى مرح، حينما وقعت ابصاره على ابنة خالته رؤى، والتي كانت عائدة من جامعتها في هذا الوقت، لتكن المفاجأة من نصيبها.
ليزيد هو من تمايله امام الشباب مرددًا بعبارات الكيد:
– رقصني يا عم الزمار وعلي الصوت، خلي الناس كلها تعرف بخروج ابراهيم وفك حبسته، دا الحرية حلوة اوي يا جدعان، رقصني يا عم خلينا نكيد الاعادي.
انضمت معه والدته في وصلة فجة بالابتهاج المبالغ فيه ، وقد فهمت لمقصده، تنقل ابصارها نحو ابنة شقيقتها:
– ايوة يا حبيبي خلينا نكيد الاعادي..
اما عن رؤى فقد ضاعفت من سرعة خطواتها، تخترق صفوف البشر، دون ان تعير اي فرد منهم اهتمامها، رافعة ذقنها للأمام بإباء كي لا تظهر ضعفها ولا تأثرها ، حتى اذا وصلت لبنايتها ودخلت منزلها ، زفرت معبرة عن قهرها:
– الهي تنكادوا انتوا يا بُعدا، وما تشوفوا الفرح ابدا، قادر ربنا يخسف بيكم الارض ويوريني فيكم يوم.
– بتدعي على مين يا بت .
صدر صوت والدتها من جهة المطبخ، لتخطو سريعًا فتصل اليها هاتفه بغضب:
– بدعي على اختك وابن اختك اللي عاملين ظيطة وهوليلة في قلب الشارع وعمالين يرقصوا ولا اكنه بريء بحق، صدق نفسه ونسي ان ربنا يمهل ولا يهمل.
– صوت مصمصة خرج من شفتي والدتها دون ادنى تعقيب منها، تدعي الاندماج في تقطيف ورق الملوخية الخضراء امامها على سطح طاولة المطبخ، مما استرعى انتباه ابنتها للتساؤل:
– نعم يا ست ماما، لتكوني انتي كمان صدقتي وعومتي على عومهم، والله ما هستغرب لو سمعتها منك.
التوى فمها لتقلب عينيها بتململ قبل ان يخرج صوتها بما ليس مستبعد منها:
– يا ختي انا لا بقول ولا بعيد، اديني مرزوعة مكاني اهو في المطبخ، لا خرجت ولا حتى بصيت من البلكونة، بس اهي الحكومة برئته والمحامي طلع بالدليل انه ما موتش المرحوم الله يرحمه، يبقى ندعي عليه ليه بقى؟ ونحمل نفسنا ذنوب؟
– يالهوي عليا وعلى سنيني السودة، والله كان قلبي حاسس.
صرخت بها رؤى، تستطرد بغيظ شديد:
– يعني مكدبة اخواتي البنات الاتنين واللي سمعوا اعترافه بودانهم، وصدقتي ابن اخوكي البلطجي المجرم وامه اللي شبهه…….
افتر فاهها تتوقف عن الكلام امام سلبية والدتها المفرطة لتختم بتعب:
– انا بكلمك ليه اصلا؟ وانتي مفيش فايدة من الكلام معاكي……. انا رايحة على اوضتي وسيباكي ياما.
قالتها وخرجت تنجي نفسها من شلل مفاجيء قد يأتي لها رغم سنها الصغير، فوالدتها قادرة على ذلك بشخصيتها المتذبذبة وبقوة.
❈-❈-❈
خرجت من دوام عملها ، تسرع بخطواتها، متخذة طريقًا مختلفًا عن العادي ، لتقف في الوجهة المختلفة من الطريق تشير بيدها لسائقي السيارات الأجرة حتى يقف لها احدهم .
فتفاجأ بإحدى السيارات تقف امامها ، حتى كذبت نفسها في البداية ان تكن تلك التي تعلمها، ولكنه أكد لها حينما انزل زجاج النافذة بهيئته المهيبة يخاطبها:
– عاكسة طريقك ليه النهاردة يا بهجة؟ وراكي مشوار؟
شعرت بالحرج من خلف سؤاله، رغم بالونات المرح التي كانت صارت تراها تزين الأجواء من حولها لاهتمامه:
– لا ما انا مش مروحة ع البيت دلوقتي، المستشفى اتصلوا عليا وبلغوني بتصريح الخروج لايهاب، انا الفرحة النهاردة مش سايعاني وعايزة ألحق اروح اجيبه على طول.
– خلاص تعالي اركبي معايا اوصلك .
– نعم !
تمتمت بها بعدم تصديق ، ولكنه عاد يكرر مشددًا:
– بقولك تعالي اوصلك معايا في طريقي، وبالمرة اتصلك بعم علي يوصلكم ع البيت بعد كدة.
هذه المرة اعترضت بارتباك شديد:
– لا يا افندم اتفضل انت مينفعش.
سمع منها ليصدر رده بأمر غير قابل للنقاش:
– اركبي يا بهجة وبطلي عبط، انا مش بكرر كلامي كتير.
اضطرت مذعنة لطاعته، لتنضم في الامام بجواره، منكمشة على نفسها، شاعرة بكبر المقعد عن حجمها الصغير ، او انه ليس بمكانها، بداخلها رهبة منه لا تنكرها ، رغم تلك المشاعر التي تعبث بها بحضوره، لتدخلها في صراعات لا نهاية لها، لك الله يا بهجة.
وكأنه كان قارئًا لافكارها، فور ان انهى اتصاله بالعم علي تحدث بتباسط، كي يخفف عنها:
– تلاقي الفرحة النهاردة مش سايعاكي عشان خروج ايهاب.
سمعت منه لترد على الفور بلهفة انستها التوتر وما كان يكتنفها منذ لحظات:
– اه والله يا فندم، انا فرحانة كمان عشانه، لاني سألت الدكتور، قال انه ممكن يخرج ويروح مطرح ما هو عايز، اهم حاجة يحرص على نفسه ويلبس الكمامة لحد ما يخف نهائي. انا ممتنة ليك اوي يا رياض باشا.
جاء رده بروتينية:
– مفيش داعي للشكر ولا الكلام دا من اساسه يا بهجة.
– لا يا فندم ازاي بس؟
قالتها تبتلع رمقها، مرددة:
– انا مصرة برضو انى اسدد تمن المستشفى، اخويا طوّل هناك، ودا اكيد جر فلوس كتير اوي، مش معقول يعني كل ده تتحمله لوحدك؟
تطلع نحوها بنظرة غامضة وملامح مغلقة كعادته، ولكنها طالت حتى اخجلتها لتحيد ببصرها نحو الطريق امامها حتى وصلها رده:
– احنا اتكلمنا في الكلام ده قبل كدة وقولتلك بعدين، يبقى خلاص يا بهجة بقى، المهم دلوقتي ممكن تكلميني عن الفرح اللي هتحضريه؟
قطبت باندهاش سائلة:
– هكلمك في ايه تاني يا فندم؟ هو انا لسة حضرته من الاساس؟
– خلاص يا بهجة، يبقى انا كدة في انتظار انك تحكيلي عنه بعد ما تحضريه.
رغم تفاجأها إلا انها لم تجد امامها سوى الموافقة بإماءة من رأسها، يكتسحها خجل جميل، زين وجنتيها بالورود، وتوهجت له خضراوتيها، لتزيدها سحرًا فوق السحر.
❈-❈-❈
– خرج !
تمتم بها بعدم تصديق، فور ان سمع بالاخبار الجديدة من صديقه عقب لقاءه به، ليؤكد عليه الاخر :
– المحامي الفاسد يا عصام، قدر بأساليبه الملتوية، يجمع ادلة وبراهين مزورة مكنته يقدمها للقاضي ويحكم بخروجه، اصناف قذرة.
توقف امين بعدما رأى بأم عينيه، تصلب وجه الاخر، وخطوط وجهه التي اشتدت بغضب دفين، ليوضح محذرا:
– اسمع يا عصام، البني ادم ده تشيله من مخك مهما كان الخلاف ما بينكم، سيبني الله يرضى عنك اتكتكله وادور وراه براحتي، ما انا مش هسيبه.
– ولا انا هخليه يفلت من ايدي.
طالعه امين معترضا بتشدد:
– القضية دي بتاعتي من الاول يا عمنا، خليك انت في حالك ومتدخلش الامور الشخصية في الشغل.
ضغط يطرق بقبضته على سطح الطاولة بينهم مرددا:
– اوعدك اني مش هدخل الامور الشخصية بينا، بس بلاش تبعدني عن القضية دي.
تحدث امين برفض قاطع:
– وانا رافض يا عصام، احسنلك تنفذ امر رئيسك وتنشغل في القضية المسؤول عنها، وانا لو عوزتك هبقى ادخلك تشتغل معايا.
❈-❈-❈
خرجت من حمام غرفتها، تجفف شعر رأسها بالمنشقة الصغيرة، لتتوقف امام المراَة تتأمل وجهها المتورد بالسعادة، بعد تلك الساعات التي قضتها معه في عقد معاهدة الصلح، ما أجمله من رجل في ساعة الصفا، في جموح عشقه لها ، في كلمات الغزل التي يلقيها على اسماعها يدغدغ انوثتها ويدللها،
خرجت تنهيدة قوية منها تتمنى لو يظل على هذا الحال ولا يتغير ابدا.
القت بالمنشفة تهم بتمشيط شعرها، لكن وما أن شرعت ان تفعلها حتى دوى صوت الهاتف بالاتصال ، ف اقتربت على الفور تجيب الرقم الغريب، لربما تعرفه:
– الوو…. مين معايا؟
– الوو يا قلبي، انت لساكي برضو محتفظة بالرقم القديم…….
انتفضت تلقي الهاتف من اذنها على الأرض، وكأن عقرب لسعها بهذا الصوت الغريب، لا تصدق ما وصل لأسماعها..
– الوو يا أمنية، انتي روحتي فين بعيد عني؟
اغلقت على الفور المكالمة تتبعها بحظر الرقم من الأساس، وقلبها يضرب بفزع، وهي مازالت تكذب احساسها، حتى حسمت تتناوله مرة اخرى، تتصل هذه المرة بشقيقتها:
– الوو يا رؤى…… كويسة يا حبيبتي والحمد……. معلش بس انا كنت عايزة اسألك عن الزفت ابن خالتك ابراهيم……… انا كمان سمعت؟!، سمعت ايه مش فاهماكي……. يا نهار اسود خرج….. ازاي يا رؤى؟!
❈-❈-❈
عاد من الخارج وحالة السعادة برؤيتها مازالت تغمره، كلماتها الرقيقة وخجلها حينما يضيق الخناق عليها بأسئلته الفضولية، هذه الصفة ليست به من الأساس، ولكنه يكتشفها الان معها هي فقط،
تسمرت قدميه فجأة، منتبهًا للحاضرين الجدد لمنزله، وتلك الجالسة بشموخ امامه في زيارة لا تكررها الا كل شهور تقريبا، رغم قرب المسافة ولكن تملك الحجة بمرضها ، إذاً ما سر الزيارة الغريبة؟
– بهيرة هانم عندنا! طيب مش كنتي تتصلي ولا تبلغيني يا خالتو!
قالها مرحبا، ليقترب منها يقبل وجنتها بخفة قبل ان يجلس مقابلًا لها بجوار والدته المنكمشة على نفسها بمقعدها:
تبادلت معه التحية مرددة:
– انا لقيتك مش سائل، قول اجي اطمن انا بنفسي عليك وعلى اختي الحبيبة، واللي قاعدة قدامي دلوقتي خايفة ولا اكني هاكولها.
امتدت كفه على نحو والدته يلمس عليها بحنان لتهدا، وهو يبرر ملطفا:
– لا يا خالتو ايه الكلام دا بس؟ هي ماما مش عارفاكي يعني، يا نبوية.
هتف بإسم المرأة جليستها، وما ان خرجت اليه حتى تفاجأ بشقيقتها معها، ليعبر عن دهشته:
– ايه ده؟ دي دادة وصيفة كمان معاكي!
– ايوة يا رياض باشا، شوفت بقى المفاجأة؟
تبسم باضطراب يتقبل ترحيب المرأة ومزاحها قبل ان يأمر نبوية بسحب والدته لغرفتها، ثم توجه باستفهام نحو بهيرة والتي لم تتعبه في الانتظار:
– انا جايبة وصيفة تساعد مع نبوية في رعاية نجوان، بلاها من اي حد غريب احنا مش واثقين فيه.
مازال التوجس سيد الموقف بداخله ليواصل استفهامه:
– غريبة يعني انك تستغني عنها دلوقتي، انا عارف بمعزة وصيفة عندك، بالظبط زي نبوية عندنا.
ابتسامة ماكرة لاحت على محياها مبررة بكلمات مقصودة:
– دا حقيقي، بس في حاجات بقى بتجبر البني ادم انه يضحي، ع العموم انا عندي من الخدم كتير وكلهم تحت امري، الدور والباقي بقى على نجوان…
توقفت تخرج تنهيدة من العمق مستطردة؛
– مسكينة الحب ضيعها، ياريتها سمعت كلامي ولو مرة واحدة ، دي كانت اجمل بنات العيلة، اجمل مني انا شخصيا، كل الشباب كانوا بيتمنوا رضاها وسبحان الله هي ما اختارتش غير اسوأهم، عشان تعيش معاه مهووسة بحبه مهما يعمل فيها ، وفي الاخر تكتشف بعد فوات الأوان، بعد ما تنقلب بيه العربية مع عشيقته اللي يتضح بعد كدة انها زوجته، والمسكينة تفقد عقلها…..
-لزومو ايه الكلام ده يا خالتو ؟
هتف بها بانفعال ورأس مشتعل، بعدما عبثت بمكرها، داخل هذه الدائرة السوداء برأسه، والتي دائما ما يجاهد للخروج منها، وعدم تذكرها، لتواصل هي بمراوغة:
– انا مش قصدي حاجة طبعا يا حبيبي، بس تقدر تقول كدة افتكرت……
بنظرات يملأؤها الشك، صار يحدجها يصعد ويهبط بانفعال لا يخفيه، ف استطردت هي بتملق:
– حبيبي يا رياض انت عارف اكيد بمعزتك عندي، طول عمري اقول انك ابني التالت، لا ورثت العاطفة المبالغة من والدتك ولا غدر وفشل والدك الله يرحمه.
احتدت عينيه حتى صارت كلهيب جمر محترق، فواصلت هي بالطرق على الحديد الساخن:
– انا حتى بشبهك بمصطفى لولا بس عيبه انه اتجوز الممثلة دي اللي متناسبناش في اي شيء، بس نفعاه ع الاقل بعلاقاتها وشهرتها، مش ناوي بقى تشاركه وتكبر مصنعك؟
ضرب بكف يده على ذراع الاريكة باعتراض وتشدد:
– بس انا مش عايز مساعدة من حد يا بهيرة هانم ، حتى لو كان مصطفي نفسه، مصنعي هكبره لوحدي، واسمي هيبقى ماركة مسجلة في الشرق الاوسط وفي العالم كله….
تبسم ثغرها باتساع وقد وصلت لمبتغاها لتردف:
– هو دا اللي انا بتمناه وواثقة انك هتعمله يا رياض، وساعتها يبقى اللي ناقصك حاجة واحدة بس، هو النسب اللي يشرف، واحدة كدة زي ميسون مرات عدي، نسب يشرف وولادك يفتخروا بيه لما يجوا ع الدنيا، مش يلوموك على سوء اختيارك!
هكذا وبكل سهولة استطاعت بفحيحها، النبش في ذاك الجرح الغائر بدواخله، ذاك الذي مهما مرت عليه السنوات لا يندمل ولا يشفى أبدا، مهما تناول له من ادوية او حتى مسكنات.
❈-❈-❈
صدحت زغروطة كبيرة من صباح ، جلجت في قلب الحارة فور استقبالها لبهجة وشقيقها العائد اخيرا لمنزله بعد رحلة العلاج:
– يا الف الحمد لله ع السلامة يا هوبا، نورت بيتك ومطرحك.
قابلها الاخير بابتسامة ملوحًا بكفه لها بالتحية في الهواء، الله يبارك فيكي يا خالتي ، دا انتى اللي منورانا والله .
– لا يا اخويا منوراك دا ايه؟ انا صاحبة بيت.
قالتها بتباسط وهى تضم بهجة وتهنئها بعودة شقيقها، لتردف بعد ذلك بأمر:
– ولا ايه يا بت انتي، صاحبة بيت انا ولا واحدة غريبة؟
جاء رد بهجة ضاحكة:
– لا يا خالتي دا احنا اللي ضيوف عندك.
توقفت فجأة تطالع المنزل ونظافته لتعقب بمرح؛
– بس انتي تعبتي نفسك ووضبتي البيت ليه؟ كان يكفي بس اوضة ايهاب اللي هيريح فيها .
– يا بت ما قولنا اني مش غريبة، الله.
قالتها صباح بمرح لتتناول منها ذراع ايهاب وتتجه به نحو غرفته مرددة لها:
– روحي انتي بس اطفي من ع النار وانا هدخل ايهاب على اوضته .
– يالهوي عليا، انتي كمان طبختي!
تمتمت بها بهجة في اثرها بحرج شديد، لتهرول سريعًا نحو المطبخ، تطفيء نار الموقد الغازي، وتطمئن على الطعام قبل ان تلحق بهما داخل غرفة ايهاب الذي كان يتسطح على الفراش وهي تسحب الغطاء عليه، مخاطبة له بحنان:
– ريح شوية يا حبيبي من مشوار المستشفى على سريرك، ربنا ما يغيبك عن اخواتك ابدا تاني.
– يارب يا خالتي، انا فعلا عايز اريح شوية عشان افضي للمذاكرة المتأخرة عليا.
– ربنا يعينك يا بني.
قالتها وخرجت تغلق الباب عليه بخفة حتى لا تزعجه، لتجد بهجة هي الأخرى في طريقها اليها بعد مغادرة المطبخ، قائلة:
– خرجتي بسرعة يعني؟ هو ايهاب لحق ينام؟
جلست صباح على مقعد السفرة تشير لها على المقعد المجاور:
– انا اللي قولتله يريح، تعالي انتي عشان عايزاكي في كلمتين.
اقتربت تنفذ الامر وتسألها باهتمام:
– كلام ايه يا ست الريسة؟ في حاجة في الشغل.
نفت صباح بهز رأسها وبوجه واجم سألتها:
– قبل كل شيء انا عايزة اعرف، اخواتك البنات بيغيبوا لحد الساعة كام كل يوم كدة؟
ردت بهجة قاطبة بدهشة:
– على حسب مواعيدهم، جنات حسب المحاضرات، وعائشة حسب المجموعات اللي بتاخدها، ممكن يجوا بدري وممكن ييجو متأخر، بس هو الخميس دا عندنا معروف، جنات بيبقى يومها مزحوم بالمحاضرات وعائشة بتاخد دروس لبعد العشا.
– يعني انتي بس اللي بتيجي على ميعادك الساعة التلاتة، بما ان ايهاب كمان في المستشفى يعني.
اهتزت رأسها بمزيد من التشتت:
– ايوة يا ست الريسة، لزومها ايه الاسئلة دي؟
زفرت المرأة الواضعة يدها على وجنتها، لتنطق اخيرا بما اجفل بهجة:
– بسأل يا غالية عشان اعرف الحاجة اللي لقيتها مرشوشة دي قدام البيت مين المقصود بيها، واديني اتأكدت انها انتي .
– انااا؟ ….. حاجة ايه ؟ انا مش فاهمة حاجة يا ست الريسة.
تحدثت صباح توجهها بتحذير:
– من الاخر كدة يا بهجة، انا لما جيت هنا البيت، على حسب اتفاقنا، عشان اسبقك قي توضيب اوضة ايهاب وتعقيمها قبل ما توصلي انتي بيه من المستشفى، خدت بالي يا غالية من مية غريبة مرشوشة على عقب الباب، لولا اني مجربة الالاَعيب والوساخة دي من قرايب جوزي الله يرحمه، كانت هتعدي عليا ومكنتش هاخد بالي.
– يا نهار اسود.
تمتمت بها بهجة ضاربة بكف يدها على صدرها تردد بجزع وصدمة:
– يعني كان ممكن تضري فيها انتي كمان، او اي حد من أخواتي، طب اتصرفتي فيها ازاي؟ ولا هي لساها موجودة؟
قاطعت صباح هذيانها بلمسة من يدها توقفها:
– مفيش حاجة موجودة اطمني، بقولك الحاجات دي لان ياما عدت عليا من قرايب جوزي، يعني اكيد عرفت التصرف الصحيح معاها ازاي؟ المهم انتي يا حبيبتي، تخلي بالك كويس اوي ، اللي عمل العملة دي عارفكم كويس اوي وعارف خط سيركم ومواعيدكم بالظبط.
تابعت بإشفاق:
– انتي طيبة اوي يا بهجة، بلاش تخلي حسن النية اللي عندك يضرك، المرة دي جات سليمة وربنا صدرني اشيل الاذى من طريقك، المرة الجاية مش مضمونة، حطي عينك وسط راسك يا بنتي، أخواتك ملهمش غيرك، وانتي ملكيش غير نفسك.
اطرقت بهجة بحزن تهدلت له اكتافها، لتمتم بقهر:
– طب ليه يحصل معايا كدة؟ هو انا اذيت مين عشان يأذيني كدة؟
ربتت صباح بكف يدها على ذراعها بحنو تخبرها:
– شيلي من على قلبك يا حبيبتي، وهو اللي يتجرأ ويعمل الوساخة دي محتاج تبرير ولا مستنيكي تأذيه عشان يعملها؟ لا يا بنتي، اللي بيعمل كدة، دا بيكون قلبه مليان بالحقد والسواد ناحيتك، حصني نفسك انتي واخواتك والبيت كله، داومي على أذكار الصباح والمساء وزي ما قولتلك، برضو تبقى حريصة، وقادر ربنا يرد كيدهم في نحرهم الاوساخ اللي بيعملوا كدة.
اراحتها بكلماتها ، لتطالعها بامتنان شعرت به صباح، لتشاكسها مغيرة دفة الحديث:
– المهم سيبنا من الهم ده وخلينا في الفرح، قوليلي هتلبسي ايه النهاردة في زفة ابن عمتك؟
اشرق وجه بهجة وقد أسعدها فعل المرأة، لتجاري محاولاتها للترفيه عنها، فتخبرها بلهفة عن ما تنتوي فعله……..
❈-❈-❈
في المساء،
دلفت داخل القاعة بصحبة شقيقاتها عائشة وجنات اللتان تزينتا مثلها بالجديد ، بعد تيسر حالتهم الى حد ما بمبلغ النقود الذي اكتسبته بهجة من عملها الجديد كجليسة بمنزل رياض .
وقد ظهرت اليوم في ابهى صورة، بذلك الفستان الذي ابتاعته بعد فترة من الانقطاع، لتعيش عمرها الطبيعي
بتلك الهيئة الانثوية التي خطفت بها الانظار كعادتها، لتثير في قلب الحاسدين المزيد من السخط والكره.
– يا بت اللذين……
تمتمت سامية والتي سقط العصير من فمها فور ان وقعت أنظارها على ابنة عمها ، لتلكز والدتها المندمجة في الحديث مع احدى النساء، فتلفت انتباهها.
– شايفة ياما البت بهجة واللي عملاه في نفسها النهاردة بعد ما كانت راسمة دور الحجة، اقطع دراعي ان ما كانت جاية وراسمة تلقط لها عريس من البهوات قرايب العروسة.
مصمصت درية بغل وقد ارتكزت ابصارها على ناحية اخرى:
– ياريت يا ختي يحصل، ع الاقل تغور الصعيد وتريحني من خلقتها، أخواتك الاتنين عيونهم هتطلع عليها، دول مش بعيد يقتلوا بعض عشانها، يا خيبتك السودا يا درية هو العمل مشتغلش ولا ايه؟
غمغمت بالاخيرة بصوت خفيض وكأنها تحدث نفسها، ولكنها وصلت الى ابنتها التي اقتربت منها متسائلة بعدم فهم في البداية قبل ان تلقطها بذكائها؛
– عمل ايه؟…… هو انتي عملتلها عمل ياما؟
قرصة بخصرها تلقتها على الفور من والدتها التي همست تكز على اسنانها بتحذير:
– وطي صوتك يا زفتة ولمى لسانك، هتجيبلنا المصايب.
صمتت سامية ومن قراءة سريعة لملامح والدتها الجديدة، ايقنت بصحة ما سمعته، لتتبسم بانتشاء مطيعة لها:
– عيوني ياما هخرس خالص، بس هنكمل كلامنا في البيت.
التوى ثغر دورية ولم تعلق لتعود بأبصارها نحو مصدر همها، أبنائها الاثنان ومحاولاتهم الحثيثة في التقرب من هذه الملعونة ابنة عمهما، بصورة تفضح ما بداخلهما نحوها، لتتوعد هي بداخلها:
– ماشي يا بهجة، ان ما اشتغلش ده، فيه غيره، انا مش هستريح غير لما اخلص منك.
❈-❈-❈
اما عنها فقد كانت مستمتعة بفقرات الحفل التي على وشك البدء، في جلسة تجمعها على طاولة واحدة مع رحمة ابنة عمتها وشقيقة العريس مع بعض الافراد من عائلة العروس من نساء، ليتعارفوا بها، فتندمج هي بالحديث معهن، لتتغاضى عن محاولات ابناء عمها في التقرب اليها بحجج واهية ونظراتهم المسلطة نحوها تثير ازعاجها وتشعرها بالاختناق، لتعقب عائشة بفراستها ساخرة مما تراه امامها:
– عيال عمك الملزقين فاضل بس يقعدوا ع الطرابيزة جمبنا يا بهجة عشان يهمدوا من اللف حوالينا، ولا عمي خميس.. عايش الدور بعد ما لبس شبابي وزرع الصلعة، عينه مش سايبة بنت ولا ست ، يارب يعملها عشان اشوف درية وهي بتولع .
تمكنت بطرافتها ان تثير ضحكات شقيقتها، ورحمة التي لم تقوى على التوقف مرددة:
– يخرب عقلك يا عائشة دا انتي بلوة .
ردت بهجة هي الأخرى:
– انتي شوفتي حاجة، دي على رأي ابويا الله يرحمه سحبوها من لسانها.
– الله يرحمه مكدبش.
قالتها رحمة لتلتف نحو مصدر الموسيقى والإضاءة التي تغيرت للفقرة الرئيسية بالحفل، بتوقف شقيقها في انتظار عروسه والتي دلفت بصحبة احد اشقائها، ترافقها موسيقى واغنية حسين الجسمي للزفاف
إدخلي عمري بخطوتك اليمين
إضوي أيامي وعتمات السنين
قرت عيوني بشوفك مقبلة
يا الملاك اللين العذب الرزين
إسمعي نبضي وراء صوت الدفوف
من لمحتك ضيع الشوق الحروف
إسمعي نبضي وراء صوت الدفوف
من لمحتك ضيع الشوق الحروف
نورتي نورة حياتي دنيتي
يا ضيا عيني وأغلى ما تشوف
تابعت صبا بهيئتها الملوكية الساحرة، لتنتقل من يد شقيقها الأصغر، ثم للأكبر عمرا وهكذا من يد الى يد حتى وصلت الى ابيها الذي طبع على رأسها قبلة حانية قبل ان يسلمها لعريسها الذي كاد أن يفقد رزانته اليوم برؤية جنيته الساحرة،
بمشهد اثر ببهجة واصابها بالتحسر على فقدان والديها، وحرمانها بالتأكيد من هذه اللحظة التي اثارت القشعريرة داخلها بالتوق لها، لتستعيد رشدها بعد لحظات وتستغفر ربها ، ثم تندمج في فقرات الحفل والرقص على المزمار كما توقعت في الصباح في حديثها مع مديرها رياض….. يا الهي، ترى ما نهاية حكايتها معه هو الأخر؟
❈-❈-❈
اما عنه،
فقد كان يتقلب على فراشه في هذا الوقت، وكأنه على جمر مشتعل ، رأسه يكاد ان ينفجر من التفكير ، يعمل في كل الاتجاهات، منذ متى صار بهذا الصعف؟
كيف تغيرت خطته والطريق الذي رسمه منذ سنوات لا يذكر عددها للوصول إلى هدفه؟
يعلم ان خلف زيارة بهيرة شوكت طرف دفعها لذلك، ولكنه لا ينكر صحة قولها ، لقد واجهته امام نفسه، لتعيده الى ذاته، في ظل سيطرة هذه البهجة على تفكيره، لا ينكر سطوتها عليه رغم ضعفها، رغم لطفها ورقتها ، ولكن لابد له من ايجاد الحل، لا يمكن استمراره على هذه الحالة، لابد من الحسم؟
انتفض يعتدل بجزعه، حازمًا امره في تنفيذ ما طرأ بعقله دون تراجع، وكما قال المثل العربي القديم، وداوها بالتي كانت هي الداء.
لا يوجد حل سوى بها؟ علٌه بعد ذلك يستريح من هذا العذاب.
❈-❈-❈
داخل الفندق الذى تم عمل ليلة الزفاف بقاعته، ثم حجز هذه الغرفة كهدية له ولعروسه، بصفته انشط الموظفين به، جلست هي تنتظره على تختها بالفستان الضخم، حتى ينتهي من المباركات والتهاني من اصدقائه، والذين عملوا على خدمته، لما تجمعه من مودة بينهم.
ليلج اليها بخطوات متأنية متمهلة، يسترق النظر حتى وقف امامها تماما يتأمل خجلها وتلك الابتسامة المستترة خلف شقاوة يعلمها تمامًا، حتى في هذه اللحظة!
مال برأسه نحوها يسألها بنظرات كاشفة:
– بقالي ساعة بسلم ع الزمايل برا وبتقبل التهاني منهم، وانتى قاعدة هنا على سريرك، مغيرتيش فستانك يا صبا؟
ردت تجيبه ببساطة:
– عادي يعني، لفيت على صور السيشن بتاعتنا، ع التليفون، وخدني الوجت ونسيت.
زام بفمه بمكر مرددًا:
– يعني خدك الوقت ونسيتى الليلة والفرح وكله…..
ارتفع كتفيها وانخفضا بابتسامة متلاعبة، ليفاجأها بخلع سترته على الفور، ثم يشرع في خلع قميصه مرددًا :
– خلاص يا قلب شادي افكرك انا .
برقت عسليتيها بإجفال متسائلة:
– انت بتعمل ايه؟
– بفكرك يا قلب شادي.
وما ان انهى جملته حتى القى بقميصه على التخت، لتنتفض بخجل منه ناهضة لتهرول نحو المرحاض، وقد اصبح امامها عاري الجذع.
لحق بها يرفعها من خصرها والفستان الضخم سائلًا بجوار اذنها:
– ايه يا صبا، على فين يا قلبي؟
خرج ردها بصوت مهتز، وتراجع واضح عن التلاعب به:
– هغير هدومي يا شادي، ودي محتاجة سؤال .
قهقه بصوت عالي يديرها اليه:
– لا ما دا كان الاول يا صبا، انما دلوقتي…..
– ايه؟
– سألته ببرائة لتتلقى الرد عمليًا، حينما حطت شفتيه، ترتشف من شهد ثغرها، مشاعر مختلطة عصفت بها لا تدري لها مسمى، فلا هي بقادرة على منعه، ولا بقادرة على مجاراة جموحه، لتظل على هذا التخبط حتى افلت نفسه عنها بصعوبة يتأمل خجلها الشديد، وهي غير قادرة عن مبادلته النظر بعيناها، وكأنها اصبحت قطة وديعة بين يديه، ليعقب:
– ياااه يا صبا، دا انا نفسي نسيت، وشكلنا كدة هناخد وقت كتير على ما نفتكر….
وما كاد ان ينهيها حتى رفعها بفستانها متابعا بمزاح امام صمتها :
– ايه يا صبا؟ القطة اكلت لسانك .
لم تقوى على الرد سوى بقبضة منها تدفعه بصدره، ليقهقه عائدًا بها نحو التخت:
– هو دا اللي ربنا قدرك عليه مش بقولك هناخد وقت كتير عشان نفتكر.
❈-❈-❈
في اليوم التالي صباحًا،
وفور ان ترجلت بهجة من وسيلة النقل الحكومي، وصارت في اتجاه عملها وصلها اتصال برقمه، فردت تجيبه على الفور باندهاش:
– ايوة يا رياض باشا، نجوان هانم فيها حاجة؟
– لا يا صبا دا انا اللي عايزك ، غيري طريقك وتعالي ع الجهة الشمال، انا قاعد مستنيكي في العربية.
– عربية ايه؟
تمتمت سائلة ، لتنفذ متخذة الطريق الاخر، فتجد سيارته امامها بالفعل ، فتسائلت بتوجس:
– طب انت قاعد ليه في العربية ، ما الشغل قريب ، تقدر تقعد في مكتبك.
اجابها بحزم :
– بقولك عايزك في حاجة ضروري يا بهجة ممكن .
اضطرت لطاعته، حتى اذا اقتربت تنضم معه، تحرك سريعا بسيارته ليختفي بها من قلب المكان، فسرى القلق بداخلها، لدرجة جعلتها تندم، ولكنه فجأها بالتوقف، يباغتها بقوله:
– انا عايز اتجوزك يا بهجة.
صمتت قليلًا تستوعب ما التقطته اسماعها، لتردد بعدها بلحظات بعدم تصديق:
– تتجوز مين حضرتك؟ هو انت بتهزر يا رياض باشا؟
بجدية شديدة جاء رده:
– قبل ما تحكمي اني بهزر ولا بتكلم جد، ممكن تسمعي مني الاول؟
ضاقت عينيها قليلًا بتوجس، قائلة:
– اتفضل حضرتك انا سمعاك….
الفصل الرابع عشر من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الرابع عشر 14 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الرابع عشر 14 بقلم امل نصر
تسحبت على أطراف اصابعها حتى وصلت لتقف خلف مدخل باب غرفة والدتها، لتتصنت على مكالمتها عبر الهاتف، بصوتها الخفيض كالهمس، حتى لا يصل لخارج الغرفة:
– ايوة يا ست مبروكة، العمل باينه مشتغلش، خلي الشيخ يعملي غيره شالله يسترك………. يووه…….. يا ولية بقولك العيال على حالهم، لا دا كمان شكلهم زايد اوي النهاردة من ساعة ما شافوها امبارح في فرح ابن عمتهم وهي متزوقة،……… لا يا ست مبروكة هو قالي ان العمل هيشنغل في اليوم نفسه، بس دا محصلش، يبقى الفلوس اللي دفعاها انا وقعت في الارض على كدة……. يا ستي عارفة اني تعبتك معايا ، بس انتي المساعدة بتاعته ولازم تبلغيه يتصرف بحاجة تانية، حرام اكون دافعة ومكلفة وفي الاخر ميجبش فايدة………. تاني هتحدديلي ميعاد ؟ يبقى فيها دفع فلوس تاني يا مبروكة انا عارفة……… خلاص يا ست متتعصبيش حدديلي ميعاد، انا لولا بس واثقة في كرماته ومجرباه قبل كدة، كنت قولت انه نصاب…….. خلاص مش هزعل الاسياد ولا اللبخ، بس انتي استعجليلي ميعاد مقابلتي بيه، متلطعنيش ، انا عايزة اخلص من البت واطمن ع العيال الموقوف حالهم………، كدة طب انا على ما اجي بقى تكوني حضرتي الحاجة مع الشيخ…….. تسلمي يا غالية تسلمي، هجيب حلاوتك معايا حاضر………. انتي تؤمري.
ختمت بتنهيدة مسهدة فور ان انهت المكالمة ، لتلتف بجسدها، وتصطدم ابصارها، بتلك الملعونة ابنتها ، مستندة بظهرها على إطار الباب، تطالعها بنظرات كاشفة وابتسامة ماكرة تخبرها انها سمعت كل الحديث:
– يعني ظني طلع صح……. احبك يا درية لما تخططي وتكتكي في الكوتيمي.
زفرت والدتها تحدجها بغيظ شديد، لتقترب فجأة وتجذبها قابضة على عضدها بعنف لداخل الغرفة فتحذرها كازة على اسنانها؛
– اسمعي يا بت انتي، الكلام ده حسك عينك يطلع لحد، ولا حتى بينك وبين نفسك، يا اما يا سامية قسما بالله لاطلعه على جتتك…
قابلت ابنتها العاصفة الهوجاء منها بتباسط وابتسامة لم تتخلى عنها ، لتطمئنها:
– ياما متقلقيش سرك في بير، انا برضو بنتك والمصلحة واحدة، بس كنت عايزة اعرف بقى، العمل عملاه على اساس ايه؟ يجيلها المرض وتموت بيه؟ ولا تغور في داهية بعيد عننا؟
التوت شفتي درية تمصمص بشفتيها مستنكرة التجني عليها:
– مرض ايه وهباب ايه يا زفت الطين انتي، شايفاني قدامك قتالة قتلة يا بت، دا انا واحدة بتخاف ربنا ، واللي بعمله ده عشان مضطرة، عيالي هيروحوا مني بسببها اقف متكتفة بقى؟ لا طبعا، انا بس موصية الشيخ يطلعها جاموسة ولا قرد في عيونهم، عشان يكرهوها أو يغورها عننا بأي نصيبة، بس كدة .
– بس كدة ياما؟
رددت خلفها بتشكك، لتردف درية بتأكيد:
– بس كدة يا هبابة، واقطمي بقى عشان الرط يجيب مشاكل ويكشف المستور، واحنا بنقول يا حيطة دارينا.
أومأت سامية تهز رأسها بحماس مرددة:
– من عيوني ياما، ما انا قولتلك سرك في بير، بس انا سمعاكي بتقولي انك مجرباه، كنت عايزة اعرف، في ايه بقى جربتيه قبل كدة وعرفتي بكرماته؟
الى هنا ولم تتحمل درية، وقد فاض بها من تدخلها، لتكزها بقبضتها، تنهرها بوعيد:
– وانتي مالك يا زفتة؟ عايزة تحشري نفسك كمان في اللي فات، بقك دا يخرص خالص، وإياكي تنطقي بالكلام ده تاني، لا قدام غيري ولا قدامى، وابعدي بقى خليني اشوف اللي ورايا جاتك الهم .
دفعتها من كتفها وتحركت مغادرة لخارج الغرفة ، لتتبع اثرها ابنتها وبداخلها حماس لا تخفيه، بعد اكتشافها سر هذه القوة الخفية التي تمكن والدتها من فعل ما تريد، وشيطان رأسها يوسوسها للمضي في نفس طريقها.
❈-❈-❈
بصدمة تعلو ملامحها تستعيد الحديث بذهنها وتكرره عدت مرات عل استيعابها الضعيف يصل لشيء اخر، غير هذا الذي فهمته:
– نعم يا رياض باشا، يعني انت عايز تتجوزني في السر، دا حقيقي ولا انا فهمت غلط؟
تحمحم يبرر بملامح جامدة وكأنه يخبرها شيء، عادي:
– انا مش بطلب منك حاجة عيب ولا حرام عشان تتعصبي كدة يا بهجة، لأن دي مش من اخلاقي اصلا، انا عايزك وعايزك بشدة، ولذلك ملقتش قدامي غير حلال ربنا.
عايزك وعايزك بشدة، تكررت في ذهنها عدة مرات، يبرز الامر لها، انه لا يتعدى الرغبة، يعني ليست تلك المشاعر التي كانت تنشدها، لكن يا ترى هل بالفعل هي هكذا؟ ام انه ينكر احساسًا داخله، يصلها في كل همسة وكل كلمة وكل نظرة منه، قلبها الصادق لا يخطيء ابدا، لكن ما الفائدة وهو في كلتا الحالتين اظهر لها وجهه الحقيقي ونظرته الدونية لها، ولكن ما العجب، الم تكن تلك قناعتها من البداية!
تنهيدة مثقلة خرجت منها قبل ان تعقب على قوله:
– بصراحة انا مخضوضة من جرأتك يا رياض باشا، بتبلغني برغبتك فيا كدة من غير تزويق ولا لف ودوران……
قاطعها مردفًا:
– انا راجل عملي يا بهجة، وقولتلك اني مليش في الحرام، ليكي عندي ان ءأمن مستقبلك بمبلغ محترم يغنيكي انتي واخواتك عن الاحتياج…..
قاطعته بدورها:
– على كدة بقى مصاريف مستشفى ايهاب من ضمن الحساب؟
زفر نافيا بهزة من رأسه واعتراض واضح:
– دي ملهاش دعوة يا بهجة .
– لأ ليها دعوة يا باشا، مدام الموضوع كله حساب في حساب .
صدرت منها بقوة لا تدري من اين أتت، كما انها تندهش لصمودها حتى الاَن امامه، بل ومواجهته بحدة، لتستفز هذا الجزء المتعجرف داخله:
– وان وافقتك وقولت امين هتقدرى تسددي التمن وانتي رافضاني؟
سألها ليرى تأثير قسوة السؤال على ملامحها التي امتقعت بقهر نبع بداخلها، ليشفق ملطفًا:
– احسنلك تخرجيها من الحسبة يا بهجة ، عشان يبقى قرارك من غير ضغط ، انا بحط قدامك المميزات بجوازك مني، لا عايز اضغط ولا امسكك من ايدك اللي بتوجعك، فكري كويس واعرفي فين مصلحتك..
– افكر في ايه؟!
تمتمت بها وجرح مزق قلبها لأجزاء ، لتردف بصراحة كاشفة بوجهه:
– طول ما الدين بتاعك مطوق رقبتي، يبقى حضرتك مش سايبلي اختيارات، كان عندها حق لورا لما صدمتني بالحقيقة في وشي، انا اللي كنت غبية وكالعادة غلبتني السذاجة اللي ورثتها من والدي ، عشان اصدق ان حضرتك فعلا بتعمل كدة لوجه الله او كرم منك، يا خسارة.
خرجت كلمتها الاخيرة بصوت بح من فرط ما يكتنفها من الداخل، ورغم الالم الذي كان يجتاحه لهيئتها تلك، الا انه أبى الا يظهر ضعفه امامها، ليواصل بجمود يتقنه:
– تمام يا بهجة، لو حابة تخلي الموضوع كدة، رغم انه على غير رغبتي، انتي حرة، انا بحاول أوسعها في وشك على قد ما اقدر، بس انتي مصممة تاخديها بدراما انا نفسي متفاجيء منها، ع العموم كدة باقي ردك.
اوما بكف يده في الهواء امامها، يوقفها ألا تتعجل التفوه بما لا يعجبه، فور ان افتر فاهاها لتهم بالرد، ليسبقها بحنكته:
– انا مش عايزك تردي في لحظة انفعال دلوقتى….. حاولي تفكري كويس وتعرفي فين مصلحتك، معايا مش هتخسري حاجة بل بالعكس، انتي هتكسبي كتير وكتير اوي كمان.
صمتت للحظات تطالعه بنظرة قادرة على الإطاحة بكل ثباته، ليخر راكعًا امامها يطلب الصفح ويستجدي موافقتها، وبالصورة التي تريدها، ولكن ما الفائدة؟ وقد سبق السيف العزل، ولابد من مواصلة الضغط،
لتحسم هي بالترجل من السيارة دون استئذان، تصفق الباب بقوة وتغادر دون ان ينطق فمها ببنت شفاه.
ليزفر هو طاردًا من صدره دفعة من هواء مشبع بإحباطه، والم ينغز بصدره كلما تذكر صدمتها به.
❈-❈-❈
بحث بعيناه داخل ارجاء الشقة بعد استيقاظه، ليجدها الان داخل المطبخ، تعد فنجان قهوتها على ماكينة القهوة، ف اقترب بخفة ليفاجأها بلف ذراعه حول خصرها من الخلف، يطبع قبلة على كتفها مرددًا:
– مصحتنيش ليه عشان اشرب قهوتي معاكي؟
تبسمت مستمتعة بغمرته لها تجيبه:
– محبيتش ازعجك، خصوصا وانت راجع متأخر امبارح.
– امممم.
زام بفمه بعدم رضا يعقب على قولها بسخرية :
– عندك حق، ما انا جيت لقيتك سهرانة مستنياني.
ضحكت تزيد من غيظه وهي تلتف نحوه واضعة كفيها على صدره:
– وانا اعملك ايه؟ ما انا فعلا قعدت مستنياك لقريب واحدة على فيلم السهرة، بعدها محستش بنفسي غير الصبح وانا على فرشتي ونايمة جمبك، وعقلي قعد ساعة يسألني ، انا جيت هنا ازاي؟
زام بفمه مرة اخرى، يجاري لعبتها، فهو على علم تام انها شعرت بحمله لها حتى وضعها على الفراش، مما شجعه في محاولة ايقاظها بعد ذلك، ولكنه فقد الأمل حين لم تستجيب:
– اكيد بتمشي وانتي نايمة.
ضحكت مما استفزه ليضربها بخفة على جانب رأسها ، متوعدًا:
– وليكي عين كمان تضحكي، دي جزاتي اني سيبتك تنامي وتاخدي راحتك.
واصلت ضحكاتها ، لتلقي برأسها فوق عظام صدره، وتلف ذراعيها حوله قائلة بامتنان:
– انا فعلا كنت عايزة ارتاح امبارح، تعب السفر والسهر كوم عليا، نمت زي الجثة.
شدد بذراعيه عليها، وفضوله يدفعه للتساؤل:
– بعد الشر عليكي يا روح قلبي، انا مقدر لاني انا كمان كنت تعبان ، لكن اعمل ايه بقى في الجماعة اصحابي، واصرارهم الغريب في الاحتفال بيا والسهر معاهم ، ياللا بقى، المهم بقى انا بقول نقضي النهاردة اليوم عائلي ، ايه رأيك نقضيه عندكم .
ارتفعت رأسها فجأة سائلة باستفسار لا يخلو من قلق:
– عندنا فين بالظبط؟
تبسم يداعب طرف ذقنها:
– عندكم اللي هو بيت العيلة، مع مامتك واختك، هي عيلتك عندها كام بيت؟
ابتلعت رمقها برفض مبررة:
– ونبتدي ليه ببيتنا؟ ما نروح عند عبير وبابا عزوز.
اضطرابها الصريح ومراوغتها في الحديث معه، جعلته يتأكد من صحة ظنه بعلمها بخروج هذا الفاسد من محبسه، ليردف لها حازمًا:
– بس انا عندي غاية النهاردة ادوق اكل الست والدتك، وان كان على والدي وعبير، فدول هنروح منهم فين؟
تابع قاطعًا فرصة الجدال معه:
– اتصلي برؤى وبلغيها عشان تعمل حسابها ع الغدا او العشا، اللي يريحها، انا فاضي ولسة في أجازتي، يعني معايا الوقت كله.
ختم قاطفًا قبلة سريعة من ثغرها، ثم غادر بخطواته الشامخة، ليتركها في تخبطها، وتساؤل عن المغزى من خلف زيارة المنطقة في هذا الوقت، وهي تعلم تمام العلم انه علم بخروج ابراهيم من السجن، ترى هل يقصد الاحتكاك به؟
❈-❈-❈
خرج من غرفته بعد سماع الجلبة، والصوت الجهوري المميز في مخاطبة والدته، لتقع عينيه عليه جالسًا على مائدة الطعام، يتناول وجبته بنفس شهيته كعادته، بعد اختفائه بالأمس عن الترحيب به واستقباله كباقي افراد الحارة ، انه حتى لم يكلف نفسه بالسؤال عنه، بل والعجيب انه هو من اشتاق اليه، رغم كل ما يحمله من ضغينه نحوه،
ارتفعت ابصار الاخر لتلتقي به، يخاطبه ببرود:
– حمد الله ع السلامة.
– الله يسلمك.
تمتم بها ابراهبم متهكمًا، ليخطو ويقف قباله معقبَا:
– ياااه، اخيرا طلعت منك، كتر خيرك يا عم ورداني، جيت على نفسك ليه يا راجل؟ ما كان بلاها احسن.
سمع منه عابد الورداني ، فواصل تناول طعامه دون اهتمام منه ان يجيبه، ليزداد الحنق بداخل الاخر، حتى انتفخت اوداجه وازداد اللهيب المستعر بداخل عينيه، لتلحق سميرة بذكائها فتجلسه على احد المقاعد، مبررة بلؤم:
– اقعد يا ابراهيم متبقاش حمقي، ابوك كان عنده بيعة مهمة امبارح برا البلد، يعني مكانش فاضي لاستقبالك ، فهمت بقى.
زادت حدة ابراهيم في توجيه الغضب نحو ابيه مرددًا:
– افهم ايه ما انتي قولتي الحجة دي من امبارح، وانا بلعتها بمزاجي، انما اصحى دلوقتي الاقيه بيبصلي ببرود ولا اكني بايت في حضنه، جرا ايه يا عم؟ دا انا لو عدوك هتفرح بخروجي من حبستي، الناس دى ايه قلوبها اللي عاملة زي الحجارة دي ؟
خرج عابد عن صمته ليباغته بسؤاله:
– وتفتكر بقى عشان خدت البراءة يبقى انت بريء بجد؟ ولا فاكرني صدقت انا بلعبة المحامي ابن الحرام اللي امك دفعتله من فلوسي عشان يخرجك؟
شحب وجه ابراهيم متفاجًئ من حدته ، ليستطرد عابد:
– بلاش نتكلم ونفتح لبعض يا ابراهيم، انت شايل مني عشان مستقبلتكش، وانا قلبي مش راضي عليك من ساعة ما اتأكدت من مصيبتك.
انتفض عن كرسيه يلوح بسبابته امامه:
– تقدر تضحك ع الناس كلها وتفهمهم انك بريء، بس انا لا يا بني، عشان اللي ربى خير من اللي اشترى، وانا مش بس مربيك، لا دا انا خاتم على مصيبتك وحاططها في قلبي وساكت، دفعت من حر مالي عشان اخرجك ، لكن عمري ما هنسهالك، انك تخسرني صاحب عمري بقلبك الاسود وعمايلك المهببة، الا لو ربنا هداك، يمكن ساعتها انسى.
دفع بيده الطعام مستطردًا:
– وادي الاكل سايبهولك انت وامك، على الله بس تشبعوا.
قالها ثم انصرف تتبعه ابصار الاثنان، بذهول اخرس السنتهم، فهذه لاول مرة يكشف لهم عن سر امتناعه وغضبه الدائم عن زيارة ابنه الوحيد.
❈-❈-❈
بعد تململ وفترة من التقلب على فراشه، فتح عيناه للضوء الذي تسلل من الجزء الصغير المكشوف من زجاج الشرفة المغلقة، ليستوعب وضعه في الغرفة الجديدة، ليعود اليه الوعي فور ان استفاق لذراعه التي تضمها ، فيتطلع اليها جيدا، ويتبين انه لم يكن يحلم،
إذن تلك الصور الجميلة التي راودت عقله لم تكن حلمها بل واقع وحلق في سمائه منذ ساعات قليلة، الجميلة الساحرة بين يديه، تلك التي قبلت به رغم كل الفروق بينهم، وفضلته على من هو اوسم وأغنى وارقى منه، ما الذي يحدث معه؟ ما تلك السعادة التي تضخمت بقلبه حتى كاد ان ينفجر صارخًا، معلنًا بعشقها على الملأ،
هي العوض، لا بل هي الهدية الجميلة التي منَ الله عليه بها، يريد التأكد كل لحظة وكل دقيقة انه لا يحلم، وما الذ من التنفيذ عمليًا.
مال بعدم تصديق يقصد تقبيلها، ولكن وقبل ان يدنو منها جيدا ، فاجأته بفعلها، حينما عبست ملامحها بضيق، تدفع سبابته التي حركها بغرض إزاحة خصل الشعر التي تغطي نصف وجهها عنه، ليتبسم بمرح لفعلها، مقررًا التكرار بمداعبة طرف انفها، فعادت هي للعبوس مرة أخرى تدفع الهواء وكأنه ذبابة تحوم حولها.
ليزداد استمتاعًا ويضاعف من مشاكستها حتى اجبرها للاستيقاظ، تفتح عيناها للنور بضجر، فتلقفها بالتحية وقبلة خاطفة:
– صباح الجمال.
تجمدت لحظات في اللا وعي هي ايضا حتى استوعبت، لينتابها الخجل ، فتسبل اهدابها عنه دون رد، وقد لاح بذهنها كل ما حدث بالأمس.
فهم عليها ليزداد سعادة، مقبلا جفن عينيها بحنو:
– يا قلب شادي، بقيتي قطة وديعة يا صبا، امال فين الخربشة وروح الشراسة اللي بحبها فيك يا صعيدي انت يا مجنني؟
ارتفعت عيناها اليه مرددة بجرأة تتصنعها في رد له:
– ومالهم الصعايدة على اول الصبح، انت غاوي تجلب الوجه الجبلي عليك في صباحيتك يا شادي؟
جلجلت ضحكته الصاخبة تدوي مقهقهًا يردد:
– اوي يا صبا، انا حابب اوي اشوف الشراسة اللي كنت متوقعها.
أكمل بجرأة يفاجأها:
– أصل انا بصراحة كنت راسم صورة مخالفة خالص، افتكرت بقى هيبقى في خناقات، هجوم ودفاع، صد ورد، لكن الرقة دي مكنتش متوقعها ابدا من صبا.
ضاقت عينيها بغيظ منه ومن وقاحته، لتدفعه بقبضتها في رد له:
– طب بَعد.
تبسم باتساع رافضا التزحزح:
– ابعد ايه بالظبط؟ مش فاهم ، ممكن توضحي اكتر؟
اردفت بغيظ اشد تحاول الفكاك من حصاره:
– بطل غلاسة يا شادي ، احنا لسة في اول اليوم متجفلنيش منك.
– ايه؟
تمتم بها ليقع من الضحك فيزيد من ضمها، هذه المشاكسة، تدعي الضيق والتأفف حتى تخفي خجلها منه كالعادة، ولا تدري بأنه يحفظها:
– صبا انا هموت منك بجد جننتيني….
– بعد الشر عليك متجولش كدة .
قاطعته بها تجذب انتباهه وهذا القلق الذي اعتلى ملامحها، ليواصل مناكفتها:
– ليه يا قلب شادي؟ خايفة عليا؟
جاء ردها بقبضة قوية وجهتها لكتفه مردفه بحنق:
– ودي محتاجة سؤال؟ بعد عني يا شادي عشان انا اتخنجت منك بجد.
عصبيتها في توجيه الخطاب له، وقد احمر وجهها بانفعال جعله يلطف، مرخيًا ذراعيه عنها قائلًا بعشق:
– انا اسف يا قلب شادي لو زعلتك، معلش بقى قدري اني لسة غشيم فى التعامل مع القمر اللي معجون بعصبيه الصعايدة.
تبسمت لغزله، فدنى يدفن رأسه في تجويف عنقها ، يستنشق عبيرها، ثم يمرر شفتاه على بشرتها حتى وصل لثغرها ليعود ويتذوق شهدها من جديد، شاعرًا باستجابة منها على استحياء، ليردف بتأوه:
– ااااه ، يا لهوي عليك يا شادي، دا انت هتشوف الويل مع بنت ابو ليلة .
❈-❈-❈
توقفت سيارة النقل العام بالقرب من الطريق المؤدي لمنطقتها، لتترجل منه عائدة الى منزلها، فلم تملك من الطاقة ما يجعلها تمارس عملها داخل المصنع والذي هو ملكه من الأساس.
ما السبيل وحتى رزقها يأتي عن طريقه، ان استغنت عن مجالسة والدته، كيف تستغني عن عملها في المصنع؟ وهو المصدر الرئيسي لإعالتهم، انه لا يطوق عنقها فقط بالدين، انما يمتلك قوت يومها، تبا له من مغرور ومستغل.
– راجعة بدري ليه عن ميعادك يا بهجة؟
وصلها الصوت المعروف لتغمض عينيها بتعب، فهي لا ينقصها الاَن من سماجة ابناء عمها، لتواصل متجاهلة الرد عليه، لتفاجأ به يتصدر امامها ويوفقها :
– جرالك ايه يا بهجة؟ انا بكلمك، لتكوني سرحانة!
وكأنه ضغط على زر الانفجار، صاحت به مرددة:
– يا سيدي وما اكون سرحانة انت مالك؟ هو انا هلاقيها منك يا سامر، ولا من اخوك اللي مزهقني برزالته في الرايحة وفي الجاية ، ما تحلو عني بقى ، دا انا كرهت الشارع وكرهت البيت اللي ساكنة فيه عشان خاطركم، اولع في نفسي عشان استريح منكم يعني؟
أومأ بصدمة لرد فعلها المبالغ فيه، ليتراجع مرتدًا للخلف بأقدامه، ملوحًا بكل يده امامها:
– خلاص يا بنت عمي، انا اسف والله لو سألتك، سامحينى ان كنت قلقت عليكي ولا على حد من اخواتك ، انتي حقك تعملي اللي انتي عايزاه وانا ابقى مش محترم لو كررتها تاني .
كان قاصدا الضغط على عاطفتها، لعلمه جيدا بشخصيتها، والتي اكتنفها تأنيب داخلها لتلطف بتعب ممسكة بطرفي أصبعيها على أعلى انفها قائلة:
– معلش يا سامر، بس انا مخنوقة وتعبانة ومش قادرة حتى على الكلام، اعذرني في حدتي عليك .
– طب هو انا ممكن اسألك عن سبب الخنقة ؟
رمقته بحدة جعلته يتراجع على الفور:
– بلاش الخنقة، قوليلي ع اللي تاعبك وانا رقبتي سدادة، لو محتاجة دكتور او شيء انا تحت امرك .
زفرت بنفاذ صبر ترفض عرضه بزوق:
– لا يا سيدي كتر خيرك اوي، انا ماشية امدد جسمي ع السرير وان شاء الله محتاجش لأي دكتور، عن اذنك بقى عشان مش متحملة الوقفة .
وبدون انتظار رده، تحركت ذاهبة من امامه على الفور، لتمضي في طريقها، متجاهلة النظرات المصوبة نحوها من اهل الحارة والمتسائلة لعودتها من عملها في هذا الوقت من الصباح .
لتسرع بخطواتها حتى وصلت الى منزلهم، لتدفع الباب بهدوء بعدما فتحت بمفتاحها، ثم تدلف على أطراف اصابعها حتى لا يسيتقظ شقيقها الذي كان نائمًا في هذا الوقت ، بعد ليلة طويلة من السهر واستذكار دروسه، فتخطو بخفة حتى ولجت داخل غرفتها ، تخلع الحذاء، قبل ان ترتمي بجسدها على الفراش، تطلع العنان لدموع تحتجزها منذ لقاءها بهذا المغرور .
❈-❈-❈
به شيء هذا اليوم مختلف ، صفحة البرود التي يتحلى بها دائما تغيب عنه بصورة مزعجة، مع تلك النظرات التي يصوبها نحوها الاَن وهي تدلف اليه بمجموعة من الملفات المطلوب البت بها، وهو جالس يهزهز كرسيه بملامح مغلفة لا تنبيء بشيء:
– حطيهم هنا.
قالها يشير بيده على سطح المكتب بجانبه، دون ان يلتقطهم منها ويعمل عليهم على الفور كما يفعل دائمًا، ثم يفاجأها بمطلبه:
– اتفضلي اقعدي يا لورا عايزك.
قطبت بعدم فهم، تظن انها قد فهمت خطأ، ليزفر بصوت عالي يشير لها مؤكدًا:
– بقولك اقعدي يا لورا ، هو انا بتكلم بلغة مش مفهومة.
جلست على الفور متمتمة بارتباك:
– لا طبعا انا بس استغربت.
وضعت ساق فوق الاخرى مردفة بابتسامة ناعمة تلمس بكف يدها على شعرها:
– اممم انت تؤمر يا رياض باشا.
ضيق عينيه قليلًا يطالعها بصمت زاد من اضطرابها وتضاعف، حتى داعبتها الأماني والأحلام، لربما حدث وقد ما تتوق اليه وبشدة في القرب منه.
لتسبهل اهدابها بخجل تتصنعه، تتحمحم برقة:
– رياض انت مقولتش لحد دلوقتي عايزني في ايه؟
– اسمي رياض بيه يا لورا، كذا مرة انبهك متخلطيش بين القرابة وبين الشغل.
اجفلها برده الجاف حتى ارتفعت عينيها اليه بإجفال ، ليواصل بجموده، غير مكترثًا بإحراجها:
– قوليلي صحيح يا لورا، هو انتي بقالك كام سنة شغالة معايا؟
كتمت زفرة الاحباط بداخلها، لتجيبه برسمية بحتة كما يريد:
– تقريبا من اول ما مسكت انت المصنع بعد المرحوم حكيم، بتسأل ليه حضرتك؟
مال بجسده يسند مرفقيه على سطح المكتب يجيبها بغموض، واضعًا بندقيتيه صوب خاصتيها وكأنه يغوص بأغوارها:
– بسأل عشان اتأكد يا لورا ، بصراحة قاعد بعيد في دماغي، لو كنت في يوم من الايام، خلطت علاقة العمل ما بينا وبين القرابة.
امتقعت ملامحها لتعقب بحنق يسري بداخلها منه:
– حضرتك عمرك ما عملتها، بدليل الموقف اللي حصل من دقايق.
لقد اوقعها في الفخ، هذا ما تأكدت منه فور تبدل ملامحه فجأة ليردف بصوت غريب عنه، وفظاظة تثير التساؤل:
– ولما هو كدة، ومفيش ما بيني وبينك غير الشغل، بتبلغي بهجة بمصاريف المستشفى بتاعة اخوها ليه؟ انا كنت طلبت منك ذلك؟
بهتت فاغرة فمها بازبهلال، وكأن المفاجأة شلت أطرافها، لتأخذ لحظات من الاستيعاب، استغلها هو في توجيه التوبيخ لها مضيفًا:
– كون انك قريبتي دا ميدكيش الحق ابدًا في انك تتدخلي في شئوني، سواء بتصرف صح او غلط ، انتي ميخصكيش.
خرجت الاخيرة بصيحة جعلتها تستفيق لنفسها، مستعيدة بعضًا من دهائها:
– حضرتك بتلومني وكأنك متأكد، انا بقى عايزة اعرف، هي ليه تبلغك بالكلام ده؟ لو بتحاسب على اختلاط علاقة القرابة مع الشغل، يبقى نحاسب البنت دي اللي دخلت البيت تبث سمومها ولا اكنها بقت من اصحابه.
اجابها ببساطة ناسفًا كل اغراضها مما سبق:
– من اصاحبه او غريبة عنه، برضو انتى مالك يا لورا؟ انا حر في ممتلكاتي وحر اعمل اللي عايزه، انتي ملكيش في حياتي الا المسافة اللي محددها، ياريت بلاش تتعديها، عشان متخسريش شغلك قبالها، اكيد تعرفي كويس اني معنديش تهاون .
كان قاسيًا لدرجة افقدتها النطق للحظات، حتى اتجهت لسلاح الانثى الاخير، لتذرف الدموع متمتمة بمسكنة تجيدها:
– انت بتقولى انا الكلام ده؟ سمحت لواحدة زي دي تشوه صورتي قدامك، انا دلوقتي بس ندمانة لصفة القرابة اللي ما بينا، ع الاقل لو بشتغل عند حد غريب، هيراعي اكيد انه يعدل ما بين موظفينه، انا بشتغل عندك بقالي سنين ، عارفني كويس وعارف اخلاقي، مش واحدة شغالة عندك من شهور قليلة، ياريتني مت قبل ما اتعرض للظلم ده منك، ياريتني مت.
نهضت من امامه مواصلة فقرتها:
– حضرتك كمان تقدر ترفدني، ولو عايزها تيجي مني، انا مستعدة اقدم استقالتي برضو مش هعترض….. عن اذنك……
ختمت بشهقة لتكتم بكف يدها على فمها، وتركض من أمامه، منهية وصلتها، على امل التأثير بقلبه المتحجر، والذي تجمد محله، يطرق بقلمه بأعين فارغة كالزجاج، فاقدة للأحساس، حتى لو به شيء من تأنيب الضمير ، تغلبه دائما طبيعته عن التراجع، هذا هو رياض الحكيم، الذي قضى نصف عمره في بلاد الثلج مع قوم لا تهتم ولا تعطي قيمة للعواطف، والجزء الثاني كان بالصدمات المتوالية ، حتى كبر زيادة عن عمره سنوات، وزاد بقلبه الجفاء.
❈-❈-❈
توقفت السيارة اسفل البناية التي يوجد بها منزلهم، لتخرج هي اولا بحلتها الجديدة وقد صارت انثى بالمعنى الحقيقي، تشرح القلب بطلتها، لتتلقى الترحيب بلهفة من شقيقتها التي كانت تنتظرها في شرفة المنزل، لتلوح لها بكفيها في الهواء، فقابلتها هي بابتسامة رائعة، قبل ان تلتف رأسها فتلتقي ابصارها بذلك الذي برقت عينيه بذهول، لا يصدق ان تلك امنية التي كان دائما يراها عادية واقل من عادية،
بوجهها الممتليء وجسدها الذي كان يظهرها اكبر من عمرها رغم اغرائه.
كل هذا ذهب الاَن، الوجه اصبح منحوتا يظهر جمال الملامح التي كانت مدفونة، وجسدها مازال مغريا ولكن برشاقة الابطال، وهذه الهيئة الجديدة والملابس بدلتها تماما.
افترت زاوية فمه بابتسامة جانبية قابلتها بازدراء لتواصل طريقها، بعدما القت بنظرها نحو ذلك الذي كان يقود السيارة حتى ركنها في موقع جيد قبل ان يخرج، بحلته الأنيقة التي تليق به، وعضلاته البارزة تكاد تمزق السترة التي يرتديها ، بهيبة تجعل الجميع يحسبون حسابه، ثم هذه النظارة السوداء على عينيه، لتزيده غموضًا حينما وقف امام الاخر للحظات ، وكأنه يريه من هو،
قبل ان يتحرك بعد ذلك يلحق بزوجته، ليتمتم ابراهيم ف اثره بعدما جفف الدماء بعروقه :
– يا بن ال….. جاي تنفش ريشك عليا وتوريني عضلاتك، ماشي، ماشي يا سيادة الظابط….. ماشي يا امنية.
❈-❈-❈
في إحدى النوادي الاجتماعية الخاصة بالرجال، كانت جلسة الاثنان، بعدما اصر عليه كارم للخروج معه، ليستعلم ولو قليلًا عن سر جموده، وهذا الحالة الغريبة التي تتلبسه منذ لقاءه به، حتى امتنع عن مواصلة العمل، وهذا شيء من النادر أن يحدث،
اتى اليه بعبوة المشروب البارد ليلكزه مشاكسًا:
– ايه يا عمنا؟ فوق كدة واشرب وفك عن نفسك .
تناول منه يتنفس زافرا ببعض الهدوء ليرتشفها متذوقًا لذعتها ، ليتأفف معبرا عن ضيقه:
– ايه ده يا كارم دي حراقة اوي، مش تجيب حاجة اخف.
تجرع منها الاخر بتلذذ قائلا:
– وهو في احلى من الحراق؟ دي حتى طعمها يهبل ومش مسكرة على حد طلبك.
اومأ رياض مستسلمًا دون اعتراض، مما دفع فضول الاخر للتساؤل:
– بس مش غريبة دي يا رياض، ان رغم عشرتك للخواجات العمر دا كله ومتكونش بتحب البيرة ولا حتى تشربها تفاريح.
ابتسامة ضعيفة لاحت على جانب فمه قبل ان يجيبه:
– اللي يعاشر الغرب خصوصا في السن الصغير بتاعي ، أكيد هيمشي على نظامهم، وانت عارف بقى والدي ووالدتي كانوا منفتحين ازاي؟
توقف يطرد من صدره دفعة هائلة من هواء ساخن، تشبع بحزنه بعد ذكره للإثنان، ليتمالك بعد ذلك مردفًا:
– بس طبعا انا لما دخلت الجامعة واشتغلت ، شوية شوية بقيت افتح دماغي اكتر وامقت الحاجات دي من نفسي…….. وعلى رجوعي مصر كنت بطلت خالص، والتفت لشغلي.
اومأ كارم مقدرًا صعوبة الكلمات وهي تخرج من فمه، ليربت بكفه على ركبته بخفة، ثم سرعان ما غير دفة الحديث بتساؤله:
– طب قولي بقى، ايه اللي قالب حالك كدة؟
حينما ظل على صمته، واصل كارم بفراسة:
– هو انا ليه قلبي حاسس، ان ورا قلبتك دي في واحدة ست.
اعتلى الإجفال وجه الاخر، مما أكد الظن لديه، ليردف بإلحاح:
– يا عم احنا رجالة زي بعض، قولي بس لو عندك مشكلة مع واحدة منهم، صاحبك له خبرة برضو مع الصنف.
– صنف؟
تمتم بها بعدم استيعاب، ليقهقه ضاحكًا بمرواغة كي يخفي توتره، فهذا الماكر، لديه من الذكاء الحاد والقدرة على كشف اغواره:
– وربنا انت مشكلة يا كارم، ع العموم يا سيدي لما احتاج مساعدة مش هروح لغيرك، مدام انت راجل عندك خبرة.
بادله كارم الضحك والمزاح، يحترم تحفظه، ليردف مرحبًا بمساعدته:
– وانا جاهز في اي وقت يا سيدي، وقت ما تعوزني بس أشر بإيدك.
اومأ بامتنان له:
– ماشي يا باشا.
❈-❈-❈
والى بهجة التي غفت على فراشها ، بعد وصلة من البكاء والحزن، حتى استيقظت على صوت دفع الباب واقدام احدهم تلج اليها، ثم تخرج سريعًا بخطوات مرتبكه، حتى ارتطم شيئًا ما على الارض ، مما جعلها ترفع رأسها وجذعها سريعًا لتستكشف هوية الشخص الذي صار يصلها صوت اقدامه، لتخرج من غرفتها على الفور، وتفاجأ بفتح الباب الخارجي من المنزل، قبل ان يصفق سريعًا بخروج الشخص، فلاح أمامها سريعا طيف اللون الاخضر.
لتهرول كي تلحق بمن ظنته لصًا، ولكنها تفاجأت بظهر هذه المرأة التي كانت تعطيها ظهرها وتحاول الهبوط على الدرج ببعض السرعة الحريصة….. وترتدي عباءة منزلية خضراء!
فهتفت بها توقفها:
– كنت بتعملي ايه في البيت عندنا يا مرات عمي؟
انتفضت المذكورة وتشنج ظهرها برعب من كشف مصيبتها، لتجبر على الالتفاف لها، تقبض بيداها على هذا الشيء الذي اخدته من الرجل الدجال ( عمل) وقد كانت تنوي اخفاءه بين اشياءها كي يعمل هذه المرة جيدا وينفذ المطلوب، واضعة برأسها ان هذا موعد عملها، لم تحسب ابدا انها ستجدها امامها على الفراش.
ابتلعت ريقها، ترتدي قناع الجمود سائلة:
– انت بتكلميني انا يا بهجة؟
خرجت لها بهجة من مدخل المنزل تضرب كفا على ظهر الاخر مرددة:
– امال بكلم خيالي؟! انا شايفاكي بعيني دلوقتي وانت خارجة من باب البيت.
انتفضت دورية تاخذها العزة بالاثم متهكمة بفجر:
– وايه اللي هيخليني ادخل بيتكم يا عنيا، بدور على الكنز ولا اسرق الفلوس المتكومة يا حسرة؟ ما تصحي لكلامك يا بهجة وبلاش هلفطة خايبة منك.
صاحت بها مرددة؛
– هلفطة خايبة فين؟ انا بقولك شايفاكي بعيوني الجوز وانت خارجة من بيتنا، اما بقى عن السبب، فدا اللي انا عايزة اعرفه منك، ايه اللي يخليكي تدخلي بيت في غياب اهله؟
صوتها العالي جعل شقيقها يخرج من غرفته ليقف بجوارها بتساؤله، وفي الأسفل ايضا دفع سامية الى الصعود لمساندة والدتها التي كانت ترتجف من الزعر عكس ما تدعيه من قوة:
– في ايه يا ست بهجة؟ مالك يا ختي صوتك عالي ليه؟
– نقطتينا انت بسكاتك.
صرخت بها بهجة في وجه هذه الماكرة، والتي جاء تدخلها بنفعه لوالدتها التي استقوت بها:
– تعالي يا بنتي شوفي بعينك واشهدي على امك اللي نازلة من شقة ابنها في امان الله، تقوم تخرج لها دي من غير سلام ولا كلام، وقال ايه، انا دخلت عندهم، يكش يكون عندكم الابعدية وانا مش دريانة!
دعمتها ابنتها في السخرية، تتخصر امام ابنة عمها:
– عندك حق ياما والله، قال ندخل بيتهم قال، دا انتو بتكملوا عشاكم نوم .
– انتى مش محترمة وقليلة الادب.
خرجت من ايهاب يسبق شقيقته، وقد استفزه قلة حياءها والسخرية من وضعهم المادي، لتصيح متمتمة بالسباب، وكأنها تنوي الهجوم عليه، فتتمسك بها والدتها من التقدم:
– بقى انا قليلة ادب، وديني لكون موصلة الموضوع لاخواتي خليهم يربوك يا عيان يا ساقط في هدومك.
رد بقرف وشقيقته هو الاخر تمنعه من التقدم نحوها:
– كان عرفوا ربوكي انتي الاول، بدل ما هما سايبينك على حل شعرك.
– هما مين اللي سابينها على حل شعرها، ما تنقي كلامك يا إيهاب.
جاءت هذه المرة من شقيقها الاكبر والذي وصل على صوت الشجار الذي تجمع له العديد من البشر يتابعون ما يحدث.
لتلتقط سامية فرصتها تخاطبه بمسكنة:
– تعالى يا اخويا الحقنا، بنت عمك بتتبلى على امي انها دخلت بيتهم، واخوها بيقل ادبه عليا انا، ويقول اني مش متربية، انااا بنت عمه بيقول كدة اهيء اهيء.
تذرف الدموع الكاذبة ووالدتها تجاريها ايضا في رسم الدور، لتتجه ابصاره هو نحو بهجة التي علمت انه لا نفع من الجدال مع هاتين العقربتين، ولن تأخذ من المواصلة معهم سوى المزيد من الفضائح.
ليأتي صوته هو ملطفًا، بنظرات هائمة تبغضها:
– اكيد هما ما يقصدوش واللي حصل سوء تفاهم مش اكتر، ولا ايه رأيك يا بهجة؟ انا بقول نقعد مع بعض ونشوف المشكلة فين.
شهقت درية وابنتها لهذا الرد الخانع وقبل ان يأتي توبيخها، صدر الرد من بهجة التي صرخت بقهر ونفاذ صبر:
– مش عايزة حاجة من خلقتكم، لا عايزة اعرف المشكلة ولا حتى اصلها، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله ونعم الوكيل .
صارت تردد بها وهي تسحب شقيقها لتدخله معها ، ثم تصفق الباب بوجههم، لتدلف مع شقيقها الذي صار يردد بتساؤلات عدة تعجز عن الرد عليها،
ماذا ستخبره؟ وقد تجمعت الخيوط برأسها، من بداية حديث عائشة حينما اخبرتها بترجيح دخول هذه المرأة الى المنزل وهي كذبتها، ثم هذا الماء المسحور الذي وجدته رئيستها صباح على باب المنزل، وعلمت منها انها المقصودة، ثم دخولها الاَن الى غرفتها ف ميعاد عملها بالمصنع .
لتذهب الى غرفتها، تضرب بذراعيها على الفراش بانهيار ، هذا اكبر من طاقتها، وقد نفذت طاقتها، الا يكفي ما يثقل ظهرها من هموم قادرة على كسرها لتأتي هذه المرأة بأفعال السحر والشعوذة والله الاعلم بغرضها .
ظلت تفرغ قهرها بالبكاء حتى استفاقت تتذكر حديثها في الصباح معه، وما قد تسبب به من الم داخلي لها زاد من اوجاعها، ولكنها ابدا لن تستمر على هذا الحال، ابدا،
اعتدلت بجذعها تجفف دمعاتها بعنف باطراف اصابعها، لتلتقط الهاتف، وتطلب رقمه، جاءها الرد سريعًا بنبرته الهادئة الباردة:
– الوو يا بهجة، انا معاكي.
استجمعت شجاعتها ليأتي ردها على الفور:
– انا موافقة.
– نعم؟
تمتم بها بعدم تصديق ليأتي التأكيد منها:
-،بقولك اني موافقة على عرضك، بس عندي شروط.
صمت قليلًا ليصلها صوته بعد ذلك:
– وانا موافق على كل شروطك يا بهجة.
جاء قولها بحدة:
– مش لما تسمعها الاول بعد كدة تقرر؟
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الخامس عشر 15 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل السادس عشر 16 بقلم امل نصر
– شوفي يا ختي اللي كنا بنقول عليه عاقل وراسي، صحيح، ياما تحت السواهي دواهي.
تمتمت دورية بالكلمات اثناء تطلعها بالهاتف، توجهها نحو ابنتها المشغولة بوضع قناع البشرة على وجهها امام المراَة، ليدفعها الفضول عما تتحدث عنه والدتها بالسؤال:
– تقصدي مين ياما؟
مصمصمت بشفتيها دورية لترفع امام عينيها شاشة الهاتف، تجيبها بتهكم صريح:
– على الغالي ابن عمتك يا غالية، البت الصعيدية اللي اتجوزها لحست عقله باينها، شوفي واتأكدي بعينك، عشات تعرفي ان العيب فيكي انتي يا خايبة .
اقتربت على الفور تتناول منها الهاتف، لتصدم بصورة ابن عمتها الانيق دائمًا بهيئته الرسمية او حتى في المنزل، وهو الآن بملابس البحر، يضحك بملأ فاه على الشاطيء والرمال في المدينة الساحلية المشهورة ،
وبغل يفوق الوصف صارت تمرر الشاشة على باقي الصور، لترى الأفعال البلهاء التي يفعلها هذا المعروف برزانته المبالغ فيها، اصبح الاَن مع هذه الفتاة وكأنه طفل صغير
فتعقب والدتها بغيظ:
– شوفتي يا ختي اللي كنتي مموتة نفسك عليه، وبقالك سنين بترسمي من غير فايدة ، اهي جات عصفورة من الصعيد الجواني لطشته منك، ياريت بقى تتنيلي وتصحي نفسك،
انتفضت تدفع الهاتف على التخت جوارها بغيظ متعاظم هاتفة ردًا لها:
– وايه هو بقى ان شاء الله اللي اصحى نفسي ليه؟ اكيد قصدك الدهل ابن صاحب جوزك، لأ ياما، الواد البرشامجي دا الا بقبله ولا بطيقه، يعني اصرفي نظر.
عقبت دورية بنفاذ صبر منها:
– خلاص في داهية سيبك منه، خدي العريس اللي جابته خالتك، اهو جيرانها وعارفاه بقالها سنين، لا ليه في البرشام ولا النسوان
– ولا في اي حاجة.
صاحت بها باستهزاء لتردف بعدم تقبل:
– دا ديكي النهار كنت عند خالتي، سمعت امه وهي بتهزقه، وهو مردش بكلمة، هو انا ناقصة كمان اخدلي واحد شخشيخة، دا ايه القرف ده؟
نهضت دورية عن التخت تكز على اسنانها بغيظ تخاطبها:
– يعني مش عاجبك المطيع المؤدب، ولا عاجبك اللي مقطع السمكة وديلها، نقعد بقى نحط ايدنا على خدنا نستنى اللي يدخل مزاجك، ياختي جاتك نيلة، ما ترضي بأي حد بقى، بدل ما انتي تقعدي في قرابيزي، وساعتها لا تبقي طولتي لا عنب الشام ولا بلح اليمن
دفعتها في الاخيرة بقبضة على كتفها من الخلف، لتتحرك وتترك لها الغرفة.
فتغمغم سامية بحقد:
– يعني ما بقاش قدامي غير البرشامجي ولا دلدول امه، وشادي اللي كنت حاطة املي عليه ، خطفته غراب البين صبا، ماشي يا صبا.
❈-❈-❈
– انتي بتتكلمي جد يا بهجة؟ احنا بجد بقى لينا بيت تاني وهنعزل فيه؟
كان هذا رد عائشة والتي هتفت مهللة به تسبق اشقائها، بعدما اجتمعت بهم بهجة لتخبرهم بأمر المنزل الجديد ، بعد اختلاقها قصة من بنات عقلها، كي تقنعهم بالأمر، رغم الصعوبة التي تواجهها في الحبكة.
– ايوة يا بنتي امال انا بتكلم فيه ايه بقالي ساعة؟ كام مرة هشرحها يا عائشة؟
تدخل ايهاب بعدم استيعاب هو الاخر رغم فرحته:
– اعذريها يا بهجة، لما انا نفسي لحد الاَن مش قادر اصدق، معقولة مكافأة التعويض اللي مستنينها من المصلحة اللي كان شغال فيها بابا وبقالنا سنين بنسعى عليها في المحاكم، اتقبلت فجأة، وانتي صرفتيها ولحقتي تجيبي البيت؟ طب ليه مفرحتناش من ساعتها، ع الاقل كنا ساعدناكي في البحث او هيصنا وعملنا هوليلة.
ابتعلت ريقها بتوتر تجاهد اخفاءه في تبريرها له:
– ما هو مكانش ينفع يا ايهاب، انا كنت عايزة اعملها مفاجأه، وبصراحة مكنتش ضامنة ان اصرف الفلوس منهم بجد بعد ما كسبت القضية، وبرضوا كنت خايفة لعمي ولا مرات عمي يشموا خبر دول ما اضمنش رد فعلهم،
– يعني كان هيعملوا ايه؟ هو لا منهم ولا كفاية شرهم.
رددت بها جنات باستهجان، ليأتي الرد. من شقيقها الاصغر بتهكم ساخر:
– الكلام دا على اي حد غير عمك يا حبيبتي، دا مش بعيد يقولنا نصيبي من ورث اخويا، ولا يطلع علينا ديون من شراكة الوكالة عشان ندفعها.. والله ما مستبعد منه.
اومات بهجة رأسها بموافقة، وغصة مؤلمة مررت حلقها فحديثه بالفعل حقيقي :
– انت هتقولي، ما هو حصل فعلا لما جيت اطالب بحقنا في الوكالة، وطلعلي ديون على ابويا بالفعل، الله يرحمه بقى، كان طيب زيادة اوي عن اللزوم..
رددت خلفها جنات بلهفة:
– الله يرحمه، بس احنا كدة عايزين نشوف البيت ده ونشوف ايه اللي ناقصه.
تبسمت شقيقتها الكبرى تخبرها بمرح:
– انتي مش هتشوفيه بس، دا احنا من بكرة هنبقى فيه، انا أنفقت مع عربية نقل كبيرة هتيجي من الفجر ، تسحب كل العفش وتروح معانا ع البيت ، انا مش هستنى دقيقة تاني جمب عمك ولا مرات عمك ولا حتى عيالهم.
– الله اكبر عليكي يا بيبة
صرخت بها عائشة بابتهاج جعل الحماسة تدب بقلب الباقين ، بتجفلها بهجة بإخراج الهاتف:
– طب شوفي الصور اللي لقطها منه بالمرة عشان تعرفي اللي احنا هنسكن فيه.
وقبل ان تصل عائشة كانت جنات وشقيقها اخذين وضعهم ملتصقين بها ، ليسبقوها بالمشاهدة، فصرخت تقفز وسطهم:
– وربنا ما انتو شايفين حاجة قبلي .
التقفتها بهجة لتضعها بحجرها بتدليل لها وكأنه في الثانية من عمرها وليست طفلة كبيرة على الحمل:
– اقعدي يا باشا، هو عندنا كام عائشة بس.
ضحكت لها، ثم تحولت الاصوات لشهقات متتالية مع مشاهدة كل صورة، معبرين عن اعجابهم ، وتساؤلات مختلفة عن الموقع واشياء اخرى تخصهم.
❈-❈-❈
حين أتى ميعاد النوم، ووضعت رأسها على الوسادة، بعدما انتهت من تجهيز الحقائب والاشياء الضرورية المطلوبة لها ولأشقاءها الذين كانت تملأهم الحماسة ، حتى لم يخطر على بالهم التركيز في بعض التفاصيل عن القصة التي حكت بها، تدفعهم الفرحة والذهاب للسكن بعيدا عن اذية اقرب الأشخاص اليهم،
إذن لما تخبرهم وتعكر صفو فرحتهم؟ لما يعرفوا بالثمن اذي سوف تدفعه مقابل تأمين مستقبلهم؟
حتى لو انكشف الامر بعد ذلك لن تندم مهما حدث، يكفيها العوض بهم، يكفيها غلق باب قلبها امام كل غازي يُذهب عنها الراحة، هي فقدت الثقة قبل ذلك في صنف الرجال، والاَن فقدت المعنى من هذا الشيء التافه الذي يدعى بالحب، مدام قلب القاسي لم يهتز لعشقها، إذن…… لكن هو حقا لم يهتز بعشقها،؟
اجابة لا تريد البحث فيها ولا ان تشغل عقلها بها، ما دامت الحياة في نظره؛ هي بيع وشراء….. وقد تقدم لها بالثمن وهي قبلت…..
– ماشي يا رياض يا حكيم ، ماشي
تمتمت بالاخيرة داخل عقلها، قبل ان يغلبها الإرهاق وتستسلم للنعاس.
❈-❈-❈
اما عنه فقد كان في حالة من النشاط الغير عادي، حتى انه ظل في صالة الالعاب يتمرن على الأجهزة ويشعل مشغل الموسيقى بالصوت العالي، يدندن خلف الاغاني بمرح.
يجتاحه شيء واحد ، وهو السعادة لقرب الوصال اليها، علُه يستريح بعد ذلك ، بعدما سيطرت على تفكيره واشعلت مشاعر افتقدها منذ سنوات طويلة.
لم يندم على قرش دفعه لها، هو الكريم مع الجميع، فما باله مع امرأة مثلها ، تستحق ما هو اكثر وأغلى .
نعم تستحق وأكثر، ولكن هذا اقصى ما يمكن ان يقدمه لها، ربما لو كانت في حالة اجتماعية مختلفة، لكان اختلف وضعها معه.
❈-❈-❈
في الصباح الباكر ، استيقظ خميس وزوجته على اصوات الجلبة والدبدبة المتواصلة فوق رأسهم، حتى اجبرت، لينهض عن فراشه ويسبقها في استكشاف الامر:
– يا ساتر يارب، هو البيت حصل فيه زلزال ولا ايه؟
نهضت هي الأخرى تلحق به:
– روح يا خويا شوف، ليكون نسايبك جم يلموا عفش بنتهم، وابنك الأهبل ما صدق، ما انا عارفاها دا احب ما عنده.
سرى بداخله القلق بعد سماعه ما تفوهت به، لينهرها بحنق:
– اعوذ بالله منك ومن لسانك، دا ايه فال يطلع منك كدة على بداية اليوم.
وقبل ان تردف متهكمة ردا له، انتبهت لوقوف ابنتها في مدخل المنزل، حيث الباب المفتوح على آخره، وكأنه تراقب عرضا ما، ليباغتها والدها بتساؤله:
– ايه يا بت اللي موقفك كدة ع الباب ، وايه الناس طالعة نازلة…. يا نهار اسود…
قطع في الأخيرة وقد انتبه لبعض الأساس الذي يحمله الرجال ليردف لزوجته بفزع:
– يا بوز الفقر يا دورية، دا فالك طلع صح، والعفش اللي نازل ده عفش ابنك.
هتفت به ابنته تصحح له:
– مش عفش ابنك يابا ، انتي مخدتش بالك انه قديم؟ دا عفش ولاد اخوك، اصلهم معزلين هيسيبو البيت، دا اللي عرفٌه سامر اخويا لما سأل الراجل صاحب عربية النقل.
– انتي بتتكلمي جد يا بت.
صدرت من دورية بفرحة لم تخفيها، ليعقب زوجها الذي لم يعنيه الامر بانتباه:
– طب هو اخوكي فين دلوقتي؟
رفعت سبابتها للأعلى مرددة:
– اخويا اما عرف وهو طلع لهم على فوق، ومن ساعتها منزلش ، الله اعلم بيعمل ايه؟ ان كان بيشلهم العفش ولا يترجاهم ما بيبعدوش.
قالت الأخيرة بسخرية جعلت ناقوس الخطر يطرق بعقل دورية والتي تمتمت بهلع:
– نهار اسود ليكون التاني كمان معاهم، دا اهبل وممكن يعملنا فضايح.
رددت سامية بتقليل:
– ياما التاني نومه تقيل، والخبط تحته، مش زينا كان فوق راسنا ، خلانا صحينا من احلاها نومة،
– برضو انا لازم اروح اتأكد بنفسي
قالتها لتسحب سلسلة المفاتيح على الطاولة القريبة من الباب الخارجي، وتتحرك قدميها للخروج مغمغمة:
– لازم اعمل حسابي قبل ما بحس.
هتف زوجها من خلفها :
– رايحة فين يا ولية ؟
التفت اليه قائلة بأمر:
– متشغلش نفسك، انت روح للواد التاني ، جره من قفاه وخليه ينزل ، مش ناقصين عمايله هو كمان.
قالتها واستدارت تصعد الدرج ذاهبة نحو شقة ابنها في الطابق الأعلى، كي تتأكد من عدم خروجه بأغلاقها عليه من الخارج بنسخة المفتاح التي تملكها.
اما خميس والذي توقف لحظات بتردد، لم يملك في الاخير الا ان يطيعها، رغم كم الاسئلة التي تدور بعقله ، عن سبب مغادرة ابناء اخيه، والي ابن سيذهبون؟
❈-❈-❈
– انا اللي عايز اعرفه دلوقتي، انتي ازاي يا بهجة ما بلغتيناش؟ حتى لو في مشاكل ما بينا، احنا برضو مهما كان عيلتك، مش اغراب عنك، دا الغريب بيتعمله حساب لما يبقى جارك، في ايه يا بهجة.
كانت هذه نبذة من وصلة الانفعال التي يتفوه بها الابن الاصغر سامر،، نتيجة الصدمة التي استيقظ عليها من دقائق، بمعرفته بمغادرتهم المنزل هكذا وبدون استئذان او حتى إنذار مسبق.
بهجة والتي لم تقاطعه ولو مرة واحدة، تركته يفرغ ما خلده، ليأتي ردها ببرود وتحكم تحسد عليه في ظل انشغالها بمتابعة العمال التي ترفع اثاث المنزل، واستعداد اشقائها للخروج:
– قرايب ولا جيران يا سامر مش فارقة، احنا ربنا وفقنا في حتة كويسة وهننقل لها، انت ايه اللي مزعلك بقى؟
– كل ده وايه اللي مزعلني؟ دا انتي قلبك حجر يا شيخة.
كان صوته عالي لدرجة لفتت انتباه الرجال العاملين على نقل الأساس، حتى اصابها الحرج ، فتدخل شقيقها والذي خرج من الغرفة بحقيبة كبيرة تحمل ملابسه، لينوب عنها في الرد عليه:
– في ايه يا عمنا؟ اللي يسمع يفتكر ان ليك حق علينا، ما نعزل ولا نهاجر حتى، انتو ما لكم بينا، ولا احنا ملزمين كمان نقدملكم تقرير بخطواتنا
وكأنه وجد وجهته وما سيفرغ به غضبه، ثار متوجهًا بغضبه نحوه:
– انت كمان بقى ليك صوت يا ايهاب، جاي تبجح في وشي على اساس انك راجل وليك كلمة، مش اختك هي اللي ممشياك وانت عامل في ايدها زي الدلدول.
– احترم نفسك انا مقبلش
هتفت بها هي ردا له، وقد اثار غضبها بحق، اما ايهاب والذي استفزه الامر من الداخل فقد ابى ان يعطيه غايته، ليقابل سبته بابتسامة هادئة يردد ببرود كاد ان يجلط الأخر:
– اه يا سيدي انا دلدول اختي ومش مكسوف منها، لا دا انا كمان فخور بيها، سيبتلك انت الشخصية والمرجلة لابوك واخوك….. يا بن دورية.
– يا بن ال….. وكمان بتغلط في امي .
تمتم بها بحماقة فاقدا السيطرة على نفسه ، ليتقدم نحوه يبتغي الهجوم عليه، ولكن سبقه احد العمال، ليمسك به قبل ان يصل اليه، موجها كلماته بما يشبه التوبيخ:
– صلي ع النبي يا عمنا، هو انت حد جه ناحيتك، الناس معزلة وسيبنهالكم خالص ، ايه اللي يزعل في كدة؟
سمع منه ليصيح به كالثور الهائج، يحاول الافلات منه، وقد احتجزه الرجل بين ذراعيه
– وانت مالك انت كمان؟ اوعي سيبني، اوعى سيبني بقولك.
– ايه في ايه؟ ايه اللي بيحصل هنا؟
كان هذا صوت خميس الذي اتي ليجفل على هذا الوضع، ليأتي الرد من ابنة اخيه، وندبة في القلب تشعر بألمها كلما رأته امامها في كل المواقف التي مرت بها بسببه:
– خد ابنك يا عمي ، وخليه يلم اذاه عننا، احنا ماشين وسابينها مخضرة، سيبنا حقنا عند ربنا هو مخلص الحقوق، يبقى ياريت بقى تكفونا الشر الاذية لحد كدا.
هو ليس بالغبي حتى لا يعي بسهام كلماتها التي وجهتها له مباشرة قبل شكوتها من ابنه، والذي كان بحالة من الهياج، جعلته يهذي نحوه:
– مشي كلمتك عليها ومتخلهاش تمشي، انت عمهم وكلمتك فوق رأسهم دي الأصول، يا اما تصالحهم وتديهم حقهم في ورث ابوهم في الوكالة…..
– يا ابن الكلب.
عند هذه النقطة ولم يقوى خميس على الاستماع اكثر من ذلك، لينقض عليه يتناوله من الرجل بقوة ويسحبه معه الى الخارج عنوة، قبل ان يفضحه بغباءه، متابعًا له بالسباب والتوبيخ:
– طب ناس بيعزلوا، انت مالك بيهم يا قليل الادب والتربية، عايزهم يقولو خميس معرفش يربي، خلي عيال عمك يشوفوا مصلحتهم فين وبلاش تقف في طريقهم ولا هي بلطجة وخلاص.
❈-❈-❈
فزعت دورية وهي تشاهد ابنها يجره والده بعنف هابطًا الدرج للأسفل وسط مقاومة من الاخر، حتى خشت ان يأذيه، لتنتظر حتى ولج به داخل المنزل، لتغلق بابه عليهم وتستشكف الأمر:
– اوعى سيبني، انت جارر في ايدك بهيمة، انا سيبتك تمسكني عشان بس مقلش منك قدام ولاد اخوك والاغراب.
دفعه خميس بقوة يوقعه على الارض، مرددًا بفحيح:
– تقل من مين يا ابن الكلب؟ هو انت خليت فيها احترام اصلا،
دنى يتناول سكينة صغيرة من طبق الفواكه، ليردف بتهديد ووعيد:
– انا هاين عليا دلوقتي افتح كرشك بالسكين دي عشان اخلص منك ومن قرفك.
شهقة هلع بصوت عالي خرجت من دورية، قبل ان تهجم على زوجها تتناول منه السكين مرددة:
– يخرب بيتك يا راجل، انت اتجننت ولا ايه؟ اخزي
الشيطان وابعد عن الواد ، هو كان عمل ايه يعني؟
صاح بها ساخطًا :
– عمله اسود ومهبب بستين نيلة يا ختي، عاملي فيها غضنفر فوق وقال ايه عايزاني امشي كلمتي عليهم وامنعهم يمشوا، يا كدة يا ايدهم ورثهم من الوكالة، شوفتي الخيبة.
ضربت بكفها على صدرها، وقد اصابها الهلع هي الأخرى
– يا مصيبتك السودة يا دورية، انت اتجننت يا سامر، بقى دي عمايل ناس عاقلين، ليه كدة بس يا بني تزعلنا منك ، هو احنا كنا ظلمناهم يعني؟ ما كل واحد بياخد نصيبه، ودلوقتي عايزين يعزلوا احنا ايه ذنبنا؟
سمع منها ليصرب بكفه على الارض بعجز، يصيح بجنون :
– ولما هو كدة؟ هما ليه دايما كارهنا؟ ليه دايما بيحسوسنا ان ليهم حق ضايع عندنا؟ بتلم اخواتها وتعزل بيهم من البيت الملك ليه؟ دي حتى مدتنيش فرصة اعرف عنوان الجديد.
– وهو دا اللي تاعبك.
غمغمت بها بتهكم، لتتناول كفه وتساعده على النهوض، تخاطبه بمهادنة، وقد استسلم لها لتذهب به نحو غرفته:
– تعالي يا بني ربنا يهديك، بتزعل وتقهر في نفسك ع الفاضي، لا هي حساك ولا عمرها هتفكر فيك، انت في نظرها زيك زي اخوك، محدش يفرق معاها، امتى بس يا ولاد بطني تعرفوا مصلحتكم؟
سقط خميس في اثرهم على كرسيه بثقل وارهاق، ليزفر انفاس خشنة متحشرجة، بوجه يحمل الهم ، وقد استفزه الامر، بل وجسم على انفاسه، لو كانت ابنة اخيه وافقت منذ البداية على ذلك المبلغ الذي اقترحه ترضية لها، او حتى رضخت تمم الزواج من ابنه فيتكفل هو بمصاريف اخوتها معها ، ما حدث كل ذلك.
انما اصرارها على اقتسام الوكالة بينهم وبينه هو ما زاد الامر تعقيدا، لقد كاد ان يصاب بجلطة حينما رددت بذلك امامه، الوكالة التي عمل عليها وعلى تكبيرها، يقتسم مالها بينه وبينهم، لاااا ابدا هذا لن يحدث، ابدااا.
❈-❈-❈
خرجت اخيرا دورية من غرفة ابنها وقد هدأت الاصوات وسكنت الحركة على الاطلاق، حتى زوجها غادر، فلم يتبقى سوى ابنتها والتي قابلتها بابتسامة منتشية تهزهز اقدامها بتسلية .
مما جعل والدتها تقطب لفعلها سائلة:
– مالك يا محروسة؟ البيت مولع وانتي الوحيدة اللي مبسوطة فيه.
مالت عليها ابنتها فور ان جلست بجوارها، لتطلق ضحكة النصر تخاطبها:
– وانتي كمان لازم تفرحي ياما، ما هو لولا شطارتك واللي عملتيه مكنش دا حصل….
غمزت بعين واحدة تشير بإبهامها بطريقة لم تفهمها والدتها، لتهمس لها بصوت خقيض تملوئه الفرحة:
– انا قصدي ع العمل اللي عملتيه ياما، عشان يغورهم، اتاري الشيخ بتاعك سره باتع .
تذكرت درية لتردد خلفها بتفكير:
– اه تصدقي صحيح يا بت، وانا اللي كنت فاكره انه فسد وروحت عملت واحد غيره، بس معرفتش احطه في اؤضتها، يا رتني صبرت.
– اه والله يا ماما، ياريتك صبرتي.
تمتمت بها ابنتها من خلفها، وشيء ما يدور برأسها، بعدما علمت بالطريقة الناجزة والتي تعمل بها والدتها، والتي انتفضت فجأة من جوارها:
– يا لهوي دا كنت هنسى اخوكي والباب المقفول عليه
، اروح افتحله قبل ما يصحى، حمد لله ان نومه تقيل.
.
❈-❈-❈
وفي المنزل الجديد
هبطت عائشة عائدة من فوق السطح، لتلج الى اشقاءها المنهمكين في ترتيب الاثاث ووضع كل قطعة في المكان المناسب لها، فتجفلهم هي بهتافها:
– السطح فوق يجنن ونضيف، يعني انا ممكن اذاكر فيه براحتي، من غير ما اقرف من ريحة الفراخ ولا الدبان اللي كان بيهش عليا من كراكيب دورية اللي مبتخلصش.
ضحك ثلاثتهم لقولها، وروح الحماس التي اشعلها السكن الجديد، ليردف ايهاب:
– انتي عبيطة يا بنتي انتي، تذاكري ع السطح واوضتك موجودة ، دا بدل ما تخليه للعلب في وقت البريك عشان تستمعتي بالجو النضيف
عارضته جنات هي الأخرى:
– انا بقى اخترت مكاني، كل مذاكرتي هتبقى في الجنينة الصغننة اللي تحت دي، استوعب على ريحة الزهور والوان الفراشات.
– يا حبيبي ع المزاج، انتي يا بت تطلعي رسامة عشان نستغل بالمرة.
عقبت بهجة التي صارت السعادة لا تسعها لفرح اخوتها، بعدما ظهر الارتياح جليًا على ملامحهم بابتعداهم عن اذى عمهم وأولاده وزوجته.
لتسقط بتعب على احد الكراسي المتاحة قائلة:
– طب انا هلكت بقى، بقول نفكر الاول وبعدين نكمل.
ترك ايهاب هو الاخر ما بيده، ليجلس على احدى الحقائب المغلقة والتي مازالت لم تفتح بعد، ليضيف عليها:
– وانا برضو بقول نفطر دلوقتي عشان نكمل وننجز في يومنا، انا متاح النهاردة بس ، من بكرة ان شاء الله استعد لمعركة الامتحان والمذاكرة اللي تهد الحيل، يعني مفيش وقت .
– خلاص انا هروح اطلعلنا طبقين من الكرتونة واحط فيهم حاجة خفيفة والكتل بالمرة عشان الشاي
هتفت في اثرها بهجة:
– متتعبيش نفسك فيهم، انا بس ارجع من مشواري، وارجع ارتب المطبخ على كيفي .
– انتي مش قولتي انك واخدة اليوم دا اجازة من الشغل عشان توضيب البيت .
كان هذا سؤال اخيها والذي اجابت عنه بشرود:
– هو كدة فعلا، بس انا عندي مشوار ضروري لازم اقضيه ، واحدة صاحبتي لازم ازورها، مينفعش أاجله لاي يوم تاني.
هللت عائشة بمرحها كالعادة:
– انا بقى يا عم كفاية على اؤضتي، عمو النجار نصبلي السرير والدولاب، مش فاضل غير بس ارتب هدومي والديكور اللي فيها…… بقولك ايه يا بهجة، انا عايزاكي اول اما تفرج عليكي كدة، تغيري لونها عشان تبقى زي اوضة باربي .
كان رد بهجة بشهقة مبالغ فيها، لتتناول الوسادة القريبة منها ، تضربها بخفة مرددة:
– كمااان باربي ، انتي مبتشعيش، انتي مبتشعيش يا بنتي
لتقهقه عائشة بصخب يرج في قلب المنزل الجديد مع مزاح اشقائها وضحكاتهم ايضا، اسرتها الصغيرة والتي لا تجد سعادتها الا معهم رغم كل ما تقابله في ايامها من ويلات.
❈-❈-❈
على مائدة الطعام وقد نزل بعد استيقاظه في وقت متأخر من النهار، نظرا لسهره حتى الثانية صباحًا، ليجلس الاَن ويتناول وجبة الإفطار وحده، بعدما انصرف الجميع الى وجهتهم ولم يتبقى سوى شقيقته الصغرى سامية والتي اتخذت مقعدها مقابلا له، تتحرق شوقًا لرد فعله حين يعلم بالأمر:
– صحيت متأخر اوي النهاردة يعني يا سمير.
رمقها بنظرة عابسة يتناول طعامه بنهم، فلم يكلف نفسه بالرد عليها، لتواصل هي القاء الكلمات حتى تصل لغايتها:
– انا عارفة انك بتيجي متأخر وبتصحى متأخر من ساعة ما اسراء سابت البيت وراحت عند اهلها .
ارتشف دفعة كبيرة من الماء ليتجشأ غير مباليًا، رغم غيظه من ذكر اسم زوجته، اما هي فقد تبسمت باتساع وهي تسترسل بالأهم:
– اكيد مستغرب كلامي وقعدتي قدامك على طرابيزة السفرة، بس انا بصراحة كنت صاحية بدري اوي وزهقانة ونفسي اتكلم مع أي حد ع اللي حصل.
ضاقت عيناه منتبهًا لعبارتها الاخيرة، ليتسائل بنزق:
– وايه هو اللي حصل بقى يا غالية؟ جيبي اللي في بطنك عشان انا عارف ان لسانك بيحرقك دلوقتي عشان تذيعي اخر الاخبار ، اتفضلي ياختي الميكرفون معاكي، بس انجزي
– بهجة
– اشمعنا.
– هي وأخواتها لموا هدومهم وعفشهم وسابوا البيت .
توقفت عن تلويك الطعام بفمه، برد فعل اولي، لكن سرعان ما عاد يكذبها ساخرا منها:
– وهجوا على فين ان شاء الله؟ الكويت ولا دبي؟ بت انت انتي انا مش فاضي لقصصك الهبلة دي ع الصبح، وغوري روحي شوفي وراكي ايه؟
ردت بلهفة وابتسامة تجاهد لإخفاءها:
– والله زي ما بقولك كدة، دا حتى سامر طلع عندهم واتخانق هو وابويا عشان يحكم عليهم ميمشوش، بس هي بقى كانت عاملة حسابها ، كل حاجة كانت مجهزاها هي وأخواتها، ومسافة ساعة بس كل عفش البيت كان في العربية ، ورحلو ومحد عرف لهم طريق.
نفض رأسه بعد استرسالها ، ليستشف صدق حديثها والذي شعر بجديته، ليصيح بها مهددًا:
– عليا الحرام يا سامية ما تطلع قصة من خيالك بعد الحلفان اللي حلفتيه لاكون مرقعلك سداغك النهاردة ومحد هينجدك مني.
ارتفع كتفيها وانزلتهم سريعًا، لتجيبه متكتفة الذراعين:
– وانا مالي يا اخويا، ما تروح تبص بنفسك ولا اتصل على اخوك ولا ابوك، دا انت لو سألت اي عيل في الشارع هيقولك ع العربية اللي لمت العفش وطفشو معاهم.
انتفخت اوداجه لمجرد التخيل ، لينتفض ذاهبًا للخارج ولسانه يتمتم بالوعيد :
– عليا الحرام ما يطلع جد الكلام ده، لا اكون مطينها فوق راس الكل، بتطفش هي وأخواتها يسيبو البيت ، ليه مفيش رجالة؟
افتر فاهاها في اثره تمصمص بشفتيها المطلية بسخرية لا تخلو من حقد:
– وتطينها على راس الكل كمان، ليه بقى ان شاء الله؟ انا مش فاهمة، هما محسسني ليه ان اللي سابت البرنسيسة ولا يمكن هي بتصرف عليهم….. ياللا بقى، اهي كويس انها غارت في داهية هي واخواتها،
❈-❈-❈
عاد الى المنزل بشراره ونيرانه ، يهتف نحو ابيه فور ان وقعت عينيه عليه يتناول وجبة الغداء مع زوجته وابنته:
– بنت اخوك راحت فين يابا، سيبت لحمك ومن غير ما تسأل حتى ولا تعرف عنوانهم؟
نزلت ملعقة الأرز من يد خميس قبل ان تصل لفمه، ليلتف اليه يطالعه بغيظ مرددًا:
– انت بتلقح على مين يا بن الكلب انت كمان؟ هو انا مش هخلض منكم النهاردة يا خلفة الندامة .
ضربت دورية هي الأخرى كفيها ببعضهما مرددة بغضب :
– ايوة يا خويا خد دورك، ما احنا خلاص مبقاش لينا سيرة غير عن المحروسة وخروجها من البيت.
تقدم نحوها بانفعال وهياج:
– اه ياما ملناش غيرها، دي بنت عمي وأخواتها، يعني مسؤلين مننا، يبقى لازم نسأل عليهم ونشوف أراضيهم فين؟
تهكم خميس يردد خلفه بسخرية:
– اه يا حيلتها ما انت راجل اوي وبتعرف في المسؤولية، طب لما انت دكر كدة، مسألتش ليه عن مراتك وابنها اللي في بطنها، مش دول الاولى برضو؟.
تلجلج ببعض الخزي وقد اصاب والده في رمي سهامه، ليبرر متجنيًا على زوجته:
– وهي حد قالها تمشي وتسيب البيت، دي اتفرعنت باخوها اللي اخدها من غير استئذان، خليه ينفعها .
جاء رد خميس بصيحة غاضبة؛
– هو دا اللي ربنا قدرك عليه؟ طب غور من وشي ، جتك الهم ، واياك اسمع صوتك تاني عن بت عمك ولا غيرها، غووور جاتك الهم، خلفة تعر..
زفر سمير بقوة حين لم يجد فائدة من والده، ليحرك اقدامه وينصرف تاركًا المنزل، مغمغمًا بالكلمات الحانقة،
تجاهلها والده ليلتف نحو زوجته وابنته اللتان تشاركنه الطعام، ليتوجه نحوهم بالسؤال:
– الواد التاني غار فين؟ من الصبح هو كمان ماشوفتش، اياك يكون بيدور عليها هو التاني؟ ما انا عارفه دلدول ابن كلب
❈-❈-❈
وكما توقع والده ، وقف سامر يراقب العمال الخارجين من المصنع في موعد مناوبتهم، علُه يلمح طرفها بينهم ، ولكن للأسف خابت ظنونه، حتى كاد ان ييأس او يدفعه الجنون لاختراق المصنع والسؤال عنها في ادارته، ولكن برؤيته لصباح رئيستها في القسم، تلك المرأة البدينة والتي دائما ما تتردد عليها في زيارات للمنزل، تحرك داخله الامل، ليتخذ طريقه نحو وجهتها، مسرعًا بالخطوات حتى تصدر لها يوقفها:
– انا اسف يا ست صباح، بس لو ممكن دقيقة بس اسألك.
حدجته بحنق لا تخفيه، فهي تعلمه وتعلم أسرته جيدا، لذلك لم يكن غريبًا ان تعامله بضيق:
– وانا ايه بيني وبينك يا خويا عشان توقفني كدة ولا اكنك واخد عليا ، في ايه يا جدع انت؟
اجابها سريعًا حتى يتجنب الصدام معه:
– انا اسف في الطريقة وحقك عليا، بس انا قلقان على بنت عمي وأخواتها، وعايز اعرف هما عزلوا وراحو فين ؟ انت صاحبتها واكيد…….
قاطعته بحدة منتبهة لكلماته:
– مين هما اللي عزلوا يا جدع انت؟ انت هتكلمني بالالغاز.
– والله ما بتكلم بالالغاز يا ست صباح، انا زي زيك اتفاجأت بعد ما صحيت الفجرية على صوت العربية اللي بتلم العفش، حاولت اعرف رايحين على فين، لكنها رفضت واخوها شيبط فيا وكان هيتخانق معايا، شكلك انت كمان خبت عنك زي ما عملت معانا .
سهمت ابصار صباح ، وقد لاحت عليها الصدمة، هذه اول مرة تخفي عنها بهجة امرا بهذه الأهمية، منذ متى كان التعامل معها كالغريبة؟ ولما فعلت ذلك، وهي التي تضعها في معزة ابنتها التي لم تنجبها.
شعر سامر بالأسف على هيئة المرأة، ليلطف قائلا:
– طب انا بلغتك يا ست صباح، وحياة اغلى ما عندك، اول ما تيجي المصنع اعرفي منها وطمنيني عليها ، دي مهما كان برضو شرفي وعرضي.
اومأت بهزة من رأسها ، حتى اذا انصرف وتركها، اخرجت هاتفها من الحقيبة تتصل عليها على الفور، لتخاطيها بحدة فور ان سمعت صوتها:
– الوو يا بهجة،، انتي فين يا بت انتي؟ وازاي اسمع انك عزلتي من غير ما تقوليلي:
جاءها الرد من الجهة الاخرى:
– ايوة يا ريسة سامحيني لو خبيت عنك، اول ما اشوفك هفهمك كل حاجة، انا بس مشغولة دلوقتي، .
– اسامحك ليه؟ انت عملتي ايه يا بت؟
– يا ريسة بقولك هفهمك بعدين، معلش هقفل دلوقتي…..
– استني يا بت….
تطلعت صباح بصدمة نحو الهاتف ، تشاهد انتهاء المكالمة وهذا الفعل الغريب من بهجة، لتغمغم بقلق اصبح يسرى داخلها:
– يا لهوي، هي البت دي هببت ايه ومخبياه عني؟
❈-❈-❈
والى بهجة، والتي اضطرت لانهاء المكالمة مع رئيستها، فور ان ترجلت من السيارة ، لتقف امام البناية التي تقصدها، بعدما هاتفت صديقتها، تطلب منها الانفراد في الحديث معها ، فلم تجد الأخرى خيرا من مكتبها الجديد لتلتقيا به،
لتتطلع هي الاَن لواجتهه، تقرأ اليافطة المدونة عليها الاسم بالخط العريض
مكتب صفية محروس للمحاماة.
❈-❈-❈
وفي منزل رياض
وقد كان يتحدث في هذا الوقت مع شريكه في العمل اثناء خروجه من غرفة المكتب:
– ايوة يا كارم، يا راجل بقولك مشغول ومش هقدر احضر معاك النهاردة……. يا سيدي انت الخير والبركة، نوب انت عني وانا واثق فيك……. وافرض يا سيدي صعبين، هو انت في حد يقدر عليك برضو؟….. انا رايق!….. وماله يا سيدي لما ابقى رايق؟ هي دي عجيبة يعني،……. حبيبي ربنا يخليك، انا هبقى اتابع معاك ع الفون، بالتوفيق ان شاء الله.
انهى المكالمة ليُقابل بوجه والدته امامه مباشرة، تطالعه بنظرات غير مفهومة، وكأنها مندهشة لتغيره اليوم، وقد اختفى التجهم الدائم، وحل هدوء غريب جعله، يتقدم ليجلس بجوارها سائلًا ليطمئن عليها:
– عاملة ايه يا ماما النهاردة؟
لم تجيبه وظلت تطالعه بنظراتها فقط ، مما جعله يميل نحوها بنظرات كاشفة ، فهو ايضا يعرفها ويشعر بتحسنها:
– حاولي تجاوبني في مرة يا ماما، انا عارف انك بدأتي تتنبهيلي وتفهمي اللي بيدور جواليكي، ابنك مش غبي .
اشاحت بوجهها عنه ناظرة للأمام مما جعله يستطرد:
– انا مش عدوك يا ماما، حاولي تنسي اللي فات عشان نعيش مع بعض حياة طبيعية.
وكأنها لم تسمع شيء ، تناول جهاز اللوح اللاليكتروني، تأتي بهذه اللعبة التي تعلمتها من عائشة لتمرر بإصبعها على الشاشة، وتندمج في اللعب، مما جعله يفقد الامل، لينهض من جوارها:
– ماشي يا ماما زي ما تحبي.
ولكن وما هي سوى خطوتين ابتعد بهم عنها ، حتى اوقفته بسؤالها المقتضب، وكأنها بالفعل على معرفة بكل شيء
– بهجة.
التف اليها بابتسامة مسترخية يجيبها:
– معلش يا ماما، بهجة مش هتقدر تيجي النهاردة، هي اتصلت بدادة نبوية وبلغت اعتذارها لسبب يخصها
توقف يستشف رد فعلها بهذه النظرة التي كانت تطالعه بها، ولكنها قطعت سريعًا تعود لما تفعله باللعب على الجهاز الذي تمسكه بيدها، وكأنها لم تسأل عن شيء
❈-❈-❈
مساءً
وداخل منزل اخر يمتلكه، ليجعله مسكنا لهما معًا ، كانت الجلسة بحضور رجل الدين الذي كان يعقد عقد زواجهم، والحضور يقتصر عليه، واثنين من رجاله شهود ، وهي قد أتت بصديقتها الوحيدة كما اخبرته، تحفظ السر وتدعمها في هذه اللحظة الفارقة معها .
وقد وافق حينما اخبرته بأمانتها ولكنه تفاجأ بعد ذلك بالمهنة التي تمتهنها، لتجعل نوعا من التسلية يسري بداخله،
ولكنه كان كالعادة متزنا بشكل يفوق الحدود ، يردد خلف الرجل ويطالعها برزانة ، رغم مشاعر الصخب التي كانت تدور برأسه، لقد كانت جميلة بصورة مؤلمة ، رغم نبرة الحزن التي كانت تتخلل صوتها، رقيقة وناعمة كقطعة السكر التي تذوب بالفم ، كيف له الصبر يومين اخرين كما وعدها؟
بعد انتهاء رجل الدين وقد اصبحت زوجته رسميًا، وانصراف الرجلين، لم يتبقى سوى هذه الفتاة صديقتها، تقف معها الاَن وتدعمها، رغم النظرات العدائية التي كانت توجهها نحوه ، فهو ليس بالغبي حتى لا يعرف بما خلف الابتسامة المزيفة التي كانت ترسمها امامه، ليظل جالسًا بأريحية على اريكته في انتظار انصرافها.
– خليكي شوية تاني يا صفية، او استني نمشي مع بعض .
تبسمت الاخيرة بحنو لطيبة صديقتها المفرطة، والتي تستهين بما اوقعت نفسها به، ولكنها ان لم تنجح في اثناءها اليوم عن فعلتها تلك، فهي ابدا لن تتركها .
نظرت نحو الخاتم الذي وضعه هذا المتعجرف بأصبعها، وكأنه يعاملها كعروس حقيقية ، مهر ومنزل ووكالة صغيرة، ياله من مشتري جيد،
تنهدت بقوة، لتضغط على كفها بمؤازرة، وتشديد وتنبيه:
– زي ما قولت وأكدت عليكي قبل سابق، انا تحت أمرك في أي وقت لو عوزتي اي مساعدة، اينعم انا كنت رافضة وما زلت، بس برضو هفضل في ضهرك مهما حصل.
سمعت منها بهجة لتلقي بنفسها عليها وتحتضنها بشدة:
– تسلميلي يا صفية، تسلميلي اوي، انتي مش مجرد صاحبة وبس، لا دا انتي اختي.
لم تبخل عليها صفية ايضًا بدعمها حتى تطمئن وتهدأ سريرتها، فهي الاعلم بما تمر به الاَن.
طال عناقهم حتى اثار سخط هذا الغيور، ليتحمحم بجلافة تحسب عليه، فيهدي صفية ابتسامة مكشوفة حينما اتجهت برأسها اليه، يتحدث بكذب:
– منوارنا يا سيادة المحامية المخضرمة، ايه رأيك تيجي معانا نتعشى في المطعم القريب من هنا.
بادلته صفية بابتسامة صفراء:
– متشكرين يا رياض باشا، الجيات كتير، نخليها مرة تانية ان شاء الله، مش عايزة ابقى عزول.
قالت الأخيرة بابتسامة حقيقية لصديقتها، قبل ان تستأذن وتغادر امامها، برفقة احد الحراس، وهي تتابعها بعينيها حتى اختفت خارج المنزل الذي اغلق عليها وعليه، لتجفل بذراعه التي التفت حول خصرها من الخلف فتجد وجهه مقابلا لها يخاطبها بمرح:
– حلوة اوي حلوة حركة المحامية دي، حركة زكية.
كتمت شهقتها لتعقب بثبات تدعيه:
– ما انا قولتلك من الاول انها جاية بصفة صاحبتي، مش بصفة عملها، وان كان على حقي او العقود، ف انا برضو دارسة حقوق وعارفة كويس بالقوانين.
– جميييل.
لا تعلم بأي صفة وجه الكلمة، ان كانت سخرية او اثناء على ذكائها، ولكنها عادت للإجفال مرة أخرى، حينما قربها اليه بشدة حتى انتفض جسدها بين يديه، لتعبر عن اعتراضها:
– ايه في ايه؟ انت مش قولت انك هتديني فرصتي، يومين
تبسم بمكر يردد بمراوغة:
– طبعا قولت، بس كمان ما قولتلكيش انك زي القمر النهاردة، وانك تاخدي العقل و….
-و ايه؟
هتفت بها مقاطعة له، لتنفضه بعيدا عنها بحركة مباغتة، ولكنه اعادها سريعًا لترتطم بصدره فتجد نفسها محاصرة بين ذراعيه، وانفاسه الخشنة تلفح بشرتها بعدما قرب وجهه منها بشدة، ليردد بصوت مبحوح وعيناه ارتكزت على ثغرها:
– ما انا قولت حاجات كتير وانتي كمان، بس دي مشاعر بتيجي فجأة من غير حساب، وانا برضو بقيت جوزك رسمي ولا انتي مش واخدة بالك؟
انتفضت تحاول الإفلات من بين يديه مرددة:
– لأ واخدة بالي، بس انا مش جاهزة بجد، ولا انت كلامك في الهوا.
بعبارتها الأخيرة استطاعت ان تحرك ذلك الجزء المتعجرف به، ليحل ذراعيه عنها فجأة قائلا بحنق لا يخفيه:
– رياض الحكيم عمره ما يقول حاجة في الهوا.
زفرت بارتياح حينما تركها، وقد علمت الاَن بهذه النقطة التي تستطيع استغلالها في شخصيته، لتعدل من فستانها الذي تجعد، قائلة بتملق زائف:
– انا برضو كنت عارفة، وعشان كدة بقول ان اروح دلوقتي احسن ليا وليك ، عن إذنك.
قالتها لتتحرك مغادرة دون انتظار رد منه، وما ان استدارت لتنصرف نحو وجهتها، حتى وجدت نفسها تعود بسرعة البرق الى وضعها السابق، وقبل ان تستوعب باغتها، لتحط شفتيه على ثغرها هذه المرة تكتم اعتراضها ، في قبلة شغوفة، تخوض تجربتها لأول مرة بين يدي خبير، ذهب بها الى عالم اخر لا تعلمه، ما بين لهفة وتمهل ليسحب استجابة امتزجت ببراءتها التي كادت ان تطيح بعقله، ويتخلى عن وعده، حتى تركها بصعوبة تلتقط انفاسها، لاصقا جبهته بجبهتها، ليردف بصوت يخرج بصعوبة:
– دي بس عشان مش جاهزة.
اصابها الخجل بشدة حتى لم تقوى على رفع عينيها اليه، لتملك زمام امرها في الاخير، ف ابتعدت حينما ارتخت ذراعيه عنها، وبتصميم غبي على المغادرة، فجعلته يزفر مقلبًا مقلتيه بقنوط، ثم امسك بها من رسغها يوقفها، فتجاهلت خجلها لتطالعه قائلة بانفعال:
– ايه تاني؟ مش قولت خلاص.
اجابها ببساطة حتى تكف عن تشنجها:
– هنتعشى مع بعض يا بهجة، ولا دي كمان عايزة تجهيز ؟
ترددت برهة بتفكير، لكن سرعان ما اتخذت قرارها بالرفض مبررة:
– لا طبعا مينفعش استنى دقيقة هنا، انا مضمنش!
اخفضت في الاخيرة رأسها حتى فهم ما تقصده، ليطلق زفرته الأخيرة بخشونة يردد بيأس وهو يتناول سلسلة مفاتيحه من فوق الطاولة:
– احنا هنتعشى في مطعم برا يا بهجة، يعني مفيش داعي للقلق.
حينما نظرت إليه تسشف صدق قوله، أسر خضراوتيها ببندقيته مستطردًا بنبرة جديدة عليها:
– مش عايزة اتعشى لوحدي النهاردة، عايز احس يونسك معايا، ممكن.
الفصل السابع عشر من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السادس عشر 16 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل السابع عشر 17 بقلم امل نصر
غير طريق عودتها للمنزل ، لتفاجأ به يوقف السيارة من الخلف حيث السكون الذي يخيم على المنطقة الهادئة من الأساس، وعدد المارة القلائل في هذا الوقت، حتى غلبها الفضول لتساله وهي تتفقد الأجواء من النافذة المجاورة لها:
– وقفت ليه من الخلف، قدام البيت في نور لكن هنا ضلمة.
بابتسامة واثقة تناول كف يدها، لبجيبها بهذا النبرة التي لم تعتاد عليها بعد، تلك التي يتخللها الدفء عكس البرود الملازم له:
– وقفت هنا عشان اودعك براحتي، وانتي كمان عشان متقلقيش، اينعم المنطقة هنا مختصرة بالف مرة عن الحارة اللي كنتوا ساكنين فيها، بس برضو الامر مايسلمش.
اومأت بملامح يعتليها الضيق، ثم سريعًا ما استدركت للكلمة العابرة التي سقطت منه اثناء حديثه:
– تودعني ازاي يعني؟ هو انت مسافر؟
اومأ بهز رأسه، ليضغط على كفها المحتجز داخل كفه الكبير :
– ورايا شوية حاجات عايز اخلصهم تبع الشغل، يدوب
، هحاول اجي بأسرع وقت عشان اتفاقنا.
فهمت على ما يقصد لتسبهل اهدابها عنه بخجل زاده اضعاف حين اردف بمشاكشة:
– كان نفسي طبعا الوداع دا يبقى في بيتنا، كان هيبقى افضل واحسن بالنسبالي مية مرة.
حاولت نزع يدها باعتراض وعدم تقبل لجرأته، ولكنه زاد بفرض قبضته عليها ، يردف بهيمنة:
– حاولي تبقى هادية عشان ميطورش العند معايا، وبدل مسك الايد يبقى مشهد ساخن في قلب الشارع.
شهقت رافعة عينيها نحوه بإجفال:
– معقول يا رياض انت ممكن تعملها صح؟
تبسم باتساع فمه، فهذه اول مرة يسمعها تخاطبه بإسمه مجردًا، ليزيد بمشاكستها:
– انا بنبه بس عشان تعرفي اني على تكة، بس حلو الاسم منك تصدقي بقى، انا من اكتر الحاجات اللي كنت بكرهها في حياتي هو اسمي، عشان دايما بحسه تقيل وقديم، انما دلوقتي، فدي اول مرة اعرف انه لذيذ، بعد ما سمعته منك.
– اللي هو ايه ده؟
سألته بتركيز ذهب ادراج الرياح، فحالة الارتباك التي تلفها في حضوره، تنادي بالذهاب وفقط، دون الانتباه لأي شيء اخر،
اما هو والذي يعجبه الامر، فقد واصل بتسلية:
– انا بتكلم عن اسمي يا بهجة، عاجبني اوي منك.
اومأت رأسها بمهادنة، ثم حاولت الفكاك من حصاره حتى تغادر، ولكنه ابى، ليحبط محاولتها من البداية:
– اثبتي بقى يا بهجة، دول مش مستاهلين دقيقتين.
– دقيقتين!
تمتمت بها ساخرة، لتكتم داخلها زفرة الإحباط، تستسلم لإصراره قائلة برجاء:
– اديني سكت وهمدت عن الحركة اهو، ياريت بقى عشان خاطري تستعجل، انا حاسة قعدتنا كدة في العربية غلط من اساسه.
– مستعجلة اوي على بعادي يا بهجة؟
ما هذا السؤال الذي اجفلها به؟ حتى ارتفعت خضرواتيها، لتصطدم بهذه النظرة الغريبة، وكأنها تحمل احتياجًا، تحمل دفئًا، تحمل…..
– انتي عارفة ان دي اول مرة من سنين، ابلغ حد بسفري غير اللي بشتغل معاهم!
للمرة التي لا تذكر عددها ، يصدمها بأشياء جديدة عن شخصيته، لا تستوعبها.
– معقوول، ازاي يعني؟
سألته ببرائتها، فجاء رده بابتسامة لا تحمل شيئًا من مرح:
– عشان طول عمري وحيد يا بهجة، وحيد ابويا وامي، وحيد في بلد ناسها بتتكلم بلغة غير لغة بلدي…
لقد اسرها بقوله، ليتابع معانقًا ابصارها، وقد التمس بها عاطفة الحنان التي تغلبها مهما كان غضبها:
– انا نفسي انفتحت بجد النهاردة يا بهجة وانا بتعشى معاكي، كنت اتمنى لحظاتنا دي تطول، زي ما انا بتمنى دلوقتي اخدك في حضني واروح بيكي على بيتنا….. لكن اكيد طبعا مش هعمل حاجة على غير رغبتك.، الا اذا انتي غيرتي رأيك.
على الفور اهتزت رأسها برفض تام وارتجافة شعر بها، ليلملم ابتسامة ماكرة مردفًا:
– مفيش داعي للقلق يا بهجة، انا بقول لو غيرتي رأيك، يعني سايب حرية الاختيار في ايدك، حتى لو الشوق لوصالك هيجنني .
كيف السبيل لها في المقاومة، امام اجتياحه الكاسح بسحر كلماته، يدك حصونها برقته، يستجدي عاطفتها بحديثه، وقد تأثرت بالفعل لضعفه، ذاك الذي يخفيه خلف كتلة البرود والجمود التي يتخذها واجهة.
لقد ضاعت الكلمات في جوفها، وأصبحت كالمتلقي بصمت، وهو يغزو مشاعرها البريئة بسيل عاطفته، لتروي جفاء ارضها المهجورة منذ سنوات عدة، لترتوي وتشبع حد الامتلاء ، رغم خوفها وقلقها وكل شيء.
واصل هو يقبل ظهر كفها بحنو مردفًا:
– حاولي لما اتصل بيكي في اوي وقت تردي، عشان اكيد انا هكون عندي رغبة شديدة اكلمك.
اومأت بطاعة وقد عصف بها الاضطراب، لتلملم اشياءها وتترجل هاربة من حصاره وهذه المشاعر التي يجفلها بها، حتى انها لم تعترض حينما خطف قبلة من وجنتها، قبل ان تغادر وتتركه في انتظارها حتى دلفت من الباب الخلفي من المنزل، لترمقه بنظرة سريعة قبل ان تدفع الباب وتغلقه.
ثم توقفت اقدامها عن السير، بحالة من التشتت تكتنفها:
– لماذا يخبرها الاَن بحاجته اليها ، لماذا يوهمها بقيمتها عنده؟ بعدما جعل الموضوع لا يزيد عن رغبة، ومهمة بيع وشراء بينها وبينه…… تبًا، هي لا تريد هذا الوجه منه، تريد الاحتفاظ بالصورة التي طبعتها في ذهنها عنه، حتى تستمد القوة دائمًا للاستغناء عنه في اي وقت.
زفرت تنفض رأسها من هذا العبث الذي اصبح ينخر فيها كالسوس، مذكرة نفسها بالاتفاق المبرم، والوعود التي قطعتها على نفسها، من اجل مستقبلها هي واخواتها، فلا يوجد شيء آخر يستحق، نعم لا يوجد.
❈-❈-❈
في اليوم التالي
استيقظت قبل الجميع كعادتها، ليجتعموا معها على تلك الطاولة التي جعلتها مائدة الطعام، حتى الانتهاء من ترتيب باقي المنزل اليوم،
عبارات المرح والارتياح للمنزل الجديد لم تخلو من مزاح :
– يا سلام يا بيبو لما صحيت كدة واول حاجة وقعت عليها عيوني من الشباك هو منظر الخضرة تحت، حاجة كدة تشرح القلب وتفتح النفس على يوم جديد، انا حبيت البيت ده اوي، ربنا يخليكي لينا.
كان هذا قول جنات ليعقب على قولها شقيقها الاصغر:
– ايوة بقى يا ست الفنانة، بس انا اللي عاجبني اكتر بقى هو الهدوء، الواحد هنا يقدر يذاكر ويستوعب براحته، بعيد عن اصوات الخبط والرزع اللي مبيبطلش من الجيران لا صبح ولا ليل.
– ولا تصطبح بخلقة حد من ولاد عمك ولا مرات عمك الحيزبون ولا عمك نفسه، دا دي اهم ميزة يا عمنا .
هتفت بها عائشة لتصدر الضحكات من الجميع، فتعقب شقيقتها الكبرى:
– انتي بلوة كبيرة يا عائشة، رغم ان مكنتيش راحمة حد فيهم، بس بصراحة مكذبتيش، انا كنت مخنوقة وتعبانة في البيت ده رغم انه ريحة ابويا وامي وذكرياتي معاهم…… يلا الحمد لله.
– الحمد لله، طب انا كدة هروح جامعتي ازاي يا بيبو؟ انا لسة محفظتش خط سير المنطقة الجديدة.
– هعرفك يا جنات، احنا هننزل مع بعض دلوقتي، انا وانتي وعائشة، اما ايهاب فدا لسة قدامه مذاكرة، وهو مش محتاج اصلا حد يوجهه، ولا ايه يا باشا؟
رد ايهاب بثقة:
– طبعا يا باشا.
❈-❈-❈
اما هو فبعد ان انهى مهامه اليومية على عجالة من اجل رحلته السريعة، وجد نفسه يهاتفها دون تفكير، وكأن شيئًا ما ينقصه قبل ان يتناول حقيبة الملابس التي اعدتها الدادة نبوية من اجل سفرته،
كانت هي في هذا الوقت، داخل الوسيلة العامة للمواصلات، بعدما اوصلت عائشة لمدرستها، وعرفت جنات الطريق الذي تتخذه للجامعة، فكانت مفاجأة ان تجفل باتصاله، وفي هذا الوقت وبين هذه المجموعة الكبيرة من البشر .
كادت الا تجيب وتؤجل المكالمة، ولكن خشت ان يسافر قبل ان تلحق الاتصال به، فجاء صوتها كالهمس:
– الوو… صباح الخير.
– صباحك فل يا بهجة، متصلتيش ليه تطمني ولا تسألي عن سفري؟
هكذا ومباشرة يعاتبها، وهي تعلم بالفعل انها قصرت ، ولكنها ايضا مازالت تضع الحواجز، ولم ترفعها بعد، لأنها حتى الاَن لا تستوعب، وقد ترسخ بعقلها، انه ليس زواجا عادي، إذن فكيف تفعل؟
تحمحت تجلي حلقها بخفة لتبرر وتجيبه بنبرة هامسة، حتى لا يصل الصوت الى المرأة التي تجاورها؛
– معلش عدت عليا، بس كنت هتصل لما اوصل الشغل….
– وانتي فين دلوقتي؟ وليه صوتك واطي؟
زاد حرجها مع انتباهها للمرأة التي اصبحت ترهف السمع معها، لتغمغم سائلة لها بفضول:
– دا جوزك ولا خطيبك؟
اومأت لها على مضض دون ان تريحها بإجابة وافية، ليصدر ردها نحو الاخر ببعض الضيق، فهي ليست معتادة على هذه المحادثات امام الملأ:
–
انا في الاتوبيس، وخلاص قربت اوصل الشغل.
كاد ان يستمر في مشاكستها ولكن عند ذكر هذا الاخير تغيرت لهجته ليرد بحدة:
– وتركبي ليه اتوبيسات وتتبهدلي، ما عم علي موجود يا بهجة، مش انا قولتلك في اي وقت اتصلي بيه من سكنك الجديد والراجل مش هيقصر..
قابلت حدته ببعض التماسك حتى لا ينفلت الامر منها وتنفعل عليه:
– حضرتك وانا قولت تمام، بس دا في مواعيد الشغل عند مدام نجوان، غير كدة مينفعش، عم علي راجل كبير و انا مش هانم عليه عشان اقلق راحتو وقت ما احب في اي وقت.
استطاعت بتلميحها البسيط ان تجعله يستدرك صواب قولها، وصحة موقفها، لذلك لم يجد سوى ان يلطف، معبرًا عما يعتريه في هذه اللحظة:
– هتوحشيني يا بهجة
هل ما سمعته كان حقًا؟ وان هو كذلك بالفعل، كيف يسعفها لسانها في الرد؟
– بهجة انا بكلمك.
– ايوة ايوة واخدة بالي والله.
تمتمت ردًا له، وقد تلونت وجنتيها بالإحمرار، ولفها الارتباك بشدة، والذي يبدو قد وصل اليه، فأبى الا يثقل عليها في هذا الوقت الغير مناسب لها، لينهي بنبرته الرخيمة:
– هبقى اتصل بيكي اول ما اوصل.
ابتلعت ريقها هذه المرة تتمكن من إجابة بدت في طريقتها عفوية وبسيطة بصوتها الرقيق، لكن لا تعلم بحجم تأثيرها على رجل مثله:
– تروح وتيجي بالسلامة ان شاء الله.
– وانتي بألف سلامة يا بهجة.
❈-❈-❈
تصدر سمير بمدخل البناية، يوقف شقيقه عن الخروج هاتفًا به:
– على فين العزم يا غالي؟ على شغلك بقى اللي لسة مبداش؟ ولا ع المصنع؟
حاول سامر دفع ذراعه عنه وتخطيه مرددًا باستنكار:
– مصنع ايه وكلام فارغ ايه؟ ابعد كدة من وشي يا عمنا مش عايز اقل منك وانت اخويا الكبير.
سمع الاخير لتثور ثائرته، يصيح به غير عابئًا بصوته العالي :
– لا يا حبيبي اتشطر وخليني اشوف هتقل مني ازاي؟ وانا مبقاش راجل، لو معرفتكش مقامك، بتروح المصنع لبنت عمك تسأل عليها هناك ليه ياض؟ تخصك في ايه عشان تروح تسأل عنها بعد ما مشت وسابت البيت؟
لم يستغرب سامر علم اخيه بذلك الامر، فهو على معرفة تامة بخط سير ابنة عمه منذ انفصاله عنها، لكن ابتعادها الاخير بهذه الصورة دون ان يأتيه خبر به، وهو ما شكل صدمة له، لذلك لا يستغرب حالة الهياج التي هو عليها الاَن، لكنه ايضا لن يسكت عن حقه:
– وافترض روحت لها وسألت عليها عشان اعرف مطرحها، دا يخصك انت في ايه؟ ولا تكونش يا حبيبي عايش لسة في الوهم انها على زمتك؟.
وكأنه كان في انتظارها ليفرغ به شحنة الغضب المكبوتة به منذ الأمس، ليكز على اسنانه، ويدفعه بكفيه على صدره بعنف متحرقًا لبدء مشاجرة:
– اه بقى هو كدة بالفعل، عايش في الوهم انها على زمتي، يعني مفيش حد هيقدر يقرب منها غيري، واللي هيسترجل ويتحداني، يبقى الموت اقرب له منها.
قابل سامر تهديده، بوعيد اكبر، يزجره بعنف:
– طب ان كنت راجل اعملها، وانا صدري مفتوح اهو، شوف هتقدر ولا لا؟
– يبقى انت اللي طلبتها .
صرخ بها الاخر لينشب بين الاثنين شجار كالمعركة بين الطرفين، في حرب اثبات الذات وكأنهما قد عادا للعصر الحجري، قبل ان يلحق شباب الحارة ويفصلا الخصمين، حتى وصل الامر لوالدهم، فجاءت اللحظة المنتظرة امام والدهم الاَن ، بوصلة من توبيخ لا تخلو من شتائم بأفظع الالفاظ:
– بتفضحوني يا ولاد الكلب قدام الحارة وتقصروا رقبتي، ياريتها كانت بركت عليكم وفطستكم يا خلفة الندامة، بتقطعوا بعض وتفرحوا الناس فيكم، وانتو الواحد منكم قد الشحط ويفصلوا منه اتنين، هتعقلوا امتى يا جوز البهايم؟
جاء الرد المباشر من ابنه الاصغر، في دفاع عن نفسه:
– انت عارف يا بابا اني اخر واحد يعمل فضايح ولا مشاكل، بس ابنك الكبير هو اللي استفزني من غير سبب واجبرني اتخانق معاه، انا راجل كنت رايح على مصلحتي، هو اللي وقف في وشي يمنعني، باينه كان شارب شوفو حالته بنفسكم.
هتف سمير يبرر باندفاعه الاحمق غير ابها بالعواقب:
– انا برضو اللي بجر شكلك من غير سبب، طب خلي عندك انت الشجاعة وقولها يا دكر…….. اسمع يا بابا، قول لابنك يتلم ويبطل يروح لبهحة الشغل، ولا يدور على عنوانها، انا حالف لاصور فيها قتيل لو اتجرأ ولا عملها تاني.
جاء الرد من درية الواقفة خلفهم تسبق زوجها بلطمة على صدرها:
– نهار اسود عليكم ومنيل بستين نيلة، هو احنا مش كنا خلصنا من بوز الاخص دي اللي اسمها بهجة، ولا انتوا عايزين تخلصو علينا احنا بعمايلكم!
هدر خميس يغلق باب الجدال والمناقشة من اولها:
– اسمع ياد انت وهو، انتوا الاتنين دلوقتي تحلو عن نفوخي، وما اسمع بعد كدة ان اي حد فيكم قرب من شغلها ولا حصل خناق ما بينكم تاني بسببها لاكون طاردكم من بيتي طردة الكلاب، هو انا معنديش شغلانة غيركم يا ولاد الكلب، امشي وغور انت وهو ، كل واحد يروح فيكم على شغله.
سمع الاثنان ليضطروا للإذعان له صاغرين، ينصرفا من امامهم، فيغادرا المنزل، امام ابصار والدتهم، التي صارت تولول وتندب حظها، وابنتها التي التوى ثغرها بازدراء تتابع ذهابهم، لتربت على ظهر والدتها وذراعها بدعم :
– معلش ياما اهدي كدة لا تجيبي المرض لنفسك.
خميس والذي تخصر بذراعيه، بغيظ يفتك به، دب بقدميه ينهرها بحنق قبل ان يذهب هو الاخر ويلحق بهم:
– قفلي انتي كمان يا درية، مش ناقص انا حزن في البيت، جاتكم الهم كلكم، تقصرو العمر.
– هم لما ياخدك انت، ما انت كمان من ضمن الهم.
غمغمت بها درية بغيظ خلف زوجها الذي صفق الباب بقوة وهو يغادر المنزل.
لتجفلها ابنتها:
– اما انتي لازم تروحي عند الشيخ اللي غورها، يشوفلك صرفة بسرعة عشان ولادك يتهدو بقى، واحد يرجع لمراته والتاني يتجوز واحدة تنسيه اسمها .
طالعتها والدتها بدهشة لذهنها الخبيث الحاضر ، تعلق ردا لها:
– وهي مقابلة الشيخ كدة سهلة يا ختي، دي لسة عايزة مواعيد وعلى ما يجي دورنا ، دا غير الفلوس اللي هيطلبها.
بحماس يثير الذهول، ردت بلهفة:
– ومالوا يا ماما، انتي تتصلي بالست مبروكة وتعكميها قرشين تسهل مقابلتك بيه، وان كان ع الفلوس فدي اسهل حاجة عندنا، المهم بقى تاخديني انا معاكي المرة دي.
نهرتها درية باعتراض:
– اخدك فين يا بت؟ هو انتي اتجننتي ولا ايه؟
وكأنها طفلة صغيرة تعلقت برقبتها، تتحايل بلهفة:
– لا ياما متجننتش، بس انتي خديني معاكي، شالله يارب ما يتم المراد غير لما تاخذيني معاكي.
❈-❈-❈
بأعين يملؤها الفخر، وقفت تطالعه وهو يرتدي الملابس الرسمية امام المراَة، فبدا لها اجمل ما يكون، تريد ان تظل هكذا بالساعات ولا تمل من تأمله ابدا.
انتبه اليها في غمرة اندماجه في تصفيف شعر رأسه بالفرشاة، ليلتف اليها، فيهديها ابتسامة رائقة مشاكسا، وقد راقه وقفتها بذلك الميل وهي مستندة على إطار المدخل، بتلك البيجامة الملتصقة بمنحنياتها البارزة، بصورة اظهرت اغراءً هي تغفل عنه:
– ايه؟
تسائلت خلفه بعدم فهم:
– ايه ايه؟
اجابها بغمزة وقحة، ونظرات ذات مغزى:
– دا اول يوم رسمي ليا النهاردة من بعد الاجازة، بالشكل ده هتخليني اغير رأيي.
– يا نهار…….
قطعت عبارتها بحرج كسى ملامحها، لتعتدل بوقفتها تتصنع الغضب وابتسامة فضحتها، لتردف بكلمات متقطعة:
– انت…. انت فعلا بقيت قليل ادب يا عصام……. قال وانا اللي جاية اقولك ان الفطار جاهز…… خليك مع نفسك…… هروح افطر لوحدي….
قالت الأخيرة وتحركت مغادرة من امامه، ليلحق بها، يتمتم ضاحكًا:
– وايه يعني ما انا ممكن احصلك، وبرضوا اعمل اللي في دماغي .
فضلت عدم الرد لتأخذ جلستها على المائدة كي تسبقه، وما همت بوضع احد اللقيمات بفمها حتى وجدته يقبض على كفه، ويلتقطها بفمه، ثم يلوكها مردفا بمكر:
– حسيتها من ايدك هتبقى احلى، ولا ايدك هي اللي أحلى.
اكتنفها الخجل حتى حاولت نزع كفها، ولكنه ابى ليزيد من ضغطه ويرفعها اليه، يقبل الاصبعين ثم باقي اليد حتى سرت بداخلها القشعريرة، لتهتف برجاء:
– عصااااام.
توقف فجأة وبنبرة ينضح منها الخبث اجابها:
– ايه؟
سحبت يدها سريعًا منه، قائلة بحنق تخفي به اضطرابها، وقد شتتها بفعلته:
– انت كدة فعلا هتتأخر على شغلك.
استقام بجذعه يعدل من هيئتها، ليرد بحسم لا يخلو من تسليته:
– لا ما انا لو قعدت دقيقة تاني مش هروح الشغل فعلا، عشان كدة بقول اروح افطر مع امين باشا في مكتبه .
دنى يختطف قبلة سريعة من وجنتها، ثم تحركت اقدامه على عجالة، ليلقي اليها قبلة اخيرة في الهواء بادلته اياها ترافقها بقلب كبير وابتسامة اعتلت محياها حتى بعد انصرافه، لتتنهد بسعادة جعلتها تنسى الطعام وشهيتها اليه، وقد ارتوت بعشقه وشبعت حد التخمة .
خرج عابد الورداني من غرفته، يلقي ببعض التعليمات على زوجته قبل سفره لخارج العاصمة، من اجل جلب البضائع وقد توسعت تجارته في الشهور الاَخيرة، بفضل تركيزه به، وقد وجد به الشيء الوحيد الذي يستحق الاهتمام:
– لما يجي الواد جابر اديله مفاتيح المخزن والدكان، انا وصيته امبارح عشان لما اوصل بالبضاعة الجديدة يبقى مستنيني.
كان ابراهيم في هذا الوقت مضطجعًا بجلسته على الاريكة التي تحتل وسط الصالة، منشغلا بالهاتف، لم يعتدل ولا يعير مرور الرجل اهتمامًا، والاَخر يرد بالمثل في ان يتخطاه دون ان يلقي حتى تحية الصباح، الامر الذي استفز سميرة، لتعترض بمكر تجيده:
– الله يا حج والواد جابر يمسك شغلك ليه دلوقتي وابنك موجود؟ دا آخره حتة صبي لا طلع ولا نزل، ولا ايه يا ابراهيم؟
توجهت بالاخيرة نحو المذكور لتلكزه بيدها، كي يرفع عيناه وينتبه، يعطيها استجابة تدعم قولها، ولكنه سهم بصمت ابلغ من الكلام، لتبزغ ابتسامة جانبية ساخرة من ابيه، فيعطي رده الحازم لزوجته:
– متنسيش تبعتي المفاتيح لجابر، واياك حد يزعله بأي كلمة، دا ايدي اليمين دلوقتي..
القى كلماته وذهب يصفق الباب خلفه بعنف اظهر غضبه المكتوم، ليخلو المنزل على سميرة وابنها الذي صاحت به تنهره:
– مش تتكلم يا ابن الخايبة وتدافع عن حقك، بقى الغرب يمسكوا مال ابوك وانت هتفضل راقدلي ع الكنبة زي الفرخة اللي راقدة ع البيض.
استفزه الوصف لينهرها صائحا:
– الله انتي اتعديتي منه ولا ايه؟ ما تنقي الفاظك ياما، بدل ما تخليني اتعصب عليكي.
بغيظ متعاظم، جذبته من قماش قميصه تهزهزه متمتمة بفحيح:
– هو دا اللي انت فالح فيه، بقولك الغرب بقوا ماسكين مال ابوك، وهو مديهم دقنه وواثق فيهم اكتر منك، هتستنى انت بقى لما يسرقوه؟
نفض قماش قميصه عنها ليعقب بعدم اكتراث:
– وافرض حصل، ما هتبقي غلطته مش غلطتي، بلاش تكبري الموضوع ياما، انا ممكن في اي وقت اطرد جابر ، دا آخره صبي عندنا زي ما قولتي، لكن مدام بقى نافعنا وماشي بأجرته خلاص بقى….. دا انا مصدقت شايلني من دماغه، بعد ما كان بيهزقني ع الطالعة والنازلة ويغصبني ع الشغل معاه..
هتفت تكز على اسنانها:
– عشان خلاص حط صوابعه في الشق منك، وانا شكلي هعملها قريب، روح يا ابرهيم يا ابن بطني ربنا يهديك.
صرخت بالاخيرة، لتتركه وتذهب من امامه نحو غرفتها ، تغمغم بالألفاظ النابية التي لم يبالي بها ، ليعود لهاتفه مرة أخرى في محاولة للاتصال برقم اخر باءت بالفشل كالعادة مع حظرها لكل الارقام الغريبة عنها، ليحدث نفسه هذه المرة بتوعد:
– ماشي يا امنية، بلاها تليفونات، وانا هعرف برضو اجيبك لحد عندي، ومبقاش انا ابراهيم لو ما حصل.
❈-❈-❈
انهت عملها سريعًا حتى اذا جاء موعد الاستراحة، تركت مكتبها وخرجت سريعًا الى رئيستها التي شددت عليها منذ الصباح من اجل الالتقاء بها.
فخرجت اليها بداخل الحديقة الشاسعة حيث كانت تنتظرها بناءًا على رغبة بهجة في هذا المكان المنزوي اسفل الشجرة، حتى تنفرد بها بعيدا عن الجميع،
لتجدها الاَن جالسة على الاَريكة الخشبية، متربعة الذراعين تطالعها بحدة قابلتها بهجة بالابتسام والمزاح:
– يا ساتر يا رب، طب انا كدة اصبح ولا امسي ازاي بس مع التكشيرة دي .
ردت صباح بسخرية لا تخلو من حزم:
– انا لا عايزة صباحك ولا مساكي يا اختي، بت انتي احنا مش لسة هنتساير، اترزعي يلا .
رددت خلفها بهجة بادعاء القلق، وهي تتجه لتجلس أينما اشارت لها:
– يا لهوي، لا هنتساير ولا نسلم، امال هترزع قدامك ليه؟
– عشان احقق معاكي.
قالتها صباح بجدية لا تقبل النقاش، لتجبر بهجة كي تتخلى عن المزاح، فهي لن تتقبله اليوم، لتحاول الأخرى التلطيف معهما:
– في ايه بس يا ريسة؟ كل دا عشان عرفتي اننا عزلنا، طب ما هو دا كان شيء متوقع، انتي عارفة انا من زمان نفسي فيها الخطوة دي عشان ابعد عن عيلة عمي واذاهم لينا .
– عارفة يا بهجة، بس ازاي دا حصل بقى؟ وازاي قدرتي تخبي عليا؟ دا اللي انا عايزة اعرفه يا غالية.
حاولت بهجة التبرير بحجج واهية رغم علمها بذكاء رئيستها التي لا تفوتها التفاصيل الدقيقة:
– ااا اتصرفت، كسبت القضية اللي كنت رافعاها على مصلحة ابويا بقالنا سنين ومن المكافأة اول ما قبضتها، جريت على طول اشتريت البيت قبل عمي ما يحس، عشان كدة فضلت يبقى الامر كوتيمي، لكن طبعا كنت هقولك .
– دا بعد ما تعزلي! ليه يا حبيبتي؟ هو انا كنت من عيلة عمك يا بت؟
صدرت من صباح بقوة جعلتها تُصلح على الفور:
– لا والله يا ريسة، انا كان قصدي ع الكل، مش عليكي انتي مخصوص، والله ربنا بس العالم بمعزتك عندي.
طالعتها صباح بصمت، مضيقة عينيها بريبة زادت من توترها، لتردف حازمة لها:
– بهجة بلاش لف ودوران عليا، جيبي من الاخر معايا دا لو ليا عندك معزة زي ما بتقولي، عشان انا عارفة كويس ان انت موقفة القضية بقالك اكتر من سنة، ولا نسيتي ان المحامي كان من طرفي وابن منطقتي، ومعرفني كويس اوي استحالة انك تكسبيها.
هي بالفعل نست ذلك او تناست او ربما هي السرعة وعدم التركيز من جعلاها في هذا الموقف امام امرأة المحنكة وشديدة الذكاء كصباح، بل وتفهمها.
– سكتي يعني يا بهجة؟ لو مش عايزة تقولي انتي حرة.
حينما ظلت بهجة على ترددها، نهضت فجأة تجفلها:
– شكلي زودتها، انا بقول اسيبك احسن مع نفسك يا بنتي.
– لا استني يا ريسة.
هتفت بها بهجة توقفها فور ان تحركت للمغادرة، لتردف لها برجاء:
– هقولك على كل حاجة، بس وحياة الغالين، بعد ما تعرفي لا تبكتيني ولا تضري نفسك ولا تضريني.
رددت خلفها بعدم فهم:
– وتضريني انا ليه؟….. انتي هببتي ايه يا بت؟
❈-❈-❈
وفي منزل ناصر الدكش
حيث دوى صوت جرس المنزل، حينما كانت نرجس تعمل على اعداد الطعام في مطبخها، وقد خلى عليها وحدها، بعد ذهاب ابنتها رؤى إلى جامعتها وزواج البقية، لتجفف يدها بالمنشفة وتتحرك نحو مدخل الباب في ظن منها انها احدى جيرانها، لتفاجأ باخر ما كانت تتوقعه، فتبرق عينيها بذهول تصلب له جسدها، عن اي رد فعل
مما اثار التسلية داخل الاخر، ليبادرها معاتبًا:
– ايه يا خالتي مالك؟ شوفتي عفريت؟ ولا نسيتي وش ابراهيم ابن اختك، معلوووم…… عندك حق ما انتي بقالك شهور ما طليتي عليا ولا شوفتيني، حتى بعد ربنا ما كشف الحقيقة وظهرت برائتي، برضو مهنش عليكي تواجهيني ولا تحطي عينك في عيني ، وتقولي معلش يا ابن اختي .
هي في الاصل لا تعرف التصرف في اتفه الامور، فما بالها في موقف كهذا، وهذا الماكر يعاتبها، بل ويرمي عليها ذنب ما حدث.
تلجلجت بارتباك لتلطف بحماقتها كي ترضيه، بكلمات غير مترابطة:
– ابراهيم ابن اختي…. الف مبروك يا حبيبي خرجت من السجن ، عامل ايه دلوقتي؟
تبسم بمكر ساخرًا يقول::
– طب بذمتك ينفع السؤال على باب البيت، ولا انتي كمان عومتي على عوم شهد بنت جوزك زي بناتك وهتقطعي رجلي من بيتك؟ قوليها يا خالتي ، ما هو دا كان غرضها من زمان، ما كانش العشم.
تحركت على الفور تنزاح بجسدها من امامه، تردد بترحيب لا يخلو من تردد:
– اا اتفضل اتفضل، اصل انا افتكرتك وراك مشوار يعني، ولا مش هتقبل تخش البيت بعد اللي حصل.
تقدم يدلف ويسبقها نحو الجلوس وكأنه مالك للمنزل، يواصل عتابه ولومه:
– ما انا فعلا حقي ما ادخلش بعد البهدلة اللي شوفتها على ايد بناتك، ودا طبعا بأوس من وش المصايب شهد اللي بتكرهني كره العمى، بقى انتي تصدقي فيا يا خالتي اقتل عمي ناصر؟ انا، انااا
سهمت بنظرها نحوه، لا هي بقادرة على تصديقه ولا هي تملك الجرأة على تكذيبه، هذه هي نرجس دائما ما تنتظر رد فعل الآخرين لتنساق خلف الجهة الغالبة وتنساق معها ، لا تحدد ولا تقرر من نفسها ابدا.
– ااا انا مليش دعوة بيهم يا بني، كذا مرة اقولها، ابراهيم مصدقش عليه يعمل كدة، معقول ابن اختي يقتل راجلي ولا ييتملي عيالي ، مش معقول طبعا، ولا ايه يا ابراهيم؟
كانت تتحدث ببلاهة ولكنها اصابت الهدف، حتى طغى عليه ارتباك خفيف استطاع السيطرة عليه سريعًا ليحاول ابتلاع ريقه الذي جف بكلماتها:
طب انا كنت عايز اشرب يا خالتي عشان عطشت، ولا كمان اتحرم عليا اتعامل حتى معاملة الضيف العادي.
انتفضت تبرر وكأنها مخطئة بالفعل:
– لا يا ابني طبعا، انا هروح اعملك كوباية عصير مانجة بسرعة ورجعالك.
صمت ينتظرها حتى ذهبت الى مطبخها لتعد له كأس العصير، فدارت عيناه في المنزل الذي كان يحتله قبل ذلك، يفرض الشروط ويملي الأوامر وكأنه مالكه، قبل ان تغلبه هذه الملعونة شهد وتقلب الأخرى عليه، امنية .
عند خاطره الاخير تذكر غرضه من الزيارة، ليعود ببصره نحو الهاتف الملقي على احد الارائك بإهمال، فتحرك سريعًا يتناوله ثم بحث داخله حتى وجد اسمها، ليضغط مهاتفًا لها، فجاء ردها سريعًا بالطبع:
– الوو يا ماما، عاملة ايه؟
ظل صامتًا ليستمع باقي استرسالها:
– الوو يا ماما…. انتي اتصلتي وروحتي فين؟
– مامااا ، انتي فين؟ …… يووووه بقى، انا هقفل على ما تتصلي تاني وتنتبهيلي، عايزة اروح اخلص اللي في ايدي عشان الحق اجهز نفسي قبل عصام ما يرجع من الشغل واروح معاه نتعشى عند عيلته، يلا بقى سلام.
انهت المكالمة بعدما اخذ هو غرضه بسهولة ، ليترك الهاتف محله، ثم يعود الى المقعد الذي جلس عليه سابقا، تعتلي ملامحه ابتسامة خبيثة، فيبدو ان الايام القادمة سوف تحمل له المزيد من المرح دون توقف، وقد عثر اخيرا على مدخله اليها…. عبر والدتها الساذجة.
❈-❈-❈
ركضت سريعًا كي تلحق بها في الممر الطويل قبل ان تخرج من البوابة الرئيسية للعمال، وتذهب الى منزلها وتغادر، لتجذبها من ذراعها وتوقفها قائلة برجاء:
– هتمشي وانتي لسة زعلانة مني؟
حاولت صباح نفض ذراعها منها لتنهرها بغضب:
– سيبي دراعي يا بهجة.
زادت من تشبثها لتسحبها معها الى زاوية بعيدة عن الممر ، تردف بتوسل:
– ابوس ايدك يا ريسة، اوعاكي تزعلي مني ولا انزل في نظرك ،دا انتي اللي عارفة كويس بظروفي .
اخرجت المرأة تنهيدة مطولة ، لتتكتف لها بذراعيها وقد رق قلبها لها، ولكنها مازالت حتى الان غاضبة:
– من حبي فيكي لازم ازعل يا بهجة، ازعل واغضب كمان، دا انتي زي بنتي يا بت، ومفيش واحدة ترضى دا لبنتها.
تبسمت بهجة تأثرًا بقولها لتلقي بنفسها داخل حضنها، وكأنها ملجأ الأمان لها:
– وانا عارفة ومتأكدة يا ريسة، وعشان كدة السر دا مقولتهوش لغيرك ولصاحبتي المحامية.
– صاحبتك المحامية؟
رددت بها صباح ساخرة، وعقلها مازال حتى الاَن لا يستوعب زواج بهجة من رئيسها وصاحب المصنع الذي تعمل به، هذا الشاب الجامد المتجهم والذي لا يبتسم إلا نادرًا،
كيف هي قبلت؟ وكيف هو تخلى عن كبرياءه وعنجهيته لينظر لواحدة مثل بهجة حتى لو كانت جميلة وتستحق من هو افضل منه، وزواج في النور، ولكنها تعلم بطبيعته، واصله الارستقراطي المستفز في التمسك بالعادات المتوارثة عبر اجيالهم، حتى لو كان زواج بالسر ، هذا الرجل يحمل شيئًا ما بداخله نحو بهجة، ولن تصدق ابدا ما ذكرته لها عن رغبة وكلام اهبل،
نعم فهذه الخارقاء تظن انها مدة وتنتهي، ولا تعلم بأنها سقطت في الفخ .
زفرت بضيق وقد ملت من التفكير، لتتضرع بقلب الام:
– ربنا يسترها معاكي يا بهجة، ويبعد عنك اي شر ، ويحميكي من اذى اقرب الناس ليكي لو الموضوع اتعرف .
فهمت على قصدها لتعقب مستفهمة:
– وهما ليهم ايه عندي تاني؟ انا كدة كدة مقررة ما اعيدهاش ولا اكرر الجواز من اي حد تاني بعد ما تنتهي مدتي مع رياض.
– تاني مدة يا بهجة؟
رددت بها صباح بابتسامة ساخرة ، لتلتف مقررة الذهاب:
انتي مش خلاص خدتي غرضك مني، ابعدي يلا يا شاطرة خليني اروح والحق اتوبيس الشغل ، مروحة معايا انتي كمان ولا ايه ظروفك؟
– لا انا رايحة لمدام نجوان.
قالتها بهجة لتقابلها الاخرى بنظرة حادة، جعلتها تبرر على الفور بعفويتها:
– مسافر والله ، مش موجود اساسا في البلد.
التوى ثغر صباح بابتسامة غيظ مرددة:
– وانا مسألتكيش عنه يا هبلة.
❈-❈-❈
في مدينة الملاهي، وبعد قضاءهما معظم الوقت بها، خاض معها معظم الالعاب، حتى تلك الخطرة والتي تتطلب الشجاعة، اضطر ان يجاري اندفاعها ويخوض التجربة معها،
غرفة الرعب وتلك الاشياء المرعبة كانت تضحكها هي عكسه هو الذي كان يجاهد الثبات بصعوبة حتى لا يظهر خوفه الطبيعي كباقي البشر،
لينتهي بهما الوقت الاَن امام كشك المثلجات ليشاركها التناول معها،
عدة ايام مرت وكأنها الخيال، نال فيهم الفرح والسعادة حتى نسى بهم كل شقاء السنوات،
– هتاخد واحد ايس كريم زيي يا شادي، مش هتنكسف؟
قالتها بمشاكسة لا تكف ابدا عنها في حضوره، ليجاريها بقوله:
– قصدك يعني عشان انا مدير فندق ومحترم، فمنظري هيبقى مش لطيف قدام الناس اللي تعرفني من رواد الفندق او الموظفين صح؟
اومأت بهز رأسها، ليردف هو بالعد على اصابعه:
– يااا شيخة، يعني هي جات ع الايس كريم، بعد ما لبستيني القميص المشجر، وصورتيني بالشورت ع البحر وانا مطلع لساني، لا والتاني اللي مركبالي فيها الودان دي بتاعة الارنب، انتي خليتي فيها مدير يا صبا!
اصبحت تقهقه بالضحكات غير قادرة على التوقف، ليلطمها بخفة على جبهتها مرددًا بحزم:
– خلاص بقى اتلمي، فرجتي علينا الناس، ادي عيب اللي ياخدك معاه في مشوار تاني يا صبا .
تخصرت تقارعه بتحدي:
– والله، دا على اساس انك جاي تجضي شهر العسل لوحدك، انا رجلي على رجلك يا شادي، سواء هنا، سواء هناك، او في اي حتة، على جلبك يا شادي والله ما هسيبك .
تقولها بلهفة تجعل قلبه يتراقص داخل صدره، ليته يمتلك الجرأة مثلها تلك المجنونة، لكان احتضنها الاَن وكسر اضلعها بشوقه، حتى لا يكف عن تقبيل هذا الثغر الذي نطق بتلك الكلمات .
ولكن للأسف، هو مازال حتى الاَن يحتفظ بجزء من عقله، وقد طار معظمه خلفها،
صبا القلب، هي روحه التي وجدها اخيرا.
❈-❈-❈
امام المراَة كانت تصفف لها شعرها، فتخاطبها بغزل ، وقد لاحظت شرودها منذ ان حضرت:
– ايه رأيك بقى في التسريحة الحلوة دي، مع انك صراحة مش محتاجة.
تبسمت لها نجوان هذه المرة ، توميء رأسها برضى، لتفاجأها بتناول الفرشاة ، ثم تشير لها بالجلوس امامها، فهمت بهجة لمقصدها لتعترض ضاحكة :
– لا مش معقول ، انتي قصدك تسرحيلي شعري انا؟ مينفعش.
نهضت تفاجأها لتدفعها للجلوس محلها، فلم تملك بهجة امام اصرارها سوى الإذعان والطاعة، فتنزع عنها طرحتها، ثم تطلق الشعر الطويل ، لتمرر نجوان فرشاتها فتتخلل الخصلات بنعومة، من الاعلي للإسفل، وكأنها تستمتع بذلك، تعدل مجموعة في الامام على الجهتين، تظهر جمال الوجه البهي، فتشرد بطلتها حتى ظنتها بهجة ذهبت لذلك العالم الأخر في عقلها،
لتفاجأها بقولها:
– انتي حلوة .
ضحكت بهجة بعد حالة القلق الذي سيطرت عليها منذ لحظات، لتردد خلفها :
– تاني حلوة، نفسي افهم غرضك ايه من المعلومة دي؟
قالتها وهي لا تنتظر اجابة، كمعظم الحديث معها، ولكن ما حدث من الاخرى اجفلها، حينما دنت فجأة، تهمس بأذنها على حين غرة.
– قصدي انه مش هيسيبك.
توسعت عينيها بذهول، لا تستوعب ما وصل لاذهانها منها، حتى وقفت تسألها:
– هو انتي بتتكلمي زينا، ومين دا اللي مش هيسيبني؟
وكأنها كانت تسأل نفسها ، عادت البراءة تلون وجه الاخرى، لتتلاعب بالقصة الجديدة لشعرها، بعدم انتباه لها، حتى ظنت بهجة انها توهمت:
– يا مدام انا بكلمك، ما هو مش معقول يكون دا بيتهيألي…… ردي ابوس ايدك عايزة اعرف مين المقصود…..
دوى صوت الهاتف فجأة، باتصال دولي بإسمه، لتجد منها ابتسامة غير مفهومة، ثم تحركت نحو العابها وهذا اللوح الإلكتروني، تشغل نفسها به، مما استفز بهجة لتتحرك تاركة لها الغرفة، ثم تضغط على الشاشة وتجيبه:
– الووو.
– الوو يا بهجة عاملة ايه؟
اجابته بتشتت:
– كويسة والحمد لله، انت اللي عامل ايه دلوقتي؟
وصلها الصوت الرخيم يزلزل كيانها:
– انا كويس دلوقتي يا بهجة من بعد ما سمعت صوتك، مش هما ساعات بس اللي مروا عليا في بعدي عن البلد وعنك؟ لكن انا بقولك اهو، وحشتيني يا بهجة، وحشتيني اوي.
ما هذا الذي يحدث معها، جرعة من الغزل تسبقها جرعة من الجنون، كيف توفق بين الاثنين؟
– الوو يا بهجة انتي روحتي فين مني؟
تنهدت تستعيد توازنها، لتستجيب باقتضاب قائلة:
– وانت كمان.
وصلها رده بمكر:
– انا كمان ايه يا بهجة؟ وضحي.
ضغطت تغلب خجلها، حتى تستريح من الحاحه:
– وانت كمان وحشتني.
صمت ولم يجيبها على الفور ، ولكن وصلها صوت انفاسه، ليردف بعد ذلك:.
– الله ، اهو انا دلوقتي مش عايز اي حاجة بعدها، اصبر نفسي بيها على ما ارجعلك يا بهجة، ياريت كان في طيران دلوقتي، مكنتش فضلت دقيقة تاني بعدها
الفصل الثامن عشر من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السابع عشر 17 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل التاسع عشر 19 بقلم امل نصر
تلك السعادة اللي نحيا على حلم الوصول اليها، ذلك الفرح الذي ظل دائمًا غائبًا عنا، وحينما أتى……. أتى ناقصًا، هل كان سوء حظ منا؟ ام هي الاقدار التي تتلاعب بنا؟
بحرص تام نهضت من جواره، بعدما استيقظت لتجد نفسها داخل أحضانه، ذراعه تطوقها، وانفاسه مازالت تشعر بها على بشرتها،
خطت حتى وصلت الى المقعد الوحيد بهذه الغرفة الشاسعة، فسقطت عليه بثقلها، تضم ركبتيها الى صدرها، فتتأمله باضطراب وخوف، لا تصدق ما حدث، لقد أصبحت زوجته بالفعل.
هذا الرجل الغافي امامها باسترخاء، اصبح زوجها قولا وفعلا، كيف سحبها بمعسول كلماته وجعلها تحلق في سماء عشقه؟ حتى غاب عقلها وتاهت ف بحوره،
هل كانت مغيبة العقل؟
لا لم تكن مغيبة، بل كانت سعيدة ومستجيبة للمساته، وقد كان هو كالساحر معها، يدلل انوثتها، ويشعرها بقيمتها كامرأة فاتنة لم تجد الاهتمام الكافي لتنال ما تستحقه،
لقد قال كثيرا من كلمات الغزل وعاملها بنعومة تفوق الخيال،
لتنام في النهاية قريرة العين، منعمة بدفئ حضنه، ورائحة عطره التي تغمرها بقربه الشديد، ثم يهل صباح اليوم الجديد، وتستفيق على حقيقة وضعها، بعدما انقشعت السحابة الوردية التي كانت تطير بها في عالمه الجميل .
– انتي صحيتي امتى من جمبي وسبتيني؟
انتفضت ينتشلها الصوت الرخيم من غمرة شرودها، لتلتف اليه وتجده مضجعًا بجذعه العاري امامها على قائم التخت، فتتهرب بأبصارها عن النظر اليه مباشرة، وتجيبه بكلمات متقطعة من فرط خجلها:
– ماا… دي عادتي….. دايما بصحى بدري.
تبسم ثغره باتساع، مستمتعًا بلون الحمرة الذي كسى بشرتها وحيائها الذي كلفه كثيرًا من الصبر والتروي بالأمس حتى نال السعادة بوصالها في نهاية الأمر،
ليزيد بمشاكستها الاَن:
– مش معقول يا بهجة تكوني لسة مكسوفة بعد اللي حصل ما بينا؟
برقت خضرواتيها بإجفال تأثرًا بجرأته، لتعض على شفتيها بارتباك شديد ظهر في حركة جسدها وهي تزيد من ضم اقدامها اليها، فتنكر ببلاهة، ومزيدا من التلعثم:
– لاااا مش مكسوفة ولا حاجة، ااا…. دا حتى انا بقول….. اقوم احسن واروح امشي.
في الاَخيرة كانت تنزل بقدميها على الأرض، لتستقيم بجسدها وتشرع في التحرك، فهتف هو يوقفها معتدلا بجسلته:
– تقومي تروحي فين يا بهجة؟ استني هنا.
اذعنت لأمره تجيبه:
– واستنى ليه؟ الساعة زمانها داخلة على سبعة، الحق اروح بيتنا ، وانت ممكن تريح الساعة دي، او تروح الشغل في الميعاد اللي تحبه.
– ومين قالك اني رايح الشغل اساسا النهاردة؟
تمتم بها ثم نهض يقف مقابلا لها، ليقترب وتمتد ذراعه ليزيح بيده شعرها للخلف، مردفًا:
– طب بذمتك، تبقى صباحيتنا النهاردة واسيبك واروح الشغل، حد يجيله قلب يسيب الجمال ده؟
دنى برأسه نحوها، حتى كاد ان يقبلها ولكنها تراجعت بحدة قائلة:
– بس انا مينفعش اتأخر عن اخواتي، امبارح اتحايلت بمدام نجوان وقولت انها لوحدها، لانك مسافر والدادة مش معاها، النهاردة هقول ايه؟
بحزم لا يخلو من لين جذبها فجأة اليه، يقنعها بهدوء:
– طيب وجودك عندهم دلوقتى ايه لزمته؟ مش دا برضو ميعاد شغلك في المصنع ولا انتي ناسية؟
سهمت نظرتها باستيعاب قائلة:
– ايوة بس انا متعودة احضرلهم فطار و…
قاطعها يقربها اليه مرة اخرى مرددًا:
– وايه يا بهجة؟ اللي اعرفه ان اخواتك مش صغيرين ولا اطفال عشان تجري تفطريهم قبل ما تروحي الشغل…. ولا انتى عايزة تهربي مني؟
– ها….. طب وشغلي في المصنع؟
تمتمت بها تطالعه بتيه، بعدما مال بوجهه نحوها، حتى اصبحت انفاسه تلفح بشرتها مردفا بهيام:
– مصنع ايه كمان يا شيخة بس؟ وهو دا وقته؟ بقولك صباحيتنا وانتي عايزه تجري وتسبيني.
رفعها فجأة من خصرها من الخلف، يعتقلها بذراعيه حتى لم تعد اقدامها تلامس الارض، شفتاه عرفت طريقها، لتطوف على كل جزء تصل اليه من بشرتها، حتى وصلت لمبتغاها، في قبلة عاصفة اذابت البقية الباقية من مقاومتها،
حتى سقط بها فوق الفراش، ليعتدل، كي يحل ربطة المئزر الذي كانت ترتديه وقد عقدتها عدة عقدات، ليعقب بضجر:
– انتي امتي لحقتي تلبسي الروب ده وتتكلفتي بيه كدة؟
وجدت صوتها بصعوبة تجيبه:
– وانت نايم، عشان مكانش جايلي نوم.
ضحك بخبث مرددًا وهو ينزعه عنها:
– ويعني جالك نوم لما لبستيه، طب انا هطيره منك خالص النهاردة.
❈-❈-❈
وفي منزلهم الجديد،
كان الثلاثة على مائدة الطعام يتناولون وجبة الإفطار التي أعدتها جنات سريعًا، قبل ذهابها الى الجامعة هي الأخرى، بعد اتصال شقيقتها بها منذ لحظات تخبرها بالذهاب الى عملها وعدم استطاعتها للحضور في هذا الوقت، فكانت هي تقوم بدورها الاَن:
– خلص أكلك كله يا ايهاب عشان تركز وتستوعب، وانتي يا عائشة، متسبيش حاجة في اللانش بوكس بتاعك، لازم تاكلي عشان تكبري.
بابتسامة ساخرة ردت الاخيرة :
– حاضر يا ابلة، مش هسيب ولا حاجة عشان اكبر.
-‘بتتريقي عليا يا عائشة؟
– لا يا ستي، وانا اتريق ليه بس؟
تمتمت بها تنفي ببراءة ردا على شقيقتها، ليتدخل ايهاب هو الاخر يعقب بدوره:
– عندها حق يا عائشة، بلاش اسلوبك ده يا مصيبة احنا فاهمينك.
– انا برضو؟ والنعمة مظلومة.
قالتها بدراما اضحكت شقيقيها، قبل ان تنهض فجأة وتسألهم:
– طب انا خلصت وعايزة اروح مدرستي، مين فيكم اللي هيوصلني مدام بيبو مش موجودة؟
تطوع ايهاب والذي انهى طعامه هو الاخر:
– اوصلك انا يا ستي، خليها تعرف انها سايبة وراها رجالة .
ايوة بقى يا هيبو يا جامد.
هللت بها جنات وهي تتابع مغادرتهم، لتعلق عائشة بمزاحها كالعادة:
– دا راجل دا ؟
على الفور نالت جزائها، بلطمة خفيفة على رأسها من الخلف، يظهر لها حزمه:
– راجل غصب عنك يا مقصوفة الرقبة، امشي يا بت انجري قدامي، امشي.
لتذعن بطاعة تتقدمه، امام ضحكات جنات التي لا تتوقف لمشاكسات الاثنان.
❈-❈-❈
ولجت الى غرفة زوجها صباحًا تحمل فنجان القهوة عقب انهاءه الافطار سريعًا من اجل تلك المكالمة الهامة التي قام بها مع شريكه الجديد، يدفعها الفضول لسؤاله:
– القهوة يا قلبي زي ما طلبت.
رد يجيبها اثناء ارتداء ملابسه:
– تسلم ايدك يا قلبي، بس انتي كلفتي نفسك ليه؟ ما كانت جابتها واحدة من الشغالين .
وضعتها على الطاولة الصغيرة التي تحتل جانبا من الغرفة، لتقول بمكر تجيده:
– وانا روحت فين لما واحدة من الشغالين تجيبها؟ كيمو حبيبي اخدمه بعيوني.
التف اليها فاغرا فاهه، قاطبُا حاجبيه للحظات بتفكير وتوجس، فتقابله هي بهذه النظرة البريئة لتثير تسليته، ف اقترب وتناول فنجان القهوة مرددًا:
– تسلم عيونك يا جميل ، اكيد المحلسة دي وراها طلب مخصوص، قولي على طول يا رباب ومن غير مقدمات، جوزك مستعجل.
– ليه بقى مستعجل، انت ميعادك اساسا تسعة.
ارتشف يتلذذ بطعم المشروب الساخن قبل ان يجيبها:
– ما انا ناوي اروح المصنع اطل عليه الاول، رياض اتصل بيا وقالي انوب عنه عشان النهاردة مش موجود.
سمعت الاسم ليعود اليها الفضول:
– حلو اوي مدام جيبت سيرته، مش هتحكيلي بقى حكايته؟
– احكيلك حكايته دلوقتي يا رباب؟ وانا بقولك مستعجل.
وضع الفنجان وتحرك مسرعًا ليرتدي سترته، فلحقت به تلح :
– وحياتي عندك يا كارم، انت كل مرة كدة تعلقني، تقولى كلمتين عن الغامض بسلامته وتسيبني بقى اضرب والف في التخمينات، انا عايزة اعرف بقى النهاردة سر عزوفه عن الستات.
تطلع الى هيئتها وهي تضرب الارض بقدمها وكأنها طفلة وليست زوجة وام، فقال لها ليزيدها شغفًا:
– طب مدام كدة بقى، خدي الجديدة عشان تتعلقي اكتر، رياض الحكيم شكله واقع لشوشته مع البنت الجديدة جليسة والدته.
اصدرت شهقة عالية برقت لها عينيها لتتشبث به بإصرار:
– دا بجد؟ وحياتي لو بجد لتحكيلي دلوقتي حالا، حالا يا كارم وحياتي عندك.
اطلق ضحكة مجلجلة لينزع كفيها عنه ثم يهرول من امامها مرددًا بمرح:
– لما ارجع من الشغل بقى يا قطة، دا لو افتكرت اصلا .
استمر بضحكاته حتى اختفى لتعلق هي في اثره:
– ماشي يا كارم، وديني ما انا سيباك المرة دي.
❈-❈-❈
والى مجيدة التي خرجت من غرفتها مجفلة على صوت الشجار الصباحي بين ابنها وزوجته:
– طب انا قولت مش هتخرجي النهاردة يا لينا، يعني مش هتخرجي، وريني بقى هتكسري كلمتي ازاي هاا؟
– طب مدام انت وصلتها لكدة، يبقى عند بعند وانا خارجة يا امين، وخليني بقى اشوف تحكمات حضرتك دي هتوصل بينا على فين؟
– هتوصل للطريق المعروف يا حبيبتي، تحبي اقولك هو فين ؟ ولا على ايه اهو المأذون في الشارع اللي ورانا، انا اجيبهولك دلوقتي عشان نختصر.
– باااااس
صرخت بها مجيدة توقف هذيان ابنها امام زوجته المتمردة بغباء رغم طيبة قلبها التي تشهد بها، واقتربت بأعين حمراء توجه خطابها بحزم نحو الاثنين:
– لحد هنا وتوقفوا ستوب انتوا الاتنين ، انا اسكت وافوت على كله، لكن توصل لطريق الماذون اقطع رجليكم انتو الاتنين، شغل العيال بتاعكم يمشي في كل حاجة إلا دي .
اطرقا الاثنان بخزي امامها، شاهدين على أنفسهم بالخطأ، ليدافع ابنها مبررًا:
– هي اللي بتطلعني عن شعوري يا ماما بعمايلها، كل كلمة تراجعني فيها، لا بتسمع كلام ولا حتى بتقدرني.
رفعت لينا رأسها اليه بخضة تشير بسبابتها نحو نفسها بعدم تصديق:
– بقى انا مبقدركش يا أمين؟ طب ايه اللي عملته عشان يثبت كلامك ده؟
ثار بها:
– والخناقة اللي بنتخانقها دي بسبب ايه؟ مش عشان جناب حضرتك مش قابلة توقفي يوم واحد من غير شغل، حتى وانتي عارفة بالعزومة اللي عاملها النهاردة لعصام ومراته.
دبت بقدمها على الارض صارخة:
– بقولك عندنا اجتماع مهم ، يعني لازم احضر، دا غير ان العزومة بالليل، يعني اقدر ارجع بعد ما اخلص الاجتماع على طول واحضر العزومة، دول نفرين بس ياناس، هو احنا هنعمل وليمة؟
– اه يا حبيبتي وافرضي نفرين، طب انا بقى عايز اعملها وليمة بجد.
صاح بها فجاء الرد من والدته:
– خلاص يا حبيبي فهمنا، انت عايز وليمة تشرفك قدام صاحبك، وانا بقى لزمتي ايه في البيت هنا؟ دا غير انها قالتلك انها على ما ترجع من شغلها، يعني هتنجز معايا ان شاء الله، انت بقى مش ليك وليمة تشرف وخلاص.
– وانا هساعد معاكي يا ماما.
كان هذا صوت شهد التي خرجت من غرفتها على صوت الصياح، ليأتي رد زوجها بحنق هو الاخر:
– وانتى قاعدة مكانك على الكرسي يا شهد، وكمان مش كتير عشان ضهرك .
– كتر خيرك يا بشمهندس مش عايزين نتعبك معانا
قالها امين بنبرة ساخرة قابلها شقيقه بوجهه العابس:
– دا عشان العريس والعروسة يخصونا احنا كمان يا حبيبي، مش عشانك .
تبسمت مجيدة لمشاكساتهم التى لا تنتهي لتتوجه نحو ابنها صاحب المشكلة:
– وكدة يبقى فاضل الحلو ودا على انيسة من امبارح موصياها عليه، عندك اعتراض تاني يا غالي؟
تهللت ملامحه بابتسامة ينفي:
– لا خلاص يا ماما، مدام في حلو من حماتي العزيزة، يبقى تغور مطرح ما هي عايزة تغور.
اجفلت لينا بقوله، لياتي ردها على الفور، تضرب بقبضتيها على ذراعه وصدره:
– ايه تغور دي؟ ايه تغور دي ؟ مش تحسن الفاظك يا حضرة الظابط المحترم، في حد يقول كدة لمراته ام ابنه اللي جاي في الطريق؟
امسك بقبضتيها داخل كفيه، يتمتم غائظًا لها:
– وان محسنتش هتعملي ايه؟
– ااه ايدي بتوجعني يا امين وانت قارص جامد.
تأوهت بها تعبر عن المها، مختلطًا بعتبها ونعومتها حتى تأثر بضعفها ولانت قبضته :
– طب بطلي انتي تستفزيني الاول ، وانا مش هقرص عليكي .
نزعت يدها منه قائلة بنبرة يشوبها الدلال :
– انا برضو اللي بستفزك ولا انت اللي قاسي وبتحب تيجي عليا .
– اناااا؟ شالله تعدميني لو قاصد .
– بعد الشر عليك .
مصمصمت مجيدة المتابعة بشفتيها، لتغمغم بغيظ منهما:
– شوف يا اخويا قلبو ازاي في ثانية، دا انتو اللي داخل ما بينكم خارج .
عقب ابنها الاخر بعبوس:
– دلع مريء يا ماما.
استدارت كي تعقب على قوله، ولكنها تفاجأت به منشغلًا في الحديث مع زوجته يهمس في اذنها هو الاَخر بصوت هامس يجعلها تضحك، لتغمغم هي عائدة لغرفتها:
– يا ولاد المجنونة، بقيت انا زي العزول وسطيكم.
❈-❈-❈
متكئًا على الاريكة الوحيدة بداخل شرفته، ينفث الدخان من سيجارته وكوب الشاي الساخن يرتشف منه بتلذذ وهو يرهف السمع لصوت تسجيلات المكالمات التي استطاع الحصول عليها بتهكير الهاتف الخاص بخالته، غير مراعيًا لحرمة القرابة او الحلال او الحرام، او حتى مروءة تمنعه من التنصت على الأحاديث الخاصة بالنساء.
منذ الأمس وهو ينتظر على احر من الجمر، تلك المكالمة التي تجمع بينها وبين ابنتها العزيزة التي تمردت عليه ونالت الحظ لتصبح امرأة اخرى، غير تلك التي كان يتحكم بها، ويخضعها بأقل مجهود،
وقد أتت الاَن ليستمع بتركيز شديد لكل جملة قد يأتي من خلفها فرصته:
– ايوة يا امنية، البت رؤى مطلعة عيني ع الرحلة اللي بتزن عليها، يرضيكي يعني تبات ليلتين في بلد غريبة ملهاش اهل؟
دوي صوت ضحكتها في البداية ثم جاء ردها:
– يا ماما بلد غريبة ايه بس؟ دي بتقولك الغردقة، وهي اساسا طالعة تبع الجامعة ووسط اصحابها متقلقيش عليها انتي، خليها بس تيجي بدري تاخد الطقم اللي كانت مكلماني عليه، عشان انا مش مسئولة لو جات وملقتنيش موجوده.
– ليه يا بت رايحة فين؟
– يا ماما ما انا قولتك، عندنا عزومة عند طنط مجيدة، امين صاحب عصام عازمنا ع العشا، دا غير اني لازم اخرج الاول اشوف حاجة البيت والناقص في المطبخ.
– امممم يعني شهد هي اللي عازماكي، اخص، ومهانش عليها تعزمني انا واختك معاكم؟ كنا هنتقل عليهم يعني ولا معندهمش مقدرة لنفرين زيادة؟
– ماما انتي سمعاني بقولك ايه؟ شهد ملهاش دعوة، امين هو اللي عازمنا، بلاش طريقتك دي الله يخليكي، ومتنسيش تنبهي على رؤى زي ما قولتلك، بنتك بتنسى وانا معنديش خلق لقمصتها، سلام بقى.
– سلام يا ختي، ما انا عارفة مليش بخت معاكم.
– الله يسامحك يا ماما، هسيبك بقى وهقفل.
❈-❈-❈
وفي داخل المصنع حيث كانت منهمكة بعملها كالعادة في هذا الوقت، في انتظار قدومه كي يطلع على ما انجزته بمهارتها كالعادة،
وكانت المفاجأة حينما صعقت لقدوم شريكه الاخر، يلقي التحية بعمليه:
– صباح الخير يا لورا، هاتيلي الملفات المطلوبة بسرعة على المكتب ورايا .
تجمدت لمدة من الوقت، حتى ملكت زمام امرها، لتلحق به بعد ذلك، تدلف خلفه الى المكتب، ثم تضع الملفات امامه برسمية قائلة:
– الملفات يا فندم.
تمتم ممتنًا يطلع عليهم على الفور:
– شكرا يا لورا، اما اخلصهم هنهدلك على طول.
كاد ان يغرق بالتركيز فيهم، ولكن حينما وجدها لم تتحرك رفع رأسه اليها باستفسار:
– في حاجة يا لورا؟
تشجعت بجرأة تسأله:
– انا بس مستغربة انك تحل محل رياض باشا النهاردة من غير ما يبلغني.
تبسم يجيبها بهدوء:
– لكنه اتصل بيا انا وبلغني احل محله يا لورا، ولو مش مصدقة روحي اتصلي واسأليه .
بدى عليها الحرج وهي تبدي أسفها :
– انا بعتذر يا فندم، مش قصدي ابدا اي حاجة وحشة.
– مفيش داعي للأسف يا لورا اتفضلي روحي شوفي شغلك.
قابلت امره هذه المرة بطاعة لتخرج على الفور تاركة غرفة المكتب، ليعود هو للاطلاع على الملفات مرددًا بضحك:
– حتى مديرة مكتبك نسيت تبلغها بغيابك يا رياض، اقطع دراعي ان ما كنت بتلعب بديلك يا خلبوص.
أما عنها وفور ان حطت بجسدها على كرسي مكتبها حتى صارت تهاتفه العديد من المرات، ومحاولاتها تبوء بالفشل مع استمرار الرسالة التي تخبرها بغلق الهاتف، حتى فاض بها لتغمغم بحنق:
– يعني قافل تليفونك في وشي انا وتتصل على شريكك عادي! ماشي، ما شي يا رياض.
❈-❈-❈
خرجت اليه، بعد ارتدائها قطعة من تلك الملابس التي تمتلئ بها الخزانة، بنصف كوم وتصل الى اسفل ركبتيها، لم ترى ابدا في نعومة قماشها، ولا بأناقتها رغم انها بيتيه، حتى بدت عليها وكأنها امرأة اخرى، تشبه اللاتي تراهم في التلفاز وعلى شاشات الهاتف.
وان كانت هي شعرت بذلك فما بالها بذلك الخبير الذي صار يتطلع اليها بانبهار، لم يكن خاطئًا حينما راهن على رقيها وفتنتها التي كانت تدفنها اسفل الملابس الباليه والباهتة.
هتف يستقبلها من خلف طاولة البار للمطبخ الضخم:
– ايوة بقى، طلي كدة ونوري دنيتي من تاني، انا بقالي ساعة مستنيكي، كل دا في الشاور يا بهجة؟
ردت بحرج وصوت رقيق:
– معلش ما انا سرحت شعري كمان.
غمز بعيناه يغازلها:
– ما انا خدت بالي يا قلبي، بس مش كنتي استنيتي اسرحولك بنفسي؟
خجلت ان تعطيه رد فدهشتها به لا تتوقف، ليطلق ضحكة صاخبة يشير اليها لتنضم معه، حتى اذا دلفت اليه بداخل ذلك الشيء الضخم والذي يشبه الغرف بمساحته الشاسعة.
حينما اقتربت ضمها اليه يقطف قبلة خاطفة من وجنتها، ثم أجلسها على احد المقاعد امام الطاولة التي تتوسط المطبخ، يدللها قائلا :
– انتي تقعدي هنا زي البرنسيس على ما احطلك الاكل اللي عملته بإيدي.
– عملته بإيدك!
رددت بها بدهشة قابلها هو بضحكة صاخبة مرة اخرى ليردف :
– سخنته يا ستي، بس على فكرة انا فعلا ناوي في مرة ادوقك اكلي، ما انا كنت ساكن لوحدي لفترة طويلة وكان من ضمن هواياتي الطبخ.
مازالت تلفها حالة الانبهار والاندهاش، هذا الرجل الغامض الذي يعاملها الاَن كأميرة، يظهر لها مواهبه وبساطته في الحديث وكأنها بالحق اصبحت شيء هام له.
وضع امامها عدد من الاصناف، وبحماس شديد وضع لها قطعة كبيرة من صنية المعكرونة التي أمامها، معلقًا:
– عايزك بقى تدوقي النجرسكو الاول، دا انا جايب جوليا من بلدها مخصوص عشان تعملهولنا، اصلها ممتازة فيها.
تسائلت بدهشة اعتلت ملامحها:
– انت قصدك ع البنت اللي شوفتها امبارح؟ انت بجد جايبها من بلدها عشان كدة؟!
ضحك للمرة التي ما تعد تذكرها، يقول بمرح:
– يا ستي هي كانت جاية مصر اصلا، وانا لما سألت مدير مكتب التشغيل دلني عليها، اشترطت عليه تكون بتعرف تعمل كل اصناف المكرونة الإيطالي لأني بعشقها، هي والنجرسكو طبعًا، وبصراحة البنت طلعت ممتازة، دوقي كدة.
قال الاخيرة يضع بفمها، شوكة ممتلئة من طبقه، تناولتها لتلوك بها داخل فمها، تتزوق الطعم الرائع، حتى ابدت إعجابها:
– هي فعلا عاملاها حلو اوي، بس انا مستغربة صراحة انك تجيب واحدة اجنبية تخدمنا ولا عشان…..
اقترب بكرسيه يلتصق بها، مردد بصوت تغيرت نبرته:
– عشان ايه؟ قصدك يعني عشان متعرفش تطلع خبر جوازنا، تصدقي ممكن يكون صح، رغم انها كان ممكن تكون مصرية برضو عادي، اصلا انا مش بشغل عندي أي حد، بس انا لما جيبتها مكانش دا غرضي…… انا كان غرضي ساعتها الاقي الأكل اللي بحبه في المساحة اللي اخترتها عشان ارتاح فيها……. معاكي يا بهجة.
كان قريبا بوجهه منها حتى يزيد من ارباكها حتى انها لم تكن لديها القدرة لتجاريه رغم عدد التساؤلات الكثيرة بداخلها، وهو كان خبيرا في سرقة تركيزها معه، يطعمها بيده كما أنه لا يتوقف عن مداعباته، وعقلها لا يستوعب اكتشاف شخصيته الجديدة منه.
❈-❈-❈
وفي منزل خميس الذي خرج من غرفته بوجه متجهم يغمغم بالكلمات الحانقة والبذيئة، يلعن البيت وساكنيه، وقد فاض به منهم على حسب قوله :
– مصيبة تاخدكم كلكم، ولا نفر فيكم يفتح النفس.
فور ان صفق الباب بقوة وغادر، تحركت سامية تاركة الشرفة التي كانت تتنصت منها، لتركض متجهة نحو والدتها داخل الغرفة.
هتفت بالسؤال فور ولوجها، ورؤية المذكورة جالسة على كرسيها، بهيئة كانت خير دليل على سخونة الأجواء؛
– ماما، شوفت ابويا وهو خارج من عندك بيزعق، ايه اللي حصل؟
زفرت تشيح بوجهها عنها قائلة:
– روحي يا ختي اسأليه هو، انا روحي في مناخيري، ومش طايقاه ولا طيقاكم معاه.
مالت نحوها بميوعة تقصد المزاح معها:
– طب مش طايقاه هو، مالنا احنا بس يا درية؟ غلطنا فيكي مثلا ؟ ولا هو يطلعهم عليكي وانتي تطلعيهم علينا يا دردر.
نزعت ذراعها الذى تطوقها به، تنهرها بحدة:
– لأ يا ختي مش بطلعهم عليكي ولا بتبلى، عشان انتو السبب فعلا، اخواتك اللي هاجين على روسهم يلفوا على مقصوفة الرقبة اللي غارت وطفشت، واحد سايب مراته على وش ولادة، والتاني ما حد عارفله طريق، بيجي البيت زي الغريب ، ياكل بس وينام .
– يعني انا الوحيدة اللي عاقلة فيهم.
صاحت بها:
– انتي اكتر واحدة فيهم معوجة، الراجل صاحب ابوكي كلمه تاني ودا مصدق، جاي راجع من عنده يبخ فيا، ان انا السبب في دلعك المريء، واني لو ست زي باقي الستات، كنت عرفت ازاي اخليكي توافقي ، عشان يخلص ع الاقل من همك.
عبست سامية بملامح مكفهرة:
– يعني هو يقرف من خيبة الولاد يقوم يجيبها فيا، ما انا نصيبي قاعد وفي اي وقت ممكن يحصل.
– امممم.
زامت بها درية بفمها بسخرية لتمصمص بشفتيها معقبة:
– دا على اساس انه هيحصل بجد، وانتي باصة في العليوي، ومعلقة نفسك بالحبال الدايبة.
– لا ياما مش دايبة، وهيحصل ان شاء الله قريب.
كان الرد بصمت ونظرة مستخفة زادت من تصميمها ، لتردف بحزم:
– استهزأي يا ماما براحتك، بكرة افكرك بكلامي ده، المهم دلوقتي عايزين نروح نبارك لشادي بعد ما رجع من شهر العسل.
اصدرت صوتًا مستهجنًا تعبر عن رفضها:
– شوف يا اخويا اقولها ايه تقولي ايه؟ بت انتي عايزة تروحي روحي لوحدك يا اختي، انا لا عندي مرارة ليه، ولا لأي حد يفرح قدامي، طول ما انا مرزوعة في الهم بسببكم.
نهضت تمطرها بالقبلات ، لتلح عليها وترجوها:
– وغلاوتي عندك ياما، روحي معايا ان شاءالله حتى المرة دي وبس، ع الاقل عشان تتباهي قدام عمتي وناس العروسة بطقم الدهب اللي جبتيه قريب، ويعرفوا مين هي درية مرات الحج خميس .
❈-❈-❈
ترجلت صباح من الحافلة الخاصة بالعمل ، لتحط بأقدامها على قارعة الطريق المؤدي الى منزلها داخل الحارة الضيقة، برشاقة تناقض حجمها الضخم، فهي لا تظل محلها ابدا، تنهك نفسها بالعمل وخدمة البشر من الجيران والاقارب والاحباء، حتى لا تستسلم لوحشة الوحدة بعد وفاة زوجها وخلاء المنزل عليها وحدها، دون ابناء انجبتهم، ولا اخوة رزقها الله بهم.
– ست صباح ست صباح.
دوى الصوت المنادي بأسمها وقبل أن تستدير لصاحبه، وجدته يقف مواجها لها:
– انا اهو قدامك يا ست صباح.
صاحت به غاضبة:
– انت هتعملي زي فرقع لوز يا جدع انت، وكل مرة الاقيك تتصدر طريقي، خلي بالك المنطقة هنا كلهم حبايبي، يعني لو بس أشرت هتلاقيهم كلهم هجموا عليك دلوقتي.
– اطرق برأسه يبدي اسفه:
– عارف اني غلطان يا ست صباح اعذريني ، بس انا قلقان ونفسي اطمن، ولاد عمي معرفش مكانهم ، وبهجة، كل ما اروح استناها عند المصنع ما بشوفهاش، مش فاهم انا بتستخبى مني دي ولا ايه؟
عند ذكر بهجة، طغى ارتباك خفيف يعتلي ملامحها، لكنها سرعان ما استطاعت السيطرة عليه، لتظهر الحدة في حديثها:
– وافرض بتستخبى منك ولا مش عايزاك تشوفها اصلا، ما تحترم رغبتها، سيبوها بقى ترتاح هي واخواتها، دول اغلب من الغلب، هو انتوا لا ترحموا ولا تسيبو رحمة ربنا تنزل.
صدرت الكلمات بعفوية منها حتى شعرت بالندم حينما رأت تأثيرها عليه، لتعود ملطفة بعض الشيء:
– لمؤاخذة يا اخينا، انا كدة ست اللي في قلبي على لساني، ولساني دا مالهوش رابط.
– ولا يهمك يا ست صباح، ع العموم انا مش هسألك تاني، بس برضو مش هسكت غير بعد ما اطمن عليهم، عن اذنك.
سحب اقدامه وتحرك مغادرًا من امامها، لتغمغم هي في اثره:
– اذنك معاك يا خويا، شكلك كدة فيك حاجة طيبة بس عايزة تتنضف.
❈-❈-❈
انهت جولتها بعدما ابتاعت عددا من المشتريات ، وكانت في طريقها للذهاب، توقفت على اول الطريق، تبتغي إيقاف سيارة تقلها الى منزلها، فتوقفت احدى السيارات القريبة سريعًا امامها.
تبسمت بارتياح تدخل المشتريات اولا ثم هي من الخلف، تخاطب السائق بامتنان:
– متشكرة اوي، جتلي بسرعة ووفرت عليا الوقت.
جاءها الرد بنبرة ليست غريبة عنها.
– العفو يا هانم انتي تؤمري.
اصابها الهلع، تكذب اسماعها ولكنه أكد، يلتف اليها فيخلع الشارب والذقن المزيفان، والنظارة التي كانت تخفي العينين، متمتمًا بوعيد:
– ايه رأيك في المفاجأة يا امنية؟ وحشتيني، قولت لازم اشوفك.
رغم الخوف الذي كاد ان يوقف قلبها، إلا ان رؤيته وتلك الذكريات التعيسة التي خلفها بداخلها كانت لها الفضل في شحن قوتها من الداخل، لتهدر به بازدراء :
– وحش ياكلك، انت اتجننت يا حيوان انت؟ ولا مش واخد بالك انا متجوزة مين دلوقتي؟
اصدر ضحكة قميئة يفوح منها العفن القابع في نفسه الخبيثة:
– قصدك على حالظابط عصام اللي قبل يتجوزك حتى بعد ما قولتله اللي فيها، وع العمايل اللي كنت بعملها معاكي في المخزن؟ لا بصراحة طلع راجل اوي .
– راجل وغصب عنك، بس انت هتعرف الكلمة دي منين؟ وهي ابعد من خيالك المريض اصلا، وقف العربية حالا، لاتصل بجوزي يسحلك ع السجن ويخليك تمسح حماماته.
كز على اسنانه ليضغط على مقود السيارة يزيد من سرعتها بعدما صعد بها نحو الطرق السريعة، مرددًا بغيظ:
– طب خليه يعملها ولا يوريني مرجلته وانا كنت اسلط عليه الجماعة اللي اتلميت عليهم في السجن، يدفنوه حي.
ضحك بجنون مستمتعًا برعبها:
– انا عضمي بقى ناشف اوي، والفضل طبعا يرجع ليكي يا غالية، انتي والسنيورة شهد .
زاد من حدة السرعة حتى ايقنت بقرب النهاية لتضرب بقبضتها على كتفه وظهره:
– وقف العربية خليني انزل، بقولك خليني انزل.
– ليه بس يا وحش؟ لتكوني خوفتي كمان؟
الى هنا ولم تعد بها قدرة على المواصلة لتسقط للخلف فاقدة وعيها تماما، حتى انتبه عليها في المراَة الامامية:
– ليوقف السيارة على جانب الطريق، ثم ترجل ليرى ما بها في الخلف، كان نصف جسدها كان مسطحًا على، الكنبة الخلفية، فظهر له وجهها وجسدها بصورة سال لها لعابه، ليبتلع ريقه برغبة واضحة، رغم قلقه من هيئتها، فدني يربت بكفه على خدها، وعيناه تجول عليها بوقاحة:
– بت يا امنية، انتي اغمى عليكي صح ولا بتمثلي زي عوايدك؟،…. انتي يا بت، شكلك بتمثلي زي عوايدك.
استقام فجأة مقررا امرا ما برأسه، زينه بعقله شيطانه، ظنا منه انها قد تصبح فرصة للانتقام، واخضاعها بعد ذلك، ولكن صوت سرينة البوليس التي دوت فجأة عن قرب جعله، يركض سريعًا، ويترك المكان برمته هاربًا الى وجهة ما.
❈-❈-❈
شرودها هذه المرة كان مختلفًا، حالة غريبة من السكون، لأول مرة تشعر بها الدادة نبوية، هذه ليست تلك المرأة التي كانت تغلبها في الركض والبحث عنها، اما عن الحزن، فهو اصبح كالوشم يزين ملامحها الجميلة.
اقتربت لتجلس مقابلة لها في الشرفة التي تلتزم الجلوس بها منذ ساعات :
– مدام نجوان القمر، تحب تطلب حاجة اعملهالها؟
استجابت تلتف اليها بابتسامة، وصمت دام للحظات، قبل ان يخرج ردها :
– بهجة.
تبسمت نبوية بمرح:
– بهجة، ما انا قولتلك من شوية ان عندها ظرف طارئ يمنعها تيجي النهاردة كمان، يبقى نديها عذرها بقى.
اومأت برأسها تعود للنظر نحو الحديقة مرة اخرى، دون ان تضيف بأي شيء، فواصلت نبوية حثها على الكلام، بفتح مواضيع شتى، ولكنها لم تستجيب.
❈-❈-❈
اما في شرفة اخرى ومكان اَخر، كان يقف هو خلفها يشير لها بطول ذراعه:
– شايفة يا بهجة، اهي الارض اللي هناك دي كلها أرض بابا الله يرحمه، بس هو مكانش مهتم بالزراعة، ولا الكلام ده، كل اللي كان همه شغف الموضة والأزياء ، كان مجنون على رأي ماما، ودا اللي حببها فيه.
التفت اليه تعقب بصدق ما تشعر به:
– اكيد مش الجنان بس اللي حببها فيه، اللي بيحب ما بيشوفش عيوب حبيبه اصلا ، دي حاجة بتبقى من عند المولى .
ظل صامتًا لفترة من الوقت يلامس نعومة بشرتها بأنامله، او يزيح خصل الشعر الحريري للخلف، بنظرة غير مفهومة جعلتها تحسم مردفة:
– على فكرة انا لازم اروح، مينفعش اتأخر عن كدة.
زفر يقلب عينيه بسأم يعقب ردا لها:
– تاني برضو بتفكريني؟ دا انا ما صدقت اني فصلت عن العالم كله بقربك، انا مشبعتش منك يا بهجة.
لماذا تتغير نبرته حينما يتحدث معها في هذا الشأن ، يجعلها تشعر باحتياجه اليها، وكأنه طفل وجد امانه بقربها، لكن وما ينتظرها من مسؤوليات، ماذا تفعل بها؟
– مينفعش اتأخر اكتر من كدة، مش عايزة اخواتي يقلقو .
تنهد هذه المرة باستسلام ليضمها اليه بشدة، وكأنه لا يريد تركها ابدا:
– شوفيلك حل، انا لازم في اقرب وقت اخدك واروح بيكي رحلة تستمر لأيام، انا حاسس الوقت عدى ثواني، ولا مش ساعات ولا دقايق.
استسلمت لغمرته لها، غير قادرة على التعقيب او الجدال، فها عقلها قد عاد اليها، بعدما حطت على ارض الواقع ، تفكر فيما ينتظرها من مواجهة لأشقائها، رغم عدم علمهم بزواجها، ولكنها تحسب حساب الكذب الذي اعتادت عليه هذه الايام .
❈-❈-❈
وقف خلف حجرة الكشف يراقب الطبيبة وهي تفحصها، بغضب يحرق كل خلية من جسده، دماءه كلهيب بركان خامد، ينتظر الفرصة ليحرق الأخضر واليابس .
زوجته هو تتعرض لهذا الموقف، خطف واغماء داخل سيارة اجرة بوسط الطريق ، يقسم متوعدًا لمن فعل ذلك بأشد عقاب يناله، لن ينتظر حكم قاضي او محكمة، حتى او اضطر لارتكاب جريمة.
– ايه الاخبار، فاقت ولا لسة؟
كان هذا صوت امين الذي فور ان علم بما حدث، ترك ما بيده من عمل، وأتى على الفور .
أومأ يجيبه بصوت مختنق:
– الدكتورة اديتها حقنه مسكنة، وقالتلي اصبر عليها على ما تهدى.
– ساله بحرج:
– طيب هي فحصتها كويس؟ اتأكدت انها كويسة عضويا ولا اتعرضت لاي…. اعتداء، من أي نوع.
– لا الحمد لله ، المجرم اللي خطفها ملحقش يعمل معاها اي حاجة ، الاغماء كان طبيعي نتيجة الخضة والانفعال ، انا مش عارف حصل معاها ايه، بس تفوق وتقدر تتكلم، ساعتها هعرف اتصرف .
ربت امين بكفه على ذراعه العضلي بدعم ومؤازرة، ليتدارك هو ويسأله:
– صحيح ياريت تتصل بالجماعة وتديهم اي عذر عن حضور العزومة، بس بلاش تقلقهم، انا حتى متصلتش بوالدتها ولا اهلي، مش عايز لمة ووجع دماغ.
– حقك يا حبيبي، متشلش هم، كل حاجة هتمشي تمام وزي ما انت عايز.
قالها امين بمهاودة، وعقله يدور في ناحية واحدة، فهو على علم تام ان عصام ابدا لن يغفل عنها، ولكنه كتوم كالعادة.
❈-❈-❈
عادت لمنزلها ووسط شقيقتيها، ولكن تلك التغيرات التي حدثت ببشرتها التي كانت محرومة من الاهتمام ، جعلتها محل اهتمام لهما الثلاثة، وقد بدت لهما وكأنها تبدلت،
فما كان منها سوى اكمال الصورة لكي تجيد حبكتها، بعدما اصر هو الاخر على اخذها لعدد من الهدايا والملابس التي أتى بها اليها، كي ترتديها في حياتها العادية، وليست فقط معه:
– الله يا بهجة يعني انتي دخلتي مركز تجميل وكمان كل الهديا دي بتاعتك انتي؟ طب ليه مقولتليش كنتي روحت معاكي واخترتلك؟
ابتلعت ريقها تجيب عن سؤال جنات التي شغفها الحماس:
– يا بنتي ما بقولك، انا قبضت المكافأة من هنا، وست الريسة اصرت تاخدني من ايدي على البيوتي سنتر، والمول المشهور في وسط البلد، رأسها والف سيف اني اجدد من نفسي، وابقى انسانة تانية، الحمد لله ان الهدوم عجبتكم وشكلي بان عليه النضافة.
قالت الأخيرة بمزاح، لتزيد عليها عائشة:
– بان عليكي بس، دا انتي بقيتي طبق بنور ، ما تاخدينا انا والبت الغلبانة دي نقرب من حلاوتك شوية يا بيبو ، وبالمرة تبقششي علينا ونزيط احنا كمان.
ضحكت بهجة في رد لها:
– وهو انتي محتاجة تجميل يا مقصوفة الرقبة في سنك ده، بس لو ع الزيطة ، نظيطك عادي، ياللا شالله ما حد حوش.
– ايوة بقى .
هللت بها الاثنتان، يواصلن معها الحديث المرح، حتى عاد شقيقهم الرابع، والذي ما ان وقعت عينيه على بهجة حتى عبر عن اعجابه:
– ايه الحلاوة دي يا بيبو، لا تكوني روحتي لبنان واحنا مش دريانين.
– يا لهوي حتى انت يا ايهاب!
❈-❈-❈
وضعت رأسها على الوسادة اخيرا، بعد انتهائها من سرد مجموعة الأكاذيب التي اصبحت تجيدها امام اخواتها، كي تبرر لهم التغيرات التي تحدث معها ومعهم.
غير راضية عما يحدث ، ولكن تصبر نفسها انها فترة وستمر، بعدها ستنسى الزواج والرجال وكل شيء ، كل شيء،
اخرجها من شرودها صوت الهاتف الذي دوى فجأة برقمه، لتتوقف لحظات بتفكير عن سبب اتصاله في هذا الوقت المتأخر من الليل، قبل ان تحسم وتجيبه:
– الوو….
جاءها صوته كنغمة هادئة تطرب الاسماع:
– الوو يا بهجة قلبي، انتي نمتي ولا لسة؟
تمالكت تجيبه بصعوبة بعدما بادرها بغزله:
– لا طبعا لسة منمتش، انا يدوب مخلصة رغي مع اخواتي وحاطة راسي ع المخدة، يعني عشر دقايق بس، وكنت هروح في سابع نومة،.
– يا بختك.
توقفت تصلها صوت انفاسه، ثم واصل بنبرته الدافئة:
– انا بقى مش قادر يا بهجة، عمال اتقلب ع السرير، بمين وشمال ، وكل حتة فيا بتصرخ بإسمك، مش قادر انسى قربك ولا حضنك، انا هموت واضمك دلوقتي يا بهجة.
ازبهلت بحالة من التيه، تلجم لسانها لحظات حتى قالت :
– انا مينفعش اجيلك طبعا، حتى لو ينفع، ما اقدرش اسيب اخواتي.
وصلها صوت ضحكة خافتة منه ليردف:
– يا بهجة متقلقيش انا مبطلبش منك تيجيني.
– امال انت عايز ايه؟
تمتمت بها بحيرة:، فجاء رده المباغت لها:
– كفاية ابقى معاكي ع التليفون يا بهجة، تتكلمي ولا حتى تقعدي ساكتة، كفاية احس بنفسك معايا لحد ما اقدر انام، فاهماني يا بهجة؟
– فاهماك طبعا فاهماك.
رددت بها في استجابة له، وبداخلها تغمغم:
– دي باينها ليلة طويلة
الفصل العشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثامن عشر 18 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل العشرون 20 بقلم امل نصر
الصباح
هو الفكرة الجميلة في عقولنا، يوم جديد، يحمل املًا جديد، شروق الشمس التي تفرد ضياءها على بقاع الأرض، ونسمات الهواء الرقيقة، مع الهدوء الذي يعم الأجواء، لتبعث في القلب الحماس للإنجاز وفعل المستحيل.
ليت باقي اليوم يصبح على هذا المنوال، فلا يصيبنا فتور ولا ضجر ولا إحباط.
تحدثت بهجة بلهفة وهي تدور داخل المحل الجديد، تشرح على كل زاوية ما ستقوم بفعله مع اخوتها الذين أصابهم الانبهار بدورهم:
– وبكدة يبقى حققنا حلم ابويا وعملنا وكالة بدل اللي ضاع حقنا فيها، ايه رأيكم يا عيال؟
عبرت عائشة عن فرحتها:
– ايوة يا بيبو يا جامد، انا خلصت امتحاناتي، ايدي على ايدك من بكرة، همشيهولك زي المسطرة.
ضحك الثلاثة على قولها لتعلق جنات:
طبعا وتاخدي فرصتك على خلق الله في طولة اللسان، كدة ضمنت انك هتطفشي الزباين .
عبست عائشة بضيق جعل الثلاثة يعودون للضحك حتى توجهت بهجة بالسؤال نحو شقيقها الوحيد الصامت منذ ولوجهم، رغم انبساط ملامحه هو الاخر :
– ايه يا عمنا، انت الوحيد اللي متكلمتش، بتضحك وبس، ولا كأنك قايم بدور المتفرج وسطنا.
خرج صوت ابهاب بابتسامة مرح يفاجأها بقوله:
– اصل بصراحة رغم انبهاري، لكن عندي رأي مختلف، اخاف اقوله متقبليش.
ردت تحفزه بمشاكسة رغم اندهاشها:
– وافرض يعني مختلف ، قول يا سيدي واحنا يا ناخد بكلامك، يا نرميه ورا ضهرنا، دي حاجة اسهل منها ما فيش.
– ماشي يا ستي، تشكري على زوقك، بس انا بتكلم جد، اصل شايفك متمسكة بموضوع الوكالة رغم ان احنا منفهمش اوي فيها، يعني فرص نجاحها مش مضمونة، بدليل ان بابا نفسه الله يرحمه كان مدي مسؤولية ادارته لعمي اللي طمع في كل حاجة لنفسه بعد كدة .
اسنرعى انتباهها بكلماته، لتتخلى عن عبثها وتشاركه الجدية:
– عندك حق، بس دا المشروع اللي على قد فلوسنا، اي حاجة بعد كدة، هتبقى فوق مقدرتنا، وانا بصراحة…. عايزة مصدر دخل مفتوح عشان كمان شغلي مش مضمون…. وو.. ممكن اسيبه في أي وقت.
تقطعها بالكلمات الاخيرة جعلها الشك يتسلل اليهم ، والتساؤلات اصبحت على افواه ثلاثتهم:
– تسيبي المصنع يا بيبة، طب ليه ؟
– وطنط نجوان، هتسبيها هي كمان؟
– استنوا انتوا الاتنين، فهمينا يا بهجة، انتي قصدك ع المصنع ولا نجوان؟
– الاتنين.
قالت تشير بأصباعيها السبابة والوسطى، لتوضح أكثر:
– مش عيب فيهم، بس انا زهقت وعايزة يبقى ليا حاجتي الخاصة، افتح واقفل وقت ما انا عايزة مبقاش تحت امر حد.
وجهة نظرها كان بها من المنطق ما جعل الثلاثة يقتنعون بها، رغم حزنهم على ترك نجوان، ليأتي التشجيع من ايهاب الذي عبر عما يدور برأسه:
– حلو اوي، طب ايه رأيك بقى بمشروع بتكلفة اقل ومضمون ان شاء الله، بدل الوكالة نفتح كافيه، ع الاقل انا ليا خبرة فيه، بحكم شغلي في الاجازات، دا انا مجرب الشغل في كذا واحد، وعارف الدنيا بتمشي ازاي، دا غير انى مستعد اكلم اصحابي يساعدوني في تجهيزه بأقل الإمكانيات وفي نفس الوقت يبقى في احسن صورة .
الموقع هنا حلو اوي ، وليكي عليا لما نيجي تشغله بعد كدة، تبقى الدنيا اسهل والذ بكتير، ها ايه رأيكم؟
بصوت واحد خرج رد جنات وعائشة.
– انا موافقة،
– وانا كمان موافقة
– كدة متبقاش غيرك يا بهجة، ايه رأيك؟
ابتسامة ساحرة أطلت على ملامحها الرقيقة، يغمرها الاعتزاز لنضج شقيقها الصغير في التفكير وتحديد الهدف المناسب، فلا تملك الا رفع يدها في تأييده هي الأخرى:
– وانا موافقة بالثُلث.
❈-❈-❈
هبط الدرج قادمًا من غرفته في الطابق الثاني، ليخطو نحوهم بوجه مشرق لفت ابصار نبوية التي كانت تطعم في هذا الوقت والدته، يغمرها الاندهاش برؤية هذا التغير الذي طرأ عليه، ليختفي التجهم ويحل محله الاشراق بصورة يراها الاعمى، وليس البصير فقط، حتى القى بالتحية نحوهما، بابتسامة زادت من وسامته:
– صباح الخير يا حلوين.
هللت المرأة في ردها له:
– يا صباح النور ع البنور، عيني عليك بارده النهاردة يا رياض باشا.
ازداد اتساع ابتسامته حتى أطرق بشيء من خجل، ليسحب احد المقاعد ويشاركهم الجلسة حول طاولة الطعام، في مقابل والدته التي كانت تلوك الطعام بتأني وابصارها منصبة عليه، ليبادلها النظر مردفًا:
– دا عينك انتي اللي حلوة يا دادة، عاملة ايه يا نجوان هانم؟
لم تجيبه بالطبع ، وظلت تتابع طعامها وكأنها لم تسمعه،
تدخلت نبوية تتكلف بالرد بحرج:
– دي ما شاء الله عليها، اليومين دول بقيت احسن بكتير اوي عن اللي فات، هي بس دلوقتى صاحية مقريفة عشان لساها صاحية، تحب احضرلك تاكل معاها؟
اومأ يصرفها بلطف حتى يستطيع الانفراد بوالدته:
– لا يا دادة الف شكر، روحي انتي وانا هاكل من نفس الطبق اللي بتاكل فيه ماما..
سهمت المرأة ببصرها، فاغرة فاهها بدهشة، لا تستوعب العبارة، حتى عاد عليها مكررًا:
– ما خلاص يا دادة بقولك، روحي بس اعمليلي فنجان قهوة .
تحمحمت نبوية بحرج لتجر اقدامها وتذعن لأمره ذاهبة، ف اقترب هو اكثر بكرسيه نحو تلك الشاردة، يتناول من يدها اللقيمة التي كانت على وشك الدخول الى فمها، لتحط بفمه هو، يلفت انتباهها قائلا:
– اظنك مش هتمانعي اكلها من ايدك ، زي ما كنا بنعمل زمان.
استطاع بلفتته ان يسحب منها استجابة لحديثه على غير ارادتها، لتتوقف عن الطعام وتنصب ابصارها نحوه، فتبسم وقد وصل لهدفه قائلا:
– مدام انتبهتي، يبقى انتي اكيد افتكرتى، ودي في حد ذاتها تقدم كبير اوي.
اشاحت بوجهها عنه بشيء من ضجر وكأنها لا تريد التذكر، فواصل هو :
-،براحتك يا نجوان هانم، ع العموم بمناسبة انتباهك دا ، انا حابب افرحك، مصطفى عزام ابن اختك وحبيبك ، مراته خلفت من يجي اكتر من شهر في لندن بعد عذاب سنين في الانتظار، اكيد لازم تفرحيلهم، ما انتي كنتي الوحيدة اللي مسانداه في جوازه منها عشان بيحبها.
لم يفوت عليه انها ظلت بحالة الصمت ترهف السمع، بعدما جاء بذكر مصطفى، وقد تأكد له الاَن انها حطت بأقدامها على ارض واقعهم، بعد سنوات من الشرود ف عوالم اختلقتها، لتنزوي بها بعيدا عن الجميع.
نهض فجأة ينفض يديه من اثر الطعام، ليميل برأسه نحوها فجأة يهمس بمكر:
– على فكرة هو رجع امبارح والدنيا عندهم قلبان بمناسبة الحدث السعيد، انا حابب اخدك معايا لو تقبلي يعني؟
قالها وتحرك مغادرًا، ودون ان يلتف ببصره نحوها، وقد تيقن داخله بحسن استيعابها للحديث. وكأنه رأى بأم عينيه، ملامح الأسى التي اعتلت تعابيرها من خلفه.
❈-❈-❈
وفي ناحية اخرى
استيقظت تلك الجميلة، تتحسس برودة الفراش وقد خلى مكانه بجوارها، بعدما نهض وتركها منذ وقت لا تعلمه، لتنهض باحثة عنه، فوقعت عينيها عليه، داخل الشرفة جالسًا بشرود، هذه اول مرة تحدث منذ زواجهم ، الا يوقظها هو على كلمات الغزل ولا مداعباته في تدليلها، وإعطاءها الثقة في انوثتها .
ثم تجده الاَن بهذا الشرود في جلسته، لفت كتفيها بالشال الثقيل لتذهب اليه وتبادره بإلقاء التحية الصباحية.
– صباح الخير على اللي صحي من جبلي وسابني.
التف يجيبها بابتسامة مختلفة عن تلك اللهفة التي تقابلها منه كل صباح:
– صباح الخير يا قلب شادي، تعالي اقعدي جمبي، الهوا هنا يرد الروح.
اقتربت بالفعل وفتور حل بها لتجلس في المكان الذي اشار عليه ، فتسائلت على الفور بقلق:
– شادي هو انت في حاجة مزعلاك؟ شكلك ميطمنش.
تحمحم ينفي برأسه لكنه عاد سريعًا يجيبها:
– مش عايز اقلقلك ، بس انا فعلا مضايق، التليفون كنت عامله بوضع الصامت قبل ما انام امبارح، الصبح لقيت كذا محاولة اتصال من رحمة، خوفت لتكون حاجة حصلت لماما، قولت اتصل واشوف، لقيتها بتقولي انها راحت على بيت حماها امبارح مع جوزها يزورهم، عشان خالي خميس مضايق على رأيها ومخنوق، المهم انها عرفت هناك ان ولاد خالي خليل عزلو وسابو البيت من غير ما يبلغوا حد بمكانهم.
توقف يزفر انفاس خشنة بصوت وضح ما يعانيه، يشيح ابصاره للناحية الأخرى، مما اجبرها للتساؤل:
– يعني هو دا اللي مزعلك، انا اعرف ان بهجة عاجلة واخواتها كبار يعني ان شاء الله ميتخافش عليهم.
عاد اليها بملامح يكسوها الحزن:
– انا عارف كل اللي بتقوليه يا صبا، لكني برضو مخنوق، بهجة واخواتها مش هسيبوا بيتهم الملك، وبالصورة دي، الا اذا كان فاض بيهم، خالي خميس ومراته وولاده قادرين يطفشوا قبيلة بحالها، اشحال المساكين اليتامى….. قلبي بيتقطع مية حتة من جوا يا صبا، للمرة الثانية اعجز عن حمايتهم.
صدرت الاخيرة بانفعال، صدح من قلب الكبت، وكأنه كان في انتظارها ليخرج صرخته:
– نفسي اعرف عملوا ايه معاهم عشان يوصلوهم للدرجة دي؟ انا مش فاهم دلوقتي، اروح أمسك في خناق خالي خميس اللي سابهم من غير ما يعرف حتى المكان اللي هيعزلوا فيه، ولا احاسب ولاده على تناحتهم، دمي بيغلي ومش عارف اعمل ايه.
امتدت يدها لتقبض على كفه الكبيرة، تحاوطها بدفء كفيها الاثنان، تهون بحنان:
– لا دا ولا دا يا شادي، انت هدي اعصابك ودور عليهم ، شوف راحوا فين واسألهم الاول عن السبب، عشان تعرف بعدها تحدد موقفك.
رد بقلة حيلة:
– ما انا مش عارف يا صبا، بتصل برقم بهجة مقفول، باينها غيرت الخط كمان ، حاسس مخي كأنه مشلول .
– بعد الشر عليك من الشلل، اهدى انت كدة الاول ومن غير عصبية ولا توتر، اكيد هتلاقي حل يوصلك لعنوانهم.
تمتم بتمنى خلفها وقد ساهمت كلماتها في التخفيف عنه:
– يارب يا صبا يارب .
تذكر فجأة يخبرها بما اذهب عنها السكينة:
– اه صحيح نسيت اقولك، مرات خالي درية وبنتها جايين النهاردة يباركوا رجوعنا من شهر العسل .
عبست ملامحها فجأة ليرتفع طرف شفتها باستهجان مرددة:
– يا سلام، وهما اصحاب واجب جوي يعني، ولا شهر العسل كمان بجي مناسبة!
لا يدري كيف تحول مزاجه من غضب وسخط شديد، الى تسلية وضحك متواصل، لا يستطيع التوقف عنه، خلف تعقيبها العفوي، وتذمرها الذي اصبحت تعبر عنه بالضربات المتتالية على ذراعه ، تتمتم بالكلمات الحانقة.
❈-❈-❈
دلف بها داخل الغرفة بخطوات وتيدة، وبحرص تام وضعها على الفراش، ليريحها قليلًا، بعد قضاءها ليلة كاملة ونصف يوم تحت الرعاية الطبية المكثفة في المشفى، بعد محاولة الخطف الفاشلة والاغماء.
كان صامتًا طوال الوقت، أو بكلمات مقتضبة يحدثها ويسألها عن صحتها، حينما يريد أن يطمئنها، حتى وهو قد اتى بها الى المنزل الاَن، مازال على حالته، مازل على وجومه، ولكن هي لن تكست على الصمت اكثر من ذلك:
– عصام، انت ساكت ليه مبتتكلم؟
رد يجيبها منشغلا بخلع سترته، ثم يشرع بخلع الباقي:
– واتكلم اقول ايه يا امنية؟ وانتي لسة تعبانة؟
تحاملت لتجلس بجذعها عن الفراش :
– بس انا عايزة اسمعك وتسمعني، دا انا حتى اتوقعت ان حد منكم، انت او امين يجي يحقق معايا، لكن محصلش.
مازال محتفظًا بتلك النبرة الهادئة:
– وهنحقق معاكي ازاي بقى وانتي تعبانة وواخدة مهدىء؟ نامي يا امنية نامي، ولا استني صحيح.
قال الاخيرة ليخلع اخر جزء من ملابسه، ويستبدله بأخرى بيتيه مريحة، ثم اقترب منها، ليخلع عنها حذائها فانتفضت تبعد قدميها للخلف قائلة بحرج :
– لا ابعد انت ، انا هقلع الجزمة وهدومي لوحدي.
التقط قدمها بحزم متمتمًا:
– انا جوزك مش غريب عنك،
اضطرت في الاخير ان تستكين ، ثم ابدل لها ملابسها هي ايضا.
حتى اذا انتهى ليلقي بهم داخل سلة الملابس المتسخة، سألته مباشرة:
– عصام، سكوتك دا مش مريحني، وانا عايزة اتكلم عشان افهمك ان البني ادم اللي حاول يخطفني يبقى……
– ابراهيم
جفلت لتبرق عينيها فجأة، تتسائل كيف علم؟
– ايوة هو فعلا، ربنا ياخده كان هيعمل بيا حادثة، بالسرعة الشديدة اللي كان بيسوق بيها، انا مش فاهمة، دا جاب الغباء دا كله منين عشان يعمل معايا كدة؟ بس انت عرفت ازاي ؟
اقترب يجيبها مركزًا عينيه بخاصتيها وبهدوء يثير الريبة:
– الكاميرات جابته يا امنية وهو بيجري وبيسيب العربية، قبل ما البوليس يقفشه، السؤال بقى، انتي ركبتي معاه ازاي؟
– مكنتش اعرف ان هو اللي سايق والله يا عصام، دا كان متنكر، وانا راجعة من السوبر ماركت ومحملة، مركزتش ابص في شكل السواق.
رددت بها بدفاعية، فلم تجد منه سوى استجابة، بهز رأسه يدعي التفهم، قبل ان يشيح ببصره يتناول المنشفة قائلًا بفتور:
– انا داخل اخد شاور افك عضم جسمي.
ثم انصرف لداخل المرحاض بالفعل، وكأن الأمر ليس بهذه الخطورة، وكأنه…….
استدركت تفتح عينيها على وسعها مرددة بما وصل اليه ذهنها:
– معقول تكون شاكك فيا يا عصام!
❈-❈-❈
في مقر عمله، وقد تصادف اليوم اجتماعه بشريكه لبحث عدد من الملفات بينهما، ولكن ذهنه كان مشغول في التفكير بها ، وتحسر يسري بداخله، يجعله يشعر بالتشتت لعدم الالتقاء بها منذ الصباح، رغم ان المسافة بينهم لا تتعدى الامتار ، وبداخل مبنى واحد، وطابق واحد، ليته امتلك الجرأة ليسحبها من يدها امام كل أعضاء المكتب من موظفيه، الاَن فقط شعر بغباءه في السماح لها بالاستمرار في العمل في نفس المكان الموجود به.
ليته ذهب معها لرحلة خارج المدينة بأكملها،. يقضي شهر عسل، لينسى معها العالم، وهذا العمل الذي فقد التركيز به من الاساس، حتى انه كان يجاهد بصعوبة ليستوعب امام شرح الاخر، والذي انتبه عليه عدة مرات بفراسته حتى عبر عن استيائه:
– جرا ايه يا عم رياض بس، دي اول مرة تبقى معايا كدة؟ ايه اللي واخد عقلك يا حبيبي؟
تحمحم يعتدل بجذعه نافيا باعتراض:
– يعني هكون سرحان في ايه بس؟ تقدر تقول كدة صداع مأثر عليا، اسف لو مش مركز معاك.
– لا يا حبيبي الف بعد الشر عليك من الصداع، طب المها انا ونأجل النقاش لميعاد تاني.
اومأ بابتسامة صفراء:
– اسف لو فيها تعطيل .
– لا يا حبيبي مفيش تعطيل .
تمتم بها كارم، يلملم الملفات والاوراق، ثم يختطف النظرات نحوه بمكر مشاكسًا:
– انا قولت بعد يوم الاجازة اللي اختفيت فيه، هترجع مروق وعقلك صاحي، لكن شكلى اتوقعت غلط، وبدل ما تفوق غطست اكتر …
قطب يطالعه بعدم فهم:
– هو ايه اللي غطست اكتر؟ انت بتتكلم بالالغاز يا كارم.
تبسم باتساع لينهض عن كرسيه مغمغفا:
– لا يا حبيبي ما تشغلش نفسك، اتمنى بس الصداع ميستمرش اكتر من كدة، لتبقى حوسة، اروح انا اشوف اللي ورايا ، سلااام.
قالها ثم خرج ليزفر الاخر، يكتنفه الضيق وعدم الارتياح، للتلميحات المستمرة هذه الايام من شخص داهية كهذا، ولكن ماذا بيده؟ وماذا يفعل كي ينفي عن ذهنه هذه الفكرة، وهو يلتقطها كالصقر، فلا يحتاج حتى للتلميح.
وبدون ان يشعر، وجد يده امتدت لتلتقط الهاتف من فوق سطح المكتب يتصل بها، حتى اذا جاءه الرد منها، امرها على الفور :
– سيبي اللي في ايدك وتعاليلي حالا من الباب الخلفي للمصنع، انا مستنيكي في العربية.
انهى المكالمة لينهض، فيتناول اشياءه كعلاقة المفاتيح والهاتف والنظارة، وسحب اقدامه للخروج على الفور حتى اذا مر بمديرة مكتبه خاطبها:
– لورا انا خارج دلوقتي، أجلي أي حاجة لغاية ما ارجع بعد شوية او بكرة.
لاحقته بسؤالها قبل ان يذهب:
– طب والملفات المهمة والمطلوبة وضروري البت فيها، دا كمان يتأجل؟
مط شفتيه بابتسامة ليس لها معني:
– عادي يا لورا ابعتيلي ع الايميل، وانا هشوف اللي يستاهل الاستعجال .
– طب ما تقولي انت رايح فين عشان افهم .
صدر السؤال منها فور ان اعطاها ظهره للمغادرة، ليتوقف ويلتف اليها بهدوء لا يخلو من تحذير:
– اروح مطرح ما انا عايز، انت تسألي ليه يا لورا؟
ابتلعت رمقها بحرج شديد لتبرر:
حضرتك انا بسأل بس عشان الشغل مش عشان……
قطعت مجبرة بعدما اماء لها بكف يده في الهواء، بحزم ينهاها:
– انا مش هكرر كلامي، في حاجة مهمة تبلغيني، بعد كدة مفيش داعي لأي اسئلة تاني، سلام.
❈-❈-❈
اذعنت لتنفيذ الأمر، برغم حنقها المبالغ فيه من فعله، وما قد يتسبب به من حرج لها امام زملائها في المكتب، كي تخرج في هذا الوقت المبكر عن ميعاد الانصراف .
اقتربت من السيارة المصطفة في نفس المكان الذي وصفه لها، لتفتح الباب الامامي فتنضم للجلوس بجواره، متمتمة بضجر:
– ها ايه الأمر المهم بقى عشان تستدعيني في نص يوم العمل ؟ وتخليني انزل على ملا وشي كدة عشان اقابلك؟
اجابها بتنهيدة حارة وراسه تقترب منها:
– وحشتيني.
ارتدت بجذعها للخلف شاهقة بإجفال ، حينما انتبهت، لما كاد ان يقوم به، وقد اوشك على تقبيلها، لولا انها انتبهت على اخر لحظة ، لتبتعد سريعًا ويلتصق ظهرها بنافذة السيارة بزعر قائلة:
– انت كنت هتعمل ايه؟
ضحك بتسلية لرؤيتها على تلك الهيئة، يجيبها مرددًا:
– بقولك وحشتيني يا بهجة، يعني عادي جدا اقربلك واعبر عن اشتياقي بطريقتي..
– يا سلام، يعني وحشتك تقوم تبوسني في العربية وفي نص النهار، كدة عادي.
هتفت بها معترضة، ليباغتها الاخر مرددًا:
– عندك حق طبعا، احنا لينا بيت يلمنا .
بذهول شديد، طالعته يدير محرك السيارة، حتى كاد ان يسير بها، لتنهاه بغضب:
-تروح بيا على بيتنا ازاي يعني؟ انا لسة دوامي مخلصش، عايز رئيس المكتب يقول عليا ايه؟
– عنه ما انتهى، ما انا كمان ورايا شغل، نروح وبعدين نشوف اللي ورانا.
– وشكلي قدام الراجل، هيقول عليا ايه؟
صاحت بها علُه يستوعب ، ولكنه فاجئها كالعادة بقوله:.
– يقول اللي يقوله بقى، يعني انا اكون سايب شغل بملايين يا بهجة، وانتي جاية تسأليني على منظرك قدام عبد الفضيل! اما انتي غريبة والله.
– غريبة.
❈-❈-❈
الساعة الاَن تعدت الحادية عشر، لكن لابأس، فقد استقيظ اليوم باكرا الى حد ما عن باقي الايام السابقة، ليتحمم ويرتدي ملابسه سريعًا، ينثر عليه العطر بكثافة، متجاهلا صوت الهاتف الذي يدوي منذ ساعات ، ولكنه غير مهتم ، ولن يهتم، فلن يشغله الاَن سوى شيء واحد، بعدما عرف مساء الأمس من سائق السيارة النقل التي اقلت الاثاث بعنوانها،
سوف يصلح خطأ الماضي، سوف يظهر لها الاَن تغيرا شاملا بشخصيته، لن يصير بعد الاَن الجبان الذي لم يقوى على الوقوف امام اهله لاستعادة حقها، ف ليتحدى اباه وجبروت والدته والجميع، لقد فعلت خيرا بابتعادها، ليأخذ فرصته كاملة الاَن، ولا يعكر صفوه التدخل من احدهم، وما فشل فيه سابقُا، لن يتكرر بعد اليوم.
اغلق باب شقته ليهبط الدرج بحماس يملؤه، حركات رشيقة تنم على سعادته بما قادم نحوه، القى بنظرة سريعة على المنزل الخالي، يتنهد باشتياق، ثم توجه بأبصاره للأسفل، ليصعق برؤية ما جعله يرتد بجسده للخلف قليلًا، ولكنه سرعان ما تماسك ، ليجسر نفسه ويتصرف بطبيعية، رغم القلق الذي اصبح يسري بداخله، مع انتباهه لهذا التجهم الذي يعلو ملامح والديه، حتى الملعونان اشقاءه، تبًا، وكأنهم واقفين في انتظاره،
وفي الأسفل صاح خميس بستقبله بابتسامة ساخرة:
– اهلا اهلا بالباشا اللي صحي بدري النهاردة ، ومستناش للعصر يأدن عليه زي كل يوم، تكونش يا خويا قلبك حاسس.
عبس سمير بتوجس يرد على توبيخ ابيه:
– قلبي حاسس بإيه؟ وانتوا ايه واقفين بربطه المعلم كلكم كدة ليه؟ اللي يشوفكم يقول في مصيبة حصلت.
جاء الرد هذه المرة من والدته، التي زجرته بحدة:
– انت بتقول فيها، ما هو انت بتناحتك دي والبلالة اللي عايش فيها، هتحصل المصيبة بجد، انت ما بترودش على تليفونك ليه من الصبح يا زفت انت؟ لزمته ايه في ايدك دا من اساسه؟
القى بنظرة سريعة نحو الهاتف بعدم اهتمام قائلا:
– كنت عامله صامت ومكنش ليا مزاج ارد على حد ، ايه اللي حصل بقى؟
– اللي حصل هو ان ابنك ممكن يموت لو ملحقناهوش .
بصقت بها شقيقته الصغرى بصورة اجفلته ، ليتولي سامر التوضيح:
– مراتك حصل معاها ولادة مبكرة، والولد تعبان جدا، اهلها كانوا بيتصلوا عليك عشان تحضر معاهم، ولما يأسو منك اتصلوا على ابوك، ابنك لازم تلحقه لا تحصل معاه مضاعفات لا قدر الله وميتحملش.
بدت ملامح الصدمة جليا عليه، حتى تشوش بحيرة، ما بين الذهاب الى الوجهة التي كان يقصدها، وما بين طفله المريض، ولكن حيرته لم تستمر كثيرا، فقد حسم خميس الامر يهدر به:
– انت لسة هتفكر يا خويا، اتحرك يلا خلينا نروح نشوفهم، ع الاقل نوري وشنا اللي اسود من عمايلك، وانت يا سامر اتولى شغل الوكالة النهاردة لحد ما نرجعلك.
❈-❈-❈
– بتعملي ايه يا بهجة؟
هتف بها عقب خروجه من المرحاض، حينما وقعت عينيه عليها ترتدي ملابسها على عجالة امام المراَة، فالتفت نحوه بإجفال تجيبه وبيدها تلف الحجاب حول رأسها :
– يعني هكون بعمل ايه؟ بلبس طبعا عشان امشي .
سمع منها ليزفر بضيق متوجها نحوها، ينزع عنها الحجاب بيده قائلا بضيق:
– وكنتي ناوية بقى تمشي من غير ما تقولي، ولا حتى تنتظريني على ما اخرج من الحمام؟
طالعته بأعين متسائلة، تخطف النظرات نحو الحجاب الذي كان ممسكا به، ثم القاه من يده ليسحبها اليه بعد ذلك يردف بنبرة تحولت للدفء:
– دا احنا حتى ملحقناش لسة نقعد ساعة على بعضها.
قالها ثم صار يمسد بأنامله على جانب وجهها ويزيح شعرها للخلف، بنعومة تثبط من عزيمتها، حتى خرج صوتها برجاء:
– ارجوك بقى، انا مينفعش النهاردة كمان اتأخر على نجوان هانم، غيبت عنها كتير الايام اللي فاتت.
اقترب يدفن انفه بين خصلات شعرها الكثيف، يتمتم بوله، وهو يستنشق عبيرها:
– طب اعملك ايه؟ وانا ما صدقت الاقيكي بين ايديا، مش قادر اسيبك ولا ابعد عنك يا بهجة، عايز اليوم كله ابقى في حضنك وبس، شوفي بقى حظي ، وانا معاكي في نفس المبنى، وميفرقش عننا غير حاجة بسيطة، ومع ذلك مش قادر اطولك، ولا احتى اجيلك مكانك في مكتبك واطل عليكي واكلمك،
مكنتش اعرف ان شغلك جمبي هيتعبني بالشكل ده، يا ريتني ما وافقت على الشغل من اساسه بعد ما اتجوزتك.
ابتعدت برأسها تتمعن النظر بوجهه لتستشف صدق حديثه،
هذا الرجل سيفقدها عقلها بالفعل، ان لم يكف عن هذه الرقة المبالغ فيها، وإظهار اللهفة وتلك المشاعر التي يبثها لها في لحظات الوصال.
أم ان هذا امر طبيعي، وهي الوحيدة التي ليس لديها من الخبرة ما يجعلها تتقبل ذلك، وتبادله اياه، حتى لو كان الزواج بغرض ال….
نفضت رأسها لتستعيد بأسها واضعة النقط على الأحرف:
– انا لو بطلت شغل من عندك ، يبقى هبطل من كله والتفت للمحل بالمرة، الشغل دلوقتي هو الحجة اللي بخرج من خلالها عشان اقابلك على ما……
– ما تكمليش بقى.
قاطعها بنزق يشدد من احتضانها، مرددًا بضجر:
– هو انتي حرام تعدي اللحظة من غير ما تفكريني، سيبيلي عواطفك ولو لدقايق، عشان خاطري يا بهجة، عشان خاطري.
ماذا تفعل؟ ومن اين تجد القوة لرفض ذاك البحر الهائج من المشاعر، حتى وهي تقاوم بكل قوتها، تغلبها امواجه العاتية، فتبتلعها بداخلها على غير ارادتها.
بعد قليل
نزل بها للطابق الأول. وما زال يضمها اليه بذراعه، يغمرها بدفئه ورائحة عطره المميزة، غير عابئًا بالوقت الذي يؤرقها هي، ولكنها تصبر نفسها، حتى لا تزعجه بالتذكير المستمر كما اوضح.
– انا كنت عايز اخرج بيكي نتغدى في اي حتة برا النهاردة……..
فور ان افتر فاهها للإعتراض، تابع يوقفها:
– بس عشان عارف انك مشغولة طبعا شيلت الفكرة من دماغي…… أو بمعنى أصح أجلت…..
زفرت قليلًا بارتياح ثم قالت:
– كويس اوي، لأن انا مخي مش معاك اساسا، وبصراحة بقى حاسة بعدم ارتياح .
توقف يبعدها عنه قليلًا يسألها بنبرة يتخللها الحزن:
– ليه يا بهجة؟
ابتلعت تجيبه بصراحة:
– اولا عشان منظري في الشغل طبعا، كتر الانصراف هيثير التساؤول والفضول، وانا بصراحة مش عايزة حد يقول نص كلمة عليا .
ضاقت عينيه بتفكير سريع:
– خلاص يبقى ننظمها،…… انتي كل يوم تخرجي على ميعادك، وتيجي على هنا تقضي الوقت اللي فاصل من دوامك مع الست الوالدة، مع اني شايف انك تتخلي عن واحدة فيهم دلوقتي، وتوفري وقتها ليا انا…..
سهمت بنظرها نحوه تستوعب معنى الاخيرة، مع انها بدت واضحة كوضوح الشمس ، يريد منها اكبر وقت للتفرغ اليه، اللعنة، ايريد منها الغرق اكثر من ذلك!
لترفض قاطعة؛
– لا طبعا مينفعش، هقعد ف البيت هنا لوحدي في انتظارك اعمل ايه؟ خليها زي ما هي ماشية كدة،
اومأ بحاجبيه:
– براحتك يا بهجة، يبقى كدة خلينا في الحل الأول.
اومأت باستسلام، وتنهيدة خرجت من العمق:
– ماشي
❈-❈-❈
من يريدك بحق او يخاف عليك، سيفعل المستحيل حتى يجدك.
وهذا ما فعله، فلم يهدأ له بال منذ بداية اليوم، ظل يبحث حتى عثر على احدى الخيوط التي اوصلته الى فرد منهم.
جنات والتي كانت خارجة من جامعتها في هذا الوقت، في طريقها للعودة الى المنزل، لتفاجأ بالصوت الأجش من خلفها، مناديًا بإسمها:.
– جنات ممكن دقيقة.
التفت اليه، تهديه ابتسامتها المعتادة، لتعلق بمرح:
– ايه ده ؟ شادي العريس؟ لا مش معقول .
اقترب منها يصافحها بغيظ:
– انا برضو اللي مش معقول؟ ولا انتوا اللي هجيتو من غير ما تبلغوا حد بمكانكم، دي عمايل برضوا يا جنات؟
بدى جيدا من حجم العرق الذي يغطي جبهته وقميصه، طول الوقت الذي قضاه في انتظارها، ليخرج ردها باعتذار:
– انا اسفة يا شادي، ان كنا قلقناك، بس انت مكنتش فاضي عشان شهر العسل طبعا، لكن احنا اكيد عمرنا ما كنا هنخبي عنك المكان اللي عزلنا فيه جديد.
زفر بشيء من الارتياح، ليتخصر قائلًا:
– بداية مبشرة اوي يا ست جنات، بس انا عايز اطمن بنفسي، واعرف الظروف اللي خليتكم تعملوا كدة، وامتى وازاي دا حصل؟
أومأت بترحيب:
– خلاص يبقى تتفضل معايا على بيتنا، وانا افهمك كل حاجة في طريقنا .
– تمام اوي، يبقى اوصلك بعربيتي بالمرة.
❈-❈-❈
وجدتها كما وصفت لها الدادة نبوية، داخل الحديقة تتأرجح بالارجوحة، بشرود اصبح ملازمًا لها كما علمت من المرأة، فاقتربت منها لتجلس بجوارها، تتحدث بعفوية كما اعتادت عليها في الفترة الأخيرة ، بعدما تطورت العلاقة بينهم ، لتصبح اكثر دفئًا وتفهمًا عن السابق:
– الحلو اللي قاعد سرحان وفي حاله، ايه اللي شاغل باله؟
خرجت من شرودها نجوان تطالعها بصمت دون رد فتابعت بهجة بالمزاح كي تستجيب لها:
– اه يا عم بتتمرجحي، الدنيا تضرب تقلب ولا هامك، والله برافو عليكي
لم يصدر منها اي رد فعل سوى انها كانت تتمعن النظر اليها وفقط، عيناها تحمل الكثير والكثير، ولكن لا تنطق ولا تربحها بذرة استجابة، حتى هتفت بها بهجة:
– انتي فيكي حاجة غريبة النهاردة، زعلانة عشان غيبت عنك، ولا في ايه بالظبط؟
ايضا لم تنطق لتفقد بهجة فيها الامل وتنهض فجأة قائلة:
– ع العموم انا جمبك هنا في أي وقت تعوزيني او تعوزي أي حاجة .
ما ان اعطتها ظهرها وخطت خطوتين حتى وصل لاسماعها:
– شبهه.
التفت اليه بتسأؤول:
– انتي قولتي حاجة؟
استقامت واقفة عن الارجوحة تمتم بلها بما يثير الريبة:
– شبهه، شبهه.
قالتها وتحركت تذهب من امامها، لتزيد من زهول بهجة في تفسير ما حدث:
– هو مين اللي شبه مين؟ هو انتي ايه حكايتك يا نجوان هانم معايا بالظبط في الالغاز.؟
ظلت لمدة من الوقت تتابع اثرها بتساؤلاتها وحيرتها، حتى شعرت بأنامل تداعب وجنتها، لتلتف اليه متفاجئة بحضوره:
– انت هنا من امتى؟ مش قولت وراك مشوار مهم تبع العملا.
تبسم يفرد نفسه امامها:
– ما انا فعلا ورايا مشوار مع عميل مهم، بس بصراحة مقدرتش ادخل اغير من غير ما اطل عليكي، كنت واقفة بتكلمي نفسك ليه؟
تنهدت بحيرة تخبره:
– مش عارفة اقولك ايه؟ بس مدام نجوان عليها طلعات وكلام مش مفهوم بصراحة
قطب يسألها بتوجس:
– هي قالتلك ايه؟
– بتقولي شبهه، شبهه، قصدها ايه مفهمتش.
سمع منها لتتبدل ملامحه فجأة، يزفر بخشونة وغضب مكبوت:
– سببك منها يا بهجة ومتركزيش معاها.
اومأت بطاعة، رغم الفضول الذي يجتاحها لمعرفة القصد من كلماتها .
فتماسك هو يزيح عنه الغضب، ليداعبها ممازحًا:
– بس انتي شكلك زي القمر هنا، ايه رأيك اعتذر عن ميعاد العميل واقضي باقي اليوم معاكي .
شهقت تتحرك من امامها تغمغم اثناء ذهابها:
– هنا في البيت، دا انت ناوي على فضيحة بجد ، انا ماشية وسيباك .
قهقه من خلفها، ليصلها الصوت المحبب لهذه الضحكة التي لا تسمعها منه الا حينما يكون معها فقط.
❈-❈-❈
في المنطقة عشوائية، وداخل احدى المنازل المصنوعة
من الصفيح اضجع بجذعه على الاريكة اليالية يتحدث مع زميله في المحبس سابقا بكل ثقة:
– ياض زي ما بقولك كدة متخافش، انا معايا محامي عقر، يعني حتى لو قفشوني متلبس هخرج منها صاغ سليم ، هو بس كرشه واسع شوية وبياخد فلوس بالهبل
اومأ بتفهم ذاك الشاب النحيف، بملابسه الضيقة وحلاقة الشعر المرتفع للأعلى بصورة تثير الاستفراز ، ليجلس على الكرسي المقابل له، معبرا عن مخاوفه:
– ماشي يا عم هيما مقولتش حاجة، انا اهم حاجة عندي ان متلطش معاك، المسألة مش محتاجة عوق، عشان الشغل ميقفش، المعلم بتاعي صعب ومبيرحمش.
اصدر ابراهيم من فمه صوت استهجان يتمتم بسخرية:
– دا على اساس انك موظف في الحكومة يا اخي، امال لو تاجر كبير، ولا ديلر عليك القيمة كنت عملت ايه؟ دا انت اخرك بياع برشام ع الطريق ومساحيق مضروبة، اسمع ياض، ليك فلوس اغرقك فيها ، وحماية لو اتطور الأمر، فهمت بقى يا عزوز الكلب
– اه
تمتم الاخير بها، ليتذكر السبة فيهدر معبرا عن استيائه:
– طب من غير شتيمة طيب، انا هاديك الامان بفلوسك،
طول ما بتصرف هتلاقيني تحت امرك، انما يوم ما توقف ، معلش بقى يا زميلي اعذرني، اصل بصراحة بقى جيتك كدة فجأة مكنتش عامل حسابها.
ردد ابراهيم من خلفه:
– ولا انا وحياة غلاوتك. كنت عايز بس اهددها واجيب اخرها، لكن الحظ بقى قلب فجأة ، بعد ما كل حاجة كانت ماشية بالتمام .
– عشان ضميرك الوسخ.
تمتم بها عزوز بصوت خفيض اثار استرابة الاخر ليهدر به:
– بتبرطم بتقول ايه ياض؟
نهض عزوز نافيا:
– مبقولش حاجة يا رياسة، خد راحتك انت وانا هروح اشوف شغلي، بس معلش في دي السؤال، كنت عايز اعرف يعني الباشا هنفضل مستضيفينه لحد أمتى؟
– مش كتبر يا اخويا، هي يس الليلة لزوم التكتيك، ومن بكرة هشوف المحامي يقولي ايه، ياللا غور بقى من وشي، حضرلي حاجة اكولها، اتحرك ياللا بلاش تناحة.
تحرك الشاب مزعنا لأمره، وفمه يغمغم بالسباب الوقح، على هذا المتبجح الذي اتى بدون استئذان يحتل البيت ويتأمر عليه.
❈-❈-❈
انتهى اليوم المزدحم، لتعود الى منزلها، موطنها، وواحة الدفء التي تجد بها امانها وسكينتها ، فتحت الباب لتلج المنزل على صوت الضحكات الصاخبة من اشقاءها،
فتضع الاكياس الكثيرة من يدها على الارض تود المشاركه معهم، مبادرة بالقاء التحية،
، مساء الخير….
توقفت عن الاكمال متفاجئة بالضيف الجديدة، والذي استقبلها بابتسامة غير مفهومة:
– مساء الخير يا بهجة، البيت روعة ما شاء الله، مبروك عليكي المكافأة اللي جابته
شحبت بوجه انسحبت منه الدماء متسائلة عن القصد من تلميحه، تعتب على اشقاءها ذكر هذا الأمر امامه، وهو الذي شهد بنفسه توقف الصراع في محاكم الدولة، بفشل حصولها عليها وانتصار الخصم.
لتضرع داخلها للخالق
– استر يارب
الفصل الواحد والعشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حصريه
رواية حان الوصال الفصل التاسع عشر 19 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الواحد والعشرون 21 بقلم امل نصر
لذة الوصول
هل أتى عليك الوقت وشعرت بها؟ تلك الخفقة القوية التي تنتابك في تحقيق الحلم، وامتلاك الشيء الذي تذوقت مرار الصبر في سبيله، رجفة الأطراف حينما لامسته او امسكت به بين يديك.
ما أصعبه من احساس وما أجمله؛ حين يمر عليك شريط الذكريات وما مررت به من مصاعب حتى وصلت لتلك اللحظة
اذاقكم الله واذاقنا حلاوة الوصول اليها .
رغم مرور اكثر من شهر على مولده، وحمله له عدة مرات ، الا انه حتى الاَن مازال تغلبه العاطفة بفرحته، فلا يقوى على كبت تلك الدمعة التي تفر من عيناه تأثرا بمجيئه الى عذا العالم، قطعة غالية من حبيبة قلبه حصل عليها اخيرا، بعد عناء ومشقة وعذاب في انتظار المستحيل، ولكنه حدث في الاخير بفضل الله وكرمه.
– تاني يا مصطفى برضو بتدمع؟ انا الأحسن اني احرم عليك ما تشيلو بعد كدة .
قالتها نور، وهي عائدة بعبوة الحليب التي اعدتها للطفل، لتأخذ مقعدها بجواره ، تجلس متربعة على الفراش، فتدعي الحزم وهي تتناوله من ذراعي ابيه بحرص، والذي ظهر التأثر في صوته وهو يشاكسها:
– لو تقدري اعمليها، او امنعي انتي نفسك من العياط لما
يسهرك طول الليل وميرضاش ينام.
فغرت فاهاها باستنكار وذهول:
– بتتريق عليا يا مصطفى، طب عقل انت ابنك الاول وخليه يهدى عن جنان الليل وانه ميتعبش مامته في الوردية اللي بيستلمها عليها.
قهقه ضاحكًا بصخب، ليعقب بمرح كلما خرج منها هذا الحديث:
– حاضر من عيوني، بطل تتعب مامتك يا ولد.
صدرت الاخيرة مخاطبًا لطفله لتتبسم هي قائلة:
– يا سلام عليك يا مصطفى، انا كدة ضمنت انه سمع الكلام، الف شكر بصراحة لسيادتك.
اومأ واضعًا كفه على صدره:
– العفو يا قلب مصطفى، مفيش داعي للشكر اساسًا.
انفجرت ضاحكة، لتميل برأسها على صدره، ويضمها بذراعه هي والطفل الذي تطعمه، يستمتع بدفء عائلته الصغيرة ، في لحظات يسرقها من الزمن، يهرب فيها من التزماته وأعماله التي لا تنتهي حتى في وقت نومه
❈-❈-❈
كما توقعت ورغم انه استمر طويلا في جلسته مع اشقاءها، وهي حاولت التصرف بصورة طبيعية معه، تجاهد لإخفاء الارتباك في حضوره، الا انه استطاع في الاخير ان ينفرد بها داخل الحديقة الصغيرة عقب استئذانه في الذهاب وقيامها هي بتوصيله، ليقف الاَن مواجهًا لها، يطالعها بصمت ابلغ من الف كلام،
ورغم التوتر الذي كان يعصف بها، الا انها ابدت ثباتًا يثير الاندهاش امامه، مما شجعه على الأستفسار مباشرةً:
– ليه كدبتي على اخواتك يا بهجة، والبيت دا اساسه انتي جبتيه ازاي؟
حينما صمتت قليلًا اردف :
– انا عارف اني مليش حق في السؤال، بس انا مش قادر يا بنت خالي، الخوف اللي طير مني الراحة من ساعة ما عرفت بعزالكم من البيت، هو نفسه الخوف اللي عاصر على معدتي دلوقتى، وانا دماغي هتشت ورايحة في مية اتجاه، من بعد ما عرفت بقصة المكافأة اللي اتحكم فيها من زمان لصالح الخصم .
استمرت لبرهة اخرى من الوقت قبل ان تحسم قرارها من الداخل قائلة:
– بس انت متأكد، وعارف بأخلاقي كويس.
– دي مسأله مش محتاجة سؤال، انتي بس اتكلمي واي حاجة هتقوليها انا هصدقها، المهم تريحي قلبي يا بنت خالي، فلوس البيت والمحل جات منين يا بهجة؟
– من جوزي
اجفل يستوعب الجملة القصيرة، لتعيد عليه هي بتأكيدها:
-،ايوة يا شادي، انا متجوزة في حلال ربنا، واحد مقتدر فوق ما تتخيل، هو اللي مكني بفلوسه اشتري البيت والمحل، ولو طلبت هيديني تاني كمان، بشرط اني احتفظ بجوازي منه في السر
– في السر!
ردد بها بصدمة وعدم تصديق، لتتجاوز هي غصتها في شيء مخزي كهذا امامه، فتأكد:
– ايوة يا شادي، انا بقولك الحقيقة اهو ، حتى وانا عارفة ان ممكن انزل من نظرك ، بس انا معملتش حاجة حرام، ولولا ثقتي فيك، ما كنت ابدا هقولك
أطرق برأسه يحاول التريث واستيعاب المفاجأة، حتى لا يغلبه غضبه في إفساد الأمر، وقد اعترفت له بالحقيقة التي اخفتها عن اخوتها جميعا، ليعود اليها متماسكا بصعوبة:
– وليه مقولتيش ع الاقل حتى لاخواتك يا بهجة؟
اجابته بثبات:
– مقدرتش،…… مقدرتش اهز صورتي في عيونهم ، مقدرتش اعرضهم للاختيار ما بين موافقتهم على جوازي والانتقال لهنا بعيد عن اذية عمي ومراته ، وما بين رفضهم ورفض كل شيء يجي من ناحية جوازي.
زفر يغمض عيناه بألم، رافعًا رأسه للأعلى بخزي، كيف يلومها؟ ومن اين يجد الجرأة وقد تركها تواجه رياح الظلم وحدها، حتى حينما حاول حمايتها، كاد ان يزيد بالمس بسمعتها نتيجة سوء الظن الذي تعرض له من ابناء عمها ، حتى تنقطع قدمه من الصعود اليهم ولا حتى التدخل في شئونهم.
– شادي انا اعترفتلك عشان واثقة فيك.
قالتها بغرض التخفيف عنه، جاهلة ان بفعلتها قد زادت عليه، ليرد بعتب:
– لو كنتي واثقة فيا كنتي بلغتيني يا بهجة، كنتي ووقفت معاكي حتى لو ضد رغبتي ، المهم كنت حاولت، ان مقدرتش احوله لجوز بأشهار ع الاقل كنت عرفته انك مش لوحدك.
اطرقت بخجل وقد اصاب بقوله، ولكنها حاولت التبرير على تردد:
– هو انسان كويس، وبيعمل كل حاجة عشان يسعدني، بس عنده ظروفه اللي تمنعه ما يشهر جوازنا.
رد بعنف:
– مهما كانت الظروف ، مفيش حاجة تمنع اعلان جوازه منك لو بيحبك بجد، او حتى كان أجل على ما تتحسن الدنيا معاه يا بهجة، ليه اخطف سعادة منقوصة في السر وانا ممكن اخدها كاملة بشوية صبر؟
ابتسامة صغيرة لاحت على زاوية فمها بسخرية
فقال، ابن خالها يتحدث عن الحب والصبر، ولا يعلم بالحقيقة المرة في الاصل من هذا الزواج، بعدما اخبرها قاسي القلب صراحةُ انها مجرد رغبة، حتى لو افعاله كانت غير ذلك بعد الزواج ، لكنها ابدا لن تنساها او تعلق نفسها بوهم حب قد يهلكها، وهو جعلها مسألة بيع وشراء، وهي وافقت على هذا الأساس، حتى تنتهي مدة هذا الاتفاق، وتخرج ع الاقل سليمة القلب .
وحتى ذلك الوقت، لن تخبر احد بالحقيقة المرة، تحتفظ بها لنفسها، اما ابن خالها فيكفيه الاطمئنان على على مصدر المال ولا اكثر من ذلك .
– رياض الحكيم صح؟
انتفضت بإجفال بعد ذكره الاسم لتبرق عينيها نحو باستفهام، فاستطرد هو بفراسة:
– مش هو برضو مدير المصنع اللي اتكفل بعلاج اخوكى على نفقة المستشفى المساهم فيها، انا مش غبي يا بهجة عشان ماخدتش بالي من نظراته ليكي ساعة ما شوفته في المستشفى،
لم تتمكن من الرد لتسبل اهدابها عنه بخجل شديد، اكد له صحة ظنه، ليردف بغيظ:
– اقسم بالله لو شوفته قدامي دلوقتي، لاباركله من قلبي بلوكامية تظير صف سنانه.
❈-❈-❈
عاد الى المنزل محملا بمزيد من التعب والهم، وقد اعتقد ان بالعثور عليهم ومعرفة محل سكنهم سيرتاح، ولكن ما حدث هو العكس تماما ، فبلقاءها ومعرفة السر الذي تخبئه عن الجميع، يشعر انه لن يعرف طعم الراحة بعد اليوم في القلق عليها، حتى ترسو على بر اَمن.
– شادي، اخيرا جيت .
كان هذا صوت زوجته والتي اقتربت تهمس بالكز على اسنانها:
– كدة برضو تعملها فيا يا شادي؟ ساعة بحالها اتصل بيك ومتردش.
القى بنظرة نحو شاشة الهاتف فتأكد من العدد الهائل من المكالمات منها، ليبرر بأسف:
– معلش مخدتش بالي، بس ليه الاتصالات دي كلها؟
ضربت قدمها بفعل طفولي تهمس بحنق شديد اثار التسلية بداخله رغم ارتيابه، حتى اوضحت:
– بتصل عشان جوز البلاوي اللي مستنينك، جال ايه عشان يباركوا، على اساس انهم اصحاب واجب جوي، انا من مخنوجة منهم ومش طايجة نفسي.
– هما مين؟
تمتم بها وقبل ان تجيبه، وصل لأسماعه صوت الضحكة الرقيعة من ابنة خاله خميس، لتيقن الان من السبب الاساسي لغصب زوجته:
– هي سامية قاعدة هنا من امتى؟
ردت على مضص:
– بقالها يجي ساعة هي وامها جوا، وانا رايحة جاية عليها بالعصاير والحلويات عشان مش طايجة اجعد معاهم
تبسم بحنان يهادنها:
– معلش حقك عليا، انا هروح اغير هدومي واروحلهم، هما عند ماما جوا صح؟
اومأت بهز رأسها، ليخطف قبلة سريعة من وجنتها، ثم تحرك صوب غرفته، لتتناول هي صنية العصائر وتدخل بها اليهم، بداخل حجرة والدة زوجها
– العصير يا جماعة.
– تعالي يا حبيبتي اقعدي بقى كفاية، هما الجماعة اغراب يعني.
قالتها والدة زوجها تشير لها لتجلس بجوارها على الفراش، تلك المرأة الحنونة، والتي تتعامل مع الجميع بطيبتها، رغم علمها الجيد بنوياهم:
– منورة يا مرات اخويا،
درية وقد اشتعلت عيناها بالحقد وذلك التوافق بين اخت زوجها وزوجة ابنها، لتتمتم بتصنع:
– البيت منور بأهله يا حبيبتي، عندها حق يا صبا احنا فعلا مش اغراب .
اومأت لها الاخيرة تغتصب ابتسامة صغيرة في رد لها، ثم تسأل بانتباه:
– ربنا يديم الود يا خالتي، هي فين سامية صحيح مش شايفاها؟
جاء الرد من والدة زوجها:
– استأذنت تدخل الحمام، اصلها مزنوقة.
سمعت صبا لتغمغم داخلها بحنق وتوجس:
– مزنوقة برضو ولا راحت تزود ع المكياج عشان تعجب. ابو برودها
وبداخل المرحاض كانت المذكورة تقف في وسطه بحيرة، تبحث بعيناها عن هذا الشيء الذي امرها الشيخ الدجال بإحضارها،
فقد كان كل شيء نظيفًا من حولها، المناشف المعلقة والستائر وو…. هنا توقفت ابصارها على سلة الملابس ، لتركض نحوها وتبحث داخلها، ملابس نوم وأخرى داخليه له ولها، يبدو أنها تم خلعها اليوم، ليزداد الغل بقلبها، على تلك السعادة التي كانت لابد ان تكون من نصيبها
اخرجت المقص الصغير من الجيبة التي ترتديها، كم ودت لو مزعت به تلك المنامة الى قطع صغيرة، ولكنها بذلك سوف تلف الانظار ، لذا لم تجد امامها، سوى قص شريط طويل منها ، لتضعه في كيس بلاستيكي ، ثم تدفسه داخل جيب جيبتها، وتخرج من المرحاض فتلتقي ابصارها به يدلف الى الغرفة التي تجمع النساء،، فتتنهد متمتمة:
– مسيرك تبقى ليا، هانت .
❈-❈-❈
بحث عنه في عدة اماكن يعلمها، كما سأل العديد من الأصدقاء المشتركين بينهما ، حتى تمكن اخيرا من معرفة المكان الذي يتواجد به، قهوة عتيقة ، تناسب المثقفين والفنانين، الأشخاص الذين يبتغون الهدوء او السرية كما يرى الان، بجلوسه في احد الاركان يتهامس مع احد الأشخاص….. لم يتمكن من معرفته وقد نهض فجأة يغادر من الباب الثاني للقهوة.
ود امين ان يركض خلفه، ليعلم بهويته ولكن الفتي كان سريعا بخطواته والاخر ايضا قد انتبه لحضوره، ليستقبله بابتسامة يجيدها بشكل مستفز:
– امين باشا حاضر المكان ، دا ايه النور ده.
صافحه الاخير على مضض ليجلس على الكرسي المقابل له يبادره الحديث:
– اعمل ايه يا خويا وانت بتخفتي زي الزيبق ومحد بيعرفلك طريق جرة، بتهبب ايه من ورايا يا عصام؟
سمع منه ليرسم دور البرائة:
– انا يا باشا؟ يعني هكون بهبب ايه بس؟ دا انا حسيت نفسي مخنوق وقولت اجي اهدي اعصابي وسط الشعرا والفنانين ، زي ما انت شايف اهو، حاجة في منتهي الرقي والحلاوة.
– اممم
اصدر امين صوت استهزاء، ليعلق بسخرية:
– اه صحيح عندك حق، جاي تروق نفسك بعد اللي حصل للمسكينة مراتك، واللي لسة تعبانة من اللي حصلها .
امتقعت ملامح وجهه بغضب جامح، وقد استطاع الاخر بقوله ان يخرجه عن دور البرود الذي يرسمه، فخرج صوته بعتب:
– وايه لزوم الكلام دا بس يا باشا؟ ما انت عارف ان فيا اللي مكفيني.
هدر بع امين يكز على اسنانه بالهمس:
– عشان عارفك كويس وعارف دماغك، والسكون المبالغ فيه دا منك اكيد وراه مصيبة،
– مصيبة ايه بس يا باشا؟ ما احنا ماشين في الإجراءات القانونية وبندور ع الزفت ده وعلى يدك، يبقى ساكت ازاي انا بقى.
قابل امين انفعاله بتأكيد :
– ما دا اللي انت عايز تقنعني بيه يا حبيبي، اوعى تكون فاكرني بلعت حكاية عربية الشرطة اللي ظهرت فجأة تنقذ امنية من ايد الحيوان ده، انت تحت ايدي بقالك سنين يابني، يعني حافظك اكتر من نفسك ..
بملامح مكشوفة رغم انكاره، ردد نافيًا:
– والله براحتك يا باشا لو مش عايز تصدقني، انا راجل قانون وماشي في حق مراتي بالقانون، مبمعملش اكتر من كدة.
– يا راجل .
تمتم بها امين بملامح متشككة:
– اطلبلي حاجة اشربها ياللا، بدل ما اطلع غل الصداع اللي في دماغي عليك دلوقتي، ما هو مش هيبقى قرف في البيت، وقرف في الشغل وبرا الشغل،
ضحك عصام يشير للنادل:
– عنيا يا باشا اطلبلك اللي انت عايزه، تعالي يا بنتي هات قهوة مظبوط للباشا .
❈-❈-❈
والى امنية التي كانت تتحدث مع شقيقتها شهد عبر الهاتف، بأسى وحزن:
– معاملته مش مريحاني يا شهد، حاساه بيشك فيا بس مش لاقي اثبات، دا مش عصام اللي انا عارفاه.
تنهدت شقيفتها عبر الهاتف بحزن معقبة:
– لو بيشك فيكي مكانش قعدك في بيته ثانية ولا بقى عليكي، جوزك اكيد متأثر باللي حصل ، ومحدش يلوم عليه صراحة، ابن الكلب ابن خالتك هبب الدنيا الله يخرب بيته، انا مش فاهمة دا امتى هيتهد؟
– ابراهيم الغل هو اللي بيحركه يا شهد، دا بني ادم بيزعل لو شاف حد سعيد، اسأليني انا من ايام ما كنت معمية على عيني وبحبه، وانا عارفة فيه الصفة دي ، ودلوقتي هو بينتقم مني عشان خرجت عن مساره، وربنا كرمني باللي اعلى منه، حسبي الله ونعم الوكيل.
– عارفاه يا امنية من غير ما تشرحي، ان شاء الله يموت بالسم اللي جواه ، قومي انتي صلي وخلي تكالك على الخالق، دا مفيش احن منه .
– ونعم بالله، بس انا تعبانة اوي يا شهد، عضمي كله واجعني وحاسة نفسي عايزة انام وبس.
– الكلام من ساعة الحادثة
– لا بصراحة من قبل، عشان مكدبش
استرعي انتباه شهد كلماتها، لتصمت للحظات بتفكير، قبل ان تعقب قائلة:
– طب بقولك ايه، انا عايزاكي توصفيلي الاعراض اللي عندك بالظبط.
❈-❈-❈
في احدى النوادي الاجتماعية وقد التقى به، ليرفها عن انفسهما من ضغط العمل المستمر، ليتبادلا اللعب على طاولة البلياردو، فكان الحديث الدائر بينهما :
– مصطفي شكله هيعمل حفلة كبيرة بمناسبة رجوعه من لندن وفرحته بالمولود العزيز، يا سلام بقى ع الطفل المحظوظ، هيورث الشهرة من والدته وامبراطورية مصطفى عزام .
تبسم رياض وهو يصوب بالعصى الخاصة باللعب على الكرة حتى اسقطها في حفرة الطاولة المخصصة لذلك ، فاعتدل بجذعه يعقب على كلمات الاخر:
– مش شرط يا كارم ، ممكن تبقى الدنيا كلها تحت رجليك وبرضو مش سعيد ولا حاسس انك محظوظ، واسألني انا.
توقف الاَخير متكئا على عصاه، المستندة على الطاولة، وقد استرعت انتباهه الكلمات لتجعله يتأمله بتفكير قائلًا:
– انت بتتكلم عن نفسك صح، مع اني اعرف ان والدك كان منفتح جدا ع العالم ووالدتك كمان، ايه اللي كان بيمنعك يا حبيبي عن الانبساط وانت في بلاد الحرية، سهر وشرب وستات وسهولة في التعليم كمان، فين المشكلة فين بقى؟
وعلى عكس ما توقع من غضب يجده منه في كل مرة بتطرق لهذه المواضيع الشائكة، ازداد اتساع ابتسامة الأخر، ليردد مًقرا؟
– وانت مدام حصرت السعادة في الشرب والحرية والستات، تبقى المشكلة فيا انا يا عم كارم، مش كدة برضو .
– اكيد طبعا .
قهقه ضاحكا ليشجعه على المزيد من التدخل، في لحظة الصفا التي لا تأتي كثيرا:
– خلاص يبقى نسيبنا من كل ده ونركز بس مع الحب، انا نفسي جربت كل حاجة، بس اللي وصلت ليه في الاخر، هو ان قعدة واحدة مع مراتي حبيبتي بالدنيا كلها، انت بقى محسيتش بالحاجات دي.
لم يجيبه، ليلهي نفسه بإسقاط الكرات، رافضًا التعبير عن مكنونات صدره، حتى فهم عليه كارم ليشاكسه:
– مدام سكت يبقى جربت ودوبت كمان، بس اشطة يا باشا، انا مش هزود عليك ، لكن ساعة ما تحتاجلي ولا تحب تسمع نصيحة انا موجود يا عم ازودك بخبرتي
هذه المرة جلجلت ضحكته ليردد ساخرًا:
– يعني يوم ما احتاج النصيحة اجيلك انت يا كارم!
– والله لمصلحتك، دا انا استاذ ورئيس كمان، تحب احكيلك عن انجازاتي .
❈-❈-❈
دلفت درية داخل الوكالة بأنفاس لاهثة لتجلس على على احد المقاعد، حتى اذا انتهى ابنها من صرف اثنين من الزبائن، اقترب ليجلس قبالها متحدثًا بحنق:
– خلصتي مشوارك ياما، مع ان مكنش ليه لزوم والله واحنا في الظروف دي
ردت والدته باستهجان:
– وانت كنت شوفتنا رقصنا يعني،، دي زيارة عادية لابن عمتك وبالمرة شوفنا اخوك وعياله….. مقولتليش بقى، ابوك ولا اخوك حد اتصل فيهم .
– اه ياما اتصل ابويا، بيقول ان الواد حالته ميطمنش، والاكيد انهم هيباتو النهاردة يشوفوا ايه اخرتها مع الدكاترة،
قالها سامر بانفعال جعل القلق يسري بقلب درية لتعبر عن مخاوفها:
– ليه يا دي الحوسة؟ هو ايه عنده بالظبط؟
اجابها بضيق يضع مجموعة من النقود داخل الخزانة:
– انا عارف بقى، جوزك بيتكلم من طرف مناخيره وابنك مانع الكلام خالص، وانا هنا موحول لا عارف اروح وراهم ، ولا اسد هنا مكانهم…….خلي البت سامية تجهزلي لقمة انا عايز اقفل بقى لحد كدة، تعبت
ردت وهي تنهض بتأثر بعد معرفتها بما يحدث لحفيدها والذي تعشمت بمولده ان يزيد بربط ابنها من زوجته، فتعود الى منزلها مرة اخرى بسببه:
– خلص وتعالى هجهزلك انا، هي استأذنت مني، وراحت لواحدة صاحبتها.
صرخ بها يدفع من يده القلم الذي كان يقيد به في الدفتر الكبير:
– دلوقتي ياما، والساعة داخلة على عشرة، طب هترجع امتى؟ البت دي معدتش صغيرة ، اقرصي عليها شوية بقى، كتر الدلع هيبوظها واحنا مش ناقصين
مطت شفتيها بامتعاض مرددة:
– اهي عندك اهي، لما تيجي اقرص عليها انت براحتك، انا اصلا بصدع منها لما تيجي تتحايل عليها، وما بصدق اخلص من زنها
غمغم سامر، ناظرا في اثرها :
– ويعني عشان تخلصي من زنها تقومي توافقيها على كل اللي هي عايزاه، الله يسامحك ياما.
❈-❈-❈
اما عنها فقد كانت في هذه اللحظة جالسة امام المدعو بالشيخ، يتأمل القطعة التي قصتها من المنامة يتحسسها بيده وكأنه يستلهم منها شيئًا ما ، وابصاره يخطفها نحوها كل دقيقة، بنظرات غير مفهومة يخبرها:
– شكلك بتعزي البنية دي اوي، خدت منك حاجة كنتي هتموتي عليها.
ردت تصدقه:
– ايوة والله يا سيدنا، هي خطافة رجالة اصلا، تستاهل كل اللي يحصل فيها .
افتر فاهه بضحكة قميئة، وتلك النظرات الغير مفهومة يقول:
– انا عارف يا سامية من غير ما تقولي، وهعملك اللي انتي عايزاه، بس انتي كمان مش تتعبينا في اللي نطلبك منك.
– عيوني
هتفت بها تشير بالسبابة على الاثنتان، فاتسعت ابتسامته قائلا:
– تسلم عيونك، روحي وتعالي بكرة ، اكون جهزت الحاجة اللي انتي عايزاها.
انتفضت بلهفة وفرحة متمتمة:.
– ربنا يخليك يا سيدنا.
لترحل بعد ذلك تاركة ذلك الرجل ينظر في اثرها، ويتلاعب بانامله على الذقن الطويلة بتفكير .
❈-❈-❈
متسطحة على الفراش، متكورة على ذاتها، تذرف الدمعات بعدم توقف، تشعر بالخزي لصورتها التي اهتزت امام ابن عمتها الذي طالما كان يحترمها، وعدد الكذبات التي اصبحت تتقنها امام اخوتها، وهي ابدا لم تعتاد على ذلك ،
حتى حزنها الاَن لا تملك التعبير عنه امام احد، لمن تشكو وهي المذنبة في حق نفسها وحق الجميع.
وكأنه اتي على التفكير به، اضاءت شاشة الهاتف امامها برقمه لتغمص عينيها بتعب:
– مش وقتك خالص يا رياض .
حينما لم يتوقف عن الدوي اضطرت للإجابة على مضض:
– الوو…..
– الوو يا بهجة قلبي ، اخبارك ايه دلوقتي؟
ردت بحزن ظهر في نبرة صوتها:
– كويسة والحمد لله
– كويسة ازاي يعني؟ الصوت دا بيقول ان في حاجة، وحاجة كبيرة كمان.
لم تقوى على الصمود اكثر من ذلك، لتشهق غير قادرة على وقف دموعها، مما زاد من قلقه عليها، فصار يردد متسائلًا:
– يا بنتي ليه بتعطي؟ اتكلمي بقى يا بهجة متعصبنيش.
ردت بعد مدة من الوقت بصوت بالكاد يسمع:
– حاسة نفسي مخنوقة، صوتي منحاش وصدري طابق عليا، مخنوقة يا رياض والله مخنوقة
زفر بصوت عالي ، حتى شعرت بأنفاسه تخترق اسماعها ليهتف امرا.
– طب البسي اي حاجة وانزلي حالا قبليني
رددت بعدم اسنيعاب:
– اانزل اقابلك فين بالظبط؟
– انزلي قبليني تحت بيتكم في الشارع الخلفي يا بهجة .
قالها بجدية لم تتقبلها لتعترض رافضة:
– لا طبعا مينفعش الساعة دلوقتي داخلة على عشرة، انت بتتكلم ازاي ؟
– وانا قولت انزلي يا بهجة، انا خلاص داخل على شارعكم بعربيتي.
– يا نهار اسود ، يعني مصمم وبتتكلم جد كمان، لا رياض مش نازلة.
صمت قليلًا فأعتقدت انه قد اقتنع حتى سمعت صوت قوي لصرير سيارة ، فقال هو:
– انا تحت بيتكم دلوقتي، يا تنزلي انتي من سكات، يا هتلاقيتي طالع عندكم، والحجة موجودة، نجوان هانم طلباكي عندها ضروري.
– يخرب بيت جنانك
تمتمت بها ، لتهرول نحو اقرب نافذة تؤدي للخلف فوجدته بالفعل في انتظارها، وعينيه مصوبة نحوها .
واقفًا بهيبته، يضع كفه في جيب بنطاله، اسفل السترة والاخرى يمسك بها الهاتف، بهيئة تصلح صورة لإحدى مجلات موضة، شعرت بقلبها يكاد ان يغادر قفصها الصدري، وقوة خفقانه على غير المعتاد تسمع للغرفة المجاورة، لتزبهل تطالعه بصمت حتى صرخ بأذنها:
– مستنية ايه تاني يا بهجة بقى، ولا انفذ تهديدي
❈-❈-❈
تطلعت حولها مزبهلة لعدد كبير من اليخوت، تزين ذلك المرسى الذي اتت اليه مرافقة له، بعدما اجبرها بجنونه لتنزل من منزلها في هذا الوقت ثم يطير بها بسيارته، حتى توقف هنا.
– انت جايبنا هنا ليه؟
تبسم باتساع ، ليترجل من السيارة ثم يلتف اليها ويفتح الباب المجاور لها يأمرها:
– انزلي من العربية.
اعترضت برفض:
– لنزل فين يا رياض؟ الساعة عشرة دلوقت…..
– بهجة انزلي..
هتف بها بمقاطعة حادة جعلتها تطيعه، ليصعد بها بعد ذلك الى داخل احدهم، وهي مازالت بحالة من التشتت، تراقبه يذهب إلى قمرة القيادة ، ليشعل المحرك ثم يعود اليها بابتسامته الساحرة فتتمتم بقلق وتوتر:
– يا لهوي عليا، دا بيمشي في النيل، انت رايح بيا على فين .
جذبها اليه، يضمها بقوة لا تخلو من حنو، يهمس بأذنها بصوت دافيء:
– ممكن تنسى كل هموك معايا الساعة دي، انا مش هتأخر بيكي، ليكي عليا ارجعك قبل اتناشر المهم انك تسيبلي نفسك، ونعيش مع بعض اللحظات الجميلة دي
ابعدها عن حضنه قليلًا يطالع الوجه البهي ، وقد انعكست الانوار عليه حتى يزيدها فتنة، ليمسد عليه بانامله بحنان مردفا:
– انتي جميلة اوي يا بهجة، وانا تقريبا ما شوفتش واحدة بجمالك، انك تحتفظي بجمال روحك مع جمال الشكل اللي وهبهولك ربنا ، دي حاجة متحصلش غير قليل اوي، وانا حاسس اني محظوظ ان لقيتك، بتكلم بجد ، الكلام دا طالع من القلب.
للمرة الالف يسرقها من حالها بسحر كلماته، وحتى تلك الكراهية التي تشحذ بها ذاتها في كل مرة كي تقاومه، ينثرها بلمسة حانية منه، فتطير كرماد يختفي مع الهواء.
لماذا يفعل كل ذلك؟ لماذا لا يجغل الامر يسير كما رتبت في ذهنها حتى لا تخرج بخسائر
– مالك سرحانه في ايه؟
سألها لينتشلها من حالة الشرود، فاضطرت للإجابة تتحمحم حتى يخرج صوتها:
– مش عارفة يمكن متلخبطة، او يمكن الجو نفسه مأثر معايا، هو اليخت دا تبعك.؟
علم ان بسؤالها الاخير، هناك نية واضحة للتهرب من الاجابة عن ما يريد معرفته منها، لذلك فضل ان يجاريها ولا يضغط عليها،
ابعدها قليلًا ليتناول كفها، ثم يسحبها، ويصعد بها حتى وقف بها على سطحه موجها ابصارها نحو النيل وذلك الجو الساحر الذي يبعث على الطمأنينة حتى انساها بالفعل حزنها،
يضمها بذراعيه، يهمس بصوته الهاديء:
– اليخت دا انا وارثه عن المرحوم والدي، يعني تحت امري في اي وقت، المرة دي متتحسبش يا بهجة، المرة الجاية لازم تبقى رحلة لعدد أيام كاملين اخطفك من العالم، وتبقي ليا لوحدي
وفي اي وقت تحسي انك مخنوقة ولا مضايقة، تعاليلي وانا عمري ما هرفض اسمعلك يا بهجة.
التفت برأسه اليه بأعين ترقرقت بها الدموع، ماذا تصف وماذا تقول، يرحب بها لتلجأ اليه، وهي في الاصل السبب الاساسي لتعبها.
وبدون ان تتفوه ببنت شفاه وجدت نفسها ترتمي بحضنه الامن ، تود ان تصرخ بها، تلك الكلمة العالقة بجوفها تنتظر منها فقط الاشارة ، لتتنطق بها امام الملأ، ولكن العقل اليقظ دائمًا يلجم اللسان على التفوه بها
…بحبك
الفصل الثاني والعشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل العشرون 20 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثاني والعشرون 22 بقلم امل نصر
كم يتعبنا الصراع ما بين القلب والعقل
الاول يندفع مباشرة نحو العاطفة حتى لو أدى بنا إلى الهلاك
والثاني يُحجم، ويمنع، حتى لا نقترب ونتأذى، ربما هو بذلك قد يحمينا، ولكن شيئا ما من المغامرة واتباع المتهور، قد يأتي بالسعادة التي نرجوها……. حتى لو كانت منقوصة
بوجه مشرق، وابتسامة تزين محياها الجميل، دلفت لداخل المبنى الذي تعمل به، وكأنها ترى العالم بصورة اخرى، غير تلك تعرفها،
فبعد ليلة الأمس، وما فعله من أجلها، حتى يراضيها ويخفف عليها من الحزن الذي كاد يوقف قلبها كمدا، ليأتي هو ويسمعها ويغدق عليها من حنانه، حتى كانت على وشك ان تنطقها بوجهه مباشرةً وتخبره بها، تلك الكلمة التي كانت تصرخ داخلها، ولكن الخوف من القادم هو من اللجم اللسان حتى يظل محله ولا ينجرف الى التهور.
ولكنها حسمت الأمر بداخلها، ان تعيش اللحظة كما يخبرها دائمًا، تريح هذا العقل عن التفكير قليلًا، على الاقل تحتفظ بذكريات تعيش عليها بعد ذلك.
ولجت لداخل المصعد في طريق ذهابها الى مكتبها في الطابق الاعلى، لكن وقبل ان يتحرك للصعود تفاجأت بتلك المتعجرفة تنضم اليها، تلهث بعض الشيء وقد بدا انها جاءت مهرولة ربما لتأخرها، فما تعلمه هو انها تأتي باكرا عن الجميع.
صمتت بهجة تدعي عدم الاهتمام تجنبًا لها، ولكن الأخرى لم تفعل ، فقد تركزت ابصارها بها فور ان التقطت انفاسها، لتطالعها من الأسفل الى الأعلى والعكس بتقيم اثار استياء بهجة واستغرابها ايضًا، وقد رأيت بوميض عينيها نظرة غامضة لم تفهمها ، حتى عبرت هي بلسانها :
– هو انا ليه حاسة انك متغيرة؟
ردت بهجة باستهجان لهذه النظرات المتفحصة لها:
– متغيرة ازاي يعني؟ مناخيري متحركة من مكانها الطبيعي مثلا.
سمعت منها لورا لتسخر بضحكة خافتة:
– دمخك خفيف، لأ وصدقتي نفسك كمان .
كتمت بهجة زفرتها تقلب عينيها بملل:
– لا حول ولا قوة الا بالله يارب، امال عايزاني ارد عليكي بإيه بس؟
– لا ترودي ولا تزفتي، انا اصلا غلطانة اني بصيتلك من أساسه.
تمتمت بها بقرف لتشيح بوجهها نحو باب المصعد في انتظار وصوله، وتغمغم بهجة من خلفها:
– لا اله الا الله، طب حد كان كلمها دي يا ربي؟
بعد لحظات توقف المصعد ، لتهرول بهجة كي تغادر وتتنفس هواء نظيفا، غير ذلك المشبع برائحة العطر الثقيل لهذه المتعجرفة.
ولكن وما ان تطلعت امامها حتى وجدت المصعد المقابل لها من الناحية الأخرى يفتح على مصراعيه، ويخرج هو منه، فتتقابل ابصارهما في ذلك التواصل الجميل، فينسى نفسه ويبتسم لها باتساع فرحًا لرؤيتها، وهي تبادله بخجل ذاهبة في طريقها المعاكس له،
غافلين عن تلك التي كانت خلفهما، وقد جمدتها المفاجأة، رياض الحكيم، ذلك المغرور المتكلف، والذي
يعمل الف حساب لهيبته مع الأشخاص العاديين، فما باله بالموظفين لديه، ينزل من علوه فيتواضع مع هذه الفتاة! بل وتظل ابصاره معلقه بها حتى اختفت من امامه نحو وجهتها، تقسم داخلها ان قدميه كانت على وشك ان تغير مسارها لتلحق بها، هذا ما شعرت به
هزهزت رأسها لتستفيق، تغمغم بتساؤول والحديث مع نفسها:
– دا حتى مخدتش باله مني وانا وراها؟ لدرجادي يا رياض؟!……
❈-❈-❈
بوجه متجهم وملامح، مكفهرة واصل طريقه بذلك المشفى الحكومي، يبحث بعيناه عن ذلك الاحمق ابنه الأكبر، مصدر همه وتعبه، والذي استيقظ قبله ليسبقه الى هنا
وصل الى الردهة المجاوره لغرف الحضانات ، وجده جالسًا واحد من مقاعد الانتظار، متربع الذراعين بشرود .
تقدم ليجلس بجواره يغمغم بحنق:
– يعني مهنش عليك تستناني على ما اصحى واجي معاك، طب اديك وصلت بدري عملت ايه بقى؟ اكيد مدخلوكاش اساسًا؟
زفر سمير يخرج كلماته بنبرة متعبه :
– على الاقل حصلت الدكتور وسألته عن حالة الولد، لكن انت زعلان ليه بقى؟ مكنتش حافظ عنوان المستشفى ولا غريب عن البلد؟
لكزه خميس بقبضة يده بغيظ قائلا:
– لا دي ولا دي يا خويا، انا كان نفسي بس تعمل بأصلك وتحضرلي اي لقمة افطر بيها، بدل ما اصحى ع العيش الفينو اللي نشف في الهوا ومعدتش ينفع يتاكل…. انزل على لحم بطني واقعد ادور ساعة على عربية فول افطر عليها، وجع قلب .
بسأم شديد تطلع اليه سمير يعبر عن اعتذاره:
– معلش يا بويا امسحها فيا المرة دي، نزلت وانا مش مركز.
عبس بوجهه غافلا عن ذلك الحزن الذي غلف ملامح ابنه العابث، يردف بسخط:
– امسح ايه ولا ايه؟ عن الوكاله اللي سايبها من امبارح في ايد اخوك الحمار، ولا على المرمطة اللي واقع فيها من امبارح مع سعادتك، حد يصدق اني انا ابات ليلتي في لوكاندة درجة تالتة هنا، عشان ملقتش حتة تاويني، بعد ما كان نسايبي بيشلوني من ع الارض شيل، اوضة اخر راحة واكل معتبر ميبطلش طول ما انا قاعد عندهم، وكل ده ليه؟ مش بسبب استهتارك، ورميتك لبتهم في عز ازمتها، خليت الناس كرهونا وانا وشي بقى قد السمسة قدامهم…..
– ما خلاص يا بابا الله يرضى عنك .
صرخ بها في وجهه بعدم احتمال، حتى يكف على تأنيبه، وهو الذي لا يعلم بما اصابه منذ الأمس، بعد رؤية ابنه على هذه الحالة الضعيفة، وكأن الله يجازيه على الاهمال نحوه.
ارتفعت عيناه فجأة نحو تلك الاصوات التي صدحت بالقرب منهما بمدخل احدى الغرف، ليجدها امامها تخرج بحالة من الانهيار والبكاء، مسنندة على ذراعي امرأتين ، يقمن بسحبها الى الخارج وشقيقها قد اتى فجأة من العدم، ليتلقفها منهما، ويصبح هو سندها.
– براحة على نفسك يا ختى مش كدة.
انتفض سمير بنغزة على خصره من ابيه الذي غلبه الفضول:
– دي مراتك اللي خارجة من الحضانات، ايه اللي قومها من سريرها وهي تعبانة وبالحالة دي؟
اغمض عينيه يجيبه على مضض:
– وصلت عشان ترضع الواد يا بابا، استغفر الله العظيم يارب.
غمغم بالاخيرة لينهض يتبعها وخلفه لحق به والده:
– اسراء
التفت اليه بوجه مغرق بالدموع تخاطبه:
– عايز ايه؟ وايه اللي جابك اساسًا؟ انا قولت من الاول محدش يتصل بيك، عملوها ليه؟
توجهت في الاخيرة بنظرة عاتبة نحو اخيها، الذي تنهد بتعب لحالتها، فقال سمير :
– ميتصلوش ازاي يعني؟ لهو انا مش ابوه؟ انتي بتقولي ايه؟
ضحكت بسخرية تردد خلفه:
– ابوه! كتر خيرك والله انك قولتها، على العموم ريح نفسك، الواد حالته متسروش وممكن يروح فيها، اهو تبقى اتخلصت من الخيط اللي رابطك بيا وتخلص مني بالمرة، اكيد دي دعوتك من جواك دلوقتي، انا قلبي حاسس
صارت تردد بها لتزداد انهيارا ثم فقدت الوعي، فتقدم هو من اجل ان يراها، ولكن شقيقها نهره بغضب:
– اقف عندك، وفر على نفسك، انا دراعي شديد واختي اشيلها في عيني لحد اخر يوم في عمري.
قالها ليرفعها عن الأرض بين ذراعيه، ثم بركض بها، امام ابصار زوجها، الذي غمغم بسبه، ثم هرول بخطواته خلفهما.
اما والده فقد تيبست اقدامه امام تلك الجميلة التي كانت تحمل اشياء زوجة ابنه حقيية اليد وحقيبة المولود، تمصمص بشفتيها مرددة كلمات الأسى:
– يا عيني عليكي يا بنت عمتي، غلبانة وحظك قليل من يومك.
همت لتتبعهم، ولكنه تصدر امامها يوقفها معرفًا عن نفسه:
– انا حما اسراء، جيت على ملا وشي لما عرفت باللي حصل، الا انتي تبقيلها مين، اصل دي اول مرة اشوفك.
ردت بأسى:
–
– انا بنت خالها صفاء اللي كنت ساكنة في الصعيد مع جوزي ، بس هو ربنا يرحمه بقى دلوقتي، عشان كدة رجعت تاني لأهلى
برقت عيني خميس بحماس شديد مرددًا:
– جوزك مرحوم، ودا جاله قلب ازاي يموت ويسيب شابة حلوة زيك.
تبسمت تغطي على فمها بخجل:
– يووه يابا الحج، ما قولتلك الحظ بقى، حكم بنات عيلتنا كلهم حلوين بس حظوظهم منيلة
تغضنت ملامحه بضيق ينهيها:
– ما بلاها منها ابا الحج دي، انا صغير وفي عز شبابي ميغركيش الواد سمير جوز اسراء دا البكري اللي خلفته وانا عشرين سنة، يعني تلاقيني مكملتش الخمسين بس انا مش بحسب.
عادت المرأة لهذه الضحكة الخجلة مرة اخرى، لتجاربه بمكر:
– معلش متأخذنيش ، دا حتى واضح من هيئتك انك صغير.
اطربه كلماتها، ليملس على شعر رأسه المزروع حديثًا، والمصطبغ بالاسود، يردف بثقة:
– لا يا ستي ولا يهمك، انا اصلا بتظلم كدة دايما من الناس، بسبب الحلوف ابني، اكمنه شكله اكبر من سنه
اومأت رأسها وقد شعرت انها اطالت معه ، لترد بعجالة:
– اهو كل واحد بياخد نصيبه، عن اذنك بقى اللحق اسراء
كادت ان تتحرك ولكنه عاد يوقفها بقوله:
– طب استني اخد رقمك الاول عشان اطمن عليها، حكم هي واخداني بذنب ابني ومش بترضي ترد عليا، لكن ربنا العالم، انا بعمل ايه مع الجبلة ده عشان اجمعهم على بعض، دا غير اني مستعد ادفع للعيل عشان يتعالج من الف لمية الف واكتر كمان….
بس كنت عايز اللي يتوسط ما بينا ، ايه رأيك يا؟… معلش لو فيها تعب، ممكن تقولي اسمك تاني.
قال الاخيرة بنبرة يتخللها المرح بعض الشيء، وجاء ردها سريعًا وهي تخرج هاتفها بلهفة وقد جذبتها عبارة النقود الكثيرة التي تفوه بها بفخر:
– ما قولتلك من الاول، اسمي صفاء ، همليك رقمي ترن عليه، اصل انا معنديش رصيد، بس اسجلك بإيه؟ انا كمان معرفش اسمك.
تبسم بملء فمه حتى ظهر صف اسنانه الامامية كلها ليجيبها بابتهاج:
– اسمي خميس، خميس الرواي يا صفاء اشهر تاجر في المنطقة عندنا.
❈-❈-❈
اختلقت حجة من الهواء كي تأتي إلى داخل غرفة الأرشيف وترى الوضع على الطبيعة مع هذه الفتاة المتلونة، يساورها شعور غريب من ناحيتها لا تعلم له صفة، ولكنه مقلق وخانق، وهي لن تستريح ابدا ما دامت تلك الفتاة موجودة بقربه، وتنعم بما لم تجده هي منه:
– صباح الخير يا عبد الفضيل .
القت بالتحية فور ان حطت قدمها داخل الغرفة لتجد الترحيب من الثلاثة في غياب بهجة والتي لم تجدها كما توقعت في هذا الوقت لاستراحة الموظفين، والذي استغلته الأخرى في الالتقاء بأصدقاءها القدامى من العاملين .
– اهلا اهلا يا لورا هانم، اتفضلي واؤمري باللي انتي عايزاه .
تنهدت تخطو لتجلس على الكرسي المقابل له، ترد التحية للسيدتين الاتي فغرت افواههم بالتطلع اليها بانبهار، لتردف للرجل المسالم:
– متشكرة اوي يا عبد الفضيل، عاملين ايه يا ستات وانتوا واخدين الجمب المريح هنا بعيد عن الدوشة ووجع الدماغ.
– تمام اوي يا لورا هانم ، ربنا يحفظك من كل سوء،
احنا فعلا عندنا الهدوء يعني لو عايز تروقي اعصابك في اي وقت تعالي واتفضلي عندنا.
قالتها احداهم، لتبادلها بابتسامة مصطنعة قبل ان تذهب بعيناها نحو المكتب الفارغ ، تسأل بفضول:
– ما هو الهدوء دا في ناس مش مستحملاه، بدليل انهم ما بيصدقوا وقت البريك يجي عشان يجروا ويروحوا للدوشة.
مصمصمت المرأة تعلق بغيظ، وكأنها وجدت الفرصة:
– وهي بتقعد اساسا، دي كل شوية اجازة، غير خروجها بدري عن المواعيد الرسمية، حظوظ بقى.
اعتدلت لورا بحلستها بشر معلقه:
– ليه يعني؟ وانتوا ازاي ساكتين اساسا على الفوضى دي؟ هي كانت شركة اهلها.
لحق عبد الفضيل على الفور يوضح:
– يا هانم مش لدرجادي، في كل مرة البنت بتبقى معاها حجتها، يعني منزودهاش بقى؟
توجه بالاخيرة بحزم نحو الموظفة زميلته، كي يلجمها عن زيادة اللغو مع هذه المتحاملة من الاساس ، ليعود اليها مردفا:
– مقولتبش بقى يا لورا هانم، كنتي جاية هنا ليه؟
تحمحت تستعيد برأسها الحجة التي أتت بها، لتجيبه بعقل يزداد سخونة بالأفكار التي تتناطح داخله:
– هقولك يا عبد الفضيل هقولك.
❈-❈-❈
والى بهجة التي كانت جالسة مع رئيستها الان اسفل الشجرة العتيقة، بعيدًا عن جمع الموظفين، والتي اصبحت مكانهم الاساسي، نظرا للهدوء الكبير بها، لتأخذ راحتها في الحديث معها:
– لف بيا النيل يجي اكتر من ساعة ونص، واليخت مقولكيش بقى، حاجة كدة ملوكي، بيقولك وارثه عن ابوه ، وخصني انا عشان يفسحني فيه، بعد ما لاقاني زعلانة وحزينة وانا بكلمه في التليفون، رطب على قلبي يا ريسة بحنيته، كان نفسه يقضي اكتر وقت معايا بس انا رفضت وخوفت، سمع كلامي ومردضاش يضغط عليا، ورجعني فعلا قبل اتناشر،
كانت تتحدث بحالمية لم تخفى على رئيستها التي تسمع لها بانتباه شديد، لقد حدث ما كانت تخشاه، والفتاة اصبحت متيمة به، رغم كل ما تدعيه من حذر ، ولكنها وقعت في المحظور.
– مالك ساكتة ليه يا ريسة؟ ما تردي عليا وكلميني .
تنهدت بعمق تعقب على قولها:
– يعني هقول ايه بس يا بنتي؟ ربنا يهنيكي، وانا اتمنالك ايه غير ان قلبك يرتاح .
تلقت عبارتها الاخيرة لتردف بتمني:
– اه يا ريسة، قوليها دي من قلبك ، نفسي اوي تحصل، نفسي قلبي يرتاح .
رفعت صباح كفيها للسماء:
– ربنا يريح قلبك يا بنتي، ويسعدك ويعطيكي كل اللي بتتمنيه وتحلمي يا بهجة، دي دعوة بدعيها في صلاتي مش بس قدامك.
– حبيبتي يا صبوحة.
قالتها بهجة لتنهض بعفوية وتقبلها من وجنتها المكتنزة
– الله يا عم ع الغراميات، وانا اقول واخدين جمب لوحدكم ليه؟
صدرت من زميلها القديم تميم، والذي جاء بالصدفة على مشهدهم هذا ، قاصدا الانضمام اليهما، قابلت صباح قوله بمرح لترد على مزحته، عكس بهجة التي شعرت بالتوتر في وجوده، لما تعلمه جيدا من مشاعر يحملها لها.
– عاملة ايه يا بهجة؟ خلاص معدتيش تيجي عندنا القسم،
أومأت بابتسامة مجاملة لتنهض وتجيبه:
– في نعمة والله يا تميم ربنا يخليك، انا همشي بقى معلش اشوف شغلي .
واقفها بصدمة:
– تمشي كدة فجأة يا بهجة اول ما انا حضرت، دا حتى البريك لسة فاضل عليه نص ساعة .
بررت بارتباك:
– وانا ههرب منك ليه بس يا تميم؟ بقولك ورايا شغل، عن اذنكم.
قالتها وانصرفت على الفور، ليظل هو متعلق بابصاره في اثرها لعدة لحظات حتى نهرته صباح:
– هتفضل كدة متنح في ضهرها كتير، ما تختشي يا واد على دمك .
التفت اليها مبررا:
– والله ما قصدي اللي في دماغك خالص يا ريسة، انا بس متفاجيء ، هي مالها كدة بتتهرب مني؟
عبست ملامحها بضيق مرددة هي الأخرى :
– ما هي قالتلك وراها شغل، ولا انت بس عايز تعملها حكاية، يا باي عليك يا تميم، اوعي كدة انا كمان ورايا شغل .
قالتها لتنهض هي ايضا وتتركه .
❈-❈-❈
بناءً على طلبه دلفت اليه بداخل الغرفة التي يجتمع بها مع الجميع من زبائنه، لتلقي التحية بلهفة قائلة:
– الست مبروكة قالت انك مصر تشوفني بنفسك يا شيخنا، لهو انت مخلصتش المطلوب.
رفع رأسه بشيء من ملل، فثرثرتها احيانا كثيرا ما تزعجه:
– اقعدي الاول يا سامية وبعدها اتكلمي، مش كله مرة واحدة وانتي واقفة
اذعنت لتجلس على الفور على المقعد. الذي وجدته مقابله، وقد كان امامه مباشرة، والمسافة ليست كبيرة، فتجعله يتحقق منها جيدا بنظراته المتمعنة، التي تثير الرجفة بداخلها بعض الاحيان، ولكنها دائما ما تجد التفسير، برهبتها منه، نظرا لما يمتلكه من قوة، في تسخير الجن والانس، على حسب ظنها.
تكلم بعد فترة من الصمت زادت من توترها:
– كنت عايز اعرف منك يا سامية بعد ما تاخدي غرضك ويتم المطلوب في البت اللي انتي قصداها هتعملي ايه؟ …. يعني هتعرفي ترجعي اللي لطشته منك ازاي؟
– ها
تمتمت بها بدون تركيز تردف بعدها:
– ودي محتاجة سؤال، اكيد هي لما تغور هيعرف قيمتي ويجيني من غير تعب، لهو انا قليلة عشان ما يبوصليش.
لاحت بعينيه نظرة خاطفة غامضة لم تفهمها بغباءها كالعادة، قبل ان يعقب لها:
– لا انت ست الستات يا سامية، بس انا عايز اسهل عليكي، بدل ما تفكري وتتعبي ولا هو يفاجئك بفعل غير متوقع، انا من رأيي انك تيجني، وانا هعرف اعلقه برباط المحبة وساعتها تبقى نولتي اللي انتي عايزاه ، خدتي بالك بقى يا سامية .
شهقت بفرحة والحماس يطل من عينيها:
– خدت بالي اوي، ربنا يخليك يا شيخنا، جميلك ده فوف راسي من فوق، وليك عليا ازودك اضعاف اللي دفعته المرة دي، على فكرة انا جيبت اللي طلبته كله للست مبروكة، حتى اسألها .
رد يتلاعب بسبحته:
– مش محتاجة اسأل يا سامية ، وع العموم لما تيجي المرة الجاية هنبقى نتفق.
– اكيد يا مولانا .
قالتها وانتفضت واقفة لتسأذن:
– طب اقوم انا اخد الحاجة من الست مبروكة، فوتك بالعافية يا شيخنا.
– الله يعافيكي يا سامية
تمتم بها بصوت خفيض وابصاره منصبة عليها وهي تغادر من امامه
❈-❈-❈
– جاي ليه يا سمير؟
كان هذا سؤالها الموجه له للمرة التي لا تذكر عددها، حتى بعدما جاء خلفها الاَن ليتحدث معها على انفراد داخل غرفتها بمنزل عائلتها التي استقبلته على مضض من اجل ابنتهم، والتي كانت في حالة يرثى لها الاَن، جعلته يتجاوز عما تتفوه به، ليرد بعنجهية رجولية ترفض الاعتراف بالذنب:
– بلاش سؤالك المستفز اللي عمالة تكرري فيه دا يا اسراء، انا ماسك نفسي بالعافية عن غلطك وقلبة اهلك وقلة زوقهم معايا انا وابويا بسبب اوهام في دماغك انا مش مسؤول عنها.
طالعته بأعين يفيض منها الالم مرددة خلفه بتساؤول:
– يعني بذمتك هي اوهام بجد ، طب ياريته كان كدة فعلا ، على الاقل مكنتش حصرت قلبي والزعل اثر على ابني هو كمان…… ابني…..
قطعت تعود لنوبة حارقة في البكاء مرددة:
– ربنا يسامحك يا سمير، خلتني احس بالنقص واني قلبلة، حرقت قلبي بالجري وراك وانت بتجري ورا اللي راح..
– يووووه
تمتم بها ينفض سترته بضيق ، داخله يعلم انها محقة، ولكنه مصر على عدم اظهار ذلك، ليستطرد على نفس المنوال من التكبر:
– مش هنفضل احنا في نفس السيرة اليوم كله بقى، الواد عايز علاج غالي والمستشفى الحكومي هنا مفيهاش إمكانيات، انا لازم دلوقتي اخده واروح بيه القاهرة عندنا….
– ابني مش هيتحرك خطوة من غيري، فاهم يا سمير؟
صاحت بها بهلع، ليسارع هو في طمأنتها:
– مش هاخده من غيرك يا اسراء، شدي حيلك انتي واجمدي شوية على ما اشوف انا المستشفى المناسب ، واتفق مع عربية مجهزة بحضانتها، مفيش وقت للانتظار، الوقت مش في صالحنا اصلا.
❈-❈-❈
بداخل صالة الالعاب الرياضية التي كانت تدخلها لاول مرة بصحبته في منزلهم الخاص، وقد جعلها ترتدي ملابس الرياضة مثله، ليدربها على بعض الالعاب معه، وتنال حظها من كلمات الغزل التي لم يتوقف عنها منذ ان وقعت عينيه عليها، بهذه الملابس الضيقة والتي تحدد الجسد بأكمله، ليأتي الاَن الدور على اللعبة المفضلة لديه، وقد وضعها مخصوص كشيء مختلف للترفيه بعيدًا عن الأجهزة الرياضية، طاولة البلياردو.
ليشرح لها الاًن بتركيز شديد والتنفيذ العملي :
– شوفي كدة يا بهجة، تنشني بتركيز شديد ، في لحظة تضربي، وبعدها زي ما انتي شايفة كدة اهو من واحد ورا واحدة في الاخير …… تسقط الكورة .
هللت بتشجيع لمهارته؛
– يا حلاوة دي فعلا زي ما بتقول، بس انا عمري ما جربتها .
اعتدل بجذعه يحفزها بقوله:
– يا بنتي ما انا عارف، وعشان كدة جايبك تتعلميها عشان تشاركيني اللعب، تتعلمبها وتبقي ممتازة فيها، وبرضوا اغلبك، واغلبك.
دوت ضحكتها بمرح وصخب، ضحكة صافية خاليه من تحفظها الدائم ، لتعقب على قوله:
– الله عليك يا ديكتاتور، يعني جايبني تعلمني عشان تغلبني ، انا بجد منبهرة بصراحتك.
طالعها بهيام لا يخفيه مرددًا بمكر:
– ولسة هتنبهري اكتر لما تتعلمي، وريني بقى شطارتك.
سمعت منه لتميل بجذعها للأمام تركز بعصا اللعبة، ثم تصوب على احدى الكرات التي اصطدمت بأخرى فتحركت على اثرهنا عدد اخربات، فتنال حظ المبتدئين وتُسقط الكورة في جب الطاولة، لتهلل هي وتقفز بمرح؛
– سجلت زيك اهو ومن ضربة واحدة، احنا جامدين يا عم مش أي كلام
كانت تهلل بحماس وهو يطالعها مبنسما بخبث لم تنتبه عليه إلا متأخرًا والى ما ينظر ، لتهتف معترضة وهي تلملم الفتحة الواسعة لكنزتها الرياضية في الاعلى كي يرفع عيناها عنها.
– انا بقول في ايه وانت في ايه……..
قطعت فجأة متذكرة ميلها في تصويب الكورة ، تتخيل الصورة الكاملة لما تكشفه الكنزة بهذا الفتح الكبير، لتصرخ
– نهار اسود ، دا انت طلعت خبيث اوي يا رياض
جلجل ضاحكًا وقد راقه غضبها المختلط بخجلها الشديد منه، ليرد من بين ضحكاته:
– دا على اساس اني غريب عنك والحاجات دي مشوفتهاش قبل كدة .
– متحسسنيش اني مغفلة بقى الله يخليك .
قالتها بضعف اثر به، ليقترب، ويضمها اليه، ثم يلطف بنعومة يراضيها:
– سلامتك يا قلبي من التغفيل، بس انتي لازم تعذريني ، باللبس الرياضي اللي انتي لابساه ده شكلك يجنن ، احلى حتى من النجمات التي بيتباهو بجسمهم على صفحات السوشيال ميديا .
– مش لدرجة النجمات يعني، هو احنا قدهم الناس دي.
قالتها بمكر الانثى التي تريد المزيد من الاطراء: وهو ابدا لن يبخل او يبخسها حقها:
– انتي احلى منهم كلهم ، وانا لولا اني بحبك وبغير عليكي كنت نشرت الصورة، عشان كل واحدة تعرف حجمها قصادك، يا بهجة قلبي انتي .
ازبهلت باندهاش تطالعه بانشداه، وسؤال يدور بخلدها عن صحة ما سمعته، ان كان اعتراف حقيقي ام كلمات عادية بفمه، كوصلة الغزل التي يطرب اسماعها بها ، ولكن وقبل ان تجد الفرصة لتستفسر كان هو يشتتها بمهارته كالعادة.
ليخطف قبلة على وجنتها، ثم كررها على جبهتها وبعض المناطق الأخرى على بشرتها ، ليستقر على ثغرها وتطول القبلة وتتحول للمسات ، حتى اجلسها على طرف الطاولة، وكاد ان يزيد بجموحه، لولا صوت الارتطام الذي دوي فجأة، فالتف بأنفاس لاهثة ، نحو المصدر، ليجد العاملة الايطالية وقد اشاحت بوجهها للناحية الأخرى تخبره باللكنة العربية الغير متقتة:
– مسيو رياض، انا اسف .
زفر يعدل من هيئته بغضب، يبتعد عن بهجة حتى تنزل عن الطاولة هي الأخرى، وقد اصابها الخجل الشديد، ولكنها اشفقت على المرأة بعد ذلك حينما اجفلها بصيحته الغاضبة:
– كان لازم تستأذني الاول يا جوليا، انا معنديش تهاون ولا تسامح مع اللي يتعدى على خصوصيتي
اومأت المرأة برأسها، تعيد الاعتذار:
– اسف مرة تانية مسيو رياض ، ولكن سائقك الشخصي العم علي، هو من اجبرني بالبحث عنك، من اجل امر هام يريد اخبارك به.
قطب بقلق مرددًا خلفها:
– امر هام لايه، ربنا يستر لتكون حصل كارثة .
❈-❈-❈
دلف بخطواته السريعة يلج الى داخل المنزل، بعد لحظات قليلة من اخباره عما استجد، ليتم استدعائه على وجه السرعة من اجل هذا الامر الجلل، وهو التعب الشديد الذي حل بوالدته كما اخبرته الدادة نبوية، والتي كانت جالسة الاًن على الفراش بجوارها، لترمقه بلهفة واستجداء فور ان وقعت عينيها عليه بداخل الغرفة:
– رياض يا بني انت جيت.
تقدم ليأخذ مكانه على الجانب الآخر من الفراش ، ليمسك كف والدته ويسألها:
– هي مالها؟ وايه اللي حصلها فجأة كدة؟ انا كنت سايبها كويسة.
اومأت المرأة بحرج تجيبه::
– والله يا بني كانت حلوة وزي الفل، انا بس دخلت الحمام، خرجت بعد كدة لقيتها اختفت ، قعدت ادور عليها وفي الاخر اكتشفت انها في البدروم.
– بتعمل ايه في البدروم، وايه اللي دخلها اساسا هناك ؟
هتف بعصبية زادت من صعوبة الامر على المرأة التي اطرقت برأسها تردف بحرج:
– لقيتها ماسكة حاجة المرحوم، وعمالة عياط ولا اكنه مات جديد، وانا مش عارفة هي وصلتلها ازاي اساسا؟ دا متخبية عنها بقالها سنين.
احتدت ابصاره في النظر اليها بصمت ، وغضب دفين، يحاول كظم انفجاره بصعوبة حتى على يزيد عليها ويجرحها، هذا خطأ لا يغتفر، ولكن كيف هي عرفت بمقتنيات الراحل لتتذكرها الاَن؟
– مساء الخير يا جماعة.
اجفل من شروده ليلتف نحو مصدر الصوت والذي تأكد من صاحبه فور رؤيته بمدخل الغرفة ، ليصعق بمن تدلف بصحبته:
– بهجة
تمتم الاسم بعدم استيعاب وهي تدلف مهرولة بقلق نحو والدته لتطمئن عليها ، وهذا المتحذلق يتبعها قائلا :
– الف سلامة عليها نجوان هانم، ايه حصل لها؟
– تعالي شوفها يا دكتور هشام دي تعبانة اوي .
تكلفت نبوية بالرد امام صمت الاخر والذي ارتسم العبوس على ملامحه ليغمغم كازا على اسنانه، دا ايه اللي جابه ده؟ وانتي ايه اللي جابك معاه؟
انتفضت بهجة لتنهض من جواره تجيبه بصوت هامس :
– صدفة والله، قابلته وانا داخله على هنا.
وقفت تبتعد عن الفراش مع اقتراب الطبيب منه وهو ينصت لحديث نبوية التي اسهبت بلهفة تشرح الوضع، وهو يختطف النظرات نحو بهجة، امام تجهم الاخر بصورة مكشوفة، يحجم نفسه عن الفتك به:
– انتي سريعة اوي في الشرح يا دادة، بس دا اكيد من التوتر، ما تساعديها يا بهجة باللي تعرفيه عشان افهم الوضع كامل.
توجه يالاخيرة نحوها لتهتز رأسها بعدم فهم ، فحسم رياض بجلافة:
– هتشرحلك ايه بهجة وهي مكانتش موجودة اصلا، ما تركز انت مع الدادة وانت تفهم .
قابل الطبيب انفعاله بهدوء متناهي، وهذه الابتسامة التي تثير استفزازه:
– ما انا قابلتها وانا نازل من العربية وعرفت انها واصلة حالا، بس برضو اكيد هي عندها من المعلومات اللي ممكن تفيدنا مع كلام دادة نبوية، بما انها متعلمة، ولا ايه يا سيادة المحامي المستقبلي، انا واثق انك هترجعي تكملي من تاني
– هي مين اللي هترجع……. هو انت كمان عرفت بمستوى تعليمها….
قالها بصدمة لينفض رأسه بعد ذلك كي يستفيق لمرض والده فهدر:
– خليك في حالة المريضة دلوقتي وانتي يا بهجة استني برا الأوضة .
أذعنت لتركض للخارج على الفور، هربا من هذا الوضع المربك، فهيئته كانت غير مبشرة على الاطلاق
اما الطبيب فقد كان على وشك الاعتراض ، حتى اجفل بالنظرة الحادة والوجه المغبر من هذا الذي تحولت ملامحه الى الإجرام، حتى جعله يردف باستسلام وتعلثم:
– ااا طب ماشي…. احكي واتكلمي انتي…… عن ظروف الحالة يا…. دادة نبوية
❈-❈-❈
فتحت احدى الفتيات الصغيرات من ابناء رحمة باب المنزل لترا من الطارق في هذا الوقت بعد ذهاب خالها وزوجته اليوم الى العمل بعد انتهاء شهر عسلهم، لتجد عمتها امامها بوجهها مهللة:
– ازيك يا منوش، انتي قاعدة هنا وسايبة امك لوحدها فوق يا بت .
رفعتها تقبلها من وجنتها، لترد الصغيرة:
– قاعدة مع ستو يا عمتو، هو انتي جاية عندنا؟
انزلتها على الارض تدلف لداخل المنزل دون انتظار تخبرها:
– اه يا حبيبتي هدخل اقعد مع التيتة شوية الاول، اطلعي انتي فوق لو عايزة تلعبي مع اخوتك .
هللت الصغيرة:
– وانا هروح اقول لماما كمان انك جاية عندنا
– ياللا يا ختي انطلقي
بالفعل ركضت الفتاة ليخلو المنزل عليها وعلى والدة شادي التي جاء صوتها من غرفتها باستفسار:
– مين اللي ع الباب يا منة؟
تقدمت لتدخل اليها تجيبها:
– انا سامية يا عمتي جيت اقعد معاكي شوية قبل ما اطلع عند اخويا ومراته.
وبطيبتها الزائدة استقبلتها المرأة:
– اتفضلي يا حبيبتي اقعدي معايا، والله فيكي الخير يا سامية انك بتسألي.
خطت تميل عليها بمحبة، لتقبلها من وجنتيها قائلة:
– انتي حبيبتي يا عمتي وانا الود ودي اقعد تحت رجليكي ما سيبكيش ابدا.
تبسمت المرة تبادلها:
– حبيبتي يا محلى كلامك، ربنا يديكي على قد نيتك ويعطيكي لحد ما تستكفي، اقعدي يا بت اقعدي.
خلعت عنها حقيبة اليد لتجلس امامها بأريحية امامها مرددة بابتسامة منتشية:
– اقعد يا عمتي ومقعدتش ليه؟ هو انا غريبة
❈-❈-❈
خرج من غرفة والدته بعد فحص الطبيب ومعرفة كاملة عن حالتها، على ملامحه يسود الوجود والاخر مازال مندمجًا في القاء التعليمات ووصف المستجد تطورات للحالة.
– زي ما قولتلك يا رياض باشا، هي كدة كل يوم بتثبت انها بتعود للواقع، وانهيار النهاردة دا اكبر دليل ، اكيد هتاخد وقت عشان تتعافى، لذلك انا بطلب منكم الصبر عليها، وتطولوا بالكم، هي اكيد موصلتش لكدة من فراغ، واحنا لازم نبقى على قد المسؤولية بدل ما تحصل انتكاسة.
اومأ يظهر تفهما وعقله يشرد فيما مضى وكيفية التصرف السليم معها الاَن لاستعادتها، رغم جراح الماضي وما تحمله من وجع كان هو من ضمن أسبابه.
– بهجة انتي هنا؟
عبارة صغيرة ولكنها كفيلة لانتشاله من غمرة شروده،، والعودة لحالته الاولى للغضب مع هذا البارد، والذي تبسم محياه، لمجرد رؤيتها برفقة العم علي في ردهة المنزل، والتي ردت بعفوية وقلق على المرأة.
– انا قاعدة مستينة عشان اطمن على حالة نجوان هانم،
هم يجيبها الطبيب ليسهب كعادته، ولكن الأخر قطع عليه من البداية بحزمه:
– ادخلي عندها جوا يا بهجة ودادة نبوية هتفهمك، ياللا بهجة.
هتف بالاخيرة بصيحة ازعجتها، ولكنها اضطرت لتتغاضى حتى تجنبًا لغضبه، وهذه الحالة الغير طبيعية التي يبدو عليها، اما الطبيب والذي اصابه الاحباط، فقد رمقه بشرز وكره جعله يستأذن مغادرًا على الفور:
– انا قولت بما فيه الكفاية، عن اذنكم بقى؟
– اذنك معاك يا خويا.
غمغم بها رياض بصوت مكتوم ، ليجأر بصوته نحو سائقه:
– روح معاه وصله يا عم علي .
❈-❈-❈
والى مكان اخر، داخل المنزل الصفيحي، ينظر من شرفة نحو الكم الهائل من الخرابات، في تلك المنطقة العشوائية، يستمع الى حديث والدته له عبر الهاتف الجديد، وقد استغني عن الاخر وجعله مغلقًا حتى ينتهي مما هو فيه، فيستفيق للعب مرة اخرى:
– ايوة ياما، زي ما بقولك ابعتي الفلوس على حساب الكاش اللي بقولك عليه…….. ياما ما تقلقيش بقولك ، انتي بس راضي المحامي الزفت وهو هيقوم بالواجب….. نعم نعم،، وجوزك رافض ليه ان شاء الله؟ هي الفلوس دي هيحوشها لمين؟ ما كله هيرجعلي في الاخر ولا هو ناسي…… مليش فيه بقى اتصرفي، انا مطلوب في فلوس على وجه السرعة…… ماشي يا ستي نستنى على ما يرجع من سفريته، مع اني بقيت اتوغوش على فكرة من كتر سفرياته دي،……. طب متزعليش ياما، المهم زي ما قولتلك ما تنسيش الفلوس توصل في اقرب وقت .
انهى المكالمة ليلتف نحو هذا الشاب المدعو عزوز والذي كان متكئا على الجدار يرمقه بعدم رضا قائلا:
– شكلها فيها انتظار تاني، انا بقول تشتغل وتجيب الفلوس من عرقك احسن يا غم هيما، بدل الشحططة ووجع القلب.
سمع منه لينهره بسخط :
– هو مين ياض اللي يشتغل ولا يهبب؟ ما تصحى لنفسك يا عزوز الكلب، مكانش يومين دول اللي قعدتهم عندك .
زفر الشاب يطوح كفبه بعدم اكتراث:
– ماشي يا عمنا انت حر، اخرك بس لبكرة عشان ابقى عملت اللي عليا، لو الفلوس وحق قعدتك هنا مجاتش، يبقى بقى ما تزعلش لما رجالة المعلم يرموك هيلة بيلة او يستفردوا بيك ، المنطقة هنا محمية طبيعية ملك المعلم الكبير ، يعني كل حاجة بامره، وانا مجرد خادم انفذ وبس، سلام يا بوس
خرج يتمايل في خطواته بكيد فيه، ليبصق الاخر من فمه مخرجا سبة وقحة :
– ابو شكلكم عالم اوساخ
❈-❈-❈
والى امنية التي خرجت من المرحاض تمسك بطنها وجبهتها بألم الدوار الذي كانت تسيطر عليه بصعوبة لتحفظ توازنها، او تهرب منه بالنوم معظم اليوم ، وجدته بداخل الشرفة يدخن بشراهة وشرود كالعادة، تقدمت لتجلس على اقرب مقعد يقترب من الشرفة تخاطبه:
– عصام انت مش خارج النهاردة؟
التف اليها ليقترب منها قائلا :
– لا خارج بعد شوية، بس انتي مالك؟ كذا مرة تدخلي الحمام في ساعة واحدة.
ردت تمط شفتيها بعدم معرفة او تدعي ذلك :
– باينها باطني بتوجعني، ع العموم انا هروح اريح شوية ع السرير احسن.
شرعت لتنهض فعلق من خلفها بسخرية:
– انتي اليوم كله ع السرير تقريبا، ايه الحكاية؟
ارتفع كتفيها وسقطا سريعًا لتعبر عن استيائها:
– مش عارفة بقى، يومين ويعدوا ان شاء الله.
تحركت لتذهب نحو غرفتها فخاطبها قائلا:
– طب خلي بالك بقى عشان طنت مجيدة مصرة تيجي تطمن عليكي، مش بعيد تلاقيها بكرة فوق راسك .
التفت له برأسها:
– تيجي تأنس وتشرف هي محتاجة استئذان اصلا ، عن اذنك بقى، عشان النوم كابس عليا .
❈-❈-❈
بملامح تملأؤها الأسى كانت بجوارها تلمس بيديها على خصلات الشغر الاصفر الحريري ، بعد ذهاب نبوية التي كادت ان تسقط من التعب، لتأخذ هي دورها، وتظل بجوارها، لا تريد تركها،
هذه المرأة الرقيقة ، تتعجب عما يصيبها؟ لماذا الطيبيون مصيرهم الدائم للجراح، حتى مع امرأة فاتنة مثلها، تملك من النعم ما يجعلها اميرة متوجة ومع ذلك تصاب بالمرض حزنا وكمدا نتيجة الخيانة.
– بهجة
جاء صوته بهذه النبرة الضعيفة ليقترب ويجلس على الجانب الآخر من الفراش ، يقبل رأس والدته العافية بفعل الحقن المهدئة، ليسأل عن حالتها :
– عاملة ايه دلوقتي؟
اومأت تجيبه بإشفاق لحالته هو الاخر :
– ان شاء الله تبقى كويسة زي ما قال الدكتور، بس الصبر، واحنا جنبها بنحبها مش هنسيبها ان شاء الله غير وهي راجعة لطبيعتها.
اومأ بهز رأسه لينهض يجر اقدامه، ليخرج من الغرفة وكأنه يريد الإبتعاد حتى لا ترى المزيد من ضعفه ، ولكنه ابت ان تتركه .
لتنهض من جوار والدته وتلحق به، وقد جلس بوسط الصالة مطرقه رأسه بألم واضح ، اقتربت لتضم رأسه بحضنها ، تغمرها بحنانها:
– اطمن يا حبيبي، كل حاجة هتكون تمام وعال تلعال ان شاء الله.
شعرت بدموعه الساخنة على بلوزتها، وهو يشدد من من ضمها اليه، وكأنه طفل صغير وجد ملجأه:
– انا خايف عليها اوي يا بهجة، وخايف كمان من اللي جاي ، والدتي جرحها مكانش في بابا ولا الخيانة وبس، انا كمان كنت ضمن الدايرة، بس والله ما كان بخاطري. انا اتحطيت في وضع جبرني اكدب عليها، والكدب اتحولت لكارثة بعدها، عشان اتحمل الذنب طول عمري.
– لا انت عملت ايه كمان معاها
عمغمت بتساؤول لم يجيبها عنه، فقد كان منغمسًا في ذكرياته السوداء، يبوح بما يحمله بداخله:
– كان نفسي تسمعني وتفهمني وقتها، لكنها كانت منهارة ومصدومة فيا زيي زيهم ، ضمتني في كفة الخيانة وانا يشهد ربنا ببرائتي، راح عقلها ومستحملتش وانا فضلت في مرار الماضي ، ودايرة مقفولة خنقاني،
رغم جهلها بكل ما حدث وفضولها في المعرفة الا انها شعرت بواجبها في الا تزيد عليه ، لتعطيه الفرصة يعبر ويخرج المكبوت بداخله وهي تسمع وتهون ، حتى يعترف له بنفسها، او ربما تعرف الحقيقة من صاحبة الامر نفسه، تسأل الله ان يشفيها عن قريب:
– اهدى يا حبيبي اهدى، ان شاء الله تطمن قريب وتريح قلبك من ناحيتها ، انا واثقة ان قلبها كبير .
– ياريييت يا بهجة يا ريت .
صار يشدد بذراعيه، ولا يريد تركها ابدا،
❈-❈-❈
في منزل شادي والذي كان واقفا بجوار زوجته التي اصبحت تأن بألم غير محتمل وهي ترفع رأسها عن المغسلة التي حاولت افراغ ما ببطنها به، ولكن للأسف لم يحدث
– ااااه اااه، بطني بتوجعني جوي يا شادي.
شدد يمسح بالمنشفة على جبهتها ثم يضمها اليه مهونا:
– معلش يا حببتي، بس انا مش عارف اعملك ايه تاني ، انتي لا البرشام نفع معاكي ولا الحاجة السخنة ، طب اخدك واروح بيكي ع الدكتور احسن .
رفضت بهزة من رأسها:
– لا عايزة اروح لدكتور ولا زفت، هروح انام احسن، يمكن ارتاح .
زفر باستسلام اذعانا لرغبتها ليحسبها حتى الفراش، يسطحها عليه، ثم يشد عليها الغطاء ليغطيعا بأكملها ، فخلع عنه سترته لينضم معها، وما ان شعرت به يريد ضمها اليه حتى عبرت عن رفضها :
– معلش يا شادي ممكن تبعد حاسة نفسي مش حاملة اي نفس جمبي .
تطلع اليها بصدمة مغمغما:
– حتى نفسي انا يا صبا.
لم ترد عليه، وهو ابتلع الغصة، يتمتم بالاستغفار، يرجع الحجة لمرضها، ليتضرع الى الخالق :
– ربنا يشفي عنك يا حبيتي .
طبع قبلة فوق جبهتها ولكن ملامحها التي تغضنت بضيق جعلته، ينهض على الفور من جوارها ،
الفصل الثالث والعشرون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا