تحميل رواية «عهد الدباغ» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"قبل خمس سنوات" "الغورية" إحدى شوارع قاهرة المعز بطرازها الشعبي. رغم منازل تلك المنطقة الشعبية البسيطة، لكن كان هناك في منتصف تلك المنطقة منزل ضخم على مساحة كبيرة، ذو طراز معماري يشبه القصور القديمة، رغم حداثة بنائه. أُنشئ قبل أربعين عامًا تقريبًا. مكون من ثلاث طوابق، يحده حديقة من كل الجوانب، بها بعض الزهور والنباتات العطرية، كذلك بعض أشجار الليمون وثمار أخرى. الطابق الأول يحتوي على استراحة كبيرة وبعض غرف النوم وغرفتين واسعتين للضيوف. الطابق الثاني مقسم ل شقتين كبيرتين، كذالك الدور الثالث. .......
رواية عهد الدباغ الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامة
"قبل خمس سنوات"
"الغورية"
إحدى شوارع قاهرة المعز بطرازها الشعبي. رغم منازل تلك المنطقة الشعبية البسيطة، لكن كان هناك في منتصف تلك المنطقة منزل ضخم على مساحة كبيرة، ذو طراز معماري يشبه القصور القديمة، رغم حداثة بنائه. أُنشئ قبل أربعين عامًا تقريبًا. مكون من ثلاث طوابق، يحده حديقة من كل الجوانب، بها بعض الزهور والنباتات العطرية، كذلك بعض أشجار الليمون وثمار أخرى.
الطابق الأول يحتوي على استراحة كبيرة وبعض غرف النوم وغرفتين واسعتين للضيوف.
الطابق الثاني مقسم لـ شقتين كبيرتين، كذالك الدور الثالث.
..... ... ....
صباحًا.
بالدور الأول.
بغرفة نوم كبيرة ذات أثاث كلاسيكي يبعث الهيبة والسكينة على الغرفة. جدرانها بلون عاجي تتناثر فوقها لوحات زيتية معلقة شبه قديمة. في إحدى الزوايا هنالك مقعد هزاز، جواره طاولة صغيرة يوضع فوقها مبخرة يفوح منها رائحة خلطات البخور، ينتشر عبقها بالغرفة، يذكر بليالٍ تحمل الدفء.
وخلف إحدى الزوايا خزانة ثياب خشبية ضخمة بلمسة عربية منحوتة، يقابلها فراش واسع. بالمواربة منه شباك زجاجي بحجم كبير من الحائط، خلفه ستائر مخملية ثقيلة تنسدل عليه تُخفي الضوء.
مع مرور الوقت تعودت على الاستيقاظ بنفس الميعاد مبكرًا كعادتها. حين تنهض تذهب نحو ذلك الشباك وتزيح الستائر، لتنبعث أشعة الصباح يتسلل الضوء إلى الغرفة، ينعكس على كل جزء بالغرفة، كأن الضوء يعيد الصخب للغرفة بعد سبات الليل.
هدوء الغرفة الذي يخترقه صوت زقزقة العصافير التي تتقافز بين أغصان أشجار الحديقة.
رغم أن اليوم شتوي شبه غائم، لكن ليس كأي يوم. إنه اليوم الذي جمعهما قبل اثنين وثلاثين عامًا. اليوم الذي كتب بداية الحكاية التي لم تنتهِ بعد. يوم غير عادي، يوم على مدار اثنين وثلاثين عامًا كان له طابع خاص دائمًا.
نظرت نحو الفراش وتبسمت، تنظر بغرام لذلك الغافي الذي تبدل مع الزمن ملامحه من شبابية إلى المشيب الوقور. غزت الخصلات البيضاء سواد شعر رأسه، وأحاطت تلك الخطوط الرفيعة عينيه كدليل واضح على معارك الحياة التي خاضها. ومع ذلك، يظل في عينيها الرجل ذاته الذي أسر قلبها منذ اللحظة الأولى.
تلك التجاعيد لم تُنقص من وسامته، بل زادت من هيبته وقارًا ودفء ملامحه.
زفرت أنفاسها بامتنان، تستعيد شريط السنوات التي قضتها بجواره، بكل ما حملته من أفراح وأتراح، من نجاحات وإخفاقات، لكنها من البداية أيقنت أن وجوده مازال أثمن ما ملكت.
حادت بنظرها عنه وذهبت نحو حمام الغرفة. غابت لدقائق ثم عادت.
اقتربت بخطوات هادئة من الفراش، جلست على حافته تتأمله وهو غارق في نوم عميق. شعرت للحظة وكأن الزمن توقف عند هذه اللحظة؛ لحظة تشهد على قصة عمر، قصة حب لم تُهزم رغم قسوة الأيام.
مدت يدها تتحسس بخفة أطراف خصلاته، همست وكأنها تخاطب روحها:
"اثنين وثلاثين سنة، ولسه قلبي بيدق زي أول مرة شفتك فيها."
تحرك قليلًا في نومه كأنه يستجيب لدفء لمستها، فارتسمت على وجهها ابتسامة أوسع، قبل أن ترفع عينيها إلى النافذة حيث السماء الرمادية تلوح بقطرات مطر وشيكة، وكأنها تشاركها احتفال اليوم المميز.
تحرك قليلًا في نومه، كأن قلبه التقط همستها، ثم فتح عينيه ببطء، ملامحه المرهقة تضيء بابتسامة ناعسة حين وقعت عيناه عليها. رفع يده ببطء يلامس أصابعها التي مازالت فوق جبينه، وتحدث بصوت خافت مُثقل بالنوم:
"صباح الخير يا 'إجلال'."
ابتسمت برقة، وقالت وهي تُمسك يده:
"صباح النور والسرور، والهنا."
ابتسم وهو يمسك بيدها يُقربها من فمه يُقبلها قائلًا بمودة وغرام:
"بقوا اثنين وثلاثين سنة، أكتر من نص عمري عيشته معاكِ."
اقترب منها أكثر، وعيناه تعكسان مزيجًا من العشق والدفء، أمسك وجهها بكفيه وأكمل بصدقٍ عميق:
"إثنين وثلاثين سنة وأنا بفتكر كل يوم... يوم ما اتقابلنا، كل يوم ضحكنا فيه أو يوم بكينا، أو اختلفنا... بس أهم يوم وأغلى يوم في حياتي هو يوم ما بقى اسمك جنب اسمي."
ابتسمت عيناها تُشع بعاطفة صادقة، ولم تملك إلا أن تسند رأسها إلى صدره، كأنها تجد مأواها الأزلي هنا. بينما في الخارج، بدأت قطرات المطر تتساقط بهدوء، وكأن السماء تشاركهما بأمطار، تتناغم بروية.
تبسمت بدلال وغنج قائلة:
"الجو بيمطر... فاكر يوم جوازنا كمان السما مطرت. أمي يومها اتضايقت أوي، وكان فرحنا معمول في شادر في أول الشارع، والمعازيم بدأت تمشي، بس أنا وقتها فرحت وقولت المطر خير."
ابتسم وهو يضمها قائلًا:
"أنا كمان يومها فرحت، وقولت كفاية كده... كان نفسي نبقى لوحدنا، فاكرة أول ليلة في جوازنا عدت إزاي."
ضحكت قائلة:
"ودي ليلة تتنسي يا 'محي'. غرقنا من المطرة والفستان والبدلة اتبهدلوا كمان، وخدنا إحنا الاتنين دور برد شديد، مكنتش ليلة دخلة دي كانت ليلة عاصفة مبطلناش عطس إحنا الاتنين ونامنا بعد ما خدنا المسكنات إحنا الاتنين."
ضحك قائلًا:
"فاكر تاني يوم صحينا من النوم العصر على جرس الشقة، لما فتحت لأمي اتخضت وضربت بإيدها على صدرها وزقتني جوة الشقة تقولي: يا فضيحتي إنت لسه بالبدلة يا وله. فجأة لقيتك طالعة من الأوضة رافعة ديل الفستان. ضربت صدرها تاني تقول: وإنتِ كمان لسه بفستان الفرح، فيكم إيه، أكيد معمول لكم عمل بالربط."
ضحكت إجلال قائلة:
"في نفس اللحظة عطسنا إحنا الاتنين. حماتي بعدت عنا، الله يرحمها كانت تخاف من حاجتين: 'المرض والموت'. مكنتش تحب تلبس أي هدوم سمرة تقول لي: جثتي مش بتتحملها."
تنهد باشتياق قائلًا:
"الله يرحمها هي وأبويا. سابتنا وطلعت تجري قالت لابويا: ابنك ومراته عيانين هات لهم دكتور بدل ما يعدونا كمان. أبويا قال لها: اتجننتي يا ولية، عرسان وأجيب لهم دكتور يدخل الدار، أهل الحارة يقولوا عليهم إيه. لقيته اتصل عليا على التليفون الأرضي وقالي: أوصف لي اللي بتحس بيه إنت ومراتك. قولت له: دور برد من ماية الشتا امبارح. ضحك وقالي: كله من مراتك تلاقيها كانت بتلحس المغرفة بتاع الأكل، عشان كده امبارح مكنش مطر ده كانت سيول."
ضحكت إجلال قائلة:
"أمي قالت لي نفس الكلام. قولت لها: لا والله ما أنتِ عارفة عمري ما لحست المغرفة ده حظ."
جذب يدها وقبلها بدفء قائلًا:
"أحلى حظ. الدخلة اتأجلت أسبوع وتمت على ضوء الشموع فاكرة."
ضحكت قائلة بمرح:
"ودي ليلة تتنسي. البرق والرعد مع السيول قطعوا الكهربا، وإنت عارف إني مش بخاف من الضلمة. ولعنا الشموع وكانت أجمل ليلة في حياتي لما خدتني في حضنك وبقيت ملكك."
ضمها بيديه يقبل رأسها قائلًا:
"لاء ليلتها خوفتي."
ضحكت بدلال قائلة:
"لاء. مكنتش خايفة من الضلمة، كنت مكسوفة أقولك خدني في حضنك، فادعيت إني خايفة. ولما خدتني في حضنك، وحسيت بحرارة جسمك قلبي بقي يدق جامد، وجسمي ارتعش. وقتها قولت لي: بردانة. قولتلك: لاء عشقانة. أنا بعشقك يا ابن الدباغ."
ابتسم محي يضمها بعشق قائلًا:
"وأنا وقتها حسيت إني زي اللي كان تايه وسط صحرا وعطشان ولقى نبع عذب يرتوي منه."
ابتسمت وللحظة تدمعت عينيها وتنهدت. شعر بتنهيدتها، ضمها سائلًا باستفسار:
"إيه سبب التنهيدة الطويلة دي."
تنهدت مرة أخرى قائلة:
"افتكرت لما غبت في الخلفَة، وكل ما أروح لدكتور يقول لي: مفيش فيكِ عيب، مسألة وقت. حماتي كانت تلمح لي وتقول: ده ولد وحيد 'الحيلة'. اللهم لا اعتراض. لحد ما عرفت إني حامل مكنتش الفرحة سايعاها، بس ربنا مأردش للفرحة تكمل وأجهضت. حزنت أوي. بس كرم ربنا، حملت بعدها بفترة صغيرة. لما خلفت 'محسن' كأنها لقت كنز، مكنتش بتشيله من حجرها. وبعدها خلفت التاني 'ويارا' و'كنان'. بقت فرحانة أوي وتقول: 'يجعل من الحيلة عيلة'. لو طاوعتها كنت جبت عشر عيال ومكتفيتش كمان."
ضحك محي قائلًا:
"أمي كانت تقول لي: خلف يا واد، 'العيال عزوة'، وإنت ربنا رزقك بالمال على وش العيال. كنت فين وبقيت فين، إنت كان عندك حتة مدبغة صغيرة ما شاء الله وسعتها وبقي عندك غيرها وغيرها. ربنا يوسع رزقك."
ابتسمت قائلة:
"الحمد لله، ربنا فضله علينا كبير. زمان أمي لما اتلهيت في العيال قالت لي كلمة خوفتني: 'الراجل لما بيجري في إيده الفلوس عينه بتزوغ بره بيته، وإنتِ مش شاطرة غير تخلفي، والخلفة هتهد صحتك، كفاية خلفة عشان صحتك لجوزك وعيالك، عاوزة أكتر من كده إيه؟ أربعة.' تلات صبيان وبنت. ربنا مش حارمك من حاجة. وبصراحة خوفت من كلامها وقررت وقولت: كفاية كده رضا من ربنا. بس عمري ما قلبي خذلني من ناحيتك وقولت لها: محي عمره ما يبص بره حتى لو بقى عنده كنوز الدنيا."
قبل جبينها بعشق قائلًا:
"عيني عمرها ما شافت ست غيرك تملى عيني. مفيش في قلبي غير 'إجلال'. البت الصغيرة اللي زي حوريات الجنة طلعت لي من صدفة في شارع 'الغورية'. كنتِ وش الخير عليا من أول مرة شوفتك. كنت متفق مع جزار هاخد منه شوية جلود عشان أشغل بيهم مدبغة أبويا، بس الجزار اتصرف وباعهم لغيري دفع له أكتر. كنت زعلان، بس بعد ما قابلتك ورجعت المدبغة، مفيش وقت لقيت التليفون بتاع المدبغة بيرن رديت لقيت جزار تاني بيكلمني وبيقول لي: عندي كمية جلود للمواشي تعالي خدها. قولت له: أنا جاي حالًا، وخدت عربية بسرعة وجريت عالجزار خدت منه الجلود ورجعت المدبغة، وسبحان الله صاحب مصنع جلود كلمني وخد الكمية كلها وبسعر مضاعف تلات مرات. قولت: ده وش القمرية اللي قابلتها. لو قابلتها تاني يارب هتبقى شريكة حياتي. ومر الوقت، وأمي تجيب لي صور بنات عشان أختار عروسة، مكنتش الفكرة في دماغي، مكنش في راسي غيرك. صدفة بين الصور اللي جابتهم أمي شوفت صورتك، سألتها عنك، قالت لي إنها تعرفك، خالتك ساكنة عندنا هنا في الغورية. قولت: دي هتبقى 'سلطانة الغورية'."
ابتسمت قائلة:
"كنت صغيرة يا دوب تمنتاشر سنة، بس كان عودي فاير واللي يشوفني يقول عالأقل عندها خمسة وعشرين سنة. وخالتي كانت تعزني أوي ونفسها أتجوز قريب منها. وزي ما يكون ربنا استجاب لها وأول ما اتقدمت لي أبويا سأل عنك، وقالوا له: ابن حلال. أبويا مفكرش في عندك إيه، قال لي: أهم حاجة الأخلاق يا بنتي. المودة والرحمة هما الكنز الحقيقي. ومخيبتش أمل أبويا فيك. كان يقول لي دايمًا: 'محي الدين الدباغ' عندي زي ابني بالظبط."
تنهد بفقدان قائلًا:
"الله يرحمهم أجمعين. إحنا عايشين ببركة دعاهم لينا."
أومأت برأسها مبتسمة، تقول بدلال:
"بقولك إيه أنا زهقانه من البيت بقالي فترة طويلة مخرجتش، إيه رأيك نخرج نتعشى باره الليلة."
أومأ موافقًا يقول:
"بنت حلال كنت هقولك كده، أهو نبعد عن البيت والعيال وزنهم."
ضحكت قائلة:
"كمان تريقتهم بالذات الواد كنان عنده إجازة من الجيش ومش هيبطل علينا تريقة."
ضحك قائلًا:
"تمام هخلص شغلي بدري وأفوت عليكِ آخدك ونروح مطعم فتح قريب بس سمعت عنه إنه ممتاز."
بدلال نظرت له سائلة:
"وعرفته منين."
ضحك قائلًا:
"من ابنك التاني، كان بيتعشى مع عميل هناك وقالي إنه مطعم فاخر، وشكله بيعمل هناك لقاءات... شكله عاوز يتلم."
ضحكت قائلة:
"فعلًا بيسهر كتير باره البيت ولما بسأله يقولي شغل... بقالي مدة بدور له على عروسة هي اللي هتلمه وترجعه بدري."
تنهد محي بآسف قائلًا:
"ياريت مرات أخوه كان لها إخوات من غير جواز كان يبقى حظه من السما."
أومات بتوافق قائلة:
"ياريت. يلا كل شيء نصيب وربنا يجعل نصيبه في بنت حلال يكون سرها هادي."
"-آمين... هقوم آخد دش على ما تحضري الفطار وتصحي العيال نفطر سوا."
أومات مبتسمة وهي تبعد عن حضنه وهو ينهض متوجهًا نحو الحمام تنظر في أثره تتنهد بهدوء، وهي تشعر بسعادة.
......... ....... ......
بالدور الثاني.
"شقة محسن وزوجته"
بسبب حركة جنينها المفاجئة برحمها فتحت تأوهت بألم طفيف ثم وضعت يدها على بطنها. لحظات حتى خفتت الحركة، يبدو أن تلك الصغيرة مثل المنبه أيقظتها من سباتها. نظرت للناحية الأخرى للفراش تنهدت بعشق وهي تنظر إلى ذلك الغافي الذي يعطيها ظهره. حب طفولتها كانت تظن أنه بعيد عنها. لكن ماذا هي حقًا؟ أحيانًا تشعر بذلك أنها ربما فُرضت عليه من عمتها "إجلال". لكن لن تستسلم بالتأكيد. لو لم يكن يرغبها ما كان استمر زواجهم لأكثر من خمس سنوات. ربما هكذا تواسي نفسها.
تنهدت بألم ثم نهضت توجهت إلى غرفة أخرى. تبسمت لتلك الصغيرة ذات الأربع سنوات الغافية، جلست بجوارها توقظها بحنان حتى استجابت لها ونهضت نحو الحمام معها. قامت بتحميمها وتمشيط شعرها وتلبيسها زي الحضانة الخاص بها. تبسمت لها بحنان وهي تدور حول نفسها بتقييم قائلة بطفولة:
"اليونيفورم الجديد ده أحلى من القديم يا مامي، هروح لبابي يشوفه."
أومات لها بحنان. ذهبت الصغيرة إلى غرفة النوم توجهت نحو الفراش وقفت بجوار والدها تربت على وجنته تضحك بمحبة وهي تضع قبلة على وجنته. فتح عينيه ونظر لها مبتسمًا، ثم جذبها عليه تضحك قائلة باعتراض:
"اليونيفورم هيكرمش يا بابي."
ضحك ونهض وضعها على الأرض. وقفت تدور حول نفسها قائلة:
"شفت اليونيفورم الجديد بتاع الحضانة."
تبسم لها قائلًا:
"أجمل بنوتة في الكون."
ابتسمت قائلة بإحدى اللغات الأجنبية:
"شكرًا يا بابي."
ابتسمت تلك التي دخلت تلمع عينيها بسعادة وهي ترى دلاله لطفلتهما. ليته يعطيها جزءًا ولو ضئيل من ذلك الدلال.
نظر لها قائلًا:
"حضر لي الحمام يا 'رابيا'."
ابتسمت قائلة:
"الحمام جاهز."
تركهن وذهب نحو الحمام. بعد قليل خرج من الحمام وجد له ثياب على الفراش جذبها وشرع في ارتدائها. بنفس الوقت عادت رابيا إلى الغرفة. نظر نحوها سائلًا:
"البنت فين."
أجابته:
"نزلت لتحت، عمتي هتفطرها على ما باص الحضانة يوصل."
أومأ لها بصمت. تنحنحت أكثر من مرة. نظر نحوها قائلًا:
"مالك واقفة تتنحني كده ليه، عاوزة تقولي إيه."
ارتبكت قائلة:
"أصل امبارح كان عندي متابعة عند دكتورة النسا، وسألتها عن نوع الجنين، قبل كده كانت بتقول لي مش باين، بس خلاص أنا بقيت في الشهر الخامس. ولما سألتها قالت لي إني حامل في بنت."
نظر لها باستغراب قائلًا:
"طب ودي فيها إيه يعني."
نظرت له بارتباك قائلة:
"يعني هيبقي عندنا بنت تانية."
"- وفيها إيه يعني.. كله رزق من ربنا."
قال ذلك فابتسمت قائلة:
"يعني إنت مش مضايق."
أجابها باندهاش:
"وهضايق ليه يعني."
فسرت ذلك:
"يعني ماما قالت لي كان نفسها أبقى حامل في ولد. عشان كده هيبقوا بنتين، والولد..."
زفر نفسه قاطعها قائلًا:
"ولد أو بنت كله نعمة من ربنا وبلاش ترمي ودانك لكلام مرات خالي الفارغ. أنا ميفرقش معايا... اللي يهمني يبقوا بصحة وسعادة."
انشرح قلبها وودت لو ترمي بحضنه ويُقبلها، لكن هو تركها وغادر الغرفة قائلًا:
"أنا نازل في موضوع مهم هكلم فيه بابا قبل ما يروح المدابغ."
رغم ذلك وضعت يدها على بطنها يخفق قلبها تربت بنعومة قائلة:
"بابي حنين أوي، رغم أنه يبان قاسي."
............ ....... ......
بـ غرفة رياضية بالدور الأول مجهزة بأجهزة خاصة.
كان يقوم بتمارين الضغط، يستند على يديه ومشط قدمه يرفع باقي جسده عن الأرض يتحدث مع ذلك الجالس على ظهره يرغي بعدة مواضيع إلى أن وصل إلى:
"يعني العربية الجديدة اللي إنت جبتها فيها كل المميزات دي، طب تمنها كام."
رد عليه بقيمة ثمنها، شهق قائلًا:
"تفتكر لو طلبتها من بابا في عيد ميلادي يوافق يجيبها لي."
ضحك قائلًا:
"أعتقد لاء، بابا هيقول لك تشتغل بتمنها."
ضحك قائلًا:
"هانت وقربت أخلص الجيش وهشتغل معيد في الجامعة، وبفكر أشتغل كمان في الحسابات وأناضم لفرسان إمبراطورية الدباغ."
ضحك الذي دخل عليهم الغرفة قائلًا بمزح:
"طب 'الملك' بيلعب تمارين ضغط وإنت قاعد فوق ضهره تشرب إيه اللي في الكوبايه ده."
أجابه بخضة:
"'محسن' إنت جيت امتى مش تكح كده هتقطع خلفي."
ضحك الاثنين بينما استطرد حديثه قائلًا:
"ده هوت شوكليت من بتاع البت 'يارا' طعمه لذيذ قولت للشغالة تعملي منه، بعدين تمارين إيه اللي هو بيعملها إنت مشفتش تمارين الجيش هلاك... مش شايف إني خسيت كتير من يوم ما دخلت الجيش."
ابتسم الملك بينما نظر له محسن سهمًا صامتًا للحظات. ربما تمنى لو كان بصحة أفضل حتى لو دخل إلى الجيش مثله، لكن ليس كل الأمنيات متاحة.
نهض من فوق ظهر أخيه قائلًا:
"هروح أشوف البت يارا عرفت إنها جابت فون جديد هروح أشوفه ولو عجبني يبقى واحد منكم يجيب لي واحد زيه في عيد ميلادي."
ضحك الاثنين وتحدث محسن قائلًا:
"إنت ماشي تحسب كل واحد هيجيب لك إيه في عيد ميلادك يا 'كنان'."
أومأ له قائلًا:
"أيوه... أنا ناقص هدية واحدة وأبقى كده خلصت كل اللي الهدايا اللي عاوزها في عيد ميلادي. يلا أسيبكم مع بعض بس أوعي تتهور وتلعب ضغط مع الملك، أنا بقيت عادده له فوق الألف، ما شاء الله عليه صحة يجر تريلا."
ضحك الاثنين عليه واعتدل الملك قائلًا:
"صباحو قر عالصبح، إنسي أنا مبجيبش هدايا لحد."
نظر له كنان قائلًا بغمز:
"مبتجيبش هدايا لحد، لكن بتجيب هدايا لحداية."
ضحك قائلًا:
"دي كانت هدية مجاملة مش أكتر."
"-وماله اعتبر هديتي مجاملة مش أكتر."
قال ذاك وغادر وتركهم معًا. تسأل محسن:
"إيه حكاية الهدية دي."
أجابه:
"دي بنت عميل عندنا دعتني لعيد ميلادها وجاملتها بهدية بسيطة كده."
ابتسم محسن قائلًا:
"واضح إن المفروض الحاجة إجلال تكثف مجهوداتها وتشوف لك عروسة."
ضحك قائلًا:
"لا مش بفكر في الجواز دلوقتي.. عندي أهداف تانية أهم، البركة فيك بقي تجيب لها أحفاد تتشغل بيهم."
ضحك محسن قائلًا:
"لا الحاجة إجلال لما بتركز بتصيب... سيبك كنت عاوز أستشيرك في موضوع خاص بالشغل في مصنع الجلود قبل ما أعرض الموضوع على بابا."
............. ....... ....
بـ غرفة ذات ألوان وردية.
دخل كنان بعدما طرق على الباب وسمحت له بالدخول. تجولت عيناه بالغرفة إلى أن استقر على أحد الجوانب، شهق باستفسار قائلًا:
"مالك واقفة عالحيطة بالشقلوب كده ليه راسك فوق ودماغك تحت عاملة زي برص الحيطة."
تحدثت بضيق دون النظر إليه قائلة:
"ده رياضة يا متخلف، بتخلي الدم يوصل للدماغ وبيعمل توسيع لشرايين المخ، اللي مش عندك. إيه جابك أوضتك عالصبح."
تهكم قائلًا:
"توسيع شرايين المخ، وماله. بقولك سمعت إن بابا جاب لك فون جديد كنت جاي أشوف إمكانياته، لو عجبني واحد من إخواتك يجيب لي واحد زيه في عيد ميلادي."
أنزلت قدميها وقفت أمامه قائلة بسخط:
"مش هتبطل أسلوبك ده كل سنة تعمل قايمة بالهدايا اللي عاوزها وتدور على كل واحد يجبهالك، ورغم ذلك بيجبوها ليه معرفش."
أجابها بعناد:
"عشان أنا آخر العنقود وكلهم بيحبوني، وطبعًا إنتِ طول عمرك بتغلي مني."
نظرت له بسخط قائلة باستعلاء وغرور:
"أنا 'يارا محي الدين الدباغ' أغير منك إنت ليه. خلاص عميت، يا ابني أنا بس أشاور وكل اللي اتمناه يبقى قدامي."
تهكم قائلًا بإغاظة:
"مغرورة. عالعموم أنا شوفت الفون، عجبني هقول لـ محسن يجيب لي نفس الماركة بس يكون إصدار أعلى. يلا هسيبك تتشقلبي تاني، يمكن الدم يضرب في نافوخك وينفجر."
لم ينتظر وغادر الغرفة يصفع خلفه الباب مبتسمًا بينما هي زفرت نفسها في ضيق قائلة:
"غبي."
♛♛♛
بـ أحد الأحياء الراقية.
شقة بمساحة كبيرة تحتل الدور الثاني والثالث.
ضحكات ومرح ودلال تلك المدللة الصغيرة وهي تتحدث عبر الهاتف. إلى أن انتهت نظرت إلى من دخلت إلى الغرفة تتمدد على الفراش تنتظر أن تنهي حديثها عبر الهاتف ثم سألتها:
"رحلة إيه اللي كنتِ بتتكلمي عنها."
أجابتها:
"رحلة عاملها الكلية لـ شرم الشيخ زي سفاري كده."
سألتها:
"وإنتِ هتروحيها... بس بابا وماما مستحيل يوافقوا."
أجابتها ببساطة:
"دي رحلة قصيرة تلات أيام بس ومش دلوقتي دي بعد أسبوعين تقريبًا. هحاول أقنع بابا وهو هيوافق."
اعترضت قائلة:
"حتى لو يوم واحد إنتِ بنت و..."
قاطعتها بإصرار:
"أيوه أنا بنت، بس مش ضعيفة ولا ساذجة، ناسيه إن معايا الحزام الأسود في الكاراتيه، وبطلة سباحة، يعني أقدر أحمي نفسي كويس. أنا هقنع بابا وهو هيوافق ويغصب على ماما توافق."
♛♛♛
ليلًا. ربما صدف تُغير المسار بلقاء عابر.
بـ أحد المطاعم الفاخرة.
دلف محي الدين بصحبة إجلال، اصطحبهما نادل بالمطعم حتى جلسا خلف طاولة محجوزة لهما.
نظرت إجلال حولها ثم نظرت لـ محي قائلة:
"يحق لابنك يعمل لقاءات عمل هنا مش شايف مستوى المطعم واللي فيه لاء ولا لبس الستات، دول مش سقعانين ولا إيه."
ضحك محي قائلًا:
"المطعم فيه نظام تدفئة عالي."
"- آه ما أنا حاسة بالدفء، بس برضوا لما يطلعوا من المطعم هياخدوا هوا ويستهووا."
ضحك محي قائلًا:
"براحتهم خليكِ إنتِ حشمة كده دايمًا."
ابتسمت حولها وقع بصرها على طاولة قريبة قائلة:
"لاء في ست حشمة هناك أهي ومعاه راجل وبنتين. البنتين صحيح مش محجبين بس لبسهم حشمة."
نظر نحو تلك الطاولة برمقة بسيطة، لكن سرعان ما عاد ينظر نحوها بتدقيق قائلًا:
"'توفيق برهان'!"
تسألت إجلال:
"مين ده."
أجابها:
"ده شخص له فضل قديم عليا، وكنا حضرنا فرحه زمان، يمكن نسيتي، لكن أنا مستحيل أنساه. هقوم أسلم عليه."
ابتسمت إجلال قائلة:
"بلاش يمكن يكون نسيك."
أصر قائلًا:
"متأكد أنه مش ناسيني."
نهض محي وذهب إلى تلك الطاولة وضع يده بعشم على كتف توفيق. رفع توفيق نظره له، لحظات ثم ابتسم قائلًا:
"محي الدين الدباغ."
ابتسم محي واستقبل نهوض توفيق وذلك العناق الأخوي، قائلًا:
"توفيق برهان يااااه مرت سنين كتير أوي."
ابتسم توفيق قائلًا:
"الدنيا تلاهي."
أومأ له محي بموافقة.
ابتسم توفيق قائلًا:
"تعالى اقعد معانا على الطرابيزة... محدش غريب دي مراتي وبناتي."
ابتسم قائلًا:
"أنا كمان معايا مراتي... استنى هطلب من إدارة المطعم طاولة لينا كلنا ومراتي تتعرف على مراتك والبنات."
بالفعل ما هي إلا دقائق وكانت طاولة أخرى مجهزة، انضم لها الأسرتان، لكن حدث تعارف أولًا من توفيق:
"مراتي، وبناتي 'الكبيرة فرح والصغيرة عهد'."
نظرت لهن إجلال بتقييم، جلسوا معًا بحديث ودي، أعجبت إجلال بالفتاتين. طال بهم الوقت وسط حديث عن العمل والذكريات القليلة وسحب الحياة لطرق مختلفة ولقاء عابر بلا موعد.
نهض توفيق قائلًا:
"إنت عارف إني موظف ولازم أكون على مكتبي بكرة. كنت أتمنى يطول الوقت، بس أنا خدت رقم موبايلك ولازم نتقابل تاني."
ابتسم محي قائلًا:
"ده أكيد... لو مش معاك عربية ابني هيجي كمان شوية ياخدنا يوصلك معانا."
أجابه:
"ربنا يبارك لك فيه أنا معايا عربية، شكرًا، وكمان شكرًا عال عزومة."
تفوه محي:
"عزومة إيه، العزومة اللي بجد لما تشرفني في بيتي إنتِ وعيلتك اللطيفة."
ابتسم توفيق قائلًا:
"إن شاء الله."
غادر توفيق وعائلته، بينما جلس محي ينظر في الساعة قائلًا:
"ابنك اتأخر."
فهمت قائلة:
"مالوش حظ. قولي رأيك في البنتين إيه."
أجابها بفهم:
"أدب وذوق وجمال."
"- على خيرة الله ربنا يقدم الخير."
بينما توقفت عهد حين صدح هاتفها قائلة:
"دي مكالمة مهمة هرد وأحصلكم عند العربية."
بالفعل توقفت ترد على الهاتف حتى انتهت. أغلقت الهاتف وهي تعدل معطفها الثقيل بعدما شعرت بنسمة برد قوية، وعادت تستكمل نزول الدرج لكن كادت تتعرقل لولا أن خبطت في ذلك الصاعد ثم تمسكت بسياج الدرج. رفعت نظرها نحوه للحظة قائلة:
"متأسفة وشكرًا لك."
نظر لها وتبسم قائلًا:
"العفو... خدي بالك."
أومأت له وتجنبت وأكملت نزول الدرج بينما هو صعد وتوقف عند نهاية الدرج نظر نحوها. لحظات قبل أن يشعر بيد والده على كتفه قائلًا بلوم:
"اتأخرت ليه."
أجابه:
"كنت مع محسن بنخلص شوية شغل والوقت سحبنا."
نظرت له إجلال بضيق قائلة:
"الشغل مبيخلصش أبدًا، يلا بلاش نوقف كده الجو برد."
بعد دقائق بالسيارة.
نظرت إجلال له بلوم وعتاب قائلة:
"شغل إيه اللي أخرك... لو مكنتش اتأخرت كنت شوفت بنتين زي القمر، جمال رباني. بصراحة نفسي تتجوز واحدة منهم."
ابتسم قائلًا:
"ما قولت كنت بخلص شغل مع محسن، وبعدين فكرة الجواز مش في دماغي دلوقتي، أنا يادوب عندي سبعة وعشرين سنة."
نظرت له بتحفيز قائلة:
"وماله مش صغير، والحمد لله إنت سابق سنك واللي يشوفك يقول كمل التلاتين، كمان الحمد لله ميسور، يبقى ليه الجواز مش في دماغك، بصراحة البنتين اللي شوفناهم أجمل من بعض ما تقول حاجة يا 'حاج محي'."
ابتسم محي هو الآخر قائلًا بتحفيز:
"بصراحة البنتين جمال وأخلاق ووالدهم معرفة قديمة، والاتنين ميتخيروش عن بعض أنا من رأي الحاجة إجلال وياريت واحدة منهم تكون من نصيبك."
ضحك قائلًا:
"إنتم متفقين مع بعض بقي، أنا الجواز مش..."
قاطعته إجلال:
"وهيفضل مش في دماغك طول ما إنت قافل قلبك وكل تفكيرك هو الشغل وبس، البنتين طالعين من عيني."
ضحك قائلًا:
"لا ده الموضوع مشعلل في دماغ الحاجة إجلال يعني مفيش اعتراض."
ابتسم محي قائلًا:
"بسيطة أقولك إنت شوفهم والقرار لك."
أكدت إجلال:
"لو شافهم هيقول اتجوز الاتنين."
ضحك قائلًا:
"ليه للدرجة دي، شكلهم إيه دول."
تفوهت إجلال بتحفيز:
"إنت عارف ذوقي."
ضحك معترفًا وكاد يعترض:
"بصراحة ذوق الحاجة إجلال عالي جدًا... بس..."
قاطعته إجلال:
"مفيش بس اسمع كلامي، أنا وأبوك عرضنا على أبوهم عزومة عندنا في البيت في الغورية وهو قال هيشاور ويشوف اليوم اللي يناسبهم."
صمت... لحظة، ابتسم ابتسامة صغيرة لكنها ما لم تصل الفكرة لرأسه. صمت للحظات يفكر في الرفض لكن يعلم طبيعة والدته ستظل تلح عليه. تنهد بخفة قائلًا:
"خلاص يا ماما، لو وافقوا على العزومة، وعجبني واحدة منهم.. أنا مش هعترض."
تبادلا محي وإجلال نظرات رضا، بينما هو تظاهر بالضحك. لكن عقله مشغول بأشياء أخرى. بداخله صوت يهمس لنفسه باعتراض:
"هو أنا أصلًا فاضي للحب والجواز."
وهنالك صورة أخرى جالت برأسه وتمنى أمنية رؤيتها مرة أخرى.
❈-❈-❈
رواية عهد الدباغ الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامة
﷽
عهدالدباغ
الثاني
❈-❈-❈
بـ شقة بمنطقة راقية، ربما تلك الشقة هي كل ما يمتلك ذاك القاضي المُتقاعد...
تبسم بمودة حين وضع ذلك الشاب أمامه كوب من الشاي قائلًا:
شايك يا سيادة المستشار.
تنهد بحنين قائلًا:
مستشار مُتقاعد لآسف، تعرف يا "نديم"
لما كنت بشتغل قاضي،كان نفسي أساوي معاشي وأتقاعد،لكن دلوقتي من بعد ما طلعت معاش حاسس بوحدة وبقول ياريت كنت فضلت أشتغل فى القضاء.
تبسم نديم وهو يجلس فى المقابل له قائلًا:
ليه تحس بالوحدة يا بابا،فى إيدك تستغل معرفتك بالقوانين وتفتح مكتب محاماة.
ضحك "عزت" قائلًا:
المكتب ده لمتخرجين جديد، أنا خلاص كبرت علي إني أتحمل البهدلة بين المحاكم وكمان فين على ما المكتب يتعرف ويبقي له شُهرة... ومكانتي متسمحش إني أشتغل مجرد محامي فى مكتب مشهور.
شعر نديم بغصة يُفكر فى نفسه هو الآخر درس الحقوق وتخرج منها وتقبل الوظيفة الحكومية بالشؤون القانونية بوزارة الخارجية، حقّا منصب له مكانته لكن المقابل مرتب ثابت حقًا ليس بالقليل، لكن شبة ثابت لا يزداد كثيرًا، كذالك هو أفضل من بعض زملاؤه تشتتوا بين مكاتب المحامين بحوافز قليلة، لكن بالتأكيد منهم بالمستقبل سينفرد ويُصبح له شآن وشُهرة تدر عليه المال والمكانه الأفضل والأرقى من مجرد موظف بالخارجية، فكر وحسم قراره لن يظل كثيرًا بتلك الوظيفة ويتقيد بها مثلما تقيد والده بالقضاء والنهاية مستشار متقاعد مجرد منصب رفيع وشرفي لا أكثر.
❈-❈-❈
بمنزل محي
بغرفة النوم
أزاح محي طرف الدثار ثم إستلقي على الفراش يتنهد ببعض الإرهاق قائلًا:
الجو بره بارد أووي.
واقفته إجلال وهي تستلقي على الناحية الأخرى للفراش قائلة:
فعلًا... البرد السنة دي شديد.
اومأ برأسه وهي يفتح يده لتقترب منه تضع رأسها على كتفها تبسم لها قائلًا:
البرد بيروح وبحس بالدفا لما بتبقي بحضني.
تبسمت له قائلة:
قلبك دايمًا دافي،يا محي،بس بصراحة رغم البرد بس خروجة الليلة كانت حلوة،صحيح المطعم كان فيه نسوان عريانه،بس صاحبك ومراته كانوا محترمين،كمان بناته الاتنين بصراحة كده الإتنين دخلوا مزاجي،أنا بقالي فترة بدور على عروسة لإبنك التاني،وزي ما يكون البنات الحلوة المحترمة بتخطفوا بسرعة،وهو ولا حاطط الجواز فى دماغه،كل اللى فى دماغه الشغل وبس،كمان سهراته بره كتير دي تقلق ممكن فى سهرة منهم واحدة كده ولا كده تلفت نظره، هو شاب وناجح ومعروف هو إبن مين وفيه الطمع، والبنتين ولاد صاحبك بصراحة يحلوا من عالمشنقة
أدب وجمال ودراسة كمان، عرفت إن الكبيرة متخرجة من كلية التربية طفولة والتانية بتدرس فى الجامعة الأمريكية إدارة أعمال.
ضحك محي قائلًا:
الشوية اللى قعدناهم سوا عرفتي عنهم ده كله... صحيح على رأي أمي الله يرحمها إجلال مراتك دي تنفع وكيل نيابة وتقرر المجرمين عليها طريقة تسحب اللى قدامها تجبره يحكي لها قصة حياته من يوم ما أتولد.
ضحكت إجلال قائلة بدلال:
دي موهبة وقبول رباني، الناس بترتاح لى وتحكي لي من نفسها، بس سيبك من الكلام ده إيه رأيك فى البنتين، بصراحة نفسي فيهم الاتنين.
ضحك محي قائلًا بمرح:
هتجوزيه الأتنين.
أجابته بتمني:
ياريت كان يجوز،بس بقولك إيه رأيك أهو نلح على إبنك،ونرتب ميعاد يشوفهم فيه واللى تعجبه من الإتنين يتجوزها،أنا بصراحة الاتنين داخلين راسي،بس البت الكبيرة اكتر،شكلها هادية الصغيرة فيها شقاوة كده،ممكن قدام شوية نبقي ناخدها لـ كنان يكون خلص جيشه.
اومأ براسه موافقًا يقول:
ممكن ليه لاء،أنا معايا رقم توفيق وهتصل عليه وأشوف ونحدد ميعاد عزومة و..
قاطعته قائلة:
خلى العزومة تبقي هنا فى البيت عشان نبقي على راحتنا،وكمان عشان يطول الوقت،القاعدة فى البيت غير فى المطاعم...بتبقى رايقة ومفيش دوشة.
واقفها محي قائلًا:
تمام.
نظرت له اجلال قائلة:
متقولش تمام وتستني وقت خير البر عاجله وكل ما كان أسرع أحسن.
ضحك محي قائلًا:
السلطانة إجلال لازم تنفذ اللى براسها فى أسرع وقت...يوم ولا إتنين كده واتصل على توفيق اعزمه على قهوة عندي فى المدبغة...
قاطعته إجلال بنهي:
لاء بلاش المدبغة...خليها فى المقر بتاع مصنع الجلود... وياريت لو ترتب كمان يتقابل هو و...
نظر لها تلاقت عيناهم، بمجرد النظر لبعضهما يفهمان بعضهما... أومأ لها مُبتسمً يهز رأسه بتوافق.
❈-❈-❈
بغرفته
كان يتكئ بظهره على بعض الوسائد الموضوعة على خلفية الفراش يمدد ساقيه يضع حاسوبه على ساقيه يقوم بدراسة بعض الأعمال... لكن فجأة طلت برأسه تلك الفتاة التي إصتطدم بها قبل ساعات على سلالم المطعم... بسمة إىتسمت على شفتيه كذالك خفقة خاصة فى قلبه، أغمض عيناه مازالت ساكنة بخياله، رقة صوتها تتردد فى أذنيه، لون عينيها الأخضر الذي يُشبة الغابات اليانعة.. عينان كأنهن غابتان تسكنهما أسرار بعيدة، عمقٌ يشدُه دون وعي منه… فتح عينيه سريعًا كأنه يخشي أن يغرق في ذلك الخيال أكثر، لكن صورتها أبت أن تفارقه...
مد يده ليغلق الحاسوب بعدما فقد تركيزه تمامًا، تنهد قليلًا من أنفاسه محاولًا السيطرة على دقات قلبه التي بعثرت هدوءه...
تمتم لنفسه مبتسمًا:
إيه السحر ده.. دي مجرد صدفة... مش أول مره تشوف بنت جميلة.
عاد يغمض عينيه ثانية، وكأنه يستحضر خطواتها على السلالم، ارتجافة يدها حين اصطدم بها، ورائحة عطرها الخفيف الذي ما ما زال عالقًا بفؤاده... شعر بأن تلك اللحظة القصيرة كانت كافية لتوقظ شيئًا نائمًا داخله… شيئًا لم يتوقع أن ينهض بهذا الشكل المفاجئ...
تحرك على الفراش، تقلب يمينًا ويسارًا، وكأن جسده يأبى الاستقرار بعد أن تسللت إلى عقله بعُمق.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
بالمقر الخاص بمجموعة الدباغ
وقف محي يستقبل توفيق مُبتسمً بترحيب قائلًا:
المقر نور.
ابتسم توفيق بمجاملة قائلًا:
بوجودك.
ابتسم محي قائلًا:
بلاش نوقف خلينا نقعد من زمان الدنيا خدتنا كل واحد فى طريق.
جلس الإثنين معًا يتحدثان
تسأل محي:
ها قولي بقي أخبارك،كمان بناتك واضح أنهم مش بس جميلات كمان ثقافة.. وأدب.
ابتسم توفيق قائلًا:
هما البنتين اللى ربنا رزقني بهم، أنا بعد ما خدت ميراثي فى أبويا كان حتة أرض زراعية وأنت عارف مكنش ليا فى الزراعة بس كان حظي بقي، أو زي ما بيقولوا رزق البنات، الأرض دخلت كاردون مباني وبقت بمبلغ كبير، جالى أكتر من مُشتري لها واتباعت بتمن عالي جدًا، فكرت لو حطيت الفلوس فى البنك، الفوايد مش هتزيد كتير، كمان نسيبي وقتها أشتري حتة أرض فى منطقة جديدة بالقسط وإتعثر فى تكملة الاقساط بتاعتها وعرضت عليه أسلفه قسط ولا اتنين، قالي لاء هو هيبيعها لان المنطقة جديدة وبعيدة وأكيد الخدمات زي الكهربا والمايه صعب توصلها بسهوله، إشترتها منه، قولت أهي مركونة قوم إيه الحكومة تختار المنطقة دي وتعمل فيها مشاريع وكمان رجال أعمال عملوا مصانع ومدينة سكنية وبقت المنطقة لها كُل المُميزات، كان فاضلي معايا مبلغ بعد ما اشتريت الارض من نسيبي قدمت على قرض صغير بضمان الارض وعملت عليها عمارة سكنية وبيعت كُل شُققها وسددت القرض واللى فاض حطيته فى البنك وفوايده بتسند جنب مرتبي، كمان خدت أول دورين فى العمارة شقتين، يبقوا لبناتي كُل واحدة شقة وأمنتهم كمان بتعليم وكل واحدة لها رصيد بإسمها فى البنك....تأمين ليهم...
فرح يمكن هادية عكس عهد.. عهد شقية شوية
تفهم محي حديث توفيق قائلًا:
بس مش الفلوس ولا الشقة بس هي اللى بتأمن المستقبل يا توفيق.
اومأ توفيق قائلًا:
عارف بس أهو برضوا لما تكون البنت شبعانه فى بيت أهلها مش هتزغلل عينها المُغريات اللى ممكن تضرها.
اومأ محي موافقًا ثم قال:
ربنا يرزقهم أزواج صالحة.
آمن توفيق على ذلك، ظل بينهم حديث هادي الى ان سمعوا صوت طرق على باب المكتب، سمح محي بالدخول، سُرعان ما إبتسم ولمعت عيناه وهو ينظر الى ذلك الواثق الذي دلف للغرفة ألقي السلام ثم نظر لـ محي قائلًا:
إتصلت عليا وقولت عاوزني فى موضوع مهم.
إبتسم له قائلًا:
فعلًا، تعالي أعرفك على عمك توفيق صديق قديم وبعدها هقولك إيه الموضوع اللى كنت عاوزك فيه.
عرفهما
تحدث بصدق وإمتنان
-توفيق صديق قديم وله معايا موقف جدعنة مستحيل أنساه.
ثم تحدث بفخر
-"فاروق"إبني التاني وهو المسؤول التالت فى إمبراطورية الدباغ.
إبتسم فاروق بمرح وهو يمد يده لمصافحة توفيق قائلًا بمرح ونبرة قبول:
يعني الرجُل التالت.
ضحك محي كذالك توفيق، ثم جلس ثلاثتهم
تحدث محي:
عمك توفيق مش غريب هتكلم معاك في الموضوع عشان عارف وقتك دايمًا مشغول.
أومأ فاروق له ببسمه، بالفعل تحدث محي بأحد المواضيع تجاذب معهم توفيق بعد الإستشارات، كذالك أعجب بعقلية فاروق رغم سنه لكن ذو عقلية رأسمالية متفهمة...
بعد وقت إنتهي النقاش نهض فاروق قائلًا:
تمام هنفذ كُل اللى قولت عليه.
ثم نظر نحو توفيق وصافحه قائلًا:
متشكر فعلًا إستفادت كتير من المناقشة مع حضرتك.
صافحه توفيق بإعجاب قائلًا بمديح:
بالعكس إنت واضح إنك زكي جدًا، أتمني نتقابل تاني.
أومأ فاروق مُبتسمً ثم غادر.
تتبعته نظرات كل من توفيق ومحي الذي لاحظ إعجاب توفيق بذكاء فاروق وتلك هي الخطوة الأولى.
❈-❈-❈
مساءً بشقة توفيق
جلست عهد جواره قائلة:
بابا سبق وقولتلك إن فى رحلة شفاري فى شرم الشيخ وأنا نفسي أروحها.
إعترضت والدتها قائلة برفض قاطع:
لاء طبعًا.
نظرت عهد لوالدها بالحاح قائلة:
أرجوك يا بابا توافق...
قاطعتها والدتها:
لاء طبعًا الرحلة فيها بيات هناك أكيد ممنوع، وفيهة شباب.. وإنتِ بنت.
تنهدت عهد بالحاح:
يا بابا ارجوك، إنت عارف أخلاقي كويس كمان اقدر ادافع عن نفسي كويس
تهكمت والدتها بإستهزاء:
تدافعي بشوية حركات الكارتية العبيطة... قولت لاء.
نظرت عهد لوالدها قائلة:
القرار لـ بابا، أرجوك يا بابا دول هما تلات أيام
وهنروح في باص مش طيران، يعني يوم رايح ويوم جاي ويوم بس هو اللى هنقضيه هناك ومعانا مشرفين دكاترة من الجامعة، أرجوك يا بابا.
ظلت تلح حتى وصلت لغرضها، فتحدث توفيق:
تمام أنا واثق فيكِ يا عهد.
ابتسمت عهد بسعادة غامرة بينما هزت والدتها رأسها مازالت تود الاعتراض لكن تبسمت فرح ودعمت عهد فى ذلك.
❈-❈-❈
بعد عِدة ايام، وبعد موافقة على قبول دعوة محي وزوجته لاستضافة توفيق وأسرته تم اللقاء بمنزل محي الدين بالغورية.
لقاء أُسري هكذا كان الظاهر لكن الباطن كان هدف إجلال...
بعد ان تم التعارف بالنساء فيما بعضهم، تسألت إجلال:
اومال فين عهد مجتش ليه.
اجابتها زوجة توفيق بتبرير كاذب:
عهد عند خالها متعودة كده تروح له وتفضل عنده كام يوم.
اومأت إجلال
لكن إسم "عهد"
كان له رنين خاص تردد بعقل فاروق الذي تعرف عليهم وجلس لتناول الغذاء معهم،ثم غادر هو والبقية وظل النساء الى المساء.
على باب المنزل تحدثت إجلال:
بقينا أصحاب وحبايب ، الزيارة دي كانت تعارق هستني الزيارة الجايه وتكون عهد رجعت بالسلامه أومأت كل من زوجة توفيق كذالك فرح التى شعرت بتوغل لشعور غريب تود اللقاء مرة أخري بـ فاروق الذي لفت نظرها دون سبب.
❈-❈-❈
بعد يومين
تنهدت عهد بضجر قائلة:
من وقت ما رجعت من رحلة شرم، وإنت مفيش عندك سيرة غير زيارتك إنتِ وماما وبابا، لبيت اللى إسمه محي الدباغ، زيارة هوستك بيهم.
تنهدت فرح بحالمية قاىلة بتبرير:
الحجة اجلال طريقتها فى الكلام لطيفة أوي، كمان "رابيا" مرات إبنها، لكن حسيت مع بنتها اللى إسمها "يارا" شوية غطرسة كده.
تهكمت عهد قائلة:
وغطرسة ليه دي ساكنة فى منطقة شعبية يعني، وبعدين أنا بستغرب إن رغم الغنا والصيت الكبير لـ محي الدين الدباغ
ليه متمسك أوي كده بالعيشة فى منطقة شعبية زي الغورية مع إنه ممكن يعيش فى أرقي الاماكن فى مصر.
اجابتها فرح:
ده مش بيت عادي ده قصر من جوة.
إعترضت:
ولو بس برضوا فى منطقة شعبية، عن نفسي مقدرش أتحمل العيشة هناك وسط الدوشة والزحمة والعشوائية.... كمان البشر هناك لهم طباع خاصة بيهم عن نفسي مقدرش اتكيف مع الطبقة دي.
تنهدت فرح بحالمية قاىلة:
وأنا العكس أتمني أعيش هناك.
تهكمت عهد ولم تُبالي.
♛♛♛♛
بأحد النوادي الراقية والشهيرة
اثناء خروجه من بوابة النادي
توقف بسيارته فجأة قبل أن يصطدم بتلك السيارة الفارهة...
عاد للخلف وتجنب لها حتى دخلت دون إهتمام، نظر نحو السيارة كانت فتاة لاحظ جمالها بوضوح بسبب فتحها لـ شباك السيارة ولاحظ حديثها من السائس بنبرة تعالي...ظل لحظات حتى إبتعدت ترجل من السيارة وذهب نحو السائس وسأله بفضول:
مين دي أول مرة أشوفها هنا في النادي.
أجابه السائس:
دي آنسة "يارا محي الدين الدباغ"عضوة جديدة هنا فى النادي.
تسائل بإستفسار:
بنت محي الدينالدباغ بتاع المدابغ والجلود.
اومأ له السائس بـ نعم...
نظر نحوها بتأمل وهي تترجل من سيارتها تتهادي بخطواتها الرشيقة والمتعالية،لمعت عيناه...بينما تحدث له السائس بإحترام:
عن إذنك يا" نديم بيه"هروح أشوف شغلي.
أومأ له وظلت عيناه مُتسلطة نحو يارا حتى غابت عن محيط رؤيته،همس قائلًا:
يُحق لها تتغر مش بس جمال...لاء وكمال من أموال.
❈-❈-❈
ليلًا
بشقة محسن
كان جالسً بالفراش ينظر للا شيء، حتي أطفأت رابيا الضوء وتركت نور خافت،ثم توجهت للفراش ورفعت الدثار وإستلقت على الفراش ثم عادت تسحبه على نفسها... لكن لم تتفاجئ بإقتراب محسن منها وسحبه الدثار عنها وبلحظة كان يجعلها تستلقي على جانبها... يضع قُبلات متفرقة على وجنتيها ويتودد باللمسات الجريئه على جسدها، صمته يجعلها تشعر بالارتباك أكثر، كأن كلماته غابت وبقيت لغة الجسد وحدها تتحدث... قلبها يخفق بعنف، تُحاول أن تتمسك بهدوئها بينما كل حركة منه تُربكها أكثر... ابتسامته الخافتة عند قربه من أذنها زادت من ارتجافها، همست في داخلها محاولةً أن تجد لنفسها ملاذًا:
لماذا يصمت..بتلك اللحظات الخاصة أهو شوق... أم رغبة يُخفيها.
ضغط أنامله على يدها جعلها تُدرك أنه لا يحتاج للكلمات، فهو يفرض حضوره بطريقة عاهدته عليها منذ ليلة زفافهم الذي إقترب من خمس سنوات
عيناها التقت بعينيه القريبتين، لا تُفسر منهما أي مشاعر،قبول أونفور...، صمته الدائم يحز فى قلبها... أنفاسه الباردة على وجنتها جعلت جسدها يتوتر أكثر، لكنها لم تبتعد… بل بقيت ساكنة، يراودها صراع بين رغبتها في الهروب وخوفها من فقدان تلك اللحظة...
أصابعه انسحبت ببطء من يدها إلى كتفها، لا يطلب الإذن قبل أن يقترب أكثر، يستحل جسدها
ارتجف قلبها لسماع اسمها فقط يخرج من بين شفتيه ... أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها لتشعر بنفسها أمامه بلا حواجز... رعشة خفيفة في جسدها كانت كافية لتُخبره أن لمساته تُعطي مفعولًا عليها، ارتباكها يختبئ خلفه قبول خجول...
ابتسم محسن ابتسامة باهتة وهو يراقب ارتجافها، ثم رفع يده ببطء ليزيح خصلة شعر سقطت على جبينها... لمساته كانت حانية هذه المرة، مختلفة عن جرأته ... لم يتحدث وهو يلتحم معها بلقاء حميم..
نظرت إليه رابيا بعينين متسعتين، تشعر أن قلبها يخفق بجنون.... حاولت أن تقول شيئًا، لكن الكلمات خانتها. كل ما استطاعت فعله أنها وضعت يدها على صدره، حيث خفق قلبه واضحًا تحت يديها...
تنهد محسن بعمق، واقترب أكثر حتى كاد يلامس شفتيها، ثم توقف فجأة، كأنه يمنحها الخيار الأخير أن ترفض تلك المشاعر... لكن
ارتجفت شفتاها، لم تنطق بالرفض… بل أغمضت عينيها ببطء، وهو الإذن الصامت الذي انتظره ليُنهي تلك العلاقة ببرود وبلا حتى قُبلة إمتنان كما يرغب قلبها، إبتعد عنها وعاد يستلقي على الفراش بظهره يضع يده على موضع قلبه ينظر الى سقف الغرفة لا يشعر بأي مشاعر...فقط يعلم أن رابيا فُرضت عليه كزوجة بعد خطأ وقع الإثنين به كان مُخطط له بإتقان،هو لم يمتلك أي مشاعر نحوها حتى مع مرور سنوات على زواجها مازال لا يجمع بينهما سوا فراش وعلاقة زوجية بلا مشاعر من ناحيته برود تام... بينما هي تتعذب وبداخلها تتمني فقط منه نظرة عطف لا حُب.
♛♛♛♛
بعد مرور عِدة أيام
بشقة توفيق
نظرت فرح الى عهد سائلة:
إنتِ لسه ملبستيش مش هتيجي معانا عند طنط الحجة إجلال.
ردت عهد برفض:
لاء... أساسًا أنا مش متقبله الصداقة اللى حصلت بينك إنتِ وماما مع الست دي، معرفش السبب إيه.
أجابتها فرح:
والله ست لطيفة جدًا وزي ما ماما بتقول عليها عِشرية، مش عارفة إنتِ ليه مش متقبلة.
تنهد عهد قائلة:
معرفش السبب، بس أنتِ عارفه إني عكسك إنتِ وماما، مش بتآلف مع اللى حواليا بسهولة...عالعموم روحوا أنتم وأنا هفضل هنا،عندي بحث هعمل سيرش عنه عالنت.
قبل أن تتحدث عهد دلفت والدتهن نظرت نخو عهد سائلة:
ليه لسه ملبستيش هنتأخر عالحجة إجلال.
تنفست عهد بضجر قائلة:
مش فاهمه إيه حكاية الحجة إجلال،بعدين انا ماليش مزاج أجي معاكم...بلاش تعطلوا نفسكم.
بصعوبة أجبرتها والدتها قائلة:
الست سألت عنك قبل كده وقتها كنتِ فى شرم الشيخ...النهاردة كمان وهي بتكلمني أكدت عليا إنك تبقي معانا وأنا قولت لها إنك هتبقي معانا، هتكسفيني قدامها، يلا بلاش دلع وقومي غيري البيجامة والبسي طقم حلو كده.
بصعوبة واقفت عهد قائلة:
تمام، هقوم أغير هدومي وهاجي معاكم، بس لو حسيت بضيق أنا هستأذن وأمشي.
أومأت لها والدتها قائلة:
ماشي ممكن تتحججي باي حاجه بس يلا إنجزي هنتأخر على ميعادنا.
زفرت نفسها بضجر وإستسلمت لرغبتهن.
..... ...... .....
بعد وقت قليل
إستقبلتهن إجلال بترحيب قائلة:
القاعدة المرة دي قاعدة ستات وبنات وبس.
تبسمت لها فرح كذالك عهد إبتسامة وِد
جلسن يتحدثن بمواضيع كثيرة، كان لدي إجلال إنصات لردود،فرح وعهد،لاحظت فروق بينهن،عهد تبدوا أكثر تحفُظً عكس فرح تندمج بسهولة.
بعد وقت صدح رنين هاتف عهد أخرجته من جيبها قائلة:
دي زميلتي فى الجامعة،بس الشبكة هنا بتقطع.
ارشدتها يارا قائلة:
الشبكة بتقطع بسبب الطقس السئ إطلعي في الجنينة ممكن الشبكة تتعدل.
أشارت لها بيدها عن باب يوصلها الى الخديقة، بالفعل خرجت عهد.
...... ..... ....
قبل قليل ترجل فاروق من سيارته وتركها بالحديقه، توجه الى تلك الغرفة الخاصة بالمسبح منذ ايام لا يعلم ما اصابه حالة من الآرق وبعض الارهاق بسبب تزاحُم العمل... نظر نحو مياة المسبح فكر فى السباحة عل تلك الحالة تزول عنه، لكن الطقس باردًا، ذهب نحو ذلك الزجاج العازل بين غرفة المسبح والحديقة... زجاج شفاف من الداخل ومُعتم من الخارج، من بالداخل يرا من بالحديقة بينما من الخارج لايرا ما بالداخل وقف قليلًا ينظر نحو الحديقة، ثم عاد ينظر للداخل لكن سُرعان ما عاد ينظر للخارج، جحظت عيناه وهو يتأمل تلك التي تسير بالحديقة ترفع يدها على أذنها... تصنم للحظات... ثم زم نفسه واغمض عينيه بالتأكيد ذلك وهمً فما الذي سيأتي بها لهنا
لحظة فقط أغمض عيناه ثم فتحهما وعاد ينظر للخارج
إختفت... جالت عينيه بالمكان لا أثر لها...تأكد أنها كانت وهمً... زام عقله وتحدث بلوم:
شوفتها مرة واحدة ومش عاوزة تروح من بالك، حالتك كده هيجيلك تهيؤات وجنان فوق يا فاروق.
بالفعل ابتعد عن الجانب الزجاجي وخلع ثيابه وقفز بالمسبح يغوص فى المياة كي يمحو خيالها.
....... ــــــــــ..... ــــــــــــ
انهت حديثها على الهاتف قائلة:
تمام لما ارجع الشقة هتصل عليكِ نعمل البحث سوا يلا باي باي.
أغلقت الهاتف ونظرت حولها، أين هي، امامها اكثر من مدخل للمنزل، لا تتذكر المدخل التى خرجت منه.. لكن لم تفكر قائلة بمزح:
"كُل الطُرق تؤدي الى روما"
اكيد كل المداخل متصله بالبيت أدخل من الباب ده وخلاص لكن وجدت نفسها أمام إتجاهين
وقفت بالممر تزفر نفسها بحِيرة تنظر يمين ويسار لا تعلم أي إتجاة تسير فيه لتعود الى تلك الغرفة...إستنشقت الهواء البارد قائلة:
و على فرح وهي...
توقفت قائلة:
ممكن فرح تتوه هي كمان البيت كبير وله كذا مدخل وأنا خرجت من مدخل وده مدخل تاني، مفيش حد من الخدامين قريب ، أحسن حل أنا أمشي فى الممر ده لنهاية أكيد هيوصلني لجوة البيت.
بالفعل سارت بالممر الى النهاية لكن تفاجئت بباب كبير مُغلق، إعتقدت أنه مدخل... تنهدت بإندفاع فتحت الباب ودلفت الى الداخل مباشرةً، إندهشت حين وجدت مسبح مائي بالغرفة، إقتربت من المسبح قائلة:
كمان البيت فيه بيسين.
إقتربت بفضول من حمام السباحه وإنحنت تمد يدها فى المياة
لكن
فجأة شعرت بحركة فى المياة سحبت يدها لكن سُرعان ما شعرت بالهلع حين خرج بجسده من وسط المياة، شهقت بقوة من رؤيتها لجسده الضخم وخصلات شعره المُنسدلة على وجهه أعطته منظر شبه مُخيف...
إختل توازن جسدها وهي تقف لم تنتبه حركة قدميها فسقطت فى المياة... لحظات ورفعت رأسها من المياة تشهق تقاوم الغرق...
سريعًا توجه نحوها ورفع جسدها من المياة وضعها فوق ذلك السطح الشبة بارد أو هكذا شعرت... ثم خرج من المياة وإرتكز على قدميه يمد يده يُزيل خصلات شعرها عن وجهها بمجرد ظهور ملامحها خفق قلبه بشدة، كذالك هي تتنفس بصعوبة، تصدر شهقات متقطعة، ترتجف أطرافها وملابسها تلتصق بجسدها المبلل، فيزيدها بردًا فوق برد...
اقترب منها أكثر، جاثيًا بجوارها، يضع يده على كتفها ليُثبتها، وصوته يخرج بنبرة قلق ممزوجة بشيء لم يسيطر عليه:
إهدي... حاولي تتنفسي بالراحة.
رفعت عينيها نحوه، مقلتيها تلمعان من أثر الماء والذعر، لكنهما في اللحظة نفسها تحملان دهشة عميقة.... تلاقت النظرات بينهما لثوانٍ ارتجف قلبها بين ضلوعها، وكأنها لم تعد تسمع سوى صوت أنفاسه القريبة...
مد يده يربت بخفة على ظهرها ليساعدها على استعادة أنفاسها،
هدأت انفاسها قليلًا كذالك خفقات قلبها وتحدثت بتعلثم:
إنت الوحش العملاق.
ضحك بإسمتاع تلمع عيناه بمرح قائلًا:
وإنتِ جميلة الوحش.
رواية عهد الدباغ الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامة
"سور مجرى العيون... القاهرة"
بأحد المدابغ
نفث دخان الأرجيلة من فتحتي أنفه ينظر لذلك الجالس أمامه بإنتشاء قائلًا بفحيح:
إنت عاوز تهد إمبراطورية "محي الدين الدباغ" مفيش قدامك غير طريق واحد.
نظر له الآخر بإنتباه وهو ينفث الدخان من فمه عيناه تفيض فضولًا لمعرفة ذاك الطريق... لم يستطع الصبر وتسأل بإستفسار:
وإيه هو الطريق ده.
ضحك الآخر بغلظة قائلًا:
ولاده.
-ولاده... إزاي مش فاهم.
تسأل بإستفسار فأجابه الآخر ببساطة:
ولاد محي الدين الدباغ هما سر قوته.
بعدم فهم تسأل الآخر:
مش فاهم .
نظر له الآخر بحنُق:
هفهمك وأمري لله...إتحاد ولاد محي الدين الدباغ هما سر قوته، يبقي الطريق الوحيد هو تفرقة الإتحاد ده وقتها قوة الدباغ هتضعف وتتهز إمبراطوريته ومش بعيد تنهار بسهولة.
لمعت عين الآخر بخباثة سائلًا:
وده يحصل إزاي.
نفث دخان الأرجيلة، ثم أجابه:
إيه اللى يفرق بين الأخوة.
-إيه
تسأل بعدم فهم، زفر نفسه بضجر قائلًا:
إنت كل حاجه مش فاهم، أنا بقول تنسي محي الدين الدباغ وتقبل إنه...
قاطعه الآخر قائلًا بتسرع:
ميبقاش خلقك ضيق وفهمني إزاي.
نفث دخان الأرجيلة بروية ثم نظر له قائلًا: هقولك حاجتين هما اللى يفرقوا بين الأخوة
"المال... والحريم"
أومأ الآخر بفهم فإستطرد حديثه:
المال... صعب يفرق بينهم، لأن الدباغ سايب كل أمواله تحت تصرفهم وحاطط فى دماغهم إن المال مالهم وهما اللى جابوه وهما اللى يحافظوا عليه، فالطريق ده مستبعد.
تحدث الآخر:
يبقى مفيش غير طريق الحريم.
تهكم عليه قائلًا
وده إزاي بقي... اللى أعرفه إن إبنه الكبير متجوز ومخلف كمان.
تهكم عليه الآخر قائلًا:
سيبك من إبنه الكبير، ركز معايا... سر قوة الدباغ إبنه التاني.
فكر الآخر قائلًا:
قصدك مين...
-فاروق...
أومأ له الآخر بتوافق وتأكيد
أو"الملك" زي ما الكُل بينادي عليه... الأسم مش من فراغ...
فاروق هو عمود الدباغ لأنه فى لحظة بيسد مكان أخوه وأبوه وله سطوة كبيرة عند أصحاب المجازر وهنا وسط المدابغ كمان، فاروق لو إنشق عن محي الدين الدباغ هتختل إمبراطوريته،وسهل تتهد... أنا فاكر
مصنع الجلود اللى عمله من كام سنه ده هو اللى رفع من شأنه.. غير خلى مش بس المجازر تتسابق فى الشغل معاه كمان نص المدابغ كان فاروق هو الوسيط اللى بيتعامل مع الجزارين وأصحاب المدابغ وقتها مكنش لسه خلص الجامعة... بس دماغ كبيرة ومتكلفة، ذكاء وهيبة.
أومأ الآخر بتوافق ثم تسأل:
طب وده هنعرف ندخل له إزاي، أكيد مش أي بنت تلفت نظره.
أجابه الآخر:
ده اللى لازم نفكر فيه محتاجين بنت تكون ذكية وتقدر تبلف دماغه... بس متقلقش هنلاقى، الحريم يلينوا الحديد دول محدش يقدر على حيالهم.
❈-❈-❈
بالمقر
دلف محسن الى ذلك المكتب، رفع محي رأسه عن مُطالعة ذلك الملف، وإبتسم بترحيب قائلًا:
تعالى يا محسن فهمني... أنا مش فاهم الكلام اللى فى الملف ده.
ابتسم محسن وذهب لجواره جذب حاسوب كان على المكتب قائلًا:
سيبك من الملف يا حاج، وركز معايا عالابتوب تفاصيل الملف.
تنهد محي باستسلام قائلًا:
أنا البتاع ده مش بعرف أتعامل معاه.
ضحك محسن قائلًا:
ده سهل جدًا، عالعموم هنا توضيح لكل اللى فى الملف اللى قدامك...
هنا تفاصيل المناقصة الجديدة اللى عملاها وزارة التموين.. الشروط والمواصفات المطلوبة، وكمان المصانع اللي قدمت اسعارها
أشار إلى الشاشة متابعًا:
بُص يا حاج، هنا الأسعار، وهنا التقييم المبدئي لكل مصنع … إحنا موقفنا حلو جدًا لحد دلوقتي، بس لازم نعدّل في عرضنا قبل ما اللجنة تعتمد النتيجة.
انحنى محي للأمام وهو يُضيق عينيه محاولًا الفهم، ثم قال بتردد:
يعني أفهم من كده ان المنافسة قوية.
أومأ محسن بثقة قائلاً:
ايوه المنافسة .. بس إحنا كمان قدها ومصنعنا إمكانياته كبيرة ... كمان فرصة إننا نفوز بالمناقصة دي كبيرة... وكمية الجلود كمان هتدي لمصنعنا قيمة كبيرة وممكن نسيطر عالسوق... ومتقلقش أنا مظبط كل حاجه، بمجرد فوزنا بالمناقصة... فى مخازن مجهزة... كمان المدابغ بتاعتنا جاهزة للشغل فورًا.
لمعت عين مُحي بفخر ثم عتاب قائلًا:
طول عمرك دماغ يا محسن بس إنت اللى بتحب تريح دماغك.
ابتسم محسن قائلًا:
البركة فيك يا حاج.
تنهد محي بفخر قائلًا:
البركة فيك وفى أخواتك، عُصبتكم هي اللى مقوياني، ربنا يبارك لى فيكم.. انا مبسوط إنكم بتكملوا بعض... حتى كنان رغم إنه شارد بس بتقدروا تجذبوه معاكم وقت الحاجة.
لمعت عيني محسن قائلًا بمزح:
كنان بيشتغل معانا وقت ما يكون محتاج لحاجة، إستغلال يعني.
ضحك محي قائلًا:
معليشي آخر العنقود وبيدلع عليكم إتحملوه، هانت قرب يخلص الجيش وهيدخل الإمبراطورية معاكم.
-معتقدش
قالها محسن وأكمل بشبة يقين:
كنان من اوائل الجامعة وكان إتكلم إن عنده رغبة يبقي معيد فى الجامعة ويكمل فى الطريق ده، بس أهو بنستفاد من دراسته للمحاسبة فى الحسابات.
ابتسم محي قائلًا:
تعرف يا محسن... إنت مش بس إبني الكبير إنت أخويا وصديقي كمان... من أول ما إتولدت حسيت إن بقي ليا سند اتسند عليه، إنت الكبير يعني مكاني... ولازم تكون الحضن اللى بيضم الجميع، عارف إني دايمًا بتقل عليك بس إنت قد المسؤولية... ربنا يباركلك فى بنتك مراتك وتقوم بالسلامة.
أومأ محسن بإبتسامة مغصوصة... فإن كان على مسؤولية العمل والأخوة ليست بثقيلة على قلبه مثل مسؤولية زوجته
بعد قليل
بغرفة مكتبه
ترك العمل على حاسوبه وإتكئ بظهره على خلفية المقعد تنهد ببعض الإرهاق...استند برأسه على رأس المقعد،اغمض عيناه بعدما إنتزع نظارته الطيبة..
يشعر بوجوم فى قلبه، وحِيرة فى عقلة وضياع مُستمر من سنوات... خطوة الزواج كان وقتها غير مناسب له، كان بالكاد تخرج من الجامعة
اراد زواج عن قصة حب، أو عالأقل عن عن اقتناع... لكن ما حدث كان أشبه بصفقة اجتماعية، لا دفء فيها ولا اختيار.
زواج رتبته مكيدة.. بل فخ وقع فيه... ثم فرض من العائلة بدعوى "الاستقرار"، بينما هو لم يكن سوى شابٍ يبحث عن ذاته بين الطموح والواجب... تذكر يومها نظرات والده الحازمة، وكلمات والدته التي لم تحتمل الرفض:
رابيا بنت كويسة، وبنت أخويا ، والجواز استقرار يا ابني واللى حصل نصيب والمشاعر سهل تجي بالعِشرة الطيبة.
ابتسم بمرارة وهو يتنفس بعمق، وكأن صدره يختنق بثقل الذكريات...
فتح عينيه ببطء، نظر إلى الحاسوب أمامه، ثم همس لنفسه بنبرة خافتة:
يمكن كنت فاكر إن الوقت كفيل يعلم القلب يحب... بس الظاهر إن القلب مش بتعلم بالإجبار.
أدار نظارته بين أصابعه ببطء، كأنه يحاول من خلالها رؤية ماضيه بوضوح أكثر...
كل خطوة أخذها كانت محسوبة بميزان العقل، إلا تلك الخطوة، كانت مفروضة عليه باسم" "الواجب"
تنهيدة طويلة أفلتت منه، امتزجت بصوت الساعة المعلق على الجدار، عقاربها تمضي بثبات، بينما هو ثابت منذ أعوام...
لم يعد يعرف أين أخطأ بالضبط، أفي اختياره الصمت... أم في تركه الأيام تقوده دون أن يقودها هو
رفع يده ليمسح على وجهه بتعب، ثم تمتم وكأنه يفضفض لفراغ المكتب:
مكنتش عايز أظلمها، ولا نفسي... بس الظلم حصل لينا إحنا الإتنين من غير قصد.
أدار مقعده نحو النافذة، كان ضوء الشمس ساطع نهض نحوه، لمح انعكاسه على الزجاج
رجل فى بداية الثلاثينات لكن ملامحه متعبة، لكن عينيه ما زالتا تبحثان عن شيء ضاع منذ زمن...
لا يعلم ماذا ضاع... الحب... أم الشعور بزهوة ما يمتلك.
❈-❈-❈
بغرفة الضيوف
إنشغلت فرح ووالدتها بالحديث المرح الهادئ مع إجلال كذالك تلك السيدة البسيطة التي دخلت عليهن تتحدث بطريقة مرحة وشعبية قائلة:
الحجة إجلال دايمًا منورة اوضة الضيوف.
توقفت للحظة حين رأت فرح ووالدتها نظرت نحو فرح وإقتربت منها بفضول قائلة بإنبهار:
بسم الله ماشاء الله مين الحلوة دي يا حجة إجلال...
توقفت تنظر لـ إجلال ثم إستطردت حديثها بعتاب:
كده يا حجة تخطبي لـ فاروق من غير ما تدعيني، لاء أنا زعلانه منك مكنش العشم، بس واضح الواد فاروق ده طول عمره محظوظ عروسة قمر... قمر، لا أحلى من القمر، طبعًا مش هو الملك.
شعرت اجلال بحرج وإبتسمت قائلة:
تعالى يا أم صبري، دول ضيوف عندنا.
بينما شعرت فرح بالخجل كذالك والدتها، جلسن يتحدثن بعفويه يتقبلن مزاح تلك السيدة البسيطة
❈-❈-❈
- وإنتِ جميلة الوحش.
لم تسمع تلك الجملة بعدما إستسلمت لغفوة عقلها وغابت عن الوعي... رجف قلبه للحظات، حاول إفاقتها لم تستجيب له.. لم يُبالي بشئ وحملها وخرج توجه الى داخل المنزل ينادي على إحد الخادمات بصوت جهور...
خرجن فرح ووالدتها وقبلهن إجلال والبقية
شهقت إجلال عندما رأته يحمل عهد تبدوا غائبة عن الوعي كذالك ثيابها والادهي هو يقف بسروال داخلي فقط،بهذا الطقس والأدهي أمام النساء...
شعرت بغضب قائلة:
فى إيه...مالها عهد.
إقتربن فرح ووالدتها بلهفة وقلق،كانهن لا ينتبهن انه شبه عاري...بينما تحدثت أم صبري بمرح وهمس:
عروستين،طول عمرك محظوظ يا واد يا فاروق.
لم يسمع همسها سوا رابيا التى ابتسمت، بينما تفوهت إجلال:
بسرعة دخلها أوضة النوم.
فعل كما قالت إجلال وضعها على الفراش وتوقف للحظات، دلفت خلفه إجلال ومن خلفها البقية... نظرت له بغضب:
خلاص إخرج إنت وإحنا هنفوقها، روح إستر نفسك الجو برد.
إنتبه لنفسه،بسروال فقط ومُبتل أيضًا شعر بحياء فغادر...
بينما تحدثت إجلال بلهفه لـ يارا قائلة:
يارا هاتي إزازة برفان من عالتسريحة وإطلعي هاتي لها غيار من عندك إنتم قريبين لبعض فى الجسم.
بينما تلهفن فرح ووالدتها والقلق ينهشهن، الى ان فتحت عهد عينيها تهزي:
الوحش العملاق خرج من المايه.
بعد قليل، فاقت كذالك بدلت ثيابها بمساعدة فرح ووالدتها الللتان تبسمن على وصفها لـ فاروق... لكن لذلك تأثير ها هي تعطس مرات خلف بعضها
..
بسبب ذلك تحججت والدتهن قائلة:
واضح أن عهد هتاخد برد هتصل على توفيق يجي ياخدنا.
نظرت لها إجلال قائلة:
لاء بلاش تقلقيه، فاروق يوصلكم.
إبتسمت فرح بخفاء بينما عطست عهد قائلة:
فاروق ده اللى طلع لى من المايه، لاء ده وحش عملاق، إتصلي على بابا.
لم يستطعن إخفاء بسمتهن، وتحدثت والدتها بإستهجان: وهمست جوار اذنها بغضب:
وإيه اللى وداكِ عالبيسين كنتِ إتصلتِ عليا انا او أختك... لكن ماشيه فى بيوت الناس،لينا بيت لما نرجع.
نظرت لها عهد بضيق ثم صمتت.
بعد قليل بالسيارة
جلسن عهد ووالدتها بالمقعد الخلفي..وجلست فرح جواره...كان يعُم الصمت عدا عطسات عهد،ونظرات فاروق لمرآة السيارة الجانبية التي تعكس وجه عهد.
همس لنفسه بإسمها
"عهد"
الإسم له رنين خاص غير مفهوم...
بعد وقت بمجرد ان توقف فاروق فتحت عهد باب السيارة وترجلت لكن سرعان ما شعرت بدوخه بسيطة سندت على السيارة،تلهف عليها سريعًا ترجل من السيارة كذالك فرح ووالدتهن
تحدث بتسرُع:
خلينا نوديها أي مستشفى.
تفوهت بحِدة:
انا كويسة...لما هنام هرتاح،شكرًا لك.
سندتها فرح وذهبن نحو مدخل البِناية، بينما والدتهن شكرت فاروق ولحقت بهن... ظل فاروق يقف للحظات، قبل أن يشعر ببرودة تسري فى جسده، كذالك عطس عِدة مرات... غادر بعدما تمكن منه هو أيضًا التعب.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
صدفة تسمع فاروق حديث والدته مع والدة عهد على الهاتف تتصل للإطمئنان عليها وأخبرتها أنها أصبحت أفضل.
بعد لحظات..دخل فاروق عليها قائلًا:
صباح الخير يا ماما.
ابتسمت له قائلة:
صباح النور،لابس كده ورايح فين.
أجابها ببساطة:
هكون رايح فين،رايح الشغل فى المدابغ.
نظرت له قائلة:
شُغل إيه إنت لسه تعبان.
رد عليها:
أنا بخير يا ماما ده كان دور برد وخلاص أنابقيت كويس جدًا،وأساسًا مكنش يستاهل أفضل يومين فى البيت.
نظرت له بحنان قائلة:
إنت درجة حرارتك كانت وصلت واحد واربعين درجة،كل ده من طلوعك بالشورت فى الجو البرد ده وكمان مبلول..حتى كنت حط الفوطة على جسمك كانت سترتك من العيون،كفاية عيون أم صبري..بصتلك وقالت طول بعرض بهيبة.
ضحك قائلًا:
يبقى الي صابني من عنيها، انا ماليش فى قاعدة البيت... هروح الشغل أشوفك المسا.
لم تستطيع إجلال السيطرة عليه وغادر مُبتسمً... لا تعلم لما شعرت أن هنالك شيء مختلف يظهر عليه غير مفهوم لها.
❈-❈-❈
بينما بشقة والد عهد
مازال تأثير تلك الوعكة عليها، تستسلم للاستلقاء على الفراش تسمتع بالدلال وهي مريضة...
بنفس الوقت صدح رنين هاتف والدتها تبسمت قائلة:
دي الحجة إجلال.. هرد عليها.
تهكمت عهد بينما تبسمت فرح..
بعد لحظات اغلقت والدتها الهاتف قائلة:
الحجة إجلال بتسلم عليكِ، ولما قولت لها إنك بخير فرحت، كتر خيرها دي جت مخصوص تطمن عليكِ.
تبسمت فرح بينما تهكمت عهد قائلة:
كتر خيرها، بعدين ما اللى حصل لي بسبب الوحش إبنها.
ضحكت فرح كذالك والدتها التى قالت لها بلوم:
وهو ذنبه إيه إنتِ اللى كنت بتتمشي فى بيتهم.
نظرت لوالدتها بسخط قائلة:
ده مش بيت.. ده متاهة. عالعموم مش راحة عندهم تاني... وياريت نقطع علاقتنا بيهم... أساسًا بسبب إبنها العملاق ده مش رايحة تاني.
تهكمت فرح قائلة:
مش كتر خيره انقذك... وهو كمان مِرض بسببك.
نظرت لها عهد وضحكت قائلة بشماتة:
أحسن يستاهل.
❈-❈-❈
بعد مرور فترة صغيرة
بإستطبل كبير للخيول
كان ترحيب إجلال ومحي الدين
بـ توفيق وزوجته وإبنتيه.
بعد مرور
رغم أن الطقس ربيعي لكن بسبب المكان المكشوف تسبب فى شعورها بقسوة الشمس تضايقت من ذلك قائلة:
أنا زهقت من الشمس والمكان… ياريتني ما كنت جيت... بس بسبب ضغطك إنتِ وضغط ماما، وحتى بابا كمان عزومة إيه دي مش فاهمة إحنا إيه اللي يربطنا بالناس دول فجأة كده دخلوا حياتنا وتوغلوا كمان… ده كأننا قاعدين في صحرا... لا في نسمة هوا ولا ضل، والكل بيتصنع الضحك كأنهم مش حاسين بالحر ولا الملل... أنا زهقت إمتى نمشي.
نظرت لها فرح قائلة:
بالعكس الجو لطيف كمان المكان والخيول، إنتِ عارفة إنى بحب الخيول، حتى قولت لـ بابا عاوزة اركب خيل، والحمد لله إني لابسه شميز وبنطلون.
تهكمت عهد قائلة:
الحمد لله، عن نفسي، لا بحب الخيل ولا مزارع الخيل وبستغرب عالعيلة دي
بيت زي قصر بتحف وأنتيكات وكمان عندهم مصانع وشركات وكمان مزرعة خيل.
تبسمت فرح قائلة:
لاء سمعت أونكل محي بيقول لـ بابا
إن مزرعة الخيل دي بتاعة فاروق هو اللى غاوي خيل وهو اللى أنشأها وبيشتري الخيول العربية الأصيلة، تجارة وهواية، رغم إنه يادوب بيديرها لكن بيشغل فيها متخصصين، سواء دكاترة او مروضين.
تهكمت عهد قائلة:
آه ما أهو "الملك فاروق" بقي...
توقفت عهد للحظات ثم نظرت لـ فرح بخباثة قائلة:
ليه حاسه إن عندك إعجاب زايد باللى إسمه فاروق ده مع إني حاسة إنه شخص بارد فى تعامله.
إرتبكت فرح وراوغت قائلة:
مش حكاية إعجاب عادي أنا بقولك اللى سمعته و...
قاطع حديثهن صهيل فرس يقترب من مكانهن، لوهله شهقت عهد ونهضت ظنًا أن الفرس يرمح بإتجاههن، وكان ذلك خطأ، حين ركضت تبتعد فمرت من أمام الفرس الذي
...ارتفع صهيله أكثر، مما جعل فاروق يشد اللجام بحرفية كي يُسيطر عليه، لكن حركة عهد المفاجئة أربكت الموقف... في لحظة قصيرة، سقطت أرضًا لولا أن فاروق تمسك باللجام وجذب الحصان للخلف وأوقفه على بُعد خطوات قليلة منها... لكان دهسها
شعرت عهد بألم فى ساقها،بينما ترجل فاروق من على الحصان بلهفة وتركه وتوجه نحوها...بقلق سائلًا بنبرة غضب:
جرالك حاجه.
كأنها نسيت ألم قدمها ووجدت فرصة لتفريغ عصبيتها:
طبعًا هتقولي إني انا اللى غلطانة ومش هتعترف إن إنت اللى غلطان.
زفر نفسه بصبر قائلًا:
فعلًا ده اللى حصل، إنتِ اللى ظهرتي قدام الحصان فجأة تجري، لو مكنتش إتحكمت فيه كان دهسك.
أنهي قوله وإنحني يمد يده لها كي يساعدها على النهوض
بينما هي مازالت غاضبه نظرت الى يده ولم تهتم، حاولت الإرتكاز على يديها وبالفعل حاولت الوقوف لكن بمجرد أن وقفت إختل توازنها وشهقت بألم ولم تستطيع الضغط على قدمها، كادت تسقط مرة أخري لكن تمسك بيدها، بتلقائيه رفعت قدمها المصابة، تلاقت عيناهم، وتباينت النظرات ما بين
إعجاب وغضب.
حاولت سحب يدها منه قائلة بغضب:
سيب إيدي وإبعد عني إنت متفرقش عن الحيوان اللى كنت راكب عليه.
رمقها بنظرة حادة، وبنبرة امتزج فيها القوة والتحذير قائلًا:
إوعي للسانك...و نصيحة مني إياك تعملي حركة زي دي تاني... الخصان حساس، وأي اندفاع غير محسوب ممكن يعرضك للأذى.
تجمدت عهد في مكانها، ترتفع أنفاسها بسرعة من أثر الارتباك من نظرة عيناه التى تحولت الى قسوة... بينما فرح وصلت نحوها أمسكت بذراعها محاولة تهدئتها بعدما شعرت أنها قد تتهجم على فاروق :
إهدي يا عهد… ما حصلش حاجة، إسندي عليا.
لكن عهد شعرت بغضب يزداد... حاولت كبت غضبها... كي لا تظهر انها قليلة الذوق... تحملت غصبً
بعد قليل كانت تجلس تنظر نحو فرح التي تمتطي أحد الأحصنه ويمسك اللجام فاروق، لكن عيناه شبة مُسلطة على عهد بينما فرح رغم انها اول مرة تمتطي خيل لكن كانت تشعر بسعادة، كانت تحاول جذب فاروق للحديث وهو يرد بدبلوماسية...
رات إجلال ذلك شعرت بوجود إنسجام بينهما تنهدت وحسمت قرارها، وكزت محي الذي إنتبه هو الآخر لذلك فتبسم لها بتوافق.
بنهاية اليوم كان الوداع بعد شعور بزيادة تقارُب بين العائليتين وألفة خاصة تزداد.
❈-❈-❈
بعد وقت
دلفت عهد الى الشقه خلف فرح جلست على مقعد بالردهة قائلة:
أنا خلاص كفاية العيلة دي نحس كل أما اقابلهم يحصل لى حاجه لاء والوحش العملاق يجيب اللوم عليا، أنا بقول نقطع علاقتنا بيهم، وبعد كده، لا نعزمهم ولا هما يعزمونا... كفايه يا بابا.
قاطعتها والدتها قائلة:
إنتِ اللى متسرعة، ودول ناس لطيفة إنتِ اللى كده دايما صعب تاخدي عالناس غير بعد مرار...
صمتت للخظات ثم نظرت لـ فرح قائلة:
إسنديها لحد الاوضة بتاعتها.
تبسمت فرح وأخذت فرح وغادرن
بينما ذهب توفيق وزوجته الى غرفتهم... تبسم لها قائلًا:
مش عارف ليه عهد مش من طبايعها تبقي بالحِدة دي مع أي حد.
أجابته ببسمة:
إنت عارف عهد أوقات بتتساخف، بس مش ده المهم قولي، لما قومت مع الحج محي تتمشوا رجعت وإنت بتبتسم.
تبسم لها قائلًا:
الحج محي شبه لمح لى إنه عاوز يخطب لـ فاروق وإن قدامه عروسة وعاوز يفاتح أهلها.
لوهله سئم وجه " ميرفت" قائلة:
طب وإنت داخلك إيه ما هو حر.
تبسم توفيق قائلًا:
حسيت من تلميحاته إن كلامه على فرح.
عاد وجهها للصفاء وتبسمت بتمني:
ياريت، بصراحه كده لما شوفت فاروق وهو ماسك اللجام وفرح عالحصان إتمنيت يكون من نصيبها... الكام مره اللى شوفته فيهم كان محترم وذوق، وكفايه كل مره تتعصب عليه عهد وهو مش بيرد عليها، رغم إنها هي اللى بتكون غلطانه... كمان الحجه اجلال ست محترمة جدًا، كمان لاحظت فرح بتبقي مبسوطة عكس عهد.
تبسم لها قائلًا:
ياريت فعلًا... بس خلي الكلام ده بينا لحد ما نشوف إيه اللى هيحصل بلاش نتعشم بزيادة.
اومأت له بتوافق قائلة:
ماشي، هقوم أشوف عهد وادهن لها رجلها بمرهم بيسكن الألم.
أومأ لها...
بينما قبل لحظات..
تركت فرح عهد قائلة:
هروح أقول لـ ماما تجيب لك مرهم يسكن الألم.
أومات لها عهد وهي تنفخ من الألم...
كان باب غرفة والديها مورابً، كادت ترفع يدهت وتطرق على الباب لكن سمعت حديثهما عن فاروق توقفت وتسمعت على حديثهما كم إنشرح قلبها بسعادة وتمنت ان يصدُق توقع والديها... شعرت بخفقان قوي بقلبها، لحظات هيام... لكن فاقت على نداء عهد، كذالك نهوض والدتها، ابتعدت عن الغرفة قليلًا كي لا يفتضح أمرها.
❈-❈-❈
بعد مرور فترة من الوقت مع بداية النسمات الصيفية..
بترحيب من ميرفت وتوفيق لـزيارة
إجلال ومحي الدين بشقتهما
جلس اربعتهم بغرفة المعيشه بعد حديد ودي بينهما تفوه محي الدين
بص يا توفيق إنت زمان عملت معايا معروف مش ممكن انساه، وكان موقف يدل عالأمانة، وشخص غيرك كان طنش وقال ميهمنيش الأمر، وكان بينا صداقة وبسبب مشاغل الدنيا كل واحد فينا خدته الدنيا... بس القدر صدفة جمعنا تاني، ومن وقتها حصل بينا ألفة وعادت صداقتنا وزادت كمان بتعارف زوجاتنا ببعض وهما كمان حصل بينهم ألفة ومحبه... كمان دخلت بيتنا ودخلنا بيتك بقي بينا عِشرة حتى لو صغيرة، بس تشجعني أتكلم وأتمني إن تزيد متانة علاقتنا ببعض بالنسب بينا... بس بصراحة أنا محتار، وكنت أتمنى أخد البنتين لولادي.
توقف محي للحظات...
تبسم توفيق مُرحبًا بحديث محي قائلًا:
الحمد لله إنت كمان لك مكانه كبيرة فى قلبي.. ويشرفني النسب بينا وكنت أتمنى يكون البنتين من نصيب ولادك، بس للآسف
.... عهد مخطوبة.
رواية عهد الدباغ الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالنادي الرياضي
داخل مربع من الزجاج،
صوت ارتداد الطابة الصغيرة وهي ترتطم بجدار الزجاج، يتردد صداه مع كل ضربة مضرب عنيفة، وصوت “الإسكواش” يملأ القاعة… ثم ساد الصمت لحظة، لحظة إعلان فوز يارا…شعرت بزهو، سُرعان ما نظرت للمنافس الآخر الذي دخل الى المربع لم تهتم وشعرت بغرور على يقين فى المكسب… بدأت مباراة أخرى لكن لم يستمر الحظ، أو بمعني أصح لم يتنازل المنافس عن براعته ويجعلها تفوز مقابل مزايا أخرى مثل الحصول على رضائها … كانت الهزيمة صعبة عليها وسهلة جدًا عليه فهو مُتمرس…
بينما يارا وقفت تلتقط أنفاسها بصدرٍ يعلو ويهبط غيظًا، تبتلع مرارة الخسارة
تقدّمت ببطء نحو الجدار الزجاجي، لمست السطح البارد بيديها كأنها تُحاكمه على انكسار عزيمتها، انعكس وجهها المتعب في الزجاج، مزيج من الكبرياء والخيبة… خلفها، ارتفع صوت بعض المُشجعين ضاحكًا ، فشدت يارا قبضتها على المضرب، غيظها يغلي في عروقها أكثر من العرق الذي يغمر جبينها.
تنفست بعمق، رفعت رأسها بثبات،
ثم التقطت الطابة من الأرض، أغلقت أصابعها حولها بقوة، كأنها تُمسك بوعد جديد بينها وبين نفسها… بينما الآخر نظر لها بنظرات إعجاب، مد يده لمصافحتها قائلًا:
حظ موفق الماتشات الجاية
توقف للحظة ثم إستطرد حديثه يُعرف نفسه لها:
“نديم الجنايني” بطل مصر فى الإسكواش، وتاني العالم.
نظرت نحو يده الممدودة بغرور وتعالي، للحظات قبل أن تمد يدها لمصافحته قائلة بغرور:
معنى كده إني كنت بلاعب بطل عالمي، خِسرت قدامك بنتيجة متقاربة، يعني خسارتي تعتبر مكسب…
أنا “يارا محي الدين الدباغ”
لمعت عيناه بإعجاب لا يستطيع إنكاره رغم شعوره أنها مُتعالية، لكن
ابتسم ابتسامة خفيفة، مزيج بين الإعجاب والتحدي، قائلًا بنبرة واثقة:
واضح إن عندك ثقة بنفسك أكتر من بعض اللعيبة المُحترفين اللي كسبوني قبل كده.
رفعت حاجبها بتحدٍ ساخر، ومسحت بظهر يدها عرق جبينها وهي تتحدث بغرور:
الثقة مش غرور يا كابتن، دي إيمان بقدراتي… وده اللي بيخلي الخسارة عندي مش نهاية، بس بداية لجولة تانية.
ضحك بخفوت، نظر إليها وهو يجمع أغراضه قائلاً:
واضح إن الجولة التانية هتكون نارية… وأنا مستنيها.
رمقته بنظرة حادة كأنها تُعلن الحرب، ثم قالت بثقة:
خليك مستعد، المرة الجاية مش هاسمحلك تكسب.
غادر الملعب بخطوات ثابتة، دون مبالاة… بينما ظلت يارا واقفة في مكانها للحظات، تُراقب انعكاس صورتها في الزجاج مرة أخرى…لأول مرة تشعر بهذا الشعور أن لا تكون محل مدح من أمامها، ذلك المغرور، فاقها فى التعالي حين غادر غير مُباليًا… تحدي دخل الى عقلها لابد لذلك المُتباهي أن يعلم أنها تكون يارا إبنة “محي الدين الدباغ”.
❈-❈-❈
في منطقة شعبية مجاورة للغورية،
داخل منزلٍ قديم في الطابق الثاني…
كانت تجلس على أريكة صغيرة في ردهة ضيقة، تُحاول أن تُخفي إرهاق يومها بابتسامةٍ باهتة رسمتها لوالدتها التي وضعت أمامها صينية صغيرة، عليها كوبان من الشاي وثالثة مملوءة بالماء… ثم جلست بجوارها، وضعت كفها على فخذها برفق قائلة بنبرة يغلب عليها الجشع:
لو كنتِ جيتي بدري شوية كنتِ اتغديتي معايا أنا وأبوكِ،
مطبختش النهاردة، كان عندنا شوية طبيخ بايت اتغدينا بيهم وخلصوا،
وقلت لأبوكِ وهو راجع بالليل يجيب فول وفلافل نتعشى بيهم…
إنتِ عارفة إن مفيش غيري أنا وهو، بنقضيها بأي حاجة تسد الجوع…
بقينا من بعد ما اتجوزتوا إنتِ وأختك،بنقضيها أي حاجة.. كأننا زهدنا في الأكل،
ولا بقى لينا نفس في حاجة.
ابتسمت رابيا بخفوت، تحرك الملعقة في كوبها دون تركيز
تتأمل بخار الشاي المتصاعد ، تشعر بعدم رغبة في شيء فقط تود الصمت، لكن حدثتها والدتها:
ها قوليلي أخبارك إنتِ ومحسن إيه، مجبتيش البنت معاكِ ليه دى وحشاني أوي.
تنهدت رابيا بغصة وتحدثت بخفوت:
محسن بخير الحمدلله، والبنت شبطت فى عمتي مرضتش تجي معايا.
لاحظت والدتها عبوس وجهها كذالك نبرة حديثها المغصوصة.. فسألتها بإستفسار:
طب الحمد لله يارب دايمًا تبقوا بخير، بس مالك
ومالك وشك زعلانه، إيه اللى مضايقك.
نهضت رابيا تحمل كوب الشاي بين يديها تشعر ببرودة تستمد من ذلك الكوب بعض الدفئ ليديها تنظر للا شئ، تشعر بضياع وهي تُجيب والدتها:
مضايقني حياتي مع محسن، حياة جافة مفيهاش روح ولا مشاعر.
تهكمت والدتها بسخط:
مفيهاش روح ولا مشاعر، وبنتك والتانية اللى فى بطنك دي كمان حِبلتي فيها إزاي.
نظرت رابيا لولدتها بعينين غائمتين بالدموع قائلة:
مشاعر فاترة، مفيش إحساس، كأنها واجب مفروض عليه، نفسي أحس منه بشوية لهفة، يقولى كلمة، حتى لو كلمة عتاب، لكن زي اللى بيأدي مهمة ولما هتخلص يبعد عنها، عارفة نفسي أحس منه بشوية إهتمام، أنا لما بشوف عمتى وجوز عمتي، رغم مرور أكتر من تلاتين سنه على جوازهم، بس فى شغف متبادل بينهم بيظهر فى عيونهم أول ما بيشوفوا بعض، بسمته لها، وهو كمان رغم بيبقي تعبان طول اليوم بس بيبصلها ببسمه، … عكس محسن، بحس إن وشه بيتغبن لما بيبص لى..
بحس بوجع فى قلبي..
توقفت رابيا سالت دمعة عينيها ثم تحدثت بندم:
أكيد السبب هو طريقة جوازنا مكنش لازم أطاوعك وأنفذ االى قولت لى عليه وقتها، يمكن…
قاطعتها والدتها بحِدة قائلة بتعسُف:
يمكن إيه… كان زمانك متشحتفه عليه وهو إنتِ ولا فى دماغه…اللى عملته هو اللى غصب عليه يتجوزك… إنتِ اللى خايبه مش عارفة تميليه ناحيتك، إتعلمي من عمتك، وشوفي نحنحتها وكُهنها وإتعلمي منها، وقتها هيلين في إيديك.
بدموع تهكمت رابيا قائلة بيأس وندم:
تفتكري محاولتش مع محسن، بس هو قلبه مقفول من ناحيتي، كتر خيره، لو واحد غيره مكنش بطل فيا معايرة…يمكن سكوته أرحم من إنه يقول كلام يوجعني.
نظرت لها والدتها وزفرت بغضب قائلة:
بناتي الإتنين خايبين واحدة إتجوزت واحد موظف فى التأمينات بمرتب ميكفيش اكل أسبوع…والتانيه فى إيديها النعمة ومش عارفة إزاي تحوط على جوزها.
غص قلب رابيا قائلة بامنية:
ياريتني زي أختي وجوزي بيحبني زيها وأعيش معاه عالحسيرة،ولا إني اشوف فى عنيه ندم ولا مشاعر جافة تنشف القلب.
❈-❈-❈
بشقة توفيق
ذُهل كل من إجلال كذالك محي قائلًا بإندهاش:
عهد مخطوبة.
فسر له توفيق:
مش مخطوبة بمعني الكلمة، بس إبن خالتها طلب إيدها من شهر تقريبًا وهي وافقت، والموضوع مش سري بس خطيبها مسافر دبي، بيشتغل مبرمج فى شركة برمجة هناك، والاتفاق كان فى الصيف هنعلن الخطوبة بحفلة.
نظر محي لـ إجلال هزت رأسها بموافقة.. لاحظ توفيق وميرفت ذلك تنحنح محي فلقد شعر بالكسوف قائلًا:
يبقي ناخد فرح لـ فاروق.
تبسم توفيق قائلًا:
طبعًا يشرفني نسبك يا حج محي، كمان فاروق انا أتعاملت معاه مرات قليلة لاحظت فيه الطموح والأخلاق… بس إنت عارف الأصول الرأي رأي فرح لازم أخد رأيها زي أختها.
أوما له محي بتوافق.
بعد قليل غادر محي وإجلال..
دلفن عهد وفرح الى الغرفة… تبسم لهن نظر نحو فرح قائلًا:
تعالي يا فرح إقعدى جنبي.
جلست فرح لجواره، وضع يده على كتفها قائلًا:
بدون مقدمات
فى موضوع عاوز قرارك فيه… بصي الحج محي ومراته كانوا هنا النهاردة..طلبوا إيديك لـ فاروق إبنهم… ها إيه رأيك.
صمتت فرح تشعر بالخجل كذالك نبضات قلبها تتسارع.
-إيه رأيك.
قالتها ميرفت.
تنهدت عهد لوهلة كادت تعترض لكن سبقتها فرح قائلة بخفوت:
اللى تشوفه يا بابا.
ردها معناه القبول كادت فرح أن تعترض، لكن لاحظت لمعة عيني فرح كذالك تعلم خِصالها جيدًا… لم تُفاجئ بإعجاب فرح بذلك المدعو “فاروق” فهذا كان واضحً مهما حاولت إنكار ذلك… هي ليست تعسُفيه، ربما فرح ترا فيه فتي أحلامها، فصمتت، بينما إبتسمت ميرفت قائلة بمكر:
اللى تشوفيه إنتِ مش باباكِ هو اللى هيعيش مع فاروق، قولى قرارك.
إبتلعت فرح ريقها قائلة بخفوت:
موافقة.
ابتسم توفيق وضمها لصدره بأبوه وضع قُبلة فوق رأسها قائلًا:
طول عمرك خجوله عكس عهد لما قولت لها على طلب خالتك… قالت موافقة يا بابا مباشر.
ضحكت فرح قائلة بمرح:
عشان عهد معندهاش حيا يا بابا.
ضحكت ميرفت تؤكد ذلك، كذالك هزة رأس توفيق بتوافق، عبست ملامح عهد قائلة بإعتراض مرح:
مش قلة حيا طبعًا… بس أنا مش بحب المُحن ولا التردد.. بأخد القرار حتى لو غلط انا اللى هتحمل نتيجته… بس ربنا يخلي بابا، دايمًا مش بخاف عشان هو ورايا.
فتح توفيق ذراعه الاخرى فنهضت عهد من مكانها وجلست جواره ضمهن بين ذراعيه بأبوه قائلًا:
ربنا يبارك لى فيكم ويسعد قلوبكم.
❈-❈-❈
بأحد المطاعم الفاخرة كان يجلس مع أحد العملاء يتحدث عن صفقة لكن ليس كعادته ينهمك فى العمل ولا يهتم بأي شيء آخر لكن اليوم يود إنهاء العمل والعودة الى المنزل…
وها هو سريعًا إنتهي من ذلك اللقاء وغادر متوجهًا الى المنزل، بوقت قياسي… ترجل من السيارة ودخل الى داخل المنزل… بنفس الوقت كان وصول والديه، تبسم لهما.. شعرت إجلال بالآسف فيبدوا أن لديه مشاعر إتجاه عهد كما توقعت،فسابقًا عرضت عليه الزواج كان يُماطل لكن حين فاتحته بالأمس أبدى مواقفة وبالأخص حين ذكرت له إختيار بين
عهد و فرح…إختار عهد…
تنهدت بآسف… نظر محي لـ فاروق قائلًا بإستفسار حول العمل:
خلصت الصفقة مع العميل.
أومأ فاروق برأسه قائلًا:
خلصتها وبالسعر اللى إتفقنا عليه.
ابتسم محي قائلًا:
طول عمرك شاطر وعندك قدرة على الإقناع… رجل أعمال ناجح.
توقف وتنهد بآسف بين نفسه هامسًا لنفسه:
بس باين مقولة”الشاطر سعيد الحظ فى العمل قليل الحظ فى الحب”.
أشار له بالجلوس، فجلس مُترقبً… يود معرفة نتيجة زيارة والديه…
لحظات يتحمل الى أن تفوهت إجلال:
إحنا لما كنا فى بيت عمك توفيق، وزي ما إتفقنا إمبارح، أبوك فتح الموضوع، بس فى مفاجأة إحنا مكناش نعرفها.
صمتت إجلال تتبادل النظر بين محي وفاروق…ثم قالت مباشرة:
عهد مخطوبة لابن خالتها.
صدمة… أذهلت فاروق عاود السؤال:
مين اللى مخطوبة… عهد!
بس دي مش لابسة دبلة.
أجابه محي بتفسير:
أنا ومامتك إنصدمنا كمان، بس توفيق قال إنها مخطوبة وخطيبها فى دبي ولما ينزل أجازة هيعملوا حفلة خطوبة رسمي.
شعر فاروق بارتباكٍ مفاجئ، كأن الأرض انسحبت من تحت قدميه للحظة، لكنه سرعان ما استعاد تماسكه، رفع حاجبه متسائلًا ببرود مصطنع:
خطيبها.. من إمتى الكلام ده.
أجابه محي:
من شهر كده، توفيق قال إن ابن خالتها طلبها رسمي ، ولما ينزل يعملوا الخطوبة.
ظل فاروق صامتًا، نظراته زائغة، كأن ذلك الخبر صفع قلبه.. مشاعر غير قادر على تفسرها.
قاطعت إجلال شرود بنبرة محسوبة:
بس تعرف يا فاروق… انا من الأول مكنتش بحبذ عهد، وباباك إتحرج وكلمه على فرح.
رفع فاروق عينيه نحوها بصدمة دون فهم، فتابعت بابتسامةٍ هادئة:
فرح هادية وعاقله… بصراحة كده أنا ومحي شايفينها أنسب لك
تبادل النظرات مع والديه في صمتٍ مذهول، ثم تحدث ببطء:
فرح!
ابتسم محي مؤكدًا:
أيوه يا ابني، البنت هادية، محترمة، وكلها أدب.
سكت فاروق لحظة، زفر أنفاسه ببطء قائلًا:
موضوع محتاج تفكير يا حاج.
لكن داخله كان عاصفًا… لا يرى في ذهنه إلا وجه عهد، ونظرتها يوم تقابلا آخر مرة… تنفس بقوة قائلًا بتسرُع:
وأنا مستحيل أخذلك يا بابا، أنا موافق على فرح.
نظر له محي قائلًا:
مش حكاية تخذلني… ده حياتك إنت، كمان إحنا مخدناش رد من توفيق قال هيسأل فرح، يمكن تجي من عندهم وميبقاش فى نصيب.
أجابه فاروق بتحدي:
هتوافق، وأنا كمان موافق، حدد معاهم ميعاد للخطوبة ولو جواز يبقي أفضل، حضرتك عارف، إني مش فاضي لفترة خطوبة.
إعترضت إجلال:
بس…
قاطعها فاروق بعناد:
مفيش بس يا ماما زي ما قولتِ كل شئ قسمة ونصيب، وانا مكنش فى دماغي واحدة محددة، عهد من فرح مش هتفرق الإتنين زي بعض عندي…
توقف ثم نهض قائلًا:
عندي شغل مهم لازم اتابعه… والموضوع ده خلاص منهي بالنسبة لى مش هتفرق كتير…اي واحدة فيهم… همشي أنا عندي شغل مهم.
غادر فاروق… بينما نظرت إجلال لـ محي قائلة:
زي ما توقعت فاروق كان عاجبه عهد أكتر من فرح.
تنفس محي بآسف قائلًا:
واضح جدًا، بس ده النصيب… كمان لسه قرار توفيق وبنته، ياريت تجي منهم ويرفضوا… لاول مره أبقي عاوز الرفض يجي من عندهم.
نظرت له إجلال بدهشة:
إنت بتقول إيه يا محي.
أجابها وهو يمرر كفه على وجهه بتعب:
أيوه، عاوز أسيب القرار في إيد القدر… فاروق بيكابر على نفسه، الصدمة خلته مش عارف هو عاوز إيه… هو وافق على فرح عِناد.
أخفضت إجلال رأسها في صمت، ثم قالت بنبرة أمٍّ يختلط فيها الخوف بالحنان:
مش يمكن تكون فرح بالنسبه له أفضل من عهد… أنا إتعاملت مع الإتنين… عهد مندفعه كمان شعنونه.. لكن فرح هادية وعاقله… ودي الشخصية اللى تناسب فاروق أكتر.
أومأ محي موافقًا، ثم تمتم بصوت خافت كأنه يكلم نفسه:
أنا كمان شايف كده، بس خايف نكون بنظلم الإتنين، ونبقي بنعيد حكاية
محسن ورابيا.
نظرت له اجلال بنفي قائلة:
مالهم محسن ورابيا… تفتكر محسن لو مش عنده قبول لـ رابيا كان جوازهم إتحمل خمس سنين، وفرح مش زي رابيا ولا فاروق زي محسن… بلاش نتشائم، مش يمكن أختيار القدر هو الأفضل.كتب صوتية
بإستطبل الخيل
إمتطي فاروق إحد الخيول… هرول به فى المضمار بسرعة كبيرة، يلفح الهواء البارد وجهه يشعر كانه لسعات ساخنه تُصيب قلبه، يحاول نفض رأسه عن التفكير، مضي وقت، شعر بإرهاق الجواد، توقف وترجل من عليه، وقف ينظر امامه،لكن هنالك خيال عاد لرأسه،إصابة عهد هنا،حديثها الجاف،اعاد برأسه عدد مرات لقائهم…طريقة حديثها معه كانت جافة…هو كان يظن أن ذلك دلال منها ،لكن هي كانت طبيعتها الخاصة…
إذن لا داعي للتفكير كثيرًا… فربما ما يكنه لها كانت فقط مشاعر إعجاب، وإنتهت من الآن… هو ليس الشخص التى تُسيطر عليه مشاعر قلبه، أو بالاصح مشاعر عابرة.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
كان رد توفيق بالموافقة على عرض محي، وتم تحديد موعد للخطوبه أو بالأصح
خطوبة وعقد قران…معًا
وها هو اليوم الذي تم تحديده لـ عقد قران فاروق و فرح.
صباحً
بمنزل محي
بغرفة الرياضة
كعادته حين يكون هنالك أمرًا يؤرق تفكيره… وهل هنالك أمر أكثر أرقًا من عقد قرانه مساء اليوم
خلف إحد الاجهزة الرياضية
رفع يده يجفف العرق عن جبينه، بينما عينيه مُعلقتان في الفراغ كأنه يبحث عن إجابة وسط ضجيج الصالة الخافت…
منذ أن استيقظ وهو يشعر أن اليوم أثقل من طاقته… ليس خوفًا، بل مزيج غامض بين القلق واليقين، بين الرغبة في الإقدام والتوجس مما سيأتي.
سمع خطوات تقترب خلفه، وصوت مألوف يقول بنبرة مازحة:
يا ملك ريح شوية، ده مش وقت رياضة عنيفة ترهق جسمك، ده وقت المفروض تجهز نفسك لكتب الكتاب.
التفت فاروق، ابتسم بفتور قائلًا:
بنشط جسمي، بقالي فترة كنت مهمل التمارين.
جلس محسن على مقعد قريب، نظر إليه بتفحص قائلاً:
واضح إنك مش مقتنع مية في المية، ولا أنا غلطان
صمت فاروق، شد أنفاسه، ثم تحدث ببطء:
مقتنع مش مقتنع مبقتش تفرق…خلاص نفد وقت التراجُع… وساعات اللي مش مقتنع بيه بيكون الأفضل.
هز محسن رأسه بتفهُم، قائلًا وهو يتأمل انعكاسهما في المرآة الكبيرة أمام الأجهزة:
طبيعي تخاف، الجواز مش تمرين يومي… ده قرار عُمر يا فاروق، ممكن عقوبة… كان نفسي تدى لنفسك وقت للتفكير أكتر.
ضحك فاروق بخفوت وهو يُمسك زجاجة المياه:
قرار عُمر… ولا عقوبة مؤبدة… كله واحد
بنفس الوقت دلف محي الى الغرفة وسمع حديث فاروق
رمقه بنظرة جانبية وتحدث بعتاب خفيف:
قول كلام غير كده، فرح بنت محترمة، ومامتك فرحانة بيها كأنها بنتها وتعرفها من سنين… واثق إنك مع الوقت هتقول كان أحسن إختيار
جذب فاروق قنينة مياة وشرب منها وضع القليل فوق رأسه ثم عبث بغطاء الزجاجة بين أصابعه قائلًا بصوت أقرب للهمس:
أنا مش بزهد فيها يا بابا، بالعكس…
ساد صمت قصير، وهو يرفع نظره نحو المرآة، يرا حالة شعره المبعثر، هو داخيًا هكذا مُبعثر..
قطع محي الصمت بنبرة حازمة:
العروسة اسمها فرح. يمكن الاسم يكون بشارة خير.
ابتسم فاروق قائلًا:
وإحنا كلنا مستنيين الفرح ده، مش بس بالاسم.
تبسم محسن بأمل قائلًا:
طب كفايه بقي تمارين، روح خُد دوش وخلينا نلحق نحضر نفسنا قبل ما ماما تقلب عليك الدنيا.
ضحك فاروق، كذالك محي وكنان الذي دلف وألقي حقيبة ملابسه أرضًا قائلًا:
وصلت قبل كتب الكتاب أخيرًا هشوف عروسة “الملك”
دي تاخد وسام وخمس نجوم، أنها أقنعته يدخل القفص.
كانت بسمة فاروق باهته.. كذالك محسن الذي حاول أن يجعل فاروق يتراجع كي لا يعيش حياة باردة وجافة مثله.. لكن يبدوا أن النصيب هو صاحب القرار دائمًا.
❈-❈-❈
بمنزل توفيق
كانت التحضيرات الاخيرة
زي العروس المناسب، لكن كانت المفاجأة لـ عهد حين دلفت الى الغرفة… نظرت بإنبهار لـ فرح قائلة:
الحجاب عليكِ يجنن… مين اللى أختار ليكِ الفستان ده…وصل إمتى وانا مشفتوش…ده فستان روعة.
أجابتها فرح:
بجد الفستان حلو والحجاب لايق عليا.
أجابتها بتأكيد:
ده روعة… ده ممكن اللى إسمه فاروق يقولك مش بس كتب كتاب، لاء انا هاخدها معايا… والله إنتِ خسارة فيه، بس نقول إيه، القلب ما يختار بقي، اوقات بيعمي النظر.
ضحكت فرح قائلة:
مش عارفة ليه واخدة موقف من فاروق مع إنه شخص لطيف.
-قصدك سخيف.
ضحكت فرح قائلة بعتاب:
لاء طبعًا ومن فضلك بلاش الكلام بالطريقه دي ده “الملك”.
ضحكت عهد قائلة:.
قصدك الملك المخلوع.
نظرة عتاب من فرح.. ضحكت عهد وهي تضمها قائلة:
خلاص هتحمل سخافته عشان خاطرك… بس قوليلي من اللي أقنعك بالحجاب كمان الفستان ده إختيار مين.
اجابتها:
فاروق اللى أقنعني إن الحجاب زينة المرأة واللى بعت الفستان ده وكل مستلزماته طنط إجلال، وإتصلت عليا، وقالت لى إن فاروق هو اللى إختار الفستان… ذوقه حلو أوي.
ابتسمت عهد بتوافق قائلة:
هو هيبدأ يفرض أوامره عليكِ،خلي لنفسك شخصية قدامه.. بس مقدرش أنكر
طبعًا ذوقه حلو والدليل إنه إختارك. نشن مظبوط… ربنا يهنيكِ يارب.
ابتسمت فرح بسعادة قائلة:
مش بيفرض عليا، أنا كنت عاوزة البس الحجاب من فترة بس كنت متردده وهو شجعني…
وإنت كمان خطيبك هينزل قريب وهتبقي أحلى مني.
عارضت عهد قائلة:
لاء أنا هتبقي خطوبة بس مفيش كتب كتاب قبل ما أخلص دراسة وأشتغل كمان…أحب أبقي شخصية مُستقلة…قبل شخصية مسؤولة.
ضحكت فرح قائلة:
الله يكون فى عونه،بأفكارك اللى فى دماغك،أوقات بحس إن خالتو بتدعي على إبنها إنك تكوني من نصيبه ده أكبر مشكلة فى حياته.
نظرت لها عهد بعتاب مرح فضحكن الإثنتين معًا بنفس الوقت.
دلفت عليهن ميرفت نظرت الى فرح سهمت لدقائق تتمعن النظر لها وتدمعت عينيها ثم ضمتها بحنو قائلة:
بسم الله ما شاء الله قمر والحجاب زادك جمال فوق جمالك.
نظرت لهن عهد بمرح قائلة:
أما أشوف هاخد حضن وشوية دموع زي دي يوم خطوبتي،ولا أنا ماليش غير فى الزعيق بس.
ضحكن الإثنين وتفوهت ميرفت بمرح:
دا أنا هقوله خدها معاك،وربنا يصبرك على ما بلاك..كل واحد يتحمل نتيجة إختياره.
لوت عهد شفتيها بإعتراض فضحكن عليها.
❈-❈-❈
مساءُ
حفل بسيط بشقة توفيق إختصر على العائلتين فقط
جلست فرح هادئة، تشعر بالخجل ينصهر وجهها احمرارًا زادها جمالًا فوق جمالها.. في الحقيقة، هي أجمل من عهد… كذالك خجلها الدائم وهدوؤها يُضيفان عليها وقارًا رقيقًا يأسر الأنظار…
كانت تشعر بنبضات قلبها تتعالى، خفقان متلاحق يكاد يجعل صدرها يتراقص في تلك اللحظة، منذ أن تقابلت بعيني فاروق للمرة الأولى، وشيء ما داخلها تغير… كأن قلبها، الذي كان مطمئنًا منغلقًا، فُتح فجأة على مشاعر لم تعرف لها وصفً.
رفع فاروق نظره نحوها ابتسم ابتسامة صغيرة لم تدم أكثر من ثوانٍ، لكنها كانت كافية لتبعثر هدوءها تمامًا… خفَضَت بصرها سريعًا ، تُخبّئ ارتباكها في محاولة يائسة لتبدو متماسكة.
وفي تلك اللحظة،إنحنت أمامهما عهد بصنية عليها كأسين وتبسمت بصفاء ودفئ قائلة:
ألف مبروك.
نظر فاروق نحوها وتلك الابتسامة الصافية على وجهها شعر بإستفزاز…لكن تجاهلها… وهنالك شعور غريب… يشعر به نحو فرح دفء خفيف يسرى في صدره، لم يشعر به من قبل. ربما كانت هي فقط، بوجهها الهادئ وعينيها الموشحتين بالخجل، السبب في هذا الاضطراب الجميل الذي اجتاحه دون إنذار.
بعد وقت إنتهي عقد القران
انفضّ الجمع تدريجيًا بعيدًا عن العروسين.. وبدأت الأحاديث تخفت شيئًا فشيئًا، حتى لم يبقَ سوى فرح وفاروق معًا فقط بالغرفة.. . كانت فرح ما تزال تجلس في مكانها، أصابعها تعبث بطرف فستانها بخجل،
التفت فاروق نحوها، تردد قليلًا قبل أن يخطو خطوة خفيفة باتجاهها،جذب كأس العصير وجهه نحوها قائلًا بنبرة صوت هادئه ودافئة:
إتفضلي.
رفعت نظرها نحوه بتردد، ارتبكت قليلاً وأخذت الكأس من يده تهمس وهي تبتسم بخجل قائلة:
شكرًا .
ارتشفت القليل ثم وضعت الكأس على المنضدة.. ثم
ساد صمت قصير بينهما، لكنّه لم يكن صمتًا مزعجًا، بل مفعمٌ بشيءٍ لطيف،
تنحنح فاروق في محاولة لكسر التوتر قائلًا: الحفل كان بسيط، بس حلو… يمكن البساطة بتخلي الحاجة تبقى أصدق.
ابتسمت فرح وهي تهمس:
أيوه… البساطة بتخلي كل حاجة تحسها قريبة من القلب.
تبادلا نظرة قصيرة، ثم سرعان ما صرفت عينيها في خجل، لكن تلك اللحظة الصغيرة كانت كافية لتزرع بينهما بذرة وِد خفية وهادئة… تمامًا كالحفل الذي جمعهما.
بعد قليل
دلف كل من عهد ومعها كنان يبتسمان وهما يتحدثان، بود.. نظر فاروق نحو عهد وطريقة حديثها مع كنان، كانت لطيفة عكس حديثها الجاف معه دائمًا .. تبسم بتكلف خفيف كمن يُخفي امتعاضه، وكأن شيئًا ما في صدره ضاق دون إذنٍ منه… تابع نظراته نحوهما، يراقب كيف تضحك وهي تميل برأسها قليلًا، وكيف يبادلها كنان ذلك الحديث المازح…
انقبض قلبه رغم محاولته التظاهر باللامبالاة، فابتسم مجددًا ابتسامة باهتة وأدار وجهه نحو فرح ك يبحث عن شيء آخر يشغله… لكن عيناه خانتاه، فعادتا تتسللان نحوها دون وعي..لكن سُرعان ما حايد النظر لها وركز نظره مع فرح…مُنهيًا قصة لم تكُن لتبدأ،فأمامه
بداية أخرى.. تستحق نقطة ومن أول السطر في بداية حكاية… يعلم أنها ستُغير كل شيء مستقبلًا.
رواية عهد الدباغ الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد وقت قليل
بمنزل الدباغ
بـ شقة محسن
دلف وهو يحمل صغيرته الناعسة بين ذراعيه، وخلفه كانت رابيا تتبعه بخطوات هادئة… توجها معًا إلى غرفة الصغيرة، وضعها على الفراش برفق، وتبادلا ابتسامة حين همهمت الصغيرة بكلمات غير مفهومة، وهي تسبح في عالم أحلامها الصغير
جلست رابيا على طرف السرير، وبدأت في تحريرها من فستانها الوردي الصغير، ثم نهضت وأحضرت منامة أخري لها ، وألبستها لها برفق، كانت الصغيرة مستسلمة تمامًا لسُباتٍ عميق…
ظلّ محسن واقفًا يرقبهما في صمتٍ مبتسمً كأن المشهد أمامه لوحة مكتملة المعاني…
حين اعتدلت رابيا من جوار الصغيرة، اقترب منها بخطوات بطيئة لف يده حول خصرها وضع قُبلة على وجنتها… إتسعت عيني رابيًا ونبض قلبها بجنون..
رفعت عينيها له، وابتسمت بخجلٍ دافئ..
مرّر أنامله على وجنتها، شعر بسخونه..إبتسم وذهب نحو الصغيرة،إنحني وضع قبلة على وجنتها برفق، ثم إعتدل وذهب نحو رابيا عاود وضع يده حول خصرها وجذبها للسير طاوعته رابيا، أطفأت ضوء الغرفة الا من مصباح الصغير بجوار السرير، لتغمر الغرفة سكينة ناعمة لا يُسمع فيها سوى أنفاس الصغيرة المنتظمة…
خرجا معًا بخطواتٍ هادئة، وارب محسن الباب خلفهما في صمتٍ يشبه الوعد بالطمأنينة.
سارا بخطواتٍ هادئة نحو غُرفتهما، تتقدمه وهي تُمسك طرف وشاحها بخفة، وما إن دلفا حتى أغلقت الباب خلفهما…
تنفّس محسن بارتياح وهو يخلع سترته، ألقى بها على احد المقاعد،، ثم التفت إليها بعينين دافئتين وقال بنبرةٍ مرهقة لكنها مليئة بالحنان: كنتِ تعبانة النهارده… باين عليكِ مجهدة.
أجابت بابتسامة خفيفة وهي تفك حجابها:
شوية بس، اليوم كان طويل. بس دلوقتي… كل التعب راح.
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، حتى صارت المسافة بينهما أنفاسًا متقاطعة، رفع يده يُبعد خصلةً انسدلت على وجهها، يمسكها بين انامله وتحدث بصوت خافت يشبه الهمس:
إنتِ حلوة أوي يا رابيا… فاكر لما كنا صغيرين كانت ماما بتحب تسرح لك شعرك… كان نفسي أحس بملمس شعرك.
رغم سنوات زواجهم تبسمت بخجل، يخفق قلبها
اقترب أكثر، ضمها إليه برفق، بتلقائية استندت برأسها على صدره في سكون مطمئن، وتناوبت أنفاسهما على نسج لحظة من الدفء الخالص… لحظة لم يكن فيها سوى حديث صامت… لكن قلب رابيا ينبُض بعشق وهي بين يديه يُقبلها لمساته الناعمة… كأنها المرة الأولى لهما معًا، مشاعر مختلفة لأول مرة كذالك صراع غير معروف سببه يشعر به محسن الليلة لا يعلم سبب لذلك الهدوء النفسي الذي إفتقده منذ سنوات…لأول مره يكون مع رابيا بالفراش،لا يشعر أن ما يحدث بينهما مجرد تأدية واجب… أو بالاصح مشاعر سهل حدوثها بين أي إثنين بلا مشاعر… كنزوة… او حتى نزعة إنسانية…
الليلة كل ذلك لا وجود له، حتى بعد إنتهاء تلك اللحظات، لم يفعل كما كان بالسابق.. يستلقي على الفراش ينظر للا شيء… الليلة نظر نحوها ابتسم، وليس ذلك فقط… بل جذبها عليه يضم رأسها لصدره…
لوهلة فوجئت من ذلك وكأنها فقدت الإدراك للحظات قبل أن تضع يدها فوق صدره، تتلمس بأناملها ذلك الخط الذي بمنتصف صدر محسن…
خط أو أثر ندب… مازال محفور فوق جِلد صدره، رغم مرور سنوات على سبب ذلك الجرح العميق.
شعر بلمساتها أغمض عيناه وكأن الذكري تمُر أمام عيناه
بالعودة لسنوات بعيدة
كان بعمُر الثالثة عشر طفل ليس مُدلل كذالك يعيش طفولته مع أخواته… يمرحون ويلهون لكن فجأة سقط أرضًا يتنفس بصعوبة
لهاث والنفس ينقطع… صرخت يارا فجاء فاروق… ذُهل هو الآخر من منظر محسن، هرول للداخل وجذب والدتهم ذهبت معه الى مكان محسن، بمجرد أن رأته كاد قلبها أن يخرج من صدرها، تحاملت على نفسها وحملت محسن وخرجت للشارع أشارت لسيارة أجرة… وضعت محسن بها ثم نظرت الى فاروق قائله بأمر:
خلى بالك من إخواتك.
بالفعل ضم فاروق يارا، كذالك كينان الصغير الباكي وقتها، حاول تهدئته حتى نعس…
بينما إجلال كأن هنالك صبرًا نزل على صدرها،وهي تحاول تدليك صدر محسن ربما يتنفس بروية…الى أن وصلا أمام إحد المشافي الخاصة،ترجلت سريعًا صرخت فى الإستقبال تطلب المساعدة التى تمت سريعًا ودخل محسن الى غرفة العمليات…وضع على جهاز التنفس قبل أن يكشف عليه الطبيب،ويطلب عمل إشاعة بصورة سريعة…بعد وقت خرج الطبيب تلهفت عليه إجلال سائلة بلوعة:
إبني يا دكتور.
أجابها بعمليه:
الحمدلله التنفس تقريبًا رجع بصورة أفضل،وعملنا إشاعة عالصدر،ومنتظر نتيجتها،وإن شاء الله خير.
كلمات قليلة لكن لا تُعطي
الطمأنينة الكاملة.. التي تود سمعها كأُم تتشبث قلبها بخيط من الرجاء…
ظلت واقفة أمام باب الغرفة، كأنها تنتظر أن يخرج محسن بابتسامته المعتادة ويخبرها أنه بخير، أن كل هذا مجرد حلمٍ مزعج…
لكن صوت الأجهزة الطبية، وصفير الأوكسجين، وأنين الأجهزة الباردة جعلها تشعر بأن الأرض تميد تحت قدميها…
رفعت يديها تدعو بصمت، بينما عيناها لا تبرحان ذلك الباب المغلق…
كانت تتنفس بصعوبة كأنها هي من تختنق، كأن كل نفسٍ يخرج من صدر محسن يسحب من صدرها هي الأخرى نسمة حياة…
لحظات مرت ببطءٍ ثقيل، كأن الزمن نفسه يراقبها دون رحمة…
حتى عاد الطبيب، يحمل بين يديه أوراق الأشعة، وملامحه لا تُقرأ…
اقتربت منه خطوة، ثم خطوة أخرى، وابتلع حلقها الخالي من اللعاب وسألته بصوتٍ مرتجف:
ـ طمّني يا دكتور… محسن إبني بخير.
أجابها الطبيب بنبرة حاول أن يجعلها هادئة قدر الإمكان:
للآسف
الأشعة بينت إن عنده كسر فى عضمة من الصدر والعضمة إخترقت في عضلة القلب، الحالة محتاجة تدخُل جراحي،لازم نعمل له عملية فورًا وهحتاج مسؤول يمضي على أوراق دخوله العمليات..
نزلت الكلمات على سمعها كانها وقع على صدرها صخرة ثقيلة، ارتجفت شفتاها، لكن لم تخرج صرخة…. مدت يدها تتحسس الجدار خلفها لتستند إليه، بينما عيناها تجمدتا على الباب المغلق من جديد، تهمس لنفسها كأنها تعاهدها:
إزاي العضمة دي إتكسرت… ده هو بالذات دون عن ولادى كلهم من صغره عمره ما إشتكى من حاجه بتوجعه، حصل كده فجأة… إزاي … قولي يا دكتور أنه هيعيش.
أجابها الطبيب برأفة قلب:
إن شاء الله،كل شئ بأمر الله،والعمليات دي مبقتش صعبة زي زمان،وكمان المريض بيتعايش بصورة جيدة،خلي عندك أمل فى الله.
بلا وعي رددت:
وأنا حيلتي غير الأمل فى ربنا…
وكان أملها هو الحياة الجديدة التي عاد لها محسن…لكن كان لذلك..أضرار أخرى رغم شفاؤه بدرجة كبيرة..ددون أثر غير ذلك الندب الكبير فى جسده…لكن ظل ذلك الحادث له تأثير،فالبعض ظن أن ما حدث انه أصيب بداء العُضال “القلب” وان لذلك تأثير على حياته مستقبلًا…كذالك والديه اللذان خلف ذلك رهبة وخوف دائم عليه… حتى والده لم يقسو عليه بالعمل وكان يختار له العمل الخفيف عكس فاروق الذي كان يُثقل عليه… كان هو واجهه أنه الأقرب الى والده فقط كمنظر لبث
القوة فيه… لكنه يُدرك جيدًا، أن فاروق الأقوى بدنيًا وذكاءً… رغم ذكاؤه هو الآخر فى الإدارة،وفكرة إنشاء مصنع للجلود،ليرفع من إمبراطورية محي الدين الدباغ.
على أنفاس رابيا الدافئة فوق صدره فتح عينيه،وترك خيال الماضي…نظر نحو وجه رابيا…
جميلة…وهادئة…ودائمًا تحاول أن تنال لو جزء صغير فى قلبه…راضية بمشاعره القليلة التي يجود عليها بها…ربما ما جعله يتغاضي عن سبب زواجه منها أنها بالتأكيد لم تُشارك فى نصب ذلك الفخ…وأنه من صُنع زوجة خاله،وهما الإثنين وقع ببراثن الفخ…لكن رغم مرور سنوات مازال قلبه لم ينبض نحو رابيا،فقط يراها زوجة لطيفة المعشر… لكن لديها نواقص،لا يدري ما هي،هو كان يود زواج عن حُب،أو حتى إعجاب أو إقتناع،لا زواج مفروض عليه من فتاة كان يراها بصورة أخرى كأخت،حتى لم تصل لمرتبة صديقة يستطيع التحدث معها دون شعور بالحرج أو تكلف، دائمًا هناك مسافة تفصل بينهما، مسافة غير مرئية لكنها قاسية…
هو لا يكرهها، لكنه أيضًا لا يحبها… يعيش معها بروتين بارد، وهدوء خال من الشغف…
ربما لأنها لم تُشعل فيه يومًا شرارة الحب، أو لأنها تشبه الأمان أكثر مما تشبه الحب…
كان يتمنى امرأة تُربكه، تُغضبه، تُثير فيه الفضول والرغبة في الفهم… لا امرأة كالمهد، تسكنه كأنها تضعه في غيبوبة عاطفية طويلة…
ومع ذلك، كان يُدرك أنها ليست السبب في فتور قلبه، بل هو، ذلك القلب الذي انكسر حين سُلب منه اختياره، ولم يُمنح فرصة أن يختار بقلبه قبل عقله.
أما رابيا فالليلة تشعر كأنها تهيم فوق السحاب، هي راضية بالفتات من مشاعره.
❈-❈-❈
بغرفة فاروق
إستلقى على فراشه رفع يده وضعها فوق رأسه، لمع بعينيه ذلك الخاتم الذي ببنصره…
تأمل النظر فيه وهو يتذكر قبل وقت قليل
بعد إنتهاء عقد القران..وضعت والدته أمامه علبة مُخملية…وفتحتها تبسمت قائلة:
خلاص بقت مراتك رسمي لبسها الشبكة…
بالفعل لم يعترض، ولبسها إياها بسرعة كآنها مهمة يود الانتهاء منها حتى خاتم الخطوبة وضعه بوسط بنصرها ، لكن لتوتر فرح حين جاء دورها بوضع خاتم الخطوبة ببنصره، إرتعشت يدها وسقط من بين أصابعها.. إبتسم الجميع، كذالك عهد التى إلتقطت الخاتم وذهبت به وأعطته لـ فرح فأخذته منها وهي تبتسم، وضعته ببداية بنصر فاروق الذي سحب يده حين شعر برعشة يدها، وأكمل سحب الخاتم لنهاية إصبعه… لحظات كان يتمناها بشكل آخر، بل بصورة أخري كانت اليوم أمامه تتجول تبتسم وتُجامل برِقة، ووهج خاص بها، عكس خجل فرح المُستفز.
ترك النظر للخاتم، حين سمع صوت طرق على الباب ثم فتحه ورأس كنان تظهر من خلفه مُبتسمًا يقول:
أدخل ولا هتنام.
ابتسم فاروق قائلًا:
براحتك، أنا بقول تخلي عندك ذوق وتروح تنام، أنا مُرهق.
بإستفزاز من كنان دلف الى الغرفة قائلًا:
أنا كمان مُرهق، كفاية تدريبات العسكرية لكن إنت،الليلة كنت “الملك”عروستك قمر عرفت تختار،بس خجولة أوي،عكس أختها حسيت إنها إجتماعية أكتر،وإتصاحبنا وخدت رقم موبايلها…أخوك مش بضيع وقت،شكلنا هنبقي نصايب فى المستقبل.
شعر فاروق ببوادر غِيرة ونظر له بعدم فهم سائلًا:
نصايب إيه.
تدارك كنان قائلًا:
غلطة لغوية،قصدي نسايب،إنت تاخد الكبيرة وأنا أخد الصغيرة،خلاص هانت وقربت أخلص فترة الجيش،وهستلم تعيني كـ معيد فى الجامعة و..
فهم فاروق مغزى حديث كنان،لو لم يعلم أن أكثر من نصف حديثه مزح لكان نهض وخنقه،لكن نظر له باستخفاف قائلًا:
لا تأكد مستحيل نبقي، لا نصايب، ولا نسايب لأن الصغيرة مخطوبة، فوفر رغيك وقوم روح اوضتك وسيبنى أنام أنا مش صايع زيك وعندي أشغال لازم تخلص، يلا قوم.
بإستفزاز، تمدد كنان قائلًا:
أشغال إيه.. أنا هنام هنا… بعدين مالك اتعصبت عليا كده ليه، هتعمل زي أخوك محسن من يوم ما إتجوز وهو بقي عصبي، هو الخطوبة والجواز بقوا ببجبوا عصبية ولا إيه.
نظر له فاروق بضيق قائلًا:
بكره تجرب بنفسك ودلوقتي عاوز تفضل، تفضل ساكت أنا مصدع.
نظر له كنان قائلًا:
هو فى إيه البيت ده ماله، روحت للـ البت يارا عشان أغلس عليها شوية، لاقيتها متشقلبة رأسًا على عقب،بسألها تقولى يوجا
البت قربت تختفي،واتعصبت عليا وطردتني،مفيش قدامي غير أروح أنام فى حضن ماما،بس بس الحج فاروق ممكن لو غلست عليه يحرمني من الميراث.
غصبً ضحك فاروق قائلا بوعيد :
وملقتش غيري تغلس وتنكد عليه…عارف أنا مصدع وكلمة كمان أنا هقوم أخقنك،عاوز تنام هنا تنام ساكت،غير كده كلمة واحدة أنا مش هقول أخويا الصغير،أنا هقوم أتمرن فيك بوكس هتعامل معاك معاملة كيس الرمل.
أشار كنان بيده على فمه علامة الصمت،فأغمض فاروق عيناه لكن سرعان ما فتح عيناه حين تحدث كنان،نهض يجذب وسادة ودثار قائلًا:
انا سايب لك الأوضة هروح أنام فى أوضة الجنينة.
فتفوه كنان بحماقة:
اللى جنب أوضة الكلب بتاعي اللى إغتالته ايادي الشر.
نظر له فاروق قائلًا بإستهزاء:
إغتالته إيه.
فأجابه:
كان كلب لولوه ورقيق،مش ذنبه الفضول وحب يتعرف على اهل الشارع،وعض الواد صبري وكدب وقال إن الكلب إتسعر،وبدأ يطارده لحد ما إندهس بين عجلات موتوسيكل الواد صبري..هو قاتل وكان قاصد بينتقم من الكلب.
نظر له فاروق قائلًا:
كلب لولوه ده كان نص طولك،وكان كلب شوارع وجربان
دا أنا لو مكان صبري كنت ضربته بالرصاص،وكان مسعور فعلًا.
-قلوبكم قاسيه،يلا ربنا يرحمه،بفكر لما أخلص جيش أربي قطط شيرازي،بتعجب البنات.
نظر له فاروق وزفر نفسه بصمت وغادر يصفع الباب بقوة،إرتج كنان قائلًا:
معرفش ليه اتعصب وساب الاوضة…
سُرعان ما ضحك قائلًا:
أكيد حجة عشان يروح يكلم الموزة خطيبته.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة اسابيع
صباح
وقفت إجلال أمام فاروق قائله بلوم:
على فكرة إنت غلطان قولى خاطب مكملتش شهر، قولى فى الشهر ده روحت لخطيبتك كام مرة، خدتها وخرجتوا سوا… دي بنت ناس وهتبقي، أو شبة بقت مراتك خلاص لازم تكلمها عشان تتعودوا على بعض شوية.
تنفس فاروق بملل قائلًا بجمود:
ماما أنا مش فاضي للخوارات التافهه دي، ولا ليا فيها، أنا كلمتها عالموبايل كذا مرة.
رمقته إجلال بنظرة حادة قائلة له بغضب :
كلمتها عالموبايل، وده هيقرب بينكم، والشغل مش أهم حاجة فى الحياة، فين المشاعر الإنسانيه.. إنت بقيت شخص مسؤول عن خطيبتك اللى تعتبر مراتك دي بنت ناس ومتحملة برودك… كتر خيرها إنها متحملة تجاهلك لها، فترة الخطوبه هي أحلى فترة بين أي إتنين مرتبطين ببعض،فيها الوِد والفرحة، بكره فى المستقبل هتندم إنك ضيعت زهوة الفترة دي… فرح بنت زي بقية البنات محتاجه تحس بشوية إهتمام منك، إتصل عليها واطلب منها تخرجوا سوا، أو حتى تزورها فى بيت أهلها، أنا وباباك وشنا بقي فى الأرض منك، ناقص يقولوا إنك إتغصبت عالجوازة، مبقاش ينفع إنت كاتب كتابك على فرح هتتحسب عليها جوازة قدام الناس، حاول تدي لـ فرح مساحة ومتأكده هتحبها، لكن طول ما إنت قافل على قلبك ومشغل عقلك هتخسر كتير، أنا بقولك بلاش تضيع أحلى فترة فى حياتك، الشغل مش هيخلص، لكن القسوة بتفضل معلمة فى القلوب.
تبدلت ملامح فاروق للحظة،
كأن كلمات إجلال اخترقت جدار الجمود الذي بناه حول نفسه، لكنه سرعان ما أخفى اضطرابه بنفس عميق وزفرة ثقيلة، ثم تحدث ببرودٍ مقصود:
ماما، الموضوع مش قسوة… أنا مش ضد فرح، بس مفيش بينا حاجة تخليني أتعامل معاها كأننا متجوزين خلاص…
أنا… بحاول أديها حقها، بس مش عايز أمثل مشاعر مش موجودة.
تفوهت إجلال بحدة ممزوجة بالألم:
ومين قالك تمثل المشاعر بتتولد بالاهتمام، بالرعاية، مش بالسكوت والتجاهل
صمت هو، ينظر أرضًا، وصوتها يجلجل في أذنه كأنها تصفعه بالحقائق التي يهرب منها.
مرت ثوانٍ طويلة قبل أن يقول أخيرًا بنبرة إستسلام :
حاضر يا ماما… هحاول.
ابتسمت إجلال رغم الشك في عينيها، قائلة بنعومةٍ تخفي تعبها:
هو ده اللي عايزاه منك يا ابني، بس جرب… جرب تفتح باب قلبك شوية… ومتأكدة هتحب فرح.
غادر فاروق يتردد بعقله حديث والدته
تداخلت في رأسه كلماتها:
فرح بنت محتاجة تحس بشوية اهتمام منك…
جملة بسيطة، لكنها استقرت في أعماقه، تثير داخله جدلًا لم يكن يريد خوضه… لكن لابد من بداية وهو ليس ضعيف… ولا يخشي مقابلة عهد… كل ما كان يشعر به نحوها مجرد اعجاب وتلاشي.
❈-❈-❈
مساءً
إستقبل توفيق فاروق يرسم ابتسامه باهته، تحمل فاروق تلك الابتسامة وجلس معه يتحدثان، أوضح فاروق سبب إنشغاله لم يكن تجاهلًا بل كان بسبب تراكُم العمل… تفهم توفيق ذلك، كذالك فرح…
بعد قليل تركهما توفيق معًا وغادر الغرفة
جلس فاروق على طرف الأريكة وكأنه يجلس فوق شوكٍ خفي، عيناه تتفادى النظر إليها، وصوته جاف لا يحمل ودًا ولا رغبة في حديث.
قطع الصمت بسؤال يبدوا ودود
عاملة إيه.
ابتسمت فرح بتوتر، تخفي ارتباكها خلف هدوء مصطنع:
الحمد لله… وإنت عامل إيه.
أجاب بلامبالاةٍ ثقيلة:
شغل وضغط كالعادة.
ساد الصمت بينهما مرة أخرى، حتى بدا صوت عقارب الساعة طاغيًا، كأنها تُعنفهما على ذلك الجفاء الذي خيم بين جدران الغرفة.
تنحنحت فرح بخفوتٍ تحاول قطع الصمت:
طنط اجلال كانت هنا إمبارح، وقالت إنك مشغول الشغل كتير الفترة دى.
هز رأسه، ألقى بكلمة مقتضبة:
فعلًا.
تبادل الصمت والأنفاس بينهما، كأن الهواء نفسه تهيّب المرور من بين الحواجز التي نسجها البرود…
رفعت نظرتها نحوه، بعينين تفيض بأسئلة لا تجد طريقها إلى لسانها…
هو بدوره عدل جلسته، طالع ساعته في توتر واضح، كمن يبحث عن حُجةٍ للمغادرة.
قالت بخفوتٍ يحمل شيئًا من العتب:
إنت وراك حاجه…ليه كل شوية تبص فى الساعة
أجاب سريعًا:
لاء ببص عادي.
ابتسمت بسخريةٍ حزينة، كأنها تهمس لنفسها أكثر
التقت نظراتهما للحظة قصيرة، لكنها كانت كفيلة بأن تُعلن ما لم يُقال. بينهما وجعٌ صامت، يختنق في منتصف المسافة…
دار بينهما حديث شبه رسمي، ليس
خطيب وخطيبته… مواضيع ليس بها رابط سوى أنها تحاول جذبه للحديث،طال الوقت هكذا شعر
نهض فاروق قائلًا:
عندي ميعاد مع عميل كمان ساعة.
نظرت بابتسامة صامدة… تنكسر على شفتيها:
ماشي…هبقي أتصل عليك أطمن انك وصلت البيت بالسلامة .
أومأ رأسه غادر نحو باب الشقة فتحه…
كانت فرح خلفه… حتى وصل الى بداية السُلم…
لم ينتبه لخطواته المتسارعة، فاصطدم بـ عهد التي كانت تحمل بعض الأغراض بين يديها، لتنفرط من بين ذراعيها وتتبعثر على الأرض…
رفعت رأسها نحوه بعينين تقدحان شررًا، وتحدثت بنبرة حادة امتزج فيها الغضب بالدهشة:
مش تفتح عنيك وتشوف قدامك أفرض كنت واقفة على السلم كنت وقعت بسببك.
تراجع للخلف خطوة، يتأمل فوضى الأغراض المبعثرة وصوتها الغاضب الذي أربكه أكثر من الصدمة ذاتها. انحنى سريعًا يجمع ما سقط وهو يقول بصوت هادئ، محاولًا تهدئة الموقف:
آسف مخدتش بالي.
نظرت له بغضب واضح وهي تنتزع من بين يديه أحد الأكياس:
طبعًا ما كنتش واخد بالك، باين عليك مستعجل في حاجة أهم من إنك تبص قدامك.
تدخلت فرح سريعًا تحاول السيطرة على عصبية عهد… بالفعل
ساد صمت قصير، لمحت فيه عهد لمعة غامضة في عينيه جعلتها تتراجع قليلًا، ثم التقطت آخر قطعة من الأرض ونظرت له بجفاف.. ثم توجهت الى داخل الشقة… توقفت تنظر، لنظرات فرح لـ فاروق، شعرت بغرور وبرودة نظرات فاروق مقابل هيام فرح به، تضايقت منه ومن تجاهله لتلك النظرات الرقيقة شعرت بالشفقة على أختها فتحدثت بإستهجان:
فرح هتدخلى ولا هتفضلي واقفة قدام السلم كده، مفيش داعي لوقوفك كده، فاروق وقته ثمين، طبعًا الشغل واخد كل عقله، بلاش تعطليه، هو مستعجل، كمان أنا عاوزه أقفل باب الشقة من دخول التراب فيه.
نظر لها فاروق بغضب، وظل صامتً
تحركت فرح بخطوات بطيئة نحو الداخل، بينما ظلّ فاروق للحظات يُتابعها بنظرةٍ عابرة، لا دفء فيها ولا اهتمام، فقط نظرة مجاملة باهتة .. يُخفي غضبه من حديث وتلميحات عهد الواضحة.
لم يبالى، كذالك عهد تعمدت بمجرد دخول فرح غلق باب الشقة دون إستئذان منه…
لوهلة ود كسر باب الشقة والدخول وصفعها، لكن تمالك نفسه بصعوبه وغادر..
بالداخل
لامت فرح عهد قائلة:
على فكرة كده قلة ذوق، فاروق يقول إيه، وبعدين هو مش غريب عشان تعامليه بالطريقة الجامدة دي، أنا عارفه إنك مش بتستلطفيه بس على الاقل إتعاملى معاه بذوق… هو مغلطش فيك، وإلاصتطدام حصل غصب.
نظرت لها عهد ودت أن تقول لها أن ضيقها منه أنه لا يُقدر مشاعرك نحوه،لكن خشيت على جرح مشاعرها تنهدت بجمود قائلة:
لا غصب ولا رضا، أنا راجعه مصدعة، هدخل الحاجات دي أوضتي.
غادرت عهد لغرفتها ببنما فرح مازالت تشعر بغضب من فجاجة عهد مع فاروق.
❈-❈-❈
بعد لحظات على الطريق
قبض بيديه بقوة على مقود السيارة، حتى ابيضت مفاصله من شدة العصبية.. ارتسم الغضب واضحًا على ملامحه… كلمات عهد تلك المتغطرسة الجافة تتردد في أذنيه بتكرار.. تُشعل في صدره نارًا لا تهدأ…
زفر أنفاسه بعنف، وضرب بكفيه على المقود بقوة، اغمض عينيه محاولًا كبح جماح انفعاله، لكن عبثًا… فصوتها الحاد يتردد في رأسه
زفر بغضب بين أسنانه قائلًا:
هي فاكرة نفسها مين.
شد نفسًا عميقًا، ثم تركه يخرج ببطئ حارقًا كصدره… قائلًا لنفسه بلوم:
أنا اللي غلطان،مكنش لازم أوافق على الخطوبة دي أساسًا..
نظر في المرآة للحظة، رأى انعكاس وجهه المشدود، وعروق عُنقه البارزة… فابتسم بسخرية مُرة قائلًا:
لاول مره فى حياتك يا فاروق تبقي مش عارف إنت رايح لفين… الموضوع ده لازم يتحل.
توقف عن حديث نفسه للحظات ثم سحب نفسًا قويًا وإختزنه للحظات قبل أن يعود ويتنفس بهدوء قائلًا بحسم:
الموضوع ده لازم ينتهي قبل ما يبدأ… أنا حاسس إني مخنوق زي اللى متقيد حريته… مع نهاية خطوبتي لـ فرح هتطلع عهد من حياتي نهائيًا.
إستقر عقله على ذلك القرار ولن ينتظر، كل شئ سينتهي الليلة ويتحرر من تلك المشاعر الواهية.
….. ــــــــــــــ
بعد قليل بمنزل محي
تبسم لـ إجلال وهي تُعطي له كوب الشاي قائلة:
شوفت لما عاتبت فاروق الصبح وقولت له يعمل طريق وِد بينه وبين خطيبته، سمع كلامي وراح
لها.
أخد محي منها الكوب وإرتشف قليل من الشاي قائلًا:
ربنا يهديه… واخد الشغل كل همه، كمان اوقات بحس إنه مش مرتاح الخطوبة دي..يمكن بيحب عهد.
نظرت له إجلال بنفي قائلة:
لاء طبعًا،معقول كلامك ده،لو بيحب عهد هيوافق على فرح،اكيد كان رفض الإتنين،هو بس الموضوع جديد عليه، قبل كده مكنش حاسس بالتزمات، يخرج فى اي وقت ويرجع فى اي وقت، لكن دلوقتي بقي له خطيبة وهي أولي بوقته، كمان لما يتقابلوا كتير، هيولفوا على بعض، وبكره ينسي الشغل بسببها، هو بس عامل تقيل.
تنهد محي قائلًا:
ياريت يكون كلامك صحيح، أنا عندي إحساس عكس كلامك…
توقف محي عن الحديث حين دخل عليهما فاروق، مُلقيًا السلام…
تنهد فاروق قائلا:
كويس إن حضراتكم الإتنين قاعدين مع بعض فى موضوع مهم لازم تعرفوه…
قبل أن يسترسل فاروق حديثه توقف بسبب صوت رنين هاتف والده، نظر محي للهاتف وتبسم قائلًا:
ده عمك توفيق هرد عليه، وأبقي قول لينا موضوعك المهم، عندي فضول أعرفه، بس هرد عليه الأول.
تبسم محي حين سمع حديث توفيق:
فاروق كان عندنا ونسيت أقوله إن خطيب عهد نزل أجازة وإننا خلاص حددنا ميعاد الخطوبة بعد يومين، طبعًا إنتم مش محتاجين عزومة.
وافقة محي قائلًا:
إحنا أهل يا توفيق، وألف مبروك وربنا يتمم بخير، وهنجي طبعًا بدون دعوة.
اغلق محي الهاتف وتبسم لـ إجلال، ثم نظر الى فاروق قائلًا ببساطة:
ده عمك توفيق بيقول إن خلاص حددوا ميعاد خطوبة عهد بعد يومين، ها قول لينا بقي الموضوع المهم اللى عندك.
رواية عهد الدباغ الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد سلامة
❈-❈-❈
بشقة توفيق
بعد وقت قليل خرجت فرح من المطبخ تحمل كوبً من القهوة،ذهبت نحو غرفة المعيشه
نظرت نحو تلك الأريكة التي كان يجلس عليها فاروق... مازال بقايا عطره تعبق المكان عبق طفيف ... جلست في بنفس مكانه، تحاول تلمس طيفه الذي تركه خلفه... بداخلها تعلم أن ما تشعر به ليس دفئًا، بل بقايا وهمٍ يذوب ببطء.
تحدثت لنفسها همسًا:
هو مالُه كان مستعجل يمشي كأنه بيهرب مني ليه كل مرة ييجي... نفس الهدوء البارد،زي ما يكون بيتحاشي ينظر ليا كأننا غرباء، ومرات قليلة، وضحكته بحس إنها غصب من يوم ما إتكتب كتابنا ..حتى كلامه بقي قليل.
توقفت للحظات ثم عادت تتفوه بعدم فهم:
يمكن أنا السبب.. عشان خجوله وبتكسف،ممكن يكون بيضايق من كده، بس أعمل إيه دي طبيعة فيا.
توقفت للحظات وعادت تهمس بأفتراض:
يمكن وافق على جوازنا غصب، يمكن قلبه في حتة تانية...
سرعان ما نفضت ذلك التفكير قائلة بتوبيخ لنفسها:
وهو واحد بشخصية فاروق ممكن حد يغصب عليه
تنهدت بقوة قائله:
يمكن أنا اللى بتوهم،هو قال إن الشغل عنده كتير،يمكن فترة وتعدي.
نظرت إلى الكوب أمامها، البخار تلاشى، إرتشفت بعض القطرات،شعرت ببرودة القهوة
رفعت نظرها للسقف، تحاول الهاء تفكيرها، لكن بداخلها صوت ضعيف يهمس:
ليه بحس إنه جاي مغصوب... مش مشتاق، زي أي خطيب رايح يقابل خطيبته، حتى انا وهو مش بس مخطوبين إحنا مكتوب كتابنا، يعني خلاص مش باقي على جوازنا غير خطوة، أوقات بحس إنه شخص جاف، بس كلام طنط إجلال،إنه إتعود يكون شخص عملي،وتفكيره كله فى الشغل.. ومع الوقت لما أبقي فى بيته أكيد هينشغل بيا.
تنهدت بقوة تتمني بداخلها أن ينشغل عقله بها مثلما تلاحظ أنشغاله بالعمل...
قطع تفكيرها دخول عهد مُبتسمة تقول:
لقيت ماية سخنه فى الكاتل عملت لنفسي نسكافية...قاعدة هنا ليه..ولا زعلانه مني عشان إتخانقت أنا وفاروق..كالعادة.
إبتسمت فرح قائلة:
أهو قولتي كالعادة، أنا مش عارفة إنتِ ليه وقت ما تشوفيه تتعصبي بدون سبب، مع إنه لطيف.
تهكمت بضحكة وغمزت قائلة بمرح:
طبعًا مين هيشهد له، انا بتعصب من أفعاله هو شخص مستفز، يعني كل مره أشوفه تنتهي بإصابه ليا، آخرها، إيدي أهي بسببه خبطت فى حديد السلم، وإنجلفت.. غير كان ممكن اتزحلق عالسلم، بس سيبك مني، مش عارفه ليه بخس إنه شخص مغرور وعنده تعالي، يعني المفروض انكم مكتوب كتابكم، وزفافكم مش بعيد، يعني الفترة دي كنتم تقضوها فسح وخروجات، حتى عشان تقربوا من بعض وتفهموا بعض أكتر... ولايمكن زيك بينكسف.
رغم غصة قلب فرح لكن ضحكت بمرح قائلة:
إنتِ مفكرة فاروق زي "فاتي"إبن خالتك منار" فاتنة المعادي.. تافه ومش شاطر غير فى النحنحة والزن عالودان، مش عارفة إزاي اساسًا وافقتي تتخطبي له وقبل كده مكنش بينكم حتى إستلطاف.
ضحكت عهد قائلة:
"فادي" فعلًا تافه زي باباه وده اللى خلاني أوافق عليه، هيبقي لعبة فى إيدي زي باباه ما اهو لعبة فى إيد خالتو كده، أنتِ عارفة إن شخصيتي قوية ومش بحب حد يسيطر عليا، كمان مش ناويه بعد ما اتخرج اقعد فى البيت وأستني العريس، أنا عاوزة أشتغل ويبقي ليا كيان خاص بيا، مش بعد تعب سنين الدراسة فى الآخر، اقعد وابقي سِت بيت تستني جوزها يرجع لها، أنا عاوزة أشتغل ومن دلوقتى لو لقيت شغلانه مناسبة ليا... بس إنتِ عارفة دماغ ماما إن البنات هوانم، وبتأثر على بابا ساعات.. أنا بحب الانطلاق،ومش الصياعة زي ما ماما بتقول..عاوزة أشتغل وأتبهدل، وفادي مش هيمانع أشتغل، لأن ببساطة هو هيبقي معظم الوقت مسافر.
تفهمتها فرح سائلة:
طب ما أهو ممكن ياخدك معاه دبي.
تنهدت عهد بلا مبالاة قائلة:
ممكن، وقتها مش صعب أشتغل هناك.
-كل اللى فى دماغك إنك تشتغلي.
هكذا سألت فرح وأجابتها عهد:
أيوة.. عاوزه أحس بكياني.
-وكيانك ده بس بالشغل بس
أجابتها عهد:
طبعًا لاء، بس أنا حابة أشتغل.
تبسمت فرح فتبسمت عهد قائلة:
طبعًا إنتِ مع نظرية ماما، إن الستات هوانم البيوت، كمان زي حماتك تقعد فى الصالون ويجي لها أخبار الحارة وهي بتشرب القهوة عالسبرتاية.
اومأت فرح بموافقة، ضحكن الإثنين، ضمت عهد فرح قائلة:
ربنا يهنيكِ مع الملك فاروق... ولو زعلك إخلعيه
زي الملك فاروق وياخد لقب المخلوع.
ضحكت فرح وهي تضرب على كتف عهد بخفه مرحه قائلة:
فاروق له هيبة كده، ومتأكدة عمره ما هيزعلني.
تبسمت عهد بمرح قائلة:
ميقدرش اساسًا يزعلك، إنتِ سهتانة والنوع ده بيعجب الرجالة.
ضحكت فرح بنفس الوقت دخلت عليهن والدتهن نظرت لهن بسعادة وهن يضحكن قائلة:
بتضحكوا على إيه يا بنات.
تفوهت فرح بمرح:
ابدًا دي عهد بتقول عني سهتانة.
ضحكت ميرفت قائلة:
فعلًا عندها حق، بس عالاقل السهتانة أحسن من العصبية اللى بدبش... باباكم بيكلم الحج محي، يعزمهم... نسي يقول لـ فاروق وهو هنا على ميعاد شبكة عهد.
إنشرح قلب فرح، بينما عهد تفوهت بمرح وهي تغمز لـ فرح بعينيها:
طبعًا الملك وعيلة الملك لازم تحضر.
صفعتها فرح بخفه قائلة:
بطلي غمز ولمز، ما إنتِ وفاتي الموبايل مش بيرتاح.
تهكمت عهد بضحك قائلة:
وحياتك نص المكالمة بيحكي لى عن زميلاته هناك، نصهم أجانب،مفكرني هغير منهم، لكن ولا واحدة تهز شعراية مني، انا
"عهد توفيق".
-مغرورة، وهو يستاهل يوقع فى عصا والديه.
هكذا قالت ميرفت فضحكن فرح وميرفت وتذمرت عهد بمرح مصطنع ... تومئ بتوافق وهي تبتسم.
❈-❈-❈
بمنزل محي..
صدمة لكن كانت متوقعة، فمنذ علم أن هناك من تقدم لخطبة عهد وهي وافقت، أدرك أن إعلان خطبتها مسألة وقت لا أكثر... ومع ذلك، لم يكن الاستعداد كافيًا حين جاء الخبر فعلًا...
وقف للحظة، يشعر بإنسحاب الهواء من صدره فجأة، والعالم من حوله فقد لونه...
لم تكن المسألة في فقدانها، بل في يقينه أنه خسرها قبل أن يحاول فعلًا الاحتفاظ بها...
مر اسمها في ذهنه كهمس حاد..وضحكتها التي كانت تُنبت في قلبه حياة، تحولت الآن إلى طعنة ناعمة لا تترك دمًا ولا شفاء...
أدار وجهه للحظات ، يخفي ما لم يقدر على كبته، فما أقسى أن يتظاهر باللامبالاة وهو في داخله ينهار بصمت...
يرسم بسمة وجع، جلس جوار والده الذي ربت على فخذه قائلًا:
إيه رأيك بجُملة الأفراح نحدد ميعاد لزفافك إنت وفرح، الشقة بتاعتك تعتبر جاهزة شوية تشطيبات بسيطة، والعفش مفيش أكتر من محلات الموبيليا... أمك هي وفرح ومامتها ينزلوا يختاروا اللى يعجب فرح.
نظر نحو بسمة والدته، كم تمني زواج عن حُب مثل والديه، امرأة تمتلك كيانه، تفهمه من نظرة عيناه مثل والدته مع والده، لكن يبدوا أن القدر يفرض سيطرته... تنهد بجمود قائلًا بموافقة:
تمام يا حج اعملوا اللى إنتم عاوزينه... هقوم أنا حاسس بإرهاق، هطلع اخد شاور وأنام عندي بكرة شغل كتير.
نظر له محي قائلًا:
مش اللى إحنا عاوزينه الأهم إنت يكون قلبك مرتاح دي حياتك إنت.
تهكم بداخله، فأي حياة وأي راحة يشعر لكن أومأ برأسه قائلًا:
أنا مرتاح يا حج.. هقوم أخد شاور وأنام... الشغل الفترة دي كتير.
تبسمت له إجلال قائلة:
خُد بالك من صحتك،الشغل مبيخلصش.
نهض قائلًا:
فعلًا،الشغل مش بيخلص،كمان محتاج اللى يباشر عُمال المدابغ.. تصبحوا على خير.
اومأت له اجلال بابتسامة حانية قائلة:
وإنت من أهل الخير.
غادر فاروق، نظر محي لـ إجلال قائلًا:
خايف نكون ظلمنا فاروق وضغطنا عليه فى حكاية جوازه من فرح،هو شكله كان عاوز عهد...يمكن بيحبها.
تنهدت إجلال بآسف قائلة:
معتقدش بيحب عهد،يمكن كان إعجاب،لو بيحبها كان سهل يرفض فرح،ما هو مش هيتحمل عذاب إن عهد تبقي قدامه طول الوقت، اخت مراته...هّوٌ بس متوتر إن الموضوع حصل بسرعة،إنت كنت شايف قبل كده كتير كلمته وكان بيراوغ،لو مش قابل فرح كان راوغ،وقال خطوبة وفسخها،بعد وقت.
-طب وحكاية إنه بيروح لخطيبته كل فين وفين،حتي مش بيعزمها عالخروج بره فى أي مكان يكونوا وحدهم.
هكذا سأل محي ضحكت إجلال قائلة:
فاروق كل تفكيره فى الشغل من صغره فاكر،لما كان مش بيحب المدرسة وعاوز يشتغل معاك فى المدابغ حتى فى الجامعة مكنش بيروح غير عالامتحانات،فاروق مش من النوعية اللى بيقبل أي شئ يتفرض عليه،وزي ما قولتلك هو كان معجب بشقاوة عهد،لكن فهم وعرف إن فرح إللى تناسب عقليته،سيبها على الله يا حج،وبكره تشوف فرح هي اللى تناسب فاروق.
....ــــــــــــــــــــ
بغرفة فاروق،
جلس على حافة الفراش، يعبث بخاتم فضي بين أصابعه، وكأن كل دوران له يعيد شريط الذكريات من بداية روؤية عهد أول مره بالمطعم، وأمنيته لقائها مرة أخرى، وتتحقق الامنية ويراها بقلب منزله... نعتها له بـ "الوحش"
حتى شجارهم قبل قليل يتردد بعقله... كصدى علق بأذنيه...
نفض ذلك عن رأسه ونهض واقفًا يقول:
كفاية يا فاروق، عهد لازم تطلع من تفكيرك، فرح هي اللى من نصيبك والاحق بكل تفكيرك ومشاعرك ...
صراع بين عقله وقلبه وإرهاق يسيطر عليه، إستسلم لغفوة تفصل كل ذلك.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين بعد الظهر
بالنادي الرياضي
منذ هزيمته لها وهي تنتظر اللقاء التالي كمن ينتظر ثأرًا مؤجلًا..
كل مرة تسير من أمام ذلك المربع الزجاجي، تشعر بشيء يغلي بداخلها، خليط من الغضب والفضول، ورغبة لا تهدأ في استعادة كرامتها التي سقطت هناك، بين نظرات المتفرجين وابتسامته الواثقة... بعد هزيمتها.
لكن اليوم كانت الصدفة
تراه يتدرب بتركيز، عضلاته المشدودة تتحرك بانسياب كأنها محارب إغريفي، بينما هي تكتفي بالمراقبة، تُخفي نارها خلف هدوء مصطنع... لم تكترث بوجوده فى الصاله وذهبت نحو مكان آخر... ألقت
حقيبتها على الأرض وسارت بخطوات بطيئة، تشعر بثِقل الفِكر... منذ هزيمته لها وهي تحملها فوق صدرها كجرح صغير،
رفعت عينيها لتتجنب نظرات الآخرين، لتتفاجأ به أمامها تمامًا، واقفًا جوار آلة الجري، منشغل بساعته وكأنه لم يكن يومًا سبب اضطرابها الداخلي... للحظة، تجمدت، قلبها ارتبك وذهنها امتلأ بتلك اللحظة القديمة التي انتزع فيها منها الفوز بابتسامة متغطرسة...
قبل لحظات
لاحظ وجودها بصالة الرياضة... رفع رأسه، والتقت النظرات.
ابتسامة خفيفة ارتسمت على شفتيه، ومال قليلًا برأسه قائلًا بنبرة هادئة:
مساء الخير... يا... آنسة يارا
تنفست بعمق، رفعت حاجبها بغطرسة كعادتها، قامت بتزويد سرعة تلك الآلة الرياضية وقامت بالرد بإدعاء الا مبالاة:
مساء إيه إحنا لسه يادوب الضهر.
ابتسم قائلًا:
من بعد الساعة إتناشر الضهر بنبقي خلاص المسا... شايف إنك بترهقي نفسك بزيادة سرعة المشايه... المفروض تاخديها بالتدريج.
نظرت نحوه بغطرسة قائلة:
لاء مش برهق نفسي عادي، أنا طول عمري رياضية...ومتفكرش عشان كسبت ماتش إسكواش إنك بكده بقيت بطل الأبطال.
ضحك بثقة، اقترب خطوة واحدة، صوته انخفض كأنه يهمس تحديًا:
أنا فعلًا بطل الإبطال.
نظرت له وهي تلهث.. شعرت بـأنه مغرور،فتحدثت بتحدي:
بعرض عليك نلعب ماتش تاني...
توقفت بعدما قاطعها وهو يحك ذقنه تلمع عيناه بإعجاب أخفاه وهو يتحدث بمساومة:
وماله نلعب ماتش تاني،
بس على شرط…
الخسران في الماتش ينفذ طلب الفايز، أيًا كان.
قالها بنبرة هادئة، لكنها محمّلة بتحد خفي، ونظرة عينيه جعلت قلبها يخفق رغمًا عنها...
ترددت لحظة، ثم رفعت ذقنها بعناد وهي تبتسم ابتسامة خفيفة:
اتفقنا… بس متندمش بعدين.
ضحك، صوت ضحكته عميق ومستفز في الوقت نفسه، قبل أن يرد بثقة:
أنا... أندم على تحدي هنشوف، هشيب لك تحديد الوقت، لأن لازم أمشي دلوقتي عندي شغل مهم، بتمنى لك تمرين لطيف وبلاش تسرعي سرعة المشايه، الاحتراف مش فى السرعة، الاحتراف فى الخبرة .
لم ينتظر ردها وغادر بخطوات واثقة يبتسم، بينما هي زفرت نفسها بغضب وهي تنظر حولها بالقاعة... لاحظت أن الموجودين مشغولون بممارسة الرياضة، تهكمت هامسة:
فاكر نفسه خبير مُحترف، شخص مستفز، بس أنا هخليه ينهزم يعترف إنه مش لازم يستهون بقوة الخِصم اللى قدامه،حتى لو كان فاز عليه مرة... سهل الحظ يلعب معاه مرة لكن أكيد مش هيستمر معاه.
❈-❈-❈
مساءً
بأحد قاعات الأفراح القريبة من منزل والد عهد، كانت تضوي الأضواء، تنساب الموسيقي البسيطة، حفل خطوبة شبة صغير، يشمل أفراد العائلتين وبعض المدعوين من أقرباء الطرفين المُقربين...
على منصة القاعة..
كانت عهد تجلس،وجوارها فادي يتجاذب معها الحديث...بلوم:
مش كنا كتابنا الكتاب مع الخطوبة النهاردة.
أجابته بطريقة شبة متعالية:
قولت لك مش هنكتب الكتاب الا قبل الفرح مباشرةً...ومن فضلك كفاية رغي فى الموضوع ده.
غصبً إستسلم فادي،بينما عهد أدارت وجهها نحو باب القاعة دون قصد،بنفس الوقت كان يدلف فاروق .. لم تُبالي بدخوله، لكن نظرت نحو فرح وملامحها التي تغيرت، من وجه شبه عابس الى ملامح متفتحه وبسمة تلمع عينيها بوميض له وهج خاص، تبسمت ثم عادت تنظر نحو فادي، لكن كانت نظرة خاوية المشاعر.
لوهلة تجمدت خطوات فاروق لحظة دخوله القاعة، لم يكن المشهد سهلًا عليه، لكنه هذه المرة بدا مختلفًا…
عينيه سقطت أولًا على فرح، ثم على عهد التي كانت تجلس بجوار فادي. لم تكن تنظر نحوه، .
تبدلت ملامحه للحظة شعور بالبرود يغزوا عقله، أخفى كل ذلك بابتسامة عابرة وذهب نحو الطاولة التي تجلس خلفها فرح
بينما كانت فرح تتابعه بعينين لا تخفيان لهفتهما، وكأن كل الحفل لم يُقم إلا من أجل أن تراه.
بينما كان الهمس بين بعض الموجودين، أن الحفلة لم يكُن لها داعي، كان الأفضل ان تكون مُختصرة، فقيمة شبكة العروس لا تستاهل ذلك المكان،
بينما عهد لم تهتم لتلك الشبكة، كذالك كانت مُعترضة على ذلك الحفل لكن إصرار خالتها وفادي، وافقت على مضض، كذالك تشعر بالضيق وهي تجلس هكذا ، تشعر بالضيق يتسلل إلى صدرها، من الضجيج والأضواء..
مدّ فادي يده يلامس يدها بخفة محاولًا كسر الصمت بينهما، لكنها سحبت يدها سريعًا، ونظرت له بنهي، ضجر فادي من ذلك لكن رسم إبتسامة باهتة.
❈-❈-❈
بعد مرور حوالى شهر ونصف
مع حرارة الصيف التي تسللت،صدفة وهي تجلس بأحد النوادي الإجتماعية،وإحد صديقاتها،جلست جوارها قائلة:
شوفتي الإعلان ده يا عهد.
سألتها بإستفسار:
إعلان إيه.
أجابتها بتوضيح وهي تعطي لها الهاتف:
شوفي إعلان شركة طيران عن حاجتها لمُضيفات،ومش مكتوب شرط تكون عندها مؤهل دراسي،مكتوب تكون بتجيد لغات كمان حسنة المظهر...أنا شايفه الإعلان ده زي ما يكون متفصل علشانك،إنتِ معاكِ كذا لغة وما شاء الله جميلة وذوقك راقي.
إشتعلت الفكرة برأس عهد،هي تهوى السفر،لكن تفوهت لصديقتها :
ممكن يكون إعلان فشنك، كمان ممكن يكون محجوز لابناء العاملين.
ضحكت صديقتها قائلة بتحفيز:
مش هتخسري حاجه،عندك الإعلان على الموبايل،ممكن تسألي عن الشركة اللى منزلة الإعلان،يمكن تكون فرصة.
لمعت عين عهد،وبالفعل أستفسرت عن تلك الشركه،كذالك عن صحة الإعلان والمطلوب من المُتقدمات لنيل تلك الوظيفة...
أيام تحاول أن تُخبر والديها برغبتها بتلك الوظيفة،لكن تأكدت اولًا من صدق الشركة،حسمت قرارها
ليلًا بعد إنتهاء العشاء
تنحنحت أكثر من مرة، لاحظت ميرفت ذلك فنظرت لها بضجر قائلة:
بطلي نحنحنة وقولى عاوزه إيه،ولا تكوني إتخانقتي مع فادي تاني.
زفرت عهد نفسها قائلة:
لاء أنا وفادي ملتزمين الصمت...فى موضوع تاني أهم من فادي نفسه.
ضحك توفيق قائلًا بإستفسار:
إيه الموضوع ده بقي.
نهضت عهد وجلست على الآريكة بالمنتصف بينه وبين فرح قائلة بتفسير وهي تفتح هاتفها أمام والدها.:
شوف يا بابا الإعلان ده،ده إعلان لشركة طيران طالبين مضيفات،ومش مكتوب شرط المؤهل الدراسي،الاهم عندهم اللغات وحُسن المظهر.
تفوهت ميرفت بتهكم قائلة:
وبتفرجي بابا عالاعلان ده ليه...
توقفت ميرفت قائلة:
أوعي تكوني عاوزة تقدمي.
أجابتها:
أنا فعلًا قدمت أنا وواحدة صاحبتي، والشركة حددت ميعاد الانترڤيو... بعد أسبوع.
تهكمت والدتها مره أخرى قائلة:
يعني بتتصرفي من دماغك... ومين قالك إننا هنوافق أساسًا، إنك تشتغلي قبل ما تخلصي دراستك.
نظرت عهد نحو والدها برجاء:
دي فرصة يا بابا، أنا فاضل لى سنة وأتخرج وممكن الفرصة دي ميظهرش غيرها... أنا إتأكدت من مصداقية الإعلان، فرجاءًا يا بابا، لو نجحت فى التقييم بتاع الشركة توافق.
تفوه والدها بهدوء:
ودراستك يا عهد، يعني على إعتبار قبلتي فى شغل المُضيفات دي شغلانه كل يوم فى بلد.
تبسمت له بإنشراح قائلة:
أنا أقدر أوازن بين الإتنين دراستي، والشغل كمضيفة... الجامعة بتاعتي مفيهاش عملي فمش هحتاج لحضور، ووقت إمتحانات التيرم أبقي أخد أجازة...
توقفت لحظات ثم تحدثت برجاء:
دي فرصة يا بابا لو فعلًا قبلت.
تفوهت فرح بتذكير لها:
ناسية إنك مخطوبة يا عهد وفادي ممكن يعترض.
نظرت عهد نحو والدها قائلة:
فادي مجرد خطيبي مش جوزي ومالوش كلمة عليا الكلمة كلمة بابا.
تبسم توفيق قائلًا:
فعلًا... بس فى المستقبل يا عهد لما تتجوزي من فادي، أكيد ممكن يعترض من شغلك كمضيفة وكل فترة فى بلد.
أجابته عهد:
وقتها يحلها ربنا... هو كده كده بيسافر فمش هتفرق معاه، المهم دلوقتي موافقة حضرتك... كمان أنجح فى التقييم بتاع شركة الطيران.
أمام إصرارها، تبسم توفيق بموافقة قائلًا:
موافق، بس توعديتي تكملي دراستك.
حضنته عهد بفرحه عارمة قائلة:
أكيد يا بابا متقلقش هكمل دراستي، بس إدعي يقبلوني فى شركة الطيران.
نظرت والدتها نحو توفيق وكادت تعترض لكن اومأ لها توفيق بإشارة خفيفة منه كي لا تتحدث، فابتلعت اعتراضها في صمت،لكن ظلت عيناها تتنقلان بين زوجها وابنتها بحيرةٍ وقلق.
.... ـــــــ
بعد وقت قليل بغرفة النوم
نظرت ميرفت الى توفيق قائلة بلوم:
إزاي توافق إن عهد تشتغل فى شركة الطيران.
تبسم توفيق قائلًا بنبرة حاول أن يجعلها مطمئنة:
لسه الإختبار الله اعلم هتتوفق ولا لاء، كمان
خليها تجرب، لو رفضت هتفضل طول عمرها تندم وتحس إني حرمتها من فرصة ممكن تكون فى مصلحتها مستقبلًا... هقولك كمان حاسس إن فى فتور فى علاقتها مع فادي، دايمًا شد وجذب .. وحاسس فى لحظة هتاخد قرار فسخ الخطوبة.
تفوهت ميرفت بآسف:
فعلًا ملاحظة ده وعشان كده أنا سبق وإعترضت، فادي كلمة مامته لها ألف حساب عنده، وخايفة تكون شعلانة المضيفة دي كمان تزود الفجوة بينهم، وكمان تكون مجرد زهوة عند عهد، أنا لغاية دلوقتي مش عارفة ليه أساسًا وافقت على خطوبتها من فادي.
ضغط توفيق على شفتيه قائلًا:
عقلية عهد عكس عقلية فرح للآسف متناقضين، عهد عندها حماس تجرب حتى لو هتخفق فى الوصول لهدفها... عكس فرح
هادية ومش بتحب تجازف ولا تدخل فى تجارب... وإحنا المطلوب مننا نوجههم ونبقي سند لهم.
تبسمت ميرفت وهي تضم توفيق قائلة:
فاكر يا توفيق زمان وقت ما إتقدمت لى، ماما قالت ده فلاح جاي من الأرياف، وهيبقي عقليته متشددة، بس أنا لما شوفتك قلبي إتفتح لك وعملت إستخارة، لقيت ربنا بيسهل ليا الطريق مع بعض، حتى لما بعد ما خلفت عهد وحصل لى نزيف والدكتور قال لازم نستئصل الرحم، إنت مترددتش للحظة، وقولت دول بنتين، وأنا عاوز ولد يكون سند ليا...حتى وقتها سمعت مامتك قالتلك إن الولاد عزوة.
ضمها بمودة ورحمة قائلًا:
كان ممكن أخلف ولد وبدل ما يبقي سند ليا يبقى لعنة عليا ويكون صايع...كمان صحيح الولاد عزوة،بس كمان أوقات كتير ربنا يبارك فى القليل عن الكتير،وأهو البنتين كبروا،وهيجوزوا ويجيبوا لينا أحفاد يبقوا عزوتنا،أنا متأكد أحفادنا من عهد هيطلعوا عنينا زي ما هي عملت فينا.
ضحكت ميرفت قائلة:
ده شئ مؤكد طبعًا.
ابتسم وهو يضمها لصدره يضع قُبلة فوق رأسها قائلًا:
ربنا يفرحنا بيهم.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة أسابيع
بأحد أكبر فنادق القاهرة
كانت هنالك غرفة خاصة بالعروس، تم حجزها خصيصًا لـ فرح...كانت تفوح منها رائحة الزهور والعطور...
كانت الستائر تُلامس ضوء الغروب فينعكس على المرايا الواسعة، بينما تجلس عهد تنظر نحو فرح التي يحيط بها فريق التجميل يُنهي اللمسات الأخيرة على مكياجها الذي كان شبة مُنعدم فجمالها الطبيعي أفضل من تلك المساحيق.
بعد وقت دلفت إجلال ومعها يارا، وكذالك رابيا وخلفهن دخلت ميرفت...
تبسمت إجلال قائلة:
بسم الله ما شاء الله، جمال رباني.
تبسمت فرح بخجل.
بعد وقت دخل توفيق الى الغرفة تبسم لـ فرح التى نظرت له سُرعان ما تدمعت عيناه، لكن أخفي ذلك وهو يضم فرح لصدره يُقبل جبينها بسعادة بالغة، ثم إصطحبها الى قاعة العُرس
دلفا بهدوء، توقف أمام فاروق الذي كان يقف ببهو القاعة، أعطي له توفيق يد فرح، رفع فاروق الوشاح الأبيض عن وجهها،
جميلة ورائحتها خميلة، وضع قُبله فوق جبينها وإصطحبها نحو منصة العًرس ليُعزف موسيقي الرقصة الأولى.
تبسمت عهد بسعادة وهي تنظر نحو فرح... بينما نظر فادى نخوهما بسخط ومال على أذن عهد وهو
يزفر نفسه بغضب مكبوت قائلًا:
مش شايف سبب كان يمنع كتب كتابنا،زي فرح وفاروق،اهم مُنسجمين فى الرقص مع بعض..،كان زمانا زيهم،وأقدر أقوم انا وإنت نرقص
نظرت له عهد بضجر ولم ترد لا تود إفساد فرحتها بفرحة أختها الليلة
مع إنتهاء الرقصة الأولى
إصطحب فاروق فرح الى منصة العُرس
جلست ثم هو خلفها...
بعد وقت كانت فقرة تبديل وضع محابس الزواج ... برقة بدل فاروق الخاتم من يدها اليمين الى اليسار، بمجرد لمسة واحدة تكفي من فاروق كفيلة لتسري كهرباء بجسد وقلب فرح.... بينما لخجلها كالعادة إهتزت يدي فرح فسقط منها الخاتم الخاص بـ فاروق، نهضت عهد سريعًا وجذبت الخاتم وأعطته لـ فرح مُبتسمه تغمز لها بمرح..
تبسمت فرح بخجل، بينما نظر لها فاروق.. اليوم يرا كل شيء مُختلف.
... ـــــــــــــــــــ
بعد وقت إنتهى الزفاف
أضواء إستقبال فرح بمنزل محي كانت تتلألأ
وإستقبال مُميز من إجلال ومحي وهو يُقبل رأس فرح.. ينظر نحو توفيق قائلًا:
فرح مكانتها من مكانة يارا بنتِ.
تبسم له توفيق بإمتنان...
بينما عهد أخفت دمعة بعينيها... فرح كانت أختها وصديقتها القريبة، رغم إختلاف طباعهن.. لكن كُن قريبات من بعضهن...
تبسمت فرح لـ عهد التى بادلتها الابتسام تتمني لها السعادة، كذالك والدتهن، لكن لم تستطيع إخفاء دمعتها التى سالت غصبً... تبسمت لها إجلال قائلة بمرح:
طالما فيها دموع كده أنا هتمسك ببنتي يارا ومش هجوزها.
زالت الدمعة وعادت الابتسامات الصافية.
،،، ـــــــــــــــــ
بعد وقت
بشقة فاروق
دلف إلى غرفة النوم، ابتسم لـ فرح التي شعرت بخجل خفي يملأ عينيها ووجنتيها، رغم زيها البسيط والمحتشم ظاهريًا فقط،فأسفل تلك العباءة البيضاء،منامة شبه عارية... تشعر أن الجو مشحونًا بفيض من الحياء والرهبة اللطيفة.
اقترب منها بخطوات هادئة، نظر إلى عينيها متأملاً خجلها الصامت، توقف أمامها يبتسم.. بينما هي تشعر بارتعاشة خفيفة تمر في جسدها، قلبها ينبض بسرعة لم تستطع إخفاءها، لكنها حاولت أن تحافظ على هدوئها الظاهري، ترفع رأسها لتقابله بنظرة خجولة ممزوجة بالفضول، وكأن كل كلمة سيقولها ستصبح وقعًا على قلبها قبل أذنيها...
لم يكن هناك كلمات، غير تراتيل الصلاة ثم دعاء الزواج... بعدها قُبلات ولمسات فاروق التي سحبتها معه نحو سحابة بيضاء، وفضاء يملؤه شعور بالسكينة والدفء، كأن العالم كله اختفى حولهما، ولم يبق سوى نبضات قلبيهما المتسارعة وهمس اللحظة التي جمعت بين الخجل والحنان والرغبة في الاقتراب أكثر فأكثر.
بعد وقت تنحي فاروق من فوقها نائمًا على الفراش.. داخله صراع أخيرًا تم حسمه...
لن يعيش أسير أوهام... عهد إنتهت.. ومن هذه اللحظة حقيقة واحدة... وبداية جديدة إسمها كوصفها
فرح.
رواية عهد الدباغ الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد السابع
❈-❈-❈
بشقة توفيق
جلس هو ميرفت فوق آريكة بغرفة النوم وضعت ميرفت رأسها على كتف توفيق تتنهد بإشتياق قائلة:
لسه معداش كام ساعة وفرح وحشتني حاسة إنها سابت فراغ كبير فى الشقة.
إبتسم هو الآخر يشعر بإفتقاد رفع يده يحتوي ميرفت قائلًا:
أنا كمان وحشتني، بس دي سُنة الحياة، ربنا يهنيها مع جوزها.
آمنت ميرفت قائلة:
يارب، كمان عهد قالتلى إن... بكرة، لاء قصدي النهاردة أول رحلة ليها، قلبي متاخد مش عارفة ليه، كده الشقة هتفضي علينا مرة واحدة.
ابتسم توفيق قائلًا بمرح رغم شعور الحنين فى قلبه لكن مازح ميرفت،ربما يُخفف ذلك عنهما هذا الشعور الجديد عليهما منذ أن رُزقا بالفتاتين وهما لم يبتعدا عن كنفهما :
قولي كده بقي مش عاوزة الشقة تفضي علينا.
ابتسمت بغصة قائلة:
شعور إن أكون لوحدي صعب،بس ربنا يهنيهم والسعادة ترافقهم.
إحتواها بين يديه قائلًا بتنهيد:
أمي الله يرحمها كانت تقول" مكان البنات خالي"دلوقتي عرفت معني المثل ده، بس مش زعلان بالعكس... أنا حاسس إن البنات لما بيطلعوا من تحت جناح أهلهم ويبنوا حياتهم، بيسيبوا وراهم اثر طيب… ريحة تعب سنين.
تنهدت ميرفت والدمعة لمعت في عينها، فمسحها توفيق بإبهامه قائلاً بلطف:
وإحنا بقى دورنا نفرح بيهم، وندعي لهم، كمان ده أفضل وأهدى لينا،هنعيش فى هدوء من غير دوشة البنات ولا خناقهم.
ضحكت بخفة وسط دموعها:
بس وجودهم كان بيونس… الشقة من غيرهم كبير قوي.
ربت على يدها قائلًا:
كبيره آه… بس عمرها ما هيبقى فاضيهة طول ما إنتِ فيها... وبعدين ما تنسيش… لسه عندنا عهد،شغلها فى الطيران مش هتغيب كتير هتروح وتجي علينا .
ضحكت ميرفت أكثر وهي تميل برأسها على صدره، فقال توفيق بنبرة حنين دافئة:
كل مرحلة وليها جمالها يا ميرفت… إحنا عملنا اللي علينا وربيناهم أحسن تربية… دلوقتي دورهم يعيشوا، وإحنا نستريح شوية، ونعرف يعني إيه نرجع لوحدنا تاني… بس المرة دي وإحنا في ضهر بعض.
شدّت قبضتها على كفه وهمست بخفوت:
طول ما إنت معايا… عمري ما هخاف من الوحدة.
طبع قبلة حانية فوق رأسها، وعيناه تلمعان بمزيج من الحنين والامتنان، ثم تحدث بمودة:
وأنا برضو… عمري ما هحس بفراغ طول ما إنتِ جنبي.
وساد بينهما صمت دافئ… صمت هادي… لكن ينبُض بالحب.
❈-❈-❈
بغرفة عهد
تبسمت بحنين وهي تشعر لأول مرة بثِقَل هذا الشعور… غياب فرح عن المكان...
مرات قليلة كانت تغيب، لكن هذه المرة مختلفة تمامًا؛ تزوجت… أصبح لها بيت وحياة بعيدة عنها.
من الآن بدأت تدرك أن هناك تفاصيل صغيرة ستفتقدها أكثر مما كانت تتخيل…
أشياء بسيطة لكنها كانت تُنعش يومها، كخطوات فرح الصباحية وهي تقتحم غرفتها بمرح، تهز كتفها وتُناديها بضحكة مدللة:
قومي يا كسولة… عملتلك نسكافية معايا.
تنهدت وهي تشعر بالفراغ يزحف إلى قلبها… لقد إنتقلت فرح،الى منزل زوجها ، أصبح بينهما مسافة ليست كبيرة، لكن أصبح هنالك حد بينهما عكس السابق، كانا يتحدثان بأي وقت ليلًا أو نهار دون مُراعاة للوقت، لكن الآن بالطبع لا تستطيع ذلك... على يقين أن فرح تُحب فاروق منذ ان رأته،كان ذلك واضح حين تأتي سيرته، لكن فرح عادتها خجولة.. تبسمت وتمنت لها السعادة، رغم عدم وجود توافق بينها وبين فاروق، لكن سعادة فرح اهم من ذلك.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
رغم تأخر الوقت، وإرهاقه البدني لكن فتح عيناه لا يستطيع النوم كذالك
شعور بالآرق، وعدم الرغبة فى النوم من الاساس..
نظر لجواره كانت فرح غافية، زفر نفسه وقرر النهوض من الفراش، جذب مِعطف منزلي وضعه فوق جسده، وخرج من الغرفة بهدوء
جلس بغرفة المعيشة لبعض الوقت يشعر بالآرق مصحوب بشعور آخر،غير معلوم بداخله كان ينوي تأجيل إلتحامه مع فرح الليلة،لكن أتم زواجهم،لا يستطيع أن ينكر أنه شعر معها بتآلف فى تلك اللحظات الحميمية،لم تمُر عهد بخياله...
عهد!
آه
زفر نفسه يغمض عيناه يود أن ينسي وجودها..
فتح عيناه يلوم ذاته ويجلدها:
من إمتى كنت ضعيف يا فاروق،عهد إنتهت نهائي،وهم وإنتهى،والحقيقة هي "فرح".
أخذ نفسًا عميق وهو يغمض عيناه،ثم
اطلق الزفير من صدره يطرد اسمها من داخله، مسح على وجهه بكفيه، ثم أسند مرفقيه على ركبتيه وانحنى للأمام يشعر أنه يحمل فوق ظهره ثِقلاً.
تمتم بحسم خافت:
عهد انتهت… وانتهت من زمان، وأنا اللي لازم أفوق لحياتي.
رفع رأسه يتأمل الظلام المحيط بغرفة المعيشة، والهدوء الذي يفصل بينه وبين فرح النائمة بداخل الغرفة... هدأت أنفاسه قليلًا، لكن قلبه ظل يطرق صدره بعنف... لم يفهم سبب لتلك المشاعر الحائرة
نهض من مكانه متجهًا نحو المطبخ، ملأ كوبًا بالماء، شرب نصفه في جرعة واحدة، ثم أغلَق عينيه يتمتم لنفسه بتحفيز:
فرح مراتي… ودي حياتي دلوقتي. مش هرجع خطوة ورا.
أعاد الكوب مكانه، ثم اغلق ضوء المطبخ وقف للحظات ينظر نحو تلك الغرفة التي بها فرح...لحظات بداخله صراع مازال غير مفهوم
رِقة فرح معه دائمًا حتى الليلة كانت مثل قطعة ثلج فوق جسد مُشتعل، ذوبانها خفف من حرارة قلبه، تقبلها بمشاعر...
-مشاعر ماذا
هذا السؤال بعقله حائر فى إجابته... ولماذا يحتار ليدع الايام تُظهر حقيقة تلك المشاعر...
ود أن يفصل عقله عن التفكير... ولا يوجد سوا طريقة واحدة...
العمل.
ذهب الى غرفة المكتب بالشقة... لم يرغب بالجلوس خلف المكتب، جذب حاسوبه الخاص وخرج من المكتب، توجه الى غرفة نوم ثالثة بالشقة..
غرفة واسعة بأثاث ذو لون رمادي داكن مُتداخل مع اللون الأزرق الداكن... فراش واحد كبير... إستلقي بجسده للحظات على الفراش ينظر الى سقف الغرفة بلا تفكير بأي شيء، أغمض عيناه ربما ينعس لكن كذالك النوم لا يود ذلك... زفر نفسه بقوة، وجلس على الفراش وضع بعض الوسائد خلف ظهره وإتكئ عليها، ثم وضع الحاسوب على ساقيه المُمدة، وضع نظارته الطبية... ثم فصل عقله عن التفكير بأي مشاعر وصب تركيزه على العمل...
إنقضي الوقت حتى سمع آذان الفجر...
ترك الحاسوب.. ذهب نحو حمام الغرفة... خرج بعد قليل يُجفف رأسه وجذب سجادة صلاة، بعد وقت جذب السجادة بعدما أنتهى من الصلاة... بعدها شعر بالنُعاس... إستلقى بجسده على الفراش يُغمض عيناه ليذهب الى نوم سريع.
..........******.....
بغرفة النوم الأخرى
تململت فى نومها...بسمة خجولة شقت شفتيها وهي تشعر انها بحِلم جميل،فاروق يُحيطها بيديه يحتويها برومانسية،يضع قُبلات على وجهها تصل الى شفتيها تتجاوب معه بخجل...
لا لم يكّن حٌلم بل كان حقيقة ليلة أمس،وهي بين يدي فاروق شعرت لاول مرة بمذاق جديد للحياة...
مدت يديها تتحسس نعومة الفراش،لكن الفراش جوارها خالي.. فتحت عينيها كي تتأكد.. فعلًا، إندهشت من ذلك فالوقت مازال باكرًا... او ربما لم يعُد باكرًا وهي غفت ولم تشعُر... جذبت هاتفها الجوال... نظرت به، الوقت ليس باكرًا، كذالك بالكاد الثامنة صباحً..
بالتأكيد فاروق يستيقظ مبكرًا كما سبق وأخبرتها إجلال...
بالتأكيد إستيقظ ولم يُزعجها... نحت الغطاء عنها...سُرعان ما إنصهر وجهها بخجل حين تداركت زيها الشبة عاري...ثم تبسمت وهي تتذكر غمزات عهد لها وتقول
"يا بخت الملك فاروق،لو شافك بقميص من دول هيتجنن"٠
-وهل تجنن.
لا تعلم لكن مشاعره معها بليلة أمس كانت غادقة بالحنان.... لكن كان بداخلها أمنية تستيقظ على بسمته لها...لكن يبدوا أنه لم يريد إزعاجها...تغاضت عن ذلك وجذبت مئزر قصير لكن محتشم وضعته على جسدها وأحكمت غلقه خرجت من غرفة النوم...تشعر بحياء...ذهبت للبحث عنه بداخل غرفة المكتب لكن كانت خاليه...صدفة وقعت عينيها على المكتب،حاسوبه ليس موجود...تبسمت بحيرة ثم ذهبت نحو غرفة المعيشة، ليس موجود أيضًا... خفق قلبها أيُعقل انه تركها وذهب للعمل... لكن لم تسيطر عليها تلك الفكرة، ذهبت نحو المطبخ كذالك لم تجده.. خرجت لكن سرعان ما لاحظت تلك الغرفة وبابها الموارب ذهبت نحوها...
تبسمت حين وجدت فاروق نائم وجواره حاسوبه... لوهلة شعرت بالخجل من منظره وهو نائم...
يظهر صدره وساقيه من ذلك المعطف الذي يبدوا انه لا يرتدي غيره،كذالك شعره مُبعثر ... بخجل منها مصحوب بتردُد...مدت يدها على كتفه تتفوه بهدوء:
فاروق...فاروق.
بعد محاولات قليلة فتح عيناه ونظر لها.. فى البداية بغشاوة حتى إتضحت الرؤية تبسم قائلًا:
صباح الخير... هي الساعة كام.
أجابته:
من شوية كانت تمانيه...
قبل أن تستكمل وتسأله لماذا غفي هنا قاطعها بتفسير:
صحيت الفجر، كنتِ نايمة، مرضتش أصحكي... وكان عندي شغل كملته عالابتوب.
تبسمت بحنان قائلة:
كنت صحيتني أكسب ثواب صلاة الفجر.
ابتسم قائلًا:
ان شاء الله بعد كده، بس إنتِ إمبارح كنتِ مُرهقة وكمان كنتِ محتاجة ترتاحي.
فهمت مغزى حديثه شعرت بالخجل... تبسم وهو ينهض من فوق الفراش وقف أمامها... رفع وجهها وأزاح تلك الخصلات الشاردة على وجهها... تبسمت بحياء... وضع قُبلة على رأسها... تبسمت بخجل وإرتباك عينيها تجول بكل مكان عدا أن تلتقي بعينيه... خفق قلبه وتبسم.. تنحنحت بخفوت قائلة:
على ما تاخد شاور هكون حضرت الفطار فى المطبخ.
أومأ لها مُبتسمًا بعدما ازاح يديه عنها... لم تنتظر رغم شعورها بجسدها الذي أصبح مثل الهّلام...
وقفت فى المطبح تحاول تنظيم انفاسها... وضربات قلبها.
دقائق وآتى فاروق نظر الى تلك الطاولة الصغيرة وتبسم قائلًا:
شكل الفطار يجوع.
ابتسمت برقة قائلة:
خلاص فاضل بس أعرف إنت بتحب تشرب إيه.
أجابها:
نسكافية.
-زي عهد أختي... بتحب تشرب نسكافية مع الفطار.
قالت فرح ذلك بتلقائية منها، ربما ما كان عليها أن تذكُر إسم عهد الآن، رسم بسمة باردة قائلًا:
خلينا نفطر سوا عشان عندنا طيارة الساعه حداشر، يعني يا دوب نفطر ونجهز على ما نوصل للمطار.
لم تنتبه لملامحه ولا لنبرة صوته الشبه حادة، لكن تبسمت وجلست، تجاذب معها الحديث، لكن حاول الإبتعاد عن ذكر عهد.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام بـ إيطاليا
ظهرًا
تبسمت فرح حين رأت إسم عهد على شاشة الهاتف... قامت بالرد سريعًا... تبسمت عهد بمزح قائلة:
غريبة رديتي بسرعة، هو الملك المخلوع مُستقبلًا مش جانبك ولا إيه.
ضحكت فرح قائلة:
بطلى هزار فاروق ملك قلبي ومستحيل أخلعه.
ضحكت عهد قائلة:
كان نفسي ابقي شيفاكِ قدامي وإنتِ بتقولى كده، زمان وشك شبه الطمطماية.
ضحكت فرح بمرح قائلة:
لاء خلاص بقي إتجرأت، زي ما ماما كانت بتقول هتجرأ بعد الجواز.
ضحكت عهد بتريقة قائلة:
مصدقش، بس تلاقي فاروق مش معاكِ، لو قدامك مكنتش هتقولى كده، إيه سايبك وراح فين إنتم مش فى شهر العسل... ولا الرجالة ملهاش فى العسل.
ضحكت فرح وتنهدت بإشتياق لـ فاروق قائلة:
نزل يقابل عميل هنا وقال مش هيغيب، قوليلى هترجعي مصر إمتى.
ابتسمت عهد قائلة بتريقة:
المفروض أنه شهر عسل، بس إنتِ طول عمرك طيبه لو أنا مكانك مكنتش خليته ينزل... المهم قوليلي انا هنزل مصر بعد بكرة، عاوزه إيه من باريس... هنا شوية برفانات ومكياج ماركات أصلية،وجوزك مليونير،حتى البرفان بتاعه،الحاجه الوحيدة اللي بتعجبني فيه... ماركة عالمية أصلية شوفت منها هنا لما سألت على سعرها إتخضيت العبوة بنص المرتب ،قولي لى عاوزه إيه وقبلها حول لى الحساب.
ضحكت فرح قائلة:
هبعتلك رسالة بشوية منتجات عندك، هنا كمان لقيت برندات، بس العطور والمكياچ فرنسا طبعًا.
تبسمت عهد قائلة بخباثة:
كمان هنا شوية قُمصان نوم إيه تسحر العين وإنتِ حلوة وموزة هتجنني الملك بتاعك بهم، مش هيسيبك وينزل لو قالوا له برج بيزا هيوقف معدول.
ضحكت فرح قائلة:
على رأي ماما معندكيش حيا.
ضحكت عهد قائلة:
هنبقي إحنا الاتنين خيبه، هجيب لك معايا قمصين على ذوقي تجنني الملك بيهم، يلا أشوفك لما ترجعي مصر.
إبتسمت فرح قائلة:
ان شاء الله، خلي بالك من نفسك وإبقي قولى الشهادتين قبل ما تطلعي الطيارة.
تبسمت عهد قائلة:
ده أكيد عشان لو الطيارة إنفجرت ولا وقعت أبقي شهيدة.
خفق قلب فرح بلوعة قائلة بنهي:
بعيد الشر عنك، عاوزين نفرح بيكِ مع فاتي فى الكوشه.
صمتت عهد للحظات ثم أجابتها بنبرة جافة:
ان شاء الله، يلا مع السلامه وإتصلي عالملك شوفيه فين قولى له إحنا فى شهر عسل يا حبيبي.
ضحكت فرح قائلة:
تمام، مع السلامة.
أنهت فرح الإتصال، لم تنتبه لـ فاروق الذي بالغرفة الا حين تنحنح من خلفها... لوهله شهقت ثم تبسمت إستدارت تنظر له سائلة:
رجعت إمتى.
أجابها:
يادوب لسه داخل، واضح كنتِ مشغولة بالمكالمة.
إبتسمت له قائلة:
دي عهد والكلام أخدنا.
أومأ ببسمة قائلًا:
تمام، خلينا ننزل نتغدى فى مطعم الاوتيل.
أومأت له قائلة:
خمس دقايق هغير البيجامة وننزل.
بعد دقائق بمطعم الفندق جلسا خلف إحد الطاولات تناولا الطعام وسط حديث بسيط بينهما... ثم تحدثت فرح بطلب:
بلاش نطلع الأوضة.. خلينا نتمشي شوية كمان نفسي أركب الجندول... شوفته عالنت وعجبني.
أومأ لها فاروق بإستجابة
بعد قليل قارب صغير وسط ممر مائي صغير حوله منازل أثرية،شرفاتها مطلّة على المياه كأنها تراقب كل عاشق يمر... ربما هناك أماكن أجمل، مدن أوسع، مناظر أبهى… ربما هنالك اماكن أكثر جمالًا منه، لكن كما يُطلق على البُندقية
"مدينة العُشاق"
هي عاشقة بالفعل،عاشقة حتى النخاع.
لكن هو ماذا
هذا ما يُحيّرها...
معاملته معها طيبة، هادئة، لا تخلو من لمسات اهتمام لم تعتدها من أحد... وحتى في لحظاتهم الحميمية… كانت تشعر بأنفاسه المختلفة، بلمسته التي تحمل شيئًا يشبه الرغبة الممزوجة بخوف أو تردُد، وكأنه يخشى التورط أكثر، يخشى الإفلات من سيطرته المعتادة.
تشعر أحيانًا أن قلبه قريب… قريب جدًا، لكنه متحفظ، يقف على مسافة محسوبة، يخشى أن يخطو خطوة واحدة إضافية فتسقط كل حصونه...
وحدها تعرف… فاروق ليس باردًا كما يظهر، لكنه رجُل يحارب شيئًا داخله...
شيئًا ربما أقوى من الاعتراف… وأعمق من كلمة حب... وهو ماذا
هذا ما يُحيرها.
لقطات فيديو وصور تجمعهما…
هي فيها تتوه من السعادة، تضحك بعفوية، ترفع يدها لتمسك بيده، تلتصق بكتفه وتهمس له بكلمات لا يسمعها إلا هو... عيناها تلمعان كأن العالم كله صار لقطة جميلة تليق بهما.
أما هو
فقط… يبتسم.
ابتسامة واجهة، ابتسامة مهذبة، ثابتة، كأنها مجرد انعكاس أمام الكاميرا لا أكثر...
لا يضمّها كما تفعل هي...
لا يقترب كما تقترب...
لا ينظر إليها بهيام كما تنظر إليه....
كأن تلك العدسات تكشف الحقيقة التي يهرب منها…
هي تعيش المشهد بقلبها،
أما هو فيعيشه بعقلٍ يحسب كل خطوة...
هي تُحب.
وهو…
ما زال يتدرب على الاعتراف بأن قلبه من حقها.. لكن ربما مع الوقت يعلم حقيقة تلك المشاعر
❈-❈-❈
بالقاهرة بالنادي الرياضي
فرصة اليوم
مباراة إسكواش بين نديم وأحد الأعضاء إنتهت بفوزه كالعادة...
لكن تبسم حين رأي يارا تقترب مع إحد الأعضاء...نظرت له ولمعت عينيها بتحدي قائلة:
واضح النهاردة يوم رد المباراة السابقة.
تبسم وتحدث برحابة:
مع إني مُرهق من الماتش الأولاني بس مفيش مانع.
بعد قليل كان صدى صوت الضربات بالمربع الزجاجي، لكن نديم كان زكيًا هذه المرة، تعمد أن يخسر بعض النقاط، بالنهاية ترك يارا تفوز عليه رغم الفارق القليل بنقطتين فقط، لكن كانت تملأ السعادة وجهها...
ليست فقط السعادة بل قلب يارا الذي يدق بسرعة من المجهود… وربما من نديم أكتر...
نظرت له وهي تلهث، وأول مرّة تشعر إن الانتصار بالنسبه لها له طعم مختلف… كأنها كسبته هو ليست الجولة.
اقترب نديم ببطء، خطواته كانت أهدى من أي مرة…عينيه تعلقا بها، بنظرة دافئة كسرت صلابته المعتادة.
تحدث بهمس خفيف يمدحها:
لعبتي حلو يا يارا… يمكن أحلى من أي مرة شوفتك فيها.
رفعت راسها بغرور.. لكن
ابتسامتها كانت أرق بكتير من إنها تحدّي:
يعني اعترف… أنا فوزت.
ضحك نديم ضحكة قصيرة، وبصوت منخفض قادر على هز قلبها من الداخل:
فوزتي… بس مش علشان كنتِ أقوى.
قرب منها لدرجة إنها شعرت بأنفاسه تماد تلمس وجهها …
عيناه أصبحت أعمق، أكثر نعومة، كأنها شخص آخر غير التي كانت تشعر بالغيظ منه تعمد القول بتلاعب ناعم :
فوزتي… علشان أنا سيبت ليكِ مساحة تفوزي.
اتسعت عينيها، ارتبكت للحظة وبدل ان تتحدث بتعالى …
نظرت للأرض ثم له من تاني بنظرة فيها حياء لأول .
رفع يده ببطء، ولمس أطراف شعرها الذي كان يلتصق بجبينها من اثر العرق:
أول مره أكون خسران ومش مضايق، بالعكس مبسوط، يمكن عشان خسرت قدامك.
حل الصمت للحظات يترك بعض
الهدوء الذي ظل بينهما كان أفضل من أي كلمة، وأعمق من أي نظرة تحدي..من أي منهمة.
وفي هذه اللحظة …سادت مشاعر غريبه على الإثنين
هي... لم تُعد يفرق معها انتصار
ولا خسارة.. رأته بصورة أخرى، صورة
لن تهرب منها... تشعر بدربكة فى عقلها
… لكن نديم كان ذكيًا واستغل اللحظة بدقّة..
ابتسم ابتسامة جانبية يعرف جيدًا إنها دايمًا ليست صادقة… ابتسامة يسنطيع بها جعل من أمامه يطمئن له.
مال عليها أكتر، وبنبرة حنان… ممزوحة بغموض متعمد:
تعرفي… أنا يمكن ماقولتش لحد قبل كده قد إيه وجوده بيهمنى … بس إنتِ...
صمت ثانية، يتلاعب بالبرود والرومانسيه معًا:
إنتِ بتعملي فيا اللي محدش قدر يعمله.
شعرت بدفئ غريب بداخلها، كذالك سؤال بعقلها :
هل الكلام ده صادق... ولا هو شاطر في اختيار كلماته.
لاحظ ترددها فزاد فى طريقته الناعمة
يرسم بسمة أكتر، ناعمة، ساحرة،
رفع يدها التي كانت تمسك بهل المنشفة، تعمد لمس أطراف أصابعها بخفة مقصودة قائلًا:
يارا أنا بصراحة مش متعود على شعور الخسارة، بس هتصدقيني إني لاول مرة بتمني إنى كنت خسرت الماتش اللى فات، عشان خسارة العيون دي تبقي غضبانه
رغم غرورها لكت هو صياد...
ارتعش قلبهة …ليس فقط من الكلام، بل من طريقته في قول الكلام.
لكن هو متابع جيد لنظراتها، لاحظ أنها بدأت تذوب…
فزود الجرعة.
أنتي فاهمة يعني إيه حد يدخل حياتي بالشكل ده..
فاهمة إن كل مرة تتحديني… ببقي مبسوط
ابتلعت ريقها بصعوبة، وعيونها تعلقت بعينيه اللتان أصبحن ناعمتين بشكل مستفز...
حاولت ترد، لكنه سبقها…
قرب أكتر منها صوته أصبح مسموع لأنفاسها:
يا يارا… لو كنتِ ظنيتي إنك فوزتي عليا…
فأنا بهديكي الفوز…
عشان بشوفك أحلى وإنتي فرحانة.
اتسعت عينيها…
الكلام يذوب، يهز كيانها.. لكن في نفس الوقت تشعر بغموض…
غموض يجعلها غير قادرة على فهم شخصية نديم، هل ما يقوله إبداء إعجاب حقيقه...
كي يجعلها تتعلق به أم … مشاعر واهية...
إعترف عقلها
نديم كيفية اختيار كلماته بعناية، وهي ليست صيد سهل المنال....
تهربت منه قائلة ببرود عكس خفقات قلبها :
تمام... ممكن أعزمك على عصير أهو رد فعل مني على كلامك اللطيف.
لاول مرة يفشل فى نيل كلمة إعجاب... لكن هو لن يتسرع، ربما بالصبر يفوز أكثر.
❈-❈-❈
بعد مرور شهر ونصف تقريبًا
بشقة فاروق
منذ أيام وهي تشعر ببعض الاعراض على جسدها... وهن وغثيان، ربما لم يلاحظ أحدًا عليها تلك الاعراض غير عهد والتي لمحت لها أنها رأت الكثير من الافلام والمسلسلات أن البطلة تشعر بتلك الاعراض وبعدها تكتشف أنها حامل...
تود سبق التأكيد قبل أن تُخبر أحدًا
آتت بإختبار حمل منزلي... قامت بتنفيذ التعليمات المكتوبة بطريقة إستعماله...
ظلت لوقت تنتظر، حتى ظهرت نتيجة الإختبار امامها بيانًا...
نظرت الى الإختبار، ثم عادت تقرأ تلك الورقة الصغيرة...
تركت الورقة، وضعت يدها على بطنها تهمس بفرحة عارمة:
أنا حامل.
لكن سُرعان ما وقع ذلك الإختبار منها بعدما شهقت من الخضة حين سمعت من يسأل بتأكيد:
إنتِ حامل!
❈-❈-❈
بأحد النوادي الإجتماعيه.
خلف طاولة بمكان جانبي
جلست عهد بالمقابل لها فادي... الذي ينظر لها بتردُد... بينما هي تأففت من حرارة الشمس قائلة:
غريبة ليه مقولتليش إنك نازل أجازة، إفرض إني كنت فى رحلة تبع شركة الطيران.
أجابها:
دي أجازة صغيرة، قولت اقضيها هنا فى مصر، كمان كنت هتصل عليك، عشان نقعد مع عمي توفيق، ونكتب كتابنا الأجازة دي، والأجازة الجاية نتجوز.
نظرت له قائلة:
سبق وقولت لك مش هتجوز قبل ما تخلص دراستي، إيه اللى إتغير.
أجابها:
إتغير إني مش مرتاح فى الخطوبة حاسس إن فيه حزازية بينا، أكيد هتزول لما نبقي مكتوب كتابنا.
تهكمت عهد قائلة:
حزازية إيه دي كمان... بعدين إنت بتقول نتجوز فى الاجازة الجايه، وإنت لسه حتى ملقتش الشقة اللى هنتجوز فيها.
توتر فادي للحظات، لاحظت عهد ذلك فتهكمت، صامته... قطع الصمت فادي وهو يتنحنح قائلًا:
بس الشقة موجودة.
ضيقت عهد عينيها سائلة بإستفسار:
فين الشقة دي، أوعي تقولى شقة مامتك... أكيد مستحيل... دي يا دوب على قدكم.
إرتبك فادي قائلًا بنفي:
لاء طبعًا مش شقة ماما...
صمت فتسألت عهد:
أمال شقة مين.
أجابها بتوتر:
شقة باباك.
لوهله لم تنصدم، لكن إدعت عدم الفهم تود التأكيد قبل رد فعلها:
شقة بابا... قصدك إيه.
أجابها ببجاحة:
يعني عمي توفيق عنده شقتين، وفرح إتجوزت وجوزها عنده شقة فى بيت باباه... والشقتين كبار على عمي وطنط ميرفت، فإحنا ممكن ناخد شقة منهم ونتجوز فيها.
مازالت تدعي عدم الفهم وتسألت:
قصدك يعني تشتري شقة من بابا.
أحابها مباشرةً:
لاء طبعًا.
تهكمت سائلة:
مش فاهمه إنت عاوز تقول إيه.
أجابها بتفسير:
يعني عمي توفيق سايب الشقتين دول ليكِ إنتِ وفرح.. وفرح مش هتحتاج لشقة، لكن إحنا ممكن ناخد شقة من الإثنين نتجوز فيها ومعتقدش عمي توفيق هيمانع أو هيطلب تمن الشقة.
وصلت الى ما كانت تود سماعه مباشرةً ورواغت للحظات:
قصدك يعني تاخد الشقة ببلاش... مش شايف ده طمع.
توتر فادي قائلًا:
لا مش طمع إحنا....
تبسّمت بسخرية، وقاطعته تتحدث بطريقة تُقلل بيها من قيمة فادي:
مش طمع، أمال ده يتسمي إيه...
عارف يا فادي… أنا فهماك من أول لحظة... وعارفة كمان إن لو أنا مكنتش وافقت على الخطوبة، كنت هتنقل العطا على فرح … وفرح كانت هتبقي صيد سهل بالنسبة لك... هادية، ومنطوية، وسهل جدًا تسيطر عليها… أكيد كنت هتستغل ده... ولو هي مكاني يمكن كانت غصب عنها تنازلت ووافقت، مش طمع فى بابا، لاء عشان هي خجولة... وكمان على نياتها... بس فى سبب كمان.. غبائك خلاك فاكر إن انا الأقرب لقلب بابا… غلطان، الأقرب فعلًا هي فرح... كنت فاكر نفسك شاطر.. فاكر إن محدش واخدة بالر من طمعك إنت وخالتي.. لا يا فادي… أنا يمكن مبحبكش، بس مش غبية، وعارفة كنت ناوي تعمل إيه بالظبط.
واصلت حديثها بحدة أكبر، وعينيها تلمع باستفزاز:
كنت فاهمة الاعيبك كويس، إنك طَماع...
بتطمع في اللي مش ليك، وطماع في اللي فاكر إنك هتعرف تستغله... حتى جوازة فرح من فاروق الدباغ... كشفت حقيقتك الطماعة...دخل لقلبك حقد،بس كمان كويس كده فرح مش هتطمع فى حتة شقة،ما تسواش جنب أملاك جوزها،فأنا اللى هفوز...
كاد يعترض فادي وينفي ذلك لكن
اتسعت ابتسامتها بسخرية قائلة بإستهزاء:
المشكلة إنك مش بس طماع… ده إنت قليل الذكاء كمان...
لإنك افتكرت إن اللي حواليك مش شايفين نيتك… وافتكرت إنك هتدخل البيت ده وتطلع منه كسبان .
وققت ترفع ذقنها بتحدٍ واضح وقامت بسلت ذلك الخاتم من إصبعها قائلة:
عشان تبقى فاهم…
اللي زيك مكانه بره حياتي... الدبلة بتاعتك أهي... وباقي الشبكة هبعتهالك على شقة مامتك... قصدي خالتي... وبكده يبقي فرصتك إنتهت، وشوفلك صيد تاني، بس نصيحة مني بلاش تبقي طماع، وغبي... النوع ده يتفضح بسرعة وبيخسر.
تركت خاتم الخطوبه أمامه وغادرت تبتسم بتهكم على ذلك الغبي... لكن اثناء سيرها إصتطدمت بشخص آخر، كادت تقع لكن تمسك بيدها...رفعت وجهها ونظرت له سُرعان ما تبسمت.
رواية عهد الدباغ الفصل الثامن 8 - بقلم سعاد محمد سلامة
بشقة فاروق
وقف مذهولًا وهو يُعيد سؤاله:
إنتِ حامل يا فرح.
إستدارت تنظر له بخجل تومئ برأسها فقط دون حديث.
لا يعرف أي مشاعر تطغي عليه… بعقله صراع غير مُنصف..
جزء بداخله لا ينكر قبوله، وجزء مُتجمد.. ربما اراد سماع ذلك الخبر ويكون نتاج زواج عن حُب…
زفر نفسه بهدوء، وكاد يتحدث لكن لأول مرة يتفاجئ بحركة فرح التي للحظة تخلت عن خجلها المُبالغ وأقتربت منه تضم نفسها له قائلة:
نفسي فى ولد.
حركتها تلك أثرت فى قلبه وبتلقائية رفع يديه يحتويها قائلًا:
مبروك.. وإن شاء الله يكون ولد، بس إشمعنا عاوزة ولد.
شعرت بيديه حولها زاد خفقان قلبها، ثم رفعت رأسها تنظر لوجهه، كأنها لحظة جرأة وإنتهت، أخفضت وجهها وعاد الخجل قائلة:
عشان أنا وعهد عشنا بنتين بس، عهدكتن نفسها يبقي لينا أخ ولد.
-عهد.. عهد
زفر نفسه يردد ذلك الإسم الذي يتمنى ولو يختفي من لسان فرح… دائمًا تربط أي شيء بإسمها… أغمض عينيه يقاوم ذلك الشعور لا يود ذكر إسمها أمامه يعلم أن ذلك أنانيه منه، لكن ذلك الأفضل، خفف ضمة يداه حولها، حاول التحكُم فى عدم إظهار مشاعره التى بات يمقتها..وأصبحت مشاعر أخرى تتحرك نحو فرح…ربما لو تخلت عن ذلك الخجل معه،قد تنعدم تلك المشاعر الواهية وتتحول مشاعره كلها لـ فرح،لكن ربما مع الوقت تمتلك باقي مشاعره وتصبح عهد سراب.
…. ـــــــــــ…
بعد وقت قليل بعد إنتهاء العشاء بغرفة المعيشة كان تجمُع عائلي دون كنان فقط…تبسمت إجلال وهي تنظر نحو فرح التى تشعر بحياء بعدما تعمدت إجلال إحراجها قائلة بإستخبار :
قوليلى يا فرح ها نتيجة الاختبار إيه، زي ما أنا قولتلك.
شعرت فرح بخجل وهي تومئ برأسها إنشرح قلب اجلال وهي تنظر الى فاروق الذي كان يتجاذب الحديث هو و يارا، بينما نظر لها محي باستفهام سائلًا:
إختبار إيه ونتيجة إيه.
ابتسمت اجلال وتحدثت بمرح:
إمبراطورية الدباغ هتزيد فرح حامل.
نظر محي نحو فرح التى أخفضت وجهها بخجل وتبسم قائلًا:
الف مبروك ربنا يقومك بالسلامه.
كذالك هنئها الجميع نظرت رابيا نحو محسن الذي تبسم وهنئهم تذكرت حين أخبرته حملها للمره الأولي شعرت أن ذلك الخبر بلا زهوة عكس بسمة فاروق المرسومه على وجهه… غص قلبها، وضعت يدها على بطنها بعدما شعرت بنغزة قوية، كتمت ألم تلك النغزة، بداخل قلبها شعور بالفتور، رغم إقتراب موعد ولادتها، لا تنتظر من محسن ان يعيش معها زهوة تلك النغزات من طفلتها التي تُعلن عن قُرب ولادتها… بالتأكيد سيكون رد فعله بارد مثل المرة الأولي فلا داعي للتأمل وأنتظار حتى بعض القلق منه عليها.
❈-❈-❈
قبل قليل، بالنادي الإجتماعي
نهض فادي خلف عهد مذهولًا من رد فعلها غير المتوقع، لكن توقف حين كادت أن تقع، لكن هنالك من مد يده وأمسك بيدها… شعرت بالحياء وإعتدلت ثم سحبت يدها من يده ونظرت له قائلة:
شكرًا.
بادلها النظرة بإبتسامة قائلًا:
مش تخدي بالك وإنتِ ماشية ولا زي ما بيقولوا العيون الملونة بيبقي نظرها ضعيف.
ازدردت ريقها بانزعاج مكتوم، حدقت فيه بثبات لحظة قبل أن ترفع حاجبها بخفة قائلة:
لاء نظري كويس مش ضعيف… بالعكس… الحمد لله شايفة كل حاجة بوضوح.
قهقه بخفوت، ناظرًا لها بنظرة بها خليط بين الدهشة والإعجاب:
واضح… لدرجة إنك ماخدتش بالك من الحُفرة اللي كنتِ هتقعي فيها
إستدارت تنظر خلفها الى فادي الذي يقترب منها قائلة بثبات:
فعلًا كنت هقع فى حُفرة وربنا ستر، عالعموم، مره تانيه شكرًا لك
اقترب خطوة بدون ان يتجاوز حدوده، وأشار للطريق:
على إيه ده موقف ممكن أي حد يقع فيه رغم انا قدمت شكوى لادارة النادي عن الحُفرة دي بس واضح قلة الاهتمام منهم.
بذلك الوقت شعر فادي بالغضب من وقوف عهد مع ذلك الشخص الذي يتجاذب معها الحديث فى موقف لا يستحق إقترب أكثر وتوقف جوارها قائلًا:
عهد… خليني أوصلك لسه بينا كلام و…
نظرت له بغرور قائلة:
الكلام إنتهى.
غضب فادي ومد يده يمسكها من عضدها قائلًا بنبرة تملُك:
عهد إنتِ فاهمة غلط و…
نفضت يده عنها بغضب قائلة:
لاء فاهمة صح وممنوع إيدك تلمسني.
رمقها بغضب قائلًا بلوم:
ممنوع أيدي تلمسك لكن اللى واقفه معاه ده مسموح له واضح.
بغضب ودون تفكير من عهد كانت صفعة قوية على وجه فادي الذي شعر بغضب شديد وكاد يرد لها الصفعة لكن منعه الآخر قائلًا:
مش رجولة إنك تضرب بنت.
دفعه فادي بغضب قائلًا:
إنت مين عشان تتكلم وإبعد عني أنا وخطيبتي أحرار.
نظرت له عهد بسخط قائلة:
كنت وقولتلك خلاص الخطوبة إنتهت… أنصحك النادي ده فخم سهل تلاقي غيري تلعب عليها، إنت عارف انا مبحبش قاعدة النوادي… سلام.
تركتهم عهد وغادرت، ظل فادي واقفًا ينظر بأثرها، بينما الآخر تحدث بفكاهه:
طيرتها من إيدك يا فادي والله خسران.
غادر وترك فادي يشعر بغضب قائلًا:
مين الحقير ده كمان.
خرجت عهد من النادي وقفت على جانب الطريق تترقب إقتراب سيارة أجرة، لكن توقفت أمامها سيارة سُرعان ما ترجل منها ذلك الشخص وتوجه نحوها قائلًا:
تسمحي لى أوصلك.
نظرت له بحنق قائلة.:
شكرًا متعودش أركب مع شخص غريب هطلب تاكسي.
بالحاح منه قائلًا باصرار:
سواق التاكسي شخص غريب إعتبريني زي سواق التاكسي.
لوهلة فكرت ثم إبتسمت قائلة:
تمام.
لكن موافقتها كانت كيدًا فى فادي الذي كان يقترب منهما، صعدت الى السيارة…التزم قولها بعدم الازعاج الى أن وصلا الى أمام البِناية التى تسكُن فيها، بشبه صمت حديث قليل… ترجلت من السيارة وخلفها ذلك الشخص الذي مد يده لها حين قالت:
متشكرة جدًا، وإتفضل ده الأجرة اللى كنت هدفعها للتاكسي.
نظر لها بلوم قائلًا:
مالوش لازمه… أنا اللى عرضت اوصلك.
باعتراض منها اصرت قائلة:
اعتبره تمن بنزين العربية.
ضحك قائلًا على فكره انا ساكن فى منطقة قريبه ، يعني يعتبر وصلتك فى طريقي… وبالمناسبة نسيت أعرفك أنا
“نديم الجنايني”.
إبتسمت قائلة بلُطف:
أهلًا وسهلًا، ومرة أخيرة شكرًا لك.. عن إذنك، وقفة الشارع كده مش لطيفة.
ابتسم واومأ لها وهي تذهب نحو مدخل تلك البِناية… لكن سُرعان ما خفتت بسمته حين رأي فادي يترجل من سيارته.. لا يريد إثارة مشكلة، توجه نحو سيارته ولم ينتظر غادر بينما فادي فكر بالدخول واثارة بعض المشاكل قد يستطيع إكتساب قبول خالته وزوجها لكن على يقين عهد لن تُبدل رأيها بسهولة وهما لن يضغطان عليها.
❈-❈-❈
بمنزل محي
بغرفة نومه مع إجلال
إتكئ بظهره على خلفية الفراش تنهد قائلًا:
فرحت أوي لما عرفت إن فرح حامل، كمان لاحظت إن فاروق كمان كان مبسوط، وواضح كده إن بقي بينهم إنسجام.
جلست إجلال جواره قائلة:
أنا كمان ملاحظة تغيير فى نظرات فاروق لـ فرح، زي ما كنت متوقعه وقولتلك قبل كده، هو إتعلق بس بشخصية عهد ممكن شقاوتها لفتت إنتباهه،بس معتقدش وصل لمرحلة حُب،والدليل أهو إنسجامه مع فرح،ومع الوقت…
إبتسم وهو يستمع لها، ثم حرّك رأسه بإقتناع قائلًا:
مع الوقت… إيه كملي.
تنهدت إجلال بخفة، قبل أن تلتفت له:
مع الوقت هيبان عهد كانت إيه بالنسبة لـه ساعات الواحد يفتكر إنه مُعجب أو قلبه مايل، لكن أول ما يشوف الراحة الحقيقية… بيتأكد إن اللي حاسه قبل كده كان مجرد إنبهار.
هز محي رأسه موافقًا، لكن ملامحه كانت تحمل شيئًا من التفكير العميق… قبل أن يقول:
أنا بصراحة… كنت خايف على فرح… البنت من يوم ما دخلت بيتنا وهي زي النسمة الهادية ، وفرحت أوي بخبر حملها،وبقول يمكن ده اللي هيقرب المسافات بينها وبين فاروق أكتر.
وضعت إجلال راسها فوق كتفه بحنان قائلة:
وهما الاتنين يستاهلوا الخير… فاروق قلبه طيب بس كان محتاج حد يهديه ويطمنه… مش حد يزود توتره… وفرح بطبعها هادية، صوتها وطباعها يطمنوا… فاروق مش زي محسن.
زفر محي نفسه بضيق قائلًا:
للآسف محسن محتاج لخبطة تفوقه من الوهم اللى فى دماغه… متأكد إن فى قلبه مشاعر لـ رابيا بس هو كل اللى فى دماغه يتمرد، وخايف عليه من لحظة ضعف يضيع رابيا.
تنهدت إجلال بآسف قائلة:
للآسف محسن يمكن اللى مخليه كده هو طريقة جوازه من رابيا متأكدة لو نسي قلبه هيرتاح وهيلاقي مع رابيا المودة والسكن، ياريته زي فاروق أهو مع الوقت بنسجم مع مراته وهيوصل للسعادة وإبنهم هيجي للحياة ويزود سعادتهم.
اومأ محي للحظات… ثم رفع نظره لها بنبرة خافتة لكن صادقة:
أتمنى من قلبي إن ربنا يتمملهم على خير… ويكمل فرحتهم.
ابتسمت إجلال وهي تُسند رأسها على كتفه قائلة:
ويتمم لك إنت كمان كل اللي بتتمناه… ويهدي بالك ويكرمك زي ما دايمًا قلبك نظيف.
ضمّ يدها بين يديه، وأغمض عينيه قليلًا دائمًا بضع كلمات منها مثل البلسمً على روحه…ساد
الغرفة صمت غمرها بسكون دافئ، حميمي لا يحتاج لأي كلمات.
❈-❈-❈
بعد أيام
بإحد المستشفيات.
تنهدت إجلال بإرتياح حين تحدثت لها الطبيبة بعملية:
الحمد لله الولادة تمت طبيعية والأم والبنت الإتنين بخير، هيفضلوا معانا تحت الملاحظة للمسا وإن شاء الله مش هيبقي فى أي مضاعفات وهيخرجوا المسا.
أومأت للطبيبة ببسمة بنفس الوقت خرجت والدة رابيا من غرفة الولادة تنظر نحو إجلال تهكمت بنزق قائلة:
أمال فين محسن، مش المفروض كان يجي حتى يطمن على بنته.
حاولت إجلال الهدوء قائلة:
محسن ميعرفش إن رابيا بتولد خرج بدري والوجع جالها بعد ما خرج… ومرضتش أتصل عليه أقلقه غير لما الدكتورة تطمنا على رابيا، الحمد لله اهي ولدت بالسلامة.. هتصل عليه المسا يجي ياخدنا، تكون حالتها إتحسنت أكتر… هروح أطمن على رابيا والبنت..زمانهم نقلوهم لاوضه عادية.
زفرت والدة رابيا بغضب وحقد وهي تنظر نحو إجلال وهمست بعصبية:
كله من بنتي مش عارفه تعمل لنفسها قيمة ولا شخصية ومستسلمة تحت جناح اجلال سيباها تتحكم فيها، والغبي محسن المريض اللى يحمد ربنا كانت مين هترضي بيه وهي عارفة انه ممكن يموت لو المرض القديم رد عليه تاني.
❈-❈-❈
مساءً
بمنزل محي
. فرحة عارمة وإستقبال يليق بالحفيدة الثانية لـ محي الدين الدباغ
إستقبلها بين يديه يحملها يغمرها بآيات قرآنية..تبسم له محسن وهو يأخدها منه شعر بسعادة لا ينكرها،حتى طفلته الأخرى جلست جواره تشعر بسعادة وهو يضمها له..
لكن غبن وجهه حين تحدثت والدة رابيا قائلة:
الف مبروك يتربوا فى عز الحج محي وعزك ودلال الحجه اجلال وعقبال ما تخاويهم بولد المره الجايه.
نظر لها بسخط قائلًا:
ميفرقش معايا لا ولد ولا بنت.
شعرت بإحتداد كلماته وتقبلتها،بينما غص قلب محي وإجلال اللذان نظرا لبعضهما بتفهم يعلمان سبب كراهية محي لزوجة خاله وعلى يقين أنها تستحق،لكن رابيا ليست مثلها وذاك الأهم.
❈-❈-❈
بعد مرور أسبوع
كان السبوع لتلك الطفلة،إقتصر على بعض المقربين كذالك والدا فرح
بعد قليل بشقة
جلست فرح جوار والديها ربتت ميرفت على بطنها سائلة:
الحمل عامل معاكِ إيه،تابعي مع الدكتورة بانتظام وكمان التغذية ومطاوعيش كلام أختك الهايف تقولك جسمك هيبوظ بلاش تنفجعي.
ضحكت فرح قائلة:
لا والله عهد من يوم ما قولت لها إنى حامل وكل يوم تتصل عليا وتقولى أتغذي كويس..بس زعلت لما عرفت إنها فسخت خطوبتها من فادي،بصراحة كان عندي شبة يقين إن ده هيحصل فادي طول عمره شخصية تافهة وخالتي مسيطرة عليه وده كان هيبقي خلاف بينها وبين خالتي كده عالبر أحسن،حتى لو خالتي زعلت شوية وهترجع تاني.
أومأ توفيق قائلًا:
القرار كان لها فى الحالتين ودي حياتها ومستقبلها…وأكيد ربنا شايل لها الأفضل.
أومات ميرفت كذالك فرح…بنفس الوقت دلف عليهم فاروق وسمع خبر فسخ خطوبة عهد،استغرب كثيرًا،كذالك هنالك شعور داخلي لكن تعمد طمسه لم يعُد كالسابق هو جاهد وأصبحت عهد بعيده ولن يكون ضعيف فى مشاعر هو الخاسر فيها.
❈-❈-❈
مع مرور فترة زمنيه
بإحد. الثكنات العسكرية
وقف كنان يؤدي التحية لقائده الذي تبسم قائلًا:
أخيرًا بعد خمستاشر شهر هتتخرج من الجيش.
ضحك كنان قائلًا:
والله لو عليا يا افندم مكنتش قضيت فى الجيش خمستاشر يوم، بس للآسف أنا كنت باخد عقوبات كتير… السنة فى السجن بتصفي على تسع شهور فى الجيش تلاتشر شهر وضيف عليهم العقوبات بقوا خمستاشر، بس الحمد لله الفترة الأخيرة كنت مستقيم… عشان أتخرج من الجيش بحُسن سير وسلوك.
ضحك القائد قائلًا:
هزارك الكتير هو السبب فى العقوبات حاول توازن بين الهزار والجد إنت خلاص دلوقتي بقيت شاب ومسؤول عن مستقبلك… ولا هتعتمد على شُهرة عيلة الدباغ.
ضحك كنان قائلًا:
أنا النشاز الوحيد فى عيلة الدباغ بصراحة ناوي أستلم شغلي كـ معيد فى الجامعة يعني انا اللى ينطبق عليه مسلسل”لن أعيش فى جلباب أبي”
ضحك القائد قائلًا:
ربنا يوفقك فى الطريق اللى أختارته، واسمع عنك كل خير، وبلاش مشاغبات نعقل بقي، هتبقي معيد يعني قدوة لطلابك.
ضحك كنان قائلًا:
قدوة سيئة أكيد.
أومأ القائد بتوافق قائلًا:
للآسف، بس متأكد إنك هتتعامل مع الطلاب بروح مرحة …وده نفسه اللي هيخليهم يحبوك ويحترموك، بس المهم تعرف إمتى توقف هزار وإمتى تشد.
ابتسم كنان بثقة ممزوجة بخفة ظله المعتادة قائلًا:
ما تقلقش يا فندم… أنا لما أشتغل رسمي هبقى إنسان تاني… يمكن مش أكيد الله أعلم.
قهقه القائد وهز رأسه قائلًا:
أنا هافتكر الجملة دي… ومتوقع فى يوم ممكن يوصل لادارة الجامعة شكوى من طالب بيقول إن المعيد كنان بيقلب المحاضرة اسكتش كوميدي.
رفع كنان حاجبيه بمبالغة ممثلة:
لا يا فندم… دول طلبة، مش هينفع أضحك عليهم كتير… هسيب لهم فرصة يضحكوا على نفسهم كمان.
وقف القائد من كرسيه ومد يده ليصافحه قائلًا بنبرة تقدير:
مبروك يا كنان… خدمت واتعلمت… وأتمنى تكون المرحلة الجاية أحسن وأهدى.
صافحه كنان بحرارة، والتقط نفسًا عميقًا وكأنّه يتحرر من أثقال الشهور الماضية، ثم تحدث بصدق وابتسامة صغيرة:
شكرًا على كل حاجة يا فندم… مش هنسى أيام الجيش أبدًا… حتى القُعاد فى السجن كان ليه ذكريات.
هز القائد رأسه ساخرًا:
يا رب تكون ذكريات… مش هوايات.
ضحك كنان وهو يستدير للخروج قائلًا:
لا يا فندم… دي صفحة واتقفلت… واستناني فى الصفحة الجديدة… يمكن أطلع قدوة… يمكن مش متأكد.
وغادر وهو يشعر بمزيج غريب من الراحة والحماس… لبداية مرحلة جديدة
❈-❈-❈
بعد مرور فترة زمنيه طويلة
عِدة شهور
……
بالنادي الإجتماعي
بعد فترة من تعدُد اللقاءات بينها وبين نديم، أصبح هناك شيء ما يتسلل إلى داخلها… مشاعر طاغية لم تعهدها من قبل، كأن قلبها خُلق من جديد ليعرف هذا الارتباك…
كانت دائمًا قوية، ثابتة، لا تهتز… لكن معه
تشعر بضعفٍ لذيذ، استسلامٍ لا تفهمه تمامًا…
كلماته المُبطنة التي كانت تراها تلاعبًا بالألفاظ أصبحت تروق لها…فيزيدها ذلك انجذابًا رغمًا عنها..
مديحه…
سواء بجمالها، أو بمهارتها فى الأسكواش.. أو حتى بنظرة عينيها حين تتوتر…
كان ينساب داخلها كدفء تعرف أنه خطر، لكنه خطر جميل، يشبه الوقوع من حافة تريد السقوط منها عمدًا…
كانت تقف أمامه وفي داخلها صراع
هل تهرب من هذا الشعور الذي يكبر
أم تتركه يتمكن منها أكثر…
خاصة حين يقترب منها بنظرة لا تخطئ معناها، ويهمس بصوت منخفض يكفي ليربك نبضاتها.. مشاعر متضاربة غير مفهوم مغزاها لكنها تترك نفسها تنساق معها.
كانت تجلس وحيدة خلف أحد الطاولات بمطعم النادي.. شاردة العقل لم تنتبه الا حين جلس نديم بالمقابل لها وتحدث پاسلوبه الناعم وبجرأة يتعمدها
كان عندي إحساس اني هقابلك النهاردة، بقالنا يومين متقابلناش، حتى كلامنا عالموبايل قليل…
أنا مش فاهم… إزاي كل مرة بشوفك فيها… بتعلمي قلبي حاجة جديدة.
وتلك الجملة الأخيرة كانت السهم الذي اخترق كل دفاعاتها، فابتسامتُها الرقيقة لم تفلح في إخفاء ما يثور داخلها من رغبة، وخوف… واعتراف لم تنطق به بعد…
نظرت له دون رد، ذلك الجرئ
لا يتلاعب بكلماته فقط بل يتلاعب بنبضها نفسه…
رغم أن الأرض ثابتة أسفل قدميها، لكن قلبها تزعزع… فإبتسمت كأن كلماته لها مفعول
ابتسم نديم ابتسامة صغيرة، شبه مُنتصرة…
بدأ يتيقن أن تلك المغرورة تسقط فى شِباكه
مد يده ولمس يدها بأطراف أصابعه، لمسة خفيفة ترقب كل رد فعل لها…وهو يتحدث بنبرة منخفضة، ناعمة… ناعمة لدرجة تخوف:
يا يارا… لو تعرفي قدّ إيه صوتك… عنادك… حتى غضبك…
بيغير فيا حاجات عمري ما تخيلت إنها تتغير.
اتسعت عينيها، انحبست أنفاسها لثواني من المفاجأة…
تعمد الحديث بعناية محسوبة تشبة إعتراف:
طول عمري واقف ثابت… مش بسمح لحد يقرب أكتر من اللازم… بس إنتِ
إنتِ عديتي المسافة…من غير ما آخد بالي.
ابتلعت ريقها… تشعر بسخونه…
ولأول مرة، الغرور لا يكون دِرعها… سقط عنها
تسألت بصوت يكاد يُسمع:
ليه بتقول كده دلوقتي…
ضحك بخفوت، ضحكة تحمل مزيج بين صدق وخداع…ضحكة ليس سهل أن تفهم معناها… وأجابها:
يمكن عشان لقيت اللحظة المناسبة…
يمكن عشان لو ماقولتش الكلام ده دلوقتي… هافقدك… أو أندم بعدين.
جذب مقعدها يقربها منه ، دون ان يلمسها فعليًا… وإقترب بوجهه منها…
عيناه كان بها بريق…
بريق يعترف… ويخفي في نفس اللحظة.
ارتجفت لا تدري أن نديم شعر بارتجافتها، ورأى أثر كلماته…
يشعر بنشوة إنتصار
اقترب أكتر، وصوته أصبح أدفأ، وأخطر:
أنتِ ملكتي زاوية في قلبي… يمكن أنا نفسي مش عارف أتخلص منها
ومش عارف سببها في حيرة، اذا كان رغبة، في تعلق… بس بقيت عاوز أشوفك طول الوقت حتى لو هنتخانق.
رغم غرورها لكن لاول مرة تسمح لأحد أن يخترق ذلك، شعرت بضياع…
ابتسم دون أن تفهم حقيقة مغزى تلك الابتسامة.. ابتسامة صغيرة…
ابتسامة واحدة لكنها كفيلة أن تفضح إنها ليست كلها صدق… تأكد أن تأثيره عليها أصبح أقوى وعليه إتخاذ خطوة أخيرة ليصل لها وها هو يراوغ:
يارا أنا موظف فى وزارة الخارجية… صحيح واجهه مُشرفة لكن طبعًا ماليًا زي أي موظف حكومي، كمان بابا قاضي مُتقاعد… وطبعًا مش بقول الكلام ده إستقلال مني، بالعكس أنا فخور بذاتي جدًا… كفاية إن سبب عضويتي فى نادي كبير زي ده خدتها بمجهودي وتفوقي فى رياضة الإسكواش… لكني عارف إنك بنت “محي الدين الدباغ” وده ممكن يتفسر إني طمعان فيكِ و…
لأول مرة تتسرع وهي تُقاطعه:
مش فاهمه عاوز توصل لأيه ياريت بلاش مراوغة.
تبسم بإنتصار قائلًا:
من الآخر أنا بحبك يا يارا.
تهدمت حصونها وبسمة خجل منها وإيماءة كانت دليل أن مشاعره الكاذبة إنتصرت.
❈-❈-❈
منذ أن تخرجت عهد من الجامعة أصبح تركيزها مُنصب فى عملها كمضيفة طيران، تطير بين البلدان…
صدفة قدرية اليوم هي موجودة بـ مصر
فتحت عينيها على حديث ميرفت لها بقلق عارم!
عهد إصحي…الحجة إجلال إتصلت عليا من شوية بتقول إن فرح حاسة بوجع الولادة إتصلوا عالدكتورة قالت لهم هتستناهم فى المستشفى وخدتها وزمانهم وصلوا المستشفي.
ازاحت عهد الدثار عنها ونهضت سريعًا تشعر بارتباك قائلة:
هغير البيجامة بسرعة نروح لها…هو بابا فين.
بقلق أجابتها:
بابا خرج من بدري قال هيروح عند الحج محي المصنع بتاع الجلد…المهم دلوقتي أخلصي ألبسي عشان نروح لأختك.
بعد قليل
وصلن الى المشفي،ذهبن نحو مكان جلوس اجلال امام تلك الغرفة الخاصه بالولادة..وقفت ميرفت تلهث سائلة بقلق:
بقالها كتير جوه.
اومأت اجلال برأسها بنفي:
لاء..بس إنتِ عارفة الدكتورة فى آخر متابعة ليها قالت إحتمال تولد قيصري،ربنا يسهل…وتولد طبيعي.
وقت قصير لكن لا يمُر…شعرت عهد بالضيق وكعادتها تود الحديث لمجرد الحديث بإستهجان:
فين فاروق مش فرح تبقي مراته وبتولد مش المفروض يكون هنا جنبها،ولا مشاغله أهم من مراته وإبنه.
نظرت لها ميرفت بلوم وغيظ،بينما تحدثت اجلال:
أنا اللى مرضتش أقوله،هيقلق،وهو مهما كان مش زينا معندوش صبر.
تهكمت عهد قائلة بهمس:
معندوش صبر ولا بيتهرب من مسؤولية،غيره يشيلها.
نظرت له ميرفت بزغر، غصبً صمتت.. حاولت تحمل ذلك القلق…
بعد وقت خرجت الطبيبة تبسمت لهن قائلة:
الحمد لله كان معجزة الولادة تكون طبيعية بس الجنين عدل نفسه فى اللحظات الأخيرة والحمد لله ولدت طبيعي…هتطلع دلوقتي تدخل أوضة عادية وهتفضل معانا للملاحظة وان شاء تخرج على بالليل.
إبتسمن ثلاثتهن وشعرن براحة..
بعد وقت وقفت عهد جانب فراش فرح سائلة:
هي ليه مش بتفتح عنيها الدكتورة قالت:
شوية إجهاد من الولادة.
تبسمن ميرفت وأجلال قائلة:
وهو تعب الولادة هين،ده روح بتنسلخ من روح تانية..يعني بتاخد جزء من روحها..الحمد لله.
بينما نظرت لها ميرفت بحنق قائلة:
تعالي إقعدي جنبا يا عهد وبلاش تبقي شعنونة..
نظرت لها عهد بغضب فتبسمت ميرفت…إمتثلت لحديث عهد وجلست جوار اجلال عينيها تنظران الى ذلك الصغير،لاحظت إجلال تلك النظرات فتبسمت وحسمت قرار قد يجعل عهد تهدأ…
لحظات وتفاجئت عهد التى
إرتعشت يديها حين اعطت إجلال الصغير لها.. تبسمت ميرفت كذالك إجلال التي تبتت على يديها قائلة:
إعدلي الولد على إيديكِ، خلي كفك تحت ظهره.
خفق قلبها وتبسمت وهي تفعل مثلما قالت اجلال، بينما إستهزأت ميرفت قائلة:
دي عدوة الأطفال، ومش بتحب العيال الصغيرة.
ضحكت عهد قائلة:
والله ولا العيال الكبيرة… مبحش الزن.. بس ده صغنون أووي… كمان حلو أووي.
ابتسمت اجلال قائلة:
نسخه من فاروق وهو مولود عندنا صورة له نسخه طبق الأصل.
تبسمت ميرفت بينما تمتمت عهد ببضع كلمات الحُنق…نغزتها ميرفت ونظرت لها بزغر..بينما لم تسمعها إجلال التى نهضت نحو فرح التى مازالت غافيه من أثر إجهاد الولادة.. تبسمت قائلة:
فرح نايمة، الحمد لله الولادة تمت بخير، هروح أشوف فين المسجد بتاع المستشفى أصلي ركتين شُكر لله.
نهضت ميرفت قائلة:
الحمد لله، خديني معاكِ أصلي أنا كمان…
نظرت عهد نحو ميرفت قائلة:
والولد هعمل فيه إيه.
نظرت لها ميرفت بتحدي قائلة:
خليكِ قاعدة بيه وإن عيط إبقي إتمشي بيه فى الأوضة إحنا مش هنغيب، وخلي بالك من أختك، إن صحيت قبل ما نرجع.
نظرت لها عهد بذهول وكادت تعترض، لكن غادرن الغرفة وظلت هي تحمل ذلك الصغير، نظرت له تتحدث بإدعاء:
أنا إتورطت فيك ولا أيه خليك ساكت بقى.
لكن الصغير إعترض ويبدوا أراد أن يُظهر جانب الضجر المرح بها، وبكى.
نظرت له تخدثه بعتاب مُفتعل:
كنت متوقعه إنك هتبقي غتت وهتستندل وتعيط… إسكت وأبقي أجيبلك هدية من رحلتي الجاية.
تبسمت فرح التي تحدثت بخفوت:
بترشي الولد من دلوقتي.
نظرت عهد نحو فرح وتوجهت نحوها ونظرت لها لاحظت أنها حين تحركت توجعت تحدثت بلهفه:
فرح إنت موجوعة… إتصل عليهم فى الإستقبال يبعتوا دكتور.
نهتها فرح ببسمة خافته:
لا يا عهد انا بخير بس لما ضحكت إتوجعت شوية… فين ماما وطنط اجلال.
زفرت عهد نفسها بإرتياح قائلة:
راحوا يصلوا وسابوني مع الشيطان الغتت ده.
ضحكت فرح قائلة:
ده مبقالوش ساعات يا عهد بقى غتت.
اومأت عهد قائلة:
ايوه عشان بسببه إتوجعتي كمان مش بطل عياط غير لما اتمشيت بيه.
ضحكت فرح،نظرت عهد لـ الصغير وتبسمت قائلة:
بصراحة الولد حلو، كمان عيونه لون عيونك.. وطنط أجلال تقولى نسخه من باباه
بقي القمر الصغنون ده شبه “الوحش العملاق”.
ضحكت فرح فآنت بألم… قبل أن تستطرد فرح وصلة إستهجانها سمعن صوت طرق على باب الغرفة، ثم دخول فاروق..
نظرن الإثنتين له، تبسمت فرح، ذهب فاروق نحوها مباشرةً وتحدثت بلهفة حقيقية:
حمدالله على سلامتك.
تبسمت فرح قائلة بمودة:
مش عاوز تشوف ياسين قبل ما عهد تتخانق معاه.
ابتسم فاروق بإيماءة ، وذهب نحو عهد…
قابلته بابتسامة صغيرة وهي تعطي له الصغير…
في اللحظة التي لامست فيها يدا فاروق جسد صغيره، ارتجف شيء بداخله…يشعر كأن العالم وُضع بين كفيه، قلبه عثر على أحد أدواره الحقيقية…
رفع نظره نحو عهد التي تبسمت ثم وجهه نظره نحو فرح وذهب نحوها جلس جوارها، تبسمت له وهو يضع قُبلة فوق رأسها ثم نظر نحو صغيره
ذلك الشعور لحظة فارقة فى حياته لن تنسي..
بينما شعرت عهد بحياء، بالنهاية هما زوجان، غادرت الغرفة فى هدوء وقلبها سعيد من أجل فرحة فرح بصغيرها… كذالك لهفة فاروق ومعاملته اللطيفة لـ فرح أثلجت صدرها بسعادة تمنتها لـ فرح رغم إختلافها وخلافها الدائم مع فاروق… والذي لأول مرة يجتمعان ولا يحدث بينهما مُشاحنة أو حديث حاد.
«»
توقعوا خناقة بين عهد وفاروق يمكن تتسبب فى شرخ بين الاخوات
رواية عهد الدباغ الفصل التاسع 9 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور أسبوع
بمنزل محي، إحتفال كالاحتفالات السابقة لأحفاده الفتاتان، لكن البعض يُعظم فى هذا الأحتفال فهو إحتفال بأول حفيد ذكر.. وليس ذلك فقط فوالد الصبي هو “الملك” ذو الصيت الاعلى بل والأقوى… لذلك البعض يُضخم المناسبة
❈-❈-❈
بَبهو المنزل
كان مقعد النساء الذي أُعد خصيصًا للاحتفال يعجُّ بالحركة والهمسات.
جلست النسوة في صفوف متناسقة، ثيابهن الملوّنة تتداخل مع بعضها كلوحةٍ شرقية حيّة، وأصواتهن تتعالى بخفوتٍ بين إعجابٍ بالصبي وحديثٍ عن نسبه القوي، وبين فضول لمتابعة من ستكون محظوظة النظرة الأولى له حين تحمله والدته وسط الجميع…
رائحة البخور امتزجت بعطر الأزهار الموضوعة في أرجاء البهو، بينما كانت بعض الجارات يتهامسن بسعادة مصطنعة وأعينهن تلمع بدهاء:
ده حفيد الملك… أكيد حياته هيبقى ليها شكل تاني..
وفي زاوية أخري ، كانت بعض الفتيات يراقبن بهدوء، مبهورات بمهابة المناسبة، متخيلات شكل والده الذي لا يزال البعض يذكر أول ظهور له وكأنه طلة رجل لا يُشبه أحدًا.
وسط مقعد النساء
دلفت فرح زوجة الملك بخطوات هادئة، وجوارها عهد تحمل الصغير بين ذراعيها كما لو كان جوهرة يخشى عليها النسيم… ما إن ظهرن حتى ساد صمت خفيف؛ كأن الجميع توقف عن الحديث في اللحظة ذاتها، ثم بدأت الهمسات تتصاعد من جديد، ولكن بنبرة إعجاب هذه المرة بالأختين اللذان يحملان جمالًا ملحوظً.
كانت فرخ ترتديعباءة راقيقة وبنفس الوقت فخمة… تعكس مكانتها دون مبالغة… حجاب يزيدها رونق.. وملامحها الواثقة تُعطيها هيبة خاصه… أمّا الصغير كان ملفوفً بشرشف صغير باللون الأبيض مع اللون الأزرق مطرز بخيوط فضية، داخل مقعد صغير
اقتربت منهما إجلال بلهفة محمّلة بفخر:
تعالي يا بنتي… خليني أبص على حفيدي.
تبسمت عهد ومدت الطفل إليها بلطف…
تبسمت اجلال تشعر برهبة قليلًا من فرط الشغف، كذالك تخشي عيون الحاسدين… ضمت الصغير إلى صدرها وقرأت بعض ايات القرآن تُحصنه من العيون
… تعلقت أنظار النساء بالطفل فهو رمز هيبةٍ مُمتد.
اقتربت إحدى القريبات، تنحني فوق كتف اجلال لتلقي نظرة:
ما شاء الله… حتى وهو صغير تحسيه ليه وقار كده.
ضحكت أخرى بخبثٍ خفيف:
ابن الملك لازم يطلع ملك زيه.
وبين إعجابٍ لا يخلو من الغيرة، بدأت بعض النسوة يتحيّزن للجلوس قرب الأم، يلقين كلمات المجاملة، ويبحثن عن أي حديث يقرّبهن إليها:
حافظي عليه ربنا يحميه…
استقبلت فرح حديثهن ومباركتهن بابتسامة مهذبة، لكن عهد شعرت بضجر من ذلك الزحام حول فرح وصغيرها، كذالك نظرات وهمسات بعضهن، ودت أن تبتعد فرح من أمام بعضهن حتى لا تُصيبها العين بمكروه.
….. ــــــــــــــــ…
مقعد الرجال
في الساحة الخارجية لمنزل محي، تحت مصابيح معلقة تُلقي ضوءًا ذهبيًا دافئًا، كان مقعد الرجال مزدحمًا وممتلئًا بالهيبة والوجوه المتجهمة التي يحاول أصحابها إخفاء سواء انبهارهم بالحضور…ونفوسهم السوداء
جلس كبار الضيوف قيمة وقامة على المقاعد الأمامية، بينما وقف الشباب في الأطراف يتبادلون النظرات والتهامس، فاليوم ليس احتفالًا عاديًا… اليوم يحتفلون بإبن الملك.
كان محي يجلس على رأس المجلس، هيبته مضاعَفة الليلة، يرتشف قهوته ببطء يليق بمكانته، ووجهه متورد من الفخر.
في الجهة المقابلة، كان الحضور يزداد، رجال من عائلات مرموقة جاؤوا فقط لأن اسم “الملك” وحده كافٍ ليجعلهم يقدمون واجب التهنئة بوقار زائد.
أحد الرجال همس لجاره:
افتكر يوم فرحه… الحارة كلها اتقلبت النهارده إبنه.. لازم الاحتفال يبقى على مستوى.
آخر هز رأسه موافقًا:
فاروق ابن الدباغ له سطوة مكان ما يدخل الهيبة ترافقه
امتزجت اصوات المديح مع رائحة العود السائدة فى المكان، وأكواب الضيافة التي تُمرر بين الرجال، والوجوه التي تنتظر شيئًا… أو بالأحرى شخصًا.
فحتى وإن كان الاحتفال لأجل طفل، إلا أن الجميع يعرف أن دخول الملك لمجلس الرجال سيكون الحدث الحقيقي الذي ينتظره الكل، كبيرهم قبل صغيرهم.
وبينما الحديث يحتدم، توقفت الأيدي فجأة عن المصافحة، وانخفضت الأصوات تلقائيًا…
حين ظهر فاروق بظله الفخم يحمل صغيره متوجهًا نحو محي وقام بإعطاؤه الصغير، حمله بسعادة بالغه… التف حوله أيضًا
محسن مُبتسمً يمزح مع كنان وفاروق…مشهد ذو هيبة تليق برجال إمبراطورية الدباغ
لكن بعض الخبثاء يشعرون بالحقد وقوة وسطوة الدباغ الذي كان هذا الإحتفال تتويجً له قبل ذلك الصغير الذي اعطي رسالة أن
“محي الدين الدباغ”
قوي بهؤلاء الرجال الذي يضمهم بقبضة يد واحدة.
…. ـــــــــــــــــ…
بعد وقت
دلفت عهد الى شقة فرح تحمل الصغير، توجهن الى غرفة النوم جلست على أحد المقاعد قائلة:
أكيد إنتِ هلكانه ممدي جسمك عالسرير…
أخيرًا طنط اجلال قالت خدوا ياسين وإطلعوا، أنا كنت خلاص هقوم أطرد الستات، لاء وكمان فاروق واخد ياسين فى قعدة الرجالة، الولد لسه صغير على البهدلة دي.
ضحكت فرح قائلة:
أنا ضحكت لما مكنتيش عاوزه تدي ياسين لـ فاروق… لو مش طنط اجلال ادخلت كنتِ إتخانقتي معاه.
زفرت عهد قائلة:
ده طفل ابن ايام واللى حصل ده بهدلة له… الحمد لله أنا كنت خلاص إتخنقت من البهرجه فى المظاهر دي… ولا عشان هو ولد بيتباهوا بيه.
ضحكت فرح قائلة:
بالعكس إنتِ مشوفتيش سبوع بنت رابيا ومحسن…ده جنبه بسيط.
تهكمت عهد قائلة:
بهرجه فارغة.
ضحكت فرح… بينما تهكمت عهد قائلة:
بهرجة زايده زي الانتيكات والتحف، ولا الشقة دي، أول مره أشوف شقة فيها تلات أوض نوم… طبعًا بسبب وسع الشقة.
أومأت فرح ببسمة قائلة:
أوضة نوم رئيسية والتانيه أوضة نوم للأطفال.
تهكمت عهد قائلة:
والاوضة التالتة للضيوف.
هزت فرح رأسها بنفي قائلة بتفسير :
لاء دي بتاع فاروق، أوقات بيسهر يشتغل عشان ميزعجنيش.
تهكمت عهد قائلة بنزق:
ميزعجكيش ليه،هو الشغل مش بيخلص عنده ولا ايه…حتى وهو نايم..عالعموم الحمد لله اليوم مر وانتهي…ريحي عالسرير،وخدي إبنك أهو،أنا فى ستات فكروا إن أنا اللى مرات فاروف بسبب إن شايلاه معظم الوقت،معرفش أنا بتخنق من الاطفال وهما نفسهم مش بيرتاحوا معايا،لكن الغتت ده مبسوط معايا،وجابلي شُبهة.
ضحكت فرح قائلة:
على رأي طنط اجلال
“الخاله والدة”.
نظرت عهد بنزق قائلة بحنق:
الخالة اتبهدلت، وأنا عندى رحلة طيران بكره الساعة سبعة الصبح، يادوب أرجع شقة بابا أنام ساعتين عشان أبقي فايقة…
صمتت ثم نظرت لـ فرح بسعادة وحب:
ربنا يفرح قلبك بيه ويكبر ومتفكريش فى الخلف تاني قبل ما ياسين يدخل المدرسة.. أو كفايه على كده…ومتسمعيش كلام الست مامت رابيا…دي ست عقلها ضارب محستش منها براحة خالص.
ضحكت فرح قائلة:
ده طبعك اساسًا مش بتحسي بالراحة مع حد، أنا كنت فرحانه أوي وإنتِ جانبي النهاردة، عقبال ما أردهالك فى خطوبتك قريب يارب.
نظرت لها عهد قائلة:
لاء انسي شكرًا أنا مبفكرش غير فى شغلى وبس، رحلة بكرة رايحة لندن بفكر أحضر رهان من بتوع الخيول، يمكن اكسب الرهان وأخد جايزة حصان وأبيعه وبتمنه أنافس جوزك فى
تجارة الخيول.
ضحكت فرح بينما سبحت عهد قائلة:
شغل المضيفات له وقت اهو يبقي ليا بيزنيس خاص…رغم اني مش بفهم فى الخيول،ولابحب أقرب منها،بس مشروع مربح…وأهو أستفاد من نسب الوحش العملاق.
❈-❈-❈
بشقة رابيا
دلفت خلف والدتها تحمل طفلتها الكبرى الغافية توجهت نحو غرفتها وضعتها بمهدها ودثرتها ثم توجهت نحو والدتها التى جلست بالردهه تحمل طفلتها الصغري، أخذتها منها ثم جلست تبتسم لها بحنان بينما تحدثت والدتها بنزق وحُنق ونبرة غيظ وحقد :
شايفه السبوع بتاع إبن سِلفك، الغورية كلها هتتحاكا عنه لسنين، طبعًا مش أول حفيد لـ محسن الدباغ كمان وإبن الملك… حظ بيروح للى مش محتاج، مش زي حظك، بنتين.
ارتعشت أطراف رابيا للحظة، ثم غامت نظرتها، تدمع عيونها دون أن تنزل دمعة:
أنا خلفت اللي ربنا كتبه يا ماما… ومش هنكسف من نعمة ربنا، فى غيري مش لاقي، الحمد لله، ربنا يبارك فيهم، ولو مكتوب ليا الولد هيجي.
-خايبه، طول عمرك، واحدة غيرك لازم تبقي واعية وعنيها وسط راسها، البت “فرح” من أول ما شوفتها مسهوكة، وشكلها قدرت تضحك على عقل فاروق، وكمان جابت الولد، اللى هيوصل نسل سطوة عيلة الدباغ، أكيد الولد ده هيبقي له مكانة كبيرة، مشوفتيش عمتك اجلال والفرحة اللى على وشها ده كان ناقص تقوم ترقص وسط الحريم.
هكذا قالت والدة رابيا بينما رفعت رابيا عينيها نحو والدتها، تنفست ببطء محاولة تثبيت انفعالها، وصوت ابنتها الصغيرة يختلط بتنهداتها..تحدثت بهدوء يغلفه الألم:
يا ماما… هو نصيبي كده… وبعدين أنا مالي ومال اللي بيعملوه ، أنا مش فارق معايا كل المظاهر دي، اللى يهمنى محسن نفسي يتغير ويحس بقلبي، أوقات بتمني لو كنت مكان فرح فى حاجه واحدة بس، معاملة فاروق لها قدامنا، اللى يشوفه يقول بيحبها من أول ما شافها، رغم كان عاوز يتجوز من أختها
قهقهت والدتها بسخرية مريرة:
طبعًا مالِك هو إنتي مش شايفة الناس بتقارن مش سامعة كلام الحريم،اللى بتقول شوفي سِلفتها… واللى بتقول سلفتها جابت الولد، وإنك لو مش بنت أخو الحجه إجلال مكنش بقى ليكِ مكانه
اهتز قلب رابيا بقسوة مؤلمة، وضمت صغيرتها إلى صدرها
همست بغيظ مكتوم:
أنا مش ناقصة عشان أتحط فى مقارنة.. البنات رزق، ونعمة… ومحسن مش فى دماغه ومش مضايق، بالعكس الحاجه الوحيدة اللى بحس إن محسن مرتاح وهو بيتعامل معاهم
تأملت والدتها وجهها قائلة بحدة أقل لكن بمرارة واضحة:
عارفة يا بنتي… بس الدنيا دي ظالمة.. واللي معاه ولد على كتفه سند…أسأليني أنا البنات دايمًا حظهم قليل وأهو سِلفك دلوقتي الكل شايفها صاحبة القيمة.
إعترضت رابيا قائلة:
اللى بيربي بنات بيدخل الجنة يا ماما، كفاية نبرة الإحساس بالذنب، بصي لبنت خالتي معاها صبيان وجوزها مغلبها، ومش عارفة تربي ولادها اللى لسه مكملش عشر سنين ساب تعليمه وصايع ومش عارفة تسيطر علي عيالها، مش الولد هو اللى هيخلي محسن يحس بوجع قلبي من جفاه.
تهكمت والدتها قائلة:
خليكِ كده خايبه،ولما سلفتك تبقي هي الكل فى الكل وإنت تابع ومالكيش مكانة متبقيش تبكي وخلى هوسك بـ محسن ينفعك،ده هو نقطة ضعفك،ضعيفة قدامه مالكيش كيان..جوازات كتير تمت من غير حب بين الزوجين،بس الست الناصحة اللى تعرف تعلق قلب الراجل بها وتخليه يعمل اللى هي عوزاه،لكن إنت..نايمة تحت جناح اجلال ومالكيش شخصية مفيش غير نعم وحاضر،وبكره لما صحتك تروح محدش هينفعك لو مصحيتيش
مش بعيد تجى اللى تعرف تستغل ضعك، إنت تقوليلي حب جوزي وكلام فارغ.. الحب مش بيسد نقص ولا إحتياج.
صمتت رابيا تشعر بآسف من حديث والدتها الغليظ، ضمت صغيرتها لصدرها، غير مُنتبهه لـ محسن الذي سمع جزء من حديثهن، وأمنية رابيا ان يشعر بلوعة قلبها، لكن هو أيضًا غير مستوعب مشاعره الضالة… لا يستطيع الا الإنصياع للقدر الذي إنفرض عليه.
….. ــــــــــــــ…
إنفض السبوع وغادر كُل النساء تقريبًا لكن لصلتها القوية مع إجلال تبقت “أم صبري”
جلست مع إجلال بود تتحدثن،الى أن قالت بطيبة نيه:
هو الواد كنان مش خلص جيش،انا فاكره إن محسن إتجوز وهو نفس عمره كده،بقولك إيه يا حجه،بدل ما البت تطير منك خسارة،اخطبيها لـ كنان.
لم تفهم إجلال غرض أم صبري،وتسألت:
البت مين.
أجابتها:
أخت مرات فاروق،متقلش عنها جمال،والله لو الواد صبري يليق بيها ما كنت إستنيت، وأهو إنتِ معاشره أختها واهو السلايف يبقوا أخوات.
نظرت لها إجلال وتوترت قائلة:
كنان لسه صغير، كمان غير محسن وفاروق، وأنا مش بختار لحد، هو حُر وقفلي عالكلام ده.
كادت أم صبري أن تلح لكن أصمتتها إجلال وهي تهمس لنفسها:
ياريت كان ينفع، بس بُعد عهد أفضل.
❈-❈-❈
بعد مرور خمس شهور
بشقة فاروق
ليلًا
كالعادة تلك الغرفة يستخدمها كغرفة مكتب كذالك غرفة نوم ثالثة…
كان جالس على الفراش يعكف على حاسوبه يقوم بدراسة بعض المناقصات، إنتهي أو بالأصح شعر بالإرهاق
خلع نظارته الطبيه وجنب الجاسوب وتمدد على الفراش يتثائب بإرهاق، كاد يغفو لكن فتح عينيه على صوت بُكاء، إعتدل جالسً وحسم أمره وذهب الى غرفة النوم الأخري دلف تبسم لـ فرح التي رفعت رأسها ونظرت له مُبتسمة قائلة:
عياط ياسين أزعجك.
أومأ رأسه بـ لا وجلس جوارهما على الفراش، ينظر الى صغيرة الذي شبع من صدرها ويبدوا أنه لا يود النوم… أخذه منها وحمله بين يديه بعاطفة الأبوة…
كم شعرت فرح بسعادة فى تلك اللحظة، وفاروق يُداعب صغيرهم… مشاعر كثيرة تضغي عليها
أحيانًا تشعر أنه بعيد أو شارد عنها
وأحيان أخرى قريب للغاية بالتأكيد يشعر بمشاعر قلبها، مازالت حائرة فى فهم مشاعره… هل هو مثلما قالت عنه إجلال يفكر بعقله فقط ولا يستطيع التعبير عن مشاعره..
بذكر مشاعره… لا تنكر أنها بلحظاتهم الحميمية تشعر به معها بكامل عقله وجسده، وحتى صمته يكون مُحمّلًا بالكثير…
لكنها فقط… تريد كلمة، إشارة، أي شيء يقول لها دون مواربة إنه يشعر بها… ويحبها…
حولت نظرها إليه… كان يضحك بخفوت لياسين الذي بدأ يصدر أصواتًا عشوائية، فارتسمت على شفتيها ابتسامة ممتنة
أومأت فرح برأسها قليلًا وهي تراقب فاروق يحمل ياسين، يهدئه ويقربه من صدره وكأنه يحتضن جزءًا من روحه… لحظة دافئة… لكن داخلها حرارة أخرى بدأت تتصاعد، شيئًا لم تستطع إخفاءه
بعد وقت قيل تثائب ياسين وبدأ يستسلم لنُعاس خفيف، فنهض فاروق ووضعه برفق في مهده… ظل واقفًا لحظة يراقب تنفس الصغير ثم التفت نحو فرح… وكانت تنظر إليه بطريقة لم يعتدها.
رفع حاجبه قليلًا بإستفسار قائلًا:
في إيه بتبصي لى كده ليه.
ابتسمت بخجل، لكنها لم تُجب… فقط كانت عيناها تقولان أكثر بكثير مما تستطيع الكلمات قوله… عاد يجلس جوارها، لكن هذه المرة اقترب منها أكثر… حتى صوته حين خرج كان أجشّ قليلًا وهو يعاود سؤاله
بتبصي كده ليه.
همست بخجل:
معرفش…
اقترب أكثر، حتى صارت أنفاسه تلامس وجهها
يده تحركت نحو أصابعها، لامستها أولًا بخفة… ثم تشابكت معها… نظرت لعينه
ووجدت ذلك الشيء التي كانت تبحث عنه دومًا… دفء، رغبة، ولهفة مكبوتة خلف صمته المعتاد.
برأسها كأن سؤال لم يخرج رغمًا عنها مازال عقلها حائر:
فاروق… إنت بعيد عني ولا أنا اللي فاكرة كده.
لا جواب بل ظل السؤال حبيس رأسها…
مد يده بخفة نحو وجنتها، رفع ذقنها قليلًا… واقترب حتى التقت شفتيه بشفتيها قبلة بطيئة، خفيفة في البداية… ثم أعمق، وكأنها الإجابة الوحيدة التي يجيدها…
تعلّقت أصابعها بقميصه، وانسحب هو قليلًا فقط ليلتقط أنفاسه، ثم همس قرب شفتيها
بإسمها بنبرة تملكت من لسانه فقط:
فرح.
تبسمت بخجل، لكن بسمتها تلك اختفت حين جذبها إليه أكثر، يحيط خصرها بيديه يقربها منه حتى تلاصق جسدها بجسده… تلك اللحظة التي تشعر فيها أنه لا يفكّر بعقله إطلاقًا… بل بها هي فقط… ارتفع نبض قلبها، وارتفع صوته معها وهو يهمس عند أذنها:
قربي أكتر.
وانسابت اللحظة بينهما…
عميقة، دافئة، ومليئة برغبة لا تحتاج كلمات…
اقتربت منه فرح كما طلب… أو كما طلب جسده دون أن ينطق… لم تكن بينهما مسافة تُذكر، أنفاسه الدافئة تلامس رقبتها، وصوته المنخفض ينساب داخلها كهمسة لا تُقاوم…
أحاط خصرها بذراعه وجذبها لصدره، فوضعت يديها على كتفيه بتلقائية دون أن تقصد تستسلم لتلك المشاعر… رفع عينيه نحوها… نظرة طويلة، كأنها لحظة صامتة يقرأ فيها كل ما يدور في قلبها…
كأنها بدأت تتجرأ.. رفعت يديها أحاطت بهما وجنتيه، لمسته بخفة، لكنها شعرت باهتزاز خفيف تحت يدها… لم يكن ارتباكًا، بل رغبة يحاول السيطرة عليها… اقتربت منه أكثر، ولم ينتظر هذه المررة ضمها لصدره بقوة، دفء جسده يحتضنها بالكامل…
قبلاتها الأولى كانت على وجنته، بخجل… لكن خجلها لم يدم.
رفع وجهها من ذقنها، قبلها قبلة أطول… أعمق… قبلة جعلت أنفاسها تختل.
يهمس بين قُبلة وأخرى، ربما ليس كلام غزل، لكن مجرد نُطق إسمها بتلك الانفاس المسلوبة
أغمضت عينيها، تشعر بيديه تُعانق ظهرها، تتحرك ببطء، بوعي كامل بكل ملمس وكل انحناءة…
سحبها نحوه حتى التصقت تمامًا به، وكأن كل الشكوك التي مرت بداخلها سابقًا تُمحى الآن، تذوب بين ذراعيه.
همست قرب أذنه بصوت مرتجف:
فاروق…
أجابها وهو يمرر أنامله ببطء على جانب رقبتها، يترك رجفة صغيرة تسري فيها:
أيوه يا فرح…
رفعت وجهها له، كأنها ستقول شيئًا… لكنه سبقها، وضع إصبعه بخفة على شفتيها:
متتكلميش… خليكي معايا بس.
ثم عاد يضمها، بقبلة أطول من كل ما سبق، قبلة تحمل شوق الأيام الماضية وصمته الطويل… وكل ما لا يعرف قوله بالكلمات… تسربت الليلة بهدوءٍ حولهما،
دفء يزداد، ونبض يتسارع…
وقربٌ لا يُفهم ايًا منهم إذا عشِق… أم شيء آخر، لكن أيًا كان هو لطيف لهما الإثنين.
❈-❈-❈
باليوم التالي
ظهرًا
بغرفة المعيشة
وقف كنان خلف ذلك المقعد يضع يديه فوق كتفي إجلال يقوم بحركات تدليك.. رغم أنه فاشل، لكن بداخل إجلال فضول معرفة سبب ذلك الاهتمام التي على يقين أن له هدف، فهي تفهمه جيدًا لكن مُستمتعة بذلك بشعور أمومة..الى أن شعرت بألم من قسوة يديه تنفست قائلة بتحذير:
خف إيدك شوية.
إنتبه كنان وفعل مثلما أرادت، ثم تنحنح أكثر من مرة.. كما توقعت لن ينتظر كثيرًا، تفوهت بمرح:
قول اللى عندك،من غير ما تكسر فى عضم كتافي.
تبسم قائلًا بخباثه ومراوغة:
هو لما ادلعك وأعملك مساچ يُفك عضمك اللى تاعبه الحج محي أبقي عندي هدف، أنا هدفي راحتك يا ماما.
-ماما
أعادت قولها، ثم ضحكت قائلة:
إتحشم وبلاش تلف وتدور.
ضحك قائلًا:
كده دايمًا فقساني يا حجة إجلال… بصي بقي يا ماما هجيب من الآخر:
إنتِ عارفه إنى إتخرجت من الجامعة بتقدير قبل ما أدخل الجيش.
ضحكت قائلة:
ده اللى بستغرب له، رغم شقاوتك لكن كنت شاطر فى الجامعة وبتنجح بتقدير، ورغم ده عقوبات الجيش كانت كتير، مقالبك فى زمايلك ورؤسائك كانت السبب، ها قولى من الآخر بقى كتافي بدأت تخشن.
ضحك قائلًا:
أنا أستلمت شغلي فى الجامعة كمُعيد يرضيكِ أروح الجامعة مواصلات.
تفوهت بإستغراب:
هتروح مواصلات ليه…مش عندك عربية كنت بتروح بها الجامعة قبل ما تتخرج.
مسك بحديثها قائلًا:
أهو قولتي قبل ما أتخرج،كنت طالب،يعني مبقتش تليق بيا كمُعيد عاوز عربية جديدة وتكون نفس ماركة الواد محسن… جربتها من وراه فيها كماليات إيه بقي، دي العربية اللى تليق بـ كنان الدباغ
تصنم كنان عن الحديث كذالك عن تدليك كتفي إجلال حين سمع صوت محي الخشن وهو يقول بتعسُف:
بتعمل إيه يا أخرة صبري، مقرب من مراتي كده ليه يالا، إبعد إيدك عنها مش قايل لك ألف مرة إنت بالذات متقربش منها.
ببلاهه توقف كنان، ورفع يديه لأعلى قائلًا بغمز مرح:
كنت بفُك لها تشنج كتافها اللى إنت السبب فيه، قولتلك قبل كده خف شوية يا حج إنت خلاص بقيت جِد وماما رقيقة وبسكوتاية، وإنت مش عاتقها بجبروتك.
بصعوبة أخفي محي بسمته بينما ضحكت اجلال قائلة:
إتحشم بلاش وقاحة.
إقترب محي وجلس جوار اجلال وضم كتفيها قائلًا:
مالكش دعوة مراتي وأنا حُر معاها.. لمستي لها بلسم، يلا شوف طريقك بعيد عنها وبلاش تتحنجل لها، أكيد لك غرض.
نظر كنان لـ اجلال وبسمتها لـ محي قائلًا بمرح:
بسهولة كده نسيتي تعب إيديا وانا بدلك لك رقابتك وكتافك، بسبب القاسي اللى قعد جنبك، وكمان بتبتسمي له، يا خسارة تعبي معاكِ، أقول إيه، ما أهو زي ما يكون ساحر لك… يعيني عليا دايمًا كده ماليش حظ.
ضحك الإثنين من طريقته الدرامية الهزلية… تحدث محي قائلًا:
قول عاوز إيه من الآخر.
سريعًا جلس كنان على مقعد قريب منهما قائلًا:
عاوز عربية زي بتاعت الواد محسن، أروح بها الجامعة.
نظر له محي بتفكير ثم تحدث بسؤال:
إحترم أخوك الكبير وبلاش كلمة الواد دي بتعصبه… وبعدين محسن جايب العربية من شغله إنت هتدفع تمنها منين.
ببجاحه تحدث سريعًا:
وإنت فين يا حج هو انا مش إبنك برضوا ولا إيه.
بمزح تحدث محي:
ولا إيه.
ضحك كنان وبدأ الحديث بمحايله لكن محي يستمتع بمساومة ذلك الاحمق.. نظر كنان الى اجلال ورسم الصعبانيه قائلًا:
إدخلى يا ماما، شايفه المعاملة.
ضحكت اجلال قائلة:
ماليش فيه، إنت وأبوك أحرار.
تصعب كنان بمرح قائلًا:
بتتخلي عني، بتسلميني له تسليم أهالي، طب حتى إتسهوكي عليه وقولى له عشان خاطري يا حج.
ضحكت، كذالك محي الذي تحدث بإستمتاع من طريقة كنان، لكن تخابث قائلًا:
أنا موافق أجيب لك عربية زي بتاع محسن بس ليا شرط.
سريعـًا نهض من مكانه وإنحني على يده يُقبلها قائلًا:
ربنا يخليك لينا يا بابا، أوعدك مش هقرب من مراتك ومش هعمل لها مساچ لحد ما أحتاج لحاجة تانيه.
ضحك الإثنين، تحدث محي:
مش تعرف الشرط الأول.
تفوه سريعًا:
أي شرط هقبله المهم أجيب العربية.
إعتدل محي وضع ساق فوق أخري قائلًا:
العربية هتجي قسط
وأنا هدفع مقدمة العربية بس، وباقي الأقساط
إنت اللى هتسددها.
نظر له كنان بمفاجأه قائلًا بحيرة:
وانا هجيب باقية الأقساط منين… ده مرتبي فى الجامعة ميجبش فردة كاوتش.
تفوه محي بإصرار مرح:
هو ده اللى عندي وماليش دعوة بالأقساط… ها موافق ولا أتراجع.
وقف كنان ينظر لدقائق يّفكر ثم تحدث بمرح:
قلبك قاسي يا حج… أنا موافق تدفع تمن مقدمة العربية وانا هعرف أتصرف وأجيب باقي الأقساط.
ضحك محي كذالك اجلال سائلة بإستفسار:
وهتجيب الأقساط دي منين.
تصعب كنان بمرح:
هضطر أشتغل شُغل إضافي جنب الجامعة… هشوف الواد فاروق لو عاوز مساعد له انا موافق أشتغل مدير معاه.
ضحك محي قائلًا:
مدير، يبقي تشتغل مع محسن مش فاروق.
تنهد كنان قائلًا:
لاء الواد محسن خلقه ضيق ومش هيتحملني،لكن الملك باله طويل وبيتحمل.
أومأ له محي قائلًا:
إنت حُر تدبر نفسك،لاني مش هدفع غير المقدمة والقسط اللى هتتأخر فيه ماليش دعوة.
تنهد كنان وهو يتصعب قائلًا:
وقتها هستلف من الواد محسن قلبه طيب.
تنهدت اجلال بآسف تشعر بغصه فى قلبها لكن تبسمت..فضحك محي…كذالك كنان قائلًا:
أنا خلاص إختارت العربية وكلمت صاحب معرض السيارات ويادوب عالاتفاق…المسا أنا وإنت يا بابا نروح له،ولا هتديني الشيك بتاع المقدمة.
تبسم محي وأعتدل فى جلسته قائلًا:
لاء قولي قيمة المقدمة وأنا أكتبلك شيك بها.
اخبره كنان بقيمة المقدمة…نظر له محي باعتراض مرح:
مش كتير أوي المبلغ ده.
هز كنان رأسه قائلًا:
مش حسب إمكانيات وماركة العربية…كمان كفاية إن أنا اللى هدفع بقية تمنها من تعبي.
ضحك محي قائلًا:
تمام إتفضل الشيك اهو ومشوفكش تقرب من مراتي.
أخذ كنان الشيك،ثم نظر له قائلًا:
ان شاءالله مش هقرب منها لمدة شهر،عند دفع أول قسط.
ضحك محي قائلًا:
إنسي لو قلبت قرد،مش دافع أكتر من الشيك اللى فى ايدك يلا مع نفسك شوف طريقة تسدد باقية الاقساط.
تذمر كنان بمرح قائلًا:
تمام يا بابا لما صورتي تنزل عالنت من ضمن الغارمين هصعب عليك.
ضحك محي دون رد،بينما قالت اجلال:
بعيد الشر عنك ان شاءالله هتسدد الأقساط.
غمز كنان لها قائلًا:
أعتبر ده وعد منك يا سلطانة الغورية.
ضحكت اجلال وتذمر محي قائلًا بتعسف:
كلمة كمان وهكلم البنك يمنع صرف الشيك.
تذمر كنان قائلًا:
خلاص بلاش قسوة انا ماشي،بس قبل ما أمشي لازم أبوس سلطانة قلبي.
خطف قبله على وجنتها تضايق محي مرح وهو ينظر الى كنان الذي هرول من أمامه.
ضحكت اجلال ونظرت لـ محي وتبسمت…تبسم لها هو الآخر،تنهدت بسعادة قائلة:
كنت إديته قيمة العربية كلها وخلاص ولا إنت قاصد حاجه فى دماغك.
أومأ لها مبتسمً قائلًا:
كنان من صغره مش هاوي الشغل زي أخواته،بس لما بيحتاجوا له بيقف معاهم،والمفروض ينضم لهم،بس هو عاجبه وجاهة مدرس الجامعة..بس لازم كمان يبقي عنده خبره،هو مش هيشتغل،هيدور على أخواته ياخد منهم،أنا بقي هفرض عليهم يشدوه معاهم للشغل،من باب المعرفة جنب شغله فى الجامعة.
فهمت قصده وتبسمت قائلة:
عندك حق،ربنا يخليك لهم ياحج ودايمًا فى ضهرهم.
تبسم وضمها قائلًا:
ويخليكِ لينا يا سلطانة الغورية، لسه كتافك بتوجعك.
ضحكت قائلة:
والله وجعوني أكتر من بعد مساچ كنان إيده قاسيه.
❈-❈-❈
بمنزل والد فرح
إبتسمت فرح بخفة وهي تتسلل للغرفة، كانت عهد غافية تمامًا كما أخبرتها والدتها، ملتفة في الفراش كطفلة مدللة لا تستيقظ إلا على مزاجها.
وقفت فرح لحظة، تتأمل وجه أختها المطمئن… جزء منها كان يريد أن تتركها تنعم بنومها، لكن شوقها للحديث معها كان أقوى… تقدّمت بخطوات هادئة، جلست على حافة الفراش وقامت بالعبث بيد صغيرها على وجه عهد قائلة بمرح!
قول لها … قومي بقى يا نعسانة يا كسلانه، وحشتيني أنا وماما.
فتحت عهد عينيها بغشاوة ثم إبتسمت وهي تُعيد إغماض عينيها تتثائب وهي تتمطئ بيديها قبل ان تفتح عينيها قائلة:
أنا راجعة الفجر وعاوزه انام اسبوع كامل، رحلتين ورا بعض من بلد لبلد.
تبسمت فرح قائلة:
وهناك مش بتنامي ولا إيه.
تثائبت عهد قائلة:
بنام، بس بصراحه رغم مرور وقت على شغلي فى الطيران بس مش برتاح فى النوم غير هنا على سريري ده.
ضحكت فرح بغمز قائلة بخباثة:
مش بتعرفي تنامي عشان حب الصياعة طبعًا تتفسحي وتلفي فى الأسواق بتاع البلدان اللى بتروحيها.
ضحكت عهد قائلة:
وطي صوتك لا ماما تسمعك تقول لـ بابا تروح تلف فى البلدان وتجيلي هنا زي الحمامة الدايخة وتقضيها نوم.
ضحكت فرح قائلة:
طب يلا إصحي نتكلم سوا مع بعض واحشني النم بتاعنا من بعد سبوع ياسين مش بنتكبم غير عالموبايل.
نهضت فرح وهي تنظر الي ياسين وحملته تُقبل وجنتيه قائلة:
إنت كبرت وملامحك إتغيرت بقيت جميل أوي أوي وخدودك دي عاوزه اكلها… بقيت شبه مامي.
ضحكت فرح قائلة:
واضح أنك لسه نعسانة أي حد بيشوف ياسين بيقول شبه باباه.
نظرت عهد الى ياسين بتدقيق حقًا يشبه فاروق لكن تعمدت الإعتراض قائلة:
بقي الملاك البرئ ده شبة الوحش العملاق.
ضحكت فرح قائلة بهيام:
فاروق… ده الملك.
تهكمت عهد بمرح قائلة:
الملك المخلوع.
ضربت فرح كتفها بخفه ثم غمزت بمرح قائلة:
كفايه كلام عن فاروق، ها قوليلى مش هنسمع خبر حلو قريب، سفاريتك دي كلها مش عارفة توقعي طيار ولا حتى مُضيف زيك، الواد فاتي خطب من أسبوعين.
تهكمت عهد قائلة:
ماما قالتلى، وكمان شوفت صور الخطوبه خالتك نزلتهم على صفحتها عالفيسبوك وقريت الكومنتات موتت من الضحك، العروسة زي ما تكون مغصوبه عليه، يلا ربنا يسهل له بعيد عننا… وبعدين يعني يوم ما أوقع شاب يبقي طيار ولا مضيف، عشان نتقابل فوق فى السما…لاء أنا طموحي راجل أعمال من اللى بشورت اللى بيلعبوا جولف.
ضحكت فرح قائلة: هخلي فاروق يشوفلك واحد من أصحابه…أهو يكسب فيكِ ثواب
تهكمت عهد قائلة:
لا مش عاوزه من ناحيته حاجه، أكيد أصحابه زيه بتوع شغل وبس.
ضحكت فرح، صدفه رفعت رأسها قليلًا، لاحظت عهد تلك القطعة المتورمة فى عُنق فرح، رفعت يدها وضعتها مكان تلك المنطقه قائلة بقلق:
إيه ده يا فرح، هي الغُدة رجعت لك تاني.
توترت فرح صامته… تعصبت عهد قائلة:
واضح ده فعلًا… وإزاي فاروق مخدش باله من الورم ده، المفروض تروحي لدكتور… أنا فاكرة الغُدة بهدلتك وإحنا صغيرين… قومي، هغير هدومي ونسيب ياسين مع ماما، ونروح المستشفي اللى هنا فى الكومباوند نعمل آشعة فورًا.
إعترضت فرح قائلة:
بس انا مقولتش لـ فاروق إني هروح المستشفي، وأنا مش تعبانه منها، ممكن يكون…
قاطعتها عهد بغضب:
ممكن يكون إيه، أساسـًا هو المفروض كان أول واحد ياخدك لدكتور، بس هو طبعًا شخص كل دماغه فى الشغل مش فارق معاه صحة مراته.
كادت تعترض لكن عهد أصرت عليها إستسلمت قائلة:
طب هتصل على فاروق أقوله.
نظرت لها عهد بغضب قائلة:
براحتك على ما أغير تكوني إديته تقرير عن خط سيرك.
رواية عهد الدباغ الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامة
❈-❈-❈
بمبنى تابع لوزارة الخارجية
دلف نديم إلى تلك الغرفة الخاصة بأحد المُدراء… تبسّم له باحترام، وأشار له المدير أن يجلس. بالفعل جلس… تبسم المدير قائلاً:
قدامي الملف الشخصي والوظيفي الخاص بيك يا نديم… ما شاء الله.
واضح إنك شخص رياضي، وكمان ملفك الوظيفي ممتاز... وده كان سبب قوي لترشيحك ضمن مجموعة من الشباب، سواء كسفراء، أو للعمل في السفارات المصرية بالدول الخارجية... وده طبعًا ليه حافز مش بس معنوي… لأ، كمان مادي.
اعتدل المدير في جلسته وتحدث بعملية:
إحنا محتاجين ندعم سفارتنا في الخارج بكوادر شابة في مجالات كتير… أهمها الشؤون القانونية.
عارف إن بعض المصريين في الخارج سواء رجال أعمال او مُغتربين
.. بيكون عندهم مشاكل قانونية، والمحامين الأجانب بياخدوا مبالغ خيالية… فوق كده انحيازهم الطبيعي لبلدهم...
إنت خريج بتقدير جيد، يعني فاهم قوانين كويس… وده الوظيفة اللى السفارات محتاجة له.
صمت المدير لحظة وهو يقلب في صفحات ملفه، ثم رفع نظره قائلًا بنبرة تحمل شيئًا من الجدية:
نديم… إحنا شايفين فيك فرصة..
فرصة تبقى إضافة قوية… مش بس لينا هنا، لكن للدولة برا...
والموضوع يستلزم مسئولية، التزام، وشخص عنده قدرة على اتخاذ قرار في وقت الضغط.
وأنا شايف إن ده كله موجود عندك.
انشرح صدر نديم قليلًا، لكنه أخفى توتره قائلًا باحترام:
تحت أمرك يا فندم… أنا جاهز لخدمة مصلحة بلدي فى أي مكان .
ابتسم المدير بإرتياح:
كويس… لأن الترشيح ده مش نهائي...
لسه فيه مقابلة أخيرة، ولجنة تقييم.
ولو عديتها… هنكلمك رسميًّا.
ثم مال عليه قليلًا وقال بنبرة أكثر دفئًا:
بس بيني وبينك… اللجنة هتعجب بيك.
خرج نديم من المكتب بخطوات محسوبة… أُغلق الباب خلفه بهدوء، لكنه شعر كأنه أغلق على مرحلة قديمة من حياته وفتح أمامه بابًا آخر تمامًا..
يسير في الممر الواسع للمبنى، لكن مازال تردُد صوت المدير برأسه...يترجل الدرج بخطوات أسرع وهو يحاول أن يسيطر على خليط المشاعر بين السعادة والرهبة التي تضرب قلبه...
وقف أمام باب الخروج الزجاجي، الهواء الشبة ساخن لفح وجهه شد نفس عميق… وابتسم لنفسه ابتسامة صغيرة واضحة، ذهب نحو سيارته وصعد إليها، عقله سابح بمُميزات تلك الوظيفة لو حصل عليها حقًا ستكون فرصة ذهبية، كمستقبل مادي وكذالك قيمة معنوية كبيرة... فى خضم ذلك الشعور صدح رنين هاتفه، أخرجه من جيبه نظر للشاشة ثم قام بالرد:
مساء الخير يا بابا،إيه ناوي ترجع القاهرة النهاردة ولا الغردقة جاية على هواك.
أجابه:
لاء مش هرجع أنا بتصل عليك عشان أقولك إن الجو هنا مُمتاز خدلك أجازة يومين وتعالي غير جو.
تننهد نديم قائلًا:
ياريت يا بابا،بس للآسف مش وقت أجازات،عالعموم إستمتع براحتك..
توقف للحظة ثم استطرد حديثه بمزح:
بس حاذر من الروسيات،إنت مش قدهم...بلاش طيش.
ضحك والده قائلًا:
طيش إيه بقي،انا بقيت عجوز،يلا خلي بالك من نفسك وبلاش تستغل غيابي وتقضي وقتك كله فى النادي تتباهي.
ضحك نديم قائلًا:
إطمن أنا مبقتش محتاج للتباهي،خلى إنت بالك من نفسك ومتهملش فى علاج السكر.
بعد لحظات أغلق الهاتف وهو يبتسم،لكن للحظات ظل بصره مُعلق بالهاتف على تلك الصورة.. فكر قليلًا لو حقًا أخذ تلك الوظيفة ماذا ستكون صفة "يارا الدباغ"
❈-❈-❈
بالشركة
نظر محسن لـ فاروق الذى دلف يبتسم قائلًا:
فاضي.
ازاح محسن نظارته الطبية ونحى الحاسوب قليلًا على طاولة المكتب ونهض قائلًا:
رغم مش فاضي، بس تعالي نتكلم فى شوية مواضيع خاصة بالشغل برضوا...هطلب لينا إتنين نسكافية،عارف إنك مش بتحب القهوة،وأنا ممنوعة عليا.
أومأ فاروق قائلًا:
لما بشرب القهوة بحس إنها بتعصبني، وكويس إنها ممنوعة عليكِ عشان أعصابك تهدى شوية.
ضحك محسن بغصه يعلم أن فاروق لا يود الإعتراف أن ذلك الأفضل لصحته،ليس لأعصابه كما يقول..
جلس الإثنين بالمقابل لبعضهما يتحدثان عن بعض الأعمال وكيفية إنجازها والإنتهاء منها... لكن فجأة أثناء ذلك فتح عليهما باب المكتب ودلف بلا إستئذان... نظرا الإثنين نحو كنان الذي دخل ببرود... تفوه محسن بعصبية مُصطنعة:
إنت إيه اللى دخلك المكتب بدون إستئذان، خلصت الشغل المطلوب منك.
نظر كنان نحو فاروق قائلًا!
قاعدين تشربوا نسكافية وأنا مسحول، هو مفيش فى قلوبكم رحمة، أنا مش أخوكم ولا إيه.
رد محسن بمزح مُبطن:
ولا إيه، إيه اللى جابك فين ملف الحسابات اللى قولت لك تراجعه.
جلس كنان على مقعد جوارهم، يتنهد بإرهاق قائلًا:
هو إيه اللى كل ما أقول لحد يقولي ولا إيه، هو انا مش إبن "محي الدين الدباغ" زيكم، ولا لاقيني على باب الغورية.
ضحك فاروق قائلًا:
لاء هتبقي على باب زويلة إنت عليك توصية من الدباغ الكبير نفسه.
وضع كنان يده حول عنقه قائلًا:
عاوزين تشنقوني يا أشرار، طب هو يقسي عليا، أبويا وبيربيني، أنتم أخواتي المفروض يكون فى قلوبكم رحمه.
ضحك الإثنين.. نظر لهما بتوسل مُصطنع:
القسط بتاع العربية قرب ميعاده مين فيكم هيسلفني القسط.
صمت الإثنين بمرح... نظر لهما قائلًا بصعبانيه مفتعلة:
هي الرحمة اتنزعت من قلوبكم.
أومأ الإثنين بتوافق... نظر لهما قائلًا:
طب ما تقسموا القسط عليكم إنتم الإتنين.
ضحك الإثنين، وتحدث فاروق بمرح:
وإيه يضمنا إنك هتسد لينا القسط، ولا كمان القسط الجاي تجي تتحنجل لينا.
نظر له محسن يومئ برأسه موافقًا على حديث فاروق، نظر لهما قائلًا:
بلاش تعاملوني بقسوة كده أنتم الإتنين عندكم أرصدة فى البنوك قد كده، إعتبروا القسط فوايد الأرصدة دي.
ضحك محسن قائلًا:
الأرصدة دي من شغلنا، إنت مفكر إن بابا بيوزع أمواله كده بالساهل... ده الدباغ الكبير.. إشتغل هي دى فرصتك تسدد الاقساط.
زفر نفسه بضغط قائلًا:
ماشي هشتغل، بس إدفعولي القسط ده بس.
نظرا الإثنين لبعض ثم سرعان ما تبسم محسن.. لاحظ كنان بسمة محسن فنهض من مكانه وتوجه اليه قبل رأسه قائلًا:
أنا بقول دايمًا الواد محسن أخويا حونين.
دفعه محسن بمرح قائلًا بغضب مُفتعا بضيق:
الواد محسن...وحونين.. بلعب معاك.. طب ماليش دعوة بقي..
قاطعه كنان يُقبل رأسه قائلًا:
خلاص بلاش كلمة الواد اللى بضايقك دي، يا بشمهندز.
ضحك فاروق بينما مازال محسن عابسًا بإصطناع..حتى أخرج كنان تلك الورقة من جيبه قائلًا:
الشيك بتاع القسط أهو هعمل عليه تظهير إنت اللى تدفعه.
إستهزأ محسن قائلًا:
والراجل صاحب محل السيارات إداك الشيك بسهولة كده بدون ضمان.
أجابه كنان بثقة:
ما أنا قولت له إن محسن أخويا هو اللى هيسدد مكاني،فهو إتعامل معاك قبل كده فعنده ثقة بقي... إنت كنت جايبها كاش، مش زيي غلبان... يظهر زي ماما ما بتقول"رزق البنات واسع"
ضحك فاروق بينما نظر له محسن بمرح قائلًا:
إنت هتقُر عليا ولا إيه.
نفي كنان ذلك قائلًا:
لا يا عم ربنا يبارك لك فى رزقك وفي بناتك الحلوين، كفاية بنتك الكببرة بتحترمني وتقولي يا أونكل مش غبية زي عمتها يارا مبتحترمنيش.
ضحك الإثنين وتحدث محسن:
فعلا يارا عندها حق.
تهكم كنان بنزق قائلًا:
دي غبية، تتعلم الذوق من رابيا، ولا فرح الرقيقة.. دي دبش وحاسس إنها هتعنس.. وهيتوقف حالي بسببها.
مازالت ضحكاتهم تصدح، لكن فجأة توقف فاروق عن الضحك، وتذكر قبل أيام حين رأي تلك القطعة المتورمة بعُنق فرح، سألها بلهفه سعد قلبها بها حين أجابته بتطمين:
يمكن حباية وهتروح لوحدها.
لكن لم يزول ذاك التورم بل زاد، لاحظ ذلك صباحً... نهض قائلًا:
إفتكرت حاجه مهمه، هسيبكم تهزروا مع بعض.
إستغرب الإثنين ذلك، لكن تحدث كنان بتأكيد:
أنا كمان هروح أخلص ملف الحسابات... يمكن قلب الحج محي يرضي عني، ويسدد هو بقية الاقساط من غير ما أتحوج للي يذلوني.
ضحك محسن قائلًا بتأكيد:
إنسي قلب الحج محي يرضي عنك مفيش قدامك غير تشتغل، مش كل قسط هتلاقي اللى يسده عنك.
❈-❈-❈
بالسيارة، قام فاروق بالإتصال على فرح، لكن الهاتف يُعطي رنين ولا رد، شعر بالتوتر قائلًا:
يمكن رجعت البيت وزي عادتها بتنسي الموبايل، أو عملاه صامت عشان ميزعكش ياسين.
قام بالإتصال على والدته بعد السلام بينهم سألها:
فرح رجعت البيت.
أجابته:
لاء، بتسأل ليه.
أجابها بتفسير:
مفيش كانت قالت لى إنها مش هتغيب عند أهلها... تمام، أشوفك المسا يا ماما.
لم يُطيل فى الحديث وأغلق الهاتف... عاود الاتصال على فرح، لكن رنين دون رد، حسم أمره سيذهب عند والدها كي يصطحبها الى أحد الأطباء يقوم بمعاينة تلك القطعة المتورمة.
.... ـــــــــــــ
بنفس الوقت
بعيادة أحد الأطباء
إنتهي الطبيب من معاينة فرح، دخل لرأسه شك بشيء، لكن لم يُفصح عنه قبل أن يتأكد
جلس خلف مكتبه، وفرح تقوم بهندمة حجابها بينما سألت عهد بلهفه:
خير يا دكتور، إيه سبب الكتلة اللى فى رقابة فرح... قبل كده كان عندها الغُدة وعملت عملية فيها..ممكن تكون ردت تاني عليها.
تحدث الطبيب قائلًا:
خير...، فعلا في حالات بترد عليها، عالعموم مقدرش أجزم قبل ما تعمل الآشعة والتحاليل دي.
خفق قلب عهد بقلق قائلة:
آشعة وتحاليل ليه.
أجابها الطبيب بنبرة مهنية لكن فيها لمحة قلق خافت:
عشان نطمن.
سكت لحظة ثم عاود الحديث:
الكتلة حجمها مش صغير، ومكانها حساس… وعلشان نستبعد أي احتمال مش مُريح، لازم نعمل شوية فحوصات دقيقة
"تحليل دم شامل، ووظائف الغدة، وكمان أشعة تليفزيونية ورنين لو احتجنا.
شحب وجه فرح، بينما رفعت يدها تلقائيًا لرقبتها تتحسس موضع الألم... بينما
عهد اقتربت منها خطوة كأنها تستمد القوة منها، لكنها لم تستطع إخفاء ارتجاف صوتها وهي تسأل:
يعني إيه… في احتمال تكون حاجة خطيرة.
رفع الطبيب نظره لهما، يحاول أن يبدو مطمئنًا قدر المستطاع لكنه لم يُرد الكذب:
مش عايز أسبق الأحداث… لكن لازم نكشف بدقة. ساعات بيكون تجمع دُهني… ساعات ارتجاع غدي، وساعات بيكون التهابات بسيطة. بس لازم نعمل اللي علينا الأول.
بلعت فرح ريقها بصعوبة، وسألت بخفوت:
وهعرف نتيجة التحاليل إمتى.
أجابها:
أغلبها خلال 24 ساعة… أول ما تطلع، تجيبها فورًا.
ثم أضاف وهو ينظر لـ فرح نظرة ذات معنى:
ولو حسيتي بأي صعوبة في البلع… أو التنفس… تيجي فورًا بدون انتظار.
خرجت الكلمتان كالصاعقة على عهد، فالتفتت لـ فرح سريعًا سائلة:
الوجع ده زي اللى حصل قبل كده
هزّت فرح رأسها نفيًا بكذب لكن في عينيها خوف لم تستطع إخفاءه...
وقفت عهد تسندها من خصرها وهي تقول للطبيب بصوت مخنوق:
هنبدأ في الفحوصات حالًا.
ابتسم الطبيب ابتسامة مطمئنة قدر ما استطاع:
تمام أنا معاكم… وكل خطوة هنمشيها سوا.
تبادلت فرح وعهد نظرة صامتة… نظرة تؤكد إن الخوف بدأ للتو.
..... ــــــــــــــــــ
بشقة والد فرح:
إستقبله كل من ميرفت وتوفيق بترحيب... تعامل معهما بود وإحترام، حتى أنه أخذ صغيره من ميرفت التي كانت تحمله... كان يبكي لكن حين حمله صمت.. نظر له توفيق بخطأ قائلًا:
الدم بيحن، ميرفت بقالها ساعة رايحة جايه بيه فى الشقة ويسكت شوية ويعيط تاني، معاه سكت.
استغرب فاروق ذلك سائلًا بإستفسار:
وفين فرح.
توترت ميرفت ونظرت الى توفيق بلوم، قائلة بتبرير:
فرح وعهد نزلوا مشوار قريب،زمانهم راجعين.
شعر فاروق بالضيق من ذلك لكن تبسم يومئ برأسه متفهمًا أو هكذا يبدوا
بعد وقت ليس بقليل
أمام باب الشقة وقفت فرح تلوم عهد:
نسيت أتصل على فاروق وأقوله إننا رايحين للدكتور.
تهكمت فرح قائلة:
لو واحد غيره كان هو أول واحد يخاف عليكِ،لكن هو طبعًا شغله أهم زي يوم ولادتك كده هيجي المسا عشان يطمن على ابنه لكن إنتِ.
صمتت عهد بعدما تلألات الدمعة بعيني فرح،تشعر بآسف قائلة:
خلينا ندخل، زمان ماما قلقت أكتر بسبب التأخير.
فتحت عهد باب الشقة
حين دخلن الى الشقة سمعن حديث من ناحية غرفة الضيوف، ذهبن نحوها، لوهلة تجمدت فرح حين رأت فاروق يجلس مع والديها يحمل صغيرهما على ساقيه، نظر نحوها نظرة غير مفهومة، ربما تضايق بالتأكيد علم أنها خرجت مع عهد دون أن تُخبره بذلك...
توقفت فرح عند المدخل وكأن قدميها التصقتا بالأرض. ازدردت ريقها بصعوبة، نظرات فاروق علقت بها لحظة طويلة… جعلت نبضها يتسارع
تقدّمت والدتها بخطوات خفيفة كأنها تُنقذ الموقف، تحدثت بمرح:
الحمد لله رجعتوا بسرعة قبل ما ياسين يبدأ يزن.
ابتسم فاروق لوالدتها، ابتسامة مهذبة، متحفظة… لكنها كانت كافية لتُشعل القلق في قلب فرح.
التفت لها مجددًا، صوته هادئ:
فعلًا ياسين زنان... مفيش غير مامته اللى بتعرف تتعامل معاه.
ارتبكت فرح بنفس الوقت دلفت عهد بعدما افسحت لها فرح... نظرت نحو فاروق تشعر بغضب منه، كيف لم يُلاحظ تلك القطعة المتورمة بعُنق فرح... للحظة كادت...
لم يُعلّق… فقط هز رأسه مرة واحدة، ببرود محسوب. .. وقف يُعدل ياقة قميصه، وملامحه ثابتة كعادته حين يكون غاضبًا ولا يريد إظهار ذلك أمام أحد.
حاول توفيق تلطيف الجو قائلًا:
بصراحة فرحت اوي لما لقيت فاروق ماسك ياسين كده، بقى عنده خبرة.
أومأ فاروق بابتسامة خفيفة بلا روح، دون رد
شعرت فرح بالحرج يتسلل لقلبها… عشرتها له الفترة الماضية أصبحت تعلم نبرة فاروق حين يكون متضايقً، تعلم أنه بالتأكيد غاضب من
خروجها دون إخباره ذلك .
... ـــــــــــــــــ
بعد وقت قليل بشقتهما بمنزل الدباغ
وضعت فرح طفلها فى مهده الصغير،شعرت بإرتباك حين إستدارت ورأت فاروق يدلف للغرفة بنفس الوقت صدح هاتفها ذهبت نحو حقيبة يدها وفتحتها، نظرت لشاشة الهاتف ثم لـ فاروق قائلة:
دي عهد هرد عليها.
ظل صامتً
بينما حين ردت فرح سمعت عهد تقول:
فرح انا فى زميلة مضيفوو معايا فى الشركه حصل عندها ظرف طارئ، وأنا هطلع الرحلة بكره الفجر بدالها، أوعي تنسي تروحي تشوفي نتيجة الآشعة والتحليل،وخدي ماما أو بابا معاكُ،
توقفت عهد للحظة ثم قالت بإستجهان:
أكيد جوزك مش فاضي،مشاغله كتير،يا عيني حتى مقدرش يقعد نص ساعة عندنا،وقته مشغول دايمًا بالصفقات المهمة.
نظرت فرح نحو فاروق الذي جلس على إحد المقاعد قائلة:
لاء مش هنسي،تروحي وترجعي بالسلامه وأكيد نتيجة التحاليل والآشعة كويسه.
آمنت عهد بأمنية قائلة:
ياارب هبقي اتصل عليكِ أعرف النتيجة إيه...يلا تصبحي على خير.
-وإنتِ من أهله.
آخر جملة قالتها فرح وأغلقت الهاتف وضعته على طاولة جوار الفراش.. عادت تنظر لـ فاروق الجالس بصمت، توجهت نحو خزانة الثياب، تشعر بتوتر من صمت فاروق.. أخرجت بعض الثياب تخصهما.. جلت صوتها أكتر من مره رغم ذلك خرج صوتها بحشرجة واضحة:
طلعت لك بيجامة.
زفر نفسه ونهض توجه نحوها أخذ منها المنامة بصمت... ثم بدأ فى خلع ثيابه ينظر لها لكن هي كعادتها أو طبيعتها الخجولة التي مازالت تُسيطر عليها، تنفس بقوة وأخيرًا قطع الصمت سائلًا:
كنت بتصل عليكِ ليه مردتيش.
أجابته بتفسير
كنت مع عهد.
شعر ببوادر نرفزه قائلًا!
وهي عهد قالتلك مترديش عليا.
ردت بتسرُع:
لاء طبعًا، بس أنا كنت عاملة الموبايل صامت.
؟
تنهد بقوة وجمود سائلًا:
ليه... وكنتِ فين مع عهد.
إبتلعت ريقها قائلة:
كنا عند الدكتور، عهد شافت الحتة الوارمة فى رقابتي وأصرت نروح للدكتور و..
شعر بغضب قائلًا بمقاطعة:
وإنتِ مبتقدريش تقولى لـ عهد لاء، وعادي طاوعتيها بدون ما تقوليلي.. تمام...
توقف للحظة ثم سحب نفسًا طويلًا قائلًا:
بصي يا فرح.. أنا أتربيت فى حارة شعبية، رغم بابا كان يقدر يعيشنا فى أرقى المناطق، وكمان درسنا فى مدارس خاصة، بس بابا عارف إننا
توقف للحظة، يمسح على وجهه ،قائلًا بنبرة صارمة لكن مخنوقة بضيقه:
بس بابا كان عارف إننا مش لازم ننسى أصلنا… ولازم نفضل مسؤولين عن أهل بيتنا. وأنا… مسؤول عنك.
تبقي معايا… مش مع حد تاني يا فرح.
مش طبيعي أسمع إن مراتي راحت لدكتور من غير ما أعرف، ولا حتى مكالمة.
رفع عينيه لها، نظرة غضبه ممزوجة بقلق واضح حاول يُخفيه خلف قسوة:
مكنش هيتعبك تتصلي عليا.
ارتبكت، قبضت على طرف ردائها بأصابعها قائلة بصوت خافت:
ماكنتش عايزة أقلقك… وخفت تزعل إني بخوف نفسي على الفاضي… فقلت أروح أطمن وخلاص.
ضحك ضحكة قصيرة كلها وجع، ثم تمتم:
تزعليني أنا ولا.ده طلب عهد.
اقترب منها ببطء، وصوته صار أهدى لكن أعمق:
فرح… إنتي مراتي.
مش ضيفه عندي… ومش واحدة بجاملها...
أقل حاجة… أقل حاجة… إنك تقولي.
مش عشان أتحكم… عشان أقلق عليك. فاهمة.
نظرت له، وشفتها السفلى ترتجف قليلًا، قبل أن تهمس محاولة تبرير خوفها:
أنا آسفة… والله ما كان قصدي… كنت خايفة بس.
رفع يدَه ببطء، مسك طرف ذراعها كأنه يثبّتها في مواجهة عينيه، قائلًا بهدوء غاضب:
وانا كمان بخاف… بس خوفي عليكِ مش بيخليني أهرب…
بيخليني أزعل، أتوتر.
سكت لحظة، نظر لرقبتها موضع الورم، واقترب أكثر ثم قال بنبرة أخفت حرارة الغضب لكن يزيدها القلق:
عالعموم قوليلي … الدكتور قال إيه
قال إن في حاجة.
هزّت رأسها بخفوت، لكن قبل أن تتفوّه بكلمة، قطع حديثها صوته الأشد حدّة منذ بدأ الحوار:
مش فاهم يعني الدكتور قال ايه.
توترت أصابعها وهي تُمسك طرف ملابسها قائلة:
قال… قال إنه محتاج يعمل تحليل وأشعة. بس… بس مش حاجة مؤكدة.
رفع حاجبيه بحدة:
وطبعًا التحاليل والآشعة عملتيها تحاليل معاكِ عهد
هو أنا إيه... ليا ولايا عليكِ ولا واحد غريب في حياتِك
تجمدت ملامحها من حدة صوته، فتمتمت معترضة بخوف:
ماهو عهد كانت معايا… وهي اللي أصرت…
قاطعها صارخًا:
وإنتِ لازم تسمعي كلام عهد أكتر من كلامي.
أنا مش ضد أختك … بس مينفعش هي تعرف عنك قبلّي
ده اسمه إيه.. اسمه إهمال.. ولا إيه.
ردت بصوت مرتعش لكنه حمل غصه خفيفه خرج صزتها مبحوح رغمًا عنها:
أنت بتضخّم الموضوع… أنا كنت خايفة، وخفت أقلقك.
لوّح بيده في الهواء بانفعال:
بتخافي تقلقيني
طب مفهوم القلق عندك إيه
عقلك فين يا فرح..
أنا جوزك أنا أول واحد لازم يعرف مش آخر واحد زي الغريب.
ارتجفت نبرة صوتها قائلة:
آخر مره.
اقترب منها خطوة… خطوة تُعطي لها الأمان قائلًا بثبات:
آخر مره إنت مراتي…
واللي بيتي وقلبي أمان ليها مش تروح وتلف مع أي حد حتى لو أختها.
القى الملابس التي كانت على الفراش بقوة، وصوته خالطه الغضب قائلًا:
تمام.
صمت لوهله...
الصمت الذي يسبق العاصفة...
نظراته ثبتت عليها، صدره يعلوا ويهبط، يحاول جاهدًا أن يحارب غضبه… يحارب نفسه... لكن كانت كلماته مختصره:
عشان حياتنا تستمر هاديه، ياريت تبعدي عهد عن حياتنا يا فرح.
قال ذلك وترك الغرفة... شعرت فرح برجفه لأول مره منذ زواجهم يتحدث معها بتلك الطريقة الجافة القاسية ولسبب لا يستحق كل ذلك الغضب.
بينما ذهب فاروق الى الغرفة الأخري، تمدد على الفراش يشعر بغضب من نفسه، يلوم نفسه، ما سبب عصبيته الزائدة تلك
تنفس بغضب وهو يتذكر نظرات عهد له كأنها تُشبه شِجارًا ولوم أنه عديم المسؤولية ناحية زوجته...
أم هذا شعور زائد منه ونظرة عهد
حيرة عقل... أم حيرة قلب
والاتهام المباشر:
إنت ضعيف يا فاروق، عهد نظرتها بتأثر فيك..
إفتكر عهد إنتهت من زمان...
وتبرير آخر:
بس مشاعرك مبتقدرش تتحكم فيها لما بتجي قدامك... مفيش غير حل واحد... عهد تبعد نهائي.
والسؤال:
إزاي
هتمنع فرح إزاي تبطل تجيب فى سيرتها.
والقرار:
هو ده الحل حتى لو وضع مؤقت.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
في قاعة واسعة ذات إضاءة عالية، جلس أعضاء اللجنة على طاولة طويلة.
كان في مقدمتهم سفير سابق، وشخص آخر مُلم بالقوانين..ومسؤول كبير من الخارجية.
دخل نديم… خطواته ثابتة، لكن في قلب صدى كطبول حرب.
جلس بإشارة منهم.
بدأ السفير الحديث:
نديم… قرينا ملفك كويس. عايزين نسمع منك… ليه شايف نفسك مناسب للمنصب ده
رفع نديم رأسه، صوته ثابت:
لأني قادر أواجه... وقادر أتحمل. وعندي استعداد أكون في ظهر أي مصري برة بلده.
وبرغم إني لسه في بداية الطريق… بس عمري ما اتأخرت عن مسؤولية ولا هتهرب منها.
نظر له الخبير القانوني بعين فاحصة يائلًا:
طيب… لو عندك ملف قانوني لمصري مُتهم ظلمًا… ومافيش أدلة كافية تضمن براءته، إزاي تتحرك
رد بسرعة، دون تردد:
أبدأ من الأرض. أسمع منه، أشوف المُلابسات، أطلب دعم من محامي محلي لكن أتابع بنفسي...
لو في نقطة ضعف… أحميه بالقانون...
ولو في ثغرة… أسدها...
بس ما سلمش رقبة مصري لمجرد إن القضية معقدة.
تبادل أعضاء اللجنة النظرات… إعجاب واضح.
ثم سأله المسؤول الأخير:
آخر سؤال، نديم… الضغط. التعامل مع الناس. الشغل اللي مالوش مواعيد.
شايف نفسك هتستحمل.
ارتسمت على فمه ابتسامة صغيرة لكنها ءات معنى:
اتعودت أشيل مسؤوليات قانونية … ومش أول مرة هشيل غيري.
نظر أعضاء اللجنه لبعضهم بصمت ثم تحدث احدهم:
شكرًا يا نديم… هنبلغك بالنتيجة خلال أيام.
اومأ براسه بصمت ثم توجه نحو باب القاعة ما إن خرج من الباب
حتى أخذ نفسًا عميقًا…
ولوهلة، لأول مرة، يشعر أنه كان أمام اختبار صعب لو تم قبوله فى تلك الوظيفه، ستكون نقطة بداية جديدة فى مستقبله.. سواء ماديًا أو معنويًا مُتناسي مشاعر قلبه الكاذبة، أو هكذا يعتقد.
❈-❈-❈
ليلًا
كانت ليلة صافية بجو دافئ
فى غرفة الضيوف جلست عهد تحمل صغير أختها نظرت لها قائلة:
كل مره بشوفه بحسه بيتغير عن اللى قبلها.
تبسمت فرح قائلة:
طنط اجلال بتقول الاطفال ملامحهم بتتغير بسرعة.
أومأت عهد بتوافق قائلة:
واضح كده، بقولك سيبك من ياسين، مفهمتش منك عالموبايل، قولي لى الدكتور قال إيه..عالتحاليل والأشعه.
توترت فرح لكن أخفت ذلك قائلة:
قال الأشعه كويسة .. إلتهاب ومع العلاج الورم هيخف... حاجه مش مهمه يعني.
تنهدت عهد براحه قائلة:
الحمد لله كنت قلقانه طول الرحلة وقلبي مقبوض.
تبسمت فرح بتلقائية قائلة:
تعرفي يا عهد أنا الوحيدة اللى فهماكِ صح دايمًا، قلبك طيب.. رغم لسانك الزالف وتباني مغرورة ومتكبره، وإنتِ مفيش أحن من قلبك، بس على اللى بتحبيهم... زي حُبك لـ ياسين كده، رغم عارفه خُلقك ضيق ومفيش طفل فى العيلة غير وإتخنقتي منه عكس ياسين، أول ما بتشوفيه وشك بتتغير ملامحه، وتنبسط.
ابتسمت عهد وهي تنظر الى ياسين قائلة:
أنا نفسي مستغربه الشعور ده ناحيته.. رغم بعترف أنا عدوة الأطفال الأولى، بس الواد ده خد قلبي من أول ما طنط إجلال حطته بين إيديا، حظه بقى.
ضحكت فرح، بنفس الوقت دخل كنان الغرفه وتبسم قائلًا:
عهد هنا بقالى فترة مشوفتكيش... بقولك إيه حظك، واضح إن حماتك هتحبك، أنا عامل حفلة مشاوي فى الجنينه حفلة إيه بقي إسألي فرح، انا انافس الشيف الشريني نفسه بس أنا سايبه ياكل عيش... إيه رأيك تنضمي لينا، العيلة كلها فى الجنينه.
ابتسمت عهد قائلة:
موافقة طبعًا، بس لازم أحكم بنفسي أولًا.
إبتسم كنان حين نهضت عهد، وتوجه الثلاث الى الحديقة الخلفية...
أغمض فاروق عينيه بضجر ممزوج بغضب مكتوم حين لمح عهد... كان حضورها ثقيلًا على صدره، وكأنها ببساطة اقتحمت لحظته التي كان ينتظر فيها أن يصفو مزاجه قليلًا... تنفّس بحدة، فتح عينيه ببطء، ورفع نظراته إليها نظرة قصيرة لكنها كافية لفضح استيائه.
على الجانب الآخر، كنان يُبالغ في الاهتمام بضيافتها، كأنها ضيفة شرف وليس مجرد زيارة عابرة.. ابتسم لها بود زائد عن الحد، وأخذ يشرح لها شيئًا لا أهمية له، فقط ليبدو كريمًا ومضيافًا.
وعهد
تجاوبت معه بقبول ناعم، ابتسامة خفيفة تهز رأسها كلما قدّم شيئًا، وكأنها تستثمر اهتمامه لم تلاحظ ما يتناثر من شرر في عيني فاروق.
وفاروق.. يُراقبهم من طرف عينه، فكاه ينقبضان، وكأنه يحاول السيطرة على أول كلمة لاذعة كادت تفلت منه..
لم يحتمل فاروق أكثر... اعتدل في جلسته قليلًا، مسح على ذقنه بخشونة وهو يحدق في كنان الذي ما زال يضه الضيافة أمام عهد وكأنها ضيفة ملكية.
تحدث فاروق ببرود قاسٍ:
كفاية يا كنان… ضيفتنا مش محتاجة كل ده.
التفت كنان نحوه ببطء، ابتسامة صغيرة مازالت عالقة على طرف شفتيه، قائلًا:
بعمل واجبي... عاوز تقييم لصنع إيديا.
ضحكت عهد قائلة:
الريحة لوحدها مش محتاجة تقييم أكيد الطعم هيبقي يجنن، أنا بحب المشويات.
كلماتها كانت هادئة، لكنها انغرست في صدر فاروق كشوكة.
زفر من جديد، هذه المرة بشكل مسموع، ثم وجّه إليها نظرة سريعة كأنه يحاول ضبط انفعاله.
نهضت عهد نحو كنان الذي يقف خلف الشواية... تحدثت برقة:
أنا ريقي جري خلاص... جوعت.
إبتسم كنان قائلًا:
ثواني وهجهز لك طبق مشويات تحلفي بيه.
إبتسمت عهد وكادت تقف جوار كنان... لكن بغضب تسرع فاروق ونهض قبض على عضد إحد يديها بقوة قائلًا بغضب:
رايحه فين بالولد، إنتِ معدومة المسؤولية الدخان بتاع الشواية ممكن يخنق الولد.
لم يقول ذاك فقط بل أخد ياسين من يديها بتعسف...
نظرت له بغضب قائلة بإستياء:
أنا كنت بعيدة عن دخان الشواية وكان ممكن تتكلم بذوق بس...
قاطعها بغضب قائلًا:
بس طبعًا الدلع والمياصة، اللى مش سايبنك تركزي فى صحة الولد.
نظرت له بعصبية ولم تستطع كبت غضبها، وتحدثت بغضب:
أنا لازم أمشي، واضح إن وجودي غير مرغوب فيه.
لم تنتظر عهد، وبالفعل بخطوات سريعة توجهت نحو مكان سيارتها... تكبت تلك الدموع بعينيها... نظر الجميع نحو فاروق بغضب ولوم، هو أفسد الليلة الصافية... لم يفهم حقيقة مشاعره أن تلك غِيرة، غير
محي وإجلال اللذان نظرا لبعضهما بآسف...
لحقت فرح بـ عهد التي صعدت للسيارة، يديها ترتعش فوق المقود...
بنفس الوقت بغضب لحقهن فاروق الذي توقف أمام أحد ابواب المنزل يحمل صغيره
كان المشهد ثلاثيًا
عهد بداخل السيارة يديها ترتعش تكبت دموعها
فرح تقترب من السيارة تبكي
فاروق يقف يحمل صغيره بعينان حادة
بنفس الوقت كان الصوت
-فرح
-عهد
-عهد
قالتها فرح بصوت مشروخ ومتحشرج بسبب البكاء
-فرح
قالها فاروق بحِدة ونبرة أمر... جعلها تتوقف تنظر نحوه للحظات قبل أن تعود وتنظر نحو عهد التي نظرت لها بإشفاق، وتحملت عدم النظر الى ذلك الأحمق المُتغطرس المُتعالي، والمتجبر، ولا تلوم فرح على وقوفها بالمنتصف، أو حتى إن إختارته هو طفلها...
فجوة وضعت بينهما والآن وجب علي عهد الإبتعاد... أو حتى الرحيل.
❈-❈-❈
دموع فرح وهي تقف بالمنتصف بين سيارة عهد التى حايدت النظر لها وصوت محرك السيارة، ونداء فاروق بإسمها يصحبه بُكاء صغيرها...
تعتصر بالمنتصف حسمت ذلك عهد حين غادرت بالسيارة مُسرعة... لم تعُد فرح تشعر بجسدها كأن المرض تمكن منه كاملًا، مازالت تقف مكانها كأنها أصبحت حجر... ليتها ذلك ما كانت شعرت بألم ...فالحجر لا يبكي، لا يرتجف، ولا يتأثر بأي شيء
ظلّت عيناها تتعلق بالفراغ، بينما قلبها يصرخ وحده،
وفي تلك اللحظة، كان كل شيء واضحًا حد القسوة
الاختيار تم...والخسارة كانت من نصيب الجميع.
زفر فاروق نفسه بقوة، بداخله شعور بالندم هو ضخم الموضوع.. لكن يُكابر ذلك وكأن الهواء لم يعد يكفي صدره...
الندم ينهش داخله بعنف، شعور غليظ يتضخم مع كل ثانية، لكنه يُصر على دفنه تحت قناع الصلابة.
لم يقترب… لم ينطق باسمها مرة أخرى، فقط ظل واقفًا يراقب...يشعر بدموع فرح التي انسابت بصمتٍ موجع، وصوت بكاء صغيرهما يعلو كطعنة متكررة في قلبٍ يرفض الاعتراف...
أما فرح، مازالت تقف في المنتصف…
منتصف الطريق، منتصف الوجع، منتصف حياة تتشقق من كل الجهات...
رحيل عهد السريع ترك خلفه فراغًا هائلًا، كأن السيارة انتزعت آخر خيط يربطها بالقدرة على الصمود..
لم تعد تشعر بجسدها للحظات، فاقت على صوت بكاء صغيرها الذي إزداد... إستدارت تنظر نحو فاروق، لأول مرة تنظر له بخواء، نظرة خاليه من أي شعور، إستقوت بنفسها، ذهبت بإتجاهه، أخدت منه الصغير بقوة، كأنها تخطفه منه، لم تتوقف وعادت للداخل، لكن صعدت الى أعلى، كذالك فاروق دلف الى الداخل خلفها لكن قبل أن يصعد خلفها..سمع نداء محي عليه بنبرة أمر:
فاروق تعالي عاوزك.
ذهب الى غرفة المعيشة...دلف يشعر بخزي من نفسه لكن رسم البرود... نظرت نحوه إجلال قائلة بلوم:
دي تربيتي ليك، تهين أخت مراتك...
نظر محي نحوه بنرفزة وقاطع إجلال قائلًا بغضب :
لاء مش أخت مراته... دي حبيبة قلبه.
صدمة جعلت عيناه تتسع، ونكست إجلال رأسها بأسف... كاد أن يتفوه وينفي ذلك لكن أستطرد محي حديثه بلوم:
إفتكر كويس لما قولنا لك مش هنغصبك، سهل نعمل خطوبه وبعد وقت نقول مفيش نصيب وتنتهي الحكايه إنت اللى عاندت نفسك وقولت كتب كتاب وقبلت تتجوز فرح... شايفك بتحاول تتعايش معاها وقولت يمكن عهد مجرد زهوة فى نظرك،لكن إنت النهاردة أثبت إنك ضعيف،مفكر إنك لما تبعد فرح عن أختها بالطريقة دي هتقدر تثبت لنفسك إنك ناسيها
ولا إنك قادر تمسحها من قلبك
صمت فاروق، شد فكه بقسوة، وكأن الكلمات لو خرجت ستفضحه أكثر مما هو مكشوف...
اقترب محي خطوة، صوته انخفض لكنه صار أوجع: إنت ما ظلمتش فرح بس… إنت ظلمت نفسك... فرح ما دخلتش حياتك غلطة، الغلطة إنك دخلتها وانت قلبك محجوز.
رفعت إجلال عينيها نحوه، وفي نظرتها عتاب أم لا اعرف القسوة، فقط الخيبة:
البنت دي سابت بيت أهلها وجت على ذمتك، شايلة همك وهم ابنك، وإنت أول ما اتخنقت كسرتها قدام نفسها وقدام أختها.
خرج صوت محي بعصبيه حاسمًا:
من اللحظة دي، يا فاروق… يا تحسم أمرك، يا تتحاسب على كل وجع زرعته بإيدك.
ظل فاروق واقفًا مكانه، البرود الذي رسمه يتشقق ببطء،
لأول مرة يشعر أن الجميع يرى الحقيقة الذي كان يهرب منها…
وأن خسارته هذه المرة، لن تكون مؤقتة... تحمل الخطأ هو يستحق ذلك... حقًا أراد إبتعاد عهد لكن تعرى من أي مبرر يقنع به نفسه
كان يريد ابتعاد عهد، نعم…
كان يظن أن المسافة ستحميه من مواجهة ضعفه،
من الإعتراف بأنه خسر السيطرة قبل أن يخسرها هي...
لكن حين وقف الآن، محاصرًا بنظرات إجلال ومحي،
فهم متأخرًا أن الهروب لا يُخفف الذنب…
بل يعريه.
انخفضت عيناه لأول مرة،
لا عن كبرياء، بل عن عجز.
تكسر صوته وهو يهمس، وكأنه يكلم نفسه أكثر مما يكلّمهم:
أنا ما كنتش فاكر إن الوجع هيبقى قاسي كده.
اقتربت إجلال خطوة، نبرتها هذه المرة أكثر هدوءًا… وأقسى إيلامً:
الوجع مش تقيل،الوجع صادق.. وإنت اللي اخترت تشيله لغيرك.
ساد الصمت.
صمت لم يكن فراغًا،بل حكمًا نهائيًا.
وفاروق…
كان يعرف، دون أن يقول أحد،أن باب الرجوع لم يعد يُفتح بالكلام،وأن بعض الخسارات…لا تُعطى فرصة ثانية.
..... ــــــــــــــــــــــــ.....
في الأعلى…
كانت فرح جالسة على طرف السرير، تضم صغيرها إلى صدرها، بكاؤه بدأ يهدأ بينما قلبها ينهار بصمت...
مررت يدها على شعره، تهمس له بكلمات واهنة، لكنها في الحقيقة كانت تواسي نفسها...
البيت الذي دخلته يومًا وهي تحلم بالأمان، صار فجأة غريبًا… جدرانه باردة، وسقفه أوطى من قدرتها على الاحتمال...بدون تفكير نهضت وضعت صغيرها على الفراش،وجذبت إحد حقائب السفر،وتوجهت نحو خزانة الثياب فتحتها وأخرجت بعض الثياب..لكن توقفت مع عودة بكاء صغيرها ذهبت نحوه حملته ودموعها تسيل،نظرت له،تشعر بإنكسار،وسط حيرتها فى الإختيار بين
أن تذهب خلف أختها،فرح لم تُخطئ
والإختيار الآخر فاروق
ماذا يعني لها..زوج...والد طفلها..وقبل من ذلك أحبته...زادت دموعها،وحِيرتها،ولا يوجد إختيار آخر لمصلحة طفلها،لو خرجت الليلة سيزداد الأمر سوءً...لأول مرة تشعر أنها أنانية وأختارت البقاء..لكن ليس بسهولة هكذا.
جذبت ثياب لها ولصغيرها وتركت غرفة النوم لأول مرة لا تريد هي البقاء بالغرفة،ربما بداخلها هاجس أن ذلك لن يكون له تأثير على فاروق..فهو أحيان كثيرة يبيت بالغرفة الثالثة..لكن حتى لو كذالك ليعلم أنها لن تتقبل إهانته لأختها بالساهل..
كذلك، ليعلم أنها ليست كما يظن، وأن صمتها ليس ضعفًا، وبقاءها ليس خضوعًا.
أغلقت باب الغرفة خلفها بهدوءٍ ثقيل، كأنها تخشى أن يفضح الصوت ارتجافها.
اتجهت إلى الغرفة الصغيرة المجاورة، تلك التي لم تطأها من قبل إلا عابرة، وضعت صغيرها على الفراش، وجلسَت جواره تُربت على ظهره حتى عاد نفسه منتظمًا.
جلست على طرف السرير، تُحدق في الفراغ...
لم يكن القرار نابعًا من رضا… بل من اضطرار...
هي لم تسامح، ولن تنسي، ولن تُغلق الجرح، لكنها اختارت أن تؤجل النزيف.
داخلها كانت تصرخ:
أنا باقية من أجل ابني… ليس من أجلك يا فاروق.
مرت دقائق… أو ساعات، لا تدري...
حتى سمعت خطواته في الردهة...
توقف عند باب غرفة النوم، ثم صوته الخافت يناديها… بلا إجابة. .
تقدّم خطوتين، لاحظ الباب المغلق للغرفة الأخرى، فهم الرسالة دون شرح... وقف مكانه، صدره يضيق قبل أن يحسم أمره ويذهب الى الغرفة الثالثه ألقي بجسده فوق الفراش عيناه تُشع ندمً قاسيًا يجلد ذاته،لم يغصبه أحد من البداية هو من ظلم نفسه وظلم فرح معه لا تستحق ذلك،وعهد
وآه.. عهد
نطقها قلبه بضنين مُحكم لكن هو يرتكب خطيئة ولابد أن ينتهي ذلك، ربما أخطأ بالطريقة لكن هذا أفضل.
أما فرح، فكانت تضم صغيرها أكثر، تشم رائحته كأنها تستمد منها قوة مؤقتة...
دموعها توقفت، لكن وجعها استقر بثباتٍ مخيف...
هذه الليلة لن تُنسى…
ليست ليلة هروب،
ولا ليلة صلح،
بل ليلة بداية مسافة…
مسافة بين زوجين تحت سقفٍ واحد،
وقلبٍ قرر أن يحمي نفسه… ولو على حساب الحب.
ظل الليل ينسحب ببطءٍ قاتل، كأن الساعات تتعمد أن تمر فوق صدرها واحدةً تلو الأخرى...
فاروق لم يطرق الباب… ولم يدخل...
وهذا الصمت كان أقسى من أي مواجهة.
فرح لم تنم.
كانت ممددة بجوار صغيرها، عيناها مفتوحتان تحدقان في سقف غريب، تفكر كيف يتحول الإنسان من امرأة تحلم ببيتٍ دافئ… إلى أُمُا تحصي أنفاس طفلها خوفًا من الغد.
مع أول خيط للفجر، بكى الصغير.
حملته فورًا، كأنها كانت تنتظر تلك الذريعة لتنهض.
هزته برفق، همست له بصوتٍ مبحوح:
حبيب ماما.
لكنها لم تكن مطمئنة.
كانت تتساءل: إلى متى؟
إلى متى ستحتمل هذا الشد الخفي، هذا الزواج الذي صار أقرب لنهاية.
تذكرت عهد أو لم تنساها تخشي أن تتحدث معها، لكن حسمت قرارها الوقت باكرًا، تعلم أن عهد حين تتضايق لا تستطيع الغفيان، وهي الأخرى كذالك... جذبت هاتفها للحظة عاد التردُد، لكن خطأ ضغطت على ذر الإتصال... سُرعان ما ردت عهد... لتسمع بُكاء فرح.. تنهد بأسي قائلة:
فرح بيعيطي ليه.
وجواب فرح:
أنا آسفة يا عهد فاروق غلط فيكِ وأنا...
مازال الغضب مُستعر فى قلب عهد ولو بوقت آخر ما كان همها شيء حتى إن إنفصلت فرح عن ذلك المتغطرس الغبي، لكن فكرت بذلك الطفل الذي بينهما... تنهدت بقوة قائلة:
فرح أنا خلاص وصلت المطار... فى مضيفة زميلة ليا حصل عندها ظرف طارئ وإتصلوا عليا أطلع الرحلة مكانها، لما أرجع نبقي نتكلم، خلي بالك من نفسك وخدي علاجك يلا بالسلامة.
همست فرح بحزن تعلم أن عهد تهرب من الحديث بذلك الشأن أن هنالك رد فعل لاحقًا... شعرت بالعطش كأن حلقها جاف... تركت صغيرها فوق الفراش وذهبت نحو المطبخ
بنفس الوقت سهد فاروق النوم شعر هو الآخر بجفاف حلقه، نهض من فوق الفراش متوجهًا نحو المطبخ
بنفس لحظة خروج عهد من المطبخ، وجدته بوجهها، يبدوا أنه لم ينم هو الآخر... واضح ذلك حين رمقت
ملامحه تبدوا شاحبة، وعيناه تحملان مزيجًا مربكًا من الغضب والندم...توقّفت لثانية…
لا همسه، لا سؤال...سُرعان ما حايدت النظر له وأكملت سيرها بصمت مرت من جواره وكأنه قطعة أثاث.
شعر فاروق بالندم وتحدث أخيرًا، بصوتٍ منخفض لكنه مشحون بالندم:
فرح..
لم تلتفت... وأكملت سيرها بلا إهتمام.
تنهد فاروق بقوة، ونظر نحوها تفاجئ بها دخلت الى غرفة نوم الأطفال... أليست بغرفة النوم..
ضغط على نفسه وذهب خلفها.. نظر لها وهي
تجذب ياسين ضمته لصدرها،وهي تُعطي له زجاجة الحليب لاحظ يداها اللتان ترتجفان رغم محاولتها التماسك.
تنفس بهدوء سائلًا:
روحتِ أوضة تانية ليه.
سؤال بسيط، لكن خلفه وجع
نظرت له ببطء… تلك النظرة الخالية التي تخشاه كل علاقة...
وقالت بهدوء عكسي:
عشان أعرف أتنفس.
الجلمة أصابته أكثر من أي صراخ.
اقترب خطوة، خفّف صوته:
فرح أنا...
ابتسمت بسخريةٍ موجوعة:
إنت إيه... عهد مغلطتش، لكن واضح عدم قبولك من بداية جوازنا وأنا بحس إنك بتكرهها بدون سبب.
-بتكرهها هكذا ترجمت أفعاله، كم قلبها ضعيف، من الجيد أنها فهمت ذلك، ربما هذا أفضل..
حاول أن يتكلم…
لكن بكاء الصغير قطع كل شيء.
حملته سريعًا... أدارت ظهرها لها، وكأنها انسحبت من المشهد عمدًا.
زفر نفسه يتنهد بغضب من نفسه يعلم أن هذا
ليس نهاية الخلاف…بل هدنة مؤقتة،
وفي الهدنات…
إما أن يُصلَح ما انكسر،أو يُكسَر كل شيء دفعةً واحدة.
❈-❈-❈
بعد مرور ثلاث أيام
ثلاثة أيام كانوا أطول من الشهور، عاشهم نديم بين شغل وروتين ومحاولات فاشلة إنه يشغل نفسه...
لكن الحقيقة... كل ثانية كان فيها ينتظر إتصال هاتفي، او حتى رسالة على بريده الإليكتروني
وها هي اللحظة المنتظرة
كان يقف بالشرفة ينظر الى لحظة غروب الشمس كأنه ، يآخذ هدنة قصيرة من زحمة اليوم...
الهواء جاف… والسماء بدأت تُظلم
أخرج هاتفه يتفقده للمرة الكام لا يعلم … وكذالك لا شيء...هز رأسه ساخرًا من نفسه، واستدار ليدخل الشقة
لكن الهاتف دق فجأة... توقف مكانه ينظر الى
شاشة الهاتف التي أظهرت رقم غير معلوم قام بالرد ليسمع الآخر يخبره:
إنت نديم الجنايني.
أجابه بنعم، تحدث الآخر:
معاك من وزارة الخارجية إدارة التعيينات
إبتلع ريقه، سائلًا:
خير يا أفندم.
جاءه صوت رسمي، هادئ لكن حاسم:
أستاذ نديم… إحنا بنتشرف نبلغ حضرتك إن اللجنة اعتمدت ترشيحك رسميًا...
هيتم نقلك ضمن برنامج إعداد الكوادر الدبلوماسية، وبعدها هتتحدد الدولة اللي هتتعين فيها...
مبروك يا نديم… إنت أثبت إنك تستحق الفرصة.
للحظة…
لم يسمع نديم أي شيء غير كلمة واحدة:
"مبروك."
أغمض عينيه… الهواء الجاف أصبح نسيم جعل جلده يشعر بقشعريرة مختلفة...
كأنه أخيرًا… لمس أول خطوة نحو طريق تمناه من سنوات، تحشرج صوته قائلًا يإمتنان:
متشكر جدًا يا فندم… الشرف ليا.
تحدث الآخر:
هنبعت لحضرتك التفاصيل خلال ساعات. يومك سعيد.
انتهت المكالمة.
وقف نديم ثابت مكانه، ظهره للمدينة، صوته خرج مهموس بإنشراح
أخيرًا…
ابتسامة بطيئة، مشحونة بكل صبر ظهرت على ملامحه...
ثم التفت ودخل الشقة…خطواته كلها حماس يُدرك جيدًا. أن هذا القرار
سيغير ليس فقط حياته المهنية،بل حياته كلها... كأنه نسي كل شيء مر سابقًا، كل شيء مضي... وتلك الوظيفة فقط هي كُل ما يفكر فيه.
❈-❈-❈
بالحارة
صوت صريخ وإستغاثة وصل الى منزل محي، سمعته إجلال،لوهلة شعرت بالريبة،إزدادت حين تحدثت إحد الخادمات:
ده الست أم صبري بيقولوا جوزها بيضربها
شهقت إجلال قائلة:
منه لله المفتري،أما أروح أحوشه بعيد عنها.
بنفس الوقت كان كنان يترجل من سيارته...توقفت أمامه إجلال تلهث قائلة برجاء:
كويس إنك جيت.
نظر لها بقلق سائلًا:
خير يا ماما بتنهجي كده ليه.
أجابته بلهاث:
المفتري جوز أم صبري بيضربها مش سامع الصريخ..تعالى معايا نحوشه عنها...ده مفتري ربنا ينتقم منه.
لوهله اراد التهرب،لكن تحايلت عليه:
عشان خاطري ده مفتري هيموتها فى إيده.
تنهد بإستسلام:
خلاص يا ماما عشان خاطرك هروح بس بلاش إنتِ تجي هروح لوحدي.
إستسلمت هي الآخري قائلة:
طيب بس بسرعة،روح قبل ما يأذيها.
بعد دقائق معدودة،دلف كنان الى ذلك المنزل كان الباب مفتوحً،نظر الى تلك السيدة التي تقف جانبًا بينما زوجها يقف بالناحية الاخري يمسك بيده عصا سميكه لإحد أدوات تنطيف المنزل يتحدث بصوت جهور،وهي ترتعش او هكذا ظن...
صرخت حين توجه زوجها نحوها وسريعًا هرولت بعيد عنه...وقف زوجها يلهث يتحدث بوعيد وهي صامته الى أن قال:
انا كنت حاطط ألفين جنيه فى الدولاب راحوا فين.
أجابته بتمثيل:
وأنا أعرف منين،الضلفة دي مفتاحها معاك دايمًا،حتى وإنت بتستحمي بتاخده معاك.
نظر لها بغيظ قائلًا:
يا ولية طلعي الالفين جنيه وبلاش فضايح فى الحارة.
نظرت له بريية مُصطنعه قائلة:
إنت اللى بتجيب الفضايخ ودايمًا ظالمني،أنا مش مسمحاك دنيا وآخرة...منك لله.
نظر لها بغضب قائلًا:
يا وليه متخلنيش أتعصب عليك هاتي الفلوس.
نظرت له بدموع مزيفه قائلة:
أعدمك إن كنت شوفتهم..
نظر لها بغضب وتهجم نحوها فهرولت خلف كنان،الذي بصعوبه تفادي هو وهي تلك الضربة...نظرت له بغضب قائلة:
منك لله يا ظالم...دايمًا ظالمني...شوف يا أستاذ كنان،شوفت بيعمل فيا إيه وانا مظلمومه منه لله.
حاول كنان الفصل بينهم لكن كان زوجها يزداد عصبيه فى المقابل هي العكس الى أن شعرت بزهق من أفعاله وهو يقترب منها نهضت واقفه فوق أريكة بالمكان وبلحظة خاطفة رفعت ساقيها لأعلي ليرتفع جسدها قليلًا وبسرعة قامت بركل زوجها منتصف بطنه وقع على الأرض وهي فوق الآريكه سُرعان ما نهضت نحوه بنفس اللحظه بغضب من زوجها رفع العصي وكاد يتهجم عليها لكن تلقي كنان الضربة فوق رأسه،
نظرت له أم صبري بعصبيه قائلة:
إنت ضربت كنان الدباغ دا أنت يومك لاء حياتك كلها هتبقي سودة لما الدباغ الكبير يعرف.. بس أنا هاخد تار كنان فوري.
جذبت العصا من يده وقامت بضربه كذا ضربه كذالك عِدة ركلات، جعلت زوجها يبحث عن باب المنزل كي يهرب، لكن تلقي ضربه فوق رأسه جعلته يسكن الأرض يضع يديه فوق رأسه يحاول كتم الدماء لكن قبل ذلك بخطأ من زوجته وهو يهرول من أمامه أصاب كنان ضربه فوق إحد ذراعيه... الذي ظل واقفً مشدوهًا من ذاك النزاع الغير متكافئ …،لا من قوة الضربات، بل من تحول المشهد كله في لحظة...
الصريخ الذي كان منذ دقائق استغاثة، صار الآن زئيرًا... والمرأة المرتعشة التي احتمت به، صارت إعصارًا يضرب بلا تردد...
تراجع كنان خطوة، يضغط على ذراعه المصابة، الدم بدأ يتسلل ببطء، بينما عيناه معلقتان بها… بأم صبري...
كانت تقف فوق زوجها كمن يسترد حقًا قديمًا، صدرها يعلو ويهبط، شعرها منفلت، وعيناها تقدحان بشرر غضبٍ لا تمثيل فيه الآن...
صرخ الزوج من تحتها:
كفاية… كفاية يا وليه… هموت.
توقفت فجأة... تراجعت خطوة، ثم مسحت كفها في جلبابها بلا اكتراث، وقالت ببرود صادم:
قوم من وشي… قبل ما أكمل عليك وأرتكب جناية.
تزحلق الرجل واقفًا، يعرج، يضع يده على رأسه وينظر لها برعب، ثم اندفع خارج البيت وهو يسب ويتمتم بالتهديد والوعيد الصارم.
سكن المكان فجأة. لم يبق سوى صوت أنفاسها الثقيلة، ونبض كنان المتسارع...
التفتت إليه، لمحت الدم على ذراعه، فشهقت:
يا نهار إسود… إنت اتعورت بسببي
نظر إليها، صوته خرج مبحوحًا:
إنتِ… إنتِ كنتِ بتمثلي..
لم تُجب فورًا... اقتربت، أمسكت بطرف قميصه لتتأكد من الجرح، ثم قالت بنبرة لا تخلو من حدة: كنت بحاول أخلص نفسي… بس هو اللي جابه لنفسه.
سحب ذراعه بهدوء، تراجع خطوة:
أمي كانت فاكرة إنك بتموتي في إيده.
ابتسمت ابتسامة جانبية غامضة:
وأهو شوفت كان عاوز يعمل معايا إيه دايمًا ظالمني وبيستقوي عليا
ساد صمت ثقيل. ثم أضافت وهي تجمع شعرها:
بس الضربة اللي جات فيك… دي مش محسوبة.
رفع عينيه إليها، مزيج من الغضب والدهشة سائلًا: مش محسوبة إزاي؟
اقتربت أكثر، همست بنبرة تحمل وعدًا لا يُفهم:
يعني لسه الحساب مفتوح.
وفي تلك اللحظة، كان كنان يدرك أن ما شاهده الآن… لم يكن شجارًا عابرًا، بل كشفٌ أول لوجهٍ آخر، امرأة لا تُكسر بسهولة، ولا تحتاج لإنقاذ… بل تحتاج لعقاب أقوي...
تنهدت ونادت بصوت جهور:
يا... هاتي البن من المطبخ وفى مرهم فولتارين في شنطة الاسعافات هتلاقيها متعلقه فى كيس ورا باب الحمام... بسرعة بلاش تتلاكعي.
دقيقة وكانت تقف تلك الفتاة جوارها تعطي لها حقيبة الإسعاف... بنفس اللحظة دق هاتف أم صبري، فنظرت للفتاة قائلة:
ضمدي الجرح اللى فى دماغ كنان، ثواني وراجعه.
بالفعل تأملت تلك الفتاة كنان شعرت بهزة فى قلبها الصغير... ورعشة يدها شعر بها، رفع يده السليمة وضعها فوق يدها قائلًا:
براحة شوية.
صمت وتأمل منها وهو لم يرفع حتى وجهه ينظر لها، ربما ذلك الأفضل هي فتاة صغيرة ذات شعر مُشعث،ينسدل بعشوائية.. وقصير دائمًا تُشبة الرجال بشعرها القصير المُتدلى منه فوق جبينها، رغم أن ملامحها بريئة ولو إهتمت قليلًا بوجهها لظهرت رقيقة...
فى تلك اللحظة لأول مرة لا تشعر بالأسف أنها خُلقت أنثي لتشعر بخفق قلبها …خفقًا أربكها..
حاولت أن تُنهي ما بيدها سريعًا، تُثبت الضماد وتشده بإتقانٍ مُفتعل، كأنها تهرب من تلك الرجفة التي تسري في أطرافها...
كان الصمت بينهما ثقيلاً، لكنه ليس مزعجًا، صمت هادئ
تحدثت دون أن ترفع عينيها:
كده الجرح اتقفل… حاول ما تتحركش كتير.
أومأ برأسه فقط، ثم قال بنبرة أخف مما توقعت: إيدك خفيفة… شكلك متعودة تساعدي الناس.
توقفت يدها للحظة، كلماته البسيطة لامست شيئًا عميقًا بداخلها.
لم يمدحها، لم يُجامِل، فقط لاحظها… وذلك كان كافيًا ليُربكها أكثر.
رفعت نظرها إليه أخيرًا، التقت عيناها بعينيه للحظة خاطفة، ثم أسرعت بخفضهما، وكأنها ارتكبت خطأً.
عاد صوت أم صبري يقترب، فابتعدت خطوة إلى الخلف، تستعيد وقارها الهش..
وحين مرت بجواره، شعرت أن المسافة التي تفصلها عنه ليست سوى خطوة…
لكن عبورها الآن مستحيل...
أما هو، فبقي جالسًا، يتتبعها بطرف عينه،
لا يعرف لماذا أراد روؤية وجهها...
ولا لماذا شعر أن الجرح في رأسه لم يعد يؤلمه بقدر ذلك الخفق الغريب في صدره.
وكان كلاهما يجهل…
أن تلك اللحظة العابرة،
كانت أول خيط في حكاية ستختبر الصبر، وتكسر التوقعات،
وتترك في القلب أثرًا لا يُمحى.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
بالنادي الرياضي
صدمة قوية لـ يارا
معرفتها بسفر نديم من إحد العضوات التى كانت تحمل غيظً من تقارب نديم ويارا بالفترة الأخيرة، وتكهنات فى النادي بقُرب إرتباطهم، ها هو خذلها وفضل عليها وظيفة بالخارج... بماذا نفعتها سطوة عائلة الدباغ... شماتة وحقد... بينما هي ليست ضعيفة حين تحدثت تلك الغليظة بشماتة:
خسارة النادي كله كان متوقع خبر خطوبتك إنتِ ونديم، بس هو كده كان كل فترة يطلع عليه إشاعة إرتباط وهوب فجأة يختفي.
سكتت قليلًا، ثم أضافت وهي تهز كتفيها بلا مبالاة مصطنعة:
شغل بقى… مستقبل… حاجات ما تعرفش عواطف.
ابتسمت يارا ابتسامة هادئة أكثر مما ينبغي، ثابتة على نحوٍ أزعج الأخرى.
رفعت رأسها قليلًا، وقالت بصوتٍ متزن لا يحمل ضعفًا، بل كبرياءً مجروحًا:
واضح إنك مهتمة بالموضوع أكتر مني.
تلعثمت الأخرى، لكن يارا لم تمنحها فرصة الرد، تابعت بنبرة واثقة:
وبعدين… الارتباط مش إشاعة، ولا سفر حد يلغي قيمة حد تاني... وزي ما قولتي إشاعة، لأني فعلًا مخطوبة أو بالأصح شبة مخطوبة، وإعلان خطوبتي قريب جدًا، يعني سفر نديم ميفرقش معايا، نديم مكنش أكتر من منافس فى لعبة الإسكواش وبس.
قالت ذلك ونهضت مرت من جوارها بخطوات ثابتة، بينما في داخلها كانت تتهاوى أشياء كثيرة..
بماذا نفعها اسم عائلة الدباغ..
بماذا نفعها نفوذ لا يمنحها حقّ السؤال ولا حتى وداعًا لائقًا
دخلت إلى غرفة تبديل الملابس، أغلقت الباب خلفها، وحين خلت بنفسها فقط…
سقط القناع...
أسندت كفها فوق المرآة، تحدق في انعكاس امرأةٍ لم تتوقع أن تُخذل هكذا...
لم تبكِ، فقط شعرت بذلك الثقل القاسي على صدرها،
ثقل فكرة واحدة لا ترحم
أنه اختار…
واختياره لم يكن هي... بلحظة غضب لم تُفكر وعادت الى المنزل وجدت والدتها تجلس بغرفة المعيشة نظرت لها قائلة بإختصار:
أنا فكرت يا ماما... وموافقة عالعريس اللى متقدم لى.
قالت ذلك وغادرت، تركت الحِيرة برأس إجلال كيف تبدلت بهذه السرعة بالصباح كانت شبه رافضة والآن موافقة على ذلك الآرتباط، تنهدت بضيق قائلة:
مبقتش فاهمه دماغ العيال دي، ربنا يرشدهم للى فيه الخير لهم..
بينما يارا صعدت لغرفتها.. ألقت تلك الحقيبه على طول ذراعها بغضب كذالك الهاتف، ودت أن تصرخ ليس شعور بالخذلان فقط بل بالقسوة التي تمكنت فى قلبها، وأقسمت على دثر نديم كأنه لم يمُر من أمامها.
❈-❈-❈
بعد مرور شهر ونصف تقريبًا
بشقة والد فرح
دلفت فرح الى غرفة عهد تشعر بخزي، مر وقت منذ تلك الليلة لم يلتقيان وجهًا لوجه،
تشعر أن عهد تتعمد ذلك بالإنشغال فى رحلات الطيران من بلد لأخري
توقفت فرح بخطواتٍ مترددة، يسبقها شعورٌ ثقيل بالخزي لم يفارقها منذ تلك الليلة.
كان الوقت قد طال دون أن يلتقيا وجهًا لوجه، لا صدفة، ولا مواجهة، وكأن بينهما اتفاقًا صامتًا على التأجيل...
كانت تدرك في قرارة نفسها أن عهد تتعمد ذلك؛
تنشغل برحلات الطيران من بلدٍ إلى آخر، تملأ أيامها بالمسافات، كأن الهروب صار أسهل من النظر في عينيها.
توقفت عند عتبة الغرفة لحظة، تتأمل عهد
تنفست بعمق، تجمع شجاعتها الهشة، ثم تقدّمت خطوة أخرى... لم تأتِي لتبرر
جاءت فقط لأنها سئمت الهروب…
ولأن الصمت، حين يطول، يتحول إلى ذنبٍ أشد قسوة من الكلام...
رغم ذلك، شعرت فرح أن المسافة بينهما لم تكن يومًا أبعد مما هي الآن.
كانت عهد تقف بظهرها أمام خزانة الثياب، وحقيبة السفر مفتوحة على السرير، وملابس مبعثرة تشهد على رحلة جديدة تستعد لها...
لم تلتفت فور دخول فرح، كأنها لم تشعر بها، أو كأنها قررت ألّا تشعر... تحدثت فرح أخيرًا بصوتٍ خافت: عهد…
استدارت ببطء، ملامحها هادئة أكثر مما يجب، ذلك الهدوء الذي يسبق العاصفة أو يخفيها للأبد...
نظرت إليها نظرة قصيرة، ثم عادت تُغلق سحاب الحقيبة بإحكام... قائلة ببرودٍ مهذّب، وجع أكثر من أي صراخ.:
فرح محتاجة حاجة اجيبها لك معايا من ألمانيا.
ابتلعت فرح غصتها، تقدّمت خطوة، ثم توقفت، كأن الأرض سحبت منها الجرأة:
إحنا بقالنا شهر ونص ما اتكلمناش وش لوش… إنتِ متعمدة الغياب.
رفعت عهد رأسها هذه المرة، نظرت مباشرة في عينيها، وقالت بصراحة جارحة:
أيوه… متعمدة.
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة ثابتة:
لأن الكلام دلوقتي يا فرح… هيخليني أقول حاجات مش عايزة أقولها.
اقتربت منها، لكن دون أن تمسها:
وإنتِ أختي، ومش ضعيفة… بس اللي حصل كسر حاجة جوايا، وأنا محتاجة وقت أفهمها، مش أبررها.
انخفضت عينا فرح، شعرت أن كل الكلمات التي حضرت بها تبعثرت دفعة واحدة..
مدت يدها، ثم سحبتها سريعًا، وكأنها تخشى أن تُرفضها عهد.
أما عهد، فحملت حقيبتها، وقبل أن تمر من جوارها توقفت، قالت بهدوء موجع:
الهروب مش دايمًا ضعف… أحيانًا بيكون الطريقة الوحيدة عشان ما نخسرش بعض.
خرجت، وبقيت فرح وحدها في الغرفة،
تدرك أن الخسارة الحقيقية… لم تكن تلك الليلة فقط،
بل الصدع الصامت بين أختين،
لم تعرفا بعد كيف تُرممانه... تدمعت عينيها... لكن تفاجئت بـ عهد التي عادت الى الغرفة زفرت نفسها بآسف قائلة:
كنت متوقعة إنك هتعيطي، تفتكري الموضوع يستاهل، أنا نسيت يا فرح خلاص، بس عشان خاطرك، إنتِ مش بس أختي الكبيرة اللى عندها إحساس عالي، مش ذنبك إن دي طبيعتك بس فى شخص أناني دايمًا هيفضل يستغل النقطة دي فيكِ...وإنتِ مش مذنبة إن دي طبيعتك...
انفجرت دموع فرح أخيرًا، لكن هذه المرة لم تكن دموع ضعف،
كانت دموع ارتياح…
لأنها أدركت أن بعض الجراح لا تُشفى بالكلام،
بل بوجود من يراك… ويختارك،حتى بعد الخيبة.
شدت عهد على يدها أكثر، وكأنها تخشى أن تفلت منها مرة أخرى، وقالت بنبرة أهدأ، محملة بحنان لم تستطع إخفاءه رغم محاولاتها السابقة
إنتِ دايمًا بتدي من غير حساب، وبتفتكري إن اللي قدامك هيقدر… بس الحقيقة غير كده يا فرح...
مش كل الناس عندها نفس قلبك.
هزت فرح رأسها بخفة، دموعها تنساب بصمت، وتحدثت بصوتٍ مكسور:
أنا مش مستنية مقابل.
تنهدت عهد بقلة حيلة، ومسحت دموعها بإبهامها كعادتها منذ الصغر:
عشان كده أنا رجعت.
مش عايزة بينا مسافة، ولا صمت، ولا وجع متراكم.
جلست إلى جوارها على طرف السرير، وأردفت: يمكن أنا هربت شوية، بس مش منك… من فكرة إني أشوفك بتتوجعي وأنا مش قادرة أعمل حاجة.
مالت فرح برأسها على كتف أختها، لأول مرة منذ أسابيع تشعر بالأمان.
قالت بصوتٍ خافت:
كنت محتاجة حضنك.
ابتسمت عهد ابتسامة صغيرة، صادقة:
وأنا كمان.
ساد الصمت من جديد، لكنه هذه المرة لم يكن ثقيلًا،
بل صمت تصالح،
صمت أختين أدركتا أن الروابط الحقيقية لا تنكسر…
حتى لو تشققت... والقرار كان عند عهد. حين
تنفست بعمق، كأنها تحسم أمرًا ظل معلقًا طويلًا، ثم قالت بنبرة هادئة لا تحتمل التراجع:
بس أنا يا فرح خلاص خدت قرار… أي مكان فيه فاروق أنا مش هبقى موجودة فيه.
رفعت فرح رأسها ببطء، نظرت إليها، وفي عينيها خوف وامتنان معًا.
تابعت عهد، ونبرتها أكثر ثباتًا:
كده الأفضل… لأني ما عنديش استعداد أكمّل وأنا شايفة حد استغل طيبة قلبك، ووجعك، ولسه بيتحرك وسطنا كأن ما حصلش سوء.
سكتت لحظة، ثم أضافت بصدق:
وجودي مش هيصلح اللي اتكسر، بس غيابي عنه… هيخليني أقدر افضل جنبك.
امتدت يد فرح تمسك يدها بقوة:
أنا ما طلبتش منك غير كده... خليكِ دايمًا جانبي يا عهد... تعرفي إني بستقوى بيكِ.
ابتسمت عهد ابتسامة خفيفة:
أحيانًا القرارات الصح مش بتتاخد عشان حد يطلبها،
بتتاخد عشان ما نضيعش نفسنا... أنا مش بلومك يا فرح وعارفة طبيعتك، بس للآسف فاروق بيستغل ضعفك، أو بمعني أصح بيعتبره حق مُكتسب له، كل اللى يهمني إنتِ وسعادتك مع إبنك وجوزك اللى أنا هو اعداء... والأفضل نكون بُعاد عن بعض، يمكن السبب هو الكراهية المُتبادلة بينا... وأنا مش أنانية تهمني سعادتك يا فرح حتى وأنا بعيد.. بيت الدباغ ده أنا مش هدخله تاني.