تحميل رواية «قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة"» PDF
بقلم Hya Ssin
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بسم الله الرحمن الرحيم وأهلا وسهلا بكل رواد روايتي الكرام.. عدت من جديد برحلتي الثالثة مع روايتي الجديدة "فِي قَلْبِكَ مَنْفَايَ".. التي أتمنى أن تنال إعجابكم وكلي يقين بأن الأمر لن يكون سهلًا.. فكلما زاد رصيد المرء في قراءة الروايات كلما ارتقى ذوقه وأصبح إرضاؤه صعبًا.. ومن ترضيه في البداية روايات بسيطة لتمضية الوقت ستعجز عن إرضاءه لاحقًا تسع روايات من كل عشرة يقرأها.. مَنْفَايَ أَنْتَ وَمَنْ سِوَاكَ يُعِيدُ لِي رُوحِي؟ وَمَنْ ذَا عَنْ جَفَاكَ يُصَبَّرُ؟ انت وطني : انتَ منفاي انتَ كل اﻟﺎشياء الت...
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وتسعون 93 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
فتح مُعاذ عينيه صباحا ببطء يتمطى بجسده بحذر حتى لا يوقظ شيرين النائمة على صدره بوداعة واستكانة وشعرها الليلي مبعثرا من خلفها..
جال بعينيه إليها يتأملها مليا وهو يمرر أصابعه على شعرها ويلمسه بظهر أصابعه بنعومة..
أحست شيرين بلمساته التي تعشقها لترفرف بعينيها متكاسلة، فاعتدل جالسا على السرير بجذعه العاري ثم همس بصوت مبحوح وعيناه تمران عليها
((كم هي الساعة الآن؟ متى وقت صلاة الظهر؟))
همست بصوتٍ ناعس وهي تتثاءب
((ربما بعد من ساعة، دعنا ننام أكثر))
كانت شيرين تشعر أنها قابعة في جنته.. إذ أنها بعد أن عاشت أشهر في علاقة جسدية مشوهة مع وليد، حيث كل مرة يقترب منها ينتقص من أنوثتها.. لم تتوقع أن تنجح علاقتها مع مُعاذ.. هذا الرجل الذي عرفت فقط الاكتمال معه وهو يغرقها دائما في فيض متدفق من الحنان الخالص والعاطفة..
تمتم بصوت أجش وقد تلاشى تثاؤبه وارتحل نعاسه
((كنت أستيقظ باكرًا حتى في أيام العطل ومناوباتي الليلة، لكن منذ زواجي بك وقد أدمنت النوم لما قبل الظهيرة بقليل))
ردت مبتسمة وهي تفرك إحدى عينيها تزيل أثر النوم
((أنا كنت معتادة على الاستيقاظ باكرا في أيام عملي، لكن ما عدا ذلك في العطل أقضي جل وقتي متوسد السرير))
اتسعت ابتسامة شيرين برضا أنثوي وهي تراه يبعد بأصابعه شعرها المتناثر حول وجهها هامسا بغرام
((تبدين جميلة))
تضرجت وجنتيها بحمرة الخجل فضحك مُعاذ بخفوت لتتوه في ضحكته ثم في عينيه ونظرته.. وتلقائيا انحنت بوجهها لتلثم باطن كفه بحركة ارتعش له قلبه..
ردت شيرين له كلمات حب شغوفة بنفس الهمس ليشعر بالنعيم حقًا وقد أنارت قلبه تماما منذ زواجهما..
ولم يقطع هذا المشهد العاطفي إلا هاتفه الذي ضج رنينا عاليا.. التقطه مُعاذ واستبد الذهول فيه لمرأى اسم امه يعلو شاشة هاتفه.. فرد هادرًا
((مرحبا يا أمي، كيف حالك؟ الآن؟))
خرج سؤال مُعاذ مذهولا فكست الحيرة وجه شيرين عن سبب اتصال أم مُعاذ بهذا الوقت المبكر من اليوم واعتدلت جالسة بينما يتابع مُعاذ بعجب
((ولماذا لم تخبريني لأصحبك بنفسي! هل لا زال السائق يتذكر عنوان شقتي؟ حسنًا سأرتدي ثيابي وأتي فورا))
أغلق مُعاذ هاتفه ووضعه جانبا بينما يتجه ملهوفا للخزانة بنزع ملابس منامته هاتفا
((أمي ستأتي لزيارتنا، هي تريد رؤيتك أنتِ بالذات لتبارك لك، سأذهب لإحضارها إلى هنا))
ارتدى مُعاذ ثيابه بأسرع ما أمكنه، حشر قدميه في حذائه وهمَّ بالرحيل في حين استوعبت شيرين الآن فقط ما يقوله وشهقت لهذه الزيارة الغير متوقعة..
قفزت من السرير مهرولة لغرفة دارين تطرق الباب عليها بحدة وعندما لم تجد منها أي رد دلفت للداخل وأشعلت الأنوار ثم حركت كتفها تناديها بإلحاح
((دارين استيقظي، دارين استيقظي))
تضايقت دارين بنومها وتشبثت بغطائها لتداريه فوق رأسها هامسة بصوتٍ متثاقل ناعس
((أريد النوم..))
كانت شيرين متفهمة نعاسها فجميعا استغرقوا في النوم بعد الفجر بسبب سهرة الفيلم التي أعدتها لهم مع الفشار.. ومع ذلك أمسكت غطاءها تبعده عنها بكل قوتها هاتفة بصوتٍ مضطرب
((لا وقت للنوم، هيا استيقظي وأعدي طعام الغداء))
انتفضت دارين مستيقظة عند أخر كلمات خرجت من شيرين عاليا وفركت عينيها تستوعب ما يحدث وسرعان ما عبست ملامحها كليا وقطبت حاجبيها هادرة
((لا! أليس من المبكر أن نبدأ من الآن بلعبة سندريلا وزوجة الأب الشريرة!))
كانت ملامح شيرين في اضطراب متزايد خاصة وأن مُعاذ غادر المنزل بالفعل بسرعة صاروخية لإحضار أمه فهتفت لها بعجز تطلب عونها
((لم أحب أن أخيب ظنك بسرعة، ولكنني مضطرة أن أبدأ بها من الآن، فجدتك قادمة على الطريق، وانا لا أعرف إعداد أي وجبة غداء لائقة إلا تلك سريعة التحضير كالباستا))
اتسعت عينا دارين بذهول أسرها لتهتف
((جدتي قادمة؟ وغداء؟ نحن لم نفطر بعد))
تنفست شيرين بصعوبة وتماسكت بالقدر الذي يجعلها تقلل من ارتباكها بينما تتشدق وهي تشير نحو الساعة الجدارية
((الساعة تقارب الحادية عشر والنصف، إياك أن تقولي أمام جدتك المعروفة بصرامتها أننا لم نفطر للآن، ستقتلني بما ستفكره عني بأني امرأة متكاسلة وخاملة))
لامست دارين بعضا من اضطرابها وتوترها الداخلي فهذا هو لقاؤها الأول بجدتها، فقالت مغادرة مضجعها
((حسنا سأغتسل بسرعة وألحقك للمطبخ لأصنع وجبة طعام تعجب جدتي))
في المطبخ كانت شيرين تتحرك محمومة تضع هذا وتحضر ذاك هاتفة بلهفة يشوبها الارتباك
((سأعد بعض المقبلات لأقدمها لها، أعدي على الغداء شيئا صعبا ولذيذا يجعلها تشيد كثيرا بمن صنعه))
زمّت دارين شفتيها ووضعت الدجاج في الماء المغلي على النار وهتفت بصراحة متأصلة فيها
((ألا تعرفين شيئا في الطبخ! عندنا تتعلم الفتيات كل شيء عن مهارات وفنون الطبخ منذ سن الرابعة عشر، حتى لو كان هناك طاهيات في المنزل، لتكون عروس مرغوبة وزوجة تأسر قلب زوجها تيمنًا، ألم تترعرعي في طفولتك في نفس قريتنا!))
حبست شيرين أنفاسها بين جنباتها ثوانٍ حتى لفظتها كلهيبٍ حار ثم أغمضت عينيها للحظات.. يبدو أنه حتى دارين مصدومة منها.. فبالنسبة للبيئة التي عاشت فيها دارين لا بد أنها حقا تراها كامرأة لا تعرف الطهي امرأة معاقة بإعاقة غير مقبولة في المجتمع، ومصنفة في خانة الزوجات الغير الصالحات.. ولا تلومها في ذلك، فلا بد أن جميع زوجات أعمامها ماهرات في الطبخ.. واليوم ستعرف الحاجة زاهية أن في قلب مُعاذ أنثى لا تعرف الطبخ! وسيكون وقتها حكمها عليها قاسيا وأنيابها ستنهش فيها بل وربما ستوبخ ابنها على سوء اختياره!
فتحت عينيها ثم بررت قلة حيلتها في المطبخ وهي تتعجل في تقشير البطاطا
((أمي لم تكن تسمح لي فعل أي شيء متعلق بتدبير المنزل وتطلب مني التركيز فقط على دراستي، وبعد وفاتها تولى أبي أمور البيت والمطبخ لأني من كنت أعمل في الخارج، وبعد وفاته عشت في بيت صديقتي سهر وكانت تتواجد عندهم عاملتين منزليتين وطاهية، فلم تتح لي حتى الآن تعلم أي من هذه الأمور..))
وكأن دارين أرادت أن تضغط عليها أكثر فقالت بصراحتها المستفزة البريئة التي لا تستطيع أن تتخلى عنها وهي تنقع الأرز بالماء
((أبي يعمل في وظيفة صعبة وحساسة ومع ذلك يعرف كيف يطهو..))
توقفت شيرين عما تفعله فجأة ثم عضت شفتها للحظات تهمس وهي تكاد تفقد أعصابها
((حسنا، حسنا سأتعلم، أقسم بذلك، ولكن على هذا اليوم أن يمضي على خير))
انتبهت دارين أن الاضطراب مسيطر على شيرين بشكل متفاقم حتى أنها بدت على وشك الإغماء من شدته، بل أنها ردت بنبرة خافتة وكأن صوتها لا يُعينها من شدة شعورها بالعار، وكأن عدم إلمام امرأة في الثلاثين من العمر بأمور الطبخ من الكبائر والمحرمات.. فتيقظت دارين أنها بالغت بما قالته.. فيا ترى ماذا قالوا لها عن جدتها لتخشى حكمها؟ هل بالغوا ووصفوها لها أنها حماة ذات نظرة بين طياتها قسوة كبيرة وديكتاتورية عصيبة؟
ما إن فُتح الباب الخارجي للمنزل بإشارة وصول مُعاذ ووالدته حتى شهقت شيرين دون صوت وهي تكتم أنفاسها! ثم قالت بصوتٍ مخنوق
((أوه يا إلهي لقد وصلت جدتك ويجب عليك أن تستقبليها وتجلسي معها طوال الوقت، أو ستعرف أنك من صنعتي الطعام وأني لا أصلح أن أكون ربة منزل))
رفعت دارين عينيها إلى عيني شيرين الدامعتين بدهشة وللحظةٍ مس حالها قلبها وأشفقت عليها ولو أن ردة فعلها مبالغ بها! فليس وكأن عائلتها تصارع في بعض المعتقدات الاجتماعية التي لم تجعلها ترى النور.. وليس وكأن شهوة بطن والدها لها القدرة الكافية بإزالة حبه لزوجته!
ترقرقت الدموع بمآقي شيرين وكانت تتحرك بتيه وتشوش تخاف أن تفعل شيئا قد يفسد صورتها الأولى لدى حماتها، فلكزت كتفها هادرة فيها بحزم طفولي
((توقفي عن البكاء واذهبي لتغيري ملابسك، ارتدي أخرى خاصة بعروس جديدة..))
حاولت شيرين كتم دموعها وأومأت لها ثم هرولت نحو غرفة نومها في حين غسلت دارين يدها جيدا قبل أن تندفع للخارج عند جدتها تحتضنها فتبادلها زاهية الاحتضان بحرارة..
وضعت زاهية قدما فوق الأخرى متسائلة بتحفظ
((أين هي العروس يا دارين؟ هل أحسنت معاملتك منذ زواجها بأبيكِ؟))
لاحت ابتسامة على ثغر دارين وردت بحيوية
((تعاملني وكأني ابنتها بالضبط يا جدتي، لطيفة جدًّا))
توتر مُعاذ قليلا وفرك يديه بخشونة قبل أن يقول مبتعدا
((سأذهب لأنادي شيرين يا أمي))
تمتمت زاهية بخفوت وامتعاض ما إن ذهب ابنها
((أدعو الله ليل نهار يا دارين أن تكون زوجة والدك أما حنونة عليك ويغمر قلبها الرحمة على أقل تقدير، ولا تكون مكّارة ظالمة وشّاية، فمعظم زوجات الأب متسلطات ويلعبن دور المكر لدى الزوج من أجل الظفر بحبه واهتمامه بها وأطفالها فقط))
أمسكت دارين كفى جدتها تطمئنها
((لا تقلقي فشيرين عكس ذلك تماما، اليوم ستطهو لنا غداء لذيذا وسأساعدها فيه بما أن اليوم عطلة))
حضر مُعاذ وشيرين معًا بينما تمسك الأخرى صينية فوقها كؤوس العصير لتضع إحداها أمام حماتها وتلقي التحية عليها ببشاشة.. جلست بجانبها وهي ترسم لها ابتسامة باهتمام خاص لتوحي بالثقة.. ثم قالت بكياسة
((كيف حالك يا عمة! أتمنى أن تكوني بأفضل حال))
أومأت لها زاهية وردت بهدوء وقارها المهيب
((الحمدالله، كيف حالك أنتِ؟ جئت الآن مخصوصا بما أن الفرصة لم تسمح لرؤيتك وقت عقد قرانك))
ثم أعطتها إحدى أكياس الهدايا المغلفة بأناقة وفخامة فردت عليها شيرين بذوق وتهذيب وهي تتناولها منها
((لم أتعبت نفسك بهذه الهدايا، لم نرد منك إلا أن تنورينا في زيارة))
بدأ الجميع يرتشف من العصير المقدم لهم بينما اعتذرت دارين طالبة الانصراف قليلا، فعرفت شيرين أنها ستذهب لمتابعة الطهي على النار وارتاح قلبها لذلك.. أما الحاجة زاهية فظلت مركزة مع شيرين تسألها وتثرثر معها باهتمام وعينين متفحصتين، فتحاول الأخرى الحفاظ على التوازن وابتسامتها الهادئة وهي تجيبها فيما مُعاذ يعقب بين الحين والآخر حتى لا تتوتر شيرين.. حتى حرك الثلج في كأسه مغيرا دفة الموضوع بصوته الرخيم
((إذن يا أمي هل ذهب مَازن للعمل؟ سأتصل به بعد عودته لأتأكد كيف كان يوم عمله هناك))
رفعت شيرين حاجبيها عند ذكر سيرة الشركة التي بدأ يعمل فيها شقيق مُعاذ كما أخبرها سابقا وعقبت
((أتذكر أنه قبل عملي في شركة القاني قدمت كثيرًا لتلك الشركة، لكن كانت شروطها ومراحل مقابلتها صعبة ولم أوفق بالقبول، لا بد أن أخاك شاب مجتهد ولهذا نجح في العمل بها))
مرر مُعاذ يده على ذراع شيرين بحنو ورد عليها متفاخرا
((مَازن درس الأدب الإنجليزي في الخارج ولكنته مثل أصحاب اللغة، وهذا ساعده في أن يتم قبوله هناك))
أما زاهية فأبدت اهتماما أكبر بشيرين متسائلة ببطء
((غريب! قلت بأنك درستِ المحاماة فكيف قدمت لنفس شركة ابني المختصة بإدارة الأعمال!))
ازدردت شيرين ريقها وردت دون أن تنحسر ابتسامتها
((نعم ولكن لم أعمل يوما في مجال المحاماة، معي شهادات متقدمة في اللغات والحاسوب مكنتني العمل لسنوات في شركة القاني في مجالات الاتصالات، كما مكنتني مؤخرا نيل وظيفة معلمة في مدرسة دولية..))
وضعت شيرين كأسها على الطاولة وأردفت معتذرة
((سأذهب لأتأكد من الطعام على النار))
بمجرد أن ابتعدت شيرين حتى طرحت عينا زاهية التساؤلات لمُعاذ قبل لسانها بصوتٍ ممتعض
((وهل ستبدأ زوجتك حقا يا مُعاذ في عملها؟))
لف الحنق ملامح مُعاذ من المواعظ التي تنتظره من أمه إلا أنه رد بدفاعية
((نعم يا أمي إنها تحب العمل ومعتادة عليه منذ صغرها))
غامت عينا زاهية وأظلم توهجهما وهي تقول بصرامة
((لأن وضع عائلتها المادي آنذاك لم يكن ميسورا، لكن اختلف الآن بزواجها منك، دعها تتوقف عن عملها وتهتم بك وبابنتك وبالأطفال الذين ستنجبونهم))
قطب مُعاذ حاجبيه هادرًا
((أمي أنا ضد هذا الرأي تماما، فالعمل مهم للرجال والنساء على حد سواء، ليس للحاجة المادية، ولكن لتحقيق الذات، والصحة النفسية، ثم هي اشترطت عليّ العمل قبل الزواج ولا أقدر أن اخلف وعدي))
لاكت زاهية فمها لكنها اختصرت
((حسنا كما تريد، أنا لن أتدخل أبدًا))
عندما تصاعد فجأة طرقات عنيفة فوق باب الشقة اعتدل مُعاذ واقفا وقال متحركا باتجاه الباب
((سأذهب لأرى الطارق في هذا الوقت))
لكن اتسعت عيناه ما إن فتح الباب وعرف هوية المرأة الكبيرة في السن والتي قالت بصوتها المستاء متأففة
((هل تعرف منذ متى وانا أطرق الباب يا سيادة الرائد!))
وعلى الفور تجاوزت مُعاذ تدلف للداخل وكأن البيت بيتها لتجلس أمام زاهية بترفع.. قبل أن تفاجئ بدارين تندفع إليها هاتفة
((جدتي هل هذا أنتِ! لقد اشتقت لك جدًّا))
تغيرت ملامح جدة دارين من جهة الأم إلى أخرى تظهر البؤس والغضب وهي تحتضن بيديها وجه حفيدتها
((المسكينة انظري لوجهك الشاحب، ألا يهتم والدك بإطعامك! حتى بعد زواجه لا يبدو أن زوجته توليك اهتماما!))
أغمض مُعاذ عينيه يحث نفسه أن يلتزم الصمت للحظات ثم ارتدى قناع البشاشة وهو يلقي السلام على حماته هادرًا بتهذيب واحترام
((نورت منزلي يا حماتي.. أهلا بك))
ذهب مُعاذ بوجه مكفهر نحو المطبخ ليجد شيرين تتساءل وهي تقطع السلطة
((من كان القادم يا مُعاذ؟ سمعت شيرين تناديها "جدتي"؟))
تكدرت نبرة مُعاذ وهو يرد عليها
((إنها والدة زوجتي سناء المتوفاة))
تصاعد توتر شيرين، فهي بالكاد تحاول أن تتماسك أمام والدة مُعاذ ولا تريد حماة أخرى أمامها لكن مع ذلك قالت بوداعة
((حقا سأذهب للترحيب بها))
لكن ما إن همت أن تغادر أمسك مُعاذ مرفقها هامسا بخشونة مازجا عدة مواضيع بحديثه
((الحقيقة هي لا تحبني! وكانت مصرة أن تأخذ حضانة دارين من أمي لولا مرضها الذي اشتد، تعتقد أني السبب بموت ابنتها لأني لم أمنعها من الحمل رغم أني لم أعرف به إلا بعد أشهر..))
هز مُعاذ وجهه يمينا وشمالا يحاول استعادة توازنه ثم رد رافعا كفه
((حسنا ليس وقتا مناسبا لأفتح هذه المواضيع لكن إذا كنت تشعرين بالضيق فاذهبي لغرفة النوم وأنا سأقول لجدة دارين أنك متعبة قليلا))
استعادت شيرين رباطة جأشها ثم شدت ظهرها وقالت بثقة تلقائية
((لا على العكس سأذهب لأجلس معها وألقي التحية))
لكن سرعان ما بدأ ذلك الارتياح يتلاشى عند دخولها الصالة على حديث جدة دارين وهي تثرثر بحسرة مفتعلة
((الرجال يا دارين كلهم ناكرين للمعروف، لا يعرفون كيف يحفظون عهدهم مع نسائهم، انظري إلى والدك كيف تورد وجهه بعد عودته من شهر عسله وذبل وجهك أنتِ، نسي ذكر ابنتي وانشغل مع زوجته الجديدة.. حسبي الله ونعم الوكيل))
تنحنحت شيرين تعلمها بوجودها فصمتت جدة دارين ثم مدت شيرين يدها إليها تلقي التحية عليها.. بينما غصت دارين في قلبها من كلام جدتها عن والدها المجحف.. واستشعرت زاهية حزن دارين فتدخلت لتقول لأم سناء دون أن تفقد شيئا من وقارها
((أنتِ تعرفين أن ابني لم يكن يريد الزواج بعد وفاة أم دارين، ولكن لقد مر ما يزيد عن عشر سنوات وأخذ الحزن مداه ليصطدم أخيرا بواقع الحياة وصعوباتها التي لا تنتهي، وهو كأب ملزم بتأمين المال اللازم له ولابنته، والحل فقط زواجه.. أم كنتي تريدين من دارين أن تظل تعيش عندنا بعيدة عن والدها!))
امتعضت والدة سناء من كلام زاهية في حين حاولت شيرين تلطيف الجو سائلة عن حالها فتطلعت لها قائلة بابتسامة غاضبة
((أنا بخير أيتها العروس الجميلة))
ثم همست في أذن دارين تردف بعبوس
((عيناها خضراوان لكن ملامحها لا تكسوها أي جاذبية مثل ابنتي سناء رحمها الله))
زفرت زاهية بضيق وشعرت بالاختناق من التواجد في نفس المكان مع حماة ابنها فغادرت للمطبخ حيث يتواجد مُعاذ فيه متكئا على الرخام يغطي وجهه بكفه وكأنه يتضرع لله أن يمر هذا اليوم على خير دون مشاكل خاصة وأنه ما زال عريسا.. فغمغمت بضيق
((جدة دارين تلك لا تفهم بالذوق أبدًا، أظن أنها ستتفوه ببعض الكلام الفارغ أمام زوجتك))
أبعد مُعاذ يده عن وجهه هادرًا بحكمة نابعة من أصله
((أمي أعرف أنها لم تتغير ولن تفعل يوما، لكن رغم كل شيء عليّ أن أحرص دائما على إصلاح علاقتي بها وإكرامها؛ إذ لا أظن أن هناك أعظم وفاء لامرأة أحببتَها إلا أن أحسن إلى من أنجبتها، بالنهاية هي أمها وجدة دارين، وعلينا أن نستعمل الحكمة والشفقة في تعاملنا معها، سناء كانت ابنتها الغالية على قلبها))
ثم عاد للصالة لا يريد أن يترك شيرين مع حماته التي كانت تخبر دارين بلهجة ذات مغزى أثار اقتضابه
((ما شاء الله تبدو زوجة أبيك لطيفة يا دارين، لكن لو أزعجتك بكلمة يا دارين أو ضايقتك بحرف أعلميني، والله أهد البيت عليها وعلى والدك وأخذك عندي))
.
.
بعد ساعات من رحيل جدتيّ دارين وانتهاء تلك الزيارة المشحونة التي تتعب الأعصاب أخيرا، خرج مُعاذ بزوجته وابنته للخارج يدعوهما على عشاء لطيف ثم عادوا للمنزل ليخلدوا للنوم..
لكن أقلق مضجع مُعاذ في الليل شاعرا بصوتٍ جلبة في المطبخ مِمَّا جعله يذهب هناك ليجد شيرين تتواجد فيه تضع قدرا على النار وتناظر باهتمام هاتفها الذي يشغل إحدى فيديوهات الطهو التعليمية لوصفة عربية مميزة وفي يديها قلم وورقة تسجل وتدون..
اقترب مُعاذ ملامسا شعرها الذي تعقصه في الخلف مِمَّا جعل شيرين تشهق بفزع.. بدأ صدرها يهبط ويرتفع من إثر صدمتها ليبتسم مداعبا أمام وجهها هادرا بحنو
((ماذا تفعلين يا حبي! ألم نتفق أن نبدأ بتصحيح نومنا ونعتاد على النوم المبكر من أجل عملنا نحن الاثنين في الغد؟))
أخذت نفسا عميقا ثم قالت بلطف
((مُعاذ اذهب أنتَ للنوم، وسألحقك بعد ساعتين))
طالع الأدوات والأطباق التي تضعها على رخام المطبخ استعدادا للطعام واستنكر
((ولكن هل هذا هو موعد طهو الطعام؟ بحق الله إنها الثانية عشر صباحا!))
تقوست شفتاها للأسفل ثم قالت
((بعد العودة غدا من عملي لن أجد وقتا إلا لتسخين الطعام، لذا سأعتاد يوميا في الفجر طهي وجبة الغداء، لكن لأن هذه المرة هي الأولى لي سأبدأ من الآن لأنه قد يأخذ معي إعداده وقتا أطول))
ثم مر طيف حزن بعينيها وقالت بما مفاده اعتذار ضمني
((أعرف أنه كان عليّ أن أضع تعلم الطبخ نصب عيني قبل دخولي بيت الزوجية، آسفة لهذا الأمر))
ترققت نظرة مُعاذ الموجهة لها وهو يراها تعود لتسدد نظرها للفيديو.. فالأكل ضروري ولكن الحياة لا يجب أن تؤخذ على أنها أكل ونوم، بل هناك فيها أشياء جميلة غيرها.. فطوقها مُعاذ من الخلف يحيط كتفيها بذراعيه هامسا بما يشبه الدعابة
((سأرغب أن آكل من يدك، لكن اعتذارك كان سخيفا، فبالنهاية الطبخ مجرد وسيلة مُمكن يتعلمها أي شخص حتى الرجل.. ثم لماذا هذا الاجتهاد! يمكننا الانتظار أن تعدي الغداء بعودتك من العمل!))
تخاذل كتفيها واعترضت
((لا، لا، دارين تعود من مدرستها متعبة وجائعة وليس من المعقول أن تنتظر أن يعد الغداء في وقت متأخر))
ثم حاولت التحرر منه قليلا بما يسمح لها أن تستدير وتناظر وجهه بعبوس قائلة
((أمك عرفت أن الغداء الذي تم إعداده اليوم من صنع دارين، ها!))
شيئا فشيء اتسع فم مُعاذ بابتسامة مِمَّا جعلها تعرف الإجابة مسبقا وتتخضب وجنتيها بحمرة الحرج وتتمتم
((يا للعار زوجي وابنته يعرفون الطهي على عكسي!))
رفع إحدى حاجبيه يخفف عنها مُلاطفًا
((ثلاث أصناف أو أربعة فقط هي ما أعرف إعداده بحكم عيشي كعازب لمدة طويلة!))
وبارتباك استدارت وأمسكت السكين تفرم بتخبط فقرر أن يساعدها.. أحتضن يدها الممسكة بالسكين وبدأ يحركها ليفرم هو عوضا عنها بحرفية دون خجل أو تبجح مِمَّا جعلها تشاهده فاغرة الفم مذهولة.. بمجرد أن انتهى حانت منه نظرة لها في عمق عينيها المتفاجئتين وكأنه يقوم بعمل خارق، وسرعان ما التمعت عيناه بضحك من القلب لا يحتاج لصوت القهقهة..
هزت رأسها تنتبه لفمها الذي تركته مفتوح ثم ابتسمت وهي تقرأ الضحكة في عينيه وتناغشه
((هل تنقم على حظك العاثر الذي أوقعك بي؟))
هنا حقا كتم ضحكة عالية بصعوبة وهو يقبض على خصرها بيديه برفق متذمرًا
((بل أفكر في صنع شيء بسعرات عالية حتى تزيدين وزنًا))
رفعت حاجبيها معقبة بذهول
((أزيد وزنا! وأنا التي كنت أجوع نفسي في الأيام السابقة حتى يعجبك قوامي!))
انفلت لجام سيطرته وانطلقت من فمه ضحكات بصوتٍ مبحوح أجش سلبت لب عقلها ليتابع الطبخ وهو يناظر الفيديو التعليمي خاصتها بينما هي تلتصق به لتطالع ما يعده بمهارة تناظره بتدقيق لتتعلم وتسأله وقت الحاجة..
وبعد نحو ساعة ونصف كان الطعام قد أصبح جاهزا وتتصاعد منه الرائحة الشهية، فأخذ هو يسكب جزء منه في أطباق التقديم ثم يضعهم على المائدة تباعا فقطبت حاجبيها معترضة
((لحظة! علينا نضعه في الثلاجة، وفي الغد نسخنه ونأكله))
رد بحماس يخفي بين طياته تلاعبا ماكرا
((سنأكل القليل فقط، لا لشيء إلا حتى نعوض تلك الكيلوجرامات التي فقدتيها، فأكل ما بعد منتصف الليل هو أقصر طريق للسمنة))
تراقص حاجبيها لتقول
((إذن دعني أعد القليل من السلطة بتتبيله مميزة حتى نأكلها، علمتني سهر مشكورة صنعها))
هز مُعاذ رأسه بيأس قبل أن يهمس لذكرى سهر التي كانت معها في خطط زواجه الأول من شيرين
((صديقتك تلك المندفعة!))
جلست شيرين معه على الطاولة ثم رفعت ملعقة من السلطة له ليذوقها فأمسك يدها ومال برأسه ليسمح لها بدس الملعقة في فمه.. ورغم أن السلطة لم تكن بتتبيله بمذاق متفرد لكنه رآها كذلك لأنها من صنعتها..
بدأت شيرين تأكل الطعام، ومرة هي من تطعمه اللقمة ومرة هو من يفعلها..
بعدما انتهوا مد مُعاذ أصابعه يمسح بعض ذرات الأرز عن فمها وهو يناظرها بشغف صامت، مِمَّا جعل الخجل يغزو وجنتيها لتهمس وهي تدفع صدره بقبضتيها
((سأوظب المكان اسبقني للداخل))
انتصب واقفا وبدأ يساعدها بالتوضيب هادرا
((لا سأساعدك وعندما ننتهي سأحملك بنفسي للداخل، لا زلتي عروسا ولم تُحملي بما فيه الكفاية!))
قهقهت على دعابته هادرة
((يكفي جنونا))
لكن ما أن أنهوا التنظيف حتى انطلقت منها شهقة مباغتة وهي تراه يرفعها عاليا، وتلقائيا تعلقت بعنقه لتتركه يدور بها كالمجانين بينما تصرخ به من بين ضحكاتهما العالية
((مُعاذ.. لا مُعاذ.. أنزلني أرجوكَ..))
ولم ينتبه كلاهما للوجه العابس الطفولي لدارين التي فتحت باب غرفتها وهي تفرك إحدى عينيها.. إذ وصلها صوت السكين التي تفرم الخضار بعنف إلى غرفتها حتى خرمت أذنها.. لكن ما أن وصلها صوت والدها يحمل ويدور بشيرين حتى ازداد عبوسها، إذ أنها لا تذكر أنه حملها ودار بها ولو مرة واحدة في سنوات عمرها الأربعة عشر والنصف! وكانت تهم بمقاطعتهما لمعاتبة والدها لكن سمعت شيرين تقول فجأة
((سأستيقظ في وقت أبكر غدا حتى أصنع صندوق لدارين لمدرستها قبل أن أذهب لعملي، هناك أفكار مبهرة رأيتها قبل قليل عن صناديق الطعام))
تسمرت دارين مكانها.. ثم تبسمت.. اتسعت ابتسامتها وتراقصت عينيها.. لطالما تمنت أن تذهب للمدرسة بصندوق غداء بدلا من الشطيرة الكئيبة التي تأخذها معها كل صباح لأنها تستيقظ متأخرا ولا يظل من الوقت ما يسعفها لتصنع صندوق الغداء.. وهنا احتضنت شفتيها مستحسنة لفكرة أن تترك والدها وشيرين على راحتهما واهتمامها بها ثم عادت لغرفتها وهي تطلق تثاؤبا ناعسا..
=============================
دلفت مَازن لجناحه ليفاجئ بصغيرته تبحث بجد داخل الخزانة عن شيء ما وما انتبهت لتحديقه بها حتى التفتت كليا له وبدلا من أن تبدد فضوله عما تفعله قالت بوجوم تستعطفه
((أبي أريد بلايستيشن كبيرة كتلك التي كانت عندنا قبل زمن، فالتي اشتريتها لي الشهر الماضي صغيرة جدًّا))
اهتزً قلبه لطلبها فلو بيده يبيع الدنيا بما فيها ليمحي الحزن بنبرتها لكنه حاول أن يتحلى بشيء من الحزم الممزوج الرفق وهو يخبرها بينما يتقدم منها
((هدهد، البلايستيشن الكبيرة ثمنها باهظ، وحتى لو تمكنت من شرائها ستلهيني عن عملي وباقي واجباتي))
جلس متربعا أمامها ورفع يده يمسد فوق ضفيرتها التي صنعها لها في الصباح لتتنهد وتقول بحزن طفولي
((ولكن أشعر أنه ليس هناك طعم لحياتنا منذ أن كسرت البلايستيشن الثانية خاصتك))
ثم عادت تدفن نفسها بالخزانة تحديدا الجزء الخاص بأمها وتقلب ملابسها تعاود البحث عن شيء ما يجهله.. فاستفهم مستغربًا منها
((ماذا تفعلين؟ ما الذي تبحثين عنه في الخزانة؟))
استحالت ملامحها المنطفئة إلى أخرى حماسية وهي تستدير وتطالعه وهي تتغنى بالكلمات
((سمعت أمي تقول لجدتي عند وصول مندوب توصيل لطرد أنه لها، فقد ابتاعت من الإنترنت آخر إصدار من البلايستيشن لك، ولكن لا أستطيع أن أجدها مهما بحثت عنها))
شهق مَازن بذهول متمتما
((أمك طلبت بلايستيشن! وآخر إصدار؟))
لم يكن يعرف إذا كان عليه أن يغضب عليها لأنها بددت كل مدخراتها على لعبة من أجله.. أم يفرح لأنها لو لم تشتريها له لما كان حصل على أخرى مجددا، خاصة وهو يقسو على نفسه حتى لا يعود ويضيع يومه كاملا عليها، فبصعوبة تمكن من التخلص من إدمان البلايستيشن ولو عاد للعلب ولو لدقيقة أخرى سيعود الإدمان له!
وهنا على الفور كان يبعد هدى عن الخزانة ويفرغ رفوفها تباعا من ملابس ياسمين مغمغما بصوتٍ يكتنفه الجدية
((هل أنتِ متأكدة أنها خبأتها هنا؟ دعيني أبحث معك))
في غمرة بحثهما وتقليب رفوف ملابسها وأغراضها استرعى انتباه مَازن سلة مليئة بأدوات متنوعة تخص احتفالا.. فأعتصر عقله يتذكر إذا كان هناك مناسبة نسيها أم لا، لكن لم يطل تفكيره حتى فُتح باب الجناح مرة أخرى من قبل ياسمين على حين غرة..
وهنا تفاجأت هي بهم يعبثان في أغراضها بالخزانة فتساءلت وقد أسرتها الدهشة لمرأى مَازن يخرج ملابسها من رفوف خزانتها
((ما الذي تفعلانه؟))
وعندما انتبهت هدى لنظرات أمها جفلت وخشيت أن تغضب عليها إذا عرفت أنها من وشيت بسر البلايستيشن لوالدها فانتصبت واقفة وقبل أن تغادر همست في أذن والدها المنهك في البحث
((سآتي بوقت لاحق لنبحث عن البلايستيشن في مكان آخر))
وهرولت منصرفة للخارج في حين دمدمت ياسمين بملامح مقهورة تعاتبه وقد تبادر الى ذهنها بأنه يريد منها أن يحزم حقيبة ملابسها لتستعد للرحيل
((لماذا تقوم بإخراج ملابسي من الخزانة! وأمام هدى!))
توقف مَازن عن إفراغ الخزانة من أغراضها والتفت لها يناظرها ببرود وشيء من الترفع.. ورغم حرقة قلبها إلا أنها نصبت جذعها أمامه لمواجهة محتومة وتصلبت لتقول بهدوء رغم تذبذب صوتها
((حسنا أعرف أنك تنتظر مني أن أحزم أمتعتي وأغادر بدون أي مماطلة، ولكن كنت أنتظر أن تنطق بالطلاق أولا..))
مجددا لم يرد عليها، وتحملت ياسمين صمته ونظراته لها لعدة ثوان أخرى موجعة ثم آلمها أكثر تظاهرها بالتماسك فهدرت فيه بدموع أبية ترفض الانهمار
((حسنا ابتعد من أمام الخزانة، أنا من سأخرج ملابسي))
اقتربت بخطواتٍ متثاقلة منه ووقفت أمامه تنتظر أن يبتعد عن الخزانة ويسمح لها هي أن تفرغ ملابسها التي تبقت لكنه ظل ينظر إليها طويلًا بلا تعبير.. وقد كان جمود تعبيره ذاك أبلغ تعبير في حد ذاته لما أراد قوله وفعله بها.. ومع ذلك كان بإمكانه سماع صوت أنفاسها الغير ثابتة، وملاحظة انحناء كتفيها المثقلين وكأنها تحاول تسوية حمل الحزن فوقهما.. تكلم أخيرًا بنبرة قاسية لا تناسب سؤاله
((أين هي البلايستيشن التي اشتريتها؟))
اكتسحها الذهول من سؤاله المباغت والمغاير لما يتحدثان عنه.. هي بالفعل رغم تغلب اعتقادها أنه لن يقبله منها اشترت له البلايستيشن كهدية فراق واعتذار عن ذنبها المعنوي في حقه.. على الأقل هو أضحى أكثر مسؤولية ولن يسمح للبلايستيشن أن تستهلك كل وقته كما في الماضي حيث كان ما إن يبدأ لعبة عليها لا يتركها قبل خمسة وعشرين ساعة متواصلة في اليوم الواحد.. فتمتمت بحاجبين مرفوعين
((كيف عرفت بشأنها؟))
تحركت شفتاه في التواء ابتسامة قاسية وقال بفتور
((عرفت وانتهى الأمر، لقد اشتريتها لي صحيح؟ حسنا الآن عرفت كيف تمشين على الطريق الصحيح لمصالحتي بعد قصك شعرك..))
ازداد ارتفاع حاجبها ذهولا، لوهلة لم تعرف ما ترد عليه فاحتدت نبرته مكررا بجدية ونزق
((أخبريني أين خبأتي البلايستيشن؟ داخل الخزانة؟))
انتابها التوتر لتقول بخفوت وتلعثم
((لا لم اخبأها داخل الخزانة.. ولكن.. ولكن.. ماذا قلت؟ مصالحة؟ هل تعني أن جلبي البلايستيشن هو مبادرة صحيحة نجحت في طريق مصالحتي لك يا مَازن؟ ألن يكون هناك أي طلاق أو فراق؟))
ضاقت عيناه وهما تتأملانها بطريقة غامضة غريبة، قبل أن يرد بنبرةٍ باهتة
((ألم نتفق مهما يحدث لن يرد على لسان أحدنا كلمة "طلاق"! أنتِ لا تلتزمين أبدًا بالاتفاقات))
رفرفت بعينيها حائرة من كلامه وتبعثرت الكلمات في داخلها لكن كان هناك وميض سعادة ينطلق من عينيها البارقتين وقبل أن تكتمل ابتسامتها على ثغرها سارعت تزيلها وتقول متمسكة بالمبادئ
((لكن لن أقبل أن نتصالح ببلايستيشن، أريد أن تنزل عقاب قاسي عليّ، حتى أغفر لنفسي شيئا من ذنبي في سوء ظني بك))
مر طيف متهكم بوجهه من كلامها، وللغريب أنه لم يكن غاضبا عليها أبدًا لسوء ظنها فيه كما لم يلم والده بل لقصها شعرها.. فهو المخطئ الذي لم يتوقف عن وضع نفسه موضع الشبهات أمامهم ويصر على اللهو والمزاح بما لا يليق..
قطبت ياسمين حاجبيها تقول بحزم
((ها أخبرني ماذا تريد أن يكون عقابك؟))
رد مستدعيا ابتسامة غير مرحة
((عشر جلدات على الظهر))
لم تتجاوب معه
((أنا جادة يا مَازن))
زم شفتيه بلامبالاة ثم قال بفتور يصاحبه استفهام
((ماذا تقصدين؟))
أخفضت وجهها متعمدة فرك أصابعها بتوتر ثم همست
((أنزل عليّ أي عقاب لأنه الطريقة الوحيدة التي ستنجح في أن تبدد شيئا من غضبك عليّ وألمك من سوء ظني))
مالت شفتاه مجددا في ابتسامة باهتة وهو يسألها ببلادة
((لا تقلقي على آلامي وأحزاني فأنا يمكنني أن أحولها إلى مزحة وأبددها في لحظة..))
بدأت ياسمين تشعر بالدوار وقد أمسكت رأسها بيدها.. لم يأبه مَازن رغم استغرابه من انكماش ملامحها وكأنها تتألم.. أعطاها ظهره يستدير نحو الخزانة يخرج آخر ما فيها هادرا
((الآن، أخبريني أين وضعت البلايستيشن؟ كم ثمنها؟ سأدفعه لك، فلا بد أنها التهمت كل مدخراتك))
لم تستطيع الوقوف أكثر فمدت يدها نحوه تهمس باسمه شاعرة بوجع رهيب يجتاحها
((مَازن.. ما.. زن))
لم يأبه مَازن في البداية لكن لمسة يدها بظهره سرت كتيار ينبئه بأمر ما، فألتفت نحوها وإدا به يراها تتراخى في وقفتها حتى بدأ جسده يتهاوى.. لا يبدو أنها تدعي ذلك.. فأسرع يتلقفها بين ذراعيه وقد استسلمت للإغماء.. هاله ما رأى وبدأ يناديها بخوف متجردا من أي برود ((ياسمين؟ هل تسمعينني؟ ياسمين ما بك؟))
حملها بين ذراعيه مسرعا نحو السرير ليضعها برفق فيه وأسرع نحو منضدة الزينة ليجلب عطرًا نفاذًا ويتجه به نحو انفها كي تعود لوعيها هامسا
((ياسمين استيقظي))
بقي جالسا بجانبها للحظات بعد أن لاحظ أنها ترفرف بعينيها وهي تحرك رأسها.. آلمه قلبه لحالها وقد كانت تهمهم بكلمات التقطتها أذناه
((مَازن.. لا تتركيني.. مَازن..))
مد يده يلمس وجهها برقة.. فبدأت تفيق وقد فتحت عيناها ليقابلها وجهه المحبب لها.. ابتسمت لرؤيته وهي تلتفت من حولها.. فتكلم بخفوت نابع من توتره
((لقد أغمي عليك، سآخذك للطبيب))
استندت بذراعيها كي تجلس قبالته.. فمال يضع الوسادة من خلفها كي تتكئ عليها.. اقشعرت باقترابه الشديد منها، إلا أنها أجلت صوتها تخبره
((لا داعي لذلك، اعرف سبب الإغماء))
نظر إليها مستريبًا
((تعرفين.. ماذا تقصدين يا ياسمين؟))
وضعت يدها على بطنها تمررها بحنو وهي تناظره بعينين شغوفتين..
كالمنحوتة الحجرية حدق بها مازن بغير استيعاب كأنما ألقت عليه كرةً ثلجية.. ثم ما لبث أن جحظت مقلتاه هاتفًا فيها وقد وضع يده على بطنها
((هل تقصدين ما فهمته؟))
تجمدت ياسمين وبقيت على حالها لوهلة، وكأنها تنتظر منه تفاعلا أو إبداءً لردة فعله أو رأيه عن حملها لترى إذا ما كان عليها أن تؤكد عليه أو تكتمه داخلها بغصة..
أغمض مَازن عينيه وهو يهز رأسه محاولًا أن يجلي تفكيره المشوش ثم ما لبث أن سأل باستهجان عنيف وهو يقبض على أعلى كتفيها
((هل أنتَ حامل يا ياسو؟))
اجتاحها الخوف حقا من ملامحه لكنها اضطرت أن تجيبه فهزت رأسها له بإيجاب فشهق عاليا وتبدلت ملامحه لأخرى تتهلل بالسعادة ليقول مبتهجا وهو يهز كتفيها
((أنتِ حامل يا ياسو أخيرا، أنا لا أصدق أبدًا، أخيرا سنحظى بابن ثاني))
نظرت إليه بعينين كبيرتين بريئتين وهي ترى البهجة تكلل محياه بخبر حملها لتسأله بتردد
((أسعيد بخبر حملي؟ ولكن هكذا ستربط نفسك بي!))
قبّل كلتا وجنتيها هاتفا والفرح يشع من عينيه
((أكاد أنفجر من السعادة التي تعتريني في هذه اللحظة، بأي شهر الآن أنتِ؟))
بدأ يرتجف جسدها فرحة مماثلة له فأجابت
((في الشهر الثالث))
السعادة المجنونة التي اجتاحته أبقت القليل من عقله ليفكر بحوار لهما من الماضي ثم يعاتبها بحنو
((إذن كنت تعرفين بحملك ذاك اليوم، لما لم تخبريني!؟))
نكست وجهها بذنب واعتذرت
((نعم، ومنذ وقتها كنت أخطط لأفاجئك به بطريقة مميزة لا بمثل هذه الظروف السيئة، جلبت زينة وبالونات لأعد حفلا صغيرا بيننا الاثنين أعلمك فيه بحملي..))
بترت كلامها وقد انفلتت منها شهقة عندما حملها بغتة بين ذراعيه يدور بها في الغرفة..
لم يطل بدورانه بها مراعاة لحالها ثم جلس على السرير وأجلسها على حجره يمطرها بقبلات صغيرة تغرق وجهها الذي عادت له حيويته، كتعبير عما يضمره صدره من كلمات حتى أحست بنفسها تطير من السعادة التي تنتابها وتنفرج عنها ضحكات من القلب..
ضمها لصدره هامسا
((لننسى كل شيء ونحتفل بقدوم هذا الطفل، ومعنا وقت طويل سيستطيل شعرك فيه وينسيني ألم قصك إياه))
ألصقت أنفها في تجويف عنقه تستنشق رائحته التي كانت تتخيلها طوال الأسبوع، فالفتات الذي تجود به ملابسه عليها لم تكن تكفيها..
لترد دون أن تقاوم دموعها المتجمعة في عينيها شاعرة بوهن وضعف رهيبين
((حبيبي.. لن أفعل أمرا أندم عليه مرة أخرى ويخص ملكيتك))
ثم انهمرت دموعها لتردف بأنفاس متقطعة
((هل سامحتني حقا؟))
كانت تتنفس بصعوبة بل تشعر بألم نابض في صدرها لشدة ما تركت لمشاعرها العنان دون قيود..
حاولت دفعه بكفها برفق لتناظر وجهه المحبب لقلبها، فاحتضن وجهها بكفه وراح يتلمس عبراتها بإبهامه هامسا بشجن
((ساعات الخوف التي عشتها والذعر من دخول السجن جعلتني أفكر أني لا أريد شيئا من الحياة إلا أن أعود لأحضان عائلتي))
تمتمت له مبتسمة وعيناها تذوبان حبًا له وتعلقًا به
((سأكون لك يا مَازن قلبا يحبك وعقلا يفهمك))
ابتسم لها بحب جارف من عينيه وهدر بمرح
((يسلم لي قلبك وعقلك حبيبتي.. فقط دلليني، وعوضيني، ولا تتوقفي عن ذلك))
ردت على الفور بلهفة
((أبدًا، أبدًا، أبدًا لن أتوقف عن تدليلك))
كانت تهز رأسها نفيًا ببطء والدموع تنساب على وجنتيها بنعومةٍ دون أن تفقد ابتسامتها فوق ثغرها.. وسرعان ما عاد يبثها عاطفته الثائرة بعد جفاء مرير وتحل محل الكلمات الأفعال.. فتستجيب بكل الحب الذي تضمره في قلبها له.. وفقط هنا عرفت أن حياتها مع مَازن هي م تجعلها أنثى قوية.. وهو من تريد قضاء عمرها معه بسبب إدراكه السليم تسامحه ومرحه الكبيران..
=============================
في مجلس النساء.. ارتشفت زاهية من فنجان قهوة ثم قالت لرتيل بنبرة رائقة ودودة
((أنا سعيدة يا رتيل أن علاقتنا عادت كالسابق، ولو أني أعتب عليك لقلة زيارتك لنا، لا تأتين هنا إلا مرة في الشهر! لا تتحجي بمُؤيد فهو يأتي لزيارتنا دائما بلا انقطاع))
لم يكن عتاب زاهية مبالغا به في حديثها فرغم أنها تصالحت مع رتيل وعادت تزورها وتجلس معها إلا أن الأخرى تغيرت تمامًا معها، فمثلا عندما تحدثها بشيء تتظاهر بعدم الانتباه لها، وعندما توجه تعليماتها نحو أمر معين تتجاهله تماما وتفعل عكسه وتقول بأنها لم تسمعها جيدًا حينما قالت ذلك، وعندما تخبرها بالشيء تقول لها بعد فترة أنها نسيت ذاك الأمر، وعندما ترشدها بنصيحة تقول بأنها لا تتبع إلا أمر الأطباء، وهكذا.. بل حتى أنها عندما تستقبلها في بيتها لا يكون الاستقبال بحفاوة.. ومرة تركتها جالسة مع مُؤيد وتعذرت بحاجتها للنوم..
لكن مع ذلك ارتأت تمريره ومعاملة رتيل وكأن لا شيء اختلف.. ربما.. ربما يعود كل شيء كسابق عهده بعد مرور وقت أطول.. ففي نهاية المطاف هي تريد أن تكون علاقتها دافئة مع جميع زوجات أبنائها..
كتمت رتيل زفرة في داخلها وتصنعت ابتسامة لحماتها
((سأحاول عندما يأتي لزيارتكم أن أرافقه أكثر))
أمسكت زاهية علبة مشغولات الخياطة الباهظة التي اشترتها لياسمين لتهديها لها اليوم ثم عبرت لرتيل بما يجول بخاطرها
((سأذهب لرؤية ياسمين، لقد كنت قاسية معها جدًّا بفترة القبض على مَازن، وحملتها الذنب كاملا، عليّ أن أصحح موقفي حتى لا تنكد على ابني، خاصة وأنها حامل))
تطاير شرر قادح من عينا رتيل وهي ترى حرص حماتها على استرضاء ياسمين.. إنها لا تذكر يوما أنها أساءت لواحدة من زوجات أولادها كما أساءت لها عندما علمت بخطئها بزيارات غنوة رغم أنها الوحيدة من بينهن جميعا من خدمتها طوال سنوات زواجها بكل تفاني وإخلاص.. وهذا ما دفعها أن تقرر أن تظل باردة في تعاملها مع حماتها المتسلطة.. التي لم تنسى للآن كيف في الماضي لم يرف لها جفن إلا عندما نغصت عليها حياتها وضغطت على مُؤيد من أجل مسألة الزواج.. بالتأكيد هي لا تحاول اتخاذها كند، فهي أولا وأخيرا والدة زوجها وينبغي احترامها، لكن أبدًا لن تتهاون بعد الآن معها، ولن تعود لتعاملها بنفس التفاني والمحبة كما الماضي بل ستدافع بكل ما تملكه عن منزلها وبيتها وهدوء سرها مع عائلتها الصغيرة.. ولن تفكر أبدًا أن تحكي لها خصوصياتها مع مُؤيد أو تشكي لها حاله إذا ما أخطأ، ليس لأن حماة كزاهية لن تقف معها إلى صفها فحسب بل لأنها ستقوم بإلقاء اللوم عليها فقط، وستكون بمثابة الثغرة التي ستنفذ منها إلى حياتها في المدينة ويصبح لها الصلاحيات للتحكم فيها مثلما تشاء، فمهما بدت لها حنونة وودودة وتريد مصلحتها كما تزعم، إلا أنها لا يمكن أن تؤثر مصلحة زوجة ابنها على مصلحة أحد أبنائها..
جاء فهد بغتة لغرفة المعيشة وبدا وكأنه يريد سؤال أمه عن شيء لكن ما إن رأى جدته حتى تجهم وجهه الطفولي واستدار ليعود أدراجه لولا أن أستوقفه صوت جدته المستاء الذاهل
((فهد، توقف مكانك))
قطب حاجبيه والتفت لها بينما تعاتبه بقلب مجروح
((كيف تدخل هنا وتخرج من دون أن تسلم على جدتك))
حدجته رتيل بغضب موبخه
((عيب عليك يا فهد، أين احترامك لجدتك؟))
ازدادت تقطيبه حاجبي فهد واقترب من جدته هادرا بوجوم
((أنا آسف، السلام عليكم يا جدتي))
تحشرج صوت زاهية وقالت بصوتٍ مطعم بالألم
((ما هذا السلام البارد واللهجة الفاترة، حتى أخاك مثلك لا يسلم عليّ بحرارة في كل مرة تأتون إلى هنا))
بدا فهد غاضبا وهو يميل هامسا لأمه
((أمي هل نسيت ما فعلته جدتي بنا في غيابك عنا؟ إذا نَسِيت فنحن لم ننسى))
اتسعت عينا رتيل لذكره موضوعا لا يصح في هكذا وقت ومكان.. بينما كان الألم يشعُّ من كل جلد زاهية في هذه اللحظة وهي تردد بحشرجة
((رباه هل تحقد عليّ يا فهد أنتَ وأخيك؟ أحفادي يا رتيل يحقدون عليّ))
كانت نبرة زاهية المعذبة لا تشبه شيئا من هدوئها أو وقارها، بل كانت في الواقع نبرة ترتجف بالكثير من المشاعر المتداخلة المتألمة.. حتى أنها ندمت كثيرًا على تلك الأيام العصيبة التي مرت على أحفادها بسبب ضغطها على مُؤيد الزواج بفترة انفصاله عن رتيل..
بينما رتيل لكزت ابنها هامسة بتهديد
((فهد أيها الشقي كم مرة سنتحدث في هذا الموضوع؟ سيقولون بأني من حرضتك عليها ولم أحسن تربيتك.. تبقى جدتك مهما فعلت آنذاك، جدتك ليست الوحيدة كذلك فجميع كبار السن على هذا الحال))
ظلت تعابير فهد في حالة تشنج بينما تطلعت رتيل بهيئة معتذرة لحماتها
((عمتي إنه مجرد طفل، لا يعرف ما يقوله))
لكن ولأن زاهية تعرف براءة الأطفال وصراحتهم وأن ما في قلبهم على لسانهم آلمها أكثر فشعرت بغصة مسننة تحوم في حلقها! لكن مع ذلك تحاملت على الألم الذي يجتاحها وأخرجت من إحدى أجرار الطاولة بقربها مغلفات حلوى لتقول له بحنو فياض
((تعال يا فهد، خبئ هذه الحلوى في جيبك، حصتك وحصة باسم))
كانت زاهية تعبئ جيوب فهد بسخاء وحنانٍ لم يعهده بها معه ثم رفعت كلتا يديها الدافئتين تحتضن وجهه الصغير وتقول بنبرة أقرب للرجاء
((أنتَ حفيدي الحبيب فلا أتحمل أن تكُّن لي أي مشاعر بغض))
ساوره شيء من تأنيب الضمير فنكس عينيه هامسا
((أنا أعتذر لما قلته يا جدتي، لم أقصد ذلك..))
لثمت زاهية جبين فهد عدة مرات قبل أن ينصرف من الغرفة ويذهب إلى حيث يزيد وفهد يأخذون قسط راحة من اللعب بكرة القدم..
أعطى فهد حصة باسم من الحلوى له، وعندما عرض على يزيد أن يأخذ من حصته رفض الآخر بلطف هادرا بعفوية
((جدتي تعطيني دائما من هذه الحلوى حتى صرت أشعر بالتخمة من مجرد رؤيتها))
ضيق فهد عينيه بحنق، لا يصدق أن جدته تعطي يزيد كما هائلا من الحلوى دائما له بل وحصص تساوي ضعف حصته هو وباسم معا منها! لكنه تنهد بعمق، فليس وكأن يزيد له ذنب أنه الحفيد المفضل لجدته، وحاول أن يؤكد على نفسه أن سبب غرامها به إخفاء حقيقته في الماضي عنها لا لأنه ابن عمه مَالك..
بدد كل هذه الأفكار والنظرات من وجهه وطالع بعينيه الفاتحتين الصافيتين ابن عمه المشتاق له منذ آخر زيارة لهم، ليشعر بشيء من النقاء منسابًا بالسعادة والسلام يمنحه له فيناكفه
((إذن أمك ستنجب أخًا آخر لك بعد عبد الله! أنا أغبطك))
مسد يزيد مؤخرة عنقه بشيء من الخجل واحمرار يكسو وجنتيه
((لا أدري! قد تكون بنتا، سأكون سعيدا بكل الأحوال))
ثم لم يستطع منع الحماس أن يستفيض من وجهه الذي تغمره السعادة وهو يشجعه
((لماذا لا تخبر والدك أن تعود للسكن هنا، بعد أن اعتدت رؤيتك في المدرسة وهنا لم أعد أراك لا أنتَ ولا باسم إلا بضع مرات بالشهر))
هنا تدخل باسم ليقول بنبرة قاطعة
((السكن هناك في المدينة أفضل من هنا بكثير، كلنا مرتاحون وخاصة أمي، أخبر أنتَ والدك أن يستأجر بيت بقرب بيتنا هناك))
تراجع وجه يزيد للخلف غير مستحسنا هذه الفكرة
((لا، لا أريد، أحب قريتنا كثيرًا ولا أتمنى أن أغادرها في يوم من الأيام..))
أمسك فهد كتفي يزيد يعاود الاقتراح عليه بلهفة
((إذن انضم لنفس النادي الذي نذهب له أنا وباسم أسبوعيا))
اتسعت عينا يزيد المتلألئتين معقبا
((أتحمس جدًّا عندما تخبرني ماذا تفعل في النادي))
ابتسم فهد له وقال ((هناك الكثير من الأولاد الذين يسكنون في القرى يذهبون إليه، الحافلة تقلهم إلى بيوتهم ولا يواجهون أي مشاكل بالمواصلات))
رد عليه يزيد بتصميم يشوبه الفرح
((سأخبر أبي إذن أن يسجلني به، هكذا سأراك في نهاية كل أسبوع))
.
.
بعد ساعتين.. وبعد أن عادت رتيل مع زوجها لبيتهم ارتدت له بنطالا بسيطا وقميصا بحمالات عريضة تظهر بطنها كلما رفعت يديها قليلًا.. صففت شعرها على جانب واحد، ووضعت زينة وجه خفيفة جدًّا.. على مظهرها أن يكون بسيطا وغير متكلف إذ أنها لا تريد أن تظهر أمامه كامرأة فجة أو سافرة بطريقة يمقتها..
على هذه الليلة أن تكون لطيفة على عواطف قلب مُؤيد.. فهو لا يحب منها أن تتصرف بإغراء وجرأة أو ترتدي ملابس فاضحة أمامه حتى لو أعجبه الأمر بمرات قليلة..
رغم كل شيء عليها أن تتقبل طبيعة مُؤيد وتناقضاته وغيرته ومزاجه في المرأة! هذا طبعه وعليها تقبله ومحاولة أن يكون هو في الغالب المبادر وتكتفي من جهتها أن تظهر له الاهتمام والتجاوب.. ثم هي تعرف بثقتها العالية بنفسها أنها ودون جهد وعفوية تكون امرأة مغوية، ولا تحتاج لما يزيدها..
حينما توغل مُؤيد غرفة النوم سارعت تطفئ الإنارة ولم تترك إلا الأباجور مشتعلا بنوره الساحر دون أن تنظر إليه.. بدأ مُؤيد يغير ملابسه وهو ينظر لها باكتراث إذ أنها تنجح في إبقائه دائما في حالة ترقب وتحفز كيف ستبدو له في كل يوم وليلة.. ثم سألها بعفوية
((هل العشاء جاهز؟))
ردت عليه بتريث حتى تساعده في نزع ملابسه
((سأضعه بعد أن يستيقظ الولدان من قيلولتهم!))
استلقى مُؤيد على السرير وهو لا يزال يطالع زوجته بمزيجها الأخاذ من الأنوثة الطاغية والقوة الجذابة ثم طبطب بيده على المكان القريب منه يدعوها للجلوس بجانبه.. فابتسمت بنعومة واستلقت بجانبه فشدها له وهو يحاوط كتفها بذراعه..
بدأت بمداعبة كفه بإبهامها كما يحب وتتحدث وتطلعه على ما يجري من حوله وتسرد عليه ما يهمه من الأخبار التي وصلتها.. وهو فقط يستمع لها في وقتهم الخاص الذي خصصاه لهما لساعة أو اثنتين في كل يوم.. فيعيشان فيه بعالم مختلف ومميز حيث يتعامل فيه معها كحبيبة وصديقة يتبادلان الضحك والكلام وتتحرر علاقتهما من أي قيود تقليدية تثقل كاهلها!
حتى أخبرته بغتة
((أخبرني عن عملك قليلا، كيف هو هذه الأيام؟))
هز كتفيه وهو يقول ببعض الملل
((عملي طويل ولا تغير فيه))
مالت نحوه على مهل دون أن تحيد بعينيها عنه وقبلت وجنته هادرة بعبث
((لدي طريقة تزيل تعبك؟ ها.. ماذا قلت؟))
برقت عيناه بتجاوب واضح وانحدرت عيناه إلى شفتيها واستطاعت أن تلمح اهتزاز حدقتيه واحتقان اللون رغبة.. فضحكت ضحكة قصيرة عذبة وهي تخفض وجهها، لكن مُؤيد لم يتجاوب مع ضحكتها بل غير دفة الحديث هادرًا بهدوء مخادع
((لقد عرفت أن كلتا زوجتا أخي مَالك ومَازن حاملان))
أومأت له رتيل وعقبت بتكاسل
((كنت أعرف سابقا بشأن سمية، مبارك لهما))
انقلبت ملامحه للاستياء واحتج
((مبارك! فقط مبارك! ولماذا لا تحملين أنتِ أيضًا يا هانم؟ ماذا ينقصك؟ والله عيب في حقي أن يكون لشقيقيّ أطفال أكثر مني، كم بات عمر باسم؟ ألم يحن الوقت لابن ثالث!))
تصلبت عينيها قائلة وهي تعتدل جالسة على السرير
((مُؤيد إنجاب الأطفال ليس وسيلة لإثبات الرجولة والفحولة، وإذا كانت هذه هي فكرتك عن الأطفال فأنا لست مسؤولة عن تحقيق أحلامك))
قطب حاجبيه بقوة وتساءل
((ما الذي تقصدينه؟))
كتفت رتيل ذراعيها وقالت دون مواراة
((أقصد أني الوحيدة التي أتولى شؤون أولادي من كل النواحي، وبصراحة قدراتي لا تسمح بطفل ثالث، هذه حدود طاقتي، لو كنت تساعدني في تربيتهم لما اعترضت))
سخر مُؤيد بتهكم ساخط
((أساعدك؟ كيف أساعدك؟ هل تريدين أن أترك عملي واجلس أنا لأذاكر للأطفال وأطعمهم وأتسوق لهم!))
صححت له وهي ترفع إحدى حاجبيها
((كنت أقصد أن تساعدني في تربيتهم أيضا.. يعني صرت تقبل وتسمح لباسم وفهد الاختلاط بأولاد الجيران والذهاب للنوادي، وتصحبهم معك للخارج، ولكن لا أراك تحاول أن تعتبرهما كأصدقاء لك فتحاورهم وتستفسر عن مشاغلهم سواء في الدراسة أم ما يهتمون بفعله))
زمّت شفتيها ثم غمغمت مردفه
((يزيد شخصيته أقوى من شخصية ابنك لأن له أب يعتبره كصديق يستمد القوة والأزر منه))
شد خصلة من شعرها هاتفًا وعيناه تبرقان بالغضب
((لا تقارنيني بمَالك! أنا لم أخفي وجود أولادي على الأقل سبع سنوات!))
هزت كتفيها وقالت
((نعم أعرف أنه ليس مثالًا لأب مثالي يحتذى به، ولكن خذ يا أخي منه الأمور الجيدة..))
لوى فمه بابتسامة وسخر ((حسنًا يا أختي))
تغنجت رتيل بكتفها لترمي شعرها الطويل على وجهها وكانت راضية تماما عما جرت عليه محادثتهما..
=============================
في منزل عائلة نورين..
كانت ريحانة والدة نورين في المطبخ بينما مُصعب وابنتها وحفيدتها على طاولة الطعام يأكلون من الأطباق الشهية التي أعدتها لهم، لا تصدق أنه هذه هي آخر دعوة قبل سفرهم، حتى لو كان سفرهم مؤقتا، لكن يظل ابتعادهم أمرا محزنا، خاصة وهي الآن تستذكر كل الذكريات الجميلة التي عاشتها منذ قدومهم للبيت.. إنها منذ الأيام السابقة وهي تبتهل وتناجي الله من أعماق قلبها أن يحفظهم في سفرهم في كُل خطوةِ يخطوها، ويعودوا إلى البلاد سالمين بلا أي شر..
رفعت نورين وجهها تراقب تحركات والدتها المحمومة في أرجاء المطبخ، رغم أنهم جميعا يكادون يختنقون من فرط ما ألحت بإصرار ميؤوس منه عليهم أن يأكلوه.. فانتصبت واقفة ثم اتجهت لأمها تجبرها على الجلوس معهم على الطاولة
((أمي يكفي، لقد امتلأت بطوننا رغم أننا سنذهب بعد قليل لعائلة مُصعب وهناك سيجبروننا أيضًا على الأكل في الحفلة الصغيرة التي سيقيمونها))
ابتسمت ريحانة بضعف وطبطبت فوق يد ابنتها وشرعت تأكل من الطعام الذي أعدته، ولكن لم يمنعها هذا أكثر من مرة من إعداد لقمة لتسدها في فمها فلم يكن من نورين إلا أن تمضغها مبتسمة..
لكن ريحانة لم تتوقف بل بدأت بين اللحظة والأخرى تقوم بغمس الخبز في الطبق وإعداد لقمة أخرى بأناملها ولكن لمُصعب الذي لم يقدر إلا أن يطيعها ويفتح فمه لينار وجهها بالفرحة، وتسرع في إعداد قطعة أخرى تناوله إياها ثم تتبعها بأخرى حتى أوقف أناملها الممتدة هامسا برجاء وتهذيب
((أنا أشعر بالتخمة يا عمتي، يكفي، لم تأكلي شيئا))
لكن ريحانة لم تستسلم بل ظلت تمد أناملها له وهي تقول بلهفة ممزوجة بالدفء
((بل أكلت يا بني، المهم أنتَ))
أطاعها مرة أخرى تحت إلحاحها أيضًا لكنه أسرع يوقف حركتها حين وجد أنها تستعد لإعداد قطعة أخرى له معترضا بما يشبه البكاء الدرامي
((والله شبعت يا عمة، يكفي!))
ضمت ريحانة شفتيها أسفا تتوقف حركة أناملها بإحباط لم يحتمله هو، ليشرع فورا فى إعداد قطعة من الطعام يقربها إلى فمها هادرا برقة
((كلي شيئا أنتِ يا عمة، أنتِ بمقام أمي))
التمعت عينا نورين بسعادة وغبطة، إذ لم تتخيل يوما أن تكون علاقة من ستتزوجه متينة لهذا الحد مع والديها، حتى والدها لم يكن يريد الخروج لعمله والبقاء هنا لتودعيهم لولا أن استحلفه مُصعب ألا يتوانى عن الذهاب لعمله من أجلهم!
انتبهت نورين لأمها تتوسل مُصعب بصوتٍ باكي وهي تتشبث بذراعه
((أرجوك اهتم يا مُصعب بابنتي وحفيدتي وضعهم في عينيك هناك، ليس لدي ابنة غيرها))
احتضن مُصعب كلتا يدا أمها بكفه وهو يطمئنها بدفء
((لا تقلقي يا حماتي العزيزة))
ثم لثم جبينها يزيد في بث الطمأنينة فيها.. بينما أمها تمسك ملك الصغيرة وتداعبها للمرة الأخيرة قبل السفر..
لقد زار مُصعب سابقا أصدقائه وزملائه ليكون آخر العهد بينهم كلمة طيبة ودعوة صادقة، وهناك من أقاربه البعيدين من اتصل للسلام عليهم وإعلامهم بسفره.. والان اجتمعوا في قصر الكانز حيث أصر إخوته أن يقوموا بحفل صغير قبل مغادرتهم.. حيث غمر الجميع مُصعب بالحب والعاطفة ومشاعر الإخوة الصادقة حتى تحشرج صوته من فرط التأثر..
وفي نهاية الحفل ودع مُصعب كل إخوته وذهب يوصله مُعاذ برفقة والديه فقط للمطار.. وعندما حان وقت حضور طائرته رفعت نورين حقيبتها خلف ظهرها وحملت ملك جيدا بينما وضع مُصعب الحقيبتين فوق أرضية المطار المصقولة يستعد لجرهم هادرا
((ها قد حان وقت طيارتي، إلى اللقاء جميعا))
ولكن قبل أن يستدير هتفت أمه فيه بصوتٍ متحشرج
((انتظر يا مُصعب، عانقني قبل أن تغادر))
لاحت ابتسامة حنو على ثغر مُصعب دانيًا من والدته يعانقها فيما يعقب مُعاذ فيما يشبه الدعابة
((أمي هذا العناق العاشر الذي تغمريه لمُصعب))
أطبقت زاهية عينيها بقوة، وتطويقها له كان قويا للغاية.. ترتعد لا تتحمل فكرة غيابه..
طال الأمر بهما لدقائق حتى خشيت نورين رغم تأثرها بالمشهد أن يفوتهم موعد الرحلة والركاب بدأوا الصعود للطائرة بالفعل..
حاول يعقوب ردع زوجته بصوتٍ مبحوح وقد تأثر لرؤيتها في هذا الحزن الموجوع
((يكفي يا زاهية، يكفي عناقا))
أخذت دموع زاهية تهطل وتسيل وهي تهمس بشهقات أقرب للأنين يكاد وجعها على سفر مُصعب ينحر قلبها
((دعني يا حاج، دعني أودعه في لحظاته الأخيرة قبل السفر))
ونفس الشيء كان مُصعب يشدد من احتضانها مغمغما
((دعني يا أبي أشبع منها قبل أن تقلع الطائرة))
وبصعوبة أبعد مُصعب وجهه قليلا عنها وطبع شفتيه على جبهتها برفق ثم أحاط وجهها المبلل بكفه مُدللًا وكأنما يحادث ابنته الصغيرة لا أمه العجوز
((سيمر الوقت سريعا يا أمي وسأعود أنا وزوجتي وملك))
همست زاهية بصوتٍ مختنق وهي تريح يدها فوق قلبها كي تهدئ من خفقاته المتوجعة
((الكلام سهل يا مُصعب، لكن ماذا سأفعل به عندما تغادر وتبتعد عنا لسنين!))
أوشكت زاهية أن يغمى عليها من فرط حزنها على سفر مُصعب، وانعقد لسان يعقوب من حال زوجته لكنه تحامل وحثها على تحرير مُصعب رغم ألم قلبه
((قلت لك يا زاهية سأفرض عليه القدوم هنا كل سنة))
تطلعت زاهية لزوجها فاقدة للسيطرة ليتأجج صوتها
((وهل ستغني هذه الأيام القليلة عنه طوال باقي أيام السنة يا حاج، افرض عليه إلغاء السفر وحسب))
عقد مُعاذ حاجبيه وهو يرى أن هذا الموقف يأخذ منحنى آخر غير متوقع خاصة وأن النداء على ركوب الطائرة التي اقترب موعد إقلاعها يصدح حاليا..
أمسك مُصعب ذراع والدته يستنكر كلامها برفق ولين
((أمي ماذا تقولين! كيف ألغي رحلتي فجأة..))
لكن زاهية ألحت عليه بنبرة تقطّع القلب
((أنا جادة يا مُصعب، لن أتحمل البقاء بعيدة عن مَلَك أيضًا، يوجد هنا الكثير من الجامعات التي ستتيح لك إكمال الماجستير هنا في البلاد، لا تغادر، بالكاد أتحمل مكوثك في بيت غير بيتنا فكيف سأستوعب فكرة سفرك لسنوات))
اهتزت حدقتا مُصعب ونكس وجهه الذي يضج ألما بينما زاهية ترفع يدها لتلامس وجنته تكرر رجائها عليه
((يا حبيبي ألغي فكرة السفر وأبقى هنا))
حاول يعقوب أن يحثها برفق وتعاطف
((زاهية لا تضغطي على الولد، حان وقت إقلاع طيارته، ألم توافقي على سفره مسبقا!))
ردت عليه هاتفة بوجيعة متأكدة من أن لا أحد فيهم شاعرا بعذابها أو بأمومتها
((بالله عليك يا حاج أقنعه أن يلغي السفر، بالله عليك..))
أغمض يعقوب جفنيه يستحي من دمعة أبت أن تغفله وتهطل من التأثر وألم لحظة الفراق.. ارتجاف صوت زوجته يذبح قلبه، إذ أنه كان السبب بعيشها فترة مؤلمة عندما شجع مَازن للسفر للخارج ثم ألزمه البقاء هناك، وها هو يجعل زوجته تعيش الألم مرة ثانية بالسماح لمُصعب بالمغادرة.. ففتح عينيه يهتف بحزم لمُصعب رغم تذبذب صوته
((مُصعب ابقي هنا، لن ينتهي العالم لو لم تدرس في الخارج، وزوجتك دعها تبحث عن تخصص آخر متاح هنا لتدرسه ووعد عليّ أن أتكلف بكل قرش ستدفعونه، نحن بلغنا من العمر ما لا يسمح لنا بافتقادك كثيرًا))
جحظت عينا نورين وأسرتها الصدمة كما مُعاذ، أما مُصعب ففغر شفتيه ثم اعترض بعدم استحسان لما قاله والده ((ولكن يا أبي..))
لوح يعقوب بيده يحسم النقاش
((اعذرني يا مُصعب، لا يهون عليّنا ابتعادك، يمكنك السكن ببيتك بدلا من السكن عندنا ولكن بدون سفر..))
تأثر مُصعب بصوتٍ والده النادر فوجد نفسه يبتسم بشحوب واقعا تحت تأثير العدول عن السفر، مؤكدا
((حسنا أبي، لن نسافر سنبقى هنا))
ازدادت الصدمة على وجهي نورين ومُعاذ، وما إن صدح صوت النداء الأخير لطائرة مُصعب حتى لكزه مُعاذ هاتفا بخشونة
((هل جننت يا مُصعب! اسكت، اسكت، طيارتك ستقلع هيا معي..))
اعترض مُصعب معترضا بصوته المتحشرج
((ولكني لا أتحمل دموع أمي وأبي..))
قاطعه مُعاذ ناهرًا إياه وهو يجره من مرفقه مبتعدا
((امشي، امشي، ستدعي علينا جميعا عند غياب تأثرك من هذا المشهد العاطفي بعدما تفوتك الطائرة))
تطلع مُصعب عاقد الحاجبين بوجع لوالدته المتألمة بينما يسحبه مُعاذ للخلف وهو يجر الحقيبتين ونورين تحمل الطفلة وتحاول إدراكهما حتى انفصلت يد أمه المتعلقة بكف مُصعب شيئا فشيئا.. فمسحت زاهية بالمنديل دموعها ولأنها لم تكن تريد أن يكون المشهد الأخير بينها وبين مُصعب مشبعا بالألم وجدت نفسها تبتسم رغم الوجع وترفع يدها مودعة إياه هاتفة
((سأتضرع لربي أن يحفظك يا مُصعب ويردك لحضني سالم غانما، أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه))
وشيئا فشيئا بدأ ثغر مُصعب يرسم ابتسامة ثم يلوح لها قبل أن يستدير للخلف ويساعد مُعاذ في مسك حقائبه..
مالت نورين بصغيرتها نحو مُعاذ التي شعرت أنه يريد تقبيلها ففعل ثم قال لأخيه مربتا فوق ظهره بخشونة
((اهتم بعائلتك الصغيرة جيدا يا مُصعب، السلام عليكم))
تنحنح مُصعب يجلي صوته المبحوح ثم ودع أخيه بامتنان.. فعاد مُعاذ لوالديه متمنيا أنه لم يحضرهما معه فلحظات الوداع قبل السفر صعبة، وجعلت الجميع ينتابه مشاعر متضاربة ومتشحة بالدموع والرجاء بإلغاء السفر.. وهناك وقف بجانب أمه التي عادت للبكاء بينما يطبطب على ظهرها زوجها، فلفتها مُعاذ بعتاب رقيق على أنَّه لم يكن عليها أن تودع مُصعب بالدموع، بل بالابتسامة والبشاشة وتهوين الأمر عليه وإشعاره أنَّه سيعود لهم سالمًا مُعافى، مبينا أن ذلك من شأنه أن يرفع معنوياته، وبالتالي يغادر وقلبه مليء بالإيمان والأمل..
فأومأت زاهية له مستشعرة خطأها لتقول بصوتٍ متهدج من البكاء ورافعة يديها للسماء
((حرسه الله ورعاه وكلل مسيرته العلمية والأدبية بالنجاح الدائم والمستمر))
=============================
انتهى.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وتسعون 94 - بقلم Hya Ssin
لسة باقي خاتمة للرواية هنحددها بوقت لاحق..
قولوا لي:
**من هي الشخصية الرجالية المفضلة بالرواية ولماذا بالتعليق؟😁❤️❤️
بالنسبة لي انا هو قصي.. واقل شخصية أحببتها هو مؤيد..
**من هي الشخصية النسائية المفضلة بالرواية ولماذا بالتعليق؟😁❤️❤️
بالنسبة لي هي نورين..
**ما هي أكثر حبكة نالت إعجابكم أحداثها بالرواية ولماذا بالتعليق؟😁❤️❤️
بالنسبة لي حبكة سمية ومالك..
**عنوان "قلبك منفاي" وتحديدا كلمة "منفاي" عائدة لأي قصة من قصص الابطال؟ وهل كلمة "منفاي" ثواب ام عقاب؟
وفي النهاية شكرًا لكل التعليقات الجميلة وردود الفعل الطيبة مع وضع كلمة النهاية لهذه الرواية الاجتماعية اللي ظلت مستمرة معانا لما يقرب السنة ..
شكرا لكل أحد دعم وقدر وتفاعل باستمرار.. ومنتظرة بحرارة تعليقاتكم عن الفصل الأخير اليوم والرواية ككل على أحر من الجمر..
دمتم دايمًا بود.. ولا تنسوا الخاتمة الي أكيد هنحدد لها موعد..
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وتسعون 95 - بقلم Hya Ssin
الفصل الحادي والأربعون ((الأخير))
بعد ثلاث سنوات..
كان مُعاذ بأقصى سعادته لزيارة والده وإخوته في شقته.. جلسوا جميعهم على مقاعدهم حول المنضدة القابعة في الشرفة الواسعة وقد تساقطت أشعة الشمس المشرقة كأنها تتغزل بالأوجه الملقاة عليها بخفة..
طالعوا السًّماء استمتاعا بصفائها وبمنظر الأجواء الخارجية للحي في فترة العصر الرائقة، لاسيما في هذا الحي الهادئ الذي تتواجد فيه شُقة مُعاذ مقارنة بحالة الصًّخب المزعجة بمعظم نواحي المدينة، فتذكرهم بأجواء القرية..
ارتشف مُعاذ من فنجان قهوته ثم تساءل مواكبًا آخر الأخبار
((بالمناسبة يا أبي، ما هي آخر أخبار أهل القرية المجاورة لنا؟ تلك التي قتل ابنهم ابن عشيرة أخرى))
حانت نظرة من الحاج يعقوب له مجيبا
((وماذا سيكون غير إلزامهم بحكم الجلوة بعد الرجوع لقانون منع الجرائم، ذلك القانون الذي يجبر العشيرة كاملة على الانتقال إلى مكان بمحافظة أخرى، بذريعة منع حمام الدّم والثأر الذي سيحدث لو بقي أهل القاتل إلى جوار أهل القتيل))
عقِب مُعاذ على كلام والده مستنكرا
((سيتم ترحيلهم جميعا!؟ ولكن سمعت أن عشيرة القاتل يبلغ عددهم سبعين عائلة، ومجموعهم حوالي ثلاثمائة فرد))
هزًّ يعقوب كتفيه قلة حيلة فهذا ما سيحدث لهم.. لِتشوب نظرات مُعاذ التعاطف والشفقة على حال عشيرة القاتل الذين تحاصرهم عادات عشائرية قميئة.. حيث أنّ عددهم الكبير سيفرض على كل عشر عائلات على الأقل أن تقيم في بيت واحد رجالًا ونساءً دون استثناء.. قديما كانت الخِيم وبيوت الشًّعر تنتقل مع أهلها فلا يجدون مشقة في الجلوة، أما اليوم يوجد من منهم أستاذ جامعي، محامي، مهندس وغيره، فكيف يؤخذ كل هذا الجمع الغفير بذنب أحد أقاربهم الذي لا يعلمون عنه شيئا، في زمن اختلت فيه الموازين ولا يكون للوالد كلمة على ولده!
فلم يجد إلا أن يغمغم بصوته الرخيم
((هذا هو نتاج القسوة والتّجبُّر والظلم، وما اقترفه الفِكر المجتمعي المتعصب الّذي لا ينتسب للدّين بقدر ما ينتسب للعُرف))
عقِب مُؤيد على كلام أخيه وهو يكتف ذراعيه بتحفز
((الجميع يَعي هذا لكن الجميع يُحارب كلمة الحق ويتبّع هوى الباطل، الجميع لا يرَ سوى ذاته المملوءة بالعنصرية الجاهليّة المؤطّرة بقوانين الأعراف العشائرية.. وبعد ذلك يأتي الجميع يبكون من مرارة الواقع ويئنون من قسوة الحياة..))
مطَّ مَازن شفتيه وهو يناظر أخيه مُؤيد وكلماته التي اتسمت بالحكمة والوقار فبدا كأنه حكيم زمانه وهو يتحدث.. رغم أنه هو نفسه أول من يدفن رأسه في الرّمال عندما يتعلّق الأمر بقضاياه الخاصّة فلا نقاش يصلح معه! وهو أيضًا قبل سنوات عند موت ابن يحيى عمه من كان محرك الشّر ومن يوقد في كل شبان القرية نزعة الانتقام لابن عشيرتهم من عشيرة الهنادل.. أما الآن فعندما لم يعد الأمر يتعلق به أو بعائلته أضحى موقفه مختلفًا تمامًا!
فدمدم بنبرةٍ ذات مغزى
((معك حق يا مؤيد، الكثيرون يطالبون بإعادة النظر بمثل هذه الأفعال لكن عندما تصل لشخصه تصبح حقًا له ولا يمكن التنازل عنه أو التهاون فيه، لتظهر ماهيّة الفكر الشّعبي والرّسمي عندنا!))
ضيّق مُؤيد عيناه بشرر إذ فهم أن سهام كلام مَازن موجهة له! وتحت الطاولة دفع قدمه يلكز بقوة شديدة ساق مَازن الذي كتم تأوهًا متألما ثم رفع قدمه يمسد مكان الضربة ويعاتبه بملامحه على عدم تقبله لمزاحه!
غمغم يعقوب بخشونة
((لم يكن ليحدث كل هذا لولا غياب أبسط مظاهر القيم الأخلاقية، وغياب الإنسانية، وغياب العدالة..))
ردَّ مُعاذ ساخطًا وهو يهز رأسه بيأس عن تقصير حكومات متعاقبة ابتلي بها الوطن
((وضف أيضًا، غياب القانون التي تتخذ جانب الصمت رغم المخالفة الصريحة للدستور، فبلادنا مليئة بالجلوات، حتى بات أهل الجنوب يعيشون بالوسط وأهل الشمال بالجنوب، وأهل الوسط بالشمال.. تُدمر البيوت وتُحرق السيارات وتُراق الدماء، وكل هذا لان ابن.. ابن.. ابن عم والده قتل أحد من عشيرة أخرى))
دمدم مَازن متهكمًا على كلام أخيه
((الحكومة تتخذ الصمت!؟ تقصد هم من يلزمون أهل القاتل بالرحيل! وهذا ما يشجع أهل الضحية على التّعنت والإصرار، والإمعان في ترسيخ عادات وتقاليد جاهلية، لم يعد لها وجود إلا في كتب التاريخ القديم))
هنا لم يستطع مُعاذ التعقيب بشيء إلا أن يقول بصوت نابع من النقمة
((السكوت عن الجلوة عار، القاتل يقتل، أما العطوات والجاهات والجلوات فكلها سوالف حصيده لعن الله من وضعها وغيَّر وبدَّل شرع رب العالمين..))
غيَّر مَالك هذه السيرة تمامًا وهو ينتشل هاتفه ويفتح إحدى مواقع التواصل الاجتماعي مقترحا بحماس
((بعيدا عن موضوع الجلوة والثأر.. ما رأيكم بما أننا جميعًا مجتمعون الآن بمكان واحد أن نتواصل مع مُصعب بمكالمة صوت وصورة))
نالت فكرة مَالك استحسان الجميع وقد صبوا اهتمامهم نحوه بينما انتصب مُعاذ ذاهبا للمطبخ ليحضر لهم بعض أطباق التحلية..
.
.
في المطبخ..
لفت شيرين رأسها بوشاح أبيض كعمامة أنيقة ثم وقفت مستندة بظهرها للموقد بينما ترتشف من فنجان قهوتها باسترخاء.. وتمسك الهاتف بيدها الأخرى قريبًا من أذنها بينما تحدث سهر..
على الجهة الأخرى عند سهر ما إن عَلَت همهمات كايلا ابنة سهر حتى وضعتها داخل حمالة خاصة تضمها على صدرها لتجلس كايلا فيها بينما تلوح بساقيها بتسلية.. قبل أن تعاود وضع الهاتف على أذنها تقول بعفوية
((.. عذرًا.. ها.. إذن هل عائلة زوجك جميعهم عندكم اليوم؟))
وضعت شيرين فنجانها على المائدة الرخامية مع الهاتف بعد أن عدلت خاصية المكالمة للمكبر حتى يتسنى لها وضع الكعك على أطباق بيضاء وهي تجيب سهر
((ليسوا جميعهم، بل والد زوجي وإخوته فقط))
همهمت لها سهر قبل أن تدمدم
((أي بدون زوجاتهم وأطفالهم! لا تبدو علاقتك قوية مع زوجاتهم))
ردت عليها شيرين بصراحة
((علاقتي بهم طيبة، ولكنها أقرب للرسمية، لم أشعر بالانسجام مع أي واحدة منهنَّ، فأكتفي بالتحدث معهن بمواضيع عامة عن الأطفال والبيت عند الالتقاء بهم بالمناسبات))
أطلقت شيرين تنهيدة طويلة قبل أن تتبدل تقاسيم وجهها لحماس مرتقب وتهدر
((إذن يا سهر الليالي علينا أن نلتقي في النادي بعد ساعة أو اثنتين! سأخرج عندما يغادر أهل مُعاذ حتى لا أتركه مشتتا بين الانتباه ليعقوب والانشغال بالضيافة والجلوس مع أهله))
نبهتها سهر برجاء
((أهم شيء أن تحضري يويو من أجل كايلا))
تذمرت بحنق وهي تنفض كفيها من أثر بقايا الكعك
((لا يا سهر لن أحضر يعقوب معي، بل سأتركه مع أبيه مستغلة إجازته اليوم، وأنتِ أيضًا اتركي كايلا عند زوجك، ألا يمكننا ولو مرة في السنة أن نخرج سويا بدون أولادنا كما في الماضي؟))
وقبل أن تسترسل شيرين كان مُعاذ قد دلف للمطبخ فاستعجلت سهر مودعة
((حسنًا يا سهر سأتصل بك قبل نزولي، سلام))
التفتت نحو القادم إليها تتطلع له بحب جارف ينطق من عينيها لطلته الوسيمة بمهابة، والذي يكون زوجها ووالد ابنها فاقتربت منه تلاعب تلابيب قميصه وتتمتم له بابتسامة تشع هياما
((لقد جهزت أطباق الفاكهة والكعك والشاي هنا، سأتأكد من نوم يويو وأبقى حتى تنتهي زيارتهم كي تتاح لك فرصة الجلوس مع أهلك))
ابتسم مُعاذ يبادلها نظرات الحب ثم عقب بصوتٍ مميز
((لا حرمني الله منك ومن وقوفك بجانبي دائما))
لتتسع ابتسامتها على فمها برضًا أنثوي تحمد الله في سّرها على النعيم الذي تعيشه مع مُعاذ منذ زواجها منه..
ابتعدت عنه كي تأخذ قطعة كعك من الصحن وتطعمها له فقضم قضمه منها ثم مسح عن فمه ذرات الكعك.. قبل أن يتذكر بغتة ابنته التي خرجت ويتساءل
((هل أعلمتك دارين متى ستعود من بيت صديقتها؟))
طمأنته شيرين مبتسمة
((لا تقلق، أخبرتها أن تتصل بي أنا لاصطحابها من بيت صديقتها بمجرد أن تنتهي الزيارة))
ثم غمزته بإحدى عينيها هامسة بخصوص سرّهم الصغير
((وسأشتري لاحقا ما تبقى من أجل تلك الحفلة السرّية التي نخطط للقيام بها نحن الاثنين))
شّعت عينا مُعاذ بامتنان ثم تقدم من أطباق الكعك وكاسات الشاي يضعها فوق الصينية هامسا بصوتٍ مبحوح
((فليسعدك الله كما تسعدين دارين يا حبيبتي))
قطبت حاجبيها تقول بعتاب رقيق
((دارين هي ابنتي تمامًا وهذا أقل واجب لي تجاهها.. عزيزي فلا شكر بين الأهل)) =============================
ذات يوم شتوي.. بعد الظهيرة
كانت الريح شديدة وقد زادت تلّبد الغيوم من قتامتها إنذارا ببكائها مطرًا في هذا الجو البارد.. وفي تلك الأثناء كان كل من مَالك وسمية في إحدى المتاجر يكملون جولتهم بتسوق لطيف خاصة لمَالك بعيدا عن أجواء التسوق المرهق الملل التي تخرج الرجل عن شعوره..
اقتنت سمية منامتين تناسب الأولاد برسومات سيارات شرطة على مقاسي يزيد وعبد الله، فهي منذ ولادتها لشغف ابنتهما الصغيرة كما أصّر مَالك على تسميتها رغم رفض والدته، لم تعد تركز في التبضع إلّا لها..
دفع مَالك ثمن المشتريات للبائع وأمسك بحقائب التسوق الكثيرة ليحملها ثم خرجا.. عندها لمح متجرًا مختلفا بمقتنياته ويبدو من واجهته أنه راقٍ جدا..
نبض قلبه فوجد نفسه يضم الأكياس ليمسكها بيد واحدة وبالأخرى يحتضن يد سمية مما جعلها مبتسمة تناظر عينيه الصاخبة بحبٍ فاضح، ثم تُشدد على يده باعتيادية سلسة..
أشار مَالك بعبث إلى ذلك المتجر هامسا
((دعينا نذهب هناك يا حبيبتي))
تطلعت إلى حيث يشير وسرعان ما كسا ملامحها عبوس وحاولت أن تفلت يدها منه متهربة بوجل
((لماذا تريد أن ترافقني إلى هكذا مكان خاص بالنساء!))
ردًّ عليها بحزم زائف وهو يرفض تحرير كفها الناعم
((أنا من سيراك في تلك الملابس لذا من حقي أن أختارها أحيانا))
ظَّلت سمية على رفضها الغريزي لكن لاحقا أعلنت استسلامها تحت إلحاحه..
وداخل المتجر طالع مَالك الذي محتويات المتجر بمتعة بالغة لم يقم بها منذ فترة.. وهي اختيار تلك القمصان الحريرية لها بنفسه كنوع من التغيير والتنويع..
استقر نظره على مجموعة غلالات بطيف من الألوان النابضة بالحياة، فاختار واحدة من بينهن بتصميم جريء مصنوعة من قماش الكشمير الناعم، وما إن طلب من الموظفة أن تحضرها وانتبهت سمية لاختياره حتى جحُظت عيناها وهمست بأذنه بخجل يكاد يذيبها
((لا أرجوك، ليست هذه القطعة، إنها تكاد لا تخفي شيء، لن أستطيع ارتدائها ولا حتى أمام نفسي))
كاد مَالك أن يعترض بحنق لكن توتر صوتها ومناشدة نظراتها الصامتة أن يتفهم خجلها جعلاه يدرك أن هذه القطعة بالذات التي اختارها كانت أكثر جرأة من أي قطعة سبق واشتراها لها.. فابتسم بحنو ثم عاجل الموظفة يخبرها بتهذيب
((حسنا.. لا داعٍ.. سنأتي لاحقا))
عضّت سمية شفتها ثم أطرقت رأسها هامسة بذنب
((هل غضبت مني؟))
لم تنحسر ابتسامته وهو يسحبها خارج المتجر بينما يخبرها بصوت هادئ ثابت
((لا على العكس، شكرا لأنك كنت صريحة معي، لا أريد أن تضغطي على نفسك فقط لتسعديني، إذا ضايقك شيء عليك أن تخبريني))
كان مَالك حقا صادقًا بكلامه فحياته بالسنوات الأخيرة أصبحت أجمل مما كان يحلم، وهو راضٍ بالفعل بما تجود به عليه وتغير سجيتها معه عما كانت عليه قبلا! ولن يكون سعيدًا الآن أن يضغط عليها لتتجاوز حدود قدراتها في تقبل رغباته.. فيكفي أنها تبذل جهدها في الاعتناء بأطفالهما في غيابه، يزيد، عبد الله وشغف وتنهي التزاماتها اليومية، قبل عودته لتجهز له أوقات حالمة رومانسية..
أما سمية رفعت وجهها لتضيّق عينيها بتدقيق في وجه مَالك تتأكد من صدق كلامه وما إن شعرت بذلك حتى انتشت سكينة رهيبة بروحها..
رفعت يدها الى خدّها المشتعل تتلمسه بفرط حمرة الحرج وهي تتّنهد براحة كأنه رفع عن كاهلها همًّا كبيرًا..
دخلا إحدى المطاعم ذات التصميم الأنيق والطابع الحميمي ثم جلس الاثنان بجانب بعضهما، فقام بإحاطتها بذراعه إلى صدره برفق آسر، فتنفست عطره تنتشي به في قربه، لكن سرعان ما جلس الاثنان باعتدال ما إن أحضر النادل الأطباق التي طلباها..
وبعد مرور وقت شعرت سمية بمَالك منكسًا رأسه يحرك الشوكة بطبقة دون أن يركز في تناول الطعام أو حتى يبادلها الحديث بتركيز.. فترققت ملامحها بحزن مدركة أنها كَسَرت بخاطره عندما رفضت شراء تلك القطعة التي نالت إعجابه أيّما إعجاب!
هي تدرك أن قصده من شراء تلك الغلالة هو رغبته بتجريبها تصاميم جديدة يتمنى رؤيتها بها في اللحظات الخاصة بينهما، لكنها لا تتناسب مع مزاجها وتكشف الكثير من عيوب جسدها الذي مرَّ بالحمل لعدة مرات ولم يعد برشاقة الماضي..
لكن فجأة قطبت حاجبيها بعزم وانتصبت واقفة.. تمسك حقيبتها لتقول بهدوء يكتنف صوتها المصمم
((مَالك سأذهب إلى مكان ما لدقائق وأعود))
غادرت المكان، بغير اكتراث منه أو استفهام الى أين تريد الذهاب بالتحديد، عائدة لذاك المتجر..
حسنا قد لا تكون تلك القطعة التي اختارها مَالك مناسبة لها لكن ستشتري واحدة أخرى من بين القطع التي أعجبته وملائمة أكثر لقوامها وتخفي عيوب جسدها.. المهم ألا ينام الليلة وفي خاطره شيء!
فمَالك عوضها من صميم قلبه.. وأبدل ذلّها بعز.. وأكرمها حبًا، وحنانًا.. وبذل جهده مع عائلته ليتقبلوها كابنة لهم وهذا ما جعلها تسرف في خدمتهم لكي تهنئ بالانتماء لعائلته حتى شعرت معه هو فقط أنها ولدت من جديد بدون أي ماضٍ قاسٍ أو ذكريات مريرة..
تفحصت القطع في ذاك المتجر وابتاعت واحدة تليق عليها بلون رومانسي حالم بدرجة فاتحة ومشرقة من الشيفون البالغ الرقة المزدان.. وبعدما أتمت مهمتها عادت سريعا للمطعم وما إن انتبه مَالك لقدومها حتى عاتبها بغير رضا إذ كان يظن أنها ذاهبة لدورة المياه
((لقد تأخرتِ، والمشكلة أنك تركتِ هاتفك هنا على الطاولة))
كانت تلهث بخفوت لتعود لتجلس بجانبه وجسدها يرتجف بردًا بينما الأمطار في الخارج بدأت بالهطول بالفعل.. فاعتذرت له مبتسمة بنشوة السعادة التي سرت بخبث بريء داخلها
((لم أنتبه.. عذرا عزيزي))
زمّ مَالك شفتيه بحيرة من كم البشاشة المرتسمة على وجهها.. فما سببها!؟ وأين كانت وماذا فعلت!؟
وصلها تساؤلاته غير المنطوقة فاتسعت ابتسامتها بلا مقاومة لكنها لم تكن مستعدة أن تبددها له الآن!
أمسكت بذراعه تتكئ عليها وفي قلبها زقزقة صغيرة طوال اليوم مترقبة لنظرات وجهه عندما يعرف ما ابتاعته.. فإذا كانت بفطرتها تعرف كيف تظل أفضل زوجة وأم طوال النهار.. مَالك علَّمها كيف تكون أجمل معشوقة ساحرة بالليل..
=============================
غامت زاهية في مداعبة حفيداتها الثلاث، هُدى وشقيقتها الصغرى هَنا وابنة مَالك شغف فلم يعد يسكن معها رفقة زوجها الحاج في هذا القصر الضخم إلا ابنيها مَالك ومَازن وعائلتاهما.. لطالما كانت تعتقد أنها قد تتحمل سكن أي أحد من أولادها بعيدا عن هذا القصر إلا التوأم، ورغم أنهما الاثنين فعلًا من بقيا يقطنان هنا ولم يغادرا إلا أنها في أوقات كثيرة تشعر بالأسى يتسلل الى قلبها وتحس بسعادتها منقوصة.. ليت مُصعب يعود من الخارج ويسكن معهم.. ويَدعُ مُعاذ ومُؤيد رفقة زوجاتهم وأولادهم يسكنون هنا، فكم هو موحش افتقاد لمة العائلة..
كانت الأمطار تهطل بغزارة حين وصل لمسامعها صوت ركن إحدى سيارتهم في المصف ورياح عاتية تتلاعب بأغصان الأشجار التي تحف خارج القصر.. لا بد أن زوجها يعقوب قد عاد من حفل زواج نجوم من ذاك الفلاح الأرمل الذي يعيل ابنا وبنتا..
لقد أصروا أن يقيموا لها حفلا بمضافة العشيرة غير أبهين لسوء الأحوال الجوية!
وبمجرد أن أحست بدلوف زوجها حتى وجهت كلامها بحنو لهدى التي أضحت بنتا ناضجة ومهذبة
((اذهبي يا هدى مع الصغيرتين للخارج))
أمسكت هدى يد شقيقتها الصغرى وابنة عمها تقودهما للخارج وهي تلقي السلام على جدها الذي قبلهم ثلاثتهنَّ عند دخوله الغرفة قبل أن يجلس مقابل زوجته ململمًا عباءته حوله ثم قال باستياء
((هل يعقل أن أذهب لحفل عقد قران نجوم ولا يحضر أحد من أولادي معي! أخفضتم هامتي أمام أهل القرية))
تكَّدر وجه زاهية عند إتيانه بسيرة نجوم مرسلة لزوجها تعابير الخذلان منه.. ألا يكفي أنها بالكاد تماسكت غيظها وهي تسمع صخب العرس الذي أقيم بالمضيفة القريبة من قصرهم حيث رافقه أصوات الأعيرة النارية مختلطة بأصوات أهازيج الرجال وزغاريد وأغاني نسوة القرية! فغمغمت بامتعاض
((والله يا حاج أمسك نفسي بشق الأنفس عن معاتبتك لذهابك لعقد قران نجوم، بسببها كاد أن يزج بمَازن بسجن مؤبد.. حسبي الله ونعم الوكيل فيها هي وأمها))
رفع يعقوب إحدى حاجبيه مغيرًا هذا النقاش العقيم
((هل وصلك كلام من النسوة اللاتي يزرنك أن أم نجوم قد خرجت مؤخرا من السجن بعد قضاء محكوميتها؟))
نطقت ملامح وجه زوجته بالجواب بينما تضيف متمتمه والغيظ يلتهمها رغم تمَالك نفسها
((عرّضت حياة ابنتها للخطر أثناء إنجابها، وتسترت على جريمة ابن أختها، وعبثت بالأدلة، واتهمت ابني باطلًا وشهدت زورا ثم تسجن فقط ثلاث سنوات! هزلت، لا والأنكى أنها جاءت بنفسها هنا عندي))
عاد يسألها مستنكرا بعبوس
((جاءت هنا عندك؟))
ردت عليه بانفعال لم يخفت من الحادثة التي تسببت بها نجوم لابنها مَازن قبل سنوات
((نعم جاءت تلك المنحطة لبيتي تتوسل لي أن أعيد الأواصر بينها وبين ابنتها التي قاطعتها تماما منذ سجنها، فطردتها من البيت وأمرت من فيه ألا يسمحوا لقدمها أن تخط عتبة أملاكنا))
ثم أشاحت بوجهها للجانب تسترسل بغضب متقد
((وكأني سأطيق رؤيتها هي وابنتها! ناكرتا الجميل))
أطلق يعقوب نفسا عميقا وبدأ يحرك مسبحته.. قد يكون يوافق زوجته فيما يخص منال، أما نجوم فرغم كل ما فعلته بحكم صغر سنها وقلة خبرتها مع ابنه مَازن، إلا أنه يشفق عليها ويدعا الله كثيرًا أن تجد في زوجها الأمان والسند فهي وحيدة لا أحد لها ليمسح دمعها، وفاقدة لكل شيء يمت إلى الحب والعطف والحنان والرعاية بصلة.. وبحاجة لمن يخفف من وقع ما تعيشه وهول الفاجعات التي مرت بها..
انتشل نفسه من جب دوامات التفكير متسائلا
((أين هو مَالك؟ اليوم إجازته ولم أره منذ الصباح، لم يحضر العرس معي وترك مَازن يعمل في الحديقة لوحده يغرق نفسه في الوحل والطين تحت الأمطار))
تململت زاهية مكانها وهي ترد
((لقد ذهب مع زوجته للتسوق، دعهم يحظون ببعض الوقت سويًا، حتى سمية المسكينة بحاجة لبعض الراحة بعيدا عن صخب الأطفال))
شابت نظرات يعقوب بعض التسلية خاصة وأن الليل قد حلّ ولم يعد ابنه بعد لكنه ناغش زوجته معقبا
((هل هذه هي زاهية من تهتم بمزاج زوجة ابنها! أكاد لا أصدق))
قطبت زاهية حاجبيها وردت
((ولماذا لا تصدق؟ سمية خير الكنّة لنا))
ابتسم يعقوب بتلك الهبة الوقورة وقال
((ها أنا أرى أنه لم يندم أحد من زواج مَالك بسمية، خاصة هما، الحمد الله))
كان يعقوب حقا مبهورًا لحظتها من زوجته والتغير الرهيب الذي طرأ عليها خلال فترة زواج مَالك وسمية خاصة أنها كانت من أكثر المعارضين على إتمام زواجهما ورفضها لسمية لأنها لا تليق بابنها لا سنًا، ولا فكرًا ولا حالة اجتماعية، فتمتم باستحسان
((حمدًا لله على راحة بالهما.. ربي يديمها عليهما))
إلاّ أن زاهية زادت من إبهاره وهي ترد عليه بصدق
((عليّ أن أعترف أن نجاح هذا الزواج، حتى الآن.. يعود لسمية في المقام الأول، فهي بشخصيتها من استطاعت جعله يشعر أنه رجل البيت وحاميه، وفي الوقت نفسه تحاول جاهدة أن تحافظ على جمالها وشبابها لتبدو دائما متألقة فتسعد نفسها وزوجها.. أنا لست ناقمة عليها، لكن من يدري ماذا سيحدث مستقبلا!))
غمغم الحاج مُتنهدا بخفوت ((آه.. أنتنَّ النساء يصعب فهمكن فكيف السَّبيل لإرضائكنًّ حقًا))
=============================
في الصباح الباكر..
لكزت سمية بلطف ابنها المتمدد تحت لحافه الثقيل تحُثه
((إنها السادسة والنصف، استيقظ يا يزيد لمدرستك، يكفيك نومًا))
همس يزيد شبه النائم ووقع المطر المنهمر في الخارج على نافذة غرفته يتناهى إلى سمعه
((أمي إنها تمطر، معظم طلاب صفي قالوا بأنهم سيتغيبون اليوم))
ترققت ملامحها تطالع الجو المكفهر الماطر في الخارج من زجاج نافذته لتمتم بأسى
((معك حق الجو عاصف في الخارج، أنا خائفة عليك))
لكن جاءها الصوت القاطع من مَالك الذي توغل لداخل غرفة يزيد يوقظه بخشونة
((لو أخذ كل طلاب المدرسة إجازة اليوم لن أسمح لك أن تتغيب عن المدرسة متعللا بحالة الطقس في الخارج، أنا سأوصلك بسيارتي لباب المدرسة وأعيدك!))
اعتدل يزيد جالسا بعبوس يزيح غطاءه عن بدنه بسخط من والده الصارم، ثم ناظر والدته يستغيثها أن تقنع والده بأن يسمح له أن يتغيب لكنها طالعته بقلة حيلة فهي لا تقوى على مخالفة رأيه..
تهدّل كتفا يزيد وأعلن استسلامه تاركا فراشه للاغتسال..
وقفت سمية بعدها قائمة تساعد مَالك المشغول بإغلاق أزرار قميصه قبل أن تشب على رؤوس قدميها تقبل كلا من وجنتيه تلثمه حبًا ومودةً كما هي معتادة قبل خروجه للعمل..
تودعه بقبلة وتستقبله بقبلة وتفاجئه إن كان شاردا أو مستغرقا في شيء بقبلة..
ثم همست له بصوتٍ أنثوي رقيق
((انتبه على نفسك أنتَ ويزيد))
ليرد لها غيثا من القبلات الجارفة قبل أن يقطع ما يفعله صوت يزيد الحانق
((ماذا تفعلان هنا!؟ لا يعقل أن أطرق الباب حتى قبل دخولي لغرفتي))
جفلا الاثنان مبتعدان عن بعضهما بارتباك وحرج وقد ادعى مَالك هندمة ثيابه، فقالت سمية متغضنة الجبين
((كنت أعطي والدك احتياط قبلات تكفيه حتى رجوعه للبيت، تعال لأعطيك أنتَ..))
وسارعت تحضن ابنها تنوي أن تقبل كل إنش من وجهه إلا أنه ابتعد عنها صارخًا بدرامية مسرحية
((لا.. لا.. لا.. أنا حقا مكتفي من القبلات..))
ضحكت سمية بخفوت عليه لكن حدقت بوجه ابنها بحب للحظات قبل أن تبارح الغرفة مدركة أنَّ عليها أن تكون هي ومَالك أكثر حذرًا بتصرفاتهم الحميمية أمامه فقد أضحى بِكرها مُراهقا على مشارف الثالثة عشر.. له نفس طولها تماما، واخشوشن صوته وبدأ خط شاربه بالظهور.. وكثير من سمات والده تتوضح عليه..
حثَّ مَالك ابنه أن يرتدي ملابسه بسرعة قبل أن يغادر هو الآخر، لكن صدح صوت هاتفه بإشعار وصول رسالة..
استغرب عندما رأى أن مرسل الرسالة هو سمية التي كانت هنا قبل ثوان فقطٍ.. لكن ما أثار استهجانه بعدها محتوى الرسالة بصورة لإحدى الغِلالات التي رآها في المتجر مرفقة بكلمات منها تشكو شدة اشتياقها له والذي سيتفاقم أثناء انتظارها عودته من العمل..
تصاعدت حرارته وبدأ يهمس لنفسه لاهثًا من شدة اتقاد عاطفته واستثارة حواسه فجأة
((ولكن.. ولكن قلت بأنك لا يمكن أن ترتدي هكذا أمور! تبا يا سمية، كيف سأركز في عملي؟ لماذا أرسلتها الآن، ألم تستطيعي الانتظار حتى ينتهي موعد دوامي على الأقل!))
وكالمغيب وجد نفسه يطلب رقم زميله في المدرسة ويخبره بصوتٍ جاهد أن يكون حازمًا
((ها.. هل تتوقع أن الطلاب سيغيب معظمهم اليوم؟))
وصله صوت الزميل يقول بصوتٍ متكاسل خامل
((نعم، نعم سيفعلون يا مَالك، سآخذ اليوم إجازة، ستنتهي السنة وكشف إجازاتي كامل لم أستخدمه إلى الآن))
كان مَالك يهز ساقه بتوتر عندما وافقه بصوتٍ أجش قليلا
((وأنا أيضًا كشف إجازاتي لا زال كاملًا، أعتقد في جو كهذا لن يأتي أحد من الطلاب فلا ضرر لو أخذنا إجازة))
وعلى الفور أغلق الخط منصرفا من غرفة ابنه إلى جناحه ويغمره إحساس منتشي لتنفرج شفتا يزيد عن ضحكة شقية متأصلة فيه.. ويقفز مكانه وهو يلوح بقبضته بانتصار فرح لأنه سيتغيب عن المدرسة اليوم..
أكمل ارتداء كنزة الصوف المنزلية التي خلعها وناظر الجو العاصف من النافذة والأمطار الغريزة مشفقا على أيّ طالب لا يملك أمًا رائعة وحكيمة مثل أمه تنجح في دفع والده السماح له بالتغيّب.. قبل أن يعود ليدفن نفسه تحت بطانيته يكمل نومه الشّهي ولا يستيقظ إلا بعد قُرابة الساعتين..
ليجد أن السماء لا زالت تمطر والأجواء بالخارج لازالت ترتعد بردا يناقض انتشاء الدفء في الداخل..
كانت والدته قد أعدت له شطيرة خفيفة كإفطار بما أن الجميع يفضل أن يتناوله في غرفته..
فتح حاسوبه الشخصي متمطيا بكسل لذيذ ليعبث بأنامله ينقر لوحة المفاتيح لبدء إحدى الألعاب القتالية الرائجة فى هذا الجيل مع فهد وأصدقاء آخرين مشتركين بينهم..
تفاجئ بشقيقه الأصغر عبد الله يطرق باب غرفته ثم يتقدم منه بخطوات حذرة جدا ممسكا بكأس شاي دافئ ويخبره بكلمات متعثرة
((مـاما.. أخبرتني أن أعطي هذه.. لك.. يزيد..))
اتسعت ابتسامة يزيد ملئ وجهه ليأخذ الكأس من شقيقه الصغير ثم يضعه على المنضدة الملاصقة لسريره.. ولم ينسَ أن يقرصه من كلتا وجنتيه المكتنزتين اللتين تؤكلان أكلا.. قبل أن يحمله ليجلس بجانبه ويشاركه الحماس في اللعب هادرًا
((هيا عبد الله العب معي))
ابتسمت سمية التي كانت تقف عند عتبة الباب متخمة بمشاعر الأمومة وهي ترى يزيد ينجح في تنمية مشاعر المسؤولية تجاه أخيه.. فهو من يرعاه في غيابهما ويحنو عليه ويدرسه أيضًا..
أغمضت عينيها تأخذ نفسا عميقا.. لقد تفرغت أخيرا لتصعد فوق لرجلها الذي ينتظرها على أحَّر من الجمر في جناحهما فبالكاد تركها تكمل إنجاز أعمالها الصباحية.. فتحت عينيها لتشع شعلة صغيرة من الثقة لتشرق بشرتها توردا مُثيرا، كزهرة أصابها ندى الصباح بالانتعاش، وتتألق ابتسامتها وهي ترتقي درجات السُلم إلى فوق..
=============================
منزل فايد والد سهر..
أطلقت سهر زفيرًا ضجرًا ثم تمّطت مكانها بإنهاك وقالت متذمرة من كومة الأوراق الحسابية المبعثرة فوق المنضدة والتي كان يشرحها والدها لها
((أبي أشعر أني لا يمكن أن أتأقلم مع هذا العمل، أنا لا أصلح أن أكون خليفتك في تجارتك أو خليفة أحد آخر، لماذا لم تطلب من قُصي أن يعمل عندك منذ زواجنا حتى يستلمه عنك بعد تقاعدك!))
رمى فايد القلم بيده فوق الطاولة بفظاظة وهتف بعصبية من استهانة ابنته التي لا تأخذ شيئًا على محمل جدية في الحياة
((ولماذا قد أجعل قُصي خليفتي في تجارتي هذه بدلا منك!؟ بماذا يزيد هو عنك!؟ اتركيه في حاله وفي عمله، وركزي في أعمال عائلتك، ليس عندنا ابنة غيرك))
تغضن جبين سهر بالضّيق، فخفتت حدة انفعال فايد يحث نفسه على التحلي بصبر جميل فابنته عاشت لأكثر من ثلاث عقود حياة مليئة باللّهو معدومة للمسؤولية ولن يكون عليها سهلًا الآن التأقلم مع جدية العمل والتزاماته التي ستُلقى على عاتقها عندما تصبح المسؤولة عن تجارته والموظفين عنده.. فاكتنفت نبرته الهدوء وهو يقول بحكمة عاقل
((أنا لا اطلب منك يا سهر أن تقومي بأمر خارق يحتاج منك خبرة سنوات، أريد فقط منك أن تدركي الأمور الأساسية في إدارة عملي حتى لا يتلاعب أي موظف هنا في العمل الذي سترثيه منا، لقد نجح قُصي وتحول من رجل لا يفهم شيئًا في أمور الحياة والعمل الى مهندس قدير له مكانته، وخلال سنوات قليلة، فلماذا لا تتعلمين منه؟ قُصي ليس بأفضل منكِ بشيء))
أومأت سهر لوالدها موافقة إيًّاه مما جعله يربت بخفة فوق كتف ابنته مشيدا بقوة
((ابنة جيدة أنتِ يا سهر))
شقت ابتسامة على شفتيها.. تزامُنًا مع دخول والدتها التي تحمل كايلا فتضعها أمام فايد.. لتنطفئ نظرة التعب في عينيه وتحل مكانها نظرة حنان ولهفة وهو يداعب مع زوجته حفيدتهما الوحيدة باستمتاع..
لمعت نظرات سهر بحنو متمنية أن تجلب طفلًا آخر، فقط من أجل والديها رغم أنها لم تشعر هي أو قُصي بحاجة لإنجاب غير كايلا فهي تملأ حياتهما بهجةً..
ما لبثت أن صممت أن تفعل ذلك إذا شاء الله وتنجب ابنًا آخر يضفي صخبًا وصراخًا على الأجواء كلما جاءت لزيارة منزل عائلتها الهادئ رغم كل المعاناة والتعب اللذين تشعر بهما يرافقانها في تربية وحيدتها.. فمنذ إنجابها لكايلا وهي تشعر أن حياتها لم تعد لها ولا لأنشطتها الخاصة بها، خصوصا أنها ترفض طلب نقودا لاستئجار مربية من والديها حتى لا تُصغر شأن قُصي وراتبه المتواضع أمامهما.. فكايلا ترهقها طوال النهار، وتمتص طاقتها بجعلها تجري خلف متطلباتها ورعايتها المتعبة، لينتهي الحال بها مجرد أم بائسة ومرهقة طوال الوقت، لا تجد وقتًا للترفيه عن نفسها، فتملؤها المشاعر السلبية عن ذاتها..
حتى أنها أحيانا تفكر أن ترمي بكل إحباطاتها على قُصي، فليس هذه هي الحياة الزوجية التي صورها لها طوال فترة خطبتهما.. قبل أن تتراجع مدركة أنها كما تعاني في تربية كايلا ومجالستها طوال النهار فهو يعاني الآخر في الخارج في عمله ليوفر لها مستوى معيشي ورفاهية مقبولة فلا يتم اتهامه من قبل والدتها أنه تزوجها حتى يعوض حياة الترف التي فقدها بسب عمه..
ففي نهاية المطاف قُصي يشقى ويتعب في الخارج ويتعرض للإذلال والتوبيخ أحيانا من مدير عمله عند أي خطأ أو تقاعس.. إنها تعرف أنه لا يريد منها أن تعرف حرجه بكل ما يقاسيه على نقيض ما يخبرها عن فخره بنفسه كمهندس صار ذو مكانة.. وعلى كل حال الحياة ليست دائما مكانا للهو والسفر والاستمتاع بملذاتها فقط، وقٌصي لديه من الهم ما يكفيه، لذا هي حقا تحاول جاهدة ألا تشغله بهمومها في تربية ابنتهما بعد عودته من عمله وتساعده على تجاوز صعوبة الواقع ببعض الدعم والمودة..
.
.
أصّر والدا سهر على جعل كايلا تنام عندهم الليلة فأظهرت سهر لهما حُزنًا مصطنعا لأن ابنتها الحبيبة والوحيدة ستنام بعيدة عن أحضانها الليلة ثم ودعتهما مهرولة للخارج قبل أن يغيرا رأيهما وهي تخطط أن تقضي وقتًا مميزا مع قصي هذه الليلة..
حيث أُتيحت لها فرصة على طبق من ذهب لترتاح من كايلا ومشاكستها.. ستهمس في أذنه عن اشتياقها العارم له وتنسيه تعب عمله في النهار..
ركنت سيارتها أمام الفيلا ثم اتجهت نحوها لتفتح الباب وتفاجئ بوجود ضيف عندهم! دلفت لغرفة الضيوف لتجد أن هذا الزائر ما هو إلا والدة قصي.. ألقت عليها السلام بتهذيب وبعد دقائق معهما استأذنت منها لتعد لها شرابا دافئا.. لم تتأخر كثيرا في تقديم الصينية أمام حماتها روزانا التي كانت تخرج أوراقا مختومة من ظرف فخم..
تطلعت سهر لقُصي باستفهام ليبدده لها قائلا بصوت يكتنفه الجدية
((تعالي يا سهر وانظري ما تعرضه أمي عليّ))
عقدت سهر ما بين حاجبيها بعدم فهم ليستطرد قصي بنبرة مبحوحة تشي بسعادة متفجرة في داخله
((هذه الأوراق هي ملكية مكتب هندسي صغير مسجل باسمها ستنقله لإسمي لأبدأ العمل فيه))
أشرقت ملامح سهر بفرحة وهتفت غير مصدقة من باب الفرج الذي انفتح على قُصي
((هل ما يقوله قُصي صحيح يا حماتي؟))
ابتسمت روزانا بأناقة ثم قالت بنبرتها المخملية المترفعة
((لقد راقبتك جيدا خلال ثلاث سنوات المنصرمات يا قُصي، جديتك في العمل داخل المكتب الذي تعمل لصالحه، والآن فقط وجدت الفرصة سانحة لأطلعك عن أمر هذا المكتب الهندسي، سأسجله باسمك ولكن ستعمل فيه كمهندس عادي، وسترتقي درجة تلوى الدرجة بجهدك ومؤهلاتك قبل أن يكون بإمكانك إدارته كاملا))
اندفع قصي نحو أمه يحتضنها بكل قوته هاتفا
((أحبك يا أمي، أحبك، أحبك جدًّا، أخيرا غدوت تتصرفين كأم حقيقية لا عدوة لي))
ابتعد قُصي عن أمه الواجمة وهي تسوي خصلات شعرها التي أفسدها ابنه في خضم عناقه الممتن، ثم عادت تبتسم بنفس اللباقة المتأصلة بها ثم تشمخ هادرة بتلك النبرة المتكلفة
((قُصي عليك أن تدرك أن الناس من حولك خاصة عمك ليسوا أعداءك بالضرورة ولم يتفقوا على كرهك ونبذك، إنّما هم يعيشون لمصلحتهم قبل أن يفكروا بوجودك من الأساس))
رفرف قصي بعينيه ولم يكن قد خطر على باله أن ينظر للأمر من هذه الزاوية، لكن لم يكن يهتم لشيء إلا ببهجته العارمة بملكية المكتب الهندسي.. أما روزانا فمن منطلق دهائها لم تكن لتعطي قُصي هذا المكتب الهندسي بدون أن يمتهن هذه الوظيفة قط حتى لا تخسره! ولو لم يثابر قُصي في عمله ويكتسب الخبرة المطلوبة كمهندس لم يكن ليحلم أن تطلعه عن وجود هذا المكتب أساسا!
مالت روزانا تعدل هندام ابنها وتقول بنبرة بطيئة
((أنتَ الآن تستحق يا بش مهندس هذا المكتب أن يكون لك، فلتبهرنا بقدراتك))
ازدرد قُصي ريقه ثم قال بنبرة مغلفة بالامتنان
((سأفعل يا أمي.. وسترين بنفسك))
أشادت روزانا عليه بهدوء أنيق
((أحسنت بُني، بدأت الآن تسير في الطريق الصحيح، الآن أنتَ جاهز لتستحوذ معنا على شركة القاني تدريجيا واستعادة حقكم فيه كاملا))
قطب قصي حاجبيه باسترابة
((لم أفهم يا أمي!؟ من تقصدين بكلمة "معنا"؟))
انزلقت شفتا روزانا بابتسامة جانبية وهي تقول بكلام يبطن بذكاء ملفت منها لكن مستتر بخبث
((قصدي واضح يا قصي، أنا وأنتم أولادي الثلاثة علينا أن نعمل على السيطرة على كل إنش من شركات القاني لنستعيد حقنا في امتلاكها كلها كاملة، عمك فارس مريض قلب، أدعو الله ليل نهار أن يقرب أجله ويريحنا منه، وحتى ذلك علينا أن نكون مستعدين لهذه اللحظة، بالتصرف بذكاء وهدوء من تحت الطاولة))
بدت الخطة مُرضية جدًّا في عقل روزانا وهي تكمل بحماسها بينما تشبك أصابع كفيها ببعضهم
((ولا تقلق بشأن ذلك الدّخيل يوسف جرو عمك فأنا أعرف سرّه بمسألة إدمانه وبلمح البصر أستطيع أن اكشفها أمام كل أصحاب أسهم شركات القاني وطرده من مركزه الكبير شرّ طردة، فلا يمكن لوضيع أصل مثله أن يبقى في تلك المكانة في الشركة طويلا))
كانت نظرات روزانا مشعة حقا بالخبث وهي تتأمل بصبر المخطط الذي تعّده ليوسف وغيره ممن يقف بطريق أولادها نحو تسلم إدارة الشركة..
دمدم قُصي من بين أسنانه بسخط
((ألا زلتي مُصرة جدًا حول مسألة إدمانه كذريعة لطرده من الشركة!؟))
تحت نظرات سهر المستهجنة التي لم تكن تدرك شيئًا عن تعقيدات عائلة قُصي، تجهم وجهه ثم أكمل يضع حدًا لطمع والدته الذي يحجبها عن العديد من الحقائق التي تخصه معه
((أمي توقفي عن هذه الترهات، توقفي عن اتهام يوسف كذبًا وزورًا بالإدمان، إنه أكثر فطنة منَا جميعا، ثم بأي حق تريدين أن نمتلك أنا وإخوتي فقط شركات القاني؟ أنسيت أن لعمي فارس أولادًا من صلبه لهم الحق في ورثته حتى لو كانت صِلاتهم منقطعة منذ سنوات طوال؟))
عبست روزانا لأن ابنها الأبله قصي لا يعرف شيئا عن يوسف الذي يضاهيها مكرًا ويظنه طيبا لمجرد مسكنته وتذلله أمامهم.. لكن قصي أمسك بكفه الخشن يد والدته ليتابع بعتاب
((توقفي يا أمي عن خططك الشريرة ولا تنجرفي نحو قاع الطمع.. أنا سأكتفي بأخذ هذا المكتب الهندسي وأعمل على تنميته وتطويره راضيًا بأن يكون نصيبي من ثروة عائلة القاني وتعويضًا عن أموال أبي التي نهبها عمي منا))
انتصبت روزانا واقفة بحدة وهي تنفض يده عنها بنفور من قناعته.. وكانت تريد الاعتراض على تفكيره هذا لكن ولأنها عرفت مسبقا أنه سيكون عبثا فقط، أطلقت زمجرة خافتة تكتمها بشق الأنفس لتهدر بعدها بغيظ
((حسنا، حسنا يا قصي، ابقَ كسولًا وقنوعا هكذا واستمتع بهذا الفتات البسيط الذي تقتاته من ثروة عائلة القاني، وفي آخر المطاف تعالي عندي لتنوح أمامي كالنساء وتطالبني أن أستعيد مَالك الذي سرقه عمك الشرير منك مستغلًا يُتمك.. سلام))
واستدارت بكُليتها بكبرياء تنتصب هامتها بعلياء رغم كبر عمرها قبل أن يهتف قصي مناديا إياها يعترضها بذراعيه لتقف مكانها ((أمي..))
زرعت ابتسامة على شفتيها متأملة أن يكون كلامها قد حرَك فيه حَمِيته وغيَر رأيَه ليكمل قصي مبتسمًا
((لم تشربي الشاي الذي ستعده سهر لك، لا يمكنك الذهاب دون أن نضيّفك))
طحنت ضروسها بغيظ ثم طرقت بعنف الأرض بكعب حذائها قبل أن تغادر بغضب أربد داخل الغرفة..
تطلع كل من قصي وسهر في بعضهما بحيرة من غضب أمه المستعر قبل أن يجفلا بفزع عندما صفقت باب الفيلا عاليّا وهي تغادر للخارج..
قالت سهر بعد ذلك بوجه طلق تدعمه
((لا تهتم عزيزي، سوف تسترجع هدوءها ورضاها عنك في النهاية))
ثم أكملت بنبرة عابثة
((كايلا بقيت عند أمي، سأجهز لك الليلة أمسية أجمل من الخيال))
التمعت عيناه بالسعادة وبدأ يعد معها التراس ليسهرا عليه بما أن الليلة ستكون هادئة بدون أيّ هطول متوقع للأمطار..
أشعلا المدفأة المصممة لتوزع الدفء في كل الاتجاهات ثم جلسا على مساند قديمة هناك ولم يكن شيء يضاهي صوت الحطب وهو يحترق متأججا بينما النار تبعث الدفء في نفسيهما..
بدا الجو لطيفا رغم البرودة في الخارج، والقمر منيرا، وكانت سهر قد طلبت طعاما جاهزا.. عندما وصلت الشحنة فتح قصي علب الطعام لها وبدأ يطعمها قطع الدجاج.. ليقول فجأة بصوتٍ شجن
((رغم أن هذه الفيلا كانت مقر عائلتي بفترات الصيف وكنا نقضي أشهرًا طويلة كل سنة إلا أن أول مرة أمضيت وقتا لطيفا على التراس ورأيته كبقعة مميزة جميلة كانت معك أنتِ))
تألقت ابتسامة جميلة على شفتي سهر تبادله الأحاسيس الهائمة التي تبدع في إظهارها له فتسلب لبه..
منذ زواجه منها وهو يعيش حقا أجمل لحظات حياته، شاعرًا أنه امتلك الدنيا بما فيها، يستلذ بقربها ويهيم بوجودها.. فهي له كالنبع كلما اشتهى نهل منها..
دائما ما كانت أمه مصرة على أن حبه لسهر فقط لجمالها وسرعان ما سيزول انبهاره بها عاجلًا أم آجلًا.. لكن مالا تعرفه أنه حتى لو كان جمال سهر وهوايتهما المشتركة هما من أسباب انجذابه لها في البداية.. يبقى سبب حبه لها المتأصل في قلبه والعميق هو أنه وجد في سهر ما كان يفتقده في نفسه..
هي لم تكن فتاة أديبة وراقية وهادئة يومًا.. لكنها في المقابل شخصية عملية ونشيطة وتضج بالتحدي.. فعلى الرغم من أنها ابنة رجلٍ ثريٍ جدًا إلا أنها سبق وعملت في العديد من الأماكن منذ أن بلغت سن العشرين.. ليست كفتيات مجتمع أمه، ليست من نوع الفتيات التي تهتم كثيرًا بملابسها فغالبًا ما ترتدي ملابس عملية ثمنها في متناول اليد.. شعرها دائمًا على طبيعته لا ترهق نفسها بتصفيفات معقدة.. وجهها دائمًا خالي من مستحضرات التجميل فجمالها رباني.. ورغم كل ذلك ثقتها بنفسها هي الطابع الأقوى الذي يهيمن على الهيئة النهائية لها..
ضبطته سهر مستمر بالنظر لها بتلك النظرة المتفحصة المبهورة فانفرجت منها ضحكة خافتة تلكز ذراعه بذراعها لينتبه لها، فضمها له يهمس لها بمزيد من الغزل والحب..
=============================
في مكان آخر في العالم.. حيث الأجواء صيفية..
يعيش مُصعب ونورين.. وحان وقت إجازتهم بعد انتهاء أيام صعبة ومرهقة من الاختبارات والأبحاث..
انطلقوا بعد إحضار بعض الأطعمة والمشروبات إلى بيت كبير على الشاطئ استأجره مُصعب ليومين..
أغمضت نورين عينيها والنسيم الخفيف يلامس صفحة وجهها.. بل الحقيقة أن كل شيء في الأجواء كان رائعا ويمنح الراحة للنفس.. الهواء المنعش، الشمس الساطعة، السماء الزرقاء، ومنظر البحر الرائع الذي انعكست عليه أشعة الشمس.. حتى أنها التقطت العديد من الصور لهذه المناظر الطبيعية كما تفعل كلما رأت منظرًا خلابًا..
بمجرد أن وصلوا لبيت الشاطئ ارتدوا ملابس السباحة وبدأوا يسبحون في المياه الصافية.. حتى ملك الصغيرة التي لم يتجاوز سنها الأربعة سنوات كانت سباحة ماهرة كسمكة صغيرة، كما يدأب مُصعب تسميتها فهي تعشق السباحة كأمها التي غدى لقبها هو السمكة الكبيرة..
مرَّ وقت لم يكن بالقليل عليهم وهم يعومون داخل المياه الزرقاء الدافئة ويلعبون بكرة المياه ويضحكون بصخب عندما خرج مُصعب من البحر إلى الشاطئ وقدميه تنغرز بحبيبات الشاطئ فتدخل بين أصابعه، ثم غيَّر ملابسه إلى أخرى جافة واستقر مع أغراض الشواء تحت شجرة مظللة..
منذ قدومهم إلى هذا البلد للدراسة وهو يحاول ألا يبخل عليهم في الخروج والتنزه في العطل والمناسبات وقضاء أوقات لا تنسى.. فقاموا خلال الثلاث سنوات بجانب الدراسة بالكثير من الرحلات الاستكشافية خارج المدينة التي يقطنون فيها والتعرف على تقاليد هذا البلد الذي يعيشون فيه، والاستمتاع بمأكولاتهم وحضور مهرجاناتهم وشراء الهدايا التذكارية الشعبية.. حتى غدوا يعرفون جيدًا ثقافة وأسلوب حياة جديدين.. فالسّكان المحليون ودودون ومضيافون، والمطاعم مفتوحة حتى وقت متأخر من الليل حيث توجد عائلات بأكملها تتناول الطعام، كذا المنتجعات المعروفة المنتشرة بكثرة في أرجاء البلاد، لديها نوادي للأطفال فتظل ابنتهما ملك مستمعة وسعيدة..
بعد فترة وجيزة هتف مُصعب عاليا إلى حيث نورين مستقرة هي وملك في البحر لكن لم يبدو أنهما انتبها له.. فتقدم من البحر لهما وهنا لاحت نظرة من نورين تبتسم بمرح وهي تلوح له وتسبح باتجاهه.. مال يمد يده لها يساعدها على الخروج من البحر فتمسكت بكفها بقوة.. تساءل مُصعب فيما يشبه الدعابة وهو ينظر باتجاه ملك
((ها قد أطلت السمكة الكبيرة، أين هي سمكتي الصغيرة؟))
هتفت نورين خلفها بصوتٍ يضج مرحا من بين ضحكاتها المفعمة بالمتعة
((سمكتي الصغيرة.. هيا.. تعالي))
سبحت ملك باتجاه أمها وكأنها حورية بحر تسبح خلال بحر من حلوى غزل البنات وما إن اقتربت منها حتى قفزت باتجاهها فالتقطت نورين ابنتها ورفعتها تدور بها على الشاطئ مغمورتين بالمياه
((سمكتي الجميلة محظوظة لأنها تعرف السباحة في هذا العمر، أنا لم أتعلمها إلا بعد زواجي بأبيك))
لحقت نورين زوجها إلى الشجرة حيث موقد الشواء قد التهب فيه الفحم وتصاعدت منه الرائحة المنعشة..
قامت ملك ونورين بتغيير ملابسهما وبعفوية أخرجت نورين هاتفها لتلقط صورة لملك وهي تحثها على الابتسامة ليأتيها صوت مُصعب المنبه فسارعت تقاطعه قائلة بكلمات رتيبة تحفظها عن ظهر قلب
((لا تقلق، سأرسلها لأمي فقط))
قال مُصعب عاقد الحاجبين وهو يبدأ بتجهيز أسياخ الشواء ويضغطها بقوة ومهارة بعد تتبيلها
((أحسنت، إيّاك أن ترسلي أي صور لعائلتي، حتى لا يقولوا بأننا سافرنا للسياحة لا للدراسة))
ضحكت نورين عاليًا بصفاء على كلامه المعتاد كلما رآها تلتقط صورًا لملك لتعقب
((لا تبالغ، صدقني لا أحد يتمنى لك الفرح والسعادة مثل عائلتك))
تذمّر لها مُصعب مبررا بدفاعية
((أعرف ذلك، أنا فقط لا أحب أن يضغطوا عليّ ويلحوا على عودتنا معتقدين أننا هنا للاستجمام لا للدراسة))
أعدت نورين السلطة الخضراء.. بينما نضجت أسياخ اللحم على الجمر ليبدأ مُصعب يعد لهم شطائر المشاوي..
في أثناء تناولهم وجباتهم رفع مُصعب شوكة كانت على طبق جانبي فجأة مباغتًا نورين يقول
((وضعت على قطع اللحم هذه بهاراتك المفضلة))
لمعت عينا نورين بلهفة ومدت يدها لتأخذ الشوكة منه إلا أنه سحبها، وأشار إلى رغبته في إطعامها بنفسه، فامتثلت له وأكلت من يديه ونظرات الحب تتلألأ بعينيها..
عفريتته تعشق تدليله وإطعامه بيدها حتى لو كان بمكان عام وإشعاره بأنه أمير فلا يستطيع ألا يفعل ذلك في المقابل..
وبعد الانتهاء من الطعام ذهبا الاثنين لمساعدة ملك في جمع الأصداف ثم قاموا ببناء قلعة رملية بالغرامة، وأثناء قيامهم بذلك رأوا سلطعونًا صغيرًا جميلًا يمشي على الرّمال فعلَّم مُصعب ملك عن ماهية هذا الحيوان وحيوانات أخرى تعيش في الشاطئ..
كانوا متعبين بعد القيام بكل هذه النشاطات إلا أنهم جميعا شعروا بسعادة غامرة والتقطت نورين لها مع عائلتها الصغيرة صورا كثيرة.. تمشوا على الشاطئ لمدة طويلة وعند غروب الشمس جلسوا يشاهدون قرص الشمس يختفي بالأفق بينما تطاير الأمواج..
وبعد استرخائهم لوقت طويل أمام هذه المنظر البديع ذهبت ملك الصغيرة بصنارتها اللطيفة لتجلس بالقرب من والديها عند الشاطئ للاصطياد، في كل مرة يأتون هنا تمر ساعات وتفشل في اصطياد شيء لكن شعرت بإحساسها الطفولي البريء أن هذه المرة ستنجح!
قالت نورين فجأة لمُصعب بصوتٍ مفعم بالحماس
((لا أصدق أني بعد سنة سأنال درجة الدكتوراة في دراستي، سأُدرس في إحدى الجامعات القريبة عندنا وأصبح الدكتورة المهندسة نورين الهنادل))
ابتسم زوجها يومئ لها فهو أكمل رسالة الماجستير وأرتأى أن يتوقف عند هذا الحد وما يدفعه للبقاء هنا هو حتى تستكمل نورين دراستها..
حانت منه نظرة لها قائلا بعبث
((هذا فقط أمام الناس، لكن بالنسبة لي ستظلين العفريتة نورين وسمكتي الكبيرة والدة سمكتي الصغيرة ملك))
صدح منها ضحكة صاخبة على كلامه، إذ أنه ومنذ قدومهم هنا قام بتسجيلها في نادي سباحة حتى تمارس هوايتها المحببة في السباحة وليس أي نادي بل واحد كبير، من أرقى ما يكون، ماءه نظيف ومعقّم بالكلور، وتراقبه امرأة مهمتها الحفاظ على سلامة من في المسبح، وعلى الزاوية توجد آلة للعصير والبسكوت والأطعمة المغلّفة..
لكن لمعت عيناها ببريق ملفت لتقول بصوتٍ محمل بذكريات الحنين للماضي التي تجتاح قلبها بين الفينة والأخرى
((صحيح أني سجلت بواحد من أكبر نوادي السباحة منذ قدومنا إلى هنا، وتجربة السباحة فيه لا تُنسى، ومن شأن مشاعر السعادة التي تغمرني فيه أن تكون أجمل ذكريات سباحة في حياتي، إلا أنها لن تكون بقدر المشاعر التي غمرتني عندما زرنا أنا وأنت مزرعة البركة لأول مرة))
حتى أنها تذكر في ذلك المشهد كيف بقيت تحدق بمُصعب طويلا وتتساءل كيف يمكن أن تكون شخصيته بكل هذا التناقض..
كيف يمكن لرجل أن يكون بارد المشاعر وينبعث منه الدفء.. حازم في تصرفاته ويعاملها بحنان.. يظهر الجفاء ويتفاعل باهتمام.. غاضب وهادئ.. ساكن وثائر.. والثابت فيه شهامته، نبله، ودماثة خلقه!
فلم تستطع رغم تخوفها وعدم تأقلمها في المكان ألّا تتصرف بطيبة صادقة وعفوية معه..
أما هو فامتلأ قلبه بالحنين لهذه الذكرى، وامتلأت نظراته بالشجن يواجه وجهها متسائلا بصوتٍ مبحوح
((هل تشتاقين للقرية؟))
أرخت أجفانها وهي تجيب بصوتٍ أجش
((نعم أشتاق لقريتينا جدًّا))
لا تنكر نورين أنهم يعيشون هنا في أجمل المدن المتطوّرة ذات الشوارع النظيفة.. والبنايات اللّامعة.. والمراكز التجارية العملاقة.. والمطاعم المتنوعة.. ومع بشر من مختلف الأعراق والثقافات.. لكن في نهاية اليوم تدرك أنها مهما أحبت هذه الأماكن وانبهرت بها فلا أجمل من تلك الأيام التي قضتها في قريتها وقرية مُصعب بعد زواجها منه.. حيث تركت أثرها الأجمل في روحها وترسخت من الدَّاخل بالحب والنقاء والضحك اللاَّمحدود.. فكانت تصحو في الصباح الباكر على رائحة الخبز الصاعدة من التنانير الموقودة بالحطب وسعف النخيل.. وتذوّق حليب الأغنام مع صوت العصافير العذب في الأجواء..
ما أجمل قريتها وطبيعتها! وما أشد صلتها بقلبها!
ظلوا جالسين على الشاطئ لوقت متأخر يتجاذبون الكلام والذكريات البعيدة وهم يأكلون وجبات خفيفة كالبيتزا بالجبن وفطائر اللحم الشهية أمام رؤية مشهد بديع لمجموعة نجوم درب التبانة وقد وعدهنَّ مُصعب بأخذهم في الغد إلى القارب الزجاجي، ليتمكنوا من رؤية الأسماك الملونة المختلفة الرائعة وأنواع كثيرة من الحيوانات المائية والتصوير معها..
وعندما بدأ الجو يزداد برودة هتف صوت مُصعب في ابنته
((أيتها السمكة الصغيرة لنعد لبيت الشاطئ))
أومأت ملك بطاعة تتثاءب وقد بدأ يداعبها النعاس وقبل أن تقف شعرت بسحب على عمودها فتراجعت للخلف وعلقت السمكة في المسند.. فبدأت تحاول جذبها من الماء مدركة أنها سمكة كبيرة وهي تصرخ بحماس..
ساعدة مصعب في إخراجها والتقطت نورين لهما صورة وهم يمسكون بالسمكة قبل أن يرمياها في الماء، ويعودوا إلى منزل الشاطئ حيث داخله يغمر كل واحد منهم نفسه في حوض الاستحمام الحار..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السادس وتسعون 96 - بقلم Hya Ssin
كانت ياسمين ترتب الملابس في رفوف الخزانة عندما شعرت فجأة بيد تمسك بذراعها وبلمح البصر تستدير بكلها بقوة طفيفة، ليحضنها في صدره.. لم يمهلها أن تستوعب حضوره.. لكنها تعلم أنه هو.. من رائحة عطره.. من لمساته..
بتلقائية تامة كانت تلف ذراعيها حوله تحتضنه كما يحتضنها بحب وكأنها لم تره عند مغادرته للعمل صباحا..
تبسّم بهيام وهو يغمر أصابعه في ملمسه مخمنًا أي نوع بلسم شعر استخدمت ليفوح عطره من شعرها الكثيف المُسرح ناعمًا والذي استطال حتى منتصف ظهرها هكذا! فهي غدت تولي شعرها اهتماماَ خاصاَ..
رفعت ياسمين وجهها له وعيناها تشتاقان متعة النظر لحبيبها خفيف الروح والذي صارت لها معه حياة جميلة، ومشاعر منعشة حدّ الإدمان.. فمعه فقط أصبحت تشعر أنها تحيا بعد أن كانت مهمشة، سعيدة بعد أن كانت تعيسة..
قال ينتشلها من بؤرة خواطرها
((سأذهب للاستحمام وأريد أن أخرج على رائحة الغداء الشهية))
ابتسمت له بحنو وهي تعلمه
((إنه جاهز فاستعجل فقط لنأكله بصحبة العائلة))
.
.
وبعد الانتهاء من تناول الغداء بمعيّة العائلة.. دخلت ياسمين لجناحها لتجد مَازن كالعادة أمام البلايستيشن ينافس هدى التي كبرت وأضحت أكثر نضجًا، تهذيبًا.. كانت نحيلة الجسد بشعر داكن وقصة صبيانية، وطول قامة كأكثر سمة واضحة ورثتها من والدها..
فابتسمت بحنو لمرأى الحماس بينهما وهَنا الصغيرة تجلس في حجر والدها وتهتف عاليا مشجعة إيًّاه..
انتبه مَازن لوجودها فحانت نظرة منه اتجاهها ليقول بنبرة دفاعية ونظره مركز على شاشة اللعب أمامه
((لم أجلس سوى ربع ساعة على البلايستيشن))
تقدمت نحوهم لتقول بنبرة مرحة
((وهل قلت كلمة اعتراض! يمكنك اللعب بقدر ما تشاء يا حبيبي))
تنحى تركيز مَازن عن اللعبة قليلا ليناظر ياسمين قائلا بنبرة ذات مغزى
((شكرا لك يا ياسو لأنك أحببتني رغم عيوبك))
ضيّقت عيناها تصحح له بنفس المرح
((تقصد عيوبك أنت؟))
انزلقت شفتاه عن ابتسامة جانبية وهو يرد بثبات
((لا، لا، قصدت فعلا عيوبك أنتِ))
تجهمت ملامحها فجأة له وأخرجت لسانها فردها لها قبل أن يعيد تركيزه للشاشة ويجد هدى على وشك أن تربح.. وفعلا هزمته هزيمة ساحقة ثم قفزت مكانها هاتفة بانتشاء الانتصار..
ضحك عليها قبل أن يرى ابنته هَنا تصفق فرحا لفوز أختها الكبيرة فيدعي العبوس وخيبة الأمل من موالاة صغيرته لفوز أختها، ليندفع عليها بدغدغة مشاكسًا إيّاها وهي تنفجر ضحكا لا تقاومه..
في مشهد كهذا تتغير ملامح ياسمين من الواجمة إلى أخرى تعتريها الحنيًّة والسعادة..
هي وبعد تحمل مَازن المسؤولية تعافى من إدمانه الرهيب منها وبدلا من أن يبقى لساعات طوال أمامها صار لا يتجاوز لعبه ساعة أو ساعتين في اليوم.. فلم قد تكره أن يمارس زوجها مع ابنتيهما أكثر شيء يحبونه طالما أن لعبه يصفي ذهنه وأفكاره ويبعده عن إرهاق العمل في الشركة أو عمله في المزرعة في أيام العطل..
على العكس هي تحاول أن توفر له كل ما فيه راحة له أثناء لعبه فتجلس بجانبه وتطعمه بيدها وتتشارك معه أحاديث كثيرة.. وقد يكون أحيانا صمتًا ناطقًا خاصا بلغة العيون بدل الشفاه في وجود ابنتيهما..
فتحت ياسمين خزانتها وأخرجت ملابسًا تخص الخروج وبدأت تسرح شعرها فالتفتت هَنا لوالدها معقبة ببراءة الأطفال وهي تراه سارح في جمال أمها المبهر وشعرها المسترسل الطويل
((بابا.. ماما شعرها طويل.. أنا وهدى قصير..))
كان مَازن دائما ما يحث ابنتيه على قص شعرهما لأنه يميل للتجعد ويتعبه عندما تطلب أحداهما منه أن يقوم بتضفيره، على عكس ياسمين التي حقا لا يتخيل أن تقرب المقص من شعرها وتجعله يعيش أسوء كوابيسه!
فاتسعت عيناه بغضب ظاهري أمام هَنا لتذكره أمر قصّ شعر أمها، بغتة اندفع يضمها ويدغدغها بقوة مرة أخرى فتكاد تبكي من فرط الضحك ولا تستطيع هدى المستمتعة معهما تخليصها من والدها..
ابتعد مَازن عن هَنا ما بدأت فعلا تلهث من الضحك جراء دغدغته وقال مدعيا الحزم
((لا يهمني إلا شعر أمكما، وأنا لا يمكن أن أتخيله إلا طويلا))
هزّت ياسمين شعرها بيأس منه قبل أن تعقصه وتقوم بارتداء حجابها وهي تُعلمه
((سأخرج الآن يا قمر الدين، هل تحتاج إلى شيء؟))
بدا مَازن حائرا وقد نسي السبب الذي ستخرج له كما أخبرته في الأمس فتساءل
((إلى أين؟ لتوصيل طلبات الملابس للمرأة التي تعملين معها؟))
ذكرته بهدوء يشوبه الفرح بين طياته
((سأذهب الى صديقتي))
رفع مَازن حاجبيه متذكرا، وقد كان حقا سعيدًا لأن ياسمين استطاعت التواصل مع صديقتها المقربة بعد سنوات من الجفاء والفراق، لأنها أضحت امرأة مختلفة محبوبة واجتماعية ثم قال لها وهو يعتدل واقفا
((سأوصلك بنفسي))
ناظرته بحب متدفق وقالت بدلال
((لا تتعب نفسك..))
اقترب منها يحتضن وجهها النحيف الجميل بيديه هامسا بنبرة مميزة
((تعبك راحة حبيبتي))
بعباءتها السوداء والوشاح يغطي شعرها خرجت ياسمين في الباحة الداخلية للدار واستقلت المقعد الأول للسيارة التي يجلس فيها مَازن.. سيارته الخاصة التي اشتراها بمدخرات مرتبه..
ثم انطلقت السيارة بهم جميعا ليوصل ياسمين لصديقتها في حين أخذا معهما هدى وهنا ليزروا خالهما المحبوب مجيد..
كانت ياسمين حقا سعيدة في هذه اللحظة لأنها استطاعت أن تعيد أواصر السعادة مع صديقتها القديمة.. فصارت تتحمس بين الحين والآخر الالتقاء بها وزيارتها، وقد اكتشفت بعد وقت من العتاب والأحداث التي مرت عليها بأنها ما زالت على حالها، بسيطة، طموحة، كثيرة المزاح والضحك.. فتواعدت معها أن لا تفترقا أبدا، وأن تجددا صداقتهما من جديد وأن يعتبرا البعد الذي حدث لهما في الماضي سوء فهم وانتهى..
=============================
ركنت شيرين سيارتها أمام المكان المنشود.. ترجّلت من السّيارة ورفعت رأسها تستدل بإشارات الطريق المؤدي إلى سجن إصلاحية النساء..
فقبل أسبوعين، بُلّغت بالموافقة وتم تحديد موعد لها لتقديم دورة تدريبية لنزيلات إصلاحية النساء بمحافظة أخرى، يحوي عدة ورشات على مدى أسابيع..
جاءت لها فكرة تقديم برنامج تدريبي للنزيلات عندما تفاجأت الشَّهر المنصرم بمُعاذ يأخذها رفقة ابنيهما الى مهرجان خاص بالثقافة والفنون..
في البداية اندهشت من دعوته تلك لهم فهكذا أماكن لا تستهويه أبدًا لكن عرفت أن سر اصطحابه لهم هناك حتى يأخذهم إلى البازار الخاص بالمهرجان..
وبعد تجولهم داخل البازار عرفت أنه متخصص بعرض منتجات يدوية لنزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل.. حيث خصصت إدارة المهرجان جناحًا لعرض مُنتجاتهم، إسهامًا منها في تقديم الدًّعم ماديًّا والأكثر معنويًا لهذه الفئة..
فظًّلت آنذاك شيرين مع دارين تتجولان بانبهار بالمعرض بين المطرزات والأثواب، والخزفيات والفخاريات، والأثاث الخشبي والمعدني..
وقد سعدت بالفكرة خاصة عندما أخبرها مُعاذ بأنه علِم أنّ إدارة سجن النساء ذاك الذي أمضت فيه فترة سجنها، تعمل إدارته حاليًا على إطلاق متجر إلكتروني يعتبر الأول من نوعه لعرض منتجات النزيلات وتسويقها، وهو في مراحله النهائية لحين الاتفاق مع شركات الدفع الإلكتروني والتوصيل.. لتأمين عودة النزيل لحياته الطبيعية كعنصر فعال قادر على الإنتاجية، ودمجه بسهولة داخل المجتمع..
ومن هنا جاءت فكرة حثّ مُعاذ لها في التطوع بتقديم دورات تدريبية في سجن النساء هذا ولو أنه مختلف عن الذي قضت فيه أشهرًا صعبة عندما كانت نزيلة..
فإدارة الإصلاحية يقومون باستدعاء من يمكنهم الارتقاء بمستوى النزيلات بالدورات وورشات العمل وهي من دون منازع ستكون مناسبة لهذه المهمة.. فإذا ذهبت هناك وقدمت ما لديها على أحسن وجه وقتها فقط تستطيع أن تقول بأنها تجاوزت تجربة السجن تلك فيما مضى..
عادت شيرين للواقع وهي تأخذ نفسًا عميقًا ثم أوصدت باب السيارة وأكملت خطاها في طريقها المؤدي للسجن..
عند أول حاجز أمن كان الاستقبال لشيرين رائعا بعد اطلاع حارس الأمن على هويتها مرفقة باستدعائها، فاستبشرت وبدأت أعصابها تسترخي وتوترها يقل، رغم عتابها على مُعاذ لأنه رفض الحضور معها تاركًا إيّاها تجابه التجربة لوحدها وتخوضها لأول مرة كمتطوعة في السجن لا نزيلة!
دخلت شيرين إلى مبنى الإدارة في الداخل، وتمت إجراءًت الدخول الأمنية بكل سلاسة وعملية فضلًا عن عبارات الدعم والتشجيع من طرف موظفات السجن اللاّتي التقت بِهنَّ، وهذا المتعارف منهن لأي أحد يتعاملنَ معه من خارج السجن..
جاء وقت اللقاء، ودخلت النزيلات واحدة تِلْوَ الأخرى..
بدأت دقات قلب شيرين تتزايد بقلق من ألا تتمكن أن تقدم الأفضل لهن، خاصة ووجوه النزيلات تحمل علامات استفهام، وفي انتظار ما ستقدمه..
بدأ تمرين التعارف الذي من المفترض أن يكسر الجليد، ويضيف شيئًا من الألفة بين المشاركات وبينها.. ثم اتجهت شيرين لاستخدام مخزونها من الخبرات والمهارات، واستخرجت أفضل ما لديها للتعامل مع الموقف، وحولت بطريقة ما المفردات اللغوية لتناسب مستواهن الثقافي، وتشّدهن وتدفعهن إلى المشاركة، وجرت الدورة بكل سلاسة إلى نهايتها!
وفي نهاية الدورة، حصدت شيرين من النزيلات كلمات عرفان وامتنان قيمة، جعلتها تشعر بالفخر والإيجابية بما قدمته..
خرجت شيرين بعد إغلاق بوابة السجن فوقفت تتنفس بعمق هائل وشعور لا يوصف تملكها بخوض هذه التجربة الفريدة.. لحظتها لقد شعرت حقا بعد خروجها من السجن بأنها لم تعد تتحسس من تجربة دخولها السجن السابقة الأليمة!
تألقت ابتسامة على ثغرها وسارت إلى حيثما تركن سيارتها وما إن اقتربت حتى تفاجأت بمُعاذ يقف بمحاذاة السيارة بعد وصوله بسيارة أجرة إلى هنا ينتظر خروجها ليعودا معا للمنزل..
بدأت تتسع ابتسامتها ويتهلل وجهها بحماس لرؤيته..
ترك مُعاذ لعينيّه حرية النظر بشغف وحب عليها حتى هرولت هي باتجاهه لترتمي عليه بقوة جعلته يرتد للخلف وهو يضحك بعذوبة.. قبل أن يضمها بحنو إليه ثم يربت على ظهرها بوداعة..
قبلت كتفيه بسعادة ثم نظرت إليه بحب متدفق وابتسامتها ثابتة لا تتزحزح لتقول
((كيف فعلتها وجئت هنا!؟))
ظل مبتسما وذراعيه تحوطانها برقة ثم قال وهو يوجهها الى السيارة
((قلت في نفسي عليّ أن أقود عنك لأنك ستكونين متعبة بعد الانتهاء))
اتخذ مُعاذ مكانه خلف المقود بينما جلست الى جواره ترفع حاجبيها بتلاعب وهي ترد عليه
((فقط جئت لتقود عني سيارتي للبيت؟))
شغل محرك سيارته وطالعها بعبث
((وربما من أجل قضاء بعض الوقت الخاص بنا في أحد الأماكن المميزة قبل أن نعود للبيت، متأكد أنك قمت قبل قليل بعمل جيد تستحقين عليه مكافأة))
ضحكت على كلامه متيقظة من الفخر المتوهج بعينيه المحدقتين بها، والاعتزاز بما فعلته فنجاحها نجاح له بالنسبة إليه.. لطالما دعمها على تحقيق أهدافها الشخصية والمهنية، كما منحها حريّة التصرف، والوثوق بقراراتها والاعتماد عليها، ووجهها بعبارات ترفع من عزيمتها وتحثّها على التقدم أكثر..
=============================
مكان عمل مُؤيد..
استعاذ مُؤيد بالله من الشيطان الرجيم يزفر حانقًا كي لا يفقد ما تبقى من صبره ويحافظ على لباقته مع هذه العميلة النزقة الجالسة أمامه والتي لم تتوقف عن الحديث والتساؤل مرارا وتكرار عن أمور تافهة أو طلبات غير ممكنة وكأنها تحاول خلق حديث معه من العدم..
مسح يديه بوجهه بتململ يحاول إخفاء ضيقه وامتعاضه ثم حافظ على ابتسامته الباردة ولهجته الجافة وهو يقول
((أنا أتفهم حاجتك للاستعجال بالطلبية، ولكن بيننا موعد محدد ثابت في الأسبوع القادم، ولن أستطيع تقديمه))
كانت عينا العميلة الشابة لا تفارقان النظر في مُؤيد وهي تلوك العلكة بتغنج بغير تركيز مأخوذة بلهجته الريفية! لكنها تداركت نفسها وسارعت تقول بدلال رخيص وهي تتلاعب بخصلة من شعرها من تحت الوشاح الخفيف الذي تلفه حول رأسها
((وأنا أتفهم كلامك، ولكني مندوبة الشركة العميلة الدائمة لديكم، ألا يشفع لنا هذا أن تستعجلوا بالطلبية وتأتي في نهاية هذا الأسبوع))
تطلع مُؤيد بنظره إلى ساعة يده للمرة المئة قبل أن يقول بكلمات رتيبة محفوظة وهو يجاهد التحكم في نفسه
((سأعمل على ذلك، لكن لن أعدكم))
مطت العميلة شفتيها بعبوس متدلل بحركة ذات مغزى وقالت بصوتٍ خالطه طرقعة العلكة بفمها
((يبدو أن سؤالي لك باستعجالي الطلبية قد أثار استياءك، ما كانت طلبية التي تفسد علاقة شركتنا بأفضل موزع لنا في المدينة!))
كان مُؤيد قد فاض كيله من تطويلها السيرة ودلالها ذاك الذي يثير في نفسه الغثيان.. خاصة وأن مزاجه معكر من عمل اليوم الطويل المتعب، ومع ذلك تحامل على نفسه ورد عليها ببرود ومهنية تحمل بعض الخشونة
((أي استياء هذا!؟ كل الود والاحترام لشركتكم))
بقيت تتجاهل ضجره منها وتدعي السّذاجة وهي تقول له بعبث شقي
((إذن هل يمكن أن أطلب فنجاة قهوة ريثما نناقش بعض الأمور بشأن الموعد القادم؟))
انفلت لجام صبر مُؤيد هنا فها هي تعود لتتحدث عن نفس سيرة تقديم الموعد وكأنها لم تحصل منه على إجابة.. ورغما عنه خرجت نبرته المستنكرة
((ماذا بقي لنناقشه عن الموعد؟ لقد تحدثنا عن كل شيء عدة مرات))
تخضب وجه العميلة بالحرج من عدم لباقته معها وقالت بحنق عندما عاد يناظر ساعة يده
((هل حان موعد مغادرتك العمل؟ يبدو أنني أؤخرك))
وقبل أن يرد رأى زوجته رتيل تقف عند باب مكتبة تناظره بتحفظ فاستقام واقفا وتجاوز العميلة يخطو نحو الباب قائلًا
((رتيل كيف حضرت؟))
اتسعت عينا العميلة بذهول وهي تناظر تلك المرأة الحامل التي اقترب مُؤيد منها! يمسك يدها بحميمية أظهرت لها بأنها تكون ذو قرابة.. وطريقة استقباله واقترابه الشديد منها تبين أنها ليست سوى زوجته!!
حاد مُؤيد بنظراته عن زوجته إلى العميلة الشابة ليقول بهدوء وهو يخرج هاتفه من جيب بنطاله
((إذن يا آنسة سأزودك برقم أحد مساعديّ لتستفسري منه عن باقي أسئلتك بشأن الطلبية، فكما خمنتِ قد حان موعد مغادرتي العمل))
أطبقت العميلة الشابة فكيها وهي ترد بحدة
((لا، لا داعي لقد عرفت ما أحتاجه عن الطلبية!))
ثم ترجلت واقفة من مكانها تسحب حقيبتها بغلظة وتغادر المكتب بخيبة أمل واضحة..
بقوة أمسكت رتيل يد مُؤيد ترفعها نحو وجهه ولامست بسبابتها بنصره الأيسر هامسة من بين أسنانها
((لماذا لا ترتدي خاتم الزواج يا مُؤيد!؟))
إذ لطالما حثته أن يرتدي محبس الزواج ليس لأن الخاتم ذلك الرمز المعنوي الجميل الذي يربط بين الزوجين فقط بل لأنه يظهر لمحيطه بأنه أسير امرأة واحدة.. أسيرها!
فلاحت ابتسامة الخلابة على ثغره وناغشها
((أنا لم أرتدي في حياتي خاتم زواجنا إلا نادرًا فأنا إنسان عملي، حتى أني نسيت أين وضعته آخر مرة))
كان محقا بكلامه فهو لطالما اعتبر ارتداء محبس الزواج مجرد عادة اجتماعية خاصة بالنّساء لا معنى لها من وجهة نظره.. كما أن ارتداءه يشعره بعدم الارتياح لأنه غير معتاد على وضع شيء في أصابعه، ومتطلبات عمله تضطره في كثير من الأحيان إلى لبس قفازات بشكل دائم بحيث يصبح فيه الخاتم عائقًا..
بالنسبة لرتيل التي أصبحت أكثر عاطفية ومتقلبة المزاج في مرحلة الحمل، لم تتحمل سخريته فأفلتت يده بعنف تزجره
((لا تقنعني هذه الحجج التافهة))
تنهدت لترفع كفها بعفوية إلى بطنها تمسدها وقلبها يدق بقوة غضبًا من تلك الفتاة الشابة التي كانت تحاول مغازلته أو بالأحرى إغراءه! واسترسلت بغضب متقد
((سأشتري لك واحدا بنفسي وسترتديه رغما عنك!))
انفجر مُؤيد ضاحكًا من غيرة زوجته عليه المفضوحة فهتفت به بحنق
((توقف عن الضحك))
توقف فعلا ثم حرك كفه ليلامس بطنها التي تزداد كبرا مع الوقت ويضيف بحرارة
((صدقيني ولا أي امرأة قادرة على إغرائي غيرك أنتِ))
ابتلعت رتيل ريقها واحمرت وجنتيها لأنه عرّى باطنها ومخاوفها وشعرت برغبة في لكم وجهه الوسيم المغتر بنفسه!
شمخت بذقنها وقد ارتدت رداء الكبرياء الذي يليق بها
((طبعا فقد رميتك بسحري وسحري نافذ المفعول!))
ثم لم تستطع كتم زمام غيرتها أكثر فاستدارت تنوي المغادرة مبتعدة عنه ولكنه أمسك ذراعها يحاول سحبها نحوه.. فقاومته بتمنع لتتملص من ذراعيه..
فحاوطها من كتفيها قائلًا والابتسامة تأبى مفارقة ثغره
((هيا للسيارة، لن أدعك تبقين واقفة وأنتِ بهذه الحالة))
أخذت نفسا عميقا تلتمع عيناها بالسعادة تحدق فيه
((لطف منك عزيزي..))
وقبل أن تكمل مازحها في طريقها نحو الخارج متسائلا باهتمام
((ها.. كيف كانت زيارتك لابنة خالتك؟ عن ماذا تحدثتما؟))
هنا هي من كانت قد جلجلت ضحكتها تحت نظراته الحانقة قبل أن يعاود الابتسام مجددا..
أمسكت رتيل ببطنها كأنها تخشى سقوط طفلها خلال ضحكها.. فمُؤيد هو الأخر غيرته عليها مفضوحة!
رغم أنه يقاوم نفسه بشق الأنفس لإعطائها حريتها إلا أنها تدرك أنه من داخله يغار عليها من أي وقت خاص بها تقضيه بعيدا عنه.. فردت عليه بدون إسهاب
((العديد من الأمور طبعا من بينها حول الأزواج..))
أومأ مُؤيد يبدي اهتمامه بالإصغاء لها وهو يشيح بنظراته بعيدًا عن عينيها إلى حيث يركن سيارته..
أما هي فكانت سعيدة حقًا للوقت الذي تقضيه بين الحين والآخر مع ابنة خالتها، فالأمر لا يقتصر معها على قضاء وقتا ترفيهيا معها وحسب، بل يمكنها أن تبوح لها عما يحدث معها أو يجول بخاطرها.. فالحقيقة ورغم أنها أضحت أكثر انفتاحًا مع مُؤيد وعلاقتهما شهدت تحسنا كبيرا، إلا أنها وحتى الآن لا تستطيع أن تبوح له بكل شيء.. فمثلًا في إحدى المرات أخبرته عن تعرضها للمعاكسة في الهاتف فانفجر صارخا بوجهها بعصبية واهتاج وأصرّ بعنجهية أن يلاحق الرقم ويلجأ للشرطة الإلكترونية لاتخاذ كافة الإجراءات القانونية دون هوادة بحق المعاكس الذي اتضح أنه مراهق عابث..
فمُؤيد للآن يجد صعوبة في التحكم بعصبيته وثورانه عند الغضب! وليس بمقدوره أحيانًا أن يقيم الأمور بميزان العقل الراجح أو يتمتع بحكمة كافية.. على عكس ابنة خالتها التي تخبرها بكل شيء وتتناول التفاصيل معها بكل هدوء وروية..
.
.
بعد ساعتين..
داخل منزل مُؤيد الذي اشتراه منذ معرفته بحمل رتيل وكان أوسع بكثير من تلك الشقة السابقة الضيقة التي كانوا يقطنون فيها..
دلف مُؤيد متهدل الكتفين إلى غرفة نومه وكان على هيئة يرثى لها بوجه متعب وجبين متعرق.. جلس على طرف السرير وهو يلكز كتف رتيل المتمددة ليقول بإجهاد
((لقد أنهيت جز العشب، تشذيب الأشجار، كما أخذت السيارة إلى مركز الصيانة لاستبدال كشاف الإضاءة المكسور، وأعدت الولدين من النادي.. وكل هذا دون أن أتناول طعام الغداء، لذا أريد عشاء فخما مكافأة على مهامي الكثيرة!))
لكن رتيل وبسبب الحمل فقد صار صعبا عليها حتى الحركة أو الالتفاف بجسدها، فهي أغلب اليوم تعاني التعب هي الأخرى..
فتحت عينيها بتكاسل تدفع عن نفسها النعاس دفعًا لتقول بصوتٍ خامل
((أي عشاء هذا!؟ ألا ترى وضعي! إنًّ الحمل ينهكني ونمت مباشرة بعد عودتنا من الخارج))
انقلبت ملامح مُؤيد بحنق وشعور الإرهاق يستشري في كامل خلايا جسده كأنياب تنهشه فدمدم بصوتٍ يائسٍ
((إذن تريدين مني أن أموت جوعا!))
حاولت رتيل الطلب منه برقة وبعينين تجاهد في فتحهما
((الأولاد أكلوا في النادي لذا أطلب أي شيء من الخارج لنا، فنحن لم نأكل أي شيء جاهز منذ وقت))
تذمر لها مُؤيد بامتعاض
((ولكن لا أحب أكل الخارج، أريد أن آكل طعاما من يديك))
عاتبته باقتضاب وهي تتكئ على مسند السرير خلفها
((مُؤيد أنا متعبة حقا، لماذا لا تشعر بي!؟))
صمت بوجه متجهم فشعرت بالذنب يعتريها إذ أنها في أشهر حملها الأخير أضحت تطلب الطعام جاهزا في معظم الأيام.. فابتعدت عنه تتحرك لتقوم من السرير لتقول بوداعة
((انتظر نصف ساعة وسأعد لك أكثر المأكولات سريعة التحضير التي تحبها))
تراخى وجه مُؤيد من ردة فعلها هذه وما إن غادرت السرير حتى شعر بتأنيب الضمير وهو يراها تتهادى في مشيتها وتستند بالحائط من شدة التعب.. وتمنى لو أنه يقوم بمساعدتها إلا أنه كان هو الآخر متعبا من العمل في الخارج.. فوجد صوته يصدح عاليا
((حبيبتي لا تعدي شيئا، سأطلب من المطعم، أرغب حقا بتجربة الطعام الهندي من المطعم الموجود في نهاية الحي))
سرعان ما قدم نحوه ولداه يهرولان عند سماع هتافه.. فاقترب فهد يلهث بحماس
((هل نذهب معك لإحضار الأكل؟ حقًا أشفق على حال أمي..))
وأكمل باسم يردد
((أعطنا النقود وسنقوم بإحضار ما ترغبون فيه، أمي تستحق أن ترتاح..))
همهم مُؤيد ثم رمقهما بسخط هاتفا
((حلًّت عليكما الشفقة فجأة! أين كنتما حينما كنت أطلبكما لتساعداني في مهام الحديقة))
ثم أردف وهو يجز على أسنانه
((اغربا عن وجهي.. قبل أن أقول شيئا خاطئا))
تراجع كل من فهد وباسم دون خوف يغادران الغرفة، لكن لم يأسر فهد جملته متهكما على والده
((لقد صرت حساسًا يا أبي كأنك أنت الحامل لا أمي))
ثم ما لبث أن علت ضحكتهما وهما يهربان معا في الرواق..
.
.
ليلا..
وضعت رتيل على وجهها قناعا طبيعيا مغذيا وبعض الزيوت والكريمات المعطرة على فروة شعرها وبدأت تدعكها نعومة.. ثم وضعت مرطبا خاصا بالعيون وبدأت تمسد منطقة ما تحت العين برفق..
استرخت براحة متمددة في المغطس الحار الذي صنعته لها بعد أن ملأته بالزيوت العطرية المنعشة والروائح الجميلة التي تضفي لنفسها حيوية، وتخلصها من كل إرهاق الحمل الذي يتعبها فهي في أواخره..
بعدما انتهت ارتدت قميص نوم "محتشم" من النوع الذي يناسب ذوق مُؤيد.. وقد نثرت عطرا فواحًا على معصميها وخلف أذنيها..
سمعت طرقا خفيفا على الباب قبل أن يدلف مُؤيد للداخل.. فقالت برواق عذب
((سأحضر لك ملابسك التي سترتديها صباحًا))
وفعلا فتحت خزانته تنتقي له أكثر من قميص حتى يختار ما يميل لارتدائه غدا بينما ارتمى على السرير يضجع عليه..
تمددت رتيل بجانبه وقبلت رأسه حتى يستنشق رائحة عطرها ثم سألته بدلال
((هل أبدو جميلة الآن؟))
أجابها مُؤيد بنبرة ناعسة دون أن يفتح عينيه المغمضتين
((نعم عزيزتي))
قطبت حاجبيها وتذمرت بخفوت عابس
((لا يبدو وكأنك نظرت لوجهي))
تثائب بنعاس مثقل ثم أولاها ظهره هامسًا بخمول
((من دون أن أنظر إليك أعرف أنك جميلة))
ظلت على انزعاجها وهزت إحدى كتفيها هادرة
((لا أشعر أنك تقولها بصدق))
فتح عينيه واستدار لها نصف استدارة مستنكرا
((وماذا أفعل إذن؟ هل تريدين مني مثلا أن اجلس وأتأمل وجهك وأشعرك بذهولي حتى تصدقي أنك جميلة))
لكزت كتفه وردت عليه
((نعم أريدك أن تفعل ذلك، ألست جميلة وأستحق منك أن تراني بانبهار؟))
زفر مُؤيد باستياء وعلت نبرته قليلا هاتفا يعاود مناغشتها على عكس ما يفعل أحيانا
((نعم جميلة لكن مهما غيرتي في وجهك وتجملت سيبقى وجهك مألوفا عليّ، أقوم بحلاقة ذقني أسبوعيًا ومع ذلك لم أطلب منك يوما أن تشيدي بوسامتي بينما تتسمر عيناك بذهول عليه.. لم أطلب هذا لأنه ليس من المنطقي))
أغلظت نظراتها بحنق ثم عقبت
((أنتَ فعلا جلف قاسي، لا تعرف كيف تتحدث مع النساء))
كان متفهما في النهاية أن المرأة الحامل مزاجية وتتأثر بأبسط الأسباب فهي ومنذ حملها وهي ترغب بشدّة منه هو سماع كلمات الحب الدافئة، وعبارات الغزل العميقة، والاعتراف الصريح بالوقوع في حبها، وسبب حبه لها، وحجم هذا الحب، وكلمات المدح والثناء بشكلٍ عام، وتعداد صفاتها الحسنة، وذكر ميزاتها الشخصيّة.. وكل هذا ضد سجيته وشخصيته الكتومة في هكذا أمور لا يحب كثيرًا التعبير عنها..
لكن حانت منه نظرة بعينيه الناعستين ليحدق بوجهها العابس والخالي من أي تبرج يعطي نفسه دقيقة لتأملها..
إنها حقا جذابة بجمالها الوحشي البري.. بشعرها الطويل المنثور.. لطالما كانت لها تلك الهالة من سحر الانجذاب ككائن خرافي أتى من قصص الأساطير.. فوجد نفسه يهمس بلا شعور
((أنتِ حقا جميلة يا رتيل))
قالها يرسم ابتسامة خلابة ثم عاد للنوم فترققت ملامحها ملاحظة تعبه حقا خاصة بعد تخمته من الطعام الذي أكله.. فرغم أنه أراد أن يطلب من المطعم الهندي بعض الوجبات الخفيفة التي يميل المرء أن يسميها عشاء.. انتهى الأمر به بطلب الكثير من المقبلات والسلطات والسمك المقلي والمشوي والأرز وصدور دجاج محمرة ومسلوقة وشرائح لحم وبضع قطع من البقلاوة، يتبعها مزيد من الحلويات والعصير وقطعتين من الكعك..
زحفت له تميل إلى أذنه هامسة بصوتٍ ساحر
((لقد كان يومك في العمل طويلا ومرهقا، ما رأيك أن أطبق فن حركات المساج الذي تعلمته مؤخرا؟))
فتح عينيه متحفزا لكلماتها وشعر برغبة متدفقة لأن يفيق جسده من حالة الخمول المسيطرة عليه وتفكك عضلاته من تيبسها بحيوية تحت لمسات أناملها الساحرة فرفع رأسه لها يرد عليها بنفس الهمس
((إذا كان هذا فلا بأس))
وتبادل الاثنان تلك الابتسامة المميزة..
إنه لا يزال منذ سنوات يعيش في مرحلة اكتشافها.. يظل يرمقها بنظرات الإعجاب، ويختلس الوقت من عمله ليعود للمنزل مبكرا ويقضي الوقت معها.. وإذا ما تعذر عليه العودة من العمل باكرًا يُعلمها بذلك متأسفًا.. واتسم سلوكه بتصرفات شهمة، ونبل خلق، أضحى لطيفا ولبقًا في كل تعاملاته معها.. كأنه يخجل أن يشعرها بفشله في إنجازه للمهام المنوط بها أو الظهور أمامها بشكل غير جذاب لأنه يريد أن يكون فتى أحلامها كما هي فتاة أحلامها..
وهي تبادله العشق من كل قلبها.. تنتظر لقاؤها به في نهاية كل يوم بفارغ الصبر حيث يعيشان في عالمهما الخاص ويرويان ظمأهما وحاجتهما للحب..
((إذن بعد أن أضع حملي هل سنذهب إلى ذاك المكان الذي أخبرتني عنه؟))
قالتها رتيل وهي تمرر أناملها فوق ذراعه، فرد على الفور
((بالتأكيد لقد وعدتك..))
ثم بدا مترددًا والإحراج يكسو وجهه وهو يردف
((ولكن رتيل.. هل أطلب منك أمرا؟ أعني..))
شاب صوتها الهدوء وهي تقاطع تلعثمه مبتسمة
((لا تقلق، أعرف أنك لا تريد أحدًا من العائلة أو الأقارب أن يعرف إلى أين سنذهب، لا داعي لتنبيهي مجددا، هل سبق وأفشيت أي شيء من أسرارنا سويا؟ أنا حتى متكتمة أكثر منك))
أبهجه كالعادة تسهيلها الأمر عليه وتقبلها ما يريده برحابة صدر.. فهو يفضل للغاية ممارسة حياته الخاصة دون خجل بعيدا عن أنظار عائلته أو أقاربه وأصدقائه..
أغمضت عينيها تطلق تأوها مكتوما، عندما شعرت بركلة الجنين بداخلها مما جعلها تمسد بطنها بكفها برفق كي تهدئ من حركته ثم قالت بصوتٍ مبحوح
((هل تعرف أني أشعر بقليل من خيبة الأمل لأن الجنين في أحشائي ذكر! كنت أريده بنتًا أعاملها كصديقة لي!))
ضيق مُؤيد الذي كان يحدق برتيل عينيه وران الصمت بينهما لدقيقة وكأنه يدرس شيئا ما قبل أن يقول ببطء
((وأنا أيضًا كنت أريد بنتا لا صبيا ثالثا، وكنت أريدها نسخة من جمال وقوة أمها حتى أحبها وأدللها أكثر من أخويها))
أبعدت رتيل رأسها عنه تحدق فيه بذهول مرفرفة بعينيها كأنها تتأكد أن من قال هذا الغزل الرقيق الذي أطرب أذنها بخفة هو مُؤيد زوجها الجلف! وسرعان ما عانقته هامسة بحب متدفق ووجنتيها تضجان احمرارا
((أنا أحبك يا أجمل زوج في العالم))
غمغم وهو يحني رأسه ليطبع على وجنتها قبلة شغوفة
((وأنا أيضًا أحبك يا رتيلي))
=============================
انتهى الفصل
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل السابع وتسعون 97 - بقلم Hya Ssin
الخاتمة
بعد مرور ما يقارب سنة..
بعدما عادت دارين من بيت صديقتها ارتقت درجات سلم البناية التي تقبع فيها شقتهم.. تسرع في ارتقاء الدرجات في منتهى السعادة والنشاط..
رغم أن والدها وزوجته تظاهروا أنهم اليوم لن يحتفلوا بعيد ميلادها مثل كل سنة لأنها ستحتفل به مع صديقاتها في بيت إحداهنًّ اليوم إلا أنها تعرف ما يخططون له..
تنحنحت دارين أمام باب منزلهم تلتقط أنفاسها قبل أن تخرج المفتاح وتفتحه..
وسرعان ما صدحت أصوات المفرقعات والتهاني عليها من قبل والدها وشيرين فور أن حطت قدمها عتبة الصالة..
أصابت دارين دهشة مزيفة قبل أن تظهر عينيها شعاعا من الامتنان وتقول بعتاب ظاهري وهي تتأمل الزينة في الأرجاء من بالونات هوائية وشرائط الأعياد الملونة والزهور
((أتعبتم أنفسكم!؟لما لم تخبروني كي أساعدكم))
تأمل مُعاذ بوجه ابنته الحبيبة التي ستغدو فتاة جامعية وبرزت في وجهها ملامح مرسومة بطريقة تعطيها خيلاء ورفعة.. صغيرته التي لا عُدم صوتها ولا خلا منها المكان ولا عُدمت نظرتها وعساها ذخرًا له طول الزمان.. ثم ابتسم بحنو واقترب منها بقامته الفارعة يعانقها ويقول بعاطفة أبوية وهو يضع كفه فوق كتفها
((غاليتي وقرة عيني، مصدر فخري كل عام وأنت بخير ومثابرة في دراستك، وتحقيق كل النجاح في تطلعاتك المستقبلية))
رفعت دارين وجهها لوالدها بعينين دامعتين تطفح منهما نظرات الاعتزاز والسعادة وهي تتأمل وجهه.. وتلك الخصلات الفضية التي زينت ذقنه وشعره جعلته مثال الهيبة والوقار.. ثم قالت له بصوتٍ مبحوح وهي ترفع كفه لثغرها وتقبلها
((سأصل دائما للتوفيق طالما دعواتك تلحقني))
اتسعت ابتسامة مُعاذ مرتاحًا قبل أن يخرج من جيب كنزته ظرفا ويعطيه لها بسلاسة مرددا
((مرة أخرى كل عام وأنتِ بخير))
فتحت دارين بلهفة الظرف لتجده يحتوي مبلغا ماليا لتشتري ما تحب من هدايا، لكن المبلغ المالي كان هذه المرة أكثر من أي مرة فرفعت حاجبيها متعجبة.. ثم وضعت الظرف جانبًا ورفعت ذراعيها تحيط والدها متسائلة بشقاوة
((هل هذا يا أبي تعويض لأنك لم تسمح لي الذهاب لرحلة الجامعة مع أصدقائي؟ لأني بصراحة لم أعد غاضبة منك، فبعد تفكير عميق وجدت أني لم أكن لأذهب حتى لو وافقت أنتَ))
قطب مُعاذ حاجبيه ليقول بنبرة أقرب للأبوية الحازمة مع ابنته صعبة المراس أحيانا
((اسكتي يا بنت ولا تجلبي سيرة تلك الرحلة، هل جننت لأسمح لك بالذهاب لرحلة مختلطة لخارج البلاد لأسبوع كامل!))
مطت دارين شفتيها متذمرة وهي تدرك أن والده يخفي خلف كلامه الرزين على الدوام حنان وروح أبوية طيبة
((ولكني أخبرتك بعد تفكير حكيم لم أكن لأذهب لها))
زوت شفتا مُعاذ عن ابتسامة جانبية ثم عاد يلف كتفيها ليزرعها تحت جناحه بغريزة أبوية وهو يطبع قبلة عميقة أعلى رأسها ثم قال بصوت رخيم دافئ
((هذا لأنك ابنتي الرائعة))
استقرت ابتسامة واسعة مُكللة بالفرح والسعادة التي تغمر قلبها على شفتا دارين وهي تميل رأسها على صدره وتغمض عينيها شاعرة بالحماية والدفء..
أضحت علاقتها بأبيها متينة جدًّا وصارت أكثر تعلقا به وتعتبره بطلها والرجل المثالي في حياتها..
ومهما أحبت أحد أعمامها فلا يمكن لأحدهم أن تفوق مكانته عندها مكانة أبيها..
فعلاقتهما كأب وابنة ليست صلة دم واسم وحسب بل مبنية على التفاهم والثقة، فهو يعاملها على أساس أنها إنسانة مستوعبة لأمور الحياة، ولم يسبق وأن فرض رأيه عليّها.. يكون معها لينًا، حنونًا، ودودًا.. والصديق الذي يشاركها في أمورها ويقدم لها النصح بطريقة ودية متفهمًا لا متسلطًا تنفر منه..
لطالما ألقت عائلة والدها اللوم على أبيها بسبب تخبطها وسوء تصرفها في حياتها وعدم استقرارها، فقد كان والدها بنظر عائلته أب مقصر معها يعطي جل وقته لعمله ويهملها تاركا إياها منبوذة في قصر عائلتها، وكتعويض عن هذا يتساهل معها ويترك العنان لها ولا ينصحها أو يرشدها لما في مصلحتها ويترك لها حرية الاختيار بتقاعس وبدون متابعة منه!
إلا أن هذا غير صحيح فوالدها أب متوازن يضع بعين الاعتبار المراحل التي تمر فيها ويقدر حبها للحرية فيعطيها لها كما الاستقلالية ضمن قوانين وحدود لتثبت ذاتها وتزداد ثقتها بنفسها.. مراعيا الجانب العاطفي فيها كون والدتها توفت في صغرها فضلا عن عدم نضجها من ناحية التجارب فيتعاطى على تعليمها بالسماح لها باختبار الأمور بنفسها لتدرك من خلالها الصواب والخطأ.. وكله ضمن الحدود..
وبالنهاية هي تعلم أنه مع تعاظم وتشابك أمور الحياة العصرية المعقدة لن تجد رجلا يحميها أكثر من والدها، خاصة وهو ينتهج في تربيته وتعامله معها شرع الله.. فيكفي أن شخصيتها هذه نابعة من الدلال الذي غداه فيها بإسراف ومن ثقته المفرطة فيها منذ صغره..
أما شيرين التي كانت تشهد هذا المشهد العاطفي بين الأب وابنته لامس قلبها وابتسمت لهما.. علاقتهما علاقة وطيدة لا تشوبها شائبة، علاقة حب مقدس بين الأب والابنة..
بمجرد أن ابتعدت دارين عن والدها قليلا حتى تقدمت منها شيرين بحماس تمد لها هدية بغلاف مميز قائلة
((كل عام وأنتِ بخير يا دارين يا ألطف من الورد))
ابتسمت دارين برقة لها.. إذ أنها تعرف أنها هي من تولت وانغمست بإعداد هذه الحفلة في اليومين الأخيرين والتخطيط الجاد والسري لكل لوازم عيد ميلادها من زينة وأطعمة ومشروبات..
تناولت دارين منها هديتها تفتحها لتجدها عبارة عن حذاءٌ رياضي متين من علامتها المفضلة فتمتمت لها بكلمات الامتنان فليس من المهم أن تكون الهدية غالية بقدر معناها وتجسيدها لاهتمامها بها وما يروق لها..
شعرت فجأة دارين بكائن صغيرة يلامس قدمها مغمغما باسمها كما ينطقه هو بسنه الصغير
((رين.. رين.. رين))
فانفرجت عنها ضحكات حلوة قائلة بمرح
((يا عيون رين يا يويو الصغير))
ثم انخفضت لتحمل أخيها يعقوب والنظر للكيس اللطيف الذي يمسكه يعقوب بيديه هاتفة
((هل هذه الهدية لي يا يويو؟ أنا متأكدة أني سأحب هذه الهدية دونا عن الكل))
ناغشتها شيرين بما يشبه الدعابة
((هكذا إذن، بعتي هدايانا لأجل عيون يويو الصغير؟))
لاعبت دارين بأناملها أنف يعقوب هادرة ببهجة
((كله فداء شقيقي الصغير الحبيب))
عَلَت همهمات السعادة على كلامها متفهمين حبها ليعقوب وتعلقها به، فدارين كانت ليعقوب الأم الثانية وليست مجرد أخت وهي من تتولى الاهتمام به في فترات عطلها وتنزهه وتذهب به للبقالة لشراء الحلوى.. وهو بالمقابل لا يكف عن تقليدها والبحث عنها إذا غابت أو ذهبت لجامعتها..
ثم اجتمعوا جميعا حول الطاولة التي تحتضن قالب الحلوى الضخم المزين وبدأوا يُغنون لها بأصواتٍ مُتفاوتة أغنية عيد ميلادها.. فشعرت دارين بهذه اللحظات الأفضل في يومها.. وبمثابة دفعة جديدة من النشاط والطاقة والحيوية.. تعطيها قوة للمواصلة والمثابرة على المذاكرة من جديد..
=============================
جاء فصل الصيف بكل ما يحمله من روائح جميلة.. وكان وقتها يصادف عيد الأضحى.. حيث النّحر والسّكاكين مخضّبة بدماء الأضاحي والبخور الفائح كما هو معهود في قصر الكانز يعبق في الفضاء يلاحق الأمنيات والأحلام ويطاردها أين ما ذهبت..
اجتمعت عائلة الكانز جميعهم مع زوجاتهم وأولادهم في مزرعة البركة التي قضوا ليلة الأمس فيها يتسامرون.. حيث هي أجمل البساتين التي يمتلكونها ومليئة بالثمار والأشجار الخضراء والأزهار الخلابة الملونة، ويقع النهر بالقرب منها..
لم تكن أشعة الشمس قوية بعد والسماء الصافية في هذا الوقت الباكر حيث الهواء العليل ينعش النفس..
وقف الحاج يعقوب بجبّته البيضاء يجوب بعينيه البستان بإحساس الدّار والحنين قبل أن يلتفت لابنه مُعاذ هادرا بهدوء يكتنف صوته
((متى ستصل طائرة مُصعب يا مُعاذ؟ حتى نذهب لأخذه هو وعائلته من المطار))
التفت مُعاذ لوالده مبتسما وقال وهو يصبّره
((اتصلت به قبل دقائق وأخبرني أن طائرته ستقلع قريبا.. لازال أمامه بضع ساعات قبل أن يصل للوطن))
كان الجميع متفهمين اشتياق الحاج والحاجة لمُصعب.. ابنهما القريب البعيد بحضن الغربة..
لقد اشتاقا له ولملامحه الرجولية ويدعوان له بعد كل صلاة، خاصة أمهم.. فمُصعب دائما يتجول ويتسامر في مهجتها ويكبر في فكرها، وهو يشق طريقه ومستقبله بثبات في ذاك البلد الغريب عن تقاليدهم، فقد فرطت هي فيه إلى الغربة من أجل العلم والنّجاح المنشود، واستودعته الله الذي لا تضيع ودائعه بشرط ألا يمكث هناك مدة طويلة كما فعل مَازن..
.
.
أقلعت الطائرة فقبضت نورين الجالسة بمقعد مجاور لمُصعب ذراعه بشدة كي تبدد توترها المصاحب لها عند الإقلاع..
أمسك مُصعب ذراعها يشد على كفها مؤازرا فتطلعت له ممتنة بحب متدفق ليبادلها الابتسام..
التفتت نورين لابنتهما النائمة بجانبها بإرهاق تعوض نوم ليلة الأمس التي أمضتها تساعدها في حزم حقائبهم كلها لتميل نحوها تلثم جبينها بعاطفة أموية ثم مسدت خصلاتها بكفها الناعم..
أما مُصعب فانشغل تفكيره قليلا.. فمُعاذ أعلمه أن والداه مع أحد إخوته سيستقبلونه في المطار حين وصوله المطار.. متأكدا من أن لحظة لقائه بعائلته بعد أن رجع من غُربته بشكل نهائي سيكون أشبه بالحلم الجميل الذي ستبقى كل تفاصيله محفورة في ذاكرته، مهما مرت أعوام طويلة..
كان يزورهم بشكل سنوي ويحرص وقت المغادرة أن يحث والديه على عدم الإتيان معه إلى المطار حتى يختصر على نفسه وعليهم مشاعر الفراق والحزن ومراعاة لحالتهم الصحية والنفسية..
وبالمقابل والديه حرصا طوال السنوات الماضية أن يرسلا له رسائل وبخط اليد مصممين على أنها أصدق من هذا التّواصل الإلكتروني عبر الشاشات والنقر على اللوحات.. فيشعر أن دعواتهم لله بأن يحفظه ويسدد خطاه في غربته أينما ذهب..
في النهاية سفره لم يكن هروبا من بلد نشأ داخلها وفيها أهله وأصحابه.. من المستحيل أن ينسى بلده، فهي لم تبذره في أرضها لينمو في أرض غيرها.. هو فقط أخذ ما فيه الكفاية من العلم وبنى له المستقبل الذي يتمناه.. وها هو هنا ليعود ويرد لبلاده الجميل بعمله وعلمه..
انتشلته زوجته من جب أفكاره العميق هامسة
((هل أخبرت والداك بحملي؟))
برقت عيناه وهو يناظر وجهها الممتلئ بالعاطفة ثم بعفوية انتقلت يده فوق بطنها التي بدأت بالبروز بفعل الحمل ثم أجابها بنفس الهمس ((لا لم أفعل بعد))
توردت وجنتيها وهي ترخي أجفانها في خفر لتهدر وهي تضع يدها فوق كفه ((سينذهلان عند معرفتهما))
هز مُصعب رأسه وقد بدا بقمة الانشراح وهو يقول
((بالتأكيد سيفعلان، لطالما ظنت أمي أن أحد زوجتي التوأمين مَالك أو مَازن من ستحمل بتوأم، ولم تتخيل أن تكوني أنتِ))
رفعت وجهها له تقول
((نعم ولكن التوأم هما صبي وبنت على غرار شقيقيك التوأم، لكن كله خير إن شاء الله، وأنا أظل أدعو الله دائما أن يحفظك لي ولا يبعدني عنك أنت وأبنائنا))
ابتسم على كلامها ثم قال بصوتٍ يضج عاطفة
((صدقيني حتى لو أردت أن أبتعد عنك فسأعود إليك، لأني أرى فيك المنفى والوطن))
طفح التأثر منها فانبجس الحب من مقلتيها بينما تنطق متحشرجةً
((وأنا كذلك حبيبي))
حافظا على عناق الأعين لترفع يدها مستقرة على موضع قلبه ثم تسترسل
((في قلبك وطني ومنفاي..))
=============================
تمت.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثامن وتسعون 98 - بقلم Hya Ssin
استغفر الله العظيم من كل ذنب أذنبتـــــه
استغفر الله العظيم من كل فرض تركتـــه
استغفر الله العظيم من كل إنسان ظلمتــه
استغفر الله العظيم من كل صالح جفوتــه
أستغفر الله العظيم من كل ظالم صاحبتــه
أستغفر الله العظيم من كل بر أجلتـــــــــه
أستغفر الله العظيم من كل ناصح أهنتـــه
أستغفر الله العظيم من كل محمود سئمته
أستغفر الله العظيم من كل زور نطقت به
أستغفر الله العظيم من كل حق اضعتــــه
أستغفر الله العظيم من كل باطل إتبعتـــه
أستغفر الله العظيم من كل وقت أهدرتــه
أستغفر الله العظيم من كل ضمير قتلتـــه
أستغفر الله العظيم من كل سر أفشيتــــه
أستغفر الله العظيم من كل أمين خدعتــه
أستغفر الله العظيم من كل وعد أخلفتـــه
أستغفر الله العظيم من كل عهد خنتـــــه
أستغفر الله العظيم من كل امرئ خذلتـه
أستغفر الله العظيم من كل صواب كتمته
أستغفر الله العظيم من كل خطأ تفوهت به
أستغفر الله العظيم من كل عرض هتكته
أستغفر الله العظيم من كل ستر فضحته
أستغفر الله العظيم من كل لغو سمعته
أستغفر الله العظيم من كل حرام نظرت إليه
أستغفر الله من كل كلام لهوت به
أستغفر الله العظيم من كل إثم فعلته
أستغفر الله العظيم من كل نصح خالفته
أستغفر الله العظيم من كل علم نسيته
أستغفر الله العظيم من كل شك أطعته
أستغفر الله العظيم من كل ظن لازمته
أستغفر الله العظيم من كل ضلال عرفته
أستغفر الله العظيم من كل دين أهملته
أستغفر الله العظيم من كل ذنب
أستغفر الله العظيم من كل ما وعدتك به ثم عدت فيه من نفسي ولم أوفي به
أستغفر الله العظيم من كل عمل أردت به وجهك فخالطني به غيرك
أستغفر الله العظيم من كل نعمة أنعمت علي بها فاستعنت بها على معصيتك
أستغفر الله العظيم من كل ذنب أذنبته في ضياء النهار
أو سواد الليل في ملأ أو خلا أو سر أو علانية
أستغفر الله العظيم من كل مال إكتسبته بغير الحق
أستغفر الله العظيم من كل علم سئلت عنه فكتمته
أستغفر الله العظيم من كل قول لم أعمل به وخالفته
أستغفر الله العظيم من كل فرض خالفته ومن كل بدعة إتبعتها
أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الخامس وثمانون 85 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السابع والثلاثون
تململت نورين من مكانها مستيقظة ثم اعتدلت شبه جالسة وأراحت شعرها الأشقر المجدول بضفيرة ليكون نهايتها منسدلًا على جانبها وتمتمت بصوتٍ أجش
((ألا زالت ملك تبكي؟))
تقدم مُصعب الذي كان يحمل ملك الصغيرة ويهدهدها ثم جلس على طرف فراش السرير وداعب ابنته يخاطبها من بين قبلاته على وجهها الوردي
((هل أيقظتِ أيتها الشقية أمك من نومها؟))
تربعت نورين بقميص نومها الحريري أمامه ومالت بجذعها نحوه تتناول ملك لترضعها بينما هبطت عينا مُصعب تلقائيًا الى ساقيها المكشوفتين.. فاسترسلت نورين وقد تلاشى تثاؤبها وارتحل نعاسها
((لقد كنت أحلم قبل استيقاظي بأني أسلتم شهادة الدكتوراه وجائزة مالية تقدر بمبلغ محترم منعش كافٍ لاقتناء أحدث السيارات لي ولك، ثم استيقظت على صوت بكاء ملك))
رفع حاجبيه معقبا بمرح وهو يدنو منها
((لم اسمع يوما بأنهم يقدمون جائزة عبارة عن شيك قيم لمن يكمل الدكتوراه!))
ناغشته وهي ترفع يدها الحرة كي تلامس ذقنه غير الحليق
((اعرف، لقد كان حلما سخيفا))
زمّ شفتيه قليلا ثم قال بشيء من الجدية التي اكتنفته
((بمناسبة السيارة الأخرى التي وعدتك أن اشتريها إذا باشرت بالعمل، قد لا اشتريها لأنه هناك أمرًا آخر أفكر فيه))
عقدت حاجبيها ليس لتماطله في أمر شراء السيارة الأخرى إذ أنها لم تبدأ أي عمل بعد كما أنها لا تريد الضغط عليه أبدًا فراتبه كممرض ليس كبيرا وهو لا يحب قطعا مساعدة عائلته المالية، فاجتاحها الفضول متسائلة
((ما هو؟))
ابتسم لها تلك الابتسامة الخاصة التي تلمس قلبها كأنثى وقال ((إنه سر))
رفع سبابته اليمنى يرسم حدود عينيها بالتتابع مفكرا أنه لم يكن يريد أن يثير حماسها على شيء لم يتأكد من إمكانية تنفيذه، عليه الانتظار لأيام أخرى قبل أن يعلمها عنه بعد..
قاطع حوارهما صوت ريحانة الهادر بينما تدلف من غرفة النوم المفتوحة
((هل استيقظت يا نورين!))
أسرت الدهشة وجه نورين وتساءلت لأمها الواقفة أمامها بينما ترتدي مريول المطبخ وتقبض بيدها على الملعقة الخشبية الكبيرة
((أمي متى جئت إلى هنا؟))
عبست ملامحها وعاتبتها برقة
((منذ ما يقارب الساعتين! وأنتِ نائمة هنا وتتركين زوجك يهتم بملك رغم أنه عاد من العمل مرهقا))
سارع مُصعب ينفي سبب سخطها وهو يحرك يده على ظهر صغيرته بعد أنهت نورين رضاعتها وأسندتها عليها
((لا يا عمتي أنا من أصررت عليها بمجرد عودتي أن اهتم بملك لتستريح فهي لم تذق طعم النوم منذ أيام))
وعلى الفور تبدد الحنق من نبرة صوت أمها وملامحها وتجلَّى الحنو والسعادة لتقول بصوتٍ متحشرج بجزيل الشكر له
((حفظكما الله يا بني لبعضكما وأدام عليكم المودة والحب..))
ثم تناولت ملك بحذر من والدتها بمجرد أن غطت في النوم وهمست لنورين منبهة
((إذا كانت تربية ملك تتعبك يا ابنتي كان عليك أخباري حتى أساعدك بدلًا من إرهاق زوجك المسكين الذي يعود من عمله متعبا تماما))
ردت عليها نورين بنفس الهمس الخافت الصريح
((أمي أنا حقا أحب زيارتك ومساعدتك لي، ولكن أخشى أن يتضايق مُصعب أو والدي إذا أكثرت في طلبك لزياراتي لرعاية شؤوني))
اقتنعت ريحانة بكلام ابنتها من جهة ابنها فقط إذ أن زوجها لا يمانع بل يحثها دائما على زيارة ابنته وتبليغ أحَّر التحيات لها، لكن هي تخشى أن تكون ضيفة ثقيلة على زوج ابنتها فربما لا يجد راحته عند تواجدها معهم في البيت! فتمتمت بخفوت ((معك حق))
لكن قاطعها اعتراض مُصعب الحانق بعد أن تناهي إلى سمعهم صوتهما الهامس المسموع
((لا أي حق هذا، أنا أتلهف للوقت الذي تبيتين هنا في بيتنا واستمتع بدلالك لي، ولولا خوفي من عمي لكنت سرقتك منه))
وطالع زوجته يخبرها بخشونة ظاهرية
((إياك أن تخبري حماتي العزيزة بما يجعلها تتردد قبل المجيء هنا، أعيدك أنتَ إلى بيت عائلتك وأبقيها هي هنا من أجلي أنا وملك))
فغرت نورين شفتيها وضربت صدره قائلة بدرامية
((هل بعتني من أنا من أجل أمي يا مُصعب! سأنتقم منك))
وعلى الفور كانت تندفع عليه وتدغدغه بقوة مِمَّا جعله يقول ضاحكا وهو يمسك كلا يديها
((كنت امزح، امزح، خفت أن تأخذ على خاطرها وتحرمنا من المحاشي التي تصنعها ألذ منك))
شهقت ريحانة وسرعان ما قالت بلهفة
((من عيوني يا مُصعب، ساعة وتكون صينية المحاشي جاهزة أمامك))
كان كل ما في مُصعب ينطق بامتنان وتثمينًا لمعروف حماته التي ومن أن عاد الوصال بينهم وهي لا تكف عن القدوم وطهو كل ما لذ وطاب من المأكولات لهم، تدلله هو أكثر من ابنتها دلالاُ لم يتلقاه في بيت عائلته وتحديدا من أبويه حتى! تقدره وتهتم بشأنه حتى اغتر!
انتبهت نورين لشرود مُصعب وتلاشت ابتسامتها وتعابير المرح منها تدريجيا لتتساءل بحزن لما يلمع بعينيه
((هل والدك بخير؟ آخر مرة كانت لا تزال أثار الانهيار واضحة على وجهه وهيئته بعد وفاته رحمه الله))
أومأ مُصعب لها بقلة حيلة لوالده الذي لا زال مفجوعا بخبر الوفاة ثم تمتم
((أبي متأثر بوفاته أكثر منَّا جميعا، أتعرفين؟ مازلت لا أصدق بالذي حدث فجرح وفاة يحي ابن عمي لم يلتئم حتى أصابتنا صاعقة فرد آخر من العائلة.. إن الأمر..))
قاطعته تشدد من ضمَ يديه تحدثه
((هذا الحال الدنيا وقدَّر الله ما شاء فعل))
حاول تمَالك نفسه ودموعه تسبق كلماته
((قدر الله ما شاء فعل.. مازال في ريعان شبابه.. ما زال ألم الصدمة كبير علينا جميعا.. فــ..))
حاولت أن تعانقه للتخفيف عنه وتمنعه من الاسترسال في خوض هذا الأمر
((حبيبي.. ليس بيدنا الاعتراض على قدر الله ولا نملك سوى الترحم عليه))
بدأت تمرر يداها بحنو على ظهره قد التمعت عيناها بالدموع أيضا، ثم ما لبث أن ردد لها
((رحمه الله.. لكن حال أبي يؤلمني فما مر به يهُد الجبال أنا خائف عليه))
ابعدها عن عناقه بلطف كي ينظر لها بعد أن تنهد بعمق وهو يمسك ذراعاها كأنه يستمد منها القوة والصبر.. ثم قبًّل جبينها فسارعت تقبل وجنتيه وتعانقه مرة أخرى
((سيمضي كل شيء وبعون الله ونحن معا سنتخطى ذلك))
فردد عقِبها بامتنان
((الحمد لله أنك معي.. فهذا ما يخفف من وطأة الأمر عليّ))
=============================
فتح مُعاذ حنفية الماء وأخذ يغسل وجهه ويضربه بكفيه للحظاتٍ طويلة قبل أن يشعر أنه قد اكتفى.. ثم وقف ينظر في المرآة إلى وجهه المبلل بتيه.. يتذكر بذهن متحفز ما حدث في ذلك اليوم قبل ستة أشهر..
عندما كاد ابن عمه وليد أن يصيبه بالرصاص وكان على شفا حفرة من ذلك قبل أن تنطلق عدة طلقات من الخلف صُوبت باتجاهه وترديه صريعا في مكانه..
لم يكن هناك أي حاجة لفتح تحقيق عن الحادث وقد ظهر بالكاميرات المحاطة بأسوار السجن ما حدث بالتفصيل كما كان الطبيب زياد شاهدًا على كل شيء حدث منذ البداية..
الأمر فقط أنه صدم عندما عرف هوية المتهم بقتل وليد والسبب الذي دفعه لذلك..
كان يعلم أن وليد كمحامي ليس ذاك الرجل النزيه لكن لم يكن يتوقع أن يصل به الحال لخيانة الأمانة وزج فتاة لا ذنب لها في السجن!
لم يكن يريد لأحد من عائلته خاصة والده معرفة سبب مقتله لكن فقد السيطرة على الأمور من يده وعرف بعض أهل القرية وإخوته وأبيه الذي لم يجد أحدًا ليلومه على ما اقترفه إلا نفسه هو.. لأنه قصَّر بتوجيهه ونصحه بين الحين والآخر..
دلف مُعاذ إلى المجلس حيث يجتمعون جميعا.. ثم صوب نظره نحو وجه والده والخطوط التي رسمت تعاريج الهموم على سحنته.. ذقنه النامية بشدة.. لقد تغير كثيرًا بعد وفاة وليد وغزت ملامح الإرهاق بوجهه فأضافت سنين على سنين من عمره!
غمغم مُصعب بخفوت إذ أن والده لا يجمعهم هنا مؤخرا إلا إذا كان هناك مستجدات في قضية وليد
((أبي، ألم يستطيعوا أن يصلوا إلى الشخص الذي حرّض القاتل على جريمته؟))
عقب مَالك بهدوء مغاير لجبينه المغضن بالضيق
((لقد أمسكوا بالشخص الذي أطلق النار على وليد رحمه الله أما الشخص الذي دفع له وحرضه فما يزال حتى الآن هاربًا من يد العدالة))
شبّك مُؤيد أصابع يديه وقال بخشونة
((إنه حر طليق منذ مدة طويلة بسبب تقاعس الشرطة! حتى لو تسبب وليد بقتل أخت المحرض بعد زجها في السجن، لكن هناك قانون ليأخذ الأمر مجراه، نحن لا نعيش بالغابة لينتقم بهذا الشكل))
رفع مَازن حاجبيه ثم همس بتأنيب
((هل تُلمح للثأر أو ما شابه؟ لأنك لو كنت كذلك يا مُؤيد أنصحك أن تصمت خاصة بعد أن اتضح أن المرحوم كان محاميا عديم الضمير، وساهم في اقتران مهنته بالاحتيال والكذب ولم يكن ذاك المحامي النزيه الهمام في عمله))
لكز مَالك توأمه بقوة مؤنبًا
((لقد قيل، اذكروا محاسن موتاكم فقط))
قطب مُؤيد حاجبيه ولم يكن في الحقيقة يلمح لثأر أو ما شابه.. فنهاية شخص مثل ابن عمه يُسخر مهنته في المحاماة للإضرار بالأشخاص ويخالف شرفها من أجل النفوذ والشهرة لن تكون حسنة! وما فعله في حق موكليه في الماضي من خيانة لهم وللأمانة التي ائتمنوه عليها وتضييع حقوقهم بتسريب خصوصياتهم لخصومهم ليس أمرًا هينًا أبدًا!
كتم يعقوب تنهيدة تعب واستنزاف ثم قال أخيرًا وشعور افتقاد إخوته وأولادهم يجثم فوق صدره
((كيف حال رشا وزوجها؟ ألم تخبر أحدكم إذا ما كانت تفكر بالعودة هنا كزيارة؟))
أجابه مُعاذ بصوته الرخيم المعهود
((سألت أمي قبل أيام عن أخبارها وقالت بالفعل أنها تخطط للعودة كزيارة))
انتابت خمستهم مشاعر فزع عندما قال والدهم بألم غشى نبرته المتحشرجة
((إذا ما حدث شيء لي أوصيكم برشا ابنة عمكم، أحسنوا وأظهروا لها الرفق والعطف، تفقدوا أحوالها من حين لآخر وارعوا شؤونها.. فهي ما تبقت لكم))
أكد مَالك على والده ((من دون أن توصي بذلك، حفظك الله وأدامك فوق رؤوسنا وبعد عمر طويل إن شاء الله))
أومأ يعقوب لأولاده وأطلق زفرة حارة يخفف من ذلك الثقل الذي يرزح فوق صدره قبل أن تحين منه نظرة نحو مُؤيد الذي انكمشت ملامحه قليلا وقال حانقا
((أبي لِم تنظر لي هكذا!؟ أنا أول من حضر زفاف رشا وزوجها وهنأها))
عقب مَازن متهكما بسخرية لا تناسب الموقف
((ولكن ملامحك آنذاك كانت مرعبة كمن تخطط لقتل جميع من حضر))
رمى مُؤيد مَازن بنظرات متوعدة إن لم يتوقف عن مناطحته بالكلام ثم غمغم ببراءة
((أبي لقد تغيرت، ولم أعد كالسابق، هل قلت شيئا عندما عرفت أن أخي مُصعب يستقبل ويزور عائلة زوجته رغم أن في هذا الأمر استهانة لديّة الثأر ولنا، ويسيء لشرف عائلتنا، وسيثير غضب شباب عشيرتنا؟))
زمجر يعقوب لابنه وأوشك أن يخرج عن طور تعقله
((لن يثير غضب أحد لو أغلقت هذه السيرة يا مُؤيد ومحيت أفكار الثأر وشرف العشيرة من عقلك! مُصعب سيزور عائلة زوجته متى ما أراد))
ازدرد مُؤيد ريقه يرى بعيون جاحظة والده يتوعده
((والويل ثم الويل لك لو اعترضت.. مفهوم؟))
احتقن وجه مُؤيد وقال خاضعا
((كما تريد يا أبي))
أخذ يعقوب نفسًا عميقًا وأطلقه وكلمات مُؤيد الرّاضخة له بدون نقاش تُشعره بتغيره فتحدث صدى رضا في أعماقه.. هكذا لو مات سيموت وهو مطمئن عليهم.. لكن ذلك لا يمنع الألم الملازم له والذي يوخز صدره من المعاناة..
شعر بجدران المجلس تطبق على أنفاسه قليلا فتقبضت يده حول الرأس العاجية لعكازه الخشبي الذي صار مرافقا له مؤخرا واتكأ عليه ليعتدل واقفا فتساءل مُعاذ
((إلى أين أنت ذاهب يا أبي؟))
أجاب يعقوب بوقار صوته المتعب متجهًا للخارج فهو يحتاج مسكنا لأوجاعه التي تقتات من خلجات نفسه
((سأتفقد الزرع الذي سقيته فجرا))
أومأ مُعاذ لوالده برأسه وهو يراه يغادر المكان إلى سلوته الوحيدة هذه الأيام ألا وهي المزرعة والعمل بها منذ بزوغ الفجر حتى غروب الشمس..
وقف مُؤيد من مكانه هو الآخر هادرا
((عليّ الذهاب كي نأخذ باسم رفقة زوجتي للمشفى، فحرارته منذ الأمس مرتفعة.. السلام عليكم))
=============================
صفق مُؤيد باب منزله بقدمه بعنف بعد عودتهم من المشفى وقال بامتعاض وهو لا يزال يحمل ابنه النائم
((هؤلاء الأطباء الحمقى بسببهم بقينا في المشفى لساعات نهرول من قاعة لقاعة أخرى.. تحاليل، كشف وأشعة ليتضح في النهاية أن ما داهم باسم مجرد نزلة برد عادية كما توقعت أنا في البداية، أنا الذي لم أفتح كتاب طب بحياتي أفهم أكثر منهم جميعا))
وضع مُؤيد طفله برفق فوق السرير لتمرر رتيل يدها فوق جبينه وتقبله وهي ترد عليه
((هذا لأن حرارته في الأمس كانت غير طبيعية بالنسبة لدور برد))
غير مُؤيد السيرة ومعدته تصدر أصوات الجوع
((رتيل قبل أن تغيري ملابسك ضعي على السفرة أطباق طعام لذيذة من يديك))
عبست ملامح رتيل وطالعته قائلة بحنق
((لا لن أعد شيئًا فأنا متعبة))
اتسعت عينا مُؤيد وهتف باستنكار
((أقول لك جائع وتردين عليّ بـ"لا"! هل تريدين أن أموت جوعًا!))
تغَّضن جبينها بالضيق وغمغمت
((لن تموت من الجوع! أنا متعبة مثلي مثلك بل وأشعر بالإعياء، إذا كان قد أنهكك السير في المشفى قليلا فأنا لم أغفُ ساعة منذ الأمس واضطررت للسهر معه طوال الليل، تشنجت يداي من حمله والدوران به))
غمغم مُؤيد باستياء وحنق
((كل هذا الموشح لأني طلبت الطعام؟))
كتفت يديها وقالت من بين أسنانها بغضب
((بل لأنك لا تقدر مثل هذه المواقف، وإذا كنت لن ترحمني أنا سأرحم نفسي))
بارحت رتيل الغرفة حتى لا يتصاعد صوت نقاشهما فيوقظ باسم فلحقها مُؤيد قائلا بغضب مكبوت
((لقد تغيرت يا رتيل، تغيرت كثيرًا.. أين هي رتيل التي لم تكن ترفض لي طلبا في الماضي، كل النساء يمرضن أولادهن ولا يقصّرن في حق بيوتهن أو أزواجهن شيئا))
استدارت تنظر له هاتفة بإصرار وغيظ
((بل الرجال بحق.. في مثل هذه الظروف الصعبة يساعدن زوجاتهن ولا يحملهن فوق طاقاتهن))
شدّ مُؤيد على نواجذه وهو يراها ترد له كل كلمة..
وهي شعرت بغضبه، لكن هل تأثرت؟ أبدًا بل أشعرها بالاستمتاع.. مُؤيد هذا لا يتغير.. كان عليه بدلا من التفكير بإنهاكها بطلبات بطنه أن يطلب لهم العشاء من أحد المطاعم حتى لو كان لا يحب كثيرا أكلهم!
لم تهتم بعواقب ما قد يفعله، لذا ولجت غرفة نومها تغتسل ثم تخلد للنوم لعدة ساعات تشحن طاقتها وتستعيد حيويتها لباقي اليوم..
أما مُؤيد شتمها في سرّه ثم صوب نظره نحو المطبخ مفكرا بإلحاح بفعل شيء غير تقليدي وغير معهود منه مع رتيل لا سيما فيما بينهما داخل المنزل، والتنازل أمامها قليلا، طالما أنه لا يريد قطعيا أي شيء من المطاعم التي مل منها بعد أن كان مجبرا على مدار سنوات على الطلب منها أثناء فترة مكوثه في المدينة وحيدا.. فوجد نفسه يهتف عاليا
((دارين الحقيني يا بنت للمطبخ))
.
.
بعد ساعات استيقظت رتيل ثم خرجت من الغرفة ناحية المطبخ لتتوقف خطواتها عند عتبته ويأسرها الذهول عندما شاهدت مُؤيد داخله.. حتى أنه قد انتهى من تحضير وجبة عشاء دسمة..
ظلت رتيل على ذهولها بينما دارين تطالع أدوات المطبخ التي استخدمها عمها دون حاجة جاعلا الفوضى تعم المكان كله لتقول أخيرا لرتيل وقد فاض كيلها
((لقد أتعبني عمي من كثرة أسئلته خلال تواجده في المطبخ لأنه لا يعرف أين تضعين أواني الطبخ والخضروات والبهارات..))
نظر مُؤيد لزوجته بفخر متوهج بعينيه وهو يسحب كرسي يدعوها للجلوس حول الطاولة ثم قال شامخا
((سأظل لشهر كامل أذكرك أني من أعددت هذه الوجبة اللذيذة وساعدتك في المطبخ.. هيا فليجلس الجميع..))
تقدمت رتيل وجلست كما طلب منها ثم رفعت شوكتها بتردد وبدأت تمضغ الطعام والنتيجة كانت أن الطعام لم يُطبخ بشكل صحيح.. لكنها تحاملت على نفسها وبلعت اللقمة.. وقبل أن يملأ مُؤيد صحنه نبّه ابنة أخيه بجدية
((إيّاك أن تقولي لأحد يا دارين أني من قمت بتحضير الغذاء، ستتغير نظرتهم لي وسيستخفون بشأني))
قالت دارين ببراءة وهي ترفع حاجبيها
((عمي لا يجب أن تشعر بأي حرج في ذلك، أبي هو من كان يعد الطعام لنفسه أثناء مكوثه في شقته حتى أنه أمهر منى في المطبخ))
لكن النظرة المخيفة في عيني عمها لو أفشت السر جعلتها تنفخ وجنتيها بحنق تعده أنها لن تفعل..
تلاشت علامات الفخر لدى مُؤيد فجأة بينما يسأل بتشكك ابنه الذي انضم إليهم بوجهه المكفهر
((كيف هو الأكل يا فهد؟))
ردّ فهد بعبوس
((آكله فقط لإحساسي بالجوع يا أبى))
وبّخه مُؤيد هاتفا
((كُلْ إذن.. فقط حاول أن ترخي سحنة وجهك))
رفعت رتيل وجهها لزوجها مُصرة أن تجامله قليلًا
((إنه لذيذ جدًّا يا مُؤيد كأنك شيف خبير، عندما تصر على فعل شيء وتركز به فأنك تبدع حقا))
وبدأت تأكل من طبقها بنهم حقيقي ليس لأنها تحتضر من الجوع فقط بل لأنها وجدت ما فعله شيئا مثيرا ومتفردا بالنسبة لها.. كأنه أراد أن يتواصل معها بمثل هذه المحاولات الرجولية المبتدئة لا تلك الذكورية المنفرة.. إذ أن شخصا مثل مُؤيد نشأ بفكر ذكوري وتشبع بعادات وتقاليد بالية يعتبر أن مساعدة الزوجة في أعمال البيت، ولو على سبيل المجاملة والتقدير شيئا مُخجل لا يصح أن يحدث، متناسيا أن الزواج شراكة ومسئوليات يتم تشاركها بين الطرفين بتوازن..
انكمشت ملامح مُؤيد عندما ابتلع أول لقمة من الطعام اللاذع الذي صنعه.. لكن كبريائه المتعنت منعه من التوقف عن الأكل، ليأكل نصف ما أعده على الأقل..
وكان يسترق النظر بين الوقت والآخر إلى زوجته مستغربًا ومتسائلا كيف تأكل من هذا الطعام غير الصالح للأكل بهذا النهم وشهية دون استياء!
=============================
في منزل أحد أخوال شيرين.. في المطبخ..
عقصت شيرين شعرها الأسود الجميل في لفة عملية فوق رأسها بينما تقوم بتنظيف المطبخ وغسل الأواني الخاصة بالوليمة الكبيرة التي أقيمت اليوم لخطبة ابن خالها.. وكل ما فيها مرهقا من الأعمال المنزلية المتواصلة.. ولكنه إرهاق من نوعٍ مختلف.. إرهاق انشغالٍ وإرهاق حياة..
غامت عينيها قليلا تنتشلها من الواقع إلى الماضي..
لم تبقَ بالسجن إلا ما يقل عن ستة أشهر لكن عندما خرجت شعرت كأنها ترى الحياة للمرة الأولى في حياتها.. كطفل صغير مندهش يزور مكانًا جديدًا ويتعرف على ما حوله..
أول خطوة لها خارج السجن كانت كشهيق أعاد الحياة لروحها كأنها لم تكن تتنفس سابقا.. حتى ضوضاء الشارع وأصوات المارة بدا وكأنها أول مرة تسمعها، حتى تساءلت إذا ما كانت صماء قبل خروجها أم لا..
والآن ها هي تعيش أيامها بعد إثبات براءتها وخروجها من السجن رتيبة مملة بدون جديد.. إلا من أيام قليلة تستيقظ فيها فزعة خائفة من أن يكون خروجها من السجن مجرد حلم.. ويا للبهجة التي تسكن قلبها عندما تطمئن أن الحلم واقع.. رغم أن حياتها الآن ليست بأفضل حال عن قبل، وأخوالها يجبرونها على العيش في بيت أحدهم في القرية بعيدا عن المدينة وعملها هناك... لكنها على الأقل تمضي في الحياة تدفع نفسها لها بكل ما تطرحه من دروس عليها ولغيرها..
ضج رنين هاتفها فسارعت شيرين تغسل يديها ثم تمسحهما على جانبي ثوبها في حركة سريعة بعدها تضغط زر الاتصال ليأتيها صوت سهر فجأة
((لقد اشتقت لك يا شيري، ألا يمكن أن نخرج في وقت ما قريبا؟))
عبست شيرين وردت عليها آسفة
((من المستحيل أن يقبل خالي الذي أقيم حاليا عنده الخروج من البيت، يقول إذا أردتِ رؤية صديقتك اطلبي منها هي القدوم عندك، أبي رحمه الله لم يتحكم يومًا في صباي بخروجاتي ليأتي خالي الآن يفعل ذلك وأنا في الثلاثينات من عمري!))
اعترضت سهر حانقة بغيظ
((ما سر هذا التزمت عندهم!؟ منذ إطلاق سراحك وهم يجمعون على عدم السماح لك بالعيش عندي أو العمل خارج المنزل!))
زفرت شيرين عدة أنفاس كانت تجيش بصدرها واحتجت
((وماذا بوسعي أن أفعل!؟ إذا اعترضت يذكروني بالسّجن الذي دخلته بسبب عدم طاعتهم في الماضي بخصوص ترك العمل والعيش عندهم في القرية..))
تنهدت تنهيدة استمعت لها الأخرى بأسى ثم أكملت كمن يفرغ شحنات سلبية من داخلها
((بعُرْف أخوالي وغالبية المجتمع هنا، إذا أخطأ الذكر فلا يُعاب فعله مهما كان حجم الضرر ويمضي قدما في حياته بحجة أنه رجل ولا يسيء ذلك له بل يضيف لسيرة تجاربه الحافلة بالإنجازات، أما إذا أخطأت الأنثى فهذا يؤكد بأنها كائن قاصر يجب أن تُفرض القيود عليها والسيطرة على شؤون حياتها الى آخر عمرها حتى لا تتعرض للمتاعب مجددا، وكأنها ليست مخلوقة بإرادة حرة مستقلة وبعقل مساوٍ تمامًا لعقل الرجل))
اشتد بؤس شيرين وعبوسها من تزمت أخوالها وكأنه لا يكفيها الأشهر التي أضاعتها داخل السجن.. إذ أنها خرجت منه وهي في سباق مع الزمن لتحصيل كل ما فاتها بداخله وإدراكه والاستفهام عن كل الأخبار والأحداث والمناسبات التي لم تعايشها..
حلَّ صمت بائس بينهما قبل أن تكسره سهر قائلة بإحباط
((لا أدري ماذا أقول لك، ربما عليك الانتظار أكثر قبل أن تناقشيهم بشأن وضعك هذا فليس من المنطقي أن تغادري من حبس إلى حبس جديد..))
ثم صمتت سهر قليلا لتتساءل
((المهم ماذا كنت أريد أن أسألك..))
تغضن جبين شيرين باستغراب لتكمل سهر بخبث وببهجة مُعدية
((آه.. هل ما زال سيادة الرائد يتواصل معك؟))
كسا الاحمرار وجه شيرين بمباغتة وبدأ قلبها بالخفقان بجنون واشتياق عجيب لذاك الرائد الذي يؤرق لياليها منذ خروجها من السجن..
التفتت شيرين تطالع باب المطبخ قبل أن تهرول إلى غرفتها وتغلق الباب خلفها كمراهقة تخشى أن يسمع أحد أو يعرف بحبها السري..
عادت ترفع الهاتف إلى أذنها وتقول بصوتٍ حالم
((نعم يزور خالي الذي أمكث عنده من وقت لآخر ويسألني عن حالي من خلال الرسائل الهاتفية ومن خلالها يستعجلني الموافقة عليه وإلا سيفتح موضوع زواجنا أمام أخوالي دون الرجوع لي))
هتفت سهر بتأكيد ولهفة
((إنه محق، لم يبقَ من العمر شيء، وافقي عليه وتزوجا وحسب))
تنهدت شيرين وقالت وأصابعها تتلاعب بخصلات شعرها تفرغ من توترها
((سهر أنا حقا لا أدَّعي أو اصطنع تمنعي، ولكن أشعر أنه يستحق من هي أفضل مني..))
هتفت بها سهر بغيظ يلتهمها
((وما همك أنت فيه؟ إنه رجل عاقل وبالغ وقد اختارك أنتِ لتكوني شريكة عمره، ومصر عليك لذا وافقي على عرض زواجه لعلك تنسين كل تلك الأيام البائسة التي عشتيها مع وليد..))
انتاب جسد شيرين رعشة قوية عند ذكر ذلك الاسم البغيض على قلبها فردعتها بوجه محتقن
((لا تجلبي لي سيرته! ألا مجال لأخلص منه حيا أو ميتا!))
أنَّبت سهر نفسها لتسببها بامتعاض صديقتها ثم همست
((أنا آسفة، لم أقصد، لقد مات وعلينا نسيانه))
غمغمت شيرين بصوتٍ متحشرج
((معك حق عند الله تجتمع الخصوم، أما الآن فأنا أحاول أن أنساه كليا وما عشته معه..))
أطلقت سهر نفسا طويلا ثم عادت تخفف عنها
((جيد.. الآن قولي لي بكل صراحة ما رأي قلبك وعقلك بالرائد؟ هل تجدين من المنطقي تضييع رجل مثله بعد كل ما فعله من أجلك في أحلك أيامك؟))
طافت قناديل الحنين في عيني شيرين لتتلاشى ظلمة مواجعها وبؤسها تدريجيا.. تقدمت بخطوات بطيئة نحو خزانتها تفتحها، ثم تخرج من بين ملابسها المطوية منديل مُعاذ المشبع بعطر رجولي يسرق منها الأنفاس.. مُعاذ كان الوحيد من بين الجميع من وقف الى جانبها في أكثر أيامها حاجة للمساعدة وسندًا..
امتلأت نظراتها بالشجن وهي ترد بعاطفة صادقة
((رأيي فيه أني مهما أنكرت وتمنعت فأني أحبه بجنون، أراه في أحلامي، لا يغيب عن بالي، وأشعر أيضا بما يُقاسيه، وهو أيضا يشعر بي وبما أعانيه..))
بترت شيرين كلامها وهي ترخي أجفانها لتردف وتضع كف يدها دون أن تترك أصابعها منديله، على صدرها تتحس قلبها الصاخب لمجرد ذكره
((هل سأحسن القرار عندما أختاره شريكا لحياتي؟ أنا خائفة قليلا من عائلته ورفضهم، لا أريد أن أدخل مثل هكذا دوامة.. مجددا))
تنهدت شيرين بعمق الحب الذي تكنه في الخفاء لمحبها، قربت المنديل بعطره المسكر لأنفها لتستنشق منه مجددا وقلبها يعلن استسلامها..
انتشلتها سهر من توهانها الغارقة فيه لتقول بحزم
((شيرين لن أكثر الكلام.. استخيري فقط ليطمئن قلبك وسييسر الله أمرك معه للخير..))
فتحت شيرين شفتيها لترد لكن طُرق باب غرفتها قبل أن يتحرك مقبض الباب فسرت رجفة على طول ظهرها إذ أن هذا الصوت يعيد بذاكرتها ما عايشته أثناء تواجدها بالسجن، كصوت فتح الأبواب الذي يميز بداية اليوم كان من الأمور التي عجزت أن تنساها بعد خروجها من السجن.. بل حتى الحديد والفولاذ في الأبواب والنوافذ تصيبها بحالة نفسية مؤرقة..
فقالت لها سهر على عجل
((يبدو أنك مشغولة الآن، سأغلق وأتصل بك لاحقا لأحقق معك بشأن الرائد وما يخص علاقتكما))
أغلقت شيرين هاتفها وخزانتها ثم سمحت للطارق بالدخول ليظهر خالها ويقول بغلاظة
((ماذا تفعلين في غرفتك إلى الآن؟ اذهبي وساعدي زوجتي في تنظيف المطبخ))
ابتسمت شيرين لخالها وكانت تهم بالمغادرة طائعة لكنه أمسك مرفقها يوقفها، فرفعت وجهها بتساؤل له.. ليتنحنح قبل أن يقول بخشونة
((سيادة الرائد كان حاضرا للوليمة التي أقمتها اليوم، هل تعرفين؟))
تغير طفيف اتضح على شيرين وشبح ابتسامة طاف على شفتيها.. نعم كانت تعرف ذلك فمُعاذ أخبرها برسالة قبل حضوره، وربما هذا ما جعلها تنهمك بكل سرور في مساعدة زوجة خالها في إعداد الطعام بل وتقترح عليها إعداد أكله مفضلة عند مُعاذ كما أخبرها في الأوقات الجميلة التي جمعتهما في السجن..
هزَّت شيرين رأسها تقطع تدافع هذه الذكريات وتعود للحاضر ثم قالت وهي تخفي ارتباكها أمام خالها
((حقا!؟ هذا جيد))
لوى خالها فمه بخشونة وقال بامتعاض
((كالعادة زيارة عادية، إلى الآن لم يبح إن كان يفكر بطلب يدك مجددا، أعرف أنه لم يمضِ على وفاة ابن عمه المغضوب عليه إلا ستة أشهر، لكن لا داعي لكل هذه المماطلة، عليه أن يكون واضحا، هل يريدك أم لا؟))
دلفت زوجة الخال غرفة شيرين فجأة معقبة باستياء وقد تناهى إلى سمعها آخر حديث زوجها
((هذا الرائد سقط من عيني منذ أول مرة طلبها منكَ ومن إخوتك ثم تراجع بآخر اللحظات عن الزواج..))
احتقن وجه شيرين قليلا بضيق بينما تفتح زوجة خالها يديها بحسرة وإشفاق عليها
((المشكلة أن ابنة أختك لا يأتيها خطاب رغم جمالها ومالها الكثير الذي تملكه))
رفع خال شيرين حاجبيه فجأة وفكرة مباغتة تداهم تفكيره قبل أن يقول لزوجته مقترحا
((بما أن الرائد ذاك لا يبدو جادا ولا خير يُرجى منه لطلب يدها مجددا، أفكر في سحب أموالها من البنك وشراء محل صغير لها هنا وأسجله باسمها ثم أشيع في كل القرية هذا الأمر، وحينها سيتهافت عليها الخطاب من كل حدب وصوب، فالمرأة تنكح لمالها.. أليس كذلك؟))
تجمّدت حواس شيرين وجحظت عيناها لتتمتم بذهول
((ربَّاه متى ينتهي هذا الذل الذي أعيشه!؟))
=============================
تقدمت تمارا من ابنتها متسائلة بفضول
((أي رائد هذا الذي كنت تتحدثين عنه مع شيرين؟ هل هو نفس الرائد الذي تنحدر أصوله من نفس قريتها؟))
تألقت ابتسامة على وجه سهر مجيبة
((نعم يا أمي، ربما يتقدم لها قريبا))
زمّت تمارا شفتيها مطولا لتقول
((وهل إذا تزوجته ستعيش هناك في القرية طوال حياتها؟ ألن يكون له تأثير سلبي على عملها ومستقبلها؟))
قطبت سهر حاجبيها وقالت
((أمي القرى لم تعد بالمعنى المعروف لكلمة القرى، بل أصبحت أشبه بالمدن الصغيرة بعد التطور الذي غزا الجميع في كل مكان، معظم أهلها نالوا نصيبًا كبيرًا من التعليم.. المهم هو شخصية المتقدم لها وعائلته، وصدقًا أنا لا أجد أفضل منه لشيرين))
تناولت سهر حقيبتها وتفقدت نفسها في المرآة تعيد ترتيب زينة وجهها مرة أخرى لتسألها تمارا
((هل ستغادرين الآن؟))
قالت سهر دون أن تنحسر ابتسامتها
((نعم الآن موعد عودة قُصي من عمله.. إلى اللقاء يا أمي))
غادرت سهر بيت عائلتها لتغمض تمارا عينيها محاولة تذكر آخر تمرينات رياضة اليوجا التي تمارسها لتتحكم بحسرتها وقهرها على نصيب ابنتها ثم أطلقت نفسا مرتجفا.. لكن عند آخر وهلة لم تتمَالك نفسها لتبدأ بشتم قصي ومن دلَّه عليهم!
لو لم يتزوج ذاك الكاذب الذي لا فائدة من اسم عائلته من ابنتها لكانت متزوجة من صهر غني آخر..
.
.
عندما وصلت سهر لمنزلها بدأت الشمس تغرب والليل يسدل ستاره.. وأنوار المدينة تشع من بعيد بمشهد بديع.. بدت السماء رائعة وهي تتلألأ بالألوان البرونزية المتألقة تكتسح صالة بيت سهر المليئة بالنوافذ الزجاجية الكبيرة، لتسقط بأشعتها اللامعة على قصي المتمدد فوق الأريكة لتبدو بشرته مذهبة كرجل قادم من عمق الماضي..
أغلقت سهر الباب خلفها وتقدمت منه لتراه ينام بعمق يعبر عن تعبه وإنهاكه، بدليل أنه لم يستحم أو يغير ملابسه قبل أن ينال قسطا من الراحة.. إذ أنه يخرج من الصباح الباكر متجها إلى عمله بنقل المواد الإنشائية من موقع إلى آخر حسب تعليمات المقاول ومعلم البناء دون أن تمنعه أشعة شمس الصيف الحارقة من أداء واجبه..
رنين انطلق من هاتف قصي الموضوع بالقرب منه معلنا بإزعاج أن فترة القيلولة التي ينعم بها قد ولت، وحان موعد اصطحابه سهر لإحدى الأماكن الترفيهية التي وعدها أن يزوراها سويا منذ وقت طويل لم يفي بوعده لها حتى الآن..
رفرف بعينيه متأوها بتعب قبل أن يرفع يده فوق وجهه يتفادى تلك الأشعة الساقطة عليه وتقلق رؤيته..
فسارعت سهر تغلق الستائر وهي تقول
((لا بأس عليك حبيبي عد إلى النوم..))
تمطى مكانه بكسل وقال بصوتٍ أجش من أثر النعاس
((لا، سأستحم وأغير ملابسي لنخرج الآن للمكان الذي وعدتك بزيارته))
ردت عليه بحزم رقيق
((ولكنك تبدو متعبا كثيرًا، ليس مهما خروجنا.. دعنا نؤجله ليوم آخر))
استوى جالسا قائلا بإجهاد وهو يمسد جبينه
((كل يوم أعود متعبا، إذا لم أذهب بك الآن لن أذهب لاحقا))
كان مستاء جدًّا من نفسه فهو أكد لها بأنه سيبقى معها كما كان قبل الزواج وسيخرجها كل يوم ليحظيا بوقت ممتع، إلا أنه منذ ما يزيد عن الشهر يعجز عن إيجاد وقتا للخروج لمكان بسيط.. وسهر تظل تؤكد عليه بأنها لا تمانع من تأجيل هذا الخروج إلى وقت أخر حتى لو بعد أشهر أخرى فهو يبدو متعبا جدًّا الآن من عمله في نقل المواد الإنشائية الذي يتطلب جهد بدني وقدرة تحمل وصبر كبيرين..
ابتسم لتفهمها ورفع يديه لها يدعوها لعناقه فاندفعت نحوه وهي تحيط ذراعيها حوله كالعائد من غربته يقوده الحنين!
ابتعدت سهر عنه فأراد رفع جذعه والاستقامة واقفا إلا أنه تأوه بألم جعله يسقط جالسا لتسارع سؤاله بحنق يداري قلقها عليه
((ألم تجد للآن وظيفة أخرى أفضل من هذه؟ عليك تركها عاجلا فقد تسبب لك مشاكل صحية عدة))
أجابها بوجه مكفهر
((أمي أيضا تخبرني مرارا أن أترك العمل هناك وأعمل بجانب أخي كموظف في الفرع الآخر لشركة القاني، ولكن نفسيا لم أعد أطيق العمل في مكان تابع لعمي، لذا عليّ أن أبقى ممتهنا لعملي الحالي لأنه أكثر وظيفة ستدر عليّ دخلا جيدا رغم مشَّقته))
كان الأمر مؤذي نفسيا لقصي أكثر مِمَّا تتصور سهر، حقا لن تتقبل أن يعمل أبدًا في مكان تابع لعمه أو من وساطته.. وفي نفس الوقت كبريائه لا يسمح له أن يستجيب لمطالب حماه الملحة السيد فايد في العمل عنده، خشية أن تساور ذرة شكَّ لدى سهر أو أمها من أن تقرّبه منها كان لأجل المال أو الارتقاء بنفسه!
مررت سهر أناملها الرشيقة بشعره تداعبه وتساءلت
((المهم هل تحرص على اتخاذ إجراءًت الوقاية والأمن في عملك؟))
أجابها مطمئنا إياها
((لا تقلقي أنا حريص على ذلك، لكن أخبريني كيف كان يومك؟ هل قضيت وقتا طيبا عند أمك؟))
رفعت سهر نظراتها لعينيه البنيتين التي تذوب حبا وهياما فيهما.. محظوظة هي بإنسان مثله لا يفشل في إيجاد الكلمات المناسبة لترجمة مشاعره الجميلة وإظهار اهتمامه بها وبأبسط تفاصيلها الصغيرة، وطريقة إمضائها الوقت، والرغبة الواضحة بالإصغاء لها إضافةً لسؤالها عن الأشياء التي ترغب بالحصول عليها، أو التي يمكن أن يفعلها من أجلها..
غابت ابتسامتها ووجدت نفسها تنتفض حبا مقترحة
((قصي ما رأيك أن أدعوك إلى صالوني الاستثنائي؟))
تراجع وجه قصي للخلف باستنكار ثم قال متهكما
((لا شكرا لك، فصالونات الحلاقة الرجالية موجودة بكل مكان))
عبست بدلال ثم احتضنت وجهه بيديها الناعمتين معترضة
((تلك الصالونات باهتة، لكن في صالوني سأقدم لك رفاهية ودلال لم تحلم بهما وستكون زبونًا دائمًا عندي))
همهم قصي مُدعيا التفكير ثم رفع يدها لثغره يلثمها قائلًا
((سيكون مثيرا للاهتمام تجربة هذه الأيادي الناعمة عوضا عن أيادي الحلاق، لذا أنا موافق))
أشرق وجهها بسعادة وسارعت تجهز كل ما قد تحتاجه.. فعادت مع الكثير من المستحضرات الخاصة بالبشرة وأدوات الحلاقة.. والمناشف النظيفة.. وعطوره المفضلة..
وفي غرفة نومهما الحميمية جعلت الإضاءة هادئة وأشعلت الشموع ثم حثته أن يتمدد على أريكة مريحة..
رفعت شعره عن جبينه بينما يأتيها سؤاله المستغرب
((ما الذي ستفعلينه؟))
ردت عليه بحماس ملهوف
((جهزت بخار الوجه لك))
عبس قصي بشدة وقال منسحبا
((لا بالتأكيد أنتِ تمازحينني، أنا لست شيرين يا سهر))
كان يهم بالابتعاد عندما أعادته بقوة ليتوسد الأريكة وتتوسل له بنعومة
((فقط استرخي يا قصي وثق بي، بشرتك تتعرض للشمس لساعات طويلة))
استسلم لها وهو يعود مكانه متمنيا حقا ألا يندم لتسليمها نفسه.. مالت سهر إلى أذنه هامسة بدلال فياض
((صدقني لن تندم))
غامت عيناه بانبهار بهذه الأنثى الجميلة التي تكون زوجته.. لف ذراعه حول خصرها ليجتذبها هامسا
((تبا لحلاوتكِ هذه يا باربي))
أطلقت ضحكة ناعمة قبل أن تجذب رأسه لترتاح على حجرها..
وضعت زيت اللافندر على يديها لتستنشق منه حواسه بينما هي تمسد وجهه.. تمتمت له بنبرة رقيقة
((شعر ذقنك نابت وإذا لم أمسده بطريقة عكسية قد أتسبب بجرحك))
كانت تمرر أصابعها الناعمة على كامل وجهه بلطفِ العالم أجمع وتدلكه بحركات دائرية.. بخفة.. ونعومة..
غسلت وجهه ثم وضعت إسفنجة بماء الورد المثلج الممتلئ بورود الجوري.. بعدها مررت يداها الناعمتين بحركة حرة من رقبته إلى كتفيه ثم عضلات ظهره بضغطات منتظمة خبيرة بجسده تحفظ كل خط فيه وتدرك مواضع ألمه الناتج من عمله تماما..
استرخت أعصاب قصي المشدودة أكثر مستمتعا برضا..
استمر الأمر لدقائق حتى شعرت بانتظام أنفاسه فاستشعرت نومه وهي تقول بخفوت رقيق
((قصي؟ هل أنتَ مستيقظ؟ لم أحلق ذقنك حتى!))
هدأت حركة يديها حتى لا توقظه رغم انفطار قلبها لخلوده للنوم من شدة إرهاقه من عمله قبل أن تعد له الطعام.. فقبلت خده بقبلة دافئة أودعت بها كامل أشواقها وفيض عشقها قبل أن تدثره وتتركه يهنأ بعميق نومه..
=============================
في حديقة القصر..
بين نسائم الصباح المنعشة وصوت اهتزاز الأرجوحة التي تتأرجح بها هدى سعادة فاقت سعادتها عندما أقامها مَازن لها كمفاجأة، انتشله صوت ياسمين القادم
((أعددت لكما مشروب قمر الدين يا قمراي))
توجهت خضرة عينا مَازن رادًا بجزيل الامتنان
((هذا حقا ما أردته قبل ذهابي للعمل))
بدأ يتجرع المشروب بظمأ له فعقدت هدى حاجبيها بشدة وهي تقول حانقة بطفولية
((أبي.. هل ستذهب الآن للعمل؟ أرجوك لا تفعل وشاركني اللعب قليلا، لم أعد أراك كثيرًا مؤخرا))
وضع مَازن الكأس جانبا ثم قال وهو يشد وجنتيّ صغيرته المتوردتين بأصابعه
((أضحت نوبتي في توصيل الطلبات تبدأ بعد عودتك من المدرسة، فصار من الصعب رؤيتك كثيرا، أحاول بجد البحث عن عمل آخر ولو نجحت في المقابلة المقررة وتم تعييني في تلك الشركة الكبيرة، سيتحسن وضعنا ماديًا ومعنويا))
مررت ياسمين يدها فوق ذراع مَازن برفق قبل أن تقول بنبرة خافتة
((أشعر أنه سيتم قبولك فيها فقد اجتهدت في التحضير لها، لم أراك تتعامل بهذه الطريقة مع شيء كما فعلت معها، صدقا أنا متفائلة خيرًا بهذًا))
التقت عينا مَازن بعيني زوجته بمراوغة وقد طل منهما بريق وشريط خيال لم يستطع منعه عن ليلتهما في الأمس ويراوده كلما أرادها لنفسه بعبث محبب لقلبها.. لكنها رمقته محذرة للحظة أنه ليس من المناسب أن يشاكسها أمام ابنته
((مَازن.. !!))
فيرد بعفوية ممازحا
((ماذا؟ هل فعلت أمرًا خاطئًا))
ثم لم تلبث أن ضحكت رغمًا عنها وهي تشيح بوهن وجهها عنه عندما يصر على شقاوته.. فتهز رأسها بيأس منه، لن يتغير أبدًا..
لا يفشل في إضحاكها أبدًا فيزيد من توهج جذوة حبها له في قلبها الذي بدأ يتعلم أبجدياته على يديه يوما بعد يوم..
انتشلهما صوت هدى من عالمهما وهي تقول
((بابا عانقني))
حمل مَازن قطعة روحه يحضنها فتتساءل بشقاوة
((متى سنزور خالي مجيد؟ لقد اشتقت له))
ربت مَازن فوق شعر ابنته مؤكدا
((سنزوره قريبا فقد اشتاقت أمك لأخيها أيضًا))
عبست ملامح هدى بطفولية فجأة لتقول لوالدها ببراءة
((بابا أتعرف؟ اليوم قالت صديقتي لي أني ثقيلة الظل))
اصطنع مَازن الاستهجان وقال باستياء
((بئس الصديقة هذه! كم من مرة أيقظتني بعد منتصف الليل لأعيد تضفير شعرك أو لأبحث لك عن منامة تلائم لون الغطاء حتى تستطيعي النوم ولم أقل ذلك عنك!))
ثم قبل وجنتاها يحفزها
((إنها تحسدك لا أكثر، أكيد لأنك تفوقينها ذكاءً وجمالًا مثل والدك))
ثم ما لبث يناغشها فتعالت ضحكاتهما معا..
حدقت ياسمين نحو قمراها فيبدوان كلوحة لها تأسرها من كم الحب الذي يتجلى أمامها فتهتز لها مشاعرها بحيرة.. ما أجمل علاقتهما سويًا.. وما أجمله هو كأب يعرف كيف يراعي تفاصيل صغيرته وطلباتها التي لا تنتهي ويتحلى بالصبر بمعاملته لها ومع بكائها لأتفه الأسباب.. يصالحها بعد كل خصام مفتعل بينهما.. يجلب لها هدايا صبيانية تلامس قلبها..
جفلت فجأة لتناظر ساعة يدها وتدرك أن الوقت قد حان لمغادرة مَازن لعمله فسارعت تحث ابنتها على النزول من حضنه قائلة
((هيا هدى.. اذهبي حبيبتي للمذاكرة))
ردت هدى بلهفة وهي تقفز من أحضان أبيها
((بل سأذهب الآن للعب مع عبد الله، خالة سمية تسمح لي بحمله ومساعدتها في إطعامه))
ثم تطلعت لوالدها تقول متمنية
((ليت أمي تجلب رضيعا مثله لأتسلى به))
ناكفها مَازن قائلًا
((الأطفال الرضع يا ابنة أبيك ليسوا دمى))
ضيقت هدى عينيها كمن تناقش نفسها وتفكر إذا ما كان عليها البوح به قبل أن تحسم أمرها وتطلب من أبيها أن يميل نحوها هامسة بسريّةَّ
((أبي أظن أن خالة سمية حُبلى بطفل آخر، سمعتها تقول ذلك مع عمة رتيل على الهاتف ولكن لا تخبر أحدا حتى لا يظنوا أني أفشي الأسرار))
أصابت الدهشة مَازن للحظات قبل أن تنفرج عنه ضحكة غير مصدقة ليتمتم
((إذا استمرت زوجة أخي على هذا الحال سيكون عند أخي فريق كرة قدم بحلول أعوام قليلة))
رفعت ياسمين إحدى حاجبيها وقالت بنبرة ذات مغزى
((إنجاب الأطفال رائع، لكن تذكر عليك مسؤولية حمايتهم، وحسن تربيتهم وهو الأمر الأهم من إنجابهم، هل أنت مستعد لهم!؟))
قطب مَازن حاجبيه من مقصدها المبهم فهزت ياسمين كتفيها وقالت
((لا تنظر لي بهذا الشكل يا قمر الدين، لا يمكنك أن تنعم بلقب أب بالمجان، ولا يمكنك أن تطالبني بطفل ثاني إذا لم تكن لديك نية بالاهتمام به))
ضرب مَازن يده على صدره بقوة وقال بجدية تكتنفه
((صدقيني أنا بأكثر فترات عمري مسؤولية، فقط انجبي طفلا أخر لنا إن لم يكن من أجلي فمن أجل هدى))
مسك بيداها وقد توهج الصدق فيما يقوله
((ياسو حبيبتي، أتعهد أمامك أني سأساعدك بكل ما يتعلق بتربيته، وسأكون رجلا أكثر مسؤولية من قبل تجاهكم.. ها؟ ما رأيك؟))
هزت ياسمين رأسها كمن تدرس عرضه ثم تساءلت
((حسنًا.. إذن متى تريد بالضبط أن نجلب أخا أو أختا لهدى؟))
تجلت علامات الشقاوة المتأصلة بملامحه وهمس لها بنبرة خاصة وهو يرتشف ملامحها البهية بعطش وشوق
((في أقرب فرصة، بعد عودتي من العمل مباشرة.. الليلة))
قربت ياسمين يدها بلا شعور نحو بطنها الذي يحمل بالفعل داخل أحشائه جنينا..
لقد سرى هذا الحديث بينهما قبل قليل لمصلحتها فهي تريده أن يظن أنه من طالب بهذا الطفل ومن كان قراره حتى يتحمل مسؤوليته أكثر ولا يفكر بالتنصل منها كما فعل مع هدى في البداية.. إذ أنها لا تنكر ذنبها بعدم تقريب هدى من والدها أثناء غربته لكنه لم يكن يكلف نفسه أي جهد للسؤال عنها..
إذن.. متى عليها أن تخبره بحملها؟ أم تتركه فقط يلاحظ مع الوقت بروز بطنها ليستنتج بنفسه!
فرقع مَازن أصابعه ينتشل ياسمين من شرودها يهم بالمغادرة متسائلا
((هل أحضر لك شيئا أثناء عودتي؟))
قالت ياسمين له مبتسمة بدفء
((سأذهب إلى زيارة الجارة، فقد أخبرتني بعد أن انتهت من تعليمي آخر ما يخص عملها بالخياطة أني مؤهلة للعمل معها بمتجرها الذي تعرض به موديلات خياطتها))
قطب مَازن حاجبيه محذرا
((ياسو حبيبتي.. بالمناسبة لقد أخبرتني أمي عن امتعاضها من زياراتك المتزايدة للجارة، فلم أجد بدا من الاعتراف لها عن نيتك للعمل معها بالخياطة لا لمجرد احتساء فنجان قهوة فانفجرت عليّ غضبًا، لذا حاولي أن تتجنبي أمي ولا تريها وجهك هذه الأيام))
امتعضت ياسمين من كلامه لكن بداخلها هي راضية طالما مَازن يدعمها ويؤيدها فودعته مبتسمة تتمنى له التوفيق.. المهم أن أمورها تتحسن مع مَازن والباقي لن يؤثر في حياتها..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الرابع وثمانون 84 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
في الصالة..
كانت رتيل تمسح الغبار عن أثاث الصالة بينما زوجها المصون متمدد على الأريكة يتصفح هاتفه بهدوء تام قبل أن ينتفض جالسًا فجأة ويغمغم باستياء
((أصدقاء مزيفون جاحدون حقًا! والأمَّر أنهم يتعمدون عدم إدراج هذه الصور على حساباتهم الشخصية حتى لا أعرف! من يظنون أنهم يخدعون!))
توقفت رتيل عما تفعله وسألته
((لم أفهم عليك؟ ماذا حدث مع أصدقائك بالضبط؟))
أجابها بغضب عارم منفلت
((تخيلي رأيت صدفة على مجموعة في موقع التواصل الاجتماعي صورا لأصدقائي في عدة رحلات للبحر ذهبوا لها الأشهر الماضية دون إخباري! حتى لا أقرعهم بالعتاب!))
كان حقا بقاؤه طوال هذه المدة يسبب له إحباط وكآبة فظيعة، إذ أنه معتاد على صوت صخب المدينة بكل ما فيها من تحركات الناس وأبواق السيارات ووسائل النقل وحتى صرخات الأطفال وكل ما ينبض بالحياة في الشارع! لكن رتيل لم تتأثر بما يقوله وعادت تمسح الغبار لتسمعه يغمغم مردفا
((خونة والله خونة! بدلا من أن يفكروا بتنظيم رحلة لمكان قريب تستطيع ساقي المُصابة تحمل عناء السفر له كي يروحوا عن نفسي المهمشة من الجلوس في البيت!))
صدر من رتيل صوتًا فيه رنة سخرية لم تنجح تماما في كتمه فالتفت نحوها يحدق بها صارخا
((أيتها اللئيمة! أستطيع الشعور بابتسامتك المتشمتة بي دون رؤية وجهك! أنتِ لا تشعرين بنفسي المنهارة من هذا السجن المحبوس فيه منذ بداية إصابة لقدمي))
انحسرت ابتسامة رتيل ثم التفتت تقول بملامح تتقلص دلالة على الألم
((على الأقل أنتَ بعد مدة ستزيل الجبس عن قدمك وتعود لحياتك العادية في الخارج، أما أنا سأظل سجينة هذه الجدران لمدة قد تكون أبدية، فقط لأن زوجي يرى أني كامرأة محترمة لا يجب أن أخرج من البيت))
ظل ينظر لها ويفكر لكل ما تقوله لكن من منطلق منطقي وحيادية الحكم بينما تكمل هي بمرارة لاذعة
((لا أستطيع ألا أتشمت بك، بل أنا مستمتعة برؤيتك محروم من العمل والخروج والتنزه ورؤية البشر والاختلاط مع أحد غير الولدين كما ترغمني أنا أن أعيش هذا طوال حياتي معك..))
فغرت رتيل شفتيها لتلتقط أنفاسها بصعوبة ثم همت بمغادرة المكان وقد شعرت أنها لا تطيق رؤية وجهه في هذه اللحظة.. تعسفه معها وتزمته هو ما دفعها أن تخطأ خطأ عمرها بالوثوق بامرأة كغنوة كمتنفس من السجن الذي تعيشه معه! لكنه ازدرد ريقا جافا ثم قال بغتة بصوتٍ باهت استوقفها مكانها دون ن تستدير
((في ذلك اليوم عندما اقترحت أن نذهب للسينما للترفيه عن أنفسنا.. كنت أقصد أن تذهبي أنتِ أيضا معنا))
نظرت للخلف من فوق كتفها لتعقب ساخرة بصوتٍ سقيم
((لا شكرا، أنا لا أذهب للسينما والمطاعم والأماكن المشابهة لها فأنا امرأة محترمة ولست كعميلاتك اللاتي تخرج معهن لتلك الأماكن))
اختلجت ملامحه عند ذكر هذه السيرة فقال بخزي
((عميلات! أنا كنت لا أتحدث معهنَّ إلا بخصوص العمل!))
هتفت بعصبية
((نعم أعلم ذلك وهل كنت لأبقيك حيًا لو عرفت أنك تخرج معهن وتتحدث بأمور غير العمل كالحديث عن فتاة أحلامك المفضلة وما تتمنى أن تفعل معها كزوجين!))
رفع إبهامه مؤكدا باستماته معذبة
((مرة واحدة تحدثت فيها مع دموع مرة واحدة فقط وتبت لله واستغفرت.. فضحتني أنتِ بها أمام والدي وإخوتي وأخذت ثأرك فأغلقي رجاءً هذه السيرة ولا تفتحيها مجددا))
اجتاح شعور الندم رتيل لأنها من أوصلت تلك الرسائل لوالده.. إذ أنها لم تكن لتفعل أمرا كهذا إلا لخوفها أن يكون قد أفشى على أخويها الاثنين ما كانت تفعله من خلف ظهره! ولو عرفت أنه ستر عليها لكانت بالمقابل سترت عليه دون أدنى شكّ..
أومأت برأسها بوهن وقالت بهدوء ظاهري
((لن أفتح هذه السيرة مجددا بما أنك تقريبا لم تفتح سيرة زياراتي لغنوة منذ عدت لك.. لذا نحن متعادلين، فلننسى الماضي))
ترك مُؤيد هاتفه جانبًا ثم مسح على وجهه قائلًا بخفوت
((المهم نادي الولدين ليتناولا وجبة الغداء ودعينا نخرج لأكل التحلية في أحد المطاعم مساء))
انزى ما بين حاجبيها وغمغمت بامتعاض
((اخرج مع الولدين، أما أنا فلن أفعل))
فتح يديه باستنكار وغيظ يستبد به
((ولكن لماذا؟))
وضعت إحدى ذراعيها على خصرها تهز جسدها بانفعال ثم عقدت صفقة معه
((لأنه أمامك خياران فقط.. الأول أن تنزهنا كل أسبوع أنا والأولاد بشكل دوري.. والثاني هو ألا تفعل ذلك لا الآن ولا لاحقا فأنا أعرف أن غايتك من الخروج الآن هو الترفيه عن نفسك أنتَ لا نحن، في ظل تجاهل إخوتك وأصدقائك لك بعد إصابتك))
احتقن وجهه عصبيةً وقال بانفعال نسبي
((إذن تريدين استغلال إصابتي ولوي ذراعي الآن؟))
تحلت بالجلد والصبر وهي تقول بروية شديدة
((بل أريدك أن تعرف أننا بشر مثلنا مثلك، ومثلما أنتَ بحاجة للترفيه نحن أيضًا بحاجة لذلك، لو كنت لا تحب الخروج بطبعك لاحترمت ذلك وكتمت ما أرغبه في نفسي.. لو كان وضعنا المادي لا يسمح لما تجرأت أن أطلب منك فوق طاقتك.. لكن كنت أرى في كل يوم أفتش جيوب قمصانك فواتير الأماكن الترفيهية التي تذهب لها باستمرار!))
ازدرد مُؤيد لعابه بصعوبة بينما أنامله تتحرك عفويًا لتحرر عنقه من أول زرين لقميصه وتلك العينين اللتين تناظرانه الآن ترميانه بسهام اللوم والعتاب الجارح..
أدركت رتيل أنه يشعر بشيء من الذنب ومقتنع بكلامها فقررت انتهاز الفرصة والحديث معه بما قد يخترق أعماقه لعله.. لعله يغير شيئًا من أفكاره المتزمتة.. فاندفعت تجلس بجانبه وتنظر في عينيه هادرة
((مُؤيد أنا أتحدث معك الآن لأني أرغب حقًا في الإصلاح بيننا وإرضاء كِلانا لا لاستغلال ضعفك أو نيل تنازلات كبيرة من جانبك))
شبك مُؤيد أنامله ببعضها وقال بشيء من الثبات
((حسنا سنخرج الآن وبعد شفاء قدمي سأحاول الخروج بكم كلما سمحت لي ظروف عملي))
ضيقت رتيل عينيها وهي تسأله
((وعد شرف يا مُؤيد؟))
هزّ رأسه ببطء وقال مستسلما
((نعم وعد شرف، أساسا لا أحد هنا في هذا الحي يعرفنا من أقارب وأصدقاء))
رفعت رتيل حاجبيها باستهجان! إذن اقتنع بسرعة بفكرة الخروج فقط لأنهم أصبحوا يعيشون في المدينة بعيدا عن أعين الجيران والأقارب الذين يهتم بنظرتهم عنه؟
حسنا لا يهم، على الأقل فقد وافق.. إذ أنه بالسابق كان لا يراعي أو يشغل باله بالاستماع إلى ما تقوله.. ومتى ما جاءهم في زيارة من المدينة كل أسبوعين كان ينشغل عنها بمشاهدة التلفاز أو تصفح الإنترنت.. كان يكره الإنصات أو إجراء مناقشة معها ويضع نفسه داخل قوقعة اهتماماته وحسب دون أن يكلف نفسه عناء ما توده من أمور للقيام بها معه في فترة تواجده..
إذن سيكون التغيير تدريجيا، عليها المواصلة معه في كل مرة بالقليل للوصول لما يرضيهم كزوجين وكعائلة.. فالمشوار معه طويل لكن يتطلب اخذ خطوات متريثة..
سارعت ترسم ابتسامة جذابة له وتقول بحب ظاهري
((حسنا شكرا لك يا مُؤيد.. سأضع الآن الغداء لنا، هل تعرف أني أعددت اليوم وجبتك المفضلة؟))
وعلى الغداء اجتمعوا حول سفرة الطعام.. بدأت رتيل تأكل بشهية كبيرة.. ومنفرجة الأسارير لأن حديثها هذا أثمر في تفكير مُؤيد وغيَّر به شيئا ظنت أنه لن يتغير أبد الدَّهر..
لكن هل يمكن أن يستمر مُؤيد بالتغير وتصير علاقتهم متبادلة قائمة على المشاركة؟ ويتوقف عن التعامل معها بمنطق عدم الأهلية.. كأنها قاصر.. وعليها أن تنفذ كل أوامره دون محاولة للاعتراض أو الرفض!
انتشلها صوت طرقات الباب من أفكارها فسارعت تقول وهي تهمّ واقفة
((لا تتعب نفسك يا مُؤيد، ربما تكون دارين، دعني أفتح الباب لها))
وما إن فتح الباب حتى كان صوت دارين بالفعل يصدح عاليًا وهي تندفع نحو رتيل معانقة إياها بحرارة
((زوجة عمي كيف حالك؟ لقد اشتقت لك كثيرًا))
أوصدت رتيل الباب بيدها بصعوبة وغمغمت باختناق من فرط قوة عناق دارين التي تكاد تضاهيها بالطول
((لا تبالغي من شد ذراعيك حولي يا دارين قد أقع))
أطلقت دارين سراحها من تطويق عنقها المثقل بالاشتياق لرؤية زوجة عمها بعد غياب أشهر طويلة ثم قالت ببهجة
((جئت مبكرا عندكم ولكننا اضطررنا لذلك، لأن أبي يريد أن يزور جديّ))
ما لبثت رتيل تتذكر مرافقة والدها لتسألها عنه
((صحيح، أين هو والدك؟))
لتجيبها تلتفت ناحية الباب
((ذهب ليركن سيارته ثم سيلحقني))
مسكت رتيل يدها تحثها للتقدم داخل الصالة
((ادخلي فورا الغداء جاهز، سأضع طبقا لك))
توغلت دارين للصالة ولوحت بيدها لفهد وباسم المبتهجين لرؤيتها فرمتهم بابتسامة واسعة قائلة
((سأبدأ المكوث في بيتكم من اليوم))
ثم انحسر الحماس من على وجهها تدريجيا وهي تسدد نظرها لعمها مُؤيد هادئ الملامح في مكانه وما لبثت أن قالت بحنق طفولي
((عمي مُؤيد قبل أي شيء، لا بد أن أبي أخبرك أنه سجلني بالنادي؟ واتفق مع سائق أن يأخذني إلى هناك ويعيدني، لذا إذا كنت ستعترض لذهابي للنادي قل من الآن لي حتى أطلب من أبي ألا يتركني هنا))
اغتاظت ملامح مُؤيد من طريقة حديثها معه وتجرئها السافر فقال حانقا
((لا تقلقي أيتها المدللة أخبرني والدك عن النادي وأكدت له أنى لن أعترض على ذهابك))
أسرّ الذهول ملامحها لدقيقة قبل أن تهتف بلهفة مباغتة
((هل حقا ما تقوله؟ لا أصدق.. أحبك يا عمى أحبك))
سارعت تعانقه بقوة وحب بينما تردف بتريث دون ترك معانقته
((لقد ظننت أنك ستمانع قدومي إلى هنا بسبب وقاحتي معك عند آخر مشكلة حدثت! وحينها والدي كان سيجبرني أن أعود لبيت جدي..))
أبعد مُؤيد دارين بصعوبة عنه وتنحنح قبل أن يقول
((لن أقول "وقاحة" بل سأقول تقليل من احترامي، ولكن مهما فعلتي تظلين ابنة أخي المدللة التي لا أستطيع التسبب بحزنها))
نظرت دارين له بتسلية مشوبة بالامتنان ثم قالت بعبثية
((هل عرفت يا عمي لم أحبك أكثر من أبي!))
هدرت رتيل لها بحماس مفعم وهي تشير للغرفة
((جهزت لك يا دارين غرفة الضيوف تعالي وأعلمينى إذا احتجت لأي شيء))
أخذت دارين تتأمل المكان قليلا ثم قالت بشيء من الذنب
((أخبرني أبي أن شقتك صغيرة لأنك بالأصل كنت تعيش فيها بمفردك لكنها أصغر مما توقعت، أشعر أن مكوثي هنا كضيفة سيكون ثقيلا عليكم))
صححت لها رتيل ظنونها
((لا تقولي ذلك أيتها السخيفة، أنا أصر على وجودك أساسًا حتى تساعديني بأمور التنظيف، وإشغال وقتي))
انفرجت ملامح دارين وقالت بطيب خاطر
((سأفعل كل ما تطلبينه، هل تعرفين أني من كنت أطهو لأبي عندما كنت أعيش معه؟ صدقيني ستحبين مكوثي))
ثم تطلعت لعمها مشيدة وهي تغمز إحدى عينيها
((عمي أنتَ محظوظ بزوجتك جدًّا))
حانت من مُؤيد نظرة خاطفة لرتيل ثم هَزَّ كتفيه..
لكن فجأة هتف باسم باعتراض
((أبي لماذا تسمح لدارين الفتاة بالذهاب للنادي لرؤية صديقاتها ونحن الصبيان لا!))
تجلَّت الدهشة على ملامح مُؤيد ولوهلة لم يعرف بما يرد لكنه قال بعد لحظات تلعثم باقتضاب
((ستذهبان معها لا تقلقا، بالتأكيد لن أسمح لسائق غريب أن يأخذها إلى هناك ويعود بها وحيدة))
شهق فهد بلا تصديق
((هل حقا ما تقوله يا أبي؟))
قطب مُؤيد حاجبيه وأومأ برأسه فقفز الاثنان بمرح واندفعا يعانقانه ويغمرانه بالقبلات يهدر كل واحد منهما بحبه له.. أما رتيل لم تكن تصدق كل ما سمعته من مُؤيد اليوم أبدًا! بل لم تتخيل يومًا أنه قد يصل به أن يفعل ذلك.. أو يوافق على أمر كهذا..
=============================
بعدما انتهى مُعاذ من زيارة أخيه وصل إلى بيت والديه وجلس مع أفراد عائلته في غرفة المعيشة..
وضع كأس الشاي على الطاولة عقب أن ارتشف منه ثم التفت لوالدته يقول
((المهم الآن لنعد لموضوعنا الذي قلت لك عنه سابقا))
أظلمت ملامح زاهية فجأة كما حال زوجها وقالت بغضب
((لننتظر حتى تخرج من السجن لنتحدث بأمرها معك، من يدري؟ قد لا تخرج أبدًا))
استنكر معاذ بضراوة ((لا سمح الله يا أمي لا تقولي هكذا، لن يطول الأمر عن أيام قليلة قبل موعد جلستها الأخيرة وخروجها، إنه شبه مؤكد))
انفلتت أعصاب زاهية وهتفت بامتعاض
((يكفي يا مُعاذ.. لا يعجبني من أمرها شيء مثلا سنها.. تصغرك بثلاث أو أربع سنوات فقط! كيف ستنجب لك العديد من الأطفال بعد الزواج وهي على مشارف منتصف الثلاثين؟))
دنا مَازن من أمه يقول بنبرته الشقية المتأصلة فيه
((أمي لا تقلقي عندك الكثير من الأبناء غيره ومن سيجلبون لك الأحفاد.. لذلك تغاضي عن موضوع أولاد مُعاذ، ثم هم قلة قليلة من يعرفون بموضوع سجن مطلقة وليد..))
صحح مُعاذ له بلهجة تحذيرية
((اسمها شيرين لا مطلقة وليد وستكون قريبا زوجة أخاك فحاذر بانتقاء ألفاظك))
اضطربت ملامح مَازن ولم يتوقع أن ينفعل أخيه عليه بهذا الشكل لزلة لسانه! لكن زادت زاهية وهي تؤنبه بحدة
((يكفي يا مَازن الأمر لا يتحمل المزاح، مظلومة أو بريئة ليست مشكلتي لكن لن أقبل خريجة سجون أن تكون زوجته))
احتقن وجه مُعاذ بغضب مكتوم والتفت لوالده يقول
((أبي قل شيئا، وأخبرها عن الظلم الذي تعرضت شيرين له من ابن أخيك!))
حاد يعقوب بعينيه جانبا وقال بصوتٍ محتقن حاول جاهدًا أن يخفي الغضب بين طياته
((عذبها كثيرًا وأذاقها المر، لكن لها رب يعوضها خيرا عما لاقته منه ولم يفوضك أحد أن تعوض مطلقة ابن عمك))
تصلبت ملامح مُعاذ، فها هو والده الذي كان يتهرب من الحديث معه كلما جاء له بأمر شيرين يظهر الآن سخطه بزواجه منها.. إلا أنه رد بثبات ووضوح
((أبي أخبرتك أنى بدأت أكن مشاعر لشيرين منذ زمن، أي منذ طلبت منى أن أهتم بشؤون والدها المريض قبل وفاته، وهي من كنت سأتزوجها لولا ابتزاز وليد لها آنذاك بغير علمي!))
هتفت زاهية بعصبية
((وهل هذا الأمر مدعاة للفخر يا مُعاذ لتخبرنا به! لو تزوجتها قبل زواجها من وليد وقبل دخولها السجن لم أكن لأعترض لكن الآن فلا))
التفت مُعاذ لوالده الذي يزيد من تعنت والدته بموافقته.. فناظره بعينيه بصمت يطلب منه أن يكون منصفا إلا أن يعقوب زمجر به باحتدام
((أنا مللت وسئمت من إخوتك ولا أحتمل أي عبء إضافي منك الآن، افعل ما تريد وتزوج من تريد ولكن اغربوا جميعا من أمام وجهي، مُصعب هو الوحيد المرضي فيكم))
أنهى يعقوب كلامه واعتدل واقفا بغضب يمشي مبتعدا لتهتف زاهية
((أين ستذهب يا حاج وابنك لم يتراجع عن الزواج بها بعد!))
وصلها صوته السَّاخط قبل أن يبارح الغرفة
((إذا هججت من هذا المكان بلا عودة فلا يلُمني أحد! كله منك أنتِ ومن أولادك))
انتفضت زاهية واقفة ورفعت سبابتها تهتف
((مُعاذ لن أسمح لك أن تتزوج خريجة سجون، وإلا والله أقف مع حماتك وأجعلها تأخذ حضانة دارين منا وأتركك تهنأ مع خريجة السجون))
تمتم مُعاذ بخفوت مستاء
((أمي كُفي عن نعتها بهذا اللقب فوالله ما دخلت السجن إلا ظلما))
ردت عليه زاهية بنيران الغضب المندلعة في أعماقها
((لا يهمني إن كانت دخلت السجن ظلما أو لا، لكن لن تتزوج منها، ولو تزوجتها لن أبارك لك ولن تدخل قدمي عتبة بيتك))
ثم تمتمت بازدراء قبل أن تغادر المكان مبتعدة
((في آخر الزمن يتزوج ابني من خريجة سجون تُخرج منها الجانحين أكثر مما تستقبل، وتضر المجتمع أكثر مما تفيد!))
تقبضت يدا مُعاذ وضرب بها فوق المنضدة أمامه
((رباه. كيف اقنع هؤلاء القوم!))
ثم لحقهم للخارج بهم.. أما سمية ومَالك اللذان كانا يجلسان على أريكة في الزاوية ويأكلان تطلعا لبعضهما.. تحرَّج مَالك من أمه فتمتم
((أمي امرأة عاقلة وكيَّسة ومن الصعب أن تتصرف بطيش أو بتطفل، لكنها في النهاية أم قلبها يحترق على أبنائها من أمر تظنه ليس في صالحهم))
أيَّدته سمية وأومأت برأسها له شاعرة بالإشفاق على حماتها التي ليس لديها بخت بزوجات أولادها.. فهي الآن ليست راضية عن أي واحدة منهن رضا كاملا..
=============================
في أحد مزارع الكانز البعيدة وأجملهم كانت نورين تتمشى مع والدتها بينما تعينها الأخرى في المشي وقد برزت بطنها إلى حد صار ينهكها بذل أي مجهود يسير.. ومُصعب ذهب لإحضار معدات الشواء وتركهم هنا..
حانت من نورين نظرة لوالدتها التي تسير بجانبها قبل أن تبتسم بامتنان.. رباه كم هي سعيدة للبهجة التي أضيفت لحياتها بعد أن عادت تزور عائلتها وتستقبل زيارتهم.. والشكر لمُصعب الذي لا يتوانى بين فترة والأخرى بدعوتهم عندهم وقبول دعواتهم..
عادت نورين تقبل وجنة أمها غير آبهة لتذمرها إذ أنها تريد تعويض كل الأيام التي عاشتها بعيدة عن حنانها الفياض.. وسرعان ما صدحت ضحكاتها عاليًا بشكل أنعش قلب والدتها التي أخذت نفسا عميقا قبل أن تتطلع مأخوذة الأنفاس بجمال أشجار هذه الجنة الخضراء الشاسعة وتقول
((ما شاء الله ما أوسع هذه المزرعة، بارك الله في خير عائلة زوجك))
أمَّنت نورين على قولها قبل أن تفلتها وتسير نحو أزهار جورية خلابة وتقرر قطف البعض منها لتجمعها كباقة وتعطيهم لمُصعب عند عودته رغم معرفتها أنه سيطلب منها هي أن تهتم بهم.. ولم تكن قد انخفضت لتقطف الأزهار حتى تجهم وجهها بشدة وعقدت حاجبيها بغرابة كأنها تستنكر شيئا ما..
لاحظت أمها تشنجها فسألتها بقلق عارم
((لا تنخفضي يا نورين قد يتعبك ظهرك))
اغرورقت عينا نورين بالدموع وشعرت بألم يتسارع بوتيرة فائقة، حتى أنها بالكاد تمكنت من النطق بكلماتٍ متداعيةٍ منهارة
((أمي أشعر أني سألد.. الآن.. أمي..))
.
.
في هذه الأثناء وفي نفس المزرعة وقف مَالك برفقة والده يساعده ويصغي لملاحظاته في أمور الزراعة والإشراف على المزارعين كما هي عادته في إجازته كمحاولة إثبات أنه يبذل جهده في القيام بدوره كابن على أكمل وجه..
أغمض عينيه وخرير المياه الممتزج بزقزقة العصافير وهمهمات الفلاحين التي يحملها النَّسيم مُداعبا الشجيرات تصله وتخترق كيانه!
متى آخر مرة حُظي بمثل هذا الوقت المُسترخي!
فتحهما على صوت والده ينصحه أينما يذهب أن يزرع المكان بالأشجار المثمرة، ويعمرها بالآبار حتى لو لم تكن الأرض ملك شخصي له.. ربما يمر عابر سبيل جائع.. محتاج جائع.. حيوان أو طائر متعب.. فيروي عطشه ويسد جوعه بثمارها.. فتكون صدقة جارية له..
قام والده بغسل عدة حبات فاكهة قطفها بماء البئر.. قبل أن يشوب نبرة والده شيء من الامتعاض وهو يغير دفة الحديث
((لماذا لم يأتي مَازن إلى الآن؟ ألم تقل بأنه سيرتاح قليلا ثم سيلحقك للمزرعة هنا؟))
توتر مَالك ولم يعرف كيف يبرر تقاعس مَازن إلا أنه ردَّ
((أبي ربما شعر بالتعب فقد عاد منذ قليل من عمله المرهق الذي يتطلب منه جهدا كبيرا وهو يقود الدراجة تحت الشمس لساعات))
هتَف به يعقوب بسخط
((وأنت عملك كمعلم يتطلب منك أن على قدميك لساعات لماذا لا يستطيع أن يكون مثلك ويأتي ليأخذ نظرة على المزارع بعد عمله؟ لو فقط يعرف كيف يكون نصف ما تكونه أنتَ يا مَالك))
قال مَالك يرجو تفهم أباه
((أبي أرجوك لا تظل تقارن بيننا، رغم أنه لا يظهر أي ضيق من مقارنتك لكني أعرف بأنه في داخله يتألم منها، نحن مُختلفين وتقبل هذا))
استنكر يعقوب كلامه بغضب يتملكه
((هل تريد مني أن أتقبل اختلافه عنك بانعدام المسؤولية.. دعك من الحديث فمهما أقول لا فائدة ترجى فيه))
اعترض مَالك ((ولكن يا أبي..))
قاطعه يعقوب بنفس نبرته الغاضبة الناقمة
((أسكت أنت الآخر، فكونك أنتَ ومُعاذ ومُؤيد ومُصعب أهون درجة من مَازن لا يعني أني راضي عنكم بشأن اهتمامكم بمزارع وحقول والدكم))
اتسعت عينا مَالك بذهول معقبا
((ماذا! أبي هذه أول مرة اسمع منك مثل هذا الكلام))
تناول يعقوب السلة مغمغما
((إذن سأسمعكم أكثر من ذلك من الآن فصاعدا))
وضع يعقوب الفاكهة يملأ السلة وهو يقول بنبرة مختلفة
((أنا يا مَالك نشأت بصغري مع أخويّ الاثنين في منزل عائلة كبيرة العدد، فكان البيت المتواضع يضم جميع أعمامي وزوجاتهم وأولادهم ونعيش فيه جميعا كثكنة عسكرية، كنا نعاني من الفقر وقلة المال ونقص بأبسط أمور الحياة اليومية، فيجبرنا الآباء منذ نعومة أظافرنا على العمل بعد المدرسة في حقلنا عملًا يشق على الرجال ولساعات فينقضي النهار دون أن يجد الفرد منا وقتا للمذاكرة، ومع ذلك فلم يعترض أحد ويطلب أن يتم عفوه أو تقليل نصيبه فيما يسهم به في الحقل..))
قطب مَالك حاجبيه وهو يصغي لأبيه بتركيز يكمل بصوتٍ يفضحه الألم
((لم يكن هناك عندنا فرصة ثانية لمن يفشل في إحدى السنوات الدراسية، عندما توفي والدي اضطربت أمور دراستي في الثانوية العامة وامتنعت من دخول الامتحان، أخبرني عمي بأنه لا مفر من تركي للدراسة والتفرغ للعمل في الحقل، فرضخت لهم فقد كنت الأكبر بين أخويّ اللذين اعتبرت نفسي أبا لهما بعد وفاة والدنا ومسؤولا على تأمين قوت يومنا))
لمعت عينا مَالك بالحزن هادرا
((لقد كان الأمر قاسيا من عائلتك اتجاهك))
مر شبح ابتسامة على وجه يعقوب هادرا
((نعم كان ذلك، ولأني حرمت من إكمال دراستي أقسمت على نفسي إذا كبرت وتحسن الحال فسأكون أكبر داعما لأولادي في دراستهم وإعالتهم ماديا حتى يوفقوا فيها وما يرغبون في امتهانه حتى لو لم يعملوا في الأرض))
ثم قست نظرته وهو يطالع ابنه مردفا
((لكن ما أراه الآن أنكم تتمادون وتعزفون عن العمل في الزراعة ولو بدوام نسبي وتفضلون العمل في المدينة! رغم أن الزراعة مهنة مجدية وعصب اقتصادي هام للفرد والمجتمع))
كان غضبه مصدره من شباب القرية لا من أولاده وحسب الذين يهملون الزراعة التي هي مصدر الغداء للأمه جمعاء.. رغم أنه لا يلمهم لقلة أجرها.. فهو لا ينكر بأنه لو لم يوفقه الله ولو لم تساعده زوجته بورثتها لما كان تغير حاله بفرق رهيب خلال سنوات قليلة!
انتزع يعقوب نفسه من أفكاره ثم قال وهو يناول السلة لمَالك
((اذهب وأعطي هذه الفاكهة الطازجة لزوجة أخيك وأمها اللتان تتنزهان في نهاية المزرعة.. إنهم ضيوفنا))
أومأ مَالك لوالده بطاعة وتناول الفاكهة ومضي بطريقه إلى حيث تتواجد نورين مع والدتها قبل أن ينتبه لهن من بعيد ويشعر بخطب ما فيسرع بخطواته مهرولا نحوهما..
وصله صوت نورين تبكي بعنف بينما أمها تقول بتيه
((ماذا! ماذا أفعل! لا أعرف قيادة السيارة، أريد الاتصال بالإسعاف أو زوجك ولكن لا إشارة هنا على هاتفي))
بدأت أمها تمسح عن جبينها قطرات العرق وهي تجيبها بصوتٍ يضج ألما
((اذهبي للرصيف لعلك تجدين إشارة للاتصال، ستتأخر الإسعاف للقدوم لهذا المكان فطرقه ليست معبدة، اتصلي بمُصعب وأخبريه أن يعود هو))
وضع مَالك سلة الفاكهة أرضا وهتف عاليا
((انسِ مُصعب يا خالة، سأجلب سيارتي حالا حاولي أن تسنديها لنهاية الطريق))
سارعت ريحانة تسند ابنتها وتسير بها بخطوات متعثرة وحذرة نحو خارج حدود المزرعة وأنين يصدر منها من شدة ألم بطنها التي تُعْتَصر بجنون..
وبصعوبة وصلتا للسيارة حيث ركب مَالك مستعجلا خلف مقود السيارة.. بعد أن ساعد زوجة أخيه رفقة والدتها بالجلوس بحذر شديد رغم تأوهات وصرخات منفلتة من هجوم آلام المخاض المفاجئة..
شغل مَالك محرك سيارته وانطلق بها هاتفا باضطراب
((ها أنا أقود على أعلى سرعة مسموح بها لأصل للمشفى))
شدَّت نورين على أسنانها تصدر أنينا متحاملة على الألم الذي تشعر به يشطرها لنصفين ويكاد يقصم ظهرها إذ كانت غير قادرة على التحمل وكتم أوجاعها..
تطلعت ريحانة لوجه ابنتها المحتقن والمغرق بالدموع شديد الاحمرار.. يتصبب جبينها عرقًا بينما تحاول أن تنظم أنفاسها.. نفخت عدة مرات في أنفاسٍ متسارعة متتالية لكنها شهقت فجأة عندما شعرت بضربات الطلق مجددًا كأنها قنابل تمزق جسدها، همست لها وهي تلهث باختناق
((أمي متى سنصل إلى المشفى! أشعر أنى سأموت..))
شدَّدت أمها من الإمساك بيدها وهي تدعو لها السلامة وتطمئنها، ورجت مَالك بصوتٍ لاهث واهن أن يسرع.. فاستجاب لها وقد بدأ التأثر والقلق يظهر على وجهه من الألم العنيف الذي يشعر بها تمر به..
.
.
لم يمر الكثير من الوقت بعد الولادة حتى كان مُصعب يركض في ممر المشفى نحو غرفة نورين.. فتح الباب باندفاع دون أن يطرقه حتى ليقول من بين لهاثه العنيف
((لقد وصلت أخيرا))
أدارت نورين وجهها للباب متفاجئة لتجد مُصعب يتقدم منها.. رغم الآلام التي تمر بها إلا أنها شعرت بالحنق لأنه رآها بهذا المظهر إذ أنها ليست بحاجة لمرآة لتعرف أنها تبدو في هذه اللحظة أكثر سوءً وإثارة للنفور في حياتها.. أشاحت بوجهها عنه تلقائيا وحاولت إعادة خصلات شعرها الفوضوي المشعث تحت القبعة الطبية.. قبل أن تشعر به يجلس بجانبها ويقول لاهثا بخشونةٍ
((لقد عدت للمزرعة حيث تركتكما وفزعت عندما لم أجدكما، لولا أن أخبرني أبي أنه أرسل مَالك إليكما، خفت أن يكون قد حلًّ مكروها بك وأوصلك للمنزل، فذهبتُ هناك وكانت أمي بانتظاري لتخبرني أنك بالمشفى وقد أنجبت، وعلى الفور جئنا نحن الاثنين هنا..))
قاطعته قائلة تهون عليه بابتسامة شاحبة
((لا بأس المهم أني قد وصلت وأنجبت بولادة طبيعية))
كمن انتبه لها فلثم جبينها المتعرق وهو يمسك وجهها بكلتا يديه
((سامحيني.. لم أسألك عن حالك ...أنت بخير حبيبتي؟))
ردت عليه بإرهاق دون أن تنحسر ابتسامتها
((الحمد لله.. الحمد لله))
كان يلتمع في عينيه تعبيرُ يجمع بين أسى وجعها الذي لم يشارك لحظاتها معه ومحبة صادقة يكُنها لها.. جعلها ترغب في البكاء بغزارة..
رفع مُصعب أصابع يده ليلامس بها وجنتها بنعومةٍ ويميل نحوها يحتضنها فضمتها بكفيها المرتعشين
((لا تلم نفسك، أنتَ لا تتركني أبدًا، حتى أنك طلبت من أمي أن تسكن معنا لتتواجد معي في وقت عملك))
انزلقت شفتاه في ابتسامة زادت من جاذبيته في عينيها الباكيتين ثم تحاملت على نفسها وحاولت أن تستوي شبه جالسة فمال هامسا بصوتِ أجش دافئ انساب بلطف عبر تجويف أذنها
((ولكن ستظل حسرة بقلبي حتى تحبلي مجددا وأعيش هذه التفاصيل التي فاتتني مع ولادة طفلتنا الأولى))
عبَست أمامه لذكره موضوع الحمل مرة أخرى ولم يمر الكثير على إنجابها هذا، فضحك على شكلها ثم قبّل وجنتيها ناسيًا وجود أمها التي غضت بصرها بعيدا وهي تشعر براحة وامتنان لجميل علاقة ابنتها مع زوجها..
عقدت نورين حاجبيها فجأة كأنها تذكرت شيئا لتتساءل
((أين أخاك؟ لقد قال بأنه سيحضر الطفلة ولم يعد))
ابتسم لها بحنو وأجاب
((وصلتُ مع أمي إلى المشفى وذهبت هي لرؤية الطفلة التي يحملها مَالك، ولهذا تأخر غالبا))
وفي أثناء حديثهم طُرق الباب عدة مرات فسارعت تغطي رأسها بينما يفتح مُصعب الباب ليطل منه أخيه يحمل الرضيعة بحذر بجانب أمه التي قالت له بسعادة غامرة وعاطفة عارمة
((ما شاء الله يا مُصعب، طفلة مثل القمر))
ثم رفعت أنظارها نحو كنتها تقول بابتسامة
((مبارك لكما.. تتربى بعزكم))
كان مَالك يشعر بشيء من الإعياء لكنه تذمر بمرح
((عندما سألوني عن زوجها وأخبرتهم أني لا أستطيع الوصول له، أخذوني إجباريا ليسحبوا مني الدَّم لبنك الدماء تعويضا لحالة طارئة إذا ما احتاجت زوجتك لمن يتبرع لها وأخذت منه))
ضحك الجميع على كلامه لكن مُصعب مدَّ كفيه لأخيه قائلًا وهو يشعر حرفيا بمزيج غريب من الترقب والفرح
((هاتي ابنتي يا مَالك لأراها))
تعجبت نورين مِمَّا تسمعه! إذن مُصعب لم يفكر حتى أن يلقي نظرة على صغيرته وهرول مسرعا إلى غرفتها ليطمئن عليها!
تابعت تراقبه يحدق بقوة في الكتلة الوردية الصغيرة بين يديه دون أن يحيد بعينيه عنها..
تذمرت له بلهفة لإحضارها فأخذ مصعب نفسا عميقا مشبعا برائحتها الطفولية البريئة وقد أزكمت رئتيه قبل أن يناولها إياها لتذوب عيناها وقد اغرورقت دموعا وحنانًا فطريًا وهي تناظر طفلتها..
ضمتها إلى صدرها، وشعور أمومي يجتاحها تستشعر فيه بملامستها هذا الكائن الصغير في أحضانها..
رفعت ريحانة والدة نورين طرف وشاحها تمسح عينيها وهي تقول مختنقة العبرة
((فعلا مثل القمر يا مُصعب.. تتربى بعزكم.. ماذا ستسميها؟))
ظل مُصعب يتأمل صغيرته بجانب نورين ويناغيها ثم رفع وجهه لمن في الغرفة مبتسما ويقول
((سأسميها ملك))
أشرق وجه نورين وقالت قبل أن تعاود لثم رضيعتها
((ملك؟ ما أجمله من اسم، جعل الله لها من اسمها نصيب))
نظر مُصعب لأخيه المشدوه بذهول ليعقب
((سأسميها ملك تيمنا باسم أخي مَالك بما أنه هو من قام بالواجب اتجاه زوجتي في أوج ظرفها صعوبة))
ابتسمت نورين تتمتم باسم مولودتها وقد استشعرت فعلا معنى أن يأتي الطفل للدنيا ويأتي اسمه معه كما قال لها مُصعب من قبل.. أما مَالك استغرب حقا الاسم الذي أطلقه أخاه على طفلته خاصة وأن ما فعله أمر بسيط كان ليفعله أي شخص آخر حتى لو كان غريبا..
تجلى تأثر عاطفي على وجه زاهية لهذه اللفتة الجميلة من ابنها مُصعب اتجاه أخيه فلكزت مَالك وهمست له
((عليك أن تسمية ابنك القادم على باسم مُصعب))
رفع مَالك حاجبيه ثم اعترض قائلا
((ولكن يا أمي لقد أخذت قراري مسبقا بتسميته عبد الله، ولو لم يهن عليّ كسرة خاطرك عندما رفض مُؤيد تسمية بِكره بيزيد لسميت بكري أنا عبد الله حتى تكون هذه هي كنيتي كما تمنيت منذ صبَاي))
ثم تطلع لأخيه مردفا بابتسامة سمجة
((مُصعب إذا كتب الله لي أن أحظى بابن ثالث سأسميه باسمك، فليس من المعقول إن رزقت بابنة أن نسميها "مُصعبة"))
انفجر مُصعب ضحكا على طرافة أخيه، بينما يسمع والدته تقول بلباقة لحماته
((مُصعب أعلمني والدك أن أدعو عائلة زوجتك عندنا لهذه المناسبة السعيدة.. ستشرفوننا يا سيدة ريحانة))
=============================
مكتب الرائد مُعاذ..
سمح مُعاذ للطارق الدخول قبل أن تصيبه الدهشة عندما اتضح أنه ليس سوى طبيب السجن زياد.. الذي ألقى عليه التحية بهدوء قبل أن يجلس على مقعد أمام مكتبه وعيناه تطوفان عليه ليباشر قائلًا بلا تردد ((هل تعرف أحدا من عائلة القاني يا سيادة الرائد!))
أخذ الأمر ثوان للتفكير من مُعاذ قبل أن يجيب
((القاني! لا أذكر اسم أحد يدعى بالقاني))
هزَّ زياد رأسه بغير اقتناع ثم قال مضيقا حدقتيه
((غريب ألم تسمع من قبل بشركات القاني المختصة بمجال الاتصالات من قبل! إنها من أهم وأكبر الشركات على مستوى بلادنا!))
شبَّك مُعاذ أصابع يديه ببعضهما متسائلا
((أنا لست ضليعا كثيرًا بهذا المجال، ومن الطبيعي ألا أعرف شيئا عن الأشخاص الرائدين فيها!))
ظلَّت عينا زياد بعينيه لثواني أخرى قبل أن يتساءل بغتة
((ما هي صلة معرفتك بقصي القاني!))
دار معاذ حول المكتب متسائلا بريبة
((ومن هو قُصي القاني يا حضرة الطبيب؟))
شمخ زياد بذقنه مواجها إيَّاه
((ألا تعرفه؟ كان يزور باستمرار نزيلتك المفضلة! تلك التي أخبرك أن تهتم بها من أجله قبل أن تعجبك وتختلي بها لنفسك يا سيادة الرائد))
تزامنا مع آخر كلمة خرجت باشمئزاز واتهام من زياد رفعه مُعاذ عن مقعده من تلابيبه وحدجه بنظراتٍ قُذفت من سعير غضبه هاتفا
((كن مباشرا في حديثك وقل لي من قُصي وما علاقته بشيرين!))
نجح زياد بتحرير نفسه من قبضته وهو يقول متسارع الأنفاس
((قُصي القاني الذي كان يزورها بالسجن بشكل متواصل! لا تدعي الآن أنك لا توصلها أحيانا بنفسك إليه وقت الزيارات!))
احتار مُعاذ لدقيقة وعيناه تجولان في الجديَّة التي تكتنف زياد ليقول باستدراك مستنكر
((آه.. أنتَ تقصد قُصي سامح؟ قُصي سامح.. موظف كان يعمل بشركتها!))
تشدَّق زياد بانفعال
((نعم قصي سامح أو قاني لا يهم))
هتف مُعاذ بثبات ونظراته الثاقبة تتفرس تعابير الطبيب
((أخبرني ما قصته!))
أخذ زياد نفسًا عميقًا وأطلقه ببطء قبل أن يعيد ترتيب هندامه بتمليس يديه على سترته، وقد شك أن مُعاذ لا علم له فعلا! إذ كان يظن أن النزيلة لها علاقة بقصي وهو الذي طلب من الرائد أن يهتم بها كما طلب من يوسف أن يعين لها محاميا ويتابع قضيتها باستماته واهتمام ويلح عليه هو بقبول قرار نقله إلى هنا بغية مساعدتها للتأكد من أنها لا تقضى وقتا عصيبا.. فلم يجد بدا من عدم إخبار كل هذا لمُعاذ الذي لانت ملامحه ورد بخشونة بعد مدة وجيزة
((نعم أخبرتني شيرين بما فعله قُصي من تعيين ذلك المحامي البارع لها، لكن لم أكن أعرف أن له وسطات رفيعة تصل إلى حد نقل طبيب عسكري من سجن لآخر))
لم يكن زياد يريد التدخل بتفاصيل أكثر أو يقول بأن فارس القاني رجل الأعمال المهم يكون زوج والدته السابق.. فاعتذر بإحراج ممتعض
((إذن أنتَ تعرف شيرين قبل قصي القاني!))
كتف مُعاذ ذراعيه يجيبه بفظاظة ((نعم..))
تنحنح الطبيب مكملا
((حسنا انس كل الترهات التي تفوهت بها جراء سوء فهم، لقد ظننت أن تلك النزيلة تعنيه وهو من طلب منك معاملتها معاملة خاصة فغدرت بهِ وحاولت التقرب منها))
ملامح مُعاذ الساخطة والمظلمة كانت تعقيبه على كلامه! فتنحنح زياد يجلي صوته قبل أن يقول مُدعيا الحزم
((على كل حال كن حذرا فيما تفعله حتى لا تضر مستقبلك المهني، فقد وصلني من مصادر لا أحب الإفصاح عنها أن مدير السجن يريد إيجاد زلَّة للإيقاع بك قبل موعد نقلك القريب!))
كان مُعاذ يدرك أن مدير السجن غاضب منه منذ وقت زيارة المندوب لكنه لم يبالِ فشيرين بالغد ستخرج وسيحين موعد انتقاله دون أن يمتلك عليه أحد أي دليل! فقال متبلد الوجه مسندًا وجهه إلى قبضة يده
((فقط اصمت ولا تتدخل، قصي هذا متزوج الآن من صديقتها))
تمتم زياد بذهول آسره
((قصي متزوج! حقا تزوج؟ هل أقام حفل زفاف؟))
ثم استدرك نفسه وهو يكمل بانزعاج ونزق
((وما دخلي أنا بهذه التفاصيل.. على كل حال اطلب لي فنجان قهوة))
حدجه مُعاذ بعبوس لكن كان له ما أراد وطلب فنجاني قهوة لهما..
ارتشف مُعاذ قليلا من فنجانه وهو يحدق في شاشة هاتفه قبل أن يتشدق ساخرا بخفوت فسأله زياد بفضول
((ماذا تقرأ؟))
رد مُعاذ بصوتٍ ممزوج بالشماتة
((مستجدات شيء ما))
((ما هو هذا الشيء؟))
وضع مُعاذ هاتفه جانبا وقال وهو يتلذذ ارتشاف قهوته
((هناك ملازم أول في السجن السابق الذي كنت أعمل به وكان يُري السجناء والمعتقلين ألوان الهوان والعذاب مالم يأمر به ولا يعرفه رؤساؤه.. كان معروفا للجميع بل مادة سخرية لهم.. حتى أوقع الله هذا الملازم في خطأ جسيم مع أحد رؤسائه فحوكم وطرد من الخدمة ولم ينفعه أحد من عائلته النافذين، الذي هم أنفسهم من تسببوا بنقلي إلى هنا..))
تسبب كلام مُعاذ برثائه وشفقته فهدر بوجوم
((أول حالة طبية معقدة قابلتها بعد تعييني كطبيب هو عندما جاءني مجند من فرق الأمن فقد النطق بسبب تعرضه لإهانة من أحد القادة علنا فلم يستطع أن يتحملها أو يردها فأصابه ما أصابه..))
وافقه مُعاذ بصوته الرخيم المألوف
((إن الدنيا كلها أقل شأنا من أن يغتر بها الإنسان أو تغريه بظلم الآخرين فلا يدري أي منا عواقب أمره))
احتدت نبرة زياد وعقب
((وأتمنى أن تكون نهاية هذا الطبيب الجزار الذي يعمل هنا بشعة))
رفع مُعاذ حاجبيه متذكرا كلام شيرين بما سمعته عن ذاك الطبيب الملقب بالجزار لأنه طبيب لقهر وإيلام وتشويه النزيلات وقال
((هل عرفت شيئا عنه منذ مجيئك هنا؟))
رفع زياد كتفيه وعقب
((حتى الآن لا، لكن كان يعمل معي في نفس المكان منذ سنوات طويلة، وله سوابق بتشويه عقول أشخاص بأقراص سامة، فالطبيب يمكن أن يفعل أي شيء في المسجون دون أن يكتشفه أحد))
ارتفع رنين هاتف مُعاذ مجددا ولكن برقم مجهول هذه المرة، أجاب على الهاتف بعملية ليأتيه صوت مضطرب.. مألوف عليه
((معك وليد يا ابن العم! هل نسيتني؟))
انتفض مُعاذ من مكانه واقفا بصدمة اكتسحته اكتساحا ثم هتف بصوتٍ جهوري
((وليد من أين تتحدث معي؟))
هتف وليد له بنبرة مقيتة مختنقة من فرط العصبية
((أتحدث معك من البلاد.. تحديدا من خارج السجن الذي تتواجد فيه شيرين ويصادف أن يكون نفس السجن الذي تعمل فيه))
لجمت الصدمة مُعاذ للحظة عن الكلام وكأنه ابتلع لسانه ثم قال بخشونةٍ مضطربًا
((وليد سأخرج لك.. كي نتحدث!))
بعد مرور لحظات من الصمت المشحون والتي قاربت الدقيقة الكاملة قال وليد بنبرة مضطربة
((نعم علينا التحدث قبل أن أتهور وأفعل ما أندم عليه! أنا لن أسمح لك أن تفكر ولو مجرد تفكير بالزواج منها أيها اللعين! ألن تكف عن وضع عينيك على أملاك الأخرين))
أظلمت ملامح مُعاذ واحتدت نبرته وهدر بهسيس مرعب
((شيرين ليست من أملاكك يا ابن العم!))
تطلع وليد بالطريق أمامه بعينين محترقتين مضطربتين لكن صارمتان لا تقبلان بالتنازل ليهدر بوعيد
((مُعاذ لو فكرت أن تتحداني أعدك وعد رجل حر أن أنسف مسيرتك في عملك هذا حتى لو كلفني الأمر حياتي! هل تعرف أنه لو سُرب لأحد من مسؤوليك أو من يترقبون سقوطك مسألة معرفتك بإحدى النزيلات في سجنك ستكون نهايتك!))
أنهى مُعاذ المكالمة غافلا عن نظرات زياد المستهجنة ثم اندفع للخارج يزعق للضباط
((لا أريد من أحد أن يلحقني مهما يحدث))
ولم يمر الكثير قبل أن يتعدى أسوار السجن من الجهة الخلفية حيث هي منطقة صحراوية نائية خالية من العمران..
ظل يسير للأمام حيث ينتظره وليد بجانب سيارته..
وقف الاثنان مقابل بعضهما وجها لوجه فضحك وليد فجأة ضحكة عالية مريرة لكنه عجز عن إتمامها فقد تلاشت سريعًا فوق شفتيه الباهتتين المرتجفتين دون إرادة منه.. بل وشعر بالألم في صدره لدرجة أن رفع يده يضغط بها عليه محاولًا أن يخفف منه..
لقد عاش في الخارج أيامًا صعبة مشوبة بالخوف، الحذر وعدم الطمأنينة.. لم يقتنع في العودة لسلامته غلا عندما وصله من زميله الخائن بالأدلة أن شيرين تتواجد في نفس السجن الذي نقل إليه ابن عمه، وقتها لم يتمَالك نفسه وفقد سيطرة التفكير العقلاني ليشتري أول تذكرة عودة للبلاد!
تصاعدت وتيرة أنفاس وليد عندما اقترب ابن عمه هادرًا
((لقد عرفتُ أيها الحقير كل ما فعلته بها، لذا إيَّاك أن تفكر الآن أني قد أسمح لك أن تستقوي على إنسانة لا تريدك فضلا عن كونها صارت تخصني))
هتف وليد به مهووسًا ضائعًا بملامح شيطانية نحيلة وبعينين شبيهتين بالجحيمٍ لشدة الشر الكامن فيهم
((تخصك! منذ متى شيرين كانت تخص أحدا غيري!))
صرخ وليد باسمه بجنون عاليا ثم ودون تفكير اندفع ناحيته يلكمه ورغم تقهقر مُعاذ لخطوات للخلف وهو يشعر بطعم الدماء داخل فمه إلا أنه كان أحنك منه وناوره ليرد له اللكمة بأخرى أقوى ألقته أرضًا.. ثم عاد بهمجية انحني نحوه سريعًا يمسكه من تلابيب قميصه وقد أضحى أمامه غشاءً أحمر يحجب عن عينيه رؤية أحد غير ابن عمه الشيطان فينهال بقبضته عليه دون توقف!
الاثنين كانا متكافئان بالحجم والطول ولكن مهارة القتال كانت من صالح مُعاذ فوليد لم يكن رجلًا عنيفًا بطبعه.. ولم يخض قتال الأزقة والشوارع كغيره من أقرانه.. إذ اعتاد أن يوجه كل طاقاته في الاهتمام بدراسته وتنمية مواهبه وشخصيته!
لكن الآن وفي هذا القتال غير المخطط له، فكلاهما يقاتل الآخر لسبب.. وليد يدفعه الغل، الحقد وحب السيطرة، أما مُعاذ فيدفعه شهامته تجاه حبيبته ورجولته في الدفاع عنها ولو بحياته..
بغتة غدره وليد بركلة لخاصرته بشراسة جعلت الآخر يتراجع للخلف لاهثا بقوة..
مسح وليد الدم من أنفه ووجهه المشوه بفعل لكمات مُعاذ وسارع يترجل واقفا رغم ترنحه، ويسبقه بدفع نفسه عليه ليقعا معًا على الأرض.. نظر وليد بعينين دمويتين له ثم سارع بكيل اللكمات الخرقاء، كرجل لا يجيد القتال أجبر على خوض معركة جسدية..
كان معاذ له بالمرصاد وهو يدركه بضربه رأسًا برأس بقوة جعلت دوار قوي يجتاح الاثنين.. كان زياد من بعيد يراقب الوضع ولا يعرف إن كان عليه التدخل أو لا وهو يوشك على أن يفقد المتبقي من أعصابه المتوترة سلفًا.. لكن جحظت عيناه وتخشبت أوصاله عندما رأى وليد ينجح بانتشال مسدس مُعاذ المرخص من حزام بنطاله ويشهره في وجهه.. فتيقظ مُعاذ أن ابن عمه قد وصل لمرحلةٍ من الجنون والعنف ما قد يجعله يضغط الزناد دون لحظة تردد..
وقبل أن ينطق مُعاذ بشيء لردعه صدح صوت عدة طلقات عاليا ومرت ثانية واحدة قبل أن يرى الألم الخاطف يمزق عينيه.. وذلك السائل الأحمر الساخن يلطخ وجهه ويغمى على الآخر قبل أن يتهاوى أرضا ويغرق ببركة دمائه لافظًا آخر أنفاسه!
=============================
بعد مرور ستة أشهر..
خرجت نجوم لخارج منزل عائلة أمها الذي تمكث فيه منذ أشهر.. كانت ترتدي ثوبا واسعا فضفاضا بنقوش كثيرة.. ترتديه هو ومثيلاته من الملابس ذي الطبعات المتشابكة والخصر المرتفع كي لا تكشف عن وجود أي امتلاء لبطنها.. حتى أنها بأكثر الأشهر الصيفية الحارة كانت تحرص على ارتداء أكثر من طبقة من الملابس الثقيلة والسترات وتناول ضعف الطعام حتى تبرر الوزن الزائد..
فلا أحد هنا في بيت عائلة أمها يعرف بحملها إلا خالتها التي ترهقها منذ أن خطت قدمها عتبة هذا المكان بأعمال المنزل والحقل الشاقة كتكلفة إقامتها هنا.. وربما بتوصية من أمها حتى تفقد جنينها..
أحاطت نجوم يدها ببطنها المنتفخة لتستمد من جنينها القوة وتتذكر أنها ستتخطى كل شيء.. يملؤها الحماس لرؤية ابنها أو ابنتها وعيش مشاعر الأمومة معه رغم كرهها العارم لوالده!
تنهدت بعمق وعديد المشاعر والأحاسيس المتناقضة في صدرها أوهنتها وهي في أصعب مرحلة من حملها حيث لم يتبقى الكثير لولادتها..
ابتسمت ترفع وجهها للنسيم الذي اشتد قوة بعض الشيء فزادت عطور الحقول المحملة على نسماته شدةً وتركيزًا..
أمها وعدتها أنها وبمجرد أن تضع الجنين خفية ستبذل كل جهدها حتى تؤمن لها سفرا للخارج كلاجئة حيث يمكنها نسب هذا الجنين لاسمها وتنشئته هناك دون أن يكون قدومه لهذه الحياة وصمة عار لا ذنب له فيها..
وهذا ما جعلها رغم كل الإرهاق الذي تعيشه من تعب الأعمال المنزلية أو الحمل تبذل جهدها في دراسة اللغة الإنجليزية حتى تستطيع اللجوء هناك بلا أية مشاكل.. اجتاحها شيء من القلق بغتة.. هل والدتها حقا ستفي بوعدها وهل هي تجهز لها أوراق اللجوء للخارج أم لا؟ عادت تمرر يدها فوق بطنها المنتفخة وهي تناجي الله في داخلها أن ييسر أمورها ويكتب لطفلها ما فيه خير له..
=============================
انتهى الفصل.
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثالث وثمانون 83 - بقلم Hya Ssin
لا تنسو التصويت ❤️❤️
الفصل السادس والثلاثون
في سجن النساء..
هتفت شيرين بذهول أسرها للطبق الذي تمَّ تقديمه هنا
((هل هذا لحم ما يقدمونه هنا؟))
قالت إحدى زميلاتها في الزنزانة
((إنها من عماشة زاد الله من فضلها))
عقدت شيرين حاجبيها وتساءلت
((من هي عماشة؟))
تحَّلت رفيقتها بالجِدية وهي تقول
((عماشة اسم معروف لكل العاملين في سجننا، من أبسط حارس الى أعلى مسؤول في السجن يعرفون بأنها امرأة طيبة بل منهم من أصبح صديقا وقريبا منها، فقد ترددت على سجننا هذا فوق العشرين مرة..))
تدلى فك شيرين وتساءلت بانشداه
((دخلت السجن عشرين مرة؟! ما شاء الله..))
((نعم إذ أنها ما تلبث أن تخرج من السجن اليوم مثلًا حتى تعود إليه في الغد كما دخلته بعد أن تدَّعي أنها تعاطت موادًا ممنوعة وتسلم نفسها إلى أقرب مركز للشرطة كي يقتادوها إلى السجن، وإذا ما أعلن عن خروجها من السجن تؤكد لرفيقاتها في الزنزانة أنها ستعود بعد أسبوع أو شهر.. وما تلبث أن تعود فورا ولا يفاجئ أحد بعودتها، حتى سريرها يظل على ما هو عليه وتُترك ملابسها في السجن أيضًا))
أخذت رفيقتها شقفة خبز وغمستها بالطبق قبل أن تضعها بنهم في فمها ثم قالت وهي تمضغ الطعام
((لو كنت مكانها لفعلت نفس الشيء.. فهي امرأة بلا عمل أو شهادة وإدارات السجون لا توفر لها مهنة تعيش منها بعد خروجها السجن حتى لا تعود إليه.. أما هنا فتعيش عيشة الملوك كما أنها تجني الكثير من الأموال لقاء عملها في السجن..))
كان الذهول وعدم التصديق جليا على شيرين، خاصة وانه لا يوجد وظيفة لها في السجن قد تجلبها هذه الأموال الطائلة إلا لو كانت تهرب هنا موادًا ممنوعة وترشي الشرطة!
أكملت رفيقة زنزانة أخرى مُشيدة
((الأمر كله توفيق من الله فهي تتقيه وتزكي عن مالها وتصلي وتصوم وتذبح الذبائح وتوزع على العنابر وكل السجن يأكل من خيرها بارك الله فيها..))
هزًّت شيرين رأسها ببلاهة لعلاقة هذه السجينة التاريخية مع الموظفين في السجن، حتى أنها تساءلت كم أحدا عاصرت منهم! حيث يظهر أن هذا السجن شهد تغير الكثير من القيادات والمسؤولين، وكذلك تقاعد الكثير من العسكريين في حين ظلت هي دائمة فيه..
سَرَت قشعريرة في جسد شيرين لتقول بابتسامة متشنجة
((أتمنى أن أعرف أكثر عن عماشة هذه! ولكن ليس بوسعي إلا أن أدعو الله أن يرأف بحالها ويهديها إلى الصراط المستقيم، الآن سأتفقد تلك الصغيرة هناك لأتأكد من أنها أكلت من اللَّحم خاصتها))
ثم حملت نفسها هي وطبقها وجلست أمام تلك النزيلة الشابة التي تظل معظم الوقت في الزنزانة منزوية على نفسها وقالت بملامح ودودة
((مرحبا يا حلوة؟ هل أكلتي من اللحم الذي وزعوه؟))
رفعت تلك النزيلة الشابة وجهها ببطء وقالت
((لقد سمعت أنك ستخرجين قريبا))
لمعت عينا شيرين وهي تقول بدفء
((نعم إن شاء الله، أيام قليلة تفصلني عن الخروج لرؤية النور والحياة خارج الأبواب المقفلة.. آه.. كم أتوق الى تلك اللحظة.. كأني سأولد من جديد))
غمغمت النزيلة الشابة بغبطة وهي تُشدَّد من احتضان الوسادة بين ذراعيها ((تبدين سعيدة جدًّا))
تنهدت شيرين بعمق وقالت بلهفة من سيعود لأرض الوطن بعد غربة سنين طوال
((نعم، بعد مرحلة السجن سأبذل جهدي أن تُمحى هذه الأشهر من ذاكرتي إلا من شيء واحد.. الآن اتركي هذه الوسادة وتناولي طبقك وكُلي منه))
ابتسمت النزيلة الشابة بتردد لفرحة ولهفة شيرين لكن سرعان ما انقلبت ملامحها حسرة على نفسها ووجدت نفسها تكمم فاهها بيدها لتمنع رغبة بكاء تتصاعد من اختناق نفس متألمة قبل أن تدفن وجهها بوسادتها..
أشفقت شيرين على حالها فمدت ذراعها تمرر يدها على ظهرها صعودا ونزولا بحنو.. فهنا في السجن وحدها الوسائد هي من تكتم أسرار النزيلات وبئرًا لدموع ذرفتها عيون بكت قصصا لنفوس لا يعلم مآلها إلا الله..
رفعت النزيلة الشابة وجهها ومسحته بظهر كفيها وهي تقول بصوتٍ متهدج
((أنا أغبطك جدًّا، ليتني أخرج معك.. قيل لي أن أول أسبوع فقط هو الشُّاق في السجن، لكن لا زلت أشعر بالمرارة حتى الآن))
تنُّهدت شيرين قبل أن تقول
((لا أعرف إذا كان يجب عليّ التهوين عليك بالكذب أو وضع الصورة المريرة الحقيقية أمامك، لكن بهذا أو ذاك عليك أن تكوني قوية))
أومأت لها النزيلة فعادت تبتسم شيرين وتقول مقترحة
((أخبريني أكثر عن سبب تواجدك هنا لعلك تشعرين بالراحة))
كانت غاية شيرين من سؤالها هو أن تستمع لها وتفضفض لها لعلها تستطيع التخفيف عنها كما تمنت أن يفعل أحد معها عند دخولها هنا..
=============================
انقلب مَازن على ظهره يتململ على فراشه وهو يناظر السقف في ليلة أخرى ينامها وحيدا في غرفة الضيوف متفكرا في حاله.. قبل أن يجفل على صوت فتح الباب بخفة لتظهر منه ابنته الصغيرة تتساءل بصوتٍ ناعس وهي تفرك عينها
((أبي أنتَ هنا؟))
اعتدل شبه جالس وقال بحنو وهو يمد ذراعه
((تعالي يا ابنة أبيك))
هرولت نحوه فحملها مَازن ووضعها فوق حجره مستغربا سبب استيقاظها في هذا الوقت المتأخر من الليل.. ربت فوق شعرها ليجدها تعاتبه برقة طفولية
((أبي بالكاد رأيتك في الأيام السابقة ولم تخرجني للتنزه، ما بك؟))
اعتصر حزنها قلبه فغمغم بعد أن قبل جبينها
((أعرف أني مقصر بحقك يا حبيبتي، ولكني أعود منهكا من العمل يوميا، لكن سأعوضك قريبا بحول الله))
نكست رأسها وبدا عليها التردد قبل أن تهمس بخفوت يكاد يسمع
((هل ستعوضني حتى عندما تعرف.. أني.. أني من كسرت البلايستيشن))
اتسعت مقلتا مازن وردد
((أنتَ من كسرتيها!؟ أنت!؟ ولكن.. ولكن..))
تقوست شفتاها للأسفل وقالت بصوتٍ متحشرج
((أنا من وقفت فوق الكرسي وأوقعتها من الخزانة عندما كنت أحاول أخذها))
فجأة تبدلت ملامح مَازن الذاهلة لأخرى غاضبة وتمتم
((كان بإمكان أمك أن تقول ببساطة أنك من فعلت ذلك وتوفر علينا عناء هذه الأيام، لكن يتضح لي أنها كانت ترجو هذه المخاصمة لتحدث))
احتضنت هدى يد والدها وقالت
((هذا لأني توسلت لها ألاَّ تشي بي إليك))
مدت يدها الصغيرة تتلمس وجنته تكمل بحروف متقطعة
((أقسم لك.. أبي لم أقصد ذلك.. أنا.. آـ.. سـ.. فه))
نظر مَازن بانشداه لها بينما تكمل والدموع تتغرغر بعينيها
((أمي حزينة وتبكي كل يوم لأنكما ستطلقان! هل ستفعل ذلك وتبتعد عني وتسافر للخارج؟))
آلمه قلبه أكثر عندما بدأت صغيرته تبكي بحرقة وحزن على ما تسببت به.. المسكينة كانت تظن أنه سيسافر ويبتعد عنها وما عزز لها هذا الشعور هو عدم قضائه وقت معها في الأيام السابقة!
فلثم يدها ليعانقها بحنو وكان يربت على ظهرها بيده محاولًا تهدئتها قبل أن يهمس
((اهدئي يا حبيبة أبيك))
تمتمت له من بين شهقاتها الخافتة متطأطئة رأسها
((أرجوك اذهب عند أمي))
رفع مَازن وجهها بوضع يده أسفل ذقنها وقال مبتسما بمرح
((حسنا سأفعل بشرط أن تعودي للنوم من اجل المدرسة غدا صباحا))
وقد قامت بما أمرها به عندما رافقها لتغسل وجهها ثم وضعها في السرير ولم يبرح مكانه حتى هدهدها ونامت..
بعد أن تأكد من نوم ابنته.. توجه نحو جناحه فدخله بخفة ليفاجئ عندما لم يجد ياسمين على سريرهما بل بالغرفة المرافقة لها لا تزال تنير الإضاءة بينما هي مشغولة بمطرزاتها.. فقد جافى النوم عيناها بسبب الأرق منذ خصامها معه..
حرَّك يده يغلق إنارة تلك الغرفة ليعمّ الظلام تماما، فانتفضت مفزوعة مكانها قبل أن يسارع بطمأنتها
((لا تفزعي، هذا أنا.. مَازن))
بدأت تبكي بصوتٍ مخنوق مذعور وتقول
((مَازن هل أنتَ من أطفأت الإضاءة؟ أنتَ تعرف خوفي من الظلام! لم تتصرف بقسوة معـ..))
بترت ياسمين كلامها بشهقة عندما قال
((تعالي..))
جذبها إلى حضنه، يضمها بشدة إليه.. شاعرا بالخوف الذي يجتاحها.. كأنها طفلة مذعورة من البقاء في الظلام وحيدة.. ليس خوفا من الظلام بقدر ما هو خوف من الوحدة المستبدة القاتلة، التي أسرفت فيها فجعلتها لا تعرف كيف هو الوصال إليه أو المضي نحوه للوصول لقلبه فتتصرف بـعُدوَانيةٍ ونشوز معه ليبتعد عنها.. وهي في هذه اللحظة بحاجة منه للطمأنينة والأمان قبل أي شيء آخر.. شدَّد من احتضانها ليقول أخيرا بصوتٍ أجش
((سأطفئ الإضاءة كلما أردتك أن تلجئي لأحضاني))
واختض جسدها عندما قال
((أين ياسمين الباردة اللامبالية من تحرجني أمام الآخرين؟ أين القاسية في معاملتها لي؟))
تشبثت بملابسه واستمرت ببكاء مكتوم بينما هو مستمر باحتوائها.. لقد جعلها هذا القرب تدرك بأنها تحتاجه.. وتشتاق لتودده.. فمهما بدر منه يذوب جليدها أمام هذا القرب المحبب الحاني..
بقيا يستمدان من بعضهما عاطفة صامتة وفي داخلهما تطوف المشاعر متبعثرة.. جياشة.. ثائرة.. ابلغ من كل تعبير..
سحبها فجأة إلى غرفة نومهم المليئة بالنجوم المضيئة
((لن أشغل الإضاءة لأني أريدك ملتصقة بي، إضاءة هذه النجوم الخافتة كافية))
جعلها تتوسد الفراش واستلقى بجانبها، غمر أصابعه بشعرها يسألها معاتبا
((لماذا لم تخبريني أن هدى هي من كسرت البلايستيشن؟))
ملأت ياسمين رئتيها بالهواء وزفرته سريعًا في محاولة يائسة للسيطرة على مشاعرها وانفعالات جسدها ثم همست بألم
((تقصد تلك اللعبة التي أردت الانفصال عنى بسببها؟))
ضحك بخفوت أبح عليها فأردفت حانقة بحرقة
((لا أصدق أن البلايستيشن أهم عندك من أي شيء أو أحد آخر))
شابت نبرته التسلية والعبث وهو يقول
((نعم، إنها مهمة ولكن هناك من هو أهم عندي منها.. أنتِ))
تمتمت ياسمين بوهن من تصريحه وهي تضربه بخفة بقبضة يدها محاولة الابتعاد عنه
((لا أصدقك، البلايستيشن يأتي قبلي بالنسبة لك))
رفع مَازن حاجبيه هادرا بتلاعب وهو يشدد من ضمها
((قد يبدو الأمر سخيفا لكن اهتمامك أن تكون لكِ أولوية عندي قبل البلايستيشن يجعل قلبي يخفق))
للحظة بدت نظراتها له غير ثابتة كأنها تتهرب لكن لسانها أنكر وهي ترد عليه
((نعم إنه أمر سخيف يا قمر الدين))
نظر في عينيها بشغف وهو يقرب وجهه لها بعبث
((أمر سخيف! تعالي.. سأريك حقيقة الأمر..))
انفرجت منه ضحكة أخرى خافتة بينما يريح رأسها على صدره ويربت على كتفها.. وهو يسترد معها لحظات اشتياق سرقتها أيام من الجفاء والنبذ..
=============================
عاد مُؤيد من البقالة البعيدة.. متنفسه الوحيد في هذه الأوقات الذي يضطر فيها بسبب إصابة قدمه أن يظل في البيت ممسكا بعكازه لا يخرج ولا يرفه عن نفسه..
تنَّهد مُؤيد ببؤس وهو يلحظ بعد دخوله أنَّ غداءه المفضل مُعد وموضوع على طاولة الطعام في الصالة، لا يوجد ملابس له بسلة الغسيل أو مُتراكمة تنتظر دورها للكي..
إذن فقد عاد كل شيء بينه وبين رتيل كالسابق وعادت تقوم بواجباتها تجاهه.. وهنا راحة عجيبة تسللت له!
لكن عادت ملامحه تعبس وهو يفكر بأن هذا الأمر ليس كافيا.. نعم ليس من الكافي أن تعود رتيل وتقوم بواجباتها تجاهه وتتراجع عن فكرة الطلاق.. ففي ظل تجاهل أصدقائه له بعد إصابته وعدم تواصل أحد من إخوته معه إلا من خلال الرسائل النصية التي يسألونه فيها عن حاله من باب الواجب وصلة رحم لا غير! لا يوجد أمامه غيرها هي زوجته وولديه ليتحدث معهم في هذا الوقت المتعسر من حياته ويغمرونه بحنانهم واحتوائهم لإشباع ذلك الفراغ الرهيب في قلبه وعقله الذي صدأ بأيامه.. إلا أنهم جميعا اتفقوا على نبذه رغم محاولته التقرب منهم!
ليت رتيل تعود كعادتها القديمة وتحاصره بأسلتها الفضولية عن كل شيء وثرثرتها المزعجة عن آخر مستجدات أهل القرية التي تصلها..
توسد الأريكة ببؤس متعجبا من حاله!
من كان ليصدق أنه سيصبح مخلوقا حساسًا وكتلة من المشاعر الجياشة التي تحتاج للتعبير والخروج منه.. لم يظن قط أنه سيتمنى أن يناقش أمر مشاعره مع زوجته حتى مزاحًا لمجرد إصابة قدمه! آه.. كم تغير الأيام في الإنسان!
انتبه لدلوف رتيل فبدأ يبحث عن سبب ليسترعي انتباهها
((رتيل ظهري يؤلمني، هل يمكن لو سمحتِ أن تدلكيه))
عقبت رتيل ببرود وهي تكمل توضيب الصالة
((غريب، كنت في السابق تكره عندما أعرض عليك التدليك))
ضاقت ملامح مُؤيد.. نعم كان يكره الأمر لأنها كانت تعرض الأمر عليه بإغراء يثير تقززه ويجعله يراها كغانية..
هزَّ رأسه محاولا قطع استرسال هذه الأفكار لذهنه ثم قال
((فقط تمسيد خفيف، إنه يؤلمني، ربما بسبب طول فترة جلوسي على الكرسي))
وقفت مكانها تنظر له بجمود ثم قالت بنبرة نارية
((حقوقك الشرعية والواجبة عليّ فعلى عيني ورأسي، أما تلك التطوعية والكمالية لست ملزمة أن افعلها لك..))
تغَّضن جبين مُؤيد وتجهمت ملامحه لكن لم يرف لها جفن.. إذ أنها في السابق كانت تخدمه وتقوم بما عليها اتجاهه مهما ظلمها، أهانها، رفضها، أغضبها أو حتى أحزنها.. وهذا ما كان يجعله يزيد في تعسفه معها لأنه مهما فعل يدرك بأنه لم يكن ليتغير من خدمتها له شيئا.. لكن لا مزيد من كل هذا.. طالما أنه لم يقرر التغير أو يحاول أن يصلح علاقته بها فهي ليست مجبرة على تقديم تلك الخدمات النافلة له..
كظم مُؤيد غيظه بصعوبة وقال بازدراء ساخرا منها
((ماذا أفعل إذن لكي تعودي وتقدمي تلك الأمور التطوعية والاختيارية منك لي؟))
كتفت رتيل ذراعيها هادرة وهي تشمخ بذقنها
((لن أقول، لأني أعرف أن لا نيَّة لك صادقة في تغير تعنتك معنا أبدًا أو البحث في جوهر مشكلتنا، لا عتاب أو جلسة مصارحة ينفع معك دون تعصب أو تشنج))
ثم غادرت المكان بكل كبريائها تاركة إيَّاه على ملامحه المستهجنة.. وسرعان ما تجلى الإحباط والبؤس على وجهه! لقد ظنَّ أن كل شيء عاد لسابق عهده معها وستعود رتيل القديمة لمجرد مهادنتها في العلاقة الزوجية، لكن أضحت رتيل تزيد من جحيم حياته الآن بين الجدران الأربعة هذه!
=============================
في حديقة القصر..
كانت الحاجة زاهية جالسة تستظل تحت الأشجار بينما تتمتم بالذكر والتسبيح.. ويزيد يجلس معها يُذاكر دروسه عندما استغربت وصول ابنها مَازن مع شاب آخر لم تتبين ملامحه.. نهضت من مكانها وما إن صوب مَازن نظره لها حتى أشارت بعينيها له أن يتقدم.. ففعل لتسأله
((هل هذا صديقك يا مَازن؟ ولماذا تدخله من الباب الأمامي بدلًا من المؤدي للمجلس أو القبو؟))
ابتسم مَازن لوالدته مجيبًا وهو يناظر الشاب الذي يقف مكانه منكسا وجهه بإحراج وخجل
((أمي إنه مجيد، شقيق ياسمين))
استنكرت ملامح زاهية قائلة
((شقيق ياسمين!؟ ألم يُقَل لي أن ياسمين علاقتها بأخيها وأقاربها ليست على ما يرام ولذلك لا تزورهم ولا يزورونها؟))
ازدادت ابتسامة مَازن اتساعًا وهو يرد
((هذا صحيح لكنها تحاول تغيير ذلك وإعادة الوصال بينهم))
هزَّت زاهية وجهها له بتفهم فعاد مَازن لمجيد يقوده إلى جناحه فيسير معه ويبدو له الطريق شاقًا وخُطاه فيه ثقيلة..
فتح مَازن الباب يدعوه ليدخل راجيًا منه أن يتحلى بالصبر وداعيًا له بالتوفيق معها ثم غادر ليتركهما على راحتهما.. فعبرت قدما مجيد عتبة الجناح وصوب نظره على أخته التي تقف في منتصف الغرفة مقابله بملامحها المتجهمة.. ليقول لها بلهفة مثقلة بالمشاعر بعد لحظات ذات رهبة ممزوجة بالربكة ناحيتها
((كيف حالك يا أختي؟))
كان مجيد يقترب أكثر من ياسمين كأنه يريد معانقتها لكنها صدمته وهي تمد كفها مفرودة ناحيته كأنها تصد اقترابه ثم تهدر بجفاء وعنفوان داخلها يتخبط في دوامات تستعر بالغضب
((بخير، وأنت كيف حالك يا أخي؟))
تحرك حلق مجيد بارتباك كأن صدّها هذا جرحه بشدة.. يبدو أنها لم تكن لتوافق على رؤيته لولا مَازن، إذ سمعه على الطريق يهاتفها ويتوسل لها بصوتٍ مكتوم أن تحسن استقباله!
قساوة عينيها تكاد تذبحه وتنحر قلبه.. لكنه تقدم منها بعناد مباغت ليقول بإصرار ممزوج بالحرقة
((إذا كنت لا تتحملين وجودي للحظات سأغادر، فقط أرجوكِ دعيني أودعك لمرة أخيرة وأعانقك))
تحشرجت نبرته في آخر كلماته.. لتشعر بقلبها داخل صدرها ينبض بشدة، فأشاحت بوجهها عنه تمنع تأثيره عليها لتقول ببرود مزيف
((استرجل قليلا أيها الأحمق أنتَ رجل، والرجال لا يبكون))
نكس وجهه ثم أغمض عينيه يمنع دموعه التي تخونه للتحرر من محبسها وهو يدمدم
((سبحان الله! نفس الجملة التي كان يقولها لي أبي دوما ليثبت أني لا أستحق كلمة رجل.. ولكن.. لكن..))
تقبضت يديه بعجز ليردف بصوتٍ مرتجف
((ولكن لم أتوقع أبدًا أن يكون لقائك بي بعد كل هذه المدة هكذا!))
كان جسدها يقشعر ولا تعرف سر ردة فعلها غير المحسوبة هذه، بينما يهتف فيها
((أنتِ قاسية يا ياسمين.. قاسية.. تشبهين أبي وأمي))
عتابه مزَّق قلبها لكنها تحلت بالثبات وهي ترد عليه دون محاولة إخفاء قهرها
((نسيت نفسك.. أنت أيضًا قاسي، فلا تمثل دور الرقة والطيبة الآن، أنا متزوجة منذ ما يزيد عن الثمانية سنوات ولم تحاول ولو لمرة واحدة ولو من خلف ظهر أبي أن تتواصل معي أو تسأل عن حالي))
طفح الذنب على وجهه وقال بدفاعية واهنة
((كنت أخشى أن يعلم أبي، لو تعلمين بالمرات التي كنت تحاولين التواصل معه كان يردعك قائلا أنَّه تبرأ منك ويوصيني أن أفعل نفس الشيء معك، حتى أنه كان يُضيق على الخناق ويُهددني بالويل إذا عرف أني قد اتحدت معهم))
أخذت دموعها تسيل لا شعوريا وهي لا تصدق أن تصل قسوة ونكران والدها إلى هذا الحد معها.. خاصة.. خاصة.. خاصة وأنها لم تفعل ما يستدعي ذلك! فهمست من فرط قهرها بشهقات أقرب للأنين
((إذن لا تخالف وصاياه وغادر))
صمت لثواني لجم فيها لسانه قبل أن يقول
((حسنا سأغادر لكن هل يمكن أن أحظى معك بعناق أخير؟ قد لا أراك مجددا))
زمّت شفتيها المرتجفتين وهي تبادله النظر قبل أن تشعر به يندفع نحوها ويعتصرها بعناق أخوي طال انتظاره.. شدَّد من قوة عناقه فكاد يوجع عظامها لكن الألم والوجع في القلب فوق كل احتمال.. تمتم لها بعذاب وحرقة
((لو تصدقيني فقط.. لقد اشتقت لك يا أختي))
أفلتت ياسمين زمام ثباتها عن مشاعرها وقالت من بين بكائها
((وأنا أيضًا، كنت أتابع صورك على مواقع التواصل الاجتماعي أولا بأول، لا أصدق أن المراهق الذي كان يصغرني عمرا قد أضحى بهذا الطول الفارع))
أبعد وجهه المحتقن بالمشاعر المتأثرة عنها ليقول متفكها
((لست طويلا يا ياسمين، أنتِ القصيرة))
ابتسمت بشحوب له ورددت
((معك حق أنت لست طويلا مقارنة بمَازن))
مسح مجيد دموعها وسحبها من يدها لتجلس معه على الأريكة.. ثم احتضن كلتا يديها وسألها باهتمام
((ياسمين هل أنتِ سعيدة مع مَازن؟ صراحة أنا أحب هذا الرجل لكن محبتي له لن تمنعني من وضع سعادتك أنتِ قبل أي شيء))
أصابتها الدهشة وعدم الفهم لمقصده، فازدرد مجيد ريقه ليقول بشيء من التردد
((أقصد أني أعرف أنك لم تكوني لتتزوجي منه لولا رغبتك بالهرب من والديّ وأنه شخصيته غير متوافقة معك، لذا لو أردت الطلاق منه فأنا أول من سيدعمك.. يمكنك إكمال دراستك إذا أحببتِ))
شردت ياسمين بنظرها المعذب بعيدا قبل أن ترد بابتسامتها الشاحبة
((دعنا نؤجل الحديث عن هذا الموضوع، ها.. أخبرني كيف حالك؟ وكيف دراستك؟ هل هناك من يعد لك الطعام أو يهتم لأمورك))
ابتلع مجيد غصة مسننة استحكمت حلقه ثم غمغم
((لا، أقاربنا لم يتحدث معي أحد منهم بعد انتهاء العزاء إلا عمتي.. لكني أدبر نفسي جيدًا وأعرف الطهو.. بعد وفاة أمي رحمها الله اجبرني أبي على تعلم إعداد الطعام لنا نحن الاثنين مقابل عدم جلب زوجة أب لي تسيء معاملتي وتطردني من المنزل))
أمَّا مَازن الذي كان واقفا خلف الباب مواربًا عن الأنظار ويمسك صينية القهوة قد سمع جزءً من الحديث.. شدّ على أنيابه بغيظ بالغ.. مجيد الجاحد!
لقد كان هو الوحيد الذي سانده ووقف بجانبه بل وأقنع أخته باستماته أن تصالحه ليكون هذا جزاءه! أن يحرضها على الطلاق منه لمجرد شعوره بالوحدة، وفوقها يبدوا البطل في قصة لمَّ شملهما!
.
.
بعد مغادرة مجيد ومرور بعض الوقت..
دلف مَازن لجناحه ليجد زوجته تلهي نفسها بمشغولات الخياطة بوجه مشرق سعيد.. لا بد أن مصالحتها مع أخيها أعادت لها جزء من راحتها المفقودة.. وأزاحت حملًا ثقيلا من النبذ الأبوي والتغريب الأخوي
عن عاتقها.. تنحنح مكانه يجلي صوته ثم قال مدعيا اللامبالاة
((لقد سمعتك دون قصد تتحدثين مع أخيك عن الطلاق.. هل عندك نية لطلب الطلاق مني بعد أن تغيرت علاقتك معه؟))
اكفهرَّ وجهها ونكسته لتجيب بخفوت ((لا أعلم..))
همهم لها بصوتٍ متعب لأعصابها ثم قال بنبرة عادية
((حسنا.. رغم أني لم أتصافى معك إلا مؤخرا إلا أني أشعر بالحزن لفكرة طلاقنا.. لكن بالتأكيد يظل قرار البقاء من عدمه عائدا لك.. متى ما فكرت فيه جيدًا أعلميني وسأنفذه من أجلك يا ياسو العزيزة..))
ازدردت ريقها بألم ثم قالت ساخرة بلا مرح
((شكرا لك يا قمرالدَّين العزيز))
قال مازن بواجهة الرجل النبيل
((أتمنى حقا بعد طلاقنا أن تتزوجي من رجل يعرف يكسب قلبك كما تتمنيه وشخصيته تتناسب مع امرأة واعدة مثلك..))
شعرت بغضب غريب يجتاحها من كلامه واستسهاله أمر الطلاق فجارته من بين أسنانها
((لا تقلق بهذا الشأن.. بمجرد أن أحصل على الطلاق منك، ويمتلئ طابور الخطاب أمام بيتي لن أتزوج إلا أفضلهم..))
وضع مَازن ساقا فوق الأخرى ثم قال
((وبالنسبة لحضانة هدى عند زواجك.. لن أحاول أبدًا أن أضغط عليك بشأنها أو أنزعها منك، أنا أثق أنك ستضعينها دائما صوب عينيك واهتمامك..))
بالكاد أمسكت نفسها من شدة غيظها ورغبتها في خنقه ثم قالت
((فيك الخير يا قمر الدين.. لكن أنا أقول لنتقاسم الحضانة بيننا.. لقد حُرمت هدى من رعايتك معظم سنوات زواجنا فلا أريدها أن تحرم منك أيضا بعد طلاقنا))
هزَّ مَازن كتفيه وقال بنبرة متشككة
((لا أستطيع أن أعدك بشيء، فالأمر عائد لزوجتي المستقبلية وظروفها وقدراتها.. لكن أُفَضل أن تعيش هدى معك وآخذها أنا بالعطل لزيارتي لغاية التعرف على إخوتها مني ومن أجل..))
تجلت الصَّدمة على وجهها للحظات وطلت عينيها بنظرات مصدومة صارخة.. وحين طال الصمت بصورة ثقيلة ومخيفة بينهما بللّت شفتيها الجافتين.. وعادت تتذكر نبرته الواثقة لأمه عن تكرار زواجه عندما كانت تطلع على صور الفتيات في ذلك اليوم.. لتقول أخيرا بصوتٍ باهت وبحدقتين مهتزتين
((إخوتها!؟ مَازن.. هل أنتَ متزوج من غيري؟))
غمغم مَازن لها ببراءة
((أنا أتحدث عن المستقبل))
انسابت الكلمات من بين شفتيها بصوتٍ مرتعش مستنكر وهي تقوم من مكانها نحوه
((أخبرني هل أنتَ متزوج أو تمهد لي ذلك؟))
ظلَّ مَازن ينظر لها بوجه مقتضب متبلد لا يجيب عليها بينما يجدها تقف أمامه مباشرة لتقول هي بعد فترة طويلة وتهمس بصوتٍ متداعٍ
((لماذا لا تجيب؟ أنت متزوج من غيري؟ أنتَ متزوج صحيح!))
انهار صوتها في نهاية جملتها.. وعندما لم تنحسر ملامحه أبدًا أو ينكر كلامها هزت وجهها لتقول بوجه شاحب
((أنتَ متزوج بالفعل! ألهذا فتحت سيرة الطلاق عليّ، وشجعت أخي أن يفتحه قبل قليل أمامي؟))
اتسعت عَيناه لهذا الاستنتاج الذي وصلت له.. ولم يجد قدرة أكثر على الثبات وانفجر فجأة ضاحكا بصوتٍ عابث بقلبها الصغير البائس.. ليستطرد من بين ضحكاته
((يا إلهي لا أستطيع.. لا أستطيع حقا.. لا أصدق.. غبية يا ياسو.. أنتِ غبية.. لكني انتقمت منك))
رفرفت ياسمين بعينيها بصدمة متمتمه ((ماذا تقصد؟))
خفتت ضحكاته تدريجيا بتعب ليقول بأنفاس مسروقة
((ألم تقولي أمام عائلتي عن مُناك بزواجي والتخلص مني.. إذن لماذا انهار كل ما فيك بهذا الشكل المثير للشفقة عندما شككت مجرد شك بزواجي؟ سأخبر كل عائلتي بما حدث.. سأجعلك مثارا للسخرية أمامهم جميعا.. ولأشهر قادمة))
رمته بنظرة قاتلة ثم سألته بصوتٍ واهن ضعيف
((أنتَ لست متزوجا.. صحيح؟))
أمسك يديها وقال بصوته الأجش المميز
((أنا متزوج.. متزوج بك يا ياسو، هل نسيتِ؟))
بتر كلماته وعادت تجتاحه نوبة ضحك أخرى.. فتسارعت وتيرة دقات قلبها فتشعر بخديها يلتهبان.. لكنها عادت تسأله بعينين مترقبتين
((أنتَ إذن لست متزوجا من غيري؟))
تمددَّ على ظهره وضحكاته في تزايد، ومر وقت عليه قبل أن يخفت منها فأمسكته ياسمين من أعلى ذراعيه تجلسه ثم قالت له بصوتٍ جاد والغيرة تطعن قلبها طعنًا
((مَازن.. إيَّاك أن تجلب سيرة الطلاق.. أنا أكرهك.. أكرهك كرهًا لن يبعدك عني.. بل سيزيدك غيضا مني، لكن لا ولن ابتعد عنك.. أتفهم؟ أنا لن ابتعد عنك))
كانت تعانق عينيه بعينيها وقد شعر بيديها الممسكتان به تزداد ارتجافا فأمكسها بكفيه يحيط بهما هادرا
((ياسو أنتِ ترتجفين.. اهدئي..))
زفرت ياسمين أنفاسًا مرتعشة وقالت بلوعة
((هذا.. لأني.. أحبك..))
لوهلة احتلت الصدمة محياه، وأربد كيانه.. أتعترف بحبها.. هي تكن مشاعر حب ...إنها تحبه!
اقشعر بدنه لرجفة صوتها وهي تردف بألم مفضوح
((أرجوك لا تسخر مني.. ولكن أنا أحبك.. وأحتاجك بجانبي))
وجدت نفسها تنساق له وهو يجتذبها يرفعها لتجلس على حجره.. يحوطها بذراعيه ثم ضمها إلى صدره فدفنت وجهها بعنقه.. اعتصرها لتلصق بجسدها أكثر ليهمس
((ياسو.. حبيبتي اهدئي.. سمعيني مرة ثانية ما قلتـ..))
فجأة جفل الاثنين على هتاف طفولي
((لن تتركنا أبي إذن؟))
رفعت ياسمين رأسها للخلف إلى جهة الباب واتسعت عينا مَازن يسألها بقلق
((هدى منذ متى كنت تقفين هناك؟))
تقدمت هدى منهما ببطء تتساءل بصوتٍ متحشرج مفطور الفؤاد
((أبي هل ستتركنا وتسافر للخارج؟))
ذاب قلب مَازن على الحزن والذعر المرتسم على ملامح ابنته الطفولية فمد ذراعه يحثها أن تقترب منه ويجلسها فوق ساقه الأخرى.. ثم عاود ضم جسد ياسمين إليه مما جعلها تستشعر نبضات قلبه القوية تحت كفها الملامس لصدره.. أراحت هدى رأسها على صدر والدها كما تفعل أمها ثم همست
((أحبك أكثر من عمي مُؤيد، فإذا رحلت لن يعوضني أحد عنك))
أكد عليها مَازن وهو يربت فوق شعرها
((أبدا مستحيل..))
رفعت وجهها له تهتف بعبوس وخوف
((ولكنك تريد أن تتقاسم حضانتي مع أمي))
هتف بذعر وقد بدأت عيناه تتسعان
((رباه.. هدى.. ماذا سمعت! لقد كان مقلبا لأمك.. لم أنتبه لوجودك.. أنتِ ابنتي الحبيبة الوحيدة.. أبيع الكل من أجلك.. أبيع حتى أمك من أجلك))
لكزته ياسمين بخفة وتذمرت
((ماذا تقول يا قمر الدين؟))
ضمَّ ياسمين الجالسة على ساقه الأخرى أكثر وهو يقول مبتسما لعينيها
((أقصد أبيع الجميع من أجلكما.. أنتما الاثنتين حبيبتاي ومن تملئان حياتي بالبهجة))
همست له ياسمين بصوتٍ متخم بالعاطفة
((وأنا أيضًا.. أحبك يا قمري))
شدَّت هدى ذراعه تستدعي انتباهه مغمغة
((أبي وأنا أيضا.. أنا أحبك..))
لم يصدق ما تسمعه أذناه ليشدد ويقبل جبين كل منهما
((لا هذا كثير عليَّ.. حقا لا أصدق))
برقت عيناه ونبض قلبه سريعًا جدا وهو يهمس لها بخفوت مؤثر
((هل أنا في حلم؟ ما سر كل هذه الحب المتدفق نحوي منكما!))
وفي هذا الوقت ظلت الاثنتين ملتصقتين به حتى ظن أنهما غرقا في النوم.. وعندما حاول مَازن أن يتحرك بتحريكها لينهض ياسمين عنه جفل على صوت هتافها الحانق
((لقد اشتقت للنوم بين ذراعيك، مهما كانت الظروف فلا تبتعد عني.. وافهم الأمر كما تشاء))
رفرف بعينيه متلعثما
((أنا لا أنكر أني أريد ذلك، لكن كما ترين في حضرة ابنتنا أحاول ألا أتمادى فيما لا يمكنني السيطرة عليه))
قطبت حاجبيها باعتراض بالغ وقالت
((ليس من حيائك قمري، أنت معتاد على إحراجي أمام عائلتك، لذا سأنام مهما كانت الظروف بجانبك كيفما تواجدت معك..))
قاطعها وهو يبعد ابنته بلطف عن أحضانه
((انتظري، هدى حبيبتي ما رأيك أن تذهبي لعب مع يزيد وخالة سمية، ووعد مني سأكافئك))
ثم نظر لياسمين يغمز بعبث
((لي مع أمك كلام كثير ويجب أن نناقشه بمفردنا))
فهمت ياسمين مغزاه فربتت على ذراع هدى تكمل
((هيا هدى.. اذهبي ولك منا مكافأة.. مفهوم؟))
أومأت بموافقة وصرخت بفرحة تنزل عن حجر والدها
((حسنا إذن.. فقط لا تجعلاني انتظر كثيرا))
قبَّلها مَازن بجبينها مبتسما يقول لها
((حبيبتي الصغيرة.. أعرف بأنك فتاة مطيعة))
عند خروجها وقفت هدى ترمي قبلات بالهواء لهما وتودعهما لتغلق الباب وراءها، التفت ياسمين نحو مَازن الذي همس لها عابثا
((ها... أين توقفنا منذ قليل.. قلت أمرا عن شعورك تجاهي.. أريد سماعه من جديد))
وضعت رأسها على صدره بتمنع
((لا أتذكر ما قلته..))
شهقت بغتة عندما حملها وهو يدنو بوجهه نحوها يهمس
((إذن عزيزتي لدي طريقتي الخاصة كي أنعش ذاكرتك))
ما لبث أن ضحك وهي تتلوى في أحضانه وقد تورد وجهها خجلا ((مَازن انتظر..))
وضعها برفق على السرير وقد اعتلاها
((ها! هل تخبريني الآن؟))
وعلى الفور كانت تجتذبه تحوط ذراعاها حول عنقه معاتبة بصوتٍ متثاقل من النعاس
((قمري أنا أحبك.. فقط لا تشعرني أني جسد لتدفئة فراشك، فهذا يجرحني بحق))
أسدلت جفونها وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامة مرحة تاركة قمرها أسير ذهوله يتساءل أهذه ياسمين الباردة، لوح الثلج، يبدو أن أزمتهما الطويلة المتعسرة قد ولَّدت إحساسًا جديدًا يغزو أيامهما بعهد جديد في علاقتهما.. بريق مختلف يلتمع من عينيه لأول مرة تأثرا بعاطفتها الحميمة، وبشكل خاص حينما فهم أنَّها عاجزة عن النوم بعيدة عنه..
=============================
قَلْبُكَ مَنـْـفَايَ "مكتملة" الفصل الثاني وثمانون 82 - بقلم Hya Ssin
عزيزتي هيا ...إليك بعضا من نزيف افكاري..
من ظن أن الإجبار و الإكراه عسراً
فاليُسر من عسرات يخرج كحُب نورين
إن طالت عليك عَذَابات الأيام
فَجمال القدر أضاء لسمية بعد سنين
الحياة تمضي كحَال الليل و النهَّار
كَما تتقلب رتيل بين الرَّخيص و الثمين
مَن كان يظن الصقيع سيظل جامداً
فَسيذوب و ينساب نهرا ًكياسمين
إِنْ رَاود خاطر أن الأسر يدوم
ففي آخر النفق طير حر كشيرين
قَد تغتر بالأهل و الحسب و المَال
عَسى سهر منهم تخْتار فيهم الجَوهر الدفين
لَا تنْجر وراء الخطايا و انجو منها
كَنجوم لا تتبع من يؤذيك ولو كانوا والدين
مَن أراد رؤية نفحات الــــــــــــــربيع
تَكفيه دلع مع مشاغبات هدى و دارين
مَنْ حَزِن و اشْتكى من عثرَاته
فَلْيحادث فهد, باسم و يزيد الحلوين
مع تحيات: هدهد
شكرا للحلوة هدى على خاطرتها
*******************