تحميل رواية «قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة"» PDF
بقلم Hya Ssin
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام.. عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنْفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا.. فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا.. ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها.. مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟ انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء الت...
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وسبعون 73 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الحادي والثلاثون
ولم يكمل مَازن جملته حتى انتشر الظلام من حوله تدريجيا وأغمض عينيه ليفترش الأرض بجسده..
فغرت نجوم شفتيها الجافتين مدركة أنه فقد وعيه قبل أن يستسلم لها وينالها بسبب مفعول عقار أمها! ولم تعرف السبب..
ما هي مكونات عقار أمها؟ هل هو مخدر أم محفز للاستثارة؟ أيا كان هو فعلى ما يبدو أنها قامت بمضاعفة الجرعة معتقدة أن رجلا بطوله وصلابته لن يؤثر عليه المعيار القليل المحدد استعماله.. لكن جاءت النتائج مغايرة على ما خططت له..
انهارت ملامحها.. لماذا كان عليه ألا يكون مثل ابن خالتها لا يُفكر إلا بشهوته الهائجة التي لا يمكنه كبحها!
لماذا لم ينجح العقار الذي تجرعه في الشراب في جعله يفك لجامه لنيل رغباته!
أطلقت نجوم أنفاسا كانت تجيش في صدرها..
الآن بعد أن فقد وعيه عليها أن تبقى هنا حتى توهم أمها أنها نجحت في إغواء مَازن وارتكب فاحشة الزنا معها.. وإلا فإنها قد تجبرها على فعلها مع غيره..
بدأت تلهث وهي تحاول بيدين مرتجفتين أن تحرر مَازن من قميصه وبنطاله الجينز المحكم على الجزء السفلي من جسده.. ثم أضجعت على الأرض بمئزرها الذي بالكاد يسترها، تحدق في سقف القبو ودموع حارقة جديدة تلمع في عينيها تكافح حتى لا تسيل على خديها.. فيما مضى، كانت تحب أن تنام في هذا القبو الذي كان مرتعا حرا لأحلام صباها الوردية الأولى.. قبل أن يلوثها ابن خالتها كانت مجرد فتاة هانئة خالية البال تتورد لمجرد همسة غزل بريء تداعب أذنيها من مَازن تجعلها تسهر طوال الليل تبتسم لخيالات رومانسية بريئة..
أسدلت جفنيها، تغور أنفاسها للموت بالحياة وروحها تنضح وجعا..
الآن تغير كل شيء، سيصبح هذا القبو بالنسبة لها مكانًا تسوده العتمة الكئيبة والظلال الثقيلة التي تطبق على صدرها، ستذكرها بالفاحشة التي كانت ستقدم عليها بفعل وساوس والدتها..
لا تصدق أن الشيطان وبعد رفض طويل منها زين لها عملا مشينا وانتصر على نفسها الضعيفة بعد أن استغل رغبتها في الخلاص من عذاب القهر ومصيبة حملها التي تثقل ظهرها ولا مفر منها..
ليتها لجأت للحاج يعقوب المعروف بمكانته وهيبته في القرية.. كان ليضغط على المجرم ابن خالتها للزواج منها! لكن لن الآن لن تستطيع بعدما فعلته بابنه.. بل لو باح مَازن لوالده كيف تصرفت كامرأة رخيصة أمامه لتغريه لن يصدق بأن ابن خالتها اعتدى عليها وسيتهمها كما فعلت أمها بأنها هي من سلمته نفسها بمليء إرادتها!
تغرغرت دموع أخرى في مقلتيها كأمطار توشك على الهطول على أرض يابسة.. تبكي ألما.. تنزف بكرامة ضائعة.. تئن بكبرياء متصدع وجمال لم يبد له معالم.. قبل أن ترفع يديها المرتجفتين لتكمم فمها وتكتم نحيبها خوفا من استيقاظه.. إذ أنها لن تستطيع الخروج قبل منتصف الليل حتى تصدق والدتها بنجاح خطتها..
.
.
بعد ساعات..
وقفت منال أمام القبو الذي يقبع فيه مَازن مع ابنتها بتردد تعتصر كفيها ببعضها.. تقدم خطوة وتؤخر أخرى.. منذ ساعات تحمحم حول باب القبو.. بمجرد أن تحرك مقبض الباب وخرجت نجوم منه حتى هرعت منال تتساءل بقلق
((ماذا حدث؟ أبشري؟ هل استجاب ونام معك؟))
هزت نجوم وجهها لها بصمت علامة إيجاب ثم أجابت
((هو الآن نائم في الداخل من آثار العقار الذي تجرعه))
دلفت منال لداخل القبو وبعينين قد جُحضتا تكادان لا ترمشان وهما تحدقان في مَازن المستلقي أرضا شبه عاري الجسد مغيبا.. ظنت أن خطتها قد نجحت وسرعان ما اهتز صدرها بضحكة مكتومة بشعة وكأنها قهقهة مجلجلة لشيطان زميم ينتشي بشرب دماء الفانيين..
=============================
كانت نورين تجلس في سيارة مُصعب تهز ساقيها بعصبية بينما تنفلت منها شهقات خافتة رغما عنها..
لقد قال لها أنه سيذهب بها عند عائلتها لكن هل حقا سيفعلها؟ وماذا سيترتب على الأمر لو عرف أحد أفراد عشيرتها أنها عادت وطلبت الطلاق؟ هل سيفهمون أن الصُلح قد فُض وحان موعد عودة النزاعات وأخذ الثأر؟
فالطريقة الوحيدة لعودتها لبيت عائلتها ونيلها الحرية من هذا العرق القميء هي إنجابها خمسة ذكور وإبقائهم عند عائلة الكانز..
ازدردت ريقها الوهمي وهي تتماوج مع الأفكار السلبية لتفكر بأن عليها أن تخبره بأنها ستتراجع عن الذهاب لعائلتها..
رفعت يدها فوق بطنها البارزة قليلا ثم أمسكت مقبض السيارة لتترجل منها قبل أن تفاجئ به يضع حقائب أخرى غير حقائبها داخل السيارة من الخلف.. ثم يضع دراجته النارية في الصندوق الخلفي لها..
استقل مُصعب السيارة وجلس في مقعده خلف المقود لتسأله بتلهف قلق
((لماذا أحضرت دراجتك النارية؟))
تجهمت ملامحه وأجابها وهو يشغل المحرك
((أريد أن أعيدك لأبيك مع هدية، المهم أن يريحني من شكك المتزمت))
اختلجت شفتاها ووجدت الكلمات تنساب منهما بحنق ناسفة ما كانت تفكر به قبل قليل
((إذن سارع وأرسلني عنده سيفرح لرؤيتي وانفصالي عنك، فأنا لم أرَ أحدا من أفراد عائلتي على أرض الواقع منذ زواجنا))
لم يعقب على كلامها وأمرها بهدوء فقط أن تربط حزام الأمان حولها.. فرضخت له بتوتر.. وعادت تضيع بالتفكير بدواماتها قبل أن تجفل على صدوح صوت ضحكاته عاليا فتساءلت باستهجان حانق
((ما بك؟ لماذا تضحك كالمجنون؟))
خفتت ضحكاته بعض الشيء وقال متشدقا
((لا أجد الأمر منطقي.. أقصد تريدين أن الانفصال والعودة إلى بيت أبيك وأنا من عليّ أن أوصلك))
كست ملامحها حُمرة الخجل وفركت يديها ببعضهما وهي تغمغم
((وهل كنت تريد مني الذهاب لبيت أبي في هذه الساعة المتأخرة من الليل لوحدي!))
هز كتفه وقال بمرح لا يناسب الموقف
((بالتأكيد لا.. لكن هل يفترض أن أوصلك لبيت أبيك ثم تقدمي لي واجب الضيافة قبل أن أغادر؟ أو..))
نظرت له بحيرة وقالت بارتباك
((نعم.. ربما.. الحقيقة لا أدري.. عندما نصل لبيتي هل عليّ أن أدعوك أن تتفضل لبيتنا.. أم أتركك فقط عند الباب لتغادر؟))
أشاح عن الطريق أمامه للحظة يعاتبها بمشاكسة
((وهل يهون عليكِ يا عفريتة أن تتركيني أغادر بلا ضيافة بعد كل هذه المسافة التي سأقطعها من أجلك؟))
تقوست شفتاها عابسة كالأطفال وتمتمت
((لا.. لا تهون عليّ))
ظلت منكسة وجهها للحظات قبل أن ترفع وجهها وتنظر للطريق باهتمام من نافذة السيارة قائلة
((إلى أين ستهذب بي؟ طريق قريتنا ليس من هنا))
التمعت عيناه بالإثارة وهو يقول
((إلى مكان غير مأهول.. حيث أستطيع دفنك من دون أن يعلم أحد بفعلتي))
حانت منها نظرة للخلف للحظة ثم قالت بحماس وإثارة مماثلة له
((وهل للدراجة النارية التي أحضرتها علاقة بدفني هناك؟))
همس بلا صوت
((نعم.. فالحب بالحب.. والبادئ.. أحب))
وطوال الطريق حافظت نورين على الصمت وهي تشاهد الطريق من زجاج نافذة السيارة وشعرت بتعرق جسدها رغم برودة الجو قليلا.. تسرب لها القلق ثم ناظرت جانب وجهه لتقول
((مُصعب بدأتُ أشك بأن كلامك عن دفني لم يكن مجرد مزاح، هل تريد أن تقتلني ثم تدفنني هناك حتى تتزوج من رشا دون معيقات؟ لكني أحمل ابنك في أحشائي!))
تشدق ضاحكا على ما تقوله فتجهمت ملامحها وأردفت متسائلة
((منذ أكثر من ساعة وأنت تقود السيارة، هل نحن الآن في محافظة أخرى؟))
لكن لم تمر دقيقة حتى أوقف سيارته على جانب طريق صحراوي وهو يقول
((ها قد وصلنا هنا))
نظرت إليه بعينين واسعتين وهي تراه يترجل من السيارة ثم يدور حول مقدمتها ليفتح باب مقعدها ويقابل ذهولها بصوتٍ مرح
((لسنا وحدنا هنا، بل هناك العديد من الأشخاص من عشاق النزهات والرحلات البرية جاؤوا للتخييم))
مد مُصعب يده لها يعينها على الخروج من السيارة والوقوف.. ابتعدت قليلا عنه لتطالع الامتداد الأبيض لمخيمات المتنزهين ثم قالت بذهول يأسرها
((للتخييم؟ تريدنا أن نخيم هنا؟))
ابتسم متجها لفتح صندوق السيارة الخلفي ينتشل منها بعض الحقائب هادرا بصوت مثخن بالشجن وقد تيقظت فيه ذكريات الزمن الماضي
((كنت أخيم كثيرًا في القِدم متى ما سمح لنا الوقت مع يحيى برفقة أصدقائنا والفرحة تعمنا، حيث نقضي اليوم بكامله هنا نتسامر ونلعب كرة الطائرة..))
ترققت ملامحها وسألته بتردد متألم
((كنت تأتي مع يحيى إلى هنا؟))
غامت عيناه بلحن شجي ليرد بألم رغم حلاوة الذكريات
((نعم حتى أني أذكر بأنه في إحدى المرات التوى كاحله وكان لا يستطيع القيام إلا بمساعدة الآخرين لكن عندما أخبرناه أننا قد نذهب هنا فوجئنا به منذ الصباح الباكر يقف على عصاه وبحيوية تامة يتفقد لوازم التخييم))
أغلق مُصعب السيارة وحمل الحقيبة بيد وأحاط كتفيّ نورين بذراعه الأخرى هادرا
((لن أخرج معي الدراجة، لأننا سنركبها في مكان أبعد من هنا على طريق معبدة حتى لا ندهس عشب هذا المكان وندمر منظره الرائع))
ظلت نورين مأخوذة بالنظر إلى هذه المنطقة الخلابة التي بدت أشبه بواحة وسط الصحراء تعج بأعداد كبيرة من أشجار السمر والسدر البري فضلًا عن العديد من النباتات والشجيرات الأخرى.. لتقول مخطوفة الأنفاس
((ذهبت مع عائلتي إلى أماكن كثيرة شبيهة بهذا المكان لكن ولا أي منطقة بمستواه على الإطلاق، حيث لا يكاد عدد الأشجار القصيرة في تلك الأماكن يزيد عن أصابع اليد الواحدة كما أنها مسطحها العشبي فقير))
ضحك بخفوت ثم قال
((بالتأكيد هذا المكان هو الأفضل، فالأشجار كثيرة ووارقة وعالية وملتفة بطريقة تجعل هذا المكان يحفل بالكثير من الكهوف في مشهد أشبه بالغابات الإفريقية العتيدة))
اقترب أكثر من كهف صنعته الأشجار المتشابكة والملتفة فباتت كأنها غرف فندقية ترحب بهما وتدعوهما للاستمتاع بأجواء الطبيعة بين أحضانها بخصوصية..
ثم أخرج غطاء من الحقيبة وفرشه قائلا
((لا تقلقي بشأن الدوار الملازم لك بسبب الحمل فمن حسن حظك تم إنشاء دورات مياه هنا، لذا لا أجد أي عائق من ذهابنا إلى رحاب هذا المكان في عطلة نهاية كل أسبوع، فحياتنا لن تكون نفسها بعد إنجابك لطفلنا))
شدها من يدها لتجلس على الفراش ثم أخرج بعض العُلب من كيس كبير ليردف
((وجلبتُ أيضًا وجبات خفيفة معي))
قبّل وجنتها ثم انتشل كيس مقرمشات مملح يطعمها منه بأنامله.. بتردد فتحت شفتيها تأكل ما يقدمه لها ودون أن تنبس ببنت بكلمة..
تيقظ أنها لا تريد منه أن يغير الموضوع الذي كانت تتشاجر معه قبل قليل كما يفعل كل مرة.. فأسبل جفنيه بصمت طويل تسري فيه أنفاسهما حتى قال فجأة
((هل تشعرين بالانزعاج لمجرد ذكر رشا؟ لأني لامست فيكي هذا الأمر وهذا ما جعلني في آخر مرة تواصلت معي أتعمد ألا أخبرك به))
رفعت نورين وجهها تعانق عينيه بعينيها وأجابت بصوتٍ منهك
((أنتَ محق، ذكر رشا يزعجني، والأمر لا يتوقف عند هذا الحد بل تراودني الكوابيس أنكما بصدد الالتقاء مجددا وتنتابني مخاوف من ألا تكون علاقتي الحالية معك عميقة بقدر تجربة زواجك منها رغم قصرها))
ابتسم وقال لها بعتاب مغلف بالمرح
((خيبتي ظنك بهذه الشكوك، خاصة بعد كل تلك المرات التي اعترفت فيها بحبك أنا الذي لم أظن أني سأعترف بالحب بلساني يوما لامرأة))
زفرت بضيقٍ بينما تنزع حجابها وتغمغم بنفاذ صبر
((قد تكون محبا لي بالفعل، لكنك في نفس الوقت لا تزال تحب ابنة عمك وهذا لن يرضيني لأني أعتبره خيانة، أريد بتطرف رجلا أكون في عينيه استثناء مدى الحياة، وأنت لا تتفهم كرجل كم هي الغيرة مؤلمة ولاذعة وقادرة على كسر شيءٍ بداخلي غير قابل للإصلاح، وتجبرني عنوة على الرحيل حتى لو لم أريد..))
رفعت نورين كفيها لتدلك رأسها بين خصل شعرها الناعمة عسى أن تخفف من صداع التوتر ثم تجلى عليها ضيق أشَّد وهي تعود وتنظر لوجهه هادرة
((مُصعب، أنتَ لا تتخيل كم أتوق لقضاء وقت جميل هنا.. ولكن علينا التحدث أولا))
ظل يبادلها النظر دون تعبير واضح، فتراجع رأسها للخلف مسترسلة
((نعم أعرف أنه لا يحق لي محاسبتك على الماضي كما لم تحاسبني أنتَ.. لكن أنا لم يسبق وأن تواصلت مع شخص غيرك، ولم أسمح لذرة شك أن تتسلل لقلبك من تواجد أحد غيرك في قلبي، لذا أريد منك الآن أن تخبرني ما حدث في الماضي والذي جعلك تفعل شيئًا منافيًا للأخلاق التي تتحلى بها، والمبادئ التي جبلت عليها وتُقدم على فعل النهوة لتحظى برشا رغما عنها))
ظلت عيناه تمتلئ بتفاصيل وجهها وشعر بخوفها من أن تكون أغضبته فرد عليها مبتسما بشحوب
((لا تقلقي لم أغضب ولن ألومك، فما تظنينه لا يختلف عما يظنه كل من في القرية عني، لكن بما أنك بالذات زوجتي عليك أن تعلمي بأني ما كنت لأستمر مع امرأة طالما هي وقلبها ليسا معي.. فلا رجولتي ولا كرامتي تقبلان ذلك مهما أوتيت من قوة أو تجبر))
فغرت شفتيها قليلا هامسة ((ماذا؟))
وبحركة فاجأتها وجدته يُعدل من جلسته وهو يسند رأسه ليضعه فوق حجرها بينما يتطلع بالفراغ أمامه بنظرة عميقة ويبدأ بسرد كل ما حدث في الماضي معها
((كل شيء بدأ عندما كنت في زيارة معتادة لأخيها يحيى في بيتهم..))
كل كلمة.. كل جملة.. وكل سطر كان يتفوه به بصوته المجروح كان يخترقها في الصميم بعمق ألمها بينما يخبرها حكايته مع رشا كاملة..
تهدج صوته في نهاية المطاف هادرا
((هل تعرفين ماذا قال الرجل الذي أراد والدها أن تتزوجه عني بعدما قمت بالنهو عليها؟ قال كذبا أني ساومته على مقدار كبير من المال لأتراجع بالنَّهو عنها، وعندما عجز عن تأمين المال وسد جشعي وطمعي اضطر أن يتركها حتى لا يعرض حياتها للخطر))
تقبضت يدا نورين بحمية عليه..
رغم أنه عادة ما يتم اتهام الرجل بأنه يتلاعب بالمرأة ها قد جاءت رشا لتؤكد أن هناك نساء محترفات من نفس الصنف في الواقع.. بل الحق يقال بأنها كانت داهية لا يستهان بها بعد أن عثرت على نقاط ضعف مُصعب وتلاعبت به تلاعب قائم على مبدأ الاستغلال وإلحاق الضرر به من أجل أن تنقذ نفسها..
وهنا تمنت نورين حقا لو كانت تلك الرشا أمامها لتوسع وجهها لكمًا لكل ما جعلت مُصعب يتعرض له بسببها ولو أن جزءً منها أشفق عليها لأنها كانت مضطرة أن تتزوج من رجل لا تحبه بسبب تعنت وظلم والدها المجحف..
تابع مُصعب يقول بنفس نبرته المتهدجة
((آثار العنف الذي كان جليا على وجه رشا في حفل زفافنا كان من فعل والدها لأنها رفضت أن تطيعه وتقول أمام الجميع أنها تفضل أن تظل عزباء لآخر عمرها على الزواج مني بالنهو))
رق قلبها له أكثر.. إنه يعلم ويسمع ويدري بما يُقال عنه من قبل أهل القرية عن نهوه على رشا حتى الآن بعد مرور كل تلك السنوات.. بهدوء اعتدل جالسا يتطلع لها ويقول بصوتٍ أجش
((أيقنت أن عليّ إخبارك بهذا السر وإلا سأخسر العفريتة المتواجدة في حياتي، فأنا لا أطيق الخصام معها، بل لا أتحمل فكرة كتمانها غضبها عليّ وضيقها حتى على أبسط الأشياء، أو أن تتأثر علاقتنا من فرط كتمانها أو التراكمات.. أخطأت عندما لم أطلعك على رسائل رشا لي رغم أن غايتي كانت حتى لا أضايقك، لكن لن يتكرر هذا الخطأ مستقبلا))
ذاب قلب نورين وهي تشعر بما يريد أن يوصله لها.. إنه يثق في نفسه كثيرا فرأي الناس لا يهمه للحد الذي رفض أن يكشف ولو جزءً من الحقيقة.. إلا أمامها هي كان مهتما بما تفكره عنه.. وخائف من رحيلها.. فقالت له بصوتٍ عميق وقد تلألأت عيناها بالعاطفة
((لطالما تمنيت أن أقابل شخصًا مثلك يُشبهني، سهل لين، يشق عليه قضاء وقت طويل دون أن يتحدث معي))
اقترب مُصعب منها وأحاط يداها الناعمتين بكفيه برقة مباغتة.. حتى هي اقتحمت حياته بقوة والغريب أنه لم يرفض وجودها بل سمح لها أن تتوغل فيه وتتسلل لقلبه دون صخب حتى أوقعته في حبها.. لقد استسلم لسطو هواها على قلبه بعد أن مثلت له كل ما كان يحلم به طوال حياته بل وجد فيها كل ما كان يتمنى أن يجده..
قال بصوتٍ يضج بالحب بين حروفه
((لطالما سألت نفسي كثيرًا وأنا أتعجب منها كيف سمحت لك وأنتِ قريبة من قتل ابن عمي يحيى بالاقتراب مني ولم أثر عليك أو أمنعك من أن تصلي إلى أعماقي! لماذا انجذب أنا إليك كأني أعرفك عمرًا طويلًا وتركتك تعرفين عنى كل شيء وحتى أدق تفاصيل وأسرار حياتي!))
مال برأسه نحوها حتى لفحها بأنفاسه مكملا
((ولكن.. الآن أعلم.. نعم أعلم أن القدر قد وضعك في طريقي لأنه قد كتب علىّ أن أحبك.. أنا أحبك.. ولأنك جئت في الوقت الَّذي كنت أرفضُ فيهِ الحبّ، أحببتكَ أكثَر.. ووعد وعهد عليّ الوفاء والصدق والإخلاص بيننا من الآن))
تراقص نابضها وبدأ يرفرف بين أضلعها فأغمضت عينيها بنشوة من تأثير كلماته عليها.. منذ دخلت حياته شعرت أنها تريد أن تكون كما يحب.. أن تذهله.. كانت مستعدة لأجل ذلك أن تفعل أي شيء.. كانت تقول في نفسها أنه لا ينقصها أي شيء لتكون هي السيدة الأولى والوحيدة في حياته.. وهذا ما شعر مُصعب أنها فعلته له هو الذي نشأ منذ صغره يشعر بحقه مهدور بين أبيه الذي يولي كل رعايته لأكبر أخويّه وأمه التي تسمح للتوأم أن يحتكرا كل مشاعر حبها..
ارتجفت نورين تتأوه بنعومة حين مست شفتيه بشرتها برقة وحنو أذابها قبل أن يتعمق برغبة جارفة جعلتها تستسلم له بكل جوارحها وتغوص بكافة حواسها معه.. مغيبة تماما عن العالم لحظات طويلة كانت كالنعيم بالنسبة لهما..
=============================
في غرفة رتيل..
حيث هي جالسة تتلو سورة البقرة التي صارت عادتها اليومية في مجابهة أيامها الصعبة التي تعيشها.. انكمشت فجأة على نفسها عندما سمعت أصوات ضرب فوق باب غرفتها بعنف وقوة تعلن عن نفاذ صبر صاحبها وفقدانه السيطرة..
توقف أخيها عن دفع الباب بجسده بعد أن فشل في كسره ووقف مكانه يلهث بإنهاك ويقول لوالدته
((ابنتك مجددا ترفض الخروج من غرفتها، إنها تستغل غيابنا في قضاء أمورها وادخار مونتها من شراب وطعام ثم تُحكم إغلاق الباب عليها قبل مجيئنا حتى لا نراها))
تجاهلت والدته الواقفة معه تذمره وقالت بصوتٍ مضطرب حزين
((ألا يمكن يا بني أن تحاول مع زوجها لمرة أخيرة لعلك تقنعه أن يعيدها لذمته؟ المسكينة بالكاد ستكمل الثلاثين من عمرها لتحصل على لقب مطلقة))
هتف شقيق رتيل بغضب واحتدام
((لو كان يريدها لطلب ذلك مع اقتراب نهاية عدتها بعد أيام، وأنا لن أكسر هامتي من أجل ابنتك اللعينة، اجعليها تدرك أنه وبمجرد انتهاء عدتها سأعلن في كل أرجاء القرية أنها باتت مطلقة لأفتح المجال أمام من يريد خطبتها التكلم معي، أول خطيب ومهما كانت ظروفه ستتزوج منه، فالحال عندي على قدره وبالكاد أستطيع الإنفاق على عائلتي الصغيرة وعليك ولا ينقصني عبئ إضافي))
في هذه اللحظة نفضت رتيل عنها الضعف وانتفضت واقفة خلف الباب مباشرة تصرخ به
((أيها الحقير لا أريد منك أي معروف، شهادتي بتخصص التاريخ معي وسأعمل بها كمعلمة ولن أحتاج منك فلسا))
صرخ شقيقها بجنون وهو يعود لدفع الباب بجسده
((لستُ أنا معدوم الرجولة من أسمح لأختي بالعمل لتنفق على نفسها))
استنكرت رتيل بغضب منبعه شعورها بالظلم
((تريد أن تزوجني رغما عني لأي عابر يطرق بابنا حتى لا تحمل عبئي المادي ثم تأتي الآن وتتحدث عن الرجولة! ثم ما أمتلكه في البنك والذهب الذي يزينني من رأسي لأخمص قدمي قادر على جعلي أعيش كالملكة لسنين دون منة أو حاجة لأحد))
توقف أخيها فجأة عن دفع الباب وعمّ الصمت في المكان لا يُسمع إلا صوت تنفسه اللاهث قبل أن يتحكم بنبرة صوته ويقول بتوجس
((نقود بالبنك! هل عندك حساب شخصي في البنك! وكم فيه؟ والذهب! كم يساوي مقدار ما بحوزتك الآن؟))
كانت رتيل في هذه اللحظة تضرب فمها براحة يدها شاتمة نفسها على بوحها بأمر كهذا! الآن شقيقها الدنيء سيطمع بنقودها! لكن لن تسلمه فلسا واحدا إلا على جثتها! لكن تابع أخيها سؤال والدته بتحقيق جشع
((أمي كم كانت تتحلى ابنتك من الذهب عند قدومها هنا!))
استاءت والدته من سؤاله فزجرته بتأنيب
((ولماذا تسأل عن ذهب وأموال أختك؟ لست أنت ابني الذي ربيته ألا يفكر بأخذ مال من امرأة))
تذمر شقيق رتيل بدناءة ودفاعية واهنة
((ضيق الحال الذي أعيشه الآن هو ما يجبرني على ذلك.. عليك إخبار ابنتك أني قد أتنازل وأبقيها هنا على راحتها دون أن أجبرها على الزواج فقط بحالة ساعدتني ماديا))
أغمضت رتيل عينيها بحسرة ودموعها البائسة تنساب على وجنتيها الباردتين حتّى تمنت أن تفقد وعيها لتتخلص من هذا الجحيم الذي تعيشه الآن ولا يبدو له نهاية.. لم يبقَ في حياتها معنى للحياة وهي بعيدة عن أولادها.. تتجرع دموع قلبها نهارًا كما تتجرع وسادتها دموع عينيها ليلًا.. فلا يهنأ لها بعيش ولا تتلذذ بشيء.. كأن هناك جزء منها يتجول في هذا العالم الفسيح بعد أن قرر مُؤيد استبعادهم عن حياتها!
=============================
في الصباح..
بدأت شمس منتصف الربيع الصباحية تدغدغ صفحة وجه مُصعب بإحساس دافئ.. فاستفاق على ذراعي نورين اللتان كانتا تشدانه من جديد إلى أحضانها..
رمق بعين واحدة مفتوحة ساعة يده التي تجاوزت الحادية عشرة صباحا فذهل.. لقد كانا تحت تأثير الإرهاق ومشاعر أخرى حتى ليلة البارحة.. فهل ناما كل هذا الوقت!
أخفض نظره للمرأة التي تنام في أحضانه وهالة الراحة التي تمده بها.. فهمس لروحها الغائبة في النوم
((كيف تعبثين بقلبي بهذا الشكل يا عفريتة!))
أيقظها برقة ثم ذهبا يغتسلان بعدها اشترى بعض اللحم ومستلزمات الأكل من الباعة المتجولين هنا..
جلسا في الخارج بين جموع الناس الذين يتناولون الفطور.. وضع مُصعب اللحمة والشاي برائحة أعشاب المرمرية فوق النار التي أوقدها.. وأخذ يأكل ويطعمها بين الوقت والآخر لقيمات صغيرة فيذوب اللحم الشهي شديد النضج في فمها..
بعدما امتلأت معدته شعر أنه بدأ يستفيق أكثر ومستعد للتعاطي معها فقال فجأة بحنق مصطنع
((الآن حان وقتي أنا لأعاتبك بما خرج من فاهك في لحظة غضب في الأمس، فأنا لا أنسى الكلمات القاسية في لحظات العتاب واللوم))
غصت نبضات نورين شاعرة بحجرة تسد حلقها وهي تذكر ما نطقت به بلحظة تهور بأنها ليست سعيدة معه، ثم تحدثت بصراحة إذ اتفقت معه ألا تكتم أي شيء عنه حتى لا تزيد التراكمات بينهما
((على العكس أنا سعيدة معك، ولكن في نفس الوقت أشعر أني على هامش الحياة، غدت حياتي مملة والأيام تمضي متشابهة، يأس واكتئاب ينتابني كل حين أن لا فائدة من وجودي عندما اقتصرت حياتي على تصفح الإنترنت وزيارة عائلتك فقط..))
كان ينصت بعبوس متفاجئا لما تفضي به مما جعلها تكمل له بشجاعة
((حاولت قدر الإمكان أن أدفن أحلامي في العمل وإكمال دراستي.. لكن أحيانا أشعر بأنه لا يوجد في حياتي ما أرنو إليه وأحبه باستثنائك أنتَ وهذا ما يشعرني بالضيق والحزن، فأنتَ تقضي ساعات طويلة في العمل، هذا يؤثر عليّ أحيانا فلا أستطيع حشد أي حماس عندما تحدث أمور لي مميزة، ولا أنجح دائما في توجيه نفسي وهدهدتها، لكن كما يقال اكتمال الحظوظ في الدنيا واستيفاء الحقوق ليس من طبيعتها))
ظل يحدق بها بنفس النظرة ليقول لها
((نورين ما تشعرين به من الإحباط والفراغ هي ردة فعل إنسانية نفسية طبيعية تجاه ما تعيشينه، ويمكن لأي إنسان في مكانك أن يشعر بما تشعرين به الآن ولكن إكمال دراستك العليا بنفس تخصصك لا يتحقق إلا في خارج بلادنا لذا هو صعب))
قاطعته نورين متفهمة مقتنعة وهي تهز رأسها
((نعم أعرف ذلك ولهذا لم أفتح السيرة لك سابقا فأنتَ بالتأكيد بعد يوم عمل طويل مرهق تريدني مرحة وبشوشة لأخفف عليك من ضغوط الحياة اليومية بدلا من الجلوس مستكينة شاكية على أمر لن تستطيع تحقيقه حتى لو أردت ذلك))
عقد حاجبيه يقول بجدية اكتنفته
((لحظة أنا لم أكمل كلامي، فما قلته سابقا يتعلق بالدراسة أما فالعمل لو وجدتِ عملا يناسبك، فلا بأس))
اكتسحتها الدهشة ورددت
((ولكن من الصعب أن أجد عملا يناسبني هنا في هذه القرية الصغيرة، لن أجد إلا في المدينة))
هز كتفيه ببساطة وقال بجدية يعنيها
((لا يهم أيا كان موقع عملك فقريتنا لا تبعد عن المدينة أكثر من مسافة ثلث ساعة، سأعطيك سيارتي لتذهبي لعملك وتعودي بها وأنا سأشتري سيارة خاصة لي ولو بالتقسيط))
تفجرت أساريرها فجأة لكن تجلى شيء من القلق وجهها وقالت
((ولكن ماذا لو عرفت عائلتك؟ أمك دائما كانت تنتقد المرأة التي تعمل! لن يروق لهم عملي))
رد عليها بما لا يقبل النقاش ((أنتِ زوجتي أنا ولا يحق لأحد آخر التدخل بيننا، عائلتي أعرف كيف أتدبر أمرهم))
لم تسيطر على لهفتها وسعادتها وهي تمسك بذراعيه بقوة وتسأله
((إذن بعد الإنجاب بفترة سأبحث عن عمل لأزاوله))
خالجه شعور قوي جعله يلامس بطنها بيده ويقول
((إذن حتى ذلك الحين فلا تنزوي، لا تنعزلي ولا تنغلقي أبدا على نفسك، وانخرطي فيما يملأ الوقت حتى تحافظي على صحتك النفسية))
تألقت ابتسامة عذبة على وجهها ثم تنفست بسعادة تلبست قلبها لتشاغبه
((ثمن السيارة التي ستشتريها لي سأعتبره قرضا وسأسدده لك فأنا أعرف أن راتبك أكثر تواضعا من أن تهديني سيارة))
=============================
في القبو..
فتح مَازن عينيه بتثاقل وهو وإرهاق.. لكنه عاد ليغلقهما بغتة وهو يجز على أسنانه بألم شديد ينخر رأسه.. يجد صعوبة في تحريك أطرافه.. تحامل على أحباله الصوتية لتخرج كلماته المتحشرجة بفيض من التوسل في نبراته
((هل هناك أحد ما هنا!))
عاد يفتح عينيه متأوها وهو ينظر للمكان بتشتت وما إن رأى ملابسه الملقاة بجانبه حتى سرت إلى ذهنه مشاهد مما حدث آخر شيء بينه وبين نجوم فشعر الجزع يهزه هزًا ويكاد يخنقه حتّى الموت وهو يفكر إذا ما كان قد نام معها!
رفع كفه المرتجف مثل ارتجاف قلبه على صدره يحاول بعفوية السيطرة على نوبة الخفقان الشديدة التي تنتابه..
تبا لجسده.. ماذا حدث له! ما هذه الاضطرابات والخدر الذي يكتسحه!
تشوش عقله عن استيعاب سبب وهن جسده وفشل في الحفاظ على رباطة جأشه!
استغرق الأمر منه ما يزيد عن نصف ساعة وهو على حاله حتى شعر أنه يستعيد سيطرته على جسده.. وتيقظ وتأكد من أنه لم يستسلم لها ولم ينم معها..
بصعوبة وتثاقل مصدره ارتجاف حركة يديه استطاع الاعتدال جالسا وارتداء بنطاله على الأقل..
هناك خطب ما بجسده لكنه يخفت تدريجيا!
جفل فجأة على صوت جهوري يدخل للقبو
((مَازن ماذا تفعل هنا؟ أين كنت منذ الأمس؟))
تطلع مَازن مصدوما في توأمه وهو يقترب أكثر منه بنظرات مستنكرة خلعه لقميصه.. فسأله بصوتٍ أجش مبحوح من أثر النوم
((منذ الأمس؟ ماذا تقصد؟))
تغضن جبين مَالك وقال
((أقصد أنك قمت بتوديع أصدقائك في ليلة الأمس ثم اختفيت تماما حتى هذه اللحظة، أبي لم يراك في المسجد في وقت أي صلاة وتأجج غضبه منك، أما أمي فقلقت لأنك لا ترد على اتصالاتها، كانت تريد أن تقلب الدنيا عليك لولا أن منال قالت بأنها لم تراك تخرج من القبو، هل هذا صحيح؟))
اتسعت عينا مَازن حتى كادتا تخرج من محجريهما ثم قال بذهول
((مَالك كم الساعة الآن؟ لقد نمت بعد مغادرة أصدقائي والآن فقط استيقظت))
تشدق مَالك ساخرا وقال
((مستحيل، هل نمت لأربع وعشرين ساعة؟ حتى لو خدرك أحدهم فلا يمكن أن تنام كل هذه الساعات))
لعق مَازن شفتيه الجافتين وقبض بيده على القميص الذي يمسكه كي لا تتضح ارتجافه لتوأمه ثم قال باضطراب
((مَالك هناك شيء أنا بحاجة أن أقوله لك، لن أستطيع أن أخبر غيرك ما حدث لي في الأمس))
تنهد مَالك بضجر ثم قال وهو يغادر
((لاحقا يا مَازن، سأصعد لأطمئن أمي عن حالتك ثم سأخرج مع زوجتي لأحد الأماكن))
.
.
بعد ساعتين.. في جناح مَازن..
وبعد أن قضى مَازن الصلوات التي فاتته ومارس بعض الرياضات التي ساعدت في تحريك عضلاته ثم أخذ حماما باردا، شعر بشيء من طاقته وقوته تعود له وذلك الارتجاف المريب بعضلات جسده يقل أكثر..
رجحّ أن سبب ما شعر به هو نومه ليوم كامل!
ولكن كيف استطاع فعلها والنوم طوال هذا الوقت! حتى مُصعب لم ينجح في هكذا أمر!
انتشل صوت فتح الباب مَازن من أفكاره لتطل عليه ياسمين التي ما أن رأته حتى انسحبت ألوان الحياة من وجهها ويكاد يقسم أنه انتبه لخضة جسدها كأنها رأت شبحا أمامها قبل أن تتمَالك نفسها وتتوجه إلى سريرهما تتوسده بهدوء معطية إياه ظهرها..
انزوى ثغر مَازن بابتسامة باهتة.. الآن فهم شيء من الذي مرت به ياسمين في الماضي بعد ما تعرضَ له من نجوم في الأمس.. لكنه كان أكثر حظا لتذكره ما حدث..
وجد نفسه يتسلل إلى السرير ثم يقترب منها ويحتضنها من الخلف بعناق جعل قلبها بين أضلعها يرتجف مكانه قبل أن تسمعه يقول بهمس مشاكس
((لماذا زوجتي الجميلة تعطيني ظهرها؟))
في البداية لم تجبه بشيء لكنها كتمت شهقة في أوج ضعفها لتقول بصوتٍ متذبذب مخنوق
((ألم تقل بأنك تريد أن تطلقني؟ إذن افعلها وابتعد عني))
لكنه فاجأها وهو يديرها إلى ناحيته ويضع عينيه في عينيها ثم يقول
((ياسمين هل سبق وشتمتك أو قللت من احترامي لك سابقا ولو من قبيل المزاح؟))
تمتمت له بخفوت وهي تنكس أنظارها بذنب ((لا))
رسم بسمة صغيرة على محياه ثم مدَّ أنامله يرفع ذقنها لتعاود النظر له فيهمس
((إذن لماذا لا تعامليني بالمثل؟ ألا أستحق بما أني زوجك أن تعامليني باحترام حتى لو لم تحبينني؟ على الأقل أمام ابنتنا!))
ابتلعت ريقها ثم قالت ((نعم أعتقد ذلك))
رفع احدى حاجبيه يتساءل وهو يزيح خصلة شاردة خلف أذنها بنعومة
((تعتقدين ذلك فقط؟))
ارتعش ذقنها ورغبة ملّحة بالبكاء تجتاحها لتتمتم
((أنا آسفة))
عبرة صغيرة هطلت على وجنتها فرفع إبهامه ليمسحها هادرًا
((ممتاز، هكذا ننسى أمر الطلاق))
اضطربت خفقات قلبها وقالت بعبرة مخنوقة
((هكذا لا طلاق بدون مساومة! كأن تطلب مني أن أجلب شالا وألفه حول خصري ثم أرقص لك من أجل إمتاعك وإذلالي؟))
لم يضحك على سخريتها المريرة بل همس بملامحه الودودة العفوية
((إذا كان الرقص يشعرك بالذل فسأمسك يدك ثم سنرقص معًا))
لم تحد عيناها المتلألئتين بالدموع عنه وهو يسترسل
((أيضًا أريد منك أن تتحملي طريقة استخفافي بالأمور وتحويلها لمزحة فهي أسلوبي في تجاوز محن هذه الحياة))
مال برأسه منها حتى لفحتها أنفاسه الحارة وهو يتابع
((وإن شعرت برغبة في تقبيلك، سأفعل أينما نكن فلا تتذمري أبدًا))
أومأت برأسها له متفهمة ومتقبلة أنه لا يشبه إخوته بتحفظهم شيئا، بل هو أكثر انفتاحًا وإقبالًا على الحياة ولديه حياة زاخرة وواسعة وسع السماء.. فأينما يحل يكون مقبلا على الحياة ومغمورا بأمور مبهجة تجعل من طاقته تتفجر بعروقه!
=============================
اتكئ مُؤيد على عصاه وهو يدخل غرفة المعيشة وسرعان ما داهمه الخجل وهو ينتبه لوجود دخيل في بيتهم وتوقف مكانه بتجهم مما جعل الحاجة زاهية تقول بلهفة وهي تحثه على الدخول
((تعال يا مُؤيد وسلم على ابنة جارنا أبي أحمد صبر، لقد تعرفت عليها سابقا))
بحذر وبطء رفع مُؤيد عينيه نحو صبر التي كانت تجلس على نفس الأريكة بجانب والدته وتضع ابنه باسم فوق حجرها وابنه الآخر بجانبها.. فاستغرب مُؤيد كيف يجلس ولديه الاثنين بجانبها باستكانة وألفة.. ثم جلس على أريكة مقابلة لهم بينما تقول والدته بود
((عرفت جارتنا أم أحمد أن زوجتك تريد الطلاق بعد أن تعذرت الحياة بينكما وأني أواجه وقتا عصيبا مع المربيات اللواتي لعدم قدرتهن على التواصل أو الانسجام مع الولدين فطلبت من ابنتها صبر التطوع لتجالسهما بما أنها في إجازة من جامعتها))
تصلب جسد الولدين من كلمة "الطلاق" التي قالتها جدتهما وكان باسم يريد أن يعقب ولكن سبقته جدته
((كيف هي صبر معك يا باسم؟))
تمتم فهد مندفعا
((نحن نحبها يا جدتي، لا تجلبي لنا غيرها))
لف الذهول مُؤيد وقال بلا شعور منه
((هل يعقل أن فهد المنتقي هو من يقول هذا!))
اتسعت ابتسامة زاهية تزهى بفخر
((نعم هو من يقول ذلك! بسم الله ما شاء الله يا صبر أنتَ كالنسمة الرقيقة على قلوب كل من يراك كبيرا كان أو صغيرا))
أشاح مُؤيد بنظره جانبا بضيق وقد وصل له معنى ما تقصد أمه بكلمة "كبيرا" التي شددت عليها.. في حين يزيد الذي كان يراقب الموقف مداريا على نفسه من خلف الباب ظهر أمامهم وقال بخفوت
((جدتي أريد فهد وباسم قليلا))
استغربت زاهية منه ولكن استجاب كل من فهد وباسم ليزيد ولحقا به إلى الخارج..
وقف يزيد في الصالة وقال لهم بجديته الطفولية
((سمعت أمي تقول لأبي أن أم احمد طار عقلها فرحا عندما كانت تشيد جدتي على أخلاق ابنتها صبر وحكمتها ورقتها في التعامل معكما وأنها تتمنى أن تكون كنتها))
عقد فهد حاجبيه
((ما معنى كنتها؟))
هتف يزيد بصرامة وحنق طفولي
((يعني أنها تريدها أن تكون زوجة لوالدكما لأنها استطاعت أن تنال قربكما وثقتكما))
تطاير الشرر من عيني باسم الطفولتين ما إن فهم ما يرمي له ابن عمه ثم أمسك يد شقيقه يقول وهو يجره خلفه
((فهد تعال معي، علينا أن نصحح لجدتي أن لا امرأة يمكن أن تحل مكان أمي))
وعاد باسم الصغير بخطواته المهرولة النارية نحو غرفة المعيشة جافلا المتواجدين بها ليقف أمام صبر ويكشر بوجهه أمامها ثم يصرخ بوجهها بفظاظة
((غادري الآن منزلنا لا نريدك هنا، لا يمكن أن نسمح لك بأخذ مكان أمنا))
شهقت صبر بصدمة فزجرته زاهية
((باسم أيها الشقي كيف تتحدث مع الخالة صبر بقلة الاحترام هذه!))
لكن اندفع أخيه الثاني بهتاف حانق
((لا نريدها هنا، غادري نحن لن نحبك أبدًا))
احتلت الصدمة زاهية لتتمتم بذهول
((باسم، فهد ماذا حدث لينقلب الحال بكما هكذا، أين ذهب بكما يزيد قبل قليل؟ هل كنتما تتحدثان مع والدتكما على الهاتف وهي من طلبت منكما أن تقولا ذلك؟))
لكن باسم وقف أمام جدته بصلابة طفولية ثم قال بعناد
((جدتي لا نريد مربية ولا أما جديدا، يمكنك تزويج أبي ولكن نحن نريد أن نتواجد حيث تكون هي))
قالت لهما بحزم مغيظ
((بل مكانكما فقط حيث يعيش والدكما))
تدخل فهد يقول بصوتٍ متحشرج نجح في اختراق مُؤيد
((لسنوات كنا نعيش من دونه، لا نراه إلا مرة كل أسبوعين وحتى في هذه المرة لا يخرجنا ولا يلعب معنا بل يُخرج بنات عمي بذريعة أننا مشاغبين فما الذي اختلف الآن؟))
عبست زاهية في وجه الصغيرين وقالت
((هذا في السابق، لكن اختلف الحال وها هو والدكم لم يبرح هذا القصر منذ أشهر))
برر باسم متشدقا بمنطقه الطفولي
((هذا بسبب كسر قدمه لكن بمجرد أن تشفى سيعود لشقته بالمدينة ونحن سنضحى بلا أب ولا أم))
ثم وجه نظره لصبر يطالعها بأهدابه بغيظ ويصرخ فيها
((وأنتِ غادري من هنا، نحن لا نحبك ولا نريدك هنا تريدين أن تسرقي مكان أمي))
تغرغرت الدموع في عيني صبر وجفلت من صراخ هذا الصغير الذي لم يكمل حتى السادسة من عمره مما جعلها تمسك حقيبتها قائلة بصوتٍ مرتجف وبالكاد تمنع دموعها من الانزلاق
((أنا سأغادر من هنا))
هرولت صبر للخارج فلمع بريق الانتصار في عيون الصغيرين أما زاهية فغمغمت بحسرة وقد تلاشى الأمل بزواج ابنها من أنسب فتاة له
((يا قليلا الأدب والاحترام انظرا كيف جعلتماها تفر من هنا باكية!))
قال مُؤيد الذي كان يراقب متجهما المشهد كاملا أخيرا
((أمي يكفي، لا تصرخي على أولادي، أنا سأتفاهم وأشرح لهما وضعهما الجديد بعد انفصالي عن والدتهم))
اتسعت عينا باسم فوجد نفسه يصرخ بوجهه
((لا نريد منك أن تشرح لنا شيئا نحن نكرهك، نكرهك، نكرهك))
عقبت زاهية بصوتٍ مرتجف لابنها وهي تشاهد الصغار يبارحان الغرفة
((أنا متأكدة أن والدتهما تغسل أدمغتهما بسوء الكلام عنا وهذا هو سبب انقلابهما الفظيع!))
أما مُؤيد فكان الضيق يستفحل في داخله أكثر وأكثر في كل يوم يمر عليه.. يعرف أن نفسية ولديّه متعبة وفي تراجع لكن ما يمر به هو أقسى وهو يراهما يتعاملان معه بقلة احترام وأدب ممزوجة بالجفاء..
هو متأكد من أن رتيل لا تطلب منهما ذلك فما يبوحان به هي مشاعرهما الحقيقة المكتومة تجاهه..
في الماضي.. بمجرد دخوله القصر في زيارته المعتادة لهم كل أسبوعين حتى يندفع الاثنين ويتسابقان على احتضانه وتقبيل رأسه ويديه.. وطوال فترة وجوده هنا يظلان فوق رأسه ويحومان من حوله.. يقلبان بهاتفه.. يسردان عليه قصصهما الطفولية.. يعبثان بشعره..
ويبقيان ملتصقان به إلى الحد الذي كان يختنق منهما فيطردهما من غرفته بجفاء ثم يذهب وينزه بنات إخوته سر عنهما فهن مهذبات وقليلات حركة عكس ابنيه..
أما الآن بمجرد دخوله نفس المكان المتواجدان به حتى يهربان من أمامه بعد أسطوانة عريضة تبدأ بتعبير فهد عن اشتياقه لأمه وتنتهي بتصريح باسم بكرهه الشديد له..
=============================
في المطبخ..
اختلست منال النظر لما تعده سمية في المطبخ ثم قالت بلهجة ممتعضة
((هل طلب السيد مَالك أن تعدي له هذا النوع من الطعام؟))
طالعت سمية منال ببشاشة وقالت
((الحقيقة لا، لكني أحب أن أصنعه له بنفسي لأنه.. أعني.. مشكلة مَالك أنه نحيف قليلا.. لكن لن أستطيع أن أخبره بذلك فكبريائه عالي، لذا أحاول أن أبحث عن بعض وصفات الطعام لأعمل على تسمينه..))
تشدقت منال بوقاحة
((تتصرفين كأنك أمه تماما))
تجهمت ملامح سمية فجأة بينما تكمل منال وهي تظهر حزنها المصطنع على اختيارها
((كنت أتوقع أن طموحك بالزواج أكبر من ذلك وأنك لن تقبلي الزواج من السيد مَالك، لا تفهميني خطأ، نعم هو رجل رائع لا مثيل له لكن المرأة تريد أن تكون زوجة مدللة تظهر عواطفها الأنثوية ولا تريد أن تقوم بدور الأمومة للزوج يا تعيسة الحظ))
توقفت منال للحظة تدعي التفكير قبل أن تكمل
((صديقة لي تطلقت ابنتها قبل عدة أيام وعندما سألتها عن السبب أخبرتني أن زوجها يصغرها بالعمر فانتهى الأمر بينهما بالطلاق.. قالت لي أن حياة ابنتها كانت في البداية ناجحة وتتسم بالهدوء والاستقرار مثل حياتك الآن مع السيد مَالك.. لكن بعد سنوات عدة بدأت المشاكل وتأزمت كثيرا علاقتهما فطلبت الطلاق منه لأنها لم تعد تحتمل تصرفاته وكذب مشاعره))
ازداد تجهم سمية من منال وكانت أكثر من تعرف بشاعة أخلاقها.. إذ أنها أكثر إنسانة ضعيفة الإيمان وقليلة المروءة وظالمة لنفسها ومعتدية على غيرها قابلتها في حياتها.. فاكتفت أن تقول لها بصوتٍ أجوف فاتر لتوقفها عند حدها
((أتمنى أن لا تتدخلي بيني وبين مَالك فأنا أكثر من سعيدة معه، سأغادر الآن يا منال))
أخرجت منال صوتا ساخرا مستهزئا وهي تلاحظ أن سمية لم تعد ضعيفة وهشة كالسابق رغم أنها لا زالت كما هي لا ترد على من يسيء لها.. فتمتمت بكلمات قميئة في داخلها تدعو فيها أن ينتهي ذاك الزواج ويطلق ابن سيد هذا القصر تلك البستانية بعد أن يمل منها ويعيدها إلى حيث تنتمي..
ثم ناظرت ابنتها الشاردة بإرهاق بعد أن خلى المطبخ من أحد غيرهما فخاطبتها بلهجة مستاءة
((ألن تخبريني يا مغضوبه بالتفصيل ماذا حدث خلال تلك الليلة التي قضيتيها مع مَازن حتى أعرف ما هي الخطوة التي سنقوم بها؟))
انتشل صوت منال نجوم من دوامتها الغارقة بهما وتطلعت لها بوجهها المنهك والذي لم يذق طعم النوم لتقول
((أمي جررته للنوم معي وانتهى الأمر، ماذا تريدين أن تعرفي أكثر؟))
تقبضت يد منال وقالت بملامح متكدرة
((أريد أن أعرف هل استمتع معك وبدا أنه راغب في المزيد؟ إذا كان كذلك فعليك أن تظهري أمامه أكثر ليطلب منك تكرارها))
ارتجف جسد نجوم وهي تتذكر نظرات مَازن المُحتقرة لها في تلك الليلة، فهزت رأسها معترضة بعنف
((أمي قلت لي ليلة واحدة وسينتهي الأمر، كيف تريدين مني تكرارها! ماذا لو توفاني الله وأنا أمارس تلك الرذيلة معه؟ بأي وجه سأقابل ربي؟))
مدت منال يدها تمسك حفنة من شعر ابنتها تحت الحجاب بقوة وتقول
((أيتها الحمقاء لقد جررتيه للنوم معك وصرت مدنسة وزانية فما الذي سيفرق إن كان مرة أو عشرة! عليك أن تكرريها كثيرًا حتى يقتنع أن الطفل له ولكن على الأمر أن يكون عفويا وغير مخطط حتى لا يتذكر أن يطلب منك تناول حبوب منع للحمل..))
بترت منال كلماتها واستدارت للخلف وهي تشعر بخطواتٍ تقترب من المطبخ قبل أن يتبين لها أنه مَازن الذي بدا أنه يريد التأكد بحذر وتوجس من في داخل المطبخ قبل دخوله..
ما إن لمحت نجوم جسد مَازن حتى ارتجفت كل خلية فيها ذعرا وانتفضت من مكانها تريد الفرار لولا هتافه العالي بعدوانية نحوها
((توقفي يا نجوم أريد الحديث معك))
ازدردت منال ريقها وشعرت أن هناك شيء خاطئ لكنها ادعت الجهل وتساءلت ببراءة مصطنعة
((ما الذي تريده يا سيد مَازن من ابنتي؟))
بخطوات حثيثة عازمة توغل مَازن للداخل أكثر.. لا ينفع أن يظل مختبئا بغرفته كالجبناء يتهرب مما حدث..
ازدرد ريقه ثم رفع وجهه يقول بثبات ظاهري
((أريد التحدث معكما الاثنتين.. منال هل لديك فكرة عما كانت ابنتك المصون تحاول عرضه عليّ؟))
بهت وجه منال وأدركت ما سيتحدث به مَازن أمامها مما جعلها تتوتر وتتحدث بأول ما خطر على بالها بتلك النبرة الهجومية دون أن تدرس كلماتها
((تقصد محاولتك إغواء ابنتي قبل أن تجرها للفاحشة معك؟ لقد سقطت من نظري، هل تكافئني على اهتمامي بك بجر ابنتي لعلاقة غير شرعية! لقد أفقدتها عذريتها وربما هي حامل الآن بطفلك، سيتم فضح ابنتي في أرجاء القرية بسببك))
تراجع مَازن خطوات للخلف بصدمة تلبسته، اضطربت ملامح وانعقد لسانه لوهلة وهو يرى منال تتهجم بهذه الوحشية.. تسرب الهلع إليه خوفا من أن تخبر منال والده عما تظنه قبل أن يشرح لها ما حدث..
وسرعان ما صوب نظره نحو نجوم وبالكاد تمَالك نفسه وهو يهمس لها بهسيس أرعبها من بين أسنانه المطبقة
((ماذا أخبرتِ والدتك أنك فعلتي معي أيتها الفاسقة؟))
ارتعدت نجوم من مظهر مَازن المخيف المظلم قبل أن تسيل دموعها بلا تحفظ مما جعل منال تصرخ به عاليا بصوتٍ مزلزل تأخذه بالصوت العالي
((خربتَ بيتي ودمرت حياة ابنتي حسبي الله ونعم الوكيل يا مَازن يا ابن الحاجة زاهية لكن أنا لن أسكت، والله لن أسكت سأذهب لأفضحك الآن أمام والديّك وإذا لم ينصفاني سأفضحكم في أرجاء القرية ولن أخاف في الله لومة لائم، هذه ابنتي وجوهرتي الوحيدة المصونة ولن أسمح لشاب منحل طائش مثلك بتدمير حياتها))
خشي مَازن أن يسمعهم أحد فسارع يغلق باب المطبخ وهو يهمس في منال بدفاعية
((أنا لم افعل أي شيء مع ابنتك، هي من خططت لإغرائي بتلك الملابس الشفافة وأغلقت الباب علينا، وعندما فشلت بخططها لجأت للكذب عليك))
بشيطنة اندفعت منال نحوه كالسيل الجارف تصرخ
((أنا لن أكذب ابنتي التقية التي تخاف الله وأصدقك أنتَ أيها المنحل الذي لم يسلم أحدا من شرك باعتراف والدك، هل تظنني كنت غافلة عن نظراتك القذرة تجاه ابنتي!))
جحظت عينا مَازن وازدادت وتيرة أنفاسه قبل أن يقول
((أخبري والدي وكل من في القرية لكن أنا سأدافع عن نفسي حتى آخر رمق، أنا لستُ غرا ولا أحمقا لأتحمل ما أنا متأكد أن لا يد لي فيه، ولو لم أشعر بالدوار وأفقد وعيي في تلك الليلة لكنت أدبت ابنتك.. أوه.. لحظة.. لحظة))
رفع مَازن يده وقطع كلامه ليفطن استدراك تدريجي
((لقد فقدتُ وعيي بعد أن شربت العصير الذي قدمتيه لي، لقد كنتِ مشتركة مع ابنتك، نعم يا منال أنتِ كذلك))
كانت يصوب نظره في نهاية حديثه إلى ملامح منال باشمئزاز واتهام صريح قبل أن يزمجر بوحشية شلت لسانها
((أنتِ شيطانة، ولا أريد أن أذكر لك ماذا يقولون على الإنسان الذي يدفع ابنته للعمل كعاهرة!))
بهتت ملامح منال عندما كشف مَازن خطتها.. افترقت شفتاها وارتفع نبض الخوف بقلبها لتهمس بعجز ووهن
((غير صحيح.. بل أنتَ.. أنتَ.. من أغويتها..))
احتدت أنفاس مَازن واستحالت ملامحه لأخرى همجية غير مألوفة فيه.. اتقدت النيران المندلعة من خضرة عينيه كعشب يشتعل وهو يقول
((منال! والدي لا يعرف أن نجوم تعمل هنا بعد أن نبهتها أمي ألا تظهر كثيرًا أمامه، لكن لو لم تقومي بإبعاد ابنتك من هذا القصر للأبد فأنا من سأفضح كل شيء أمام عائلتي، وقد أعذر من أنذر))
ثم اقترب مَازن من نجوم بخطوات بطيئة بينما هي تبدأ بالتراجع للخلف بخفر حتى اصطدم ظهرها بالجدار والتصق به..
بقيت تراقب بتنفس مضطرب لهاثه المشتعل بالحرائق حتى لوى فمه ساخرا بحدة كنصل سكين حادة..
ارتجف كل ما فيها وتمنت لو تنشق الأرض تحتها ولا تواجه ملامحه التي تحاكي عنفا حقيقيا في هذه اللحظة..
همس لها مَازن أخيرا مهددا
((فكري بذكاء واعرفي أن خلاصك من فضيحة محتمة يكون بأن لا تريني وجهك مرة أخرى هنا))
اندفع مَازن مغادرا المطبخ وهو لا يرى أمامه وجسده كله يرتجف في ظلمة مميتة..
التفت ذراعي نجوم حول بطنها ودموعها تنهمر أنهارا ولم تشعر إلا وأمها تتهجم عليها لتصفعها..
شهقت متوجعة ووجهها يحمر كالدم بآثار أصابع أمها على وجنتها المحترقة بينما تهمس فيها بصوتٍ مخيف
((هيا أخبريني هل نمت مع مَازن أم لا؟ أجيبي قبل أن انزع الطفل من أحشائك بيديّ))
حاولت نجوم الكلام لكن جف حلقها.. فقبضت والدتها على شعرها تحت الحجاب لتجيب أخيرا باختناق
((فقد الوعي قبل أن يسمح لي الاقتراب منه))
صرخت منال بها منهارة بتشوش
((يا إلهي.. يا إلهي.. لقد هدمت بيتي يا نجوم! وأنا أقول بيني وبين نفسي من أين جلب كل هذه الثقة قبل قليل! انتهى أمرنا ولن نستطيع إخراج أنفسنا من هذه الورطة، وأنا التي ظننت أنك ستسلبين لب عقله بمجرد أن يراك بذاك المئزر وستجعلينه طوع أمرك))
ارتجفت نجوم وهي ترجوها منتحبة
((أمي توقفي أرجوكِ))
هتفت أمها ساخطة عليها
((ماذا طلبت منك أن تفعلي أكثر مما فعلته سمية بمَالك! البستانية نجحت في ربط الشاب الأصعب وأنتِ الصغيرة الجميلة فشلتي في ربط توأمه المنحل))
.
.
خارج المطبخ..
وضع مَازن الهاتف بجانب أذنه وظل يهز ساقه بتوتر وما إن جاءه رد توأمه حتى قال برجاء ضمني
((مَالك أنا بحاجة للتحدث معك، أرجوكَ تفرغ لي الآن فأنتَ أخي الوحيد الذي يفهمني ومن اعتدت أن يكون مخبأ أسراري))
جاءه رد مَالك البارد
((شكرا لك على هذه المكانة لكن أنا الآن في عملي مشغول في تصحيح كومة أوراق الامتحانات ولست عاطلا متفرغا مثلك رغم أني بحسبة عريس جديد.. لكن إذا احتجت أي شيء مني في وقت لاحق فأرجوك تردد قبل أن تتواصل))
أغلق مَالك الخط بوجهه فضرب مَازن الجدار بيده بقوة أوجعت مفاصله حانقا عليه..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وسبعون 74 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
في زنزانة شيرين المنفردة كانت جالسة على سريرها تحدق باستمتاع بمُعاذ من نافذة الباب الفولاذي بينما يحدث ابنته على الهاتف إذ أنه لا يواجه أي مشكلة بالرد على اتصالات عائلته أو حتى أصدقائه هنا أمامها فقط أثناء نوبة الحارسة أم محمود..
هل ستكذب نفسها إن قالت بأنها لم تعد تريد مغادرة هذه الزنزانة المنفردة بعد أن بدأ مُعاذ يخصص لها يوميا من وقت فراغه ساعة لا يريد خلالها أي أحد منهما أن تنتهي ليتجاذب معها أطراف الحديث دون الاقتصار على موضوع محدد كأنه فقط يحاول تقوية الأواصر بينهما.. فيعرفها على اهتماماته وأفراد عائلته حتى شعرت أنها تعرفهم منذ زمن بعيد..
وهي بدورها تحاول أحيانا سؤاله بعض الأسئلة العادية لكن في المجمل تكون منصتة جيدة.. حتى أنها وللسخرية فكل تفكيرها اليومي يكون منحصرا في ماذا سيحدثها في اليوم التالي أو ماذا سيسألها أو ماذا عليها أن تطرح أسئلة عليه..
أغمضت شيرين عينيها تصغي لنبرات صوته الرخيمة التي تنجح بفك حزنها وتضفي السحر على روحها فتشعر أنها تهفو فوق غيمة وردية جميلة مهما كان ما يتحدث به..
أما مُعاذ انتبه على شيرين وشرد ناظرا بها قبل أن تنتشله ابنته من شروده بحنق
((أبي هل تنصت لي أم أني أحدث نفسي؟))
تنحنح مُعاذ وقال لها
((أنا أنصت لك يا دارين ولكن مللت من الإصغاء لقصص إرهاقك في الاعتناء بأولاد عمك الصغار التي كررتها على مسامعي عشرات المرات))
تذمرت له دارين
((هذا يا أبي لأنها تكررت عدة مرات، وأنا مللت بحق الله.. تخيل في الصباح طلبتُ من نعمة أن تصنع الفطور لأولاد عمي فتذرعت بانشغالها بعمل آخر، أما منال زجرتني قائلة بأنها غير متفرغة.. حتى نجوم متعبة طوال الوقت ولا تقوم بشيء.. وخجلت أن أطرق الباب على زوجات أعمامي فاضطررت أن أصنع أنا لهم الفطور ودخلت قاعة الامتحانات متأخرة))
بدا أن مُعاذ يشعر بالضيق حقا على ابنته التي تحمل مسؤولية أكبر منها لكنه هون عليها بقوله
((حسنا ها قد انتهت المدرسة وبدأت العطلة وانتهت معها مشاكل التأخير الصباحي))
أطلقت دارين عدة أنفاس تجيش صدرها تشجع نفسها في الدخول بالموضوع الذي من أجله اتصلت به لتقول
((أبي على سيرة العطلة، هل فكرت بما قلته لك في المرة الأخيرة؟ صديقتي ستقضي العطلة كلها عند جديها في المدينة وستلتحق بإحدى النوادي، أريد أن أمكث في شقتك حتى يتاح لي الذهاب معها لنفس النادي))
عقد مُعاذ حاجبيه وقال بهدوء
((أعرف أني وعدتك أن أفكر في الموضوع لكن لا أعتقد أني سأوافق، لن أشعر بالأمان عليك وحيدة في الليالي التي أقضيها خارج شقتي))
ألحت دارين عليه متوسلة
((أبي ولكن أنا وعدت صديقتي! لماذا لا تتزوج فقط حتى أستطيع الانتقال والعيش معك أخيرا..))
تلبكت ملامح مُعاذ قليلا إذ أن شيرين غالبا سمعت ما نطقت به ابنته فقال مُسرعا ينهي المكالمة
((حسنا دارين سنتحدث لاحقا))
رفعت شيرين رأسها للنافذة لمُعاذ الذي يشرف عليها بقامته الهيفاء الشامخة كجبل صلب لا يتزحزح وقالت
((لم أرَ ابنتك قبلا لكنها تبدو لطيفة))
رماها بتلك الابتسامة التي تفيض جاذبية وقال
((نعم هي الشيء الوحيد المتبقي لي من زوجتي المتوفاة، لكني لا أوفيها حقها من الاهتمام والرعاية، هي مرتين أو ثلاثة في الشهر أذهب معها لزيارة قبر أمها كعادة صارت متأصلة فينا منذ أكثر من تسع سنوات))
اعتدلت شيرين واقفة وتساءلت
((إذا كنت تعرف أنك مقصر بحقها لم لا تحاول تعويضها؟))
غامت عيناه وهو يقول بشجن الماضي
((لقد تغيَّرت الدُّنيا عليّ عند وفاة سناء والدة دارين وأظْلمت في وجهي، رغم أن الوفاة كانت متوقعة بسبب تفاقم حالتها الصحية.. وبعدها تصرفت بأنانية ولم أفكر إلا بنفسي وكيف أتماسك أنا بالانشغال كليا في عملي))
أومأت له برأسها متفهمة ثم قالت
((لا شك أن موت الأم حدث جلل ومصاب أليم وفاجع، أنا أنهرت عند وفاة أمي ومن بعدها أبي رغم أني كنت في العشرينات من عمري.. أسأل الله أن يرحم زوجتك أَتمَّ الرحمة وأوسعها، وأن يُبوِّئها جنات النعيم))
تمتم مُعاذ لها ببسمة صغيرة
((اللهم آمين، ويهديني لأهتم بابنتي أكثر))
خيمّ الصمت بينهما، وبقي مُعاذ مكانه واقفا لا يريد المغادرة من أمام زنزانتها رغم علمها بانتهاء نوبة أم محمود كما وقت فراغه..
تركت أم محمود كتاب الله الذي كانت تتلو آياته ثم قالت باحترام
((سيادة الرائد بعد قليل ستأتي حارسة النوبة الثانية رجاء لنغادر الآن))
أومأ مُعاذ لها بشيء من الحرج ثم ودع شيرين وكالعادة سألها قبل أن يغادر
((هل أنتِ بحاجة لأي شيء؟))
شردت بعينيها بعيدًا قبل أن تسأله
((اليوم سأعود للعب الرياضة في وقت الفورة، هل لا زال الإقبال على كرة الطائرة كبيرا؟))
شابت نبرته المرح مجيبا
((نعم لا زال الإقبال عليها كبيرا، ويستوجب عليك الانتظار طويلا ليأتي دورك، لذلك أوصيت أن تكون متواجدة في كل الأقسام، وسيتم العمل على ذلك، لا تقلقي))
تألقت ابتسامة على وجه شيرين وهي تؤكد بامتنان عليه
((ممتاز فمنذ قدمت هنا أبقى في المكتبة، لأني أعرف أني لن أجد دورا للعبها قبل انتهاء وقت الفورة))
جاء طارف عين مُعاذ بالكُتب والقلم الموضوعة فوق سريرها فحذرها برجاء باطني
((خبئي تلك الكتب جيدا، لا يجب أن تعرضيها للقاصي والداني، كوني أكثر حذرا مع حارسات النوبة التالية فأنا لا أعرف أي واحدة منهن جيدا))
سارعت شيرين تخفي كل الكتب تحت وسادتها معتذرة
((معك حق سأكون أكثر حذرا من الآن فصاعدا))
أغلقت الحارسة أم محمود النافذة وغادرت ثم حاولت أن تجاري مُعاذ بالمشي لتسير بجانبه.. شعرت بشيء من التردد مما تريد التحدث فيه معه إذ أنه رغم ما يكنه لها من احترام شديد نابع من معرفته القديمة والعميقة بها إلى حد أنه أخبرها الكثير عن عائلته ويعرف بالمقابل الكثير عن عائلتها وأولادها، إلا أنه يظل هنا في مرتبة أكبر منها ومرؤوسها في العمل..
لكنها حسمت أمرها وقالت بصوتٍ هادئ يعكس وقارها
((اعذرني يا سيادة الرائد على تجاوز حدودي وتدخلي فيما لا يعنني لكن استمرارك طوال الفترة الماضية بالتحدث لأكثر من ساعة مع النزيلة شيرين هو بمثابة سيرك في طريق وعر عليك الخروج منه فلا طائل لك منه، فالعواطف عواصف، أتمنى أن تكون قد فهمت قصدي فأنا لا أريد إلا مصلحتك))
ابتسم مُعاذ بتفهم لها وقال بصوته الرخيم
((على العكس يا أم محمود أنتِ لا تتجاوزين حدودك بل كلانا يعلم أن كلامك هو الصائب، لكن أنا أخطط للزواج منها بمجرد أن يفرج الله عليها من هنا))
لم يبدُ على الحارسة أنها مقتنعة تماما بما يقوله فردت
((أعرف أن ما تتحدث به معها مواضيع عادية ولكن مع ذلك أنا آمل منك أن تحاول تقليل ذلك تدريجيا وتنقلها إلى عنبر مشترك قبل أن تتعلق هي بك، فلو لم ينته الموضوع بينكما بالارتباط الرسمي كما تخطط فإنه سيسبب ألمًا وحزنًا شديدًا لكليكما))
أفضت أم محمود ما بجعبتها فرد مُعاذ بثقة متأصلة فيه
((لا تقلقي سينتهي الأمر بيننا بالزواج بإذن الله، لكن بالتأكيد سآخذ حذري وأحاول ألا أفرط فيما أفعله قبل الارتباط الرسمي بيننا))
((إذن عجل من نقلها للزنزانة المشتركة))
((كنت أعمل على ذلك بالفعل لكنها عدلت من قرارها وطالبتي البقاء في زنزانتها المنفردة الجديدة لأن ظروفها أفضل وتتمتع بخصوصية أكبر، طالما تستطيع الخروج منها في وقت الفورة))
أومأت له أم محمود قبل أن تلقي عليه التحية العسكرية وتغادر أما هو وقف خارج المبنى يحدق في الظلام الذي يرخي سدوله قبل أن يرفع يده ويلاعب سلساله العسكري حول عنقه ويفكر بمسألة زواجه من شيرين التي يخطط لها.. ابنته.. وذكريات الماضي الحلوة المريرة..
=============================
في الصباح..
تقدمت من السرير حيث لا يزال مَالك مستغرقا في النوم.. جلست على طرف السرير تحدق به وقلبها يقرع بعنف مدوٍ يحارب خجلها حتى انتصر فلم تشعر إلا وكفيها الاثنين يحاوطان وجهه وتلامس بأصابعها لحيته النابتة وتداعب شعيراتها قبل أن تشهق على يده ترتفع وتمسك كفها بغتة ليقربها من ثغره ويلثمها..
وقفت من مكانها لتنزوي عنه إلا أنه قبض على رسغها يجتذبها نحوه لترتمي فوق صدره ليقول بصوتٍ مبحوح من أثر النوم وهو يعيد يدها الناعمة فوق قسمات وجهه
((أين تذهبين! اقتربي مني.. تلمسيني.. أريدك أن تشعري بي كما أفعل تجاهك.. أنا رجلك.. زوجك يا سمية))
توردت وجنتيها الرطبة بالماء وكساها الخجل وهي تُصر على سحب يدها لتقول على استحياء
((لم أعرف أنك كنت مستيقظا))
همس لها مداعبا وهو يتشبع بملامح وجهها
((وهل ظننتي أن الله قبض روحي))
يدها التي كانت تغطي صدرها رفعتها سريعا لتغطي فمه وتنهره بوجعة قلب
((اسم الله عليك.. حفظك الله لي ولابنك ولعائلتك من كل شر))
نظر مدلها لانعقاد حاجبيها ليقول بصوتٍ مشبع بالعاطفة
((أنا أحبك))
ازدادت حُمرة الخجل المتسربة لوجهها.. كأن الله لم يحرمها من والديها وكل من كانوا في حياتها إلا لأنه كان يدخر مَالك هو لها.. سمعته يقول بهمس خافت
((تبدين اليوم أكثر جمالا))
تسارعت أنفاسها وهي تغرق في عينيه بينما هو يرفع رأسه ويميل نحوها لكنها كانت أسرع وهي تحرر يدها منه قائلة بتهرب
((إذا لم أمنعك الآن سينتهي بي الأمر نائمة معك على الفراش.. أمك اتصلت بي قبل قليل وأكدت عليّ ألا نفوت اليوم أيضًا تناول طعام الفطور معهم))
ازداد انعقاد حاجبي مَالك ضيقًا واستياءً إذ كان يكره كيف تنجح بمعظم المرات من التهرب من الحميمية التي يأسرها بها لكنه لم يطل في الاعتراض وهي تحثه
((هيا قم من مكانك))
اغتسل مَالك وحلق ذقنه ثم فتح خزانته ينتقي قميص له وكالمعتوه وجد نفسه يميل إلى حيث تضع ملابسها يستنشق رائحتهم العطرية قبل أن يجفل على صوت سمية من الخلف كمن تتحدث مع مجنون
((مَالك! ماذا تفعل؟))
لكنه ظل على حاله والرائحة العطرية المُسكرة تساعده على الاسترخاء ليهدر
((أحب استنشاق رائحة هذا العطر الذي تضعينه على ملابسك بعد الكيّ))
اعترضت وبالكاد تمنع نفسها عن الضحك على مظهره
((أُبخر أيضًا ملابسك يمكنك أن تستنشق رائحتهم))
استدار لها ووضع جبينه فوق جبينها هاتفا بتذمر رقيق
((ألم أخبرك أن عليك المبادرة في تقبيلي كل صباح؟ لماذا عليّ دائما تذكيرك بذلك؟))
عادت تتعثر بالخجل مرة أخرى شاعرة اليوم بأنه متطلب على غير العادة.. لكنه حثها بعاطفة
((هيا بادري ولو مرة واحدة، أكره أن أكون مبادرا دائما))
ارتفعت على مشط قدمها لتقبل ثغره قبلة سطحية رقيقة قبل أن تتهرب منه وتتناول مشطا تبدأ تسريح شعره المموج كما تعودت أن تفعل منذ زواجهما..
وضعت القليل من عطر ما بعد الحلاقة في كفيها ورفعتهما تضمخ به ذقنه ووجنتيه.. وفي هذه الأثناء حام مَالك بنظراته على وجهها.. على الأقل هي تفرط الاهتمام به في باقي الأمور وتُصر أن تقوم بكل شيء بنفسها.. إنها تجمع بين الدفء والصداقة.. هي امرأة دافئة جدًّا.. كزبدٍ ذائبٍ فوق خبزٍ ساخن..
.
.
في غرفة المعيشة..
قالت الحاجة زاهية بصوتها المتعب لزوجها تشكو همّها
((مُؤيد ذاك العنيد طلب سيارة أجرة وذهب للمدينة يريد أن يحل مشكلة طرأت على عمله بحاجة لوجوده قائلا بأنه قد يعود في الغد..))
بترت زاهية كلامها عند حضور مَالك وزوجته ثم أردفت متذمرة بغير رضا وهي تنظر ناحيتهم
((الحمدالله أننا رأينا وجهك يا مَالك اليوم ولم تختفي عن الأنظار كما تفعل في أيام العطل))
ابتسم يعقوب بحنو على زوجته وطبطب فوق يدها يطلب منها بصمت أن تقلل من ضغطها على ابنها إلا أنها أكملت بإصرار
((لم نكن نرى يا حاج ابنك إلا في المناسبات قبل الزواج أما بعد الزواج فلم نعد نراه أبدًا))
عاد يخفف عنها الحاج يعقوب قائلا
((لا زال عريسا يا زاهية، لا زال عريسا.. غدا يمل من الاعتكاف بجانب زوجته))
قال مَالك باقتضاب وهو يمسك رغيف الخبر
((أبي أنا أمر هذه الفترة بضغط رهيب لأنني بفترة تصحيح أوراق الامتحانات!))
تدخل مَازن في هذه اللحظة يقول
((أمي محقة يا أبي، مَالك لم نعد نراه طوال اليوم، لا يتاح لي مؤخرا أن أتحدث مع جنابه قبل أخذ موعد وقد يُرفض الطلب!))
قام مَالك بحدج مَازن بتوعد وتهديد في حين تطلع يعقوب باستغراب لابنه الذي يشكي توأمه لأول مرة ليغمغم
((يبدو أن لا أحد راضي عنك يا مَالك بالفترة الأخيرة))
تكالبت أمه ضده أكثر وهي تشير ليزيد الجالس بجانبها
((حتى ابنه لم يعد يهتم به كثيرًا كالماضي، هل تصدق هذا!))
قام مَالك بتعبئة طبقه محاولا أن يتجاهل شكوى أمه وتوأمه لوالده فعاد مَازن يجتذب انتباه أبيه قائلا
((تخيل يا أبي بأني قصدته في أمر ضروري مؤخرا ولم يعرني اهتماما ولا لثانية واحدة))
انفلت هنا لجام صبر مَالك ليهتف عاليا
((مَازن اصمت، أنا لم أخلص من خبث مُؤيد لتظهر لي أنتَ))
حذره يعقوب باحتدام زاد من ضيقه
((مَالك لا تتحدث مع أخيك بهذا الشكل أمامي، واقضي وقتا كافيا مع عائلتك في يوم عطلتك))
اعترض مَالك على هذا التحامل الغير عادل ضده
((أنا أقضي معكم نفس الوقت الذي كنت أقضيه قبل زواجي تقريبا))
تمتم له والده آمرا بهيبة ملامحه
((مَالك اليوم بعد الغذاء لا داعي للصعود لجناحك واجلس معنا لمتابعة إحدى البرامج التلفزيونية))
تشدقت زاهية بعبوس
((لا ترغمه يا حاج فهو لا يملك أمر نفسه))
فهم مَالك أن والدته تلمح أن سمية هي من تمنعه عنهم فعبست ملامحه..
.
.
في المطبخ..
كانت سمية تعد الطعام لفهد وباسم فهما مؤخران يرفضان الانضمام لباقي العائلة عند وجبات الطعام..
تحدثت أثناء ذلك لمَالك الذي كان يجيء للمطبخ إيابا وذهابا بخطوات غاضبة نارية
((لا تنفعل يا مَالك كثيرًا من أجل لا شيء))
لكنه رفض الاستخفاف بما حدث قبل قليل وقال باحتدام
((ألم تسمعي الكلام الذي ألقاه أبي على مسامعي؟ مَازن هو من شحنه ضدي))
تنهد ثم وقف مكانه وكتف ذراعيه مردفا بما كان يجيش في عقله مؤخرا
((أتمنى لو أستطيع الانفراد بسكن خاص بنا بعيدا عن هذا القصر كما فعل إخوتي.. لأني لا زلت أشعر أني مراقب وتحت عيني والديّ، لا أشعر أبدًا بأن حالي تغير بعد زواجي، ولا أشعر أني أمتلك حياة خاصة ومنفردة.. بل لا أصدق أني سأكون مجبرا في المساء على الجلوس في غرفة المعيشة مع والديّ لساعات طويلة حتى لا يظنا أنك تتحكمين بي وتعزلينني عنهم! رغم أني قبل زواجنا لم أكن أمضي الكثير من الوقت معهم! لكن أمي باتت أكثر حساسية بعد زواجي))
تنهدت سمية قبل أن تقول بمنطق الحكمة
((حبيبي هدئ من روعك، أنا أتفهمك جدًّا.. لو كان كل إخوتك يعيشون هنا مع أبنائهم لخضعت لفكرة الانتقال لبيت مستقل، لكن لا أحد يقطن هنا بشكل دائم إلا أنتَ ومَازن لذا لا تفكر في الاستقلال عنهم! والديك مسنان وبحاجة لأحد أولادهم أن يسكن معهم حتى لو كان هذا القصر مليء بالرفقة من العاملين هنا))
في هذه الأثناء كان مَازن يواري نفسه خلف باب المطبخ يحاول التأكد من هوية الموجودين بداخله قبل أن يجفل وترتد خطواته للخلف ما إن وقعت عينيه في عيني مَالك ليتعثر بتلعثم
((من هنا في المطبخ.. أوه مَالك توأمي الحبيب))
ضيق مَالك عينيه مهددا وهو يقترب من مَازن
((أخيرا جاء توأمي الحبيب المستاء من شح اهتمامي به، اقترب مني..))
لكن مَازن كان أسرع منه وهو يطلق قدميه للريح ويخرج راكضا من باب المطبخ الآخر المطل على الحديقة الخلفية.. ظل مَالك يلحق به صارخا بتوعد وهو يحاول إدراكه
((أيها الخبيث سألقنك درسا لن تنساه))
أخيرا وبعد دقائق من الركض استطاع مَالك الإمساك بطرف قميصه ومن ثم إيقافه مكانه قبل أن يبطحه أرضا غير آبها لهتافه
((ابتعد يا مَالك، لنتحدث كأشخاص ناضجين بعيدا عن العنف))
جلس مَالك فوقه يقبله قائلًا
((العنف فقط ما ينجح مع أمثالك، كيف تجرأت وألبت والديّ ضدي؟))
اكتنفت الجدية ملامح مَازن وحاول إيقاف هجوم توأمه
((لا يا مَالك أنا جاد، لم أعد أراك أبدًا وهناك الكثير مما أمر به وأريد مناقشته معك))
بدأ يلهث مَالك وهو يقول بخشونة
((وبماذا تريد التحدث معي؟ هل قام أحد بضربك؟ هل سرق أحد منك صندوق طعامك؟))
نهت مَازن وهو يحاول إبعاد جسده توأمه الجاثم فوقه ليقول بصوتٍ مكتوم
((مَالك الأمر جدي فابتعد عني قليلا ودعني أتحدث))
أصر مَالك عليه هادرا وهو لا يزال قابعا فوقه
((لا أعرف التحدث معك إلا بهذه الطريقة، هيا قل ماذا تريد يا حبيب توأمك؟))
نطق مَازن وباح دفعة واحدة
((منال.. منال.. أنا لا أرتاح لوجودها هنا أبدًا.. لا هي ولا ابنتها..))
ترققت ملامح مَالك وابتعد قليلا عنه ثم مد يده يساعده بالوقوف وهو يتساءل بتوجس
((منال؟ منال التي نعرفها وتعمل هنا؟ ماذا فعلت؟))
بدأ مَازن ينفض الغبار عنه ويقول بصوتٍ مختنق
((نعم منال، تحاول تقريب ابنتها مني، بشكل واضح وصريح وجريء وفج دون خوف ولا حياء.. هل من حل لطردها من هنا دون أن اجلب انتباه أبي؟))
اتسعت عينا مَالك بذهول وقال
((أخبرني بالتفصيل كيف تقوم بذلك؟ عليك أن تخبر والدي مباشرة حتى لا تسكت عن هذه المهزلة))
بدأ الغضب بقلب مَازن يتصارع مع رفقه بألا بفضح فتاة ويلوث سمعتها.. فقال بتلك النبرة الأبية
((لا داعي لإخبارك بالتفاصيل، لكن أريد منك أن تساعدني لنجعلها تترك العمل هنا))
تغضن جبين مَالك بالضيق وعقب
((لقد سبق وقمتُ بطردها من هنا لكن أبي أعادها، قال بأنه مستعد أن يلقيني خارج البيت على أن يطرد أحدا من العاملين عنده فتقبلت وجودها صاغرا))
شردت خُضرة مَازن مفكرا أنه لو أخبر والده بأمر منال ونجوم فغالبا سيكذبه لأنه لا يملك أي دليل.. فتنهد قبل أن يقول بصوتٍ منطفئ
((على كل حال هددتها أني سأفضحها إذا لم تجعل ابنتها تترك العمل هنا، أتمنى أن ترضخ لتهديدي ولا تمتحن صبري، وإلا فأنا نفسي خائف مما سأقدم عليه))
=============================
في مطعم الفريال..
أخذ قصي حساب فاتورة إحدى الطاولات لكن توقف فجأة يضطر لرسم ابتسامة مهذبة بالرغم من غضبه الداخلي
((سيدي كان عليك توضيح أنك وضيوفك ترغبون في دفع الفواتير بصورة منفصلة، حتى أتعقب طلبك وأسجله منفصلا عن الآخرين منذ البداية))
تبرع أحد الزبائن الجالسين على الطاولة ليقول جهوريا
((أقسم عليكم يا رفاق أن تدعوني أدفع الفاتورة كاملة))
اعترض الآخر على رفيقه بنبرة قوية
((ولماذا تدفعها أنتَ! أقسم عليكم أنا أن تدعوني أدفعها))
وجاء صوت الأخير صارخا بوجه قصي ورذاذ فمه يصل لوجهه
((خذ النقود مني أنا من سأدفع))
كان قصي في موقف لا يحسد عليه وكل واحد منهم يعطيه أمرا بأخذ النقود منه ليدفع عن الباقيين الحساب..
لماذا عليهم أن يقحموه في هذه المشاجرة!
كظم غيظه بصعوبة وقال بابتسامة منمقة عملية
((أنا أريد شخصا واحدا ليدفع الحساب، وعندما تقررون من هو نادوا عليّ رجاءَ))
ابتعد قصي عنهم إلى طاولة أخرى يريد تنظيفها قبل أن يقول بنفاذ صبر
((سيدي هل يمكن أن ترفع الأشياء التي تخصك كالهاتف المحمول وسلسلة مفاتيحك حتى أتمكن من تنظيف الطاولة))
لوح زبون آخر يقف مع عائلته لقصي هاتفا
((منذ ساعة ونحن نلوح لك ألا ترانا!))
أنهى قصي التنظيف وجاء عنده يقول دون أن تنحسر ابتسامته المتشنجة
((سيدي لا يفهم الجميع لغة الإشارة، لا سيما إن كانوا يقومون بأداء مهمة أخرى، فلا تتوقع مني أن أترك طاولة أخرى لتلبية طلبك..))
صرخ به الزبون الكبير في السن يقاطعه
((توقف عن الفلسفة وجهز لنا طاولة، أنا وزوجتي وأولادنا ننتظر مند ربع ساعة هنا))
أغمض قصي عينيه للحظات يحاول التحلي بالمزيد من الصبر الجميل ثم قال بمهنية
((سيدي أتفهم انزعاجك، ولكن عليك أن تكون مرنا إلى حد ما، وتنتظر بضع دقائق إضافية))
صرخ الرجل وأشار للمرأة والأطفال الذين معه
((نحن جميعا نتضور جوعا، كيف تريد منا أن ننتظر أكثر؟))
فتح قصي يديه بقلة حيلة وقال بفتور
((سيدي الأمر عائد لك إذا كنت تريد الانتظار أم المغادرة في هدوء، فأنا في جميع الأحوال لا أعرف متى سيغادر رواد المطعم وأجد شاغرا لكم))
وقبل أن يتجه قصي نحو الطاولة التي ينتظره يوسف عليها بضجر ليتحدث معه في آخر مستجدات قضية شيرين ناداه زبون آخر فلجم قصي غيظه وهو يكرر على نفسه أن هذه هي طبيعة عمله وعليه التحمل..
ثم ذهب للزبون يتساءل بابتسامة مغتصبة
((هل هناك أمر ما يا سيدي؟))
تذمر الزبون له هاتفا
((لم يعجبني طبق الطعام هذا فهو مالح جدًّا، لن أدفع ثمنه))
رد قصي عليه من بين أسنانه المطبقة
((سيدي ليس من حقك أن تعيد الطبق بعد تناول نصفه بزعم أنه ليس على المستوى المتوقع..))
ثم مال منه يردف هامسا
((صدقني صاحبة مطعم الفريال صارمة وجشعة جدًّا، وحتى لو كان هناك فأر في الطبق الذي تناولته فلن تقبل أن تخرج دون أن تدفع ثمنه!))
اشمأزت ملامح الزبون وسارع ينتشل ما بجيبه ويغادر هذا المطعم القميء..
كان لا زال يوسف يتابع كل ما يحدث بنظر مشفق على حال قصي.. لا يصدق أن ابن القاني وصل به الأمر إلى هذا الحال المتدني في الحياة.. المسكين لو كظم غيظه مع ذاك العميل في الشركة كما يفعل الآن مع عملاء هذا المطعم الفظّين لما هدم بثلاث ثوانٍ عمله الدؤوب الذي استمر في شركة القاني لثلاث سنوات.. وتسبب بفقد ثلاثمئة شخص وظائفهم..
كان عليه أن يدرك بانه لا ذنب للعميل بمزاجه السيء وضغوطه الشخصية وأصحاب العمل الذين لا يرحمون من يعمل فيها..
أخيرا جاء قصي وجلس مقابله وهو يضغط على معدته بكفه ولا زال ذاك الألم يجتاحه من وقت لآخر ليقول
((يوسف أنا أشك أن سبب ألم معدتي هو طعام هذا المطعم، أريد منك نقودا ثمن كشفية الطبيب))
امتقعت ملامح يوسف وكان لا يعرف كيف يرفض إعطائه المال بأقل سخط سيناله منه، لكنه فجأة نظر في الأرجاء ثم قال
((كأن هناك زبون يلوح لك؟ أسرع لتتفقد طلبه قبل أن يغضب عليك))
أطبق قصي على أسنانه بعنف شاتما عمه ألف مرة.. فبعد أن كان سابقا يناضل لأخذ ورثته منه والعمل في موقع مرموق في شركة القاني، لم يعد الآن يريد أكثر من أن يسامحه ويعيده تحت ظله ويرجع له كل الامتيازات والرفاهيات التي سحبها منه..
فكلما تأخر عمه بمسامحته، تأخر هو بالبوح بكل شيء يضمره ويخفيه عن سهر لها.. وبالتالي سيخسرها للأبد..
أطلق قصي عدة أنفاس كانت تجيش في صدره بينما يحثه يوسف مجددا
((هيا يا قصي، اذهب وانظر لطلباتهم، فنفاذ الصبر سمة عامة لكثير من رواد هذا المطعم وكل واحد منهم يؤكد أحقيته في تقديم الطعام إليه قبل غيره))
=============================
كعادة مَازن بين الحين والآخر يراقب المطبخ من بعيد يتأكد من خلو نجوم منه وإذا ما كانت قد نفذت أمره بترك العمل هنا أو لا.. فدلف لداخله بحذر قبل أن يفاجئ بوجود ياسمين وابنته..
تشابكت يداه خلف ظهره وتقدم يقول باستغراب
((ياسو أنتِ هنا!))
كانت هدى جالسة على الرخام بحماس بينما تقف ياسمين على مشط قدميها تحاول الوصول لإحدى العلب فوق أعلى الرفوف.. فقال مَازن وهو يعبث بشعر ابنته
((ماذا تفعل ابنتي الجميلة هي وابنة قلبي؟))
توقفت ياسمين عن محاولاتها إمساك العلبة وقالت
((دعنا نستثمر طولك في أمر مفيد، ناولني علبة الزيتون الأسود))
رسم مَازن ابتسامة عريضة لطلب ياسمين ثم تنحنح وهو يشد قامته كأنه عسكري في الخدمة ليقول بنبرة استعداد
((حالا يا ياسو))
وقف جانبها يرفع من نفسه يتناول العلبة وهو يرمق ياسمين العابسة بنظراته المشاكسة بينما يضع العلبة الزجاجية على طرف الرخام قبل أن تهوي دون انتباه منه على قدمها..
شهقت ياسمين بألم شديد وهي تسحب قدمها وترفعها هاتفة
((قدمي تؤلمني.. قدمي..))
اتسعت عينا مَازن بصدمة لموضع الإصابة قائلا
((أنا آسف ياسو، بالتأكيد لم أقصد..))
قالت هدى بحزن وقلق على أمها
((لماذا ضربتها بالعلبة الزجاجية يا أبي؟))
صرخ مَازن بغضب على ابنته الذي لا ينقصه في هذه اللحظة أن ينشغل بها
((هدى اسكتي أنا لم أفعل هذا متعمدا))
قالت ياسمين بتحشرج متوجع
((لم تنكسر العلبة الزجاجية فقد وقعت على قدمي.. لكنها تؤلمني.. آه لا أستطيع المشي عليها))
مد مَازن ذراعه أسفل ساقيها وأخرى حول جذعها ليرفعها هادرا
((لا بأس، على رسلك))
حملها مَازن بخفة كأنها لا تزن شيئا ثم أجلسها على الرخام وتساءل بقلق عليها
((هل تؤلمك قدمك إلى الحد الذي يجعلك لا تستطيعين حقا المشي عليها؟))
هتفت به بملامح معذبة ((أظن ذلك))
تنهد مَازن يحاول استعادة رباطة جأشه ثم مدد ساقها فوق الرخام وبدأ يمسدها فوق الخُفّ وهو يطبطب عليها بكلمات مطمئنة
((لا تقلقي ستكون بخير..))
التهب وجه ياسمين بالخجل وهي تراه منهمك فيما يحاوله فحاولت سحب ساقها مغمغمه
((دعك مني.. اترك قدمي.. لربما يأتي أحد يا مَازن ويدخل المطبخ))
إلا أنه رفض أن يتركها وتابع يمسدها ويسألها بين الحين إذا ما كان قد خفت الألم.. حتى سمع شهقة مفاجئة تأتي من بعيد.. من نجوم التي كانت ستدخل المطبخ قبل أن تستوعب وجوده وتهرول مغادرة..
أما ياسمين فوزعت نظرها بين التي غادرت بصدمة وبين مَازن الذي بدا متلبكا للغاية فعاتبته
((هل رأيت ما حدث! دخلت نجوم فجأة ورأتنا! هل أعجبك مشاهدتها ما تفعله!))
احتقن وجه مَازن بالغضب لأن نجوم لم تغادر وتترك العمل كما هددها سابقا..
توعد في سره لمنال، سيجعلها تدرك جدية تهديده!
انتشل نفسه من التفكير وتطلع لياسمين يقول بثبات وهو يعود لتمسيد قدمها
((وما شأني فيها هي أو غيرها))
هتفت ياسمين به بحنق
((أسندني لأذهب لجناحنا الآن))
أنزل مَازن هدى من على الرخام أرضا ثم قام بحمل ياسمين ينقلها لجناحه..
اعترضت وطلبت منه أن ينزلها خوفا من أن يراهم أحد إلا أنه رفض باستماته وظل يسير متجها نحو جناحه..
أخفضت وجهها وهي تريحه على كتفه شاردة النظر..
أما مَازن أجبر نفسه أن يتحرر من التوتر والارتباك حول نجوم وأخفض نظراته يحدق بوجه زوجته وسرعان ما شابت نظراته العبث والشقاوة..
انتبهت ياسمين على نظراته فابتعلت ريقها وكلها يرتعش تأثرا بحرارته التي تلفحها وذقنه الخشن الذي يدغدغها..
همس لها مَازن يصارحها وعيناه تنطقان بكلماته
((تبدين جميلة وأنتِ مطيعة ومستكينة يا ابنة قلبي))
ازداد ارتباكها والخجل الذي يلفها وشعرت بقلبها ينبض في كل جسدها وهي تتذكر تلك الليلة التي كان يريد فيها الانفصال عنها..
أجلسها مَازن على السرير وانحنى قليلا يخلع خفيها عن قدميها على التوالي ثم يلف أصابعه حول قدمها المُصابة بينما هي تنزع عباءتها..
صوب مَازن بسرعة نظراته الحارة الى قميص نومها الكاشف الذي كانت ترتديه تحت العباءة.. فتضرجت وجنتا ياسمين بالحمرة القانية فأغمضت عينيها وهمست باسمه بتعثر.. مما جعل مَازن يضحك بخفوت ويتابع ما يفعله..
رفعت ياسمين عينيها بتردد له ومر شبح ابتسامة على ثغرها رغم الألم الذي يفترسها ولكن حنان لمساته التي يغمرها فيها كرفرفات الفراشة حين أجلسها كالأميرة وبدأ بتدليك قدمها.. شعور لا يقاوم.. يجعلها ترتعش بكمية الأحاسيس التي تجتاحها.. كالحلم..
فتحت ياسمين عينيها فجأة عندما وقف مَازن وقال فجأة
((سأذهب لأحضر لك زيتا وأعود فورا))
تسلقت هدى السرير قائلة بأسارير منفرجة وهي تقترب من أمها التي تناولت هاتفها لتتصفحه
((لقد حملك أبي من المطبخ إلى هنا لوحده بسهولة، إنه قوي، لا أريد منه أن يغادر بعد الآن، فهو ينزهني دائما، على عكس عمي مُؤيد الذي يظل يصرخ بقسوة في أولاده))
.
.
عاد مَازن بعد دقائق وانتفض ذاهلا نحو ياسمين وهو يراها تبكي بهيستريا ليعتريه القلق ويتساءل
((ماذا هناك يا ياسمين؟ لماذا تبكين؟))
رفعت ياسمين وجهها المحتقن من البكاء هاتفها وقالت بصوتها المتهدج
((لقد قام أحد أقاربنا بإنزال منشور نعي لأبي على مواقع التواصل الاجتماعي، لقد توفاه الله صباح اليوم بعد معاناته مع مرض القلب إضافة إلى أمراض أخرى))
=============================
كانت سمية جالسة في غرفة المعيشة تحادث رتيل على الهاتف بمواضيع عادية بجانب مَالك وتخبرها عن حال الأولاد قبل أن تجفل على صوت غليظ يطالبها
((أم يزيد أعطيني الهاتف لو سمحتي، سأعيده لك بعد خمس دقائق))
تطلعت سمية لمُؤيد الذي كان يدلف للغرفة متكئا على عكازه ثم نظرت لمَالك الذي أشار لها بوجهه أن تعطي الهاتف لأخيه فهو لا يريد مشاكل معه..
تناول مُؤيد الهاتف منها ثم خرج من المكان ووضع الهاتف على أذنه هاتفا بخشونة عدائية
((مرحبا يا رتيل))
وصله صوت رتيل المغلول والحاقد
((أهلا يا عريس، سمعت من الولدين أنك ستتزوج من صبر ابنة أبي أحمد))
انعقدت غصة في حلقه ابتلعها بصعوبة ثم أجاب
((هذا صحيح.. سأتزوج))
لوهلة عمّ الصمت من جهتها قبل أن تقول بصوتها المشحون
((ستتزوج؟ مبارك يا مُؤيد تزوج، أنا أتمنى لك السعادة من كل قلبي))
غامت عينا مُؤيد بالأسى ولمع شيء فيهما قبل أن يسألها مترددا بصوت يقطر بؤسًا
((هل حقا ما تقولينه يا رتيل؟))
أبعد الهاتف متأوها عن أذنه وهو يسمع هياجها الثائر
((بالطبع لا أيها الأحمق، أنا أتمنى أن تعيش بجحيم مع زوجتك الجديدة، أتمنى أن تفعل بك عجائب الله ولا تتقي الله فيك، أتمنى أن تنكد عليك حياتك ولا تقبل حتى بربع ما كنت أقبله مرغمة، أتمنى أن تنتقم لي منك وتنغص عليك حتى في أقل تفاصيل حياتك))
أطبق مُؤيد على نواجذه يقول مغتاظا
((انظري إلى لسانك الطويل، سأقصه غير آسفا يوما ما..))
قاطعته بصلف ووقاحة
((اخرس، لقد طلقتني ولم يعد لك أي إمرة أو سلطة عليّ..))
ثم تهدج صوتها واختلط بالبكاء بانهيار وبصوت مزقته الشهقات المتتالية طاعنة فؤاده بنصلها المسنن
((أيها الحقير أنا لم أرَ أولادي منذ أشهر.. أخي أعلمني أنهم سيزوجني لأول رجل يطلب يدي، مهما كان وضعه الاجتماعي.. تخيل! سأترك أطفالي للغريب وسأجتهد في تربية أطفال الرجل الذي سأتزوجه.. تبا لك يا مُؤيد.. تبا لك أنا أكرهك))
كانت تبكي بحرقة تمزق نياط القلوب فهي أم مكلومة على فراق ولديها منذ عدة أشهر وتشتاق وجودهم..
وبينما هي مستغرقة بشوقها وحسرتها اندلعت النيران المشتعلة في حدقتيه ليصدح صوته متشبعا بالغضب
((تتزوجين؟ جننتِ؟ ما زلت في عدتك وفي حساب أنك زوجتي، كيف يخططون من الآن لتزويجك! أنا الآن وفي هذه اللحظة أعدتك لي، أما أخويك الأخرقين أقسم أن أُعلمهما درسا لن ينسيانه أبدًا..))
اندلعت في أجواء كل منهما أنفاس مشحونة بجذوة عذاب.. لكن سارع مُؤيد يغلق الهاتف ويلقيه على سريره بقوة والحقد يتوحش في أعماقه تجاه إخوة رتيل.. وجذوة الغيرة في داخله تشتعل لتحرقه وتكوي أوردته بلهيبها لتضحي نيرانا محرقة تسري مسرى الدم في الشرايين لمجرد مرور خاطر في عقله أن رتيل يمكن أن تكون غيره..
تلاشت أنفاسه حتى كادت تخنقه بريقه وهو يعافر نقل الهواء الى رئتيه الضامرة.. أرجع رأسه للخلف مهدئا نفسه أنها قد عادت زوجة له هو وحده.. ولن تكون لغيره..
=============================
في مكتب مُعاذ..
كان مشغولا في عمله.. إذ أنه منذ جاء إلى هذا السجن النسائي وقد أصبح اليوم للنزيلات ورش عمل لا تهدأ.. حيث نجح في جعل العديد منهم ينخرطن في برامج إصلاحية، ومهن تؤهلهن لحرف يدوية تساعدهن بعد قضاء المحكومية دون أن تشعر الوحدة منهم بعدم قبول المجتمع لها.. وليكون منصفا فرغم أن مدير السجن هو إنسان مقصر ومهمل جدًّا في عمله هنا إلا أنه كان متعاونا معه في كل الأمور التي طلبها لتحسين حال السجن ووافق على تكثيف الدورات وانتهاج البرامج والوسائل التأهيلية التي تكفل إعادة دمج النزيلات مع المجتمع من جديد.. فهذا هو ما يحقق رسالة السجن كمؤسسة إصلاحية وتأهيلية..
وجد نفسه بعدما انتهى ينتشل هاتفه من جيبه ويطلب رقما ما وما إن جاءه الرد حتى قال مباشرة
((دارين بخصوص زواجي، أخبريني بعيدا عن المزاح ما هو رأيك به؟))
استغربت دارين اتصال والدها المفاجئ وسؤاله الصادم لكنها قالت ببساطة
((رأيي ما زال نفسه، الذي قلته لك سابقا عندما كنت تخطط قبل ما يقارب السنتين الزواج من امرأة ما، حتى أقدر أخيرا على العيش بجانبك))
شبح ابتسامة مر فوق ثغر مُعاذ وهو يقول
((إذن هل تحبين أن تلتقي بزوجة أبيك المستقبلية؟))
جاءه ردهها اللهف
((نعم، أجل، أنا متحمسة، متى سيكون لقائنا؟))
قال بصوتٍ مرح
((بعد أن تخرج من السجن إن شاء الله))
صمتت لدقيقة ثقيلة قبل أن تقول متشككة
((سجينة عندك؟ هل أنتَ صادق يا أبي؟))
شاب صوت مُعاذ الشقاوة المريرة وهو يرد
((ألن يكون من المثير أن تكون زوجة أبيكِ خريجة سجون؟))
وصله صوت ابنته الواجم
((يبدو أن عليّ أفكر مجددا قبل أن أعيش معك ومعها تحت سقف واحد))
تراجع رأس مُعاذ للخلف قائلا
((لا تقلقي فمسألة خروجها من السجن مسألة وقت، أتابع أمورها مع المحامي ولن يطول بها الأمر قبل ظهور براءتها، هناك حتى شاهدة لصالحها))
صمت مطبق خيمّ بينهما قبل أن تقول دارين بصوتٍ مبهم
((أبي دعنا نتحدث لاحقا))
أغلق الهاتف وهز مُعاذ رأسه بيأس دون أن تنحسر ابتسامته من ابنته.. لكنه متأكد من أنها ستحب شيرين!
ورغم أنه لم يحن وقت فراغه إلا أنه ارتأى أن يذهب عند شيرين قليلا ليتفقد إذا ما كانت بحاجة لشيء..
غادر مكتبه وتوجه نحو قسم الزنازين المنفردة التي تتواجد في داخل زنزانته شيرين فقط.. وفي هذا الوقت بما أنه كالعادة نوبة الحارسة أم محمود..
وجد نفسه كالعادة يطلب منها أن تعطي تنبيها لشيرين أنه قادم وما إن فعلت حتى فتح مُعاذ نافذة الباب متسائلا
((هل الحر شديد هنا في الزنزانة؟))
أجابته شيرين التي كانت تلوح بالكتاب أمامها كمصدر تهوية بالإضافة للمروحة المتحركة فوقها
((نعم ولكن المصيبة في الرطوبة، فهي شديدة جدًّا رغم أنه هناك نافذة، إذا كانت هذه الدنيا فيا رب أجرنا من نار الأخرة))
اقترح لها ((اجلبي الفراش الإسفنجي إذن وغطائك وافرشيهم في البهو))
قطبت حاجبيها بغير فهم ((ماذا تقصد؟))
وضحّ لها بصوته الرخيم الهادئ
((هناك نافذة كبيرة في البهو، ستمر عليك نسمات هواء عليلة لو نمت فيه))
ازداد انعقاد حاجبيها مستهجنة
((ولكن كيف يمكن للسجين أن ينام خارج سجنه!))
جاءت أم محمود لتقول لها بصوتها الحاني
((الحارستين في المناوبة الليلة للزنازين المنفردة معي متعاونات جدًّا وسأتحمل أمامهم مسؤولية أني من سمحت لك بالنوم خارج الزنزانة بعد أن أغلقتُ باب البهو))
ابتسم مُعاذ بشكر وامتنان لأم محمود ثم قال لشيرين
((أنا سأبقى هنا حتى الفجر، وأم محمود ستظل هنا طوال النوبة الليلة، إذا احتجت أي شيء اعلميها))
غادر مُعاذ المكان ولم تستطع شيرين مقاومة النظر إليه يغادر بشعور غريب عنها توقد بكيانها فأفضى في نظراتها لمعة مميزة..
.
.
في الفجر..
طلبت شيرين الاغتسال لتتوضأ لصلاة الفجر بعد أن حظيت بنوم مريح جدًّا وقد نامت في البهو أسفل النافذة الكبيرة..
قالت لها أم محمود وهي تتقدم منها
((يريد سيادة الرائد الدخول عندك قبل مغادرته))
ردت عليها شيرين ببشاشة
((أنا أضع غطاء الرأس، أخبريه أن يأتي))
بمجرد أن توغل مُعاذ للداخل حتى أعلمته
((سأصلي تحت النافذة ثم سأدخل زنزانتي، يمكنك إغلاق الباب خلفي قبل أن تأتي حارسات النوبة الصباحية))
همهم مُعاذ للحظات ثم قال بهدوء
((لا زال الجو حارا عودي بعد الصلاة للنوم هنا وأنا سأعلم حارسات هذه النوبة أني من سمحت لك بذلك))
انتباها الذهول ثم اعترضت
((هل جننت يا مُعاذ؟ هل تريد أن تقع في ورطة بسببي؟ ماذا إذا تم سؤال حارسات النوبة الليلة من قبل من هو أعلى منك مرتبة هنا عمن سمح لي بالنوم هنا!))
أفرج مُعاذ عن ابتسامة جانبية لما قالته ثم ردّ باستخفاف
((لا يهم أنا أستطيع الدفاع عن نفسي))
تعرف شيرين أن مُعاذ مهيب الطلة له حضور مخيف في نفوس الرجال العاملين في هذا السجن ولن يعترض أحد على أي شيء يصدر منه، لكنها لم تكن تريد أن يتضرر في عمله كما حدث في عمله السابق! فنهرته بحزم
((كيف ستدافع عن نفسك لمخالفتك القانون! نومي خارج الزنزانة من الأساس هو أمر غير قانوني))
نظر مُعاذ للحارسة أم محمود يطلب دعمها لتؤيده هاتفة
((لا تقلقي فكما قال سيادة الرائد باب البهو مغلق))
رفضت شيرين حتى الصلاة تحت النافذة وأمسكت الفراش الإسفنجي لتضعه داخل الزنزانة ثم أغلقت الباب عليها وقالت
((أغلقي الباب عليّ يا أم محمود لو سمحتِ قبل أن تغادري، لقد تم نقل مُعاذ إلى هنا ظلما، ولا ينقصه أن يحاسب إذا ما رآني أحد الآن جالسة في البهو بلا سلاسل حديدية، وبلا رقيب أو حسيب))
اتسعت ابتسامة مُعاذ حتى صارت ضحكة خافتة ليقول بسلطة وهيمنة فطرية في صوته دون أن يعير رأيها أي اهتمام
((غادري يا أم محمود معي وانا سأقول للحارسات القادمات أني من سمحت لشيرين المكوث في البهو بحرية))
همّ مُعاذ بالمغادر لكن صفقت شيرين باب الزنزانة بإصرار ومدت يدها من النافذة بصعوبة لتغلقه بالمفتاح الموضوع في مكانه في المقبض قبل أن تسحبه وترميه بعيدا في البهو..
فتسمر مُعاذ مكانه قبل يهز رأسه يمينا ويسارا بيأس منها وعدم رضا ويبارح المكان..
أما شيرين طالعت أم محمود تقول بصرامة
((لو سمحتي التقطي المفتاح وعلقيه في مكانه المحدد))
استجابت أم محمود لما قالته قبل أن تجفلا الاثنتين على عودة مُعاذ مهرولا يقول من بين أنفاسه المتلاحقة
((شيرين لن تصدقي ما عرفته الآن))
نظرات شيرين المستهجنة حثته على المتابعة ليكمل
((لقد اتصل المحامي الخاص بك وأعلمني أن طه استيقظ من الغيبوبة، مسألة خروجك باتت الآن أسرع من قبل))
ارتجفت شفتيها لا تصدق ما تسمعه وإدراك صاعق اكتنف حدقتيها مِمَّا جعلهما تدمعان.. فهي منذ دخولها السجن لم تخشَ الموت من الجوع أو الحر أو البرد أو الظلم الذي تلاقيه هنا بل خشيت أن تموت في انتظار براءتها..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وسبعون 75 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثاني والثلاثون
داخل الخيمة التي نصبت في الشارع المقابل لمنزل والد ياسمين لاحتضان المعزِّين الذين جاؤوا لتقديم واجب العزاء وقف الحاج يعقوب وتلقائيا معه أولاده الذين قدِموا معه يستعدون للمغادرة أيضا مع آخر المعزين بالمكان وقد أسدل الليل ستاره.. لكنه مال نحو مَازن يهمس له
((لا داعي للمغادرة معنا يا مَازن، سيترك مَالك لك سيارته، انتظر حتى ينتهي العزاء عند النساء واصطحب معك زوجتك فالليلة هي الأخيرة للعزاء وربما لا تحب أن تنفرد مع أخيها في بيت واحد فدعها تغادر معك))
تحرك الحاج يعقوب وباقي أولاده تاركين خلفهم مَازن الذي كان ممتنا لما فعله والده.. فقد حاول قدر استطاعته أن يقوم بواجب التعزية على أكمل وجه وتأمين احتياجات بيت العزاء إكرامًا لزوجته ياسمين ومن باب الواجب الأخلاقي خاصة وأنه ليس لدى عائلتها الكثير من المعارف..
بمجرد أن غادر آخر فرد من المُعزين خيمة العزاء حتى توجه مَازن إلى البناية التي يتواجد فيها بيت ياسمين قبل أن يصله صوت خافت من خلفه هادرا
((مَازن إلى أين تذهب؟))
التفت مَازن إلى مجيد شقيق ياسمين الأصغر بينما يجيبه
((اتصلت بياسمين وطلبت منها أن تتجهز حتى نغادر))
ازدرد مجيد ريقه ثم قال بتوتر يغزو وجهه
((إذن ياسمين لن تنام في بيتنا الليلة؟))
ابتسم له مَازن بملامح ودودة رغم شحوبها ثم قال
((لقد باتت طوال الأيام الثلاثة السابقة في بيتكم وآن أوان عودتها كما وعدت ابنتي هدى فهي لم تراها منذ بداية العزاء))
ردّ مجيد له الابتسامة وأومأ برأسه متفهما.. بينما يسير بجانب مَازن إلى شقتهم..
كانت هذه هي أول مرة يتعامل بل يرى مَازن بعد زواجه من أخته لكن خلال الأيام الثلاثة السابقة تعامل معه بأريحية وكأنه يعرفه منذ سنوات إلى الحد الذي اعتبر فيه مَازن أخاه الأكبر الذي لم يمتلكه يومًا..
كان ممتنا لعائلة مَازن رغم أنهم لا يعرفونه فقد كانوا في مقدمة الحضور الذين تواجدوا في كافة إجراءًت الجنازة من دفن وصلاة على جثمان والده في المقبرة وقبول التعازي.. إذ أنه بالكاد تحمّل تبعة نفقات احتياجات المعزِّين الذين تجاوزت أعدادهم المئات، جاؤوا من كل حدبٍ وصوب للقيام بواجب العزاء..
عند وصولهما للشقة تقدمه مجيد وفتح الباب فاسحًا له الطريق للدخول.. ثم قال بود
((يمكنك الدخول، لقد غادرت كل النسوة باستثناء عمتي ستغادر الآن فطائرتها ستقلع بعد ساعات))
دلف مَازن للشقة وبينما كان يتأملها جفل قليلا على صوت عمة ياسمين تتقدم منه وتقول من دون مقدمات بوجهها المحتقن
((لقد كنت لا تسمح لياسمين بزيارة أهلها أو أقاربها منذ زواجك منها، ولكن الآن بعد أن فجعت بوفاة والدها لا يجب عليك أن تستمر بتعنتك هذا، اسمح لها بزيارة أخيها فهو آخر ما تبقى لها من عائلتها.. أفهمت يا بني؟))
شعر مجيد بالحرج أمام مازن، فوالدته قبل وفاتها كانت دائما تبرر للأقارب والجيران عدم زيارة ياسمين لهم هو تعنت زوجها القرويّ وتسلطه..
لكن لأن مَازن يعلم حقيقة موقف عائلتها تجاه زواجهما وقطيعتهم لابنتهم، اكتفى بوعده الخافت للعمة أن يتغير هذا الحال قبل أن يودعها ويتمنى لها السلامة في سفرها..
في الوقت الذي كان مَازن جالسا على أريكة بانتظار ياسمين أن تجهز نفسها شعر بمجيد ينظم إليه بجانبه بادٍ عليه التردد وهو يشبك أصابع يديه مرتبكًا
((مَازن ما رأيك أن تبيت هذه الليلة هنا أنتَ وياسمين!؟ فكما ترى البيت سيكون فارغا إلا مني، لا تشغل بالك بأمر هدى فيمكنني إحضارها من بيتكم إلى هنا لو أعطيتني العنوان))
تطلع إليه مَازن باندهاش للحظات يستوعب ما قاله، وقد آلم قلبه عندما استشعر من كلامه خوفه من فكرة البقاء وحيدا في شقته لأول مرة.. فمظهره يدعو للشفقة كطفل شريد يأمل من أحد أن يأخذ لمأوى أمن.. فهذا الفتي اليافع لا يشابه والده لا في هيئته الخارجية القاسية ولا في شخصيته الصارمة التي عرفها قبلا عنه..
فسارع يستحسن فكرته كي يطمئنه قائلا
((حسنا.. الأمر يستحق، سيارتي معي يمكنني العودة وأخذ هدى لنبيت جميعا هنا))
تهللت أسارير مجيد ملامحه رغم محاولته المحافظة على إخفاء رعشة جسده للرد غير المتوقع.. لكن صدح صوت ياسمين عاليا بتسلط وهي تتقدم منهما
((بل سنعود للبيت الآن))
تهدلت كتفا مجيد وغامت عيناه بخيبة أمل وهو يتطلع الى أخته كأنه يتوسل لها العدول عن قولها لكن رأى نظرة الجفاء والجمود تصوبها نحوه دون هوادة..
في أثناء ذلك مال مَازن من زوجته يخفف من حدة الأجواء هامسا في أذنها
((يبدو أن أخاك يستوحش فكرة النوم وحيدا في المنزل بعد وفاة والدك، دعينا نبيت هنا لعدة أيام.. حتى يعتاد الأمر))
هتفت ياسمين ونظرها لا زال مصوبا على أخيها
((ليس مراهقا صغيرا حتى نخاف عليه، إنه في العشرين من عمره، سيتدبر أمره))
بعد محاولات يائسة من مَازن يستعطفها لإرجاع علاقة الأخوة بينهما بالتودد اللطيف.. ظَّلت على موقفها الجاف لتهتف فيه بصلافة
((قلت.. لا.. لن أفعل يا مَازن))
مضت تسير نحو باب الشقة قبل أن يوقفها صوت مجيد مكانها هادرا
((ياسمين.. أختي))
استدارت ياسمين على عقبيها تكتف ذراعيها أمام صدرها هادرة بتهكم يشوبه برود قاتم
((نعم.. يا حبيب أختك))
استقام مجيد من مكانه هادرا بصوتٍ خفيض متردد يحمل توسلا بين طياته
((أنا لم يسبق وأن رأيت هدى، هل يمكن أن أطلب من مَازن أن يجلبها ونبيت جميعا هنا أرجوكِ))
لم يتغير شيء في ملامح ياسمين الجامدة وهي ترد بجفاء
((لم يسبق وأن طلبت رؤية هدى طوال سنوات عمرها السبعة كما لم يسبق وأن طلبت رؤية أمها، فماذا تغير بعد وفاة والدي؟))
ثم مضت قدما نحو خارج المنزل ولحقها مَازن بعد أن ربت على كتف مجيد ومع بضع كلمات يحثه فيها على أن يتشجع مؤكدا أنه سيواصل الحديث معها في هذا الموضوع.. ليزرع ابتسامة باهتة على وجهه البائس..
سبقها مَازن في الخروج من البناية بخطوات سريعة ظنا بأنها تسير بجانبه لأنها تخاف الظلام إلا أنها كانت شاردة ولم تنتبه الى بركة صغيرة تشكلت بفعل المطر الذي كان لا يزال يهطل بخفوت..
تعثرت قدمها داخلها وسقطت رغم محاولتها الاتزان دون جدوى.. انتبه مَازن لصوت الارتطام فتراجع نحوها يقف أمامها بقلق بالغ
((يا إلهي! هل أنتِ بخير؟))
حاولت ياسمين أن تعتدل بثقل معطفها المشبع بالماء لتقف بصعوبة قبل أن تكتم تأوها وهي تغمغم
((آه.. يا إلهي! قدمي عادت تؤلمني))
أصدر مَازن صوتا محبطا فأطبقت ياسمين شفتيها تطالع وجهه بعينين لامعتين.. حلّ مَازن أزرار معطفه الطويل ثم ناولها إياه وساعدها في ارتدائه وهي تناظره كطفله معاقبة بينما يهتف فيها بحنق
((عليك بارتدائه فإذا جلست على مقعد سيارة مَالك بهذا القميص المتسخ، لن يعيرني إياها مجددا أبد الدهر))
لبّت ياسمين أمره بهدوء وخطت خطوة مترددة بقدميها فانكمشت ملامحها بسبب الألم الحاد الذي اجتاحها فجأة وتمتمت
((بدأت تؤلمني قدمي..))
شهقت بغتته عندما مال مَازن بجسده يمرر ذراعه أسفل ركبتيها ثم اعتدل واقفا.. ليحملها مكملا الطريق نحو السيارة وقد دبت الربكة في كامل جسدها..
راقبها وهي تحاول الصمود بين ذراعيه، رغم ذلك آلمه عبوس وجهها بسبب شعورها بالألم فقال بلطف
((لطيف أن تكوني هادئة كطفله صغيرة بل كابنتي التي تنظر عقابي))
ثم أكمل بعبث ((ما رأيك في إنجاب طفل آخر؟))
كادت أن تتفوه باعتراض إلا أنها تمتمت بكلمات خفيضة وهي تشيح بوجهها عنه عندما رمقها محذرا بعينين جادتين..
تمسكت برقبته جيدا في أثناء سيره مما ساهم في تسلل شعور لذيذ لم يرغب بمقاومته.. قبل أن تنحسر هذه الابتسامة ويتنهد بعمق ويهمس
((ياسو حبيبتي..))
همهمت له ياسمين ليكمل فقال
((لماذا كنت قاسية معه! بالتأكيد هو لم يكن يستطيع في السابق أن يتواصل معك خوفا من والدك، فهو وأمك مخيفان، رأيتهما مرات معدودة في حياتي لكن بقيت لأسابيع أحلم بكوابيس عنهما وعن صدق تهديدهما لي.. ثم مجيد كان مراهقا عندما حدث ما حدث..))
قاطعته باحتدام هادرة
((وأنا كنت مراهقة عندما حدث لي ما حدث، ثم كان بإمكانه أن يتواصل معي أو يزورني ولو خفية دون أن يعلم أبي لكنه لم يفعل! عندما دخلت على حسابات أقاربي كانت آخر منشوراتهم عن تكثيف الدعاء لوالدي بالشفاء من مرضه الذي اشتد عليه، أي أن أخي أخبر الجميع بمرض والدي إلا أنا.. لم يخبرني ولو من باب الإنسانية، الأفضل أن نقطع صلتنا ببعض وننسى أننا كنا أخوة، أساسا لم أراه منذ ثمانية سنوات وكنت سأنسى شكله فقد كبر وتغير))
تحشرج صوت ياسمين لتسترسل وهو لا يزال يسير بها
((زيارة أقاربنا وجيراننا ومعاتبتهن لي على عدم سؤالي عنهم جعلتني أشعر بالحرج الشديد، لذا أريد أن أواظب على زيارة أقاربنا بين الحين والآخر معك))
بعدما أنهت ياسمين كلامها ألقت برأسها على كتفه مسترخية تلفح عنقه بأنفاسها الحارّة المتسارعة تزيد من تسارع نبضات قلبه بوتيرة فائقة مما جعل مَازن يزدرد ريقه بشعور.. لذيذ! فتمتم بصوتٍ أجش ثقيل
((هذا جيد))
عمّ الصمت بينهما لدقائق ومَازن لا يزال يحملها ليسمعها فجأة تقول وتكسر الصمت بصوتٍ غريب عنها
((ما أصعب أن يقتلوني وأنا على قيد الحياة من تربطني بهم رابطة الدم.. حتى أخي هذا أنا من علمته كيف يتهجَّأ الحروف وأنا من كنت أذاكر له وأوصله لمدرسته.. لكن في النهاية كان هو من اتفق معهم عليّ))
زفر مَازن أنفاسا محتدة كانت تجيش في صدره وقد شعر بألم يتضاعف من أجلها.. ما مرّ به مقارنة بها لا شيء.. إذ أن إخوته الأربعة لطالما كانوا يساندونه متى ما احتاجهم.. رغم قسوة مُعاذ معه أحيانا.. ولؤم مُؤيد معه في أحيانٍ أخرى إلا أنه يعرف أنهما لن يتخليا عنه وقت الحاجة والضيق..
بمجرد أن وصل إلى السيارة ساندها بالوقوف حارصا ألا تضغط على قدمها المتألمة وفتح باب المقعد الأمامي ثم ساعدها بالجلوس، بعدها استقر هو خلف المقود غير آبه لملابسهما الملوثة بالوحل..
هم بتشغيل السيارة قبل أن يهتف بإحباط عاليا
((مَالك العبقري كيف أعطاني السيارة بهذا الحال!))
نظرت ياسمين باستغراب له ليردف
((ابتهلي يا ياسو أن يكفينا الوقود طوال طريقنا للقرية))
أشارت له بعفوية
((اذهب فقط لمحطة الوقود لتعبئها))
((لكن حاليا لا أملك مالا.. أنتِ تعرفين أن والدي امتنع عن إعطائي المصروف وكل ما معي قارب على الانتهاء))
أمسكت ياسمين حقيبتها وأخرجت من المحفظة حفنة من النقود وقالت
((خذ النقود واذهب لتعبئة الخزان بالوقود.. هيا لقد تأخرنا))
تغضن جبينه بالضيق ممتنعا
((يستحيل أن آخذ نقودا من زوجتي))
هتفت به مستنكرة وهي تناوله النقود عنوة
((ولكن تقبل أن تقود سيارة شبه فارغة من الوقود يمكن أن تتوقف بنا في منتصف الطريق!))
استجاب لها على مضض بينما تتابع قائلة وهي تدس مالا في جيب قميصه بقوة لا تقبل أي اعتراض منه
((خذ هذا المال الإضافي لحالة طوارئ تمر بها.. مالي هو مَالك، فوالدك من يعطيني مصروفي))
عندما وصلا ترجلت ياسمين من السيارة وهي تعرج إلا أن مَازن حملها مرة أخرى يصعد بها درجات السلم رغم اعتراضها الواهن..
بمجرد أن فتح باب جناحهما حتى شهقت بخوف وتراجعت خطوتين للخلف ترفض الدخول والظلام الدامس يعم المكان مما جعل مَازن يسارع لإدراكها وفتح الإنارة ثم أمسك يدها ودفعها للدخول
((لا داع للخوف.. أنا معك..))
بدأت تنزع ملابسها المتسخة مما جعل مَازن يقول بشقاوة يقصد بها التخفيف عنها
((إذن هل أساعدك في الاستحمام؟))
تضرجت وجنتيها بالحمرة وقالت وهي تتحاشى النظر له
((فقط قدمي هي ما تؤلمني ولست مشلولة))
دخلت للحمام لتغتسل، أثناء ذلك تفقد مَازن ابنته هدى فوجدها مستغرقة بالنوم، ليعود بعدها يأخذ حماما ينزع عنه إرهاق اليوم..
ما إن خرج مَازن وهو يرتدي مئزره حتى تفاجأ بجسد ياسمين مكوم على السرير وقد دفنت وجهها في الوسادة تصدر شهقات مكتومة..
لا بد أنها تبكي على أبيها رغم ادعائها بتجاوز موته بعد مرور أيام على وفاته..
تنهد مخرجًا بعضا من حرارة صدره قبل أن يرتدي ملابسه ثم يقترب بخطوات صامتة لم تشعر بها المكومة في دوامة حزنها..
مد راحة يده نحو كتفها الرقيق يتلمسها فانتفضت ورفعت وجهها المتورم نحوه.. اضطرب قلبه في صدره متألما على هيئتها، انتفاخ عينيها الحمراء وذبول وجهها وذاك التشتت والضياع الساكن في عينها..
رفعها بتريث ووضعها فوق حجره.. وهي لم تتمنع حضنه كأنها كانت تنتظره منه.. أسندت رأسها لتريحه فوق صدره الصلب وهي تنتحب بصوت خفيض متألم..
شُل لسانه للحظات عاجزا عن الإتيان بأي كلمة مواساة..
لكن صدمه تشبثها به هكذا وقد قررت أخيرا أن تشاركه أحزانها!
اكتفى أن حاوطها برقة بين ذراعيه وأخذ يمسح على شعرها المُبتل وهو يهدهدها بهمس خفيف قرب أذنها
((هشش يا ياسو.. اهدئي.. كل شيء سيكون بخير.. أعدك))
أخذت تتشبث بملابسه بكفيها بقوة وهي تنوح بالألم والبكاء
((لقد مات أبي.. لقد مات ولم يراني أو يتحدث معي منذ زواجي! رغم أني لم أخطأ بشيء يستدعي سخطه عليّ وعدم رضاه طوال تلك السنوات! أي ظلم مجحف هذا!))
ضمها أكثر تجاه صدره وأخذ يرد بهمس
((لقد توفاه الله وانتهى الأمر فلا داعي للتحّسر، ادعي لوالدك بالرحمة وتصدقي باسمه، واجبك أن تبري به وبأمك بعد موتهما مهما فعلا))
ظل يربت على ظهرها بيد حانية بمؤازرة حتى أنهكها النحيب والحزن.. فتراخت عيناها وسكنت بين أحضانه إلا من شهقات صغيرة مازالت تتدافع من فمها في غمرة سكونها..
وعندما ثقل جسدها بأكمله عليه وتراخى مؤكدًا نومها التام رفعها بتروي من ذراعيه ومددها فوق جانبها من فراشهما ببطء ثم دثرها جيدًا..
أغلق الإنارة وأضاء الأباجورة كما العادة ثم تمدد بجانبها وهو يشعر بدغدغة تسري في وجدانه، مشاعر غريبة ولكن محببة، راقية تطفو به تجاه ياسمين..
أمضى دقائق يمرر ظاهر كفة برقة شديدة على وجهها الرقيق يرسم نعومته قبل أن يغفو هو أيضا ويخلد للنوم بفعل الإرهاق..
.
.
صباحا..
فتحت ياسمين جفنيها بتثاقل تأخذ نفسًا عميقًا سرعان ما بترته حينما شعرت بجسد دافئ يحتضنها بحنان وأنفاسه الساخنة تلفح عنقها وخدها المقابل له!
اختض جسدها بعُنف وهي تهمس بإعياء
((ماذا حدث؟))
شدَّد مَازن على احتضانها وهو يمرر يده على ظهرها قائلًا
((هذا أنا يا ياسو، ما الذي جعلك تستيقظين الآن!))
دبت القشعريرة في أطرافها وهي تعض على شفتها ما إن تذكرت بكاءها ليلة الأمس فوق صدره فحاولت أن تنسلَّ بقوة من أحضانه تقول بتوتر
((سأذهب.. كي.. أجهز هدى لمدرستها))
بعد مدة جلسوا على مائدة الفطور حيث العائلة مجتمعة قبل أن ينضم مَازن لهم..
تطلع الحاج يعقوب باستغراب من استيقاظه بهذا الوقت هاتفا بفضول
((إلى أين ذاهب وأنت ترتدي ملابسك يا مَازن في هذا الصباح الباكر؟ هل بدأت عملا لا سمح الله؟))
أجاب مَازن وهو يزيح الكرسي ليجلس عليه
((سأذهب لأشتري هدية لصديقي الذي سأزوره مع باقي رفاقي فقد رزقه الله بمولود جديد))
عقد يعقوب حاجبيه بحنق وتساءل يناظر زوجته
((ومن أين لك بالمال ثمنا لشراء الهدية!؟ ألم ينفذ المال الذي أعطاه مُعاذ لك في البطاقة بعد؟))
سارعت زاهية تنفي التهمة عنها مما جعل مَازن يعقب بانزعاج
((أبي لا تنظر لأمي بهذا الشكل، أنا لم أطلب منها بعد أن استحلفتها بالله ألا تعطيني، ياسمين هي من فعلت))
وجه يعقوب أنظاره لياسمين بسخط وقال
((أرى أن عليّ التوقف عن إعطاء ياسمين هي الأخرى مصروفا بما أن زوجها عاد من السفر وصار ملزما بها))
نكست ياسمين رأسها حرجا لكن تابع يعقوب كلامه بخشونة
((ياسمين نحن نؤويك ونطعمك بالمجان أنتِ وابنتك، أما باقي نفقاتك فاعتمدي بها على زوجك))
اعترض مَازن بضيق
((أبي لا تتصرف بهذا الشكل، أنتَ تعرف أنى بحاجة لدعم مالي منك حتى أجد عملا))
هتف به يعقوب بامتعاض
((لن تجد عملا أبدًا طالما تجد من ينفق عليك، وهذا ما لن أقبله بعد أن دفعت دم قلبي واستثمرته فيك أنتَ وحدك دون إخوتك في الغربة من نفقات جامعية ومعيشية))
ثم عاد يعقوب يناظر ياسمين ويهتف بها بجدية
((ألا تحبين المشغولات اليدوية وصنعها وتعليمها! إذن اجعلي من هذه الهواية مهنة لك لتعيلي بها ابنتك وزوجك ما دمت لا تحثينه على إيجاد عمل))
غمغم مَازن حانقا
((أبي هل تعرف ماذا!؟ أنا أتمنى أن أعود للخارج حيثما كنت، مقابل أن تعود للإنفاق عليّ فالوضع بات لا يُحتمل هنا))
ردَّ عليه يعقوب بحزم لا يحمل المرح
((لا تحلم أن أعيدك للخارج، وإذا ما صدر عنك أي تصرف غير مقبول ببساطة سألقيك في العراء!))
فجأة همست هدى لأمها بصوتٍ خائف مسموع
((أمي هل سيغادر أبي!؟ أنا لا أريده أن يبتعد عنا أبدًا))
تغرغرت الدموع بعيني هدى وتركت الملعقة من يدها ثم اندفعت تحضن والدها هاتفة
((أبي.. لا تسافر.. لا أريدك أن تبتعد عنا))
كان تعانق مَازن بشدة مِمَّا جعله يربت فوق ظهرها ويقول مطمئنا
((لا تقلقي يا ابنة أبيكِ، أنا لن أغادر لأي مكان بدونك، كيف أعيش بمكان لا تتواجد فيه هدى!))
=============================
صريرٌ مقيت اقتحم عقل وليد وأزعج سباته فانتفض واقفا من مكانه قبل أن يتناهى إلى سمعه طرقات فوق الباب مع صوت موظف الفندق يعلمه أن طعام الغداء جاهز..
تحلى بثبات مزيف ثم نظر من العين السحرية يتأكد من هوية الطارق قبل أن يفتح الباب بمقدار يسمح لمرور صينية الطعام فقط ثم يعاود إغلاق كل أقفال الباب المصنوعة من معدنٍ قوي صعب بل مستحيل الكسر..
منذ أن وصل هذه البلاد ورسائل التهديد تتوافد على هاتفه ولا تتوقف، رغم أنه لم يخبر أحدا عن اسم البلد التي سافر إليها ولا رقم هاتفه الجديد إلا لأعز أصدقائه..
تنهد ببؤس.. فقد أضحى لا يفعل شيئا هنا إلا الاختباء كالجبناء في هذا الفندق الباهظ المعروف بحرفية أجهزة أمنه.. فلا يذهب لعمل ولا تسوق ولا لزيارة أحد حتى!
يفكر بشكل جدي بإخبار الشرطة أو مخابرات هذه البلاد بما يتعرض له من تهديدات إذ أنه لا يستطيع العيش للأبد في فندق يستنزف منه في كل ليلة يقضيها فيه ثروة صغيرة ستلتهم كل مدخراته التي لم يظن أنها قد تنتهي يوما!
أبعد الطعام عنه ولم يجد في نفسه أي رغبة لأكل شيء يقوي جسده العليل ثم ارتمى على سريره..
عيناه حمراوان من فرط السهر والتدخين الذي عاد له.. جسده الذي هزل ينتفض بتوتر أضحى ملازما له..
ملامحه جامدة غريبة لا تشعر من يراه برأفة قلب ولا استسلام لكنها.. موجوعة..
أخرج سيجارته كي يشعلها وبدأ يمج منها قبل أن ينتشل هاتفه من جيبه.. طلب رقما وما إن جاءه رد صديقه حتى قال بصوتٍ أخشوشن بفعل إفراط التدخين
((قد أغير مجددا رقم هاتفي قريبا إلى آخر، وسأكتفي بإعلامك به أنتَ وشخصين آخرين، لعل ذاك الوغد الذي يلاحقني لا يجد لرقمي سبيلا))
قال صديقه باستياء
((أنا أرى أنك تبالغ يا وليد جدًّا بما تجبر نفسك على عيشه! ماذا لو لم تتوقف تلك الرسائل بالوصول إليك؟ هل ستفني عمرك في تلك البلاد بهذا الشكل؟ أنا أنصحك أن تعود للبلاد وتبلغ الشرطة بما تتعرض له وهي ستتولى مهمة حمايتك))
لم يتجاوب وليد مع اقتراح صديقه ليقول بنبرة مهمومة وملامح مُغتمة
((لا، لا يا صديقي أنا لا أثق بشرطة أو رجال أمن بلادي، ولا أثق أنهم سينجحون بحمايتي بعد أن فشلوا بحماية ابن ذاك الرجل المهم!))
بدا صديقه مُلحا بِحثه على العودة وهو يردد عليه مستغلا نقطة ضعفه بهوسه المتملك لشيرين
((وماذا بشأن شيرين؟ ألا يمكن أن تعود ولو من أجلها حتى لا تخسرها؟ قد تخرج قريبا من السجن ثم تضيع منك للأبد))
بدا وليد ساكنا ظاهريا لمن يستمع إليه.. لكن عند ذكر شيرين بدأ داخله يحترق بنيران غاشمة.. وتمنى لو أن الحريق الذي يشتعل داخله يأكله..
مَجّ من سيجارته وهو يحدق بالفراغ عبر الدخان، والألم يجعل يده التي تمسك بالسيجارة ترتعش.. ليرد بوجع عميق لأبعد وأظلم أعماقه
((لا تقلق، أنا أحاول بقدر ما أستطيع أن أتابع المستجدات بقضيتها، لن تخرج من السجن قبل مدة..))
شابت نبرة صديقه عنجهية وهو يهتف به
((وهل تظن أن بقاءها في السجن لوقت أطول سيكون من مصلحتك؟ لقد خسرت في السجن طفلك، وإذا بقيتْ هناك أكثر قد تخسر حياتها، يمكن أن تُقتل أو تعذب من قبل البلطجية من النزيلات النساء.. حينها، ما قيمة حياتك بدونها؟))
على إثر ما قاله صديقه ويمكن أن يحدث لشيرين طافت تلك الخواطر التي يحاول جاهدا ألا يفكر بها حتى لا يفقد صوابه ويعود فورا للبلاد.. بدأ ضميره يصحو فيجذبه للقاع ولا يجد حافة النجاة ليتعلق بها..
أغمض وليد عينيه على وخز جسده لعله ينفض شيئا من الألم الذي يكتسحه ثم زعق بصوتٍ مطعم بالعذاب
((اصمت فقط! هل تظنني سعيد بإبقائها هناك في السجن؟ أبــــــدًا! ولكن ما باليد حيلة!))
أطلق صديقه تنهيدة عميقة ثم قال بعفوية مصطنعة قاصدا إيلامه لعله يعود للبلاد
((حسنًا، كما تريد، ولكن يبدو أن المسكينة تقضي أسوأ أيامها في السجن بعد أن زجت فيه هناك ظلمًا، وأنتَ ترفض مساعدتها أو دعمها ولو معنويا، كأنه لا يكفي ما فعلته بها قبل ذلك جاعلا منها بقايا أنثى))
بدأ شعور وليد بالذنب نحوها يتفاقم أكثر وأكثر فيوخز ضميره بقسوة كأشواك دامية.. يفكر بمعاناة شيرين في سجن النساء فيتشنج كل ما فيه عذابًا ووجعًا وندمًا على كل ما آلت له الأمور بسبب تجبره وأنانية المجحفة.. سيصعب عليه لاحقا مراضاتها ومحو كل ما فعله بها!
ازدرد ريقه وهو يشعر أنه في هذه اللحظة في حالة انهيار.. ممزق القلب يعاني نزاعًا مؤلمًا بين الحياة والموت.. ضائع بين دوامة سقوطه وثبات كبريائه المزيف..
إذا كان هو قد جعلها بقايا أنثى، فهي غادرته حطام رجل..
=============================
شقة مُعاذ..
وقف مُعاذ أمام غرفة دارين يتطلع لها بعدما انتهى من إلصاق ورق الحائط الملون بزهور صغيرة مرقطة على جدرانها ثم قال بزهو
((ها.. ما رأيك! هل أعجبك ديكور الحائط؟))
أجابته دارين الواقفة في الركن الذي يتدلى فيه عريشة ورود ممتدة حتى تكاد تلامسها
((أعجبتني جدًّا يا أبي، أنا لا زلت لا أصدق حتى الآن أني انتقلت للعيش معك))
توجهت دارين نحو فراشها الموضوع في الزاوية تكدسه بالوسائد المطرزة واللحف من صنع جدتها أم والدتها ثم جلست على المفرش القطني.. سمعت والدها يقول بنبرة تحمل اعتذارا من بين طياتها
((صدقيني كنت أريد جلبك للعيش هنا معي منذ زمن ولكن صغر سنك ما كان يمنعني، لكن الآن وقد كبرتي قليلا فحتى لو بقيتُ طوال الليل في الخارج أستطيع أن أطمأن من أنك أحكمتِ إغلاق نوافذ وأبواب الشقة))
ابتسمت له متفهمة ثم لفها المرح وهي تشاكسه
((إذن.. متى ستخرج حبيبتك السجينة من السجن وتتزوجها وتبدأ العيش هنا حتى لا تقلق أبدًا عليّ أثناء خروجك؟))
انزعجت ملامح مُعاذ محذرا
((إذا قلتي يا دارين عن شيرين "حبيبة سجينة" مرة أخرى سأقوم بإتلاف كل دُماك المحشوة، ناديها خالة شيرين فقط، هل فهمتي؟))
هزت دارين رأسها بلهفة له تعده ألا ينفلت لسانها ولو عن طريق الخطأ بأي شيء متعلق بشيرين..
ناظر مُعاذ السجاد أرضا ثم قال مُنبها
((هذا السجاد أيضًا صنعته جدتك بيدها فاهتمي به))
قطبت حاجبيها متذكرة شيئا ثم قالت بصراحة
((أخبرتني جدتي بأنك إذا تزوجت، ستواظب على زيارتي من وقت لآخر لتتأكد من أن زوجتك لن تسيء معاملتي))
فكر معاذ قليلا بحماته التي لم تحبه يوما.. ثم عقب بمرح شاحب
((سأخبرها عندما تأتي أن تتأكد من أنك أنتِ لا تسيئين معاملة زوجتي))
جلس مُعاذ على كرسي الخيزران الذي يقبع أمام نافذة الغرفة المطلة على الساحة الخلفية للشقة.. شاردا بأفكاره لدقائق قبل أن تنتشله دارين منها هادرة بجدية طفولية وهي تهز كتفها
((أبي ألست مسؤولا مهما في السجن؟ لماذا لا تخرجها منه دون أن يعلم أحد فقد يتأخر موعد خروجها!))
=============================
صعد مَالك درجات السلم بقفزات سريعة لهفة بعد أن أخبرته زوجته الحبيبة برسالة هاتفية أنَّ الليلة أعدت له مفاجأة سيحبها!
فتح الباب بحماس وسرعان ما تجهمت ملامحه وسرت خيبة الأمل فيه تدريجيا وهو يرى سمية تستقبله وهي ترتدي منامة نوم عادية بل وحتى أن يزيد جالس على الفراش..
يبدو أن المفاجأة من نوع آخر مختلف عما كان يتخيله.. ويرغب به بحق! فأرغم نفسه أن يبتسم بتشنج وتساءل
((إذن ما هي الهدية التي حمستني من أجلها أن أعود من مباراة الكرة مع أصدقائي؟))
عقدت سمية حاجبيها تعاتبه برقة
((لم أحثك على الاستعجال في العودة، قلت لك أن هناك مفاجئة ستجدها عندما تصل البيت))
رفع حاجبيه وحثها على الإكمال دون أن تنحسر ابتسامته المرغمة ((والتي هي؟))
أشرق وجهها ببشاشة وهي تشير بيدها على ملفاته فوق الطاولة
((المفاجأة أني منذ مغادرتك صباحا حتى قبل ساعة وأنا أعمل على نقل علامات طلابك وأنهيتها جميعها وتأكدت من كل سجل مرتين على الأقل))
غزت أمارات خيبة الأمل تماما وجه مَالك!
لكن أرغم نفسه أكثر على إبقاء ابتسامته المصطنعة مرسومة على وجهه.. فلم يرد أن يعلمها أي شيء عن إحباطه منها ومن مفاجأتها بعد كل هذا المجهود المضني الكبير الذي بذلته من أجله في عمل مدرسته..
خاصة بأنه لو قام بهذه المهمة كان ليأخذ الأمر منه أياما طويلة فهو بطيء في إنجاز الأشياء المملة التي يبغضها..
شعرت سمية بخطب ما فسارع بشكر وهو يقبل وجنتيها
((شكرا لك يا حبيبتي، أتعبت نفسك))
توترت ملامح سمية لكنها قالت بعاطفة
((على العكس، بل أجمل شيء في زواجي بك هو أني بتُ قادرة على مساعدتك فيما تحتاجه دون أي حواجز، في الماضي كنت أرغب بشدة أن أساعدك في مثل هذه الأمور لكن أتراجع عن ذلك لأنه ليس هناك ما يربطنا))
كان ممتنا حقا لها فرفع الكيس الفخم الذي يحمله بيده أمام وجهها ثم قال
((اشتريت هدية لك أثناء عودتي))
وقبل أن يبدد فضولها عن مضمون الهدية اقترب من ابنه يداعب وجنته المتوردة هادرا
((هيا يا حبيبي اذهب لغرفتك فقد حان وقت النوم!))
أومأ يزيد له بتهذيب فقبل مَالك مقدمة رأسه وهو يقول
((طابت ليلتك بني))
ما إن أوصد يزيد الباب خلفه حتى التمعت عينا مَالك بالخبث المحبب وهو يفتح الهدية أمامها..
أخرج غلالة نوم من العلبة حتى استشعر بتوتر هيئتها فسألها بنبرة عفوية
((هل جئت بهذه الهدية لك في وقت غير مناسب؟))
تطلعت له بملامح مشتتة فهي تعرف أن هناك طلبًا خفيًا يكمن وراء هذه الهدية وأمر غير مباشر لسهرة على قدر قيمتها ورفاهيتها..
ازدردت ريقها وشعرت بضغط يجتاحها ويتحول لمخاوف من عدم تمكينها تقديم رغبات يريدها أو إبهاره بأكثر مما يتوقع!
بدأت تداهمها أفكار على أنه يلاحظ أنها لم تعد تلك المرأة العشرينية التي تزوج منها قبل سنوات.. وخفتت لهفته ورغبته بها في مثل هذه الأمور..
فرقع بأصبعيه كي تجتذب انتباهها.. فحاولت الحفاظ على وتيرة نبضاتها وهي تُقْبِل عليه بينما تستمع لهمسه
((هل أعجبتك حبيبتي؟))
ابتسمت له وهي تهز رأسها بإيجاب وبنبرة هادئة
((طبعا.. غاية في الروعة))
ثم أكملت قائلة بتوتر
((أعددت لك حماما دافئا كما تحب، اذهب لتستحم وأثناء ذلك سأجهز العشاء لأحضره لهنا))
بعد مدة وجيزة جفف شعره وشعر بها تقترب منه وتسرح شعره المموج كما هي معتادة.. بينما تسمعه يهمس بشغف وهو ينظر لها بافتتان عاشق
((تبدين جميلة الليلة أكثر من المعتاد))
توردت وجنتاها في حياء وتلعثمت تنطق بأحرف مبعثرة قبل أن تبتعد عنه بارتباك
((شكرا.. لك..))
بئسا...!! لم تكن الإجابة التي ينتظرها منها!
فقد مرّ على زواجهما أشهر عديد وبطنها انتفخ بشكل ملحوظ.. فلماذا لا يزال الخجل يلفها حتى الآن!
لماذا لا تغازله كما يغازلها دون الحاجة أن يطلب هو منها ذلك! لماذا لا تكون جريئة وتسقيه الوله كأنه عشيق وحبيب تبغي مرضاته وتنثر عشقها على أوتاره قبل أن تذوب فيه!
ما يمنعه حتى الآن من الإشارة إلى هذا الأمر وعدم التذمر هو أن مثل هذه الأمور لا تُطلب ووجب عليها هي أن تفهمها من تلقاء نفسها!
انتبه مَالك لها تقترب منه حاملة صينية عشاء تحوي أطباقًا عديدةً لتقول بوجهها البشوش
((لم أتناول العشاء مع عائلتك الليلة حتى أشاركك إياه))
كاد يسيل لعابه على الأطباق الشهية التي صنعتها بيديها، من صدر الدجاج الرومي المحشو بالخضار وشوربة الدجاج بالكريمة والفطر..
راقبته مبتسمة وهو يُجهز على العشاء بنهم محبب لقلبها بعد يوم متعب في لعب كرة القدم.. وكانت تلقمه من أصابعها بين الفينة والأخرى تضيف فوق شهية الطعام لذة الرومانسية.. قال هادرا وتركيزه منصب على الطعام
((صديقي المقرب الذي يعمل معي في نفس المدرسة، تعرفينه! سيتزوج قريبا من امرأة تسكن في العاصمة لذا سيقيم حفل زفافه في إحدى الفنادق هناك قريبا، ففكرت أن نذهب سويا حتى نبتاع ملابس لنا تليق بالمناسبة))
نظرت له بانتباه ثم قالت بشيء من التردد
((لا داعي لتكلف نفسك ثمن ثوب جديد، عندي العديد من الأثواب المناسبة لحفلات الزفاف))
أصَّر عليها بعد أن ارتشف من كأس العصير
((الأمر مختلف يا سمية، الأعراس في المدينة ليست كما في القرية، لذا يجب أن يكون الذوق أوفر نوعا ما، تفهمين قصدي؟))
اعتراها ارتباك وردت بخفوت
((لست مرتاحة للذهاب هناك، هل ذهابي معك ضروري؟))
رفع وجهه لها عاقد الحاجبين وقال بتأكيد
((نعم ضروري جدًّا، وقد نذهب بين الحين والآخر في أمسيات مع أصدقائي وزوجاتهم، ستجلسين مع النساء على طاولة وسأجلس أنا مع أصدقائي.. بالتأكيد والديّ لا يعرفان أي شيء عن هذه الأمور ولا يحبذونها لذا حاولي ألا تخبريهم أي شيء عن وقتنا في الخارج))
رفعت حاجبيها بدهشة وكل ما في مَالك من أمور لم تلمسها من قبل تجذبها لاكتشاف أسراره وسجاياه التي لم يسبق وأن أظهرها لها.. فقالت بتلاعب
((سفريات.. فنادق فارهة، أمسيات! أنتَ منفتح كثيرًا، لم اعتقد أن لك أسرار تخفيها عن والديك))
انشق طرف ثغره عن ابتسامة جانبية يناكفها وهو يغمز لها بإحدى عينيه
((مع الأيام يا عزيزتي ستكتشفين المزيد من الأسرار التي اخفيها عن أعز أصدقائي))
ضحكت بخفوت له وحثت نفسها ألا تتوتر..
لم التوتر؟ هو لا يطالبها بالكثير! فقط يريد منها مجاراته لتناسب أفكاره وأسلوب حياته..
هي زوجته.. وبدلا من إشعاره بأنها لا تستطيع مواكبته أو الفعل كل ما يرضي علاقتهما مادامت حلالا، فلماذا لا تعطي لنفسها فرصة لاكتشاف تلك الحياة التي لم يسبق وأن أخبرها عنها من قبل لعلها تناسبها هي الأخرى؟
في النهاية هي لا تريد أكثر من أن تعرف كيف تسعده كما يسعدها..
رفعت إبهامها لجانب ثغره تزيح بقايا أثر طعام علق دون أن يشعر في غمرة نهمه.. وبرقة بالغة، قبل أن تقول له
((حسنا سنذهب سويا لشراء ملابس جديدة من أجل حفل زفاف صديقك))
حذرها بجدية
((أنا لا أحب قضاء أوقات طويلة في التسوق وتوابعه، لذا سننهي جولة التسوق خلال ساعة على أكبر تقدير))
قهقهت بغنج وطمأنته ألا يقلق من هذه الناحية، ثم بدأت ترص الأطباق فوق المنضدة وكانت تهم بالوقوف عندما أمسك كفها يجتذبها لصدره هتفت به متفاجئة
((مَالك انتظر للحظة..))
همس مشتعلًا بعاطفة زادت رغبته بها من أثر روحه التواقة لها
((لاحقا، هناك أمر علي إنجازه الآن))
=============================
سجن النساء..
هزَّ قُصي رأسه بإعجاب متهكم ثم قال لشيرين التي تجلس مقابله خلف الزجاج
((ما شاء الله كل يوم معاقبة بحبس انفرادي ومحرومة من الزيارات، لولا المحامي الذي يعلم يوسف أخبارك، لما عرف شيئا بدوري عنك! هل هذه هي نفس مشرفتي الصارمة السابقة التي تكره أن تلمح أي خطأ؟))
امتعضت ملامح شيرين من مزاحه إلا أنها قالت ببسمة متبخترة تشق وجهها الذابل
((ما يهمني هو أن طه استيقظ، لن يطول بقائي هنا))
قال فرحا لأجل حريتها القريبة
((نعم والشرطة ستقوم بأخذ أقواله مرة أخرى بعد أن تتحسن حالته، لكن مسألة براءتك وخروجك وشيكة))
أخذت شيرين نفسا طويلا عميقا لتزفر أنفاسا أخرى مترسبة في داخلها وتربت على قلبها ثم قالت بامتنان وعرفان
((لو تعلم فقط مقدار الامتنان الذي أكنه لك وسهر خاصة عند زياراتكم لي! زيارتكما دائما تكون بمثابة جرعة حياة في وحشة السجن))
ثم شبكت أصابعها ببعضهم وأردفت باهتمام حقيقي
((ها.. قُصي أخبرني ما هي آخر أخبارك مع سهر؟ إنها متحفظة جدًّا بالحديث عن علاقتكما، حتى أنها لم تذكر لي موضوع عملك معها في نفس المطعم))
كتم قُصي تأوها متألما ووضع يده فوق معدته لعله يهدئ ذلك الألم الملازم له منذ مدة.. ثم قال بصوتٍ محتقن متهكما بقتامة
((إذا كان هناك أمل في الماضي لعلاقتنا أن تتم فقد انجلى هذا الأمل، أنا لست قريبا حتى من إخبارها الحقيقة))
استهجنت شيرين مما يقول فقالت
((متى تنوي أن تخبرها حقيقتك وأنك لم تكن كاذبا بشكل كامل، أعنى لم تكن مدير شركة لكنك كنت تعمل فعلا في شركة عائلتك، وقد لا تكون معظم الأموال والأملاك مسجلة باسمك لكن لك نصيب من الإرث المنهوب من حقك!))
قال قصي بعد أن زفر عدة أنفاس كانت تجيش في صدره
((لكن أولًا عليّ مُكرها أن أصالح عمي وأطلب من أمي أن تقنعه بشراء منزل فاره لي وتسجيله باسمي، ثم أقنعه أن يعيدني لشركة القاني بمنصب مرموق يدر عليّ دخلًا مقبولًا.. وبعدها سأعترف لسهر وأمها بكل شيء، وإلا لا فائدة من البوح بالحقيقة))
اعترضت شيرين قائلة
((بمجرد أن تعرف أمها حقيقتك ستفقد عقلها فهي لم تحلم يوما بامتلاك صهر سليل لعائلة القاني، بغض النظر عن حالتك البائسة))
ابتسم قصي لها بشحوب، إذ أنها تبالغ كثيرًا وتظن أنه هناك فائدة جلية من اسم عائلته.. ثم قال
((لا أظن ذلك، أساسًا، هذا سبب عدم موافقة والد سهر عليّ في البداية وإمهالي مدة طويلة مليئة بالتأجيلات حتى أدبر أموري بوظيفة ثابتة، متأكد أنه نادم على ثقته بي))
قطع عليهما النقاش ذلك الصوت الرجولي الخشن
((كأن الزيارة طالت يا شيرين؟))
تغضّن جبين قُصي بغضب وطالع مُعاذ جامد الملامح ومشدود التعابير معترضا
((لا لم تطل أيها الحارس، لو سمحت اتركنا على راحتنا))
اتسعت عينا شيرين واستدارت برأسها تنظر من فوق كتفها لمُعاذ ثم عادت تنظر لقصي بهمس غاضب
((أصمت، وانظر إلى النجوم التي تعلو بذلته.. إنه ليس حارسا.. هذا الذي أمامك هو سيادة الرائد مُعاذ الكانز احترم نفسك وأنت تحدثه))
ضَّيق قُصي عينيه شاردا للحظات قبل أن يتساءل بتعجب
((مُعاذ الكانز؟ آه.. ماذا يقرب لوليد الكانز الذي كان يهدد قريب والد سهر؟))
انتفضت شيرين واقفة وقالت بنزق
((انتهت الزيارة.. يكفي، إلى اللقاء))
ابتعدت شيرين تاركة قُصي مكانه مصدوما مذهولا من تحولها المفاجئ! لكنه شعر بشيء من السعادة لها.. وله أيضًا.. بعد أن فهم علاقتهما..
أخيرا سيأتي من يحمل عنه حمل شيرين أخيرا!
لكن شيرين لم تدرِ سبب الارتباك الذي اجتاحها بغتة، وتصاعد شعور الخوف أن يسيء مُعاذ فهم زيارة قُصي لها.. إذ أنها رغم ما يصيب إحساسها تجاهه، تدرك جيدا استحالة اكتمال علاقتها مع مُعاذ..
وقف مُعاذ بجانبها وأشار لها أن تسير معه فاستغربت لوهلة أنه من سيرافقها لزنزانتها فرفعت نحوه قبضتيها أمامه متسائلة
((أليس عليك وضع الأصفاد؟!))
سلط حدقتيه المشتعلتين وكأنهما تنذراها بأمر خطير نحوها بتركيز شديد.. مصدرا صوتا متهكما قبل أن يتساءل بجفاء
((من هو قصي سامح؟))
ازدردت ريقها وأجابته بخفوت
((إنه خطيب صديقتي سهر، وأيضا كان يعمل في نفس شركتي، هو من عيّن لي المحامي المخضرم الذي يتابع قضيتي))
عقب مُعاذ بصراحة وقد خفتت تلك القسوة في عينيه
((إنه فعلًا محامي لا يُستهان به ويعرف كيف يؤدي عمله، كنت أذهب بين الحين والآخر لمتابعة القضية وكان لا يكف عن إذهالي، وكنت متأكدا من أن براءتك ستظهر قريبا بفضل الله ثم بفضله))
سارت شيرين الى جانب مُعاذ عبر الرواق وهي تضم قبضتيها ببعضهما حتى لا تشعر الآخرين بعدم تقييد يديها بالأصفاد، وقد اعتلت ابتسامة من شعور الرضى من كلامه لتفقده قضيتها فنطقت بنبرة ميزتها بحة
((كنت تذهب له بين الحين والآخر؟ معروفك أصبح كبيرا يا مُعاذ منذ أن كنت تزور والدي وتسأله عن أحواله سابقًا لغاية الآن))
تألقت ابتسامة رائقة وتهللت ملامح وجهه الرجولية فغاصت بنظراتها في عيناه الآسرة تاركة نفسها لمشاعرها تأخذها إليه، لكن سرعان ما انتشلها من غيمة التيه المنعشة تلك وهو يبرر باعتذار
((هذا واجبي، بل والأكثر اعتذار عن تقصيري عن مساعدتك عندما لجأت إليَّ بالزواج بي بسبب مشاكلك مع ابن عمي، وعدم التّحري جيدا في أمرك، صدقًا آسف لم أقم بما يلزم مساندتك وقتها))
صمتت شيرين.. إنه يعترف بشكل صريح أن ما يفعله هو فقط شفقة بسبب ما هي فيه، عكس أعراض الغيرة التي استشعرتها عليه عندما كانت مع قُصي أو هكذا خُيل لها..
بهتت ملامحها وراحت في قوقعة شرودها وكأنها تلقت صفعة خيبة لتضاف لخيبات أخرى ما لبثت أن تتجاوزها.. لكن استجمعت رباطة جأشها وهي تردد قائلة
((ليس عليك أن تلوم نفسك، إنه خطئي أنا فقد كان عليّ أن أكون صريحة معك من البداية))
وما إن مرت من مكتبه حتى وقفت تقول والحرج يتجلى على ملامحها
((هل يمكن أن أتحدث مع أحد أخوالي؟ في آخر مكالمة بيننا كان قلقا كثيرًا عليّ وأنا بحاجة أن أطمئنه عليّ من فترة لأخرى))
نظر لها بتجهم زائف ليقول معاتبا برقة بينما يفتح الباب
((بالتأكيد وهل يحتاج الأمر لسؤال!))
تضرجت وجنتاها بحمرة الخجل وشعور بالذنب يراودها لأنها صارت السجينة المحظوظة مُجابة الطلبات.. وكل هذا بفضل مُعاذ..
.
.
بعد أن أنهت شيرين مكالمتها عادت لزنزانتها مع إحدى الضابطات التي كلفها مُعاذ أن تسلمها للحرس المناوب هناك في قسم الانفرادي..
قامت إحدى الحارسات بفك أصفاد شيرين قبل حتى أن تفتح لها باب الزنزانة ثم قالت
((تعال وتشاركي معنا في احتساء الشاي يا شيرين، بما أنك هنا النزيلة الوحيدة في الزنزانات المنفردة))
اتسعت عينا شيرين لمبادرتها لكن سرعان ما عبرت لها عن امتنانها.. وهكذا بقيت لدقائق طويلة تتجاذب أطراف الحديث مع الحارسات الموجودات..
واستغربت أنهن يعرفن كل شيء تقريبا عنها وعن دخولها هنا ظلما.. ربما لأن معظمهن صديقات لأم محمود.. قبل أن تبادر إحدى الحارسات وتقول
((عليك أن تعودي يا شيرين لزنزانتك حالا، فقد لاحظت أن الرائد الكانز يتردد كثيرا على هذا القسم ويتحدث مع أم محمود، ورغم أنها صديقة لنا إلا أننا نشك أنها جاسوسة للمسؤولين هنا في السجن))
تطلعت شيرين لهم بذهول متمتمه
((الرائد الكانز؟ تقصدين مُعاذ الكانز؟))
قالت الحارسة بتأكيد
((نعم الرائد مُعاذ الكانز.. فهو رغم أنه يبدو هادئًا معظم الوقت هنا إلا أنه شخصية صارمة جدًّا..))
ابتسمت شيرين وقالت دون أن تعي بلمعان الزهو في عينيها لأنها تعرف شخص مثله
((نعم أعرف.. ومن يتعامل معه في بادئ الأمر يظنه متكبرا وقاسيا، لكن مع الوقت ستتغير نظرته فما يظهره خلاف ما يبطنه.. لقد ساعدني في بدايات عمله هنا وانصفني في أمر اعتداء السجينات عليُ))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس وسبعون 76 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
تعالَ وقع صوت عكاز مُؤيد العالي على البلاط المصقول كأنه يصرخ بدلا عنه مخترقًا الصمت المهيب في مجلس الرجال الذي كان الحاج يعقوب جالسًا بداخله..
جلس مُؤيد مقابل والده بتوتر واضح في ملامحه وهو يغمغم بعبارات السلام ليرد والده السلام عليه ثم يقول بصوته الوقور الحازم
((كيف حال قدمك؟ اهتم بنفسك يا مُؤيد وكن أكثر حيطة، لقد وقع حادثين على نفس القدم))
نكس مؤيد رأسه وعم الصمت المشحون في أرجاء المكان للحظات طويلة أخرى قبل أن يكسره مُؤيد مجددا قائلًا بلا أي مقدمات
((أبي لقد أعدت زوجتي إلى ذمتي، أخاها سيوصلها لشقتي في المدينة ليلًا.. وكنت في الأيام السابقة أخطط أن أبيع شقتي الحالية وابحث عن شقة أكبر لأشتريها))
شيَّد يعقوب على كلامه وابتهل بالخبر
((ممتاز يا مُؤيد، كان عليك من البداية اتخاذ هذه الخطوة فأي حياة هذه التي تجعلك تعيش في المدينة وتترك زوجتك وولديك هنا ولا تزورهم إلا مرة كل أسبوعين.. الآن أنا راضٍ عنك))
أومأ مُؤيد له بصمت ثم قال بوضوح أكبر بما أن والده لم يفهم غايته من هذا الكلام
((ولكن أبي أحتاج دعمًا ماليًا منك فالشقة التي سأشتريها كبيرة ولا يتوفر معي ثمنها كاملا))
ردَّ عليه والده بصوته المهيب المغلف بالحزم
((اشتريها بالأقساط كما فعل مُصعب، هل تعرف أنه انتهى من دقع أقساطها مؤخرا فقط رغم أنها شقة صغيرة؟))
اعترض مُؤيد باقتضاب
((ولكن يا أبي إذا اشتريت الشقة بالأقساط سيكون سعرها أعلى بكثير مما لو دفعت ثمنها دفعة واحدة))
قطب يعقوب حاجبيه ليقول بصرامة
((ليست مشكلتي، لو أنك لم تنفق أموالك في السنين السابقة في دفع ثمن هدايا ونزهات نسائك ومتعتك الشخصية لكانت مدخراتك كافية الآن لشراء الشقة! هل تظنني غافل عن مقدار المال الذي تحصل عليه شهريا من عملك!))
تضايقت ملامح مُؤيد وغمغم
((أبي هل تعاقبني على تلك الرسائل!؟))
صحح له يعقوب مغتالًا أي أمل لمؤيد بإعطائه المال
((أنا لا أعاقبك ولكن اكتشفت فداحة خطئي السابق بعدم العدل في الهدايا والعطايا بين أولادي الخمسة، فعلى مدار السنوات السابقة كنت أهبك أنتَ ومُعاذ أكثر بكثير من باقي إخوتك، صحيح أن مُعاذ لم يسبق وأن طلب مني شراء أي شيء بل قمت من تلقاء نفسي بمنحه سيارة، شقة وأمور أخرى ولكن سيختلف كل شيء الآن، سأهب أي شيء بالعدل بينكم))
لم يبدِ مُؤيد أي رضى من كلام والده فألقى سلامه متلبدا وغادر المجلس تزامنا مع دخول زاهية والتي ما إن جلست بجانب زوجها حتى صدمها بما قال
((ابنك يقول بأنه أعاد زوجته لذا أريد منك الآن أن تقومي بزيارة مفاجئة لشقته في المدينة وتستطلعي أحوالهم هناك))
=============================
عند الغروب..
دخلت ياسمين لجناحها لتشاهد مَازن فوق السلم يقوم بإلصاق نجوم بلاستيكية على أعلى الجدار وهدى تلصقها أسفله، فهتفت به باستهجان
((ما هذا الذي تلصقونه على الجدار؟))
أجابها ببساطة وهو مستمر بوضع الغراء على النجوم قبل طبعها على الجدار
((أقوم بإلصاق نجوم بلاستيكية كبيرة، لقد جلبت أكثر من مئتي قطعة!))
انكمشت ملامح ياسمين بعبوس ثم قالت كأنها تبصق الكلمات
((نجوم بلاستيكية بلون.. بلون فسفوري قبيح كهذا! وفي غرفة نومنا؟ شكلها مبتذل، أزيلاها الآن))
طالعها وقال مشاكسا إياها
((لا تتسرعي.. سوف تندهشين بالنتيجة))
هبط مَازن درجات السلم ووضع باقي النجوم جانبا ثم أطفأ إضاءة الغرفة مما جعل ياسمين تنتفض مكانها هاتفة وهي تغمض عينيها
((لماذا أطفأت النور يا مَازن!))
لكن حثها مَازن بيديه بلطف أن تفتح عينيها لتفعل ذلك تدريجيها ثم أشار لها نحو الجدار المتلألئ بالنجوم هادرا
((انظري.. أليس المنظر جميلا.. ألا يستحق الإعجاب!))
نبض قلب ياسمين عدة مرات متتالية مأخوذة بمنظر الجدار حقا، بدا في غاية الجمال، كأن نجوما تتلألأ عليه..
قالت هدى منبهرة بالبريق الذي يخطف الأنظار
((شكلها جميل ورائع يا أبي، كأن لونها فضي لا فسفوري))
احنى مَازن حاجبيه وقال
((هكذا إذا أطفأ أحد النور أو قمتُ بغير قصد بكسر الأباجورات فلن يعم الظلام هذا المكان تماما))
كانت ياسمين لا تزال ماسورة بمنظر النجوم الساحر..
ازدردت ريقها وأبعدت يده عنها ثم أضاءت الإنارة لتخفي عمدا تأثير إعجابها باللفتة الرائعة التي حركت قلبها.. تنحنحت تجلي صوتها قبل أن تقول بهدوء مفتعل
((إنها جميلة، الآن تجهز لو سمحت لنزور أقاربي الذين لم نزرهم في خروجنا السابق))
تنهد مَازن بقلة حماس ثم قال
((رغم أني لا أحب أبدًا زيارة الأقارب وبالكاد أصل رحمي، ولكن تكرمي يا ابنة قلبي، تجهزي وحالما تنتهين سأكون قد انتهيت من ارتداء ملابسي))
دلفت ياسمين للغرفة الأخرى تغير ملابسها وما إن خرجت حتى بحثت في الأرجاء عن مَازن قبل أن تجده مستلقي تحت الغطاء وفوق الكنبة.. استبد بها الإحباط فاقتربت منه هاتفة بعصبية
((مَازن هل أنتَ نائم! هيا استيقظ سنتأخر!))
كانت تهز كتفه بقوة عندما فتح عينيه فجأة وانتفض أمامها هاتفًا كالعفريت
((أنـــــا مستيقظ بالفعل!))
صرخت بصدمة كردة فعل وتراجعت خطواتها للخلف بفزع حتى اختل توازنها وكادت أن تسقط من هول إفزاعه.. فقهقه مَازن عليها بضحكات رجولية عالية..
رفرفت ياسمين بعينيها تستوعب مقلبه قبل أن تستجمع قواها وتعتدل واقفة مندفعة نحوه تضرب صدره بحنق بالغ وعينين دامعتين
((متى ستكف عن هذه المقالب! هل تريد موتي بفعل إحداها يوما ما!))
اختطف مَازن أقرب وسادة طالتها يده، يضعها أمامها، يحمي نفسه من ضرباتها، هاتفا من بين ضحكاته الصادحة
((كنت أمزح معك.. توقفي.. أمزح معك..))
لكنها كانت مستمرة بضرب صدره بضربات واهية مرتجفة من فرط صدمتها، وأنفاسها المتسارعة مخطوفة..
أبعد الوسادة عنه وأمسك يديها يأخذ نفسا عميقا من ضحكاته التي أنهكته مبررا
((يكفي يا ياسو.. لقد تأخرتِ ففكرت أن أتمدد على الأريكة مدعيا النوم))
حاولت ياسمين أخذ نفسا عميقا هي الأخرى ثم سحبت يديها من قبضتيه لتقول بصوتٍ متهدج
((متى ستكف عن هذه المقالب؟ قلبي أضعف من أن يتحملها))
صدح صوت يعقوب فجأة وهو يطرق الباب هاتفا بخشونة
((مَازن هل أنتَ هنا؟))
انحسرت ملامح مَازن عما كانت عليه ثم قال بسرعة
((تفضل يا أبي الباب مفتوح))
دلف يعقوب للداخل يهتف به بامتعاض واتهام واضح
((ولأن الباب مفتوح وصل صوت صراخ زوجتك للخارج، ماذا فعلت بها!))
انزوى حاجبيه مَازن وقال باقتضاب
((لم أفعل شيئًا، كنت أدعي النوم لأفزعها بقصد المزاح، إنها معتادة على مقالبي))
طالع يعقوب وجه ياسمين منخطف اللون وقال بازدراء
((لا أحد يعتاد على مقالبك السخيفة فتوقف عنها!))
ثم أشار بإشفاق على ياسمين مستطردا
((انظر لوجهها الشاحب! كم مرة عليّ أن أخبرك أن ما تفعله لا صلة له بالمزاح بل ترويع للآخرين وفيه ضرر وأذية))
رفع مَازن يده يمسد مؤخرة عنقه وقال بوجه محتقن
((أبي لا تبالغ!))
وبخه يعقوب بعينيه.. ثم أخذ نفسا يستعيد رباطة جأشه وناظر ياسمين قائلًا
((تعالي يا ابنتي، واجلسي معنا ودعك من عديم النضج هذا))
قالت ياسمين بشيء من الارتباك
((شكرا عمي.. لكن سيرافقني مَازن لزيارة أقاربي اليوم))
صمت يعقوب قليلا وهو يهز رأسه برضا ثم قال
((حسنا زيارة أقاربك فكرة جيدة.. احظيا بوقت ممتع))
ما إن خرج يعقوب من الغرفة حتى طالعت ياسمين زوجها بوجه مذنب قائلة بتلعثم واندفاع
((أسفه! لكن لم اقصد أن أرفع صوت أو أن يسمع صراخي أحد))
استنكر مَازن بفم ملتوي
((هيا اذهبي واغسلي وجهك وأنا سأذهب لأقنع مَالك أن يعيرني سيارته بعد أن أعدناها له غارقة بالوحل آخر مرة))
تهدل كتفي ياسمين ببؤس وهي تبتعد إذ أحست بسخط مَازن عليها.. أما هو فلم يستطع أن يشيح إحساس أنها قد خافت غضبه واعتذرت عما تسببت به له بلا قصد منها! أحقا ياسمين اعتذرت له؟!
حدسه ينبئه بتغيرها! هل يمكن أن يكملا حياتهما بأمل جديد ينعش روحها الهامدة دون منغصات الماضي الوعرة؟
وقبل أن يبارح الغرفة جاءته هدى مهرولة بخطوات شقية تقول بلهفة
((أبي لقد انتهيت من ارتداء ملابسي، سرح شعري واصنع لي ضفيرة))
ابتسم مَازن بحنو لابنته، دعاها تجلس على حجره ليبدأ بتمشيط شعرها المجعد لتسأله بعد لحظات بفضول
((هل سنزور خالي الذي ظل يبكي في زيارتنا له في الأمس!))
قبل أن يرد مَازن عليها جاءه صوت ياسمين الغاضبة بغتة
((أذهبت إليه رفقة هدى يا مَازن دون أن تعلمني؟))
عبست بشدة وصوبت له نظرات اللوم مما جعله يبرر
((أخيكِ أوجع قلبي عندما طلب صورة لهدى ليراها، فأخبرته ما الحاجة لصورتها إذا كنت سأحضرها له بشحمها ولحمها.. ما رأيك أن نذهب لزيارته اليوم؟))
هتفت به ياسمين بامتعاض
((قلت لن نذهب! علاقتي بأخي انقطعت، لا تأخذ هدى عنده لو سمحت! لم يطلب رؤيتها ولو مرة واحدة أثناء سنوات عمرها السبعة ولا أظن أن هناك شيء يستدعيه فعل ذلك الآن))
=============================
بمجرد أن أوقف شقيق رتيل سيارته أمام منزل مُؤيد حتى ترجلت منها وهاجت مشاعر اللهفة والاشتياق الخانقة نحو ولديها بعد أن أخبرها مُؤيد أنه تركهما في الداخل.. كانت تهرول لا تطيق الانتظار أكثر قبل لقاء ولديها بعد أن سكن الحزن روحها المكلومة طيلة فترة ابتعادهما عنها..
بمجرد أن فُتحت باب الشقة حتى جرى كل من فهد وباسم نحو أمهما لا يصدقان أنها أمامهما أخيرا..
انخفضت على مستواهما وفتحت كلتا ذراعيها تستقبلهما بأحضان حارة.. وسرعان ما اهتزت مشاعر الثلاثة نوبة من البكاء والنشيج.. بينما يمطرون بعضهم بعبارات الاشتياق بأصوات متهدجة..
وضع شقيق رتيل حقائبها عند الباب وراقب شقيقته تعانق ولديها وتحضنهما بكل قوة وألم وشوق وعنفوان في مشهد دامع حرك قلبه القاسي.. للحظات فقط.. قبل أن يغلق الباب عليهم مغادرا بسيارته.. وكأن الأمر لا يعنيه..
قال فهد لأمه بمرارة
((أمي أرجوكِ توقفي عن البكاء))
((لقد اجتمعنا أخيرا.. يا أمي ولن نفترق مرة أخرى))
رددت رتيل دون أن تكف عن عناقهما ونثر القبلات على وجهيهما
((الحمد لله.. الحمد لله))
كانت تدرك في قرارة نفسها أنها كادت تفقدهما، بل لقد انتابتها لحظات اليأس في أيام فراقهم العصيبة والمؤلمة بأن يرجع لم شملها بهما..
بقوا على هذا الحال داخل غرفتهم التي جهزها لهم مُؤيد طيلة الليل.. يتحدثون ويشتكون لبعضهم..
((لقد أمضينا أياما لوحدنا دون أن يهتم بأمرنا أحد))
أصابت رتيل غصة مما يقوله ابنها، تعلم كيف كانت جدتهما تضيق الخناق عليهما حتى تضغط على مُؤيد ويتزوج! فقالت وغصة تستحكم حلقها
((لقد نقص وزنكما كثيرًا))
رد باسم بنبرة غضب مشحونة
((نعم لأننا لم نكن نجد طعاما آخر إذا ما أعد العاملين في المطبخ طعاما لا نحبه، إلا أحيانا تتسلل الخالة سمية ليلا لتجهز لنا الطعام.. لقد تعذبنا بدونك))
أطلقت رتيل نفسا مرتجفا حارا ثم قالت
((والله أنا أيضا يا حبيباي، كنت أتعذب في فراقكم، وأتحسر وأتألم إذا زارتني زوجتا أخويّ مع أولادهم في منزل عائلتي))
قال فهد لأمه بفخر متوهج من عينيه
((تلك المرأة التي تُدعى صبر قمنا بالصراخ عليها آخر مرة زارتنا فرحلت، تخيلي أن جدتي كانت تريد منها أن تصبح زوجة لأبي))
ابتسمت رتيل بشقاوة رغم ذبول وجهها ثم قالت تشدقت
((أساسا نجح الأمر واجتمعنا سويا تحت سقف بيت واحد لأنكما قمتما برفضها وطردها من البيت))
سارع باسم يقول بنبرة قوية باترة
((ولا أي امرأة قد تأخذ مكانك يا أمي))
ابتسمت رتيل لحب أولادها الجارف لها ثم ذابت عيناها حنانًا فطريًا وهي تلثم وجنة كل واحد منهما قبل أن يكملوا الوقت في تجاذب أطراف الحديث حتى وقت صلاة الفجر التي صلوها سويا..
.
.
قبل الظهيرة..
استيقظت رتيل وبدأت تتفقد الشقة وهي تتجول في أرجائها.. وبالها مشغول بالتفكير بكيفية مقابلة مُؤيد بعد عودته..
حقا كيف سيكون الأمر وما بينهما كفيل بقتل بعضهما!
قضت اليوم بطوله تقوم بالتنظيف وتعطير البيت وتبخيره.. وعند العشاء أعدت وجبات خفيفة لطفليها ومجددا شرد تفكيرها بمُؤيد..
إنه يعرف أنها هنا ولم يكلف نفسه حتى مهاتفتها..
يا لها من حياة ستحياها معه مجددا تحت سقف واحد، وأي ظروف ستتحملها من أجل البقاء مع ولديهما.. رغم فداحة ما ارتكبت في حق نفسها وحقه، أيضا وزره أكبر لم تكن وحدها المخطئة.. لا بد أنه لم يخبر أمه المتسلطة أنه عاد لها خوفا من أن تفتعل له مشاكل فهي لن تتقبلها أبدًا رغم كل السنين التي أمضتها في خدمتها!
فجأة سمعت صوتًا خارج المطبخ انتشلها من زحمة الأفكار السلبية والبائسة ثم هُيئ لها أنه طرق خطواته عندما اقترن بصوت ضربات العُكاز، لينقبض قلبها فجأة!
سارعت تطلب من باسم وفهد أن يخرجا لاستقبال والدهما ففعلا على مضض..
انشغلت بتجهيز طبق العشاء لمُؤيد وهي تحاول أن تبدو على طبيعتها قدر المستطاع في وجوده..
لم يعرها مُؤيد أي اهتمام أثناء دخوله للبيت بل جلس مع الولدين على الطاولة بهدوء يتصرف كأن لا شيء بينهما تغير في الأشهر الماضية عليهم.. لكن كانت تحين منه نظرات بين الوقت والآخر لفهد وباسم يتبين له علامات السعادة وأمارات الفرح الواضحة على وجهيّهما وقد تلاشت غمائم البؤس والتيه.. يبدو أن لقائهما بها أنعش وأحيا نفسياتهما..
وهكذا استمر متجافيا في الكلام، متحاشيا للنظر، نائيا بفكره عنها..
عقب انتهاء وجبة العشاء دخل إلى غرفته بينما قامت رتيل بمساعدة فهد وباسم بتحضير فراشهما وقص حكاية عليها كما السابق حتى خلدا للنوم..
دلفت لداخل غرفة مُؤيد وما إن حطت قدمها حتى وصلها صوت مُؤيد البارد
((رتيل، لا أريد منك أن تشاركيني نفس الفراش))
تسمرت مصعوقة مكانها ونظرت إليه بدهشة محدقة فيه يتوسد السرير يعطيها ظهرها دون أن يلتفت لها لتقول بصوتٍ مختنق
((عفوا! أين تريد مني النوم إذن! على أرض الغرفة أو في المطبخ مثل سندريلا؟))
بدأت أنفاسها تتهدج قليلا.. بينما تسمع مُؤيد يجيب بخفوت مبهم
((تركتُ الغرفة الأكبر لكم لتناموا فيها، هذه الغرفة لي وحدي.. أنا لم أرجعك لذمتي إلا من أجل الولدين، فلا تأملي أن تعود علاقتنا كالسابق))
شلَّ لسانها عن الحديث لحظات وارتجفت شفتاها غضبا.. حتى نطقت أخيرا بازدراء متشنج
((لا تتحدث كأني سأموت لتعود العلاقة بيننا مثل الماضي! أنا لم أعد لك أيضًا إلا من أجل الولدين، أساسا لم أغفر لك كلامك القذر مع دموع أيها الخائن! نعم أنتَ خائن فالخيانة ليست خيانة جسد!))
وبارحت الغرفة على الفور تصفق الباب خلفها بغضب متقد..
أغلق مُؤيد عينيه المشتعلتين بألم للحظات وهو يتنفس باحتدام.. لن يسامح نفسه أبدًا على الإهانة التي ألحقتها به والتي كان هو السبب فيها..
=============================
ركن مَالك سيارته أمام القصر ثم ترَّجل منها هو وابنه يزيد الذي كان يلعق المثلجات التي شراها له أبيه في طريق العودة للبيت، مغمورين السعادة بعد يوم مليء بالحماس والمغامرة في جولات لعب كرة القدم برفقة بعض الأصدقاء وأبنائهم..
توجها يستريحا في الحديقة الخلفية للقصر فافترش يزيد بجسده الصغير الأرض العشبية بعد تناول المثلجات، واضعا راسه تحت ذراعيه وهو يتنهد بقوة.. بحياة..
تبعه مَالك ليتمدد بجانبه بعد أن أفلت الكرة التي كان يمسكها لتدحرج قليلا بعيدا.. أطلق تنهيدة عميقة ثم التفت برأسه نحو ابنه متمتعا بملامحه الصغيرة المتهللة بالحبور.. لقد حرص على تعويض ابنه بوقت أبوي كاف له من تنزه وخروجات وفعل كل ما يستمتع به رفقته.. بعد انتهائه من أعمال التصحيح لأوراق الامتحانات وكل ما يتعلق بها من صب النقاط وغيرها..
بدأ يزيد يتثاءب فسأله مَالك
((هل تشعر بالنعاس؟ فأنتَ مستيقظ منذ الفجر..))
حرك يزيد قدمه على العشب باستمتاع
((لا، اعتدت على النهوض فجرا والنوم مبكرا، حتى أن جدي أشاد عليّ محافظتي على صلاة الفجر في المسجد وقد كان يكافئني بالنـ...قود..))
بتر يزيد كلامه واضعا راحة يده على فمه متمما بصوتٍ مكتوم
((أوه، لا ...لقد شددَ عليَ ألا أخبر أحدَا))
التفت مَالك إليه يبتسم بشجن.. إذ أنه اعتاد أن يصارح أبيه بكل شيء يفعله حتى صار عفويا معه بفطرة طفولية.. ثم غمز له بإحدى عينيه هادرا
((أنا الأخر سأكافئك لانتظامك على صلاة الفجر في المسجد بشيء أروع..))
لمعت عينا يزيد بحماس وقال بإثارة
((حسنا، سنرى..))
شعور انتشاء سرى داخل كيان مالك ليسأله بعد ذلك
((ألا زلت حزينا لأن أولاد عمك لم يعودوا يعيشون هنا؟))
قال يزيد بنبرته الرقيقة لكن بثقة طفل عاقل مطلع
((نعم أنا حزين فهما أعز أصدقائي، لكن لا بأس يمكننا زيارتهم من وقت لأخر، المهم أنك بجانبي، فأنتَ يا أبي صديقي الأول))
لوهلة بهُت مَالك من إجابة ابنه.. حقًا فاجأه بما قال.. فجأة انكمش قلبه بألم.. رباه.. كم كان أحمقا في الماضي لإخفاء حقيقة أبوته لطفله البريء الذي لا يتوانى عن إبداء التعبير لحبه العظيم له دون اعتبار أبوته وحقوق ابنه عليه..
شعور بذنب لا يطاق اختنق به واهتاج بصدره كوخيزات تدميه.. فجددّ العهد على نفسه بأنه سيبذل جهدًا أكثر حتى يعوضه..
ظل يزيد مستكينا ناظرا لوالده قبل أن يقول عندما طال صمت والده
((أبي أنت بخير!؟))
تحركت حنجرة مَالك يستعيد اهتمامه بالحوار
((طبعا يزيد.. ها أخبرني الآن هل أنتَ متحمس لقدوم أخيك الصغير؟))
أومأ له يزيد ثم قال باهتمام عارم
((نعم أنا كذلك، أحب أن يكون لدي أخ مثل فهد.. وأريده أن يشبهني مثلما يشبهك عمي مَازن))
قوّس مَالك حاجبيه هادرا
((مَازن حقا يشبهني خاصة عندما كنا صغار، حتى أني كنت أشعر بالاستفزاز عندما يحاول البعض تحديد الفروق بيننا وكأننا لعبة.. سأجبره غدا أن يترك البلايستيشن ويذهب للعب الكرة معنا))
تبرم يزيد له بطفولية
((نعم حثه أن يأتي وينضم لفريقك لعلك تفوز، فقد خسر فريقك المباراة اليوم، مثل الأمس وقبله والذي قبله.. أريد من فريقك أن يفوز حتى أتفاخر بك أمام أولاد أصدقائك في الفريق الخصم..))
لا يعرف مَالك لماذا فجأة علت ضحكاته بانطلاق طبيعي تماما.. فيضحك يزيد على ضحك أبيه..
عاد مَالك يميل للخلف لينام على العشب ناظرا للسماء نظرة رائقة بلا اهتمام بشيء ويقول
((نخسر دائما لان الحكم الذي يختاروه ينحاز للفريق الخصم، لو كانت المباريات نزيهة لكان النصر من نصيبنا..))
خيمّ الصمت بينهما قبل أن يعتدل يزيد جالسًا ويقول بغتة بارتباك كساه
((أبي.. من.. من ستحب أكثر؟ أنا أم أخي الذي سيأتي؟))
ناظر مَالك عيني ابنه البريئة والفضول الحقيقي النابع منهما لمعرفة إجابته فاستوى جالسا ورسم له بحنو بسمة صغيرة وقال
((بالتأكيد أنتَ.. لن أحب أحد مثلك، فأنت ستكون الأخ الحامي والمدافع والمساند لشقيقه! مثل أخي مُعاذ تجاهنا))
اعترى الذهول يزيد ورفرف بعينيه، توقع بأحسن الأحوال أن يكون كلاهما بنفس المقدار، عاد يتساءل
((هل تحب عمي مُعاذ أكثر أم عمي مَازن؟))
شرد مَالك بعينيه قليلا ثم أجاب
((أحب كل إخوتي بنفس المقدار، لكن بالتأكيد مَازن له مكانة خاصة عندي فهو توأمي.. دائما ما كنت أعتبر نفسي القائد والمتحدث لكلينا لأن وُلدتُ قبله بدقائق قليلة، قضينا معظم حياتنا معا منذ الابتدائية، حتى دخلنا نفس الجامعة ودرسنا في كلية الآداب.. وبناء عليه أعتبره ابنًا من مسؤوليتي وكأني والده..))
كان الشجن يشوب نبرته عند حديثه عن مَازن دون أن يشعر قبل أن ينتفض فجأة مكانه عند وصول صوت واجم مقاطع لحديثه
((بل كنت تعاملني معاملة زوج الأم يا أستاذ "عريس جديد"))
استدار مَالك مسروق الأنفاس للخلف يتساءل
((مَازن! منذ متى وأنت هنا!؟))
وضع مَازن يديه بجيبي بنطاله الجينز وقال ببراءة
((منذ اللحظة التي كنت تبرر فيها سبب خسارة فريقك بكرة القدم هو انحياز الحكم لفريق خصمكم..))
ثم أردف متهكما ليزيد
((في كل مرة ألعب مع أباك كرة القدم في البلايستيشن، يبرر سبب خسارته هو تحيز الحكم داخل اللعبة للفريق الذي اللعب به.. دائما..))
طالع يزيد أباه بملامح عابثة ليدمدم
((معقول يا أبي!))
توعده مالك في سره فما لبث أن غمز توأمه بخبث يعاجله
((ولكن إحقاقا للحق فوالدك كان محقا بشأن تحمله مسؤوليتي، فنحن كتؤام متطابق كنا نعرف كيف نستغل الشبه لمصلحتنا.. دائما ما كنت اصنع المقالب لكل من حولي وأفلت من العقاب لأن هو من يتحمل أخطائي))
عكف مالك فمه بابتسامة بينما يغمغم
((نعم دائما ما أتحمل المسؤولية عنك، لكن ليس برضاي الكامل..))
أشار مَالك بيده لخدش قديم له أُثر باقي بالكاد يظهر على رقبته فرفع مَازن حاجباه مدركًا ما يقصده ثم جلس أرضا قائلا
((هل تلمح إلى حادثة ساحة المدرسة؟ وأستاذ رياضيات الذي كنتَ متفوقا عنده عكسي أنا تمامًا، فكان يعاقبني بشكل دائم ويقارنني بك مستفزا إيَاه حتى صرت أكرهه هو ومادته..))
ضيق مَالك حدقتيه وهو يهز رأسه فتابع مَازن بشقاوة متأصلة فيه
((لا زلت أذكر.. في ذلك اليوم كنت جالسًا مع أصدقائي في الساحة الرئيسية وأقوم بتقليد المدرس في طريقة شرحه ومشيته وداخل الصف والجميع يضحك بسبب دقة تقليدي له قبل أن يشي أحدهم للأستاذ فيعصف به غضب شديد ويهرول بعصاه للساحة، فتعترض أنتَ طريقه بغية الاستفسار منه عن مادة الامتحان، ولكنه ينهال عليك بالضرب بالعصا معتقدا بأنك أنا..))
انفرجت ملامح مَالك عن ضحكة مريرة ليكمل عنه
((وقتها صرخ جميع الطلاب من بينهم أنت بأنه يضرب مَالك لا مَازن، ولكن فات الأوان وكنتُ قد وقعتُ أرضًا..))
أكمل مَازن من بين ضحكاته المجلجلة
((فشحب وجه الأستاذ خوفًا من أن يصل الأمر لأبي، فابنه الوحيد الذي يتهاون في ضرب الأساتذة له وعقابهم هو أنا المشاكس جلاَب المشاكل! أما ضربه لك فلن يمرره على خير خاصة لو كنت مظلوما..))
كان المرح بصوتٍ مَازن يخفت تدريجيا حتى أضحى مختلفا في نهاية حديثه.. واكتسحه ألم لا يطاق.. قلبه يضيق باختناق.. حاول التنفس حتى الهواء غص في حنجرته.. نظره كذا عقله يشردان بأمر آخر بعيدا..
والده ومنذ طفولته يعامله كلما افتعل مشكلة معاملة الولد العاق العابث الذي لا أمل في إصلاحه، حتى أنه بدأ يصدق ويتصرف بناء على هذه الفكرة التي يأخذها عنه..
استغربت ملامح مَالك شرود توأمه لكنه فهم ما يفكر به.. إنه يعتقد بأنه لو أخبر أباه بمحاولات منال مراودة ابنتها لمَازن فلن يصدقه..
قبض على ذراع مَازن يجتذب اهتمامه وسحبه بعيدا عن سمع يزيد ليخبره بصوتٍ خافت ولكن حازم
((مَازن أخبرني هل هناك أي مستجدات على ما حدث معك مؤخرا؟ فمنال لم تبعد ابنتها من هنا.. مَازن أتوسل لك أن تخبرني ماذا فعلتْ هي بالضبط أمامك حتى أحكم إذا ما كان على أبي أن يعلم بالأمر أم لا..))
اكتنفت الجديّة ملامح مَازن وردَّ بحنق
((ولكن أنا لا أريد من أبي أن يعرف، بل لا أظن حتى بأن أحد من إخوتنا قد يصدق ما حاولت منال فعله بي إلا أنتَ.. أنتَ الوحيد من صدقت بأنه لم يكن لي علاقة في تدبير حادثة خطف ياسمين عندما كذبني مُعاذ وأبي، كما سبق وصدقتني في كل ورطة أقع بها ظلما..))
اتسمت ملامح مَالك بمزيد من الحزم الضاري وهو يقول
((وسأناضل هذه المرة أيضًا لإظهار براءتك أمامهم، لأني أثق بصدق كلامك، ولكن يجب أن اعرف كيف حاولت منال عرض ابنتها لك وما غرضها من ذلك.. هل من أجل المال؟ أم لتتزوج ابنتها!؟))
زفر مَازن عدة أنفاس كانت تجيش بصدره وتكتم عليه ثم قال بضيق
((مَالك أريد أن أمهل منال فرصة أخيره لتبعد ابنتها من هذا المكان، لكن إذا لم تفعل فسأخبرك كل شيء فعلته بالتفصيل..))
هزَّ مَالك رأسه بعد دقيقة راضخا لرغبة توأمه
((حسنا سأنتظرك.. وكلي ثقة بأنك لو أخبرت أبي فلن يكذبك دون التحري في الموضوع، فأبي ليس رجلا ساذجا وغافلا تماما عن حقيقة منال..))
شعر مَازن بشيء من الاقتناع بكلام توأمه.. فقد تفتري منال عليه.. لذا عليه أن يتغدى عليها قبل أن تتعشى عليه.. ولكن ليس الآن.. بل بعد أن يفشل في إبعادها عن القصر..
=============================
في قصر القاني..
تركت روزانا الجهاز اللوحي الذي كانت تتصفح عليه آخر صيحات الموضة قبل مجيء ابنها المفاجئ..
كان يتحدث بوجه متعب كل ما يعانيه بحياته الحالية كمتشرد فبدأت روزانا تبكي وتعقب بصوتٍ باكي متحسر
((حبيبي قصي.. لا أصدق كيف وصل بك الحال لتعيش كالمتشردين وتسمح ليوسف جرو عمك المخلص أن يتصدق عليك))
رفع قُصي وجهه الشاحب وهالات داكنة تحيط بعينيه حتى أنه بدا أمامها رجلا آخر وجه نحيف ملتحي.. يعيش أياما تزخر بالألم.. ثم أكمل قوله بإعياء
((وضعي سيئ يا أمي، لحسن الحظ أني استطعت أخذ راتبي الأسبوعي مبكرا بيومين حتى أدفع الأجرة لصاحب الخرابة التي أعيش فيها ولا يرميني بالشارع))
وضعت روزانا يدها على خدها لتقول بصوتٍ متذبذب
((آه يا وليدي الحبيب.. لقد أقسم عليّ عمك ألا أعطيك فلسا واحدا وإلا سيتوقف عن تمويل جمعياتي الخيرية للأبد، مضطرة أن أخضع لأوامره، إذ عرف كيف يمسكني من اليد التي توجعني))
تصلبت ملامحه وكأنها لكمته في معدته.. وعلى ذكر معدته وضع قصي يده فوق عضلات معدته من فرط ألمه الملازم له وهو يقول
((إذن أمي هل يمكن أن تجد لي مكانا في إحدى جمعياتك الخيرية لتتباني وتوفر لي سكنًا وعملًا لائقًا؟ ريثما على الأقل يتراجع عمي عن عقابه ويعود لإعطائي مصروفا!))
تمعنت روزانا بقصي للحظات ثم انفجرت باكية.. لم تكن البكاء حتى لا تفسد زينة وجهها ولكن الدموع تطرق بوابة مآقيها دون أن تعي لتقول
((ابني صار كالمشردين يبحث عن جمعية تتبناه وتنفق عليه، ليتني مت قبل أن أشهد ما يتعرض له بكري))
ضرب قصي الأرض بإحدى قدميه وهو يقول بعصبية
((أمي توقفي عن النحيب واطلبي من إحدى جمعياتك أن تتكفل بي فأنا لا أملك أي فلس لإيجار الأسبوع هذا وسيطردني المَالك بلا رحمة أو تردد))
رفعت روزانا منديلها القماشي تمسح دمعاتها المتساقطة بحذر حتى لا تفسد كحلها بينما تقول بأسف عارم
((أنا أعتذر منك يا بني، ولكنك لا تحقق شروط الجمعية التي تتيح لك الانتفاع من خدماتها))
قال قصي باستفسار مضطرب
((ماذا! ولكن إذا لم أجد دعما سأصبح مشردا بالمعنى الحرفي للكلمة، بل وأيضا معدتي تعاني آلاما حادة وكله بسبب الأكل في المطعم الذي اعمل فيه..))
شبكت روزانا أصابعها ببعضهم تأخذ واجهة سيدة الأعمال الحازمة التي تفصل عملها عن عائلتها وقالت وكأن كلامها جازما غير قابل للتفاوض والنقد
((جمعياتي يا قُصي كلها مختصة لمساعدة النساء فقط، قد نساعد الرجال تحت ظروف استثنائية كأن تكون زوجته حامل أو أن تكون من ذوي الاحتياجات الخاصة وكلاهما غير متوفران بك، أنت لست متزوجا من الأساس))
حجر ثقيل شعر به يطبق على صدره يعيق تنفسه.. التقط بعض الهواء بصعوبة ثم رفع رأسه يصرخ باحتقار آذاها
((ولكني ابنك.. ابنك... ابنــــك.. هل هناك سبب أكبر من هذا لأخذ استثناء من جمعياتك يا أمي بما أنك لا تردين على اتصالاتي الملحة بك!))
انكسرت بؤبؤتيها بحزن عصف بوجدانها لكنها قالت بحزم صوتها المرتجف
((أنا آسفة مجددا، لكن لا استثناءات أخرى حتى لو كنت ابني.. كما أن مساعدتك تعني استخدام طرق ملتوية وغير شريفة لنقضي وعدي لعمك الذي جعلني أقسم أني لن أساعدك حتى لو معنويا))
تجهمت ملامح قصي وتقبض كفه بعجز وهو يرد عليها بنظرات تفيض بلوم صريح
((لقد أوصى عمي كل أصدقائي بعدم مساعدتي ولو بتدبير مكان للنوم، ماذا أفعل بنفسي وقد تخليت أنتِ وإخوتي وأصدقائي عني؟ أنا لا أملك شيئا إلا سيارتي والتي أؤجل فكرة بيعها لوقت الحاجة البالغة.. عليك أن تخبري عمي أن يسامحني ويعيد لي كل ما سلبه مني من مال وكل ما هو حق لي لأني بحاجة أن أخبر خطيبتي بحقيقتي قبل أن أخسرها للأبد.. الوقت يداهمني))
فتحت روزانا شفتاها وكانت تهم بقول شيء لكنها انتفضت واقفة مكانها تشهق عاليا ما إن شعرت باقتراب دخول أحدهم الغرفة الكبيرة التي تجلس فيها..
قبضت على قميص قصي تحثه على المغادرة بلهفة قلقة
((غادر يا قصي حالا، أرجوكَ غادر ولا تدعه يراك، مستقبل جمعياتي الخيرية والنساء اللواتي أساعدهن برقبتك))
شعر قصي بمعدته تتصلب وتنكمش ليقول بصعوبة وكأنه بلع كرة نارية ملتهبة لتغص الحروف في حلقه مستغيثا ومخاطبا لمشاعر الأم في داخلها
((أمي فقط اطلبي منه أن يعيد مصروفي ووظيفتي بالشركة حتى أتمكن من إخبار خطيبتي بكل شيء متعلق بي ولا أخسرها))
فتح فارس القاني باب الغرفة ودلف للدخل بهالة الهيبة التي تحيطه ومن خلفه حارسه الشخصي ثم قال بهدوء طاغي
((دعيه يا روزانا هنا))
أبعد قُصي يده عن معدته واستقام واقفا مكانه يضع عينيه في عيني عمه شاعرا أنه بركان يغلي والغضب يشتعل من عينيه هادرا
((عمي أنتَ أمام حلين.. الأسهل لك هو أن تعيدني لأعيش تحت جناحك مع وظيفة محترمة وراتب عالي.. أما الآخر هو أن تراني أخرج للإعلام وأفضح نهبك وسرقتك لورثة أبناء إخوتك حتى لو انتهى الأمر بي في السجن لعدم امتلاكي دليل! المهم أن أدمر سمعتك وسمعة كل شركات القاني!))
جلس فارس على أريكة مقابلة له بكبرياء وشموخ ثم قال باسترخاء
((لنترك جانبا كلامك السخيف هذا ولأخبرك ما كنت أتحدث به مع أمك مؤخرا..))
ضيق قصي عينيه وكله آذان صاغية لعمه الذي أكمل بحنكة وعقلية رجل الأعمال الذي يسعى لصفقة رابحة
((أنا لدي ملفات خاصة بك أنت وأخيك سامر أضع فيها وصل وسند كل قرش دفعته عليكم.. من مصاريف مدارس دولية وجامعات عالمية ونوادي رياضية وسفريات ومصاريف شخصية وسيارات حديثة.. حتى ثمن المجوهرات والهدايا الباهظة التي كنت تطلب مني ثمنها من أجل والدة خطيبتك الشجعة لا أزال أملك فواتيرها))
تجلت أمارات الذهول وعدم التصديق على وجه قصي الذي مال اتجاه عمه وتمتم
((ما هذا الذي تقوله؟ هل جنّنت؟))
ازدردت روزانا ريقها تحاول استعادة رباطة جأشها ثم قالت لابنها بثبات
((ما يقوله صحيح ومنطقي، فعمك منذ ما يزيد عن عشرين عاما وهو المسؤول عن الإنفاق عنك وعن أخيك، بعيدا عن أننا لا نملك أوراقا قانونية تثبت حقكم بأسهم شركة القاني، لكن احسب كل قرش أنفقه عمك عليكما وسيكون المجموع أكثر بكثير من ثمن الأسهم التي كانت لوالدك يوما..))
طالع قصي أمه بشفاه منفرجة ونظرات مشدوهة! هل تمازحه أم أصابها الخبل! هتف بها وهو يفك اللجام عن أي ذرة صبر فيه
((ولكن يا أمي هذه ليست مقارنة منصفة، فلو كنت حصلت على ورثتي بأسهم أبي لكانت بمثابة أموال جارية متجدده شهريا وتضاعف باستمرار ولا تنتهي مهما أنفقت منها، ثم أنا كنت أنفق بإسراف أموال عمي لأني كنت أحسب أن هذه الأموال له لا لي، ألم يكن يتفاخر أمام باقي رجال الأعمال أنه هو من يتكفل من أمواله الخاصة بمصروف أولاد إخوته اليتامى؟))
هزَّ فارس رأسه وقال بمراوغته الخبيثة
((نعم كنت أقول ذلك كما كنت أقول بأن والدك المرحوم باعني كل أسهمه بالشركة قبل وفاته))
زاد ذهول قصي من جشع هذا الرجل الذي هو من نفس عائلته! فتصفح وجهه بعينيه القادحتين بشرر خطير.. ثم تنحنح جامعًا ما تفتت في نفسه من صدمة ما سمع
((إذن في النهاية أنا سأصبح في منتصف الثلاثين من عمري ولا املك عملا ولا شقة ولا سيولة بالبنك.. هي فقط سيارة واحدة سجلتها بإسمي))
قاطعة فارس بصوته المهيب القاتم
((ليست مشكلتي بأنك إنسان غير ناضج لا يفكر إلا في حدود متعة ورفاهية يومه ولم يسبق وأن حاول في السنين الماضية والمال بين يديه أن ينشأ مشروعا ولو كان بسيطا ليدر عليه دخلا يأمن مستقبله))
أطبق قُصي على أسنانه بغضب مستعر وقال
((إذن نحن أولاد أخيك تخصم كل قرش أنفقته علينا من أموال ورثتنا، في حين أنك لا تطالب شيئا من أموالك الطائلة التي استثمرتها في يوسف وإخوته الغرباء عن عائلتك!))
احتدَّ لون عيني فارس الفاتح إلا أنه كساه قناع بارد غامض غير مقروء وقال
((قُصي لا تفكر بالعودة إلى هنا وطلب شيء مني! فأنا لن أستقبل مجددا ناكر جميل مثلك يظل يتهمني بسرقة ورثته من أبيه، فمثلك لا يستحق إحساني وجميلي!))
اهتزت حدقتي قصي ليقول بقهر الرجال
((هل تود مني أن أتوسل منك وأجثو أمام قدميك ذليلا لأعود للعيش هنا واستئناف مصروفي؟ لا لن أفعل يا عمي، على جثتي))
ثم نظر لأمه هاتفا بحُرقة ومرارة يرجو فيها دعمه ولو لمرة واحدة
((أمي تصرفي مع هرائه هذا! الآن))
أشاحت روزانا ببصرها عن ابنها وهي تدمدم بتوتر
((وماذا بيدي لأفعله؟))
استنكر قُصي وهو يفتح كلتا يديه بضغط عصبي رهيب
((الكل يعرف أن عمي يكرهك كما لم يكره امرأة بحياته ولم يكن ليبقى معك كل تلك السنين إلا لو كنت تملكين ضده ما يدينه، وقد حان الوقت لإظهار أوراقك المخفية والوقوف معًا ضده))
توجع قلبها بحرقة شاعرة أنها بين نارين.. ابنها وزوجها.. لكن محاربة زوجها وفقدانها كل ما تنعم به كانت نارا أكثر حرقة.. فتجلت أمارات رفض مطلب قُصي على وجهها ولاحت له كل الإشارات التي تظهر خيارها، فتخبطت الأفكار في دهاليز عقله المشربك مما جعله يغمغم أخيرا بصوتٍ سحبت منه الحياة
((هكذا إذن.. انسِ يا أمي أن لك ابن اسمه قصي..))
تأوه قصي في نهاية حديثه ورفع يده تلقائيا إلى معدته يتألم مما جعلها تسأله بأمومية
((ماذا هناك!؟ هل حقا أمر معدتك بهذه الخطورة؟))
قال قصي بإعياء وبؤس
((نعم يبدو خطيرا))
وقبل أن يسمع كلمات تعاطف أو بكاء من أمه لن تهوِّن عليه من محنته خرج يائسا من الغرفة ثم من القصر قبل أن يقرر أن يستظل تحت إحدى الأشجار.. ينتظر حتى يخفت جحيم ألم معدته قبل المغادرة..
لقد خسر كل شيء.. لا مال، لا عائلة، لا جاه! وبالتالي سينفصل عن سهر دون حتى أن يخبرها حقيقته!
فماذا سيخبرها وهو مفلس تماما ومشرد بالمعنى الحرفي!
ظل على هذا الحال لساعة قبل أن يجفل على صوت هادئ يقترب منه بخطوات ثابتة
((قُصي استقل سيارتي سآخذك إلى إحدى المشافي لنجري التحليلات اللازمة))
فتح قُصي عينيه ليجد يوسف يطل عليه من واقفا..
وسرعان ما استمع له وركبا السيارة وفي أثناء ذلك سأل يوسف
((كيف تسير قضية شيرين؟ ألا زلت تتابع أمورها مع المحامي؟))
أجابه بهدوء
((لا تقلق كل شيء يسير على نحو جيد بل ممتاز))
شرد قُصي بنظره في زجاج نافذة السيارة ثم عقب
((المسكينة الوقت عندها رتيب فالأيام هناك سواء، فهي ممنوعة من أي وسيلة اتصال بالعالم الخارجي، وزيارتنا المحدودة لها تعتبرها مكسبا عظيما وتمتن لها))
شهق يوسف بخفوت كمن تذكر شيئا ثم بشره
((بالمناسبة ذهبت إلى نقابة المهندسين وأعطيتهم أوراقا تثبت أن اسمك مسجل على المشروع الهندسي.. وخلال أسبوعين تم الاتصال بي من مكتب العمل وتم الاتصال بالشركة لدفع الرواتب المتأخرة لك خلال فترة أربع أيام أو تهديدهم ليتم تحويل مشكلتك للمدعي العام))
تحفزت ابتسامة أمل على وجه قصي وقال
((هذا يعني أني سوف أتلقى راتبا شهريا منهم حتى بدون أن أعمل، لمجرد استخدامهم شهادتي دون أذني!))
أبعد يوسف نظره عن الطريق للحظات ليقول
((في الحقيقة لقد تخلوا عن شهادتك، فقدمت ضدهم شكوى أخرى بطردك تعسفيا وتم تسوية الأمر بإنهاء عملك فيها مع دفع كل مستحقاتك.. سأرسل مَالك المُستحق على رقم حسابك البنكي))
ارتخى قصي في مقعده وهو يقول بفرط حماس
((هل المبلغ الذي حصلت عليه كبير؟))
=============================
مساء..
توجهت رتيل بخطوات رتيبة نحو الباب الذي يتم طرقه بقوة وفتحته دون أن تسأل معتقدة أنه مُؤيد الذي قال لفهد أنه سيخرج ويجلس في الحديقة الصغيرة المقابلة للشقة بعد أن ملّ جلوس البيت المفروض عليه بسبب إصابة ساقه..
لكن ما أن رأت الطارق حتى تملكتها الصدمة وارتدت خطوات للخلف..
رمتها الحاجة زاهية بنظرات ازدراء مُحتقرة قبل أن تتوغل إلى الصالة حيث يجلس حفيداها أمام التلفاز..
فقالت لرتيل بنبرة جفاء وهي تتوجه للغرفة الأخرى
((تعالي لوحدك ونبهي على الصغيرين أن يبقيا بعيدا عنا))
دبت قشعريرة بجسدها فازدردت ريقها ثم اغتصبت ابتسامة أمام ابنه حتى لا يصله ارتباكها قائلة
((فهد خذ النقود من محفظتي ستجدها بغرفة النوم واذهب للبقالة المقابلة للمنزل لتشتري الحلوى، باسم رافق أخاك ولا تتحدثا مع الغرباء))
ثم توجهت بخوف يحتلها إلى حيث حماتها جالسة ووقفت أمامها منكسة الرأس..
قالت زاهية الجالسة على الأريكة باسترخاء ظاهري وهي تتطلع لرتيل التي بدت أمامها كالأرنب المذعور
((إذن نجحتِ بجعله يعيدك بعد انكشاف مصائبك المستورة))
بدأت رتيل تذرف الدموع وهي تقول منكمشة على نفسها
((اقسم لك يا عمتي أني كنت أذهب عند غنوة للمبيت في بيتها والخروج لبعض الأماكن العادية كالمتاحف والسينما فقط))
كان عدم التصديق جليا في عيني زاهية وهي تسخر برعونة
((صادقة، حاشاك الكذب، وهل تذهب امرأة من خلف عائلتها وزوجها لتبيت عند صديقتها المنحلة إلا من أجل هذه الأمور!))
ظلت رتيل تحاول إفهامها.. فأقسمت، وتوسلت، وبررت، وأكدت بأنها لم تكن تفعل أكثر من هذا.. دون جدوى..
لترفع أخيرا زاهية سبابتها تحذرها بسخط
((يكفي لا تقسمي، ويا ويلك أن أعرف أن قدمك خطت خارج عتبة هذا المكان دون علم زوجك))
أخذت رتيل تمسح دموعها بانفعال قلق لتتمتم بطاعة كي تفر من نظرات حماتها وكلماتها الساخطة
((لن أفعل، أقسم لك))
حذرتها زاهية مجددًا بصوتٍ مشتد كالوتر
((ولا تخبري مُؤيد عن زيارتي هذه وما سأقوله لك والا..))
ولم تزد زاهية على هذا لتقاطعها رتيل في استسلام خاضع
((لن أفعل))
في هذه الأثناء فُتح باب المنزل من قبل مُؤيد وبتلقائية توجه لغرفته وهناك تطلع باستغراب لرتيل واقفة في المنتصف بحالة منهارة.. توغل لغرفته ليُفاجئ بوجود أمه تقابلها جالسة فهتف فيها
((أمي؟ متى جئتِ!))
التفتت رتيل إليه شاهقة كأنها وجدت نجاتها فيه.. فانتفضت زاهية واقفة من مكانها تقول
((لقد أرجعتها يا مُؤيد إذن رغما عني!))
ارتعد مُؤيد غضبا من تدخل أمه! فاقترب منها مستعينا بعكازه ليهمس لها من بين أسنانه المصطكة
((أمي رأيت بنفسك أنه لم يأتي مثلها ليسد مكانها في حياة أولادي ولم يطيقا غيرها! كيف تريدين مني أن أطلقها مرة ثانية أو أتزوج بأخرى!))
تطاير الشرر من مقلتا زاهية كالحمم وهي تهتف من بين أنفاسها الملتهبة
((هذا لأن الحقيرة عرفت كيف تحبكها حتى لا تتزوج بأخرى بجعل ولديك الاثنين يكرهانك))
ابتلع مُؤيد ريقه بصعوبة وقد غلبته قلة حيلته بالرد ليتمتم بلوم
((أمي هذا ليس وقته))
كانت زاهية تغلي في داخلها لكنها ردت بغموض لا تقبل تهربه
((بل وقته يا مُؤيد، ستذهب بنفسك الأسبوع القادم عند بيت أم أحمد التي حددت معها موعدا، وستخبرها أنك ترغب بطلب ابنتها صبر لك، ستفاجئ أم أحمد عندما تعرف أنك أعدت زوجتك لذا ستخبرها أن علاقتك مع زوجتك منتهية ولن يكون هناك أي زوجة أخرى لك سوى صبر))
قاطعها مُؤيد مذهولًا
((الأسبوع القادم! أمي كيف تحددين معها موعدا دون إخباري؟ أنا لن أذهب هناك، إصابة قدمي حتى لم تُشفى))
مرت لحظة أو اثنتان قبل أن تقول بزاهية بنبرة هادئة مبطنة بتحذير ضمني وتنذر بعواصف مروعة قد تهب في الأيام القادمة
((إن لم توافق على الزواج يا مُؤيد قد أخبر والدك بكل ما حدث، كما فضحتك الهانم أمامه بالكلام المخزي الذي كتبته للمرأة الأخرى، فمن العدل أن يعرف ما كانت تفعله من وراء ظهورنا))
تفاقم بريق الغضب في عيناها وهي تكمل لرتيل الشاحب وجهها من تهديد حماتها
((أتيت لأخبرك أني سأتغاضى عن إرجاعكِ من أجل الولدين فقط، لكنه سيتزوج قريبا من امرأة عفيفة تخاف الله فيه وتتقيه))
لملمت زاهية عباءتها ثم بارحت المكان بعنجهية ووجه عبوس بعد أن مرغت بكرامتها الأرض..
بقي مُؤيد واقفا مكانه يفور بالغضب من كلام أمه وهو يرخي أجفانه ويداه تتقبضان إلى جوار جسده.. قبل أن يخرج صوت رتيل المرتجف له متسائلا
((هل ستتزوج حقا؟))
أشاح مُؤيد بوجهه عنها فاقتربت رتيل منه تمسك بيده تقول بضعف وانكسار
((هل ستتزوج مجددا يا مُؤيد وتطلقني؟))
نظر مُؤيد إليها وهي ترفع عينيها الداكنتين لطوله المهيمن تنظر له باستجداء ودموعها ترسم خطوطا على خديها..
ظل يحدق في ملامحها المتألمة التي توجعه فتجعله لا يفكر إلا في مد أنامله ماسحًا كل هذا الحزن الساكن في عينيها.. إلا أنه قال ببرود ظاهري
((من جلب سيرة الطلاق؟ لن يحدث بيننا طلاق مجددا، الأمر فقط أنه من المستحيل أن نعود كما كنا بالماضي، هذا ما يجب أن تدركيه))
انعصرت عيناها بأنين متألم لتقول
((كما أخطأتُ بمبيتي عند غنوة من دون علمك، لقد أخطأت أنتَ الآخر بحقي))
رد عليها بصوتٍ جامد لا يحمل أي تعبير
((معك حق نحن الاثنين مخطئين، وخاصة أنا، ولكن مهما أحاول لا أستطيع تجاوز ذنبك أبدًا أو أتقبلك كزوجة لي في حياتي..))
لم تستطع أن تواجهه أكثر وهي ترى عينيه الفاتحتين الذابحتين لأدميتها فنكست رأسها أمامه بانكسار وتهدلت كتفيها وقد خارت روح المجابهة..
تراجعت خطوة للوراء مفلتة يدها منه لتقول بغل نابع من حرقتها
((إذن يحق لي أنا أيضًا ألا أتقبلك بحياتي بعد خطأك ذاك لأني أراه أعظم من ذنبي))
تطاير الشرر من مقلتيه من الكلمات التي وجهتها له فرد بجمود قاصدا أن يؤلمها بالصميم
((حقك ولن اعترض، لذا أفضل شيء أن نعيش معا لكن منفصلين من أجل الولدين فقط، وأتزوج أنا كما تريد أمي، بما أني تعلمت من أخطائي، سأحاول قدر الإمكان أن أكون شخصا أفضل مع زوجتي الجديدة))
ارتجفت شفتا رتيل مما قاله..
طعنة مؤيد اخترقت فؤادها فتراجعت للخلف وملامحها تنكمش من الألم الذي انهمر كالخناجر على صدرها المقبوض..
هل يظن أن الأمر بهذه البساطة؟ يظلمها ثم يأمل أن يتزوج مرة أخرى ويحاول أن يكون شخصا أفضل مع زوجته الجديدة! إن كان الأمر كذلك أليس من الأولى أن يبادر بإصلاح نفسه معها بعد أن تعاشرا عيش وملح سنوات طوال!
غصت العبرات في حلقها فهبت تبارح المكان نحو غرفتها قبل أن تنهار تماما.. توسدت الفراش تغادر واقعها المؤلم لتجد في النوم بعض الراحة لتلك المعاناة ولو لمدة قصيرة لعل الألم يتخدر..
بعد وقت وجيز.. توجه مُؤيد نحو الصالة الصغيرة وهو يتكئ على عكازه.. وقف قليلا عند الغرفة التي تنام فيها رتيل يسمع فهد يناديها
((أمي ها قد عدنا، استيقظي، لقد جلبنا الحلوى))
ردعه باسم هامسا بحذر
((أشش.. إنها نائمة، ضع الحلوى لها في هذا الجرار، إن شاءت تأكلها عند استقاظها))
خرج الولدان من الغرفة لكن جفلا الاثنان على صوت مُؤيد الخشن العالي
((وأين حصتي من الحلوى؟))
خبأ فهد حلواه خلف ظهره حتى لا يراها والده ثم دمدم بخفوت متهربا
((أي حلوى هذه التي تتحدث عنها يا أبي!))
أما باسم قال لوالده بإباء طفولي دون أن يرف له جفن
((لقد أعطيتُ الحلوى الكبيرة لأمي ولم يتبقَ إلا حلواي الصغيرة وبالكاد ستكفيني، فلا تطمع بها))
انفلتت أعصاب مُؤيد فصرخ به وهو يمد يده له
((لا يهمني حلوى من هذه التي ظلت معك، أريد الآن أن تعطيني ولو نصف المقدار الذي أعطيته لأمك قبل قليل))
تشنجت ملامح باسم بالرفض للحظات قبل أن ينتفض راكضا للداخل ويغلق الباب خلفه رافضا منحه حصته..
.
.
صباحا..
فتحت رتيل عينيها ببطء ثم اعتدلت واقفة من مكانها ووقفت تناظر انعكاس صورتها بالمرآة..
وأول ما خطر على بالها عندما طالعت هذا الوجه الذابل والملامح المكسورة هو أن تغير من طريقة تفكيرها.. أن تعيش لنفسها ولولديها فقط ولا تضيع ثانية في الحسرة والبكاء.. ولا للاستسلام والمشاعر السلبية..
عليها أن تتخلص من عباءة الضعف والحزن على ما فات لقد تعلمت الدرس..
لطالما وضعت مُؤيد فوق رأسها لهذا لم يراها يوما.. بل اعتبرها أنها أقل من مستواه..
لكن كل هذا سيتغير.. من الآن فصاعدا..
=============================
أتم الطبيب إجراء آخر الفحوصات اللازمة لقصي ليتبين أن سبب ألم معدته الملازم له منذ أشهر هو جرثومة سببها الطعام الذي يدخل معدته والمكان الرديء الذي يعيش فيه.. كما كان يعتقد فعلا..
أعطاه بعض الحبوب المسكنة للألم وأدوية أخرى للعلاج وطلب منه أن يعود لأسلوب حياته ونظام غذائه القديم..
وبطريقته الخاصة أوصل يوسف ما جرى لقُصي إلى والدته التي رقَّ قلبها أخيرا على ما حدث لبكرها وأجرت اتصالًا معه تخبره أنها أقنعت عمه أخيرا أن يسامحه ويعيده ليسكن معهم، بل وقد تقنعه أن يسجل بعضا من الأملاك باسمه حتى يستطيع أن يبوح لخطيبته بكل حقيقته ويتمم زواجه منها!
تهللت أسارير قصي وقد لاح الفرج على حياته أخيرا!
وأول ما فكر بفعله هو أن يهرع للمطعم كي يخبر سهر بكل شيء بعد أن يدعوها هي ونور لأحد المطاعم بالمال الذي حصل عليه من تلك الشركة المحتالة.. وبالفعل ما إن حطت قدمه عليه حتى قدم استقالته لفريال التي تحسرت على فقدانه.. ثم توجه إلى المطبخ حيث سهر بالداخل ليهتف بلهفة
((باربي يا باربي إلى أين تريدين أن أدعوك اليوم أنتِ ونور فمعي الكثير من المال؟ كما أن هناك أمر بالغ الأهمية يجب أن أعلمك به))
ناظرته سهر بعبوس ثم قالت بعدوانية
((أنا إلى الآن لا أدري كيف تتعامل معي بأريحية دون أن تشعر ولو بلحظة خجل أو حتّى ندم على خداعك لي! نحن انتهينا وسنفسخ كل شيء بيننا بمجرد عودة أمي ولن تنال قرشا واحدا من عائلتي! هل تفهم!))
لم تنحسر ابتسامته العريضة وهو يقول
((أنا أعرف أني جرحتك بكذبي يا باربي ولكن صدقيني لدي قليل من الأعذار قد تبرر بعض هذه الأكاذيب، لذا اقبلي دعوتي لأخبرك بها))
قاطعت نور عليهما الحوار وهي تقول وبجانبها موظف حكومي
((قُصي هناك من يريد توقعيك، ينتظرك من مدة))
تجهمت ملامح قُصي وهو يتناول الأوراق من الموظف وسرعان ما قال بعصبية
((طلب طلاق.. تريدين فسخ خطوبة!))
طالع سهر على الفور والتي سارعت نافية وهي تلوح بيدها
((لا تنظر لي بهذا الشكل، أنا لم أرفعها، كنت أنتظر عودة والديّ من الخارج حتى افعل ذلك ولكن لم أرفعها حتى الآن، لا أعرف أصلا كيف رُفعت دون هويتي المدنية))
هنا فقط وجدت تمارا الفرصة سانحة لها لتتوغل لهم مع صوت طرقات كعبها العالي الرفيع.. لتقول بابتسامة واثقة جانبيه تشق وجهها الأرستقراطي
((أنا من رفعتها يا سهر بطرقي الخاصة نيابة عنك))
لفت الدهشة سهر وهي تقول بلا تصديق
((أمي متى عدتِ؟ أين أبي! قال بأنه لن يستطيع العودة قبل أيام من الآن..))
ضيقت تمارا حدقتيها وهي تناظر قُصي الناقم عليها ثم قالت مخاطبة ابنتها
((هذا صحيح لكن جاءتني أخبار أنك تعملين مع هذا الكاذب المخادع في نفس المكان وكان لزاما عليّ أن أعود قبل والدك كي أتصرف))
ثم اكتسبت نبرتها الازدراء وهي تكمل بغضب مكتوم
((وأنت يا منقب الذهب كما ترى هذه دعوة فسخ خطوبة، لصالحك طلقها بسرعة لأنك لو تعنتَّ سأطالبك بتعويض عن الثلاث سنوات التي أضعتها من حياة ابنتي باحتيالك وكذبك))
جعد قصي الأوراق التي يمسكها بغل وواجها بصلابة
((لن أفسخ خطبتنا، سهر لا تزال تريدني فلا يمكنك أن تفرقينا))
انفلتت أعصاب تمارا فاندفعت تقول هاتفة بسخط
((أيها الأحمق هل تظن حقا أنى سأزوجك من ابنتي وأقبل أن تعيش في مستوى مختلف عن الذي كانت تنعم فيه عند والدها!))
اختلجت ملامح سهر وقد أصاب قُصي في كلامه! لا تزال تحبه كما لم تحب أحدًا غيره.. هو وحده من وصل لقلبها ومن جعل لحياتها طعما ولونا.. لكنها لن تسمح لحبها أن يجعلها تنظر لعلاقتها مع قصي الذي خدعها لثلاث سنوات بمنظور العاطفة دون تحكيم عقلها في ذلك، فقالت بنبرة جاهدت أن تخرج كالبرد القارص
((أمي محقة يا قُصي علينا الانفصال حتى لو كنت لا زلت أحبك، لن أسمح لهذا الحب أن يبعدني عن التحكيم العقلاني والواضح لعلاقتنا..))
خفتت أنفاس تمارا العنيفة وعادت لها الابتسامة الواثقة مشيدة
((هذه هي ابنتي الرائعة سهر..))
تمتم قصي بازدراء وهو يهز رأسه
((هذا لأنك لم تكوني مخلصة لي بحبك ومشاعرك، علاقتنا ما هي إلا علاقة تجارية وليست عاطفية..))
زجرته سهر بألم مبرح يطل من عينيها
((لا تتحدث كأنك الضحية هنا، فأنتَ من هدمت كل أحلامي معك، أنتَ لم تحبني لذاتي بل لما قد تجنيه من مصالح بعد الزواج بي تتيح لك الارتقاء بنفسك))
اغترت تمارا بتشمت أمام قصي بابنتها التي خشيت أن تضعف أمام مخادع ومنقب للذهب مثله.. ولم تكبح نظرة استحقار قاتلة رمتها به وهي ترفع إحدى حاجبيها تقول
((هل صُدمت من جواب سهر؟ وهل كنت تظنها إحدى الفتيات اللواتي قد تكون فريسة سهلة الوقوع في شباك رجل يحترف الصيد بمعسول الكلام والتباهي بالثراء؟ ابنتي تسمع بعقلها لا بقلبها))
ثم طالعت ابنتها تسترسل
((لقد تعمد التقرب منك أنتِ دونا عن باقي الفتيات لأنه علم ابنة من تكونين، لقد أمضيتُ وقتا طويلا أفكر بالماضي وبسقطات لسانه واتضح لي أنه ذئب ماكر، لكن جشعي بالثروة التي ظل يتفاخر أنه يملكها هي ما جعلتني مأسورة فيه كصهر ولا أبحث جيدا عن خلفيته))
ثم أمسكت ذراع سهر المتسمرة في مكانها وهي تحثها على الخروج من المطبخ
((حان وقت انتهاء فترة تمردك والعودة للمنزل))
كانت تمارا تجذب سهر التي لا تبارح أبدًا عينيها عن عيني قصي.. مِمَّا جعلها تهتف به بتهكم لاذع قاسي وهي تزيد من شدة جذبها للخارج ((اذهب يا منقب الذهب وحاول أن تنسى سهر في اليخت الخاص بك مع أصدقائك الأثرياء أو خلال التجول في سيارتك الفريدة من نوعها أو الذهاب في زيارة سريعة إلى باريس!))
أخيرا قطعت سهر تواصلها البصري مع قصي بعد أن استجابت لوعيها في أن تدير ظهرها له فما هو إلا مخادع وكاذب كما قالت أمها..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع وسبعون 77 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الثالث والثلاثون
في إحدى المطاعم الراقية التي دعت تمارا ابنتها إليها سمعتها تكتم شهقة خافتة تقول بصوتٍ مرتجف
((أمي أشعر أن قلبي محطم، هل هكذا سنفسخ خطوبتنا وتنتهي علاقتنا للأبد؟))
ناولتها تمارا منديلا لتمسح دمعتها التي سقطت مغافلة لها وقالت
((نعم حبيبتي، وستتجاوزين الأمر سريعا عندما يتقدم لك رجل آخر ثري لا يعرف الكذب والخداع له طريقا))
تنهدت سهر بحُرقة قلب وقالت
((لكن أمي.. أخشى ألا أتمكن من نسيانه فقد أدمنت على وجوده، وهذا ما جعلني أتساهل في بقائه بالعمل معي في نفس المطعم))
أظهرت تمارا تعاطفا مزيفا وقالت
((إنه إدمان سيء، أضراره أكثر من فائدته، انسيه))
غمغمت سهر ببؤس ووهن
((أمي لا أظن أني أستطيع تجاوزه بسهوله، لماذا لا أعود له فقط بما أن الألم باقي لي في كلا الحالتين!))
اكتسبت نبرة تمارا الصرامة وهي تأخذ واجهة المرأة الحكيمة التي تستمد كلامها من خبرتها المكتسبة من الحياة
((تفكير خاطئ، حبك له كالتدخين، قد يظن المدخن أن استمراره في التدخين عذاب، وانقطاعه عنه عذاب آخر فتخفت إرادته ويستمر بالتدخين، غافلا أن العذاب الناتج عن انقطاع التدخين هو عذاب مؤقت ينتهي عند انتهاء آثار الانسحاب، وسرعان ما سيبدأ حياة صحية ونظيفة خالية من أذى التدخين))
لم يسبق وأن حظيت سهر في الماضي بأي نقاش جدي يخص أي موضوع مع أمها إذ أنها أكثر إنسانة في الحياة لا تهتم إلا بالمظاهر الخارجية والثروة أمام مجتمعها الراقي.. لكن الآن شعرت حقا أن كلامها مفيد جدًّا.. وقد بدأت إدراك ما ترمي له..
طبطبت تمارا بكفها فوق يدها بخفة وقالت مشددة إزرها
((فترة وستنسين ذاك الكاذب المنقب عن الذهب قصي وستسمحين للرجل الثري المناسب الدخول إلى حياتك..))
ثم استحالت ملامحها لأخرى مبتهجة وهي تردف بحماس
((علينا أن نتجهز للحفل الخيري الذي ستقيمه مدام روزانا، حتى يعلم كل من في مجتمعنا الراقي أنك على وشك فسخ خطبتك))
=============================
سجن النساء..
قامت الحارسة باقتياد شيرين إلى حيث ينتظرها أحد الزُوار..
احتلت الصدمة شيرين للزائر غير المتوقع ووجدت نفسها ترسم ابتسامة بينما تجلس مقابله
((معتز!؟ كيف حالك يا معتز؟ لم أتوقع زيارتك هذه))
رسم معتز ابتسامة شاحبة وقال بتوتر مرتبك
((أنا حقًا.. لم أتوقع أن ترغبي بمقابلتي بعدما حدث لك بسبب شهادتي ضدك))
تجلت عليها ملامح الرفق وطمأنته
((معتز أنتَ فقط أدليت بما رأيته، قلتَ فقط أن فائق ظلَ طوال فترة وقوع حادث السقوط بالكافتيريا جالس أمامك))
تفاقم توتره بينما يرفع رأسه قائلا بلهفة مؤكدا
((نعم أقسم بذلك، في ذلك اليوم كان يريد الصعود للقسم فمنعته وأخبرته أن الإدارة لم تسمح لأحد بدخول القسم بعد إغلاقه إلا لكِ يا شيرين ولطه، فالتزم بكلامي خانعا وجلس على طاولة أمامي مع رفاقه معطيا ظهره لي))
تجلت على وجه شرين الدهشة
((حقًا.. هذا غريب..))
لكن قاطعها معتز
((انتظري.. لكن ما حدث بعد ذلك أنه استغل انشغالي بالأكل وأعطى سترته المألوفة لصديقه ليرتديها ويجلس مكانه، لكي يموه وجوده في المكان))
هزَّت شيرين رأسها وقالت بعد أن أطلقت تنهيدة عميقة
((نعم أعرف، أخبرني قصي والمحامي أن طه سرد عليهم كل ما حدث بعدما استعاد شيئا من عافيته وأكد عليهم أن فائق من دفعه لأنه طلب منه المغادرة وعدم التدخين بالشرفة، وعندما رفض حصلت بينهما مناوشة ودفعه بغير قصد))
تقبضت يد معتز وعقب بغضب
((الأحمق كان عليه البوح بالحقيقة والاعتراف أنه هو من دفع طه بغير قصد، بدلا من الإنكار وإخفاء الأدلة، بل والتسلل لغرفة المراقبة مع رفاقه ملثمين والاعتداء على من فيها ثم إتلاف كل الكاميرات))
اكتنفت الجدية شيرين وقالت بنبرة قوية
((معك حق، بعد كل ما فعله من طمس الحقيقة وتوجيه أصابع الاتهام لي قصد انقاد نفسه فلا مفر من محاكمته هو ومن ساعده، أنا لا نية لدي للتنازل عن حقي، عليه أن يدفع ثمن زجّي في السجن بلا ذنب))
أثنى عليها معتز هادرا بقوة
((معك حق، لا تتنازلي أبدًا، لكن متى ستخرجين من هنا بما أن براءتك ظهرت؟))
تراخت جلسة شيرين وهي ترد عليه
((عليّ الانتظار حتى آخر جلسة للمحاكمة، لن يطول الأمر، أيام قليلة إن شاء الله))
أومأ لها معتز راجيا الله أن يفرج عنها قريبا مما جعلها تسأله بشيء من البشاشة
((إذن ما هي آخر أخبارك؟))
رد عليها وهو يضع يده خلف عنقه بإحراج
((لقد خطبت مؤخرا، ولم يبقَ الكثير على زفافنا، أنت مدعوة بالتأكيد))
ثم لبث أن علت ملامحه الامتعاض يخبرها بنقمة
((سنسافر أنا وخطيبتي للخارج بعد أن سنحت لكلانا فرصة عمل أفضل هناك، العمل في شركة القاني استغلال في استغلال، لن أضيع عمري فيها أكثر))
عبست ملامحها مدمدمه
((اللعنة على شركة القاني، وأصحابها الجشعين، يستغلون عدد الموظفين الهائل من المنتسبين لها))
نبهها معتز بنبرة ذات مغزى
((حاذري كلامك، فقد عرفتِ الآن من هو قُصي سامح!))
ضيّقت حدقتيها هادرة
((لا تقلق، فأنا وهو نكن نفس الكره اتجاهها))
خفت صوت معتز يتظارف
((إلى الآن لا أصدق أن عمه يكون فارس القاني صاحب شركات القاني، من الجيد أن قُصي كان يتصرف بنبل معنا مهما لاقى منا، ولم يفكر في التسبب بطردنا قط))
انطلقت من شيرين ضحكة خافتة لتقول
((لا تذكرني بتلك الأيام، كنت أفرغ جام غضبي في توبيخه وإنزال أقصى العقوبات عليه، متعجبة كيف لا يتم طرده مع كل مخالفاته وإهماله!))
تبادل الاثنين تلك الضحكات الخافتة المبحوحة بأنفس متصالحة رغم ثقل القلب وما يجثم فوقه..
=============================
في غرفة المعيشة..
ماطلت منال أثناء وجودها داخل غرفة المعيشة بحجة توضيب مائدة الطعام بين تصوب نظرها على مَازن الذي يدعي تجاهلها وعدم رؤيتها من الأصل..
تعمدت طلب مساعدة ابنتها نجوم معها رغم التعب والإعياء الظاهر على وجهها..
على ابن الكانز أن يعلم أن الأمر لم ينتهي بعد!
انتبه مَازن لدخول والده المفاجئ بل وجلوسه على أريكة مقابلة له.. ورغم توتره الجمّ إلا أنه حسم أمره وهتف بصوتٍ مسموع لابنته الجالسة في حجره أمام شاشة التلفاز
((هذا البرنامج الكرتوني يا هدهد كان المفضل لي بصغري لأني كنت أرى الشخصيات النسائية الكارتونية فيه فاتنة))
اتسعت عينا يعقوب وهو يناظر ما يلقن مَازن ابنته، حتى أن نظره تشتت بأرجاء الغرفة وانتبه لوجود نجوم بينما يكمل مَازن مُدعيًا البلاهة
((لقد كنت زير نساء في طفولتي، كنت أدخل إلى المحل المقابل لمدرستي لأن البائعة فيه امرأة جميلة، وقد أدعي المرض مرارًا وتكرارًا لأذهب إلى رؤية الطبيبة الجميلة التي تم تعيينها في مشفى القرية، فقط لتتصدق عليّ بابتسامتها الساحرة))
برقت عينا يعقوب بغضب وزجره موبخا
((اسكت يا ولد.. أتفتخر بقلة أدبك وتربيتك أمام ابنتك!))
ناظر مَازن والده واظهر ابتسامة متشنجة وهو يقول بسماجة
((أنا أمازحها فقط، وأحكي لها عن طفولتي الشقية!))
تنفس يعقوب بهدوء يجاهد نفسه ألا يرتكب جريمة بابنه أمام عائلته.. ثم تطلع لزوجته المُحرجة من تصرفات مَازن بغضب مكتوم قبل أن يوجه أنظاره إلى مَازن الذي رآه يحدث بنظرات ذات مغزى نحو نجوم.. فوجد نفسه يصرخ في منال بشيء من الحدّة
((لماذا نجوم ابنتك لا تزال تعمل هنا يا منال!))
بارحت نجوم المكان فورًا بخوف تاركة أمها أمام المدفع فارتبكت منال قبل أن تجيب بتلعثم
((أنا.. نحن.. لا نستطيع الاستغناء عن عملها في المطبخ ثم هي بحاجة للعمل لأن أجرتي بالكاد تكفيني وحدي))
انفلت أعصاب يعقوب ليهتف بها بغضب
((ألم أخبرك بأني سأتدبر لها عملا آخر خارج القصر؟))
تصاعد توتر منال أكثر لتتمتم وهي تتظاهر بالمسكنة
((ولكن يا حاج لن يرتاح قلبي إلا لو عملت ابنتي معي وتحت أنظاري))
لم يجد يعقوب بُدا من النقاش فتضايقت ملامحه أكثر وغادر المكان بخطوات نارية وقد ضاق ذرعا من تصرفات ابنه غير المحترمة وعدم إصغاء العاملين لأوامره في المنزل..
همس مَالك الذي دخل الغرفة وقد استمع للحديث، نحو توأمه بحنق لا يفهم غايته
((ما الذي تود الوصول له؟ هل تعمدت أن تنال هذا التوبيخ؟ ألا تهنأ أن يمضي يوما دون أن تنال تقريعا؟))
تنهد مَازن ببؤس ثم وضع يديه فوق أذني ابنته العابسة بطفولية تحدق لهما لا تفهم شيئا مِمَّا حدث.. هامسا
((تعمدت قول ذلك حتى يطردها والدي، أنا اعرف ما افعله))
=============================
تناول الحاج يعقوب سوارًا ذهبيًا من منال ونظراته تحوم حول بتدقيق.. الجحوظ في حدقتيه اللتين يحيطهما خطوط العمر من كل جانب وشى بصدمة اجتاحته كالطوفان الهادر قبل أن يغمغم
((من أين لك هذا السِوار يا منال؟))
غطت منال فمها بيدها تكتم شهقة خافتة ثم أجابت مدعية الظلم
((إنه من مَازن، أعطاه لنجوم وقد أرغمها على قبوله حتى لا تتعرض لأذيته لو رفضت))
عَبَس يعقوب بملامح مكفهرة متسائلا باحتدام
((ماذا يظن نفسه؟ ولماذا لم تخبريني في وقتها؟))
انقبض قلب منال خوفا من أن تبدو مدعية أمامه، لذا استطردت حتى تكون أكثر إقناعا
((خفنا ألا تصدقنا وتميل لابنك مهما كان، ونحن لا حول لنا ولا وقوة كما ترى.. فصمتنا على مضض منه))
زمّ يعقوب شفتاه يكبح غضبا مستعرا في داخله قبل أن يقول بشرود عينيه
((صدقًا لا أدري ما أقول.. أعتذر لك عن تصرف ابني النذل، لكن بما أنه أعطاه لها دعيها تحتفظ به، ستتوقف عن العمل هنا ولكن الى حين أن تتزوج ستظل تأخذ راتبها مني دون أن يختلف عليها شيء))
تملك الذهول من منال ولم تتوقع أن يصدقها دون جهد فسارعت تتمتم بكلمات الشكر وتثني معروفه
((بارك الله في مَالك وحفظك لعائلتك يا كبير قريتنا))
أغلقت منال باب المجلس خلفها مما جعل يعقوب يناظر زوجته شاحبة الوجه بخزي من أفعال ابنها هاتفا
((ها.. أرأيت ما حدث يا زاهية؟ أرأيت ما فعله مدللك))
لسعت العبرة بسياطها حدقتيّ زاهية ينما يتابع لومه
((ابنك المصون أخذ ثمن هذا السوار من مُعاذ، مدعيا أنه سيشتريه لزوجته من باب زيادة المودة بينهما، حتى أنه أراه لي وقال بأنه سيقدمه قريبا لها! ها أنتِ ترين نتائج تدليلك له وتجاوزكِ عن أخطائه مند صغره بلا عقاب..))
بتر كلامه وهو يضرب كفا بكف ثم يكمل بصدمة تتملكه
((لا حول ولا قوة إلا بالله... بدلا من أن يشب كإخوته ويجعل مني أبا فخورا به وبصلاح أخلاقه أضحى زرعا فاسدًا يحني رأسي في آخر عمري))
نشجت زاهية بألم حارق والحزن يفترش مقلتيها
((اهدأ يا حاج، دعني أفهم من مَازن كيف أعطى السوار لنجـ..))
قاطعها يعقوب بحدة
((لا تسأليه ولا تتحدثي معه فلا أمل منه، أنفقت عليه أموالا طائلة من نفقات جامعة ومعيشة مقابل أن يؤسس حياته هناك وينجح ولكن أبى إلا أن يعود هو وقلة أخلاقه ومروءته.. بالمختصر لا أريد أي عاملة شابة أن تعمل في هذا القصر، خاصة نجوم.. مفهوم يا أم مُعاذ؟))
ردت زاهية بنبرة مكسورة
((مفهوم يا حاج، سوف آخذ هذه المرة كلامك على محمل الجد، وأحثها على المغادرة))
ثم شبكت أصابعها ببعضها مردفه بصوتٍ متهدج ممتعض
((مسكين ولدي، رضخت لفكرة أن يتزوج صغيرا حتى يعقل.. لكن حظه العاثر أوقعه بياسمين))
زمجر يعقوب بسخط خرج عن عقاله
((بنات الناس لسنَّ مركز إعادة تأهيل للشبان من أمثال ابنك، ولسنّ مسؤولات عن إصلاحه أو تربيته))
كادت أن تقول زاهية وهي تمسك بذراعه
((لكن..))
بتر اعتراضها بحسم وهو يدفع يدها عنه
((لا يغير الله ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.. وكفى))
.
.
في المطبخ..
حيث تجلس نجوم بوجه فاقد لحيوية الحياة تستمع الى نفس الموال البغيض على قلبها الذي تردده والدتها مرارا وتكرارا
((يا حظ سمية البستانية! من كان يتخيل أن تتزوج من ابن الكانز! لا أحد..))
تمتمت نجوم تعقب ما حفظته
((.. إلا أن وجود ابن من صلب مَالك قلب الموازين، وتزوجها رغما عن الجميع))
شردت نجوم في وهن الحمل والفضيحة وكل ما تكالب عليها لتقول أمها بعدائية
((أردتك أن تفعلي مثلها وتتزوجي من توأمه مستغلة الجنين في أحشائك بهذه الطريقة لكنك فشلت.. الآن لا خيار أمامنا إلا أن أذهب بك لبيت أختي الأخرى، هي الوحيدة التي تعرف بمصيبتك، سأستعطفها كي تمكثي عندها مقابل مساعدتها في الحقل الذي تعمل به))
أومأت نجوم لأمها بهدوء نابع من صقيع قلبها المتقرح، وجرح روحها لا يندمل مطلقا ثم قامت بخطوات متثاقلة من مكانها لتجهز أغراضها للرحيل من هذا القصر..
أما منال فتوهجت مقلتاها بالجمر واضعة يدها أسفل ذقنها بتفكير، تحيك خططا من الوسواس الخناس، عليها أن تشتري ثيابا فضفاضة لابنتها حتى تستطيع أن تخفي الحمل، وبمجرد أن تضعه ستأخذه منها وتتركه أمام أحد مساجد قرية بعيدة عنهم وتخبرها أنها قد أنجبته ميتا..
=============================
دلف مَازن جناحه تزامنا مع إنهاء ياسمين مكالمة هاتفية مما جعله يتساءل
((مع من كنت تتحدثين؟))
ردت عليه ياسمين بصوتٍ يغزوه الحزن
((مع زوجة أخيك مُؤيد! وقبل أن ترمي لي إحدى تعليقاتك الظريفة نعم بت مؤخرا أتحدث على الهاتف معها أكثر مما كنت أفعل عندما كانت هنا))
أومأ مَازن بصمت دون أن يعقب مما جعل ياسمين تقطب حاجبيها.. فكيف يمرر مَازن أي شيء دون أن يرميها بإحدى ردوده السخيفة الساخرة أو التي تحمل معانٍ حميمية صريحة! هل ذهنه مشغول بأمر ما!
لكنها لم تقف عند الأمر مطولًا وعادت تمسك مشغولات الخياطة تكمل تطريز قطعة القماش في يدها قبل أن تشعر به يتمدد على السرير بجانبها ويمد يده يلامس خصلات شعرها المستريحة على كتفها..
نهرته مُصطنعة العبوس
((اترك شعري يا قمر الدين))
ابتسم بشحوب على حنقها منه خاصة وهي تدعوه "قمر الدين"!
فكر بما أنه نجح فعلا في إبعاد نجوم عن عملها هنا وإيقاف منال عند حدها، عليه أن يتوقف عن القلق ويركز أكثر في زوجته صعبة المنال والاسترضاء.. فدنا منها أكثر يدفن وجهه في شعرها ليقول بصوتٍ مبحوح
((أحب لون شعرك البُني وملمسه الكثيف وعطره الفواح))
أبعدته ياسمين عنها بانزعاج ظاهري ثم قالت بعفوية
((أتعلم.. كنت أتحدث مع رتيل عن شعري! قالت بأنه جميل وكثيف إلا أنَّ طوله غير مناسب على وجهي النحيف! بصراحة هي ليست أول من ينبهني على هذا!))
اندفع رأس مَازن مبتعدا عنها يهدر بخشونة
((ماذا ترمين!؟))
ترققت ملامحها وهدرت ببراءة
((ماذا؟ ما الأمر؟ كأنني قلت شيئا خاطئا))
ازداد انعقاد حاجبيه وقال وهو يعتدل جالسا
((إياكِ أن تفكري بقصه! هل فهمتِ؟))
فغرت ياسمين شفتيها قليلا وقد فاجأتها ثورته الصغيرة لمجرد اقتراح قص شعرها! إن مَازن هذا مهووس بشعرها.. حتى بأوقاتهم الخاصة له طقوس خاصة في تعامله معه فيحب أن يلمسه ويمسده ويسحبه..
شعرت به فجأة يحيط بكفيه عظام خدها الدقيقة ويقول بجدية تامّة تحتله
((عديني يا ياسو أنك لن تمسي شعرك هذا أبدًا بالمقص! يمكنك فقط قص أطرافه لكن لا تعبثي بأكثر من ذلك!))
أشاحت ياسمين نظرها بتوتر عن مرمى عينيه وغمغمت ((حسنا))
تألقت ابتسامة جذابة محياه وهو يقول بحماس بينما يمرر أصابعه بشعرها
((إذن دعيني أسرحه لك))
ودون أن يأخذ موافقة منها كان يقفز من السرير ويعود سريعا ومعه مشطها.. يجلس خلفها ويبدأ بتسريح شعرها.. فيشعرها أنها ابنته.. كما هدى تماما.. حتى أنه يواظب يوميا على روتين تجديل خصلاتها الطويلة وقد صارت أكثر تساهلا معه بأمر شعرها!
وصلها همسه هادئا
((عديني أنك لن تغدري بي وتقصيه..))
تنهدت بضيق مزيف وقالت بنزق
((حسنا لن أفعل، لكن سأذهب للصالون لأقوم بتمليسه مجددا فقد بدأ شعري يعود لسجيته المجعدة))
انفرجت عنه ضحكة خافتة قبل أن يمازحها برقة
((ولم لا! اتركيه على طبيعته، شعر هدى المجعد هو ما يزيدها جمالا))
ردت عليه بتهكم حانق وهي تبعد مشغولات الخياطة وتضعها على المنضدة الصغيرة الملاصقة للسرير
((ألم تكن تعايرها بشعرها المجعد وتتباهى أمامي بنعومة شعور عائلتكم!))
أجابها مَازن بتلقائية
((ابنتي جميلة وستبقى جميلة مهما كان سجية شعرها))
صمتت ياسمين للحظات بينما هو مستمر بتمشيط شعرها الكثيف بسلاسة، التفتت إليه فجأة برأسها تواجه عيناه
((لقد بدأت هدى تتعلق بك وتحبك))
أرجعت تعطيه ظهرها يكمل تسريح شعرها وتكمل
((يذهلني ما تفعله معها، لكن عليك ألا تفرط بتدليلها فقد باتت لا تصغي لي كالمعتاد))
أخرج مَازن نفسا عميقا ثم قال بعاطفة
((ابنتي وأريد أن أشبعها دلالا، أريد أن أكون لها الأب الذي افتقدته وأعوضها عما فاتها، أريد أن تكون علاقتها بي أفضل من علاقتي بوالدي بمائة مرة))
شاب ملامحها انزعاج وهي تسأله
((لم تشعر بالضيق حيال علاقتك بوالدك؟ أما يكفيك حب أمك المبالغ لك وشقيقك مَالك؟))
ردَّ مَازن بصوتٍ أجش وهو يترك المشط جانبا ويبدأ بتجديل شعرها ببطء ومهارة
((نعم علاقتي بأمي قوية، لكن للأب دور مهم ولا يمكن أن تحل أمي محله، لطالما أردت أن أخبرها عن ظروف زواجنا لكن لم أستطع.. لأنها أضعف من أن تتحمل))
بمجرد أن انتهى مَازن من تجديل شعرها حتى اجتذبها نحوه لتريح رأسها على صدره ويبدأ هو بتمسيد فروة رأسها بأصابعه بحركة تساعد على استرخائها فاستكانت له بطواعية وأغمضت عينيها لتقول
((أنا لم أكن قريبة يوما من أبي أو أمي، وهما أيضا لم يحاولا التقرب مني أنا وأخي والإصغاء لما نريده أو نحتاجه، رغم ذلك لم يؤثر الأمر بي، أعنى ما المهم في أن تكون صديقا لوالديك!))
عقب مَازن مازحا
((ألم أقل لك أنك عبارة عن لوح ثلج!))
ابتسمت ياسمين على كلامه دون أن يراها بينما تسمعه يتساءل ببحة
((لكن برأيك يا ياسو الفتيات الصغار مثل هدى بمن يكُنَّ متعلقات أكثر بالأب أو الأم؟))
اختلجت شفتا ياسمين واستغرق الأمر منها لحظات طويلة قبل أن تجيبه بتحشرج وهي تمسح بظهر يدها دمعة فارة من عينها
((يتعلقن أكثر بمن يكون لهُنَّ السند والظهر والأمان))
=============================
قصر فارس القاني..
كتَّف قُصي ذراعيه وحرك ساقه بعصبية متوترة بينما يقول لأمه بغطرسة
((إذن هل أخيرا أقنعتي زوجك أن يسترجع عقله ويعيدني للعمل في الشركة في منصب يليق بي؟))
تزامنا مع كلام قُصي دلف للداخل فارس القاني بحضوره المهيب المباغت الذي أربك قصي مما دفعة أن يتحفز في وضعيته.. تنحنحت روزانا ثم ابتسمت بتكلف له
((قُصي لا تتحدث بهذا الشكل مع عمك، فقد قرر أن يسامحك عن إهانتك بحقه، والأكثر من ذلك أن يعطيك هدية باهظة))
أطبق قُصي شفتيه بصمت وانزعاج.. بينما تكمل روزانا
((هل تذكر الفيلا الصيفية التي كنا نقضي فيها إجازتنا مع والدك رحمه الله؟ لقد صارت ملكك))
صوب قُصي نظره على عمه الواقف مكانه بينما يتمتم بنظرات تشتعل حقدا
((هدية!؟ هي في الأساس ملكنا قبل أن يستولي عليها ويسجلها باسمه كما سلب باقي أملاكنا))
قطبت روزانا حاجبيها وعقبت
((قصي دعنا نركز بالحاضر.. هذه الفيلا الصيفية بما فيها الآن ملكك، بقي فقط أن تبحث عن عمل وستكون أمورك جاهزة للزواج))
تأمل فارس ابن أخيه بعيون غامضة تعصف بغضب يلجمه بمهارة ثم أكمل عن زوجته حسب اتفاقهما المسبق
((هذا بالنسبة لك، وسأكتب فيلا أخرى باسم أخيك الشقيق وهكذا تنتهي مسؤوليتي أمامكما وأمام الله وأنام قرير العين أني أديت واجبي تجاه أبناء أخي المرحوم على أكمل وجه.. يمكنك العودة إلى هنا وسننقل ملكية الفيلا الصيفية في الغد باسمك))
التمعت مقلتي قصي بالقهر من سخرية عمها! يتحدث بثقة.. كأنه ليس هو نفسه سبب الظلم الذي يعافر به.. فقال بصوتٍ جامد
((بقيت مسألة الوظيفة، بما أنك تنصَّلت من مسؤولية دعمي ماليا أنا بحاجة لوظيفة تدر عليّ دخلا جيدا تبقيني على نفس المستوى المعيشي الذي اعتدت العيش فيه، ولن أجد مثل هذه الوظيفة إلا في شركة القاني بعد أن أُنَصب في منصب كبير..))
ثم علت نبرته واكتسبت العدوانية وهو يكمل محذرا
((وإياك أن تذكر تلك الحادثة، فقد تعاقدتم بفضل الله مع موقع إلكتروني آخر وتم إعادة جميع الموظفين المسرحين للعمل في شركة))
انزلقت شبه ابتسامة بوجه فارس ثم قال والخبث يفوح من كلماته
((أود أن أنبهك يا قُصي.. أنا لست المَالك الوحيد لأسهم الشركة، الشركاء الآخرين، وبالإجماع قرروا عدم السماح لشخص مستهتر مثلك بالعمل في هذه الشركة العريقة التي لم يقصر أحد على مدار السنوات السابقة في صناعة اسمها ورفعه، خطؤك كموظف بسيط فيها ترتب عنه أمورا كارثية فماذا لو توليت منصبا كبيرا!))
تقبضت يدا قصي وعمه يردف
((بالمختصر.. لا تحلم أن تعمل في شركة القاني ولو كعامل نظافة))
لم يرد قصي الذي كان يشتعل من الغضب عليه وظل فارس واقفًا يتأمله بصمتٍ تام قبل أن يرفع أحد حاجبيه باستمتاع يتحداه أن يعترض
((ها.. ألديك ما تقوله؟))
وعندما واجهه بالصمت المتحفز أدرك أنه أصابه في مقتل وروضه فلمعت عيناه بانتصار ثعلب والتفت عنهما مغادرا بهدوء..
شعرت روزانا بتحفز ابنها يهم بالشجار معه فسارعت تجلس بجانبه محاولة تهدئته
((قُصي حبيبي دعنا نفكر في زواجك، الآن وقد صار لديك فيلا باسمك ما عليك سوى أن تحدد موعدا لزفافك وتعرفني تلك الفتاة التي خطبتها))
ضغط قصي على أسنانه بشراسة بينما تنطلق مرارة ضحكة منه ليقول بصوتٍ سقيم
((أمي مشكلتي ليست بالبيت وإلَّا لاستطعت تجميع ثمنه في السنوات الماضية، مشكلتي أني أريد وظيفة ثابتة ومرموقة تدر عليّ راتبا عاليا، هذا كان شرط والد خطيبتي، ولقد طالت خطبتنا دون أن أنفذ هذا الشرط))
كان منفعلا جدًّا فحاولت مجددا تهدئته وهي تمسك بذراعه وتتوسل إليه هامسة
((عمك لن يسمح لك أبدًا بالعمل في الشركة، حتى أخاك رغم اجتهاده في العمل إلا أنه يرفض ترقيته بسرعة، فقط ذاك المدمن يوسف هو المحبوب عنده))
تغضن جبين قصي وقال رافضا
((مدمن!؟ ألن تتوقفي عن نشر تلك الإشاعات عن يوسف!؟ لن تنجحي بإزاحته عن منصبه بتلك الإشاعة المبتذلة عن إدمانه))
شردت روزانا بنظرها وهي تقول بعزم متوعدة
((بل هو مدمن وقريبا سيعرف جميع أصحاب الأسهم الشركاء في الشركة بذلك ويطلبوا تنحيته))
=============================
في الصباح الباكر..
وفي فترة راحة مُعاذ توجه إلى قسم الزنازين المنفردة الفارغة من النزيلات إلا من شيرين وبعض دوريات الحراسة..
سمع صوت جلبة من هناك فتنحنح بخفة وقد طبعت على وجهه ملامح الصرامة، تقدم أكثر من بهو القسم بثقة ليتوقف أمام الضابطة التي سارعت تلقي عليه التحية العسكرية قبل أن يسألها بهدوء
((ما الذي يحدث هنا؟))
حانت نظرة من الحارسة تجاه شيرين التي كانت تجلس خلف باب الزنزانة وتطالعها ببراءة ثم قالت
((سيادة الرائد إنها نزيلة مزعجة وأعرف أن الانفرادي هو الحل لها، لكنها لا تكف عن تحريك القفل وإصدار صوت قرقعة منذ منتصف الليل))
جال مُعاذ أمام الحارسة بعينيه في زنزانة شيرين.. قبل أن يقول بحدة
((شيرين كُفي عن تحريك القفل وإصدار صوت يزعج دوريات الحرس هنا))
اجتاحت شيرين في هذه اللحظة رغبة ملحة في الابتسام على صرامته فزمّت شفتيها تكبح هذه الرغبة ثم تقول
((أقوم بذلك من باب التنفيس عن شعوري بالوحدة، كنزيلات أليس لنا الحق في فعل ما شئنا هنا من صراخ وغناء وضحك صاخب.. أو حتى تحريك القفل))
ردَّ مُعاذ عليها لحظات بتعابيره الجامدة
((هكذا إذن.. يبدو أن عليّ اللجوء لصلاحياتي وزيادة أيام إضافية في الحبس الانفرادي..))
قاطعته الحارسة معترضة وقد طلت بعينيها أطياف التعاطف على حال شيرين لأنها النزيلة الوحيدة في الزنزانة الانفرادية
((لا، لا أظن يا سيادة الرائد أن الأمر يستدعي الأمر لزيادة أيام حبسها الانفرادي خاصة وأن سبب وجودها هنا ليس لخطأ قامت به))
زجرها مُعاذ بخشونة أجفلتها
((قراراتي ليست موضوعا للنقاش))
حانت من مُعاذ نظرة سريعة لشيرين ثم غادر المكان بوقع فيه هيبة.. فتألقت الابتسامة التي كتمتها على شفتيها بتأثر.. لقد استجاب لرغبتها التي قالتها بشكل غير مباشر عن عدم حماسها للعودة للعنبر المشترك في أيامها الأخيرة هنا، وتفضيلها البقاء في الانفرادي أكثر..
في السابق كان بقاءها وحيدة هنا يرهقها نفسيا ويشعرها بالملل لكن بعد أن عادت تخرج للتريض والقيام بأنشطتها كما باقي النزيلات باتت تفضل البقاء هنا.. على الأقل ظروف هذه الزنزانة أفضل بجانب قيامها بكل ما تريد بخصوصية.. واهم شيء هو إنه لن تتوقف زيارات مُعاذ لها.. فهي ستغادر السجن قريبا وبحاجة أن تشبع نظراته منه.. ودون أن تشعر كانت تحوم حولها مشاعر وردية قبل أن تنتفض مكانها على صوت الحارسة تصرخ بها بغضب يغلي كالمرجل من أعماقها
((على ماذا تضحكين؟ على خيبتك!؟ تستحقين هذه الزيادة، هيا خبئي تلك الكتب تحت البطانية جيدا، لو رآها سيادة الرائد لم يكنن ليمرر اليوم على خير لأحد هنا، أنا أبقيها معك فقط لأن أم محمود تحملت المسؤولية))
هرعت شيرين تخفي كتبها وقلمها تحت الوسادة مطيعة للحارسة التي كانت تتمتم بكلمات غاضبة غير مفهومة وهي تنصرف مبتعدة..
تنهدت تفكر في أمر الضباط والحرس، ليسوا جميعا سيئين ومؤذيين.. بل هناك منهم من على قدر عالي من الأخلاق.. وأحيانا لا تلوم صرامتهم فسوء أخلاق بعض النزيلات هنا غير مقبول.. عدا أن بعض قوانين العمل وواجباته تفرض نفسها على الجميع.. وهي ولولا رعاية الله ثم وجود مُعاذ الذي تجاوز عن الكثير من القوانين السجن لأجلها لما استطاعت النجاة من هذا المكان الموحش..
أخرجت شيرين مصحفها الصغير لتبدأ في تلاوة بعض آياته لكن بغتة سرحت في أمر نحلة طنانة تجوب المكان بشكل عشوائي.. علمت أنها دخلت للمكان الخطأ لذلك هي تحاول أن تجد المخرج..
ارتسمت ابتسامة ذابلة على شفتيها عندما نجحت النحلة أخيرا في المرور من النافذة بفتحتها الصغيرة والطيران عاليا خارج أسوار السجن..
رباه.. ليتها مثل هذه النحلة.. ليتها تستطيع التحليق عاليا إلى عالم الحرية خارج هذا المكان المغلق..
لكن عاد شيء من الضيق ينتابها لفكرة أن الحرية تعني الحرمان والابتعاد عن مُعاذ..
=============================
في شقة مُؤيد الصغيرة..
شعرت رتيل التي تتوسد بجسدها الفراش على أرضية الغرفة أن الدنيا بهمومها قابعة على كتفيها وغصة بحلقها تخنقها بشدة.. نهضت تقف أمام المرآة تلاحظ انعكاس ندوبها الداخلية على مظهرها الخارجي فيظهر كم تغيرت.. شحوب وجهها، ذبول ملامحها، اندثار بريق عيناها، ووهن جسدها..
لقد كانت سابقا في بيت أهلها تمني نفسها أن ما تعيشه هو غمامة سوداء لابد أن تزول ومُؤيد سيردها عاجلا أم آجلا.. وبالفعل ردها في النهاية.. لكن زوجة مع قيد التنفيذ.. إذ أنه أرجعها من أجل ابنيهما وسرعان ما سيتزوج من ابنة أبي أحمد.. حتى أنه منعها من دخول غرفة نومه وأمرها أن تنام مع الولدين أو في الغرفة الصغيرة الأخرى.. المهم أن تكون بمنأى عنه..
إنه جدي بمسألة الانفصال مع بقاء زواجهما قائما!
أخرجت رتيل صوتا ساخرا بائسا..
ليس وكأنها باقية هنا لأنها تموت حبًا فيه.. فهي لم تكن يوما تلك المرأة العاطفية التي تحب رجلا يسيء لها ولا يحترمها.. لكن ما يجعلها أمام مُؤيد مكسورة متهاوية هو ضعف حيلتها وقسوة المعاملة في عائلتها التي تمنعها من العودة لهم مطلقة وإلا ستعيش معهم جحيما لا يطاق من الذل والرقابة الشديدة عليها ومنعها من الحياة..
أغمضت عينيها بحرقة.. تكويها عبراتها بلهيبها الدامع الموجع.. وفؤادها يتآكل بالحسرة..
لم عليها أن تكون مضطرة أن تعيش هذا النوع من الحياة!
مسحت وجهها بكفيها تجر خطوات متثاقلة مستسلمة من الغرفة نحو المطبخ..
خرج مُؤيد هو الآخر من غرفته وهو يتكئ على عكازه ثم جلس على أريكة مقابل التلفاز.. أمسك جهاز التحكم عن بعد يشغل التلفاز ثم مدد قدميه الطويلتين فوق الطاولة وقال بجفاء
((حضري لي الفطور الآن))
كان يأمرها دون أن يكلف نفسه إزاحة نظره عن التلفاز فأجابته بجمود دون أن تبعد تركيزها عن الثلاجة التي فتحتها ((لن أفعل))
استغرق الأمر من مُؤيد عدة ثواني حتى استوعب أن الكلمات التي خرجت منها لم تكن ضمن قاموس كلمات الطاعة..
جلست رتيل على أريكة مقابلة له ومعها كيس من الخبز وعلبة جبن فهتف بها بصوتٍ أجوف
((الفطور الذي أعنيه وجبة كاملة، لا شطيرة جبن!))
بدأت تدهن الجبن الكريمي فوق قطعة الخبز وهي تجيب ببرود استفزه
((ومن قال أنى أعد هذه الشطائر لك! إنها لفهد وباسم، إذا كنت جائع فأنت تعرف طريق المطبخ، إنه ليس وعرا))
ضيَّق مُؤيد عيناه بتحذير مبطن وقد التقط شيئًا من التمرد في كلماتها.. توجس مِمَّا تخطط له بينما تكمل
((أنا أتحدث بجدية يا مُؤيد، لا فطور لك.. ولا غداء ولا عشاء، لا اليوم ولا بعده، أنا هنا من أجل الاهتمام بولديّ، لأن علاقتنا مقتصرة عليهما فقط))
طحن أسنانه بينما يهس من بينهم بضراوة
((رتيل كُفي عن استفزازي، فصبري لم يعد كالسابق عليّك وعقلي لم يبقَ فيه إلا عدة أسلاك سليمة، حافظي عليهم لأجل سلامتك))
أغمضت رتيل عينيها للحظات لتتمَالك أعصابها ثم بدأت تدهن الخبز بعنف بين يديها قائلة
((أنا لا أتحاذق، بما أن زواجنا صوري، فلست ملزمة بخدمتك، أنا هنا من أجل الولدين وفقط، هذا كلامك أنتَ))
كان لايزال ينظر لها بغير تصديق فأردفت وكأنها تتذكر شيئًا
((آه.. على فكرة.. قررت أن أطلب الطلاق أنا هذه المرة ما إن تتزوج من ابنة أبي أحمد طبعا بعد أن أتأكد من أنها ستكون زوجة أب جيدة للولدين ولن تسيء معاملتهما.. لكن حتى ذلك الحين فأنا لن أقوم بأي خدمات زوجية أبدًا من غسيل وكي وإعداد الطعام..))
صدح صوت مُؤيد بجنون بينما يحدق بها بعينين ناريتين
((هل جننت يا رتيل؟ هل تختبرين حلمي وصبري؟ أتظنين أن كسر قدمي قد يمنعني من قتلك؟))
عكفت فاهها بسخرية مما جعله يمسك عكازه وينتفض واقفا ثائرا.. انتفضت كل خلية بجسدها تاركة ما بيديها على الطاولة تفر بهلع إلى غرفتها وتوصد الباب..
ضرب مُؤيد باب غرفتها بعكازه بعنف كحبة فشار تتقافز في وعاء ساخن صارخا بصوت أفزعها
((افتحي الباب.. لماذا أغلقته؟ افتحي الباب لأعلمك كيف تجيبيني برد لائق.. ألا يكفي أني رددتك بعد فعلتك الدنيئة.. يا خائنة الثقة..))
أطلقت رتيل في داخل الغرفة تنهيدة حارة وهي تضع يدها على صدرها.. ثم قامت بفتح الباب دون فتح سقاطة قفل المزلاج لتظهر رأسها متوارية خلفه ثم تقول بقنوط
((أنتَ أيضًا خنتني أيها المنافق، فلا تحاسبني على خطأي الذي لا يضاهي خطأك بشيء؟))
انفلتت زمام أعصاب مُؤيد وهو يراها تضع عينيها بعينيه مباشرة دون أن يستطيع التهجم عليها، والسلسلة المتينة الصلبي تمنعه من فتح الباب مهما فكر في دفعه فصرخ فيها هائجا بعلو صوته
((افتحي الباب وحسب، افتحي الباب أيتها الجبانة))
ابتسمت بزهو متشفية بعجزه فنبضت شرايينه الزرقاء النافرة في صدغه.. وحاول دفع الباب بكتفه ففشل وقد وقعت عكازه واختل توازنه.. ليصرخ فيها باهتياج
((خطأي أني أشفقتُ عليك وعلى هذان المسكينان وكتمت أسرارك في الوقت الذي فضحتني فيه، وأرجعتك لي، وبدلا من أن تقبلي يديّ تردين المعروف بهذا الشكل؟))
تراجعت للخلف تصدر صوتا معترضا قبل أن تنتقصه
((أقبل يديك؟ ابتعد أيها الثور من هنا وإيَّاك التحدث عن معروفك المزعوم هذا، لن تلوي ذراعي لأنك تكتم سر ذهابي عند تلك اللعينة غنوة لأني ببساطة سأنكره))
توقف مُؤيد عما يفعله وصاح بها باستنكار
((وهل تستطيعين إنكار ذهابك إلى هناك!))
ردت عليه بقوة عزيمة ممزوجة بالخبث بينما تتسع حدقتيه بالنيران الغاضبة
((طبعا سأنكر.. فعائلتي تعرف بأنك لا تدعني أزورهم إلا بمرافقتك بل لا تسمح لي أن أخطو خطوة خارج البيت إلا بأمرك.. سيكذبونك))
شدّ على نواجذه شاعرا أن وجهه المحمر الغاضب يحترق من كلامها.. فرماها بسهام نظراته المجنونة صارخا بهستيرية
((هل تظنين حقا أنهم سيصدقونك ويكذبونني أنا؟ هل هو أمر صعب أن أريهم صورك في بيت غنوة وأثبت أنك كنت تخرجين شبه أسبوعيا بذريعة زيارتهم؟))
كتفت ذراعيها ببرود لا يناسب الموقف وهي تراوغه
((سأقول بأن هذه الصور ملفقة أو فوتوشوب.. سأكذب كلامك حتى نفسي الأخير..))
اضطربت ملامحه ليهتف بتلقائية مؤكدا
((لن يصدقك أخواك الأخرقان، بل سيهدران دمك))
رسمت رتيل ابتسامة جانبية تناوره بحنكة وعقلية امرأة تسعى للخروج من صفقة خاسرة بأقل الخسائر
((إذن سأتخلص من هذه الحياة الكئيبة دون أسف، لكن سأشفق على فهد وباسم، هما من سيتملكهما العار من تلاسن الألسنة عليهم، سيقول الناس لم يكن أخويها ليقتلاها إلا لو كانت خائنة ولطخت شرف زوجها))
احتَّد لون عينيه متفكرا بكلامها بينما تكمل بما يتلف ما تبقى من أعصاب فيه
((أما البعض منهم قد يستنكرون الإشاعات ويقولون "لم نشهد من أم فهد إلا كل خير" وهكذا سيظنون بأنك من أطلقت إشاعات شنعاء عني لغاية في نفسك.. ربما من أجل امرأة أخرى تلاعبت بك.. أولهم والدك الذي يعرف بأمر تلك الرسائل المخزية.. وسترى وقتها من سيزوجك ابنته يا أستاذ شرف! وفي كل الأحوال ستكون سمعة عائلتك ستكون على المحك))
ابتلع مُؤيد ريقه بصعوبة شاعرا بخوف خانق يهاجمه.. ثم غمغم باضطراب
((أنتِ لست رتيل التي أعرفها.. أنت شيطانة..))
ردت عليه من بين أسنانها بغضب مكتوم
((أنتَ الشيطان من تحلل لنفسك وتحرم عليَّ ما تريد))
استشاط غاضبا عليها كالبركان الثائر لنعتها له فعاد لدفع الباب عليها فرسمت تعابير مستمتعة برؤية عجزه عن الانقضاض عليها ثم دمدمت
((أنتَ من تستقوي عليَّ لأني امرأة ضعيفة لا سند لي وتمارس ذكوريتك في تعنيفي.. ابتعد عني وإن شاء الله تبقى معتمدا على عكازك مدة أطول حتى لا اشعر بالخطر منك!))
أوجعه دعائها القاسي عليه لكن ما نال منه هو تمنيها أن يطول عجز قدمه خوفا من أن يعنفها جسديا! رغم أنه لم يسبق خلال سنوات زواجه بها أن رفع يده على امرأة أو طفل، وهي تعرف ذلك جيدا رغم أي تهديد أرعن يطلقه!
فهاج عليها صارخا باستنكار يواري حقيقة ألمه المبرح
((أيتها اللئيمة، تدعين عليّ؟ تدعين هكذا على والد ولديك!))
ردت عليه بمرارة وحرقة
((الآن صرت والد ولديَّ؟ وأنا ألست أم ولديك! من الآن جهز نفسك لرتيل أخرى لن تسمعك إلا كل ما يؤلمك))
بعد مرور لحظات من صمت مشحون سمعته يقول بصوتٍ لا حياة فيه
((لقد كانت أمي محقة بدفعي للزواج، كانت أدرى بحالي، سأتزوج من بنت أبي أحمد لا لشيء سوى نكاية فيك يا جاحدة))
حدَّقت رتيل بصدمة بوجهه الجامد القاسي.. حتى أنها فتحت قفل سلسلة الباب دون خشية منه.. لتتأكد مما سمعته..
هل هو صوت قلبها يتهشم؟ أم أن روحها هي من تئن شاكيةً الظلم لله وهو لا زال يصر على مسألة الزواج!
تبادلا النظرات بثبات لكن اختلجت شفتاها وشعرت أنها على شفا حفرة من الإجهاش بالبكاء.. فقالت أخيرا بصوتٍ متهدج
((لا تظن أنك ستنجو بما فعلته بي يا مُؤيد.. أبدًا.. سأدعو الله أن تقوم تلك الزوجة الجديدة بدهس عاطفتك وهدم قلبك وتمزيق كيانك ثأرا لي))
قطع مُؤيد نظراتهما فأكملت بنفس الغل
((أما أنا فسأدعو بعد طلاقي منك أن يرزقني الله برجل يظللني بظِلالِ الاحترام، والموَدَّة، ويعاملني بالمعروف، ويراعي إنسانيتي واستقلال شخصيَّتي ويشاركني في إدارة شؤون أسرتنا))
اتسعت عينا مُؤيد بذهول احتلها وهتف بها بصدمة
((ماذا! ماذا قلتي؟ تتزوجين!))
أمعنت النظر بعينيه الصلبتين لتجد رجل مطعون برجولته.. ملامحه الجامدة.. الميتة.. كأنه تلقى صفعة في منتصف روحه المجروحة.. فشعرت بانتشاء لإنه من بادر بطعن أنوثتها.. ثم رفعت ذقنها له
((كما سمعت..))
انتفضت عضلة في فك مُؤيد وعينيه تنحدر أرضا للحظات طويلة.. ليسألها بنبرةٍ مضطربة
((ما الذي تريدينه الآن يا رتيل؟))
رفعت رتيل حاجبها مجيبة
((لم أعد أريد منك شيئا.. اتركني وشأني.. أنا هنا فقط من أجل باسم وفهد))
عكف مُؤيد فمه باستهزاء ثم قال برعونة وهو يميل بوجهه من وجهها لافحا إياها بغوغائية أنفاسه الحارة
((اعلمي أني سأحرمك منهما عندما تتزوجين وسيبقيان في حضانتي فأنا لن أسمح لهما أن يعيشا بعيدا عني، فلا أراهم إلا ساعتين كل أسبوع أو أثنين))
جزت رتيل على أسنانها لصلف كلامه ثم هزئت به
((لا بد أن الزهايمر بدأ يزحف لعقلك، منذ أن تزوجنا كنت تعيش في هذه الشقة وحيدا ولا تأتي للقرية لرؤية ولديك إلا كل أسبوعين كالضيف، فما الذي اختلف الآن لتقرر عند طلاقنا أن تتحول إلى هذا الأب حنون!))
تمتم بعذاب وغصة تستحكم حلقه ولا تفارق صدره
((توقفي عن ذكر سيرة الطلاق في كل ثانية))
أطبقت رتيل فمها بحنق ثم فتحته لتهمس في وجهه
((بل سأذكره فهذا ما سيحدث قريبا، في كل الأحوال كل ما بيننا انتهى، وطلاقي أفضل من بقائي متزوجة هكذا بالاسم فقط..))
ازداد تنفس مُؤيد بصمت صاخب وهو يحدق بوجهها.. ثم أغمض عينيه لدقيقة فبرمت رتيل شفتيها قبل أن تقول بلهجة متحفظة
((تعبت من هذا النقاش العقيم، ابتعد ودعني أجهز شطائر الأولاد وأوقظهم بنفسي هذا إذا لم يكونوا قد استيقظوا بالفعل على صراخنا))
خطت من أمامه تحاول تجاوزه لكنها شهقت بصدمة حين امتدت يده لتقبض على معصمها بقسوة جعلتها تحدق في مقلتيه المتأججتين بخوف سرعان ما انحسر شيء منه وهي تقول بعدائية
((دع يدي يا مُؤيد))
قست ملامحه وتحجرت عينيه هامسا بفحيح مخيف
((وإن لم أفعل!))
شمخت بذقنها هاتفة بضراوة
((لا تعجل طلاقنا... ودعني أحضر الإفطار للأولاد))
خرج فهد يدعك عيناه ويتثاءب
((أمي... أبي.. ما لذي يحدث؟ ها.. لقد سمعت صراخكما))
قال مُؤيد بحنق وقبضته تتراخى فتحررها رتيل منه
((اذهب الى غرفتك))
رمقته رتيل بغضب ثم حانت بوجهها بأمومة
((فهد، أيقظ باسم واغسلا وجهيكما لتتناولا فطوركما))
أطلق مُؤيد نفسا مرتجفا قبل أن يلقي عليها نظرة اشمئزاز ثم يتركها مبتعدا نحو غرفته.. وهناك فقط سمح لنفسه بالانهيار فوق سريره والألم يعتصر ملامح وجهه الكالحة.. أما رتيل فلم تندم على شيء مِمَّا فعلته أو قالته.. عليه أن يعلم أن ما تقدمه هي من خدمات في بيته له، هي مقابل احترامه، وأنه عندما لا يحترمها فهي أيضا قادرة على منع كل شيء عنه، فهي ذات إرادة مستقلة وليست خادمة اشتراها مع أثاث بيته..
لُقنت في صغرها أنها كامرأة بلا رجل لا قيمة لها، وأن إهانته لها وكسر إرادتها ومحو شخصيتها شيء طبيعي قد يفعله وعليها أن تتلقى منه القهر والإهانة تلو الأخرى برضا وقبول، بل وامتنان، تحت مبررات أخلاقية واهية.. لكن كل هذا سيتلاشى من الآن وصاعدا.. لن تسمح له باستغلال زواجهما كمظلّة يرتكب تحتها الإساءات لها.. =============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن وسبعون 78 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
وقت الظهيرة..
دلفت ياسمين لجناحها لتجد مَازن مستغرق في قيلولته كعادته في هذا الوقت بينما يريح رأسه فوق حجر ابنته التي كنت تغمر أصابعها الغضة في شعره.. فدنت منها متسائلة
((ألا زال ينام فوق حجرك من ساعتين؟ ستتشنج قدماك))
ردت عليها هدى بهمس حذر
((اخفضي صوتك يا أمي.. قد يستيقظ))
وبالفعل رفرف مَازن بعينيه متيقظا ليقول بصوتٍ ناعس وهو يدعك عيناه من أثرمن النوم
((ماذا يحدث؟))
قوست هدى شفتاها للأسفل بعبوس، إذ أنها تحملت البقاء مكانها طول الوقت حتى لا تقلق نومه الخفيف ولكن أمها أفسدت كل شيء..
أما ياسمين فتساءلت وهي تبعد رأسه عن ساقي هدى وتبدأ تمسيدهما ((هل تؤلمانك يا هدهد؟))
تبرمت هدى بخفوت
((ليس كثيرا))
ما إن استوعب مَازن ما يحدث حتى رقَّ قلبه ولمعت عيناه بتأثر ليقول وهو يفتح ذراعيه ليعانقها وينثر قبلاته فوق وجهها
((هدهد ابنة أبيها))
حرر مَازن ابنته من عناقه يحاول السيطرة على مشاعره الأبوية.. ثم قال
((ما رأيك أن نخرج الآن ونتنزه؟))
قبل أن يكمل تعلقت هدى برقبته هاتفة بمرح أما ياسمين فجلست تخفي علامات الدهشة من علاقة مَازن وابنتها التي تغيرت مشاعرها اتجاهه..
بعد الانتهاء من إلباس هدى ثياب الخروج ليأخذها مَازن بنزهة دلفوا للصالة والتقوا مع سمية ومَالك اللذان كانا يستعدان للخروج أيضًا برفقة يزيد.. قال يزيد بحماس عندما رأى مَازن
((أبي أخبرني أنتَ وعمي المزيد من المواقف الطريفة التي تعرضتما لها بسبب عدم تمييز الناس بين تشابهكما))
عقب مَالك لابنه قائلا بهدوء
((هناك الكثير من هذه المواقف التي مررنا بها، لكن معظمها في طفولتنا لذا لا أذكر إلا تلك التي تركت أثرا لا ينسى كضرب أستاذ الرياضيات لي.. الآن بحمد الله نضجت ملامحنا وقلّ الشبه بيننا كثيرًا))
هنا استحالت ملامح مَازن لأخرى شقية قائلا بنبرة ذات معنى
((من قال بأن الشبه بيننا قل! ألم أخبرك ماذا حدث في تلك المرة عندما أخبرتني أن أحضر لمدرستك بسيارتك حتى أوصلك للبيت؟))
تجلت أمارات عدم الفهم على مَالك لكنه حثه على الإكمال فأردف مَازن بنفس ملامح العابثة
((وصلت قبل انتهاء دوامك بثلث ساعة فبقيت داخل السيارة أمام المدرسة بانتظار خروجك لكن تفاجأتُ بعدها بأحد الأشخاص يطرق بيده بعصبية على زجاج السيارة وهو يهددني بسحب المنصب الإداري مني لأعود مجرد أستاذ فقط دون الاكتراث بابن من أكون لتسربي من العمل مبكرا قبل انتهاء الدوام الرسمي..))
هوى قلب مَالك بارتجاج عنيف وهو يردد عليه بحذر
((وماذا حدث بعد ذلك؟))
هزّ مَازن كتفيه يقول ببساطة مستفزة الأعصاب
((فهمتُ أن من يحدثني هو مدير مدرستك معتقدا بأنني أنتَ، فطلبت منه أن يهدأ وشرحت له اللُبس.. ولكن لم يصدقني واتهمني بالاستهزاء والاستخفاف به وبأنه..))
لكزه مَالك بقوة هادرا بقهر ((نعم؟ وبعد ذلك؟))
تأوه مَازن لكنه أجابه
((أخرجتُ له هويتي لأثبت له بأني مَازن الكانز ولست مَالك وفقط حينها صدقني على مضض))
ضرب مَالك الأرض بقدمه هاتفا بعلو صوته وحنقه
((تبا.. لن يهنأ لك بالا أبدًا قبل أن تطردني من وظيفتي وتراني عاطلا عن العمل مثلك..))
ضحك مَازن ممازحًا.. مَالك هو الوحيد من إخوته الجميع الذي لم يكن له ضغينة يومًا.. فمنذ فتح عينيه على الدنيا وجده كتوأم له بقربه في كل خطوة وكل لحظة من حياتهما.. قضيا سويا أجمل أيام عمرهما معا على الحلوة والمرة.. وكم هو ممتن لوجود نسخة منه.. فيجعل منهما روحًا واحدة في جسدين.. أما سمية استغلت ضحكهم الصاخب للتقدم من ياسمين وتسألها بلطف واهتمام
((كيف حالك الآن يا ياسمين؟ هل أنتِ الآن أفضل؟))
بادلتها ياسمين ابتسامة رقيقة تجيبها
((لا تقلقي لقد تجاوزت وفاة والدي فلا شيء يفيده الآن إلا الدعاء))
في هذه اللحظة وقف مَازن بقربها هادرا
((بالتأكيد عليها أن تخلع ثوب الحزن، وإلا سأفكر حقا بالزواج.. فأنا لا أحب النَّكد والغمّ))
ثم عانق خصرها بذراعه وقال مضيقا عينيه نحو توأمه
((ما رأيك مَالك أن نفعلها نحن الاثنين سويا ونتزوج بنفس اليوم!))
حانت من مَالك نظرة لسمية بجانبه وشعر بتوترها يجتاحها مما سمعته رغم إدراكها بمزاح توأمه الثقيل الذي لا يخلو كلامه وطبعه من حب المشاكسات.. واستفزاز مشاعر زوجته..
فتجَّهمت ملامحه وضرب كتف مَازن بيده يزجره
((توقف يا مَازن عن كلامك السمج هذا!))
مسد مَازن ذراعه الملكومة بيده الأخرى متأوها بألم قبل أن يستنكر ردة فعله المبالغ بها
((يا إلهي! لقد لكمتني بكل قوتك))
ارتبكت سمية قبل أن تلامس كتف زوجها وتعاتبه برقة
((على مهلك يا مَالك، المزاح لا يكون بهذا العنف))
زرع مَالك ابتسامة عريضة تصل إلى أذنيه وقال وهو يمسك يدها يستدير للخارج
((هذه هي فقط طريقتنا بالمزاح، هيا بنا لنسرع قبل أن نتأخر))
غادر مَالك المكان تحت أنظار مَازن المستهجنة.. حرك كتفه ببطء وعقب
((الأحمق كسر لي ذراعي))
شبت ياسمين على قدميها كي تصل لمستوى وجه مازن ثم قبضت على ياقتي قميصه بضراوة كاللبؤة
((لقد أحسن فعلا، توقف عن جلب سيرة الزواج لا مزاحا ولا غيره.. أفهمت؟))
اتسعت عيناه بارتياب ليمسك بيديها القابضتان على قميصه ثم يتساءل بصوتٍ مبهم متلاعب
((لماذا يزعجك هذا المزاح! لأنك تريدين مني ألا امزح عن الزواج دون أن افعله حقا!))
تلاشت ملامح غضبها ثم حاولت بكلِ قوةٍ امتلكتها السيطرة على حدة الانفعالات المتناقضة بداخلها وقالت بتحشرج
((فقط يكفي كلاما عن الزواج..))
ذاب الغضب المشع من خضراويه ليكتنفهما شعور من العبث.. رفع حاجبيه لها متسائلا
((لماذا! تغارين؟))
سؤاله المباغت شتتها.. ورغم أن الإجابة كانت واضحة بالحمرة التي كست وجهها ولسانها الذي انعقد فلم تجد إلا أن تقول هامسة هي تضربه على صدره بيدها بخفة
((لا تطل الوقت في الخارج مع هدى))
استدارت ياسمين منصرفة في حين بقي مَازن مكانه لم يتحرك غارقا في مشاعره المنجذبة نحو حنقها.. وغضبها.. تغار! إنها حقا تغار عليه..
بدا مستمتعا بل يشعر باللذة بما يستفز عاطفتها ويحطم حواجزها عنه ويهدم دفاعاتها..
افترقت شفاهه عن ابتسامة رجولية متلاعبة وهمهم بهذيان ناتج من أعماقه لانتصاره عليّ جليدها في النهاية
((سأجعلك تأتين الي طواعية وتذوقي من نفس الكأس الذي أذقته لي! انتظري فقط يا ياسو!))
فهو بحاجة ملحة للمرأة التي تكون زوجته أن تكون حبيبته أيضًا..
انتشلته هدى من شروده وهي تشد قميصه من الأسفل وتقول بإحباط طفولي
((أبي.. بدت أمي غاضبة، لم تغضبها؟))
أخفض مَازن نفسه لها وأمسك أنفها بلطافة
((كنت فقذ أتدلل عليها.. لذا استفززتها لتغضب، حتى أصالحها))
هزت هدى كتفيها بغير اقتناع ثم قالت
((لقد أخذ عمي مَالك السيارة، كيف سنذهب الآن؟ السائق ليس هنا))
قال مَازن وهو يحمل طفلته بين ذراعيه لترتفع ضحكاتها بطفولية رائقة
((مشيا على أقدامي..))
تشبثت هدى بعنقه وغمغمت بدلال طفولي
((إذن لا أريد منك أن تنزلني أبدًا))
ناكفها مَازن متجها للخارج
((حسنا لكن إن تعبت سأنزلك لتسيري جانبي))
أومأت هدى له بطاعة وبهجة قبل أن تقبل وجنته..
=============================
في سجن النساء..
مع إشراقة شمس يوم جديد فتحت شيرين جفنيها..
الأمس كان آخر يوم لها في الانفرادي وها قد عادت للعنبر الذي كانت فيه عندما دخلت هذا السجن أول مرة بأمر ممن هم أعلى من معاذ في السجن.. ستقضي باقي أيامها هنا حتى يكتب الله لها الخروج.. ولم يبقَ على ذلك الكثير.. طه استيقظ من غيبوبته وباح بكل ما حدث وتم القبض فعلا على فائق.. وإجراءات بسيطة وأيام قلائل بقيت قبل خروجها من هنا..
تطلعت شيرين على النافذة الصغيرة الحديدية وشعرت بنسمات الصباح تداعب الأشجار فتهمس بحفيفها في أذنها بشكل يبعث على التفاؤل والأمل.. كما يبعث هذا الجو فيها على النشوة والانشراح..
جلست بعد غسل وجهها، خلف الباب الفولاذي تسترق النظر من الفتحة المخصصة لدخول المؤن لهن..
حضرت الضابطة المناوبة بمهمة التفتيش الصباحي على السجن والتي ما أنهت عملها حتى سألتها دونا عن باقي النزيلات إذا ما كان كل شيء على يرام.. فابتسمت لها رغم ذبول وجهها وقالت
((نعم كل شيء على ما يرام، لكن هل يمكن أن أجري مكالمة ضرورية؟))
قالت الضابطة لها بامتعاض
((حسنا سأضعك على الدور))
بدأت شيرين تطالع أحد كتبها لكن مع مرور ساعات اليوم سيطر الحر من جديد على الجدران الأسمنتية، فأغلقت الكتاب وتطلعت بالسجينات قبل أن تقول بنبرة ودودة للوجه الجديد وغير المألوف عليها
((إذن هل أنتِ نزيلة جديدة هنا أيتها الجميلة؟ لم أسمعك تنطقين بحرف منذ أن جئت في الأمس))
جفلت النزيلة الصغيرة في السن مكانها ثم قالت بصوتٍ مرتجف خافت بالكاد يُسمع
((أنا هنا منذ ثلاثة أيام لكن أشعر أنها منذ ثلاث سنوات))
أحست شيرين بذعرها وخوفها من المكان فارتأت أن تنخرط معها بالكلام لعلها تساعدها في الشعور بالألفة
((أعرف أن الوقت داخل السجن يسير ببطء قاتل، لكن مع ذلك عليك استغلاله سواء بمواصلة الدراسة، أو بمحاولة النقاش مع السجينات الأخريات، أو القراءة، أو حتى بمجرد التفكير في المستقبل وما تسعين إليه فور انتهاء فترة الاحتجاز..))
قاطع كلام شيرين صوت الضابطة تهتف عاليا
((أيتها النزيلة شيرين حان وقت إجراء مكالمتك الهاتفية))
لف الذهول شيرين في البداية إذ قالت الضابطة أن الأمر سيأخذ منها عدة أيام.. لكن لا بد أن مُعاذ أوصى بطرقه الخاصة بجعلها تتحدث متى ما أرادت.. وهنا تضخمت مشاعر الامتنان داخلها وازدادت خفقات قلبها..
=============================
في حديقة القصر.. حيث رائحة النسيم الطبيعي تنعش الرئة.. جلست الحاجة زاهية على الكرسي في الحديقة تحت ظلال الشجر التي تسمح لبعض الأشعة بمداعبة وجهها.. بينما تسبح الله بسبحتها التي أهداها لها زوجها عندما كانا في الحج..
قطع السكون عليها صوت خطوات يزيد نحوها بحماس
((جدتي جلبتُ لك مشروبك الدافئ المفضل))
ابتسمت زاهية وكانت ممتنة لوجود يزيد معها فغياب حفيديها باسم وفهد يؤلمانها خاصة وأن أيامهم الأخيرة معها لم تكن أفضلها.. ويحرق قلبها أن يبغضها أحد من أحفادها.. تساءلت بحنو
((من الذي أعده يا قرة عيني؟))
التفت يزيد يناظر سمية التي تسير بمهل تجاههم مشيرا إليها فانحسر شيء من ابتسامتها..
انضمت سمية للجلوس معها لتقول ببشاشة وجه وصوت حلو
((أصر عليّ يزيد أن أحضره الآن حتى يجلبه هو لكِ بما أن منال لم تفعل كالعادة))
تمتمت لها زاهية بعبارات الشكر ثم حثت يزيد على الجلوس بجانبها بلهفتها وعاطفتها كجدة..
التمعت عينا سمية بينما ترى حماتها تداعب شعر حفيدها لتقول بصوتٍ أجش
((يزيد لم يعد يتحمل الابتعاد عنك ولو لدقائق، حتى إنه يصر على مذاكرة دروسه هنا في الحديقة بجانبك، أنه حزين منذ انتقال أولاد عمه إلى بيتهم في المدينة))
وضعت سمية يدها فوق بطنها البارزة قليلا بينما مسحت حماتها تعابير الشجن عن وجهها لتتساءل
((كيف هي علاقتك مع مَالك؟ لا أريد منك أن تهملي ابنك أو الذي بأحشائك من أجله))
طمأنتها سمية بشيء من التوتر
((لا تقلقي، أحاول قدر استطاعتي أن أتقي الله بالاثنين كما يفعل هو معي))
وفكرت سمية أنَّ اقترانها بمَالك أشعرها مع الوقت بالنضج النفسي والعقلي والعاطفي.. وقد أدركت أخيرا أن السن ليس فارقًا حقيقيًا، بل يكمن الفارق الحقيقي في العقل والتجربة والقدرة على التعامل مع المواقف وحب الحياة..
عقبت زاهية بصوتٍ وقور
((مَالك مختلف عن جميع إخوته.. ثقته في نفسه كبيرة، لذا ليس سهلا أن يهتز كيانه بشيء، إنه صادق لا يعرف اللَّف ولا الدوران، ولا يحب إضاعة وقته))
أخذت أنامل زاهية تداعب مجددا خصلات يزيد المموجة بينما ترمقه بنظرات حنونة تضج بالمحبة.. قبل أن يقاطعها يزيد بلهفة
((جدتي لقد نسيت إحضار نتيجة امتحاني اليوم، سأذهب لجلبها لك لتريها))
ابتسمت زاهية بحنو على يزيد وهو يهرول باتجاه القصر بكل حيوية ونشاط.. أما سمية أسبلت أهدابها وابتسمت بألم وهي تبوح لها فجأة
((يؤسفني أني أسأت الظن بك.. توقعت بعد الزواج أنك ستتدخلين في خصوصياتي أو أي أمر أهوى القيام به كالزراعة وتحويل حياتي هن لجحيم))
توترت زاهية فهي ليست بريئة تماما من سوء ظن سمية بل حاولت بمرات قليلة التدخل بينهما والتحكم بها قليلا لكن لم تجد منها إلا العقلانية والصبر، فغمغمت بامتعاض
((بالطبع لن أفعل شيئًا ينغص حياتكما، نعم كرهت زواج ابني منك إلا أنه أختارك وليس بوسعي إلا أن أبارك له وأرضى بقراره..))
ازدادت ابتسامة سمية اتساعا وقالت بدفء
((أنا ممتنة لأجلك، ولك مني مهما يحدث كل التقدير والاحترام لأنك أنجبتِ لي زوجًا صالحًا أحبني من كل قلبي وجعلني مدللته.. لقد تعبتِ كثيرًا في تربيته حتى أصبح هذا الرجل الذي هو سندي وأماني))
كانت سمية تفرط في مجاملة حماتها وتبالغ.. بدافع حب مَالك المتدفق وعائلتها الصغيرة معه لتحاول قدر الإمكان تفادي أي شيء، قد تؤدي إلى بذرة خلاف.. ومحاولة قدر الإمكان كسبها محبتها والتركيز على إيجابياتها والغض عن سلبياتها.. وتذكير نفسها أن الحاجة زاهية رغم كل شيء، هي أهون بكثير من حموات، مستبدات، متعاليات، وفضوليات.. ممن سمعت ورأت قبلًا.. بل وجربت حتى..
أليست والدة مَالك أرحم كثيرا من حماتها السابقة والدة كامل!
فرغم أنها حاولت في زواجها الأول وبشتى الطرق إرضاء كامل وعائلته إلا أنها لم تجد منهم إلا الجحود والنكران والبغض.. خاصة من أمه التي جعلتها تعاني المرّ فكانت تتفنن في إهانتها.. ولا تدعها تنام إلا ودموعها تغرق وجهها.. والويل لها وكل الويل لو فكرت أن تبدي ولو اعتراضا أو تمتنع عن الخروج للمساعدة في الحقل بذريعة التعب أو المرض.. فتجد كامل سرعان ما يشكوها لوالدته فلا تدخر أي جهد في ضربها وتعنيفها جسديا لتجبرها على العمل.. وهي كانت تتحمل وتتحمل معتقدة أنها لو فعلت فوق اللازم ستنال التقدير لكن ما جنته كان الاستغلال والإهانة.. وبدون هوادة أو شفقة..
نهتها زاهية وهي تتململ بمكانها بغير راحة من هذه المحادثة
((توقفي عن تملقك هذا لي فهو منفر، لا أحب الإطراء بلا داعي))
ردت عليها بحزن خالص
((أنا أتفهم استياءك مني الذي لن يزول بسهولة أو قد لا يزول، ففي الماضي لم ترَ عائلتي منك ومن الحاج إلا كل خير ومع ذلك رددنا لكم المعروف بزواجي من مَالك بالسر من خلف ظهركم وحرمانكم من معرفة حقيقة وجود حفيد لكم لسبع سنوات))
قطبت زاهية حاجبيها وزادت تجاعيدها دون أن تخفي حسن وجهها وبهاءه وقالت بنزق مصطنع
((ما الحاجة لذكر هذا الموضوع الآن؟))
قالت سمية بعينيها اللامعتين رضًا
((شعرت بحاجة للاعتذار لك.. فليحفظك الله لزوجك وأولادك ويعطيك الصحة والعافية))
تنحنحت زاهية وتطلعت من حولها تحاول التخلص من هذا الارتباك الذي اجتاحها.. إذ لم تكن مرتاحة أبدًا بالتحدث مع سمية بود وألفة.. توقفت عن تحريك خرزات السبحة ذات اللون الفيروزي ولفتها حول يدها ثم قالت بصوتٍ صارم جاف أقرب للفظاظة
((لم أعد مرتاحة هنا، أخبري يزيد عندما يجيء أن يتبعني للحديقة الخلفية))
لكن سمية أوقفتها قائلة باستغراب
((أرى هناك زائرا لدينا؟ امرأة وشابة يافعة معها؟))
استدارت زاهية للخلف تقول وهي تضيق عينيها
((إنها.. رشا.. إنها.. رشا وأمها))
=============================
دلف مُصعب إلى مجلس والده ليفاجئ بوجود رشا ووالدتها.. فغر شفتيه بدهشة اعترته لوهلة قبل أن يلقي التحية عليهم ويتقدم لينضم للجلوس معهم..
ردوا السلام عليه ثم قال والده ببشاشة تلقائية
((إذن هل أخبرتك ابنة عمك عن الرجل الذي تقدم لها؟))
هزَّ مُصعب رأسه نافيًا وتساءل
((لا لم تخبرني، ما قصته؟))
صوب مُصعب نظره على ابنة عمه التي قالت ببسمة صغيرة
((شاب مسلم تعرفتُ عليه هناك وطلبني من أمي، لكن أخبرته أن عليّه أن يطلبني من عمي يعقوب ونعقد قراننا هنا، عائلته تعيش هنا ولا يحملون جنسية أخرى مثله))
ابتسم مُصعب بتهذيب لرشا وأمها وعاد يتساءل
((ممتاز وما رأي أبي؟))
قال يعقوب بصوته المفعم بالرضا
((عائلة الشاب تعود أصولها لمدينة أخرى بعيدة عنا لكن سأسأل عنه جيدا عندما يأتي هو وعائلته لطلبك منا))
تمتم مُصعب بكلمات مباركة لها ودعاء أن يتم الأمر على خير.. وبقي جالسا معهم لوقت قليل من باب اللباقة يتجاذبون أطراف الحديث في مواضيع عامة تخص حياة رشا ووالدتها في السنوات الماضية.. قبل أن يضج هاتفه برنين اتصال، وكوسيلة مهذبة للانسحاب من هذه الجلسة غير المريحة.. انتشله من جيبه ليقول
((هناك اتصال عليّ الرد عليه، عليَّ المغادرة.. أستودعكم الله))
وقف مُصعب أمام باب المجلس بعد إنهائه الاتصال وقد طلبت منه نورين أن يقلها من الصالون المتواجدة فيه..
كاد مُصعب يهم بالمغادرة من أمام باب المجلس حتى تفاجئ برشا تتقدم نحوه مما جعله يتساءل بتحفظ
((رشا! ماذا هناك؟))
توقفت رشا مقابله وابتسمت بينما تقول بوجه متورد
((كما ترى أنا سعيدة لأني سأتزوج، لكنى أكثر سعادة لأني لا أرى أي حقد أو عتاب في عينيك تجاهي))
رفع مُصعب إحدى حاجبيه يقول بفتور
((ولماذا عليّ أن أحقد عليك أو أعاتبك؟))
انكمشت ملامحها بضيق من سخريته فأكمل معاتبا
((لأنك خدعتني رغم أنه كان بإمكانك أن تخبريني..))
دهشت ملامح رشا بصدمة تقاطعه
((ماذا؟ خدعتك..))
بتر مُصعب كلامها
((نعم خدعتني لأنه كان بإمكانك قول الحقيقة التي نعلمها نحن الإثنين، فمن البداية كنتي تتخطين للهرب والعيش مع والدتك في الخارج.. والطعم طبعا.. زواجك بي؟!))
ارتدت رأس رشا للجانب قليلًا كمن تلقت صفعة منه بينما يكمل بهدوء يحمل ثورة عارمة وهو يخبرها عن حقيقة شعوره آنذاك
((أمضيت أياما أريد الانتقام لنفسي وكرامتي منك، لكن أبيت ذلك محبة في يحي رحمة الله عليه))
أخذ نفسا عميقا يحاول ضبط نفسه بينما ترد رشا عليه
((لا يمكنك أن تعتبر أن خطأي بحقك فادح، أنا لم أسافر إلا بعد انتهاء آخر يوم عدة لي..))
لم تنحسر ملامح مُصعب الجامدة شيئا وهو يرد
((ولكن لم يكن يعرف أحد بهذا..))
قطبت رشا حاجبيها لتقول بصوتٍ متحشرج
((لا تلمني يا مُصعب بل ضع اللوم على المجتمع، هو من أجبرني على فعل ذلك))
عقب بعد لحظات تأمل ببرود صقيعي
((حسنا معك حق المجتمع هو من فعل ذلك.. وأنتِ معذورة ولا خطأ عليك.. ماذا بعد؟))
طفح الذنب فوق ملامح رشا مما جعل مُصعب يضيق عينيه ويستطرد
((مشكلتك يا رشا هي أنك غبية.. مطالبك سهلة وبسيطة في عدم الزواج من شخص لا تريدينه، وكان بإمكانك الحصول عليها دون القيام بمسرحية زواجنا ودون أن تضطري للسفر خارجا بطريقة تفقدك الحق في الإنصاف.. كان بإمكانك ببساطة أن تشتكي لأبى كل ما تمرين به، وهو سينصرك حتى لو عنى ذلك أن يقف ضد أخيه))
رفعت وجهها تقول باضطراب وفؤادها يضج بأنين الذكريات المزعجة
((في كل مرة أشكو له أفعال أبي ويحادثه، يدعي أبي أمامه الاقتناع والأسف وعندما يعود للمنزل ينزل عليّ أقصى العقوبات حتى لا أعاود شكوته لأحد!))
قاطعها مُصعب بصلابة
((حتى ولو! كان عليك مرة أخرى أن تقومي بإخبار أبي مرة واثنتين وعشرة، وطلب ضمانات منه ألا يتكرر الأمر))
ابتلعت رشا غصة مسننة وغمغمت
((كل هذا أضحى من الماضي، وغايتي كانت فعلا السفر للخارج والعيش مع والدتي وها قد تحققت))
احتضنت رشا شفتيها تكتم انفعالاتها ومرت دقيقة قبل أن تكمل بصوتٍ متذبذب
((أنا آسفة لأني ورطتك معي، ولك حق عدم مسامحتي، رغم أني أعرف أنك سامحتني بالفعل، مما يضغط أكثر على ضميري ويجعلني أشعر بشيء لا يمكن وصفه من الفظاعة، ظننت دائما أن ضحايا الحب نساء وأني سوف أكون إحداهن لكن انتهي الأمر بكوني جانية يعذبها الذنب رغم أني لم أقصد إيذاءك يوما، كنت فقط فتاة مهزوزة الشخصية ووالدي لم يكن قدوة حسنة لي، بل كان فيه كأب كل شيء أكرهه..))
ظل مُصعب للحظات يناظرها بلا تعبير ظاهر قبل أن يقول
((على كل حال مبارك زواجك، زواج الدهر إن شاء الله))
بارح مبتعدا عنها فتطلعت رشا على إثره وسرعان ما مر شبح ابتسامة على وجهها.. لا عجب أنه كان ابن العم المفضل لشقيقها.. فمُصعب هو الشخص الوحيد الذي قابلته في حياتها لا تراه يحب أن يؤذي أحدا أو يفكر في الانتقام.. لا يتغير مهما تعرض لإساءات من الناس حوله.. طبعه متسامح وسعته في المغفرة كبيرة.. وخلقه ثابت لا يتغير.. حتى عندما ينفذ صبره من شيء أو أحد الأشخاص يكتفي أن يبتعد بكل رقي وهدوء..
لا يعني أنه رجل ضعيف يقبل على نفسه الإهانة.. لكن كل ما في الأمر أنه يعرف ما يستحق منه طاقته.. وما يستحق منه التجاوز دون لوم وعتاب..
ربما لو شعرت بالحب تجاهه في فترة زواجهما لما كانت لتتركه ينسل من أصابعها.. لكن طبعهما المتنافر وعدم راحة كلاهما في هذا الزواج كان ما جعلها ترى أن لا امل أو جدوى منه..
=============================
أقلّ مُصعب نورين من الصالون وقاد سيارته بينما هي جالسة بجانبه، شعرت بصمته المريب وكانت تناظره بين الفترة والأخرى.. وهو شعر هو بفضولها مما جعله يقول بصوتٍ حاول أن يخرج ثابتا
((رشا ستتزوج قريبا، سيأتي من يريد خطبتها هو وعائلته ليتقدم لها من أبي، ثم سيقام حفل زفاف صغير في ديوان عشيرتنا قبل أن تعود للخارج، فالعريس يعيش في نفس دولة أمها))
لم تبدِ نورين أي تعليق أو اهتمام في البداية لكنها قالت
((مبارك لها، من أخبرك بهذا؟))
ازدرد مُصعب ريقه وهو يجيب بخفوت
((كانت في زيارة هي وأمها لعائلتي، والتقيت بهما عندما كنت عندهم قبل قليل))
أوقف السيارة أمام شقته ثم ترجل منها..
وقفت نورين بجانبه أمام باب الشقة شاعرة بتوتره حتى أنه حاول عدة مرات إدخال المفتاح بمكانه إلا أنه في كل مرة يفشل فيقلب المفتاح ويعيد الكرة..
كان توتره واضحا من رجفة أصابعه وتحفز جسده فنبهته نورين بهدوء بعد دقائق
((أنتَ تضع المفتاح الخاطئ))
قرب المفتاح من عينيه فرفع حاجبيه وأدرك أنه كان فعلا يضع مفتاحا آخر..
دلفا للداخل وحررت نورين شعرها من الحجاب ثم وضعت يدها فوق بطنها البارزة بشكل يشير إلى قرب ولادتها قبل أن تشعر بمُصعب من الخلف يحضنها ويلصقها بصدره شدة.. بحضن دافئ.. هادرا بصوتٍ أجش معتذر
((صدقيني لم أكن أعرف أنها هناك، لذا لا أريد أن يراودك أي ظنون سيئة تخدش كل ما بنيناه))
فغرت نورين شفتيها بدهشة مما تسمعه وهي تشعر بالقلق الواضح المشوب بنبرته.. لقد قلق من أن تسيء فهمه أو تظن الظنون به.. لم يهن عليه حتى أن تفكر ولو مجرد تفكير بعكس ما كان الحال عليه وهذا سبب توتره.. غزاها الألم على ما جعلته يمر به بسبب غيرتها من ماضيه.. لقد جرحته وعكّرت لحظات جميلة بينهما عندما اجترت له ذكريات عقيمة وهي تعيد فتح الماضي..
إذ أن القسوة التي كانت تطل من عينيه والاضطراب الذي يكسوه عند ذكرها رشا لم تكن موجهة لها بل لماضٍ يريد أن ينساه من ذاكرته بكل ما فيه من أسى وألم وخيبة..
حينما ظلت على حالها متجمدة حررها مُصعب وأدارها له يسألها
((هل هناك ما تودين قوله؟))
أومأت له بحزن مطل من عينيها فتحرك حلقه وهو يسألها بعبوس
((قولي.. أرجوكِ قوليه الآن فلا أريد أي سوء فهم بيننا))
ازداد الحزن المشع من عينيها وعاتبته
((لم تقل شيئا بخصوص تصفيفة شعري الجديدة))
حركت رأسها تنفض شعرها الخلاب من كتفها إلى خلف ظهرها قبل أن يتفاجأ بها تدعي الحنق ويداها تدغدغانه
((سأعاقبك على ذلك بشدة))
وهنا انفرجت شفتاه عن ابتسامة كبيرة شريرة ليقول
((وهل تسمين هذه دغدغة؟ تعالي لأعلمك))
هتفت صارخة وهي تحاول الهروب منه إلا أنه كان أسرع منها وهو يكبلها ويطلق يداه لدغدغتها لتصدح صوت ضحكاتها عاليا لتقول من بين أنفاسها المتسارعة
((لا أنا حامل، لا.. أرجوك، أي شيء إلا الدغدغة))
ظلت تتعالى صوت ضحكاتهما وبشكلٍ هستيري حتى تعبا الاثنين وتثاقلت أنفاسهما بل كادت أن تنقطع..
ارتميا على أريكة يلهثان.. ثم اعتدل مُصعب مستندًا لمرفقه ينظر إليها مبتسمًا ابتسامة عريضة قبل أن يبعد شعرها عن وجهها.. هيئتها أشبه بروحها.. صافية حنونة وناعمة لدرجة تجعل المرء يرغب في التخلي عن كل شيء والتحديق فيها..
أبعد بأصابعه خصلة أخرى من شعرها خلف أذنها فاقتربت منه تنعم بعبير عطره ثم غمغمت بصوتٍ ضاحك
((أحبك..))
ضمها إليه بقوة هادرًا
((أحبك أكثر يا عفريتة))
=============================
مساء..
جلست الحاجة زاهية في المجلس بجانب زوجها بعد انتهاء زيارة رشا ووالدتها..
قال مَازن بلهجة ينضج بها الإحباط
((أبي بعد بحث مضني وجدت أخيرا عملا براتب مقبول رغم أنه بعيد كل البعد عن تخصصي الجامعي، كل ما أحتاجه منك أن تشتري لي سيارة حتى تقبل الشركة أن تجعلني مندوب توصيل عندها ومع ذلك ترفض! ألا تريد مني أن أعمل!؟))
قال يعقوب بصوتٍ مقتضب
((بالتأكيد أنا أريد منك أن تعمل، ولكن ما الذي يضمن لي إن اشتريت لك السيارة أن تستمر في عملك! قد أشتريها لك من هنا وتستقيل أنتَ من هنا!))
كتَّف مَازن ذراعيه ورددَّ بحنق
((وما الحل الآن!؟))
أجابه يعقوب بصوتٍ فاتر
((الحل أن تعمل عندهم بدراجة بدلا من السيارة، لست جاهلا وأدرك أن مَنَادِيب الشركات من هذا النوع يمكنهم العمل بسياراتهم أو دراجاتهم، المهم أن يصل الطلب سليما وسريعا للعميل))
لوح مَازن بيده بلامبالاة حانقة وتنازل برحابة
((حسنا يا أبي، حسنا، اشتري لي دراجة نارية، موافق))
عقب يعقوب بهدوء
((لم أقل ما قلته بقصد إقناعك بالدراجة بدلا من السيارة، فأنا لن أشترى شيئًا، ستدبر أمرك لوحدك))
وسرعان ما قال مَازن مستنكرا
((ولكن يا أبي كيف سأدبر نفسي! أنا مفلس تماما! ولا أستطيع شراء دراجة هوائية حتى))
كانت زاهية ستعترض هي الأخرى لكن زوجها رفع يده أمامها يمنعها بوقار أن تتحدث بينما يجيب ابنه
((لدى كل من مُؤيد ومُصعب دراجة نارية، لذا الأمر سيعتمد على مهاراتك في الإقناع والتودد في جعلهم يقبلون إعارتك الدراجة والعمل بها لساعات.. أنتم أخوة أين روح المساعدة بينكم!))
اعترضت زاهية لكن قاطعها يعقوب بصوتٍ متدفق بالسخط
((سنرى كم سيبقى في وظيفته هذه، وإذا ما كان سيجني منها شيئا، سأجعله يساهم ويشارك في مسؤولية هذا المكان ولو بالشيء اليسير، فهو ليس ضيفا هنا!))
ثم أردف مغمغمًا لزوجته
((غدا عندما نطعن في السن ويضعف الجسد تحت ثقل مسؤوليات هذا المكان ستعرفين قيمة كلامي، فالمسؤولية تربية يتم غرسها بالولد منذ الصغر حتى يشب رجلا أهلًا للمسؤولية))
احتقن وجه مَازن بالغضب من صرامة والده المتزايدة معه! غمغم بصوتٍ خافت
((لا أدري ما الذي دفعني للعودة هنا! كنت في الخارج أتقاضى مصروفا كبيرا وأعيش كالملوك! تبا لي))
ثم استقام واقفا يردف بثبات
((أعرف مسبقا أن مُؤيد الأناني لن يقبل لذا سأرى مُصعب، وسيتم قبولي لدى تلك الشركة وستفاجئ بذلك))
ألقى مَازن السلام ثم استأذن مغادرا فأراحت زاهية جسدها بضيق على ظهر الأريكة وقالت كاتمة العبرة
((ماذا سيقول الناس عندما يعلمون أن ابن الحاج يعقوب يعمل كمندوب توصيل براتب زهيد ووالده يملك أموالًا لا تأكلها النيران))
شمخ يعقوب برأسه وقال بصرامة
((أي شيء أفضل من أن يقولوا بأن ابن الحاج الذي أرسله للدراسة في الخارج وأنفق عليه مبالغ طائلة عاطل عن العمل ويتنظر من والده مصروفا!))
رفعت زاهية منديلها فوق فمها تكتم شهقة خافتة مما جعل يعقوب يهدر بها بضيق
((لا تحاولي ابتزازي عاطفيًا، كان بإمكان ولدك أن يعمل مدرسا كتوأمه لكنه رفض، لذا فأيّ عمل سيمتهنه أفضل من الجلوس في البيت كالنساء وانتظار من يعيله، ثم كنت أريد جعله يعمل عندي في المزارع وأنتِ من رفضتِ..))
أبعدت زاهية المنديل عنها وهتفت بامتعاض
((بالطبع سأرفض عمله في مزارعك، هو الوحيد من بين إخوته بوجه ابيض ولا يصح أن يعمل تحت الشمس خوفا من أن تكتسب بشرته سُمرة))
غمغم يعقوب بوجه مكفهر
((معك حق، باقي إخوته لا يتمتعون بتلك الهيئة الوسيمة مثله، ولهذا لا تمانعين كدهم في مساعدتي أنا وباقي الفلاحين الكادحين في المزرعة بجانب أعمالهم الأخرى!))
كان يعقوب حقا غاضب من كلام واستهانة زوجته.. فهذه المزارع التي يملكها وأراضيه هي شرفه.. عرضه.. هويته.. عزته.. فخره.. عنفوانه.. أحلامه..
لطالما حرص منذ صغر أبنائه على غرس مفهوم أن الأرض أغلى ما يملكون وتنميت شعورهم بالانتماء لها، وبذل كل ما هو غال ونفيس للدفاع عنها.. فقد عاشوا تحت ظل أشجار هذه المزارع وأكلوا من خيرها وترعرعوا فوق أرضها وبين جنباتها..
حاولت زاهية أن تعترض بعبوس خافت عندما لاحظت سخط زوجها عليها لكن علت نبرته بجهورية وازدراء
((والله لست راضيا عن دلالك هذا لابنك فقد جعلتِ منه شخصا عاجزا رغم أنه لا زال في مقتبل عمره ووافر الصحة.. يقضي يومه في الخارج برفقة أصدقاء لا فائدة منهم، وفي الداخل يجاهد طوال الوقت أمام البلايستيشن يتخلل ذلك وجبات طعام تُقدم له جاهزة وكل ما عليه هو أن يتنازل ويمد يده ليأكل، جزاه الله خيرا على ذلك، ويأخذ على خاطره إن لم تعجبه إحدى وجبات الطعام المعدة... وأحيانا قد يتكرم في الجلوس معنا لكن حاشا أن ينسى إحضار هاتفه ليلعب عليه إحدى ألعاب الفيديو الأقل إثارة.. وإن عرف أن في إحدى مزارع والده ما يستوجب حضوره أو مساعدته يمر مرور الكرام))
.
.
بعدما أنهى مَازن مكالمته مع مُصعب وقد أخذ موافقته باقتراض دراجته النارية من أجل عمله استجاب لطلب ابنته في مشاركتها لعب البلايستيشن..
مرّ عليهما بعض الوقت قبل أن تنتهي جولة اللعب ويضرب مَازن الأرض بقبضته بحنق مزيف معلنا خسارته.. قفزت هدى بمرح تتعلق بعنقه هاتفة
((لقد احترفتُ اللعبة يا أبي، هذه رابع مرة أفوز عليك فيها من أصل خمس جولات))
نظر لوجهها الطفولي ببشرتها القمحية التي تؤكل أكلا كحلوى ساخنة في الشتاء ثم أدعى الغضب هادرًا
((وفي المرة الماضية أيضًا غلبتني في جميع الجولات التي تنافسنا بها، لن ألعب معك مجددا إذا استمررت في الفوز عليّ!))
وضعت راحة يدها الصغيرة على وجنته بخوف هادرة
((لا، لا، سأسمح لك بالفوز أحيانا لكن لا تتوقف عن اللعب معي..))
استحالت ملامح مَازن لأخرى سعيدة وقرص وجنة ابنته قائلًا بحب أبوي فياض
((كم أنا محظوظ لامتلاك ابنة حنونة مثلك، وضبي البلايستيشن الآن لأني مضطر للخروج.. اتفقنا؟))
بدأ مَازن يغير ملابسه عندما ضجّ صوت انكسار شيء، انسحب اللون من وجهه مهرولًا لهدى هاتفًا
((هدى حبيبتي، ماذا أوقعتِ؟ هل حدث شيء لك؟))
تطلعت له هدى التي كانت تقف فوق عدة وسائد موضوعة على كرسي عالي بجانب الخزانة وقالت بصوتٍ مثقل بالذنب
((كنت أحاول أن أعيد البلايستيشن مكانه فوق الخزانة عندما وقع مني، هل انكسر؟))
امتقع وجه مَازن وهو يصوب نظره أرضًا وهاله منظر البلايستيشن المحطم لنصفين! ثم انهارت ملامحه وهو ينخفض ويمسك أجزاؤه المحطمة كمن يمسك أشلاء جسد شخص غالٍ عليه وقال
((انكسر! قولي ضاع، لقد خسرنا هذا البلايستيشن للأبد))
اتسعت عينا هدى تدريجيا قبل أن تنفجر بالبكاء إذ أدركت أنها حطمت شيئا مهما في حياة والدها..
حرك مَازن وجهه تارة لابنته التي تجهش بالبكاء وتارة للبلايستيشن ولم يكن يعرف إذا ما كان عليه أن يتصرف كأب مسؤول ويهدئ من روع ابنته ويخبرها أن سلامتها أغلى من أي شيء أو يبكي معها على ما حطمته!
=============================
بدأ الحفل الخيري المترف الذي أقامته روزانا زوجة فارس القاني المعروفة بشغفها في دعم المشاريع الخيرية وحملات دعم المرضى والفقراء..
كانت روزانا قد حرصت على وقوفها بتفاصيل اختيار فستانها الذي ستظهر به أمام الملأ وما يتعلق بمظهرها فيه بعناية.. من طلاء شفتيها القرمزي مرورًا بثوبها فرنسي التصميم وحذاءها عالي الكعب.. حتى حقيبتها كانت فريدة ومصنوعة من جلد حيوان مهدد بالانقراض..
رغم تجاوزها منتصف سن الخمسين إلا أن كل شيء بها بدا نابضا بالأنوثة.. والرقي.. والفخامة..
وقف قُصي من بعيد يتابع أمه التي تتولى مهمة الترحيب بالضيوف الذين يتنافسون لتملقها ومديح ما تجود به على الأقل حظا من الناس.. بينما عقله شارد فقط في التأهب للبوح بكل شيء لسهر التي عرف من قائمة المدعوون بأنها ستحضر هذا الحفل مع والدتها..
لقد استطاع استعادة شيء واحدا من أملاك أبيه بعد أن كتب عمه فيلا باسمه وسبق ووجد عملا مؤقتا سيدر عليه دخلا ممتازا..
وإذا أجَّل مسألة الاعتراف الآن فلن يجد وقتا آخر أفضل..
أخذ قصي نفسا عميقا عندما شعر بتوتره يتصاعد من هذه المواجهة قبل أن يشعر بأمه تقترب منه وتقول
((قلت بأن خطيبتك حاضرة لهذا الحفل، ألن تعرفني عليها؟ كما أخبرتك لن أعترض أبدًا عليها طالما هي من نفس طبقتنا الاجتماعية الراقية))
نظر قصي لأمه باقتضاب وقال
((لا تقلقي يا أمي هي من نفس طبقتنا الاجتماعية، وأمها عضوة منتسبة في كثير من جمعياتك الخيرية))
ارتشفت روزانا من الكأس الرفيع الذي تمسكه ثم تساءلت بفطنة وهي تشير على فتاة بذقنها
((هل هي تلك الشقراء الواقفة هناك بجانب أمها تمارا؟ المدعوة سهر فايد!))
لفَّ الذهول قصي ثم قال باقتضاب
((نعم يا أمي هي كذلك، لكن كيف عرفتِ؟ ألم أخبرك أن لا تتحري عن هويتها قبل أن أخبركم أنا عنها))
تغضن جبين روزانا بالضيق وتمتمت بوجه متكدر
((أنا لم يسبق وأن بحثت عن هويتها! لكن يمكنك القول بأنها الفتاة الوحيدة في هذا الحفل التي تمنيت ألا تكون هي خطيبتك))
اعترض قصي بضيق
((أمي لا تحبطيني، اليوم سأعرف أمها عليك وأخبرها كل ما كنت أخفيه عنها))
تذمرت روزانا بعصبية
((لا تعجبني أبدًا تلك الفتاة يا قُصي.. أبدًا.. أبدًا..))
استنكر قصي متسائلا ((ولكن لماذا؟))
قالت له عابسة بتبرم
((كل شيء فيها خاطئ.. لا تصلح أبدًا للزواج منك، هل تعرف أن لها سوابق بالهرب من حفل زفافها؟ كل ما فيها غير مناسب لتكون كنة لعائلة القاني))
بررّ قصي لها بعجز ووهن
((لقد كانت أمها تجبرها على الزواج من أشخاص غير مناسبين لها، لكن ألا يشفع لك سنها الصغير آنذاك بالكاد كانت في العشرين!))
((الأمر لا يتعلق بماضيها، لكن شخصيتها لا تعجبني أبدًا..))
((أمي شخصيتها يمكن أن تتغير تبعا لما تحبين، لكن انظري لوجهها! إنها فاتنة))
((أنتَ لا تحب فيها إلا مظهرها الخارجي وهذا ليس كافيا))
عقب قُصي بنبرة بكلمات يعنيها
((بل أحبها لأنها امرأة مستقلة تستطيع الاعتناء بنفسها، وشخصية باهرة من طراز فخم، لديها أسلوب حياة نشط وثري يشبه أسلوب حياتي، إنها تحب السفر، الرياضة، رقص التانغو، وتمارس معي العديد من الهوايات المختلفة، باختصار هي من سأجد معها الشباب الدائم والقرب من ذاتي والرضا عن نفسي والسعادة المطلقة))
زمّت روزانا شفتيها مغتاظة كالبطة من تشييد ابنها بسهر إذ أنها تفهم كلامه المبطن الذي مفاده أن سهر لا تشبهها هي وباقي نساء المجتمع الراقي بشيء..
اكتنف مزيد من الجدية قصي بينما يتابع
((والديها أيضًا رائعين، كنت أرافقهم في بداية خطبتني على الدوام للخارج بأي رحلة سفر للاستجمام أو خلافه.. الآن سأذهب لوالدتها قبل أن تنتبه على وقوفي معك وتفهم الموضوع بشكل خاطئ))
.
.
في الجهة الأخرى من الحفل كانت تمارا تطالع الحضور وتهمس في سرّها بحسرة
((يا خسارة.. هنا العديد من الشبان الوسيمين العزاب، لو كنت غير مرتبطة لما خرجت من هذا الاحتفال دون رجل يود الاقتران بك))
لكن سهر ورغم مظهرها الخارجي خاطف الأنفاس فقد كانت حاضرة هنا جسدا دون روح.. لم يسبق وأن شعرت روحها بهذا الإنطفاء والخواء مثلما تشعر به بعد انفصالها نهائيا عن قصي..
لن تتراجع عن قرار فسخ خطوبتهما، ولا تريد تذكر شيء يخصه لكنه لا يغادر بالها..
تتمنى لو لم تعرفه قط لكن سيظل هو أجمل من تعرفت عليه..
انتشلت تمارا ابنتها من شرودها وهي تقول
((هل تعرفين أن مدام روزانا هي زوجة المَالك الأكبر لأسهم شركات القاني؟ ما رأيك لو أتيح لي رؤيتها أن أحدثها عن شيرين وأخبرها أنها موظفة مجتهدة في شركة القاني ويجب ترقيتها؟ آه.. بالمناسبة لماذا لم تزرني شيرين منذ عودتي من السفر لترحب بي! لم يكن هذا العشم))
غزا التوتر ملامح سهر الناعمة إذ أنها لم تكن تريد من أمها أن تعرف من قريب أو بعيد بما حدث لشيرين كما طلبت منها، غيرت دفة الموضوع مدمدمه
((أمي اتركي صديقتي بهمها وستزورك في الوقت المناسب..))
ثم استدارت مبتعدة عنها تفكر بالخروج للشرفة الواسعة بعيدا عن أجواء هذا الحفل الخانقة لكنها تسمرت مكانها وقالت بصدمة تكتسحها للرجل الذي يتقدم منها بأناقة أرستقراطية
((قُصي!؟ ما الذي تفعله هنا!؟))
انتفضت تمارا ما إن وقع نظرها على قُصي الذي كان يرتدي حلة فاخرة متأنقا بما يزيده جاذبية.. فاندفعت نحوه تهمس بغضب مكتوم
((ما الذي تفعله هنا يا هذا!؟ هل جئت لتفضح ابنتي وتضيع أي فرصة لها في الزواج مستقبلا أم لصيد ضحية غنية غير سهر؟ مارس عملك بعيدا عن هنا))
نظر قُصي بابتسامة تضج ودا وثقة نحو سهر يقول وعيناه تناجي عينيها
((بل جئت هنا لأعرفك على أمي يا سيدة تمارا وكل ظروفي التي دفعتني أسفا لإخفاء بعض الحقائق عنكم، بالنهاية أنا وسهر لبعضنا))
اتسعت عينا تمارا لا تصدق كيف يقف قُصي واثقا شامخا دون أن يشعر بخزي إذ أنه لم يمر الكثير على رؤيتها له يعمل في مطعم شعبي كالمتشردين..
اقترب قُصي أكثر من سهر ومدّ كفه يلامس يدها الناعمة بينما يقول بما يلامس شغاف قلبها ويبعثر نبضاته
((أنا لن أجد فتاة تفهمني وأحبها مثلك، لذا سأناضل حتى آخر لحظة للحصول عليك، وما سأقوله الآن سيغير الكثير..))
كانت عيناه تصطادان حركاتها بين رموشه مبعثرا أعماقها بطريقة ملحوظة وصلت لتمارا التي رأت جدية ابنتها ورغبتها في الإصغاء له..
نبأها قلبها بقرب حدوث شيء ما.. فشعرت به ينقبض.. وخوفا من أن يؤثر على سهر ويحثها على التراجع عن قرارها حلقت كفها بالهواء لتهوى على وجهه بقوة تصفعه ليبتر كلماته..
تشتت نظرها من حولها تحمد الله أنه لم ينتبه أحد لها فأي فضحية لن تنال إلا من سمعة ابنتها التي لا تنقصها أمرا كهذا ثم ناظرت قُصي باشمئزاز لتقول
((إيَّاك أن تظن أن سهر رخيصة عندنا حتى نقبل بتزويجها لرجل كاذب ومخادع مثلك))
وضع قُصي إحدى كفيه على وجنته بينما يعتصر قبضته الأخرى بقسوة محاولا السيطرة على شياطينه التي تتقافز أمامه.. لكن تحجرت ملامحه وبهدوء شديد يناقض النيران المتقدة في حدقتيه تمتم لتمارا قائلا
((نعم أنا أعرف أن سهر عاشت معكما معززة مكرمة ولكن..))
قطع قُصي كلامه هذه المرة شاهقًا لرؤية والدته روزانا تتهجم على تمارا هاتفةً بحرقة تعتريها
((أيتها الوضيعة الحقيرة التافهة كيف تجرأتِ على صفع ابني بهذا الشكل المهين أمام هذا الجمع الغفير..))
شهق الجميع بصدمة واستغرق قصي ثوان حتى أدرك ما تقدم أمه عليه وسارع يكبل ذراعيها ويبعدها عن تمارا هامسا برجاء
((أمي توقفي، أرجوكِ أنا بخير ولا داعي لهذا الانفعال))
وقفت روزانا مكانها قبل أن تهتف في ابنها وهي تجز على أسنانها
((عليّ أن أؤدبها لتعرف كيف تتعامل مع أحد أبناء القاني))
بدأ صدر روزانا يرتفع وينخفض بينما تحاول تعديل هندامها الراقي وتختلس النظر لمن حولها متمنية ألا تنتشر أحداث هذه المشاجرة الأخبار بدلا من حدث الحفل الخيري هذا..
انتفض فؤاد سهر بهدير عالي صمّ أذانها محاولة استوعاب ما يحدث.. أما تمارا التي فرت الألوان من وجهها رفعت يدا مرتجفة إلى فمها تقول بغير تصديق
((سيدة روزانا!؟ هل.. هل يعقل أن قصي هذا هو ابنك!؟))
تطلع قصي بارتباك نحو سهر ورأى دموعا محتجزة في عينيها المضطربتين مما اكتشفته الآن فأمسك يد أمه وسحبها بعيدا معلما على عجل
((سنتحدث لاحقا يا سيدة تمارا.. إلى اللقاء الآن))
رحل قصي وأمه فالتفتت تمارا الشاحبة شحوبًا يحاكي الموتى نحو ابنتها، تنظر في عمق مقلتيها المصدومتين المتلألئتين بدموع حبيسة، لتهمس من بين شفتيها ببطء
((لقد أخبرتك قبل قليل من تكون مدام روزانا!))
صمتت تمارا قليلا بفجيعة شاعرة أنها ستفقد عقلها من هول الصدمة ثم استطردت بحسرة ملتاعة
((لا أصدق ما فعلته.. لا أصدق أنى قمت برفع قضية طلاق لفسخ خطوبتك من ابن عائلة القاني، بل لا أصدق أن قصي تعود خلفية عائلته لأكبر من الذي كان يدعيه))
تحرك حلق سهر بصعوبةٍ أكثر وهي تهز رأسها بإشارة مبهمة، شاعرة وكأن صخرة جاثمة فوق صدرها لتسحق ضلوعها بثقلها المؤلم.. وببطء تصويري شديد يترافق مع الموسيقى الناعمة التي تصدح في الخلفية استدارت سهر تتجاوز أمها.. ثم هرولت بعيدا نحو دورة المياه لتغسل وجهها بقوة وكأنها تلطمه بغضب كتمته في داخلها لأيام..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل التاسع وسبعون 79 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الرابع والثلاثون
كانت قاعة الحفل الخيري ممتلئة بموسيقى كلاسيكية تناسب ذوق السيدات الأرستقراطيات صاحبات الطبقة الراقية من نخبة المجتمع..
بدأ قصي يجوب حانقا غرفة ملحقة بقاعة الاحتفال مشية وإيابا، يرخي بيده رابطة عنقه
((لقد أفسدت يا أمي كل شيء، كأنه ينقصني شيء آخر لإفساد علاقتي بعائلة سهر))
أخذت روزانا نفسا عميقا تهدئ به أعماقها الشعثة وقالت
((وهل تريد منها أن تصفع ابني وأحافظ على صمتي؟))
هزَّ قصي رأسه بابتسامة سمجة ثم تشدق بمرارة
((وما شأنك لو صفعتني أو لا.. كله على قلبي مثل العسل، إذا كان لديك حمية على حالي فطالبي بحقي وحق أخي من عمي آكل مال اليتامى))
تغضَّن جبين روزانا بضيق ووقفت مكانها قائلة وهي تمسك حقيبتها الجلدية
((سأذهب الآن لحفلتي الرائعة التي كدت أن تفسدها أنت وحماتك، أتمنى ألا يكون قد فاتني الكثير من مناقشات وأراء النسوة عن تنظيمها المتقن))
تهالك قصي جالسا وغمغم لها بلا أمل
((ارحمي نفسك يا أمي من تلك الأحاديث التافهة، والخوض في ثرثرة فارغة عن نساء تدعين صداقاتهنَّ وأنتن تنافقن بعضكن))
كتف ذراعيه وبدأ يفكر ماذا عليه أن يفعل في حين جاء سؤال والدته الممتعضة
((وما الذي تريده من امرأة مثلي في هذا العمر في أوقات فراغها إلا حضور الاجتماعات والحفلات مع صديقاتي!))
تساؤل أمه أخرجه من صراعاته فرد عليها بكآبة وهو يمسح جبينه من حبيبات عرق تجمعت في غفلة منه
((هناك نوادي بحرية، مراكز لامتطاء الخيل، متاحف ومعارض ومراكز تجارية، مطاعم جديدة تُفتح كل يوم.. ((وأمور أخرى أفضل من إقامة الحفلات الخيرية البعيدة كل البعد عن إفادة الفقراء! وإذا لم تعرفي كيف تتمتعين بهذا المال في حوزتك أعطيه لي وأنا سأحرص على ألا أنفق أي قرش منه إلا على سعادتي))
كان قصي يتحدث بيأس شيء إذ كان لا يفهم لم أمه والنساء من مثيلاتها يهدرن عمرهن ووقتهن على التفاهات والنميمة! لماذا لا يفكرن فقط مثله حيث لا يهمه إلا كيف يحرز أكبر قدر من المتعة كل يوم!
=============================
في الفندق..
كان وليد متمددا.. شاردًا عن السيجارة المشتعلة بين إصبعيه والدخان المتصاعد منها.. عيناه تحدقان في الفراغ وحاجباه معقودان بينما أفكاره تتصارع بعقله عن كيفية وصول الرجل الذي يتتبعه لقتله لكل أرقام هاتفه وأماكن مكوثه..
استمر على وضعيته هذه لمدة طويلة ولم يشعر بنفسه حتى عندما بلغت لسعات احتراق السيجارة أصابعه..
فقط صدوح صوت الهاتف هو ما أعاد له وعيه.. ألقى السيجارة أرضًا غير آبه ليده الملسوعة.. ثم رد على هاتفه يعرف مسبقا هوية المتصل دون حتى أن ينظر على شاشته.. فجاءه الصوت الممتعض
((وليد، لماذا كان هاتفك مغلقا في الأيام السابقة؟))
رد وليد بصوتٍ أجوف فاتر على صديقه المحامي وزميله في المكتب الذي يعمل به منذ سنين
((هل اتصلت لتسأل عن اسم الفندق الذي انتقلت إليه وموقعه!؟))
تلعثم المحامي قليلا وارتبكت نبرته ليقول
((ماذا!؟ ماذا.. تقصد؟ أنا لا أفهمك يا صديقي))
انفعلت نبرة وليد وهو يخرج عن فتوره هاتفًا
((منذ أن انتقلت إلى هذا الفندق، واشتريت رقما جديدا دون أن أطلع عليه أحد وقد اختفت كليا رسائل التهديد التي كانت تأتيني..))
حافظ المحامي على صمته قبل أن يقول أخيرا
((ما الذي تريد أن تصل إليه؟))
أطبق وليد فكيه بقوة من مراوغة من كان يظنه صديقه ثم قال
((في المرة قبل السابقة التي غيرت فيها رقم هاتفي، لم أزوده لأحد غيرك مدعيًا أمامك أنه بحوزة أشخاص غيرك، وتسريبُ رقمي ومكاني لذلك الرجل الذي يتتبعني يعني فقط أنه حصل عليه عن طريقك أنتَ..))
لم يجد ردا من المحامي فاسترسل بصوتٍ يرتجف غضبا
((أنتَ الخائن الذي غدر بي، لماذا كنت تصر عليّ أن أعود للبلاد؟ ما مصلحتك بقتلي من قبل ذاك الرجل؟))
ظل المحامي صامتا مطوّلًا قبل أن يقول بصوتٍ شيطاني غريب عنه دون أن يهاب شيئا
((ها قد عرفت الحقيقة إذن.. أنا قريب لتلك العائلة التي تسببت بزج ابنتهم بلا ذنب إلى السجن لتلاقي حتفها هناك.. ليكن بعلمك أن شقيق الراحلة الهارب من العدالة لا شيء يملكه ليخسره، لذا أنتَ هدفه الثاني بعد أن قتل المتسبب الأول بموت شقيقته))
اتسعت عينا وليد ذهولًا ليتمتم بعنجهية لا تناسب اضطرابه وانفلات أعصابه
((أنا لن أعود لوطني أبدًا، بل لن أخرج من هذه البلاد))
قال المحامي بصوتٍ ثابت لا يتزحزح بنبرة يفوح منها التهديد
((ومن قال لك أن تعود الآن للبلاد؟ قريبي حاليا في نفس البلد الذي لجئت له بل في نفس المدينة.. اختبائك في الفندق الذي تقبع فيه لن ينجيك من نار انتقامه))
ثم أغلق الهاتف تاركا وليد يشعر كأنَّ فخًاُ وقع به!
عليه أن يغير خططه.. وربما عليه مسابقة الزمن ومغادرة هذا المكان قبل أن يصل إليه أحد ثم العودة لبلاده!
=============================
أخذت رتيل حماما طويلا دللت نفسها فيه كل الدلال.. سرحت شعرها بعناية.. وضعت تبرج نهاري.. قامت بطلاء أظافر يديها بلون زاهي.. ثم أعدت لنفسها عصيرا مثلجا منعشا.. وأخيرا التمعت عيناها بشقاوة وهي تتوغل الصالة بثقة لتجد مُؤيد في الصالة يجلس أمام التلفاز كئيبا، لكن ادّعت بأنها لم تنتبه له..
حانت من مُؤيد نظرة مهتمة لها وسرعان ما اتسعت مقلتيه باضطراب! أخذ الأمر منه دقائق مشدوه النظر لها قبل أن ينهض ببطء بعون عكازه وبملامح واجمة إلى أن وصل أمامها قائلا ببرود مزيف
((هل غيرتِ لون شعرك؟))
نفضت رتيل شعرها الأسود بخصلاته المصبوغة بلون عسلي فاتح خلف كتفيها ثم قالت بتباهٍ
((نعم، غيرته أخيرا..))
ثم أشارت له بسبابتها كمن تذكره
((قبل أن تعترض.. نحن منفصلان، ولم يعد لك أن تعترض بأي شيء يخصني، سأفعل ما يحلو لي دون الرجوع إليك))
حدَّق مُؤيد بها بعيون نارية للحظات لكنها لم تبالِ.. لكن حينما رفع يده وأمسك خصلة من شعرها حتى اختضت وأغمضت عينيها بخوف لا إرادي..
بعد مرور ثواني فتحت عيناها لتصدم حين وجدته يرفع شعرها إلى أنفه ويستنشقه، فكادت أن تتهاوى من المشاعر التي داهمتها لحظتها وكأن الأرض تميد بها..
كانت لا تزال تكرهه.. لكن فعلته هذه غير المألوفة حركت بداخلها أمرا ظنت قد خبا.. ولم يقاطع عليهم هذا المشهد إلا صوت طرقات الباب فجفلا الاثنين وابتعدا عن بعضهما كمن تم إمساكهما متلبسين بقضية آداب..
غادرت رتيل للمطبخ واضعة يدها على صدرها تستجمع أنفاسها من جديد، في حين فتح مُؤيد الباب متشاغلا عن ثورة جسده التي اتقدت فور رؤيتها بهذا الشكل رغم غيظه من هذا اللون الذي أضفى لمظهرها لمسة متحررة يمقتها فيها..
وبعد لحظات دخل مُؤيد المطبخ يهمس لها من بين أسنانه
((هناك امرأة تقول بأنها ابنة خالتك وأنك دعوتها هنا، اخرجي لها، إنها تنتظرك في غرفة الضيوف))
شهقت رتيل كمن تذكرت توا لتقول مغيظة إياه
((أوه.. لقد نسيت أن أخبرك أني دعوت ابنة خالتي هنا))
لتتجاهله وتنادى على باسم وفهد
((هيا يا أحبائي اذهبا لتسلما على ابنة خالتي وابقيا معها حتى آتى.. لكن حافظا على الهدوء))
خرج الصغيرين من غرفتهما مسرعين بكل فرحة لابنة خالة رتيل التي ابتسمت ضاحكة لهما..
التفت رتيل لزوجها تحدثه بلا مبالاة بإشارة من يدها
((وأنت ادخل لغرفتك، ولا تخرج منها أبدًا ريثما تنتهي زيارتها))
همس مُؤيد مؤنبًا إياها بنظرة مشحونة
((لا تكرري دعوتك لأحد مرة أخرى، فالشقة هنا صغيرة ولست مجبرا أن أظل محبوسا داخل غرفتي كلما جاءك أحد! ثم إن قريبتك هذه قليلة الذوق، فقد حدجتني بعينيها بغل ولم تلقِ السلام عليّ حتى))
ابتسمت رتيل له بتشفي وقالت
((إنها تكرهك يا مُؤيد جدًّا، وابنة خالتي هذه لا تعرف كيف تتملق أو تنافق))
اجتاح الذهول مُؤيد يهمس باستنكار
((تكرهني!؟ إنها حتى لا تعرفني))
قالت رتيل له بغضب مكتوم
((بل تعرفك، وهي حاقدة منذ أن لم تسمح لي عند زواجها أن أذهب لتهنئتها، بذريعة أنك لا تحبذ ذهابي لأعراس أناس أغراب عنا، مع أني بكيت لك كثيرًا أن أحضره لكنك لم تهتم بصورتي أمام أقاربي))
كانت كلها تهتز ونظرات عينيها لا تتغير فتوترت ملامح مُؤيد وقال باقتضاب
((زوجها فعلا يعد غريبًا عنَّك، ولم يكن هناك داع لذهابك لزفافها!))
وكأنه ضغط دون أن يدري على موطن الجرح، فبات يزف قيحًا لا دمًا فغمغمت بحرقة وقد تهدج صوتها بفعل الغصة التي تخنق حبالها الصوتية
((غريب عنا؟ إذا ماذا عن والدها الذي منعتني أيضًا من عزائها عند وفاته؟ هل تعرف أنها قاطعتني لخمس سنوات لذلك وعايرتني بقلة الأصل إذ أنها كانت أول من ساندني عند وفاة والدي وبقيت تنام في بيتنا لشهر حتى تطمئن على حالتي!))
اختلجت ملامحه كأنها صفعته بكلامها ولم يعرف ماذا يرد على قوة كلماتها وفصاحة تعبيراتها رغم ميلها للوقاحة.. لتتقدم هي نحوه وطاقة الظلام تشع منها وتقول أخيرا بنبرة صوت موجعة والدموع تخز مقلتيها
((على كلٍ الحمدالله أنها اقتنعت أني أحبها ولا ذنب لي بزوجي المتعسف الجاحد))
مسحت رتيل دمعات هاربة قبل أن تخرج من المطبخ تضرب بكفيها على خديها تحفيزا لنفسها للترحيب بابنة خالتها..
آست ملامح مُؤيد أكثر ودلف لغرفة نومه صافقا الباب خلفه بعنف..
كأنه أول مرة يراجع سوء تزمته وتعسفه مع زوجته! إذ كان حقا لا يهتم أبدًا بصورتها أمام عائلتها أو أقاربها..
في لحظات تفكيره اخترقته صورة لمظهر رتيل الجديد الذي ظهرت به أمامه قبل قليل.. وعند حقيقة أنها أعدت نفسها بهذه الهيئة الجذابة لاستقبال ابنة خالتها وجد نفسه يهز ساقه السليمة بعنف من فرط توتره الآن! يكتسحه شيء من الغيرة لأن ابنة خالتها تستطيع أن ترى ما كان يحرم نفسه بإرادته من التمتع به..
امتدت يده ببطء نحو أحد الجرارات ليفتحه ويخرج صور رتيل المجعدة تلك التي حصل عليها من دموع..
ثم بدأ يمعن التحديق بها مطولا لتنبسط ملامحه ويلمع ذلك البريق الحزين في عينيه..
إن رتيل جميلة وبإمكانها أن تكون أكثر جمالا بطريقتها الخاصة..
الإنسان في العادة لا يخشى من خسارة أشخاص لا يتمتعون بالجاذبية لأن لا أحد سيتكبد عناء الانجذاب أو الاهتمام بأشخاص باهتين.. لكن زوجته الجذابة امرأة مختلفة.. قدَّها، ملامحها، شخصيتها، وكل ما فيه جذاب بشكل استثنائي..
مهما حاول أن يردعها عن الاهتمام بنفسها بحجة أنها قد صارت امرأة متزوجة وهو راضٍ بمظهرها الطبيعي.. تأبي إلا أن تهتم بأنوثتها وصحتها أكثر من أي شيء آخر.. وتعتني بأدق تفاصيل جسدها ومظهرها..
.
.
في غرفة الضيوف..
دخلت رتيل الغرفة ليستأذن ولديها بالذهاب.. جلست مع ابنة خالتها وأعطتها ظرفا فيه مالًا لتتصدق به على المحتاجين.. إذ إنها صارت مداومة على الطاعات والنوافل والتقرب لله بعد الحادثة التي راجعت نفسها فيها.. وتحاول أن تثابر على الصدقة بقدر ما تملك.. لعلَّ الله يغفر لها ذنبها ثم يكتب لها الخير في طريقها الذي ستمضيه، إن كُتب لها أن تبقى متزوجة من مُؤيد أو لا..
=============================
كان مَازن مستغرقا في قيلولته متعبا.. خائر القوى بعد عمله في توصيل الطلبات على الدراجة النارية لتسع ساعات.. حتى قرر بعد تفكير مضني أنه لن يعمل مجددا أكثر من ساعتين أو ثلاث في اليوم!
تململ بالفراش ورفرف بعينيه مستيقظا من سباته على صوت فتح الباب.. فرك عينيه وناظر ياسمين تدخل الجناح وهي ترتدي ملابس خاصة بالخروج ليسألها نصف متيقظ ((أين كنتِ؟))
نزعت ياسمين حجابها وأجابته بهدوء
((حضرت بعض النسوة لزيارة أمك وطلبت مني أن أرتدي هذه الثياب لأجلس معهن..))
ثم ضيقت ياسمين حدقتيها كمن تذكرت شيئا وتساءلت
((بالمناسبة، ما الذي حدث للبلايستيشن خاصتك؟))
انسابت الكلمات من فم مازن مطعمة بالخسارة
((لقد كسرته ابنتك الذكية))
شعرت ياسمين بالحزن على حاله قبل أن تطلق نفسا عميقا ثم تقترب منه تعطيه ظهرها هادرة
((هلا فتحت لي الثوب من الخلف يا مَازن؟))
طالعها بانشداه تقف أمامه تعطيه ظهرها بهدوء كأنها معتادة على أمر كهذا منه أن يفعله لها.. حتى أنه ظل للحظات طويلة مستهجنا قبل أن تلح عليه في الإسراع بفتحه، فجفل وعلى الفور رفع يديه يفتح سحَّاب الثوب من الخلف لتظهر له بشرتها الخمرية بسخاء..
تحركت ياسمين نحو الخزانة لتتناول ملابس بيتية أكثر راحة، أما عينا مَازن لم تحيدا عنها بينما أصابعه تتحرك بتوتر على حاجز السرير الخشبي تكاد تحفر سبلا فيه..
أغمض عينيه يسرح بخيالاته ويتذكر نعيمها عندما تكون بين ذراعيه..
أسبوعان وهو بعيدٌ عنها إثر خصامه السخيف لها ذاك ثم وفاة والدها ومنذ وقتها لم يقربها..
تحرك ماشيا نحوها بهدوء ينوي لها أمرًا ليتوقف وراءها دون شعور منها..
أغلقت باب الخزانة قبل أن تشعر بشيء خلفها فاستدارت تشهق
((مَازن.. ماذا تفعل هنـ..))
قبل أن تسكتها قبلته على حين غرة وهو يدفعها بعنف ليلتصق ظهرها في الخزانة خلفها.. يهيمن عليها بجسده ومحتويا بكفيه وجهها..
تابع النهل من نبع شفتيها بكلِ شوق وخشونة مستمتعا بهمهمات منها.. فتشبثت به بضعف كي لا تخونها ساقيها وتتهاويان بعد أن أسقطت يداها ملابسها على الأرض.. بينما قلبها يخفق بعنف متجاوزًا دقات قلبه بأشواط..
خلا كل شيء حولهما سوى من دوامة المشاعر العنيفة التي كانت تسبح فيها معه كسيل من الجنون الدافئ اللذيذ..
وعندما بدأ يشعر باستجابتها الصريحة بل على مبادلتها إياه ما يفعله وهي تحيط عنقه بيديها.. ابتعد عنها بعنف مباغت ثم قال من بين أنفاسه اللاهثة بتلاعب لئيم
((كان هناك آثار للعصير على شفتيك ومسحتها.. أنا متعب وسأعود للنوم الذي قطعتيه عليّ))
استعادت ياسمين نفسها وهي لا تزال تلهث بقوة.. ليغمز لها بعينه وثغره يفرج عن تلك الابتسامة العبثية قبل أن يستدير بكليته..
توسد السرير ودثر نفسه كأنه لم يقم باكتساح مشاعرها وبعثرتها، تاركًا إياها متسمرة مكانها كالتمثال على حالها متخبطة الوجدان، لا تصدق ما فعله.. بل لا تصدق نفسها وكيف لا شعوريا تمادت معه بالتجاوب..
ظلت واقفة مكانها تحدق في الفراغ وهجومه العاطفي عليها تاركا إياها راغبة به..
لقد تلاعب قبل قليل بها.. بقسوة.. بعبث..
إنه يراوغ بفعل مزدوج التفسير.. وإن أخذت محمله الذي يقصده هو ستصبح خبيثة السريرة ومنحلة التفكير!
استشعر عقله الثائر قربها وهي تتمدد بجانبه تحدق بظهره المواجه لها دون كلام، كأن تيارا يسري بينهما فيزيد من نبض قلبها الذي يأبى أن يهدأ..
انتظام أنفاسه جعلها تظن أنه نائم ليتصاعد إحساسها بتجاهله لها وهي التي اعتادت اهتمامه مهما أبدت من نفور نحوه..
لكن في الحقيقة لم يكن مَازن مستغرقا في النوم بل كان يكتم بهجته ويخفي ابتسامة نصر تهللت بوجهه عليه بشق الأنفس.. كان من القسوة عليه أكثر منها أن يتركها بهذا الشكل وجسده هو نفسه ينتفض رغبة لها ويحثه على خلع رداء عدم اللامبالاة والهجر العابث في الفراش.. لكن من الممتع أن يستفزها ويستمتع بردة فعلها المهتمة رغم حرجها وهو يتذكر كيف استجابت له آخر مرة.. يريدها هي من تأتيه طواعية راغبة وأن تتوقف عن ادعاء أن ما تقوم به هو مجرد واجب زوجي لا محبة نابعة منها تجاهه..
سألته فجأة مباغتة وهي تلامس ذراعه
((هل أنتَ حقا نائم يا مَازن؟))
بدت نبرتها هادئة حزينة ليست كما اعتاد منها فتجلد حاثا نفسه بعدم التجاوب على لمستها الحانية على طول ذراعه وغمغم بحنق مصطنع
((سأنام يا ياسو لو سمحتي لي بذلك فقط))
=============================
كانت سهر جالسة بغرفتها بصمت ونيران قهر تتأجج بصدرها.. قصي في زيارة لبيتهم منذ ساعتين، يتحدث مع والديّها دون أن يطلبها أحد لتشاركهم الجلوس.. لم تستطع التحمل أكثر فهبَّت تمضي قدما نحو غرفة الضيوف لتفتح الباب فجأة بقوة هاتفة بفظاظة
((لقد عرفنا أنك ثري وابن إحدى أكبر العائلات في البلاد، والآن ماذا تريد من فتاة جشعة طامعة بأموالك تخلت عن حبك عندما ظنت أنك موظف بسيط وفقير!))
تجلت ملامح الذهول على وجوه الثلاثة قبل أن يقول فايد والد سهر بنبرة أقرب للأبوية الحازمة كأنه يتعامل مع ابنة صعبة المراس
((اجلسي يا سهر جانبا، ودعينا ننهي حديثنا في البداية))
احتقن وجه سهر بالغضب إلا أنها أطاعته وجلست بعنف على أريكة مقابلة له تتطلع لقصي بتجهم.. إذ أنها عرفت كل ظروفه وما مر به سابقا من أبيها.. فوجد قصي نفسه يناظرها مبتسما بود قائلًا
((أنا جئت هنا أساسا لأخبرك كل شيء، وعهد عليًّ أني لن أنطق حرفا كذبا معك بعد الآن، كل ما مررت به من مآسي وما أضعته من عمري كان بسبب قلة صدقي وصراحتي معك، لكن ما يشفع لي قليلا أن والدك كان يعرف كل شيء))
التقطت تمارا شحنات عدوانية في تزايد من ابنتها فارتبكت وخشيت من أن تقوم سهر بشيء قد يفسد علاقتها بقصي أو تغضبه.. يكفي حالة الانهيار الكامل التي عاشتها في الأيام السابقة عندما ظنت أنها خسرت صهرها الثري.. سارعت تمسك بحذر أعلى ذراع قصي وتقول متملقة بنظرات ممزوجة بالخنوع المُداهن
((قصي عزيزي يا ابن الحسب والنسب، هل يعقل أن تكون من أبناء القاني ولا تخبرنا!))
لم يكن قصي ينفر من أحد في هذه اللحظة بقدر نفوره من حماته الجشعة الطامعة السطحية التي تعامل الناس تبعا للمظاهر الاجتماعية والمالية.. لكن اضطر مرغما من أجل سهر أن يتدبر لها ابتسامة متكلفة ويقول
((أعتذر لك على قلة صراحتي))
تهللت أسارير تمارا إذ أن قصي ومنذ جلوسه هنا لم يظهر أي بغض لها أو حقد لقلة أصلها في تعاملها معه عندما ظنت بأنه فقير.. فأسرعت تقول بتلك النبرة المذلولة كمن تستعطف رضا سيدها عنها
((لا داعي للاعتذار يا ابن القاني، بل نحن من نعتذر لعدم تعاملنا اللائق بشخصك، إنسَ الماضي وتزوج من ابنتي باربي بأسرع وقت ممكن))
ازدادت ابتسامة قصي عرضا وقال وهو يشير بحاجبيه لساعتها
((بالمناسبة أنا سعيد أنك عدتي لارتداء ساعتي الماسية التي أهديتها لك! فقد كانت بداية تعارفي على باربي))
لامست تمارا ساعتها الماسية التي أرجعتها سهر لها وعاودت تملقه
((بالطبع! وهل تظن أني أحب هذه الساعة بهذا الكم لشيء غير أنها السبب بتعرفنا عليك يا ابن القاني!))
تلاشت ابتسامة قصي ورفع حاجبيه يخبرها بوضوح
((لكن قبل كل شيء عليك أن تعرفي أني كابن للقاني ليس لدي مميزات من عائلتي إلا اسمها فقط))
قطبت تمارا حاجبيها ليوضح قصي لها ببساطة خاصة وأنه فشل في إيجاد عمل بتخصصه في الهندسة لأنه في منتصف الثلاثين ومعدوم الخبرة في هذا المجال
((أعني أن حقي بورثة أبي رحمه الله وبأسهم شركات القاني كله مهدور ولا يبدو أني سأناله يومًا أبدًا، حتى إمكانية عملي في الشركة باتت مستحيلة.. بدأت عملا جديدا كعامل بناء وشيال طوب، إنه عمل صعب ومرهق ولكن يدر عليّ مبلغا كبيرا كما أن طبيعتي الجسدية تؤهلني له))
هتفت تمارا مصعوقة بالذهول والصدمة
((أتقصد أنك الآن تعمل كعامل طوب! أنتَ ابن سيدة المجتمع الراقي روزانا تعمل كعامل طوب!))
انفرجت عنه ابتسامة جانبية وهو يقول
((نعم، ولا أملك من متاع الدنيا إلا فيلا صيفية وسيارة.. أمي قالت بأنها ستخصص لي مصروفا شهريا حتى لا ينقص عليّ شيء من الرفاهية، لكن لا أضمن التزامها، فعند أقل تحريض من عمي قد تتوقف عن الدفع لي وحينها لن يتبقَ إلا نفسي لأعتمد عليها))
كان كف تمارا يتقبض بقهر بينما يتابع قصي بنفس الابتسامة المستمتعة بملامح صدمتها
((وهناك شيء آخر.. لن أستطيع تدبير المال لإقامة حفل زفاف كبير..))
كما برقت عينا تمارا بشعور الغضب برقت عينا سهر أيضًا لكن بشعور الشماتة.. لطالما حرصت أمها في الماضي أن تجبرها على الزواج من رجال لا يصلحون للزواج عامة فقط لأجل مستواهم المادي.. والمتاح حاليا أمامها رجل لن يقيم لها حتى حفل زفاف!
شعر قصي أن شيئا من حقه يسترد من تمارا لكنه ادعى الأسف والعجز وهو يسترسل
((أنا أتفهم إحباطك يا سيدة تمارا، فقد تأخر زواجنا لما يزيد عن الثلاث سنوات بسبب مماطلتي بذريعة تدبير وظيفة مرموقة كما اتفقت مع السيد فايد.. ولكن انتهى بي الحال بلا عمل في شركة القاني، بل وتراجع عمي عن إمدادي بالمال))
تدخل فايد يعقب بهدوء
((عندما عرفت حقيقتك يا قصي منذ البداية سمحت لك أن تعقد قرانك على ابنتي على شرط أن تدبر وظيفة ثابتة لك بدخل جيد وحسب، وأنت من ماطلت في خطوبتكما حتى تحقق شروطًا ترضي حماتك من أجل سهر..))
نكس قصي رأسه شاعرا بالسخط على نفسه بينما يكمل حماه
((لكن الآن وبعد أن رأيت كيف التزمت في عملك البسيط بالشركة لثلاث سنوات، وبعده في المطعم الشعبي.. ثم قبولك الآن بأي عمل متاح لك لتعتمد على نفسك.. أنا متأكد من أنك رجل تتحمل المسؤولية وأستطيع أن آمن على ابنتي معك..))
شعر قصي بالامتنان والرضا لكلام حماه ليقول
((عملي كعامل بناء هو مؤقت، فجسدي مهما كان قويا ورياضيا لن يتحمل العمل به لسنوات.. لكن أنا متأكد من أني سأجد سريعا عملا آخر أفضل))
أومأ فايد له مبتسما فهمست تمارا لزوجها باستهجان
((تريد أن تتزوج وحيدتنا بلا زفاف يا فايد؟ على جثتي))
قال فايد ببرود
((اعتبريه عقابا لها على هروبها من حفل زفاف مراد الأسطوري الذي أقامه لها في الماضي))
انزعج قصي من ذكر سيرة خطيب سهر السابق لكنه عاد ينتشي على رؤية حماته تتنفس بانفعال وقهر وهي تهتف بعذاب
((وماذا سأقول للناس! ابنتي الوحيدة متزوجة من رجل يعمل كعامل بناء ولن يقيم لها حفل زفاف! فقط سيأخذها من بيتنا إلى بيته! وماذا لو تساءلوا عن حاجتنا تأجيل الأمر لثلاث سنوات طالما أن القران معقود!))
كتف قصي ذراعيه لتشتد عضلاته بجسده اللائق بدنيا ثم قال
((يمكنك إذا أردتِ إخفاء حقيقة عملي يا سيدة تمارا من أجل مظهرك الاجتماعي، لكن من جهتي لن أفعل.. لأني بالفعل أخبرت أفراد عائلتي وأصدقائي، جميعهم شجعوني على هذه الخطوة طالما لم أجد وظيفة أفضل بعد بسبب عمي ووساطته))
شعرت تمارا بضياع وشتات وكانت تريد الاقتراح عليه مجددا بالعمل لدى زوجها فايد بأي شيء يليق بك.. لكنه تعرف مسبقا رفضه القاطع، فبدت أنها على حافة انهيار آخر..
منح فايد قصي كل الرضا مُشيدا
((أنتَ تعجبني هكذا يا قصي، استمر فيما تفعله وامضي قدما، فغالبية الناس يريدون الحصول على مال سريع من دون عمل وجهد وكد وتعب))
وافقه قصي هادرا مقتنعا أن العمل لا إهانة فيه مهما كان، الإهانة في العوز والفقر..
وضعت سهر ساقا فوق ساق تهتف عاليا ببرود سافر
((حسنا الآن هل يمكن أن تعيروني بعض الانتباه!))
ثم ضيقت عيناها المصوبة على قصي تسأله
((كيف زورت اسمك لقصي سامح يا ابن القاني ونجحت في خداعي لثلاث سنوات!))
أجابها قصي بتلقائية وهو يهز كتفيه
((لم أزوّر شيئا يا باربي، عائلتي هي "سامح" لكن اسم قبيلتي التي تنحدر منها أصولي هي "القاني".. أبي وعمي وأولادهم جميعهم يكنون بـ "سامح" على دفاتر العائلة والجوازات.. هل في هذا مشكلة؟))
جمود كسا محيا سهر وهي تستوعب ما يقوله.. ثم شمخت بذقنها وتقول بينما تميل برأسها للأمام
((لا، ولكن أنا أريد فسخ هذه الخطوبة والطلاق))
زعقت تمارا بذعر تردع ابنتها رغم الإجهاد في صوتها
((ماذا تقولين يا سهر؟))
استقام هنا فايد من مكانه يقول بهدوء طاغي
((هذا الأمر راجع لكما الاثنين، تناقشا جيدا ثم أخبراني إلى ماذا توصلتما!))
لم تكن تعرف تمارا ما يدور في خُلد زوجها الذي أشار لها بحزم صامت أن تتبعه وتخرج ففعلت وهي تهدل كتفيها..
بمجرد أن أُغلق الباب على الاثنين حتى قالت سهر بصوتٍ مرتجف من الانفعال والغضب
((هل استمتعت يا قصي بجعلي أبدو كطامعة لا أهتم بشيء بالرجل إلا ثروته!))
لم تنحسر ملامح الهدوء عن قصي مجيبا
((أنا ما زلت فقيرا ومفلسا! لم يتغير أي شيء.. لذا آمل فقط أن أحظى بفرصة أخرى معك))
غام صفاء عينيها بالتعب لتسخر بإنهاك
((هكذا ببساطة؟))
نهض قصي من محله وجلس بجانبها ملاصقا لها ثم حضن يديها الناعمتين بكفيه هادرا بصوتٍ مميز
((نعم أنا أؤمن أن علاقتنا أبسط من أي تعقيد، فهي خلقت للراحة، للود والتفاهم واللين، لا أريد من أحدنا أن يظل في موقف دفاع دائم عن نفسه أو خطأه))
تشدقت بمرارة مضيفة ((وبارع جدًّا في الكلام))
ازدرد قصي ريقه قبل أن تعانق عينيه في عينيها قائلا
((سأسجل الفيلا التي بحوزتي باسمك..))
قاطعته بنبرة باترة
((لن تسجل شيء بإسمي، كما تعرف أنا لست بحاجة للمال، أو حتى حفل زفاف))
تقرب منها أكثر حتى وصله عبيرها الطبيعي برقةٍ احتضنت قلبه ثم قال ببحة صفاء مشاعره نحوها
((المهم، أنا سعيد أنك مقتنعة بألا نقيم حفل زفاف، هكذا ما ظل من المبلغ معي يمكن أن أنفقه على شهر عسلنا، أين يجب أن نسافر؟))
أشاحت بعينيها جانبا تتجنب تأثيره وهي تهدر
((أنا اشعر أن على كل منا أن يذهب في طريقه))
كان حازما برقة وعاطفة وهو يقول
((حسنا موافق، ولكن طريقي سيكون نحوك، لأني لطالما حلمت بامرأة مثلك أعيش معها حياة مختلفة عن حياة والديّ.. وأتشارك معها كل هواياتي وسفري..))
كان صادقا فيما يقوله فقد حرص على انتقاء سهر أشد الانتقاء.. رفع يده يداعب خصل شعرها الذهبي مردفا
((عندما حاولت التواصل مع نور عرفت منها أنك سبقتني وبالفعل دبرتي لها عملا يناسب وضعها في مكتبة عامة))
تطلعت له عابسة تقول
((وأنا عرفت أيضًا بدفعك لثمن أدوية أمها لسنة كاملة))
رفع قصي حاجبيه وهز كتفيه يعقب
((الحقيقة اقتطعت جزءً من المبلغ الذي أخذته من أمي لإعادة تأثيث الفيلا لأدفعه ثمن علاج والدتها))
بدت متأثرة مِمَّا فعله فبدأت عيناه تشاغبان بالنظرات لها كصبي شقي فغزا وجهها العبوس.. وعندها لم يستطع تمَالك نفسه فمال نحوها ينال شفتيها المقوستين للأسفل بقبلة شغوفة عاطفية جعلتها تذوب وهي تشعر بجوع رهيب له.. كأنه يسد انتظار طال لأكثر من ثلاث سنوات..
شعر بها بريئة للغاية تكاد لا تستجيب لقبلتها الأولى وفي ذات الوقت ذائبة منهارة أمامه قبل أن تتماسك وتبعده عنها لاهثة
((قصي، هل يمكن أن تعطيني ولو مدة قصيرة لأعيد النظر بعلاقتنا وأحاول استيعاب حقيقة ما انكشف لي؟))
ردّ عليها بخشونة بين أنفاسه المسروقة
((ولكن لماذا! حضرتُ نفسي اليوم أن أخبرك لتجهزي أغراضك وآخذك غدا لبيتي))
قالت بتنهيدة شكوى رقيقة
((ولكن أنا سأحتاج لأيام.. أو أشهر..))
اكفهر وجهه وبدا محبطا لأقصى الحدود.. مسح راحتيه ببنطاله يزفر زفرةً طويلة قبل أن يستجيب لها هادرًا
((حسنا كما تريدين، متى ما شعرتي أنك جاهزة أعلمينى، لكن لن أمتنع خلال هذه المدة عن الاتصالات..))
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثمانون 80 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
ليلا..
نهضت هدى من رقادها وتسللت خارج سريرها لتقف أمام جناح والديها.. طرقت الباب عدة مرات وعندما لم تجد أي استجابة حركت مقبض الباب لتتفاجأ بأنه مفتوح..
أقلق فتح الباب مضجع مَازن ليفتح عينيه ببطء وما إن تبين له أن الطارق هو ابنته بعينيها البريئتين اللتين ترمشان بلا توقف، حتى قال بصوتٍ أجش وهو يطالع الساعة الجدارية
((هدهد ماذا تفعلين هنا؟ كم الساعة الآن؟ إنها.. الثانية بعد منتصف الليل!))
قوست هدى شفتيها بطفولية ثم قالت بصوتها الباكي
((أبي هل غضبت مني لأني قلت لأمي عن زيارتك لخالي؟ لقد قلتها بغير قصد))
تدلي فك مَازن حتى كاد أن يقع أرضا وهو يحدق بهيئة طفلته الناعسة وشعرها المجعد الفوضوي! فغمغم بذهول
((هل استيقظت الآن لأنك تذكرتي أنك من أسابيع وشيت بغير قصد لأمك عن أمر زيارتي لخالك؟))
أجابته بخفوت مذنب
((ولأني أيضًا كسرت البلايستيشن خاصتك))
فتحت ياسمين التي تريح وجهها فوق صدر مَازن إحدى عينيها وقالت بصوتٍ ناعس وهي تتمطى
((لا يا هدى ليس هناك أحد غاضب عليك، عودي للنوم))
لكنها ولأنها لم تجد أي رد من والدها أغمضت عينيها ممهدة للانفجار ببكاء.. مما جعل ياسمين تعتدل شبه جالسة وتقول ببؤس
((وما الحاجة الآن لهذا البكاء الذي لا سبب له!))
هرولت هدى راكضة لتتسلق السرير ومن ثم تسقط فوق صدر أبيها محيطة إياه بذراعيها هاتفة
((أبي هل يمكن أن تعانقني حتى أتأكد من أنك لست غاضبا مني))
تطلع مَازن فيها بدهشة وذاب قلبه على رقتها وهشاشة قلبها ثم ناظر زوجته قبل أن يضم هدى بذراعيه ثم يريح ذقنه فوق رأسها هامسًا بصوتٍ أجش
((طبعا لست غاضبا عليك يا ابنة أبيك))
أراح مَازن جسده على السرير وجعل هدى تتوسد جانبه يضمها بذراعه اليمنى.. تجهمت ملامح ياسمين بغيرة غير معلنة من ابنتها التي سرقت زوجها منها، مِمَّا جعلها ترمق مَازن شزرا..
رفع مَازن حاجبيه من نظراتها التي تتأجج بنيران الغضب مِمَّا جعله يقربها منه ويعانقها هي الأخرى بذراعه اليسرى.. فترققت ملامحها.. بشيء من الرضا..
مسحت هدى آثار دموعها وأسدلت جفنيها فبدأ يدندن لها مَازن بنبرة هادئة ناعسة، يغمرها بحنان فياض، يجعلها تطمئن بعد قلق طفولي لتسأله فجأة دون مقدمات
((كم تحبني إذن؟))
أبعد مَازن ذراعه التي كانت ياسمين تريح رأسها عليه غير مدرك للحنق الذي عاد يرتسم على وجهها على عدم عدله.. على الأقل.. ثم بدأ يلاعب شعر هدى هامسا بعاطفة أبوية
((بقدر حجم هذا الكون))
ابتسمت هدى ببسمة أنارت وجهها بعينيه ثم ردت بشجن
((إذن تحدث معي حتى أعود للنوم))
ضحك مَازن بخفوت على طفوليتها قبل أن يجد ياسمين تذمر
((مَازن دعها تذهب للنوم، هناك مدرسة بانتظارها في الغد، وعليها النهوض مبكرا!))
عبست هدى لكن انتصر والدها قائلا لأمها بجدية تكتنفه
((دعي المدرسة جانبا، هناك شيء أهم وهو إبعاد الحزن عن ابنة أبيها))
أصدرت ياسمين صوتا تهكميا.. إنه يداعب صغيرته متجاهلا لوجودها بذلك المزاج المرح المتأصل فيه..
ظلت لدقائق تحدق بملامحه الوسيمة الرائقة بتلك المسحة الصبيانية التي تظلله.. وعادت ملامحها ترق..
لم تتخيله أبدًا كوالد قبل عودته.. كما لم تتخيل أنه سيهجم على حياتها وأفكارها التي تسيطر على عقلها ويمزق عالمها المظلم ليظهر لها عالما براقا.. كهذه النجوم المضيئة التي تملأ الجدران..
تراخت ملامحها أكثر بحزن خالص وهي تقر أنها منذ زواجها به وهي تشعر بغيرة منه وتتمنى لو يعديها بحيويته ولو قليلا.. فقد ارتدت طوال السنين الماضية بسبب ما مرت به في حياتها ثوبًا لا يليق بها.. وتحولت لشخصية لا تناسبها..
هل يمكن أن يكون هو الوحيد سبيلها في الانطلاق في هذه الحياة والوصول للسعادة؟
كان مَازن لا زال يهدهد ابنته وهو يداعب شعرها بخفة.. فأغلقت هدى جفنيها أخيرا تغرق في دفئ كلمات والدها التي تتسرب لقلبها وتنشر الراحة في أعماقها لتنام بهدوء بعد أن استقرت أنفاسها وسكنت روحها..
سألته ياسمين بغتة هامسة
((هل نامت الآن؟))
أجابها بصوتٍ ميزّه بحة لامست قلبها
((نعم لقد غفيت.. تربية البنات مختلفة تماما عن الصبيان))
ناظرته بعدم فهم ليقول مَازن موضحا وعينيه الأبوية مصوبة نحو هدى بينما يمسد فوق شعرها بحنو
((أعني يجب في كل ثانية وأخرى احتضانها وتقبيلها والتعبير لها عن مقدار حبك لها، وتحمل بكاءها الذي لا سبب له))
هزت رأسها مهمهمه له وهي تغرق في خضرة عينيه.. لكن عندما شعرت به يريد أن يضع هدى وسطهم حتى تنام بينهما جفلت.. ولا إراديا اندفعت تستولي على شفتيه بشغف.. دون قيد..
أوقفها مَازن بغتة يقول لاهثا
((هدهد لا تزال هنا))
أخفضت ياسمين عينيها بخجل متقد فيها ثم همست بخفر وتوتر شديد يحيطها ((وماذا فيها!))
اتسعت عيناه لا يصدق صراحتها ومباشرتها حقا! فمرت شبح ابتسامة على ثغره! ليقرر بلا هوادة ألا يرحمها ويطيل في لعبته العابثة معها رغم تزايد الرغبة التي تهب في دمائه الساخنة.. فحمل ابنته وقال وهو يغادر مرقده
((سأرسل هدى إلى غرفتها))
همست له ياسمين برقة ذائبة في اشتعالها وحُمرة الخجل تكسو ملامحها
((حسنا.. سأنتظرك..))
رغم الندم الطفيف الذي اكتنفها على جرأتها غير المعهودة معه إلا أنها كانت حقا تنتظر عودته بفروغ صبر وعندما شعرت بدخوله مغلقا الباب خلفه ثم اقترابه منها حتى بدأ قلبها يضج بنبضاته المتسارعة..
أغمضت عينيها وتعالت وتيرة خفقاتها حالما شعرت بدنوه منها..
قضمت شفتها السفلى حينما لفحت وجهها أنفاسه لتفتح عينيها تدريجيا.. لكن سرعان ما استوطن الإحراج ملامحها المبهمة وتفاقم اضطرابها عندما رأته يتجاوزها ليسحب وسادة من خلفها ويضعها فوق وسادته..
تحركت رموشها بتوتر بينما تضغط بأناملها على الدثار عندما توسد السرير ودثر نفسه جيدا معطيها إياها ظهره..
بقيت مصدومة يحتقن وجهها الحرج وتتآكل نفسها غيضا.. فهو يقترب منها حد الجحيم ويبتعد حد الرغبة..
ألم يكن ينتهز أي فرصة لملامستها بحميمية غير آبها لنفورها نفورها.. ماذا يحدث معه مؤخرا!؟ لماذا يتعمد التلاعب بها بهذا الشكل القاسي؟ هل أصبح أمر الاقتراب منها أمرا باهتا روتينيا لا مذاق فيه؟
دفنت نفسها بعنف تحت الغطاء بغضب مكتوم.. وجالت العديد من الأفكار المتصارعة في عقلها لكن أمرا واحدا أرادت أن تعتزم عليه.. ستفعل ما بوسعها لتكون مرغوبة وستعطي بنفسها فرصة التجاذب الحسي الذي لطالما أراده.. ولكن فليسمح هو بهذا التقارب في الحدوث! فقط فليسمح به!
أما مَازن فارتسمت على وجهه ابتسامه عبثية وهو يتنهد.. هل عليه أن يطيل اللعبة أكثر ويثير جنونها أم ماذا؟
=============================
فتحت سمية شرفة جناحها تأخذ نفسا طويلًا.. وكان الجو باردا قليلا لكن يبعث على النشوة والانشراح.. نسمات الصباح تداعب الأشجار فيمتزج حفيفها بتغريد الطيور..
وضعت غيارات مَالك في الحمام والمنشفة ثم ملأت الحوض بمياه دافئة وتأكدت من وجود الصابون وماكينة الحلاقة التي قد يحتاجها اليوم لحلق ذقنه غير المشذب..
وضعت كوب الحليب الدافئ الذي جهزته له كما جهزت آخر ليزيد كالعادة على المنضدة ثم جلست جواره برفق على حافة السرير.. مدت يدها لتلامس شعره المموج بلون مزيج بين النحاس والذهب الأحمر.. ثم مالت لتقبل أرنبة أنفه وهي تبتسم عفويا..
كم هي محظوظة بحبه وسعيدة ببقائه متشبثا بها..
لاحت بخاطرها بعض الذكريات لهما بعد انتهاء زواجهما الأول.. إذ بقيت تعمل عندهم وتتعرض لاستفزازاته.. من حديثه معها دون تحفظ، وتدخله بكل ما يتعلق بها.. فتتجاهله بعد يقينها أنه يفعل ذلك عن عمد.. لكن بالمقابل صارت تناديه بنفس الطريقة وبدون ألقاب عندما لا يكون أحد من أهل البيت حولهم.. ومن وقتها وقلبها بدأ يميل له رغما عنها..
ببطء مررت أصابعها على ملامح وجهه المرتخية في نومه.. تتمنى أن تسعده دائما ولا تكون قد خيبت ظنه أو آماله عنها..
أما مَالك كان قد شعر بها قبل حتى أن يفتح عينيه.. إذ أحس بالثقل الرائع بجواره فوق السرير.. فاستدار مستلقيًا على ظهره فاتحًا عينيه ببطء يرسم تدريجيا ابتسامة متكاسلة..
ارتفعت يده نحو قسمات وجهها لتمر عليها بحنان ارتعش له جسدها بانتماء، وبلذة تضخم لها صدرها فشاكسها مَالك بصوته الناعس
((ماذا فيها لو أيقظتني ولو مرة على قبلاتك ماطرة؟))
أخرجت له لسانها بمرح قبل أن تبتعد عنه وقد رفع نفسه قليلا يستند بجنبه على مرفقه ضاحكا ببحة..
اتجهت لغرفة يزيد تهزه لينهض من نومه.. فصدرت همهمات رافضة منه للاستيقاظ مِمَّا جعلها تدغدغه وتقول
((استيقظ أيها الشقي، لقد نمت بما فيه الكفاية))
فرك يزيد عينه بيده يقول بتثاؤب
((لماذا لا أغيب عن المدرسة اليوم فقط!))
أمكست خديّه هادرة بكفيها
((لا تذمر من الآن، أريد من أخيك الصغير عندما يأتي إلى الدنيا أن يجدك طفل مجتهد وقدوة حسنة له))
ضحكت سمية بمرح عفوي لا تنتبه لذلك الذي يقف عند عتبة غرفة يزيد يشبع روحه بنظره من عائلته الصغيرة ويطرب أذنه بتلك الضحكات الرائقة..
تساءل يزيد بطفولية وهو يتلمس بيده الغضة بطن أمه التي ازدادت بروزا مع الوقت
((أمي، هل اخترت اسما لأخي الذي بداخلك؟))
تقدم مَالك للداخل فشعرت به دون أن تلتفت وقالت تلقائيا
((أباك هو من سيسميه، ماذا سيكون اسمه يا مَالك؟))
رفع مَالك حاجبيه ثم غمر أنامله بشعر يزيد الفوضوي وهو يقول لها بتلاعب
((أنتَ تعرفين ماذا سأسميه))
فغرت شفتاها قليلا قبل أن تخمن بعد لحظات تفكير
((عبد الله؟ ستسميه عبد الله صحيح؟))
أومأ مَالك لها وابتسمت لتلك الذكريات القديمة حينما كان يقول لها بلحظات عابرة عن حبه لهذا الاسم ورغبته أن يُكنى باسم أبي عبد الله عندما يُصبح أبا.. حتى أنها توقعت أن يقوم بتسمية يزيد بهذا الاسم لو لم يهن عليه حزن أمه لرغبتها بتسمية أحد أحفادها باسم "يزيد"..
انتشلها من شرودها قُبلة مَالك على وجنتيّ يزيد قبل أن يحثه بحزم
((هيا اذهب واستعد لأقللك لمدرستك معي باكرا))
ما إن غادر يزيد حتى قالت بعفوية
((سأعد لكما شطائر بما أنك قد تخرج قبل وقت فطور العائلة))
ولكن قبل أن تبرح المكان وجدته يمسك يدها ويجتذبها له جاعلا إياها تجلس بجانبه هامسا بنبرة حاول ألا تكون غاضبة ومعاتبة
((لماذا أشعر أنك بعيدة عني ولا تحاولين التقرب أكثر! كنت تتذرعين بانشغالك بالاهتمام بأولاد أخي مُؤيد في السابق، وها قد ذهب مُؤيد وأولاده.. أرغب مرة أن تكوني المبادرة ومن تأخذي عني زمام الأمور في التودد أحيانا))
عقدت حاجبيها برقة ولم تفهمه! "بعيدة"! هل يراها حقا بعيدة عنه! دمدمت له بحيرة احتلت نبرتها
((أنا! ولكن لماذا تظن ذلك!))
دفن وجهه بعنقها ثم تسللت كفه إلى تحت ثوبها يتلمسها برفق.. ظانا أن المشكلة منه! ربما لا يروق لها خشونته في الاقتراب منها..
تصلب جسدها وعيناها تقربان الباب خوفا من أن يأتي يزيد في أي لحظة.. همست متوسلة تفهمه
((مَالك، ليس الآن، عليك الذهاب بعد قليل لعملك))
لكنه جذب وجهها إليه مستلما شفتيها بقبلة يمتص فيها قلقها ويحثها على مجاراة رغبته بها قبل أن تنجح في المناص من حضنه والمغادرة قبل أن يصبح من الصعب إيقافه.. وبالفعل وجدت يزيد يقفز أمامها هاتفا
((أمي جدتي مستيقظة وقالت بأنها ستطلب وضع الفطور مبكرا حتى نفطر أنا وأبي قبل ذهابنا))
توجهت هي لجناحها وما هي إلا دقائق حتى شعرت مَالك يضمها من الخلف إلى صدره هامسا بأذنها
((اليوم أريدك أن تجهزي لي ليلة لا تنسى))
كست الحُمرة وجهها وسألته بخفر
((ما الذي تقصده بذلك؟ هل تريد أن أعد لك شيئا معينا!))
حررها فجأة وتنهد ببؤس هادرا
((انسِ فقط، فمثل هكذا أمور لا تشرح))
وغادر المكان تاركا إياها واقفة بحيرة وشتات.. لماذا لا يكون أكثر وضوحا برغباته!
هل يقصد بليلة مميزة شيئا غير أن تتجهز له لينام معها؟
=============================
((دعك من عمل زوجة أخيك يا رتيل وأخبريني كيف أحوالك مع زوجك؟ ألم تحملي بعد؟ يا ابنتي لا يوجد أفضل من الأطفال لتقيدي زوجك بهم حتى لا يحدث طلاق ثاني بينكما))
هزت رتيل رأسها بيأس من كلام أمها التي تتواصل معها على الهاتف ثم أجابتها
((أمي إذا كنت تظنين أن إنجابي المزيد من الأطفال قد يقيد مُؤيد بي أو يسمح لي بشحذ حبه واهتمامه فأنتِ مخطئة، أطفالنا لن يقيدوا أحدا غيري، ومُؤيد يستطيع متى ما يشاء أن يحلق بعيدا عني))
أطلقت أمها تنهيدة محبطة بائسة فأكملت بثبات راسخ
((أمي مُؤيد سيتغير فقط لو تغيرتُ أنا وشعرت بإنسانيتي، والا فأنا من سأتحمل ذنب ضحية ثالثة لو تطلقنا))
هتفت والدتها بجزع
((طلاق! طلاق ثاني! قلبي والله لن يتحمل))
قالت بمحاولة يائسة لتنوير عقل أمها
((أمي الطلاق ليس شيئا سيئا بل هو دلالة على صحوتي ومعرفتي بأهمية نفسي.. فلا يتملكنك هذا الهلع!))
لكن والدتها ظلت على نوبة جزعها من حدوث طلاق ثاني فمررت رتيل أصابعها على جبينها تمسده قبل أن تقول بصوتٍ مجهد
((أمي إلى اللقاء، سنتحدث لاحقا..))
.
.
أغلق مُؤيد التلفاز وأطلق نفسا عميقا بضجر بعد أن ملّ الجلوس لساعات طويلة..
متى ستشفى قدمه ويستأنف حياته وعمله كالسابق بدلا من جلوسه طوال النهار في البيت أمام التلفاز كالنساء!
مد يده نحو عكازه يتكئ عليه في مشيه قبل أن يقف أمام غرفة رتيل هادرا باقتضاب
((مع من كنتي تتحدثين؟))
وضعت رتيل هاتفها جانبا وأجابت بعفوية
((كنت أتحدث مع أمي، أخبرتني أثناء حديثنا أن زوجة أخي ستبدأ العمل كمعلمة في مدرسة قريبة من البيت))
ضيق عينيه وغمغم بشك
((مستحيل! أنا أعرف أخويك جيدا، إنهما أكثر شخصين متزمتين في هذا العالم.. كيف تغير أحدهما وسمح لزوجته بالعمل؟ ولماذا؟ من أجل تحقيق ذاتها مثلا!))
شعّ بؤبؤيها ببؤس لكنها ردت بنبرة قوية
((بل سمح لها بالعمل ببساطة لأنه يعاني ضائقة مالية بعد أن تراجع مستوى عمله في السنوات الأخيرة.. راتبها من المدرسة سيكمل النواقص التي لا يستطيع راتب أخي إيفائها في البيت، وفي المقابل سيساعدها في أعمال المنزل وتدريس الأولاد))
انقبض فك مؤيد ثم رد ببطء
((أخاك هذا هو عرة الرجال بامتياز! كيف يقبل أن يجعل زوجته تذهب للخارج لتكسب له المال!))
زعقت فيه رافضة غطرسته واحتقاره وتلميحاته المسيئة
((عمل زوجة أخي لا ينقص بقدر أخي شيئا، الدنيا تغيرت ولم يعد يكفي راتب الرجل في كثير من الأحيان، وكثير من الأسر تتطلب مسؤولية الزوجين المشتركة لتحقيق الرقي والسعادة لهم))
صرّ مُؤيد على أسنانه لا يعجبه ما يسمعه منها بينما تكمل بابتسامة مستفزة
((على كل حال أظن أن أخي مستقبلا قد يتقبل فكرة طلاقي لو بدأت العمل ودفعت له شيئا من راتبي، فهو خسيس كما تعلم))
ما إن فتح مُؤيد شفتيه حتى هتفت به بنبرة قاطعة
((وقبل أن تعترض فلا تقلق لن أطلب حضانة باسم وفهد، فبكل الأحوال راتبي من العمل لن يكفي ليعيشا معي بنفس رفاهية الحياة التي يعيشانها هنا))
همت تقف مقابلا له ندا لند، عينيه العاصفتين بالغضب انعكاس للون الأسود في عينيها المضطرمتين بنيران الحطب.. ثم همست بتحدي سافر
((لقد تغيرتُ يا مُؤيد وسأرفض قهرك، ولن أقبل منك أن تتحكم بي الآن أو بعد طلاقي منك، لأنني بمنتهى البساطة إنسانة كاملة العقل، حرة الإرادة، وعميقة المشاعر))
كانت تتحدث معه وهي أكثر ثقة في ذاتها وتفتحًا وإشراقًا.. تعلن أمامه قدرتها على الصمود والاستمرار بعد ابتعادها عنه.. فتجلى الاضطراب على وجهه لترفع ذقنها وتقول بعينين تتوهجان زهوًا
((هل صدمك ما قلته؟ وهل ظننت أني سأقبل أن أراك تتزوج من صبر الصغيرة اليافعة، وأقبل بواقعي كامرأة باهتة على الرف، كأني بلا مشاعر! لا يا حبيبي لن يحدث، أنا لست ملزمة أن أفني باقي عمري في تربية أبنائي بينما أراقبك توفر كل الحب والدلال لابنة أبي أحمد كأنها من طينة مختلفة عني!))
كان لا يزال لا يصدق كيف أخذت دفة الحديث بثقة بكلام ألجم لسانه داخل فمه! بل وذكرها للطلاق لمرات عديدة في هذا النقاش وتّره وأربك صميمه.. فحينما يرتبط الأمر برغبتها في العيش من جديد، وتركه لمسؤولية ولديّه ستعود حياته كما كانت قبل مدة معذبة بالقلق والتوتر.. وصغاره سيعودون مشردين أيتام بلا أم تحن وتعطف عليهم.. وقلبه.. وقلبه سيعود خاويا باردا بلا شيء يشعله..
عقد حاجبيه بقوة يبعد تأثير هذه المشاعر التي توهنه وتضعفه ثم قال ساخرا وهو يلوي فمه بغرور
((وهل تظنين أنك ستكونين قادرة على العمل بعد طلاقك مني كزوجة أخيك التي أسعفها الحظ؟ هل تعلمين يا هانم أن مَازن خريج جامعة عريقة أجنبية لم يجد عملا بشهادته بعد في ظل تزايد البطالة! كيف ستقدر امرأة مثلك بدون خبرة عملية على إيجاد عمل مناسب؟))
ردت عليه بإصرار متوهج دون أن تهتز فيها شعرة لمحاولته تثبيط عزيمتها وثقتها
((سأظل أبحث حتى أجد عملا، وحتى حينها فأنا قد ادخرت الكثير من الأموال والمجوهرات التي ستكون عونا لي))
تغضن جبينه للحظات وقال باستغراب
((أي مال إذخرتيه؟ تقصدين المال الذي كنت أعطيه مصروفا لك وتطلبين مني أن أضعه في حسابك البنكي!))
هزت رأسها بسخرية فانسحب اللون من وجهه مدركا أنه كان مخطئا عندما كان يسخى عليها بالمصروف الشهري! كم كان أبلها! فتلعثم وهو يأمرها محركا سبابته
((عليك أن تعيدي كل فائض عن المصروف الذي كنت أعطيه لك.. هل تفهمين؟))
كانت نظراته التي يحدجها بها نارية فهتفت به بصوت يتقطع من الانفعال المكتوم
((لا، لا أفهم، هذه النقود لم تعد ملكك))
أشعلت فتيل الهمجية في داخله بعنف فشدّ على نواجذه يتميز غيظا ثم قال
((إذن من الآن وصاعدا لن أعطيكِ إلا ما يكفي لطعامك وشرابك وملبسك فقط، ولن أسلمك المال نقدا))
رفضت قراره المجحف فصرخت بنبرة تنضح بالشراسة
((أنا لا ينفع معي هذا الوضع، أنتَ تحصل شهريا على الكثير ولن يضرك إعطائي تلك المبالغ القليلة))
رفع مُؤيد عكازه يقذف نثريات زجاجية موضوعة على منضدة بجانبه لتتحول إلى شظايا كتعبير عن رفضه التراجع عن قراره والجنون يقطر من حدقتيه المحمرتين بنار هوجاء..
أطلقت رتيل شهقة مذعورة وهي تتراجع للخلف خائفة من أن تكون قد استفزته أكثر مِمَّا يتحمل!
نضح العرق من مسام مُؤيد بينما يتنفس بصعوبة وسرعة.. ثم حسم النقاش بنبرة باترة ((هذا ما عندي))
جفلا الاثنين وتنبهت حواسهما على صوت والده الخشن قوي النبرة يصرخ
((مُؤيد، ما هذا الذي تفعله!))
نظر مُؤيد بعينين متسعتين مصعوقتين نحو والده هامسا
((أبي! متى جئت! وكيف دخلت!))
ناظر الحاج يعقوب طفليّ مُؤيد الخائفين اللذان فتحا له الباب ثم هدر فيه بسخط
((لقد جئت لاطلع على وضعك مع زوجتك! ويبدو أني جئت في الوقت المناسب قبل أن ترتكب شيئا أحمقا! ما الذي أفقدك عقلك؟))
كان غضب يعقوب منصبا على نفسه من أن يفعل مُؤيد شيئا برتيل يؤذيها بسبب إرجاعه لها تحت ضغط منه كما يهيئ له.. رتيل أول من استفاق من صدمة قدوم حماها فسارعت تشكو مؤيد بصوتٍ يضج قهرا
((أخبرني يا عمي أنه لن يعطيني مصروفا من الآن وصاعدا))
تقبضت يد مُؤيد بغضب وسارع يوضح لأبيه
((أبي أنا سأتكفل بمأكلها وملبسها فما الحاجة لها لمصروف شهري؟ إنها لا تنفق كل الأموال التي أعطيها لها وتذخرها في حسابها البنكي..))
اتسعت عينا يعقوب بصدمة! هل كل هذا الشجار كان من أجل المصروف؟ لا من أجل أمر آخر أكثر خطورة كما ظن! هل ولده يعاني حقا من أزمة مالية أم أنه يفعل ذلك نكاية بها وكوسيلة للانتقام من زوجته لأنها فضحت رسائله أمامه!
لوحت رتيل بيدها هاتفة بسخط
((وما دخلك أنتَ بمصروفي؟ إن كنت أنفقه على توافه الأمور أو أذخره في البنك هذا الأمر عائد لي! ثم أنتَ بنفسك من كنت تأخذ مني المال وتضعه في حسابي البنكي فلا تدعي صدمتك الآن!))
أخذ يعقوب نفسا طويلا ثم قال بامتعاض
((إنها محقة، فمنذ زواجك بها تخصص لها مصروفا محددا ولا تتدخل في كيفية إنفاقها به.. ما الذي جدّ؟))
زاغ نظر مُؤيد إلا أنه تعنت
((أبي إذا كانت تحتاج لشيء فلتطلبه مني وسأجلبه حالا لها.. أما نقود فلا وهذا قراري النهائي..))
احتجت رتيل هاتفة بغيظ
((لا ينقص إلا أن تطلب استرجاع النقود التي أذخرها في حسابي البنكي؟))
غمغم لها بصراحة
((لو صح لي ذلك سأفعل، لأنه لا حاجة لامرأة متزوجة أن تمتلك ذمة مالية منفصلة عن زوجها))
بارحت رتيل المكان بعصبية ليهتف يعقوب بابنه باستهجان
((مُؤيد يا بني ما سبب تغيرك الجذري هذا! منذ متى المال هو مشكلة بينك وبين زوجتك؟ هل يحدث معك شيء أجهله؟))
كان القلق يستبد بيعقوب على نحو مبهم حول ما يعانيه ابنه.. فلا يبدو أنه يمنع المال عنها بقصد النكاية بها أو قهرها! إذن هل يعاني من ضائقة مالية زادها عليه عندما رفض أن يعطيه أو حتى يقرضه مال لشقة أكبر!
أجاب مُؤيد والده بصوتٍ متحشرج
((أبي لا أريد من زوجتي أن تمتلك ذمة مالية مستقلة عني لأنها ستتوقف عن خنوعها واضطرارها لمجاراتي، استقلال رتيل المالي يهدد سلطتي في هذا البيت كرجل.. وأيضا..))
صدم يعقوب أكثر بما بتفوه ابنه من تبرير غير المتوقع مما جعل مُؤيد يميل برأسه منه يردف بعجز رجل
((أبي أخشى لو تمكنت ماديا من تدبر نفسها أن تتركني.. لقد قالتها لي صراحة أنها ستطلب الطلاق متى ما تريد إذ أنها تملك الكثير من المجوهرات والمدخرات في حسابها البنكي ولا شيء لتخشاه))
تغضن جبين الحاج يعقوب هنا واستغرق الأمر منه دقائق حتى فهم ما يجري من حوله بل وأشفق على ابنه وحالة التيه التي يعيشها لكنه تحكم برباطة جأشه قائلا ببرود
((إذن أنتَ خائف من أن تتركك؟ كان عليك التفكير بهذا قبل أن تخونها))
جحظت مقلتا مُؤيد وهتف بإنكار
((أبي لا تتلفظ بلفظ "الخيانة" بهذه الاستهانة! كانت مجرد رسائل أرسلتها في لحظة ضعف عن فتاة أحلامي، أنا لم أزني والعياذ بالله))
هدر به يعقوب بازدراء
((وهل الخيانة هي فقط بالزنا؟))
جلس مُؤيد على السرير يريح قدمه ومسح صفيحة وجهه المضطرب ثم قال بعذاب
((أبي ركز في مشكلتي الآن بدلا من تكرار مواضيع مستهلكة بيننا، لقد قالت بأن أخيها تغير فكره وقد يسمح لها بالعمل لو عادت وبالتالي لن تتردد في طلب الطلاق متى ما أرادت، بل أنا أخشى أن يشجعها أخاها على الطلاق طمعا في راتبها أو الأموال التي معها))
لم تتغير ملامح يعقوب وهو يخبره
((إذن غير معاملتك لها للأفضل فلا تضطرها للطلاق منك حتى لو امتلكت أموال قارون))
عادت رتيل تقول لحماها بصوتٍ حاولت أن يخرج ثابتا بلا حشرجة
((عمي جهزت الغداء في الخارج، أرجوكَ تفضل..))
وعندما حاول يعقوب الاعتراض ردت عليه بحزم رقيق
((لن أسمح لك بالخروج يا عمي قبل أن تتناوله معنا أنا والولدين، لم أصنع كمية كبيرة منه لأن مُؤيد يتبع حمية))
امتقع وجه مُؤيد عند آخر جملة قالتها رتيل التي ترفض منذ أيام عديدة إطعامه ولو حبة أرز مما تطهوه فلا يجد ما يسكت فيه ألم جوع معدته إلا أطعمة المطاعم الجاهزة والمعلبات التي يبغضها..
رفع وجهه بغتة عندما قالت رتيل بذهول مخطوفة الأنفاس وهي تمسك عقد طويل
((ما هذا العقد الذهبي يا عمي! هل هو لي؟))
أخرجت رتيل العقد كاملا من العلبة المخملية الحمراء التي كانت بالكيس الذي يحمله حماها بينما يجيبها
((نعم يا ابنتي فقد كنت خير الكنة والابنة في بيتنا، وهذه الهدية البسيطة بمناسبة عودتك لزوجك))
كان بريق العقد يخطف أنفاسها حقا فقالت بصوتٍ يرتجف بهجة
((حفظك الله لنا يا عمي وأدامك فوق رؤوسنا))
لكمة في منتصف صدر مُؤيد أحس بها من والده!
كيف يسلم هديته الباهظة لزوجته بعد ما أخبره بذل عن مخاوفه من تركها إياه لامتلاكها المال! هل يتعمد والده سحق رجولته وقهره!
لكن ادعى يعقوب أنه لم ينتبه لملامح ابنه الممتقعة المستنكرة لفعله وهو يتجه نحو الصالة ثم يدعو حفيديه الجلوس بجانبه والسؤال عن أحوالهما ليعاتبه فهد بحزن
((لماذا لم تجلب يزيد معك يا جدي! لقد اشتقت له))
ابتسم يعقوب بحنو لحفيده وقال راجيا تفهمه
((أعدك أن أطلب من مَالك أو مَازن إحضاره في نهاية الأسبوع عندكما، هو الآخر أخذ على خاطره عندما رفضت أن يرافقني حتى يذاكر دروسه))
أما داخل الغرفة تجهمت ملامح مُؤيد وهو يرى رتيل تقف أمام المرآة تناظر نفسها بعدما تحلت بالعقد الذهبي..
تلاقت عيناه على انعكاس عيناها على المرآة وهناك لمح طيف انتصار ماكر.. فشعر بسكين وهمية باردة تخترق أوردته مريقه لرجولته وكبريائه..
=============================
ليلا..
بينما ياسمين جالسة أمام شاشة الحاسوب المحمول تشاهد فيديوهات تخص الخياطة وتقوم بتطبيقها عمليا..
كان صوت البرنامج على حاسوبها يصل إلى مَازن الجالس في الغرفة الأخرى المرافقة فاستغربت عدم دخوله إلى هنا كما يفعل بالعادة عندما يلمح تواجدها في مكان ليصدع رأسها! أم أنه يريد الاستمرار في لعبته العبثية معها في ادعاء عدم رغبته بها! إلى ماذا يخطط؟
أوقفت الفيديو وتنحنحت قبل أن تتوجه بخطوات بطيئة إلى حيث يتواجد هو وتسأله بعفوية مفتعلة بينما يتصفح هاتفه برتابة
((لماذا لم تخرج مع أصدقائك اليوم من البيت وقد أنهيت عملك المتمثل بدوام لساعتين؟))
قال مَازن المتمدد على الأريكة بنبرة كئيبة
((معظمهم يكونون في العمل الآن، ربما أخرج مع أحدهم مساء إلى أحد الكافيهات))
جلست أمامه صامتة للحظات قبل أن تنزعه منه هاتفه وتشاهد ما كان ينظر له متسائلة
((هل هذه الصورة لبلايستيشن؟))
تنهد مَازن ثم قال بكلمات مغلفة بقشرةً غليظةً من البؤس
((نعم أحدث نسخة في السوق! لكنها باهظة الثمن))
أحست بالشفقة عليه بل تفتت قلبها السخيف على مظهره.. إنه فاقد للحياة والحيوية والمرح منذ أن كسرت هدى البلايستيشن خاصته.. بدأت تجول بعينيها عن سعر هذه اللعبة قبل أن تشهق بذهول
((كم ثمنه.. أوه لا يصدق! كل هذا ثمن جهاز بلايستيشن تافه!))
اعتدل مَازن يهتف بها بملامح تشوبها الجدية
((أقول لك أنه آخر إصدار في السوق، سعره هذا منطقي بالنسبة لمواصفاته))
اشتد البؤس الظاهر على وجه مَازن ليتابع التحسر بينما يتكئ بخده فوق قبضته.. فطالعته وفكرت بشيء جنوني ردعها عقلها أن تفعله لكن قلبها الذي انعصر على حاله حثها أن تدفع الغالي والنفيس فقط لتعود تلك الابتسامة المستفزة السمجة على محياه الودود ولا تهدر حيويته ونشاطه وطاقته المفرطة هباء.. فقالت بجدية
((سأحضر لك ثمن هذا البلايستيشن لتشتريه يا قمر الدين))
هتف مَازن بها كمن يحادث فاقدة لعقلها
((هل أنتِ مجنون؟ لتضيعي مبلغ كبير كهذا على بلايستيشن!))
أمسك يدها يمنعها من المغادرة لإحضار المال له فقالت بإصرار يضج بعينيها
((معي الكثير من المدخرات، خذها واشتري البلايستيشن وتوقف عن رسم ذلك الوجه الذابل، فأنا لن أتحمله بعدما اعتدت على مَازن ثقيل الدم))
شدد من إمساكها ووقف من مكانه يهمين عليها بطوله هادرا
((أخذت مرة منك النقود لأني كنت مضطرا لزيارة صديقي لتهنئته لكن الآن لن أموت إن لم أحصل على جهاز بلايستيشن بإصدار خيالي))
نجحت بنفض قبضته عنها وهتفت بعناد متأصل فيها
((قلت سأجلب لك المال وستأخذه لشرائها))
كانت تتحدث بصرامة معه كأم له لا تريد أن تحرم طفلها من اقتناء لعبته المفضلة رغم ضيق الحال.. وهو ظل على ملامحه المتجهمة بقوة لدقيقة.. لكن سرعان ما انحسر الغضب الزائف من على وجهه وانفجر ضاحكًا بصخب من قلبه حتى دمعت عيناه.. رفرفت ياسمين بعينيها مذهولة ثم تساءلت ببلاهة
((ما الذي يضحكك!؟))
خفتت ضحكاته بعد أن وضع راحة يده على بطنه إعياءً من كثرة الضحك ليقول من بين أنفاسه المتسارعة
((لقد خدعتك! هذا الإصدار بالفعل سيرسله زميل سابق لي عندما كنت بالغربة، قال بأنه جاءه كهدية وسيرد معروف مساعدتي المالية له بإهدائه لي))
رفعت حاجبيها بذهول ليستطرد من بين ضحكاته
((لقد ادعيت الحزن والكآبة بمحاولة أن أستدر عطفكِ، لأسمع كلمة حلوة منكِ، لكن لم أتوقع أن يصل الأمر بك إلى هذا الحد!))
عادت تجتاحه نوبة ضحكة أخرى، يعبث بقلبها الصغير البائس بصوتٍ ضحكاته الشجيّ الراسخ.. يحرك مشاعرها التي جاهدت لإخفائها بكل السبل.. هزّت رأسها تبعد عنها هذا التأثير وانطلقت تضربه بقبضة يديها على صدره هاتفة بغضب حاولت تضخيمه
((أيها المخادع، خذ، هذه أيضًا!))
لكن تصاعدت وتيرة ضحكاته وهو يقول من بينها
((يكفي، يكفي يا ياسو..))
((ألن تكتفي من هذه المقالب يوما؟))
حاول أن يسترد أنفاسه هادرا
((معك بالذات لا أستطيع))
تلون وجهها بحرج وكانت تريد أن تعاود كيل الضربات في صدره إلا أنه أمسك بقبضتها هادرا
((يكفي لقد حطمت قفصي الصدري، بدأ يؤلمني))
وشدها قويا إلى صدره، فحاولت دفعه مجددا عنها بوهن لكنه قال
((حسنا، لن أضحك، لكن من كان يصدق أنك يا لوح الثلج إنسانة عاطفية سهلة الخداع))
اختلج قلبها بين ضلوعها فزعقت فيه وهي تحاول إبعاده
((أنا لست عاطفية توقف عن الضحك، اتركني أذهب))
لكنه أحكم قبضته من جديد وقال بوجهه المحمر من فرط الضحك
((كنت أمزح معك، أنا العاطفي وأنت لوح الثلج))
هدأت واستسلمت لأحضانه لدقائق قبل أن يقترب من أذنها هامسا
((ألم أقل لك أنك سهلة الخداع! بكلمة خدعتك))
صرخت بعلو صوتها ثائرة
((هذه المرة ستنال حتفك بيدي))
لكنه لم يسمح لها أن تتحرر من قبضته بل حملها وأراح ظهرها على السرير قبل أن يعلوها ويشرف عليها كاملًا وهو يمسك بكلتا يديها.. مال لأذنها هامسا
((صرت أحب قضاء الوقت في مشاكستك.. أكثر من البلايستيشن))
تضرجت وجنتيها بقوة ولم تستطع مواجهة عينيه خجلا تسلل إلى مساماتها..
وجدته يحيط جسدها الضئيل بجسده قبل أن يحررها احدى كفيه حتى يغمر أصابعه في خصلاتها الكثيفة.. مستغلا هدوءها وعدم تمنعها.. وهنت كل أوصالها ولم تشعر به وهو يخفض رأسه يمتلكها بتملك غريزي جعلها تهمس اسمه بخجل بالغ ((مَازن))
لم يستمع مَازن الذي أفقدته آخر ذرة تعقل كانت موجودة في عقله، وبلهفة خبير لا تخلو من الرقة جردهما من الملابس.. ليغيب في سحابة استسلامها له التي تزيده شعورا باكتساحها على نقيضها في السابق عندما كان يقربها كان يفعلها بمزيج من الحذر والذنب لأنه كان يدرك نفورها منه.. أما الآن فكان حقا يشعر بتمام استسلامها بجوارحها لقربه المهلك بذات الإحساس الرائق اللذيذ.. رغبةً، متعةً وتوقًا لبعضهما.. وهكذا سقطت دفاعاتها.. كسرت حواجزها التي حاوطت نفسها بها لفترة طويلة كلما اقترب منها.. لأول مرة لوح الثلج التهبت من الكلمات والملامسات الخبيرة التي أغرقها فيها ليذوب الصقيع وتنساب كالعسل لتذوب بين أحضانه..
حلقا في سماء المشاعر التي اختبرتها هي معه لأول مرة وقد بادلته تماما ما يفعله واستجابت بكيانها جسدا وروحا معه حتى انصهرا وتغلغل كل منهما بالآخر..
بعد مضي وقت ليس بقصير كانت تتوسد صدره مستسلمة.. هادئة مستكينة.. تلتصق به كجزء منه وكأنها لم تعد تلك الفتاة الباردة.. الوحيدة.. فارغة القلب.. لطالما أرادت أن تكون محبة للحياة والتجول هنا وهناك ببهجة لكنها كانت عاجز بسبب ما عافرت به في الماضي من اضطهاد وظلم.. لكن الآن فقط.. تحررت من كل هذا..
ومرّ الوقت صامتا لا يسمع فيه غير صوت أنفاسهما المتلاحقة كل منهما يشرد في بوتقة أفكاره.. قبل أن يقطعه مَازن هامسا وأصابعه تتخلل خصلات شعرها
((وعدت أخاكِ أني سأحثك على زيارته بشكل دوري مع هدى، ولا أريد أن أخلف وعدي))
خرجت من هالة الخجل المحيطة بها وهمست بشيء من الانفعال
((ها قد عدنا لنفس الموضوع ولزيارة أخي الجاحد! لكن لا بأس سأوافق على زيارته من أجلك أنتَ، لا من أجل صلة الدم تلك التي لم تهمه هو أساسا))
تهكم بزهو صوته المبحوح
((من أجلي أنا! لا هكذا سأغتر بنفسي يا ياسو))
حادت بعينيها عنه بخجل أكبر هامسة
((أريد النوم يا قمر الدين..))
خرجت منه ضحكة خافتة عليها واستمر يمرر أصابعه بشعرها بصمت لا قبل أن يسمعها تسأله فجأة
((آه بالمناسبة لم تعد تبقى في المطبخ طويلا عند منال، ما الذي جعلها تتوقف عن سخائها واهتمامها بك! أم لأن ابنتها نجوم رحلت من هنا لم تعد تجد الوقت لك))
تبدلت ملامحه ونقم على إتيانها بذكر منال في مثل هكذا لحظات صفاء جميلة بينهما.. فهمس لها بانزعاج واضح وهو يبعد يده عن شعرها
((دعينا ننام وحسب يا ياسمين))
أسدل جفنيه بشدة وتلبك جسده شعرت هي به فاتسعت عيناها بذهول!
"ياسمين"!
أين هي باقي ألقابه ثقيلة الظل كـ "لوح الثلج".. "ابنة قلبي".. "ياسو".. أو أي لقب آخر غير ياسمين!
هل قالت شيئا أغضبه منها؟
تنهدت وهي تغمض عينيها وتدفن نفسها أكثر بأحضانه..
=============================
جلس مُؤيد على سجادة الصلاة في رهبة بعدما أنهى فرضه ثم تناول المصحف الشريف.. ولأول مرة يمسكه وهو يشعر بشيء من التردد.. كخوف من تدنيسه.. فذنوبه وعيوبه تحاوطه بالآثام، وتنهش ما تبقى من قلبه..
هو إنسان منافق.. يدرك نفاقه جيدا ثم يأتي في نهاية اليوم ليقف أمام إخوته ليدّعي الشرف ويتكلم على الناس من حوله من العصاة لله ومن يتخطون حدوده أو الخارجين عن عادات مجتمعهم! كأنه لا يفعل الأمرين بالخفاء..
بدأت تنساب الكلمات على لسانه بوجل فيرفع كفيه يتضرع لله ليغفر له ذنوبه بحقه.. ويبدي توبة وندما حقيقيا عازما بحق ألا يعود للسابق..
أطرق برأسه وأنفاسه تتهدج لتبدأ عيناه تلتمع بدموع طلب المغفرة من دون شعور.. وشظايا الندم تؤرق ضميره وتجلده..
بعد مدة أغلق المصحف الشريف، قبّل ظاهره ثم وضعه بمكانه قبل أن يلفه الذهول لوقوف ابنه الأصغر باسم عند عتبة الباب.. مستغربا سبب وقوفه هناك يراقبه بصدمة حتى انتبه أنه يناظر عيناه اللامعتين بالدموع..
فرفع أنامله بتلقائية يمسحها ثم يمد يده لصغيره يحثه الاقتراب فتقدم باسم بخطوات مترددة، يركع على ركبتيه أمامه قبل أن يمسكه مُؤيد من كتفيه ويجتذبه نحوه ويعانقه بقوة..
شعر باسم بقشعريرة تجتاح جسده.. لا يكذب إن قال بأن هذا الحضن هو الأول من والده!
مسح مُؤيد على شعر ابنه وهو يشعر به أخيرا بعد لحظات توجس يبادله العناق بل ويشدد من إمساكه فتحيطهما هالة من راحة عجيبة..
لثم باسم وجنته وهمس بحزن طفولي
((لا تبكي يا أبي، أنا أحبك، آسف على معاملتنا السابقة لك أنا وفهد))
رفرف مُؤيد بعينيه سريعا حتى لا يذرف الدموع هذه المرة فعلا! خاصة وأن باسم من يقول له ذلك، ابنه الشبيه به.. الأكثر صلابة والأقل عاطفية من شقيقه!
ابتسم له بصعوبة ثم تساءل بصوتٍ اخترق قلب طفله
((إذن هل ستعودان كالسابق معي أنتَ وأخاكَ، شقيان ومزعجان؟))
أومأ باسم له بلهفة كأنه مستعد أن يفعل أي شيء حتى لا يرى أي انكسار أو حزن يلف وجه أبيه القوي والشامخ والمتبختر بنفسه!
=============================
سجن النساء..
وأثناء وقت الزيارة.. تنهدت شيرين بحزن ثم قالت برجاء لسهر الجالسة أمامها خلف الزجاج
((توقفي يا سهر عن البكاء))
تمتمت سهر بغضب مكتوم
((أنا أكره قُصي أكثر من أي أحد آخر، كاذب.. لقد تعبت من كذبه.. أنا أكره الكذب وأشمئز من الكاذبين، ليتهم يعرفون كيف يبدون من وجهة نظر الناس..))
بترت ما تقوله تكتم شهقة ملتاعة ثم مسحت دموعها لتبوح بغتة باستغراب
((شيري.. لماذا لم تتفاجئي مما أخبرك به عن حقيقة قصي؟))
لم تكن جملة سهر الثانية إلا استنتاجا لحظيا بعد أن راجعت الكثير من المواقف والكلمات.. فتجلت بوادر الأسف غير النادم على وجه شيرين وقالت بعذر واهن
((صدقيني كنت لأفشي لك السر الذي طلب مني حفظه دون أن أبالي بغضبه.. ولكن هو من يتكفل بموضوع المحامي لذا..))
تشدقت سهر قائلة بمرارة
((حسنًا أنتِ محقة.. لقد استغل حاجتك في السجن لمحامي من طرفه حتى لا تفشي سره منقب الذهب ذاك.. أوه أقصد منبع الكذب فقد اتضح بأنه ورغم عدم ثبات حاله المادي إلا أنه ليس منقب ذهب))
أخذت شيرين نفسًا طويلا.. ثم قالت بصوتٍ هادئ
((لا يا سهر هو لم يجبرني أن أكتم سره بل طلب مني ذلك بتهذيب ولباقة، ووافقت، لقد كان يزورني كل ما يقارب أسبوعين ويخبرني قليلا عنكما، إنه يعمل على العودة لبيت عمه وإيجاد وظيفة أفضل.. ولن أنكر أني لو خيرت بينكما سأقف معه هو لا أنتِ، فقد عرفت حقيقة معدنه الفريد في هذه الفترة الصعبة من حياتي، لم أرَ شخصا بطيبته وسماحة أخلاقه في كل حياتي، وأنتِ ستكونين الخاسرة لو تركته لا هو))
ابتلعت سهر ريقها واستنكرت بصوتٍ أجش يعكس حريق قلبها الداخلي
((أنا الخاسرة! هل أنتِ جادة؟))
برقت عينا شيرين وهي تقول بثبات
((نعم ستكونين الخاسرة، ولا أنحاز لصفه لأنه كان أكثر إنسان معين بفترة كَرَبي فقط.. بل لأن له الفضل بعد الله بإقناع قريبك بالتبرع لوالدك))
اتسعت عينا سهر وقد تباعدت شفتاها قليلًا غير مصدقة.. لكن ما إن استوعبت أن قصي كان من حث قريبها التواصل معها ليتبرع لوالدها حتى بدأ قلبها يخفق بسرعة.. قبل أن تتألم عينيها وترق نظراتها..
فرسمت شيرين ابتسامة وأخبرتها بحنو
((يتّضح يا سهر الشخص الذي يحبك بصدق مِمَّا يبذله من جهد في طريقه للوصول إليك، وما أراه في قصي ليس شائعا في الرجال، إنه لا يقدر بثمن))
نكست سهر رأسها وهي تشعر بتيه تأست له الأخرى التي عادت تخبرها بحنق
((أريد أن اخرج من هنا على خبر حملك يا باربي، هل تسمعين؟))
هدرت سهر برفض قوي رغم ارتجاف صوتها
((أي حمل هذا! أنا لن أتزوج قبل أن تخرجي وتأخذي فترة نقاهة.. أريد أن أقوم بجلسة تصوير لكلانا وأنا أرتدي الثوب الأبيض!))
قوّست شيرين حاجبيها بقوة.. لقد فعل قُصي من أجلها الكثير وأقل ما تفعله الآن هو إقناع سهر بالزواج منه في الغد بل الآن دون الانتظار أكثر من أجلها!
فوجدت ملامحها تضج صرامة أشد وهي تقول
((وماذا لو طال الأمر بي بسبب إجراء معقد ظالم آخر! ثم لو خرجت فلن أكون متفرغة لجلسة صورك بل سأكون في إحدى المصحات أتعالج من الهناء الذي لقيته هنا، كفي عن هذه السخافات وجلسة التصوير سنقوم بها إذا ما سنحت لنا الفرصة لاحقا))
ثم انتفضت شيرين واقفة تقول بأسلوب لا يحمل المزاح
(هذه آخر مرة أقبل حضورك لزيارتي أنتِ أو قُصي.. أخبريه هو الآخر أن لا يأتِ لهنا ويجهز لشهر عسلكما))
=============================
أغلقت رتيل الهاتف بعدما أنهت مكالمتها مع ياسمين ووضعته جانبا.. بعد أن خرجت غنوة من حياتها وتوقفت عن الخروج عندها لم تعد تجد ما تقوم به إلا التحدث مع زوجات أشقاء مُؤيد! سمية وياسمين..
وعندما تسأل ياسمين عن أخبار القصر ومن فيه وأخبار عائلتها تجدها تشتكي بعفوية من زوجها النزق الذي يصر عليها أن تخرج وتتنزه بل ويضغط عليها أحيانا بفكرة إكمال دراستها أو تعلم القيادة رغم أنه نفسه لا يملك سيارة.. فتحس بلا قصد بالغيرة منها.. فزوج ياسمين مغمور بالحماس نحو الانفتاح الإيجابي للحياة، أمَّا هي تعيش مع رجل يدفنها بحياة متزمتة ويمنعها من التنعم بالحرية وتجربة ما تريد..
لماذا لا يتلاءم الأفراد المتشابهين أنفسهم في الحياة!
زفرت رتيل أنفاسًا كانت تجيش في صدرها ثم خرجت من غرفتها ومرت من غرفة مُؤيد لتجده أمام المرأة يهندم ملابسه.. تأملته بتمعن لتجده بكامل أناقته ببدلته السوداء وقميصه الأبيض المبرز لعضلات صدره، ويرتدي بقدمه المجبرة جزمة سوداء لا تفسد أناقته، وعكازه الملازمة ليده يضعها جانبا كأنه شفي من إصابة ساقه فجأة!
اتسعت مقلتي رتيل باضطراب وقد أدركت الآن فقط فحوى مكالمته السرية في الأمس مع أمه التي أجراها في غرفته وأغلق خلفه الباب..
إنه ذاهب الآن لخطبة صبر.. ابنة أبي أحمد!
وهنا وجدت نفسها تغمغم بغيظ يكاد يلتهمها
((انظر لحالك كيف تتأنق كأنك عريس لأول مرة! يبدو أن طلاقنا الثاني سيحدث سريعا، أسرع مما توقعت))
جفل مُؤيد على صوتها واضطربت ملامحه عن كيفية معرفة زوجته النبيهة عن وجهته الآن!
كانت ترمقه بصدمة ممزوجة بألم حارق هزَّ كيانه لكنه قاوم كي يبقى جامدا كالصخر ثم قال بحزم مصطنع يواري في توتره
((رغم أنك أيتها الشريرة ترفضين إطعامي وتغذيتي إلا أني سأكون أكرم منك وأدعوك إلى حفل زفافي وسأقيم بوفيها كبيرا على شرفك أنتِ))
أظلمت ملامحها لكن تابع مُؤيد يحرق قلبها لا لشيء إلا لإثارة غيرتها وجرحها كما تفعل دون أن تشعر عندما تكرر طلب الطلاق
((ستكونين مجبرة على حضوره فكما تعلمين ولديك الرائعين فهد وباسم غير قادرين على رفض تلبية أي دعوة لأي مناسبة تقدّم بوفيهًا مفتوحًا حتى لو كانت عيد ميلاد ابنة عم جارة خالهم))
كورت رتيل يديها بغضب مستعر من سخريته السوداء ثم تشدقت بصوتٍ لاذع
((ولديّ ليسا كما تصورهما، بل هذا أنتَ الذي يطلق لحظة رؤيته بوفيها مفتوحا أصوات البهجة، ثم تسن أسنانك، وتقرع معدتك طبول الحرب معلنةً استعدادها للمجاعة التي ستفرضها عليها استعدادًا لتدلُق صواني الطعام فيها))
امتقع وجهه فزمجرت به بعصبية وقهر متشعشع في قلبها وروحها
((هيا اذهب الآن واخرج من هنا فلم أعد أطيق وجودك))
حدَّق مُؤيد بزوجته الثائرة بتشتت فاكتفت أن تمشط هيئته بازدراء قبل أن تنصرف..
صفقت باب غرفتها بعنف خلفها لترتمي على الأريكة ثم انهمرت دموعها مدرارا كالأمطار الغزيرة بينما قلبها ينكمش بألم يكاد أن يقتلها.. ظلت تبكي وتبكي قبل أن ترفع عينيها تستنجد الله أن يطفئ لهيب قلبها حتى تستطيع أن تمضي حياتها قدما.. لعل الخير يكون في طلاقها منه..
=============================
في سجن النساء..
توجه مُعاذ إلى مكتبه حيث يفترض أن أم محمود طلبت منه دخوله مع شيرين بذريعة إجراء مكالمة لتطعمها من علب طعام منزلية أحضرتها من البيت لها.. وفكر أنه يتمنى حقا لو كان متاحا خرق الأنظمة أكثر حتى يتسنى له أن يجلب لها كل ما لذّ وطاب..
طرق مُعاذ الباب ينبههن لوجوده ثم توغل للداخل ليستغرب من وجود شيرين وحدها جالسة على الأريكة، رفعت رأسها له مبتسمة بترحيب بينما تمسك علبه الطعام والملعقة.. فانتبه أنها لا تزال ترتدي الأصفاد على رسغيها فقال باستياء
((إذا كانت أم محمود تخشى تركك وحيدة بدون أصفاد كان عليها البقاء هنا وانتظارك حتى تنهي الطعام، ليس من المعقول أن تأكلي بها.. أين هي المفاتيح لأفتحها لك؟))
هرعت شيرين تنفي بلهفة
((لا، لا داعي لفتحها، أم محمود كانت مضطرة للمغادرة وأنا من أصريت عليها إبقاء الإصفاد خوفا من قدوم مباغت لأحد، وحدوث متاعب لها))
رفع مُعاذ حاجبيه بتسلية فعاتبته شيرين برقة
((أم محمود باتت تخجل أن تضع الأصفاد بيدي أثناء نقلي لأي مكان لأنها تراك لا تفعل ذلك، وهكذا سيتضاءل حس المسؤولية والحذر لها رغم سنين عملها الطويلة هنا وربما تقوم بنفس الشيء مع نزيلات أخريات بدافع الإشفاق أو التعاطف، وإذا ما استغلت إحدى النزيلات هذا الأمر لإثارة مشاكل لها ستوقعها بورطة.. أطلب منها أن تكون حازمة معي كما الجميع))
أسدل مُعاذ جفنيه راسما ابتسامة خلابة زادت من ملامحه الرجولية جاذبية.. قبل أن ينتبه لشيرين تحين منها نظرة على جزء ظاهر من الدمية الكبيرة داخل الكيس المغلف.. لا بد أنها لاحظتها منذ أن دخلت هنا واستغربت وجودها في مكتب لرائد صارم يعمل في السجن فبدد فضولها
((هذه الدمى لدارين))
لفتها الدهشة قائلة
((أليست كبيرة على هذه الدمى!))
ثم تغيرت ملامحها كمن تذكر شيئًا
((بل هل تعرف ماذا! جنس حواء لا يكبر على شيء، فقد تذكرت صديقة قديمة لي تحب اقتناء وشراء الدمى إلى سنها هذا))
هزَّ مُعاذ رأسه للحظات ثم قال
((الأمر فقط أنها الآن تعيش معي في شقتي وغدا سآخذها لموعد من أجل تقويم أسنانها، هي تشعر بالخوف قليلا عند زيارة الطبيب أو دخول المستشفيات.. وأحب أن أشتري لها هذه الدُمى حتى أخفف من خوفها))
ابتسمت شفتا شيرين له لكنها لم تر الابتسامة في عينيه.. بل كان هناك تعبير دفين فيهما كأنه الحزن.. بينما يكمل بصوتٍ مزيج بالشجن
((لقد كانت دارين بالثالثة عندما توفيت زوجتي رحمها الله وكانت تحاصرني كثيرًا بالسُّؤال عن اختفاء أمها كأين ذهبتْ؟ ومتى ستعود؟ ومِن شدة ارتباكي كنت أجيبها أنها في المستشفى، لهذا تخاف من ذكر المستشفى وأحيانا يتحول الخوف عندها إلى نوبات هلع وبكاء وصراخ بمجرد رؤية "المعطف الأبيض"!))
كانت تصغي له بمشاعر متخبطة بين شعور بالشفقة والحزن والرغبة بالمواساة.. نعم أرادت حقا أن تواسيه ولو بكلمة لكن الحروف لم تسعفها لتعبر عن خلجاتها.. لكنها تمكنت أن تتمتم بعد دقائق بخفوت
((أنتَ والد رائع))
نظر لها مُعاذ بانشداه ثم قال بقنوط
((لا، لا، لست كذلك، بل أنا مقصر جدًّا في حقها.. ولهذا حاولت جلبها لتعيش معي رغم أنه من الخطر بقائها فيه وحيدة عندما لا أتواجد، لكني ضعيف أمام حزنها..))
رمته بابتسامة جميلة ثم أخفضت رأسها تتابع أكل الطعام بصمت فتحرك مُعاذ يجلس خلف مكتبه يسألها
((كيف هو حالك بالعنبر الجماعي الذي دخلتيه؟ تعرفين بأني اضطررت أن أعيدك رغما عني ولو عليّ لأبقيتك بالانفرادي حتى أخر أيامك هنا، لا وبالنسبة الحشرات فقد أخطرت منذ مدة إدارة الحشرات بوازرة الصحة لإرسال حملة لإبادتهم، أخبريني إذا احتجت لشيء أن أحضره لك، فلن أستطيع رؤيتك يوميا))
ادعت شيرين التفكير للحظات ثم قالت مدعية الحيادية
((ضع لي على لائحة العشاء أنواع بيتزا كالبابروني وجهز العنبر بأجهزة التبريد والإنترنت.. هذا ما احتاجه في الوقت الحالي))
ما إن أنهت شيرين الحديث حتى انفرجت ضحكات من القلب من كليهما.. على تفكهها باهتمامه ومعاملته الاستثنائية معها قدر الإمكان في مثل هذا المكان الموحش المظلم الذي يمتلئ بالمظاليم..
هي فقط ساعة أو ساعتين عندما تكون برفقة مُعاذ أو أم محمود ما تجعلها تشعر في المكان القاسي أنها إنسانة تعامل على هذا الأساس..
اختنقت داخل عينيها العبرة لكن لجمتها بسرعة بإغلاقهما للحظات قبل أن تتابع أكلها بصمت تستلذ طعمه.. رباه.. منذ متى لم تأكل طعام منزلي جيد الصنع!
مجددا كانت تخنقها العبرة لتقول بصوت مثقل بالأسى
((لا تعرف كم يعني لي ما تفعله! أنا سأخرج من هذا المكان نفس الإنسانة التي دخلته والشكر لك..))
ترققت نظرات مُعاذ ثم قال بهدوء يواري تأثره بكلامها
((أنا أحاول أن ألبي طلباتك وباقي طلبات النزيلات في حدود السلطة المتاحة لي والتعليمات التي تصلني.. ربما ستمر الأيام الأخيرة لك هنا كالسنين، لكن حاولي أن تغتنميها بما يفيدك حتى تقللي من وطأة الانتظار وستمضي هذه الأيام وستكونين شاكرة على مرورك بهذه التجربة التي جعلتك أقوى))
رفعت شيرين يدها تمسح دمعة خائنة كادت أن تخرج من محجرها بينما تقول بابتسامة تداري ألم صراحتها القاتمة
((لا لن أعتبر هذا الأمر نجاحا، أعني أنا فقط أحب أن أسمي الأشياء بمصطلحاتها الصحيحة.. الإخفاق هو الفشل.. قصدك بأن سجني هو فرصة لي للتعلم لا يخفف من مرارة إحساسي ولن يرد الأشهر التي انقضت هباءً.. فأنا خسرت من نفسي ما لا يعوضه تعلم كل خبرات الدنيا.. ولكن الحمد الله دائما وأبدًا على كل حال..))
أطلق مُعاذ نفسا مكتوما ولم يعرف في البداية ماذا يقول لها.. وقف من مكانه نحو ثلاجة صغيرة متواجدة عند الزاوية وأخرج عبوة عصير معطيًا إياها لكنها أومأت له نافية بامتنان.. فعاد يقول لها بنظر شارد وهو يتكئ على الجدار بجانب النافذة
((من خبرة مجال عملي في السجون بعد كل هذه السنوات ولو أتيح لي كتابة سلسلة مقالات حول "مراكز الإصلاح والتأهيل"، بما يعزز "سيادة القانون" التي لا أنفك عن المطالبة بها فلن أنتهي أبدًا، ولكن سأظل أفعل ذلك عسى أن تلقى آذانا صاغية لكل من يعنيه الأمر من صناع القرار، وبخاصة في وزارتي الداخلية والعدل))
أنهي مُعاذ كلامه تزامنا مع دلوف أم محمود هاتفة
((هل انتهيت يا شيرين من..))
بترت كلامها عندما لاحظت وجود مُعاذ لتلقي عليه التحية العسكرية.. فابتسم مُعاذ بود لها.. لكن بدا أن أم محمود ممتعضة جدًّا من تواجده في نفس المكان المغلق مع شيرين وعرف مُعاذ خطأه هذا.. فقالت لشيرين التي لم تنهِ علبة طعامها
((توقعت أن تكوني قد انتهيتِ))
اتسعت حدقتا شيرين ثم تمتمت لها بكلمات الاعتذار وهي تمسك الملعقة وتعود وتأكل منها بنهم حتى لا تثقل عليها وتنتظرها أكثر..
دعا مُعاذ أم محمود للجلوس ثم تساءل بعفوية محاولةً لجعل شيرين تمضغ الطعام بتأني وبطء
((إذن ستتزوج صديقتك المندفعة تلك سهر؟))
هزت شيرين له مبتسمة لتقول أم محمود بطيبة وببشاشة
((مبارك لها والعقبى لك يا شيرين))
رفع مُعاذ إحدى حاجبيه مغمغما بتلاعب غير مألوف فيه
((وأنا لماذا لا تدعين لي بنفس الشيء؟ كوني أرمل يعني أني أعزب أيضًا يا أم محمود))
شهقت أم محمود وطالعته تقول بأحر وصدق تمنيات
((وهل هناك أجمل على قلبي من رؤيتك عريسًا مرة أخرى يا سيادة الرائد؟ فليرزقك الله الزوجة التي تسر قلبك وخاطرك وتسعدك وتفهمك وتحن على ابنتك..))
انشقّ عن مُعاذ ابتسامة جانبية وقال
((اختصريها وقولي شيرين))
كانت شيرين تتجرع من كأس الماء عندما فجأة جحظت عيناها وشرقت أثناء شربها.. قبل أن يتزلزل كيانها وترتجف يداها وتسقط الكأس أرضًا وتتهشم لشظايا بسبب قيد يديها الاثنتين..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الحادي وثمانون 81 - بقلم Hya Ssin
الرواية انهيت اخر فصولها بالمسودة وتقريبا طلعت معي اربعين فصل مع خاتمة ( وقت التنقيح والتدقيق واضافة واللغاء مشاهد ممكن تزيد وممكن تقل 😁😁💔)..
المهم فعليا نحن اقتربنا من النهاية..
لذا انا أتمنى من كل قلبي أن اعرف ممن قرأ فصول الرواية أراءكم الصريحة فيها وانتقاداتكم وسلبياتها حتى الان..
ملاحظة: انا حرفيا لدي مناعة تامة وكلية ضد التعليقات السلبية والناقدة وحتى البعيدة في كثير من الأحيان عن أي نظرة موضوعية.. 😁😁😁
لذا رجاءً لا تخافوا على مشاعري فأنا أريد أراء صريحة.. حتى اعرف منكم مواطن الضعف فيها وأحاول قدر الإمكان تفاديها مستقبلا..
اريد ان تخبروني ايضا عن رأيكم بكل ثنائي في الرواية..
وليد-شيرين-معاذ
مؤيد-رتيل
نورين-مصعب
مالك-سمية
مازن-ياسمين
قصي-سهر
متى ممكن ترشحوا هاي الرواية لاحد؟ عندما يطلب رواية من نوع ماذا؟
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وثمانون 82 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل الخامس والثلاثون
اخترقت عبارة مُعاذ أذن شيرين كرصاصة طائشة جعلتھا تسعل في كوب الماء الذي كانت تتجرعه بنهم فاندفع بقلق نحوها كما أم محمود بدأت تربت فوق ظهرها بلطف
((صحة يا شيرين صحة، هل أنتِ بخير؟))
حاولت شيرين أخذ نفسا من بين لهاثها لتغمغم بوهن
((ربَّاه شعرت أني أحتضر))
قال مُعاذ بخوف عارم استشعر به عليها
((عسى الله أن يبعد أي مكروه عنك، هل أنتِ بخير الآن؟))
لوحت أم محمود بيدها لمُعاذ وهي تقول برفق
((دعها تهدأ قليلا يا سيادة الرائد وترتاح))
كان وجه شيرين يزداد احمرارا لا تعرف من اختناقها بالماء أو من قرب مُعاذ لتقول بخفوت من بين سعالها
((أنا بخير.. بخير..))
أمسكت أم محمود كتَّف شيرين برفق تحثها قائلة
((هيا انهضي يا شيرين لتعودي للعنبر))
استقامت شيرين بساقين رخوتين كالهلام قبل أن توافقها
((نعم أنا بحاجة حقا للذهاب من هنا))
ناظر مُعاذ طبق طعام شيرين الذي لا زال ممتلئا ثم قال
((لا، ابقيا هنا وأكملي طعامك يا شيرين وأنا من سأغادر، فكي قيد الأصفاد يا أم محمود حتى لا يتكرر ما حدث))
ثم انتشل منديلا من جيبه يناوله لشيرين قبل أن يغادر..
حرَّرت أم محمود يدا شيرين من قيدها وقبل أن تعود للأكل صوبت نظرها للمنديل الذي أعطاه مُعاذ لها واتضح أنه مشبع بعطر خاص.. بعيدا عن أنظار أم محمود قربته من أنفها تستنشق رائحته الزَّكية..
=============================
بيت أبي أحمد..
رغم فرط توتر صبر ابتسمت تتلمس التفهم
((يا خالة زاهية أنتِ تعرفين أنى لن أقصر بباسم وفهد بعد زواجي من ابنك وسأعتبرهما من صلبي، ولكن أريد منك ضمانا بأني سأكمل دراستي بالجامعة، فأنا في سنتي الأخيرة!))
كانت زاهية مستعجلة على زواج صبر من ابنها مؤيد فغمغمت باستياء
((جامعة! هل ستكملين دراستك يا صبر بعد زواجك من مُؤيد؟ لكن ما نفع الجامعة وأنتِ لن تعملي بشهادتها))
مالت والدة صبر تهمس في أذن زاهية
((سترفض ابنتي الزواج لو أخبرتها ألا تكمل تعليمها، وافقي على هذا الشرط، وبعد الزواج ستقرر من تلقاء نفسها ترك الجامعة وصب اهتمامها على زوجها وأولاده عندما تدرك عظم مسؤوليات الزواج))
احتقن وجه صبر بالغضب لِمَا يتناهى إلى سمعها.. لكن حثتها بلطف ومودة زاهية التي اقتنعت بكلام والدتها وهي تطبطب فوق كتفها
((على كلٍ، اذهبي يا صبر واجلسي مع ابني وتعارفا قليلا، لا أطيق صبرا حتى تدخلي قصرنا ككنَّة))
قوست صبر حاجبيها لكن رضخت لطلبها وبارحت المكان نحو غرفة الضيوف حيث يتواجد مُؤيد.. ببطء وتأنٍ تجاوزت عتبة الغرفة لتجده جالسا بظهر منحني ووجه ممتعض، شارد الذهن..
زفر مُؤيد بضيق دون أن ينتبه لجلوس صبر مقابله.. كان في أشد استيائه من أمه يفكر بأيسر طريقة لإخبار صبر أنه لا يرغب في الزواج منها وجاء بنفسه ليوضح لها ذلك حتى تعرف أن لا علاقة له بإصرار وإلحاح أمه عليها.. في النهاية نفذت طاقته لمجاراة أمه..
تنحنحت صبر مكانها تجتذب انتباهه.. فتحررت تعابيره من التشنج ورفع وجهه لها منتبها على وجودها أخيرا..
أزالت صبر التحفظات ولم تحاول الكذب أو المراوغة قائلة وهي تكتف ذراعيها
((سيد مُؤيد لنكن واضحين، أنا أعرف أن والدتك أجبرتك على المجيء هنا.. لكن مالا تعرفه أني مجبرة أيضًا على مقابلتك، فأنا لا أريد ترك دراستي من اجل الزواج برجل يعيل طفلين ويكبرني بالكثير! ليكن الرفض من الطرفين وسننهي هذه المعضلة..))
تدلى فك مُؤيد والصدمة تكتسحه! أخذ الأمر منه دقائق ليستوعب ما تفوهت به وسرعان ما تمتم بانتشاء
((أنتِ فتاة مذهلة))
ابتسمت صبر بترفع تخبره
((اتفقنا إذن..))
.
.
في داخل الغرفة الأخرى وبينما تنتظر زاهية انتهاء الرؤية الشرعية التفتت لأم صبر تخبرها بهدوء ظاهري
((بالمناسبة هل أخبرتك أني سأكتب باسم ابنتك إحدى المزارع ذات المساحة الصغيرة كمهر لها بعد زواجها من مُؤيد!))
جحظت عينا أم صبر باستهجان وكاد يسيل لعابها وهي تتمتم
((ماذا!؟ مزرعة من مزارعكم!؟ هل أنتَ جادة يا حاجة!؟))
وضعت زاهية فنجان قهوتها على الطاولة ثم قالت بنفس الهدوء
((نعم ولكن هناك شيء عليك أن تعرفيه، لقد قررتْ زوجة ابني الرجوع له من أجل الأولاد فأعادها على ذمته، لكن سيكون مجرد زواج صوري من أجل الأطفال..))
اضطربت ملامح أم صبر فقاطعت زاهية وهي تستشيط غضبا
((ماذا! عادت رتيل لمُؤيد! لكنك قلتِ بأنها رافضة العودة له! هذا لم يكن اتفاقنا يا حاجة، أنا لا أقبل على ابنتي أمر كهذا مهما كانت هوية من سيتقدم لها..))
ظهر الامتعاض في نبرة زاهية المتفاجئة من ردة فعلها
((لكنه أعادها فقط من أجل طفليه..))
قاطعتها أم صبر مجددا بجفاء وهي تقف من مكانها
((الآن فقط عرفت سبب عرضك كتابة الأرض باسم ابنتي، لكن طلبك مرفوض يا حاجة))
امتقع وجه زاهية بالحرج والخزي وهي ترى والدة صبر ترفض طلبهم الزواج بابنتها بهذه الطريقة المهينة..
.
.
في طريق العودة..
كان سائق العائلة يقود السيارة وزاهية وابنها جالسان في المقاعد الخلفية عندما قالت له بغتة بصوتٍ يرتجف غضبا
((سأبحث لك عن عروس أخرى أفضل وأجمل من صبر))
قال مُؤيد ونظره يشرد بالنظر إلى عبر زجاج النافذة
((أمي هذه هي آخر مرة سأطاوعك، مرة أخرى سأرفض دون أن ألتقي بالجماعة ولن أهتم بمظهرك أمامهم))
غمغمت زاهية بتعنت ورعونة
((بل ستتزوج يا مُؤيد وإلا قد أنفذ تهديدي وأخبر والدك))
التفت مُؤيد يُعلمها بوجه حازم دون أن تهتز منه شعره
((أخبريه يا أمي، أخبريه.. لكن لا تلوميني بعدها فيما قد أفعله! لأن أقل ردة فعل ستصدر مني هو أني سأهج مع رتيل والولدين للخارج ولن تخطو قدمي البلاد مرة أخرى، وسأقطع جميع اتصالاتي بكم..))
حدَّقت زاهية في عيني ابنها باضطراب جمّ تكتمه ثم أشاحت بوجهها بعيدا عنه بنفور..
=============================
في المطار..
رفعت تمارا منديلها تمسح دمعة قهر خرجت من مخبئها.. أحاط زوجها بكتفيها قائلًا
((لماذا تبكين يا تمارا؟ يجب أن تكوني سعيدة بذهاب ابنتك لشهر عسلها مع زوجها، إنها مناسبة سارة لكليهما تستحق الفرح))
كاد قهر تمارا ينحر قلبها وهي تتحدث بحسرة
((كل صديقاتي وعضوات المجتمع الرَّاقي يسخرن منى ويتساءلن فيما بينهن عن حاجتنا لإطالة خطبة سهر لثلاث سنوات ما دمنا لن نعد لها حفل زفاف في النهاية، الكثيرات منهن يتهمنني بالتفريط بابنتي الوحيدة لأني قبلت تزويجها بهذه الطريقة))
انفلت لجام تحكم تمارا وبدأت تجهش ببكاء حار..
لقد رأت الفيلا التي يمتلكها قصي وستعيش بها ابنتها وهي أقل بكثير من المستوى المتوقع.. لقد انتهى الحال بابنتها متزوجة من رجل عائلته ذات صيت كبير بالاسم فقط وظاهريا..
تنَّهد فايد ليغمغم رغم اعتياده على سطحية زوجته المهتمة بالمظاهر
((إذا كانت والدة قصي ذات الشأن العظيم وزوجة من أهم شخصيات المجتمع الرَّاقي كما تقولين وأم الشاب الذي تزوج ابنتنا لم تبدِ أي اعتراض، فلماذا تهتمين أنتِ!؟))
أخذت دموع تمارا تسيل وتسيل مغمغمه بحرقة قلب
((هذا لأنها لا تعتبر أحدا من أبنائها ابنًا لها غير ابنها من السيد فارس القاني، أما نحن فمن لدينا غير سهر!))
زفر فايد نفسا آخر كان يجيش في صدره وتمتم
((لهذا فقط.. كوني سعيدة من أجلها))
لكن لم تستطع تمارا إظهار السعادة من أجل ابنتها ولو زيفا.. فقد شعرت أن كل جهودها خلال السنوات الماضية ضاعت هباءً منثورا.. إذ أنها منذ نعومة أظافر سهر كانت حريصة كل الحرص على جعلها ترافقها لوحدها دون رفقة ذكر أو صديقات لحضور الفعاليات الخيرية، والمزادات المشهورة ومباريات الرياضة الراقية ومطاعم الفنادق الفاخرة والمعارض الفنية والافتتاحيات من أفضل الأماكن التي قد يتواجد فيها أبناء الأثرياء..
حتى أنها أحيانا كانت تضطر أن تتطوع إذا لم تستطع تحمل تكلفة الفعاليات التي تتطلب دعوةً أو تذكرةً..
لتفجع الآن بالحال الذي انتهى بها مع قصي!
.
.
خرج نفس عميق من سهر بوجل عند انطلاق الطائرة، لتشُّد بكفها على يد قصي بلا شعور، غافلة عن الابتسامة التي شقت ثغره لاحتمائها به كالعادة في كل مرة يسافر معها..
عندما لاحظت يدها الموضوعة فوق يده سحبتها فورا وكانت لا تزال تشعر بشيء من الاستياء تجاهه، خاصة وأن استيعاب خداعه لها لا زال يحتاج منها المزيد من الوقت لتتكيف معه وتغير من مشاعرها وتفكيرها ناحيته.. قالت فجأة له وهي تناظر وجهه
((قصي من الآن فصاعدا إذا احتجت أي شيء من النقود أخبرني، لأني أفكر بوضع حساب بنكي مشترك بيننا))
تغضن جبينه واعترض بنبرة قاطعة
((هل جننت! يستحيل أن آخذ منك فلسا، أنتِ تهينني هكذا))
ازدردت سهر ريقها ثم قالت بتلكؤ
((أنا فقط قصدت.. أعني في الماضي كنت أظنك منقب ذهب لكن بعد أن عرفت كيف سرق عمك حقك وعرفت أن أبي كان لديه علم بكل شيء يخصك منذ البداية اختلف الوضع))
حاول أن يتحلى بالصبر وهو يقول برفق
((سهر مهما يحدث أنا لست بحاجة لأخذ قرش منك، وفي حال اللجوء للاقتراض منك كحلٍ أخير، سأضع الأمر في إطار العمل بصورة دَين موثَّق بتعهدات مكتوبة))
تجلت ملامح الانزعاج عليها فأكمل وهو يحتضن كلتا يديها
((سهر لا تقلقي، عملي كعامل بناء مؤقت.. أنا أفكر أن أدخر كل النقود التي ستعطيها أمي لي كمصروف شهريا حتى أؤسس مشروع خاص بي ثم أضع كل مجهودي فيه، وقتها فقط لن آبه لأي عقاب يحل بي من عائلتي يهددون فيه بقطع المال عني))
طالعته بدهشة غزتها وتساءلت
((وماذا سيكون المشروع الذي تخطط لإنشائه؟))
زمّ شفتيه بتفكير قبل أن يشاركها أفكاره
((لا أدري، أريد أن آخذ وقتي بالتفكير حتى أتدبر المبلغ، لكن حتما سيكون متعلق بالرياضة فأنا قضيت معظم حياتي في النوادي الرياضية وأفكر أيضًا أن يكون في الخارج فأنا كما تعرفين أمضيت معظم حياتي هناك))
رفرفت بعينيها متفاجئة من خططه المباغتة لتقول بشيء من التردد
((أعشق السفر كما والديّ، ومعظم أقاربنا في الخارج لكن لا أدري بخصوص العيش هناك))
أخذ نفسا عميقا وقال بتشتت ممزوج بشجن الماضي
((كلها مجرد خطط مبدئية، لكن أريد أن تضعيهم خيارا متاحا أمامنا، أساسا عدت للبلاد فقط لأعمل بشركة عائلتي قبل أن أتعرف عليك تزامنا مع قراري بالاستقرار هنا.. وفقط حينها عرفت كيف يمكن أن تدفعك امرأة تشبه الباربي أن تحب بلادك..))
لاحت على شفتيها المكتنزتين ابتسامة جميلة وهي تعقب
((أحيانا أظن أنك لا تهتم إلا بشكلي))
رفع يده يلامس خصلاتها الذهبية ويقول بنبرته الخاصة
((في البداية نعم صحيح، لفتني جمَالك عندما رأيتك في النادي أول مرة، لكن لم أكن لأتخذ أي خطوة تجاهك قبل أن أتأكد من أنك تشبهين روحي))
كان ينظر بزرقة عينيها اللامعة بينما يردف بفكاهة
((كنت مثلي تماما فتاة لها نفس اهتماماتي الخاصة في السفر ومنفتحة على العالم والثقافات المتعددة لا تفكر سوى في الاستمتاع بوقتها أكثر مما ينبغي، كنت خائفا أن تكون كل فتيات المجتمع الراقي شبيهات بأمي لا يفكرن إلا بحضور الفعاليات الاجتماعية المليئة بالنفاق!))
ثم ازدادت ابتسامته الخلابة وهو يؤكد عليها بمرح
((حياتنا بعد الزواج لن تختلف.. سنذهب إلى كل مكان.. سأظل معك نجرب السباحة والغوص، وصعود الجبال، والتخييم في العراء والإبحار في يخت كما كنا نفعل سابقا))
اجتاح شيء من الدفء والتفاؤل قلب سهر لحياتها المقبلة مع قصي.. إذ أنها لا تنكر أن ما جعلها تقرر العودة له بلا إطالة ومن دون حفل زفاف، هو دوره في حث قريبها التبرع لوالدها.. لكن الآن هي سعيدة لأنها بقرب الرجل الذي تحبه من أعماق قلبها كما لم تحب أحدا يومًا..
=============================
وضعت رتيل الهاتف على أذنها الأخرى وهي تقول
((نعم لا تقلقي يا سمية أنا بألف خير، لم تختلف حياتي شيئا منذ انتقالي إلى هنا مع زوجي للمدينة، بكل الأحوال أنا محبوسة بين أربع جدران))
وصلها صوت سمية المفعم بالسعادة من أجلها
((المهم أنكما عدتما لبعضكما وفيما عداه يهون))
همهمت رتيل قبل أن تعلمها بصراحة خطيرة
((لقد عدنا صحيح، ولكن ربما نتطلق من جديد))
خرج صوت سمية مصدوما وأسرها الذهول لدقيقة قبل أن تردد
((طلاق مجددا؟ ألا يمكن أن تحلا مشاكلكما بدون طلاق يا رتيل؟ ولو من أجل الأولاد؟))
تنَّهدت رتيل ثم هدرت بإنهاك واستسلام
((لا شيء يمكن فعله صدقيني إن لم يقرر مُؤيد أنه أيضًا عليه أن ينقذ الزواج فيبذل معي كل جهده في البحث عن حلول لنا، ويحاول أن يصارح ولا يتكبر عن الاعتراف بتقصيره وخطئه، ولا يستهين باحتياجات كل واحد منا))
صمتت رتيل للحظات ولمعت عينيها بحزن.. لطالما حاربت وحدها لسنوات الصدع بحياتهم الزوجية وهرعت لاهثة لرأب ذلك الصدع وحدها لئلا يتهاوى جدار الزواج.. كل هذا ومُؤيد يتأملها مستنفذة ومنهكة القوى، وكله ثقة من أنها لن تطلب الطلاق مهما حدث وهذا ما جعله يصل إلى الحال الذي وصل إليه.. لكن عرفت كيف تسيَّر أمورها ولم يعد شبح الطلاق يرعبها..
نفضت عنها غبار الماضي وعادت للواقع تسترسل
((أهم شيء أن أجد عملًا بعد الطلاق، متى ما وجدته ستحل مشاكلي، سأنطلق في الحياة وسأشترك بنادي رياضي وسأخسر بعض كيلوغرامات زائدة، سأراجع عيادات البشرة لأخضع لجلسات مختصة لعلاج الشعر والعناية بكل شبر في جسدي من نعومة وتفتيح.. العطل ستكون لحمامات البخار والساونا والجاكوزي.. سألتحق بأي معرض أسمع عنه أو متحف.. المهم أني سألتفت لحياتي ولن أعيشها وفقا لما يطلبها مني أحد بل للظروف التي تحيط بي))
كانت رتيل تتحدث وتفضى كل ما تخطط له غافلة عن مُؤيد الذي كان قد عاد قبل قليل ويتوارى خلف الباب يسترق السمع لمحادثتها الهاتفية..
أغلق مُؤيد جفنيه يأخذ نفسا عميقا يحاول فيه تمَالك غيظه! كان يشعر بقلبه يتقلب من القهر والضيق وهو ينصت لزوجته تتحدث بحماس لهف مع زوجة أخيه عن خطط ما بعد الطلاق وكيف ستشغل نفسها بأمور تسعدها وتفرحها لم تكن تستطيع القيام بها وهي على ذمته..
أطلق نفسا بائسًا وهو يرخي ربطة عنقه.. ثم مرّ من الصالة ليجد فهد يمسح منضدة الطعام بعد أن انتهى من تناول الغداء فسارع يسأله بود
((كيف حالك يا فهد؟ هل كنت تأكل الطعام؟))
عقد فهد حاجبيه لسؤال أبيه غير المسبوق وأجابه بضجر
((نعم كنت آكل وأشاهد برنامج كرتوني مع باسم وانتهينا الآن فقط))
رمى فهد جوابه ثم اتجه مسرعا إلى المطبخ يغسل يديه ثم إلى غرفته ليشرع بالدراسة.. لكنه قبل أن يفتح الكتب تفاجئ من لحاق أبيه به كأنه يحاول استبقاؤه بأي عذر ليسهب بالكلام معه..
سأله مُؤيد عن اسم البرنامج الكرتوني الذي كان يشاهده فذكر فهد اسمه بضيق، وسأله عن قصة هذا البرنامج فأجابه بنفاذ صبر، وسأله ماذا أكلوا على الغداء فأخبره متبرما..
كانت كل إجابات ابنه فهد مختصرة أيَّما اختصار وبنبرة مشوبة بالاقتضاب كأن الاستمرار في الحديث معه عمل مجهد وهو لا مزاج له فيه لأن عليه أطنان من الواجبات المدرسية ولا ثانية أخرى يمتلك لتضييعها في هذا الحديث التافه..
احتقن وجه مُؤيد بالامتعاض من ولده ثم بعثر شعره هاتفًا بانفعال
((حسنا لا تتبرم، سأغادر المكان لأدعك تكمل دراستك قبل أن تهرب منك))
كان صوت مُؤيد يشوبه جرح كبرياءه وقلبه يختلج ألما لاختلاف معاملة ولديه معه.. إنهما حرفيا لا يطيقان التحدث معه على عكس الرحابة ومنتهى سعة الصدر في حديثهما مع أمهما بكل شاردة وواردة تحدث في يومهم!
فجأة وخز تأنيب الضمير والذنب قلبه!
تصرف ولديه معه هو حقا رد فعل منطقي.. فهو لا يذكر ولو مرة أنه قد بادر لسؤالهما عن حالهما أو قام باصطحابهم معه لنزهة.. بل كان بقلة ضمير وإهمال أبوي يخرج مع ابنتي إخوته بالسَّر وبعيدا عن أبصارهما بذريعة أنهما مزعجان والصبيان لا يجب أن يدللوا أبدًا.. =============================
في مجلس النساء..
كانت قد طلبت زاهية من المرأة التي تأتيها شهريا للاعتناء بشعرها القدوم والقيام بعملها لعل أعصابها المتشنجة تسترخي بسبب الكلام الذي ألقاه مُؤيد في وجهها..
أنهت المُصففة عملها ثم غمرت أصابها بشعر زاهية البُني المائل للاحمرار وهي لا تخفِ إعجابها به كالعادة
((ما شاء الله كم هو شعرك جميل يا حاجة، كثيف وخلاب أكثر من شعور بنات العشرين))
رفعت ياسمين نظرها عن القماشة التي كانت تطرز فيها ثم بدأت تحدق بشعر حماتها الكثيف الذي لا يتوقف عن الاستطالة حتى بعد منتصف ظهرها ولا زال ملفتا بلمعانه.. وسرعان ما تجلى الإحباط على وجهها وتلقائيا رفعت يدها تلامس شعرها هي..
إذا كانت حماتها ابنة الستين لا تزال للآن تولي شعرها كل العناية والاهتمام من وضع الزيوت وتلوين الشيب الذي يزحف على رأسها وتطلب من أفضل المُصففات المختصات القدوم لبيتها خصيصًا للعناية به وبصورة شهرية فلماذا لا تفعل هي نفس الشيء خاصة وأن قمر الدين خاصتها مهووس وبشكل حرفي بشعرها!
استلمت المصففة ثمن عملها من زاهية ودعت لها بالعافية والصحة.. لكن قبل أن تهم بالمغادرة تركت ياسمين ما بيدها وهرعت تناديها.. فالتفتت المُصففة لها متسائلة كما زاهية
((نعم يا سيدة ياسمين؟))
أزاحت ياسمين وشاحها المرخي حول وجهها أمام المصففة لينكشف شعرها المجدل الطويل ثم تساءلت بتردد
((هل هناك شيء يمكنك فعله بشعري يمكن أن يجعله أكثر حيوية؟))
كانت المصففة تصلي على النبي وهي تناظر شعر ياسمين الطويل ثم تساءلت
((هل تريدين صبغه مثلا؟ ما رأيك أن أصبغ بعض خصلاته بلون فاتح ذهبي))
ابتسمت لها ياسمين بتوتر
((قومي بما تريدين على ذوقك، المهم أن يكون جميلا))
كانت تشعر حقا برغبة ملحة أن تجدد نفسها لا حتى تبدو جميلة.. بل وأيضا بهيجة.. مرحة.. اجتماعية.. بطريقة تذهل مَازن بها.. حتى أنها كانت تخطط أن تسمن قليلا ليزداد وجهها امتلاءً ويصبح أكثر توردًا ويخفي بروز عظامه..
.
.
بعد أن انتهت المصففة من إضافة تغييرات وتحسينات بشعر ياسمين حتى دخلت جناحها ليسألها مَازن المشغول بلعبة البلايستيشن بلا انتباه
((هل هذه أنتِ يا ياسو؟))
استدارت ياسمين للخلف وهي تنزع الوشاح لينسدل شعرها للخلف بدلال.. ويظهر جماله دون أن ترد.. فحانت نظرة من مَازن لها قبل أن يتجمد بصره عليها وينسى البلايستيشن التي كان في خضم لعبها..
انتبهت لنظراته التي تلتهم شعرها بوضوح لكن ادعت اللامبالاة..
لا إراديا ابتسمت عندما شعرت به يترجل واقفا ويلقي يد البلايستيشن ليتجه نحوها يمسك كتفيها ليديرها له، يغمر أصابعه بشعرها ويغمغم مسروق الأنفاس
((هل قمت بصبغ شعرك؟ متى!؟ قبل ساعات لم يكن لونه هكذا!))
عندما استمر بغمر أنامله بشعرها تمنعت ياسمين بحنق مصطنع
((مَازن اترك شعري، تعرف أني لا أحب أن يلمسه أحد!))
إلا أنه وجد نفسه يدفن وجهه فيه ويستنشق عبيرها يُفاقم من خفقات قلبه المسكين.. يهمس بخدر
((أنا لست أي أحد..))
لكن قبل أن يتطور الأمر شهقت تنأى عنه محذرة
((مَازن، إياك.. إنها تلك الأيام من الشهر، توقف))
فتح مَازن عينيه شاعرا كأن ماء مثلج سكب عليه.. ابتعد عنها لاهثا ثم قال ونار الإحباط تتقد بداخله وتمسه كسوط من نار
((يا لهذا الحظ التعس!))
=============================
جلس مُصعب خلف مقود سيارته المركونة أمام شقته.. ثم وضع الهاتف بقرب أذنه الأخرى بينما يسأله والده باهتمام أبوي
((لماذا لا تأتي اليوم لبيتنا لتشاركنا طعام الغداء))
((دعها في وقت لاحق يا أبي))
((ولكن أليس اليوم هو عطلتك؟))
تردد مُصعب قبل أن يجيب
((هذا صحيح، ولكن كنت أتحدث مع حماي قبل قليل..))
ابتلع مُصعب ريقا وهميا ليضيف
((وقام بدعوتي لزيارته مع نورين.. وكنت أفكر بمفاجأة زوجتي هناك))
في البداية لم يجد ردَّا من والده لكن وصله كلامه أخيرا بصوتٍ رخيم وحسن تعقل
((جيد يا مُصعب.. في النهاية يظلون عائلة زوجتك وأصهارك ومن حقهم عليك أن تزورهم ويزورونك))
اجتاح شيء من راحة مُصعب لكلام والده المشجع لكنه عاد يقول بارتباك
((أبي أخشى لو عرف مُؤيد.. أعنى لا أريده أن يتحدث مع بقية الشباب والرجال في القرية عن زيارتي لأنسابي، فيظنوا أننا نستهين بثأرنا لمقتل ابن عمي..))
قاطعه والده هاتفا بانفعال نسبي
((هل جننت يا ولد؟ ومن هذا مُؤيد الذي تخشى أن يفتن الأرض! فليفعلها وليعقب ولو مجرد تعقيب على زيارتك لدار صهرك وأنا سأدفنه بالأرض ذاك المتبجح! في النهاية عائلة زوجتك لا يقربون لقاتل ابن عمك إلا من بعيد وليس من المنصف ما يحدث لهم، لقد عاد أناس من قريتنا وقريتهم يزورون بعضهم كالسابق كأن شيئًا لم يحدث فلماذا نمتنع نحن!))
كل ما في مصعب كان ممتنا لوالده بينما يحثه بدفء
((اذهب يا بني الآن وابعث لهم بسلامي غير آبه لأحد))
فتحت نورين باب السيارة لتسمعه يودع والده بلهجة امتنان، عقدت حاجبيها متسائلة
((هل كان هذا والدك؟ هل سنذهب عندهم؟))
شغل مُصعب محرك السيارة ثم قال بتلك النبرة التملكية وهو يضع يده فوق بطنها المتكورة أمامها برفقٍ ضاغط
((انتبهي إلى حملك، بقي أيام قليلة لتضعي ابنتنا الجميلة))
مال نحو بطنها طبع قُبلة مفاجئة عليها جعلت كل جسدها ينتفض بردة فعل غريزية بينما ابتسم هو بابتسامة تضج جاذبية معتادة.. احمرت وجنتاها قبل أن تسأله ويدها تمررها على بطنها
((ماذا سنسميها يا مُصعب؟))
ظل مُصعب يطالع تكور بطنها الذي يحب ملامسته مرارًا وتكرارًا متضخم المشاعر.. ثم أجابها بنبرة حلوة
((ستأتي هي واسمها للدنيا معا))
كانت ابتسامتها هادئة لا تغادر وجهها وهي تهز له رأسها.. بعد فترة من قيادة مُصعب السيارة، فتحت نورين السلة التي كانت تمسكها وأخرجت تفاحا مغمغة
((سأقطع لك الفاكهة، هل تريد التفاح؟))
همهم لها موافقا فبدأت بحب تقطع التفاحة بالسكين وهو بين الحين والآخر يحيد بنظره عن الطريق وينظر إليها بملامح ممازحة مستمتعة.. قبل أن تميل له قليلًا تضع قطعة التفاح في فمه لتطعمه إياها فيلتهمها من أصابعها بل وحتى يعضها بخفة..
تأوهت نورين ضاحكة وهي تلوح بيدها تؤنبه قبل أن تسأله وهي تطلع على جانب الطريق بعفوية
((إلى أين سنذهب يا مُصعب؟ لم تجبني.. إنه ليس الطريق لبيت والدك بل الطريق.. المؤدى إلى.. قريتي!))
كانت آخر كلماتها تتباطأ باستغراب وخفوت ليرد مُصعب بهدوء دون أن ينحسر نظره عن الطريق أمامه
((هذا صحيح، لقد أرسل لي والدك العنوان بالضبط على الخريطة في الهاتف))
اتسعت عيناها بصدمة لا تصدق ما تفوه به وتساءلت بصوتٍ متحشرج
((هل تمازحني؟))
أوقف مُصعب سيارته في أقرب مكان لبيت عائلتها قبل أن تتسع حدقتي نورين أكثر.. فتحت فمها لتجبر بعض الهواء على الدخول الى رئتيها ولكنها وجدت نفسها عاجزة عن التنفس وهي تشهق وتنشج محدقة بأخويها الاثنين اللذين يصغرانها بانتظارها عند باب البيت..
تسَّمر كل ما فيها وتوقفت اللحظة! داخلها يصرخ ولسانها عاجز عن النطق.. لم يسبق وأن فكرت كيف سيكون لقاء عائلتها الأول بعد الفراق.. هل ستفرح؟ تحزن؟ تهرب أم تواجه؟ تستعرض نفسها أم تستتر خلف الصمت والتحديق؟ لكنها وجدت نفسها تترجل من السيارة مسرعة دون أن تغلق الباب وتهتف بلهفة
((صالح.. سعيد..))
اندفعت مهرولة ناحية أحد أخويها تعانقه غير آبهة لحال حملها حتى أنها أثارت قلق زوجها.. لكن التمعت عيناه وارتسمت البسمة على شفتيه عندما ناظر من خلف زجاج السيارة الأمامي لقاءها بهم بصورة بعثت في قلبه التأثر خاصة مع انضمام والدها ووالدتها..
ربَّاه ما أجمل لحظة اللقاء بعد فراق طويل.. بعد فقدان الأمل بالالتقاء..
مرت دقائق طويلة قبل أن تهدأ عاصفة المشاعر، وتلاشى البكاء والعتاب وانقباض القلب وعدم انتظام الأنفاس فمشى والد نورين نحو مُصعب الذي خرج من السيارة، وأمسكه من مرفقه يجره بلهفة وترحيب للداخل
((ادخل يا صهري العزيز للداخل، كُنا بانتظارك منذ الصباح، أشكرك على قدومك كثيرا.. تفضل.. تفضل))
ابتسم مُصعب بوجه سمح ودود لحماه وتبعه للداخل.. أوصد باب البيت خلفهم فعاتبتهم نورين من بين دموعها
((لم أعلم بمجيئنا هنا، لماذا جعلتموها مفاجئة!))
لم ترد عليها أمها التي أعادتها لأحضانها تتنعم بقرب وحيدتها التي لم ترها وجها لوجه منذ زواجها.. لتتصاعد مشاعر الحزن والفرح ممزوجة بدموع الشوق وألم الفراق.. وبعد مدة وجيزة أنست الجميع حنين الأمس انتبه والد نورين أن مُصعب لا زال واقفا عند طرف المدخل فقال باهتمام وجل
((الغداء جاهز هيا تفضل يا بني، تفضل من هنا))
استجاب مُصعب لدعوة حماه ودلف لغرفة الضيوف حيث كان موضوعا على طاولة كبيرة صواني طعام كبيرة وقد تجمعوا جميعا حولها.. مدّ مُصعب يده اليمنى يتناول الأرز واللبن بينما عمه لا يتوقف منذ جلسوا عن تنحية اللحم في الصينية ووضعه أمامه بينما يحثه على أكل المزيد دون خجل حتى بعد مضي أكثر من نصف ساعة..
لكنه كان يشعر أنه سينفجر من التخمة فاعتذر له بتهذيب
((يكفي يا عمي لقد شبعت، حقًا لن أقدر على تناول المزيد، ارحمني أرجوك))
إلا أن حماه اعترض وهو يضع أمامه المزيد من اللحمة واللبن.. ليقول بعد مدة بغتة بصوتٍ جاهد على خروجه ثابت وفشل
((شكرا لأني وجدت فيك الشهم الذي يصون درتي الوحيدة، وجوهرتي الثمينة.. لا تتخيل عندما سلمتها لك بيدي كم شعرت بالكمد، لم أكن لأسامح نفسي على تسليم ابنتي كعروس ثأر لو لم يكن من تزوجها شاب بأخلاقك وأخلاق عائلتك الكريمة..))
تأثر مُصعب مما يقوله حماه واختلجت ملامحه بخجل ليجد نفسه عاجزا عن الرد عليه واختناق الكلمات بجوفه..
قاطعهم دخول ريحانة الغرفة مع ابنتها وكل واحدة منهما تمسك بصينية صنف طعام آخر.. بينما تتساءل بلهفة تائقة
((ستكررون هذه الزيارة يا مُصعب، أليس كذلك؟))
أومأ مُصعب بإيجاب وابتسم لحماته مما جعل نورين تضع الصينية على الطاولة وتدور لتعانقه معقبة بصوتٍ مبهج
((لا تقلقي يا أمي سنكررها، مُصعب أفضل رجل عرفته، إنه يسعدني ويحسن معاملتي، وأنا أحاول قدر الإمكان أن أعامله بالمثل بل وأحسن من ذلك))
سعد والديّ نورين لسعادة ابنتهم ولقدرها الجميل في الزواج من رجل مثله مما جعلها تعود لتقرب طعام منه قائلة
((أنظر ماذا أعددت أمي لك يا مُصعب وقل رأيك))
انكمشت ملامح مُصعب وقال برجاء مضحك
((يبدو لذيذا ولكن كما ترين فقد أكلت أكثر مما أقدر))
ألحت عليه وهي تقتسم له قطعة وتضعها في الطبق
((ولكن هكذا ستحزن أمي))
ولم يكن ينقصه إلا صدوح صوت شقيق نورين العائد من الخارج مُبشرا وهو يمسك صينية مغلفة
((لقد جلبت الحلوى التي أوصيتني بها يا أبي، لا تزال ساخنة فقد أنهاها الحلواني الآن فقط))
أعاد مُصعب رأسه للخلف يقول بعذاب حلو
((لا هذا كثير، لن أستطيع القيادة هكذا في طريق العودة))
تدخل والد نورين يقول برفض مغلف بالتوسل
((ومن قال لك أننا سنسمح لك بالرحيل اليوم! ستبيت هنا))
مسحت نورين على كتفه برجاء ضمني
((نعم يا مُصعب دعنا نبيت هنا))
كاد قلب مُصعب يتمزق على استعطافها لكنه رفض برقة
((لا تقلقي، سنداوم على زيارتهم حتى بغير المناسبات والأعياد.. وسندعوهم من وقت لآخر لقضاء اليوم في منزلنا، لكن دعينا نعود اليوم لبيتنا))
خفت توهج عيناها وتجلى الإحباط على ملامحها الناعمة لكنها رسمت ابتسامة مطعمة بالأم متفهمة
((حسنا لا بأس، معك حق))
أنبتها أمها بخفوت وهي تلكز كتفها
((ولكن ألم تقولي في المطبخ أنك ستقنعينه في النوم هنا؟))
مالت نورين تهمس في أذنها بخفوت خائفة من أن تكون تضغط على مُصعب
((أمي قد لا يكون يحبذ المبيت لأننا لم نرتب للمبيت هنا ولم نجلب ملابس أخرى لنا، ربما مرة أخرى))
غمغمت ريحانة بلوعة
((لا لن أسمح لك بالخروج اليوم، لم أشبع منك بعد))
انزعجت نورين من عناد والدتها ولو أنها تتفهم اشتياقها.. بينما انتبه مُصعب لخيبة الأمل المرسومة على وجوه الجميع لأنها لن تبيت عندهم.. شعر في هذه اللحظة.. أنه يريد أن يعاونها على برَّ والديها وعدم بتر جو الألفة السائد في أجواء الزيارة بالبيت.. فأخذ نفسا عميقا ثم قال مبتسما بود
((لا بأس دعينا نبيت الليلة هنا، أرتدى ملابس رياضية وستكون مريحة أثناء النوم))
أشرقت ملامح الجميع لما تفوه به، حتى أن سعيد اندفع نحوه معانقا بحرارة وامتنان هاتفًا
((أنتَ أروع صهر في العالم))
بينما صالح أمسك ذراع أخته يجرها لغرفته بصوتٍ يتفجر حماسا
((تعالي يا نورين حتى تطلعي على مشروعي للمدرسة الذي سأسلمه في الغد، إنه أكبر مِمَّا يظهر على الصورة التي أرسلتها لك على الهاتف سابقا))
.
.
ظل مُصعب مع والد نورين يتجاذب أطراف الحديث في مواضيع اقتصادية ورياضية بينما نورين منشغلة طوال الوقت مع أمها وأخويها تعوض الأيام التي كانت محرومة من رؤيتهم وسماع أصواتهم إلا عن طريق الهاتف..
في الليل جهزوا فراشا مريحا لهما في غرفة الضيوف.. وقبل إطفاء الإنارة همس والد نورين لابنته باهتمام
((هل المروحة الهوائية جيدة أم عليّ أن أخرج أخويك من غرفتهما لتنامي أنتَ وزوجك هناك تحت جهاز التكييف، يبدو أن زوجك غير معتاد على الحرارة العالية))
تدخل مُصعب الذي تناهى إلى سمعه الحديث ليعقب بلطف
((عمي نحن بخير والمروحة الهوائية تجلب هواءً باردًا بما فيه الكفاية، شكرا لاهتمامك))
شعر والدها بالراحة لكلام صهره وغادر مغلقا الباب خلفه، التفتت نورين تنظر لزوجها بشغب صباها وفتنة ملامحها.. ثم قالت بعاطفة الامتنان وقلبها في صدرها يرقص منتشي
((لا أعلم إذا كنت غاضبًا مني لمبيتنا هنا الليلة، أم أنك تمثل دور الرضا.. لكن ما أريدك أن تعلمه يا أميري أني أحبك، وأريد أن أحبك أكثر وأبحر في بحور هواك))
اندفعت نحوه معانقة إياه لينقلب على ظهره ويجرها معه لتنقلب هي الأخرى فوقه وينتشر شعرها الأشقر فوق وجهه.. فنبهها مُصعب برقة يمرر يده على بطنها
((كم مرة عليَّ أن أنبهك أيتها العفريتة أن تكوني حذرة))
أراحت نورين وجهها على صدره الصلب، أرخت أهدابها ثم قالت وهي تتنعم بسحر قربه
((لقد أحبني أبي جدًّا، لطالما خاف عليّ وطواني في تلابيب قلبه ليحميني حتى من لفحات النسيم، اجتهد في تدليلي ولا تتصور كم عزّ عليه رؤية الدمعة في عيني عندما استسلم وقرر التضحية بي كعروس ثأر، أنا متأكدة أنه لو لم ينتهي أمري معك يا مُصعب لم يكن أبي ليبقيني على حالي))
أنهت حديثها وهي تطلق تنهيدة مرتجفة وتشد من عناقه فابتسم لأن هذا ما قاله والدها بالضبط له ثم همس
((حفظ الله والديك لك، وأمدَّ في عمرهما ليروا أحفادهم))
أرخت رأسها على صدره.. وطال الصمت بينهما ليتصاعد صوت أنفاسها المنتظم دليل استغراقها في النوم.. لاحظ مُصعب أنها تتسطح فوقه على بطنها غير مبالية بحملها الثقيل فوضعها بجانبه ثم وضع وسائد تحتها لتخفف من الضغط على الجنين.. تضايقت قليلا في نومها فهمس قرب أذنها
((نامي الآن يا عفريتة))
=============================