تحميل رواية حان الوصال بقلم امل نصر pdf
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
االفصل الاول 1 ما بعد الفجر وقبل الصباح، ذاك الوقت الفاصل ما بين ظلام الليل وشروق الشمس، هذا هو وقتها، الذي تجد فيه سكينتها، تصلي الفجر ثم تقف في شرفتها تتمتع بالنسمات العليلة مع الهدوء الذي يعم المنطقة الا من بعض الاصوات القليلة للمارة الذاهبين الى شئونهم، ان كان الى عمل او شيء آخر. تتأمل المباني حولها وتراقب انقشاع الظلام رويدا رويدا حتى تحط الشمس بضيائها وتزين الأرض. تتنفس هواء نقيًا، بعيدا عن الصخب والمسؤوليات المعلقة في رقبتها. بهجة…. هذا اسمها وياليتها نالت حظها منه، او ربما كانت تناله قدي...
رواية حان الوصال الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثالث والاربعون 43 بقلم امل نصر
“في قلب كل انتظار، تتراكم الآلام والأحلام، وبين كل لحظة وأخرى، ينبض القلب بشوقٍ يتجاوز حدود الزمن. نحن لا ننتظر لقاءً عابرًا، بل لحظة يتوحد فيها ما تفرق، ويعود فيها كل شيء كما كان. لا تزال أرواحنا معلقة بالأمل، تتمنى أن يتحقق الوصال، ليعيد للروح دِفأها، وللقلب سكينته، ويغسل ما تركه البعد من جراح.”
اهداء الادمن القمر/ سنا الفردوس
❈-❈-❈
ما زالت أجواء الحفل الضخم مستمرة بفعاليات مبهرة تأخذ بعقول الحضور واندماجهم معها، بخلاف البعض ممن لم ينتبه لأي شيء منها، فهناك ما يشغله.
كفاية بص على صحبتك يا صفية، هي مش عيلة صغيرة على فكرة ولا هتوه في الشارع.
هتف الطبيب هشام بتلك الكلمات، بعد أن فاض به منها ومن تهربها الدائم، ليغمرها ارتباك جاهدت بالإنكار حتي تغطي عليه كعادتها معه:
وأنا كنت عملت إيه يعني؟ شوفتني سيبتك وقعدت معاها على الطرابيزة مثلا؟ ردد مستمرًا في مواجهتها:
ما هو ده اللي أنتي عايزاه فعلاً يا صفية، إنك تقومي وتروحيلها مع إنها أساسًا مش واخدة بالها منك، لأن فيه اللي شاغلها عنك، وده حقها طبعًا، زي ما أنا من حقي ألاقي من خطيبتي الاهتمام لما أقعد معاها. صفية إحنا كده مش هنتقدم ولا خطوة في خطوبتنا المؤقتة، ولو أنتي غايتك كده من الأول، أرجو إنك تبلغيني من البداية عشان ما يبقاش مجهود ورايح في الهوى.
هذه المرة لم تجد عذرًا في قاموسها فحاولت التلطيف:
غايتي إزاي يعني؟ ما هو لو كده، ما كنت رفضت من الأول وريحت مخي.
أمممم. زام بفمه ثم مال بجذعه نحوها على الطاولة، يزيدها إرتباكًا:
طيب ولما هو كده يا صفية مبتدينيش الفرصة ليه عشان أقرب وأكسر الحواجز اللي واقفة ما بينا؟ أنتي حتى رافضة نخرج مع بعض لوحدنا وعلى طاولة تجمعنا زي ما هو حاصل دلوقتي.
ما أنت قولت بنفسك، ادينا قاعدين لوحدنا أهو.
قاعدين في قاعة مليانة بالناس، ولولا صاحبتك هي اللي أصرت تسيب لنا المجال شوية، مكنتيش سمحتي إنه يحصل أبدًا، أنتي حتى رنة التليفون بتردي عليا بالعافية وبكلمات محدودة، بتخافي لا أتجاوز معاكِ في الكلام للخط اللي أنتي رسماه لعلاقتنا يا أستاذة يا آنسة صفية.
بصعوبة شديدة وجدت صوتها لتجادل رغم علمها بصدق حديثه:
للمرة الألف بقولهالك، أنا لو رافضة المبدأ من البداية مكنتش من الأساس وافقت، يمكن بخجل في بعض الأحيان.
بعض الأحيان!
شدد على الكلمة بتهكم ليضيف بمشاكسته:
طب قولي معظم الأحيان يا صفية عشان تبقى واقعية أكتر، وأنا صابر عليكي عشان متأكد إنك عايزاني، لكنك قافلة على نفسك وعلى قلبك يا صفية، رغم إن اللي زيك اتخلقت للحب، لأن فيكِ كل الصفات اللي يتمناها أي راجل… إلا عقلك طبعًا.
مالو عقلي إن شاء الله؟ مجنونة مثلاً ولا مجنونة؟ صدرت منها بعفوية واستفاقة سريعة، بعد أن غيبتها قليلًا كلمات الغزل، ليسارع هو بتوضيحه:
لا، عاقلة يا صفية وست العاقلين بس دماغك متبتة على ثوابت حطيتيها في دماغك ومش قابلة تغيريها، يعني أقرب مثال دلوقتي أهو، سبتي كل الكلام الحلو ومسكتي في الجملة الأخيرة على أساس إنها شتيمة، عارفة يا صفية لو تبصي كويس لنفسك في المراية هتكتشفي حاجات حلوة كتير فيكي، وأولها جمالك طبعًا.
حركت رأسها بتعبير يدل على سأمها، ترفض تصديق كلماته من داخلها:
يا عم بقى، رايح جاي تقولي جمالك، أنا شايفة نفسي عادية على فكرة وراضية وحامدة بنعم ربنا عليا.
وإيه جاب سيرة الرضا في كده؟ أنا بقولك اكتشفي نفسك وجمالك، مش بطالب إنك ترضي باللي قاسمهولك ربنا، ده شيء عادي أصلاً ومفروغ منه. تفوه بها بتعجب من منطقها، ليقترب برأسه أكثر، يركز بالنظر داخل خاصتيها مردفًا:
طب حاجة بسيطة كده، محدش قالك قبل كده إن عيونك الواسعة دي عاملة فرق جامد في وشك؟
اتقالت لي كتير طبعًا.
بجد يا صفية.
أيوة والله بجد، ستي رقية ربنا يخليها، عشان ما أنا يعني أشبه زهرة اختي رغم إننا مش من نفس الأم، وأمي لما تبقى راضية عني في ساعة رواق، وأبويا بقى لما يطلب مني أقرا المكتوب على علب البرشام اللي بيجيبه على الفاضي وعلى المليان، مجرد بس ما أقوله إن التعليمات اللي عليها بتحذر الاقتراب منها للي زيه، على طول ألاقى الجملة اللي ماسكها عليا من وأنا عيلة صغيرة، عينين بقر من غير نظر.
يخرب بيته.
متقولش كده يا هشام ده أبويا.
أبوكِ مين يا صفية؟ ده وباء مش أب.
صدرت منه بانفعال زاد من حزنها، ليزفر بضيق متعاظم يكتمه داخله، ثم غير دفة الحديث:
خلاص سيبك وكبري، المهم خلينا في أختك زهرة، زي ما ذكرتِ قبل كده إنها اتجوزت راجل أعمال، ده ميخليكيش تاخدي ثقة في نفسك، بما إنك تشبهيها؟
دب الحماس بها لتجيبه بحب وعفوية:
عمو جاسر اتجوزها عشان حبها بجد ومبصش لأي فرق ما بينهم، غير كده برغم إني شبهها، لكنها برضو أجمل مني، ده كفاية شعرها الطويل ولونه سواد الكحل.
ما أنتي كمان شعرك حلو.
أيوة بس ميجيش نص شعرها…
قطعت فجأة، تستدرك حماقتها، فتخضب وجهها بالحمرة الشديدة من الخجل، لتصمت مسبلة عينيها غير قادرة على مواجهته، فتبسم يشاكسها:
مكدبش عليكي يا صفية، أنا من يوم ما شوفتك بشعرك ده اللي أنتي مستهونة بيه، وصورتك دي مش بتفارق خيالي أبدًا.
بطل كلامك المستفز ده يا هشام؟
مستفز ليه طيب وأنتِ خطيبتي؟ ثم إن ده شيء غصب عني ومش قادر أتخطاه، إن الله جميل يحب الجمال.
ارتعشت شفتيها بعجز في البحث عن رد مناسب لتوقِفه عن إخجالها، أمام استمتاعه الظاهر بهيئتها تلك، لتتمتم بقلة حيلة في الأخير وهي تشيح بوجهها عنه.
يووووه بقى.
❈-❈-❈
أما عن تلك المحترقة بنيران العشق، فقد كان اهتمامها منصبًا فقط عليه، سارق قلبها وعقلها أيضًا، عيناها لا تفارقه ولا تفارق جلسته مع تلك المرأة الغريبة، ذات الجسد المغوي بمعالم وتضاريس هي المسكينة؛ لا تملك حتى نصفها، ولا تستطيع إزاحة بصرها عنه، فكيف بحاله هو الرجل، تبًا للكبرياء الذي يمنعها من أن تذهب إليها الآن وتجرها من شعرها حتى تبعدها عنه، ليتها ما تحدته منذ قليل، ليتها تهاونت معه ولو قليلًا حتى تجد مساحة من التفاهم، حتى تذهب إليهما وتنفذ ما برأسها.
خليكي كده زي العبيطة قاعدة غير تاكلي في نفسك، ولا أقولك روحي جيبيلهم لمون أحسن، يروق عليهم ويرطب الجو. كانت تلك كلمات نجوان والتي عادت إليها بعدما تركتها منذ دقائق للترحيب بمجموعة أخرى من الأشخاص برفقة نور التي لم تتركها هي ولا زوجها، والتي علقت تتدخل بينهما بفضول:
هما مين اللي تجيبلهم لمون؟ إيه الحكاية بالضبط؟ أشارت لها بذقنها للأمام حتى تريها المقصود من الحديث، قائلة بانفعال:
اتفضلي شوفي بنفسك، مين الست دي يا نور؟ ومين اللي عازمها؟ هي اللي زي دي أساسًا ليها في الخير؟ استغفر الله العظيم يارب.
ضحكة مكتومة اعتلت ملامح الأخيرة في البداية، وعيناها تذهب نحو المذكورة وجلستها على طاولة واحدة مع رياض، لتعقب بتفهم لحالتها:
آه، أنتي قصدك على نادين، وهي إيه اللي عرفها برياض صحيح؟
أنتي بتسأليني أنا؟! ده أنا عرفت اسمها بس منك دلوقتي. صدرت منها بانفعال وبحة صوت علت نسبيًا حتى لفتت أبصار الطاولة المجاورة لهم، لتجبر نجوان على تنبيهها:
خلي بالك يا بنت، أنتي كده هتفضحينا. ضغطت على شفتها السفلى بغيظ لتتوجه بأبصارها نحو الأخرى والتي اشفقت تراضيها:
أنا آسفة يا بهجة لاني مش مركزة، بس أكيد يعني، هتكون اتعزمت من طرف مدام إيفون، وده لأن جوزها المرحوم كان بيساهم في أعمال خير كتير من اللي بتقوم بيها الجمعية، أصله كان راجل غني جدًا، بس بصراحة كان عجوز أوي….
طبعًا وأكيد بعد ما ورثت فلوس العجوز، دلوقتي بتدور على صحة الشباب، باينة مش محتاجة ذكاء، والله باينة….
تمتمت بالكلمات وهي تحدث نفسها معهما، لتوجه الحديث إلى نجوان بنبرة لائمة:
لكن أنتي هتسكتي ع المسخرة دي؟ يعجبك يعني كده؟ دي واحدة شكلها جاية تلوف على ابنك، واخدة بالك من شكلها، عندها قاعدة صواريخ تدمر أجيال.
قالتها بمغزى واضح كاد أن يضحك الاثنتان، ولكن هيئتها المزرية ألجمتهما عن ذلك، وانتفضت نجوان ناهضة من جوارهن قائلة:
قاعدة صواريخ ولا دمار شامل حتى، أنا البنت دي مش مريحاني من الأول، وعندي إحساس قوي إني أعرفها مش فاهمة ليه، هروح أشوفها وأنتِ يا بهجة حصليني مدام كرامتك واجعاك أوي.
قالت الأخيرة بغيظ لم تعطي بهجة له بالًا ، وقد نبت الحماس داخلها لترجوها:
يا ريت الله يخليكي، أجي وراكي ولا أروح معاكي، المهم أطب فوق روسهم. وما أن أنهت كلماتها وهمت نجوان بالتحرك، حتى فاجأها حضور مصطفى:
إيه يا ست أنتي وهي قاعدين هنا ليه والناس كلها بتسأل عنكم؟ قالها ليمسك بأيدي الاثنتين زوجته وخالته الحبيبة، يبتغي سحبهما كما يفعل منذ بداية الحفل، فحاولت نجوان الاعتراض متحججة ببهجة:
استني يا مصطفى، البنت سايباها طول الوقت لوحدها.
وتقعد لوحدها ليه؟ تعالي يا بهجة اتعرفي ع الناس معانا، هو أنتي لزقتي ليه في الكرسي يا بنتي؟ تلقت دعوته الكريمة لترفضها ببعض الذوق، وقد تسلل الإحباط داخلها:
لا روحوا أنتم، أنا أساسًا جاية مع صاحبتي وخطيبها الدكتور هشام. وأشارت نحو الطاولة التي تجمع الإثنان بالقرب منها، حتى إذا تحركوا في الأخير لتركها، ألقت إليها نجوان بوعدها:
خمس دقايق إن شاء الله ورجعالك، إنتظريني.
منتظراكي. تمتمت بها على مضض، وداخلها فوران وغليان، تعد نفسها إنها إذا تأخرت عن خمس دقائق، سوف تذهب إليها ولو تسببت حتى بفضيحة لهذه الأفعى المتلونة وله أيضًا، فهو يستحقها.
❈-❈-❈
بجمودٍ يحسد عليه، كان جالسًا أمامها غير مكترثٍ بأفعالها المقصودة في إظهار فتنتها الطاغية، تغمرها الثقة وهي تمثل كتلة أنوثة متفجرة أمامه، ولا يكلف نفسه بإرضائها ولو بنظرة إعجاب.
تتخذ أدم حجتها في حديثٍ عنه غير مفهوم، بمماطلة حتى لا ينتهي الحديث سريعًا، والحق يقال، هو في الأصل لا يحتملها وكاد بالفعل أن ينهض من بداية جلستها ولكن يمنعه ذلك الشعور بالانتشاء الذي أصبح يتشعب داخله، منذ أن انتبه لنظرات بهجة من خلفه، تظهر احتراقًا يستمتع به، بعد تحديها له منذ دقائق وعدم إكتراثها، ينتظر رد فعل منها إذا زاد الوضع بينه وبين نادين عن ذلك، ولكنه أيضًا قد أصابه الملل.
مدام نادين، ممكن توضحي أكتر؟ ما كدبش عليكِ، أنا لحد دلوقتي ما فهمتش حاجة . ماله آدم بقى؟ هو اشتكالك من أكل جوليا؟
ضيقٌ واضح ارتسم على ملامحها، وهي تجده يغلق عليها بكلماته المحددة، إسهابها في الحديث عن أمر آدم الذي لم تشرح حالته حتى الآن كما يجب بقصد منها، لتواصل بطريقتها المائعة:
يا رياض باشا، هو ما اشتكاش من جوليا، بل بالعكس، الست قايمة بالواجب وزيادة معاه في كل الأكل اللي بيطلبه منها، بس الطفل زي ما انت عارف مش كل حاجة يحبها ننفذهاله، وأنا بعرض عليه يجي عندي ولا أجي أنا بنفسي أشرف على الأكل اللي بتعمله عشان الأكل يكون صحي.
قطب جبينه وتحركت رأسه باستفهام، قائلًا بحدة:
أنا ملاحظكِ كذا مرة تكرري في حكاية الأكل الصحي دي، آدم بياكل أكل بيتي ومصري مع اللي بتعمله جوليا من أكلات إيطالية، مفيش أكل من برا عشان تخافي عليه؟
متزعلش مني يا رياض باشا، بس أنا فعلاً لازم أخاف عليه، دا مريض مناعة يعني أقل حاجة تضيعه….
استني عندكِ وقفي… مين دا اللي مريض مناعة؟
قاطعها بغضب شديد يريد التأكد من المعلومة التي سقطت منها ببساطة وكأنها تتحدث عن الطقس، حتى جعلها ترتبك في الرد:
آآ، إيوه، مرض مناعي عنده، هو مش صعب يعني على فكرة، كل الحكاية إنه بيحتاج كشف دوري وتحاليل كل مدة يشوفها الدكتور المختص، واهتمام زيادة بالأكل الصحي وبعض التعليمات اللي يمشي عليها، هو آدم ما قالكش؟
هتف بها، وبأنفاس خشنة يحاول السيطرة بصعوبة على غضبه:
لأمتزفتش… مرض مناعي يا أستاذة وأنتِ جاية تكلميني عنه دلوقتي؟… ولا إيه لزومه الكلام معاكِ أصلاً؟
ثم نهض من أمامها فجأة، يهم بالمغادرة دون استئذان، فنهضت هي الأخرى تلحق به:
طب أنت ماشي دلوقتي ورايح فين؟
وصله صوتها المستفز بالتساؤل، وهو في قمة غضبه منها الآن حتى كاد أن يفحمها برد يخجلها لتساهلها في أمر هام كهذا ولكنه انتبه على قدوم بهجة بصحبة والدته فتراجع عما في رأسه ليلتف إليها يجيب بنبرة متوازنة بعض الشيء:
هاخده وأطمن عليه طبعًا، دي مش محتاجة إنتظار، إحنا عندنا المستشفى بتاعتنا يا نادين.
طب أنا رايحة معاك.
همّ أن يرفض ولكن منعه التساؤل الذي صدر خلفه من نجوان:
رياض…، ما جِتش ليه تسلم عليا؟
استدار إليها ينتقل بالنظر نحوها ونحو بهجة قلبه وسر عذابه:
معلش بقى، ما أنا شايفكِ من ساعة ما وصلتِ مشغولة مع مصطفى بيه في الترحيب بالضيوف، ومرة تانية مع بهجة هانم، على العموم أنا كمان ماشي دلوقتي.
ماشي رايح فين؟ ومين دي؟ عرفنا بيها الأول.
صدرت من بهجة بتسارع ودون إنتظار، حتى كاد أن يتهكم في حديثه لها، ولكنه التزم الجمود حتى ينتقم منها لإنتظاره لها كل هذا الوقت، مغلبة العناد عليه كالعادة:
دي خالة آدم وهي جاية معايا دلوقتي تطمئن عليه وتشوفه، عن إذنكم بقى معلش.
وتحرك دون أدنى تفسير آخر، يغادر أمام صدمة بهجة التي اتبعت بعينيها تلك المرأة التي ترمقها بانتصار وهي تلحق به، لتتمتم هي بانهيار:
شايفة عمايله، قاصد يشلني أنا فاهماه والله فاهماه.
وعلى عكس ما توقعت من تجاوب منها في هذا الأمر الحيوي والقاسي، تفاجأت بتغير نجوان، وقد اعتلى ملامحها شيء من الحزن تغمغم وكأنها تحدث نفسها:
خالة آدم، يعني دي أخت ناريمان؟ وأنا اللي كنت بكذب إحساسي من ساعة ما شوفتها، يعني هي فعلاً قاصدة ابني دلوقتي.
التقطت قولها لتضيف بعصبية وعدم توازن:
أهو بقى، أديكي فهمتيها لوحدك، هتسكتيلها ها؟ هتسكتيلها بقى هتسكتيلها؟
ردت نجوان بتعب وقد فاض بها:
اسكتي أنتِ الأول يا بهجة وخليني أفكر.
❈-❈-❈
داخل غرفة الطبيب المختص، وبعد أن أجبر شقيقه على الذهاب معه إلى المشفى وفحصه، كانت الساعة تتعدى الواحدة ليلاً في انتظار نتائج التحاليل والأشعة التي تم عملها، والصغير لا يكف عن التذمر بجوار خالته التي لم تتركه حتى الآن.
أووف بقى، عايز أرجع أنام على سريري في أوضتي، أنا هفضل سهران لحد إمتى؟
تطلع عليه رياض بحنق، يمنع نفسه بصعوبة علي ألا ينفجر به، ذلك الصغير الأحمق وخالته المستهترة، تبا لهذا الحظ الذي أوقعه مع هذه العائلة.
أووف تاني بقى، عايز أمشيييي.
إلى هنا وفقد السيطرة ليهدر به بغضب عاصف:
وبعدين بقى؟ يعني مش كفاية إنك خبيت عني موضوع مهم زي ده؟ مش قادر تصبر علي ما تطلع نتيجة التحاليل ويطمنا الدكتور عنك؟
عادي وافرض ما طلعتش كويسة ودا المتوقع، إيه اللي هيحصل؟
قالها ببساطة أثارت دهشة شقيقه وضاعف من غضبه، فتدخلت نادين تزيد الطين بلة:
متستغربش، أصله ياما تعب منه الموضوع ده مع مامته، وفي كل مرة كان بياخد كام يوم في المستشفى وتحت الرعاية وبعدها يخف عادي…
عادي!!
تمتم بها بذهول يكاد أن يطيح بعقله، لا يصدق هذا البرود الذي تتكلم به، وشقيقه متضامنًا معها وكأن الأمر يخص شخصًا آخر غيره:
كلامها حقيقي، أنا فعلاً مرات كتير بدخل المستشفى لما بتعب، كام يوم وبيعدوا، أنا أصلاً راجل وبتحمل.
صاح به رياض بنفاذ صبر:
راجل في المرض؟! إنك تستهتر بيه وتاخدها عافية إنك ما يهمكش… مين مفهمك الكلام ده أصلاً؟ الأحسن إنك تسكت يا آدم ومتعصبنيش، أنا فيا اللي مكفيني.
سمع آدم ليزعن لأمره ويكف عن الكلام، يشيح بوجهه للناحية الأخرى، ولا يعطي بالًا ولا أهمية لهذا الأمر الجلل، حتى دلف الطبيب كي يخبرهم بنتائج التحاليل، طارقًا على الباب بخفة قبل أن يتحدث:
رياض بيه، ممكن كلمتين على انفراد لو سمحت؟
سبقه آدم بهدوءه الغريب:
وتكلمه ليه على انفراد؟ أنا صاحب الحالة، يعني لو في حاجة تبلغهالي أنا مش هو.
سهم الطبيب بارتباك، ولم يعرف بما يجيب، فجاء الرد الحازم من رياض الذي يمسك نفسه بصعوبة على الانفجار:
اتكلم هنا قدامه يا دكتور، متخبيش عنه أي شيء الله يخليك.
سمع منه الطبيب ثم اقترب يتحمحم، مزعناً لامره، يقول:
طيب أنا هتكلم بشكل مبسط عشان توصل لدماغ طفل بعمرك، وبما إنك شجاع هقولك بكل صراحة إن التحاليل مش مبشرة، لابد من الرجوع لعلاجك ومراعاة الاهتمام بأكلك الصحي، وبالنصائح اللي هكتبهم دلوقتي، ماشي يا بطل.
تمام عادي.
قالها ببساطة كادت أن تجلط شقيقه، ولكنه لا ينكر إعجابه بالبأس الذي يتميز به ذلك الصغير رغم عدد سنواته القليلة، والأجمل من كل ذلك أنه أيضًا لا يملك فقط الصفات الشكلية لوالده الراحل، بل والشخصية كذلك، بالمميزات والعيوب، وما أصعب الأخيرة حينما يتعلق الأمر بالصحة، وقد علم بعد ذلك من الطبيب حينما انفرد به بالفعل بعد ذلك بعيدًا عنهم، بحقيقة المرض، الذي يستوجب اهتمامًا مضاعفًا وإلا تطور الأمر إلى أشياء غير محمودة على الإطلاق.
❈-❈-❈
وصلنا يا بهجة، ناوية تنزلي ولا تكملي معانا؟
قالها الطبيب هشام بعد أن توقف بسيارته أمام البناية التي تسكن بها، يقصد بمزاحه أن يفك جمودها، وذلك الشرود الذي يتلبسها منذ البداية، لتضيف صديقتها أيضًا:
أنا بقول تكمل معانا أحسن، بس نروح على بيتنا بقى نرغي براحتنا للصبح، إيه رأيك يا بيبو؟
تبسمت بهجة، تترك الهاتف الذي انشغلت به منذ استقلت السيارة معهما، وتضعه في حقيبة يدها:
والله إنتِ رايقة يا صفية، هو أنا فيا دماغ أصلاً يا بنتي للرغي، إلا إذا كنتِ عايزة نكد؟
قالتها وهمت أن تغادر، تمسك بيدها على مقبض الباب، فجاءها التعقيب من الطبيب هشام:
طب ما تنكدي علينا قبل ما تنزلي وتمشي، إحنا ناس بنحب النكد أصلاً، خصوصًا لما يخص ابن حكيم، ولا إيه يا سيادة المحامية، مش برضو نفسك بتتفتح على شغل المحاكم، أول ما تسمعي عن أي مشكلة ما بينهم؟
لم تتقبل صفية هذه المرة مزاحه، ليأتي ردها بضيق:
لا طبعًا مش لدرجة دي يعني، أنا إينعم متغاظة منه، لكني مقبلش الخراب ما بينهم، ده جواز بشرع ربنا مش أي ارتباط وخلاص.
يكملك بعقلك يا غالية. قالها هشام بتسلية، قابلتها بعبوس وعتاب، ليأتي رد بهجة في الأخير:
طب وإذا كانت نيته كده فعلاً، هتعملي إيه؟ رياض باين عليه زهق واللعبة خلاص خلصت، ده حتى اتصالي بيه مش معبره.
سألتها صفية:
ليه بتقولي كده؟ أجابتها بنبرة يغلفها الحزن:
عشان ده اللي حاصل فعلاً، شكله لقى البديل، واحدة متاحة وفاتحة دراعتها ليه بحجة ابن اختها، وهو أكيد مصدق، ست بحق وحقيقي تملى العين.
قصدك على الست اللي روحت معاه؟ سألها هشام، فجاءت إجابتها بحسرة:
أيوة هي يا دكتور، شوفي هيئتها إزاي؟ لأ ولقت حجتها عشان تتلزق فيه، ابن اختها اللي طلع في البخت فجأة….
توقفت برهة، لتردف بيأس وبيدها تدفع باب السيارة للخروج:
يلا بقى، كل واحد بياخد نصيبه، سلام ولا تصبحوا على خير أحسن. وما همت بأن تنزل بقدميها كي تترجل من السيارة، حتى فاجأها قول الطبيب.
بس اللي أعرفه إن ابن حكيم مش من الرجالة التي تجري ورا النوع ده من الستات، لأنه ياما قابل في حياته أجمل وأحلى منها كمان، لكنه في الآخر مخترش غيرك يا بهجة، ولا دي كمان عايزة إثبات؟
❈-❈-❈
في صباح اليوم التالي،
استفاق يفتح عينيه داخل الغرفة التي يغفى بها ولأول مرة، على تخت واحد جمعه مع شقيقه الصغير، بعد أن غلبه النوم بالأمس ليبيت جواره. لم يكن أبدًا ذا قلب ضعيف، ولا تخيل في مرة أن يجمعه شيء معه سوى إرسال النقود كي يتربى وينشأ في كنف والدته، حتى وهو يعلم بطبعها غير السوي. ولم يكن يعطي بالًا لهذا.
لكن شعور الأمس، بتلك القبضة التي تعصر فؤاده، منذ علم بالمرض الذي أصابه منذ نعومة أظافره، بل ويكيف نفسه على العيش به دون شكوى أو تذمر. طفل صغير يتحمل ما لا يطيقه الكبار، وهو الذي ظل لعدد من السنوات ناقمًا على والديه، بل والعالم أجمع، بسبب تلك الأحداث المؤسفة التي تركت أثرها عليهم، ولكن لم تمس صحته، وحتى المال الذي ضاع، عوضه هو في مدة قليلة. الآن فقط يشعر بالامتنان نحو والده، بعد أن ترك له تلك القطعة النادرة، ولم يعرف بقيمتها سوى اليوم.
تنفس بخشونة ينزع الغطاء عنه، من أجل أن ينهض ويرى ما ينتظره. تناول الهاتف من فوق الكمود المجاور للتخت، يلقي نظرة عليه، ليتفاجأ بعدد المكالمات الهائلة عليه، من قبل العملاء وشريكه كارم، ووالدته وزوجته الحبيبة التي تذكرت أخيرًا أن تعطي له أهمية، ولكن للأسف لم يكن متاحًا للرد على أحد، بعد أن انصب اهتمامه بذلك الصغير، فنسي الهاتف وما عليه.
خطر بباله أن يتصل ببهجة ويجيب عليها بنبرة عاتبة، ربما رق قلبها وتنازلت عن ذلك العناد حتى تسمع منه وتتفهم عليه، ولكنه يحتاج أن يطمئن علي والدته ويطمئنها.
ماذا عنها هي أيضًا؟
وما هم بأن يضغط بإصبعه على زر الاتصال حتى تفاجأ بإضاءة الشاشة برقم آخر مختلف، رقم خادمته. ضغط يجيبها على الفور:
الوو يا جوليا… صباحك فل يا ستي، في حاجة؟ مين؟ وجاية كدة ع الصبح تعمل إيه؟ طالعة هنا كمان؟!
هي مين دي اللي طالعة على هنا؟ كان هذا صوت آدم، بعد أن أيقظه صوت شقيقه، ليضطر أن يجيبه:
خالتك يا حبيبي، جاية عشان تشوفك على الساعة تمانية الصبح، لا وكمان عارفة طريق أوضتك.
وما كاد أن ينهيها، حتى فاجأتهما المذكورة بظهورها على مدخل الغرفة:
صباح الخير، إيه ده؟ رياض باشا؟
صباح الخير يا خالتو
جاء رد آدم بوجه مشرق وفرح، الجم شقيقه، ومنعه عن الرد بحدة على جرأتها في أن تأتي في وقت مبكر مثل هذا دون استئذان، أن تخترق خصوصية المنزل، وكأنها من أصحابه.
يبدو أنها هي أيضًا انتبهت لذلك، وقد تضمن حديثها الاعتذار:
صباح الخير يا قلب خالتو، أنا آسفة يا رياض باشا، مكنتش أعرف أنك نايم هنا في أوضة آدم، وأنا كنت جاية أصحيه عشان يفطر من الأكل اللي جايباه وعملاهوله بنفسي.
تلقف آدم دعوتها صارخًا:
عملتيلي الأكل اللي كانت بتعملهولي ماما؟
بنفس الطريقة اللي أنت بتحبها، وبرضه ما يضرش صحتك.
Was yes هتف مهللًا بها بلكنته الإنجليزية، يغلق على رياض أي فرصة في الجدال أو الاعتراض، ليستسلم في الأخير منسحبًا:
تمام أوي، أنا رايح أخد شاور عشان أروح شغلي.
قالها وتحرك لمغادرة الغرفة، نادته بلهفة:
خلص الشاور وإحنا هنستناك تفطر معانا.
آسف، مبفطرش، عن إذنكم. تمتم بها رافضًا عرضها بنبرة جافة، دون حتى أن يلتف برأسه نحوها، لتطالع أثره هي بغيظ وتوعد، ثم تتوجه نحو آدم بعد ذلك:
خلاص بقى، يبقى مفاضلش غيرنا أنا وأنت، بسرعة يا بطل اغسل وشك وسنانك عشان نلحق الأكل السخن.
Yes هلل بها مرة أخرى لينهض سريعًا نحو حمام غرفته، وشرعت هي في المغادرة كي تعد الطعام للإفطار، لكنها انتبهت على دوي الهاتف المكتوم، لتفاجأ بهاتف مختلف عن الخاص بابن شقيقتها. علمت بذكاءها أنه الخاص برياض، مضاءة شاشته باسم امرأة:
بهجة. تمتمت بالاسم، تتذكر تلك الفتاة التي لاحت عليها الغيرة الواضحة نحوها بالأمس حينما قابلتها مع رياض أثناء خروجهما من قاعة القصر الذي أقيم فيه الاحتفال.
فالتمعت عيناها بخبث لتضغط على زر فتح المكالمة وتجيبها:
الووو…
…….
الووووو
مين اللي بيتكلم؟ مش دا تليفون رياض؟
أيوة يا أستاذة بهجة باين ولا مدام، هو فعلا بتاع رياض، وأنا نادين اللي بترد عليكي. بس، هو مش فاضي دلوقتي، بياخد شاور.
ننننعم؟
هو بياخد شاور، وإنتِ إيه اللي وصلك لتليفونه أصلا؟
الله، فيه إيه يا آنسة؟ دا جزائي أني برد عليكي وأطمّنك، رياض باشا بياخد شاور وبس على كده. حضرتك لو عايزة تكلميه يبقى انتظري بقى شوية على ما يخرج، عن إذنك بقى.
ختمت تنهي سريعًا، ثم تبسمت بملء فمها، غير عابئة بوضع المسكينة في الجهة الأخرى، ولا بوقع الكلمات الموحية وأثرها عليها من نتائج كارثية.
❈-❈-❈
لم يمضِ الكثير من الوقت، تقريبًا مسافة الطريق التي قطعته بهجة بعد إنهاء المكالمة مع تلك الأفعى، فلم تشعر بنفسها إلا وهي ترتدي ملابسها، وتنزل سريعًا، كي تستقل أقرب سيارة أجرة أتت بها إلى هنا، في هذا المنزل، الذي قد وعدت نفسها قبل ذلك بعدم دخوله سوى بعد أن تكون امرأته في الإشهار والعلن. أتى عليها الوقت الآن كي تأتي وترى امرأة أخرى به، بل وهي التي فتحت لها، لتظهر الدهشة في مقابلتها على مدخل المنزل:
آاا آنسة باين ولا مدام بهجة، إنتي اللي كلمتيني من شوية صح؟
ردت بهجة بحدة تدفعها من أمامها وتزيحها:
آه يا حبيبتي بهجة، وإنتي بقى تبقي صاحبة البيت صح؟
قالتها بتهكم، والأخرى تدعي التوجع من خلفها:
إيه ده يا آنسة، براحة مش كده؟ هو إنتِ داخلة زريبة حضرتك؟
دلفت بهجة بخطواتها الغاضبة، تنقل عينيها داخل المنزل الذي أصبح فجأة غريبًا عنها، فوقعت أبصارها على جوليا التي رحبت بها:
بهجة حبيبتي، إنتِ رجعتي من تاني، نورتي بيتك يا قلبي.
حبيبتي يا جوليا، ربنا يخليكِ، هو فين رياض؟
قالتها بهجة لتتفاجأ بتعليق الأخرى من خلفها:
بيت مين بالظبط يا جوليا؟ صفتها إيه الأستاذة؟ ومالها برياض بقى عشان تسأل عليه؟
وإنتِ مالك؟ صدرت من بهجة نحوها بحدة، تواصل اختراق المنزل، لتتفاجأ بذلك الفتى الصغير، بصورته المألوفة لها وكأنها ليست المقابلة الأولي لها معه، يتناول طعامه بهدوء، فيوجه السؤال نحوها:
إنتِ مين؟
أجابته بلطف يناقض تمامًا غضبها منذ قليل:
أنا بهجة يا حبيبي، إنت بقى آدم صح؟ ما شاء الله عليك، بدر منور، تشبه شكل والدك اللي شوفته في الصورة، حقيقي اللي خلف مامتش.
يا ست بهجة بقى؟ ما تنورينا وتقولي إنتِ مين؟ وصفتك إيه بالظبط عشان نبقى إحنا على نور، إيه علاقتك برياض الحكيم عشان تدخلي هجم كده؟
همّت أن تجيبها، فجاء الرد من آدم بعفوية:
أنا عارف صفتها إيه؟ عشان شوفت لها كذا صورة في أوضة رياض، أكيد إنتِ…
Girl friend
إيه؟ هتفت بهجة مستهجنة تفسير الصغير، لتسارع بالتوضيح له:
لا يا حبيبي مش كده طبعًا، أنا أبقى مراته مش صاحبته، هو فين رياض؟
جاءت نادين لتقف مقابِلًا لها قائلة بتشكك:
بس أنا أعرف إن رياض الحكيم مش متجوز، ولا…
توقفت تشملها بنظرة دونية متابعة:
ولا إنتِ تبقى مراته في السر.
الفصل الرابع والاربعون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الرابع والاربعون 44 بقلم امل نصر
“اتركني أرحل بلا ندم، دعني أتحرر من قيودك حتى أحيا من جديد. اتركني أسقط حتى أنجو من شرنقتك. لو كان بعدي عنك عذابًا، دعني أتذوقه.”
بهجة
إهداء القارئة الجميلة أم نور أسما
❈-❈-❈
ماذا حدث؟ وما سر هذا الاختفاء المفاجئ؟ لماذا تصر على تجاهله وعدم طمأنته عليها؟ وقبل كل ذلك، ما الذي دعاها لتصل إلى المنزل في غيابه بعد انقطاعها عنه منذ شهور؟
يجزم في داخله أن هناك أمرًا جلل، لكنه لم يعلم كامل الحقيقة حتى يتأكد.
لقد أخبرته تلك الملعونة “نادين” بقصة لم تدخل عقله الواعي، رغم سعادته الوقتية بشكواها من معذبة قلبه وغيرتها المجنونة نحوها، سبابها وشتمها دون أسباب! هل هذا معقول؟ كيف لها أن تشك وقد علمت بهويتها وصفة قربها من شقيقه؟ ذلك المراوغ الذي تفنن في تضليله حتى لا يدحض قصة خالته ولا يؤكدها في الوقت ذاته.
حتى “جوليا” لم يجد منها إجابة وافية نظرًا لعدم حضورها كامل اللقاء كما قالت. طال الوقت وطال البحث، ولم يعثر عليها حتى الآن.
توقف بسيارته أمام المنزل الذي وصله منذ ساعات بعد علمه بما حدث، لكنه لم يجدها أو يجد من يدله عليها.
دلف داخل الممر الصغير المؤدي إلى درج المنزل، ليصعد إليه، ثم يطرق الباب بأدب دون استخدام المفتاح كما حدث في المرة السابقة.
فتحت الباب تستقبله “عائشة”:
عمو رياض، أنت جيت تاني؟
قبل رأسها وولج معها داخل المنزل ليسألها:
جيت عشان أشوفها رجعت ولا لسه كمان؟
لا للأسف يا باشا، لسه كمان.
قالها “إيهاب” من الداخل يستقبله بوجه متجهم ويستطرد:
والله كان قلبي حاسس إنك السبب في اختفائها المفاجئ، اللي عايز أفهمه بس، إيه فايدة إنك تسيبها معلقة في حبالك تتعذب؟ ما تسيبها في حالها بقى وخليها تعيش! ده حتى حرام عليك يا أخي.
أنا برضو اللي حرام عليا وأنا كمان اللي معلقها؟!
قالها رياض مشيرًا بسبابته نحو صدره، ثم سحب نفسًا طويلًا وطرده، يستجدي من الله الصبر داخله، قائلًا بعد ذلك:
ممكن تندهلها لو جوا عشان أسوي أموري معاها لو سمحت؟
صاح “إيهاب” يجيبه بانفعال:
ما هي مش موجودة! زهقت من الكل، حتى إحنا
حتى البيت اللي قاعدين فيه مش طيقاه.
تجاوز عن كل ما تفوه به، وقد وقع قلبه خوفًا عليها:
أمال راحت فين؟ أنا بقالي ساعات بدور عليها، من ساعة ما رجعت من شغلي! بهجة راحت فين يا بني آدم؟ أنت! ولا هي عملت في نفسها حاجة؟
نبرته الجزعة في السؤال عنها جعلت “جنات” تسارع للتدخل وطمأنته:
ما عملتش حاجة في نفسها والله، هي بس مخنوقة، وحبت تغيّر جو في مكان ترتاح فيه.
تغيّر جو تروح فين بالضبط؟
بتقولك عايزة ترتاح، يعني كفاية عليك إنك اطمّنت عليها ومتشكرين أوي.
وأنا مش هسكت غير لما أشوفها حالًا دلوقتي.
قالها بحزم وحسم ليجبر “إيهاب” على الانصياع والذهاب معه إلى مكان تواجدها.
❈-❈-❈
تشاجرت، أخذت حقها من تلك الأفعى وشتمتها، ولكن هل هي استراحت الآن؟ لا، للأسف لم يحدث، فالكلمات السامة من تلك المرأة ونظرتها الدونية نحوها بقصد تذكيرها بقيمتها كامرأة في الظل، رضيت بالبيع والشراء ثم غلبها العشق وجعلها معلقة في الوسط؛ لا هي بالزوجة التي يفتخر بها زوجها أمام البشر، ولا حتى بالحبيبة السرية بعد أن تمرر حلقها ولم تعد لديها القدرة على المواصلة ك… كعشيقة قبلت بالدور منذ البداية. هذا هو التفسير لحالتها الآن، ولكن إلى هنا انتهى كل شيء. لقد جاءت إلى من تُنصِبه لمساعدتها كي يحسم قرار الفراق الذي للأسف في كل مرة تضعف وتتراجع عن تنفيذه.
دوى صوت جرس المنزل الذي تتواجد به، لتنتبه بعدها بقليل إلى صوته يدوي في قلب المنزل ويصل إليها داخل الغرفة التي انزوت فيها. مسحت بيدها دموعها الغزيرة لتنتصت وتستمع إلى الحديث الحاد بين معذب قلبها وابن عمتها الذي أتت تستنجد به من نفسها الضعيفة.
جِبته ليه معاك يا إيهاب؟ أختك تعبانة ومش حمل مقابلة أي حد النهاردة.
قالها شادي بتهكم فور دخولهما إليه، ليقابل قول الآخر بحدة:
والله أنا جاي لمراتي، ومحدش يقدر يمنعني عنها.
عقب إيهاب على قوله:
أديك شايف بنفسك يا شادي، الباشا مستميت فيها، وأنا بصراحة زهقت منه، اتصرف انت معاه بقى، يا تنده لها هي وتخلص الموضوع اللي طول ده.
صاح شادي بحدة:
هي خلاص وكلتني عنها عشان أخلصها ونخلص، لا هي هتشوفك ولا هتستمر في لعب العيال ده تاني.
هدر رياض بغضب عاصف:
لعب عيال مين؟ هو الجواز فيه لعب عيال؟ ابعد من قدامي يا بني آدم انت، وما تدخلش نفسك في اللي مالكش فيه، سيبني أشوف مراتي.
جاءه رد الآخر بعدم اكتراث:
وأنا بقولك مالكش ستات عندنا، روح يا سعادة الباشا بهيلمانك ده، دور عليها في وسطكم وطبقتكم العالية، إنما اللي هنا دي…
توقف لتعلو نبرته مشددًا:
اللي هنا دي تنساها من تاريخك أصلًا، لأن قريب أوي هنخلصها منك، يعني لمّ نفسك وعلى بيتك كده من غير تعب ولا رغي كتير، إحنا ناس بنام من العشا.
وكأنه ضغط على زر اشتعاله بذكر الفراق وإبعادها عنه، ليصيح به:
انت بتقول لمين الكلام ده؟ اصحى وفوق لنفسك واعرف انت بتكلم مين؟ مش أنا اللي يجي واحد زيك ويحكم عليا، روح شوف حالك يا بابا بدل ما أذيك.
رد شادي مستفزًا وهو يميل برأسه متحديًا:
ده على أساس إني في الروضة ولا شاب صغير وعودي طري؟ اعمل ما بدالك يا حبيبي، وبرضو مش هخليك تطول ضفرها تاني.
إلى هنا انفلت زمامه حتى كاد يهجم عليه ويحقق ما يتمناه في هذه اللحظة بتهشيم رأسه ليصمته إلى الأبد، إلا أنه تراجع فجأة برؤيتها، حينما أطلت أمامه خارجة من إحدى الغرف، بوجهها البهي وقد اكتسى بحزن قبض على قلبه، ليهتف معاتبًا لها:
أنتِ قاعدة جوا وسامعة كل الخناقة؟! بقى يرضيكي اللي بيعمله الزفت ده؟
أومأت بثبات تُحسد عليه:
آه يرضيني، وكل كلمة ولا حكم يحكم به، أنا موافقة عليه.
خرج صوته بصراخ وقد فاض به من عنادها:
وبتقوليها في وشي إنه يفرقنا عن بعض كمان؟! ده مهما كانت معزته، صفته إيه ده عشان يمشي حكمه علينا؟ ما تفوقي نفسك وبطلي جنان بقى… طب جنان بجنان بقى، هتطولي نجوم السما ولا هتطوليها، أنتِ مراتي، وهتفضلي مراتي، سواء كان برضاكي أو من غيره، وأما أشوف الحلو ده هيفرقك إزاي عني؟
توقف يرمقها بنظرة مناقضة تمامًا لكل ما تفوّه به وما أظهره من عجرفة؛ نظرة يفيض منها الألم وكأنه مذبوح والسكين بيدها هي، يستجديها أن تتوقف عن عنادها، أن تسمعه ويسمعها، لكن يمنعه التعالي والاعتزاز بنفسه أن يعبر عن ذلك بفمه.
ثم، وبدون أي كلمة أخرى، تحرك مغادرًا دون استئذان.
سقطت هي بجسدها على الأريكة التي كانت خلفها، وأكملت وصلة البكاء التي لم تنقطع عنها منذ ساعات. اقتربت إليها “صبا” لتشاركها الجلوس على الأريكة وتهون عليها بالكلمات:
حبيبتي، براحة شوية على نفسك مش كده، مدام شادي اتصدرلك يبقى أكيد هيلاقي طريقة ويخلصك.
أخلصها من إيه بالظبط؟ مش لما أنا نفسي ما عدتش عارفة إيه اللي يريحها.
تمتم بها المذكور ليجلس مقابلًا لهما مع إيهاب الذي أطرق بصمت وحزن، وكأنه هو الآخر يشاركه الحيرة. لفتت كلماته انتباه بهجة التي رفعت رأسها نحوه بتساؤل تكفلت به زوجته:
جصدك إيه يا شادي؟
أجاب وعيناه على بهجة:
قصدي إني محتار، خايف أقف جنبك وأخلصك منه فعلًا، وبعدها أندم إني طاوعتك. تمسكه الكبير بيك يدل على حاجة واحدة…
قاطعته بهجة مرددة بانهيار:
وأنا مش عايزة الحاجة دي، لأني وبكل بساطة عارفاها كويس وهي سبب تعبي. ملعون أبو الحب اللي يذل صاحبه، قلبي بقى زي الخرقة المقطعة على مية حتة. أنا هلكت، هلكت من التعب، يا ريتني ما قبلته ده اتفاق، يا ريتني قعدت على حالي ولا كنت قربت منه عشان أفرح لي يومين وبعدها أفضل أتعذب بناره، يا ريتني ما قربت منه، يا ريتني ما عرفته أصلًا.
وختمت بنوبة أصعب من البكاء تخبئ بكفيها وجهها، ضاعفت من حزن الثلاثة وإحساس العجز نحوها، رغم وقوفهم معها ضده، ومع ذلك لا يتمنون لها الفراق.
❈-❈-❈
في لحظة ضعف، وجد نفسه حائرًا بين الماضي وآلامه، ينظر إلى الفراغ الذي تركته، كما لو أن قلبه سقط في بئر عميق لا نهاية له. تخلّت عنه حبيبته كما يتخلّى الربيع عن زهوره بعد أن جفّت، وتركته في العتمة يواجه نفسه. لكنه كان يعلم، رغم كل شيء، أن الهزيمة في الحب ليست النهاية، بل بداية لعهد جديد.
أما عنه، وبعد أن خرج من عندها، شاعرًا بهموم العالم فوق رأسه، مهلهلًا من الداخل، فاقد الشغف، فاقد الحياة، فاقد الطاقة حتى في المواصلة والتعايش مع ما يحدث معه من مصائب.
لم يكن لديه أدنى قدرة على الذهاب إلى المنزل الذي أصبح يتشاركه مع شقيقه، لا يريد أي شيء يذكره الآن بمسؤوليته، فهو في حاجة للتعبير عن احتياجه الآن فقط.
بعث برسالة نصية عبر الهاتف إلى آدم يسمح له بالذهاب اليوم مع خالته بناءً على طلبها، كي يبيت الليلة عندها ويقضي معها الوقت، تلك الأفعى التي لم يعلم حتى الآن ما فعلته مع بهجة لتجعلها بهذا الانكسار وتغلق كل الأبواب أمامها. لكن لا بأس، سوف يكشفها مهما فعلت.
قاد سيارته واتجه إلى منزله مع والدته، ليذهب إلى غرفتها على الفور، حتى إذا طرق باب الغرفة وجدها أمامه جالسة على كرسيها تراجع بعض أوراق الجمعية. دلف إليها وبدون أن يتفوه ببنت شفة، جثا جالسًا بركبتيه على الأرض، يبعد الأوراق عن حجرها، ثم يلقي برأسه محلها أمام دهشتها، يحتضنها كطفل صغير يستجدي الحنان.
انخلع قلبها من صدرها لفعلته، لتخلع العوينات الطبية عن عينيها وتسأله بهلع وكفها حط على شعر رأسه:
إيه اللي تاعبك يا حبيبي؟ مالك يا رياض؟
تأوه بضعف شديد قائلًا:
تعبان أوي يا ماما ونفسي أرتاح، معدتش قادر ولا متحمل، الدنيا جاية عليا أوي ومش مدياني الفرصة أعيش زي باقي البشر. حتى الست الوحيدة اللي قلبي انفتح لها، هي كمان كرهتني زيها. أنا عايش ليه أساسًا؟ ياريتني روحت مع اللي راح كان أريح.
انتفضت برفض تام لكلماته، لتضم رأسه إليها وتقبله مرددة برجاء:
ماتقولش الكلام ده، ماتقولش الكلام ده يا رياض، بعد الشر عليك يا روحي. ليه يا بني توجع قلبي عليك؟ إيه اللي حصل بالظبط بينك وبين بهجة؟
مش قادر أتكلم، عايز حنانك وبس.
ألم تسرب بنبرته حتى وصل كنصل حاد إلى قلبها، فزادت من ضمه، تزيح بيدها العبرات التي أصبحت تسيل على خديها قبل أن تصل إليه، تخبره بكل خلية تنبض بجسدها:
حناني بس يا رياض؟ دا أنت تاخد قلبي وروحي كمان. هو أنا ليا حد في الدنيا دي كلها غيرك يا حبيبي؟
قابل موافقتها بصمت، ليرخي حصونه وكل الأسلحة التي يقاتل بها طواحين الحياة القاسية، يلقي بهم تحت أقدامها، ويدفن رأسه بحجرها، ليتذوق الحنان الذي فقده منذ سنوات كثيرة، يتلقف الأمان من ضعفها، حتى استسلم وغفت عينيه.
وهي ظلت على نفس الوضع تضمه، لم تشتكِ ولم تتحرك كي لا تزعجه، فغلبها النوم ولم تشعر بنفسها سوى صباحًا حينما اخترق ضوء النهار الغرفة، لتعي على وضعه، فتحاول إيقاظه:
رياض يا قلبي، أنا بقول تقوم تريح على السرير أحسن.
استيقظ بعد عدة محاولات ليرفع رأسه ويحاول تدليك عنقه بتوجع ودهشة:
أااه، أنا نمت هنا إزاي بس؟ وانتي يا ماما مش تصحيني؟ أكيد أنتي كمان تعبتي.
اقتربت تكوب وجهه بين كفيها، تغمره بصدق:
يا قلبي تعبك راحة، أهم حاجة تكون ارتحت.
ابتسامة ضعيفة لاحت على ملامحه الشاحبة وهو يحاول النهوض من جوارها متمتمًا:
منكرش إني ارتحت، رغم إن عضمي اتكسر، بس كفاية ريحتك اللي ملت أنفاسي. أنا هروح أخد شاور وأرجع أنام تاني.
يعني مش هتروح شغلك؟
رد يجيبها وهو يسحب قدميه للخروج من الغرفة:
النهاردة خليته إجازة للنوم وبس، ولما أشبع وأرتاح أبقى أخرج.
تطلعت في أثره بشرود، تبحث عن حل لتلك المشاكل التي تحاوطه. لقد تحمل الكثير وطال صبره، حتى اللحظات السعيدة التي سرقها لنفسه مع من أسرت قلبه، ارتدّت عليه بعذاب الهجر بعد ذلك. متى يأتي الحل؟ الأمور يوميًا تزداد تعقيدًا، مشاكل وأشخاص يظهرون من العدم،و…
توقفت عند خاطرها تتذكر الطفل شقيقه. كيف يتركه ليلة كاملة وحده؟ أترى نسيه؟ يا إلهي.
انتفضت لتنهض وتحاملت على ألم ركبتيها الذي أصابها بالتيبس لطول الوقت في جلوسها ورأس ابنها الثقيل عليهما. سارت تمشي كالعرجاء حتى وصلت إلى غرفته، التي وجدتها مفتوحة كعادته، فدلفت كي تستفسر منه:
رياض، مش هتروح عند آدم تتطمن عليه طيب؟ انت سايبه من امبارح لوحده؟ أوعي تكون نسيته! يا نهار أسود!
لم تجده لتحصل على إجابة، ولكن وصلها صوت الماء من المرحاض، لتعلم بوجوده في الداخل. شرعت تخرج من الغرفة لتعود إليه بعد ذلك بقليل، ولكن لفت انتباهها شيء ما جعلها تتجمد في مكانها. توسعت عيناها بذهول، حينما وقعت أبصارها على حين غرة داخل الغرفة المخصصة للملابس والأشياء التي تخصه. أصابتها الرهبة أمام هذا الذي بدا أمامها كمصباح ضخم ينير العتمة.
أو هو من تنعكس الإضاءة عليه فتجعله يضيء بروعة وسحر خطف قلبها، وجعله يتراقص داخلها بحنين. فلم تشعر بنفسها إلا حينما وصل إلى مسامعها صوت غلق باب المرحاض وقدومه من خلفها. فخرج قولها بمشاعر زلزلتها من الداخل:
دا من إمتى هنا يا رياض؟
رد مجيبًا بنبرة يغلب عليها القنوط واليأس:
جيبته معايا وأنا راجع من تركيا.
❈-❈-❈
بعد الصبر، يأتي العوض كنسمة تلامس القلب برقة، تُزيل عنه تعب الانتظار وتغسل روحه. هو الفرج الذي لا يُرى إلا بعد أن يُختبر الإنسان في صبره، كأن الله يختار لحظات العناء ليُعيدنا بها إلى أنفسنا، فيمنحنا من رحم المعاناة أملًا جديدًا. العوض بعد الصبر هو دليل على أن الحياة لا تتركنا في الظلام، وأنه مهما طال الليل، فالصبح آتٍ.
أمام المرآة وقفت تتأمل نفسها، بعد أن ارتدت ملابسها لتتجهز للخروج. عينان منتفختان من كثرة البكاء، بشرة باهتة، وملامح حزينة… اللعنة. إذن عليها وضع القليل من مساحيق التجميل، ربما تنجح في إخفاء هذا الشحوب وآثار الحزن.
تناولت الفرشاة، تنثر بها القليل من الحمرة على الوجنتين وبعض أجزاء من الوجه. همت لتلون شفتيها، ولكن أوقفها دخول عائشة ونداؤها:
بيبو يا بيبو، في زيارة جاتلك بره.
❈-❈-❈
خرجت من غرفتها لتجد نجوان في انتظارها، جالسة على أحد الأرائك، تستقبلها بابتسامة فاترة تثير الارتياب:
أهلاً يا بهجة، شكلك كنتِ لابسة وخارجة، بس إحنا لسه بدري يعني على ميعاد الجمعية.
اقتربت تُقبلها على جانبي وجهها بخفة وتجيبها:
لا، ما أنا كنت هتصل بيكي وأبلغك إن ممكن أغيب النهارده، أصلي كنت رايحة الجامعة، خلاص بقى الدراسة ابتدت ويدوب ألحق أاا….
قطعت حديثها وقد انصرف ذهنها عن التركيز، شاعرة بشيء ما غير مفهوم:
مالهم دول مبلمين ليه؟
سألتها بإشارة نحو أشقائها الواقفين في محلهم بصمت وسكون، فخاطبتها نجوان قائلة:
اقعدي يا بهجة وانتي تفهمي كل حاجة. وانت، إيهاب، معلش هاتوا هنا لو سمحت.
هو إيه اللي يجيبه؟
تمتمت بها بهجة وهي تتخذ مقعدها على الكرسي المجاور لها، ثم سرعان ما انتفضت بتخمين:
معقول تكوني جايباه معاكي؟ لا، أرجوكِ! أنا حددت قراري امبارح ومش عايزة أرجع فيه تاني. رياض لا ينفعني ولا أنفعه.
قابلت نجوان ثورتها بالرفض، تأمرها بهدوء:
اهدي وشوفي الأول أنا قصدي إيه.
قصدك إيه؟
وما كادت تنهي عبارتها حتى تفاجأت بشقيقها قادمًا نحوهما بعلبة ضخمة تشبه الحقائب الكبرى. وضعها على الأرض ثم قام بفتحها بتنبيه من نجوان التي ساعدته كذلك، حتى أخرجَا منها ذلك الفستان الأبيض الضخم. رفعه إيهاب أمام أبصارهم، لتظهر تفاصيله بالكامل.
بأكمام من الشيفون المُخرم وصدر مشغول بحبات دقيقة من الألماس، يمتد منها على الصدر كذلك، ضيق حتى الخصر ثم يتسع بالطبقات المتعددة، بما يشبه ملابس أميرات القرون الوسطى، وبإبهار يفوق الخيال.
كانت تطالعه مشدوهة، فاقدة النطق بحال يشبه حال أشقائها، غير أن التفسير جاء من عائشة التي تذكرت شيئًا ما لتسألها:
مش هو دا الفستان اللي كنتِ حاطة صورته على تليفونك يا بهجة؟
استفاقت، تتملك حالها كي تنفي كاذبة، ثم تتوجه بعد ذلك لنجوان:
دي كانت صورة عادية زي أي صورة يا عائشة، المهم بقى، إيه اللي جابه هنا؟
رمقتها نجوان بغيظ:
إنتِ لسه برضو مفهمتيش يا بهجة؟ ولا مش عايزة تفهمي؟ الصورة العادية اللي كانت على تليفونك مكانتش عادية، لأن غيرك شافها على تليفونك في مرة من المرات، وفضل مخزنها بعقله، لحد ما لاقاه قصاده في آخر سفرية ليه واشتراه… ليكي.
باستيعاب بطيء، وكأن غباء العالم قد أصابها في هذه اللحظة الفارقة، تردد وعيناها تتنقل ما بين الجميع:
مين اللي اشتراه؟ وغيري دا يبقى مين أصلاً؟
أجابتها جنات بأعين دامعة بالفرح:
يعني هيكون مين بس يا بهجة؟ دي مش محتاجة تفكير يا حبيبتي.
طبعًا هو في غيره، الباشا ابن الباشا.
علقت بها عائشة بلهفة، ليخرج قول إيهاب بإعجاب هو الآخر وعيناه لا تترك الفستان:
بصراحة فاجأني، والله طلع بيفهم.
طبعًا بيفهم يا ولد يا إيهاب، دا شغلته الهدوم والملابس أصلاً، إنت ناسي ولا إيه؟
تفوهت بها نجوان ردًا عليه، قبل أن تجفلها بهجة بصياحها بهم جميعًا:
إنتو بتقولوا إيه كلكم؟ فستان مين ولا باشا إيه؟… إنتو عايزين تجننوني؟
لا يا بهجة، مش عايزين نجننك، إحنا عايزين نفهمك، وكفاية أوي علينا اللي ضاع من العمر.
❈-❈-❈
بعد تعب طويل وصبر لا ينتهي، يأتي الوصال كأنّه شفاء للروح. لحظة تلتقي فيها الأرواح بعد أن مرّت بكلّ ما يكسرها، فتكتشف أن كل لحظة ألم كانت تستحق هذا اللقاء.
داخل غرفة مكتبه، حيث كان يعمل على بعض الملفات العاجلة مجبرًا رغم أخذه إجازة من أجل أن يريح عقله من كل شيء اليوم، يرتشف من فنجان قهوته منهمكًا بتركيز شديد، ليجفل على حين غرة باندفاع الباب أمامه بقوة فيجدها أمامه تلج إلى داخل الغرفة، بهيئة عاصفة كالإعصار، ثم تلقي بالعلبة الكبيرة بالفستان أمامه، بوجه مشتعل بالحمرة القانية وزمردتيها تشعان بالشرر نحوه، وكأنها على وشك الفتك به.
لينهض من محله حتى يقف مقابلا له سائلًا بعدم فهم:
إيه في إيه؟ هو الفستان مش عاجبك؟
وكأن بسؤاله البسيط ضغط على زر الانفجار لتصرخ به وتضربه بقبضتيها على صدره:
عاجبني؟ وليك عين تسأل يا بارد؟ ليك عين تسأل كمان.
استطاع السيطرة على جموحها، ممسكًا بقبضتيها داخل يده الكبيرة يهادنها بحزم:
اهدئي طيب وفهميني، ليه العصبية والانفعال ده كله؟
بعد أن منعها، صار صراخها يعلو أكثر:
ما هو كله منك، أنت السبب، هتدخلني سراية المجانين بعمايلك… والله لو اتجننت هتبقى أنت السبب، أنت السبب يا رياض.
وختمت تعود للبكاء مرة أخرى، فما كان منه إلا أن ضم رأسها إلى صدره، يسيطر على جسدها بذراعيه وليتحرك بها حتى أجلسها معه على الأريكة الجانبية بالغرفة، يتركها تبكي حتى تهدأ قليلًا، فيشاكسها قائلًا:
مكنتش أعرف إنك شرسة كده، بقى كل الخناق والضرب ده عشان فستان؟!
توقفت عن البكاء على الفور حينما استفزها بكلماته، لترفع رأسها إليه، تعقب على قوله بحنق:
هو الموضوع في الفستان؟ الموضوع فيك أنت، أنت اللي ساكت وكتوم وبارد.
برقت عينيه بإجفال ودهشة لقولها:
إيه اللي أنتِ بتقوليه ده يا بهجة؟ ليه يعني؟ ما أنا كان ليَّ ظروفي؟
حتى لو عندك ظروفك برضو تتكلم، مش تسيبني أضرب أخماس في أسداس طول الوقت، تسيبني في نار الحيرة والظنون، وأنا بموت ألف مرة من التفكير، أنت تعبتِ أوي، أوي يا رياض.
تبسم بخفة يذكرها:
ما أنتي كمان طلعتي عيني يا بهجة، ولا نسيتي إنّي حاولت أفهمك لكن إنتِ رفضتي، ده أنا جيتلك لحد البيت وإنتِ تقريبًا طردتيني، ولا ناسية دي كمان؟
لا مش ناسية، بس أنت معرفتنيش بظروفك مع آدم ولا بتعبه الأخير، كنت دايمًا بتحسسني إني على الهامش في حياتك، واحدة وحافظة دورها كويس أوي، اللي ما ينفعش تحيد عنه، ودي صعبة أوي.
بح صوتها في الأخيرة ودمعت عيناها بغصة جرحت حلقه، ليضمها إليه بقوة من خصرها، يشدد عليها بذراعيه مرددًا باعتذار:
إنتِ عمرك ما خدتي الدور ده يا بهجة، حتى لما طلبت منك الجواز وجرحتك بشرطي، كان غباء مني عشان أخمد الإحساس اللي في قلبي من ناحيتك، أنا كنت بضحك على نفسي، لدرجة إن كان بيطلع كلام الحب من قلبي يترجمه لساني من غير ما أقصد، وأظن إنه كان بيوصلك حتى ولو على غير إرادتي.
ما هو ده تعبني وضعفني معاك، إني عارفة ومتأكدة من حبك، لكن جارحني نكرانك، كأنك مكسوف ولا مستعر.
خلاص يا بهجة.
تمتم بها يهزها معنفًا بخفة حتى لا تكررها، ليردف بحزم:
اللي جاي كله في النور، اللي جاي كله تعويض عن اللي فات، هعملك كل اللي إنتِ عايزاه، كل اللي تحلمي بيه.
نزعت نفسها من ضمته، كي ترى صدقه جليًا في بندقيتيه، ومع ذلك تريد مزيدًا من التأكيد:
بتتكلم جد يا رياض، يعني هتقدمني لقرايبك حتى لو كانت… بهبرة شوكت؟
ضحك يقرصها من وجنتيها:
أنا فعلاً قولت لبهيرة في الحفلة، يا خسارة، ما شوفتيش رد فعلها ولا صدمتها.
❈-❈-❈
في لحظات جنون الحب، يصبح العقل ضيفًا ثانويًا، والقلب هو الحاكم الأول. تبدأ الأفكار في التمرد، والخيال يندفع دون استئذان. تقول أشياء لم تكن لتقولها أبدًا، وتضحك لأشياء لا تستحق أكثر من ابتسامة صغيرة. جنون الحب لا يعني سوى أنك مستعد للسخرية من نفسك، لأنك في النهاية تعلم أن ذلك الضحك هو ما يجعل الحياة أكثر جمالًا، وأن هذا الحب المضحك هو ما يجعل قلبك ينبض بحيوية.
داخل السيارة التي دلفت إليها للتو في استعداد للمغادرة والعودة إلى منزلها، كانت على وشك أن تدير المحرك حينما تفاجأت بمن يفتح الباب بغتة وينضم معها، حتى همت أن تصرخ لولا معرفتها بهويته، لتكتم شهقتها واضعة كفها على صدرها مرددة بجزع:
قلبي وقف من الخضة، بقى دي عمايل دكتور عليه القيمة برضو.
صدحت ضحكته في محيط السيارة ينفي لها:
لا، للأسف حظك وقعك وقعة مسخرة…
واقترب برأسه منها مردفًا:
بس معاكي إنتِ بس؟
ارتدت بجسدها للخلف قائلة بغيظ من أفعاله:
بطل حركاتك دي يا هشام، أنا خلقي ضيق.
وماله، أوسعهولك.
برقت عينيها برفض مطلق لأفعاله، فتابع هو دون أن يعير غضبها اهتمامًا:
ما هو اسمعي، أما أقولك، تكشري تعيطي، تعملي قرد حتى، أنا واحد فاض بيه من دور الخطوبة المؤقت، أنا عايز خطوبة طبيعية يا صفية، حقوق وواجبات، اللي يشوفك معدية في الشارع يعرف إنك خطيبتي…
ناس مين يا هشام؟دا إنتِ مخليتش حد في المكتب ولا حتى في العمارة اللي المكتب فيها، إلا وعرفتة،
ده حتي عم عصفور السايس، بقى كل ما يكلمني يقولي سلميلي على خطيبك.
تبسم محركًا حاجبه بثقة وزهو:
وماله يا متر، أديكي اتصيتي أهو، خطيبة الدكتور راحت، خطيبة الدكتور جات.
نفحت بحنق شديد، حينما لامس ذلك الجزء المعتز بكينونتها، لتظهر له الجانب الغبي منها كما يحدث كلما يستفزها:
طب إيه رأيك بقى؟ أنا مش عايزاه الشرف ده، ويكفيني دور المحامية اللي أنا عملته لنفسي، أنا في غنى عن أي راجل مغرور زيك يا هشام، والخطوبة دي مش…
قطعت بشهقة جزعة، حينما اقترب منها فجأة، يلتصق بها بملامح حازمة أرعبتها، ولكنها تظاهرت بالشجاعة:
ابعد عني يا هشام، عيب كده.
مش هبعد، عشان غير لما أسمع منك موافقة على خطوبتنا، يا كده يا عملك فعل فاضح في الطريق العام، أنا دكتور نفسي ومجنون في نفس الوقت.
حاولت أن تفتح باب السيارة الملتصقة به، ولكنه لحق ليمسك بمقبض الباب يمنعها لتصبح محاصرة بين ذراعيه فازداد جزعها:
هشام، إنتِ بتخوفني بجد.
لم يرضخ لرجاءها، بل واصل فرض سيطرته:
هتقولي موافقة يا صفية، ولا أقرب وها…
قال الأخيرة واقترب بوجهه حتى كاد أن يقبلها، لتدفعه بكفيها على صدره مرددة:
موافقة… موافقة يخرب بيتك.
ضحك يخفف عنها حصاره ويعود لعبثه:
لا يا أستاذة، امسكي لسانك بقى، ولا إنتِ نسيتي بيتي هيبقى بيتك.
في تلك اللحظة، شعر أن قلبه وقع في قبضة جنونٍ لم يستطع الهروب منه. أمامها، كان كل شيء مختلف، حتى كلماته التي كانت تتساقط منه وكأنها نغمة مألوفة تتناغم مع نبضاتها. هي، بكل براءتها وابتسامتها، كانت تملأ الفراغ الذي كان يعتقد أنه لن يشعر به أبدًا. رغم كل شيء، رغم المسافة التي بدأت تتسع بينهما، إلا أنه لم يجد نفسه إلا في تلك اللحظة، يدرك أن الحب، مهما كانت تقلباته، سيظل هو الشيء الذي يربطهما.
أمام المرآة التي تحتل جزءًا كبيرًا من الحائط في غرفة نومه، وقف خلفها يشاهد انعكاس وجهها وقد اعتلى الإشراق والانبهار تعابيرها، في تأمل ذلك العقد الذي يطوف رقبتها البيضاء الجميلة وقد انعكس عليه لون الزمرد في الماسة التي تتدلى منه في الوسط. تردد بعدم استيعاب:
أنا مش مصدقة نفسي، هو اللي أنا لابساه ده بجد؟ هي دي فعلاً ماسة بجد وحق وحقيقي؟
ضحك معقبًا على كلماتها:
آه يا بهجة، بحق وحقيقي وجد الجد كمان. أنا جايبها حاجة special، الماسة الزمرد بلون عيونك، والخضار الصافي، لون الخضرة اللي شدني ليكي من أول مرة شوفتك فيها..
اغمضت عينيها تطرد من صدرها دفعة كبيرة من الهواء المحبوس، لتلتف برأسها إليه تخاطبه بلوم:
والله العظيم حرام عليك، كان لازم يحصل مصيبة عشان تطلع بالمفاجآت اللي هتوقف قلبي دي.
تبسم يغيظها بسخريته:
سلامة قلبك يا جميل،
يا روحي. إنتِ ناسية إني جيتلك لحد عندك بالشنطة ورفضتيها، شنطة هدوم تمنها آلاف الدولارات……
آلاف الدولارات ليه إن شاء الله؟ اللي ما في حاجة فيهم عليها القيمة ولا كاملة حتى، كله عريان وفي حتت غريبة، اللي إشي هنا على البطن، ولا اللي على الجمب فوق ال…
توقف تستدرك لخطأها لترفع يدها عن منطقة ما في جسدها أمام نظرته المتصيدة، بعد أن كشفت نفسها أمامه:
كملي يا حلوة، عرياني فين كمان؟
تلعثمت مسبلة أهدابها عنه بخجل.
آآه، أهو عرياني وخلاص بقى.
لا حبيبتي ما خلصش. تمتم بالكلمات ليقبض على قماش بلوزتها في الأعلى ويُردف بغيظ:
يعني فتحتي الشنطة وقيستي وفرزتي، بعد ما نكدتي عليا، طب أعمل إيه فيكِ؟ أعمل فيكِ إيه دلوقتي؟
سارت تترجاه بذهول وعدم استيعاب، لطريقته الجديدة في التعامل معها:
رياض، عيب الطريقة دي على فكرة، إنت ابن أصول ومن عيلة بشوات، سيبني بقى إنت مش قابض على حرامي.
لا يا حبيبتي أنا أمسك على كيفي، والنهاردة بقى ابن شوارع، مش ابن بشوات معاكي يا بهجة، عشان أفش غليلي فيكِ.
تبسمت مستخفة بكلماته، لتدفع كفيه:
طب يا عم، بلاش لعب عيال ده إنت حتى مش عارف ترسم الدور.
أنا مش عارف أرسم الدور، تمتم بها، وما كاد ينهيها حتى وجدته يدفعها نحو الجدار خلفها يلصق ظهرها به، وسريعًا رفع ذراعيها لأعلى، يقيدهم بكف واحدة، والكف الأخرى تسيطر على جسدها:
إيه رأيك بقى؟ بأنفاس متلاحقة، صارت تناظره بذهول ثم تجيبه:
رأيي في إيه؟ إنت كده قلبت لبلطجي.
ضحكة مكتومة حلت بثغره، ثم تحركت كفه بتسلية تمسح على جسدها بجرأة وتعلو ببطيء وتمهل، لتضيف هي:
.لأ ومتحرش كمان، أخلاقك باظت خالص يا بن حكيم. كانت كفه قد وصلت إلى جيدها، ليتوقف عليه، فاقدًا آخر ذرة من تحمله.
وإنتي خليتي فيها حكيم ولا ابن حكيم؟ ثم يصمتها عن الجدال، مبتلعًا اعتراضها بجوفه، ينهل من الشفتين بشوق جارف، وقد ألتفت ذراعيه حول جسدها الغض، لا يترك أنشًا واحدًا من بشرتها، ليعوض ما حُرم عليه منذ شهور، لا يترك لها خيارًا للرفض، بل ويجبرها على الاستجابة، فقد اشتاقها بقوة، اشتاق بألم.
وفي لحظة وجدته يرفعها عن الأرض، متابعًا تهديده:
أنا مش هسيبك النهاردة غير وأنا واخد حقي منك كامل.
ملكت صوتها لتردد باعتراض وهي تحاول النزول:
حق إيه اللي تاخده تاني؟ كفاية كده، أنا عايزة أروح.
لم تكد تنهيها حتى شعرت بسقوطها على فراش التخت، وسقط هو يشرف عليها من علو، مقيدًا يديها:
إيه رأيك وأنتي تحت رحمتي دلوقتي؟ لا سي إيهاب يحوشك عني ولا الغضنفر ابن عمتك يقفلك ضدي.
ضحكة عالية صدرت منها، وقد ذكرها دون قصد بما ينتظره في الأسفل:
طب إنت جيبت سيرتهم ليه دلوقتي…… وختمت تعود للضحك المتواصل حينما استمعت لصوت طرق باب الغرفة، ليعلق هو:
بتضحكي من غير سبب، إنتي عبيطة يا بنتي.
حركت رأسها تشير على باب الغرفة الذي جاء من خارجه نداء الدادة نبوية بإسمه:
يا رياض باشا، في ناس مستنينك تحت مع الست نجوان.
ناس مين؟ تمتم بها، ثم عاد إليها يوجه السؤال:
إنتِ عارفة مين اللي قاعد تحت؟
أومأت بإجابة واضحة، وبضحك مكتوم، جعله يخمن من رأسه مرددًا بغيظ شديد:
لا بتهزري، معقول يكون هما فعلاً؟
❈-❈-❈
بعد قليل،
هبط من الطابق، ينزل درجات السلم الضخم، بملابس مهندمة، وهيئة أنيقة ، وهيبة تناقض تمامًا، ما كانت عليه شخصيته منذ قليل معها، وقد كانت ترافقه النزول هي الأخرى. لكن بوجه اختلف مائة وثمانين درجة عن ما أتت به.
متنعمة بدفء كفه المطبقة على يدها الصغيرة، وكأنه يخشى منها الهرب أو التراجع.
كان في انتظارهما نجوان التي أشرق وجهها برؤية التغير الذي طرأ على الاثنين، وقد تأكدت من صدق ظنها، في الجهة المقابلة كان الاثنان الآخران، شقيقها إيهاب الذي أصبح وديعًا على غير العادة، تاركًا المهمة للفهد الآخر، شادي ابن عمته، والذي تبسم بملأ فمه في استقباله:
رياض باشا، عشان متفتكرش إني بمشي بس في المشاكل، أنا جاي لك برجلي أهو عشان نتفق.
جز على فكه بحنق واضح، ليقترب ويصافحه هو وإيهاب، وقد فهم سبب الزيارة، ليشير لهم بالجلوس قائلاً:
مش محتاجة نقاش يا عم شادي، أنا فهمت بهجة على كل حاجة، هيتعمل لها الفرح اللي هي عايزاه، واللي كان طالبه إيهاب، ولا إيه يا دكتور؟
سمع منه الأخير يوميء بثقة، فقال شادي بابتسامة لم يتخلى عنها:
وماله يا باشا، ناقص بس نتفق على التفاصيل، اهي أهم حاجة التفاصيل.
زفر يجلس مقابلاً لهم، يتنقل بنظرة خاطفة نحو بهجة التي تحولت كطفلة تغمرها السعادة بجوار والدتها، فترتخي دفاعاته ويسلم الراية البيضاء أمام سلطان قلبه الذي يجبره على الخضوع برضا تام:
ماشي يا سيدي، نتفق على التفاصيل.
الفصل الخامس والاربعون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الخامس والاربعون 45 بقلم امل نصر
“تعيش الروح بين متناقضات الحياة، حيث ينبض الأمل من بعيد، وتواجهنا التحديات التي تقف أمامنا كجدران صلبة لا تنكسر بسهولة. ولكن، ورغم كل الصعوبات، يظهر دائمًا خيط رفيع من الأمل، ليذكرنا بقدرتنا على التغلب. في كل خطوة نخطوها، نتعلم شيئًا جديدًا عن أنفسنا وعن الحياة. فالفصول تتعاقب، وتختلف أحداثها، ولكن هناك دائمًا دروس مخفية في كل لحظة. ما يجعلنا أقوى هو تمسكنا بالإيمان، والأمل في غدٍ أفضل، مهما كانت الظروف.”
اهداء الادمن الجميلة/ سنا الفردوس
❈-❈-❈
بوق السيارة الذي كان يصدح صوته في الخارج دون توقف، بإزعاج أثار استياء إيهاب، الذي كان يستعد للذهاب إلى جامعته، لينفخ بضيق وتأفف وهو يخرج من غرفته مناديًا النجدة:
يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم، حد ينبه صاحبنا يوقف لعب العيال بدل ما أخرج له أنا وأعملها خناقة على أول الصبح.
سارعت بهجة بالتلطيف معه:
أنا مخلصة وجاهزة وخرجاله حالًا يا إيهاب، بربط بس شعر عائشة.
ومتربطش هي ليه؟ إيدها مشلولة ولا لسة نوغة؟
قالها بضيق نحو عائشة التي لم تسكت كالعادة:
بعد الشر يا روحي ما أبقى مشلولة، بهجة بتعمللي شعري عشان أنا بحب كده.
حبك برص يا أختي.
صوت استنكار صدر منها عقب تقليده لها بسخرية امتزجت بغيظها، لتتوجه بقولها نحو بهجة التي أصابها التعب من مناكفتِهما، بالإضافة لاستعجال الآخر بعدم رفع يده عن بوق السيارة:
عاجبك كده يا بهجة؟ يعني لما يخرج مني لفظ مش كويس ناحية صاحبنا ده، هيسكت ولا هيلم نفسه ولا هتجيبي انتي اللوم عليا.
لا يا قلبي لا عليكِ ولا عليه، أهو خلصت القوطتين زي ما بتحبي.
وختمت بقبلة أعلى رأسها، لتذهب إلى غرفتها سريعًا تتناول حقيبتها، فكادت أن تصطدم بشقيقتها جنات التي كانت خارجة من المطبخ بصينية الشطائر التي أعدتها على عجالة للإفطار، وقد كادت أن تقع منها لولا انتباهها:
حاسبي يا بيبو… لا إخواتك الغلابة ما يلقوش حاجة يفطروا بيها.
طالعتها بأسف حتى همّت أن تتوقف وتسايرها المزاح، لولا الصوت المزعج الذي دوى فجأة، لتنتفض وتتركها نحو طريقها، ثم تخرج في أقل من ثوانٍ تلوّح بكفيها:
طيب أنا ماشية، ولو في أي حاجة اتصلوا عليّ، وانتي يا جنات ما تسيبيش عائشة غير وهي داخلة باب المدرسة.
طب مش هتفطري؟
هتفت بها جنات لتعطيها الرد وهي تخرج من المنزل دون أن تلتفت إليها:
هبقى أفطر في الجمعية. سلام بقى.
سلام.
تمتم بها إيهاب، يتبعها حتى وقف خلف السور الصغير الفاصل بين مدخل المنزل والحديقة في الأسفل، يتبعها بأبصاره حتى وصلت إلى هذا المتعجرف، والذي كان متكئًا على سيارته بخيلاء واعتدل كي يستقبلها بقبلة على جانبي وجهها، قبل أن يلتفت إليه ملوّحًا بكفه. فكان رده ابتسامة صفراء، تظهر المزيد من الحنق لأفعاله.
أما الآخر فبادله بابتسامة سمجة، ثم التف ليأخذ مكانه خلف عجلة القيادة كي يتحرك مغادرًا بشقيقته، ليعقب إيهاب في أثره:
ده مكانش أسبوعين دول اللي هاخدهم فوق دماغي، الله يسامحك يا شادي.
❈-❈-❈
أما بداخل السيارة التي كانت تقل الاثنين، كان الحديث الدائر بينهما:
إيهاب كان على تكة واحدة ويخرج يتخانق معاك، أنت كنت مزودها أوي النهاردة يا رياض.
قابل نقدها بعدم اكتراث وتحدي:
ما أنتي لو كنتِ خرجتي من أول مرة رنيت فيها مكنتش أنا زمرت بالغربية ولا عملت قلق.
ضحكت تضرب كفًا بالآخر بعدم استيعاب:
تعمل قلق عشان بس اتأخرت عليك! يا نهار أبيض يا جدعان! دا كدة إيهاب كان عنده حق لما قال شغّل عيال صغيرة.
مش هو اللي اتشرط وعَاند معايا بالاتفاق مع الغضنفر ابن عمته، وخلاه يأجل فرحنا أسبوعين،خليه بقي ينفعه.
سمعت تردد من خلفه بدهشة لا تتوقف، كلما لمست منه ذلك الجانب الصبياني الذي كان متخفيًا خلف ستار الوقار والجمود:
قلت بنفسك أسبوعين يا حبيبي، أسبوعين يعني يخلصوا في غمضة عين يا رياض، بس أنت قلبك أسود، حاططهم في دماغك مع إنهم ما طلبوش كتير ولا طلبوا أي حاجة صعبة، دول يدوب أسبوعين على قد التجهيزات السريعة كمان
رمقها بنظرة فهمت عليها قائلاً:
بلاش تلاوعي معايا يا بهجة، عشان أنتِ عارفة كويس إني مستعد أستنى شهر ولا شهرين كمان على ما يجهز الفرح اللي أنتِ عايزاه…
بس أكون في بيتك ومعاك!.
أضافت بها على كلماته ضاحكة لتضاعف من حنقه، ثم تسارع في التلطيف معه وكأنها تهادن طفلاً صغيراً:
رياض أنا بهزر معاك، بلاش التكشيرة دي الله يخليك، دا إحنا حتى لسه في أول الصبح.
بلاش تقولي الكلام دا عشان أنا على آخري.
حاضر.
تمتمت بها بطاعة وابتسامة رائعة تزين محياها، حتى كاد هو الآخر أن يفعل ولكنه استطاع رسم الجمود،
لتعود مردفة:
طب أنت علي كدة تنساني خالص بقى النهارده، يا تستنى أتصِل أنا بيك بالليل، عشان هخرج بدري من الجمعية أروح على صفية أجهز معاها وأقف جنبها في كتب كتابها، زي ما هي وقفت جنبي.
نطقت الأخيرة بغصة مريرة شعر بها هو الآخر، يتذكر الفرق الشاسع بين الاثنين، ليعود بذهنه لتلك المشاجرة الأخيرة التي كادت أن تنهي ما بينهما على الإطلاق:
مش ناوية تحكيلي بقى عن خناقتك مع اللي اسمها نادين؟ اطمني مش هأذيها، أنا بس عايز أعرف هي قالت لك إيه؟
تبدلت ملامحها من العبث والشقاوة إلى حزن، وانكمش حاجباها بضيق شديد تعيد الرفض:
وإيه لزوم إني أقول ولا أعيد، خلاص اللي حصل حصل وأنا نسيته، دول آخرهم كلمتين ماسخين زيها، المهم بس تلم نفسها، وتخف وتبطل تاخد آدم حجتها.
إن كان عليها، أنا إن شاء الله هلاقيلها صرفة، المهم أنتِ، أنتي فعلاً شايفاهم كلمتين مش مستاهلين، ولا نسيتيهم؟ ع العموم حاضر يا بهجة، أنا مش هزن تاني، وهانتظرك برضو تيجي تقوليلي بنفسك… لما تفتكري.
لما أفتكر.
تفوهت بها وكأنها لا تبالي أو هي بالفعل لا تذكر، لكن رأسها يستعيد كل ما حدث…
، من بداية دخولها المنزل والقاء بها، ثم التعرف على آدم وذلك الحديث الذي دار بينهم، عقب التلميح السافر من الأخرى.
أفندم، وانتي مالك بقى إن كنت مراته في السر ولا في العلن؟ هو فين رياض أصلاً؟ يا رياااض.
وتحركت أقدامها للصعود مواصلة النداء باسمه، والأخرى لحقت بها، حتى دلفت داخل غرفة نومه:
رياض انت فين؟
مش موجود يا حلوة،
بقي دا كله دا ولسه مفهمتيش؟
تفوهت نادين بهذه الكلمات مستندة بكتفها على إطار المدخل، تتابع بمكر:
الباشا أخد دش ولقمة ع السريع، وبعدها لبس وراح شغله، أمال بقى عاملة نفسك مراته إزاي وانتي حتى ما تعرفيش خط سيره.
كانت تنتقي كلماتها بذكاء شديد حتى تصيب هدفها بقلب بهجة التي اشتعلت زمردتيها بغضب عاصف، لتهتف ردًا عليها:
مش واخدة بالك إنك مزوداها بتلميحاتك المستفزة، أنا مراته ولا مش مراته، أعرف خط سيره ولا ما أعرفش، انتي مالك؟ انتي آخرك هنا تشوفي ابن أختك بكل أدب وبعدها تروحي، مش تردي على تليفون صاحب البيت وتبرطعي في غيابه ولا كأنه بيتك.
برقت عينيها تدعي الدهشة لتسخر ضاربة بيدها على صدرها:
يا لهوي، وكمان بتتشرطي عليا، دا على أساس إنك صاحبة البيت فعلاً.
توقفت تقرب وجهها منها متابعة بفحيح:
ما تزعليش مني، أصل انتي لو صحيح مالية مركزك بجوازة على حق من الباشا اللي معلق صورك في أوضته، كان أكيد أول واحد هيعرف يبقى آدم ابن أختي، ما كنتش أنا هاجي ألاقي مكانك خالي في بيتك، ما كنتيش هترني على الجرس عشان أنا اللي جوا البيت أفتح لك تدخلي.
تشعر بسم الكلمات يخترق جدار كرامتها، هذه الملعونة تغرز أظافرها بكل قسوة داخل الجروح المفتوحة، دون رحمة، ليحل بها صمت مطبق تستمتع لصوت الواقع المرير من فم تلك المرأة.
سكوتك ده يا بهجة يأكد فعلاً إني بقول كلام صح، على العموم رياض باشا حبوب وزي القمر، دا غير إنه قاعد لوحده وشيء طبيعي يحتاج لواحدة ست على ما ربنا يفرجها عليه ويلاقى بنت الأصول اللي تليق بيه، ويتشرف بيها قدام الخلق، أنا لو منك أمسك في الفرصة بإيدي وسناني، حتى لو طلب مني جوازة في السر أو… شكلكم ضاربين ورقتين عرفي صح؟
سمعت بهجة بالأخيرة لتستفيق من سباتها وكأنها قد تلقت صفعة، لتزأر كلبوة شرسة نحوها:
الورقة العرفي اتعملت لأشكالك يا حيوانة، ما هو واحدة بدنو أخلاقك دي، شيء طبيعي تفكر كل الناس زيها، أوعي من قدامي يا حقيرة يا منحلة أوعي.
ورفعت قبضتيها تضربها على صدرها حتى ابتعدت من أمامها تتأوه بتوجع ووعيد:
آآآه، وبتضربيني كمان، طب وربي المعبود لا أكون قايلة للباشا اللي خلاكي عيشتي الدور وافتكرتي نفسك ست بحق، وربنا مانا ساكتة على الإهانة دي.
تركتها بهجة تهذي بالوعيد والسباب عليها، دون أن تلتفت برأسها حتى نحوها، فقد كانت بحالة من الانهيار، تنتظر فقط الإشارة للوقوع، لتواصل طريقها نحو الخروج من المنزل، مقررة إنهاء كل شيء، لتطوي الصفحة كاملة بلا عودة، وحتى لا تتراجع أو تضعف قررت الذهاب إلى ابن عمتها شادي لتوكله بتلك المهمة، مهمة إنهاء هذا الأمر.
بهجة انتي نمتي؟
وصلها الصوت الرخيم لينتشلها من تلك اللحظات الموجعة، تتأمل ملامحه الجميلة الجادة وهو يقود السيارة بولَهٍ وعشق.
بعد أن تبدل قدرها في لحظات وفرحتها الكبيرة بالاقتران به باتت على وشك الحدوث.
❈-❈-❈
داخل المصنع
كان يسير بخطواته المتسعة داخل الطابق الذي يضم مكتبه، ليمر في البداية على مكتب السكرتيرة الجديدة، والتي انتقاها بجدية كي تحل محل لورا، تلك الفتاة التي كانت ممتازة في كل شيء، وكان عيبها الشديد هو رغبتها الغبية في الارتباط به، وتدبير المؤامرات لذلك، حتى ذهبت تحمل جرحًا بقلبها حينما علمت أنه لا فائدة مرجوة منه.
ألقى بالتحية نحو الفتاة قبل أن يصل لغرفته:
صباح الخير يا منيرة.
صباح الخير يا فندم، أستاذ كارم في انتظارك جوا بقاله فترة.
أجابت بها الفتاة ليقطب حاجبيه باستغراب حتى دلف إليه داخل المكتب، متحدثًا بمرح:
فاجأتني يا كارم والله بحضورك، مش بعادة يعني تيجي بدري كده؟
ضحك المذكور، يلملم في الأوراق التي كان يراجعها، لينهض عن كرسي المكتب، يجاريه ويقابله في الجلسة على الأريكة الجانبية في الغرفة:
طب أعملك إيه؟ وانت مقضيها دلع من دلوقتي، حتى قبل ما تعمل فرحك ولا تروح شهر العسل. أنا بحاول من دلوقتي يا برنس عشان ما اتزنقش لما تسافر انت، وأشيل لوحدي.
رمقه بإعجاب مرددًا خلفه:
والله انت اللي برنس، مفيش حاجة تفوتك أبدًا. عارف يا كارم، أنا لو معايا كام واحد زيك كده أسيطر على سوق الشرق الأوسط كله.
عقب كارم بتحفيز:
يا باشا هيحصل بإذن الله، بس الحكاية محتاجة شوية وقت مش أكتر. المهم، انت أخبارك إيه؟ وأخبار فرحك اللي قرب؟ وقبل كل حاجة أنا عايز أعرف منك، انت ناوي تعمل إيه مع آدم؟ هتسيبه مع خالته، ولا الست الوالدة هتتكفل بيه؟
أسئلة مهمة، تلك التي طرحها وقد كانت هذه الأسئلة أيضًا هي ما تشعل رأس الآخر، ليتنهد بتعب قائلًا:
والله ما أنا عارف أقولك إيه؟ والدتي، انت عارف طبعًا مفيش أحن منها، بس أنا مش عايز أفرض آدم عليها نظرًا لصعوبة الوضع. صفة الشبه الشديد اللي بتجمع بين آدم والسيد الوالد، ممكن تبقى عامل هايل وممكن تبقى بشكل سيئ، خصوصًا وهو بيمثل لها كل الذكريات السيئة. ومن الناحية التانية، الزفتة نادين اللي لازقة للولد وبتعلقه بيها، أنا شايف إنها هتبقى سبب كبير في وجود مشاكل بيني وبين بهجة. لذلك أنا محتار أعمل إيه معاها، نفسي أديها على دماغها وفي نفس الوقت خايف أخسر آدم لو منعته عنها أو هي نفخت في دماغه ناحيتي. أنا خدت المغرز ده قبل كده يا كارم من أختها، وخسرت أبويا. مش عايز كمان يتكرر وأخسر أخويا.
أممم.
تمتم بها الأخير بتفكير متعمق، بتفهم شديد لتلك المعضلة التي يقع بها شريكه وصديقه، حتى اهتدى إلى فكرة ما:
عارف يا رياض، اللي زي نادين دي حلها إيه؟
لايمني عليه الحل ده الله يخليك.
قابل كارم رجاء صديقه بنبرة مطمئنة:
لا، أنا مش هلايمك عليه دلوقتي. أمخمخ بس وأرتبها في دماغي وأقولك عليه، أو أفاجئك أحسن.
❈-❈-❈
بداخل إحدى المقاهي الشعبية التي أصبحت ترتادها معه، وفي تعمق لتلك العلاقة أو الصداقة التي تجمعهما منذ فترة، تستمتع بالجديد عليها في كل شيء معه.
تحبوا تشربوا إيه يا بهوات؟
توجه بها النادل نحوهما مرحبًا بهما بحبور،
بإبتسامة ودودة، ردت تسبقه لورا بالإجابة:
أول حاجة عايزة شيشة…
قاطعها سامر معقبًا بدهشة:
إيه شيشة! شيشة يا بنت الحسب والنسب؟
ضحكت تومئ برأسها، متابعة مع النادل:
وواحد قهوة كمان، عايزة أجرب قهوتكم.
من عنينا الجوز يا هانم، أحلى شيشة وأحلى قهوة. وانت يا باشا؟
تبسم سامر متفكهًا في إجابة النادل:
يعني هي هتطلب شيشة وأنا هطلب ليمون مثلًا؟ نزل زيها يا عم الحج، شيشة وقهوة،ولا أقولك شاي ، عشان شارب قهوة كتير النهارده.
من عيوني.
قالها النادل بابتسامة، ليذهب بحماسه أمامه، فتعلق لورا في أثره:
عاجبني أوي الحماس اللي بيتكلم بيه، ولا الحيوية في المكان كله، حاجة كده بتنبض بالحياة وصخب المدينة، أنا بفرح أوي بالأماكن دي. مرسي أوي سامر.
توجهت بالأخيرة بامتنان نحوه، لتثير بفمه ابتسامة عابثة:
افضلي كده أشكري وفخمي فيا على مشاوير تافهة أنا بعملها كل يوم، يا بنتي محسساني إنك جاية من القمر.
استجابت بضحكة رقيقة في ردها له:
ماشي يا سامر، اتريق عليا براحتك. بس اللي أنت شايفه تافه ده، في غيرك شايفه حاجة مهمة وكبيرة أوي. واحدة زيي طول عمرها متعودة على الوحدة وشايفة إن دي الحياة الطبيعية. شيء طبيعي لما تختلط وتشوف الواقع بمنظور تاني تبقى تحب الزحمة والإزعاج. يمكن أكون ببالغ، بس أنا بعبر عن اللي حاسة بيه.
رمقها بصمت وتأثر، لعلمه الأكيد أنها تصيب الحقيقة دائمًا، وكم يسعده ذكرها لكل ما تشعر به أمامه دون خجل أو مواربة. ولكنه أيضًا لا يريد الوقوف عند هذه النقطة، يطمع في المزيد من القرب، وكيف تأتيه الجرأة لذلك.
سرحان في إيه يا عم؟
أفاق من شروده على طرطقة بأصبعيها أمام وجهه، ليستجيب مبتسمًا لفعلها:
يا ستي وما أَسْرَح على كيفي، هو انتي مراتي؟
وكأنها فهمت تلميحه المبطن، لاح الخجل على محياها لتردد باضطراب، وضح جليًا في قولها:
لا يا سيدي، لا سمح لها. أسرح براحتك. المهم استعجلنا الولد اللي أخد الطلبات يجيب الشيشة. ولا أنده أنا… جرسون! فين اللي طلبناه؟
❈-❈-❈
داخل منزل خميس، حيث كان يتولى اليوم مهمة تصليح غسالة الملابس، حتى لا يدخل المنزل رجل غريب في غياب رجاله، ونظراته لا تكف عن العبث نحو تلك التي كانت تتعمد الميوعة أمامه، رغم ادعائها التجاهل والعبوس، تتركه لوالدتها تأكل رأسه بالثرثرة بأحاديث لا تتوقف، وهي تشعل رأسه بالذهاب والإياب أمام عينيه المتصيدة.
الخاين الدون، نسي عشرة العمر وراح لواحدة قد عياله يتجوزها وتلهف منه فلوسه. الفلوس اللي تعبت وشقيت فيها معاه! بقى دي جزاتي؟ دي جزاتي يا طلال يا بني؟
معلش يا حماتي، بكرة ربنا يهديه ويرجعلك لما يعرف قيمتك.
تمتم يراضيها بها على مضض، رغم عدم اقتناعه، وهي تواصل ادعاء المظلومية:
دا حتى سؤال بطل يسأل علينا، ولا يشوف محتاجين إيه؟ والعيال على حطة يدك، كل واحد ليه دنيته. اللي مراته شغلاه بعيا ابنها، واللي طالع على رأسه بيلف ورا بنت البهوات. وأما أقوله اتجوزها، يقولي أنا فين وهي فين؟
طب لما هو كده ماشي معاها ليه طيب؟!
أكيد هو أدرى يا حماتي، ومدام مستريح يبقى إحنا ما يلزمناش نتدخل في خصوصياته.
قالها يلقي إحدى الأدوات التي يعمل بها على الأرض بضيق، لتقع أبصاره على الأصابع المطلية خارج الخُف البيتي، والأقدام البيضاء المكشوفة منه أسفل العباءة الضيقة، والتي لا يمل من تحديد تفاصيلها كلما رآها، وقد أتت الآن بحجة جديدة:
الشاي يا مّا زي ما طلبتي… ليكي انتي والمعلم.
تبطأت في الأخيرة لتثير بزاوية فمه ابتسامة كسولة في متابعتها والرد عليها:
من إيد ما نعدمها يا سامية.
حطيه هنا يا بت.
قالتها درية تشير على المقعد البلاستيكي القريب من مدخل الحمام، حيث كانت جالسة بالقرب منه، تردف بأمر:
روحي كملي طبيخك.
وانتي بقى اللي هتفضلي قعدالي؟
صدرت منه نحو درية بسخط، يجفلها بحدته حينما لم تستوعب الأولى:
ما تقومي يا حماتي شوفي انتي الطبيخ اللي وراكي، ولا هتفضلي اليوم كله موقفة حالك قصادي؟
أنا يا بني؟
أمال أمي يعني؟ قومي، وأنا لما أحتاج حاجة هبقى أندهلك.
أومأت رأسها بصدمة تزعن لأمره:
حاضر يا بني، حاضر.
وذهبت من أمامه، ليتوجه هو بأبصاره نحو خطيبته أو زوجته المستقبلية، يأمرها هي الأخرى:
وانتي تعالي دخلي الغسالة دي جوا الحمام.
تخصرت باعتراض تقارعه بغرض استفزازه:
ليه بقى إن شاء الله؟ المعلم ما يقدرش يحركها، ولا يدخلها لوحده؟
قلد طريقتها بتسلية يميل ويتخصر هو الآخر:
لا، مقدرش أحركها يا سنيورة… حاكم تعبان، دا غير إن أعصابي سايبة، ورجليا شايلاني بالعافية.
وصلها المغزى الذي يقصده، ولكنها ادعت عدم الفهم، تزيد بمصمصة شفتيها:
أما دي حكاية والله! صعبت عليا يا معلم شيكاغو. على العموم أنا هساعدك عشان تعبك معانا في التصليح وتعطيلك عن مصالحك.
قالتها وتحركت أمامه لتساعد بتحريك الغسالة، فعقب هو يتأملها عن قرب بجرأة:
تسلمي يا غالية صاحبة واجب.
أبصر منها ابتسامة تحاول إخفاءها، ليتنشي داخله في متابعتها وهي تحرك الغسالة الثقيلة، يشجعها بضمير:
براحة، براااحة يا سامية. على أقل من مهلك خالص، لا دراعك ينخلع، ولا ضهرك… يحصل فيه طقطقة.
استقامت تطالعه بتحدي:
لا، متخفش. أنا شديدة وعفية أوي يا معلم شيكاغو.
تبسم بوسع فمه قائلًا، وقد أعجبه ردها:
وانتي لو ضعيفة، أنا كنت بصيتلك أصلًا؟ شرسة وقوية، دا اللي عاجبني فيكي.
❈-❈-❈
وبعدين بقى في قلة النوم
واليوم الملخبط ده ،ده
في حد يحب كده من يوم
ويتعلق بكده الله
شاغلني قوي ونسيت اسمي،
وأنا اللي فيه ده جنان رسمي،
شاغلني قوي ونسيت اسمي
وأنا اللي فيه ده جنان رسمي
ثواني ورماني في بحره ومليش في العوم
(وبعدين بقى في قلة النوم (بعدين
(واليوم الملخبط ده (ده
في حد يحب كده من يوم
ويتعلق بكده الله،
تلك الأغنية التي كانت تدوي بصخب على أسماعها، داخل البيت المزدحم عن آخره ببشر تعرفهم وآخرين لا تعرفهم، وهي بداخل غرفتها الآن أمام مرآتها تتأمل نفسها.
هذا يومها، هذا يوم خطوبتها الموعودة لهذا الشخص الغريب عنها، والذي فُرض عليها فرضًا.
تتطلع إلى المرآة بصورتها الجديدة بعد تزيينها ووضع المساحيق على وجهها بحرفية. لطالما كرهت هذه الأشياء لظنها الأكيد أنها لا تليق بها، ولكنها اليوم تشعر أنها مختلفة، جميلة كما سمعت من الجميع. ومع ذلك لا تنكر توترها، هذه الخطوة وهذه الأشياء الجديدة، لا تدري كيف ستتعايش معها.
صفية، زهرة جت.
وصلت إلى أسماعها على حين غرة من إحدى شقيقاتها الصغار حينما اقتحمت الغرفة دون استئذان لتجفلها، ثم تركض عائدة كما ذهبت لتضع هي يدها على قلبها متمتمة:
يخرب بيتكِ، خضتيني.
هي مين اللي خضتك يا بنت؟
هتفت بها زهرة تلج بمرح إلى شقيقتها، ثم تتقدم نحوها بفرحة طاغية:
مبروك يا سيادة المحامية، مبروك يا روح قلبي.
قابلت غمرتها باحتياج شديد، وكأنها كانت تبحث عن شيء ضائع ووجدته الآن:
حبيبتي يا زهرة، أنا كنت مشتاقالك أوي.
شعرت الأخيرة بارتجافها، لتنزع نفسها عنها، ثم تمسك كفها وتجس حرارتها لتصيح بها بدهشة:
إيه يا بنت؟ إيدك متلجة كده ليه؟ دي خطوبة مش دخلة يا منيلة.
وكتب كتاب، ولا نسيتي أن أبوكي ورطني وقبِل باقتراح الزفت خطيبي؟
قالتها بنبرة ساخطة تُظهر احتجاجها الشديد، مما ضاعف من تسلية زهرة التي سخرت تمازحها:
زفت من دلوقتي يا أستاذة؟ أمال بعد الجواز هيبقى إيه؟ هتقطعوا بعض بقى.
عبست صفية تترك يدها لتجلس على مقعدها ببؤس مرددة بإقرار:
ممكن، ليه لأ؟ أنا حاسة إنه ممكن يحصل. صدقيني لما تشوفيه أو تتكلمي معاه أكيد هيوصلك الإحساس ده.
سمعت منها لتصدح ضحكاتها معقبة على قولها بذهول:
طب وربنا أنا اشتقت أشوفه من كلامك. ده شكله عريس عسل اللي مبرجلك ومجننك يا سيادة المحامية.
أنا محدش يقدر يبرجلني ولا يجنني، خلي بالك من كلامك يا زهرة.
هتفت بها بانفعال ضاعف من دهشة شقيقتها، وجاء التساؤل من بهجة التي دلفت الغرفة لتنضم معهما:
إيه في إيه؟ صوتك جايب آخر الشارع يا بت… إيه ده؟ زهرة؟
قالتها لتَركض نحو المذكورة، والتي قابلتها بلهفة، يتبادلان الأحاديث الودية والأسئلة الروتينية حتى انشغلتا عنها.
وصلتني دعوة فرحك يا بت يا بهجة. وديني لحضر أنا وجوزي وولادي ونطفش طنط بهيرة، سمعت إنها خالة عريسك.
آه، هي فعلاً خالة رياض، بس واضح إنك بتحبيها أوي يا زهرة.
أوووي! مش قادرة أوصفلك بصراحة. أصلها ست في منتهى التواضع والرقة والذوق.
عارفاهم أنا الرقة والذوق دول ومجرباهم.
قالتها بهجة في استجابة واضحة لسخرية زهرة التي كادت أن تتابع مزاحها لولا صيحة صفية:
خلاص لقيتوا نفسكم في الرغي مع بعض وأنا العروسة بقى اتفلق، اتفلق أنا بقى…
قطعت ترهف السمع متابعة:
إيه الصوت ده؟ ده جاي من برا صح، مش من بيتنا؟
الحقي يا صفية شوفي عريسك عاملك تحت إيه في الشارع.
صدحت والدتها بالكلمات وهي تدلف إليهن بلهفة لتقودهن نحو النافذة:
تعالي يا زهرة، تعالي يا بهجة، تعالي يا منيلة، شوفي عريسك اللي عامل قلبان في الشارع.
قلبااان؟
تمتمت بها لتنضم على الفور بجوارها خلف النافذة، تشاهد منها العرض الاستثنائي لخطيبها المزعوم، وهو يدلف المنطقة على أقدامه والسيارات تسير من خلفه، بصحبة عدد من الرجال أصدقائه والدخان الملون حولهما في أجواء مبهجة تلفت أبصار جميع من يشاهدها. يمسك بباقة الزهور يلوح لها بقبلة في الهواء وأصوات الزغاريد من النساء كتحية لهم، تستمر بلا توقف، لتردد هي ببؤس:
يا ابن المجنونة، دي زفة دي ولا فضيحة؟
❈-❈-❈
بعد قليل
خرجت أخيراً من غرفتها بخطوات بطيئة وحياء غلب عنادها وتلك الروح المتمردة التي تشهرها أمام الجميع، برفقة بهجة التي كانت تشجعها وزهرة شقيقتها الكبرى التي تركت لعفويتها العنان في التعبير عن فرحتها بشقيقتها، تهلل وتطلق الزغاريد بصوت عالٍ تنافس السيدات المخضرمات في هذا الشأن.
ولماذا قد تعطي بالاً لأحد؟ وزوجها حبيبها يرحب فرحاً بأفعالها، وقد كان حاضراً هو الآخر ليحضر عقد قران شقيقتها الصغرى.
كانت الصالة ممتلئة بعدد الحضور المقربين من العائلتين، أهل العريس من والديه وإخوته وعدد من الأصدقاء.
بضيافة أهل العروس المتمثلة في والديها وخالد الذي كان شاهداً اليوم وزوجته المحامية نوال قدوتها هي وبهجة، أما رقية فقد أشرق وجهها فور انتباهها لها، ففتحت ذراعيها بدعوة صادقة تلقفتها صفية لترتمي في حضنها، فاطلقت الأولى كلماتها بتهليل:
يا ألف هنا يا ولاد، البت المفعوصة كبرت وبقت عروسة.
الله يسامحك يا رقية، كل ده ومفعوصة؟ قالتها صفية ضاحكة وهي تغادر حضنها بصعوبة لتتلفت، ثم تصافح على خجل باقي الحضور حتى استقرت في مكانها لتجلس بجوار عريسها المستقبلي، والذي كان ملتزماً الأدب أمام الجميع، ومعها هي أيضاً، غير تلك الجملة المبهمة التي همس بها بصوت خفيض في أذنها أثناء بدء رجل الدين في مراسم عقد القران:
خليكي جاهزة أول ما يخلص المأذون على طول.
جاهزة لإيه بالضبط؟ قالتها بعدم فهم، ولم تعِ لبلاهتها أو تفهم مقصده، حتى حينما غمّز بعينه بحرص لم يلحظه إلا القليل، لتمر لحظات عقد القران سريعاً، وتوقع هي إمضاءها على العقد الذي يربطها به، حتى إذا انتهوا أطلقت زغاريد عالية من بعض النساء، نهض هو من مكانه واقترب منها، وعلي حين غرة وجدته يجذب كفها التي امتدت لتصافحه، اعتقدت أنه قد جاء ليصافحها ويبارك لها، لكنه ضمها إلى صدره واحتضنها بجرأة جعلتها تشهق مجفلة لفعلته، فكان رده بثبات:
اهدي يا أستاذة، أنتي خلاص بقيتي عروستي على سنة الله ورسوله، أبوكي نفسه ما يقدرش يمنعني.
بارتجاف حاولت بصعوبة السيطرة عليه:
ابعد الله يخرب بيتك، إيه اللي بتعمله ده؟ يا دي الفضايح.
لم يسمع لها واستمر مشدداً عليها بين ذراعيه:
اهدي يا أستاذة، لا يطلع منظرك وحش قدام اللي بيصوروا.
قصد بالأخيرة الفتيات الصغيرات واللواتي تفننَّ بكاميرات الهواتف الخلابة لتسجيل المشهد الرومانسي بحالمية ارتسمت على وجوههن، وسط ترحيب العديد من الحضور، ليزيد من صعوبة الأمر عليها، وقد استغل الزخم أفضل استغلال، حتى تركها، وتأمل ملامحها التي لونها الأحمر القاني رغم وجود المساحيق التجميلية، وذلك نتيجة خجلها، حتى إنها لم تكن قادرة على مواجهة عينيه رغم غضبها الشديد منه.
لتحاول الثبات في تلقي المباركات والتهاني من باقي الحضور قبل الذهاب إلى السطح حيث الاحتفال، الذي تم إعداده لهذه المناسبة السعيدة.
❈-❈-❈
في سطح المنزل بعد قليل
كان الاحتفال المحدود بناء على رغبة العروس والتي رفضت البذخ والتكلفة، ليقتصر الحضور على المقربين فقط.
كانت بهجة في هذا الوقت ترافق نجوان التي حضرت اليوم من أجل الطبيب هشام لتهنئته والقيام بواجبها نحوه، فكانت تعبر عما تشعر به دون تردد:
صاحبتك صفية زي القمر يا بهجة، الخلبوص هشام عرف ينقي.
دا مش خلبوص، دا بلوة مسيحة، إنتي مش واخدة بالك من العمايل اللي عاملها هو وأصحابه. تمتمت بالكلمات بهجة، تشير نحو أولئك المنطلقين بفرحهم دون حدود. ضحكت نجوان الأخرى حتى توقفت فمها وذهلت ناظرة نحو من أتي فجأة، لتنتبه بهجة هي الأخرى، فتتبسم بوسع فمها مرددة:
معقول رياض، وجايب معاه آدم؟ قالتها بلهفة فلم تعِ بالوضع سوى بعد أن رأت رد فعل نجوان الذي تغيرت ملامحها بقلق وعيناها لا تفارق الصغير.
❈-❈-❈
في الجهة القريبة
وقد اتخذ الاثنان جلستهما في الركن المخصص للعروسين، لا يكف عن مشاكسته لها لفك جمودها، تاركاً فقرات الحفل والرقص الجنوني مع أصدقائه:
دا مكانش حضن أخوي دا يا أستاذة اللي يخليكي تفضلي مبوزة الليلة كلها. نظرة خاطفة إنما مشتعلة ألقتها نحوه، قبل أن تذهب بأبصارها نحو أصدقائه الذين احتلوا السطح برقصاتهم:
هو إنت إزاي أصحابك كده؟ بالذمة دول دكاترة؟ ولا يكونوا شاربين حاجة قبل ما يجوا على هنا يا هشام والله ما أستبعد. ضحك متحدثاً باعتزاز:
عشان ما بيرقصوا وعايشين اللحظة يعني، تجرديهم من مهنتهم، ثم إن حكاية يشربوا دي واسعة يا أستاذة، دول عاملين دماغ لوحدهم، لأنهم مساكين ليل ونهار شغالين، ما بيصدقوا تيجي فرحة لحد فينا، كل المواهب المدفونة تطلع.
يا شيييخ صعبوا عليا تصدق. قالتها بنبرة ساخرة، لتجفل بعدها بما توسعت له عينيها:
غوريلا، غوريلا يا هشام، جايب غوريلا في خطوبتي.
❈-❈-❈
فرحتها بحضوره كانت لا توصف، رغم غصتها بالانصراف المفاجيء لنجوان، في إشارة عن رفضها رؤية الصغير، فعبرت هي عن قلقها:
– انا خايفة على نجوان اوي، شكلها متحملش تشوف آدم قدامها .
اجابها مطمئنًا:
– لا متقلقيش عليها، انا موصي عم علي ودادة نبوية يخلوا بالهم منها، ويبلغوني لو حصل عليها أي تأثر، آدم بقى واقع في حياتنا دلوقتي، يعني ممكن تشوفه في اي مكان
لومأت رأسها بتفهم، تطالع الصغير الذي اصبح يندمج هو الاخر في الرقص مع باقي الاطفال، وقد تكفلت به عائشة اليوم.، لتدمجه مع اصدقائها:
– خسارة والله، نجوان بس لو تدي نفسها فرصة وتشوفه عن قرب، انا متأكدة انها هتفتح قلبها الحنين ليه .
عقب خلف قولها، يغمرها بغزله:
– ان شاء الله دا يحصل، المهم انتي تعالي هنا، ايه الحلاوة دي، هو دا اللي احنا متفقين عليه؟ مش قولنا تساعديني في ايام العد التنازلي للفرح، يا اما تطفي نار البعد بقى بالوصال، انا تعبت وجيبت اخري.
قالها بجدية ومغزى فهمت عليه بهجة لتردد بمرح:
– لا اله الا الله، دول ما كانوش يومين دول قبل الفرح، على العموم انسى يا باشا، عشان مفيش وصال، الا بعد الفرح، دا كلام خلصان من زمان.
– امممم
زام بفمه يعض على شفته السفلى بغيظ شديد متمتمًا بوعيد:
– ماشي يا بهجة، ادلعي براحتك، انتي قولتي بنفسك، هما كام يوم ويخلصوا……
اومأت بتوجس، ثم انصرفت بعيناها نحو صديقتها العروس، والتي اجبرت للرقص مع عريسها بعد أن سحبهما اصداقاء العريس ليلتفوا حولهما، وتلك الغوريلا المصنعة ، ترقص وسطهم، في لحظات من الجنون لا تستوعبها صفية ولكنها تساهم في فك جمودها رويدا رويدا، نحو التخلص من عقدها..
على نغمات الأغنية النوبية الدائرة
عسل سكر انت اي هي
هنا شامه هنا نقطه اي هي
عسل سكر انت اي هي
هنا شامه هنا نقطه اي هي
السميح ولدي اي هي
السميح زولي اي هي
عسل سكر انت اي هي
هنا شامه هنا نقطه اي هي
عسل سكر انت اي هي
هنا شامه هنا نقطه اي هي
عسل بسكويت اي هي
انا ليك حبيت اي هي
ابعتلي اضافه اي هي
علي الفيس بوك اي هي
يا ابو قلب صفصافه
ماتعملش بلوك اي هي
عسل سكر انت اي هي
هنا شامه هنا نقطه اي هي
عسل سكر انت اي هي
هنا شامه هنا نقطه اي هي
واحلم لو نمت اي هي
واكتب كومنت اي هي
تغريدة وتويتة اي هي
دي عايزالها خريطه اي هي
الفصل السادس والاربعون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل السادس والاربعون 46 بقلم امل نصر
الحياة مليئة بالتحديات والمفاجآت، حيث نواجه لحظات من الحيرة والاختيارات الصعبة بين البقاء والرحيل. ورغم الصعوبات، تظل القوة في قلوبنا، تتجدد مع كل دمعة وابتسامة، فنعلم أن لدينا القدرة على التغيير والوقوف مجددًا أمام الزمن.
نجوان
ادمن / سنا الفردوس
❈-❈-❈
مرت عليها الليلة بهدوء كما أخبرته الدادة نبوية، فلم تصرخ ولم تبكي، بل طغى عليها الحزن فقط، ونامت باكرًا عن كل ليلة في سكون تام لم يعجبه، لكنه لم يكن يملك من الأمر شيئًا. كان هذا همه وهمها، ميراثهم من حكيم الزوج المحب والمستهتر في آن واحد، الذي ارتكب الأخطاء ليتحملها غيره، ومع ذلك يظل محبوبًا، ولا أحد يستطيع اقتلاعه من قلب امرأة متيمة بعشقه.
دخل إلى غرفتها يبحث عنها، فوجدها في الشرفة، مستندة بمرفقيها على الحاجز الإسمنتي للسور. قبل أن يحييها، باغتته قائلة، إذ انتبهت لقدومه حتى قبل أن يلقي إليها التحية:
شكلها كانت بتحب أبوك أوي، بدليل إنها خلفت شبهه.
تبسم ساخراً من خلفها:
وليه متقوليش إن جينات حكيم هي اللي بتغلب رغماً عن أي شيء، ياااه، الراجل ده مازال بيبهرني حتى بعد موته بسنين.
التفت إليه بوجه خالٍ من العبث، تسأله مباشرة:
وانت ناوي تعمل إيه بعد ما تتجوز؟ هتخليه معاك برضو؟
مط شفتيه يجيبها بمكر:
يعني هعمل إيه يعني؟ مينفعش أتخلى عنه، دا أنا بحمد ربنا إنه خد على إخوات بهجة عشان أسيبه معاهم لما نسافر شهر العسل، رغم إنها مسؤولية عليهم، لكن مفيش في إيدي حل غير كدة.
عضت على نواجذها بغيظ شديد:
وخالته بقى راحت فين؟ ما تسيبه معاها ولا هي فالحة تتنطط وبس؟
إن جيتي للحق يا ماما، والله ما أقدر أئتمنه عليها.
قالها بنبرة صادقة زادت من تشتتها وحيرتها، لتحيد ببصرها عنه، وبصمت أظهر عمق تفكيرها.
❈-❈-❈
توقفت بسيارتها، تصفها أمام البناية التي يتواجد بها مكتب المحاماة الخاص بها، بعد أن استيقظت باكرًا وأكملت روتينها اليومي استعدادًا للذهاب إلى عملها. تجاهلت كل النصائح التي ألقتها والدتها على مسامعها، مصحوبة بالتوبيخ المستمر لأنها لا تسمع لأحد سوى نفسها. حاولت والدتها منعها من الذهاب إلى العمل في اليوم التالي لعقد قرانها، لكنها رفضت اتباع تقاليد تعتبرها بالية وعفا عليها الزمن.
تحركت سريعًا، متجهة إلى داخل البناية، ثم صعدت إلى مكتبها، لتكمل العمل المتأخر عليها من الأمس. طلبت من مساعدتها عدم إزعاجها حتى يحين موعد مقابلة موكليها. اندمجت في التركيز على مستندات القضايا دون أن تشعر بالوقت، إلى أن أفزعها صوت فتح باب الغرفة عليها دون استئذان. رفعت رأسها لترى خطيبها، أو بالأحرى زوجها،المدعو هشام، كما تذكر من عقد قران الأمس. يقف عند المدخل، متجهمًا.
في حاجة يا هشام؟
سألته ببراءة، لكنه قابلها بتجهم أكبر وهو يدخل الغرفة، مغلقًا الباب خلفه، ثم يتقدم نحوها بصمت مطبق يزيد من توجسها.
طب انت ليه بتقفل الباب؟ وليه ما اتصلتش قبل ما تيجي؟
ده على أساس إنك كنتِ هتردي؟
هتف مقاطعًا، وضرب بكف يده على سطح المكتب أمامها، فتراجعت بجسدها إلى الخلف بذعر. تضاعف خوفها عندما اقترب بجسده منها، مستندًا بكفيه على ذراعي الكرسي ليحاصرها:
مردتيش ليه على أي اتصال مني امبارح؟
ارتبكت لقربه المفاجئ، بمشاعر مختلطة بين الذعر والإعجاب بعينيه البنيتين الضيقتين، اللتين جذبتا انتباهها لأول مرة رغم حدة نظراته. حاولت الثبات وأجابت بجدية:
نمت بدري وكنت عاملة التليفون صامت. يعني عادي.
لا، مش عادي.
صاح بها، ضاربًا مرة أخرى على ذراع الكرسي، بحزم أكبر:
امبارح كان كتب كتابنا.قلتلك نخرج، قلتِلي إنك مصدعة، وسبتِك، يبقى تستني اتصالي بيكي، مش تعملي التليفون صامت وتخليني أضرب أخماس في أسداس. شغل الخطوبة المؤقت ده انتهى، إنتي دلوقتي مراتي شرعًا يا صفية، ولا لسه مخدتيش بالك منها دي؟
حاولت نهيه بجديتها:
بلاش أسلوبك ده يا هشام. أنا عارفة حقوقك كويس، رغم إن جوازنا لسه ما دخلش حيز التنفيذ، وقربك ده عيب على فكرة.
خلاص، ندخله حيز التنفيذ عشان ما يبقاش عيب.
هشام!
صاحت به، ليبتعد قليلاً ويرفع يديه عن ذراعي الكرسي، مراعيًا خوفها بعض الشيء، قبل أن يردف بلهجة آمرة:
مش هزود عليكِ، بس بعد كده تعملي حسابك وما تكرريهاش.
حاولت التقاط أنفاسها بعدما ابتعد عنها قليلاً ليرتاح قلبها من هذا القرب المرهق، لكنه عاد سريعًا بعبثه ليباغتها.
حد قالك إنك بتبقي زي القمر وإنتِ مرعوبة؟
صاحت، وهي تدفعه بقبضتيها على صدره:
أوعي يا أخي! دا انت مجنون أكتر من الناس اللي بتعالجهم.
أمسك كفيها محذرًا:
عيب، من غير غلط. أرجع أفكرك إن أنا جوزك يا أستاذة؟
همّت أن تنفجر به، لكنّ فتح الباب فجأة قطع كلامها. ظهرت مساعدتها عند الباب، متجمدة أمام هذا المشهد ، قبل أن يجفلها هشام بصيحته:
حد يفتح الباب كده من غير استئذان؟
ردّت سندس، متلعثمة:
أنا متعودة أفتح على الأستاذة كده بعد خبطتين على الباب… هو انتوا ما سمعتوش؟
لا ما سمعناش، اتفضلي اخرجي بقى، يلا!
هرولت الفتاة مغادرة عقب صيحته. فاستفاقت صفية من صدمتها، لتنفجر به غاضبة:
عاجبك كده؟ هتقول علينا إيه دلوقتي؟ هتقول علينا أي…..
قطعت بشهقة عالية، بعدما أوقفتها شفاهه، حينما حطت على خاصتيها، خاطفًا قبلته الأولى منها، لتشخص أبصارها في النظر إليه فاغرة فاهها بصدمة، قابلها هو ببساطة معلقًا:
“دي كان حقها تبقى امبارح، هدية كتب كتابنا، واقفلي بقك بقى عشان مكررهاش.”
❈-❈-❈
لم يتبقَّ على موعد حفل زفافها سوى القليل، لذلك كانت تستغل هذا الوقت القصير في العمل بجد متواصل، حتى تخفف عن حبيبتها نجوان عبء العمل أثناء غيابها عن الجمعية لقضاء إجازة الزواج، كما أخبرها زوجها الحبيب رياض.
كانت نجوان قد خرجت منذ ساعة لتتفقد إحدى دور الرعاية القريبة منها، وظلت بهجة منهمكة في العمل حتى أطَلَّ بوجهه الحسن أمامها. كيف لم تشعر به حين دخل حتى وصل ليميل وجهه نحوها مبتسماً:
بهجة هانم، تسمحيلي آخد دقيقتين من وقتك؟
وكان ردها ابتسامة ساحرة أشرقت في قلبه لتحيي بساتين حب وشوق لا ينتهي:
عشرة كمان لو عايز، بس ممكن أعرف إيه سبب مجيك؟
استقام بجسده، ليفرد كف يده أمامها، يدعوها:
كده يبقى تقومي بقى وتيجي معايا.
نهضت، متقبلة دعوته، تُسلمه يدها بثقة كاملة، وسألته باستفهام:
معاك أكيد، بس هروح معاك فين؟
قبَّل ظاهر كفها وهو يخبرها:
مش هنبعد أكيد عن القصر، تعالي معايا.
❈-❈-❈
استيقظ متأخرًا اليوم بسبب عطلته الأسبوعية في العمل، ليجدهم مجتمعين على طاولة السفرة لتناول وجبة الغداء. انضم إليهم سمير، الذي جاء اليوم بصحبة زوجته، بينما كانت هي تُطعم طفلها داخل غرفة زوجها.
ألقى عليهم تحية الصباح بصوت ناعس، ثم انضم إليهم على نفس الطاولة.
صباح الخير، ودا فطار ده ولا غدا؟ أنا الأوقات متلخبطة معايا أصلاً.
تكفّل سمير بالرد ضاحكًا:
طبعًا يا سيدي، الله يكون في عونك، وإنت بقى فيك عقل أساسًا؟ دا أنا لو منك أبقى مجنون رسمي.
فهمت درية على مقصده، لتُدلي بدلوها هي الأخرى:
بلاش يا سمير، لا يتشنك ويتعصب علينا، حكم دا أي كلمة في الموضوع ده بياخدها شتيمة اليومين دول.
جاء رده بضيق ملحوظ:
أنا برضو اللي أي كلمة باخدها شتيمة؟ ولا أنتو اللي قاصدين تحرقوا دمي في حاجة ما بقبلش الكلام فيها؟ على العموم أنا مش هرد، ولو عايزني كمان ما أحضرش الفطار، كمان أقوم.
قال الأخيرة، مزيحًا الكرسي الذي يجلس عليه بجذعه ليهمّ بالمغادرة، ما أجبر شقيقه على مهادنته.
إيه يا عم شغل العيال ده؟ إحنا يدوب بنهزر معاك يا سيدي، ومدام واخدها بحساسية كده بلاها خالص.
استجابةً لقوله، عاد سامر للجلوس مرة أخرى، فتابع الآخر مُوجهًا أمره إلى والدته التي انكمشت ملامحها بحنق:
سامعة ياما، ما تجيبيش سيرة الموضوع ده نهائي، وسيرة لورا كمان ما تجيبيهاش…
قطع ضاحكًا بعدما استطاع استفزاز سامر بذكر اسمها صراحة، ليسارع بالتلطيف والمزاح:
آخر مرة والله، مش ههزر تاني… خلاص بقى يا أبو سمرة، بنكشك يا أخي عشان تصحصح.
زفر سامر محاولًا السيطرة على غضبه من شقيقه، الذي جعل والدته وشقيقته يضحكان عليه، ثم تجاوز الأمر مفاجئًا إياهم.
ماشي يا عم الظريف، هعدّيها. أنا أصلاً قايم أديكم دي.
وأشار بالأخيرة، يضع الكارت الفاخر المطوي على الطاولة أمامهم، ليتناوله سمير متسائلًا بفضول:
يا ما شاء الله، ودي دعوة فرح مين بقى؟
اقرأ وشوف بنفسك.
قالها سامر بخبث، يراقب رد فعل شقيقه الذي ظهرت عليه الصدمة وهو يقرأ صيغة الدعوة، ويتمتم دون وعي منه.
بهجة!… فرح بهجة!
سمعت سامية ما قاله، فنهضت فورًا لالتقاط الكارت لتتفحصه، ثم صاحت بعدها.
نعم نعم؟ وهيعمل لها فرح في قصر ليه إن شاء الله؟ هو مش قال إنه اتجوزها في السر، لزومه إيه بقى الفرح؟
لزومه إنه عايز يقدمها للناس كلها والمجتمع بتاعهم. لا همه المنظر ولا الفرق الاجتماعي الرهيب ما بينهم. شفتي بقى الواحد لما يحب بيعمل إيه؟
قال الأخيرة بنظرة واضحة نحو شقيقه، الذي سكت عن المتابعة، والحسرة بادية في عينيه. فتدخلت درية تُعنّفه وتصب اللعنات عليها.
اسم الله يا أخويا، إنت هتعملها قصة وتهلل بيها؟ دي الحكاية واضحة زي عين الشمس. البت القادرة هي اللي علقت الباشا ونسته اسمه، اتمسكنت لحد ما اتمكنت، عشان تعرفوا بس إن كان ليّ نظرة. أخوك الغلبان كان هيروح فين بس معاها؟
بلا أخوه بلا زفت بقى!
صرخ بها سمير، ينهض تاركًا لهم الطاولة بأكملها، لتردد في أثره درية باللعنات:
روح يا سامر، يعكنن عليك زي ما عكّنت على أخوك.
صرخت سامية هي الأخرى:
أخوه بس؟ وأنا ياما، دا أنا هموت بقهرتي! يعني هي تاخد الباشا، وأنا يبقى نصيبي شيكاغو؟ ليه؟ كنت قليلة ولا هي أحلى مني؟ أنا كمان نفسي انسدت.
ونهضت عن الطاولة هي الأخرى، ليضرب سامر كفًا بالأخر محوقلًا أمام غضب درية:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. طب حد جاب سيرتها دي كمان؟ أنا قايم ياما بدل ما تحرقيني بنظراتك دي، دا ولا كإني عملت عملة سودة من غير ما أقصد.
من غير ما تقصد برضو؟!
رددت بها درية من خلفه بسخرية وتهكم. ليأتي التساؤل من زوجة سمير، التي خرجت للتو من غرفتها بعد انتهائها من إطعام طفلها:
إيه اللي حصل؟ وسمير مشي ليه من غير ما يبلّغني؟
ابتسم سامر وهو يأخذ الطفل منها ليداعبه، قائلًا لها ليطمئنها:
راجع تاني يا إسراء. هو بس اتخنق شوية من كلامي، لكنه هيلف يلف وبرضو هيرجعلك. هو ليه مين غيركم أصلًا؟ إنتِ والكتكوت الحليوة ده؟ حبيب عمو ياللا.
❈-❈-❈
داخل النادي الاجتماعي، حيث موعد التمرين الخاص بآدم، ابن شقيقتها.
أصبحت تتكفل بهذه المهمة لتضيف مزيدًا من التواصل بينها وبين هذا الوسيم المتعجرف، شقيقه، الذي أصبح كالطيف لها.
منذ الحادثة الأخيرة، وحين أخبرته بما فعلته بهجة معها، ثم صدمتها حين علمت بموعد حفل زفافه والدعوات التي يرسلها للجميع ليعلن أمام الملأ عن زواجه بهذه الفتاة، حاولت جاهدة لقاءه والاستفسار عما حدث ليقلب الوضع لصالح هذه الفتاة، ولكنها لم تصل إلى شيء سوى التجاهل.
حتى حينما كانت تذهب متعمدة في أوقات متفرقة من اليوم إلى آدم، كان دائمًا يجد الحجة للخروج وتركها، مما زاد غليل صدرها نحو تلك “الملعونة” التي استطاعت السيطرة على عقل رجل مثله ليتعلق بها هكذا.
بدأت تبحث عن خطة مناسبة للإيقاع به حتى يخرَّ صريع فتنتها التي تغري جميع الرجال إلا هو.
هي، المرأة ذات الأنوثة المكتملة من كل شيء، ترى أنها تستحق رجلًا مثله يعوضها بشبابه وماله وقوته عن زواجها السابق بالعجوز الراحل، الذي ورثت منه المال. لكنها الآن متعطشة للشباب وبقوة.
خرج آدم من حوض السباحة بعد أن أكمل تدريبه تحت إشراف مدربه الخاص، الذي ربت على كتفه بحفز وتشجيع قبل أن يتركه. تقدم الصغير نحو خالته متفاخرًا.
شوفي يا نودي، المدرب فرحان بيا إزاي؟ ده قالي لو استمريت كده ممكن أوصل لبطولة النادي وبعدها الجمهورية.
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيها المطلية بالأحمر القاني، لتجاري الصغير:
جميل أوي يا آدم، لو ماما عايشة دلوقتي كانت فرحت أوي بيك… لكن أخوك بقى يعرف بشطارتك دي، ولا هو فرحان إنه بالنسبالك جيب فلوس وخلاص؟
ظهر استهجان واضح على ملامح الصغير إثر كلماتها التي لم يتقبلها.
ليه بتقولي كده يا خالتو؟ رياض جميل وبيعمل كل حاجة حلوة عشاني. هو قالي إنه بيحبني وفرحان إن ظهر له أخ، ومبقاش في الدنيا لوحده.
يا روحي.
تمتمت بها بغيظ مكتوم، محاولة كبح نفسها بصعوبة حتى لا تنفجر في وجهه. حاولت إبعاد عينيها عنه، مراجعًة نفسها حتى لا تظهر ما بداخلها أمام هذا الصغير. لكنها لم تتمالك نفسها، حيث اصطدمت أبصارها بذلك الوسيم الراقي، الذي كان يبادلها الإعجاب بنظرة صريحة، وهو يسير مرافقًا لهذا… كارم.
نطقت بالاسم لتفاجأ بالمذكور يتقدم نحوها، يصافحها:
نادين هانم، ده إيه الصدف السعيدة دي؟
نهضت تبادله الترحاب بدلال تُجيده:
أنا اللي أسعد يا كارم باشا. حضرتك جاي مع المدام بقى عشان أسلم عليها؟
نفى بدماثة وذوق:
لا، للأسف رباب مجتش معايا. أنا جاي في مقابلة مع صديقي. نسيت أعرّفكم على بعض، ده صلاح، صديقي. معلش، هو كان في الخليج وراجع من شهور قليلة، ودي أول مرة أقابله النهارده بعد رجوعه… صلاح، دي تبقى نادين هانم، مرات المرحوم عيسى الصوان. أكيد سمعت عنه.
التمعت عينا الآخر فور سماع الاسم، فأجاب بحماس:
طبعًا عارفه. مش ده برضه صاحب مصانع الصابون الشهيرة؟ بس ده كان عجوز، والهانم صغيرة أوي، دي تقريبًا في عمر أحفاده.
تبسمت بإنتشاء، تدّعي الخجل:
مش لدرجة أحفاده يا صلاح باشا. بس هو فعلًا كان عجوز عليا، لكنه كان نصيبي على كل حال، هعمل إيه يعني؟
قالت الأخيرة بمسكنة لتثير التعاطف نحوها، فرد الآخر بحزن مصطنع، يشتكي من حظه البائس في الزواج من امرأة صعيدية بعد عودته من الغربة، والتي استولت على نصف أمواله.
انتي كمان، وانا اللي كنت فاكر ان انا بس المتعوس في الدنيا دي، هو كدة الحظ مبيمشيش غير مع الوحشين، اما احنا، فلنا الله .
ونعم بالله عندك حق يا صلاح باشا
علم كارم بنجاح المهمة بعد أن ألقى الطُّعم، فالتقطته هي بترحاب شديد. التزم الصمت، متابعًا الحديث بين الاثنين، اللذين يتشابهان في الصفات ويتقنان دور الضحية للحصول على مبتغاهما. يبدو أنه سيحظى بتوفيق كبير في الجمع بين رأسين في الحلال.
❈-❈-❈
في مدخل منزلهم، كانت تقطع الأرض ذهابًا وإيابًا دون توقف، تنتظر قدومه بعد أن أرسلت في طلبه منذ لحظات. خرجت من المنزل هائمة على وجهها، لا تطيقه ولا تطيق أي شيء يذكرها بخيبتها. منذ أن رأت دعوة عرس بهجة، اشتعلت نيران صدرها، ولن تهدأ إلا عندما يبرد قلبها بما هو أفخم وأعلى.
خير يا سامية، بعتِ لي في إيه؟
هتف طلال بهذه الكلمات فور أن وطأت قدماه داخل البناية، وقد تسرب إليه القلق من وقفتها تلك، وكأن شيئًا ما قد حدث.
أمك حصل لها حاجة ولا حد من إخواتك؟
تحمحت تُجلي حلقها، متظاهرة بالمزاح في ردها:
جرى إيه يا طلال؟ هو أنا معوّزاكش غير في المصايب؟ ما ينفعش يعني أبقى عايزاك في طلب يخصني؟
لمس في نبرتها الأخيرة لمحة من دلال استغربها منها، فحثها على المواصلة قائلًا بجدية:
يا ستي، إنتِ تؤمريني. قولي اللي عايزاه يا سامية.
تشجعت لتزيد من جرعة الدلال:
في الحقيقة، هو مش طلب واحد، هما كذا طلب، وأنا عشمانة في كرمك يا طُلولتي، ما تكسفنيش.
ضحك ساخرًا، ثم تحرك من أمامها ليجلس على أول درجات السلم المؤدي إلى منزلهم. أخرج علبة سجائره من جيب بنطاله، وسحب واحدة منها، مرددًا خلفها.
طُلولتك كمان! لا، ده شكل الموضوع كبير فعلًا. قولي يا غالية على الكام طلب دول، إحنا أكيد قدها.
سحبت شهيقًا عميقًا لتجمع شجاعتها، ثم بدأت في طرح مطلبها، أو بالأحرى مطالبها.
❈-❈-❈
نفث دخان سيجارته في الهواء، وبهدوئه المريب تابع يستدرجها:
آه، وإيه تاني كمان غير الفستان اللي عايزاه من أغلى محل فيكي يا جمهورية؟
لو كانت في حالتها الطبيعية لكانت علمت أن هذا الصمت لا يعني الخير، ولكن ذهنها المضطرب صور لها رضوخه وموافقته، فاندفعت أحلامها إلى أبعد مدى، لتصل إلى ما لا يقل عن بهجه، فبدأت تعدّ على أصابعها كل ما يتبادر إلى ذهنها.
“الشبكة يا طلال، هنغير الدهب كله. إيه داعي للغوايش والشغل البلدي ده؟ والألماس برقبته. يبقى هنغير الشبكة لألماس، والفرح هنأجر قصر من بتوع الباشوات ونعمل ليلتنا فيه. سكّ على حجز القاعة والكلام الفاضي. وأنت…”
توقفت، تتأمله من رأسه إلى قدميه بتفحص وتمعن، مما أشعل في نفسه غضبًا شديدًا، فهو يعلم تمامًا ما يدور في رأسها من مقارنات مجحفه في حقه.
“أنت هغيرك خالص يا طلال. تغيّر أولًا استايل لبسك وقصة شعرك من حلاق الغبرة تنساها خالص. هتروح لأحسن كوافير رجالي. لازم يبقى التغيير شامل من كله. أبوك غني يا طلال، وأنت كسيب، يعني تقدر تبقى أحلى واحد في المنطقة وفي المحافظة كمان. أنا عايزة يوم الفرح كل البنات يحسدوني عليك.”
نثر السيجارة من إصبعه، ليقف أمامها مباشرة، ثم يفاجئها بتعقيبه.
“طب وإيه لزوم التعب ده كله؟ تاخدي واحد تعمليله عمرة من أول وجديد ليه؟ ما تغيري العريس نفسه يا غالية.”
“إيه؟ إزاي يعني؟”
تمتمت بها بعدم فهم، وذهنها الغائب لم يستوعب بعد، ليجفلها بصيحته:
“إيه يا روح أمك؟ مش هو ده اللي بيدور في راسك دلوقتي؟ عايزة عريس زي اللي هتاخده بنت عمك، ويا ريت لو أحسن منه أو هو نفسه.”
ترددها والاضطراب الذي ارتسم على ملامحها كانا خير دليل على صدق ظنه، ليأتي رده المفاجئ بسرعة، متناولًا ذراعها ويلويه خلف ظهرها، ثم يعدّل وضعها في لمح البصر ليصبح خلفها. يضغط عليه بشدة لدرجة أنها شعرت وكأن ذراعها على وشك الانكسار، فصرخت به.
“آآآه، دراعي يا طلال حرام عليك، أنا عملت لك إيه بس؟”
زمجر يذكرها بشيكاغو المنطقة:
“وماله لما يتكسر يا غالية؟ ما أنا برضو راجل مقتدر وأقدر أعالجك، بس المهم أربيكِ على فراغة عينك دي.”
“آآآه…”
صوتها على بالأخيرة لتواصل في تحذيره:
“وديني لو ما سيبتني يا طلال، لأكون راقعة بعلو حسي ولامة كل أهل الحارة.”
زاد ضغطه بعدم اكتراث:
“وماله يا بت؟ لمي وجيبي المحافظة كلها، ولو في راجل واحد قدر ينجدك مني، يبقى شنبي ده على مرة. ولا أنتِ نسيتي مين شيكاغو؟”
دفعها في النهاية، فشاهدت الخطر يتجسد فيه بأبشع صوره. خطوط وجهه المتوترة وعروقه البارزة في رقبته جعلت قلبها يسقط بين قدميها خوفًا من تكرار هجومه. فتغيرت نبرتها محاولة استعطافه.
“طب ليه ده كله يعني؟ ده أنا كنت بكلمك عن اللي في نفسي. العشم غلبني يا سيدي…”
اختتمت ببكاءً حارق، مستعينة بوجع ذراعها الذي كانت تدلكه بحرص شديد، ما جعل الشفقة تتسلل إلى قلبه. ومع ذلك، ظل محتفظًا بجموده.
“محدش اتكلم عن العشم، بس أنا أكره ما عليا الست اللي تبص على حاجة غيرها ولا تغيّر. أدفع من جنيه لمية ألف عشانك، مش عشان تقلدي فلان ولا علّان.”
عجزت عن العثور على كلمات تقنعه أو تخفف من بطشه، فاستمرت في بكائها حتى بدأ عنفه يخف قليلًا ويستمع إليها. وصلها صوت زفرته القوية، قبل أن يسحبها إليه ويضمها من كتفيها ليهدئها.
“خلاص يا سامية، متقطعيش قلبي. عارف إن إيدي تقيلة ودي أول مرة تجربيها، بس بكرة تتعودي.”
قطعت خلف الأخيرة رافعة رأسها إليه بزعر، فقابل نظرتها باستخفاف ضاحكًا:
“بهزر معاكي يا سامية. وأنا إيه اللي يخليني أكررها تاني بس طول ما أنتِ ماشية كويس.”
هل يسعي لتهدئتها؟أم انه يزيد من بث الرعب في قلبها؟
هي التي كانت تظن أن رغبته الكبيرة نحوها ستمنحها القدرة على ترويضه وفرض سيطرتها عليه لتحصل علي ما تريد.
لكن هاهو يذكرها من جديد بطبيعته المتوحشة. كاد أن يكسر ذراعها منذ لحظات، والآن يضمها بجرأة وكفه يتجول علي ظهرها بحرية تحت ستار تهدئتها.ومع ذلك، هي لاتستطيع الإعتراض؛حتي إرضائها، يفعله بطريقته.
“ليكي عليا يا ستي أعملك فرح تشهد عليه المنطقة كلها، والفستان اللي عايزاه من أي حتة تختاريه، وكل اللي تحتاجيه أجيبه. لكن تقوليلي أغير قاعة ولا شبكة؟ انسي يا غالية. كل واحد يلبس توبه يا حبيبتي، فاهماني؟”
❈-❈-❈
متكئًا بجذعه على الفراش، يراقبها وهي تبدل ملابسها في محاولًة لاختيار الأفضل من بين المجموعة التي جلبتها حديثًا للمناسبات الخاصة.
“ها، إيه رأيك بقى في ده؟ حاسة لونه لايق عليا، ده غير إنه مناسب، لا هو ضيق ولا شفاف، حلو صح؟”
قالتها تشير إلى الفستان الذي ترتديه بلونه الأخضر، بلمعة محببة، وتصميم بسيط على الجسد الملفوف بعض الشيء. فقد اكتسبت بعض الجرامات القليلة بعد زواجها، لتضاعف من فتنتها، وتزيد الصعوبة على هذا العاشق المسكين:
“هو فعلًا حلو يا صبا، حلو بزيادة كمان، لكن أنا من رأيي تنقي غيره، ياريت لو حاجة عادية.”
ضحكت تقابل قوله بمزاح:
“عادية إزاي يعني؟ ألبس عباية بيتي مثلًا؟ إيه يا باشا؟ ده الفستان التالت اللي ألبسه.”
مط شفتيه بعدم اكتراث:
“والله حظك، أعملك إيه؟ بهدلي نفسك شوية عن كده وانتِ تلاقي الدنيا تسلك معاكي.”
قهقهت ضاحكة بشقاوة، فقد كان دائمًا ما يغلبها بغزله ومزاحه. ثم خطت نحوه وجلست بجانبه على الفراش، لتعلق على قوله.
“خلاص يبقى ادعيلي أخلف، وأنا ساعتها هلخبط وأبقى كلابيظو كمان.”
لمست كلماتها شغاف قلبه المتيم، المتلهف لرؤية ثمرة حبه في الأطفال منها. تنهد بجدية، ثم رد على قولها.
“أنا بدعي ليل نهار يا صبا، عشان أشوف أولادي منك، وربنا العالم أعمل إيه تاني؟”
تأثرت بشجن لكلماتها وشعرت بالحزن في نبرته، فسرعان ما حاولت تلطيف الموقف.
“شادي، أنا بهزر على فكرة، ثم متنساش كلام الدكتور لما أكد إن إحنا الاتنين تمام وعال العال، هي بس مسألة وقت.”
تأوه بلوعة ردًا على كلماتها:
“آه يا صبا عَ الوقت. هو أنا اللي تعبني غير الوقت؟ رغم إني اتعودت على الصبر في كل مراحل حياتي، واتحملت وعديت، إلا دي، حاسسها صعبة أوي. نفسي أشيل أولادي منك، النهاردة.”
“حبيبي، بكرة تشيلهم وتفرح بيهم كمان.
قالت ذلك وهي تتناول كفه، تحاوطه بين يديها، فرفع هو يديها ليقبلهما. حينها تذكرت هي:
“صحيح نسيت أقولك، أصلي عايزة أستأذنك في مشوار كده. أمنية بنت عم المرحوم ناصر الدكش خلفت، وعايزة أروح مع أمي نباركلها ونعمل الواجب.”
قرص وجنتها يبلغها قراره:
“روحي يا ست صبا، يا أم الواجب، عقبال ما تيجي تباركلك أنتِ كمان.”
هللت بصخب تضحك:
“اللهي يسمع منك يا شادي يا ابن أم شادي، يا رب يا رب.”
❈-❈-❈
بجوار النافورة العتيقة التي تتوسط الحديقة، وقفا يلتقطان الصور كما فعلا في عدة أماكن داخل القصر وخارجه، بواسطة المصور المحترف الذي فاجأها، ليقوم بنشر الصور على عدة مواقع إعلانًا للعامة عن قرب موعد زفافهما.
“بصي عليا أنا يا عروسة، سبيه هو مقرب وشه منك.” أومأت عيناها بطاعة، بينما يلتقط الصورة كما فعل في عدة أوضاع أخرى تعكس العشق في عينيهما.
“واحد، اتنين، تلاتة… هايل.”
انتهى أخيرًا ليقترب منهما، ويريهما النتائج الرائعة لصور تخطف القلب والعقل. كان قلبها يدوي في صدرها كالطبول دون توقف، تتأمل هذه الصورة وهو يضمها من خصرها وتعانق عينيه عينيها، أو تلك الثانية وهي تميل عليه وهو يأسرها بابتسامة، وتلك وتلك… لقد رضيت عن معظمهم إن لم يكن جميعهم. حتى إذا انصرف الرجل، توجهت إلى حبيبها تعاتبه:
كده برضو يا رياض؟ مش كنت تديني فكرة أولًا قبل ما تجيب الراجل وتطبوا عليا كده زي القضا المستعجل؟
القضا المستعجل!
تمتم بها ضاحكًا، لتردف هي بتوضيح:
أيوة يعني أنا قصدي كنت غيرت هدومي ولا أتمكيجت.
إنتِ كده زي القمر مش محتاجة. أوقفها بعبارات الغزل التي لامست قلبها، ولكنها حاولت الثبات تجادله:
يا سيدي ربنا يخليك، أنا قصدي يعني يبقى شكلي حلو أكتر من كده…
قطعت بشهقة مكتومة حينما وضع كفه على خصرها يقربها إليه، ليغمرها الخجل، تحاول تنبيهه:
رياض الجنينة مكشوفة والناس رايحة جاية ع الجمعية خلي بالك.
ضحك بصوت مكتوم وهمس بجوار أذنها:
طب وإحنا مالنا بالناس، ولا هما مالهم بينا؟ أنا راجل بقاله فترة في الجفاف العاطفي، يعني محدش يلومني عشان تبقي عارفة.
يا سيدي والجفاف ناقح عليك دلوقتي، ما خلاص الفرح قرب أهو إحنا على وشك.
طب أعمل إيه في قلبي المشتاق؟ تساءل بها بأعين تصرخ بصدقها، رغم ادعائه المزاح، ليضيف إلى قلبها المزيد من الرجفات اللذيذة. لطالما سمعت منه كلمات العشق والغزل ولم تشعر بطعمها سوى الآن. ما أجمل ذلك الشعور، وما فائدة الحب في الخفاء؟ إن لم يكن كضوء الشمس، لا يسمى عشقًا من الأساس.
ما شاء الله، ساحة القصر بقت مكان مخصص للفوتوسشن. جاء الصوت الحاد منبّهًا للأثنين، ليختطفهما من حالة الوله التي كانت تحيط بهما. التفّا نحو المرأة العجوز القاسية بتلك النظرات التي توشك على قتلهما، وقد كانت قريبة منهم ترافقها تلك المرأة المساعدة لها مدام إيفون. فجاء الرد من رياض وهو يقربها إليه بتحدٍّ قائلاً:
عندك حق يا بهيرة هانم، أنا اللي اخترت القصر عشان أنشر منه صور ارتباطي ببهجة، عايز الدنيا كلها تعرف بقرب فرحي عليها.
امتقعت ملامح بهيرة بالغضب الشديد، بعد أن أفحمها بقوله، ولم يتبقَّ لها سوى النظرات الحارقة التي توجهها نحوهما، فتدخلت إيفون لتبدي فرحتها على حرج:
طبعًا حقك يا بني، دا قصرك وقصر أجدادك قبل ما يكون مقر للجمعية، ألف مبروك يا رياض باشا، ألف مبروك يا بهجة.
ردت بهجة على المرأة باضطراب وتوتر وهي تقف بالقرب منهم، رغم دعم حبيبها:
الله يبارك فيكِ يا مدام إيفون، تسلميلي.
رد رياض هو الآخر على تهنئة المرأة ومباركتها، قبل أن يجفل ويجفل من معه بحضور مفاجئ لآخر شخصية يتوقع رؤيتها الآن.
“عدي!” هتف بالاسم كنداء واستفهام، وهو يرى قدومه نحوهما بأناقته المعروفة، ليخطف انتباه بهيرة التي استقبلت مجيئه بفرحة كطفلة صغيرة سعيدة بعودة والديها، وفتحت له ذراعيها.
“عدي حبيبي!” اقترب عدي منها، يرتمي في حضنها، يقبلها ويعبر لها عن اشتياقه. فقد كان المفضل لديها دائمًا ورغم قسوتها مع الجميع وعيوبها، لكن قلبها ينبض ويتأثر بأقل لمسة حانية.
حبيبي يا ابني، وحشتني أوي، إمتى رجعت من السفر؟ وليه مقولتش إنك جاي؟
قبل ظاهر كفها يجيب عن أسئلتها، وأبصاره نحو صديق طفولته وعروسه:
أنا جاي في زيارة سريعة يا ماما، بدعوة فرح وصلتني على تركيا مخصوص، صاحبي وحبيبي الغالي، رياض.
حبيبي. هتف بها الأخير، وفتح ذراعيه له ليتبادلا العناق الرجولي، أمام أبصار بهيرة التي عاد إليها الغضب ظاهرًا بقوة. حتى إذا انتهيا، تكفل رياض بتقديم عروسته إليه:
دي بهجة يا عدي، عروستي.
صافحها عدي بترحاب شديد، قبل أن ينهي بسؤاله:
طب أنا كده بقى جيت في الميعاد المناسب، للفرح؟ هو إمتى بالظبط؟ فكروني.
عدي! كانت هذه صيحة نجوان التي أتت من الخارج، ليتوقف لرؤيتها المذكور مهرولاً بلهفة:
معقول خالتو نجوان؟ أنا مش مصدق عيني! وانطلق إليها غير منتبه لغضب والدته التي ارتسمت تعابير الغيظ الشديد على وجهها.
❈-❈-❈
اليوم الموعود
اقترب ولا تتردد في اقتناص فرصتك، كن مغامرًا ولا تخشى الغرق، كن جسورًا في الدفاع عن عشقك، لا تؤجل فرحتك أو تنتظر حتى لا تضيع من يدك فرصتك في الحياة، فتظل حبيس الحسرة المتبقي من عمرك.
دا كأني في حلم وبقول يا سلام،
معقول يا قلبي بقينا ليه،
وهادينا يا دنيتنا بأحلى أيام،
الفرح دا إحنا أولى بيه.
أنا هفضل جنبك
وهعيش سنيني معاك،
يا حبيبي كلها،
وهطمن قلبك وهملي عيني
بأحلى دنيا أنا شوفتها.
أنا في عنيك الحلوين سرحت،
من إمتى ونفسي تكون ليا،
أول ما شوفتك أنا اتصالحت
مع نفسي وأيامي الجاية.
تصدح كلمات الأغنية في قلب القصر الذي تحولت ساحته الداخلية إلى قاعة كبيرة، تضم جميع المدعوين من أقارب ومعارف العروسين. وقد تحول الحلم أخيرًا إلى واقع، أصبحت حبيبته في النور وأمام الجميع، بعد أن تخلى عن عقده، تاركًا كل هموم الماضي، لا يلتفت إلا لسواها. يكفيه النصف الضائع من عمره، ليستقبل الآتي معها وبرفقتها، حتى لا تصيبه التعاسة في ابتعادها عنه. وقد تأكد له الآن أنه إذا خسرها، خسر حياته معها.
أنا هفضل جنبك
وهعيش سنيني معاك،
يا حبيبي كلها،
وهطمن قلبك وهملي عيني
بأحلى دنيا أنا شوفتها.
يتبع….
لقراءة:
تعليق واحد
يقولغير معروف:
مايو 8, 2025 الساعة 7:16 م
غايه في الروعه بهنيكي عزيزتي امل على هذا الابداع
رد
اترك تعليقاً
لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *
التعليق *
الاسم
البريد الإلكتروني
الموقع الإلكتروني
احفظ اسمي، بريدي الإلكتروني، والموقع الإلكتروني في هذا المتصفح لاستخدامها المرة المقبلة في تعليقي.
شركة عزل خزانات بالرياض
الشركة الالمانية لابادة الحشرات بالقاهرة
كشف تسربات المياه بالدمام
شركة نقل اثاث بمكة
كشف تسربات المياه
شركة كشف تسربات المياه بمكة المكرمة
شركة كشف تسربات المياه بالرياض
عزل اسطح بالرياض
كشف تسربات المياه بالرياض
شركة عزل فوم بالرياض
شركة تسليك مجاري
شركة تنظيف خزانات المياه الرياض
تمديد غاز مركزي بالرياض
شركة كشف تسربات المياه بالرياض
Advertisement
5
بحث عن
مدونة دار مصر
القائمة
الوضع المظلم
مهم
speakol
بمقدم حجز يبدأ من 2.25% وتقسيط حتى 12 سنة احجز الان بساوث ميد
speakol TMG
روايات
00:00 / 00:00
Copy video url
Play / Pause
Mute / Unmute
Report a problem
Language
Share
Vidverto Player
رواية حان الوصال البارت السادس والأربعون
رواية حان الوصال الجزء السادس والأربعون
حان الوصال
حان الوصال
رواية حان الوصال الحلقة السادسة والأربعون
الحياة مليئة بالتحديات والمفاجآت، حيث نواجه لحظات من الحيرة والاختيارات الصعبة بين البقاء والرحيل. ورغم الصعوبات، تظل القوة في قلوبنا، تتجدد مع كل دمعة وابتسامة، فنعلم أن لدينا القدرة على التغيير والوقوف مجددًا أمام الزمن.
نجوان
ادمن / سنا الفردوس
❈-❈-❈
مرت عليها الليلة بهدوء كما أخبرته الدادة نبوية، فلم تصرخ ولم تبكي، بل طغى عليها الحزن فقط، ونامت باكرًا عن كل ليلة في سكون تام لم يعجبه، لكنه لم يكن يملك من الأمر شيئًا. كان هذا همه وهمها، ميراثهم من حكيم الزوج المحب والمستهتر في آن واحد، الذي ارتكب الأخطاء ليتحملها غيره، ومع ذلك يظل محبوبًا، ولا أحد يستطيع اقتلاعه من قلب امرأة متيمة بعشقه.
دخل إلى غرفتها يبحث عنها، فوجدها في الشرفة، مستندة بمرفقيها على الحاجز الإسمنتي للسور. قبل أن يحييها، باغتته قائلة، إذ انتبهت لقدومه حتى قبل أن يلقي إليها التحية:
شكلها كانت بتحب أبوك أوي، بدليل إنها خلفت شبهه.
تبسم ساخراً من خلفها:
وليه متقوليش إن جينات حكيم هي اللي بتغلب رغماً عن أي شيء، ياااه، الراجل ده مازال بيبهرني حتى بعد موته بسنين.
التفت إليه بوجه خالٍ من العبث، تسأله مباشرة:
وانت ناوي تعمل إيه بعد ما تتجوز؟ هتخليه معاك برضو؟
مط شفتيه يجيبها بمكر:
يعني هعمل إيه يعني؟ مينفعش أتخلى عنه، دا أنا بحمد ربنا إنه خد على إخوات بهجة عشان أسيبه معاهم لما نسافر شهر العسل، رغم إنها مسؤولية عليهم، لكن مفيش في إيدي حل غير كدة.
عضت على نواجذها بغيظ شديد:
وخالته بقى راحت فين؟ ما تسيبه معاها ولا هي فالحة تتنطط وبس؟
إن جيتي للحق يا ماما، والله ما أقدر أئتمنه عليها.
قالها بنبرة صادقة زادت من تشتتها وحيرتها، لتحيد ببصرها عنه، وبصمت أظهر عمق تفكيرها.
❈-❈-❈
توقفت بسيارتها، تصفها أمام البناية التي يتواجد بها مكتب المحاماة الخاص بها، بعد أن استيقظت باكرًا وأكملت روتينها اليومي استعدادًا للذهاب إلى عملها. تجاهلت كل النصائح التي ألقتها والدتها على مسامعها، مصحوبة بالتوبيخ المستمر لأنها لا تسمع لأحد سوى نفسها. حاولت والدتها منعها من الذهاب إلى العمل في اليوم التالي لعقد قرانها، لكنها رفضت اتباع تقاليد تعتبرها بالية وعفا عليها الزمن.
تحركت سريعًا، متجهة إلى داخل البناية، ثم صعدت إلى مكتبها، لتكمل العمل المتأخر عليها من الأمس. طلبت من مساعدتها عدم إزعاجها حتى يحين موعد مقابلة موكليها. اندمجت في التركيز على مستندات القضايا دون أن تشعر بالوقت، إلى أن أفزعها صوت فتح باب الغرفة عليها دون استئذان. رفعت رأسها لترى خطيبها، أو بالأحرى زوجها،المدعو هشام، كما تذكر من عقد قران الأمس. يقف عند المدخل، متجهمًا.
في حاجة يا هشام؟
سألته ببراءة، لكنه قابلها بتجهم أكبر وهو يدخل الغرفة، مغلقًا الباب خلفه، ثم يتقدم نحوها بصمت مطبق يزيد من توجسها.
طب انت ليه بتقفل الباب؟ وليه ما اتصلتش قبل ما تيجي؟
ده على أساس إنك كنتِ هتردي؟
هتف مقاطعًا، وضرب بكف يده على سطح المكتب أمامها، فتراجعت بجسدها إلى الخلف بذعر. تضاعف خوفها عندما اقترب بجسده منها، مستندًا بكفيه على ذراعي الكرسي ليحاصرها:
مردتيش ليه على أي اتصال مني امبارح؟
ارتبكت لقربه المفاجئ، بمشاعر مختلطة بين الذعر والإعجاب بعينيه البنيتين الضيقتين، اللتين جذبتا انتباهها لأول مرة رغم حدة نظراته. حاولت الثبات وأجابت بجدية:
نمت بدري وكنت عاملة التليفون صامت. يعني عادي.
لا، مش عادي.
صاح بها، ضاربًا مرة أخرى على ذراع الكرسي، بحزم أكبر:
امبارح كان كتب كتابنا.قلتلك نخرج، قلتِلي إنك مصدعة، وسبتِك، يبقى تستني اتصالي بيكي، مش تعملي التليفون صامت وتخليني أضرب أخماس في أسداس. شغل الخطوبة المؤقت ده انتهى، إنتي دلوقتي مراتي شرعًا يا صفية، ولا لسه مخدتيش بالك منها دي؟
حاولت نهيه بجديتها:
بلاش أسلوبك ده يا هشام. أنا عارفة حقوقك كويس، رغم إن جوازنا لسه ما دخلش حيز التنفيذ، وقربك ده عيب على فكرة.
خلاص، ندخله حيز التنفيذ عشان ما يبقاش عيب.
هشام!
صاحت به، ليبتعد قليلاً ويرفع يديه عن ذراعي الكرسي، مراعيًا خوفها بعض الشيء، قبل أن يردف بلهجة آمرة:
مش هزود عليكِ، بس بعد كده تعملي حسابك وما تكرريهاش.
حاولت التقاط أنفاسها بعدما ابتعد عنها قليلاً ليرتاح قلبها من هذا القرب المرهق، لكنه عاد سريعًا بعبثه ليباغتها.
حد قالك إنك بتبقي زي القمر وإنتِ مرعوبة؟
صاحت، وهي تدفعه بقبضتيها على صدره:
أوعي يا أخي! دا انت مجنون أكتر من الناس اللي بتعالجهم.
أمسك كفيها محذرًا:
عيب، من غير غلط. أرجع أفكرك إن أنا جوزك يا أستاذة؟
همّت أن تنفجر به، لكنّ فتح الباب فجأة قطع كلامها. ظهرت مساعدتها عند الباب، متجمدة أمام هذا المشهد ، قبل أن يجفلها هشام بصيحته:
حد يفتح الباب كده من غير استئذان؟
ردّت سندس، متلعثمة:
أنا متعودة أفتح على الأستاذة كده بعد خبطتين على الباب… هو انتوا ما سمعتوش؟
لا ما سمعناش، اتفضلي اخرجي بقى، يلا!
هرولت الفتاة مغادرة عقب صيحته. فاستفاقت صفية من صدمتها، لتنفجر به غاضبة:
عاجبك كده؟ هتقول علينا إيه دلوقتي؟ هتقول علينا أي…..
قطعت بشهقة عالية، بعدما أوقفتها شفاهه، حينما حطت على خاصتيها، خاطفًا قبلته الأولى منها، لتشخص أبصارها في النظر إليه فاغرة فاهها بصدمة، قابلها هو ببساطة معلقًا:
“دي كان حقها تبقى امبارح، هدية كتب كتابنا، واقفلي بقك بقى عشان مكررهاش.”
❈-❈-❈
لم يتبقَّ على موعد حفل زفافها سوى القليل، لذلك كانت تستغل هذا الوقت القصير في العمل بجد متواصل، حتى تخفف عن حبيبتها نجوان عبء العمل أثناء غيابها عن الجمعية لقضاء إجازة الزواج، كما أخبرها زوجها الحبيب رياض.
كانت نجوان قد خرجت منذ ساعة لتتفقد إحدى دور الرعاية القريبة منها، وظلت بهجة منهمكة في العمل حتى أطَلَّ بوجهه الحسن أمامها. كيف لم تشعر به حين دخل حتى وصل ليميل وجهه نحوها مبتسماً:
بهجة هانم، تسمحيلي آخد دقيقتين من وقتك؟
وكان ردها ابتسامة ساحرة أشرقت في قلبه لتحيي بساتين حب وشوق لا ينتهي:
عشرة كمان لو عايز، بس ممكن أعرف إيه سبب مجيك؟
استقام بجسده، ليفرد كف يده أمامها، يدعوها:
كده يبقى تقومي بقى وتيجي معايا.
نهضت، متقبلة دعوته، تُسلمه يدها بثقة كاملة، وسألته باستفهام:
معاك أكيد، بس هروح معاك فين؟
قبَّل ظاهر كفها وهو يخبرها:
مش هنبعد أكيد عن القصر، تعالي معايا.
❈-❈-❈
استيقظ متأخرًا اليوم بسبب عطلته الأسبوعية في العمل، ليجدهم مجتمعين على طاولة السفرة لتناول وجبة الغداء. انضم إليهم سمير، الذي جاء اليوم بصحبة زوجته، بينما كانت هي تُطعم طفلها داخل غرفة زوجها.
ألقى عليهم تحية الصباح بصوت ناعس، ثم انضم إليهم على نفس الطاولة.
صباح الخير، ودا فطار ده ولا غدا؟ أنا الأوقات متلخبطة معايا أصلاً.
تكفّل سمير بالرد ضاحكًا:
طبعًا يا سيدي، الله يكون في عونك، وإنت بقى فيك عقل أساسًا؟ دا أنا لو منك أبقى مجنون رسمي.
فهمت درية على مقصده، لتُدلي بدلوها هي الأخرى:
بلاش يا سمير، لا يتشنك ويتعصب علينا، حكم دا أي كلمة في الموضوع ده بياخدها شتيمة اليومين دول.
جاء رده بضيق ملحوظ:
أنا برضو اللي أي كلمة باخدها شتيمة؟ ولا أنتو اللي قاصدين تحرقوا دمي في حاجة ما بقبلش الكلام فيها؟ على العموم أنا مش هرد، ولو عايزني كمان ما أحضرش الفطار، كمان أقوم.
قال الأخيرة، مزيحًا الكرسي الذي يجلس عليه بجذعه ليهمّ بالمغادرة، ما أجبر شقيقه على مهادنته.
إيه يا عم شغل العيال ده؟ إحنا يدوب بنهزر معاك يا سيدي، ومدام واخدها بحساسية كده بلاها خالص.
استجابةً لقوله، عاد سامر للجلوس مرة أخرى، فتابع الآخر مُوجهًا أمره إلى والدته التي انكمشت ملامحها بحنق:
سامعة ياما، ما تجيبيش سيرة الموضوع ده نهائي، وسيرة لورا كمان ما تجيبيهاش…
قطع ضاحكًا بعدما استطاع استفزاز سامر بذكر اسمها صراحة، ليسارع بالتلطيف والمزاح:
آخر مرة والله، مش ههزر تاني… خلاص بقى يا أبو سمرة، بنكشك يا أخي عشان تصحصح.
زفر سامر محاولًا السيطرة على غضبه من شقيقه، الذي جعل والدته وشقيقته يضحكان عليه، ثم تجاوز الأمر مفاجئًا إياهم.
ماشي يا عم الظريف، هعدّيها. أنا أصلاً قايم أديكم دي.
وأشار بالأخيرة، يضع الكارت الفاخر المطوي على الطاولة أمامهم، ليتناوله سمير متسائلًا بفضول:
يا ما شاء الله، ودي دعوة فرح مين بقى؟
اقرأ وشوف بنفسك.
قالها سامر بخبث، يراقب رد فعل شقيقه الذي ظهرت عليه الصدمة وهو يقرأ صيغة الدعوة، ويتمتم دون وعي منه.
بهجة!… فرح بهجة!
سمعت سامية ما قاله، فنهضت فورًا لالتقاط الكارت لتتفحصه، ثم صاحت بعدها.
نعم نعم؟ وهيعمل لها فرح في قصر ليه إن شاء الله؟ هو مش قال إنه اتجوزها في السر، لزومه إيه بقى الفرح؟
لزومه إنه عايز يقدمها للناس كلها والمجتمع بتاعهم. لا همه المنظر ولا الفرق الاجتماعي الرهيب ما بينهم. شفتي بقى الواحد لما يحب بيعمل إيه؟
قال الأخيرة بنظرة واضحة نحو شقيقه، الذي سكت عن المتابعة، والحسرة بادية في عينيه. فتدخلت درية تُعنّفه وتصب اللعنات عليها.
اسم الله يا أخويا، إنت هتعملها قصة وتهلل بيها؟ دي الحكاية واضحة زي عين الشمس. البت القادرة هي اللي علقت الباشا ونسته اسمه، اتمسكنت لحد ما اتمكنت، عشان تعرفوا بس إن كان ليّ نظرة. أخوك الغلبان كان هيروح فين بس معاها؟
بلا أخوه بلا زفت بقى!
صرخ بها سمير، ينهض تاركًا لهم الطاولة بأكملها، لتردد في أثره درية باللعنات:
روح يا سامر، يعكنن عليك زي ما عكّنت على أخوك.
صرخت سامية هي الأخرى:
أخوه بس؟ وأنا ياما، دا أنا هموت بقهرتي! يعني هي تاخد الباشا، وأنا يبقى نصيبي شيكاغو؟ ليه؟ كنت قليلة ولا هي أحلى مني؟ أنا كمان نفسي انسدت.
ونهضت عن الطاولة هي الأخرى، ليضرب سامر كفًا بالأخر محوقلًا أمام غضب درية:
لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. طب حد جاب سيرتها دي كمان؟ أنا قايم ياما بدل ما تحرقيني بنظراتك دي، دا ولا كإني عملت عملة سودة من غير ما أقصد.
من غير ما تقصد برضو؟!
رددت بها درية من خلفه بسخرية وتهكم. ليأتي التساؤل من زوجة سمير، التي خرجت للتو من غرفتها بعد انتهائها من إطعام طفلها:
إيه اللي حصل؟ وسمير مشي ليه من غير ما يبلّغني؟
ابتسم سامر وهو يأخذ الطفل منها ليداعبه، قائلًا لها ليطمئنها:
راجع تاني يا إسراء. هو بس اتخنق شوية من كلامي، لكنه هيلف يلف وبرضو هيرجعلك. هو ليه مين غيركم أصلًا؟ إنتِ والكتكوت الحليوة ده؟ حبيب عمو ياللا.
❈-❈-❈
داخل النادي الاجتماعي، حيث موعد التمرين الخاص بآدم، ابن شقيقتها.
أصبحت تتكفل بهذه المهمة لتضيف مزيدًا من التواصل بينها وبين هذا الوسيم المتعجرف، شقيقه، الذي أصبح كالطيف لها.
منذ الحادثة الأخيرة، وحين أخبرته بما فعلته بهجة معها، ثم صدمتها حين علمت بموعد حفل زفافه والدعوات التي يرسلها للجميع ليعلن أمام الملأ عن زواجه بهذه الفتاة، حاولت جاهدة لقاءه والاستفسار عما حدث ليقلب الوضع لصالح هذه الفتاة، ولكنها لم تصل إلى شيء سوى التجاهل.
حتى حينما كانت تذهب متعمدة في أوقات متفرقة من اليوم إلى آدم، كان دائمًا يجد الحجة للخروج وتركها، مما زاد غليل صدرها نحو تلك “الملعونة” التي استطاعت السيطرة على عقل رجل مثله ليتعلق بها هكذا.
بدأت تبحث عن خطة مناسبة للإيقاع به حتى يخرَّ صريع فتنتها التي تغري جميع الرجال إلا هو.
هي، المرأة ذات الأنوثة المكتملة من كل شيء، ترى أنها تستحق رجلًا مثله يعوضها بشبابه وماله وقوته عن زواجها السابق بالعجوز الراحل، الذي ورثت منه المال. لكنها الآن متعطشة للشباب وبقوة.
خرج آدم من حوض السباحة بعد أن أكمل تدريبه تحت إشراف مدربه الخاص، الذي ربت على كتفه بحفز وتشجيع قبل أن يتركه. تقدم الصغير نحو خالته متفاخرًا.
شوفي يا نودي، المدرب فرحان بيا إزاي؟ ده قالي لو استمريت كده ممكن أوصل لبطولة النادي وبعدها الجمهورية.
ارتسمت ابتسامة ماكرة على شفتيها المطلية بالأحمر القاني، لتجاري الصغير:
جميل أوي يا آدم، لو ماما عايشة دلوقتي كانت فرحت أوي بيك… لكن أخوك بقى يعرف بشطارتك دي، ولا هو فرحان إنه بالنسبالك جيب فلوس وخلاص؟
ظهر استهجان واضح على ملامح الصغير إثر كلماتها التي لم يتقبلها.
ليه بتقولي كده يا خالتو؟ رياض جميل وبيعمل كل حاجة حلوة عشاني. هو قالي إنه بيحبني وفرحان إن ظهر له أخ، ومبقاش في الدنيا لوحده.
يا روحي.
تمتمت بها بغيظ مكتوم، محاولة كبح نفسها بصعوبة حتى لا تنفجر في وجهه. حاولت إبعاد عينيها عنه، مراجعًة نفسها حتى لا تظهر ما بداخلها أمام هذا الصغير. لكنها لم تتمالك نفسها، حيث اصطدمت أبصارها بذلك الوسيم الراقي، الذي كان يبادلها الإعجاب بنظرة صريحة، وهو يسير مرافقًا لهذا… كارم.
نطقت بالاسم لتفاجأ بالمذكور يتقدم نحوها، يصافحها:
نادين هانم، ده إيه الصدف السعيدة دي؟
نهضت تبادله الترحاب بدلال تُجيده:
أنا اللي أسعد يا كارم باشا. حضرتك جاي مع المدام بقى عشان أسلم عليها؟
نفى بدماثة وذوق:
لا، للأسف رباب مجتش معايا. أنا جاي في مقابلة مع صديقي. نسيت أعرّفكم على بعض، ده صلاح، صديقي. معلش، هو كان في الخليج وراجع من شهور قليلة، ودي أول مرة أقابله النهارده بعد رجوعه… صلاح، دي تبقى نادين هانم، مرات المرحوم عيسى الصوان. أكيد سمعت عنه.
التمعت عينا الآخر فور سماع الاسم، فأجاب بحماس:
طبعًا عارفه. مش ده برضه صاحب مصانع الصابون الشهيرة؟ بس ده كان عجوز، والهانم صغيرة أوي، دي تقريبًا في عمر أحفاده.
تبسمت بإنتشاء، تدّعي الخجل:
مش لدرجة أحفاده يا صلاح باشا. بس هو فعلًا كان عجوز عليا، لكنه كان نصيبي على كل حال، هعمل إيه يعني؟
قالت الأخيرة بمسكنة لتثير التعاطف نحوها، فرد الآخر بحزن مصطنع، يشتكي من حظه البائس في الزواج من امرأة صعيدية بعد عودته من الغربة، والتي استولت على نصف أمواله.
انتي كمان، وانا اللي كنت فاكر ان انا بس المتعوس في الدنيا دي، هو كدة الحظ مبيمشيش غير مع الوحشين، اما احنا، فلنا الله .
ونعم بالله عندك حق يا صلاح باشا
علم كارم بنجاح المهمة بعد أن ألقى الطُّعم، فالتقطته هي بترحاب شديد. التزم الصمت، متابعًا الحديث بين الاثنين، اللذين يتشابهان في الصفات ويتقنان دور الضحية للحصول على مبتغاهما. يبدو أنه سيحظى بتوفيق كبير في الجمع بين رأسين في الحلال.
❈-❈-❈
في مدخل منزلهم، كانت تقطع الأرض ذهابًا وإيابًا دون توقف، تنتظر قدومه بعد أن أرسلت في طلبه منذ لحظات. خرجت من المنزل هائمة على وجهها، لا تطيقه ولا تطيق أي شيء يذكرها بخيبتها. منذ أن رأت دعوة عرس بهجة، اشتعلت نيران صدرها، ولن تهدأ إلا عندما يبرد قلبها بما هو أفخم وأعلى.
خير يا سامية، بعتِ لي في إيه؟
هتف طلال بهذه الكلمات فور أن وطأت قدماه داخل البناية، وقد تسرب إليه القلق من وقفتها تلك، وكأن شيئًا ما قد حدث.
أمك حصل لها حاجة ولا حد من إخواتك؟
تحمحت تُجلي حلقها، متظاهرة بالمزاح في ردها:
جرى إيه يا طلال؟ هو أنا معوّزاكش غير في المصايب؟ ما ينفعش يعني أبقى عايزاك في طلب يخصني؟
لمس في نبرتها الأخيرة لمحة من دلال استغربها منها، فحثها على المواصلة قائلًا بجدية:
يا ستي، إنتِ تؤمريني. قولي اللي عايزاه يا سامية.
تشجعت لتزيد من جرعة الدلال:
في الحقيقة، هو مش طلب واحد، هما كذا طلب، وأنا عشمانة في كرمك يا طُلولتي، ما تكسفنيش.
ضحك ساخرًا، ثم تحرك من أمامها ليجلس على أول درجات السلم المؤدي إلى منزلهم. أخرج علبة سجائره من جيب بنطاله، وسحب واحدة منها، مرددًا خلفها.
طُلولتك كمان! لا، ده شكل الموضوع كبير فعلًا. قولي يا غالية على الكام طلب دول، إحنا أكيد قدها.
سحبت شهيقًا عميقًا لتجمع شجاعتها، ثم بدأت في طرح مطلبها، أو بالأحرى مطالبها.
❈-❈-❈
نفث دخان سيجارته في الهواء، وبهدوئه المريب تابع يستدرجها:
آه، وإيه تاني كمان غير الفستان اللي عايزاه من أغلى محل فيكي يا جمهورية؟
لو كانت في حالتها الطبيعية لكانت علمت أن هذا الصمت لا يعني الخير، ولكن ذهنها المضطرب صور لها رضوخه وموافقته، فاندفعت أحلامها إلى أبعد مدى، لتصل إلى ما لا يقل عن بهجه، فبدأت تعدّ على أصابعها كل ما يتبادر إلى ذهنها.
“الشبكة يا طلال، هنغير الدهب كله. إيه داعي للغوايش والشغل البلدي ده؟ والألماس برقبته. يبقى هنغير الشبكة لألماس، والفرح هنأجر قصر من بتوع الباشوات ونعمل ليلتنا فيه. سكّ على حجز القاعة والكلام الفاضي. وأنت…”
توقفت، تتأمله من رأسه إلى قدميه بتفحص وتمعن، مما أشعل في نفسه غضبًا شديدًا، فهو يعلم تمامًا ما يدور في رأسها من مقارنات مجحفه في حقه.
“أنت هغيرك خالص يا طلال. تغيّر أولًا استايل لبسك وقصة شعرك من حلاق الغبرة تنساها خالص. هتروح لأحسن كوافير رجالي. لازم يبقى التغيير شامل من كله. أبوك غني يا طلال، وأنت كسيب، يعني تقدر تبقى أحلى واحد في المنطقة وفي المحافظة كمان. أنا عايزة يوم الفرح كل البنات يحسدوني عليك.”
نثر السيجارة من إصبعه، ليقف أمامها مباشرة، ثم يفاجئها بتعقيبه.
“طب وإيه لزوم التعب ده كله؟ تاخدي واحد تعمليله عمرة من أول وجديد ليه؟ ما تغيري العريس نفسه يا غالية.”
“إيه؟ إزاي يعني؟”
تمتمت بها بعدم فهم، وذهنها الغائب لم يستوعب بعد، ليجفلها بصيحته:
“إيه يا روح أمك؟ مش هو ده اللي بيدور في راسك دلوقتي؟ عايزة عريس زي اللي هتاخده بنت عمك، ويا ريت لو أحسن منه أو هو نفسه.”
ترددها والاضطراب الذي ارتسم على ملامحها كانا خير دليل على صدق ظنه، ليأتي رده المفاجئ بسرعة، متناولًا ذراعها ويلويه خلف ظهرها، ثم يعدّل وضعها في لمح البصر ليصبح خلفها. يضغط عليه بشدة لدرجة أنها شعرت وكأن ذراعها على وشك الانكسار، فصرخت به.
“آآآه، دراعي يا طلال حرام عليك، أنا عملت لك إيه بس؟”
زمجر يذكرها بشيكاغو المنطقة:
“وماله لما يتكسر يا غالية؟ ما أنا برضو راجل مقتدر وأقدر أعالجك، بس المهم أربيكِ على فراغة عينك دي.”
“آآآه…”
صوتها على بالأخيرة لتواصل في تحذيره:
“وديني لو ما سيبتني يا طلال، لأكون راقعة بعلو حسي ولامة كل أهل الحارة.”
زاد ضغطه بعدم اكتراث:
“وماله يا بت؟ لمي وجيبي المحافظة كلها، ولو في راجل واحد قدر ينجدك مني، يبقى شنبي ده على مرة. ولا أنتِ نسيتي مين شيكاغو؟”
دفعها في النهاية، فشاهدت الخطر يتجسد فيه بأبشع صوره. خطوط وجهه المتوترة وعروقه البارزة في رقبته جعلت قلبها يسقط بين قدميها خوفًا من تكرار هجومه. فتغيرت نبرتها محاولة استعطافه.
“طب ليه ده كله يعني؟ ده أنا كنت بكلمك عن اللي في نفسي. العشم غلبني يا سيدي…”
اختتمت ببكاءً حارق، مستعينة بوجع ذراعها الذي كانت تدلكه بحرص شديد، ما جعل الشفقة تتسلل إلى قلبه. ومع ذلك، ظل محتفظًا بجموده.
“محدش اتكلم عن العشم، بس أنا أكره ما عليا الست اللي تبص على حاجة غيرها ولا تغيّر. أدفع من جنيه لمية ألف عشانك، مش عشان تقلدي فلان ولا علّان.”
عجزت عن العثور على كلمات تقنعه أو تخفف من بطشه، فاستمرت في بكائها حتى بدأ عنفه يخف قليلًا ويستمع إليها. وصلها صوت زفرته القوية، قبل أن يسحبها إليه ويضمها من كتفيها ليهدئها.
“خلاص يا سامية، متقطعيش قلبي. عارف إن إيدي تقيلة ودي أول مرة تجربيها، بس بكرة تتعودي.”
قطعت خلف الأخيرة رافعة رأسها إليه بزعر، فقابل نظرتها باستخفاف ضاحكًا:
“بهزر معاكي يا سامية. وأنا إيه اللي يخليني أكررها تاني بس طول ما أنتِ ماشية كويس.”
هل يسعي لتهدئتها؟أم انه يزيد من بث الرعب في قلبها؟
هي التي كانت تظن أن رغبته الكبيرة نحوها ستمنحها القدرة على ترويضه وفرض سيطرتها عليه لتحصل علي ما تريد.
لكن هاهو يذكرها من جديد بطبيعته المتوحشة. كاد أن يكسر ذراعها منذ لحظات، والآن يضمها بجرأة وكفه يتجول علي ظهرها بحرية تحت ستار تهدئتها.ومع ذلك، هي لاتستطيع الإعتراض؛حتي إرضائها، يفعله بطريقته.
“ليكي عليا يا ستي أعملك فرح تشهد عليه المنطقة كلها، والفستان اللي عايزاه من أي حتة تختاريه، وكل اللي تحتاجيه أجيبه. لكن تقوليلي أغير قاعة ولا شبكة؟ انسي يا غالية. كل واحد يلبس توبه يا حبيبتي، فاهماني؟”
❈-❈-❈
متكئًا بجذعه على الفراش، يراقبها وهي تبدل ملابسها في محاولًة لاختيار الأفضل من بين المجموعة التي جلبتها حديثًا للمناسبات الخاصة.
“ها، إيه رأيك بقى في ده؟ حاسة لونه لايق عليا، ده غير إنه مناسب، لا هو ضيق ولا شفاف، حلو صح؟”
قالتها تشير إلى الفستان الذي ترتديه بلونه الأخضر، بلمعة محببة، وتصميم بسيط على الجسد الملفوف بعض الشيء. فقد اكتسبت بعض الجرامات القليلة بعد زواجها، لتضاعف من فتنتها، وتزيد الصعوبة على هذا العاشق المسكين:
“هو فعلًا حلو يا صبا، حلو بزيادة كمان، لكن أنا من رأيي تنقي غيره، ياريت لو حاجة عادية.”
ضحكت تقابل قوله بمزاح:
“عادية إزاي يعني؟ ألبس عباية بيتي مثلًا؟ إيه يا باشا؟ ده الفستان التالت اللي ألبسه.”
مط شفتيه بعدم اكتراث:
“والله حظك، أعملك إيه؟ بهدلي نفسك شوية عن كده وانتِ تلاقي الدنيا تسلك معاكي.”
قهقهت ضاحكة بشقاوة، فقد كان دائمًا ما يغلبها بغزله ومزاحه. ثم خطت نحوه وجلست بجانبه على الفراش، لتعلق على قوله.
“خلاص يبقى ادعيلي أخلف، وأنا ساعتها هلخبط وأبقى كلابيظو كمان.”
لمست كلماتها شغاف قلبه المتيم، المتلهف لرؤية ثمرة حبه في الأطفال منها. تنهد بجدية، ثم رد على قولها.
“أنا بدعي ليل نهار يا صبا، عشان أشوف أولادي منك، وربنا العالم أعمل إيه تاني؟”
تأثرت بشجن لكلماتها وشعرت بالحزن في نبرته، فسرعان ما حاولت تلطيف الموقف.
“شادي، أنا بهزر على فكرة، ثم متنساش كلام الدكتور لما أكد إن إحنا الاتنين تمام وعال العال، هي بس مسألة وقت.”
تأوه بلوعة ردًا على كلماتها:
“آه يا صبا عَ الوقت. هو أنا اللي تعبني غير الوقت؟ رغم إني اتعودت على الصبر في كل مراحل حياتي، واتحملت وعديت، إلا دي، حاسسها صعبة أوي. نفسي أشيل أولادي منك، النهاردة.”
“حبيبي، بكرة تشيلهم وتفرح بيهم كمان.
قالت ذلك وهي تتناول كفه، تحاوطه بين يديها، فرفع هو يديها ليقبلهما. حينها تذكرت هي:
“صحيح نسيت أقولك، أصلي عايزة أستأذنك في مشوار كده. أمنية بنت عم المرحوم ناصر الدكش خلفت، وعايزة أروح مع أمي نباركلها ونعمل الواجب.”
قرص وجنتها يبلغها قراره:
“روحي يا ست صبا، يا أم الواجب، عقبال ما تيجي تباركلك أنتِ كمان.”
هللت بصخب تضحك:
“اللهي يسمع منك يا شادي يا ابن أم شادي، يا رب يا رب.”
❈-❈-❈
بجوار النافورة العتيقة التي تتوسط الحديقة، وقفا يلتقطان الصور كما فعلا في عدة أماكن داخل القصر وخارجه، بواسطة المصور المحترف الذي فاجأها، ليقوم بنشر الصور على عدة مواقع إعلانًا للعامة عن قرب موعد زفافهما.
“بصي عليا أنا يا عروسة، سبيه هو مقرب وشه منك.” أومأت عيناها بطاعة، بينما يلتقط الصورة كما فعل في عدة أوضاع أخرى تعكس العشق في عينيهما.
“واحد، اتنين، تلاتة… هايل.”
انتهى أخيرًا ليقترب منهما، ويريهما النتائج الرائعة لصور تخطف القلب والعقل. كان قلبها يدوي في صدرها كالطبول دون توقف، تتأمل هذه الصورة وهو يضمها من خصرها وتعانق عينيه عينيها، أو تلك الثانية وهي تميل عليه وهو يأسرها بابتسامة، وتلك وتلك… لقد رضيت عن معظمهم إن لم يكن جميعهم. حتى إذا انصرف الرجل، توجهت إلى حبيبها تعاتبه:
كده برضو يا رياض؟ مش كنت تديني فكرة أولًا قبل ما تجيب الراجل وتطبوا عليا كده زي القضا المستعجل؟
القضا المستعجل!
تمتم بها ضاحكًا، لتردف هي بتوضيح:
أيوة يعني أنا قصدي كنت غيرت هدومي ولا أتمكيجت.
إنتِ كده زي القمر مش محتاجة. أوقفها بعبارات الغزل التي لامست قلبها، ولكنها حاولت الثبات تجادله:
يا سيدي ربنا يخليك، أنا قصدي يعني يبقى شكلي حلو أكتر من كده…
قطعت بشهقة مكتومة حينما وضع كفه على خصرها يقربها إليه، ليغمرها الخجل، تحاول تنبيهه:
رياض الجنينة مكشوفة والناس رايحة جاية ع الجمعية خلي بالك.
ضحك بصوت مكتوم وهمس بجوار أذنها:
طب وإحنا مالنا بالناس، ولا هما مالهم بينا؟ أنا راجل بقاله فترة في الجفاف العاطفي، يعني محدش يلومني عشان تبقي عارفة.
يا سيدي والجفاف ناقح عليك دلوقتي، ما خلاص الفرح قرب أهو إحنا على وشك.
طب أعمل إيه في قلبي المشتاق؟ تساءل بها بأعين تصرخ بصدقها، رغم ادعائه المزاح، ليضيف إلى قلبها المزيد من الرجفات اللذيذة. لطالما سمعت منه كلمات العشق والغزل ولم تشعر بطعمها سوى الآن. ما أجمل ذلك الشعور، وما فائدة الحب في الخفاء؟ إن لم يكن كضوء الشمس، لا يسمى عشقًا من الأساس.
ما شاء الله، ساحة القصر بقت مكان مخصص للفوتوسشن. جاء الصوت الحاد منبّهًا للأثنين، ليختطفهما من حالة الوله التي كانت تحيط بهما. التفّا نحو المرأة العجوز القاسية بتلك النظرات التي توشك على قتلهما، وقد كانت قريبة منهم ترافقها تلك المرأة المساعدة لها مدام إيفون. فجاء الرد من رياض وهو يقربها إليه بتحدٍّ قائلاً:
عندك حق يا بهيرة هانم، أنا اللي اخترت القصر عشان أنشر منه صور ارتباطي ببهجة، عايز الدنيا كلها تعرف بقرب فرحي عليها.
امتقعت ملامح بهيرة بالغضب الشديد، بعد أن أفحمها بقوله، ولم يتبقَّ لها سوى النظرات الحارقة التي توجهها نحوهما، فتدخلت إيفون لتبدي فرحتها على حرج:
طبعًا حقك يا بني، دا قصرك وقصر أجدادك قبل ما يكون مقر للجمعية، ألف مبروك يا رياض باشا، ألف مبروك يا بهجة.
ردت بهجة على المرأة باضطراب وتوتر وهي تقف بالقرب منهم، رغم دعم حبيبها:
الله يبارك فيكِ يا مدام إيفون، تسلميلي.
رد رياض هو الآخر على تهنئة المرأة ومباركتها، قبل أن يجفل ويجفل من معه بحضور مفاجئ لآخر شخصية يتوقع رؤيتها الآن.
“عدي!” هتف بالاسم كنداء واستفهام، وهو يرى قدومه نحوهما بأناقته المعروفة، ليخطف انتباه بهيرة التي استقبلت مجيئه بفرحة كطفلة صغيرة سعيدة بعودة والديها، وفتحت له ذراعيها.
“عدي حبيبي!” اقترب عدي منها، يرتمي في حضنها، يقبلها ويعبر لها عن اشتياقه. فقد كان المفضل لديها دائمًا ورغم قسوتها مع الجميع وعيوبها، لكن قلبها ينبض ويتأثر بأقل لمسة حانية.
حبيبي يا ابني، وحشتني أوي، إمتى رجعت من السفر؟ وليه مقولتش إنك جاي؟
قبل ظاهر كفها يجيب عن أسئلتها، وأبصاره نحو صديق طفولته وعروسه:
أنا جاي في زيارة سريعة يا ماما، بدعوة فرح وصلتني على تركيا مخصوص، صاحبي وحبيبي الغالي، رياض.
حبيبي. هتف بها الأخير، وفتح ذراعيه له ليتبادلا العناق الرجولي، أمام أبصار بهيرة التي عاد إليها الغضب ظاهرًا بقوة. حتى إذا انتهيا، تكفل رياض بتقديم عروسته إليه:
دي بهجة يا عدي، عروستي.
صافحها عدي بترحاب شديد، قبل أن ينهي بسؤاله:
طب أنا كده بقى جيت في الميعاد المناسب، للفرح؟ هو إمتى بالظبط؟ فكروني.
عدي! كانت هذه صيحة نجوان التي أتت من الخارج، ليتوقف لرؤيتها المذكور مهرولاً بلهفة:
معقول خالتو نجوان؟ أنا مش مصدق عيني! وانطلق إليها غير منتبه لغضب والدته التي ارتسمت تعابير الغيظ الشديد على وجهها.
❈-❈-❈
اليوم الموعود
اقترب ولا تتردد في اقتناص فرصتك، كن مغامرًا ولا تخشى الغرق، كن جسورًا في الدفاع عن عشقك، لا تؤجل فرحتك أو تنتظر حتى لا تضيع من يدك فرصتك في الحياة، فتظل حبيس الحسرة المتبقي من عمرك.
دا كأني في حلم وبقول يا سلام،
معقول يا قلبي بقينا ليه،
وهادينا يا دنيتنا بأحلى أيام،
الفرح دا إحنا أولى بيه.
أنا هفضل جنبك
وهعيش سنيني معاك،
يا حبيبي كلها،
وهطمن قلبك وهملي عيني
بأحلى دنيا أنا شوفتها.
أنا في عنيك الحلوين سرحت،
من إمتى ونفسي تكون ليا،
أول ما شوفتك أنا اتصالحت
مع نفسي وأيامي الجاية.
تصدح كلمات الأغنية في قلب القصر الذي تحولت ساحته الداخلية إلى قاعة كبيرة، تضم جميع المدعوين من أقارب ومعارف العروسين. وقد تحول الحلم أخيرًا إلى واقع، أصبحت حبيبته في النور وأمام الجميع، بعد أن تخلى عن عقده، تاركًا كل هموم الماضي، لا يلتفت إلا لسواها. يكفيه النصف الضائع من عمره، ليستقبل الآتي معها وبرفقتها، حتى لا تصيبه التعاسة في ابتعادها عنه. وقد تأكد له الآن أنه إذا خسرها، خسر حياته معها.
أنا هفضل جنبك
وهعيش سنيني معاك،
يا حبيبي كلها،
وهطمن قلبك وهملي عيني
بأحلى دنيا أنا شوفتها.
الفصل السابع والاربعون من هنا
رواية حان الوصال الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل السابع والاربعون 47 بقلم امل نصر
“في هذه الحياة، نحن أسرى لاختياراتنا، نحيا ما صنعته قراراتنا بأيدينا، ندفع الثمن بابتسامة حينًا وبزفرات عميقة حينًا آخر. وبينما تمضي الأقدار بنا، تبقى لحظات الفرح البسيطة كرقصة عفوية أو أغنية تنبض بالحب، ملاذًا يخفف وطأة الأيام. هناك من يهرب إلى ضحكة جماعية، وهناك من يختلي بذاته حائرًا بين العقل والقلب. وفي كل منعطف، يظل القدر هو سيد الحكايات، يربط خيوط الماضي بالحاضر، يفتح أبوابًا ويغلق أخرى، ليتركنا نتساءل: هل كان الاختيار حقًا لنا أم أنها لعبة الزمن التي تقودنا؟”
اهداء الجميلة «سنا الفردوس»

هل تلك نغمات تطن في أسماعها؟ أم هي سحب وردية تسحبها معه إلى عالمهما الجميل؟ خطوة مع خطوة، الكف تحتضن الكف، ذراعه تحاوطها، ويدها مستندة على كتفه. يميل، فتميل معه. يبتسم، فتبادله ابتسامته. يدندن معها، ليست تلك كلمات، بل هو ما استوطن بقلبيهما وأتى اليوم ليخرج ويُعلن أمام الملأ.
غير منتبهين لأحد، وكأن العالم قد خلا عليهما. أميرة؟ بل هي سندريلا، ولكن في نهاية القصة، بعد أن عثر عليها أميرها ليتحدى بها العالم. والآن، وقت رقصتهما في الحفل المكتمل. لن تهرب هذه المرة خوفًا من افتضاح حقيقتها، ولن يدور هو بحثًا عنها. لقد انتهت رحلة العذاب والآن بدأت رحلة الاستقرار. لقد حان الوصال.
حكايتنا كملت كلمات
حكايتنا كملت
وكان في وعد نفذته
وشيلتك في عنيا
اسمك واسمي جنب بعض
ولآخر عمري شريك فيا.
أجواء الحفل الأسطوري كانت تضم عددًا لا بأس به من وجهاء المجتمع، رجال أعمال وسيدات من أفراد العائلة العريقة من أهل العريس، وأهل العروس من الطبقة المتوسطة والعادية. كان أبناء عمها حاضرين بدعوة وُجهت إليهم كالغرباء، كما وُجهت أيضًا لعدد من أبناء الحارة التي كانت تسكن بها “بهجة”، كوالد طلال وطلال الذي حضر مع خطيبته ووالدتها. أتى بهما بإصرار وتحدٍّ، حتى إن رأى منها تمردًا، أجهضه بالقوة،
فجلس بهما على طاولة تخصهما وحدهما. كان يراقب رد فعلها هي ووالدتها، التي كادت عيناها تخرجان من فرط انبهارها بكل شيء حولها، عكس ابنتها التي غمرتها الحسرة. جسدها ترجم ما بداخلها بلغة يفهمها هذا المتربص جيدًا:
مالك يا سامية؟ حاسك مش على بعضك ليه؟
مش على بعضي إزاي يعني؟ ما أنا كويسة أهو، كويسة خالص كمان، ولا فيَّ حاجة مش مظبوطة مثلاً؟
أطالت في الكلام لتزيده يقينًا بتشتتها، بإنفعال مكتوم عقب محذرًا لها ولوالدتها:
طيب خلي بالك يا “كويسة”، عشان البص في كل حتة لافت نظر الناس عليكم، والناس اللي هنا غير اللي متعودين عليهم في الحارة.
إلى هنا، لم تقوَ على كبح غضبها:
أفندم بقى، ليكون هما من طينة وإحنا من طينة تانية؟ لا يا حبيبي، البنت اللي فوق دي هي وأخواتها مكانوش لاقيين…
قطعت كلامها منتفضة برعب حينما زجرها بنظرة مخيفة ارتعدت لها أوصالها، وأضاف بلهجة تهديدية:
لمّي لسانك يا سامية، لمّي لسانك واعملي لنفسك مقام، بدل ما أعرّفك أنا بطريقتي المقام اللي تستحقيه.
تجمعت الدموع في عينيها وهي تنظر نحو والدتها تطلب منها الدعم، فحاولت درية التدخل قائلة:
يا طلال يا بني، هي مش قصدها تشتمها، هي بس يعني…
قاطعها بحدة:
اسكتي بقى يا حماتي، بلا قصدها بلا ما قصدهاش. أنا غلطان أصلاً إني جيبتها. كان حقي أحرمها ما تعتبش الفرح ده أساسًا.
بحنق شديد، غفلت عن الكلمات التي تسقط من فمها وقالت:
ليه بقى إن شاء الله؟ ده فرح بنت عمي، على فكرة، مش واحدة غريبة عني.
استدار لينظر إليها ويحدجها بنظرة كاشفة، ثم تمتم بما ألجمها:
بنت عمك؟ مش دي اللي من شوية كنتِ بتقولي إنها وأخواتها مكانوش لاقيين الأكل… ولا إيه يا حماتي؟
أصاب الأخيرة الخرس، حينما وجه اللوم الصريح نحوها، فأشاحت ببصرها عنه تهرب من مواجهته. وقعت عيناها على ولديها؛ سامر، الذي تجاوزها وأصبح يتصرف بطبيعية وقد وجد ضالته في شيء آخر، وسمير، الذي رغم وجود زوجته بجواره وابنه في حضنه، كان الحزن والحسرة مرسومين بوضوح على وجهه.
❈-❈-❈
وفي ناحية أخرى، وتحديدًا في وسط القاعة، وبعد إصراره على أن تراقصه على أنغام الموسيقى الرومانسية، رضخت لرغبته بعد إلحاح منه. لتجد نفسها الآن محاطة بذراعيه، وكفه التي تحط أحيانًا على خصرها أو ظهرها، في وضع لا يريحها:
هشام، ابعد شوية، مينفعش كده.
سمع منها، ليقرب وجهه أكثر:
أبعد إزاي يعني؟ عايزني أبان زي التمثال وأنا برقص معاكي؟ دا حتى الناس يضحكوا علينا، يا أستاذة.
زمجرت داخلها برفضٍ عبّرت عنه:
محدش قالك تبقى زي التمثال، بس ابعد وشك شوية، ولا إيدك دي كمان، بتحركها ليه ع الفستان؟
فستان؟
تمتم بها بخبث، مردفًا:
وماله لما إيدي تيجي ع الفستان يا صفية؟ مش أنا كاتب كتابي عليكي وشرعًا فستانك بقى من حقي، يعني إيدي تيجي كده ولا كده، دا يعتبر شيء عادي.
قال الأخيرة وهو يدفعها من الخلف لتصطدم بصدره، ووجهها لا يفصل عن وجهه سوى سنتيمترات. شهقت مجفلة لفعله، لتدفعه بدورها وتبتعد عنه، فهرولت تاركة إياه في وسط صالة الرقص دون أن تلتفت إليه أو ترى رد فعله. توجهت نحو الطاولة التي كانت تجلس عليها، وعادت إلى مقعدها، فتبعها هو، ليواجهها بغضب:
دا برضو كلام يا أستاذة يا محترمة؟ تسيبيني في نص القاعة قبل الرقصة ما تخلص؟ الناس تقول علينا إيه دلوقتي؟
طالعته بحدة، تصيح به، كاظمة غيظها المكتوم، وبصوت تجاهد ألا يصل للآخرين:
أيوة يصح، ويصح أوي كمان. والناس يقولوا ولا يغلطوا حتى. عامل حسابهم أوي؟ يبقى تحترم نفسك، وبلاها قلة أدب وتحرش!
أشار بسبابته نحو صدره وكأنها وجهت له إهانة:
أنا قليل أدب؟ لا، ما اسمحلكيش. المرحلة دي لسه موصلنهاش أساسًا. أما بقى عن التانية، فدي اسمها لمسات بريئة، يا أستاذة. نسميها تحرش بقى إمتى؟
توقف وهو يشير بيده نحو عدة مناطق في الجسد، متابعًا بخبث:
لما إيدي تيجي هنا، أو هنا… أو هنا.
بااااااس!
“صرخت بها لتوقف استرساله، مطالبةً إياه بالكف عن عبثه المتعمد. قليل الأدب الوقح، كما كانت تسبه الآن في داخلها، فتنهاه بقهر:
مية مرة أقولك يا هشام بلاش أسلوبك ده معايا! أنا متعودتش على الجرأة مع أي حد، وأنت كل مرة تزود. مش عايزة أرفع صوتي، بس أنا محبش حد يتعامل معايا كده.
تركها تنهي كلماتها، ثم ربع ذراعيه فوق صدره بملامح عابسة. وتحدث بهدوء:
بس أنا أحب كده. عشان أنا جوزك على الورق دلوقتي وشرعًا أمام ربنا. يعني حقي أتجرأ، وإنتِ واجب عليكي تعودي نفسك. مدام قبلتي بيا كزوج، يبقى أكيد في حتة في قلبك على الأقل عايزاني… ولا أنا غلطان يا صفية؟
مهما أخفت أو أنكرت، سيأتي عليك الوقت الذي لن تجد فيه الفرصة للكذب. وذلك إن حوصرت بالسؤال المباشر، كما يحدث الآن. وقد بدا على ملامحها بوضوح أمام مواجهته، لتجيب بمراوغة:
والله، أنا لو كارهاك أو مش طايقاك، مفيش قوة في الدنيا كانت هتجبرني أوافق على خطوبتي منك أو كتب الكتاب.
تبسم بثقة، قائلاً:
طب حلو أوي يا أستاذة، طمنتِ قلبي يا شيخة.
وكالعادة، خجلت من مواجهة عينيه. تلك المرأة المحاربة في الدفاع عن حقوق النساء أمام المحاكم والقضاء، تصبح كالقطة الوديعة حين يغلبها الحياء.
رفعت رأسها فجأة، منتبهة لصوت الصفير الذي علا في قلب القاعة من بعض الحضور، تشجيعًا وتحية لحمل العريس لعروسه. دار بها لعدة لحظات قبل أن يتوقف، لتضع قدميها على الأرض.
مشهدهم الجميل ارتد بأثره على تلك المتزمتة دائمًا، التي تتخذ الجمود وسيلة لفرض احترامها على الجميع. غزت الابتسامة ثغرها وهي تتابع فرحة العروسين. جذب ذلك انتباه الجالس أمامها، الذي كان يتابعها بتمعن لكل خلجة وكل همسة منها. فعلق قائلاً:
عجبك شكلهم يا صفية؟ يبقى انتظري يوم فرحنا. وليكي عليا ما خلي رجلك تلمس الأرض لساعة كاملة وأنا بلف بيكي.
استدركت حالتها، لتعي علي كلماته. فتبسمت ضاحكة بعدم استيعاب:
إيه اللي بتقوله ده؟ ساعة!
وأكملت ضاحكة لترتشف من عبوة المياه الغازية، تخفي توترها المكشوف أمامه:
بقولك اللي هيحصل يا صفية… وبكرة تشوفي.
❈-❈-❈
عادت العروس، والتي كانت كالملكة، تعانق مليكها وتراقصه على أنغام الموسيقي الرومانسية. ثم جلست متربعة على عرشها بجواره، تتلقى التهاني والمباركات بمقام يليق بها، رافعة رأسها بعزة.
“كانت هذه هي النهاية الأفضل لقصة معاناتها؛ ما أجمل الجبر بعد الصبر! فقد تحقق لها ما كانت تطمح إليه، وأصبح قلبها الذي عانى طويلاً ينبض بالأمل من جديد
أما هو، فسعادته كانت تتجاوز سعادتها بمراحل. ألقى كل عُقد الماضي خلف ظهره، متجاوزًا أفكارًا قميئة ترسخت في عقله منذ مولده، وقد تيقن بالتجربة أن لا قيمة لأي شيء أمام راحة قلبه وبهجته.
— “مبسوطة يا بهجة؟”
سألها هامسًا، مقربًا وجهه منها، يتأمل ملامحها بشغف. تلك العينان الصافيتان، بخضرتهما المتوهجة اليوم، كحجر زمرد نادر لا يضاهي جماله شيء. اللعنة على غبائه الذي كاد أن يفقده هذا السحر! وليذهب عالم المال والأعمال والسلطة والجاه أمام نظرة واحدة منها وابتسامة خلابة كتلك التي تبادله بها الآن.
— “أنت بتسألني يا رياض؟ أنا مش مبسوطة، أنا طايرة! عارف يعني إيه طايرة؟ ربنا يخليك ليّا، حققت لي أمنية ما كنتش أتصوّر إنها تحصل أصلًا.”
رفع كف يدها إلى شفتيه، يطبع قبلة على ظهرها، ثم همس بشغف:
— “كده بقى، محدش له حجة يمنعك عني. حتى لو خطفتك ورُحت بيكي المريخ، محدش هيجرؤ يحط عينه في عيني. لا أخوكي العبيط اللي بيرقص مع أصحابه هناك ده، ونسي حتى ييجي يبارك لنا، ولا الكابتن شادي اللي مشغول بالرغي مع مراته على جنب لوحدهم، وبرضو نسي ما يبارك لنا.”
ضحكت، تتطلع نحو الاثنين، اللذين كانا بالفعل منشغلين عنها. بدا أنهما قد سلّما الراية ودفة الشراع، تاركين شأنها، لتسوقها رياح الاطمئنان والأمان مع وليفها بعد التشتت والعذاب. التفت كلٌّ منهما إلى شؤونه الآن.
— “أممم…”
زامت شفتيها بمرح، وعلّقت علي حديثه:
— “منسوش يا عمّ الخبيث! هما بس مستنيين الدنيا تخف شوية، وهييجوا يباركوا ويرقصوا كمان. ولا انت صدّقت إنهم سابوا مكانهم؟ دي مجرد استراحة بس.”
— “لا والله!”
قالها ضاحكًا، ليقترب أكثر مردفًا بوعيد:
— “طب خلي حد فيهم يقدر يحوشني عنك تاني. ده أنا هنسيكي طريق بيتكم أصلًا لسنة قدّام!”
قالها وضحكاته تملأ المكان. اضطرت هي إلى دفعه بمرفقها ليصمت عن عبثه، وقد أشعل الخجل وجنتيها وبدا عليها الاضطراب واضحًا. تمالكت نفسها بصعوبة وهي تنبهه إلى قدوم مصطفى عزام وزوجته.
— “مبروك يا ابن خالتي.”
قالها مصطفى، وهو يمد يده مصافحًا. ثم جذبه من كفه ليضمه إليه بعناق أخوي.
— “مبسوط لفرحتك يا حبيبي.”
شعر رياض بصدق الكلمات في نبرته، فرد عليه بحرارة، متناسيًا مآسي الماضي والذكريات القبيحة، التي لم يكن لأي منهما يدٌ بها.
أما بهجة، فقد تلقفت الصغير من نور وقبّلته، متبادلة مع والدته الحديث بودّ:
— “أنا مبسوطة أوي إنك جيتي ونوّرتي الفرح. لا وجايبة الأمور ده معاكي، ده كان واحشني أوي!”
عبرت نور عن فرحتها هي الأخرى:
— “حبيبتي، ده هو اللي فرحان بيكي! ما شوفتيش اترمى عليكي إزاي أول ما شافك؟ اتعلّق بيكي من أول مرة شافك فيها. انتي جميلة يا بهجة، وأنا فرحانة ليكي أوي.”
— “مش قد فرحتي بيكي والله.”
قالتها بهجة، ليدور بينهما حديث سريع، ثم انضم إليهما الرجلان بألفة ومحبة، والتقطوا معًا صورًا تذكارية.
وفي مدخل القاعة، حيث كانت بهيرة تدلف مستندة على ذراع ابنها، تمتمت بغيظ:
— “شايف يا عدي؟ أخوك اللي جري يبارك لابن خالته؟ طبعًا، فرحان إنه ما يبقاش لوحده في العيلة متجوز من أصل وضيع!”
أغمض عدي عينيه بضيق، مستهجنًا قولها:
— “ماما، أرجوكي، بلاش الكلام ده. إحنا جايين نعمل الواجب مع خالتو ورياض. دا انتي بنفسك بتقولي إنه حبيبك.”
عبست ملامحها المجعدة بضيق، قائلة:
— “ما هو فعلًا كان حبيبي وما زال. كان دايمًا راقي وبيفكرني بالمرحوم الباشا والدي، أرستقراطي ومأصل لجدوده الباشوات. ما كانش يشبه أبوه المستهتر ولا والدته اللي طول عمرها شاردة عن أصلها الكريم. واديه في الآخر لفّ لفّ، وبقى زيهم… رايح يتجوز خدامة!”
— “ماما!”
تمتم بها محذرًا:
— “خدي بالك، الكلام ده يضرّنا إحنا كمان معاه. العروسة من عيلة متوسطة وخلاص، مش عايزين نزود عن كده.”
طرقت بعصاها وهي تغمغم بضيق:
— “وأنا اللي ملجمني ومخليني ساكتة عن المهزلة دي غير اسم العيلة. غاصبة عن نفسي أحضر فرح مش متقبلاه ولا مستوعبة حدوثه، بس عشان اسم العيلة. منك لله يا نجوان، دايمًا تعباني من صغري لحد شيبتي.”
❈-❈-❈
في إحدى ردهات القصر المنزوية بعض الشيء، وقفت تنتظر بقلق يعصف بها.
تدفعها المسؤولية لتحمل ما لا تطيق، ولكن شيئًا ما يحثها على التجاوز والتقبل. أو ربما هو أمر مختلف عن كل ما سبق، ولكنها تريده.
“أنا جيت ومعايا آدم”،
هتفت بها عائشة وهي تسحب الأخير من يده، والذي علق بدوره:
“هي دي نوجة اللي قولتي عليها؟”
تطلعت إليه نجوان بحنين جارف، وقد تأثرت بنبرته التي تحدث بها، بالإضافة إلى الشبه العجيب الذي هزّ قلبها من الداخل. شعرت وكأنها شجرة تتقاذفها الرياح بشدة، ذلك القاسي الذي خدعها ورحل قبل أن تواجهه، تاركًا خلفه قطعة طبق الأصل منه.
أتلعنه في مماته الآن، بعدما ترك وراءه ما يعكس الماضي بأبشع صوره؟ أم تحتضن الصغير الذي يعيد إليها روحها التي فقدتها مع الراحل؟ ورغم كل أفعاله، لا تزال حتى الآن لا تحمل له حقدًا أو كراهية.
“هاي يا طنت”،
قالها آدم وامتدت كفه نحوها بكل ذوق تعلمه. أمسكته هي دون أدنى تفكير وسحبته إليها لتقبّله على وجنتيه وتخاطبه بصوت بحّ لفرط ما يكتنفها من مشاعر:
“ما تقوليش يا طنت يا قلبي، قولي يا نوجة، زي عائشة ما بتناديلي”.
سمعت الأخيرة لتضيف بمرح:
“أيوة يا آدم، نوجة دي حبيبتي وصاحبتي وكل حاجة. دي أحلى ست تشوفها في حياتك أصلًا”.
“أصلًا”،
ردّدها آدم ضاحكًا ساخرًا من طريقتها. فتدخلت نجوان قائلة:
“طب إيه رأيك تيجي تعيش معايا الشهر اللي هيقضيه رياض بره مصر مع عروسته، وتحكم بنفسك إن كانت هي بتبالغ ولا أنا فعلًا كده…”
سمع منها آدم وتوجّه نحو عائشة مستفسرًا بحيرة. تابعت نجوان لتطمئنه:
“عشان تطمّن أكتر، عائشة كمان هتقضي معايا الفترةدي. أنا جهّزت أوضتين، واحدة ليها وواحدة ليك. ها، إيه رأيكم أنتوا الاتنين؟”
سمعت عائشة، فهتفت بفرح:
“أنا طبعًا جاية! هقضي الشهر كله معاكي يا نوجة”،
ولفت ذراعيها حول خصرها تعبيرًا عن فرحتها. مما شجع آدم أيضًا على الموافقة:
“أنا كمان موافق، مدام هلعب مع عائشة”.
“أيوة بقى”،
قالتها عائشة، بينما اقتربت نجوان من الصغير لتقبّله أعلى رأسه:
“ده بيتك وبيت والدك يا حبيبي، وأنت هتيجي تنور مكانك”.
❈-❈-❈
ترجّل من سيارة الأجرة التي توقفت بالقرب من القصر والهاتف على أذنه يتحدث مع صديقه والد طلال، الذي كان يتابع معه:
“أيوة يا سيدي، نزلت أنا ومراتي من العربية. بس أنت متأكد إن ده القصر فعلًا اللي معمول فيه الفرح؟ … آه، ماشي ماشي، هاخد طريقي دوغري زي ما قلتلي. جايلك أهو”.
أنهى المكالمة والتفت ليسحب زوجته بضجر:
“ما تمدّي رجليكي بقى يا ولية، الفرح قرب يخلص، مش كفاية عطّلة البيت والعيال اللي كانو ماسكين في رقابينا”.
ردّت هي بعَتب:
“الله! برضو التأخير هتجيبه في العيال؟ ما المساكين سكتوا واتراضوا. أنت اللي اتأخرت عند الحلاق! هنكدب بقى؟”
نفث دخانًا من أنفه بضيق شديد، وردّ بنبرة غاضبة:
“يعني المشكلة بقت في الحلاق؟ مش في عيالك اللي نهبوا تلت آلاف جنيه مراضية بأكل من برا عشان يوافقوا يسبونا نمشي لوحدنا؟ اسكتي، اسكتي! أنا مبقوق ومعبّي ومش عايز أتكلم لانفجر. أنا قربت أشحت بسببكم”.
تجاهلته وأشارت إلى القصر بانبهار:
“يا حلاوة يا ولاد! ده إحنا داخلين في قصر فعلًا. إيه ده؟ إيه ده؟ بقى أنت عندك بنت أخ متجوزة باشا من بتوع زمان ومخبي عليّا يا خميس؟ الله يسامحك. طب قولي عشان أعمل الواجب”.
“واجب!”
تمتم بها خميس زاجرًا بنظرة مشتعلة، يودّ لو يفرّغ بها غضبه. فما يعانيه منها من ابتزاز متعمد طوال الوقت، يجعله يلعن الساعة التي رآها بها.
يفضّل لو عاد به الزمن ليتجنب خطأ الزواج منها، فقد اكتشف أن نار درية أرحم من جنتها. على الأقل، الأخرى لا تعايره طوال الوقت بكلمات مبطّنة تنقص من قدره كرجل أمام امرأة مثلها لا يقدر عليها إلا الله.
وداخل القصر،
صعدت الجميلة صبا برفقة زوجها إلى منصة العروسين لتهنئتهما وتقديم المباركة. قابلتها بهجة بفرح، لتسحبها إليها وتضمها بحب، أما شادي فقد قابل العريس بابتسامة مازحة:
“أكيد مستنيني من أول الفرح، بس أنا قولت أخليك تاخد نفسك شوية وأريحك مني الحبة دول”.
قهقه رياض معلّقًا بتحدٍ:
“يا حبيب قلبي، مستغناش طبعًا، ما تقولش كده. أنت فعلًا هترتاح على طول بعد كده، عشان خلاص ما بقاش في حجة، وبهجة كمان بقت ملكية خاصة بالإشهار دلوقتي. محدش يملك يفرقنا عن بعض أبدًا”.
لم يقوَ شادي على الإنكار، فعبر عن فرحته باستسلام:
“والله ده شيء يسعدني، وربنا يديم محبتكم لبعض. هي تستاهل العوض، وأنت أكيد كنت محتاجها”.
تنهد رياض بعمق، مرددًا:
“آه والله كنت محتاجها، محتاجها أوي. ربنا يخليهالي”.
“آمين يا رب، آمين”،
تمتم بها شادي ليبادله رياض الضحك والمزاح، حتى طلبت بهجة التقاط صور تجمع الأربعة معًا. وبعد التقاط الصور، انسحب شادي وزوجته تاركين المنصة للعروسين، غافلين عمّن وقف بالقرب منهم، مذهولًا يراقب نزولهما.
كان عدي لا يصدق عينيه، أوَهم هذا ما يراه؟ أم تلك أحلام يقظة سعيدة؟ ولكن كيف تكون سعيدة بوجود هذا الرجل الذي هزمه رغم ضعفه، وخطف المرأة الوحيدة التي تمناها ولم يحصل عليها؟ هنا يبرز السؤال: ما علاقة هذين الاثنين بابن خالته وعروسه؟
لم يدع نفسه للحيرة أكثر من ذلك، وصعد سريعًا ليبارك لـرياض الذي قابله فاتحًا ذراعيه:
“عدي باشا!”
بعناق رجولي، ضمّه إليه مهنئًا:
“حبيبي يا رياض، فرحتي بيك ما تتوصفش”.
“ده أنت اللي حبيبي يا صاحبي”،
صافح عدي بهجة ليهنّئها هي الأخرى، ثم تبادل المزاح مع رياض، قبل أن ينفرد به هامسًا:
“الراجل والست اللي طلعوا من شوية دول تعرفهم منين؟”
اهتز رأس رياض بعدم تركيز، فأشار إليه بذقنه نحو الطاولة التي يجلس عندها الاثنان. تطلّع إليهما ثم أجاب:
“ده شادي ابن عمة بهجة، واللي معاه مراته. بتسأل ليه؟”
وكأن الرد كان جليًا على ملامح عدي التي تغضنت بحزن.
❈-❈-❈
وإلى طاولة سامر وشقيقه،
استغل الأول انصراف إسراء للحديث مع إحدى السيدات، ليتوجه نحو شقيقه بلوم:
“إيه يا عم سمير، ما تاخد بالك شوية واصحى، بدل ما أنت مفضوح كده بسحنتك المقلوبة دي. أي حد هيشوفك هيعرف اللي فيها، إشحال بقى مراتك اللي كاتمة في قلبها وساكتة”.
سمع منه سمير ليعقب بيأس وعدم اكتراث:
“تكتم ولا تفضح حتى، أنا ميهمنيش حد يا سامر. الخنقة اللي أنا فيها تخليني أولّع في الكل منغير تردد، وهي عارفة كده، بدليل إنها ساكتة، عشان متأكدة إن الحكاية خلصت بجواز غريمتها. إنما أنا قلبي هيفضل محروق مهما حاولت أتجاوز أو أعمل نفسي ناسي. منهم لله أمك وأبوك، ضيّعوا مني الحاجة الوحيدة اللي حبيتها”.
بماذا يعقب؟ والمرارة التي تظهر في صوت شقيقه تكشف حجم معاناته. رغم ذلك، لم يكن سمير بريئًا تمامًا من ذنبه، فهو أيضًا يتحمل قسطًا كبيرًا من الخطأ حين تخلى عنها وتركها تصارع الأهوال في تربية أشقائها رغم صغر سنها آنذاك. ولكن لا داعي للجلد الآن أو صب اللوم. فليخفف الله عنه مصيبته.
“يا نهار أبوك اسود، شوف مين اللي جاي!”
تمتم بها سمير، لافتًا انتباهه نحو مدخل قاعة القصر التي يُقام بها الحفل. حيث يدخل خميس بصحبة امرأة تلفت أبصار الجميع نحوها، بزينة وجهها المبالغ بها وفستانها الأحمر الصارخ. حجابها الصغير يغطي نصف رأسها فقط، كاشفًا عن شعرها المصبوغ باللون الأصفر. تتأبط ذراع خميس بثقة، وكأنها المرأة الوحيدة الجميلة في القاعة.
“يا ستار من الفضايح يا رب”،
غمغم بها سامر بضيق ملحوظ، قبل أن تقع عيناه على من جاءت خلفهم.
والتي خطفت الأبصار نحوها هذه المرة، بانبهار وإعجاب، هي لورا، التي بدت كعارضات الأزياء العالميات بفستانها الأسود الطويل، ذو الفتحة الكبيرة من أعلى الركبة التي أظهرت سيقانها اللامعة. كانت الحمالتان العريضتان في أعلى الفستان، وشعرها الحريري المصفف بطريقة مميزة لا تليق إلا بها، يجعلانها قبلة للأنظار.
وفي مقارنة سريعة عقدها سامر بين المشهدين، شعر بالنقص وشيء غير مريح كان غافلًا عنه، لكنه بدا واضحًا الآن.
❈-❈-❈
– “آه يا خميس الكلب، ساحب البهيمة دي وجايبها الفرح كمان؟”
صدر هذا التعليق من درية وهي تتابع دخول الاثنين، مما أثار استياء طلال الذي لم يعجبه الأمر:
“لا إله إلا الله، خلي بالك من ألفاظك يا حماتي، مش عايزين فضايح الله يرضى عنك. ولا حد يجي يسحبنا من قفانا ويخرجنا ويقول علينا بيئة. كل اللي في الفرح ده ناس عليوي، ما تعرفش كلامك ده.”
ردت عليه درية بنبرة ظهر فيها الاستهجان بوضوح:
“بيئة؟ وكمان يطردونا؟ ليه بقى؟ كان القصر الجمهوري ده إن شاء الله ولا إيه؟ أنا بتكلم من قهرتي، الراجل الأهبل مش عامل حساب لسنه ولا منظره، جَرّرها معاه وساحبها. هي دي أشكال تدخل حتت نظيفة زي دي؟”
سامية، التي كانت تساند والدتها، أضافت بتأييد:
“عندك حق يا أما، ده كفاية البويا اللي ملغمطة بيها وشها ولا الفستان الأحمر. ده لوحده حكاية!”
رغم حنقه من تهكم الاثنتين، إلا أنه لم ينكر صدق حديثهما. زفر طلال بغيظ، مشيحًا بوجهه عنهما، وهو يحدّث نفسه بندم:
“يا ريتني ما سمعت نصيحتك يا بويا، ولا اتصلت بيه أبلغه بأمر الدعوة. ده حتى عياله نفسهم مستعرين منه!”
❈-❈-❈
أما بهجة، فقد تصلّبت مكانها فور أن وقعت عيناها عليه، يصعد نحوها بصحبة تلك المرأة ليبالغ في تهنئتها:
“بهجة، بنتي حبيبتي!”
هجم عليها، يجذبها من ذراعيها ليقبلها على وجنتيها، لكن هذا الغيور تدخل على الفور، وأبعده عنها بحزم:
“استنى هنا، بنتك مين يا حج؟ ابعد كده!”
تلجلج خميس، مبررًا أمام صمتها:
“أنا… أنا أبقى عمها يعني، في مقام أبوها بالضبط.”
“عمي بس؟ أنا أبويا مات من زمان. على العموم، تشكر يا عمي.”
قالتها بهجة بحسم، لتصب الحرج على خميس الذي حاول تدارك خزيه:
“آه معلش يا بنتي، أكيد متأثرة. بس هي قالتلك أهو، أنا أبقى عمها، ولا إيه يا عريس؟ ده أنا حتى جاي أباركلك معاها.”
صافحه رياض بضغط قوي على يده، مانعًا إياه من الاقتراب أكثر أو احتضانه، ليؤكد له مكانته كغريب. أما صفاء، التي ضحكت ببرود مدعية عدم الفهم، فقد حاولت هي الأخرى تكرار فعل زوجها، معتبرة أن كونها امرأة سيمنحها حرية التصرف:
“أنا بقى عارفة نفسي مرات عمك الجديدة يا عروسة.”
وقبل أن تفعل ما يدور برأسها، وجدت كف رياض كحاجز يمنعها من التجاوز، مع ابتسامة لا تخفي فظاظته:
“معلش، عشان المكياج.”
أومأت برأسها، تواصل ضحكها باضطراب:
“آه صحيح، عندك حق. ألف مبروك يا عروسة… ألف ألف مبروك!”
قالتها وهي تلملم حرجها، ثم نزلت عن المنصة تبحث عن طاولة تضمها هي وزوجها، الذي أدرك جيدًا مكانته حتى لا يأخذه العشم ويطمع فيما هو أكبر.
❈-❈-❈
أما عن رياض، فقد التفت ليطمئن على بهجة فور مغادرتهما:
“أوعي تكوني زعلانة عشان عاملته بقلة ذوق.”
هزّت رأسها نافية على الفور:
“وهي فين قلة الذوق؟ أنت اتصرفت بحماية ليا، وأنا اتصرفت بطبيعتي لأني رافضة أي دور يفرضه عليا دلوقتي بعد ربنا ما كرمني بيك. ما هو كان ناسي طول السنين اللي فاتت، ودلوقتي افتكر إنه في مقام أبويا وفاكرني هتكسف من شكلي قدامك؟ لا طبعًا.”
ضمها من كتفيها إليه دون مبالاة بأحد، يدعمها بثقة:
“أيوة بقى، أنا عايزك تبقي قليلة ذوق براحتك. جوزك معاكي وفي ضهرك.”
لم تخجل من فعلته، بل عبرت عن امتنانها قائلة:
“ربنا يخليك ليا يا رياض.”
❈-❈-❈
مع تواصل لفقرات الحفل المشتعلة، كان هناك عدد من المطربين الصغار والكبار أيضًا، منهم المطرب المفضل لإحدى الحاضرات، والتي غلبتها الفرحة برؤيته:
الله، عمر دياب! هتفت بها صبا وكأنها طفلة تحضر أجواء العيد، غير منتبهة لوقارها أمام زوجها الذي ردد، ينبهها رغم سعادته بأفعالها:
اهدي يا مجنونة، مش عايزين فضايح، الناس بتبص علينا.
ردت بلهفة غير مبالية:
وايه يعني؟ ما هما نفسهم جريوا عليه. ما تيجي أحنا كمان نتلم عليه؟ أنا نفسي أتصور معاه زي ما حصل يوم حفل الفندق. فاكر يا شادي؟
فاكر يا قلب يا شادي، بس استني على ما الدنيا تهدا، وأنا هوصلك ليه لو نفسك تتصوري معاه…
حبيبيييي! قاطعته بفرحة غامرة، وسحبته من يده بعد ذلك، ليتابعان المطرب المفضل لديها في اندماج معه
غافلين عن المتابع الذي كان يراقبهم من جهة غير مرئية لهما، بشغف لا يقل عن لهفتها، فقد اختار فقرة المطرب كهدية لابن خالته، وكأن قلبه كان على موعد مع الحدث. اللعنة على هذا الاشتياق الذي يجتاحه من الداخل، لامرأة أصبحت لا تجوز له. وامرأته، التي أنجب منها أطفاله، قد تصالح معها واستقرت الأمور بينهما، ولكن بنظرة واحدة من تلك الجنية التي خطفت قلبه، أصبح الأمر وكأن شيئًا لم يكن.
واقف تعمل إيه وسايب صاحبك لوحده؟ انتفض مستفيقًا من شروده، ملتفا نحو صاحب الصوت، ثم نكزه بسبابته بخفة على ذراعه، متابعًا:
جاي من تركيا عشان تسرح؟
كااارم! تمتم عدي بالاسم قبل أن يلتقي مع الآخر بعناق رجولي، وترحيب حار متبادل بين الاثنين:
إيه الغيبة الطويلة دي يا عمنا، وحشتني والله وحشتني.
وأنت أكتر والله يا كارم، المهم أنت اتأخرت ليه؟ الفرح قرب على نصه.
تبسم بانتشاء وعدل من حلته:
لا، ما أنا كان عندي مشوار مهم. مهمة حساسة كان لازم أتمم عليها قبل ما أجي وأسحب مراتي المسكينة اللي كانت هتاكلني على التأخير.
عندها حق طبعًا تاكلك، مهمة أي دي الحساسة اللي تخليك تتأخر كده على فرح رياض؟
ماهي تخص رياض برضو. طب أقولك، تعالي أفهمك وهو معانا. الحمد لله مراتي إندمجت مع بهيرة عشان ما تسمعش كلامنا.
ليه يا بني؟ هو إيه الموضوع بالضبط؟
❈-❈-❈
اتجوزوا! معقول بالسرعة دي؟
كان هذا رد الفعل الأولي من رياض بعد سماع حديث كارم بعد أن انفردا معًا بصحبة عدي، مستغلين انشغال العروس بالرقص بين مجموعة من الفتيات.
فجاء التساؤل من عدي:
يعني مين دي يا عم اللي جوازها هممكم أوي كده؟!
أجابه كارم:
ياسيدي دي تبقى خالة آدم، ست كده ما شاء الله، ما تفرقش عن المرحومة أختها غير في الشكل.
أاااااه. تمتم بها عدي بتفهم، ليزيد عليه الآخر بقوله:
أديك خمنت لوحدك يا سيدي، ودي كانت مسببة خطر كبير لعريسنا اللي عايز يعيش مرتاح مع عروسته. أنا بقي يا حبيبي حبيت أخدمه وأخدمها، عرفتها على واحد من نفس طينتها. مخدوش مع بعض يومين، ولقيتهم عازميني شاهد على كتب كتابهم، وكأنهم خايفين لا يطيروا من بعض. فعلاً الطيور على أشكالها تقع.
جشعة. قالها عدي بتخمين، ليؤكد له رياض:
أااااوي، واللي اتعرفت عليه نفس الشخصية زي ما قال كارم، من عيلة أرستقراطية زيينا، لكنه يضيع جبل فلوس على مزاجه والقمار. مكنتش أتمناهولها، بس هي اللي اختارت.
فعلاً، كل واحد يدفع تمن اختياره.
ردد بها كارم من خلفه، قبل أن ينتبهوا جميعاً إلى الأبصار التي توجهت نحوهم، حينما أنشقت دائرة النساء لتكشف عن العروس بينهن وهي تشير إليه بيدها كي ينضم معها. فضحك مردداً:
“معرفش أرقص بلدي، والله ما أعرف.”
ضحك عدي هو الآخر، واستجاب كارم لإشارة من زوجته التي كانت مع المجموعة، ليسحبه مجبراً:
“جرب وهبب أي حكاية، حد قالك إن إحنا كمان بنعرف.”
ودفعه ليشارك الاحتفال بمرح على أنغام الألحان الشرقية، فوجد الحل بأن يندمج مستشعراً الكلمات التي يرددها المطرب:
«ماقدرش أنا على اللي عيني شيفاه ومجاش في بالي
الرقة دي، أه، يا سحر عنيه حاجة فوق خيالي
دا اللي أنا حلمت بيه يكون عشاني مش عايز حد تاني
اتعلقت في ثواني، دا حبيبي ياما صادفني قلوب كتير
وليلة لحبيبي، أعمل فيه إيه؟ غيرتي خوفي عليه دايماً يزيد
وأمال بقي لو صارحت عنيه ولمست إيدو»
استمر الحفل بأجوائه الممتعة، وقد حضره العديد من الأصدقاء بعد ذلك، مثل جاسر الريان وطارق وكاميليا وزهرة كداعمات للعروس جارتهم قديماً، وصديقة صفية التي ارتخت قليلاً مستجيبة لمزاح خطيبها الطبيب هشام، والذي كان يؤدي كلمات الأغنية بإتقان شديد ليجعلها تضحك معظم الأوقات.
وفي ناحية أخرى، كانت الوقفة الفاصلة لشخص آخر، وقد وصل إلى قراره أخيرًا بعد أن رأى وقارن وحكم العقل على العاطفة:
واخد جنب لوحدك في آخر القاعة، دا بدل ما ترقص وتشارك، إيه الكآبة دي يا عم؟ تفوهت بها، تقترب منه بأناقتها اللافتة، ليلتفت إليها قائلاً:
معلش بقى، دماغي مش متحملة الأغاني، شكلي كده كئيب فعلاً.
قطبت باستغراب:
ليه يعني؟ مش فرحان لبنت عمك؟ بادلها الرد بسؤاله:
من ناحيتي أنا طبعًا فرحان لها من قلبي والله، إنتي بقى فرحانة كمان ولا؟
تبسمت بثقة وكأنها قد تجاوزت تلك المرحلة:
أنا خفيت خلاص من مرضي يا سامر، بدليل إني جيت وواجهت وباركت لرياض وعروسته وطنت نجوان كمان.
برافو عليكِ، تمتم بها وهو يكتم زفرته، ثم أطرق برأسه قليلاً في تفكير قبل أن يرفع نظره قائلاً:
عقبالك إنتي كمان، شكلك زي القمر النهاردة، أكيد هتلاقي ألف عريس يتقدمولك من بكرة.
ضحكت، تضرب كفًا بالآخر مرددة:
ألف مرة واحدة؟ لا يا سيدي، مش لدرجة دي، بس تقدر تقول هو فعلاً في حاجة زي كده.
توقفت تتابع بتلعثم وارتباك:
آآآآ، ابن عمة ماما، ده اللي كان واقف معايا من شوية، شوفته.
آه، شوفته. ردد بها من خلفها وبيقين ترسخ داخله:
لايق عليكي.
ضحكت بخجل:
بس أنا لسة مرديتش ولا أديت رأيي، هو كلم ماما وأنا قلت أخد فرصتي في التفكير.
اعتدل في وقفته يخاطبها بجدية:
لو إنسان كويس متتأخريش في الرد عليه ولا تضيعي ثانية زيادة من عمرك. على العموم، أنا كمان قررت، وقريب هتلاقيني ملبس دبل.
سألته بلهفة أكدت صدق ظنها:
بجد يا سامر؟ طب هي فين؟ لو في الفرح هنا، قولي خليني اتعرف عليها.
أزاح عيناه عنها بسأم، فالفكرة قد خطرت برأسه في التو ولم يأخذها بجدية حتى الآن، ولكن مهلاً….
توقف بصره في نقطة معينة، نحو تلك الجميلة التي تراقص شقيقتها ببراءة ورقة يعلمها عنها منذ نعومة أظافرها، ولكنه لم ينتبه إليها سوى الآن. فقد كبرت ولم تعد تلك الصغيرة التي نشأت أمام عينيه بأخلاقها المتميزة وعفويتها دون تصنع، ليردد اسمها داخله:
جنات.
❈-❈-❈
قاربت الليلة الأسطورية على الانتهاء، وقد حان وقت ذهابها مع زوجها، فخرج يسبقها حتى يأتي بالسيارة من المكان الذي اصطفها به، فانتظرت هي داخل حديقة القصر حتى يتصل بها لتخرج، ولم تحسب حساب شخص آخر كان لا يصدق أن فرصته للحديث معها قد أتت:
لسة جميلة زي ما إنتِ يا صبا. شهقة إجفال صدرت منها قبل أن تلتف إليه، فتتحقق من هويته بعدم استيعاب:
إيه ده، معقول؟ إنت إيه اللي جابك هنا؟ تبسم، يقترب منها ليجيب بثقة:
دا قصر أجدادي يا صبا، والفرح اللي جوا يبقى فرح ابن خالتي على قريبتكم، بهجة….
صمت بتنهيدة خرجت من العمق قبل أن يتابع بتمني:
تصدقي إني تخيلتك مكانها النهاردة، وأنا جنبك مكان رياض.
اشتعلت عينيها بغضب لم يخفَ عليه فتابع غير قادر على التوقف:
أنا هنا بتكلم على جواز في العلن، مش عرفي ولا في السر. كان نفسي أخد الفرصة أنا كمان زي رياض ومضيعكيش من إيدي.
ردت بحدة حتى يكف عن عبثه:
لا حضرتك ناسي، رغم إني كارهة أتكلم في الموضوع ده من أساسه، بس أنا هفكرك إن الوضع هنا مختلف. الوضع هنا اتنين بيحبوا بعض، بس اللي كان واقف بينهم هو الظروف وسوء الحظ. إنما لما اتخطوا الاتنين، وصلوا لبر الأمان. أنت بقى… راجل متجوز ومعاك أولاد، يعني كان الأولى تبص لاهل بيتك وولادك، مش تعيش حياتك بالطول والعرض. ولما تغلب معاك واحدة، تطلب منها الجواز في السر.
ولو كنت طلقتها واديتيها كافة حقوقها هي والولاد، كنتي هتوافقي يا صبا؟ بس قبل ما تجاوبي على دي، عايز أسألك: إنتِ سعيدة أصلاً مع شادي؟
وأنت مالك؟ صدر الصوت الخشن خلفها، لتفزع برؤية رجلها، وقد بدا أمامها كالوحش بطاقة تفوح منها الشر:
إيه اللي رجعك تاني يا عدي يا عزام؟ ومالك ومال مراتي أصلاً؟
أجابه ببرود غير مباليًا بالهلع المرتسم على هيئة تلك المسكينة:
أنا قابلتها بالصدفة زي ما إنت شايف، وكنت بسألها سؤال بريء، مقصدتش بيه أي حاجة وحشة.
سؤال بريء برضه؟ ولا دي مقدمة قبل ما توز في ودانها زي الشيطان؟ أنا بقى هخلص منك القديم والجديد.
قالها وتقدم بخطواته بنية واضحة علمتها لتهرع إليه تحاول منعه، فتتصدر بجسدها أمامه:
لا يا شادي، إحنا ماشين وسايبينه، شادي….
توقفت في الأخيرة وقد ارتخت أعصابها، لتلفها غمامة سوداء فتسقط فاقدة للوعي، فتتلقفها ذراعيه قبل أن تصل للأرض، هاتفًا بإسمها:
صبااا
الفصل الثامن والاربعون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الثامن والاربعون 48 بقلم امل نصر
توقفت السيارة بها في هذا البلد الغريب، وسط أجواء غامضة لم تستوعبها بعد، وهي تنظر عبر زجاج النافذة طوال الطريق.
“يلا يا بهجة، إنتِ مستنية إيه؟”
كان هذا نداء زوجها الحبيب الذي سبقها بالخروج من السيارة. استدركت كلامه واستجابت، فنزلت من السيارة التي كانت تقلهم. وما إن وضعت قدمها على الأرض حتى غرست في ذلك الشيء الأبيض، فهتفت بدهشة:
“إيه ده؟ يا لهوي! أنا حاسة نفسي جوه فريز التلاجة!”
صدرت ضحكته بمرح وهو يسحبها من يدها ويتحرك بها قائلاً:
“إنتِ لسه شوفتي حاجة يا بهجة؟ أمال أنا ملبسك تقيل ليه؟ ده انتي هتنبهري أكتر جوا.”
“أكتر من كده؟!”
تمتمت بها وهي تواصل طريقها معه باتجاه السلم الخشبي. صعدت الدرجات بجانبه حتى توقفا أمام مدخل كوخ خشبي. فتح الباب لتدخل خلفه، فتوقفت مكانها، تدور برأسها في كل الاتجاهات، متأملة المكان بانبهار.
تركها تتأمل حتى صرف السائق الذي وضع الحقائب خلفهما. ثم عاد فجأة ليضمها من خصرها، وطبع عدة قبلات على وجنتها، فصرخت بإجفال:
“ررررررييياض! خضتني!”
ضحك بمشاكسة وهو يقول:
“هو إنتِ لسه شوفتي خضات ولا انفعالات؟ دا أنا هبرجلك الأيام اللي جاية ! بس دلوقتي خلينا نريح الأول عشان أنا تعبااان.”
ضحكت بخجل تحاول إخفاءه، ودفعته بقوة بقبضتها على ذراعه. لكنه لم يشعر بها بسبب الملابس الثقيلة التي يرتديها.
“أجل تلميحاتك الوقحة شوية، والله أنا عايزة أتعرف على كل حاجة هنا. البيت ولا الكوخ ده شكله يجنن وغريب عليا، أول مرة أشوفه.!
شاكسها بإبتسامة مراوغة:
“ماشي يا قلبي، هتتعرفي على كل حاجة بس…” توقف قليلاً قبل أن يكمل
“بس إيه الهدوم الكبيرة دي؟”
“الهدوم دي أنت اللي ملبسهالي!”
قالتها بدهشة، لكنه على الفور بدأ يخلع معطفها قائلاً بغيظ:
“آه، طبعاً، برا! إنما هنا مينفعش.”
“مينفعش ليه؟”
سألته وهي تتصنع عدم الفهم، لكنه لم يترك لها الفرصة للتلاعب. دفعها بخفة لتصطدم بالجدار خلفها، وألقى المعطف أرضًا. يداه عرفتا طريقهما؛ واحدة أحاطت خصرها، والأخرى رفعت وجهها إليه ليقترب منها متناولاً ثغرها بقبلة عاصفة، متلهفة،مشتاقة،. طالت حتى تحولت إلى قبلة ناعمة ورقيقة. قبل أن يبتعد قليلاً بأنفاس متقطعة وقال بإجابة مختصرة لسؤالها:
“عشان من هنا ورايح، مفيش أي حواجز تفصلني عنك أبداً، فاهمة يا بهجة؟”
أومأت برأسها مرتين دون أن تستطيع الكلام. فأقترب يعاود الكرة بشوق ولهفة أشد، حتي دني ليرفعها من ركبتيها مغمغمًا بنفاد صبر:
“لا، إحنا كده ملناش غير أوضتنا!”
فصرخت توقفه:
“بس أنا لسه ما اتفرجتش على باقي البيت!”
رد بسرعة وهو يتحرك بها نحو وجهته:
“هتتفرجي بعدين! البيت ده فوق الجبل، أنا وإنتِ وبس، ومفيش حد تالتنا. دا أنا ماصدقت أستفرد بيكي. هي لسه فيها كلام؟”
ضحكت بمرح وهي تجادله:
“طب ناكل الأول، أنا جعانة! رياض… رياااااض!”
❈-❈-❈
استيقظت من نومها صباحًا، تطوف بعينيها داخل أرجاء الغرفة تبحث عن من ترك الفراش باردًا بجوارها. نهضت بحذر، والقلق يزداد في قلبها أن يكون ما زال متأثرًا بحديث الأمس.
كانت على وشك الخروج من الغرفة حين أبصرت خياله داخل الشرفة، يعطيها ظهره وهو يتأمل الخارج. تراجعت عن خطواتها، وغيرت اتجاهها نحوه قائلة:
“إنت صحيت بدري ولا ما نمتش جنبي أصلاً؟”
لفت انتباهه صوتها، فالتفت إليها متكئًا على الحاجز الإسمنتي، يطالعها بصمت للحظات قبل أن يجيب بفتور:
“للأسف، ما نمتش أصلًا، رغم إني حاولت كتير، لكن النوم مهوبش عيني ولو دقيقة، وكأنه اتفق مع تعب جسمي إني ما أدوقش الراحة.”
تبدلت ملامحها إلى القلق وهي تستشعر السبب الذي سرق منه الراحة وأغرق قلبه في الحيرة والتساؤلات. اقتربت منه بخطوات مترددة، وسألته بحزن:
“ليه؟ إيه اللي شاغل بالك للدرجة دي؟ معقول يكون شك يا شادي؟”
استنشق دفعة من السيجارة التي لا يلجأ إليها إلا في غمرة التوتر، وكأنها وسيلته الوحيدة للتنفيس عما يعجز عن السيطرة عليه، ثم أجابها دون مواربة:
“مش شك يا صبا، قد ما هو تفكير في الكلام اللي اتقال. يا ترى لو طلق مراته فعلاً… وحاول تاني بجواز في العلن زي ما قال… عدي مش فرصة هينة يا صبا.”
نظرت إليه بذهول، وقالت بصوت مرتجف:
“وأنا إيه دخلي إن كانت فرصة ولا مش فرصة؟ إنت بتتكلم في إيه يا شادي؟ أنا مراتك!”
سمعها وأطرق برأسه للحظات قبل أن يرفع عينيه إليها قائلاً:
“عارف إنك مراتي، بس أنا بتكلم عن النفس الضعيفة. أي حد فينا ممكن يضعف قدام الإغراء، وده مش مجرد إغراء. ده تحول كبير لو حصل معاكي، ونقلة كاملة من إنسانة عادية متجوزة من واحد أقل من العادي، أينعم مستور شوية،لكن ميملكش حتي تمن الثروة اللي يملكها عدي عزام الوسيم، الغني اللي معاه سلطة وهيبة. بيملك كل حاجة، وحتى مشكلته الوحيدة مع الجواز والولاد بيعرض إنه يحلها. يعني بيفتح أبواب السعد قدامك،تقريبا هيحولك لأميرة، إنماأنا بقى…”
توقف قليلًا ليزفر تنهيدة مثقلة قبل أن يضيف بألم:
“أنا مين قصاده؟ أنا مين قصاد واحد زيه بيقدملك الدنيا على طبق دهب، وأنا؟ أنا أقل بكتير… فرق السما والأرض. أنا قصاده ولا حاجة، يا صبا.”
قاطعته بحزم وهي تضع كفيها على صدره وتهزه بعنف:
“لكن قصاد صبا، إنت كل حاجة! إيه اللي خلاك تفكر فيا بالطريقة دي؟ لو كان بالفلوس أو الشكل، كنت إتجوزت من قبل ما أشوفك حتي، أينعم محدش من اللي اتقدمولي وصل لمكانة عدي عزام ، لكن كانوا ولاد ناس هما كمان وأحسن منه، ومع ذلك، ما قلتش أمين غير ليك. عشان ما جبلتش غيرك،
اللي في صدري ده.
وضربت بقبضتها على موضع قلبها، وقالت بدمعة غلبتها:
“مدقش غير ليك. سبحان اللي بيألف القلوب. أنا قلبي ما حبش غيرك. ولا كنوز العالم تقدر تخلي قلبي يستغنى عنك. فهمت ولا أعيد تاني يا شادي؟”
بصوتٍ حبس في صدره من شدة ما يجتاحه من الداخل، بعدما أثلجت صدره وبلسمت قلبه المسكين بكلماتها، هذه الجميلة الصغيرة التي تعشقه كما يعشقها، وتستغني عن مال العالم ووسامته الشديدة من أجله.
“فاهم يا قلب شادي… فاهم. يا رزق شادي وعوض ربنا ليه.”
وجذبها إلى صدره بقوة، يسحقها بضمته، من أين يجد التعبير؟ أي كلمات في العالم قد تسعفه الآن؟ لقد تضخم قلبه بكم من المشاعر لا يوجد في العالم ما يمكن أن يصفها.
طال العناق بينهما، ولم تحاول تنبيهه أو منعه، فهي الأخرى كانت في أمس الحاجة إليه. حتى قطع لحظتهما صوت هاتفه يرن، مما اضطره إلى فك ذراعيه عنها. تناول الهاتف من جيب بنطاله البيتي وأجاب:
“ألو، مين معايا؟… مين؟
ممرضة المركز؟… آه يا فندم، دا رقمي اللي سجلته لتحليل زوجتي صبا مسعود أبو ليلة. هي النتيجة ظهرت؟…”
تجمد في مكانه فجأة وهو يردد بذهول:
“بتقولي إيه؟ إيجابي؟! متأكدة؟!”
صرخ بالكلمات الأخيرة وهو ينتفض، مما أثار فزعها. نظرت إليه بقلق وسألته:
“في إيه يا شادي؟”
التفت إليها بعشق العالم كله في عينيه وهو يردد:
“إنتِ حامل يا صبا… حامل يا قلب شادي!”
❈-❈-❈
داخل الطائرة الخاصة، كان قد اتخذ قراره بالرحيل دون انتظار ساعة أخرى في الوطن. علم بنتائج التحليل قبل أصحابها أنفسهم، بفضل نفوذه الواسع الذي مكّنه من مراقبة الوضع منذ الأمس.
كان ذلك منذ اللحظة التي وقعت فيها أمامه، فرفعها زوجها بين ذراعيه وغادر بها القصر متوجهًا إلى أقرب مشفى في المنطقة، للاطمئنان عليها. حينها، وصله خبر توجيه الطبيب لهم بإجراء عدة تحاليل قبل أن يسمح لهما بالمغادرة. لم يحتج إلى بذل الكثير من الجهد لمعرفة المركز الذي نُقلت إليه العينات، وأصدر أوامره بضرورة إبلاغه بالنتائج فور ظهورها.
وبالفعل، تلقى الخبر الذي حطم كل أمل صغير قد نما في قلبه. ويحرم عليه حتى الأحلام بعد ذلك.
حامل…
ستلد من الرجل الذي فضّلته عليه. الأبناء الذين سيزيدون من قوة أسرتها وترسيخ أعمدتها.
شعر بمرارة تفوق الوصف. لقد أضاعها بغروره وعناده، عندما اعتقد أن كل النساء سواء، وأن الفارق الوحيد يكمن في السعر. لم يدرك حينها أن عقابه سيتحقق حين يدق قلبه للمرة الأولى، مع المرأة الوحيدة التي لا يمكن شراؤها ولو بكنوز العالم.
❈-❈-❈
بخجل شديد خرجت من البناية التي تقطن بها، تمشي باستحياء نحو السيارة التي كان مستندًا عليها بظهره، متربع الذراعين، يدعي الجمود والثبات، بينما عيناه تلتهمان تفاصيلها المحببة إلى قلبه.
جمالها هادئ ومريح للعين، رقيقة ولطيفة كقطة وديعة، لكنها سرعان ما تتحول إلى شرسة وتكشر عن أنيابها إذا استُفزت. وربما تهجم على من يخطئ في حقها. كيف ترى هذه المجنونة نفسها عادية وهو يراها أجمل النساء، وأكثرهن ذكاء، خاصة عندما يشاكس الجانب الشرس بها.
صباح الخير.
ألقت التحية وهي تقترب منه، تسبقها حمحمة خفيفة لتجلي حلقها. أجابها بصوت رائق، متأثرًا برؤيتها:
صباح الفل والورد والياسمين، يا أستاذة يا آنسة صفية.
عبست، وزامت شفتيها بغيظ من مناكفته المعتادة، ونفثت زفيرًا كالدخان من أنفها. ثم توجهت إلى باب السيارة الأمامي، فتحته، وجلست بالداخل، مغمغمة بحنق:
يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم… هنبدأها من أولها نقرزة؟ أنا عارفة، اليوم باين من أوله!
ضحك بتسلية، ثم انضم إليها، جالسًا خلف عجلة القيادة، وأدار المحرك قائلاً بهدوءه المعتاد:
ليه بس النرفزة والخلق الضيق؟ هو دا ذنبي إني بحترمك يعني؟
رمقته بنظرة كاشفة، ثم أشاحت بوجهها نحو الأمام قائلة:
الظاهر إنه طالبة معاك غلاسة على الصبح، وأنا ماليش خلق.
أطلق تنهيدة طويلة، ثم قال بنبرة مشبعة بالهيام:
مقدرش… مقدرش يا صفية ما أناغشكيش، ولا أتحرم من شكلك وإنتِ متكدرة كده ونفسك تخنقيني… أصلك ما بتشوفيش نفسك وأنت متعصبة.
كادت أن تفرح بكلماته الأولى، لكنها عقدت حاجبيها،ليرتسم علي جبينها علامة الإحدي عشر فور سماعها بالأخيرة، وسألته بتوجس:
ماله شكلي وأنا متعصبة عشان يضحكك كده؟
توقفت عن الكلام عندما لاحظت تعبيره المستفز، فردت بنبرة عاتبة:
بلياتشو أنا يا هشام عشان أضحكك؟
وهو في بلياتشو يبقى قمر كده؟
أجفلها غزله، فتوردت بشرتها بحمرة شديدة، مما جعله يضرب بقبضته على عجلة القيادة بحماس مهللًا:
آه! هو ده اللي عمره ما هيخليني أبطل مناغشتك، بطلي إنتِ تتكسفي يا صفية، ووشك يبقى زي محصول الطماطم… يمكن ساعتها أقدر.
رسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة حاولت كتمها، لكنها سرعان ما استعادت ادعاء الاستياء، قائلة وهي تشيح بنظرها:
أنا بقول لما تعقل الأول! نفسي أفهم، خدت الشهادة وبقيت دكتور إزاي؟
أجابها بمزاح يحمل تلميحًا:
بالحمام! أصلي أمي شاطرة أوي في تربية الحمام. كل دكتور كان عنده مادة امتحان كنت أبعتله من حمامها، هو يظبط نفسه في بيته، ويجي الامتحان ويروقني بالدرجة النهائية. حكم الحمام ده مهم جدًا. ما سمعتيش عن فوايد الحمام للمتجوزين يا صفية؟
لم تفهم كلماته في البداية، فهزت كتفيها بلامبالاة، لكنها سرعان ما أدركت المعنى خلف ابتسامته المستفزة. عندها، برقت عيناها بغيظ، وضربته بقبضتها على ساعده قائلة:
بطل وقاحة وقلة أدب يا هشام!
رد بضحك متواصل حتى دمعت عيناه، ثم غمغم بينها وبين نفسه:
بطل وقاحة وقلة أدب كمان! ده على أساس إننا عتبنا المرحلة دي أصلًا؟
❈-❈-❈
على رأس مائدة الطعام التي قامت بإعدادها بمساعدة الدادة نبوية، كانت جالسة تتناول معهما بتأني وتركيز شديد، عيناها لا تحيدان عن آدم رغم حديثه الممتع مع عائشة:
نفسك في الأكل حلو أوي يا نوجة، الفطار يجنن. ضحكت بصخب معلقة على مبالغتها المحببة:
نفسي كمان! وهي الجبنة ولا المعلبات فيهم نفس أصلاً؟ هو يدوب بيض الأوملت، حبيت أجربه زي ما كنت بعمله لرياض، شكلكم أنتم كمان طلعتوا بتحبوه.
قالت الأخيرة بقصد واضح نحو آدم الذي انتبه ليلتف إليها، فهو بالفعل من كان يتناول بنهم في طبقه، ليتوقف قليلاً عن مضغ الطعام بفمه، لتسارع هي برقتها:
أنت وقفت ليه؟ كل يا حبيبي بالهنا والشفا، أنا عارفة من الأول إنك بتحب البيض بالطريقة دي، وكنت بتكلم عشان أفتح كلام معاك.
سألها بفراسته:
رياض هو اللي قالك؟ أومأت رأسها بموافقة، وداخلها تؤكد، حتى وإن لم يخبرها ابنها بنوعية الطعام التي يفضلها آدم، كانت ستعلم من نفسها، فهذا لم يترك شيئًا، من حكيم ولم يرثه عنه حتي طريقته في تناول الأصناف التي يحبها.
تنهيدة مثقلة صدرت منها، تستدعي تماسكها وإزاحة هذه الأفكار عنها بمخاطبة عائشة:
عيوش القمر، أنا النهاردة فضيلتكم أنتم الاتنين، شوفوا نفسكم عايزين تقضوها لعب في الجنينة برا ولا نخرج نتفسح مع بعضنا؟
نخرج نتفسح طبعًا مع بعضنا، ردت بها عائشة على الفور تجيبها بحماس هللت به، لتتلاقاها نجوان بابتسامة حنون، قبل أن تنقل بعينيها نحو آدم الذي لم يتكلم:
وأنت يا حبيبي، مش عايز تيجي معانا؟ طالعها بابتسامة رزينة لامست أعماقها:
أروح معاكم عادي.
تبسمت، معلقة بفضول يقتلها:
“إزاي جبت الرزانة دي؟ طفل في سنك وعاقل كده؟”
ضحكت عائشة متأثرة بكلامها، حتى هو شاركهم الابتسام، ثم أضاف:
عادي يعني يا طنط، تقدري تقولي طبع، بس ماما هي كمان كانت دايمًا تقولي كده، إني عاقل لدرجة الملل.
خبأت ابتسامتها فور ذكره لوالدته الراحلة، وحاولت جاهدة تمالك نفسها من غصة الحزن التي شقت حلقها. توقفت عن الطعام بعدما فقدت شهيتها تمامًا، ثم رسمت ابتسامة زائفة، و فركت كفيها ببعضهما ونهضت قائلة:
ماشي يا حبايبي أنا قايمة أجهز نفسي وإنتوا كملوا فطاركم على ما خلصت. وتوقفت موجهة كلماتها لآدم:
متنساش علاجك مع دادة يا نبوية يا آدم.
❈-❈-❈
عاد خميس من الخارج بخطوات متسارعة بعد أن أنهى عمله في الوكالة برزق وفير جمعه كعادته. كان يتأمل الأجواء بحذر، فرغم اختياره الدائم لموعد نومهم في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة، إلا أنه يخشى مقابلة أحدهم، فيزعجه بطلبات ومصروفات لم يعد قادرًا على تلبيتها. لقد ملّ من زحمة المنزل وحرقة الدم التي تصاحب الصرف المتواصل لكفاية هذه القبيلة من الأطفال ووالدتهم من الطعام. ما ينقصه فقط هو فرصة الهرب من كل هذا. طالما يجمع المال، يستطيع الزواج بغيرها، امرأة جميلة وصغيرة، ويفضل أن تكون عقيمة لا تنجب.
في هذا الوقت، كانت زوجته داخل المرحاض. لم يكلف نفسه عناء مناداتها، بل أسرع مستغلًا الفرصة، واتجه نحو الركن الفاصل بين الخزانة الخشبية للملابس والحائط ليخرج حقيبة السفر القديمة من مكانها المعتاد. ولكن، مهلاً… أين هي؟
لم يجد سوى كتب مدرسية للأطفال وكراسات وبعض الأقلام. زمجر بغضب:
يا صفاء! انتي يا صفاء!
صدح بصوته الجهوري عندما تأكد من عدم وجود الحقيبة، وواصل النداء بعجالة:
يا صفاااااء! هاقعد أنادي عليكي طول اليوم؟ انتي فييييين يا ست انتي؟
استجابت لندائه بصوت متذمر وهي تخرج من المرحاض، تلف رأسها المبلل بمنشفة صغيرة:
إيه؟ إيه؟ أنا جاية أهو… جرى إيه؟ الدنيا طارت؟
تخصر ليستقبلها بتهكم:
لأ، مطارتش، لكنها هتفرقع وتولع لو مردتيش على سؤالي دلوقتي! الشنطة القديمة اللي كانت هنا راحت فين؟
سألته ببرود:
شنطة إيه؟
صرخ بفزع:
شنطة الهاند باج السودة المقطعة! فينها يا ولية؟ اللي كانت فيها هدومي القديمة!
طقّت فمها باستهجان مستنكرة ثورته:
بقى كل ده عشان شنطة قديمة ومقطعة! إيه قيمتها دي عشان تبهدل الدنيا وتصرخ كده؟ طب العيال لمّوها النهاردة مع حتة الغيارين، وعبوها كتب من بتاعتهم وباعوها لبتاع الروبابيكيا…
إييييه؟!
صرخ بصوت أعلى، قابضًا على ساعديها ،يعنفها بحقد غير مصدق:
إيه اللي بتقوليه ده؟ انتي أكيد بتهزري! لا يمكن تكوني بتتكلمي جد. يا إما… يا إما انتي خدتِ الفلوس اللي فيها! أيوة، أنا عارفك، أبوكي القرش وأمك الفلوس!
نفضت ذراعيها من قبضته لتنهره بغضب:
شيل إيدك عني يا راجل! إنت اتجننت ولا إيه؟ كل الجنان ده على شنطة قديمة ومقطعة؟ ولا…
توقفت فجأة، ثم تابعت بفراسة:
ولا يكونش كنت حاطط فيها فلوس ولا حاجة غالية؟
دفعها بقوة، وملامحه تخالف طبيعته المعروفة بالجبن، ليصارحها دون إنكار:
أيوة، كنت حاطط فيها فلوس، وفلوس كتيرة كمان، في جيب سري، عشان انتي وولادك الحرامية ما توصلولهاش! أديكي عرفتي… يبقى اطلعي بفلوسي يا ولية، ولا أحسن أوديكم كلكم في داهية!
لم تكن أقل شراسة منه، لتقبل إتهامه بضعف أو تردد، فردّت تبادله بدفعه أقوي من دفعته، مكشرة عن أنيابها:
داهية تاخدك وتاخد اليوم اللي شوفناك فيه يا عجوز يا عرة الرجالة! مفيش حرامي غيرك! إنت جاي ترمي بلاك علينا ولا إيه؟ أما دي عجايب والله!
صرخ بأعلى صوته وقد فقد آخر ذرة من حكمته، قابضًا على رقبتها:
دا أنا اللي هوديكي في داهية النهاردة! والله ما أنا سايبك!
ثارت عليه بجنون أشد:
طب إن كنت راجل، اعملها! عشان الداهية دي إن شاء الله تاخدك انت!
ثم صاحت بأعلى صوتها:
الحقوني يا نااااس! الراجل الخرفان عايز يموتني!
❈-❈-❈
ضحكتها التي كانت تجلجل في البقعة الخالية إلا منهما، وهو يقوم بسحبها بيديه الاثنتين بروية وصبر، كي يعلمها التزلج على الجليد، وقد جهزها بجميع الأدوات: الثياب الثقيلة، والنظارة الواقية التي تحمي عينيها، والقفازات، والخوذة، وغيرها من الأشياء الهامة، بالإضافة إلى الزلاجات الجليدية التي ترتديها في الأسفل، والتي تسير بها بصعوبة رغم مساعدته لها، وجسدها يميل يمينًا ويسارًا بلا توازن، حتى زمجر مخاطبًا إياها بحزم:
بطلي بقى واثبتي! كده اليوم هيضيع في المحاولات وبس.
هتفت تجادله بمرح:
وأنا أعملك إيه يا مفتري بمزاجك الغريب؟ ما كنا روحنا بلد ساحلي ولا استوائي. حبكت التلج والمزاج الغريب ده!
ضحك معلقًا بتسلية:
بقى دي جزاتي؟ أَني عايز أعيشك في جو مختلف، دي الرومانسية في أعلى صورها يا بنت خليل.
توقف فجأة عن العبث ليردف بشجن، تخلل كلماته:
أنا عشت أجمل أيام عمري في الجو ده يا بهجة، الأسرة السعيدة: بايا وماما، وحبهم اللي كنت بشوفه في كل تصرفاتهم لبعض. قعدتنا إحنا التلاتة قدام الدفاية والحطب، وبابا ضاممنا أنا وماما في حضنه، وهو بيحكي تفاصيل يومه في الشغل، ماما تحكي عن مغامراتها مع الجيران. وأنا أحكي أي حاجة هبلة عشان أشاركهم.
كنت دايماً برسم في عقلي إني أقعد أنا وحبيبتي قدام النار، ونحكي ونحب في بعض.
بس أنت مقعدتنيش قدام النار ولا الدفاية يا رياض.
قالتها بعفوية، انتشلته من ذكريات كان قد غاص فيها، ليستدرك ضاحكًا:
حاضر يا بهجة، هنقعد قدام النار وندفى. هو إحنا ورانا إيه أصلاً؟
جادلته، وهي تتشبث به حتى لا تقع:
يعني إيه الكلام ده بقى؟ شهر عسلنا هيبقى يا تلج أخوض فيه، يا قعدة قدام النار، هوده يبقى عسل يارياااض!
أطلق ضحكة مدوية قبل أن يغيظها قائلاً:
لا، طبعًا! أنا محضرلك برنامج شامل هيعجبك ويريحك أوي يا بهجة.
وعاود ضحكاته، ليحاول مجددًا تعليمها.
استجابت بتحريك قدميها بخطوات بطيئة، رويدًا رويدًا أصبحت تستقيم معه حتى كاد أن يصل بها إلى ممر التزلج، لتأتي عاصفة ثلجية فجأة، بفعل بشري، حينما مر أمامهم بعض الأفراد بسرعة البرق، يطيرون فوق كوم عالي من الثلج، ارتفع جزء كبير منه ليغطي وجوه الأثنان وملابسها الثقيلة.
شهقت بهجة بإجفال امتزج بدهشتها، أما هو، الذي أصابه ما أصابها، كاد أن يخرج من فمه سبّة نحو الرجلين الذين اختفيا كالظلال بسرعتهما في التزلج. ولكن أوقفه ضحكتها، التي صدحت بدون قيود أو خجل.
ضحكة صافية بشقاوتها، ألهبت مشاعره الهائمة بها، ولكن هذا لم يمنعه من استفزازها.
ليباغتها بكومة صغيرة من الثلج دفعها بها، أوقفتها عن الضحك بصدمة، سريعًا ما تجاوزتها، لتدنو سريعًا تلتقط كومة بين كفيها، ألقتها عليه بكامل قوتها لتغطي وجهه بالكامل، وجزءًا ليس بالهين من معطفه، حتى شعرت ببعض الندم، قبل أن يقلب الأمر عليها، ويرد بكومة أخري نحوها، وتبدأ حرب كرات الثلج بينهما، ولحظات من المرح والضحكات التي لا تنتهي.
❈-❈-❈
وصلت الأسرة بأكملها إلى المشفى الذي يتلقى فيه خميس الإسعافات اللازمة، بعد خوضه شجارًا غير متكافئ تمامًا مع المرأة وأولادها والجيران الذين شهدوا على ما حدث له. كان يتلقى الضرب على كل مناطق جسده، ليُضاف ذلك إلى سجل خسائره من الكرامة والصحة أيضًا.
يتأوه بصخب داخل الحجرة التي تم احتجازه فيها حتى يتعافى ويتمكن من السير مجددًا. دلف إليه أولاده الثلاثة بصحبة والدتهم، التي أصرت على أن تراه بهذا الوضع.
آاااه، آااه، آاااه، هموت يا ناس هموت.
بادرت والدتهم بالتهكم وبلهجة لا تخلو من الشماتة:
سلامتك، سلامتك يا سبع الرجالة سلامتك من كل شر.
رمقها بنظرة حارقة، فهو الأعلم بشماتتها به الآن، ليحاول النهوض بجذعه ينتوي طردها، لكن غلبه الألم في ذراعه المكسور، فعاد للتأوه والنواح:
آاااه، يا دراعي، ااااااه يا كلي يا أنا ياما! هو أنا كنت حمل أشكال تشمت فيا كمان؟
مصمصت درية بشفتيها، بينما حاول سامر تهدئة الوضع من خلفها قائلاً:
معلش يابا، إحنا جايين نطمن عليك بس.
نظر خميس نحو أولاده الثلاثة بتساؤل:
– كلكم؟
أشاحت سامية بعينيها عنه، لا تطيق الرد عليه، بينما تكفل سمير بالرد:
طبعًا يا أبويا، كلنا، من أول ما وصلنا الخبر وإحنا لمينا نفسنا وجينا على طول نطمن. إنت عامل إيه دلوقتي؟
تلقف السؤال ليجيب بصوت يحمل مظلوميته:
هموت يا بني! الوِلْيَة الحرامية هي وعيالها سرقوني ونهبوني، وآخرة المتمة خرجت من عندها بعلقة! دا أنا اتضربت ضرب مخدوش حمار في مطلع.
ضحكة شامتة بزغت على شفتي درية لتزيده حنقًا، فعبّر عن استيائه:
إنتو جايبين الست دي معاكم ليه؟ عشان تشمت فيا؟ دي جزاتي عندكم!
يابا والله مش كده، أمي بس عايزة تطمن.
قالها سامر لتُعلّق درية مكررة بتهكم:
أهو قالك أهوووه، جاية أطمن وأعمل الأصول. يا راجل يا أبو الأصول! هههههه.
وختمت بضحكة أشعلت رأسه، فكان دخول سامية وخطيبها كنجدة له:
مساء الخير عليكم جميعًا. المشوار قُضي والحكاية انتهت خلاص. يا عم خميس…
مشوار إيه؟
توجهت سامية بالسؤال نحو خطيبها، فأتت الإجابة من والده:
حكاية صفاء يا بنتي. الست دي كانت ملفقة لأبوك كام قضية عشان يتحبس فيهم سنين، بس إحنا ضغطنا عليها وخليناها تتنازل.
جاء اعتراض خميس صائحًا:
نعم! يعني بعد دا كله كمان هي اللي كانت شاكياني؟ دا بدل ما تجيب فلوسي! الحرامية!
انفجرت درية خارجة عن دور اللامبالاة قائلة:
نعم الله عليك يا حبيبي، ما هو دا الطبيعي! تحلبك زي البقرة، ولما تروح فايدتك تِرْمَيك في السجن ولا تتخلص منك أحسن من ده كله!
أممممم…
زمجر بها خميس بغضب، ليتوجه نحو أبنائه بحنق:
يا جدعان بقي واحدة زي دي جايبينها معاكم ليه هااا لييييه؟
كادت أن تمطره بالتقريع وكلمات الشماتة، لكن إشارة حاسمة قام بها طلال رافع يده امامها يسكتتها. ثم وجّه أمره للجميع:
اسمعوا بقى أما أقولكم، أنتوا عيلة في بعضيكم، لكن أنا بصراحة فاض بيا. أنا هجهز الكوشة ولوازم الفرح من دلوقتي، عشان تخرج من هنا على ليلتنا على طول، مش هستنى أكتر من كده.
فرح مين؟
سأله خميس بحيرة، قبل أن يجيب طلال بحسم:
قصدي علي فرحنا، مشاكلكم تحلوها مع بعضيكم، لكن مراتي هتيجي بيتها بقى. تماااااام
صاح في الأخيرة بتحذير جعل الجميع خلفه يوافقون بلا تردد، أما سامية، فقد أسعدها الأمر، حتى إنها لم تستطع الحفاظ على جمودها أو إخفاء تأثرها.
❈-❈-❈
كوخ من الخشب، مزود بكل وسائل الراحة والترفيه، ولكن تغلب عليه اللمسة القديمة الكلاسيكية، هذا الشيء المترسخ برأسه منذ الصغر، يخلق طمأنينة بالعقل، وعاطفة كانت تهفو لهذا الجو الرومانسي،
لقد جهز كل شيء، بداية من اعداد الطعام بطريقته، ليضع الاطباق الفاخرة الآن على المائدة التي زينها بالشموع الملونة الحمراء، بالإضافة إلى مشروب غازي معتاد عليه في هذا البلد، لا يمت للخمر بصلة ولكنه فاخر ويستحق ثمنه الباهظ، من أجل بهجة قلبه والذي قد تنخدع به حينما تراه وتظنه من المسكرات
تبسم بتسلية لمجرد التخيل، ليتوغل بقلبه الحماس من أجل رؤيتها، وقد طال انتظارها، مر اكثر من ساعة
منذ ان اختفت من امامه ولم تخرج من الغرفة حتى الآن، ولكنه لن يستعجلها، لديه الوقت كله، لقد أغلق الهواتف كي يصفي عقله من كل شيء إلا منها
تنهد يرتشف من مشروبه، ثم تحرك نحو المدفأة يضع قطعتين من الخشب ، فوصله رائحة عطرها التي جعلت قلبه يهفو ليلتف برأسه على الفور ناحيتها.
قطب بشيء من الانبهار والتعجب، وقد ظهرت الجميلة امامه بمعطفها الصوفي فوق الفستان، لتبزغ على فمه ابتسامة عزبة في استقبالها ممازحًا:
– هي الحلوة عندها مشوار وانا مش عارف؟
تبسمت ترد بكلمات متقطعة يلوح منها الخجل والشقاوة في أن واحد، وهي تتقدم نحوه:
– مش مشوار، بس الفستان ااا…. يعني بعد ما لبسته،…. كنت عايزة اغيره والله….. بس خوفت لا تزعل…. اصله بصراحة معجبنيش..
– معجبكيش ليه؟
غمغم يستقيم بجسده، ثم اقترب يجذبها من المعطف وبحزم منه، ينزع كفيها التي تشدد عليه في الأمام مردفًا بشغف:
– شوقتيني اشوفه عليكي……… واووو
وتابع بصفير من فمه يتأمله عليها جرأة تزيدها اضطرابًا وكلمات غير مترابطة:
– انت اشتريه ازاي بالتمن اللي قولت عليه، دا قميص نوم والنعمة، يفرق بس في القماشة، عشان مختلفة وفخمة حبتين.
اخرجته بعفويتها عن التأمل وتلك الاحاسيس التي تأججت داخله، ليردد ضاحكًا بصوت مكتوم
– فخمة حبتين!…… ااااه….. هتموتيني، هتموتيني، اخلعي ده بقى خلينا اشوفه عليكي بالكامل .
– تاااني
رددت بها بتذمر لم يكترث له، لينزع عنها المعطف ويلقيه بعيدا، ثم يديرها امامها مواصلا صفيره يعبر تن اعجابه، فالفستان المكشوف بقصته الجريئة لا يخفي الا القليل من جسدها، بالإضافة إلى زينه وجهها الرقيقة والشعر المصفف يحاوط بشرتها بنعومته، فتمثلت امامها فتنة خالصة:
– عارفة يا بهجة، أنا شوفت كتير وقليل، حتى أجمل العارضات ، مفيش واحدة فيهم وصلت لجمالك.
همت ان تجادله مستخفة ولكنه قطع عليها قبل ان تبدأ:
– عارفك هنتكلمي عن جمال الشكل، وأن في ملكات جمال احلى منك، بس انا بتكلم عن انك جمعتي بين حاجتين، جمال في الشكل، وكمان في الروح، وزياااادة بقى، ملكة على قلبي يا اجمل بهجة.
ورفع كفها يقبل ظهره متابعًا:
– ممكن بقى الملكة تقولي نبتدي بإيه، ناكل الاول ولا نقعد جمب الدفاية ولا نرقص، انا جهزت وحضرت كل حاجة، الليدي لازم تأمر بس وانا عليا الطاعة.
أومأت بصوت بح بفرط ما يكتسحها من الداخل، تشير بسبابتها نحو جهاز الموسيقى، في اختيار حددته، لينفذ هو رغبتها على الفور، يدير إحدى الالحان الموسيقية المعروفة، ويضمها اليه، ليبدأ ليلتهم بالرقصة الرومانسية
❈-❈-❈
ما أجمل من أن يدلل الرجل امرأته! فتصير بين يديه كقطعة الحلوى، تذوب مع كل كلمة غزل، فيتوهج وجهها وتزداد جمالا ورقة، تنضح انوثة ونعومة أيضًا
الوصف الحقيقي للمرأة هي انها كتلة لرد الفعل، كل تأثير خارجي ينعكس عليها في الداخل، دللها تجدها أنثى على حق، تقسو عليها وتعاملها بخشونة، اذن فالتستحق ما تتلاقاه منها.
راقصها ودار بها عدة مرات وحملها أيضًا كالفراشة، تناولت معه وجبة العشاء التي أعدها من أجلها، ثم أتى أخيرًا وقت جلستهما أمام المدفأة.
عدة وسائد افترشت الأرض، وفي الوسط طبق الفاكهة والمشروبات وعدد من المسليات، ليجلس مستندًا على إحداها، ويضمها إليه محققًا حلمه القديم، دفء الأجواء مع دفء المشاعر.
هاا، إيه رأيك بقى؟
ضحكت معلقة على كل شيء:
رأيي في إيه تاني؟ أنت عملت لي كل حاجة يا حبيبي، ولا في أحلامي حتى كنت وصلتلها. دلوقتي بس عرفت أنت ليه اخترت المكان ده؟ اتاريك طلعت رومانسي أوي، مع إن ما بيبانش خالص عليك.
أمال كان بيبان عليّ إيه؟ صحيح يا بهجة، انتي أول ما شفتيني حسيتي بإيه؟
بارد.
نَعَم؟!
ضحكت تدّعي الخوف وقد برقت عيناه أمامها وهو يتصنع الجدية، لتصارحه هذه المرة وقد انزاحت الحواجز التي كانت تمنعها عن إخراج ما في قلبها:
أول مرة عيني جات في عينك، لما ظهرت فجأة وأنا بمسح أثار الفوضي اللي عملتها نجوان في الأرض، في البداية شهقت واتخضيت، أكيد أنت فاكر.
طبعًا فاكر، وده يوم يتنسي؟ ده انتي كنتِ لابسة بيجامة محزّقة ومجسّمة التفاصيل.
قالها وهو يعض بأسنانه على شفته السفلى بمكر جعلها تلكزه بقبضتها كي تنهيه:
بلاش غلاسة بقى، دي هي نظرة واحدة، لحقت تفصل وتجسّم؟
يا بنتي، ومحلقش ليه؟ أنا راجل، يعني عيني تلقط ع السريع.
قالها بتفاخر جعلها تتوجس، سائلة له:
يعني أنت بتبص كده على كل الستات؟
لا والله، عمري.
قالها ليردف مؤكدًا لصدقه:
دي كانت أول مرة أصلًا أتشدّ لوحدة وأركز فيها. آه، أنا أعجبت وانبهرت بستات كتير، مش هأنكر، بس مفيش واحدة خطفتني من أول نظرة غيرك. لما بصيتيلي وعيني جات في عينك، بخضارها اللي ما شفتش جماله في الدنيا كلها، حسيت على طول إن ليكِ حكاية معايا. معرفش إزاي، بس ده اللي حسيته.
وأنا كمان.
وأنتِ كمان إيه؟
أول ما عيني جات عليك، أيوة، اتخضيت في البداية، بس بعدها وأنا بكلمك، كان عندي إحساس إني شوفتك قبل كده، أو أعرفك. وكأن الحكاية اللي بتقول عليها كانت موجودة من زمان، من قبل إحنا حتى ما نعرف بيها… أنا بحبك أوي يا رياض.
قربها من خصرها إليه، ليقابل بتوهج بندقيته صفاء خضراويتها، يردف بصدق اعترافه:
وأنا بعشقك يا قلب رياض.
ثم تناول ثغرها بقبلة ناعمة، تمتزج بها الأنفاس، فتصبح شيئًا واحدًا، يبثها عشقه، وتبادله بلهفتها.
فتتطور القبلات إلى ما هو أعمق وأقوى، التحام الأجساد مع التحام الأرواح، لا شيء يفصل بينهما.
منعزلين بعالمهما عن الكون أجمع، عالم خاص بهما وحدهما، وصال أبدي لا يفصله حتى الموت.
يتبع….
رواية حان الوصال الحلقة الثامنة والأربعون
توقفت السيارة بها في هذا البلد الغريب، وسط أجواء غامضة لم تستوعبها بعد، وهي تنظر عبر زجاج النافذة طوال الطريق.
“يلا يا بهجة، إنتِ مستنية إيه؟”
كان هذا نداء زوجها الحبيب الذي سبقها بالخروج من السيارة. استدركت كلامه واستجابت، فنزلت من السيارة التي كانت تقلهم. وما إن وضعت قدمها على الأرض حتى غرست في ذلك الشيء الأبيض، فهتفت بدهشة:
“إيه ده؟ يا لهوي! أنا حاسة نفسي جوه فريز التلاجة!”
صدرت ضحكته بمرح وهو يسحبها من يدها ويتحرك بها قائلاً:
“إنتِ لسه شوفتي حاجة يا بهجة؟ أمال أنا ملبسك تقيل ليه؟ ده انتي هتنبهري أكتر جوا.”
“أكتر من كده؟!”
تمتمت بها وهي تواصل طريقها معه باتجاه السلم الخشبي. صعدت الدرجات بجانبه حتى توقفا أمام مدخل كوخ خشبي. فتح الباب لتدخل خلفه، فتوقفت مكانها، تدور برأسها في كل الاتجاهات، متأملة المكان بانبهار.
تركها تتأمل حتى صرف السائق الذي وضع الحقائب خلفهما. ثم عاد فجأة ليضمها من خصرها، وطبع عدة قبلات على وجنتها، فصرخت بإجفال:
“ررررررييياض! خضتني!”
ضحك بمشاكسة وهو يقول:
“هو إنتِ لسه شوفتي خضات ولا انفعالات؟ دا أنا هبرجلك الأيام اللي جاية ! بس دلوقتي خلينا نريح الأول عشان أنا تعبااان.”
ضحكت بخجل تحاول إخفاءه، ودفعته بقوة بقبضتها على ذراعه. لكنه لم يشعر بها بسبب الملابس الثقيلة التي يرتديها.
“أجل تلميحاتك الوقحة شوية، والله أنا عايزة أتعرف على كل حاجة هنا. البيت ولا الكوخ ده شكله يجنن وغريب عليا، أول مرة أشوفه.!
شاكسها بإبتسامة مراوغة:
“ماشي يا قلبي، هتتعرفي على كل حاجة بس…” توقف قليلاً قبل أن يكمل
“بس إيه الهدوم الكبيرة دي؟”
“الهدوم دي أنت اللي ملبسهالي!”
قالتها بدهشة، لكنه على الفور بدأ يخلع معطفها قائلاً بغيظ:
“آه، طبعاً، برا! إنما هنا مينفعش.”
“مينفعش ليه؟”
سألته وهي تتصنع عدم الفهم، لكنه لم يترك لها الفرصة للتلاعب. دفعها بخفة لتصطدم بالجدار خلفها، وألقى المعطف أرضًا. يداه عرفتا طريقهما؛ واحدة أحاطت خصرها، والأخرى رفعت وجهها إليه ليقترب منها متناولاً ثغرها بقبلة عاصفة، متلهفة،مشتاقة،. طالت حتى تحولت إلى قبلة ناعمة ورقيقة. قبل أن يبتعد قليلاً بأنفاس متقطعة وقال بإجابة مختصرة لسؤالها:
“عشان من هنا ورايح، مفيش أي حواجز تفصلني عنك أبداً، فاهمة يا بهجة؟”
أومأت برأسها مرتين دون أن تستطيع الكلام. فأقترب يعاود الكرة بشوق ولهفة أشد، حتي دني ليرفعها من ركبتيها مغمغمًا بنفاد صبر:
“لا، إحنا كده ملناش غير أوضتنا!”
فصرخت توقفه:
“بس أنا لسه ما اتفرجتش على باقي البيت!”
رد بسرعة وهو يتحرك بها نحو وجهته:
“هتتفرجي بعدين! البيت ده فوق الجبل، أنا وإنتِ وبس، ومفيش حد تالتنا. دا أنا ماصدقت أستفرد بيكي. هي لسه فيها كلام؟”
ضحكت بمرح وهي تجادله:
“طب ناكل الأول، أنا جعانة! رياض… رياااااض!”
❈-❈-❈
استيقظت من نومها صباحًا، تطوف بعينيها داخل أرجاء الغرفة تبحث عن من ترك الفراش باردًا بجوارها. نهضت بحذر، والقلق يزداد في قلبها أن يكون ما زال متأثرًا بحديث الأمس.
كانت على وشك الخروج من الغرفة حين أبصرت خياله داخل الشرفة، يعطيها ظهره وهو يتأمل الخارج. تراجعت عن خطواتها، وغيرت اتجاهها نحوه قائلة:
“إنت صحيت بدري ولا ما نمتش جنبي أصلاً؟”
لفت انتباهه صوتها، فالتفت إليها متكئًا على الحاجز الإسمنتي، يطالعها بصمت للحظات قبل أن يجيب بفتور:
“للأسف، ما نمتش أصلًا، رغم إني حاولت كتير، لكن النوم مهوبش عيني ولو دقيقة، وكأنه اتفق مع تعب جسمي إني ما أدوقش الراحة.”
تبدلت ملامحها إلى القلق وهي تستشعر السبب الذي سرق منه الراحة وأغرق قلبه في الحيرة والتساؤلات. اقتربت منه بخطوات مترددة، وسألته بحزن:
“ليه؟ إيه اللي شاغل بالك للدرجة دي؟ معقول يكون شك يا شادي؟”
استنشق دفعة من السيجارة التي لا يلجأ إليها إلا في غمرة التوتر، وكأنها وسيلته الوحيدة للتنفيس عما يعجز عن السيطرة عليه، ثم أجابها دون مواربة:
“مش شك يا صبا، قد ما هو تفكير في الكلام اللي اتقال. يا ترى لو طلق مراته فعلاً… وحاول تاني بجواز في العلن زي ما قال… عدي مش فرصة هينة يا صبا.”
نظرت إليه بذهول، وقالت بصوت مرتجف:
“وأنا إيه دخلي إن كانت فرصة ولا مش فرصة؟ إنت بتتكلم في إيه يا شادي؟ أنا مراتك!”
سمعها وأطرق برأسه للحظات قبل أن يرفع عينيه إليها قائلاً:
“عارف إنك مراتي، بس أنا بتكلم عن النفس الضعيفة. أي حد فينا ممكن يضعف قدام الإغراء، وده مش مجرد إغراء. ده تحول كبير لو حصل معاكي، ونقلة كاملة من إنسانة عادية متجوزة من واحد أقل من العادي، أينعم مستور شوية،لكن ميملكش حتي تمن الثروة اللي يملكها عدي عزام الوسيم، الغني اللي معاه سلطة وهيبة. بيملك كل حاجة، وحتى مشكلته الوحيدة مع الجواز والولاد بيعرض إنه يحلها. يعني بيفتح أبواب السعد قدامك،تقريبا هيحولك لأميرة، إنماأنا بقى…”
توقف قليلًا ليزفر تنهيدة مثقلة قبل أن يضيف بألم:
“أنا مين قصاده؟ أنا مين قصاد واحد زيه بيقدملك الدنيا على طبق دهب، وأنا؟ أنا أقل بكتير… فرق السما والأرض. أنا قصاده ولا حاجة، يا صبا.”
قاطعته بحزم وهي تضع كفيها على صدره وتهزه بعنف:
“لكن قصاد صبا، إنت كل حاجة! إيه اللي خلاك تفكر فيا بالطريقة دي؟ لو كان بالفلوس أو الشكل، كنت إتجوزت من قبل ما أشوفك حتي، أينعم محدش من اللي اتقدمولي وصل لمكانة عدي عزام ، لكن كانوا ولاد ناس هما كمان وأحسن منه، ومع ذلك، ما قلتش أمين غير ليك. عشان ما جبلتش غيرك،
اللي في صدري ده.
وضربت بقبضتها على موضع قلبها، وقالت بدمعة غلبتها:
“مدقش غير ليك. سبحان اللي بيألف القلوب. أنا قلبي ما حبش غيرك. ولا كنوز العالم تقدر تخلي قلبي يستغنى عنك. فهمت ولا أعيد تاني يا شادي؟”
بصوتٍ حبس في صدره من شدة ما يجتاحه من الداخل، بعدما أثلجت صدره وبلسمت قلبه المسكين بكلماتها، هذه الجميلة الصغيرة التي تعشقه كما يعشقها، وتستغني عن مال العالم ووسامته الشديدة من أجله.
“فاهم يا قلب شادي… فاهم. يا رزق شادي وعوض ربنا ليه.”
وجذبها إلى صدره بقوة، يسحقها بضمته، من أين يجد التعبير؟ أي كلمات في العالم قد تسعفه الآن؟ لقد تضخم قلبه بكم من المشاعر لا يوجد في العالم ما يمكن أن يصفها.
طال العناق بينهما، ولم تحاول تنبيهه أو منعه، فهي الأخرى كانت في أمس الحاجة إليه. حتى قطع لحظتهما صوت هاتفه يرن، مما اضطره إلى فك ذراعيه عنها. تناول الهاتف من جيب بنطاله البيتي وأجاب:
“ألو، مين معايا؟… مين؟
ممرضة المركز؟… آه يا فندم، دا رقمي اللي سجلته لتحليل زوجتي صبا مسعود أبو ليلة. هي النتيجة ظهرت؟…”
تجمد في مكانه فجأة وهو يردد بذهول:
“بتقولي إيه؟ إيجابي؟! متأكدة؟!”
صرخ بالكلمات الأخيرة وهو ينتفض، مما أثار فزعها. نظرت إليه بقلق وسألته:
“في إيه يا شادي؟”
التفت إليها بعشق العالم كله في عينيه وهو يردد:
“إنتِ حامل يا صبا… حامل يا قلب شادي!”
❈-❈-❈
داخل الطائرة الخاصة، كان قد اتخذ قراره بالرحيل دون انتظار ساعة أخرى في الوطن. علم بنتائج التحليل قبل أصحابها أنفسهم، بفضل نفوذه الواسع الذي مكّنه من مراقبة الوضع منذ الأمس.
كان ذلك منذ اللحظة التي وقعت فيها أمامه، فرفعها زوجها بين ذراعيه وغادر بها القصر متوجهًا إلى أقرب مشفى في المنطقة، للاطمئنان عليها. حينها، وصله خبر توجيه الطبيب لهم بإجراء عدة تحاليل قبل أن يسمح لهما بالمغادرة. لم يحتج إلى بذل الكثير من الجهد لمعرفة المركز الذي نُقلت إليه العينات، وأصدر أوامره بضرورة إبلاغه بالنتائج فور ظهورها.
وبالفعل، تلقى الخبر الذي حطم كل أمل صغير قد نما في قلبه. ويحرم عليه حتى الأحلام بعد ذلك.
حامل…
ستلد من الرجل الذي فضّلته عليه. الأبناء الذين سيزيدون من قوة أسرتها وترسيخ أعمدتها.
شعر بمرارة تفوق الوصف. لقد أضاعها بغروره وعناده، عندما اعتقد أن كل النساء سواء، وأن الفارق الوحيد يكمن في السعر. لم يدرك حينها أن عقابه سيتحقق حين يدق قلبه للمرة الأولى، مع المرأة الوحيدة التي لا يمكن شراؤها ولو بكنوز العالم.
❈-❈-❈
بخجل شديد خرجت من البناية التي تقطن بها، تمشي باستحياء نحو السيارة التي كان مستندًا عليها بظهره، متربع الذراعين، يدعي الجمود والثبات، بينما عيناه تلتهمان تفاصيلها المحببة إلى قلبه.
جمالها هادئ ومريح للعين، رقيقة ولطيفة كقطة وديعة، لكنها سرعان ما تتحول إلى شرسة وتكشر عن أنيابها إذا استُفزت. وربما تهجم على من يخطئ في حقها. كيف ترى هذه المجنونة نفسها عادية وهو يراها أجمل النساء، وأكثرهن ذكاء، خاصة عندما يشاكس الجانب الشرس بها.
صباح الخير.
ألقت التحية وهي تقترب منه، تسبقها حمحمة خفيفة لتجلي حلقها. أجابها بصوت رائق، متأثرًا برؤيتها:
صباح الفل والورد والياسمين، يا أستاذة يا آنسة صفية.
عبست، وزامت شفتيها بغيظ من مناكفته المعتادة، ونفثت زفيرًا كالدخان من أنفها. ثم توجهت إلى باب السيارة الأمامي، فتحته، وجلست بالداخل، مغمغمة بحنق:
يا صباح يا عليم يا رزاق يا كريم… هنبدأها من أولها نقرزة؟ أنا عارفة، اليوم باين من أوله!
ضحك بتسلية، ثم انضم إليها، جالسًا خلف عجلة القيادة، وأدار المحرك قائلاً بهدوءه المعتاد:
ليه بس النرفزة والخلق الضيق؟ هو دا ذنبي إني بحترمك يعني؟
رمقته بنظرة كاشفة، ثم أشاحت بوجهها نحو الأمام قائلة:
الظاهر إنه طالبة معاك غلاسة على الصبح، وأنا ماليش خلق.
أطلق تنهيدة طويلة، ثم قال بنبرة مشبعة بالهيام:
مقدرش… مقدرش يا صفية ما أناغشكيش، ولا أتحرم من شكلك وإنتِ متكدرة كده ونفسك تخنقيني… أصلك ما بتشوفيش نفسك وأنت متعصبة.
كادت أن تفرح بكلماته الأولى، لكنها عقدت حاجبيها،ليرتسم علي جبينها علامة الإحدي عشر فور سماعها بالأخيرة، وسألته بتوجس:
ماله شكلي وأنا متعصبة عشان يضحكك كده؟
توقفت عن الكلام عندما لاحظت تعبيره المستفز، فردت بنبرة عاتبة:
بلياتشو أنا يا هشام عشان أضحكك؟
وهو في بلياتشو يبقى قمر كده؟
أجفلها غزله، فتوردت بشرتها بحمرة شديدة، مما جعله يضرب بقبضته على عجلة القيادة بحماس مهللًا:
آه! هو ده اللي عمره ما هيخليني أبطل مناغشتك، بطلي إنتِ تتكسفي يا صفية، ووشك يبقى زي محصول الطماطم… يمكن ساعتها أقدر.
رسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة حاولت كتمها، لكنها سرعان ما استعادت ادعاء الاستياء، قائلة وهي تشيح بنظرها:
أنا بقول لما تعقل الأول! نفسي أفهم، خدت الشهادة وبقيت دكتور إزاي؟
أجابها بمزاح يحمل تلميحًا:
بالحمام! أصلي أمي شاطرة أوي في تربية الحمام. كل دكتور كان عنده مادة امتحان كنت أبعتله من حمامها، هو يظبط نفسه في بيته، ويجي الامتحان ويروقني بالدرجة النهائية. حكم الحمام ده مهم جدًا. ما سمعتيش عن فوايد الحمام للمتجوزين يا صفية؟
لم تفهم كلماته في البداية، فهزت كتفيها بلامبالاة، لكنها سرعان ما أدركت المعنى خلف ابتسامته المستفزة. عندها، برقت عيناها بغيظ، وضربته بقبضتها على ساعده قائلة:
بطل وقاحة وقلة أدب يا هشام!
رد بضحك متواصل حتى دمعت عيناه، ثم غمغم بينها وبين نفسه:
بطل وقاحة وقلة أدب كمان! ده على أساس إننا عتبنا المرحلة دي أصلًا؟
❈-❈-❈
على رأس مائدة الطعام التي قامت بإعدادها بمساعدة الدادة نبوية، كانت جالسة تتناول معهما بتأني وتركيز شديد، عيناها لا تحيدان عن آدم رغم حديثه الممتع مع عائشة:
نفسك في الأكل حلو أوي يا نوجة، الفطار يجنن. ضحكت بصخب معلقة على مبالغتها المحببة:
نفسي كمان! وهي الجبنة ولا المعلبات فيهم نفس أصلاً؟ هو يدوب بيض الأوملت، حبيت أجربه زي ما كنت بعمله لرياض، شكلكم أنتم كمان طلعتوا بتحبوه.
قالت الأخيرة بقصد واضح نحو آدم الذي انتبه ليلتف إليها، فهو بالفعل من كان يتناول بنهم في طبقه، ليتوقف قليلاً عن مضغ الطعام بفمه، لتسارع هي برقتها:
أنت وقفت ليه؟ كل يا حبيبي بالهنا والشفا، أنا عارفة من الأول إنك بتحب البيض بالطريقة دي، وكنت بتكلم عشان أفتح كلام معاك.
سألها بفراسته:
رياض هو اللي قالك؟ أومأت رأسها بموافقة، وداخلها تؤكد، حتى وإن لم يخبرها ابنها بنوعية الطعام التي يفضلها آدم، كانت ستعلم من نفسها، فهذا لم يترك شيئًا، من حكيم ولم يرثه عنه حتي طريقته في تناول الأصناف التي يحبها.
تنهيدة مثقلة صدرت منها، تستدعي تماسكها وإزاحة هذه الأفكار عنها بمخاطبة عائشة:
عيوش القمر، أنا النهاردة فضيلتكم أنتم الاتنين، شوفوا نفسكم عايزين تقضوها لعب في الجنينة برا ولا نخرج نتفسح مع بعضنا؟
نخرج نتفسح طبعًا مع بعضنا، ردت بها عائشة على الفور تجيبها بحماس هللت به، لتتلاقاها نجوان بابتسامة حنون، قبل أن تنقل بعينيها نحو آدم الذي لم يتكلم:
وأنت يا حبيبي، مش عايز تيجي معانا؟ طالعها بابتسامة رزينة لامست أعماقها:
أروح معاكم عادي.
تبسمت، معلقة بفضول يقتلها:
“إزاي جبت الرزانة دي؟ طفل في سنك وعاقل كده؟”
ضحكت عائشة متأثرة بكلامها، حتى هو شاركهم الابتسام، ثم أضاف:
عادي يعني يا طنط، تقدري تقولي طبع، بس ماما هي كمان كانت دايمًا تقولي كده، إني عاقل لدرجة الملل.
خبأت ابتسامتها فور ذكره لوالدته الراحلة، وحاولت جاهدة تمالك نفسها من غصة الحزن التي شقت حلقها. توقفت عن الطعام بعدما فقدت شهيتها تمامًا، ثم رسمت ابتسامة زائفة، و فركت كفيها ببعضهما ونهضت قائلة:
ماشي يا حبايبي أنا قايمة أجهز نفسي وإنتوا كملوا فطاركم على ما خلصت. وتوقفت موجهة كلماتها لآدم:
متنساش علاجك مع دادة يا نبوية يا آدم.
❈-❈-❈
عاد خميس من الخارج بخطوات متسارعة بعد أن أنهى عمله في الوكالة برزق وفير جمعه كعادته. كان يتأمل الأجواء بحذر، فرغم اختياره الدائم لموعد نومهم في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة، إلا أنه يخشى مقابلة أحدهم، فيزعجه بطلبات ومصروفات لم يعد قادرًا على تلبيتها. لقد ملّ من زحمة المنزل وحرقة الدم التي تصاحب الصرف المتواصل لكفاية هذه القبيلة من الأطفال ووالدتهم من الطعام. ما ينقصه فقط هو فرصة الهرب من كل هذا. طالما يجمع المال، يستطيع الزواج بغيرها، امرأة جميلة وصغيرة، ويفضل أن تكون عقيمة لا تنجب.
في هذا الوقت، كانت زوجته داخل المرحاض. لم يكلف نفسه عناء مناداتها، بل أسرع مستغلًا الفرصة، واتجه نحو الركن الفاصل بين الخزانة الخشبية للملابس والحائط ليخرج حقيبة السفر القديمة من مكانها المعتاد. ولكن، مهلاً… أين هي؟
لم يجد سوى كتب مدرسية للأطفال وكراسات وبعض الأقلام. زمجر بغضب:
يا صفاء! انتي يا صفاء!
صدح بصوته الجهوري عندما تأكد من عدم وجود الحقيبة، وواصل النداء بعجالة:
يا صفاااااء! هاقعد أنادي عليكي طول اليوم؟ انتي فييييين يا ست انتي؟
استجابت لندائه بصوت متذمر وهي تخرج من المرحاض، تلف رأسها المبلل بمنشفة صغيرة:
إيه؟ إيه؟ أنا جاية أهو… جرى إيه؟ الدنيا طارت؟
تخصر ليستقبلها بتهكم:
لأ، مطارتش، لكنها هتفرقع وتولع لو مردتيش على سؤالي دلوقتي! الشنطة القديمة اللي كانت هنا راحت فين؟
سألته ببرود:
شنطة إيه؟
صرخ بفزع:
شنطة الهاند باج السودة المقطعة! فينها يا ولية؟ اللي كانت فيها هدومي القديمة!
طقّت فمها باستهجان مستنكرة ثورته:
بقى كل ده عشان شنطة قديمة ومقطعة! إيه قيمتها دي عشان تبهدل الدنيا وتصرخ كده؟ طب العيال لمّوها النهاردة مع حتة الغيارين، وعبوها كتب من بتاعتهم وباعوها لبتاع الروبابيكيا…
إييييه؟!
صرخ بصوت أعلى، قابضًا على ساعديها ،يعنفها بحقد غير مصدق:
إيه اللي بتقوليه ده؟ انتي أكيد بتهزري! لا يمكن تكوني بتتكلمي جد. يا إما… يا إما انتي خدتِ الفلوس اللي فيها! أيوة، أنا عارفك، أبوكي القرش وأمك الفلوس!
نفضت ذراعيها من قبضته لتنهره بغضب:
شيل إيدك عني يا راجل! إنت اتجننت ولا إيه؟ كل الجنان ده على شنطة قديمة ومقطعة؟ ولا…
توقفت فجأة، ثم تابعت بفراسة:
ولا يكونش كنت حاطط فيها فلوس ولا حاجة غالية؟
دفعها بقوة، وملامحه تخالف طبيعته المعروفة بالجبن، ليصارحها دون إنكار:
أيوة، كنت حاطط فيها فلوس، وفلوس كتيرة كمان، في جيب سري، عشان انتي وولادك الحرامية ما توصلولهاش! أديكي عرفتي… يبقى اطلعي بفلوسي يا ولية، ولا أحسن أوديكم كلكم في داهية!
لم تكن أقل شراسة منه، لتقبل إتهامه بضعف أو تردد، فردّت تبادله بدفعه أقوي من دفعته، مكشرة عن أنيابها:
داهية تاخدك وتاخد اليوم اللي شوفناك فيه يا عجوز يا عرة الرجالة! مفيش حرامي غيرك! إنت جاي ترمي بلاك علينا ولا إيه؟ أما دي عجايب والله!
صرخ بأعلى صوته وقد فقد آخر ذرة من حكمته، قابضًا على رقبتها:
دا أنا اللي هوديكي في داهية النهاردة! والله ما أنا سايبك!
ثارت عليه بجنون أشد:
طب إن كنت راجل، اعملها! عشان الداهية دي إن شاء الله تاخدك انت!
ثم صاحت بأعلى صوتها:
الحقوني يا نااااس! الراجل الخرفان عايز يموتني!
❈-❈-❈
ضحكتها التي كانت تجلجل في البقعة الخالية إلا منهما، وهو يقوم بسحبها بيديه الاثنتين بروية وصبر، كي يعلمها التزلج على الجليد، وقد جهزها بجميع الأدوات: الثياب الثقيلة، والنظارة الواقية التي تحمي عينيها، والقفازات، والخوذة، وغيرها من الأشياء الهامة، بالإضافة إلى الزلاجات الجليدية التي ترتديها في الأسفل، والتي تسير بها بصعوبة رغم مساعدته لها، وجسدها يميل يمينًا ويسارًا بلا توازن، حتى زمجر مخاطبًا إياها بحزم:
بطلي بقى واثبتي! كده اليوم هيضيع في المحاولات وبس.
هتفت تجادله بمرح:
وأنا أعملك إيه يا مفتري بمزاجك الغريب؟ ما كنا روحنا بلد ساحلي ولا استوائي. حبكت التلج والمزاج الغريب ده!
ضحك معلقًا بتسلية:
بقى دي جزاتي؟ أَني عايز أعيشك في جو مختلف، دي الرومانسية في أعلى صورها يا بنت خليل.
توقف فجأة عن العبث ليردف بشجن، تخلل كلماته:
أنا عشت أجمل أيام عمري في الجو ده يا بهجة، الأسرة السعيدة: بايا وماما، وحبهم اللي كنت بشوفه في كل تصرفاتهم لبعض. قعدتنا إحنا التلاتة قدام الدفاية والحطب، وبابا ضاممنا أنا وماما في حضنه، وهو بيحكي تفاصيل يومه في الشغل، ماما تحكي عن مغامراتها مع الجيران. وأنا أحكي أي حاجة هبلة عشان أشاركهم.
كنت دايماً برسم في عقلي إني أقعد أنا وحبيبتي قدام النار، ونحكي ونحب في بعض.
بس أنت مقعدتنيش قدام النار ولا الدفاية يا رياض.
قالتها بعفوية، انتشلته من ذكريات كان قد غاص فيها، ليستدرك ضاحكًا:
حاضر يا بهجة، هنقعد قدام النار وندفى. هو إحنا ورانا إيه أصلاً؟
جادلته، وهي تتشبث به حتى لا تقع:
يعني إيه الكلام ده بقى؟ شهر عسلنا هيبقى يا تلج أخوض فيه، يا قعدة قدام النار، هوده يبقى عسل يارياااض!
أطلق ضحكة مدوية قبل أن يغيظها قائلاً:
لا، طبعًا! أنا محضرلك برنامج شامل هيعجبك ويريحك أوي يا بهجة.
وعاود ضحكاته، ليحاول مجددًا تعليمها.
استجابت بتحريك قدميها بخطوات بطيئة، رويدًا رويدًا أصبحت تستقيم معه حتى كاد أن يصل بها إلى ممر التزلج، لتأتي عاصفة ثلجية فجأة، بفعل بشري، حينما مر أمامهم بعض الأفراد بسرعة البرق، يطيرون فوق كوم عالي من الثلج، ارتفع جزء كبير منه ليغطي وجوه الأثنان وملابسها الثقيلة.
شهقت بهجة بإجفال امتزج بدهشتها، أما هو، الذي أصابه ما أصابها، كاد أن يخرج من فمه سبّة نحو الرجلين الذين اختفيا كالظلال بسرعتهما في التزلج. ولكن أوقفه ضحكتها، التي صدحت بدون قيود أو خجل.
ضحكة صافية بشقاوتها، ألهبت مشاعره الهائمة بها، ولكن هذا لم يمنعه من استفزازها.
ليباغتها بكومة صغيرة من الثلج دفعها بها، أوقفتها عن الضحك بصدمة، سريعًا ما تجاوزتها، لتدنو سريعًا تلتقط كومة بين كفيها، ألقتها عليه بكامل قوتها لتغطي وجهه بالكامل، وجزءًا ليس بالهين من معطفه، حتى شعرت ببعض الندم، قبل أن يقلب الأمر عليها، ويرد بكومة أخري نحوها، وتبدأ حرب كرات الثلج بينهما، ولحظات من المرح والضحكات التي لا تنتهي.
❈-❈-❈
وصلت الأسرة بأكملها إلى المشفى الذي يتلقى فيه خميس الإسعافات اللازمة، بعد خوضه شجارًا غير متكافئ تمامًا مع المرأة وأولادها والجيران الذين شهدوا على ما حدث له. كان يتلقى الضرب على كل مناطق جسده، ليُضاف ذلك إلى سجل خسائره من الكرامة والصحة أيضًا.
يتأوه بصخب داخل الحجرة التي تم احتجازه فيها حتى يتعافى ويتمكن من السير مجددًا. دلف إليه أولاده الثلاثة بصحبة والدتهم، التي أصرت على أن تراه بهذا الوضع.
آاااه، آااه، آاااه، هموت يا ناس هموت.
بادرت والدتهم بالتهكم وبلهجة لا تخلو من الشماتة:
سلامتك، سلامتك يا سبع الرجالة سلامتك من كل شر.
رمقها بنظرة حارقة، فهو الأعلم بشماتتها به الآن، ليحاول النهوض بجذعه ينتوي طردها، لكن غلبه الألم في ذراعه المكسور، فعاد للتأوه والنواح:
آاااه، يا دراعي، ااااااه يا كلي يا أنا ياما! هو أنا كنت حمل أشكال تشمت فيا كمان؟
مصمصت درية بشفتيها، بينما حاول سامر تهدئة الوضع من خلفها قائلاً:
معلش يابا، إحنا جايين نطمن عليك بس.
نظر خميس نحو أولاده الثلاثة بتساؤل:
– كلكم؟
أشاحت سامية بعينيها عنه، لا تطيق الرد عليه، بينما تكفل سمير بالرد:
طبعًا يا أبويا، كلنا، من أول ما وصلنا الخبر وإحنا لمينا نفسنا وجينا على طول نطمن. إنت عامل إيه دلوقتي؟
تلقف السؤال ليجيب بصوت يحمل مظلوميته:
هموت يا بني! الوِلْيَة الحرامية هي وعيالها سرقوني ونهبوني، وآخرة المتمة خرجت من عندها بعلقة! دا أنا اتضربت ضرب مخدوش حمار في مطلع.
ضحكة شامتة بزغت على شفتي درية لتزيده حنقًا، فعبّر عن استيائه:
إنتو جايبين الست دي معاكم ليه؟ عشان تشمت فيا؟ دي جزاتي عندكم!
يابا والله مش كده، أمي بس عايزة تطمن.
قالها سامر لتُعلّق درية مكررة بتهكم:
أهو قالك أهوووه، جاية أطمن وأعمل الأصول. يا راجل يا أبو الأصول! هههههه.
وختمت بضحكة أشعلت رأسه، فكان دخول سامية وخطيبها كنجدة له:
مساء الخير عليكم جميعًا. المشوار قُضي والحكاية انتهت خلاص. يا عم خميس…
مشوار إيه؟
توجهت سامية بالسؤال نحو خطيبها، فأتت الإجابة من والده:
حكاية صفاء يا بنتي. الست دي كانت ملفقة لأبوك كام قضية عشان يتحبس فيهم سنين، بس إحنا ضغطنا عليها وخليناها تتنازل.
جاء اعتراض خميس صائحًا:
نعم! يعني بعد دا كله كمان هي اللي كانت شاكياني؟ دا بدل ما تجيب فلوسي! الحرامية!
انفجرت درية خارجة عن دور اللامبالاة قائلة:
نعم الله عليك يا حبيبي، ما هو دا الطبيعي! تحلبك زي البقرة، ولما تروح فايدتك تِرْمَيك في السجن ولا تتخلص منك أحسن من ده كله!
أممممم…
زمجر بها خميس بغضب، ليتوجه نحو أبنائه بحنق:
يا جدعان بقي واحدة زي دي جايبينها معاكم ليه هااا لييييه؟
كادت أن تمطره بالتقريع وكلمات الشماتة، لكن إشارة حاسمة قام بها طلال رافع يده امامها يسكتتها. ثم وجّه أمره للجميع:
اسمعوا بقى أما أقولكم، أنتوا عيلة في بعضيكم، لكن أنا بصراحة فاض بيا. أنا هجهز الكوشة ولوازم الفرح من دلوقتي، عشان تخرج من هنا على ليلتنا على طول، مش هستنى أكتر من كده.
فرح مين؟
سأله خميس بحيرة، قبل أن يجيب طلال بحسم:
قصدي علي فرحنا، مشاكلكم تحلوها مع بعضيكم، لكن مراتي هتيجي بيتها بقى. تماااااام
صاح في الأخيرة بتحذير جعل الجميع خلفه يوافقون بلا تردد، أما سامية، فقد أسعدها الأمر، حتى إنها لم تستطع الحفاظ على جمودها أو إخفاء تأثرها.
❈-❈-❈
كوخ من الخشب، مزود بكل وسائل الراحة والترفيه، ولكن تغلب عليه اللمسة القديمة الكلاسيكية، هذا الشيء المترسخ برأسه منذ الصغر، يخلق طمأنينة بالعقل، وعاطفة كانت تهفو لهذا الجو الرومانسي،
لقد جهز كل شيء، بداية من اعداد الطعام بطريقته، ليضع الاطباق الفاخرة الآن على المائدة التي زينها بالشموع الملونة الحمراء، بالإضافة إلى مشروب غازي معتاد عليه في هذا البلد، لا يمت للخمر بصلة ولكنه فاخر ويستحق ثمنه الباهظ، من أجل بهجة قلبه والذي قد تنخدع به حينما تراه وتظنه من المسكرات
تبسم بتسلية لمجرد التخيل، ليتوغل بقلبه الحماس من أجل رؤيتها، وقد طال انتظارها، مر اكثر من ساعة
منذ ان اختفت من امامه ولم تخرج من الغرفة حتى الآن، ولكنه لن يستعجلها، لديه الوقت كله، لقد أغلق الهواتف كي يصفي عقله من كل شيء إلا منها
تنهد يرتشف من مشروبه، ثم تحرك نحو المدفأة يضع قطعتين من الخشب ، فوصله رائحة عطرها التي جعلت قلبه يهفو ليلتف برأسه على الفور ناحيتها.
قطب بشيء من الانبهار والتعجب، وقد ظهرت الجميلة امامه بمعطفها الصوفي فوق الفستان، لتبزغ على فمه ابتسامة عزبة في استقبالها ممازحًا:
– هي الحلوة عندها مشوار وانا مش عارف؟
تبسمت ترد بكلمات متقطعة يلوح منها الخجل والشقاوة في أن واحد، وهي تتقدم نحوه:
– مش مشوار، بس الفستان ااا…. يعني بعد ما لبسته،…. كنت عايزة اغيره والله….. بس خوفت لا تزعل…. اصله بصراحة معجبنيش..
– معجبكيش ليه؟
غمغم يستقيم بجسده، ثم اقترب يجذبها من المعطف وبحزم منه، ينزع كفيها التي تشدد عليه في الأمام مردفًا بشغف:
– شوقتيني اشوفه عليكي……… واووو
وتابع بصفير من فمه يتأمله عليها جرأة تزيدها اضطرابًا وكلمات غير مترابطة:
– انت اشتريه ازاي بالتمن اللي قولت عليه، دا قميص نوم والنعمة، يفرق بس في القماشة، عشان مختلفة وفخمة حبتين.
اخرجته بعفويتها عن التأمل وتلك الاحاسيس التي تأججت داخله، ليردد ضاحكًا بصوت مكتوم
– فخمة حبتين!…… ااااه….. هتموتيني، هتموتيني، اخلعي ده بقى خلينا اشوفه عليكي بالكامل .
– تاااني
رددت بها بتذمر لم يكترث له، لينزع عنها المعطف ويلقيه بعيدا، ثم يديرها امامها مواصلا صفيره يعبر تن اعجابه، فالفستان المكشوف بقصته الجريئة لا يخفي الا القليل من جسدها، بالإضافة إلى زينه وجهها الرقيقة والشعر المصفف يحاوط بشرتها بنعومته، فتمثلت امامها فتنة خالصة:
– عارفة يا بهجة، أنا شوفت كتير وقليل، حتى أجمل العارضات ، مفيش واحدة فيهم وصلت لجمالك.
همت ان تجادله مستخفة ولكنه قطع عليها قبل ان تبدأ:
– عارفك هنتكلمي عن جمال الشكل، وأن في ملكات جمال احلى منك، بس انا بتكلم عن انك جمعتي بين حاجتين، جمال في الشكل، وكمان في الروح، وزياااادة بقى، ملكة على قلبي يا اجمل بهجة.
ورفع كفها يقبل ظهره متابعًا:
– ممكن بقى الملكة تقولي نبتدي بإيه، ناكل الاول ولا نقعد جمب الدفاية ولا نرقص، انا جهزت وحضرت كل حاجة، الليدي لازم تأمر بس وانا عليا الطاعة.
أومأت بصوت بح بفرط ما يكتسحها من الداخل، تشير بسبابتها نحو جهاز الموسيقى، في اختيار حددته، لينفذ هو رغبتها على الفور، يدير إحدى الالحان الموسيقية المعروفة، ويضمها اليه، ليبدأ ليلتهم بالرقصة الرومانسية
❈-❈-❈
ما أجمل من أن يدلل الرجل امرأته! فتصير بين يديه كقطعة الحلوى، تذوب مع كل كلمة غزل، فيتوهج وجهها وتزداد جمالا ورقة، تنضح انوثة ونعومة أيضًا
الوصف الحقيقي للمرأة هي انها كتلة لرد الفعل، كل تأثير خارجي ينعكس عليها في الداخل، دللها تجدها أنثى على حق، تقسو عليها وتعاملها بخشونة، اذن فالتستحق ما تتلاقاه منها.
راقصها ودار بها عدة مرات وحملها أيضًا كالفراشة، تناولت معه وجبة العشاء التي أعدها من أجلها، ثم أتى أخيرًا وقت جلستهما أمام المدفأة.
عدة وسائد افترشت الأرض، وفي الوسط طبق الفاكهة والمشروبات وعدد من المسليات، ليجلس مستندًا على إحداها، ويضمها إليه محققًا حلمه القديم، دفء الأجواء مع دفء المشاعر.
هاا، إيه رأيك بقى؟
ضحكت معلقة على كل شيء:
رأيي في إيه تاني؟ أنت عملت لي كل حاجة يا حبيبي، ولا في أحلامي حتى كنت وصلتلها. دلوقتي بس عرفت أنت ليه اخترت المكان ده؟ اتاريك طلعت رومانسي أوي، مع إن ما بيبانش خالص عليك.
أمال كان بيبان عليّ إيه؟ صحيح يا بهجة، انتي أول ما شفتيني حسيتي بإيه؟
بارد.
نَعَم؟!
ضحكت تدّعي الخوف وقد برقت عيناه أمامها وهو يتصنع الجدية، لتصارحه هذه المرة وقد انزاحت الحواجز التي كانت تمنعها عن إخراج ما في قلبها:
أول مرة عيني جات في عينك، لما ظهرت فجأة وأنا بمسح أثار الفوضي اللي عملتها نجوان في الأرض، في البداية شهقت واتخضيت، أكيد أنت فاكر.
طبعًا فاكر، وده يوم يتنسي؟ ده انتي كنتِ لابسة بيجامة محزّقة ومجسّمة التفاصيل.
قالها وهو يعض بأسنانه على شفته السفلى بمكر جعلها تلكزه بقبضتها كي تنهيه:
بلاش غلاسة بقى، دي هي نظرة واحدة، لحقت تفصل وتجسّم؟
يا بنتي، ومحلقش ليه؟ أنا راجل، يعني عيني تلقط ع السريع.
قالها بتفاخر جعلها تتوجس، سائلة له:
يعني أنت بتبص كده على كل الستات؟
لا والله، عمري.
قالها ليردف مؤكدًا لصدقه:
دي كانت أول مرة أصلًا أتشدّ لوحدة وأركز فيها. آه، أنا أعجبت وانبهرت بستات كتير، مش هأنكر، بس مفيش واحدة خطفتني من أول نظرة غيرك. لما بصيتيلي وعيني جات في عينك، بخضارها اللي ما شفتش جماله في الدنيا كلها، حسيت على طول إن ليكِ حكاية معايا. معرفش إزاي، بس ده اللي حسيته.
وأنا كمان.
وأنتِ كمان إيه؟
أول ما عيني جات عليك، أيوة، اتخضيت في البداية، بس بعدها وأنا بكلمك، كان عندي إحساس إني شوفتك قبل كده، أو أعرفك. وكأن الحكاية اللي بتقول عليها كانت موجودة من زمان، من قبل إحنا حتى ما نعرف بيها… أنا بحبك أوي يا رياض.
قربها من خصرها إليه، ليقابل بتوهج بندقيته صفاء خضراويتها، يردف بصدق اعترافه:
وأنا بعشقك يا قلب رياض.
ثم تناول ثغرها بقبلة ناعمة، تمتزج بها الأنفاس، فتصبح شيئًا واحدًا، يبثها عشقه، وتبادله بلهفتها.
فتتطور القبلات إلى ما هو أعمق وأقوى، التحام الأجساد مع التحام الأرواح، لا شيء يفصل بينهما.
منعزلين بعالمهما عن الكون أجمع، عالم خاص بهما وحدهما، وصال أبدي لا يفصله حتى الموت
الفصل التاسع والأربعون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل التاسع والاربعون 49 بقلم امل نصر
السعادة لا توصف بكلمات، السعادة شيء ملموس، حينما تتغلغل داخلك، فاعلم تمام العلم بأنها سوف تطفو بأثرها على وجهك وفي إشراق الملامح، مهما حاولت اخفاءها او ان تدعي العكس، تظل مكشوفا امام الجميع .
هذا هو التعبير الدقيق لحالتهما الان، بعد العودة من رحلة العسل التي قاما بها بزيارة عدة بلدان حول عالم، ما بين الثلوج والجو الرومانسي، أو البلدان الاستوائية ومرح الشواطيء والاستمتاع بها.
وقد كان في انتظارهما نجوان ومعها الطفلان الصغيران، عائشة وآدم، والذي ركض على شقيقه فور ترجله من السيارة مقلدًا عائشة التي سبقته في احتضان شقيقتها، ليضمه إليه باشتياق شديد، هذا الصغير الذي اكتشف انه قطعة منه ولكن كانت تائهة عنه.
- يا حبيب اخوك انت، عامل ايه يا بطل؟
- انت قولت بنفسك بطل، يعني هكون ايه
- بطل الابطال طبعا.
علق بها رياض ردا على شقيقه، يقبل رأسه وجبهته، قبل ان تنتقل عيناه نحو والدته الحنون، التي وقفت تراقب ترحيب الصغيران في انتظار دورها هي الأخرى، لتفتح ذراعيها بعد ذلك للأثنان، ابنها وزوجته بهجة التي كانت تضمها بقوة:
- وحشتيني اوي، وحشتيني اوي يا نوجة، كان نفسي اوي والله تبقي معانا السفرية دي، كانت ناقصاكي اوي.
ضحكت نجوان توجه الكلمات نحو ابنها الذي طارت منه الكلمات في غمرتها الحانية، تشاكسه:
- بتقولك كانت عايزاني وسطكم، هي البنت دي مالها؟
تبسم بصدق في رد على تلميحها:
- وحشتيها يا ماما، زي ما وحشتي ابنك كمان اكتر، اكتر والله.
واكمل مشددًا بضمته لها:
- المرة الجاية بقى لازم تبقى معانا .
- وخدوني انا كمان معاكم.
قالها إيهاب الذي أتى قادمًا لاستقبالهما هو ايضا، ليأخذ دوره بعد ذلك في الترحيب والمزاح معهما قبل أن ينتقلا إلى داخل المنزل
❈-❈-❈
بعد قليل كانت معه داخل غرفتها الجديدة، تتأمل العقد الجديد في رقبتها بانبهار لا يتوقف كلما وقعت عينيها عليه، وهو منشغل في تبديل ملابسه وحديث يدور بينهما:
- ماما نجوان مستغربة على رجعتنا، شكلها كانت متوقعة نقعد شهر بجد.
- انتي بتقولي فيها
تبسم يخاطب انعكاس صورتها في المرأة:
- قسما بالله، لولا بس الشغل وتلميحات كارم اللي مبتخلصش لكنت عملتها ولا كفتني سنة حتى، حد يشبع من العسل يا عسل .
قال الأخيرة يقبل وجنتها ، قبل ان يتناول الفرشاة ليصفف شعر رأسه، فضحكت هي معقبة على قوله :
- والله من غير حلفان ومن غير ما تقول كمان مصدقاك.
قهقه متفهمًا بعباراتها ليحاوطها من الخلف هذه المرة بذراعيه، يهمس بجوار اذنها بإغواء:
- هتنكري ان انتي كمان كنتي مبسوطه؟ قولي لا لو عندك الجرأة .
ضحكت متأثرة بدغدغته لها، وقد وصلها مغزى كلماته، لتجيبه بمراوغة:
- انا كنت مبسوطة طبعا عشان الفسحة والتلج والبلاد الغريبة اللي زورناها مش عشان اللي في دماغك ال.......
قطعت بضحكة صدحت بصوت عالي منها، وقد زاد من دغدغدته ليحملها من امام المرأة متوعدًا:
- طب عشان اللي في دماغي دا بقى، أنا مش هسيبك النهاردة.
صارت لا تستطيع التوقف عن الضحك رغم رجاءها وتنبيهيها ايضا وهو يذهب بها ليضعها فوف الفراش:
- يا رياض متبقاش مجنون، كارم اللي مستنيك في المصنع ده، هيجي يولع فينا لو اتاخرت عليه اكتر من كدة .
- خليه يجي يولع وهو يزود علينا بجو الاكشن كمان.
قالها ليدفن وجهه في تجويف عنقها، يداعبها ويقبلها أيضا، مستمتعًا بمرحها وشقاوتها المحببة بعدما أزالت عنها كل الحواجز القديمة، فلا تبخل عليه بعشقها بل تعطيه من قلبها وبسخاء، وهو لا يقصر في اقتناص الفرص، حتى قطع عليهما طرق الباب وصوت الدادة نبوية من الخارج:
- يا رياض باشا، يا بهجة هانم، نجوان بتقولكم الاكل جهز عشان تتغدوا معاهم .
خرج صوته مجبرا يجيبها، قبل ان يطالع تلك الشامته بنظرة متوعدة:
- ماشي يا دادة روحي انتي واحنا جاين وراكي اهو
انصرفت المرأة فتوجه لها بقوله:
- لولا بس وجود إيهاب اخوكي، والله ما كنت سيبتك النهاردة.
ردت تضحك بصخب:
- متشكرين يا سيدي، كلك زوق
❈-❈-❈
دلف إلى المنزل عائدا من عمله، يضع أكياس المشتريات التي ابتاعها على الطاولة، وعيناه تبحث يمينا ويسارًا ، يداعبه الأمل خلف هذا السكون الغريب، ان يجد ضالته، في رحيل تلك المرأة التي لم تغادر منزله حتى الآن رغم مرور ما يقارب الشهر على ولادة طفله.
زاد الأمل بداخله بعدما طل برأسه نحو الطرقة المؤدية إلى المطبخ والمرحاض ليتجه مباشرة نحو غرفته، يدفع الباب بغتة دون استئذان:
- هي والدتك مشيت يا أمنية.....
وكانت المفاجأة له، حينما وجدها امامه جالسة على الفراش بجوار زوجته تفعل شيئا ما، مما أثار الحرج بأمنية التي اجفلت في البداية لكن سرعان ما تداركت لتحاول التلطيف بارتباك:
- ااا حمد الله على السلامة يا عصام، انت رجعت من الشغل؟ ماما بتغير ليونس أصلها حممته من شوية واحنا كنا قافلين الباب عشان الهوا، ممكن بقى تدخل وتقفله.
ابتلع ريقه بشيء من الإحباط قد أصابه لينفذ ويغلق الباب بعدما دلف إلى الداخل، قائلا بفتور:
- وماله، حموم الهنا ان شاء الله، خليني اشوفه بقى.
قالها متجها نحو جهة الصغير من الفراش والذي رفعته نرجس اليه بغفلة وعدم فهم:
- حميناه وعطرناه وبقى زي الفل كمان، خد شيل ومتع نظرك بالقمر، الله اكبر عليك يا قلب ستو ، قمر يا ناس قمر .
تناوله منها بضيق يكتمه، سرعان ما تلاشى تدريجيا مع رؤية طفله التي أدخلت في القلب انتعاشًا، بتلك الرائحة المسكية التي تتسلل إلى رئتيه، ليلثم الوجنة المكتنزة بوله مردفًا:
- يونس باشا،. حبيبي يا حضرة الظابط الصغير
استشفت أمنية الامر بذكائها لتخاطب والدتها التي تتابع ببلاهة وبغير وعي:
- حضري الغدا لعصام يا ماما، تلاقيه راجع جعان.
- هاا، حاضر من عنيا، بس دا ميعاد الغدا فات عليه كتير معقول لساته مأكلتش؟
- اه يا حماتي لساتي مأكلتش، ياريت بقى تلحقيني.
قالها بشي من الغيظ، يجبرها على التحرك سريعًا تبدي استجابتها:
- يا خويا بعد الشر عليك من الجوع، حالا هحضرلك
وخرجت تاركة الباب مفتوحًا، ليسارع هو بإغلاقه، ثم الالتفاف نحو زوجته بنظرة تفهمها جيدا، ولكنها تدعي العكس باستفسارها:
- ايه مالك بتبصلي كدة ليه؟ لو عايز حاجة اخلي امي تعملهالك ولا تحب اندها؟ ياماما.......
قطعت مجبرة حينما حطت كفه الكبيرة تغلق فمها بتهديد:
- بوقك دا لو انفتح باي كلمة تاني هخلص عليكي يا امنية، ولمي نفسك ها، لمي نفسك.
اومأت رأسها بتخوف منصاعة لأمره، لتظل صامته حتى بعد ان رفع كفه عن فمها، ليتمكن هو بوضع الطفل داخل مهده، ثم يميل نحوها بغيظ متسائلا:
- على فكرة انا جيبت اخري، ايه بقى؟ اقولها في وشها بالصريح عشان تفهم .
تحرك قليلًا ليخلع عنه ملابس العمل، فعضت هي بأسنانها على شفتها السفلى تبرر على تردد:
- ما هي قاعدة وبتساعدني يا عصام، قلب الأم بقى، خايفة على الجرح من الحركة.
القى بالقميص الذي خلعه عنه يغيظ يلقيه أرضا ويرمقها بسأم من تلك الجملة المتكررة:
- نعم يا اختي، انتي لسة برضو ماسكة فيها الجملة دي وانتي معدية العشرين يوم دلوقتي واكتر ، انتي عايزة تحرقي دمي صح؟
برقت بهلع حينما طل عليها بجذعه العاري وطاقة التحفز تفوح منه، لتلطف بقولها:
- احرق دمك ليه يا حبيبي بس؟ أنا يدوب بوضح ، ما هو لو كنت انت رضيت من الاول ان اولد عندها مكنتش هتاخدها على اعصابك كدة، واحب افكرك بس ان جرح القيصري دا حاجة مش هينة وبتاخد وقت وو.....
- ووو ايه يا حلوة؟
تمتم يميل اليها يردف بفراسة، وبصوت هامسًا بمغزى:
- اوعي تفتكري ان مش فاهمك يا غالية، انني ودك تقعد معاكي كدة شهرين تاني كمان وعلى قلبك زي العسل يا باردة.
لم تخفي ابتسامتها خلف تلميحه المبطن، لتوميء برأسها موافقة:
- بصراحة اه.
وما كادت تنهيها حتى وجدته يدفعها لتستلقي على الفراش ويصبح هو أعلاها متوعدًا بتحذير:
- بلاش تلعبي معايا يا أمنية لاعملها معاكي دلوقتي، ولا هيهمني امك ولا جرحك حتى يا حلوة .
بملامح بدا عليها الاجفال ممتزجا بالاندهاش صارت تهادنه:
- عصااام، اعقل امي قاعدة لو دخلت علينا هيبقى منظرك مش كويس، هيبتك هتروح يا حضرة الظابط.
ضاقت حدقتيه في تأملها واختفت الحدة التي كان يتحدث يها، وقد تحول شعور الغضب داخله لشيء آخر:
- هيبة ايه بس؟ هو انتي خليتي فيها هيبة؟ ايه يا أمنية، جوزك حبيبك موحشكيش؟
- هااا
صدرت منها بتيه وعدم ادراك تحول بعد ذلك لاستسلام، حينما دنى اليها ينثر قبلاته على بشرتها بعدة قبلات، زادت بلهفته حتى نزل على جيدها باشتياق جعله كاد أن يفقد سيطرته، لولا الصوت الذي دوى فجأة مرافقًا لطرق على باب الغرفة ونرجس والدتها تهتف منادية:
- انا حضرتلك الغدا يا عصام يا بني، الله هو الباب مقفول ليه؟ هو انت نمت .
سمع منها في الداخل يقبض بقبضته في الهواء ملوحًا امام زوجته في الهواء يكز على اسنانه بغيظ شديد:
- منمتش ولا اتزفيت، انا جايلك اهوو.
❈-❈-❈
مقابل الشاشة الصغيرة توقفت ابصاره مزبهلا امام تلك النقطة الصغيرة وهي تنبض بالحياة أمامه، تعلن عن وجودها ، تؤكد على حقيقتها، حتى ارتجف فؤاده لها بين اضلعه، وارتشعت لها اطرافه، يا الهي، ما أجملها من معجزات، قد يراها الحمقى شيئًا عادي، ولكنها في الأصل دليلا لا شك فيه عن قدرة الخالق العظيم التي لا حدود لها.
في لحظات معدودة انفصل فيها عن عالمه فلم يعد ينتبه لكلمات الطبيبة ولا بالحديث الدائر بينها وبين زوجته، التي قرصت على كفه هذه المرة كي ينتبه لكلمات الطبيبة ويرفع رأسه اليها:
- زي ما انت شايف قدامك اهو يا فندم، النبض تمام وعال ، كل اللي محتاجاه بس هو فيتنامينات لصحتها، وشوية تعليمات تمشي عليها عشان ميحصلش اي مشاكل تعرقل نمو الجنين بشكل طبيعي.
تحمحم يجلي حلقه، معقبا على قولها باضطراب وخوف:
- لا طبعا مشاكل ايه لا قدر الله ، ربنا يكفينا شرها، إحنا هنسمع كلامك وننفذه بالتمام والكمال يا دكتورة، وانتي اوعي تنسي حاجة متقوليهاش
تبسمت المذكورة تأثرا بلهفته، حتى علقت زوجته توضح لها:
- معلش يادكتورة اعذريه، اصل دا اول طفل لينا ، واحنا الاتنين ابيض يا ورد في حكاية الحمل والأطفال يعني.
ردت الطبيبة بنبرة متفهمة يغمرها اللطف:
- وان شاء الله ميبقاش الأخير، ربنا يبارك ويفرحكم بالبقية من خلفه بإذن الله
أممت خلفها صبا، اما هو فالتمعت عينيه ببريق يحمل داخله التمني والامتنان الشديد لدعوتها، ليرفع كف زوجته اليه يقبله، متمتمًا بلوعة:
- يارب يارب.
❈-❈-❈
كانت تهرول بخطواتها في اتجاه استقلال احدى سيارات الأجرة بعد خروجها من الجامعة، متلهفة للقاء شقيقتها التي عادت من الخارج، في رحلة سفر لعدة مناطق من العالم، تتحرق باشتياق لها، وللحديث معها عن كل شيء، فهذه اول مرة تفارقها هذا العدد من الايام، وكم تمنت ان تستقبلها مع شقيقيها، ولكن منعها ذلك الاختبار الهام لاحد استاذتها، مما اجبرها لتأديته حتى لا ترسب في المادة
عقلها المنشغل بتلك الأفكار جعلها تغفل عن ذلك المتابع لها منذ خروجها من باب الجامعة، حتى اضطرته، ليتصدر امامها ويوقفها،
- اسف لو وقفتك، بس انتي اضطرتيتي لكدة.
طالعته بإجفال سرعان ما تحول لحدة في الرد عليه:
- افندم يا سامر باشا؟ وايه بقى اللي يخليك تضطر توقفني بالاسلوب ده؟...... وانت راجل محترم مش طالب زيي في الجامعة حتى .
تبسم بتفهم لثورتها، يجيبها باعتذار:
- انا اسف يا ستي ان كنت خضيتك بفعلي، بس انا حاولت اشاورلك كتير يا جنات، وانتي ولا هنا خالص، ماشية في طريقك زي القطر.
- وماله لما ابقى زي القطر؟ هو دا عيب مثلا؟ ثم انت موقفني ليه اصلا؟
صمت قليلا يطالع ملامحها الجديدة عليه، رغم معرفته الجيدة بها، وقد نشأت امام عينيه، ولكنه لأول مرة ينتبه لنضجها، لقد كبرت الصغيرة واصبحت فاتنة كشقيقتها.
- انا كنت معدي قريب من هنا، لمحتك من عربيتي وانت خارجة من الجامعة، وقلتها ونزلت عشان اسلم عليكي، وبالمرة اوصلك معايا .
رددت بسخرية من خلفه:
- توصلني معاك! دا على اساس اني هوافق اصلا أركب عربيتك؟
- ومتركبيش ليه يا جنات؟ أنا ابن عمك مش حد غريب.
- وافرض، دا برضو مش سبب يخليني أوافق، حتى لو كنت أبن عمي .
امام حدتها المفرطة لم يملك الا ان يهادنها:
- ماشي يا ستي، مش هزود عليكي، بس كنت حابب افكرك ان بعتلكم دعوة مع إيهاب عشان تحضروا ليلة سامية النهاردة وفرحها على طلال ، عاملين فرح كبير، وتقريبا أشهر المطربين الشعبين هيحيوه ان شاءالله.
خففت من حدتها قائلة:
- ربنا يتمم بخير، بس انا للأسف مش هقدر احضره،
اصل تقريبا هقضي السهرة مع اختي وجوزها بعد رجوعهم من السفر، لكن اكيد إيهاب هيحضر .
اومأ بإحباط:
- ماشي يا جنات، حتى دي كمان هحترم رغبتك فيها، عن اذنك بقى ، عشان مزعجكيش اكتر من كدة.
قالها وتحرك يغادر من امامها، يجعلها تتخبط داخلها، ما بين شعور بالذنب لشراستها المبالغة فيها معه، وما بين شعور اخر لا تفهمه.
❈-❈-❈
داخل محل الأثاث الذي سحبها اليه اليوم من أجل اختيار الأنسب لشقة الزوجية، بإصرار عجيب منه، رغم اعتراضها الذي كانت تعبر عنه كل لحظة:
- انا مش فاهمة جايبني معاك ليه؟ ما انا قولتلك يا سيدي اي حاجة وخلاص.
- تاني يا صفية، هنعبد ونزيد في الكلام تاني؟ حتى واحنا في محل الراجل؟ ولو اتصرفت من دماغي وجيبت حاجة مش ع المزاج، تذليني بيها العمر كله.
- انا اذلك يا هشام؟ هو انت في حد بيقدر عليك اصلا؟
خرجت منها بعفوية كادت ان تضحكه، لولا قدوم احد المسؤلين بالمحل ليعرفهم على انواع الأثاث والأسعار، فيتثني لهما الاختيار
طاف بهما على معظم الأركان حتى توقف ثلاثتهم لاختيار غرفة النوم:
- ادي حضراتكم ، زي ما انتو شايفين، حاجة كدة للغالين، من ناحية الخشب المتين والشكل اللي يهوس، احسن إنتاج السنادي، هي صحيح سعرها غالي حبيتين، بس الغالي تمنه فيه
- تمام يا باشا، هنتشاور انا والعروسة فيها شوية ونرد عليك بعد كدة بالقرار السليم.
قالها هشام لينصرف الرجل ويتركهما ذاهبًا إلى شئونه في العمل حتى يأتيا له بالقرار الأخير.
فانتهز هو الفرصة ليشاكسها كعادته:
- ايه رأيك يا صفية؟ حلوة الاوضة؟
اومأت بتحريك رأسها، وعيناها تتمعن النظر بالاثاث الانيق:
- حلوة وتمشي، هي فعلا شكلها شيك وموضة السنادي زي ما بيقول
- اممم
زام بفمه، ليردف بعدها وكفه تطرق على خشب التخت:
- موضة السنادي ولا موضة السنة اللي فاتت، انا ميهمنيش غير الحاجة اللي تتحمل، بالذات ده، واخدة بالك يا صفية؟
في البداية لم تفهم، لكن سرعان ما استوعبت لتهتف منزعجة كعادتها:
- بطل تلميحاتك المستفزة دي يا هشام، مية مرة اقولك انا مبحبش قلة الادب
ضحك بخبث يضاعف من حنقها لتدب على الارض بقدمها قائلة بغضب:
- طب انا ماشية وسيبهالك، اعمل ما بدالك اهو.
وما همت ان تذهب وتحركت قدميها خطوتين حتى وجدته يوقفها بذراعيه، ويحاصرها ملتصقة بخزانة الملابس الفارغة، فتمتمت بخوف:
ايه اللي انتي بتعمله ده؟ الراجل لو دخل علينا دلوقتي يقول ايه؟
رد ببساطة وعدم اكتراث:
- هيقول اتنين وعلى وش جواز، يعني عادي جدا يطلع منهم اي تصرف، رغم ان احنا لسة معملناش حاجة.
ابتلعت تخاطبه برجاء:
- وترضهالي برضو يا هشام، انا محامية وليا وضعي،
هم ان يضحك لرقتها المفاجأة، والتي هي نابعة من خوفها منه، ليقول بتسلية:
- طب ما انا كمان دكتور ومحترم، يا أستاذة يا آنسة صفية، وبرضو المشاعر والحاجات اللي اقصدها مبتفرقش، خصوصا لما يكونو اتنين مكتوب كتابهم وبيحبوا بعض
تعقيبا على قوله ردت بتيه:
- مين دول اللي بيحبوا بعض؟
جاءت اجابته بنظرة كاشفة ضاعفت عليها، لتردف بمزيد من الرجاء:
- هشااام، الله يرضى عنك، بلاش الكلام ده ومتخوفنيش منك، حتى لو كنا كاتبين كتابنا برضوا ميبقاش جواز عندي غير بالشكل الرسمي، يعني فرح ، زفة، الحاجات المعروفة ، ياريت تحترم رغبتي بقى.
تنهد بقنوط ليفك حصاره عنها، فيجعل الأنفاس تدخل صدرها ببعض الاطمئنان، ويتمتم لها:
- ماشي يا صفية، على العموم هانت اوي، كلها شهر ولا شهرين بالكتير، اخلص تشطيبات الشقة، وبعدها مهيباقش فيه حجة بعد ما نعمل الفرح والزفة...... ونبقى في بيت واحد.
❈-❈-❈
انتهى حفل الزفاف والذي أقيم كما وعدها بشكل اسطوري، ولكن على طريقته الشعبية، أحياه إشهر فناني الغناء والمهرجانات الشعبية ، فقرات شتي ورقص وتوزيع هدايا كالمشروبات الغازية والاكلات، لم ينقصه شيء، ولكن هذا لم يكن ابدا ما تريده.
حاولت ادعاء الفرح والرقص مع الفتيات صديقاتها لتغيظهم، والتظاهر بالاندماج معه، تخفي حنقها المتزايد حتى اذا دلقت معه داخل الشقة التي تجمعهما سويا وأغلق عليهما باب واحد، خلعت عنها ثوب التظاهر ، لترتمي بثقلها على التحت تنفخ بملأ فمها في انتظار اللحاق بها، بعد توديع الأصدقاء الذين ظلوا لمدة من الوقت يهللون بالمزاح والنكات الجريئة بعض الأحيان فرحا بزواج زعيمهم، حتى صرفهم بصعوبة، ليدلف اليها الان يغني يالأغنية الشعبية التي كان يردد بها المطرب في ليلته يرقص ويتمايل امامها وكأنها تتردد على اسماعه
- ع الدغري وبرجولة كلها من البابا مغلولة حبة عيال جايين في صيت
هيموتوا ويبانوا في الصورة
أنا طلعت حارق دمك
حتى من غير ما أجي جنبك
صفق يختم الجملتين:
- حبيبي يا رضا يا بحراوي.
واقترب بانتعاش نحوها، فقطب قليلا لمشهدها، والشرار الذي يتطاير من عينيها في مطالعته، مما جعله يفطن لما يدور بعقلها ، فعاد لمواصلة الأغنية، ليزيد عليها بتأديتها:
أنا طلعت حارق دمك
أنت واللي واقف جنبك
هو أنت ليه بتكبر وتخيب
روح شوف حد يعالجك
روح شوف حد يعالجك.
زاد حريقها ليخرج صوتها بحدة في الرد عليه:
- خلاص يا حبيبي بقى الليلة خلصت، ولا مكفكاش اللي عملته فيها بالرقص والبلاوي السودة اللي هببتها انت وأصحابك
- بلاوي سودة !
تمتم بها رافعًا حاجبه بشر، يتخلى عن العبث في الرد عليها :
- مالك يا عروسة؟ انتي من أولها كدة هتقلبي سحنتك! مالك يا بت؟
انتفضت على اثر صبحته الأخيرة، لتقف مواجهة له قائلة:
- قلبتي انت السبب فيها يا طلال، عشان برضو نفذت اللي في دماغك ، طلبت منك اغير الشبكة او حتى اعمل الفرح في قاعة فخمة معبرتنيش، حتى لما طلبت منك تجيب حماقي ولا حتى تامر عاشور، ربما مقدركش.
ازبهل محدقا بها للحظات قبل أن يردد خلفها بعدم استيعاب:
- عايزة تامر عاشور ولا حماقي يجوا يغنوا في فرح في الشارع.
- اديك قولتها بنفسك فرح في الشارع، يعني لو كان ربنا قدرك وعملناه في قاعة زي ما اقترحت عليك، كنت فرحتني من الناحيتين، مش تجيبلي عيال تترقص بالشماريخ ولا اكننا في سراية المجانين، بس على واسع شوية، لا وكمان جاين ورانا يزفونا لحد شقتنا، ما كانوا باتوا معانا احسن، ما هي زيطة بقى.
تركها تنهي جميع ما تهذي به، ليرد أخيرا بكل هدوء،، غير مكترثا لثورتها:
- هما فعلا كانوا مزودينها النهاردة، فرحانين بزعيمهم بقى شيكاغو المنطقة، بس الليلة خلصت..... ودلوقتي ده اتقفل باب واحد
واكمل الباقي بنبرة تحذيربة
- سمعاااني يا ست العرايس، يعني وقت الكلام خلاص انتهي، ودا وقت الفعل .
وتقدم نحوها لتتراجع هي خطوتين بخوف منه، ولكنها تصر ان تجادله:
- فعل بقى ولا زفت، انا اصلا نفسي قفلت ودماغي صدعت من الهبد والرزع...
- نعم ياختي
قاطعها بها، ثم ألقاها على الفراش ليجثو بركبتبه حولها ، مائلا نحوها بتهديد:
- اسمعي يا بت واصحي لنفسك كدة، بلاش اقلب عليكي واخليكي تشوفي شيكاغو فى ليلة زي ده، لا عايزاها تبقى غم عليكي ولا عليا، لكن وربنا لو طلبت معايا اعملها ولا هيهمني، تحب تجربي يا غالية.
برقت عينيها بهلع تنقي بتحريك رأسها، لينهض عنها يأمرها بلطف وحزم:
- خلاص يبقى قومي كدة وخليكي شطورة زي اي عروسة في ليلتها .
تمالكت تحاول السيطرة على رجفتها بعد أن جفف الدماء بعروقها بهيئته التي تحولت فجأة لشراسة، فترد بعدم تركيز:
- شطورة وعروسة! ازاي يعني؟ اعمل ايه بقى؟
صدر من حلقه صوت اشبه بالشهقة، ليردف بسخرية:
- لا هو انتي متعرفيش هتعملي ايه النهاردة في ليلتك يا عروسة؟! ولا تكوني عيلة صغيرة وعايزة اللي يشرحلك يا سامية؟ أنا عن نفسي مش ممانع
قال الاخيرة بابتسامة فجة اخجلتها رغما عنها، لتزفر بضيق وحنق في رد على وقاحته:
- لا يا حبيبي كتر خيرك، مفيش داعي للتريقة اصلا، انا مش هبلة ولا محتاجة حد يعرفني حاجة زي دي.
وفي محاولة منها على تحديه، نزعت طرحتها سريعًا لينطلق شعرها ويظهر جيدها بأكمله امام عينيه المتفرسة بها، فتنهض بالمنامة الحريرية التي كانت جوارها على الفراش، قبل ان يمسكها منها، يبتلع ريقه سائلا:
- انتي رايحة بيها فين دي؟
هذه المرة صدر صوت الاستهجان منها هي، لتجيبه بسخرية وغنج مقصود:
- يعني هكون رايحة بيها فين ان شاءالله؟ اكيد عشان اغيرها في الحمام على ما تغير انت كمان.
- على ما اغير انا كمان ! اممم
ردد بها من خلفها ليطبق على كفها يمنعها من التحرك، وعلى حين بغتة جذبها لتقع على الفراش مرة اخرى، وقبل ان تهم بسؤاله، عاجلها بالفعل قبل القول.
- وانا بقول نساعد بعض احسن.
جذب سحاب الفستان للاسفل، وشفتيه عرفت طريقها إلى ثغرها، ليخرص صوتها عن الاعتراض او المقاومة مقابل سطوته، التي يفرضها رغم تمردها المستمر،
❈-❈-❈
في اليوم التالي صباحًا
استيقظ مبكرا يعود لنظامه السابق قبل زواجه، وذلك من اجل الاستعداد والتجهيز للعمل، أطفأ المنبه سريعًا ليقوم بخفة من جوارها، يقبل رأسها قبل أن ينزل بأقدامه على الارض، يترك الفراش متوجهًا إلى المرحاض، ليأخذ حمامه سريعًا، ولكن حين خرج وجدها جالسة على طرف التخت وكأنها في انتظاره، ليشرق وجهه برؤيتها.
- صباح الجمال، انتي صحيتي ليه؟
تبسمت تجيبه:
- صحيت من حركتك يا باشا، دا غير اني متعودة اصلا على الصحيان بدري، انتي نسيت ولا ايه؟
ذهب ناحية غرفة الملابس ورده يصلها:
- لا ياستي منستش، بس انتي ميعادك ع الجمعية مع ماما، يا عشرة يا تسعة انما انا راجل غلبان، عندي مصنع وبلاوي زرقا في انتظاري متكومة، روحي نامي انتي يا روحي، متضيعيش فرصتك في الراحة، دا انا جابر على نفسي اصلا اني اسيبك.
كانت قد لحقت به لتقف على مدخل الغرفة تتابعه في انتقاء الحلة التي صار يرتديها، ثم الحذاء الذي يليق به، تتمايل بجسدها، زامة شفتيها بتفكير لم يخفى عليه:
- واضحة اوي ان محشور في بقك كلام، قولي يا قلبي بدل ما انتي عاملة زي العيال الصغيرة المزنوقة كدة.
- مزنوقة!
رددت بها من خلفه، لتصدح ضحكتها في البداية قبل أن تجيبه:
- بصراحة بقى انا نفسي اروح معاك المصنع وو لو ينفع يعني اشتغل معاك، بس مش عارفة هترضي تاخذني ولا لأ؟
قطب قليلا بتفكير لكن سرعان ما صدر منه الرد بما ادهشها:
- وإيه اللي يخليني مقبلش؟ انتي ناسية دلوقتي صفتك ايه بالنسبالي قدام الدنيا كلها .
أشرق وجهها تردد بعدم تصديق:
- بجد يا رياض، يعني انت فعلا موافق اجي اشتغل معاك .
تبسم يؤكد لها:
- بجد يا قلب رياض، انني تلبسي زتتشيكي دلوقتي عشان تيجي معايا، بس مقولتليش، عايزة تشتغلي معايا ايه هناك؟
تهلل وجهها تخبره:
- هقولك انا نفسي في ايه بالظبط.
الفصل الخمسون من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الثامن والأربعون 48 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الخمسون 50 بقلم امل نصر
أنت أماني وموطني، أنت ملجأي وقت شدتي، أنت المأوى لقلب تاه في دربات الحياة حتى جاء يحتمي بحصنك بعد عذاب. بك الروح تحيا ، ومنك أجد ذاتي، أجد حريتي، أجد السند.
ترجَّلت خلفه من السيارة التي كانت تُقِلّهما، يسحبها بيديه لتدخل معه إلى داخل مبنى عملها القديم، حيث كانت عاملةً على إحدى آلات تفصيل الملابس. أما اليوم، فقد تغيَّرت صفتها إلى ما هو أعلى وأرقى؛ فهي اليوم زوجة صاحب المصنع.
وكأنه درب من الخيال قد تحقَّق على أرض الواقع؛ من عاملة بسيطة تجمع قوت يومها هي وإخوتها بصعوبة، إلى سيدة المكان.
كان في استقبالهما صباح، التي طغت على ملامحها الفرحة والاعتزاز ببهجة، وكأنها ابنتها التي أنجبتها، رغم حرصها على مراعاة المقام.
—"حمد الله على السلامة، نوَّرتوا الدنيا يا رياض باشا."
—"ده نورك يا صباح. إنتي بقى عاملة إيه؟" كان هذا حديث رياض قبل أن تباغته زوجته وتخطف المرأة في عناق أدهشها، وهي تضمها باشتياق قائلة:
—"وحشتيني يا صبوحة، وحشتيني، وحشتيني!"
بادلتها الأخرى العناق على استحياء، حتى بحَّ صوتها من التأثر:
—"وأنا، وأنا والله... ربنا العالم يا بنتي... آه، قصدي يا ست هانم!"
—"مفيش هانم عليكي يا صبوحة! إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟"
اضطربت صباح إثر قولها، لتتجه ببصرها نحو رياض بنظرة فهمها، فسارع بطمأنتها:
—"ده حقيقي، والعلاقة اللي بينكم أكيد لا يمكن تتأثر يا صباح، بس طبعًا قدام الناس هنراعي الحتة دي شوية، ولا إيه يا بهجة؟"
فهمت بهجة مقصده، فوافقت برضا تام، بعد أن جبر بخاطر المرأة ولم يُظهر امتعاضًا أو غضبًا حينما غلبتها مشاعرها تجاه مَن كانت لها سندًا طوال سنين عملها في المصنع. أما صباح، فقد تبسمت بفرحة غامرة، معبرةً عنها بقولها:
—"ربنا يبارك فيك يا رياض باشا، ويدوم عليك الهنا مع بهجة، بنتي اللي مخلفتهاش."
❈-❈-❈
وفي داخل المكتب بعد قليل
كان اجتماع الاثنين مع كارم، الذي كان في انتظارهما على أحرّ من الجمر.
—"نوَّرتِ مكانكِ يا بهجة، أنا متشوق أوي أسمع أفكاركِ بعد اتصال رياض باشا بيا من شوية."
ضحك الأخير، ثم التفت نحوها يُطالعها بتحفيز حتى تُخرج ما برأسها دون حرج. كانت إشارته كافيةً لها لتدهش الاثنين بحديثها:
—"في الحقيقة، هو عَرِف نبذة بسيطة، لكن عندي أفكار كتير أوي للتسويق وفتح خطوط إنتاج تُساهم في زيادة كفاءة المصنع وتصديره للخارج. ممكن أكون مش محترفة، بس أنا بتكلم من واقع خبرتي البسيطة في العمل هنا وعشقي للمهنة. ممكن أكون خيالية في أفكاري، بس نفسي أعرضها قدامكم، وانتو تقرروا إن كانت تناسب ولا لأ، أو تضيفوا عليها بخبرتكم."
ختمت حديثها ناظرةً نحو زوجها العزيز، الذي كانت نظرة الفخر منه وحدها تكفي. أما كارم، فقد خَطَفَه أسلوبها، فأثارت بداخله الفضول لمعرفة المزيد، فحثَّها قائلًا:
—"كل حاجة جميلة اتعملت أصلها كان خيال، يا بهجة. يعني احتمال كبير الأفكار اللي إنتِ مستهونا بيها دي تكون خارج الصندوق وتقلب الدنيا بنجاحها. كمّلي يا بهجة، وإحنا معاكي."
تشجعت أكثر، لتردف بلهفة:
—"تمام، هقولهم، بس عايزة الرد عليها بصراحة ومن غير مجاملة. وبرضو، في كل الحالات، أنا موافقة أساعد وأشتغل أي حاجة هنا، لأنه مكاني الأصلي، اللي حبّاه أكتر حتى من المجال اللي بدرسه."
❈-❈-❈
تثاءب منتصبًا بجذعه عن الفراش، بعدما أيقظته حرارة الشمس التي زحفت من النافذة حتى موضع نومه داخل غرفة ابنه الكبير، بعدما سمحت له تلك المرأة المجنونة، زوجته، بالمبيت بها منذ خروجه من المشفى، ولكن بشروط فرضتها عليه، ومجبور على تنفيذها حتى لا تتخذ إجراءً برفع قضايا عليه أمام المحاكم، في تقليدٍ لفعل الملعونة الأخرى، زوجته الثانية، والتي لا تكف عن استنزافه برغم كل الأموال التي حصلت عليها منه. وعلى الرغم من رغبته في الخلاص منها، إلا أن هذا أيضًا له ثمن باهظ لا يقدر عليه الآن على الإطلاق.
نهض بصعوبة، يضغط بكفيه على عظام ظهره المتأثرة حتى الآن بالضرب المبرح الذي تلقاه من فرقة صفاء وأولادها، ليزمجر بسبة كعادته مغمغمًا:
"آااه يا ضهري ياني! روحي يا صفاء، ربنا ياخدك إنتي وولادك، حرامية التلاجات! آآآآآه، هو أنا فيا حيل يا ربي؟"
واصل التأوه، يجر قدميه للخروج من الغرفة، وتجولت عيناه في أنحاء المنزل يمينًا ويسارًا بحذر كعادته، خشية الاصطدام بدوريته المفترسة، كما يراها دائمًا.
قابله ابنه الأصغر، خارجًا من المطبخ حاملًا عددًا من أطباق الطعام، قائلًا:
"صباح الخير يا حج، أنا كنت جايلك أصحيك عشان تيجي تفطر معايا،علي ما أخلص تحضير."
ألقى خميس نظرة للخلف قبل أن يرد بصوت حذر:
"وأنت تحضر الفطار ليه؟ هي أمك مش موجودة؟"
تبسم سامر، متفهمًا خوفه، ليجيبه مطمئنًا:
"لا، مش موجودة، أصلها راحت شقة العرسان، تطمّن على بنتها."
سمع خميس ذلك، فانتُصِبَ ظهره فجأة، وعلَا صوته مستنكرًا:
"ويعني بنتها كانت هتطير يعني؟ على أول الصبح رايحة تطبّ على العرسان! دا إيه قلة الذوق دي؟ وليه عديمة الشعور صحيح!"
ضحك سامر، واتخذ مقعده حول المائدة، منتظرًا حتى جلس والده مقابله، ثم شرعا في تناول طعامهما، ليعقب غير مبالٍ:
"براحتها بقى، إحنا المهم عندنا دلوقتي نفطر أنا وأنت بهدوء قبل ما نروح مصالحنا، البيت فضي علينا يا عم خميس."
تبسم الأخير لقوله، قبل أن تتوسع عيناه مستدركًا لحقيقة كانت غائبة عنه:
"يا نهار إسود! دا صحيح، مفضلش غيرك، يعني بكرة تتجوز إنت كمان، ويفضى البيت عليّا وعليها! يا دي النيلة السودة!"
سمع منه سامر، لتصدح ضحكته غير قادر على التوقف، أمام حنق الآخر الذي عبست ملامحه، فردد له معتذرًا:
"معلش يا عم خميس، نصيبك كده بقى!"
❈-❈-❈
داخل شقة العروسين، وبعد أن انتهى من إجراء بعض المكالمات الهاتفية السريعة مع أصدقائه ووالديه، كي يُسلي نفسه هذه الدقائق التي ابتعد فيها عن الغرفة، اتخذ الشرفة ملجأً له حتى تغادر هذه المرأة التي أتت بحجة حمقاء مثلها، حاملةً الطعام وبعض الأشياء في تقليد شعبي من أجل صباحية العروسين.
زفر، مُلقيًا السيجارة التي كان ينفث فيها غضبه، ليدعس عليها بقدمه، ثم يلتف متجهًا نحو مكان جلوسهن.
وقد وصله الصوت من داخل الغرفة بعدما خرجتا منها، فاقترب بخطوات بطيئة، يحركه ظنٌّ غير مريح بداخله. امتدت رأسه قليلًا، ليجد تلك الحرباء مختليةً بابنتها في ركن المطبخ الجديد، تهمس في أذنها وتملي عليها:
"واخدة بالك يا بَتّ من الكلام اللي بقوله؟ ضربة البوز دي بلاش منها، واتلحلحي معاه عشان يبقى خاتم في صباعك! طلال من الأصل رايدك، إشحال بقى لما يدوق الدلع والنعيم على إيديكي! دا إنتي هتدوقي الهنا كله."
"منوّرة يا حماتي!" هتف بها، يُباغتها بحضوره، فانتفضت على أثرها، والتفتت إليه بارتباك:
"دا نورك يا جوز بنتي يا غالي! تعالَ، تعالَ شوف الأكل اللي مجهزاه، أنا يدوب بس حضّرته في الأطباق، وهروح أحطه ع السفرة تفطر بيه انت وعروستك. معلش بقى لو اتأخرت عليك، حُكم دي بنتي ولازم أطمن عليها، وانت فاهم، هو أنا اللي هقولك برضو..."
وختمت بضحكة رقيعة لم يستسغها، لكنه اضطر لمجاراتها حتى انتهت، ثم وضعت مع ابنتها أطباق الطعام بما تحتويه من كل ما لذَّ وطاب. ظل يتأملهما، راسمًا تلك الابتسامة الصفراء، حتى ودّعت ابنتها، لتختلي الشقة به وبزوجته.
عادت إليه، متجهة نحو مائدة الطعام بشغف:
"أمي محمّرة الحمام في السمن البلدي، قُرّب يا طلال قبل ما يبرد وميبقاش له طعم..."
"استني عندك! إياكِ تقربي منه!" خرجت صرخته ليوقف يدها قبل أن تمتد إلى الطعام، فالتفتت إليه بدهشة:
"مقربش ليه؟"
اقترب، يجذبها من كفها، ينهِيها عن الجلوس، قائلًا:
"الأكل ده محدش هياكل منه! هيتلف كده بخيره، ونتصرف فيه في أي حتة."
"ليه يا طلال؟ نعمة ربنا هنرميها من غير سبب؟ ولا تكون فاكر إن أمي حطّالك فيه سُم!"
تبسَّم ساخرًا، ودنا نحو الطعام يلملم الأطباق فوق بعضها، مُعلقًا بسخرية:
"لا، ما هي مش هتسمّني وأنا جوز بنتها الغالية... هي هتعمل الأوحش..."
"هو إيه الأوحش؟" تمتمت بها، لتتجمد فجأة باستيعابٍ متأخر، ثم نهَرته:
"قصدك إن أمي تكون عملالك حاجة؟ معقول يا طلال؟! دا ظنك في أمي؟!"
كادت أن تخرج ضحكته على إثر كلماتها الأخيرة، وكأنها لا تعلم أفعال والدتها، لكنه رد عليها بحزم:
"بقولك إيه... كلمة وتحطيها حلقة في ودانك يا بنت الناس، الموضوع ده كبّري مخّك منه عشان منتهي عندي! أنا شيكاغو اللي متربي في المنطقة، يعني عارف أمك كويس أوي، ورِجليها اللي كانت رايحة جاية عند الشيخ إياه... فاكراه الشيخ إياه يا سامية؟"
ابتلعت ريقها باضطراب عصف بها إثر سؤاله، لتطرق ببصرها عنه بخزي، غير قادرة على مواجهته. فما أصعب أن يعرف الزوج بالنقطة السوداء في تاريخ زوجته، وهو عالم بكل شيء!
"ارفعي راسك يا سامية، متتكسفيش مني!" هتف بها عاليًا، حتى أجبرها على وضع عينيها في عينيه، ثم أردف ناهيًا الحديث في هذا الأمر:
"اسمعي يا بنت الناس، حوار أمك ده معايا أنا مش عايز أفتحه ولا أواجهها وأكسفها... عشان خاطرك، مش عشانها! يعني انتي تقدري من نفسك وتفهميها لوحدك. أنا يخصني إنتي، وعشان الورد ينسقي العليق! إنما إني آخد حاجة منها ولا أشرب بقّ مية حتى... انسِي!"
❈-❈-❈
أعدت الفطور في الصباح كعادتها، لتضع الأطباق على الطاولة، وفمها لا يتوقف عن النداء بأسماء أفراد عائلتها الصغيرة الجميلة.
"يا آمين، يا لينا، هتتأخروا على الشغل يا عيال، وانتي يا سي حسن، اخلص بقى وهات شهد في إيدك، أنا دماغي لفت منكم!"
خرج على النداء أمين بكامل هيئته مستعدًا للذهاب إلى العمل، يلوح لها بكفه، فقد كان منشغلًا في الحديث عبر الهاتف مع أحد ما، بضحكات لا تتوقف:
"يعني لِساها برضو لازقة وما مشيتش... يا عيني عليك يا بني، انت دايمًا كده متعوس... يا حبيبي، أعمل طيب؟ ما أنت وضعك يضحك... خلاص يا سيدي متزعلش، بس برضو موَعدكش إني أبطل ضحك..."
وأكمل ضاحكًا حتى جلس على أحد المقاعد حول المائدة. جلست والدته أمامه سائلة بعلامة استفهام، لكنه أشار بيده كي تنتظر، فأذعنت لمطلبه تتابع المكالمة.
"يا حبيبي، من غير دُعا، أنا طفشان منها حتى لو قعدت بالسنة مش هيهمني غير العيل... من ورا قلبي! وكمان بحبها! طب اقفل يا عصام عشان مقفلش أنا في وشك، قال من ورا قلبي قال!"
أنهى المكالمة ليهمّ بتناول طعامه، فبادرته بسؤالها بعدما عرفت بصاحب المكالمة:
"ماله يا واد عصام؟ عمال تتريق وتضحك عليه؟"
أجابها بابتسامة واضحة، وفمه يلوك لقمة الجبن التي غمسها بالخبز:
"موكوس يا أمي، وحظه مِنيِّل بستين نيلة، حماته كابسة على نفسه من ساعة ولادة بنتها، ومش راضية تحل عنهم، بحجة خدمتها والخوف عليها، وهو..."
توقف بضحكة مكتومة جعلت والدته تفطن إلى ما يرمي إليه، لتعقب بضجر بعد سماعها:
"وهي لِساها قاعدة هناك بجد؟ دي أمنية هتجيب الشهر من ساعة ما عرفنا بولادتها وروحنا باركنا لها، هي نرجس دي ما عندهاش إحساس؟"
صدحت ضحكته مرة أخرى ليضيف عليها:
"شكلها ولا بتفهم كمان، دا كذا مرة يلمّح قدامها، وهي مفيش فايدة، وهو حطّ صوابعه العشرة في الشق منها!"
عبست ملامحها، توبخه باستحياء:
"وده شيء برضو يخليك تضحك؟ المسكين، الله يكون في عونه! وهي تنحّة وأنا عارفاها، الإنسان مننا لازم يكون حسيس من نفسه، ده راجل، ولازم ياخد راحته في بيته، وهي أكيد عاملة نفسها مش فاهمة ولا بتستعبط. والله أنا بستعجب من أمرها! بس هو حقه يضايق، صراحة."
"يضايق بس؟ ده هيطق من جنابه منها، ومن بنتها كمان!"
"وبنتها إيه ذنبها؟ هي أكيد مستحيلة الموضوع عشان بتخدمها ! الموضوع عايز واحدة تكلمها مباشر في وشها، عشان ما تلاوعش ولا تعمل نفسها مش فاهمة. سيب الموضوع ده عليا."
"انتي بتتكلمي بجد يا ماما؟ هتدخلي بنفسك في الموضوع مع الست دي؟"
تنهدت بسأم، مؤكدة له:
"أعمل إيه يعني؟ ألحق أتصرف معاها بلطافة قبل ما صاحبك يطردها لما يفيض بيه! حكم الست دي أستاذة في الاستفزاز بدور البلاهة اللي عايشاه ده!"
"أيوه بقى، يا أبلة مجيدة! ده الواد عصام هيدعيلك والله، حكم ده غلبان أوي أوي!"
هتف بها أمين بمرح، قابلته هي بنظرة ممتعضة لفهمها تلميحه الوقح، فزفرت تصبّ غيظها في النداء مرة أخرى على ذلك المسكين داخل غرفته:
"ماشي يا حسن، خلي حضن مراتك ينفعك لما اليوم يضيع منك وما تلاقيش حد يشتغل في الموقع!"
انتفض المذكور على إثر صيحتها الأخيرة، ليخرج على الفور من غرفته، يرتدي معطفه مرددًا بهلع:
"يا نهار اسود! ما توصلي زعيقك للشارع بالمرة! إيه ده اللي بتقوليه يا ماما؟ همّا بس عشر دقايق اللي اتأخرناهم عنك، لازم تفضحينا يعني يا مجيدة؟!"
جلجلت ضحكة شقيقه بصخب يزيد عليه:
"صوتها العالي وصل لباقي العمارة أصلًا، يعني بالتبعية هيوصل لباقي الشارع، أمك بتشرّدك يا حسن!"
وتابع ضحكاته أمام سخط الآخر ونظرات التحدي من مجيدة، حتى خرجت لهما شهد حاملة طفلها، تبرر تأخرها باعتذار:
"صباح الخير! معلش يا جماعة، كنت بغير للواد. هو أنتم فطرتوا؟"
صاح وكأنه عثر على صك براءته:
"أهي قالت أهي! كانت بتغير للواد، وأنا كنت بتكلم مع مسؤول العمال في الموقع! يعني ما كناش فاضيين يا مجيدة!"
"فاضين لإيه مش فاهمة؟" تساءلت بها شهد باندهاش لانفعال زوجها، عكس شقيقه الذي تلونت بشرته باللون الأحمر القاني بسبب ضحكه المكتوم. فجاء الرد من مجيدة بعدم اكتراث، وقد أشرقت ملامحها برؤية الصغيرة:
"يعني هي قضية عشان تفهميها يا شهد؟! هاتي يا بت حبيب ستو لستو، وسيبك من جوز الانطاع دول! تعالي يا روحي، تعالي!"
ورفعت كفها تتلقف الصغير، فعلق حسن بمظلومية وهو يتجه نحو المائدة ليتناول إفطاره:
"يعني كمان بتزوّدي بالشتيمة! كم أنتي عظيمة يا أمي!"
والتف يردف نحو شقيقه بغيظ:
"وانت، لمّ نفسك يا أمين... ولا على إيه؟! أنا أتعب نفسي ليه؟ ما أنا أجيب لك مراتك أحسن تلهيك عننا! يا لينا...!"
❈-❈-❈
أقنعت الاثنين برؤيتها، وحصلت منهما على الموافقة والتشجيع بقوة، لتنال منصبًا هامًا تحت رئاسة زوجها من أجل تنفيذ الأفكار التي طرحتها عليهما،
ثم تركتهما يكملان جلسة العمل المتأخرة بينهما، ونزلت هي إلى مقرها الأول في تلك البناية، كعاملة بسيطة وسط المجموعة الهائلة التي تراها الآن.
"الله، دي بهجة يا بنات، بهجة يا بهجة!" صاحت بها إحدى الفتيات فور أن وقعت عيناها عليها، بجهلٍ لمنصبها وصفَتها الجديدة، حتى لفتت انتباه البقية لترتفع الرؤوس نحوها، وتصدر الصيحة القوية فجأة من صباح لتوقف الهمهمات التي صارت تعلو بوتيرة تثير الانزعاج:
"باااااس! اسمها بهجة هانم، انتي وهي! هو انتوا لسه نايمين على نفسكم ولا إيه؟"
فابتسمت لها بهجة بمودة، ثم مارست عملها بعد ذلك بعملية كمسؤولة، رغم ودها ورفقها معهم.
غافلةً عن فردٍ منهم لم يحتمل الأمر، ليس لسوء شخصه، ولكن لأن هذا الشيء فوق إرادته، فترك ما بيده فجأة، وقرر الانسحاب من بينهم متخذًا طريقه نحو الخروج أمام عينيها دون استئذان، مما أجبرها الفضول على اتباعه، فأوقفته بندائها:
"تميم، لو سمحت."
وصلها صوته ليجبر قدميه على التوقف، ثم الالتفاف إليها، منتظرًا محله حتى اقتربت منه بخطوات متمهلة بعض الشيء، وتوجهت إليه قائلة:
"ممكن أعرف السبب اللي يخليك تنسحب فجأة من عملك أثناء وجودي وبدون استئذان حتى؟"
طالعها بنظرة تحمل مزيجًا من الحزن واللوم، لكن سرعان ما أزاح بصره عنها، زافرًا بقنوط وهو يجيبها:
"أنا آسف لو كان تصرفي أزعجك، أنا طبعًا مش قاصد أقلل من مقامك، بس الحقيقة خلاص قررت إني أسيب الشغل وأشوف حالي بعيد عن هنا."
رددت خلفه بعدم استيعاب:
"تشوف حالك بعيد عن هنا! ليه يا تميم؟ دا مكانك ودي مهنتك اللي انت أستاذ فيها، ولا انت..."
توقفت الكلمات في حلقها حتى لا تضيف المزيد، بعدما أدركت الآن السبب الرئيسي لتركه عمله، فواجهته دون مواربة:
"أفهم من كلامك ده إني السبب؟"
رمقها بنظرة أكدت ظنها، قبل أن ينكر بقوله:
"لا طبعًا يا هانم، أنا أصلاً من زمان في نيتي أفتح مشغل خاص، بس كنت مأجل، جه الوقت بقى دلوقتي أفتحه وأكبره بإذن الله، ويا عالم يمكن يبقى زي المصنع اللي واقفين فيه أو أكبر... عن إذنك بقى."
واستدار مغادرًا من أمامها، فتمتمت في أثره:
"ربنا يوفقك يا تميم."
أخرجت من صدرها تنهيدة مشبعة بالأسى من خلفه، فقد آلمها ما يحزنه، رغم عتبها عليه بسبب تلك النبرة الحادة التي تحدث بها، وكأنها قللت منه أو أخلفت بوعدها معه. لكنها تعطيه العذر، ربما حينما يهدأ يرى الصورة جيدًا.
نفضت رأسها كي تستعيد تركيزها من أجل العودة إلى صباح والعمال، لكنها ما إن همّت بالالتفاف، حتى انتبهت لذلك المراقب من خلف سياج الدرج في الأعلى، بملامح عابسة وكأنه حضر اللقاء من أوله.
❈-❈-❈
أنهت جلستها مع العمال، وألقت على صباح بعض التعليمات الجديدة في العمل، حتى إذا انتهت أخيرًا، صعدت إليه داخل غرفة مكتبه التي طرقت بابها في البداية قبل أن تدفعه وتدلف إليه حاملة بعض الملفات التي أعطتها لها صباح لإبداء الرأي فيها.
وجدته منكفئًا على بعض الأوراق يراجعها بتركيز، قطعه لحظة دخولها، لكنه سرعان ما عاد إليها بملامح متجهمة هذه المرة، غفلت عنها في البداية أثناء حديثها إليه:
"أنا فهمت صباح على خطة العمل الجديدة، وهي ما شاء الله، زي ما أنت عارف، استوعبت بسهولة وتحمست كمان لشغلها معانا، حتى أدتني المستندات دي بخصوص التوريدات الجديدة، والناقص منها، والمطلوب فوري، أهو، شوفهم كده."
وضعتهم على سطح المكتب أمامه، فرفع أبصاره إليها بنظرة غاضبة، فهمت عليها أخيرًا:
"إيه مالك؟ بتبصلي كده ليه؟ أنت زعلان مني في حاجة يا رياض... رياض، أنت ساكت ليه؟"
طرق بقلمه لمدة من الوقت يزيد من توترها، ثم سحب الأوراق فجأة إليه متمتمًا، متجاهلًا الإجابة عن أسئلتها:
"برافو عليها صباح، أنا عارف إنها شاطرة وممتازة، هتساعدك كتير في المرحلة الجاية."
إلى هنا، وقد فاض بها، فلطمت بكف يدها على سطح المكتب، ثائرة به:
"كفاية بقى يا رياض، الأسلوب ده أنا مبحبهوش! عندك حاجةقولها، لكن تقعد سايبني كده ألف حوالين نفسي، دي حاجة بقى ما طقهاش!"
استطاعت بثورتها أن تخرجه عن طور البرود الذي يتخذه وقت الحاجة، فخرج قوله بانفعال هو الآخر:
"أنا حر يا بهجة، وهو ده أسلوبي! انتي بقى اللي مش حرة تيجي تحاسبيني على حاجة انتي السبب فيها!"
"أنا السبب فيها؟!"
"أيوة، أنت السبب فيها! لما تنزلي من مقامك وأنتِ مرات صاحب المصنع، والمسؤولة معاه حاليًا في إدارته، عشان تجري ورا واحد من العمال تراضيه وتتكلمي معاه، ده تسميه إيه؟ لا قدرتي منصبك الجديد، ولا قدرتي صفتك عندي!"
ابتلعت بصدمة نقده، على قدر تحامله وغضبه المبالغ فيه، لكنها لا تنكر صدق قوله. لقد تصرفت بعفويتها اليوم ونسيت بالفعل منصبها، وكان يجدر بها أن تعي وضعها الجديد.
"أنا آسفة."
صدرت منها فجأة كماء الثلج حينما يطفئ النيران المشتعلة، فهدأت نفسه بعد غليل كان يجاهد منذ ساعات في السيطرة عليه، فجاءت هي بجملة صغيرة أوقفته، ثم واصلت تضاعف من تأكيدها:
"بقولها فعلًا، والله من قلبي، يمكن وقتها اتصرفت بعفويتي، لكن ده ميمنعش من إنها هفوة."
تحمحم يجلي حلقه، ثم عقب بجدية، رافضًا التساهل لمجرد الاعتذار:
"ياريت ما تتكررش تاني يا بهجة، لا مع البني آدم ده، ولا مع أي إنسان تاني."
"ما خلاص بقى، المسكين هيسيب الشغل من هنا نهائي."
سمع منها، فردد بغيظ:
"مسكين! بلاش تعصبيني يا بهجة، هو كده عمل الصح، أنا لا يمكن كنت هأذيه في لقمة عيشه، بس هو طلع شاطر وجابها من نفسه، ربنا يسهّله بقى، أنا وصيت إنه ياخد كل حقوقه وعليها مكافأة كمان."
اومأت صامتة بتفهم، حتى لا تثير غضبه مرة أخرى، وأبصاره منصبة عليها بقوة تجعلها غير قادرة على مواجهته حتى رق قلبه لهيئتها، فكاد أن يشاكسها، ولكنه منعه صوت الهرج الذي صدح قريبًا منهم، تزامنًا مع طرق باب الغرفة، ليأمر الطارق بالدخول على توجس، فكانت المفاجأة، دلوف والدته بصحبة الصغيرين اللذين هتفا فور دخولهما:
إحنا جيناااا
هللت بهجة فرحًا تستقبلهما فاتحة ذراعيها:
إيه المفاجأة الحلوة دي.
صدرت من رياض الذي تقدم يستقبل والدته ويقبلها على وجنتيها، بعد الترحيب بالصغيرين، فجاء رد نجوان:
على الله بس تكون حلوة
طبعًا حلوة، وحلوة أوي كمان
قالتها بهجة تضم الصغيرين آدم شقيق زوجها، وعائشة شقيقتها هي، لتغمرهما بابتهاج أصابها لرؤيتهما هنا في مقر عملها.
اتخذ الجميع جلستهم بعد ذلك في الركن الجانبي للغرفة، وساد الحديث والتساؤلات:
لا بجد يا ماما، إنتي بقالك سنين مجتيش هنا، مين اللي أقنعك من جوز المصايب دول؟
قالها بإشارة نحو الصغيرين اللذين ضحكا على قوله قبل أن تدافع عائشة:
محدش فينا قالها، دا هي اللي وقفتنا عن اللعب في جنينة القصر والجمعية، وقالتنا تعالوا يلا نتفسح.
في مصنع! في حد يتفسح في مصنع!
قالتها بهجة لتدوي ضحكات الاثنان مع البقية، فجاء الرد من نجوان:
بصراحة هي طقت في دماغي، لما لقيتك أنتي اتأخرتِ يا أستاذة على الجمعية، وآدم من قبلها عشان يعرف مصنع باباه الله يرحمه.
نقلت بنظرها نحو الأخير، بدا جيدًا تجاوبه معها، لتردف برضا تخلل نبرتها:
حبيت أجيبه يتعرف على ملك باباه عشان بكرة لما يكبر، يحط إيده في إيد أخوه حبيبه، ويكبروه.
فعلاً أنا حبيته أوي
قالها آدم لينال قبلة فوق رأسه من شقيقه الذي أسعده الأمر، ليتجاوز بعدها بصعوبة حتى يستعيد توازنه، فيقول:
دا كده يبقى حلو، بهجة كمان من النهاردة استلمت شغلها معايا عشان تساعدني في الإدارة، دي كمان طلعت شطورة أوي يا ست الكل.
أشرق وجه نجوان لسعادة ابنها الذي وجد الأنس أخيرًا ودفء العائلة التي طالما تمناها دون أن يفصح بها أمامها، لتعقب بحب له:
كده يبقى ضمنت تكتسح السوق من دلوقتي، بهجة ذكية وبتندمج بسرعة، أنا واثقة إنها هتعرف توفق ما بين شغلها معاك ودراستها وأسرتها كمان، برافو.
❈-❈-❈
في منزل أمنية.
وقد كانت في غرفتها حينما دَفَعَتْ عليها الباب هاتفه بهلع:
الحقيني يا أمنية، اختك عملت حادثة ورجلها اتكسرت.
سمعت منها لتتسأل بفزع، فترد عليها:
يا نهار أسود، مين قال الكلام دا يا ماما؟ عرفتي منين؟
ذهبت نرجس نحو خزانة الملابس وبصوت مهزوز صارت تجيبها:
واحدة من أصحابها هي اللي اتصلت وبلغتني، أنا هلبس واروحلها بسرعة، قلبي واكلني على بنتي.
رفعت أمنية طفلها على كتفها، تحاول منعها:
طب استني، اتصلي بعصام ولا اروح أنا معاكي؟
صاحت نرجس بها، تنهرها، وقد ارتدت العباءة، وتبقى فقط الحذاء:
لاااا، مينفعش طبعًا، لا انتي ولا العيل ليكم الخروج، أنا هروح أشوفها وأبقى أرجعلك تاني، انتي حرصي على نفسك وعلى الواد.
صارت تردد تعليماتها حتى غادرت، تتبعها أمنية بعينيها، تهدهد طفلها بحنو وفمها لا يتوقف عن الدعاء، وما كادت تهم بالعودة للغرفة، حتى تفاجأت بدفع الباب الخارجي، وزوجها يدلف منه، ثم يغلفه سريعًا، ناظرًا إليها بشغف لم تنتبه له في غمرة قلقها على شقيقتها:
كويس إنك جيت يا عصام، أمي حالًا خارجة، اختي رؤى عملت حادثة.
تبسم معقبا على كلماتها، وأصابع يده تحل أزرار ملابسه في الأعلى:
آه، ما أنا عارف.
عارف إيه؟ ومالك بتتكلم كده وانت مبسوط ليه؟
صدحت ضحكته فجأة ليقترب منها، يخطف قبلة من وجنتها قبل أن يتناول الصغير متمتمًا:
وأخيرًا فضي البيت علينا يا أم يونس إنتي ويونس، دا أنتوا واحشني أوي.
توقف عن الحديث ليباشر مداعبة صغيره وتقبيله، حتى استوعبت هي لتعبر عما فطن به ذهنها:
معقول يا عصام، تكون أنت عامل الملعوب دا في ماما؟ معقول؟
بس أنا معملتش.
أمال مين اللي عمل؟
صدحت ضحكته مرة أخرى، ليسحبها من يدها فجأة ويضمها بشوق شديد قائلاً:
مش مهم مين اللي عمل، المهم إن رؤى كويسة، وأنا وإنتِ بقينا لوحدنا، دا إنتي وحشاني بشكل.
هي الأخرى لم تكن جمادًا حتى لا تتأثر، بعد أن هدأت أعصابها بالاطمئنان على شقيقتها، لتنزع نفسها عنه مجادلة:
أيوة بس أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل.
عايزة تعرفي اللي حصل؟
ردد بها من خلفها قبل أن يردف حازمًا ويده الحرة أطبقت على ذراعها تسحبها:
كده يبقى تدخلي معايا وأنا هشرحلك باستفاضة.
وليه الشرح يبقى في الأوضة؟ ما تتكلم هنا في الصالة عادي.
قالتها بنوع من الغباء أثار تسليته ليدفعها داخل الغرفة، ليدلف خلفها مرددًا:
وهو الشرح بينفع في الصالة برضو؟ شكل نرجس أثرت عليكي يا أمنية، دا أنا كده هحتاج وقت طويل أوي معاكي بقى.
❈-❈-❈
وصلت نرجس إلى بناية منزلها، تقطع الدرجات مهرولة حتى شقتها، وقد أخبرتها الفتاة صديقة ابنتها عن وجودها هنا في الداخل، لتدفع باب الشقة بعدم انتظار فتحه من الداخل، فتركض بلهفة تنادي على ابنتها:
رؤى، رؤى إنتِ فين يا حبيبتي؟
أنا هنا يا ماما. ذهبت نحو مصدر الصوت في غرفة المذكورة، فتجدها على السرير مسطحة قدمها الملفوفة بالرباط الأبيض وبجواره على الفراش السيدة مجيدة! والتي بادرتها الحديث:
ما تدخلي يا نرجس، هو إنتِ هتتعزمي في بيتك؟ ابتعلت المذكورة ريقها وتقدمت نحوهما:
معلش، أصلي استغربت، إيه اللي جرالك يا رؤي؟ وعاملة إيه رجلك؟ همت أن تضع يدها على القدم المصابة ولكن الأخرى سبقتها بتألم تنهاها:
لا يا ماما، أوعي تحطي إيدك، أنا مصدقت الدكتور ربطها.
هي اتكسرت يعني ولا إيه؟ فين صاحبتك خليها تفهمني. تكفلت مجيدة بالرد عليها:
صاحبتها مشيت وأنا اللي فضلت معاها لغاية ما ترجعي، البنت عايزة رعاية ومينفعش تتساب دقيقة لوحدها.
طالعتها بحيرة متسائلة:
يعني حصل لها إيه بالظبط؟ وإنتِ يا ست مجيدة جيتي إمتى؟ ومين اللي قالك؟
بملامح جامدة، ألقت مجيدة بكلماتها المقصودة:
رؤى هي اللي اتصلت بيا، كانت عايزة شهد، بس اختها عندها شغل في حتة بعيدة مع جوزها، طلبتني وهي بتعيط عشان حد يستلمها من المستشفى، ولما سألتها عنك قالتلي إنك عند أمنية ومش فاضية، بصراحة أنا استغربت ومكنتش مصدقة أصل أمنية هتكمل الشهر، والعيلة دي أولى بالرعاية، ولا إيه يا ست نرجس؟
❈-❈-❈
داخل مكتب المحاماة الخاص بها، وقد انتهت من جلستها مع أحد الموكلين، لينصرف الرجل، حتى يأتي غيره، فكان الدور على تلك المرأة التي دخلت إليها بطلتها المعتادة:
أستاذتنا وأستاذة الكل
على الفور ارتفعت رأسها إليها بفزع مرددة:
أم ريري، إيه اللي جايبك تاني يا ست إنتي؟ هي بنتك عملتها تاني؟
ضحكت المرأة تدلف إليها بجلبابها الشعبي، قائلة ببساطة:
هنعمل إيه بقى يا أستاذة؟ نصيبي كده، كل ما أقول توبة، والبت عقلت معدتش تضرب حد، تخمني الموكوسة وتعملها، خلاص حطيت صوابعي العشرة منها في الشق.
إنتي برضو يا أم ريري، ده أنا اللي فاض بيا منكم إنتو الاتنين، ما تجوزيها يا ستي، اهي تتشعلق في قفا راجل يريحنا إحنا الاتنين.
انفعلت بها صفية نحو المرأة التي لم تتخلى عن ابتسامتها في الرد عليها:
ما هو ده اللي كان هيحصل والنعمة يا أستاذة، عملنا قاعدة مع العريس اللي جه عن طريق واحدة قريبتنا، شافته وشافها وعجبته بس هي غلطة بسيطة طلعت منه، لما اتكلم عن التخن وإنها لو خست هتبقى حلوة.....
ننننعم
قاطعتها بها صفية لتردف باعتراض:
هو مين ده كمان عشان يتكلم عن تخنها ولا رفعها، ده يستاهل الدق على دماغه.
ما هو ده اللي حصل يا أستاذة.
دقت على دماغه.
لا فتحت قرنه.
فتحت قرنه.
رددت بها صفية بانتشاء، لتميل بظهرها للخلف متابعة بإعجاب:
لأول مرة بنتك يعجبني فعلها، وعشان شطارتها دي هترافع عنها مخصوص، ولو حكمت البسه هو قضية هعملها هذا الكائن الذكوري المتعفن.
لاح الرضا على ملامح أم ريري بعد سماعها للتصريح المطمئن بالدفاع عن ابنتها من قبل الأستاذة التي أخرجتها من عدة قضايا سابقة، لتهتف بامتنانها:
شالله يرضى عنك يا أستاذة الهي يارب يسعدك ويرزقك بابن حلال......
ما قولنا خلاص انخطبنا.
تمتمت بها صفية بسأم نحو المرأة مردفة:
مش إنتي جيتي المرة اللي فاتت وسلمتي عليه بنفسك ولا نسيتي؟
تذكرت المرأة لتجيبها بمرح؛
آه صحيح افتكرت الجدع الحليوة اللي كان معاكي في المكتب، هو إنتوا لسه مدخلتوش؟
زفرت صفية أثناء فتحها الملف الجديد للقضية التي بدأت في إعدادها، لترد بعدم تركيز:
- لا يا ستي لسه مدخلناش، الشقة وتشطيبها، إنتي عارفة ده كله بياخد وقت وشهور، ندخل بقى في تفاصيل القضية.
تجاهلت أم ريري الأخيرة لتتمتم بإشفاق:
آه يا عيني صحيح، حكم إنتوا شققكم يا متعلمين بتاخد شغل كتير وحاجات ياما،...
وتوقفت تعود لتلك العادة في الدعاء لها:
روحي يا ست الأستاذة، ربنا ييسرها معاكي إنتي وخطيبك، ويعجل بلم شملكم في أقرب وقت.
وما كادت المرأة أن تنهيها، حتى فوجئت صفية باندفاع باب الغرفة الى الدخل، يطل عليها بكامل هيئته، هاتفا بلهفة:
شوفتي الخبر الجديد يا صفية، انحلت من عند ربنا. تساءلت بعدم فهم:
خبر إيه الجديد، ثم إنت ازاي تدخل من غير استئذان؟ الست الموكلة تقول عليك إيه يا هشام؟
استدرك بالفعل لخطأه، ليتمتم بحرج وأسف لم يمنع عنه فرحته:
ست آه صحيح، أنا آسف والله يا مدام، بس بصراحة الفرحة طيرت عقلي وخلتني مخدتش بالي.
لا يا خويا ولا يهمك، ربنا يفرحك كمان وكمان.
قالتها أم ريري تضع في قلبه الاطمئنان ليهتف بالبشرى التي أتى من أجلها:
خالي سُمعة اللي قاعد في الإمارات يا صفية، بقى ناوي يستقر هناك مع مراته الجديدة بعد ما حصل على الإقامة، يعني مجيته هنا هتبقى زيارات وبس.
فتحت كفيها متسائلة بمزيد من الحيرة:
طب وإيه البشرى في دي؟.
أجابها بفرحة غامرة:
البشرى هنا في شقته يا صفية، دي متشطبة سوبر لوكس، وهو مش ناوي يجي غير بعد سنة، كلمني في التليفون من شوية وعرض عليا أتجوز فيها علي ما تخلص شقتنا، يعني كده مفيش حجة للتأخير، هي بس إجراءات الفرح واستعداداتك إنتي يا عروسة، من فستان والذي منه، يعني الموضوع كله مش هياخد مننا أكتر من أسابيع، ونعمل فرحنا يا صفصف.
سمعت أم ريري لتطلق زغرودة من فمها مبينة فرحتها، أمام ازبهلال الأخرى، وقد تجمدت لمدة من الوقت حتى استوعبت لتتجه نحو أم ريري قائلة بغيظ:
بركاتك يا أم ريري.
❈-❈-❈
مرَّ اليوم الأول بعملها في المنصب الجديد على خير، توفقت إلى حدٍّ ما في إثبات جدارتها أمامه، لكنها ما زالت محرجة وتخشى ردَّ فعله، تخشى مزيدًا من الصدام، وقد تمَّ الوصال بعد عذاب.
خطت داخل غرفته تنفيذًا لتعليماته، كي تغادر معه كما أتت معه.
رياض، أنا خلَّصت كل حاجة، هتيجي تروح معايا ولا أخلي عم علي يوصَّلني؟
زفر مغلقًا آخر ملف بيده، وعلَّق رافضًا:
مفيش الكلام ده، قلتلك إنِّي هروح معاكي يبقى خلاص، يا بهجة.
صمتت تمنع نفسها عن الجدال، تنتظره في محلِّها حتى انتهى من لملمة متعلقاته داخل الحقيبة التي رفعها بعد ذلك، مُتقَدِمًا نحوها بغرض أن يسبقها، كما كانت تتصور، قبل أن يُباغتها حينما حطَّ يده على خصرها فجأة، دافعًا إيَّاها بقوة على صدره، حتى شهقت بإجفال، عبَّرت عنه:
إيه؟ في إيه؟
وده برضو سؤال؟
صدر استفهامه كرسالة فهمت مغزاها، فاسترخت قليلًا، قائلة:
بس افتكرتك لسه زعلان مني.
قرَّبها منه، يشتم عبيرها في تجويف رقبتها، ليردف بهيام:
يمكن كان الأول، لكن دلوقتي وبعد ما تم الوصال، مش مسموحلك بأي فرصة تبعدك عني.
طب وانت؟
قالتها متسائلة، ثم أضافت:
مش يمكن انت اللي تزهق وتسيب؟
ضحك بملء فمه، يخبرها بما يثلج صدرها:
أنا لازقة بغرا، أنا أسيب روحي ولا أسيبك، يا بهجة القلب.
وختم يُثبت لها بصورة عمليَّة، خاطفًا ثغرها بقبلة عاصفة، يبثُّها أشواقه التي لا تتوقف أبدًا، وقد اشتاقها في تلك الساعات، وكأنها لم تكن أمام عينيه منذ الصباح، وهي أيضًا لا تقل عنه.
الفصل الواحد والخمسون والاخير من هنا
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل التاسع والأربعون 49 - بقلم امل نصر
رواية حان الوصال الفصل الواحد والخمسون 51 والاخير بقلم امل نصر
بعد ليالٍ من الشوق، وخطى أرهقها التردد بين الخوف والرجاء، انتهى المسير عند عتبة اللقاء. لم يكن اللقاء مجرد عناقٍ، بل امتزاج أرواح نضجت بالانتظار، وتيقنت أن الحب الذي يرويه الصبر والمواقف لا تذروه رياح الحياة.
العينان اللتان طالما بحثتا عن الأمان، وجدتا في بعضهما ميناءً لا تزعزعه العواصف. واليدان اللتان اعتادتا الفراغ، التحمتا بقوة، كأنهما تعاهدتا ألا تفترقا مجددًا.
اليوم، طوى القدر صفحته الأخيرة، لا على فراقٍ، بل على بدايةٍ طالما حلم بها القلبان.
فيا كل الطرق التي أنهكتنا، شكرًا لأنك قدتنا إلى هذا اللقاء. ويا كل الدموع التي سالت، ها نحن نمسحها بيد من أحببنا. فقد حان الوصال، وما عاد للضياع مكان بيننا.
الجميلة سنا الفردوس
❈-❈-❈
يا منجد على المرتبة، عروستنا حلوة مؤدبة
يا منجد على المرتبة، عروستنا حلوة مؤدبة
هو اللي جانا لوحده، محدش فينا راحله
هو اللي جانا لوحده، محدش فينا راحله
يا بت، اديله ساعته، ما خلاص بقيتي بتاعته... لولولوي
يا بت، اديله ساعته، ما خلاص بقيتي بتاعته... لولولويييي
تلك الأغاني التراثية القديمة، كانت تدندن بها رقية وتصفق بيدها للأطفال المتجمعين حولها كي يرددونها من خلفها، داخل منزل محروس، اندماجًا مع أجواء الاحتفال اليوم، وزفاف صفية على الطبيب هشام، في جو من البهجة التي لا تكف المرأة عن نشره في كل جلسة لها:
ياللا يا عيال، انت وهي
"أهو جالك يا بت"
"أهو جالك يا بت"
"ريح بالك يا بت"
"ريح بالك يا بت"
"اطبخيله الصبح بطة"
"واطبخيله العصر يا بطة"
"كتري يا بت الشطة"
"وأهو جالك يا بت"
"وأهو جالك يا بت"
هلل خالد ابنها الذي كان عائدًا من عمله بصحبة زوجته المحامية نوال، ليردد بمرح (هو الآخر) ويشاركهم التصفيق:
"وعند بيت أم فاروق، الشجرة طرحت برقوق... بغني أحسن منك أهو يا رقية."
صدحت أصوات الأطفال بالضحكات مقهقين لفعله، فخطا يحشر نفسه بينهم ليلتصق بوالدته التي تأففت متذمرة:
"يا ستير، جاي من شغلك عشان تتلزق فيا، ما تروح يا خويا، استحمي الأول بريحة عرقك دا."
ضحكت زوجته تشارك الأطفال مرحهم في متابعة مشاكسات الاثنان، وقد تعلّق أبناؤه برقبته مستمتعين بالأجواء:
"دا برضو كلام دا يا رقية، خليت العيال تضحك عليا ويفتكروني بطلع ريحة بجد، وأنا حتى عرق عادي مبعرقش، والاستاذة مراتي تشهد."
"طبعا، أشهد ونص كمان."
قالتها نوال بثقة تدعمه لتعقب رقية بعبس تدعيه:
"طبعا، عشان باطلة زيه يا محامية على ما تفرج، بقى دا مبيطلعش ريحة ده؟ دا أنا شميت ريحته أول ما دخل الشارع."
ضمها إليه وهو يقهقه بمحاولة مرحة عله يُسكتها:
"خلاص يا ست، فضحتينا، انتي مبتستريش أبداً."
"لا، ما بسترش."
تمتمت بها عند تقاومه، حتى وصل إليهم صوت محروس الذي عاد من الخارج بصحبة ابنة شقيقته:
"متجمعين عند النبي إن شاء الله، دا إيه الهنا دا كله، كل الحبايب متجمعين."
كادت أن تناكفه رقية كعادتها، ولكنها انتبهت لدلوف غادة أبنة شقيقته معه، لتتجاهله وتستقبلها فاتحة ذراعيها:
"غادة، من زمان محدش شافك يا مضروبة."
ركضت نحوها المذكورة لتلقي بنفسها عليها وتقبلها:
"وحشتيني، وحشتيني يا ست رقية، معلش بقى البيت والعيال وابوهم، دا أنا بالعافية بشوف أمي، هي فين صفية ولا البت زهرة؟ دي وحشاني أوي، بنت اللذينة."
جاءها الرد من سمية والدة العروس، والتي خرجت من المطبخ لترحب بها:
"في الكوافير يا حبيبتي، خرجوا من ساعة بس، ربنا يعدي ليلتها على خير بقى، ادعيلنا."
"داعية بقلب جامد والله، ربنا يتم فرحتها على خير، اللهم آمين."
❈-❈-❈
عاد من عمله اليوم يبحث بعيناه عنها، بعد غيابها ولأول مرة منذ توظيفها كمسؤولة ، عن مباشرتها اليومية، وقد أثبتت في تلك الفترة القصيرة مدى جدارتها ورجاحة أفكارها التي ساهمت بشكل ملحوظ في زيادة الإنتاج وفتح أسواق جديدة بخبرتها بحس الأنثى التي مارست عملها في مجال الملابس منذ سنوات؛ كان غافلًا عنها هو كرجل، حتى وهو صاحب مصنع وله خبرة كبيرة في هذا الشأن.
وجد الطفلان أمام الشاشة الكبيرة التي تُدار عليها اللعبة التي يمسكان بذراعيها ويمارسان التحدي بحماس.
"ابعد من سكتي يا آدم بدل ما أفرمك."
"تفرمي مين، دا أنا الزعيم يا بنتي، يعني أقدر أفرتكك دلوقتي بالقنابل اللي معايا."
"يا راجل، طب خد الصارخ دا على دماغك."
"اااه، كدة توقعيني في البحر يا عائشة."
صرخ في الأخيرة آدم، يستهجن فعلها، بعدما نفذت تهديدها تقضي على البطل الذي يلعب به، لتكسب الجولة، فترقص فرحًا بانتصارها غير عابئة بتذمره:
"يا معلم يا معلم، دي الجولة التانية أخلص عليك فيها يا آدم."
"بالغش، عشان بتغفليني."
"شطارة، اسمها شطارة يا حبيبي، مش تغفيل."
كاد أن يحتد النقاش لولا تدخله السريع للفصل بينهما:
"باااس، انت وهي، دا كله لعب، يعني تستمعوا مش تتحدوا بعض."
هدأ الطفلان بعد كلماته، ليهبط على وجنة كل منهما مقبلاً، لتهدئة الأجواء الحماسية بينهما قبل أن يسأل:
"بهجة، وطنط نجوان لسة مرجعوش من برا؟"
"وبتسأل ليه؟ عايزنا في حاجة مهمة؟"
كان هذا صوت نجوان التي انتبهوا إليها قادمة من مدخل المنزل، بابتسامتها الساحرة، وخلفها كانت بهجة التي طرقت برأسها خجلًا فور رؤيته.
"لا طبعا، مفيش حاجة مهمة، أنا بسأل بس عشان أطمن، هو انتوا راجعين من فين؟ أنا عديت على مقر الجمعية في قصر جدي، بس ملقتكوش."
"لا، ما هو إحنا مروحناش الجمعية، كان عندنا مشوار مهم."
"أيوة يعني، مشوار إيه؟"
ما زال مستمرًا في استفساره، وعيناه لا تترك تلك الصامتة، والتي زادت معالم الخجل تعلو تعابيرها لتضاعف من دهشته:
"أصلنا كنا عند الدكتور."
"دكتور إيه؟ هي بهجة عيانة؟"
صدرت منه سريعًا ليتجه نحوها بقلق يتفحصها بعينيه، وهي ما زالت على حالة السكون؛ ولكن زاد احمرار وجنتاها اللتان طفي بهما اللون الوردي والسخونة، حتى أردف حانقًا:
"في إيه؟ هو انتي تعبانة من إيه بالظبط؟"
"تعبانة في نونا، لازم نقولها صريحًا يعني."
قالتها نجوان بسهولة، لم يستوعبها في البداية جيدًا حتى كاد أن يواصل استفهامه، لولا استداركه فجأة لتلمع عيناه نحوها:
"الكلام ده بجد ولا هزار؟"
خرج صوتها أخيرًا في رد له:
"وهو الكلام ده فيه هزار برضو، صدق يا رياض، إن حلمك أخيرًا هيتحقق و..."
لم يتركها تكمل، وقد خطفها بين ذراعيه يعتصر عظامها بضمته؛ بلوعة المشاعر التي تأججت داخله، زوجته حامل بطفل منه، سيصبح أبًا لطفل صغير منها؛ هل تلك أمنية عزيزة تحققت أم هو حلم كان بعيد المنال؟ لا يدري.
"ما خلاص بقى الأولاد."
تمتمت بها نجوان بصوت خفيض تضع يدها على ساعده كي ينتبه لوجود الأطفال، فيترك حبيبته بصعوبة متجهًا نحوهما، وقد تحول الشجار الآن من لعبة الشاشة إلى لعبة أخرى:
"الله، يعني هيبقى معانا نونو جديد ونلعب بيه."
"تلعب بمين يا حبيبي؟ دا ابن اختي، يعني هيبقى لعبتي أنا، يعني أنا اللي هيشيله، ومش هخلي حد يقربله."
"يا سلام، ما هو ابن أخويا أنا كمان، يبقى ليا فيه، زي ما ليكي انتي فيه، بل أكتر؛ دا هيستمى بأسمه، يبقى حقي أنا فيه أكتر."
احتد النقاش مما أجبر نجوان على التدخل للفصل بينهما:
"باااس، لا انتي ولا هو، دا أول أحفادي يعني هيبقى ليه وضع خاص، دا غير إنه هيبقى تحت رعايتي، حتى باباه ومامته ملهومش دعوة بيه."
سمع رياض ليتدخل في الجدال هو الآخر:
"ننننعم، ملهومش دعوة ازاي يعني يا ست ماما؟"
مطت شفتيها تجيبه بسطوة:
"كدة من غير تبرير، انت تخلفوا وأنا استلم، دول أحفادي، يعني لازم كلهم يبقوا نسخة مني، نسخة من نجوان هانم، عندك اعتراض يا بهجة?"
نفت لها الأخيرة بتحريك رأسها، تجيبها بابتسامة:
"لا طبعا، وأنا أقدر."
"الله الله، يعني كمان بتتفقوا وأنا معاكم، وكأني هوا وسطيكم."
"لا يا حبيبي مش كأن، انت فعلا هوا قصادي، ياللا يا ولد اسحب مراتك على أؤضتها خليها تريح من المشوار."
تلقف الأخيرة منها بلهفة، أنسته النقاش من أوله، ليبادر بسحب يد زوجته مرددًا:
"عشان خاطر الغلبانة التعبانة، لكن النقاش منتهاش طبعا يا نجوان هانم."
لم تعلق نجوان، وتابعته يذهب بزوجته بسعادة تداعبها من الداخل؛ ما أجمله من شعور، سوف تكون جدة وابنها قد نال أخيرًا عيش حياة طبيعية والدفء الأسري الذي حُرم منه لسنوات.
❈-❈-❈
صعد بها إلى الطابق الثاني، محتفظًا بجُموده ورزانته، حتى إذا اختفيا عن الأنظار، فوجئت به يرفعها ويحملها بين ذراعيه، لتشهق مُجفلة في البداية، قبل أن تستعيد ثباتها، ليتحول رد فعلها إلى ضحكات مرددة أمام جِدّيته في الهَرولة بها مسرعًا بخطواته:
رياض، أنت عقلك راح منك يا حبيبي؟ رياض، يا مجنون، حاسب لا توقعني!
توقف فجأة ليدفع باب الغرفة بقدمه، ثم دلف بها حتى وضعها على الفراش، ليُجاورها في الجلوس، فيخرج صوته أخيرًا:
كان لازم أشيلك وألفّ بيكِ من ساعة ما سمعت الخبر، بس وجود ماما مع الولاد هو اللي منعني، وخلّاني فضّلت ماسك نفسي بصعوبة لحد ما نبقى لوحدنا.
ضحكت، تُعقِّب على قوله بمرح:
كل ده وكنت ماسك نفسك؟ دي طَنط نجوان قرصتك في دراعك عشان تاخد بالك ومتتهورش!
عملت خير، ذكية وحاسّة بيا، أنا لولاها فعلًا مكنتش وقفت اللي بعمله.
توقف إيه تاني؟ ما أنت حضنتني جامد ومتكسفتش من الولاد.
قالتها بخجل لا يخلو من مرح، فجاء رده بالفعل مرافقًا لقوله، يُكوّب وجهها بين كفّيه، فيلثم جبهتها كبداية، قبل أن يطوف على باقي بشرتها مرددًا:
يعني أعمل كده مثلًا، وكده، وكده، وكده...
تابع حتى وصل إلى ثَغرها مردفًا:
ودي بقى كنت هموت عليها.
انفرجت شفتيها بغرض التحدث، فالتقط هو الفرصة ليحوّل الأمر لصالحه، مُحطًّا بشفتيه على شفتيها، ليأسرها في قُبلة كانت هي الأطول، ثم مال بها، ليتسطّح جوارها على الفراش، وما زال يُحكم أسرها بين ذراعيه، مُريحًا رأسها على صدره، متمتمًا بكلمات الحمد، لخالق الكون الذي يفيض عليه بنعمه، ويريح قلبه بعد عذاب.
فردت ذراعها هي الأخرى حول خصره، تتنفس الأمان في غمرته، والسعادة المُكتملة، قائلة:
أنا بحبك أوي يا رياض.
داخل صالون التجميل الخاص بالسيدات
كانت زهرة تدور بهاتفها لتلتقط العديد من الصور لشقيقتها صفية بعد أن انتهت من زينتها، وتبقى الآن فقد مجيء العريس؛ كان فمها لا يتوقف عن الإطراء بكلمات الغزل ربما تخفف عنها توتر الظاهر:
"قمر قمر يا حبيبتي، بسم الله ما شاء الله عليكي، اضحكي يا بت، خلي صف الأسنان الولي يظهر وينور الصورة كدة."
مطت شفتيها بابتسامة مضطربة لم تُعجب زهرة، حتى هتفت بها تطالبها:
"إيه الابتسامة السخيفة دي، ما تفردي وشك كويس يا بت."
ردت صفية بعصبية تنبع من توترها الشديد:
"اهي دي بقى اللي عندي، مش عاجباكي يا زهرة، متصوريش، أنا أساسًا مش عايزة صور ولا زفت."
"يا ستيير."
تمتمت بها زهرة باضطراب انتقل إليها؛ فبرغم كل المحاولات التي قامت بها معها لتهدئتها، إلا أن الفشل كان نصيبها؛ لا تدري ماذا تفعل لفك جمود شقيقتها وتجمدها.
فاقت من شرودها بقدوم صديقتها العزيزة كاميليا، تتحدث رافعة حاجبها باندهاش:
"إيه ده؟ هي دي عروستنا صفصف ولا أنا غلطت في العنوان."
استجابت بشبه ابتسامة أثارت ارتيابها، فتكفلت زهرة بالرد:
"ادخلي يا كاميليا، سيبك من العروسة المبوزة وتعالي لصاحبتك، هي اللي عايزاكي."
قطبت كاميليا تقترب من الاثنتين متسائلة:
"تبوز ليه؟ كف الله الشر في يوم زي ده، مالك يا صفصف، في حاجة مديقاكي؟"
حركت رأسها بنفي وإنكار:
"لأ طبعا، مفيش، ولا متعصبة ولا أي حاجة."
لم تقنع الإجابة كاميليا، فاتجهت بنظرتها نحو صديقتها التي وضحت لها:
"مش متعصبة خناق، هي متعصبة توتر."
"إيييه توتر!"
صدحت بها كاميليا لتواصل استهجانها:
"توتر إزاي يعني، هو إحنا قليلين؟ ولا إحنا قليلين، ما انتي زي القمر أهو والارتست مظبطاكي تمام، يبقى إيه اللي خليكي تقلقي بقى؟"
كادت أن تتحدث ردًا لها، ولكن زهرة سبقت لتهمس لها ببعض الكلمات التي جعلت الأخرى تشهق فاغرة، فاهاها، ثم تضحكان بصوت مكتوم، مما أثار التوجس بقلب صفية لتتهتف بهما:
"بتقوليلها إيه يا زهرة؟ شكلك بتقوليلها حاجة قبيحة، والمصحف أنا قلبي حاسس."
علا صوت الضحكات، حتي انتقل الحديث إليها بالهمس داخل أذنيها من الناحيتين، مرة بالتساؤلات ومرات بالمزاح الذي كان يستفزها معظم الأحيان؛ ولكن رويدًا رويد أصبحت تشاركهم الضحك على خجل، حتى استرخت ملامحها واندمجت، وحين جاء ميعاد دخول العريس: فغر فاهه هو الآخر بعدم تصديق، بمجرد أن وقعت عينيه عليها، مرددًا بمزاح بدد رهبتها:
"يا نهار أبيض، دي الأستاذة؟ ليكون أنا غلطت في العنوان، معقول دي الأستاذة الآنسة صفية."
ضحكت زهرة وكاميليا والعاملات لمزاحه، مما أثار غيظها؛ حتى إذا اقترب منها وكزته على ذراعه فتوجع متمتمًا:
"آه براحة يا أستاذة، كدة على طول، طب استني شوية مش قدام الناس."
زجرته بعيناها حتى يكف عن عبثه، ولا يزيد عليها أمام الخبيثات المرافقات لها وعاملات المحل؛ فتبسم بتفهم وأعطاها باقة ورد بلفتة رومانسية، تبسم لها ثغرها؛ فازدادت ملامحها فتنة، ليجذبها على حين غرة، خاطفًا قبلة من فوق جبينها أجفلتها؛ حتى كادت أن تبدى اعتراضها، ولكن لحقها من البداية، ليلف ذراعه حول ذراعها هامسًا كي يزيد من خجلها:
"دي حاجة بسيطة، تعبير عن محبتي؛ لسة التقيل ورا."
❈-❈-❈"
واقفًا بمدخل الغرفة، متكئًا على الساحرة. أنثى مكتملة بحق. مرت سنوات على زواجه بها، ولم يملّ أو يقلّ شغفه بها مرة، حتى عندما خانها ذات يوم. وحين واجهته بمعرفتها، توقف ولم يكرر خطأه من أجلها، فقد أصبحت تمثل له شيئًا ليس بالهين، لا يستطيع الاستغناء عنها، لا يستطيع تركها. هذه المرأة أجادت استخدام أسلحتها حتى تمكنت من ترويض رجل مثله.
هتفضل واقف تبصلي كده كتير؟
جاءت كلماتها تخاطبه عبر انعكاس صورته أمامها، فخطا نحوها حتى اقترب، ولفَّ ذراعيه حول خصرها من الخلف، ثم مال بوجهه ليطبع قبلة رقيقة على كتفها العاري، هامسًا بإعجاب.
طب أعمل إيه؟ ما أنا كنت داخل صدفة، لقيت لوحة ساحرة قدام عيني خطفت عقلي، وقدام جمالها ده مقدرتش أتحرك ولا أروح ولا أجي، تنحّت كده مكاني، يعني إنتِ السبب.
ضحكت بانتشاء، مستمتعة بوابل الغزل الذي يغمرها به دائمًا، ممتنة لتقديره. فهي لا تكف عن الاهتمام بكل تفصيلة في جسدها، من شعر رأسها حتى أصغر ظفر في قدمها، فقط لتظل في عينيه ولا يرى سواها. وقد نجحت في ذلك إلى حدٍّ ما... أو هكذا تظن. لكن هاجسًا يطلّ برأسها، يبدد فرحتها في كل مرة يغمرها بعشقه كما يحدث الآن، لتسأله فجأة عمّا يشغلها دائمًا:
كارم، أنا لو عجزت، هتفضل تحبني كده؟ أو بمعنى أصح، لو بقيت وحشة وحصل أي حاجة شوّهت شكلي – لا قدر الله – هتفضل تحبني كده؟ ولا هتشوف واحدة غيري؟
استوقفه حديثها الغريب، ففكّ ذراعيه عنها وأدارها نحوه ليواجهها وجهًا لوجه.
ليه بتقولي كده؟ ما إنتِ زي الفل و...
بس أنا سؤالي، لو مابقتش زي الفل... يا ترى هتسيبني يا كارم؟
بدا أنها مصرة بالفعل، تجبره على الإجابة عن سؤال لم يخطر له ببال أبدًا. هل كان ليختارها حقًا لو ذهب عنها جمالها؟!
لاحَت الحيرة على ملامحه، بينما كانت تستجديه بعينيها، لا تريد الكذب، بل تبحث عن الحقيقة في أمرٍ صعب كهذا! يا لعقل النساء!
زفر، رافعًا رأسه للسماء قبل أن يعود إليها سريعًا، يقرص وجنتها بين إصبعيه، قائلًا:
يا مجنونة، يا أمّ مخ طاقق! لو الموضوع متعلق بس بالجمال، كان إيه اللي هيجبرني أكمل معاكي إنتِ بس، وأتوب عن باقي الصنف من غير ما أخونك مع واحدة منهم؟
يعني إيه؟
يعني أنا مستغني بيكي عن الجميع، حتى لو بقيتِ عجوزة أو مشوّهة. يخرب بيت مخّك.
يعني إنت بتحبني لشخصي؟
أيوة زفت، عايزة إيه تاني؟
كطفلة صغيرة تلقت هديتها الغالية، ألقت بثقلها عليه، تحتضنه بلهفة، مرددة:
وأنا بموت فيك يا كارم، والله بموت فيك.
ضحك، يشدّد عليها بذراعيه هو الآخر مردداً:
والله مجنونة!
❈-❈-❈
دلف إلى المنزل بعد أن فتحه باستخدام النسخة التي يملكها من المفاتيح، ووضع أكياس الفاكهة والحلويات التي اشتراها على المنضدة التي تتوسط الردهة. جال بعينيه باحثًا عنها، ليخمن مكان تواجدها بناءً على مصدر الصوت القادم من الأغاني الشعبية التي يعرفها.
لم يجد صعوبة في البحث، فقد وجدها في غرفة الأطفال التي لم تأتِ بعد، جالسة على أحد التختين في شرود جعلها لم تنتبه لقدومه، إلا عندما أغلق السماعة التي كانت تصدح بالأغاني.
لتجفل، ناظرة إليه بجزع، ثم سرعان ما تلاشى ذلك الجزع بعد أن تأكدت من هويته، ليخرج صوتها بلوم وهي تخاطبه:
خضتني يا طلال، مش تعمل أي صوت ولا حركة وإنت داخل؟
ابتسم بسخرية وهو يتخذ طريقه إليها، ليجلس بجوارها على الفراش، مرددًا: ...
أي حركة ولا أي صوت ده اللي هتحسّي بيه وإنتِ معليّة الأغاني لآخر العمارة، وكماااان سرحانة؟ في إيه يا غالية؟ إيه اللي واخد عقلك؟
قال الأخيرة، وهو يدفع كتفها بكتفه بمناكفة، لكنها لم تتأثر بها، وجاء ردها بفتور.
وهي دي عايزة سؤال؟ طبعًا بفكر في المصيبة السودة اللي أبويا ورّطنا فيها، الديون اللي عليه من ورا هباب البرك اللي كان متجوزها، محدش عارف طريقة نسد بيها، خلصت على كل النقدية اللي كانت معانا، وبرضو الشيكات مش خلصانة، أنا مش فاهمة هي إزاي قدرت تمضيه؟
صدرت منه ضحكة عالية، خالية من المرح، وهو يعلق على قولها.
أو:
ودي محتاجة نباهة دي؟ أبوكي ريل أول ما رنّت عليه بالتليفون وقالتله "نتصالح"، كان مفكرها اشتاقت لحسنه وجماله، ميعرفش إنها كانت عاملاله فخّ، عشان تمضيه على الأوراق من غير ما يحس! يا مؤمنة، دي محطّتلُوش حاجة صفرا ولا منوّم زي ما بنسمع، ده سخسخ منها بمجرد ما ساقَت عليه الدلع وشغل النسوان إياه، إيده مضت من غير ما يعرف المكتوب في الورق، بذمتك ده حد يزعل عليه؟
انتابها الحرج الشديد من حديثه، فسارعت بالتبرير بنوع من التساؤل.
ده مهما كان برضو يبقى أبويا يا طلال، ده غير إن المصيبة تخص الكل مش هو بس؟ لكن إنت عرفت منين التفاصيل دي؟
أجابها وهو يضع قدمًا فوق الأخرى.
عرفت من أبويا طبعًا، ما هي دي حاجات ميقدرش يحكيها قصادكم إنتو عيلته، متزعليش مني بس أبوكي يستاهل كل اللي يجراله.
اعترضت بغضبٍ شديد، ظهر جليًا في نبرتها.
طب أهو اللي حصل بقى، هنعمل إيه في الورطة اللي اتورطناها معاه؟ لا هو ولا أي حد من إخواتي معاه نص الفلوس.
فاض به منها، ليهدر حاسمًا:
هما رجالة ويعرفوا يتصرفوا... مش إنتِ تسمعي الشكوى من أمك، وتيجي على العشية تنكّدي عيشتي؟ اصحي يا سامية، مش يبقى هما عايشين حياتهم وأنا أشيل الطين! أبوكي لو غلب خالص يبقى يبيع الوكالة.
صاحت رافضةً تمامًا، غير متقبّلةٍ لما قيل.
"لا طبعًا ما ينفعش، دي أبويا عاملها بدم قلبه، تيجي واحدة زي دي تلهف تعب السنين في ثانية! ده حتى ما يرضيش ربنا."
أسهبت في حديثها حتى غفلت عن الحقيقة التي يدركها هو، كما يدركها غيره من أهل الحارة، ليواجهها بها دون مواربة.
"وهو كان يرضي ربنا لما أكل نصيب أخوه وحرم اليتامى منه؟ أديهم اليتامى نفسهم استغنوا وربنا كرمهم من فضله، لكن جات اللي تخلّص على الأخضر واليابس، الحلال بالحرام من فلوس أبوكي."
برقت عيناها استعدادًا للاحتجاج ورفض التصديق، لكنه لم يمنحها فرصة للإنكار أو المراوغة.
"الكلام ده أنا مش جايبه من برّه، وافتكري كويس إن أبويا كان شاهد على كل المراحل."
أطرقت رأسها هذه المرة بخزي، حين واجهها بالحقيقة التي ترفض الاعتراف بها، فواصل حديثه ليُنهي الأمر تمامًا.
"خلاص يا سامية، خلينا نقفل على الموضوع ده، بس أرجع وأقولك تاني، بلاش ترمي ودانك لأمك وتشوفي الحقيقة من وجهة نظرها، إذا كان إخواتك نفسهم مش هاممهم عشان عارفين اللي فيها، ده سامر شوفته متشيّك وأنا جاي بسأله على فين، قالي إنه رايح فرح المحامية، فوكّك بقى وقومي كده فرفشي."
بدا عليها شيء من الاقتناع، فأخذت لحظات للاستيعاب قبل أن تعقّب:
"وعايزني أفرفش وأعمل إيه يعني؟ أرقص لك مثلًا؟"
وكأنه وجد ضالته، التمعت عيناه بشغف وهو يردد:
"طب وما ترقصي فعلًا، إيه يا بت اللي يمنع؟ ده أنا جوزك حلالك، ده غير إنك ما عملتهاش من أول ما اتجوزنا، قومي يا سامية، أنا لازم أشوف رقصك دلوقتي، ولا إنتِ ما بتعرفيش ترقصي كويس؟"
"فشر! مين دي اللي ما تعرفش؟ ده أنا أشطر من صافيناز، ولا إنت مش فاكر رقصي وسط البنات يوم فرحنا؟"
"قالتها بانفعالٍ أشعل رأسه، فابتلع ريقه وردد خلفها:"
"صافيناااز كمان! طب ما توريني يا ست صوفي، أصل بصراحة أنا ما كنتش مركز."
"ما كنتش مركز!"
تمتمت بها وهي تنهض من جواره، ثم أردفت بتحدٍّ:
"طب أنا دلوقتي هخلي الذاكرة ترجع لك."
قالتها، ثم اتجهت نحو السماعة التي كانت تصدح منذ قليل، وضبطتها على موسيقى للرقص. تناولت طرحتها ولفّتها حول خصرها في الأسفل، ثم بدأت وصلتها بالتمايل بهدوء قاتل، لتزيد رويدًا رويدًا حتى تهتز بقوة، مما جعله ينتفض من مجلسه مهللًا.
"أيوة بقى، على الطلاق إنتِ أحلى من صافيناز نفسها!"
❈-❈-❈
"فرحة أخيرًا تجمعنا، ولا حد هيقدر يمنعنا
وأخيرًا هديت، مقفول علينا بيت
وصبرنا له معنى، ودي فرحة بتجمعنا
قدام العالم، إنتِ مراتي
وده كل اللي أنا عايزه في حياتي
ولا يهمنا مين، دي عيون حاسدين
والحلم ده بتاعنا، ودي فرحة بتجمعنا
يا أصحاب يا أغراب، خلاص كتبنا الكتاب
شوفوا حبيبة قلبي
لو ماشي بعكاز، طقم سنان أو محتاس."
تلك الأغنية التي كان يراقصها عليها أمام الجميع، رافضًا خجلها، مثبتًا لها بالفعل قبل القول أنها زوجته الحبيبة التي يفتخر بها وبعشقه لها. لم يتوقف عن الهمس في أذنها بكل كلمات الغزل، ولا عن تدليلها بما تستحق، فهذا وقتها كي تعيش أنوثتها التي تخفيها خلف رداء الأستاذة، مناصرة الضعفاء من النساء.
أما عنها، فكثيرًا ما كانت لا تصدق نفسها وهي تجاريه في جنون رقصته، أو حينما تضحك على مزاحه الوقح أحيانًا، رغم تحذيرها له بألّا يعيده، وهو بالطبع لا يفعل.
"بحبك يا صفية، بحبك." تمتم بها، وهو يخطفها بين ذراعيه ويدور بها في لفة كبيرة كما وعدها سابقاً، غير آبهٍ باعتراضها. فنال تشجيع الملتفين حولهما من أصدقاء العريس وصديقات العروس، الذين تفاعلوا بالتصفيق والصفير."
لفت مشهدهم الجميل انتباه الجميع، ومن بينهم بالطبع تلك المجموعة التي إجتمعت حول طاولة خاصة بهم: جاسر وزوجته زهرة، طارق وزوجته كاميليا، وبالطبع رياض وبهجته، التي علّقت بمرح:
"يا حبيبتي يا صفية، تلاقيها بتدعي عليه دلوقتي، بس ماسكة نفسها بالعافية."
ضحكت زهرة ثم علّقت هي الأخرى:
"اسكتي، ده إحنا اتطورنا! بتضحك أهي، ومن شوية كانت بتعرف ترقص، ده أنا قلت هتسيب الفرح ومش هتكمله، بعد النكد اللي كانت عاملاه مع الميكب أرتيست، طلعت عين البنية."
ليه يعني؟ دي حتى جميلة وما شاء الله عليها النهارده." قالها جاسر، غير منتبهٍ لتبادل النظرات الماكرة بين زوجته وصديقتها، قبل أن تنضم إليهما بهجة، التي فهمت هي الأخرى.
فتدخل طارق بعفويته:
"العريس باين عليه بيحبها، وعامل فرح حلو وشيك."
"مش شيك أوي، هو واد مرووش أصلًا."
قالها رياض بتقليل، لينال نكزة بمرفق زوجته، التي همست له محذرة:
"امسك لسانك شوية، صفية تبقى أخت زهرة، يعني أكيد مش هيعجبها الكلام لو فتحت مع أصحابك."
رد هامسًا هو الآخر:
"ما أنا مش هحبه في يوم وليلة، الواد ده كان مطلع عيني، ولا فكراني نسيت؟ صاحبتك عملت خير لما قبلت بيه، ياللا خليها تشرب بحق عمايلها معايا هي كمان."
"قطبت بحيرة لم تستطع إخفاءها."
"يا نهار أبيض على قلبك الأسود يا رياض!"
"أوي أوي كمان." تمتم بها مؤكدًا، قبل أن يلتفت على هتاف زهرة:
"الله يا بهجة! مش حماتك دي اللي بترقص هي والواد الأجنبي؟"
التفت رياض نحو الجهة التي أشارت إليها زهرة، ليجد والدته بالقرب من مسرح العروسين، تراقص الطفلين برقة وعذوبة، فخطف مشهدها المبهج الأبصار، وأسر أنظاره تمامًا.
بهجة، هي الأخرى، خفق قلبها للمشهد، شاكرة الله أن مَنَّ على شقيقتها بتلك المرأة التي غمرتها بحنانها كأم، تمامًا كما فعلت لاحقًا مع آدم، والذي أخبرت زهرة عنه قائلة:
"ده آدم ابن جوزها المرحوم حكيم يا زهرة."
"آه يا قلبي، ربنا يباركلها ويديها على قد طيبة قلبها، بصراحة فرق السما والأرض بينها وبين طنط بهيرة." قالت الأخيرة زهرة بهمس، تخفي فمها بكف يدها، حتى أثارت ضحكاتهن نظرات البعض نحوهن، قبل أن ينتبه الجميع إلى صوت مقدم الحفل وهو يهتف عبر الميكروفون، لاقتراب الأزواج المرتبطين لمشاركة العروسين الرقصةالرومانسية التالية
كان خالد وزوجته نوال أول من دلف إلى قاعة الرقص، فهتفت كاميليا بحماس:
"شايفة يا زهرة، خالك سحب مراته عشان يرقصوا."
"وأمام وغادة هما كمان."
علّقت بها زهرة، لتجد الرد حاضرًا من زوجها:
"وإحنا اللي هنقعد مكانا؟ قومي ياللا قبل ولادك ما يسيبوا جدهم ويطبوا علينا كالعادة."
قالها مشيرًا إلى الطاولة التي يجلس عندها والداه، وحولها تجمع الأطفال الصغار، فانتفضت هي الأخرى باستدراك:
"آه والله عندك حق، ده أنا ما صدقت."
علّق طارق هو الآخر نحو زوجته:
"أظن إن بنتك مفيش قلق عليها."
قالها مشيرًا إلى فاتنته الصغيرة، ابنته، التي كان مجد، أكبر أبناء جاسر، يراقصها بحمائية وحنان كعادته، فانعكس إحساس الأمان على والديها كنتيجة حتمية، مما جعل كاميليا تنهض دون تردد، وتجيبه:
"لا يا سيدي، مفيش حاجة تمنع. الحمد لله، أخوها الصغير مع المربية في البيت."
"أيوة بقى، خلينا نشم نفسنا شوية."
"قالها طارق، ثم سحبها ولحق بمن سبقوه، فبقي رياض وزوجته، بهجة قلبه، التي نظر إليها بعينيها الخضراوين الساحرتين، بينما تطل الرغبة منهما بوضوح، فبزغت ابتسامة مشاكسة على شفتيه وهو يقول لها:"
"وانتي كمان عايزة ترقصي زيهم؟ طب ده مفيش منه ضرر على حملك؟"
نفت سريعًا بتحريك رأسها:
"لا طبعًا، مفيش. دي خطوات هادية ورزينة، مفيش منها أي ضرر."
"مفيش منها أي ضرر!"
قالها لينهض بحماس هو الآخر، يمد كف يده أمامها يدعوها:
"لا، مدام مفيش منها أي ضرر، هستنى إيه؟ ياللا."
تلقفت دعوته الكريمة بلهفة، ووضعت كفها في يده، فرفعها إليه وهو يتمتم:
"ياللا بينا."
وتحرك بها لينضما إلى مجموعة المحبين، حيث يتوسطهم العروسان السعيدان في مشهد يأسر البصر ويخطف القلب.
❈-❈-❈
وفي ناحية أخرى، دلف شادي بصحبة زوجته صبا، وقد برزت بطنها من أسفل ملابسها، لتُظهر حملها أمام الجميع، وتزيد من تسليط الضوء عليها في كل مرة تخرج معه، لتضاعف من حمائيته نحوها وخوفه عليها:
"ما تتحركيش كتير، وابعدي عن الزحمة، وإوعي ياخدك الحماس وترقصي وسط البنات عشان تجامليهم، وربنا هزعل يا صبا، ومش بعيد أسحبك من بينهم ولا هيهمني."
زفرت بتذمر لتعيد عليه وتطمئنه:
"للمرة الألف حاضر يا شادي! عمال تنصح فيّا وتديني التعليمات، ده على أساس إنك بتسيبني أصلًا! هو أنا أول واحدة أحمل ولا أشيل عيل؟"
رمقها بضجر معقبًا على قولها:
"بلاش تراجعيني يا صبا، ولا أخدها من قاصرها وأرجع بيكي أحسن! أنا مكنتش عايز أجي أصلًا، ها، أعملها؟"
"لا، الله يخليك!"
"تمتمت بها لتلطّف الأجواء معه حتى لا يُقدم على فعلها وينفّذ ما يدور برأسه، فقد أصبحت تتوقع منه أي شيء منذ حملها، بسبب خوفه الشديد عليها."
"أنت حبيبي، ولا يمكن تزعلني طبعًا! ده ما صدقت إنك توافق وتجيبني فرح الأستاذة صفية، وأنا هنفذ كل تعليماتك، ده أنا صبا حبيبتك اللي بتسمع كل كلامك."
كالعادة، تغلبه. في كل مرة يحاول فرض رأيه، تُظهر ضعفها أمامه، وتضغط عليه بدلالها حتى تحصل على ما تريد. ومهما كان متشددًا، ينصاع لرغباتها في النهاية، ويعلن راية الاستسلام.
"ااااه؛ والله ما في حد بيسمع الكلام إلا أنا!"
❈-❈-❈
"كانت من بين الحضور، تشاهد السعادة التي تغمر شقيقتها وزوجها الذي يحيطها بحماية، وقد تكللت قصتهما بثمرة هذا العشق، التي ستأتي بعد شهور قليلة لتتوج حبهما وتزيد من ترابطهما.
وأزواج المحبين يشاركون في الرقصات الرومانسية بجوار العروسين في ساحة الرقص، في مشهد يبهج القلب ويداعب مخيلتها كفتاة تتمنى أن تجد من يشاركها تلك اللحظات، وتلك العاطفة التي لا ينالها سوى المحظوظين، وتتمنى أن تكون منهم.
"تحبي نشارك زيهم؟"
ارتجفت بتلك الكلمات التي صدرت من خلفها، وقبل أن تلتفت، وجدت أحد الأشخاص بالقرب منها يعيد على مسامعها:
"أنا شايف القمر واقف لوحده، وأنا كمان لوحدي. إيه رأيك لو عملنا كابل زيهم، ورقصنا إحنا كمان؟"
شاب في عمرها تقريبًا، لكن عيناه الوقحتان في تفحصها، ولا مبالاته بالحدث وبالبشر المتجمهرين حولهم، أصاباها بالخوف حتى لجم لسانها عن صده بما يستحقه. لكن النجدة جاءت من حيث لا تحتسب، حينما دُفع من أمامها بواسطة شخص ما، تبينت شخصيته من ظهره، وقد ألصقه بالحائط، يهمس بتهديد ووعيد:"
"لولا بس إني مش عايز أخرب الفرح ولا أطربقه ع اللي فيه، كان زماني شلفطت خلقتك اللي أنت فرحان بيها دي. امشي يا شاطر من قدامي، بدل ما أراجع نفسي وأعجنك مكانك!"
"سمع الشاب كلماته، وكاد يموت رعبًا من هيئته، فتحرك مهرولًا من أمامه، هاربًا من أن ينفذ تهديده.
"التفت إليها بملامحه المتجهمة مخاطبًا:"
"حتة عيل متني زي ده متعرفيش توقفيه عند حده؟ ولا كان لازم أنا أتدخل عشان أبعده؟"
"استطاع بكلماته أن يستفز ذلك الجزء المتمرد داخلها، فردّت معارضة:"
"أنا مش محتاجلك، لا أنت ولا غيرك! أنا بس كنت متفاجئة من جرأته، ده غير إني خوفت من الفضيحة، وده اللي أخرني."
زفر وهو يعدل من وقفته، موجّهًا نظره نحو منصة الرقص، حيث لا تزال الرقصة بين المحبين مستمرة، فتلين نبرته بعض الشيء:
"الحاجات دي عايزة سرعة، بس أنا مقدر لَبْختك، لكن بنبهك للي جاي، يا بنت عمي. ما تخليش حد يستغل سهوتك زي ما حصل من شوية. العيل اللي من شوية كان باين عليه شارب، بس خواف، وده كان في صالحنا أكيد، بس مرة تانية محدش ضامن. لازم يبقى ليكي ضوافر تخربشي بيها."
"متشكرة."
خرجت منها بامتنان ورقّة متناهية، فألهبت مشاعر بدأت تنمو داخله نحوها، رغم محاولاته لكبتها، كما يفعل الآن. تشنجت رقبته في صراع داخلي حتى لا يلتفت إليها ويضعف، وحتى لا يزعجها كما حدث في المرة السابقة.
"على العموم، أنا قريب منك. خدي راحتك واطمني، الواد ده لا يمكن يقربلك تاني طول ما أنا موجود."
وتحركت قدماه مبتعدًا عنها كما وعد، منشغلًا بأجواء الحفل. أما هي، فقد تأثرت بفعلته، وشعرت بشيء غامض يدور داخلها، يصرفها عن متابعة أي شيء سواه. راقبته بعينيها وكأنها تراه لأول مرة، شخصًا آخر، ليس ابن عمها الذي تعرفه منذ مولدها."
"إن كانت هي قد نضجت، فهو قد تغيّر وأصبح شخصًا آخر......... شخصًا يثير اهتمامها!"
❈-❈-❈
تلك اللحظة التي لطالما هربت منها كلما خطرت في بالها، ها هي الآن قد أصبحت واقعًا... هي وهو، وقد انغلق عليهما باب واحد، داخل غرفة ستجمعهما في شقتهما الخاصة. تفرك كفيها بقلق، تجاهد التحكم به، تحاول استحضار روح الأنثى المتمردة الشرسة، تلك التي يصدح صوتها أمام رجال القضاء، تدافع عن موكليها أمام أعتى المجرمين مهما بلغت خطورتهم، ولكن يبدو أن تلك الأخرى قد هربت أيضًا.
لماذا الخجل؟ ولماذا الخوف في يومٍ كهذا، تمر به جميع النساء؟ ولماذا ال...
قطع سيل أفكارها تلك النظرات التي اصطدمت بها، حينما دلف إليها بعد توديع عدد من أقربائه قبل عودتهم إلى بلدتهم.
أطلَّ برأسه من المدخل قبل أن يدخل إليها، ثم أغلق الباب، وصفق بكفيه قائلاً:
والله، وفي الآخر بقيتي ليا يا صفصف، واتقفل علينا باب واحد.
انتفضت متراجعة إلى الخلف حينما همَّ بالتقدم نحوها، لترفع سبابتها أمامه محذرة:
أقف مكانك يا هشام، أنا بقولك أهو.
توقف فجأة، فاغرًا فاه للحظات قبل أن يصدر تعقيبه بسخرية:
ولما أقف مكاني وما أتحركش، هيبقى دوري إيه النهاردة بقى؟ بما إني عريس وكده؟
أخجلها كعادته، فتراجعت عن حدتها قائلة بتشتت:
آسفة، مش قصدي، بس أصل أنا يعني...
أنتِ متوترة.
قالها واقترب، يضم كفيها داخل كفيه الكبيرين، موجّهًا بصره إلى عينيها بتركيز شديد وتفهُّم، قائلاً:
اهدي كده ومن غير ما تتشنجي، إيدك متلجة قوي كده ليه؟ هو أنا هاكلك؟
هشام، ماتقولش كدة، وبطل...
أبطل قلة أدب، صح؟... للأسف، موعدكِش.
قاطعها بها ليواصل دون تردد:
النهاردة أنا وأنتِ مش بس عريس وعروسة، لا، أنا وأنتِ بنكون عيلة، أنا وأنتِ بنبتدي حياة، وربنا في كتابه العزيز بيقول: "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ"، يعني أنا وأنتِ ستر لبعض، واخدة بالكِ؟
أومأت بنبرة اختفت حدتها، وحل محلها شيء يشبه الاقتناع:
واخدة بالي طبعًا، "هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ"، الآية الكريمة واضحة وما فيهاش أي لبس، أنا بس اللي متشنجة، مش عارفة ليه؟ أنتَ أكيد دكتور نفسي وفاهم حالتي، هو أنا كده مريضة؟
نفى على الفور، يجيبها:
لا طبعًا، الكلام ده فارغ، كل اللي عندكِ مجرد رهبة، أنتِ لا معقدة ولا خوافة، هي بس رهبة وهتختفي خالص دلوقتي وبين إيديا، وبمساعدتكِ أنتِ كمان.
بمساعدتي أنا؟
آه، بمساعدتكِ أنتِ.
تمتم بها، ثم لثم كفيها بشفتيه، مكررًا الفعلة عدة مرات حينما شعر بتجاوبها. ثم ترك كفيها وسحبها فجأة إليه، يحيط خصرها بذراعيه قائلاً:
من أول مرة شفتكِ وأنا حبيتكِ يا صفية، وأنتِ بقى؟
تمتمت برد مرتبك، وعدم تركيز:
ها؟ لا، أنا أول ما شفتك ما كنتش طايقاك، مش فاهمة ليه؟!.
ضحك، يزيد من تقريبها إليه، قائلاً:
طب ما أنا عارف، وده اللي خلاني تأكدت إنِّي علقت في دماغك، ودي في حد ذاتها كانت البداية.
تساءلت بفضول شغلها عن قربه:
يعني إيه؟
سمع منها، وازداد اتساع ابتسامته، لينهي الحديث بأسلوبه:
أشرحلك عملي يا صفية.
وقبل أن تستوعب، وجدته يجفلها بقبلته، يطبق شفتيه على ثغرها، يغلق كل حديث يشغلها، يمتص توترها كما يمتص رحيقها، يبثها الأمان، يهادنها ويدلّل أنوثتها، تلك التي كادت أن تُطمس أسفل ثوب القوة الذي تتخذه سلاحًا، دون أن تدري أن الضعف هو سلاح المرأة الأكثر فتكًا."
يشكلها بين يديه حتى تصير أنثى كاملة
❈-❈-❈
تلك الليلة التي مرّت، ما أجملها!
ليلة امتلأت بسعادةٍ لم تسعها غرفة المنزل، سعادةٍ امتدت حدودها بين السماء والأرض،
حيث بات بها أسفل النجوم في تلك البقعة القريبة من البحر، بعدما خطفها عقب انتهاء زفاف صديقتها، ليأتي بها إلى هنا، على شاطئ البحر الخاص بعائلته.
أغلقا الهواتف، ليصبح العالم خاليًا إلا منهما. تحدّثا عن المستقبل والماضي وعن كل شيء، سهرا حتى غلبهما التعب والنوم. وحين بزغ فجر اليوم التالي، كانت ما زالت في حضنه، ولم يتركها، بل تشبّث بها وكأنه طفل صغير وجد أمانه الذي لا يريد التخلي عنه أبدًا.
رفعت رأسها عن صدره، تتأمل ملامحه الهادئة الساكنة، حتى وإن لم يكن أوْسَم الرجال، لكنها لا ترى في العالم غيره. أحبّته، لا، بل عشقته، سبحان من يؤلف القلوب ببعضها، من كان يصدق ان هذا المغرور الارستقراطي يكن من نصيبها هي في العلن الآن، بعد عذاب وشد وجذب ورفض بالاعتراف حتى رفع راية الاستسلام في الاخير
تبسمت بمرح كي تبعد ذراعه عنها حتى تحاول ايقاظه قبل أن تشرق الشمس ويفضحهم نور الصباح:
رياض، يا رياض، رياااض، رياض!
- امممم
زام بها برفض يحاول شد الغطاء الخفيف حتى يغطي رأسه وينقلب نائما على جانبه ولكنها أبت أن تعطيه غايته وحاولت بثقلها أن تمنعه مرددة :
- رياااض مش وقته خلينا نروح الشاليه وكمل نوم براحتك بقى......
شهقت في الاخيرة حينما قلب الوضع على حين غرة ، لتسقط بظهرها على الأرض ويصبح هو اعلاها، مثبتًا رسغيها بقبضتيه، مبتسماً بخبث استفزها:
- يعني انت صاحي اهو ، امال كنت عامل نفسك ميت ليه بقى؟
تبسم مرددًا بانتشاء:
- تقدري تقولي كدة ان الوضع كان عاجبني، ودلوقتي كمان اكتر.
زامت بفمها تدعي ضجرا زائفا، تحاول الهروب من تأثيره:
- اممم كان عاجبك الوضع، طب اوعي بقى خليني اقوم .
وهمت ان تدفعه من امامها، ولكنه ابي أن يتركها بدون أن ينفذ ما اشتاقت إليه نفسه، ورأته هي في عينيه من وقت نهوضه،
ينهل منها ما يعوض به تعب الليالي القاسية في ابتعادها عنه، لا يمل ولا يكتفي منها ابدا
اما عنها وقد تجاوبت معه واستجابت لرغبته، إلا ان عقلها الواعي جعلها تستدرك سريعًا، فتدفعه عنها على حين غرة بضربة قوية على كتف ذراعه اجفلته مندهشا، لتنهض هربا منه مرددة بأسف زائف:
- معلش يا بيبي اصلي مكنش ينفع معاك غير كدة .
- يا مجنونة
ردد بها مزهولا قبل ان ينهض من خلفها بتحفز جعلها تتراجع للخلف كلما تقدم بخطوة نحوها مرددًا بتهديد ووعيد:
- طب انتي قد الحركة دي
- بصراحة لا، بس انت تستاهل صراحة.
قالتها ثم ركضت نحو مياه البحر. لم تمهلها خطواتها الطويلة كثيرًا قبل أن يلحق بها، رافعًا إياها من خصرها في لمح البصر. صرخت برفضٍ لا يخلو من دلال:
سيبني يا بن حكيم، بتتشطر عليّا يعني عشان أنا واحدة غلبانة وحامل؟
ولما انتي غلبانة وحامل، بتتحديني ليه؟
ضحكت وضحك معها، حاولت المقاومة، ولكنه – كعادته – استطاع بقوته السيطرة عليها حتى لا تترك حضنه أبدًا.
وتحوّل مزاحهما إلى شيء آخر مع بدء الصباح وإشراق الشمس على مياه البحر الزرقاء، لتبدو كخيوط الذهب. مشهد بديع أذهل الاثنين في مشاهدته، وكأنه بداية جديدة تشهد على زيادة الرابط بينهما، بوجود الطفل الذي يتكوّن في أحشائها، ثمرة الوصال بعد عناء، وما أجمله من وصال!
❈-❈-❈
اما عن العروسين وقد كانا في طريقهما إلى مطار العاصمة، حتى يلحقا بالطائرة التي سوف تحط بهما في إحدى البلدان السياحية الشهيرة لقضاء اجازة العسل
توقف بهما سائق السيارة التي تقلهما، من أجل قضاء حاجة ما في نفسه امام احدى المساجد.
- معلش يا عرسان، دقيقة بس وراجع لكم .
تمتم بها الرجل يترجل مهرولا من السيارة، ليغمغم هشام في أثره بتذمر، ناقلا بعيناه نحو ساعة يده:
-' استغفر الله العظيم يارب، حبكت دلوقتى يعني، مكنتش قادر تستني على ما توصل بينا .
تسائلت نحوه بعدم فهم:
- وهو دخل الجامع ليه؟
سمع منها ليتناسى الرجل وغضبه، فيلتقط فرصته في الأنفراد بها ومشاكستها:
- راح مطرح ما راح بقى، تلاقيه هيفك نفسه، المهم انه عمل خير ، يسبنا الدقيقتين دول، حكم انتي وحشتيني اوي يا صفصف.
اجفلها فور ان ضغط على يدها يحاول تقريبها منه، لتشهق مجفلة في البداية ثم تصدر اعتراضها:
- ايه يا هشام انت اتجننت؟ إحنا في الشارع، ثم يه حكاية وحشتك دي، هو إحنا سيبنا بعض من امبارح اصلا؟
ضحك بمكر يعقب:
- وماله يا قلب هشام، ما انا بصراحة شوقي ليكي لازم يترجم بأفعال، وانتي فاهمة..
وصلها قصده الوقح، لتبرق عينيها بغضب امتزج بخجلها الشديد، فجاء ردها الذي يعكس اضطرابها بلكزة قوية من مرفقها على خصره جعلته يتأوه بتوجع :
- اه براحة يا صفصف ايدك ناشفة.
رمقته بتشفي مرددة:
- احسن، عشان تبطل قلة أدب
ضحك يضاعف غيظها مرددا؛
- لو على موتي ما ابطلها معاكي يا صفصف .
همت ان ترد ولكن منعها صوت انثوى تعلمه جيدا صدح من خلفها خارج نافذة السيارة :
- ست الأستاذة، وسيادة الدكتور خطيبها يا الف نهار أبيض، دا ايه الهنا دا يا ولاد.
التفت إليها صفية بابتسامة صفراء:
- ام ريري، اهلا
تدخل هشام مصححًا.
- معدناش خطاب، اتجوزنا خلاص، امبارح كانت دخلتنا .
هللت المرأة بسعادة تبارك وتهني الخبر السعيد:
- يا حلاوة يعني النهاردة صبحيتكم، يا الف نهار نادي، يا الف مبروك،
- الله يبارك فيكي، ما هو كله بسبب دعواتك.
قالتها صفية بغيظ قابلته المرأة بسجيتها وكأنها احدثت انجازا تتشجع بالمزيد:
- بقى دعواتي انا كانت السبب، طب روحي يا ست الأستاذة، ربنا يعمر بيكي انتي والدكتور جوزك، وتجيبي بدل العيل سبعة ولاد.
- سبعة.
رددت بها صفية بصرخة، تتذكر تاريخها الحافل معها بالدعوات الصائبة، لتبرق عينيها بتخيل سريع امًا لسبعة أطفال نسخة من ابيهم، ذلك الذي توسعت ابتسامته ترحيبا بدعوة المرأة، قبل ان يجفل برأس صفية التي سقطت على حجره على حين غرة ، فيهتف بها :
- يا نهار ابيض، صفية مالك ؟ ايه اللي حصل؟
هلعت ام ريري من الخارج أيضا هاتفه به؛
- هي ايه جرالها، اغم عليها ولا ايه ؟
جاء رد هشام إليها بلوم:
- مكنش لازم تخبطيها بالدعوة مرة واحدة كدة في وشها يا ام ريري، دي اساسا دعوة امي ليا، يعني مش بعيد تحصل بجد، ياللا بقى ملوش لازمة خليني افوقها،
قومي يا صفصف قومي، صفصف.
.......تمت ولله الحمد..........
لقراءه باقي الفصول من هنا
رواية حان الوصال الفصل الخمسون 50 - بقلم امل نصر
ر
ترجَّلت خلفه من السيارة التي كانت تُقِلّهما، يسحبها بيديه لتدخل معه إلى داخل مبنى عملها القديم، حيث كانت عاملةً على إحدى آلات تفصيل الملابس. أما اليوم، فقد تغيَّرت صفتها إلى ما هو أعلى وأرقى؛ فهي اليوم زوجة صاحب المصنع.
وكأنه درب من الخيال قد تحقَّق على أرض الواقع؛ من عاملة بسيطة تجمع قوت يومها هي وإخوتها بصعوبة، إلى سيدة المكان.
كان في استقبالهما صباح، التي طغت على ملامحها الفرحة والاعتزاز ببهجة، وكأنها ابنتها التي أنجبتها، رغم حرصها على مراعاة المقام.
—”حمد الله على السلامة، نوَّرتوا الدنيا يا رياض باشا.”
—”ده نورك يا صباح. إنتي بقى عاملة إيه؟” كان هذا حديث رياض قبل أن تباغته زوجته وتخطف المرأة في عناق أدهشها، وهي تضمها باشتياق قائلة:
—”وحشتيني يا صبوحة، وحشتيني، وحشتيني!”
بادلتها الأخرى العناق على استحياء، حتى بحَّ صوتها من التأثر:
—”وأنا، وأنا والله… ربنا العالم يا بنتي… آه، قصدي يا ست هانم!”
—”مفيش هانم عليكي يا صبوحة! إيه الكلام اللي بتقوليه ده؟”
اضطربت صباح إثر قولها، لتتجه ببصرها نحو رياض بنظرة فهمها، فسارع بطمأنتها:
—”ده حقيقي، والعلاقة اللي بينكم أكيد لا يمكن تتأثر يا صباح، بس طبعًا قدام الناس هنراعي الحتة دي شوية، ولا إيه يا بهجة؟”
فهمت بهجة مقصده، فوافقت برضا تام، بعد أن جبر بخاطر المرأة ولم يُظهر امتعاضًا أو غضبًا حينما غلبتها مشاعرها تجاه مَن كانت لها سندًا طوال سنين عملها في المصنع. أما صباح، فقد تبسمت بفرحة غامرة، معبرةً عنها بقولها:
—”ربنا يبارك فيك يا رياض باشا، ويدوم عليك الهنا مع بهجة، بنتي اللي مخلفتهاش.”
❈-❈-❈
وفي داخل المكتب بعد قليل
كان اجتماع الاثنين مع كارم، الذي كان في انتظارهما على أحرّ من الجمر.
—”نوَّرتِ مكانكِ يا بهجة، أنا متشوق أوي أسمع أفكاركِ بعد اتصال رياض باشا بيا من شوية.”
ضحك الأخير، ثم التفت نحوها يُطالعها بتحفيز حتى تُخرج ما برأسها دون حرج. كانت إشارته كافيةً لها لتدهش الاثنين بحديثها:
—”في الحقيقة، هو عَرِف نبذة بسيطة، لكن عندي أفكار كتير أوي للتسويق وفتح خطوط إنتاج تُساهم في زيادة كفاءة المصنع وتصديره للخارج. ممكن أكون مش محترفة، بس أنا بتكلم من واقع خبرتي البسيطة في العمل هنا وعشقي للمهنة. ممكن أكون خيالية في أفكاري، بس نفسي أعرضها قدامكم، وانتو تقرروا إن كانت تناسب ولا لأ، أو تضيفوا عليها بخبرتكم.”
ختمت حديثها ناظرةً نحو زوجها العزيز، الذي كانت نظرة الفخر منه وحدها تكفي. أما كارم، فقد خَطَفَه أسلوبها، فأثارت بداخله الفضول لمعرفة المزيد، فحثَّها قائلًا:
—”كل حاجة جميلة اتعملت أصلها كان خيال، يا بهجة. يعني احتمال كبير الأفكار اللي إنتِ مستهونا بيها دي تكون خارج الصندوق وتقلب الدنيا بنجاحها. كمّلي يا بهجة، وإحنا معاكي.”
تشجعت أكثر، لتردف بلهفة:
—”تمام، هقولهم، بس عايزة الرد عليها بصراحة ومن غير مجاملة. وبرضو، في كل الحالات، أنا موافقة أساعد وأشتغل أي حاجة هنا، لأنه مكاني الأصلي، اللي حبّاه أكتر حتى من المجال اللي بدرسه.”
❈-❈-❈
تثاءب منتصبًا بجذعه عن الفراش، بعدما أيقظته حرارة الشمس التي زحفت من النافذة حتى موضع نومه داخل غرفة ابنه الكبير، بعدما سمحت له تلك المرأة المجنونة، زوجته، بالمبيت بها منذ خروجه من المشفى، ولكن بشروط فرضتها عليه، ومجبور على تنفيذها حتى لا تتخذ إجراءً برفع قضايا عليه أمام المحاكم، في تقليدٍ لفعل الملعونة الأخرى، زوجته الثانية، والتي لا تكف عن استنزافه برغم كل الأموال التي حصلت عليها منه. وعلى الرغم من رغبته في الخلاص منها، إلا أن هذا أيضًا له ثمن باهظ لا يقدر عليه الآن على الإطلاق.
نهض بصعوبة، يضغط بكفيه على عظام ظهره المتأثرة حتى الآن بالضرب المبرح الذي تلقاه من فرقة صفاء وأولادها، ليزمجر بسبة كعادته مغمغمًا:
“آااه يا ضهري ياني! روحي يا صفاء، ربنا ياخدك إنتي وولادك، حرامية التلاجات! آآآآآه، هو أنا فيا حيل يا ربي؟”
واصل التأوه، يجر قدميه للخروج من الغرفة، وتجولت عيناه في أنحاء المنزل يمينًا ويسارًا بحذر كعادته، خشية الاصطدام بدوريته المفترسة، كما يراها دائمًا.
قابله ابنه الأصغر، خارجًا من المطبخ حاملًا عددًا من أطباق الطعام، قائلًا:
“صباح الخير يا حج، أنا كنت جايلك أصحيك عشان تيجي تفطر معايا،علي ما أخلص تحضير.”
ألقى خميس نظرة للخلف قبل أن يرد بصوت حذر:
“وأنت تحضر الفطار ليه؟ هي أمك مش موجودة؟”
تبسم سامر، متفهمًا خوفه، ليجيبه مطمئنًا:
“لا، مش موجودة، أصلها راحت شقة العرسان، تطمّن على بنتها.”
سمع خميس ذلك، فانتُصِبَ ظهره فجأة، وعلَا صوته مستنكرًا:
“ويعني بنتها كانت هتطير يعني؟ على أول الصبح رايحة تطبّ على العرسان! دا إيه قلة الذوق دي؟ وليه عديمة الشعور صحيح!”
ضحك سامر، واتخذ مقعده حول المائدة، منتظرًا حتى جلس والده مقابله، ثم شرعا في تناول طعامهما، ليعقب غير مبالٍ:
“براحتها بقى، إحنا المهم عندنا دلوقتي نفطر أنا وأنت بهدوء قبل ما نروح مصالحنا، البيت فضي علينا يا عم خميس.”
تبسم الأخير لقوله، قبل أن تتوسع عيناه مستدركًا لحقيقة كانت غائبة عنه:
“يا نهار إسود! دا صحيح، مفضلش غيرك، يعني بكرة تتجوز إنت كمان، ويفضى البيت عليّا وعليها! يا دي النيلة السودة!”
سمع منه سامر، لتصدح ضحكته غير قادر على التوقف، أمام حنق الآخر الذي عبست ملامحه، فردد له معتذرًا:
“معلش يا عم خميس، نصيبك كده بقى!”
❈-❈-❈
داخل شقة العروسين، وبعد أن انتهى من إجراء بعض المكالمات الهاتفية السريعة مع أصدقائه ووالديه، كي يُسلي نفسه هذه الدقائق التي ابتعد فيها عن الغرفة، اتخذ الشرفة ملجأً له حتى تغادر هذه المرأة التي أتت بحجة حمقاء مثلها، حاملةً الطعام وبعض الأشياء في تقليد شعبي من أجل صباحية العروسين.
زفر، مُلقيًا السيجارة التي كان ينفث فيها غضبه، ليدعس عليها بقدمه، ثم يلتف متجهًا نحو مكان جلوسهن.
وقد وصله الصوت من داخل الغرفة بعدما خرجتا منها، فاقترب بخطوات بطيئة، يحركه ظنٌّ غير مريح بداخله. امتدت رأسه قليلًا، ليجد تلك الحرباء مختليةً بابنتها في ركن المطبخ الجديد، تهمس في أذنها وتملي عليها:
“واخدة بالك يا بَتّ من الكلام اللي بقوله؟ ضربة البوز دي بلاش منها، واتلحلحي معاه عشان يبقى خاتم في صباعك! طلال من الأصل رايدك، إشحال بقى لما يدوق الدلع والنعيم على إيديكي! دا إنتي هتدوقي الهنا كله.”
“منوّرة يا حماتي!” هتف بها، يُباغتها بحضوره، فانتفضت على أثرها، والتفتت إليه بارتباك:
“دا نورك يا جوز بنتي يا غالي! تعالَ، تعالَ شوف الأكل اللي مجهزاه، أنا يدوب بس حضّرته في الأطباق، وهروح أحطه ع السفرة تفطر بيه انت وعروستك. معلش بقى لو اتأخرت عليك، حُكم دي بنتي ولازم أطمن عليها، وانت فاهم، هو أنا اللي هقولك برضو…”
وختمت بضحكة رقيعة لم يستسغها، لكنه اضطر لمجاراتها حتى انتهت، ثم وضعت مع ابنتها أطباق الطعام بما تحتويه من كل ما لذَّ وطاب. ظل يتأملهما، راسمًا تلك الابتسامة الصفراء، حتى ودّعت ابنتها، لتختلي الشقة به وبزوجته.
عادت إليه، متجهة نحو مائدة الطعام بشغف:
“أمي محمّرة الحمام في السمن البلدي، قُرّب يا طلال قبل ما يبرد وميبقاش له طعم…”
“استني عندك! إياكِ تقربي منه!” خرجت صرخته ليوقف يدها قبل أن تمتد إلى الطعام، فالتفتت إليه بدهشة:
“مقربش ليه؟”
اقترب، يجذبها من كفها، ينهِيها عن الجلوس، قائلًا:
“الأكل ده محدش هياكل منه! هيتلف كده بخيره، ونتصرف فيه في أي حتة.”
“ليه يا طلال؟ نعمة ربنا هنرميها من غير سبب؟ ولا تكون فاكر إن أمي حطّالك فيه سُم!”
تبسَّم ساخرًا، ودنا نحو الطعام يلملم الأطباق فوق بعضها، مُعلقًا بسخرية:
“لا، ما هي مش هتسمّني وأنا جوز بنتها الغالية… هي هتعمل الأوحش…”
“هو إيه الأوحش؟” تمتمت بها، لتتجمد فجأة باستيعابٍ متأخر، ثم نهَرته:
“قصدك إن أمي تكون عملالك حاجة؟ معقول يا طلال؟! دا ظنك في أمي؟!”
كادت أن تخرج ضحكته على إثر كلماتها الأخيرة، وكأنها لا تعلم أفعال والدتها، لكنه رد عليها بحزم:
“بقولك إيه… كلمة وتحطيها حلقة في ودانك يا بنت الناس، الموضوع ده كبّري مخّك منه عشان منتهي عندي! أنا شيكاغو اللي متربي في المنطقة، يعني عارف أمك كويس أوي، ورِجليها اللي كانت رايحة جاية عند الشيخ إياه… فاكراه الشيخ إياه يا سامية؟”
ابتلعت ريقها باضطراب عصف بها إثر سؤاله، لتطرق ببصرها عنه بخزي، غير قادرة على مواجهته. فما أصعب أن يعرف الزوج بالنقطة السوداء في تاريخ زوجته، وهو عالم بكل شيء!
“ارفعي راسك يا سامية، متتكسفيش مني!” هتف بها عاليًا، حتى أجبرها على وضع عينيها في عينيه، ثم أردف ناهيًا الحديث في هذا الأمر:
“اسمعي يا بنت الناس، حوار أمك ده معايا أنا مش عايز أفتحه ولا أواجهها وأكسفها… عشان خاطرك، مش عشانها! يعني انتي تقدري من نفسك وتفهميها لوحدك. أنا يخصني إنتي، وعشان الورد ينسقي العليق! إنما إني آخد حاجة منها ولا أشرب بقّ مية حتى… انسِي!”
❈-❈-❈
أعدت الفطور في الصباح كعادتها، لتضع الأطباق على الطاولة، وفمها لا يتوقف عن النداء بأسماء أفراد عائلتها الصغيرة الجميلة.
“يا آمين، يا لينا، هتتأخروا على الشغل يا عيال، وانتي يا سي حسن، اخلص بقى وهات شهد في إيدك، أنا دماغي لفت منكم!”
خرج على النداء أمين بكامل هيئته مستعدًا للذهاب إلى العمل، يلوح لها بكفه، فقد كان منشغلًا في الحديث عبر الهاتف مع أحد ما، بضحكات لا تتوقف:
“يعني لِساها برضو لازقة وما مشيتش… يا عيني عليك يا بني، انت دايمًا كده متعوس… يا حبيبي، أعمل طيب؟ ما أنت وضعك يضحك… خلاص يا سيدي متزعلش، بس برضو موَعدكش إني أبطل ضحك…”
وأكمل ضاحكًا حتى جلس على أحد المقاعد حول المائدة. جلست والدته أمامه سائلة بعلامة استفهام، لكنه أشار بيده كي تنتظر، فأذعنت لمطلبه تتابع المكالمة.
“يا حبيبي، من غير دُعا، أنا طفشان منها حتى لو قعدت بالسنة مش هيهمني غير العيل… من ورا قلبي! وكمان بحبها! طب اقفل يا عصام عشان مقفلش أنا في وشك، قال من ورا قلبي قال!”
أنهى المكالمة ليهمّ بتناول طعامه، فبادرته بسؤالها بعدما عرفت بصاحب المكالمة:
“ماله يا واد عصام؟ عمال تتريق وتضحك عليه؟”
أجابها بابتسامة واضحة، وفمه يلوك لقمة الجبن التي غمسها بالخبز:
“موكوس يا أمي، وحظه مِنيِّل بستين نيلة، حماته كابسة على نفسه من ساعة ولادة بنتها، ومش راضية تحل عنهم، بحجة خدمتها والخوف عليها، وهو…”
توقف بضحكة مكتومة جعلت والدته تفطن إلى ما يرمي إليه، لتعقب بضجر بعد سماعها:
“وهي لِساها قاعدة هناك بجد؟ دي أمنية هتجيب الشهر من ساعة ما عرفنا بولادتها وروحنا باركنا لها، هي نرجس دي ما عندهاش إحساس؟”
صدحت ضحكته مرة أخرى ليضيف عليها:
“شكلها ولا بتفهم كمان، دا كذا مرة يلمّح قدامها، وهي مفيش فايدة، وهو حطّ صوابعه العشرة في الشق منها!”
عبست ملامحها، توبخه باستحياء:
“وده شيء برضو يخليك تضحك؟ المسكين، الله يكون في عونه! وهي تنحّة وأنا عارفاها، الإنسان مننا لازم يكون حسيس من نفسه، ده راجل، ولازم ياخد راحته في بيته، وهي أكيد عاملة نفسها مش فاهمة ولا بتستعبط. والله أنا بستعجب من أمرها! بس هو حقه يضايق، صراحة.”
“يضايق بس؟ ده هيطق من جنابه منها، ومن بنتها كمان!”
“وبنتها إيه ذنبها؟ هي أكيد مستحيلة الموضوع عشان بتخدمها ! الموضوع عايز واحدة تكلمها مباشر في وشها، عشان ما تلاوعش ولا تعمل نفسها مش فاهمة. سيب الموضوع ده عليا.”
“انتي بتتكلمي بجد يا ماما؟ هتدخلي بنفسك في الموضوع مع الست دي؟”
تنهدت بسأم، مؤكدة له:
“أعمل إيه يعني؟ ألحق أتصرف معاها بلطافة قبل ما صاحبك يطردها لما يفيض بيه! حكم الست دي أستاذة في الاستفزاز بدور البلاهة اللي عايشاه ده!”
“أيوه بقى، يا أبلة مجيدة! ده الواد عصام هيدعيلك والله، حكم ده غلبان أوي أوي!”
هتف بها أمين بمرح، قابلته هي بنظرة ممتعضة لفهمها تلميحه الوقح، فزفرت تصبّ غيظها في النداء مرة أخرى على ذلك المسكين داخل غرفته:
“ماشي يا حسن، خلي حضن مراتك ينفعك لما اليوم يضيع منك وما تلاقيش حد يشتغل في الموقع!”
انتفض المذكور على إثر صيحتها الأخيرة، ليخرج على الفور من غرفته، يرتدي معطفه مرددًا بهلع:
“يا نهار اسود! ما توصلي زعيقك للشارع بالمرة! إيه ده اللي بتقوليه يا ماما؟ همّا بس عشر دقايق اللي اتأخرناهم عنك، لازم تفضحينا يعني يا مجيدة؟!”
جلجلت ضحكة شقيقه بصخب يزيد عليه:
“صوتها العالي وصل لباقي العمارة أصلًا، يعني بالتبعية هيوصل لباقي الشارع، أمك بتشرّدك يا حسن!”
وتابع ضحكاته أمام سخط الآخر ونظرات التحدي من مجيدة، حتى خرجت لهما شهد حاملة طفلها، تبرر تأخرها باعتذار:
“صباح الخير! معلش يا جماعة، كنت بغير للواد. هو أنتم فطرتوا؟”
صاح وكأنه عثر على صك براءته:
“أهي قالت أهي! كانت بتغير للواد، وأنا كنت بتكلم مع مسؤول العمال في الموقع! يعني ما كناش فاضيين يا مجيدة!”
“فاضين لإيه مش فاهمة؟” تساءلت بها شهد باندهاش لانفعال زوجها، عكس شقيقه الذي تلونت بشرته باللون الأحمر القاني بسبب ضحكه المكتوم. فجاء الرد من مجيدة بعدم اكتراث، وقد أشرقت ملامحها برؤية الصغيرة:
“يعني هي قضية عشان تفهميها يا شهد؟! هاتي يا بت حبيب ستو لستو، وسيبك من جوز الانطاع دول! تعالي يا روحي، تعالي!”
ورفعت كفها تتلقف الصغير، فعلق حسن بمظلومية وهو يتجه نحو المائدة ليتناول إفطاره:
“يعني كمان بتزوّدي بالشتيمة! كم أنتي عظيمة يا أمي!”
والتف يردف نحو شقيقه بغيظ:
“وانت، لمّ نفسك يا أمين… ولا على إيه؟! أنا أتعب نفسي ليه؟ ما أنا أجيب لك مراتك أحسن تلهيك عننا! يا لينا…!”
❈-❈-❈
أقنعت الاثنين برؤيتها، وحصلت منهما على الموافقة والتشجيع بقوة، لتنال منصبًا هامًا تحت رئاسة زوجها من أجل تنفيذ الأفكار التي طرحتها عليهما،
ثم تركتهما يكملان جلسة العمل المتأخرة بينهما، ونزلت هي إلى مقرها الأول في تلك البناية، كعاملة بسيطة وسط المجموعة الهائلة التي تراها الآن.
“الله، دي بهجة يا بنات، بهجة يا بهجة!” صاحت بها إحدى الفتيات فور أن وقعت عيناها عليها، بجهلٍ لمنصبها وصفَتها الجديدة، حتى لفتت انتباه البقية لترتفع الرؤوس نحوها، وتصدر الصيحة القوية فجأة من صباح لتوقف الهمهمات التي صارت تعلو بوتيرة تثير الانزعاج:
“باااااس! اسمها بهجة هانم، انتي وهي! هو انتوا لسه نايمين على نفسكم ولا إيه؟”
فابتسمت لها بهجة بمودة، ثم مارست عملها بعد ذلك بعملية كمسؤولة، رغم ودها ورفقها معهم.
غافلةً عن فردٍ منهم لم يحتمل الأمر، ليس لسوء شخصه، ولكن لأن هذا الشيء فوق إرادته، فترك ما بيده فجأة، وقرر الانسحاب من بينهم متخذًا طريقه نحو الخروج أمام عينيها دون استئذان، مما أجبرها الفضول على اتباعه، فأوقفته بندائها:
“تميم، لو سمحت.”
وصلها صوته ليجبر قدميه على التوقف، ثم الالتفاف إليها، منتظرًا محله حتى اقتربت منه بخطوات متمهلة بعض الشيء، وتوجهت إليه قائلة:
“ممكن أعرف السبب اللي يخليك تنسحب فجأة من عملك أثناء وجودي وبدون استئذان حتى؟”
طالعها بنظرة تحمل مزيجًا من الحزن واللوم، لكن سرعان ما أزاح بصره عنها، زافرًا بقنوط وهو يجيبها:
“أنا آسف لو كان تصرفي أزعجك، أنا طبعًا مش قاصد أقلل من مقامك، بس الحقيقة خلاص قررت إني أسيب الشغل وأشوف حالي بعيد عن هنا.”
رددت خلفه بعدم استيعاب:
“تشوف حالك بعيد عن هنا! ليه يا تميم؟ دا مكانك ودي مهنتك اللي انت أستاذ فيها، ولا انت…”
توقفت الكلمات في حلقها حتى لا تضيف المزيد، بعدما أدركت الآن السبب الرئيسي لتركه عمله، فواجهته دون مواربة:
“أفهم من كلامك ده إني السبب؟”
رمقها بنظرة أكدت ظنها، قبل أن ينكر بقوله:
“لا طبعًا يا هانم، أنا أصلاً من زمان في نيتي أفتح مشغل خاص، بس كنت مأجل، جه الوقت بقى دلوقتي أفتحه وأكبره بإذن الله، ويا عالم يمكن يبقى زي المصنع اللي واقفين فيه أو أكبر… عن إذنك بقى.”
واستدار مغادرًا من أمامها، فتمتمت في أثره:
“ربنا يوفقك يا تميم.”
أخرجت من صدرها تنهيدة مشبعة بالأسى من خلفه، فقد آلمها ما يحزنه، رغم عتبها عليه بسبب تلك النبرة الحادة التي تحدث بها، وكأنها قللت منه أو أخلفت بوعدها معه. لكنها تعطيه العذر، ربما حينما يهدأ يرى الصورة جيدًا.
نفضت رأسها كي تستعيد تركيزها من أجل العودة إلى صباح والعمال، لكنها ما إن همّت بالالتفاف، حتى انتبهت لذلك المراقب من خلف سياج الدرج في الأعلى، بملامح عابسة وكأنه حضر اللقاء من أوله.
❈-❈-❈
أنهت جلستها مع العمال، وألقت على صباح بعض التعليمات الجديدة في العمل، حتى إذا انتهت أخيرًا، صعدت إليه داخل غرفة مكتبه التي طرقت بابها في البداية قبل أن تدفعه وتدلف إليه حاملة بعض الملفات التي أعطتها لها صباح لإبداء الرأي فيها.
وجدته منكفئًا على بعض الأوراق يراجعها بتركيز، قطعه لحظة دخولها، لكنه سرعان ما عاد إليها بملامح متجهمة هذه المرة، غفلت عنها في البداية أثناء حديثها إليه:
“أنا فهمت صباح على خطة العمل الجديدة، وهي ما شاء الله، زي ما أنت عارف، استوعبت بسهولة وتحمست كمان لشغلها معانا، حتى أدتني المستندات دي بخصوص التوريدات الجديدة، والناقص منها، والمطلوب فوري، أهو، شوفهم كده.”
وضعتهم على سطح المكتب أمامه، فرفع أبصاره إليها بنظرة غاضبة، فهمت عليها أخيرًا:
“إيه مالك؟ بتبصلي كده ليه؟ أنت زعلان مني في حاجة يا رياض… رياض، أنت ساكت ليه؟”
طرق بقلمه لمدة من الوقت يزيد من توترها، ثم سحب الأوراق فجأة إليه متمتمًا، متجاهلًا الإجابة عن أسئلتها:
“برافو عليها صباح، أنا عارف إنها شاطرة وممتازة، هتساعدك كتير في المرحلة الجاية.”
إلى هنا، وقد فاض بها، فلطمت بكف يدها على سطح المكتب، ثائرة به:
“كفاية بقى يا رياض، الأسلوب ده أنا مبحبهوش! عندك حاجةقولها، لكن تقعد سايبني كده ألف حوالين نفسي، دي حاجة بقى ما طقهاش!”
استطاعت بثورتها أن تخرجه عن طور البرود الذي يتخذه وقت الحاجة، فخرج قوله بانفعال هو الآخر:
“أنا حر يا بهجة، وهو ده أسلوبي! انتي بقى اللي مش حرة تيجي تحاسبيني على حاجة انتي السبب فيها!”
“أنا السبب فيها؟!”
“أيوة، أنت السبب فيها! لما تنزلي من مقامك وأنتِ مرات صاحب المصنع، والمسؤولة معاه حاليًا في إدارته، عشان تجري ورا واحد من العمال تراضيه وتتكلمي معاه، ده تسميه إيه؟ لا قدرتي منصبك الجديد، ولا قدرتي صفتك عندي!”
ابتلعت بصدمة نقده، على قدر تحامله وغضبه المبالغ فيه، لكنها لا تنكر صدق قوله. لقد تصرفت بعفويتها اليوم ونسيت بالفعل منصبها، وكان يجدر بها أن تعي وضعها الجديد.
“أنا آسفة.”
صدرت منها فجأة كماء الثلج حينما يطفئ النيران المشتعلة، فهدأت نفسه بعد غليل كان يجاهد منذ ساعات في السيطرة عليه، فجاءت هي بجملة صغيرة أوقفته، ثم واصلت تضاعف من تأكيدها:
“بقولها فعلًا، والله من قلبي، يمكن وقتها اتصرفت بعفويتي، لكن ده ميمنعش من إنها هفوة.”
تحمحم يجلي حلقه، ثم عقب بجدية، رافضًا التساهل لمجرد الاعتذار:
“ياريت ما تتكررش تاني يا بهجة، لا مع البني آدم ده، ولا مع أي إنسان تاني.”
“ما خلاص بقى، المسكين هيسيب الشغل من هنا نهائي.”
سمع منها، فردد بغيظ:
“مسكين! بلاش تعصبيني يا بهجة، هو كده عمل الصح، أنا لا يمكن كنت هأذيه في لقمة عيشه، بس هو طلع شاطر وجابها من نفسه، ربنا يسهّله بقى، أنا وصيت إنه ياخد كل حقوقه وعليها مكافأة كمان.”
اومأت صامتة بتفهم، حتى لا تثير غضبه مرة أخرى، وأبصاره منصبة عليها بقوة تجعلها غير قادرة على مواجهته حتى رق قلبه لهيئتها، فكاد أن يشاكسها، ولكنه منعه صوت الهرج الذي صدح قريبًا منهم، تزامنًا مع طرق باب الغرفة، ليأمر الطارق بالدخول على توجس، فكانت المفاجأة، دلوف والدته بصحبة الصغيرين اللذين هتفا فور دخولهما:
إحنا جيناااا
هللت بهجة فرحًا تستقبلهما فاتحة ذراعيها:
إيه المفاجأة الحلوة دي.
صدرت من رياض الذي تقدم يستقبل والدته ويقبلها على وجنتيها، بعد الترحيب بالصغيرين، فجاء رد نجوان:
على الله بس تكون حلوة
طبعًا حلوة، وحلوة أوي كمان
قالتها بهجة تضم الصغيرين آدم شقيق زوجها، وعائشة شقيقتها هي، لتغمرهما بابتهاج أصابها لرؤيتهما هنا في مقر عملها.
اتخذ الجميع جلستهم بعد ذلك في الركن الجانبي للغرفة، وساد الحديث والتساؤلات:
لا بجد يا ماما، إنتي بقالك سنين مجتيش هنا، مين اللي أقنعك من جوز المصايب دول؟
قالها بإشارة نحو الصغيرين اللذين ضحكا على قوله قبل أن تدافع عائشة:
محدش فينا قالها، دا هي اللي وقفتنا عن اللعب في جنينة القصر والجمعية، وقالتنا تعالوا يلا نتفسح.
في مصنع! في حد يتفسح في مصنع!
قالتها بهجة لتدوي ضحكات الاثنان مع البقية، فجاء الرد من نجوان:
بصراحة هي طقت في دماغي، لما لقيتك أنتي اتأخرتِ يا أستاذة على الجمعية، وآدم من قبلها عشان يعرف مصنع باباه الله يرحمه.
نقلت بنظرها نحو الأخير، بدا جيدًا تجاوبه معها، لتردف برضا تخلل نبرتها:
حبيت أجيبه يتعرف على ملك باباه عشان بكرة لما يكبر، يحط إيده في إيد أخوه حبيبه، ويكبروه.
فعلاً أنا حبيته أوي
قالها آدم لينال قبلة فوق رأسه من شقيقه الذي أسعده الأمر، ليتجاوز بعدها بصعوبة حتى يستعيد توازنه، فيقول:
دا كده يبقى حلو، بهجة كمان من النهاردة استلمت شغلها معايا عشان تساعدني في الإدارة، دي كمان طلعت شطورة أوي يا ست الكل.
أشرق وجه نجوان لسعادة ابنها الذي وجد الأنس أخيرًا ودفء العائلة التي طالما تمناها دون أن يفصح بها أمامها، لتعقب بحب له:
كده يبقى ضمنت تكتسح السوق من دلوقتي، بهجة ذكية وبتندمج بسرعة، أنا واثقة إنها هتعرف توفق ما بين شغلها معاك ودراستها وأسرتها كمان، برافو.
❈-❈-❈
في منزل أمنية.
وقد كانت في غرفتها حينما دَفَعَتْ عليها الباب هاتفه بهلع:
الحقيني يا أمنية، اختك عملت حادثة ورجلها اتكسرت.
سمعت منها لتتسأل بفزع، فترد عليها:
يا نهار أسود، مين قال الكلام دا يا ماما؟ عرفتي منين؟
ذهبت نرجس نحو خزانة الملابس وبصوت مهزوز صارت تجيبها:
واحدة من أصحابها هي اللي اتصلت وبلغتني، أنا هلبس واروحلها بسرعة، قلبي واكلني على بنتي.
رفعت أمنية طفلها على كتفها، تحاول منعها:
طب استني، اتصلي بعصام ولا اروح أنا معاكي؟
صاحت نرجس بها، تنهرها، وقد ارتدت العباءة، وتبقى فقط الحذاء:
لاااا، مينفعش طبعًا، لا انتي ولا العيل ليكم الخروج، أنا هروح أشوفها وأبقى أرجعلك تاني، انتي حرصي على نفسك وعلى الواد.
صارت تردد تعليماتها حتى غادرت، تتبعها أمنية بعينيها، تهدهد طفلها بحنو وفمها لا يتوقف عن الدعاء، وما كادت تهم بالعودة للغرفة، حتى تفاجأت بدفع الباب الخارجي، وزوجها يدلف منه، ثم يغلفه سريعًا، ناظرًا إليها بشغف لم تنتبه له في غمرة قلقها على شقيقتها:
كويس إنك جيت يا عصام، أمي حالًا خارجة، اختي رؤى عملت حادثة.
تبسم معقبا على كلماتها، وأصابع يده تحل أزرار ملابسه في الأعلى:
آه، ما أنا عارف.
عارف إيه؟ ومالك بتتكلم كده وانت مبسوط ليه؟
صدحت ضحكته فجأة ليقترب منها، يخطف قبلة من وجنتها قبل أن يتناول الصغير متمتمًا:
وأخيرًا فضي البيت علينا يا أم يونس إنتي ويونس، دا أنتوا واحشني أوي.
توقف عن الحديث ليباشر مداعبة صغيره وتقبيله، حتى استوعبت هي لتعبر عما فطن به ذهنها:
معقول يا عصام، تكون أنت عامل الملعوب دا في ماما؟ معقول؟
بس أنا معملتش.
أمال مين اللي عمل؟
صدحت ضحكته مرة أخرى، ليسحبها من يدها فجأة ويضمها بشوق شديد قائلاً:
مش مهم مين اللي عمل، المهم إن رؤى كويسة، وأنا وإنتِ بقينا لوحدنا، دا إنتي وحشاني بشكل.
هي الأخرى لم تكن جمادًا حتى لا تتأثر، بعد أن هدأت أعصابها بالاطمئنان على شقيقتها، لتنزع نفسها عنه مجادلة:
أيوة بس أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل.
عايزة تعرفي اللي حصل؟
ردد بها من خلفها قبل أن يردف حازمًا ويده الحرة أطبقت على ذراعها تسحبها:
كده يبقى تدخلي معايا وأنا هشرحلك باستفاضة.
وليه الشرح يبقى في الأوضة؟ ما تتكلم هنا في الصالة عادي.
قالتها بنوع من الغباء أثار تسليته ليدفعها داخل الغرفة، ليدلف خلفها مرددًا:
وهو الشرح بينفع في الصالة برضو؟ شكل نرجس أثرت عليكي يا أمنية، دا أنا كده هحتاج وقت طويل أوي معاكي بقى.
❈-❈-❈
وصلت نرجس إلى بناية منزلها، تقطع الدرجات مهرولة حتى شقتها، وقد أخبرتها الفتاة صديقة ابنتها عن وجودها هنا في الداخل، لتدفع باب الشقة بعدم انتظار فتحه من الداخل، فتركض بلهفة تنادي على ابنتها:
رؤى، رؤى إنتِ فين يا حبيبتي؟
أنا هنا يا ماما. ذهبت نحو مصدر الصوت في غرفة المذكورة، فتجدها على السرير مسطحة قدمها الملفوفة بالرباط الأبيض وبجواره على الفراش السيدة مجيدة! والتي بادرتها الحديث:
ما تدخلي يا نرجس، هو إنتِ هتتعزمي في بيتك؟ ابتعلت المذكورة ريقها وتقدمت نحوهما:
معلش، أصلي استغربت، إيه اللي جرالك يا رؤي؟ وعاملة إيه رجلك؟ همت أن تضع يدها على القدم المصابة ولكن الأخرى سبقتها بتألم تنهاها:
لا يا ماما، أوعي تحطي إيدك، أنا مصدقت الدكتور ربطها.
هي اتكسرت يعني ولا إيه؟ فين صاحبتك خليها تفهمني. تكفلت مجيدة بالرد عليها:
صاحبتها مشيت وأنا اللي فضلت معاها لغاية ما ترجعي، البنت عايزة رعاية ومينفعش تتساب دقيقة لوحدها.
طالعتها بحيرة متسائلة:
يعني حصل لها إيه بالظبط؟ وإنتِ يا ست مجيدة جيتي إمتى؟ ومين اللي قالك؟
بملامح جامدة، ألقت مجيدة بكلماتها المقصودة:
رؤى هي اللي اتصلت بيا، كانت عايزة شهد، بس اختها عندها شغل في حتة بعيدة مع جوزها، طلبتني وهي بتعيط عشان حد يستلمها من المستشفى، ولما سألتها عنك قالتلي إنك عند أمنية ومش فاضية، بصراحة أنا استغربت ومكنتش مصدقة أصل أمنية هتكمل الشهر، والعيلة دي أولى بالرعاية، ولا إيه يا ست نرجس؟
❈-❈-❈
داخل مكتب المحاماة الخاص بها، وقد انتهت من جلستها مع أحد الموكلين، لينصرف الرجل، حتى يأتي غيره، فكان الدور على تلك المرأة التي دخلت إليها بطلتها المعتادة:
أستاذتنا وأستاذة الكل
على الفور ارتفعت رأسها إليها بفزع مرددة:
أم ريري، إيه اللي جايبك تاني يا ست إنتي؟ هي بنتك عملتها تاني؟
ضحكت المرأة تدلف إليها بجلبابها الشعبي، قائلة ببساطة:
هنعمل إيه بقى يا أستاذة؟ نصيبي كده، كل ما أقول توبة، والبت عقلت معدتش تضرب حد، تخمني الموكوسة وتعملها، خلاص حطيت صوابعي العشرة منها في الشق.
إنتي برضو يا أم ريري، ده أنا اللي فاض بيا منكم إنتو الاتنين، ما تجوزيها يا ستي، اهي تتشعلق في قفا راجل يريحنا إحنا الاتنين.
انفعلت بها صفية نحو المرأة التي لم تتخلى عن ابتسامتها في الرد عليها:
ما هو ده اللي كان هيحصل والنعمة يا أستاذة، عملنا قاعدة مع العريس اللي جه عن طريق واحدة قريبتنا، شافته وشافها وعجبته بس هي غلطة بسيطة طلعت منه، لما اتكلم عن التخن وإنها لو خست هتبقى حلوة…..
ننننعم
قاطعتها بها صفية لتردف باعتراض:
هو مين ده كمان عشان يتكلم عن تخنها ولا رفعها، ده يستاهل الدق على دماغه.
ما هو ده اللي حصل يا أستاذة.
دقت على دماغه.
لا فتحت قرنه.
فتحت قرنه.
رددت بها صفية بانتشاء، لتميل بظهرها للخلف متابعة بإعجاب:
لأول مرة بنتك يعجبني فعلها، وعشان شطارتها دي هترافع عنها مخصوص، ولو حكمت البسه هو قضية هعملها هذا الكائن الذكوري المتعفن.
لاح الرضا على ملامح أم ريري بعد سماعها للتصريح المطمئن بالدفاع عن ابنتها من قبل الأستاذة التي أخرجتها من عدة قضايا سابقة، لتهتف بامتنانها:
شالله يرضى عنك يا أستاذة الهي يارب يسعدك ويرزقك بابن حلال……
ما قولنا خلاص انخطبنا.
تمتمت بها صفية بسأم نحو المرأة مردفة:
مش إنتي جيتي المرة اللي فاتت وسلمتي عليه بنفسك ولا نسيتي؟
تذكرت المرأة لتجيبها بمرح؛
آه صحيح افتكرت الجدع الحليوة اللي كان معاكي في المكتب، هو إنتوا لسه مدخلتوش؟
زفرت صفية أثناء فتحها الملف الجديد للقضية التي بدأت في إعدادها، لترد بعدم تركيز:
– لا يا ستي لسه مدخلناش، الشقة وتشطيبها، إنتي عارفة ده كله بياخد وقت وشهور، ندخل بقى في تفاصيل القضية.
تجاهلت أم ريري الأخيرة لتتمتم بإشفاق:
آه يا عيني صحيح، حكم إنتوا شققكم يا متعلمين بتاخد شغل كتير وحاجات ياما،…
وتوقفت تعود لتلك العادة في الدعاء لها:
روحي يا ست الأستاذة، ربنا ييسرها معاكي إنتي وخطيبك، ويعجل بلم شملكم في أقرب وقت.
وما كادت المرأة أن تنهيها، حتى فوجئت صفية باندفاع باب الغرفة الى الدخل، يطل عليها بكامل هيئته، هاتفا بلهفة:
شوفتي الخبر الجديد يا صفية، انحلت من عند ربنا. تساءلت بعدم فهم:
خبر إيه الجديد، ثم إنت ازاي تدخل من غير استئذان؟ الست الموكلة تقول عليك إيه يا هشام؟
استدرك بالفعل لخطأه، ليتمتم بحرج وأسف لم يمنع عنه فرحته:
ست آه صحيح، أنا آسف والله يا مدام، بس بصراحة الفرحة طيرت عقلي وخلتني مخدتش بالي.
لا يا خويا ولا يهمك، ربنا يفرحك كمان وكمان.
قالتها أم ريري تضع في قلبه الاطمئنان ليهتف بالبشرى التي أتى من أجلها:
خالي سُمعة اللي قاعد في الإمارات يا صفية، بقى ناوي يستقر هناك مع مراته الجديدة بعد ما حصل على الإقامة، يعني مجيته هنا هتبقى زيارات وبس.
فتحت كفيها متسائلة بمزيد من الحيرة:
طب وإيه البشرى في دي؟.
أجابها بفرحة غامرة:
البشرى هنا في شقته يا صفية، دي متشطبة سوبر لوكس، وهو مش ناوي يجي غير بعد سنة، كلمني في التليفون من شوية وعرض عليا أتجوز فيها علي ما تخلص شقتنا، يعني كده مفيش حجة للتأخير، هي بس إجراءات الفرح واستعداداتك إنتي يا عروسة، من فستان والذي منه، يعني الموضوع كله مش هياخد مننا أكتر من أسابيع، ونعمل فرحنا يا صفصف.
سمعت أم ريري لتطلق زغرودة من فمها مبينة فرحتها، أمام ازبهلال الأخرى، وقد تجمدت لمدة من الوقت حتى استوعبت لتتجه نحو أم ريري قائلة بغيظ:
بركاتك يا أم ريري.
❈-❈-❈
مرَّ اليوم الأول بعملها في المنصب الجديد على خير، توفقت إلى حدٍّ ما في إثبات جدارتها أمامه، لكنها ما زالت محرجة وتخشى ردَّ فعله، تخشى مزيدًا من الصدام، وقد تمَّ الوصال بعد عذاب.
خطت داخل غرفته تنفيذًا لتعليماته، كي تغادر معه كما أتت معه.
رياض، أنا خلَّصت كل حاجة، هتيجي تروح معايا ولا أخلي عم علي يوصَّلني؟
زفر مغلقًا آخر ملف بيده، وعلَّق رافضًا:
مفيش الكلام ده، قلتلك إنِّي هروح معاكي يبقى خلاص، يا بهجة.
صمتت تمنع نفسها عن الجدال، تنتظره في محلِّها حتى انتهى من لملمة متعلقاته داخل الحقيبة التي رفعها بعد ذلك، مُتقَدِمًا نحوها بغرض أن يسبقها، كما كانت تتصور، قبل أن يُباغتها حينما حطَّ يده على خصرها فجأة، دافعًا إيَّاها بقوة على صدره، حتى شهقت بإجفال، عبَّرت عنه:
إيه؟ في إيه؟
وده برضو سؤال؟
صدر استفهامه كرسالة فهمت مغزاها، فاسترخت قليلًا، قائلة:
بس افتكرتك لسه زعلان مني.
قرَّبها منه، يشتم عبيرها في تجويف رقبتها، ليردف بهيام:
يمكن كان الأول، لكن دلوقتي وبعد ما تم الوصال، مش مسموحلك بأي فرصة تبعدك عني.
طب وانت؟
قالتها متسائلة، ثم أضافت:
مش يمكن انت اللي تزهق وتسيب؟
ضحك بملء فمه، يخبرها بما يثلج صدرها:
أنا لازقة بغرا، أنا أسيب روحي ولا أسيبك، يا بهجة القلب.
وختم يُثبت لها بصورة عمليَّة، خاطفًا ثغرها بقبلة عاصفة، يبثُّها أشواقه التي لا تتوقف أبدًا، وقد اشتاقها في تلك الساعات، وكأنها لم تكن أمام عينيه منذ الصباح، وهي أيضًا لا تقل عنه.