تحميل رواية «قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة"» PDF
بقلم Hya Ssin
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام.. عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنْفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا.. فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا.. ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها.. مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟ انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء الت...
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وثمانون 83 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
سجن النساء.. مكتب مُعاذ..
دخلت شيرين مقيدة اليدين مكتب مُعاذ بعد أن طلبها برفقة الضابطة التي ألقت عليه التحية العسكرية..
حانت نظرة من شيرين نحوه لتراه يجلس خلف مكتبه بكامل هيئته العسكرية.. والنجوم تلمع على صدر وكتفي بدلته..
لم يمضِ الكثير والضابطة الواقفة لا يبدو أنها ستبارح المكان فصدح صوت مُعاذ بصوتٍ شق المكان سلطة وهيمنة
((غادري من هنا..))
هديره أربك الضابطة التي فقدت قناع هدوئها وانكشف عن رعب عميق طفا فوق ملامحها المضطربة.. ارتجفت أمام سطوة عينيه القاسيتين بنظرة ذات المغزى خطير أطاعته وغادرت الغرفة مسرعة..
أمسكت شيرين بيدها مرفق يدها الأخرى مغمغمه بخفوت
((أنتَ تخفيني وتجمد الدم في عروقي عندما أراك تتحدث مع أحد غيري وغير أم محمود))
مالت زاوية ثغره عن ابتسامة جانبية ثم قال
((ربما بعد سنوات طويلة بين المجرمين أصبحت فظا أي كلمة أقولها تخرج بحدة وبصوت مرتفع، لكن أنا أحاول قدر الإمكان خارج مكان العمل أن تكون نبرتي عادية))
ازدردت شيرين ريقها ثم صارحته
((لم يخطر على بالي يوما أنك داخل هذه الأسوار تكون شخصا مختلفا عن خارجها..))
نكست رأسها ولم تسمعه يرد بشيء وقبل أن يتصاعد توترها قالت
((قالت الضابطة أنك طلبتني، كانت تشعر بالرَّيبة عن سبب طلبك لي، أرجوك يا مُعاذ لا تكررها، من أجلك أنتَ، لأني اشعر أنك تلفت الأنظار لنفسك))
أومأ لها مُعاذ بشرود، كان حذرا للغابة ألا يلفت الأنظار لعلاقته بشيرين ولا يترك دليلا ضده فلا يتواجد معها بأماكن تحتوي كاميرات أو عند وجود أحد من الحراس وموظفي الأمن غير أم محمود.. لكنه لم ينذهل عندما أخبره رئيسه في عمله السابق أن شائعات وصلته عن اهتمامه بنزيله عنده وطلب منه توخي الحذر.. فهو يدرك وجود بعض المخبرين والجواسيس في السجن لصالح أخرين كمثال الضابطة التي جلبت شيرين إلى هنا..
لكن إذا كانت أخبار اهتمامه بنزيلة عنده تصل للكثير ممن يعملون خارج السجن فلماذا لا يصلهم تسيب العاملين هنا سواء في مناصب دنيوية أو كبيرة، وسوء استخدامهم للوظيفة وإهمالهم وتلقيهم الرشاوي!
تنهد مُعاذ مطمئنا نفسه بأنه حتى لو وجودوا أدلة ضده ملموسة فهو سيخرج من المأزق دون ضرر فهو الأخر ليس هينا وإلا لما نجحت صلاته ومحادثاته مع قاداته السابقين في بدء إجراءات إعادته للسجن الأول الذي كان يعمل به.. لكن مع ذلك سيكون هذا هو لقاؤه الأخير بشيرين هنا بالسجن، فما هي إلا أيام معدودة قبل نيلها الحرية، وقبل انتهاء إجراءات عودته لمكان عمله السابق.. وبعدها لكل حادث حديث..
انتشل نفسه من دوامات تفكيره وهو يخرج من حقيبة كيسًا يحتوي علبة ووضعها على الطاولة هادرا بصوتٍ رخيم دافئ
((ابنتي أصرت أن تعد الطعام لنا بالأمس لتريني مهارتها في الطبخ، فطلبتُ منها أن تضع قليلا من الذي أعدته بعلبة من أجلك، فبذلت جهدها في تزيينه كعربون صداقة بينكما، لا كرشوة منها حتى تقبلي الزواج من أبيها))
كان يتعمد أن يشددَّ من حروف كلماته الأخيرة فتوردت حتى اختفى وجهها في حمرةِ الخجل، كغروب طغى سماء آخر المساء، ثم غمغمت بصوتٍ مختنق مشنوق باليأس
((أي زواج هذا يا مُعاذ! موضوع زواجنا من البداية كان غير مناسب وفاشلا، فما بالك بعد كل ما حدث لي!))
قال مُعاذ بوضوح بنبضات قلب لا تهدأ
((لا يهمني ما يحدث، فأنا أقف أمام امرأة لم ينتهي إعجابي بها الذي بدأ قبل سنوات قبل وفاة والدها وحتى الآن، وأريد أن أكلل هذا الإعجاب بالزواج))
أشاحت بوجهها بعيدا عن تأثير عينيه هادرة
((أنا سبق وكنت مخطوبة لابن عمك ثم أصبحت زوجة له.. هذا بعيدا عن كوني خريجة سجون بغض النظر عن براءتي، لن يرحمك المجتمع لو تزوجت بامرأة مثلي))
وضع علبة الطعام أمامها ودعاها أن تجلس ثم عقب
((إذا كنت تقصدين مجتمع القرية فنحن سنعيش بعد الزواج بشقتي في المدينة، ثم ليكن بعلمك معظم وجاهات قريتنا باتوا يعرفون عن أمر زواجنا السابق وهم الآن أكثر من مشجعين لهذا الزواج))
تطلعت له متسائلة بقلق عارم
((هل أخبرهم أحد أخوالي عن مشروع زواجنا في الماضي؟ أعني أنا لا أريد أحدا من القرية أن يعلم بتفاصيل ما عشته مع وليد أو حتى أني دخلت السجن من الأساس!))
عقب مُعاذ على كلامها
((لا تقلقي، لا يعرف أحد بأمر السجن إلا وجهاء القرية وعائلتي))
تحشرج صوتها وهي تقول له بوجيعة
((بعيدا عن كل شيء أنت تستحق امرأة أفضل مني، ولا يمكن أن ينتهي بك الحال معي))
قال دون أن يبدِ عليه أي اهتمام برفضها
((لن أتحدث بموضوع الإقناع هذا لأنه ليس وقته الآن.. تناولي الآن من هذه الأطعمة لأني لن أسمح لك بمبارحة المكان قبل ذلك))
أخذ الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تتقدم ببطء وتجلس أمام علبة الطعام وتبدأ تناول الطعام منها.. فظل يطالعها بنظراته المتفحصة قبل أن يقول بصوتٍ ممزوج بالشجن
((عندما اشتد المرض على والدك، طلب أبي مني أن أزوره وأرى أحواله كتخفيف لذنب عائلة وليد في حقكم، فذهبت، وهناك رأيتك بوضوح لأول مرة، وبصراحة وقتها شعرت أنكِ لي، سميه حدسًا، سميه أي شيء، لكني أردتكِ من كل قلبي))
اتسعت عيناها مِمَّا يتفوه به والتمعت بتأثر من كلامه!
إذن كانت محقة تماما عندما ظنت أنه معجب بها، ولربما لو لم تقم بكل حماقة بعرض الزواج عليه وليس أي زواج بل زواج صوري مبتذل لكان هو من تقدم لها وبكامل إرادته وعمق رغبته!
هنا شعرت بقلبها يقرع بعنف.. لقد كان حقا معجبا بها وبكامل إرادته!
وجدت نفسها تتساءل برغبة أنثوية سخيفة تجتاحها.. ترى.. ماذا أحب بها على وجه الدقة!
لكن سرعان ما هزت رأسها بعنف تنفض تأثير هذه الأفكار السخيفة وعادت تأكل من العلبة مدعية عدم التركيز بما يقوله! إذ لم يعد شيئًا كما كان، وهو يستحق امرأة أفضل من هذه النزيلة التي أمامه.. لكن مُعاذ تابع كلامه يقول بنبرة خاصة
((والآن أنا لست مستعدًا ليتحطم فؤادي للمرة الثانية لذا سأقوم بأي شيء حتى أتمسك بكِ!))
ابتلعت بصعوبة اللقمة.. وشعرت بقلبها يدوي في صدرها! فهمست بارتجاف وهي تغمض عينيها
((أرجوك توقف يا مُعاذ عما تقوله، لا يليق بك أن تكون عاطفيا هنا!))
عاد يبتسم من إحساسه باضطرابها ليهدر بخشونة
((لماذا؟ لأني رجل؟ وهل الحب والمشاعر أمور خاصة بالنساء فقط؟ ألا يمكن لأي رجل أن يحمل مشاعر صادقة لامرأته؟))
أغلقت جفنيها بقوة بطريقة جعلته يسخر على مظهرها.. فقط لو تدري كيف يخضعه قلبه حتى في أكثر أيامه انشغالا وضيقا أن يكون بالقرب منها..
=============================
كان مَازن يحدق برهبة متضخم المشاعر في البلايستيشن خاصته الجديد الذي وصله بكل اهتمام وانشداه.. حتى غمغم بجدية وهو يستعد لتوديعها في مخبأها فوق الخزانة بحذر بالغ خوفا من أن يصيبها خدش
((لا أطيق صبرا أن أفتحها ليلا وأجربها))
تذمرت هدى بإلحاح وقد اشتاقت لمشاركة أبيها لعب البلايستيشن والانهزام هزيمة ساحقة على يده
((أبي أرجوك دعنا نجربها الآن، أريد تجربتها))
قال مَازن بحزم ملازم لأي أمر متعلق بالبلايستيشن
((لا يا هدهد سنفتحها ليلا بعد عودتي من العمل، حتى نلعب بها على راحتنا))
تبرمت شفتاها وقالت بخيبة أمل
((حسنا، سننتظر الليل حتى نفتحها))
ولم يكن تبرمها الطفولي يختلف شيئا عن ياسمين التي تجلس منزوية على سريرها تراقبهم بتجهم..
لقد عودّها مَازن من فترة قصيرة أن تتأقلم على إثارته لغيظها بلمساته وقبلاته ونظراته والآن كل هذا اختفى فجأة عندما عرف أنها في حضرة تلك الأيام! فلم يعد يصدعها بمشاكساته ولا ثرثرته إلى حد النجاح في أن يخرجها عن طورها!
أغمضت عينيها شاعرة أنها أكثر حساسية وعاطفية أكثر من أي وقت مضى.. إذ أنه لطالما يتصرف ببرود وانزواء معها في هذه الأيام الشهرية عندما لا تكون عندها مصلحة له.. فلماذا تشعر الآن بإهانة وبإنه يجرحها ببروده وابتعاده عنها بدلا من الراحة كالسابق؟
هزَّت ياسمين رأسها تنفض الاستنتاج الذي قفز لعقلها ثم وضعت كف يديها الاثنتين أسفل بطنها عندما ازدادت التقلصات داخلها تتأوه بألم.. فانتبه مَازن لها رغم أنها كانت تتألم فعلا ولم تكن تقصد إثارة انتباهه..
رقت ملامحه ثم تقدم منها.. وأمسك يدها بنعومة.. فأحست فجأة برجفة الفرح في قلبها وخفقت أنفاسها بينما تسمعه يقول
((كنت أفكر أن نخرج أنا وأنتِ وهدهد للخارج لتناول الطعام ولكن سنؤجله ليوم آخر))
قطبت حاجبيها وسألته بصوتٍ واجم
((لماذا ستؤجله؟ لنخرج الآن، أنا لا أشعر بالألم كثيرًا))
عقب مَازن بعفوية
((لكن تبدين متعبة أكثر من أن تستطيعي التحرك))
تحَّلت ياسمين بالهدوء وقالت وهي تبعد الغطاء عنها
((لا بأس، الخروج سيكون جيدا لنفسيتي في هذا الوقت، سأذهب لأرتدي ملابس الخروج الآن))
انفرجت زاوية فمه بابتسامة يناكفها
((ألهذه الدرجة تحبين الطعام! من يرى العظام بارزة من وجهك يظن أنك تعيشين بمجاعة!))
كان حاجبيه قد بدآ يتراقصان متعمدا التهكم عليها فشعرت بالغيظ منه حتى أحست برغبة عارمة بالبكاء.. لولا أن أغمضت عينيها فجأة تتأوه
((أنا أتألم، يا إلهي..))
ربت بلطف فوق شعرها وقال منتشلا هاتفه
((حسنا يا ياسو الحبيبة سأطلب لنا شيئا على ذوقك من المطعم وسنخرج في وقت لاحق، أو ما رأيك ننتظر حتى العشاء عندما يعود مَالك من مباراته لأطلب لنا جميعا مرة واحدة ونأكل سويا.. هل تستطيعين الانتظار أم قد يدفعك الجوع إلى أكلى!))
احتقن وجهها بالغضب وهي تراه مصرًا على جعلها مادة لسخريته فعاد يعقب قائلا
((انظري لعبوسك! يبدو أن عليّ أن اطلب لك حالا قبل أن تأكليني أنا وهدى))
تفاقم احتقان وجهها ولم تعد تطيق الاستماع للمزيد منه فألمها البدني من الداخل يكفيها! هادرة بنبرة مشحونة
((فقط غادر من أمامي قبل أن التهمك حقا يا قمر الدين))
ضحك مَازن على حنقها الطريف لكنه لاحظ أنه تجاوز حدوده معها فجلس بجانبها ومرر سبابته على وجنتها هادرا يراضيها
((ياسو.. ياسو يا لوح الثلج هل غضبتي؟ لقد كنت أمزح))
تسلقت هدى السرير وجلست بجوار أمها تقول بدفاعية
((لقد كان يمزح معك يا أمي، لماذا أنتِ حساسة هكذا))
جحظت عينا ياسمين لا تصدق أن ابنتها الآن قد أصبحت بصف أبيها ضدها! لقد تغيرت هدى كثيرا.. تحشرج صوتها وهي تقول
((فقط غادر يا مَازن من هنا))
حرك مَازن وجهه بإحباط ظاهري ثم قال
((حسنا سأذهب لوالديّ وأرى إذا كانا يحبان مشاركتنا الطعام من الخارج!))
تغضَّن وجه ياسمين بالضيق وهي تراه يغادر، ولكن تحاملت على ألمها وغيرت ملابسها لتلحقه..
.
.
في غرفة المعيشة..
جلست ياسمين بجانب حماها بينما وقف مَازن أمام أبيه يقول
((حسنا ها قد طلبت الطعام لكم، قد يتأخر التوصيل لنصف الساعة حتى يصل لقريتنا، المهم يا أبي أعطيني المال لأدفعه لمندوب التوصيل، وضف له ثمن بقشيش فعملي كمندوب جعلني أدرك أهمية البقشيش لهم))
ضيق يعقوب عينيه وقال بنبرة يشوبها السخط
((لماذا لم أعد أراك تذهب لعملك؟))
أشار مَازن بيده لنفسه وقال بتأكيد
((أنا أعمل يا أبي بانتظام، ولكن فقط ساعتين في اليوم))
تدلى فك يعقوب ثم تمتم باستنكار
((ساعتين!؟ ساعتين فقط تعمل في اليوم!؟ هل تسمي هذا عملا يا مَازن!؟))
وجد نفسه يلوح له بيده بازدراء أن يبتعد عن وجهه وقد فقد الأمل منه..
انزعجت ملامح مَازن.. حتى عندما بدأ يعمل لا يجد أيَّ رضا يظهر على وجه والده منه.. نأى بوجهه بعيدا ثم استغرب من انشغال أمه بتقليب شاشة هاتفها، جلس بجانبها ومال برأسه يشاركها النظر ليلفه الذهول مغمغما
((أمي هل تنظرين لصور فتيات! من هنّ؟ أريني إيًّاهم))
تحفزت حواس ياسمين لما يتفوه به وانتبه مَازن لذلك فانفرجت عنه ابتسامة صغيرة لكنه أدعى عدم الانتباه..
أبعدت زاهية هاتفها عنه وزجرته بغضب
((اهدأ يا مَازن، أنا أنظر لصور فتيات مناسبات للزواج من مُعاذ، طلب مني منذ ما يقل عن سنة أن أبحث له عن عروس ولكن مشاغلكم أخرتني بالبحث، وها قد أرسلت لي إحدى خاطبات القرية صور لفتيات مثل الورود))
عادت زاهية تنظر للصورة وكلها حنق على نفسها..
ليتها مؤخرا فكرت في البحث عن عروس لمُعاذ بدلا من تضييع الوقت في البحث لمُؤيد!
عاد مَازن يلح عليها بعبثه المعهود ليثير استفزاز زوجته
((أريني على الأقل صور الفتيات لأساعدك في الاختيار))
كان يعقوب تالف الأعصاب من ابنه يحث نفسه بقوة على عدم التعليق على طلبه قليل الحياء فلا فائدة ترجى من تقويمه.. إلا أنه لم يقدر أن يكتم كلماته طويلا وصرخ عليه موبخا
((أيها النذل هذه الصور أرسلتها الخاطبة أمانة لأمك كيف تريد منها أن تعرض صور البنات عليك! هل ترضى لو كان لديك أخوات أن يحدق أحد في صورهنَّ!))
استنكر مَازن غضب والده هادرًا
((أبي، لقد فهمتني بشكل خاطئ، أنا أيضًا أريد أن أتزوج مرة أخرى ولهذا أريد أن أنظر إلى صور الفتيات))
هتفت زاهية بجدية ممزوجة بالامتعاض بابنها
((ابتعد يا مَازن!))
استغرب مَازن عدوانية أمه عليه وشعر أنها حقا غاضبة ولا تتحمل أي مزاح منه إلا أنه غمغم مُدعيا البراءة
((أي مزاح! هل هذا شكل أحد يمزح! ثم أنا..))
لم يكمل مَازن جملته حتى شهق بصدمة بينما ينتفض واقفا.. لا يستوعب متى اندفعت ياسمين نحوه وألقت على وجهه بماء الكأس..
اكتسحته الصدمة وطالعها بوجهه المبلل باستهجان
((ما بك؟ هل جننتِ؟))
تدخلت والدته تقول وقد ضاق ذرعها من إهانات وعدم احترام ياسمين المتكررة لابنها
((ما هذا الذي فعلتيه! تحلي ببعض الخجل أمامنا!))
حانت نظرة من ياسمين على والديّ مَازن الاثنين وشعرت أنهما ساخطان عليها أيما سخط.. لم تتجرأ يوما أن تفعل شيء لمَازن أمام أحد أفراد عائلته.. على الأقل متعمدة.. لكن ألم وتقلصات معدتها بالإضافة للهفة مَازن للنظر إلى صور النساء أفقدت أي صواب متبقي فيها فانفلتت أعصابها مقررة إحراجه كما أحرجها..
كان لا يزال كل من في غرفة المعيشة يطالعونها بتجهم فهتفت بغضب غير مسبوق لها أمامهم وهي تندفع مهرولة تهرب من المشهد
((بل هو يستحق أكثر من ذلك))
كان مَازن لا زال مذهولا من تصرفها الوقح عندما لكزت أمه كتفه مغمغمه بغيظ
((وتقول لي أنك تريد الزواج مرة أخرى يا خائب! هل أنتَ قادر على واحدة لتقدر على اثنتين))
.
.
دخلت ياسمين ودموعها تنحدر على وجنتيها جناحها.. لم يكن عليها أن تفعل ما فعلته.. مجددا لقد صدمت وخيبت ظن حماها الذي كان يقف معها دائما ويساندها..
توسدت سريرها بعنف وهي تهتف بضيق
((تبا لك يا مَازن، لماذا اقتحمت حياتي بهذا الشكل!؟))
إنها تعرف وموقنة أنه لا يحبها وربما يودها فقط لأنها الأنثى الوحيدة المتاحة أمامه لتدفئة فراشه! وربما لو كان يعمل عملا حقيقيا ويمتلك راتبا كافيا لم يكن ليتحملها منذ أول يوم عاد فيه إلى هنا وسارع في الزواج من امرأة تناسب أسلوب حياته وشخصيته!
فهي امرأة بهمسات جافه.. ولمسات باردة.. حتـى وجهها النحيل غدى شاحب وبلا حيوية.. وجسدها هزيل لا يسري الإثارة في رجولته.. هي باختصار كالعجوز ظاهرا وباطنا..
أطلقت ياسمين أنفاسا تكتمها.. إذا كانت تعرف هذا كله فما الذي طرأ على قلبها وجعله يميل له ويتمنى وده بل وحبه! بل حتى أنها تتعمد بشكل يائس ومثير للشفقة أن تسرح شعرها وتجعله يبدو أكثر إشراقا أمامه، وبدأت تخرج من جناحها كاندماج متأخر مع عائلته من أجل الحوز على رضا قمر الدين خاصتها!
بينما ياسمين غارقة تماما بإحباطها وقهرها صرخت مُجفلة على صوت ارتطام شيء على الأرض.. هرعت من مكانها نحو ابنتها التي لم تكن منتبهة على وجودها هنا من الأصل لتتساءل بفزع
((ما هذا يا هدى! ما الذي تفعلينه؟ هل أنتِ بخير؟))
خوفا من أن يكون قد أصابها مكروه كانت تتفقد بقلق لهف كل إنش من هدى الواقفة على وسائد فوق الكرسي ومنكمشة على نفسها..
رفعت هدى وجهها لأمها تقول بصوتٍ مرتعش
((لقد خفت أن يقع الصندوق عليّ!))
اندهشت ياسمين ونظرت أرضا حيث جهاز البلايستيشن الخاص بمَازن وعرفت أن الصوت كان بسبب تحطمه على الأرض!
تطلعت الى الوسائد المتراصة فوق بعضها البعض فوق الكرسي، ففهمت أن أبنتها كانت تزيد في ارتفاعها تحاول الوصول لجهاز البلايستيشن.. فهتفت بها موبخه
((لا تكرري هذا! كان يمكن أن يحدث لك شيء!))
تقوست شفتا هدى للأسفل بذنب ثم هبطت عن الكرسي وأمسكت أجزاءً من الجهاز المحطم متسائلة
((ما الذي حدث له؟ هل كُسر؟))
زفرت ياسمين وقالت بغضب مستنكرة
((نعم فقد كسرتيه يا هدى! وكيف لا يُكسر بعد أن يقع من علو مترين!))
غامت مقلتا هدى بالدموع الحارقة وقالت لأمها والخوف يقتات على قلبها الصغير
((سيحزن أبي لو عرف أنى كسرته))
عضت ياسمين شفتيها ثم تمتمت باقتضاب
((سيحزن فقط! بل سيؤودك في التراب يا ابنة أبيكِ))
جلست هدى على الأرض وانفجرت ببكاء حار على ما تسببت فيه.. وخافقها الغض الصغير لا يتحمل حزن أو غضب والدها عليها لو عرف أنها حطمت جهازه مرة ثانية..
تنهدت ياسمين ببؤس.. ثم جلست بجانب ابنتها تحضنها وهي تراها تبكي بكل هذه الحرقة لتهدهدا
((يكفي يا حبيبتي، لا تبكي، أهم شيء أن تكوني أنتِ بخير ولا يصيبك أي مكروه))
خفت نحيب هدى قليلا لتقول برجاء متوسل
((لكن لا تخبري أبي أني من كسرته، وحاولي أن تصلحيه قبل أن يأتي إلى هنا))
عقدت ياسمين حاجبيها ثم اعترضت برفق
((لا يمكن إصلاحه، ثم هو سيعرف في النهاية))
لوحت هدى يديها وهي تقول بإصرار
((لا.. لا لن يعرف، فقط لا تخبريه))
عاد بكاؤها يزداد.. فتمزق قلب ياسمين عليها وشددَّت من ضمها متمتمه بحنو
((لا تبكي حبيبتي))
ظلت على هذا الوضع لدقائق حتى خفت تماما بكاء هدى واسترخت في أحضانها..
فتح مَازن الباب فجأة بعنف وبملامح غير مبشرة لتجفل ياسمين مرددة ((مَازن.. !؟))
استحال وجه مَازن الغاضب إلى آخر مصدوم وباهت عندما وقع بصره على الأرض ليهتف بفجيعة كأنه فقد أحدا يخصه
((البلايستيشن خاصتي!؟ ماذا حدث له!؟ من قد يفعل به مثل هذا الأمر المريع!))
جثا مَازن أمام قطع البلايستيشن خاصته بملامح منهارة ثم ناظر ياسمين يقول بلوعة
((ماذا فعلت لك آيتها اللئيمة لتكسريه!؟))
توترت ياسمين لكنها ادعت البرود وهي تقول
((لم أكسره أنا))
خرج صوته عاصفا وهو يصرخ
((من كسره إذن؟ أمي أم أبي؟))
أخذ الخوف كل مأخذ بياسمين وفي هذه اللحظة عادت هدى تغمر وجهها بيديها بنحيب عالي شاعرة أن أمها ستبوح بالحقيقة له..
هتف مَازن وهو يشير إليها بملامح معذبة
((ابنتي الصغيرة متعاطفة معي أكثر منك يا لوح الثلج!))
تصلب فك ياسمين قبل أن تقول بحنق
((إنه مجرد جهاز للعب! لا تصرخ عليّ من أجله!))
نفرت العروق الزرقاء في رقبته ليصيح بعصبية
((أنتِ تعرفين أنه ليس مجرد لعبة بالنسبة لي وتعرفين أني لن أستطيع بسهولة شراء غيره من نقود عملي!))
بصعوبة أخفت رجفتها منه وأنبته وهي تناظر باب جناحهم الذي لا زال مفتوحا
((اهدأ قد يسمعنا أحد في الخارج))
هدوءها الظاهري تسبب بتفجير أعصابه التي كانت كقنبلة موقوتة فواصل صراخه الارتفاع وهو يستقيم
((لن أفعل أنا ما عدت أستطيع العيش مع امرأة معدومة المشاعر مثلك، تقتنص الفرص حتى تجعل حياتي أسوء، لذا الحل بيننا هو الطلاق لإنهاء معاناتنا نحن الاثنين))
جذبت أنفاسها كأنه طعنها بذكر مسألة الطلاق مجددا، ولأمر بتفاهة البلايستيشن.. وانسكبت الإهانة والألم في ملامحها.. فغمغمت بصوتٍ مثقل ((يكفي يا مَازن..))
لم يرد عليها وظل يتنفس بانفعال مكانه وبدا مظهره مرعبًا ومتوحشا خاصة وهو يخيم عليها بطوله.. محتقن الوجه انفعالا وشديد الاحمرار.. العروق في صدغيّه بارزتان.. حتى عيناه غامتا بظلامية.. قبل أن يبتعد عنها ويخرج غطاء سميك مما جعلها تسأله بخوف يجتاحها
((إلى أين ستذهب؟))
أجاب بصراخ عالي متقد بالغضب
((سأذهب لأبيت في أي مكان آخر خارج هذا الجحيم.. وتأكدي أنها مسألة وقت قبل أن يحصل بيننا الطلاق.. هل تفهمين!))
لمعت دموع أسية في عينيها مما جعله يلتفت لها ويردف بقسوة
((لم يعد هناك ما يمنعني من طلاقك بعد أن صار بمقدورك العودة لبيت عائلتك عند شقيقك، لذلك أصلحي علاقتك معه فهو آخر ما تبقى لك..))
غادر المكان بخطوات نارية وصفق الباب خلفه بقوة فأبعدت هدى وجهها عن يديها متسائلة بذعر طفولي
((ماذا يعني طلاق؟ هل هو الانفصال؟))
سمحت ياسمين لدموعها بالهطول وأجابت ابنتها
((نعم سيطلقني لأنك رفضتِ أن أخبره الحقيقة))
=============================
في سجن النساء..
العنبر الذي تتواجد فيه شيرين ناظرت رفيقتها المخضرمة في الزنزانة متسائلة
((غريب ما الذي يحدث اليوم؟ يبدو معظم عناصر أمن السجن مشغولين))
تطلعت لها رفيقتها لتجيب
((يقال بأن مدير السجن سيقوم بجولة تفقدية برفقة هيئة التحقيق والادعاء العام ممثلة في دائرة الرقابة على السجون))
رفعت شيرين حاجبيها تقول بذهول
((حقا؟ هذا رائع، رغم أني سأخرج بعد أيام، لكن سأقر أمامه بكل ما نعانيه هنا لعلَّ الحال يتغير من بعدنا))
أصدرت رفيقتها صوتا ساخرا متهكمة
((كم أنتِ ساذجة يا شيرين!))
انزعجت ملامح شيرين ولم تفهم ما ترمي إليه وقبل أن تسألها فُتحت نافذة الباب الفولاذي وهتفت الحارسة عاليا
((أين هي شيرين؟))
تحفزت شيرين مكانها وقامت باتجاه الحارسة التي بدا شكلها غير مألوف لها فقطبت الأخرى حاجبيها قبل أن تضع الأصفاد حول يديها بخشونة لتسألها للأخرى
((أين تأخذيني؟))
صرخت الحارسة بها بفظاظة
((لا تسألي ونفذي الأوامر فقط))
.
.
في الجناح الجديد في السجن..
وفي العنبر الذي تم وضع شيرين فيه.. اتكأت على الحائط تريح ظهرها وقد عرفت أنه على خلفية بناء جناح جديد في السجن سيأتي وفد من المجتمع المدني لزيارة السجن بدعوة من المنسق الحكومي لحقوق الإنسان وبرفقة هيئة التحقيق والادعاء العام، وقادة السجن ومن مختلف الأجهزة الأمنية يقومون بأخذهم في جولة تفقدية في مرافق الجناح..
لم يكن متواجدًا في هذا الجناح الجديد غيرها هي ونزيلات أخريات تم اختيارهن بعناية فائقة فضلا عن وجود بعض عناصر الأجهزة الأمنية يلعبن دور "النزيلات"..
كانوا جميعا يتمشون في المكان بطابور ويلقون النظرات على الغرف والمراحيض حتى وصلوا للعنبر الذي تجلس فيه..
دخل مدير السجن بكامل هيئته العسكرية والنجوم التي تلمع على بدلته المرتبة العنبر فوقفت جميع النزيلات..
قام المدير بشد عضلات عنقه وظهره إلى الوراء بينما يقول لرئيس الوفد
((كما ترى حضرتك، عمليات التطوير داخل سجوننا لا تنتهي وذاك وفق حرص الدولة والقيادة في تطوير بيئة السجن ومهاجع السجناء))
أضاف نائب المدير الواقف إلى جواره بالهيئة المشابهة له لكن بنجوم أقل
((ولا يخفى على حضرتكم أن سجننا وما يقدمه للنزيلات من خدمات ومراعاة حقوقهن حاصل على الرضا التام من الجهات الحقوقية وهم في زيارات مستمرة إلى هنا))
أظهر رئيس الوفد وباقي أعضاؤه الإعجاب بكلامه! ثم تساءلوا أسئلة عادية عن عدد العنابر في السجن وطاقاتها الاستيعابية وأسماء الضباط المسؤولين عنها..
أخيرا توجه رئيس الوفد إلى النزيلات وبدأ يسألهنَّ ويجبنه أجوبة نموذجية حتى قالت إحداهن مشيدة
((الضابط المسؤول عن عنبرنا ومساعدوه يعاملوننا أفضل معاملة بل ويوضحون لنا حقوقنا وواجباتنا هنا، وكل أسبوعين لهم جلسة معنا للاستماع لمطالبنا، فيما تؤخذ يوميًا الشكاوى وتدرس في وقتها ويتخذ عليها القرار المناسب))
أسرت الصدمة شيرين! فهذه النزيلة والتي عرفت أنها في الأصل أحد عناصر الأمن بلباسها ناصع البياض والمُفصل جيدا على قياسها لعبت هذا الدور باستماته حيث لم يبقَ لها إلا أن تصور أن النزيلات هنا يعشن ويتنعمن في فردوس "مركز الإصلاح والتأهيل"!
جفلت فجأة شيرين عندما وجه رئيس الوفد انتباهه لها مبتسما
((وأنتِ أيتها النزيلة العابسة؟ هل عندك أي ملاحظات؟))
حانت نظرة من شيرين نحو مُعاذ الذي كان واقفا بالطابور الخاص بقادة السجن ثم عادت تنظر للرجل وتجيبه بتشفي
((الحقيقة بعد تجربتي في هذا السجن أنا مستعدة أن أتنازل وأقبل "حقوق الحيوان" في التعامل معي في الأيام الباقية لي هنا، فالمعاملة هنا لا ترقى أن تكون ضمن منظومة "حقوق الإنسان"، التي تفتخر بلادنا أنها من أكثر الدول المطبقة لها..))
انسحبت ألوان وجوه كل الواقفين لإجابتها الغير متوقعة حتى أن رئيس الوفد اضطربت ملامحه ثم قال بتوتر
((عجيب أمرك، لم يشتكِ أحد هنا من النزيلات غيرك، لذا وضعك شاذ، أو ربما كيدي أو انتقام من المسؤولين.. ما رأيكم يا رجال؟))
كان ينظر رئيس الوفد على عناصر أمن السجن في نهاية جملته منتظرا موافقة منهم فصدح صوت مُعاذ هاتفا بنبرة مميزة
((لم تكذب يا سيدي فيما تقوله، بل الحقيقة أن أي مواطن يتم توقيفه تحت طائلة أية قضية، وما أكثر أسباب التوقيف في بلادنا، يجبر على توديع إنسانيته على بوابة سجوننا والتي نصر على تسميتها مراكز الإصلاح والتأهيل..))
جحظت عينا مدير السجن حتى كادتا أن تخرجا من محجريهما سخطا على مُعاذ حتى أنه فكر في إعاقة طلب نقله لمكان عمله السابق لكن الآخر لم يبالِ وظل على ثبات كلامه دون أن يرف له جفن.. فاكتفى أن يتوعده ألا يتساهل معه بموضوع مقابلته نزيلته المفضلة أو ترك له أي حرية بالقيام بأي إصلاحات هنا بعد الآن..
=============================
في غرفة المعيشة..
حانت نظرة من الحاج يعقوب إلى ابنه المتمدد بكآبة على الأريكة بطارف عينه ثم أغلق التلفاز وسأله بهدوء
((غريب أمرك يا مَازن، ألاحظ منذ يومين أنك تعمل بجد في عملك بل لوقت يصل للعشر ساعات، ما الذي غيَّرك هكذا؟))
تنَّهد مَازن ببؤس ثم أجابه بصوتٍ لا حياة فيه
((لم أعد أملك أي بلايستيشن يا أبي.. وأخجل من الخروج مع أصدقائي بلا مال كافٍ أملكه))
همهم يعقوب بتفكير ثم قال وهو يخرج محفظته من جيب دشداشته
((رغم أن ظني يا مَازن أن التزامك في العمل هذا ما هو إلا شيء مؤقت، لكن سأعطيك المال كنوع من التحفيز لك لعله يثمر معك ويشجعك على الاستمرار))
انتفض مَازن جالسا على الأريكة كأن الحياة دبت فيه فجأة وأشرق وجهه متسائلا وهو يتناول النقود من والده ويجرب نعومة ملمسها
((حقا يا أبي شكرا لك.. ما أجمل المال.. ربَّاه متى آخر مرة رأيت ورقة نقدية بهذه القيمة!))
تناول المال الكثير من والده يعده بحماس عندما قال والده بصوتٍ وقور
((رغم أني يا مَازن عندما أضع أحدا موضع اختبار لا أُعلمه به، حتى أراقب تصرفاته العفوية وأحكم من منطلق ما رأيت، لكن سأخبرك أنتَ خصيصا أني أضعك الآن في اختبار.. لعلَّ وعسى تنجح فيه، لعلَّ وعسى))
توقف مَازن عما يقوم به وتساءل بعدم فهم
((ماذا تقصد يا أبي؟))
قال يعقوب بتروي وتحذير
((أقصد أنى سأرى الآن طريقة إنفاقك هذا المال، هل ستضعه مع المال الذي تكسبه من عملك لشراء أحدث أجهزة البلايستيشن أم ستذهب لزوجتك وابنتك وتسألهما ما ينقصهما ويحتاجان إليه، فأنا توقفت عن إعطائهما أي مصروف))
انطفأ الحماس في عيني مَازن بإحباط لكنه هزّ رأسه متفهما كلام أبيه الذي غادر الغرفة.. أخرج غطاءه ووسادته ثم توجه لغرفة الضيوف التي أضحى يمكث فيها ليلا.. وبينما يتوسد الكنبة يحاول النوم فُتح الباب عليه بعد طرقات سريعة لتخرج والدته متسائلة باقتضاب
((هل ستنام يا مَازن في غرفة الضيوف اليوم أيضًا؟))
قطب مَازن حاجبيه وقال
((نعم يا أمي ولكن احذري أن يعلم أبي أو أيَّ أحد آخر في البيت))
كتفت زاهية ذراعيها وقالت باستياء
((يمكن أن أخفي أمر نومك هنا لأسبوع أو اثنين لكن ليس أكثر من ذلك أو الأحرى الى متى؟))
نكس مَازن نظره ولم يعرف بماذا يجيب أمه فتأست ملامحها بحزن عليه ثم اقتربت لتجلس بجانبه وتسأله بحنو وهي تحاوط كفه
((هل أنتَ متعب يا قمر الدين؟ منذ شجارك مع لوح الثلج وتحطم البلايستيشن وأنتَ تعمل ساعات أكثر وتعود منهكًا ومستنزفًا..))
أخذ نفسا طويلا قبل أن يريح رأسه فوق حجرها.. ثم رفع يدها لفمه يلثمها وهو يقول
((نعم يا أمي متعب جدًّا، تخيلي أني بت أتمنى العودة للخارج ودراسة أي شيء، فالدراسة أرحم من التعامل مع عمل مرهق وزوجة أكثر إرهاقا))
أغلق مَازن جفنيه يغرق تدريجيا في سبات عميق من شدة تعبه من العمل، وما إن شعرت زاهية بانتظام أنفاسه حتى غادرت الغرفة بعدما دثرته جيدا..
عندما كانت تسير بطريقها لجناحها مرت من أمام غرفة ياسمين التي كان بابها مفتوح ومضاءة كليَّا بالداخل..
طرقت الباب عليها وما إن وصلها ردها إيجابا بالدخول حتى ولجت وهي تحدق بوجهها الذابل وعرفت أنها كانت تبكي فوجدت نفسها تسألها
((مالِ الحزن يعصرك يا لوح الثلج؟ ما الذي حدث بينك وبين مَازن حتى يقرر ألا ينام هنا))
رفت ياسمين بجفنيها الحارقين ثم تململت بيأس ورفعت وجهها لحماتها هادرة بكبرياء نازف
((قال بأننا سنتطلق))
امتعضت زاهية وهي تقول
((ولماذا؟ هل مثلا استيقظتما من النوم وقررتما الطلاق فجأة؟))
آست ملامح ياسمين أكثر فعادت تتساءل
((إذا لم تكوني تريدين الطلاق اذهبي وأقنعيه أن يعدل عنه، لا أن تندبي حظك هنا بالغرفة))
هزَّت ياسمين وجهها برفض وقالت
((لا، مستحيل أن أقنعه بالعدول، كرامتي تأبى))
رفعت زاهية ذقنها وقالت بحزم
((إذا لا تتأسفي عندما ينطقها، رأيته قبل قليل وبدا لا يطيق الصبر حتى يفعل ذلك))
خنقتها العبرة وهي تسألها مستنكرة بضعف أنثوي
((هل يمكن أن يفعلها حقا ويفرط بي؟))
ردَّت عليها حماتها بتلقائية
((ولما لا يفعلها وكل ما تقومين به يدفعه لذلك دفعًا!))
ترددت ياسمين قبل أن تتوسل وعيناها تغيمان بالألم
((ألا يمكن أن تتدخلي يا عمتي وتحاولي التحدث له ليعدل عن قراره؟))
نأت زاهية بوجهها بعيدا وقالت ببرود وقسوة
((لا لن أفعل.. فقد وعى على نفسه أخيرا، سأسانده بأي قرار يقدم عليه))
وقبل أن تغادر رمتها بنظرات جامدة وهي تخبرها
((ألغى كبريائك بينكما، واذهبي لابني الآن وجاهدي معه بنية الإصلاح بينكما.. ترفقي معه وتتدللي وتعقلي.. هل يجب أن أعلمك كل هذا!))
غمغمت ياسمين بعذاب وأسى عقب تنهيدة عميقة خرجت من أعماقها
((حسنا لكن ليس الآن.. ربما بالغد))
هتفت بها زاهية بغضب لعلها تحفز لوح الثلج داخلها
((أو ربما بعد الطلاق))
ثم صفقت الباب خلفها ممـا جـعـل دمعات حـارة تنساب بتأثر على وجنتي ياسمين..
=============================
بيت مُؤيد..
توغل مُؤيد منزله يتكئ على عكازه بيد وباليد الأخرى يمسك أكياسا من البقالة.. جلس على الأريكة في الصالة ثم مال هادرا نحو ولديه المنهمكيْن بالدراسة وهو يخرج ما في الأكياس
((لقد ذهبت لشراء الحلوى لك أنتَ وفهد، لو قبلتما أن تذهبا معي للبقالة لكنت تأكدت من أني اشتريت ما تفضلانه))
تطلع فهد بتجَّهم طفولي لوالده الذي تحولت معاملته معهم بشكل ملحوظ مؤخرا فلا يترك فرصة إلا وذهب لشراء الحلوى.. لكنه هتف فيه بحدة
((أبي أخبرناك ألا تحضر شيئا، لقد اشتريت لنا ما يكفي من الحلوى لوقت طويل))
عقب باسم موافقا أخيه
((قد تتسوس أسناننا يا أبي إن أكثرنا منها، سأضعها بالثلاجة بجانب أطنان الحلوى التي أحضرتها سابقا))
ثم عاد الولدين للاهتمام بواجباتهما المدرسية، فرفرف مُؤيد بعينيه يستوعب أن ولديه قاما بإحراجه ورفض ما يقدمه لهما بغية استمالتهما إليه بل من أجل الحصول ولو على جزء يسير من حبهما واهتمامهما بوالدتهما..
كل يوم يعود من البقالة متوقعا أن موقفهما سيتغير وسيستقبلانه بشوق ويحتضناه بفرح مدركين أن ذهابه للبقالة مرتبط بإحضار الحلوى لهم ولكن عبثا يفعل..
هو فقط أمام حقيقة أن عليه مراجعة أخلاقه وتعامله في تربية ورعاية ابنيه.. حتما هناك خلل أو اضطراب فيما يقوم به.. ليس بالتأكيد عليه أن يبكي أمامهما حتى يحظى بشيء من التعاطف منهما مثل تلك المرة التي رآه باسم بها وتأثر وعانقه من تلقاء نفسه.. إنما عليه أن يغرقهما بالاهتمام والرعاية بخلاف موضوع الحلوى..
أطلق مُؤيد زفيرا ضيقا شاعرا بالشفقة على نفسه..
أساسا ومنذ متى يهمه أطفاله أو حبهم له!
لا بد أن سبب هذا التفكير السخيف هو جلوسه منذ أشهر في البيت بدون خروج أو ترفيه عن نفسه..
رباه! متى ستشفى ساقه ويستأنف عمله ويخرج مع أصدقائه مثل سابق عهده!
ضجّ فجأة صوت رتيل وهي تصفق بيديها قائلة
((يكفي مذاكرة يا أولاد، غدا عطلة ولا داعي لإنهاك نفسيكما بالدراسة))
تذمر فهد بطفولية
((ولكن يا أمي أريد تعويض علامات الفصل السابق التي تراجعت لأنك لم تكوني معنا))
عقب باسم بحزن هو الآخر
((وانا أيضًا تراجع مجموعي الدراسي يا أمي وعليّ أن أعوض هذا الفصل بالدراسة أكثر))
ربتت رتيل فوق شعر باسم هادرة
((ستعوضها لا تقلق، لكن الآن جهزت الفشار بالكراميل وفيلم كرتوني رائع لكما))
كانت تحدق بملامح باسم الطفولية المشابهة لأبيه العابس والمتجهم بالفطرة بينما تتبدل ملامحه لأخرى مشبعة بالحماس وهو يهتف
((فشار بالكراميل! مرحى))
سارع الاثنين يوظبان كتبهما ثم يهرولان إلى الغرفة وقبل أن تغادر أنبها مُؤيد
((لماذا صنعتِ الفشار بالكراميل؟ ستتسوس أسنانهما))
ضيقت رتيل عينيها بشرر لكن لم تنطق بشيء مدركة أن الفراغ الذي يعاني مُؤيد منه هذه الأيام بسبب عدم عمله جعله أكثر عصبية!
تنحنح مُؤيد يجلي صوته قبل أن يغير الموضوع يخاطبها
((تعرض أحد البيوت في الحارة التي يقطن بها مُعاذ للسرقة وطلب مني أن أستضيف ابنته عندنا حتى يكون مطمئِنا عليها))
تغضَّن جبين رتيل معقبة
((أخاك مجنون! هل كانت تلك السرقة يجب أن تحدث ليدرك خطورة بقاء دارين لوحدها في شقته!؟))
وافقها مُؤيد الذي كان دائما معارضًا للحرية والثقة الزائدة التي يضعها أخاه في ابنته الفتيَّة! ليقول بصوتٍ مشحون بالغضب
((هل تظنين أني كنت لأسمح لدارين بالانتقال للعاصمة عند والدها لو كان وضعي الصحي أفضل وذهني خالي من المشاكل!))
تخصرت رتيل وقالت بعزم
((سأجهز لها غرفة الضيوف حتى تمكث فيها، فهي الغرفة الوحيدة الشاغرة في هذه الشقة الصغيرة!))
غمغم لها مُؤيد بشيء من الضيق
((الأمر مؤقت، انتظري حتى أدخر مالا أكثر وسأشتري شقة أكبر لنا جميعا، المهم ألا تمانعي بإقامة ابنة أخي معنا هنا))
اتسعت عينا رتيل بذهول اجتاحها وقالت
((أمانع!؟هل كنت قبل قليل تستأذنني بمجيء دارين هنا أم تعلمني أوامرك فحسب!))
ازداد الضيق المتجلي على وجه مُؤيد وقال حانقا
((بل أستشيرك! ألست زوجتي وتعيشين هنا ويجب عليّ إعلامك قبل استضافة أحد للعيش معنا!))
كان الذهول لا يزال حليفها وهي تهتف باستنكار
((لا أصدق ما أسمعه! هل أنتَ مُؤيد زوجي الذي أعرفه! ففي العادة لم تكن لتأخذ رأيي بأي شيء بل كنت لتتبجح أمامي أن هذه الشقة شقتك والمال مَالك ورجل العائلة فقط من يقرر ما يريد!))
كان مُؤيد يهز ساقه السليمة بغيظ من هذا الموقف فقالت بنبرة ذات مغزى
((ثم لا داعي للتفكير ببيت آخر أكبر لنا، فربما حددت فعلا يوم زواجك من صبر وصار لزاما عليّ أن أجهز لطلاقنا..))
أظلمت عينا مُؤيد عند هذا التهديد فترديدها للطلاق بين الحين والآخر يهز كيانه هزًا.. لكن قاطعهم تذمر ابنهما
((أمي التلفاز هنا صغير جدًّا مقارنة بتلفازنا في بيت جدي، كنت تنجحين هناك عندما تغلقين الإضاءة وتعلقين الأغطية بالسقف بجعل الأمر يبدو وكأننا في السينما))
اقترح عليهم مُؤيد بحماس غير مألوف فيه
((يا أولاد، ما رأيكم أن نذهب جميعا للسينما لنشاهد هذا الأفلام؟))
أشرق وجه فهد بالفرح وتساءل بلهفة
((حقا يا أبي؟ هل أنتَ جاد؟ ولكن كنت تقول لنا في السابق أنك تكره زيارة مثل هذه الأماكن!))
لكزه أخاه باسم هامسا بصوتٍ تناهى إلى أذني مُؤيد
((أيها الذكي عندما قال "جميعا" فقد كان يقصد أن نذهب كلنا إلا أمي))
عبست ملامح فهد لهذا الاستنتاج وقال لوالده برفض
((لا إذا كان هكذا الأمر، فلا نريد الذهاب معك))
رغم ذهول رتيل من كلام ابنيها إلا أنها سرعان ما ابتسمت بانتشاء لولائهما لها وغادرت معهما إلى الغرفة تاركين مُؤيد مكانه بوجه لا يُفسر! فهو قصد حقا أن يذهبوا جميعا هناك برفقة رتيل أيضا!
ضرب الأريكة بقدمه المصابة ليتأوه ألمًا مبرحًا!
متى ستشفى هذه الساق ويستأنف حياته السابقة! لقد مل سجنه في هذه الشقة الصغيرة! وأصحابه الأنذال لا يفكر أحدهم بزيارته أو الاتصال به إلا مرة كل حين خوفا من أن يعرف شيئا عن خططهم ويعاتبهم على الخروج للترفيه عن أنفسهم بدونه!
شدّ على نواجذه واستقام واقفا يريد التوجه إلى غرفته عندما وصله صوت ضحكاتهم العالية مع بدء الفيلم الكرتوني.. لا بد أنهم يقضون وقتا سعيدًا سويًا.. من دونه...!
تحامل مُؤيد على نفسه وأكمل خطواته المتعرجة إلى غرفته لا يعرف صفو البال له طريقا..
.
.
بقي مُؤيد يتقلب لساعات على فراشه الذي كان له كشاطئ من صخور مدببة.. محاولًا أن يسترق ساعة واحدة من الراحة فيفشل تمامًا!
يعيش دواماته الخاصة بذهنه القلق بأفكار متضاربة لا تفارقه.. يخاف من تسرب رتيل من بين يديه كالرمال الناعمة..
شوقه لها يزيد من فرض سيطرته على جسده الملتهب.. فتتأكله المواجع.. ويبدأ جسده يتصبب بعرق بارد، مغاير لغليان قلبه..
بعد صلاة الفجر أخذ نفسًا عميقًا بتعب يحني كتفيه..
لا زال غير قادر على تجنب تفكيره في زوجته.. بل لم يعد يتحكم في هذا الشوق المستعر الذي اختار من بداية ظلمة الليل مرتعا له يلسعه بلهيبه..
تطلع لباب الغرفة.. لم لا زال جالسا هنا ومرهم حروقه في الغرفة المجاورة له تماما! على بعد خطوات قلائل! ماذا ينتظر!
كان يحارب نفسه للذهاب لها فمسح باضطراب على وجهه المرهق وهو يشعر باختناق.. بعذاب..
بدا فاقدا للسيطرة بشكل مقلق.. والوحش الجائع بداخله يزأر به.. ينهش داخله.. يهشم كل شيء في طريقه يمنع تحرره..
تأوه يعنف نفسه الناقم عليها من ضعفه نحوها.. بل ودّ لو يجلد نفسه بالسياط لعله يصحو من مشاعره المكبوتة التي لا ترحمه.. لكن الوحش بداخله تمكن أخيرا من تلبسه وامتلاكه.. فأخذ يتمتم بأفكار متضاربة تستنزفه
((لن يستمر الأمر على حاله يا رتيل))
أبعد عكازه عنه وبدأت قدماه تقودانه كأنه مسلوب الإرادة إلى غرفتها..
طرق الباب بشيء من الانفعال النابع عن أفكاره ليجدها تطل عليه بمنامة قطنية للركبتين وبشعر مشعث من النوم وتقول بتعجب بينما تفرك عينيها
((مُؤيد!))
استشاط غضبا! ليس من هذا الملابس التي ترتديها فقط لكن لأنها كانت تنام قريرة العين بينما النوم حُرم عليه بسببها.. هي.. قال بخشونة
((تعالي إلى غرفتي أريد التحدث معك))
استعادت رتيل وعيها وهي تتطلع إليه باستغراب بعينيها.. ولم تمر أكثر من ربع ساعة حتى جاءت إلى غرفته تسأله بفظاظة
((ما الذي تريده منذ الفجر؟ ألم أخبرك أنى لم أعد مستعدة لتقديم أي خدمات لك؟))
لم يحتمل مُؤيد استفزازها برفضها المتكرر لخدمته فوجد نفسه يدفع جسدها داخل الغرفة فتتأوه بألم بينما يصفق الباب خلفهما..
نظرت إليه بوجل وهي تتقهقر للخلف بينما تسمعه يقول بنبرة نارية
((ما هذه الملابس التي ترتدينها أثناء النوم! لم أكن أحب أن أراك بهذا الشكل السافر ونحن زوجين طبيعيين فما بالك ونحن منفصلان! أنتِ تذبحيني بها))
ورغم غضبه كانت نظراته تنخفض وترتفع لمنامتها الخفيفة التي تكشف عن مفاتنها بإغراء يهُد جبالا لا رجالا.. فتنصهر أضلعه انصهارا..
كتفت رتيل ذراعيها لا تتراجع قيد أنملة.. ثم ابتسمت ابتسامة غريبة كابتسامة الموناليزا الجامدة دون أن تهتز لها شعرة لتقول
((يفترض بي الآن أن أثير اشمئزازك بملابسي هذه لا أن أغريك!))
وأصابته حقا في كلامها! نعم فهو كان يشمئز منها عندما ترتدي ملابس شبيهة بها لكن في هذه اللحظة ودون أن يفهم نفسه كانت أصابعه ترتعش كأنها لا تريد المرور عليها والاحتراق بملمسها.. وجد نفسه يهتف بها في فورة انفعالاته ومشاعره المحتدمة
((وأيَّ رجل يستطيع تجاهل امرأة بهذه الملابس والفتنة!؟))
شمخت بذقنها بعزة ثم قالت بزهو
((أمسك نظراتك عني، فأنت لن تنال أبدا ما تشتهيه من هذه الإمكانيات التي لا تتوافر بامرأة غيري، ولا حتى بصبر زوجة المستقبل!))
حاول عقله أن يواسيه ويلهمه التعامل معها بصبر لكن فشل لأن الصبر عدوه اللدود.. قبض على معصمها بقسوة يسحبها له ثم قرّ لها بخشونة
((لقد أخبرت أمي وابنة أبي أحمد بوضوح أني لن أتزوج أبدًا، لذا أزيحي كليا فكرة الطلاق أو زواجي من عقلك، ولنعد كالسابق وحسب))
صعقها بما قاله.. إذ لم تتوقع أنه سيتراجع عن الزواج.. على الأقل ليس بهذه السهولة.. ومع ذلك نزعات غضبها وسخطها عليه لم تخبو بل اشتعلت عيناها وهدرت بعناد وتعنت
((لا أصدقك، لذا سيبقى كل شيء على حاله))
أمعن النظر في عمق العنفوان المتوهج في عينيها ثم اجتذبها من معصمها بقسوة أكبر لتصطدم بصدره.. أمسك كتفيها وهزها بعنف غير مسبوق منه نحوها ليهدر فيها بتوحش مخيف
((قلت لك أنى لن أتزوج، لست أنا من أراوغ أو أكذب خشية شيء، لا تمتحني صبري ولتعد حياتنا كالسابق وحسب))
حدقت رتيل بعينيها الحالكتين في عمق عينيه المخيفتين ككهفين مظلمين وقد تأججت فيهما النار على حين غرة!
أما مُؤيد فتشنج جسده في جوع إلى وصالها.. بل تلوّت روحه توقا لقربها.. وشبَّت النار فيه من كل جانب..
كل ما فيه ينبض ليكون معها.. بشوق غاضب.. يائس.. حي.. نابض.. لكن بعذاب لا يوصف.. بظمئ السنين التي جهل فيها أن فتاة أحلامه كانت تعيش بالقرب منه بل بين يديه!
فتحركت شفتاه ينطق اسمها بهمس غاضب عنيف ((رتيـــل))
فهمت مطلبه ورفضت بصمت وجفاء.. ثم دفعته بقوة عنها بطريقة أثارت فيه نزعته القوية وأفقدته صوابه.. وقبل أن تنجح بالانسلال منه أخفض رأسه بلمح البصر لينهش شفتيها بقبلة بدائية متوحشة.. قاسية ممزوجة بالرعونة.. بالشغف.. بالاحتياج.. واللهفة لها هي فقط..
شلتها الصدمة في البداية.. لكن ما إن ضربت الإشارات المتأخرة عقلها حتى استوعبت ما يقوم به وبدأت تقاومه بشراسة مجنونة وعيناها تنفثان اللهب.. تضرب على كتفيه بينما هو مستمر بانتهاك شفتيها حتى تذوق طعم دمعة منها أثناء قبلته الهمجية..
رغم محاولاتها الضارية في المقاومة للإفلات منه إلا أنه كان أكثر قوة وتمكنا من فرض سيطرته فتهاون جسدها بين يديه، وما إن التقط جسده لحظة الانهيار هذه حتى أخذت قبلته منحى آخر تماما، بعيدا عن العنف والغضب.. فكفت عن المقاومة وسحب شوق له تلفها تدريجيا.. وحينها صار الأمر أكبر من قدرته في التوقف عن الغرق فيها.. وانتهى الأمر بهما على الفراش وأنفاسهما تتردد في فضاء الغرفة كأنهما في سباق الماراثون..
التف مُؤيد بينما العرق يتصبب منه نحوها.. ثم رفعت أنامله بارتجاف خصلة من ذاك الليل البهيم الممزوج بخصلات ذهبية ومال بوجهه يلثمه.. قبل أن يغرق في هيئتها البهية، ويستنشق عبيرها..
شعر بإجفالها فانقشع تأثير الاجتياح العاطفي تدريجيا عنه وبدأ يستوعب ما فعله قبل قليل.. بل ويغضب من نفسه.. فقد غرق فيها حتى وصل إلى قاع مجهول وضاع في حلكته كحلكة ما تبقى من خصلات يمسكها الآن لم تقربها صبغة.. فأفلت شعرها لتنسلَّ الخصلات الناعمات كالرمال المنسابة من بين أصابعه ثم أعطاها ظهره..
انكمشت ملامح رتيل بأسى.. لا بد أنه نادم على اكتساحها قبل قليل بسيل جارف من عاطفته الحقيقية..
صحيح أن روحها المتعطشة للعاطفة جعلتها تذهل وتصدم مِمَّا اقتاتت عليه من العاطفة الجامحة لكن أنوثتها لم تصل للرضى للفعلي ولم يحقق كل احتياجاتها.. لأنه لم يكن متبادلا.. إذ أنها لم تتجرأ أن تظهر له أي استجابة أو تفاعل حتى لا يستيقظ من هذيانه وجموحه فيوقفها ساخطا بعلة أنها تجسد له بتفاعلها معه شيطانة مغوية أو غانية رخيصة.. كأنها ليست زوجته وحلاله، ولها أن تشبع رغباتها كما بفعل هو.. فكتفت ذراعيها اللتان كانتا لا تزالان كالهلام كأنها تضم نفسها.. وفتحت شفتيها تقول بصوتٍ مثقل بالمشاعر المتناقضة
((سأتنازل وأعود لك بل وألغي فكرة الطلاق من أجل الولدين فقط، بما أنك ألغيت فكرة الزواج تماما، سأعود كالسابق وأقوم بواجباتي تجاهك يا مُؤيد، واجباتي وحسب.. لا أكثر.. ولا أقل..))
هدر لها بلهاث وبصوتٍ شديد الإنهاك
((نعم لنعد فقط مثل الماضي))
زمّت شفتيها تكتم الكثير من المشاعر قبل تسأله بترقب
((إذن.. هل ستعود لتعطيني مصروفي مثل الماضي؟))
ساد صمت تام بينهما بعد سؤالها.. حيث كان كلًا منهما أكثر تعبًا وأثقل قلبًا من أن يحاول قطعه.. فاستلقى مُؤيد على ظهره يحدق في السقف وداخله يموج بالانفعالات المتضاربة.. ثم هدر بملامح جامدة يكتنفها مزيج من الألم
((لا، أي شيء تحتاجينه من مأكل ومشرب وملبس سأحضره لك لكن لن أعطيك قرشا واحدا حتى لا تذخريه بأرصدتك البنكية))
انكمشت على نفسها وهي تدير ظهرها إليه تشتاط غيظا منه! لا يريد أن تمسكه من اليد التي تؤلمه! لا يريد استقلالها حتى لا تتحرر في المستقبل من الذل الذي يفرضه عليها! فهدرت به بصوتٍ مشحون بالحنق
((إذن كما سبق وقلت، سأقوم بواجباتي تجاهك ولكن لن أتطوع بما هو ليس فرض عليّ)) ============================= انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وثمانون 84 - بقلم Hya Ssin
عزيزتي هيا ...إليك بعضا من نزيف افكاري..
من ظن أن الإجبار و الإكراه عسراً
فاليُسر من عسرات يخرج كحُب نورين
إن طالت عليك عَذَابات الأيام
فَجمال القدر أضاء لسمية بعد سنين
الحياة تمضي كحَال الليل و النهَّار
كَما تتقلب رتيل بين الرَّخيص و الثمين
مَن كان يظن الصقيع سيظل جامداً
فَسيذوب و ينساب نهرا ًكياسمين
إِنْ رَاود خاطر أن الأسر يدوم
ففي آخر النفق طير حر كشيرين
قَد تغتر بالأهل و الحسب و المَال
عَسى سهر منهم تخْتار فيهم الجَوهر الدفين
لَا تنْجر وراء الخطايا و انجو منها
كَنجوم لا تتبع من يؤذيك ولو كانوا والدين
مَن أراد رؤية نفحات الــــــــــــــربيع
تَكفيه دلع مع مشاغبات هدى و دارين
مَنْ حَزِن و اشْتكى من عثرَاته
فَلْيحادث فهد, باسم و يزيد الحلوين
مع تحيات: هدهد
شكرا للحلوة هدى على خاطرتها
*******************
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وثمانون 85 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السادس والثلاثون
في سجن النساء..
هتفت شيرين بذهول أسرها للطبق الذي تمَّ تقديمه هنا
((هل هذا لحم ما يقدمونه هنا؟))
قالت إحدى زميلاتها في الزنزانة
((إنها من عماشة زاد الله من فضلها))
عقدت شيرين حاجبيها وتساءلت
((من هي عماشة؟))
تحَّلت رفيقتها بالجِدية وهي تقول
((عماشة اسم معروف لكل العاملين في سجننا، من أبسط حارس الى أعلى مسؤول في السجن يعرفون بأنها امرأة طيبة بل منهم من أصبح صديقا وقريبا منها، فقد ترددت على سجننا هذا فوق العشرين مرة..))
تدلى فك شيرين وتساءلت بانشداه
((دخلت السجن عشرين مرة؟! ما شاء الله..))
((نعم إذ أنها ما تلبث أن تخرج من السجن اليوم مثلًا حتى تعود إليه في الغد كما دخلته بعد أن تدَّعي أنها تعاطت موادًا ممنوعة وتسلم نفسها إلى أقرب مركز للشرطة كي يقتادوها إلى السجن، وإذا ما أعلن عن خروجها من السجن تؤكد لرفيقاتها في الزنزانة أنها ستعود بعد أسبوع أو شهر.. وما تلبث أن تعود فورا ولا يفاجئ أحد بعودتها، حتى سريرها يظل على ما هو عليه وتُترك ملابسها في السجن أيضًا))
أخذت رفيقتها شقفة خبز وغمستها بالطبق قبل أن تضعها بنهم في فمها ثم قالت وهي تمضغ الطعام
((لو كنت مكانها لفعلت نفس الشيء.. فهي امرأة بلا عمل أو شهادة وإدارات السجون لا توفر لها مهنة تعيش منها بعد خروجها السجن حتى لا تعود إليه.. أما هنا فتعيش عيشة الملوك كما أنها تجني الكثير من الأموال لقاء عملها في السجن..))
كان الذهول وعدم التصديق جليا على شيرين، خاصة وانه لا يوجد وظيفة لها في السجن قد تجلبها هذه الأموال الطائلة إلا لو كانت تهرب هنا موادًا ممنوعة وترشي الشرطة!
أكملت رفيقة زنزانة أخرى مُشيدة
((الأمر كله توفيق من الله فهي تتقيه وتزكي عن مالها وتصلي وتصوم وتذبح الذبائح وتوزع على العنابر وكل السجن يأكل من خيرها بارك الله فيها..))
هزًّت شيرين رأسها ببلاهة لعلاقة هذه السجينة التاريخية مع الموظفين في السجن، حتى أنها تساءلت كم أحدا عاصرت منهم! حيث يظهر أن هذا السجن شهد تغير الكثير من القيادات والمسؤولين، وكذلك تقاعد الكثير من العسكريين في حين ظلت هي دائمة فيه..
سَرَت قشعريرة في جسد شيرين لتقول بابتسامة متشنجة
((أتمنى أن أعرف أكثر عن عماشة هذه! ولكن ليس بوسعي إلا أن أدعو الله أن يرأف بحالها ويهديها إلى الصراط المستقيم، الآن سأتفقد تلك الصغيرة هناك لأتأكد من أنها أكلت من اللَّحم خاصتها))
ثم حملت نفسها هي وطبقها وجلست أمام تلك النزيلة الشابة التي تظل معظم الوقت في الزنزانة منزوية على نفسها وقالت بملامح ودودة
((مرحبا يا حلوة؟ هل أكلتي من اللحم الذي وزعوه؟))
رفعت تلك النزيلة الشابة وجهها ببطء وقالت
((لقد سمعت أنك ستخرجين قريبا))
لمعت عينا شيرين وهي تقول بدفء
((نعم إن شاء الله، أيام قليلة تفصلني عن الخروج لرؤية النور والحياة خارج الأبواب المقفلة.. آه.. كم أتوق الى تلك اللحظة.. كأني سأولد من جديد))
غمغمت النزيلة الشابة بغبطة وهي تُشدَّد من احتضان الوسادة بين ذراعيها ((تبدين سعيدة جدًّا))
تنهدت شيرين بعمق وقالت بلهفة من سيعود لأرض الوطن بعد غربة سنين طوال
((نعم، بعد مرحلة السجن سأبذل جهدي أن تُمحى هذه الأشهر من ذاكرتي إلا من شيء واحد.. الآن اتركي هذه الوسادة وتناولي طبقك وكُلي منه))
ابتسمت النزيلة الشابة بتردد لفرحة ولهفة شيرين لكن سرعان ما انقلبت ملامحها حسرة على نفسها ووجدت نفسها تكمم فاهها بيدها لتمنع رغبة بكاء تتصاعد من اختناق نفس متألمة قبل أن تدفن وجهها بوسادتها..
أشفقت شيرين على حالها فمدت ذراعها تمرر يدها على ظهرها صعودا ونزولا بحنو.. فهنا في السجن وحدها الوسائد هي من تكتم أسرار النزيلات وبئرًا لدموع ذرفتها عيون بكت قصصا لنفوس لا يعلم مآلها إلا الله..
رفعت النزيلة الشابة وجهها ومسحته بظهر كفيها وهي تقول بصوتٍ متهدج
((أنا أغبطك جدًّا، ليتني أخرج معك.. قيل لي أن أول أسبوع فقط هو الشُّاق في السجن، لكن لا زلت أشعر بالمرارة حتى الآن))
تنُّهدت شيرين قبل أن تقول
((لا أعرف إذا كان يجب عليّ التهوين عليك بالكذب أو وضع الصورة المريرة الحقيقية أمامك، لكن بهذا أو ذاك عليك أن تكوني قوية))
أومأت لها النزيلة فعادت تبتسم شيرين وتقول مقترحة
((أخبريني أكثر عن سبب تواجدك هنا لعلك تشعرين بالراحة))
كانت غاية شيرين من سؤالها هو أن تستمع لها وتفضفض لها لعلها تستطيع التخفيف عنها كما تمنت أن يفعل أحد معها عند دخولها هنا..
=============================
انقلب مَازن على ظهره يتململ على فراشه وهو يناظر السقف في ليلة أخرى ينامها وحيدا في غرفة الضيوف متفكرا في حاله.. قبل أن يجفل على صوت فتح الباب بخفة لتظهر منه ابنته الصغيرة تتساءل بصوتٍ ناعس وهي تفرك عينها
((أبي أنتَ هنا؟))
اعتدل شبه جالس وقال بحنو وهو يمد ذراعه
((تعالي يا ابنة أبيك))
هرولت نحوه فحملها مَازن ووضعها فوق حجره مستغربا سبب استيقاظها في هذا الوقت المتأخر من الليل.. ربت فوق شعرها ليجدها تعاتبه برقة طفولية
((أبي بالكاد رأيتك في الأيام السابقة ولم تخرجني للتنزه، ما بك؟))
اعتصر حزنها قلبه فغمغم بعد أن قبل جبينها
((أعرف أني مقصر بحقك يا حبيبتي، ولكني أعود منهكا من العمل يوميا، لكن سأعوضك قريبا بحول الله))
نكست رأسها وبدا عليها التردد قبل أن تهمس بخفوت يكاد يسمع
((هل ستعوضني حتى عندما تعرف.. أني.. أني من كسرت البلايستيشن))
اتسعت مقلتا مازن وردد
((أنتَ من كسرتيها!؟ أنت!؟ ولكن.. ولكن..))
تقوست شفتاها للأسفل وقالت بصوتٍ متحشرج
((أنا من وقفت فوق الكرسي وأوقعتها من الخزانة عندما كنت أحاول أخذها))
فجأة تبدلت ملامح مَازن الذاهلة لأخرى غاضبة وتمتم
((كان بإمكان أمك أن تقول ببساطة أنك من فعلت ذلك وتوفر علينا عناء هذه الأيام، لكن يتضح لي أنها كانت ترجو هذه المخاصمة لتحدث))
احتضنت هدى يد والدها وقالت
((هذا لأني توسلت لها ألاَّ تشي بي إليك))
مدت يدها الصغيرة تتلمس وجنته تكمل بحروف متقطعة
((أقسم لك.. أبي لم أقصد ذلك.. أنا.. آـ.. سـ.. فه))
نظر مَازن بانشداه لها بينما تكمل والدموع تتغرغر بعينيها
((أمي حزينة وتبكي كل يوم لأنكما ستطلقان! هل ستفعل ذلك وتبتعد عني وتسافر للخارج؟))
آلمه قلبه أكثر عندما بدأت صغيرته تبكي بحرقة وحزن على ما تسببت به.. المسكينة كانت تظن أنه سيسافر ويبتعد عنها وما عزز لها هذا الشعور هو عدم قضائه وقت معها في الأيام السابقة!
فلثم يدها ليعانقها بحنو وكان يربت على ظهرها بيده محاولًا تهدئتها قبل أن يهمس
((اهدئي يا حبيبة أبيك))
تمتمت له من بين شهقاتها الخافتة متطأطئة رأسها
((أرجوك اذهب عند أمي))
رفع مَازن وجهها بوضع يده أسفل ذقنها وقال مبتسما بمرح
((حسنا سأفعل بشرط أن تعودي للنوم من اجل المدرسة غدا صباحا))
وقد قامت بما أمرها به عندما رافقها لتغسل وجهها ثم وضعها في السرير ولم يبرح مكانه حتى هدهدها ونامت..
بعد أن تأكد من نوم ابنته.. توجه نحو جناحه فدخله بخفة ليفاجئ عندما لم يجد ياسمين على سريرهما بل بالغرفة المرافقة لها لا تزال تنير الإضاءة بينما هي مشغولة بمطرزاتها.. فقد جافى النوم عيناها بسبب الأرق منذ خصامها معه..
حرَّك يده يغلق إنارة تلك الغرفة ليعمّ الظلام تماما، فانتفضت مفزوعة مكانها قبل أن يسارع بطمأنتها
((لا تفزعي، هذا أنا.. مَازن))
بدأت تبكي بصوتٍ مخنوق مذعور وتقول
((مَازن هل أنتَ من أطفأت الإضاءة؟ أنتَ تعرف خوفي من الظلام! لم تتصرف بقسوة معـ..))
بترت ياسمين كلامها بشهقة عندما قال
((تعالي..))
جذبها إلى حضنه، يضمها بشدة إليه.. شاعرا بالخوف الذي يجتاحها.. كأنها طفلة مذعورة من البقاء في الظلام وحيدة.. ليس خوفا من الظلام بقدر ما هو خوف من الوحدة المستبدة القاتلة، التي أسرفت فيها فجعلتها لا تعرف كيف هو الوصال إليه أو المضي نحوه للوصول لقلبه فتتصرف بـعُدوَانيةٍ ونشوز معه ليبتعد عنها.. وهي في هذه اللحظة بحاجة منه للطمأنينة والأمان قبل أي شيء آخر.. شدَّد من احتضانها ليقول أخيرا بصوتٍ أجش
((سأطفئ الإضاءة كلما أردتك أن تلجئي لأحضاني))
واختض جسدها عندما قال
((أين ياسمين الباردة اللامبالية من تحرجني أمام الآخرين؟ أين القاسية في معاملتها لي؟))
تشبثت بملابسه واستمرت ببكاء مكتوم بينما هو مستمر باحتوائها.. لقد جعلها هذا القرب تدرك بأنها تحتاجه.. وتشتاق لتودده.. فمهما بدر منه يذوب جليدها أمام هذا القرب المحبب الحاني..
بقيا يستمدان من بعضهما عاطفة صامتة وفي داخلهما تطوف المشاعر متبعثرة.. جياشة.. ثائرة.. ابلغ من كل تعبير..
سحبها فجأة إلى غرفة نومهم المليئة بالنجوم المضيئة
((لن أشغل الإضاءة لأني أريدك ملتصقة بي، إضاءة هذه النجوم الخافتة كافية))
جعلها تتوسد الفراش واستلقى بجانبها، غمر أصابعه بشعرها يسألها معاتبا
((لماذا لم تخبريني أن هدى هي من كسرت البلايستيشن؟))
ملأت ياسمين رئتيها بالهواء وزفرته سريعًا في محاولة يائسة للسيطرة على مشاعرها وانفعالات جسدها ثم همست بألم
((تقصد تلك اللعبة التي أردت الانفصال عنى بسببها؟))
ضحك بخفوت أبح عليها فأردفت حانقة بحرقة
((لا أصدق أن البلايستيشن أهم عندك من أي شيء أو أحد آخر))
شابت نبرته التسلية والعبث وهو يقول
((نعم، إنها مهمة ولكن هناك من هو أهم عندي منها.. أنتِ))
تمتمت ياسمين بوهن من تصريحه وهي تضربه بخفة بقبضة يدها محاولة الابتعاد عنه
((لا أصدقك، البلايستيشن يأتي قبلي بالنسبة لك))
رفع مَازن حاجبيه هادرا بتلاعب وهو يشدد من ضمها
((قد يبدو الأمر سخيفا لكن اهتمامك أن تكون لكِ أولوية عندي قبل البلايستيشن يجعل قلبي يخفق))
للحظة بدت نظراتها له غير ثابتة كأنها تتهرب لكن لسانها أنكر وهي ترد عليه
((نعم إنه أمر سخيف يا قمر الدين))
نظر في عينيها بشغف وهو يقرب وجهه لها بعبث
((أمر سخيف! تعالي.. سأريك حقيقة الأمر..))
انفرجت منه ضحكة أخرى خافتة بينما يريح رأسها على صدره ويربت على كتفها.. وهو يسترد معها لحظات اشتياق سرقتها أيام من الجفاء والنبذ..
=============================
عاد مُؤيد من البقالة البعيدة.. متنفسه الوحيد في هذه الأوقات الذي يضطر فيها بسبب إصابة قدمه أن يظل في البيت ممسكا بعكازه لا يخرج ولا يرفه عن نفسه..
تنَّهد مُؤيد ببؤس وهو يلحظ بعد دخوله أنَّ غداءه المفضل مُعد وموضوع على طاولة الطعام في الصالة، لا يوجد ملابس له بسلة الغسيل أو مُتراكمة تنتظر دورها للكي..
إذن فقد عاد كل شيء بينه وبين رتيل كالسابق وعادت تقوم بواجباتها تجاهه.. وهنا راحة عجيبة تسللت له!
لكن عادت ملامحه تعبس وهو يفكر بأن هذا الأمر ليس كافيا.. نعم ليس من الكافي أن تعود رتيل وتقوم بواجباتها تجاهه وتتراجع عن فكرة الطلاق.. ففي ظل تجاهل أصدقائه له بعد إصابته وعدم تواصل أحد من إخوته معه إلا من خلال الرسائل النصية التي يسألونه فيها عن حاله من باب الواجب وصلة رحم لا غير! لا يوجد أمامه غيرها هي زوجته وولديه ليتحدث معهم في هذا الوقت المتعسر من حياته ويغمرونه بحنانهم واحتوائهم لإشباع ذلك الفراغ الرهيب في قلبه وعقله الذي صدأ بأيامه.. إلا أنهم جميعا اتفقوا على نبذه رغم محاولته التقرب منهم!
ليت رتيل تعود كعادتها القديمة وتحاصره بأسلتها الفضولية عن كل شيء وثرثرتها المزعجة عن آخر مستجدات أهل القرية التي تصلها..
توسد الأريكة ببؤس متعجبا من حاله!
من كان ليصدق أنه سيصبح مخلوقا حساسًا وكتلة من المشاعر الجياشة التي تحتاج للتعبير والخروج منه.. لم يظن قط أنه سيتمنى أن يناقش أمر مشاعره مع زوجته حتى مزاحًا لمجرد إصابة قدمه! آه.. كم تغير الأيام في الإنسان!
انتبه لدلوف رتيل فبدأ يبحث عن سبب ليسترعي انتباهها
((رتيل ظهري يؤلمني، هل يمكن لو سمحتِ أن تدلكيه))
عقبت رتيل ببرود وهي تكمل توضيب الصالة
((غريب، كنت في السابق تكره عندما أعرض عليك التدليك))
ضاقت ملامح مُؤيد.. نعم كان يكره الأمر لأنها كانت تعرض الأمر عليه بإغراء يثير تقززه ويجعله يراها كغانية..
هزَّ رأسه محاولا قطع استرسال هذه الأفكار لذهنه ثم قال
((فقط تمسيد خفيف، إنه يؤلمني، ربما بسبب طول فترة جلوسي على الكرسي))
وقفت مكانها تنظر له بجمود ثم قالت بنبرة نارية
((حقوقك الشرعية والواجبة عليّ فعلى عيني ورأسي، أما تلك التطوعية والكمالية لست ملزمة أن افعلها لك..))
تغَّضن جبين مُؤيد وتجهمت ملامحه لكن لم يرف لها جفن.. إذ أنها في السابق كانت تخدمه وتقوم بما عليها اتجاهه مهما ظلمها، أهانها، رفضها، أغضبها أو حتى أحزنها.. وهذا ما كان يجعله يزيد في تعسفه معها لأنه مهما فعل يدرك بأنه لم يكن ليتغير من خدمتها له شيئا.. لكن لا مزيد من كل هذا.. طالما أنه لم يقرر التغير أو يحاول أن يصلح علاقته بها فهي ليست مجبرة على تقديم تلك الخدمات النافلة له..
كظم مُؤيد غيظه بصعوبة وقال بازدراء ساخرا منها
((ماذا أفعل إذن لكي تعودي وتقدمي تلك الأمور التطوعية والاختيارية منك لي؟))
كتفت رتيل ذراعيها هادرة وهي تشمخ بذقنها
((لن أقول، لأني أعرف أن لا نيَّة لك صادقة في تغير تعنتك معنا أبدًا أو البحث في جوهر مشكلتنا، لا عتاب أو جلسة مصارحة ينفع معك دون تعصب أو تشنج))
ثم غادرت المكان بكل كبريائها تاركة إيَّاه على ملامحه المستهجنة.. وسرعان ما تجلى الإحباط والبؤس على وجهه! لقد ظنَّ أن كل شيء عاد لسابق عهده معها وستعود رتيل القديمة لمجرد مهادنتها في العلاقة الزوجية، لكن أضحت رتيل تزيد من جحيم حياته الآن بين الجدران الأربعة هذه!
=============================
في حديقة القصر..
كانت الحاجة زاهية جالسة تستظل تحت الأشجار بينما تتمتم بالذكر والتسبيح.. ويزيد يجلس معها يُذاكر دروسه عندما استغربت وصول ابنها مَازن مع شاب آخر لم تتبين ملامحه.. نهضت من مكانها وما إن صوب مَازن نظره لها حتى أشارت بعينيها له أن يتقدم.. ففعل لتسأله
((هل هذا صديقك يا مَازن؟ ولماذا تدخله من الباب الأمامي بدلًا من المؤدي للمجلس أو القبو؟))
ابتسم مَازن لوالدته مجيبًا وهو يناظر الشاب الذي يقف مكانه منكسا وجهه بإحراج وخجل
((أمي إنه مجيد، شقيق ياسمين))
استنكرت ملامح زاهية قائلة
((شقيق ياسمين!؟ ألم يُقَل لي أن ياسمين علاقتها بأخيها وأقاربها ليست على ما يرام ولذلك لا تزورهم ولا يزورونها؟))
ازدادت ابتسامة مَازن اتساعًا وهو يرد
((هذا صحيح لكنها تحاول تغيير ذلك وإعادة الوصال بينهم))
هزَّت زاهية وجهها له بتفهم فعاد مَازن لمجيد يقوده إلى جناحه فيسير معه ويبدو له الطريق شاقًا وخُطاه فيه ثقيلة..
فتح مَازن الباب يدعوه ليدخل راجيًا منه أن يتحلى بالصبر وداعيًا له بالتوفيق معها ثم غادر ليتركهما على راحتهما.. فعبرت قدما مجيد عتبة الجناح وصوب نظره على أخته التي تقف في منتصف الغرفة مقابله بملامحها المتجهمة.. ليقول لها بلهفة مثقلة بالمشاعر بعد لحظات ذات رهبة ممزوجة بالربكة ناحيتها
((كيف حالك يا أختي؟))
كان مجيد يقترب أكثر من ياسمين كأنه يريد معانقتها لكنها صدمته وهي تمد كفها مفرودة ناحيته كأنها تصد اقترابه ثم تهدر بجفاء وعنفوان داخلها يتخبط في دوامات تستعر بالغضب
((بخير، وأنت كيف حالك يا أخي؟))
تحرك حلق مجيد بارتباك كأن صدّها هذا جرحه بشدة.. يبدو أنها لم تكن لتوافق على رؤيته لولا مَازن، إذ سمعه على الطريق يهاتفها ويتوسل لها بصوتٍ مكتوم أن تحسن استقباله!
قساوة عينيها تكاد تذبحه وتنحر قلبه.. لكنه تقدم منها بعناد مباغت ليقول بإصرار ممزوج بالحرقة
((إذا كنت لا تتحملين وجودي للحظات سأغادر، فقط أرجوكِ دعيني أودعك لمرة أخيرة وأعانقك))
تحشرجت نبرته في آخر كلماته.. لتشعر بقلبها داخل صدرها ينبض بشدة، فأشاحت بوجهها عنه تمنع تأثيره عليها لتقول ببرود مزيف
((استرجل قليلا أيها الأحمق أنتَ رجل، والرجال لا يبكون))
نكس وجهه ثم أغمض عينيه يمنع دموعه التي تخونه للتحرر من محبسها وهو يدمدم
((سبحان الله! نفس الجملة التي كان يقولها لي أبي دوما ليثبت أني لا أستحق كلمة رجل.. ولكن.. لكن..))
تقبضت يديه بعجز ليردف بصوتٍ مرتجف
((ولكن لم أتوقع أبدًا أن يكون لقائك بي بعد كل هذه المدة هكذا!))
كان جسدها يقشعر ولا تعرف سر ردة فعلها غير المحسوبة هذه، بينما يهتف فيها
((أنتِ قاسية يا ياسمين.. قاسية.. تشبهين أبي وأمي))
عتابه مزَّق قلبها لكنها تحلت بالثبات وهي ترد عليه دون محاولة إخفاء قهرها
((نسيت نفسك.. أنت أيضًا قاسي، فلا تمثل دور الرقة والطيبة الآن، أنا متزوجة منذ ما يزيد عن الثمانية سنوات ولم تحاول ولو لمرة واحدة ولو من خلف ظهر أبي أن تتواصل معي أو تسأل عن حالي))
طفح الذنب على وجهه وقال بدفاعية واهنة
((كنت أخشى أن يعلم أبي، لو تعلمين بالمرات التي كنت تحاولين التواصل معه كان يردعك قائلا أنَّه تبرأ منك ويوصيني أن أفعل نفس الشيء معك، حتى أنه كان يُضيق على الخناق ويُهددني بالويل إذا عرف أني قد اتحدت معهم))
أخذت دموعها تسيل لا شعوريا وهي لا تصدق أن تصل قسوة ونكران والدها إلى هذا الحد معها.. خاصة.. خاصة.. خاصة وأنها لم تفعل ما يستدعي ذلك! فهمست من فرط قهرها بشهقات أقرب للأنين
((إذن لا تخالف وصاياه وغادر))
صمت لثواني لجم فيها لسانه قبل أن يقول
((حسنا سأغادر لكن هل يمكن أن أحظى معك بعناق أخير؟ قد لا أراك مجددا))
زمّت شفتيها المرتجفتين وهي تبادله النظر قبل أن تشعر به يندفع نحوها ويعتصرها بعناق أخوي طال انتظاره.. شدَّد من قوة عناقه فكاد يوجع عظامها لكن الألم والوجع في القلب فوق كل احتمال.. تمتم لها بعذاب وحرقة
((لو تصدقيني فقط.. لقد اشتقت لك يا أختي))
أفلتت ياسمين زمام ثباتها عن مشاعرها وقالت من بين بكائها
((وأنا أيضًا، كنت أتابع صورك على مواقع التواصل الاجتماعي أولا بأول، لا أصدق أن المراهق الذي كان يصغرني عمرا قد أضحى بهذا الطول الفارع))
أبعد وجهه المحتقن بالمشاعر المتأثرة عنها ليقول متفكها
((لست طويلا يا ياسمين، أنتِ القصيرة))
ابتسمت بشحوب له ورددت
((معك حق أنت لست طويلا مقارنة بمَازن))
مسح مجيد دموعها وسحبها من يدها لتجلس معه على الأريكة.. ثم احتضن كلتا يديها وسألها باهتمام
((ياسمين هل أنتِ سعيدة مع مَازن؟ صراحة أنا أحب هذا الرجل لكن محبتي له لن تمنعني من وضع سعادتك أنتِ قبل أي شيء))
أصابتها الدهشة وعدم الفهم لمقصده، فازدرد مجيد ريقه ليقول بشيء من التردد
((أقصد أني أعرف أنك لم تكوني لتتزوجي منه لولا رغبتك بالهرب من والديّ وأنه شخصيته غير متوافقة معك، لذا لو أردت الطلاق منه فأنا أول من سيدعمك.. يمكنك إكمال دراستك إذا أحببتِ))
شردت ياسمين بنظرها المعذب بعيدا قبل أن ترد بابتسامتها الشاحبة
((دعنا نؤجل الحديث عن هذا الموضوع، ها.. أخبرني كيف حالك؟ وكيف دراستك؟ هل هناك من يعد لك الطعام أو يهتم لأمورك))
ابتلع مجيد غصة مسننة استحكمت حلقه ثم غمغم
((لا، أقاربنا لم يتحدث معي أحد منهم بعد انتهاء العزاء إلا عمتي.. لكني أدبر نفسي جيدًا وأعرف الطهو.. بعد وفاة أمي رحمها الله اجبرني أبي على تعلم إعداد الطعام لنا نحن الاثنين مقابل عدم جلب زوجة أب لي تسيء معاملتي وتطردني من المنزل))
أمَّا مَازن الذي كان واقفا خلف الباب مواربًا عن الأنظار ويمسك صينية القهوة قد سمع جزءً من الحديث.. شدّ على أنيابه بغيظ بالغ.. مجيد الجاحد!
لقد كان هو الوحيد الذي سانده ووقف بجانبه بل وأقنع أخته باستماته أن تصالحه ليكون هذا جزاءه! أن يحرضها على الطلاق منه لمجرد شعوره بالوحدة، وفوقها يبدوا البطل في قصة لمَّ شملهما!
.
.
بعد مغادرة مجيد ومرور بعض الوقت..
دلف مَازن لجناحه ليجد زوجته تلهي نفسها بمشغولات الخياطة بوجه مشرق سعيد.. لا بد أن مصالحتها مع أخيها أعادت لها جزء من راحتها المفقودة.. وأزاحت حملًا ثقيلا من النبذ الأبوي والتغريب الأخوي
عن عاتقها.. تنحنح مكانه يجلي صوته ثم قال مدعيا اللامبالاة
((لقد سمعتك دون قصد تتحدثين مع أخيك عن الطلاق.. هل عندك نية لطلب الطلاق مني بعد أن تغيرت علاقتك معه؟))
اكفهرَّ وجهها ونكسته لتجيب بخفوت ((لا أعلم..))
همهم لها بصوتٍ متعب لأعصابها ثم قال بنبرة عادية
((حسنا.. رغم أني لم أتصافى معك إلا مؤخرا إلا أني أشعر بالحزن لفكرة طلاقنا.. لكن بالتأكيد يظل قرار البقاء من عدمه عائدا لك.. متى ما فكرت فيه جيدًا أعلميني وسأنفذه من أجلك يا ياسو العزيزة..))
ازدردت ريقها بألم ثم قالت ساخرة بلا مرح
((شكرا لك يا قمرالدَّين العزيز))
قال مازن بواجهة الرجل النبيل
((أتمنى حقا بعد طلاقنا أن تتزوجي من رجل يعرف يكسب قلبك كما تتمنيه وشخصيته تتناسب مع امرأة واعدة مثلك..))
شعرت بغضب غريب يجتاحها من كلامه واستسهاله أمر الطلاق فجارته من بين أسنانها
((لا تقلق بهذا الشأن.. بمجرد أن أحصل على الطلاق منك، ويمتلئ طابور الخطاب أمام بيتي لن أتزوج إلا أفضلهم..))
وضع مَازن ساقا فوق الأخرى ثم قال
((وبالنسبة لحضانة هدى عند زواجك.. لن أحاول أبدًا أن أضغط عليك بشأنها أو أنزعها منك، أنا أثق أنك ستضعينها دائما صوب عينيك واهتمامك..))
بالكاد أمسكت نفسها من شدة غيظها ورغبتها في خنقه ثم قالت
((فيك الخير يا قمر الدين.. لكن أنا أقول لنتقاسم الحضانة بيننا.. لقد حُرمت هدى من رعايتك معظم سنوات زواجنا فلا أريدها أن تحرم منك أيضا بعد طلاقنا))
هزَّ مَازن كتفيه وقال بنبرة متشككة
((لا أستطيع أن أعدك بشيء، فالأمر عائد لزوجتي المستقبلية وظروفها وقدراتها.. لكن أُفَضل أن تعيش هدى معك وآخذها أنا بالعطل لزيارتي لغاية التعرف على إخوتها مني ومن أجل..))
تجلت الصَّدمة على وجهها للحظات وطلت عينيها بنظرات مصدومة صارخة.. وحين طال الصمت بصورة ثقيلة ومخيفة بينهما بللّت شفتيها الجافتين.. وعادت تتذكر نبرته الواثقة لأمه عن تكرار زواجه عندما كانت تطلع على صور الفتيات في ذلك اليوم.. لتقول أخيرا بصوتٍ باهت وبحدقتين مهتزتين
((إخوتها!؟ مَازن.. هل أنتَ متزوج من غيري؟))
غمغم مَازن لها ببراءة
((أنا أتحدث عن المستقبل))
انسابت الكلمات من بين شفتيها بصوتٍ مرتعش مستنكر وهي تقوم من مكانها نحوه
((أخبرني هل أنتَ متزوج أو تمهد لي ذلك؟))
ظلَّ مَازن ينظر لها بوجه مقتضب متبلد لا يجيب عليها بينما يجدها تقف أمامه مباشرة لتقول هي بعد فترة طويلة وتهمس بصوتٍ متداعٍ
((لماذا لا تجيب؟ أنت متزوج من غيري؟ أنتَ متزوج صحيح!))
انهار صوتها في نهاية جملتها.. وعندما لم تنحسر ملامحه أبدًا أو ينكر كلامها هزت وجهها لتقول بوجه شاحب
((أنتَ متزوج بالفعل! ألهذا فتحت سيرة الطلاق عليّ، وشجعت أخي أن يفتحه قبل قليل أمامي؟))
اتسعت عَيناه لهذا الاستنتاج الذي وصلت له.. ولم يجد قدرة أكثر على الثبات وانفجر فجأة ضاحكا بصوتٍ عابث بقلبها الصغير البائس.. ليستطرد من بين ضحكاته
((يا إلهي لا أستطيع.. لا أستطيع حقا.. لا أصدق.. غبية يا ياسو.. أنتِ غبية.. لكني انتقمت منك))
رفرفت ياسمين بعينيها بصدمة متمتمه ((ماذا تقصد؟))
خفتت ضحكاته تدريجيا بتعب ليقول بأنفاس مسروقة
((ألم تقولي أمام عائلتي عن مُناك بزواجي والتخلص مني.. إذن لماذا انهار كل ما فيك بهذا الشكل المثير للشفقة عندما شككت مجرد شك بزواجي؟ سأخبر كل عائلتي بما حدث.. سأجعلك مثارا للسخرية أمامهم جميعا.. ولأشهر قادمة))
رمته بنظرة قاتلة ثم سألته بصوتٍ واهن ضعيف
((أنتَ لست متزوجا.. صحيح؟))
أمسك يديها وقال بصوته الأجش المميز
((أنا متزوج.. متزوج بك يا ياسو، هل نسيتِ؟))
بتر كلماته وعادت تجتاحه نوبة ضحك أخرى.. فتسارعت وتيرة دقات قلبها فتشعر بخديها يلتهبان.. لكنها عادت تسأله بعينين مترقبتين
((أنتَ إذن لست متزوجا من غيري؟))
تمددَّ على ظهره وضحكاته في تزايد، ومر وقت عليه قبل أن يخفت منها فأمسكته ياسمين من أعلى ذراعيه تجلسه ثم قالت له بصوتٍ جاد والغيرة تطعن قلبها طعنًا
((مَازن.. إيَّاك أن تجلب سيرة الطلاق.. أنا أكرهك.. أكرهك كرهًا لن يبعدك عني.. بل سيزيدك غيضا مني، لكن لا ولن ابتعد عنك.. أتفهم؟ أنا لن ابتعد عنك))
كانت تعانق عينيه بعينيها وقد شعر بيديها الممسكتان به تزداد ارتجافا فأمكسها بكفيه يحيط بهما هادرا
((ياسو أنتِ ترتجفين.. اهدئي..))
زفرت ياسمين أنفاسًا مرتعشة وقالت بلوعة
((هذا.. لأني.. أحبك..))
لوهلة احتلت الصدمة محياه، وأربد كيانه.. أتعترف بحبها.. هي تكن مشاعر حب ...إنها تحبه!
اقشعر بدنه لرجفة صوتها وهي تردف بألم مفضوح
((أرجوك لا تسخر مني.. ولكن أنا أحبك.. وأحتاجك بجانبي))
وجدت نفسها تنساق له وهو يجتذبها يرفعها لتجلس على حجره.. يحوطها بذراعيه ثم ضمها إلى صدره فدفنت وجهها بعنقه.. اعتصرها لتلصق بجسدها أكثر ليهمس
((ياسو.. حبيبتي اهدئي.. سمعيني مرة ثانية ما قلتـ..))
فجأة جفل الاثنين على هتاف طفولي
((لن تتركنا أبي إذن؟))
رفعت ياسمين رأسها للخلف إلى جهة الباب واتسعت عينا مَازن يسألها بقلق
((هدى منذ متى كنت تقفين هناك؟))
تقدمت هدى منهما ببطء تتساءل بصوتٍ متحشرج مفطور الفؤاد
((أبي هل ستتركنا وتسافر للخارج؟))
ذاب قلب مَازن على الحزن والذعر المرتسم على ملامح ابنته الطفولية فمد ذراعه يحثها أن تقترب منه ويجلسها فوق ساقه الأخرى.. ثم عاود ضم جسد ياسمين إليه مما جعلها تستشعر نبضات قلبه القوية تحت كفها الملامس لصدره.. أراحت هدى رأسها على صدر والدها كما تفعل أمها ثم همست
((أحبك أكثر من عمي مُؤيد، فإذا رحلت لن يعوضني أحد عنك))
أكد عليها مَازن وهو يربت فوق شعرها
((أبدا مستحيل..))
رفعت وجهها له تهتف بعبوس وخوف
((ولكنك تريد أن تتقاسم حضانتي مع أمي))
هتف بذعر وقد بدأت عيناه تتسعان
((رباه.. هدى.. ماذا سمعت! لقد كان مقلبا لأمك.. لم أنتبه لوجودك.. أنتِ ابنتي الحبيبة الوحيدة.. أبيع الكل من أجلك.. أبيع حتى أمك من أجلك))
لكزته ياسمين بخفة وتذمرت
((ماذا تقول يا قمر الدين؟))
ضمَّ ياسمين الجالسة على ساقه الأخرى أكثر وهو يقول مبتسما لعينيها
((أقصد أبيع الجميع من أجلكما.. أنتما الاثنتين حبيبتاي ومن تملئان حياتي بالبهجة))
همست له ياسمين بصوتٍ متخم بالعاطفة
((وأنا أيضًا.. أحبك يا قمري))
شدَّت هدى ذراعه تستدعي انتباهه مغمغة
((أبي وأنا أيضا.. أنا أحبك..))
لم يصدق ما تسمعه أذناه ليشدد ويقبل جبين كل منهما
((لا هذا كثير عليَّ.. حقا لا أصدق))
برقت عيناه ونبض قلبه سريعًا جدا وهو يهمس لها بخفوت مؤثر
((هل أنا في حلم؟ ما سر كل هذه الحب المتدفق نحوي منكما!))
وفي هذا الوقت ظلت الاثنتين ملتصقتين به حتى ظن أنهما غرقا في النوم.. وعندما حاول مَازن أن يتحرك بتحريكها لينهض ياسمين عنه جفل على صوت هتافها الحانق
((لقد اشتقت للنوم بين ذراعيك، مهما كانت الظروف فلا تبتعد عني.. وافهم الأمر كما تشاء))
رفرف بعينيه متلعثما
((أنا لا أنكر أني أريد ذلك، لكن كما ترين في حضرة ابنتنا أحاول ألا أتمادى فيما لا يمكنني السيطرة عليه))
قطبت حاجبيها باعتراض بالغ وقالت
((ليس من حيائك قمري، أنت معتاد على إحراجي أمام عائلتك، لذا سأنام مهما كانت الظروف بجانبك كيفما تواجدت معك..))
قاطعها وهو يبعد ابنته بلطف عن أحضانه
((انتظري، هدى حبيبتي ما رأيك أن تذهبي لعب مع يزيد وخالة سمية، ووعد مني سأكافئك))
ثم نظر لياسمين يغمز بعبث
((لي مع أمك كلام كثير ويجب أن نناقشه بمفردنا))
فهمت ياسمين مغزاه فربتت على ذراع هدى تكمل
((هيا هدى.. اذهبي ولك منا مكافأة.. مفهوم؟))
أومأت بموافقة وصرخت بفرحة تنزل عن حجر والدها
((حسنا إذن.. فقط لا تجعلاني انتظر كثيرا))
قبَّلها مَازن بجبينها مبتسما يقول لها
((حبيبتي الصغيرة.. أعرف بأنك فتاة مطيعة))
عند خروجها وقفت هدى ترمي قبلات بالهواء لهما وتودعهما لتغلق الباب وراءها، التفت ياسمين نحو مَازن الذي همس لها عابثا
((ها... أين توقفنا منذ قليل.. قلت أمرا عن شعورك تجاهي.. أريد سماعه من جديد))
وضعت رأسها على صدره بتمنع
((لا أتذكر ما قلته..))
شهقت بغتة عندما حملها وهو يدنو بوجهه نحوها يهمس
((إذن عزيزتي لدي طريقتي الخاصة كي أنعش ذاكرتك))
ما لبث أن ضحك وهي تتلوى في أحضانه وقد تورد وجهها خجلا ((مَازن انتظر..))
وضعها برفق على السرير وقد اعتلاها
((ها! هل تخبريني الآن؟))
وعلى الفور كانت تجتذبه تحوط ذراعاها حول عنقه معاتبة بصوتٍ متثاقل من النعاس
((قمري أنا أحبك.. فقط لا تشعرني أني جسد لتدفئة فراشك، فهذا يجرحني بحق))
أسدلت جفونها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مرحة تاركة قمرها أسير ذهوله يتساءل أهذه ياسمين الباردة، لوح الثلج، يبدو أن أزمتهما الطويلة المتعسرة قد ولَّدت إحساسًا جديدًا يغزو أيامهما بعهد جديد في علاقتهما.. بريق مختلف يلتمع من عينيه لأول مرة تأثرا بعاطفتها الحميمة، وبشكل خاص حينما فهم أنَّها عاجزة عن النوم بعيدة عنه..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس وثمانون 86 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
ركن مُؤيد سيارته أمام النادي ليترجل ولديه مع دارين بينما يقول منبهًا لهم
((كما قلت سابقًا.. سأعود لأخذكم بعد ساعتين))
نظر فهد لأبيه بوجه متوسل يستعطف
((أبي أرجوك.. اجعلها أربعة لأننا في نهاية الأسبوع))
لكزت رتيل الجالسة بجانب زوجها كتفه وبنظرة متحفزة تحثه على الموافقة برجاء ضمني فتنهد مُؤيد وقال بنزق
((حسنا، سأصحب أمكم إلى مكان ما ثم سأعود بعد ثلاث ساعات لأجلكم))
أشرقت وجوه الأولاد بابتهاج وقفز فهد من خلف الكرسي يتعلق به فرحا يلثم وجنة والده من الخلف هاتفًا
((أحبك يا أجمل أب في العالم))
كتم مُؤيد ابتسامة جانبية ليظهر حنقه بينما يهرول الأولاد نحو النادي مسرعين خشية من أن يغير رأيه.. شغل محرك السيارة وبدأ يقودها بينما يأتيه صوت زوجته المستنكر
((لماذا لم تتركني أذهب مع الأولاد في النادي كالعادة؟))
أجابها وعينيه على الطريق أمامه
((لأني كل مرة آتي لأخذكم من النادي ألحظ عليك أمارات الممل والضجر))
احتجت له باقتضاب
((نعم بالتأكيد سأضجر عندما أنتظرهم في مكان مخصص للأطفال لحين انتهائهم من ألعابهم، ولكن طبعا.. هذا بالتأكيد أفضل من البقاء مسجونة بين أربع جدران لوحدي))
مدت يدها كأنها تستوقفه
((لذا.. لو سمحت أعدني للنادي))
التفت لجانبه للحظة قبل أن يقول ببراءة
((حسنا كما تريدين، سأعيدك هناك وأنا الساذج الذي نويت أن أقلك إلى أكثر الأماكن المملة بالنسبة لي لأرفه عنك قليلا))
اتسعت مقلتيها وغمغمت له ببلاهة
((ستأخذني إلى أين؟ لا أفهمك))
لكن لم يُزِل فضولها بل ظل يقود بالسيارة لدقائق أخرى قبل أن يقف عند وجهته.. فك حزام الأمان فطالعت رتيل نافذتها لترى المكان الذي وصلا إليه وسرعان ما هتفت بصدمة اعترتها
((هل سننزل عند هذا المتحف يا مُؤيد؟))
هز رأسه وقال ببساطة وهو يفتح مقبض الباب
((أنا عرفت أنك مولعة بالأدب والتاريخ والفن وتلك الأمور المملة وقلت في نفسي أن نذهب سويا هنا وأجبر نفسي معك على الاطلاع على ما يعرض فيه تكفيرا عن ذنوب اقترفتها بالماضي))
ظلت متسمرة مكانها بصدمة للحظات قبل أن تنتفض لخارج السيارة كمن دبت فيها الحياة فجأة بغير تصديق.. حتى أنها نسيت نفسها في الشارع وأطلقت صرخة مبتهجة واندفعت نحوه محتضنة إياه بقوة ومقبلة وجنته..
احتقن وجهه بالغضب لجرأتها فشهقت ورفرفت بأهدابها مدّعية البراءة والأسف
((آسفة حبيبي، والله نسيت أين نحن.. آسفة))
ثم هرولت لداخل المتحف قبل حتى أن تنتظره أن يتكلم..
شتمها مُؤيد بصوتٍ خفيض وبالكاد منع نفسه ألاَّ يقسم بعدم اصطحابها الى هنا مجددا.. لكنه تماسك وتحلى بصبر جميل وهو يسير بخطى ثابتة داخل المتحف..
بدأ الاثنان يجولان جنبا إلى جنب بالطابق الأخير في المتحف..
حاول مُؤيد أن يقلل من الملل الذي طاله طوال الساعات الماضية في هذا المكان بمحاولة الاستمتاع باللوحات الفنية والمجسمات لكن بلا جدوى.. فتنهد بنفاذ صبر
((ألم تشبعي بعد من التحديق بهذه الأشياء السخيفة؟ تأخرنا على الأولاد، دعينا نغادر وسآخذك هنا مرة أخرى، لكن بالطبع من دوني))
لكنها لم ترد عليه وكل ما فيها مأخوذ وغارق بجمال وهيبة المكان وسحر مقتنياته الغامضة التي تحوي أسرارا لم تُكشَف جميعها بعد عن حضارات عديدة عاصرت بلادهم..
وحده صوت امرأة تقترب منهما هو ما أرجعها الى الواقع وهي تسمعها تنادي هادرة
((مرحبا يا سيدة رتيل))
تطلع مُؤيد للمرأة الأنيقة الكبيرة في السن باستغراب بينما تخبرها رتيل بلهفة سعيدة كمن تعرفها منذ زمن
((أهلا بك يا سيدة، ألا زلتي تذكريني؟))
ابتسمت المرأة ببشاشة مجيبة
((نعم لا زلت أذكرك أنتِ وصديقتك غنوة فقد اعتدت على زيارتكما للمتحف بين الحين والآخر، مضى الكثير منذ آخر مرة رأيتك هنا.. جئت إليك فقط لأتأكد من أنك تحظين بوقت سعيد مع زوجك))
ارتجفت رتيل عند ذكر غنوة من رأسها لأخمص قدميها لكنها هزت رأسها للمرأة التي اتسعت ابتسامتها لتقول وهي تغادر ((أستودعك الله))
ظل وجه رتيل مبهوتا فآخر ما ينقصها في هذه الساعات السعيدة ذكر غنوة وتذكير مُؤيد بكل ما حدث بينهما..
لم تستطع رفع عينيها ومواجهته وكان هو من بدأ القول بصوتٍ جاهد في إخراجه عفويًا دون أي مقت
((يبدو أنك كنتِ تأتين هنا كثيرًا مع غنوة))
تحشرج صوت رتيل بينما ترد
((نعم بالفعل كنت آتي هنا كثيرا معها))
وعجلت من خطواتها تسبقه في الخروج، من المتحف..
للحظات كان مُؤيد قد استقل معها سيارته ولاحظ التوتر يعصف بكيانها فعقب بهدوء
((كان مجرد سؤال بسيط، لا داعي للتلبك هكذا))
بدأت رتيل داخل السيارة تهز ساقها بعصبية لتقول
((الأمر فقط أني صرت أشمئز من ذكر سيرتها بعد أن قررنا أنا وأنت نسيان الماضي))
أطلق مُؤيد عدة أنفاس كانت تجيش بصدره.. هم بتشغيل محرك السيارة لكن صوت رتيل الذي يحمل اللوم والسخط وصله بغتة كتيارات كهربائية لاذعة
((مُؤيد هل خسرت شيئا من رجولتك عندما أحضرتني إلى مكان كهذا المتحف؟))
ناظرها بملامح عابسة وهتف بخشونة
((ماذا تقصدين؟))
تجمعت الدموع في عينيها لتهدر بقهر مكبوت في جنبات قلبها ونظر شارد
((أقصد ماذا كنت ستخسر لو قبلت في الماضي أن تخرجني مرة أو مرتين في الشهر للترفيه عن نفسي طالما لا تعاني ماديا!؟ لم كنت تصر على جعلي كزوجة لمجرد صورة نمطية اعتدت على معايشتها في بيئتك لا يمكنها الخروج عن إطارها إرضاءً لعائلتك ومجتمعك، لماذا فرضت عليّنا نحن الاثنين أن نعيش حياة خانقة!؟))
حاول أن يجلي حلقه ليتغلب على تأثره بينما تكمل أسئلتها المستنكرة
((لو كان هذا الكبت هو أسلوب حياتك لأجبرت نفسي على التكيف فيه لأني أنا من وافقت على الزواج منك، لكن أنتَ لم تكن منصفا وكنت تحلل لنفسك كل ما تحرمه عليّ، وتهرب متى ما تشاء من هذا التزمت تبعا لعملك في المدينة.. وتقضي وقتا بالطول والعرض على ما تهوى نفسك فيه))
صمتت قليلا وقد أحست بالغصة تسد حلقها ثم أكملت
بعيون مترقرقه لجة بالعبرات الواخزة
((أنا لا أبرر ذنبي بما كنت أفعله ولكن أنتَ كنت جزءً من السبب الذي دفعني لأخدعك في أمر مبيتي عند غنوة.. كنت أتغاضى عن كل ما في شخصية غنوة من سلبيات لأني معها فقط اختبرت تجربة ما تمنيته قبل الزواج وحتى بعده لأنك معقد، ومقيت، ومتسلط، وعنيد، وكل تفكيرك محصور بأهل القرية وسمعتك أمامهم))
خيمّ الصمت المتوتر بينهما عقب تصريحها المثقل بالضغينة والحقد قبل أن يكسره مُؤيد ساخرا بمرارة طافحة بالذنب
((هل كنت كل هذا بالنسبة لك!))
كانت رتيل تشعر بنفسها وكأنها تهوي في بئر عميق لا قاع له.. وكأن كل حياتها قد اغتيلت للتو فردت عليه بعذاب وانفعال
((بل أكثر، فأنتَ لا تعرف إلا أن تطالب وتقيد وتفرض.. أنا لم أستطع سابقا عند عائلتي أن أعيش الحياة الجميلة التي حلمت بها منذ صغري وزاد الأمر سوءً عندك، لذا لم أجد طريقة للتعايش إلا بأن انفصل بحريتي عنك وعن المجتمع وأعيشها كما يحلو لي))
بهدوء ظاهري مد يده ليشغل محرك سيارته قائلا بصوتٍ ثابر أن يخرج ثابتا
((أعرف أن لا شيء يمكن أن أقوله سيمحي ما مضى، ولكن ليس بوسعنا أن نعود بالزمن ونغير فيه شيئا، لذا دعينا ننسى ونمضي قدما.. الآن سأذهب للنادي لاصطحاب الأطفال))
أصدرت رتيل صوتا ساخرا، فكم هو سهل الكلام.. المهم أن ترى بوادر التغيير على ارض واقع علاقتهما..
=============================
نجح مَالك في جعل بكاء عبد الله الظريف يتخافت بينما يهدهده تحت أنظار يزيد الذي كان يقوم بأمره المعهود في التحديق به بحب فطري.. كأنه لا يستوعب أن صار له أخ شقيق من صلب والديه.. حتى أنه كان غير مركزا لكلام مَالك عنه مع أمه
((رغم أن عبد الله أخذ خضرة عيناي ولم تتضح ملامحه كثيرا إلا أني أظن أن ملامح يزيد تشبهني أكثر))
ذرفت زاهية دموع امتنان وهي تمرر أناملها على وجه عبد الله مغمغمه
((ما شاء الله، فليحفظه الله هو وباقي أحفادي))
انحنى مَالك يقبل جبين أمه بعتاب رقيق
((صار عمر عبد الله أشهرا وأنتِ لا تتوقفين عن البكاء كلما اعتنيت به))
ابتسمت زاهية وهي تمسح دموعها بينما تشاهد بتأثر مَالك يعود لهدهدة صغيره بحنان أبوي..
إنه أب رائع بدون أي إطراء مبالغ به، فمنذ إعلان قدوم عبد الله إلى الحياة وهو لا يمانع أبدا تحميمه أو تبديل ملابسه أو إرجاعه إلى مهده للنوم أو قضاء وقت لمناغاته ريثما تأخذ زوجته قسطا من الراحة أو النوم.. كأنه يريد تعويض عجز ممارسة أبوته ليزيد سواء سرا أو جهرا بإفراط لابنه عبد الله!
قالت زاهية بغتة له
((لم أعرف أنك كنت تحب اسم عبد الله إلا قبل ولادته بقليل؟ لماذا لم تخبرني قبلا!؟))
تشبث عبد الله بمكانه على كتف أبيه بشعره المموج فنزع مَالك يده الصغيرة عنه برفق وهو يجيبها
((الحقيقة يا أمي منذ مراهقتي وأصدقائي لا ينادوني إلا بأبي عبد الله.. وصدموا أني سميت ابني الأول بيزيد))
توقف يزيد عن التحديق بشقيقه وناظر أباه فاغر الفم قليلا.. فتنبه مَالك لنظرات يزيد باستغراب للحظات قبل أن تتسع ابتسامته ويحثه بلهفة وحنو
((يزيد حبيبي تعال وأمسك شقيقك الصغير))
نكس يزيد رأسه يبوح بخفوت وحزن
((أخاف أن أوقعه))
التقطت زاهية عبد الله بلطف وناولته ليزيد قائلة بعزم
((بعيد الشر عليه، لن توقعه فأنتَ قوي.. ضع يدك الأخرى تحت رقبته))
ناظر يزيد أباه الذي حثه بقوة على حمله فمد يديه يلتقط عبد الله بحذر ممزوج بالرهبة بمساعدة مَالك الذي لم تترك يداه الرضيع إلا بعد أن تأكد من ثبات يزيد بحمله..
أجلس مَالك يزيد بجانبه وقال له بحنو وصوت مؤثر وهو يمسد فوق شعره
((أريدك أن تكون حنونًا عليه وقدوة حسنة له وتحبه أكثر من أي شيء آخر))
رفع يزيد عينيه اللامعتين لمَالك يقول بنبرة تلمسه كأب
((أكيد سأفعل يا أبي))
ضمّ يزيد عبد الله الذي يحتل مرفقه ليلامس صدره ويشعر داخل أضلعه بإحساس ناعم جميل وقلبه يهدر بإحساس الأخوة الذي يختبره لأول مرة..
أغمض مَالك عينيه يتغلب على دموع التأثر وهو يدعو في داخله أن يحفظ له ولديه.. ثم لثم رأس كلا من يزيد وعبد الله بعاطفة ثم قال بمرح
((هل تعرفين يا أمي! أحب ولديّ الاثنين، ولكن يزيد أكثر..))
اتسعت عينا يزيد بعفوية بريئة أما زاهية فهمت غاية مَالك فقالت توافقه وهي تعبث بشعر يزيد
((بالطبع أكثر من نحب جميعا هو يزيد فهو أكبر أحفادنا وأغلاهم))
تورد وجه يزيد من كم الإطراء والحب المتدفق عليه من جدته وأبيه إلا أنه اعترض ببراءة وخجل
((ولكن أمي أخبرتني أنها تحبنا الاثنين بنفس المقدار وعلى الأهل أن يحبوا أولادهم بعدل))
عقد مَالك حاجبيه وقال بخشونة محببة يناكفه
((هذا الكلام عند أمك، أما نحن نحبك أنتَ أكثر، فأنتَ سند أخيك وحبيبه))
قهقهت زاهية قبل أن تتناول عبد الله من يزيد قائلة
((أعطيه لي يا حبيبي حتى أطعمه الخضار المهروسة))
أمسك مالك عبد الله الذي بدا بين يديه الكبيرتين طفلا صغيرا للغاية.. عصفور يفتح فمه لينال طعامه من جدته..
.
.
دلف مَالك لجناحه فجاءه سؤال سمية مبتسمة رغم تذبذب نبرتها ((أين هو عبد الله؟))
أوصد مَالك الباب عليهما مجيبا
((مع أمي، لقد رفضت أن تعطيه لي، وبصراحة لم ألح كثيرًا فأنا بحاجة الآن لرفقة زوجتي الجميلة..))
جلست سمية فوق السرير واضطراب ملامحها يتضح أكثر فتساءل مَالك بتوجس واضح
((ألا زلت يا حبيبتي تشعرين بالتعب؟ ارتدي ملابسك بسرعة ودعينا نذهب للطبيب))
رفعت سمية وجهها له بلهفة مرتبكة وقالت
((لا داعي، لقد عرفت سبب هذا التعب!))
بدأ القلق يأخذ كل مأخذ في مَالك عندما جلس يتلمس بظاهر كفه جبينها المتعرق وهو يتساءل
((ما الذي تقصدين؟ وماذا قد يكون سبب تعبك في الأيام السابقة؟))
سددت حدقتيها المهتزتين في عينيه وقالت
((أنا حامل يا مَالك.. لقد تأكدت قبل قليل باختبار منزلي))
اتسعت عيناه ذهولًا وهو ينزل بنظراته لبطنها متمتمًا بصدمة اعترته
((ما!؟ ماذا!؟ حامل مرة أخرى؟ لم يمضِ الكثير على ولادة عبد الله فكيف أصبحت حاملا مرة أخرى؟))
نكست رأسها كما المذنبة للحظات ثم أعملته
((مَالك أنا لم أخبرك يومًا أني أضع مانعا للحامل))
أطبق مَالك فكيه بقوة وهو يتساءل بنبرة واجمة
((هل تقصدين أنك حملت عن قصد؟ حتى لو كنت تريدين الحمل، ألم يكن بإمكانك الانتظار لسنتين على الأقل؟ بل ألم يكن بإمكانك أن نتناقش في الموضوع قبل ذلك؟))
كانت لا تزال تمعن النظر في وجهه وتستشف حقيقة مشاعره بحملها عندما ردت بخفوت
((لم أظن أن الحمل سيحدث بسرعة ولكن بما أنه حدث فلا مشكلة، أنا أريد الإنجاب الآن لا عندما أقترب من آخر الثلاثين))
تجلت نبراته بالانزعاج متسائلا
((ولماذا لم تناقشيني بهذا الأمر؟))
اختلجت ملامحها وشتت نظرها المثقل بالذنب متسائلة
((لماذا تبدو غاضبا؟ لم يخطر على بالي أنك قد تمانع من فكرة الحمل مباشرة مرة أخرى، لو لمحت لي أنك لا ترغب أكثر من طفلين لم أكن لأحمل مجددا))
صرخ دون شعور وعيناه تبرقان بالغضب
((أنا لست ضده بل ضد عدم التباعد بين الأحمال، ثم أنا منذ زواجنا وأنا لا أشعر أني مكتفي منك ولا أشعر أنك تعطيني كل ما أرغب به ومع ذلك حرصت ألا أكون متطلبا حتى لا أضغط عليك مقنعا نفسي أنها مرحلة مؤقتة وسرعان ما ستتفرغين لي لأفاجئ الآن بكلامك!))
لسعت الدموع عينيها فرفرت بأجفانها تمنع خروجهم.. هي كانت تعرف أنه لن يكون على الأقل مستسيغ لفكرة الإنجاب بدون تباعد، وإلا ما كانت ترددت قبل إخباره بشكها في الحمل! لكن ما تسمعه الآن كان صادم ومفاجئ لها فكانت الألوان تفر تدريجيا من وجهها لتقول في النهاية بصوتٍ مختنق مصدوم
((أنا لا أكفيك يا مَالك! ولكن لم يسبق وأن صارحتني بهذا الشيء أو أظهرت استياءً مني!))
لم تظهر نظرات مَالك أي تأثر للألم المطعم بنبرتها بل قال
((بل هناك أشياء كثيرة أرغب فيها منك ولم أفصح عنها، كعشاء رومانسي مثير، كارتداء تلك القمصان الحريرية التي أحضرها لك، أن تتصرفي أمامي بلا تحفظ كامرأة عاشقة لزوجها!))
قست عينيها وقالت بنبرة متحشرجة
((لم أعتقد أن نتائج فارق العمر ستظهر نتائجها بعد زواجنا بهذه السرعة..))
اهتزت عيناه بجنون.. نفرت عروقه واستنفرت حواسه لكلماتها الباردة التي ألقتها ببساطة عن فارق العمر فوجد نفسه يزعق بها
((اسكتي وإياك جلب سيرة فارق العمر مجددا، لا تشعريني أني لو كنت أنا من أكبرك بهذه السنوات لكان اختلف حالك معي!))
احتقن وجهها باحمرار فأخفضته لكن ملامحه لم تسترخِ أو تهدأ بل مال نحوها يمسك بكتفيها بقوة، وما إن رفعت عيناها إلى عينيه الغاضبتين حتى استرسل صارخا
((أجبينني هيا، هل كان ليختلف شيء وتكوني أنتِ المبادرة الفعالة للعلاقة بيننا لو كنت أنا من أكبرك بتلك السنين؟))
زمّت شفتيها المرتجفتين بقوة مما جعله يقول من بين لهاثه الخفيض
((هل رأيت أن المشكلة بك لا بفارق العمر.. أو ربما بي أنا))
حرر كتفيها من قبضتيه ووقف متحفزا بغضب يجلدها بكلماته
((أتعلمين أني في هذه اللحظة أشعر أني بالنسبة لك لست أكثر من بنك نطف!))
تغضن جبينها واعترضت بصوتٍ متذبذب
((مَالك أخبرني بماذا قصرت معك؟ أخبرني وسأفعل من أجلك كل شيء حتى أكون كما تريد وترغب))
رد عليها بكل صراحة وفتور
((أنتِ لم تقصري تجاهي بأي شيء كربة منزل وأم، بل أنتِ دائما حريصة على أن تكوني بأجمل طلة أمامي، لكن.. هذا ليس كافيا، أنا أريدك أن تكوني حبيبة وعشيقة.. أريدك أن تكوني الأنثى التي ترضيني قلبا وقالبا..))
صمت للحظات ظل فيها يتأملها بعينيه وكأنه يتشرب ملامحها ليعري دواخلها.. ثم ارتفعت زاوية فمه قائلا
((انسِ فقط، فمثل هذا الأمور لا تُطلب! لا يمكن أن تجبر أحدا على الشعور برغبته للآخر))
اتسعت عيناها في نظرة رهيبة صارخة وهي تهدر
((رغبة؟ هذا غير صحيح أنا أرغب بك، ربما لا أرتاح كليا لجرأتك لكن ألا تشعر بي أستجيب للمساتك..))
بترت كلماتها تزدرد ريقها فرد عليها بمرارة لاذعة
((بل تتصرفين كأنك لا تحبين أن تمارسي العلاقة الزوجية معي، فلا تبدين راغبة في التودد والتقارب الحميمي معي وكأنه غير مهم بالنسبة لك وتمارسينه فقط من أجلي وحين أطلبه أنا فقط، وهذا يزعجني، بل ويدفعني للعزوف عنها، لأنها يجب أن تكون فرصة لي للتحرر من قيود وضغوط الحياة والغرق في حبك كيانا وحسًا.. لكن مهما أفعل أجدك تحولينها إلى مهمة جادة عليك تثقل من كاهلك! كأنك لا ترغبين بي ولا تحبيني..))
تشنج جسدها وهي تهز وجهها برفض لاتهامه فقاطعته بحشرجة ألم فظيع
((غير صحيح، أنا أحبك وأرغب بك أنتَ فقط! اتهامك مؤلم، فلا ترميني بما ليس بي..))
زعق بها بغضب متقد في مقلتيه
((بل ما أشعره منك هو أنّك تغصبين نفسك لتقدميها لي، أوهمك أحيانا بأنّي راضي فقط كي لا أجرح مشاعرك، لكن ما عدت أريد منك أن تجبري نفسك على شيء، وليكن في علمك.. فأنا باقٍ عليك شئتِ أم أبيتِ))
حاولت التحدث بشيء من الهدوء المغاير للغة جسدها المضطرب
((أنتَ تبالغ يا مَالك! أكل هذا لأني حملت فجأة! وأنا التي ظننت أني لو لم أنجب غير يزيد سيتزعزع زواجنا))
أعاد رأسه للخلف وغمغم بها باستنكار ساخط
((يتزعزع؟ سمية تعرفين أنه حتى لو لم يربطنا أولاد لم يكن الأمر ليقلل من حبي لك! فإذا كانت غايتك من الإنجاب كالقطة هو خوفك من تزعزع زواجنا فأنا لم أطلب منك أكثر من يزيد وتركت الأمر لقدر الله))
أضاف والشرر من عينيه يحرقانها حتى أنها وضعت يدها على صدرها باضطراب
((بصريح العبارة.. لا تجبري نفسك على شيء لا تشعرينه من أجلي، فأنا بكل الأحوال لن أحررك مني))
رمى كلماته ثم استدار فهتفت به بقلق يعتريها
((إلى أين تذهب؟))
ذعرت وهي تراه يهم بمبارحة المكان فتشبثت به من ذراعه ليقول من بين أسنانه المطبقة
((لم أعد أطيق البقاء هنا، اشعر بالاختناق وأريد تفريغ الإحباط الذي يكتسحني الآن))
اجتاحتها رغبة ملحة بالبكاء عندما سحب ذراعه من قبضتها بخشونة وقسوة ليغادر الغرفة ويصفق الباب خلفه بقوة..
تقوست شفتاها للأسفل واهتز جسدها بالبكاء..
هذه المواجهة كانت صادمة لها! إذ أنها لم تعتقد قط أن ما تقدمه له ليس كافيًا!
مثلما يجعلها تعيش أجمل أيام عمرها معه فهي بالمقابل تبذل جهدها من أجله.. تضع زينتها قبل مجيئه من عمله وتظهر أمامه بأفضل هيئة حتى لو كانت متعبة.. تنخرط مع عائلته وتودهم لأجله.. تستمر بكونها صديقة له وتصغي بحسن استماع لأحداث يومه.. تطلعه على ما يهمه من أخبار وطرائف أطفال هذا البيت..
انهارت جالسة على سريرها بضياع وكل ما فيها ينتفض ألما.. ولم يمضِ الكثير من الوقت حتى طُرق الباب.. فسارعت تمسح وجهها الملطخ بالدموع بباطن كفيها ثم تسمح للطارق بالدخول ليظهر أنها حماتها.. التي وضعت عبد الله بحذر في مهده حتى لا يستيقظ بينما تتساءل
((لقد أخبرني مَالك قبل مغادرته على عجل أنك حامل، لكن لا أدري لماذا لم أشعر بفرحه من هذا الخبر المبهج))
حانت من سمية نظرة إلى حماتها متسائلة بخفوت وترقب
((هل أنتِ سعيدة بحملي؟))
أومأت لها حماتها برأسها وأجابت
((نعم، بل هذا شيء يستدعي الاحتفال ولو أنه كان يفترض أن يكون هناك تباعد بين الحملين حتى لا تظلمي عبد الله وينال حقه في الرضاعة الطبيعية والتربية))
بددت سمية شيئا من فضول حماتها عن سبب مقت مَالك بحملها
((أشعر أنى كنت مقصرة بحق مَالك أثناء فترة حملي بعبدالله، لذلك لم يتحمس لفكرة هذا الحمل الفجائي كما رأيتِ))
أمعنت زاهية النظر على آثار البكاء في وجه سمية وقالت لها بعد لحظات
((حملك في هذا الوقت جيد، عليك إنجاب المزيد، لكن بدون أن تقصري بواجبك تجاه زوجك، وإلا سيفهم أنك تتنازلين عن حقك بعواطفه، وسيفرح بتنازلك غير المباشر ويعتبره إشارة لكي يبدأ بالبحث بعيدا عنك بامرأة قد تكون أكبر سنا منك حتى، لكنها متفرغة لإرضاء رجولته وهو المطلب الأول الذي يريده جميع الرجال))
عبست سمية بشدة من كلام حماتها الذي هزّ بدنها بينما تنصرف.. لا تفهمها أبدًا! أحيانا تشعر أنها أضحت لطيفة معها وأحيانا يكون العكس تماما..
=============================
شقة مؤيد..
بعد أن عادوا للمنزل ورغم المواجهة والمناقشة التي جرت بينها وبين زوجها إلا أنها ارتأت أن تنساها وتقوم اليوم بشيء تكافئه على مفاجأته لها بزيارة المتحف.. وقد أشعرها بالرعاية والاهتمام.. لعل ذلك يشجعه على التغير أكثر للأفضل..
فتحت خزانة ملابسها، التقطت ثيابًا خاصة تليق بسهرةٍ كتلكَ التي تعتزم فعلها الآن.. وبداخلها هناك امرأة أنثى تريد الانطلاق والتحرر وغزو حصون زوجها واحتلال قلبه وجسده..
بمجرد أن توغل مُؤيد لغرفة نومه ووقع بصره على رتيل بالثوب.. أو بتلك القطعة التي تظهر أكثر مما تخفي عليها حتى تجمد مكانه.. فاقتربت منه ببطء توصد الباب خلفه وتهمس له بنعومة وإغواء
((اليوم فعلتَ ما لم أحلم بك تفعله قط! لذلك قلت في نفسي أن عليّ مكافأتك جيدا، سأكون فتاة أحلامك تلك التي كانت تغزو فكرك ليل نهار))
بدأت رتيل ترفع أصابعها برشاقة تحل أزرار قميصه دون أن تبعد عينيها آسر عينيه.. لكن بالنسبة له بقي فاغر الشفاه لا يستوعب ما تفعله.. مظهرها، وصوتها الأنثوي المغري مماثل لفتاة أحلامه التي كان يتخيلها حقا.. لكن في نفس الوقت لا يشعر بتقبله في رتيل.. زوجته.. أم أولاده..
بدأت تسطع بعقله أطياف مشاهد لأستاذته الجامعية.. تلك التي كانت تثير تقززه وبنفس الوقت تحرك غرائزه كذكر ليتمنى أن ينالها..
تشدَّد جسده أمام لمسات رتيل بطريقة لاحظتها هي بينما صور متلاحقة لجسد الأستاذة المكتنز وشعرها المبعثر وأحمر شفاهها الفاقع بدأت تومض بمخيلته وصدى كلماتها المغوية تخرج من أعماق عقله لتتردد بأذنيه..
وتلقائيا كالممسوس نفض يدا رتيل عنه هاتفا بسخط
((يا إلهي! ما هذه الملابس الخليعة! هل تريدين مكافأتي أم التسبب بمقتلي؟ أخبرتك مرارًا أمامي كوني كما أنتِ، أنا أكره أن تضعي مساحيق التجميل الصارخة أو ترتدي ملابس كفتيات الليل))
عندما دفعها بعيدا عنه حتى كادت تسقط شعرت بنصل يطعن قلبها.. بدأت تتنفس بعنف وهي تحاول استيعاب ردة فعله! هل يراها كفتيات الليل هكذا!
وتدريجيا بدأت قسماتها تتشبع بالحقد عليه لأنه لم يتغير كما خالت ولا زال لا يعرف كيف يتقن التعامل مع الأنثى بداخلها ووجدت نفسها تصرخ فيه بمقت
((أنا أكرهك، أكرهك، أنتَ لا تعرف كيف تقدر أنوثتي))
طالع مُؤيد وجه رتيل المقهور بفتنته من ردة فعله فهتف فيها بدفاعية
((لطالما كنت كذلك، فلماذا تدعين الصدمة في كل مرة أخبرك فيها عن كرهي لهذا النوع من الإغراء المبتذل عندما تمارسينه عليّ!))
رفع مُؤيد يديه يمسح صفيحة وجهه بعذاب.. يتنفس بتحشرج غصة تقبع بحلقه بينما يسمعها تقول وصوتها يترفع بكبرياء مستنكر
((لأني لا أصدق أنك كذلك، لقد قرأت جيدا رسائلك مع دموع خاصة تلك الحميمية التي تخبرها عن مواصفات فتاة أحلامك التي تأمل أن تجدها وتتزوجها وتفعل معها كل ما لا تقبل فعله مع زوجتك المحترمة، ورسائلك مع دموع ليست هي فقط ما أمسكته عليك، في إحدى المرات عندما فتشت سجل هاتفك رأيتك تنظر لملابس رقص!))
رفع وجهه المصدوم لها ببطء ليلتمع العزم بعينيها وهي تكمل بينما تعود لتدنو منه
((كل معاناتنا في الماضي كانت بسبب كبتك وخجلك من مصارحتي برغباتك واحتياجاتك..))
اتسعت عينا مُؤيد لحظيا عندما أدرك أنها كانت تحيط علما بتفاصيل كثيرة عن حياته، أكثر مما اعتقد.. فأطبق على أسنانه وقال بصوتٍ مثقل
((ولو دققتِ أكثر في الكلام كنت ستعرفين أني قلت في المقابل لو تزوجتها فلن أعلن زواجنا أو أظهرها في النور لأني لن أفتخر بامتلاك زوجة مثلها! لأني حتى لو أحببت هذا المظهر بالمرأة سأظل أحتقر بداخلي أي نموذج مشابه للفجور التي كانت أستاذتي الجامعية أول مثال جسدته لي على أرض الواقع..))
احتقن وجه رتيل بينما تراه يشيح بوجهه يبتر حديثه الغامض.. وقبل أن يبتعد من أمامها تشبثت بمرفقه توقفه هادرة وقد بدأ صوتها يحتد بحزم
((تحدث بشكل مباشر وصريح، وتجنب اللف والدوران، من هي الأستاذة الفاجرة التي تظنني أشبهها هكذا؟))
ابتعدت ذاكرته إلى بداية أيامه في الجامعة.. تحديدا عند بدء تلك العلاقة المشبوهة التي كانت بينه وبين الأستاذة خلال أشهر هي مدة المقرر الذي أعطته له.. حيث بدأت بتبادل أرقام الهواتف بحجة تقديم معلومات علمية خدمة للاختصاص، قبل أن تتحول اتصالاتها إلى عبارات غزل، وتوجيهاتها إلى طلبات شخصية، وانبهارها بتفوقه إلى إعجاب بالجسد..
عاد مُؤيد للواقع وصمت في البداية دون أن يجيبها بشيء.. فما الفائدة التي سيجنيها مقابل ذلك؟ شفقتها؟ احتقارها؟ نفورها من نفاقه؟
هزَّ مُؤيد رأسه يلجم هذه الخواطر عنه إذ أنه ولأول مرة أدرك أنه يريد حقا تجنب الإنكار وتجاهل المشاكل فخرج عن صمته وتسلح بالصراحة وهو يبدد أسئلتها العديدة
((بدأ كل شيء عندما كنتُ في أول سنة، وذهبت مرة لمكتبها لأراجع علامة في مادتها قد أعطتني فيها أقل مما أستحق، لكن تفاجأت بها تغلق الباب خلفي ومن ثم تخلع قميصها بذريعة ارتفاع درجات الحرارة وتظهر تحته بقميص فاضح.. وفي الأيام اللاحقة لم أكن غُرًا حتى لا ألاحظ كيف تميزني عن باقي الطلاب في المحاضرة وكيف تظل تستعديني لمكتبها بأي حجة، حتى وصلت بها الجرأة أن تعترف أمامي بانجذابها لي وتبدأ بإمطار هاتفي بالعديد من الرسائل الغرامية والغزليات.. كانت تغلق المكتب علينا وتظهر أمامي بمثل هذه الملابس التي ترتدينها الآن كمحاولة منها لإفقادي عقلي والسقوط في مستنقع علاقتها.. كانت تتصل بي في وقت متأخر من الليل، محاولة خلق حديث سخيف، تعبر فيه كل مرة عن إعجابها وعن رغبتها في الارتباط بي.. طبعا خارج نطاق الزواج فهي متزوجة بالفعل))
صُدِمَت رتيل بشهقة واضعة يدها على فمها مِما جعله يردف بصوتٍ متحشرج
((ورغم انجذابي لها الكبير إلا أنه كان لا يخلو من الاشمئزاز منها.. قد أتقبل أن تكون فتاة أحلامي شبيهة بها لتشبع رغبتي القديمة في الحصول على مَّا تعرضه عليّ بالحلال.. ولكن لن أستطيع تقبل ذلك منك أنتِ زوجتي وأم أولادي))
كانت رتيل حقا مصدومة ففي القديم الجميل، كان الطلاب يتحاشون لقاء المعلم، يهابونه من بعيد، بينهم وبينه مسافة كبيرة، تجعلهم يخافون غيابه قبل حضوره، لم يكن بينهم أي شيء مشترك غير القسم أو المدرج.. سألته بصوتٍ بالكاد خرج من فرط صدمتها بما تفوه به
((لماذا لم تحاول الشكوى عليها أو تهديدها بفضح ما تفعله من أمور مشينة!))
ازدرد مُؤيد ريقه وهو يرد بعينيه الزائغتين
((إذا قلت لك أن السبب الذي دفعني ألا أوقفها عند حدّها هو خوفي من غضبها الذي قد يعصف بنتائجي، سأكون كاذبا.. لأن الحقيقة هي أني كنت مستمتعا بإغرائها لي وما تعرضه من مفاتن وغزل بينما أرتدي أنا ثوب الطالب المقهور قليل الحيلة ولا يجد طريقة تتيح له الهروب من براثن أستاذته التي تريد أن تراوده عن نفسه.. نعم فرغم احتقاري لها واشمئزازي منها كنت راضيا بما تقدمه لي ولم أقطع عليها الطريق!))
قطبت رتيل حاجبيها واتقدت عيناها بغضب لكن لانت ملامحها قليلا وهي تلمح تأنيب الضمير والعذاب الذي يرتسم على ملامح وجهه قاطعا عليه سبيل إكمال الكلام..
تهالك مُؤيد جالسا على أقرب ورفع أصابعه يبعد شعره القصير عن ملامح وجهه التي تتزايد فيها ملامحه المثقلة بالذنب..
بتردد وضعت يدها على كتفه فسمح لها أن تربت عليه وتمنحه الدعم، مستشعرا الدفء يسرى بجسده من ملامستها وكأنها تطرد الأحمال المثقلة بالأوزار التي تسللت إلى أعماقه فجأة..
همست محاولة ابتلاع تلك الغصة بحلقها
((إذن كان الأمر لأشهر وانتهى بانتهاء المقرر؟))
ازداد خوفه من طريقة تفكيرها به في هذه اللحظة حتى أنه لم يقدر على وضع عينيه بعينيها شاعرا بحمم بركانية تصب على قلبه المعذب حتى أجابها باختناق
((نعم كان لأشهر فقط، وانتهى عندما انتقلت هي إلى جامعة أخرى، وكانت الشائعات تقول بأن زوجها طلقها عندما كشف خيانتها مع أحد طلابها.. طالب آخر غيري.. وفضحها أمام الجميع فضيحة مدوية جعلت حياتها مهددة بالخطر من قبل عائلتها))
كأنه كان يريد تبرير طريقة تفكيره منذ زواجهما فأردف فجأة بتشتت وضياع
((عندما يتعلق بالنساء.. فمنذ حادثة تلك الأستاذة الجامعية، صرت أعاني من أزمة ثقة في النساء مثيلاتها))
لم تكن تريد التركيز أنه مخطئ فيما يفعله ولكن بأنه يلومها بتصرفاته المضطربة.. فهدرت معاتبة بشدة
((إذن لهذا أنتَ لا تحب حتى أن أخرج من المنزل وتسجنني بين جدران المنزل؟ تخاف أن أتصرف مثلها لو كنت بمحلها؟))
تطلع بوجهها نافيا بخشونة واضطراب
((لا، لا، لا، الأمر ليس كذلك! في أكثر لحظاتنا حرجا عندما كنت في منزل غنوة لم أصدق حرفا عنك لأني لا أثق بأحد كما أثق بك، ولكن أنا.. فقط.. لا أريدك امرأة منفتحة ومطلعة على كل شيء، أخشى أن يلوثك شيء من دنس تلك النساء))
تغضن جبينها فرفع كلتا يديه يحتضن وجهها وهو يقول في حالةٍ يائسة من الدفاع عن نفسه متواريا عن تخبطه
((أنتِ جوهرتي الثمينة وسياج أمانيَّ الذي أحفه من كل مكان حتى لا يتلوث بالدنس.. أنا أحرم نفسي وأكبتها من التمتع بجمَالك ولا أحثك على التزين لي، وأضع لنفسي ضوابط معك رغم أنك حلالي حتى لا ألوثك، هذه كانت طريقة حبي لك.. نعم رتيل أنا أحبك..))
أسرتها المفاجئة لأخر كلماته فصمت قليلا ووتيرة تنفسه تتزايد فانحنى برأسه لها كأنه يسألها العفو والتفهم متذللًا إليها
((ربما لم أقل يوما أني أحبك صراحة ولكني كذلك.. في البداية كنتِ من وجهة نظري الزوجة المثالية التي تهتم بي وتلبي جميع طلباتي وتحافظ لي على تنظيم المنزل، وفي الوقت نفسه تحفظني في غيابي.. ولكن لاحقا ولا شعوريا غزا حبك في دمي ومشاعري المكبوتة))
كانت رتيل لا زالت مصدومة لسماعها صراحة كلمات الحب لكن ليس بصدمته هو من نفسه.. حتى أن تساؤلات كثيرة انتابته.. كيف حصل هذا ووجد نفسه فجأة واقعا في عشقها هي.. من كانت زوجته منذ سنوات طويلة.. لا يدري.. وعمّ صمت مشحون بينهما ومثقل بمشاعر متناقضة لكن تحول احتدت ملامح رتيل تدريجيا، قسرًا من تفكيره المريض والمعقد والذي لا تستطيع تقبله بهذه اللحظة.. ووجدت نفسها تنتفض عليه زاعقة برفض
((تناظر لمفاتن امرأة وتخرج معها للحفلات حتى تشبع احتياجاتك وتتركني مخنوقة بين الجدران بحجة عدم تلويثي لأن هذه هي طريقتك بالحب! لا شكرا لك، لا أريد حبك، أعط شرفه لامرأة أخرى وأنا سأتركك قبل أن أفقد ما تبقى من عقلي من تفكيرك المضطرب، فأنتَ لا ترحمني بل تخنقني بقسوتك..))
وكانت تهم لتقوم عنه بازدراء كمن لا تتحمل رؤيته بطريقة جعلته يشعر بألمٍ وحشيّ ينخر قلبه، فاهتزت مقلتيه بعشق يحطم أعصابه لا يطيق فكرة فقدها.. اندفع يتشبث بها بقوة ويمسك يديها ليعيدها ويهتف فيها بلهفة وانكسار تراها للمرة الأولى بعينيه
((ما الذي تقصدينه!))
هزَّت رتيل رأسها مترددة وقالت
((إذا كنت أنا بالضبط كما تريد وتتمنى أنتَ، فما أريده بالرجل وأتمناه ليس موجودا بك، فأنتَ لا تعترف بكل احتياجاتي كأمور مهمة وتراها تفاهات، أنا أرغب بتركك حتى لو كان فيك كل المواصفات التي تحلم بها أي زوجة من مال ومظهر اجتماعي مرموق))
نظر مُؤيد لوجهها المتألم بألم أكبر وعيناه تهتزان ولسانه يهمس ثقيلا مستنكرا
((تتركيني حتى بعد كل هذا التغير الذي أجبرت نفسي على الإقدام عليه!))
نظرت رتيل لعينيه اللامعتين وهي تشعر برجفة كفيه الممسكة بيديها لكنها تلمست بيأس تفهمه
((مُؤيد عليك أن تبدد أوهامك عن الطُهر والدناسة، كانت تلك الأستاذة امرأة فاجرة بما تطالبه منك، أما أنا لو فعلت نفس الشيء فهذا لا يشينني ولا ينتقص مني، لأني امرأتك.. حلالك.. ولا خطأ في أن أكون أنا زوجتك نفسها فتاة أحلامك!))
لم تسيطر على أنين قلبها وهي ترى ملامحه تزيد اضطرابا وعذابا، لكنها استرسلت
((أنا بحاجة منك أن تكون تطبطب عليّ في وقت ضيقي، في الماضي كان أحيانا يصل بي الأمر أن أنتظر نومك حتى ألامسك من فرط حاجتي لاحتوائك.. كنت أحزن عندما تتركني في بيت عائلتك وتذهب لعملك لما يزيد عن أسبوعين وأشعر بالشوق لك وأظن أنك الآخر مشتاق لي وستندفع نحوي حاضنا إيَّاي بشغف بمجرد عودتك، لكن أكتشف بأنك تعود مشتاقا فقط لقضاء وطرك مني.. ومن هنا بدأت أرتاح في سفرك وابتعادك عن المنزل، لا كي أذهب لبيت غنوة فقط بل لأن ابتعادك عني يساعدني في نسيان احتياجي للحب والاحتواء منك))
تسرب احمرار لعينيه حتى بدتا كالجمرات من حمرة الدماء وهي تردف بلا هوادة
((عندما أخبرتني أن الحب والغزل والكلام المعسول لا تحبه صدقتك واقتنعت بنصيبي لكن عندما أعرف أنك مستعد أن تظهره لفتاة أحلامك وأن تفعل معها كل تفاصيل العلاقة الزوجية الملتهبة يجعلني أشعر بالسخط عليك.. طريقتك في التعامل معي هي سبب من أسباب دفعي للتمرد بالذهاب إلى منزل غنوة من وراء ظهرك، لأني كنت أكره إهمَالك لي وإجحافك بحقي، وشعرت بأن لي مطالبًا أيضًا مثلي مثلك، فأنا بشر وأريد أيضًا أن أخرج وأحب وأعيش))
لم تنحسر ملامحه عن حالها بل ظل يطالعها بعينين حمراوين لم تعهدهما به قط.. لتكمل حاسمة النقاش
((مُؤيد عليك أن تعرف أني كامرأة لا أستطيع أن أعيش حياة مليئة بالجفاء والبرود، دون مشاعر وأحاسيس دافئة.. تعبت طوال سنوات زواجنا من محاولة تغييرك دون نتيجة.. أرجوكَ تغير فأنا لن أستطيع تغييرك مهما فعلت إذا لم ترد أنتَ ذلك حقا من أعماقك))
أطبقت جفنيها بألمٍ حقيقي وسحبت يديها لتحيط هي بكفيه هذه المرة وهي تكمل بحزم أنثوي قاتل
((عليك أن تدرك أن ما تفكر به وما تفعله لا يقبله منطق فتصرفاتك لا غير جائزة قانونا وشرعا، وانا ارفض أن أتقبل اختلالك على حساب احتياجاتي الفطرية.. وفتاة أحلامك..))
أجفلها صوته الخشن يصدح فيها بقوة ويقاطعها
((توقفي عن الحديث عما ارغبه في فتاة الأحلام، وتبا لفتاة الأحلام التي أردتها يوما))
احتدت ملامحها الواجمة المكفهرة وهي تبادله الهتاف
((إذن بما أنك ألغيتها من تفكيرك أريد أن تحقق كل ما كنت تتمناه لها معي أنا يا مُؤيد..))
اتسعت مقلتاه بينما تكمل وهي تسحب يدها وتضرب صدرها بانفعال عاطفي جعل قلبه في صدره ينبض بتحفز
((مسألة استمتاعي بالعلاقة الزوجية وتفاعلي معك له علاقة مباشرة بثقتي بنفسي وتقديري لذاتي ومشاعري.. من حقي الاستمتاع بزوجي لأقصى درجات المتعة.. من حقي أن أظهر لك الجانب الآخر من أنوثتي..))
هدأت ثورتها تدريجيا وهي تلهث مكانها قبل أن تميل بوجهها له وتربت على خصلات شعره السوداء الكثيفة برقة متناهية..
نفحات من رائحة قربه لفحتها فاحتبست أنفاسها في صدرها تستنشقها بتلذذ، وبقلب خافق أخذت تتلمس بعينيها كل جزء من حصن زوجها الجلف.. الخشن.. الذي تكره حياتها معها ولكن تريد أن تحبه..
أخفضت يدها لوجهه بأصابعها الناعمة
((دعني أكون نارك التي تلتهب في أعماقك.. جرب أن تغرق معي دون أن تطلق أي أحكاما جائرة عليّ))
وكان هذا ما فعله، فسمح لوجهه أن يقترب منها لتلفحها أنفاسه المحمومة وهو يهمهم في أذنها بصوتٍ راغب اقشعّر جلدها
((أنا لا أرى أمامي الآن إلا فتاة أحلامي التي وجدتها بعد سنوات من البحث، وسأتصرف على هذا المنوال))
كله كان يصرخ بتوق غاضب منها وجسده يموج في ارتعاشات عشق.. وسرعان ما هجم بأشواقه ومشاعره العاصفة نحو جسدها الغض الخمري.. فمه يجتاح فمها بسفور.. وأنامله تعيث فسادا بتفاصيلها الناعمة.. يقبض على شعرها بأصابعه ليثبت رأسها.. يتنفسها..
أرضتها خشونته.. وأججت من أنوثتها.. رفعت ذراعيها لتحيط رقبته وتقربه منها فتبادله كل شيء وقلبها يدوي بين ضلوعها بصخب.. مغمضة عينيها من قوة تدفق هذه المشاعر داخلها.. كفيضان جارف.. إعصار هائج..
تأوه في عمقه.. وهو يراها جريئة قوية متفجرة تستجيب بعاطفتها كقطة برية.. فتثير جنونه..
حلقا سحبا أمطرت مشاعر في أوج توهجها، وهدرت نبضات قلبيهما وامتزجت سويا لتعزفا لحنا متناغما..
بعد وقت في ثنايا الليل.. فتحت جفنيها ليقابلها الظلام الدامس..
يبدو أن الليل داهمهما والنوم سرقهما لساعات..
فتحت نور الأباجور الخافت وبدأت تتمطى وتهمهم همسا متخمة بلذة الشعور بين ذراعيه القويتين..
وما لبثت أن أفلتت شهقة مرتاعة أفلتت من بين شفتيها الحمراوين عندما دفعها عنه وهو ينتفض جالسا..
رمق نفسه بازدراء.. ولجسده الذي اشتعل تحت لمساتها عندما تصرفت أمامه.. مثل.. مثل.. غانية.. رخيصة..
حول نظراته لشفاهها المتورمة.. جسدها الموسوم بلمساته، وآثار اجتياحه..
ودون أي مقدمات انكمشت ملامحه قبل أن يبتعد عنها نحو المرحاض يفرغ ما بجوفه شاعرا بأحشائه تتمزق اشمئزازا..
ملامحه المتصلبة، وعروقه نافرة، وعينيه استحال بياضها أحمرًا كالدم..
اغرورقت عينا رتيل بعبراتٍ إذ عرفت بما يفكر..
.
.
في الصباح..
دلفت للغرفة ووضعت صينية الشاي والبسكويت أمامه تدعوه دون تواصل بصري بينهما لأن يأكل..
فأخذ رشفة من كوب الشاي، وقضمت هي قطعة البسكويت حتى لا تشعره بالضغط وخيبة أملها منه.. إذ أنها تدرك بأنه من الصعب عليه أن يتحرر كليا من كل معتقداته المترسخة فيه، إذ أنه لا يزال يظن أن ما فعله واستجابتها له تنتقص من شأنها كأم وزوجة محترمة!
وضبت المنضدة ثم عادت تغلق الأنوار لتحظى بساعة نوم قبل موعد استيقاظ الطفلين للمدرسة..
وعندما تمددت على السرير معطية ظهرها له شعرت بذراعيه يطوقانها.... يائسة.. وعاشقة..
ترقرقت العبارات في مقلتيها مجددا فأطبق شفتيه يتنفس بصعوبة خوفا من رحيل روحه مرة أخرى.. ثم جاء صوته المعذب فجأة متسائلا
((هل سترحلين عني رتيل بعد أن أدركت أني شخص ميؤوس منه؟))
التفت تواجهه وتضع يدها على خده ترد عليه
((كل العواطف التي عشتها معي قبل قليل تجعلني أتمسك بك أكثر من أي وقت مضى، عليك أن تعي فقط بأن أمر استجابتي لك لا يشينني ولا ينتقص مني فأنا امرأتك، حلالك.. الغاية من علاقتنا الزوجية أن يكون كل واحدا منا متحررا، تلقائيًا، شغوفًا، مُتشوقًا للآخر والأهم أن تتسم بالرضى والإشباع))
ابتسم لكلماتها التي أضاءت شيئا من عتمة أفكاره.. كمن وجد فيهم سلاما نفسيا..
ظلت تناظره تستكين أكثر بين ذراعيه بالوقت الذي استمعت إلى تنهيدة ارتياح من بين شفتيه.. فأسدلت جفنيها محاولة الاسترخاء والاستغراق في النوم..
=============================
بعد الترتيبات الأولية بين عائلة الكانز وأخوال شيرين تم تحديد هذا اليوم ليكون موعد للجاهة والطلبة..
وفي قصر الحاج يعقوب الكانز.. تحديدا في غرفة المعيشة تطلعت رتيل لدارين وأنَّبتها
((لماذا ارتديت مثل هذا الملابس المبهرجة! أنتِ تعرفين أن اليوم ستكون جاهة الرجال لخطبة أباكِ ولن تذهبي يا دارين))
عبست دارين في وجه زوجة عمها لكنها لم ترد عليها فتركتها رتيل على راحتها قبل أن تميل لسمية وتنتشلها من شرودها الحزين هادرة
((كيف هي علاقتك مع مَالك؟ لماذا يبدو عابسًا؟))
جفلت سمية على كلام رتيل وقالت بشيء من الخشية
((هل لاحظت ذلك؟ هل كان عابسا لدرجة المفضوحة!))
زمّـت رتيل شفتيها ثم تشدقت
((إذن هناك مشكلة بينكما أنتما الاثنين كما خمنت! عرفت ذلك من الحزن اللامع بعينيكِ أنتِ، أمَّا مَالك بدا طبيعيا!))
اكتنف وجه سمية الذابل مرارة وقالت
((لسنا متشاجرين يا رتيل.. كما آمل.. لكني أشعر حقا.. شعور حقيقي لا مجرد خاطر تشاؤمي أني لست كافية له.. كان يأمل الكثير مني بعد الزواج وأنا خيبت آماله..))
قوّست رتيل حاجبيها متسائلة
((لم أفهم كثيرًا، ماذا تقصدين؟))
أطلقت سمية نفسا طويلا ثم بدت مشوشة ومرهقة للغاية وهي ترد
((ولا أنا أيضا أفهم ما يريد))
أمسكت رتيل ذراعها وطالبتها بحزم
((إذن اجلسي معه أكثر وافهمي ماذا يريد ثم تثقفي وطوري مفاهيمك، لا يجب عليك أن تعيشي كما عاش السابقون منا ولا يجب عليك أن تكوني على تلك الصورة النمطية التقليدية..))
لفّ وجه سمية الاهتمام لتكمل لها
((لا تبقي جامدة فكريا.. تعلمي وتثقفي واقرئي في أمور الحياة والزواج فالسعادة لا تأتي للجاهلين))
هرول باسم نحو أمه يجتذب انتباهها قائلا
((أمي أسرعي بنفخ هذه الكرة أريد أن ألحق كي ألعب مع فهد ويزيد..))
تناولت رتيل الكرة والمنفاخ منه لتفعل ما يريده عندما جفلت على صوت حماتها الممتعضة من عدم مبادرة رتيل أو حتى أولادها للسلام عليها وبادرت تخبرها بجفاء
((رتيل يحتاجونك قليلا بالمطبخ، اذهبي لمساعدتهم!))
تدفقت الدماء في وجنتيها.. فهذه هي زيارتها الثانية أو الثالثة إلى هنا منذ عودتها لمُؤيد ومع ذلك لا تطيق أبدًا أن تتعامل معها بأكثر من إلقاء السلام، وولديها نفس الشيء رغم أنها تنبههما جيدا ببرها حتى لا يعيب أحد على تربيتها! فقالت بصلابة لحماتها المتجهمة
((عمتي أنا أريد أن أكتفي بالجلوس هنا ولا وقت لدي للمطبخ))
ازداد تجهم زاهية وهي تردد باستياء
((هل تعارضين لي طلبا!؟))
أشاحت رتيل بوجهها عن مرمى بصر حماتها وردت بخفوت دون أن يهتزّ لها جفن
((أستميحك عذرا يا عمتي ولكن لن أفعل ذلك أسوة بباقي زوجات أولادك))
لم تندم رتيل على رفضها طلب زاهية، فعليها أن تسمع منها كلمة "لا" غالبا عندما تأتي هنا.. وأنها في الماضي عندكما كانت تخدمها فقد كانت تفعل ذلك بإرادتها.. عليها أن تعرف أنها ليست مكسورة الجناح لتظل تحاسبها على زلتها سابقًا رغم أن خطأها أقل بكثير من خطأ ابنها.. بخلاف أنه ليس من السهولة أن تنسى ما فعلته بها من تحريض مُؤيد البالغ عليها وللزواج!
تجولت عينا رتيل غرفة المعيشة التي تجلس فيها بحنين عارم.. وكم آلمها أن تشعر نفسها غريبة في مكان احتضنها لسنوات من حياتها.. لكنها الآن تعيش حياة تكتنفها السعادة بانفصالها في بيت آخر لها وحدها مع عائلتها الصغيرة حتى لو كان البيت ضيقا..
بدأت بنفخ الكرة متمنية ألا تشي حماتها بشيء من أسرار ماضيها لحماها.. فلطالما حظيت في الماضي منه التعويض والطبطبة من أفعال زوجها، ولا تريد لو عرف عن سرها شيئًا أن تكتنفه شكوك وخيالات، ومشاعر نحوها تحط من قدرها وتسيء إلى مكانتها عنده..
أما زاهية فبعد أن أيقنت أن رتيل لن تصغي لها رفعت عباءتها الثقيلة وانتفضت واقفة تبارح المكان بغضب مشتعل فيها ولم تعد تتحمل البقاء هنا معها!
.
.
دلفت لجناح زوجها تجده يتجهز ويضع الشماغ والعقال فوق رأسه.. فعبست ملامحها وهي تقول
((ألا زلت مصرا يا حاج حتى آخر لحظة الذهاب مع ابنك ليطلب خريجة السجون!؟))
طالع يعقوب زوجته هادرا بخشونة
((لقد قال بأنه سينتظر أشهر على وفاة وليد قبل أن يطلبها رسميا بنفسه وحيدا لو تطلب الأمر، وأنا ما كنت سأخلف الذهاب مع بكري وكأنه دون عزوة أو سند، خاصة وأني سبق وأعلمت وجهاء العائلة والقرية ونلت مباركاتهم وترحيبهم بالأمر))
ورغم سخط زاهية وعدم رضاها عن طلب ابنها لخريجة سجون حتى لو كانت بريئة وجدت نفسها على مضض تمسك زجاجة عطر الفل والبخور وتضعها على ثوب زوجها كما هي معتادة أن تفعل قبل خروجه لأي مناسبة مهمة.. بينما تغمغم بغيظ
((وكيف لن يوافق الوجهاء! ألم تكن فكرة زواج مُعاذ من خريجة السجون فكرتهم! بل ربما هم من أقنعوه بالإقدام على الزواج منها حتى لو ترتب عليه أن يغضب عائلته، وكل هذا حتى يظهروا بمظهر الرجال أصحاب الشأن ومن ذوي المروءة والكرم بعد أن استنجد بهم أخوالها.. وأكثر ما يغضبني أنك يا حاج لا تظهر سخطا كافيا أمام مُعاذ يدل أنك مجبر على الذهاب معه))
تغضنت ملامح يعقوب المهيبة بالامتعاض وهو يرد
((أنا ساخط على اختياره بالفعل لأنها سبق وكانت متزوجة من ابن عمه ولكني لست مجبرا!))
ثم رمق زوجته بنظرة قوية ذات مغزى متابعًا
((مثلما تقبلتِ أن يتزوج مَالك من امرأة لا ترينها مناسبة له من أجل سعادته فعليك تقبل المرأة التي اختارها مُعاذ أيضًا))
.
.
في مجلس الرجال الذي تملأ أرجاءه رائحة البخور المنبعث من المبخرة الطينية الضخمة جلس الإخوة الخمسة مع بعضهم بانتظار خروج أباهم للذهاب كجاهة واحدة لمنزل خال شيرين..
شبَّك مُعاذ الذي كان متأنقا متأهبا أصابعه ببعضهم.. خلال الأسابيع الماضية كان منشغلا بين العمل وبين ترتيب تجهيزات شقته وحتى أمور حجز شهر العسل، إذ كان يخطط حقا لإعلام خال شيرين بطلب يدها إن جاءه الرد منها أو لا..
جلس مُؤيد بجانبه ومد يده فوق كتفه يبثه الدعم
((إذن يا عريس هل كل شيء على ما يرام؟))
استقرت بسمة صغيرة على ثغر مُعاذ وقال بامتنان
((شكرا لك يا مُؤيد الغالي، لولا دعمك لي لما كنت سأعجل بأمر زواجي بكل هذه الثقة، فأنا بعد كل شيء واحتراما لعائلة شيرين لم أحب أن أذهب وحدي للجاهة، فهي الخطوة الأولى في موضوع أي زواج، ولا يمكن الاستغناء عنها أو التقليل من أهميتها ومكانتها))
عقد مُؤيد حاجبيه لأخيه الذي كان في حياته حضور لصديق أبدي، ورفيق أول للطفولة، وصخرة يستند إليها.. ثم عاتبه
((وماذا فعلت أنا غير أن أعلنت مرافقتك، أيًّا كان من اخترت تزوجها!))
قاطع مَالك هذا المشهد المؤثر وهو يلكز مُعاذ هاتفًا به بغضب مزيف
((ألا ترى أحدا آخر غير مُؤيد! نحن جميعا قلنا سنتواجد معك وقت الجاهة بغض النظر عن أي شيء آخر))
دعم مُصعب كلامه وهو يرد بسعادة مشعشعة في عينيه
((لا تتصور فرحتنا جميعا بزواجك الذي تأخر وقته يا مُعاذ!))
عقب مَازن بمرح وهو يشد على كتف مُعاذ
((أخيرا ستتزوج يا أخي وسترزق بيعقوب الصغير، لن ندعوك من الآن إلا أبا يعقوب))
ضحك مُعاذ بخفوت ثم قال بامتنان وتثمينًا لمعروف إخوته وهم يغمرونه بدعمهم ومساندتهم
((شكرا لكم جميعا، حفظكم الله ذخرا وعزوة وسندا لي))
رد عليه مُصعب مبتسما بكلمات حملت فخرا
((وحفظك الله لنا يا مُعاذ لطالما كنت الأب الثاني لنا ومصدر عزتنا وفخرنا وسندنا في هذه الدنيا وعوننا بعد الله سبحانه وتعالى، مهما عبّرنا عمّا بداخلنا عنك تبقى الكلمات قليلة))
وعند الزاوية كان الحاج يعقوب يطالع أولاده عن كثب بعينين تتلألئين بالعاطفة والفخر وهو يرى أجمل مشاهد الإخوة بين أولاده.. فما يربط بين أبنائه الخمسة ليس مجرد رابطة دم فقط ولكنها مشاعر ولحظات ومواقف مشتركة اجتمعت معًا لتكون ذكريات لا تنسى أبدا..
أولاده نعمة الله عليه العظيمة في الحياة والتي لا يضاهيها نعمة وتعجز الحروف عن وصفها.. هم رغم كل مصائبهم التي لا تنتهي الأصدقاء له والعوض والسند..
أغلق جفنيه يناجي الله أن يحفظهم بعينيه التي لا تنام.. فهم لبعضهم أثمن ميراث قد يتركه هو وزوجته لهم..
.
.
توجهت الجاهة الى بيت أحد أخوال شيرين الذي تقطن في منزله.. وقام خالها مع الباقين باستقبال الجاهة والترحيب بهم..
جلس كبير الجاهة الحاج يعقوب والباقي ممن جاؤوا معه على إحدى الأرائك المتراصة في جلسة عربية الطراز بينما يتم تقديم القهوة السادة للضيوف، وقبل أن يشربها يعقوب وضع الفنجان على الطاولة الصغيرة أمامه، ونهض واقفا، ملفتا إليه أنظار الحاضرين، وكلهم آذانا صاغية، يكاد لا يسمع همسا لهم..
ثم بدأ بالكلام نيابة عن ابنه مخاطبا الحضور، ومركزا نظره تجاه خال شيرين صاحب هذا البيت، بتلاوة آية من القرآن الكريم عن الزواج ثم ذكر محاسن أهل العروس وعائلتها والتشرف بنسبهم، قبل أن يطلب يدها أخيرا
((ولنا الشرف وكل الشرف لنطلب يد ابنتكم شيرين إلى ابني مُعاذ، على سنة الله ورسوله، وقيمة المهر الذي تضعونه وكل شروطكم نوافق عليها))
رددَّ خال شيرين معبرا عن موافقته وتقديره للجاهة
((الابنة ابنتكم، اشربوا القهوة))
ورفع الجميع أيديهم يقرؤون سورة الفاتحة..
وبدأت فناجين القهوة تقدم لكل الضيوف ومن حضر للمشاركة بالطلبة بسخاء وترحيب لهم مع المشروبات الأخرى والحلوى وهم ينثرون التهاني والتبريكات..
.
.
جاءت زوجة خال شيرين إلى غرفتها قائلة بلهفة وذهول
((لقد جاء الرائد بجاهة كبيرة ضمت عائلته وأفراد أسرته وأصدقاءه ومعارفه وجيرانه والكثير من وجهاء قريتنا وقرى أخرى، لم أر جاهة بكبرها))
وصلت خفقات قلب شيرين عنان السماء وهي ترى كل ما فعله مُعاذ من أجلها تعبيرا منه عن احترامها ورفعا لمقدار ومقام عائلتها لكن تلاشت ابتسامتها عندما قالت ابنة خالتها
((سمعتهم يحددون موعد عقد القران والزواج بعد أسبوع.. لكن خسارة لن يقام أي زفاف لك بسبب غياب الفترة الكافية لمقتل مطلقك))
هتفت زوجة الخال بسخط واستياء
((وما همها بالزفاف ومظاهر الفرح الباذخة تلك! سبق وحظيت بها في زواجها الأول المشؤوم ولم تسعد فيه يوما))
قبضت شيرين على صدرها علّها تحاول التخفيف من ذلك الألم الذي اغتالها فجأة بقسوة عند ذكر سيرة وليد.. قبل أن يضج صوت وصول رسالة لهاتفها والتي كانت من مُعاذ فكانت بمثابة مواساة لقلبها لينهي أي بؤس دامي بكلمات بسيطة شاعرية
"مبروك لي أنتِ يا عروستي"
مسدت على قلبها بلطفٍ لتهدئ من صخب وتزايد دقاته وتنفست بعمق قبل أن ترد برسالة منفجرة الأسارير
"أليس من المبكر أن يكون عقد القران بعد أسبوع فقط؟ لا أشعر أننا تعرفنا على بعضنا بما يكفي"
رد عليها على الفور برسالة
"بعد الزواج سنتعرف على بعضنا بقدر ما تريدين! الآن طلي قليلا من نافذة غرفتك"
هرعت نحو النافذة تبعد الستائر لتراه بكل وسامته وهيبته يقف أمام سيارته.. يحدق بتحفز نحو نافذة غرفتها قبل أن يبصرها تظهر أمامه بحجابها الوردي! وكم بدت جميلة بشكلٍ استثنائي.. متوهجة بملامح ريفية..
ارتعشت شفتها تأثرا به.. بحبه.. وكأن أحلامها كلها تتحقق في لحظه أمامها.. فبدأت عيناه تمسح هيئتها، تلتهم فيها أشهر غياب جافية.. لأول مرة يشعر برغبة التهام أنثى.. أن يدسها داخله بأي طريقة..
لكن هانت.. أسبوع وستكون له.. ملكه..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع وثمانون 87 - بقلم Hya Ssin
أيا معاذ أندرت ارضنا من مثلك الرجال
فقد تحوجنا من يندنا رجولة و شهامة
مؤيد ما عرفنا اي الطقوس تهوى و تتقمص
لكن بفكرك الخريفي تهاويت للندامة
انشرح البال بك رغم غموضك يا مصعب
تخفي الود للمعشوق و لا تخشى فيه ملامة
هو في اثنان واحد له انتصاف ما شابهه
يظل بالرزانة و الحلم أن يبقى عريس زمانه
آه من مازن شقيق من قبله نصفه الثاني
ما خلا من طيش و عبث دوما يلقى الملامه
من حسب و شأن ازدان ظاهره يا قصي
عشق تملَّك قلبك , بالحبيب رجوت دوامه
طغى و تجبر و ظلم يحسب بتفكيره الوليد
ارتدت افعاله صفائح سود من قتامة
أيا حاج اشتعل الرأس شيبا قد خلف خمسا
بالخير أنت لهم عونا ما بقى من العمر أيامه
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن وثمانون 88 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثامن والثلاثون
بعد مرور أسبوع..
افتتح المأذون المكلف بعقد القران الجلسة بالصلاة على النبي الكريم بينما يسلم يد مُعاذ في يد خال شيرين نيابة لعدم وجود عصبة لها من جهة الأب، ثم قام بتغطية أيديهما بمنديل أبيض مزين الحواف باسمي العروسين مكملًا حديثه..
استرق مُعاذ النظر لشيرين الجالسة بالجانب المقابل له قرب خالها، وقد تهلل وجهها بفرحة وتورَّد بنظراته التي تأسرها، يودّ لو يحملها يهرب بها دون قدرة له لمزيد من الانتظار والترقب..
بدأ يردد من خلف المأذون وهو يعد قلبه الثائر بين ضلوعه أنه لم يبقَ الكثير حتى تكون مُلكه..
بمجرد أن أنهى المأذون عقد القران حتى انطلقت زغاريد النسوة من داخل وخارج المجلس إيذانا بتقييد القلوب وربط الأسماء بالميثاق الغليظ، وتعالت عبارات التبريك والتهاني وتمني السعادة لكلا العروسين.. وفي أثناء ذلك استقام مُعاذ متوجها لمن أسرت قلبه وملكت عقله وقد ازدانت في هذه المناسبة بثوب أبيض تألقت به رغم بساطته..
استقامت مكانها فأمسك يدها يسندها في وقفتها مبتهجا بحسنها، مُمرًا عيناه لملامحها السعيدة رغم خجلها وارتعادها لتتذوق احتضانه..
دنا بوجهه يلثم جبينها لثوانٍ قبل أن يتعانقا برقي تغشاهما هالة حب سطعت لهما فقط..
أطبقت شيرين عينيها بقوة.. ذراعاه كانتا قويتين حتى كادت تشعر بقدميها ترتفعان فوق مستوى الأرض..
ابتعد عنها قليلا يهدر لها بصوتٍ يضج رجولة وهو ينظر في عينيها المشعتان
((مبارك يا عروسي..))
ولاإراديا رسمت ابتسامة بشفتيها الملتمعة بمرطبٍ ورديٍّ فاتح.. وظل يحدق فيها حتى قاطعه والده الذي اقترب منهما ملقيا السلام ثم تمتم هادرا بصوتٍ وقور
((مبارك يا عروسين))
التفتت شيرين له تمتم بكلمات الشكر المباركة.. ليوصيها الحاج يعقوب وهو يطبطب فوق ظهر مُعاذ
((اعلمي يا بُنَّيتي، أن مهمتك كزوجة أب تكمن في توطيد علاقة طيبة مع دارين ليست بالأمر السهل ولكن مُعاذ سيكون دومًا بجانبك، أنا لا أقول ذلك لأنه ابني ولكني أعرفه أكثر من أي شخص يتميز بموفور الحكمة والصبر ولن يهدر أو يهضم حقوق واحدة منكما))
بابتسامة مهذبة وتأثر ردت شيرين على حماها
((سأبذل جهدي أن أكون عند حسن ظنكم جميعا))
أشار مُعاذ لابنته الواقفة على الزاوية تطالعهم وهي تبدو جميلة في طلة بهية بثوب فيروزي لتقترب، ففعلت واتجهت نحو شيرين في أول لقاءٍ حقيقي لهما لتميل شيرين معانقة إياها ومتسائلة ببشاشة مُعدية ولطف
((كيف حالك أيتها الجميلة؟))
ردت دارين بود يتجلى بعينيها الصافيتين
((بخير، مبارك يا خالة لك أنتَ وأبي))
بابتسامة راضية ومطمئنة ربت مُعاذ فوق ظهر ابنته وانشرحت أساريره.. فمالت دارين تقبل وجنة أبيها الذي انخفض لها قليلا..
طلب الحاج يعقوب ابنه جانبا قبل أن يستأذنهما بتركهما ثم ما لبث يعقوب يوصيه
((كنت أرى في زواجك يا مُعاذ واجبًا في حالتك لأنك فقط من خلاله تستطيع جلب ابنتك لتعيش معك في المدينة.. لم أعلق على تقصيرك تجاهها لأني كنت مدركًا لانشغالك في عملك، لكن الآن فلا عذر لك للتقصير معها ولا بد أن تحتضنها وتغمرها بحنانك وعطفك))
أكد مُعاذ على أبيه مطمئنًا وهو يناظر شيرين تتحدث بود وبشاشة مع دارين
((أبي لا تقلق أنا أثق بهما ومتأكد انسجامهما فيما بينهما وسيتصادقان سريعا))
لكن أصًّر يعقوب قائلًا
((ومع ذلك استمر بتقريب زوجتك نحو ابنتك بالتدريج، فدارين في عمر لا تقبل بسهولة أن تحتل امرأة مكان أمها، بعدما بلغت قدرًا من البلوغ والنضج، وقد تحدث خلافات بينهما، وأنتَ هنا عليك أن تتمتع بقدر كبير من الحكمة والتعقل للفصل فيها))
وضع مُعاذ يده على كتف والده يطمئنه
((والدي العزيز.. لا تحمل همًّ ذلك سأكون حريص على التوفيق بينهما بإذن الله))
استقرت في أثناء ذلك عينا خال شيرين على الحاج يعقوب ووقفته المهيبة بجوار ابنه فتقدم منهما قائلا
((لقد أعطيناكم دُرتنا وما تبقى لنا من اختنا، وكلنا ثقة أنكم ستقدرون ما أعطينا))
ردًّ مُعاذ عليه وهو يتبادل معهم النظرات والعهد الرجولي
((شيرين سأحفظها بعيني، فلا تقلق يا عم))
تقدمت شيرين من خالها تقبل ظاهر يده ليقربها منها ويقبل جبينها داعيًا لها بالبركة في زواجها..
وهكذا استمرت هذه المناسبة السعيدة رغم أن الزواج عمليًا صريحًا كان بعيدا عن كل الشكليات في أعراف الزواج المتبعة كما سبق واتفقوا عليه بسبب الظروف غير المناسبة..
لكن زوجة خال شيرين سحبتها لدارهم وهي تشبك ذراعها بذراع شيرين لتخترقا جموع النسوة اللواتي يهزجن ويصفقن ويزغردن ويرقصن فتزغرد معهن لترسم المزيد من الفرح والبهجة على وجه شيرين بينما يتم أطلاق الأعيرة النارية في الخارج لمدة قصيرة..
مال الحاج يعقوب من أذن ابنه حتى يسمعه وسط هذه الضوضاء الاحتفالية الصادرة من داخل البيت
((لم يكن اتفاقنا أن يقام كل هذا، بالكاد مضت ستة أشهر على وفاة ابن عمك رحمه الله))
غمغم مُعاذ باقتضاب
((أبي يريدون الفرحة بها، مجرد غناء ورقص نساء في الداخل بعيدا عن الأنظار، أما الرجال هنا في الخارج ملتزمون بعدم إقامة أي أهازيج أو دبكات تهز الأرض))
ثم عاد مُعاذ يناظر ابنته وينخفض ليقبل وجنتها.. ورغم كل الابتهاج الذي أظهرته دارين له لكن كانت تقبع هناك في دواخلها العميقة بعيدة عن كل مظاهر الاحتفال فيكتنفها الصمت وتتنازعها الأفكار ولا يشاركها هذه الوحدة والاختلاء مع الذات إلا قلبها.. وعقلها الذي يتذكر أمها.. الذي رحلت من الدنيا دون أن تشبع منها أو حتى تصنع ذكريات تتيح لها تذكر وجهها دون الحاجة للصور..
حتى أنها في وقت المغادرة استقلت سيارة أبيها تجلس في الخلف بينما شيرين بجانب والدها وهي لا تزال غارقة في أعماق تفكيرها المعزول عن الجميع..
بدأ مُعاذ يقود سيارته إلى شقته وعندما ركنها أمام البناية التي يقطن فيها ترجلت دارين منها لتستقل سيارة عمها مُؤيد الذي كان يقود خلفهم لتعود معه مؤقتا ريثما يعود والدها وعروسه من شهر العسل.. وقبل أن يشغل مُؤيد محرك سيارته يستعد للمغادرة خرجت دارين منها فجأة تهتف لهم وهي تهرول باتجاه البناية
((سأذهب لشقة أبي فهناك أشياء أريد أخذها من غرفتي))
كانت شيرين ترتقي درجات السلم بجانب مُعاذ وقداماها بالكاد تحملانها من فرط التوتر من قربه منها ونبضها يرتعش.. بعد قليل سيكونان لوحدهما!
لكن جفلا الاثنين على دارين تندفع من بينهما وتخترقهما هاتفة وهي تهرول باتجاه الشقة
((سأحضر شيئا من غرفتي وأغادر))
تطلع مُعاذ وشيرين لبعضهما باستغراب قبل أن تسبقه شيرين إلى داخل الشقة لكن توقفت تلتفت تسأله عن مكان غرفة دارين ليوجهها إليها بأن أمسك بيدها نحوها..
خطت للداخل بخطوات هادئة، لتجدها جالسة على سريرها بينما تمسك بيديها صورة استخرجتها من صندوق عتيق مستقر على حجرها..
لامست شيرين كتفها برقة وتساءلت بذهول يعتريها
((هل تبكين يا دارين؟))
رفعت دارين يدها تمسح دموعها الخائنة وقالت بتحشرج
((أنا لا ابكي، بل سعيدة بزواج أبي.. لكن هناك شيء دخل في عيني))
رفعت شيرين فستانها بيديها قليلًا ثم جلست بحذر بجانبها وقالت
((اعرف أن صورة شخصية زوجة الأب قاتمة وقبيحة، لكن أتمنى أن تثقي بي))
تسللت ابتسامة شاحبة على وجه دارين، فأبدًا لم يكن سبب بكاؤها وحزنها الآن هو خوفها من قسوة شيرين عليها أو خوفها من أن تستحوذ على أبيها، فهي تثق به ثقة عمياء.. كما أنها تعرف أن بظهرها جديها وأعمامها، وعائلتها من جهة أمها سيتفقدون حالها من وقت لأخر، ولا يمكن أن يتركوها تقاسي من أحد..
في حين أمعنت شيرين بنظرها على الصورة التي تحتضنها دارين بيديها وعندما انتبهت الأخرى لنظراتها المشدوهة سارعت تعقب
((أنا احتفظ بصور أمي فقط في غرفتي، فلا تقلقي لن أزعجك بها))
اتسعت عينا شيرين ثم قالت نافية بلهفة
((تزعجيني!؟ من قال هذا!؟ على العكس.. إن أمك جميلة جدًّا.. يبدو أنك ورثتِ جمَالك منها))
عضت دارين شفتها تداري غصة بحلقها وقلبها يتذكر الألم لترد بأسى وبصوت متقطع
((لقد توفت أمي بعد سنوات من ولادتي.. فحملها بي فاقم من مرضها))
ضربت الدموع صدرها قبل أن تشهق ببكاء والاشتياق لأمها يكتنفها ويوجعها فسارعت شيرين تمسح دموعها بيديها وتقول
((لا يا دارين، ابعدي عنك هذه الأفكار تمامًا، قدرها الرحيل عن الدنيا في هذا السن وأنتِ لست السبب، وهذا النوع من الأفكار يُريد الشيطان من خلاله أن يُوقعك في جب الأحزان والأكدار، فلا تُعيريها اهتمامًا))
للحظات ظلت دارين تتألم من أعماقها فاسترسلت شيرين بحنو
((أسأل الله تعالى أن يُعظّم لك الأجر في وفاة أُمِّك، ويجمعك بها في جنّات عدنٍ.. بر الأم لا ينقطع بالموت، فأكثري من الدعاء والاستغفار لأُمك، وتصدقي عنها ولو بصدقات يسيرة، وصلي أرحامها وصديقاتها ووديهم..))
نظرت لها دارين قائلة بنبرة رقيقة متهدجة
((هذا ما كانت دائما تقوله له رتيل زوجة عمي))
ترفقت ملامح شيرين لها ثم انتقت كلماتها بحرص عذب
((لأن هذا هو الصحيح، أدرك شعور اليتم وفقد الأم أيضًا، فهو مؤلم وموجع ولا يشعر به إلا ما من عايشه.. لكن لا راد لقضاء الله))
بدأت دارين تعيد صور أمها في الصندوق تستعد لأخذه معها لتقول بذنب طافح على ملامحها الطفولية
((انظري لي كيف أشاركك حزني غير المبرر في ليلة زفافك وأفسدها عليك.. أنا آسفه))
طمأنتها شيرين بحماس وسلاسة وهي تحتضن رأسها
((لا على العكس، هل تعرفين بأني كنت قد جهزت لترافقينا بشهر العسل وُصدمت عندما أخبرني بأنك لن تأتي بسبب دراستك، أعنى يمكن أن نقصر مدة السفر إلى ثلاثة أيام بدلًا من أسبوع لأجلكِ))
ابتعدت دارين قليلا تقول بعبوس طفولي
((اذهب معك لشهر العسل أنتِ وأبي!؟ ماذا تظنيني! متطفلة!؟))
حانت نظرة من دارين لجهة الباب لتنتبه لوجود والدها عند عتبته يبتسم لهما بحنو مما جعلها تجري إليه فيتلقاها بين ذراعيه بقوة ثم يهمس لها
((ادعي لها بالرحمة والمغفرة يا حبيبة أبيكِ فقط))
عادت دارين تبكي بنحيبٍ مختنق وشعرت بعدم القدرة على التحرر من عناقه.. وهو كان يحتويها حبًا وتفهمًا ودعمًا في ذات الوقت قبل أن يبعدها عنه قليلا برفق مقترحًا وهو يقول بنبرة أبوية حانية
((ما رأيك أن تأتي معنا إلى شهر العسل؟ شيرين كانت جهزت أغراضا لنا على هذا الأساس))
بدأت دارين تقاوم بشق الأنفس ألا تتبع رغبتها وتوافق فتفسد شهر عسل والدها وزوجته فابتعدت عنه وأخذت صندوقها تلوح لهم قائلة
((هذه أيام خاصة بكما، سأظل عند عمي مُؤيد لغاية عودتكما.. رافقتكما السلامة))
ثم هرولت إلى خارج شقة وهبطت درجات السلم..
زفرت تغمض عينيها تحاول طرد تلك الدموع الأخرى بعيدا والتي تتزاحم للخروج من محبسها، تحاول التنفس ببطء عدة مرات ثم خرجت من البناية إلى سيارة عمها مُؤيد الذي كان يجلس خلف المقود وبجانبه والده وفي الخلف زوجة عمها رتيل..
استقلت السيارة بجانب زوجة عمها تعلمهم
((لقد أحضرت أغراضي من البيت وودعت أبي وعروسه، هيا لنرجع الآن))
شغل مُؤيد محرك السيارة في حين قال يعقوب لحفيدته
((لقد فاجأتني بحسن تصرفك الليلة في زواج والدك! فهذا هو الواجب عليك، عوضي ما فاتك من البِرِّ بأُمِّك بسبب موتها ببرك بأبيك والإحسان إليه، وحاولي أن تكوني عونًا لزوجة أبيك، مؤدبة معها، والنفوس مجبولة على حبّ من أحسن إليها، وبذلك تكسبين أُمًّا جديدة))
قالت له دارين بوجهها المتورد
((لن أعتبر أن لي أما غير أمي رحمها الله ولكن سأكسبها كخالة وصديقة))
شيد يعقوب عليها ((بارك الله فيك يا حفيدتي ولا تدرين ما تحمله قادم الأيام لكما من خير))
تطلعت دارين لزوجة عمها تصارحها متمتمه بهمس
((أمسكت نفسي بصعوبة ألَّا أوافق على إلحاحهما في القدوم معهما))
قطبت رتيل حاجبيها هامسة لها
((لو كنتُ عروسا وأحضر زوجي أحدًا إلى شهر عسلنا لكنت قتلته))
رفعت دارين حاجبيها متسائلة ببراءة
((وهل ذهبت أساسا إلى شهر العسل مع عمي مُؤيد؟))
تبرمت رتيل مجيبة بسخط
((لا.. لا تذكريني.. فقد قضيته في بيت عائلته))
.
.
داخل شقة مُعاذ..
ألقت شيرين العباءة فوق ثوبها الأبيض على الأريكة بينما يغلق مُعاذ باب الشقة وهو يقول
((ها قد صرنا لوحدنا.. أعدت زوجة أخي سلمت يداها بعض الطعام، سنسافر غدا صباحًا في وقت مبكر، أتمنى أن تعجبك الرحلة تعويضا عن إقامة حفل زفاف))
انفرجت منها ابتسامة حلوة لحرصه على الاهتمام بها وتعويضها ولو أنها لم تكن تريد أيَّ حفل زفاف من الأساس.. لم ترد سوى أن تكون معه فقط..
تقدم منها بملامح تائقة لها بعد صبر وبدأت عيناه بعمق وحرية تتشرب تفاصيل فستانها الفضي الذي يحتوي جسدها بأنوثة.. يجتاحها دون رادع.. قبل أن يقترب بخفة فجأة ويمد يده ليلامس خصرها وهو يدور من حولها حتى وقف خلفها ثم انحنى بوجهه نحو طرحتها يستنشق عبير العود الذي أغرقت نفسها به، قبل أن يهمس لها بعبث
((إذن هل نتعشى أم لديك فكرة أخرى؟))
بدأ قلب شيرين يدوي بصخب متأثرة بصوته ورجولته وعاطفته..
تحرك مُعاذ يزيل عنها طرحتها مقتربا أكثرًا من وجهه عليها ينهال منها بجموح وشغف..
فأخذت صور مختلفة من الماضي تداهمها باضطراب لم تتوقعه ومغاير لما أرادته من حماية في أحضانه.. وظلت أطياف التجربة السابقة في زواجها من وليد تظهر كشريط مصور يوقظ ماضيا دفن بأعماقها الى سطح ذكرياتها في حاضرها..
أرجعت رأسها للخلف تتأوه بصوتٍ بدا كنشيجٍ مضطرب تنتفض بين يديه قليلا قبل أن تمتنع بصوتٍ مختنق وهي تشير إشارة واهية متهربة من عينيه
((سـ.. سأذهب لأبدل.. الثوب أولًا))
اتسعت عينا مُعاذ باستغراب وهو يراها بهذا من الكمّ التوتر وأيضًا.. الخوف.. ملامح وجهها كانت تنطق بعذاب ومقاومة..
تحركت شيرين بحفيف فستانها المطرز باللؤلؤ إلى غرفة النوم المزينة.. التي يحتل فيها السرير الواسع منتصفها وباب جانبي للحمام..
سمعت صوت باب الغرفة يُفتح ثم يغلق بهدوء يناقض الأنفاس اللاهثة منها.. ثم انتبهت لمُعاذ يقترب منها ملقيا سترته على سطح السرير..
شعرت بأنها ستترنح تأثرا بفيض مشاعرها من الموقف المحرج الذي حدث قبل قليل دون أن تمعن النظر لنظراته..
زارت ابتسامة شفتا مُعاذ قائلا بغموض
((قبل أن نقوم بأي شيء دعينا نبدأ حياتنا بأمر هام))
طالعته ببلاهة وعدم فهم وما إن استوعبت ما يرمي له حتى تنحنحت
((ماذا؟))
اتسعت ابتسامته بضحكة ملكت قلبها ليحتضن يدها ويفردها على وجهه ثم يقبل باطنها قائلا
((دعينا نصلي ركعتين ليبارك الله لنا هذا الزواج))
=============================
في وقت سابق.. وبعد انتهاء عقد القران ومغادرة الجميع كان مَالك يجلس داخل سيارته وبجانبه سمية..
تقلصت أصابع مَالك بتشنج حول مقود السيارة وهذه هي خلوتهما الأولى سويًا بعد شجارهما الأخير.. بدأ يهز ساقه بعصبية كأنه في طابور طويل يتنظر دوره دون أن يأتي.. فسمعها تكسر الصمت بينهما وتقول له ببشاشتها المعهودة
((عروس أخيك ما شاء الله جميلة! أمك مرضت بوقت غير مناسب جعلها تفوت عقد القران، شافاها الله))
ردَّ مَالك بنبرة بدت لها غير راضية عنها
((أبي من ادّعى مرض أمي حتى يُسكت الأفواه ويجنبنا التساؤلات الفضولية، فقد أقسمت ألا تحضر زواج أخي لو تزوج من شيرين))
أومأت له بتفهم ومر طيف حزن في عينيها ثم قالت بعد دقائق بتنهيدة شكوى رقيقة معاتبة
((إذن، لماذا لا زلت غاضبا مني؟))
لم يتح له الرد وقد فُتح بغتة في هذه اللحظة باب السيارة الخلفي ليطل منه مَازن يقول باندفاع وشكر
((مَالك حبيبي ظننت أنك ستغادر من دوننا، شكرا على انتظارنا))
حلّ مَالك حزام أمانه ثم قال بوجوم مترجلا من السيارة
((مَازن أنا متعب جدًّا وأشعر بالنعاس، تولى أنتَ القيادة))
اندهشت سمية من تصرف مَالك لكنها خرجت من السيارة هي الأخرى وجلست في الخلف بينما يجلس مَازن وزوجته في الأمام.. وطوال الطريق لم تنطق بشيء بل قابلت برود مَالك بالصمت متجنبة حتى النظر إليه إلا بعض مرات استرقت النظر فيها له.. قبل أن تنتبه لانتظام تنفسه وشبه استغراقه في النوم بينما يميل رأسه للجانب..
يبدو أنه متعب حقا ولم يكن يدعي ذلك!
وجدت نفسها على الفور تبتسم ببراءة وتقترب منه لتسمح لرأسه بالاتكاء على كتفها.. وبدت مستمعة وهي تجذب ذراعه وتضعها حول خصرها بحذر حتى لا ينتبه مَازن وياسمين لها..
قامت بتدليك ذراعه كي تمده ببعض الدفء وقد شعرت باحتياجه لها، وبالفعل تسلل الشعور بالدفيء إليه وعبير عطرها يغزو أنفه دافعا عقله للاسترخاء كتأثير مهدئ لغضبه المكبوت.. فروحه كانت تئن شوقًا في قربها، وقلبه رغم تمرده يتوق لها، ونفسه تشعر بالخواء والفراغ..
كأن كل جزء بجسده يتآمر عليه محتاجا لها إلا عقله يصده عن التقرب منها فلم يدعه يذق النوم.. تحركت رأسه قليلا ليدس أنفه بعنقها بينما يشدد من ذراعه حول خصرها فاتسعت عيناها هامسة
((مَالك! لقد ظننتك نائما))
همس ببحة المشاعر المتدافعة نحوها غصبًا عن تفكيره المتمنع ((استمري فيما تفعلينه))
لاحت ابتسامتها مرة أخرى على ثغرها باستحياء وكفيها تستمران بتدليك ذراعه قبل أن تدسُّ كفه البارد في دفء يديها الغضتين..
والآن فقط فَقَد أيَّ قدرة على التواصل وغرق بنوم عميق بعد أيام سابقة كان فيها نومه مهزوزا.. ولم يستيقظ إلا عندما ربتت بقوة على كتفه مرارا هامسة بحنو
((مَالك لقد وصلنا، هيا استيقظ))
خرج مَازن من السيارة ثم فتح باب المقعد الخلفي من جهة مَالك يلكزه بعنف هاتفا
((هيا استيقظ، هل تظن أنك في الفراش!))
تململ مَالك متأوها من عنف مَازن ليرمي الآخر له مفاتيح السيارة التي ركنها في المصف..
ابتعد عنها فحاولت تحريك أطرافها المتيبسة مطلقة بعض التأوهات والتي أدرك من خلالها أنه كان طوال الطريق يتكئ عليها فعقب باقتضاب
((لماذا لم توقظيني أو تبعديني عنك؟))
أبدت ابتسامة ناعمة على شفتيها رغم التعب لتقول
((لقد استمتعت بقربك ولم أكن لأمانع أن تظل نائما على كتفي لساعات أخرى!))
ازداد اقتضابه من إجابتها ووجد نفسه يترجل من السيارة صافقا الباب خلفه بغضب..
طفى حزن كئيب على ملامحها فأطلقت تنهيدة عميقة..
دخلا لجناحهما فأغلقت الباب خلفها بالمفتاح خوفا من خروجه بعد أن جلبت من المطبخ بعض الطعام لأنه لم يأكل جيدا قبل الذهاب لعقد القران..
في أثناء تغييرها ملابسها في حمام، وضع مَالك الذي يتضور جوعا ملعقة ممتلئة عن آخرها في فمه من كل طبق وضعته ثم حاول أن يساوى سطح الوعاء بالملعقة حتى لا تُفضح فعلته، فهو يخاصمها ويجب بالتالي أن يمتنع عن تناول الطعام الشهي الذي تجلبه دائما له.. وذهب ليتوسد الفراش..
عند خروجها اقتربت لمعاينة الطعام الموضوع على المائدة فتلبّسها الإحباط لأنها ظنت أنه لم يأكل شيئا..
بعد وقت أغلقت الإنارة الرئيسية بعد أن ارتدت منامة حريرة انتقتها من خزانتها بعناية..
تطلعت لمَالك المنزوي في الجانب الآخر من السرير يعطيها ظهره واحتجت
((أنت لا تتحدث معي منذ آخر شجار، هذه ليست طريقة صحيحة لنتجاوز أي مشكلة، اصرخ.. اغضب لكن لا تصمت هكذا فقط))
ظل صامتًا بل وضع الوسادة فوق رأسه يمنع نفسه من الإصغاء لها.. لكنها لم تعد تتحمل ذلك الصمت والتجاهل الرهيب كأنها غير موجودة تماما، فلا يدخل جناحها إلا ليلًا، وكله من أجل ذنب لا تعرفه.. فاجتذبت الوسادة عنه وعاودت السؤال بإصرار أنثى وهي تمسك مرفقه
((مَالك أرجوك تحدث معي))
سحب ذراعه كأنه لا يطيق لمستها وقال ببرود قارص
((لا أريد التحدث معك في الموضوع حتى لا أفعل ما أندم عليه لاحقًا!))
أطلقت عدة أنفاس كانت تجيش في صدرها شاعرة أنها محمومة بالأفكار، والشوق.. إنها تشتاق عناقه الغامر.. قبلاته الشغوفة.. نظراته الحارة.. حتى أنها أحيانا تلجأ بعد مغادرته بضم أو ارتداء ملابسه أو أغراضه الشخصية لتستنشق أثر رائحته العبقة..
تطلعت في الظلام من حولها شاعرة أنها تريده أن يضمها في هذه اللحظة، ويلهب روحها بعاصفة من عواصف مشاعره الجياشة.. فقامت بالالتصاق به ولفّ ذراعيها حوله وأغمضت عينيها بقوة تلتمس دفئًا ولو بالإجبار..
أغمضت عينيها تاركة نفسها له، فتلبك جسده بفعل حركتها فعقد حاجبيه، وتمطى العبوس على وجهه قائلًا
((اتركيني، أنا متعب وأريد النوم للغد))
رفعت إحدى يديها فقط تغمر أصابعها بشعره المموج كعادة ألِفتها ثم قالت
((ولكني لم أعد أستطيع النوم مبتعدة عنك))
لم يعد قادرا على الاستمرار في ادعاء البرود والغضب يعصف بعقله، فرد بتهكم مرير
((هذه كذبة لا تقنع طفلًا يا سمية، ولكن كحالي كزوج متساهل، سأتغاضى عن الأمر الليلة فقط))
هدرت به وقد ضاق قلبها من جفاءه
((الليلة فقط! وماذا عن الغد! ما تفعله هو ظلم مجحف!))
ثم استرسلت والدموع تتجمع بعينيها وصدرها يئن ألما
((ليس من العدل أن تغمرني بكل ما امتلكت من اهتمام حتى أدمن عليك، ثم تنزعه مني بغتة!))
فتح إضاءة الأباجور ثم استدار لها فسقطت دموعها وانفلتت رغما عنها وهي تكتم شهقاتها فلا تزعجه ولو عليها لصرخت بقهر صاخب..
تتألم كوجع المدمن حُرم من إدمانه، مِمَّا جعله ينتفض من تجاهله العميق، ويحتوي وجهها بنظرات عابسة سرعان ما رقت وهو يرى الحالة المنكسرة التي كانت عليها وغارت عميقا بقلبه..
هنا انطمس كل شيء، توقف الوقت، وسكنت النبضات، حتى خلايا جسده وعضلاته انتفضت تحلل الموقف..
سبب تضاعف غضبه هو بؤسه من عدم قدرته على النوم بعمق دون قربها منه واحتياجه لها على عكس عدم معانتها من الأرق لبعده.. لكن الآن اتضح أن الأمر بالنسبة لها عكس ما يظن..
ارتعش قلبه ورفرف ثم بدأ ينظر في عينيها الباهتتين اللتين استمرتا بذرف الدموع فيقرع قلبه بالنداء.. تنحنح وهو يقول بحنق مصطنع كأنما ليس مهتمًا
((حسنا، تعالي))
سحبها بحركة فاجأتها ليجلسها على حجره فتجلس مستندة بكفيها الى صدره بينما يتلفت يمينًا وشمالًا كي يرفع طرفي الغطاء حولها ليغمرهما معًا بالدفء..
هدأت أنفاسها رويدا رويدا كأمواج مضطربة ضربت قارب هائم في عرض البحر.. وكأن في قربه ترياق..
هي بين ذراعيه.. حيث تنتمي.. أخيرا..
رفعت عينيها إلى عينيه تقول ومرارة حزينة تطغى نبرة صوتها
((أنتَ لا زلت غاضبا مني لأني لم أضع أي وسائل منع للحمل! رغم أني كنت متأكدة أنه لن يروق لك وهذا ربما ما جعلني أخطط له دون استشارتك وأضعك تحت الأمر الواقع لكن لم أتوقع أن تكون ردة فعلك بهذه العدوانية))
اغتاظت نظراته واشتعلت عيناه هادرا
((تشعرينني بأنني وغد من كلامك هذا، مع أن استيائي من الحبل سببه هو الخشية على صحتك من توالي الحمل ورغبتي في أن ينال عبد الله رعايةً ووقتًا كافيين منك))
ارتعشت شفتاها وهي ترد
((أعرف.. ولكن سبب رغبتي في الحمل المتتابع هو أني كنت أريد أن أنجب طفلًا ثالثًا قبل أن أصل لنهاية الثلاثينات))
بدأت أنمالها تداعب ذقنه حتى تكسر حاجز حمل الطفل الثالث عنده وتحببه
((عبد الله يمتلك نفس لون عيونك ويزيد يأخذ ملامحك، أتمنى من طفلنا الثالث أن يكون أكثرهم شبها بك))
مر شبح ابتسامة على وجهه قبل أن يعلق بعتاب حاني وهو يلامس وجنتها بكفه
((ولكن لماذا ترهقين نفسك وجسدك بالحمل من أجل طفل ثالث؟ هل هناك من زرع أفكار سخيفة برأسك وحثك مثلا أن تربطيني بالكثير من الأطفال حتى لا أتركك! رغم أنك تعرفين أن لا خلاص لك مني حتى لو أردتِ أنتِ ذلك))
رفعت كفه لتلثمها ثم قالت له مبتسمة بلمسة حزن
((أنا أردت فقط أن أحظى بأكثر من طفل لأجلك.. ومن.. أجلي أنا.. فقد عشت شبه مقطوعة من شجرة.. لا إخوة ولا أرحام مقربين، وأكثر ما كنت أخشاه على يزيد إذا تزوجتَ من امرأة غيري وأنجبت منها ألا يكون مقربًا من إخوته، بل لا يتم الاعتراف به من قبل والديك فيعيش مثلي بلا قريب أو سند))
انكمشت ملامح سمية بحزن أكبر، لتعود لذاكرتها لتلك الأيام التي كشفت فيها حقيقة أن يزيد ابن لمَالك أمام والديه! وقتها فضلت أن تدع يزيد عند جديه على أن تأخذه معه، بعد موازنة خاطفة قارنت فيها بعيش يزيد معها هي ومَالك لوحدهما، وبين أن يعيش مع جدية وأولادهم وأحفادهم، العزوة والسند..
كلامها السابق وشحوب التعب البادي على وجهها جعل عينا مَالك تتجمدان وتساؤل غير مسبوق يتسلل إليه في وجل.. هل كان متطرفا بردة فعله السابقة؟
فقد اتضح أن للأمر أبعادًا أخرى لم يكن يعرف عنها أو ينظر من خلالها.. كأن تمتلك رغبة بالغة الإلحاح في امتلاك أكثر من طفل.. وبالذات قبل أن تصل لنهاية الثلاثين لأن العمر يؤرقها ولامتلاكها عن الموضوع أفكار يصعب إقناعها بالعكس.. خاصة وأنها كامرأة لها غريزة أمومة لا تستطيع الاستغناء عنها وترى أنها حاجة ملحة ولو على حساب صحتها..
غمغم مَالك بعد أن اسند رأسها الى كتفه
((يزيد ستبقى عائلته، جديه، أعمامه، أولاد أعمامه، والديه، إخوته كلهم بقربه وبظهره.. ولكن لا تكرري مجددا أمر الحمل المتتابع، فقد يرتبط حدوثه بعلة شديدة في جسدك))
أومأت برأسها موافقة
((معك حق، كان عليّ الانتظار أكثر قليلا.. لكن..))
ثم بادلته الاحتضان بنفس القوة هامسةً بلوعة خصامه
((إياك أن تبتعد مجددا عني، فقربك مني يُشكِّل فارقًا عظيمًا، لا في يومي وحسب، بل في قلبي))
شعاع رقيق من الخجل التمع في عينيها وهي تميل مضيفة لنظراته التي تشع بالخضرة
((أنتَ حظي الأعظم في الحياة، وصديقي الأحب))
كان مَالك مأخوذا بمبادلتها النظر وكم كانت عينيها حكاية طويلة جدًا من الشوق والوله.. قبل أن يصمت قليلًا مستعدًا لمصارحتها بما صبر عليه ليقول بما يستطيع من الهدوء وضبط النفس
((أحبك أيضًا، وأحب كيف تعتنين بي، وتذكريني بعدم تفويت وجبات الطعام، صبورة أمام الفوضى التي أخلقها، بل وتبذلين كل جهدك للتقرب من عائلتي وخدمتهم وإرضاءهم حتى يتقبلوك تماما كجزء من حياتي.. لكن كل ذلك هذا ليس كافيًا بالنسبة لي..))
رآها كيف تعض شفتيها كأنها تقاوم غصة البكاء لكنه أردف
((رغم ذلك ما زلت أريد المزيد منك، أريدك أن تأتيني راغبة مبادرة لي وتتوددين لي من تلقاء نفسك.. أريدك أن تتخلصي من خجلك الذي يقيدك في أوقاتنا الخاصة فنحن لم نعد عروسين.. أريد أن أشعر بتفاعلك معي واستجابتك، أريدك حبيبة وعشيقة لا زوجة فقط..))
قبضت بأصابعها النحيلة على قميص منامته.. ثم قالت بحشرجة
((أتقصد أني لا أبادر بتلك الأمور! إذن عليّ من الآن أن.. أن..))
شعرت بخجل فظيع يكتسحها وذراعاها ترتخيان عنه مسترسلة
((أقصد عليّ أن أزيد من.. من..))
تغضن جبين مَالك بضيق لا يفهم شيئا من تلعثمها وارتباكها فظلت صامتة ثم أغمضت عينيها فجأة وهي تشعر بفيضٍ من دموع الإحباط تود الانهمار على وجهها ما إن سمعت سؤاله.. فيظهر وجهها الذابل كوردة اندثرت تحت الأقدام..
وقبل أن ينطق بشيء كانت تنتفض تتحرك مبتعدة عنه إلى الحمام..
احتقن وجهه بالغضب من نفسه! ما كان عليه إخبارها بمكنونات قلبه وما يضايقه منها.. كان عليه كتم الأمر في سريرته وتقبلها كما هي..
ظل على حاله منكس الرأس لدقائق طويلة لم يشعر بمرورها حتى سمع صوت باب الحمام يفتح فجأة وتطل منه..
فغر شفتيه قليلا وهو يراها تتوغل منه بعد أن سرحت شعرها ووضعت مساحيق تجميل خفيفة على وجهها المتورد من أثر البكاء..
رفعت أصابعها المرتجفة لتحل رباط مئزرها فيظهر تحته قميصها الحريري الجذاب..
ضيَّق مَالك عينيه بتوجس لما تنوي فعله..
جلست بجانبه مصطنعة نظرات مغوية.. وهي تهمس له
((لو أخبرتني من البداية، لعرفت كيف أغير من نفسي إلى هذا النحو..))
ظل مَالك ينظر لها وما زال شعور الغرابة يسيطر عليه لتقترب بوجهها منه كثيرًا مردفه بنفس الهمس
((سأكون حريصة أكثر لأكون أكثر من كافية لك، سأبذل قصارى جهدي لتدليلك..))
تجهمت نظراته لها وقد بدت وكأنها.. وكأنها تمثل دورًا جديدًا عليه.. وعليها هي أيضًا..
ثم فاجأته وهي تفك أزرار قميصه فابتعد عنها مزمجرًا بعبوس شديد وقد أدرك ما تحاول فعله
((لا يا سمية، توقفي))
ابتعدت عنه متفاجئة.. لكن عقدت حاجبيها تحاول حل ما تبقى من أزرار قميصه وهي تهمس بإلحاح يائس مثيرا للشفقة
((أنتَ لا تقصد الرفض حقا..))
بذل مجهودًا مضاعفًا وهو يلجم انفعاله بحزم شديد
((ما الذي تفكرين به؟ هل تفكرين بإنشاء موازنة كـ "دعني أزيد واعطيه ثلاث مرات في الأسبوع حتى يشبع ولا يتذمر"؟ هذا ليس مقبولا بالنسبة لي، لو أردت يمكننا ألا نمارس أبدًا أي علاقة، المهم ألا تصطنعي الرغبة بي عندما أقترب منك فلا عيب في أن تكوني صريحة))
عادت تدنو منه هامسة بوهن مرتجف
((أنا لا أدعيها أبدًا..))
لم يستطع كبح غضبه أكثر فأمسك معصميها بخشونة أوجعتها ليوقفها عنوة عما تفعله
((سمية توقفي أرجوكِ، الرغبة لا يمكن ادعاؤها، فلا تجبري نفسك على ادعاء ما لا تحسين به..))
دمعت عيناها وهي تهز رأسها نفيًا هامسة بصدق
((ولكن أنا حقا أريدك..))
ظل يمسك معصميها وعيناه الغاضبتان تدرسان صدق إجابتها.. ثم بحركة خشنة بعض الشيء أبعدها هادرًا
((لطالما منذ بداية الزواج تركت لي القيادة والمسؤولية في هذا الأمر إذا ما شعرت أنا بمزاج له.. أما إذا ما أخبرتك برغبتي فلا يخطر الأمر على بالك))
وهمَّ أن يغادر السرير هامسا من بين أسنانه
((يكفي! سأنام على الأريكة..))
احتجت قائلة ((وأنا لن أسمح لك.. ليس قبل أن تصدقني على الأقل..))
هتف بها بانفعال غاشم
((وأنا قلت.. اتركيني فقط.. أنا غاضب كثيرًا..))
لم تعرف كيف تهدئ من ثورته أو تثبت صدق كلامها.. لكن توهجت عيناها بالعزيمة واقتربت منه وهي ترميه بنظرات عينيها الآبية بالدموع.. ثم رفعت يدها إلى وجنته بتوسل
((لكني أرغبك كما ترغبني..))
لم يهتز بل ازدادت ظلمة عينيه يفسر تلك النظرات منها على أنها محاولة لإيهامه، كأنه تظن بأنه قد يتركها إذا لم يجد منها أي تبادل في المشاعر.. رغم أن ذلك من الاستحالة..
عادت تكمل حل باقي أزرار قميصه فوجد نفسه لم يعد يمتلك أدنى قدر من المقاومة وعينيه تخالف أوامر عقله وتتجول بجنون عليها كلها.. فتمتم لها بنبرة غريبة عنها
((أنصحك بالابتعاد عنى لأنه لا فكرة لديكِ عما أرغب الآن بفعله بك إذا أصّريت على ما تفعلينه))
ردت عليه بعناد وتحد سافر
((إذا كنت تحاول إخافتي فأنا أود أن أخبرك أنه قد حدث العكس))
ردّد عليها مجددا وعينيه لا تتزحزحان عن مفاتنها وشوقه لها كالنار تستعر بداخله
((أنصحك للمرة الأخيرة بالابتعاد لأني أكاد أفقد لجام سيطرتي))
لم تنحسر ملامح العزم عن وجهها.. فكرر بغضب مكتوم وهو يميل لها فتشعر أنفاسه الخشنة ورائحته المسكية
((لقد حذرتك وأنتِ من لم تصغِ فلا تلوميني على ما سأفعله))
قربها منه لم يكن إنصافا مطلقا لعقله الذي لم يعد يفكر بأي شيء سوى باشتهائها.. فباغتها يلتهم شفتاها بشراسة وحدة كأنه يريد معاقبتها لأنها تحاول أن تدعي ما ليس فيها -كما يظن هو-..
وكل ثانية تمر عليه تزداد قبلته لها قسوة حتى كاد أن يدميها ثم ألقى بها على الفراش، ووقف مكانه بجسد متشنج وعينيه تمر عليها بغضب أعمى..
عجزت عن منع تلك الرجفة من السريان بجسدها خوفا من غضبه الذي تراه منه لأول مرة.. لكنها لم تتراجع بل ظلت مستلقية أمامه تتطلع إليه بإقدام، تؤمن كليا أنه لن يفعل شيئا يؤذيها.. لكن توترت أعصابها فجأة عندما قبض على كفيها بيد واحدة بقسوة جعلها تتأوه فكتم تلك التأوهات بفمه، بقسوة تارة وبرقة تارة أخرى كأنه يصارع نفسه..
وكل هذا دون أن يجد منها أي اعتراض، بل كانت متقبلة ومرحبة أن تكون متنفسا عما بداخله من إحباط تجاهها..
ما إن أنهى اجتياحه ووعى بنفسه حتى دفن وجهه داخل حنايا شعرها يتنفس بصخب..
رفعت أناملها تغمرهم في خصلات شعره المموجة بلمسات ناعمة مهدئة حتى استرخت أنفاسه المتسارعة تدريجيا..
لا تعرف كم مرّ عليهما هكذا تحديدا حتى شعرت بابتعاده عنها فجأة كمن دبت فيه الحياة.. ثم يضع يده فوق بطنها بحذر.. خائف أن يكون قد أذى الجنين بسبب خشونته، وخشي أن يكون عقابه على تذمره وقت أعلمته بالحمل أن يخسره..
تقطع قلبه واضطرب خشية تحقق خاطره الذي راوده!
فهو لن يتحمل خسارة هذا الجنين الذي لا يزال في رحمها مضغة، بل من الآن يشتاق لأن يأتي لدنياهم، ويتمنى أن يكون بنتا..
رفع رأسه لوجهها المنهك، يعود لواقع ما فعله وهمس
((لما جعلتني أتمادى بما سأكره نفسي عليه!))
مدّ أصابعه المرتجفة لوجهها.. لكنه توقف فثمة شعور خانق يتآكله داخليا يمنعه من لمسها! استرسل همسه
((دعينا نغلق هذا الموضوع ولا نفتحه أبدًا، وأنا سأتقبل كل شيء منك بما تستطيعي القدرة عليه، حتى إذا أردتِ أن نعتزل العلاقة الزوجية فلن أمتنع.. الحقيقة لا فرق لو اعتزلناها أو لا))
لكن هي قطبت حاجبيها وكان لها رأي آخر.. فمَالك هو من صنف الرجال القليلين.. الذين يجيدون ممارسة الحب.. بالقول والفعل.. هو هدية عمرها التي ستحاول الحفاظ عليها دائما بتبادل نفس الحب والمشاعر نحوه.. منذ البداية كان هو من يحمل عبء هذه العلاقة، سذاجتها وجهلها بأبسط الأمور، رغم أنها سبق أن تزوجت قبل أن ترتبط به..
لكن على هذا أن يختلف من الآن.. عليها أن تظل تحاول وتتعلم.. لأجله.. هو..
عليها مواجهة نفسها من خشية ابتعاده عنها بالسعي بما يحول لتغلبها عن شعورها بذلك.. وقبل أن تفتح شفتيها لتنطق كان ينتفض واقفا يتجه نحو الباب فسألته بلهفة قلقة
((إلى أين أنتَ ذاهب؟))
بدأ يبحث عن المكان الذي خبأت فيه المفتاح مُجيبا بعصبية
((فقط اتركيني بحالي..))
اندفعت نحوه تتوسل له برجاء واهن
((لا، أرجوك.. لا تغادر..))
اضطربت ملامحه وأغمض عينيه مدمدمًا
((سمية أشعر بالاشمئزاز من نفسي.. أرجوكِ لا تضغطي عليّ))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع وثمانون 89 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
عندما انتهى مُعاذ وشيرين من العشاء الذي ضمّ كل ما هو شهي.. من الرقاق المحشو باللحم، ورق العنب، أنواع سلطات لذيذة، وحساء ساخن.. جلسا أمام شاشة التلفاز يتابعان أحد الأفلام التي اقترحتها شيرين عليه.. والتي شعرت باسترخاء رهيب يجتاحها بعد الوقت الهادئ الذي قضته معه.. حتى أن قرب مُعاذ منها أعاد إليها أريحيتها منه..
وضعت جام تركيزها على الفيلم المعروض على الشاشة والذي لا تعرف كيف تحول من فيلم الأكشن الأفضل لهذا الموسم كما أشيع عنه لفيلم رعب مخيف منع جفنيها أن يرفا قبل أن يأتي فيه مشهد مباغت صادم جعلها تشهق عاليا وتختض مكانها بجزع..
بدأت تتنفس بلهاث خفيف قبل أن تشعر بيديها تمسكان ساعد مُعاذ باستنجاد غريزي..
حانت منها نظرة له لتراه يحدق بها لكنها لم توقف عند ذلك الحد طويلًا، قبل أن تسند رأسها على صدره القريب تطلب أمنًا منه بكل وضوح وأنفاسها الدافئة تستنشق عطر رجولته.. وهو بالمقابل احتواها بين ذراعيه بحنان داعم صامت، يمسح على شعرها برفق..
رفعت يدها على قلبه الصاخب دويًا كقلبها.. وبدون شعور مر شبح ابتسامة على محياها وهي تغرق في رحاب دفئه لتشعر أنها بكيانها تذوب فيه ويتلاشى ارتجاف الخوف من الفيلم ويتحول لارتجاف دقات قلب حالم..
أغمض مُعاذ عينيه.. إنه يضمها.. يحتضنها لصدره.. يحتويها أمانا واطمئنانا تعبث هي فيه كما شاءت، بعد سنوات حرمان عفّ فيه نفسه عن أي أنثى.. فيصرخ قلبه كأنه عاد شابًا في العشرين..
أخرج أنفاسا مرتجفة ثم انفتحت ذراعاه حولها بصعوبة ليبتعد عنها قليلا هامسا بتعابير تشع رجولة وتطلبًا
((هل الفيلم ممل أم أنا الذي لا أستطيع التركيز إلا بك؟))
كان وجهه مقابل وجهها لا يبعد إلا بضع سنتيمترات، فتوهجت عيناها بخضرتهما وهي تراه يتخذهما بوابة فيعبر منها إلى عمق روحها وقلبها بذاك التوق الصريح!
ظلت مشدوهة بالنظر إليه لم تشعر كيف أطفأ التلفاز ولا كيف حملها الى غرفتهما، فقط أدركت حينما ابتسم فوق بشرتها ينهال منها بتملك.. برقة.. بسيطرة..
انكمش جسدها بين ذراعيه.. ليس بسبب تلك التجربة الأليمة التي مرت بها بل في فورة حياء غريزية للمسة أولى منه.. كل لمسة منه ما هي إلا سقيا لأنوثتها المشتاقة كانت قد جفت منذ زمن طويل فجاء هو ليمطرها ويروي أرضا عطشى بينابيع حبا ولهفة لها..
ومهما حاولت أن تقاوم إحساس عاشقة به، كان ينجح في جعلها تضعف وتستجيب له دون موافقة..
كأنها حقا تود هذه العواطف المثيرة التي يضرمها بقلبها، وترغب في أن يحتل روحها ويصهرها فيه.. تريد أن تشعر أنها هذه المرة حقا مع رجل حقيقي تستند عليه فيدرئ عنها خطر الجميع بشهامته وهيبته..
بعد مدة من انتظام الأنفاس رفعت كفها لتمرر أطراف أصابعها فوق ذقنه هامسة
((هل أنتَ مستيقظ يا مُعاذ؟))
استندت على ذراعها ثم بدأت بصمت تطالع ملامحه الرجولية وتنظر إليها مرارا وتكرارا وكأنها ترسخها بعقلها دون ملل.. في حلم بعيد.. حلم يراود يقظتها.. حلم مرّ في خاطرها مرهونا باستحالة تحقيقه فيجلد قلبها تعذيبًا..
لكنها حاولت أن تتناسى كل هذا بتحفيز نفسها بالسعادة التي تحياها اللحظة مع من نبض له القلب، وفي غمرة ذلك لم تقاوم دموعها التي انزلقت على وجنتيه قبل أن تسقط على خده ففتح عينيه فجأة مما جعلها تنذهل هامسة
((لقد ظننتك غارق في النوم))
لكنه ظل يعاينها بجمود ونظرة عيناه تتسلل عميقا جدا بداخلها فتعريها أمامه.. كأنه يعرف كل تفاصيلها وبواطن أفكارها ومكامن ضعفها، ويفهم كافة تخبطاتها وأوجاعها..
صمته الذي كان يحيطها به يقتلها فأخرسته بعض شفتيها كأنها تمرر وجع روحها عبر ألمها الجسدي..
لكنه عاجلها وسحبها الى صدره يعانقها بقوة وتدريجيا بدأ يخفت بكاؤها وترتخي عضلاتها.. حتى ضمت شفتيها تسكت نفسها تماما تمنعها من الانزلاق في هوة الذكريات المريرة.. فالمسكين يمتلك من المشاكل ما يكفيه ولا ينقصه الآن أن يدخل بمعضلة التعامل معها هي أيضًا..
أبعد مُعاذ رأسها عن صدره يغرق في عينيها ويأسره المضي في دربهما هياما.. ورغم سعادته أنها باتت ملكه لكن ألمها يشعره بالاختناق..
لا يعرف كيف دمّر ابن عمه أنوثتها وانتهكها رغم أنه يصر عدم الخوض في ماضيها معه.. لكنه يغضب وتثور ثورته كلما تخيل أنها كانت ضعيفة ووحيدةٌ بين براثن وليد الوغد، حيثُ لا أحد معها..
هزّ مُعاذ رأسه يخرج نفسه من جُب هذه الأفكار والمشاعر البغيضة حتى لا ينحدر إليها كما سبق وأكد على نفسه قبل أن يقوم بخطوة الزواج هذه!
ارتمت شيرين بين ذراعيه مرة أخرى تشدد من احتضانه وتصرف بقربه عنها أشباح ماضيها..
مُعاذ نجح في أن يبث في قلبها شعورا لم تختبره وفي كيانها عشقا لم تُجد فعله وفي عقلها غراما لم تسمعه، غير الذي عرفته واعتقدت بسذاجة أنه الحب بذاته ليتضح لها الآن أنها كانت تعيش في نسيج من أوهام أتقن وليد لفها حولها، وكلما كانت تحاول الفكاك منه يزيد من سُم التفافه..
أخرجها صوت مُعاذ العابث من أفكارها هادرا برفق
((عزيزتي.. إذا بقينا على هذا الحال فلن ننهض من الفراش ونجهز حقائبنا حتى لا يفوتنا موعد السفر))
=============================
طرق قصي باب مكتب المهندس صاحب هذا المشروع الذي يعمل فيه، وما إن أذن له الدخول حتى قابله بوجه مكفهر..
ابتعد المهندس عن الحاسوب ودعا قصي أن يرتاح على أحد المقاعد أمام مكتبه، فجلس قصي بعد لحظات تردد.. ليهدر المهندس بمهنية وبرود
((قصي.. قصي سامح.. إذن أنتَ عامل البناء والطوبار الذي تعمل هنا وتسببت باستقالة المهندس حديث التخرج بعد إغضابه؟))
ازدرد قصي لعابه بصعوبة متوقعا أن يكون سبب استدعاء المهندس له طرده.. تحامل على نفسه بمشقة لتخرج كلماته بإباء جاهد بإظهاره
((سيدي أنا فقط قمت بتصحيح خطأ في حسابات كُلف بها، وهو من انتابه الكِبر لأن التصحيح صادر فقط من عامل بناء مثلي ثم كتب استقالته، رغم أنه مجرد مهندس حديث تخرج وفي طور تعلمه، لكن يبدو أنه أراد أيّ حجة مهما كانت سخيفة للاستقالة، لا يد لي أنا فيما حدث))
حاول قُصي السيطرة على حالة التوتر التي تتفاقم داخل، صحيح أنه حقا لا يريد ترك عمل براتب عالٍ هنا رغم مشقته.. لكن حث نفسه ألا يتضايق فليس وكأنه آخر مكان عمل في العالم!
ضيَّق المهندس صاحب المكتب الجالس مقابله عينيه يقيّمه، إذ أنه لا ينكر أن عامل البناء والطوبار المبتدئ يستطيع اكتساب الخبرة وتعلم هذه الحرفة الصناعية عن طريق الملاحظة والمشاهدة، بل قد يكتسب مهارة عملية أكثر من أي مهندس قائم في المشروع.. لكن المخطط الذي رسمه قصي على البرنامج الهندسي والحسابات التي أجراها بكل سهولة، تجعله يرتاب من الأمر.. هتف به متسائلا بمباغتة
((يبدو أنك يا قصي سامح سبق وأخذت الكثير من الدورات التي تخص المشاغل الهندسية! لكن السؤال هو لماذا حصلت عليها؟ بما ستفيدك كعامل بناء؟))
زفر قصي بحنق بالغ وتشنجت تعابيره حتى أجاب بلامبالاة
((لأني بالفعل مهندس يا سيدي، ومؤخرا كنت استزيد وأطبق معلوماتي بكل ما درسته وتعلمته بالهندسة وأراجع طرق استخدام البرامج الهندسية التي قد تلزمني، لأجد نفسي بالنهاية أفشل في إيجاد عمل في الهندسة لأني لم أمتهنها قط، وأفضل وظيفة كانت متاحة أمامي براتب عالٍ هي عامل بناء هنا))
اندهش المهندس بينما يسأله ببلاهة
((إذن أنتَ مهندس!؟ أنت صادق يا قُصي؟ مهندس حقا؟))
هزَّ قصي رأسه مؤكدا ببساطة، فزاد ذهول المهندس صاحب المكتب واستتبت حيرته، ثم تنحنح إثر ما صَدمَه قصي بحقيقته ليقول بكياسة
((كنت أقصد هل يمكن أن تجلب لي شهاداتك الجامعية والإثباتات!))
استقام قُصي من مكانه هادرًا بهدوء
((لك ذلك.. سأحضرهم في الغد..))
قاطعه المهندس بلهفة وإصرار
((اليوم بل الآن، اجلبهم لي وعد إلى هنا))
قطب قُصي حاجبيه قائلا
((يمكنني أن أعطيك اسمي ورقمي في نقابة المهندسين، ألن يكون ذلك أسهل؟))
هزَّ المهندس سبابته موافقا
((بل أحسن، نحن في عصر التكنولوجيا كل شيء بإمكاننا الاطلاع عليه على الإنترنت..))
وكانت دقائق حتى فتح الحاسوب المحمول وبدأ يتصفح بالسيرة الذاتية لقصي ثم يقول مشيرًا على اسم الجامعة التي تخرج منها قصي
((لحظة الجامعة المذكورة هنا.. في الخارج صحيح؟))
ولم ينتظر أكثر حتى قام بكتابة اسم الجامعة على محرك البحث ليشهق أيّما ذهول.. كان يتأكد من اسم الجامعة لعديد المرات تجنبا لأي التباس في أن يكون اسمها مشابها لجامعة أخرى وما إن تأكدت له صحة ظنونه حتى هتف به برهبة
((رباه! هل حقا درست بمثل هذه الجامعة المرموقة في الخارج! كيف لم تجد عملا بعد تخرجك مباشرة))
ردَّ عليه قُصي وهو يهز كتفيه
((الجامعة نفسها وفرت أعمالا لخرِيجيها مباشرة لكن كانت ميولي وطموحاتي في وادٍ آخر غير الهندسة، فلم أستغل هذه الفرصة فضاعت مني، خاصة بعد مرور كل هذه السنوات..))
مررّ المهندس يده على ذقنه مفكرا لدقائق.. أما قصي فكان متفهما ذهوله فالتعلم في جامعة رفيعة المقام، تؤهل طلابها لمهارات ومعارف ذات جودة حقيقية، وبالتالي تحقق لهم فرص عمل أفضل ومستوى دخل أعلى ليس متاحا للكثير، إلا لأمثاله، ممن لا يعانون للدراسة في الخارج حيث منذ ولادته يؤهل لهذه اللحظة، ويرتب أهله لها، وذلك بإلحاقه بمدرسة دولية تؤهله لتلك الجامعات خارج البلاد.. أو تتاح للطلاب ممن آباؤهم يحترقون عملًا وسعيًا لتحمل مصروفات إلحاقهم بجامعة دولية، ويتطلب منهم جهد الدراسة الذاتية والدافعية المطلوبة للاستمرار..
انتشل المهندس قصي من بؤرة أفكاره يقترح عليه بغتة
((قلت بأنك كنت تبحث عن عمل لك كمهندس لا خبرة له، ما رأيك أن تحل منصب المهندس الذي استقال؟))
اتسعت مقلتا قصي ومال نحوه هاتفا
((أنا؟ هل أنتَ جاد بعرضك؟))
عدل المهندس من نظارته الطبية وقال
((نعم أنا جاد، عد فورا للبيت وتجهز للمقابلة غدا، وإذا نجحت بها سأعينك كمهندس.. ولكن عليك أن تعرف أن راتبك سيقل عما كان عليه عندما كنت تعمل هنا كعامل طوبار وبناء))
تجهمت ملامح قصي فتابع المهندس بابتسامة جانبية
((نعم لا تستغرب، فمن الصعب أن تجد عامل طوبار يتحمل مثل هذه الأعمال الشاقة والمجهدة لذا رواتبهم عالية، أما المهندسين فكثر حتى أن بلدنا يطلق عليها بلد المليون مهندس، ارمي حجرا على مواطن تجده مهندسا..))
لوح قصي بيديه هادرا
((حسنا، لا بأس، لا بأس، لا أهتم بالراتب أريد أن أعمل بشهادتي وأكتسب خبرة))
غمغم المهندس مُشيدا برأيه
((أحسنت يا بني، إذن استعد للمقابلة، لتبدأ إن وُفِقت فيها، عملك كمهندس بشكل رسمي))
قال له قُصي بامتنان قلبه الذي كان قبل ساعة واجفًا
((سيدي شكرا لك، سأبذل جهدي لأكون عند حسن ظنك..))
وعلى الفور غادر المكتب منصرفا، وقد تجلت علامات البهجة على وجهه، ليعود للمنزل ويستعد للمقابلة وكله عزم في نيل المنصب..
=============================
منذ تلك الليلة التي صارح مُؤيد فيها رتيل وهو يلتزم الصمت معها، ليس صمت الكلام رغم شحة الحوارات بينهما، وإنما صمت المشاعر، رغم الأحاسيس الكامنة المستعرة بينهما..
يرقبها عن بعد وهي أيضًا بل وتتعمد أن تسترعي انتباهه بحركاتها الملهبة له.. وهو رغم أنه لا يكف عن التهام كل تفصيله من تفاصيلها إلا أنه لا يجرؤ أن يفصح.. يشعر أنه محطم.. يخشى أن ترفضه بطريقة غير مباشرة فقد كان آخر مرة معها مخيبا لظنونها وآمالها..
كسرت الصمت بينهما هادرة
((لقد تأخرت قليلا في العودة من عملك! اليوم موعد زيارتي لعائلتي..))
تنحنح مُؤيد وهو يحل أزرار قميصه وعينيه على شفتيها المطليتين بإتقان إذ أضحت لا تتردد بوضع زينة الوجه في البيت أمامه.. ثم رد عليها أخيرا
((لن أستطيع أن أذهب اليوم معك، اذهبي مع الأولاد لوحدك))
أومأت له بهدوء.. مفكرة أنه لم يعد أبدًا يحسب خروجاتها كأنه يريد أن يثبت لها أنه يثق بها وبحسن تعاملها مع الأحداث والمعطيات، وهذا ما يجعلها في المقابل تشعر بثقل الذنب يقبع فوق قلبها عندما تحاول فتح هاتفه لتفتيشه فتتراجع فورا..
تبعته حيث يقف أمام منضدة الزينة يسوي شعره وقالت له بحنق ظاهري
((مُؤيد أنا تعبت من طلب المال منك كلما احتجت له، أشعر أني متسولة، أعطني مصروفا مثلما كنت سابقًا، وإذا لم تزد على المصروف فلا تنقص منه، أدرك أن وضعك المالي ممتاز..))
حانت منه نظرة شك لها ثم تساءل ببطء
((وهل ستقومين..))
قطبت حاجبيها تجيب بثبات
((نعم يا مُؤيد سأعود وأخبئ جزءً منه في حسابي البنكي، يعني للمستقبل فقط..))
عبست ملامح رتيل ورفرفت بعينيها شاعرة بشيء من الندم لأنها أفصحت له عن الحقيقة.. أما مُؤيد فضيق حدقتيه متفحصا صفحة وجهها قبل أن يزفر ويقول بيقين
((سأعود وأعطيك كما السابق.. هل تعرفين لماذا؟ لأني متأكد من أن رجل مثلي لا يقدر بثمن لو تركتيه فأنتِ الخاسرة..))
لم تتوقع منه استجابة سريعة فهللت ملامحها وأكدت بلهفة لا تسعها وهي تمد كلتا يديها مفتوحتين
((نعم أتوقع أني سأكون خاسرة لو تركتك يا مُؤيد، أعطني الآن هيا.. أعطني))
عكف مُؤيد فمه ساخرا لوجهها المشرق وأخرج من محفظته بعض المال وناولها إياها بقوة مؤكدا أنه سيكمل مصروفها غدا..
وهي كانت حقا ممتنة له فرغم كل سلبيات مُؤيد العديدة بل التي لا تعد ولا تحصى، إلا أنها إطلاقا لا تفكر بتركه، خاصة بعد أن شعرت أن علاقتهما تغيرت وباتت تستطيع أن تكون معه رتيل الحقيقية..
بارحت الغرفة لتخبئ نقودها قبل أن يتراجع هو عن عرضه، لكنها وجدت خطواتها تتباطأ وتتثاقل.. ازدردت غصة مسننة استحكمت حلقها كمن تذكرت شيئا ثم استدارت عائدة له تقول بصوتٍ مبحوح
((مُؤيد رغم أني لم أتلقَ أي اعتذار منك على خطأك بحقي عندما كنت تخرج مع دموع وعن تلك المحادثة، لكن من جهتي أنا أشعر بحاجة ملحة جدًّا للاعتذار منك على خيانتي لثقتك في الماضي.. كنت لسنوات أخون ثقتك وأخرج إلى أماكن دون علمك..))
رفعت عينيها تضعهما بحدقتيه المهتزتين بينما تكمل
((شكرا لك لأنك تمنحني ثقة عمياء لأزور عائلتي متى ما أشاء بل ووحيدة كأني لم أذنب، صدقني الآن لو خيرت بين موتي وكسر ثقتك لاخترت موتي))
تفاقم اضطرابه وأشاح بنظره جانبا لكنه قال بتوتر
((شكرا لك لأنك تثقين بي وأينما أدع هاتفي أو أتركه دون كلمة سر، لا تطلعين على خصوصياتي، رغم أنك لو فعلتي ذلك فلن أمانع، أنا تبت لله وعرفت ما تفعله تلك الصداقات البريئة..))
نعم هو حقا ما يزال يشكر الله ليل نهار على انتهاء موضوع دموع بأقل الخسائر، فمهما ينكر إلا أنه هو السبب باتهام دموع لزوجته بشرفها فهو من أدخل امرأة كدموع لحياته وأطلعها عن أسراره بزوجته، ولو كانت أذكى قليلا لكانت أوقعته بمصيبة بل مصائب لن يستطيع هو أو أحد أفراد عائلته الخروج سليمين منها..
توجه يجلس حول مائدة الطعام حيث جهزت له أطباقه المفضلة.. بدأ يأكل ببطء وعلى مهل، فقربت كرسيها منه ثم سألته بدلال تقوم بصنع له لقمة طعام بيدها ترفع نحو فمه وتطعمها له فيلتقمها منها
((مُؤيد أخبرني بالمزيد عنك أريد أن تحدثني عن نفسك أكثر))
تجهمت ملامحه متسائلا
((لم أفهم عليك؟))
هزَّت كتفيها قائلة بعفوية
((أريد أن أعرف أكثر عن طفولتك ومراهقتك لكي أفهم شخصيتك وكيف تشكلت وتطورت إلى هذه المرحلة الاستثنائية، فأنت لا تشبه أحدًا من أفراد عائلتك))
ازداد تجهمه وغمغم حانقا
((تشعريني أني رجل مختل يملك شخصية جنونية استثنائية وثرية للدراسة والبحث..))
ثم أبعد يدها التي كانت تناوله بها فلم تعر اهتمامًا وتناولت اللقمة بعفوية.. بينما يغير الموضوع هادرًا
((أعتقد أني سأذهب في نهاية الأسبوع للمتكم العائلية فقط لأجلك لأني حقا لا زلت أشعر أني لا أطيق رؤية أخويّك الاثنين أبدًا..))
أطلت من عينيّ رتيل نظرة ضيق خاطفة ثم هدرت
((ولا أنا أيضًا أشعر برغبة في الحضور لتلك اللَّمة، سيكون عمي وزوجته متواجدين لذا كل ما أتمناه أن يمضي الوقت بسلام دون أن أرهق أعصابي))
رفع إحدى حاجبيه بتحفز ثم تساءل بفضول
((وما مشكلتك مع عمك وزوجته؟))
وضعت الأكل من يدها مجيبة بعبوس
((لا شيء لكن يمكنك القول بأن مراهقتي كانت قاسية لأني عشت في بيت واحد معهم..))
غامت عيناها وأظلم توهجهما وهي تردف
((أنتَ تعرف أن والدي رحمه الله توفي في صغري، فعرض عمي على أمي الزواج لكنها رفضت بشدة حتى لا ينقطع عنها معاش والدي، ومع إصرار أمي على الرفض أجبرنا أن نعيش في منزله الكبير هو وزوجته وأولاده..))
اتسعت مقلتا مُؤيد لهذه المعلومة التي يعرفها لأول مرة عنها لتسترسل
((رفض عمي أن نعود لبيت أبي قبل أن يكبرا أخويا الاثنين ويصبحا أكثر نضجًا، وحتى ذلك الوقت نجح في نقل طباعه السيئة لهما وجعلهما يكتسبان صفات مقيتة كالتعسف والتزمت والشك ويتصرفا كأنهما الآمران الناهيان في حياتي وحياة أمي ويعتبراني أنا خادمة لطلباتهما))
قطب مُؤيد حاجبيه بغلظة إذ فهم أن رتيل تُشَّبِه صفات أخويها بصفاتِه قبل أن يحاول أن يغير شيئا منه.. بالماضي عندما كانت تطلب منه أن تسكن عنده من أجل حياة زوجية أكثر انسجاما وتقاربا وتشاركه بعضا من ترف ونمط حياة المدينة بدلا من إبقائها في منزل عائلته وفرض حياة روتينية جافة عليها، كان يصرخ مهددًا إيّاها بالهجر معللا أن سبب زواجه منها لتلعب في حياته دورا واحدا ألا وهو أن ربة بيت تنجب الأطفال وتنشئهم تنشئة صالحة، كأنها خادمة عنده!
تنهد قبل أن يقول وهو يدعوها أن تقترب منه أكثر وتريح رأسها على صدره
((غريب أن أمك لم تستطع كسب أحدا من ولديها إليها وسمحت لعمك بتشكيلهما كنسخة مصغرة منه! فقد بدت لي امرأة قوية وصبورة))
تحركت شفتاها تتشدق بصوتٍ سقيم
((نعم هي امرأة قوية ولكن قوتها تكمن في التحفظ والتكتم عما تتعرض له من ظلم خاصة من زوجة عمي القاسية))
تساءل مُؤيد مستغربا
((ولماذا تسيء لها زوجة عمك؟))
لم تنحسر ملامحها في شرودها وهي تجيب بمرارة
((عَلِمت بشأن عرض عمي الزواج من أمي، فجعلتنا نعيش في جناح صغير منفصل من بيتهم الفسيح فلا نأكل ولا نشرب معهم حتى لا يحدث أيّ تواصل بين زوجها وأمي حسب زعمها))
حضنت كفه بكلتا يديها وهي تردف
((قبل سنوات كانت قريتنا مثال للقرية النائية الخالية من المحلات التجارية، وأخويّ أصغر من الذهاب للمدينة وحدهما، فكنا نجلس لأيام بثلاجة شبه فارغة أو يشتد بنا المرض لعدم تلقينا العلاج فقط لأن أمي تخشى طلب شيء من عمي فتكيل زوجته لها الاتهامات بأنها تتعمد التقرب من زوجها، وتعاجلها بالضرب والإساءة..))
كان يستمع لها باهتمام دون تعليق، فقط ضغط عدة على مرات على يدها ليشعرها بتواصله معها، وكاعتذار صامت على ما مرت به في الماضي.. أما هي فكانت تفكر أنها لطالما أرادت منذ صغرها أن تعمل عندما تَشب ويكون لديها دخل وكيان حتى لا تصبح نسخة ثانية من أمها أو باقي النساء البائسات اللاتي ينتهي الحال بهن في نهاية المطاف دون قدرة على الاعتراض أو رفض الظلم الواقع عليهن.. رغمًا عنها كانت تكره الضعف وتبغضه.. قبل أن تكتشف أن المطاف انتهى بها لتعيش مع مُؤيد كما عاشت أمها وغيرها من النساء المقهورات وإن اختلفت دروبهن في الحياة..
لكن بحمد الله ورغم كل ما مرت به فها هي الآن تعيش حياة جيدة.. مُؤيد رغم كل سلبياته فهو كان سخيَّا معها إلى الحد الذي سمح لها أن تمتلك فيه الكثير من المال بحسابها البنكي والمجوهرات ما يخولها لتعيش حياة كريمة لآخر حياتها دون منية أحد، ولا زال يتغير أكثر..
دمدم مُؤيد لها بتعاطف صادق
((مسكينة أمك، كانت مضطرة قهرا أن تخضع لها حتى تكبروا!))
قاطعته رتيل بنبرة جافة باردة كالجليد القاسي
((لا لم تكن مضطرة، فهي ليست عاجزة أو ناقصة أو فاقدة للأهلية أو حتى فقيرة، كان بإمكانها الاعتماد على نفسها بدلا من الاتكالية على عمي، كان بإمكانها شراء سيارة وتعلم القيادة وقضاء حوائجنا بنفسها بدل تسول المساعدة منه، والسماح له بالتحكم بنا وجعل حياتنا صعبة))
رفع حاجبيه لجوابها.. وفكر بإن زوجته ليست ماكرة وحسب، بل حادة الذكاء، يصعب التنبؤ بأفعالها أو حتى أفكارها.. تبدو للوهلة الأولى للبعض امرأة ضعيفة ومستكينة، وللبعض الآخر متسلطة، لكن في أعماقها هناك سيدة أنيقة فكريا وخلقيا هادئة الطبع ودمثة الخلق، منصفة لا تأتي على حق أحد ما لم يتعرض لها أو يظلمها، أو يستولي على حق من حقوقها..
إنها تثير فضوله المتوقد للحد الذي يجعله يحب التواجد معها أكثر والإنصات منها في التعبير عن رؤيتها للأمور..
=============================
في المجلس حيث يجلس الحاج يعقوب وزاهية بمفردهما مع مُصعب، هتف يعقوب باستنكار للفكرة التي لا يدري كيف خطرت على بال مُصعب واستقرت بعقله
((ولماذا تستكمل دراستك في الخارج بدلًا من هنا؟ من أجل الوجاهة الاجتماعية؟))
ردَّ مُصعب بهدوء وثبات وهو يبرر موقفه الذي لن يتراجع عنه
((بل فرصة أفضل للتعلم ثم للعمل، وبالنسبة لنورين فلا يوجد تخصصات عُليا لنفس تخصصها هنا لاستكمال دراستها))
عقبت زاهية بسخط
((هل هي من حرضتك على فكرة السفر في الخارج من أجل إكمال تعليمها العالي؟))
صوب مُصعب نظره لأمه عاقد الحاجبين ثم رد مُصححًا
((بل دوامي الطويل المنهك في المشفى الذي أعمل به هو ما حرضني على فكرة الدراسة والعمل في الخارج لفترة، كرهت التمريض كله، أنا أكثر خمولا من أن أواصل عملي على هذا النحو حتى سن التقاعد، أريد أن أكمل دراساتي العليا لعلها تفتح لي أفقًا أخرى في مجالي))
أخذ مُصعب نفسا عميقا ثم عاد يقول لوالده بهدوء يكتنفه
((أبي ليس عيبا أن يسعى المرء لزيادة معرفته أو مهاراته، "أطلب العلم ولو في الصين" كما ورد في الأثر))
تحشرج صوت زاهية معترضة ومرهقة الملامح من فكرة سفر ابنٍ آخر لها في الخارج
((لا يا مُصعب لن نسمح لك أبدًا بالغربة، فعلها مَازن مرة ولن أسمح لك أن تعيدها))
كان مُصعب حازمًا وهو يرد
((لا يا أمي، الأمور لا تُقيّم هكذا، بل مثلما ذهب مَازن في عمر أصغر هناك للدراسة، أنا لي الحق أيضًا أن افعل، أنا لست صغيرا لتخافا عليّ من أي شيء))
حافظ يعقوب على هدوئه وهو يحاول بشدة ثني ابنه
((ليست مسألة خوف من قلة خبرتك، لكن الغربة ليست سهلة لا عليك رفقة عائلتك الصغيرة ولا علينا نحن، فقط اعتدنا زيارتك لنا أسبوعيا فكيف تريد أن نتحمل لسنين ألا نراك، الغربة تقطع صلة الشخص بأرحامه وأهله!))
ازدادت عقدة حاجبيه مُصعب وهو يرد
((أبي سيكون السفر غالبا لفترة مؤقتة، أنا بالتأكيد لا أفكر بالتنكر لجذوري وأصْلي والبقاء هناك، كل ما في الأمر أنى أريد طوقًا للنجاة يفتح لي آفاقًا من أجل عمل أكثر مرونة وسهولة بمجال دراستي في أي مكان على وجه البسيطة، فإن أرض الله واسعة.. سعيي لاختبار هذه التجربة تحدي حقيقي بالنسبة لي على المستوى الشخصي))
توقع مُصعب أن تعارض أمه، فهي من الأساس كانت رافضة كليا فكرة استقلاله بسكن آخر ومنذ أيام زواجه برشا، وبصعوبة انتهز هو فرصة الانتقال عندما تشاجر مع مُؤيد ذات يوم.. لكنه حقا صُدم بردة فعل والده ورفضه التام لأمر سفره.. فوالده بالذات كان من أكثر المصرين على بقاء مَازن في الخارج، مدعيَّا أنه أفضل له هناك ليؤسس حياته العملية ولو عاد للبلاد فلن يجد عملًا وسيعتمد عليه ماليا..
ورغم عدم اقتناعه بحجة والده أمامه إلا أنه احترم فيه اهتمامه بمصلحة ابنه الشّقي، والآن لن يقبل فكرة أن يعامله ويهتم بمصلحته أقل من مَازن..
فنظر لوالديه الاثنين مواجها إياهما
((أبي، أمي، أريد أن تعدلا بيننا نحن الأخوة، ومثلما سمحتما لمَازن بالسفر أن تفعلا معي، أنتما تعرفان بأني لن يهون عليّ السفر دون موافقتكما، لذا أرجو أن تتفهما موقفي وتوافقا لأنه أمر مهم بالنسبة لي))
تغيرت ملامح الوالدين لأخرى يتجلى فيها طيف من الذنب، حتى أن زاهية التي كانت تضع مَلك بحجرها شدّدت من احتضانها، أما يعقوب فأدرك بأن عليه الموافقة طالما أن السفر هو ما يريده مُصعب وبشّده، من باب العدل بين أبنائه على الأقل كما قال، فهو لا يعرف شيئا عن أسباب وظروف مَازن التي مرّ بها، فطالعه يسأله بصوتٍ واهن
((إذن هل حصلت على تأشيرة دراسية؟))
تضايقت ملامح مُصعب من نبرة والده التي تشير عن عدم رضاه بالسفر لكن أومأ له مجيبا
((الحصول على التأشيرة سيكون بسيطًا جدًا ولن يأخذ وقتًا فأوراقي جاهزة، ومستوفية لشروط السفر، واعلم تمامًا خطوات التسجيل بالجامعة وكافة الإجراءات..))
سأله باستغراب مرتخي الملامح
((لم تختر الجامعة بعد؟))
نفى مُصعب هادرًا بصراحة
((لا، ولا حتى لنورين علم بالأمر، لم أخبرها بعد، لأني أبحث عن إحدى الجامعات التي تقدم منح كاملة، أو على الأقل جزئية، وعمل بدوام جزئي يساهم في سداد المصاريف وتقليل عبئها عليّ))
قال يعقوب بخشونة
((مُصعب لا تهتم نهائيًا لمسألة المصاريف، تعليمك أنتَ وزوجتك على حسابي تماما، مع مصروف معيشتكم))
اعترض مُصعب بتلبك
((أبي لا تقلق، أنا لست محتاج ماديا أبدًا، أعني لقد ادخرت بحمد الله الكثير من راتبي لعدة أشهر، عملي سيكون من باب الاحتياط..))
ولأن والده كان يدرك أن مُصعب هو من دون إخوته الحريص دائما على عدم التثقيل عليه أو طلب مساعدته ماليا قاطعه بنبرة قاطعة لا تقبل الاعتراض
((حتى ولو، أنا من سأتولى كليًا مسألة الإنفاق على تعليمك ومعيشتك أنتَ وعائلتك هناك ولتؤمن أيجار بيت لك هناك، لا أريدك أن تعمل البتة، ركز على دراستك فقط))
رفرف مُصعب بعينيه هادرًا ببراءة وهو يتظاهر بالتمنع ويزيف الاعتراض
((لا داعي أبي، يمكن أن أؤجر شقتي هنا، سأعتبرها استثمار..))
أضحت نبرة يعقوب أكثر حزما وصرامة وهو يأمره
((لن تؤجرها أبدًا، ستأتي هنا أنتَ وعائلتك سنويا لزيارتنا وستجلس فيها))
وسرعان ما شق ثغر مُصعب عن ابتسامة امتنان، كان حقا شاكرا لعرض والده، فلو لم يعرض عليه أي مساعدة ماليّا لم يكن باستطاعته تَحمُل هو ونورين تكاليف على الدراسة في نفس الوقت، وكانت رغبته في إكمال دراسات عليا في التمريض ملحة جدًّا..
شعر بوالده يحتضن بكفيه يده ويوصيه
((سترى ثقافة مغايرة لما اعتدته هنا طوال إجازتك الدراسية في لخارج، لكني متأكد من أنك ستحافظ على جوهر ما ربيناك وأنشأناك عليه ولن تخذلنا))
طمأنه مُصعب ببشاشة
((لا تقلق يا أبي، أنا لست شابا ساذجًا، بل رجل لدي عائلة لأتحمل مسؤولياتها))
مسحت زاهية بأناملها دمعات متجمعة بعينيها ورددت على ابنها بطيب خاطر رغم الحزن المشوب بصوتها
((اهتما بملك، سأفتقدها كثيرا))
رفعت زاهية ملك التي تصاعد صوت ضحكاتها تداعبها ليقول مُصعب وهو يمشط شعر ابنته الكستنائي بأصابعه
((وهي أيضًا ستفتقدك يا أمي، وستفتقد والدة نورين، لكن لا تقلقي ستتحدثان معها يوميا على الهاتف))
=============================
ذات صباح..
همس مَالك بصوتٍ أجش قريبا من أُذن سمية مُراعيا ألا يُوقظ عبد الله الرضيع الذي ينام بجانبها
((حبيبتي.. استيقظي.. لقد جلبت لك كأس حليب طازج))
تمطت سمية بفعل إرهاق الاعتناء برضيعهم وحملها أيضا قبل أن تقول بصوتٍ ناعس متعب وهي تستند بذراعيها على ظهر السرير
((مَالك! هل استيقظت فعلا؟))
رفع كوب الحليب الدافئ لثغرها برقة فارتشفت منه بتأني قبل أن تمسكه منه وتضعه جانبا متسائلة
((لماذا تتعب نفسك هذه الأيام وتستيقظ باكرا لإعداد
الحليب لي! أنا بخير، فانسَ تلك الليلة لو سمحت..))
انقلبت ملامح مَالك لضيق ودمدم
((لا تذكريها إذا أردت أن أنساها))
خرج صوتها مترددا خافتا
((لماذا تبدو غاضبا مني!))
اكتنفت الجدية صوته وهو يرد
((أنا غاضب من نفسي لا منك! ولكن لا بأس، لا أريدك أن تشعري بأي ضغط، ولا أريدك إلا أن تكوني مرتاحة بما تستطيعين حتى لو ترتب على الأمر ألا يكون بيننا وصال جسدي..))
توجع قلبها مما يقوله فقاطعته بعبوس محتج
((ما هذا الهراء يا مَالك!))
كان صدره ينتفض بشيء من الانفعال فأشاح بوجهه بعيدا هادرًا
((انسي فقط ما حدث، وركزي في الاهتمام بنفسك جيدا من أجل الجنين، أنتِ تفقدين وزنًا بدلا من أن تكتسبيه وهذا الأمر ليس في صالحكِ..))
ثم مد يده فوق بروز بطنها القليل هادرا بصوتٍ مبحوح
((أتمنى أن تكون بنتا هذه المرة..))
ترققت ملامحها وخفتت حرقة قلبها تدريجيا تطرِب لحديثه وهي تطالع الحب الجارف الممزوج بحنان فطري يطل من عينيه لصغيره عبد الله الذي حول النظر له..
وضعت يدها فوق كفه، قبل أن تعتدل تتحرك عن السرير لتقف هادرة بعجل عاطفي
((ستتأخر على عملك، سأذهب لأعد لك فطورا سريعا))
بارحت السرير فاستشعرت بقشعريرة سرت على طول جسدها الذي تحسس من برد الغرفة، إلا أنها كانت حقا لا تريد أن تدعه يغادر دون أن يتناول فطوره فعائلته تتأخر في إعداد الفطور حتى بعد ذهابه.. فتركها يهز رأسه بيأس لما تصر على فعله لإرضائه ولو على حساب صحتها..
وبالفعل ما أن انتهى من ارتداء ملابسه حتى كانت قد جلبت له صينية الفطور.. فجلسا على الشرفة يأكل إفطاره بتأني وهو يطالع مزروعات سمية الصغيرة التي وضعتها بحب هنا.. كانت عبارة عن حديقة ملونة مصغرة بسيطة تبعث في النفس السعادة.. فيها الكثير من الورود الخلابة شذّية الرائحة وبعض الخضروات الأخرى التي تحتاجها طازجة صباحا..
سكب لنفسه الشاي الساخن وعندما قطفت له أوراق النعناع سحبهم منها دون كلمة ووضعهم في كأس الشاي بدون غسيل مما جعلها تبتسم له رغم توترها وتعقب
((لا يهم، فالأوراق نظيفة من سقيي الدائم لها))
ارتشف الشاي بجرعة واحدة ووضعه فوق الطاولة.. ثم توجه نحو عبد الله يلثم جبينه ويمشط بأصابعه غرته الصغيرة المتدلية على جبينه بلطفٍ بليغ قبل أن يغادر..
صفق الباب خلفه وسرعان ما انحسرت ملامح سمية لأخرى تعيسة وهي تطلق بعض الأنفاس المحبطة التي كانت تجيش في صدرها..
.
.
بعد ساعات..
مسدت سمية ما بين عينيها تزيل إرهاق الجلوس لساعات خلف شاشة الحاسوب في قراءة كتب ومقالات كثيرة كما كانت تفعل مؤخرا..
حتى أنها حاولت الاشتراك مع مختصة ومستشارة في العلاقة الزوجية تدردش معها عبر احدى منصات التواصل لتقدم لها أهم طرق ومهارات التواصل الفعال في علاقتها مع زوجها لا مجرد نصائح عشوائية والتي لا تمت للخبرة بصلة..
تريد أن تتعلم ثقافة الحياة الزوجية الصحيحة وتريد أن تحصل على إجابات حقيقية عن كل الأسئلة التي تشغل بالها..
مشكلتها مع مَالك لن تحتاج إلى وضع مساحيق تجميل على وجهها أو عطور على جسدها بقدر ما تحتاج إلى رغبة في التجربة والجرأة للتغيير.. لذا ها هي تبحث وتقرأ وتسأل.. تريد أن تعرف ما يحب ويكره.. أن تصير خبيرة في شخصيته كما هو كذلك معها.. تريد أن تبادله عطاءه.. واكتشفت ربَّاه كم كانت بحكم تربيتها وثقافتها المحدودة وقلة اطلاعها جاهلة بتفكير الرجال رغم أنها متزوجة للمرة الثانية!
لكن لا بأس.. أهم شيء أنها تداركت خطأها.. وستظل تحاول وتبحث وتتعلم.. لأجل حبيبها!
مَالك لا يريدها أن تهتم به بإفراط كأمه فهو مشبع من حبها واهتمامها بالفعل.. حسنا قال بأنه يحب اهتمامها المفرط هذا ودلالها له.. لكنه ليس كافيا وهذا ما يساهم في إبعادهما، لا فرق العمر كما أحيانا تحاول إيهام نفسها كطريقة للتنصل من مسؤولياتها في حل المشكلة واجتثاثها من جذورها..
هو يريد منها أن تكون زوجة وحبيبة وعشيقة.. يريد منها أن تكون الأنثى التي ترضي قلبه كعاشق وجسده كرجل..
وعندما يتعلق الأمر في الحياة الزوجية فهناك دائما حاجات متبادلة.. فإنْ تمت تلبية هذه الحاجات نجحت العلاقة مهما كان التفاوت العمري بينهما.. وإذا لم تعطِهِ احتياجاته كما يفعل هو معها وينجح في إزهار أنوثتها قد تخسره خلاف كل تأكيده أنه لا يستطيع أن يحيا في مكان هي ليست فيها..
انكمشت ملامح سمية وشعرت باختناق من فكرة خسارة مَالك..
لن تتحمل أبدًا خروجه من حياتها! إذ أنه أفسدها دلالًا حتى ما عادت لها قدرة الابتعاد عنه، ولا تتخيل لها حياة لا تنعم فيها بحنانه ورقته معها عند استيقاظها من النوم..
هزت رأسها تبعد هذه الخواطر عنها.. تناجي الله في سرّها ألا يحدث شيء من هذا وإلا سينال قلبها حتفه..
ثم ابتسمت بمحاولة بعث التفاؤل في نفسها.. بل تشحن عقلها بالحماس..
قريبا ستبدأ في عرض مؤهلاتها الأنثوية أمام زوجها اللطيف.. الوسيم.. وستبهره بشلال من الشغف وستغمره حبًا وعشقًا، كما يفعل هو معها..
لقد أخطأت باعتقادها أن مهمة إشعال الشغف تقع عليه بمفرده، وهي عليها فقط أن تستكين في الفراش في استسلام تام لمجهوده.. ستتجاوب معه فهي ليست كالدمية، دون حياة، حتى لا يستمر في ظنه بعدم رغبتها المتبادلة فيه..
ستشبعه توددا وتثيره كما يرغب بل وأكثر مما يتمنى..
لن تتذمر من أي مبادرة له ولن تأسر أو تكتم رغبتها به أو تتردد في إشعال الفتيل الحسي بينهما، لن تضيعه من بين يديها بجهلها أو قلة فهمها أو خجل يعيق مبادرتها الغرامية..
أطلقت سمية آهة مكتومة، آهة أنثى بحرقة قلبها الذي يخفق في اشتياق لبعد زوجها الذي يؤرقها ويحرمها الراحة ليلا ونهارا..
=============================
وقف مَازن أمام المرآة ببدلته السوداء الرسمية والعصرية يسرح شعره استعدادا للخروج عندما قال فجأة لزوجته المنهمكة بإعداد طلبية القماش التي كلفتها بها المرأة التي تعمل عندها
((ياسو حبيبتي كنت أفكر أن أفرغ غرفتنا الأخرى وأصنع منها بركة سباحة لنا، لكن هل عليّ أن أسأل أولا مختصا إذا كانت هذه الفكرة معقولة التطبيق؟))
اتسعت عينا ياسمين ذهولا للحظات ثم تمتمت بتفكه على مَازن الذي لا يكف أبدًا عن إدهاشها بأفكاره غير المألوفة
((المنطقي يا قمر الدين أن مكانك الصحيح هو مشفى الأمراض العقلية..))
لجم كلامها بنظرة حانقة منه، فتركت ما في يدها وتوجهت إليه.. مدت يداها تساعده في تعديل ربطة عنقه ثم قطبت حاجبيها هادرة
((لا تنظر لي بهذا الشكل، وتوقف عن أفكارك المجنونة التي سيرمينا والدك في الشارع بسببها يومًا ما))
حاوط خصرها بيديه وهو يرمقها بنظرات مستاءة
((أعرف أنك ساخطة على حظك لأنك لم تتزوجي من زوج كئيب يشبهك لذا توقفي عن هذا وتقبلي أسلوب حياتي المفعم بالبهجة والمغامرات الشيقة، وبالنسبة لموضوع بناء بركة هنا فأنا سأفكر فيه بجدية بمجرد أن يتم قبولي بالشركة اليوم))
التفت يدها للخلف تلتقط المشط لتبدأ في تسريح شعره وهي تقول
((أتعرف! متفائلة بأنك ستنجح في المقابلة))
ألقى مَازن نظرة أخيرة على المرآة يتأكد أن هيئته تبدو مناسبةً للمقابلة ثم قربها منه بتملك هامسا
((أكيد سأنجح وكل هذا الاهتمام منك يغمرني))
قاطعته تبتعد عنه فهي تعرف عبثه حتى لا تشتت استعداد
((هيا قمري عليك أن تكون مُركزا في أمر المقابلة))
ثم بدأ يفتح الملخصات التي اجتهد في تدوينها ودراستها مؤخرا استعدادا لمقابلته النهائية اليوم في تلك الشركة الكبيرة..
تمتمت ياسمين بعاطفة بداخلها تدعو الله أن يوفقه في المقابلة فقد درس بجدية لها وطالع كل شيء يخص تاريخ الشركة التي تقدم للعمل بها ونشاطاتها بعد أن أجرى عملية بحث مكثفة عنها حتى تكون لديه خلفية قوية حولها ومجال عملها وعملائها، والخدمات التي تقدّمها..
=============================
وضعت سهر حقائب السفر التي وضبتها جانبا بينما يصلها صوت قصي حانقا بينما يتحدث على الهاتف مع والدته
((ولكن يا أمي كنا نخطط أنا وسهر في نهاية الأسبوع الذهاب في جولة استكشافية للتسلق، أنتِ تعرفين منذ أن أصبحت مهندسا صرت آخذ إجازة ليومين بدل يوم في الأسبوع!))
استنكرت روزانا كلامه بتوبيخ يتدفق منه الازدراء
((ستذهب لتسلق الجبال يا قُصي؟ تسلق الجبال؟ متى ستتوقف عن الاهتمام بهذه التوافه؟))
تجهمت ملامح قُصي وناظر زوجته التي حثته على ضبط أعصابه فأخذ نفسًا عميقًا يستعيد رباطة جأشه بينما تتابع أمه بحزم
((انس فكرة تسلق الجبال وجهز نفسك للحضور معي لاحتفال خيري سأقيمه في جمعيتي نهاية الأسبوع كنوع من أنواع التعزيز لي))
تقبضت يد قصي بغضب ثم قال بمحاولة يائسة لتعديل قناعتها الراسخة التي تسيطر على كل تفكيرها
((لا أمي.. لن أذهب لأيّ حفل خيري، وتوقفي عن الإشارة للأنشطة التي أحب ممارستها كأنها أمور سخيفة، خاصة نحن التافهين الذين لا نفكر إلا في المتعة، ونترك حل القضايا الاجتماعية العالقة والمزمنة التي ستهتمين بحلها بذاك الحفل الخيري مع صديقاتك من المجتمع الراقي! إنهن يتصرفن كنساء الحواري اللاتي ينقلن ويفشين أخبار وأسرار الحي، مشغولات ليل نهار باغتياب الأهل والأحباب والأصحاب))
التقطت روزانا مجلة عن الموضة موضوعة على المنضدة لتحركها أمام وجهها كمروحة يدوية تخفف من الحرارة المتوهجة فيها ثم تمتمت باحتجاج مغتاظ
((قُصي لا تهن صديقاتي، آخر حفلين حضر أخاك الأصغر، وهذه المرة هو دورك للحضور..))
قاطعها قصي بحزمٍ آبيًا سماع بقية حديثها
((أمي لن أذهب لحفلك الخيري السخيف وأضيع عمري الثمين في سماع أخبار الناس! لأنه ليس لدي أكثر من حياة لأهدرها في مراقبة الناس أو الانشغال بتصرفاتهم))
أوقفت روزانا حركة المجلة لتنكمش بين أصابعها قبل أن تلقيها بعنف فوق المنضدة أمامها بصوتٍ مسموع لقصي عبر الهاتف، فلم يجد أمامه إلا أن يحسم باستسلام نتيجة هذا النقاش العقيم
((أمي بصراحة كان بودي أن أدعوك للذهاب معي أنا وسهر لتسلق الجبال لكن بالتأكيد صديقات المجتمع الراقي وحفلك الخيري أولى بمجهوداتك الجبارة في الغيبة والنميمة والتدخل في شؤون الآخرين، والنيل من كرامة الأسر والعوائل الذين تتبرعين لهم!))
غمغمت روزانا وهي تستشيط غضبا
((وأنا التي ظننت لو ألزمت عليك أن تتزوج فتاة من نخبة مجتمعنا ستكون عونًا لي ومرافقة في حفلاتي واجتماعاتي الخيرية..))
قاطع قُصي والدته قبل أن تنال بحديثها من سهر ثم واجه ثورتها التي لا تنفك عن ترديدها
((سهر فتاة مختلفة يا أمي، عملية جدًا لا وقت لديها للمجاملات لذا لن تنخرط فيما تسمينه المجتمع الراقي))
لكن كلماته فاقمت من غيظها فأغلقت الهاتف في وجهه، رفعت سهر حاجبيها متفهمة مأساة قُصي مع والدته.. ربما ما يمر به أسوء مما تمر به هي مع أمها، التي لا تنفك عن البكاء بحسرة وسخط منذ زواجها أنهم خُدعوا في قصي.. إذ أنها اقتنعت أخيرا أن قُصي حقا لا يملك شيئاُ من ثراء عائلته بل حتى أنه لا يمكن أن يستفيد من اسم عائلته شيئا فهو لا يستخدمه في العمل.. ورغم أن جميع سيدات الجمعية يعرفن أن ابنتها متزوجة من ابن السيدة روزانا وليس سرًا أمام أحد إلا أنهن لا يتحدثن عن الأمر أبدًا كأن روزانا نبهتهن لذلك لأنها تخجل وتتحرج من خلفية انساب ابنها..
أطلقت سهر نفسًا عميقًا ثم جلست بجانب زوجها مؤازرة
((أمك نسخة عن أمي وصديقاتها تماما، والتحاسد فيما بينهن، كل واحدة منهن تكره الأخرى وتذمها في ظهرها، وفي الوقت نفسه أمام وجهها تحتاج إلى أنْ تتحدث إليها فتدعوها، لأنه التوغل في المظاهر الخادعة والتملق الزائف بأصحاب الشأن والنفوذ متعة لهن أكثر من مصالح شخصية))
تغضّن جبين قُصي بالضيق معقبًا
((كنت في السابق أتظاهر بالإصغاء لها وأجاريها في الذهاب لتلك الحفلات مقابل مصروفي الذي آخذه منها، لكن لكل شيء حد وأنا ارتأيت أن أستمتع بوقتي بدلًا من أن أفسده))
وتدريجيا استحالت ملامحه لأخرى يتجلى فيها الحماس وقال وهو يحثها على الوقوف
((دعينا ننسى سيرتهم يا باربي ونركز في حزم أغراضنا لرحلة التسلق ونستمتع بحياتنا))
=============================
في إحدى الشركات المرموقة في المدينة، داخل قاعتها الفارهة المخصصة للمقابلة النهائية بعد تصفية المرشحين الذين تجاوزوا أول مراحل عملية التوظيف، جلس مَازن ومن معه أمام لجنة ممثلي الموارد البشرية الذين بدأوا بالدور يطرحون على جميع المرشحين في هذه المقابلة نفس الأسئلة، ويتم تقييم كل مرشح بناءً على طريقة إجابته..
وكان مَازن يحاول الحفاظ على التواصل البصري مع الجميع متأكدا من أن يجيب بأسلوب مهني محترف ودقيق دون توسع في كلامه عن مواضيع غير مترابطة بمحور السؤال.. هادئًا ومركزًا يستعرض ثقته بنفسه وهو يشرح عما حققه من نجاح في أيام الجامعة والذي يرتبط بصورة مباشرة بطبيعة العمل الحالي والمسؤوليات المصاحبة له والمهارات التي يطلبها.. منتبها إلى لغة جسده وإيماءًته ونبرة صوته..
حتى أنه من يعرفه لا يصدق أنه هو مَازن الأخرق ثقيل الدم بمزاحه ومقالبه وقلة مسؤوليته!
فانتهت المقابلة بتركه أمام المسؤولين ما يظهر صفاء عقله وفكره ويترك انطباعا بالتميز أمامهم..
طلبت اللجنة من المرشحين الانتظار خارجا لساعة قبل أن يعاودوا طلبهم للدخول كل على حدا..
وكان مَازن هو أول من طُلب دخوله ورغم توتره من ألا يتم اختياره إلا أنه ظل يتحلى بالثقة أمامهم فدلف للقاعة برأس مرفوع، مبتسما بلباقة، ملقيًا السلام..
بدأ أحد رجال فريق الموارد البشرية يخبره بإسهاب عن نتيجة مقابلته وما ميزه وجعله مختلفا عن باقي المرشحين وأثار إعجاب كل عضو من أعضاء اللجنة.. قبل أن يكمل وهو يمسك ملفه
((رغم أن علاماتك ليست عالية ولا تمتلك خبرة عملية.. ولكن لغتك الإنجليزية ممتازة، لقد اكتسبت لكنة أهل اللغة، تحدثت أمامنا كرجل أمريكي المولد والنشأة، سمات شخصيتك ومهاراتك الأساسية مثيرة للدهشة..))
حافظ مَازن على ابتسامته اللبقة ليواري خوفه من عدم قبوله في الوظيفة وبالتالي بقائه في عمله الحالي كمندوب توصيل.. لكن أخذ رئيس اللجنة الحديث ليقول له بلا مواربة وهو يمد يده
((أستاذ مَازن لقد أصبحت عملية العثور على أصحاب أفضل الكفاءات أمر صعب هذه الأيام، لكن كانت هذه هي المقابلة الأخيرة لك وكلنا ثقة أنك مناسب للمنصب الذي تقدمت له.. يشرفنا أن يعمل شخص مثقف في شركتنا.. أليس كذلك يا أَساتذة؟))
ناظر الرجل باقي أعضاء اللجنة وكانوا جميعا مقتنعين بمدى ملائمة مَازن للوظيفة وهم يلمسون مدى اطلاعه حول تفاصيل الشركة وموقعها بالنسبة لأقرانها في السوق..
تهللت أساريره حتى أنه أراد بشدة أن يقفز من مقعده لكنه تماسك ومد يده بالمقابل لمصافحته بقبضة مشدودة بفرح هاتفًا بعبارات الشكر..
.
.
كان صدر مَازن لا يزال يعلو ويهبط وأنفاسه تتعالى في صخب بعد إطفائه محرك سيارته.. هدوء لا يقطعه إلا صوت مرور السيارات المسرعة على الطريق العام قبل أن يصله صوت ياسمين في الهاتف متسائلة
((ها أبشر؟ هل تم قبولك؟))
أجابها مَازن بصوته المفعم بالحماس والبهجة
((لقد تم قبولي في هذه الشركة، سأبدأ فيها براتب خيالي بالنسبة للوظائف التي شغرتها سابقا، أريدك أن تزفي الخبر لوالديّ وأن يعدوا على الغداء وليمة كبيرة لنحتفل بهذه المناسبة))
قالت له ياسمين بعفوية
((لا تقلق، أمك توقعت نجاح مقابلتك فأنتَ لم تجتهد في التحضير لشيء في حياتك كما حضرت لها، وبالفعل طلبت أن يعدوا لك كل ما لذ وطاب، لكن قد يتأخروا قليلا فمنال ليست هنا، قالت بأن ابنتها في المشفى ومريضة!))
اكفهر وجه مَازن قليلا من ذكر سيرة نجوم ومنال التي بشق الأنفس يحاول أن يتجاوز فكرة رؤيتها غالبا في القصر والتعامل معها كأن شيئًا لم يحدث بينه وبين ابنتها..
بمجرد أن وصل مَازن للقصر حتى كان ينتظره حول مائدة واسعة والديه وزوجته ومُصعب ومَالك وزوجته، كان كرسيه هذا المرة بجانب والده فجلس بجانبه وسرعان ما ربت يعقوب على ظهره مشيدا عليه بكلمات حملت فخرا غير مسبوق بطياتها
((أخيرا يا مَازن حللت النقود التي أنفقتها عليك في جامعة الغرب هناك))
اعترض مُصعب بتفكه لكمّ الفخر في عيني والده
((أبي كل هذا من أجل وظيفة لمَازن في الشركة! لم تفرح ولو ثلث فرحة حصول أحدنا على وظيفته!))
لوح يعقوب بيده وقال والفخر يغزو قلبه تجاه أصغر أبنائه
((هذا لأني لم أتوقع أن يعمل مَازن يوما بوظيفة محترمة))
قطب مَازن حاجبيه لكن سرعان ما قال بشقاوة
((حسنا يا أبي شكرا لك، سأعتبر هذا إطراء))
رمقه يعقوب بنظرة قوية وغمغم
((هو كذلك بالفعل))
لم يعقب مَازن وعيون والديه الاثنين التي تطفح منها نظرات الفخر والاعتزاز والسعادة تكفيه.. حتى ياسمين كانت تشعر بفيض من البهجة في داخلها تجاه مَازن ووضعت يدها فوق بطنها تفكر باهتمام متى ستخبر مَازن أنها حامل!
ما إن مدّ مَازن يده بشهية مفتوحة لطبق طعامه حتى صدح صوت ضجيج ناجم عن طرق الباب الخارجي للمنزل بعنف بالغ..
نظر الأخوة الثلاث إلى بعضهم بتوجس وقبل أن ينتظروا فتح أحد العاملين في القصر له هرولوا باتجاه الباب الذي سبقهم إليه مُصعب ووجد ضابطًا يطل عليه بهيمنته قائلا
((أين هو مَازن الكانز؟))
تطلع مُصعب ومَالك نحو مَازن الذي هتف بشيء من الارتباك
((أنا.. أنا هو مَازن الكانز..))
وقتها قست ملامح الضابط بشكل وحشي وقال وهو يرفع مذكرة اعتقال
((مَازن الكانز أنتَ رهن الاعتقال بجريمة اغتصاب عاملة عندكم وقتل رضيعها.. يحق لك الالتزام بالصمت))
جحُظت أعين كل من في المكان خاصة يعقوب وزاهية الواقفان في آخر البهو.. وقبل أن يستوعبوا ما يحدث التفت الضابط آمرا بقية رجاله باعتقاله فتقدم مَالك نحوهم للحيلولة دون أخذ توأمه لكن أحد الضباط دفعه بقوة نحو الجدار.. فسارع مُصعب يكتفه هادرا بحزم
((إن الضابط يحمل مذكرة اعتقال رسمية تمنحه الأذن باعتقاله، إذا قاومتهم ستؤذي مَازن))
وعند هذه الكلمات لم يجد مَازن المفجوع كما حال الباقي إلا أن يستسلم للضباط الذين قيدوه بالأصفاد..
وما أقساه من مشهد على الجميع وهم يقتادونه نحو سيارة الأمن تحت بكاء والدته وصراخ إخوته..
.
.
وضعوا مَازن في غرفة معزولة وبعد فترة طويلة حققوا معه لمدة قاربت الساعتين.. لكنه أصر أن يمتنع عن الإدلاء بأي معلومة حتى يُسمح له بلقاء محاميه.. لكن ما صدمه ولجمه عن الكلام في بعض المرات توجيه تهمة اغتصاب نجوم التي كانت تعمل في منزلهم ثم قتل رضيعها الذي أنجبته فجر هذا اليوم.. مؤكدين له أيضًا أن هناك شاهدًا رآه يدفن الجنين حيًا تحت التراب..
نعم نجوم حاولت مراودته عن نفسه.. لكن أيصل بها الحال أن تتهمه بالاغتصاب وقتل رضيعها؟ هل كانت حامل؟ وهل كانت الشرطة لتصدر مذكرة اعتقال في حقه دون دليل ملموس؟
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التسعون 90 - بقلم Hya Ssin
الفصل التاسع والثلاثون
قبل أسبوع.. في ثنايا الليل البهيم..
أنهت نجوم تطريز اسمها الثنائي المتمثل باسمها واسم والدها على الغطاء الناعم أحمر اللون لطفلها القادم وابتسمت بحنو..
بعد أن تنتهي شهور الحمل الثقيلة المؤلمة والمنهكة سيأتي طفلها للدنيا وسواء أكان ذكرا أو أنثى ستعطيه إحدى الأسماء التي اختارتها له وتطرز اسمه بجانب اسمها على هذا الغطاء..
اكتسحها شعور مقيت بأن ابنها سيكون طفل سفاح لا أب ينسب إليه ودون ذنب منه وكل من سيعرفه في المجتمع حوله سيشعر بالنفور..
أسرتها نجوم في نفسها بحرقة قلب وحثت عقلها أن يتذكر وعد أمها بعملها على تسفيرها للخارج بعد إنجابها الطفل حتى تؤمن له مستقبلا أفضل، وهناك لن يحكم عليه أحد لذنب اقترفه أحد أبويه..
لم تكن قد همت بالقيام حتى تشنج جسدها ثم اغرورقت عينيها بالدموع وتسارع ألم اجتاحها كتيار كهربائي بصعقات مفاجئة.. حتى بالكاد تمكنت من الهتاف بكلماتٍ متداعيةٍ منهارة
((خالتي.. خالتي.. أشعر أني سألد.. الآن.. أين أمي؟))
.
.
تململت منال النائمة في سريرها بانزعاج من رنين الهاتف المتصاعد واعتدلت جالسة ترد عليه لكن قبل أن تخرج الكلمات منها فتحت مقلتيها بقوة تسمع صوت بكاء عنيف مكتوم صادر من ابنتها بجانب همس أختها الهلع
((هيا يا منال أسرعي إلى هنا، جاء الطلق ابنتك، قد تلد بأي لحظة))
جحظت عينا منال حتى كادتا تخرجا من محجريها ثم همست والذعر يعتريها
((يا إلهي! يا إلهي! سأتسلل خارج مرفق قصر الحاج حتى لا يراني أحد وآتي عندكم بكل ما يلزم لولادتها، عليها أن تلد في صمت شديد))
أغلقت أخت منال الهاتف وتابعت تمسح بالمنديل حبيبات العرق عن وجه نجوم المحتقن شديد الاحمرار والغارق بالدموع..
ضغطت نجوم على شفتيها بشدةٍ تكتم آهات مغصوبة لكن تأوهت دون إرادة منها عندما فاجأتها ضربات الطلق مجددًا كأنها قنابل تمزق جسدها وتقصم ظهرها فوضعت لها خالتها قطعة قماش في فمها حتى لا يفضح الجيران أمرهم ومن يقطنون في البيت..
عضت نجوم بشراسة فوق قطعة قماش كي تدفن الألم المتزايد والعنيف في جسدها بشكلٍ متسارع جنوني، بدون أن تملأ المكان بصوتٍ هتافها.. حتى أن خالتها أشفقت عليها وهي تراها تكابد وتصابر نفسها في كتم أوجاعها رغم الألم الفظيع الذي تمر به..
حضرت منال وبعد ساعات قلائل بدأت ولادة نجوم التي نجحت أخيرًا في دفع الطفل بآخر قوة أخرجتها وهي تحاول التنفس بإنهاك وعنف حتى خرج المولود لتتلقاه خالتها بيديها..
ما إن التقطت أذنا نجوم صوت بكاء الطفل الأجش المختنق حتى همست وهي تلهث بأنين من شدة الألم
((هل الجنين أنثى أم ذكر؟))
لكن قبل أن تنال إجابة متلهفة لها منذ وقت كانت قد خارت قواها وفقدت الوعي..
لم تهتم منال بها وقالت بقسوة إنسانة فاقدة لكل معاني الإنسانية
((لقد اتصلت بابن أختي وها هو قادم على الطريق، أخبرته أن يضع هذا الرضيع أمام أحد الجوامع البعيدة عن قريتنا، لو فقط لا زلت بشبابي لكنت أنا خرجت في هذه الساعة للقرية المجاورة ودون الحاجة لمعروف من هذا الوضيع ابن أختي!))
تطلعت شقيقة منال للكتلة الوردية الملطخة بالدماء الذي يصدر هدير أجش وقالت
((بنية هذا الطفل ضعيفة جدًّا، إذا تركه ابن اختنا أمام الجامع في هذا الجو البارد سيموت، بل حتى تنفسه مختنق، كأنه في حاجة للمساعدة على التنفس قبل أن يتمكن من الاعتماد على نفسه))
حدجتها منال بنظرات شيطانية مخيفة كأن لا صبر لها على سخافة وترهات أختها.. فرضخت الأخرى لها وتطلعت بعينين متألمتين لنجوم فوق الفراش فاقدة الوعي ومتعرقه الجسد بعد أن استنزفت آخر ما تملك من قدرة لإخراج وليدها إلى الحياة.. ثم أطلقت تنهيدة طويلة مستسلمة لإرادة أختها التي وصلت الأمور معها إلى حد متدنّي من الإنسانية والأمومة.. بل إلى حد معدوم.. نظفت الجنين ثم ألبسته من الملابس التي جمعت نجوم ثمنها من المال الشحيح الذي تعطيه لها أمها رغم أن الحاج يعقوب يعطيها راتبا كاملا كما لو ما زالت تعمل عندهم.. ثم قالت أخيرا
((انتظري حتى ألفه بالغطاء الثاني الأحمر، لقد صنعته نجوم بكل حب له، من الحسرة ألا يمتلك ذكرى بسيطة من أمه))
تناولت منال منها الطفل بلفته الحمراء بفظاظة بينما عادت أختها تلح عليها بحزن يكتنف ملامحها لعل قلبها القاسي يرق
((لا أتوقع أن هذا الطفل سيعيش طويلا، إنه ضعيف، حرام عليك، اتركيه لابنتك وتراجعي عما تخططين له، لا أظن أن نجوم ستقتنع بكذبة موته لو لم ترى جثته))
أظلمت ملامح منال بشر كامن وقالت بصوتٍ قاتم
((بل سنقول لها أنه خرج ميتا إلى الحياة ودفناه أثناء نومها وهي ستصدق رغما عنها، ليس بمزاجها))
طرق ابن أخ منال الباب بعنف بينما يلفحه الهواء العاصف في الخارج وجسده يرتعش بصقيع لا يوصف.. بحركة مقززة ذكرتها بأشرار أفلام الكرتون فرك ابن أختها يديه ببعضهما يمد لجسده الدفء.. ازدرد لعابة بصعوبة يجلي غصة اعترضت حلقة المتقرح ثم استعجل خالته هامسا بصوته المخنث
((هيا يا خالة منال ناوليني الطفل، يجب أن أسارع الوقت لأصل لذلك المسجد البعيد عن قريتنا وأضعه هناك قبل أن يحين موعد أذان الفجر))
تقدمت منال من ابن أختها، تناظر بوجه طفا عليه الاشمئزاز عينيه المشقوقة كالأفعى ووجهه القميء إلى قلبها إذ أنه السبب بمصيبة ابنتها.. ثم ناولته الطفل داخل اللفة.. فرسم ابتسامة شريرة لاحت على شفتيه الغليظتين لتسمعه يقول بفحيح قشعر جسدها بقرف ومقلتيه تلمعان بالدناء والخبث
((أخيرا سنتخلص منه ولن يبقى دليل لإدانتي))
راقبته بينما يغادر ثم أوصدت الباب خلفه بإحكام قبل أن تفاجئ بأختها تمسك الهاتف وتطلب رقمًا ما قائلة وسط هيستيريا الذعر التي أطاحت بكيانها
((علينا أن ندخل ابنتك المشفى، إنها في حالة إعياء شديد وقد تتعرض لنزيف حاد بسبب الولادة، أنا لن أسمح لابنتك أن تموت في منزلي))
فرت الألوان من وجه منال ولطمت على صدرها بفجيعة
((سأفضح، سأفضح هكذا! كل مجهودي خلال أشهر حملها والتستر على ما حدث لها سيضيع هباء))
ثم هجمت على أختها تنتزع منها الهاتف وترميه في الجدار هاتفة بصوتٍ مرعب
((إذا كُشف أمر ولادة نجوم ستخبر الشرطة عن ابن أختي وهو في المقابل سيخبرهم عن مكان الطفل وسيقومون بإعادته لنا وسيكون عندي حفيد ابن حرام!))
.
.
في الخارج..
ضم ابن خالة نجوم الطفل تحت سترته السوداء كما لون باقي ملابسه وقبعته التي يتشح بها.. وفي حلكة الظلام بدأ يمشي على قدميه قُدما نحو قرية مجاورة لهم والهواء البارد يصفع وجهه فيتصبب جسده المرتعش بعرق بارد..
شتم في داخله خالته منال وابنتها نجوم، لم يكن ليقبل في عتمة هذا الليل القدوم لها وأخذ هذا الطفل لرميه في قرية أخرى لولا تهديد خالته الشديد ووعيدها أن تشكي عليه للشرطة.. وهنا لن يكون أي مفر من سجنه بعد فحص إثبات النسب له وللرضيع.. لذا عليه الآن التخلص من هذا الطفل ووضعه أمام أبعد مسجد عنهم حتى لا تمسك خالته أو ابنتها أي دليل يثبت تهمته بانتهاك نجوم!
تفاقمت برودة الأجواء من حوله وبدأت تأكل أطرافه بلا رحمة وتنخر أوصاله حتى شعر أنها ستشله.. فقد كانت البرودة تكتسحه من الداخل والخارج.. إذ كان يرتعد خوفًا.. وحتى يخلص من مصيبة هذا الطفل لن يرتاح قلبه..
اقترب من إحدى المساجد الذي كان ينوى أن يضع الطفل في لفته أمامه لكن انصدم من وقوف الإمام أمام باب المسجد بنية فتحه.. تراجع يهرول مبتعدا خوفا من انتباه إمام المسجد له إلى مسجد آخر قبل أن ينصدم من توافد بعض المصلين لذلك المسجد..
تبا! ما حال المصلين يتهافتون للمساجد ولم يؤذن الآذان الأول بعد!
توقيت ولادة نجوم تلك الغبية مريع! ألم تقدر أن تخرجه للحياة قبله بوقت!
أظلمت ملامحه بالشر والحقارة.. لطالما اعتدى على أعراض الكثير من الفتيات قسرًا وأحيانا برغبتهن ولم توقعه إحداهن بالمتاعب كنجوم التي حملت ببذرة منه!
لعق شفتيه الغليظتين والجنون يقطر من حدقتيه المحمرتين.. الخوف يتآكله من أن يتم إمساكه برفقة هذا الرضيع! أين عليه أن يضعه الآن!
ضُج صوت الصغير تحت معطفه بهدير أجش، فجحظت عيناه المرتعبتان وجال بهما المكان المظلم بخوف وهو يهمس بارتعاش وتذبذب بينما يطبطب فوق الرضيع
((اخرس أيها المسخ الصغير، اخرس، حافظ على هدوئك..))
وتدريجيا بدأ صوت الصغير المختنق يخفت حتى اختفى تماما كما حركته بطريقة أثارت استهجانه وقلقه..
رفع ابن خالة نجوم يده ووضع إبهامه أمام أنف الرضيع الصغير الشاحب للحظات لتسري صاعقة على طول جسده! لقد انقطع تنفس الصغير!
مات بسبب البرد القارص أم بسبب بنيته الضعيفة، لا يدري.. لكنه مات.. لقد مات!
انسحب الدم من وجهه كليًا وازداد ذعره الآن أكثر بوجود هذه الجثة بيديه..
بدأ يلهث ويفكر ما عليه فعله.. هل يلقيه أرضا ويفر هاربا أم ماذا!
لكن قفزت في ذهنه فكرة دفنه داخل الأرض فركض في أرجاء القرية التي كان يجهل أماكنها جيدًا يتطلع على جانبيه يبحث عن أرض واسعة مهجورة خالية من البيوت السكانية ليدفن جثة الصغير متجردًا من معاني الرحمة والشفقة..
كان يبحث بتشتت ونزق وعندما لم يجد أرضًا بالمواصفات المطلوبة عاد للمكان الأول الذي كان واقفا فيه قبل موت الرضيع.. دخل الأرض وبدأ ينبش من تربتها..
كان الوقت يداهمه والشمس قد بدأ قرصها يطل بالأفق..
أمعن النظر للحفرة السطحية التي تمكن من حفرها بأصابعه.. وازداد اكفهرار وجهه، فالحفرة صغيرة وسيكشف أي أحد ما تحتها.. عليها أن تكون أعمق..
وبسرعة صاروخية زاد من نبش التراب بغية أن تكون أعمق لكن توقف نبض قلبه لدقيقة وكادت أن تصيبه ذبحة صدرية عندما شعر بحركة ما بالجوار خلف الأشجار.. وكأن أحدهم خلفها..
فوضع مخطوف الأنفاس جثة الطفل الهامدة بالحفرة وغطاها بالتراب كيفا كان ثم أطلق أقدامه للريح يفر هاربا من المكان قبل أن يراه أحد ما.. غافلا عن وجود من يراقبه بأعين متربصة وإمعان من بعيد منذ بداية قدومه في الظلام الحالك حتى هروبه الآن وقد أشرقت شمس الصباح..
تطلع الصبي في وجه أبيه يقول وهو يشير بتحفز لأثر الطريق الذي هرب منه
((أبي، أبي، هل سنسمح له أن يفر بعد ما دفنه في أرضنا!))
شدد الرجل من إمساك يد ابنه وقال محذرا بنظراته الرزينة رغم ما يعتليها من خوف وتوجس
((إياك اللحاق به، قد يكون خطيرا، دعنا نرى ماذا حفر بأرضنا، علينا معرفة ماهية ما كان يخبئ هناك!))
قال الصبي بتأكيد وهو يضيق من عينيه
((لقد سمعت صوت بكاء طفل، لكن عند مجيئه للمرة الثانية كان صوت الرضيع قد اختفى))
اتسعت عينا الرجل بلا تصديق مما تفوه به ابنه! هل يعقل أن يكون ما دفنه ذاك الرجل هو طفل!
انطلقت قدما الرجل نحو تلك الحفرة وبدأ بحذر بالغ يبعد التربة عنها ولم يأخذ منه وقت حتى تمكن من إزاحة التراب وتبين له لفة حمراء فاستخرجها وحلها ليكتشف أن في داخلها جثة طفل حديث الولادة حقا!
هتف الصبي بذعر وتعابير الصدمة لا تفارق محياه الذاهل ولا يظن أنه سينسى مثل هكذا مشهد
((يا إلهي إنه ميت! أكاد أقسم أنه كان يبكي في أول مرة جاء الرجل به إلى هنا.. هل يعقل أن يكون قد ذهب لقتله قبل أن يعود مجددا!))
كان المشهد مؤثرا وصادما للأب بشكل اقشعر بدنه له، لا يصدق كيف يقوم أحد بقتل روح طفل خرج للحياة باكيًا ويستنشق الهواء ثم دفنه بطريقة لا إنسانية!
أظلمت عيناه لا يفكر إلا بتلقي ذاك المجرم عقابا لخطيئته التي تعاقب عليها شريعة السماء وقوانين الأرض.. ثم هتف بعزم قاتم
((علينا الاتصال بالإسعاف والشرطة على حد سواء..))
وسرعان ما أبلغ قوات الشرطة وحضرت هي والأجهزة الأمنية وبدأوا بتفتيش المكان والتحقيق في الحادث، وإجراء تحرياتهم في المنطقة مع مراجعة الكاميرات الأمنية القليلة جدًا في القرية وجمع معلومات من المواطنين المقيمين هناك لتحديد هوية القاتل ووالدي الطفل والبحث عنهم لإيداعهم لدى القضاء..
أما بخصوص الطفل فقد أكدوا وفاته ثم قاموا بإرساله إلى الطب الشرعي لغاية تشريحه والوقوف على أسباب وفاته، فيما حضر فريق من المخبر الجنائي إلى مسرح الحادثة لالتقاط العينات اللازمة وفحصها..
انتبهوا لاسم المرأة الثنائي الذي يبدأ باسم نجوم ثم اسم والدها والمكتوب على الغطاء الذي تم لفه حول الطفل..
ولمدة أسبوع بقيت التحريات في القرية قائمة للبحث عن هوية هذه المرأة قبل أن يقول أحد الفلاحين للشرطي بعد أيام قضاها يعتصر عقله محاولا تذكر أسماء رجال بالقرية والقرى المجاورة ممن لديهم بنات يدعون ب"نجوم"
((سيدي اعرف رجلا من القرية المجاورة رحمه الله كان يعمل في وقت من الأوقات في قريتنا، بعد وفاته ترك أرملته وابنته نجوم، قد تكون نجوم هذه هي التي تبحثون عنها))
تحفزت ملامح الشرطي للرجل الذي أدلى عليه هذا الكلام، مقررا أن يوسعوا البحث في القرية المجاورة..
.
.
في منزل أخت منال..
داهمت دورية ضباط المنزل بشكل مرعب وتحت مرأى أهل بيتها ثم انفردوا بجناح شقيقة منال حيث قذف الضابط الغطاء الأحمر بمنال وشقيقتها لتنصدم كلاهما لمرآ الغطاء وكأن الصاعقة نزلت على رؤوسهما.. وسرعان ما رفعت شقيقة منال وجهها تقول برعونة وخوف شديد يكتسحها من أن تأخذها دورية الشرطة
((هذا الغطاء لابن نجوم ابنة شقيقتي، أنا ليس لي أي علاقة، والله كانت خطة أختي أن تأخذ ابن نجوم وتعطيه له))
بهتت ملامح منال وجحظت عيناها وهي ترى شقيقتها تدلي عليها فورا وتفضح أمرها في حين رفع الضابط حاجبيه محاولا قدر الإمكان ألا يظهر صدمته، إذ لم يتوقع أن تقر إحداهما بأي شيء بمجرد أن ترى هذا الغطاء الأحمر.. إذن هنا تقبع نجوم التي يبحثون عنها..
حافظ الضابط على ملامحه من ألا تنحسر بينما جلجل صوته مهيبًا وهو يتابع قوله بقوة ودهاء
((ابنتك نجوم متهمة بالزنا والشروع في القتل، إذا كان لها يد في إرسال رجل لقتل ابنها بلا ذرة إنسانية قبل أن يدفنه))
شهقت منال مفزوعة لا تصدق ما يتفوه به الشرطي وقلبها يتزلزل وشحوبها الظاهر للعيان يزداد ليحاكي الموتى.. لكن جاهدت نفسها النطق لتقول بصوتٍ يتقطع من الخوف
((يقتله! قتله! مستحيل! لقد أخبرناه أن يضعه أمام أحد المساجد، والله لم أطلب منه أن يقتله، فقط قلت له أن يتحمل مسؤولية ابنه..))
ثم وبكل هلعها هزت أختها التي فر الدم من وجهها وترتجف هاتفة بها بلوعة
((أختي.. أختي.. هل قلت له شيء غير أن يضعه أمام إحدى المساجد!))
كانت شقيقة منال تلعن وتشتم نفسها على التدخل بمسألة نجوم وهي التي لا علاقة لها بالأمر.. لا تصدق أنها دمرت مستقبلها من أجل حفنة دنانير! آخر ما توقعته أن يصل التجبر بهذا الشيطان إلى حد أن يقتل الطفل ويدفنه..
انتفضت ورغم كل ما فيها من خوف وارتجاف صوتها إلا أنها قرت بالحقيقة وهي تلوح بيديها
((أقسم لك أيها الضابط أنه لا ذنب لنا، حتى نجوم بريئة، لقد قام ذلك المتوحش بانتهاكها، فحملت بجنين منه في أحشائها وعندما طالبناه أن يعترف بالولد ويتزوجها بالعلن رفض بتاتا فاضطرت المسكينة إخفاء حملها طوال التسعة أشهر))
مر شبح ابتسامة على فم الضابط.. هو الآن متأكد مئة بالمئة من أن هذه هي نجوم التي يبحثون عنها! إنها والدة الرضيع الميت الذي وجد في ارض قابعة في قرية مجاورة لهذه القرية! لم يعرف هوية الأم وحسب بل ونجح في استدراجهن وانفلتت ألسنتهن الرعناء ليثبتوا أن لهم يدا في وفاته..
فيما تابعت منال وشقيقتها الباكيتان الهتاف بدفاعية عن أنفسهن بوجوه تنضح بالرعب
((أنجبت طفلها فجرا وسلمناه إياه مؤكدين عليه أن يضعه أمام مسجد بعيد عنا، لم نتخيل أن الحال قد يصل به أن يقتله، نقسم لك أيها الضابط))
ظلت منال تقسم على كلام أختها بأغلظ الأيمان..
فبقي الشرطي جامد الملامح لدقائق حتى خفت تماما ضجيج وصخب كلامهما.. وقال أخيرا ببرودٍ سافر
((إذن هل ستساعدان الشرطة في معرفة هوية والد الطفل والإمساك به؟))
ثم أردف رافعًا سبابته وهو ينذرهما بالنظرات الجادة والوعيد الذي ينطقه
((إذا بقي والد الطفل مجهول الهوية أنتما من ستتحملان مسؤولية موت الرضيع))
لفت الصدمة المرأتين واتسعت أعينهما ثم ناظرت كل واحدة فيهما الأخرى!
إذن هو لا يعرف والد الطفل ولم يمسك بابن أختهما متلبسًا مع الرضيع بل..
وقبل أن ينفلت لسان شقيقة منال باعتراف أرعن أخر سارعت منال تقول مندفعة بما على طرف لسانها رغم تلعثمها
((إنه.. إنه.. إنه مَازن ابن الحاج يعقوب الكانز..))
ثم عادت تلك الخطط الغير محبوكة تتقافز في ذهنها!
لماذا وبدلا من الاعتراف بابن أختها والتورط معه لا تقول بأنه مَازن وحسب للم الفضيحة من جهة ومن جهة أخرى تحقق حلمها في زواج ابنتها من أحد أبناء الكانز!
ابتسمت الشياطين في رأسها إذ أنها شعرت أن فكرتها العبقرية هذه ستنجح لا محالة! وبالفعل تابعت منال تتمسكن وتلطم على صدرها بانهيار تام ظاهري وتقول من بين عويلها
((نعم.. نعم إنه مَازن الكانز.. حسبي الله ونعم الوكيل فيك أيها المنتهك دمرت حياة نجوم، قولي شيئا يا أختي.. هل أكذب فيما أقوله؟))
ودت شقيقة منال أن تكذبها وتعترف بابن أختها حتى لا تتورط أكثر إذا ما افتضحت الحقيقة وتقضي باقي سنين عمرها خلف قضبان السجن، لكن مرغمة كبحت كلامها وابتلعت لسانها ولم تنبس ببنت شفة بل اكتفت بهز رأسها مؤكدة على كلام شقيقتها وهي تستند على الحائط.. أختها مصرة على خططها الإجرامية بل تقدح عيناها بالحقد والاتهام الظالم والله فقط من سينقذهم من هذا الموقف..
كانت منال ما تزال مصرة على إكمال مسرحيتها في الظلم والتجني على مَازن هاتفة أمام الشرطي ورفاقه الذين تحفزت حواسهم
((يا سيدي هذا هو حكم القوي على الضعيف، لقد تزوج ابنتي رغما عنها بعقد عرفي ثم انتهكها وعندما حملت منه رفض أن يعلن الزواج لعائلته، العائلة كلها مشهورة بالزواج العرفي، له توأم فعل نفس الشيء ببستانية مسكينة تعمل عندهم لكنها كانت أذكى وأجبرته أن يعترف بها وبابنها))
تجهمت ملامح الضباط بينما أفلت حقد منال أكثر لتقول إمعانًا في أذية مَازن فتتابع زورا وبهتانا
((وغالبا يا سيدي والد مَازن يعرف بالأمر فبعد حمل نجوم أجبرها أن تترك العمل عنده مع بقاء راتبها، كأنه بهذه الطريقة يبعد أصابع الاتهام عن ابنه، يمكنك السؤال عن الوقت الذي تركت نجوم العمل ببيت الحاج))
لاحظت منال أن رجفة فك الضابط المسؤول، فظنت خطتها ستنجح وعليها أن تتابع مسرحيتها.. فتهاوت ساقيها وتداع جسدها أرضًا تدعي كتم صرخة تظهر فيها بزيف العجز والقهر والظلم.. بينما تضرب صدرها وتهتف عاليا
((ماذا أفعل وماذا أقول! نصيبنا.. نصيبنا أن نعمل كخدم في بيت ناس متجبرين من أمثالهم لا يخافون الله من أجل قوت يومنا بعد أن تركنا زوجي في هذه الحياة وحيدتين.. نصيبنا أن تقع ابنتي في براثن هذا الجاني مَازن ابن الكانز الذي لم يتركها بحالها وحاول كثيرا باستماته غوايتها وعندما لم يجد منها إلا الصد تهجم عليها أمام عيني وهددنا بالقتل لو لم تتزوجه عرفي وأخيرا قتل طفلهما.. قتل حفيدي..))
ساد صمت بليغ في الغرفة لا يسمع منه إلا صوت بكاء وعويل منال.. والضابط المسؤول يصدق كذبتها وما وقع عليها من ظلم وبهتان فتنكس نخوته ويقسم أنه لو ظهرت إدانة مَازن وصدق كلام هذه المرأة سيحرص على أن ينال مَازن أقسى العقوبات حتى وقت المحاكمة..
وهكذا سارعت الشرطة بإعداد مذكرة ضبط لإحضار ابن صاحب البيت الذي تعمل عنده ليخضع للتحقيق.. ولكن قبل ذلك اقتادوا نجوم ووالدتها وخالتها عندهم لأخذ أقوالهم بالضبط وتفصيلا بشأن ما حدث، ثم عينة من دمها لتثبت لاحقا أن الرضيع هو ابنها..
.
.
في قصر الحاج يعقوب..
((أخيرا يا مَازن حللت النقود التي أنفقتها عليك في جامعة الغرب هناك))
اعترض مُصعب بتفكه لكمّ السعادة والفخر في عيني والده
((أبي كل هذا من أجل وظيفة لمَازن في الشركة! لم تفرح ولو ثلث فرحة حصول أحدنا على وظيفته!))
لوح يعقوب بيده وقال والفخر يغزو قلبه تجاه أصغر أبنائه
((هذا لأني لم أتوقع أن يعمل مَازن يوما بوظيفة محترمة))
قطب مَازن حاجبيه لكن سرعان ما قال بشقاوة
((حسنا يا أبي شكرا لك، سأعتبر هذا إطراء))
رمقه يعقوب بنظرة قوية وغمغم
((هو كذلك بالفعل))
لم يعقب مَازن وعيون والديه الاثنين التي تطفح منها نظرات الفخر والاعتزاز والسعادة تكفيه.. حتى ياسمين كانت تشعر بفيض من البهجة في داخلها تجاه مَازن ووضعت يدها فوق بطنها تفكر باهتمام متى ستخبر مَازن أنها حامل!
ما إن مدّ مَازن يده بشهية مفتوحة لطبق طعامه حتى صدح صوت ضجيج ناجم عن طرق الباب الخارجي للمنزل..
نظر الأخوة الثلاث إلى بعضهم بتوجس قبل أن يهرولوا باتجاه الباب الذي سبقهم إليه مُصعب ووجد ضابط يطل عليه بهيمنته قائلا
((أين هو مَازن الكانز؟))
تطلع مُصعب ومَالك نحو مَازن الذي هتف بشيء من الارتباك
((أنا.. أنا هو مَازن الكانز..))
وقتها قست ملامح الضابط بشكل وحشي وقال وهو يرفع مذكرة اعتقال
((مَازن الكانز أنتَ رهن الاعتقال بجريمة اغتصاب عاملة كانت تعمل عندكم وقتل رضيعها.. يحق لك الالتزام بالصمت))
جحُظت أعين كل من في المكان خاصة يعقوب وزاهية الواقفان في آخر البهو.. وقبل أن يستوعبوا ما يحدث التفت الضابط آمرا بقية رجاله باعتقاله فتقدم مَالك نحوهم للحيلولة دون أخذ توأمه لكن أحد الضباط دفعه بقوة نحو الجدار.. فسارع مُصعب يكتفه هادرا بحزم
((إن الضابط يحمل مذكرة اعتقال رسمية تمنحه الأذن باعتقاله، إذا قاومتهم ستؤذي مَازن))
وعند هذه الكلمات لم يجد مَازن المفجوع كما حال الباقي إلا أن يستسلم للضباط الذين قيدوه بالأصفاد..
وما أقساه من مشهد على الجميع وهم يقتادونه نحو سيارة الأمن تحت بكاء والدته وصراخ إخوته..
=============================
رفع مَالك كفه ليغرز أصابعه في شعره، يضغط رأسه كأنه يريد تحطيمه..
كان مصرا على الذهاب برفقة مُصعب مع مَازن لقسم الشرطة لكنهم منعوه جميعا وطلبوا منه أن يبقى هنا خوفا من أن يتهور ويتصرف بما لا يحمد عقباه..
كانت وجوه جميع في المنزل مكفهرة وشاحبة.. خاصة يعقوب رغم صلابته التي تعبر عن صلابة أهل القرى في الشدائد وتدل على مواطن القوة والصبر والجلد..
لم تتوقف عيون زاهية عن ذرف الدموع ببكاء يقطع نياط قلبه..
بالكاد تمكنت سمية من إخبار مدبرة المنزل نعمة لأخذ الأطفال بعيدا عن هنا..
أما ياسمين كانت جالسة وعيناها شاخصتان في الفراغ لا تطرف ويشوبها خوف عظيم! نبضات قلبها الذي يقطر دما كانت كأنها تحتضر من صدمة المشهد الذي حدث قبل وقت ليس بالكثير..
تيقظت حواس الجميع بمجرد حضور مُصعب للبيت.. لكن ملامحه المريعة المتجهمة لم تكن تبشر بخير..
اندفع مَالك لشقيقه يسأله بقلق بالغ وقلب مقبوض
((ما الذي توصلوا له يا مُصعب؟))
ببعض التوتر وكثير من الحذر خوفا من أن يُسمع والديه ما قد يؤذيهما أجاب
((إن منال تتهمه بالاعتداء على ابنتها ثم الزواج منها عرفي..))
قاطعه مَالك هادرًا بغضب رهيب
((لا، لا يمكن أن يقوم مَازن بذلك، على العكس لقد باح لي ما يمر به مع منال التي لا تتوانى في أي فرصة من تقريب ابنتها له لإغرائه))
هنا فقط أظلمت ملامح يعقوب الذي كان يتصبب جبينه عرقًا وفتح شفتيه صارخا على ابنه بصوتٍ كاد يصيبه بالصمم
((اصمت يا مَالك! أخاك ليس بحاجة لأن تغريه نجوم حتى يفعل ما فعله! منذ قدومه إلى هنا من الخارج، وأنا أراه بنفسي كيف يتربص بها بالكلمات والنظرات الآثمة..))
تزايد توتر الجالسين في البيت من اتهام يعقوب الصريح بثورة واهتياج لا يناسبان الموقف إطلاقا..
حاول مُصعب قول أي شيء لتدارك الموقف ولكن خرج صوته مثقلا بالهم القابع في داخله
((المشكلة أكبر من اتهامه في هتك عرض نجوم، إنه متهم بقتل طفلها قبل أسبوع مضى!))
جحُظت أعين الجميع بمشهد لا يوصف بينما يتابع مُصعب بوجهه المحتقن بالعذاب
((قادته الشرطة للقسم وهناك واجهته بأقوال منال وما أسفرت عنه التحريات والمعلومات، فقد قالت بأنه تزوج من نجوم عرفي رغما عنها ثم بدأ كل ليلة يتسلل إلى القسم الملحق بقصرنا حيث تنام ابنتها للاعتداء عليها حتى حملت منه، وعندما أنجبت وليده قتله بيديه ودفنه بأرض قرية مجاورة لنا..))
ارتفعت يد زاهية فوق فمها من هول التهمة التي قد تلبس ابنها بنظرة مفجوعة ونفت بصوتٍ مرتجف هلع
((مستحيل، مستحيل، مَازن أشرف من كل هذه الاتهامات الباطلة، قل ماذا رد عليهم في القسم؟))
أجابها مُصعب بصوتٍ منهك
((دافع عن نفسه بالتأكيد بتشبث وصلابة، لكن الشرطة طلبت حبسه على ذمة التحقيق وأودعته الليلة في السجن ريثما تردهم تحريات المباحث الجديدة حول الواقعة، علينا أن نسرع في تعيين محامي له..))
تجمعت الدموع في عيني ياسمين لتقولها بحشرجة البكاء المكتوم
((مَازن.. مستحيل أن يفعل هذا))
ضجت زاهية معاتبة بصوت مخنوق مقهور على وليدها
((وكيف سمحت لهم يا مُصعب أن يودعوا شقيقك السجن ظلما! تحرك أنتَ وإخوتك وافعلوا شيئًا، مَازن مظلوم ولا يجب أن يبقى هناك!))
مال مُصعب بفمه يقبل رأسها وهو يشدد من احتضان كفها ويهمس بمواساة ودعم
((سيكون بخير، لا تقلقي))
في حين وقف يعقوب يزيح عن كتفيه العباءة الصوفية لتسقط خلف ظهره ثم هتف في زوجته مهتاجا بمزيد من الكلام اللاعقلاني
((اصمتي! كل الأدلة تشير أي شيطان ابنك ولا زلت تدافعين عنه!))
استنكر الجميع مجددا صراخ وزمجرة يعقوب في حق مَازن.. بل واستهجن مُصعب كلامه ولمح المزيد من قطرات العرق تتجمع على صدغيه بينما وجهه يحمر في إشارة خطيرة لانفعال قد يضر به فهدر بضبط أعصاب
((أبي لم يثبت شيء على مَازن، وأنا متأكد من كذب ادعاءات منال، قد أصدق أنه تزوج من نجوم عرفي، لكن أن يعتدي عليها ويقتل طفله منها هذا مستحيل، مستحيل يا أبي))
صمت يعقوب دون أن تختفي تعابير الاهتياج والسخط من وجهه وظل يبادل ابنه النظر ليقول أخيرا وشرارة تقدح في عينيه
((سنرى نتائج التحقيق النهائية وهي ستكون الفيصل لشكوكنا، وسأتبرأ منه للأبد لو أقيمت عليه الحجة.. وحتى ذلك فلا أريد واحد منكم يا مُصعب أو مَالك الذهاب عنده..))
هتف مَالك بعناد سافر باندفاع عنفوانه
((بل سأذهب يا أبي، لن أترك توأمي لوحده، يجب أن نعين من الآن محاميًا له))
وكان يستدير يهم بالخروج عندما صدح صوت يعقوب الجهوري وهو يشعل توعده
((أقسم برب السماوات إذا ذهب أحدكما يا مَالك أو مُصعب عنده قبل ظهور النتائج سأتبرأ منه أيضًا! لن أسمح لأحد منكما الوقوف مع مجرم ومعتدي على حقوق الناس حتى لو كان أخًا لكما..))
احتقن وجها الأخوين من تعنت والدهم العنيف والانفعالي بانعدام منطقية..
عادت زاهية للمكان المجتمعين فيه بعد أن ارتدت عباءتها وغطاء رأسها عندما صرخت بزوجها بدفاعية أم ورمقته بنظرات نارية
((مَازن ابني أنا ولا أسمح لأحد برميه بالشكوك والظنون.. حتى أنتَ يا يعقوب!))
هدر فيها بصوتٍ متكسر من امتعاضه وهو يراها تمضي بطريقها نحو الباب ليقول بنبرة خافتة كأن صوته لا يُعينه
((أم مُعاذ لن تخرجي من هذا المنزل!))
التفتت إليه ببطء وبملامح صلبة غريبة عنها ثم تقوس ثغرها بازدراء وتحدي سافر له
((بل سأفعل وإذا شئت ارمي يمين الطلاق..))
ماجت عينا يعقوب بالغضب وهو يرى زوجته التي لطالما كانت حذرة تماما من إثارة حنقه فلا تخالفه في رأي وتبدي على الدوام له السمع والطاعة على أوامره ترمي عليه هذا الكلام.. فشعر لحظتها بالانكسار.. وأنه فقد شيئا من عزة نفسه ووقاره وهيبته..
لكن زاهية رفعت قبضتها تطبطب بها على صدرها قائلة بحرقة أم مفجوعة بمصاب ولدها
((إنه ابني أنا وقطعة من فؤادي من تتلظى بالنار، إذا لم أقف معه فمن سيفعل!))
بدت كلمات زاهية أوجع من صرخة ثم أشاحت بعنف من جديد ناحية الباب خارجة وغريزة أمومتها سيطرت عليها لتوجه كل تركيزها وطاقتها نحو إنجاد فلذة كبدها، محاولة أن تستعيد رباطة جأشها وتمنع نوبة هلعها من التفاقم لتتصرف بموضوع ابنها بحكمة وتعقل..
تحجرت الكلمات في فم يعقوب واتسعت عيناه بهوان وهو يرى زوجته تغادر المنزل مخالفة أوامره بكل وضوح أمام أهل البيت وكان بصعوبة بالغة يحاول لملمة شتات نفسه..
همست سمية في أذن زوجها
((مَالك سألحق بأمك!))
أومأ مَالك لها مستحسنا فكرتها فوجدت سمية نفسها تجذب ذراع ياسمين التي كانت غائبة بذهنها عن المشهد لتحثها على مرافقتها..
وفي وسط هذا الجو المتوتر لم يبق إلا مُصعب ومَالك بجانب والدهم فهمس مُصعب لأخيه بصبر وتحكم بالأعصاب وهو ينتشل هاتفه
((علينا الاتصال بمُؤيد، أبي لم يحلف عليه هو، سأعلمه بما حدث لمَازن، ليعين له محامي من هذه اللحظة على الأقل..))
وافق مَالك رغم ثقته المعدومة بمُؤيد لكن لم يكن لديه حل آخر فمُعاذ في محافظة أخرى في شهر عسله.. ولكن وقبل أن يطلب مُصعب رقم مُؤيد شعر بوالده الذي كان يعتدل واقفا يفقد توازنه وكاد أن يقع لو لم يندفع هو ومَالك لإمساكه بقلق عارم
((أبي.. أبي هل أنتَ بخير؟))
بدأ يعقوب يتمتم بهذيان ومحياه يزيد إنهاكه بالعلة التي تؤرقه من تهمة مَازن
((لو ثبتت التهمة على مَازن سيعرف كل من في القرية الحقيقة، ستثار فضيحة كبرى عن ابن يعقوب الكانز، ستتمزق سمعة العائلة وستدمر حياتنا))
شعر مُصعب بجسد أبيه متوترا متشنجًا حد الألم، فأحس بالخوف عليه كما لم يحصل له سابقًا.. قال بنبرة ساطعة بالإيمان والطمأنينة
((كفى الشر يا أبي، سيخرج مَازن وستثبت براءته دون أن تثار أي أقاويل تكسر هامتك))
بدأ الاثنان يسندان والدهما ويساعدانه للوصول إلى جناحه..
تمدد يعقوب على فراشه وصدره يعلو ويهبط.. وهنا خانه صوته وخنقته العبرات واهتزت روحه كلها داخل جسده كأنها تئن
((عند أول شائعة تخرج للعلن يا مُصعب سأترك بيتي وكل أملاكي هنا وأرحل لمكان آخر لا يجد فيه أحد لي طريق، وسأطلب من الله المغفرة لفشلي في تربية أصغر أبنائي، لعل الله يرفع شيئا من حمل الذنوب عن كاهلي))
كان يعقوب يهتز حرفيا ويرعد ويجلد ذاته من جديد..
لم تسكن ملامح مُصعب إذ يعرف أن والده يصر دائما على وضع مَازن بواجهة الشاب الفاسق الذي يتمرغ في مستنقع اللهو والنساء، ولكن لم يتم تأكيد أي من التهم الموجهة نحوه حتى الآن فلماذا يتحدث عنه هكذا كأنه عدو!
هزّ مُصعب رأسه يبعد تأثير هذه الأفكار عن عقله، يؤكد على نفسه أن والده ورغم صرامته وحزمه وجفائه عندما يتعلق الأمر بمَازن إلا أنه من داخله سيطغى حب الأب وخوفه على أي شيء آخر ويدعو فرج الكرب عنه وأن تكون الاتهامات الموجهة له كاذبة!
فقال بصبر وهو يربط على قلبه
((ستظهر براءة مَازن يا أبي، لو تم أخذ العينة منه اليوم فبأقل من خمسة عشر يوما ستظهر براءته..))
أشعل مَالك نار الحطب في المدفئة مستشعرا أن جناح والده بارد جدًّا.. ثم ظل جالسا قريبًا من أبيه المتحفز تحسبًا لأي شيء قد يطرأ عليه وهو يربت على صدره بأصابعه يحاول تهدئته فالانفعال يضر به.. تاركا لمُصعب أمر إعلام مُؤيد عما حدث..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وتسعون 91 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
ساعدت رتيل مُؤيد في تغيير معطفه وعندما غادر الغرفة ليغتسل جهزت ملابسه وأخرجت ما في جيوبه من أوراق قبل أن تضعهم بالغسيل لكنها تفاجأت بوجود صورة منكمشة لها في جيب معطفه..
عاد مُؤيد بعدما اغتسل ليجد رتيل تحدق بشيء، عقد حاجبيه وهو يقترب منها يطالع ما تمسكه قبل أن يأسره الذهول..
رفعت رتيل وجهها الخالي من أي تعابير وسألته
((هل هذه الصورة لي، هي التي حصلت عليها من دموع وغنوة؟))
أخذ الأمر منه لحظات قبل أن يقول بصوتٍ أجش.. عميق
((نعم، إنها منهما، أنا لا أتوقف عن التحديق بها بين الفينة والأخرى، أعني أنا لا أتقبلك بزينة الوجه المبالغ بها وهذه الملابس المكشوفة كثيرًا، لكن أحيانا تنتابني رغبة ملحة للنظر إلى شيء جميل فاتن فأجد نفسي امسك هذه الصورة وأحدق بها فهي صورة زوجتي حلالي..))
شهق باترا حديثه وهو يراها تمزق هذه الصورة إلى قطع واستنكر هاتفا
((ماذا فعلت؟ لماذا مزقتها؟))
رمت رتيل قصاصات الصورة أرضا ثم جابهته بنظرات مترفعة مغمغمه
((من الآن فصاعدا متى ما شعرت برغبة لرؤية الجمال بدلا من التطلع لهذه الصورة سيئة الجودة، عزيزي اطلب مني ذلك مباشرة!))
اضطربت ملامحه بهمس ساخط وهو يشيح بنظره عنها
((ولكن هل تريدين أن يتكرر ما حدث آخر مرة؟ سأتأجج رغبة وأتمتع في وقتنا الحميمي لكن ما إن تنتهي سكرة الانتشاء وأفيق حتى أجد نفسي في حالة ذهول ممزوجة بالاشمئزاز، كأني جعلت زوجتي وأم أولادي تتصرف كالغانيات بين يديّ))
رفعت يدها وأمسكت ذقنه بأصابعها.. ثم أدارت وجهه ناحيتها تقول بنظرات نارية
((هذا لأنه عليك أن تعدل مفاهيمك العقيمة، وتغير هذا التفكير اللامنطقي من عقلك، فأنا حلالك))
لاحت أمام عينيه خيالات متقطعة لتلك الأستاذة عندما كانت تتحدث معه بذاك الإغراء ممزوجة بخيالات أخرى من تلك الليلة بينهما.. ثم حدق بوجهها بذات الرهبة التي تجعل قلبها يخفق بجنون داخل أضلعها لكن سرعان ما تحولت ملامحه للحزم ليرفع يديه ليمسك كتفيها هادرا بصلابة وتصميم
((سأفعل.. لأني كلما أتذكر صورك تلك في بيت غنوة أشعر.. أشعر.. بالغيرة الشديدة.. وأتساءل لم لا يجب أن تظهري بهذه الهيئة الجميلة الجذابة أمامي.. وكأني لا أقلل من شأن نفسي وأرى أني رجلًا لأستحق من زوجته أن يراها بما يسر الناظر، وهذا غير صحيح، إطلاقا))
نعم غير صحيح.. لا يعقل أن ينجذب للحرام وينأى عن الحلال ويشمئز منه.. فهمست بكلمات حب عميقة لروحه
((أريد أن يتغير كل شيء بيننا، أريد أن أصبح صديقتك لا زوجة تلد وتربي.. أريد أن أتوقف عن الحديث عنك بكراهية وأن أهيم في حبك.. أريدك أن تعاملني كرجل نبيل.. أريد منك أن تبوح لي كل ما يجول بخاطرك وبالمقابل أنا سأثني عليك وأشجعك، ولن أحكم عليك.. لن أدينك.. لن أشعرك بالازدراء..))
علقت نظراتها بتلك العينين المتيمة التي تحيط بها الأهداب الداكنة وبدأت تتقد بالرغبة بمزيج من الرهبة..
رست ابتسامتها المخملية على شفتيها ودون مقدمات بدأت نسائم أنوثتها تغشاه..
في البداية شعرت بتوتر جسده ويتصلب، كأنه تذكر كيف تلوت معدته في نهاية تلك الليلة.. فاجتاحها الخوف، لكن سرعان ما استردت ثقتها وأمسكت يديه تلفهما حول خصرها
((أنا لا أغويكِ.. أنا فقط أريد أن اتحد بك.. أن أتناغم معك.. أن أجرب الشعور بالكمال الذي شعرت به بين ذراعيكِ في تلك الليلة))
دون سابق إنذار كان يضمها، يجتاحها بعاطفة ثائرة، عنيفة، برية.. وهي تبادله عشقه العاصف بجنون مماثل وشراسة.. لم تكتم تأوهاتها وغنج كلامها كما كان يأمرها سابقا، ولم تخفِ شيئا من مشاعر تلذذها أو عواطفها أيضًا خشية أن يظن بها السوء..
ذابا وتمازجا روحا بروح، وانصهرا حتى وصلا لتناغم، واتحاد ليشكلا كيانًا ذابت فيه المعاناة، وتبخرت العقد بنار المشاعر المتأججة..
وبالنهاية كانت تستلقي على صدره منهكة عاطفيًا وجسديًا وقلبها الثائر لا تهدئ نبضاته.. كقطة مشاكسة استكانت وصارت وديعـة بعـد أن عثـرت عـلـى رفيـق لـهـا يـدثرها بحنانه ودفء مشاعره..
ضمها إليه محاصرًا إياها بذراعيه.. أنفاسه تهدر بالثورة، وتعبيراته امتلأت بالثمالة والرهبة.. قبّل جبهتها في محاولة منه ليثبت لها أن كل العواطف التي سكنته قبل قليل لم تتلاشى ولم تتبدل رغم بقايا صراع صغير يمكث في عقله..
رفع مُؤيد وجهه المنبهر لها وعيناه تشعان بجنون عشق سعى له طيلة حياته.. ولم يكن يدري أنه لم يشعرها بسعادة غامرة وحسب بل ملأ أي نقص كان فيها ولو كانت تنكر وجوده، لتشعر ولأول مرة أنها امرأة حقيقية كاملة الأنوثة وتمتلك كل ما يتطلبه الأمر بإثارة جنون رجل كمُؤيد..
همس باسمها ثم استرسل بنبرته الريفية الثقيلة
((أنا أحبك..))
أما هي فانطلق لسانها ليبادله بكلمات صريحة بالحب الذي اكتسحها اكتساحا وأتخم أنوثتها بالرضا مدغدغة أحاسيسه لأول مرة..
أطبق عليها بين حناياه يودُّ لو يدخلها بحبها إلى قلبه الذي عاش عمرا بلا حب.. والآن هو مغمور بها..
وهنا.. عاد سنوات للخلف.. منذ أن كان مراهق ثم شاب يافع.. كان هناك حلم عاش في وجدانه وزار أحلامه لسنوات بعذاب لا يوصف في أن يمتلك امرأة جميلة يشاركها عواطفه.. وتكون فتاة أحلامه.. تقتحم قلاعه بجنون..
انشق ثغره عن ابتسامة صغيرة وكان يميل لتقبيلها قبل أن يصدح رنين هاتفه، فتناوله وطالع المتصل باستغراب قبل أن يعتدل جالسا ويتشدق
((اتصال من عطوفة الممرض مُصعب! ما الذي طرأ على مزاجك يا أخي الحبيب لتتذكر شقيقك وتتصل عليه!))
استندت رتيل بذراعيها على السرير تضع أذنها على هاتف مُؤيد تتنصت على ما يقوله.. وسرعان ما انتفضا الاثنين بصدمة تملكتهما وهتف مُؤيد غاضبا
((وكيف لا تخبروني بكل ما حدث يا أوغاد قبل الآن! قل بأي قسم شرطة هو لأذهب له حالا))
شرع مُؤيد بارتداء ثيابه بشكل سريع مضطرب فسألته رتيل التي لم تستمع جيدا لباقي المحادثة
((أرعبتني يا مُؤيد على مَازن! لماذا هو بالقسم؟))
هرول للخارج هاتفا بعجل
((لاحقا، لاحقا، لا وقت لدي..))
أسندت رتيل وجنتها إلى كفها تتأمل أثر مُؤيد في قلقها الأقرب للخوف الحقيقي..
لم تفهم كثيرًا مما سمعته على الهاتف وإذا كان مَازن مذنب أو لا.. لكنه سيكون أخرقًا لو فعلا قد انساق وراء نجوم ضاربًا بكل شيء عرض الحائط ومغيبا عقله أمام تلاعبها هي ومنال التي عرفت من أي منفذ تصله، ومن أين تؤكل الكتف!
احتقن وجه رتيل بحنق.. لطالما نصحت ياسمين أن تنتبه لتلك القنبلة الموقوتة المتمثلة بنجوم وقربها من زوجها حتى لا يصبح مجرد خاتم في يدها هي ومنال.. لكن دون جدوى! زوجته لوح الثلج الخرقاء!
=============================
في حجز قسم الشرطة المتمثل في حجرة صغيرة مكتظة بالكثير من السجناء أطلق مَازن الذي لا يزال يرتدي بدلته نفسًا عميقًا وهو ينظر إلى ساعة يده مجددا كما يفعل قرابة كل خمس دقائق..
ورغم أن عدد المحتجزين في تغير مستمر من دخول وخروج حسب ما تتطلب وضعياتهم من خلال نداء الشرطي على أساميهم.. إلا أن مَازن شعر أن الوقت لا يمر.. على الأقل ليس سريعا..
حانت منه نظرة إلى اثنين من الرجال يصوبان نظرات خطيرة له منذ دخوله إلى هنا.. انكمش قليلا على نفسه خاصة وأن الرجلين مفتولا العضلات ويفوقانه طولًا وعرضًا.. بل وحتى ملابسهم الرثة وذقونهم النامية تعطيهم مظهرا إجراميا..
عندما التقت عيون مَازن بأعينهم ازدادت ملامحهم شراسة وأحدهم مال جانب فمه بابتسامة خطيرة قبل أن يتقدم من مَازن بوقع له هيبة ويقف أمامه..
ظل نظر مَازن مستقر على وجه الرجل وتساءل ببرود سافر ((أمرك؟ ماذا تريد؟))
أخفض الرجل عينين تقدحان شرًا بمَازن الذي لا زال جالسًا ببلادة ملاحظا رقي مظهره وترفه وبالتالي لا بد أن يحمل الكثير من الأشياء الثمينة كما ساعة يده التي بقيت معه! فرفع كفه وأزاح بخشونة جانب سترته لينتشل حافة السكين ويقول بنبرة مهددة خطيرة
((اخلع ساعتك الثمينة واخرج من جيوبك كل ما تملك من مال.. وإلا..))
توتر كل الحضور في الحجرة خشية من نظرات الرجل النارية المصوبة على مَازن.. إلا أن الآخر رد بصوت فاتر بطيء غريب عليه
((على جثتي))
برقت عينا الرجل بفقدان السيطرة ليقول بنية إجرامية صريحة وعيناه تنفثان اللهب
((هل تتحداني يا ذا الأعين الخضراء؟))
عاد الرجل يكشف عن جزء أكبر من السكين التي يضعها في جيبه فزفر مَازن بامتعاض كأن من أمامه أتفه من أن يوليه اهتمامًا.. شعر أن لديه مخزون طاقة لا مبالاة رهيبة في هذه اللحظة! فأراح ظهره على الجدار وكتف ذراعيه أمام صدره هادرا بهدوء يكتنف نبرته
((أنا لا أتحداك، قلت فقط أنك لن تحصل على شيء مني إلا على جثتي، يعني ستأخذ ما تريده وزيادة لكن.. على جثتي..))
كانت كلمات مَازن تستفز الرجل أمامه وتفقده آخر ذرة تعقل أو تريث فيه، فأصبحت النظرة الإجرامية المخيفة التي تحتل حدقتيه أبلغ، تكاد تبتلع من ينظر إليهما بينما يخرج السكين كاملة ويرفعها عاليا هاتفا بهدير أعلى وضراوة أشد
((هل تريد منى أن أغرز السكين في صدرك؟))
لكن مَازن ظل على بروده بل بدا متقبلًا تمامًا ما يقوله بهدوء يثير التوجس..
وآخر شيء توقعه المجرم أو الرجال في أنحاء الحجرة ممن تغلب عليهم الهيئة القروية البسيطة أن ينتصب مَازن من مكانه واقفا وترسو ابتسامة تشتعل إثارة على ثغره ثم يقول وهو يرفع ذقنه
((نعم أريد منك أن تغرز السكين في صدري))
جحظت عينا الرجل أمامه بينما يرى مَازن يرفع أصابعه ويبدأ بحل أزرار قميصه ثم يكشف صدره له متحدي إياه
((((أرني كيف ستطعنني به..))
ولم يتردد الرجل في مسك مقبض السكين وتقريبها فوق صدر مَازن يهدده بشراسة مجنونة وسط شهقات من في الحجز المصدومة
(((اخرج كل المال الذي بجيوبك وساعة يدك خلال ثوان قبل أن أفعلها.. هذه آخر فرصة.. لا تستفزني أكثر..))
لم يتراجع مَازن قيد أنملة وهو يحفزه بنفس البرود دون أن يرف له جفن أو تهتز بوجهه عضلة
((قلت لك سأفعل، ولكن على جثتي أولًا.. الآن أنتَ من تستفزني يا هذا..))
تسرب شيء من الاحمرار إلى عينا الرجل وهو ينظر في عمق اللامبالاة في خضرة العينين أمامه ودون أن يشعر بنفسه كانت سكينه تنغرز بصدر مَازن حتى تسرب من صدره بقعة دماء بالفعل..
ما إن لمح الرجل قطرة الدماء تنساب من جلد مازن حتى شحب وجهه وتراخت السكين في يده لتسقط أرضا فيهمس بلهاث ((أنتَ مجنون..))
ازدادت وتيرة تنفس الرجل بطريقة تثير الذعر بينما العرق يتصبب على جبينه أنهارا ليقول متعثرا وهو يحرك يده المرتجفة
((تريد أن تستغلني في تخليصك من حياتك البائسة وتبتليني بمؤبد أو إعدام))
سارع صديق الرجل ينتشل السكين من الأرض ويخفيها ثم يمسك صديقه يبعده عنه هادرا
((هناك من تعمد إرسال هذا الحثالة إلى هنا حتى يبتلوك فيه ويتخلصوا منك لتخلو الساحة لهم، لكن خسئوا))
تقهقرا للخلف إلى ركن بعيد في الحجرة بينما رفع مَازن أصابعه يمسح قطرات الدماء الناتجة من الخدش الذي تسبب به الرجل له في صدره، وخدر رهيب يتسلل إلى كل أنحاء جسده..
كان متأكدا من أن الرجل يحاول فقط استعراض قوته حتى ينهبه وإذا لم يوافق هو على إعطائه ما يريد لن ينال منه أكثر من هذا، فأمثاله من أصحاب الخبرة ليسوا هواة حتى يسددوا له ضربة عميقة تزيد من سنوات المحكومية التي تنتظرهم..
خرج من مَازن صوت هازئ.. حسنًا.. الحقيقة هو لم يكن متأكدا مئة بالمئة من أن الرجل لن يؤذيه، خاصة بعد كميات الاستفزاز واللامبالاة التي أظهرها له بطريقة تخرج أي عاقل عن طور تعقله.. إلا أنه لم يهتم.. حقا لم يهتم.. فحتى لو خرج من هذه القضية براءة سيكون خسر وظيفة لن تتكرر مرة ثانية له! هذا إذا خرج..
عاد مَازن ذو القناع الجامد لشروده يحلق في عالمٍ بعيد وهو يجلس مكانه.. كأن لا شيء آخر في هذه الحياة عاد قادرًا على إثارته..
ماذا فعلت به الأيام؟ وكيف أصبح تقدم العمر مسيرا مرهقا للروح بينما تبتلعه نكبات الحياة لتقذفه بين نوائبها وهمومها!
عالم الكبار مرهق ولا يسعه إلا أن يتمنى العودة للطفولة البريئة الساذجة، لكن تصرخ في أعماقه ذكريات الطفولة الأولى وذكرى الصبا القديم وتخبره أن زمانها قد ولّى بلا رجعة..
شعر بالبرد القارص يجتاحه اجتياحا فكتف ذراعيه كأنه يعانق نفسه ويبثها الدفء.. لكن دون جدوى.. فالبرد يعتريه مِن الداخل لا من مكان سواه.. إنه يزمهر عميقًا في نفسه..
تقدم رجل في حجرة القسم بدا في مثل عمر مَازن بخطوات بطيئة لم ينتبه مَازن لوقعها ليجلس بجانبه قائلا بانبهار من رجولته ورباطة جأشه في موقفه قبل قليل
((يا هذا أنتَ رائع! لقد وقفت أمام أخطر رجل في هذه الحجرة بقلب أسد! هل صحيح أن هناك من أرسلك إلى هنا حتى تزيد في محكوميته؟ ولكن مظهرك النظيف المترف لا يظهر أنك تابع لإحدى العصابات.. هل مظهرك أيضًا جزء من الخطة..))
تطلع مَازن بعينين واجمتين ومظلمتين وقاطعه بصوتٍ ميت
((لست تابع لأي جماعة بل ببساطة أرسلت هنا لأن مشتبه به في جريمة قتل واغتصاب))
استحالت ملامح الشاب من الحماس المشتعل إلى الفزع حتى هرول مبتعدا من عنده.. تزامنا مع ارتفاع الأصوات الحديدية لمزلاج الحجرة لتعلن فتح باب الحجز..
صدح صوت أمين شرطة
((مَازن الكانز؟))
وقف مَازن من مكانه فهتف به الأمين بخشونة
((اخرج من هنا واتبعني))
تحرك حلق مَازن دليل توتره البالغ رغم تغلف وجهه باللامبالاة والعدوانية.. ثم تقدم أمام غرفة وكيل النيابة وسرعان ما لفه الذهول وتمتم باسم شقيقه مُؤيد.. قبل أن يعقد حاجبيه ويدمدم بعصبية
((مُؤيد! ماذا تفعل هنا؟ آخر ما ينقصني خبثك وتنظيرك الآن في هذه اللحظة! قال مُصعب أنه سيجلب المحامي ويعود!))
وقف مُؤيد الذي كان يجلس على كرسي أمام مكتب وكيل النيابة وتقدم من مَازن وهو يرمقه بنظرة توبيخ ثم قال بحزم يغلفه خوف فطري على أصغر أشقائه
((وهل نحن في موقف يسمح للتنظير يا مَازن! المحامي على الطريق، أخبرني الآن كل ما حدث معك!))
تشدق مَازن بسخرية ثم نكس بصره باستدراك مسبق أن مُؤيد لن يصدقه
((وماذا حدث؟ حاولت منال في وقت سابق وضع عقار مبهم لي ثم إرسال ابنتها لتغريني، وعندما فشلت وواجهتها بحقيقتها بل وتسببت بإبعاد نجوم عن القصر بأمر من أبي، أتفاجئ بعد أشهر وأنا في قعر بيتنا بالشرطة تعتقلني وتتهمني بالاعتداء عليها، بل وقتل رضيعها))
ضيق مُؤيد حدقتيه المتأججتين بغضب أثناء حديثه وكل ما فيه يشتعل بثورة عارمة لأخذ ثأر شقيقه ممن اتهمه ظُلما وكيدًا! وسرعان ما أمسك كتفيه بيديه يحاول التحلي بالقوة وضبط النفس ليطمئنه هادرًا بمؤازرة
((لا تقلق، طالما الأمر كذلك، علينا فقط انتظار نتائج التحليل التي تثبت أن الرضيع ليس ابنك، ثم ستخرج من هنا حتى لو بقيت التحريات جارية طالما ضمنوا محل إقامتك.. أهم شيء أن تسترخي))
قال وكيل النيابة الذي كان يقرأ محضر الشرطة بملل شديد يكسو وجهه
((الأمر ليس بالسهولة التي تتوقعها يا سيد مُؤيد، فقد جلبوا الصبي الذي شهد حالة دفن الرضيع وقال بأن الرجل الذي فعلها مشابه لهيئة أخيك!))
باغته مَازن القول بدفاعية عن نفسه استمدها من طمأنته من وجود مُؤيد
((لقد قال بأن مظهره مشابه لمظهري الخارجي فقط، وأن وجه المجرم لما يتبينه في الظلام!))
التقط وكيل النيابة ملف المحضر ليحركه ببلادة أمام وجهه كمروحة يدوية تخفف من الحرارة المتوهجة ثم تمتم بضجر
((حتى ولو، تشابه الهيئة الجسدية هو دليل خطير لإدانتك، في رأيي وضعك يعتبر حرجا جدًّا، وعلى المحامي الذي عينه أخاك لك أن يكون محترفا في الدفاع عنك حتى صدور نتائج التحليل فقد تأخذ وقتا أكثر من خمسة عشر يوما))
لم يبال مُؤيد بكلام الوكيل الذي ود لو يلكمه ليقفل فمه الثرثار.. فقط التفت إلى مَازن بملامحه المشوهة بالقلق يؤكد عليه
((مَازن عندما يأتي المحامي أخبره بالتفصيل ما حدث في السابق، وأقوالك التي وقعت عليها للنيابة، هل تفهم؟))
أومأ مَازن له رأسه إيجابا بصعوبة بالغة ولا شيء من حوله يبشره بالخير مما يقاسيه.. فعاد مُؤيد يردد عليه متسائلا
((هل تحتاج إلى شيء معين هنا؟))
تشدق مَازن بمرارة تثير شفقة السامع عليه
((وماذا قد أحتاج من هنا إلا الموت؟))
عاتبه مُؤيد بخشونته المألوفة، يدعمه بالأمل مؤكدا له أنّها شدّة وستزول بإذن الله
((لا تقل هذا يا مَازن؟ لقد أخبرني المحامي والذي حاليًا بطريقه إلى هنا أن مسألة إظهار براءتك مضمونة!))
صحح له مَازن بتشاؤم
((الوقت سيكشف فقط إذا كانت براءتي مضمونة!))
وجال عقل مَازن لبعيد بنظرات غائمة! ماذا لو حدثت أي تطورات على القضية وظهرت دلائل أخرى حتى لو ناقصة تدينه وبقي هنا أكثر؟ أو ربما ينتهي به المطاف في السجن للأبد!
امتقعت ملامحه برعب حقيقي من هذه الفكرة المفجعة..
حتى أنه تذكر قصة رجل الأمن الذي أخبره بها أخيه مُعاذ بحديث عابر.. حيث كان رجل الأمن هذا ينتظر الإحالة على التقاعد عندما اتهمه أحد الضباط الذي يعملون معه في السجن بتهريب مواد ممنوعة إلى النزلاء ظلما وزورا.. فتم زجه بالسجن، وبسبب طعن سنه أصيب بسكتة قلبية أودت بحياته ولم تظهر المحكمة براءته إلا بعد وفاته بأيام!
هل سينتهي الحال به إلى أمر مشابه ولا يخرج منه إلا مجرد أنقاض غير قابلة للترميم بأي وسيلة؟
تبا لهذا الحظ العاثر الذي لا يتوقف عن إيقاعه بالمشاكل بلا جريرة منه!
حدق مُؤيد بوجه أخيه الذي بدا عليه الإرهاق والعجز والاستسلام فقبض على كتفه يجتذبه له بعناق أخوي مغموس بلوعة خوفه عليه ومحمل بالكثير من الدعم..
وعلى صدره انهارت ملامح مَازن وخرج من قوقعة البرود التي كان يحتمي بها ليختضّ جسده..
يدرك مؤيد ما يقاسيه من ألم الإحساس بالظلم والقهر فهمس له
((اصبر يا ولد وتماسك! أنتَ لست مَازن الذي أعرفه! لا تتصرف كأنك مذنب ينتظر عقابه))
غصّ مَازن دون أن يعقب بشيء، لكن كان يشعر بمخاوفه تموج بجوفه ولا يعرف من أين أتته القوة ليكبح جماح رغبته بتوسّل مُؤيد أن يطمئنه أكثر من هذا فهو ليس مستبشرا بأي خير!
ظلا على حالهما أمام نظرات وكيل النيابة المستخف بالمشهد لدقائق طويلة قبل أن يهمس مَازن فجأة بصوته المرتجف
((هل تثق يا مُؤيد بكل كلمة خرجت من فمي؟ هل تصدق أني بريء من التهم الموجهة لي كبراءة الذئب من دم يوسف؟))
رد عليه مُؤيد بصوتٍ ثابت لا يحمل ذرة تشكيك
((نعم أثق بذلك يا مَازن، أنا متأكد، بل أكاد أقسم أنه لا يمكنك فعل أمر كهذا، وستخرج من هنا بأسرع وقت ممكن))
كلمات مُؤيد دعمته نفسيا في هذه التجربة المريعة التي يمر فيها إلا أن رأسه تحرك قليلا بتشنج، اشتدت شفتاه كالوتر وتساءل بقلب مقبوض
((كيف هو حال أمي وأبي؟ هل أبي خائب الظن بي؟))
كان مَازن يمعن النظر في عيني شقيقه يستشف صدق ما سيقوله.. استعاد مُؤيد رباطة جأشه وحاول أن يتحلى بشيء من العقلانية وحسن التفكير ليجيب
((هما بخير، يدعوان الله أن يفرج كربك، خاصة أبي، فهو واثق من براءتك، بل وحثني أن أرسل كل دعواته لك بالفرج القريب، وطلب مني أن أخبرك أن تتجلد حتى يأخذوا منك العينة ويثبتوا براءتك..))
هز مَازن رأسه نافيا يتمتم
((لا أصدق ذلك، أنتَ تكذب عليّ))
كان يعرف أن كلامه غير مقنع تماما لكنه كان بحاجة لإسناد أخيه بأي شيء ولو بالقول الطيب حتى لو كان كذبا فتابع بنفس الثبات المتقن
((والدي هو أول من وثق وأكد براءتك، قد يكون دائم السخط على أفعالك، إلا أنه في وقت الجد يعرف أصل ومعدن ابنه))
حاول مَازن أن يصدق كلام شقيقه عن والده ويجعله سببا ودافعا له للمحاربة لإثبات براءته حتى آخر رمق.. تشبّث بذراعيّ أخيه يدعوه ليتكئ عليه وهو لا يجد في قاموس الكلمات ما يعبر عن شكره وامتنانه.. حتى هدر بصوتٍ مثقل بالمشاعر
((لن أنسى لك يا مُؤيد صنعيك هذا ما حييت))
إلا أن مُؤيد لكزه بقوة هادرا
((أي شكر هذا بيننا! نحن الإخوة لو رمى أحدنا نفسه بالنار فعلى الآخرين اللحاق به))
ابتسم مَازن له بشحوب يحمد الله ويشكره أن سخر له إخوة يكونوا له سندا وعونا يشاركونه الأسى، حتى مُؤيد! داعيًا أن يديمهم الله له.. ووقتها فقط شعر بموجة تفاءل عالية لا نهاية لها تكتسحه..
نعم إنه بريء تماما ولا أحد يمسك شيئا ضده ليحاسبه، ونتائج فحص الأبوة ستكون ضربة قاضية ضد أي أكاذيب أو افتراءات عليه، تلك النتائج لن تأخذ أكثر من خمسة عشر يوما.. صحيح بأنه سيكون وقتها قد خسر وظيفته التي تعب للحصول عليها، وخسر سمعته عندما يستشعر أهل القرية غيابه هذا إذا لم يكونوا بالفعل قد شاهدوا سيارة الشرطة تقبض عليه.. لكن على الأقل سيخرج بريئا..
رفع مَازن وجهه لوكيل النيابة مستحضرا الموقف الذي حدث معه قبل قليل
((قبل أن يأتي المحامي أريد منك أن تدخل الحجرة لتأخذ السكين من أحد البلطجية في الداخل))
انتفض وكيل النيابة واقفًا يثور في وجهه
((أي سكين! أي موقوف هنا نقوم بتفتيشه بدقة وننزع منه أي شيء خطر قبيل أن ندخله حجرة الاحتجاز))
تشدق مَازن بسخرية لاذعة وهو يظهر الخدش الظاهر على صدره
((لو كان التفتيش دقيق لما كاد ذاك البلطجي أن يطعنني بالسكين لأني رفضت إعطائه ساعة يدي))
اتسعت عينا وكيل النيابة واضطربت ملامحه ثم هتف متلعثما
((ولماذا لم يأخذوا منك هذه الساعة، الخطأ عليك أنتَ.. سلمني الآن أي شيء ثمين بحوزتك))
=============================
في منزل عائلة منال..
كان ألم الكابوس المروع الذي تعيشه نجوم لا يطاق حتى أنها شعرت بغمائم رمادية ووجوه مقنعة أشبه بالهلوسات تحيط بها وتذكرها بآخر ما حدث قبل فقدانها الوعي بعد ولادتها للطفل، وكأنه كان بالأمس فقط..
بدأت ترتعد وتختض ودموعها تجري على وجنتيها مغمغمه
((لقد قتلتي طفلي يا أمي.. قتلتيه بدم بارد))
كانت نجوم كارهة لنفسها أنها اضطرت صباحا أمام الشرطة أن تؤكد على أقوال أمها التي اتهمت فيها مَازن بكل ما حدث لها، رغم أن ما خرج من شفتيها كان اسم مَازن فقط عندما سألها الضابط عن هوية الرجل الذي اعتدى عليها ووالد طفلها، أما باقي ما حدث نفت معرفتها به إذ أنهم عرفوا أنها قد غابت عن وعيها بمجرد أن أنجبت..
الشرطة راعت سوء حالها النفسي والصحي وهذا ما دعاهم أن يتركوها تعود لبيتهم ويذهبوا للقبض على مَازن بمجرد أن أثبتت الفحوصات الطيبة صدق ما تقوله وأقرت بأنها قد أنجبت بالفعل قبل أسبوع مضي.. مؤكدين على أمها وخالتها أن يزوروا القسم مساءً حتى يعاودوا أخذ أقوالهم أو أي إفادات أخرى قد يحتاجونها..
منال كانت تفرك يديها بعنف يغمرها خوف رهيب من الإمساك بها إذ شعرت الآن فقط أن معظم أقوالها هناك كانت شديدة التناقض وانعدام المنطقية وغير مترابطة بتاتا ولهذا طلبت الشرطة خصيصا منها هي وأختها أن يتقدما الى مقر القسم في المساء..
عندما تصاعد صوت نشيجها اندفعت نحوها تقول ببالغ الارتباك والدفاعية
((والله أخبرت ذاك الوضيع أن يضعه أمام أحد المساجد لا أن يقتله ويدفنه، لا ذنب لي أنا))
تقبضت يد نجوم هادرة بلوعة أم
((كيف وثقت بمغتصب انتهك شرف ابنتك وسلمتيه طفلي.. إنه طفلي أنا.. طفلي أنا..))
حاولت شقيقة منال أن تهدئ من فجيعة نجوم متوسلة
((توقفي عن النحيب على طفلك وركزي بالمصيبة التي أوقعتنا أمك بها.. لقد أقنعتها أن نقر بالحقيقة ونعترف بما فعله ابن اختنا ونحمله اللوم كاملًا إلا أنها أصرت حتى آخر لحظة على اتهام مَازن))
غمغمت نجوم بصوت مختنق
((وما ذنب مَازن ليسجن يا أمي؟))
شع الحقد من عيني منال بشكل كريه منفر وهي ترد
((وما ذنبك أنتِ لتتعرضي لانتهاك، ها أخبريني ما ذنبك لتحملي من مغتصب وضيع؟))
ردت نجوم عليها بمنطق واعي
((وهل تعرضي لظلم بيّن كالذي تعرضت له يخولني أن أظلم الأخرين وأتبلى عليهم لأجعلهم يقاسون كل ما مررت به، ما ذنبهم هم أيضا؟!))
ثم أشارت لنفسها مردفه والسخط ينهش صدرها لشهادة الزور ضد مَازن
((في البداية وافقت خطتك يا أمي وأقنعتُ نفسي بإغرائه والنوم معه لو لزم الأمر متجاهلة أن الزنا من أكبر الكبائر بعد الشرك والقتل وكل هذا في سبيل أن يتزوجني بالنهاية ويبتلي بابني، لكن ما الفائدة الآن من التبلي على مَازن! ماذا سأجني من التجني عليه؟!))
هزت منال كتفها وقالت ببرود قاتم
((والده صاحب نفوذ وسيتمكن من إخراج ابنه من السجن وستنتهي القضية دون أي متاعب، على عكس لو اعترفنا بابن اختنا، فنزج في السجن معه ظلما!))
شهقن الثلاثة فجأة على صوت الضربات العنيفة فوق باب البيت بينما هتاف الحاجة زاهية يهدر عاليا
((منـــال.. منال.. افتحي الباب يا منال))
فرت الألوان من وجه شقيقة منال وقالت وهي تضرب رأسها
((هل هذه الحاجة زاهية؟ يا ويلي، يا ويلي، لقد انتهى أمري! كيف عرفت بأنكما هنا))
رغم أن منال كانت هي الأخرى خائفة منهم إلا أنها أبت إلا أن تستمر بتمثيليتها الإجرامية فهي وسيلتها الوحيدة للنجاة من هذه الورطة فتحلت بصلابة مزيفة وخرجت عليهم لتظهر لها زاهية وصدرها ينتفض بقوة.. لقد أمضت ما يزيد عن ساعة لتعرف بالضبط مكان منال! فقالت ووجهها المحتقن يكسوه الحمرة من فرط البكاء
((أنا مـتأكدة من أن ابني لم يعتدي على نجوم ولم يقتل طفلها! لكن هل كان متزوج عرفيا منها؟))
ازدردت منال ريقها بصعوبة ثم رفعت ذقنها تقول كاذبة
((نعم أجبرها ابنك أن تتزوج منه عرفيا، كان ابنك يرى في ابنتي منقذته من براثن زوجته الباردة التي كان يعاني المُر معها، فالجميع يعرف كيف كانت عصبية، باردة، وغير محترمة معه..))
في نهاية حديثها كانت نظراتها تسدد بقسوة إلى من تقف خلف زاهية، حيث ياسمين بجانب سمية بملامح متشنجة..
بدا كلام منال لزاهية منطقيا وشبه صحيح، فأغمضت عيناها تحاول استرداد توازنها الذي تشعر أنها على وشك فقدانه تماما.. بينما هدرت الدماء بعروق ياسمين غضبا من كلام منال وحتى أنها تقدمت خطوتين للأمام لكن عاجلتها منال وهي تصرخ فيها بعدائية بينما ترفع سبابتها
((وإياكِ أن تحاكمي ابنتي على زواجها من مَازن، فقد أخبر نجوم عن تقصيرك بحقوقه الزوجية، ماذا توقعت عندما تحرميه من حقوقه أن يفعل؟ يترهب بانتظار حضرتك حتى تشفقي عليه وتروي ظمأه؟ اصحي يا حبيبتي مَازن رجل وله احتياجات وطالما ترفضين تلبيتها له بالتأكيد سيلجأ لخيار آخر ليشبعها))
اختلجت شفتا ياسمين ونفت التهمة الموجهة نحوها وهي تهز رأسها
((ولو أن الأمر لا يخصك فيما يتعلق بيني وبين زوجي، لكن لم أحرمه يومًا من حقوقه الزوجية، صحيح حياتنا كانت تتخللها المشاكل لكن لم يسبق وأن قلت "لا" له مهما حدث بيننا))
زاهية كانت لا تزال غارقة بدوامتها.. ففتحت عينيها ببطء وتساءلت والتشوش يسيطر عليها بصوتٍ منهك بل ميت لا حياة فيه
((هل الطفل من صلب ابني؟))
شيء من الانتشاء تسرب إلى قلب منال لأن الشكوك اجتازت قلب وعقل الحاجة زاهية وباتت عجينة سهلة التشكيل بين أصابعها وحينها فقط وجدت القوة والمكر لتتابع مسرحيتها وتصرخ وتهتاج بثورة عارمة
((نعم هو من صلب مَازن، وهل تتهمين ابنتي بالرخص أو تعدد العلاقات؟ لا أنا لن أسمح لكم باستغلال فقرنا وقلة حيلتنا في توجيه مثل هذه الإهانة لنا، لا والله لن أسمح لك يا حاجة اخرجي من هنا!))
كانت تدفع زاهية للخلف وتطردها لخارج بيتها حتى كادت أن تقع أرضا وترنحت قدماها ثم صفقت الباب خلفها متنفسه الصعداء لأن هذه المواجهة انتهت بأفضل مما توقعت..
ولم تتحمل زاهية كم الصدمات التي عاشتها اليوم فكادت تنهار محمومة بالألم المبرح لولا أن تلقفتها سمية في آخر اللحظات تطلب منها الرجوع للقصر.. وساندتها لتجلس على الأرض بعد أن خذلتها قدماها..
بدأت زاهية تبكي كما لم تبك يومًا حتى أن سمية تفاجأت مما تراه كأن هذه المرأة ليست هي حماتها المتماسكة الصلبة.. حتى سألتها بصوتٍ مبحوح من بين بكائها
((سمية أخبريني هل يمكن أخذ عينة من الطفل الميت لإثبات أبوة مَازن له من عدمها؟!))
كانت شهقات البكاء تتقطع مع كلماتها الخافتة المخنوقة فلم يكن بيد سمية إلا أن تحاول تخفيف الأمر في هذه اللحظة وتطبطب بيدها عليها بينما تخذلها بالجواب
((لا أفهم بهذه الأمور يا عمتي، ولكني متأكدة أن لهم طرقهم التي ستثبت براءة مَازن))
أخذت زاهية تمسح شيئا من دموعها الجارية وتخرج هاتفها متمتمه
((أين هو رقم مُعاذ، عليه أن يعرف كل شيء..))
كان قلب سمية فعليا يتمزق لأجل حماتها بمصيبة ابنها، فوجدت نفسها تنهض من مكانها وترجع نحو بيت منال وتتسلل لخلفه التي زارتها عدة مرات من قبل..
نجحت سمية في الوقوف أمام نافذة نجوم فحاولت أن تدقها بيدها لتفتحها لها لكن لم تجد أي استجابة.. فأطلقت نفسا طويلًا محبطا..
وجلست أسفل النافذة.. لكن جفلت فجأة لصوت منال وأختها يخرجن من الباب الخلفي من منزلها، وتابعت النظر لهن حتى وقفن على الشارع المعبد بانتظار سيارة أجرة طلبنها والتي ما إن جاءت واستقلوها حتى تجرأت سمية على طرق نافذة نجوم بكل قوتها محدثة ضجة عالية..
نجوم لم تذهب معهم وهذه هي فرصتها للحديث معها ومعرفة كل شيء..
جفلت نجوم التي كانت مستلقية على سريرها شاحبة ضائعة على صوت الطرق فوق نافذتها، وبصعوبة ورغم إعيائها تقدمت منها وفتحتها لتتفاجأ شاهقة من رؤية سمية التي توسلت لها أن تفتح الباب من الجهة الخلفية حتى يتسنى لها الحديث معها..
.
.
في الخارج..
حاولت ياسمين المضطربة أن تقترب من حماتها إلا أنها دفعتها عنها ببغض وصرخت في وجهها بعدائية
((ابتعدي يا ياسمين ولا تريني وجهك! كل ما يحدث مع ابني بسببك أنتِ!))
تغرغرت الدموع في عيني ياسمين من اتهام حماتها المجحف إذ أنها لا تعرف أي شيء عن زواجهما أو ما مرت هي به من قبل.. ظلت متسمرة مكانها بملامح تثير الشفقة عليها بينما تعاود زاهية الصراخ فيها أن تغرب من أمام وجهها..
رد مُعاذ على اتصال الحاجة زاهية فانشغلت معه ولم تجد ياسمين أمامها إلا أن تهرول مبتعدة نحو القصر ثم إلى جناحها وتصفق الباب خلفها ودموعها تنهمر كالأنهار..
ظلت واقفة خلف الباب وقلبها يتلوى من الألم.. قبل أن تنهار جالسة أرضا..
مَازن كان الوحيد الذي أخرجها من ظلمات قد استنزفت روحها، وقسوة عيش لازمتها.. كان شغله الشاغل كيف يحسن مزاجها، ويجعلها تتعلق بالحياة.. فكيف يمكن أن يوجه له أحد مثل هذه الاتهامات!
ورغما عنها ذهبت ذاكرتها للماضي.. عندما رفعت شكوى على ذلك الشاب الذي كان يلاحقها أيام الجامعة، حينها جاءت خطيبته مندفعة تكيل لها الضرب والإهانات وتتهمها بالتبلي على خطيبها المحترم الذي لا يمكن أن يفعل أي شيء شائن معللة أن سبب شكواها هو عدم إعارة خطيبها اهتماما لها وصدها عنه.. ووصل الأمر بتلك الخطيبة أن تهددها بالفضيحة لو تم طرد خطيبها من الجامعة بسبب شكواها..
استمرت دموع ياسمين تجري على خديها أنهارا..
هي أكثر من تعرف أحكام المجتمع ونظرتِه القاصرة للنساء التي هي أبعد ما تكون عن العَدل، كأن الرجال لا يقترفون أي ذنوب وإذا ثبت الأمر عليهم لا ينظُر لفِعلهم ولا يأبه لجرمهم؛ لأنَّهم رجال، والرجل في فِكرهم الفاسد لا تَعيبه مثل هذه الأمور..
هل يجب عليها الآن أن تنتظر فقط نتائج التحقيق وإذا كانت تدين مَازن ألا تكون معه ضد نجوم كما كانت تأمل أن يكون معها أحد عندما وقعت في نفس موقفها؟ فآنذاك بسبب أولئك المتحرشين عاشت أياما مِن الذُّعر والهَلَع المستمر!
اتسعت عينا ياسمين.. ولكن مستحيل.. مستحيل.. لا يمكن لمَازن بعد كل عشرتها الأخيرة معه فعل شيئا بمثل هذه الشناعة!
عادت ملامحها تنهار ويشوبها الأسى.. ألم تكن تلك الخطيبة تثق ثقة عمياء في خطيبها أيضًا وتقول بأنه لا يمكن أن يؤذي نملة؟
هل يعقل الآن أن تصبح مثل تلك الفتاة التي استحقرتها وتدافع عن زوجها وهو الظالم وليس المظلوم!
أطبقت على عينيها مؤكدة على نفسها أنه لا يجب عليها أن تطلق أي أحكام قبل على الأقل صدور فحص الأبوة..
بدأت ياسمين ترفع يديها تمسح دموعها وتستوي واقفة بصعوبة وتتوجه بقدمين مترنحتين أمام مرآة منضدة الزينة تطالع انعكاس صورتها الذابلة والمكسورة..
شعرت بالاختناق، حتى الهواء حولها انعدم كي يزداد ضغط ألم الخنق حول رقبتها.. ولأن الألم في داخلها كان يتفاقم لم تجد أي طريقة للتخفيف منه ومن خيبة أملها إلا بالانتقام من نافسها بأبسط انتقام امرأة يعرفه التاريخ..
قص شعرها!
نزعت غطاء رأسها بعنف ورمته أرضًا.. نظرت للمرآة لحظات وكأنها تتوعد لنفسها بالثأر.. جمعت كل شعرها الكثيف الذي يصل إلى آخر ظهرها في قبضتها وبدأت تجدله ضفيرة طويلة.. ثم رفعت المقص بتمهل وثقل يثبطانها..
بدأت تقص خصلاتها، تنشد في الخلاص راحة غائبة، وحداد على حزنها.. وعتابًا قاسيًا للذات على حب حياتها..
حررت نفسها من الضفيرة بعزم وقوة حتى أضحت خصلات شعرها ما فوق كتفها.. فتسقط ضفيرتها راسمة حكايات شغف وحزن وانتقام لتحتضنها الأرض..
أخضت عينيها الغائرتين أخيرا تطالعها بقلب سكب فيه من كؤوس الأسى الكثير..
=============================
أمسكت سمية كلتا يدا نجوم متوسلة بعد دقائق صمت يشوبها صوت أنينها المكتوم
((ألن تتحدثي بشيء يا نجوم؟ أرجوك قولي وسأصدق ما تقولينه مهما كان.. هل مَازن هو والد طفلك؟ هل هو من قتل الطفل؟))
شعرت نجوم بنفسها تتردد أمام رجاء وفيض أسئلة سمية المُلحة والمتدفقة فشددت أصابعها المتشنجة القابضة على الغطاء وقالت مستسلمة أمام توسلاتها
((لا.. إنه ابن خالتي، هو والد طفلي ومن فعل كل هذه الخطايا))
اتسعت عينا سمية وظلت صامتة بانتظار مزيد من الشرح فأغمضت نجوم عينيها متابعة بصوتها الباكي المرتعش
((بسبب وفاة أبي وقسوة أمي وجوعي للحب كنت أبحث عنه هنا وهناك، كنت مجرد فتاة صغيرة في الإعدادية عندما انجررت وراء ابن خالتي وضعفت أمامه هو المعروف بمغامراته النسائية، لقد أحببته بعنف آنذاك وتطورت الأمور بيننا إلى حدّ أنه رَأَى مني ما يَرى الزوج من زوجته مع الاحتفاظ بعُذريتي بعدما غرر بي وأقنعني أن ما نفعله حلال لأنه سيتزوجني لاحقا، وكأني لم أنتهك عذرية ديني وشرفي وثِقة أبي الراحل بي، لكنه وبعدَ كلّ هذا خانني ومضَى في حياته كأن شيئًا لم يكن لأنه لم يعد يُحبني، وخطب فتاة متدينة.. ابتعدت عنه وتبت لله، وتجاهلت أي محاولة للتقرب مني أو الحديث معي، لكن ما لم أحسب له حساب هو قيامه بالاعتداء عليّ في إحدى المرات التي نمت فيها عند عائلة أمي))
شحب وجه سمية وظهرت الصدمة عليها جلية لتتساءل بخفوت من هول وجلل ما تسمعه
((وأمك تعرف ذلك؟))
فتحت نجوم عينيها الممتلئتين بالدموع تنتحب
((نعم، وهي من سلمته بنفسها ابني، وهو قتله بدم بارد ودفنه))
أبعدت سمية يديها عن قبضة نجوم وقد بدت مشوشة زائغة النظرات متسائلة
((ومَازن؟ مَازن ماذا فعل بك؟))
هزت نجوم رأسها نافية
((لم يفعل شيئا، لا ذنب له أبدًا ولا فكرة لديه عن خطط أمي الشيطانية..))
رفرفت سمية بعينيها قبل أن تقول برجاء محتوم
((نجوم هل أنتِ مستعدة الآن لتقولي كل هذا الكلام أمام الحاج يعقوب؟))
تطلعت نجوم بتيه لسمية وتردد فتظهر الإجابة بملامحها الخائفة.. لكن عادت سمية تلح عليها
((أرجوكِ افعلي ذلك، الحاج قد يموت كمدًا ظانًا أن ابنه مسؤول أو له علاقة بما حدث لك! ليس من العدل أن يحاسب هو دون جريرة ارتكبها فيما يبقى المجرم الحقيقي حرا طليقا))
تصاعدت مخاوف نجوم أكثر وأثقل الذنب ملامحها الهشة، فما لا تعرفه سمية هي أنها شهدت ضد مَازن أمام الضابط، وهذا سيوقعها هي وكل عائلتها بوضع أسوء لأنهم شهدوا زورا وأخفوا الحقائق..
عادت تبكي وتبكي.. ولكن.. وسط ضباب دموعها رأت ابن خالتها.. شيطانا معتديا خبيثا، مختالا بنفسه لأنه نجا بعد كل ما فعله من خطايا، ويخطط بتكرار الأمر مع بنات غيرها.. بل ولم غيرها؟ هي نفسها ربما يحاول الاعتداء عليها ثانية وثالثة وعاشرة، متأكدا أنها لن تجرؤ على الشكاية ضده أو قد يهددها بفضح ماضيهما وشهادة زورها ضد مَازن، وأهم شيء أنه سيحرص هذه المرة على أخذ احتياطاته قبل أن يجعلها تحمل بذرة منه في أحشائها!
هنا فقط قست حدقتي نجوم وأظلمت ملامحها!
لن تسمح لابن خالتها أن ينجو بعقابه.. ولن تسمح لأحد الآن أن يثنيها عن أخذ حقها منه..
هزت رأسها إيجابًا عازمة على البوح بالحقيقة تقول بصوتٍ متوعد رغم ارتجافه
((سأفعل، سأفعل وأبوح للحاج وللشرطة بكل ما حدث ثأرًا لابني من الجميع، حتى من نفسي))
=============================
جناح النوم..
كان يعقوب متمددا في جناحه وحيدا بسكون قاتم مريب، ووجهه مغطى بقناع صلب مخيف..
لم يغمض له جفن منذ أن صرخ بمَالك وأجبره على المغادرة ليختلي بنفسه بل بقيت عيناه جامدتين ساهمتين.. ذهنه كله يدور ويدور في طواحين أفكاره.. ذنبه كبير أنه قصر في تربية أصغر أبنائه ولم يتعامل مع أخطائه بصرامة أشد.. كان عليه بدلا من أن يفقد الأمل به ويرسله للخارج حيث هناك البيئة أفضل ما تكون لتصعد من انحرافه أن يقومه ويضعه صوب عينيه ويهذبه!
لا زال يذكر كيف في ذلك الوقت من الماضي تهللت تعابير السعادة على وجه مَازن واشتعلت عيناه حماسا لفكرة الدراسة في الخارج حتى أنه احتار من تغير موقفه وانقلابه للنقيض في الفترة الأخيرة من سفره على العودة لأرض البلاد!
ولكن في النهاية.. كيف فعل مَازن ما فعله.. هل يعقل أن يصل أحد أبنائه من صلبه أن يعتدي.. يغتصب.. ويقتل!
قطع يعقوب حبل تفكيره وجفل على صوت باب جناحه يُفتح فجأة بدون أي طرقات تزامنا مع ضجيج رنين هاتف مُؤيد الذي انتشله من جيبه.. ثم رد على المتصل باستنكار ما إن رأى اسمه يعلو شاشة هاتفه
((مُعاذ؟ يا إلهي من أخبرك! أنتَ في شهر عسلك ويفترض ألا تقلق نفسك بمشاكلنا))
وصله صراخ أخيه الذي تندلع فيه نيران الغضب
((أخاك سيسجن بقضية اعتداء وقتل متعمد وأنت تتحدث عن شهر عسلي؟ أعطني والدي الآن))
وقف مُؤيد أمام والده المتجهم مشتد القسمات يصلب طوله ثم رضخ لرغبة أخيه وناوله الهاتف فاعتدل يعقوب شبه جالس ليسترسل مُعاذ بقهر الرجال
((أبي لا أصدق ما فعلته اليوم! كيف شككت ببراءة مَازن؟ بل وأقسمت على إخوتي ألا يزور أحدهم مَازن بالمحامي، تتصرف كأنك راغب بترك فلذة كبدك في السجن دون دليل يدينه؟))
وضع يعقوب الهاتف على أذنه هاتفا بصوته الجهوري الباقي من طاقته
((سأتبرأ من شقيقك!))
استهجن من كلام أبيه اللامنطقي
((ما الذي تقوله يا أبتي؟))
هاج عليه يعقوب قائلا بانفعال مضطرب
((وهل تريد إذن مني أن أفتخر بأبوتي لشاب مغتصب وقاتل))
تدخل مُؤيد يقول هاتفا بحمية على أخيه
((لقد تحدثت معه وأقسم لي أغلظ الأيمان أنه لم يلمس نجوم أو يقترب منها.. بل هي من حاولت عدة مرات إغرائه))
رمقه يعقوب بغضب ثم رد عليه بنبرة ما سمعها أحد منه يوما وومضات من ماضي مَازن تتسرب لعقله مجددا
((ابنة المزارع تلك التي كانت في نفس فصله أتهمته ظلما وجورا بمحاولته التقرب منها، رغم أن والدها جاء بنفسه عندي يتوسل أن أسامحه لتركه العمل في ارضي وأتوسط له ليعمل بمكان في قرية أخرى.. ابنة الجيران التي جاء والدها يخبرني أن مَازن يهددها بصورها على إحدى حسابات مواقع التواصل الاجتماعي كانت تكذب.. ياسمين أيضًا زوجته كانت تكذب عندما قالت بأنه متعاون مع من خدروها واختطفوها.. ومنال الآن تكذب بما فعله بابنتها.. أخوك هو وحده الصادق))
لم ينتبه يعقوب أنه تحدث بمسألة ياسمين أمام مُؤيد الذي لم يكن لديه أي فكرة عن طريقة زواج مَازن، والآن فقط اتضح له القليل من الغموض الذي شاب مشهد زواج مَازن.. ولو كان لا زال مُؤيد القديم لم يكن ليهدأ قبل أن يعرف كل شيء بالتفصيل حتى يظهر بواجهة الشيخ ويبدأ بكيل الاتهامات لأخيه ليظهر لوالده بأنه الابن الوحيد البار بين إخوته، لكن الآن ولأنه يعرف تماما أن أول موقفين ذكرهم والده كان مَازن بريئًا فهو متأكد أنه أيضا براءته في أخر موقفين أيضًا..
أما يعقوب لم ينتظر أكثر قبل أن يغلق الهاتف على مُعاذ لا يتحمل أي عتاب منه..
كزّ مُؤيد على أسنانه هادرًا باعتراض
((أبي لماذا أغلقت الهاتف؟!))
أراح يعقوب جسده على ظهر السرير ليأخذ نفسا مرهقا ثم قال بصوتٍ ميت غريب عنه وهو يحملق فيه بنظراته الزاجرة
((مُؤيد اخرج من هنا، لا أريد رؤية أحد في مخدعي، سأنتظر فقط نتائج التحقيق لأعلمكم ما سأفعله))
كان يحملق بمُؤيد بنظرات مرعبة جعلته يخشى على أبيه من العصبية فهي ليست جيدة له، فاستسلم يتقهقر حتى لا يضطر أكثر لمجادلة أبيه، فبالنهاية لن يفيد شيء معه..
لكن ما إن خرج من الباب حتى وجد سمية تقترب منه وهي تسند معها نجوم التي كان الإعياء ظاهرا عليها بشدة بالغة..
تمتم مُؤيد بصدمة غلفت كلماته
((نجوم ما الذي تفعلينه هنا؟))
توقفت نجوم مكانها تطالع مُؤيد ثم أخذت نفسًا عميقًا وأطلقته وهي تتذكر توسلات سمية فتساعدها على الثبات على إرادتها بالإقرار بالحقيقة
((جئت لأخبر الحاج بكل ما حدث معي بالتفصيل..))
ازداد ذهول مُؤيد حتى أنه فغر شفتيه.. طالع سمية التي هزت رأسها له مطمئنة إياه ببسمة صغيرة.. حينها فقط تراجع للخلف يفتح مجالا لنجوم وسمية بالدلوف للداخل..
اشتدت نظرات يعقوب حدة مشوبة بالاستفهام من تواجد نجوم بهيئتها الواهنة الضعيفة.. والتي ما إن رأته حتى انهارت وقالت مباشرة
((مَازن لا علاقة له بأي شيء! إنه مظلوم، ابن خالتي هو المسؤول عن كل ما حدث لي))
صدمت ملامح يعقوب بشدة فأخذت نجوم مجددا نفسًا عميقًا مرتجفا وأطلقته، ثم أغمضت عينيها لدقيقة، تبحث عن طريقة تشرح كل شيء للحاج يعقوب..
فتحت عينيها بغتة وهما تلمعان لتهمس بخفوت رغم إنهاك صوتها
((سأخبرك كل شيء بالتفصيل من البداية..))
بدأت نجوم بسرد كل ما حدث معها أمام الحاج بدئا من اعتداء ابن خالتها عليها حتى معرفتها بالحمل وخطة أمها بإغواء مَازن لينتهي الأمر بأخذ ابن خالتها الطفل وموته بين يديه..
كانت نجوم تحكي وتحكي دون توقف ويعقوب ينصت بإصغاء وقلبه تدريجيا يقرع بالصدمة وتنسحب الدماء من وجهه حتى تجلى عليه مسحة عناء ملفتة جعلت ملامحه تتراخى وتتألم.. حتى أنه في نهاية حديثها اضطرب جفن عينه اليسرى لتبدو تقاسيمه غاية في البؤس كأنها تسرد الدوامات التي يعيشها بصمت جراء ظلمه المجحف والمتعنت بحق ابنه..
بعد ما أنهت نجوم ما بجعبتها خارت قواها وانهارت أرضا، لتضرب على فخديها وهي تشهق ببكاء حاد لا واعي..
وملامح يعقوب المفجوعة بخطئه تجاه ابنه البريء تزداد ألما ينحر القلب..
لقد ظلم ابنه.. أصغر أبنائه.. ظلما بينا لا يغتفر.. وفي أكثر لحظات عمره حاجة للدعم والمؤازرة..
مسحت نجوم عينيها المحترقة بالدمع المالح لتقول بحسرة ووجع وخزي
((هل يا تُرَى لي دعوة مظلوم عند الله أم أنَّ الله لا يعتبرني مظلومة كوني جاريت أمي بخططها في الإيقاع بمَازن، ولكني أشعُر بظلم شديد وإهانة وذُل، لا أعلم كيف أوصل كل ما أحس به، أنا مكسورة، وأدفع عمري كله مقابل أن يعودَ الزمن؛ لكي أخبرك يا حاج ما حدث لي منذ البداية ولا أطاوع أمي بأي شيء من خططها))
خفتت أنفاس يعقوب بتعب وذنبه بحق ابنه لكنه رفع عينيه الباهتتين لنجوم يخبرها بصوتٍ سحب منه الحياة
((ما تشعرين به هو نتيجة حتمية لارتكابِ الذّنوبِ وتعدي الحدود، وهو شُعور طبيعي للندم الذي يرافِق كل معصية، جددي التوبة والإنابة كلَّما شعرت بنوبة ندم تجتاح قلبَكِ، واهرعي إلى الله وأنتِ تذرفين الدمعَ))
انتظمت أنفاس نجوم رغم أعصابها المتشنجة ثم نظرت لوجه يعقوب.. بينما يقف مُؤيد بجانبها هاتفا بحزم
((سأتحدث الآن مع المحامي ليسبقنا للقسم وعليك الآن أن تذهبي معي يا نجوم لتقري بكل هذا وتعترفي بما فعله ابن خالتك، طوله وعرضه الشبيه بمَازن كان سببا بلبس للصبي الذي رآه يدفن الطفل))
أطبقت نجوم شفتيها تغطيها بكفها تحارب وخز البكاء ثم قالت وهي تكتم شهقة مرتجفة بينما تحاول الاعتدال واقفة بوهن
((نعم سأذهب لأقر بكل شيء للشرطة، وسأفضح نفسي قبل أن يفعل ابن خالتي المغتصب والقاتل..))
هتف مُؤيد بها بصرامة شديدة
((أقري بالحقيقة ليخرج مَازن لكن لا تفضحي نفسك، الستر على النفس واجب شرعي..))
تطلعت له بتيه وضياع مغمغمه
((ولكن في كل الأحوال سأفضح فأنا قد أنجبت طفلا بلا زواج، ولو سجن ابن خالتي ستفضحني عائلته..))
هتف بها مُؤيد بصوتٍ رادع وحسن تفكير
((خوفك الشديد مِن أنْ يفضحوكِ لا مبرر له؛ فالمنحطين مثل عائلة ابن خالتك لن يكونَ لهم كلمة مسموعة عند الناس، ولو فعلوا، عليكِ الإنكار وإظهار التعجب من قولهم))
لمعت عيناها بالمزيد من الدموع لوجهه الثابت وهو يومئ لها ثم يقول
((اعترافك هذا مهم لمَازن، حتى يستطيع الخروج من الحجز قبل موعد صدور نتائج الفحص التي قد تزيد عن خمسة عشر يوم))
في الخارج كانت ياسمين تنصت بجسد متشنج على حديثهم من خلال الباب الموارب عند مرورها بجوار الغرفة صدفة.. وها هي تكتم نشيجها المنهار وأنينها بصعوبة.. لقد اتضحت براءة مَازن.. إنه بريء.. بريء تماما بلسان نجوم.. لقد تأكدت بأذنيها مما سمعت بأن مَازن مهما كان متهورا لا يمكن أن يقرب الأفعال السيئة.. فقط حظه العاثر وقلة إيمان من حوله عند وقوعه في المصائب هو سبب ما يعيشه الآن..
رسمت بشفتيها ابتسامة شاحبة وعينيها تذرفان المزيد والمزيد من دموع الفرح بينما ترفع يدها تلقائيا لتمررها فوق بطنها.. هدى والذي يقبع في أحشائها عليهما أن يكونا فخورين لامتلاكهما أبًا كمَازن..
لكن ما إن شعرت بهم يقتربون من الباب للخارج حتى هرولت مبتعدة..
أما يعقوب بدأ ألمه النفسي يصيب أعضاؤه بالوهن والإعياء فلا يستطيع صوته أن يخرج ويطلب من مُؤيد وهو يراه يفتح الباب على الأقل أن يطمئنه على مَازن المحتجز ظلما بمجرد أن يصل..
=============================
بعد أن باحت نجوم بكل ما عندها تم التحفظ عليها في مركز الشرطة لكنها لم تندم أبدًا على إدلائها بالحقيقة، خاصة بعد أن عرفت أن براءة مَازن كانت ستظهر بكل الأحوال إن هي اعترفت أو لا فلا دليل ملموس ضده، ثم كان اعترافها بالحقيقة نقطة لصالحها.. على الأقل حتى تخفف من ذنوبها..
وفي نفس الوقت تم إلقاء القبض على ابن خالتها وأمها وخالتها وهناك اعترف ابن خالتها بجريمته النكراء تحت الضغط وكانوا لا زالوا بانتظار اختبار الأبوة لكل من مَازن وابن خالتها حتى يتم إقفال هذه القضية نهائيا..
وما طمأن نجوم أن مُؤيد وعدها بأن ابن خالتها وقبل أن ينال أي جزاء سيعقد قرانه عليها ويشهروا الزواج ثم سيجعله يطلقها.. وأمام الناس ستكون ذريعتها للطلاق دخوله السجن..
.
.
وفي اليوم التالي..
غمغم المحامي لمَازن وهما يسيران خارج المركز بعد انتهاء الإجراءات الروتينية للخروج من الحجز
((نحمد الله الذي أعادك إلى بيتك وأهلك بالسلامة، ونسأل الله ألا تمرّ بهذه التجربة مرة ثانية))
أومأ له مَازن بامتنان بينما تداعب نسمات الشتاء الباردة جسده.. رفع عينيه ينظر للسماء الصافية بتعب رغم بهجة ونعمة تحرره وانكشاف براءته..
ففكرة السجن.. الحرية المسلوبة.. حدود لكل خطوة وتصرف.. وأن يصبح الشمس والهواء له بحساب في حد ذاتها فكرة قادرة على قتل روحه.. ولها وقع بشع على نفسه..
صحيح بأنه لن يبرأ تماما إلا بعد صدور نتيجة التحليل، إلا أنه كان سعيدا لأنه خرج في اليوم التالي.. على الأقل لن يتأخر هكذا على موعد أول يوم له في العمل بعد الغد..
اقترب مَازن من سيارة مُؤيد حيث يتواجد هو ومَالك ومُصعب وأمهم، الذين أتعبهم غيابه ولو كان قصيرا ولم يتنفسوا الصعداء إلا برؤيته يخرج من مركز الشرطة..
زاهية التي كانت عيناها تشتاقان متعة النظر لوجه مَازن هي أول من اندفع نحوه، تعانقه وكلها يشع شوقًا ولوعةً.. أمومتها تتحرر من مكمنها لتشعرها حقا بكل تلك المشاعر التي قمعتها لساعات..
غمغمت وصوتها يتعثر بالبكاء
((مَازن، ابني.. فلذة كبدي.. الحمد لله على سلامتك والشكر لله))
أخذت زاهية تشد نفسها إليه وتغمر وجهها فيه فتأثر مَازن من كم هذا الإحساس الفياض الذي اجتاحه وتطفلت الدموع الحارقة بعينيه من الألم الذي شعرت به أمه ولوعة قلبها عليه.. منذ صغره وهو يتسبب لنفسه بالمشاكل ووحدها أمه من كانت تأكل روحها في موقد الأمومة لتحميه من شقاوته وجانبه غير قابل للترويض..
كيف يحصى سعي أمه بل كيف يتدارك فضلها عليه؟ أبدًا لن يفعل..
أبعدت زاهية وجهها عنه فارتجفت كفاه وهما ترتفعان لتلامسا أعلى ذراعيها المتشنجين هادرًا
((أمي لقد اشتقت لك، أكثر ما خفت منه أثناء فترة سجني، هو حزنك عليّ))
قبل رأسها ويدها بلوعة فهدرت من بين فيض أمومتها المعذبة
((لا تقل هذا وقد أنعم الله عليك وأخرجك من السجن وأعادك لنا من جديد.. لقد ابتل قلبي وزال شوقي برؤية وجهك أمامي من جديد))
تأبط مَازن ذراع والدته بينما هذه المرة كان الدور لتوأمه أن يعانقه، ثم يربت على ظهره بيديه وعلى قلبه بكل ما انطوت عليه نفسه من أخوة هادرا
((نحمد الله الذي فرّج كربتك، الله برحمته ولطفه ساعدك على اجتيازها))
أبعد مُصعب مَالك عن مَازن بخشونة قبل أن يعانق هو الآخر شقيقه هادرا بفرح
((الحمدالله على عودتك إلينا سالمًا..))
أما مُؤيد الذي انفرج ثغره عن ابتسامة جانبية قال وهو يستقل السيارة خلف مقوده
((هيا اصعد السيارة..))
بادله مَازن بسمة صغيرة وعينيه تتوهجان امتنانا له.. لن ينسى معروفه أبد الدهر..
في السيارة جلست زاهية بقرب مَازن بالخلف وطوال الطريق كانت تقبل وجهه تارة وتمسح دموع السعادة تارة أخرى.. تمطره بالتهاني والمباركات بمناسبة خروجه بالسلامة وتؤكد
((يجب علينا إخراج صدقة.. شكرًا لله سبحانه وتعالى على إتمام نعمته عليك ورفقه بك..))
عندما ركن مُؤيد السيارة بالمصف ترجل منها مَازن وهنا وجد مُعاذ بانتظاره.. كان مُؤيد قد أخبره في الأمس كل شيء على الهاتف في وقت قيامه بإجراءات الخروج.. وما إن اقترب مَازن منه حتى أخذه في عناق رجولي للحظات قبل أن يربت على ظهره بخشونة أكبر ممن سبقه من إخوته مشيدا له بصوتٍ رخيم
((كنت أعرف أنك أقوى مما تمرّ به.. تجربة صعبة.. لكن الشدائد للرجال))
رماه مَازن بابتسامته المألوفة بينما تقترب زاهية منه هادرة بشيء من التردد
((أين هي زوجتك يا مُعاذ؟))
تعجب مُعاذ من سؤال أمه لكنه رد
((إنها في البيت مع دارين التي جلبتها من عند بيت أخي، أصرت أن تأتي ولكن طلبت منها أن تؤجلها ليوم آخر..))
ازدردت زاهية ريقها بصعوبة ثم قالت بنظر مشتت
((داهمتني أفكار والعياذ بالله أن الله ابتلى مَازن السجن ظلما حتى أعرف مرارة شعور زوجتك التي مرت بمثل هذه التجربة وألا أحكم عليها بقسوة.. أنا نادمة على ما قلته لك بخصوصها))
أخذت زاهية نفسا عميقا كأنها تجد صعوبة في الإكمال ثم أردفت بذقن مرفوع
((مُعاذ في القريب إن شاء الله سأذهب لبيتك وأقضي هناك أياما لأرحب بها كعروس))
أسره الذهول للحظات لكن سرعان ما قال ببهجة
((مرحبا بك يا أمي في منزلي بأي وقت إن شاء الله))
تراقص حاجبي مَازن الذي يحيط كتف أمه بذراعه وقال بما يشبه الدعابة
((إذن كان دخولي للسجن مزايا إيجابية))
زجرته والدته بحزم شديد
((اصمت فالسجن أمر ليس فيه أي سخرية يا مَازن!))
كانت لا تصدق كيف ينجح مَازن في كل مرة بتحويل ألمه وحزنه إلى مزحة، أما هو فزمّ شفتيه قبل أن يغضن جبينه بالحيرة قائلا باستغراب استبد به
((حسنا ولكن أين أبي! لماذا لا أراه))
أظلم وجه زاهية متذكرة ما حدث قبل ساعات فتلعثمت
((إنه.. إنه.. ربما يكون في جناحه متعب..))
لف الحزن ملامح مَازن متمتما بتأنيب ضمير بذنبه
((لقد ارتفع ضغطه من المؤكد بسبب ما حصل لي..))
لم تتحمل زاهية أن يؤنب ابنها نفسه لذنب ليس له يد فيه فهتفت ساخطة
((بل غالبا يشعر بالغضب من نفسه لأنه لم يصدق براءتك يا مَازن وظن السوء بك..))
تنبه مَازن بفطنة من كلمات أمه أن ما أخبره مُؤيد إياه عن عدم تصديق والده للتهم الموجهة ضده لم يكن صحيحا إطلاقا! وفي هذه اللحظة شعر بكم هائل من الحزن والوجيعة يداهم صدره حد الاختناق، فصمت وكأنه لا يجد الكلمات التي تعبر عن مشاعره..
فمدت زاهية كفها تطبطب على ظهره كأنها تواسيه بصمت، مشفقة عليه، بل دمعت عيناها.. فأقسى ما يمكن أن يواجهه المرء من محن وابتلاءات أن يقع عليه الظلم دون سببٍ ولا يَجد أبيه ينصره ويقف إلى جانبه!
أغمض مَازن جفنيه بقوة وهو يعيش الصراع بعقله ولا أحد يتكهن بما يفكر فيه هذه اللحظة..
لا يذكر أن أباه أنصفه يومًا بل كان أول من يلومه عندما يكون موضع اتهام.. لكن.. لكن.. رغم كل شيء يظل والده.. والده الذي تعب وكد ليؤمن له حياة كريمة له هو وأخوته ولم يقصر بتربيته أو تعليمه..
ولا بد أنه الآن غاضب على نفسه بسبب خطئه، وربما يشعر بالإعياء وبحكم السن ومرض الضغط سيكون الأمر شديدًا عليه.. في النهاية خلف شدته وتزمته معه يفيض قلبه تجاهه وباقي إخوته أولاده حنانًا وحبا..
تدخل مَالك يعقب محاولا التخفيف من توتر الموقف
((أمي اهدئي قليلا، عندما أخبرت أبي أن مَازن في طريق عودته إلى هنا طلب مني أن أخبره عند قدومنا ليخرج، سأذهب الآن لأعلمه ليأتي))
فتح مَازن عينيه فجأة يعقب بانفعال على توأمه
((هل تريد يا مَالك من أبي هو أن يأتي هنا! لا يجوز، أنا أحضر عنده في الحال))
أسر الذهول جميع الواقفين من كلمات مَازن وردة فعله إلا أنه أظهر حزما ليس فيه وهو يبارح المكان إلى داخل القصر..
توغل مَازن لمخدع والده المنعزل فيه ليغلقه خلفه بهدوء شديد..
خرج يعقوب شاحب الوجه باستكانة مرضه من شروده على اقتراب مَازن لتطل اللهفة من عينيه هادرا بصوتٍ ملهوف رغم إجهاده
((كيف حالك يا مَازن؟ كيف حالك يا بني؟))
اقترب مَازن من سرير والده العتيق ليجلس على طرفه ثم يمس يد والده برقة ويتبسم قليلا بألم
((أبي أنا بألف خير، هل ارتفع ضغطك؟ أرجوك اهتم بصحتك أكثر))
تجمد وجه يعقوب المرهق وملامحه بذاك الألم المطل من عيني مَازن حتى اخترقه إلى عمق الأعماق فيهمد جسده كله أكثر وهو ينظر إلى ولده هامسا بنبرة وجيعة
((أنا آسف يا بني على سوء ظني بك..))
رقت نظرات مَازن لوجه والده الذي بدا وكأنه بتجاعيد عمره زادته عمرا فوق عمره وبغمٍ ثقيل.. لا بد أن هناك ركن خفي داخل والده ورغم كل شيء سعيد أنه كان مخطئا بظنه به!
عقد يعقوب حاجبيه شاعرًا بتفاهة الاعتذار أمام هول ما قاله وفكر به بحق ابنه فضغط بكفه على عينيه مدركا حرقة روح مَازن عندما وصل له كلامه من إخوته إلا أن مَازن صدمه بما قاله مغايرا لتفكيره
((أبي لم أصدق مُؤيد عندما قال عن إيمانك ببراءتي، خاصة وأن سجل ماضي ممتلئ بما لا يشرف أي والد، أحمد الله أني كنت عند حسن ظنك ولم أكسر هامتك أبدًا، فعد يا أبي صلبا كالصخر الشامخ))
اعتصر الوجع قلب يعقوب لما يسمعه، إنه يدعي العكس ليجنبه الحرج الشديد.. ووقتها فقط عرف معدن ابنه..
تنهد دون أن يستطيع سكب شيئا مما بصدره لكنه مسح زاوية عينه من دمعة حارقة أبية هادرًا
((أنا أحسد يا مَازن نفسي عليك))
بدا يعقوب تائها بشكل يحطم القلب وصوته لا يتعرف عليه فكور مَازن شفتيه بحنق ثم قال بنظرات تضج بالشقاوة يلطف توتر الأجواء
((أنا نفسي أحسدني على نفسي ووسامتي وحسن أخلاقي))
ارتفع حاجبيّ يعقوب بدهشة ثم لم يستطع كتم ضحكته المتحشرجة المشوبة بالألم وهو يجذب مَازن لحضنه مربتا على ظهره وهو يدعو له ولباقي إخوته بالتوفيق والسداد..
دمعت عينا زاهية الواقفة عند عتبة الباب بتأثر لهذا المشهد الغير مسبوق.. بينما باقي أولادها في الخارج يجهزون حتى ينحرون الذبائح لإمداد الولائم اليوم والغد دون ذكر السبب..
تنهد مَازن ثم مد يده يحتضن كف والده ويرفعها لفمه يلثمها ثم يغادر ملقيا السلام..
ابتسمت زاهية لمَازن أثناء خروجه لكن ما إن أغلق الباب حتى عاد وجهها لبروده وصقيع مشاعرها وجليدية ملامحها أمام زوجها..
تحشرج صوته وهو يناجيها خجلا من ذنبه الذي يحمله
((زاهية..))
لم ينحسر جمودها ولم تبدِ أي تغير إلا أنفاسها هي التي تخبطت..
جلست على كرسيها المنجد قبالة منضدة الزينة تنزع وشاحها وتعيد مشط شعرها أمام المرآة البيضاوية بنظر شارد عن زوجها، لكن متيقظ لما قد يقوله..
ابتلع يعقوب ريقه وهو يشعر بحريق يلهب داخله من زوجته فأرخى أجفانه واشتد به الألم هامسًا بحشرجة
((لقد أخطأت بحق مَازن وأقر بذلك وسأعوضه عن جل ما اقترفته بحقه، فاعذريني، أدعو الله ألا يجعلني عبئًا لأحد ولا ثقيلًا على قلب أحد حتى أرحل من هذه الدنيا))
تبدلت ملامحها هنا وانهار ذاك الجليد لتردعه وهي تستدير له بعينيها الجميلتين الغارقتين بعشقه
((كفى الله أي شر عليّك يا حاج، لا تقل هذا))
ابتسم لها بشحوب هادرا بنبرة يكسوها الخمول
((الموت حق يا زاهية..))
تغرغرت الدموع في عينيها وهي تترجل واقفة وتتجه نحوه هامسة ((حفظك الله لي ولأولادك يا حاج..))
حبها له غلب في النهاية وحكمته في تسيير معظم الأمور شفعت له عندها هذه المرة وأطفأت كل حمم غضبها وعتبها عليه وهي تضمه إليها..
=============================
خرج مَازن من جناح والديه مفكرا أن هناك شيء ناقص!
ابنته مع إحدى العاملات فقد قالت أمه أنها لم تكن تريد للصغار أن يعرفوا بشيء.. لكن.. أين هي ياسمين.. ياسو.. ابنة قلبه.. ولوح الثلج فيما مضى!
لماذا لم تستقبله؟ هل هي عاتبة أو غاضبة عليه لما جعلها تمر به؟
في البداية ذهب إلى هدى ليقبلها ويتمنى لها ليلة سعيدة ثم ولج لجناحه وهناك ما إن فتح الباب واستقر نظره على ياسمين حتى صدر منه شهقة صدمة لا مثيل لها فهتف بغير تصديق كمن يرى أسوء كوابيس حياته
((لا، لا، لا، أين ذهب شعرك! إن ما أراه الآن كابوس أبشع من كابوس زجي في السجن ظلما!))
انتصبت ياسمين واقفة من على طرف السرير لتقول بلوعة وهي تبعد شعرها عن وجهها المبلل بالدموع
((لقد قصصته لأني شككت ببراءتك، أنا زوجة وحبيبة سيئة وأنت تستحق من هي أفضل مني يا مَازن..))
رفعت يدها إلى فمها تكتم شهقة منها، تجلد ذاتها بسياط من نار دون أن ترفق بنفسها.. ثم قالت
((بأكثر أوقات حياتك حرجًا لم أظن خيرا بك، أنا أستحق العقاب الذي ستلحقه بي أيا كان ما هو.. حتى الطلاق))
اتسعت عيناه بينما يراها تنسحب وتجرجر أذيال خزيها وهي تقول بصوتٍ استشعر من بين طياته خيبة أملها بنفسها
((سأذهب لأنام بالغرفة الملحقة))
توسدت الكنبة وهي تدثر نفسها تحت الغطاء من صفعات الذنوب التي تنغز قلبها..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وتسعون 92 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الأربعون ((ما قبل الأخير))
في الغرفة الصفية..
مسح مَالك على صفحة وجهه يحاول دفع الإجهاد عنه ونسيان ما حدث بينه وبين سمية مُؤخرا والتركيز في إعطاء مقرر المادة التي يُدَرسها للطلاب..
بدأ يكتب على السبورة الأسئلة قبل أن يشعر بوخزة على ظهره ناتجة عن ضربة قلم ألقي عليه من الخلف.. تلاها مباشرة سماع صوت ضحكات مكتومة من الطلاب!
عضَّ مَالك على شفتيه بغيظ وهو يشد قبضته الممسكة بالقلم اللوحي!
حسنا.. لا ينكر أنه بسبب ما يمر به من مشاكل عاطفية كان نزقًا في الحصة الصيفية وعصبيًا ويرهقهم بالواجبات المنزلية والتمارين كلما أزعجه أحد بكلمة! لكن أبدًا لا يحق لأحد منهم أن يقلل من احترامه ويرميه بالقلم كما حدث منذ لحظات، خاصة أنهم بالمرحلة الثانوية ولم يعودوا أطفالًا..
جحُظت عينا مَالك بخطورة واستدار للطلاب الذين سارعوا بمسح علامات الشماتة والسخرية من وجوهم وادعاء البراء..
ابتسم مَالك بتشنج لهم ابتسامة ما قبل العاصفة.. وقرر أن يتظاهر أنه لم يأبه أن أحدهم ألقى بقوة القلم على ظهره.. فأظهر هدوءً بالغا دون انفعال.. ثم فاجئ طلابه
((كنت أريد كتابة أسئلة مهمة لامتحان الغد للتسهيل عليكم، لكن قررت أن أتراجع وأكلفكم الآن بامتحان مفاجئ آخر غير امتحان الغد.. هيا أخرجوا أوراقكم..))
أصدر جميع الطلاب شهقة مذهولة غير مصدقة، وهمهمات امتعاض وحنق وقبل أن يعترض أحدهم، قال مَالك دون أن تنحسر ابتسامته الشريرة
((هيا يا أعزائي أخرجوا الورقة، كل دقيقة تمر في النقاش أو الصدمة ستخصم من وقت الامتحان))
أخرج الطلاب بقهر وإحباط أوراقًا فارغة بينما جميعهم يتطلعون في وجه الطالب الذي ألقى القلم على مَالك بعدوانية ولوم، فعرف مَالك هوية الطالب المذنب ليصدر صوتا متهكمًا.. لكن لم تكن عنده أي نية لعقابه هو دون الباقي.. فقد كان البقية يغطون فعلته..
حتى أن واحدًا من الطلاب نبهه بفظاظة حانقا
((أستاذ ألم تقل بأنك ستخصم علامة لأي شخص يتحدث لأكثر من دقيقتين باللغة العربية بدلا من الإنجليزية! هيا اخصم علامات لنفسك))
ازدادت ابتسامة مَالك المستفزة اتساعا وهو يقول
((لا أملك دفتر علاماتي، لكن ربما قد أعلم المدير أن يخصم من راتبي دينارا واحدا فقط))
استدار مَالك للسبورة وبدأ يكمل كتابة الأسئلة على السبورة بينما يكتب من خلفه باقي الطلاب بوجوه متكدرة قبل أن يجد نفسه يغمض عينيه وهو يشد على أسنانه معيدا التفكير بما يفعله..
رغم أن الطلاب جميعهم يعرفون أنه لا يتردد في إنزال عقوبات جادة على المخطئ منهم ولا يتهاون في ذلك، إلا أنه لم يكن أبدًا أستاذا لئيمًا.. بل على العكس دائما يحدثهم ككبار ويخبرهم أنه يحترمهم ويثق أنهم مجتهدين ويسمح لهم بما يرفضه باقي المعلمون من حرية تناول الطعام والشراب ويحرص على الاستماع لآرائهم فيما يخص أمور الدراسة أو المدرسة.. ولا يريد الآن أن يفرغ عليهم غضبه بسبب مشاكله العاطفية مع زوجته أو ما مر به من وقت عصيب أثناء احتجاز مَازن.. أطلق نفسًا عميقًا مستغفرًا ثم قال لهم حنو
((هذه هي الأسئلة التي سنناقشها في حصة اليوم من أجل امتحان الغد.. لقد تراجعت عن الامتحان المفاجئ))
=============================
وقفت ياسمين أمام المرآة صامتة، الإعياء واضح عليها، عينيها أحيطت بهالات تعب، العذاب غشي على وجهها لتظهر كوردة ذابلة..
لم ترهقها أي مخاصمة أو مقاطعة لمَازن لها في حياتها بقدر هذه المرة.. ربما لأنها تعرف أنها ستؤدي للفراق لا محالة..
ضجت ملامحها بوجع لا يطاق وآلمها قلبها لفكرة الفراق بل شعرت به يذوب اكتواءً بنيرانه..
رباه كيف ستتكيف مع ألم الاشتياق له وفقده عندما ينفصلا! كيف ستبتعد عنه وهي تشعر أنها مشدودة له وجدانيًا، وموصولة بشرايينه كيانيًا!
فليلة الأمس كانت ليلة أخرى لم تحتضن أهدابها مقلتيها وهي تراه ينام على الأريكة تاركًا إياها تتجرع جراح الوحدة وقسوة العتاب فتحكي دموعها على وسادتها قصة هجران حبيبها وزوجها..
اتجهت نحو الخزانة وألقت رأسها داخل رفوف ملابسه كما تفعل بالعادة عندما تتعلل ببحثها عن شيء داخلها وتكون في حقيقة الأمر تستنشق بقايا عطر رائحته الحاضرة تتسول لذلك الألم بين طيات روحها..
صفعها صوت فتح الباب وانتزعها من هواجسها فالتفتت لتجده مَازن يغلق الباب خلفه ونظراته تنطق بالغضب والحنق..
تنحنحت حنجرتها بحثا عن كلمات تسعفها لمحاورته
((هل تريد شيئا قبل الذهاب لعملك يا مَازن؟))
طالعها باستنكار وتحقير لسؤالها المهتم فتابعت تقول وارتجاف صوتها يعكس تخبطها
((والدك أخبرني أن أسألك ماذا تحب أن تتناول على الغداء نهار اليوم بعد عودتك))
رسم ابتسامة صغيرة يقول كمن يكلم نفسه
((لا أصدق أن والدي هو من أرسلك، لقد تغير))
ازدردت ريقها لتغير دفة الحديث دانية منه
((ربما أساعدهم في صنع الغداء، ماذا تحب أن تأكل؟))
قوّس مَازن حاجبيه ومال بوجهه إليها هادرا بصوتٍ ممتعض رغم انخفاض نبرته
((أتعرفين؟ لم تعد تطاق محاولاتك للتحدث معي كأن لا شيء بيننا..))
نغزها شعور الألم البالغ معاودًا الخيبة على هيئتها لأن بالنسبة لها مفاد كلامه أن صبره نفذ وحان موعد الفراق.. ومع ذلك نظرت بعينين معذبتين إلى وجهه تحاول التحلي بالصمود، أما هو فازداد تجهم وجهه بغضب بارد مشيحا بنظره عنها حتى لا يصب عليها جام غضبه المستعر بداخله أكثر.. لكن ولأنه ليس كل يوم يتم أخذ رأيه عما يفضل على وجبة الغداء.. سارع يجيبها بحزم ما إن همت تغادر مسرعة من أمامه
((ياسمين، أخبريهم أن يصنعوا لي على الغداء ورق عنب لعلي أتسمم منه وأموت))
تمتمت بوجيعة عليه
((كفى الله أي شر عنك))
لكنه عاد ينظر لها بترفع آذّى قلبها ثم جهر بصوت أعلى
((ولا تنسي أن تعدي قمر دين مسموم أيضًا، حتى أخلص من هذه الحياة معك، أريده مثلجا وكثير السكر))
غاص قلبها في صدرها وخفت تسارع نبضاته فانسابت شكواها الهامسة
((لا تدعي على نفسك بهذا الشكل، فهذا يؤلمني، وسيؤلم هدى أو عائلتك لو سمعوك))
قاطعها زاجرا إياها بفضاضة
((وما شأنك أنتِ بما أدعو به! هل نسيتِ ما فعلتيه بحقي؟ إذا كنتي نسيتِ فسأذكرك..))
ثم اقترب منها بخطوات متسرعة، يبعد غطاء رأسها بيد وبالأخرى يهوي بشعرها القصير بخفة لا تخلو من الازدراء هادرا بحرقة قلب
((ها.. شعرك الذي لا يتعدى كتفك هو خير دليل عليه))
ثم نظر في عينيها بانفعال مكملا
((إلى الآن لا أصدق عمق الغدر الذي تلقيته منك يا ياسمين.. شعرك! شعرك! حرام.. حرام وموجع ما أعيشه.. ابتعدي عني الآن لأني لا أعرف كيف أستطيع تقبلك بشعرك القصير البشع هذا!))
ساد الصمت بينهما طويلًا ثقيلًا وهو يحدق في رأسها المنكس وتهدل كتفيها خزيا عسيرا وذنبا كبيرا ولسان حاله ينطق بيأس.. فبارح الغرفة كعاصفة هوجاء دون انتظارِ ردٍ منها صافقا خلفه الباب بعنف ارتجت له الجدران.. لتهوى بعنف أرضا تتحصن بذراعيها المحتضنتين لجسدها.. تذرف الدموع المرار لتتحول لنحيب مرير.. تصارع الاختناق الذي يكتم أنفاسها بعد كل عتاب جارح يرميه عليها..
أما هو فظل في الخارج واقفًا عند الباب متجهم الوجه، غاضب منها حدًّ الجحيم.. إنها حقا تتعامل معه كما لو أنها لم تخطئ بحقه وتحرق قلبه على شعرها بدون حتى أن تحاول أن تسترضيه وتطلب السماح منه مع وعد تضمن له فيه عدم تقريبها المقص مجرد تقريب من شعرها!
حسنًا، ربما حاولت مرة أو مرتين بمحاولات باهتة أن تطلب السماح منه وهو من صدها.. لكن لو كانت حقا آسفة ونادمة على قصّ شعرها لم تكن لتستسلم من أول مرة يتعنت فيها.. لقد خيبت ظنه فيها.. هي لا تحبه.. لو أحبته لبذلت كل جهدها لتحاول أن تستسمحه.. فلم يكن قليل ما فعلته.. لقد قصت شعرها! شعرها الذي توسل لها كثيرا ألا تمسه بأي سوء..
ضيق عينيه جنونًا للحظةٍ قبل أن يهمس بحقد
((لا الأفضل ألا تطلبي السماح، فعندما يصل يا ياسمين الأمر لشعرك فلا وألف لا، لا شيء قادر على جعلي أسامحك ولا أظن أن الزمن قادر على شفاء جرحي من فعلتك..))
=============================
أخذ مُؤيد رتيل إلى أحد الأراضي الصحراوية تلك التي اعتاد الذهاب لها مع مُصعب أحيانا ومع أصدقائه أحيانا أخرى لتناول عشاء عربي تراثي والقيادة بدراجاتهم على الكثبان الرملية لإتاحة المكان الحرية لهم في طرقه المفتوحة، وتوفيره إطلالات مذهلة على المنحدرات والواحات الصحراوية..
كان مُؤيد قد استغل فترة ما قبل الظهيرة التي يتأكد من قلة توافد الناس إليها ثم أوقف سيارته ليترجل منها ودعا رتيل لتنضم له.. فأغلقت السيارة بقلب يتراقص وقالت وهي تتمعن النظر فيما حولها والهواء العليل ينعشها
((هل هنا سنقود دراجتك يا مُؤيد؟))
أخرج مُؤيد من صندوق السيارة الخلفي دراجته الضخمة ووضعها أرضا مجيبا
((نعم هنا، هيا اعتليها))
لكن وقبل أن تفعل ألبسها الخوذة ثم طلب منها أن تخلع الحذاء الذي تنتعله.. رفرفت عينيها باستغراب وفعلت ما طلبه لتجده ينكب على ركبته ليلبس قدمها الحذاء الثقيل الخاص بالدراجين بنفسه.. تخضبت الدماء بوجنتيها من تصرفه الرقيق اللبق واهتمامه بسلامتها..
صعد مُؤيد على الدراجة وارتدى خوذته هو ثم شد ظهره بينما يشعر برتيل من الخلف تحتضن عضلاته القوية بذراعيها، لتريح رأسها على ظهره..
شغل محرك الدراجة لبعض الوقت وقد علا الصوت بزمجرة في الأجواء كمن يثبت وجود مصدره، ثم بدأ يقودها بينما رتيل تدريجيا ترخي من نفسها حتى تسرح في درب الاستمتاع أكثر، شاعرة أنها جزء من كل شيء من حولها..
وحتى مؤيد كان يشعر بإحساس الحرية أثناء قيادته الدراجة في الهواء الطلق على عكس قيادة السيارة التي يجد نفسه محتجزًا داخل غرفة معدنية.. وهذا ما جعله أثناء تعرضه لذاك الحادث المؤلم مرتين وإصابة كسر قدمه على إثره أن ينتظر شفاءه بنفاذ الصبر فقط حتى يعود لقيادة دراجته هوايته التي يعشقها..
لكن إحقاقا للحق فهو لم يشعر بمقدار هذه السعادة التي تختلج كيانه وروحه وقلبه على حد سواء قبل هذه المرة.. والسبب أن رتيل معه الآن.. لطالما تمنى أن يقود دراجته مع فتاة أحلامه وتشاركه شغفه في مثل هذا المكان الذي شكل له قصة عشق، وتنبض تفاصيله بالحياة والإلهام حيث قضى فيه أجمل أوقات حياته..
أما رتيل فقد كان يغمر قلبها في هذه اللحظة لذة البهجة، وروعة الاكتشاف، وبدأت تعي أن مُؤيد ليس أبدًا كما كانت تظن عنه، بل مختلف تماما، ومميز في اختلافه، خاصة وقد تحرر من معظم تلك الصفات المتزمتة والمتحجرة التي تسكنه.. لقد اكتشفت عالمه لأول مرة وشعرت أنها قريبة منه وشغوفة به.. كأنه ليس زوجها وحسب، بل صديقها منذ الطفولة، وعشيقها منذ الأزل..
طوقته أكثر بذراعيها بينما تسمعه يحكي لها عن بعض مغامراته مع أصدقائه هنا عندما كانوا يتسابقون لتشعر بنفسها تسبح أكثر وأكثر في غمرة الأحاسيس المتصاعدة داخلها، ولم يسبق لها أن اختبرتها، رغم أنها صعدت فوق الدراجة مع غنوة عشرات المرات..
همس مُؤيد لها بعاطفة وهو مستمتع بتطويق ذراعيها حوله من الخلف بقوة
((مستمتع أنا بالوقت الذي أقضيه معك ومشاركتك لي الشغف يا فتاة أحلامي))
ذهلت رتيل بأنفاس متقطعة من كلماته في هذه الأجواء المثيرة للدهشة، ثم همست له بصوتٍ سكنه الشغف والحب لأول مرة
((وأنا أحبك أكثر، يا فتى أحلامي..))
ظلا يثرثران.. يتغازلان.. كبطلين أطلا من كتاب للقصص الأسطورية..
تغير كليا معها بمجرد أن سمح لها أن تدخل عالمه الخاص.. وقد فتح لها غرفه المغلقة في عقله وكشف لها عن رغباته الخفية، بعد أن شجعته أن يخبرها بكل ما يحدث في خياله الجامح ويشاركها إياه..
تنفست رتيل الصعداء وبعض خصلات الشعر الشاردة من حجابها تتطاير في الهواء الطلق ثم تراخت ذراعيها من حول مُؤيد وتدريجيا فردتهم حتى صاروا على مستوى أفقي، ثم أغمضت عينيها كالطير الذي يحلق في الأفق ويطير في الأجواء بجناحين مبتعدا عن كل ما حوله.. رباه ما أحلاه شعور الحرية..
وما إن فتحتهما بعد لحظات حتى نزعت الخوذة عنها ليقطع عليها مُؤيد هذه الحالة الحالمة هاتفا
((لا أريد أن أفسد عليك تجربتك لحالة الفروسية الرومانسية الهوليوودية، ولكن أعيدي الخوذة فوق رأسك))
اعترضت له بدلال
((هل هي ضرورية يا مُؤيد؟ لأني كنت أجربها مع غنوة بدون أي سترات واقية وخوذ))
نطقت أمر غنوة عفويا بلا شعور أو انتباه منها، وبوضع آخر كانت سيرة غنوة لتكدر الأجواء بينهما وتفسد سعادتهما، ويبدأ الاثنين باستحضار ذكريات من سيرة الماضي وإعادة صفحات العتاب والمواجهات والاتهامات لبعضهما.. لذا ارتأى مُؤيد الآن أن يتقبل فقط حقيقة أن غنوة كانت جزء من حياة زوجته ولسنوات أحب ذلك أو لا.. فانتزع نفسه من صخب أفكاره وهتف فيها بحزم وهو يقلل من سرعة الدراجة
((لا يا رتيل، عندما تعتلين الدراجة النارية يجب عليك أن تسيري وفق معايير الأمن والسلامة، فإن لم نلم بهذه النصائح والمعايير سوف تتحول هذه الدراجة لنا من هواية إلى وحش يحصد أرواحنا ويؤذينا))
أوقف دراجته تدريجيا ثم نظر للخلف من فوق كتفه لوجهها الذي يستبد الاستغراب به لكلماته..
فمالا تعرفه رتيل أنه وإن كان معروف عنه الرعونة والتهور إلا أنه في مسألة الدراجة يتعامل معها بحكمة وتروي، فلا يقودها إلا بطرق مفتوحة بعيدا عن الأزمات المرورية أو مزاحمة سائقين غيره..
تنحنح يجلي صوته ثم سألها بخشونة
((هل سبق لكِ أن قدتِ الدراجة بنفسك أنتِ؟))
تملكتها الدهشة من سؤاله وأجابت بخفوت
((لا غنوة من كانت تقودها وأنا أجلس خلفها دائما، مثل الآن))
لوح برأسه لها وترجل من دراجته هادرا
((حسنا جربي الآن أنتِ القيادة وأنا سأجلس خلفك))
صدمت رتيل من دعوته وفي نفس الوقت التمع في عينيها المتسعتين حماسٍ لم يظهر على محياها قبلًا، تكاد تختنق من فرط السعادة الخالصة التي تلتمسها وهي تجد نفسها تقوم لتجلس في المقدمة..
ازدردت ريقها من كومة المشاعر المتخمة التي تغشاها وهي تمسك بذراعي الدراجة.. ولا تدري من أين جاءها المزاج لتناكفه من بين ضحكاتها
((لماذا ستجعلني أقود بك! ما الذي حصل معك ليجعلك يائسا من الحياة وراغبا في التخلص منها!))
إلا أن مُؤيد على ما يبدو أخذ مزاحها بجدية حتى أنه صمت لدقيقة قبل أن يقول بصوتٍ واجم
((حسنا معك حق، انزلي منها واجلسي في الخلف))
صرخت رتيل معترضة وتشبثت بكل ما أوتيت قوة بمكانها على القيادة متوسلة ألا يتراجع عن كلامه
((لا، لا، لا كنت أمزح دعني أجرب قيادتها..))
وقف مُؤيد متخصرا يتنحنح مجددا قبل أن يتنازل ويوافق، لكن قبلا علمها كيفية تشغيلها، فأمسك بيدها وضغط بأصابعها فوق الأزرار يشرح لها..
وهي بلهفة ممزوجة بالتركيز كانت تصغي لإرشاداته..
أحكمت وضع الخوذة فوق رأسها، ثم شغلت محرك الدراجة كيفما قال..
ارتج جسدها بشعور منتشي عندما ضج صوت المحرك وبدأت الدراجة تهتز ثم تتحرك ببطء في البداية، قبل أن تنطلق وتزداد سرعتها شيئًا فشيئًا، حتى أنها لا إراديا من فرط الحماس صرخت عاليا ويديها تمسكان بالدراجة بارتجاف
((إنها تعمل، سأتحرك.. يــــــــاه))
وأثناء القيادة تحكمت بارتجافها أكثر واستجمعت قوتها من جديد وهي تحافظ على وتيرة سرعة الدراجة التي بدأت تشق طريقها لتسأله كطفلة بانبهارها وشغفها
((فقط عليّ أن أقود هكذا؟ كيف أميل للاتجاه الأخر؟))
برشاقة وقف مُؤيد خلفها من مكانه ومال فوقها يمسك بكلتا ذراعيّ الدراجة فوق كفيها الناعمتين منبها
((أديري المقود في هذا الاتجاه، أرأيتِ بكل سهولة ويسر!))
تصاعد منحنى الإثارة عندما صارت تتمايل بها والهواء المنعش يتطاير حولها ويضربها من كل جانب في تجربة لا تقدر فيها على وصف مشاعرها، فاحتضنها مُؤيد من الخلف يقول من بين ضحكاته عليها
((هل أحببت ذلك؟))
صرخت عاليا بملء صوتها
((نعم أنا سعيدة جدًّا..))
عقد مُؤيد حاجبيه قليلا عندما تنبه لوجود رجال أخرين في المنطقة فهدر فيها بشيء من الخشونة
((اخفضي صوتك، هناك أناس غيرنا في هذا المكان))
بنشوة لا تزال تتلبسها هتفت بعلو صوتها
((لا أستطيع السيطرة على نفسي، أنا سعيدة كما لم أسعد يوما))
طبطب فوق كتفها يزمجر بها
((إذن أوقفي الدراجة سنعود للبيت..))
همست له ملهوفة باعتراض
((لا، لا، لا عودة الآن، سأسكت تماما))
ثم رفعت إحدى يديها عن ذراع الدراجة واستدارت بجسدها نصف استدارة له تشير بأصابعها فوق ثغرها إلى إشارة "إغلاق سحاب الفم" مما جعل الدراجة تميل للجهة الأخرى بغتة..
صرخ الاثنان ومال مُؤيد للأمام يمسكها بدلا عنها بيده، وما إن استعادا توازنهما وهما يلهثان، حتى صدح من الاثنين ضحكة صاخبة من القلب..
عادت رتيل تأخذ زمام القيادة تزيد من سرعة الدراجة النارية هادرة
((رباه كم هو شعور منعش ولذيذ قيادة هذه الدراجة))
مال مُؤيد إلى أذنها هادرا حتى تسمعه من بين صوت المحرك العالي ومشاعره تتدفق من أعماق قلبه
((هل تظنين أن ركوب هذه الدراجة رائع؟ إنها لا شيء مقارنة بالتزلج على الرمال الحمراء، أو قيادة السيارات ذات الدفع الرباعي فوق الكثبان الرملية..))
كان الانبهار لا زال مسيطرا عليها وهي تهدر فيه
((إذن همتك في أن تجعلني أجرب كل شيء))
وهو لم يتوانى عن وعدها بتجريب كل شيء معه قبل أن يلثم كتفها.. فرتيل.. هي فتاة أحلامه.. هي قطار العمر الذي لحقه بآخر اللحظات.. هي حبيبته وعشيقته وزوجته وأم أولاده ومن يخاف عليها من أي عيون أن تسترق لمحات من جمال أنوثتها الوحشي..
أما هي فكانت ترسم له مكانا في قلبها الذي خفق له أخيرا بصوته ورائحته وكلماته وفي دفئ احتضانه لها.. هو المستحيل، والأحلام التي باتت الآن واقعها..
=============================
في غرفة المعيشة..
حيث العائلة كلها مجتمعة حول مائدة الطعام..
راقبت زاهية كنتها ياسمين وانتبهت كيف تجلس متباعدة عن مَازن فاجتاحها الضيق.. هل هي متخاصمة معه بسبب صراخها عليها في ذلك اليوم واتهامها بقسوة أنها سبب ما يتعرض له ابنها؟
قطبت زاهية حاجبيها تحث نفسها على استرضاءها، لا لشيء إلا من أجل سعادة مَازن، فعند غضب أو حزن ياسمين لا تصب مشاعرها السلبية على أحد إلا هو..
أما يعقوب فلم يكف بفعل غير معهود به بين الثانية والأخرى عن وضع الطعام في طبق مَازن وحثه على تناول المزيد بحنو تجلى على ملامح وجهه التي أنهكها العمر وما حدث مؤخرا.. فالأيام السابقة كانت عصيبة عليه وهو يتذكر فيها كل ماضيه مع أبنائه، وبالذات مَازن فيجد نفسه مثقلا بالذنب تجاهه.. إذ أنه مع مَازن لا يذكر بأنه كان له ولو مرة الحضن الدافئ الذي يشع حبا وعفوية وأصالة.. فكانت علاقتهما كأب وابن مليئة بالتشنجات والصدامات خاصة فيما يتعلق بصراع الأجيال واختلاف الأفكار والطباع.. على عكس والدته التي كانت له الملجأ إذا قسى هو أو الحياة عليه، فأفرطت في تدليله وسعت لتلبية كل مطالبه، وإذا ما أخطأ وحاول هو معاقبته كانت أول المبادرين للدفاع عنه..
والان لا يجد أمامه أن يفعله تجاه مَازن إلا أن يعوضه ولو أن ما بقي لا يكفي لتعويض كل شيء!
وفى غمرة اهتمامه بمَازن انتبه لمُصعب ينتهي من طبقه فحثه بحزم أن يعبئه مرة أخرى..
حاول مُصعب بلطف وتهذيب الرفض معللا شبعه لكن هنا انتفضت والدته بلهفة تقوم هي بتعبئة طبقه وطبق لنورين أيضًا.. فهي وزوجها يصران على عائلة مُصعب منذ إعلان سفرهم تناول الغداء والعشاء في بيتهم كل يوم مهما كانت الظروف..
ضج هاتف مَالك فأمسكه ليجد أنها رسالة من سمية..
عقد حاجبيه مستغربا انسحابها قبل قليل من مائدة الطعام وصعودها لجناحهم قبل أن تأكل بشكل كافي وطلبها من نعمة الاهتمام بعبد الله.. وفكر بأن عليه أن يحاول أن تعود علاقته بها كالسابق، يكفي أنه للآن لم يشكرها على صنعيها مع توأمه، فكما أخبرته أمه سمية كانت من دفعت نجوم على الاعتراف بكل شيء وتسريع خروج مَازن قبل صدور نتيجة التحليل..
فتح مَالك الرسالة وسرعان ما تلونت ملامحه بالصدمة لمحتوى هذه الرسالة الجريئة التي تطالبه فيها بالصعود إلى فوق.. كان محتواها حقا جريء ووقح حتى أنه يشك أن هناك من سرق هاتف زوجته!
تجرع من كوب الماء دفعة واحدة ثم تمتم بكلمات واهية مفادها أنه شبع وبحاجة إلى الصعود لجناحه للراحة والنوم..
.
.
زينت سمية جزءً من شعرها اللامع بحلية فضية من فوق وتركته ينسدل بحرية على كتفيها.. وضعت أحمر شفاه بلون أحمر قانٍ كلمسة أخيرة على وجهها.. ثم وقفت أمام المرآة تناظر نفسها، ووجهها متألق بنضارته الطبيعية وتبرجها المتقن..
ما حدث لمَازن أجّل ما كانت تخطط لفعله أمام مَالك.. زوجها الذي لطالما رأته جذاب المظهر وكامل الرجولة.. والآن حان الوقت لترى نفسها هي فاتنة ومغرية ورائعة..
ظلت تردد هذه الكلمات على نفسها حتى تصدقها.. ثم عادت بذهن متيقظ لتذكر كل ما لمّح به مَالك من قبل ولم تلتقطه لتقرر بأنها ستتحرر من كل تلك الأدوار المكررة والمفاهيم الخاطئة التي تلبستها سابقا.. وستغوص في أعماقه وما يرغب به لكن لا يتجرأ على مشاركته كله لها..
إنه يريد منها أن تكون مندفعة في الحب وجريئة وهذا ما ستكونه من أجله هو! عليها أن تجعله يرى أن روحها تهفو إلى حميميته.. فهو لن يشعر بالسعادة بوصالها إلا إذا شعرت هي بها..
فتح مَالك باب جناحه وخلع معطفه مغمغما بتجهم
((ما هذه الرسالة التي أرسلتها لي؟))
خرجت سمية له من الحمام المرفق للغرفة بمظهرها الذي أخذت وقتا طويلا وهي تتأنق فيه.. مِمَّا جعل ذهوله يتفجر من أعماقه لمرآها.. وجاهد ليلتقط أنفاسه وأفلتت عيناه من سيطرته فهامتا بحرارة من وجهها لعنقها ثم لامست جمال قدها تحت الغلالة.. نظراته كانت مسلطة بنهم داخلي عليها وتوق رجولي حاد لم يراوده منذ مدة.. ومع ذلك تمَالك نفسه وحرارته المشتعلة التي تقارعه، وحاول أن يظل متباعدا في مشاعره..
ما إن أحست سمية به يهم بالاستدارة كأنه يريد أن يبعد تأثيرها عنه.. حتى اندفعت نحوه وطوقته بذراعيها من الخلف ثم شبكت أصابع يديها تحت صدره هامسة بشجاعة وصلابة
((مجرد رسالة عبرت فيها عن حبي لك يا مَالك))
ابتلعت ريقها بصعوبة بينما يلتزم هو بوقفته المتحفزة معترضا.. فلا يقدر على جزم مشاعره وما يجب عليه أن يشعر نحوها الآن وبين الضعف والغضب، كانت مشاعره تغلي على مرجل مشتعل.. وبالكاد يحافظ على الباقي من سلامه العقلي..
بشق الأنفس وضع قناعا محنكا لرجل صبور وقال بصوتٍ مبحوح
((ما هذا الذي تفعلينه! أخبرتك سابقا أني لا أريد أن تتصنعي حبا أو شيئا لا تشعرين بالرغبة به))
لكنها تابعت تقول بنفس الهمس مبتسمة فحبها له يستحق المحاولة حتى إن صدّها أو جرحها
((أحبك بحجم حبك لي بل أكثر، سأتمسك بك ولن أرضخ لابتعادك ولن أستسلم له))
تسمرت قدماه بمكانهما ورغم أن كل ذرة في جسده كانت تصرخ بعد غزلها هذا أن يستسلم لها إلا أنه أغمض عينيه للحظات ثم قال بصوتٍ متشنج
((سمية أنا جاد، توقفي عما تفعلينه، لم تصرين على إغضابي بفعل أشياء تكرهيها أنتِ..))
تحرر منها بقوة واستدار لها يناظر تلك البشاشة التي لازمتها خلال الوقت المنصرم تحديدا وبشكل مدمر لأعصابه
((سمية أنا جاد..))
مالت نحوه وارتفعت فوق مشط قدميها ثم احتجزت وجهه بكفيها هامسة بعاطفة ثقيلة
((لا أريد التوقف، أحب أن أقوم بأشياء أكرهها ولا أرغب بها، مثل التغزل بك.. ومثل تقبيلك..))
ثم بترت كلامها فجأة عندما واعدت شفتيها ثغره بقبلة أودعتها كل قلبها..
فاجأه الأمر، لكن حرارة لمساتها وقبلتها أفقدته السيطرة، ولم تمضي لحظات حتى بدأ يطوقها.. إنها تستعبده بصوتها وتأسره كالمخمور..
أسندت جبينها على جبينه وعيناها في عينيه تدرسان استجابته لما أبدته.. ثم همست له بتسلية رغم أنفاسهما المقطوعة
((أنا جادة بحبي لفعل أشياء أكرهها ولا أطيقها معك))
مزاحها الغريب حفز كل خلاياه إليها خاصة عندما أفرجت عن ضحكة مبحوحة في نهاية حديثها على دعابتها له وحمرة تلبستها من رأسها إلى أخمص قدميها..
غمغم لها بصوتٍ خافت ورغبته فيها تشتعل بجنون
((ما الذي تريدينه الآن؟))
كانت كلها تهفو إليه، وكأنها تريد أن تقتطع من روحها وتبثها لروحه..
ابتلعت ريقها وهتفت بتعثر أمام عينيه الحاملتين لظل من الرغبة الصارخة
((أريد لحظات من الحب الجنوني والعاطفة المتقدة))
تسارعت دقات فؤادها لتسترسل لمرأى الدماء الهادرة في عروقه البارزة
((لا أريد منك أن تفعل شيئا واترك نفسك لي لأكتشفك..))
ذابت مقاومته لحرارة عاطفتها ليهمس باسمها باعتراض واهٍ.. لكن تكسرت كل حواجز خجلها بفعل عشقها له لتتحرر من أوهامها باندفاع عاطفي موجه له حتى ينال كل الدلال الذي كان يطالب به بطريقة أطاحت بقلبه وعقله.. تُردد على مسامعه ما يؤكد له مدى حاجتها إلى وجوده في حياتها.. حريصة على أن تُشعِرهُ بقبولها نحوه دون تحفظ أو قلق مما لا تجيده وتفعله لأول مرة..
=============================
في غرفة المعيشة.. وبعد انتهاء وجبة الطعام غادر الجميع وبقيت ياسمين تجلس على الأريكة تقوم بحياكة الصوف وفي نفس الوقت تطلع بعينين تفضي تأثرا إلى حماها الجالس أمام التلفاز بينما يسمح لمَازن أن يريح رأسه على حجره رغم أن هذه الحركة لم يكن يقوم بها مَازن إلا مع أمه وكان والده دائما ما يزجره ويخبره أن يتوقف عن إتعابها ويتصرف كراشد مسؤول..
لكن تبدل هذا الشعور إلى بؤس.. إنها منذ أيام تتحاشي التحدث معه أو الانفراد معه، ربما حتى لا ينتبه لوجودها ويتذكر أن عليه التخلص منها.. لكن في نفس الوقت تجد نفسها مسيرة لا مخيرة التواجد في أي مكان يمكث فيه، حتى تتأكد إذا ما كان يحتاج شيئا منها، أو ربما حتى تشبع عينيها وقلبها من حضوره بقدر الإمكان قبل الانفصال عنه..
تركت ما بين يديها ما إن رأت نفاذ رقائق البطاطا من الكيس الذي يحمله، وسارعت بلهفة تحضر كيسًا آخر تمده له.. فرفع مَازن عينين واجمتين لها ثم سحب الكيس منها بفظاظة لم يلاحظها والده حيث كان مُصوبا نظره على التلفاز ففاضت عينا ياسمين بالدموع..
تهدل كتفاها متراجعة فأخذت سلة مشغولاتها لتغادر ململمة بقاياها الجريحة الغرفة بخطوات مستعجلة..
بعد خروجها أطفأ يعقوب التلفاز من جهاز التحكم عن بعد مما جعل مَازن ينتصب جالسا وينظر لوالده شاعرا أنه يريد الحديث معه..
أخذ يعقوب نفسا عميقا ثم وضع عينيه المتعبتين بعيني ولده يبادره بعتاب حاني تأخر وقته
((بني لماذا لم تخبرني بما كانت تحاول منال فعله لك مع ابنتها قبل أشهر!))
ازدرد مَازن ريقه لذكر سيرة نجوم ومنال تلك التي يريد بعد ما حدث أن تندثر تماما من ذهنه، ثم أجاب بهدوء
((لم أشأ فضحها، وظننت أنها ستندم بل لن تتجرأ على تكرار ما فعلته، لم أكن أعرف شيئا بشأن ذاك المخطط الإجرامي، بل وحتى أنها حامل))
تغضن جبين يعقوب واحتد بصرامة
((ولكنك أخبرت توأمك، فلماذا لم تخبرني أنا والدك! لم أكن لأسكت على تواجد امرأة فاسقة مثلها تحت سقف منزلي))
كان هناك امتعاض بالغ في نفس يعقوب تجاه ابنه، ليس لأنه أخبر توأمه عن محاولات منال الدنيئة فقط.. بل لأن زوجته في الأمس أخبرته أنها فتحت موضوع السوار الذهبي أيضًا مع مَازن وأخبرها أن هذا السوار أهداه لمنال لا ابنتها مقابل تعبها في تحضير دعوة أصدقائه، ولم يخبره هو..
رد مَازن بصوتٍ فيه بحة
((لم أظن أنك ستصدقني، بل خشيت أن تثور عليّ متهما إياي بقذف عِرض فتاة بريئة، فأنا لا احمل أي دليل على كلامي))
انكسرت نظرات يعقوب وهو يرى بوضوح كيف أنه لم يمثل لابنه أي أمان عاطفي أو شعور بالحماية.. فقال بصوتٍ مجهد يثقله ذنبه بحق ابنه
((حسنا أعترف أني لم أكن لأتقبل ما تقوله بسهولة، لكن مع ذلك لم يكن عليك إخفاء مثل هكذا أمر عني، لأنك لو فعلت ذلك كنت على الأقل لأحكم عقلي وأربط الأمور ببعضها لأصل للحقيقة بعدما أخذك الضابط من بيتنا))
ظل الهدوء يكتنف ملامح مَازن والصمت يعم المكان حتى قال أخيرا وهو يهز كتفيه ببساطة
((حسنا معك حق، لقد أخطأت، كان عليّ إخبارك))
ازداد الألم المتجلي من ملامح يعقوب وتحرك بؤبؤي عينيه.. فأرخى أجفانه الساخنة بدموع أبية ثم أطبقهما بقوة ليقول بصوت ضعيف معذب ولسانه يتعجل كي لا يوقفه صوت تمزق قلبه
((مَازن لا أحد هنا مخطئ بحق الآخر غيري أنا، لقد ضربت أسوء مثال للأبوة معك))
اتسعت عينا مَازن ليسارع النفي
((لا يا أبي لا تقل ذلك، أنا المخطئ دائما..))
أطبق يعقوب عينيه للحظات.. ودوامات عقله تتصارع بإحساس الأبوة المعذب.. كان دائما يلوم زوجته على تدليل مَازن ومنعه من معاقبته وبالتالي إفساد منظومته التربوية وكسر قواعده كأب.. ورغم عدم اتفاقه تماما مع زوجته إلا أنه الآن فقط عرف أن العلاقة التي تأتي بإطار عاطفي كبير، هي التي تظفر وتعلق في قلوب الأبناء.. ربما لو كان أرق بمعاملته لمَازن ولم يحمل في طيات كلماته له توبيخا أو تهديدا، لكان قبل أي شيء منه وأعتبره الأمان وصمامه..
فتح يعقوب عينيه واحتجز كفي ابنه هادرًا
((حبي لك يا مَازن أنتَ وإخوتك هو حب غير مشروط، وكان يجدر بي أن أفعل تجاهك أنتَ خاصة ما يجعلك تشعره دون أن أخبرك بهذا!))
ابتسم مَازن بدفء لوالده ثم وضع يده خلف رقبته، كعادته حينما ينتابه الإحراج، كطفل صغير أضاع الكلمات..
سحبه يعقوب وضمه بكل قوته التي لا زال يحتفظ بها حتى أن مَازن أنّ من الضغط على عظامه، لكن قلب يعقوب كان في صحوة نبضاته وحمية الأبوة هادرا
((أريدك أن تعرف من الآن أنك لست ابني وامتداد طبيعي لاسمي وحسب، بل أيضًا فخر حياتي، وبالمقابل أريد أن أشعر أني أمثل لك الأمان والانتماء))
تسللت ابتسامة جميلة لشفتي مازن فأغمض عينيه متأثرا بعلاقة الابن والوالد التي يحظى بها في هذه اللحظة مشوبة بالاطمئنان.. قبل أن يبتعد والده ويبدأ سؤاله عن أحواله في وظيفته الجديدة..
=============================
بعد مدة شدد مَالك من ذراعيه المحكمتين حول سمية ثم لثم مقدمة رأسها مرة بعد مرة.. كأنه ما يزال لا يصدق ما حدث قبل قليل.. لا أبدًا لم يكن مجرد حدث بل أكثر من ذلك بما ظفره منها من مشاعر وعاطفة.. لقد عرضت نفسها عليه، دون أي كلمات مبطنة أو تلميحات مرتبكة.. فحتى في أحلامه الأكثر جموحا ما كان ليتصورها أن تكون بكل هذه الروعة والدفء في آن واحد..
أراحت هي رأسها على صدره تلاعب خصلات شعره المموجة نزولا إلى ندبة رقبته والأحاسيس تغمرها.. فما وصلت له اختصر سنوات عذابها الطويلة سواء بزواجها الأول أو الثاني وجعلها تصل للرضا..
عادت لواقعها وصوت خفقات قلبه كان صاخبا.. متناغما مع أنفاسه الغير مستقرة.. بينما يهمس لها وملامحه الوسيمة تفيض رقة
((ألهذه الدرجة تحبيني، أين كان هذا الحب من أعوام!))
أجابته بعاطفة متدفقة
((لطالما كنت حبيبتي وأغلى من سكن حبه في صميم قلبي وعزف بحروفه أوتار روحي وعقلي، وحتى الآن لا زلت أجمل نور تلألأ وأنار ظلمة دربي وحياتي..))
تأوه أحاط بقلبه جراء سماعه غزلها بجرأة لم يعهدها بها، فزاد من تطويقها هادرا
((أريد أن تستمري بهذا الانفتاح التي من شأنها جلب مزيد من الرضا لكلانا، أحبك أن تبادري أنتِ بالكلام، أن تتبعيني وتطلبيني وتجعليني مثار اهتمامك))
رفعت عينيها تهمس بصوتٍ عذب ((مَالك..))
قطب حاجبيه برقه هامسا
((يا عيون مَالك..))
تعلقت نظرته بنظراتها بطريقة جعلته يصمت لتجيبه باختناق وطيف من الحزن يزور عينيها
((قد يخيل لأي أحد كوني امرأة ناضجة أتمتع بالخبرة ولا أخشى أن أطلب من رجلي ما أريد، لكن هذا غير صحيح، أنتَ لا تعرف ما بذلته من جهد لأتحرر من خجلي الذي يعيق ما تريده، وأتعامل معك بهذا الانفتاح))
رفعت يديها تتشبث بكتفيه ترتجي منه التفهم وتستطرد بصوتٍ مجروح مطعم بالألم
((أنا بحكم تربيتي وثقافتي المحدودة وقلة اطلاعي لم أعرف كيف أرضيك، لكني أحبك كما لم أحب أحدا من قبل.. أريد أن تكون معي مستقبلا أكثر صبرا وصراحة، فأنت.. أنتَ تعاملت معي بقسوة وسوء ظن بدل أن تمسك بيدي وتقودني إلى ما تريده.. لم تكن أبدًا مراعيا لي..))
انخلع قلبه من مكانه وأثقله تأنيب الضمير خاصة وهو يواجه لمعان عينيها بنظرة شبه محطمة موجوعة.. لا يصدق كيف تعامل بمنتهى القسوة رغم أن ما يضيرها يضيره، وما يؤذيها يؤذيه!
وهي لم ترحم قلبه بينما تتابع عتابها الحزين الرقيق له
((أنا ترعرعت يا مَالك على الصمت والحياء والخوف والتردد بهذه الأمور، وأنت تعرف ذلك))
أحس مَالك بالغصة تسد حلقه فسعل قبل أن يتحشرج صوته هامسا
((إذن تدربي الآن على تعبيرك عن حبي، فكري بي دائما ودعيني احتل قلبك وعقلك وضعيني في مقدمة أولوياتك كما أفعل بالضبط معك، والا فكبريائي الذي لم أكن أعلم بوجوده في علاقتنا سيتلاشى إن بقيت من أبادر وأعبر عن مكنوناتي تجاهك..))
رسمت ابتسامة حلوة وسط دموعها المتعلقة بعينيها مهمهمه
((حسنا سأفعل، سأكون دوما جنيتك الساحرة هكذا))
كانت ابتسامتها بمثابة شعلة أنارت قلبه فوجد نفسه يبادلها الابتسامة رغم تذبذبها ثم يغير دفة الحديث هادرا بشيء من التلاعب
((ولكن.. ما الذي غيرك هكذا فجأة؟ من أين الجرأة لك لتقولي مثل هذه الكلمات!))
توردت في خجل وأجابت وهي تميل بوجهها له بدلال
((جاذبيتك هي ما جعلتني أذوب بك!))
رفع حاجبيه بذهول حقيقي يأسره منها ليتمتم
((ليالي بسيطة غيرتك! وهناك سر..))
تعلقت برقبته وقالت مبدية عذوبة ونبرة موشحة بالشجن
((لا أمزح إن قلت بأني قررت أن أستثمر جاذبيتك تلك في تطوير مشاعري نحوك))
رفع حاجبيه هامسا بذهول لا ينتهي من أجوبتها الليلة
((أنا هكذا سأغتر..))
ضحكا الاثنان ضحكة مدوية ودفن وجهه في شعرها مستنشقًا عطرها بشغف
((أنتِ جميلة.. جدًّا..))
ثم ابتعد قليلا.. ليعقب أخيرا وهو يلامس غلالتها
((كما أن ما ترتدينه يخطف الأنفاس، ولكن لا أذكر أني جلبته لك))
أسبلت أهدابها قليلا واتسعت ابتسامتها برضا أنثى ممتلئة بالثقة من إعجاب زوجها بها.. ثم طالعته تقول
((لقد اشتريت اليوم من السوق عشر غلالات حريرية، وكل قطعة لا تشبه سابقتها بشيء..))
اتسعت عيناه بشكل أثار ضحكها وسرعان ما قال بترقب ملهوف
((إذن دعيني أراهم وأقيمهم.. الآن))
عادت للخلف تميل رأسها برقة تتلاعب بنظراتها ما بين تبختر وشقاوة وشعرها الأسود اللامع يتأرجح ثم قالت
((لا، غير مسموح لك أن ترى أكثر من قميص واحد في الليلة الواحدة))
ثم أعقبت بضحكة عذبه تدلل عليه فزمّ شفتيه بحنق واضح ثم همهم لها محذرا وهو يلامس ظاهر يدها
((هكذا سيظل تفكيري طوال اليوم منحصر فضولا بما هو شكل الغلالة الذي سترتدينها لي في الليل!))
قالت وهي ترمش بعينيها بإغراء مفتعل
((وهذا هو المطلوب! لا أريد أن أخرج من تفكيرك أنا أيضًا))
مال ناحية خدها يلثمه قبل أن يهمس قرب أذنها بشغف
((ما جاء هذا اليوم الذي تخرجين فيه من تفكيري، مهما حدث لم أكن لأقدر على التباعد أكثر عنك))
ثم عاد يطوقها فهي لطالما كانت كندبته الظاهرة في رقبته، قد تؤلمه أحيانا لكن مهما يحدث تظل جزء منه لا يتلاشى رغم مرور السنين عليها..
هي من سكنت قلبه، وهي من رجف لها كل كيانه، وهي من تشتاق لها كل خفقة من قلبه!
=============================
في إحدى القرى القابعة في إحدى الدول الأفريقية المعروفة بمناخها الجاف والحار، الذي يساهم في قلة المياه وزيادة انتشار تلوث المياه وقلتها.. كان قصي يتواجد مع سهر وتحديدا بأعالي جبال ريف القرية.. تتراءى أمامه الأجساد الصغيرة عن بعد وهي تتحرّك بنشاط، شبيهة بنقاط قاتمة تتنقّل على رقعة ناصعة..
حانت منه نظرة إلى سهر التي كانت تمسك الجهاز اللوحي بينما تتألق ابتسامة دافئة على وجهها وهي تقرأ رسالة وصلتها منذ وقت والآن فقط استطاعت أن تفتحها بعد أن وصلت لأعلى الجبل حيث تتواجد إشارة إنترنت..
ما إن تحركت سهر بالشاشة للأسفل وظهرت صورة المرسل حتى اتسعت عينا قصي ببريق وغمغم
((يا إلهي هل هذه نور! كيف حالها لم أتحدث معها منذ وقت طويل))
أعادت سهر الجهاز اللوحي لحقيبتها وردت
((أخبرتني عن مدرستها التي عادت للدراسة على مقاعدها وعن عملها في المكتبة، إنها تحبه جدًّا))
أطلق قصي تنهيدة طويلة ودمدم بابتسامة تتناقض مع ما يلفّ المشهد حوله من عبوس
((أتمنى الأفضل لها))
ثم مال برأسه لسهر يقول وهو يدقق النظر ليستشف حقيقة شعورها
((هل أنتِ سعيدة يا سهر الآن؟ كانت هذه هي أول إجازة طويلة آخذها منذ زواجنا ليتسنى لنا فيها السفر، وأشعر أنه لم يكن عليّها أن تكون إلى هنا مع أخي سامر))
أراحت قلبه عندما ردت بصوتٍ صادق رغم ما يشوبه من حزن
((لا على العكس، رغم أن هذه هي أول مرة أسافر مع أحد للتطوع إلا أني أشعر بسعادة لم أشعرها يوما))
أومأ قصي لها، إذ كانت هذه هي المرة الأولى له أيضًا في سفر من هذا النوع.. حيث أخيه الذي يصغره سامر ألح عليه عند قدوم إجازته أن يرافقه هو وزوجته بسفره المعتاد إلى أفريقيا، وهو تحت وطأة ضغوطه خضع له من باب التغيير على شرط موافقة سهر، فيكفي أنه لم يفِ بكلامه لها بتخصيص مال ووقت لسفر دائم بعد زواجهما ولم يتمكن قبل اليوم من السفر معها..
وهكذا انطلقوا منذ عدة أيام في سفر برفقة سامر ومتطوعين أخرين في حملة أقامتها هيئة الإغاثة الإنسانية لحفر عدة آبار في هذه القرية النائية لحصول الساكنين هنا على فرص استعمال المياه الصالحة للشرب والاستعمال..
للآن لا يصدق أن الناس هنا يكافحون للبقاء على قيد الحياة حيث يضطرون لقطع مئات الكيلومترات من أجل الحصول على الماء والذي قد يحتوي على الأوبئة التي تسببها الميكروبات المختلفة وتؤدي إلى وفاة مئات الألاف منهم بنسبة تفوق الوفيات للأسباب الأخرى هنا بما فيها الحروب والنزاعات..
ازداد الحزن المتجلي على ملامحه وداهمه إحساس بالاختناق وهو يعاود النظر للأسفل لتلك الظهور المقوّسة والسواعد النحيلة التي تعمل على آلات الحفر والتكسير ومعظمهن من النساء والفتيات الصغار.. رغم أن هذه المهنة شاقة ومضنية لا تليق بتلك الأجساد الصغيرة التي تنوء تحت ثقل الحجارة، في عمل يعتبر حكرا على الرجال.. لكنهن لتحصيل رزقهم وكسب بضع فرنكات يضطررن إلى اقتلاع الكتل الصخرية والحجارة ويفتّتنها..
وجد نفسه يتمتم بمأساة تقبض على قلبه لحالهن
((لم أتحمل أنا الرجل صاحب العضلات الذي عاش معظم حياته في النوادي الرياضية العمل كعامل البناء إلا لستة أشهر، وكنت سأتركه في كل الأحوال حتى لو لم أجد فرصة لديهم في شهادة تخصصي كمهندس.. فكيف بحال هؤلاء النساء والأطفال!))
اتكأت سهر بوجنتها فوق قبضتها تشاركه الحزن والقهر على حال الناس هنا..
عمّ صمت كئيب بينهما لدقائق أثناءه غام تفكير قصي في أموال عمه فارس القاني..
لقد قام هو وسهر بالمساهمة بالتبرع للحملة من أجل آبار جديدة لكن يظل هذا المبلغ لا شيء.. أما عمه فلو أخرج زكاة أمواله الذي بحوزته وقدم به مشروعات تنموية صغيرة مثل فتح بقالات أو تقديم مكائن خياطة أو إقامة مزارع سمكية تدر دخلًا للناس لما بقي فقير هنا في هذه القرى الأفريقية ولإنتشلهم من البؤس..
انزلقت شفتاه بابتسامة ساخرة.. لم الابتعاد كثيرًا؟ فعمه لم يفكر يوما أن يقوم بالتبرع لفقراء بلاده قط حتى يتبرع لفقراء خارج بلاده!
وهنا شعر قصي بالشفقة لا النقمة على عمه الستيني الذي اختار زينة الحياة الدنيا التي صرفت أبصاره عن اللذة الحقيقية التي تحف بها المشاق والمكاره.. فأكل حق يتيم وحق الموظفين الذين يقدر عددهم بالآلاف في شركاته..
انتشلته سهر من جب أفكاره هادرة
((عائلتك المتمثلة بأمك أو أخيك مهووسون بالقيام بالأمور الخيرية سواء داخل البلاد أو خارجها))
أخرج قصي صوتا بليدا قبل أن يعقب
((لكن شتان بين أمي التي تعشق الوقوف أمام فلاشات آلات التصوير، والجلوس خلف شاشات الإعلام وإلقاء خطب الاستهلاك الإعلامي.. وبين سامر الذي يعشق حفنات الغبار وهي تتطاير في لحظة حفر بئر ارتوازي لفقراء يحتضرون بسبب شربة ماء! فهو يعمل بصمت وإتقان واستمرار من أجل أجر الله تعالى، وعلى عكس أمي لم يفكر ولو مرة بتصوير نفسه بأعماله الخيرية ونشرها لحظة بلحظة، أمي لو أهدت محتاجا قطعة خبز لأهانت إنسانيته بالتصوير معه ومع عائلته وجيران الحي حتى تبرز إعلاميًا!))
قطبت سهر حاجبيها تتساءل
((إذا كان مغرم بالتطوع فلماذا لم يدعوك قبل هذه المرة لمشاركة الأشخاص الذي يذهبون معهم هنا! خاصة أنكما الاثنان تشتركان بحب السفر تماما))
ضحك قليلا قبل أن يرد بشرود
((هو بالفعل دائما ما كان يلح عليّ السفر معه للتطوع، ولكن أنا من كنت أرفض رفضا قطعيا معللا أني لا أملك إلا حياة واحدة أرفض تضييعها على التطوع في قرى نائية في أفريقيا وبدلا من ذلك أساهم في تبرعات مالية بحسب قدرتي.. ولكن أنا الآن نادم.. بشدة))
نعم هو نادم بشدة، فهو الآن وسط هذه القرية والبشر الذين يقتلهم الجوع والفقر والجهل يشعر بسعادة ما كان ليشعرها لو سافر مع سهر إلى إحدى الدول الأوروبية لغاية الاستجمام..
=============================