تحميل رواية «ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام» PDF
بقلم HaboOoshy
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بقلم استباحوا عبرتي مدخل ~ واليوم يارفيقْ ~ أين أنا؟! ... ........وأين أنتْ؟! أخشى الفراق وأن أواصل المسير وحيدْ ! وحيد .... ب/قلب كسير حزين ! *********************************** طلع من الطيّارة الخاصة و هو في حالة صدمة ! إلى الآن ما يحس ب أي شي حوله .. جرّته رجوله ل مكان كان يوم من الأيام يهوآه بس الحين ....! يحس كل شي من حوله غريب مو قادر يستوعب أي شي ! دخل ل المستشفى و هو يجرّ رجوله جر .. دخل باب " قسم الطوارئ " .. لمح ناس كان يحسب الثواني ل يشوفهم بس الحين كل شي فيه جامد ! مر من بينهم و عدّا...
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل الحادي وأربعون 41 - بقلم HaboOoshy
ملحق الشباب ..
بدر جالس و مقابله اخته شادن ، و لأن راكان مسافر و رائد ببيته .. أخذت راحتها وهي جالسة مع أخوها
تنهدت بهم كبير : مو عارفة ، بس والله خايفة كثير !
ابتسم يطمنها : لا تخافين .. طبيعي تتوترين كذا ، بس انتي مزودتها شوي ، توكلي على الله و ربك بيفرجها
اخذت نفس عميق : يارب !
سكت شوي بدر و تابع : عزيز رجال و النعم فيه .. صحيح بالبداية كنت رافض الفكرة ، بس ان شاء الله ما تلقين الا كل خيرة بـ حياتك !
بهالاثناء دخل بندر : وش تسوي العروس هنا ؟ ورا ما تنامين بكره وراك مشوار !
ابتسمت شادن تخفي ربكتها : اجلس مع اخواني آخر جلسة
بدر نطق بسرعه : اعوذ بالله وشو اخر جلسة ؟ ، هييه ترى ما بسمح له ياخذك مننا !
ضحكت شادن بخفة ، بينما تقدم بندر وباس راسها : الف الف الف مبروك ياروح اخوها الله يوفقك و يسعدك
قبل لا تنطق ، تقدم بدر و حضنها : ربي يكتب لك الخير و يوفقك وين ما كنتي
مسحت دمعه سقطت منها ، وبصوت مخنوق : وياكم يارب
بندر مجرد ما شافها تبكي : لحووول ، طيب اجليها لبكرى
ما سمعت له و نزلت راسها و هي تبكي .. ثواني حتى حست نفسها طايرة بالهواء .. صارخت : هيييييه نزلوني يا مجانين
طيروها من جديد و بضحكة بدر : مايصير العروس تروح بيت زوجها وهي تبكي
ضحكت بشدة وهم يطيرونها للمرة الثالثة : هههههههههههههههههههه بسسس
بندر : ايووووه كذا ، يازينها من ضحكة
بعد ما نزلوها مسحت دموعها و هي تضحك : اخخخ بغيتوا تذبحوني !
ما ترك لها فرصة تتكلم بدر و هو يشيلها .. طلع من الملحق وهو شايلها : العروس مايصير تمشي .. لازم نشيلها
ضحكت : ههههههههههههه تكفى بدر نزلني
وصلها لـ مدخل الفيلا و نزلها : نامي الحين و لا تشغلين نفسك بأي شي
اخذت نفس عميق و بإبتسامة : تصبح على خير !
رد الابتسامة و نطق بعد ماباس راسها : تصبحين على خير يا عروسنا
ثواني حتى اختفت من قدامه ، طلعت لـ جناح البنات .. و ارتمت على سريرها ، النوم مجافيها .. بكره بتلتقي بـ عبدالعزيز حب الطفولة و المراهقة ، متخوفة و جداً من اللي ممكن يصير !
ما تعرف ليش جداً متضايقة ، الضيقه ما فكتها من وصلها خبر خطبته لها ..
غمضت عيونها : يــاااارب !
لكن هيهات ، النوم ما وطى لها درب ..
مر الوقت جداً سريع ، و هذا هو صوت المؤذن يصدح بالمكان ..
صلت الفجر ، و جلست على سجادتها تقرا قران علّ الضيقه تروح منها !
*
صحى على صوت جواله المتكرر ..
عقد حواجبه بضيق مين اللي يتصل بهالصبح ! ، زفر وهو يشوف اسم - طلال - على شاشته .. بصوت نايم : سلام ؟
طلال : وليد .. زين رديت ، اهلي بالمطار .. ابيك توصلهم لـ بيتي !
عقد حواجبه وليد : طيب مع السلامة
قفل الجوال و استغرابه يزيد ، غريبة وش جايب خواله لـ الرياض !
تروش عالسريع ، و لبس اي لبـس ..
أقل من ساعه و كان عند المطار ، مجرد ما شافهم بقق عيونه .. اغلبهم جايين !
مضت قرابة الربع ساعه و كانوا كلهم بالبيت ..
فجأه البيت الهادي امتلى بأنواع الازعاج !
جلس مقابل جدته : ليه ما خبرتوني قبل نقوم بالواجب ؟
جدته : والله ما كان ودنا نزعجك ياولدي ، لنا اسبوع بالسعودية ، بس كنا بـ مكّة .. طلال رحلته بالليل هو و محمد .. و ماجد و كاترن راحوا أمس الليل لـ المدينة و جايين يمكن بعد اسبوع ! .. - نطقت بتساؤل - ما شفت عيال محمد ؟
عقد حواجبه وليد وهو يذكر عيال محمد *التوأم* : لأ ، ليه هم موجودين من اول ؟
جدته : ايه لهم شهر هنا هم و أمهم ، محمد كان عنده شغل ماقدر يتركه !
وليد ببرود : آها ... - نطق بعد فتره - وانتم .. جيتكم غريبة ؟ في شي صاير !
تنهدت جدته : ايه يا ولدي ، قبل فترة صار حادث لـ عيال آل***** ، هالعائله كانوا جيراننا من سنين طويلة بايطاليا .. حتى أمك راضعه مع واحد من عيالهم ، قبل سنة جوا لـ هنا يستقرون .. و قبل مدة صار على العائله كلها حادث .. حنا مادرينا إلا قبل شهر ! و وصل لنا قبل اسبوعين خبر ان وحدة من بناتهم نجت ، بس محد يدري وينها ! تواصلنا مع زوجها .. بس قال لنا انه طلقها بعد الحادث بأسبوع و انها كانت بـ مستشفى ****** وحنا جايين ندور لها
فتح عيونه بـ صدمة وليد و بداخله يدعي ان شكوكه خاطئه ! ، و قطعت شكه باليقين الجده وهي تقول : قال زوجها انها فقدت ذاكرتها !
هنا وليد نطق بـ صدمة : وش اسمها جدتي ؟
الجده : دانة .. دانة عبدالمجيد ال******
دارت الدنيا بعيون وليد وهو مو مستوعب ابد ! ، دانــة ؟ دانـة البزر البثرة ما غيرها ؟ زوجة تركي حالياً !
يـا صــــغــــر الــــدنيا بس !
*
بـ مزرعــة العـائلة ،
ابتدت مراسم الزفاف بعد صلاة المغرب مباشرة ، كون ان الزفاف مختصر و شبه عائلي ..
ريتاج نطقت وبيدها بنتها جوان : ميــرا ، وصليها عند رائد .. يبيها ، بتلقينه قريب من هالنخل
أخذتها ميرا و هي تهيئ نفسها لـ مواجهة رائد ..
وقفت بالمكان اللي قالت عنه ريتاج ، و كلها لحظات حتى لمحت رائد جاي ..
نطق وهو يشيل بنته متجاهل وجودها : يا هلا بهالزين ، يا هلا بعيون أبوها - قبل جوان بخدها و عطى ميرا ظهره ناوي يروح
لكنها نطقت بربكة : رائــد !
لف عليها بدون ما ينطق ..
بتوتر : اا .. شرايك بـ شكلي ؟ .. - سكتت شوي و تابعت بغصة - ما علقت علي اليوم ، اخاف ما أكون مرتبة ؟
رائد اللي تفاجأ من كلامها نطق : لأ .. حلوة !
ابتسمت وعيونها عالارض : شكراً .. عيونك الحلوة ياخوي - بعد تردد تقدمت و باست كتفه ، وبصوت مبحوح - آسفة .. والله الدنيا ما تسوى وانت زعلان مني !
رائد اللي أبد ما توقع كلامها .. اكتفى بالسكوت وهو يراقبها
مسحت دمعه متعلقة بهدبها قبل لا تطيح : والله مستعدة أسوي أي شي .. بس ترضى علي !
حست فيه يتقدم و يبوس راسها .. هنا كانت الدنيا ترفرف بعيونها و كأنها فجأه ضحكت لها !
نطق بإبتسامة : مهما كان ، انتي أختي .. و لا أرضى اشوفك زعلانه ، او على غلط !
حضنته بدون شعور : والله يكفيني من الدنيا انك راضي علي .. كانت غلطة و تعلمت منها !
قبلها من جديد على راسها وهو يمسح على ظهرها : خلاص لا عاد تبكين ، اللي صار راح و انتهى !
ابتعدت عنه وهي تمسح دموعها : الله لا يحرمني منك رائد ..
ابتسم بـ قوة : خلاص امسحي دموعك و انسي اللي صار .. روحي للمعازيم اكيد ينتظرون العروس الثانية !
اتسعت ابتسامتها و راحت لـ داخل و فجأه تبدل حالها مليـووون درجة
* أمـا تالا .. ما زالت نفسيتها تعبانة و محتاجة احد حولها ، فجأه لقت نفسها تجلس مع أم رائد
لكن ضاق صدرها وأم رائد تاخذها على جنب و تحكي لها عن الزواج و تشرح لها بقلب أم .
نطقت تالا و صبرها ينفذ : طيب خالة .. ودي اقولك شي !
ام رائد وهي حاسة بالمسؤولية اتجاه تالا : قولي يمه اسمعك
تالا بتردد : بس تكفين يا خاله لا يطلع هالكلام لاحد ، انتي الوحيدة اللي اقدر اقولك اياه
ام رائد برحابة صدر و بحنيه شديدة : اعتبريني امك و قولي اللي بقلبك ..
اخذت نفس عميق ، و قالت لها عن كل شي قالته عمتها غرسة ..
لكن أم رائد نهرتها بشدة و حذرتها انها تسمع لـ كلام أي حرمة ، و أكثر ما لفتها لما قالت : يا بنتي بدر انا اعرفه من هو صغير .. لا تنسين اني كنت عايشة معكم ، والله بدر من صغرك و هو يقول تالا ماياخذها غيري ! اسالي كل عمامك و عماتك و اجدادك بيأكدون كلامي .. لا تهتمين لكلام احد و صكري اذنك من بربرة الحريم !
ارتاحت نسبياً من بعد ما فضفضت لـ عمتها ام رايد ..
انزفت أخيرا شادن و التوتر و الخوف معتليها .. و هذي هي واقفه بين اخوانها اللي قادوها لـ سيارة عريسها ..
ودعتهم بـ دموع و رهبة شديدة ،
بدر بعد ما لبسها العباية مسكها من جهة و بندر من جهة ..
دق قلبها بشكل فضيع وهي تلمح السيارة اللي قدامها ، و اقدام الشخص اللي واقف بجنب بابها ويفتح السيارة لها
وصلوها اخوانها لـ عند باب السيارة ولسانهم ما وقف عن التوصيات .. وهي مع كل كلمة ينطقها العريس عزيز تحس بهبوط ضغطها يزيد ..
أبعد يده بندر عن كفها تارك لها مجال تجلس بالسيارة ،
لكــن فجأه قبل لا تجلس عالمقعد حست بيد عريضة تنمد لكتفها و تسحبها بقوة لـ حضن قــديم !
حضن ياما كانت ترتمي عليه ، بـ صغرها و بمراهقتها .. كان حضن حلال عليها .. لكن فجأه قبل ثلاث سنوات انحرمت منه و ضاع و اختفـى من حياتها !
عبدالعزيز اللي نسى كل اللي حوله وهو يشوفها ، ما مانع نفسه أبد من انه ياخذها بحضنـه ، حبيبتـه اللي انحرم منها سنــوات ! ، الاكيــد ان كل هذا حلم !
بدر مجرد ما شافهم بهالشكل نزّل راسـه بابتسامة و بدت تسري راحة بداخله ،
اما بندر نطق بسرعه : الله يسعدكم و يوفقكم ، لا اوصيك عليها يا عزيز !
لكن ، مافي اي حركة تدل على انه معهم ، عزيز واضح انه طار لـ عالم ثـاني !
بدر بهمس لبندر و بـشبه ضحكة خافته : عزيز مو يمّك !
عقد حواجبـه بندر و هو يطبطب كتف عزيز : عزيز .. يا عزيـز !
ابعد شوي عبدالعزيز عنها وهو منزل راسـه نطق بـ همس مايسمعه غيرها متناسي وجود العالم ، ما يشوف غير حبيبته و أميرته : والله ما يبعدني عنك إلا الموت !
تنفست بشدة شادن بعد ما فرغت طاقة كبيرة من البكاء بصدره ، و أخيـــراً انا معك عزيز !
للتو استوعب عبدالعزيز تواجد بدر و بندر بعد ما سمع همس ضحكة بدر ، التفت عليهم و بإبتسامة واسعه و الدنيا مو شايلته : تطّمنوا دامها معي .. ان ما شالتها عيوني مين يشيلها
ابتسموا براحة من كلامه ، قبلوا راسها بعد ما ركبوها داخل السيارة ..
ثواني حتى اختفت السيارة من عيونهم ، زفر بـ شدة بدر : الله يكتب لهم الخير
بندر بتعقيب : يارب .. من ناحيتي مرتاح بقوة معه ، شفت قلت لك ماله داعي كل اللي سويته !
بدر ما علق و توجـه للداخل عند الضيوف ..
بالسيارة ..
كفه أبد ما شالها عن كفها ، قابض عليها بقوة و كأنه خايف انها تطير منه !
رفع كفها لـ فمه و قبلها للمرة المليون و بهمس : الله لا يحرمني منكِ ..
كان طول الطريق يدعي ان الله يحفظها و يبقيهم لبعض و كانه خايف من المستقبل ،
أخيرا وصلوا لـ بيته أو نقول قصره الهادي ..
دخل بالسيارة و نزل ، فتح لها الباب و طلعها بهدوء .. مجرد ما وقفت قدامه و لا يفصلهم غير هواء عابر .. شال النقاب منها ، شد على شفاته وهو يشوف ملامحها اللي تغيرت جداً .. آخر عهده بها و هي بنت الـ 17 سنة ، و الحين هي بنت الـ 21 ربيع ! كبرت و فتنت أكثر !
نطق وهو يمرر يده على ملامح وجهها : ماني مستوعب انك معي !
نزلت نظرها وهي اللي انصدمت بشكله اللي تغير 180° ..
فسخ عبايتها منها و تركها بالسيارة ، رجع لها و شالها و الدنيا مو سايعتهم من الفرح !
نزلها بعد ما دخلها داخل الفيلا الكبيرة : وهذي أميـرتي أخيراً نوّرت بيتها
من شدة فرحها و ذهولها ما كانت قادرة تنطق بأي كلمة ..
مسك يدها و طلعها لـ جناحهم ، فتـح الباب : هنا غرفتنـا .. - قال بشوي حرج - تبين تغيرين ، هنا ملابسك .. الفستان الكبير مانعني عنك !
ابتسمت بخفة ، بينما هو طلع برى الغرفـة .. غيرت فستانها لـ فستان هادي أبيض .. قصير لـ الركبة و بدون أكمام ،
بعد ساعه طلعت له .. و شكلها تغير كلياً ، رجعت طفلته الصغيرة !
تقدم لها و حضنها بخفة بعد ما قبلها ..
مسكها بتملك و نزلوا من الدرج الطويل ، وصلها لـ غرفه الطعام الفخمة و المليئـة بـ اصناف الطعام
للحظة تذكر عزيز العالم و تذكر خويّـه وائل ، العشاء كان هدية منه
بـ وسط الطاولة الكبيرة كانت علبه ضخمة و غريبة الشكل تتوسطها ، تقدم لها طلال و أخذ الورقة اللي عليها بخط وائـل " هديـة بسيطة للعرسان "
سحبها عزيز : تعالي افتحيها ، هديـة من خويي
تقدمت و بتعقيدة حواجب من شكلها الغريب و المخيف : مو لازم .. شكلها يروّع
ابتسم عزيز : لا تخافين انا معك ..
بعد تردد كبير فتحتها بصعوبة ، و ســرعان ما قفزت لآخر الغرفة الكبيرة وهي تصارخ بأعلى صوتها !
بعد مدة فتحت عينها بخوف و يدها على قلبها .. كانت عبارة عن وجـه جدا مخيف و مقزز قفز من العلبة مجرد ما فتحتها
ثواني حتى تعالت ضحكة عزيز من مزحة وائل الـثقيله ، نطق وهو ماسك ورقة بوسط الوجه المخيف : يقول العشاء كله ينوكل ، مادفعت فيه عالفاضي !
تنفست بـ عمق بعد الرعب اللي عاشته لـ ثواني
*
بعد منتصف الليل ،
رجعوا بيت الجد بعد يوم منهك ..
رائد بعد ما طلع من السيارة نطق : صحيح أحمد .. قبل لا أنسى ، وليد يبيك بـ موضوع بكره
احمد وهو يمدد يدينه بنعس : مو فاضيين له بكره ، ورانا عقد بندر !
رائد وهو يبتعد : وصلت اللي علي وبس
عند البنات ،
مع حمـاس السوالف مضى الوقت سريع و أخيراً أشرقت الشمس ..
شوق اللي كانت اغلب الوقت ساكته ، نطقت وهي تشوف تالا و ميرا لابسين المراييل : يعني لازم تروحون ؟
تالا وهي تعدل لبسها : طبعاً..لا تنسين عندنا انذارات ! بيحولونا منازل
ميرا بابتسامة : تبينا نجلس نواسيك و نقويك ؟
ابتسمت شوق : ودي تكونون معي والله ، احس اني ضايعه بدونكم
تالا : بتعقدون بالمحكمة مالنا فايدة لا جلسنا
زفرت شوق : ادعولي
تقدمت تالا وباست خدها : الله يوفقك ، لا تتوترين .. وخليك ثقيلة
ضحكت شوق : هههههههههه كان قلتي لنفسك هالكلام يوم ملكتي..توقع وهي لابسة بجامة ههههههههههه
ميرا بضحكة تقدمت وحضنتها..: مبروووووك مبرووووك يابعدي ، عشان اكون اول من يهنيك
بادلتها الحضن شوق : الله يبارك فيك ، عقبال ما نشوفك انتِ عروس
اكتفت ميرا بإبتسامة ، و نزلت مع تالا. .
بالصالة وهم نازلين صادفوا بـ طريقهم ابو رائد جالس ويتصفح الجريدة
تقدمت ميرا و باست راسـه : مع السلامة يبه
ابتسم لها ابوها بإستغراب ، من زمان بطّلت عادتها بـ سلامها عليه قبل لا تروح المدرسة بسبب شغله.. : الله يحفظك بنتي
اكتفت بإبتسامة و طلعت تلحق تالا ..
أما تالا ، اللي طلعت قبل ميرا .. كانت تمشي وهي تعدل عبايتها ، طاحت عينها على بدر وهو داخل وبجنبه راكان اللي يشيل شنطته على كتفه ، نطق راكان مجرد ماشافها بإبتسامة : سـلام
بلعت ريقها بصعوبة و شوفـة بدر بعد هالمدة اربكتها : وعليكم السلام
تعداها بدر وجلس عالدرج وراها يربط حبال شوزه الرياضي متجاهل وجودها كلياً
تقدم راكان وجلس على الجلسة اللي قدامها : مابعد وصل تركي اذا كنتي تنتظرينه .. شوي ويجي
أخذت نفس عميق و الربكة مسيطرة عليها و بدون ماتلتفت على بدر جلست بنفس جلسة راكان بدون لا تنطق بشي وبداخلها تدعي ميرا تجي بسرعة
راكان وعينه على بدر : ايوه بدر ، كيف شفت ديرتي الجنوب ؟
بدر بإبتسامة واسعه : ياشيخ و لا باريس ! لو بيدي ما طلعت منها كل الزين فيها !
راكان بنص نظرة : يارجال استهدي بالله .. بلا صواريخ
تنهد بدر بعمق : اخخخ بس اشتقت لها من الحين !
راكان بضحكة : والله مهيب هينة الجنوب ..
تالا اللي كانت تحترق بـ مكانها و تسمع كلامه ، و تفسّـره بـحسب فهمها .. مجرد ماسمعت سيارة تركي وقفت و طلعت لها
* كلها ثواني حتى لحقتها ميرا
*
ريـان
صحت من نومها بدري كعادتها بأيام حملها الاولـى .. جلست بتعب عالسرير و هي ساندة يدها على راسها
فتحت عيونها على صوت يـاسر خلفها : كيفك الحين ؟
نطقت بشبه إبتسامة : أفضـل !
توجّه للتسريحة و فصخ ساعته : امس ما نمتي كثير ، تبين اوديك المستشفى؟
نطقت بسرعه : لا لا هذا طبيعي يصير بالشهور الاولـى
ما عقّب ، بينما هي قامت لـ الحمام .. توضت و صلت
مجرد ما سلّمت .. نطق : ريــَان
لفت عليه بسرعه : هممم؟
نطق بتساؤل : رايحة اليوم المدرسة !
وقفت وهي تفسخ الجلال : الاسبوع كله ما داومت ، لازم اداوم اليوم
هز راسـه و نطق وهو خارج من الغرفـة : اجهزي الحين و بوصلك بالسيارة
و بدورها راحت تتجهـز و تلبس ، بعد ما انتهت ..
جلست عالسرير و إبتسامة تلقائية ترتسم عليها وهي تشوف بنتها تالا نايمة ، شالتها بهدوء و ضمتها لها وهي تتنفسها ..
تحركت بإنزعاج ممّا خلـا ريـان تطبع قبلة خفيفـة على خدها و ترجعها سريرها ، نطقت وهي توقف : أستودعتِك الله
طلعت من الغرفـة و توجهت لـ الصالة ، المكان اللي كان فيه ياسر و أمـه
وقف يوم شافها : يللا عن أذنك يمّـه
تقدمت ريان و قبّلت راس أم ياسر
أم ياسر : الله معكم يا عيالي
طلعوا من البيت و بدون أي كلمـة دخلوا السيارة ..
ارتبكت وعينها تطيح على الأوراق اللي كتبتها أمس موجودة قدامه ، يعني قراها !
هالاوراق استنزفت طاقتها وهي تكتبها ، طلّعت كل اللي بداخلها بالأربع أوراق هذي ..
أخذت نفس عميق و هي تلتزم الصمت ، لكن سرعان ما ارتبكت وهي تسمع صوته الهادي : لو كنتِ مكاني ، وش ممكن تسوين ؟
بلعت ريقها و لا نطقت ..
لف عليها و طاحت عينه على أصابعها اللي تحركها و تشبكها ببعض بـ ربكة واضحة .. قدّم يده و مسك كفها اليسار و بـ هدوء : ريـانة ، انا أسألك ما أهاوشك .. مابيك ترتبكين كذا
تنفست بـ عمق تحاول تهدا و نطقت بصوت مبحوح : يـاسر .. أنا مابي منك شي إلا انك تسامحني ، ما أطلبك ترجع كل شي .. بس ، ابي رضاك
تنهّد بـ عمق و بعد صمت نطق : تظنينه سهل اللي صار علي ؟
قاطعته : تكفى ياسر خلاص لا عاد تلومني .. انا تعبت بما فيه الكفاية ، كلنا تجرعنا نفس الكاس ... و مو قادرة أنسى ، و لا انت قادر تسامح .. بس أبيك تسامحني لانك مو حاس كيف أتعذب كل ليل و أنا أستشعر الملائكة تلعني !
زم شفاته و لا نطـق بـ شي .. حرّك السيارة أخيراً و الصمت يرجع لهم عدا عن صوت تنفس ريان الواضح.
وقف السيارة قريب من المدرسـة و قبل لا تفتح الباب نطق بصوت مكسور : الله يسـامحك ، الله يسـامحك على كثر ما قتلتيني .. - سكت شوي و تابع - لو احد ثاني مكانك ما ظنّتي سامحته .. لكن انتي مو أي احد .. انتي قطعه منّي و غصب عن قلبي القى نفسي أسامحك كل ليلة قبل لا أنام ... الله يحللك على كل اللي سببتيه لي
ريـان كانت تسمع وخليط من المشاعر يداهمها ، شعور انه سامحها لـ وحده عيشها لـ عالم ثاني .. شعور مو ممكن توصفـه ، مسحت دمعتها و تنفسها يزيد
مسكت كفه و قبّلتها بـ إمتنان كبيــر : أوعدك ، أعوضك عن كل اللي فات
أبعدت يده بعد ما قبّلتها للمرة الثانية ، جات بتفتح الباب لكـن وصلها صوته : اصبري ، تو الوقت بدري
تنهدت براحـة عميقة عمرها ما حستها و أنفاسها ترجع تنتظم من جديد .
جلسوا بالسيارة و الدنيا لا زالت ظلام و الشمس ما بعد أشرقت ..
قاطع هدوءهم ياسر وهو ينطق بإستفسار هادي : متى يبدا الجنين يتحّرك؟
ريان بصوت مليء بالبحـة : من اسبوعين بدا يتحرك
قرب يده لبطنها و استقرت عليها لـ ثواني
نطقت بإبتسامة : اكيد نايم الحين
رفع وجهه لها و بتساؤل متفاجئ : ينام ؟
ريان وهي مستغربـة من تفاجؤه : ايه أكيد
أبعد عنها : لا بعده ما تكون زين عشان ينام !
ريان : لا خلاص ينام ويصحى و يتحرك
ابتسم إبتسامة خفيفـة : متعبك بالليل و الحين وانتي صاحيـة نايم !
اكتفت بإبتسامة و الدنيا تطير فيها ، للان تحس انها بحلم
سحب كفها من جديد و حضنه بين كفوفـه الكبيره ..
مضـت ربع سـاعه و لا زالوا على وضعهم و السكون و الراحـة تحوم حولهم
قاطع هدوءهم صوت انفتاح الباب الخلفـي ، فزوا كلهم على ورا لكن سرعان ما نطقت منـى : رايحين بالسيارة و انا المسكينة تاركيني ؟
ياسر : ياشين الكسل بس ، ترى كلها خطوتين
منى : والله علّم نفسك انت و زوجتك .. وش موديكم بالسيارة و كلها خطوتين؟
ياسر وهو يحرك السيارة : انتي قلتيها بـنفسكِ انت و زوجتك ، يعني وش حاشرك بيننا؟
نطقت بسرعه : لا بس خفت على ريونتي ، انت تخوف أحياناً
ضحكت ريان ، بينما ياسر اكتفى بإبتسامة
كلها لحظات حتى وصلوا ..
نزلت منى ، بينما ريـان قبل لا تنزل نطق ياسر : لحظـة اصبري - طلع الخاتم من اصبعه الخنصر ، مده لها وهو يقول : هالمرة بتكونين قد انك تاخذين هالخاتم او مثل اللي قبلها!
ريـان بثقة عميقة أخذته و لبسته بإبهامها : قـده يا ياسر ، و الايام بتثبت
طلعت من السيارة و دخلت المدرسـة و الإبتسـامة مشرقة بوجهها ..
نطقت منـى وهي واقفة مع ريان و ميرا و تالا : اليوم الوجيه متغيرة ، مو نفس الاسابيع اللي مضت !
تالا بتفحص لـ وجه ريان : ايه ماشاء الله اول مرة أشوف وجهها كذا منور
ريان بـ ضحكة : اللهم لا حسـد
ميرا بإبتسامة واسعه : تصالحت مع نفسي الحمدلله ، احس اني مبسوطة و راضيه عن نفسي
ريان بتعقيب : الحمدلله ، الظاهر انه يوم الصلح - نقلت عيونها لـ تالا اللي أبعد ما تكون عن البهجـة - إلا تالا الظاهر لسى ما أمداها تتصالح مع نفسها
تابعت ميرا بغمزة وعينها على تالا : حبيب الألب جاء قبل أمس
ناظرت لها بإستخفاف تالا ، و بتقليد لـ ميرا : حبيب الألب جاء قبل أمس - وبنرفزة وهي تلبس ساعتها - تصطفلين انتِ و حبيب القلب
منى بضحكة : لا لا الظاهر الوضع صعب
ما عطتها وجه ، و بالوقت نفسـه دخلت ملاك المدرسـة و توجهت لهم وهي تفسخ عبايتها ..
نطقت منى : لا الظاهر مو بس تالا ، حتى الاخت الثانية
ريان : هذي هي اللي بالاسابيع الماضية متصالحة مع نفسها .. الظاهر صكيناها عين !
ابتسمت إبتسامة خفيفـة مغصوبـة وهي تسلم عليهم
نطقت ميرا بعد ما حضنتها : ليش ما جيتي أمس زواج شادن ؟
ملاك : كنت تعبانة
نطقوا بوقت واحد : لا يكون حامل !
اكتفت ترمي عليهم نظرة و لا علقت
*
# عالساعة 8 الصبـح
تركي : هاه جاهزة ؟
نطقت وهي تلبس جزمتها : ايه خلاص الحين
وصلهم صوت بندر : قل للعروس لا تستعجل .. على مهلها بدخل أسلم على جدتي
اعتلتها الحمرة ، بينما علق تركي بضحكة : الله يديم الفرحة ، تصدقين اول مرة اشوف بندر هالكثر مبسوط
ابتسمت بخجل و جلست تنتظر عالكنبة
قبّل جبينها بإبتسامة و جلس على طرف السرير ، مسك كفها وهو يقول : نفذت اللي تمنيتيه ، والحمدلله .. متأكد اني مابندم بيوم من الأيام
جدته منيرة ، و الطمأنينة تسري بلامحمها ابتسمت .. و بصعوبـة بالغه نطقت : أأمـ..ـانـ..ـة بـ..نتـ..ـي
شد على كفها وقبلها : شوق أمانه برقبتي لا تحاتين و لا تشيلين هم ، والله ما أضيمها و بتبقى بعيني طول ما أنا عايش
ناظرت له بنظرة قلق و كأنها تطلب التأكيد ، ابتسم يطمنها : والله وهذا وعد قدام ربي مهما حصل بتبقى تحت عيني و رعايتي!
انتشرت الراحـة على ملامحها و الابتسامة الخفيفة تعتليها
وقف : يللا عن اذنك يالغالية تأخرت عليهم
طبع قبلة على راسها و كفها و طلع
توجّـه لـ سيارته مكان ما كانوا متجمعين أحمد و تركي و بدر و شـوق
فتح له باب السيارة بدر و هو يقول : العريس أولاً
ابتسم بندر و ركب السيارة
أما أحمد كان واقف على جنب و يجري اتصال ..
نطق تركي : أحمد مهوب وقتك ، اترك اتصالاتك بعدين
تنهد أحمد و توجه لسيارة بندر و مجرد ما فتح الباب وصله اتصال ، قفل الباب و رد وهو برا السيارة : ايوه هلا ... ليه ما ترد ... ايه خلاص الحين رايحين المحكمة ... يعني مابتقدر تحضر ؟ ... بس انت ابوها يا محمد ! .... اوكي بنلقاه عند المحكمة... اوكي خلاص مع السلامة
وصله صوت بندر واقف جنب السيارة : أحمد مين هذا ؟
أخذ نفس عميق وهو عارف انه بيدخل بنقاش طويل مو وقته : مثل ماسمعت ، محمد ابو شوق
بانت على ملامح بندر و بدر و تركي الصدمة الشديدة وهم يسمعون
تابع أحمد : جاي للسعودية عشان عقد بنته .. و لحد يتفلسف على راسي الحين
نطق بندر بانفعال : وشو ؟ بنته ؟ زين انه تذكر الحين ان عنده بنت!
أحمد : بندر منيب فايق لك الحين ، و الرجال عنده أسبابه ، تعوذ من الشيطان و يللا قدامي عالسيارة
بهالوقت سمعوا صوت انفتاح السيارة ، طلعت شوق من السيارة و بسرعه البرق دخلت داخل الفيلا.
لحقها تركي ، بينما احمد نطق : لا حول و لا قوة الا بالله ! احنا ناقصين الحين - و توجه لداخل الفيلا
نطق بدر : أما عاد وش جابه بعد كل هالسنين !
بندر بقهر : والله لا يحلم بظفر بنته ، بعد كل هالسنين يجي يسأل عنها !
بدر ولازال مصدوم ، نطق : انت بس هدي نفسك ، محد بياخذها منك .. - جلس عالدرج بجنب اخوه - وش هالنكبة اللي نزلت علينا !
بندر بضيق : ليه ما علموني قبل ، مو كذا يحطونا قدام المدفع بوقت عقدنا .. الحين خرب كل شي !
تنهّد بدر وهو يفكر بالفاجعه اللي نزلت عليهم
طلع تركي و بوجه قلقان : مو راضيه تفتح الباب ، اخاف انخفض عندها الضغط
مسح وجهه بندر بهم : شف لي طريق تركي
خلال ثواني ، كان واقف قدام باب غرفة شوق المقفل و بصوت هادي : شوق افتحي الباب ، انا بندر .... شوق مايصير تسوين بنفسك كذا - التفت على تركي بقلق - لا يكون فقدت الوعي
تقدم تركي و مجّرد ما جا يبي يدف الباب ، وصله صوتها : اتركوني وحدي
تنهد بندر و بهداوة : مابتركك ، افتحي الباب يا شـوق
و بعد سلسلة رجاءات طويلة .. دامت لـ نصف ساعه ، أخيراً انفتح الباب و قبل حتى لا يلمحونها دخلت الغرفـة تاركة الباب مفتوح
وقف بندر و نقل عيونـه لـ تركي يحثّه يقوم معه .. دخل تركي غرفتها و بعده بـ ثواني لحقه بندر .
الغريب بالموضوع ان ملامحها كانت جامدة و لا تدل على انها نزّلت دمعة وحدة ..
نطقت أخيراً وهي ما زالت بـ عبايتها و طرحتها و عينها عالارض : ممكن أكلم بندر شوي
بندر اللي كان بأبعد نقطة عنها بالغرفة اكتفى بـرفع بصره لـ تركي اللي تنهّد وهو ينقل نظـره بينهم ، طلع من الغرفـة تارك الباب مفتوح و جلس بالصالة الصغيرة الي قدام الغرفـة
مجرد ما طلع ، نطق بندر : شـوق
ما طلعت منها أية ردة فعل بينما هو تابع : تثقين فيني ؟
رفعت نظرها بتردد كبير و لا علّقت ..
بندر : جاوبيني ، تثقيـن فيني أو لا ؟
هزت راسها إيجاب و التزمت الصمت من جديد
بنبرة ثقــة : أجل حطي ببالك ، اللي تآمرين عليه يتنفّــذ
نطقت أخيراً بصوت خفيف : مابي أشوف أبوي !
بندر : والله ما تشوفينـه إلا برضاك
تابعت : و لا أبـي أعيش عنده
بإبتسامة واسعه : أكيد ، بتعيشين عندي .. إلا إذا انتي تبين نأجّل العقد بتعيشين عند جدي طبعاً ، و حطّي ببالك ان أهلك احنا مهما صار انتي بنتنا
رفعت نظرها بتشكيك .. و بتأكيد منه : والله اللي تبينه لك - و بعد فترة نطق - ما يحتاج نأجّل العقد صح ؟
سكتت شوي و بالنهاية هزت راسها إيجاب
وقف : تامرين على شي ثاني ؟
بهمس بالكاد يطلع : لا
بندر : نروح الحين للشيخ ؟
وقفت و لبست نقابها .. بينما بندر طلع من الغرفـة و نزل للأسفل مكان ما كان أحمد جالس مع بدر بالمجلس الداخلي : يللا مشينا
رفع راسه أحمد و بقلق : وش صار؟
بندر : ما يحتاج نتناقش الحين أجلها لبعد العقد
زفر بضيق أحمد و وقف مع بدر و تركي ،
طلعوا لـ سياراتهم و توجهوا أخيراً للمحكمـة .
نزلوا من السيارات و وقتها هبط قلب شـوق وهي تشوف السيارة اللي قدام سيارتهم واقفة .. لحظات حتى طلع منها شاب صغير
هنا شـوق حست الدنيا تدور فيها و عينها تلقائياً تنتقل له ، هالولد نفسـه اللي دايم كان يلاحقها و مسكها مرة وهي طالعه مع ميرا للسـوق.. وش جابه ؟ يبغـى يسوي مشكلة و لا وش بالضبط ؟
و سـرعان مابققت عيونها وهي تشوف * أحمد * يتوجّـه له و يسلم عليه و صوته الواضح يوصل لهم : نـواف و لا رواف ؟
ابتسم بعذوبـة : نواف عمــي
تقدم لهم و سلّـم على باقي الشباب
بندر بهمس لأحمد : مين ذا يا أحمد؟
أحمد بنفس الهمس : نـواف ، ولد محمـد
شـوق كان قلبها يرجف بـ شدة من مفاجاءات اليوم ، و الخوف يزيد من هالولد خاصةً بعد ما حست انه يعرف أحمد.
تركي مسك كفها : يللا شــوق
بهمس مضطرب نطقت وهي تمشي بجنبه بينما البقية قدامهم : مين هذا ؟
تركي : مو فاهم شي شوق ، خلينا بس نعقد و بعدها نتفاهم مع أحمد
مضى الوقت طويل على قلب شـوق و أخيرا تم العقــد ..
نزلوا من المحكمة بـ سلام و للآن شوق مو فاهمـة سالفة هالولد اللي حظر العقد.
بندر فتـح الباب الأمامي لها و بإبتسامة واسعه : تفضلي شوق .
ركبت و لحقها بندر بعد ما اتفق مع أحمد انه يوصلها بنفسـه
و أحمد و نـواف ركبوا مع بعض ، بينما بدر و تركي راحوا وحدهم
بدر بتنهيده : الحين ليش كذا فاجؤونا ، أحمد ليش ما تكلم من اول و هيأ لنا الموضوع.
تركي : اي والله هذا احنا انصدمنا أجل شوق وش وضعها؟
بدر بإبتسامة سخريـة : لا وفوق ذا يطلع متزوج من زمان و عنده عيال بعمر اختهم !
تركي زفر : الله يمشي الامور بـ سلام
بدر بعد صمت نطق وهو يلاحظ الطريق : مو من هنا الطريق شفيك!
تركي : ادري ، بس بروح استأذن للبنات ، رايحين عشان اختبار و قايلين يبون أحد يمرهم قبل الساعه عشر
سكت بدر و لا علق
قبل بـ نص ساعه ..
تالا و ميـرا وهم يمشون استوقفتهم الاداريـة : ميـرا يا أمي فاضيين؟
ميرا : ايه فاضيين استاذة تامرين على شي؟
الاستاذة وهي تدخل للغرفـة : تعالي شوي
دخلت ميرا بينما تالا نطقت : انا مو فاضيـة يكرفوني ، بروح أنام - ورجعت للفصل -
سلمت الاستاذة لـ ميرا مفتاح و مجموعة ملفات : هذا مفتاح المستودع ، انزلي و حطي هالملفات داخله
ميرا وهي تاخذهم : ان شاء الله .
نزلت و توجهت للمستودع المنعزل نوعاً ما ، فتحتـه و دخلت داخل و ارتد الباب وراها و ما انتبهت ان المفتاح تركته بالخارج .
تعدت القسم الاول من المستودع و هو عبـارة عن غرفة الكهرباء - كل الكهرباء و الاسلاك المتواجدة في المجمع الكبير أصلها من هذي الغرفـة -
دخلت للباب الثاني المفتوح وهو المستودع اللي فيه الملفات و الاشياء القديمة اللي مايحتاجونها .
- بـرا المستودع ، مـرّت وحدة من المعلمات و استغربت من المفتاح اللي موجود عالباب ، تقدمت و قفلته و أخذت المفتاح و راحت.
- بعد مرور حـوالي ربع سـاعه ..
تالا اللي كانت جـالسـة بـ غرفة التدبير تنتظر رجوع ميـرا .. زفرت : اففف طولت
و كـون ان منـى و ملاك داخلات - الفنيـة - حست بالطفش وهي وحدها ، حطت راسها عالطاولة ناوية تنام .. لكن كلها دقيقتين و وصلهم صوت هـز المدرسـة ، و لحقها أصوات صراخ عالي .. لا إراديـاً وقفت بخوف و معها كل الطالبات يصارخون وهم مو عارفين وش السالفه
نطقت المعلمة بـلا مبالاه : تلقونه حادث قريب من المدرسـة.. اتركوا الدلع وكل وحدة تجلس مكانها أشوف
ثواني و رجع الصوت على أخف و صراخ البنات يزيد ، بهالوقت محد انتظر كلام المعلمة و كل من بالمكان نزل حتى المعلمة نفسها .
بإستثناء تالا و طالبات قليل .. نطقت وحدة بسخريـة : دلوعات بنات مدرستنا على أي شي يصارخون!
فجـأه تعالت هتافات البنات من جديد..
وقفت تالا عند الباب و هالها المنظر اللي تشوفـه!
البنات من كل صوب يتراكضون و يصيحـون و رائحـة الكهرباء تنتشر بالمكان !
لفت عالبنات اللي معها : الظاهر التماس ، قوموا انزلوا بسرعـ..
ما امداها تنهي كلمتها إلا و اللون الأحمر يطغـى عالغرفـة و الصوت يزلزل المكان و فجــأة النيران احتلت المكان!
بهالوقت حست نفسها بـ كابوس ما استوعبت شي ، تحس الدنيا واقفة.. و من جهة ثانية البنات يدفونها من كل مكان
و خلال لحظـات انقلب الدور العلوي إلـى جحيم
فجـأه صرخت من بين البنات و كأنها للتو تستوعب : ميــــرااااااااا
من بين الدخان الاسود الكثيف ظهرت ريــان لها و وجهها لا يـقل خوف عن وجه تالا..
بدون شعور توجهوا لـ بعض و تماسكوا ، نطقت ريان و الاختناق يزيد عليها : مـنى وينها؟ البنات وينهم؟
تالا من صدمتها الشديدة ما قدرت تنطق بأي شي
- بالأسفـل ،
قبل دقايق..
ملاك وقفت بتعب و هي تناظر جزء من رسمتها اللي عالجدار : كذا زينـة؟
منى وهي ماسكة لها علب الالوان : بس احسها خفيفـة بعد يحتاج لها تغميق
ما نطقت ملاك و سوت اللي قالته ملاك ، منـى بعد صمت : امممم مابتقولين وش فيك؟
استمرت على صمتها ملاك و لا نطقت
منى : على راحتك ما بضغط عليك ، بس .. والله محد يستاهل
لفـوا عالبنت اللي ترسم معهم : بنات محد يشم ريحة كهربا ؟
تهافتت اصوات البنات : إلا في.. تتوهمون.. في بس خفيفـة
و سـرعان ما بدت صرخاتهم تتفاوت و كلهم يطلعون من الساحة الداخلية إلى الساحة الخارجيـة عند الباب
منى بخوف : لا يكون بنحترق بس
ملاك بلا مبالاه : لا بس يمكن فيه التماس خفيف!
تجمعوا بنات الفنية مع بعض قريب من الباب تحسباً لأي ظرف طارئ
نطقت منـى وهي تبعد عنهم : ياويلي بروح الحق ريان و باقي البنات
نطقت وحدة من البنات : يا غبية تخيلي يكون في جد حريق
ملاك تقدمت معها : لا مافي شي انتم تتخايلون ، يللا منى
دخلوا داخل و الريحة تزيد ، نطقت منى بخوف : إلا والله الظاهر حريق!
ملاك طلعت اول درجتين : انا بشوف ميرا و تالا و انتي روحي لـ ريان
مجرد ما طلعت ملاك الدور العلوي ، تقدمت منـى ناوية تروح للجهة الثانية.. لكن مجرد ما خطت خطوة وحدة اندلعت النيران قدامها و صوت الانفجار متزامن مع صراخ البنات
-
بالأعلـى
جلست ريان على ركبها متجاهلة ألم البنات اللي يدفونها و يدعسونها .. سعلت بشـدة و تنفسها يصعب تحس روحها تطلع
تالا تمسكت فيها بخوف : ريان يللا قومي بسرعه لا نحترق
ريان بصعوبة حاولت تبعد تالا عنها : مـ..ـقدر ! روحـ...ـي انتـ..ـي!
تالا وهي ما تشوف شي قدامها صارخت وهي تشوف الدم اللي ينزل من جوف ريان : ريــااااااان
جلست بجنبها : شفيك
دوى من جديد صوت آخر ينبئ عن انفجار لآخر المكيفات بالدور العلوي .. بخوف ضمـوا بعض و بصعوبة وقفت ريان
لكن ما قدرت تكمّل و طاحت قريب من الدرج فاقدة الوعي ، مسكت كفها تالا : ريـااان يلله قومي
تدافعوا عليهم البنات ينزلون من الدرج ، و من الزحمة الشديدة انسحبت ريان بشدة لآخر الدرج .. صارخت تالا وهي تشدها أكثر لها لكن اندفاع البنات أقوى و كلها لحظات حتى اختفت ريان من قدام عيونها ..
جلست تالا بقلة حيلة على اطراف رجولها ، ويدينها على وجهها .. ثواني مرت فيها كل شريط حياتها ، بكت بكت بـ شدة وهي تستشعر انها تعيش آخر لحظات عمرها !
أبوها ، أمها ، جدها ، ميـرا ، شوق ، بدر ، تركـي ، شادن ، ريان ، بندر ، راكان ، منـى ، مـلاك ، رائد ، جواد ، حصـة ، سحر ، عمامها ، شهد ، معلماتها ، زميـلاتها بكل مراحلها ، حتـى سواق سحـر طرى ببالها!
للحظات ، تمنت لو الله يهديها لو يوم واحـد .. تصلح من كل أخطاءها ، و تبوس راس أبوها ..
تحس الموت يمشي قدامها و هي عاجزة حتى عن المشي !
*
تركي و بدر
نطق تركي بعقدة حواحبه : الظاهر في حريق!
بدر رفع عينه لـ الدخان المتصاعد : وقوي بعد - نطق بسرعه وهو يلتفت على تركي - لا تكون المدرسة بس!
تركي : لا ما أعتقد ، لا تتفـاول بالشر .. - سكت شوي و تابع - او لا يكون بيت أم رائد
بدر : اعوذ بالله ، تلقاه مطعم من هالمطاعم
دخلوا الشارع و الزحمة تزيد ، وقف السيارة تركي : الدفاع المدني هنا .. و الطرق مقفلة
فتح باب السيارة بدر : بشوف وش صاير
طلع بينما تركي راحَ يوقف السيارة
كلها دقيقتين حتى هاله المنظر اللي يشـوفـه .. لولهة حسّ الدنيا توقف قدام عيونـه ..
غمّض عيـونه الثنتين و تنفسـه يضيق وهو يـشوف البنات اللي بالأدوار العلويـة كيف يقفزون لـ تحت خوفـاً من النار اللي تزيد إشتعالها بـ كل مكان ..
فجأة و بدون وعـي لقـى نفسـه يركض لـ داخل مع مجموعه الرجال اللي دخلوا يساعدون و يساندون رجال الدفاع المدني .
فقد إحساسـه الداخلي و كل اللي يحس فيه و يشوفـه قدام عيونه - صورتـها و ضحكتها - بلا شعور صار يتمتم * يـارب لا تفجع قلبـي فيها * .
-
بـ الدور الثاني اللي أغلب أجزاءه أكلتها النيران.
وقفت بـ إستسلام تام وهي تشوف النيران تحيطها من كل مكان ، هي و مجموعـة البنات اللي معها
غمضت بـ توديع للـحياة و هي تنطق الشهادة بصوت عالي مع أصوات البنات اللي يرددون معها..
بكت بـ خوف / رجاء و هي تشوف البنات وحدة ورى الثانيـة يقفزون بلا وعـي وهدفهم بس يهربون من الجحيـم اللي قدّامهم
صحت على صوت صراخ آخر بنت بالدور الثاني وهي واقفة على الجدار : ملااااااك يـللاااا بســـرعه وش تنتظرين بتموتين!
غطت آذانها رافضـة الواقع المرير .. مع أصوات الصراخ و النداءات المتكررة ، تقدّمت بـ شجاعة ضئيلة و تسلّقت الجدار القصير
مجرّد ما طاحت عينها عالأسفل انتابها خوف شديد من علو المكان ، وصلتها أصوات الرجال تحت وهم يشجعونها تنزل و بعد تردد كبير غمضّت عيونها و سلّمت جسـدها للهواء !
-
ضمّت رجولها بإستسلام و إحساسها تبلّد ، ماعاد يهمّها وش بيصير .. كل اللي تفكر فيه انها الحين تعيش آخر لحظات عمرها !
هاجمتها صورة ريـان وهي تطيح من بين يدينها و الدم يلطّخها ، ارتجفت بـ خوف ودموعها تنساب ..
رفعت راسها بدون وعي على الصـوت البعيـد اللي يناديها ، لكن اول ما طاحت عيونها عليه هو الجدار اللي تشوفه قدام عيونها ينهار ناحيتـها .. غمضت بـشدة متصورة ان أجلها قدامها .
لكن للحظـة حست نفسها تنسحـب بشدة لدرجة انها تطيـر !
كل اللي جـاء ببالها ان هذي روحها طـارت لـ بعيد ، لكن العطر القوي المخلـّد بداخلها تحسه يخترقها بـقوة .. رغم هذا خوفها الشديد منعها من انها تفتح عيونها
مضى زمــن طويل على قلبها ما تعرف وش صار خلالـه ليـن أخيراً حست أقدامها تتثبت عالأرض و تسقط على ركبها و يدينها ما زالت محاوطة الجسد اللي طاح معها.
فتحت عيونها أخيراً و عادت لها الحيـاة تدريجياً وهي تشـوف وجـه " البـدر " مقابل وجهها بالضبط ولا يفصلهم شي!
ضلّت على وضعها لـ فترة لين استوعبت أخيراً ، دفنت وجهها على كتفـه وهي تبكـي بشدة وخـوف ..
ارتفعت ذراعه بصعوبـة و حوّطها وهو يمسح على ظهرها ، نطق بـ تعب شديد : تـالا... يابعد عمري ، خلاص لاتبكين شفينا طلعنا و بعـدنا.
تشبثت فيه بـ قوة أكبر تدوّر عالأمان اللي فقدتـه ، الكلام كان أصعب من انه يطلع منها!
استعدل بدر و بصعـوبة وقف ووقفها معاه ، حاوطها بطريقـة يحاول يسترها .. خطـى خطوتين ووقف ، نطق بصوت خفيف : تالا ، ادخلي المسجد ، هنا مجمعين البنات .. شوي و برجع لك
هزّت راسها أخيرا علامة الايجاب ..
طلع من جيبه الجوال ، حطـه بكفها و نطق : بتصل عليك من جوال تركي .. مارح أطول.
أخذت الجوال و اكتفت بمسح دموعها ، دخلت داخل المسجد اللي كان مكتظ بكثير من البنات و المعلمات .
ومجرد ما تسندت عالجدار بتعب وصلها صوت باكي : تــــالا ؟؟؟
لفّت بسرعه عالصوت و مجرد ما شافت منى قدام عيونها ، ارتمت بحضنها منى وهي تبكي بشدة و تتمتم بـ كلام غير مفهوم.
تالا اللي استمدت قليل من القوة بحضن البدر ، ضمتها بخفة وهي تطبطب على ظهرها.
منـى ببكاء : ريــان وين ؟ ملاك وينها ؟ وشوق و ميـرا! والله اموووت لو صار لريان شي
-
تسنّد بدر بتعب عالجدار و تنفسـه يضيق أكثر و أكثر ، كميـة الدخان اللي استنشقه كبيرة و مع مرضـه بالربو زاد عليه أكثر! ، لف على صوت تركي : بــدر؟ - تقدم عنده وبخوف - وين البنات؟
بدر : تالا بخير وصلتها المسجد ، بس ... ميرا ماشفتها !
تركي فتح ازرار ثوبـه بضيق : خلاص أخلوا المكان ، محد موجود بالمدرسة .. و المصابات نقلوهم المستشفى ... اسال تالا أكيد ميرا بالمسجد ، وانا بروح للمستشفى يمكنها مع المصابات!
هز راسه بدر بينما تركي انطلق بسيارته ..
وقف بتعب ، وتوجّـه للـ مسجد .. دق على جواله و كلها أقل من لحظة حتى ردت عليه : اطلعي انا قدام المسجد.
انتظر لثواني واخيراً شافها قدامـه بالعباية و بجنبها بنت تمشي ، و بلا وعي نطق بفرحـة : ميرا؟
سكتت تالا شوي و نطقت بغصـة : لأ ، ميرا مو موجودة يابدر
رفع حاجب و بخوف : شلون مو موجودة؟ - لكن سرعان ما نطق وهو يحسها تبكي هي والبنت اللي معها - أكيد انها بالمستشفى ، يمكن بس صابها كسر و لا شي
مسك كفها : بوصلك البيت و تطمني اكيد انها بخير
نطقت بسرعه : لأ ، وصلنا المستشفى .. تكفى بنتطمن
بإصرار : تالا مايصير ، المستشفى الحين زحمة و مابتقدرون .. بوصلكم البيت ترتاحون ووعـد أجي و آخذكم
و فعلاً وصلهم بالتاكسي لبيت الجد و انطلق للمستشفـى.
*
بـ عالم آخـر بعيد جداً عن عالمهم
شد على كفها الناعمة : مثل ما وعدتك !
ابتسمت بطمأنينـة ، نطقت وهي تفتح باب السيارة : شكراً بندر.
اكتفى بإبتسامة و السعادة تغمره خاصةً انه بهالساعه قدر يكسب ثقتها فيه ..
مجرد ما طلعت و دخلت بيت جده .. تنهد بـ عمق ، كان يتمنى يقضي وقت معها مثل أي خطيبين ، لكن ظهور أبوها فجأه قلب الميزان!
*
بأحد المستشفيات الحكوميـة بالعاصمـة الرياض
جلس بجنب أمه بـ قلق شديد ، خاصـة بعد ما خبـّره الدكتور بـ تدهور حالتها .. ابتسم بهداوة وهو يشوف بنته - تالا - تناظره بـ كل براءة و تضحك ، ضمّها بخفـة و شـوقه يزيد لـ المولود المنتظر بـ بطن ريـان .. وعد نفسه ينسى الماضي و يعطي لـ حياته فرصـة جديدة !
رفع راسـه لـ الفوضـى اللي عمت المستشفـى فجأه : وش صاير؟
أم ياسر : الله يستر
وقف و هو يشوف مجموعة المسعفين اللي اقتحموا المستشفى ، و سرعان ما فتّح عيـونه وهو يشوف * الجثـة المحروقـة * و تليها كثير من الاجساد المشوهة بالحروق
عقّد حواجبـه بضيق و تمتم : لا إله الله - التفت على أمه اللي ضاق صدرها بـ شدة .. شال بنته على كتفـه و سحب كرسي أمه و المنظر اللي شافه عالق بباله..
طلع من المستشفى بصعوبـة بسبب الزحمة ، وصّل أمه و بنته لـ سيارته و توجّه لداخل المستشفى ياخذ نتايج تحليلات أمه .
أثناء ماهو داخل وصله أصوات بعض الرجال الي يتكلمون عن حادثـة الحريق : يقولون انها مجمع ، بس الظاهر اللي تأثرت بالحريق ثانوية و الابتدائي و المتوسط ماجاهم كثير!
انقبض قلبـه و هو يسمع كلامهم ، و ما أمداه يخطي خطوتين إلا و المسعفين يدخلون من الباب وهم شايلين سرير متحرك فوقـه - بنت ، مغطيتها أجهزه الاكسجين ..
مجرد ما عبروا جنبه ، وقف قلبـه للحظـة وهو يلمح وجهها .. صرخ بلا شعور وهو يلحقهم : ريــااااااان !
ما أمداه يوصل لهم إلا وهم مدخلينها أحد الغرف الكبيرة و يشيلونها فوق واحد من الأسرة بجنب مجموعـة بنات ..
و مع الفوضـى الكبيرة اللي حاصلة بالمستشفى ، قدر يدخل للغرفـة .. توجه لها و بلا وعـي صار يضرب على خدها بخفيف : ريـان ، تسمعيني.. ردي علي !
أبعدوه الممرضين بصعوبـة و هم يحاولون يهدونـه .. : لا تخاف بس اختناق بسيط الحين بتوعـى!
و بصعوبـة قدروا رجال الامن يطلعونه هو و مجموعـة الناس اللي معاه .
*
بنفس المكان
جلس بتعب و خوفـه يزيد ، لف على كل المصابات وحدة وحدة و ما كان لها أي أثر ! ، وين بتكون ؟
يارب لا تفجعنا فيها ، يارب لا تفجع قلب أبوها !
رفع راسـه على صوت راكان : وين هي؟
زفر تركي بضيق : مو موجودة هنا ، و لا حتى مع البنات السليمات !
فقد اعصابه راكان و بعدم استيعاب : شلووون مو موجودة ؟ تستهبل انت ! ، يعني انشقت الارض و بلعتها !
وقف تركي ومسك راكان يحاول يهديه : اصبر لين تهدا الاوضاع ، اكيد انها هنا بس مع الفوضى مو لاقينها
ابعده عنه بعصبية شديدة : شلون تبيني اهدا ، مجنون انت !
دف تركي ، و توجّه للغرف يدور عنها مثل المجنون !
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل الثاني وأربعون 42 - بقلم HaboOoshy
بعد مرور ثلاثة أسابيع :-
مضت ثلاث أسابيع وهي تنعم بحنان أبوها ودلال أخوانها ومحبة زوجة أبوها .. ثلاثة أسابيع كانت كفيلة بإنها تنسيها كل سنين البعد والغربة ، طلبت تبرير لغيابه عنها كل هالسنين لكن ما لقت الجواب الشافي .. تعذر لها بعمل طارئ اضطره يطلع بهدوء من بلده من دونها ! ، ترجاها تنسى كل شي وتبدأ من جديد ، وعدها مايبعد عنها ويبقى سندها .. اطمأنت لوعوده وتناست ألمها ،
من أسبوعين سافرت برحلة استجمامية وعائلية لتنعم بقرب العائلة أخيرًا ..
كانت جالسة بكوفي صغير قريب من فندقهم بصحبة أخوها نواف ، أخوها اللي عوضها عن كل اللي فاتها .. ضحكت بنشاط وهي تضرب كفه : بس يكفي ، يعني ماتستحي وأنت تحكي لي عن مغامراتك العاطفية ! هذا وأنت لسى صغير !
باعتراض وهو يرتشف قهوته الباردة : أنا صغير ؟ تراني بعمرك على فكرة !
بإصرار : ايه صغير نواف ، الشاب يبقى صغير لين يتخرج من الجامعة ، وقتها ممكن يعقل
باستسلام : اوكي أوافقك الرأي بهالنقطة .
رفعت راسها للي دخل الكوفي وواضح إنه مو منتبه لهم ، تقدم يبي يجلس لكن فجأة طاحت عينه عليهم .. هي توترت وابتسمت بهدوء ، لاحظها نواف ولف وراه ، شاف أخوه التوأم رواف وهو يناظرهم بتعقيدة حواجب ، ابتسم وهو يأشر بيده : صباح الخير .. تعال رواف اشرب قهوتك معنا .
رواف بضيق تقدم وجلس بوسطهم مجبر بدون ما ينطق بكلمة .
نواف وهو يشوف الجو متوتر بين أخوانه ، طلب لأخوه قهوته المرة المفضلة : اطلب اللي تبي رواف ، اليوم معزومين على حساب شوق .
رواف بصوته المنخفض : تسلم
شوق وهي تحاول تكسر الحاجز اللي بينها وبين اخوها : الله يسلمك ، تعبان رواف ؟
رواف من دون ما يناظرها : لا بس شوي راسي يعورني
مضى الوقت بطيء وهو يشرب قهوته مجاملة ومجرد ما انتهى من كوبه طلع .
نواف لاحظ الضيق بوجه شوق : هو كذا .. هذا طبعه لا تشيلين بخاطرك
شوق بضيق : ما أعرف ليش يعاملني كذا ، ما أحس إنه أخوي مثلك .. أنت من أول ليلة قضيتها ببيتكم وحسيت إني أعرفك من زمان !
نواف : رواف هذا طبعه مع الكل ما يتأقلم بسرعة .. أصحابه بإيطاليا معدودين وشبه معدومين ، تقدرين تقولين ما يعرف غيري !
شوق بتقطيبة حواجب : سبحان اللي خلقكم توأم
مجرد ما انهت كلمتها وصلها صوت رسالة نصية ، فتحتها وتوردت خدودها بربكة
نواف بضحكة : الخطيب الحبيب ؟
ابتسمت وهي تقفل الجوال : ايه
بحسرة نواف : عاد خسارة والله تتزوجين بهالسرعة واحنا مابعد شبعنا منك ، مو معقول الأسبوع الجاي زواجك
ابتسمت : ما ببعد عنكم ، بس بنتقل لبيت ثاني .. بندر متوعدني لو فكرت أأجل الزواج .
زفر بصوت عالي : لنا الله !
*
بالرياض :-
دخل بيت جده بعد دوام متعب ، توجه للمجلس الخارجي اللي مجتمعين فيه عيال عمه
عمه يوسف : أشوف حيلك مهدود بدر !
بدر وهو يفصخ شماغه ويفتح أزارير ثوبه : الله وكيلك فوق المهدود .. - وبتهديد رفع أصبعه - بس من الحين أقولكم إجازتي تبدأ بعد يومين ! زواجي الأسبوع الجاي ومازلت أكرف ياظلمة !
رائد بابتسامة : تطمن ، احنا ما صدقنا يتحدد هالزواج اللي بلشتنا فيه من صغرك !
ابتسم ابتسامة واسعة وهو ينقل بصره لأخوه بندر اللي تكلم بضيق : بعد أسبوع زواجي والعروس للحين ما شرفت ! كأن أبوها ماخذ راحته شوي !
ضحك لبندر : استهدي بالله مارح يخطفها
تركي : صحيح شلونها مع أهلها ؟ كلمتها قريب ؟
بندر ومازال الضيق بوجهه : أمس مكلمها وواضح إنها موب يمي أبد ، مرة مستانسة مع أهلها .. بس زين رحلتهم للرياض بعد بكرة
أحمد بابتسامة : الحمدلله هذا المهم ، مانبي غير راحتها والله .. -التفت لبدر وباستفسار - شلونها دانة مع الجلسات ؟
مجرد ما نطق باسمها نقل نظره لعمه تركي اللي تكهرب من الطاري بدون أي تعليق : الحمدلله أمورها تمام وتجاوبها سريع بشكل ما توقعته ، رجعة معارفها ردت لها الروح وبدت تسترجع كثير أشياء .
رائد : يا صغر الدنيا بس ، أجل خوينا وليد تطلع دانة خالته من الرضاعة !
بندر : سبحان الله أحيانًا الرضاعة اللي دايمًا أوقف ضدها يطلع منها خير ، المسكينة كان مالها أهل لو ما تمت هالرضاعة .
تركي أخيرًا تكلم وهو يوقف : الحمدلله رجعوا لها أهلها وحلينا العقد اللي بيننا ، ماعاد يحتاج تزيدون بطاريها ترى يجيب لي الضيقة
أحمد بتفهم : الحمدلله ، وقفتك مع البنت بأزمتها ما ينكرها أحد ومأجور عليها إن شاء الله
رائد وقف يلحق تركي : أنا رايح لأمي أشوف ميرا ، تخاويني ؟
تركي هز راسه ولحقه .
-
بمكتب المسؤول ، انتهى اجتماعهم وطلع بضيق شديد .. توجه لبراد المويا القريب وأروى جفافه ، التفت للي وقف وراه ويقوله : راكان ، استغفر ربك .. ترى الضيقة واضحة عليك ، حاول تضبط نفسك !
راكان بثقل كبير : يا خوي شلون تبيني أهدأ ؟
صديقه عبدالرحمن جره لداخل مكتبه وهو يتلفت : قصر صوتك ، مو زين يلاحظون إنك متضايق من الموضوع !
راكان جلس على الكرسي بهم : ولده زواجه بعد كم يوم ، وتعرف .. العروس أختي ، مابي يصير شي وتنهدم فرحتهم ، أقلها يعدي الزواج على خير وبعدها نشوف للموضوع
عبدالرحمن بحزم : راكان .. تعرف هالمواضيع مافيها عواطف ، هذا وطن ومسؤولية .. لو كان المطلوب أخوك من لحمك ودمك تجيبه وأنت مغمض عيونك ! ، وتعرف الحجز في مصلحة المخطئ ومصلحة كل نفس في هذي الأرض
راكان تنهد يزيح الهم : طبعًا ، ما ينكر هالشي أحد .. وأعرف إذا تأخرنا يوم فاحنا نهدم اللي نبنيه من زمان .
اندق الباب ، عبدالرحمن : بعدين نكمل موضوعنا .. لا تشيل هم ممكن ما يصير شي إلا عقب شهر -وبصوت عالي - تفضل
خرج راكان بعد ما دخل أحد النقباء على صديقه ، طلع من الدائرة وتوجه لسيارته .. حركها متوجه للبيت ، لكن اتصال وصله من رائد غير وجهته لبيت أم رائد ، عند الحبيبة الغائبة اللي اشتاقها كثير وسهى عنها الفترة الماضية بسبب انشغاله .
20 دقيقة وكان متواجد ببيت عمته ،
تركي بعتاب : وينك ما تنشاف ، أنت شايف كيف أوضاعنا صعبة و بكل برود تبعد ؟!
راكان بضيق : آسف وحقكم علي والله
رائد بتفحص لوجه ولد عمته واللي بحسبة أخوه الصغير : أنت هالفترة مو طبيعي ، فيك شي ؟ فيه مشاكل صايرة فوق اللي عندنا ولا ندري عنها ؟
راكان هز راسه يبعد الشكوك : ولا شي ، بس خويي اللي حكيت لك عنه لسى ما قضت مشكلته.
رائد بتشكيك : بس ؟
راكان بتأكيد : ايه تطمن ... - بعد صمت قصير - بدخل أسلم على ميار ، فيه أحد ؟
تركي وقف : ايه البنات عندها ، الحين بناخذهم وخذ راحتك .
-
بالداخل ، كانوا حولها مجتمعين في محاولة لإخراجها من جو الكآبة المحيط بها ..
تالا اللي كانت جالسة جنبها على السرير : زواجنا الأسبوع الجاي .. أبيك مبتسمة وتضحكين .
ابتسمت ميرا بهدوء تطمنها ..
ريان وقفت وقبلت خدها : يللا نشوفك على خير .. بطلع الحين وبكرة بجيك
هزت راسها إيجاب بإبتسامة ، منى لحقت ريان ..
خلال عشر دقايق فضى المكان من البنات ، تمددت ميرا بتعب وهي تذكر زواج شوق وملاذ وتالا ..نفسيًا غير مستعدة أبدًا ، مافي شي يحمسها غير إنهم خواتها اللي ماجابتهم أمها ، إذا ماشافت يوم فرحهم مين يستاهل تشوفه ؟
انفتح الباب ودخلت أمها : حبيبتي ميرا محتاجة شي ؟ تبيني أساعدك للحمام ؟
ميرا هزت راسها نفي وهي تشكر أمها بداخلها .
ابتسمت أمها بحنان : أجل هذا راكان ولد عمتك جاي يبي يسلم عليك
تغيرت ملامح وجهها بضيق وبسرعة حركت راسها رفض .. أمها بضيق : يمه هو جاي خصيص عشانك ، يبي يشوفك .. بس يسلم عليك ويطلع !
ميرا بإنهاء للنقاش تدثرت بلحافها معلنة رفضها التام .. أم رائد تنهدت بهم : براحتك ، بس هذا راكان .. أخوك .. اللي من ولدتك وأنا مطمنة إنه حولك وبيبقى دايم معك ، بس ما أضغط عليك
طلعت أمها بينما هي تركت العنان لدموعها ، من يوم صارحها بإنه هو مشاري وهي كارهة وجوده .. ماتبي تسمع اسمه ، على مدى سنين تكتشف إنها مستغفلة من أقرب الناس لها ، خسارتها ما كانت خسارة وحدة .. خسرت راكان ومشاري ، الأخ والحبيب !
وصلها صوت هادي ومنخفض : زعلانة ؟
ارتجفت من صوته ، ماتوقعت وجوده .. شالت اللحاف عن وجهها بصدمة وهي تناظره .. هالها منظره ! ما كان راكان المليء بالحياة ، كان شبح بكل بساطة .. ثلاث أسابيع بعد عنها وكأنها 10 سنين .. كبر وكبر جدًا ، الهم والضيقة ماكلته أكل .
جلس على كرسي المكتب وبإبتسامة حنونة : والله لك فقدة ، طمنيني عنك
هي صدت وجهها عنه وهي تكتم عبراتها .. حاول يتناسى كل شي يشغل باله وسلط اهتمامه عليها وكأنها ميرا اللي يعرفها من زمان : أبشرك ، لقيت علاج بألمانيا مضمون .. وأنتِ حالتك على فكرة مو صعبة ، بكل مستشفى فيه علاج لكن المستشفى اللي بألمانيا أضمن ونتيجته أسرع ... بس ينتهي زواج ملاذ والباقيين ونطلع الأوراق وعلى طول نسافر هناك .. شرايك ؟
ميرا الموضوع شدها لكن حاولت ما تبين ..
راكان بتغيير للموضوع وقف ، وأخذ الكيس اللي بجنبه : شوفي وش جبت
رفعت عينها للكيس بتعقيدة حواجب ، تابع : فستانك اللي فصلتيه للزواج - تقدم لها وحطه بجنبها - الحين أبي منك تجهزين وتلبسين عبايتك ، بنروح للسوق مع أمك نخلص اللي ناقصك وناقصها للزواج
كانت بتعترض ، لكنه ما ترك لها المجال وهو يطلع من غرفتها ويقول : من دون رفض .. بسرعة أنتظرك.
-
بأحد الكافيهات ،
جالس ومنشغل بجواله ، تلقائيًا أصبعه تروح لاسمها ( مشاعل ) كانت ( متصل الآن ) ، بخاطره لو يرسل لها كلمة وحدة بس .. يسمع صوتها بتسجيل صوتي ، اشتاق لها كثير ..
انتبه للعيون المحدقة فيه بأسى ، رفع راسه لصديقه " وليد " : شفيك ؟
وليد زفر وهو يتراجع على الكرسي : ولا شي !
يعرف إنه يكذب ، وخوفه الشديد يفضحه .. يخاف يفقد فهد بأي لحظة بعد ما طلعت نتايج التحاليل والمختبرات ..
فهد ابتسم : زين أجل لا تطالع فيني كذا
وليد والهم ياكله على رفيق عمره ، رفيقه اللي ما بقى لهم إلا هم ! ، كل شي حولهم راح ولا يملكون إلا مواساة بعض : فهد .. ماودك تسمع كلامي وتسوي العملية ؟ التأخير مو بصالحنا
فهد عقد حواجبه بضيق : لا وليد ، أنا قايل لك قبل زواج أخوي ماني مسوي شي .. بعدين الحمدلله كنت أتوقع الأسوأ !
وليد بعصبية خفيفة من بروده : توقعت الأسوأ ؟؟ فهد أنت تعرف شنو يعني ورم بالرئة ؟ .. - زفر بعد ما هدأ شوي - وضعك الحين مستقر ، استئصال ينهي الموضوع كله قبل لا ينتشر أكثر !
فهد على هدوئه : تطمن وليد ، بسويها إن شاء الله قريب .. مابقى غير أسبوع على الزواج
وقف وليد : زين خلينا نطلع ، ضقت هنا والله
طلعوا وتوجهوا لسيارة وليد ، تحركوا متجهين للشقة اللي استأجروها ..
وليد بعدما قاطع صمتهم : فهد ... إذا سويت العملية وانتهى الموضوع ماودك ترجع مشاعل لذمتك ؟
فهد والطاري ينكده ويضيق عليه بخفوت نطق : هي صغيرة نصيبها بيجيها مع شخص أفضل ، ماودي أعلقها فيني وأنا عاجز أجيب لها طفل !
وليد : عندكم هديل ، ربوها .. ولا عاجبك الوضع وهي بالمركز وما تشوفها إلا كم ساعة بس بعد ما أخذوها !
ابتسم فهد وهو يطالع لوليد بنظرة : أنت تزوج ونقدر نجيبها باسمك ، وتطمن أنا بتكفل بتربيتها
وليد ببرود رمى عليه نظرة : لا أنا عايف الزواج
فهد بجدية : وليد عمرك تجاوز الثلاثين ، لا تضيع عمرك كذا ! .. صدقني حياتك بتتغير لو تزوجت
وليد : أنا إذا أبي أتزوج بتزوج وحدة أبيها فعلًا - ابتسم بضحكة على حاله - بس اللي أبيها خلاص ماعاد يجوز أفكر فيها !
سكت فهد ولا علق ، هو يدري إن أخته سحر هو اللي يقصدها .. لكن ما بيده يسوي شي !
وصلوا للشقة الكبيرة والهدوء مسيطر عليها ، توجه فهد لغرفته يشرب دواه وياخذ دوش ، بينما وليد راح لغرفته المشتركة مع أبوه .. فتحها وبإبتسامة صغيرة للممرض : السلام عليكم
الممرض اللي كان جالس على اللاب توب : أهلًا وعليكم السلام
أخذ منه أخبار أبوه ووضعه بعدها طلع مستأذن ، جلس وليد على الكرسي بجنب سرير أبوه ، راح يتأمله بحنين وهو يمسح على شعره .. أبوه اللي ماكان بحسبة أبوه زمان ، الحين يحس إنه مالك الدنيا ومافيها وهو يشوفه يتنفس حوله .. زم على شفاته بحزن يمنع العبرة اللي تحشرجت وهو يذكر كيف كانت حالته سيئة يوم راودته الشكوك حول أبّوة أبوه ، في قعر حزنه وبكاءه وخذلان الدنيا له طلع له طلال يثبت له إن أبوه وأمه أشرف وأنقى من البياض ، يبكي على حاله اللي ما سرته يوم ! ، ومايعرف وش اللي بيجيبه له القدر بكرة ،
مسح جبين أبوه ، قبّله ودثّره باللحاف .. وبهدوء فتح المكتب الصغير اللي بالغرفة ، طلّع كرتون ورقي منه .. فتحه وهو يعبث بالأوراق اللي داخله ، سحب ورقة ملاحظات متوسطة وقديمة .. فتحها وابتسامة تشق طريقه ، خطها ( السيء ) بنظره كان جميل بهذي اللحظة ( ملعقة عسل ، ملعقة زيت زيتون ، شوي زنجبيل ، وليمونة معصورة .. كل ساعتين عطيها لشهد وبتتحسن إن شاء الله .. لا تنسى ، سحر ) تنهد وهو يذكر اليوم اللي مرضت فيه أخته شهد بداية معرفته بعايلة أبو عمر وجيرانهم أبو فهد ، قابل سحر ذاك اليوم في المستشفى وبضيق تذمر لها عن حاله وحال أخته وإنه عاجز يسوي لها شي والتعب مو تاركها .. طلعت الورقة من شنطتها وكتبت له بسرعة ، وهو يناظرها باستغراب .. عطته الورقة وهي تقول بصوت متعاطف : سوي لها اللي كتبته بالورقة وصدقني بتتحسن ، وإذا بعدها مريضة عادي جيبها عندنا !
تفاجأ منها ذاك اليوم لكن سرعان ماسرت بقلبه قشعريرة وهو يتحسس الاهتمام والحنان أخيرًا لأول مرة من بعد وفاة أمه ..
تحسس الورقة بأصابعه وهو يمررها على خطها ، يا سرعة الأيام ويا بُعدك ! ، اكتشف أن الفترة اللي سافر فيها لإيطاليا كانت مجرد وهم .. ظن إنه نساها لكن هيهات ! ، رجع الورقة بملف أنيق مو قادر يرميها ، طلّع ظرف بني واستخرج الورقة اللي فيه ، كان خط أمه الأنيق يزينها .. كتبتها له وحده لأنها تعرف بيجي يوم وبيكون محتاجها ، ورقة إثبات طهارتها وطهارته .. سلّمها له طلال بعد ما ضاقت فيه السبل .
غلبه النوم وسط كومة أوراقه ، ونام متمدد على الأرض بدون إحساس ..
*
رنة العود الشجية كانت تطرب جلستهم ، محتضن العود ويدقه بكل احترافية واندماج .. بينما هي جالسة ملاصقة له وراسها مرتخي على كتفه باطمئنان .. النسيم العليل يملى روحهم ، سرت رعشة خفيفة بجسمها غمرتها أكثر بكتفه .. وقف دق العود ولف عليها بإبتسامة دافية : بردتِ ؟ باقي عالشتاء بدري !
لمت نفسها أكثر : ليش وقفت ؟ كمّل
بدر وهو يترك العود بجنبه بينما هي استعدلت بجلستها : خلاص قضينا ، ودك ندخل داخل ؟
بإصرار هزت راسها نفي : إذا أنت بردان ادخل ، أنا بجلس هنا
ابتسم على نبرتها اللامبالية : أنا خايف عليك تمرضين قبل زواجنا ، مافيني أقضي شهر العسل أطبب .
ماردت عليه ، اكتفت بإنها تنسدح على البساط اللي مادينه بحديقة بيتهم : شوف النجوم ، شوفتها تشرح الصدر .
انسدح بجنبها بصمت يراقب النجوم " الخفيفة " ، تكلمت بعد صمت : ميرا ... بتتكلم من جديد ؟
التفت عليها متفاجئ من سؤالها ، لكن سرعان ما تنهد وهو يلتفت بكامل جسده عليها .. رفع كفه واستقرت بهدوء على خدها ، مسح عليه بخفيف وبهمس : تطمني ، لا تشغلين بالك .. حالتها مو سيئة .
ابتسمت بربكة من قربه الشديد ، بادلها الابتسامة وهو يحس بتوترها لقربه .. زاد بقربه وأخيرًا لامست شفاته أنفها ، قبّله بخفّة وأبعد وجهه عنها بينما كفه مازالت على خدها ..
فزّت على صوت السيارة من خلف الباب ، وجلست مستعدلة بسرعة فائقة .. انفتح باب الكراج ودخلت سيارة أبوها ( أحمد ) ، ببطئ استعدل بدر بجلسته وبابتسامة لعمه : مساء الخير
أحمد بغضب مازح وهو يخرج من سيارته : وانت وش تسوي عندنا ؟
بدر بضحكة يناظر تالا : جاي أتقهوى مع زوجتي ولا ممنوع !
أحمد تقدم لهم : زوجتك بعد أسبوع ، الحين هي بنتي ولا يا تالا ؟
ابتسمت تالا لأبوها بحب : دايمًا بنتك والله
-
بالسيارة ، مستندة على الشباك تراقب بداية طلوع الشمس ، عدلت جلستها مجرد ما دخلت الحي اللي يسكنون فيه أهلها .. فيلا جدها الكبيرة جدًا ، مقابلها فيلا بنفس الحجم لجارهم أبو فهد ، على يمين بيت جدها تطل فيلا عمامها الواحد بعد الثاني ..
قاطع تأملها صوته المنخفض وهو يوقف السيارة ويطلع من محفظته بطاقة الصراف : خليها عندك .
شادن عقدت حواجبها بضيق : معي اللي يكفيني هالمدة .
عبدالعزيز ومازالت البطاقة بيده : خليها معك احتياط ..
زمت شفايفها بضيق وبهمس : بتطول ؟
ابتسم ابتسامة صغيرة حنونة : ما أعرف شادن ، أفضل لي ولك نبعد عن بعض لين أتحسن وأرجع لك .. تطمني
زفرت بضيق تحبس دمعتها ، ما صدقت يرجع لها عشان يبعد عنها .. مسك كفها وراح يمسح عليه بطمأنينة : ادعي لي شادن ، ادعي لي وادعي على اللي مسبب لنا أزمتنا
مسحت وجهها بظاهر كفها : الله يتولانا عزيز ، الله يتولانا ..
عبدالعزيز قبّل كفها بأسى لحاله وحالتها : أستودعتك الله ، الله يحفظك ..
نزلت أخيرًا من السيارة ووقفت قدام بيت جدها ، راقبته لين اختفى عن عيونها ، همست بغصة : الله يسخرك لي ويسخرني لك يا حبيبي .
-
هبطت طائرتهم لأرض الوطن أخيرًا مع بزوغ شمس يوم جديد ، بمجرد خروجها من البوابة برفقة أهلها شافت بندر برفقة تالا وتركي في استقبالهم ..
ابتسمت بشوق جارف وهي تلمحهم ، تقدمت تاركة أهلها وراها ..
أخذتها تالا بالأحضان وبشوق كبير ، بادلتها الاحتضان بضحكة حب خفيفة ، ابتعدت بعد جرعة تخفيف الشوق وهي تتبادل الكلام معها ..
انتقلت عيونها لحبيبها البعيد وهو يقبل راس أبوها ، ويسلم على أخوانها يلحقه عمها تركي ..
تالا وأخيرًا حست بالفرحة الحقيقة من مدة : اشتقت والله !
ضحكت شوق وبصراحة مغيضة : أنا ما حسيت بشي ! أصلًا ماحسيت بالأيام وهي تمشي كأني لسى شايفتك أمس !
ضربتها بخفة وقهر : حيوانــة ، أجل اشتقتِ للحبيب بس ..
بعثرت نظراتها بخجل وابتسامة خجولة ، لكن سرعان ما صرفتها لزوجة أبوها المبتسمة وجاية لهم بعد ما كانت تسلم على بندر وتركي اللي ما زالوا بتبادلون الكلام مع أبو شوق .. سلمت عليها تالا ، كانت تنتظر شوق سلام ولو عابر من اللي بيكون زوجها بعد أسبوع .. لكن خابت آمالها وهو يتجاهلها طالع لمواقف السيارات وهو يقول موجه كلامه لأبوها : أنا باخذ الشناط لسيارتي ..
لكن سرعان ما نطق أبوها : لا الله يعافيك بندر - رفع جواله - هذا هو وليد يتصل ، جاي ياخذ عيالي
بندر باستنكار : وين ؟ لا عمي الله يعافيك .. احنا ليش جايين ؟ تعالوا معنا
أبو شوق باستعجال : لا أنا معي شغل ضروري الحين بيمرني رجال وعيالي خلهم يرتاحون مع خوالهم ونجيكم الليل ..
تفهم تركي الموقف خصوصًا إن زوجة ولد عمه مابينهم صلة وأهلها موجودين بالرياض ..
نطقت شوق أخيرًا بهمس راجي لأبوها : بروح معهم الله يخليك ، اشتقت لجدتي وأهلي
ابتسم بحنان : ايه أكيد ، كنت بقولك روحي معهم سلمي على عمامك وارتاحي وبنجيك الليل
تقدم نواف بضيق : والله بتملين منهم وأنتِ بتتزوجين قريب ، تعالي معنا نشبع منك
ابتسمت شوق وحضنته بخفة : والله محد يمللني من جلسة جدتي وجدي
سلمت على أبوها وراحت معهم ، طول الطريق كانت سوالفها مع تالا ما وقفت مع بعض التعليقات من تركي .. بينما بندر ملتزم الصمت
أخيرًا وصلت للبيت اللي تربت وعاشت فيه عمرها كله ، الحنين والشوق الكبير لجدتها كان أكبر من كل شي .. ما حست بنفسها إلا وهي طايرة لجناحها ..
فتحت الغرفة وهي متأكدة إن جدتها بهذا الوقت تكون صاحية وتقرأ على سجادتها ، ابتسمت بحنو كبير وهي تشوفها بمكانها المعتاد ولا يظهر إلا جلالها ..
تقدمت وقبلت راسها وبمجرد ما حست فيها جدتها فزّت : يمه شوق !
شوق غلبتها دمعة وارتمت بحضنها تتنفس ريحة البخور والحنا في مصلاها ما شاء لها الوقت
بهذي اللحظة انفتح الباب ، وطلّ منه بندر .. كان متأكد إنه بيلقاها بهالصورة مع جدته ، حست فيه أخيرًا واستعدلت بجلستها وهي مازالت بحضن الجدة ، رفعت عينها له ولمحت طرف ابتسامة على شفاته وهو متسند على طرف الباب يتأملهم ..
سرت رعشة حياء على جسدها وهي تحاول تشتت انتباهها بجدتها اللي تسألها عن أخبارها وتفاصيل سفرها حتى اختفى أخيرًا
هبت شوق واقفة بعد ما قالت لها جدتها تروح تسلم على جدها وتناديه يجلس معهم ، اصطدمت عيونها ببندر جالس بالصالة الصغيرة التابعة للجناح ، هو مجرد ما حس بخروجها ترك جواله ووقف ، نزلت عيونها بخجل بينما هو يتقدم لها .. أخيرًا اقترب جدًا منها حتى لامستها أطراف أصابع قدمه ، تفجرت الدماء من جبينها بسبب حرارة قبلته اللي انطبعت عليه .. نطق بصوت منخفض ولا زال بقربه ويده خلف راسها : الحمدلله على سلامتك .
نزلت راسها وشعور جميل يخالجها وهي اللي ظنته متجاهلها ، وبصوت بالكاد ينسمع : الله يسلمك ..
ابتعد قدر خطوة للخلف ويده تعبث بمسبحته ، الصمت حل عليهم لثواني وهو يتأملها ، نطقت أخيرًا تحاول تهرب من نظراته الفاتنة : بنادي جدي ...
أبعد جسمه عن طريقها : خذي راحتك ، محد موجود ..
وبسرعة الريح طارت خارج الجناح بعد ما بعثرها قربه ..
-
بالمستشفى ..
انتهت جلسته معها ، الجلسة الأخيرة لهم قبل إجازة زواجه .. بابتسامته المميزة : دانة ، أنا سعيد إنك تتقدمين كل مرة أكثر ، أثبتِ لي إنك قوية والله !
بادلته الإبتسامة : شكرًا دكتور بدر ، والله ما أعرف كيف أشكرك
بدر : واجبي دانة ، أنتِ عزيزة والله ! - فتح الدرج مكتبه - بس قبل لا تروحين بعطيك شي
عقدت حواجبها باهتمام تراقبه ، طّلع ظرف أنيق ومده لها : دعوة زواجي بعد كم يوم ، لازم تحضرين
اتسعت ابتسامتها وهي تاخذه : واو ، مبروك .. - فتحته وقرأت الأسماء المسجلة عليها ، حاولت تذكر أي اسم لكن خانتها ذاكرتها .. نسيانها لكل الفترة الماضية كان ضريبة استرجاعها لذاكرتها -
بدر وهو يلاحظ عقدتها : لا توجعين راسك ، مابتذكرين شي .. كل اللي صار لك بعد الحادث صعب تسترجعينه ، المهم هو إنك ترجعين لنفسك الحقيقية وبس .
دخلت الظرف بحقيبتها : صحيح ، لكن اللي متأكدة منه إني ما بنسى فضلكم علي حتى لو كنت ما أذكره !
ودعته وطلعت بعد ما وصاها كثير بنفسها خلال فترة إجازته ..
بنفس المكان لكن بالدور الثاني
وقف قدام المصعد ينتظر انفتاحه ، فرك عيونه بنعاس يبعد النوم .. أخيرًا انفتح ، من دون ما يركز على البنت اللي داخل دخل وقفل الباب .. وبهمس وهو يطلع جواله ألقى السلام ..
بالمقابل هي عقدت حواجبها بألم وتركيز على وجهه ، متأكدة إن هالوجه مألوف .. وجدًا ، لكن للأسف ما عرفته ، نطقت بعدم تفكير : أنت .
رفع راسه مباشرة على صوتها اللي انحفظ بذاكرته ، حس وكأن أحد يضربه على راسه بقوة وهو يشوفها لأول مرة من بعد ما راحت .. : دانة ؟؟؟
مجرد ما نطق اسمها تأكدت إنها تعرفه فعلًا لكن ذاكرتها المريضة ما تسعفها لتعرفه .. : تعرفني صح ؟
زم شفاته وأبعد عيونه عنها بسرعة ، لعن نفسه لأنه فكر يطلع المصعد : لا
دانة بضيق أكبر : أنا متأكدة إني أعرفك ، لكن مين أنت ذكرني !
زفر بضيق على انفتاح الباب : قلت لك يا بنت الحلال لا !
لحقته بسرعة وهي تشوفه يطلع معطيها ظهره : تركي !!
وقفت بصدمة وهي تستوعب إنها عرفت اسمه ، وهو بالمقابل لف مصدوم .. ابتسمت بنشوة الانتصار على ذاكرتها : زين يعني حتى اسمك ذكرته ! - تابعت بعد صمت خفيف - أنا ما أعرف مين تكون بالضبط ، لكن متأكدة إنك قدمت لي الكثير .. شكرًا
راحت من قدامه وإبتسامة الانتصار لا زالت على شفاتها ، علقت عيونه عليها وهي رايحة .. تنهد بضيق شديد وهو يستغفر ربه .. تذكر أخيرًا إنه كان نازل لأحمد يفطر معه ..
بالكافتيريا كان جالس مقابل وليد
أحمد وهو يرتشف قهوته : ما تفكر ترجع تشتغل هنا ؟
وليد بعد ما وازن السكر في القهوة : والله مالي خاطر أسوي أي شي ، مالي نفس حتى بالحياة !
ضحك أحمد من سوداويته : يا ساتر ! .. ارجع معنا وصدقني بتمشي لك وقت ، ولا سافر لك وخذ لك درجة علمية تفيدك .. أو تزوج ! صدقني الحياة ما توقف كذا .. بتقتل نفسك بالفراغ
ابتسم بسخرية : لا خلني كذا مرتاح
دخل تركي اللي ابتسم مجاملة لوليد ، تقدم وسلم عليه : وش جابك هنا ؟ ولا اشتقت للأيام الخوالي
وليد بإبتسامة : لا والله باقي ما اشتقت للكرف ، بس جيت آخذ خالتي - وبضحكة على الوضع الغريب - خالتي الصغيرة دانة
جلس تركي بملامح جامدة : أظنها خلصت وتدور لك .. لمحتها جالسة برى
وقف وليد بسرعة : زين ما بتأخر عليها - لف رايح لكن سرعان ما استدرك وهو يلمح ضيق تركي ، حط يده على كتفه بامتنان - لا تضايق نفسك ، وقفتك هذي ما ننساها لك لا تظنها كانت غلطة .
ابتسم تركي بخفوت : تسلم
ابتعد وليد بينما أحمد ملتزم الصمت يراقب الوضع ..
-
وصل لمقر عمله ، دخله بهيبته العظيمة .. يرد التحية العسكرية لكل من يؤديها له ، أخيرًا توجه لغرفة العمليات .. اجتماع عاجل يرأسه هو ، نقاشات حادة تبادل آراء ، وأخيرًا قرارات حاسمة تنهي الاجتماع ..
وقفوا طالعين من عنده ، أمرهم ينادون على راكان .. دقيقة حتى كان راكان قدامه ،
راكان بعد ما قفل الباب تقدم : الحمدلله على سلامتك طال عمرك ..
محمد أمره يجلس وبجدية كبيرة : راكان ، أنا ما رجعت هنا إلا بعد تعب وخسارات كثيرة .. وأنت تعرف إني أتابعك من دخلت معنا قبل سنتين وأثبت نفسك بنجاحاتك .. احنا ما اخترناك لهالمهمة إلا لثقتنا فيك ...لكن - وبتحذير شديد - عواطفك وقربك للمطلوب لا تسمح لها تزعزع أي شي ، لا تهدم اللي بنيناه من فترة !
زم شفاته راكان : ما يحتاج تعيدون علي هالكلام ، أنا مستعد لأي شي .. بس ...
محمد بنفس جديته : بس لا تخاف ، محد بيعرفك من أهلك أو معارفك .. وقت العملية مابتكون متواجد قطعًا ، احنا مو أغبياء نفرط فيك ونخليك تنكشف وأنت عضو دائم
هز راسه راكان برضا ، بينما تابع أبو شوق بلهجته القوية : راكان .. أي خطأ يكلفك عمرك ! أي خطأ .. لو كان صغير .. قرابتك فيني ما تفيدك ذاك الوقت
ابتسم بطمأنينة : مو راكان اللي يخيب ظنكم ويخيب أرضه !
لبس نظارته أبو شوق ومسك مجموعة الصور اللي قدامه : تقدر تتفضل الحين
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل الثالث وأربعون 43 - بقلم HaboOoshy
مرت أيام وها هو اليوم المنتظر أخيرًا .،
صحت من نومها أخيرًا ، حركت رجولها بتعب .. لامست أقدامه المرتخية جنبها ، تحركت ببطء ناوية تقوم عن السرير .. لكن يده منعتها وهو يجذبها أكثر له مانعها تقوم : وين ؟
لفت عليه وبإبتسامة خجولة : خلاص بقوم ، وراي شغل
نطق والنوم يغلبه ولا زال مغمض : شوي بس ..
استرخت بحضنه حتى حست فيه يرجع يستغرق بنومه ، تسللت من بين يدينه بهدوء ومشت بخطوات بطيئة ، قبل أقل من أسبوع شالت الجبس عن رجلها ولا زالت تعرج بشكل خفيف .. دخلت الحمام وجلست تحت المويا ، ابتسمت بحب وخجل وهي تشوف آثاره على جسدها البكر ، الفترة اللي كانت تعبانة فيها أجبرته يداريها أكثر ويقضي أغلب وقته معها يساعدها .. كانت كفيلة بإنها تقربها له وتسمح له أخيرًا بمسح آثار زوجته السابقة ، حتى ليلة البارحة غرق في تفاصيلها أكثر وذابت في حبه ..
طلعت من الحمام ولبست ، وهو لا زال نايم .. توجهت لغرفة فداء الملاصقة لهم ، قبلت خدها وغطتها أكثر ..
قادتها رجولها مثل كل صباح لغرفة المرسم الخاصة فيهم ، مكان إلهامها وعالمهم الخاص .. كانت مليئة باللوحات المبعثرة في كل مكان ، والألوان تلطخ الأرض المفروشة بكيس شفاف .. جلست على الكرسي واللوحة اللي ما بعد انتهى منها موضوعة قدامها ، داهمتها رغبة عنيفة تعبث بها وتضيف عليها بعض اللمسات .. لبت رغبتها وهاهي من ساعة جالسة تحوس فيها .
فتح الباب وتأملها وهي مو حاسة فيه مندمجة مع لوحته ، تقدم بهدوء وجلس خلفها : صباح الخير
فزت على صوته ، التفتت بسرعة واصطدمت به : صباح النور .. متى صحيت ؟
ابتسم وهو يفرك عيونه : قبل شوي - نقل نظره لها وبهمس مبتسم على خجلها - الحين أقدر أقول صباحية مباركة يا عروس ؟
بعثرت نظراتها بربكة ، لكن سرعان ما انفلتت منها ضحكة خجولة .. ضحك لضحكتها : خجلك زايد ..
ما علقت ورجعت تعبث باللوحة من جديد بإبتسامة مشرقة تحت نظراته ، تابع ريشتها بإعجاب شديد .. تكلم بعد مدة قصيرة : ملاك ، أفكر جديًا يكون ركني بالمعرض الجاي مشترك بيننا
التفتت بصدمة : تمزح ! المعرض عالمي .. لا تستهين فيه
صقر : العكس كذا بيجذب أكثر ، لوحات مشتركة لزوجين رسامين .. -ابتسم-فكرة جذابة ، وكذا بتثبتين نفسك أكثر في مجال الرسم
هزت راسها بتفكير : ممكن ! ... - لفت عليه وهي تذكر موضوع شاغلها - لا تنسى اليوم زواج أقاربي
وقف : ذكرني فهد ، لا تنسين أخوه عريس بنت عمك
ساعدها على الوقوف وأسندها عليه ، رغم قدرتها على المشي لكن اعتاد على مساندتها بالفترة الأخيرة .
-
"خلاص لفي شوفي نفسك "
أخيرًا التفتت على المراية وسرعان ما ابتسمت برضا ، وجهت كلامها لريان اللي تقفل أزارير الفستان : حلو ؟
ريان عدلت الفستان وبإبتسامة كبيرة : جمييييييلة والله !
تالا بضيق تتابع وهي تدقق في ملامحها : بس الميكب اب ..
قاطعتها ريان بصرامة : ولا تقولين شي .. أنتِ مو متعودة على المكياج وحاسة نفسك محيوسة ، بس صدقيني مرتب والله
تنهدت بصوت عالي بينما ضحكت ريان : ايه خذي شهيق وزفير تروقين وتهدين أعصابك
زمت شفاتها : مو متوترة ، العكس أحس بسلام على قلبي - بحلطمة وبؤس - بس شايلة هم الزفة !
قبلتها على خدها : لا تشيلين هم شي ، بيمر الوقت بسرعة .. تعالي الحين نشوف البنات
طلعوا من غرغة التبديل الصغيرة اللي تطلعهم مباشرة على غرفة واسعة .. مجرد ما طلعت اتسعت إبتسامة ميرا وشهقت شادن بانبهار : شهالزين تالا ؟ والله ما توقعت تطلعين كذا
ضحكت تالا بخفة : حيوانة ، يعني توقعتيني شينة
اكتفت بضحكة شادن بينما شوق تكلمت بتوتر واضح : يا برودك ، ترى بعد شوي بيجون ، ملاذ بالغرفة مع جواد ..
تقدمت تالا وجلست جنبها وبضحكة خفيفة : ليش هالتوتر شوق ! ، يا ساتر على كثر توتري أمس أحس إني الحين بقمة الروقان !
تنفست بعمق شوق وهي تهز رجولها ، ماردت لأن عقلها ببساطة ماكان يم تالا ..
-
قبل بوقت قصير ..
كان جالس جنب أبوه والفرحة مو سايعته ، وأخيرًا بتنزف له حبيبة طفولته .. تقدم رامي "أخو راكان الكبير " : جاهز يالعريس ؟
رفع راسه بحماس : خلاص أدخل أسلم عليها ؟
ابتسم أبو فهد لابنه اللي يحسه وحيده، والتفت على رامي زوج بنته : روح شوف لنا طريق
بهاللحظة جاء راكان وهو يسمعهم : خلاص العروس تنتظركم .
وقف جواد جنبه ومشوا خلف أبو فهد ورامي ، همس جواد لراكان وهو يلاحظ ضيقته ما راحت حتى بالزواج : ابعد هالوجه المتضايق أقلها عشان زواج أختك إذا مو مقدر الصحبة !
لف عليه راكان بضيق من كلامه ، وسرعان ما ابتسم : مبسوط والله ، لا تشغل بالك فيني بليلة عمرك !
جواد والوقت ما يسمح له يناقش صاحبه : خلني بس أرجع من شهر العسل وبستلمك وأعرف وش انت مهبب
اكتفى بضحكة و لا علق وبخاطره متضايق ..
-
بقاعة النساء الفخمة ..
فرغت طاقتها بالرقص مع أختها سهى وملاك ومنى ، نزلت من الدرج وسرعان ما توجهت للطاولة اللي جالسة عليها مشاعل وريتاج
جلست بتعب وهي تفرك ساقها ، ضحكت عليها ريتاج ورمت عليها كم تعليق .. بينما مشاعل كانت ملتزمة الصمت ، تأملت عن كثب ملامح سحر .. تشبه له كثير ، ولأول مرة تلاحظ الشبه الشديد .. غمازة بأسفل الذقن تميز عائلتهم وكأنها بصمة يعرفون بها ، قاطع سبيل تأملها وشوقها صوت ريهام اللي جلست بجنبها ونطقت بصوت أشبه للهمس : شفتِ لمار ؟
عقدت حواجبها مشاعل وهي تبحث حولها : لا .. أظنها ما حضرت
زمت شفاتها بضيق ريهام وبعد تردد نطقت : وائل حضر طبعًا !
بققت عيونها بدهشة : وائل مسافر ! ما بلغك !
ريهام تداركت صدمتها وضحكت بسخرية : لا والله ، تعرفين يعني لي أسبوعين ما شفته
هزت راسها استياء على حال خالها وزوجاته ، كلّ بوادي .. لمار من شهر مقلوب وضعها وتاركة البيت ، ريهام من أسبوعين ببيت أهلها ، وخالها متغير كليًا ومسافر مع صاحبه عبد العزيز بدون لا يبلغ زوجاته ! ، حطت يدها على فخذ ريهام وبإبتسامة : الله يهديه ، ويلم شملكم
زمت شفاتها بضيق وبداخلها تعرف إن طريقها مسدود .. قررت تنهي كل شي لكن ضعفها وخوفها يمنعونها
-
مجرد ما فتح الباب غمرته عواطف عميقة ظهرت على شكل إبتسامة عريضة ، أخيرًا هذي هي جالسة قدامه بالفستان الأبيض .. كانت لحظة أقرب للحلم ، تقدم لها بخطوات ثابتة ما يشوف غيرها ، ما كانت مثل أي عروس تدفن نظراتها للأسفل ، العكس كانت رافعة راسها فوق تراقب خطواته بإبتسامة مشرقة ..
وقف قدامها وبإبتسامة سحب كفوفها من حضنها ولمها بين يدينه : أخيرًا تالا !
اكتفت بإبتسامتها ، نزل لمستواها وقبل جبينها : الله يبارك لي فيك ويبارك لك فيني ..
أحمد اللي كان واقف خلفهم يتأمل وحيدته وحبيبة قلبه ، طفلته اللي ما تكبر عنه أبد .. اليوم أقسى يوم على قلبه ، حتى وإن تظاهر بالفرح .. اليوم بس يرجع لبيته وحده من دون أي حس ثاني ، ليلة ثقيلة على روحه ، تقدم بهدوء مما أجبر بدر يبتعد ويجلس جنب عروسه .. إبتسامتها العريضة سببت له غصة ، قبل لا ينزل لمستواها هبت واقفة ولفت ذراعها على بطنه ، دفنت راسها بصدره الواسع : الله يخليك لي أبوي ..
أحمد فلتت منه دمعة على حبيبته حمد ربه إنها ما شافتها كونها مغمورة بحضنه ، لكنها ما خفت عن الجالس قدامهم .. : الله يسعدك يا بنتي و يوفقك - أبعدها عنه شوي وتابع بإبتسامة - تدرين إن قلبي ما يطاوعني أبعد عنك
وقف بهاللحظة بدر بعد ما أثر فيه الموقف الأبوي لتالا ، ضحك بمرح : لو سمحت يكفي ، خلاص ترى أنا الحين المسؤول عنها .. بذلك مثل ماذليتني
ضحك أحمد : تنتقم الحين ؟؟ تراها بنتي من لحمي ودمي ، لا تسوي روحك علي ولا أشيلها الحين للبيت معي !
أبعدها بدر عن أبوها بخفة وضمّ عمه بامتنان صادق : الله يقدرني وأكون عند حسن ظنك عمي أحمد ، تالا بقلبي وعيوني استودعتها لا تشيل همها ..
طبطب كتفه أحمد : هذا عشمي فيك ..
-
بالغرفة القريبة :
كانت جالسة بتوتر كبير ، زوجة أبوها بجنبها تهديها .. لحظات حتى انفتح الباب ، طل منها أخوها نواف بإبتسامة عريضة .. تقدم ودخل وراه رواف بإبتسامة خفيفة نادرًا ما تظهر عليه ، يتبعهم أبوها وعمامها أحمد وتركي .. وأخيرًا فارس الطفولة والصبا بندر يظهر ببشته الأنيق ..
أخذها أبوها بالأحضان ، باركوا لها عمامها وأخوانها .. أخيرًا جاء العريس و كل ما تقدم خطوة هبطت نبضات قلبها أكثر ، قبّل جبينها وبصوته الجهور : مبارك شوق ..
نطقت بهمس بالكاد ينسمع : الله يبارك فيك
-
بمكان بعيد عنهم ، بروح الحجاز وطيبتها ..
( مدينة الحبيب المصطفى )
أغلق جواله بعد ما كلمها وأخذ أخبارها ، الطمأنينة غصب تسري بروحك بهذا المكان الطاهر .. توجه للروضة الشريفة ، سلم على رسوله وصاحبيه .. وابتهل يصلي لله يشفي روحه ونفسه ويطهّرها من كل أذى ، ألح في دعائه لها .. يالله وأنت العظيم الجامع الرؤوف ، أصلح ما بيننا ودمّر كيد كل ساحر .. دعا لصديقه ورفيقه ، مشاركه في محنته .. اللي ضحى بحياته لأجله .
اعتدل جالس ، سلّم وأنهى صلاته .. مسح على وجهه يشيل أثر البكاء ، وصله رنين جواله .. وكالعادة لا متصل غيره ( الغالي وائل ) يطلبه يجي لساحة الحرم يتعشى معه ..
كان وائل واقف عند اواخر الساحة ، وفي وقت متأخر مثل هذا الأعداد المتواجدة قليلة جدًا مما يضفي سلام وهدوء أكبر ..
جلسوا مقابل بعض ، مد وائل حبة الشاورما الصاروخ لعزيز اللي أخذها بتلذذ كبير : زين ما جبت لنا البيك !
ضحك وائل وهو ياكل أول لقمة : خابرك ما تحبه
تناولوا بعض التعليقات على أجواء المدينة ، حتى نطق أخيرًا عزيز بجدية : متى ناوي ترجع زوجاتك ؟
ابتسم بسخرية : لا خلني كذا مرتاح
وائل : طيب كلمهم على الأقل ، صدقني جفاك هذا بيرجع لك ..
تنفس بضيق ونطق أخيرًا : المشكلة الجفاء منها والله ، انا مقدر أجافيها كل هالفترة !
أطرق عزيز بضيق على صاحبه ، خاصةً أنه يعرف كونه هو السبب الأول في كبر الفجوة بينهم : وائل ... غلطت غلطة كبيرة يوم تزوجت ، لا تلومها
بيأس : كنت ... أتمنى أعيش معها لحظة بلحظة فرحة أول طفل ، لكن هي مقفلة كل طريق لها !
عزيز بضيق على حال صاحبه : قايل لك ، لا تجازف بحياتك عشاني .. هذا أنت هدمت عمرك وعمرها
تحولت نظراته للشر : لا ، أنا ما زلت عند خطتي .. الشي الوحيد اللي ما ندمت عليه ، وجود بنتها معي بيسهل علي المهمة .. أنتظر بس نرجع وتنحل المشكلة وأطلقها وأرجع لمار وينفك اللي مسبب لكم أذى
هز راسه بيأس من صاحبه : بنتها مالها دخل ، الحين ترميها مطلقة عشان أمها !
ما رد وائل ، تنهد عزيز بقلة حيله .. صاحبه ويعرفه عنيد وشربة شر تلوح بنفسه ..
-
جالسة على كرسيها المتحرك بصمت مطبق ، كانت تتمنى هذا اليوم لأجل أقرب ثلاث لقلبها .. لكن مرضها منعها حتى من إنها تلبّس تالا العباية أو تعدل الفستان لملاذ أو حتى ترقص لأجل شوق .. وهاهم يطلعون مغادرين كل وحدة مع عريسها ، كانت تتمنى لو تطلع بالسيارة مع راكان وتراقب زفة الشباب لهم بالسيارة لكن راكان راح مع ملاذ وجواد يوصلهم المطار و هاهي وحدها أخيرًا
طلعت من الغرفة اللي كانت فيها ملاذ بعد ما ودعتها بدموع وشوق مسبق .. طيارتها بعد ساعة لأسبانيا
مسحت دمعتها بحزن شديد ، رفعت راسها واصطدمت عيونها بـ منى الواقفة قرب الباب الخارجي الخلفي تراقب بتوجس .. عقدت حواجبها باستغراب وهي تسمع صوت عمها أحمد من ورا الباب يبتعد ، غريبة وش تسوي منى هنا ؟ .. فزت منى بخوف وهي تنتبه لميرا : يمه خوفتيني
اكتفت ميرا بنظرة استغراب ، بينما منى تقدمت لها تبعد التوتر .. وش تقول ؟ كنت أراقب عمك وهو طالع من القاعة ؟ ..
تقدمت لها وامسكت بكرسيها ناوية تدفها لداخل ، لكن رنين جوال ميرا قاطعهم .. طلّعته ميرا من جيب الكرسي وسرعان ما عقدت حواجبها وهي تشوف اسم عمها أحمد على الشاشة ..
فتحت مكبر الصوت وهي تحث منى تكلمه بدلًا عنها بطبيعة الحال .. : هلا حبيبتي ميــرا ، قولي لشادن ولا سحر تساعدك وتطلعك عندي .. أنا برى أنتظرك كان ودك تشوفين زفة الشباب
حستّ روحها بتطلع من الفرحة ، وكأن عمها كان يقرا أفكارها .. لطالما كان القريب والحنون للجميع ، هزت راسها بحماس لمنى اللي كان وجهها مقلوب وهي تسمع صوته وحنانه يلمسها قبل لا يمس ميرا .. مسكت الجوال وقربته لفمها وكأنها تخاف ما يوصله صوتها المرتعش / الواهن : أنا ... منى ..
ما استوعبت كلمتها إلا بعد ما شافت تعقيدة حواجب ميرا المستغربة وشبه ضحكة مرتسمة عليها ، نطقت بسرعة وكأنها تخاف إنه يقطع الاتصال ويروح : الحين نجيك !
الصمت المطبق كان رد أحمد ، نطق أخيرًا بصوت مختلف كليًا عن صوته أول : اوك .. أنتظركم لا تتأخرون
وببساطة روحها عزمت نفسها معهم ، سحبت ميرا بسرعة وحماس للغرفة اللي فيها أغراضهم .. لبستها العباية ولبستها : بسرعة بسرعة لا يروح علينا
ميرا كانت الدهشة ما كلتها وهي تشوف انقلاب حال منى ، لبسوا وسرعة ودفتها منى باستعجال للباب الخلفي اللي طلع منه أحمد ..
سرت رعشة رهبة وحنين وهي تشوفه واقف بكل أناقته الرجولية جنب السيارة ، التفت عليهم وتقدم بخطوات سريعة لهم
هبط قلبها وهي تشوفه عن قرب ورائحة العود تسبقه ، ماكانت تفصل بينهم سوى خطوة ..
أما هو وقف جنب منى يبيها تبعد على أساس يساعد ميرا ، لما ما شاف أي بادرة للتحرك منها رفع عينه لها وتعلقت بعيونها الفاتنة وهي تتأمله عن قرب ، نزلها بسرعة ونطق أخيرًا وهو يمسك أطراف الكرسي : شوي يا " بنتي " ، بشيل كرسي ميرا ..
انتفضت على صوته القريب جدًا ، ابتعدت وكأنها ملسوعة على وقع كلمة ( بنتي ) ! ، وكأنه يذكرها بالفارق العمري الكبير بينهم ! قاطعها صوته : افتحي باب السيارة منى ..
اسمها ، ولأول مرة تحبه .. هو كان ينطقه بكل أمان بينما هي كانت تسمعه وكأنه أغنية طلالية !
تقدمت وفتحت باب السيارة الأمامي ، ابتعدت للخلف شوي سامحة له يقرب الكرسي ويشيل ميرا بكل خفة ويحطها بالمقعد .. قفل باب السيارة ولف للباب الخلفي فتحه والتفت لها : تفضلي بنتي ..
دخلت بخفة قلبها اللي تحسه طاير يحوم حوله ،
كان بشته مرمي بإهمال بجانبها ، شال كرسي ميرا وقبل لا يدخله بجنب منى ..رفعت البشت بسرعة لحضنها سامحة له يدخل الكرسي بكل أريحية ، نطق وهو يعدل الكرسي : يضايقك ؟
هزت راسها نفي ، أي ضيقة ممكن تحسها وهو بكل هالقرب منها ..
قفل الباب وتوجه لمقعده ، أول ما حرك السيارة نطق بإبتسامة عريضة ووجهه لميرا : حيا الله بنتي ميرا !
ميرا اكتفت بإبتسامة ، حرك السيارة وهو يسولف لميرا عن زواج الرجال ..
اما بالخلف ، كانت تستمع لكل كلمة منه وكل ضحكة .. تأملت أدق تفاصيله ، انفراجة شفاته مع كل حرف ، أصابعه اللي تمسك بالدركسون .. ثوبه الأبيض وشماغه .. لحيته الخفيفة ، الشيب المعدود المتناثر حولها .. كل شي يفتن ، رجولته مفعمة بالحنان .. صوته العميق يدغدها ،
نطق بابتسامة : هذا هم العرسان !
لفت ميرا للسيارات اللي حولهم ، الشباب كانوا متحمسين وأصوات البوري تملا الشارع .. بندر بسيارته اللي يقودها نواف ورواف .. وخلفهم سيارة بدر اللي يسوقها تركي ، أما ملاذ وجواد كانت وجهتهم للمطار مخالفة لطريقهم ، لذلك ما شافتهم ..
أبعدت سيارات الشباب عن سيارة أحمد ، سامحين له يتقدمهم لسيارات المعاريس ..
مجرد ما شافت تالا أبوها وبجنبه ميرا لوحت لهم بيدها بحماس وميرا تضحك بفرحة حقيقية ، أما شوق الرهبة كانت ماكلتها واكتفت بإبتسامة داخلية لهم ..
رافقوهم في موكبهم ، وأخيرًا ابتعدت سيارات العرسان بطريقها للفندق .. أصوات السيارات انخفضت ، رجعت بعضها للقاعة والبعض أكمل مشواره مبتعد ..
أحمد كان يراقبهم وقلبه يرفرف فرحة لبنته وحزن لأجله ، تنهد بصوت عالي : الله يوفقهم .. - حس بيد ميرا تقبض على كفه وتشدها ، ابتسم لها - عقبالكم بناتي
تهدج قلب منى كونه حاسس بوجودها ، شدت على بشته وهي تلويه بين أصابعها .. بهاللحظة علا رنين جوالها ، ارتبكت وطلعته من شنطتها ، كان المتصل ( ريانتي ) .. ردت بتوتر كبير منتظرة تهزيء ريان : هلا ريان
ريان بضيق كبير : وينك أنتِ ؟؟ دورت عنك بكل مكان مالقيتك !
خفضت صوتها وبهمس مسموع : أنا مع ميرا و ... أبوها !
شهقت ريان بصدمة : وش تسوين ؟ تمزحين ؟
منى بلعت ريقها تدور عذر : لا بس رحت أساعد ميرا
زفرت بورطة ريان : الحين بنطلع من القاعة ، وش أقولهم ؟ تعرفين إن خالتي أم رائد هي اللي بتوصلنا مع أخوها
انتابها خوف شديد : ريان ! لا تروحين وتخليني !
ريان بعد صمت خفيف : يالله ، وش هالورطة منى .. ياسر لو عرف مشكلة ، احمدي ربك مسافر
مع ذكر اسم ياسر زاد الخوف أكثر ، لو بس كان موجود ممكن يذبحها !
بهاللحظة وصلها صوته وهو حاسس بالتوتر اللي صابها : انا بوصلك مع ميرا ، لا تشيلين هم
ابتسمت بصدق وتناثر كل قلقها وخوفها وحل محلهم عواطف دافية سرت فيها .. نطقت أخيرًا لريان : خلاص الحين بيوصلوني البيت طريقهم طريقنا ..
قفلت ريان والقلق ياكلها على منى ، بينما منى تعيش أجمل لحظات عمرها ..
كان يسولف سوالف عابرة لميرا يقطع الصمت بينهم ، ومرة حاول يشرك منى بالكلام وهو يوجه كلامه لها : ولا وش رايك منى ؟
تلخبطت ولا عرفت وش ترد خاصةً إنها ماكانت يم سوالفه ، كل اهتمامها منصب على هيئته وحضوره القوي بقلبها .. همست : اممم صح اللي قلته !
انتبابته ضحكة خفيفة على ردها كون تأييدها لكلامه اللي كان يعلق فيه ساخر على بنته تالا من باب المزح غير متوقع ، حس إنها ما كانت معهم وفسر ذلك بقلقها الشديد ..
كانت تتمنى لو يوقف الزمن بهاللحظة ، لكن هذا هو الطريق ينتهي بهم أخيرًا عند بيتهم ..
نزلت من السيارة والود ودها لو تجلس وتبات فيها ، وقفت بجانب السيارة تنتظر أحمد اللي طلع لياخذ كرسي ميرا ويساعدها ..
مشت تسبقه لتفتح له الباب ، غابت عنها ضيقته الشديدة مجرد مادخل العمارة .. المكان اللي مهما حاول مايقدر يتجاوزه بدون ضيقة ، رفع عينه لها وهي تفتح الباب .. الحياة تدب فيها بكل أشكالها ، تجاوزت صدمة الاعتداء بشكل مبهج ما توقعه أبدًا ، منى ما غابت عن باله يوم من حادثة الاعتداء .. عاش نفسية سيئة جدًا لفترة طويلة وهو يتخايل وضع البنت الشابة وماذا لو كان مكانها بنته أو إحدى بنات أخوانه ! لذلك كان إحساسه بالأبوة اتجاهها كبير فترة الاعتداء عليها .. كان بشكل شبه يومي يزورها بغرفتها بالمستشفى ، يجلس معها وقت طويل يقويها ويمحي الآثارالسلبية عنها .. ما راحت عن باله يوم حتى بعد انقطاعها ، وهاهي ترجع له هالسنة مصادفة بعد ما عقدت صداقة قوية مع البنات ..
دخلت البيت وفتحت الباب كامل ، ليدخل بكرسي ميرا بأريحية ..
دخل ميرا لبداية الصالة ولف طالع : ميرا إذا جات أمك روحي لبيتكم ، جبتك هنا أفضل ولا تجلس كل وحدة بروحها ..
هزت راسها تطمنه وهي تشيل الحجاب عن راسها ، بينما منى لحقته تففل الباب وراه .. لكن قبل لا يختفي عن عينها ويتوجه للدرج لحقته بخطوات سريعة وبدون تفكير : أحمـــــد !
لف باستغراب وعقدة حواجب : آمري ..
انربط لسانها وتنفسها يزيد ، لاحظ توترها .. تقدم بهدوء وإبتسامة حنونة : منى ، في شي بنتي ؟
زمت شفاتها بحزن من كلمته ، تابع يوم شاف صمتها : منى .. الله يعلم إنك غالية والله ، إذا في شي ولا مضايقك أي شي أنا موجود .. اعتبريني أبوك ! لا تترددين قولي
نطقت بغصة : أنا مو بنتك ! لا تقولي بنتي !
بهت وجهه من كلامها اللي ما توقعه أبد ، مسح جبينه وبتوتر من انقلاب حالها ..
جمعت أنفاسها وزفرتها بحرارة تقتلها : كنت أبي ... أشكرك .. بس !
عقد حواجبه وهو يشوف انقلاب حالها ورجفتها الواضحة ، وهاهي أول دمعة تنزل باستسلام .. لكن سرعان ما اعتلته صدمة شديدة وهو يشوفها تتقدم نحوه .. وهاهي تقرب بشدة وتقبل كتفه بشفاتها المرتجفة ، وبسرعة البرق اختفت !
وقف لدقيقة مذهول من الموقف وحركتها اللي ما توقعها أبد ، استرجع الموقف ونزل عينه لمكان قبلتها .. مسح وجهه وهو يتنفس بشكل عالي ، داهمته رغبة يرجع للبيت ويكلمها ، لكن استدرك بالنهاية ونزل بخطوات ثقيلة .. جلس بسيارته بدون لا يحركها ..
أما عندها ، مجرد ما هربت منه دخلت البيت وقفلته مرتين وتسندت على الباب وهي تتنفس بشدة وكأنها خارجة من حرب ضروس ، مسكت وجهها الملتهب تحاول تخفف حرارته .. زفرت بقوة لكن توقفت بذهول وهي تشوف ميرا بطرف الممر تناظرها بنظرة غير مفهومة !
للتو استوعبت إن ميرا موجودة ! ، ووجودها بقرب الباب يأكد لها إنها سمعت ولو القليل من الكلام !
ميرا ابتسمت ابتسامة خفيفة ما عرفت منى كيف تفسرها ، ابتسامة سخرية أو شفقة ! .. واستدارت بكرسيها داخلة الصالة ..
عضت منى شفاتها بتوتر كبير فوق توتر موقفها مع أحمد ، هي لازالت تشم ريحة عطره وكأنها انغرست بجسدها !
تقدمت لمغاسل المجلس ورشت وجهها بمويا باردة ، علها تخفف حرارتها .. توجهت لغرفتها عند ميرا بعد تردد كبير ، كانت جالسة على كرسيها بغرفة منى وتمسح المكياج قدام التسريحة ، رفعت بصرها للي دخلت ووجهها مخطوف لونه .. تجاهلتها وأكملت شغلها ..
تقدمت منى بخطوات ثقيلة ، جلست على طرف سريرها .. : ميــرا
قبل لا تسترسل بالكلام لفت ميرا ورفعت يدها تطلب منها تسكت ، طلعت جوالها .. فتحت الملاحظات ، كتبت شوي ورفعتها بوجه منى اللي سحبت الجوال بتوتر وقرأت المكتوب : ( صحيح ما فهمت شي .. ولا قدرت أستوعب ، ربكتك وتوترك من دق عمي أحمد يبيني أطلع ما خفت عني .. ما أعرف وش بينكم ولا أعرف القصة ، لكن لأني أحبك أقولك لا تعلقين قلبك بوهم - انسابت دموع منى بحرقة وهي تقرأها ، أكملت - بس لاتشيلين هم .. مابقول لأحد وكأني ما كنت موجودة معكم )
تركت الجوال بحضنها وغطت وجهها تبكي ، ومن بين بكاءها تنطق بفضفضة : هذا اللي يعور ميرا ! ، وهم .. يالله حتى أنتِ تشوفينه وهم ! شقول طيب لقلبي ولهفتي عليه ! - صمتت تهدي نفسها ، تابعت وهي تستشعر ميرا تقرب منها - صحيح هو عمك ، وأبو صديقتي .. لكن .... والله أحبه !
ميرا اللي كانت تسمع مصدومة ، ماتوقعت الكلام من منى .. سحبت منى لحضنها وضمتها والصدمة لازالت تاكلها ..
وصلها صوت منى بحضنها وببكاء : عمك أحمد سوى لي شي كبير بحياتي ... من زمان ، قبل لا أعرفكم بثلاث سنوات ، انتشلني من قبري و طلعني فوق للسماء .. والله يا ميرا !
ميرا كانت تعرف إن عمها قبل سنوات ساعد منى بعد حادث أصابها على حسب كلام ريان ومنى ، لكن كان مجرد حادث عادي بنظرها ! كيف تتعلق منى فيه بهذا الشكل ؟
ابتعدت منى شوي عن صدر ميرا ، مسحت دموعها وطاحت عينها على ميرا ونظرة حيرة وتساؤل كبير تلقي بها .. نزلت عيونها وبضيق : لا تسأليني ميرا عن شي ! ، تكفين مافيني أقولك .. لا تحمليني فوق طاقتي
تفهمتها ميرا واكتفت بطبطة تهديها ، عم الصمت بينهم غير صوت شهقات منى المتفرقة .. نطقت بعد ما هدأت : أعرف إنه ما يشوفني إلا مثل تالا .. وهالشي يوجعني والله ! لكن خليني كذا على الأقل ألقى لي سبب أعيش لجله ! ... ممكن تقولين حقارة وشذوذ أني أعلق قلبي وروحي بشخص ممكن يكبرني بـ 18 سنة وأنا بحسبة بنته ، لكن ... القلب مايعرف ولا يفهم !
بهاللحظة وصلهم صوت انفتاح الباب الخارجي .. مسحت دموعها بسرعة منى وتوجهت لحمامها الخاص تغسل وجهها وآثار الدموع ..
-
حرارة شديدة تنهشه ، نسى حبوب علاجه بالشقة .. ومضت ساعات على موعدها ، تحامل طول وقته فقط ليشوف أخوه الوحيد عريس .. رغم إن وجوده مثل عدمه لكن إحساسه بفرح أخوه خفف عنه الألم ، تلفت بضيق وانهاك شديد يدور على وليد اللي راح يسلم على مجموعة رجال من ربع ساعة ولا ظهر ..
وقف متحامل الوجع ونيته يروح يسترخي بالسيارة على بال ما يجي وليد ويرجعون ، لكن بهاللحظة وصله صوت رسالة على جواله ( مرحبا فهد ، إذا باقي ما رحت انتظرني .. لو ما بشغلك ياليت توصلني - سحر )
سحر .. اللي باقي ماراحت ، أرسلت الرسالة لأخوها فهد .. وكلها أمل إنه باقي موجود ماراح ، في ساعة متأخرة مثل هذي مستحيل تطلع بروحها مع السواق .. زوجة أبوها طلعت من ساعة ولا خبرتها ، واكتشفت للتو هذا .. أكلها الخوف في البداية خاصة إنها كانت معتمدة على زوجة أبوها وودعت بنات جيرانهم ، لكن تذكرت أخيرًا أخوها فهد ..
كانت لابسة عبايتها وماسكة الجوال بقلق تنتظر رده ، فزت بفرح بمجرد ما شافت رسالته ( أنا بالسيارة ، أنتظرك عند باب الحريم )
لبست حجابها ورمت الطرحة على وجهها .. خرجت وشافت أخيرًا سيارة فهد ،
توجهت لها ودخلت .. سلمت ووصلها رده بصوت ضعيف ، لاحظت تعبه الشديد حتى إنه ما كلف نفسه يسأل عنها ..
اعتلاها الاستغراب كونه ما حرك السيارة ، كان جالس بكل سكينة ومرخي جسده على الكرسي .. نطقت بخفوت وهي تظنه ينتظر زوجة أبوهم : خالتي راحت ، بس باقي أنا ..
هز راسه ولا علق ، كان التعب ماكله ومثقل عليه حتى الكلام ..
مرت دقيقتين وهم جالسين بدون حركة ، حتى اعتدل فجأة فهد وطلع من السيارة .. راقبته وهو يلتف حول السيارة ويتوجه للمقعد اللي بجانب مقعد السواق ! ، قبل لا يزيد فضولها ظهر أخيرًا مقترب من السيارة .. دهشت وهي تشوفه يدخل السيارة ، كان مختلف كليًا عن آخر مرة شافته فيها قبل مدة طويلة ، وكأنه كبر عشر سنين ، تمامًا مثل فهد !
مجرد ما قفل الباب نطق بقلق : تأخرت عليك ! - شغل السيارة وبذات القلق - مدري كيف تنسى دواك !
سعل فهد بشدة سعال متتابع مما أثار خوف وليد ، زاد سرعة السيارة : شوي ونوصل - استخرج علبة مويا كانت بجنبه ومدها لفهد عل نوبة السعال تخف ..
أخذها فهد بيدين ترتجف ووجهه قلب أحمر ، ارتشف المويا ونطق بصعوبة : أختي سحر ....معنا !
بهتت ملامح وليد بصدمة ، وبتلقائية رفع عينه للمرايا خلفه وطاحت عليها تناظرهم بتوتر من حالة أخوها .. قلقه الشديد على فهد منعه يحس بوجودها ،
تابع فهد اللي هدأت نوبة سعاله بصوت متحشرج : نوصلها أول ..
كان بيعترض وليد كون بيت أبو فهد طريقه مخالف كليًا عن شقتهم وبعيد وحالة فهد تزداد سوء ، لكن مابيده حيلة !
عم الصمت لدقائق معدودة قبل لا ترجع النوبة لفهد بشكل أقوى ، فتح أزرار ثوبه بضيق .. سحب منديل وسعل فيه بشدة ،
مدت كفها لكتفه بخوف ،وصله صوتها الخايف : فهــد !!
كان عاجز عن الرد وسعاله يمنعه حتى من إنه يسمع أو يدرك شي .. وليد ، التفت على صديقه وصدمه منظر الدم الخفيف على المنديل ، بدون وعي فرمل بسيارته ورجع للطريق السريع لشقتهم .. كان يسوق بسرعة جنونية متجاوز كل السيارات
ازداد خوف سحر مع هذا المجنون اللي ممكن يصدم بهم بأي لحظة ، تمنت لو رجعت مع السواق بهذي الساعة ولا ركبت معهم .. لاحظت الطريق اللي اختلف وانتابها القلق الشديد ، مرت ربع ساعة وبكل دقيقة تزيد حالة فهد سوء .. وقف وليد بشكل عشوائي وهو يستشعر السكون اللي حل على فهد فجأة بهذي اللحظة ، كان قريب من فقدان الوعي !
نزل بسرعة وتوجه لباب فهد ، فتحه وسحب فهد .. سنده على كتفه وهو يرمي المفتاح لسحر بعصبية متوترة : قفلي السيارة واطلعي افتحي الشقة .. بسرعة !
ما تحركت من مكانها غير مستوعبة لأي شي .. صحاها صوته : بسرعة سحر !!
طلعت من السيارة بتعثر قفلتها ولحقتهم بربكة وخوف ، دخلوا المجمع السكني الفخم والطويل .. توجهوا للمصعد ، فتحته بسرعة وسمحت لهم يدخلون قبلها .. وصلها صوت وليد : الدور السادس
ضغطت عليه و استكانت بعيونها عليهم ، فهد حالته صعبة وواضح إن ضيق التنفس عنده شديد ، يسنده وليد على كتفه وبيده الثانية يمسح بمنديل العرق اللي مبلل وجه فهد وعيونه تنطق الخوف الكبير على فهد .. عضت شفاتها بحزن على حالة أخوها ، لأول مرة تشوفه بهالضعف الشديد ..
انفتح المصعد ، طلعوا وتبعت وليد اللي توجه لشقتهم .. كان واقف قدام الباب ينتظرها تفتحه ، توترت كونه ما أبعد لها المكان .. فتحته بيدين متوترة وبسرعة البرق تخطاها وولج لداخل مع فهد واختفى عن عينها ..
فتح باب غرفة فهد بخطوات سريعة ، ومدده على السرير .. توجه للمكتب الصغير بالزاوية وطلع الدواء أخيرًا ، ساعد فهد على ابتلاعه ، طلع جهاز الأكسجين ، حقنه بعلبة دواء مخصصة وركبه على أنفه وفمه .. جلس بجنبه على السرير يراقبه بضيق وعقله وقلبه مشغول فيه ، انتابته هذي الحالة آخر مرة قبل شهر .. مرض صاحبه يوجعه ، يعتصر قلبه وهو يشوفه يذبل بين يدينه .. !
بعد دقائق قصيرة بدأ يسترجع فهد لونه ، فتح عيونه بتعب وتلفت .. ابتسم وليد بصدق : خوفتني عليك والله !
رفع راسه بعقدة حواجبه وعيونه تتنقل في المكان ، أبعد الجهاز عن فمه شوي وبصوت ثقيل : سحـر ...وينها ؟
فتح عيونه وليد وللتو يستوعب إنها معهم ! ضرب جبهته : اوف نسيتها ! .. -وقف بسرعة - تلقاها بالمجلس ، بناديها تجلس عندك وبنتظر برى
وقبل لا يسمح لفهد يتكلم توجه خارج الغرفة قاصد المجلس .. لكن قبل لا يوصل انصدم بالباب المفتوح وهي واقفة بجنبه بقلق وبمجرد ما شافته استعدلت بوقفتها ، تقدم عند الباب وبهمس متضايق : ليش ما دخلتِ.. سحر ؟
سحر لمت كفوفها ونزلت عيونها ، ترددت تدخل لشقة تعرف إنها لأخوها وصديقه العزابي فقط !
فتح الباب على مصراعيه : ادخلي لاتوقفين هنا ..- دخلت بخطوات بطيئة وتردد ، وصلها صوته هامس وهي تمر بجنبه - آسف ، اضطريت أجيبك هنا .. البيت بيت أخوك مو أحد غريب
هزت راسها علامة تفهم بدون ما تتكلم ، تقدمها ليدلها على غرفة فهد .. أول ما دخلت الغرفة ارتفع صوت آذان الفجر ، تقدمت وجلست على كرسي المكتب بزاوية الغرفة .. بينما وليد تقدم لفهد ، تفقده .. عدل المخدة بحيث يسترخي فهد بشكل مريح : أنا بطلع للمجلس ، إذا حسيت بشي أنا موجود
هز راسه فهد بدون تعليق ، توجه وليد للخارج وقبل لا يطلع لف على سحر : إذا ساءت حالته ناديني على طول
راقبته وهو يطلع ويقفل باب الغرفة تارك لها مجال ترتاح ، تقدمت لفهد بهدوء .. ملامحه مسترخية وتنفسه بدأ ينتظم ، أبعد الجهاز عنه للمرة الثانية وتكلم بصوت مبحوح : اعذريني .. انجبرنا نجيبك هنا .. بعد شوي بنوصلك
هزت راسها نفي : لا تشيل هم ، انت تعبان .. بكلم السواق يجيني
عقد حواجبه بضيق من ردها : لا .. لا تروحين وحدك بهالوقت !
هزت راسها إيجاب : ولا يهمك ، بس الحين رجع الجهاز عليك ..
ركب الجهاز واسترخى ، بينما هي راحت تجلس على المكتب من جديد .. تأملت نفسها لثواني ، فصخت الكعب تريح رجولها .. جلست لفترة مستندة على الكرسي تراقب الوضع ، فهد ارتخت ملامحه وعيونه منسدلة بأريحية .. تنفسه يدل إنه دخل بنوبة نوم ، هزت رجلها بتوتر .. ما تعرف وش تسوي ، لكن الأكيد إنها تبي الحمام تمسح المكياج والمناكير وتتوضى للصلاة ، ما تعرف كيف تتصرف بهاللحظة .. فهد تعبان ونايم ومو يمها ، قبل لا تدخل الغرفة لمحت دورة مياه قريبة جنب الغرفة مباشرة .. ترددت هل تخرج من الغرفة أو لا ، وش بتسوي إذا قابلت وليد .. كيف تدخل الحمام ؟ انتابها إحساس بإنه مكان محظور على بنت مثلها بشقة عزاب ..
طلعت جوالها ، كانت تنوي ترسل لوليد تستفسر عن وجوده .. لكن تذكرت إنها حذفت رقمه من زمان ، كانوا قديمًا يتبادلون الرسايل تحت غطاء ( شهد أخته ) حتى انكشف لها هيامه بها ، وقطعته نهائيًا .. تمنت إنها ما حذفت الرقم بهاللحظة ، لكن خطر على بالها حسابه بتويتر .. بسرعة دخلت تويتر ، فتشت عن حسابه بين ( المتابعين لها ) وبسهولة لقته .. كانت آخر تغريدة له قبل ست ساعات:
( عبارة عن صورة قديمة لمراهقين أشعثين ، كل واحد مرخي ذراعه على كتف الثاني .. وتعليق " صورة التقطت لآخر يوم لي في الثانوية ، أنا مستند على أكثر الأشياء ثباتًا في هذا العالم ، أخي فهد )
تأملت الصورة والعبارة الدقيقة ، ليتضح لها مدى العلاقة الوطيدة اللي تجمعه بأخوها فهد .. انتقلت لزر الرسالة بعد تردد صغير ، كتبت بسرعة لئلا يتغلب عليها التردد
( موجود ؟ )
انتظرت لخمس دقائق حتى وصلها رده ( فهد بخير ؟ )
( بخير ، نايم .. بس عادي أطلع المطبخ ؟ )
اختارت المطبخ لتظهر أكثر لباقة من ( دورة المياه ) ، وكأنها قرأت ضحكته من بين السطور رغم إنه رد بـ ( خذي راحتك ، أنا طالع أصلي )
تنفست الصعداء ، كانت نيتها فقط تنبهه لا يدخل ونجحت .. فصخت عبايتها وتركتها على الكرسي
دخلت دورة المياه وقفلت الباب ، كانت نظيفة ومرتبة لا تظهر وكأنها لشباب ، وقفت قدام المراية وهي تمسح المكياج والمناكير بمناديل خاصة ، توضأت .. وقفت عند الباب لثواني تنصت لو في أي حركة ، ارتاحت والهدوء يعم المكان .. طلعت بحذر ودخلت الغرفة مثل ما خرجت منها ،
تلفتت وشافت سجادة صلاة على الكومدينه ، أخذتها وبدأت تصلي .. أنهت صلاتها وما تحركت من مكانها ، ما تعرف وش تسوي ؟ وجودها هنا أكبر غلطة ، في قمة تفكيرها كانت تلعب بأصابعها .. وفجأة هبت واقفة وهي تلاحظ إن دبلتها مو موجودة ، تذكرت إنها فسختها عند مغسلة الحمام قبل لا تتوضأ .. وقفت ، فسخت عبايتها وتوجهت للباب وقلبها مطمئن إن وليد غير موجود ..
فتحت الباب وطلعت وهي لافة تقفله ، ومجرد ما استدارت جمدت مكانها وهي تشوفه بثوبه وأزراره المفتوحة والشعر محيوس وعيونه مسلطة عليها ..
كان بالمطبخ المكشوف كليًا على الصالة ، مستند على الدولاب وبيده كوب مويا للتو أنهاه .. رفع عينه بتلقائية لها و تبعثرت قوته وهو يشوفها بفستانها القصير واللي يظهر معالم أنوثتها بشكل صارخ ويوجع قلبه .. شعرها القصير جدًا يكشف عن نقطة ضعفه عنقها الطويل واللي يزينه عقد لؤلؤ .. زفر هواءه الحار وزم شفاته ، هي أقل من ثانيتين حتى اختفت من جديد لكن هذي اللحظات قلبته وشدت نبضات قلبه ، أعادته لنقطة الصفر بعد ما تناساها وظن إنه نساها ..
جلس على الكرسي يستعيد أنفاسه بعد ما سلبتها ، مسح وجهه بكلا كفينه ..
أما هي دخلت الغرفة وقفلتها وتنفسها يزيد .. ما توقعت وجوده أبدًا ، لعنت نفسها كونها فكرت تطلع ..
لبست عبايتها وتكتفت بها ، راقبت فهد تتمنى يصحى ويرجعها لبيتهم وترتاح .. وكأن أمنيتها وصلت لروح فهد وفتح عيونه بتعب ، فزت عنده بسرعة تتأمله وتذكرها بوجوده ..
نطق بهمس : كم الساعة ؟
جلست على طرف السرير قربه : خمسة الفجر
مرت دقيقة صمت وهو يستوعب ما حصل له وسبب وجود أخته سحر بجنبه ، استدرك ونطق بصعوبة : وليد وين ؟
هزت كتوفها : مدري ، يمكن في المجلس !
سعل سعال خفيف ، اعتدل بعد ما هدأ وهو يلحظ توترها : الحين نوصلك .. بس بصلي
وقف بتثاقل وتوجه للحمام يتوضأ ، أنهى صلاته بعد معاناة وهي تراقب حركاته الثقيلة ..
وقف متجه للمجلس وهي تتبعه وقفت برى المجلس بحيث تسمعهم تنتظر فهد ،
كان وليد مرخي جسده وعيونه في الفراغ سرحانة .. مجرد ما شاف فهد فز واقف : ليش قمت ؟
فهد بضيق : بنوصل سحر
وليد اللي حس بوجودها بالخلف ، تأمل ملامح فهد التعبانة بضيق : فهد .. أنا بوصلها تطمن ، أنت ارتاح
فهد عقد حواجبه يفكر وهو فعلًا حيله مهدود ، مفعول الدواء مازال فيه يسلب قوته .. تابع وليد يشجعه وبهمس ما يوصلها : تطمن عليها معي ، دامها أختك فهي بعيوني
لف فهد لسحر يستشف ردة فعلها ، كانت بترفض لكن نظرة التعب على فهد خلتها تتراجع .. نطقت بهمس وهي تهز راسها : خذ راحتك فهد
انزاح ثقل كبير على فهد ، لف على وليد : خلاص وصلها بس لا تسرع ، وخذ سيارتي !
هز راسه وليد ومر متجاوز سحر للباب ، فهد تقدم لسحر وبإبتسامة يطمنها : وليد أخوي الثاني ، تطمني .
هزت راسها ولفت تلحق وليد ، نزلت تتبعه وهاهم أخيرًا في السيارة ..
تحركت السيارة والهدوء يطغى عليهم ، مرت دقائق وهاهي الشمس أخيرًا تظهر أول خيوطها ..
قطع صمتهم صوتها مستفسر : أخوي فهد .. وش فيه ؟
مارد بسرعة ، رفع عينه لها وبسخرية : مفروض أنا أسألك ، هو أخوك أنتِ ، كيف ما تعرفين !
زمت شفاتها بغيض من أسلوبه الساخر على توتر العلاقة بينهم وبين أخوها الكبير .
رد أخيرًا : ورم رئوي
شهقت بصدمة وحزن / خوف على أخوها : ليش ما قال لنا !
تابع يطمنها : ورم حميد ، لا تخافين .. ومافي مجال يتطور
هدأت روحها على كلامه ، لكن الحزن ما زال ياكلها عليه ..
طغى الصمت عليهم بقية الطريق ، أخيرًا شارفوا على الوصول .. كانت مطمئنة كون السيارة سيارة فهد ، بحيث لو أحد لمحها تخرج منها ما تساوره الشكوك
وقف بجانب الفيلا من الجهة الخلفية ، فتحت الباب وقبل لا تنزل سمع صوتها : شكرًا وليد .. تعبناك معنا
ونزلت
-
في مكان ومشاعر أخرى تمامًا ..
الظلام يغطي الغرفة ، عدا عن أشعة الشمس اللي تتسلل على جسدهم باعثة الدفء فوق الدفء اللي يختلجهم ..
كان حاشرها بجسده بتملك ، يراقبها بسكينة من دون ما تحس ، الظاهر التعب هدها ودخلت بنوبة نوم عميق .. على عكسه اللي يدب النشاط فيه مطير النوم عنه ، ابتسم بدفء وهو يمرر أصبعه على وجهها .. بدايةً من جبينها ومرورًا بعيونها وأنفها حتى شفاتها المكتنزة .. زادت ابتسامته وهو يذكر خجلها القاتل الليلة الماضية ، كانت أشبه بعصفور بردان .. أقلقه توترها ، هدأ من روعها بكلمات مطمئنة وحضن طويــــل دافئ يطمئنها فيه ، حتى تجاوبت معه أخيرًا بعد إحساس الأمان اللي غمرها فيه .. مضت ساعتين ولازالت نائمة ، والوقت يداهمهم .. رحلتهم لأسبانيا بعد ساعة ونصف
عانقها بقبلة دافئة علّها تحس وتفيق ، وفعلًا تحركت بعقدة حواجبها غير مستوعبة ..
شوق رمشت أخيرًا رمشة تلامس خده القريب ، فتحت عيونها بنعس وكسل واصطدمت فيه .. سرعان ما استوعبت وغرقت بخجل كبير ملازمها ، غمضت عيونها تتظاهر بأنها مازالت نائمة .. كانت تتمنى لو صحت قبله حتى تتسلل بكل أريحية ، نبضات قلبه تشعر فيها وكأنها في قلبها من ملامسته لها .. وصلتها صوت ضحكته الخفيفة على حركتها ، وحتى يزيد إحراجها متلذذ بحمرة وجهها .. راحت أصابعه تلعب بعنقها وانحناءات جسدها ومع احمرار وجهها ورجفة شفاتها تعالت ضحكته ، همس بمتعة وكفه تستقر خلف ظهرها : داري إنك صاحية ، خلاص قومي عاد
زمت شفاتها ولا زالت مغمضة تلعب دور النائمة .. أنقذها رنين جواله العالي ، بتكاسل ابتعد عنها ووقف تاركها خلفه .. توجه للتسريحة مكان جواله ، ابتسم وهو يشوف اسم المتصل : يا هلا بالعريس !
أخوه بدر بضحكة مرحة : أهلًا بالعريس ، صحيتوا ولا باقي ؟
بندر مرر يده على شعره وهو يلف لشوق اللي استعدلت بجلستها أخيرًا منتهزة بعده عنها ، وهي لافة اللحاف حولها تغطي جسدها عن عيونه ، جاوب أخوه وهو مبتسم : تونا صحينا ، وش هالإزعاج اللي عندك ؟
بدر تنفس بقوة : طالعين نفطر .. - وبشكوى- الله وكيلك مانمت ومن الفجر جالسين نهجول بالشوارع !
اعتلت بندر ضحكة على وضع أخوه : مو صاحيين !
بدر : هذي هي عروسي جات ، خلاص أخليك كنت بنبهك تصحى .. أشوفك بالمطار
بندر وهو يلمحها تقوم باتجاه الحمام نطق بسرعة : زين يللا
قفل الجوال وأسرع خطواته لها ، رمى اللحاف عنها ولمها له ساحبها معه للحمام
-
عند بدر ،
مجرد ما قفل الجوال دخلت عنده بالسيارة وهي حاملة كوبين قهوة باردة : أنا العروس وأجيب لك القهوة ! مو مفروض أنت تجيبها
ابتسم بحب وهو ياخذها منه : والله طابور الشباب طويل بنجلس ساعة عليه - لف عليها وضربها بخفة بمرفقه وبإبتسامة : بعدين وش فيها زوجتي تخدمني !
ضحكت وهي ترتشف القهوة : لا لو سمحت لا تفكر إني أخدمك بيوم من الأيام ، هذا تفضل مني عليك
تابعوا مشوارهم والراحة تسري بروحها ، وعدها ما يقرب منها وتكون بحكم الزوجة شرعًا إلا بعد ما يتأكد إنها تهيأت نفسيًا وجسديًا له ، قربه بهالشكل يبعث السلام لقلبها .. وقربها منه أقصى مناه ومنى طفولته ، تمكينها منه مسألة هينة بيصبر عليها لأجلها ..
-
مرت 3 أيام
كان يجلس وحده بمكتبه الكبير ، يأكله التفكير من المسألة اللي طرحها عليه إخوانه الاثنين .. أحمد ويوسف ، كان مجرد اقتراح ونصيحة أخوية ، لكنها سلبته النوم .. انفصل عنها من سنين ، والحين رجع ينفتح الموضوع !
هي .. كانت زوجة مخلصة ، ما ينكر العشرة الحسنة بينهم ، لكن مشاكل وعدم توافق بينهم أدى لانفصالهم أخيرًا .. اقترحوا عليه يلم شمل عائلته من جديد ، مابقى من العمر إلا قليل .. بنته الوحيدة والصغرى مرضها اللي سلب منها الحركة كأي بنت بعمرها تصارع مرضها بعيد عنه .. وكواجب أبوي كبير يقوم برعايتها تحت جناح بيته ، لكن اللي شاغل تفكيره هو ردها ! ، لأول مرة من طلاقهم يفكر بعودتها لعصمته .. جلس وحده لساعات غارق بتفكيره .. وأخيرًا قرر
تنهد بهم كبير ورفع السماعة : بلغ رايد يجيني بسرعة .
دقائق معدودة حتى انفتح الباب وطل منه ابنه رائد : هلا يبه ، آمر
اعتدل بجلسته وأشر لابنه يجلس ، نطق أخيرًا : أختك ميرا ، شفتها قريب ؟
هز راسه رايد : ايه لسى أمس الليل كنت عندها ...
صمت أبوه مو عارف كيف يبدأ ، نطق رائد وابتسامة داخلية تعتليه .. الظاهر الموضوع اللي كلمه عنه أحمد بدا يجيب مفعوله : آمر يبه .. في شي ؟
شبك كفوفه ببعض واستند برأسه عليها : أمك ..
سوى نفسه متفاجئ : وش فيها أمي الله يخليها ؟
تنهد بقوة أبوه وأراح ظهره للخلف : مو عاجبني وضعكم وأنا أبوك .. أختك مريضة وأنا بكل مرة أزورها أحس بالحرج ، هي بنتي وأبيها تتعالج وتقوى تحت عيني .. وتعرف ... وضع أمك مو ذاك الزود
تكلم رائد بحمية يدافع عن خاله قدام أبوه : خالي مو مقصر يبه ، وأنا ولدها .. كل اللي تبيه تامر به بس
ابتسم على لهجة ابنه : الله يديمك لها ذخر .. خالك ما قلت عنه شي ، رجال والنعم فيه .. لكن يظل وضعنا أفضل منهم بكثير ، ليش نكلفه هم فوق همه ؟
رائد تكتف : بالمختصر يبه وش تبي ؟ تبي تجيب ميرا عندك أقولك من الحين هي رافضة ومحد بيقوم فيها مثل أمي
تنفس عمر وبهدوء : إذن نجيبهم كلهم عندنا !
رفع حاجب رائد وكل مراده أبوه ينطقها : شلون ؟
أبو رائد : أرجع أمك لعصمتي
ابتسم بانتصار أخيرًا : الساعة المباركة والله يا بو رايد !
أبوه وقف : قوم نادي عمامك وقولهم يتجهزون ، وأنا بروح أجيب جدك .. بكرة خالك مسافر مافي وقت
خلال نصف ساعة كانوا مجتمعين ببيت أم رائد اللي انصدمت من الطلب ، بعد كل هالجفاء والسنين يفكر أخيرًا يرجعها ؟ ، مشاعر الحب غير موجودة بينهم .. لكن المودة والرحمة غصب تجمعهم
ما خفت عنها فرحة بنتها ميرا اللي راحت تترجاها بعيونها ! .. تأملتها وبداخلها تفديها بكل روحها ، إن كانت بتوافق فهو فقط لأجلها .. لفت على أخوها الكبير : موافقة
ضحكت ميرا بمجرد ما سمعتها ، رفعت يدينها وحاوطت أمها بامتنان كبير ..
كان لهذا الحدث أثر كبير على العائلة ، أقيم عشاء فخم في بيت الجد بعد ما تم كتب الكتاب ..
ماخفت فرحة ميرا عن الجميع ..
وهاهم أخيرًا في بيتهم بعد غياب سنين ، رائد دخل ميرا غرفتها بفرحة كبيرة : يا هلاااا والله أسفرت وأنورت الدنيا .. أم رائد وأخت رائد أخيرًا !
ريتاج اللي كانت بالغرفة تجهزها وترتبها ، عدلت المخاد لميرا : اي والله ، أخيرًا بيرجع حس البيت ! ، خاصة بعد ما راحت ملاذ
كان جواب ميرا الوحيد هو الابتسامة الكبيرة ، تركوها ترتاح وطلعوا لجناحهم ..
استلقت براحة فاقدتها من زمان على سريرها ، أخذت الجوال وفتحت الواتس .. أرسلت رسالة مطولة تحكي جميع التفاصيل للمجموعة اللي تجمعها بـ شوق وتالا فقط .. ضحكت لقهر تالا كون هالحدث العظيم فاتهم .. أما شوق كانت الفرحة فعلًا غامرتها ، تركت الجوال بعد مافرغت اللي داخلها أخيرًا .. وبمجرد ما استرخت فزت بخوف على صوت خبط خفيف على الشباك !
كانت تقدر تشوف ظلاله من خلف الستارة ، تنهدت بحنين لتلك الأيام .. من طفولتهم كان دائمًا يسوي هالحركة بمشاغبة وتخويف ، كون غرفتها مطلة على سيب صغير خارجي مجهز بجلسة خاصة من تصميمها .. اعتدلت بجلستها ، سحبت الكرسي القريب منها وبصعوبة سحبت نفسها له .. حركته متوجهة للشباك الكبير ، أزاحت الستارة ومثل ما توقعت كان طالع على الكرسي ومتمسك بالجدار ينتظرها ..
ناظرته بضيق بدون أي تعليق ، أشر لها بكفه تفتح الزجاج .. زفرت بضيق وهزت راسها نفي ، ترجاها بعيونه وشفاته اللي ما يوصلها صوته .. ترددت في البداية ، لكن خضعت أخيرًا وهاهي تفتح الشباك كامل ..
راكان ، دفع بنفسه للأعلى وجلس على طرف الشباك من دون ما يدخل لداخل الغرفة ..
ابتسم : أخيرًا ميرا !
تابع بفضفضة : تدرين إني صاير مو طايق البيت ! ، ما أجي إلا الليل أتطمن على أمي ..
تكتفت وأراحت ظهرها على الكرسي تسمع لثرثرته .. لف عليها وبإبتسامة حنونة : فقدت حسك والله ، عرفت مقدارك عندي ..
تقدمت وقربت له ، سحبت جواله بمباغتة من جيبه ، مسكت أصبعه ووثبتتها على الزر لينفتح لها .. تفاجأ من حركتها ، تابعها وهي تطقطق عليه وأخيرًا حطته قدام وجهه .. قرأ المكتوب بعقدة حواجب ( في شي ثاني كمان ؟ لأني تعبانة وأبي أنام .. لا تفسد الفرحة اللي أحسها )
تأملها لثواني .. شعرها الأسود الطويل معقود بظفيرة ، وجهها وجسدها اللي نحفوا كثير وكأنها فقدت عشرة كيلو .. نطق بصوت هامس : زين - رفع أصبعه كتهديد - بس لا تفكرين تهربين مني !
سحب جواله من يدها وقفز من الشباك لأسفل ، المسافة بسيطة وغير مرتفعة .. تقدمت شوي تراقبه وهو ينفض يدينه .. رفع راسه لها وبمباغتة ضم شفاته بقبلة هوائية أرسلها لها ، فتحت عيونها بصدمة وسرعان ما شافته يضحك بشقاوة قبل لا يعطيها ظهره ويبعد .. تنهدت بنرفزة منه وتراجعت للخلف تنام .
-
منعزلة في غرفتها ، الحزن ياكلها .. مسكت جوالها تسترجع الرسائل النصية اللي تمت ليلة البارحة
( هي : أعتذر أحمد ، أتمنى ما تفهم غلط ، بس كنت عاجزة عن شكرك )
بعد ساعتين ( أحمد : انسي الموضوع ، أنا ما أشوفك غير بنت ثانية لي .. الله يوفقك ، وانتبهي لعمرك .. حافظي على قلبك ولا تتركينه سبيل ، مازلتِ يا بنتي بعمر الزهور )
حافظي على قلبك ولا تتركينه سبيل ! هالعبارة شطرتها نصفين ! ، سبيل ؟ سبيل فقط لأنه سمح له بالدخول والاطمئنان فيه ! ليه يستهتر فيها وفي قلبها ! رسالته هذي سلبتها النوم من أمس .. أيقنت إنها فعلًا تقاسي اتجاه وهم وسراب ، مهما حاولت الفارق العمري بينهم يجبره يشوفها مثل بنته بشكل فطري ، قرأت ردها اللي كتبته وهي بقمة جرحها وقهرها منه : ( سبيل ؟ شكرًا لك .. ممكن أجل تعلمني كيف أحول هذا السبيل لطريق مسدود ما يدخله أحد ؟ شاكرة لك سخريتك مني .. ما ألومك ، أظن إني ورطتك مع وحدة ما تشوفها غير مراهقة ساذجة .. ليت الصدفة ما جمعتنا وليتني مت قبل ذاك اليوم )
وصلها رده مباشر ( الله يسامحك ، ما أسخر منك ، منى .. لا تضيعين عمرك بهباء منثور مازلتِ صغيرة .. صدقيني بتكبرين وتفهمين .. الله يوفقك )
ضمت نفسها وهي تبكي بقهر على عمرها الضايع ، معقول يكون اللي تحسه مجرد نزوة ؟ لأن مافي أحد قدامها غيره تعلق قلبها فيه ؟ زفرت بحزن علها تخفف النار اللي تاكلها .. سحبت جوالها من جديد ، وبعصبية كبيرة حذفت رقمه .. قامت وتوجهت لدولابها ، طلعت من الدرج الأعلى كيس قماشي رقيق .. تأملت الشماغ اللي داخله ، القطعة الحمراء اللي رافقتها سنين ، ناظرته بغيض شديد ورمته فوق الدولاب ..
بهاللحظة انفتح الباب ، لفت لريان اللي دخلت بضيق : منى .. يكفي عاد ما تبين تطلعين من الغرفة !
بضيق توجهت لسريرها : لا
تقدمت ريان وجلست بجنبها على السرير ، وبحنان : ماودك تقولين لي وش فيك ؟
زمت شفاتها بحزن ، مافيها تحكي عن خيبتها وسخريته !
ريان بإبتسامة : على راحتك ، بس ... ما سمعتِ آخر خبر !
هزت راسها نفي وهي تنسدح معلنة نهاية الحوار : لا
ريان تربعت : أم رايد جارتنا رجعت لزوجها !
لفت باستيعاب والخبر يشدها : متى ؟
ريان : اليوم .. - وبضيق - يعني خلاص ماعاد لنا جيران ، والبنات ما بنشوفهم كثير !
فتحت عيونها بصدمة ، يعني حتى هو مارح تشوفه مصادفة أبدًا بعد اليوم ! حتى آخر سبيل بينهم انقطع ، وكأن كل شي ضد حبها الغريب !
رجعت تضم لحافها وبحشرجة صوتها الضيق : خلاص اطلعي بنام
قامت ريان بضيق من حالة منى : زين .. وترى ياسر رجع قبل العشاء ، لا تنسين تسلمين عليه
هزت راسها من تحت اللحاف ولا علقت ، وبمجرد ما أغلقت ريان الباب انخرطت ببكاء مكتوم
أما ريان ، طلعت من الغرفة وتوجهت لغرفتهم .. قفلتها ووصلها صوته : شلونها ؟
ريان تنهدت : بخير لا تشغل بالك
ياسر بضيق : لو أدري وش فيها بس !
جلست بجنبه ومسكت كفه ، بإبتسامة حنونة : عادي لازم الواحد ينفس .. بكرة تلقاها رايقة
ابتسم لها من دون تعليق .. تمددت على رجله وسحبت كفه لشعرها ، تجاوب معها وراح يمسح راسها بخفة ، نطقت : وخالتي كيفها ؟
ياسر بهم : مثل حالتها ، ما طلعت من المستشفى .. برجع لها وننقلها هنا بالرياض
سحبت كفه وقبلتها : تطمن ، كل شي بيكون بخير لا تشغل بالك ..
نزل لمستواها وطبع قبلة امتنان على راسها
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل الرابع وأربعون 44 - بقلم HaboOoshy
وكيف يتمّ بأسك في أناسٍ
تصيبهم ، فيؤلمك المصاب ..
- المتنبئ .
؛
؛
بالشقة البعيدة ،
كان جالس بالمجلس وحده ، يتأمل الخاتم اللي بيده .. خاتم ذهبي أنيق ، منقوش بداخله اسمها واسم خطيبها ( سحر ، عبدالله )
يا ترى معقولة ما فقدته ؟ ، هل يعني لها هالخاتم كثير ؟ .. ماذا لو أنهى وجود هالخاتم ؟ هل بينتهي كل شي وبيختفي اسم عبدالله !
زفر بضيق على حالته الصعبة ، يهوجس بأشياء مالها أساس ! ، كله من وجودها ذاك اليوم بالشقة .. لو ما جات ما كانت هذي حالته !
وقف ودس الخاتم بجيبه .. توجه لغرفته حيث ينام أبوه ، وبهدوء وثقة رمى الخاتم بسلة القمامة ! من دون أي تأنيب ضمير !
كان ناوي يتمدد على سريره ، لكن الصوت الصادر من برى منعه .. طلع عند فهد اللي للتو رجع وهو حامل بيده الطفلة الصغيرة " هديل " ، كان يلاعبها ويضحك بسعادة .. وخلفه تقفز شهد بمرح ، بمجرد ما شافته ركضت له وضمته : ولييييييييييد !
نزل لمستواها وضحكة تتسلل له ، حملها لفوق ودار فيها بينما هي تصرخ بمرح
فهد ابتسم لمنظرهم اللي فقده من زمان
وليد نزلها : اشتقت للإزعاج
فهد بضحكة : جبتها علها تحرك شوي من برود الشقة
ابتسم وليد وتقدم ، حمل هديل عن فهد وراح يعفس وجهه لها علها تضحك .. : شكثر اشتقت لها هالنتفة !
فهد ترك الأكياس اللي كان حاملها على طاولة المطبخ : بالغصب سمحوا لي آخذها معي ... تغديتوا ولا أطبخ لكم معي ؟
وليد جلس تارك هديل بحضنه تلعب بميدالية المفاتيح بينما شهد تحوس بالشقة : أبوي غديته .. أنا باقي ، تكرم لي واطبخ
بدأ فهد يطبخ بحماس بعد نوبة التعب اللي داهمته مؤخرًا وأردته جالس .. تشاركه شهد بمرح ، بعد مدة وسوالف عابرة ، رفع راسه لوليد وكأنه تذكر : صحيح ، شفت خاتم غريب بالشقة ؟
وليد وكأنه انلسع ، تدارك نفسه ونطق : اممم فيه سوار وساعة كانت بالحمام ، حطيتها بغرفتك ما شفتها ؟
فهد تابع تحريك الرز على النار : إلا شفتها .. بس ماشفت خاتم معها !
وليد ببراءة : تلقاه طاح
ابتسم فهد : مو مهم - بضحك تابع - سحر مكلمتني اليوم تسأل عن الخاتم خصيصًا .. تعرف البنات يقدسون هالخرابيط !
ضحك وليد بجمود مخفي ملامحه عن فهد : إلا بسألك ... متى زواجها ؟
فهد رفع عينه لوليد يستشف مشاعره اللي ماخفت عنه : بعد شهرين !
نزل راسه وليد يتابع لعبه مع هديل : الله يوفقها
فهد وزع الرز والدجاج على الصحن ، قربه لوليد وجلس مقابله .. : وليد .. لازم تشغل نفسك ، قدم على أي وظيفة تنفعك
وليد بضيق من هذا الموضوع : ناوي أطلع للشرقية أو البحرين .. أحس الرياض تقتلني ، خاصة بعد ماجوا خوالي ، مو طايق أحد الله وكيلك .. بس يمر هالشهر وتسوي عمليتك وبعدها نطير لهناك سوا .
فهد نقل نظره لهديل المستكينة بكرسيها .. قاطعه وليد : لا تشيل هم ، حتى هديل نقدر ننقلها للشرقية .. لقيت بيت هناك زين وكبير
فهد كان يراقب حماس وليد بصمت ، تابع وليد : تدري أفكر نفتح مشروع صغير تديره انت .. كوفي على قدنا - بضحكة ممزوجة بنشاط - عندنا خبرة ، ولا نسيت ركن القهوة اللي اشتغلنا عليه أيام الجامعة ؟
ضحك فهد بمرح على ذكرى الأيام الماضية : الله ! قسم خاطري نرجع له
وليد ابتسم : عاد حلمك تمسك كوفي وتضبطه .. وعيادة صغيرة خاصة بجنبه افتحها لي
فهد والفكرة راقت له كثير : والله فكرة جازت لي .. زين نشغل نفسنا هالأيام تخطيط ، الديكور علي !
قاطعهم صوت جوال وليد : هذا طلال .. بشوف وش يبي
-
بتورنتو :
كانت واقفة على طرف الرصيف بين الجموع الغفيرة ، بكل استمتاع تُطرب للموسيقى اللي يعزفها رجل هرم وحفيده الصغير ..
انتشلها من غرقها في تفاصيلهم يده اللي انحطت على كتفها : وينك ! خوفتيني عليك
لفت عليه بابتسامة : هنا مابعدت
جواد ناولها قطعة الحلوى التقليدية : راقوا لك !
ابتسمت بانتعاش : مررررة جواد
وقف معها ينتظرهم ينتهون ، دامها مستمتعة فهذا يكفيه .. مضى على وجودهم بكندا أسبوع ونصف ، أسبوع ونصف لكنها اعطته فيها عمره كله .. حبيبة الطفولة وصديقته وأمه ، الاندماج فيما بينهم يلحظه الغريب قبل القريب .. وكأنهم ماخلقوا إلا ليكملوا بعض
انتهى العازف أخيرًا ، تركوا له بعض النقود .. تشابكت أصابعه مع أصابعها ومشوا يستمتعون ببقية يومهم .
-
بأرض الوطن ..
كان جالس على لاب توبه ينهي بعض أشغاله .. رفع راسه لمشاعل اللي وقفت قدامه تمد له كوب القهوة ، أخذها بابتسامة : تسلم هاليد والله
جلست بجنبه بعد ما أخذت كوبها ، ترددت لكن نطقت بالأخير : خالي ..
رفع راسه باهتمام : آمري !
ابتسمت بعذوبة : ما يامر عليك عدو .. كنت بسألك بس متى ترجع لمار ؟
وكأنها فتحت جرح عميق مايتداوى ، قفل لاب توبه : لا تسأليني !
مشاعل : ورهام ؟
تعلقت عيونه بعيونها من دون تعليق .. نطقت بحزم : ترى واضح إنك عايفها ! - بقهر - طيب ليش تزوجتها دامك ما تبيها ؟ هدمت حياة البنت وحياة زوجتك معها ! - وقفت بضيق - بس هذا أنتم الرجال ، مايتغير طبعكم !
كان مصدوم من كلامها ، لأول مرة تعترف له بملاحظتها اتجاه ريهام ! ، كان ناوي يوقف يلحقها .. لكن صوت جواله قاطعه ، رفعه واعتلاه الاهتمام الشديد وهو يشوف الاسم ! ( وليد ) ! نسى آخر مرة قابله فيها ! مستحيل يذكره لله في الله !
فتح الجوال وهو مستعد لأي خبر يسمعه : هلا وليد
وصله صوت وليد : أهلًا ... - كان صوته مو رايق أبدًا مما زاد توتر وائل - بس .. أبيك لو سمحت تشرف بمستشفى ****
الخوف تملكه ، هذا نفس المستشفى اللي تراجع فيه لمار حملها ! : وش فيه ؟ صاير شي ؟
وليد بعد صمت : تعال ونتكلم هناك !
قفل الجوال بسرعة ، لبس ثوبه والهم معتليه .. كل الاحتمالات خطرت في باله ! ، نزل لسيارته وبسرعة جنونية قادها .. خلال 20 دقيقة كان قدام المستشفى
مجرد ما دخل من البوابة الرئيسية لمح وليد واقف عند الكراسي وواضح إنه ينتظره .. تقدم له حتى انتبه له : إن شاء الله خير !
وليد كانت ملامحه جامدة ، تأمل حال وائل والقلق اللي ياكله ، زفر أخيرًا وفجرها : الجنين مات ، الله يعوضك !
وكأن طوفان كبير دار فيه وارتطم به الأرض ! ، ما استوعب ! .. طفله اللي ما حس بوجوده راح ؟ بكل بساطة راح ! باقي ما حضنه ولا سمع نبض قلبه برحم أمه ! شلون يروح بهالسهولة ! يا ويل وجع قلبه ..
صحاه صوت وليد اللي لاحظ مدى الصدمة ولا توقعها بعد ما مسك كتفه : وائل ! استهدي بالله .. هو باقي جنين ماكسب غلاتكم !
ضاق تنفسه وجلس على أقرب كرسي ، سند راسه على كفوفه وهو مائل بجسمه .. يا سهولة الكلام يا وليد ! ياسهولته وأنت ما ذقته ! اللي يده في ماي مو مثل اللي يده بالنار وأكلته وأحرقته ..
رفع راسه أخيرًا وبوجع : ولمار ؟
ناظره وليد بنظرة عميقة : فوق .. تنتظرك !
وقف بسرعة متحامل الوجع ، لو هو اللي ما عاش مع ابنه إلا أيام قليلة كيف بيكون حالها وهو رافقها شهور بكل لحظاتها وخطراتها ! : كم رقم غرفتها ؟
وليد : 66 .. بس !
لف عليه وائل بضيق : بس شنو ؟
وليد بهمس : ترى نفسيتها تعبانة ، لا تضغط عليها
هز راسه بضيق وطلع تارك وليد خلفه .. صادف بطريقه بعض من أهل لمار .. الجدة ، طلال .. وبعض النساء اللي مايعرفهم ، كانوا يرمقونه بنظرات وكأنه هو سبب إجهاض الجنين ! ، تحامل نظراتهم وتعداهم .. وهاهي الغرفة قدامه ، سند راسه على الباب يقوي نفسه ، طال غيابها عنه .. طال لدرجة إن الرعشة بدأت تسري فيه شوق وحب لها .. أخذ شهيق وزفير ، طق الباب وفتحه بدون ما يسمعها ..
وقف عند الباب بعد ما قفله ، كانت مستلقية ومعطيته ظهرها بشكل آلمه .. تقدم بخطوات بطيئة ، وصله صوتها قبل لا يقرب أكثر : لا تقرب !
زلزله صدها وردها ! مو بهالوقت لمار مو الحين ! أحتاج فقط أواسيك وتواسيني .. تحكين لي عن أيامه الأخيرة ، عن لحظة فقده .. مو الحين الله يسامحك !
نطق بهمس موجوع : لمــار !
كانت لا تزال حارمته شوفتها ، استعدلت بجلستها بصعوبة بالغة .. لفت أخيرًا عليه حتى هاله منظرها ! وكأنها شبح لمار ..
زم شفاته بضيق : الله يعوضنا .. لا تبكـ...
وقبل لا ينهي كلمته نطقت بغيض ولولا تعبها كان صدع صوتها أرجاء المكان : لا تقووول يعوضنا ! .. الله يعوضك ! ، لأن خلاص ماعاد فيه اللي يجمعنا !
شقته نصفين بكلماتها ، كان محتاج منها مواساة ، حضن .. لمسة حنونة ! .. تدارك صدمته وبهدوء تمالك نفسه .. قرب لعندها ورفع كفوفه لوجهها يحاول يضمه : لا تتعبين عمرك يا عمري ، أنتِ الحين تعبانة !
أبعدت كفه بنفور وعصبية : ابعد ... قلت لا تقرب !
تراجع خطوتين متفهم تقلبها : براحتك ، بس هدي أعصابك !
تنفست بقوة بعد التوتر اللي سببه لها ، نطقت أخيرًا : ناديتك ... لأني أبيك تنهي كل شي !
عقد حواجبه غير مستوعب ، تابعت وصوتها يتهدج ببكاء : ماكنت أتمنى يجي الطفل ! عشان ما أضطر لشي يربطني فيك ! .. هذي رحمة ربي ، عفتك يا وائــل ولا عاد أبي طاريك يحيا بحياتي
ضغط على نفسه و لف معطيها ظهره : لمار .. أنا بتركك ترتاحين ! عقبها نتفاهم
صارخت صرخة هزته وأجبرته يلتفت عليها : لااااا ، الحين - انهارت كليًا وكأن خبر وفاة جنينها للتو يوصلها - الحيــــن ، الحيين قولها وطلقني .. أبي عدتي تنقضي بسرعة وأتخلص منك ! مابيك
تقدم لها بسرعة يحاول يهديها كانت تقاومه بضعف شديد ، بهاللحظة انفتح الباب .. دخلت الممرضة وجدة وليد بسرعة .. خلصوها من يدينه وسحبوه برى الغرفة .. كان وليد واقف مقابل الغرفة بأسى لحالة خالته ! لا يزال مصدوم منها .. كيف قدرت تتخلص منه ؟ وهي اللي حاربت الجميع لأجله ! ، كانت ميتمة فيه لدرجة ما تشوف خطأ من أخطائه ! وفجأة انهار كل شي ! ، سبحان من يغير القلوب ! ، خطرت في باله سحر .. داهمته رغبة يسأل خالته عن طريقة تخلصها من حب وجنون زوجها ! عله يستفيد .. ما حس بنفسه وهو يدعي بقلبه ( اللهم يا مثبت القلوب ، ثبت قلبي على حبها )
تحرك بثقل ناوي يلحق وائل اللي طلع من الغرفة ناوي ينزل تحت ولأول مرة في حياته يرق قلبه لحالة وائل رغم يقينه بإنه يستاهل ما يجيه ..
نزل ولمح وائل واقف بعيد وأمامه مباشرة فهد اللي للتو وصل ..
أمسك كتفه وبمواساة : الله يجبركم وائل ، قدامكم عمر تشوفون ذريتكم
وائل اللي كان مستاء جدًا ومجروح منها هز راسه بشكر لفهد ، بادر فهد بلهفة قلبه : امشي معي ، بوصلك ..
وائل كان يحتاج يبعد عن الجميع ويجلس وحده ، أو يطير لرفيقه عزيز اللي يعرف البير وغطاه .. نطق بضيق : ما تقصر فهد .. بس خاطري أمشي وحدي
ما عارض فهد وهو يشوف وائل يروح مبتعد ، وبخاطره لو يلحقه ويوصله ويجلس ببيته .. على الأقل ينعم بقربها !
-
بأرض دبي ،
بأحد الأبراج العالية .. حيث يقام أكبر معرض للرسامين العرب ..
كانت واقفة جنبه بركنهم الخاص ، ركن أنيق يليق بفنان كبير على مستوى العالم العربي .. لكن هذي المرة تختلف كليًا لوحاته ، امتزجت بريشتها مضفية عليها لمسات خاصة يدركها جميع الرسامين والمتذوقين ..
صقر التفت عليها ملاحظ حماسها : شايفة ؟ قلت لك هذي فرصة ما تتفوت ..
ابتسمت بحماس : اي والله ، الحمدلله ما فوتها .. بس ما أعرف شلون تستحمل المعارض !
ضحك ضحكة خفيفة : لازم تتحملين لجل هدفك ! ، صحيح بالبداية تعب .. لكن لذة الإنجاز تذوقينها آخر يوم
جلست على الكرسي بانهاك ، وشربت علبة المويا اللي بجنبها .. تأملت اللوحات حولهم وبإبتسامة حالمة : يالله ! تصدق .. السنة الماضية بس كنت أتمنى لو أحضر لك معرض ، أشوف حسابك وانقهر إني ما قدرت أحضر !
تقدم لها وجلس بجنبها ، مسك كفها : واليوم مو بس تحضرين لي ، إلا تشاركيني وتتفوقين علي كمان !
ضحكت بخفة : أوعدك ما ينتهي المعرض إلا وأنا ساحقة اسمك !
لفوا بشكل عفوي على الفلاش القوي اللي توجه لهم ، ابتسموا للمصور اللي كان يلقط صورة لهم بهذا الوضع ولوحاتهم خلفهم ..
وقف صقر وقال وهو يشير لقدام : هذا هم أهلي جايين أخيرًا !
وقفت تلحقه ، جمدت للحظات وهي تشوف البنت اللي تمشي جنب الجازي أخت صقر ! ، كانت سلامة طليقته ..
خافت يبين التوتر والضعف عليها ، تماسكت مدعية القوة وهم أخيرًا يوقفون قدام ركنهم .. كانت الجازي وأمه يتكلمون بحماس شديد ملتقطين بعض الصور لهم .. بينما سلامة واقفة خلفهم تسحب العربية اللي فيها بنتهم ( فدا ) ، رفعت بصرها له مستعدة إنها تشوفه بحالة هيام وشوق لطليقته ! ، لكن كان واقف بجنب أمه يشرح لها بمرح !
وصلها صوته وهو يسحبها من يدها : وهذي سويناها مع بعض يمه .
أمه راقبت اندماجهم اللي ما توقعته وابتسمت بصدق كبير أخيرًا لتقاربهم ..
صقر .. وصله صوتها اللي اشتاق له كثير : بــابا !
لف على بنته بحنين ونزل لمستواها : عيون البابا !
أصدرت همهمات ما يفهمها غيره وكان يتجاوب معها بشكل جميل .. رفع راسه للي واقفة جنب العربية تراقبه ، كانت تبتسم ابتسامة ناعمة .. : شلونك سلامة ؟
هنا ، ملاك ابتعدت كثير باتجاه أم صقر وأخته .. ما تتحمل تشوف أو تسمع شي ممكن يهدم اللي بنته خلال هالمدة ..
ردت سلامة بابتسامتها : الحمدلله .. شلونك أنت ؟
وقف : الحمدلله ، - لف على ملاك ، شافها بعيدة تشغل نفسها ، رجع بنظره لها - مبسوط مع زوجتي !
هزت راسها براحة : هذا المهم ، أخيرًا لقيت لك وحدة تشاركك اهتمامك
صقر : كملتني وكملتها .. ولقيت روحي معها !
سلامة نطقت وهي تجر العربية : الحمدلله ، هذا اللي كنت أبي أشوفه
ولفت متوجهة للبقية ، قربت لملاك وبصوت ما ينسمع إلا لها بسبب ضوضاء المعرض : أهنيك !
لفت ملاك لها وعقدت حواجبها ، سلامة تابعت : قدرتِ تغيرين صقر ! ، حقيقة السعادة والراحة تنطق بها عيونه !
ابتسمت ملاك : الحمدلله ..
سلامة : كان محتاج وحدة تفهمه وتشاركه ، و مافي غيرك قدر على هالشي .. - مسكت يدها تطمنها - زواجي بعد شهر .. بالإنسان اللي اختاره قلبي ، لا تفكرين بيوم بماضي صقر .. لأنك حاضره ومستقبله ! فعلًا أنا مبسوطة لشوفتكم واقفين مع بعض بمعرض يحلم به كل فنان
ابتسمت ملاك والهم ينجلي عنها ، كانت تخاف ترمي عليها أي كلمة أو صقر تنقلب حاله لشوفتها .. لكن اكتشفت انها أساءت الظن : الله يوفقك سلامة ، الحياة قدامك .
بادلتها الابتسامة : واللي مطمني أكثر ، قالوا لي شكثر بنتي فدا حبتك ..
ملاك نزلت راسها لفدا : فدا بقلبي قبل عيوني ، لا تشيلين همها !
بهالوقت وصلهم صوت صقر موجه كلامه لأخته : جازي فيك تبقين هنا ؟ نبي نلف على كم ركن أنا وملاك
تحلطمت الجازي لكن بالنهاية رضخت ..
سحب صقر كف ملاك ومشى معها ، ضغط على كفها أكثر وبهمس : لاحظت توترك ، لا تشيلين هم .. قلبي تخلص منها والله
شدت على يده أكثر من دون تعليق وبداخلها تدرك مدى صدقه .
جلسة أخوية فقدوها من زمان ..
يجلس ومقابله أخوه الصغير تركي ، الأخ المقرب للقلب وكأنه ابن له ..
تركي وهو يرتشف العصير بتلذذ : تدري ، ناسي آخر مرة عزمتني فيها على الغداء .. -بضحكة- الظاهر فاقد تالا لدرجة تذكرني !
ابتسم أحمد : لا وأنت صادق جايبك للمطعم عشان أفتح شهيتك وأقدر أفاتحك بموضوع
بلع لقمته تركي : أعوذ بالله ! ، ترى كذا تخوفني !
أحمد بهدوء : لا تخاف .. بس لقيت لك عروس !
ضحك تركي بسخرية : بتفتح الموضوع خبرني ، عشان أطلع تارك لك الغداء ..
أحمد بضيق : تركي .. اسمعني ! ، اعتبر هالعمل لوجه الله ..
تركي وقف متنرفز : لا عاد تفتح الموضوع ، أنا وقت مابي أتزوج بجي أقولكم .. البنت اللي اختارها وأبيها مو أنتوا تعرضون علي ! - بسخرية - ولا ليش أنت ما تتزوج !
أحمد تمالك نفسه وتجاهله : زين اجلس كمل غداك ..
لكن تركي ما سمع له وراح تاركه خلفه .. تنهد أحمد بضيق ، العروس اللي كان يخططها لتركي هي منى ! كان جازم إنها بترفض .. لكن قد تلتفت لنفسها وتترك جنونها وتوافق !
-
مضت يومين ..
لبست بجامتها متهيئة للنوم ، جلست على سريرها دهنت نفسها بالكريم والمرطبات .. وأخيرًا استلقت متمددة .. بكرة يوصلها أخيرًا فستان زفافها الأبيض من المصمم ، متشوقة له جدًا مع خوف ترفي بإنه يحتوي على خطأ ولو بسيط .. مع سلسلة خيالاتها غاب عنها النوم ، الهدوء يعم البيت .. والطمأنينة تسري فيه كأي يوم آخر لهم .. جاهلة أنفسهم عن أزواج العيون وكاميرات المراقبة اللي تحيط بهم ، والخطوات الحذرة المنتشرة في أرجاء المكان تحت ضوء القمر ..
تحركت بضجر من الرائحة اللي تسللت لأنفها .. وقفت بحذر ناوية تستكشفها ، نزلت الدرج والريحة تزيد .. شهقت بخوف : غاز !
نزلت بخطوات سريعة للمطبخ ، صادفت بطريقها الخادمة اللي جات مسرعة : ايش فيه مدام ؟؟
سحر بضيق : غـاز .. ليش ما تأكدتِ قبل لا تنامين ؟
الخادمة بقلق : أنا فيه صكر كل شي ..
تقدمت سحر للغاز ، اعتلتها الدهشة وهي تشوف الأنابيب مسكرة بإحكام ..
الخادمة : ممكن يجي من برا
سحر هزت راسها باقتناع : اي يمكن ..
طلعت فوق لدور غرف النوم ، دلفت غرف إخوانها الصغار تتطمن عليهم وتهويها ، كون الرائحة تزيد بشكل موتر ..
فتحت نافذة غرفة أختها الصغيرة وسرعان ما نطقت وهي تشوف زوجة أبوها تمشي بحذر بالحديقة باتجاه المستودع وهي حاملة شمعة : خالتـي !
رفعت راسها لفوق بتوتر : سحر ؟؟؟ ..
سحر بقلق : خالة فيه ريحة غاز ، انتبهي للشمعة بيدك !
خالتها : ايه كنت جالسة استرخي برى وحسيت بالريحة .. قلت أتأكد من الغاز اللي عند المستودع !
سحر نطقت بسرعة وخوف : لا لا تقربين ! يكون التسريب منها وبيدك شمعة ..
بهاللحظة وصلهم صوت قرع الجرس والباب معًا ، سحر عقدت حواجبها باستغراب مين يجيهم بهالوقت ! لكن سرعان مافتحت عيونها بصدمة وهي تشوف خالتها تتعثر بقميصها الطويل وتسقط الشمعة من يدها وماهي إلا ثواني حتى اندلعت النيران حولها بسبب الغاز المتسرب : لااااااااا
التفتت بسرعة لأختها النايمة ، سحبتها : قومي بسرعة !
الصدمة شلتها عن التفكير .. كان جلّ تفكيرها كيف فقط تخرج نفسها وأختها وأخوها وأمهم بأمان .. وصلتها صوت الصرخات المتتالية من خالتها ، غمضت عيونها وهي تسحب أختها وتتوجه لغرفة أخوها تسحبه وهي تطير تحت صياح أختها الصغيرة : ماما تبكي !!!! ماما شفيها .. ماما وينها ؟؟؟
سحبت جوالها من جيبها وللتو تتذكر إنه معها ، وبارتجافة أصابعها فتحته ودقت على الشخص الوحيد اللي باقي لها .. أول شخص طرى ببالها ، بكت بشدة والخادمتين ينضمون لهم : رد يا فهد رد رد .....
وصلها صوته النايم : هلا سحـ...
مجرد ماسمعت صوته انهارت وهي تضم أخوها : فهد تعال ! تعال بسرعة بنموت !
بهاللحظة وصلهم صوت الباب الداخلي يهتز بقوة ، وماهي إلا لحظات حتى انفتح ودخل مجموعة أشخاص بالرداء العسكري بسرعة متوجهين لهم .. سحبوا الأطفال من سحر ، وتمسك فيها أحدهم ، ساندوها : بسرعة اطلعوا ، الطريق للباب الخارجي سالك ..
نطقت بخوف باكي : زوجة أبوي .. الحقوها قبل لا تموت ..
نطق العسكري : عندها مجموعة يساعدونها ، اطلعوا الحين أنتوا الحريق ينتشر بالحديقة !
سحبوهم لخارج ، ومن أضواء سيارات الشرطة لمحت جيرانهم واقفين بفزع وبعضهم ببجايم النوم .. مجرد ما طلعوا تقدم أبو رائد بسرعة لها ، مسكها بخوف : كلكم بخير ؟؟
سحر تمسكت فيه بخوف : خالتي باقي !!
سحبها وهو يحاول يسترها : تطمني ، الدفاع المدني وصل .. مابيصير إلا كل خير
سحبها هي وأخوانها والخادمات لبيت أبوه كونه الأقرب ومجرد ما دخلوا استقبلوهم مريم وريتاج وأم رائد بفزع ..
-
قبل الحدث :
كان جالس بحديقة بيتهم بتوتر كبير .. : يارب ، يارب سلم ويسر !
يدرك إن ثمار عمل سنين وشهور اليوم يجنونه ، يدرك بإن خلال هالساعة بينكشف كل شي وبتحل الكارثة على بيت جارهم أبو فهد .. جارهم اللي ترك كل شي وراه وهرب من يومين ، متأمل إنه بيقدر يطلع أبناءه من هالمعمعة بطرقه الغير قانونية ويلحّقهم به خارج البلد ..
جواد ، رفيقه وصديقه .. وزوج أخته ! ، كيف ممكن يتحمل صدمة الموضوع وهو لازال عريس يقضي شهر عسله ..
قاطع حبل توتره وخوفه صوت نافذتها اللي انفتح ودقة أصابعها عليها ، رفع راسه لها بإبتسامة باردة عله يخفي توتره عنها ..
عقدت حواجبها ميرا بضيق لحالته المقلوبة من يومين ، أشرت على الساعة بمعصمها تبلغه بتأخر الوقت ، ابتسم وهز راسه وبهمس يوصلها وهو يوقف : أرق !
ابتعد عنها بعد ما أرسل ابتسامة ثانية تطمنها ، مضت دقيقتين حتى وصله فجأة صوت صراخ ! ، طار طالع من البيت وبطريقه صادف خاله يوسف بثوب النوم طالع من بيته بخوف : من وين الصوت ؟
راكان والعرق يتصبب منه : أظنه من بيت أبو فهد !
كلها ثواني حتى اجتمعوا أمام البيت ورائحة الحريق توصلهم ..
كان يراقب الوضع بقلق مع خواله ، يدعي عدم المعرفة بأي شي .. والحيرة تاكله بسبب النيران اللي انتشرت بحديقة المنزل ، كانت الخطة فقط مداهمة ومصادرة !
رائد طلع جواله من جيبه : بكلم فهد يجي ..
ومجرد ما رنت الرنة الأولى حتى وقفت سيارة فهد أمامهم وخرج منها برفقة وليد والخوف ياكله ، ركض ناوي يدخل البيت .. لكن وقفوه الشرطة ، مسكه رائد من كتفه : هدي فهد .. أخوانك ببيت جدي سالمين .
لف بعدم استيعاب : وأبوي ؟؟ وش فيه وش صاير ؟ ليش الشرطة مجتمعة ؟ والحريق !
سحبه وليد برفقة رائد : فهد .. نعرف كل شي بعدين ، روح تطمن على سحر .
طار لبيت الجد المفتوح ، وبدون تفكير تقدم لداخل عند عتبة الباب الداخلي مكان ماكانت جالسة سحر وإخوانها حولها يبكون .. بينما أم رائد وريتاج ومريم واقفين يهدونهم بقلق .
سحر مجرد ما شافته يدخل ما انتبهت لرائد ووليد خلفه ، طارت له وحضنته بشدة وصورة زوجة أبوها والنيران تلتهمها مافارقتها : فهد !
لمها لحضنه : وش صاير سحر ؟ - مسك وجهها يجبرها تشوفه - كلكم بخير ؟
هزت راسها نفي وببكاء : خالتي ... شفتها يافهد ، شفتها تحترق قدامي !!
هبطت الصدمة عليه مثل الصاعقة ، لكن سرعان ما وصله صوت رائد من خلفهم : شالوها الإسعاف قبل شوي .. تطمنوا
سحبها فهد وجلسها على عتبات الباب ، التفت لإخوانه اللي مايعرفهم كثير " ثامر ، ريم " .. شدهم له وضمهم يهديهم : كل شي بخير .. الحمدلله الحريق بسيط تطمنوا .. والحين ادخلوا داخل وناموا - رفع راسه لريتاج اللي كانت واقفة على مقربة ناظرها بينما هي بادرت بسرعة ومسكت يدينهم : تعالوا داخل معي ..
فهد رجع لسحر اللي هدأت نسبيًا - وش صار سحر ؟
سحر تنهدت برجفة شفاتها : كنا نبي ننام ، شمينا ريحة غاز قوي من برى .. خالتي كانت بالحديقة ، اندق الباب بقوة وطاحت الشمعة اللي بيدها .. وأظن التسريب كان من الغاز اللي تاركينه عند القبو !
طب طب كتفها : زين .. ماصار إلا كل خير - وقف - أنا بروح اتطمن على أم ثامر وبجيكم ! - التفت لها بعقدة حواجبه وكأنه للتو يذكر - أبوي وينه ؟
سحر : من يومين مسافر
هز راسه لها والتفت لوراء .. مجرد ما وصل للباب ، كان وليد واقف على طرفه ينتظره ، اجتمع حوله اثنين من عناصر الشرطة وأحمد اللي نطق : فهد .. يبونك !
فهد كان جل تفكيره في الحريق وإنهم ممكن يستفسرون عن سببه فقط لا غير ، هز راسه ونزل العتبة الأولى : بس بطمن على أهلي وأرجعهم البيت دام الحريق انخمد .
الشرطي اللي كان واقف قريب : لو سمحت نحتاجك وياليت لو تجيب البنت الكبيرة والخادمتين معك .
اعتلته الدهشة : عفوًا ؟
الشرطي : نحتاجكم بتحقيق ومتأكدين إنكم بتساعدونا .. ياليت تتعاون !
مسح وجهه بضيق : تحقيق وش ؟ الحريق مصادفة مو مخطط له ومحد اشتكى لكم !
وليد مسك كتفه والحيرة تملاه مثل فهد ، لكن سرعان ما قتلتهم الصدمة والشرطي يقول : كل شي يبين بالتحقيقات .. - طلع خطاب من جيبه - عندنا أمر باستجواب جميع أبناء ناصر الـ **** ومن تربطهم علاقة به !
نطق أحمد بضيق : أبو رايد ويوسف أخذوهم للتحقيق ، ما أعرف وش السالفة !
فهد دارت فيه الدنيا وللتو يتبادر لذهنه الممنوعات اللي شافها بيوم من الأيام بقبو البيت ! ، لا ! مستحيل .. يعني كل شي انتهى ! .. تماسك وبداخله يدعي إن الموضوع يكون مغاير تمامًا !
همس له وليد : أنا بروح للمستشفى اتطمن على خالتك ، لا تشيل هم شوف وش يبون منكم !
هز راسه ودخل داخل ينادي سحر ..
-
راكان ، كان واقف يراقب الوضع بهدوء داخلي .. ركب سيارة الشرطة بعد ما استدعوه للاستجواب مثل باقي أفراد العائلة ، وصل للمقر .. دخل إحدى الغرف وسرعان ما نطق بعد ما قفل الباب : وش صار ؟
عبدالرحمن مسح وجهه : لقيناه .. ومعه صهره والباقيين
جلس راكان بتوتر : زين الحمدلله .. طيب الحريق وش سالفته ؟
عبدالرحمن بإبتسامة ساخرة : الحريق مدبر ، واضحة .. لكن فاجأنا !
راكان هز راسه بعدم تصديق : تحرق عمرها عشان تفلت ! مستحيل ..
عبدالرحمن بهدوء : مافي مستحيل راكان ، المهم إنهم يراقبونها تمام ..
جلس قرابة ربع ساعة برفقة عبدالرحمن حتى وقف أخيرًا طالع .. قابله رايد اللي نطق باستغراب : وش يبون راكان ؟
راكان هز راسه بضيق : مدري .. يستحوبون استجواب روتيني ، مافهمت شي منهم !
رائد زفر بهم : الله ييسر .. قلبي ناغزني والله !
-
وليد .. دخل المستشفى اللي انتقلت له أم ثامر ، استفسر عن غرفتها وتوجه لها .. اعتلته الدهشة وهو يشوف الحراسة حولها ، تقدم ونطق للممرضة القريبة : ما أقدر أشوفها ؟
الممرضة لفت على العسكري اللي واقف بجانب الغرفة : ممنوع ، أعتذر
تنهد بضيق .. مو فاهم شي ، حاول يتطمن عليها لكن ردوه من جديد ..
مرت ساعتين وهو بالمستشفى عله يدري عن حالتها ويفي بوعده لصديقه اللي راح متطمن ووكله مهمة الاطمئنان عليها .. حتى وصله رنين جواله ، رد بلهفة : فهد أخيرًا !
وصله صوت فهد ضايق جدًا وكأن الأرض تسحقه وتنهي وجوده : تعال .. وليد ، أنا بمستشفى ***
وليد بقلق : وش فيه فهد ؟ وش صاير !
فهد باقتضاب : تعال بس ..
قفل الجوال وانطلق بسرعة للمستشفى وكل الهواجيس تأكله .. وصل أخيرًا وتوجه للطوارئ ، .. تقدم وليد ولمح فهد جالس على الأرض ولام كفوفه على وجهه بوضعية المهموم ، همس بقلق كبير : فهد ؟
رفع راسه وكأنه غريق أخيرًا وصله طوق الانقاذ ، زم شفاته وبصوت بالكاد يصل له : كل شي .. راح !
جلس مقابله على أطراف أصابعه ، ثبت نظره على عيونه عله يستشفِ منها أي شي ، ماكان قدامه غير عيون ضايعة بالفراغ ومحطمة : فهد ؟؟؟
سعل فهد بشدة وتنفسه يضيق .. وقف ، وبصوت مبحوح : خلك هنا .. سحر داخل ، بروح أسوي لي أكسجين
مسكه وليد بتردد : بجي معك
أبعده فهد : سحر تعبانة ، لا تتركها وحدها ..
وراح مبتعد تارك وليد خلفه ضايع ، رجع بخطواته لوراء .. وقف بجانب الستارة اللي تفصله عن سريرها لثواني حتى تجرأ وفتحها على مهل ، كان ظهرها هو اللي استقبله ..
تقدم بخطوات ثقيلة ، ظهر له جانب وجهها وشعرها المتناثر حوله بعشوائية رغم وجود الحجاب المرخي .. رق قلبه لمنظرها ، كانت أشبه بميتة .. وجهها خالٍ من التعابير والألوان ، شفاتها تحولت للبياض .. عيونها منسدلة بانزعاج يفسر تعقيدة حواجبها ، يدها مستسلمة للمصل اللي يغذيها ..
ما منع الرغبة الجامحة اللي تدفع كفه ليطبطب على جراحها ويمسحها ، رفع كفه واستقرت على كفها الباردة جدًا .. كان يتمنى لو يشيل كل أوجاعها ويودعها داخله بس ما يشوفها بهالحالة الكسيرة ، شد على كفها برقة بينما أصابعه تذوب
بباطن كفها .. حس فيها تحركت ببطء
فتحت عيونها بتعب ، رمشت مما جعله يسحب أصابعه بهدوء لئلا يسبب لها الضيق .. لفت وجهها للشخص الواقف بجانبها ، تعلقت عيونها فيه للحظات .. نطقت بصوت بالكاد يسمعه : كم الساعة ؟
آلمه صوتها التعبان ، نطق بهمس : بعد نص ساعة يأذن الفجر .. تبين شي ؟
غمضت عيونها ، بلعت غصتها بصعوبة .. نطقت بعد صمت بصوت باكي : ليش ماتبي تنتهي هالليلة ؟ ، ليه طويلة ؟ مافيني حيل لها والله !
حسها تهوجس ولا هي بواعية ، أمسك كفها برفق وبصوت حنون : ارتاحي سحر ، بعدك باردة ..
زمت شفاتها وانهالت دموعها أخيرًا : أبي أبكي .. محتاجة أبكي ...
تقطع قلبه لبكاءها ، لأول مرة يشهدها بهذي الحالة .. كانت دائمًا المترفة والمدللة ، لكن الحين قطعة جليد تذوب قدامه .. شد على كفها تاركها تفرغ بكاءها وهو يتأمل وجعها ، وجعها وبكاءها بهالطريقة يدل إن حدث كبير حصل يجهله .. حدث أضر بأحب مخلوقين لقلبه ، رفيقه وحبيبته الأولى .. الاثنين اللي يفديهم بروحه ولا يشوف الوجع يهتك بأرواحهم ..
وصله صوتها الباكي : وين ... فهد ؟
همس : الحين جاي .. تطمني سحر
بهاللحظة وصله صوت فهد جاي وبرفقته أحد ، شال يده عنها بخفة على دخول فهد اللي نطق بحنان يحتاجه هو : سحر .. ريتاج وزوجة يوسف جايين
وكأن مويا انكبت عليها فزت بسرعة وهي تمسك كفه برجاء : لا ... لا فهد مابي أحد ، الله يخليك مابي أحد
ودخلت بنوبة بكاء حادة قطعت قلبهم ، هال فهد منظر انهيارها .. تقدم وحضنها يهديها : خلاص تطمني .. مابتشوفين أحد ، بس لا تبكين .. توجعين قلبي والله !
وليد اللي كان واقف خلفهم ، زادت وتيرة قلقه وهو يسمع حشرجة صوت فهد !
دخلت الممرضة ، أعطت سحر منوم يهديها .. مرت دقائق حتى هدأت أخيرًا بحضن فهد واستكانت تمامًا مستسلمة ..
سدحها فهد على السرير ، عدل حجابها .. وأخيرًا قبل راسها وهو يمسح آثار الدموع عن وجهها ، التفت أخيرًا لوليد اللي تملاه الحيرة والقلق ، همس له : تعال معي ..
طلعوا من قسم الطوارئ ، صادفوا بطريقهم ريتاج ومريم .. اعتذر لهم فهد ولا ترك لهم مجال يتكلمون أكثر .. وهاهو أخيرًا وحده مع وليد
مجرد ما جلسوا على الكراسي نطق وليد : وش فيه فهد ؟ لا توترني أكثر ..
تنهد بضيق فهد تنهيدة كادت تخرج قلبه : أبوي ...
وليد بقلة صبر : شفيه أبوك ؟
فهد : تذكر الحبوب اللي شفتها ذاك اليوم ؟
وليد بصدمة : لا تقول ....
فهد هز راسه بضيق : ايه ، كشفوه .. وطلعت قضايا كثير .. باقي ما فصلوها لنا ، بس فهمت كل شي ! - بقهر هز راسه بعدم تصديق - تخيل انه هارب وتارك عياله وزوجته وراه !
وليد كانت الصدمة شالته ومانعة عنه الكلام ، تابع فهد : الأملاك اللي باسمه كلها مصادرة الحين ، وحسابات البنك مجمدة .. والتحقيقات باقي ما انتهت ولا نعرف وش بيطلع لنا بعد ! - صمت لثواني ، حتى نطق بضيق - أنا ما يربطني فيه شي ، كان مجرد مسمى أب لي .. بس ، أخواني .. جواد وسحر ! - زفر بهم - جواد ! مدري كيف بيستقبل الخبر ! .. وهذي هي سحر منهارة ومصدومة ! كل شي ضاع منها فجأة .. أب ، سمعة ، بيت ، حياة كريمة ... كل شي وليد كل شي ! ما أعرف كيف بتعامل معهم ، صعب ، صعب وكثير بعد .. فوق طاقتنا !
وليد أمسك براسه من هول الصدمة ، فهد كب الكلام عليه ما ترك له مجال يستوعب ! ، انتشله صوت فهد القلقان : و أمل شلونها ؟ شفتها ؟
كان وليد مسلط عيونه على فهد بضياع ، يسترجع كل كلمة قالها عله يعرف وش صار ! ، قاطعه فهد للمرة الثانية بضيق : وليد !! زوجة أبوي وش صار عليها !
استوعب أخيرًا : زوجة أبوك ؟؟ .. مارضوا يدخلوني أشوفها .. بس الحروق خارجية .
تنهد فهد براحة : زين ..
-
صحت متأخر كعادتها الأيام الأخيرة ، الساعة تجاوزت الواحدة ظهرًا ..
توضأت وبدلت ملابسها ، أنهت صلاتها .. توجهت للمطبخ مستعدة تسوي الغداء لخالها ، خلال نص ساعة أكيد بيكون موجود ..
مسكت جوالها تسلي نفسها به على بال ما يستوي الغداء ، انهالت عليها كمية رسائل ومكالمات من أختها الوحيدة ( ريتاج ) !
خافت يكون صار شي لها لا سمح الله ، لكن سرعان ما اعتلتها الصدمة وهي تقرأ :
( مشاعل بسرعة .. مشاعل وينك .. فهد وسحر مو بخير ! .. يالله قومي .. - وبعد ساعتين من وقت إرسال الرسائل - أبو فهد مسكوه ، قضية ممنوعات ) !
جلست على الكرسي مو مستوعبة شي ، رفعت جوالها ناوية تكلمها وتفهم منها وش صار .. لكن طاحت عينها على خالها اللي للتو دخل ووجهه مقلوب ، بادر بسرعة : سمعتِ ؟
مشاعل بصدمتها لا زالت : مافهمت شي وائل ! ، وش صار !
جلس مقابلها على الكرسي ، زفر بضيق : الهاشتاق وصل ترند بتويتر !
زاد توترها : خالي وش صار ! احكي
وائل بضيق : مافي أخبار رسمية ، كله من تويتر والصحف الالكترونية والناس اللي تتمصدر ! - رفع جواله لها حتى تقرأ الهاشتاق الأول ( #الإطاحة_برجل_أعمال_سعودي_بقضايا_ممنوعات )
شهقت غير مصدقة : أبو فهد ؟
وائل نزل جواله : ايه ، للأسف !
مسحت عيونها غير مصدقة : مستحيل
وائل بضيق : حاولت اتصل على فهد ، أبيه يحس إنا معه .. بس مقفل ! ولا أعرف له عنوان ..
نطقت بشكل سريع : كلم وليد ، أكيد معه خبر عنه
وائل : حاولت .. بس الثاني مقفل جواله - بحزن على حال فهد - الله يكون بعونه ، كل شي بيكون على راسه !
استرجعت ملامحه اللي فقدتها من مدة طويلة ، خنقتها الغصة على حاله .. وهي أكثر الناس أدرى بحالته وما عاشه ، مسكين .. حظه أعوج ، ما أمداه يبدأ حياته من جديد حتى حلت عليه الطامة !
وقف وائل ، قال وهو خارج : الدنيا ماتبي تتعدل لأحد .. كل شوي مصيبة نازلة !
توجه لغرفته تاركها بصدمتها ، رمى الأوراق اللي كان حاملها بيده ( طلب من المحكمة لإجراء معاملة طلاق ) ، تنهد بحسرة وهو يشوف صورتها على التسريحة .. شكثر محتاجها ، قد شوقه لها .. معقول كل شي انتهى لمار ؟ تنهين كل شي بكل بساطة ! .. قلب الصورة بضيق وتوجه لحمامه
-
في بيت الجد ،
كان الجميع مجتمع بتوتر كبير .. المأساة تمسهم بشكل كبير ، جارهم من سنين طوال ، ابنهم مرتبط ببنته ، وبنتهم مؤخرًا انزقت لابنه .. عشرة عمر .. فجأة يكتشفون عنه كل هالمصايب ؟ أبناءه الاثنين ( سحر وجواد ) تربوا مع عيالهم وكأنهم جزء لا يتجزء منهم ، كيف بيتخطون المشكلة !
نطق أبو رائد بضيق لزوجته : سحر .. مفروض نجيبها هنا
تنهدت بحزن : رافضة ، وأخوها رافض .. مارضت حتى نشوفها ونتطمن عليها !
أحمد : ما ألومهم ، اللي صار مو شي هين !
أبو رائد مازال بقلقه ، تكلم باستنكار : مفروض ما سمحتوا لهم ياخذون الصغار ، يجلسون يرتاحون عندنا بعيد عن أجواء القلق اللي هناك !
أحمد بتفهم : صدقني ، وضعهم صعب الحين .. ومحتاجين لبعض ، لا تلومهم !
هز راسه بحزن : لا حول ولا قوة إلا بالله ! - رفع راسه لراكان اللي جالس بكل هدوء معهم - جواد ، انتبه تخبره بشي .. خلهم يوصلون ويفهمون بعدين
راكان هز راسه يطمنه : لا تشيل هم ، ملاذ تقول وصلهم طلب من السفارة من دون توضيح لشي .. يعني مو عارفين.
أبو رائد تنهد : زين ، كذا أفضل ..
-
دخل بهدوء الشقة الباردة والهادية ، تأمل إخوانه الصغار نايمين بعشوائية على السرر .. وضوء الشمس يتسلل بهدوء عليهم
تقدم عندها ، كانت جالسة على الأرض ومرخية جسدها على طرف السرير وضامة لحاف على جسدها يدفيها .. كسره منظرها الضعيف ، نزل لمستواها وبهمس نطق وهو يمرر كفه على شعرها القصير : سحر ؟
ما ردت ، اكتفت بإنها ترفع بصرها له .. نطق بهدوء لئلا يزعج الصغار : ما أكلتِ شي سحر من أمس ، جبت لك فطور وغداء .. كلي اللي تبينه !
هزت راسها نفي وبصوت منهك : مو مشتهية
فهد تنهد بقوة أمامها ، ماتزعزع من مكانه .. حست بالإصرار بعيونه ، ولأنها أضعف من أن تناقش وتجادل معه شي وقفت بتعب ..
ابتسم لها ابتسامة باردة بالكاد قدر يرسمها على وجهه ، سحبها لبرى معه وأغلق الباب خلفهم ..
جلست على أقرب كنبة ، بينما هو توجه للمطبخ .. رجع وبيده فطيرة بيتزا وقطع لحم مع رز .. تركه قدامها وعاد من جديد للمطبخ وبيده كوب عصير ، مده لها بابتسامة يشجعها : يللا بسم الله .
هزت راسها نفي بانزعاج : فهد مافيني آكل ، برجع ..
تحول وجهه للاستياء ، لكن سرعان ما نطق : طيب بس اشربي العصير .. مابيك تطيحين علينا مرة ثانية .
رفعت بصرها له ، كان يترجاها بتعب .. أخذت الكاس منه أخيرًا ، ارتشفت قدر صغير يرضيه ..
ابتسم لها بامتنان ، جلس مقابلها .. تكلم بعد صمت : سحر .. أبيك قوية ، مابيك تضعفين بسهولة ! ، ماراح كل شي .. باقي قدامك حياة كاملة ، أنا وجواد موجودين ، سهى موجودة .. لا تظنين إن كل شي انتهى ، بس .. لازم تقوين ، أنت عمادنا سحر .. وأنا عمادك ، مابخذلك .. ولا بتخذليني ، لكن قوّي روحك لجل ثامر وريم .. وجواد ، جواد محتاجك سحر .. أنا مهما سويت ما بسوي اللي بتسوينه أنتِ .. لا تنكسرين لجل ما انكسر أنا ، اوعديني سحر تقوين وتقوّيني معك !
كانت تسمع كلامه ودموعها تنهمر بعذوبة ، كل كلمة قالها لامستها وجبرت روحها .. ألقى على قلبها مسؤولية روحية كبيرة ، أشعرتها بإنه يخاطب روح أمهم فيها ..
وقف وبحنان : لا عاد تبكين ..
مسحت دموعها أخيرًا وهي تهز راسها إيجاب ، وصلها صوته يقول : أنا بروح الحين أشوف أمل ، وبعدها بمر القسم .. انتبهي لثامر وريم ، لا تحسسينهم بشي .. سهى بعد شوي بتوصل الرياض ، وجواد الليلة بيكون هنا ..
هزت راسها تطمنه : إن شاء الله .. طمني فهد
اكتفى بإبتسامة ، لف معطيها ظهره لكن سرعان ما استدار لها من جديد عندما نطقت : فهد .. الله يخليك مابي أشوف أحد ، لا تسمح لأحد يجي
ما استغرب من طلبها ، ابتسم من جديد يطمنها : حاضر .. لا تشيلين هم ، محد بيجي غير جواد وسهى ..
طلع من عندها يجر همومه خلفه ، توجه للشقة المقابلة لشقتهم .. فتحها ودخل لداخل ، كانت هادئة جدًا .. توجه لغرفة وليد ، كان أبو وليد ممدد على السرير بقلة حيلة ، ينام كأغلب وقته غير واعي لعالمه .. جلس على طرف السرير ، مسك كفه وانهال يشكي حاله وضعفه ، يشكي لتجعدات كفه .. علها تسمعه وتنتشله ، وكأنها استجابت له حس بالكف الحانية اللي تمسح على شعره تخفف أوجاعه ، رفع راسه وقابله وجه أبو وليد مبتسم بحنو كبير .. وكأنه بابتسامته أعاد له القوة ، قبل يده وقبل لا يهب واقف أضاء جواله باسم وليد ..
أجاب بقلق : ايوه وليد ..
وليد : لا تجي للمستشفى ، أنا طالع منه الحين .. فيه ناس مجتمعة ينتظرونك
عقد حواجبه بضيق : أي ناس ؟
وليد بغيض : ما أعرف ، بس فيه صحفي .. وأتوقع موظفين عند أبوك ، والباقي ماعرفت عنهم شي
زفر بهم ، مو مراعيين لأي شي وجايين للمستشفى ! : وش السواة الحين ؟
وليد : روح للقسم ، ولا تجي لأي مكان الناس تعرفه مابيتركونك بحالك ، واعتمد علي بالباقي
هز راسه : خلاص إن شاء الله
-
بالنمسا ..
فتش عنها بعيونه ، ابتسم وهو يلمحها مستندة على العمود مكتفة يدينها وتهز رجولها بعصبية .. تقدم لها وبغفلة منها نغز خصرها ،
قفزت من مكانها بتلقائية بينما هو يضحك : سخيف !
بدر بضحكته المشرقة : اختفيتِ وخفت عليك .
تالا بنرفزة شديدة : أنت اللي اختفيت مع ذيك الشقراء ، وش كانت تقول ؟ وليش تضحك علي ؟
رفع حواجبه بتلاعب : امممم مالك علاقة ، أمور خاصة
دفته بخفة : مالي علاقة فيك ، بس ليش كنتوا تناظروني وتضحكون !
ضحك على عصبيتها وأمسك معصمها : كانت تحسبك أختي الصغيرة .. ما كانت تظن إني مرتبط وتحسفت علي
أبعدت عنه ومشت وهي تقول: وعجبتك ؟
باستمتاع وهو يمشي بجانبها : أووه ، لا تنكرين إنها جميلة ..
لفت عليه فجأة : تسابق ؟
قبل لا يستوعب طارت من قدامه تركض وهي تضحك ، ضرب جبهته بحلطمة : يالله ، متزوج بزر أنا !
كان يمشي بسرعة فائقة بشكل سبب لها الخوف ، نطقت بقلق : جواد ، هدي السيارة ..
مارد ، وكأنها غير موجودة .. ماكان يشوف قدامه غير أبوه ، شعرت بالعجز وهي غير قادرة على تهدئته ومواساته ، هول الصدمة أخرسهم .. من وصله الخبر انقلب لشخص آخر تمامًا لا تعرفه ، ماسمح لأحد يعرف موعد رحلته لئلا يستقبله أحد .. كان أغلب الوقت صامت عدا عن مكالماته مع أخوه فهد فقط ..
وصل قريب من الفلل التابعة لجدها : انزلي ..
نطقت بجزع : وأنت وين بتروح ؟ خذني معك
نطق بهمس غاضب : للجحيم
بلعت ريقها بخوف ، أمسكت بيده مصرة على مرافقته وعدم التخلي عنه .. فاجأها وهو يبعد يده بجفاء : ملاذ بسرعة ماعندي وقت
جفلت من نبرته الحادة ، بللت الدموع عيونها .. همست وهي تنزل : طمني جواد
ماسمعت رده لأنه سرعان ما اختفى عن عينها بسرعته الجنونية ، مسكت قلبها بخوف وبكاء : يارب هدي باله ولا توريني فيه مكروه
حست بالشخص اللي يمشي قريب منها ، رفعت راسها وسرعان ما نطق رائد : ملاذ ؟؟
ملاذ تقدمت نحوه : بيقتل عمره رايد ، الحقه !
رائد رق قلبه لها : تعالي أنتِ ادخلي داخل ، وبشوف له لا تشيلين هم ..
دخلوا بيت الجد ، وبمجرد ماشافت أمها انهارت تبكي غير مستوعبة لكل ما حصل .. بكت أمها لبكاءها ، بكت فرحة بنتها العروس ! ولصهرها الوحيد .. وكنتها المقربة .
هدأت نسبيًا بعد مدة ، اجتمع عندها عمامها وأخوها الكبير رامي اللي وصل العصر من جدة .. نطق يطمنها : لا تخافين ، راح عند أخوه ..
ملاذ بحزن : وين أخوه ؟ وصلني عنده ..
رامي زفر بهم : بشقة مجتمعين ، وصلت سهى عندهم اليوم العصر
نطق أبو رائد بعتاب : ورى ما جلست عندهم ، أنت صهرهم ومنهم وفيهم .. أقل شي تسويه توقف معهم بهالأزمة ، احنا لو بيدنا جبناهم عندنا بس فهد الله يسامحه رافض تمامًا ولا يبي أحد
هز راسه بتفهم : كنت بجلس ، بس حسيت وضعهم متوتر وفهد مو عاجبه جلوسي .. وسهى وصلت لي ضيقته وإنهم مايبون أحد ، خلهم هاليومين يجمعون نفسهم ولا تقلق أنا بجيهم بكرة الصبح
هز راسه استنكار : لا حول ولا قوة إلا بالله !
نطقت ملاذ بسرعة : خذني معك بكرة !
تدخل أحمد يهديها : ملاذ ياعمري اجلسي هنا ، جواد مافيه يشيل همك مع الهموم اللي فوق راسه .. اعذريه
لمت أمها لحضنها تبكي مستقبلهم المجهول ، سمعتهم الضايعة .. حبها المجروح
-
بشقة فهد ..
دق الباب بشكل متسارع ، سرعان ما فتحه وكأنه كان ينتظره خلف الباب .. فهد مجرد ما شاف أخوه الصغير بشكله المفجوع والمسلوبة ألوانه ، سحبه له وضمه يقويه ويتقوى فيه ، لكن جواد سرعان ما أبعده : أبوي وينه ؟
زم شفاته فهد ، قفل الباب خلف أخوه ونطق بهدوء : استهدي بالله ، اجلس وأفهمك كل شي ..
ارتعد لصوت جواد المرتفع : تفهمني ؟؟ فهد تبي تقنعني باللي يقولونه ! مجنون أنت تصدقهم !
فهد أمسك يدينه يهديه : اهدأ ، ريم وثامر لا يحسون على شي !
أبعده بنفور واضح وهو يدفه ، صرخ : خلهم يسمعون .. هذا أبوهم ، خلهم يعرفون إن الناس تكيد لأبوهم وأخوانهم جالسين حابسين نفسهم بشقة !
بهاللحظة ظهروا سحر وسهى والخوف اعتراهم من الأصوات المرتفعة ، نطقت سهى باستنكار وهي تتقدم له : جواد !
جواد أبعدها عن طريقه ، توجه صوب اللي كانت واقفة قريب تناظره بحزن وانكسار : سحر لا تقولين لي إنك مصدقة كل هالزور في أبوك !
نزلت عيونها بضعف واضح ، أمسكها من كتوفها يهزها : إلا أنتِ سحر ! لا توقفين بصفهم ضد أبوي .. - أشر باستهزاء على فهد - تصدقين هذا ؟ .. - هزها من جديد بعنف - سحر اصحي ، هذا ما يهمه أبوك ولا قد سأل عنه ! تصدقينه !
بهاللحظة تقدم فهد له ، سحبه بعنف يبعده عن سحر : ابعد عنها جواد ..
لف عليه ولا زالت ثورته قائمة : أنت اللي ابعد عنها ، لا تسوي روحك فجأة واحد منا ! دايمًا مو موجود ووقت المصيبة تذكرت إنك أخ كبير تستقوي عليها !
جلست سحر على الأرض تبكي بشدة من منظر أخوها وكلامه .. تدرك إن كل هذا تأثير الصدمة ، لكنها بأشد الحاجات لشعورها العائلي ، مو ناقصها تمزيق أكثر : يكفي جواد يكفي !!!
توجهت لها سهى بسرعة تمسكها وتحضنها وهي تدخل بنوبة بكاء عميقة ..
ظهرت رؤوس صغيرة تراقبهم بقلق ورعب ، وصوت خائف أطلقه ثامر : وش فيه ؟ وش صار ؟ ليش يبكون ؟
كانت شقيقته ريم تبكي بضياع من الوضع اللي ما تعرف فيه شي ، لكنها تدرك التوتر اللي عايشينه إخوانها ..
تنهد فهد بضيق ، تقدم لهم .. نزل لمستواهم : مافيه شي .. روحوا للغرفة الحين ، لا تقلقون - نقل نظره لأخته سهى ، عاتبها بعيونه .. ماكان يبيها تنهار قدامهم بهالمنظر ،
تحاملت على نفسها وكأنها استوعبت ، وقفت تمسح دموعها .. : ريم ، ثامر .. تعالي معي ماما .
أخذتهم للغرفة تاركة إخوانها خلفها ، بينما فهد ساند سحر على الوقوف .. وبهمس حاني : خلاص سحر ، امسحي دموعك الحين ، وروحي نامي ..
وقفت أخيرًا وهي تداري دموعها عنهم ، رمت نظرة على جواد وتركتهم خلفها..
لف أخيرًا فهد على جواد الواقف بتوتر يغطيه بعصبيته ، همس بغيض : قلبتهم كلهم لفريقك ؟ زين هيّن ..
تقدم فهد بقلة صبر وفتح باب المجلس اللي بينهم : ادخل جواد أفهمك .. خلي هالليلة تعدي على خير ونفكر بعقل وش نسوي !
دخل جواد مكره للمجلس الصغير ، تبعه فهد وأغلقه من بعدهم ..
جلس أمامه ، سرد له كل شي صار بدايةً من اتصال سحر حتى وصوله للشقة ..
ناظره مذهول غير مصدق : مخدرات ؟ وتزوير وغسيل أموال ! - ضحك ببرود - فهد بتقنعني أصدق كل هالأشياء عن أبوي ؟ مجنون أنت ؟ ما تعرف إن السوق كله منافسة غير شريفة ! وكل واحد يطيح بالثاني ظلم وبهتان ! .. -صمت لولهة ثم تابع - فهد .. أنا أدري بالمشاكل اللي بينك وبين أبوي ! أدري إنه متبري منك ! لكن هذا ما يعني إنك تصدق عنه هالظلم ! ، وش هالقلب اللي تملكه ؟
مسح وجهه بضيق فهد من الموضوع اللي يعيد ويزيد فيه جواد ، مايلومه .. يدرك إنه ما زال تحت تأثير الصدمة ، لذلك قادر يستحمل كل كلامه وتجريحه .. : جواد ، تراه أبوي مثل ما هو أبوك .. يهمني أمره أكثر منك ! لا تزيدها علي !
جواد بسخرية : لا تقول أبوي ! أنا حتى ما أذكر إنك فرد من عايلتنا .. وينك عنا كل هالسنين ؟ ولا تو تذكرت ! ... اسمع ، أبوي أنا أعرفه أكثر شخص .. لا تقنعني بهالسوالف !
فهد هز راسه نفي : للأسف إنك ما تعرفه ..
وقف جواد : كلامي معك منتهي ! ، ما أستوعب كمية الحقد اللي يحمله قلبك .. - باستنكار هازئ - توقف بصفهم ضد أبوك ؟ يا حيف والله !
غمض عيونه فهد يتمالك نفسه : زين لا تروح مكان ، خلك هنا .. محد بيتركك بحالك لو طلعت
لف عليه غير فاهم لشي ، تابع فهد : بكل مكان بتلقى لك مصيبة ، يا موظفين بالشركة خايفين على أعمارهم ومستقبلهم أو صحفيين تويتر ! ، خلك هنا وبكرة يسمحون لنا نشوف أبوي نروح مع بعض ..
تراجع جواد وجلس باقتناع ، مافيه يشوف أحد قبل لا يبرهن براءة أبوه .. نطق بعد صمت طويل : بكرة نشوف لسالم ، محامي الشركة
فهد بسخرية : حتى هذا غسل يده مننا ، أحاول أكلمه مقفل جوالاته .. ويكفيه إنه متورط وممرمطينه بالشرطة !
تنفس بقهر جواد : وش نسوي ؟
هز راسه : ننتظر بكرة وبعدها نشوف أي محامي عل أحد يساعدنا ، رغم إني ماظنيت ... مافي أحد يبي يتورط معنا وهم عارفين إن حسابات البنك موقفة
جواد بهدوء : معي بالبنك كثير ، لا تشيل هم .. وأرضين باسمي والأراضي اللي بالشمال لا تنساها باسم سحر وسهى ، لو اضطرينا نبيعهم حتى نخرج من هالمشكلة ونعدل كل شي بعدين
فهد : أرض سحر وسهى ما بنلمسهم ، خلها تبقى معهم ماتدري وش يصير بعدين .. هم أكثر شي بيحتاجونها
أمسك راسه بتعب جواد مو قادر يفكر .. الصداع ينهيه وينهي أي ذرة عقل فيه ، لا يزال غير مستوعب لكل شي .. يحس إنه بكابوس يقتله ، ينتظر بس أبوه يجي يفيقه من هالرعب !
وقف فهد بهدوء : جواد ، ادخل نام .. بكرة ورانا شغل طويل !
جواد بضيق : أنام ؟ شلون أنام .. مافيني أنام لين أشوف أبوي .
فهد تقدم وأمسك كتفه : نحتاج هدوء ، مانبي أي تهور جواد نندم عليه كل عمرنا .. نام عشان تقدر عالشقى بكرة
وقف باستسلام جواد ، تبع فهد اللي دله على غرفته بجوار الغرفة اللي خصصوها لسحر وسهى ، وبالجانب الآخر غرفة ثامر وريم .. استلقى على السرير المزدوج ، كان يحتاج فقط إنه يجلس بروحه ليستوعب ويعرف وش يسوي بعيدًا عن فهد اللي بنظره مستسلم تمامًا للمشكلة .. قفل فهد الباب خلفه وغادر ..
تسلل فهد من الشقة بهدوء متوجه للشقة المقابلة ، فتحها .. استقبله منظر وليد جالس على أعصابه بالمجلس ، بمجرد ما شافه وقف : فهد .. أخيرًا !
تقدم له فهد وجلس بجواره ، رمى عمره عالكنبة وهو يزفر .. تابع وليد : شلونه جواد ؟
فهد على وضعه : مصدوم ومو مصدق !
زم شفاته وليد : لا تلومه .. وارفق عليه ، تحتاجون لبعض الحين أكثر من أي وقت ثاني ..
فهد بخاطره وده لو إن جواد يرفق عليه ، هو محتاج الرفق أكثر من أي شخص ثاني .. : تكفى قوم جيب دواي ، مافيني انتكس بهالوضع !
وليد امتثل لأمره ، أحضر دواه وبداخله قلقان على خويه ، موعد العملية كان على الأساس بعد ثلاثة أيام .. لكن مع هذا الوضع يدري إنها بتتأجل
-
أشبيليا -
" أغار عليك من عيني ومني
ومنك ومن زمانك والمكان
ولو أني خبأتك في عيوني
إلى يوم القيامة ما كفاني "
كانت تقرأ الأبيات الشعرية المرسومة على قبر ابن زيدون مستشعرة كل كلمة فاضت بها قريحة ولادة ، تلمست بأصابعها الحروف العربية ، التقت أصبعها بأصابعه .. رفعت راسها له ، كان يتأملها بإبتسامة .. ابتسمت بخجل ، ولفت تحثه يمشي معها : آخ بندر ، ليتني عشت بزمنهم ..
شبك أصابعه بأصابعها : تقولينه بس .. عيشتهم صعبة مافيها هالدلال
باستنكار : العكس ، الاندلس كانت كلها حضارة .. احنا اللي عايشين حياة ضايعة !
بندر : زين أنا بعيشك عند اللي قصتهم أعظم ، قيس وليلى .. -لف عليها - تدرين إن نجد كلها آثار أدبية عظيمة وش ناقصها عن الأندلس
ضحكت بخفة : أقنعتني ماشاء الله عليك !
تابع وهو يعدي الصخور الحجرية معها : صدق .. ترى الجزيرة العربية تفيض بهالسوالف اللي تحبينها
شوق : تعرف بندر ، قررت أدخل قسم اللغة العربية والأدب
ناظرها بصدمة : منجدك ؟ ماله مستقبل !
بحماس : لا .. مجالاته كثيرة ، أولها إعلام !
وقف مما جعلها توقف معه باستغراب ، كتف يدينه : وإن شاء الله تحسبيني أسمح لك تصيرين إعلامية ؟
تعدته وضحكة خفيفة تتسلل لها : الإعلام مو محصور على التلفزيون ، عادي .. صحافة ، والتخصص له مجالات كثيرة غير الإعلام
بندر بجدية : ما بوقف بطريقك ، اكتشفت إنك مولعة بالأدب .. ادخلي التخصص اللي تلقين نفسك فيه ، لا تسمعين كلام الناس تنجحين ..
تابعوا طريقهم بسكينة تملأهم ، اكتشفت فيه شخص آخر تمامًا .. شخص مليء بالحياة والحب ، عكس البرود اللي كان يظهره للجميع .. بينما هو اكتشف شوق أخرى ، عدا عن الحالمية اللي تميزها من زمان .. أنثى ناضجة متفتحة روحها للحياة غيرت فكرته عن السذاجة اللي كان يعتقدها في أي فتاة رومانسية مثلها
-
صباح يوم جديد ..
كانوا برفقة رامي ، زوج أختهم والموظف بالسلك العسكري ..
جواد صامت تمامًا ، بينما فهد ورامي يتناقشون ويدورون حلول .. زادت نبضات قلبه وهو يشوف السور الكبير ، خلف هالسور والده ، الشخص الوحيد اللي بينتشله من هالعذاب ويأكد له براءته ..
أخيرًا بعد الإجراءات الأمنية الدقيقة كانوا قريب من الصالة اللي سمحوا لهم يقابلون أبوهم فيها ..
وقف جواد بتوتر شديد لاحظه فهد ، نطق بهمس مرتبك : فهد .. انت ادخل ، أنا بنتظركم برى !
فهد بصدمة : تستهبل ؟ ادخل معي جواد دامنا وصلنا
جواد بضعف شديد همس لأخوه : مافيني أشوف أبوي بهالحالة ! والله ما أقدر ..
فهد هز راسه استنكار من انقلاب حالته ، وكأنه بدا يوعى ويصدق ! ..
نطق جواد قبل لا يبتعد : تكفى فهد ، افهم كل شي منه .. بنتظرك بالسيارة
هز راسه باستياء شديد : زين
نزل جواد بخطوات سريعة حتى وصل السيارة وكأنه يهرب من المكان ومن الحقائق اللي فيه ! ، مضت قرابة الساعتين كانت أثقل من الجبال على روحه ، كان يشعر وكأن الشمس تأكله وتنهش جسده .. لمح فهد ورامي جايين أخيرًا ، ركبوا السيارة وحالتهم لا تسر عدو ..
نطق بقلق : وش صار ؟
انهالت عليه الصدمات وحطمته تمامًا ، كان يسمع ولا يسمع .. يحس إن صوت فهد مجرد مسجل يتمنى لو ينقطع شريطها ..
فهد بضيق تابع : مسكوا جوازات مزورة معه ، تخصك وتخص زوجتك وسحر وريم وثامر .. كان يبي يوصل للنهاية ويسافر بجوازه المزور من اليمن لروسيا .. وبعدها يقدر يطلعكم بهدوء ! - هز راسه بقهر وحزن - اعترف بلحمة لسانه جواد ! - استند على الكرسي - اخخخ يالله شوف وين وصلنا ! ، العصابة اللي مسكوها معه تمتهن التزوير والترويج .. ماعاد ينفع شي ، لا محامي ولا توكيل ولا غيره ! كل شي راح !
جواد فتح بابه بهدوء ، لف عليه رامي بقلق من حالتهم : وين رايح ؟
همس بصوت متحشرج : بمشي وحدي ..
فهد هز راسه لرامي يبيه يتركه لحاله ، عله يرتاح .. نزل جواد من السيارة بثقل كبير ، مشى بخطوات مهتزة لقطعة الأرض الكبيرة الفارغة أمام المركز ..
رامي بقلق : تتركه وحده بهالحالة ، مجنون انت ؟
فهد وتنفسه يزيد : لا تبعد .. امشي بالسيارة شوي بس .. مابنبعد عنه وبنرجع له
أما جواد ، مشى ، ومشى ومشى بالأرض الشاسعة أمامه .. انكب على الأرض يبكي بشدة ، انتحب بألم وذرات الرمال توصل لرئته وتخنقه ، تلطخ وجهه بالتراب .. بكى عمره ، بكى أبوه اللي كان يشوفه أعظم إنسان ، بكى أخته سحر .. بكى لحياته اللي مابعد بدأها بشكل كان يحلم فيه ! شعر إنه فاقد كل شي .. وكل شي يضيع أمامه : يااااااارب !
حس بكف قوية ترفعه : جواد !
كان مستسلم بضعف يبكي ، وصله الصوت من جديد بألم : جواد ياخوي يكفي !
احتضنه راكان بألم وحزن على حال صديقه ، صديق الطفولة .. من وعى على الدنيا وهو معاه ، رافقه بكل مراحله الدراسية ، بكل نزواته وطيشه ووعيه : جواد .. قوم يا جواد ، لا تقتلني أكثر ..
كان ينتحب بشدة ويهذي : مستحيل .....كل شي .. ضاع ! ضاع يا راكان ... مافيني أقوم ... ليتني مت قبل اليوم
سحبه بشدة راكان ، سانده وهو يبكي لبكاءه .. كان هو سبب كبير للإطاحة بالعصابة ، كان سبب لألم وبكاء وتمزيق رفيقه اللي صارت حياته مرتبطة بحياة شقيقته الوحيدة ، لكنه ما ندم .. ألم جواد قد يمس كم شخص ، لكن داء العصابة كان يمس الكثير ويحطم المئات .. ويهدد أمن وشباب وطنه ! .. سحبه لسيارته وجلسه بجانبه ، قادها تحت صوت بكاء جواد ..
ساروا بطريق يجهلونه ، كان الهدف منه فقط أن يهدأ جواد .. الشمس كانت قبل دخولهم المركز مازالت بعيدة عن المنتصف .. لكنها الحين قاربت على الغروب ومازالوا بطريقهم ، هدأ نسبيًا جواد ، لكن روحه ما هدأت .. كانت تمزقه ببطء قاتل ..
وبعد صمت ساعات طوال نطق جواد أخيرًا وهو يلمح الطريق اللي يسلكه راكان : وصلني شقة فهد
راكان بهدوء : جواد ، تعال اجلس عندنا .. احنا نبقى عايلتك وانت ولدنا ، لو تشوف أمي وأهلي كيف قلوبهم عليكم ! لا تردونهم !
جواد بنبرته الهادئة : وصلني شقة فهد راكان
تنهد بضيق : زين ، بس نمر ناخذ ملاذ
قاطعه بحدة : راكان إذا ما تبي توصلني وقف السيارة الحين أنا بكمل طريقي ..
زفر مستسلم وعاد للطريق المخالف من جديد متجه للشقة اللي وصفها له ..
وقف السيارة وقبل لا ينزل جواد ، نطق راكان : ملاذ زوجتك ، همك من همها .. اللي صابكم صابها ، لا تقتلها أكثر
جواد ما علق ، طلع من السيارة وتوجه للشقة .. دخلها بقلب محطم ، مجرد ما دخل .. طاحت عينه على فهد برفقة سهى وسحر بالمجلس وكأن مصاب جلل حصل لهم ،
سحر مجرد ما شافته ، توجهت له وحضنته وهي تبكي بصمت قاتل .. كان ثقله يمنعه حتى من إنه يرفع يده ويضمها .. وصله صوت فهد يقضي على ما تبقى منه : أمل ... حاولت تهرب !
عقد حواجبه بعدم استيعاب ، تابع فهد بوضوح قاتل : زوجة أبوك مشتركة بالقضية بمساعدة أخوها المزور ، حاولت تحرق نفسها حتى تقدر تهرب .. واليوم حاولت تنفذ خطتها بس فشلت ! ..-بقهر فهد - هم اللي جروا أبوك لكل هالمصايب
جواد ما زحزح نظره عن فهد ، كانت الصدمة الأولى كفيلة بإنها تصنع له حاجز ضد أي صدمة ثانية .. مال عالباب بانهاك وقواه تنهار ، تمسكت فيه سحر من بين دموعها : جواد !
اعتدل بصعوبة ، لمحت طرف دمعته اللي قاومها بكبرياء أمامها : وش باقي مصايب ماطلعت لنا ؟ وش باقي سحر .. !
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل الخامس وأربعون 45 - بقلم HaboOoshy
مرَّ الزمانُ وما مرَّ الزمانُ بهِ
فأين كان عن الأيام مُحتَجِبا؟!
ساهٍ عن الشَّعَراتِ البِيضِ يَحسَبُها
مِمَّا تَوَهَّجَ من أفكارهِ شُهُبا
- جاسم الصحيح
*•
مرت الأيام وليالي أسبوعين ثقيلة على الجميع ، باستثناء من يقضون أجمل لحظاتهم بالنمسا وأسبانيا ..
طلع من المحكمة يجر خيبته وصك انفصالهم بيده ..
انفصال أبدي ، روحه الأولى ، زوجته الحبيبة .. الأسبوع القادم من المفترض يحتفل معها بذكرى زواجهم .. لكن ، كل شيء انتهى ، قبل عام كان برفقتها يقضون لحظات حبهم معًا ، كانوا يسمعون عن الطلاق ويتعوذون منه ويضحكون طلاق ؟ مستحيل !
قتله صدها وإصرارها على الانفصال ، حاول يكلمها ، يتواصل معها .. يفهم منها ، لكنها كانت تهرب منه مثل اللي يهرب من مريض أجذم !
ركب سيارته بضيق وهو يرمي الأوراق بالخلف .. تعالى رنين جواله ، رفعه .. كان رقم غير مسجل يدق : هلا ...
وصله صوتها التعبان والمنهك : وائل
أبعد الجوال عنه للحظة يسترجع نفسه ، يدرك إنه ظلمها بزواجه منها .. لكن بهاللحظة مو ناقصها ، رجع لها : هلا رهام
ريهام همست بانكسار واضح : مابي منك شي ، بس في لك شي عندي لازم تجي تاخذه
وائل بضيق :أجليها بعدين ..
بإصرار : لازم وائل .. - خفضت صوتها وكأنها تخشى يسمعه أحد - شي يخصك إنت ولمار ، وعبد العزيز
وكأن صاعقة كبرى نزلت عليه : وش الشي اللي يخصنا ؟ تكلمي رهام !
رهام : تعال وبس الحين أو اليوم الليل ، أمي مابتكون موجودة .. بسرعة قبل لا تصحى !
قفلت الخط بوجهه مما جعلته يفقد أعصابه ، كل الأمور طرت بباله .. موضوع يخص عزيز ؟ هي ما تعرف عن صداقته بعزيز ! مافيه غير موضوع واحد ! ، طـار بسرعة لبيت جدها .. وقف مقابل الباب وهو يعيد الاتصال بها .. : أنا تحت ، تعالي ..
انتظرها لدقيقتين حتى انفتح الباب أخيرًا وطلعت منه .. دخلت السيارة وألقت السلام ، قاطعها بغضب : وش الموضوع ؟ بسرعة رهام
خافت من شكله الغاضب ، ما تقدر تواجهه .. بيقتلها طبعًا ، همست بصوت مرتبك : طيب امشي بالسيارة نبعد
زفر بحدة : رهام لا تقلقيني أكثر !
استجمعت قواها ونطقت أخيرًا : الموضوع كبير .. ما أقدر أقوله لك بالسيارة .. والله وائل !
شعر وكأن روحه تطلع ، استشعر نبرة الصدق والخوف فيها .. تحرك بسرعة متجه لبعيد ، مشى بسيارته مسافة طويلة حتى وقف أخيرًا عند مخططات أراضي فاضية ..
وقف السيارة ولف عليها : قولي
غطت وجهها بربكة : بس ... اهدا وائل
وائل بقلة صبر : أنا هادي .. بسرعة احكي !
ابتعلت ريقها : أولًا أوعدني ما تأذي أمي ولا يوصل الموضوع لأحد غيرنا !
بهتت ملامحه ، ظنونه تصيب .. همس : كملي
سقطت دموعها بضعف : وائل قبل كل شي أعرف إني مو راضية عن أي شي حصل ! ، والله مو قادرة أنام من الخوف .. مافيني أسكت أكثر
كان يراقب ارتعاشة أصابعها وخوفها بترقب .. يبيها بس تنطقها ، تابعت ببكاء : أمي أحبها أكثر من أي شي ! بس هي .. هي اللي تبي تهدم كل شي ! حقدها على أم عبدالعزيز وقلة خوفها من الله طيحوها بحفرة ما تقدر تطلع منها ... ودخلتني بمصايبها !
وائل بهدوء أمسك كفها وأبعدها عن وجهها : اهدي رهام واحكي .. لا تخافين
تابعت وهي تستشعر الأمان : عارفة إنك ما تزوجتني إلا عشان تضمن إنك تقرب من أمي وتعرف السحر اللي سببته لصاحبك وبنت خالي .. لا تحسبني غبية ! - تهدج صوتها ببكاء - غبية لأني تعلقت فيك ! وهدمت حياتك .. بس أبي أعدل غلطات أمي وبعدها بكيفك راضية تطلقني بس لا تمس أمي وسمعتها بشي ! تكفى وائل !
كانت تجهل التغيرات اللي طرت على وجهه وقتلت ملامحه ، تجهل السوء والقهر اللي خلفتها فيه .. نطق بهمس : وش تبين توصلين له ؟
أكملت بكاءها : مابي شي .. أبيك بس تهدا ولا تتهور وتطلق لمار ، لين ...
شد كفها بقوة لما لاحظ صمتها : لمار وش دخلها بالموضوع ؟؟ ليش تزيدين وتعيدين فيها ؟ تكلمي لا تحرقين أعصابي أكثر !
ارتعدت بخوف ؛ وائل وعدتني تهدا
ترك كفها لكن توتره ما زال ، تابعت : أنا خلاص ماعاد يهمني شي .. فقدت كل شي ومايهمني وش بيصير .. - فجرتها بوجهه - ذنوب أمي وصلت للمار تبي تبعدها عنك ..
وكأن الأرض ارتطمت به ودارت ، نطق غير مستوعب : وش تقصدين ؟
قطعته لأشلاء وهو يسمعها تقول : أمي .. كانت تحسبني مثلها ، ماتبي أحد يشاركني معك .. واللي سوته لعزيز سوته فيك .. وأنا والله ماقد شكيت لها
هول الصدمة شله عن الإحساس ، خدر بارد كل مايحس فيه .. صوتها يوصله بعيد وكأنه غريق تحت الأرض ما يسمع إلا همهمات !
بكت برجاء وقهر : كانت تبي تصلح حياتي بس ماتدري إنها هدمتها .. مافيني أعيش مرتاحة بعد اللي سوته ، مجافيني النوم وأتقلب على نار كل ليلة .. صدقني وائل !
همس غير مصدق وصوته يغيب : لمار !
لف على وراء بيدين ترتعش ، أخذ الأوراق وفتحها قدامها بقهر وصدمة : اليوم طلقت لمار ! ، اليوم يا رهام !
حلت عليها الصدمة ، بكت بقهر .. لكن سرعان ما نطقت بين دموعها : وائل لا تخاف ! يمدينا .. انت ساعدني وصدقني بنلقى السحر وبتطلقني وبترجعها .. صدقني عندنا وقت !
-
بحديقة صغيرة أمام المجمع السكني قبيل الغروب ، كان واقف خلف المرجيحة اللي تطير وكل ما قربت منه دفعها لتتعالى ضحكات ريم .. ينتقل بعدها لشهد يدفعها مرة ثانية لتسابق ريم بالطيران ..
يتوجه لـ ليان الصغيرة ويساعدها على الانزلاق بالزحليقة الكبيرة .. وأخيرًا توصل له كرة قذفها ثامر بقوة ليردها له ويسجل هدف ..
تتعالى صرخات ثامر بقهر .. : غشاش !
يضحك وليد : هذي حيلتك كل ما سجلت عليك هدف !
ثامر يمسك الكرة : نعيد نعيد..
يتابع لعبه مع ثامر ، يلمحها تخرج من بوابة العمارة .. تتوجه لهم ، تقرب .. وهاهي أخيرًا تدخل الحديقة وتنتقل لـ ليان ، تساعدها على صعود المرجيحة وتدفها من جديد ..
يرمي الكرة على ثامر وبمزح : كمل العب مع الأولاد اللي هناك .. مافيني أهزمك وتزعل !
يركض ثامر ليشارك مجموعة أولاد من نفس المجمع لعبتهم ..
تقدم بخطواته لها ، كانت ذابلة تمامًا .. نحل وجهها كثير ، وجهها شاحب ، ما كانت سحر اللي يعرفها ..
قاطعه صوت أخته شهد : يللا وليد دفني .. أبغى أطيــر !
قرب منها وبإبتسامة سحب المرجيحة له وأعادها بقوة .. انتشرت ضحكاتها بأرجاء الحديقة
قربت سحر لهم ، فعلت بالمثل لأختها الصغيرة بعد ما استنجدت بها ..
كانت تقف بجواره ، يفصلهم فقط متر .. نطق بهدوء : شلونك سحر ؟
بنبرة باردة خالية من الحياة : نفس ما تشوف
نقل بصره لها وبتشجيع ابتسم : الحمدلله ، أشوفك قوية وبخير ..
وكأن كلمته أنهكتها ، جلست على طرف الممر اللي يقع خلفها بقلة حيلة .. شعرت به يجلس قريب منها لا يفصلهم سوى شبرين ، بجفاف حلقها نطقت وهي تضم نفسها : أحس إن كل شي حلم ! .. جسمي ثقيل وكأني أشيل أحجار داخله - بضياع شديد - ما أحس إني أنا ، كل شي ما أحسه بمكانه !
نزلت راسها وهي تمسح دمعة تسللت لها أخيرًا ، وصلها صوته حنون : كل شي بيمضي .. ابتلاء من الله أقوي فيه !
قاطعته بضعف بحشرجة : ليش احنا طيب ؟ مالي قوة على ابتلاء ..
كان يسمعها وقلبه يعوره عليها ، حالها يذيب الحجر لأي قلب .. فكيف بقلبه الشغوف بها ، تابعت بعد ما هدأت قليلًا : أنا إن كنت قادرة أوقف للحين فهو بس عشان فهد ! .. يظن نفسه قوي ويحاول يلمنا ويتحمل كل شي ، يحسب إني ما أشوف الضعف بعيونه ... أدري إنه بكل ليلة يروح فيها عندك يبي يخفف الحمل عن قلبه ... مابي أخذله وأنهار مثل جواد ... - ضمت شفاتها تقتل بكاء قبل لا يولد - أمس عرفت إنه تعب من جديد ، خفت أفقده .. مابي أفقد الشي اللي نرتكي عليه ، بنضيع من دونه أدري !
تراءى له منظر فهد أمس ونوبة ألمه تزيد ، بمجرد ما داهمه الألم توارى عند وليد خايف يشوفونه إخوانه بهالحالة ! ، حتى اعتدل وقام على رجوله من جديد رجع لهم .. غمض عيونه وليد بقلة حيله ، عاجز عن مواساتها ، عاجز عن حل معضلة صديقه .. أكثر شي قادر يسويه يخفف عنه بكلماته ويشد على عضده ، يشعر وكأن المصيبة حلت عليه مثل ما حلت عليهم ..
مسحت دموعها ، أخذت نفس عميق تهدئ صوتها : كنت بس أبي أشكرك ، ما تعرف كيف وجودك خفف عنا كثير .. يكفيني أشوف ثامر وريم يضحكون من جديد
هز راسه وبصدق وقف معها وهو ينفض ملابسه عن التراب اللي علق فيها : مابي شكر ، هذا أقل شي أسويه لفهد ... ولكم
حس فيها وقفت من دون حركة ، رفع بصره لها .. كانت تناظر لقدام بصدمة وحركتها جمدت ، نقل بصره لحيث ماكانت تنظر وسرعان ما شعر بطوفان يرتطم به .. تمنى لو إنه غير موجود ، لو ما طرت على باله فكرة تنزيه الصغار بالحديقة .. لو ما جلس معها ..
تقدم الشخص اللي كان ناوي يطلع للعمارة ، لكن يبدو إنه غير من طريقه يوم شافها وتوجه بخطوات ثابتة لهم ..
ضحك بسخرية وهو يشوفها بجنب وليد : برافو يا بنت ناصر !
وليد شعر إن موقعه خطأ ، لكن رجوله مو قادرة تتزحزح عن مكانها وهو يشوف ( عبدالله ) خطيبها المزعوم يوقف أمامهم .. وصله همسها : عبدالله !
تراجع للخلف وليد وبتوتر نطق : عن إذنك سحر ..
وقبل لا يبعد أكثر وصله صوت عبدالله هازئ : لا يا طويل العمر .. ما أقاطع جلستكم ! كنت جاي أتطمن على - وبتشديد - خطيبتي ، ولقيتها بأحسن حال !
غمض عيونه بغيض وليد ، رغم إنه كان يتمنى هذي اللحظة من زمان ، لكن موقفه الإنساني وإدراكه لضعفها وإنها غير مستعدة لفقد شخص جديد من حياتها أجبره يتمالك نفسه ..
لف عبدالله متوجه لسيارته بعد ما رمى عليها نظرة زلزلتها ، تبعه وليد قاصد يصحح الخطأ اللي ظنه .. نطق وهو يوقف قريب من السيارة : لا تفهم خطأ ، كانت مع إخوانها الصغار بس ..
عبدالله فتح باب السيارة ولف على وليد وببرود : فعلًا واضح !
زم شفاته يهدئ نفسه ، داس قلبه ورجّح عقله للحديث .. بهدوء : تعرف الظروف اللي يمرون فيها ، كن محضر خير .. لا تزيدها عليها !
عبدالله بنبرته الهازئة : وحضرتك مين تجي تنقل لي أخبارهم .. لاحظ إن موقعك خطأ !
اغتاض جدًا ، غلف غيضه بابتسامة شبيهة لابتسامة البارد اللي قدامه : تبي تساندها وتوقف معهم بمحنتهم حياك الله .. لكن حط ببالك إنهم مو بحاجتك !
ركب سيارته وهو يقول ببرود : مافيني أتورط معهم أكثر ! ، تبي تتورط بهم حياك .. بفسح لك الطريق بكرة ، أوعدك !
حرك سيارته مبتعد عن وليد الواقف بذهول من جملته الأخيرة عاجز عن تفسيرها .. فعلًا كان يبي هاللحظة من زمان ، لكن .. ليش يحس بانكسار الحين ؟ ضميره يذبحه لأجلها .. مايتخايل ردة فعلها لو تخلى عنها الشخص اللي من المفترض يكون زوجها بعد شهر بأشد أوقاتها حاجة له ! مو ناقصهم جروح تزيد وجعهم ..
جر رجوله للخلف وهو يمسح جبينه وسرعان ما اصطدمت عيونه بها واقفة على مقربة ! ، ملامحها كانت باردة جدًا مما جعله يشك إن الحديث بينهم ما وصلها ..
تقدم بخطوات ثقيلة لها وبهمس : آسف ..
هزت راسها نفي ، وبحشرجة صوتها : ما صار شي ، كان جاي ... ينهي كل شي .
رفع عينه لها ، لمح لمعة دمعتها اللي جاهدت تخفيها .. صدت عنه وبصوت حاولت يكون واضح : يللا ريم .. تعالوا
تركته خلفها بموجة مشاعر ملخبطة ، أسى .. شفقة ، حزن .. وبصيص أمل !
هي .. التجأت للشقة ، ملاذ وحدتها وتعاستها تواري حزنها ، كانت تدرك تمامًا إنه بيتخلى عنها .. مافي سبب واحد بقى ليتمسك فيها ، ما تلومه أبدًا .. شعرت قلبها أقوى مما تظنه ، صدمتها بأبوها قتلت بداخلها ذهول أي صدمة أخرى ، وكأن حاجز حديدي بات يغلفها ضد الصدمات ..
توجهت لدورة المياه ، غسلت وجهها بماء بارد .. زفرت بعمق وبداخلها تعتزم تقوي نفسها وتعتمد عليها ، توجهت لغرفة جواد .. فتحتها بهدوء ، كانت باردة جدًا .. تقدمت بخطوات بطيئة لئلا تزعجه ، غمرها الحزن لشكله المرهق .. طيلة الأسبوعين اللي راحت كان حابس نفسه بالشقة رافض مقابلة أحد ، الحمى أنهكته .. والصدمة مازالت تسري بروحه ..
وضعت يدها على جبينه تتحسس حرارته اللي ما نزلت ، رق قلبها له .. انتقلت مباشرة لريموت المكيف ، زادت من حرارته علّه يدفيه ..
خرجت من الغرفة قاصدة المطبخ ، قررت تطبخ له شربة خفيفة علها تفيده ..
تراقب الساعة المعلقة على الجدار بقلق كبير ، انتهى النهار ومازال غير موجود ومنقطع عن جواله .. دخلت منى الغرفة تشاركها القلق : يالله ! مافيني أصبر ..
ريان بضيق : وش نسوي يعني ؟ نركب سيارة ونمشي عالخط ؟
جلست بجانبها : ما صارت ! مفروض واصلين من الصبح ! .. أكيد صار شي
أبعدت الأفكار التشاؤمية اللي قضت عليها من ساعة تأخرهم : أعوذ بالله ، لا تقولين كذا .. توتريني أكثر !
منى مسحت وجهها علها تهدي نفسها ، سحبت جوال ريان من حضنها .. راحت تبحث عن رقم ياسر ، وصلها صوت ريان يائس : مابيرد ..
سرعان ما تهلل وجه منى بعدم تصديق : يدق يدق
سحبته منها ريان بعدم تصديق .. ومجرد ما وصلها صوت الخط تهلل وجهها .. ثواني حتى انفتح الخط أخيرًا ، جفلت وهي تسمع صوته خالي من الحياة .. وكأنه فقد روحه : ايوه ريان
ردت بسرعة وكأنها تخشى الخط ينقطع : ياسر وينكم ؟؟ خوفتونا
تنحنح عله يخفف الحشرجة بصوته : باقي بجدة ..
ريان بقلق كبير وهي تبعد منى اللي لصقت بجانبها لعلها تسمع : ليش ؟ وش صار ؟
ياسر بضيق شديد : ريان ، ما أقدر أترككم وحدكم .. لازم تجون بسرعة !
بلعت ريقها بخوف وهي تتصور كل الأمور السيئة : وش صار ياسر ، نشفت عروقي
ياسر : مافي شي ، بس أمي تعبت شوي وممكن أطول .. ومافيني أترككم وحدكم
ريان : وأبوي وأمي مو على أساس جايين ؟
مرت لحظة صمت ثقيلة على روحها .. : ياسر !
جاوبها أخيرًا ببحة : غيروا طريقهم لعندنا - وقبل لا يترك لها مجال أكثر ، تابع بسرعة منهي النقاش - احجزي من الموقع بسرعة ، حاولي تكون بدري .. ما أقدر أطول معك أكثر
ريان بلعت ريقها : ياسـ..
وقبل لا تنهي كلمتها وصلها صوته هامس : أستودعتكم الله
قطع الخط تاركها خلفه بدوامة قلق أكبر مما كانوا عليه قبل اتصاله ، وصلها صوت منى : وش فيه ؟
مسكت قلبها بخوف : فيه شي صاير بس مايبي يقولنا !
زمت شفاتها منى بصدمة : وش صار ؟
وقفت بسرعة ريان متوجهة للاب توب وهي تقول : مدري مدري .. بس أمك تعبانة ! وأبوي وأمي رايحين عندهم .. ويبينا نحجز لجدة
جفلت منى : يارب ! وش صاير
جلست بجنب ريان اللي تعبث باللاب توب علها تجد رحلة اليوم .. ضربت جبهتها بقهر : يالله ! مافي اليوم ! .. أقرب رحلة بكرة الليل !
منى : حتى ماعندنا أحد نعرفه ممكن يدبر لنا رحلة
ريان ومازالت تحوس باللاب توب : كلمي ميرا .. ممكن أحد من أهلها يعرف
طلعت جوالها وبعجلة فتحت الواتس .. كتبت بشكل سريع ( ميرا ، تكفين شوفي لأخوك ولا أحد من أهلك إذا يعرفون أي أحد يدبر لنا رحلة اليوم لجدة ضروري ! )
تركت الجوال بيدها وانشغلت بشاشة اللاب توب ، أضاء جوالها بتنبيه لوجود رسالة .. رفعته وهي تقول : أكيد هذي مـ.... - انبترت كلمتها وهي تشوف الاسم ، فتحت عيونها بصدمة .. وقفت بربكة وراحت خلف ريان ، فتحت الرسالة اللي تحمل اسمه ( أحمد ) بتوتر .. وسرعان ما شعرت بالدوار وهي تشوف رسالتها تحت اسمه ! كيف ؟ هي متأكدة إنها أرسلت لميرا ! يبدو إن ربكتها الشديدة اختارته هو من بين جميع الأسماء ! ..
( إن شاء الله ، لكم شخص ؟ )
بلعت ريقها وهي تجاوب ريان اللي تسألها وش صار : ولا شي .. اصبري أتفاهم معها
كتبت بسرعة ( خلاص شكرًا ، أرسلت بالغلط .. آسفة )
وبداخلها تدعي ما يكون يظن بإنها متعمدة تختار اسمه ، كانت تشعر بمغص شديد يداهمها وهي تشوفه ( يكتب الآن .. ) ، أخيرًا ظهرت الرسالة ( مافي مشكلة ، أنا من أهل ميرا .. لكم شخص ؟ )
ترددت تكتب في البداية ، لكن خضعت في النهاية ( ثلاثة )
( ابشري .. الحين توصلكم )
داهمها شعور جميل ودافئ ، بالرغم من إنها عزمت تتخلى عن قلبها لكن بكل مرة ترجع من جديد لخط البداية .. اكتفت بـ ( شكرًا )
جلست على طرف سرير ريان وياسر تستعيد قوتها .. تكلمت أخيرًا : خلاص .. قالت بيدبرها عمها أبو تالا
لفت بهاللحظة ريان تراقب تغير ملامح منى ، تدرك إنها تعاني من حبها .. حب نهايته واضحة من البداية ، هزت راسها بإبتسامة خفيفة لمنى : الحمدلله .. قومي جهزي أشياءك
وقفت منى متوجهة لغرفتها وجوالها بكفها ، مجرد ما وصلت وصلها رده ( إن شاء الله خير ؟ )
كتبت بدون تفكير ( أمي تعبانة ، وأبوي وزوجته وأخوي كلهم عندها )
رد مباشرة ( الله يقومها بالسلامة .. خير إن شاء الله ، لا تخافين )
أخذ البيانات منها وخلال نصف ساعة وصلتهم التذاكر الكترونيًا ، تأملت كلماته الدافية .. المطمنة لها ، آخ لو بس يبادلها نفس الشعور !
-
بالمقابل ..
في مكتبه بالمستشفى ، وقف .. توجه لمكتب أخوه يوسف ، نطق بشكل سريع : يوسف وش صار على عقد الأجهزة المستوردة ؟
يوسف رفع راسه له : خلاص بعد بكرة بيروح سالم جدة ويتفقدها لنوقع العقد ..
أحمد : خلاص بلغ سالم يكنسل رحلته ، أنا بروح لها ..
عقد حواجبه يوسف باستغراب شديد : ليش ؟ وش عندك ؟
أحمد بعجلة : مافي شي ، أفضل أحد منا يروح لها لا ننغش ..
يوسف باستنكار : الشركة المستوردة دايم نتعامل معها شفيك ؟
أحمد بضيق : خلاص بلغتك ، أنا رايح .. وبلغ عمر لا يفقدني ، بعد بكرة الليل راجع
يوسف طلع ملف من مكتبه : لحظة ، لا تنسى الأوراق !
خرج من مكتب أخوه بعجلة بعد ما أخذ الملف تحت نظرات الاستغراب الشديد ، طلع من المستشفى .. توجه لمنزله مباشرةً ، وخلال ثلاث ساعات كان متواجد في المطار ..
انتظر حتى وصله أخيرًا نداء رحلته ، توجه لها بحقيبته الصغيرة بالإضافة لحقيبة لاب توبه .. صعد لدرجة الأعمال ، جلس على مقعده بجانب النافذة .. استخرج لاب توبه يشتغل عليه ليقضي وقته ..
ما حس بالبنت اللي وقفت مصدومة وهي تشوفه جالس على المقعد
بلعت ريقها بصدمة منى وهي تشوفه جالس بجانب المقعد الخاص فيها ، طبتها ريان من خلفها تحثها على السير .. لفت عليها منى بتوتر وبهمس : أنتِ اجلسي هنا .. وعطيني مقعدك
ريان باستنكار قبصتها بخفة : اجلسي أنا بجلس مع تالا ، بسرعة لا توقفين
ماتركت لها مجال أكثر وهي تسحب بنتها تالا وتجلس بمقعدها أمام مقاعد أحمد ومنى ، سلمت أمرها لله .. تقدمت بربكة ، وبمجرد ما وقفت عند مقعدها .. رفع راسه بتلقائية ، شتتها بعيد وجلست أخيرًا ، ابتسم بهدوء وهو يبعد شاشة اللاب توب شوي : السلام عليكم ورحمة الله
وجهت نظرها للأمام تحاول تتجاهله ، لكن وصلها صوته من جديد : السلام سنة ورده واجب !
همست وهي تشبك أصابعها بتوتر : وعليكم السلام ..
لفت راسها للجهة المعاكسة ، بطريقة توضح له إنها ماتبي تسمع صوته .. لكن وكأنه لم يفهم تابع : شلونك ؟ وشلون أمك ؟ إن شاء الله تحسنت
زمت شفاتها بدون رد .. مازال جرحه لها برسائله الأخيرة ، بتكون قوية أمام الفرصة المغرية للحديث والجلوس بجانبه لمدة ما يقارب الساعة ونصف ، لتثبت له قوتها ولا مبالاتها به .
استغرب من صمتها المفاجئ ، ما توقعه أبدًا .. عقد حواجبه بضيق : شفيك منى ؟ أمك تعبانة ؟
لفت عليه أخيرًا كانت تنوي تطلع حرتها فيه لكن قربه بهالشكل وملامحه المستكينة بعثرتها .. تمالكت نفسها ، نطقت بصوت مهتز : بخير .. ارتحت !
وعادت من جديد بنظراتها للأمام ، هو .. مازال مصدوم منها ، ومن عدم احترامها .. بمجرد ما وصلته رسالتها حجز مباشرة لهم وله معهم ، إحساس الأبوة والحنان اتجاهها ما يقدر يفرط فيه .. حتى بعد ما اكتشف مشاعرها اللي يعتبرها مجرد طفولة ! ..
أقلعت الطائرة أخيرًا ، وهو ما زال يفكر في سبب غضبها الواضح منه .. مال بطرف عينه لها ، كان التوتر جلي عليها من فرقعتها لأصابعها وهزها لرجولها .. نطق بتلقائية : اهدي بنتي ، أمك إن شاء الله بخير !
لفت عليه والغضب ياكلها من كلمته المصر عليها ( بنتي ) ! : ممكن ما تكلمني ؟ أنا مابي أكلم أحد لأني مابي قلبي - وباستهزاء واضح - سبيل للرايح والجاي
ناظرها بعدم استيعاب من إصرارها اليوم على صدمته ! ما كانت كذا أبدًا ! ، وجّه وجهه للاب توب ومازال يفكر في سبب تغيرها ، ما مضت غير أقل من دقيقتين حتى التفت عليها بسرعة وكأنه استوعب : منـى !
اسمها على لسانه كفيل بزلزلتها ، شدت كمها وعصرته بين أصابعها .. تابع باندهاش : لا يكون زعلانة ؟
ما ردت مما أكد له زعلها ، أغلق شاشة اللاب توب بإبتسامة ودودة .. وهو يذكر تالا إذا زعلت منه ، إما تقابله بهجوم وشراسة وممكن تتجاوز حدودها معه أو ببرود قاتل ما تترك له مجال يتعامل معها .. بهدوء : منى
كما توقع ، لا رد .. تابع : منى ، مابيك تشنين هالحرب علي .. لا تفسرين أي شي من راسك
استمرت بصمتها ، أكمل : فهميني أنتِ وش فيك ؟
لفت أخيرًا وعيونها أخيرًا بدأت تلمع بأول دمعة : مافيني شي ، بس أبي أمشي بنصيحتك .. مازلت صغيرة ولا بضيع قلبي بأي مكان .
اتسعت ابتسامته بحنانه المعهود : منى .. لا تخلين هالكلام بقلبك ، ولا تظنين إني متجاهلك ، ما قلت لك هالكلام إلا لأني أغليك والله .. قلته عشانك ، مابيك تضيعين عمرك .. وأنا أدري إن كل هالمشاعر اللي بقلبك مشاعر بنت لأبوها ، صدقيني الحب اللي تظنينه وتظنه كل بنت ماهو حب .. الحب يجي بالمواقف والعشرة ، مو مجرد هالخرابيط اللي ببالكم .. يوم الله بيرزقك بزوج صالح إن شاء الله بتعرفين معنى كلامي
كانت تسمع له و قلبها يتقطع أكثر ، عقلها يصدق كلامه .. لكن قلبها يرفض كل كلمة منه ، تنهدت بصعوبة .. هزت راسها بدون أي تعليق وهي تمسح عينها ..
ابتسم أكثر ، وبنبرة أبوية : خلاص الحين لا تشغلين بالك بأي شي ، اهتمي بدراستك وخلي بالك على أمك الله يحفظها
عاد إلى لاب توبه .. تابع شغله بهدوء بقية الرحلة ، بينما هي كانت تصارع روحها داخليًا من جهة ومن جهة أخرى تراقب أدق حركاته ..
-
بنفس وقت إقلاع الطائرة إلى جدة هبطت الطائرة القادمة من أسبانيا على مطار الملك خالد الدولي ..
همست وهي تطب كتفه : بندر .. وصلنا
تحرك أخيرًا وفتح عيونه ، استكان لثواني حتى استوعب وجوده بالطيارة بجنبها .. مسح وجهه بضيق : يالله ، ليش ما صحيتيني بدري !
شوق : شفتك تعبان ، قلت أخليك تنام ..
انتقلت عينه للنافذة ، ابتسم بشوق : الرياض أخيرًا !
شوق نقلت نظرها لحيث ما يشوف : اشتقت لها ..
وقف ، طلع حقيبته الصغيرة .. وخلال دقائق نزلوا أخيرًا من الطائرة ، أمسكت بكفه ومشت بجانبه حتى دخلوا الصالة ، نطقت وهي تتلفت بعيونها : تشوف أخوي نواف ؟
لف عليها بوجوم : خبرتيه ؟
شوق لاحظت ضيقته : قال يبي يستقبلنا .. بس
زم شفاته وهو يجر حقائبهم : زين بس لا تسمعين كلامه لو قال يبي ياخذنا لأهلك
ابتسمت بالرغم من شوقها الكبير لأبوها : تطمن ..
تنهد : هذا هو .. قدام ، متحمس !
انتعشت وهي تشوف أخوها واقف قدام ، تركت بندر وتوجهت له بخطوات سريعة .. مجرد ما شافها ضحك بحب وهو يتقدم لها ، أخيرًا ضمها بشدة وهو يرفع رجولها بشكل بسيط .. : أخيرًا !
طاحت عينها على بندر وهي بحضن أخوها ، تكلم بهمس : شوق ..
شافت الغيض بعيونه ، ابتسمت له .. وأبعدت عن أخوها : يالله شكثر اشتقت لك ..
ضحك وهو يلتفت لبندر ويسلم عليه ، بينما هي انتلقت للي جاي من بعيد وبيده كوبين قهوة .. ابتسم وهو يشوفها ، ضمها بخفة وهو يحاول يبعد يدينه اللي تحمل القهوة عنها .. : الحمدلله على سلامتكم
أخذ نواف القهوة من يد أخوه وباليد الثانية سحب الشنط مبعد بندر عنها : نمشي على بيتنا ولا يا بندر .
بندر بإبتسامة : على بيتنا ، تعبانين والله
شوق تابعت لتأكد : بكرة بشوفكم لا تشيل هم
نواف بضيق ابتسم : والله أبوي محذرني ما أضايقكم ، بس يللا هو الصبح بيمر يسلم عليكم وبجي معه .. ناشب لكم
بندر بإبتسامة مداعبة : وتحسبني بستقبلك بكل مرة تجي ؟
نواف بضحكة : شسوي ، محد قالك تاخذ أختي بدري مننا
وقف بثقل كبير ، تحامل على وجعه .. ضم بجامته عليه علها تدفيه ، فتح باب غرفته وهو يمشي بخطوات بطيئة متجه للمطبخ .. السكون والظلام كان يغطي الشقة ، مما جعله يدرك إن الليل حل وإخوانه مؤكد إنهم نايمين بهالوقت ..
قبل لا يصل للثلاجة وصله صوت طرق خفيف على الباب .. ما كان فيه حيل يتحرك للباب ، لكن إصرار الطارق جعله يتزحزح من مكانه ويتوجه للباب بخفوت ، فتح الباب .. وكما توقع ، أخوه فهد ..
ظهرت الدهشة والتوتر على ملامح فهد : آ.. صحصحت أخيرًا !
عقد حواجبه بتعب وهو يهز راسه بدون تعليق ، كان ناوي يلف ويكمل طريقه للمطبخ لكن التفت بتلقائية على فهد اللي نطق وهو يزيح عن الباب : تفضلي
ظهرت فتاة بعبائتها من خلف فهد ، للوهلة الأولى ظنها أخته سحر أو سهى .. أو حتى مشاعل طليقة فهد ، لكن سرت الصدمة بملامحه وهو يشوفها .. غمض عيونه عل طيفها يختفي من أمامه ، لكنها ما اختفت !
لف على فهد بتلقائية ، قابلته عيون فهد المتوترة .. همس الأخير وكأنه يؤكد له إنها هي : تفضلي ملاذ ..
غمض عيونه من جديد والعرق بدا يتصبب منه ، سمع صوتها اللي غاب عنه فترة : السلام عليكم ..
حس فيها تدخل وتتجاوزه ، فتح عيونه بضيق واضح ، وصله صوت فهد وهو يدخل الشقة ويقفلها خلفه : تفضلي ملاذ للصالة ، البيت بيتك ..
مجرد ما ابتعدت داخلة الصالة ، ناظر فهد بضيق واستياء شديد .. أمسكه فهد بزنده يحثه على السير : تعال معي للمجلس .. أبيك شوي
سار خلف أخوه رغبة منه للهرب من الموجودة بالصالة تنتظره ، نطق بمجرد جلوسه : ليش فهد ؟
فهد شال شماغه وطاقيته ورماهم بإهمال : عشانك جواد !
بضيق واضح وبصوته التعبان : شكيت لك ؟
جلس مقابل أخوه ، شبك كفينه ببعض : ما يحتاج تشكي لي ، أنا أشوف كل شي .. ما تشوف عمرك شلون تعبان ؟ ولا فكرت في المسكينة اللي كل يوم تترجا أهلها يجيبونها عندك ! .. جواد هذي زوجتك ! ، إذا ما كانت معك الحين متى تبيها توقف معك ؟
جواد بانكسار جلي عليه : وأنا مابيها معي ياخوي ! ، فهد .. انت ما تحس ؟ مافيني أحط عيني بعينها ! ليش تزودها علي ؟
فهد رق قلبه لصوته المنكسر ، تابع بهدوء : وأنا مافيني أشوفك كل يوم تنطفي أكثر جواد ، مافي أحد كثرها ممكن يطلعك من صدمتك ..
جواد ضحك بسخرية محروقة وهو يسند ظهره للكنب : تدري إني لأول مرة أحسدك على شي ؟ .. كونك مطلق بهالأوضاع هذي نعمة لازم تشكر ربك عليها
فهد ضاق من كلمة أخوه ، مايدري شكثر هو محتاج مشاعل بجنبه بهالأزمة .. يعرف قوتها ، والمساندة اللي ممكن تسندها فيهم بهالأزمة : لا تحسد الفقير على فقره ، لا تستهين بوجود زوجتك جنبك .. هي الحين منا وفينا ، اللي صابنا صابها .. لا تقصيها كذا وهي محتاجتك جنبها !
زم شفاته جواد بقهر .. نطق بعد صمت بفضفضة : ماقدرت أعيشها مثل أي عروس أيام تذكرها ، كلها أسبوعين حتى انهار كل شي .. مافيني أتحمل وهي تشوف انكساري بهالشكل .. خذلتها وخذلت أهلها معها
وقف فهد وبحنان كبير ابتسم : لا تحمل نفسك المسؤولية ، هي سحابة سوداء وبتنجلي .. وقف معها واترك لها الفرصة تساندك .
مد كفه لكف جواد وسحبه ليستعدل واقف ، طبطب عليها : روح الحين وشوف زوجتك ، واسجد لله شكر إنها حولك ..
كانت عيون جواد ضايعة بعيون أخوه ، تابع بإبتسامة : وقوّي روحك ، أبيك بجنبي .. مافيني أشيل كل هالحمل وحدي
أخيرًا شقت الابتسامة وجه جواد بعد غيابها ثلاثة أسابيع ، وإن كانت ابتسامة باردة خالية من الحياة .. هز راسه يطمئن أخوه ، ترك يد فهد وطلع من المجلس متوجه للصالة .. قبل لا يدخلها تنفس بعمق يهدي نفسه ، تنحنح أخيرًا ودخل ..
كانت جالسة على الصوفا بالزاوية وعبايتها عليها والتوتر واضح عليها .. بمجرد ما سمعته وقفت بربكة ، تأملت هيئته .. كان نحيل جدًا وأعراض المرض واضحة عليه ، عيونه تغطيها الهالات وشعره منثور حوله بعشوائية ..
تقدم لها بدون ما يطالعها ، كان مشتت نظراته للأسفل .. أخيرًا جلس أمامها وهو ملتزم الصمت ووجه يغوص للأسفل ، حس بخطواتها تتقدم نحوه .. وهاهي أقدامها توقف أمامه مباشرة ، غمض عيونه بشدة يوم حس بكفوفها الثنتين تلامس وجهه ، استسلم لها وهي ترفع دقنه لها .. همست : ارفع راسك ، ليش ما تبي تطالعني ..
فتح عيونه ليظهر لها ألمه وانكساره ، زم شفاته : وش تبين تشوفين فيني ؟ .. القهر ؟ الخذلان ؟ الصدمة ؟ ولا خجلي منك ؟
آلمها قلبها لحاله ، نطقت بصوت مبحوح وكفها تنتقل لشعره تمسح عليه بينما الأخرى مازالت ممسكة بدقنه : أبي أشوف جواد القوي ، مو اللي يهرب ويترك كل شي وراه
نزل راسه بتلقائية على كلمتها ، شد عيونه يحاول يمنع الدموع لأجل ما تشوفها .. لكنها تسللت أخيرًا وبللت كفها ، رمت نفسها بجنبه وهي تسحبه لصدرها .. بكى كثير بحضنها ، شاركته البكاء .. اختلطت دموعها بدموعه ، بكاءه هذي المرة كان يجبره دموعها ، شعر وكأنه للمرة الأولى يتلقى صدمته بأبوه .. بكى قهره وضعفه ، شكى لها ببكاءه قلة حيله ، فقدانه للثقة .. قابلته بحضنها الحنون ، حضن أشبه ما يكون بحضن أمه الراحلة ، بكت لبكاءه ..
شدت عليه بذراعها حتى ارتخى أخيرًا على كتفها ، هدأت أنفاسه .. مازال يغمر نفسه بحضنها ، مررت كفها على جانب وجهه الظاهر لها تمسح بقايا الدمع عنه .. استشعرت الحرارة اللي تسري بجسده ، أبعدت وجهه عن كتفها برفق : حرارتك مرتفعة ، بروح أجيب لك دواء
هز راسه وهو مقفل عيونه ، وده لو تبقى بجنبه وتغمره بعطفها .. لكن الحرارة فعلًا بدأت تأخذ مجراها
توجهت للمطبخ ، استخرجت من الثلاجة حبة البنادول المتبقية .. عادت للصالة ، كانت فارغة منه .. قبل لا تأخذها الهواجيس لمحت حركته بالغرفة المفتوحة ، دخلتها وبيدها الدواء و المويا .. كان واقف يمسح وجهه المبلل بالمنشفة ، تقدمت له بابتسامة وناولته الدواء : اممم ، أنام اليوم هنا ولا ترجعني ؟
كان يدرك إنها تراوغ بسؤالها ، الساعة تجاوزت منتصف الليل .. بطبيعة الحال مابيتركها ترجع ، ابتسم بانهاك وهو يترك كوب المويا على الكومدينة : خليك هنا ..
تسلل الفرح لقلبها أخيرًا ، قفلت الباب خلفها وفسخت عبايتها .. انضمت له على سريره الواسع ، تركت يدها تعبث بشعره بحنية وبداخلها تشكر ربها لأنه سمح لها وأخيرًا تعود لحضنه تشاركه مأساته وتساعده على تخطيها ، والفضل الأول يعود لأخوه فهد اللي جاء لها وطلب منها وجهًا لوجه تجي وتنضم لهم بحسبتها فرد من العائلة ..
-
أمام شاطئ البحر الأحمر ، كان يتناول كوب الشاي لعله يصحصح .. تأمل منظر الشروق المقترن بالبحر من إطلالة غرفته العلوية ، منظر ينعش الروح ويهدئها .. أرخى جسده على الكرسي ، ولولهة راوده سؤال أرقه .. ليه أنا موجود في جدة ؟ ما سر الجاذبية الكبيرة اللي تمتاز بها ( منى ) حتى سحبته معها لجدة ؟ يدرك تمامًا أنها مثل شوق أو ميرا مثلًا بنظره .. مازالت بنت صغيرة مهما كبرت بعينه ، لكن صورتها وصوتها متشبثان دائمًا براسه .. وكأنها ليلة مأساتها ، وقت ما حملها على ذراعيه و تمسكت به وهي تنتحب .. قذفت أحبالها الصوتية وملامحها الوديعة بداخل راسه لئلا ينساها ويبقى يحميها دائمًا وللأبد ..
مسح وجهه وهو يزفر بضيق وكأنه يزفر طاريها من باله ، وقف أخيرًا تارك الشمس خلفه .. دخل لغرفته ، أخذ له شاور ينعشه .. خرج من الحمام بالروب وهو يفرك راسه ، سحب جواله من الشاحن .. وسرعان ما ضرب جبهته بضيق : شلون نسيت !
ومثل ما توقع ، انهالت عليه المكالمات من بدر .. كيف ينسى إن اليوم موعد عودة بنته العروس وزوجها ؟ كان يتمنى يكون أول من يستقبلها ، لكن .. طارت الأمنية من بين يدينه !
قرأ الرسالة المتوجة باسم بدر : ( أنا قايل ما بعتمد عليك ، بس وش أسوي لبنتك ؟ )
كتب مباشرة ( أنا بجدة ، رايح أشوف صفقة الأجهزة .. تعذر لي من تالا )
ما وصله الرد إلا وهو يدخل عتبات المستشفى الحكومي اللي أخذ اسمه من منى قبل لا ينزلون من الطيارة ، ابتسم وهو يشوف الصورة اللي وصلته من بدر .. ابنته تالا الحبيبة مستغرقة بنومها بفوضوية على السرير وتعليق ( خلاص بعد وش جاي تبرر ؟ )
اكتفى بضحكة وبداخله يزداد شوق لوحيدته ..
توجه لموظفة الاستقبال ، سأل عن غرفة أم منى .. عقد حواجبه لسؤالها بعد ما صمتت لثواني : تقرب لها ؟
أحمد : لا .. صديق للعائلة بس
قفلت الملف اللي قدامها : الله يرحمها
اعتلته الصدمة : وش ؟
الموظفة : أمس العشاء توفت ، ادعي لها ..
مسك راسه يتدارك صدمته ، هزه بقلة حيله : لا حول ولا قوة إلا بالله ...
نطقت الموظفة بتخفيف : عظم الله أجركم ، زوجة الابن منومة بالدور الأول غرفة 23 ، فيك تساعدهم ..
هز راسه بضيق والدنيا تدور فيه ، مشى بخطوات تائهة للمصعد ، كان جل تفكيره كيف ممكن يقدم المساعدة لهم ..
طلع من المصعد ، توجه للغرفة المقصودة ، طرق الباب أخيرًا ..
انفتح الباب لتظهر له بوجهها الميت ، الإرهاق جلي عليها .. عيونها الواسعة ذابلة تمامًا ، وجهها بهالمنظر يذكره بوجهها قبل سنتين .. بارد !
نطق بصوت جعله متماسك أمامها : عظم الله أجرك .. منى
تعلقت عيونها بعيونه ، وكأنها تبحث عن شي فيها يكذب الواقع .. ما وجدت غير المواساة ، تنهدت وهي تنزل عيونها للأرض .
شتت أنظاره بعيد جاهل ما عليه فعله : الله يرحمها .. أخوك ياسر وينه ؟
نطقت بوهن وشحوب : بالمغسلة .. الجامع اللي قدام
ألقى عليها نظرة مواساة كأكثر شي بيده يسويه لها : ادعي لها وقوي روحك .. راحت للرحيم .
اكتفت بهز راسها بدون تعليق ، استدار للخلف ونزل قاصد مغسلة الأموات .. جلس منتظر عند الباب وهو يستغفر ربه ويدعي من قلبه لام ياسر ، حتى خرج له ياسر ووجهه يغطيه الدموع ، كان وكأن حمل الدنيا بثقلها ارتمى عليه .. رجعت له صورته قبل 16 سنة ، بعد ما كفّن زوجته الراحلة .. وابنته تالا على خفتها كان يشعر بثقل المسؤولية اتجاهها وكأنها جبل ! ، جلس بانهاك ياسر قرب أحمد وهو يبكي بحرقة .. البكاء اللي كتمه عنوةً قدام زوجته وأخته تفجر أخيرًا ،
تقدم أحمد ، جلس مقابله على أطراف أصابعه وهو يشد على كتفه : عظم الله أجرك ، الله يبدلها دار الخير .. ادعي لها ، تحتاج الدعاء .. اصبر والله مع الصابرين
رفع راسه للشخص اللي قدامه ، هول الموقف على روحه كان أقوى من إنه يستغرب وجود الشخص اللي دايمًا يتواجد بجانبه بأي مصيبة تقصم ظهره ، انتحب بقهر وهو ينزل راسه من جديد : شلون أتحمل ؟ .. شلون تبيني أصبر وأنا أغسل أجسادهم الثلاثة مع بعض ؟ .. مافيني قوة والله !
انصدم أحمد من كلمته ( الثلاثة ) ، لكن بطبيعة الحال الموقف ما يسمح له يسأل .. طبطب على كتف ياسر : قوي نفسك ، زوجتك وبنتك وأختك محتاجيننك ! كن قوي ليقوون هم .. الله مع الصابرين يا ياسر الله معك ..
تابع ياسر نحيبه وهو يبكي أمه ، أبوه وزجة أبوه .. استفاق أخيرًا بعد نوبة البكاء على صوت الإمام والموظفين وهم يطلبون منه يدخل يساعدهم بحمل الأجساد لداخل المسجد ، وقف وحيله يخونه .. حملهم وساعده أحمد بحملهم ، حتى صلى عليهم الصلاة الأخيرة ..
ساعده أحمد ومجموعة مصلين بتشييع الجنائز الثلاث حتى أودعوهم مأواهم الأخير .. بكى عند قبورهم ، دعا لهم .. ودعا الله يقوي قلبه على تحمل المسؤولية اللي كانت دائمًا على عاتقه .. لكن وقعها اليوم أقوى .
قاده أحمد لسيارته ، هدأ نسبيًا بعد ما دفنهم بيدينه .. كان شارد وكأنه مو بعالمهم ، بينما أحمد يلقي عليه كلمة مواساة ودعاء بين فترة وفترة لعلها تهدي وتريح باله ، نطق أخيرًا ياسر بأسى : أمي تعبت كثير ، كلمت أبوي .. قرر يجينا لجدة مع أم ريان - زم شفاته وكأنه يحاكي نفسه - ليتني ما كلمته ، ليت لساني انقطع قبل لا أحاكيه
التزم أحمد الصمت يترك له مجال للتنفيس والفضفضة ، تابع بعبرة ياسر : صار عليهم حادث قريب من جدة ، وراحوا ... - غطى عيونه بألم وتابع - أمي ردت على جوالي وقت ما نقلوا الخبر ، ومن وقتها زادت حالتها سوء .. حتى فقدتها هي الثانية أمس ! ... أحس الدنيا تاكل روحي ، ماتبي تتركني حتى تنهيني !
أحمد تنهد بضيق من تأزم وضعه : إنا لله وإنا إليه راجعون ، هذا يومهم .. وهذي سنة الحياة ، وقف واسند أهلك اللي ينتظرونك .. هذا أعظم شي تسويه لأبوك .
استمر بتهدئته حتى وصلوا للمستشفى ، تمالك نفسه ياسر وهو يدخل الغرفة .. استقبلته منى برباطة جأش ، أذهلته قوتها من سماعها للخبر ، تقدم نحوها وضمها لصدره .. أخته الوحيدة ، وطفلته المدللة .. كان دائمًا ملجأ قوتها وأمانها ، لكن هذي المرة امتص قوتها وتشربها ، لعله يقوى بثباتها ..
بادلته حضن بارد طويل ، حتى وصلتهم همهمة ريان .. رفع راسه لها والتقت عيونه بعيونها ، كانت ذابلة والدموع ما جفت عنها .. ابتعد عن منى متوجه لحبيبته اللي تيتمت للمرة الثانية ، أنينها اخترق صدره ببكاء موجع .. ضمها بقوة علها تهدأ : اشششش ريان ، خلاص يا أمي .. -
زاد بكاءها بألم على كلمته ( أمي ) وهي اللي فقدت أبوها بطفولتها وما إن انضمت لعائلة ياسر حتى كان لها أبو ياسر الأب الحنون ، وأمه اللي كانت أقرب لها من أمها .. لكن بلحظة واحدة فقدت الثلاثة لتعيش اليتم من جديد .. انتحبت بصدره ، متمنية لو يكذب الخبر ويصحيها من كابوسها ، لكن عبراته وهي تتحشرج بصدره المرتمية عليه تؤكد إنه واقع ..
مسح على راسها تارك لها مجال تفرغ بكاءها ، بكت كثير حتى غلبها النوم أخيرًا ..
منى ، كانت تناظرهم بتعب .. ومنظر انهيار ريان يقتلها أكثر ، تركت تالا الصغيرة اللي كانت حاملتها على الكرسي وخرجت بهدوء لعلها تتنفس هواء نقي يطلعها من صدمتها .. الدموع استعصت عليها ، تحاول تبكي .. لكنها غير قادرة ، وكأن كل دموعها جفت .. مازالت غير مستوعبة .
خرجت من الغرفة ونزلت للأسفل .. لباحة المستشفى المكتظة ، جلست على أحد الكراسي الموزعة بالمكان .. رفعت رجولها عن الأرض وضمتها تاركة راسها على ركبها ،احتوت نفسها مستدرة البكاء .. لكن لا جواب ، تشعر وكأنه داخلها حرب ضروس .. قلبها يبي يتنفس ، لكن عيونها تأبى ..
ما حست بالشخص اللي جلس بجانبها وينظر لحالتها بأسى حتى نطق بصوته الحنون دائمًا : منى بنتي .. !
رفعت راسها بسرعة وهي تبحث عن مصدر الصوت ، وبمجرد مالفت يمينها اصطدمت عيونها به ..
رفع كفه بحنان بالغ لظهرها ، مسح عليه برقة : كلنا ماشيين على هالطريق يا بنتي .. لا توجعين قلبك
مجرد سماعها لكلمته ( بنتي ) تفجرت أخيرًا ببكاء وهي ترمي راسها على كتفه .. بكت بشدة أخيرًا : خلاص ... راح اللي يقولي يا بنتي ! صرت يتيمة !
انفطر قلبه لها ، احتواها بكفه وهو يطبطب على ظهرها : ياسر موجود .. ريان موجودة ، الله موجود .. .. وأنا موجود ، لا تفقدين روحك ، كلنا معك !
انتحبت بحزن : قولي يا بنتي .. مابزعل ، مابي أفقد هالكلمة بحياتي بعد كل شي فقدته ! مابقى لي غيرها أعيش لأجله ... قولها ، قولها يا ... يبه !
غمض عيونه بألم ، أبعدها قليل عنه .. لكنها رجعت تمسكت فيه بقوة وكأنها تخشى يروح من بين يدينها : أبوي .. وأمي .. راحوا وقلوبهم محروقة علي ! ، أدري ... أمي ما تعبها قلبها إلا بسببي ... بس ... وش أسوي ! مو بيدي ... أنا أموت بكل يوم مية مرة .. وقهرهم علي يوجعني ، والله يوجعني ! ليتني مت بدالهم ..
ضمها له أكثر : اششش يا بنتي .. خلاص ، لا عاد تحرقين قلبك
شهقت بقوة وصوتها يغيب : بقول كل اللي بقلبي لأبوي ولا قدرت أقوله له .. ماكان فيه يطالعني و يشوفني .. أنا كنت أهرب منه ، مابي أشوف كسرة قلبه علي .. وهو .. مايبيني أشوف ضعفه وخذلانه .. يحسب إنه ماقدر يحميني .. وأنا بنته الوحيدة .. بس ... كذا الله اختار لنا .. الشقاء والتعب بهالحياة .. الحين راحوا وارتاحوا ، بس ما أخذوني معهم !
كان يسمع لشكواها وكأنه أبوها ، تعبت قلبه من كلامها .. ليه الله اختاره هو بالذات ليشارك هالعائلة مآسيها ؟ وجعهم دائمًا مرتبط فيه .. حتى صار يشعر إنه واحد منهم ..
مسح دمعة فلتت منه وأبعدها ، كانت ما تزال تبكي .. لكن هذي المرة حيلها مهدود ، وكأن طاقتها تبخرت .. وقفها وهو يسندها ، مشى معها بخطواتها المتعبة وهو مكتفي بقول كلمات باردة لأنه يشعر بأن بكاءها سلب منه كل كلمة ممكن يقدر يواسيها بها .. حتى وصلت غرفة ريان تشاركها باقي ألمها ..
-
جالس بخيبة وهو يتأمل الورقة اللي بيده ، زفر بضيق على دخول وليد عنده ..
كان للتو صاحي من نومه ، عقد حواجبه وهو يجلس مقابل فهد وبصوت مليء بالنوم : وش هالورقة ؟
زم شفاته فهد بضيق ومد الورقة لصديقه ، ما أن مسكها وليد وقرأها حتى انتابته مشاعر مضطربة .. تمالك ملامحه لكي لا تظهر لفهد وهو يعيد الورقة له : إن شاء الله خيرة ..
أخذها فهد بضيق كبير : صراحة كنت أتوقع ، بس مشكلتي ما أعرف طبيعة مشاعرها اتجاه عبدالله ! ، أخاف تتأزم لو عطيتها صك الطلاق .. خاصة بهالظروف !
وليد وهو يدرك تمامًا إنها عارفة ، خاصة بعد موقفها أمس مع عبدالله .. تظاهر بالجهل : الله بيعوضها ..
وقف فهد والملف بيده : بروح أشوف لهم ، وبفتح معها الموضوع .. إن شاء الله تتقبله
هز راسه وليد يؤيده ، تابع فهد بعيونه وهو يمشي ويتخطاه لباب المجلس .. نطق بسرعة : فهد ...
لف عليه فهد ينتظره يتكلم ، نطق وليد برجاء : أدري مو وقته بس ... أنت تدري إني أبيها
فهد لاحت على شفاته إبتسامة خفيفة وهو يهز راسه بقلة حيلة : صدقني بهالوقت متأكد إنها ماتبي ترتبط بأحد .. وممكن تطول هالمدة
وليد ولا زال الرجاء عليه : مابيك تكلمها الحين ، بس أبي أضمن ماحد يسبقني .. حتى لو بعد عشر سنين !
هز راسه فهد ولا زالت الإبتسامة الصغيرة على وجهه ، ترك وليد خلفه وطلع من شقته .. يدرك تمامًا إن مستحيل أحد يتقدم لها بهالأزمة خاصةً ، الأزمة اللي بيستمر تأثيرها على نفوسهم وسمعتهم حتى بعد عشرات السنين ! ، كان دائمًا يتمنى وليد لسحر أخته ، متيقن إن محد بيوقف معها ويسندها مثل وليد مثل ما هو واقف بماله ومواقفه النبيلة معهم حاليًا .. لكن يجهل رأي أخته ، هل بتتقبل وليد أو بترفضه مثل ما رفضته سابقًا ! زفر بهم وهو يدق باب الشقة ، مفتاحه تركه لسحر .. بينما المفتاح الأساسي مع جواد ، ثواني حتى انفتح له الباب .. لتظهر له بإبتسامة مشرقة غابت عنها من زمان ، ألقى السلام وهو يتفحصها : السلام عليكم
دخل وقفلت الباب وراه بإبتسامة : وعليكم السلام .. عارف مين موجود ؟
ابتسم وهو يستوعب سبب إشراقة وجهها : ملاذ .. جبتها أمس معي
دخلت معه المجلس : زين سويت ، جواد محتاجها ..
جلس لتجلس معه : حتى أنتِ وجهك منور اليوم ، شكل جيتها كان مفروض تكون بدري
ابتسمت : ملاذ صديقتي قبل لا تكون زوجة أخوي .. - وقفت - أسوي لك فطور ؟
هز راسه نفي : لا ، بروح بعد شوي وبفطر برى
تابعت سيرها : أجل أجيب لك شاي
نطق يستوقفها : سحر .. انتظري
لفت عليه بعقدة حواجب ، تأملت انقلاب وجهه للجدية المشوبة بتوتر ، تابع : أبيك شوي .. تعالي اجلسي
انتابها القلق من نبرته ، جلست بجانبه تنتظره يحكي .. هو ، كان يجهل كيف يفتح معها الموضوع .. نطق بقلة حيله وهو يمد لها الملف اللي يحتوي بداخله صك طلاقها : الله يعوضك خير منه ..
مسكت الملف بجمود ، كانت تدرك إنه بيتخلى عنها .. وتأكدت من ذلك بحواره أمس مع وليد ، لذلك الموضوع ما صدمها أبدًا .. رفعت راسها لفهد اللي يراقب ملامحها ، نطقت بجمودها : الحمدلله ، راضية بقضاء الله ..
فهد اللي انصدم من جمودها ، استرخت ملامحه براحة .. كان يخشى تنهار أو تتأذى نفسيًا .. لكن يبدو أنها أصبحت قوية جدًا ! : الحمدلله ، الأزمة اللي نمر فيها فتحت عيوننا على الناس اللي فعلًا تبينا وتوقف معنا .. اللي راح الله يوفقه ، والواقف معنا ما بننسى فضله
ابتسمت ببرود ووقفت : بروح أصحي ريم وثامر ..
راحت وتركته خلفها ، وهي تجر بيدها صك طلاقها .. مطلقة قبل لا تُزف بفستانها الأبيض !
-
طلع من المقر براحة كبيرة ، ابتسم وهو يلمح عبدالرحمن اللي يأشر له بيده : تمت ؟
راكان بإبتسامته : الحمممدلله
قرب منه عبدالرحمن : الحمدلله ، هالقضية من 4 سنوات شغالين عليها ومن جيت اختصرتها بسنتين !
راكان زفر : صحيح إنها تعبتني نفسيًا خاصة بعد ما مسكنا أبو فهد وزوجته ، بس الراحة ما حسيت فيها إلا الحين وأبو نواف يقولي تمت المهمة !
ضحك عبدالرحمن وهو يضرب كتفه : باقي بدري عليك ، تجيك أحيانًا قضايا تشيب راسك .. ما تضمن اليوم اللي تعيشه
راكان بضيق : بعدوني عنها ، أنا ما صدقت أخلص من ذي
عبدالرحمن بضحكة : عاد عجبتهم ، ما أضمن لك يشبكونك بأي مهمة قريب !
راكان : الله يستر ..
عبدالرحمن وهو يعدل شماغه : زين روح توكل ، الله يحفظك مافيني أتأخر زيادة ويقلبون علي.
ودعه راكان واتجه لسيارته ، اليوم يوم مهم بالنسبة له .. القضية اللي أرقته انتهت وأخيرًا ، بالإضافة إلى إنه اليوم اللي عزم فيه يخطبها أخيرًا .. ما ينكر إنه خايف ترفضه ، لكن جانب كبير منه يتأمل بالحب اللي يسكن قلبها له حتى وإن أخفته !
وصل للبيت ، أدخل سيارته للمواقف .. طلع منها وتوجه لأطراف حديقة منزلهم ، عند الجلسة اللي تطل عليها نافذتها .. كان ينوي يستكشف ما إذا كانت صاحية أو لا ، لكن وصلته أصوات ضحك وأحاديث مصدرها الجلسة .. مجرد ما ولج اللفة طاحت عيونه على أمه وعمته أم رائد يتبادلون الحديث باستمتاع ، بينما ميرا جالسة معهم بكرسيها المتحرك بملل .. مجرد ما شافته رفعت الطرحة اللي كانت بحضنها على راسها بإهمال .
ابتسمت أمه وهي تشوفه جاي : يا أهلًا بحبيبي
تقدم لها وباس راسها ، وبالمثل فعل مع عمته اللي رحبت فيه .
التفت لميرا أخيرا : شلونك ميرا
اكتفت بإبتسامة وهي تهز راسها ، ابتسم : الحمدلله ! - تلفت حوله - أجلس معكم ولا مالي مكان ؟
أم رائد قربت الكرسي اللي بجانبها : تعال قرب ..
صبت له أمه الشاي وقربته منه ، بينما هو بادر بسؤال : فين ملاذ وأم ليان ما أشوفهم ؟
أم راكان براحة كبيرة تسري بداخلها : ريتاج راحت مع أختها وملاذ راحت لزوجها ما تدري ؟
أم رائد : شلون تبينه يدري وهو مختفي ماحد يشوفه ؟
ابتسم براحة كبيرة : الحمدلله .. يعني جواد تحسن
ارتشف شايه برفقتهم ، استمع لحوارهم عن حالة جيرانهم .. نقل بصره للجالسة على طرف الجلسة وتراقب بصمت ، التقت عيونهم أخيرًا .. ابتسم بسرعة قبل لا تشتتها : تلعبين ؟
عقدت حواجبها باستفهام ، تابع : سعودي ديل ..
تهلل وجهها بفرح ، هزت راسها بسرعة وكأنها تخشى يغير رأيه .. تبسم لتجاوبها ، وقف : بجيبها وأجيك ..
طلع لغرفته وأخذ مجموعة كروت اللعب ، ويوم نزل شافها جالسة على مفرش كبير خلف الجلسة وممدة رجولها على جنب .. وخلفها مركى تستريح عليه ، توجه لها وهو يسمع عمته تقول : كانكم تبون البسكوت تعال خذه وحطه عندكم
اكتفى بأخذ المكسرات وكوبين شاي بالصينية ، تفدم لها وجلس تارك الصينية بينهم .. طلّع الكروت من جيبه وبدأ يخلطها : على ثلاث مجموعات ؟
زمت شفاتها برفض ، رفعت أصابعها وهي تشير بالرقم ستة
زفر وهو يوزع الأوراق : اوكي .. أجل اضمني الخسارة من الحين
اكتفت بنظرة تحدي وبدأت اللعب ، كان يلعب معها بحماس شديد وكأنها ميرا القديمة .. وهي كذلك تناست كل آلامها وإعاقتها وراحت تستمتع بكل مافيها حتى انقضت الساعة الأولى ..
ضحكت بانتصار وهي تتأمل مجموعاتها الخمس ، كانت أقرب منه للفوز .. نطق وهو يسحب ورقتين بهدوء : ميرا ...
نقلت بصرها له تنتظره يحكي ..
تابع وعيونه تنزل للأوراق مشتتها بعيد عن عيونها وبهمس : بعدك زعلانة ؟ أبي أتأكد إنك راضية عني ..
استكانت لوهلة ، شتت عيونها بدون أي استجابة .. مهما كان زعلها منه هي متيقنة ألا أحد يقدر يدخل السعادة لقلبها وينتشلها من ألمها غيره ، معه وحده تحس إنها حرة .. معه وحدة تنسى عجزها عن المشي وعن النطق ، هو الوحيد اللي يقراها ويقرأ مشاعرها دون ما تضطر لتوضيحها بكتابتها على الهواء أو على ورق أو حتى جوال ..
وصلها صوته من جديد برجاء : ميرا !
زمت شفاتها وبدون ما تناظره هزت راسها نفي ، ابتسم وهو يزفر براحة : ما تدرين شكثر يهمني رضاك ..
رفعت بوجهه كرت ( سحب مجموعة كاملة ) وكأنها تنهي نقاشه ..
ضحك بمرح : حيوانة ، استغليتيني
استمروا لساعة ثانية يلعبون متناسين اللي حولهم ، حتى وصل أبو رائد اللي توجه لجناحه يبدل ويغتسل بعد ما ألقى السلام .. وقف راكان بعجلة : اصبري ميرا .. شوي وأجيك
ما ترك لها مجال تعترض وانطلق يلحق خاله ، ومن حسن ظنه لحّق عليه قبل لا يدخل غرفته : خالـــي ..
لف خاله عليه : تبي شي راكان ؟
راكان : أبي أكلمك بموضوع ..
أبو رائد عقد حواجبه : زين ، بس بدخل أتروش .. انتظرني هنا
راكان حك جبينه بتوتر : لا تكفى خالي ، بكلمك أول ..
استدار له أبو رائد بعقدة حواجبه وهو يستشعر أهمية الموضوع : زين ، اجلس نشوف وش عندك
جلس ومقابله خاله ، فرك يدينه بتوتر : خالي .. تواصلت مع المستشفى الألماني اللي حكيت لك عنه وحجزت موعد ،
أبو رائد استبشر وبفرحة كبيرة : الله يبشرك بالخير ! .. - وبحماس - متى ؟
راكان : بعد شهر
أبو رائد : زين .. نروح أنا وعمتك ،
قاطعه راكان قبل لا يكمل : بس خالي صعب تروح وتترك كل شي وراك ..
أبو رائد : كل شي لجل ميرا يهون ، أبيها ترجع تركض وتزعج قدامي .. وباقي الأمور خوالك بيتكفلون فيها
راكان شبك أصابعه بتوتر : خالي ، أنا أبي بنتك بعد رضاكم طبعًا .. نعقد وأسافر معها حتى تتعالج ونرجع
أبو رائد جمد لثواني حتى نطق بهدوء : لا راكان .. بنتي مابي أعطيها لك وأنا أدري إنك تشوفها مثل ملاذ
نطق بسرعة راكان بانكار : خالي والله أنا أبيها .. كنت بفتح معك الموضوع قبل لا يصير لها اللي صار ، بس الظروف منعتني .. ميرا أغلى من روحي ، وإن كنت تشوفني مو كفو هذا شي ثاني ..
زفر أبو رائد : ماقلت إنك مو كفو ، مكانتك بقلبي مثل مكانة رائد .. بس مابيك تظلم نفسك وتظلمها معك كانك ما تبيها
راكان بإصرار : ميرا بقلبي يا خال من صغري ، اسأل ملاذ كانك ما تصدقني ..
تنهد أبو رائد : والنعم فيك ، ما بعطيك كلمة لين أسمع رأيها .. إن كانت تبيك ، عقدنا لكم وتسافر معها ، وإن كانت تشوفك مثل أخوها ورفضت .. أنا وأمها بنروح وكل الأمور بتتيسر ..
وقف راكان بإبتسامة امتنان ، تقدم وقبل راس خاله : الله يديمك لنا ولا يحرمنا منك ..
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل السادس وأربعون 46 - بقلم HaboOoshy
أحبك يالصحاري ، اللي في هجيرك ..
أحترق كلي وفاء "
- بدر بن عبد المحسن
*•
كان مستلقي بتعب على سريره ، بعد ما حس بفقدانه لهم .. أمس كانوا حوله يضحكون وماليين حياته ، بينما قبل ساعات فقط غادروا مودعين .. يشعر بفراغ روحي كبير .. يجهل ماينتظره ، ويجهل كيف يبدأ طريق البداية .. قاطع تفكيره صوت انفتاح الباب ليفز عليه ، وبطبيعة الحال متأكد مافي أحد غير ( وليد ) يدخل ويطلع عليه خاصة بعد سفرهم ، ظهر وليد من خلف الباب بابتسامة كبيرة تعلوه : عندي لك مفاجـــأة !
فهد شتت عيونه بالغرفة مو رايق لروقان وليد : وش ؟
أغلق الباب خلفه وليد وهو يتقدم بابتسامة كبيرة : طيب تفاعل ، احزر .. ليش كذا بارد ؟
زفر بضيق وهو يسلط نظره بوليد وببرود : مو رايق لك ، احكي وش عندك ..
ضحك وليد تحت استغراب فهد وهو يعود أدراجه للخلف ويفتح الباب ، جحظت عيون فهد بصدمة غير مستوعب وهو يشوف من خلف الباب .. ليدخلون وضحكة خفيفة تطلع منها ، زادت ضحكة وليد على شكله المصدوم : شرايك ؟ مو مفاجأة !
تقدمت سحر لتجلس بسرير فهد وتضمه بخفة ، نطق فهد أخيرًا بعد ما انفكت عقدة لسانه من هول الصدمة : سحر ؟؟؟؟؟
تقدم وليد ليحمل ثامر تحت رفضه وزعله : وهالاثنين ماشفتهم
لتنطلق أخيرًا ضحكة من فهد وهو يمد يده لريم الغاضبة والرافضة .. : تعالي ريم
نطق وليد بعد ما نزل ثامر : زعلانين ، خلهم علي ..
عقد حواجبه فهد لتنطق سحر : مايبون يرجعون ، تحمسوا للسفر ..
فهد وللتو كأنه يستوعب : وينه جواد ؟
نطقت سحر بغصة ولحظة وداعه ترجع لها : بالطيارة !
استعدل فهد بجلسته ليفهم أكثر : شلون ؟ مو فاهم شي .. وش صار ؟
جلست سحر تحكي له بغصة تختقها لفراق شقيقها المقرب ...
" قبل ساعات ،
كان قلبها يخفق بشدة من التشتت اللي تعيشه ، تحس بتضارب آراء كبير بعقلها .. وهاهو جواد يمشي باتجاههم على سماع نداء الرحلة
تقدم جواد ليحمل حقيبة الظهر الخاصة بريم وبنبرة حماسية لها : يلله يلله ، بتروح علينا الطيارة
لتقفز مع أخوها ثامر بحماس ، وقفت ملاذ لتلحق جواد غير منتبهين للي وقفت مثل الصنم ماتقدر تخطو خطوة لا للأمام ولا للخلف ..
التفتت ملاذ أخيرًا لتشوفها ما تحركت من مكانها : سحر .. يللا !
كان الصمت هو ردها ، عقدت حواجبها لتقرب منها : سحر ! وينك .. معنا ؟
همست سحر بتردد : مابي ..
ملاذ وكأنها ما فهمت : وش ؟ وش تقولين سحر ؟
ليعود جواد بهاللحظة مستدير بعد ما حس فيهم ، تقدم بعجلة : شفيكم ؟ يللا امشوا ..
سحر زفرت بعد ما استجمعت أنفاسها : مابي أروح ، خلاص هونت ..
وليد اللي كان قريب نوعًا ما ، كان يراقب وجسده مضطرب .. يارب تمم !
جواد جمدت ملامحه ، نطق أخيرًا وهو يمسك يدها : لا تستهبلين ! مافي وقت ..
كان ناوي يسحبها معه للطيارة لكنها استوقفته وهي ثابتة بمكانها وبصوت ضعيف : جواد قلت لك مابي أروح .. خلاص أحس إني مو قادرة !
ملاذ همست لها : سحر .. شفيك ؟ صدقيني بتندمين
هزت راسها نفي : خلاص روحوا للطيارة ، أنا برجع مع ثامر وريم ..
اعتلى جواد الغضب غير مصدق : سحر وش صابك ؟ وأوراقك اللي ضبطتها ؟ والجامعة اللي قدمنا عليها ؟ خلاص بتتركين كل شي بعد هالتعب ! .. - هز راسه غير مستوعب - ليش ما تكلمتِ من أول ؟ حتى الشنط خلاص مايمدينا نرجعها
بهاللحظة تدخل وليد وهو يقرب منهم بعد ما خاف إن كلام جواد يؤثر فيها ، مسك كف جواد : على هونك ، ماصار شي .. اتركها تسوي اللي يريحها
قاطعه جواد بغضب وهو يبعد يده : مالك علاقة وليد ، لا تنسى .. أختي مايربطك فيها شي ! لا تتجاوز حدودك .
ابتلع وليد كلامه الجارح كونه يدرك موقف جواد ولا يلومه على ذلك ، بينما ملاذ أمسكت كفه تحاول تهديه تحت صمت وصدمة ريم وثامر .. تابع وهو يبعد كف ملاذ ويمسك بسحر : يللا مشينا ، الطيارة بتقلع بعد شوي ..
زمت شفاتها سحر تمنع دموعها اللي ظهرت غصبًا عنها : جواد ، لا تجبرني .. مارح أطلع من الرياض
لف عليها وهو شاد على أعصابه : انتهينا ..
تدخل وليد مرة ثانية : جواد ، هي مو مستعدة .. صدقني متى ماتبي تلحقك فهد بنفسه بيوصلها ..
انفلتت أعصابه وهو يترك يدها : وليد لا تجنني ، قلت لك مالك علاقة ! .. وصلتنا الله يجزاك خير ، خلاص انتهى دورك !
قاطعته سحر بثبات وهي تسحب يدين إخوانها الصغار : لا برجع معه ، خلاص جيب ثامر وريم والحقوا طيارتكم ..
ارتسمت ابتسامة انتصار ونشوة على شفاة وليد اللي يتابعهم بعيونه ، جمدت عيون جواد لثواني بعيونها وكأنه للتو يستوعب جديتها بالموضوع ، ليهمس بخيبة : سحر !
مسحت دمع عينها قبل لا يطيح وتقدمت له لتحضنه بحب حقيقي وهي تهمس له : جواد .. ما كان ودي أخيب ظنك ، بس ... صدقني مو قادرة أروح معك وأترك الرياض وكل شي وراي .. ماتعرف شكثر بشتاق لك وبفقدك ، بس أملي فيك كبير !
ابتعدت عنه شوي لتشوف وجهه الحزين والمصدوم منها لينطق بخيبة أمل : مستحيل أجبرك على شي ، تعرفيني .. مابي لك إلا كل خير ، بس متأكدة من قرارك سحر ؟
هزت راسها بتأكيد وابتسامة رضا تشق وجهها لتطمنه : متأكدة .
سحبها له ليضمها بخفة : مو مصدق سحر ! ، كل شي بنيته لنا هناك حطمتيه بلحظة
شدت على كتفه : مافي شي انهدم ، كل شي بيمشي مثل ماخططت له وأحسن ، لا تستسلم !
ابتعد عنها ليزفر بحزن شديد وهو يحفظ ملامحها ولمستها الحنونة .. الأخت اللي عاشت معه بكل لحظاته ، طفولته .. مراهقته وشبابه ، كانت أقرب له من صديقة ، شتت عيونه لثامر وريم اللي تظهر عليهم ملامح الدهشة والخوف مترقبين مصيرهم همس لها : باخذهم معي ..
هزت راسها نفي : لا .. خليهم معي ومع فهد ، أحسهم أمانة برقبتي .
تنهد بقوة وهو يلتفت لهم ، ومثل ما توقع .. انهاروا رافضين يرجعون مع سحر ، تشبثوا به .. لكن إصرار سحر كان أقوى ، ودعهم وودعتهم ملاذ ببكاء أوجع قلبه .. توجه للطيارة محلّق مع زوجته باتجاه المستقبل المجهول بعدما تركوا كل شي خلفهم ..
بينما وليد كاد يطير فرح وهو يشوفه متوجه للطيارة برفقة زوجته .. التفت لها غير مصدق ، كانت مشغولة بتهدئة ثامر وريم وبمداواة حزنها على فراق جواد وملاذ ، تقدم لهم ليجلس على طرف رجوله مثل جلسة سحر اللي تهدي ريم .. وبابتسامة كبيرة عجز يخفيها : مافيني أقول حزين لحزنك .. لأني فعليًا مبسوط ومو مصدق !
رفعت نظرها له لترتسم على شفاتها ابتسامة خجولة من بين دمعها ، مسحت دمعها لتوقف : يللا نرجع ؟
وقف مباشرة وهو يمسك بيد ريم : نرجع ، ليش مانرجع ..
ضحكت بتلقائية على شكله المتحمس والمندهش بوقت واحد ، توجهوا للسيارة بمشاعر مختلفة .. فرحة ماتسع الكون عند وليد ، حزن وبكاء عند ريم وثامر .. بينما سحر تجتمع فيها كل المشاعر ، شعرت بالهواء يتسلل لها بقوة بعدما فتح وليد سقف السيارة باستمتاع كبير يشعر به ، استنشقت الهواء بعمق وهي تمد يدها لخارج السيارة : الله !
انحرفت عيونه لها بتلقائية وهو يلحظ الطمأنينة اللي تسري فيها : صراحة ما توقعت .. كنت أعشم نفسي وأدري إنك مسافرة
اتسعت ابتسامتها وهي تمسك الطرحة لئلا تسقط من هبوب الهواء : كنت مترددة ، بس ... ما أدري كيف تشجعت !
بكبرياء مصطنع نطق : أعرف ، رسالتي أثرت فيك .. ما يحتاج تقولين .
ضحكت ضحكة خفيفة وبانكار : أبدًا .. أصلًا ماقريتها !
تعالت ضحكته اللي فقدها من زمان ممتزجة بضحكتها الرقيقة والمحببة لقلبه وببكاء الطفلين جنبهم .
وقفوا أمام المستشفى لتنطق سحر بحماس : وش بتكون ردة فعل فهد !
وليد وهو اللي يدرك رفض فهد الصارم لسفرهم ابتسم : خلينا نفاجأه ..
نزلوا من السيارة ليتوجهوا لغرفة فهد ، غمرتها الفرحة وهي تشوف المفاجأة بعيونه بالرغم من حزنه على إصرار جواد .. اطمأنت لقرارها المفاجئ ، وهاهي تجلس وحدها مع فهد بعدما غادر وليد برفقة ريم وثامر لياخذوا شهد ويغير جوهم بالملاهي علّهم ينسون حزنهم ..
كان يتكلم بحماس شديد وكل آلامه هجرته لوجودهم ويحكي لها عن مخططاته للسنين القادمة .. قاطعته بعز حماسه : فهد ..
فهد : عيونه ..
ابتسمت بخجل : تسلم عيونك ... - تشجعت حتى نطقت باللي يختلج بخاطرها - امممم كلمتني قبل عن ... موضوع وليد
شدت انتباهه أكثر وهو يستعدل بجلسته .. ناظرها بانتباه يحثها على تكملة الموضوع ، تابعت بعد ما شتت نظرها : فكرت ... وأحسني مرتاحة .
تهلل وجهه بفرحة غامرة : يابعد هالدنيا ، صدقيني وين يلقى وليد مثلك !
ابتسمت وهو يسحبها له ليقبل جبينها ، أبعدها ليكمل بجدية : وليد ، رجّال ينشد فيه الظهر .. الشخص الوحيد اللي أأمنه على عايلتي وأروح وأنا متطمن ، مو لأنه خويي وصاحبي .. لكن صدقيني يشيل الدنيا فوق راسه لجل اللي يعزهم ..
نزلت راسها وهي تدرك صدق كلامه من خلال الفترة الماضية ، أثبت لها رجولته وحبه بجدارة ..
-
عاد من عمله ليدخل للبيت يبحث عنها ، ما استقبلته كعادتها .. دخل الغرفة لتصطدم عيونه بها نايمة بعشوائية على السرير وبجنبها بنته ( فدا ) ، ابتسم لمنظرهم اللي يروق له كثير .. تقدم ببطء ليتوجه لغرفة الملابس الصغيرة ، بدّل بهدوء لئلا يزعجهم .. عاد ليستلقي معهم ويده تعبث بخد بنته ، رفع بصره لها على صوتها المبحوح : متى جيت ؟
بهمس وهو يقبل خد فدا : قبل شوي .. لا يكون أزعجت وصحيتك من النوم ؟
استعدلت بسرعة وهي تلم شعرها : لا .. ما كنت نايمة أصلًا
انتبه للتو لملامحها التعبانة ، عقد حواجبه وهو يجلس : شفيك ؟ تعبانة ؟
لاحظ توترها من سؤاله وهاهي تبتعد خارجة من الغرفة : لا ولا شي .. بجهز غداك
لحقها مباشرة للمطبخ ليشوفها سرحانة ويدها تحرك الأكل على النار .. اتكى على طاولة الطعام بزاوية المطبخ لينطق : مو طبيعية ..
فزت بخوف على صوته : بسم الله ، من متى جيت هنا
صقر تابع بتفحص لوجهها : ماودك تقولين شفيك ..
زمت شفاتها والتزمت الصمت ، بينما هو تنهد تاركها على راحتها بدون مايضغط عليها .. حتى جلست أمامه بعد ما جهزت الغداء ، نطقت أخيرًا بعد صمت طويل بينهم : امممم ، رحت المستشفى اليوم .
رفع راسه لها ليعقد حواجبه باهتمام : إن شاء الله خير ؟
تنهدت وهي تنزل الملعقة وبصرها للأسفل : أنا حامل صقر ...
رفعت نظرها شوي لتراقب ملامحه ، ومثل ما توقعت الصدمة ماكلة وجهه .. همس : متأكدة ؟
ملاك : كنت شاكة ، من أسبوعين .. بس الحين تأكدت
صقر وهو غير مستوعب : بس ... - مسك راسه يفركه ، ليعود ببصره لها بإحباط - ما اتفقنا كذا !
مايعرف شكثر أوجعها ، هي تدرك تمامًا من البداية إنه رافض فكرة الإنجاب لفترة لا تقل عن 8 سنوات ! حتى تكبر ابنته فدا اللي تعاني من متلازمة داون .. بدافع حبه وتعلقه الشديد بها ، مايبي أي طفل أو أخ يشاركها طفولتها حتى تكبر .. لكن ماحصل هي بنفسها تفاجأت منه ، مجرد ما عرفت عاشت ساعات صعبة وهي تفكر بردة فعله .. بلعت ريقها وبحزن شديد - صدقني مو مني ، حتى أنا متفاجئة .
عاد بظهره للخلف يداري مفاجأتها اللي صدمته .. بعد صمت طويل عاد بعيونه لها ليلمح طرف دمعتها ، تنهد بضيق كبير ليتقدم من جديد ويمسك بكفها : ملاك .. تعرفين إني رافض فكرة الانجاب عشان الطفل نفسه ! ، مابي أسبب فروقات لأخوين تنفرهم من بعض .. فداء وضعها مختلف ، بتظل طفلة بعيوني ! ، وتحتاج عناية واهتمام خاص .. تعرفين شكثر تعلقت فيك ، وهالشي اللي مو ممكن يستوعبه طفل !
شدت على كفه : فدا طول عمرها بتبقى تحت عيني ومستحيل ياخذ مكانها أحد .. بس ، دام الله كتب ينخلق لنا جنين ، نتوكل .. ممكن يكون الشخص اللي تحتاجه فدا !
تعلقت عيونه بها لفترة يسترجع كلامها اللي مو مقتنع فيه أبدًا ، تنهد وهو يوقف ويسحب يده منها .. : مدري ..
تركها خلفه وتوجه للغرفة لتسقط عينه على فدا نايمة بكل هدوء ، شعر بمشاعره تتهيّج لها .. استلقي بجانبها ليسحبها لحضنه غارق فيها ، بينما ملاك مازالت بمكانها تداري جرحها ..
-
على صوت طرق الباب وقفت تاركة الفيلم اللي تتابعه مع ريان وتوجهت للباب تشوف مين خلفه ، من خلال العدسة الصغيرة اللي تتوسط الباب لمحت هيأته اللي فقدتها من زمان ، ارتعد قلبها ينبض بشكل متسارع .. ألصقت أذنها بالباب لتهمس بتوتر : مين ؟
وبمجرد ما وصلها صوته المحبب لها انسابت القشعريرة بجسدها : أحمد .. أبو تالا .
هرولت مسرعة لداخل : وين ياسر بسرعة عجّليه ، أحمد عند الباب !
استعدلت ريان بجلستها وتوجهت لحمامهم لتدق الباب : ياسر.. أحمد ينتظرك .
ما مضت غير دقيقتين حتى طلع من الحمام ووجهه واجم : وش جابه ؟
ريان أمسكت بيده وبصوت هامس لئلا تسمعه منى : تكفى لا تهدم كل شي ، لا ترده .. على الأقل لين تسمع قرار منى ، أنت تعرف شكثر الموضوع صعب .. وممكن ما توافق على غيره ، لا توقف بطريقها وتحرمها وأنت ما تعرف هي وش تبي !
تنهد يبتلع كلامها ، هز راسه وهو يبتعد لباب الغرفة : إن شاء الله ..
طلع ليلقاها جالسة بالصالة ، مجرد ما شافته فزت : أجهز القهوة ؟
ابتسم بلطف : ياليت ..
لتقف متحمسة للمطبخ تجهز القهوة ، بينما هو توجه للباب ليفتحه .. ليظهر أحمد أخيرًا ، سلّم عليه ياسر بترحيب بارد .. وهاهم أخيرًا بالمجلس ، فتحوا جميع المواضيع وناقشوها ببرود قاتل باستثناء الموضوع اللي شاغلهم .. حتى نطق أحمد أخيرًا بعد فترة طويلة : الأسبوع الجاي إن شاء الله إذا يناسبكم بجي أنا وأبوي وإخواني ... نطلبها على سنة الله ورسوله .
اشتدت ملامح ياسر على كلمته ، شعر وكأن الدنيا تقع فوق راسه .. فتح زر ثوبه العلوي يبرد بعدما شعر بالضيق .
بينما أحمد يلاحظ تغيره وانقلابه ، تابع : إذا تشوفني مناسب وأهل لأختك ..
بلع ريقه ياسر بضيق شديد : ما منك قصور أحمد ، والنعم فيك ...
وقف أحمد بابتسامة صغيرة ليقف معه ياسر .. صافحه : خلاص نقول إن شاء الله موعدنا الأسبوع الجاي ؟
ياسر هز راسه وصوت ريان يرّن بإذنه : إن شاء الله ، تشرفونا ..
خرج أحمد ليغلق ياسر الباب خلفه ، تنهد بثقل وهو يرمي نفسه على الكنبة بالمجلس وكل شي يدور حوله ، أحمد .. ماينكر إنه أنبل شخص عرفه ، مواقفه ورجولته معهم ما ينسى فضلها أبدًا وبتبقى دين برقبته ليوم الدين ، لكن .. منى ، أخته الصغيرة والحبيبة يشوفها صغيرة جدًا عليه ، مو مستوعب الفكرة إطلاقًا ..
.. : وين وصلت ؟
رفع بصره للي واقفة قدامه ومنحنية لوجهه تراقبه ، تنهد وهو يستعدل بجلسته : بيزورونا بعد أسبوع ، يخطبون رسمي .
ابتسمت ريان لتجلس بجنبه : الحمدلله ! يعني ما رديته ..
ياسر بتشتت : ما أدري ريان ..
ريان بروقان كبير : ليش شايل هم هالكثر ، كل اللي عليك تسأل منى .. كانت موافقة خلاص يتم الموضوع ، وإن رفضت كنسله وبس .. صعبة ؟؟
ناظرها بطرف عينه : عندك سهلة .. بعدك ماتفهمين
تنهدت بقلة صبر منه : ياربي منك ! ، كان ودك أنا بكلمها .. لا تشيل هم ، ما تستحي مني منى ولا تخبي عني شي
على هالكلمة ، دخلت وبيدها الحلى : وش فيها منى ؟
اتسعت ابتسامة ريان وهي تقوم بعد ما قرصت ذراع ياسر : وش زينها منى، مافيها شي ..
تبعتها منى بعيونها : تحشون يعني ..
نطقت ريان بصوت عالي وهي خارجة من المجلس وقبل لا تختفي عن عيونهم : مدري ، شوفي وش يبي منك ياسر..
التفتت عليه لتجده يستعدل بجلسته بابتسامة باردة وهو يأشر لها بجنبه : تعالي اجلسي عندي .
صابها توتر من الجدية اللي تكتسيه ، تقدمت لتجلس بجنبه وتحط الحلا بينهم .. أمسك كفها الصغير ليلعب به ، وبهدوء : شلونك ؟
ابتسمت : بخير ، ليش تسأل وأنت عندي دايمًا ..
بادلها بابتسامة حنونة : لأنك وصية أمي وأبوي ، وأكثر .. أنتِ من ولدتِ وأنا مسؤول عنك
ضحكت بمزح : لا تكذب يا كذاب ، كل طفولتك عبارة عن ريان وساحبين علي !
ضحك باندهاش من ملاحظتها اللي ما ينكرها : ههههههه وش هي ريان جنبك ؟
ضربته بخفة على كفه : لا ترقع أدري بمكانة ريان عندك ..
ياسر : اللي ماتعرفينه شكثر تعنين لي أنا وريان ، بمكانة تالا بقلوبنا
التمعت عينها بدمعة : الله لا يحرمني منكم ، ويبقيك دايمًا فوق راسنا ..
سحبها ليقبل جبينها ، ابتعدت شوي لتبدد جو الحزن اللي ما تخلصوا منه تمامًا بعد وفاة أهلهم .. : ترى المقدمات توترني .. قول وش عندك ؟
تنهد بقوة : منى ، قبل أسبوعين تقريبًا .. تقدم لك واحد
جمدت ملامحها بصدمة ، شعرت بالدنيا تدور فيها .. انخطف لون وجهها وكل قوتها تخونها ، ياسر .. لاحظ تغير ملامحها ، تمنى لو ما بدأ الموضوع وهو يعرف شكثر يجرحها .. لكن مافي مجال للتراجع ، أمسك بكفها الباردة جدًا وشد عليها ، تابع : ووو .. قبل كم يوم تقدم لك شخص ثاني ... - أمسك وجهها لينطق بحنان ويؤكد لها - منى يا حبيبتي ، أنا دايمًا سندك وأخوك وأبوك .. كل اللي تبينه بيتم ، ماتعرفين شكثر راحتك تهمني ... أنا قلت لك ، لأن واجبي أقول وأسمع منك ، ولا بقلبي ماودي تروحين من عيني أبدًا ..
شعر برطوبة دمعها على كفه ، زم شفاته وبداخله كاره نفسه كونه سمع لريان .. سحبها له ليسند وجهها على صدره ويطبطب ظهرها : والله مافي شي يسوى دمعتك .. خلاص يا عمري انسي الموضوع واعتبري كل شي انتهى
سحبت نفسها من بين يدينه لتتسلل خارج المجلس ، توجهت لغرفتها .. ومكان عزلتها لتندب حظها وحياتها وقلبها ..
بينما ريان كانت بغرفتها تترقبهم بحماس ، مجرد ما شافت منى تدخل غرفتها ووجهها باكي فزت بسرعة لتلحقها .. فتحت باب الغرفة مباشرة لتجدها مستلقية على سريرها تبكي وتنتحب بشكل أوجع قلب ريان ، تقدمت بسرعة لها لتسحب اللحاف منها : مناي يا عيني .. وش مزعلك ؟
وصلها صوتها مختلط بشهقاتها : اتركيني وحدي
جلست ريان على سريرها بإصرار لتسحبها وتجبرها تلف عليها ، وبهمس تخشى يوصل لياسر : يوم تحقق يوم مناك رحتِ تبكين ؟
صدت عنها منى وهي تداري بكاءها ، تابعت ريان بذات الهمس : منى ، أحمد جاك لبابك و تبكين ؟
فجأة ، تصنمت منى بمكانها .. عقدت حواجبها ووجهها يتهيج من البكاء .. : وش تخربطين ؟
ريان اللي صابتها الدهشة من ردة فعل منى : ما قالك ياسر ليش أحمد جاء اليوم ؟
هزت راسها نفي وبداخلها تحاول تتمسك بأي طوق نجاة ينقذها .. لتفجرها ريان وهي تضرب جبهتها : يالله منه ، غبي .. - تابعت وهي تتنفس بقوة مستعدة لرمي القنبلة عليها - جاي يخطبك !
اختفت ملامح منى تمامًا ، شعرت وكأن الدنيا توقفت .. وكأن جميع الأصوات اختفت ومابقي غير صوت ريان يدق الطبل بأذنها .. : بعد أسبوع بيجي مع أهله يا منى ويتقدمون رسمي .. - سحبتها لتضمها - يالله يا حيوانة وش سويتِ له !
ابتعدت عنها ريان لتنطق وكأنها للتو تذكرت : ودي أعرف ردة فعل تالا ! تتوقعين عرفت ؟
أما منى كانت غارقة بصدمتها غير مستوعبة لأي شي ، فتحت فمها لتنطق بصوت مبحوح : أحمد ؟ أحمد ؟
ريان بضحكة : ايه أحمد ابن عمر الـ .... أبو تالا
منى بذات الصدمة : متأكدة ؟ .. يمكن لخبطة أسماء !
شعرت بكف خفيف على خدها من ريان : صحصحي ، أقولك هو .. عارفة بالموضوع من زمان
انفرجت شفاتها بصدمة وسرعان ما حل محلها بكاء ، بكاء غير مصدق .. بكاء حلو ، بكاء من خوفها يكون مجرد حلم من أحلامها وتصحى ويكون خيال ، معقولة ياربي استجبت دعائي ؟ استجبت الدعاء اللي طفت الكعبة عشر مرات وأنا أهذي فيه ؟
سحبتها ريان لتبكي وتفرغ بحضنها وهي الشاهدة على مراحل هذا الحب اللي كان مجرد خيال يستعصى تحقيقه ، وهاهو واقع أخيرًا ..
-
كانت جالسة بجنبه بتململ كبير ، وبتباطؤ بحروفها : مافي مطاعم .. إلا بالمطار ؟
راكان بابتسامة واسعة أوقف السيارة : يكفي حلطمة ، قلت لك طعمه بالراس وماله فروع إلا هنا
نزل من السيارة وتوجه للخلف يحضر كرسيها ، فتحت الباب ليمد يده لها كعادته لمساعدتها .. لكنها قابلته بإصرار : أنا بنزل ..
راقب حركتها اللي يلحظ عليها التحسن الكبير ، استندت بباب السيارة حتى جلست بالكرسي بدون مساعدته .. ازدادت ابتسامته ليسحبها معه لداخل ولصالة المطاعم .. حتى استوقفها : بروح الحمام وأجيك ، انتظريني هنا
وقبل لا يترك لها مجال تعترض غاب عن عينها ، زفرت بضيق وهي تطلع جوالها تطقطق عليه ، مضت خمس دقائق ولا ظهر .. مما سبب لها توتر .. رفعت جوالها تتصل عليها وتستعجله ، ومجرد ما رنت الرنة الأولى وصلها صوت جواله قريب منها .. التفتت على مصدر الرنين لترتفع حواجبها بعدم استيعاب ، فتحت فمها بصدمة وهي تركز على الوجيه اللي قدامها .. وسرعان ما شعرت باللي تطير لها وتحضنها بشوق كبير : ميـــــــــــــــــرا !!!
كانت عيونها منصبة على راكان بصدمة ، قابلها بضحكة مرحة : شفيك ! سلمي على ملاذ !
شهقت وكأنها للتو تستوعب ، شدت على ملاذ بعدم تصديق وهي تضمها بقوة ..
بينما راكان التفت على جواد اللي يراقبهم بابتسامة : ما شرحت لي ، وش صار ؟ ليش ماجوا الباقيين ؟
تنهد جواد بضيق : كانوا على أساس جايين ، بس .. على آخر لحظة كنسلت سحر الفكرة وأخذت ثامر وريم معها .
راكان اللي استاء جدًا كونه تعب وهو يجهز ويضبط أوراقهم وأوراق دراستهم طبطب على كتف جواد : مو مشكلة ، بيلحقونك بعد ما يتحسن فهد ..
جواد بضيق : إن شاء الله .
تحركوا من المطار متوجهين لأحد المطاعم يتعشون والفرحة تغمر ميرا وملاذ بعد فراقهم لشهور ..
أوقف راكان السيارة قدام مجمع شقق فاخرة لتنزل ملاذ ويلحقها جواد وهو يحمل حقائبهم بمساعدة راكان اللي قال باستياء : ماودك تغير رأيك وتجي لمجمعنا ؟
جواد بإصرار : أبدًا ، مجمعكم تبع السفارة .. كله سعوديين ، وأنا قايل أبي أبعد كليًا عن كل شي .
تنهد راكان : عالعموم ما نبعد عنك إلا نص ساعة .. - سلم عليه - نشوفكم بكرة .
ودعه ليعود راكان مع ميرا لشقتهم ..
-
مجتمعين جميعًا بمجلس الرجال ، كعادتهم كل جمعة بعد الصلاة ..
رائد بابتسامة لبندر اللي يصب القهوة : الله يالدنيا ، صاير بندر أصغر الموجودين !
ما علّق بندر وهو يتجاوز رائد ليصب لعمه يوسف ، كان بيعترض لكن قاطعه بدر بضحكة : لا تحارشه .
لف بندر أخيرًا عليه بعد ما وضع الدلة : تبي لك تعال صب لك ..
اكتفى رائد بنظرة لؤم له ، قاطع الأحاديث المتناثرة صوت أحمد الجهوري اللي يقصد به لفت نظرهم : يبه ..
الجد أبو عمر لف عليه : سم يا بوي ..
تحمحم أحمد يعدل صوته لينطق : سم الله عدوك ، الجمعة الجاية إن شاء الله تروح معي أنت وإخواني نخطب ..
لتلتفت عليه عيون الجميع والصمت يخيم عليهم ، ليتابع أحمد : بعد رضاك طبعًا .
قاطع الوجوم اللي خيم عليهم صوت رائد اللي نطق : نخطب لمين ؟ تركي ؟!
أحمد استعدل بجلسته لينطق : صلي على النبي ، تركي مو موجود ! .. أنا بخطب .
ألقى كلمته بثقة لتلفح وجوههم الصدمة ! ، وسرعان ما تحولت الصدمة وانقسمت لنصفين .. جزء تهلل وجهه واستبشر ، وجزء آخر حل محل الصدمة الاستنكار والرفض ..
أبوه بفرحة غامرة : الساعة المباركة ! والله إنه أفضل خبر سمعته من سنين !
بندر بابتسامة واسعة : أخيرًا يا عمي ! سنين نحاول فيك ويوم نسيناك قررت !
بينما وجه يوسف وبدر انقلبت تمامًا وكأنهم مازالوا غير فاهمين الموضوع .. بينما رائد مأخوذ بالصدمة والفرحة المختلطة باستغراب من عمه اللي عجزوا فيه وهم يحاولون يزوجونه بعد وفاة زوجته .. نطق أبو رائد : عند مين تبي تخطب ؟
أحمد بهدوء : عند الـ****
تجهمت الوجوه عند اسم العائلة الغير معروف ولا ينتمي لعوائل عريقة ولا يرقى لهم .. وكأن اسم العائلة جعل أبوه يتراجع ، أنهى باقي فنجانه : يصير خير
شعر أحمد بأن نبرة أبوه تغيرت للرفض ، تابع يؤكد : كلمتهم أمس ، ووعدتهم نجي الأسبوع الجاي بخطبة رسمية
رائد وكأنه استوعب : جيران أمي وخوالي ؟
هز راسه أحمد بتأكيد ، بينما توسعت عيون بدر بصدمة .. يدرك إن ماعندهم غير ( منى ) ، منى صديقة تالا وبعمرها ! ، مو معقول .. وقف بسرعة مثل الملسوع وطلع ..
بينما أحمد تابع : يبه الله يرضى عليك أنا كلمتهم وانتهيت وعازم عالموضوع ، بس ناقصنا نروح بشكل رسمي .
يوسف باستنكار : بس مو بنتهم صغيرة ؟ ولا عندهم أحد ثاني ؟
أحمد زم شفاته والموضوع اللي يخشى منه انفتح ، فارق العمر الكبير اللي ممكن يسبب له أو لها بأذى نفسي .. هز راسه وبهدوء : مافي إلا وحدة .
عاودوا النقاش مابين مؤيد ومعارض .. بينما بندر ورائد طلعوا لاحقين بدر اللي كان جالس بالحديقة على أحد الكراسي وهو يهز رجوله بغيض ، نطق بندر وهو يتقدم ويجلس جنبه وفنجانه بيده بروقان كبير : على هونك ! كأنك زوجته !
زفر بدر بضيق شديد : ياخي غير معقول ! أنت تدري إن اللي يبيها تكون صديقة تالا وشوق ! بعمرهم ! يعني بعمر بناته !
بندر بضحكة : وإذا ؟ خلاص بعمر زواج مو قاصر .. إلا إن كان ودك تحاضر عن زواج الصغيرات فترى تالا بعمرها !
هز راسه باستياء من كلام أخوه اللي عاجز عن فهمه ، بينما رائد نطق بجدية : هو صراحة شي غريب ، صدمنا بفكرة الزواج وزادها يوم قال يبي بنت صغيرة !
بندر ببرود : مكبرين الموضوع ، يبي يتزوج على سنة الله ورسوله ما ارتكب حرام ، إذا البنت تشوفه كبير أبسط حقوقها ترفض !
بدر بغيض : مو مسألة فرق سن وبس .. تكون صديقة بنته ! ، حتى ما أعطاها خبر وشاورها !
ليصلهم صوته من خلفهم : ايه ما كلمت تالا ولا تدري بالموضوع ، أبيك أنت تكلمها وتمهد لها أفضل .
التفتوا عليه بندر ورائد بينما بدر اكتفى بهز راسه باستياء .. تقدم لهم ليقف بندر ورائد مغادرين تاركينهم براحتهم ، وهاهو يجلس بجنب بدر ، تنهد : تالا مافيني أكلمها أنا ، مهد لها الموضوع وسهّل علي .. صدقني من عرفتها تتقبل منك أكثر مني .
بدر لف عليه بخيبة : ومالقيت غير صاحبتها ؟
أحمد بحزم : ماحد له علاقة باللي اخترتها ، حتى أنت أو تالا !
ازداد اتساع عيون بدر بضيق : بنتك مالها علاقة ؟ مالها علاقة بأبوها ؟ ياخي كان عبّرتها أقل شي وخبّرتها بالموضوع قبل الجميع .. تحسسها بقيمتها عندك
أحمد بقلة صبر : قلت لك من قبل ، ما بتتفهمني .. أنت خبرها واقنعها !
بدر بابتسامة هازئة : أنا ما اقتنعت شلون تبيني أقنعها !
أحمد بجمود : ما أنتظر منك ولا منها ولا حتى من أبوي اقتناع ، أنا كلمتهم وانتهيت .. ومستحيل أتراجع .
هز راسه بدر بيأس ووقف تارك عمه خلفه ، زفر أحمد وبداخله يتخيل موقف تالا من الموضوع : يارب !
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل السابع وأربعون 47 - بقلم HaboOoshy
وقف على باب المستشفى يستنشق الهواء بعمق : أخيـــرًا !
وليد تقدمه نازل الدرج : يللا استعجل ، لاحق على الهواء
فهد لحقه بابتسامة : يازين الشمس ، طقت تسبدي بالمستشفى !
وليد ركب السيارة برفقته : الحمدلله ، أزمة وتعدت ..
فهد بحنين كبير : قبل لا نروح البيت وصلني عند الدار .. بشوف هديل ، شكثر اشتقت لها
وليد : روح استريح ونام وبعدها نروح
فهد : لا .. نمرها قبل ، وبعدين فيه موضوع أبي أحكيه معك .
وليد عقد حواجبه : وش ؟ احكي الحين
فهد بابتسامة واسعة : لا لا ، موضوع يحتاج روقان
وليد بغيض : ياخي طيب ليش تقول لي الحين ، كان أجلت هالكلمة لين وقتها الحين بنشغل أفكر وش الموضوع !
ضحك فهد وبإصرار : أبدًا ، كلها ساعة وأحكي لك ..
مضى طريقهم بمحاولات وليد لمعرفة الموضوع حتى وصلوا للمركز ، احتضنها فهد بشوق كبير بينما وليد يراقبه بأسى : الله يعجل ويسهل بأمور نقلها للشرقية ، ياخوفي تتعسر
فهد بنفس روقانه وابتسامته : لا إن شاء الله ، ما نمشي للخبر إلا وهي معنا
وليد : لا تتحمس ، الاجراءات تطول .. لو طلال ما يعرف مدير فرع الخبر كان رفضوا !
فهد بعد ما تركها واستودعها الله بنفسه نطق وهو يمشي : نشوف !
زفر وليد من حماسه الزايد ولحقه ، توجهوا لشقة وليد المقابلة لشقتهم .. بعدما سلّم فهد على أبو وليد اللي يذبل أكثر وأكثر توجه للصالة المقابل لها مطبخ مفتوح ، بادر وليد بالسؤال وهو يجهز الشاي : وش الموضوع اللي بتحكي عنه ؟
فهد استرخى على الكرسي الهزاز : تعال اجلس واترك الشاي يغلي
وليد عقد حواجبه وهو يستشعر الموضوع المهم ، غسل يدينه وتوجه له .. جلس مقابله وبانتباه : احكي
ابتسم فهد بصدق وبدون مقدمات فجرها : قبل أمس .. بلغتني سحر بموافقتها .
اعتلت وليد الدهشة ، وسرعان ما نطق بهمس : موافقة شنو ؟
استعدل فهد بجلسته ليقرب منه : مو أنت خطبتها ولا نسيت ؟
شعر وليد وكأن فيضان كبير ابتلعه وسحبه ليغوص فيه ، فتح فمه : جد ؟
ضحك فهد بخفة : الله يهديك أحد يمزح بهالموضوع ؟
ارتد وليد على الكنبة وهو يمسح وجهه بعدم تصديق : اااااااخ يا سحر آخ ! ، أخيرًا !
فهد ابتسم بهدوء ، وبجدية : ماتعرف شكثر فرحت ، ماني قادر آمن سحر عند أي أحد غيرك .. من يوم بلغتني حسيت الدنيا رجعت تفتح يدينها لنا ، من زمان وأنا أتمنى الله يجمعها بك .
أبعد وليد يدينه عن وجهه ليظهر لفهد ملامح وجهه المنقلبة والمخطوف لونها بفرحة غير مصدقة .. ضحك فجأة : يالله فهد ، ماني مصدق !
ضحك لضحكته : لا صدق ..
فز وليد واقف فجأة : بروح أبشر أبوي ..
اختفى عن عيون فهد خلال لحظة وهو يدخل لغرفة أبوه يبشره رغم معرفته إن أبوه مستحيل يفهم أو يستوعب ما يقوله ، وفعلًا رغم ثرثرة وليد غط أبوه بنوم عميق قبل لا ينهي كلامه ..
فتح فهد الباب ليجد وليد جالس بسرير أبوه ممسك بيده يحكي له بشغف كيف تعب معها حتى رضت فيه أخيرًا ! ، تقدم له ليمسك بكتفه وبهمس : اتركه ينام ، تعال نتفاهم ..
زفر وليد براحة كبيرة وقبّل كف أبوه ، طلع مع فهد اللي بادر : إذا ودكم تحكون مع بعض وتتفاهمون وتقررون أموركم قبل العقد تعال الشقة بعد المغرب ..
وليد بضحكة : الله يهديك كان عطيتني خبر قبل استعد واحلق ..
فهد هز راسه : على أساس ما تعرف وجهك ، روح جهز نفسك كانك تبي تكلمها وأنا بطلع أشوفهم وأكلم جواد ..
تركه فهد يستعد بينما هو توجه للشقة ، مجرد ما فتحها استقبلته بفرح حقيقي : أخيرًا نورت الشقة !
ابتسم وهو يقبل راسها : أنتو نورها والله ..
دخل يتفحص إخوانه ليجدهم منشغلين بالتلفزيون ، لف على سحر : وليد بيجينا اليوم يتعشى ونتفق على كل شي .. جهزي نفسك .
اعتلاها التوتر : اليوم ؟
ابتسم : ايه اليوم ، تفاهموا واتفقوا على كل شي على أساس ما نطول ونكتب العقد قبل لا نروح الخبر ..
توهج وجهها احمرار خجل ، مشت بسرعة وهي تقول : زين .. بشوف وش ناقصنا .
لتختفي من عيونه والربكة تغطيها ..
.
.
.
.
"مابال طيفُك غازياً كلّ الوجوه، مابالُ عيني غيرُ قلبك لاتَرى، خُذني إليك معلّمي إني أتُوه،خُذني فَقلبي خلفُ قلبِك قد جَرى ✨ ."
*•
دخل بيته الكبير والموحش بساعة متأخرة -كعادته الفترة الأخيرة - ، قضى وقته يمشي ويجول بشوارع الرياض من غير سبيل .. بس ، يبي يريح ويهدي نفسه ، تارك جواله مغلق من بعد ما طلع من بيت أبوه ظهر اليوم .. مو رايق يسمع لأي رأي أو نقاش حول موضوع خطبته اللي صدمهم به ، موضوع منتهي بالنسبة له ولا ينتظر رأي وموافقة أحد .. تنهد بهم كبير وهو يجلس بالجلسة مقابل المسبح الصغير ، يقلقه المستقبل .. بعد أسبوع بتدخل بحياته أنثى ، مايعرف كيف يصنفها .. زوجة ؟ ابنة ؟ .. كيف هي بتشوفه ؟ أب ؟ أخ كبير ؟ أو زوج ؟ .. ما ينكر الشعور الكبير اللي يحسه اتجاه منى ، لكن يجهله ، مايعرف وش يعني ..غمض عيونه وهو يرخي جسده على الكرسي تارك هواجيسه تلعب فيه ..
وفجأة ، فز بخوف على صوت " بخخخخخخخخ " : بسم الله !
ضحكت تالا على شكله المنفجع : ههههههههه خفت ؟؟ اعترف !
أحمد اللي للتو يستوعب وجودها ، فزز عيونه بمفاجأة : بسم الله ! - تلفت يمين يسار - وش تسوين هنا ؟
ضربته على كتفه بمرح : نعم ؟ تراه بيظل بيتي ! أجي متى ما أبي .
ابتسم على مضض وهو يلاحظ نفسيتها المبسوطة ، مستحيل تكون عرفت بالموضوع ! .. : اي والله .. أنا كلي أوسع لك من الدار.
سحبته من كفه : تأخرت ! من أول أنتظرك تدخل وأثاريك هنا .
مشى معها يسايرها : وينه بدر عنك ؟
تالا : مدري !
بعتاب واضح نطق أبوها : زوجك ولا تدرين عنه ؟ ما يصير تالا كذا
بابتسامة : لا تخاف .. عارف إني عندك .
بلع ريقه وبداخله يسب بدر اللي ألقى المهمة على عاتقه وهرب ، فتحت الباب الداخلي بحماس وهي تفرد يدينها : سبرااااايز !
عقد حواجبه غير مستوعب ، رفع نظره فوقها لتظهر له الصالة مرتبة وموزعة عليها البالونات وسلسلة حبل تحمل صوره من طفولته حتى رجولته .. بمفاجأة نزل بصره لها : وش هذا ؟
ابتسمت وهي تضمه : نسيت ؟؟؟ اليوم عيد ميلادك ! يا جعلني ما أفقد حسك !
مازال مأخوذ بالمفاجأة ، شعر بطوفان مشاعر أبوة ينجرف داخله .. حتى التمعت عيونه ، ضمها له بحب كبير : يا عين أبـــــوك والله !
قبل راسها لينطق بمزح : ايوه ، كم صار عمري ؟
تالا دخلت الصالة لتسحب الكيكة له ويظهر الرقم مكتوب عليها (40 ) .. : بعدك شاب لا تخاف .
تأمل الرقم بقلق يشوبه تأمل ..40 سنة ، فعليًا يشعر إن عمره ضاع على ولا شي .. الحسنة الوحيدة اللي حصلت له هي تالا ، رُزق بها بعد زواجه مباشرة وهو مازال طالب جامعي .. وقبل لا يهنأ بحياته مع زوجة وحبيبة غادرته إلى ربها ، رفع راسه لها لتتسع ابتسامته وهو يسمعها تقول : يللا طفي الشمعة ، بسرعة بتطفى .
تقدم وقبل لا ينفخ : طفيها معي ..
لتنفخ معه بحماس شديد وهي تصفق ، قبّل راسها وهي تسحبه ليشوف الصور المعلقة .. صورة غير ملونة لطفل صغير ، تلحقها صورة أخرى والطفل أكبر بقليل برفقة إخوانه الكبار وأبوه .. ثم صورة لمراهق يبدو أكبر من عمره برفقته مجموعة أطفال صغار " رائد - بدر - بندر - تركي " ، وبمجرد ما انتقل بصره للصورة اللي بعدها انقبض قلبه بشدة .. هو ، يلبس البشت .. وبجنبه فتاة تصغره بعام ، زوجته الراحلة .. لف بعيونه عليها وهي تقول : الله يرحمها ، ما أذكرها .. بس أحس إني أعرفها وكأنها عاشت معي كثير !
زم شفاته وبهمس : الله يرحمها ..
انتقل مباشرة للصور الباقية ، جميعها صوره لكن برفقة " تالا " وأحيانًا " شوق " .. حتى الصورة الأخيرة اللي التقطوها بزواجهم .
تنهد بقوة : وش أسوي لك ؟
عقدت حواجبها بضحكة : لا تسوي شي ! بس احمد ربك إن عندك بنت مثلي !
ضحك : ههههههههه الله يديمك لي يا كل حياتي ..
توجهت بسرعة للكيكة : بقطعها ، خلاص جعت والله .
مجرد ما جلس مقابلها طلعت جوالها لتلقط صورة له تظهر فيها جزء من الكيكة ، أرسلتها مباشرة لأبناء وبنات عمها وتركي .. ومانست منى وريان اللي تشاركهم بأبسط يومياتها .
أحمد بابتسامة تكتف : ايوه ؟ ووينها هديتي ؟
تصنعت المفاجأة : هدية ؟ أي هدية ؟ .. مايصير بنت تعطي أبوها هدية ، لأن مافي شي بمقامه !
عدل جلسته ليتأملها وهي تقطع وبمباغتة : أنا عندي لك فكرة !
تالا : وش ؟
أحمد وهو ناوي يجس نبضها ، غلف كلامه بمزح : زوجيني !
صمتت فجأة وملامح المفاجأة تظهر عليها ، لأول مرة بحياتها ينطق أبوها هالكلمة ! حتى من باب المزح عمره ما قالها .. لكن سرعان ماضحكت تجاريه بمزحته : ابشر ! أنت بس أشّر وأنا أجيبها لك .
أخذ قطعة الكيكة منها وبابتسامة واسعة : ترى جاد أنا ، أنتِ تزوجتِ وسحبتِ علي .. أبي من يداريني ، تعرفين يعني .. كبرت خلاص.
رفعت راسها وبنبرة غيرة جاهدت تخفيها : هذاك تقول كبرت ! يعني خلاص راح عليك القطار !
ضحك وانشغل بكيكته ، لتنطق بابتسامة : الصدق .. " استخرجت ظرف أبيض لتمده له " هذي هديتك ..
رفع حواجبه بمفاجأة ليأخذ الظرف ويفتحه .. وسرعان ما ناظرها باندهاش ضاحك : تذكرة ؟؟؟
تالا : النرويج .. روح وروّق ، استرخي وارجع .
نقل بصره مابينها وبين التذكرة ، لتتغير ملامح وجهه على تاريخ الرحلة ، بعد أسبوع .. بالضبط بيوم خطبته ! ،وكأنها مصرة تخرب لحظاتها الحلوة معه، قاطعته : ما عجبتك !!
ليبتسم بحب حقيقي : فاجأتيني ! ، بس تبيني أروح مع مين ؟ - أكمل مزحته الملغمة - ولا تبينها لشهر العسل ؟
زفرت بضحكة : ياخي ما تنعطى وجه ! اصبر أوريك وش مجهزة لك كمان
رفعت جوالها ناوية توريه صور الكوخ اللي حجزته له ، لكن انهالت عليها تنبيهات السناب من " رائد ، بندر ، تركي ، البدر " ، فتحت محادثة بدر أولًا ( أنا جايكم ) ، انتقلت الثانية لتركي .. قرأتها بتعقيدة حواجب ( كفو ، والله قايل من أول تالا عاقلة ) ! أجلت الرد بعدين وكانت تنوي تخرج من البرنامج لكن ضغطت بالخطأ محادثة رائد .. ( وش هالعجلة ! ما أمداه يتم الموضوع وأنتِ تحتفلين معه 😂😂😂 ) ، عجزت تتجاهل الرد .. كتبت ( أي موضوع ؟؟؟؟؟ ) ما استوعبت قصده ، ولا انتظرت رده لتنتقل لمحادثة بندر الطامة ( والله إنك بنت بارة ، أنا قايل لبدر الموضوع بسيط .. رجال ويبي يتزوج مافيها شي .. الله يرزقني ببنت مثلك تخطب لي وهي مبسوطة وتحتفل بي كمان قولي آمين )
جحظت عيونها بصدمة وغير استيعاب وهي تعيد قراءة الرسالة ، لترفع عيونها المصدومة لأبوها وهو ياكل الكيكة بهدوء وشرود كبير .. همست له بصدمة وهي توجه الجوال له : وش يقول .. بندر ؟
عقد حواجبه وهو يلاحظ تغير ملامحها ، قرب وجهه للجوال ليقرأ كلام بندر .. تغيرت ملامحه ، زم شفاته بصمت .. مو هذا الوقت المناسب ! ، هي بأسعد حالاتها معاه ، عمرها ما كانت قريبة منه بهالشكل مثل اليوم ، يشوف الفرح والمشاعر الحقيقية بعيونها ، مو الوقت ليدخل معها بنقاش قد يزعلها ويصدمها .. تظاهر باللامبالاة وهو يرجع لكيكته : خليك من الجوال .. اتركيه وكُلي ..
قاطعته : وش يقول بندر ؟؟ - رجعت للجوال لتفتح محادثة رائد وتوجهها لوجه أبوها وكأنها بدأت تفهم كلامه - وش فيهم ؟
ثبتت عيونها باستجواب : يبه .. احكي لي ! وش صاير ؟
تنهد بعمق وهو يترك الملعقة ، أعاد ظهره للخلف وهو يمسح وجهه ، مرت لحظة صمت حاول يرتب فيها كل شي ليفتح عيونه عليها وهي تنتظره بشغف يتكلم .. بصوت هادي نطق : كنت .. بفتح معك الموضوع ، بس .. شفتك فرحانة اليوم قلت أأجلها .
شعرت بلمسة كهرباء تسري داخلها، ضاع منها الكلام وهي تناظره بتوهان ، ليتابع وهو يتأمل ملامحها : تالا بنتي .. لا تظنين إني أتجاهلك أو مو حاسب لك حساب .. أنتِ بنتي الوحيدة وماعندي غيرك ، لكن ... كل شي صار فجأة !
بلعت ريقها لتهمس بخيبة : يعني الكل يعرف إلا أنا يبه ؟
زم شفاته وهو يشتت نظره ، يعرف إنها ممكن تتجاوز رغبته في الزواج وتتفهمها ، لكن كيف يقولها عن " منى ؟ " الشي الوحيد اللي واقف حاجز بينه وبينها : تالا .. قلت لك صار كل شي فجأة !
غطت وجهها تستجمع أنفاسها وتحاول تتجاوز تبريراته .. حتى نطقت : ما سمعت رأيي .. ولا حتى خبرتني بمين ودك ! ، كذا فجأة كل عيال عمامي يعرفون وأنا وحيدتك ما عرفت إلا من سناب ! - تحشرج صوتها لتنطق بعتاب - يبه أنا بنتك ! .. يمكن تشوفني البنت الصغيرة الطايشة .. بس .. من حقي أعرف !
هز راسه نفي يقاطعها وهو يقرب ليضمها : لا تالا
وقبل لا يحتويها صدته وهي تبتعد بانفعال حاولت تكبته وتظهر طبيعية وبحروف مقتطبة : حصل خير ... طيب مين اللي .....
بلعت ريقها ولسانها غير قادر على نطق الكلمة ، مهما كان الموضوع طبيعي لكن يظل وقعه على قلب أي بنت كبير ، تنهد بقوة وهو يتراجع بظهره للخلف .. التزم الصمت لثواني يراجع نفسه ، حتى نطق تحت إصرار عيونها بحروف ثقيلة : منــى ..
شعرت بوخز عميق بقلبها وهي تسمع أبوها لأول مرة ينطق باسم أنثى بشكل مغاير .. بشكل أوجعها وصورتها برفقة أمها وأبوها أول ما تقع عيونها عليه خلف أبوها مباشرة ، للحظة تمنت لو تقفز وتسحب الورقة وتخبيها بعيد لئلا يصل الاسم لمسامع أمها من خلال ورقة الصورة وتنجرح ! ... زمت شفاتها وبصوت مهزوز : عندها عيال ؟
غمض عيونه وهو يستوعب إنها ما عرفت من تكون منى المقصودة ! ، نطق بصوت منخفض : لا تالا ، هي .. بعدها ما تزوجت .
تنفست بقوة تستجمع نفسها : طيب ... تقرب لنا ؟
مسح وجهه ليهمس وينطق : منى ... منى بنت الـ***
للحظة شعرت أنها سمعت خطأ ، عقدت حواجبها وقلبها ينبض بشدة تبيه يصحح : منى مين ؟؟؟
تمنى لو ما تكلم ، لو صرف لها أي اسم لكن ما يكون هو اللي يواجهها بالحقيقة ، شعر بنفسه ضئييييل جدًا أمام عيونها المصدومة .. يكفيه اللي فيه ما يحتاج يشعر بأنه ارتكب جريمة بخطبته من بنت تصغره بسنوات كثيرة ، بنت تكون صديقة لبنته الوحيدة ! ، يكفيه نظرات الاستنكار والاستحقار اللي رموها عليه بعض أهله ، ما يقوى على هالنظرة من تالا بالذات.. هز راسه بسرعة وكأنه يبي هاللحظات تمشي بسرعة وينتهي كل شي : ايه .. منى الـ** ، اللي سمعتيه !
وكأن كلمة أبوها سحبتها للأعلى بقوة ورمتها لترتطم بالأرض غير مستوعبة ! .. وقفت بانفعال ونظراتها تخترق أبوها اللي تحس إنها ما تعرفه وكأنه إنسان غريب ، حاولت تتكلم .. تنطق ، تعترض .. لكن صوتها خانها، بينما أحمد شتت نظراته بكل مكان باستثناء عيونها اللي توجعه ، شعرت تنفسها يضيييييق .. التفتت للخلف تبحث عن مخرج تتنفس فيه بعيد جدًا عن اللي يسمى ( أبوها ) ، مجرد ما التفتت طاحت عينها على اللي يفتح الباب ويلج بنصف جسده .. دائمًا ما كان الملاذ الوحيد ، يصل وقت حاجتها .. وكأنه يشعر بكل أذى يصيبها ، التجأت له بخطوات سريعة وهو يراقب الجو المتوتر .. ليدرك السبب !
شعر فيها تتمسك بطرف كم ثوبه وبصوت مهزوز : ودني البيت ..
هز راسه بهدوء : ابشري
انسحبت بهدوء متوجهة للأعلى ، بينما بدر قرب من الطاولة ليجلس مقابل أحمد اللي زفر بضيق وبهدوء : بترضى ، بس تفاجأت من الموضوع ..
بدر هز راسه بقلة حيلة بدون أي تعليق ، رفع راسه لعمه اللي وقف بهمس : تصبحون على خير
غادر عمه لغرفته وخلال لحظات كانت تالا قدامه تلبس عبايتها بغضب مختلط بغبنة .. طلعوا من البيت وهي تسبقه لخارج الفيلا بخطواتها السريعة ، أسرع من مشيته ليلحقها ويسير بجنبها .. سحب كفها ليضمه لكفه العريضة بحركة تجبرها تخفف مشيتها ، وكأن حركته ساعدت صوتها على الخروج أخيرًا : كنت عارف ... صح؟
نطق بهدوء : بعدين تالا ، بس نوصل البيت ..
كان جوابها هو صوت بكاءها المكتوم اللي حاولت تكبته ، لكن خرج بالنهاية .. زم شفاته بشدة وهو يشد على كفها ويسرع من خطواته حتى وصل لبيتهم ، مجرد ما فتح الباب دخلت بخطوات سريعة تسبقه لجناحهم .. لحقها على مضض وهو يرتب الكلام بداخله ، دخل الجناح ومثل ما توقع كانت منكبة على السرير تبكي بحرقة ، زفر بشدة وهو يتقرب منها .. نزل لمستواها ليسحبها له بخفة حتى تستعدل بجلستها : اششش اشش تالا ، ما يسوى تبكين والله !
نطقت بين بكاءها : مو مصدقة .... طاح من .. عيني !
أبعدها قليل ليظهر له وجهها الباكي، مسح دمعتها وبحنان : معليه يا عمري، أنتِ بس اهدئي ونتكلم .
أعادت راسها لكتفه تفرّغ باقي بكاءها ، وكفه العريضة تمسح على ظهرها بهدوء نقله لها .. استكانت نسبيًا ، لتهمس : من متى .. عرفت ؟
أراح ظهره على الجدار ولا تزال يده تغمرها بحضنه لينطق : تو .. اليوم .
زفرت تخرج باقي بكاءها : شلون بس ؟
بدر : تالا .. أنتِ تزوجتِ وتركتيه وحده ، طبيعي يحس بالوحدة ويفكر بعمره ، بعدين .. أبوك صغير ! العمر قدامه .. وصدقيني الرجال يحتاج للمرة أكثر من حاجتها له ..
لتقاطعه بغبنة وهي تبتعد عنه لتجلس أمامه : ماعندي مشكلة يتزوج .. يقولي ، بخطب له أنا والله ! بس ...
لاحظ تغير ملامحها للانكسار الشديد ، صمت ينتظرها تكمل وتفرّغ اللي بداخلها .. لتتابع وهي تشتت نظرها للأسفل : ليش .. منى؟ شلون ؟ .. وكيف ؟ .. - على مضض رفعت بصرها له وبحيرة -تدري إنها بعمر شادن ؟ .. كيف بيكون موقفي قدام اللي يعرفونا وأبوي ..... معها !
شعر بصوتها اللي رجع يهتز ، ما يعرف وش يقول وهو اللي يوافقها على كل كلمة تقولها ! ، الموضوع جدًا صعب مايقدر يدور لأحمد أعذار ! .. : مافي أحد يدري وش اللي بقلبه أو وش السبب اللي خلاه يقدم على هالخطوة ، الله كتب هالقضاء واحنا مسيرين !
كان عقلها مشغول يحاول يربط أي علاقة ممكن تربط أبوها بمنى .. حتى نطقت فجأة وكأنها تذكرت : يعرفها من قبل لا أعرفها أنا !
عقد حواجبه بدر باستغراب لتكمل هي : زمان ، صار لها حادث .. وأبوي ساعدها !
بقق عيونه بدر وكأنه للتو يستوعب ، لتكمل تالا بخيبة من جديد : بس .. مايبرر هالشي ! ، كان يشوفها مثل وحدة منّا .
بدر بدا يذكر الفترة الأخيرة كيف نشأت صداقة غريبة وقوية بين أحمد وأخو منى ، لتقاطعه تالا وكأنها توصل حبل أفكاره معها : بعد وفاة أهلهم .. كان دايمًا يصر إنه هو اللي يوصلنا عندهم ! - تنهدت بحزن كبير - كان دايمًا يسألني عنها بهالفترة ، وإذا .. وصلنا لمكان وهي معنا ، كان يحاول يسولف معها يا بدر بس .. كان مهتم فيها اهتمام أب ! كنت أشوف هالشي بعيونه ! - سكتت لبرهة حتى تابعت بانكسار - أو كنت أتوهمه !
بدر تنهد بضيق : تالا ، للحين ما صار شي ..
لتكمل متجاهلته : وهي .. وش بتكون ردة فعلها ؟ ريان ؟ .. آخ يالله مو قادرة أفهم شي .. أبوي حطني بموقف سيء !- تابعت بعد صمت وكأن تفكيرها وصلها لنقطة للتو تنتبه لها - كانت .. مو طبيعية إذا أبوي موجود !
بدر بهدوء قاطعها من تفكيرها اللي بيوصلها لأفكار تشحنها أكثر : تالا ! .. يكفي ! ، هذا أبوك .. وأنتِ أدرى بمنى ، وأعرف بأخلاقها .. وعلاقتك بها طبية ، ممكن اللي يصير كله خير لأبوك ولها !
زفرت بقوة تحاول تخرج صورتهم من بالها ، ليمسكها بدر بلطف ويمددها وهو يمسح على شعرها : اششش خلاص ، لا عاد تفكرين .. نامي الحين ، وبكرة تهدين وتفهمين كل شي
لكن هيهات يقرب منها النوم ، مهما حاولت فكرها مشغول بحل المعادلة اللي ممكن تقربهم من بعض ، هل فيه شي صار وهي ما تدري عنه ؟ هل أبوها وقع بمنى من مجرد نظرة خاطفة ! أو فيه موضوع أكبر من هذا كله ..
جافاها النوم حتى أشرقت الشمس ، اعتدلت بعد ما كانت تتظاهر بالنوم بمجرد خروج بدر لدوامه .. أمسكت جوالها لتجد رسالة ميرا : " صحيح اللي سمعته ؟ "
ردت بشكل سريع وهي تحاول تنفس عما بداخلها قدام أي شخص " ميرا .. مو مصدقة ! كيف ؟ وليش منى ! عقلي عورني "
لترد ميرا بعد دقائق معدودة : " الحمدلله .. منى تستاهل ، لا تعقدينها "
جن جنونها من رد ميرا ، حاولت تتصل عليها لكن لا مجيب ، بينما بالجهة الأخرى .. ميرا كانت تبتسم بداخلها بهدوء وهي تجلس قدام ملاذ بأحد المطاعم ، مجرد ما وصلهم الخبر صاب الجميع صدمة كبيرة باستثناءها ، هي .. تعرف كل شي ، تعرف عن الغرام الكبير اللي بداخل منى .. وتشعر بإعجاب كبير لمنى اللي وصلت لمطلبها بهذي السرعة !
قبل لا تترك جوالها ، كتبت رسالة نصية مختصرة مازحة بـ ( وقدرتِ على عمي يا شريرة ؟؟؟؟)
رفت عيونها على أنظارهم المتسلطة عليها ، كان ينظر لها بشغف كبير وكأنه ضميان محتاج هالكلمة منها : موافقة ..
مجرد ما نطقتها شعرت برجفة كبيرة تسري بجسدها وهي تشوف لمعة عيونه اللي ارتوت من كلمتها .. كان يخاطبها بعيونه وكأنها تفهمها ، الأصوات حولها اختفت .. وكأنهم ضباب ، باستثناءه هو .. كان حاضر بجسده وقوة حضوره بقلبها اليوم ، حجب صورته عنها جسد أخوها فهد وهو يحتضنه ويهمس بأذنه ، توالوا عليه البقية يباركون ويهنئون .. مانعينها من شوفته ، شعرت وكأنها لأول مرة تمر بهذي التجربة .. وشتان ما بينهما ! ، في الماضي .. كان أبوها بهيبته يجلس مكان فهد ، وجواد بجانبه يغمره الفرح الكبير .. بينما مكان ( وليد ) كان يجلس عبدالله بهدوء وثقل .. وكأن الأمر ما يعنيه ، ما ألقى عليها أي نظرة بطبيعة الحال .. عكس وليد اللي شعرت بنفسها التصقت بعيونه وهو يسحبها له بشغف وعدم تصديق ، عبدالله .. اسم جديد دخل حياتها فجأة تحت اسم ( خطيب وزوج ) بينما وليد .. اللي تجاهلته في الماضي ، تشعر وكأنها تعرفه من ولادتها .. غمرها شعور لطيف وهي تتحسس كونها ( مختارة )لنفسها مو لأنها بنت فلان ، أو لمكانة فلان بالسوق ..
ما شعرت بالدمعة اللي سقطت من عينها على ذكرى أبوها الراحل إلا من الكف اللي أسرعت لها ومسكت كفها تشد عليه ، رفعت راسها لتطيح عينها على فهد اللي يبتسم لها بحنان وكأنه رافض دمعتها اللي بغير موعدها ، هزت راسها واكتفت بشد يده .. مضى الوقت سريع جدًا وهاهي واقفةقدام المرايا بالشقة تتأمل شكلها.. خلال الأشهر الماضية فقدت الكثير من وزنها ، شعرها اللي كان ما يتجاوز أذنها طال حتى انسدل على كتفها .. داخليًا تحس بإنها كبرت سنين طويلة ، نضجت فجأة وهي اللي كانت مدللة أبوها وأخوها .. انفتح الباب لتدخل ( ريم ) بحماس : وصلوا سحر
تنفست بعمق وهي تلقي نظرة أخيرة على شكلها ، فستان وردي ضيق يصل لأسفل ركبتها .. كاشف لكتفها ويزين رقبتها عقد لؤلؤ هادي كان اخر هدية من أبوها .. شعرها منسدل بتموج خفيف على كتفها بينما وجهها يغطيه لمسة خفيفة جدًا من المكياج .. لأول مرة من شهور طويلة تستخدم المكياج وتلبس فستان أنيق لذلك اختفت آثار الهم من وجهها ..
فتحت باب الغرفة بهدوء ليظهر لها فهد بالصالة حامل هديل بحضنه بفرح حقيقي بينما شهد ممسكة بساقه تترجاه ينزل عشان تتأمل هديل ، خلفهم ريم واقفة على الكنب لتقدر تلمس هديل وتلاعبها براحتها ، بينما ثامر واقف قدام المطبخ وبيده مجموعة أكياس : تعالي سحر ساعديني ورتبي الأغراض
وكأن فهد للتو انتبه لوجودها تقدم بابتسامة منبهرة : الله شهالزين !
ابتسمت بخجل وهي تعدل فستانها ، تقدم منها حتى قبّل جبينها : الله يجمع بينكم على خير ، ما تعرفين شكثر فرحتي .. نستني كل هالجبال اللي عاشت فوقنا الفترة الماضية ..
نزلت عيونها للأسفل تمحي الطاري الحزين ، ليتابع فهد بابتسامة : أحس براحة ماقد حسيتها من قبل الله يسعدكم ويسخركم لبعض .
قبل لا يبتعد أمسكت ذراعه لتقترب من كتفه وتقبلها بامتنان كبير : أنا كنت بضيع ... بدونك ، فهد !
اتسعت ابتسامته ونظره يرتفع للأعلى خلفها : لا الحين ما بتضيعين ، أمانة عند وليد لآخر العمر.
شعرت بنظرته للخلف وبتلقائية لفت لمكان ما يناظر .. شعرت بالدم يغلي بجسدها وتمنت لو إنها لبست فستان غيره رغم كونه ساتر نوعًا ما .. كان وليد واقف عند الباب وبيده يحمل كرتون مغطى ونظرته ما ابتعدت عنها وهو يستشعر اللحظة الأولى اللي يمتع نظره فيها بالحلال .. ابتسم ابتسامة عذبة وهو يتقدم بخطوات صغيرة ويترك الكرتون على الطاولة بجنبه .. لكن سرعان ما نطت قدامه شهد بضحكة ماكرة : خلاص تزوجتوا ؟؟؟
ضحك بخفة مع فهد اللي نطق وهو يبتعد عن سحر ولازالت هديل بحضنه : تعالوا تعالوا معي للشقة الثانية .. اللي بيوصل أول بيلعب هديل
وسرعان ما اختفوا وهم يركضون متسابقين برفقة فهد ، التفت وليد عليها بابتسامة بعد ما خلا المكان وتقدم حتى صار قدامها مباشرة .. شعرت بأصابعه تحضن أصابعها وبرفق رفع كفها لشفاته وقبّل ظاهره بحب كبير ومازالت عيونه مسلطة على عيونها : مبارك لنا سحر ..
زمت شفاتها بخجل وشتت نظرها بعيد : الله يبارك .. فيك
شعرت فيه يقلب كفها ليقبّل باطنه ، رفع راسه أخيرًا وهو يبعد يده عن كفها وينتقل بها لخصرها .. وكأن بركان تفجر وفجر معه جانبها الأيمن مكان كفه ، نطق بصوت منخفض وهو يسحبها ليقربها أكثر له : أخيرًا سحر .. أخيرًا !
تسللت منها ابتسامة خجل غصب عنها ليتابع بصوت ضاحك : تذكرين شكثر تعبتيني معك ! - لينتقل صوته للتهديد فجأة - بطلع كل هذا من عيونك !
ضحكت بخفة ليفاجأها وهو يسحبها لصدره ويضمها بشوق كبير حتى شعرت بنبضات قلبه وكأنها نبضها .. داخليًا حست ببراكين تثور وما تخمد لكن خارجيًا شعرت بسكينة كبيرة من حضنه ، غمضت عيونها وهي تستشعر كفه اللي تمسح على ظهرها بهدوء .. كم كانت تحتاج لحضن واسع مثل هالحضن وأخيرًا حصلت عليه .. تسلل لأذنها صوته وهو يتحول للألم المغلف بالجدية : كنت دايمًا أتمناك ، بس ... مو بهالصورة !
شعرت بنغزة بقلبها من كلمته اللي صدمتها ليتابع وهو يشد بضمها : أدري إنك ما تكنين لي أي مشاعر .. يمكن .. تكون مشاعر احترام ومعزة بس .. كنت أبيك ترضين فيني وقلبك راضي ويبيني ، مو بالصورة اللي أدركها فيك الحين وكأنك فاقدة كل شي وماعندك غيري .. - زم شفاته بقهر - أبدًا ما كنت برضى بهالصورة سحر ، بس ... - أبعد راسها عن صدره حتى يقدر يشوفها - .. ما بكون مثالي وأقولك بنتظرك لين أشوف رغبتك فيني ، أنا ما صدقت توافقين علي .. - عاد وجهه للابتسام من جديد - مستحيل أفرط فيك ، سواءً تبيني ولا ما تبيني فأنا أبيك وأنتِ أدرى شخص بهالشي ..
شعرت بغصة كبيرة من كلامه ، كيف يشوفها بهالنظرة ! كيف يتصور إنها وافقت عليه فقط لأنها مضطرة وماعندها أحد غيره ! ، لكن ما تلومه .. هي تعرف نفسها كثير ، مشاعرها صعب تظهر وهالشي يتعبها ..
ابتعد عنها شوي حتى نطق : كان بودي يجون أهلي وجيرانكم ، مو عشاني .. عشانك ، سحر مافي شي ينقصك عشان تحتفلين مثل أي بنت !
زمت شفاتها بغصة وبهمس : لا وليد .. كذا أريح لي ، إن كنت تدور على راحتي ورضاي فأنا كذا مبسوطة .. يكفي مشاعل
هز راسه بتفهم ، مازالت بعزلتها وانقطاعها عن الناس .. رفضت أي حفلة تقام ، فقط عشاء للرجال دون الحريم ، مشاعل فقط رضت فيها كونها كانت زوجة لفهد .
تهادى لسمعهم أصوات رجالية ، نطق وليد بسرعة : بروح أستقبل الرجال
هزت راسها لكن قبل ما تستوعب أمسك دقنها الصغير وطبع قبلة سريعة على شفاتها والتفت رايح بخطوات سريعة متخبطة ومتوترة .. على التفاتته دخلت ريم : جاء أبو شهد ..
جلست على الكرسي وهي تتنفس بقوة ، ما زالت تحس بملمس شفاته رغم كونها قبلة سريعة وخاطفة ، قبلة وحدة قلبت كيانها وزلزلتها ! كيف لا وهي أول قبلة لها بحياتها .. ومن من ؟ من وليد .. شعرت بالحرارة الشديدة وهي تهف نفسها علها تبرد جسمها على سؤال ريم : سحر ؟ شفيك ؟
وقفت بسرعة : ولا شي .. نادي ثامر وشهد يساعدونا
وقفت لتلمح الكرتون اللي كان مع وليد وقت دخوله ، فتحته لتبتسم وهي تشوف الكيكة الفخمة واسمهم يتوسطها ، رغم رفضها للحفلة لكن أصر يجيب ولو كيكة تذكرها بإن اليوم يوم ملكتهم.
:
مجرد ما توجه وليد لخارج الشقة صادف قدام شقته طلال ومحمد "أبو شوق " وأبناءه ، سلم عليهم وهم يباركون له بحفاوة وبنفس اللحظة طلع فهد من الشقة حامل هديل .. سرعان ما ابتسم طلال بعد ما دخل الرجال : تمت أمورها ؟
وليد بابتسامة : كله من بركاتك ، الموضوع عادة يطول بس الحمدلله سلموها اليوم بفضلك
اتسعت ابتسامة طلال وهو يحملها بين يدينه ويتأمل سمية زوجته الراحلة ، أمسك كفها الصغير وقبله : الله يحفظها
أبعدها فهد عنه بمزح : معليش شوي شوي على يدها .
ضحك طلال مباشرة بينما وليد نطق : هيه يا خوي تراها بنتي وأنا كفيلها .. لا تضطرني أسحبها منك
نطق فهد وهو يدخل شقته : بس بالاسم .. بتذلنا على هالخدمة.
ضحك بصدق طلال على منظرهم المنتعش ، من فترة طويلة ما شافهم بهالشكل .. وكأن حياة جديدة انكتبت لهم.
دخل فهد الشقة اللي فيها سحر وترك هديل عندهم وقبل خروجه وصله اتصال من ( وائل ) تنفس بقوة ورد : وصلت ؟
وائل : ايه ، بس ما قلت لي أي دور ؟
فهد وقف قدام المصاعد : الرابع ، أنتظرك عند باب الشقة
قال مباشرة وائل : لا بنتظر رائد بالمواقف ، كم رقم الشقة ؟
فهد حك جبينه بتوتر :42
قفل منه وتنفسه يزيد ، ما حس بنفسه إلا وهو يضغط عالمصعد ويدخله وينزل .. ومجرد ما شعر باقترابه من الدور الأرضي لعن نفسه بداخله من الحركة الغبية .. وش بيكون موقفه لو وائل كان معها ؟ موقف غبي ، لكن حيل الشوق أقوى ، قطع هواجيسه انفتاح المصعد .. لتنقطع أنفاسه وهو يشوفها واقفة ومبتلشة بالكيسين اللي بيدها مو منتبهة له ، بالرغم من النقاب ومن بعدها عنه اللي تجاوز السنة .. لكنه يحفظها عن ظهر قلب ..
دخلت وهي تحمل كيس هدايا أنيق وبيدها الثانية علبة شوكولاته فاخرة ، شعر بهيام كبير لها ظنه تجاوزه .. لكنه عاد له بقوة ، بينما هي كانت واقفة ومعطيته ظهرها مو منتبهة .. تأفأفت بضيق بداخلها من هالشخص اللي واقف ولا طلع حتى تففل الباب أخيرًا ، للحظة رفعت بصرها له ناوية تبتعد لو كان ينوي يطلع لكن سرعان ما اعتلتها الصدمة وهي تشوفه بلحمه وشحمه قدامها ! مر وقت طوييييل يا فهد ! .. توترت وضغطت زر المصعد بسرعة وهي تبعد عيونها عنه وتعطيه ظهرها بربكة .. صحيح اختفت المشاعر الجميلة اللي تحملها له لكن مهما يكن هذا يوم من الأيام كان زوجها وصديقها .
شعروا بالثانية تمر وكأنها ساعة ، انغلاق الباب عليهم ووجودهم وحدهم بعد هالمدة أربكها وبعثر كيانه .. كان ينوي ينطق ، يقول ولو حرف .. لكن وكأن أحباله الصوتية تقطعت وانتهت حتى حس بالجفاف يغزو فمه ، انفتح باب المصعد أخيرًا لتخرج بخطوات سريعة وكأنها كانت بسجن ، تبعها بتيه كبير ووده لو طال الوقت بهم أكثر .. وكأن أمنيته تحققت عقد حواجبه وهو يطلع من المصعد ، الممر ما يشبه ممرهم ! التفت ليجدها واقفة بحيرة وعيونها تدور على الشقق وجميع الأرقام تتجاوز الستين !
استوعب أخيرًا ونطق : مو هنا ! .. تحت
زاد توترها أكثر ، تبعته بخطوات مترددة حتى دخلت المصعد من جديد .. شعرت بفشلة كبيرة وهي تشوف رقم الدور (6 ) ، من كثر ربكتها ما انتهبت للرقم وهي تضغط .. هالمرة هو اللي وقف قدام الباب وضغط زر الدور الرابع ، تراجعت للخلف ملتصقة بالجدار لأبعد نقطةعنه لكن سرعان ما نطق هادئ : مشاعل
زمت شفاتها ونزلت راسها للأسفل ، ليتابع بصوت مكسور : أنا آسف .. أبيك تحلليني .
تنفست بعمق وقلبها يدق بقوة ، رجع صوته أجش : أنا مسافر بكرة ، و.. أبيك تحلليني وتسامحيني على كل شي مشاعل
امتلأت عيونها دمع وعبرتها تحرقها ، هو ما سمح لها تودعه وتفهم منه.. تركها عند خالها لتوصلها ورقة طلاقها بشكل صادم ! ، وكأنه يعتذر عن كسره لها وعدم وداعه لها .. بلعت ريقها لتهز راسها إيجاب بدون ما تنطق ، انفتح الباب لتخرج بسرعة متجاوزته .. أما هو وقف بصمت قاتل ، أروى عيونه بها لكن هاللحظات زادته شوق وظمأ .. طلع من المصعد بضيق وهي تختفي من قدامه ، لكن أقلها أخذ السماح والتحليل منها .. بهاللحظة انفتح المصعد الثاني ليظهر وائل وبرفقته رائد وبندر ..
ابتسم يبدد أثرها عليه ليسلم عليهم بحفاوة ويدخلهم الشقة على كلمة رائد : رامي وأختك تحت وصلوا ، انزل ساعدهم
نزل فهد ليستقبل أخته وزوجها
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل الثامن وأربعون 48 - بقلم HaboOoshy
فتحت عيونها بتعب لتسقط أنظارها على سقف غريب ، عقدت حواجبها بضيق وهي تستوعب إنها بالمستشفى .. رفعت يدها ناوية تستعدل لكن سرعان ما وصلها صوته : مساء الخير ..
لفت لتطيح عيونها على بندر داخل الغرفة وباللاب كوت بابتسامة هادية ، قرب منها ودنا لها ليقبل جبينها : الحمدلله على سلامتك شوق .
استرخت على السرير : وش صار ؟
جلس على طرف السرير جنبها وأمسك بكفها وبهدوء : ارتفع الضغط عندك شوي ، بس الحمدلله الحين تحسّن ..
شعرت بتردده بتتمة الكلام .. شدت على كفه : ايوه ؟
رفع راسه لها لينطق : الجنين مات .
جحظت عيونها بصدمة وهي تمسك ببطنها : أي جنين !
شد على كفها بينما يده الثانية انتقلت لشعرها تخلله : ارتاحي شوق ، لا تتعبين نفسك
تابعت غير مصدقة : بندر أي جنين اللي تقول عنه ! أنا مو حامل ..
بندر : كنتِ بالشهر الثاني ، مابعد حسيتِ فيه ..
استرخت أعصابها شوي لتنطق بحيرة : شكيت قبل يومين بس ما توقعت .
ابتسم يطمنها : ما كنا مخططين له ، لا تشيلين همه دامه راح قبل لا يتكون .
وصلهم صوت نداء له ليتنهد بضيق : الشغل ينتظرني - وقف وقبل جبينها للمرة الثانية - ما علمت أهلك ، بس تالا بعد شوي بتجيك .. بس ترتاحين كلميهم
هزت راسها ايجاب وهي ترسم على شفاتها ابتسامة تطمنه ، طلع لتدخل بعده بدقايق تالا : شوق يا عمري
ضمتها بخفة : وش هذا من متى حامل !
تنهدت شوق بضيق : مدري .. توني دريت الحين يوم سقط !
جلست بجنبها لتبتسم ابتسامة باهتة : الله بيعوضكم ، تو بدري عليكم لا تستعجلون
شوق : وش صار على موضوع أبوك ؟
تربعت تالا بضيق كبير لتنطق : وافقت !
اتسعت ابتسامة شوق لتضرب فخذ تالا بخفة : عن الدلع والغيرة .. نصيبهم
زفرت بضيق كبير : والله للحين مو مستوعبة ، بكرة بعد الجمعة بيروحون لهم
شوق : كلمتِ أبوك ؟
استعدلت بجلستها تالا ببرود : لا ، أمس جانا على أساس يتغدى بس ما نزلت له ..
كانت بتتكلم شوق لكن قاطعتها تالا بسرعة : لا تقولين شي ! ، أدري بتقولين أبوك وعيب بس خلاص أحس مو طايقة أشوف وجهه.
شهقت شوق : عييب تالا ، اسكتي بس واحترميه مو أول واحد يتزوج .. بعدين شوفي مرة أبوي كيف علاقتي فيها حلوة
لترجع تالا بجلستها بقلة حيلة : أمانة شوق اسكتي ، متى تفهون إن ماعندي مشكلة يتزوج .. بس ما لقى إلا منى ! يعني خلصوا الحريم عشان يروح لمنى ! .. والله كل ما فكرت بالموضوع كرهته وكرهتها معه .
تنهدت شوق بقلة صبر : والله الكلام ضايع معك أنتِ .
-
جالسة على حافة المسبح الدافئ وأقدامها تلعب بالمويا بمتعة .. حتى شافت انعكاسه على المويا قدامها ، لفت بابتسامة لتشوفه كاشف صدره ومكتفي بسروال سباحة : الجو داااافي اليوم
تراجع عدة خطوات ليقفز بحماسة مبلل جميع ملابسها .. صرخت : راكااااان !
ليرفع نفسه ويشوف وجهها الناقم عليه بغضب ، ضحك وهو يسبح باتجاهها حتى وصل لساقها اللي بالمسبح وحضنهم له وهو يتكي بدقنه على ركبها : وشو ؟
عقدت حواجبها بضيق : بللتني
على ضحكته تابع : وأحد يلبس جينز عند المسبح ؟غبية ؟ ليش ما بدلتِ
نطقت بضيق وهي تأشر على رجولها : ليش أبدل ؟ كيف تبيني أسبح أمانة .. أخاف أغرق
ما شعرت فيه غير وهو ينط عليها لتتسلل يده لملابسها وهو يسحبها ، صرخت بقوة وهي تقاومه : رااااااااكااان
ازدادت ضحكته وهو يتمكن منها ويجردها من ملابسها الخارجية رغم مقاومتها : يلله عندك فرصة 3 ساعات تسبحين فيها ، بعدين بيجون جواد وملاذ
لمت نفسها بضيق من حركاته : رجعت لعادتك دايمًا تعصبني ! .. - حاولت تسحب ملابسها اللي قريبة منها لكن منعها بسرعة وهو يبعدها ويرميها بعيد - يالله منك ! كيف تبيني أسبح ؟ بعدين هذي ملابس داخلية مو سباحة !
هز كتوفه بدون اهتمام : كله واحد
ماترك لها مجال تتكلم وهو يعطيها ظهره ويسحب ذراعها ليلفها على رقبته ويسحبها معه لداخل المسبح : تمسكي فيني كويس
شدت بذراعها على رقبته وهي تتمسك فيه بقوة : مجنووون ، بتطيح وتطيحني معك
تابع بسباحته بمرح شديد حتى استرخت أعصابها أخيرًا وبدت تدب فيها الحماسة ..
بعد مرور وقت استند على الجدار حتى تنزل منه وهي تتنفس بشدة : الللله ، من زمان ما سبحت
طلع من المسبح وهو يعرج بمزح : كسرتِ لي ظهري !
استندت على كرسي قريب حتى تقدر توقف ببطء : تستاهل
تقدم لها وهو يرمي عليها المنشفة ويساعدها على الوقوف والمشي والدخول لداخل الكوخ اللي استأجره لمدة يومين ..
خلال ساعة كان جواد موجود برفقة ملاذ وهاهم بدؤوا يشوون الكباب بينما ملاذ جالسة مع ميرا بجلسة جانبية عنهم ، ابتسمت ميرا وهي تشوف جواد من بعيد يضحك : شلونه ؟ شكله أفضل
ملاذ بابتسامة : ايه أفضل كثير ، بس بملكة سحر قبل أسبوع حسيت فيه فاقدهم
ميرا : هذي سحر أكيد بيفقدها ..
تنهدت ملاذ : وخالي أحمد وش أخباره والملكة بكرة ؟
ميرا بضحكة : تلقين الكل فرحان ومتحمس إلا تالا تاكل نفسها ..
اتسعت ابتسامتها وهي تلعب بكوب العصير : صح ما بشرتك
وكأن ميرا تذكرت شي نطقت بحماس : وأنا عندي بشارة ، بس قولي أول حقتك
ملاذ بحماس : شادن حامل ، وش بشارتك؟
شهقت ميرا بصدمة : قولي والله !
ضحكت : والله ، بس يلله قولي اللي عندك حمستيني
ميرا اتسعت ابتسامتها : وملاك كمان حامل .. شهالأخبار الزينة !
قاطعهم صوت راكان من بعيد : الغداء جهز ، جهزوا العصير
-
انتهى من تجهيزه لصلاة الجمعة ليخرج من بيته متوجه للبيت المجاور له مباشرة .. دخله وتوجه مباشرة للدور العلوي بعد ما دق على بندر يستأذنه بزيارة شوق ..
فتح له بندر باب الجناح بابتسامة واسعة وهو يغطي نفسه بروب الحمام : حيا الله بالعريس
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يدخل : الله يحييك ، تو تتروش ؟ استعجل بعد شوي بتبدا الصلاة
هز راسه استنكار : بعد شوي يعني بعد ساعة ، أعراض الشيخوخة بدت تظهر يالعريس
ضحك أحمد وهو يبتعد عنه : وينها شوق ؟ جاي عشان اتطمن عليها مو لاسمع سوالفك
دخله بندر للغرفة ، وسرعان ما نطق أحمد وهو يقرب منها : يا بعد هالدنيا ، عساك أحسن الحين
وقفت شوق لتستقبل حضنه وهو يضمها بخفة : الحمدلله يبه
ابتسم على كلمتها اللي فقدها من زمان وهو يجلس بجانبها : زين بعدك تذكرين إن لك أبو ثاني .. من جاء أبوك وأنا خلاص نسيتيني
شوق بعتاب : ما عاش من ينساك
تركهم بندر يتجهز لصلاة الجمعة ، بينما نطقت شوق : أشوفك كاشخ يالعريس !
ضحك ضحكة خفيفة : أي عريس وبنته ماتبي تشوف وجهه وقاطعته من أسبوع
تغيرت ملامحها فجأة وتغيرت نبرتها للهمس : اعذرها ، كلها كم يوم وترضى
تنهد بهم وكأنه يفضفض : والله ما أعرف كيف أخليها ترضى ، وقلبي موجعني ما ودي أروح وهي قاطعتني
شعر بنظرات شوق اللي تتسلل لخلفه ، وبتلقائية لف لورا ليشوف تالا ماسكة الباب وتناظره بصدمة .. اتسعت ابتسامته : يا هلااا والله بالقاطعة !
تالا اللي كانت مصدومة وكارهة وجوده وازنت نفسها لتتقدم متجاهلته وتوجه كلامها لشوق : فطرتِ ؟
ضحك بخفة على حركتها بدون تعليق ، بينما نطقت شوق : لا خلاص فطرت
زفرت بضيق : لا تشتغلين كثير وأنتِ تو طالعة من المستشفى
شوق بضحكة : بندر اللي مسوي الفطور مو أنا
جحظت عيونهم بصدمة اثنينهم وبصوت واحد : بندر ؟
بترت تالا باقي كلامها وهي تذكر إن أبوها موجود ليتابع أحمد بصدمة ممزوجة بضحكة : والله وقدرتِ عليه وغيرتيه !
شوق : شدعوة ، تراه حنيّن بس ما يبين
أحمد وهو يلعب بسبحته : لا غيرتيه صدقيني
طلعت تالا تاركتهم وتوجهت لمطبخ الجناح وبداخلها تلعن بندر اللي طلب منها تطلع للجناح تتطمن على شوق ونزل مع بدر .. للتو تدرك الفخ اللي نصبه لها ،
....: ألقى عندكم بخور زين ؟
لفت بصدمة على صوت أبوها القريب منها ، زمت شفاتها وهزت راسها نفي .. شغلت نفسها بفتح الدواليب بعشوائية حتى شعرت بصوته هادئ : تالا ...
لما مالقى أي تجاوب منها عاد من جديد وهو يجلس على الكرسي: تالا أنا أبوك ، حتى إن زعلت مني واجب عليك تردين إن ناديتك
زفرت بضيق وهي تلف له منتظرة كلامه ينتهي ليتابع : مافي مشكلة ازعلي ، قولي اللي تبين .. لكن لا تقطعيني - أمسك بكفها وجرها بهدوء ليجبرها تجلس جنبه - تعرفين إنا اليوم بنعقد ، مابي يتم العقد وأنتِ كذا زعلانة .. أنا دايمًا حاولت أكون أب يوفيك حقك يا بنتي ، أدري ما نجحت .. وما احتويتك ، لكن متأكد إنك تذكرين ولو يوم واحد وقفت فيه معك.. بحق هاليوم أبيك بس ترضين !
زمت شفاتها وهي تبلغ غصتها ليتابع بحنان وهو يشد على كفها : راضية ؟ أو ماعمري كنت لك أب بيوم من الأيام تذكرين وقفته معك ؟
هزت راسها نفي مباشرة وبغصة : لا ، كنت دايمًا صديقي قبل أبوي ... بس ... أبيك تجاوب عن سؤال واحد
ابتسم بفرحة حقيقية لتجاوبها : اسألي وريحيني
تالا بضيق وحيرة : ليش منى بالذات ؟
شعرت بانكساره وتردده ، زفر بضيق لينطق بعد صمت : منى الله حطها بطريقي ، وحطني بطريقها .. والقلوب جنود مجندة يابنتي ، مالنا أي تحكم فيها .. هذا شي مكتوب قبل ما نخلق ، لا تسأليني عن الحكمة فيه !
شعر بنظرة الحيرة مازالت فيها .. لكن سرعان ما نطقت : أبخرك ؟
اتسعت ابتسامته ليسحبها له ويقبل راسها : الله لا يذوقني حزنك يا عين أبوك ..
وقفت : بروح أجيب المبخرة
طلع من البيت بعد نص ساعة برفقة بندر وبدر لينضمون للجد أبو عمر وباقي الرجال لصلاة الجمعة .
وهاهم أخيرًا ببيت ياسر والمأذون معهم ، بالرغم من رفض أبوه للموضوع لكن إصرار أحمد أرغمهم على الحضور ..
انهالت عليه التبريكات من الجميع ، مضى الوقت سريع حتى فضى المجلس وهاهو وحده بعد ما تركه ياسر لينادي منى ..
:
في الجهة الأخرى ..
شعرت بتوتر فضيع وياسر ينادينها ، أمسكتها ريان وهي تعدل شعرها .. مطت خدودها وبضحكة : يازين الخجلان !
تنهدت منى بتوتر : ادعي لي ترى بموت
ملاك اللي كانت جالسة على السرير ضحكت : وشو تموتين ، ما بياكلك !
أخذت نفس عميق تهدي نفسها : اسكتي أنتِ الثانية
طلعت من الغرفة لتلتقي بياسر عند ممر يودي للمجلس ، مجرد ما شافها تحرك بسرعة وقبّل جبينها .. حضن وجهها بكفه وبحنان كبير : الله يكتب لك اللي فيه خير يا عيني، متى ما حسيتِ ولو بنقطة ضيقة تذكري أنا دايمًا معك وأبيع الدنيا لشوف ابتسامتك .
هزت راسها وهي تمنع دموعها ، أمسك بكفها ومشى معها يقودها للمجلس ..
مجرد ما عتبت أرض المجلس شعرت بمغص كبير يداهمها ، عضت شفاتها وهي تحس فيه يوقف بصدر المجلس وينطق بكلمات مو مفهومة لأخوها .. جلست بسرعة بيمين المجلس وهي تتنفس بقوة وكأن المسافة بين الباب ومكانها أميال مو بضع أمتار ..
رفعت راسها بصدمة وتوتر وهي تشوف ظهر ياسر وهو يغادر المجلس بعد ما أطلق ضحكة..
رجعت بأنظارها للأسفل بسرعة على صوته : شلونك منى ؟
هزت راسها إيجاب بدون تعليق ، وسرعان ما ازداد توترها على صوته الضاحك : تعالي اجلسي هنا منى ليش بعيدة ؟
كل هذا وهي للحين ما شافته ، كان جوابها الصمت وهي تلف بأصابعها طرف كم فستانها ، ليجف ريقها وهي تشوف رجوله تتحرك ويوقف فجأة وهاهو يقرب منها حتى جلس بجانبها .. ما يفصلهم غير شبر ..
شعرت بحرارة عالية تهيج قلبها وعواطفها وكأن نار انصبت عليها وهو يميل عليها ويمد كفه ليمسك براسها ويقربه منه ليقبل راسها بهدوء : الله يكتب لي عمر مديد أوفيك فيه كل حقك .
ابتعد شوي تاركها تتنفس ليتابع بصوت حنون : لا تستحين مني ، اعتبريني أبوك ولا أخوك إن بغيتِ .. أو زوجك وصديقك .
مرت دقيقة صمت حتى نطق بجدية وهو يسحب كفها ويضمها بين كفوفه العريضة : منى ، أبيك تعرفين وتحطين هالشي ببالك .. مافي سبب خلاني أتقدم لك إلا إني أبيك فعلًا لأجلك مو لأي سبب ثاني .. مابي تبدين حياة جديدة معي وراسك مليان أفكار عن سبب زواجي منك .. وكل شي من الماضي انسيه وكأنك تو ولدتِ
شعرت بفرحة غامرة تحيطها من كلامه ماقدرت بسببها تسيطر على ابتسامتها ، اتسعت ابتسامته لابتسامتها ونطق وهو يشد بكفه عليها : ايه .. أبي أشوف دايمًا هالابتسامة !
تسللت لها ضحكة مكبوتة وشعور الرهبة ينزاح ويحل محلها الطمأنينة ، هذا هو أحمد .. حبيب ومالك قلبها ، بلحمه وشحمه معها .. تابع بعد ما ترك يدها : أوعدك ما تنضامين عندي ، ولو بس حسيت بنظرة وحدة مو راضية منك ما بسامح نفسي ... - نطق بعد مدة بمزح وهو يلاحظ صمتها - وين منى اللي أعرفها ؟ وين قوتك وصوتك !
رفعت راسها له لتلتقي أخيرًا عيونها بعيونه ، هبط قلبه بشدة وهو لأول مرة تلصق عيونه بعيونها بهالقرب .. يعرف إن لها عيون مميزة تميزها عن جميع البنات ، لكن لأول يشوفها بهالشكل الفاتن .. كان زمان ينظر لها بعين الأب ويحاول يغض البصر عن فتنة عيونها الجميلة .. لكن الحين أسرته بجمالها ، قاطع انغماسه فيها صوتها الهامس : كيفها تالا ؟
شتت أنظاره عنها وبضحكة : الله يعينك .. واضح بتكون لك ضرة مو بنت زوج !
عضت شفاتها بخيبة ، تالا صديقة ما تتمنى تخسرها أبدًا ، ليتابع : لا تشيلين همها ، كلها فترة وتتقبل الموضوع .
هزت راسها ايجاب والصمت يرجع لهم ، حتى شعر فجأة وبغمرة الصمت كفها الناعم تسلل لخده وأصابعها تمشي بلطف على لحيته الخفيفة .. شعر بصدمة من حركتها المفاجئة واللي هزته كثير ، ليبتسم بتوتر : تحسبين شيب شايبك ؟
ضحكت بخفة وخجلها يتبدد ومازالت يدها تمر على خده : ايه ....
وكأن الدور انقلب ازداد توتره وهو اللي فقد أي حس أنثوي بحياته من سنين ، غير بنته تالا اللي كان يغلب عليها الطبع الثقيل والقاسي قبل زواجها .. لتتابع : الشيب هيبة!
وقبل لا تتم جملتها شعرت بشفاته اللي تلتصق بإصبعها الإبهام .. سحبت كفها بسرعة لحضنها والتوتر يرجع ، سبت نفسها على الحركة اللي ماقدرت تقاومها وماحست بنفسها وهي تسويها ، دايمًا متهورة !
شعرت بصوته الباسم : لا تستحين ، أنا حلالك ..
نزلت راسها لأسفل وهي تغوووص بملابسها من الخجل ، وش بيقول عنها الحين .. ليوقف بعد ما شعر بتوتر الموقف : مافيني أطول أكثر ، إذا احتجتِ لأي شي أنا تحت أمرك ..
كان بودها تصرخ لاا ، لكن الخجل والربكة منعوها .. وقفت معه بهدوء ليظهر فارق الطول الشاسع بالرغم من لبسها للكعب ، دنا منها ليقبل عيونها قبلة طويلة .. شعرت معها كل عروقها تتفجر ، استعدل بوقفته لينطق : استودعتك الله ، الله يحفظك وانتبهي لنفسك.
خرج من البيت بمشاعر مختلفة تمامًا ، ركب سيارته وهو يهمس : الحمدلله الحمدلله .
أدرك إنه ما أخطأ بخطوته ، شعر بطمأنينة ومشاعر جياشة فقدها من زمان .. اتسعت ابتسامته وهو يذكر حركتها المفاجئة وتأثيرها عليه .. لتنعاد ذاكرته لقبلتها له ليلة زفاف تالا ، من يومك يا منى ما تتركين شي بخاطرك فيه !
-
قبل دقائق ..
طلعت من بيت ياسر لتشوفه جالس بالسيارة ينتظرها .. مجرد ما شافها طلع من السيارة ليفتح لها الباب ، ضحكت بخفة وهي تدخل : شو هالدلع !
قفل بابها وهو يضحك ليتوجه لبابه ويدخله ، لتتابع : وين فدا ؟
صقر : تركتها ببيت الجازي .. - لف عليها لينطق بابتسامة - عندنا مشوار خاص اليوم !
عقدت حواجبها وضاع الطريق وهي كل شوي تخمن مكان .. حتى وقفت السيارة وهو يقول : خلاص انتهى وقت التخمينات ، وصلنا
لتناظره بصدمة وهي تشوف محل المواليد اللي قدامهم : مكان خاص ؟ تستهبل ! .. - بخيبة - توقعت مطعم ، كوفي ، شاليه ، منتجع ..
ضحك وهو يطلع من السيارة : خلاص راحت عليك !
نزلت برفقته لتدخل المحل وهو يمسك يدها ، كان الحماس جلي عليه أكثر منها .. لتقول بعد فترة من الجولة في المحل : يالله وش هالحماس ! ترى باقي بالشهر الأول
أمسكها ليجرها لمكان ثاني : تدرين هذي أول مرة أحس بهالشعور ؟ .. بوقت فدا كنت منفصل عن أمها
اتسعت ابتسامتها : وكيف تبينا نختار واحنا ما نعرف نوع الجنين !
نطق وهو يتأمل اللي حوله : مافي مشكلة ، ناخذ أي شي يعجبنا .. وبعدين نتبرع بالزايد
ضحكت على حماسه وتابعت معه التسوق
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل التاسع وأربعون 49 - بقلم HaboOoshy
مالي أراك في كل الوجوه
أغزتك عيني أم غزتك الأماكن ؟
*•
بعد مرور سنــــة :
بمقهى بطابع عربي أنيق ..
يجلس باسترخاء بشكل شبه مائل وراسه للخلف ، بينما هي جنبه متربعة ولاب توبها بحضنها تطقطق عليه .. لتلتفت عليه بعد ما حست بهدوءه : وليد !
زفرت وهي تدرك إنه شبه نائم ، هزت كتفه بقوة : ولييييييد !
فز بسرعة وهو يفرك وجهه : معك معك ..
تنهدت : واضح مرة
عقد حواجبه وهو يشوف الساعة مازالت 9 الصباح ، والموظفين حوله حركتهم ما وقفت .. : يلله صباح الخير ، من متى جوا ؟
ابتسمت وهي ترجع للاب توب : من غفيت ..
بمباغتة سحب كوب قهوتها ورشف منه ، لتفتح عيونها بصدمة : قهوتي !
ابتسم على جنب وهو يرجع يشرب منه : ما تبيني أصحصح !
سحر زمت شفاتها : روح جيب لك .. ما تشرب حقتي
اتسعت ابتسامته لينطق قبل لا يرتشف آخرها : أنتِ ومالكِ لزوجك
غصب عنها فلتت منها ضحكة وهي تضرب فخذه : أستغفر الله ! لاتحرف في الأحاديث ..
لينطق بمزح مغلف بجدية : أنا ما قلت حديث ، هذي مقولتي أنا ..
رجعت للاب توبها : خلاص ارجع نام ، أبي أخلص بحثي وأرسله قبل الساعة 12 .. أعرفك ما بتتركني بحالي
ترك كوب قهوتها بعد ما أنهاه ليسحب مجموعة الأوراق اللي قدامها : ألخصها لك ؟
تنهدت بتعب : ياليت ، تسوي فيني خير ..
بدأت تشرح له المطلوب لينشغل معها ويساعدها ببحثها
-
بالدور العلوي من نفس المكان بعد ساعات ...
ينزل بخطوات سريعة من الدرج العلوي اللي يتوسط المقهى لينطق بصوت متوتر : يالله ! أنتو باقي هنا .. - يتحرك بسرعة وهو يشوف احد الكراسي مايل ويعدله - أوووف .. باقي ما أنهينا شي والليلة الافتتاح ! - ليعود من جديد للاثنين الجالسين بجلسة أندلسية ويناظرونه بضحكة - تضحكون !
كبت ضحكته وليد : ريلاكـــس بيبي ! شفيك طاير كذا !
مجرد ما أنهى كلمته طار له فهد وهو يسحبه : انت مالك فايدة ، سوي خير وأطلع تفقد الصغار تعرف اليوم ما أقدر أجيبهم .. ولا أقولك شرايك تطلع فوق مع هديل !
ليقفز وليد مباشرة : لا لا بشوف لريم وثامر أبرك لي ..
وقفت سحر مباشرة معه وهي تلم أوراقها ولاب توبها : بجي معك
حمل اللاب توب ليمسك كفها ناويين يغادرون المقهى ، لكن عند الباب اصطدموا بآخر شخص توقعوا يشوفونه ..
شهقت سحر بصدمة لتمتلي عيونها دموع وهي ترتمي بحضنه وتشد عليه بقوة ، بينما هو يضحك ليغلب شوقه الكبير وهو يقبل راسها من فوق الحجاب ..
وليد اللي كان واقف خلفهم ازدادت ابتسامته : خلاص يا حبيبي ، ما تبي تسلم علي ؟
ابتعدت سحر شوي وهي تمسح دموعها لتطيح أنظارها على الواقفة خلف جواد والتعب ظاهر عليها ، ضحكت بفرح وهي تسحبها له وتضمها : شكثر اشتقت لك ملاذ !
ملاذ وهي تدقق بملامح سحر : تغيرتِ !
ضحكت سحر وهي تقول : مو كثرك ، سمنانة !
تلقائيًا توجهت كف ملاذ لبطنها : لا تقهريني .. مو مني ، من هاللي ببطني وياكل أكلي .
شهقت سحر وهي تتذكر : يووه نسيت إنك حامل
لتشعر بقرصة خفيفة على ذراعها و همسة وليد من بين أسنانه : قصري صوتك !
التفتت عليه تلقائيًا وهي تمسك ذراعها : اححح ، ياخي لا تلومني ، جواد وملاذ قدامي مو أي أحد
زم شفاته وليد بغيض : طيب ادخلوا مو عالطريق !
جواد كان يتأمل سحر ووليد بمشاعر غريبة ،ونظرات أغرب .. انتقلت كفه لملاذ ليمسك بكفها ويقودها لداخل : وينه فهد ؟
سحر بحماس أمسكت بكفه تدله على مكانه : بينصدم ، وش هالمفاجأة الزينة
جواد نقل عيونه لوليد : زين ما خربها وليد ، توقعت لسانه يزل
لتلتفت عليه بصدمة : عارف ولا تقولي ؟
وليد بابتسامة : المفاجآت لا تُسرب !
سحر وهي تعطيه ظهرها وتسير مع جواد ملاذ : اليوم راكب عقلك جان انت وهالمقولات العجيبة !
ليصلها صوت وليد ضاحك : على تبن..
التفت تلقائيًا جواد على كلمته ليشوف وليد يبتعد عنهم تاركهم براحتهم والابتسامة بوجهه ، ليشد على كف سحر ويستوقفها باستجواب هامس : دايمًا يعاملك كذا ؟
اختفت الابتسامة من وجهها لتعقد حواجبها: مين ؟
ازداد همسه : وليد مين غيره ؟
بهت وجهها من سؤاله الغريب وهي تعقد حواجبها بابتسامة : ليه وش فيه ؟
زم شفاته ليشد كفها : بعدين نتكلم بالموضوع ، وينه فهد !
وصلوا الدور العلوي وهي تبحث عن فهد بحماس : اليوم متوتر ولا يثبت بمكانه ، مدري فين نلقاه الحين !
ليصلها صوت فهد من أحد الغرف : سحــر ، تعالي ...
اتسعت ابتسامة جواد بشوق كبير وهو يسمع صوته ، ليدخلون المكتب اللي فيه فهد وهو واقف وعينه على الجوال ويهز رجوله بتوتر مو منتبه لهم : توقعتك رحتِ مع وليد ، شوفي هديـ....
بتر كلمته وعينه ترتفع لتسقط على جواد بصدمة ، ترك الجوال ليلتقي به ويضمه بشدة .. بينما سحر قادت ملاذ لتجلس على الكنب.
فهد بعدم استيعاب : مو قلت جاي بعد أسبوع !
جواد : لا قلت بداهمك بشغلك وانت ماتدري
تنهد فهد بفرحة : الحمدلله .. جيت بالوقت المناسب ، اليوم الافتتاح .
جواد : وجايب معي ضيوف بعد
عقد حواجبه فهد باستغراب ليكمل جواد : راكان وزوجته
فهد بعتاب : وينهم ؟ أقل شي نسوي الواجب ونعزمهم !
جواد بابتسامة : لا اتركهم يرتاحون ، قبل الافتتاح يجون وتعشيهم بعدين
أمسك به فهد ليقوده بشوق كبير ويجلسون بعد ما سلم على ملاذ وأخذ أخبارها ..
حتى وصل ثامر وريم وكانوا أصحاب النصيب الأكبر من الصدمة ..
استأذن جواد بعد ما أنهى الغداء في المطعم المقابل لمقهى فهد وهو يلاحظ تعب ملاذ بسبب السفر ، وقبل لا يروح التفت لسحر : تعالي معنا ..
سحر مباشرة وقفت برفقة ريم وثامر والحماس يأخذها لجواد، التفتت على وليد : ناخذ عمي معنا ؟
وليد هز راسه نفي: لا ، كلها كم ساعة وترجعون.. أفضل يبقى هنا
أمسكت بيد جواد بحماس ورجعت تثرثر له ، مجرد ما ابتعدوا همس فهد لوليد اللي ياكل مقابله : مسوي شي انت ؟
عقد حواجبه بضيق : لا .. مدري شفيه علي !
زفر فهد وهو يرتشف العصير : واضح مو متقبلك
وليد : كان طبيعي معاي ، مدري شفيه قلب .
وقف فهد ليوقف معه وليد وهو يقول : لا تتحسس ، سحر أقرب شخص له .. تصير هالغيرة عالخوات لا تشيل هم
رفع حواجبه بحيرة وهو الغير مدرك لمشاعر بين الأخوين من هالنوع كون شهد صغيرة ..
-
بمنزل جدها الكبير ..
دخلت بيت جدها بعد يوم دراسي متعب ، لكن اللي يريحها إنه آخر دوام قبل الإجازة ..كان البيت هادئ جدًا مما جعلها تدرك إما إنها أول الواصلين أو أنهم نايمين يقيلون ..
دخلت المطبخ مباشرة ومازالت بعبايتها تبحث عن شي بارد تشربه ، جلست على الطاولة بعد ما سحبت لها عصير بارد .. تهادى لسمها صوت ضحك خارج المطبخ بالحديقة المقابلة له .. رفعت راسها بتلقائية للنافذة لتصطدم عيونها بمنظر مازالت مو متعودة عليه .. رغم مرور فترة ، إلا إنها عجزت تتقبله!
كان أبوها يمشي وبرفقته منى بعبايتها وحجابها على كتفها للاحتياط وهي تسولف بحماس كبير بينما هو يستمع ويضحك ويعلق ..
حتى أشار لها على شجرة التوت لتتوجه لها بحماس ، وهاهو أبوها يقف خلف منى ليرفعها من ساقها بكل سهولة وضحكها ينتشر بشكل أكبر لتلتقط أخيرًا حبتين توت بمرح ..
زفرت تالا بضيق وهي تحاول تشتت انتباهها عنهم، ماتعرف ليش تحس أبوها مسروق منها ! تكره هذا الشعور وتكره عدم تقبلها له وتكره أكثر كونها خسرت صديقة مقربة ! ، تعرف إن الغلط الوحيد منها .. منى حاولت كثير تتقرب من تالا وترجع كصديقة لها ، لكنها عجزت ! .. علاقتها بها كعلاقتها بشادن وسحر وملاذ مثلًا .. ما عاد هي بالصديقة المقربة .
رفعت حواجبها باستنكار يشوبه غيرة كبيرة وهي تشوف أبوها ما زال يرفع منى ويمشي بها بخطوات صغيرة ليسحب التوت منها ويغسله بالحوض القريب منهم وهي تلف عليه بغنج ليطعمها حبة التوت اللي بيده وهي تاكله بتلذذ كبير !
قاطع تأملها صوت ضاحك : شهالغيرة يا ساتر!
لتلتفت على يمينها وتشوف رائد واقف عالمدخل ومعه زوجته ريتاج .. لتنطق تالا ببرود وهي ترتشف من كوبها : زوجة أبوي هنا ، لا تدخل ..
تقدم والشباك على جانب آخر مايقدر يشوفه ليجلس أمام تالا على الكرسي بضحكة : يابنتي هدي اللعب شوي ! ، اهجدي لا تطلع لك قرون !
دخلت ريتاج وهي تعدل حجابها لتنضم لهم وهي تضرب كتفه : خلاص ياخي اعتق البنت ! سنة كاملة وأنت تتنمر عليها !
لتزداد ضحكته وهو يقول : أبيها تحط عقلها براسها ! وراها تحسد البنت وأبوها على شي شرعي وعندها من يملي فراغها .. ولا فاقدة بعلك !
طلعت جوالها بتجاهل تام له لتنطق ريتاج بابتسامة : أخيرًا بدت الإجازة تالا !
تنهدت بضيق : اي والله ! أسوأ ترم يمر علي ! يالله كأنه دهر مو كم شهر !
ريتاج : هذا وأنتِ باقي بأول مشوارك الجامعي !
عبست بضيق : خلاص اص لا تذكريني
ضحكت ريتاج على شكلها لتتابع : بس يلله زين زواج سحر بعد كم يوم وميرا وملاذ جايين بعد هالمدة
تنهدت بحنين كبير وهي تضم شنطتها : يالله شكثر اشتقت لميرا !
ليقف رائد بعد ما وصله اتصال وقبل لا يرد نطق بمشاكسة : اتركي أبوك وزوجته ولا عاد تبصبصين عليهم
غادر وهي تقول بضيق : يالله أعانك الله على هالغثيث !
ريتاج بضحكة : هالغثة عسل على قلبي !
قطبت حواجبها بقرف وهي تقول : بس زين عدلتيه شوي ، كان شرار ماحد يقرب منه ... وينها بنتك ؟
ريتاج وهي تشعر بصوت أحمد يقرب وقفت بسرعة : مع خالتها مشاعل ، قالت اشتاقت لها
طلعت من المطبخ على دخول أبوها برفقة منى للمطبخ ..
مجرد ما شافها اتسعت ابتسامته وهو يتقدم لها : حيا الله بعيني .. من متى جاية ؟
تقدم ليقبل خدها وهي وقفت مباشرة لتقبل راسه .. وبتذمر : والله خلصت محاضراتي بدري - لتنقل عيونها لمنى وبغيض - بس بعض الناس ما علموني إنهم طالعين بدري ولا كان رحت معكم توصلوني !
شهقت منى وهي تجلس قدامها : مو عندك محاضرتين !
تالا زفرت : اعتذرت الثانية
منى بضيق : ما دريت والله ، كان دقيتِ علي ننتظرك !
تالا والحنق واضح عليها : طلعت من المحاضرة ركض بلحق عليك ، بس ريان قالت لي إنكم مشيتوا قبل دقايق
منى بابتسامة : حصل خير ، آخر يوم .. اضحكي يا بنت !
أحمد كان يراقبهم بابتسامة وهو يشوف حنق تالا اللي بغير محله ، تمر فترة طويلة وهي هادئة ووديعة لكن فجأة تقلب .. ليجلس على يمينها ويسار منى : كان دقيتِ عادي ، مافي مشكلة برجع لك .. كم عندي تالا ؟
تالا ببرود : مدري !
مسك ضحكته وهو يلتفت لمنى اللي تناظر تالا بعجز عن فهم تقلباتها .. لتنطق بتغيير للسالفة : ميرا بتجي بكرة ! .. يالله متحمسة لها
ابتسمت أخيرًا تالا على طاري ميرا : ودي أطير لها أنا ..
قاطعهم صوت جوالها لتتسع ابتسامتها وهي توقف : هذا تركي ..
تركتهم خلفها وتوجهت للصالة وهي تفتح مكالمة الفيديو بحماس شديد : ترررركي ..
مجرد ما انفتحت الكاميرا ظهر لها وجه بدر النائم بعمق ، لتبتسم بشوق : يا عمري ..
وجّه تركي الكاميرا له لينطق بضحكة : وجهك سمنان !
بتلقائية مسكت وجهها تتحسسه : والله ؟ ما أحس .. بس هذا لأنك مطول عنّا
انسدح على الصوفا : كأنها سنين والله ! ، أحس لو رجعت ما بعرفكم على كل هالأحداث اللي صارت عندكم
زفرت بضيق : تكفى تعال مع بدر .. كلنا بنجتمع بعد مدة طويلة بس ينقصنا انت !
تركي هز راسه نفي : ما أقدر والله .. بس يلله كلها سنة ونص وأتخرج وأجيكم
-
صحت من نومها اللي ما دام أكثر من ساعة على صوت بكاء طفلها ، تحركت بتعب ناوية تقوم لكنها تراجعت بكسل وهي تشوف صقر يدخل الغرفة بخطوات بطيئة ليحمل ابنهم " معاذ " وهو يهمس له يهديه : اوش اوش ..
غادر الغرفة لتستغل الفرصة وتنام، حتى صحت بعد وقت طويل ..
طلعت من الغرفة بعد ما غسلت وجهها وبدلت ملابسها ، لتجد صقر بغرفة الرسم الخاصة بهم جالس على الأرض وبحضنه معاذ وبجانبه فدى اللي تحاول تشيل معاذ بحماس ..
شهقت بسرعة وهي تتقدم لهم ناوية تشيل معاذ: مجنون ! ريحة الألوان بتقتله
مجرد ما شافها طفلها تعالى صوته ببكاء مستنجد ليضحك صقر وهي تسحب معاذ منه: دلوع !
جات بتوقف وهي تحس بابنها يبحث عن موضع غذاءه : جوعان ، برضعه
ليمسكها بسرعة وهو يحثها على الجلوس : لا لا اجلسي ، برسمكم كذا
تنهدت بقلة حيلة وهي تجلس ليهدأ معاذ وهي تضمه لها وترضعه ، رفعت بصرها لفدا اللي جالسة جنب أبوها وتتأمل المنظر بحب لتنطق بضحكة : تعالي فدا .. عشان تطلعين برسمة بابا
طارت لها فدا وهي تجلس بجنبها ويدها الصغيرة تمسح على راس معاذ بحنية كبيرة ، بينما صقر فرّغ كل تركيزه باللوحة .. وهو يقول بابتسامة : شفتِ رسمتها لمعاذ ؟
التفتت مباشرة على فدا : رسمتِ معـ...
ليقاطعها بضيق : يالله لا تتحركين واجد
عادت لوضعيتها وهي تكتم ابتسامتها بينما فدا طارت لتجيب الورقة وتوريها ملاك ، دهشت وهي تشوف رسمة فدا لتنطق : ما شاء الله !
ابتسم صقر : قايل من زمان ، فدو بتطلع رسامة مثل أبوها ..
-
مجرد ما تركت جواد وملاذ بالغرفة ينامون، توجهت مباشرة لغرفة ريم النايمة بتعب بعد المدرسة، وكعادتها تفقدت كتبها تتأكد من دراستها .. طلعت من الغرفة لتصطدم عيونها بجواد طالع من غرفة ثامر ، عقدت حواجبها : على وش تدور ؟ فيه حمام بغرفتكم
فرك شعره بيده : لا .. كنت أدورك .
تقدمت له بابتسامة : مو تعبان ؟ نام وارتاح وقدامنا أسبوع مع بعض ..
تنهد وبجدية : لا أبي أكلمك بموضوع ..
سحر اللي كانت تحس بكلام وده يقوله من أول مسكت يده لتقوده للكنب بالصالة : قول ، أنا كلي آذان صاغية ..
ضحك بخفة وهو يجلس معها : يالله شكثر اشتقت لك !
ضربته بمزح على كتفه : قلنا لك تعال، وحسبنا حساب جناح خاص لكم بس ما تبي !
ناظرها بطرف عينه : والله ما أدري مين مفروض يقول هالكلام ..
ضحكت تشتت الموضوع : خلاص ما بنفتح هالموضوع مرة ثانية ... بس ما قلت لي وش موضوعك الخطير ؟
بجدية كبيرة نطق مباشرة : وليد ..
عقدت حواجبها : وش فيه ؟
زم شفاته وبتردد : سحر ... ما ودي أدخل بينكم ، بس .. أبيك تعرفين إذا كان عندك مجرد بذرة تردد فأنا معك ، وحطي ببالك مافي شي يخليك توافقين تعيشين مع شخص طول عمرك لأنك حاسة نفسك وحيدة
قاطعته بصدمة : جواد !
جواد : سحر ، خليني أكمل كلامي .. أعرف إنك رفضتِ تروحين معي لأنك خايفة على فهد .. ماودك تتركينه وحده ، وأعرف من سنين طويلة إن وليد يبيك ، ما أعرف .. يمكن تواجد وليد الدايم وعلاقته القوية بفهد خلتك ترضين بالواقع وتوافقين عليه
هزت راسها نفي غير مستوعبة ليتابع : اليوم بالمقهى .. شفت تعامله معك
بلعت ريقها تسمع جنون أخوها لتهمس : وش شفت ؟
بغيض كبير حاول يكبته : تعامل سيء !
بققت عيونها بصدمة تحاول تذكر أي شي حصل اليوم : سيء ؟
هز راسه تأكيد : أسلوبه سيء وألفاظه أسوأ ، مفروض هالتعامل يكون مع أخوياه مو مع سحر !
هزت راسها بسرعة تأكد له سوء الفهم : جواد ! .. أنت فاهم غلط صدقني !
تنهد بضيق كبير : أي غلط يا سحر وأنا أدرى شخص فيك ؟ لو تبينه فعلًا وافقتِ عليه من أول مرة مو بعد ما حسيتِ نفسك مضطرة .. وأنتِ مو مضطرة ، لا وفوق هذا مستغل فكرة حاجتك له !
قاطعته بنرفزة كبيرة : أي حاجة جواد ؟ - بلعت ريقها لتنطق - جواد ... وليد طول هالسنة اللي أنت بعيد عننا فيها كان لي أكثر من أخ وأكثر من صديق ! ما وافقت عليه لأني مضطرة ! .. وافقت لأني شفت أفعاله وكل شي مستعد يسويه عشاني .. لأنه الوحيد اللي وقف معنا .. وافقت لأني شفت فيه نفسي ، انت يمكن ما تعرف شيعني أنه يكون قريب مني لهالدرجة اللي تسميها علاقة سيئة ! تبيه يشوفني مجرد بنت بيرتبط فيها عشان اسمها أو أبوها ؟؟ كان يعرف إني أحتاج شخص أتعامل معه وكأني أتعامل مع نفسي .. وطوّع نفسه ليكون هالشخص ... - سكتت لفترة تجمع أنفاسها - أدري إنك تعرف وليد كثير وتعرف أخلاقه .. وما تسوي هالشي إلا لأنك تظن لو أبوي موجود ما بيوافق عليه .. لكن هذي حياتي وهذا اختياري جواد ، لو يرجع الزمن بحارب عشان أكون معه .. كنت سطحية وما أؤمن بنفسي ولا خياراتي ..
جواد كان يسمعها وهو مندهش، اللي قدامه مو سحر اللي تركها قبل سنة محطمة وراه .. تنهد بضيق كبير وعيونه عليها ضايع ، مسكت كفه بعد ما حست بانفعالها : آسفة جواد .. بس لو كنت معنا هالفترة بتعرف وش سوى وليد ووقفته معنا .. ثامر اللي كان منطوي على نفسه وكل وقته على الأجهزة ، شوف كيف تغير ! محد عرف له غير وليد .. ياخذه مع فهد لجلسات الرجال ويسمع له ويناقشه وكأنه كبير .. مين كان يشوفه كذا ؟ كنا ناسيينه ونقول بيكبر ! ، تدري قبل أسبوعين صارت له مشكلة كبيرة بالمدرسة .. ولا علّم أحد غير وليد حتى يساعده ! .. حتى ريم متعلقة فيه وتفقده لو سافر يومين !
كان يشعر بتوهان كبير وهو يسمع كل كلمة منها، يعرف وليد من سنين .. ويعرف شكثر هو قد الثقة ، لكن مثل ما قالت .. رفض أبوه له بالبداية ما زال مسيطر عليه، ما يبي يمحي أي صورة رتبها لهم أبوهم .. وقلقه الكبير اللي يتفاقم يوم بعد يوم اتجاه أخوانه يزيده حذر وخوف من إنه يسلمهم لأي كان ! .. قاطع عيونه القلقة ابتسامتها الجميلة اللي فقدها من زمان وكفها ترتفع لتمسك بوجهه : جواد يا عيني انت .. لا تقلق علي ، ولا على إخواني .. احنا هنا نعيش حياتنا مثل أول ويمكن أفضل ، لكن .. يهمني انت ، يهمني تكون بخير وتتحسن !
نطق أخيرًا بزفرة عميقة : أنا بخير ...
أبعدت يدها عنه لتشد على كفه : متضايق هناك ؟
زم شفاته بتوتر : لا ... ملاذ ساعدتني أتخطى كل شي ، لدرجة نسيت أو تناسيت كل شي صار .. بس ... مدري شفيني من حجزت التذاكر للسعودية وحالي انتكس !
سحر شدت على كفه : لا تشيل هم، لأنك بعدت فترة طويلة ممكن خايف من الماضي .. بس صدقني كل شي بخير ، والماضي تخطيناه
زفر بقوة وهو يتأملها، الظاهر تخطوا كل شي باستثناءه هو اللي مازال معذب بالماضي .. الهرب ما كان حل ، اكتشف الحين بعد رجوعه إنه انتكاسة وكأنه بدا من جديد !
قاطعته سحر وهي توقف وتقبل جبينه : قوم نام حبيبي .. انت تعبان ، وبالمغرب ورانا شغل مع فهد .. روح ارتاح
وقف أخيرًا وهو ينفض غبار القلق عليهم، حديثه القصير مع سحر طمنه كثير عليهم وكان له مفعوله .. توجه للجناح الصغير اللي مجهزينه لهم ، كانت ملاذ نايمة بعمق كبير .. انسدح جنبها وشدها له حتى قبل جبينها بدون ما تشعر بشي من التعب
-
قبل غروب الشمس
أخذ الشنطة منها لتركب السيارة، بينما هو يحط الأغراض ورا ..
ركب السيارة وقبل لا يشغلها : وزوجة أخوي الفاضلة ما بتجي ؟
شوق وهي تربط حزام الأمان : بتروح مع عمي يوسف، باقي ما جهزت نفسها
تحرك بسيارته متجهين للمزرعة، شوق مباشرة فتحت جوالها على الساوند كلاود : اممم وش تبي تسمع ؟
بندر مباشرة نطق: أنا بشغل من عندي ..
طلع جواله وهي تنتظر بترقب، وسرعان ما صرخت بنرفزة : قففففففل بندر !
ضحك بمتعة وهو يزيد الصوت لتسمع صوتها بالتسجيل وهي تلقي معلقة امرؤ القيس .. لما شافت إصراره نطقت بنرفزة وهي تحط يدينها على إذنها : متى سجلته ؟
بندر : يوم إنك تذاكرين للاختبارات .. - سحب الجوال من جديد - لا اسمعي هذي كمان
تهيأت نفسيًا لسماع ما هو أسوأ ، وهاهو صوتها من جديد ينطق بتلحين : إن البسيط لديه يبسط الأمل ... مستفعلن فاعلن مستعلن فعل ..
مسكت راسها بضيق : وش كمان عندك يرفع الضغط ؟
باستمتاع عاد لجواله : هه هذا .. بس الحين جد
وصلها صوتها تغني بصوت جميل :
أراك عصي الدمع شيمتـك الصبـر
أما للهوى نهـي عليـك و لا أمـر نعم أنـا مشتـاق و عنـدي لوعـة ولكـن مثلـي لا يـذاع لـه ســر
إذا الليل أضواني بسطت يد الهـوى و أذللت دمعا مـن خلائقـه الكبـر تكاد تضيء النـار بيـن جوانحـي إذا هي أذكتهـا الصبابـة والفكـر
ابتسمت ومازال صوتها بالتسجيل : باقي ما مسحتها ؟
هز راسه نفي : هذي أول مرة اكتشف إن عندك موهبة سنعة، مستحيل أحذفها
ضحكت : زين إنك قدرت على الأقل موهبة من مواهبي الدفينة
بندر : عاد الصدق هالقصيدة لها مكانة بقلبي من كنت صغير
شوق: يلله هذي نقطة اتفاق جديدة بيننا، أبو فراس الحمداني
لف عليها مباشرة : شرايك أول طفل نسميه باسمه؟
قاطعته مباشرة: لا لا انتبه ! أجل الحارث ؟
ضحك : والله تو أعرف إن اسمه الحارث !
تابعوا نقاشهم حتى وصلوا أخيرًا المزرعة اللي تبعد عن الرياض ساعة، مجرد ما قربوا لبست نقابها ليصلها صوت بندر : هذا عزيز وصل
وقف السيارة خلف سيارة عزيز اللي طلع من السيارة برفقة شادن وهو شايل بحضنه طفلة صغيرة .. تلقاها بندر بحب كبير : يا هلا بعين خالها ..
سحبها من يدين عزيز لينطق عزيز : شوي شوي على الشيخة أفنان
بندر قبل خدودها : شيخة الشيخات والله.
عزيز وهو يتلفت حوله : وينه توأمك عنك ؟
بندر ىهو يمشي برفقته لداخل المزرعة : سافر قبل أسبوعين عنده دورة ..
بعد أسبوع :
يوم انتظره من سنين طويلة، و ها هو أخيرًا يتحقق ..
كان يمشي وهو ماسك كفها وشعور امتنان كبير لربه اللي حقق أمنيته اللي كانت شبه مستحيلة ، صبر وصبر حتى نالها أخيرًا ..
لف عليها ليبادلها الابتسامة وهو يشد على كفها .. جميع الحضور في القاعة ما كان يحس بوجودهم، هي فقط كانت الكل بالكل ..
همست وهي تقرب أكثر له : خلاص لا عاد تطالعني كذا !
وليد استغل قربها الشديد ليطبع قبلة على راسها : زفتنا هذي .. تبيني أطالع للحريم ؟
ضحكت : شرير !
انتهت الزفة وفرغ المكان من الحريم اللي توجهوا لقاعة الطعام باستثناء أختها سهام وملاذ بحجاباتهم .. وها هم إخوانها يدخلون، مجرد ما شافتهم وقفت بسرعة لتتلقى ثامر بحضنها ..
وقف فهد أمام وليد والفرحة مو سايعته ، نطق وهو يعدل بشت وليد الجالس : ايه وأخيرًا برتاح من حنّتك !
وليد بابتسامة واسعة : أبشرك، لقيت لك عروس مثل ما وصيتني ..
تعالت ضحكة فهد وهو يضربه على كتفه وبهمس : اص لا تخرب ليلتك ! - وبهمس أشد - ولا يذبحك جواد !
لفت عيون وليد تلقائي لجواد اللي كان بعيد شوي عنهم مع إخوانه وملاذ وسحر، في هذي اللحظة ظهرت أمامهم هديل وهي تمشي بخطوات بطيئة : باباااا!
شعر فهد بنشوة عالية ما يوصلها إلا إذا سمع هالحروف منها، سحبها له وهو يضمها بشدة : يا عين أبوك وروحه أنتِ ..
وقف وليد ليقبل خد هديل بحب : الله يبلغك وتشوفها عروس
زفر فهد بشدة : ياخي من الحين أحس ما أقدر أتخيل هاللحظة ! أحس مافي أحد يسوى أعطيه هدول !
ضحك وليد على تعلق فهد الشديد بها : ايه ما ألومك، هو وليد واحد وخلاص راح لأختك .. وين تلقى لك مثلي
بالجهة الأخرى ، جواد اللي كان متحمس وأجواء إخوانه تروق له وهم يلتقطون الصور مع سحر اللي واضح الفرحة بعيونها، التفت على ملاذ الهادية : بخير حبيبتي ؟
ملاذ بهمس ابتسمت : ايه بخير ..
كان يشعر بتعبها الشديد وتغير ملامحها، همس بضيق : رحلتي بعد الظهر ، ما ودك تغيرين رأيك وتجين معي ؟
تنهدت بتعب : ما ودي أخليك والله بس أمي مصرة أجلس عندها، بعدين هي تعبانة .. وفاقدتني أنا وراكان سنة كاملة
رق قلبها لتغير ملامحه للضيقة، همست بابتسامة : كلها شهر وأجيك
تنهد وهو يهز راسه : إن شاء الله خير
كان يشعر بضيقة كبيرة كونه بيودع راكان اللي كان معه لحظة بلحظة وزاد همه بعد ما أصرت أم ملاذ على جلوسها أقل شي شهر .. بينما ملاذ كان متعلقة بأمل ورجاء لكلام فهد اللي وعدها يحاول يقنع جواد يستقر بعد ما يرجع لها خلال شهر ..
ودّعوا العرسان بعد ما وصلهم فهد للفندق، ومجرد ما دخلوا الجناح قفله وليد ليلتقت عليها بسرعة ويباغتها بضمة طويــلة ..
سحر تنفست بقوة وهي تشد عليه : وليد ...
شدها له وهو مغمض عيونه : همممم
رقّ صوتها بعبرة تخنقها : بس .. أحبك والله .
شعرت بضحكته القصيرة وهو يزيد باحتوائها .. حتى نطقت بضحكة : شوي شوي ، عظامي ..
ابتعد عنها شوي وهو يفسخ بشته، لتتبعه وتشيل عبايتها وحجابها .. : تدرين وش بنسوي الحين ؟
عقدت حواجبها وحمرة تعتلي خدها وبهمس : وش ؟
ضحك تلقائي على شكلها : لا لا مو اللي ببالك - تقدم لها ليمسك خصرها بيد واليد الثانية تمسك بكفها - نرقص ..
رفعت يدها المحررة لتحاوط رقبته : تدري كانت أمنيتي وأنا صغيرة أرقص رقصهم بزواجي !
ابتسم وهو يسند راسه على جبينها ويبدا يتحرك بخطوات متناسقة معها : أدري ..
عضت شفاتها : آخ لا يكون فهد بعد قالك ؟
وليد بروقان : يقول كنتِ بصغرك راقصة باليه ..
ضحكت بمتعة وهي تتماشى معه برقصته المتقنة : أول شخص يرقصها بالثوب !
قاطعها وهو يقبّلها قبلة عميقة، وماهي إلا لحظات حتى دخلوا بأعماق نفوسهم، وأرواحهم تمتزج ببعض ..
-
بنفس المدينة " الخبر " ، لكن بفندق آخر ..
رجعوا من الزواج وبالرغم من الإنهاك الكبير إلا إن شوقهم الكبير لبعض غلب التعب ..
سحبتها تالا لتدخل الغرفة معها وقبل لا يبدلون ملابسهم جلسوا بحماس على السرير : وأخيييرًا فضينا لبعض !
ميرا بضحكة وهي تتمدد على السرير : يالله تالا .. كم لنا عن بعض !
تالا زفرت بقوة : كثيييير ! .. يختي اكتشفت مالي غنى عنك، حتى شوق الخايسة ما تغنيني ..
ميرا وهي تسحب المكسرات من يد تالا : ايه هذا لأنها حماتك ..
تالا بضحكة : ماله علاقة، بس الكلبة متأثرة بزوجها الدب ..
ميرا تأملت تالا للحظات حتى نطقت بابتسامة : أنتِ الدبا والله، تغير جسمك حييييل ! ما يبين زين بالتصوير
تالا وقفت بسرعة وكأنها ملدوغة تتأمل جسمها : صدق !
ميرا بضحكة : لا لا تخافين، بعدك نحيفة .. بس امتليتِ
رجعت براحة للسرير : ايه أشوى .. - لتلتفت لميرا وبهدوء - قولي لي الصدق .. شلونك معه ؟
ميرا : روميو وجولييت ..
وسرعان ما نطقت وهي تضرب كتف تالا : شلون يعني تبينا ؟
تالا بجدية : مدري .. قلت يمكن ما تسامحينه على حركة مشـ...
وقبل ما تتم كلمة مشاري، تعالت ضحكة ميرا : ههههههه اسكتي بس ... هذا شي ماضي ، بعدين .. أقولك الصدق، اكتشفت شكثر يفرق حبي لراكان .. حسيت صدق بمعنى وش يعني حب، ماهو الخرابيط اللي كنا نظنها أول !
تالا اللي كانت تسمع لها مبققة عيونها : كل غرامياتك القديمة خرابيط ؟
ميرا بضحكة : ايه والله، الصدق اكتشفت وش يعني أحبه وأغليه .. كيف أشوف الاهتمام والتضحية بعيونه، مو بس كلام ورسايل !
تالا هزت راسها على مضض، بينما تابعت ميرا بزفرة : صح إن فيه أشياء كثير ما أفهمها ، وأولها شغله اللي يبدا فجأة بألمانيا وفجأة يقولي خلاص بننقل للرياض ! .. خايفة يكون مورط نفسه !
تالا : لا تشيلين هم، راكان من يومه يتنقل من شغل لشغل ولا أحد فهمه أو وقفه ..
زفرت ميرا : وأنتِ ؟
تالا انسدحت على ظهرها وهي تطلع جوالها لتفتح صورته : اشتقت له ..
ميرا بابتسامة : يا أمي روقي وافتكي منه هالأيام، بعدين عندك أنا خلاص انسيه
اتسعت ابتسامتها : ايه تغنيني عنه أنتِ ..
قاطعهم صوت جوال ميرا ، لتهمس : هذا راكان
تالا بغيض وميرا ترد عليه سحبت الجوال : ياخي خلاص يكفي، خلها تنام عندي لو اليوم بس ..
راكان بدهشة : يمه أعوذ بالله من الخبث والخبائث !
تنهدت تالا بقلة صبر : بس اليوم .. كلها كم ساعة حرام عليك .. مابقدر أنام وحدي بالغرفة
راكان ببرود : تؤ تؤ .. دبري عمرك يا عين أبوك
زفرت بضيق وهي ترمي الجوال على ميرا : روحي عنده هالبزر لا يموت علينا
ميرا وقفت وهي تلقط عبايتها وبضحكة : خسارة ، باقي ما سولفنا عن الجزء المهم .. - وباستفزاز - عمي أحمد ومنى ، قيس وليلى العايلة
رمت عليها المخدة : خلاص انقلعي عند زوجك ..
زفرت بقوة بعد ما طلعت ميرا وقفلت الباب وهي ترمي نفسها على السرير .. مستحيل تقدر تنام بغرفة فندق وحدها، وماعندها أحد تروح له وكلٍ ملتهي مع زوجه .. غمضت عيونها بهدوء وبداخلها تقرا الأذكار علها تهديها وتنام .. لكن سرعان ما حست بحركة جنبها أجبرتها تفتح عيونها برعب وهي تشهق بخوف ..
لتصطدم عيونها بآخر شخص توقعت وجوده، فزت بخوف : بسم الله
ضحك بشدة وهو يرتمي جنبها ويسحبها له، بينما هي ما زالت غير مستوعبة ابتعدت عنه مثل الملسوعة لكنه شدها له وهو يضحك : ما تبين تسلمين علي ! ما اشتقتِ لي !
تالا تداركت صدمتها لتنطلق منها ضحكة مصدومة وهي تلم يدينها حوله: يمممه ! ، انت متى جيت !
بدر استعدل ليبعد وجهها عن كتفه حتى يشوفها : بعد العشاء وصلت، قلت أفاجئك بعد ما ترجعين
تأملت وجهه اللي غاب عنها فترة لأول مرة من زواجهم .. لتبتسم بشوق وهي تمرر إصبعها حول لحيته : يالله حرام عليك .. تعرف شكثر اشتقت !
عض خدها بمباغتة : مو كثري يا بيبي ..
مسحت خدها : اخخخخ !
سحبها له لتتمدد جنبه وهي تقول : شلونها دورتكم ؟ وكيف الرحلة ؟ وتركي .. حبيبي تغير ؟
ابتسم بتعب وهو يغمض عيونه ويكمم فمها بكفه : خلي كل الحكي بكرة .. تعبان أبي أنام
اتسعت ابتسامتها وهي تتأمل وجهه النايم .. همست : اوكي ...
لكن ما مضت غير أقل من دقيقة حتى وصله صوتها الهامس: أبشرك ، حملت مادة ..
فتح عيونه بصدمة لتصطدم بوجهها الباسم قريب وهي تنطق : والله
زفر بضيق : خبلة أنتِ ؟ وفرحانة كمان ؟ باقي بأول مستوى وتحملين؟
تالا ببرود : والله معليش .. قايلة لك الإحصاء كريه !
بدر : اخخخ بس ! .. أتفاهم معك بكرة، الحين ماني قادر أسمعك من النوم
ليرجع يغمض عيونه بتلقائية، وماهي إلا ثوان حتى وصله صوتها : صح .. البدر ....
تنهد بصوت عالي : تــالا !
ضحكت وهي تقترب أكثر وتحط راسها على صدره : أحبك .. بس !
ارتسمت على شفاته ابتسامة خفيفة وهو يقبل طرف شعرها القصير المتناثر على وجهه : الله لا يخليني من هالحلو ..
استرخت على صدره حتى شعرت بانتظام أنفاسه النايمة، همست : البدر ؟
لما ما لقت منه أي تجاوب تأكدت انه فعلًا نام ، وكعادتها يهجرها النوم حتى تتأكد من نومه وتغرق بنوم عميق آمن بقربه ..
رواية ودي بدفا صدرك اصيح لين يهلكني البكا و أتعب و أنام الفصل الخمسون 50 - بقلم HaboOoshy
"بعد مرور سنة "
أذن الفجر لتنزل معه وهي تسمع حلطمته : معقولة ترجع له ؟ والله هذي خالتي يحتاج لها ....- سكت بحيرة ليتابع - حتى ما أعرف وش يحتاج لها ! كل الدروس مرت فيها ولا تعلمت !
شبكت يدها بكفه : ما عليك منهم، هي كبيرة وعاقلة وعارفة وش تسوي ! لا تستوصي عليها !
زفر بضيق : مجنونة والله ..
سحر بابتسامة واسعة وهي تشوف اللي قدامها : شهالحلوات !
تقدمت ريم بعبايتها وحجابها ناوية تسلم لتقاطعها سحر بابتسامة: سلام العيد بعد الصلاة ..
بينما شهد بجلابيتها توجهت لوليد لتضمه بقوة وهو بالمقابل رفعها بيده لتصل لراسه وتقبله : اييييه كذا، تعلمي يا سحر !
سحر بضحكة : أنا وأختي نمشي على السنة، مو مثلكم ..
طلعوا من البيت ليصادفون قدام الباب فهد وثامر وطلال وجواد مع ملاذ اللي تحمل" فهد ابن وليد " و" ناصر ابن جواد " بثيابهم وأشمغتهم ..
تبادلوا الكلام والضحكات وهم يمشون للجامع القريب ..
وقف ثامر ليحمل ابن وليد : سحر تبيه ..
تراجع للخلف حتى وصل لسحر اللي تمشي برفقة ملاذ وأعطاها ابنها وقبل لا يسمع كلامها مشى بخطوات سريعة ليمر جنب شهد وريم .. وتتسلل يده لشنطة شهد بخفة وبصوت منخفض : عيد مبارك ..
ابتسمت بخجل وهي تنزل راسها للأسفل، وقبل لا تنطق اختفى من قدامهم بسرعة متوجه للرجال ..
ومجرد ما وصلوا للمسجد ابتعدت شهد عنهم بين الحريم لتفتح شنطتها ، تسللت على شفاتها ابتسامة وهي تستخرج قطعة حلاوى كبيرة ومن كيسها تتدلى تعليقة صغيرة .. سحبت ورقة الملاحظات خلف الحلاوى لتقرأ بمشاعر جياشة خطه الركيك " كل عيد وأنتِ عيدي .. أحبك "
-
بالرياض ...
بعد صلاة العشاء ..
كانت تجلس بمقهى فهد اللي افتتحه من قريب، كان شبه فاضي على غير عادته بكل ليلة .. اليوم الأول من العيد كل الناس تقضيه بين أهلها .. باستثناءها هي، اكتفت بزيارة صباحية لأختها ريتاج وقضت باقي اليوم وحدها ..
ابتسمت وهي تستقبل رسالة واتس آب من خالها وائل ، كانت عبارة عن صورة سيلفي له وهو بالمطبخ يقلي سمبوسة بينما جنبه لمار وهي تحرك قدر الشوربة مع تعليق : ننتظر آخر أذان لرمضان .. كل عام وأنتِ بخير شعولة ..
هزت راسها بضحكة وبداخلها تدعي ما يعكر صفو حياتهم شي ، رجع للمار بشكل مفاجئ وتحت استنكار الجميع تزوجوا بنص رمضان .. وعزموا يستقرون للأبد بإيطاليا بأبعد مدينة عن أهلها وأهله تاركين كل شي وراهم ..
شادن مسافرة تقضي العيد مع عبدالعزيز بإيطاليا اللي راح يحضر الحفل البسيط اللي أقاموه وائل ولمار ..
...: تأخرت ؟؟
رفعت راسها لفهد اللي دخل وتو تنتبه له ، ابتسمت : لا ... متى وصلت ؟
جلس قدامها لينطق : الحين ... - التقط أنفاسه ليبتسم - كل عام وأنتِ بخير .
بادلته بابتسامة : وأنت بخير ..
سند مرافقه على الطاولة ليبتسم : أزين عيد يمر علي ..
عقدت حواجبها ببلاهة : ليه ؟
رفع حاجب بضحكة : يعني ما تعرفين ؟
ضحكت لترفع كتوفها : لا ما أعرف ..
زم شفاته بمجاراة : لأنك معي !
كساها الخجل من صراحته، طول الشهور الماضية كانت تتواصل معه بشكل شبه يومي ، وكأنهم عادوا مراهقين يعرفون بعض لأول مرة .. كانت في البداية علاقتهم يغطيها غلاف الصداقة .. حتى بدءوا بمصارحة بعض ، رجعت تتعلق فيه وكأنها تكتشفه لأول مرة .. غرقت معه من جديد .. وكون هذي ثاني مرة تلتقيه بعد لقاءاتها معه بالشرقية .. تشعر بخجل وتوتر ظهر عليها وهي تحرك الملعقة بشكل عشوائي .. ماحست بنفسها إلا على صوته وهو ينزل راسه ليقرب منها وبهمس : شوي شوي .. توني فاتح المقهى مابي المواعين تتكسر وأخسر
ضحكت وهي تترك الملعقة وتو تستوعب توترها، ليتابع بضحكة : حلالك .. شعور التوتر هذا أنا حاس فيه وكأننا طلاب جامعة متسترين ومخفين نفسهم بأول لقاء غرامي !
ابتسمت لتضيع السالفة : جبت هديل معك ؟
هز راسه نفي : لا .. تركتها بالخبر، كلها ساعتين وأرجع ..
عقدت حواجبها بضيق: ما يسوى عليك المشوار .. انتظر وروح بكرة الفجر
ابتسم : لا يسوى والله .. لو هي نص ساعة، ما صدقت توافقين
نزلت راسها لتنطق بخجل : ترى جايين عشان اتفاق عمل !
ضحك بخفة وهو يسحب كوب القهوة : اتفاق عمل .. مثل ما تبين !
اكتفت بابتسامة ليحل الصمت عليهم حتى قطعه أخيرًا : كلمتِ أحد بالموضوع ؟
هزت راسها نفي وهي تتنهد: لا ..
لان صوته : مو متأكدة من قرارك ؟
هزت راسها من جديد : لا الموضوع مو كذا .. وائل مبتعد عن الكل بعد زواجه ، وما أعرف كيف أفتح له الموضوع
ابتسم : وائل موضوعه سهل، أنتظره يرد علي وأفتح معه الموضوع .. أكثر شخص ممكن يؤيد الموضوع وهو اللي مر بالتجربة ..
هزت راسها باقتناع، ليتابع فهد : كلمت وليد وهديل بالموضوع بس
ضحكت باستغراب : هديل ؟
فهد اتسعت ابتسامته وبضحكة : ايه .. هي أكثر وحدة أحتاج أكلمها .. كون في شخص جديد بيشاركها في أبوها !
*•
تمت بحمد الله..
سبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك