تحميل رواية «قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة"» PDF
بقلم Hya Ssin
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام.. عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنْفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا.. فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا.. ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها.. مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟ انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء الت...
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الاول 1 - بقلم Hya Ssin
بسم الله الرحمن الرحيم
وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام..
عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنـْـفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا..
فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا..
ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها..
مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي
رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟
انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء التي اسافر اليہا دون قيود ، دون هويہ , دون عقل♡
مقتبس لقائلها.
لم أفكّر بدايةً في أيّ سبب للإقدام على كتابة رواية.. ربّما كانت المغامرة والتحدّي.. أو محاولة ترتيب جزء من فوضى العالم.. أو التعبير عن المحيط من بين الدوافع.. لكنّها لم تكن كلّها بالتأكيد..
هناك سرّ دائم يقوده الشغف والتوق لكن لم أستدلّ إليه بعد.. ولن يهم أن افعل فالنتيجة أحيانًا تُغني عن التفكير بالأسباب..
والشعور العارم بالنشوة بعد الانتهاء من كتابة أيّ فصل روائي كافٍ..
رواية "فِي قَلْبِكَ مَنـْـفَايَ"..
خليط من حكايات اغزل خيوطها بمشاعري في رغبة مني بوضع الكلمات على الورق وبناء قصص حول الأشياء التي أهتم بها بكل روية وبدون هدفٍ معين..
تحارب فيها الفتاة لتنال حريّتها.. ويحاول المكسور الشفاء من عثرات الزمان.. ويغدي التائه روحه بالأمل..
نبدأ رحلتنا في الأول من شهر مارس بتاريخ 1/3/2021 ونكون على ميعاد كل يوم اثنين ـــــء (على الواتباد) الساعة السادسة مساءً..
أتمنى أن لا تحرموني من دعمكم.. تعليقاتكم.. أعجابكم.. دمتن بخير💜💜
تنقيح لغوي: سالي يحيى، امل نوح
oالتصميم الخارجي ((الغلاف)): Akso Hannah
oالتصميم الداخلي ((قالب الصفحات)): هيا سين
oتجهيز الفصول ككتاب الإلكتروني: هيا سين
oبدأت الرواية بتاريخ: 01-03-2021
oانتهت الرواية بتاريخ: 31-01-2022
ملاحظة 1
لمن يحب أن يعرف ملخص أي قصة من قصص الثنائيات قبل القراءة فتم وضع الملخصات لكم في نهاية هذه الرواية.. لمن لا يحب استباق الأحداث رجاء لا ينتقل لأخر هذا الملف😁
ملاحظة 2
اللون الأحمر في الرواية يشير إلى أحداث من الماضي..
ملاحظة 3
الحوار بين الشخصيات وطريقة تفكيرهم لا يمثلان الرأي الشخصي للكاتبة.. بل هما عرض لوجهات نظر وأنماط التفكير المختلفة..
ملاحظة 4
هذه الرواية بتفاصيلها الكثيفة التي تخدم أحداثها وأفكارها الرئيسية
تدور في منطقة ما في خيال الكاتبة ولا يقصد بها دولة معينة..
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث 3 - بقلم Hya Ssin
الفصل الأول
بعد مرور ثلاثة أشهر..
اخترق ضوء الشروق نافذة الغرفة فارِضًا الاستيقاظ على نورين التي فردت ذراعيها لتتيح المجال لقفصها الصدري استنشاق أكبر كم من نسيم الصباح المار من النافذة المفتوحة نسبيًا فوقها وتنعش رئتيها..
اعتدلت جالسة تفرك عينيها الناعستين ثم نظرت بجانبها لتجد نفسها وحيدة فوق السرير.. لابد أنها لم تشعر بمُصعب وهو يستيقظ بعد أذان الفجر بقليل للذهاب إلى عمله فاليوم موعد مناوبته في المشفى..
أجفلها صوت طرقات باب جناحها القوية التي تعلن عن نفاذ صاحبها.. والتي هي بلا شكَّ رتيل فهذا موعدها في معظم صباحات اليوم.. فالاستيقاظ مبكرًا في هذا المنزل ليس خيارًا.. صحيح أنه أمر جيد للصحة.. لكنه ليس بهذه الروعة أيضًا!
سارعت نورين فتح الباب ترد بصوتٍ أجش
((صباح الخير))
رمقتها رتيل الواقفة متخصرة بحنق قبل أن تقول بنبرة عصبية تعلن عن سخطها
((أي خير وقد جعلتني أطرق بابك لعشر دقائق مستمرة.. كل هذا نوم؟ أم تفعلين هذا عامدة متعمدة لجعلي انتظر طويلًا وأمِل فأتركك بحالك؟))
نظرت نورين إلى الساعة الجدارية المعلقة ثم نظرت لرتيل قائلة
((لا أرمي إلى ذلك، أنا فقط أحب النوم في الصباح واستشعر لذة فيه لهذا تأخرت قليلًا))
كلام نورين زاد من امتعاض رتيل وغضبها.. فقالت بنزق وهي تمد يدها وتفردها
((اعطيني مفتاح جناحك، لا أريد أن تغلقي الباب خاصة في الصباح حتى اقتحم المكان وأيقظك أسرع))
طالعتها نورين بشفاه منفرجة ونظرات مشدوهة.. هل تمازحها تلك الواقفة أمامها أم أصابها الجنون! فقالت مستهجنة
((هل أنتِ واعية لما تطلبينه مني؟))
تقدمت رتيل بضع خطوات للداخل وهي تقول بأنظارها الجليدية
((أنا لا امزح، اعطيني المفتاح هيا..))
بترت رتيل كلامها عند مرأى المفتاح الموضوع في فحة مقبض الباب فسحبته فورا لتهتف نورين معترضة
((أنتِ فعلًا مجنونة، أعيدي المفتاح مكانه))
تبسمت رتيل بنفس النظرات الجليدية وأجابتها بنبرةٍ ناعمة مستمتعة
((لا داعي لإغلاق الجناح.. لن يدخله أحد غيري في الصباح لأتأكد من إيقاظك بناءً على أوامر عمتي))
كظمت نورين غيظها وظلت صامتة فهو سلاحها الوحيد أمام تجبر وتسلط رتيل عندما تكون معها.. فهي الكنة المحبوبة هنا وحبيبة حماتها.. رغم أنها إمراه لا مثيل في عنجهيتها.. تحب أن تلقي الأوامر على كل من حولها بلا أي رفق.. ولا يستطيع أحد مجابهتها.. لكن عند عودة مُصعب ستخبره عمّا فعلته وتطلب منه التصرف معها..
قالت رتيل بصوتٍ متسلط
((هيا انزلي لتساعدي الخدم في إعداد الفطور))
همست نورين تجذب الحروف من بين أوتار حنجرتها عنوة
((سأفعل حالًا))
تنهدت ببؤس وتهدلّ كتفيها بخضوع وهي تطالع رتيل تعطيها ظهرها وتنزل الدرج الذي يتوسط صالة المنزل..
دخلت للحمام الموجود في جناحها تغتسل سريعًا ثم خرجت وغيرت منامتها الحريرية لثوب واسع طويل بلون الخشب الداكن وغطت شعرها بوشاح أسود أحاطته بشكل فضفاض حول رأسها.. ثم أسرعت تنزل خلف رتيل مستجيبة حتى لا تستجلب سخطها فمنذ دخولها هذا البيت منذ عدة أشهر كعروس لحل الثأر.. أو بالأحرى كخادمة وهي تحاول التأقلم بوضعها.. يمكنها القول بأنها عرفت طباع وأحوال أبناء هذا المنزل الخمسة..
الابن الأكبر مُعاذ أرمل منذ ثمانية سنوات وتبعًا لعمله كرائد يعيش في المدينة ولا يزور بيت العائلة هنا إلا كل عدة أشهر.. رغم أن ابنته الوحيدة دارين ابنة الثانية عشر سنة تعيش هنا..
الابن الثاني مُؤيد هو أسوأهم ومن يثير الذعر في كل خلية من جسدها كلما تلاقت الأعين بينهما.. وهو زوج تلك الحية الرقطاء رتيل، وهما والدين لصبيين.. لكن ما يهون الأمر عليها أنه الأخر يعمل في التجارة ويعيش في المدينة ولا يزور عائلته إلا في نهاية كل أسبوعين..
والأصغر من مُصعب هما التوأم مَالك ومَازن..
مَالك الذي يشابه مُصعب في طبيعته الساكنة والتي يترجمها البعض على أنها تعالٍ وعجرفة..
أما مَازن المغترب منذ قدومها لهنا فلا تعرف عنه شيء.. ولا حتى عن زوجته ياسمين التي تظل منزوية بغرفتها ولوحدها هي وابنتها هدى ولا تحب الاختلاط معهم.. حتى في أوقات الطعام..
دلفت نورين لمطبخ المنزل الضخم الذي كان لزامًا عليه أن يكون بهذا الحجم لأن العاملين فيه لا يقومون بصناعة وجبات عائلة الحاج يعقوب الكانز فقط.. بل يوفرون يوميًا ما لا يقل عن وجبتين طعام لعشرات الأشخاص العاملين في بساتين ومزارع الحاج وحديقة قصره الضخمة.. لهذا المطبخ شبه منفصل عن المنزل الضخم وعلى النساء عندما يدخلنه تغطية شعرهن فهو أكثر من مكان لتحضير الطعام وله عدة أبواب للخارج ويمكن غالبًا لأي أحد الدخول والخروج منه من العاملين.. كما هو مرتبط بالدور السفلي المخصص لنوم العاملين في المنزل ممن يزيد عددهم عن عدد أفراد عائلة الحاج يعقوب والقائمين بأغراض الطهي والتنظيف والاهتمام بشؤون أصحاب المنزل واحتياجاتهم..
كانت نورين قد بدأت في إعداد الخضراوات وتقشير البطاطا عندما فُتح باب المطبخ الذي يصل بالحديقة الخلفية من قِبَل سمية التي قالت لها بوجه بشوش بمجرد أن لمحتها
((هل استيقظتِ بالفعل يا نورين! صباح الخير.. كيف حالك؟))
بادلتها نورين الابتسامة وهي تشكو لها ازدراء الحال بمرح
((رتيل أيقظتني حتى قبل استيقاظ العاملين في المنزل لإعداد الفطور))
هزت سمية رأسها بيأس من تصرفات رتيل.. إلا أنها لم تعقب على الأمر بل قالت عارضة المساعدة
((اعطيني القفازات ودعيني أغسل الأطباق التي قمت باستخدامها))
لوحت نورين يدها برفض لهف
((لا داعي، عملك في الحديقة فقط وليس هنا))
إلا أن سمية توجهت إلى حيث القفازات معلقة وأخذتهم لتبدأ بارتدائهم قائلة
((قليل من المساعدة لكِ ريثما تستيقظ العاملات في المطبخ لن تضر، دعيني ألبس هذه القفازات المطاطية فقط لأن بشرة يدي حساسة بشكل بالغ لمواد التنظيف))
بدأت سمية بسكب الماء فوق الأواني قبل وضع بعضهم في جلاية الأطباق ليتناهى إلى سمعها صوت الأخرى
((أزهار الجوري الوردية والبيضاء التي زرعتيها على طول السياج منظرها خلاب، لا بد أنكِ استغرقت وقت وجهد طويل فيها))
قالت سمية ((نعم معكِ حق، منذ أن تعلمت العناية بالنباتات وحبها منذ صغري وأنا أحب أن اقضي ساعات طويلة في حديقة الحاج يعقوب))
أكملت كل منهما عملها وهما تثرثران بأحاديث ممتعة لا تخلوا من بعض الضحكات بين حين وأخر.. قبل أن يقاطعها صوت أقدام قادمة من الحديقة الخلفية حتى باب المطبخ..
انتبهتا لرجل يطرق الباب قبل فتحه مباشرة ليقف عند عتبته يرمق بنظراته الثاقبة سمية وهو يقول بلهجة منفرة
((صباح الخير))
رمقته سمية ببغض خفي ولم تجبه بل ظلت تنظر له متجهمة بانتظار أن يقول ما جاء من أجله في هذا الصباح الباكر..
ابتسم الرجل الذي بدا بأنه مزارع يعمل في الأراضي والمسؤول عن إحضار الطعام من المطبخ للبستان، فرسم تلك الابتسامة الثقيلة على قلبها وهو يقول بصوته البغيض
((أريد منكِ يا سمية أن تجهزي نوع معين من الفطور للعاملين في البساتين الآن))
نظرت سمية له بصوب عينيها بكل ما حملته من قوة وحزم
((يمكنك يا أخي أن تنتظر استيقاظ مدبرة المنزل السيدة نعمة وهي ستخبر من يعمل في المطبخ أن يحضر الفطور لهم ما تريده.. فهذا ليس عملي كما تعرف))
طالع الرجل ملامح وجه سمية الممتعضة بنظرات مستمتعة وهو يستمر بإطالة الحديث معها
((بحثت عن السيدة نعمة ولم أجدها لذا قومي بالعمل عنها إذا تكرمتي))
احتدت نظرات سمية أكثر مع استسهاله في الحديث معها خاصة وهي تتفهم ما يريده من خوضه جدال معها.. إنه يتبرص بها منذ وقت طويل دون رادع.. فهي في حسبته كمطلقة امرأة متلهفة.. لقمة سائغة.. وسهلة المنال..
تمَالكت سمية أعصابها وحافظت على هدوئها وهي تقول بنبرة باترة
((أستميحك عذرا لكن أنا مشغولة))
ضحكَ الرجل ضحكةً مستفزة وقال لها وهو يميل متكئًا على الحائط
((هل غضبتي يا سمية مني؟))
تمنت لو ترديه نظراتها صريعًا لأنه يستمر بنطق اسمها بلا تحفظ.. إلا أنها تجملت بالصبر والبرود قائلة
((لا.. لم أغضب.. لا تقلق يمكنك المغادرة الآن))
رفع الرجل حاجبيه البغيضين يستمر بمجادلتها
((لكن علامات الحنق ظاهرة على وجهك.. يبدو أن كلامي أزعجك..))
ظهرت ملامح الغضب ممزوجة بالاشمئزاز منه جلية على وجهها.. وكانت تريد التحدث بما يردعه ويبعده من هنا قبل أن يجفلوا الثلاثة على صوت رجولي ارتجت جدران المطبخ لشراسته
((ماذا تفعل هنا؟))
عقد الحرج لسان المزارع الذي اعتدل مستقيمًا في وقفته برزانة وقال متلعثمًا
((سيد مَالك.. صباح.. صباح الخير.. كنت أطلب من سمية أن تقوم بإعداد..))
قاطعه مَالك مرة أخرى بنبرة حادة ساخطة وعيناه لامعتان بشرر مريب
((وقالت لك بأنه ليس عملها.. فكم مرة عليها أن تعيد كلامها لتستوعب؟))
اعترض الرجل بوهن
((ولكن يا سيد مَالك أنا لا أجد واحدة من العاملات في المطبخ.. والعمال يريدون تغير الفطور اليوم..))
هتف مَالك بسخط وهو يتقدم تجاهه
((إذا تدبر أمرك وابحث عن نعمة بدلًا من الإسهاب في الحديث مع من لا يعنيها ذلك))
بهت وجه الرجل من غضب مَالك وارتد خطوتان إلى الخلف بقلق.. حاول الاعتراض مرة أخرى ((ولكن..))
لكن تصاعدت نبرة صوت مَالك هاتفا بنفاذ صبر
((غادر من المطبخ ولا تدخل له إلا كمجرد معبر الى جناح العاملين أو للحديقة الخلفية))
تنحنح الرجل مما سمعه وكسى الإحراج وجهه وكان يريد التبرير إلا أن صوت مَالك الحازم علا هاتفًا
((قلت لك غادر من هنا))
لم يكن يريد أن يجادله أكثر فهو يعرف أن مَالك بارد الأعصاب والمحافظ على هدوئه في مختلف المواقف يصبح على النقيض تمامًا عندما يغضبه أحد.. فتمتم الرجل بخفوت قبل أن يغادر المطبخ نحو الحديقة متعثر الخطوات
((حسنًا يا سيد مَالك))
استدار مَالك نصف استدارة يرمي بنظراته الحادة لنورين ثم سمية..
تراجعت نورين المشدوهة بنظراتها للخلف ولوهلة تلبسها خوف من مظهره ومما ظهر عليه بشكل يخالف طبعه الهادئ والمسالم حتى يظن المرء أنه لا يمكن لأحد أن يجعله يقلق أو يضطرب..
في حين بقيت سمية ثابتة وهي تبصر ذلك اللهيب المتوقد بعينيه المصوبتين نحوها بينما يهتف فيها آمرًا بتسلط
((عندما تكونين هنا لا تفتحي مجال لأيًّا كان في الحديث معكِ من البداية))
تصلبت ملامح وجه سمية وحاولت مقاطعته إلا أن الدم تدافع بعروقه النافرة وهو يردف بحدة
((خاصة ذلك الوقح الذي كان هنا، لا تعجبني نظراته ولا طريقة حديثه))
حانت من سمية نظرة لنورين التي بدت متشنجة بملامح يلفها الحذر والريبة مِمَّا فعله مَالك قبل قليل.. فهي تعيش في نفس هذا القصر منذ أشهر ولا بد أنها الآن تتساءل بقلق عن سبب هذا الانفعال المبالغ به والغريب على مَالك الذي يصعب استفزازه! بل والأنكى أنه لو تواجد أحد أخر من العاملين هنا وشهد ما فعله مَالك كان ليكثُر القيل والقال وتتوالى التكهنات والتساؤلات عليها هي..
أعادت سمية نظرها لمَالك بتأنيب شرس.. لكن ولأنها لم تكن تريد فتح مجال للأخذ والعطاء بينهما أمام نورين.. آثرت أن تكتفي أن تقول بصوتٍ هادئ المغلف بالبرود
((شكرا لك يا مَالك لكن لا داعي لتكرار ما فعلته، فأنا أكثر من قادرة على ردعه هو وأمثاله.. لست ضعيفة ولا عاجزة))
استغربت نورين طريقة حديث سمية مع مَالك البعيدة كل البعد عن الرسمية.. بل وحتى لأنها لم تناديه بـ"سيد" قبل اسمه كما هي معتادة مع الجميع هنا.. حتى معها هي قبل أن تمنعها برجاء..
قاطع حوارهم صوت طفولي يدخل من باب المطبخ الخارجي مهرولًا نحو سمية يحتضن خصرها
((صباح الخير يا أمي))
انحنت سمية لولدها الذي انتشلها من هذا الجو الملبد بالتوتر لتقبل رأسه مهمهمه ببشاشة
((صباح الخير أيها الشقي.. لقد استيقظت اليوم مبكرًا دون الحاجة لأي عملية مداهمة من قِبَلي))
أجابها الطفل الصغير بفخر
((نعم وارتديت زي المدرسة أيضًا))
تطلع يزيد الصغير ابن الست سنوات خلفه لمَالك الذي تبدد الحنق والشدة من على ملامحه وقال بصوتٍ مفعم بالحماس
((هذا لأن عم مَالك قال بأنه سيوصلني اليوم للمدرسة))
ترك يزيد أمه متجهًا نحو مَالك الذي رفعه وداعب بحنان خصلات شعره السوداء قائلًا بابتسامة
((نعم سأفعل ولكن عليكِ أن تنهي إفطارك بسرعة حتى لا تؤخرني يا يزيد))
داعبت ابتسامة فاه نورين وهي تقول متطوعة
((لقد جهزت الفطور لك يا يزيد))
كسى البرود صوت ووجه سمية وهي تقول معترضة
((اذهب يا مَالك لوحدك فيزيد يأخذ وقتًا طويلًا أثناء تناوله للفطور))
اعترض يزيد بإحباط وهو ينزل أرضًا
((إذن لن آكل شيء يا أمي حتى لا أؤخر عم مَالك))
نظرت سمية لابنها بحزم هادرة
((اسمع الكلام يا يزيد ولا تثير المتاعب))
سحبت نورين يزيد لتطبطب فوق رأسه تراضيه
((ستذهب في يومٍ آخر مع عمك مَالك))
إلا أن يزيد هز رأسه رافضًا مغمغمًا
((لا أريد أن آكل.. منذ زمن لم أذهب مع عم مَالك))
رشق مَالك سمية المتزمتة على رأيها بضيق.. لكن دلفت رتيل للمطبخ التي أحست بالجلبة فيه وشعرت بتواجد مَالك وهي تعدل من وشاحها المرخي حول رأسها ثم هدرت
((إذا اصطحبت يزيد معك من سيذهب برفقة أولادي للمدرسة يا مَالك؟ أنتَ تعرف بأنهم يخافون الذهاب للمدرسة بدونه.. انتظر أن ينهو فطورهم وخذهم جميعًا معك بدلا من السائق))
تجلت ملامح التجهم على وجه مالك فرد على زوجة أخيه بصوتٍ فاتر
((غيرت رأيي.. سأذهب لوحدي حتى لا أتأخر عن عملي في المدرسة، لست سائق حافلة الحضانة))
غادر مَالك المطبخ وبعد لحظات تردد لحقته سمية..
في حين وجهت رتيل نظراتها لنورين التي كانت تمسك يزيد لتقول بصوتٍ قاسي لها
((لماذا أنتِ وحدك مستيقظة؟ أين الباقي؟))
هزت نورين كتفيها تقول ببساطة
((أيقظي أنتِ الباقيين))
زفرت رتيل نفسًا طويلًا قبل أن تمتم متذمرة
((عليّ أن أخبر عمتي بأن نعمة لم تعد مدبرة منزل صارمة كالسابق، لا اصدق بأننا نحن أصحاب المنزل نستيقظ قبل من يعملون به))
ضيّقت رتيل عينيها وهي ترى نورين مشغولة بإطعام يزيد حزين الملامح لتقول باحتدام
((أنا لم أوقظك من النوم لإطعام ابن البستانية سمية!))
أجابتها نورين ببرود بدون أن تنظر لها
((أنا أرى أن تتابعي ما كنتي تفعلينه بدون أن تركزي عليّ))
رمقتها رتيل بسخط ثم استدارت تعود لإيقاظ ولديها الصغيرين..
.
.
توقف مَالك على صوت سمية المنادي له ليلتفت لها هادرًا بتجهم ((ماذا هناك؟))
توقفت سمية مكانها تحافظ على مسافة جيدة بينهما.. ثم قالت بنبرة حاولت جاهدة أن تخرج ثابتة
((مَالك إياك أن يتكرر شيء مِمَّا حدث قبل قليل، ماذا لو كان أحد ما معنا غير زوجة أخيك؟ ما تفعله سيثير أقاويل أنا في غنى عنها))
رفع حاجبية ثم تساؤل بوجه خالِ من أي تعابير
((وماذا فعلتُ قبل قليل لأجلب الأقاويل لكِ؟))
كتّفت ذراعيها تنظر إليه بصرامة هادرة
((أنا أستطيع جيدًا الدفاع عن نفسي والتصدي لمن يحاول تجاوز حدوده معي.. فلا تتدخل أرجوك))
اقترب مَالك منها خطوتين بلامبالاة ثم كست الجدية نبرته وهو يقول بما لا يقبل النقاش
((بمجرد عمل أي امرأة لصالح عائلتي فهي من مسؤوليتي.. وخاصة أنتِ.. سواء تواجدتِ في المطبخ أو الحديقة))
ثم أعطاها ظهره مغادرًا المكان كله لعمله..
=============================
وقف مُؤيد أمام منضدة الزينة يجفف شعره عقب أن أخذ حمامًا دافئًا منعشًا.. لكن صدح صوت زوجته المتذمر عاليًا وهي تشير لزجاجة العطر فوق السرير التي استعملها مُؤيد ورماها
((هذا العطر غالي كن حذرًا أثناء استخدامه))
تناولت الزجاجة لتضعها فوق المنضدة بعنف فعقب مُؤيد واقتضاب عاقدًا حاجبيه
((على رسلك، ستحطمينه))
ظلت رتيل على ملامحها المتجهمة وهي تجلس بقوة فوق السرير تكتف ذراعيها..
فهم مُؤيد أنها تريد منه أن يسألها عن سبب غضبها المتقد.. لكنه سألها عوضًا عن ذلك وهو يرمي المنشفة أرضًا
((هل الفطور جاهز؟))
زفرت أنفاسها ثم قالت بجفاء وهي ترفع ذقنها
((لا تقلق لقد أيقظت زوجة أخيك مبكرًا حتى قبل العاملين لتعده))
رفع عينيه إليها ثم لم يلبث أن ضحك ضحكة خشنة وهو يقول بصوتٍ خفيض
((أحسنتِ، أنا مطمئن أنكِ تقومين بواجبك على أكمل وجه في جعل حياتها كالجحيم.. فأي فتاة من أمثالها يجب عليها أن تتحول إلى خادمة في بيت عائلة زوجها))
سمع صوتها من خلفه يتمتم ببرود
((لا تقلق من هذه الناحية))
أخيرًا تنازل مُؤيد ليسألها وهو يستدير ناحيتها
((ما سر تجهمك منذ عودتك من الخارج؟))
استقامت من مكانها واقفة وأطلقت تنهيدةً لم تبشره بالخير قبل أن تبدأ شكواها المتذمرة
((لا يعجبني أخيك مَالك.. إنه يعير يزيد ابن تلك البستانية اهتمام أكثر من ابنيك أنت! دائمًا ما يعرض أن يقوم بتوصيله للمدرسة ولا يسأل عن باسم وفهد.. وحتى عندما يخرج مع أصدقائه للعب كرة القدم يصطحب يزيد معه بدلًا منهما))
انفرجت شفتي مُؤيد بابتسامة متهكمة وهو يقول مستنكرًا
((فليصحب من يشاء معه وماذا سيؤثر عليّ!))
ردت رتيل بانفعال
((لن يؤثر عليك شيء، ففهد وباسم هم فقط المتأثران.. ولداي المسكينان لا يجدان من يهتم بهما.. عمهم ينشغل عنهم بابن البستانية ووالدهما لا يراهما إلا في نهاية كل أسبوعين.. ورغم ذلك ينشغل فيها بغمر بنات إخوته بحنانه واهتمامه بدلًا منهما))
ذهل مُؤيد وهو يحدق في زوجته التي كانت تتحدث مراقبًا تلك الانفعالات المبالغة بها على ملامحها.. حتى عقدت حاجبيها تسأله
((لماذا تحدق بي كأني بلهاء؟))
نظر من حوله يحاول أن يتمَالك صبره قبل أن يقول هادرًا باستياء
((لا حول ولا قوة إلا بالله.. هل هذا وقت نكدك يا امرأة! لست متفرغًا لسماع هذه الترهات منكِ))
اتسعت عيناها قليلًا لكنها تمَالكت نفسها وسيطرت على خيبة الأمل التي اجتاحتها بسبب عدم أخذه كلامها على محمل الجدية.. فقررت أن تتجنب الخوض في هذا الموضوع لتقول ببرود مغيرة الموضوع
((هيا أخبرني متى سأذهب لعائلتي؟ لقد اشتقت لهم وأريد زيارتهم؟))
انعقد حاجباه في شدة من طريقة حديثها وجلبها سيرة زيارة عائلتها وكأنها تتعمد إفساد إجازته التي يقضيها هنا فهتف صارخًا
((حتى باليومين الوحيدين الذين أعود فيهم للمنزل تصرين على إفسادهم لي.. سأريحك من وجهي وأضل غائبّا عن هنا لأشهر حتى لا تريني ولا تسمعيني أسطوانتك التي لا تنتهي))
رفعت ذقنها قليلًا ثم همست من بين أسنانها بغيظ
((لماذا تصرخ يا مُؤيد؟ أنا أتحدث معك وأتحاور بالهدوء))
وجهه الذي أصبح مكفهرًا غاضبًا جعلها تتراجع مبتعدة عنه قدر الإمكان ثم أردفت بصوتٍ متوتر
((كل هذا لأني طلبت منك زيارة عائلتي؟ ولكن مضى أكثر من شهر على آخر زيارة لي لهم))
رد عليها بسخط
((وما المشكلة؟ كثير من النساء لا يذهبن لأهلهن لعدة شهور.. انظري لعروس الثأر تلك.. لم تخطوا قدمها قرية عائلتها منذ زواجها من أخي))
قالت مستنكرة بغضب
((وهل تقارنني بامرأة اتخذوها قربان ليوقفوا حربًا كانت لتحصل بين عشيرتين!))
صدح صوته صارخًا في المكان يرج الجدران
((ألن نتوقف عن هذه السيرة؟ لا أريدك أن تزوري عائلتك لا اليوم ولا الشهر القادم حتى، أنا الرجل هنا وأُسيِّر حياتي وزوجتي وبيتي كما أريد.. ومتى ما أردت سأجعلك تزورينهم بدون أي نقاشات سابقة أو حوارات لا أحبها))
بدأ صدرها يرتفع وينخفض سريعًا فهو الآن سيكمل وصلة صراخه ككل مرة تحاول مناقشته بشيء غير آبِه لمن يسمعهم.. العيش مع رجل كمُؤيد غاضب وعصبي المزاج كالعيش بالقرب من فوهة بركان.. كل مرة يأتي من إجازة عمله تضل هي وولديها في حالة قلق دائم وتوتر فهو قد ينفجر ويثور في أي لحظة ولأي سبب مهما كان تافهًا فيفسد أجواء المنزل ليوم كامل أو حتى لأيام عدة..
رمشت رتيل بعينيها وهي تحاول التخلص من تلك الغصة التي اعترضت حلقها ثم قالت بصوتٍ أجش خشن
((مُؤيد أخفض صوتك العالي، سيسمعنا من في الخارج))
عندما هم مُؤيد أن يفتح فاهه مجددًا قاطعهما صوت طرقات الحاجة زاهية فوق الباب..
أغمض مُؤيد عينيه يسمح لأمه بالدخول لتفعل وتغلق الباب خلفها هامسة بصرامة
((اخفض صوتك العالي يا مُؤيد، هل تظن نفسك تعيش هنا وحيدًا؟))
توترت ملامح رتيل عند كلام زاهية والتفتت بارتباك نحو مُؤيد الذي قال ممتعضًا
((سأفعل بعد أن تتعلم كنتك التوقف عن صب نكدها عليّ))
صمتت زاهية للحظات ثم قالت بحزم
((لقد جهزوا طعام الفطور تعال لتشاركنا يا مُؤيد))
غادر مُؤيد للخارج مهمهمًا بكلمات خافتة غاضبة.. لتنظر زاهية نحو رتيل بتجهم.. فسارعت الأخرى الدفاع عن نفسها
((لم افعل شيء يا عمتي، كل هذا لأني طلبت منه أن أزور عائلتي الذين لم أراهم منذ شهر!))
رقت ملامح زاهية وهي تدرك أن الحق مع كنتها فتنهدت قبل أن تقول لها بصوتٍ هادئ
((يبدو أنكِ قلتيها لمُؤيد بطريقة تسببت في إغضابه، أنتِ تعرفين بأنه سريع العصبية حتى لأسباب تافهة))
قالت رتيل بصوتٍ مشبع بالقهر
((نعم أعلم ذلك، حتى يظهر رجولته وتفوقه عليّ في الطباع الحادة))
قالت الحاجة زاهية ((لا تتخلي يا رتيل عن الأمل في التحكم بعصبيته، إن للمرأة قوة عاطفية كبيرة تمكنها التحكم بكثير من الأشياء المتعلقة بزوجها))
ثم استدارت للخارج مسترسلة بخفوت
((تعالي لتناول الطعام وتجهيز ولديك للمدرسة يا رتيل))
.
.
اجتمعت العائلة جميعها حول سفرة الفطور التي يرأسها الحاج يعقوب..
بدأت رتيل توزع أرغفة الخبز عليهم.. تناول مُعاذ حصته منها ثم التفت لوالده متسائلًا بابتسامة
((أين هي زوجة أخي مُصعب؟ هذه أول مرة آخذ إجازة من عملي وأبيت هنا ولم أراها حتى الآن))
جاءه الرد من زاهية التي قالت بجفاء
((إنها لا تفضل الجلوس معنا إلا مع وجود زوجها.. وأنت تعرف أنه هو ومَالك يذهبان لعملهما في وقت مبكر))
عقد مُعاذ حاجبيه بتساؤل
((لماذا لا تجلس معكم إلا بحضور زوجها؟))
تدخلت دارين ابنة الثانية عشرة وأجابت والدها بنبرة ذات مغزى
((إنها تخاف من امرأة عمي رتيل فهي تسيء معاملتها))
ضيّقت رتيل عينيها بتوعد وهي ترمق دارين تلك الصغيرة المدللة التي تضل تتربص بها.. في حين تصلبت ملامح مُعاذ وهو يزجر ابنته
((دارين تكلمي باحترام عن زوجة عمك فهي بمثابة أم ثانية لكِ))
انتشر الحنق على ملامحها لطريقة تحدث أبيها معها وهي ترى ابتسامة الانتصار على وجه رتيل.. فاستقامت واقفة من مكانها تقول بصوتٍ متحشرج
((لم أخطئ بشيء يا أبي.. أنتَ سألت وانا أجبت باختصار))
انخفضت تحمل حقيبة كتفها المدرسية ثم غمغمت قبل أن تغادر
((لقد شبعت.. سأذهب الآن لمدرستي))
لم تهتم دارين لصوت جدتها التي طلبت منها أن تكمل طعامها أولًا.. بل عجّلت خطواتها لتغادر المنزل..
عند عتبة الباب التفتت للخلف تسمع هتاف ياسمين زوجة عمها مازن مناديه عليها.. لتقول وهي تحمل ابنتها وتحاول اللحاق بها
((هدى جاهزة خديها معكِ للمدرسة ليوصلكما السائق معًا))
ربتت ياسمين فوق شعر دارين قبل أن تبتعد مودعة إياهم..
فتنهدت بضجر وهي تمسك يد ابنة عمها الصغيرة متجهة نحو السيارة التي تقلهما إلى مدرسة البنات في القرية..
=============================
فتحت سهر إحدى عينيها الناعستين وقد استيقظت على صوت أنين صديقتها شيرين أثناء نومها في نفس الغرفة معها.. أضاءت المصباح ذو الضوء الخافت تتفقدها فشعرت بالقلق وهي ترى جسدها متشنج وملامحها متغضنة بالألم والعرق يتصبب من وجهها بكثرة.. وكأنها تعاني من كابوس فظيع.. أبعدت الغطاء عنها واقتربت منها تهزها بلطف هادرة
((شيري حبيبتي استيقظي.. أنتِ بخير؟ أيًّا كان ما ترينه فهو مجرد كابوس سيزول فورّا.. شيري استيقظي))
وكانت هزّات سهر الرقيقة هي ما جعلت شيرين تفيق من نومها بشهقة قوية وتعتدل فجأة جالسة.. فرفعت سهر منديلًا إليها تمسح عنها قطرات العرق الذي يتصبب عن جبينها متسائلة بهمس
((هل أنتِ مريضة يا شيري؟))
أجابتها شيرين من بين لهاثها القوي بينما تريح جسدها على ظهر السرير
((لا تقلقي أنا بخير))
تلفتت للظلام النسبي حولها إلا من إضاءة خافتة لتعي أنها كانت نائمة في غرفة سهر.. كما تفعل منذ شهر بعد إنهائها عقد إيجار منزلها..
أغمضت عينيها وهي تكرر بينها وبين نفسها بأن ما كانت تعيشه قبل دقائق هو مجرد كابوس.. ثم مسحت وجهها بيديها تأخذ نفسًا عميقًا محاولة أن تسترخي..
هل عاد ذلك الكابوس لديها من جديد بسبب عودة تواصل وليد معها؟ ولكن ألا يُفترض أنها سبق وتعالجت وتعافت وصار ما فعله بها مجرد ذكرى سيئة من الماضي رغم نتائجها التي تأكلها وتحرقها حتى هذه اللحظة؟
وكأن سهر شعرت بما تفكير صديقتها غارق فسألتها وهي تربت على شعرها الطويل الأسود
((هل كنتِ تحلمين بشيء يتعلق بوليد بسبب تواصله معكِ مؤخرًا؟))
أومأت شيرين لها ثم قالت بصوتٍ مضطرب متألم
((نعم، لقد تبرع ذلك الوضيع وليد ليكون محامي الطرف الآخر، ومجانًا، فعادوا لرفع قضية أخرى عليّ بشأن حادث ابنهم))
شتمت سهر وليد بغل بصوتٍ خافت فقد كانت أكثر من شهد على ما فعله بها في عدة مواقف متفرقة في الماضي.. إنه لا يتركها بحالها..
ازدردت شيرين ريقها لتتابع بصوتها المنهك
((بعد حادث السيارة الذي حصل قبل ثلاث سنوات صارت حالة الطفل الذي اصطدمت به عادية ولم يعد يحتاج للعلاج.. خسر أهله أخر قضية رفعوها ضدي فلم تكن التقارير الطبية التي يمتلكونها مهمة أو تثبت كلامهم.. ولكن بفضل ذاك المحامي الماكر وليد عادوا مجددًا لرفعها))
قالت سهر بنبرة ملأتها بكل ما تستطيع من احتقار
((أناس دنيئين وبلا ضمير، لا أصدق كيف لحب المال أن يجعل الإنسان يصر على ادعاء الإصابة))
إحساس بالقهر ملأ روح شيرين وهي تغمغم
((معكِ حق فما يقومون به هو استغلال غير طبيعي وتكسب غير منطقي، حتى الوقود يطلبون مني دفع ثمنه مبالغًا وأضعافًا في كل مرة يذهبون للمشفى بالسيارة))
أخذت شيرين نفسًا طويلًا لعلها تهدئ ما يعتمل في صدرها من إحساس بالظلم لتردف
((لا أقول ذلك لأن الأمر متعلق بي ولكن أنا وأبي رحمه الله لم نقصر تجاه الطفل الذي صدمته.. ذهبنا به للمشفى وذهبت لأثبت راضية مرضية حق الطفل ودون تحقيق بأسباب الحادث رغم أنه من رمى بنفسه عليّ))
بحزن عادت ذاكرت شيرين لتلك الليلة قبل ثلاث سنوات..
عندما كانت تقود سيارتها في وقت متأخر عائدة هي ووالدها إلى المنزل.. فكانت تقود مسرعة لخلو الشارع من السيارات قبل أن يظهر أمامها ودون سابق انتظار طفل صغير.. وكأنه كان ينتظرها..
كان الحادث بسيطًا فقد حاولت بكل طاقتها وسيطرتها أن تتفاداه قدر الإمكان.. لكن لأنها ووالدها لم يجدا حولهم إلا الجبال والتلال على جانبي الطريق فقد كانت منطقة غير مأهولة.. حملا الصبي وذهبا به لأقرب مستشفى.. وقام فريق الطوارئ بإسعاف إصابته التي لم تتجاوز إلا بعض الرضوض.. ثم أخبرهم الصبي عن مكان بيته وقام والدها في الاتصال بعائلته الذين أخرجوه مع تقرير للطبيب يفيد بلزوم زيارة الطفل لاحقًا للمستشفى لمزيد من الاطمئنان..
ومن هنا بدأت تفاصيل مأساتها التي لا تزال تعيشها حتى الآن.. وبدأت تفاصيل العلاج وحكاية استنزافها من جديد..
فالعائلة لم تقبل أن يكمل ولدها علاجه إلا بأفضل المشافي الخاصة وباهظة الثمن.. وفي جلسات المحكمة التي لا نهاية لها يلزمونها في كل جلسة بدفع التقارير والفحوصات المخصصة للصبي..
شعرت سهر بصديقتها تصارع بين أحاسيس مختلطة باليأس والإنهاك والقهر.. فقالت له مبتسمة بتعاطف
((صدقيني ستكون الأمور أفضل مستقبلًا))
إلا أن شيرين أومأت برأسها قائلة بصوتٍ يقطر همًا وبؤسًا
((ما أعانيه ليس سهلًا يا سهر، فأنا موظفة كما تعلمين وكل يوم أغيب فيه عن عملي أتعرض للحسم من راتبي.. منذ ثلاث سنوات والقضايا التي يتم رفعها عليّ من قبلهم واستمرارهم بزيارة المشافي والأطباء بلا داعي يلتهم معظم راتبي.. إنهم يستنزفوني ماديًا ومعنويًا بلا رحمة))
اعتدلت سهر واقفة لتقول بهدوء يكتنف صوتها
((سأذهب لأعد كوبين من الشاي الدافئ حتى يزول الأرق وتستطيعي النوم لعملك في الغد.. فلا يصح أن تتأخري عليه بعد الترقية التي حصلتي عليها يا شيري))
ابتسمت شيرين لكلام صديقتها بينما تراها تغادر الغرفة..
في حين ذهبت سهر للمطبخ.. أشعلت الإضاءة ثم الموقد وبدأت بإعداد الشاي قبل أن تشعر بصوت خطوات من خلفها وتشهق مكانها بفزع هاتفة
((أمــــــــــي.. ماذا تفعلين؟))
كتفت تمارا والدة سهر ذراعيها التي كانت ترتدي مئزرًا حريرًا مخصصّا للنوم ثم قالت بينما ترمق ابنتها بوجوم
((عمّا كنتما تتحدثان أنتِ وشيرين؟))
أشاحت سهر بوجهها جانبًا تتنهد بانزعاج ثم عادت تنظر لأمها قائلة بعتاب
((أمــــــــــــي.. هل كنتِ تسترقين السمع علينا؟ هل يصح أن يخرج هذا التصرف من سيدة مجتمع راقية مثلك؟))
كان آخر كلام سهر متهكمًا فعقدت تمارا حاجبيها تقول بامتعاض
((أنا لم أكن أتنصت.. كنت أريد طرق الباب المفتوح عليكما عندما مررت على غرفتك وشعرت بأنكما لا زلتما مستيقظتان.. وصدفة سمعت حديث شيرين.. هل تعاني ضائقة مالية؟))
أعادت سهر شعرها للخف وعادت تكمل صنع الشاي وهي تقول لأمها
((لا يا أمي.. كانت فقط تتكلم عن حادثة الاصطدام بالطفل التي حصلت قبل عدة سنوات))
رفعت تمارا إحدى حاجبيها تقول مستفسرة بلا مواربة
((هل كانت تقصد أن تطلب منكِ مثلًا قرضًا أو ما شبه فهي تملك فكرة واضحة عن ثروة والدك؟ ألا يكفي بأننا نأويها في منزلنا..))
استدارت سهر باقتضاب نحو أمها قائلة
((إلى ماذا تلمحين يا أمي؟ هل سبق وطلبت شرين مني مالًا طوال سنوات صداقتنا لتطلب الآن؟))
نظرات سهر المقتضبة المصوبة نحو أمها كانت تحذرها حتى من الظن السيء بشيرين.. إلا أن تمارا تجاهلتها وهي تجيب بشيء من الامتعاض
((لا ولكن لم يبقَ لها أحد يساعدها ماديًا أو معنويًا غيرك))
عقبت سهر بتقرير
((أمي إنها لا تحتاج أحدًا.. فالراتب الذي تتقاضاه من عملها وخاصة بعد ترقّيها يغنيها عن منية إنسان.. هي قررت أن تنهي عقد إيجار منزلها والمكوث عندنا لأنها تخاف الوحدة والبقاء بمفردها فيه منذ وفاة والدها))
ثم تخصرت يدي سهر وهي تكمل مردفه بحزم
((ثم وماذا لو احتاجت مالًا؟ كل ما املكه هو فداءً لها))
عوجت تمارا فاهها ثم قالت
((أرأيتِ يا سهر كيف يسهل استغلالك من قبل الأشخاص الذين يحاوطونك؟))
أطفأت سهر الموقد بعد غليان الشاي ثم ضيّقت عينيها وهي تصحح لأمها
((أمي بل هي من يتم استغلالها من طرفي.. فهل كنت أجد في الماضي غيرها من يأويني في بيتهم ويطعمني ويشربني بدون أن يتذمر عندما تطرديني من البيت؟))
وقبل أن تخرج سهر من المطبخ هرولت شيرين إلى غرفة النوم بخفة على رؤوس أصابعها حتى لا يشعر أحد بها..
أغلقت الباب خلفها وعادت لتتمدد فوق سريرها..
ما سمعته قبل قليل من والدة سهر التي تعرف أنها لم تحبها يومًا جعلها تشعر بالكآبة تتسلل لداخلها أكثر مما سبق..
خاصة وأن الحقيقة هي أنها قررت أن تنهي عقد إيجار بيتها وتعيش في منزل عائلة سهر حتى توفر من مرتبها قدر الإمكان بعد نفاد مدخراتها لمواجهة الأيام المقبلة.. فمع عودة وليد لحياتها لن يكون أبدًا سهل ما ينتظرها..
أرجعت راسها للخلف وهي تأخذ نفسًا عميقًا.. مرهقة هي بكل ما لتلك الكلمة العميقة من معنى.. مرهقة من جبروت رجل سبق ودمر حياتها في الماضي ولا يمل بين حين وآخر أن يظهر مجددًا ليمتع نفسه في إذلالها.. بالرغم من بقايا حب غابر بداخلها له كلما تواجهت معه..
أنتشلها صوت سهر التي فتحت الباب ودلفت للداخل من جب أفكارها وهي تقول متسائلة
((لم تنامي بعد يا شيرين؟))
أخذت شيرين كوب الشاي منها بامتنان هادرة
((بدأ النعاس يسيطر عليّ الحقيقة..))
ارتشفت من الكوب الذي تمسكه قليلًا قبل أن تستطرد
((ما رأيك أن تزوريني في عملي غدًا أو بعد الغد لتلقي نظرة على مكتبي الذي تم نقله للقسم في المبنى الجديد الذي سأكون مشرفة عليه؟))
صدر صوت وصول رسالة لهاتف سهر فأمسكته بلهفة تقرأ ما وصل لها وقد رسم على وجهها ابتسامة حالمة.. بدأت سهر تضغط فوق شاشة الهاتف على أناملها ترد عليها بينما تجيب شيرين بغير انتباه أو تركيز
((حسنًا سأرى.. ربما سأذهب صباحًا لكِ في زيارة قصيرة.. فأنا اتفقت في الغد أن ألتقي بقصي في النادي مع والديّ))
كتّفت شيرين يدها وقالت وهي تزم شفتيها
((لا اقصد أن أبدو غيورة وأعرف أن خطيبك ثري لكن ألا يبدو أحيانًا أن لا عمل له إلا ملاقاتك والحديث معكِ؟ كيف يجد وقتًا لإدارة شركته وهو يبقى على تواصل تام معكِ.. إنه حتى يرافق عائلتكِ عند السفر للخارج لأيام طويلة))
رفعت سهر وجهها متغضنة الملامح لها ثم أجابت مدافعة عنه
((يعرف كيف ينظم وقته ويهتم بعمله وبي في نفس الوقت.. لا أفهم لماذا تستغربين أفعاله وأنتِ حتى لم تتعاملي معه أو تريه إلا مرات شحيحة!))
أنهت شيرين تجرع آخر ما تبقى في كوبها ووضعته فوق المنضدة الملاصقة لسريرها وقالت وهي تدفن نفسها تحت الغطاء
((لا استغرب أفعاله بل أفعالك أنتِ.. متى ستتزوجان على كل حال يا سهر؟))
قلبت سهر عينيها وهي تقول بضجر
((يا إلهي كم أكره هذا السؤال.. ألا يكفي تساؤلات أمي التي تقرع فيها رأس قصي لتعجيل موعد زفافنا! والآن أنتِ!))
هدرت لها شيرين بجدية
((أمك محقة.. أنتما مخطوبان منذ سنتين.. وكلاكما في الثانية والثلاثين.. فماذا تنتظران أكثر؟))
زفرت سهر نفسًا حانقًا وهي تغلق هاتفها ثم تدخل جسدها تحت غطائها قائلة باعتراض
((لا أمي ليست محقة.. فقد سبق ووضح قصي لها ولأبي عندما خطبني بأنه لن يقدر على الزواج بي مباشرة.. فجل وقته وماله يستثمره في عمله في شركة عائلته، وهو حتى الآن ليس جاهز للزواج على شروط وطلبات أمي الباهظة من حفل أسطوري وفيلا ضخمة))
عقدت شيرين حاجبيها وهي تسألها
((ماذا قلتِ لي اسم شركته تلك وكيف يديرها من هنا إذا كان مقرها في الخارج؟))
ظهر التيه على وجه سهر وتغضنت ملامحها الناعمة لتقول بتردد
((إنها شركة إلكترونيات.. مممم بصراحة أظل أنسى اسمها لأنه عبارة عن رموز.. أما عن طريقة إدارته للشركة فما أدراني))
كانت ملامح وجه شيرين جامدة وهي تقول بنبرة جادة أقرب لتوعيها
((مخطوبة لقصي منذ سنتين ولا تدرين تلك الأمور البديهية؟ ألم يحاول أبيكِ سؤاله من قبل عن عمله وما شابه بهذه الأمور؟))
أجابت سهر بصوتٍ خافت
((بالطبع يسأله وقصي يجيبه.. ولكن لا اصغي أنا لهذا النوع من الأحاديث))
ظهر الاستهجان على ملامح شيرين وهي تقول لها بوجوم
((إذن ماذا تفعلان طوال فترة لقاؤكما؟ أنتِ لا تفعلين شيء في حياتك إلا الخروج معه! وإذا ما عدتِ للبيت تضلين تتحدثين معه صوتًا وصورةً على الهاتف.. فبماذا تتحدثان إذن؟))
حركة خفيفة من رأس سهر وصمتها جعل شيرين تفهم لتسترسل بصوتٍ دافئ وعينين تفضيان بالاهتمام الصادق
((أنا لا أهتم إذا ما فكرتي بأني غيورة منكِ لأني لا أملك ما تملكين رغم تقارب أعمارنا.. لكن هذا لا يعني ألا أحاول أن أنصحك.. عليكِ أن تكوني يا سهر أكثر من واجهة جميل بالنسبة لخطيبك قصي.. حاولي أن تكون إنسانة مثقفة وتحدثا سويًا عن مستقبلكما معًا والعائلة التي تنويان إنشائها وعمله ومواعيده.. بدلًا من تضييع كل وقتكما بالتسلية والسفر))
تحرك حلق سهر وهي تهمس بصوتٍ لا يكاد يُسمع وهي تتمدد على سريرها بغية إنهاء الحديث ((حسنًا يا شيري))
شعرت شيرين بأنها ضايقت صديقتها بلا داعي.. رغم أنها لم ترد إلا مصلحتها وإدخال كلام والدتها الذي لا تصغي إليه لرأسها.. فتمتمت بخفوت
((طابت ليلتك))
ردت سهر عليها بينما أطفأت شيرين ضوء المصباح الخافت بجانبها فوق المنضدة..
لينتشر الظلام في أرجاء الغرفة في حين تنهدت سهر بضيق ووضعت رأسها فوق وسادتها.. تعلقت عينيها بالسقف لدقائق وعقلها لا يفكر إلا بآخر ما قالته شيرين عن زواجها هي وقصي.. لربما هي محقة.. عليها التحدث معه في هذا الأمر وتعجيل الزواج..
=============================
لا تنسو التصويت يا قمرات
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع 4 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت يا قمرات
وقفت نورين في غرفة الحاجة زاهية بوجه منكس بينما تفرك أناملها بقوة حتى كادت أن تطحن مفاصلها من فرط شعورها بالتوتر.. لقد أخبرتها مدبرة المنزل نعمة بأن حماتها تريدها في غرفتها من أجل شيء عاجل.. وها هي تقف هنا بانتظار ما تريد حماتها إخباره لها بتوتر إذ أنه لم يسبق وأن انفردت معها منذ زواجها في مكان واحد.. لذا بدا الحال الآن مثير للارتباك فعلًا..
اتسعت عينا نورين وفغرت شفتيها قليلًا وهي تراها تُخرج من الصندوق عقدًا ذهبيًا من عدة أدوار.. ثم تقترب منها بينما ترفع العقد الذهبي.. فأحنت نورين رأسها قليلًا حتى تُلبسها إياه.. ثم أخفضت نظرها تطالع العقد ببريقه الأخاذ يتدلى منها..
أخذت زاهية تحضر أساور ذهبية وتعود لتلبيس نورين هادرة بصوتها الوقور
((لقد كانت عندي منذ مدة وكنت انتظر الوقت المناسب منذ زواجك حتى أعطيها لكِ))
انشقت ابتسامة من ثغر نورين وهي تحرك يديها مسروقة الأنفاس
((إنها كثيرة.. لن أتحمل أن اسمع الرنين كلما حركت ذراعيّ))
سكنت زاهية تنظر في عيني نورين اللامعتين بالانبهار.. ثم قالت لها بملامح غير مقروءة
((ارتدي حليك الذهبي دائمًا ولا تخلعيه.. مثل ياسمين.. ورتيل.. تعلمي كيف تكونين مثلهن))
لم تتكدر ملامح نورين لمقارنتها بهم بل تجاهلت الأمر وهي تسمع حماتها تكمل
((ستأتي بعض النساء لزيارتي في المجلس بعد قليل.. جهزي ما ستقدمينه لضيافتهم.. ثم اصعدي لجناحك لتتزيني وتتعطري وترتدي أفضل ما عندك من ملابس وتعالي لتقدمي بنفسك الضيافة لهن))
رغم أن نورين قد لاحظت أن نساء القرية تجتمع عند حماتها دائمًا كل مساء يحتسين القهوة ويأكلن المقبلات.. ولا ينقطعن أبدًا عنها.. إلا أنها تطلعت في عينيها باستغراب مغمغمه بتساؤل
((أي نساء؟))
أجابتها بهدوء
((بعض الجارات والصديقات حتى يقدمن لكِ الهدايا والنقوط بناءً على طلبهن.. فأنتِ بالنهاية زوجة ابني منذ ثلاثة أشهر، ولن أستطيع إخفاءك عنهن أكثر من ذلك))
حرّكت نورين حلقها بارتباك إلا أنها سارعت الابتسام وهي تقول طائعة
((حسنًا سأفعل.. عن إذنك))
واستدارت للخلف وقبل أن تفتح مقبض الباب جاءها صوت زاهية متسائلا
((ألا تشعرين بأي شيء مختلف هذه الأيام؟ لقد مر ثلاثة أشهر على زواجك من ابني فهل أنتِ..))
بترت زاهية سؤالها وقد أوصلت معناه لها.. فنكست نورين رأسها تجيبها بخفوت ((لا..))
لف الإحباط صوت زاهية وهي تقول لها بقنوط
((لعله خير.. لا بأس.. هيا أسرعي وتجهزي الآن))
اجتاحت مرارة خيبة الأمل نورين مثلها تمامًا.. لكن ماذا تفعل وهي مرة واحدة فقط تلك التي حصلت بينهما!
.
.
بمجرد أن خرجت نورين من عند مخدع حماتها حتى هلعت مسرعة لجناحها.. تنتقي أفضل ما عندها من جلابيب حريرية..
طلبت من سمية أن تجهز ضيافة النساء من أولها لأخرها.. فبالكاد يكفي الوقت لتتجهز هي..
اغتسلت وتزيّنت وتعطرت.. وبمجرد أن انتهت.. حتى دلفت لمجلس النساء بعد أن طرقت الباب وأذن لها بخطوات ثابتة رغم ترنحها بعض الشيء تحت ثقل ما تحمله بصينية التقديم الفاخرة والكبيرة..
راقبتها زاهية تقدم أمام كل من الضيفات كأس عصير مثلج وطبق يحوي قطعة حلوة.. وهي تدعو الله ألا تخجلها أمامهن..
أتمت نورين توزيع ما في الصينية ثم جلست بتهذيب بالغ بجانب زاهية دون أن ترفع عينيها خجلًا..
لحظات كانت حتى علت زغرودة إحدى النساء الجالسات وسرعان ما شاركنها الباقيات.. ثم بدأن بإهدائها أجمل المباركات.. لم تذكر أو تُشِر إحداهما لا من قريب ولا من بعيد كيف تم زواجها من مُصعب.. ولم يخرج من إحداهن إلا طيب الكلام من تشيد بها ومجاملة زاهية لها وبحسن أدبها وجمالها وهذا ما جعلها تشعر بالاعتزاز طوال وقت جلوسها..
في حين كانت زاهية بين كل وهلة وأخرى تطالعها بنظرات تتلألأ بالفخر ووجها الوقور يرسم ابتسامة هادئة تشع رضًا..
ولن تبالغ لو قالت بأنها أعجبتها مثل رتيل بالضبط وهي التي ظنت بأنها لن تحصل يومًا على كنة بمثل اتزانها وكياستها..
=============================
تمددت رتيل بأريحية على سريرها بينما تسمع سؤال صديقتها على الهاتف
((هل جاء زوجك مانع من عمله اليوم يا رتيل؟))
تنهدت رتيل عند نعت صديقتها اسم "مانع" لزوجها مُؤيد.. فهي بحسب وجهة نظرها مُؤيد يمنع عنها السعادة والراحة..
ثم أجابتها برتابة
((نعم يا غنوة، لقد عاد مُؤيد وسيظل لثلاثة أيام قبل أن يعود لعمله وتجارته في المدينة))
((إذن لماذا لا تقضين معه الوقت بدلًا من الحديث معي على الهاتف؟))
((ليس متفرغًا لي، فهو يقضي معظم وقته مع أبيه وإخوته.. والآن هو على سطح المنزل لأن أخيه الكبير هنا أيضًا))
((هل يظن أستاذ مانع أنه أعزب! عليه أن يقضي الوقت معكِ ومع ولديكِ بدلًا من والدته.. لو كنت مكانك لقلبت حياته لجحيم ولمنعته من رؤية إحدى والديه أو إخوته))
عقدت رتيل حاجبيها وهي تعتدل جالسة ثم قالت مستنكرة
((هل أنتِ مجنونة يا غنوة! وما قد يضرني جلوسه مع أحد أفراد عائلته! دعيه يجلس معهم بقدر ما يريد.. أفضل من قضائه وقتا مشبوها في الخارج مع أصدقائه الذين أكرههم))
((أوه فعلا معكِ حق))
خرجت تنهيدة من غنوة وعم الصمت بينهما قبل أن تكسره وهي تتحدث بالموضوع الذي اتصلت به من أجله
((إذن.. ألن تزوريني قريبًا؟))
خرج صوت رتيل بائسًا وهي تقول بإحباط
((لا يا غنوة.. تشاجرت معه اليوم لأزور عائلتي إلا أنه رفض بشدة فقط من باب إظهار رجولته والتحدي))
تذمرت غنوة قائلة بحنق
((أوف يا رتيل.. لم أراكِ منذ زمن إلى متى سيظل الحال هكذا! اشتقت لمغامراتنا معًا))
قالت رتيل بحسرة وأسف يضربها بالصميم
((وأنا أيضًا اشتقت لتلك الأيام التي اترك فيها باسم وفهد عند عمتي وادّعي أني ذاهبة عند أمي ليومين وحيدة بينما في الحقيقة اذهب عندك في المدينة))
قالت غنوة بحذر
((هل تظنين أن مانع بدأ يشك بمسألة قدومك عندي؟))
سارعت رتيل تنفي على الفور
((لا مستحيل.. إنه فقط يتكاسل أن يوصلني لمنزل عائلتي في القرية المجاورة))
قالت غنوة باستياء
((زوجك مانع متشدد ومتعصب وضيق الأفق))
نظرت رتيل بعينيها للسقف وهي تقول بصوت يقطر ندمًا
((لا اصدق أني كنت أحبه قبل زواجي منه حبًا جنونيًا.. هل تصدقين يا غنوة أني كنت أناجي الله أن يكون مُؤيد نصيبي عندما طلبتني أمه له؟))
علت قهقهة غنوة الساخرة فأردفت رتيل وهي تعتدل واقفة من على سريرها
((سأذهب الآن لأحضر الشاي له كما طلب مني قبل قليل.. إلى اللقاء))
أغلقت رتيل الهاتف ووضعته جانبًا ثم وضعت وشاحًا أبيضا حول رأسها مغادرة للخارج..
.
.
داخل سطح المنزل العالي والواسع والمزين ببعض النباتات والمزروعات المنزلية.. كان كل من مُؤيد ومُعاذ يقفان متكئان فوق سور السطح الذي يطل على مساحات خضراء شاسعة من أراضي وبساتين القرى.. مع غروب الشمس هبّت نسمات من الرياح عليهما.. فتنفس مُؤيد الصعداء قبل أن يقول
((منذ زمن لم نجلس هكذا يا مُعاذ.. لم اعد أحب العودة للقرية إلا عندما اعرف أنك هنا))
وجّه مُعاذ نظراته لأخيه ليرد مبتسمًا
((ومَالك ومُصعب ألا تحب الجلوس معهم!))
خرجت قهقهة خشنة قصيرة من مُؤيد ثم قال
((صدق أو لا.. لكن طوال وجودي هنا لا أتحدث معهما ولا أراهما إلا صدفة.. كلاهما غارق في عمله وأصدقائه وكلاهما من النوع الكتوم الهادئ.. أنتَ فقط من اعتبرك صديقي بجانب كونك أخي))
تنهد مُعاذ بعمق واستدار يحمل شاف مياه ليرش القليل منه على أرض السطح لتبريدها بينما يهدر
((كبرنا يا مُؤيد وكل واحد سرقته الحياة بعيدًا عن الأخر وضعفت أواصر أخوتنا ولم تعد متينة كالسابق))
((معك حق))
جلس مُؤيد حيث يضع الوسائد والإسفنجات وتبعه مُعاذ بينما يسأله بهدوء
((لماذا كنت تصيح في الصباح الباكر؟ لا يجوز يا أخي أن تظل على طبعك العصبي هذا))
تمدد مُؤيد مكانه يتمتع بانخفاض درجات الحرارة والنسمات الليلية ثم أجابه
((ليس كل الرجال المتزوجين والغارقين مع نكد النساء قادرين على التحكم بأعصابهم يا أخي.. ليس الجميع محظوظين وأرامل أمثالك))
شبح ابتسامة متهكمة ارتسم على ثغر مُعاذ من كلام أخيه رغم أنه قد ضرب وترًا حساسا فيه عند ذكر امرأته المتوفاة التي كانت بالنسبة له تؤام روحه.. لكنه لم يؤاخذ مُؤيد فهو يعرف تصلُّب شعوره وضَيْق أُفُق إحساسه بالآخَرين! بل اكتفى يلكز كتفه بخشونة هادرًا
((غليظ أنتَ يا مُؤيد.. أراهن بأنك أنتَ من يصب النكد على الأخر.. وهي لها الجنة بإذن الله جزاءً لصبرها عليك))
أدار مُؤيد رأسه نحو أخيه يقول باستياء
((تريد أم فهد مني أن أرسلها لتزور أمها كل شهر.. تخيل!))
هدر مُعاذ بدهشة وتفكه
((كل شهر! هي الابنة الوحيدة لأمها.. ألا يجب عليها أن تذهب كل أسبوع؟))
رد مُؤيد عليه بملامحه الجادة الخشنة وتعابيره المتأهبة
((مُعاذ توقف أنتَ الأخر.. لا تشعرني أن أمها وحيدة لا تعيش مع ابنيها في نفس المنزل.. إذا كانت تحب أمها لهذا الحد فلم يجبرها أحد أن تتزوج وتتركها))
انكمشت ملامح مُعاذ وقال بشيء من الامتعاض
((يا أخي أنتَ ظالم.. تحرم زوجتك من أبسط حقوقها وهي زيارة أمها بين كل حين وأخر!))
رد مُؤيد بجفاء ونبرته يشوبها القسوة
((أحرمها! إنها تعيش في منزل ووضع مالي لم تكن لتحلم به في منزل عائلتها))
حافظ مُعاذ على سكون ملامحه بينما يخبره بتلقائية
((ومن قال لك ما قصدته هو المال والرفاهية! هناك أشياء لا تشترى بالمال.. كالحب والرعاية والتواد والتواصل، وهذا ما تفتقر وجوده في حياتك.. عملك لا يترتب عليه أن تضل في المدينة وتؤجر شقة هناك لتظل معظم الأيام فيها هنا والله أعلم ماذا تفعل لوحدك فيها..))
تحفزت ملامح وجه مُؤيد ليسارع بالاعتدال جالسًا ثم خرج صوته بدون أن يشعر عاليًا غاضبًا
((لحظة.. لحظة.. لحظة يا أخي أنا لا اسمح لك أن تصوِّب اتهاماتك.. مُعاذ الله أن اقترب من الحرام))
ضاقت عينا مُعاذ وهو يرمقه بنظرة مفادها عدم تصديقه.. وقال وحاجبيه يزدادان انعقادًا
((لقد رأيتك يا مُؤيد بأم عيني في إحدى الأيام بصدفة لا تصدق تجلس مع امرأة سافرة في إحدى المطاعم.. ماذا تسمي هذا؟))
اضطربت ملامح وجه مُؤيد إلا أنه حافظ على صلابته وهو يقول
((متى رأيتني؟ متى كان ذلك؟ وكيف شكل المرأة؟ هل كانت ذات شعر أشقر طويل؟ إنها إحدى عملائي ولها أصول غربية وكنا نتناقش بشأن عملنا.. إياك أن تسيء الظن بي))
صمت مُعاذ للحظة وهو يرمي أخيه بنظرةٍ سوداء ثم قال بنبرةٍ جافة تحمل بعض السخرية
((لا من رأيتها معك امرأة صهباء وشعرها قصير.. هل غيرت لون وشكل تصفيفة شعرها أم هي امرأة أخرى!))
ورغمًا عنه خرجت تلك الضحكة الخافتة منه فقال متهكمًا وهو يرفع عينيه للسماء بلا تصديق
((رباه مُؤيد.. ماذا تفعل بحياتك هناك في المدينة! الأمر أسوء مما ظننت))
شد مُؤيد على أسنانه بغيظ إلا أنه نظر بعينيه المشعتين بنظرات التهديد والغضب لأخيه.. ثم غمغم بصوتٍ خفيض وهو يرنو بعينيه المهتزتين على أخيه بينما يرفع سبابته منبها
((لن أعيد كلامي مجددًا يا مُعاذ، أنا لا اسمح لك، أنا أتعامل مع مختلف العملاء من نساء أو رجال.. والتقي بعميلاتِ من النساء في لقاءًت محترمة في أماكن عامة.. مقاهي.. نوادي.. هذه هي الأماكن التي نجلس فيها))
لم يتمكن مُعاذ من خنق ضحكة ساخرة أخرى خانته وانفلتت من بين شفتيه ليقول
((لا محترم يا أخي، محترم جدًّا، تذبحني باحترامك..))
تنهد مُؤيد باقتضاب وعاد يتمدد وينظر للسماء متمتمًا بامتعاض
((صدق أو لا هذا أمر عائد لك ولا يهمني.. كل ما في الأمر أني أحب أن أعيش حياتي بشكل جيد ولا ادّخر شيء من المتعة))
صوّب مُعاذ نظراته الساخرة عليه يرد
((نعم عش حياتك بشكل جيد.. أما عندما طلبت منك أن تسمح لزوجتك أن ترافق ابنتي للنادي نهاية كل أسبوع اعتذرت متأسفًا بأنك لا تحب أن تخرج زوجتك من البيت بشكل متكرر.. تُحِل عليك ما تحرمه على ابنتي وزوجتك))
غمغم مُؤيد بهدوء دون أن ينظر له
((يا أخي أنا حر! لا أحب أن تذهب زوجتي لتلك الأماكن.. إذا أردت مرافق لابنتك حتى تسمح لها للذهاب هناك تزوج يا أخي.. أما المرأة المسؤول عنها في حياتي فأنا حر بالسماح لها بالذهاب أو لا))
استنكر مُعاذ كلامه قائلًا
((لكن لم هذا التناقض في حياتك يا مُؤيد! ترفض ذهاب زوجتك إلى أماكن عادية ومألوفة في حين أنك تذهب وترتاد أماكن أفظع مع صديقاتك!))
رفرفت عينا مُؤيد صامتًا لوهلة كمن يستجمع سيطرته على نفسه ثم قال بجدية
((لأني رجل يا مُعاذ.. رجل ولي مطلق الحرية في تلبية كل رغباتي واحتياجاتي.. ولن يحاسبني المجتمع يومًا عليها.. بينما يقيس المجتمع مكانة زوجتي بمدى حفظها لنفسها والتزامها))
ضيق معاذ عينيه بغموض! إذن مؤيد يلتقي بهؤلاء النساء في تلك الأماكن العامة ليس للعمل فقط! هو كان لديه فكرة عن طباع وتفكير شقيقه إلا أن كلامه هذا يثير الاستياء.. فقطب حاجبيه هادرًا
((من أين تجلب هذا الكلام يا أخي؟ هل يتعامل والدنا بهذا الشكل مع أمنا؟ ألا تراه يقدرها ويحترمها ويحبها ويعاملها بالمودة والرحمة؟))
تمتم مُؤيد بضيق
((أنتَ لا تدري شيء يا مُعاذ فلا تتدخل))
إلا أن مُعاذ أكمل الحديث وهو يقول بجدية
((ألم تقل بأنك تعاني من نكدها؟ إذن دعها تذهب وتجرب ولا تحرمها من شيء، صدقني ستريحك أنتَ.. ثم هي في النهاية إنسانة بحاجة لمصادر إشباع.. كصديقات ونشاطات.. حتى يضل الحب عامرًا بينكما ولا..))
قاطع مُؤيد كلامه على الفور بهدوء وجفاء
((ومن قال لك أني أحبها؟))
صمت مُعاذ لحظات باستغراب.. قبل أن يقول متوجسا بخفوت
((ألم تنتظرها سنوات حتى تنهي دراستها وتتزوجها؟ ألا تحبها حقًا؟))
أجاب مُؤيد ببرود وبساطة
((إنها فقط ابنة إحدى صديقات أمي.. وأمي من اختارتها زوجة لي))
ضيق مُعاذ عينيه متسائلا
((مُؤيد.. لم تزوجت منها إذا لم تكن تحبها؟ ألست رجلًا وقادر على اختيار أي امرأة تريد الزواج منها؟))
أوما مُؤيد رأسه ثم قال بفتور
((أعرف أني لم أكن مرغمًا على الزواج ولكن شعرت بأن عليّ فعل ذلك لإرضاء أمي.. وعائلتي.. فقط.. ثم.. ثم كنت بحاجة لتكون زوجتي وأم أولادي امرأة مطيعة.. خلوقة.. تتحمل المسؤولية.. من عائلة لها نسبها.. وأستطيع أن أثق فيها أثناء غيابي مثل أمي))
فتح مُعاذ كفيه متسائل بجدية
((ممتاز.. كل هذا فيها ولا تحبها وتتسكع مع نساء أخريات في المدينة؟))
رد مُؤيد ببلادة
((نعم لأن زوجتي كما أخبرتك تزوجتها لافتخر بها أمام مجتمعي وعائلتي وأقاربي.. ولكنها ليست هي الفتاة التي أحلم بها.. وليست حتى قريبة من صورة المرأة التي تحاكي تصوراتي العميقة))
هز مُعاذ رأسه بيأس من كلام أخيه ثم قال مستسلمًا
((لا أدري ماذا أقول لك إلا أن تحاول تغيير زوجتك لتصبح فتاة أحلامك بدلًا من التسكع مع هؤلاء النساء في المدينة))
خرجت من مُؤيد تنهيدة عميقة.. قبل أن يقول بصوتٍ صادق وثقيل
((ألم أقل لم بأنك لا تفهمني.. كيف تريد مني أن أغير رتيل وأنا تزوجتها لأنها كذلك، فشخصيتها وما هي عليه لها قالبها الذي لا يجوز أن تخرج عنه.. والا لن تصبح صالحة لفكرة أن تكون زوجة لي ولتربية أولادي.. بينما مشاعري واحتياجاتي العاطفية كلها سأذخرها لأخرى))
تغضن جبين مُعاذ باستهجان متسائلا
((تذّخرهم لأخرى؟ لواحدة من تلك النساء اللواتي تقابلهن في المدينة؟ لقد فضحت نفسك واعترفت بأن الأمر لا يقتصر معهن على لقاءًت العمل))
أغمض مُؤيد عينيه عن تأمل السماء ثم قال بهدوء يكتنف صوته
((لا، هن حقًا مجرد عميلات عندي.. أنا أتحدث عن امرأة أخرى ابحث عنها وأتمنى أن أجدها يوما))
رفع مُعاذ إحدى حاجبيه ومال بظهره يسأله
((من هي المرأة التي تتمنى أن تجدها يومًا ما؟ هل اعرف عنها شيئا؟))
هز مُؤيد رأسه وقال
((لا أحد يعرفها ولا حتى أنا، لأنها من خيالي))
ضحك مُعاذ بخفوت لا يحمل من المرح شيئا ثم قال
((مجنون.. أكاد اقسم بذلك.. هل أنتَ حقًا في الثالثة والثلاثين من عمرك؟))
لم ينزعج مُؤيد من نعته بل قال بصوتٍ غريب عنه
((نعم أنا مجنون.. لأني عندما أجد تلك المرأة فأنا مستعد لأهدم كل ما بنيته في السابق من أجلها رغم أني لم أحدد بعد ملامحها.. لكن أقسم بأني سأفعل إن وجدتها.. أريدها جميلة.. وبصفات كثيرة.. لا أظن بأني سأجد فيها كل ما أريده.. لكن على الأقل أريد أن أجد فيها بعض ما أتمنى فلي الحق في الاستمتاع))
تمتم مُعاذ بصراحة واستياء
((أشفق على زوجتك التي تعيش معك))
ساد صمت طويل بينهما لم يقطعه سوى صوت حركة الرياح مع أوراق الأشجار.. فتح مُؤيد عينيه يكسر الصمت قائلًا بنبرة فيها بحة وهو يغير الموضوع السابق
((تعال وتمدد بجانبي يا مُعاذ تأمل السماء.. بدأ الظلام ينتشر وازدادت النجوم المتلألئة تألقًا فيه))
ابتسم مُعاذ موافقًا وألقى بإحدى الوسائد ثم وضع رأسه فوقها يتمتع هو الآخر بالهواء المنعش ويسرح في هذا المشهد الرباني..
شعر مُؤيد بجفونه تزداد ثقلًا وكاد أن يغفو قبل أن يقول بصوتٍ أجش
((ما رأيك أن نصلي العشاء ثم نبيت على السطح هنا كما كنا نفعل في أيام صبانا))
لم يبدِ مُعاذ الاقتناع وهو يجيبه بصوتٍ ناعس
((إنسَ الفكرة.. لن أتحمل أن أجبر غدًا على الاستيقاظ في وقت مبكر جدًا حين تشرق الشمس على وجهي))
وخفتت أصواتهما غير مدركين للمرأة الواقفة جانبًا ورائهما متجمدة الحواس لا الجسد من كم الإهانات التي خرجت من فم زوجها أمام أخيه عنها.. كان وجهها شاحب.. الدموع متجمدة بعينيها.. يديها الممسكتين بصينية الشاي ترتجفان.. وقلبها متسارع الخفقات..
أسدلت رتيل جفونها للحظات تحاول استيعاب ما سمعته طوال حديثهما.. والذي مضمونه بأنها ليست بالنسبة لمؤيد إلا زوجة وأم الولدين وقد اختارها ليرضي مجتمعه وعائلته فقط لا غير..
ليس وكأنها تجهل هذه الحقيقة.. لكن يظل سماعها صراحة أمرًا مُرًا كالعلقم..
تعرف أن عمله لا يتطلب بقائه هنا في المدينة كل هذا.. وأن هناك غرضًا وراء استئجاره شقة هناك وعدم عودته هنا إلا عدة أيام كل أسبوعيين وكأن منزله فندق للزيارات فقط!
بل ما سبق وأثار استغرابها سابقا أنه بطبعه يحب أجواء قريته ويختنق من الازدحام والضوضاء.. ومعتاد على رائحة النباتات والعيش في الهواء الطلق! لكن هنا ليس هناك عميلات متبرجات شقراوات يستطيع الخروج معهن والتنزه من حين لأخر..
شعرت رتيل بنفسها يضيق فاستدارت للخلف تغادر المكان كله بخفة خطواتها.. وما أن ابتعدت كفاية حتى أخذت نفسًا عميقًا..
.
.
دخلت رتيل المطبخ شاردة الذهن بدون أن تنتبه على المتواجدين فيه ووضعت صينية الشاي فوق الرخام..
تصاعد رنين الهاتف للمرة الثانية فارتأت أن ترفعه وتفتح الخط على المتصل والذي كان زوجها.. مُؤيد
((أين أنتِ يا رتيل؟ الم أخبرك أن تعدي الشاي قبل ساعة؟))
همست بصوتٍ فاتر أجوف
((سأعده الآن واعطيه لأحد غيري ليجلبه لك))
وصلها صوته صارخًا باقتضاب
((لم تعديه حتى الآن؟ هيا أسرعي سنغفو قبل أن يجهز))
أغلقت رتيل الهاتف بغل وأمسكت إبريق الشاي تفرغه بحقد في حوض الغسيل تحت أنظار نجوم التي جاءتها مستهجنة تقول
((لماذا ترمين ما في الإبريق يا سيدة رتيل؟ ألم يعجبك طمع ما أعددته؟))
التفتت رتيل بوجهها الواجم تضع عينيها بعيني العاملة الشابة التي تعمل عندهم
((لم يعجبني كمية سكر الشاي.. أعديه مرة ثانية يا نجوم وأنا من سأضع السكر فيه بنفسي))
أومأت نجوم رأسها بطاعة لرتيل قبل أن تشهق متألمة من لكزات والدتها منال التي قالت لها من بين أسنانها تؤنبها بقسوة
((نجوم أيتها البلهاء هل عليّ أن أضل أعلمك كيف تعيرين مقدار السكر في الشاي حتى؟))
مطت نجوم شفتيها وهي تمسد بيدها مكان الضربة قبل أن تبدأ بوضع إبريق آخر مملوء بالماء فوق الموقد..
دخلت مدبرة المنزل نعمة للمطبخ لتتسع عينيها ويرتسم الضيق على وجهها وهي ترى مَالك يأخذ مكانًا في زاوية المطبخ بهدوء بينما يجلس يزيد فوق الطاولة يجهز له عصيدته المفضلة..
اقتربت نعمة من منال هامسة ونظرها لا زال مصوبًا لمَالك
((ماذا يفعل السيد مَالك هنا يا منال؟))
حدجت منال سمية التي كانت تقف بجانبها بنظراتها وأجابت نعمة
((لا شيء.. ابن الهانم سمية مكتئب وهو هنا يطيب بخاطره لأنه يخشى أن يذهب لنومه حزينًا وبمعدة فارغة))
ازدردت سمية ريقها وقد فهمت من نظراتهما لها ولمَالك برفقة ابنها عما يتهامسن.. لكن اقتربت نعمة منها توبخها هامسة بحدة
((كم مرة عليّ أن أقول لكِ ألا تدخلي المطبخ يا سمية؟ عملك في حديقة المنزل وحسب.. وابنك الشقي لا تجلبيه معكِ ليفتعل المشاكل ويشغل السيد مَالك))
شيء من الحرج والألم غشي ملامح سمية لما تسمعه من حدة وكأنها مذنبة تستحق التوبيخ.. فرفعت أنظارها لنعمة متمتمه
((أنا ومنذ مدة طويلة لا أدخل المطبخ أبدًا إلا لمساعدة نورين بين الحين والآخر.. وكنت سأغادر لأعود لبيتي وقد تأخر الوقت لولا أن السيد مَالك تمسك بيزيد))
هدرت بها نعمة بحزم
((هم زوجوها من أحد أولادهم حتى تخدمهم لا لنخدمها نحن.. ألا تعرفين أن قريبها هو من قتل يحيى ابن شقيق الحاج يعقوب عامدًا متعمدًا؟))
وأيّدتها منال قائلة وهي تومئ برأسها
((لقد قيل لنا من قبل الحاجة زاهية والسيدة رتيل ألا نعاملها هنا إلا كخادمة فلا تعصيها بما تفعلينه))
تمتمت سمية بهمس تتلمس عطفهم على نورين
((نورين فعلًا طلبت مني ألا اسبق اسمها بكلمة "سيدة".. وانا لا أقوم إلا بمساعدتها في المطبخ فقط ببعض الأمور لأنها ما تزال صغيرة على كل هذا))
ظهر السخط على وجه نعمة ولم يعجبها ما سمعته من سمية إلا أنها ابتعدت عنها متوجهة نحو مَالك هاتفة بصرامة
((كفى يا يزيد.. لقد أتعبت السيد مَالك.. هيا قم يا ولد بلا دلال))
قال مَالك بهدوء يكتنف صوته دون أني يعطي انتباهه لها
((دعيه يا نعمة.. لقد أنهيت الآن صنع العصيدة أخيرًا))
أمعنت نعمة النظر في يزيد الذي كان يخفض بصره حتى لا يواجهها وقد أدرك رغم صغر سنه بأنها لا توده ولا تحبذ تواجده هنا.. ثم قالت لمَالك
((أنا أحفظه منذ صغره إنه يحب أن يتظاهر بالمرض ولفت الانتباه لأقل شيء يحدث له.. إنه يتدلل ويتصرف كطفل صغير لا كابن ست سنوات))
صوب مَالك نظراته الحادة لنعمة قائلًا بخفوت
((توقفي يا نعمة.. ولا تفسدي شهيته قبل الأكل.. وجهه باهت.. وهو مريض))
تخصرت منال تلوك فاهها قبل أن تتمتم كمن تحدث نفسها ولكن بصوتٍ مسموع
((عند هذا الولد يزيد والد حي يرزق فلماذا لا يتدلل عليه هو بدلًا من غيره!))
رفرفت سمية بعينيها تمنع عبراتها المتجمعة من الخروج.. لقد طفح الكيل وعليها بالفعل ألا تخطوا بقدمها لمطبخ الحاج يعقوب مجددًا.. فالجميع هنا من أصحاب المنزل والعاملين فيه لا يطيقون تواجدها أبدًا فيه.. وكانت تهم بأخذ يزيد من مَالك إلا أنها سمعت نعمة تقول بنبرة هادئة
((سيد مَالك بدأت مؤخرًا تتردد كثيرًا على المطبخ.. وهذا لا يجوز.. أنا أتحدث من أجلك أنتَ))
كانت نظرات نعمة الصارمة متحدية لمَالك الذي ضيق عينيه..
فقالت سمية بصوتٍ متحشرج وهي تمد يدها لابنها
((يزيد تعال.. هيا تعال.. لنذهب الآن للبيت))
تطلع يزيد في ملامح وجه أمه التي نبأته بألا يجرؤ حتى بالاعتراض فهذا امر جدي ولا يتحمل تذمره الطفولي.. إلا أنه اخفض وجهه الشاحب من إعيائه وتمتم بتبرم طفولي
((أمي.. أنا مريض وسأتناول من العصيدة أولًا))
اتسعت عيناها من رفض ابنها لتقول بعينين صارمتين وهي تقترب منه أكثر
((يزيد هيا تعال))
رجاها بصوته المتعب
((أمي.. لا أريد.. دعيني أضل أكثر قليلًا))
رشق مَالك كل من نعمة ومنال بغضب يستعر من خضرة عينيه لما تسببا بقوله من كلام جعل سمية تقرر أخذ يزيد بعيدًا..
كانت سمية التي تحمل يزيد تهم بالخروج من المطبخ من الباب المطل للبستان في الخارج تزمنًا مع دخول نورين المطبخ هاتفة باسمها بصوتٍ مفعم بالبهجة.. فالتفتت سمية باستغراب تسألها
((ما بكِ يا نورين؟ هل انتهت زيارة النساء عند السيدة زاهية؟))
تقدمت نورين منها بلهفة وابتسمت ممتنة وهي تقول بصوتٍ لطيف
((لا ولكن استأذنت الخروج.. لقد أعجبتهن الضيافة شكرا لكِ يا سمية.. أتعبتِ نفسك كثيرًا أثناء مساعدتي رغم أنه ليس من واجبك))
ابتسمت سمية ترد بصوت أجش
((لا تقولي هذا، أقل من واجبي))
تدخلت منال قائلة بوقاحة
((طبعا أقل من واجبك.. فالحاج يعقوب خيره عليكِ وعلى الكل))
لم يكن مَالك راضي عما تفعله سمية من تطوع بمساعدة نورين حتى لو كان بطيب خاطر فهي هنا ليست خادمة..
لكن الأنكى من ذلك أنه كان ساخطًا على كل العاملين في منزلهم وهو يراهم يسيئون معاملتها بهذا الشكل رغم لطفها البالغ مع الجميع.. وبالرغم من الغضب الكامن بداخله اكتفى يردع منال قائلا بصوتٍ مقتضب
((توقفي عن كلماتك السامة هذه))
إلا أنها ردت مغمغمه بلامبالاة أو احترام لابن سيد المنزل
((لم أخطئ بشيء مما قلته يا سيد مَالك))
بدأت نورين تمرر يدها فوق شعر يزيد الناعم تداعبه وقد بدا الإعياء جليًا عليه.. في حين أخذت نعمة نفسًا طويلًا لم تزفره.. فوجود مَالك هنا في المطبخ يعيق عملها هنا ويقلل من هيبتها.. هي ليست راضية أبدًا عن تواجده هنا وكانت تفكر بإخبار والدته سيدة هذا المنزل عن كثرة دخوله للمطبخ والتدخل في سلطتها في تدبير أمور المنزل والعاملين فيه..
أنهت نجوم صنع الشاي وتطلعت لرتيل التي كانت تقف مائلة ومتكأه على الرخام بينما تكتف ذراعيها.. ذهنها.. عينيها.. وكل ما فيها شارد لعالم آخر وكأنها ليست هنا ولم تشهد كل ما حدت قبل قليل.. فهتفت نجوم باسمها عدة مرات قبل أن تنتبه رتيل متجهمة لها لتقول نجوم بلطف
((لقد أنهيت الشاي يا سيدة رتيل.. تفضلي))
قامت رتيل بتعديل الوشاح وهي تقول باقتضاب
((ضعيه هنا ريثما أضع السكر في داخله وأحركه))
أومأت نجوم وابتعدت فأخذت رتيل صينية الشاي وفتحت إحدى العلب التي كانت تحوي ملح ووضعت أطنانًا منها داخل إبريق الشاي..
عقدت منال حاجبيها وهي تناظر بصمت وذهول ما تفعل رتيل بدون أن تفهم غايتها قبل أن تسمعها تنادي نورين بصوتٍ جهوري قائلة
((نورين اذهبي وأرسلي الشاي لزوجي وأخيه في سطح المنزل))
استدارت نورين لها تقول لرتيل بتعابير حازمة وقد اكتفت من استعبادها كما أن الخوف لا يزال يدب بداخلها من وجودها في نفس المكان مع مُؤيد
((اذهبي أنتِ واجلبي لهما الشاي.. لم أنا؟))
شهقت رتيل وهي ترى نورين تتحداها بصلابة فهتفت فيها بحدة
((عندما أقول شيء عليكِ أن تنفذيه بلا أي نقاش.. وعليكِ طاعتي))
تحدتها نورين بسفور وردت بثبات ((لا أريد))
توحشت ملامح رتيل وهي تزعق فيها بينما لا تزال تحمل صينية الشاي
((هل تقولين لي لا صراحة؟ هل هذه بوادر تمرد؟))
لم تتراجع نورين رغم الخوف الطفيف الذي دب فيها لتقول
((زوجك أنتِ اذهبي واخدميه))
تدخلت منال التي فهمت خبث مقصد رتيل فزجرت نورين هادرة وهي تقبض على مرفقها بقسوة
((قالت لكِ السيدة رتيل أن تذهبي بالشاي لهما فوق فافعلي بدون أي نقاش))
التفتت نورين تنظر لها قائلة بخشونة وهي تحولت تحرير ذراعها
((لا أريد.. ولا اسمح لكِ بالتحدث معي بهذا الشكل))
ناظرت سمية مَالك الذي لوح لها برأسها أن تتدخل قبل أن تبدأ النساء في عراك.. فأنزلت سمية ابنها الذي كانت تحمله وتقدمت منهن قائلة بينما تبعد يد منال التي تمسك ذراع نورين برفق
((منال حرري يدها سيقع الشاي الساخن الذي تمسكه السيدة رتيل عليها))
ناولت رتيل صينية الشاي لمنال تمسكه بيد واحد بينما تهتف بسمية
((لا تتدخلي وابتعدي.. أنا لا أسمح لكِ))
كانت أنظار سمية كلها موجهة على صينية الشاي التي تحملها منال بيد واحد متذبذبة الحركة لتقول
((سيدة رتيل أرجوكِ انتبهي سيسقط الشاي عليها))
نظرت رتيل لنورين تأمرها مجددًا بتعنت
((اصعدي بالشاي فوق ولا تثيري أي فضائح هنا))
تأجج غضب نورين من طريقة معاملة رتيل لها المستمرة لها.. وشعرت بأنها نالت كفايتها فصرخت وهي تقوم متهورة بدفع الصينية التي تمسكها منال قريبة منها ليتهاوى أرضًا صارخة
((دعيه يسقط لترتاحي يا رتيل))
ابتعدت النساء كلهن شاهقان وقد تناثرت قطرات من الشاي المغلي عليهن..
إلا على سمية كان نصيبها أن سقط الشاي كله على يديها فأجفلتها شهقة ملتاعة لتخرج منها صرخة ألم من حرارة الشاي الساخن..
تصلبت نورين ورتيل مكانهما بصدمة لما حدث لها.. وخرجت باقي شهقات النساء عاليًا..
هلع مَالك نحوها يسألها والذعر عليها يملأ عينيه
((سمية.. سمية هل أنتِ بخير؟))
خرجت الكلمات منها متشنجة بينما تغمض عينيها من شدة ألم ما تشعر به
((أوه.. يا إلهي.. يدي))
أمسكتها نعمة من مرفقها على الفور وجرته نحو صنبور المياه لينسكب الماء عليها بينما ترفع كميها..
هال مَالك منظر جلد يدا سمية الحمراوين بفعل الشاي الساخن الذي انسكب فوقهما.. فهو الأدرى بمدى رقة وحساسية بشرتها..
دمعت عينا نورين وتزايدت وتيرة أنفاسها بخوف لأنها كانت المتسببة لما حدث لها..
دخلت الحاجة زاهية المطبخ ومعها إحدى الجارات التي كانت عندها لتسأل فزعة
((ماذا يحدث هنا؟ أصواتكم وصلت عنا))
كانت في هذه الأثناء تقترب نورين من سمية بمحاولة الاطمئنان على يدها الموضوع تحت الماء البارد إلا أن صوت مَالك يردعها علا هاتفا
((ابتعدي عنها.. كل ما حدث لها بسببك أنتِ))
خرج صوت نورين مرتعش وهي تقول معتذرة بارتباك
((لكن لم أقصد.. كنت أريد أن ارميه أرضًا لا عليها))
لم يرأف مَالك بها وهو يستمر بجزرها
((ابتعدي من هنا إذن))
اتسعت عينا زاهية بذهول من ردة فعل ابنها.. بل من سبب وجوده هنا.. شتّت نظرها للفوضى الحادثة في المطبخ ثم نظرت لرتيل التي كانت تقف مكانها تسألها
((ماذا حدث هنا؟))
أخفضت رتيل وجهها وكان كل ما فيها متشنجًا ومثقلا بالذنب..
خافت منال عليها أن تعترف فتدخلت قائلة بمسكنة ومكر
((كما ترين يا حاجة الحاجة زاهية، طلبت السيدة رتيل من نورين جلب الشاي إلا أنها رفضت وقامت برميه أرضًا وسكبت ما فيه على سمية))
بالكاد تماسكت نورين وهي ترى نظرات زاهية والجارة التي جاءت معها.. كن يرمقنها بسخط وخيبة أمل.. ومن فرط الإحراج الذي كان يجتاحها لم تقدر على النطق بشيء..
اقتربت زاهية من سمية التي كانت تغمض عينيها تكتم ألمها بصعوبة لتسألها
((هل يداكِ بخير الآن؟))
أومأت سمية برأسها تقول بشق الأنفس
((نعم بخير.. الحق عليّ أنا من تدخلت ودفعت يدها فانسكب عليّ))
نظرت زاهية بطارف عينها لابنها مَالك بانزعاج لبقائه هنا بينما تراه يجلس على الكرسي وهو يُجلس يزيد المرتاع على أمه فوق حجره ويده يمررها فوق ظهر الصغير ليهدئه.. ثم عادت تنظر لسمية المتألمة قائلة بصرامة لا تناسب الموقف
((إذن لا تتدخلي أبدًا مرة أخرى حتى لا يحدث أمرًا مماثلًا لهذا مجددًا))
وكما توقعت قال مَالك وتدخل معترضًا
((أمي لقد أصيبت بحروق ربما تكون من الدرجة الثانية وأنتِ تلومينها هنا!))
قالت الجارة التي جاءت مع زاهية
((ماذا تفعل يا مَالك هنا؟ من غير اللائق تواجدك هنا مع النساء.. غادر مع الطفل))
وقف مَالك من مكانه وهو لا يزل يحمل يزيد
((سأذهب بها للمشفى ليتفحص الطبيب حالتها))
جحظت عينا زاهية لعرض ابنها الجريء الذي قاله الآن.. فعضت على شفتها قبل أن تردعه
((مَالك اخرج من هنا ودعني أرى أنا يديها.. لن تحتاج لطبيب))
استجاب مَالك على مضض وخطى نحو الخارج.. في حين قالت نعمة وهي تغلق صنبور المياه
((لا تقلق لا تبدو إصابة بالغة تستدعي ذهابها للمشفى.. سأضع الدواء المخصص للحروق واضمد يدها وسينتهي الأمر))
اقتربت نورين من سمية هامسة
((أنا أسفه حقًا لم أقصد ما فعلته))
رفعت سمية نظرها قائلة بنبرة ودودة متسامحة رغم تألمها
((لا دخل لكِ أبدًا، الخطأ خطئي))
عندما كان مَالك خارجًا من عتبة باب المطبخ إلى الداخل اتسعت عيناه متمتمًا
((مُصعب؟ هل جئت من العمل؟))
ظل مُصعب الواقف مكانه يطالع ملامح أخيه الأصغر سنًا المضطربة.. والى الطفل الصغير الذي يحمله مرتعش الجسد دليلًا على بكائه.. فعقد حاجبيه يسأله بصوتٍ فيه بحة
((ما الذي يحدث في المطبخ يا مَالك؟))
التفت مَالك ينظر لداخل المطبخ.. إلى حيث تقف نورين.. ثم قال بجفاء إلى أخيه
((زوجتك سكبت الشاي الساخن على سمية))
اتسعت عينا مُصعب لما سمعه وتحفز يدخل على الفور للمطبخ هادرًا بنورين بحدة
((ماذا فعلتي؟))
اتسعت عينا نورين اللتان تلمعان بالدموع وهي ترى زوجها يقف أمامها فازدردت ريقها وبدت من هيئة وجهها كطفلة مذنبة.. فتطوعت منال لتجيب مُصعب بازدراء
((رمت إبريق الشاي متعمدة أرضا فانسكب على سمية))
شعرت زاهية بالحرج مما يحدث الآن خاصة مع تواجد جارتها معها شاهدة.. فقالت بصوتٍ مقتضب لابنها
((خذ يا مُصعب زوجتك وابتعدا من هنا))
عاد مُصعب يطالع نورين وهي تحبس أنفاسها خوفًا وجزعًا.. وخزيًا.. ولوهلة ترنحت في وقفتها وهي ترى وجهه يتصلب وملامحه تشتد.. بدت ملامحه في هذه الحظة قاتمة..
حاولت ترطيب شفتيها وفغرت شفتيها قليلًا تجاهد النطق بأي شيء وتبرير موقفها إلا أن صوت مُصعب جاء بصوتٍ جاف قاسي وهو يأمرها
((اصعدي فوق))
ثم توجه نحو والدته وسمية وقال لنجوم
((أحضري لي يا نجوم علبة الإسعافات الأولية ودعيني أرى يداها يا أمي))
بدأ مُصعب يوجه والدته ونعمة للإجراءات اللازم فعلها على يد سمية بدًاء من وضع مرهم علاج الحروق حتى تضميده وقال في النهاية مطمئنًا سمية
((لا تقلقي لن يترتب عن الحرق ضرر كبير وسيشفى من أسبوعين إلى ثلاثة فقط لا تحاولي التخلص من الفقاعات التي ستظهر على سطح الجلد))
ثم نظر إلى أخيه الذي كان لا زال واقفًا عند عتبة المطبخ يطمئنه بعينيه عليها.. وكأنها تخصه.. ورغم ذلك لم يكن مَالك مطمئنًا.. فمع أن مُصعب أكد أن إصابة يديها لا تحتاج الذهاب للطبيب.. إلا أنه في النهاية ليس طبيبًا مختصًا.. بل مجرد ممرض.. لذا تمنى لو يصحبها إلى طبيب مختص..
استدار مَالك للخلف يخرج متجهًا نحو الدرج ليصعد نحو غرفته وهو لا يزال يحمل يزيد إلا أن نداء رتيل أوقفه مكانه..
التفت لها باستغراب يراها تقول على استحياء وخجل مما فعلته قبلا
((لقد تبرعت نجوم أن تنام في منزل سمية لتهتم بها بسبب إصابتها.. اعطيني يزيد وسأذهب به لغرفة باسم وفهد لينام معهما))
وكانت رتيل قد مدت ذراعيها لتأخذ يزيد.. شعر مَالك بتصلب الصغير بين يديه بإشارة أنه لا يريد أن يذهب معها..
وكيف يذهب أو يرتاح تجاهها وهي لم توفر في أي مرة سابقة أن تعبر عن سخطها وكرهها لابن البستانية في أن يكون بنفس منزلة ابنيها..
فقست ملامح مَالك وهو يخبرها بجفاء
((لا يريد.. سأفرش له مكانًا في غرفتي وسينام عندي عدة أيام حتى تشفى يدا أمه))
اتسعت عينا رتيل وظلت متجمدة مكانها.. لا من طريقة جفاء مَالك في الحديث معها قبل أن يغادر.. بل بسبب ما قاله..
هي ليست أول مرة ينام يزيد معه في نفس الغرفة.. بل سبق وذهب في رحلات عديدة وقام باصطحابه معه.. لكنه يظل غريبًا عنه.. فكيف تأمنه سمية بابنها إلى هذا الحد!
تصاعد رنين هاتف رتيل لتتسع عينيها وهي ترى زوجها صاحب الصوت ففتحت عليه الخط قائلة بخشية على الفور قبل أن تعطيه مجالًا للحديث.. أو للصراخ
((الآن.. الآن سأصعد بالشاي لكم.. انتظر عشر دقائق حتى أعده، بمعيار سكر صحيح))
جاءها صوته العاصف بغضب
((إلى الآن لم تحضري الشاي؟ إلى الآن؟))
لكنها أغلقت الخط في وجهه فورًا وهي تسرع الخطوات عائدة للمطبخ..
.
.
قامت زاهية بتوديع زوارها وعندما مرت في البهو وجدت نورين تقف أمامها بينما تقول بكلمات متعثرة
((عمتي أرجوكِ اسمحي لي أن أبرر موقفي.. أنا لم أتعمد رمي الشاي الساخن على سمية..))
قاطعتها زاهية وملامح قاسيه ترتسم على وجهها
((اغربي من أمام وجهي، لقد خيبتِ ظني بكِ وأفسدتِ زيارة النسوة لي))
إلا أن نورين ظلت واقفة مكانها كاللوح الخشبي.. لا تريد الحراك قبل أن تبرر نفسها..
فنظرت لمُصعب الجالس على أريكة سوداء أنيقة موضوعة في المنتصف يدفن وجهه في يديه.. باديًا الإنهاك عليه.. ربما بسبب العمل.. فقد عاد توًا منه دون أن يجد مجالًا للاستحمام أو تغير ملابسه..
لم تراعي زاهية وضع ابنها وهي تهتف به بحزم
((خذ زوجتك ولا تريني وجهها يا مُصعب))
أبعد مُصعب يديه عن مرمى وجهه يناظر نورين هادرًا بينما يقف في مكانه ((اصعدي خلفي))
لكنها ظلت مكانها تهز رأسها نفيًا وهي تنظر للأرض
((رتيل هي من تسببت بكل هذه الفوضى في المطبخ قبل قليل))
لكن مُصعب لم يهتم بكلامها فاقترب منها يمسك ذراعها هادرًا ((سنتحدث فوق))
انتفضت نورين وهي تشعر بيده تقبض على ذراعها بقوة قبل أن يجرها خلفه ولم تجد أمامها إلا أن ترضخ لأمره وتسير خلفه مجارية خطواته الواسعة والسريعة.. وكل ما فيها كان مستسلمًا حتى عبراتها المتساقطة على وجنتيها كانت تنزلق بصمت..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس 5 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثاني
أغلق مُصعب الباب خلفه وضاقت عيناه وهو ينظر لها تجلس على الأريكة المقابلة لسريرهم الزوجي متكومة على نفسها بتشنج..
ظل يراقب انهيار جدارها ونحيبها الممزق لنياط القلوب بعيون مظلمة تخفي التياعها خلف ستارتها الداكنة قبل أن يزفر نفسًا طويلًا ويدلف للداخل يأخذ حمامًا سريعًا ثم يغير ملابسه لمنامة مريحة..
كان يرفع غطاء السرير يهم للنوم عندما حانت نظرة منه عليها ليجدها على جلستها كما هي شاردة بنظرة خاوية..
لم يهتم فأطفأ الإنارة ثم تمدد على سريره مغمض العينين ومنهك الجسد.. ومرت دقائق فقط عندما دمدم بخشونة لها
((انهضي للنوم))
خرجت من شرودها لتنتبه أنه أطفأ الأنوار ومتمدد في سريره.. وكأنها كانت مغيبة قبل قليل في الفراغ الذي يتوحش في أعماقها كالصقيع البارد..
استجابت لما طلبه، فاعتدلت من مكانها بلا روح واتجهت نحو منضدة الزينة تزيل الحلي الذهبي وتبدل ملابسها بحركات بليدة ثم تمددت بجانبه..
دقيقة.. دقيتين.. ثلاث وكانت تقترب وتقلص المسافة بينهما وترفع أناملها تغمرهم في شعره لتشعر تلقائيًا بتصلبه وهو يهمس بها بصوتٍ خشن خفيض
((ابتعدي، أنا مرهق وأريد النوم من أجل عمل الغد))
استمرت تمشط شعره بأناملها وهي تقول ببراءة
((يمكنك النوم.. وما يمنعك؟))
أزاح رأسه عن مرمي أناملها ليقول بحدة
((أنتِ من تمنعيني))
أحزنها نفوره واعتصر الألم قلبها فسكن كل ما فيها في صمت بائس.. قبل أن تقرر بعد دقائق أن تعود لتقترب منه هامسة بصوتٍ مرتعش
((أرجوك خدني في أحضانك، ألم تكن تسمح لي بذلك في البداية؟))
وصلها صوته بفتور أجوف
((هذا كان فقط في البداية وحتى تعتادي على كل شيء.. انتهى وقت الدلال.. لو كنت غولًا يُفترض أن تكوني قد تكيفت عليّ))
اختلجت شفتيها ومذاق كالعلقم يلدغ طرف لسانها لتشعر بخيبة أمل كبيرة تظلل أفاقها.. لكنها همست له باختناق مكتوم متألم
((لا أحد يحبني هنا.. وأنا أتفهم وأعرف السبب.. ولكن ليس أنتَ أيضًا))
لم يجبها ولم تشعر بأي حركة صادرة منه.. لا زال كما هو متمددًا يعطيها ظهره.. فعادت تقترب منه مرة أخرى متوسلة بصوتٍ مرتعش
((أرجوكَ يا مُصعب))
شيء ما أمام رجائها وتوسلها الواهن تحرك فيه ليتبرم لها بنفاذ صبر
((خمس دقائق.. فقط خمس دقائق وبعدها أكرميني بتركي وشأني حتى أستطيع النوم براحة))
فتح مُصعب عينيه فجأة عندما شعر بها تنقض عليه معانقة إياه من الخلف تكبله تماما.. فتحيط جذعه بذراعيها وتعانق سيقانه بسيقانها..
رمش بعينيه توترًا وهو يراها تتشبث بها كغريقة لكن جاهد كي يحافظ على حياد وفتور ملامحه.. وتحامل على نفسه وقرر ألا يعترض ويتركها على حالها.. فقط هذه المرة..
أنفاسه المنتظمة التي شعرت بها بعد دقائق جعلتها تهمس باسمه بصوتٍ خافت
((مُصعب.. مُصعب.. هل أنتَ مستيقظ؟))
وعندما لم تصلها أي إجابة أدركت بأنه أخيرًا قد خلد للنوم بعد أن هده إجهاد العمل في المستشفى.. فابتسمت تلك الابتسامة الشقية وهي تحرره وتبتعد عنه قليلًا حتى تقلب جسده الثقيل لجهتها قبل أن تعود مكانها وتضع رأسها على صدره.. تطلعت لوجهه النائم بعمق وتأملته قبل أن تضيع في أحضانه وتغرق هي الأخرى في نوم عميق..
.
.
فجرًا.. في ذلك الوقت المشبع بالسكون والتجلي.. تململ مُصعب في مكانه يفتح عينيه بتثاقل قبل أن تتسع عينيه وهو يجد وجهها أمام وجهه..
رفع أحد حاجبيه وهو يلاحظ أنها تكبله تماما من كل الجهات.. كالقردة..
فك وحرر نفسه منها مهمهمًا وهو يشعر بعظامه تئن ألمًا من نومها عليه بهذه الطريقة طوال ليلة الأمس..
اعتدل جالسا ثم زفر نفسا طويلًا وهو يناظرها نائمة متمددة ببراءة فوق السرير.. ولوهلة تجلت نظرات النفور في عينيه إزائها، إذ أنها لا تتوقف عن الالتصاق به بمجرد أن يعود للبيت.. لكن عادت نظرات عينيه ترق فهو لا يلومها كثيرًا.. إنها هنا وحيدة وخائفة ولا بد أن أهل بيته لا يوفرون أي جهد في جعل حياتها أكثر صعوبة..
كم يجاهد في تذكير نفسه بأنه ليس لها ذنب أو جريرة لما جرى ليحيى، ابن عمه وصديق روحه.. خاصة وهي تقرب قاتله بصلة قرابة بعيدة، وحتى لو كانت صلتها بالقاتل متينة فلا يظن نفسه قادرًا على أخذها بذنبه.. فمهما حاول سابقًا معاملتها بقسوة أو ازدراء إلا أنه يتراجع.. لا يستطيع.. رغمًا عنه.. هو من عشيرة رجالها لا تترك لها ثأرًا.. لكن في عرفه الثأر لا يُأخذ إلا من رجل مثله..
أخذ مُصعب نفسًا عميقًا بينما يمسح وجهه بكلتا يديه.. ثم غادر السرير.. وهي لم تستيقظ إلا قبل طلوع الشمس بقليل على جلبته الصباحية الروتينية التي افتعلها وهو يجهز نفسه للخروج لعمله في المشفى.. فنهضت بتثاقل تفتح إحدى عينيها وهي تقول بصوتٍ أجش ناعس
((هل أعد لك الفطور؟))
أجابها نزقا وهو يرتدي ساعته على عجل
((لا ليس هناك متسع من الوقت..))
انتصبت واقفة من مكانها ثم تجولت في الغرفة بتيه ريثما ينهي تجهيز نفسه.. وما إن وقف أمام مرآة منضدة الزينة يلقي نظرة أخيرة على مظهره قبل الخروج حتى حسمت أمرها مستجمعه قوتها ثم خطت بالقرب منه بتعابير مترددة هادرة
((مُصعب هناك أمر عليّ إخبارك به))
تخشب مكانه والتفت ينظر لها فسارعت تشيح بنظرها عنه كأنها لا تريد مواجهته..
حلت الجدية ملامح وجهه وضيق عنينه قائلًا بحزم
((ما هي المصيبة التي قمتي بها؟ وجهك لا يبشر بالخير))
رفعت وجهها تسارع هزه بالنفي هادرة
((لا لم أفعل أي شيء، بل كنت أريد إخبارك بأن زوجة أخيك مؤيد أخذت مفتاح جناحنا))
اتسعت عيناه باستهجان متقد بكل ما فيه وتساءل
((كيف أخذت مفتاح الجناح؟))
هزت كتفيها بوجوم وهي ترد ببساطة
((يعني أخذته.. قالت بأنها فعلت ذلك حتى تستطيع الدخول هنا صباحًا عندما لا استيقظ على طرقها للباب))
عقد حاجبيه يستفهم منها
((إذن مفتاح جناحي معها الآن؟))
ردت عليه ببراءة
((لا أدري، ربما أعطته لوالدتك))
رأته يومئ برأسه بتفكير وبدت عينيه متوعدتين وهو يتمتم لها بصوتٍ خافت
((حسنًا سأتفاهم مع أمي))
استدار للخلف لتعاود القول
((مُصعب هناك أمر آخر.. لا أريد أن انزل للأسفل.. فبعد ما حدث في الأمس.. أعني..))
ارتبكت في آخر كلماتها فبترت حديثها وهي تراه يطالعها بوجه خالِ من التعابير.. تحرك حلقها وأخفضت وجهها.. إلا أنه قال بصوتٍ حيادي
((حسنًا فهمت سأتحدث أيضًا مع أمي بهذا الأمر))
ثم استدار مغادرًا نحو الباب فلحقته بلهفة متفاجئة مِمَّا قاله لتسأله بخشية
((ماذا ستخبر والدتك؟ هل ستغضب مني؟))
أبعد يديها التي أسمكت ذراعه بنزق ثم نظر لها يجيبها باقتضاب
((لن تغضب أمي))
وفي نهاية كلامه قام بإخراج أحد المفاتيح من سلسلته التي يضعها في محفظته.. فتناولته منه وهي تسمعه يقول بخشونة
((خذي مفتاحي وأغلقِ الباب خلفي ولا تفتحيه أبدًا وأنا سأقوم بأخذ المفتاح الآخر منها))
وقبل أن يخبئ محفظته قطب حاجبيه متسائلًا وهو يتفقد جيوب بنطاله
((لحظة.. هاتفي ليس هنا.. هل أخذتيه؟))
فغرت شفتيها شاهقة كمن تذكر شيء وهرولت للداخل ثم عادت خلال ثوان تناوله الهاتف هادرة
((ها هو لم ألمسه أبدًا منذ أن جئت من الأمس))
تسلَّم الهاتف منها بوجوم وفتح شاشته يقول وهو يرفع حاجبيه
((جيد.. لهذا شحنه كما هو من الأمس تقريبا))
عقدت يديها خلف ظهرها ورسمت له تلك الابتسامة المشاغبة المعتذرة عمّا تفعله أحيانًا وفي ذات الوقت لا تعده بالتوقف عن ذلك مستقبلًا..
فطالعها بامتعاض مضيّقًا عينيه قبل أن يقول بصوتٍ خفيض مقتضب وهو يفتح مقبض الباب
((ألا تملّين من تنزيل هذه الألعاب بعد كل مرة أحذفها؟ كم مرة عليّ أن أعيد عليكِ بأني لا أحبك أن تلمسي هاتفي؟ لا تجبريني على تغيير رمزه السري))
هزّت وجهها مبتسمة ببشاشة وفي عينيها الصافيتين وميض تحدٍ سافرٍ خفي بأنه لن يفعل ذلك.. لوحت بيديها له مودعة برقة
((إلى اللقاء يا زوجي العزيز))
تلاقت أعينهم بنظرة أخيرة فشعرت بأنها مستعدة للمشي فوق الزجاج المهشم كي يحبها.. لكنه غادر مصفقًا الباب خلفه..
وقف مصعب أمام غرفة والديه مترددًا في طرق الباب خاصة في هذا الوقت المبكر.. لكن اختصرت عليه والدته وهي تبادر بفتح الباب لتقول بدهشة وهي تراه واقفا أمامها
((ألم تذهب لعملك بعد يا مُصعب؟))
رد عليها بهدوء متأصل فيه
((صباح الخير يا أمي، نعم سأذهب الآن لعملي ولكن..))
رفعت زاهية حاجبيها تسأله
((هل هناك شيء ما؟))
تنحنح مُصعب يجلي صوته قبل أن يقول
((كنت أريد قبل ذلك الاستفسار منكِ بخصوص أخذ زوجة أخي مؤيد مفتاح جناحي من نورين))
بهدوء ووقار أومأت زاهية له وأجابت
((نعم بالفعل لقد أعطته لي، وقالت بأنها فعلت ذلك لأن زوجتك تتعمد صباحًا عدم فتح الباب لها))
انعقد حاجباه ولم يستطع منع نفسه من أن يظهر الضيق والاستياء وهو يقول
((أمي ليس من اللائق أن يكون مفتاح جناحي مع أحد آخر غيري، تعرفين أن المساس بخصوصيتي يثير حفيظتي.. حذّري أم فهد من عدم تكرارها مرة أخرى))
بالكاد استطاع مُصعب أن ينهي حديثه عند هذا الحد دون أن يفرط أو ينفعل على ما فعلته زوجة أخيه أكثر.. فالجميع يعرف هنا بأنه لا يحب أن يتجاوز أحد خصوصياته أو محظوراته الشحيحة.. وتفهمت والدته هذا الأمر جيدًا فأخبرته بهدوء وهي تهم بالاستدارة
((حسنًا، لا تقلق، سأجلب المفتاح لك))
عادت بالمفتاح ثم ناولته إياه ليقول لها بعد لحظات يعلمها
((أمي طلبت من نورين ألا تغادر جناحها اليوم))
أمعنت النظر في ملامح وجه ابنها تسأله باستغراب
((لماذا هل هي مريضة؟))
تطلع لها بثبات يجيبها
((لا أريدها أن تغادر جناحها اليوم ولا أي يوم آخر، القائمين على أعمال المنزل يستطيعون القيام بواجبهم تجاهه على أتم وجه دون الحاجة لها.. صحيح؟))
ظهر العجب على وجه زاهية وهي تقول باقتضاب
((أنتَ تقصد بأنك لا تريد منها أن تساعد في أعمال المنزل أو المطبخ؟))
قال مُصعب بتفسير لها
((نعم إسوة بزوجات إخوتي))
عبس وجهها وسألتها بحدة
((وأيضا ماذا تأمر يا مُصعب؟))
أبعد تواصل العينين وأجاب بنبرة ذات مغزى
((أريدها بكامل طاقتها في آخر الليل يا أمي لا وجهًا باهتًا وجسدًا منهكًا..))
تشتت نظر والدته بحرج بالغ وقالت متفهمة
((حسنًا.. لا تقلق))
انتظر للحظات ثم سألها
((سأذهب الآن.. هل تريدين شيء آخر؟))
باغتته أمه بسؤال متردد ما إن هم بالاستدارة
((هل هي حامل؟))
توقف مُصعب مكانه وأغمض عينيه بضيق ثم أجاب دون أن ينظر لها
((لا أمي ليس بعد..))
أومأت زاهية برأسها بخفوت وهي تدعو أن يرافقه الله بالسلامة فرد عليها السلام وغادر متابعًا الطريق أمامه خارج منزله..
في حين تشجعت رتيل التي كانت تراقبهم بنظرة ثاقبة من بعد أن تتقدم من حماتها متسائلة بفضول
((صباح الخير.. هل هناك شيء يا عمتي؟))
التفتت لها منتبهة على وجودها لتأمرها بهدوء وهي تغلق باب غرفة نومها خلفها
((لا أبدًا.. اصنعي القهوة الصباحية لي ريثما أتأكد من استيقاظ مَالك ليشاركنا إياها أنا والحاج))
ردت رتيل بابتسامة متكلفة
((من عيوني سأُعِدها الآن))
وقفت زاهية أمام غرفة مَالك تطرق بابه بهدوء.. عاطفة الأمومة الجياشة فيها لا تفرق بين أبنائها الخمسة، ولطالما اعتبرت أن لكل منهم ذات المحبة والمقدار.. لكن بحكم أن التؤام مَالك ومَازن كانوا أصغر أبنائها وأحوجهم للاهتمام والرعاية بصغرهم مال قلبها الى الآن لهم هم دونا عن إخوتهم..
ولأن مَازن ومنذ سنوات سافر مغتربًا عنهم ويُقصر في سؤاله معها لا يظل عندها إلا مَالك الذي تحب مجالسته في أوقات فراغه..
عندما لم تجد أي رد منه هتفت باستغراب وصوت أعلى
((مَالك.. هل أنتَ مستيقظ؟ مَالك!))
كانت تهم بفتح الباب والدخول لإيقاظه لولا أن وصلها صوته الأجش
((نعم أمي.. لحظات.. أنا قادم))
وفتح الباب عليها يطل عليها بشعره الأشعث البُني المائل للأحمر الغامق الذي ورثه منها
((صباح الخير، لقد عدت للنوم قليلا بعد الفجر.. هل هناك شيء؟))
رق قلبها على مظهره الناعس فقالت له مبتسمة بحنان
((كنت أريد أن التأكد من استيقاظك خشية أن يفوتك وقت العمل))
رفع مَالك يده اليسرى ينظر إلى ساعته ليقول مستغربًا
((حقًا؟ الأمر فقط أن الوقت مبكر قليلًا))
زادت ابتسامتها الوقورة اتساعًا وهي تقول
((أريد أن تشرب القهوة معي أنا ووالدك في غرفتنا))
رفع أنامله يمسد جبينه وهو يقول مغمض العينين
((أشعر بصداع حاد.. لذا القهوة فكرة جيدة.. دعيني أغير ملابسي وأنزل))
.
.
كان يعقوب جالسًا أمام المنضدة الفاخرة الخشبية حينما قامت زوجته الجالسة مقابله برفع دلّة القهوة تصب السائل البني شهي الرائحة في القدحين الموضوعين على المنضدة..
تصاعد صوت طرقات على الباب لتلتفت زاهية سامحة
((تفضل يا مَالك))
فتح مَالك الباب يدلف للداخل قائلًا وهو يمسك بيده كف يزيد الصغير
((سيدخل يزيد معي، صباح الخير يا أبي))
توقفت زاهية عما تفعله وتطلعت بعجب لابنها تسأله
((ماذا؟ لم جاء معك؟))
أجاب مَالك دون أن تنحسر ابتسامته رغم توتره من الوجوم الذي حل على وجهي والديّه
((لقد نام في غرفتي الأمس يا أمي، هل نسيتِ ما حدث لسمية؟))
قالت بتجهم وهي تتابع مَالك يتقدم منهم ويزيح كرسي ليُجلس يزيد عليه ثم ينضم هو معهم
((ولكن.. ولكن ظننت بأنه نائم في غرفة باسم وفهد.. هل كان هناك في الداخل عندما كنت عندك قبل قليل؟))
استشعر مَالك بيد يزيد الصغيرة تقبض على قميصه ارتعاشه.. لا بد أنه ورغم صغر سنه الذي لا يتجاوز الست سنوات إلا أنه يدرك أن والديه لا يحبانه ولا يحبذان وجوده من الأساس هنا في هذا القصر.. وهذا الأمر آلمه بعمق.. فنظر مَالك لوالدته يجيبها
((نعم أمي، لقد رتبت له فراشًا في الأمس وأيقظته قبل قليل))
انعقد حاجبا الحاج يعقوب الذي كان لا يقل سخطًا عن زوجته وهو يسأل ابنه مستنكرًا
((أنتَ تظل يا مَالك رجل غريب عنه، كيف جعلته ينام عندك؟ كان الأجدر بك أن تدعه ينام في غرفة أولاد أخيك إذا كانت أمه عاجزة عن الاهتمام به))
نظر مَالك لأبيه يجيبه بعبوس
((أبي كان يزيد في الأمس مريضًا وخائفًا على أمه وكان بحاجة لوجودي معه حتى يهدأ وينام بطمأنينة))
انعقد حاجبا زاهية قليلًا وهي تسأله بخفوت مقتضب
((من أين جلبت له ملابسه؟))
هنا لم يتحمل يزيد الصغير نظرات العجوزان له ووجد نفسه يقوم من مكانه ويقف عند مَالك يدفن وجهه في قميصه فأحاطت ذراع مَالك ظهر الصغير يهدئه بينما يُجيب أبيه
((في الأمس أحضرت لي نجوم من غرفته منامته الليلة، وملابس وحقيبة مدرسته لأجهزه في الصباح للمدرسة))
غمغم يعقوب بغير رضا وازدراء
((تبارك الرحمن قمت بنفسك بمساعدته بالاغتسال وارتداء ملابس مدرسته وحتى تمشيط شعره!))
ثم تمتم بصوتٍ خافت مقتضب كمن يحدث نفسه
((والله لو قيل لي أن أفعل كل هذا لأحد أبنائي في صغرهم أو أحفادي لما فعلت، وأنتَ تفعله لشخص لا يقربك ولا يربطك به أي صلة))
استقام مَالك من مكانه وهو يحمل يزيد، ثم رفع بيده الأخرى وجهه المنكس يسأله باهتمام
((هل أنتَ جائع يا يزيد؟))
رد الصغير بخفوت ((لا أبدًا..))
علا صوت زاهية وهي تقول بصوتٍ مغتاظ
((الفطور نجهزه في العادة بعد أن يستيقظ كل أهل البيت.. تكون قد ذهبت للمدرسة التي تعمل فيها يا مَالك))
عانق يزيد بيديه رقبة مَالك ودفن وجهه في كتفه فناظر مَالك والدته بعتاب بينما يخبر الصغير
((تعال لأعد لك شيئًا سريعًا، ثم أوصلك لمدرستك))
لقد حرص مَالك الصغير يزيد يرافقه على أمل التخلص من كل الانفعالات القاتمة التي سيطرت عليه في الأمس ولم يكن يريد من أحد حتى لو كان والديه أن يتسببا بأذيته نفسيا.. فغادر الغرفة مغلقًا الباب خلفه دون أن يشارك والديه القهوة.. مِمَّا جعل يعقوب يشعر بنفور حقيقي.. عليه أن يجعل ابنه يدرك بأنه ليس من اللائق لرجل مثله أن يصحب معه طفلًا صغيرًا لا يقربه بل وينام معه في نفس الغرفة!
فناظر زوجته قائلًا بحدة وضراوة
((لا يعجبني حاله أبدًا، متى ينوي ابنك التزوج؟ هل ستتركينه طويلًا على راحته؟))
تنهدت زاهية بحزن ثم طالعته تقول بروية
((على رسلك يا حاج.. ما زال في السابعة والعشرين من عمره، الرائج للشباب هذه الأيام الزواج بعد سن الثلاثين..))
قاطعها يعقوب يقول بتزمت
((وما لنا في الرائج! أخوته الأربعة.. بل حتى تؤامه متزوج وابنته بعمر ذاك الطفل يزيد.. فلماذا لا يفعل مثلهم؟ دعيه يتزوج وينجب وينشغل مع أطفاله بدلًا من أطفال العالم))
أيدته زاهية الرأي قائلة بقلة حيلة ((معك حق))
=============================
أمسكت رتيل إحدى زجاجات العطر ورشت منه فوق ملابسها بإفراط ثم أغمضت عينيها تستنشق عنق الزجاجة بعمق تملأ رئتيها من رائحته الزكية.. لقد قررت بأن تعتبر نفسها لم تسمع شيئًا من محادثة زوجها وأخيه المتعلقة بشأن صفات امرأة أحلامه، ونفضت عنها ذاك الضعف المتخاذل البغيض وها هي تقرر أن تكمل عيش حياتها كما تريد وتستمتع بالخيارات المحدودة أمامها..
لم تلحظ دخول زوجها الغرفة ولم تشعر بخطواته وهو يقول بينما يتطلع لها بوجوم ((لماذا تتعطرين؟))
أجابته وهي تنظر لانعكاس شكلها في المرآة ومبتسمة بثقة وكبرياء شامخ
((ستزورنا بعض النسوة من صديقات وجارات أمك))
وقف مُؤيد مكانه يتأمل ثوبها الضيق وقدها الرشيق بنظراتٍ صامتة طويلة.. يكاد أن يلتهمها بعينيه فقط بملامح لا تعبير لها.. عندما انتبهت رتيل على نظراته قال بجفاء
((هل ستخرجين لهم بهذه الملابس؟))
استدارت رتيل له بتوجس هادرة وقد بدأ الخوف يدب بقلبها من نظراته
((نعم فهي ستكون جلسة نساء فقط))
ضاقت عيناه وهو يقترب أكثر منها قائلًا بتهديد واضح
((حتى لو كانت الجلسة فقط للنساء أنا لا اقبل عليكِ ارتداء مثل هذا الثوب الضيق والقصير.. غيريه حالًا))
عقدت حاجبيها تقول متبرمة
((ليس ضيقًا ولا قصيرا يا مُؤيد، لا تبالغ..))
أغمض عينيه وهو ينفِّث نفسًا مكتومًا حانقًا ثم قال آمرًا بتسلط
((اذهبي واستبدلي الثوب بآخر محتشم))
رفرفت بعينيها في محاولة عقيمة للنقاش معه
((ولكن يا مُؤيد الجلسة فقط للنساء))
هتف بها بحسم بنظرات حادة
((حتى أمامي لا ترتدي مثل هذه الملابس، يكفي نقاشًا إلى هنا))
تحرك حلقها وهي تبتلع غصة مسننة ثم قالت مستنكرة بصوتٍ أجش
((إذا لم ارتدي هذا الثوب أمامك أو أمام النساء في مجلس أمك.. لمن سأرتديه إذن؟))
أجابها بصوتٍ فاتر
((لا ترتديه أبدًا، اتلفي هذه القطعة أو ألقيها))
لم تعلم من أين جاءت شجاعتها وقد اندلع غضب حرمانها لتثور عليه
((هل تعرف كم ثمنها يا مُؤيد لتطلب مني إتلاف القطعة؟))
إلا أنه رد عليها بهدوء وفتور جاف
((ليست مشكلتي، ولم يكن عليكِ الإقدام على شرائها وأنتِ تعرفين رأيي سابقًا بهذا النوع من الملابس))
ثم استرسل كلامه وهو يشير لوجهها
((وزينة وجهك أزيلها))
رفعت أناملها لثغرها تقول باقتضاب
((لا أضع إلا حمرة شفاه))
أخبرها بنفس تسلطه المستبد
((لونها فاقع، لا أحب أن تضعي أي شيء على وجهك أمامي فكيف تريدين مني أن اسمح لكِ الخروج لهم بهذه الهيئة!))
ثم دلف للداخل تاركًا إياها بكل حنق العالم فقامت بإمساك زجاجة العطر وقذفها أسفل قدميها لتتكسر لشظايا متنافرة متمتمه بغيظ وهي تتهاوى جالسة على سريرها
((لن أخرج لهم إذن وسأظل في غرفتي هنا))
ما إن عاد مُؤيد نظر أرضًا للشظايا الزجاجية ثم طالع ملامحها الممتعضة بنظرة عدائية يقول
((نحن متزوجان منذ سبع سنوات ولسنا حديثي الزواج حتى تتصرفي وكأنك مصدومة من طباعي! زوجتي أنا لم أتزوجها لتبهر وتعجب الآخرين.. حتى لو كانوا نساء))
وبدون مبالاة داس بحذائه المنزلي الصلب من الأسفل فوق صرير الزجاج ليعود للداخل.. في حين هي تراجعت لتستند بجسدها على ظهر السرير تفكر بامتعاض.. بأنها لا تفهم زوجها.. أليس هو رجل حاله كحال الرجال؟ إذن لماذا لا يحب.. بل لا يقبل أن تظهر أن تتزين ولو كانا وحيدان! ألا يحب أن يمتلك زوجة مبهرة وجميلة ولو لنفسه؟
اجتاحت العدوانية عينيها.. فلم قد يهتم بامتلاك زوجة مبهرة إذا كان يتلاقى مع نساء أخريات متبرجات وسافرات يعوضونه عن هذا الأمر!
يقول الأحمق بأن كل ما بينه وبين النساء هي علاقات عمل؟
وهل يظنها ابنة الأمس لتصدقه!
لم تنتبه رتيل جراء شرودها من الطرقات فوق بابها التي كانت تتزايد.. حتى فُتح الباب بحذر وطلت من فتحته دارين تتساءل بخفوت
((زوجة عمي رتيل أين أنتِ؟))
فتحت دارين الباب أكثر باستغراب وهي تراها تجلس على السرير وتضم ركبتيها لصدرها ونظراتها الشاردة غارقة بعيدًا عن كل ما حولها..
دلفت للداخل تقترب منها هي وابنة عمها هدى الصغيرة لتقول بصوتٍ جهوري
((امرأة عمي ماذا تفعلين؟))
جفلت رتيل وانتبهت على وجود دارين لتنتفض مكانها قائلة باعتراض
((كيف دخلتي هنا بلا أخذ الإذن؟))
هزّت دارين كتفيها ببرود وقالت
((جدتي تنادي عليكِ وتقول لكِ أسرعي))
تنحنحت رتيل تجلي حنجرتها قبل أن تقول وهي تخفض قدميها أرضًا
((حسنا أنا قادمة، سأرتدي أي شيء من الخرق البالية التي امتلكها واخرج))
أومأت دارين بهدوء وهي تكتف ذراعيها وتراقبها تنهض من مكانها ثم تقوم بتكنيس الأرض.. وعندما انتهت رتيل من التنظيف وطالت مدة الصمت.. حدجت دارين بنظراتها الواجمة بانتظار مغادرتها.. فظهر التردد على صوت دارين وهي تسألها
((هل غادر أبي؟))
أجابتها رتيل ببساطة
((نعم غادر، لقد انتهت عطلته))
رمشت دارين بعينيها الدامعتين وقالت بحزن
((أي عطلة هذه، وهو لا يأتي لهنا إلا كل عدة أشهر))
رق قلب رتيل قليلا لابنة الإثني عشر عامًا الحزينة أمامها فقالت لها بتعاطف حاولت عدم إظهاره
((إن والدك رائد من الطبيعي ألا يكون متفرغًا لكِ بشكل دائم))
حدجتها دارين بضيق وهي تقول بامتعاض
((نعم بالتأكيد لن يكون متفرغًا لي بشكل دائم ولا حتى بشكل نادر.. سينسى أساسًا ملامح وجهي من قلة رؤيته لي..))
كانت رتيل تعرف أن دارين تبالغ بحكم صغر سنها فوالدها معاذ يحرص كل أسبوع على الأقل لأخذها من هنا إلى زيارة قبر والدتها برفقته! لكن ما أن يتخلف عن موعد واحد عن تثور عليه وتتهمه بالإهمال تجاهها!
حانت نظرة من دارين إلى عمها يخرج من الحمام بينما يجفف شعره المبلل لتهتف له بحماس
((عمي مُؤيد، كيف حالك؟))
ضحكت هدى الأخرى بطفولية وهي تهرول باتجاه عمها الذي حملها فتعلقت بعنقه واحتضنته متمتمه
((اشتقت لك يا عمي))
ابتعدت هدى عنه ترى وجهه ليسألها بابتسامة بشوشة
((كيف حالها أميرتي هدى؟))
عضت رتيل شفتيها بغيظ وهي تراقب المشهد أمامها بتعابير متجهمة بشدّة تعلن عن شجار زوجي على وشك الاندلاع بينهما! فهو لا يهتم بولديه الاثنين بمقدار ما يهتم بابنتيّ أخوته..
مسدت هدى جديلتها وهي تشعر بعدم ارتياح بسبب تلك الأربطة الوردية التي تُصر والدتها على تزينها بهم بينما تتساءل
((عمي هل أنتَ متفرغ الآن؟))
أخفضها مُؤيد أرضًا وهو يقول لها
((لماذا؟ هل تريدين أن اذهب بكِ أنتِ ودارين لشراء بعض المثلجات؟))
قفزت هدى موافقة بفرح في حين أبدت دارين الحماس وهي تقول قبل أن تغادر مهرولة
((نعم سأحب ذلك، سأذهب لأغير ملابسي))
بمجرد أن غادرت دارين وهدى للتجهز حتى وقفت رتيل من مكانها هاتفة بزوجها
((انتظر يا مُؤيد لأنادي على باسم وفهد ليأتيا معكم))
طالعها مؤيد بتجهم قائلًا
((لا تناديهما، لا أحب اصطحابهما لمكان فهما مشاكسان، سأقوم بأخذ الفتاتين فقط))
اتسعت عيناها ثم استنكرت
((مشاغبان! انهم مسكينان.. أرجوك يا مُؤيد دعني أناديهما لتأخذهما، أو سيحزنان لو عرفا بأنك أخذت ابنتا أخويك ولم تأخذهما مجددًا))
تمتم لها وهو يغادر جناحها متجاهلًا رجاءها
((اسكتي يا امرأة))
تقبضت يدا رتيل غضبًا ودمدمت بغل بعد أن رحل
((تبًّا لك يا مُؤيد))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس 6 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
في النادي.. حيث تجلس سهر مع والديها حول طاولة دائرية يتناولون إحدى الوجبات الخفيفة..
خرج صوت تمارا حانقًا مستاءً
((ها قد جاء خطيبك المبجل يا سهر))
رفعت سهر وجهها وما إن رأت الرجل القادم حتى استقامت واقفة تقول له بلهفة وحرارة
((مرحبًا يا قصي.. لقد تأخرت))
بادلها قصي ابتسامته الجذابة قائلًا وهو ينظر لها ثم لوالديها
((مرحبًا يا سهر، مرحبًا يا حمايّ الحبيبين، كيف حالكما؟))
أومأ والد سهر بكلمات الحمد لقصي مبتسمًا في حين تمتمت تمارا من بين أسنانها المطبقة
((مرحبا يا صهري العزيز، لم أراك منذ آخر مرة كنا نتحدث بشأن تحديد حفل زفافكما))
اجتاح التوتر على وجه قصي، ككل مرة تلح تمارا بتعجيله للزواج.. إلا أنه قال بابتسامة مرتبكة مجاملة تواري تذبذب صوته
((نعم صحيح، أنا انشغلت قليلًا في عملي بشركة عائلتي، ولكن أعدك أن أعوض عن هذا التقصير))
كانت سهر تحدق بأمها بصدمة من طريقة كلامها مع خطيبها بهذه الطريقة المهينة.. إلا أنها حاولت أن تحكم سيطرتها على الموقف ورسمت ابتسامة تخفف من وطأة كلمات أمها الجلفة.. لتعقب في حرج وهي تشير للمقعد الفارغ بجانبها
((اجلس هنا يا قصي))
نظر قصي لوالديها يسأل بتهذيب بعد لحظات تردد
((سأحب أن اجلس هنا ولكن هل يمكن أن أسرق سهر منكما لدقائق قليلة؟))
ساد صمت مطبق بينهم وتمارا ترشق قصي بنظرات طويلة عدوانية قبل أن تجيبه مستمرة باستفزازه
((اجلسا حول تلك الطاولة أمامنا، كما تعلم حتى لو تم عقد قرانكما فلا يعني أن تأخذا راحتكما وكأنكما متزوجين!))
اضطربت ملامح قصي بمزيد من التوتر إلا أنه قال مبتسما بامتنان يغلفه الحرج
((شكرًا لكِ يا حماتي الجميلة))
تقدم قصي نحو احدى الطاولات أمام طاولة والديّ سهر.. ثم أزاح بلباقة كرسي لسهر لتجلس عليه وجلس هو مقابلها..
كانت سهر تشعر بإحراج بالغ يلفها من كلام وتصرفات أمها مع خطيبها أكثر منه.. إذ أن أمها لم تعد أبدًا تعامله بألفة وتودد كما كانت تفعل في بداية خطبتهما عندما كانت لا تفكر بشيء إلا استمالته واسترضائه!
تنهد قصي جالسًا وشبّك كفيه ببعضهما فوق الطاولة وهو يتساءل باهتمام
((كيف حالك يا باربي؟ وكيف حال صحة والدك؟))
تململت سهر في مكانها ثم أسندت رأسها بكفها وهي تجيبه منتشيه ببهجة
((بألف خير، وأبي حالته بحمد الله حالته مستقرة هذه الأيام.. وأنت؟))
غمغم قصي بكلمات الحمد سعيدًا للنظر لخطيبته التي يشبه وجهها شكل لعبة "الباربي" ثم طلب لها كأس عصير وله فنجان قهوة.. ثرثرا وتجاذبا الحديث في مواضيع عامة قبل أن تقول له من بين حديثها وهي تقلب الثلج في كوب العصير
((اليوم سأزور صديقتي لأرى مكتبها الجديد، والديّ سيوصلانني لهناك لأجلس عندها لمدة قصيرة))
عند ذكر سهر سيرة صديقتها رفع قصي وجهه لها متجهمًا عاقدًا حاجبيه قبل أن يصدر عنه تأوه مندهش
((أوه فعلًا؟ تلك صديقتك المفضلة.. ذكريني ما اسمها؟))
خرج سؤاله في أخر الجملة بلامبالاة ظاهرية تخفي ترقبه للإجابة لتخبره اسمها ((شيري أعني شيرين))
ظهر تمثيل قصي فاشلًا تمامًا وهو يبدي الذهول بينما يقول متظاهرًا بأنه تذكرها الآن
((أوه نعم شيرين تلك.. نعم.. تذكرت.. المهم قولي لي مجددا ما هو اسم الشركة التي تعمل فيها؟))
هزت كتفها وهي تجيبه بعفوية
((تعمل في شركة القاني بالفرع الثاني القابع في مدينتنا.. لقد ترقت لمرتبة مشرف.. هل سمعت باسم الشركة سابقًا؟))
رفع حاجبيه وهو يتابع حديثه الفضولي بصوتٍ خالٍ من أي حماس
((أوه نعم بالتأكيد، هل انتقلت حديثًا للشركة في هذا المنصب؟))
((لا هي تعمل في شركة القاني من بداية تأسيس هذا الفرع هنا.. لكن انتقلت إلى القسم الآخر فقط مؤخرًا بعد أن حصلت على ترقيات متتالية))
ارتعاشه طفيفة لم يظهرها سرت في جسده مما سمعه.. وأنكس نظره الشارد بإماءة من رأسه متمتمًا بصوتٍ يكسوه القلق
((مبارك لها المنصب، لا بد أنها تستحقه))
واستمر في شروده عابسًا وكأنه يفكر بحل معضلة ما.. فشيرين تعمل في نفس شركة القاني معه.. هو لم يسبق وأن رآها في الشركة لأنها كانت تعمل في مبنى وقسم آخر، لكن ها قد تأكد من أنه تم نقلها كمشرفة للقسم الذي يعمل هو به!
ازدرد قصي غصة مسننة ومزيد من القلق يكتسحه.. عليه أن يكون أكثر حذرًا قدر الإمكان حتى لا تعرف أنه خطيب سهر.. وإلا سيتم كشفه حقيقته بسهولة! إنه يجاهد منذ انتقال شيرين للمكوث في منزل عائلة سهر ألا يتواصل أو يزور سهر.. لكنه متوقع تماما في أي لحظة أن تنكشف حقيقته مهما بذل جهده في إخفاء الأمر!
لم تنتبه سهر على القلق الجلي في وجه خطيبها وهي منتشيه بالحماس بينما تتحدث عن شيرين
((نعم هي تستحقه حقًا، فقد بدأت عملها في شركة القاني قبل سنوات كموظفة خدمة عملاء على إحدى مشاريع الاتصالات، وبعد مرور وقت من التحاقها بكوادر الشركة وبناءً على مؤشرات الأداء الفعلية خلال تلك الفترة تم ترقيتها درجة ثم درجة إلى أن وصلت لموقعها الحالي كمشرفة لقسم ما))
عاد قصي مجددًا يتغنى بها دون أن يظهر شيئا من حالة القلق التي يعيشها
((أوه فعلًا؟ إنها إنسانة مجدة ورائعة!))
((وشركة القاني التي تعمل بها رائعة فهي تقوم بإتاحة الفرص للكوادر الداخلية للتقديم على الوظائف العليا الشاغرة في جميع الأقسام بلا استثناء بناءً على الجهود المبذولة من قبل الموظفين))
احتسي قصي من القهوة التي صنعتها الماكينة بتلذذ ثم قال متهكمًا
((أول مرة أجد أحد يمتدح هذه الشركة))
عقدت سهر حاجبيها معقبة
((لماذا؟ شركة القاني تخدم شريحة واسعة من أبناء الوطن بامتلاكها فرعين وتساعد على توظيف وتدريب ما يزيد عن ألف موظف))
همهم قصي لها بشبه موافقة لتستطرد سهر بعبوس وهي تزم شفتيها
((ليتني كنت إنسانة مثابرة وناجحة مثل شيرين، لكن أنا لا أماثلها حتى بالنصف))
رشقها قصي بنظرات مرحة عرف من خلالها أنها تقصد بكلامها أن يغرقها بالإطراء وينفي كلامها.. فعقّب على كلماتها مستنكرًا
((لماذا تتحدثين عن نفسك بهذا الشكل؟ وهل هي أفضل منكِ بشيء حتى لا تضاهيها روعة؟))
تنهدت سهر وهي تسند ظهرها للكرسي ثم قالت بدلال وعبوس
((الكثير يا قصي يخبرونني بأني إنسانة تافهة لا تفكر سوى في الاستمتاع بوقتها أكثر مما ينبغي وهذا يُنفِّر الناس من شخصيتي ويغطي على جمالي))
صدر من قصي صوت خشن مستنكر وهو يميل لها
((على العكــــــــــس.. أنتِ جميلة كباربي وشخصيتك أجمل))
كلامه جعل ابتسامتها تتسع فقالت مغترة بدلال
((هل حقًا شخصيتي جميلة بنظرك؟ لأنني أسمع البعض يقول بأني إنسانة تافهة ومستعرضة؟))
أومأ نافيًا ثم تشدق ببساطة يناغشها متلذذا بحمرة خديها
((لا أبدًا.. وحتى لو كنتِ كذلك فهذا ليس مهم.. من السهل أن تغيري شخصيتك، أما الوجه فلا مساحيق الزينة ولا عيادات التجميل قادرة على تغييره ليماثل جمَالك وحُسنك أنتِ))
ضحكت سهر بخفوت على كلامه وهي تنظر له بحب متدفق وشعرت بأنها لا تريد إلا أن تبقى معه، فقد أفسدها بحبه ودلاله بطريقة تجعلها لا تكاد تتخيل حياتها بدونه.. فلا يدع شركة عائلته التي يتسلم إدارتها ولا شيء آخر يشغله عن الاهتمام بها.. وكأنها هي فقط محور حياته وكل ما يهمه في هذا العالم..
صدح رنين هاتفه ليخرجه قصي متمتمًا
((لا بد أنه مدير أعمالي، سأرد عليه))
فتح الخط وهو يدير ظهره للجهة الأخرى بمنأى عنها ثم أخفض صوته يجيب بنبرة توهم من يسمعه أنه رجل ذو شأن ومكانة..
عقب انتهائه من المكالمة استدار نحو سهر يغمغم وهو يعيد الهاتف لجيب قميصه
((أنا بحاجة للرحيل الآن فلدي عمل))
أخرج بقشيش يضعه داخل القائمة ثم اعتدل واقفًا وهو يسمع سهر تقول
((إذن أنا سأغادر الآن مع والدي حتى يوصلاني لشركة شيرين.. إلى اللقاء))
=============================
جلست سهر على إحدى الكراسي الموضوعة أمام مكتب شيرين التي سألتها مبتهجة وهي تراها تنظر في أرجاء الغرفة بينما تحبس أنفاسها بانبهار
((هذا هو مكتبي الجديد في مبنى القسم الذي تم نقلي له.. ما رأيك به يا سهر الليالي؟))
التفتت سهر لها تقول بحفاوة وإعجاب
((رائع.. مذهل يا شيري))
جلست شيرين خلف مكتبها منفرجة الأسارير.. ففرحة ترقيها لا تزال تملؤها.. ورغم أن تخصصها الجامعي في المحاماة لا يمت أي صلة من قريب أو بعيد لمجال ونوع عملها في الفرع الثاني لشركة القاني التي تدير واحدًا من أكبر مراكز الاتصال في المنطقة منذ سنوات طويلة.. إلا إنها استطاعت أن تحصل على هذه الترقية بعملها المجد والتزامها وعلاقتها الطيبة مع باقي زملائها..
تراخت في جلستها ثم قالت بابتسامتها المشعة وصوتها المفعم بالحماس
((العلاوة التي أضيفت لراتبي مع هذه الترقية هي المذهلة بحق يا سهر الليالي))
رفعت سهر حاجبيها وهي تقول بنبرة تسلية
((من حقك أن تشعري بالفخر وقد ترقيتِ لرتبة مشرفة يا شيري، كان علينا أن نحتفل بمثل هذا المنصب بشكل أفضل))
تلألأت ملامح شيرين بالفخر ولأول مرة تكون كذلك، فقد كانت الأجدر بهذا المنصب ومنذ زمن.. لكن مدير الموقع السابق كان عائقًا في ترقيتها لأنه كان خائفًا أن يأتي اليوم الذي تأخذ منصبه وبالتالي كان عليه أن يحيط نفسه بمجموعة من المديرين الفاشلين مثله ممن لا يملكون أدنى فكرة عما يحدث حولهم لكن يخافون بدورهم على مناصبهم.. لكن ها قد ذهب وجاء مدير موقع غيره ورأى بأنها صاحبة أفضل مهارات وخبرة لتكون في موقعها كمشرفة هنا..
اعتدلت شيرين في جلستها وبدأت تعود للنظر في الحاسوب أمامها بينما تسترسل بعجلة
((حسنًا يا سهر سأعود لعملي الآن بما أنه قد انتهت فترة راحة الغداء بالفعل ويمكنك المغادرة))
حملت سهر حقيبتها واستقامت واقفة قبل أن تنظر باستغراب هي وشيرين عندما تناهى إلى سمعهما صوت رجولي مألوف
((هل جئت بوقت مناسب إذا كانت قد انتهت فترة راحتك؟))
تمتمت شيرين بصوت باهت وعينيها تتشرب هيئة الرجل الذي يلج متقدمًا مرتديًا حلة داكنة ((وليد!))
ابتسم وليد وقال بصوت رائق مبحوح
((نعم يا كحيلة العينين))
زعقت سهر به بغلٍ وانفعال
((اخرس والا ألقت تهمة التحرش اللفظي بك، واحتجت إلى محامي ليخرجك من السجن أيها المحامي الأخرق))
اتسعت عينا شيرين وهي تردع صديقتها بصوتٍ خافت
((سهر اخفضي صوتك، أنتما في مكاني بالعمل ومكتبي مفتوح))
غمغمت سهر من بين أسنانها
((ولكن يا شيري..))
رجتها شيرين هامسة بقلق
((أرجوكِ يا سهر غادري.. أستطيع تدبر أمري وحدي، ولكن لا أستطيع المخاطرة وإثارة أي صوت أو أي جلبة هنا))
التفتت سهر تنظر لوليد تزم شفتيها بغضب حقيقي قبل أن توجه لنظراته المستمتعة كلماتها المهددة
((حسنًا سأغادر المكان، وأنت الأخر إياك أن تطيل هنا وتسبب المشاكل لها))
اكتفى وليد أن يحافظ على ابتسامته التي تزيد من جاذبيته الرجولية الفارضة لحضورها الطاغي بينما يرى سهر ترحل من المكتب بخطوات عنيفة..
نظر للجهة الأخرى لشيرين التي تسدد نظراتها المشتعلة لحدقتيه مباشرة فكبّلها بأغلال نظراته.. لتندلع في الأجواء نيران ذكريات الماضي بينهما لم يخمدها إلا صوته قائلًا بتسلية
((صديقتك سهر إنسانه لطيفة))
لم تعلق على كلامه الساخر إنما رمقته بنظرات محتقرة.. مما جعله يتقدم أكثر ليجلس على إحدى الكراسي أمام طاولة مكتبها ويجلس واضعًا ساقًا فوق أخرى هادرًا
((في البداية.. مبارك الترقية في عملك))
اخترقت رائحة عطره الرجولي النفاذ مسامات أنفها وشعرت بشيء من التأثير إلا أنها تمَالكت نفسها وردت عليه ببرود
((بدون مقدمات أخبرني لماذا جئت.. الم أُعلِمك أني أريد أن يكون كل تعاملك مع المحامي الخاص بي؟ هل تريد أن أقاضيك لمجيئك لمكان عملي؟ لا أتهاون بأي شيء يمس سمعتي أو عملي))
رفع حاجبيه وهو يقول لها باستمتاع
((يبدو أن زياتي أزعجتك))
ردت عليه على الفور
((نعم كثيرًا))
صمت قليلًا وشبك أنامل يديه ببعضها ثم قال بهدوء يكتنفه
((ألا خطط مستقبلية لكِ في العمل بالمحاماة المجال الذي قمت بدراسته في الجامعة؟))
((لا.. فكل ما يتعلق بالمحاماة وما درسته في الجامعة نسيته كليًّا بعد مرور أكثر من عِقد على تخرجي.. ولا أفكر إلا أن أبقى موظفة هنا في شركة القاني.. فيها أمان وظيفي وتأمين صحي وضمان اجتماعي وعلاوات.. ماذا أريد أكثر؟))
همهم لها وليد وهو يومئ برأسه بتسلية.. فطالعته بعينيها الكحيلتين وجعلت أطراف رموشها تغطي جزء من نظرتها وهي تقول
((هل من المنطقي أن تحرض موكليك ليعاودوا رفع تلك القضية عليّ مجددا ويطالبوني فيها بدفع مبالغ طائلة من أجل عملية قد يحتاج ولدهم أن يقوم بها خلال العشر سنوات القادمة؟))
ضحك وليد لملامح الامتعاض على وجهها وقال متهكمًا
((لقد اصطدمت بابنهم ومن حقهم أن يحصلوا على كل التعويضات اللازمة ليضمنوا عودة ابنهم كالسابق بلا أي خدش))
تغضنت ملامحها وانعقد حاجبيها لتهتف بغضب
((هذا عندما يكون الخطأ كليًّا يقع على عاتقي لا على ابنهم.. فقد كنت استخدم حقي في الطريق استخدامًا مشروعًا ولم أقع في أي تقصير أو مخالفة تُحمِّلني جزءً من المسؤولية في حادث الدهس))
قال وليد بابتسامة متلاعبة
((صحيح معكِ حق.. لكن أنتِ تعرفين يا كحيلة العينين حسب قانون السير المعمول به في بلادنا فإن السائق يتحمل دائمًا مسؤولية وقوع حوادث السير بشتى أنواعها عندما تكون مركبته طرفًا في هذه الحوادث))
ردت بعصبية حانقة
((نعم أعرف، وربما هذا ما جعل بعض الأشخاص يستغلون هذا القانون بافتعال حوادث مصطنعة))
قال لها وليد ببساطة مستفزة
((ولكن موكليّ على حسب رؤيتي فهم ليسوا من الممتهنين لهذه المهنة.. كل ما في الأمر أن ولدهم كان يركض بالشارع بتهور واصطدم بسيارتك أنتِ دون غيرك.. لسوء حظك.. وعائلته قررت أن تستغل ما حدث لاستنزافك حتى آخر رمق فيكِ وحتى يحصلوا على تأمين دهسه من شركة التأمين))
تهاوى التحدي عن ملامحها وأخفضت وجهها ثم غمغمت بصوتٍ واهن متألم ظلمًا
((قانون مجحف، فلماذا لا يتحمل المشاة مسؤولية كاملة كما السائق عندما لا يلتزمون بقانون المشاة المتعلق باستخدام الأماكن المخصصة لهم؟))
اخذ وليد نفسًا من بين شفتيه مفكرًا قبل أن يقول
((أتفهم معاناتك فهنا يتم التعامل بنص القانون لا بروحه))
أدار وليد عينيه في الأجواء قبل أن يقول عارضًا بنبرة ذات مغزى
((هل تريدين أن تشكي لي عن الظلم الذي تشعرين به إزاء القضايا المرفوعة عليكِ كصديق.. بعيدًا عن كوني محامي خصومك؟))
رفعت شيرين وجهها عند عرضه هذا وتصلبت ملامحها واشتدت نظراتها حتى بدت كصقر جارح وهي تقول
((في الشكوى مذلة، وأنا نبض خافقي كبرياء))
ثم أعقبت كلامها آمرة
((والآن أكرمني برحيلك، ولو سمحت فليكن كل حديثك بشأن القضية مع محاميّ الخاص.. فأنا لم أعد شيرين القديمة التي كنت تظهر في حياتها من حين لآخر فقط لتظهر جبروتك وبأنك قادر على كسرها وذلها!))
رفع حاجبه ليقول مبتسما بنبرة جليدية مستفزة
((لقد كنت انتقم منكِ لخيانتك! كنت عاشق مطعون بكرامته وحبه.. تخبطي جعلني أفعل أي شيء في سبيل وقف نزيف قلبي.. حتى لو كان إضرام النار فيكِ))
ارتعش شيء في داخل شيرين.. وذاكرتها تعود لذلك اليوم الذي كانت تحلم فيه بالزفاف كأي فتاة، وتكوين أسرة هي سيدتها مع من اختارته واختارها شريكة لحياته.. قبل أن تصل تلك الرسائل لوليد ولعائلته..
فقالت بصوتٍ قاسي رغم تحشرج صوتها
((وما فعلته بي كان أنكى من حرقي حية يا وليد بتركي في يوم زفافنا والزواج من امرأة أخرى أمام كل من كان من المفترض أن يحضر زفافك بي!))
ثم استرسلت كلامها باختناق
((يا ليتك اكتفيت بذلك، لكنك حرصت على أن تشوه سمعتي وأخلاقي أمام كل من في القرية ونشر تلك الرسائل وخصوصياتي.. رغم أن ما فعلته لم يكن خيانة إلا من وجه نظرك وحدك.. أمّا من وجهة نظري لا.. فقد كتبت رسائل الحب لشخص غيرك في وقت كنت اعتبر نفسي منفصلة عنك!))
قال وليد لها بصلابة وثبات
((لقد انتهى وقت العتاب والحديث في موضوع مرّ عليه سنوات طويلة، فكما سبق وقلت سأعود لكِ عندما يشفى قلبي مما فعلتيه بي.. وأظن بأن هذا الوقت أتى))
ظلت مشدوهة النظر له للحظات! هل يظن أنه يمكنه أن يعود بهذه البساطة بعد أن دمر حياتها حرفيًا؟ هل يظن بأنها يمكن أن تنسى وبكل بساطة ما عانته من آلام وأوجاع نفسيه عندما تركها في نفس اليوم المقرر لزفافهما في ظل ظلم كل من في القرية لها؟ ألا يعرف بأنها آنذاك ظلت حبيسة منزلها لأشهر طويلة بمعزل عن البشر بسبب المضايقات الاجتماعية التي تعرضت لها ولتجنب أي كلمات أو مواقف تقلل منها وتنال من سمعتها فما نالته منه وتسبب بنظرة سوداوية تجاهها، وقلل من فرص زواجها مرة أخرى.. بل وما قد تسبب لها بصدمة نفسية عندما أعلن زواجه بنفس اليوم من أخرى غيرها.. وبسبب هذا وتزامنًا مع وفاة والدتها من المرض والحزن عليها، قرر والدها الرحيل من القرية والانتقال لمكان آخر في المدينة بلا أي أملاك أو أموال تاركًا منجرته ومصدر رزقه الوحيد هناك! وكل هذا فقط ليرضى وليد بانتقامه ورد كرامته المزعومة منها!
لم تجد شيرين إلا أن تتمتم متسائلة بنبرة ساخرة مريرة كالحنظل
((ماذا! نعود؟ هل أنتَ مجنون؟))
تغضن جبينه وقال بجفاء
((نعم مجنون أنا لأقرر العودة لكِ بعد خيانتك لي، ولكني أدركت بعد مرور كل هذه السنوات بأن حكاية قلبي لن تنتهي معكِ، ولن أشفى أبدًا منكِ، لذا يكفي انتقاما ولنعد لبعضنا))
لا تعرف شيرين كيف ضحكت بتوتر ضحكة مبتورة قبل أن تقول ساخرة
((أنتَ مجنون يا وليد لظنك بأنك قد تفلت بكل الإجرام الذي فعلته بحقي ثم تطالبني بكل بساطة أن أعود لك وبدون أي نقاش.. لأن هذا لن يحدث.. على جثتي فقط))
هدر لها بجمود
((اعرف أن كلامك يعكس جرحك العميق لما قمت به معكِ.. لكن أذيتك كانت الطريقة الوحيدة لتشفى كرامتي وقلبي على حدٍ سواء وأعود لأتقبلك مجددًا في حياتي وزوجة لي.. الآن أنا لا أطلب الكثير.. أريد منّا فقط العودة لخط سيرنا الصحيح في الحياة، للطريق الذي أضعناه في وقتٍ ما من عمرنا دون أن نشعر))
سألته وهي تضع عينيها في عينيه
((وكيف ستقبل كرامتك أن تتزوجني أمام نفس الأشخاص الذين شهدوا الفضيحة المدوّية بي؟))
وضع يديه على المكتب ومال برأسه منها يقول
((أنا لم أفضح شيء مما حدث.. كل ما قيل سببه فقط إلغاء زفافنا المفاجئ بنفس اليوم المفترض أن يُعقد فيه، وكل تلك الألسن ستخرس عندما أعود لكِ.. أنا سبيلك الوحيد لتُرَد لكِ كرامتك المهدورة وتعودي للقرية مرفوعة الرأس لأنهم سيعرفون بأني لم أعد لكِ إلا بعد أن تأكدت كذب ما أُشيع عنكِ))
داعبت شبه ابتسامة وجهها وهي تقول
((ومن قال لك بأني اهتم بما يحاكى عني وعن سمعتي في القرية؟ كل ما بيننا الآن هو تلك القضية))
قال لها بفظاظة بصوته البغيض على قلبها
((تعرفين يا شيرين بأن آخر ما أفكر به هو رضاكِ على العودة رغم أن وجودها سيكون أفضل، خاصة وأنتِ تعرفين أنه لا خيار أمامك بهذه الظروف التي تعيشينها إلا أن تخضعي لي))
فارت الدماء في عروقها وهي تتلمس التقليل منها في كلامه.. فردعته بصوت مختنق وهي تشدد على كلماتها
((ليس لي رد لك إلا "على جثتي أن يحدث ذلك يا وليد".. أُفضِّل أن أبقى وحيدة على أن يربطني شيء بك))
صوتها المنخفض ونبرتها المجروحة أشعرته بألمها الكامن في داخلها إلا أنه ظل على جبروته وهو يسألها
((ألم تنكسري بعد يا شيرين بعد مرور كل هذه السنين؟ هل حقا تفضلين أن ينتهي الحالي بك كعجوز وحيدة بلا ولد ولا سند ولا أقارب باستثناء أخوالك الذين لا يزالون يعيشون في القرية ولا يعرفون عنكِ شيئًا! عمرك يا شيرين لا يسعفك أن تتحدي وتماطلي في شيء سيحدث رغمًا عنكِ عاجلًا وآجلًا))
منحت شيرين نفسها لحظة واحدة تمتص فيها تلك الإهانة في سخريته قبل أن تقول بصوتٍ ناعم جميل تستفزه رافضة أن تشعره انكسارها
((ولكن أنا بالفعل سأتزوج قريبًا، لذا يبدو منظرك بكل صدق الآن أحمقًا وأنت تظن أن لك القدرة أو السلطة في حياتي وقرارتي بعدما فعلته بي!))
عقد حاجبيه يسألها على الفور بعدوانية
((ماذا تقصدين؟))
نظراته المظلمة أسرت روحها وفي ذات الوقت أشعرتها بالتشفي.. مجرد حديثها عن زواجها أمامه قلب حاله لهذا الحد.. فكيف عندما يراها متزوجة من رجل غيره.. ويعرف هوية من ستتزوج به! أنهت شيرين تخيلاتها السادية بحقه وشمخت بذقنها ثم قالت بصوتٍ صلب كالصخور
((يفصلني وقت قصير قبل أن أكون متزوجة بالفعل من رجل آخر رائع..))
داعبت تلك الابتسامة الواثقة ثغره وهو يقول بصوتٍ مسيطر
((أنا أحيط بالفعل يا شيرين بحياتك من كل الجوانب، ولو كان هناك أي رجل في حياتك أو حاول التقدم لكِ لم أكن لأجد صعوبة في المعرفة.. فتوقفي عن إغاظتي وادعاء الكذب))
لذة بالتشفي غمرتها أكثر مما سبق وهي تقول مؤكدة
((أنا لا أدّعي، هناك رجل بالفعل تقدم لي وأنا وافقت وسنتزوج قريبًا))
اندلعت النيران في حدقتيه وهو يقوم من مكانه ويقترب منها مشرفًا عليها بطوله المهيب فتضطر أن ترفع رأسها كي تواجهه وهو يقول محافظًا على ابتسامته اللعينة
((هل وافقتِ عليه حقًا؟ ظنًا منكِ أنكِ تنتقمين مني بهذه الطريقة؟))
انتشى قلبها بل ضحكت وشعت عيناها برضا انتقامي
((يبدو أني أخذتك الآن على محمل الجد إلى حد بدأت أن تظن أن كل صغيرة وكبيرة سأفعلها أو أقولها أنتَ المقصود بها.. على رسلك يا وليد، حياتي لا تتمحور عليك، لقد تلاشيت واختفيت من عالمي منذ زمن طويل))
خلخل خصلات شعره بأصابعه بتوتر ليقول بابتسامة يكبح من خلالها غضبه الذي على وشك الاندلاع
((من هذا الذي تجرأ على طلب يدك؟ ومِن مَن قام بطلب يدك إذا كان المتبقي من عائلتك هم أخوالك الذين لا يزالون يعيشون في القرية؟))
بعينين ضبابيتين راقبت هيجان غضبه وأجابتها بهدوء أثار حفيظته
((ليس لكَ أي علاقة بأي تفاصيل أخرى))
بينما بدت عيناه في هذه اللحظة مظلمتان.. لا بل مجرمتان ككل حرف نطق به صارخا بهياج وهو يصفع كفيه فوق مكتبها
((قلت لكِ أخبريني من، من هذا الذي يجرؤ على الاقتراب من المرأة التي أريدها))
اهتزت حدقتيها وارتعش جسدها وهي تنظر من خلال الباب المفتوح والفاصل الزجاجي برعب خوفًا من أن يتجمع أحد..
عليها ألا تستفزه أو تسمح له بأن ينفعل فهو أكثر من قادر على التسبب بفضيحة مدوية لها الآن قد تؤثر على عملها هنا.. عليها أن تكون أكثر حذرًا.. لم يمضِ الكثير على ترقيتها الجديدة وكل من حولها يتبرص على فرصة ليثبت أنها ليست جديرة بها..
وجهت شيرين نظرها له وبحثت عن صوتها في مكان ما بحنجرتها لتستدعيه وتقول راجية بخفوت
((اهدأ.. أرجوك اهدأ.. الباب مفتوح وصوتك عالي))
لم يخفض من نبرته وهو يزعق بغضب مستعر بينما يدور حول المكتب ليقترب منها
((لا لن أفعل عندما أعلم أن هناك رجل آخر تجرأ على الاقتراب من ممتلكاتي))
هاجمته شيرين من مكانها بحقد تغلغل بداخلها بقسوة وهي جالسة فوق الكرسي بأسلوب باهت لا مفعول له
((أنا لست من ممتلكاتك ولست حق مكتسب لك))
اهتزت حدقتيه وهو ينحني برأسه ببطء مغمغما
((بل أنتِ كذلك.. وإذا كنت في الماضي تركتك بملء إرادتي فأنا الآن قررت بأن ينتهي كل هذا ونعود لبعضنا))
لم يكن أمامها إلا أن تتحامل على آلام الماضي وسياط كلامه بصبر قبل أن تأخذه على محمل عقله وتقول بصوتٍ سقيم
((اخرج أيها الهمجي، لقد كنت اختلق ما قلته سابقًا.. أساسًا من سيقبل الزواج بي بعد ما شوهت سمعتي بفعلتك!))
تراجع وليد للخلف وهو لا يزال يطالعها بعينيه محافظًا على قسوة تعابيرها حتى قرر أن يقول بصوتٍ سادي مميت
((اعرف ذلك وهذا ما يجعلني أمرر كذبك الآن، لكن إياكِ أن تفكري حتى مجرد تفكير بالأمر يا شيرين))
رمى ما في جعبته ثم غادر المكان كله تاركًا إياها مكانها والخوف يسكنها مما قد يفعله..
أغمضت عينيها تهدئ أنفاسها المتزايدة.. عليها أن تُعجِّل في زواجها قبل أن يعلم وليد به ويفسده.. لن تطلع أحد على زواجها قبل أن يتم إلا قلة قليلة!
=============================
بمجرد أن شعرت زاهية التي كانت جالسة في حديقة منزلهم بين الزرع والمساحات الخضراء وقع أقدام تقترب منها حتى التفتت لتقول بابتسامة
((كيف حالك يا مُصعب؟ هل عدت الآن؟ عافاك الله))
ابتسم لها لتعود وتدعو ابنها بحنان
((ما رأيك أن تصعد لتغتسل ريثما أخبرهم أن يجهزوا لك الآن الطعام وتأكل هنا معي؟ لقد أكلنا على الغداء..))
قاطعها في هدوء وهو يضع يديه في جيبي بنطاله
((أمي لا داعي، لقد طلبنا أنا وزملائي من إحدى المطاعم وأكلنا هناك كالعادة))
قوست حاجبيها بغضب أمومي وهي تقول بحزم
((لا أفهم لماذا يا مُصعب لا تحب أن تأكل بالعادة معنا أي من وجبات الطعام.. وإذا ما فعلت فتقتات الفُتات وكأنك مرغم))
لا ينكر مُصعب أن والدته في الأشهر الأخيرة باتت تشعر به دائمًا بنظرة أمومية مشعة من عينيها لم يرها بهذا الوضوح من قبل.. ربما لأنها تعرف بأنه أكثر من عني له ابن عمه يحيى! وكان شاكرًا لهذا فقال لها بعينين تشعان امتنان
((أمي لا تقلقي عليّ، لطالما كنت معتادًا أن اطلب أكلًا جاهزًا في عملي))
ضيقت عينيها مغمغمه
((ماذا فيه أكل المطاعم لتفضله على البيت؟ عليك الاهتمام بصحتك أكثر، مؤخرًا خسرت الكثير من وزنك..))
أخفض نظره يتطلع لنفسه وهو يجيبها بحنق
((أمي لطالما كنت كذلك ثم إن ما مررنا به مؤخرًا ليس قليلًا))
تكدرت ملامحها لتذكيرها مُصعب بما حدث فدمدمت بصوت متأسف ((معك حق))
ألقى السلام عليها ودلف لداخل منزلهم ثم صعد الدرج الذي ينتصف الصالة للدور العلوي إلى حيث جناحه..
فتح الباب ودلف للداخل يغير ملابسه ويأخذ حمامًا سريعًا بروتين يومي معتاد عليه بعد عودته..
كان يجفف شعره بالمنشفة عندما سمع صوت فتح الباب من قِبَل نورين التي كانت تحمل صينية فيها عدة أطباق ثم تطلعت نحوه ليسألها بتعابير مبهمة
((أين كنتِ يا نورين؟))
ارتكبت قليلًا واضطربت يديها التي تحمل فيها الصينية فعاجلها بسؤال آخر
((هل طلب منكِ أحد الخروج من هنا؟))
سارعت تجيبه نافية بلهفة
((لا أبدًا، بل أنا من خرجت بنفسي.. لقد كنت في منزل سمية.. أنا أعتذر كان يجب عليّ أن استأذن منك قبلًا.. لكن ليس عندي هاتف وظننت بأنك لن تمانع لأن بيتها لا يفصله عنّا إلا حديقة المنزل الخلفية))
كان الخوف قد أخذ منها كل مأخذ فجأة من ردة فعله وهي تراه يطالعها بوجوم فأشاحت بوجهها جانبًا.. لكن وصلها صوته مدمدمًا وقد انفرجت ملامحه
((سمية؟ كيف حال يديها؟))
رفعت عينيها له تسأله بانشداه
((إذن لا تمانع أن اذهب عندها كل حين وآخر؟ فأمك طلبت منها ألا تدخل المطبخ وبالتالي البيت كله!))
رفع مُصعب إحدى يديه يمرر أنامله في شعره المبتل بينما يهدر لها بتأنيب مشيرًا بعينيه للصينية التي تحملها
((حسنا لا بأس يا نورين، ولكن ألم تخبريني بأنكِ لا تريدين النزول للأسفل وجعلتني أطلب من أمي ذلك؟ لأجدكِ الآن قد خرجتِ من تلقاء نفسك!))
امتلأ وجهها بابتسامة غير عادية وهي ترد بغموض بينما ترفع الصينية التي تمسكها
((أنا فقط أعددت كمية قليلة من الطعام لك لتأكله بعد عودتك للعمل.. طعام مختلف عن الذي صُنِع للباقين))
جلس على طرف فراش السرير هادرا بوجوم
((أنا! أنتِ تعرفين أني آكل قبل العودة لهنا))
سارعت تجلب منضدة صغيرة تضعها أمامه قبل أن تضع الصينية فوقها قائلة
((صنعت لك الفاصولياء بدون إضافة أي من البصل أو الثوم))
صوب نظراته إليها يغمغم
((لم أفهم عليكِ))
أجابته بحماس وهي تمسك يديه وتضع الملعقة
((لقد لاحظت بأنك لا تحب نكهات الثوم ولا البصل في الأكل، مع أني لا أدري كيف يمكن صنع وجبة طعام بدون هذه المنكهات.. لكن صنعتها لك بدون إضافتها))
ظهرت الحيرة عليه فدفعته ليأكل قائلة برجاء رقيق
((هيا أرجوك تذوق، فقط ملعقة على الأقل))
بمجرد أن تناول أول لقمة حتى سألته مترقبة
((ما هو رأيك؟))
ضاقت عينيه وقوس حاجبيه مجيبًا إياها بنزق
((لا بأس به))
عادت تسأله بإلحاح
((هل الملح جيد أيضًا؟))
زفر بضيق قبل أن يقول مجددًا
((لا بأس به أيضًا))
صدح صوتها مجددًا تجذبه لها وهي تقول بلهفة
((أخبرني ما هي الأطعمة والنكهات التي ترغبها وسأحاول صنعها بالطريقة التي تحبها))
ثم عادت تسترسل كلامها وهي تشبك أناملها بحماس
((لقد حسبت الملح بالملي.. فأنا أعرف بأن مدبرة المنزل نعمة تطلب منهم أن يعدو الأكل بدون وضع الملح أبدًا من أجل ضغط والدك.. وأنت لا تحب أن تستخدم الملّاحة بعد طهي الأكل مثل باقي عائلتك.. لذا هل أعجبك ملحه؟))
كان ينظر لها بملامح مبهمة وهو يراها تتحدث عن ملح ونكهات الطعام بشيء من الشجن.. فأرخى نظراته يبتسم لأول مرة منذ دخل هنا تلك الابتسامة الرجولية النادرة التي تحلّي محياه الوسيم وهو يقول
((ملحه جيد.. أستطيع أكله.. أخيرًا وجدت منكِ فائدة واحدة حتى لو لم تكن بأمر مهم))
اغترّت وهي تقول له بعذوبة ماكرة
((صدقني أنا مليئة بالفوائد والمميزات، ولكن بحاجة منك فقط أن تعطيني فرصة لأريك إبداعي))
عقد حاجبيه قائلًا بهدوء وتحفظ
((لا شكرًا، لنتوقف عند مسألة الطهي))
أومأت له تقول دون أن تنحسر ابتسامتها السخيفة
((بشكل مبدئي حسنًا، المهم أخبرني ماهي الأكلات الأخرى التي تحبها؟))
ازداد التواء حاجبيه وهو يقول لها مفكرًا باختصار
((ليس هناك شيء معين، هم خمس أو ست أنواع من الأطعمة التي أحبها وأكررها على مدار السنة))
زمّت شفتيها بإحباط ويداها على حجرها في دلالة إلى يأسها وفراغ حيلتها من عدم مجاراته في الحديث معها.. ثم قالت عابسة
((مهما بدوت صعبًا لكن لن أيأس أبدًا، سأحاول بذل جهدي لأسحب البساط من تحت أقدام المطاعم دون أن تشعر أنتَ بنفسك))
عاد يأكل من أمامه دون أن يعطيها أي انتباه أو يتحدث معها.. فشعرت بأن هذا الذي أمامها هو أكثر رجل غامض قابلته.. دخيلته لا يمكن الوصول إليها ولا التكهن بها.. ينظر لكل شيء نظرة لامبالية، وكأن لا شيء في العالم يمكن أن يثير دهشته..
انتظرته أن ينهي طعامه ليقوم من مكانه للاغتسال
((وظبي المائدة واستعدي للنوم))
فعلت ما أمرها به ببلادة.. وعندما أطفأ مُصعب النور قامت بالقفز فوق السرير متمددة وهي تمسك أداة التحكم عن بعد تفتح التلفاز مغمغمه
((اليوم نهضت بوقت متأخر، لذا سأسهر على التلفاز))
لن تنكر أن اليوم كان رائعًا لعدم اضطرارها للقيام بأعمال المنزل في الأسفل أو في المطبخ.. لقد وجدت وقتًا لتقوم بكل ما كانت تريد فعله من ترتيب وتنظيف في جناحها.. لكنه رفع الغطاء يضطجع تحته قائلًا بصرامة
((أريد النوم، اغلقيه))
بعناد طفولي رددت ((لا أريد))
فجأة ابعد الغطاء عنه وقام من مكانه.. أحضر فراشًا وغطاءً آخر وبهدوء دلف للشرفة وأغلقها خلفه.. فاتسعت عينيها وأغلقت التلفاز ثم لحقته تفتح الشرفة هادرة بشيء من الاعتذار والندم
((حسنًا أغلقت التلفاز، لا يوجد شيء يستحق المشاهدة، عد مكانك))
إلا أنه أعطاها ظهره قائلًا بخفوت لوجوده في الشرفة
((اغربي عن وجهي أريد النوم))
فخطت بخفة نحوه وأخفضت نفسها تهمس بأذنه
((حسنا سأحضر غطائي وفراشي لأنام بجانبك.. انتظرني))
تحفز يستدير لها قائلًا بحزم
((إياكِ أن تحضري شيء، ابتعدي فقط))
طفرت الدموع من عينيها وهي تقول برجاء
((أرجوك أريد أن أكون معك))
زفر مُصعب بضيق وأصابعه تمشط خصلات شعره بعصبيه مكبوتة.. إلا أنه اعتدل واقفًا من مكانه وحمل الفراش والغطاء للداخل.. ليلقيه أرضا ثم اتجه نحو الثلاجة الصغيرة الموضوعة في الزاوية وما إن فتحها حتى صدح صوته باستياء
((من أخذ كل علب المشروبات الغازية خاصتي؟))
تطلع نحوها بتجهم بالغ ونفاذ صبر في إشارة لكونها المدانة الوحيدة.. فابتسمت له ابتسامة متذبذبة وهي تقول بصوتٍ خافت
((لقد كان هناك الكثير منها فتخلصت منهم، أنتَ ممرض وأكثر من تعرف بأن هذه المشروبات تتسبب بهشاشة العظام عند شربهم بإسراف..))
كان صوتها في نهاية الحديث يخفت تدريجيًا حتى بترته تماما وهي تشعر بملامحه تزداد تجهمًا حتى رفع سبابته محذرًا إياها بلهجة شديدة
((إياكِ أن تقتربي من ثلاجتي وما أضعه فيها، إذا أردتِ أن نضل على وفاق هنا.. هل تفهمين؟))
هزت رأسها على الفور ودون أن تنحسر ابتسامتها المتلبكة ثم قالت له تراضيه
((في المرة المقبلة إذا عبأتها سأترك لك عبوة أو اثنتين))
زمجر بها لترفع كلتا يديها تغلق فمها ليتقدم من السرير دون أن يحيد نظراته الحادة عن عينيها ثم عاد يدفن نفسه فيه..
وبهدوء هي انضمت للنوم بجانبه تغمغم بما قد يلطف الأجواء بينهما
((أهلًا بعودتك.. فالسرير لا شيء بدونك))
ثم حاولت أن تقترب منه تقلص المسافة بينهما وهي تراه متمدد مكانه يعطيها ظهره فهدر على الفور بتحذير نزق
((وإياكِ ثم إياكِ أن تطوقيني بقدميك وذراعيك كالأمس، مرافقي لا تزال تئن ألما، والا فخلية النحل التي أريتك إياها في ذلك اليوم سأحطمها فوق رأسك))
تغضن جبينها لتتشدق له مستخفة
((سمية تمر دائمًا عليها ولا يلمسها النحل، قالت بأن نحل العسل غير مؤذي))
وصلها رده بفتور
((سنرى إذا ما كان مؤذي أو لا عندما أجربها عليكِ))
لكزت كتفه بيدها بحنق.. ثم قالت له بضجر
((حياتك مملة.. من المشفى للبيت فقط، وفي أيام إجازتك الثلاثة خلال الأسبوع تقضيها في النوم هنا.. ماذا تفعل غير هذا؟ لم أرَ في حياتي شخصًا هادئًا ومنعزلًا مثلك))
ثم وضعت رأسها فوق الوسادة وهي تشعر بألم حاولت عدم إظهاره.. لم لا يطيقها ولا يحاول الاقتراب منها؟ أنه ينفر منها بطريقة مريبة.. وكأنه كلما حاول أن يجبر نفسه على الاعتياد عليها يظهر شيء ليمنعه!
لو لم يقم معها علاقة زوجية في أول لقاء بينهما لقالت دون رادع بأنه عاجز!
وهنا بدأت الهواجس تغمر عقلها.. فهل يمكن أن يكون تباعده هذا بسبب ما حدث بينهما في أول ليلة؟ هل يمكن أن يكون في واقع الأمر لا يصدقها وما زال الشك ينتابه فيما حدث رغم ادعائه عكس ذلك حتى لا يغرق القريتين في الدماء؟
عند هذه النقطة بتر مُصعب سيل أفكارها وفتح عينيه يجيبها هامسًا بصوتٍ لا حياة فيه
((حياتي هكذا فقط منذ موت يحيى))
اختفي الدم من وجهها وهي تسمع جوابه كماء ناري يصب فوق رأسها لتذكر سر زواجهما الذي تجاهد لنسيانه! ازدردت ريقها ثم تمتمت بخفوت قبل أن تغمض عينيها
((رحمه الله وغفر له))
=============================
ليلًا كانت تتقلب شيرين على سريرها بتوتر وأرق وكأنها تتقلب فوق جمر من نار.. رغم إخراجها وليد من حياتها إلا أنه لم يتوانى أن يظهر كل سنة.. في حياتها ليظهر جبروته عليها ويذلها.. وأحيانا أكثر أو أقل من سنة..
أخف ما في الأمر أنه اليوم عندما حضر إلى مقر عملها الذي ترقت فيه وصار لها فيه منصب كبير، فشعرت بأنها تستطيع أن تجابهه وتكون ندًا له! فقد كانت مواجهتهما متكافئة على عكس ما كانت عليه عند أول مواجهة لهما بعد رحيلها مع أبيها من القرية!
ضيقت عينيها تجتذب تلك الذكرى المريرة البعيدة.. قبل سنوات طويلة عندما كانت حديثة التخرج في بداية العشرينات من عمرها.. حيث كانت تعمل موظفة في دوام جزئي في أحد المطاعم مع سهر.. التي التقت بها أول مرة في حياتها هناك ولم تكن تعرف بشأن خلفية عائلتها الثرية..
كانت شيرين تعمل في غسل الأطباق كالعادة عندما قالت متسائلة
((لا يوجد عمل كثير اليوم، لماذا يا ترى لم يأتي أي من الزبائن لأكثر من ساعة يا سهر؟))
((ببساطة لأنه هناك رجل ما جاء ليحتفل بعيد زواجه مع زوجته وقام بحجز المطعم كاملًا لهما))
زمّت شيرين شفتيها ثم قالت بقليل من الغبطة
((حقًا؟ كم هو لطيف أن يصدر تصرف رومانسي مثل هذا من رجل))
تابعت شيرين عملها في غسل الأطباق قبل أن تتفاجأ بدخول أحد الموظفين من زملائها يقول آمرًا
((المدير يطلب منكِ يا شيرين أنتِ وسهر أن تقوما بإيصال الأطباق التي طلباها السيد وزوجته لهما))
استدارت شيرين له معترضة
((وظيفتي هنا أن أقوم بغسل الأطباق في المطبخ لمدة تسع ساعات فقط.. إيصال الأطباق للزبائن هي وظيفتك أنتَ هنا كنادل))
ابتسم الشاب النادل بشماتة وقال
((السيد الذي حجز المطعم أمر أن يتم توصيل الأطباق من قبل النادلات فقط.. وبما أنه لا يوجد لدينا نادلات هنا فهي مهمتك أنتِ وسهر))
خرج صوت سهر حادًا معترضًا
((اعتذر للمدير وأخبره أن هذا ليس عملنا هنا.. فليوظف أخريات غيرنا للعمل كنادلات))
خرج الشاب من المطبخ ليوصل رد شيرين وسهر للمدير وسرعان ما عاد محملًا تحذير مدير عملهم
((المدير يشتعل غضبًا وأخبرني إذا رفضتما توصيل الأطباق للسيد الذي قام بحجز المطعم له ولزوجته فاعتبرا نفسكما مفصولتان.. ها ماذا أرد عليه؟))
ضربت شيرين المنشفة الذي كانت تمسكها بالطاولة وهي تقول باقتضاب
((هذا ليس عدلًا، أنا تقدمت لهذه الوظيفة لأنه قيل لي بأن كل ما عليّ القيام به هو غسيل الأطباق دون أن اضطر إلى التعامل مع الزبائن))
قالت سهر بتجهم وببرود
((اذهب وأخبره أننا لن نوصل أي شيء.. وسنترك العمل هنا بمجرد أن ينتهي اليوم))
هز الموظف كتفيه ببساطة واستدار مغادرًا وهو ينوي إيصال ردهما لمديره.. في حين التفتت شيرين بقلق لسهر تقول
((سهر ماذا لو صدق وعيده وقام بطردنا من هنا؟))
أعادت سهر خصلاتها للخلف وهي تقول بلامبالاة
((فليفعل.. وقتها سأطلب السماح من أمي وستعود لتسمح لي بالعيش معها ومع والدي وريثما أجد وظيفة أخرى سأعود لأتمرد عليها مرة أخرى))
عقدت شيرين حاجبيها وقالت بتيه وهي تجلس على احدى الكراسي
((لكن أنا وضعي مختلف.. أنا أعمل هنا من خلف ظهر والدي، فما يعتقدان بأني أخرج كل صباح من البيت لأني أتدرب في إحدى مكاتب المحاماة.. إذا فُصِلت من هنا فلا أعرف أين سأجد متجرًا آخر لأعمل فيه دون أن اضطر للاختلاط مع موظفين أو زبائن قد يتعرفون عليّ))
شعرت سهر بضيقها فأزرتها وهي تميل برأسها
((إذن هل ستصعدين فوق لخدمتهم؟))
هزت شيرين رأسها بعزم ثم طالعتها تقول وهي تخرج من المطبخ
((نعم.. مجرد دقائق نضع الطعام فيها وينتهي الأمر))
.
.
بدأت شيرين بحمل الأطباق هي وسهر وإيصالها للزبون الذي كان قد حجز دورًا كاملًا من المطعم له ولزوجته للاحتفال بعيد زواجهما.. لم تخفِ شيرين بمجرد دخولها المكان انبهارها من الزينة والبالونات التي نُسِّقت بطريقة مميزة احتفاءً بطلب الزبون..
وصلت الفتاتين لطاولة الزبون ووضعن الأطباق من الصينية فوق الطاولة..
غادرت سهر المكان في حين قالت شيرين وهي ترسم ابتسامة رسمية ومرحبة
((هل أنتَ بحاجة لأي شيء آخر يا..))
ضاعت آخر كلماتها في نهاية حديثها وشحب وجهها بينما تلاشت تلك الابتسامة من على وجهها تدريجيا عندما رفع الرجل أمامها وجهه بعنجهية..
لم تصدق أنه هو.. وليد..
كانت تنظر له بمقلتين مرتاعتين لا تصدق إلى أي حد وصل بانتقامه منها بينما هو يلتهم ملامحها بهدوء ونهم..
قبل أن يسأل وليد زوجته بينما عينيه تفترسان ملامحها باستمتاع ونشوة
((هل أنتِ بحاجة لأي شيء آخر يا حبيبتي؟))
رمقت شيرين بغيظ المرأة الجالسة مقابله تهز وجهها السمح.. ثم عادت تنظر لوليد قائلة من بين أسنانها
((هل هناك أي أوامر أخرى يا سيدي؟))
أخبرها وليد بصوتٍ فاتر أجوف
((أريد منكِ أن تحضري لي الهدايا التي جلبتها لزوجتي ووضعتها عند الزاوية بعد نصف ساعة))
هزت شيرين رأسها وهي تقول بغيظ يكاد يلتهمها
((حسنًا.. أي أوامر أخرى؟))
غمغم بفظاظة جمدتها
((احتاطي حذرًا أثناء حملك الهدية الحمراء الضخمة لو سمحتِ))
شعرت شيرين بنفسها غارقة بالذل، ويغمرها الهوان وهي تتلقى أوامره.. دموع حارقة لذعت حدقتيها ولكنها احتجزتهم خلف أهدابها وهي تدرك أنها تخدم الرجل وزوجته التي تزوجها في نفس اليوم الذي هجرها فيه في يوم زفافهم المفترض.. فأومأت له متمتمه بخفوت
((لا يعتريك القلق سيدي))
استدارت على الفور مبتعدة عنه بإعياء ومسرعة الخطى نحو دورة المياه.. أغلقت الباب خلفها مختليه بنفسها لتبكي ذلها لوحدها.. لدقائق.. فقط دقائق تعطي الحرية وتسمح لدموعها أن تنهمر كالأمطار قبل أن تخنقها وتموت..
.
.
استشعر وليد ضيق زوجته أثناء تناولهما الطعام ليرفع رأسه يسألها
((هل هناك شيء يا حبيبتي؟))
أجابته بخفوت وهي تقطع بلباقة قطعة اللحم أمامها بالسكين
((كانت طريقة كلامك مع النادلة فيها شيء من الفظاظة رغم لباقة حديثك، عليك أن تكون ألطف مع من هم أقل منك حظًّا في الحياة))
ضيق وليد عينيه معقبا بتصميم
((بل علينا يا حبيبتي ألا نعطي أي شخص أكبر من حجمه في هذا العالم، فيتمرد))
عقدت زوجته حاجبيها معترضة
((ولكن يا وليد..))
قاطعها ينهي النقاش بابتسامة
((يكفي يا حبيبتي تحدثًا عن أُناس من أمثالهم.. لا أريد أن أفسد يومنا الخاص ومفاجأتي لكِ بمناسبة تخرجك))
استسلمت لكلامه وهي تعتدل واقفة
((سأذهب لدورة المياه))
أومأ لها وليد وهو يراها تبتعد عن الطاولة تزامنا مع قدوم شيرين التي كانت تحمل الهدايا كلهم هدية فوق الأخرى يكاد يختل توازنها عند مشيها..
وضعت الهدايا فوق كرسي فارغ بغلظة ثم طالعت وليد بازدراء وهي ترفع أحد حاجبيها للحظات بتحدٍ سافر.. أسفت لنفسها أن تعترف أن محاولته لإهانتها نجحت في أن تطولها وأصابتها في الصميم.. وكان بإمكانها أن تطلب من سهر إحضاره، لكنها أصرت على الاستجابة لأمره وجلبتهم بنفسها.. ثم سألت وليد بثبات تحسد عليه
((هل هناك أي شيء آخر سيدي؟))
لم يلن قلبه على ما يفعله بها بل اتقدت مقلتيه بمزيد من الرغبة في إذلالها.. فهدر لها بمجرد اختلائهما بصوتٍ متلاعب.. أجش
((كيف حالك يا كحيلة العينين؟))
قربت رأسها له قائلة بصوتٍ مرتجف وقد فشلت في إخراجه صلبًا
((لماذا جئت خصيصًا لهذا المطعم الذي أعمل به رغم أنه لا يتناسب مع مكانة أشخاص مثلك.. هل تنتقم مني؟))
انعكف فمه بتهكم يجيب ببطء شديد
((لماذا قد انتقم منكِ يا شيرين؟ ثأري وقد أخذته منكِ بعد فضح حقيقتك وتركك في يوم زفافنا.. فماذا بقي لأنتقم لأجله؟))
برقت عينيها بشراسة ثم قالت وهي ترمقه باحتقار
((إذن كرر هذا الكلام على نفسك لعلك تستوعبه، لا أريد شيئًا إلا أن أبقى بعيدة عنك وعن تلك القرية البائسة))
ثم رسمت تلك الابتسامة التي لا تفشل في استفزازه وهي تشمخ بذقنها بينما تقول بعنفوان وكبرياء
((سأتزوج من رجلًا آخر ينسيني البؤس وأيامي التي عشتها معك، مثلما تزوجت غيري))
قاطعها قائلًا وهو يضغط على كل كلمة تخرج من فمه كالطلقة
((اخرسي.. يا شيرين.. ولا.. تحلمي.. بذلك))
ثم اعتدل واقفًا ينفث الهواء كنيران مشتعلة وصرّ على أسنانه بهسيس مخيف لها
((هل تظنين بأني سأسمح لكِ بالزواج من رجل غيري؟))
تحدته بذروة لا تنطفئ بحدقتيها هادرة
((ولماذا قد احتاج لإذنك؟ ومن أنتَ غير حقير كنت مخطوبة له))
برقت مقلتاه بقوة وهو يميل بوجهه منها
((لن اسمح لكِ حتى أن تحلمي بالارتباط برجل غيري، حتى لو ترتب الأمر عليه أن أقتل أي رجل يفكر بالاقتراب منكِ))
تهديده الإجرامي تسرب إلى جسدها كصعقة تيار كهربائية قشعرت جلدها.. فأطبقت شفتيها بقوة وملامحها تشع بالعنف لتهتف فجأة وقد بدأ جدار محافظتها على هدوئها بالتصدع مهددا بالانهيار
((هل أنتَ مجنون! لقد تزوجت من غيري فبأي حق تمنعني من الزواج من غيرك؟))
رد أمام عينيها الكحيلتين اللتان تفيضان أمامه بالغل والإحساس العارم بالظلم
((لن تكوني لأحد غيري.. فلا تحلمي بغير ذلك.. أما متى سأتزوجك فهذا يعتمد على متى تخفت شعلة الانتقام والكره التي أملكها تجاهك))
كانت أنفاسها في تهجد في حين عاد شيء من الهدوء لوليد وهو يأمرها
((وهذا أخر يوم لكِ في هذا المطعم.. لا أفهم كيف قَبِل رجل كوالدك على عملك في مثل هذا المكان))
هتفت به باستنكار محمل بكل طاقات الغضب داخلها
((ألا تفهم بأنه ليس لكَ علاقة بحياتي يا وليد حتى لو عملت في نادي ليلي!))
وقاحتها في نهاية الحديث جعلت ملامحه تتوتر للحظات.. قبل أن يضرب بساقه الكرسي ويوقع الهدايا كلها أرضًا فيُسمع صوت تهشمها عاليًا..
اتسعت عينا شيرين مما فعله لكنها شهقت بصدمة وهي تسمع صوته يتعالى في المكان كله
((أين الإدارة هنا.. هل هذه طريقة للتعامل مع الموظفين هنا؟))
ارتبكت قليلًا وتطلعت حولها بتشتت قبل أن تسأله متوترة بصوتٍ خفيض مضطرب
((لماذا قمتَ بكسر الهدايا؟))
لم يجبها بل تابع الصراخ باستياء
((أين الإدارة في هذا المطعم!))
شحب وجه شيرين واستدارت للخلف وصوت مديرها في المطعم يتناهى لسمعها.. وبمجرد أن وقف المدير أمامها حتى سارع يسال قلقًا
((سيد وليد هل حصل شيء هنا؟))
أخفض المدير نظره أرضًا إلى حيث إحدى الهدايا المهمشة بأجزاء متناثرة ثم نظر نحو شيرين شزرًا
((كيف كسرتي الهدية التي جلبها السيد وليد لزوجته يا شيرين؟))
فهمت شيرين سبب الجلبة التي قصد فعلها وليد.. فنظرت له ترمقه بشرر مدافعة عن نفسها
((هذا الوضيع الذي أمامك من فعلها))
بهت وجه المدير ليهتف بها بصدمة
((كيف تتحدثين عن زبوننا بهذا الشكل!))
التفتت لوليد عندما قال ببرود بينما يرمقها بتشفي وارتواء
((هل هكذا تعلمون النادلات في مطعكم أن يتعاملوا مع الزبائن؟))
تدخل المدير آمرًا على الفور
((اعتذري منه يا شيرين اعتذري من السيد وليد حالًا عن كسرك الهدية وإساءتك الكلام معه))
الألم الفظيع الذي فاض من عينيها الكحيلتين جلد بلهيب سياطه أعماق روحه وهو يرى الموقف الذي أوقعها به خاصة وأنه لا يوجد أي كاميرات داخل هذا المطعم البسيط.. ولكنه تجاسر على نفسه وداس على أي مشاعر شفقة وليدة ليقول للمدير
((أول وآخر تجربة لي في هذا المطعم.. شكرًا لإفسادكم يومي المميز هذا مع زوجتي))
تقدم وليد جُمان التي كانت تقف جانبًا وتراقب المشهد ببهوت ليمسك يدها بنية المغادرة.. بينما المدير يلح في الاعتذار له
((اعتذر منكَ يا سيد وليد، هي في الأصل تعمل هنا في غسل الصحون لا تقديم الطلبات، من الاستحالة أن نوظف أشخاصًا غير كفؤين للتعامل مع الزبائن المحترمين من أمثالك))
حانت من وليد بطارف عينيه نظرة لشيرين التي كانت تقف مكانها وقد لاحت على شفتيه ابتسامة تشفي وهو يرى وجهها المحتقن وقبضتاها المشدودتان على جانبها.. فغدت السادية في داخله راضية جدًا عما فعله.. فلا هو ولا قلبه سيهدأ قبل أن يأخذ بثأره كاملا منها.. حتى النهاية..
انتبه وليد للمدير المستمر باعتذاره بقلق
((أرجوك رافقنا للأسفل يا سيدي وأعدك بأنك لن تكون إلا راضيًا وسيتم اتخاذ كل الإجراءات اللازمة لمعاقبة الموظفة))
هرعت شيرين للمطبخ وهناك جلست على إحدى الكراسي حول منضدة المطبخ ثم دفنت وجهها في كلتا يديها تجهش ببكاء عنيف..
جلست سهر على كرسي قريب منها ورفعت راحة يدها تمررها على ظهرها المهتز ثم قالت تواسيها بصوتٍ متعاطف
((توقفي عن البكاء، ستجدين مكان أفضل للعمل فيه))
قالت من بين شهقاتها بصوتٍ مكتوم
((أنتِ لا تفهمين يا سهر.. أنا بحاجة للمال من أجل دفع آخر قسط للدورة التي أخذتها قبل فترة))
ارتفع حاجبا سهر متسائلة
((ألم تنهي ثمن تلك الدورة بعد؟))
أبعدت شيرين يديها عن وجهها المحتقن بالدموع
((مدير المكان يعرفني فأمهلني مدة لأدفع ما تبقي عليّ))
تحفزت سهر لتسألها بحزم ((شيرين أخبريني كم المبلغ المتبقي لأقساط تلك الدورة وسأدبره لكِ الآن في هذه اللحظة.. أخبريني كم هو فقط؟))
رشقتها شيرين بنظرات مقتضبة وهي تسألها بحيرة
((من أين لكِ المال يا سهر؟ هل العمل هنا يكفي أساسًا إيجار المنزل الذي تسكنين فيه؟))
زفرت سهر بضجر قبل أن تعود وتلح عليها
((وما شأنك بمصادري.. أخبريني فقط إلى كم أنتِ بحاجة؟))
فغرت شيرين شفتيها تنوي الإجابة قبل أن تنتبه لسهر تنظر لأحد ما خلفها.. فحركت نظراتها إلى حيث تنظر صديقتها واستدارت لتجد وليد واقفًا بصمت وعينين مظلمتين.. مالت على الفور للأمام واندفعت واقفة وهي تهتف به
((منذ متى وأنتَ هنا أيها الحقير؟))
لم يجبها بل حافظ على صمته وتعابيره.. فشعرت سهر بوجود ماضي أو قيد ما بينهما..
في حين ظل وليد يسدد نظراته مباشرةً لحدقتيها المتأججتين رغم تبلدها بالدموع قبل أن يقول بصوتٍ فاتر أجوف
((إياكِ أن تفكري في العمل بمكان مشابه لهنا))
رشقته بشرر لاهب.. بالكاد وبشق الأنفس تمسك نفسها من الانقضاض عليه وتمزيقه.. لكن وقبل أن يستدير متجهًا لخارج المطبخ أخرج من جيب سترته مغلفًا وألقى به على الطاولة أمامها بإهمال ثم انصرف مغادرًا..
سقطت شيرين جالسة على مقعدها دافنة وجهها بين كفيها.. في حين فتحت سهر المغلف لتصدر منها شهقة دهشة قبل أن تقول
((هناك مال في المغلف.. ورق نقدية ذا قيمة كبيرة))
أبعدت شيرين وجهها عن مرمى يديها ثم قالت وهي تنظر للمال بصدمة ((الوضيع.. هل يظنني متشردة؟))
تزايدت وتيرة أنفاس شيرين بغضب وبدأت ترمش بعينيها بمحاولة منع المزيد من الدموع من التساقط..
دخل أحد الموظفين الذي يعمل في المطعم يقول بصرامة
((المدير يا شيرين يقول لكِ أن تحزمي أغراضك وتغادري المطعم فورا، وأنتِ يا سهر تعالي لتنظفي الفوضى التي أحدثتها صديقتك))
إلا أن سهر تخصرت وهي تقول بصوتٍ ناعم مستفز
((لن افعل فأنا مستقيلة))
اعترض الموظف ((ولكن لا يمكنك أن تستقيلي بمنتصف اليوم وبدون حتى أن نجد بديلة عنكِ عون شيرين))
رسمت سهر له تلك الابتسامة المستفزة وهي تقول
((ليست مشكلتي أننا نعمل هنا بدون أي ضمان أو عقد))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع 7 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثالث
سددت نورين نظرها لسمية وهي تضع المرهم فوق بشرة يديها الجافة المحمرة وفيها بعض من التقشير ثم تلفه بالضماد الأبيض فحاولت التطوع بود
((هل ألُفها عنكِ يا سمية؟))
هزت سمية رأسها برفض ثم ابتسمت ببشاشة وابتسامتها تشمل وجهها كله
((لا تقلقي لقد انتهيت))
عاد الشعور بالذنب يتجلى على وجه نورين معتذرة للمرة الألف
((أنا حقًا آسفة لأني سكبته عليكِ بغير قصد، قصدت أن أطيح به أرضًا، لم يكن عليّ التهور بهذا الشكل الطفولي))
عادت سمية تطمئنها بلطف
((لا تقلقي يا حبيبتي، لا أشعر بأي ألم، هو التهاب واحمرار طفيف.. ما زلت أستطيع القيام بكل النشاطات اليومية طالما أداوم على وضع المرهم))
أخذت نورين نفسًا عميقًا مشبعًا بالراحة.. كم تحب مجالسة سمية ذات الوجه البشوش المشرق وروحها النقية.. وكم هي ممتنة لأنها كانت في حياتها منذ زواجها وانتقالها لهذا المنزل..
تطلعت حولها في المنزل ثم تساءلت
((هل تحبين أن اقضي بعض الوقت مع يزيد قليلًا؟))
((لا داعي لا أريد إتعابك))
((لا على العكس.. أنا أعشق الأطفال جدًّا.. رتيل لا تقبل أن ألعب مع أولادها، وكذا الحال مع هدى التي تظل طويلًا في غرفة أمها.. فلا أجد غير يزيد))
أخبرتها سمية بصوتٍ رقيق
((أنه يحبك كثيرًا، ويحب نجوم، يستمتع برفقتكما أكثر مني))
أطلقت نورين ضحكات خافتة مرحة على كلام سمية ثم عادت تسألها بفضول
((إذن أين هو الآن؟ هل يلعب مع نجوم؟))
تقلصت ابتسامة سمية وأطرقت بوجهها قليلًا وهي تقول بشيء من الحرج
((لا.. مَالك تبرع بأخذه قليلًا.. إنه يحب أن يذهب معه لمباريات كرة القدم مع أصدقائه))
حاولت نورين ألا تظهر الاستغراب أو العجب وهي تقول
((لاحظت بأن مَالك يحبه كثيرًا ويحب أن يقضي الوقت معه))
ترددت أنفاس سمية داخل صدرها بشكل موجه لذكر نورين تعلق مَالك بيزيد.. إلا أنها حاولت أن تداري الأمر وهي تقول بارتباك
((صحيح.. معكِ حق.. إنه بالمجمل يحب الأطفال مثلك))
رفعت نورين حاجبيها بغير اقتناع.. فمَالك ليس هكذا مع أبناء إخوته.. هو هكذا مع يزيد فقط..
لكنها فضلت الاحتفاظ برأيها هذا لنفسها..
=============================
في غرفة مَالك..
كان متمددًا فوق سريره وخضرة عينيه شاردتين بنظراتٍ حزينة شاعرًا بالأسى على ما حدث لسمية.. ينقم على نفسه لعدم استطاعته طوال الأيام السابقة الاطمئنان عليها كما يجب..
وهي من جهة أخرى لا تخرج من بيتها الصغير إلا ما ندر بسب.. فقط لو توافق على طلبه وتعطيه حق حمايتها والدفاع لما كان سيحدث كل هذا.. إلا أنها عنيدة إلى حد اليأس.. أو أنها لا تحبه ولا ترى فيه رجلًا كافيًا لها بسبب ذلك الفرق اللعين بينهما..
أخفض عينيه ناظرًا للرسائل التي أرسلها لها دون ردٍ واحد منها.. هي في الأساس لا تجيب على رسائله أو اتصالاته أبدًا إلا عندما يتعلق الأمر بيزيد بإجابات رسمية ومتحفظة..
اعتدل جالسا على السرير يبدأ في تسجيل رسالة صوتيه بنبرةٍ عميقة جادة لها يهدر فيها
((مرحبًا سمية، أنا أريد فقط الاطمئنان من أنكِ لا تواجهين أي مشاكل ولا تحتاجين أي مساعدة، أرجوكِ أجيبِ أو سأضطر مرغمًا لإرسال نجوم أو أمها لكِ ليتفقدوا حالك.. وحينها لا تلومي أفعال وتدعي بأن أتعمد جلب الأقاويل لك))
كان صوته عبارة عن دوامة من الانفعالات الظاهرة من قلق وغضب وعتاب على جفائها بدون أن تطمئنه أو تخمد نيران قلقه عليها.. وكانت دقائق حتى وصله ردها كتابيًا ببرود مستشعر من بين حروفها
"أنا بألف خير.. نورين ونجوم يتفقدنني من وقت لآخر.. لو سمحت اترك يزيد ينام بجواري اليوم فإصابتي ستشفى قريبًا وسأعود للعمل في حديقة المنزل قريبا"
رغم كل شيء كلامها أثلج صدره وأراحه فكتب لها
"الحمدالله.. إذا ما شعرتي بأي ألم أرجوكِ لا تترددي في إخباري.. لكن دعي يزيد يضل معي طوال الفترة القادمة ولا تقلقي عليه فأنا أذاكر دروسه واعتني به أفضل منكِ بشهادته هو"
ترك الهاتف وهو موقن بأنها لن ترد عليه.. لكن حمدًا لله أن إصابة يدها لم يكن خطيرًا.. فبشرتها الصافية الملائكية الحساسة هي أكثر ما تثير المشاكل لها.. وهو كان أكثر من شاهد على ما تتعرض له من ألم وأوجاع والتغييرات عند تعرضها لشيء يهيّج حساسيتها..
وهنا حلقت ذاكرته إلى قبل سنوات طويلة.. إلى ما يقارب العِقد.. عندما كان هو في الثامنة عشر من عمره.. في حين كانت هي الخامسة والعشرين..
كان بعض من رجال القرية ووجهائها مجتمعون في مجلس أبيه الضخم الواسع.. وكانت سمية تقوم بانهماك بتنظيف الزاوية خارج باب المجلس الذي انسكب فيه نوع من الطعام صعب الإزالة..
لم يكن عملها ولم تكن ملزمة في التنظيف لكن كانت مدبرة المنزل نعمة ومنال يتسلطن عليها ويأمرنها بالمساعدة في تنظيف المنزل فقط لكونها ابنة بستانيين يعملان في مزارع عائلته ويسكُنّون في بيت صغير ملحق بحديقة منزلهم!
خرج هو من المجلس يقف أمام الباب يحدق بها وهي منهمكة في فرك الزاوية دون أن تشعر باقترابه أو وجوده..
فتطلع بها بهدوء ثم أخفض نظره ليدها ليلاحظ أنها لا ترتدي السوار الذي جلبه له..
إذ أنها سبق وأن اشترت له من دون أي مناسبة ساعة جعلته يطير من الفرح لقائها كطفل صغير وهو في المقابل جلب لها سوار بسيط حرص ألا يكون غالي الثمن حتى لا يكون سبب في رفضها.. فقبلتها على مضض ولم تقدر على الرفض كونها من بادرت بإهدائه..
اقترب مَالك منها يسألها بشيء من الانزعاج الممزوج بالعتاب
((لماذا لا ترتدين السوار الذي جلبته لكِ يا سمية؟ أنا لم أخلع ساعتك منذ أن أهديتها لي))
انتشلها صوته من شرودها مجفلة على وجوده وأخذ الأمر منها لحظات طويلة حتى تستوعب كلامه وتخفض نظرها إلى حيث ساعدها ثم تعاود النظر له مبتسمة ببعض الاعتذار
((لقد أحببت سوارك يا مَالك للغاية، لكن الحساسية تهاجم يدي هذه الأيام بسبب استخدام المنظفات.. والطبيب أخبرني أن أُحِدَّ من ارتداء الحلي))
كانت تتحدث ببعض الأسف فلفّ الحزن ملامحه الوسيمة وأومأ يتمتم بخفوت ((سلامتك..))
عادت تنهمك في عملها فظهر عليه الانزعاج والحنق من أجلها.. لا يصدق بأنها فعلًا وحتى هذه اللحظة تستمر في القيام بما هو ليس من واجبها خاصةً في استخدام المنظفات الكيميائية.. فقال بخشونة يداري بها ملامحه القلقة عليها
((عليكِ أن تستخدمي كلمة "لا" أكثر أمام نعمة.. فتلك العجوز المتعجرفة تظن نفسها مسؤولة عن كل من يدخل بيتنا ولا كبير لها))
رغم أن عينا سمية المطفأتان لمعتا ببريق عند كلامه إلا أنها حافظت على ابتسامتها وهي ترد
((لا بأس يا مَالك.. هي لا تجبرني على شيء وأنا أقوم بكل هذا عن طيب خاطر.. بل هو واجبي لقاء أفضال الحاج يعقوب على والديّ بعد الله))
أمرها بتسلط وحنق
((ارتدي إذن قفازات على الأقل))
دمدمت وهي تناظر يديها الحمراوان
((لن أستطيع فهما يحكاني))
عقد حاجبيه وهو ينتبه إلى أنها تسببت بجروح دامية في بشرة يدها التي هي في الأصل ناعمة وملائكية.. وشعر بثقل في قلبه وهو يفكر كم أن الأمر مؤلم بالنسبة لها..
انتبه لشيء من الارتباك يظهر عليها وهي تخبره بينما تعود لوضع الفرشاة في دلو الماء
((الآن أرجوكَ عد لداخل المجلس قبل أن يلحظ أحد طول فترة وقوفك هنا.. وقفتك هذه ستثير الأقاويل فأنتَ لم تعد صغيرًا.. بل تبارك الله لا أكاد أصل بطولي هذا إلى كتفك حتى))
لم يجبها ولم يبتعد بل ظل متخشبًا مكانه يناظر يديها وبدون أن يشعر أو يعي على نفسه وبغريزة ذكورية بحتة اقتربت كفه ببطء من إحدى يديها تبغي الطبطبة فوقها..
وما إن همّ بملامستها حتى جفلت شاهقة بصوت ونظرت له جاحظة العينين وبحركة تلقائية كانت ترفع يدها فوق وجهه بصفعة مدوية..
لم تصدق ما فعلته فتراجعت للخلف بينما تزايدت وتيرة أنفاسها..
حينما هلع الرجال في المجلس للخارج عنده ووقفوا أمامه ليستفهموا ما حدث ظل متجمدًا مكانه ينكس وجهه ذنبًا..
وزع والده الحاج يعقوب أنظاره تارة عليه وتارة على سمية التي كانت تناظره بفزع وحدقتين مرتعشتين مما فعلته بابنه..
ثم صرخ بسمية بصرامة
((كيف تجرأتِ على صفع ابني بهذا الشكل؟ كيف تجرأتِ!))
ارتعشت مكانها وفغرت شفتيها إلا أنها عجزت عن النطق بشيء تدافع فيه عن نفسها أمام نظراته الساخطة.. وكان والده يهم بطردها عندما سأل أحد الرجال مَالك الذي لا زال منكسًا وجهه للأسفل
((لماذا قامت بصفعك يا مَالك؟ ماذا فعلت لها؟))
احتقر مَالك نفسه في هذه اللحظة لما ورطها به أمامهم جميعًا.. لقد أساء لها.. إلا أنه حافظ على جمود وجهه وهو يقول بصوتٍ ثابت
((لقد أمسكت يدها فقامت بصفعي))
اتسعت عينا الحاج يعقوب وشعر بالخزي من أنظار الرجال من حوله المستنكرين فعلة ابنه وأحدهم سأله عن السبب ليجيب مالك بنفس هيئه
((لقد كانت هناك جروح على يدها))
سارع الحاج يعقوب يصرخ عليه موبخًا
((كيف تمسك امرأة لا تحل لك يا مَالك؟ هل تظن نفسك لا زلت صغيرًا؟ صفعها لك أقل ما تستحقه.. بل أنا من عليّ أن اكسر يدك))
همهم الرجال باتفاق مع كلام الحاج يعقوب.. أما سمية فهدأت دقات قلبها وخف ارتعاش جسدها واستطاعت كبح عبراتها المتجمعة في عينيها لاعترافه بما حدث وقد ارتعبت من غضب وسخط الحاج عليها وما قد يترتب عليه من عواقب لوالديها الذي يتنعمون ويمكثون في خيرات مزارعه! لكنها شعرت بالشفقة على مَالك وما يتلقاه من نظرات وكلام الرجال من حوله استنكارًا لِما فعله..
ناظر أحد الرجال الحاج يعقوب قائلًا
((أليست هذه الفتاة مخطوبة لذلك الحرفي الذي قام بدّهن وطلاء ديوانية القرية.. ما هو اسمه؟))
رد رجل آخر بتلقائية
((اسمه كامل))
فعاد الرجل الأول يتابع
((نعم اسمه كامل.. أليس مخطوبًا منها؟ لقد طالت خطبتهم لسنين طويلة بسبب انتظارها له حتى يُكوِّن نفسه.. العمر يجرب بها.. فلماذا لا تساعد خطيبها ماديًّا يا حاج وتكمل على نفقتك الشخصية تكاليف زواجهما وتبعياته؟))
وعلى الفور رد يعقوب وهو يمد يده على صدره معطيًّا كلمته ووعده
((وهذا ما سيحدث.. زواجها من ذاك الحِرَفي المحترم سأحرص على أن يتم قبل نهاية الشهر الجاري))
=============================
بينما كانت رتيل تعد الشاي لزوجها بشرود امتلأ الكأس وخرج الماء الساخن منه على الرخام.. وعندما شعرت بقطراته تلسع يدها أجفلت شاهقة بألم طفيف، وسارعت تجفف الرخام سريعًا ثم أنقصت من الكأس..
وقبل أن تحمل الصينية تخشبت مكانها وهي تذكر حادثة سكب الشاي المغلي على يد سمية والتي حدثت فعليًا بسببها هي..
هل هي حقًا امرأة جافة المشاعر وباردة القلب تحاول مداواة آلامها بأذية غيرها؟
ظهر الندم والحزن جليًا على وجهها مما فعلته بها.. خاصةً وسمية غائبة عن العمل في الحديقة ولا تدخل من وقتها المطبخ..
أرادت رتيل الذهاب لبيت سمية الصغير الملحق والقابع بجانب منزلهم لكن كبرياءها منعها..
التفتت بعد دقائق تسأل منال التي كانت تحرك الطعام فوق الموقد
((أين هي ابنتك نجوم؟ ألا تزال عند سمية؟))
تطلعت منال لها بتعابير ممتعضة
((مقصوفة الرقبة بمجرد أن تأتي من بيت سمية سأريها.. الحاجة زاهية لا تدفع لها راتب شهري وتسكنها في الدور الأرضي مقابل الاهتمام بتلك البستانية سمية!))
اضطربت ملامح رتيل إلا أنها قالت بلامبالاة ظاهرية
((دعيها هناك تهتم بها، تكسب أجر فيها))
تمتمت منال متذمرة
((ألا يكفي سمية هانم أن نورين تظل عندها منذ ساعات))
لف الذهول وجه رتيل ثم سرعان ما قالت مستنكرة
((لحظة.. لحظة.. منذ ساعات عندها؟ ماذا تفعل هناك؟ هل تستغل انشغالي في فعل ما يحلو لها؟ كم أكره المتمردات أمثالها))
قالت نعمة المرأة الكبيرة التي كانت تتواجد في المطبخ
((لقد أخبرتنا الحاجة زاهية ألا نطلب منها القيام بأي شيء هنا))
أتعست عينا رتيل واستنكرت
((عمتي قالت هذا؟ ولكن لماذا؟))
أجابتها نعمة بهدوء
((بناءً على أوامر السيد مُصعب))
شعرت رتيل بقلبها ينازع في صدرها غلًّا.. فقالت ببرود وتعابير متجهمة
((حسنًا جيد.. فهي لا تنفع في شيء أساسًا))
ثم غادرت المطبخ كله وهي تحمل صينية الشاي وتفكر بأن تلك الخرقاء التي تم تزويجها لمُصعب كفصيلة استطاعت في ظرف أشهر أن تجعله خاتمًا في إصبعها.. في حين هي عاجزة عن كسب أو استمالة زوجها الذي تزوجته من سبع سنوات.. مهما فعلت وبذلت جهدها لا تنجح.. فهو لا يسمح لها في الاقتراب منه بأي وسيلة أو طريقة.. حتى ملّت منه وكرهته..
=============================
في منزل وليد الكانز..
أقام وليد دعوة لعمه يعقوب وأولاده.. وكما سبق وتوقع تعذّر كل واحد وتحجج بشيء حتى لا يلبي الدعوة ولم يأت إلا الحاج يعقوب ومُؤيد.. فلا هو يطيق أحدًا منهم وكذا الأمر من جهتهم..
جهزت جُمان زوجة وليد لعمه العديد من الأصناف والأطباق الشهية والأكلات الشعبية التي تستمد مكوناتها من بيئتهم الزراعية.. وقد حرصت في إعداد وترتيب الطاولة ما يعبر عن ذوقها الراقي في العطاء وما يميزها عن سواها..
بمجرد أن أنهى الحاج يعقوب طبقه حتى غمغم يحمد الله على نعمه ثم قال داعيًا لوليد بصدق
((أسال الله العظيم أن يرزقك الذرية الصالحة، أنا احلم يا بني أن أحمل أولادك اليوم قبل الغد))
حاول وليد أن يرسم ابتسامة مجاملة وهو يقول لعمه الوحيد على قيد الحياة
((الأمر كله بيد الله.. وأنا راضي بحالنا كيفما كان والحمد الله))
قوّس الحاج يعقوب حاجبيه هادرًا بصوته الوقور
((الحمدالله دائمًا وأبدًا لكن لِم التشاؤم يا وليد؟ زوجتك تتعالج وبإذن الله سيجبر الله خاطركم))
تدخلت جُمان على الفور وهي تقول مزينة ثغرها بابتسامة صغيرة
((لقد توقفت عن العلاج يا عمي))
طالعها يعقوب بملامح غير مقروءة ثم تساءل بتروي
((لماذا؟ هل توقفك أمر مؤقت؟))
أومأت نافية ثم قالت دون أن تنحسر ابتسامتها الهادئة
((لا بل توقفت بشكل نهائي عن العلاج وقررت أن أرضى بنصيبي وقدري))
سكت الحاج يعقوب لحظات يستوعب ما تقوله جُمان ثم هتف بدهشة غاضبة
((وما علاقة رضاكِ بالقدر في الأخذ بالأسباب؟ لم توقفتِ عن أخذ العلاج؟))
أجابته جُمان بصوتٍ أجش
((الأعراض الجانبية والتغيرات التي تحدث في جسدي بسبب العلاج الذي أخوضه من أجل الحمل أكبر من طاقتي على التحمل))
تغضن جبين يعقوب وهو يستمع مدهوشًا غير راضي عن عذرها.. ثم قال بصوت مقتضب
((وهل هذه الأعراض خطيرة إلى حد توقفك عن العلاج؟))
ارتبكت قليلًا لكنها أجابت بوضوح
((ليست خطيرة فقط ولكن مرهقة بالنسبة لي.. لم تبقَ أي خلية في جسدي قادرة على تحمل الآثار الجانبية للعلاج، ولا الألم والأرق والتغيرات في الحالة المزاجية من الضغط العصبي والاكتئاب))
اضطربت ملامح الحاج يعقوب مما قالته وتجلّى شيء من التأثر بكلامها في داخله.. لكن ظل يرى في كلامها مبالغة نسائية ودلال أنثوي.. فتساءل بخفوت وهو يطالع بتجهم وليد
((إذن زوجتك لن تكمل المضي في رحلة علاجها؟ وماذا بعد؟))
هز وليد كتفيه وهو يقول ببساطة
((خيار إكمال العلاج من التوقف يعود لها، فلست أنا من أمر بكل هذا الألم والإنهاك في سبيل الحصول على طفل.. ثم يا عمي صدقني الحياة بدون أطفال ليست مظلمة كما تظن))
استنكر يعقوب سلبيته ولامبالاته باستياء ثم تساءل
((إذن هل تخطط زوجتك لأن تكمل حياتك هكذا؟))
اندثرت الابتسامة المجاملة التي كانت ترسمها جُمان لترد
((نعم أخطط لذلك))
نظر يعقوب بوجهه الوقور المتجهم لجُمان مستنكرا فكرة أن يظل ابن أخيه بلا ذرية أو سند
((هل نسيتِ أنه في بلادنا نعتبر الأولاد عزوة وعائلة للرجل؟ أتريدين أن تحرمي زوجك من هذه الأمور؟ زوجك سبق وكان وحيد والديه فهل تريدينه الآن بلا ذرية أو نسل من بعده؟))
تساءلت جُمان ببرود يكتنف صوتها
((وهل أنا أحرمه بإرادتي؟ هل أنا سعيدة بعدم قدرتي على الإنجاب وتجربة شعور الأمومة؟))
قال الحاج يعقوب بضيق
((ولكنكِ لا تبذلين جهدًا كافيًا للعلاج بل توقفتِ واستسلمتِ ببساطة عنه))
فهمت جُمان بأن عم زوجها لا يرى كل ما قالته قبل قليل سببًا حتى تتوقف عن تعذيب نفسها في رحلة العلاج.. فزمت شفتيها والعبوس يداعب حاجبيها قبل أن تخبره بضيق
((في آخر زيارة لي.. أكد عليّ الطبيب بأني لو أكملت العلاج وحملت سأتعرض لمضاعفات خطيرة قد تودي بحياتي.. وأخبرني أن الخيارات المتاحة لي هي أن أنجب طفلًا يتيمًا في هذه الدنيا.. أو أن أرضى بنصيبي))
انتبه وليد على ملامح زوجته الضائعة بالألم فربت على كتفها قائلًا بدعم
((لا بأس حبيبتي.. صحتك بالدنيا كلها، لا تحزني))
تطلعت جُمان تنظر له شامخة بذقنها
((لم أحزن يومًا على عدم إنجابي فالنعم كثيرة من حولي.. والله خلق الخلق وقسم لهم أرزاق كل شيء بما فيها رزق الذرية.. كنت أحاول جاهدة في السنين الماضية الإنجاب فقط من أجلك أنتَ، لكن خرج الأمر عن يدي الآن وبات فوق طاقتي))
والسبب الآخر الذي لم تعلن عنه جُمان هو بأنها تأمل أن تنجب فقط عندما يكون بمقدور رحمها أن يحتوي نطفة رجل تحبه ويحبها.. وهذا ما لن يحدث..
لم يجد الحاج يعقوب إلا أن يزرع فمه ابتسامة على مضض ويقول
((ليكتب الله لكما الخير))
اعتدلت جُمان واقفة من مكانها تقول برزانة
((استسمحوني عذرًا لدقائق))
غادرت المكان في حين أغمض وليد عينيه يعيد رأسه ويستند إلى ظهر كرسيه.. فجسده يريد أن يغنم بعض النوم لعله يريحه من بعض مشقة أيامه السابقة.. مشقة قلبه الملتاع.. وروحه التائهة.. ولم ينتشله من عالمه الآخر إلا هدير ابن عمه مُؤيد الذي قال بنبرة ذات مغزى
((هناك بعض الإشاعات يا ابن عمي.. فقط مجرد إشاعات مفادها أن العيب منك لا من زوجتك والا لكنت تزوجت على الفور.. فأنتَ رفضت الزواج من عروس الثأر ابنة الهنادل حتى لو ترتب أن تغرق العشيرتين ببحر من الدماء))
التفت وليد لمُؤيد وأظلمت عيناه بسوادٍ عميق بل وتحرك حلقه يدرك بمحاولة ابن عمه أن يجرحٍ رجولته وكرامته خاصةً وهو يتحدث بتلك النبرة الشامتة التي لا يخطأ فيها..
لكن ليس هو من سيسمح لأحد أن ينال منه أو ينال من المرأة التي هي على اسمه.. فرد عليه بصوتٍ حيادي
((لن أنكر ولن أؤكد هذه الإشاعة، فهذا الأمر يخصني أنا وزوجتي.. ثم أن إجابتي لن تفيدك في شيء وإنما سترضي فضولك وأنا أحب أن تقتل نفسك بهذا الفضول وعادة التلصص على أسرار الآخرين))
سكت وليد وعم التوتر في الأجواء فشعر الحاج يعقوب بأن عليه التدخل لأنه لو استمرت هذه الردود في التقاذف بينهما فلن ينتهي الأمر قبل أن تندلع مشاجرة كبيرة فسارع يهدئ وليد
((لم يقصد مُؤيد شيء، فلا تأخذ على خاطرك))
أمعن وليد النظر في عمه المهيب والوقور إلى درجة أنه لا يتخيله إلا ثابتًا بتلك الرزانة على اختلاف ابنه مُؤيد.. ثم رفع إحدى حاجبيه يقول بتلك النبرة اللاذعة التي يبرع فيها
((العفو عماه.. ولكن ابنك الغارق حد الثمالة في فتنة الأولاد أنا متأكد بأنه لا يفقه شيء في تربيتهم، ولكنه يمشي على مبدأ العجائز "العدد في الليمون".. ربي أولادك يا مُؤيد ودعك مني فأنا سعيد بوضعي..))
كاد مؤيد فعلا أن يقوم من مكانه ويشرع في شجار معه إلا أنه والده وضع يده فوق كفه من تحت الطاولة يرجوه بصمت أن يلجم غضبه ويمنع انفلاته.. قبل أن يعقب قائلًا
((تبالغ يا وليد.. مُؤيد لم يقصد هذا، ما قاله كان بحسن نية))
قام وليد من مكانه يقول بوجه شديد الجدية حد التجهم
((أنا اقبل يا عماه تعاطف الناس بشكل لائق ومُحب بل ويسعدني ذلك.. على عكس من يوزعون رحمات باردة وشفيقات كاوية))
وجّه وليد كلامه لمُؤيد الذي كان يصر على أسنانه بغيظ من كلامه في نهاية حديثه وهو يضع عينيه في عيني الأخر.. ثم غادر المكان كله تاركًا ضيوفه بعدم تهذيب في إشارة أن وجودهم لم يعد مرحبًا به..
فتنهد الحاج يعقوب عدة أنفاس كانت تجيش في صدره إلا أنه لم يغضب من تصرف وليد فهو الأعلم بطباعه من البشر ولم يكن أمر كهذا جديد عليه.. بل وعذره لأن ابنه مُؤيد من حاول خدش رجولته..
.
.
مساءً..
دلفت جُمان لغرفة نومها.. وضعت مرطبها الليلي وشددت من إغلاق مئزرها ثم رفعت الغطاء ونظرت جانبها لزوجها المتمدد بجانبها شارد العينين والذهن.. قبل أن يلتفت منتبها لها فتعرف بأنها أطالت السرحان فيه.. فأشاحت بوجهها جانبًا تقول ببرود
((سبق وأخبرتك بأني أريد فقط بعض الوقت حتى أُهيئ لوالدي مسألة طلاقي منك وأنظم أموري لكن لم دافعت عني أمام عمك؟ تعرف أن الحياة باتت مستحيلة بيننا بشكل قاطع.. وحجة عقمي كانت لتكون أفضل سبب عندك لتتحرر مني وتتزوج ممن تريد))
أظلمت ملامح وليد للحظة لكنه قال بصوتٍ صارم
((عندما أريد التحرر منكِ والزواج بمن أريد فآخر ما قد أتحجج به مسألة عقمك!))
نظرت إليه بصمتٍ فاقترب منها يحيط كتفيها بذراعه متسائلًا بهدوء قاتم
((لماذا لم تخبريني بالمال الذي تعطيه لوالدك من حين لآخر؟ أكان عليّ أن اعرف مصادفة بأمر كهذا تفعلينه منذ زواجنا؟))
أجابته بخفوت وبطء وعينيها بعينيه
((لم أحبذ أن تعرف بأني أساعد أبي من راتبي الخاص بعملي حتى لا تستنقص أو تتعالى عليه، رغم أني اشهد بأنك كنت طيبًا ومتعاونًا معي.. ولكن والدي هو ما تبقى لي في هذه الدنيا ولا أقبل أن يمسه أذى نفسي من أحد ولو بمقدار ضئيل))
تمعن وليد النظر في زوجته التي تظهر أمامه أنثى مغرورة مرفوعة الهامة عالية الكبرياء كما هي منذ بداية زواجهما..
فهز رأسه ببطء.. ثم أشاح بعينيه جانبًا يعود ليتمدد مكانه..
يفكر بأمره الآخر.. فعلاقته مع جُمان مسألة وقت قبل أن تنتهي.. ويتزوج من شيرين.. لكن بالتأكيد لن يخبر شيرين أنه بحكم المطلق ولن يتنازل عن تعذيبها قبل أن يسمح لها بالراحة..
زفر نفسًا بطيئًا من بين شفتيه وكأنه يتنفس الصعداء ثم وضع رأسه فوق الوسادة يغمض عينيه..
=============================
قالت تمارا بوجه ممتعض بعد أن أنهت تصفيف شعر ابنتها الفاتح بخصله الذهبية
((حسنًا سأدلف للداخل، وأنتِ أيضًا اظهري النزق أثناء جلوسك مع خطيبك لعله يُعجِّل بمسألة الزفاف والتجهيزات التي طلبتها للحفل أو الفيلا.. لقد أخطأت عندما وافقت على عقد قرانكم قبل أن يجهز كل هذا!))
آخر جملة غمغمتها بصوتٍ خافت كمن تحدث نفسها.. أما سهر فارتدت سهر فوق كتفها معطف خفيف من الفرو.. ثم أمسكت حقيبتها الجلدية الباهظة وهي تقول لوالدتها بتعجل
((سأقترح عليه ذلك يا أمي.. وداعًا الآن))
وقفت تمارا عند البوابة الخارجة لمنزلهم تطالع قصي يركن سيارته على جانب الطريق، ويخرج من مقعده في سيارته الفارهة السوداء.. يستقبل يد سهر الرقيقة في سلام لهف ثم يتقدم منها يلقي سلامًا سريعًا بابتسامته الخلابة كعادته.. إذ أنه كَيّس وخلوق للغاية مع من يكبره..
قام قصي بشد المقعد لابنتها وفتح الباب وظل ممسكًا به حتى ولجت.. إنه يعاملها كما تستحق وترغب أن تعامل..
جلست سهر على المقعد الجلدي المريح وهي تسأله بلهفة كأنها لم تراه أو تتحدث معه منذ شهور لا فقط منذ ساعتين
((كيف حالك يا قصي؟))
جلس خلف مقود السيارة وشغّل المحرك وبدأ القيادة بينما يجيبها ناظرًا لها بانشداه
((أنا بخير.. وهل أنتِ يا باربي بخير؟))
أومأت له ببسمتها الساحرة.. ثم بدأت تتأمله يضع يده على المقود بأناقة ويقود سيارته مرتاحًا ويمر بسلاسة وسط زحمة السير الخانقة.. قبل أن تنظر من حولها داخل السيارة تسأله بعفوية
((هل هذه سيارة جديدة؟))
أجابها بينما يضع يده على مؤشر تغيير السرعات
((لا في الحقيقة إنها لعمي، لقد اشترى لنفسه سيارة جديدة وأعطاني هذه))
رفعت سهر حاجبيها بذهول تقول له
((إذن فقد أصبحت ملكك.. هنيئًا لكَ.. لم أرى أحد يحب شراء السيارات بقدرك.. لو كان متاح لكَ لكنت غيرتهم كل يوم كما تغير بدلاتك))
قهقه على كلامها ثم تمتم موافقًا
((معكِ حق))
سألته باهتمام وتلقائية
((كأن صوتك فيه بحة قوية.. هل أنتَ مريض؟))
لفّه شيء من الارتباك إلا أنه قال بينما يرفع يده الأخرى ويمسد مؤخرة رقبته
((لا يا باربي، كنت أتحدث كثيرًا في عملي لفترات طويلة دون راحة وحسب.. ربما هناك احتقان أو التهاب في أحبالي الصوتية لكني لست مريض))
شابت نظرات عينيها القلق وهي تخبره
((عليكَ مراجعة للطبيب))
أخذ قصي نفسًا عميقًا ثم قال بصوتٍ أجش
((الصوت ليس المشكلة.. المشكلة الحقيقية هي فقرات رقبتي والخشونة في عضلات ظهري..))
كانت عضلات قصي حقا تئن ألما وأحباله الصوتية تكزه عند التحدث فهذا ما يحدث لمن يعمل في شركة القاني في وظيفة بموقعه لساعات طويلة!
أما سهر فرغم قلقها مِمَّا تسمعه إلا إنها شعرت بالامتنان له فهو على الرغم من إرهاقه في العمل إلا أنه يجد لها وقتًا بالساعات يوميًا ليقضيه معها.. ولا يتوقف عن إشعارها بأنها محور حياته وكل ما يهمه في هذا العالم وليس له حياة خاصة لا تضمن وجودها هي..
فزمّت شفتيها المكتنزتين ثم قالت بحزن عليه وهي ترفع يديها لكتفه
((حبيبي المسكين.. كل هذا بسبب الجلوس فترات طويلة.. أخبرني قليلًا عن عملك في شركة عائلتك؟))
تطلع قصي لها لوهلة قبل أن ينظر في الطريق أمامه متسائلًا
((ماذا لم أفهم!))
سألته باهتمام وهي تمعن النظر في ملامحه
((أقصد ما هو طبيعة عملك كمدير في شركة عائلتك؟ قالت لي صديقتي بأنه لا يصح أن يكون محور حديثنا طوال الوقت عن اللهو والاستمتاع وبأنه يجب عليّ أن اصغي لكلامك عن العمل ومشاكلك))
شد قصي على يديه الممسكتان بالمقوض يمنع اضطرابهما ثم سألها بصوتٍ محايد
((هل هي شيرين من قالت لكِ هذا؟))
أومأت سهر برأسها تقول ببساطة
((نعم شيرين، أعرف بأنكَ لم تراها إلا بحفل عقد قراننا قبل سنتين ولكن..))
قاطعها وهو يعود للابتسام مداريًا التوتر الذي يجتاحه عند ذكر سيرة شيرين
((لا على العكس أنا اذكر شكلها جيدًا.. أنا جيد في حفظ الوجوه.. لكن دعكِ يا سهر من كلامها رجاءً.. ولا داعي لنغير محور أحاديثنا أو طريقة تقضيتنا للوقت.. لتبقي كما أنتِ))
لاحظت ذكره اسمها "سهر" الذي ينطقه فقط عندما يكون تكتنفه الجدية فقط! لكنها لم تقف عند الأمر طويلا بل تغيرت تعابيرها إلى الدلال والغنج اللطيف وهي تسأله باهتمام
((إذن قصي هل حقًا أنتَ لا تعتقد بأني امرأة تافهة لا تفكر سوى في الاستمتاع بوقتها أكثر مِمَّا ينبغي؟))
تطلع قصي جانبًا لها كيف تسأله بدلال يليق بجمالها الذي يشبه حرفيًا لعبه "الباربي".. ثم أجابها بمرح
((لا طبعًا، على العكس مرحة.. تزوجتك وأنا متأكد بأني لن أشعر يومًا بعد زواجنا بالملل))
بمجرد أن وصلا الاثنين إلى إحدى المطاعم الفخمة حتى جلسا متقابلان حول طاولة صغيرة..
كان قصي يُطلعها على صور الفِلل ويتناقش معها عن شكل منزلهما الزوجي في المستقبل وكانت سهر مندمجة معه إلا أنها في لحظة ما ظهر الضيق عليه فقالت تخبره
((علينا أن نفكر أولًا في حفل الزفاف متى سيكون قبل التفكير بشكل منزلنا بعد الزواج يا قصي!))
وكعادته عندما يبدأ أحد في التحدث معه عن الزفاف أظهر التوتر وهو يقول
((لقد شعرت بالسعادة أن أمك لن تخرج معنا الآن حتى لا تذكر سيرة تحديد موعد زفافنا.. فلا تبادري أنتِ الخوض بهذا الموضوع))
ظهر الاستياء واضحًا على سهر وهي تقول بجدية
((قصي الموضوع لا دخل له بأمي.. لكن ألا ترى بأنه تم تأجيل إقامة حفل زواجنا بما فيه الكفاية؟ ألا تكفي سنتين خطبة وعقد قران؟))
فتح زرين من أعلى قميصه متنهدًا رغمًا عنه ثم قال
((سهر أرجوكِ لا تضغطي عليّ في موضوع تحديد يوم الزفاف.. متى ما صرت جاهزًا سأقيم حفل زواج أسطوري ضخم وفيلا فارهة لا تتوقف صديقات أمك الراقيات عن التحدث عنه لسنوات قادمة))
أنهى قصي حديثه تزامنًا مع إبعاده طبق الطعام أمامه بضيق يعلن عن انتهاء رغبته في الأكل.. فسألته سهر متغضنة الملامح
((ما بك؟))
أجابها باقتضاب
((لقد شبعت))
وضعت الشوكة والسكين من يديها على الطاولة ثم قالت
((قصي بدأت أصدق كلام أمي عنكَ.. انظر كيف تغضب وتنفعل كلما جلب لكَ أحدًا سيرة تعجيل الزفاف!))
رفع إحدى حاجبيه متسائلًا
((إلى ماذا تلمحين يا سهر؟))
غمغمت له عابسة
((فجأة أشعر بأنك يا قصي رجل كتوم رغم أني أمضى معكَ مجمل وقتي، هناك غموض يحيط بك يجعلني غير قادرة على فهمك أحيانًا))
أحنى رأسه ومد كفيه يحيط بيديها فوق الطاولة ثم قال ضارعًا
((سهر أنا آسف لحنقي الغير مقصود، لكن أنا قلت لكِ سابقًا بأني المسؤول عن شركة العائلة.. صدقيني سأحاول قدر استطاعتي أن أرتب أموري لنتزوج ونقيم زفافا ونشتري فيلا تناسب معايير أمك))
قاطعته سهر تقول بصوتٍ غريب
((وما لكَ بأمي! أنا مستعدة للزواج منكَ بدون إقامة حفل حتى بل ومستعدة أن أعيش معكَ في كوخ صغير فأرجوكَ لا تؤجله بغية جمع مالًا أكثر من أجل زفافنا والمنزل.. فالنقود لن تجلب لنا السعادة))
صمت قصي وهو يمعن النظر بوجهها بحيرة ويتشرب ملامحها ثم سألها بخفوت أقرب للشك
((حقًا يا سهر؟))
ردت عليه بتلقائية وعلى الفور
((نعم.. النقود وحدها لا تجلب السعادة.. هذه حقيقة))
صحح لها قصده
((أقصد حقا هل كنتِ لتقبلي الزواج بي مهما كان وضعي ومهما كنت أملك رصيد في حسابي البنكي؟))
أخفضت عينيها إلى كفه الممسكة بيدها بقوة ثم طالعته تقول بحيرة
((قصي.. وهل تشك بذلك؟ هل تظن بأنك لو كنت فقيرًا لا تملك شيئًا لم أكن لأقبل فيك؟))
زارت ابتسامة شفتيه الحزينة ورد بغموض
((نعم هذا ما أعتقده))
سألته باقتضاب وغضب طفولي
((قصي هل حقًا تسئ الظن بي بهذا الشكل الفظيع؟))
رد عليها ببساطة وكأن الأمر مسلم به
((أنا أتحدث بواقعية يا سهر.. حتى أن أمك لا..))
قاطعته تقول بملامح تلفها الجدية
((دعك من أمي.. صدقني حتى لو كنت تملك كل أموال الدنيا.. لم أكن لأقبل بكَ إن لم تعجبني.. لأنه لا يهمني بالشخص الذي سأتزوجه إلا شخصيته وكيف سيعاملني.. أنتَ تعرف بأني أنهيت علاقتي مع خطيبي الأول فقط لأنه كان رجلًا سِكّير رغم أن عائلته ذات صيت.. وفررت هاربة من خطيبي الثاني ابن شريك والدي في تجارته لأن أسلوب حياته لا يناسبني.. ولم أكن لأقبل خطبتك لو لم تكن تعجني))
لم يتحدث بكلمة بل حرر يديه لتعقد حاجبيها بشك متسائلة
((لماذا أشعر بأنك لا تصدقني؟))
نظر في عينيها يقول بصراحة
((حتى لو قبلتِ فأمك سبق وقالت بأنها من المستحيل أن تقبل يومًا بتزويج ابنتها من رجل مستواه المادي أقل من مستوى والدك.. لذا..))
قاطعته باستياء واضح
((هذا لأن أمي متعصبة ومتزمتة من الناس الأقل وضعًا اجتماعيًا أو اقتصاديًا منّا، أنتَ تعرفها..))
قال ببسمةٍ رزينة
((لستِ بحاجة لقول هذا.. فهذا واضع عن أمك))
الحقيقة هي لم تقلق يومًا عليه وعلى الطريقة التي يتعامل بها مع أمها فهو يتصرف دائمًا بطريقة رجولية معها فلا تضطر لتوجيهه طوال الوقت.. لكنها الآن شعرت بكمية الضغط التي تطاله بسب أمها.. فحاولت أن تكون محايدة وهي تقول
((لكن هي نوعًا ما محقة.. هي لا تقصد أن تبحث مليونير ليتزوجني.. لكن على الأقل يجب أن يكون هناك تكافؤ لمن سأتزوجه))
تمتم بكلمات خافتة مفادها بأنها محقة فعادت تسترسل سهر
((لذلك يا قصي صدقني لن يقل أو يزيد حبي لكَ لو صرت أكثر ثراءً.. فتوقف عن إرهاق نفسك في العمل وجمع المال الذي يؤخر من ارتباطنا.. ما كانت أمي لتحلم بصهر بثرائك طوال حياتها صدقني.. دعنا نقم الزفاف سريعًا ونشتري أي فيلا ونعش بقية حياتنا في سعادة))
رفع منديلًا يمسح فيه العرق الذي نضح على جبهته هامسًا بابتسامة متوترة
((لا تقلقي.. أنا أحاول فعل ذلك))
ثم اخرج من جيب قميصه تذكرتان يضعهما أمام سهر مبتسمًا.. فتطلعت له بحيرة ثم رفعت التذاكر تناظرهم قبل أن تتسع عينيها بدهشة وهي تقول
((إنها تذكرتي مروحية لتجوب بنا فضاء مدينة!))
لهفتها وذهولها بما قدمه لها جعل أساريرها تنفرج ليكمل بصوته الأجش
((وصدقيني أحاول أن أدبر إجازة من عملي لنذهب لجولة بحرية إلى إحدى الجزر المعروفة.. طبعًا هناك تذكار لوالديكِ أيضًا.. أتمنى أن تعجب أمك هذه الهدية))
تهلل الفرح في عينيها وهي تقول له ببهجة
((هل أنتَ مجنون؟ ولم قد لا تعجبها مثل هذه المفاجأة المذهلة؟))
ثم أخفضت نظرها للتذاكر تستطرد كلامها بصوتٍ متأثر
((هل تعرف لماذا أحبك يا قصي؟ لأن حياتي صارت رائعة ومميزة من اليوم الذي دخلتها.. صارت مليئة بالانطلاق والانشراح.. معكَ فقط أشعر بأني حية أُرزق))
رفع حاجبيه مستمتعًا بردة فعله لتكمل له بحماس مبتهج
((حبنا للسفر شيء متبادل بيننا الإثنين، إنه الجرعة التي تجلب السعادة))
نبض قلبه بجمالها الذي يشبه لعبة "الباربي" والذي قريبًا سيصير له هو عندما يتزوجها.. ثم قال لها بصدق مشاعره
((أنا لا أذكر بأني كنت أظل في مكان أكثر من ثلاث أشهر من كثرة أسفاري في الماضي.. لكن فترة الوحدة والركود المعنوي التي حدثت لي في نهاية العشرينات لم أخرج منها إلا بعد أن تعرفت عليك وخطبتك.. لطالما حلمت طوال حياتي أن ارتبط بامرأة مميزة مثلك محاطة بالحياة من كل الجهات وتتشارك معي هوايتي في السفر والتنزه واكتشاف ملذات الحياة))
توردت وجنتيها وهي ترخي أجفانها بينما قلبها ينبض خجلًا فازدادت ابتسامته هو الآخر حتى صارت ضحكة خافتة فتحشرجت الكلمات وهو ينقل بصره بين عينيها المظللة وشفتيها الوردية المكتنزة
((أنا صادق يا سهر، لطالما حلمت بامرأة مثلك أعيش معها حياة مختلفة عن حياة والديّ مع بعضهما))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن 8 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
أنهت سمية ري خط المزروعات.. ثم جلست تحت ظلال إحدى الأشجار المتواجدة في الحديقة الخلفية لمنزل الحاج يعقوب الكانز..
أغمضت عينيها ووجدت شعاع الشمس يداعب وجنتيها بدلال ورائحة النسيم الطبيعي تنعش رئتيها..
نظرت لابنها الجالس بجانبها بينما يمعن النظر في ورقة امتحانه المصححة لتأمره بمرح
((اترك الورقة ستجعدها))
نظر يزيد لها بحماس وبراءة
((أريد أن أُري علامتي في الرياضيات لعمي مَالك.. أنا الوحيد الذي حصلت على علامة كاملة في الفصل))
شابت نظرات سمية الحزن فيزيد حقا بانتظار موعد عودة مالك الذي يعمل في مدرسة ثانوية مقابلة لمدرسة يزيد.. فقالت دون أن تنحسر ابتسامتها الأموية
((مَالك سيكون متعبًا بعد عودته من عمله.. لذا عد الآن للبيت وبدِّل ملابسك وتناول الطعام الذي جهزته على الطاولة وفي وقت لاحق ستريه علامتك))
أظهر يزيد ملامح الطاعة ثم أغلق حقيبته وحملها قبل أن يسير متهدل الكتفين إلى حيث يقع منزلهم.. إلا أنه فجأة غير مسار طريقه وركض نحو الباب الخارجي لمطبخ منزل الحاج يعقوب..
اتسعت عينا سمية بصدمة وفزّت من مكانها فورًا تلحقه.. إذ أنها منذ أسابيع تحاول الالتزام بشكل تام في عدم دخول المطبخ هناك لعلمها بأن كل من أصحاب المنزل والعاملين فيه لا يطيقون وجودها أبدًا.. لكن أحيانا يغفلها يزيد ويذهب كاللص دون أن يراه أحد للمكوث في غرفة مالك!
أسرعت سمية الخطى نحو المطبخ تلحق ابنها الذي دخل المطبخ بالفعل.. وعند العتبة وقفت بتوتر ورفعت يدها تطرق الباب النصف مفتوح بتردد..
سمحت لها مدبرة المنزل نعمة التي كانت تجلس على الكرسي حول المنضدة قائلة بامتعاض
((تعالي وخذي ابنك الشقي يا سمية))
قال الصغير بلهجة مهذبة ممزوجة برجاء يذيب القلب
((أرجوكِ يا عمة اسمحي لي بانتظار عمي مَالك ريثما يعود من المدرسة.. أريد أن أريه شيئًا بسرعة))
إلا أن المرأة التي كانت في الستين من عمرها حدجته قائلة بصرامة
((السيد مَالك ليس متفرغًا لكَ، لم تعد صغيرًا وعليكَ أن تتوقف عن عادة طلب رؤيته وقضاء الوقت معه كثيرًا.. فهو ليس أبيك الذي أنجبكَ ونسيكَ))
اختلجت شفتا يزيد وكأنها أصابته في موضع حساس لكن نعمة سددت نظراتها لسمية تسترسل
((وأنتِ يا سمية.. علِّمي ابنك أن يتوقف عن التدلل على السيد مَالك فهو له حد في مجاملة أمثاله))
ردت سمية عليها بصوت جامد يواري ألم الكلمات الأخيرة التي سمعتها منها
((حسنًا يا سيدة نعمة، سآخذه واذهب، ولن يدخل هنا مجددًا))
عبس يزيد شاعرًا بالذنب لأنه جعل أمه تمر بوقت عصيب..
فخطى باتجاهها يطيعها قبل أن يصدح صوت مَالك باسمه عاليًا..
تيقظ يزيد لصوت مالك ثم استدار للخلف يهرول خارج المطبخ نحو صالة المنزل هاتفًا
((عمي مَالك.. هل كنت تنادي عليّ؟ هل تعرف كم حصلت في امتحان الرياضيات؟ أنا..))
بتر يزيد سيل أسئلته الحماسية وهو يرى مَالك يقف أمامه وصدره يتحرك بقوة.. فقال بصوته الطفولي الحائر
((هل حدث شيء؟))
كانت سمية ونعمة تقفان كلتاهما عند باب المطبخ المفتوح على الصالة تناظران مَالك الذي سأل يزيد بملامح في غاية الجدية حد التجهم
((هل عبثت بشيء من ملفاتي يا يزيد في الأمس؟))
تمتم الصغير بغير فهم
((أي ملفات؟))
في حين تدخلت نعمة تقول بانزعاج
((ماذا أضاع يزيد لكَ ذاك الصغير الشقي؟))
فغرت سمية شفتيها لتقول بتوجس
((ماذا فقدت يا مَالك؟))
لكن مَالك انخفض إلى طول يزيد يسأله وهو يمسك بكتفيه
((هل أخذت أو غيّرت مكان الملفات التي أعدتها معي من المدرسة بالأمس؟ كان عليّ أن أخذها اليوم صباحًا ولكن لم أجدها!))
شيء من الخوف بدا يأخذ مكانًا في نفس يزيد وبالكاد استطاع أن يومئ نافيًا على سؤاله.. حتى أن جسده الصغير بدأ يرتعش خوفًا لاحظته سمية في حين كان كل فكر مَالك مشغول في ملفاته الضائعة.. فعاد يسأله وهو يصف ما ضاع منه
((هناك من ضمنهم ملف أسود ذا عرض سميك.. ألم تراه في الأمس أيضًا؟))
أجاب الصغير بخفوت
((لا، لا أذكر بأني رأيت ملف كهذا))
تغضن جبين مَالك الذي قال بنبرة عالية لم يعي عليها
((ولكن يا يزيد لم يدخل أحد غرفتي في المساء سواك))
ثم استقام واقفًا وأمسك بيده الصغيرة وسار للأمام قائلًا
((تعال معي لغرفتي حتى تذكر أين وضعته))
خرجت زاهية من غرفتها في الدور الأول القريبة من غرفة مَالك بعد أن أحسّت على عودة ابنها.. لكن أثار استغرابها رؤية سمية ونعمة تقفان أمام غرفته بترقب.. فتقدمت بخطوات متمهلة ثم دلفت لداخل الغرفة تسأله باستغراب
((هل حدث شيء يا مَالك؟ لماذا عدت باكرًا من عملك؟))
أجابها مَالك المنهمك في التفتيش مجددًا بين ملفاته
((عدت اليوم مبكرا لأنه اتضح بأني لا أملك في حاسوب المدرسة أي نسخة من ملفات لي، أنا الآن أبحث عنها ولا أستطيع إيجادها))
حدجت زاهية سمية بنظارتها ففهمت نعمة مضمونها وقالت له
((لم يدخل أحد غرفة مَالك باستثناء ابن سمية.. هو من أضاعها.. ربما أخذها وألقاها بإهمال في مكان أخر))
تهدج صوت يزيد وهو يقول بنبرة دفاعية ونظراته ترتجف للأرض بخجل
((أنا أدخل غرفة عمي مَالك دائمًا ولم يسبق وأن لمست أي من ملفاته.. فهو دائمًا ما ينبهنا أنا وباسم وفهد ألا نقترب منها.. وأنا أكثر من أطيعه.. ربما دخلا غرفته في الأمس وأخذا الملف))
صدح صوت شهقة شعبية من رتيل التي ما كانت لتُفوِّت حدوث جلبة كهذه وجاءت مسرعة لتعرف القصة.. ثم قالت بصوتٍ أرعب يزيد ودب الخوف فيه
((لا.. هذا كثير.. هل تتهم ولديَّ بأخذ ملفات عمهم الآن لتنقذ نفسك مِمَّا اقترفته! تذكر أين وضعت الملفات ولا ترمي بخطئك على ولديَّ المسكينين))
قالت سمية بصوتٍ خافت متذبذب
((سيدة رتيل لا تصرخي عليه هكذا، ما زال صغيرًا))
توحشت عينا رتيل وقالت من بين أسنانها المطبقة
((حسنًا سأذهب لأنادي فهد وباسم لتتأكدي من أنهما لم يعبثا بشيء من ملفات عمهم))
وبكل عجرفة ذهبت رتيل لنورين التي كانت تلهو مع ولديها وطلبت منها جلبهما.. في حين وقف مَالك مشتت الذهن في منتصف غرفته ثم قال لنعمة
((هل يمكن لو سمحتي يا نعمة أن تسألي منال إذا ما كانت أرسلت إحدى العاملات لغرفتي لتنظيفها وغيّرت مكان الملفات؟))
جاءت رتيل ومن خلفها نورين وأبنيها لتقول بغرور
((سألتهما وقالا لي بأنهما لم يلمسا شيء من ملفاتك))
دخل فهد الصغير إلى مَالك يتشبث بطرف قميصه ويشده هادرًا بخفوت ((عمي مَالك))
أخفض مَالك نظره له للأسفل يقول بانزعاج
((ليس الآن يا فهد أنا مشغول))
تقوست شفتا الصغير إلا أنه قال بإلحاح وهو يشد طرف قميصه
((أريد أن أخبرك سرًا لا يعلمه أحد))
مد مَالك يده فوق يد فهد يبعدها عن قميصه برفق ثم قال
((فهد أنا مشغول سألعب معكَ فيما بعد))
ثم اندفع للخارج وهو يقول
((سأذهب لأتفقد نعمة إذا ما كانت قد سألت أحد))
نظرت رتيل للحاجة زاهية تقول
((انظري يا عمتي كيف خرج من الغرفة يكظم غيظه بدلًا من أن يوبخ ابن سمية الشقي على ما فعله))
حدجتها زاهية بغضب نظراتها وقالت بنبرة باترة
((يكفي يا رتيل))
عوجت رتيل فاهها يمينًا وشمالًا.. تعرف أن الحاجة زاهية لا تحب أن ينتقد أحد مَالك بالذات..
حاولت سمية أن تجلي حنجرتها وخرج صوتها خافتًا ضعيفًا وهي تقول
((سأحاول الآن أن أفتش عن ملفات السيد مَالك هنا.. ربما لم يبحث عنها بشكل جيد))
صوت سمية كان ما جعل زاهية تنظر لها بغل وتفرغ فيها كل ما يكمن داخلها من انفعالات قديمة وجديدة هاتفة
((كم مرة أخبرتك يا سمية ألا تجلبي ابنك الشقي مفرط الحركة للمنزل هنا؟ لا نريد منكِ أن تعملي هنا إذا كان يترتب على وجودك اصطحاب ابنك الذي لا يفعل شيئًا إلا إثارة المتاعب مع الكبار قبل الصغار))
ثم حسمت كلامها وهي تسترسل بصلابة وعينيها في عيني سمية المضطربتين
((سمية لا أريد منكِ من الآن وصاعدًا بأن تعملي في الحديقة الخلفية للقصر.. وراتبك الذي تأخذينه ستحصلين عليه بدون أي نقصان شهريًا))
دمعت عينا يزيد وكسا الاحمرار وجهه.. فتدخلت نورين قائلة وهي تعانق يزيد بينما تمرر يدها فوق ظهره
((عمتي على رسلكم عليها، إنه يبكي من كلامك))
حدجت زاهية نورين بنظرات مقتضبة.. ورغم أن منظر يزيد كان يفتت قلب سمية عليه إلا أن مقلتيها الغائمتين أبتا تحرير دمعهما ترفضان الانهيار أمام ابنها.. بل تنهدت لتلقن ذاتها القوة ثم ضمت قبضتها تمنع ارتجافهما وهي تقول بصوتٍ جاهدت على خروجه ثابتًا
((أشكرك يا حاجة زاهية.. وفضلكم على رأسي من فوق لا أنساه أو أنكره.. ولكنني آخذ راتبي مقابل عملي في الحديقة.. إذا شعرتي بأني مقصرة فيه أو لا أحسنه أخبريني وسأتوقف عن العمل وارحل من هنا.. فأنا لستُ أحد المتسولين لأقبل نقودًا لا أستحقها))
ساد الصمت الثقيل ثم ضيّقت زاهية عينيها وهي ترمقها بنظراتها الرافضة، ثم قالت أخيرًا بنبرة حادة وصارمة
((إذن اعملي في الحديقة واحرصي ألا يتعامل ابنك مع مَالك أو أولاد مُؤيد))
امتقع وجه سمية حرجًا وخزيًا من هذا الموقف إلا أنها قالت بصوتٍ مختنق
((لا تقلقي سأفعل، وسأكون أكثر حذرًا مستقبلًا ألا يتكرر أمر كهذا))
خرجت همسة مقتضبة من الحاجة زاهية قبل أن تغادر الغرفة
((جيد))
تبعتها رتيل وولديها ولم يبقَ في غرفة مَالك إلا سمية ونورين التي كانت لا تزال تحتضن جسد يزيد المرتعش جراء بكاءه المكتوم..
رغم أن سمية شعرت بأنها على حافة الانهيار إلا أنها حاولت أن تظل متحلية بالثبات والصلابة.. فمسحت على صفحة وجهها تحاول دفع الإجهاد عنها ثم اقتربت من ابنها ترفع وجهه الباكي عن نورين وتأمره برفق
((يزيد حبيبي اذهب للمنزل الآن وأنا سأتبعك بعد أن ابحث عن ملفات مَالك))
قالت نورين متغضنة الجبين
((لستِ مضطرة أن تبحثي له عن الملف))
أصرت عليها سمية
((لا تقلقي فمَالك ليس فوضوي إلا أنه كعادة الرجال يُضيِّع أشياءه كثيرًا وأنا معتادة على البحث له عنها))
ثم أخذت سمية تحملق في أطراف الغرفة قبل أن تمتد يدها إلى أحد الأدراج تبدأ بالبحث من هنا..
رفعت نورين حاجبيها باستغراب مِمَّا تراه.. ولم تشعر بأن تفتيش سمية غرفة رجل غريب عنها صائبة.. خاصة وأنها لا تعمل في داخل هذا القصر.. لكنها ظلت جالسة بجانب يزيد بينما تراقبها تقوم بنفض غرفة مَالك كليًا.. حتى جفلت بعد أكثر من ثلث ساعة على صوت مَالك العائد وهو يسألها
((من فعل هذا بغرفتي يا زوجة أخي؟))
اتسعت عينا نورين وفغرت شفتيها وهي تجد نفسها بمواجهة مَالك.. فتمتمت بصوتٍ خافت
((إنها سمية تبحث عن ملفك))
تأمل غرفته مذهولًا.. فلا شيء بها على مكانه بل كلها مقلوبة رأسًا على عقب بفوضى هائلة.. الجرارات شبه مفككة والخزانات مفتوحة.. وبعض من ملابسه أرضًا.. وكل ما فيها منثور..
ظل الصمت المذهول سائدًا حتى انتبه مَالك لسمية تخرج من خلف الخزانة وهي تقول له بأنفاس لاهثة
((مَالك هل يمكن أن تنزل لي الحقائب فوق الخزانة؟))
لوهلة نسي ملفاته الهامة الضائعة وانتبه بأنها في غرفته.. تبحث عن أغراضه وخصوصياته كما الماضي..
هتفت له بوجوم مكررة
((مَالك هل يمكنك أن تنزلها أو أفعلها أنا؟))
وكأنه انتبه لصوتها فسارع يقول بارتباك
((أنا في الأمس.. أقصد كنت قد أنزلت الحقائب هذه وأخرجت منهم بعض الثياب ولكن ليس منطقي أن أضع الملفات هناك وأنسى))
بدا أنها تبذل جهدًا جبارًا في الحفاظ على هدوئها وهي تخبره من بين أسنانها بغيظ
((انزلها وحسب، هل المكان الوحيد الذي لم أفتشه!))
أومأ برأسه لها ووقف على مشط قدميه يمسك الحقائب ويحملها ثم يضعهم بجهد على الأرض..
على الفور جلست سمية أرضًا أمام الحقائب تبدأ بفتح بكل واحدة وإخراج ما فيها وتفتيش الجيوب الضيقة جيدًا..
لم تكن قد مرت دقيقتين حتى فتحت إحدى الجيوب وأخرجت عدة ملفات منها ثم رفعت إحداهم أمام وجه مَالك تسأله عاقدة الحاجبين
((هذا الملف لونه أسود.. هل هو ما تبحث عنه؟))
اتسعت عينا مَالك لحظات سائلًا بذهول
((نعم هو.. مستحيل.. من وضعه في هذه الحقيبة!))
لم يلمح أي استجابة من وجهها الجامد مرتجف الأوصال وهي تقول بصوتٍ يتقد غيظا
((ومن غيرك وضعه! لكن لا بأس المهم أنّنا وجدناه))
تناول مَالك على الفور الملف منها يبدأ بتصفحه بشكل سريع ويقول مبتسمًا براحة
((أنتِ رائعة يا سمية.. في هذا الملف كل علامات طلابي وطلاب معلمين أخرين.. لم أكن قد أفرغت علامتهم على الحاسوب ولم تكن عندي نسخة أخرى منه.. لو ضاع كانت لتكون كارثة))
اعتدلت من مكانها تقول ببرود
((لو سمحت أخرج من الغرفة لأعيد ترتيب كل شيء مكانه))
ظهر عليه الارتباك إلا أنه قال معترضًا بصيغة تحمل الاعتذار
((لا بأس أنا من سأرتب كل شيء.. ألا يكفي أني أتعبتك بشيء لا علاقة لكِ به))
تلجّمت ملامح سمية بشدة فشعرت بعدم القدرة على تحمل هدوء نظراته وهو لا يدرك بماذا تسبب لها توًا! فقالت له بجفاء
((أنا من قلّبت الغرفة رأسا على عقب وأنا من سأعيد تنظيمها))
تحدث لها بخفوت وهو بالكاد يمنع نفسه ألا يقول أكثر لتواجد نورين
((إذن على الأقل دعيني أساعدك))
لم ترد عليه وهي تلتزم صمت قاتم بانتظاره أن يغادر.. ففعل ذلك على مضض وهو يشعر بأنه ليس من اللائق أن يتواجد في نفس المكان المغلق مع سمية!
بمجرد أن غادر حتى توجهت فورًا عند نورين.. تمسك كتف ابنها تديرها ناحيتها وهي تخبره بصرامة بينما تشير بسبابتها
((أول وآخر مرة يا يزيد تدخل هذا القصر وخاصة غرفة مَالك.. هل فهمت؟))
قال يزيد بصوتٍ متهدج من البكاء
((أنا آسف يا أمي))
ردت عليه بشيء من الحدة خرجت رغما عنها
((وبماذا سيفيدني أسفك هذا؟ مَالك بالذات لا أريد منك حتى أن تلقي السلام عليه في هذا المكان.. إذا أراد رؤيتك أو التحدث معك دعه هو من يلاقيك خارجه.. هل فهمت؟))
لم تنل منه جواب وشعرت بارتعاش شفتيه وهو يترجاها بنظراته ألا تطلب منه شيئًا كهذا.. فأخذت نفسًا عميقًا موجعًا ثم قالت بجدية حازمة
((بسبب ترددك المستمر إلى غرفته كانت أصابع اتهام الجميع تؤشر عليكَ.. حتى مَالك نفسه كان أول من اتهامك في الملف الذي أضاعه بنفسه))
عقّبت نورين على كلامها
((لا تبالغي يا سمية.. مَالك كان متخبطًا في البحث عن ملفه فآنى له أن يتحلى بالصبر؟ بل على العكس.. لقد تحدث مع يزيد بهدوء أكثر من غيره))
إلا أن سمية ردت بإصرار وهي تشمل ابنها بنظرات عتاب حان
((يزيد اسمع الكلمة وكن مطيعًا فقد رأيت بنفسك أن وجودك هنا غير مرحب به.. اليوم تم توبيخي من قبل الجميع بسبب شقاوتك.. هل ترضى الإهانة لأمك مجددًا يا يزيد؟))
لم يرد يزيد على الفور بل طال صمته وأنفاس بكاءه تتحشرج.. حتى أنه جعد الورقة التي كان يمسكها طوال الوقت ثم كورها ورماها أرضًا، ليقول بخفوت وهو يمسح عينيه بكفه الغض
((لا.. لا أرضى))
لانت ورقّت نظرات سمية وكادت أن تمطر دموعها بضعف الأمومة المقهورة، فما واجهه قبل قليل كان أقسى عليها من كل ما مرت به.. وتاه صوتها وهي تشعر به يكتم شهقاته لكنها قالت بنبرة مجروحة مثله وهي تأخذه من نورين
((ولد مطيع))
تنهدت سمية بتعب فقد كادت حرفيًا أن تترك عملها في الحديقة ومنزلها لتسكن في أي مكان آخر بعيدًا عن نظرات احتقارهم لها.. لكنها تمَالكت أعصابها في اللحظة الأخيرة ومنعتها من الانفلات.. لأن عملها هنا هو صمام أمان حياتها واكتفاءها المادي..
.
.
غمغمت زاهية الجالسة أمام منضدة الطعام بينما الطبق أمامها لم تمسه
((لا حول ولا قوة إلا بالله.. ولا واحد من أحوال أبنائي يسرني حاله غير زوجك يا رتيل))
رفعت رتيل وجهها بإباء وغرور وهي تقول
((هذا لأن عنده زوجة مثلي))
قالت الحاجة زاهية ((ولأنكِ يا رتيل اختياري أنا، وهل كنت لأقبل لأحد أولادي زوجة بمواصفات أقل من المواصفات الموجود فيكِ.. انظري لمَازن الذي تزوج..))
قالت دارين التي كانت تشاركهم الجلوس لجدتها بنبرة ذات مغزى وهي تناظر زوجة عمها بنظرات خطيرة
((لو تعرفي ما أعرفه يا جدتي عن زوجة عمي رتيل لغيرتي رأيكِ))
لف الغضب وجه الحاجة زاهية توبخ دارين
((ما هذا الكلام يا دارين، ماذا تقصدين بكلامك عن زوجة عمك؟))
نفخت دارين وجنتيها باقتضاب وغمغمت بتجهم
((لا شيء على وجه الخصوص))
تطلعت زاهية عليها بعينين شاخصتين وقالت بحزم
((دارين عيب عليّكِ يا حفيدتي أن تتحدثي مع زوجك عمك التي بمقام أمك بهذا الشكل!))
دمدمت دارين والسخط يلف ملامحها
((عندما تعرفين ما أعرفه عنها ستعذرينني بالتأكيد))
زجرتها زاهية بتأنيب ((داريــــن))
انتصبت دارين واقفة من مكانها تقول بتكدر
((سأذهب من هنا لقد شبعت))
ثم انصرفت تتقد بالغضب وانكمش قلب رتيل لما خرج من دارين رغم يقينها أنها لا تقصد ذاك الأمر الذي تخفيه هي عن الجميع! ولكن مجرد سماعها في كل مرة تهددها بشيء ما يجعلها تخال بأنه عن السر بلا محال!
نفضت رتيل عنها تلك الخواطر السلبية التي تنهش روحها بمجرد أن تفكر بأنها قد تُكشف يومًا ما ثم ادعت العطف وهي تقول
((لا داعي للغضب يا عمتي عليها، إنها صغيرة))
ردت الحاجة زاهية بوقار صوتها
((منذ زواجك من مُؤيد يا رتيل وأنتِ من تتولين رعاية دارين كأمها لذا أنا لا أقبل أن تعاملك بهذا الأسلوب لمجرد قسوتك عليها أحيانًا لمصلحتها))
تدبرت رتيل ابتسامة عريضة وهي تقول بفضول متأصل فيها
((دعكِ منها يا عمتي.. وأكملي لي ما كنتِ ستقولينه عن مَازن؟ هل حدث معه شيء هناك في بلاد الغرب؟))
ردت الحاجة زاهية ((لا هو بألف خير، لكني لست راضية عن زوجته أبدًا.. ألا يكفي أنها تظل بغرفتها طوال اليوم حتى أكاد أحيانًا أن أنسى شكل وجهها! لقد تزوجها مَازن بنفس السنة التي تزوجتِ أنتِ من مُؤيد لكن اشعر بأني لا أعرفها أبدًا))
زمّت رتيل شفتيها وقالت ببراءة
((يفترض يا عمتي أنكِ أعتدتي على طباعها وانزوائها، إنها معقدة وغير اجتماعية))
هتفت زاهية بغل
((وخائبة أيضًا.. لا تملك من دهاء ومكر الأنثى شيء لتشد زوجها للرجوع لبلاده))
أيدتها رتيل وهي تومئ برأسها
((أتفهم غضبك من بُعد مَازن!))
أخرجت زاهية آهة حسرة وشعرت بألم يقبض على قلبها ويمزق صميمها وهي تسرد
((عندما تزوج مَازن منها وكأنها خطيفة ولم يعلم أحد فينا بزواجه منها إلا والده ومُعاذ لم اعترض لا على الطريقة ولا على صغر سنه، قلت أهم شيء أن يسعد معها ويجلب لي الكثير من الأحفاد، لكن ما حدث أنه وبعد عدة أشهر قليلة من زواجه بها سافر للخارج ولم يزرنا إلا مرتين لفترة قصيرة))
ثم استرسلت مغمغة بكلمات جافية قاسية
((لو كان فيها خيرًا لم استطاع ابني أن يبتعد عنها أكثر من عدة أشهر لا فقط ست سنوات بعمر ابنتهما هدى))
قاطع جلستها صوت مَالك وهو يدخل للغرفة المتواجدين فيها
((هل طعام الغداء جاهز؟))
قالت زاهية وهي تنظر لما يمسكه مَالك بدهشة مشوبة بالسعادة
((ما هذا الذي تمسكه يا مَالك؟ هل وجدت الملف؟))
أوما برأسه وهو يضع الملف الأسود على الطاولة ثم سحب كرسيًّا للجلوس عليه.. فقالت رتيل بذهول
((أين وجدته؟ أوه..))
بترت رتيل كلامها عند شعورها بابنها الأكبر الذي يجلس بجانبه ينفجر في البكاء وهو يغطي وجهه بعينيه لتسارع سؤاله بلهفة قلقة
((لماذا تبكي يا فهد؟ ماذا حدث!))
قال فهد من بين بكائه
((لقد وضعت الملف في حقيبة عمي مَالك في الأمس))
انتفض مَالك بغضب لم يعي عليه وهو يسأله
((هل أنتَ من وضعت الملف في الحقيبة؟ لماذا لم تقل وتركتنا طوال هذا الوقت نبحث عنه؟))
قال الصغير فهد من بين دموعه
((حاولت أن أخبرك ولكنك رفضت الاستماع إليّ))
انحسر اللون عن وجه رتيل لما سمعته فعاد مَالك يكرر وهو يتمسك بزمام صبره
((كان عليكَ أن تُصِر يا فهد على إخباري، فلاي سبب يجعلك تضع الملف في حقيبة السفر التي أنزلتها في الأمس؟))
أبعد فهد يديه عن وجهه الشاحب وهو يستشعر غضبهم جميعًا عليه ثم أجاب بوهن
((خفت أن نوقع شيئًا من الملفات على الطاولة فخبأتهم في حقيبتك الموضوعة على الأرض ونسيت إخبارك))
كان مَالك غاضبًا من نفسه قبل أي أحد آخر فأمسك ملفه واعتدل واقفًا يقول
((بالعافية.. لستُ جائعًا))
تطلعت زاهية لرتيل تقول ومعالم السخط مرتسمة على وجهها
((رتيل لا أريد من أولادك أن يدخلوا غرفة مَالك لو سمحتي))
عبست رتيل وعاد لسانها لصب سهامه نحو مَالك مغمغمه
((حسنًا مع أن مالك لا يهتم إلا بابن سمية ويتجاهل ولديّ الاثنين.. وكأن يزيد هو من لحمه ودمه لا هما))
=============================
استلقت نورين على ظهرها فوق السرير تلاعب خصلة من شعرها الأشقر بأناملها وهي تتحدث لأول مرة مع ابنة عمتها رفاء على هاتف مُصعب الذي كان مشغولًا بأخذ حمام بعد عمله..
((ألا يسيئون لكِ حقًا؟))
قطّبت نورين حاجبيها فجأة عند سؤال ابنة عمتها واستهجنت سؤالها بعض الشيء فهي سبق وتواصلت مع عائلتها وأخبرتهم بأنها تعيش جيدًا هنا.. فأجابتها بنبرة عادية
((لا أبدًا، إنهم جيدون معي، وخاصة مُصعب أنه يعاملني باحترام شديد))
تمتمت رفاء بتعجب
((غريب وضعه))
سألتها نورين رغم أنها لم تكن تنكر عليها استغرابها في واقع الأمر
((ما هو الغريب؟))
ردت رفاء بصراحة
((أمي لا تصدق كلامك وتظن بأنهم يجعلونكِ خادمة ويعتبرونكِ شيئًا بلا حقوق عندهم!))
تنهدت نورين قبل أن تسرد شيء من واقع الأمر
((حسنًا يعني هم ليسوا ملائكة ولكنني حقًا أعيش في وضع جيد هنا.. المهم لا أريد أن أوصيكِ على الدوام زيارة والديَّ والاطمئنان عليهما.. خاصة أمي فهي لا تتحدث كثيرًا عن أخبارهم))
طمأنتها رفاء مودعة
((لا توصي حريص، سلام..))
وقبل أن تغلق الخط شهقت كمن تذكر شيئًا وهي تتساءل
((لحظة يا نورين.. لدي سؤال.. هل أنتِ حامل؟))
لف الضيق ملامح نورين، فأي حمل سيأتي والعلاقة لم تحدث بينهما أكثر من مرة! ثم أجابتها بخفوت
((لا لستُ كذلك!))
عبّرت رفاء عن استغرابها وشكها
((غريب يا نورين مضى أشهر على زواجك))
ازدردت نورين ريقها وهي تعتدل جالسة.. ثم ألقت نظرة على باب الحمام المرفق بينما يتناهى إلى سمعها صوت الماء المتدفق في إشارة إلى عدم اقترابه من الانتهاء..
أخفضت صوتها وهي تقول باضطراب
((هل أسألك عن شيء يا رفاء بشرط أن تعديني بألا تقولي لأحد؟))
بدا الفضول جليًا على صوت ابنة عمتها وهي تؤكد بلهفة
((نعم.. نعم أعدك نورين، هيا قولي وافرغي ما بجعبتك))
عادت نورين تحذرها
((ولا لأمك يا رفاء، أرجوكِ، لا تخبريها أني سألتك))
أكدت لها رفاء ووعدتها بإلحاح فقالت نورين بصوتٍ يقطر حزنًا من كل كلمة منه
((أحيانًا أشعر بأنه ينفر مني ولا يحبني))
استغرق الأمر من رفاء لحظات قبل أن تجيبها بحيادية
((عدم حبه لكِ هو أمر مفروغ منه.. لكن كيف ينفر منكِ؟ اشرحيها لي؟))
صمتت نورين وعينيها تشردان بالبعيد قبل أن تتساءل بشتات
((رفاء بشكل عام.. هل من الطبيعي أن ينفر الرجل من امرأة ولا يتقبل معاشرتها بل يتحول لرجل حديدي عند قربها منه؟))
أجابتها رفاء من واقع ما تسمع عنه
((لا أظن أن ذلك طبيعي، الرجل يسهل عليه معاشرة المرأة والاستمتاع بكل لحظة يعيشها معها بدون أيّ عائقٍ مرتبط بالمشاعر، حتى لو كان يكرهها ويحتقرها.. إلا لو كانت المرأة أمامه ليست جميلة ولا تهتم بمظهرها!))
ازدردت نورين ريقها ثم عادت تسألها بحذر وبطء
((وماذا لو كانت غير مهملة بنفسها ومع ذلك لا يطالبها بحقوقه المشروعة حتى لو كان فقط من أجل العلاقة البحتة؟))
لم يبدُ على رفاء أنها قد فهمت إذا ما كانت نورين تقصد نفسها أو لا وهي تجيبها
((معناه بأنه يعاني من مشكلة بدنية تجبره على العزوف عنها!))
ردت نورين بإحباط
((ولكنه لا يعاني من أي مشكله))
انعقد حاجبا رفاء وهي تسألها بحذر
((وكيف تعرف بأنه لا يعاني من شيء وسليم بدنيًّا وهو لا يطلب حقه المشروع ولا يبادر من تلقاء نفسه؟))
أجابتها نورين بحزن باهت
((لأنه سبق وحدث بينهما شيء يدل بأنه لا يعاني من أي خطب.. لكن العزوف عنها حصل لاحقًا))
همهمت رفاء بعد تفكير طويل
((بصراحة لا أدري..))
عبست نورين وقد شعرت بالذنب لأنها تستخدم هاتف مُصعب ورصيده في النميمة مع ابنة عمتها عليه بشيء حميمي وخاص كهذا! فقالت تنهي المحادثة لتسارع في شحن هاتفه قبل أن ينهي الاستحمام
((حسنًا سنتحدث لاحقًا..))
.
.
كان مُصعب مضطجع فوق سرير نومه يتصفح هاتفه بعد أن تم حمامه.. وبمجرد أن أحس عليها تقترب منه حتى رمقها بطارف عينه ثانية باقتضاب وعاد ينظر لهاتفه يقول بغير رضا
((مجددًا استخدمتِ هاتفي))
ابتسمت نورين تلك الابتسامة الشقية الدافئة التي لا تحمل شيئًا من الأسف على استخدامها هاتفه رغم نهيه لها.. وهي تقترب منه قائلة
((فقط احتجت حقًا أن أتواصل مع والدتي.. وأنت تعرف أني لا أمتلك هاتفًا))
جلست فوق السرير تتمدد بجانبه مما جعله بتلقائية يبتعد قليلًا عنها قبل أن يسألها بجلافة شديدة
((من هي رفاء هذه التي اتصلت عليها وسجلتي رقمها بقائمة اتصالاتي؟))
قرّبت وجهها منه تناظر الهاتف بشكل تسبب في ضيقه رادّة بعفوية
((إنها ابنة عمتي، سجلت عندك فقط أرقام والديَّ وأخويَّ وابنة عمتي))
مد يده يبعدها عنه بنزق وقال بأنفة
((فقط؟ هل ظل أحد من أقاربك لم تسجليه؟))
ضحكت بخفوت على دعابته التي لم تحمل ظاهرية شيئا من المرح، لتقول بعدها مقترحة
((هل اشحن هاتفك لك؟))
بدا متردد إلا أنه ناولها إياه وأخبرها بجدية اكتنفت صوته رغم برودة وصلافة نبرته
((يمكنك أن تتحدثي معهم إذا أردت.. أبقيه معكِ))
تزايدت دقات قلبها الهادرة قوة عند هذه البادرة منه إلا أنها ردت وهي تشير نافية بكلتا يديها
((لا بأس أنا بخير الآن... إنهما بخير.. أيضًا..))
غمر صوتها بعض الارتباك إلا أنها أكملت قولها وهي تضع عينيها بعينيه
((لم تتجرأ أمي على قولها لكن أتوقع بأنها كانت تريد أن أوصل سلامها لكَ))
سألها مُصعب بنبرة حملت عطفًا طفيفًا
((هل تشتاقين لهم؟))
ظلت نورين صامتة للحظات طويلة على غير عادتها ثم منحته ابتسامة من القلب وهي تجيب
((بالتأكيد فهم عائلتي، أحبهم ولا أغلى عندي منهم))
أومأ مُصعب مخفضًا بصره.. فطالعته مفكرة بأنه وبكل صراحة يشعرها بأمان وراحة واحتواء دافئ يجعلانها ترغب في كثير من الأحيان أن تشكو وتفرغ بعض ما مرت به في الماضي خاصة قبل ما سبق زواجهما له وكيف تخلى والديها عنها ببساطة وقرارهم في التضحية بها لإنقاذ باقي العشيرة.. ليعوضها به ويحتويها بدفئه الذي غمرها به سابقًا.. إلا أنها قررت أن تصرف النظر عن ذلك وعدم التحدث بشكل سيء عنهما.. بل أن تمتدحهم وتمتدح علاقتها معهم!
عقدت يديها خلف ظهرها وهي تراقبه يفتح خزانة الملابس ويخرج شيئًا منها ثم سألته بتسلية
((هل أنتَ متعب من العمل؟))
أبعد عنه مئزره ليظلّ جذعه عاريًا بينما يخرج قميص منامته وهو يجيبها
((أظل واقفًا طوال فترة عملي بالتأكيد سأكون متعب))
توقف لثوانٍ عما يقوم به ليلاحظ كيف تتأمل جذعه بتدقيق جريء وقح.. تغضن جبينه وهو يراها تتقدم منه سائلة
((هل تحب أن أساعدك في تغير ملابسك؟))
نأى عنها وهو يرتدي أي منامة حطت في يده بينما يقول وقد شاب نظراته الاشمئزاز
((لا أريد شكرًا لكِ))
إلا أنها أصرت وحاولت بقوة أن تحرره من قميص المنامة وهي تلح
((إذن هل أمسد عضلاتك المتعبة؟ اخلع قميصك وسلمني نفسك وصدقني ستشعر بالاسترخاء..))
بتر كلماتها عندما نفض عنه يديها اللتان كانتا تمسكان بقميصه بغية نزعه عنه ثم ثار بها بغضب متقد بينما يبعد
((توقفي عما تفعلينه..))
توسعت عيناها رهبة ووجف قلبها فجأة وقد كانت هذه أول مرة تشهد غضبه منذ زواجهما! فهمست ذاهلة بخفوت مغلف بالخوف
((ما بكَ يا مُصعب؟))
جاهد بصعوبة أن يتحكم بأعصابه كي لا يندلع غضبه كله دفعة واحة! ثم اكتفى أن رشقها بنظرة مضطرمة بنار ضيقه مما فعلته صارخا
((بل أنتِ ما بكِ! لا ينقص إلا أن تمزقي قميصي))
بصوت خافت أجابته بينما تحاول التحكّم بنبرتها المرتاعة
((لم أقصد، كنت أحاول فعل شيء يزيل تعب عملك..))
عاد يصرخ بها بما جعلها تتراجع خطوات للخلف
((ابتعدي عني ولن تجدي طريقة أفضل لذلك إذن!))
مرت دقائق عليهما وكل واحد منهما متسمر مكانه لا يُسمع إلا أصوات أنفاسهما الثقيلة.. ثم دمعت عيناها ذهولًا متصاعد مما حدث وتزايدت وتيرة أنفاسها المرتعشة من بين شفتيها وهي تقول
((أنتَ تشك بعفتي على خلاف ما قلته؟ صحيح؟))
ظل ينظر لها للحظات طويلة حتى أدرك عما تتحدث عنه فهمس متعجبًا
((ما هذه الترهات التي تخرج منكِ!))
أسدلت جفنيها تمنع دموعها من الانزلاق.. ساقاها مرتعشتان وأنفاسها كانت مضطربة للغاية.. لكنها استطاعت أن تقول بصوتها المتذبذب
((لماذا لم تقتادني للطبيبة في ذاك اليوم حتى تتأكد من عذريتي؟ لماذا لم تفعل بدلًا من العيش حتى الآن في حالة شك ونفور مني))
أطلق نفسًا غير مسموع ثم قال بصوتٍ مثقل
((أنا لا أنفر منكِ، إذا كان هناك أية نفور فسببه عائلتك وعشيرتك التي تنتمين لها فقط لا ما حدث في تلك الليلة))
فتحت نورين عينيها المغرقتين بالدموع وهي تقول بصوتها المرتعش
((والدتك تضل تسألني عن الحمل، وحتى أمي، وانا لا أستطيع أن أخبرهم عن ابتعادك عني..))
قاطعها صارخًا باستهجان
((هل أعجبك ما فعلته بكِ في ذلك اليوم إلى حد أنكِ ترغبين بتكراره؟))
تأملته بغير وضوح كيف تلوح في عينيه الجميلتين آثار الغبن والقهر والغضب.. من نفسه.. فطال الألم ثنايا قلبها وهي تسمع ما ينطقه باشمئزاز.. ولأول مرة تسبب بإشعارها بأنها حقًا فصيلة.. سلعة قابلة للاستبدال والتعويض فداءً لحل آخر نزاع قد نشب بين عشيرتها وعشيرة الكانز!
تشتت نظر مُصعب وهو يتجول به في أرجاء المكان وشعر بأنفاسه تكاد تنطبق في صدره! ما يفعله كان أقل من طبيعي كردة فعله.. لكن ما يعجر عن فهمه هو كيف تكيفت على وجوده بسهولة دون أن تهابه! إنه حرفيًا لا يكاد يصدق قدرتها على الحديث والمزاح والضحك معه وكأنما زوجان طبيعيان! ولا يستوعب كيف يمكنها بعد التقارب الأول والوحيد الذي حدث بينهما أن ترغب في تكراره بل والإلحاح عليه بكل فجاجة وانعدام حياء أ خجل فطري في أي أنثى أمام رجل لا يظهر لها إلا الصد والتباعد والنفور.. حتى لو كان زوجها!
هم يُخرج حقيبة صغيرة ووضع فيها بعضًا من ملابسه وأغراضه وهو يقول من بين أنفاسه القوية
((سأنام بعيدًا عن هنا لعدة أيام))
أغلق سحاب الحقيبة وخطا نحو الباب فأجلت حلقها مردد بتهدج ومتردد في التشبث به
((إلى أين ستذهب؟ أرجوك لا تغادر))
إلا إنه كان بحاجة للمغادرة بل يتوق للابتعاد عنها.. بحاجة للتفكير واستعادة توازنه والسيطرة على زمام حياته وما حدث مؤخرًا بها!
وسرعان ما سمعت صوت فتح الباب قبل أن يصفقه خلفه فتهالكت جالسة على طرف السرير وهي تجهش في البكاء!
=============================
في شركة القاني..
خرجت شيرين من دورة المياه المخصصة للنساء في العمل وهي تتفقد حاجيات حقيبتها قبل أن تتسمر مكانها وهي تتذكر بأنها نسيت سوارها هناك.. بتلقائية عادت لدورة المياه تسير بخفة قبل أن يرهف سمعها لحديث متبادل بين اثنتين من زميلاتها في البهو الأخر تتحدثان
((لماذا أخبرتِ شيرين أنكِ حامل؟ فأل سيء أن تقول الحامل بأنها كذلك قبل الشهر التاسع.. لا تنزعجي مني ولكن أنا أقول ذلك لمصلحتك))
((وكيف كنتِ تريدين أن أطلب منها إجازة وأقدم لها مراجعاتي الطبية بدون أن تعلم أني حامل! لكن هل تظنين حقًا بأنها ستحسدني؟))
((ربما، فبالإضافة لكونها عازبة حتى الآن، فأنا سمعت إشاعات بأنه سبق وتركها خطيبها في نفس يوم الزفاف المفترض بعد أن اتهمها في أخلاقها.. أوه لا.. نحن لا نعرف الحقيقة ولا نريد أن نظلمها لمجرد إشاعات قد تكون غير حقيقية.. لنغير الموضوع))
((معكِ حق.. فنحن لا ندري صحة هذه الإشاعات من عدمها، كما أن شيرين زميلة لطيفة ومراعية))
دارت شيرين على جانبها تنكس رأسها متظاهرة بأنها تعدل وشاحها أمام المرآة عندما سمعت اقتراب وقع أقدامهن من الباب حتى خرجن دون أن ينتبهن لعودتها.. وحينها فقط استطاعت أن ترفع وجهها الشاحب وتنظر لانعكاسه في المرأة الضخمة اللامعة أمامها..
تكورت غصة حادة في حنجرتها فوقفت عاجزة عن بلعها وهي ترفع أناملها تمسح عَبرة فارة من عينيها..
هي ليست غافلة عن خشية زميلاتها وصديقاتها الحديث عن سعادتهن الزوجية والأمومة أمامها.. لكن يظل الأمر صعبًا قليلًا أن تسمعه بأذنها مباشرة..
حاولت أن تقلل من تشنج ملامحها ثم رفعت ذقنها شامخة لتخرج من دورة المياه باتجاه مكتبها وجلست خلف طاولتها..
بمجرد أن دخلت عندها زميلتها الحامل حتى جاهدت نفسها أن تدبر ابتسامة أمامها دون أن تشعرها بأنها سمعت كلماتها بينما تسألها الأخرى بتهذيب
((إلى أين يجب أن أذهب لأكمل إجراءات إجازتي يا شيرين؟))
أجابتها شيرين بلطف آسر
((لا داعي لأي إجراءات أخرى، لقد أتممت الأمر من عندي.. إجازة سعيدة وعودي لنا بعد الولادة بكل صحة وعافية))
اتسعت عينا زميلتها وهي تخبرها بامتنان
((أنا أكثر من شاكرة لكِ على تعاونك معي))
أومأت شيرين برأسها هادرة
((لا بأس، هذا واجبي))
بمجرد أن خرجت زميلتها حتى تنهدت شيرين تدخل الهواء الى صدرها المختنق ثم تزفره علها ترتاح قليلًا من الثقل الذي يجثم فوق أنفاسها! عادت تنظر في حاسوبها تكمل عملها وتضغط فوق أزرار الحروف رغم ارتجاف أناملها.. بينما تأمل نفسها بأن هذا البؤس كله سينتهي.. وقريبًا ستتزوج.. وليس من أي رجل.. بل من رائدٌ جذّاب.. شديد الوسامة.. ويُشهد له بالحكمة ودماثة الخلق..
انتشل شيرين من شرودها تصاعد رنين وصول رسالة لهاتفها.. فأمسكته ليتضح لها أنه من محاميها.. فقد كان اليوم هو موعد لقاءه مع وليد.. وهي ارتأت أن تحضر اجتماعهما حتى تتحدث مع وليد بشكل فردي.. لكن لن تخسر شيء لو حاولت مع وليد.. فقط محاولة من خلالها تتحدث معه كإنسانين ناضجين وتوعي ضميره لعله ينسحب كمحامي من طرف موكليه!
.
.
وكان هذا ما حدث عندما حضرت هي ومحاميها مكتب وليد..
ظلت تلتزم الصمت وهي تصغي لهما يتحدثان ويتناقشان.. وكان هدف هذا الاجتماع أن يصل الطرفين إلى حل مُرضي وتعويض معقول بعيدًا عن جلسات المحكمة.. لكن انتهى الأمر كما بدأ دون أي نتائج تُذكر..
طالع وليد محامي شيرين كبير السن ذو الشخصية الرزينة يحادثها بصوتٍ غير مسموع قبل أن يقول له منهي هذه الزيارة
((على ما يبدو يا سيد وليد الكانز فلا مناص لنا من لقاء تالي في المحكمة.. هيا بنا يا أنسة شيرين))
إلا أنها ظلت جالسة مكانها لا تحيد عينيها عن عيني وليد بينما ترد على محاميها
((سأتحدث مع السيد وليد قليلًا ثم أغادر))
لن يكذب وليد إن قال بأنه شعر بنيران مستعرة لقربها من هذا المحامي وحديثها معه.. ولولا كبر سنه ووقار حديثه في الحديث إلا أنه لم يكن ليمسك نفسه عن الفتك به.. فتجلت على وجهه ابتسامة جانبية وهو يقول بحذاقة
((أهلًا وسهلًا بكِ يا أنسة شيرين في أي وقت))
قال المحامي لموكلته بهدوء
((تحدثي أمامي يا أنسة شيرين إذا كان حديثك يخص القضية المرفوعة))
رفعت شيرين نظرها له قائلة بصوت سلس
((سأجلس معه قليلًا لأتحدث بموضوع آخر.. لا تقلق.. يمكنك المغادرة))
استسلم محامي شيرين لرغبتها وألقى التحية قبل مغادرته.. فرد وليد بفخر تلألأ في ملامحه الحادة
((أنا فعلًا سعيد لبقائك هنا يا كحيلة العينين! هل تريدين أن يحضروا لك شيئا معين؟))
قالت شيرين له بوجهها الجامد الجاف متجاهلة أي كلام أو حديث جانبي آخر يحاول إثارته
((ألست أنتَ نفسك يا وليد من قلت في أيام كلية المحاماة بأنكَ لا تنصح أحد أن يدخل هذا المجال إلا لمن وثق من نفسه بأنه سيتحرى الحق وينصر المظلوم ولا يعين الظالم! إذن ما الذي تغير لتجعل نفسك تميل إلى إعانة موكليك على الظلم والعدوان وأخذ حق الناس بالباطل؟))
رفع وليد حاجبيه بتهكم! إذن هي هنا لمحاولة جعله ينسحب من قضية موكليه!
ظهرت علامات التسلية على وجهه وهو يقول مستخفًا
((لم يوكلوني يا شيرين بل أنا من قمت من تلقاء نفسي في العمل عندهم))
ردت عليه وصوتها يخرج متكسرًا ضائعا
((وهذا ما يجعل الأمر أفظع.. فالمحامي المحترم يتحرى الحق ويطلب الحق ويحرص على إيصال الحق إلى مستحقه، لا ما تفعله أنتَ))
زم وليد شفتيه في محاولة كبح ضحكته ليقول
((هل هذه محاولة استعطاف يا كحيلة العينين؟))
رسمت ابتسامة قاسية وقالت
((بل محاولة إيقاظ ضميرك إذا كنت لا تزال تملك واحدًا))
تلوى فاهه بابتسامة عنجهية بينما يرد
((ضميري لا أفقده إلا عندما يتعلق الأمر بكِ.. على عكس حال قلبي))
ارتجف صوتها بغضب وعيناها تبرقان هادرة
((متى تنوي أن تعتقني يا وليد؟ ألم تكتفي من كل ما فعلته بي؟))
بتشوش عاد يتسم قائلًا بصوتٍ مبحوح
((لقد توقفت منذ زمن عن الانتقام.. أريدك أن تتوقفي أنتِ الآن))
ضيّقت عينيها المكحلتين تسأله بتيقظ
((لم أفهم.. ما هو الأمر الذي عليّ التوقف عنه؟))
شبّك أنامل يديه وأمال جذعه يخبرها بصوتٍ متحشرج خافت
((كبريائك وعنادك، فقد تخليت عنهما رغم تأصلهما بي وحان الآن لتتخلي أنتِ.. فلا جريمة أكبر فداحة من هذه تجاه حبنا))
اضطربت حدقتيها وهي تخبره باستهجان
((الحب؟ وهل تعرف أنتَ معنى الحب؟ هل تظن بأني سأصدق بأنك أحببتني يومًا بعد كل ما فعلته بي ولا زلت تفعله!))
حافظ على تقاسيم وجهه وهو يردد بصدق نابع من أعماقه
((أنا لم أحبك وحسب.. الأمر تخطى الحب فأنتِ جزء مني.. وأريد استعادته بأسرع وقت أقدر عليه))
رمقته بخواء وكأنها جثة ثم غمغمت
((تستعيده؟ هل حقًا تظن بأن بعد كل ما فعلته بي سيكون هناك أملًا لعودتنا؟ وماذا بشأن زوجتك؟ أنتَ لست أعزبًا))
نظراتها الخاوية قبضت على قلبه واعتصرته لكنه ابتسم متهكمًا وهو يخبرها
((زوجتي أمرها عائد لها في البقاء أو لا.. ولا حق لكِ في التدخل في هذا الموضوع))
شعرت شيرين بالدموع الحارقة تخز عينيها ولكنها قاومت إخراجها لتغتصب ابتسامة ناعمة وهي تسأله بتهكم مرير
((وماذا كان رأيها في زواجك مني؟ أوه أعني هي بالطبع لن تقدر على الاعتراض فهي لم تنجب لكَ.. ومن حقك أن تحظى بأولاد ومن هناك أفضل مني حتى تكون وعاء لأطفالك؟))
نظر لها يقول بنبرة تجمد الجحيم بصقيعها
((ظريفة جدًا.. لكن لا.. فلو كان سبب رجوعي لكِ الإنجاب لكنت تزوجت قبل سنوات طويلة.. سواء كان لي من جُمان أولاد أو لا فمرجوعي في النهاية لكِ أنتِ))
همست له بصوت أجوف
((فقط في أحلامك أيها الوضيع))
انعكف فاه وليد وتحداها بمقلتين ضيقتين
((بل هذا ما سيحدث يا كحيلة العينين، واعتبريه وعدًا وقسمًا بالله بأنكِ ستكونين زوجة لي برضاكِ أو لا))
نطق لسانها على الفور قبل أن تسمح للهمجية التي تحتوي عقل هذا الكائن أمامها بإخراجها عن طورها
((هل تعرف ماذا يا وليد! لو اكتفيت بهجري في يوم زفافنا فقط لكان الأمر أهون عليّ بدرجات مضاعفة.. أما في زواجك من أخرى غيري تشاركها حياتك وروحك وجسدك بنفس اليوم الذي كان من المقرر أن يتم زواجنا به هو ما حطمني لشظايا وجعلني أعاهد نفسي ألا أعود لك مهما فعلت، فزواجك قطع أي خيط يمكنه أن يربطنا يومًا من جديد..))
شعرت بتقرح روحها من ألم ذكريات وأحداث ماضيهما لكن استطرت بصوتٍ يشع انتقام
((أتمنى أن تشعر عند زواجي من رجل غيرك ما شعرت به بالضبط عند زواجك))
كان يعرف وليد بأنها تقول ما تقوله بقصد إيذاء قلبه وبأنها لن تقدر أن تتزوج غيره ومع ذل قرر أن ينتقم منها بالمثل فأعطاها نظرة مصممة كالأسد في عرينه وهو يخبرها متوعدًا وعيناه تلمعان بتحدٍ سافر
((ما رأيك آن قلت لكِ بأني سأبقى مرتبطًا بزوجتي تلك التي تمقتيها وستتقبلين وجودها رغمًا عنكِ عندما أتزوجك!))
تكذب لو قالت بأنها في هذه اللحظة لا تتمنى أن تضرم بغرور وجبروته نارًا لا قِبَل لها.. تكذب إن قالت بأنها لا تتمنى لو تنتشل قلبه من بين أضلعه لتلتهمه علّها تحقق شيئًا من ثأرها.. فوجدت نفسها تقول بمقت شديد وهي تنظر في عينيه ورغبة الانتقام منه تقطر من كل حرف
((أنا لن أكون لكَ أبد الدهر، واقبل هذا التحدي وأراهنك بذلك يا وليد))
رمت آخر ما عندها ثم استقامت من مكانها نحو الخارج فوجودها معه في نفس المكان يشعرها بشيء خانق يطبق على أنفاسها.. في حين ظل هو مكانه جالسًا وضيق شديد يتسلل لقلبه.. إنها تخطط لفعل شيء ما وعليه ألا يستهين بها.. فنظراتها تلك هي نفس النظرات التي صوبتها له قبل أن تفعل ما تسبب في إنهاء علاقتهما أول مرة وما جعله يقوم بتركها في يوم الزفاف!
.
.
اتكأت شيرين التي خرجت من المطعم بظهرها على سيارتها ورفعت هاتفها تطلب رقمًا بشكلٍ سريع قبل أن تضعه على أذنها هادرة بدون مقدمات
((سهر الليالي أين أنتِ؟ أريد التحدث معكِ بموضوع مهم))
وصلها صوت سهر المتلكئ
((ألا يمكن تأجيله قليلًا؟))
قوست شيرين فمها بابتسامة جانبية ماكرة ثم قالت بصوتٍ خطير
((إنه فقط بخصوص زواجي القريب، يمكننا الحديث لاحقا إذا لم تكوني متفرغة))
شهقة مصدومة كانت ردة فعل سهر قبل أن تقول بلا تصديق
((لحظة.. لحظة.. لحظة.. أي زواج هذا يا شيري؟))
اكتسحتها نشوة وهي تجيب ((زواجي أنا))
ثوان كانت قبل أن تطلق سهر وابل من الأسئلة عليها
((زواجك؟ أنتِ؟ من هو؟ متى؟ كيف؟))
كانت عيناها شاردتان تفكر في ردة فعل وليد عنما يعلم بخبر زواجها.. مدركة أن صدمة سهر هي نقطة في بحر الصدمة التي سيعيشها هو..
ظلت عينا شيرين شاخصتان في الفراغ أمامها وهي تقول ((سأخبرك كل شيء بالتفصيل.. فقط حددي مكان للقاء))
قالت سهر من بين أنفاسها اللاهثة
((دقائق بسيطة وسأكون حاضرة عند مقهانا المعتاد))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع 9 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الرابع
في إحدى مقاهي المدينة حيث يمكن لزائريه التمتع بنكهة القهوة المميزة وبساطتها في أجواء مريحة وهادئة، جلست سهر مقابل شيرين تستمتع إلى ما في جعبتها من حديث..
زاد وجه سهر شحوبًا أثناء كلام شيرين وما إن أنهت الأخرى ما لديها حتى سألتها جاحظة العينين بلا تصديق
((هل جننتِ؟ من أين جئتِ بمُعاذ هذا؟))
حرّكت شيرين الثلج في كوبها وهي تقول مبتسمة أمام وجه صديقتها المذهول
((إنه الرائد مُعاذ الكانز.. لقد سبق وأخبرتك عنه في الماضي.. ذاك الذي توفيت زوجته منذ.. ربما ثمانية سنوات.. المهم كان هو من وقف بجانب أبي عندما التاع بالكارثة التي تسبب بها وليد، وفي أيام مرضه الأخيرة عاد تواصله معه والتقاه لعدة مرات))
هدرت سهر بصوتٍ خافت والصدمة أكبر من أن تصدقها
((نعم.. نعم تذكرته.. رأيته عدة مرات في بيتكم قبل وفاة والدك رحمه الله.. لكن لم تذكري لي أي شيء عن تطور علاقة بينكما))
قالت شيرين بصوتٍ متحمس مبتهج
((حسنًا سأخبرك التفاصيل))
أخذت نفسًا عميقًا تستعد لسرد ما حدث ثم أردفت
((أنتِ تذكرين أن والدي أوصاه أن يهتم بي قبل وفاته.. خاصة من أخوالي وأولادهم.. فقد كان يخاف أن تجبرني عائلة أمي على المكوث معهم في القرية وتزويجي من أحد أولادهم الفاشلين رغمًا عني))
رفعت سهر إحدى حاجبيها تقول بتهكم مرير
((وطبعًا هو أخذته الحمِية وعرض عليكِ الزواج فقط ليحميكِ من أخوالك الأشرار! وأنتِ وافقت على الفور غافلة عن أنه ابن عم وليد؟))
زمّت شيرين شفتيها تقول بحنق
((وماذا فيها لو كان ابن عم وليد؟))
سألتها سهر على الفور باستنكار
((وهل ستتقبل عائلته زواجه منكِ وقد كنتِ مخطوبة بالماضي ولسنوات لابن عمه؟ بل هل تظنين أن وليد قد يلتزم الهدوء عندما يعرف بزواجه منكِ؟))
استهترت شيرين
((وماذا سيفعل وليد؟))
شدت سهر على كلماتها المغلّفة بالغضب وهي تقول
((سيفعل الكثير))
قرَّبت شيرين وجهها لصديقتها متحدية بسفور
((لن يفعل شيء عندما أصبح زوجة مُعاذ وأم أولاده))
كادت سهر أن تشل من صدمتها من كلامها فقالت لها
((أنتِ مجنونة شيرين.. وهل تظنين أن وليد سيسكت عندما يعرف بزواجه منكِ وينتظرك حتى ترزقين بالأطفال منه؟))
ردت شيرين عليها بصوتٍ أجش مضطرب
((ولهذا سيكون زواجنا غير معلن لمدة))
ظلت سهر صامتة باهتة الوجه لدقائق تمعن النظر بوجهها علّها تجد شيء يدل على مزاحها.. وعندما لم تجد تمتمت عاقدة الحاجبين
((ماذا يعني؟))
تنحنحت شيرين تجلي صوتها ثم تململت مكانها تعدل من جلستها وهي تقول بتيقظ
((عائلة مُعاذ فعلا لن أن يتزوج ابنهم الرائد مني، لذلك زواجنا لن يعلن لعائلته ولا حتى لمن في القرية، إلا بعد أن أنجب منه))
فغرت سهر شفتيها تحاول النطق بشيء دون أن تقدر..
لا تصدق أن شيرين المعروفة برزانتها وكياستها وحكمة تدبريها قد تدخل نفسها بهذه الدوامة! لا تصدق بأنها هي التي كانت دائمًا ما توبخها على استهتارها وعدم جديتها في الحياة موافقة على ما تقوله! فاكتنفتها الجدية وتساءلت رافضة أن تلتزم الصمت وهي ترى صديقتها تدمر نفسها
((وهل وافق أخوالك على هذا الهراء؟ هل وافقوا على زواجك منه بدون إعلانه؟))
أومأت شيرين برأسها وقالت بتلقائية
((نعم بالتأكيد وافقوا بدون نقاش وعلى الفور، فبالنسبة لهم أنا في عمر حرج ولا يجب عليّ أن أبقى بلا زواج أكثر من ذلك.. مرة حاولوا إقناعي بقبول الزواج من رجل عجوز.. تخيلي؟))
لم ترد عليها سهر بل ظلت شاردة الذهن وكأن ما تقوله شديد الوطء عليها لتستوعبه! فغمغمت شيرين بعد لحظات متسائلة بمرارة
((ما بكِ يا سهر؟))
أجابتها بشتات وهي تهز كتفيها
((لست مرتاحة لهذا الرائد المدعو مُعاذ.. هل هو من أقنعك بأن زواجكما عليه ألا يكون معلن؟))
عضت شيرين شفتها السفلية وبدت مترددة إلا أنها قالت
((سهر.. ممممم.. في الحقيقة هناك شيء أخر عليّ أن أخبرك به))
طالعتها سهر بتوجس ثم هدرت
((ماذا؟ أنتِ ترعبيني))
أجابتها بصوتٍ مخنوق وهي تعبث بأناملها بتوتر
((في الواقع أنا أخبرت مُعاذ بأن زواجنا سيكون على الورق))
اتسعت عينا سهر وهي تسألها
((ولماذا أخبرته بذلك وأنتِ لا تريدين هذا؟))
بدا الذنب جليا على ملامحها وهي تجيب
((لأني بالغتُ قليلًا واختلقت له عن اضطهادي على يد عائلة أمي وأخوالي الأشرار ليتعاطف معي ويطلب يدي للزواج.. لكنه لم يفعل.. ربما بسبب عائق وليد.. فاضطررت أنا أن اقترح عليه أن يتزوجني فقط أمامهم حتى يمنعهم من التحكم بي))
مالت سهر برأسها وهي تسألها بحذر
((وهو وافق على أن يكون زواجكما صوري على الورق؟))
تنهدت شيرين قبل أن تجيب
((كان التردد ورفض عرضي ظاهرًا عليه.. ولم يزل إلا بعدما أشعرته بأني لا أريد منه زواجًا حقيقيًا ولا أريد إعلانه لعائلته في القرية))
هزّت سهر رأسها بيأس منها وقالت وهي تفتح يديها بضياع
((شيري أنتِ أكثر امرأة مجنونة في هذا العالم.. ما الذي يجبرك بالمرور بكل هذا الذل؟ عمرك ليس مشكلة.. أنا في الثانية والثلاثين من عمري مثلك ومع ذلك فأحيانًا لا أرى أي ضرورة في تعجيل زواجي أنا وقصي حتى لو طالت فترة خطبتنا لسنين أخرى))
عقدت شيرين حاجبيها تقول
((عمري ليس مشكلتي الوحيدة، المشكلة الحقيقية تكمن في ماضيي المخزي.. فمن سيقبل الزواج بفتاة لم يكتفي خطيبها بهجرها يوم زفافها بل وعمل هو وعائلته على تلويث سمعتها وأخلاقها!))
سألتها سهر بقنوط
((حسنًا ولكن لماذا مُعاذ بالذات؟ ألا يوجد غير ابن عم وليد تستطيعين الزواج منه دون أن تخوضي أمرا مذلا؟))
نكَّست شيرين رأسها تقول بيأس بالغ
((يا ليت كان أمامي خيارًا أفضل منه، لكن من أين أجد رجلًا مناسبًا لسني ولا يطمع في راتبي، ومتفهم لماضيَّ ويقبل بي؟ لو وجدتِ أنتِ أخبريني وسأتزوجه على الفور))
رفعت سهر يدها تمسد بأناملها جبهتها وهي تقول بإجهاد
((سلوكياتك وأفعالك تميل للجنون مؤخرًا))
حركت شيرين حلقها وهي تحاول التغلب على الغصة المؤلمة التي تسده وهي تدرك مقدار استهتارها وعبثها في قرارات مصيرية تخص حياتها.. ثم قالت لسهر
((لقد طلبني معاذ من أخوالي الأسبوع الماضي وأخبرهم بأنه لن يقيم لنا زفافًا بسبب وفاة ابن عمه يحيى.. وأخبرهم بأنه لن يعلن زواجنا قبل أن ننجب حتى يضع عائلته تحت الأمر الواقع))
قالت سهر بغضب ولوم رغم هدوء نبرتها
((لا أصدق أنكِ تتبلين على أخوالك من اجل أن تتزوجي من مُعاذ))
ردت شيرين من بين أسنانها المطبقة
((حسنًا ربما أبالغ.. ولكن صدقيني أنا أتعرض لمضايقات منهم منذ وفاة أبي.. يريدون مني أن اترك العمل وأعود لأسكن عندهم ليزوجوني من أول رجل يطلب يدي.. كما أني لا ارتاح لأسئلتهم عن مدخراتي وراتبي بين الحين والآخر))
استنكرتها سهر هادرة
((إلى الآن لا أفهم كيف طلبتي من مُعاذ أن يكون زواجكما صوريًا سريًا إذا كنتي لن تعلنيه إلا بعد الإنجاب منه! أعني كيف سيحدث هذا!))
أغمضت شيرين عينيها تحاول أخذ نفسٍ عميق قبل أن تتحدث مع سهر بلهجة شديدة وكأنها تتعامل مع طفلة صغيرة
((سهر.. سهر.. سهر أيتها الغبية وهل شبابنا يستطيع أن يطبق الزواج الصوري؟))
ظهرت البلاهة على وجه سهر حرفيًّا وهي تتمتم
((لا أفهمك))
ابتسمت شيرين تلك الابتسامة الغير مريحة وهي تقر
((سيكون زواجًا صوريًّا في البداية فقط، لكن صدقيني أسبوع أو أسبوعين وبالكثير سأسحر مُعاذ وسيطلب مني بنفسه أن يفعله!))
لم تستطع سهر منع نفسها من أن تشهق بصوتٍ عالي جذب شيء من انتباه الجالسين بجوارها ((ماذا!))
قالت شيرين بإصرار
((نعم يا سهر الليالي.. وهل تظنين بأن أي رجل طبيعي يمكنه تحمل البقاء مع امرأة تحل له في نفس البيت بدون أن يلمسها أو يتقرب منها؟))
رغم تجمد ملامح سهر من الصدمة إلا أنها هزت رأسها نافية
((لا.. لا أظن أنه يمكن لرجل أن يفعلها))
تألقت ابتسامة عريضة على ثغر شيرين هامسة
((أحسنتِ))
=============================
جلست رتيل فوق سريرها الواسع الأنيق تلاعب شعرها الأسود بأنامل يدها وبيدها الأخرى تمسك الهاتف وتحدث صديقتها غنوة التي كانت تسألها
((وماذا فعلتي عندما عرفتي بخيانة الأستاذ "مانع"؟ ألا يكفي أنه يمنع عنكِ السعادة والحياة وكل شيء؟ وفوقها يخونك؟))
هزّت رتيل كتفها تقول ببساطة
((صدمت وبهت في البداية بشكل مؤلم لكن تخطيت الأمر بظرف ساعات وها أنا أعيش وكأني لم أسمع شيء))
قالت غنوة بصدمة
((ألم تخبريه أنكِ سمعتي ما تحدث به مع أخيه؟))
همهمت لها رتيل نافية لتعاود غنوة نصحها
((حاولي أن تخبري عائلته))
قالت رتيل بنبرة باترة
((لا مستحيل.. هذا قد يعقد الموضوع بشكل أكبر ولن يأخذوا الموضوع بجدية، سيلجئون إلى الكذب لأجل تغطية عمله المشين أو يأخذون صفه فهو ابنهم.. بل قد ينبهونه حتى يقوم بإخفاء وتغطيه ما يفعله!))
هتفت غنوة ((إذن عليكِ أن تخبري الأستاذ "مانع" أنكِ تعرفين عن خيانته، وأن عليه أن يتوقف عن فعل ذلك بحقك فورًا.. وكلما كانت المواجهة معه أسرع كان ذلك أفضل))
قلّبت رتيل حديث غنوة في عقلها لدقيقة ثم سارعت تقول
((لن أواجه مؤيد مهما شعرت بالألم وإلا سأكون كمن يحرق أوراقه ويرمي بدفاعاته))
عادت غنوة تحذرها
((لكن عليكِ ألا تتجاهلي خيانته يا رتيل أو تتصرفي على أساس أنها غير موجودة، فإدراكه أنكِ تتجاهلين ما يفعله في المدينة يكون بمثابة إعطائه الضوء الأخضر والموافقة الضمنية على استمراره فيما يفعله طالما أن الأمر يتم في الخفاء))
غمغمت رتيل بامتعاض
((أعرف، لكن طالما أنه سيستمر فيما يفعله فليكن بالخفاء))
حذرتها غنوة بنبرة ذات معنى
((أنتِ حرة لكن تذكري كلما أجلتِ موضوع المواجهة كلما زاد تعلقه بمن يقابلها من وراء ظهرك، ستتطور علاقته بها ويغدو أمر تركها أكثر صعوبة، وفي النهاية ستزدهر وتنمو ثم تخرج للنور))
تنهدت رتيل بعجز وقلة حيلة ثم قالت ساخطة
((وماذا بيدي لأفعل يا غنوة؟ أنا لا أملك أي دليل مادي وحقيقي على خيانته ومن دون دليل لن أقدر على مواجهته لأنه سيكذب بلا شكَّ، بل والأنكى بأنه قد يعترف بلامبالاة بخيانته ويخبرني أن أتقبل الأمر بكل بساطة))
زفرت رتيل بضيق ورفعت يدها الأخرى تبعثر شعرها الأسود الناعم لتقول بجنون وقهر
((تبًا له.. فليمت لأرتاح أنا.. إنه يلهو في المدينة طوال الأسبوع ويتركني هنا أحيا كامرأة بليدة ومتخلفة))
عمّ الصمت للحظات ثم سألتها غنوة وهي تدخل في موضوعها الأساسي التي اتصلتِ بها من أجله
((إذن هل تحدثتِ مع السيد مانع بخصوص زيارة عائلتك؟))
((لا لم أتحدث معه.. إنه يرفض نهائيًا خروجي من البيت.. ولولا أني أحكم إخفاء وسرية زيارتي لكِ لقلت بأنه عرف بحقيقة سري لذلك يمنعني من الخروج))
((حاولي أن تُلحي عليه))
((لن ينجح صدقيني، إنه عصبي عند الإلحاح عليه.. يصعب التفاهم معه أو إدارة أي نقاش ناجح))
((لا أدري بكل صراحة بماذا أدعو على الأستاذ مانع خاصتك فليس هناك أي إيجابية فيه.. إنه متسلط وشخصية مسيطرة.. عنيد.. قاسي القلب وحاد الطباع))
كانت ملامح رتيل تمتقع مِمَّا تسمعه من صديقتها محاولة تنظيم أنفاسها المشتعلة.. لم يكن يعجبها أن يشتم أو يدعو أحد على زوجها مُؤيد.. غيرها هي.. فقالت تنهي المكالمة
((حسنًا.. تأخر الوقت يا غنوتي سأنام حتى استيقظ غدًا باكرًا لمدارس الولدين.. تصبحين على خير))
=============================
صباحًا..
ارتبكت سمية وهي تفتح باب بيتها الصغير في ساعات الصباح الباكر ثم قالت بتردد والمفاجأة تغمرها
((رتيل.. صباح.. صباح الخير))
أجابتها الأخرى ببشاشة ابتسامتها التي زينت محياها على غير العادة
((صباح النور.. أين هو يزيد؟))
التفتت سمية بحيرة لابنها الذي كان يحمل حقيبته المدرسية ثم عادت تنظر بنفس ملامح لرتيل تجيبها
((أنا أجهزه للمدرسة))
رفعت رتيل حاجبيها تسألها
((هل ستأخذينه للمدرسة مجددًا؟))
أومأت سمية بوجهها وهي تجيبها باستغراب
((نعم، أنا بالفعل منذ أكثر من أسبوع من أقوم بتوصيله لنصف طريق المدرسة وهو يكمله لوحده))
ظهرت تلك النظرات المتعجبة على رتيل وهي تسألها بمرح
((لماذا؟ ألا تستطيعين انتظار أولادي حتى يتجهزوا ويذهب معهم للمدرسة مع السائق؟))
تراخى فك سمية السفلي وهي لا تفهم ود رتيل هذا الغير مألوف فيها بشكل دائم، عدا ظنها بأنها أكثر المرتاحين الأيام الفائتة لأنها لم تراها.. فأجابت بخفوت وهي تشيح بنظرها بعيدًا
((لا داعي، لا أرد إزعاجك يا سيدة رتيل))
زمّت رتيل شفتيها تصحح لها
((أنا لا أفعل هذا إلا من أجل فهد وباسم لأنها يحبان رفقة يزيد))
مدت رتيل يدها ليزيد الذي كان يخرج رأسه من خلف الباب ويطالعها قائلة بود
((هات يدك، تناول الفطور معنا ولتذهبوا جميعكم مع السائق كما كنتم تفعلون من قبل))
قطّب الصغير حاجبيه ونظر لأمه الصامتة بارتباك ليأخذ إذنها.. فأومأت له برأسها موافقة ثم ناظرت رتيل تخبرها
((لقد تناول فطوره بالفعل، ولكن يمكنه الانتظار حتى يتجهز ولديكِ يا سيدة رتيل فهو الأخر يحب رفقتهما))
أمسك يزيد بيد رتيل يذهب معها أمام أنظار سمية التي لم تكن تريد أبدًا جعله يختلط مع أولاد رتيل ولكنها أشفقت على الطريق الطويل الذي يسيره رغم صغر سنه لمدرسة القرية البعيدة نسبيًا عنهم!
.
.
دلفت رتيل للمطبخ وهي تمسك يد يزيد فسألتها منال باستنكار
((ما هذا! ماذا يفعل ابن البستانية هنا؟))
ابتسمت رتيل لها تعلمها بألا تهتم بوجود يزيد وهي تسألها
((هل وضعتم الفطور على منضدة الطعام؟))
أومأت لها نجوم قائلة وهي تدلف المطبخ بنشاط
((نعم يا سيدة رتيل، لقد جهزناه))
ثم تقدمت من يزيد تبعثر شعره بيدها وهي تخرج لسانها له بمشاغبة
((اشتقت لكَ أيها الشقي، لماذا لم تعد تزورنا!))
أخفض يزيد وجهه بخجل يداري ابتسامته.. في حين لكزت منال ابنتها نجوم وحدجتها بغضب متقد لودها معه!
وصلت رتيل للصالة وسحبت كرسيًّا لزيد ليجلس مقابلها عندما رفعت الحاجة زاهية الجالسة حول منضدة الطعام وجهها وتساءلت بحدة
((لماذا جاء هذا الولد هنا؟))
توترت رتيل من لهجة حماتها إلا أنها أجابتها دون أن تنحسر ابتسامتها الصباحية النادرة
((أنا أحضرته حتى يذهب مع ولديّ للمدرسة))
تطلعت زاهية لمدبرة المنزل نعمة التي كانت تقف بجانبها تسألها بصرامة
((ألم تنبهي على سمية يا نعمة ألا تُدخل ابنها هنا حتى إذا ما تكرر ما حدث سابقًا لا يظن أحد به سوء الظن؟))
أومأت نعمة لها طائعة وهي تقول
((سأعيد التنبيه على سمية مجددًا يا حاجة))
ثم حدجت نعمة الصغير يزيد بنبرة تحمل التحذير والتوبيخ كما نظراتها
((تعال فورًا يا يزيد لنذهب للخارج))
لم يناقشها يزيد بشيء بل على الفور قفز من مقعده قبل أن تحيد نعمة بنظرها المحتد عنه على صوت مَالك الذي كان ينزل من الدرج الذي ينتصف الصالة مسرع الخطوات.. وما إن وصل لهم حتى قال بسخط لنعمة
((كيف تبعدينه عن مائدة الفطور؟))
أجفل يزيد قليلًا على صوت مَالك الذي انخفض بمستواه يسأله باهتمام
((كيف حالك يا يزيد لم أراك منذ أيام!))
فهم يزيد من وجوم مالك أنه بمثابة عتاب رقيق لأنه لم يزره كما هو معتاد ومع ذلك أجابه بنبرة عادية دون أن ينظر له
((أنا بخير))
بالكاد أخفى مَالك استغرابه من طريقة حديث يزيد معه بملامحه الواجمة.. ثم تطلع نحو نعمة غير عابئًا بنظراتهم جميعًا إليه
((ماذا قلتي له يا نعمة؟))
أجابته نعمة بصرامتها المألوفة
((لا يجوز يا سيد مَالك له أن يظل هنا، لكن الحق على أمه هي التي..))
قاطعها مَالك هامسًا بعصبية وقد أكتفى حقًا منها هي ومن كل العاملين في القصر الذين يعاملون يزيد وسمية بهذه الدونية
((سيظل يزيد هنا))
رغم أن نعمة كانت تتحدث بصرامة وثقة تستمدها من وجود الحاجة زاهية لأن مَالك يخشى إظهار اهتمامه وعطفه على يزيد أمامها إلا أن سخطه الظاهر الآن أخافها.. فآثرت أن تبتعد ولا تدخل بنقاش محتد معه متمتمه باقتضاب
((كما تريد يا سيد مَالك))
تدخلت رتيل الجالسة معهم منتصرة ليزيد
((أنا من جلبته إلى هنا حتى يذهب مع ولديّ للمدرسة مع السائق فحاسبيني يا نعمة لا هذا الصغير))
لكن لم تطل رتيل موقف شجاعتها عندما حدجتها زاهية بنظرات نارية محذرة سرعان بل أشاحت بعينيها جانبًا بقلة حيلة..
أمسك مَالك بيد يزيد يجذبه ليعاود الجلوس فوق كرسيه قائلًا بحنو
((عد لمكانك))
دمدم الصغير بعناد يحرضه ضعفه ومشاعره المتذبذبة التي ترهق روحه الطفولية من كل ما يلاقيه من أصحاب هذا البيت
((لستُ جائعًا سأنتظر في الخارج))
إلا أن مَالك أصر عليه قائلا بلهجة حاسمة بينما يُجلسه عنوة ممزوجة بالرفق فوق الكرسي
((بل ستتناول الفطور أولا))
اختلس يزيد النظر بطارف عينيه لأقرانه فهد وباسم اللذان كان يتطلعان للموقف بحيرة فاشتد ألمه لأنهما كانا شاهدان عليه وهو يهان من قبل العائلة.. ثم أخفض رأسه يعاند بنبرة مختنقة
((لا أريد أن اجلس))
خفتت نظرات زاهية المحتدة لرؤية هشاشة يزيد ونظراته التي تذيب وتفتت القلب.. لكن كرهها لوجوده كان رغمًا عنها.. إنها لا تطيقه ولا تطيق النظر لملامحه هذه.. قد يعتقد من حولها أنها تكرهه من كرهها لامه سمية والتي بالمناسبة تكرهها بسبب اهتمام مالك بها.. فليس أحب أولادها على قلبها ومن أشبعته دلالًا وعزًا ستسمح له بأن يحب أو يتزوج من أي أمراه كانت!
لكن الحقيقة أن لا علاقة لسمية بكرهها ليزيد.. بل السبب المبهم في كرهها له هو شيء متعلق بملامحه التي تجعلها تتخيل أمورًا مستحيلة وتظن الظنون الرابيات! فقالت أخيرا بجفاء
((لا تضغط عليه يا مالك إذا كان لا يريد الجلوس، قد يريد تناول الطعام في المطبخ على راحته))
عقب يزيد على كلامها يقول بنبرة أشد اختناق تنذر بالبكاء
((لا أريد آكل شيء لا هنا ولا هناك، لستُ جائع))
أمسك مَالك كف الصغير الغض يسأله بلهفة وقلق
((هل تبكي؟ أخبرني ماذا حدث يا يزيد؟ هل أزعجك أحد؟ أجبني؟))
تطلعت الحاجة زاهية لوهلة خلفها تأخذ حذرًا قبل وصول زوجها الذي لن يعجبه منظر مَالك وهو يفيض في اهتمامه بيزيد.. في حين انزلقت عبرة صامتة من عين الصغير وهو يتمتم
((لا أحب الجلوس هنا))
أغمض مَالك عينيه يأخذ نفسًا عميقًا ثم فتحهما يسأله بألم
((لماذا لا تحب؟ هل أزعجك أحد؟))
وعندما لم يستطع يزيد أن يكبح المزيد من الدموع المتجمعة في عينيه غمغم بصوته المتهدج وهو ينفض يدي مَالك عنه
((لا أحب فقط الجلوس مع عائلتك))
ثم هرول مبتعدًا فوزع مَالك نظره لكل المتجهمين الجالسين حول المنضدة لعله يفهم ما حدث قبل أن يستقيم واقفًا ويسارع في اللحاق به..
دلف للمطبخ ليجد الصغير واقفًا في منتصف المطبخ يجهش بالبكاء ويغطي وجهه براحة كفيه.. ومنال التي كانت واقفة تنظر له بعدم فهم لكن بمجرد أن انتبهت لوجود مَالك حتى سألته على الفور
((ما به هذا الشقي؟ بماذا يتعبك يا سيد مَالك؟))
لم يجبها ومنظر يزيد يبكي بهذا الشكل جعل قلبه يهتز بين ضلوعه بغضب يعتليه فاقترب منه وحرره من حقيبته الظهرية ثم حمله وهو يهدهده ملهوفًا عليه
((يزيد حبيبي.. ماذا هناك؟ ما سبب بكائك؟ فقط أخبرني وأعدك بأن أتصرف))
حضرت الحاجة زاهية بعد دقائق للمطبخ تتطلع بنظرات ممتعضة على ابنها وهو يقوم بترضية الصغير.. فدمدمت له
((ستتأخر على عملك يا مَالك.. دعه منال ترى مشكلته فربما يكون مريضًا))
كانت منال تناظر الموقف بنظرات مشمئزة وهي ترى أن الصغير الذي ينحدر من أصل وضيع لا يستحق اهتمام أصحاب هذا القصر.. ثم اقتربت مغمغمه من زاهية تهمس في أذنه بخبث
((لا أكذب إن قلت بأن السيد مَالك لم يعد يدلف للمطبخ أبدًا منذ أن توقفت سمية عن الحضور))
جحظت عينا زاهية والتفتت لمنال تزجرها بصوتها الحازم
((إلى ماذا تلمحين يا منال؟ هل تقصدين بأن ابني عديم التربية ولعوب يلاحق النساء اللاتي يعملن تحت ظل الحاج يعقوب؟))
بهت وجه منال وعرفت بأنها استثارت غضب سيدة هذا المكان فسارعت تصلح موقفها وتتراجع
((لا مَعاذ الله أن ألمح لذلك، لا أحد بمثل أخلاق ومروءة السيد مَالك.. لكن ما قصدته..))
تلكأت منال متلعثمة في نهاية حديثها فقاطعتها زاهية على الفور وهي تأمرها بصرامة
((يكفي إلى هنا حديثًا يا منال وابتعدي))
بنبرة مرتبكة اعتذرت منال مجددًا واستأذنت الانصراف في حين كان مَالك يتوعدها سرًا بتسميعها ما يليق بها هي وغيرها هنا واتخاذ الإجراء المناسب لهن!
وجهت زاهية باقي كلامها له وهي ترشقه بنظرات ساخطة غير راضية
((وأنتَ يا مَالك اترك الولد هنا ليذهب لأمه واذهب إلى عملك حتى لا تؤخر نفسك وتؤخره على مدرسته الابتدائية))
لم يجد مَالك بدًا من الكلام فسارع يقول منهيًا هذا الحديث بهدوء قاتم
((سأذهب أنا وهو معًا، السلام عليكم))
أخفض جسده يضع يزيد أرضًا ثم أمسك برسغه بيد، وحقيبته الظهرية باليد الأخرى مغادرا إلى الحديقة الخلفية..
أغلق مالك باب المطبخ الخارجي ثم جلس فوق العشب الأخضر متكئًا بظهره على الحائط وجذب يزيد الذي كان خاضعًا تمامًا له من يده ليجلس فوق حجره..
وكأن الأخير أخذ راحته أخيرًا بخروجه من هذا القصر وابتعاده عن أصحابه الذين يطبقون على صدره ويشعرونه بالسوء من نفسه فأنفجر أخيرًا في نحيب عالي..
اتسعت عينا مَالك بوجوم لكن أحاطت ذراعه بكتف يزيد يضمه له فاستجاب الآخر له وهو يخفي ملامح وجهه المُدَمَرة وروحه المتعبة..
تشبث يزيد بيديه الاثنتين قميص مَالك فقد مرّ أيام عليه من دون رؤيته أو التحدث معه كما هو معتاد.. وكان مَالك هو الآخر يمرر يده على ظهره المختض من بكائه وهو يحدثه بريع من حاله العجيب
((يزيد بني لا تبكي، أخبرني ماذا حدث معكَ؟ من أزعجك من أهل البيت؟))
أجابه من بين بكائه بصوتٍ متهدج يكاد يكون مفهوما
((لا أحد، لكن لم أعد أحب الدخول إلى هنا))
أغمض مَالك عينيه بألم وعويل يزيد بصدره يبكي بأسى.. مرت دقائق طويلة عليهما وبعدما اكتفى الصغير من إفراغ كل الدموع الكامنة داخله ابتعد تدريجيًا عنه يبحث بنظره المتشوش من إثر بكائه عن حقيبته..
فتحها وأخرج منديلًا يمسح بنفسه وجهه المحتقن والملطخ بالدموع..
كان مالك متأكدا من وجود خطب ما معه، فيزيد لم يتحدث معه منذ أيام.. وحتى عندما يلقاه صدفة ويلقي السلام عليه يرده بخفوت واختصار كأنه يتهرب منه ويتجنبه عن قصد! وهو فقط كان يمرر الأمر له لأنه كان مشغولا في أمور يخص عمله في المدرسة! فسأله وهو يمرر يده فوق خده المشوب بحُمرة واضحة
((لماذا لم تعد تحب الدخول إلى هنا يا بُني؟))
كان مَالك يحدثه بعتاب وكأنه يخاطب رجلًا كبيرًا لا طفلًا في السادسة من عمره.. لكن ما تلقاه منه كإجابة هو صوت زفيره الواهن ثم صوته الخفيض وهو يجيب
((أمي فقط أمرتني أن أتوقف عن إزعاجك لأنك ستكون مشغولا بالعمل))
ابتلع مَالك مرارة حنظلية بجوفه ثم قال بتأنيب رقيق أنعش أوردة الصغير
((لكنك لا تزعجني، بل أنا المقصر بحقك من كل الجهات.. ومهما أفعل فلن أوفيك شيء من حقوقك عليّ أو أكفر عن ذنبي تجاهك))
صمت الصغير لدقائق يحدق فيه ثم أشاح بنظره وقال متهربًا
((قالت لي العمة رتيل أن اذهب اليوم مع السائق مع فهد وباسم.. اتركني الآن وإلا سأتأخر))
ضيّق مَالك عينيه يستدرك ما يقصه ثم سأله بصوتٍ خطير
((لم أفهم! ألم يكن يوصلك السائق كالعادة في الأيام السابقة؟))
تردد يزيد في الإجابة إلا أنه قال بخفوت
((لا أمي كانت توصلني))
احتدت عينا مَالك بشعور صادم ثم تساءل بغضب وحمية
((كيف توصلك؟ مشيًا على الأقدام؟ لماذا تمنعك من رؤيتي ومن الذهاب مع السائق؟))
عادت الدموع تتجمع في عيني يزيد وتقوس ثغره الطفولي للأسفل ثم أجاب بتلعثم
((ربما.. بسبب..))
شد مَالك على ضروسه وغمغم بعجب يشوبه الغضب
((سمية تلك تجلب المشاكل فقط!))
استقام مَالك واقفًا وعاد يحمل حقيبة يزيد ويجره معه بيده الأخرى هادرًا وبريق خضرة عينيه تتوعدان سمية بالكثير..
تبعه الصغير لكن تساءل بحيرة عندما قادة مالك الى طريقٍ بعيد عن البوابة الخارجية
((إلى أين؟ أين سنذهب؟))
.
.
عدلت سمية الوشاح على شعرها الأسود ثم فتحت الباب للطارق الغاضب الملح لتجد مَالك يقف أمامها وهو يرشقها بنظرات قاتمة..
انتبهت أنه يحمل حقيبة يزيد الذي كان يقف معه فتساءلت بقلق وهي توزع نظرها بين الاثنين
((مَالك! ماذا تفعل هنا؟ ولماذا لم يذهب يزيد لمدرسته حتى الآن؟))
كانت تمعن النظر بوجه ابنها المحتقن وعينيه المحمرتين بخفوت قبل أن تقطع نبرة مَالك النارية تفكيرها
((هل يمكن أن أعرف لماذا تمنعين يزيد من الذهاب مع سائقنا كما هي العادة؟ هل جعلتيه يمشي على أقدامه إلى المدرسة كل تلك المسافة؟))
فهمت سمية سبب غضبه الثائر هذا لتكتف ذراعيها وترد بجمود
((كم مرة عليّ أن أخبرك فيها ألا تطرق بابي وتقف أمام بيتي إلا للضرورة! ستجلب الأقاويل لي!))
ظل مَالك على نفس وقفته وعاد يزجرها وعينيه بعينيها
((لا تغيري الموضوع، لماذا جعلتِ يزيد يذهب لمدرسته مشيًا على الأقدام وقد عينت السائق ليوصله مع فهد وباسم في كل مرة لا أقدر على إيصاله أنا بنفسي؟))
ردت عليه بنفس النبرة الثابتة التي تحمل حزمًا وأمرًا
((والله هذا ابني وأنا كأمه أعلم مصلحته أكثر من أي أحد آخر، وبالتأكيد سأجعله يقوم بما يريحه أكثر.. أو يشقيه بشكل أقل))
شدت على كلماتها الأخيرة وفهم مَالك مغزاها.. إلا أنه غمغم بصوتٍ يفيض غِلًا
((لا ينقص إلا أن تحاولي بتر أي حبال تواصل متبقية لي مع يزيد!))
تصدعت خطوط دفاعها وتمتمت له بخواء صوتها
((أنا لستُ ظالمة لهذا الحد))
ثم أومأت بعينيها لابنها تأمره
((انتظرني يا يزيد حتى أغير ملابسي وأوصلك للمدرسة))
قال مَالك بصوتٍ باتر
((أنا من سأوصله وابقي أنتِ هنا، أساسًا تأخر الوقت ولا وقت للمشي هناك))
تنهدت بنفاذ صبر ثم عاندته
((لا أريد إتعابك، أنا من سأوصله))
رفع أحد حاجبيه يقول بخشونة
((بل أنا من سأفعل))
علت نبرة صوتها قائلة وقد سئمت من تبادل الحديث العقيم بينهما
((لو سمحت لا تتدخل بقراراتي، أنا من سأوصله))
أمال مَالك وجهه قائلًا بنبرة متسلطة خافتة
((اخفضي صوتكِ يا سمية أمامي، من يقف أمامك هو رجل في السابعة والعشرين من عمره ولم يعد ذاك المراهق!))
تراجعت بتلقائية خطوة للخلف تقول بنبرة أقل انفعالًا
((أنا لم أقصد أن يعلو صوتي عليكَ ولكن لو سمحت توقف عن التحكم بيزيد فأنا أفعل ما أشعر حقًا بأنه يريحه، هو حقًا لا يحب أن يذهب مع السائق..))
قاطع كلامها بحنق منها
((هراء! لن أجعله يمشي كل هذه المسافة لأنه يمتلك أمً برأس صلب عنيد مثلك))
لم يحدثها يومًا بهذه الطريقة وهذا الأسلوب ولم يقلل يومًا من احترامها.. لكنها أخرجته من طوره هذه المرة وهو نال كفايته ونفذ صبره من كبريائها البغيض وتفكيرها العقيم وما يؤدي له من نتائج تؤثر على يزيد قبل أن تؤثر عليهما! ثم إنه وبعد كل ما مر به وكل ما يعانيه بسببها يجعله متيقن من أن وصوله إلى مصلحة الثلاثة لن يتم سوى بإيلامها وجعل نفسه المتحكم.. فأكمل بصوت المهدد
((أنتِ ستطيعين أوامري دون زيادة أو نقصان يا سمية، وإياكِ أن تختبري صبري في مثل هذه الأمور حتى لا تري وجهًا آخر مني لن يعجبكِ صدقيني))
ارتجت خفقات قلبها بعنف ولا تعرف لماذا هابته.. ربما لأنها تعرف أنه يملك القدرة بل ويستطيع دون مجهود أن يسلبها أهم شيء في حياتها حتى دون أن يحاسبه أحد! إلا أنها تحلت بصلابة وهمية وغمغمت
((توقف عن التهديد))
زجرها بنبرته المحذرة
((لا تتعنتي فقط نكايةً بي، ومن الغد سيأخذه السائق كما الماضي فإياكِ أن تمنعيه))
ابتلعت ريقها من طريقة تسلطه في الحديث معها.. في حين شعر مَالك بارتعاش يد يزيد التي يمسكها فالتفت له يواجه وجهه الصغير البريء الحائر.. مدركا أن المشهد هذا أربكه إذ أنه يراه أول مرة يوبخ أمه ويتحدث باحتدام معها بهذا الشكل! لقد أخطأ عندما غفل عن وجوده واستماعه لهما.. فابتسم له قليلًا يفرج عن حدة ملامحه الواجمة.. ثم التفت لسمية التي كانت تهم بإغلاق الباب عليه فمنعها بوضع قدمه فوق العتبة يقول بصوتٍ فيه شيء من الخطورة
((لم أسمع كلمة موافقتك على كلامي يا سمية؟))
لم تجبه بل دخلت في صراع مع ترددها للحظات طويلة ليعاود الترديد عليها بصبر جميل
((سمية أنا لا زلت انتظر ردك))
رمته ببغض وغيظ نظراتها وهي تقول
((لا تقلق، لن أمنعه))
بابتسامة متكلفة وارى بها رغبته السادية بلكمها قال بينما يبعد قدمه عن العتبة
((يمكنك الآن إغلاق الباب حتى لا يثير وقوفي هنا طويلًا الأقاويل، وأنا من سأقوم بإيصال يزيد للمدرسة اليوم))
التفت يزيد إلى أمه كأنه يأخذ إذن الذهاب كما هو عادته لتومئ برأسها إليه مطمئنة!
=============================
طرقت نورين باب مجلس النساء وعندما جاءها الإذن دلفت للداخل بخطوات مترددة لتهدر بخفوت وهي تنظر للحاجة الزاهية التي كانت تجلس منحنية بشرود وبجانبها رتيل ترتشف من فنجان قهوتها
((مساء الخير يا عمتي))
نظرة واحدة من ملامح حماتها أخبرتها بأن ما طلبتها من أجله لا يبشر بالخير.. خاصة وهي ترد عليها بعبوس
((مساء النور، ألم يخبرك مُصعب متى سيعود؟))
أجابتها متمتمه والشعور بالذنب يطفح على ملامحها
((هو فقط أخبرني أنه سيبين خارج المنزل لعدة أيام بدون أن يشرح أي تفاصيل أخرى))
عادت زاهية تسألها بشك وهي تمعن النظر بملامحها لعلها تستشف شيئًا
((هل هذا ما قاله فقط؟))
أومأت نورين برأسها بخشية ثم سألتها ببديهية
((نعم.. ألا تستطيعين الاتصال به؟))
لم تتجاوب في البداية ملامح زاهية مع سؤالها البسيط العفوي إلا أنها قالت أخيرًا بصوتٍ مهيب وهي تنظر أمامها
((لم يرد إلا على مكالمة واحدة وأخبرني بأنه مضطر أن يبتعد عن البيت لعدة أيام))
خفت بريق عيني نورين ثم سألتها بنبرة باهتة
((هل هذا فقط ما قاله؟))
أجابت زاهية بنبرةٍ حذرة بطيئة وعينيها تبرقان تهديدًا
((أصدقيني القول، هل فعلتِ أو قلتِ ما يزعج ابني؟))
اضطربت ملامح نورين عند هذا السؤال إلا أنها قالت بخفوت وارتباك
((لا لم أفعل شيء.. هل أخبرك عني أي شيء؟))
ظلت زاهية صامتة بعض الوقت وهي تدقق النظر في عينيها بطريقةٍ سارعت في نبضات قلبها ثم قالت لها بقنوط
((إذا لم تكن منكِ أي فائدة مرجوة فعلى الأقل لا تفعلي أي شيء يعكر من مزاجه أو يثير ضيقه))
تصلب جسد نورين بالأرض للحظات وصمتت قليلًا بملامح متألمة وهي تذكر آخر ما حصل بينهما لكنها دافعت عن نفسها بشجاعة
((لم افعل أي شيء، بل دائما ما أتحرى راحته ورضاه))
كانت زاهية تشعر بقهر على مُصعب وعلى زواجه بتلك الطريقة.. ألا يكفي انتهاء زواجه الأول بابنة عمه رشا رغم الحب الذي كان يكنه لها؟ هو الوحيد من أبنائها الذي تشعر بأنه لم يحظَ بالاهتمام الكافي بين إخوته.. ففي حين كل اهتمام زوجها في مُعاذ ومُؤيد انصب اهتمامها هي في التؤام مَالك ومَازن.. ولا يهون عليها أن يفقد مُصعب نفسه بهذا الشكل الذي آل إليه ويدفن أمانيه ورغابته لأجل مصلحة العشيرة..
نفضت زاهية عنها غبار التفكير وهي تنظر للتي أمامها مغمغمه بغضب مكتوم
((منذ زواجه منكِ اعتلّت صحته وانعزل بنفسه وصار منغلقًا، يمضي حياته في البيت بل ويرتب احتياجاته حتى لا يخرج منه إلا للعمل.. لا أدري ما الذي فعلته بابني!))
ضاقت عينا نورين وقد اتقد فيهما سعيرٌ خطير وهي تنتبه على رتيل تسكب لها فنجان قهوة وترفعه لترتشف منه القليل باستمتاع بينما تشهد على حديثهما.. رتيل تلك الأفعى هي السبب في إفساد علاقتها مع والدة مُصعب التي كانت شبه طيبة معها في البداية.. ثم الجميع يعرف أن مصعب هكذا منذ زواجه بها لأنه تزامن مع وقت وفاة ابن عمه!
أشاحت الحاجة زاهية بيدها وهي تقول من بين شفتين غاضبتين متصلبتين
((يمكنك الانصراف، فقط نادي ياسمين لتشاركنا احتساء القهوة))
ازدردت نورين ريقها وأسرعت تخرج من مجلس النساء وتنفذ ما أمرتها به على الفور..
.
.
وكانت دقائق حتى عادت الحاجة زاهية تتكئ في مجلسها بصلابة عند دلوف ياسمين المجلس ملقية السلام.. فأمرتها برفق أن تجلس جانبها ففعلت وهي تجاملها بابتسامة..
سكبت رتيل لها فنجان قهوة فتناولته ياسمين منها مغمغمه بالشكر ثم ارتشفت منه بينما الهدوء يلف المكان..
كانت ياسمين تدرك أن حماتها طلبتها لحاجة تخص مَازن إلا أنها آثرت الصمت حتى تبدأ هي الكلام.. واستشعرت الحاجة زاهية تساؤلات ياسمين الغير منطوقة فقالت بهدوء لها
((لم انده عليكِ لشيء محدد، نريد أن نجلس معكِ قليلًا، نكاد ننسى ملامح وجهك.. الجلوس وحيدة في غرفتك دون فعل شيء غير صحي بالنسبة لكِ))
أومأت ياسمين برأسها في صمت وعادت ترتشف من فنجان قهوتها لتسألها زاهية أخيرًا
((هل تتواصلين مع زوجك جيدًا؟))
تجمدت عينا ياسمين كملامحها تمامًا قبل أن تتبدل للحنق عند ذكر سيرته، لكنها أجابت بهدوء قاتم
((نعم، لا تقلقي هناك اتصال دائم بالهاتف بيننا ولساعات يوميًا..))
قالت الحاجة زاهية بحزم مخفف
((جيد يا ياسمين، يجب أن يكون هناك تواصل دائم بين الزوجين فهو يذيب الحواجز الجغرافية بينكما ويشعر كل طرف بأنه ليس بعيدًا عن الآخر))
ضيق شاب روح ياسمين وحماتها تردف بصوتٍ يلفه الحزن
((لا بد أن مَازن يمر بظروف صعبة منذ ذهابه وحيدًا إلى بلد غريب، فحاولي دائما أن تخففي عنه وحدته وغربته بإشراكه في كل أمور حياتك حتى لا يشعر وكأنه في معزل عنكِ وعن هدى ابنته!))
بدت علامات التبلد والتجهم بادية على وجه ياسمين وهي تتمتم
((فليكن الله بعونه، سأفعل))
تنهيدة عميقة خرجت من صدر زاهية ثم ناظرت رتيل التي كانت تلتزم الصمت منذ وقت طويل فقالت لها وهي تتذكر مسألة الصباح
((رتيل لا أريد ما حدث صباحًا أن يتكرر لو سمحتي))
ارتفع احدى حاجبي رتيل ببطء شديد ثم قالت متسائلة
((هل تقصدين مسألة يزيد؟ ولكن أولادي حقًا يحبون رفقته))
رمقتها زاهية شزرًا وهي تعقب بصوتٍ واجم
((لا أحب أن يدخل الصبيان داخل منزلنا هنا بلا حسيب أو رقيب.. لدينا حفيدتين يا رتيل))
قامت رتيل بالتوضيح والاعتذار
((لكنه صغير، فقط في السادسة من عمره))
رفعت زاهية كف قاطع أمامها بشكل متصلب ثم غمغمت بنبرة باترة
((حتى ولو يظل غريبًا علينا ومحظورًا عليه الدخول هنا))
بدأ ذاك الضيق الغريب الذي يستبد بها عند ذكر ابن تلك البستانية يتفشى في داخلها.. فثارت أنفاسها وتشتت أفكارها وبشكل تلقائي انزعجت ملامحها باختناق لتتمتم وهي تنظر بعيدًا
((كم أكره وجود هذا الصغير بالذات هنا.. أكرهه هو وأمه.. أكره ملامح شكله، وأكره اسمه))
ثم وضعت القهوة على المنضدة الصغيرة واعتدلت بهدوء واقفة تقول بينما تغادر
((سأذهب للحاج لأرى إذا ما كان يحتاج لشيء))
وبمجرد أن أغلقت باب المجلس خلفها حتى رسمت ياسمين تلك الملامح المستغربة وهي تتمتم بخفوت كمن تحادث نفسها
((تكره اسم "يزيد".. عجيب أمرها!))
رفعت رتيل حاجبيها تسألها
((ما هو العجيب؟))
ردت ياسمين بعفوية
((أتذكر عندما كنت حُبلى بابنتي هدى أعلمتني برغبتها في تسمية الجنين بيزيد لو كان ذكرًا، على اسم والدها لأنها حلمت به))
عقدت رتيل حاجبيها ورفعت أناملها لذقنها لتقول بتفكر وفطنة
((نعم أتذكر هذا.. لقد ولدت هدى ويزيد وفهد في نفس السنة.. أخبرتكِ أن تسمي ابنك يزيد لو كان ذكرًا لأن مُؤيد كان مصرًا على تسمية كل أولادنا بأسماء أجداده من طرف أبيه))
هزّت ياسمين كتفيها تقول ببلادة
((غريب أن تكره عمتي هذا الاسم وهو على اسم والدها))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل العاشر 10 - بقلم Hya Ssin
اجتمعت سهر مع والديها حول سفرة الطعام في المنزل تجيب والدتها
((نعم يا أمي ستتزوج شيرين قريبًا، ولكن بدون أن تقيم أي احتفال بسبب حداد العريس على ابن عمه))
همهمت تمارا وهي ترفع الشوكة وتمضغ قطعة اللحم بهدوء.. وبجرد أن انتهت حتى قالت بفضول
((هل حقًا يعمل رائدا؟ متى تعرفت عليه وطلبها للزواج فجأة؟))
أجابتها سهر بنبرة عادية
((نعم أمي إنه رائد رأيته عدة مرات في السابق عندما كان يزور منزل والدها، إنه من القرية التي كانت تسكن فيها في الماضي.. قرية أمها))
بدأ العبوس يتسلل لملامح تمارا فقالت بغبطة
((أوه حقًا؟ هذا جميل، صديقتك فجأة خُطِبت وستتزوج ونحن لا زلنا بانتظار الأستاذ خطيبك حتى يدفع المهر المكتوب بالعقد، ويبتاع فيلا زوجية، ويقيم زفافًا أسطوريًا يليق بكِ))
وضعت سهر شوكتها فوق الطاولة وشبّكت أناملها ببعضهما بارتباك تحاول استعادة رباطة جأشها ثم قالت
((أمي بخصوص هذا الأمر.. أعني.. ألا تعتقدين أن متطلباتك المالية تثقل كاهل قصي وسبب تأخير زواجنا؟))
غطت تمارا عينيها بكفها وهي تطرق برأسها بغضب منبعه الحقيقي شدة التوتر المسيطر عليها بسبب هذا الموضوع.. ولا ينقصها دفاع ابنتها عنه الآن.. ثم عادت ترفع وجهها هامسة من بين أسنانها كأن من أمامها عسيرة الفهم
((أيتها الغبية شخص استطاع شراء ساعة اليد الماسية هذه لي كهدية بلا مناسبة فهل سيكون عاجزًا عن دفع مهر عالي لكِ؟))
قالت سهر متذمرة بحنق
((ولكن يا أمي رغم ذلك لا ينبغي أن تكوني أسيرةً وضحيَّةً للمادة، فأنا لا أبيع نفسي لرجلٍ حتى أغالي في مهري ومتطلباتي، إنما أبحث عن شراكة حقيقيةٍ))
زجرتها والدتها بانزعاج وهي تلوح بيدها أمامها
((أيتها الغبية أنا أضمن لكِ حقك بحياة مرفهة لا تختلف عن حياتك الآن معنا بل تزيد))
علا صوت سهر بإدراك جاد غاضب
((بل تريدين التفاخر والتباهي أمام صديقاتك من المجتمع الراقي))
قالت تمارا بلامبالاة
((نعم، هذا سبب آخر))
خرجت تنهيدة عميقة من فايد والد سهر الذي قرر التدخل أخيرًا والتفت لزوجته يقول بروية وحكمة
((ابنتك محقة يا تمارا، حتى لا تخسري هذا الرجل مستقبلًا تتنازلي عن بعض حظِّ ابنتك وخففي من مهرها، ومتطلباتك المالية الخيالية فيما يخص الزفاف والشقة في سبيل إعانته والوقوف معه، لا تثقلي عليه فيكون في نفسه شيءٌ فيما بعد عليكِ))
تاهت الكلمات على لسان تمارا وهي ترى زوجها وابنتها يهاجمانها فقالت ذاهلة لزوجها
((فايد خطيب ابنتك يرأس الشركة التي تمتلكها عائلته خارج البلاد.. لقد عينت بنفسك مخبر يتفقد حاله.. إنه ثري ولا مشكلة معه في طلباتي المالية، والدليل هي تلك الهدايا التي يغدقها علينا باستمرار والتي تساوي ثروة صغيرة!))
تكدّرت ملامح والد سهر ولم يعرف كيف يرد أو يفسر أمورا لا تعلمها زوجته أو ابنته..
أما سهر فصمتت تهز رأسها بيأس من أمها وقد فقدت الأمل منها فهي لن تغير فجأة أفكارها التي اعتنقتها منذ عقود.. ضغطت على جبهتها لدقائق ثم عادت تمضغ طعامها بدون شهية..
بينما لم تُرِد تمارا أن تعارض زوجها كثيرًا خاصة وهي تعرف بمرضه مؤخرًا الذي يخص كبده المنهك.. فأطلقت عدة أنفاس كانت تجيش صدرها..
هي لا أنها لن تتحمل فقدان صهر كقصي فهو شاب جذاب يحافظ على قواعد الإتيكيت والأخلاق.. لديه توازن مثالي بين كونه شخص يجيد الغزل وفي نفس الوقت محترم.. يعلم متى يعلق بطريقة مرحة ومتى يعبر عن حكمته.. ولطيف في كل الأحوال.. ولكن هناك أمور هي غير راضية عنها فيها.. فهو لم يحضر والديه أو جاهة في الخطبة وادّعى بأنهما لا يستطيعان العودة للبلاد.. وحتى الآن لم يستطع تحديد موعد الزفاف لأنه لم يوفر أي شيء من شروطها وطلباتها..
وهنا اجتذبت ذاكرة تمارا إلى أول يوم تعرفت فيه على قصي.. قبل سنتين..
كانت آنذاك قد انتهت هي وابنتها سهر من التسوق بينما يغمرها الندم لإنفاقها مبالغ مالية كبيرة على منتجات غير قيّمة.. فقد تجاوزت الخمسين من عمرها بسنوات وما تزال غارقة في حبها للتسوق وتشتري أي شيء بمجرد أن يقع بصرها عليه، ولكن ما حيلتها والتسوق إدمانها فلا تشعر إلا من خلاله بالمتعة والسعادة التي تشبه حالة النشوة التي يشعر بها مدمني المخدرات! ولم تجد أفضل طريقة للانتقام من ذاتها ووخز ضميرها للندم على إنفاقها هذه المبالغ إلا أن تذهب لمعرض المجوهرات.. فأمرت السائق هادرة
((أوقف السيارة أمام متجر المجوهرات الفخم مقابل النادي الذي اذهب له أنا وسهر بشكل منتظم لملاقاة صديقاتنا من الطبقة الراقية))
ناظرت سهر والدتها بإحباط
((أوه لا أمي..))
ردت تمارا بإصرار
((أوه نعم هيا اتبعيني))
تمتمت سهر بحنق وأمها تترجل من السيارة
((ستنزلين لذلك المتجر لمعاقبة نفسك على هوسك الأنثوي في التسوق، ولكن ما ذنبي أنا!))
تطلعت لها هامسة بامتعاض
((أنتِ ابنتي، وأنا بحاجة لمؤازرتك بينما أرى ساعة الألماس تلك التي أحلم منذ سنة بامتلاكها دون أن أستطيع ادِّخار المبلغ المطلوب لها! أكاد أقسم بأني لم أرَ ساعة مرصعة بكمية ألماس أكثر منها في حياتي قط))
أطلقت سهر تنهيدة قبل أن تقول لأمها
((أقسم يا أمي لو توقفتِ لسنة.. فقط لسنة عن التسوق تمامًا لكنتِ استطعتِ شراء هذه الساعة))
ثم بترت سهر كلامها عند باب متجر محل المجوهرات وهي تخبرها
((سأذهب لشراء بعض المرطبات حتى تنتهي من تحديقك الروتيني بها))
وضعت سهر يديها في جيبي سترتها وتركت أمها تدلف المتجر وحيدة.. وهناك وبمجرد أن رأى الموظف الذي يحفظ شكل تمارا حتى اقترب منها ليلقي التحية عليها بتهذيب ثم اعتذر فعقدت تمارا حاجبيها تسأله
((لماذا تتأسف؟))
قال الموظف بابتسامة عملية مهذبة
((أنتِ زبونة وعميلة مهمة وقديمة لمتجرنا بالتأكيد، وتم وضع هذه الساعة في هذه الزاوية حتى تستطيعين التحديق بها براحتك في كل مرة تأتين إلى متجرنا، لكن وللأسف فلم يعد متاحًا لكِ فعل هذا بعد اليوم، لقد بيعت))
ظهرت الصدمة على ملامح تمارا وهي تقول
((ماذا؟ تم بيعها! ولكن من اشتراها!))
وفي خضم ذهول تمارا حانت نظرة منها لشاب يرتدي حِلة بيضاء ويقف أمام موظف آخر للمتجر من خلف الرخام بينما يخبره
((مبارك يا سيد قصي الساعة الألماسية))
وبالفعل فتح الموظف الزجاج ليلتقط بحذر الساعة المرصعة بالألماس ثم وضعها داخل العلبة المخملية وسلمها لذاك المدعو قصي الذي استدار لتتبين تقاسيم وجهه لتمارا.. وبدا لها شابًا وسيمًا في آخر العشرين من عمره أو في بداية الثلاثين على أكبر تقدير.. فجاءتها الجرأة لتقترب منه تسأله بعفوية وغرابة أطوار لا تتناسب مع وقار امرأة في سنها
((إذن أنتَ من اشتريت هذه الساعة الفاخرة يا سيد قصي! ولكنها ساعة نسائية! هل أنتَ من هؤلاء الذي يشترون الألماس بهدف الاستثمار وتحقيق أرباح عالية، أم اشتريتها لتستحوذ عليها بهدف الاقتناء وحسب! فكما تعلم الساعة التي ابتعتها فيها كمية كبيرة حقًا من الماس))
بدت الصدمة المصطنعة ظاهرة على قصي من رؤيتها أمامه وكأنه لم يتوقع وجودها فتخشب مكانه للحظات قبل أن يرسم ابتسامة قائلًا بنبرة مرحة
((المبلغ الذي دفعته لا شيء، فهذا هو أسلوبي في الحياة، أما عن هذه الساعة الفاخرة فقد اشتريتها كهدية من أجل سيدة مميزة وذات ذوق رفيع))
رفعت تمارا حاجبيها تقول بهدوء وتعجب
((هدية! وضعت مبلغ باهظ من أجل هدية! لا بد أنها سيدة مميزة جدًّا بحياتك لتستثمر فيها مبلغًا كهذا))
قاطع حديثهما أحد الموظفين الذي اقترب منهما عارضًا خدمة متاحة للعملاء المهمين للغاية
((هل نرسل حرسًا أمنيًّا من متجرنا مع حضرتك يا سيد قصي لإيصالك للمكان الذي تبغيه برفقة الساعة درءً لعدم تعرضك لأي حالة سرقة لا سمح الله؟))
رد قصي عليه بلطف
((لا.. لا داعي.. حارسي الشخصي يقود سيارتي))
ثم ناظرها قصي يلقي عليها الوداع قبل أن يغادر المحل، فما إن تخطى عتبته حتى صدح هتاف سهر شاهقة
((أوه.. انتبه يا هذا))
سارعت تمارا خطواتها للخارج بلهفة وقلق لترى سهر تغمغم بعصبية وهي تمسك قميصها الملطخ بالعصير في حين قصي يقف أمامها يعتذر بقلق وأسف شديد
((أنا آسف يا أنسة.. آسف جدًّا.. لم أقصد الاصطدام بكِ وسكب كأس العصير الذي تمسكينه عليكِ))
قالت سهر متذمرة بحنق شديد وهي تشير لقميصها الملطخ
((يا إلهي! كيف سأذهب الآن إلى النادي بهذا المنظر!))
هتف قصي كمن كان ينتهز فرصة كان بانتظارها
((هناك محال تجاري مخصص للملابس، أرجوكِ رافقيني وانتقي ملابس أخرى تناسبك عوضًا عن هذه التي أفسدتها يا أنسة))
رفعت سهر وجهها له بحيرة ثم قالت بابتسامة مرتبكة وهي تتطلع للمتاجر العديدة في هذا الشارع
((أوه نعم هناك العديد منها، سأذهب إلى إحداها الآن مع أمي، لا داعي لمرافقتي))
أرخي قصي ربطة عنقه بتوتر وقال مُلِحًا
((أرجوكِ يا أنسة أنا مُصِر أن أرافقك لأدفع ثمن الملابس التي ستشترينها))
قالت سهر بإحراج واستحياء وهي تسترق النظر لوالدتها التي كانت تتابع الموقف باهتمام
((لا أظن بأنه من اللائق أن ترافقني))
رفع قصي يديه يفرك رقبته كأنه متردد في الشيء الذي يريد قوله لكن قاطعته سهر بشيء من الحزم
((صدقني لا بأس، لم يكن اصطدامك متعمدًا بي، يمكنك الذهاب بدون أن تشعر بأي ذنب تجاهي))
وقبل أن تستدير سهر متوجهة نحو أمها سألها بصوتٍ خافت
((يا أنسة.. يا أنسة هل يمكن أن تعطيني رقم هاتفك؟))
تخضب وجه قصي بحمرة الخجل ونكّس وجهه أرضًا عندما نظرت له من فوق كتفها بعدوانية تسأله
((ماذا تريد من رقم هاتفي؟))
ازدرد قصي ريقه ثم تلعثم
((أنا.. أقصد.. أريد أن.. اقصد أني مُصِر على دفع ثمن الملابس التي ستشترينها لذا أنا بحاجة أن..))
فجأة ومن حيث لم تشعر وجدت سهر أمها تشبك يدها بيدها وتقول لها بابتسامة مدروسة ونظرها مصوب تجاه قصي
((إنه يبدو شابًا مهذبًا ومُصِر على إصلاح خطئه فلماذا لا تسمحين له بتعويضك يا سهر؟))
تطلعت سهر لأمها متسعة العينين إلا أنها لم تعرها انتباها بل مدت راحة يدها لقصي تقول
((هات هاتفك يا سيد قصي))
رفرفت سهر بعينيها وهي تشتت نظرها بين الرجل مقابلها وأمها لتغمغم بتعجب وهي تشير بسبابتها إليه
((هل تعرفينه يا أمي؟))
ابتسامة لطيفة حرجة ارتسمت على وجه قصي وهو يخرج هاتفه على الفور ويفتحه ثم يعطيه لوالدة سهر بلباقة.. فتناولته تمارا وضغطت على أرقامه لتعيده له قائلة
((لقد دونت رقم هاتفي هنا، يمكنك التواصل متى ما شئت للتحدث عن خطئك الغير مقصود بحق ابنتي الجميلة سهر))
شعر قصي بخيبة أمل من حصوله على رقمها هي بدلا من ابنتها سهر.. إلا أنه قال لها مجاملًا برقي وتهذيب
((أشكرك يا سيدة.. رافقتك السلامة))
تحرك قصي مبتعدًا ونظره لا زال مصوبًا بسحر نحو سهر التي كانت لا تكاد تستوعب شيء مِمَّا حدث..
بمجرد أن استقل قصي سيارته حتى سارعت سهر تحدث أمها ممتعضة
((هل يمكن أن تشرحي لي ما حدث قبل قليل؟))
هزّت والدتها كتفيها وأجابتها وهي تسير بخطوات متمهلة للأمام نحو النادي
((مظهره ينم عن شخص فاحش الثراء ومن عائلة ذات صيت فضلًا عن أنه شديد الوسامة، فما المانع من أخذ رقمه؟ ألم يعجبك؟))
رمقت سهر والدتها بازدراء وهي تغمغم من تحت أسنانها
((تتحدثين يا أمي وكأنكِ تنتقين نوعًا من الفاكهة من السوق))
وتكرر بعدها موقف آخر بأسبوع عندما خرجت تمارا من النادي وتفاجأت بسائقهم الذي وصل لهم بأن هناك عطل في السيارة سيمنعه من إكمال قيادتها.. حينها ومن حيث لا تدري ظهر قصي من العدم يتطلع لسائق سيارتهم ويسألهم وهو يقف أمامهم بطوله الفارع ووجهه الوسيم
((مرحبًا يا سيدة تمارا، هل تواجهون أي مشكلة بالسيارة؟))
لف الذهول ملامح تمارا وانفرجت أساريرها لتقول
((سيد قصي! كيف حالك ها قد التقينا مجددًا))
التفت قصي ينظر لسهر بطريقة أربكتها وجعلتها لا تعرف التصرف ولا الرد عليه عندما سألها عن حالها.. فتدخلت تمارا تقول مصطنعة الحزن
((سيارتنا لم تعد تعمل، يقول السائق بأن البطارية على الأغلب قد فرغت.. كيف سنعود للمنزل وقد قاربت الشمس على الغروب! هل نطلب سيارة أجرة يا سهر؟))
حينها تطوع قصي بشهامة رجل نبيل
((هل تسمحين لي يا سيدة تمارا بإلقاء نظرة عليها؟))
أومأت له تمارا بتقرير ففتح قصي باب السيارة ودلف للداخل وكانت أقل من دقيقة حتى بدأت السيارة تعمل فتعجب السائق قائلًا بدهشة بالغة
((ماذا فعلت بها يا سيد؟ كيف استطعت أن تجعلها تعمل؟))
التفت قصي بابتسامته الجذابة يقول بمزاح مشوب باللباقة
((إنه سر لن أفشيه))
اقتربت تمارا منه منبهرة لتقول
((لم تتح لي الفرصة حتى الآن أن أسألك يا سيد قصي عن مجال عملك؟))
فهم قصي بأن سؤالها هو الصيغة المؤدبة للسؤال الشهير الأخر "كم تجني من عملك؟".. فسعل يجلي صوته ثم أظهر واجهة اللامبالاة وهو يجيب ببطء وتروي يساعده على الاختلاق
((عملي ممل.. يتعلق بالإنترنت والإلكترونيات.. أدير شركة العائلة بنفسي.. وأيضًا..))
كان لا زال بريق الانبهار يشع من عيني تمارا وهي تسأله
((ما هو اسم هذه الشركة؟))
ازدرد ريقه الوهمي مرة أخرى ليقول مبتسمًا بشيء من الارتباك
((إنها في الخارج ولكن أديرها من هنا، ربما أحدثك عنها في وقتٍ لاحق))
رحبت تمارا بفكرة لقاء أخر بينهما للتعرف على قصي ثم شكرته وهي تستقل السيارة مع ابنتها..
بدأ السائق يقود ومرت دقائق على انطلاقه عندما علا رنين هاتف تمارا فأجابت فورا على المتصل
((مرحبًا قصي؟ هل هناك شيء؟))
((أردت فقط أن أتأكد من أن السائق لا يواجه أي مشكلة في القيادة))
تطلعت تمارا لسهر المتجهمة بنظرة مغترة لها معنى ثم أجابت على الهاتف
((لا نواجه أي مشاكل يا سيد قصي، وكل الشكر لكَ فما رأيك أن تأتي لمنزلنا في مساء اليوم لتقابل زوجي ويشكرك على صنيع معروفك؟))
بدا قصي وأنه كان بانتظار هذه الدعوة منها فلباها على الفور.. وفي نفس ليلة هذا اليوم كان في استقبال والد السهر الذي جلس معه مطولًا يتجاذب أطراف الحديث.. وقد حاول قصي حينها أن يثير إعجابه بكل إنجازاته ونجاحاته.. فبدأ بذكر أسماء معارفه، وأخبره كم يعرف الكثير من المشاهير ورجال الأعمال في البلاد.. وعن سياراته وولعه فيهم..
ولم تنكر سهر أنها في هذه الجلسة بالذات شعرت بشيء تجاه قصي بل كانت مشدوهة له وهي تراه يسترق النظر لها بين الفنية والأخرى بنظرات تخترقها وتأسرها تمامًا..
عادت تمارا للواقع وبريق ساعتها المرصعة بالألماس لا زال يخطف أنفاسها وكأنها تراها لأول مرة.. لا يمكن أن تشرح كيف كان شعورها عندما اكتشفت في ذاك اليوم أن قصي جلب هذه لها لتكون هدية مميزة لها في نفس يوم عقد قرانه على ابنتها سهر!
=============================
عند شروق الشمس.. خرجت الحاجة زاهية في حديقة منزلهم تسرح فيها وتذكر اسم الله لا يرافقها شيء سوى صوت الطبيعة بينما تتأمل يقظتها ومجيء الصبح..
لطالما كان للصباح جمال جذاب بالنسبة لها ففيه تتجانس أنغام الطيور مع رائحة القطرات الندية فيجدد ما في نفسها من أمل وتفاؤل..
تناهى إلى سمعها فتح بوابة منزلهم الحديدية لتعرف أنه مُصعب.. فهو الوحيد من يدلف للمنزل في هكذا وقت تبعًا لطبيعة عمله في المشفى..
على مهل طالعته وهو يتقدم منها ويلقي السلام عليها لترده عليه قبل أن تسأله
((أين كنتَ يا مُصعب؟))
صوّب مُصعب عينيه في عيني والدته ليرى قلقًا عظيمًا رغم ملامحها الصارمة وتعابيرها الحازمة.. فاقترب منها يخبرها بابتسامة مطمئنة رغم انطفاء عينيه
((لا تقلقي أنا بخير))
أشفق قلبها على حاله رغم ابتسامته ليتلاشى حنقها الأمومي من غيابه ثم أخبرته بحب متفشي في صوتها
((والدك مستيقظ يقرأ وِرده اليومي وأخبرني إذا ما جئت الآن أن تأتي إليه))
مال مصعب لأمه أكثر يلثم جبينها قبل أن يغادر منصرفا فتمتمت له داعية بهدوء البال..
.
.
طرق مُصعب الباب وأذن له والده في الدخول.. ألقى السلام وتقدم ليجلس بجانبه مباشرة.. عم صمت ثقيل بينهما لدقائق قبل أن يبتسم الحاج يعقوب بشجون وهو يناظره هادرًا
((كيف حالك يا بني؟))
أجابه مصعب بصوتٍ خافت وبهدوء مألوف فيه
((الحمد لله بألف خير))
تمتم يعقوب بكلمات الحمد هو الآخر.. ثم عاد يسأله بصوتِ الرخيم
((هل شعرت بالظلم عندما طلبنا منك أن تتزوج قريبة من قتل ابن عمك يحيى؟))
لف الذهول وجه مُصعب كردة فعل على كلام والده الذي سري في مسامعه وتطلع له بانشداه لدقيقة.. إلا أنه أجابه بعد ذلك بصدق وعيناه تنطقان كلماته معه
((لا يا أبي.. لو كان يحيى رحمه الله على قيد الحياة لكان هو الآخر طلب أن يتم هذا الزواج حتى لا تراق الدماء ويقع بريء آخر لا ذنب له ضحية الثأر))
أخذ يعقوب يحدِّق في ملامح ابنه بنظرة عميقة غريبة بعض الشيء.. وكأنه يستكشف شيئًا ما.. ثم هزّ رأسه برضا.. مدمدمًا له
((وهذه كانت فكرتنا أنا ومعاذ وكل من وافقنا من الوجهاء، رغم رفضي في البداية اختيارك أنتَ لتتزوجها، إلا أني لاحقًا اقتنعت بكَ أنتَ دونًا عن الباقي لعلمي بأنكَ خير من سترعى تلك الفتاة التي لا ذنب لها بما فعله أحد أبناء أقارب والدها.. أنتَ لن تظلمها حتى لو لم تحبها))
كان في مضمون كلام يعقوب رجاء من ابنه أن يؤكد كلامه.. فجاءه الرد منه بصدق يلفه الحزن
((لا تقلق يا أبتي))
أمسكت يد يعقوب كف ابنه ليقول دون أن تحيد عينيه عنه
((أنا أثق بكَ يا مُصعب.. عندما اقترحنا أن يتم الصلح عن طريق الفصيلة، كنا نريده زواج فصيلة بالاسم فقط، فلا إنسان في هذا العالم يستحق أن تُهان كرامته))
تطلع مُصعب طويلا في أبيه.. صوته الوقور.. هيبة نظراته التي تضاعفت مع السنوات.. ثم شدّ على يده في إشارة ألا يقلق أبدًا.. فرقّت ملامح والده باطمئنان.. ثم عاد يسأله باهتمام وقد تجلّت على ملامحه تلك الابتسامة الخاصة بمشاعره الأبوية وهو يمسك دلّة القهوة ويسكب منها في فنجان فارغ
((أين كنتَ في الأيام السابقة يا مُصعب؟))
أجابه وهو يلتقط منه فنجان القهوة
((كنت أنام في المشفى! أما في الأمس نمت في أرضنا البعيدة كما كنت معتاد أن أفعل مع يحيى رحمه الله وبعض الأصدقاء))
قال أبيه بصوتٍ شجي مثقل بالشوق
((رحمه الله.. بعد أن أسعد الناس بروحه المرحة وشخصيته المحبوبة وقلبه الطيب رحل عن هذه الدنيا في عز شبابه غدرًا تاركًا أثره الطيب فينا جميعًا.. ادعُ له يا مُصعب دائمًا فقريبًا يأتي دور كل واحد فينا))
تمتم مُصعب داعيًا وصوته يحمل بين أوتاره الرقيقة بعض الشجن
((لقد ترك مكانًا لن يملئه أحد فاغفر له يا ﷲ واجزِه عن الإحسان إحسانًا واملأ قبره بالرضا والنور والسرور))
ارتشف مُصعب قليلًا من فنجان القهوة واستمر الحوار الدافئ بينهما لدقائق بأريحية.. قبل أن يخبره والده برقة
((اصعد لجناحك ونل قسطًا من الراحة، تبدو متعبًا يا بني))
.
.
في جناحه..
غيّر ملابسه ثم تمدد على السرير بجانب نورين التي كانت مستغرقة في نومها.. لم يمضِ الكثير من الوقت قبل أن يشعر بها تقترب منه وتلفه بيديها..
دفت وجهها في عنقه فجفل لوهلة والتفت لها متجهمًا ظنًّا منه أنها تزيف نومها!
تنفست عطره الرجولي المألوف لها متلذذة به بتأوه مهلك لرجولته رغم نفوره منها الذي لم يفارقه حتى الآن.. بالكاد تماسك وهو يهزها ويبعدها قائلًا بحزم
((نورين لا تدّعي النوم وابتعدي عني.. نورين.. نورين))
تراخت ذراعيها الملفوفتين حوله وفتحت عينيها المغمضتين تدريجيًا وهي تتمتم بصوتٍ ناعس أجش
((ما.. ماذا يحدث؟ ما بكَ؟))
ثم سرعان ما جحظت عينيها على اتساعها شاهقة وهي تحرره وتبتعد للخلف.. لتسأله بصوتها الناعس المشوب بالدهشة
((متى جئت يا مُصعب؟))
أجابها بنبرة اعتيادية
((قبل دقائق))
وبدون أن يعي ابتسمت شفتاه لعينيها قائلًا
((لقد ارتحت منكِ في الأيام السابقة.. حقًا))
لم ترد على مزاحه الثقيل.. ولم يرَ ابتسامتها في عينيها بل كان هناك تعبير دفين فيهما.. أقرب للحزن.. مما جعله يهمس سائلًا بقلق
((هل حدث شيء أثناء غيابي يا نورين؟))
أومأت برأسها نافية.. ثم نكّست رأسها.. فمد يده يمسك بذقنها ليرفعه وهو ينظر لعينيها سائلًا بصوتٍ خفيض خشن
((هل أزعجتك زوجة أخي؟ أو ربما إحدى العاملين هنا؟))
لم ترد عليه بل سرحت تحدق به بدهشة غريبة في عينيه المتجهمتين.. قبل أن ترسم أخيرًا ابتسامة باهتة دون أن ينحسر تعبير الحزن عن عينيها
((هذه أول مرة تسألني عن حالي أو شيء يتعلق))
ضاقت عيناه وهو يرمقها بنظرة تهديد لتضحك بخفوت قبل أن تسعل قليلًا.. فازداد انعقاد حاجبيه قلقًا لإرهاقها الواضح وسألها بنبرة جدية
((أخبريني الحقيقة.. ماذا حدث لكِ؟ هل أنتِ مريضة؟ وجهك شاحب يا نورين))
حافظت على ابتسامتها لكن لف نبراتها نفس الحزن الموجود في عينيها بينما تجيبه بصراحة
((لست مريضة، لكن مررت بوقت عصيب أثناء غيابك الأيام الماضية، شعرت باتهامات غير منطوقة من قِبَل الجميع بأني سبب تركك البيت لأيام.. حتى وزنك علَّقوا عليه وقالوا بأنكَ فقدت الكثير من الكيلوغرامات منذ زواجك بي))
زفر بضيق ثم أسند جسده لظهر السرير وهو يقول
((أنا بطبيعتي لا أحب الأكل كثيرًا وشهيتي دائمًا ضعيفة.. وزاد الأمر منذ وفاة ابن عمي تزامنًا مع زواجي منكِ))
راحة عجيبة تسللت إلى قلبها وروحها لسماعها إجابته التي بدت منطقية دون مجاملة كما توقعت هي تماما..
ترددت إلا أنها مدت يدها تمسك كتفه وهي تسأله بحماس
((إذن دعني أحضر لكَ الطعام الآن.. سأجلب لكَ فطورًا خفيفًا ولذيذًا ومن الأطباق التي تحبها))
اتسعت عيناه صدمة منها وهو يقول متعجبًا
((هل أنتِ مجنونة؟ بالكاد طلعت الشمس))
ثم تغضن جبينه وهو يسترسل بنزق
((أنا أشعر بالنعاس وأريد النوم))
عبست وقربت وجهها منه ترجوه بصوتٍ متوسل
((أرجوك دعني أحضر لكَ شيئًا سريعًا.. صدقني أنا صرت أحفظ ما تحب وما تكره من مراقبتي لكَ في المرات القليلة التي كنت تأكل فيها في البيت))
قلّب مُصعب عينيه للأعلى ثم زفر بسأم وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة كمن يعيش وقتًا عصيبًا بسببها..
إلا أنها عقدت حاجبيها عابسة ثم ألحت في رجائها هادرة
((أرجوك يا مُصعب.. فقط شيء خفيف.. أريد أن أغديك جيدًا حتى يتوقفوا عن سوء ظنونهم بي))
ضيّق عينيه يقول متهكمًا
((تتحدثين وكأنني فرخة تريدين حشوها قبل وضعها بالفرن))
اتسعتا عيناها ورفعت يديها تلوح أمامه نافية
((ماذا! لا أبدًا لم أقصد.. أنا فقط..))
رفع مُصعب يديه يمسح وجهه المنهك ثم قال مستسلمًا على مضض
((فقط اذهبي واحضري أي شيء لأكله))
انفرجت أساريرها وهي تقول وعيناها تشعان بوميض المنتصرين
((حقًا؟ هل أذهب لصنع الطعام لك؟))
تمتم من بين أسنانه بغيظ مصبوغ بالحنان
((لا تتأخري حتى لا أغير رأيي فأنا أكاد أموت تعبًا وأريد النوم حالًا))
انتفضت واقفة على الفور وتوجهت للمطبخ تصنع الفطور ثم وضعته أمامه ليتناول منه بقدر ما يستطاع تحت أنظارها المراقبة له حتى لا تحتج.. أخيرا أمسك المنديل يمسح يديه مغمغمًا
((الحمدالله، لقد شبعت.. هل أنتِ راضية؟))
هزت رأسها تقول بسعادة
((نعم.. راضية جدًّا حتى نسيت كل ما مررت به الآن))
غمغم مستنتجًا
((هذا جيد.. أنتِ سهلة المنال والإرضاء حقًا يا نور، لا أسهل من مصالحتك))
بدأت توظب الأطباق فوق المنضدة الصغيرة وتضعها فوق الصينية وهي تقول بشرود جميل
((معكَ حق.. أنا أبالغ في فرحي حتى في أبسط الأشياء في الحياة.. ربما لأني أريد أن أثأر من الأيام التي خذلتني ومن المرار الذي عشته))
حملت الصينية واعتدلت واقفة لتزمّ شفتيها فجأة بعبوس كمن تنبهت الآن لما قاله، فالتفتت تنظر له من فوق كتفها قائلة
((بالمناسبة لا تختصر اسمي.. أنا نورين لا نور.. إذا كان لا بد من الاختصار فناديني "ين" ولا تقل "نور"))
ثم غادرت الجناح متجهة نحو المطبخ في حين هو عاد يتمدد فوق سريره وثغره يرسم شبح ابتسامة متهكمة على طفولية حديثها.. إلا أنه كان من الجيد تحولها خلال دقائق إلى تلك العفريتة ذات النشاط والعافية والممتلئة بطاقة لا تنضب بعيدًا عن الضعف والبؤس الذي كان يلفها قبل قليل..
شعر بعودتها ثم بقيامها بإغلاق الستائر حتى لا تدخل أشعة الشمس وتؤرق عليه مضجعه..
وما إن تمددت تحت الغطاء حتى أمرها محذرًا قبل حتى أن تفكر بالاقتراب منه
((أريد أن آخذ راحتي في النوم يا نورين))
تنهدت في إشارة منها لتلبية رغبته.. ثم خرجت ضحكة خافتة منها وهي تطالع ظهره الذي يعطيه لها أثناء تمدده..
وعندما لم يستدير لها ولم يسألها عن سبب ضحكتها صاعدت من ضحكتها الشقية تستفزه فأغمض عنينيه يكظم غيظه قبل أن يريحها ويسألها أخيرا
((لماذا تضحكين؟))
قالت بصوتٍ منتشي من السعادة
((حرصك على رضاي وراحتي رغم أنكَ لم تخطئ من الأساس بحقي ولطفك معي يجعلني أظن بل أتأكد بأنكَ تحمل مشاعر لي مثلما أفعل أنا تمامًا))
هنا فقط التفت برأسه لها يحدجها بنظرات متجهمة وهو يرد عليها باختصار بنبرته الخشنة ألمألوفة
((هذه طبيعتي مع الجميع.. فلا تستفزيني ببلاهة تفكيرك على التعامل معكِ بعكسها))
رفعت يديها باستسلام قم قالت وهي تزم شفتيها ((حسنًا))
وبابتسامة راضية تابعت
((طابت ليلتك.. أقصد صباحك.... إنسَ.. فقط احظَ بنوم هانئ))
تمتم لها بهدوء وهو يغمض عينيه
((متى ما تسكتين سأفعل))
أغمضت عينيها ودثرت نفسها شاعرة بالحسرة لارتدائها ثيابًا صيفية رقيقة وقد كانت تمني نفسها بأنه لو عاد ستنام بين ذراعيه بعد هذا الغياب تحظى بدفئه وحنانه!
لو يعلم كم تحتاج لقربه حتى لو فقط لبضعة دقائق إضافية..
لكن لا بد أنه مجهد جدًّا.. فما إن وضع رأسه على الوسادة حتى غطّ في نوم عميق وانتظمت أنفاسه..
ارتسمت بسمة مريرة على وجهها.. قبل أن تتسع تلك الابتسامة وتزول منها غمامة المرارة.. وبدا أنها تذكرت أمرًا ما.. ذكرى مؤلمة.. وفي نفس الوقت جميلة.. للتقارب الذي حصل بينهما بأول مرة..
بدأت نورين تستعيد تلك الذكريات الخاصة بأول يوم زواج لهما.. قبل أشهر..
عندما كانت جالسة على السرير تدفن وجهها بين كلتا يديها.. وإذا بها فجأة تشعر بدلوف أحدهم لجناحها الزوجي بخطوات هادئة.. فرفعت رأسها الملطخ بالدموع تدريجيًا لتتلاقى عينيها بعيني مُصعب..
تحفزت هامسة بخوف وتلعثم وهي تراه يحدجها بجمود مريب بينما يغلق الباب خلفه
((أين.. عمـــ.. عمتي؟))
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي عشر 11 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الخامس
أغمضت عينيها ودثرت نفسها شاعرة بالحسرة لارتدائها ثيابًا صيفية رقيقة وقد كانت تمني نفسها بأنه لو عاد ستنام بين ذراعيه بعد هذا الغياب تحظى بدفئه وحنانه!
لو يعلم كم تحتاج لقربه حتى لو فقط لبضعة دقائق إضافية..
لكن لا بد أنه مجهد جدًّا.. فما إن وضع رأسه على الوسادة حتى غطّ في نوم عميق وانتظمت أنفاسه..
ارتسمت بسمة مريرة على وجهها.. قبل أن تتسع تلك الابتسامة وتزول منها غمامة المرارة.. وبدا أنها تجتذب ذكرى لأمر ما.. ذكرى مؤلمة.. وفي نفس الوقت جميلة.. للتقارب الذي حصل بينهما بأول مرة..
بدأت نورين تستعيد تلك الذكريات الخاصة بأول يوم زواج لهما.. قبل أشهر.. عندما كانت جالسة على السرير تدفن وجهها بين كلتا يديها.. وإذا بها فجأة تشعر بدلوف أحدهم لجناحها الزوجي بخطوات هادئة.. فرفعت رأسها الملطخ بالدموع تدريجيًا لتتلاقى عينيها بعيني مُصعب.. فتحفزت هامسة بخوف وتلعثم
((أين.. عمـــ.. عمتي؟))
لم يجبها بل بقي يحدجها بجمود مريب بينما يغلق الباب خلفه.. وظل متسمر مكانه فكان الصمت بينهما ثقيل.. وقاتم..
دقق مُصعب بنظراته التي لم تفهمها في وجهها الشاحب.. وعينها المنتفختين.. لا بد أنها بكت لساعات طوال دون أن ترحم نفسها..
فتحت نورين عينيها على اتساعهما وهي تراه يسير بخطوات بطيئة بغير اتجاهها نحو الزاوية حيث تتواجد بندقية موضوعة بشكل طولي.. كالتي يستخدمها الناس في صيد الطرائد..
احتشدت الأنفاس في صدرها بضيق وهي تراه يمسكها قبل أن يعيد حشوها بخبرة ومهارة.. ثم توقفت الدماء في عروقها بمجرد أن انتهى ودار رأسه لها متجها نحوها..
انتفض جسدها بحركة غريزية وتراجعت للخلف عندما وقف أمامها يشهر البندقية..
مال ناحيتها فتخشب جسدها المرتعش وشهقت مغمضة العينين.. لكنها شعرت به يمسك كفيها المرتعشتين ويرفعهما ليسد بها أذنيها..
مرت عليها دقيقة كانت فيها تهذي ودموعها تسيل على خدّيها بجزع من القادم.. وصرخت بهيستيريا عندما سمعت صوت إطلاق الأعيرة النارية واحدة تلو الأخرى..
لكن عندما لم تكن واحدة منهم قد أصابتها فتحت عينيها تدريجيًا وشتت نظرها بتوتر في إرجاء المكان تبحث عنه قبل أن تجده يقف في شرفة جناحهم يطلق بالبندقية عن طريق الضغط على الزناد.. ليأتيه الرد أخيرًا بمزيد من الطلقات من الخارج..
أخفضت يديها إلى حجرها وقد استبدل قلبها الخوف والهلع بالراحة والامتنان لما فعله.. لكنه خيب ظنونها عندما رأته يعود للداخل مقتربا منها بوجه خالٍ من التعابير قبل أن يغلق إضاءة الجناح إلا من نور مصباح خافت موضوعة على منضدة ملاصقة للسرير.. فشحب وجهها وتوسعت حدقتاها ودون أن تعي زمجرت بعصبية
((لماذا تقترب مني؟ ماذا تريد الآن؟))
أجابها بخشونة وشيء من العبوس حل بملامح وجهه
((طلبوا مني أن أسرع لأنهم بانتظار الخبر اليقين في الخارج))
بكت أكثر دون أن تقدر على كبت المزيد من الدموع المرتعبة وهي ترفع يديها بحالة الدفاع وهتفت مستنكرة
((لقد أطلقت النار والجميع يظنون الآن بأنك قد فعلتها وسيرحلون.. لذا ابتعد عني ولا داعي لما تفكر بفعله))
اتسعت عينيه من جراءة وفجاجة طلبها الصريح!
لقد استقدم حدث إطلاق النيران حتى لا يستعجل ويضغط عليها فيما سيفعله وهو يراها في حالٍ بائس تكاد تموت جزعًا.. خاصة وأنهم في الخارج يتوقعون أن يتم الأمر خلال دقائق.. وخشى لو أسرع في الأمر دون أي مقدمات أن يحدث لها هبوط أو يتوقف قلبها تحت تأثير الخوف..
زفر مُصعب بإنهاك ثم صعد على السرير ليجلس على ركبتيه قبل أن يمسك ذراعيها بيديه بقوة ضاغطًا عليها مما زاد من خوفها.. هدر بها مواجهًا إياها بصوتٍ قاسي ثابت
((ألم تعرفي من أجل ماذا تم زواجنا؟))
عند هذا السؤال ضربها شعور بالذل لم تختبره قبلًا.. لكنها أجابته هامسة وسط تشنجات وبكاء
((بلى أعرف أنه تم اعتباري كأداة ليس لها مشاعر ولا أحاسيس وتم تقديمي لك حتى تتوقف النزاعات بين القبيلتين لهذا تم زواجنا!))
لم يبالي بحالها ولم يبدو عليه أي شفقة بعد أن ندم عليها في السابق وهدر فيها باحتدام
((إذن اصمتي ولا تجعليني أندم على إطلاق النار قبل فعل أي شيء))
نظراته المصممة على إتمام الأمر جعلتها تحاول تحرير ذراعيها من قبضته قائلة وأنفاسها تكاد أن تنقطع
((لا لن أفعل، اتركني))
اتسعت حدقتيه مستنكرًا ما تفعله فضغط بيديه الممسكتان بها أكثر ليؤلمها مِمَّا جعل مقاومتها تحتد له، بل وتحاول ضربه بيديها بكل قوتها وهي تبكي بجنون.. إلا أنها لم تهزه قيد أنملة..
بعد أن بدا أنه ملّ من مقاومتها أقبل عليها بجسده أكثر بغضب مِمَّا جعلها تشهق فزعة.. لكنها صمتت واحتدت خفقاتها وثبًا عندما ضرب هسيس أنفاسه أذنها
((توقفي عما تفعلينه.. توقفي))
لم تطعه بل استمرت دموعها تتدفق بجنون ودون اكتفاء وهي تعود لتصرخ به وتقاوم جاهدة لإبعاده عنها..
كانت في حالة دفاع عن نفسها.. عن كيانها.. هتفت به
((أرجوك ابتعد.. لم أقبل هذا الوضع بإرادتي.. لقد تم إجباري.. أريد لكل شيء من حولنا التوقف))
توحشت ملامحه من إصرارها على الرفض.. خاصة وهو يمر عليه طيف من الماضي.. لوضع مشابه لها..
تمَالك نفسه بشِق الأنفس ثم احتد عليها بصوتٍ جهوري نافذ الصبر
((اسكني بين يدي ولا تجبريني على تقييدك! هل تظنين أنكِ داخل لعبة؟ هل تعرفين خطورة رفضك؟ أنتِ تتصرفين كطفلة لا تتحمل المسؤولية))
اختض جسدها من غضبه وهزّت رأسها بنفي على ما يقوله..
كانت متخبطة بخوفها وذعرها من شخص تراه للمرة الأولى في حياتها.. يُدعى زوجها.. فغمغمت بصوتٍ متذبذب وبرجاء باكٍ يفتت القلب
((أرجوكَ لا تؤذني وابتعد، أنا لا أريد قربك..))
كانت تهدر بإنهاك نفسي وقد وهنت ضرباتها.. فلم يتبقى بها طاقة تذكر.. أحداث اليوم أرهقت كل خلية نابضة إلى الآن في جسدها..
شعر مُصعب بها فرد عليها بخشونة
((توقفي عن عبثك واهدئي))
بدت مترددة في إطاعته فصدرت منه زمجرة خشنة قصيرة عديمة الصبر..
أخيرًا فعلت كما أمرها وتهالكت يديها للأسفل مغمضة العينين.. فاسترسل همسه الخشن
((اهدئي.. اهدئي.. سنتم الأمر الآن شئتِ أم أبيتِ فاسكني حتى لا تتأذي.. أنتِ لا تريدين ذلك.. صحيح؟))
أفلت يديه اللتان كانتا تمسكان ذراعيها ثم بدأ بتمسيد مكان إمساكه الذي ترك أثرًا واحمرارًا طفيفًا..
اختنق قلبها وبالكاد خرجت أنفاسها عندما انتهى مِمَّا يفعله ودفع ظهرها برفق للخلف لتتمدد فوق السرير..
لم تكن تصدق بأنها هي نورين الهنادل يصل بها الحال إلى هنا.. هي المتعلمة.. ابنة الأصول وصاحبة الشرف والعفاف يتم تقديمها جسدها أضحية في سبيل السلام بين العشيرتين..
لكنها في نفس الوقت لم تجد بدًا من الاستسلام..
لذا خضع كل ما فيها بإنهاك.. بضعف..
لن تعترض أبدًا فلا كرامتها ولا هامتها ولا عِزة نفسها عاد لهم وجود.. لينهى ما يريد.. ليفعل بجثتها المرتعشة ما طلبوه منه من عادة اندثرت منذ سنوات طوال وتم إحياءها الآن فقط عليها..
شددت على إغلاق عينيها وهي تشعر به يقترب بأنفاسه فيلفح عنقها وكأنها ألسنة لهب.. وبتناقض غريب.. وعلى عكس كلامه الخشن السابق.. بدأ يهمس بصوتٍ أجش يهدهدها كأنها طفلة مذعورة ويَطلب منها أن تكف عن الخوف بينما يحل رباط ثوبها.. ورويدًا رويدًا بدأ تشنجها وارتعاشاها يخمدان..
مرر سبابته على جبينها وما لبثت أن شعرت بشفتيه تلامسان وجهها بقبلات متوسلة استجابتها..
تغلغلت تعابيرها الواجمة شيئًا من التخبط وقل خوفها أكثر وأكثر.. واندفعت في نفسها لتلقي بتساؤلاتها المستنكرة..
هناك شيء ما لا يبدو طبيعيًا أثناء ذبحه إياها! لماذا يعذبها بهذه الطريقة؟ لماذا همساته حنونة؟ ولمساته في غاية النعومة؟
هي لم تكن تريد أن تبدو له إلا جثة هامدة.. فكيف يجبرها رغمًا عنها على عكس ما قررت أن تفعله الآن!
كان مسيطرًا.. هادئًا.. على خلافها.. أشعرها بثورة عارمة في أنحاء جسدها قبل أن يقرر بأن اللحظة المناسبة قد حانت.. فارتفعت أنامله يلامس شعرها الأشقر كأنه يعطيها إشارة بما يفكر فيه ويختبر استعدادها مرة أخرى قبل أن يخترق روحها رغمًا عن إرادتها.. بحنو ورفق غامر!
لا تعرف كم استغرق الأمر بالضبط.. لكن بمجرد أن انتهى ما بينهما حتى ابتعد وهي سارعت تواري ما كُشِف منها..
استرقت نظرها لعينيه ثم أخفضته إلى حيث يحدق هو.. إلى غطاء السرير ناصع البياض.. وسرعان ما انتفضت عينيها من مكانهما وتحركتا في تساؤلات حارقة! لم تستطع إيجاد دليل العذرية.. وتاهت الكلمات على لسانها لتسأل ذاهلة بصوتٍ مكتوم
((لماذا.. لا يوجد..))
بتوتر بالغ عادت ترفع بصرها لمُصعب الذي كان يطالعها بوجه غير مقروء..
هل تحولت الآن كل شكوكه إلى يقين راسخ؟ هل ذعرها ومقاومتها ودفاعاته جعلته يشك بعفتها؟ وجاء الآن الدليل القاطع ليؤكد هذا الشك؟
لكنها ليست كذلك!
حبست الصدمة أنفاسها بين جنباتها لثوانٍ.. ولوهلة وصل بها جنون الموقف لتشك بنفسها.. وهي التي لم تكن لتخون دينها أو عائلتها أو نفسها!
أطلقت أنفاسها المهتزة، وذهولها يبلغ قمته لتستوعب بمنتهى الجنون ما يحدث الآن..
سارعت تهمس له نافية بغير تصديق وهي تراه يقف مشرفًا عليها بطوله
((لا تظن بي ذلك.. أقسم.. أقسم أنا..))
رغم ألمها النفسي والجسدي لم تكن مبالية إلا بتلك العلامة.. لماذا لم تنزف؟
ما إن وصلها صوته المحايد بـ ((لا بأس))
حتى ذُعرت.. شحب وجهها.. واعتدلت جالسة ترجوه هامسة
((لا تفكر بي السوء.. أنا لستُ..))
نظر لها عاقد الحاجبين يقول بثبات مقاطعًا هذيانها
((اهدئي، أنا لا أفكر بأي شيء سيء عنكِ))
صمتت لدقائق بإيقاع منهك لكن سرعان ما هاج وعلا صوتها بإدراك منهار
((لا بد أنه يدور أفظع الشكوك بعقلك الآن! لكن أرجوكَ لا تشكك بي.. كل امرأة مختلفة عن الأخرى.. دعنا نذهب للطبيبة فربما يكون الغشاء..))
قاطعها بخشونة ((قلت اهدئي.. أنا لست جاهلا))
لكنها لم تفعل بل انفلتت أعصابها وهي تجهش بالبكاء وتقول
((لن أهدأ، لن أتحمل أن يشك أحد بعفتي! أرجوكَ لنذهب عند الطبيبة..))
صمت مُصعب يضغط على جبهته بإجهاد.. وصوت بكائها وتمتمها المنهارة تدوي كطنين مريع في أذنيه.. فقط يتمنى ألا يسأله أحد عن أسباب هذه الأصوات العالية والعويل التي خرجت منها منذ أن دلف للداخل!
عاد ينظر لها يغمغم ببطء متأرجح التعثر
((لا بأس.. بغض النظر عن الأسباب.. لا داعي..))
قطاعته وهي تُلِح عليه برجاء
((أرجوكَ لنذهب للطبيبة.. أرجوك.. أتوسل إليكَ.. لن يجعلك شيء تصدق أن..))
قاطعها بصرامة وحزم مشوب بالرزانة
((اصمتي، حرم مُصعب الكانز لن تذهب لأي طبيبة لمثل هكذا سبب.. لستِ تجربتي ولا زواجي الأول، الرجل الذي أمامك ليس غِرًّا حتى لا يعرف أن المرأة التي كانت بين يديه عذراء))
لكنها كانت موقنة من أن لا شيء يمكن أن يجعله يوقن بعفتها إلا الذهاب لطبيبة.. فطرحت عيناها التوسلات قبل لسانها وهي تعاود الإلحاح
((مع ذلك أرجوكَ استدعيها حتى لا يظل ذرة شك فيك! أنا لا أريد لأحد أن يشكك..))
أطلق مُصعب تنهيدة عميقة وهو يجلس بجانبها ويحيط بذراعه كتفها متوسلًا هو هذه المرة
((اهدئي.. أرجوكِ اهدئي.. دعي هذا اليوم الصعب ينتهي على خير))
أغمضت عينيها واستسلمت لقربه منها مدمدمه بلا وعي
((أقسم لكَ بأني لست فاجرة.. أقسم..))
واستمرت تمتماتها المنهارة على هذا النحو لفترة وجيها وطوال ذلك من جهته لم يحتقرها ولم يرشقها بعبارات الامتهان.. بل سألها بلطف بعد دقائق وهو يحرر كتفها من ذراعه
((هل شعرتِ بأي ألم يا نورين؟))
تقوّس ثغرها.. وقد شعرت أخيرًا الآن بأنها إنسانة لها اسم وكيان.. أول شخص يدعوها باسمها "نورين" منذ أن دخلت قدمها هذا المكان..
أومأت برأسها بوهن تقول رغم أنها شعرت به قبل قليل يحاول ما بوسعه ألا يسبب أي ألم لها
((فقط قليلًا))
اختلج شيء بملامحها وقد شعرت بالغثيان لتردف متمتمه بوجه محتقن
((أريد الذهاب للمرحاض))
عاد يمسك كلتا كتفيها هادرًا وهو يمعن النظر في وجهها
((هل تستطيعين السير وحدك؟))
أومأت له مجددًا بوهن.. وحاولت الاعتدال واقفة بمساعدته إلا أن كل ما فيها كان لا زال يرتجف.. وسرعان ما اختل توازنها لتسقط جالسة مكانها وهي تتأوه، فقالت مغمضة العينين
((أشعر بدوار طفيف))
أخبرها وهو يخطو نحو الغرف الأخرى الملحقة لهذا الجناح
((ابقِ جالسة هنا قليلًا))
فتح ثلاجته الصغيرة الخاصة به والتي كانت تحتوي الكثير من المقبلات.. الأطعمة جاهزة.. والوجبات سريعة.. ثم أخرج منها بعض الفاكهة ووضعها فوق الرخام وقام بتقطيعها بمهارة قبل أن يضعها في طبق مجوف.. وسكب بعض العصير الطازج البارد في كأس زجاجي..
عاد لها وهو يحمل على صينية كل ما أعده ثم وضعها فوق منضدة صغيرة وقرّبها أمامها..
ذهب ليفتح إنارة الغرفة وعندما عاد لها طالعها بعبوس تمسك الشوكة بأنامل مرتجفة وترفعها ببطء لشفتيها المرتعشتين.. فجلس أمامها يتناول منها الشوكة ويحمل الطبق بنفسه..
اتسعت عيناها وهي تراه يرفع الشوكة لفمها بغية إطعامها.. وبتردد فغرت شفتيها وبدأت تأكل مِمَّا يضعه في ثغرها.. وبين الفنية والأخرى كانت تسترق النظر إلى ملامحه المتجهمة التي بدت مجهدة أكثر منها بكثير.. وخفقات قلبها تطرق بعنف.. قوي..
هل التفهم والعطف فيه حقيقي ومتأصل دائمًا؟
بعد أن أخذت كفايتها من الطعام تركها مُصعب لتأخذ راحتها..
فذهبت لتسحم ثم ارتدت ثيابًا مريحة.. استلقت فوق السرير ودثرت نفسها تحاول النوم.. إلا أنها وجدت نفسها عاجزة عنه رغم أنها كانت تحت تأثير الراحة والأمان.. بقيت تسترق النظر بين الدقيقة والأخرى الى الشرفة.. إلى حيث هو مستلقي على أرضها يحدق بالنجوم وبجانبه ثلاثة أو أربعة علب مشروب غازي قد تجرعها كلها..
عادت نورين لواقعها ونفضت عنها ذكرى الماضي وهي تناظر مُصعب النائم بجانبها بينما تسند على ذراعها..
دثرته جيدًا بالغطاء ثم ابتسمت بحنو وهي تميل نحوه وتطبع قبلة صغيرة على جبينه.. ثم تحولت ابتسامتها للمرارة ولمع الحزن من عينيها..
لم يقترب منها بعد تلك الليلة ولم يظهر أي تأثر من أي من مبادراتها الأنثوية كأي رجل طبيعي من لحم ودم! بل حتى أنها لمحت شيئًا من النفور يشع من عينيه تجاهها في ذاك اليوم عندما صرخ بها.. وهذا لا تفسير له من وجهة نظرها إلا بأنه في أعماقه لا يزال يشكك بعفتها على عكس ما قاله وفي طبيعة الحال جسده ينفر من اقتراب امرأة غير نقية..
ابتعدت عنه قليلًا تأخذ نفسًا عميقًا وحمدت الله في سرها أنها بين يدي رجل مراعي رغم كل شيء مر بهما.. ينبض في أضلعه قلب حنون ومعطاء.. إذ أنها لا تنكر بأنها منذ أن خطت قدمها عتبة هذا الباب كانت تترقب بنفاذ صبر تنفيذ والدها وعده لها بتهريبها من هنا والسفر مع جميع أفراد عائلتها لخارج البلاد!
لكن بعد ما حدث وبعد معاشرتها له خلال الأشهر السابقة غيَّرت الكثير من حساباتها وأخبرت والديها أنها بخير ورغم كل المنغصات التي تعيشها معهم إلا أنها تصبر نفسها.. وأسعد هذا الأمر والدها الذي لمست في حديثه السابق أن سفرهم للخارج ما هو إلا ضرب من الجنون هدفه من تأمليها إياه أن يحثها على الموافقة!
اعتدلت نورين واقفة من مكانها تتجه نحو الشرفة لتسقط عليها أشعة الشمس بينما يتناهى إلى سمعها أصوات العصافير التي تنتقل من شجرة إلى أخرى وصياح الديك الذي ينذر بنهار جديد.. وزعت نظرها على كل ما تطل عينيها عليه من أشجار خضراء وحقول غنّاء..
كم هي محظوظة لامتلاك شرفة تطل على أكثر المناظر الخلابة في هذه القرية!
=============================
استمر مَالك بقيادة سيارته بعد العودة من عمله في المدرسة بعد أن مر على مدرسة الصغار واصطحبهم معه.. تطلع بجانبه لابن أخيه فهد يمسك مخروط مثلجات مزين بالشكولاتة وألوان الفواكه يأكله بتلذذ بينما يغمض عينيه متمتعا ببرودتها.. فسأله مَالك
((هل مذاق المثلجات لذيذ يا فهد؟))
أومأ فهد برأسه وهو يلعق المثلجات بلسانه ثم قال بانبهار
((نعم إنها منعشة جدًّا))
رد باسم الجالس بالخلف بحماس يوافق أخيه الأكبر
((منعشة جدًّا يا عمي، اصطحبنا من المدرسة للبيت كل يوم بدلًا من السائق))
استمتع مالك بملائكية الصغار أثناء تناول المثلجات وسعادتهم البسيطة والغير معقدة ثم تطلع في المرآة الأمامية يراقب يزيد الجالس مُنكِّس الرأس بالخلف بقرب النافذة، يأكل بالملعقة البلاستيكية الصغيرة آخر ما تبقى من المثلجات ببطء وبلا شهية فتكاد تذوب المثلجات..
شيء تألم في قلبه وهو يشعر بالحزن الخالص المشع من عينيه الجميلتين.. بل ارتعش قلبه كلها متذكرا نحيبه وبكائه عندما أخبره بأن سمية تمنعه من الذهاب مع سائق المنزل.. ورغم علمه أن مسألة السائق ليست السبب الوحيد لبكائه إلا أن يزيد يأبى التحدث معه بأكثر من هذا ويكتم.. وسمية لا تساعده بل غالبًا هي ما تحثه على جفائه معه!
قال فهد له معقِّبًا برجاء على كلام أخيه باسم
((نعم يا عمي افعل ذلك واصطحبنا، فالمدرسة الثانوية التي تعمل بها مقابل مدرستنا))
أكد له مالك بحماس منطفئ
((أعدكم بأني سأفعل ذلك كلما سمحت لي الفرصة بأن أنهى عملي في وقت مبكر كاليوم))
في حين كان يزيد يلتزم الصمت والهدوء مكانه لا يشاركهم الحديث علت أصوات الفرحة من باسم وفهد الذي قال منفجر الأسارير
((هل هذا وعد؟ مرحى إذن))
ضحك مَالك بخفوت عليهم ثم أوقف سيارته أمام قصرهم
((هيا وصلنا أمام البوابة.. انزلا))
ثم اتبع كلامه للجالس بالخلف ما إن هم بخلع حزام الأمان عنه
((يزيد ابقَ قليلًا هنا، أريد التحدث معكَ))
عقد فهد المستقر بجانبه حاجبيه يسأله بتجهم
((لماذا؟ ماذا تريد من يزيد يا عمي؟))
نظر مَالك له يخبره بعفوية
((فهد حبيبي أريد يزيد بموضوع صغير بيننا))
لم يستطع فهد الصغر منع ملامح الانزعاج والغيرة من الظهور على وجهه متسائلًا
((أي موضوع بالضبط؟ يمكنك التحدث به أمامنا))
تغير صوت مَالك ليحمل معنى الإحراج من استجوابه وهو يحاول محاورته بلغة المنطق
((فهد حبيبي لا يصح أن أقوله أمامك لأنه سر بيني وبينه، هل تحب أن أقول أسرارنا أمام يزيد أو أحد آخر!))
كتّف فهد ذراعيه يتبرم بطفولية
((أي أسرار؟ نحن لا نملك أية أسرار مشتركة بيننا يا عمي!))
شعر مَالك بهذه اللحظة بحرارة الإحراج تغزو جسده أكثر ففتح أول زرين من قميصه ثم قال مبتسمًا بارتباك لفهد
((في المستقبل سنمتلك، ووقتها بالتأكيد لن أخبر بها أحد))
قال باسم الجالس في الخلف وهو يفتح مقبض باب السيارة
((سأسبقك للمنزل يا فهد، سلام يا عمي مَالك))
تطلع مَالك له ثم عاد ينظر في وجه فهد يحثه
((هيا بسرعة الحق باسم قبل أن يسبقك للمنزل))
ظل فهد ينظر لعمه للحظات بتعابير جامدة مشوبة بالحنق.. ثم على مضض استدار على عقبيه يفتح مقبض باب السيارة ويترجل منه مدمدمًا بصوتٍ كئيبٍ
((حسنًا.. إلى اللقاء يا عمي))
تنهد مَالك وهو يمسح بيده مؤخرة رأسه في إشارة لشعوره بالارتباك مِمَّا حدث.. لحظات ونظر للخلف إلى حيث يجلس يزيد وأخبره برفق
((يزيد.. ترجل من السيارة واجلس في المقعد الأمامي بجانبي))
اتسعت عينا يزيد قليلًا باستغراب وتساءل ببراءة طفل
((لكن لماذا؟))
ابتسم مَالك ابتسامة صغيرة لعينيه وهو يخبره
((أريد أن أتحدث معكَ قليلًا.. هيا انزل.. أعلمت برسالة هاتفية لأمك بأنك معي وبأننا سنتأخر قليلًا))
تساءل يزيد عقب أن فتح مقبض باب السيارة وجلس في المقعد الأمامي بجانب مَالك
((إلى أين سنذهب؟))
شغّل مَالك محرك السيارة بينما يجيبه بابتسامة رائقة
((إلى أحد مطاعمك المفضلة.. سنتناول طعام الغداء هناك))
قال يزيد ببعض العجب
((هل وافقت أمي على ذهابي معك للمطعم حقًا؟))
أومأ مَالك له بإيجاب ثم أعقب بمرح
((وهل هذا يهم؟ ألا يحتاج الأصدقاء مثلنا لوقت خاص ومنفرد يتشاركون فيه الحكايات والاهتمامات والأحاديث؟))
كان مَالك يتحدث معبرًا عن أفكاره التي لطالما يخبر بها يزيد.. إلا أن الأخر نكَّس رأسه قائلًا بخفوت
((لا أحب أن أتعبك واشغل وقتك))
ناظر مَالك يزيد لثانية في وجل من ردة فعله الكئيبة.. ثم قال له بوضوح
((أنا افعل ذلك من أجلى.. لقد مضى الكثير منذ أن خرجت معك ألم تلاحظ يا يزيد؟))
شبّك يزيد أنامله الصغيرة ببعضها ثم قال بنفس نبرته السابقة
((بلى لاحظت))
ركن مَالك سيارته في جانب الطريق أمام المطعم ثم استدار للجانب نصف استدارة يناظر يزيد متسائلا بكل جدية راجيًا الصراحة
((هل يمكن أن تخبرني سبب ابتعادك وجفائك معي؟ لطالما كنت أنتَ المبادر دائمًا معي.. لكن مؤخرًا لم تعد تأتي لغرفتي ولم تعد تنتظرني في المطبخ ريثما أعود من عملي.. ولم تعد..))
رفع يزيد رأسه له يقاطعه بخفوت متذبذب
((أخبرتك أن أمي منعتني من الدخول لمنزلكم أبدًا وخاصة المطبخ حتى لا أزعج الخالة نعمة ومنال أيضًا))
توحشت عينا مَالك الخضراوين بعنف لا يخرج منه إلا بعد حلم شديد وهو يهتف باستنكار
((وما شأنهم بدخولك أنتَ المنزل؟ إنه منزل أبي.. ولا أحد له حق في التحكم بمن سيدخل ومن سيمنع غيره.. منذ متى والخدم يتحكمون في أمور كهذه! عال العال.. سأتأكد من محاسبتهما عند عودتي.. وصلت لكفايتي منهما..))
بدا على يزيد التردد إلا أنه هدر له بحزن ظلل عينيه
((إنهما يطيعان كلام والدتك))
توقف مَالك المتجهم الغاضب عما يقوله وهو يمعن نظراته بيزيد.. وفجأة شعر بأن ابن الست سنوات أكبر من عمره وأكثر وعيًا.. فهو ليس غافلًا بل يعرف من تلقاء نفسه ودون أن يخبره أحد بهذا صراحة بأن وجوده غير مرغوب به في القصر من قِبَل الجميع وخاصة أمه.. فأخرج تنهيدة متعبة ثم قال وعيناه تشتد بنظرة عازمة لامعة
((سأتحدث مع أمي بشأن هذا ولكن هذه ليست حجة لجفائك معي يا يزيد))
ثم بدَّل ملامحه لأخرى بشوشة رغم إجهاد عقله وفكره وتابع وهو يخرج هاتفه المحمول
((تعال لنلتقط صورة لنا الاثنين قبل أن نذهب للمطعم))
تطلع يزيد له باستغراب وبراءة ليسترسل مَالك وعيناه تشعان بوهج مثير خاص
((أريد أن نأخذ أنا وأنتَ كل يوم صورة لأصنع في نهاية كل شهر كتابًا مصورًا لنا.. ما رأيك؟))
ظهر الحماس يرقق ملامحه الطفولية عندها أمسك مَالك رسغه وقربه منه ليشاركه الصورة..
.
.
في غرفة المعيشة.. حيث كانت دارين جالسة أمام المنضدة تفرد كتبها ودفاترها وتقول بحل واجباتها المدرسية.. وضع فهد حقيبته المدرسية بعنف فوق الطاولة بطريقة أثارت حنقها فاعترضت
((انتبه يا فهد!))
جلس فهد مكتفًا ذراعيه بقوة فوق الأريكة التي تجلس والدته عليها.. فتطلعت رتيل عليه بحيرة متسائلة وهي توزع نظرها بينه وبين أخيه باسم الذي كانت ملامح وجهه المبتسم السعيدة مناقضة كليًّا عنه
((لماذا تأخرتما في العودة من المدرسة؟))
ظل فهد محافظًا على وجومه لا يجيب ليقول باسم بنشوة البهجة وهو يقف أمام والدته
((كنا مع عمي مَالك، لقد اصطحبنا من المدرسة بسيارته بدلًا من السائق.. واشترى لنا المثلجات اللذيذة))
رفعت رتيل حاجبيها وابتسمت تقول برضا وهي ترى شيء من أثار المثلجات على فمه الأحمر
((حقًا؟ هذا جيد.. هل استمتعتما بوقتكما؟))
ثم تلاشت ملامحها وهي تعود لتناظر ابنها الكبير وتسأله بفضول
((لحظة! لماذا لست سعيدًا مثل أخيك؟))
نظر فهد لها متكدر الملامح يجيبها
((لقد أنزلنا أمام باب البيت وذهب برفقة يزيد لمكان آخر لوحدهما ورفض إخباري عنه))
تغضن وجه رتيل بشيء من الضيق.. هي لوهلة سعدت باصطحاب مَالك لولديها وتخصيص وقت لهما خاصة فهد لعله يعزز شيء من ثقته بنفسه فهو خجول لا يندمج بسهولة مع الأطفال الآخرين.. لكن على ما يبدو أن هذا الاهتمام لا يضاهي اهتمامه بيزيد..
حاولت رتيل ألا تظهر ضيقها وهي تقول عاقدة الحاجبين
((لا تحزن يا حبيبي، عمك يحبك أكثر من يزيد بالطبع فأنت من دمه على عكس الآخر، الأمر فقط أنه يشفق عليه لأن والده يعيش بعيدًا عنه ولا يهتم به أما أنتَ..))
قاطعها فهد باندفاع بعيد عن سمات شخصيته
((أما أنا فوالدي أيضًا لا يهتم بي..))
ثم انتصب واقفًا يغادر الغرفة كلها تاركًا إياها في حيرة من أمرها ولم تجد أن تقول إلا لدارين التي كانت تتطلع للموقف
((عمك مَالك هذا غريب في اهتمامه بابن البستانية))
شمخت دارين بذقنها واعترضت
((وما شأنك أنتِ بمن يهتم؟ ألا يكفي تعذيبك لنورين المسكينة والآن تسلطين كيدك على عمي؟))
زعقت بها رتيل بصرامة
((تكلمي معي باحترام يا بنت حتى لا أشكوكِ لجدتك))
ضيَّقت دارين عينيها تقول بغيظ
((افعلي ما تريدين، من الأساس أنا أمسك عليكِ ممسك خطير))
مدت رتيل طرف لسانها لها بطفولية لا تناسب عمرها ومكانتها ثم تمتمت
((أي ممسك تمسكينه عليّ أيتها المشاكسة!))
ثم خرجت مبتعدة من الغرفة دون أن تعير كلام دارين أي اهتمام.. كالعادة!
.
.
بمجرد أن انتهى مَالك ويزيد من تناول وجبات الطعام التي طلبوها حتى خرجا من المطعم وعاد ليستقلا السيارة..
مال مَالك يثبت حزام أمان يزيد وهو يسأله بابتسامة
((إذن هل ستذهب لرحلة فصلك للمدرسة الأسبوع القادم؟))
رفع يزيد وجهه له بانتباه تام ثم قال بحماس
((نعم بالتأكيد سأذهب لها، فكل من في الفصل متحمسون لها منذ أسبوع))
لثّم مَالك جبينه بحنو وعبث بشعره الأسود المموج كشعره وهو يخبره بحماس مماثل لحماسه
((ممتاز، لنذهب الآن لمراكز التسوق ونشتري لكَ كل ما ستحتاجه للرحلة))
اتسعت ابتسامة يزيد لمجرد الفكرة وقال بصوته العذب الحماسي
((حقًا هل ستذهب معي لنشتري حاجيات الرحلة؟))
قاطع حوارهما تصاعد صوت رسائل لهاتف مَالك متتالية ففتحه مغمغمًا
((أوه إنها أمك المزعجة فجرت هاتفي برسائلها عن سبب تأخرنا، انتظر قليلًا سأخبرها بأننا سنذهب لشراء حاجبيات رحلتك))
لكن ما إن همّ أن يكتب شيء حتى علا رنين الهاتف فعقد حاجبيه يرد وكله مستغرب من اتصالها فهي تفضل دائمًا الرسائل بينهما
((نعم سمية، ماذا هناك؟))
وصله صوتها الحانق الذي لا يحمل من الرضا شيء
((عد أنتَ ويزيد للبيت لقد تأخر الوقت ولم يتناول غداءه بعد..))
قاطعها مَالك وهو ينظر ليزيد الذي أبدت ملامحه توتر وارتباك وقد تناهى صوت والدته المشوب بالغضب إلى أذنيه
((لا داعي للغداء فأنا بالفعل أكلت معه في إحدى مطاعمه المفضل، كما سنذهب بعد قليل لنشتري حاجيات رحلته))
خرج من سمية صوتًا محبطًا مستاءً قبل أن تقول له
((في الأمس اشترينا طعامًا جاهزًا من المطاعم فلماذا اشتريت له أيضًا اليوم؟ إنه صغير على تناول هذه الكميات من الطعام السريع! لماذا لم يخبرك بأنه فعل؟ أعطني يزيد الآن أريد أن أتحدث معه))
مال يزيد إلى مَالك متسائلًا بهمس وبراءة لا يتحمل أن يسمع تقريعا أو تأنيبا منها
((هل أمي غاضبة جدًّا؟))
فهم مَالك ما يفكر فيه فأمسك بكفه الصغيرة يطمئنه بينما يتحدث على الهاتف
((لقد أنهينا الطعام وخرجنا من المطعم فلا تضخمي الأمر من لا شيء))
كان صوت سمية رافضًا وقاطعًا وهي تأمره
((مَالك أريد منكما أن تعودا للبيت الآن، لأني لو تركت الأمر لك فستشتري له حاجيات تخص رجل مسافر إلى بلد آخر لا طفل صغير سيذهب لرحلة مدرسية لا يتجاوز وقتها نصف النهار))
ضغط مَالك على كف يزيد بلا وعي وكل تركيزه مع التي يحادثها ليقول بصرامة مشددا على كلماته
((سأشتري ما اشتريه له ولن اقبل اعتراض))
خرج زفير ضجر من سمية ثم اتبعته بكلامها وهي تقول
((الفكرة هي بأني لا أريدك أن تفسده دلالًا ولا أريد منه أن يعتاد على شراء كل ما يريده..))
تململت كف يزيد ألمًا فانتبه مَالك عليها وحررها ثم تابع القول
((ولأفسده دلالًا.. وماذا فيها؟ لماذا لا أعوض قلة الوقت الذي أقضيه معه بالماديات والكثير من اللُّعَبِ والهدايا؟ إذا كنت غير قادر على أن أهِبه الأمان النفسي فلماذا لا أقدر على تدليله بمالي؟))
في منتصف حديث مَالك خرج صوته منفعلًا غاضبًا وكأنه يلومها على كل شيء.. فردت عليّه سمية عندما انتهى بصلابة
((مَالك لا ترفع صوتك عليّ أنا لا اسمح لكَ..))
اغلق مَالك عينيه وهو يشعر تمامًا بإن رفضها وامتعاضها منه لا علاقة له بتدخله في أسلوب تربيتها ليزيد بل هو من أجل المعاندة والرفض فقط! لا تريد منه أن يتقرب من يزيد أو يقوم بواجبه تجاهه لظنها بأن يزيد ما هو إلا وسيلة من أجل الوصول لها..
فتح مَالك عينيه يطلق نفسًا حارًّا بالجمر المتطاير منهما دون أن يدرك.. ثم علا صوته عما سبق
((بالتأكيد لن تسمحي لي، أساسًا أنتِ سبب معاناتي، بل معناتنا جميعًا.. على كل حال لا وقت لدينا للمزيد من النقاش، سأذهب للتسوق مع يزيد وسنحاول أن نعود مبكرًا قبل غياب الشمس.. هذا كل ما عندي))
أغلق مَالك الخط في وجهها وأراح ظهره بالمقعد وهو يعيد رأسه للخلف لدقائق قبل أن يخرجه من شروده صوت يزيد يقول بحذر طفولي
((إذا كانت أمي لا تريد منّا أن نذهب فلا داعي لذهبانا، لا أريدها أن تغضب منّا))
لانت ملامح مَالك قليلًا متنفسًا بهدوء ثم أدار رأسه له يخبره
((لا تقلق يا يزيد، فمن يغضب بلا سبب سيرضى بنفسه))
قال يزيد بوجوم
((لكن أنا لا أريد أن أُحزن أمي..))
قاطعه مَالك بانفعال لم يظهره
((إذن هل تريد أن أحزن أنا؟))
افترقت شفتا يزيد بضيق قلبه وهو يشعر نفسه منقسم بين أكثر اثنين يحبهما.. إلا أنه قال برجاء خافت
((أرجوكَ يا عمي دعنا نعود للبيت وإلا ستغضب أمي))
هتف مَالك له بصوتٍ مثقل بالبرود والخواء
((لا تناديني عمي..))
احتارت ملامح يزيد بلا رد منه قبل أن يقول متوجسًا
((ولكن يا عمي مَالك أمي أخبرتني..))
انفلتت أعصاب مَالك وهو يزعق به
((ناديني بالدنيء.. بالحقير.. بالنذل.. لكن لا تناديني بعمي يا يزيد عندما نكون لوحدنا))
تقوست شفتا يزيد عابسًا لينكِّس رأسه ويقول مدافعًا
((أمي قالت لي أن أناديك هكذا))
مسح مَالك على جبهته حتى شعره ثم هز رأسه بقتامة ملامحه وقد شقّ كلام يزيد روحه وهشّم سعادته في هذا اليوم.. ثم غمغم بغضب مستعر
((أمي.. أمي.. أمي.. وماذا عني؟ هل أهون عليك أنا؟ ألا أعني لكَ شيء؟))
بدأت شفتاه ترتجفان وتنذران بالبكاء وهو يدمدم بصوتٍ متحشرج
((أريد أن أعود للبيت وحسب))
طالع مَالك الصغير أمامه وهو يشعر به يتسرب بسرعة مخيفة من بين أنامله كما فعلت أمه من قبل في الماضي بسبب سلبيته.. ليتضاعف بداخله شعور بالخسارة.. حتى أرخ التوتر جناحيه مع صمت تغلغل بين ذرات الهواء داخل السيارة..
فجأة شغّل مَالك محرك سيارته وقال معلنا
((حسنًا سنعد للبيت كما تريد يا يزيد، لكن ولن تذهب لتلك الرحلة))
رفع يزيد حاجبيه ليقول بتعجب عفوي
((لماذا؟ لقد وافقت أمي أن اذهب إليها!))
كلام الصغير الذي يظهر له أن السلطة بيد والدته جعل الغيظ يلتهمه فقال وهو يشد على ضروسه
((أنتَ تستهين بي يا يزيد))
أعاد يزيد سؤاله السابق مرة أخرى بصوتٍ مشوب بالقلق من فكرة عدم ذهابه
((ولكن لماذا لن أذهب إليها؟ ألن تسمح لفهد بالذهاب هو الآخر؟))
أجابه مَالك ببرود ونظره مصوب للطريق الذي يسير فيه أمامه
((لا أدري فهو له أبٌ مسؤول عنه، أما أنتَ فوالدتك ليست الوحيدة المسؤولة عنكَ بل أنا أيضًا))
استنكر يزيد وعينيه تتغرغران بالدموع
((لن تحرمني من الرحلة!))
التفت مَالك بجانبه لثانيتين يؤكد لنفسه بأن الصغير هو الآخر مصدر ألم له كما أمه.. ثم عاد ينظر للأمام وهو يقول بهدوء أجاده بينما يضمر حقيقة بؤس مشاعره
((بل سأفعل إذا كانت هذه الطريقة الوحيدة لتعترف بحقي ومسؤوليتي في حياتك كما أمك بالضبط! لم تقبل أن تخبرني في تلك المرة سبب بكائك الحقيقي، وتصل أن تتباعد عني بشكل متعمد))
أغمض يزيد عينيه يمنعهما من ذرف الدموع بينما اهتزاز صدره يُعلم ببكائه.. إلا أن قلب مَالك هدر بعزم له بألا يتأثر ببكائه ونفض الألم بجليد قلبه..
بمجرد أن وصلت السيارة أرضهم في القرية حتى ركنها بمصف عائلته ونظر ليزيد ليعطيه منديلًا لمسح أثار دموعه.. ثم فك حزام أمانه وحمل حقيبة ظهره المدرسية قائلًا
((هيا ترجل من السيارة))
خرج يزيد من السيارة وهو يمسح دموعه الصامتة التي لا تتوقف عن الانزلاق على وجنتيه المحمرتين.. فأحاط مَالك بذراعه كتف الصغير وهو يسير معه ليقفا أخيرا أمام منزل سمية..
سارعت سمية الإجابة ما إن طرق الباب.. بتلقائية أخفضت نظرها لابنها لتقول بلهفة وهي تنخفض الى مستواه
((لماذا تبكي يا يزيد؟))
قال مَالك بطوله الذي يشرف فيه عليهما
((لم اشتري له شيء، ولكني لن أسمح له بالذهاب للرحلة))
عادت سمية تقف في مكانها وتقول بتوجس
((لماذا لن تسمح له؟ هل يذهبون للرحلة لأماكن خطرة؟))
قال مَالك متجمد الملامح لها وبنبرة رجولية متجبرة
((بل فقط أنا لن أسمح له بالذهاب لأني لا أريد ذلك.. أريد أن أعلمه من هو المسؤول عنه ومن يتحكم في خياراته بعمره هذا))
جحظت عيناها ولوهلة شعرت بأنه يمازحها.. لكن لا تعابيره ولا نبرته كانت توحي بذلك.. فعقدت حاجبيها تقول باستهجان
((هل تمازحني يا مَالك؟ ما ذنب ابني الصغير لتفرغ به عقدك؟ أية سادية متواجدة بداخلك لتبكيه وتهدده بمنعه ما يحب لترضي نقصك! حتى في مراهقتك يا مَالك كنت أكثر رزانة وتعقلًا من حالك الآن))
شعر مَالك بها كمن توبخ طفلًا صغيرًا.. إلا أنه حافظ على جمود حاله وهو يخبرها بنبرة متسلطة خافتة
((مهما فعلتُ ومهما تصرفتُ ستبقى معاملتك ونظرتك لي كما هي.. لذا لن آبه لرأيك بعد الآن، وسأفعل ما أراه مناسبًا))
كتفت ذراعيها لتقول بجمود وثبات
((وما هو المناسب بجعل يزيد يحزن بهذا الشكل؟))
احتدت عيناه بشعور ألم غريب إلا أنه عاد يقول
((قلت بأنه لن يذهب للرحلة، وهذا الأمر سيستمر لو ظل يتعامل معي بهذا الجفاء المتعمد ويغفل عن حقي عليه!))
ردت عليه بنفس النبرة الثابتة التي تحمل حزمًا وأمرًا
((إياك أن تستقوي عليّ يا مَالك، أنا لستُ ضعيفة هنا حتى لا تعتبر لي وجود أو حق في تحديد ماذا يفعل وأين يذهب! سيذهب يزيد للرحلة))
شتت مَالك نظره بينها وبين الصغير.. إنه يدرك بأن يزيد في هذه السن يميز رمز السلطة الذي يمسك بزمام الأمور في محيطه.. وهو يرى الآن هذا الأمر متجمع بوالدته.. لذا عليه أن يثبت له العكس.. فقال بنبرة حاسمة.. باترة.. تحمل تحدٍ سافر
((هكذا ستجبرينني على فعل شيء كان عليّ فعله منذ زمن))
ازدردت ريقها وهي تفهم ما يقصده لتقول بتوتر
((لا تشبِّك الأمور ببعضها يا مَالك، ولا تتخذ الرحلة حجة لتدمر اتفاقنا!))
احتقان وجهها وكتمها لغضبها أعلمه أن أمره وصل لها وبأنها لن تخالف كلماته.. فرشقها بنظرات أخيرة متجهمة قبل أن يغادر مبتعدًا..
أغلقت سمية الباب عقب أن أدخلت يزيد للبيت وسألته بحيرة
((ماذا حدث يا يزيد؟ بماذا أغضبته؟))
عادت دموعه للانزلاق على وجنتيه وهو يقول بعتاب
((أنتِ السبب! ألم تخبريني ألا اقترب من منزل الحاج يعقوب ولا أركض باتجاهه عندما يعود من العمل وألا يتسوق لي حاجيات الرحلة؟))
رغم أن نظراته لها مزقت قلبها إلا أنها قالت
((نعم طلبت منكَ ذلك.. عليكَ أن تستمر بذلك حتى تتجنب سخط وغضب دار الحاج.. ومع الأيام سيتحسن كل شيء وسيختلف تعاملهم معكَ.. أعدك بذلك))
ازداد انعقاد حاجبي يزيد ضيقًا واستياءً وهو يتساءل
((والرحلة ألن أذهب إليها؟))
حدّقت سمية بعيني ولدها شديدتي السواد واللمعان من أثر البكاء.. ثم ردت بصوتٍ بائس.. مجهد
((لا أدري.. دعه يهدأ ثم سينسى أمر منعك))
تهدلت كتفي يزيد وهو يرفع يديه الصغيرتين ليدفن وجهه ويجهش في البكاء..
=============================
تقلب مَالك على فراشه بالليل دون قدرة على النوم وهو يتذكر
كل ما حدث بينه وبين يزيد من جهة، وسمية من جهة أخرى.. لقد تصرف اليوم بغباء بالغ وزاد الفجوة بينهم..
أرخى جفنيه وهو يشعر بنفس الشعور الذي تغلل إلى روحه قبل عِقد مضى عندما كانت سمية تنتظر عودته للمنزل لتعطيه دعوة زواجها من خطيبها الكريه آنذاك كامل..
قبل ما يزيد عن عِقد مضى..
كان عائدًا من أحد الأماكن مع شقيقه التؤام مَازن ويسير بخطواتٍ بطيئة شارد الذهن والنظر كعادته هذه الأيام..
التفت مَازن له يخبره بمرح متأصل به وبنبرة ذات معنى
((انظر للجميلة التي تنتظر عودتك منذ مدة))
لم يأبه مَالك لكلامه وظل يسير بنفس شروده وهو ينظر للأرض حتى استدعى أخيه انتباهه وهو يقول بينما يسارع خطواته للأمام
((أهلًا.. أهلًا يا سمية.. كيف حالك؟))
رفع مَالك رأسه ينظر أمامه متحفز الحواس ليجد أنها بالفعل سمية تقف عند بابهم الحديدي الضخم تتقدم منهما على استيحاء..
أدرك مَالك خطوات مَازن وأوقفه مكانه من كتفه بصلابة بينما يتقدم هو ليقف أمامها يقول لها بخشونة
((ماذا تفعلين هنا؟ من تنتظرين؟))
أجابته سمية بخفوت وهي تخفض عينيها
((أنا كنت أريد أن أسلمك دعوات زفافي))
كانت تتفهم غضبه وهي تظن بأنه لا زال حانقًا وساخطًا عليها لجرأتها في صفعه في ذلك اليوم أمام والده ورجال من وجهاء القرية!
لم يتحكم مَالك بنفسه وهو يخبرها بتعالي
((لماذا لم تعطيها لأمي وحسب؟))
قالت له بشيء من الخجل دون القدرة على أن تنظر لوجهه
((شعرت حقًا بأني أريد منحها لكَ بنفسي))
أطلق مَازن الذي كان يتابع المشهد صفيرًا مشاكسًا جعل مَالك يلف رأسه له بالخلف ويرشقه بنظرات محذرة..
انتبهت سمية على ما قالته بغير وعي وعلى وجود مَازن لتسارع بمحاولة إصلاح الموقف وتقول بينما تمد بطاقة أخرى باتجاه مَازن
((وهذه الدعوة لكَ يا مَازن أتمنى حقًا أن تأتي أنتَ الأخر))
أهداها مَازن بسمةً ودودةً ونظر بطارف عينه لأخيه بنظرة ذات مغزىً وهو يقول
((شكرًا لكِ يا سمية على تذكري، أنا ممتن على دعوتك هذه))
كزّ مَالك على أسنانه وسارع يأخذ بطاقة الدعوة من سمية بفظاظة ويمزقها لمئة قطعة يفرغ شيء من الغضب الكامن فيه وهو يقول بصوتٍ مخنوق
((أما أنا فلن أحضر لكن شكرًا على الدعوة))
أومأت سمية برأسها على مضض وهي تتفهم غضبه ولا تزال تظن أن سببه هو تلك الصفعة..
فليس مَالك الهادئ الرزين من يغضب بهذا الشكل بسهولة إلا لو تجاوز أحد خطوطه الحمراء الشحيحة.. تنهدت ببؤس ثم تمتمت بكلمات خافتة قبل أن تبعد عنهم
((أتمنى حقًا أن تحضر لو استطعت))
عاد مَالك لواقع حاله المرير وهو ينتهي من سرد أول مرة فقدها.. الأولى وحسب قبل أن تتبعها مرة أخرى..
اعتدل مَالك جالسًا وهو يمسك هاتفه ويكتب لها
"أخبري يزيد أن يذهب للرحلة ولا يلقي بالًا لكلامي السخيف قبل ساعات، وإياكِ أن تحرضيه عليّ أكثر من ذلك، فلدي حدود للاحتمال"
ظهرت له علامة وصول الرسالة لها وظهرت له علامة قراءتها لها.. إلا أنه لم يصله أي رد كامتنان منها على تراجعه عن قراره المجحف أو وعد منها ألا تضع في قلب يزيد شيء ضده.. كما توقع منها.. لكن هذا ما كان عليه فعله.. فحب يزيد لوالدته أمر فطري بما أنها أمه.. واحتياجه لها غريزي.. أما هو فحب يزيد له لن يكبر إلا بتعامله معه وبرصيد حبه وحنانه.. ومثل هذه العصبية والشدة معه قد تنفره منه..
=============================