تحميل رواية «عهد الدباغ» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"قبل خمس سنوات" "الغورية" إحدى شوارع قاهرة المعز بطرازها الشعبي. رغم منازل تلك المنطقة الشعبية البسيطة، لكن كان هناك في منتصف تلك المنطقة منزل ضخم على مساحة كبيرة، ذو طراز معماري يشبه القصور القديمة، رغم حداثة بنائه. أُنشئ قبل أربعين عامًا تقريبًا. مكون من ثلاث طوابق، يحده حديقة من كل الجوانب، بها بعض الزهور والنباتات العطرية، كذلك بعض أشجار الليمون وثمار أخرى. الطابق الأول يحتوي على استراحة كبيرة وبعض غرف النوم وغرفتين واسعتين للضيوف. الطابق الثاني مقسم ل شقتين كبيرتين، كذالك الدور الثالث. .......
رواية عهد الدباغ الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد الحادي والعشرون
❈-❈-❈
ظل فاروق واقفًا للحظات… يشعر بأن شيئًا خفيًّا يُطبق على صدره، كأن الهواء من حوله صار أثقل من أن يُستنشق..
لم يكن الغضب وحده ما يعتصره… بل ذلك الإحساس المُربك بين الجحود والخذلان، إحساس رجل أدرك متأخرًا أن قلبه لم يعُد ملكه...حرك يده ببطء، كأنه يحاول أن يطرد ذلك الجمود الذي تسلل إلى أطرافه دون إذن… ثم مرر يديه على وجهه في محاولة فاشلة لاستعادة صلابته التي يعرفها الجميع عنه...
لكن الحقيقة التي كان يهرب منها وقفت أمامه الآن بلا رحمة.. هو لا يخشى خسارة الموقف…
بل يخشى خسارتها هي...
ابتلع ريقه بصعوبة، وارتفعت عيناه نحو الباب الموارب أمامه…
باب واحد فقط يفصل بينه وبين اعتراف قد يغير كل شيء…أو يُنهي كل شيء...
تقدّم خطوة… ثم توقف...
عاد التردُد يقيد قدميه كالسلاسل، وهمس صوته الداخلي يخبره بسخرية مُرة:
ليه سكتت كنت...
صمت للحظة يعاتب ذاته قائلًا:
حتى لو اتكلمت مكنتش هتصدق، عهد قافلة دماغها على فكرة معينه، ومش عاوزه تصدق غيرها، لكن بعد اللى حصل بينا لازم الفكرة دي تنتهي.
أغمض عينيه لحظة طويلة، كأنه يحاول أن يجمع شتات قلبه في قبضة واحدة…
ثم فتحهما ببطء، وقد لمعت فيهما عزيمة ممزوجة بوجعٍ صامت... خرج من الغرفة ذهب نحو غرفة ياسين كان الباب مواربً فتحه وتجول بعينيه عهد ليست موجودة، نظر نحو غرف الشقة استقر على باب ذلك الحمام، توجه نحوه وقف للحظات يلتقط نفسه،
ورفع يده أخيرًا لكن توقف للحظات مُترددًا قبل أن يحسم عقله القرار…
ليطرق الباب.
بينما عهد
سارت رغم ذلك الشعور بالألم بجرح قدمها، لكن هنالك ألم أشد فى قلبها.. دلفت الى ذلك الحمام.. ذهبت نحو صنبور المياة نزعت ذلك الثوب عنها وقفت أسفل اندفاع الماء، كأنها تحاول أن تُغرق ذلك الإحساس الموجع…
وجع يعتصر صدرها بصمت قاسي لا يسمعه سواها...
اختلطت دموعها بقطرات المياه.. فلم يعد يُمكن التمييز بين ما يتساقط من ذلك الصنبور فوقها… وما يتساقط من دموع قلبها المكسور...
أغمضت عينيها طويلًا، عل تلك العتمة خلف الجفون تمنحها لحظة هدوء،
لكن الذكريات كانت أجرأ من أن تُقصى…
تسللت إليها بلا استئذان، تحمل صوته، نظراته، وهمسه وما حدث بينهما
ارتجف كتفاها، ليس من برودة المياة… بل من قسوة ذلك الشعور الذي تحمله وحدها...
مدت يدها تستند إلى الجدار، كأنها تخشى أن تخونها قدماها قبل أن يخونها صبرها،
وهمست بصوتٍ مكسور بالكاد يُسمع:
ليه الوجع ده كله… ليه... كُل ما بحاول أتحمل بيزيد الوجع... ليه، ياريت أكون فى كابوس وأفوق منه... مبقتش قادرة أتحمل... حاسة بضياع،مش عارفة الطريق واخدني لفين.. كل ما بقول مسألة وقت بلاقي نفسي بضيع أكتر، إزاي سمحت لـ فاروق يلمسني بالشكل ده... كان فين عقلي، وهو طبعًا إستغل لحظة ضعف، وصل لهدفه.. إنه ينام معايا... إزاي ده حصل بغفلة مني... وجودي هنا معاه فى مكان واحد بقي صعب أتحمله.
انحدرت رأسها للأمام، واستسلمت للحظة ضعف حاولت كثيرًا أن تهرب منها،
لكن الحقيقة كانت أوضح من الهروب…
أن بعض القلوب لا تنكسر مرة واحدة…
بل تتشقق ببطء، حتى وهي تبتسم...
ظلت واقفة مكانها…بين ماء يغسل الجسد…
وحزن يعجز عن غسل الروح...
وبينما كانت غارقة في تلك اللحظة الثقيلة…
انقطع صوت الماء فجأة... لم تنتبه في البداية أن يدها ضغطت على مقبض المياة بلا وعي منها…ظنت أن العالم كله صمت احترامًا لانكسارها،
لكن صوتًا خافتًا خلف الباب جعل قلبها ينتفض بقوة... طرقات مترددة…
كأن صاحبها يخشى أن يوقظ وجعًا يعرف بوجوده... تجمدت مكانها،وانحبست أنفاسها في صدرها،حتى سمعت صوته من الخارج،بنبرة منخفضة، مبحوحة بشيءٍ يشبه القلق:
عهد...
ذلك الصوت…
كان كفيلًا بأن يُعيد كل شيء دفعة واحدة
الألم… والحنين… والخوف…
وذلك الضعف الذي حاولت دفنه تحت اندفاع الماء... أغمضت عينيها بقوة،
وكأنها تحاول أن تستجمع بقاياها قبل أن ترد،
لكن صوتها خرج خائنًا، مرتجفًا رغم محاولتها التماسك وتحدثت بحِدة:
خير عاوز إيه.
ابتلع تلك الطريقة الحادة فى الرد تنهد يحاول تهدئة نفسه ونطق إسمها بنبرة هدوء:
عهد
قبل أن يسترسل بقية كلامه توقف لحظات ساد
صمت قصير مر بينهما،
صمت يعرف الحقيقة… لكنه يتظاهر بالتصديق.
ثم جاء صوته مرة أخرى، أهدأ… وأقرب إلى الرجاء:
طب افتحي الباب… خليني أطمن.
ارتعشت أصابعها وهي تمتد نحو الصنبور لتفتحه مره أخري، لكن شعرت ببرودة الماء، أغلقت الصنبور...
وساد المكان سكون ثقيل…
لا تسمع فيه سوى خفقان قلبها،
كأنه يعلن خوفها من اللحظة القادمة... جذبت مِعطف الحمام وضعته حول جسدها وأحكمت إرتداؤه بعُقدة جامدة كأن تلك العُقدة هي حائط الدفاع...
تقدمت بخطوات بطيئة نحو الباب…ثم توقفت.
هل تفتحه…
وتفتح معه كل ما حاولت إغلاقه داخلها
أم تبقى هنا…حتي لا يرى ضعفها
وقفت بين الاختيارين…
وقلبها وحده يعرف
أن لحظة واحدة بعد هذا الصمت…
قد تغير كل شيء... تسارعت أنفاسها دون إرادة،
وكأن قلبها يركض نحو الباب… بينما كرامتها تشدها للخلف بقوةأغمضت عينيها،
لا لتمنع الدموع…
بل لتمنع نفسها من الضعف أمامه مرة أخرى
جاء صوته هذه المرة أقرب، أخفض…
يحمل رجاءً خفيًا لم تعهده فيه من قبل:
عهد عارف إنّي آخر حد يحق له يسأل…
بس افتحي الباب… دقيقة واحدة بس.
زفرت عهد نفسها... لكن ليس رجاء فاروق هو ما أرغمها على الخروج من الحمام، بل ذلك الصوت الآخر...
قبل لحظات إستيقظ ياسين نظر نحو فراش عهد لم يجدها،بمشاعر طفل شعر ببعض من الفقدان... اعتدل في جلسته ببطء، وعيناه تجوبان الغرفة كأنهما تبحثان عنها كأن غيابها القصير تحول في داخله إلى خوف لا يعرف له اسمًا... نهض من الفراش بخطوات سريعة
كأن قلبه يسبقه نحو الباب قبل جسده،
يهمس إسمها بصوت طفولى وهو يُعبث بعينيه يحاول الا يبكي حين رأي فاروق يقف أمام باب الحمام:
عهد.
خرجت من الحمام سريعًا... رغم ذلك الألم لكن رسمت له بسمة عطف...
كانت كافية لتُعيد الطمأنينة إلى قلب ارتعب قبل لحظات.
فتوقف مكانه…وأغمض عينيه لثانيةٍ واحدة فقط... إنحنت عليه قائله بحنان:
زعلان ليه... يلا تعالي أغسل وشك، عشان تفطر قبل ما باص الحضانه يوصل.
أومأ لها في تلك اللحظات أيقن فاروق يعترف لنفسه
أن صغيره لا يريد حياة…لا تكون عهد فيها... لحظات سقط الصمت بينهما…وهي تتوجه نحو تلك الغرفة تقبض بيد ياسين بين يدها... ثم أغلقت باب الغرفة... ساد
صمت آخر يعرف أن الحب ما زال لم يصل الى قلب عهد... وأن الطريق إليها… لم يعد سهلًا أبدًا.
❈-❈-❈
بشقة نديم
فتح باب تلك الشُرفة.. نظر نحو تلك الشمس، رغم أنه يوم خريفي شبه غائم، لكن أحيانًا تنبثق الشمس من خلف الغيوم كأنها تُصر على أن تمنح القلب فرصة جديدة للدفء.
وقف مستندًا إلى السور الحديدي البارد، يضم كفيه إلى بعضهما دون أن يشعر، وعيناه معلقتان بذلك الخيط الذهبي المتسلل بين السحب...
كان الصمت حوله واسعًا… صمت يشبه الفراغ الذي يسكن داخله منذ رحيله المفاجئ، حتى تركه لكل شيء دون تفسير يُطفئ الأسئلة المشتعلة في صدره.
تنفس بعمق، كأنه يحاول أن يملأ رئتيه بشيءٍ أكثر من الهواء… بشيءٍ يُشبه الطمأنينة التي فقدها دون أن يدري متى.
مرت صورة يارا بخاطره، واضحة على نحوٍ أربكه؛ ابتسامتها الهادئة… عينيها اللتين كانتا تُشعان وهج خاص حين ينظر لها… ذلك الشعور الغريب بالأحتياج الذي لم يعترف يومًا أنه فد يشعر به...
أغمض عينيه للحظة، فبدت له المسافة بينها وبينه أطول من أي طريق قطعه في حياته...
همس بصوتٍ خافت، كأنه يخشى أن يسمعه أحد… أو ربما يخشى أن يسمع هو نفسه الحقيقة:
كان لازم أتكلم معاها قبل ما أسافر، لكن وقتها كان كل تفكيري فى الفرصة اللى قدامي، دلوقتي بدفع تمن التسرُع.
فتح عينيه من جديد، فوجد الشمس قد خرجت أكثر من بين الغيوم…
لكن الدفء لم يصل بعد إلى قلبه...
تنهد وهو يتذكر اللقاء الأخير مع يارا بالأمس صدفة، هي منذ ذهب لطلبها للزواج وهي توقفت عن الذهاب الى ذلك النادي... لكن بالأمس تفاجئ بها وهي تقف مع إحد العاملات بالنادي...لكن حين لمحته قريب من المكان، تركتها وكادت تُغادر عمدًا، لكن لحقها قبل ذلك…لكن لحقها قبل ذلك.
ناداها باسمها أكثر من مرة …
يارا.
غصبً توقفت قدماها رغمًا عنها، لا لأنها أرادت التوقف… بل لأن قلبها خان قرار الهروب الذي اتخذته منذ أن رأته...
بقيت واقفة وظهرها له، كتفاها مشدودان كأنها تستعد لمعركة تعرف نتيجتها مسبقًا...
اقترب بخطواتٍ سريعة، كأنه يسير فوق شيءٍ هش قد ينكسر تحت قدميه في أي لحظة...
وحين صار على بُعد خطوة واحدة منها، تحدث بصوتٍ هادئ اختلط فيه التردد بالاشتياق:
ليه بتهربي مني.
سؤال بسيط… بالأصح سؤال متوقع منها،
كذالك سهل من أن يُجاب عليه بسهولة... رسمت بسمة استهزاء ثم
أغمضت عينيها لثواني محاولة أن تُعيد ترتيب ذلك الفيض من المشاعر الذي أربكها منذ عودته المفاجئة لحياتها، كذالك عرض الزواج التي تفاجئت به … التفتت نحوه ببطء.
كانت عيناها هادئتين على غير العادة… هدوء يشبه ما يأتي بعد عاصفة طويلة...
تحدثت بنبرة بها غرور ، واضح:
وأنا ههرب منك ليه… أنا بس بحاول أنسي أنا كنت إيه قبل ما تسافر.
ارتجف شيءٌ خفي داخله عند كلماتها...
أراد أن يقترب أكثر… أن يقول أي شيءٍ يُصلح ما أفسده الغياب…
لكن الكلمات خانته، كما خذلها هو من قبل...
مرت لحظة صمت طويلة بينهما…
لحظة بدت كأن الزمن توقف
وأخيرًا همس بنبرة ندم:
يارا ممكن نقعد نتكلم بهدوء... ومستعد أسمع… أي حاجة… حتى لو هتوجع.
نظرت إليه طويلًا، كأنها تبحث في ملامحه عن الرجل الذي أحبته يومًا…ثم سألت بصوت بارد:
ولو الوجع ده كان سببه إنك جيت متأخر
سؤالها ظلّ معلقًا بينهما…خفيف في نبرته… قاتل في معناه... لم يُجب فورًا.
فقط ابتلع تلك الغصة التي صعدت إلى حلقه، ونظر إليها كأنّه يحاول أن يحفظ ملامحها من جديد… ملامح ربما لم يتغير فيها شيء يُرى بالعين، لكن التغيُر يُشعر به القلب...تحدث أخيرًا بصوتٍ حاسم:
أرجوكِ خلينا نتكلم بتحضُر.
ابتسمت ابتسامة صغيرة…باهته
ليست سخرية، وليست فرحًا… بل شيءٌ بينهما يشبه الترقُب فقط للسماع
هزت رأسها ببطء قائلة:
في حاجات لما بتتكسر… مبتتلحمش.
تقدم خطوة أخرى دون وعي، كأن المسافة بينهما أصبحت فجأةً خانقة...
كان يريد أن يقول إنه لم يفهم حقيقة مشاعره إلا بعدما ابتعد…
إنه خاف… فضاع… ثم عاد يبحث عنها وحدها...
لكن كل هذه الاعترافات بدت ضعيفة أمام عينيها الهادئتين همس:
طب قوليلي أعمل إيه عشان تسمعني.
للحظة… فقط للحظة…ارتبك قلبها.
ظهر ذلك الـ نديم الذي كانت تعرفه… الذي يسألها كأنهما على شفا الارتباط معًا،
لكنها تذكرت سفره دون إخبارها … الأسئلة التي كانت بلا رد… ذلك الصمت الطويل الذي تركها تواجه نفسها وحدها... قبل أن ترفض عاد يلح:
تمام خلينا نقعد بس خمس دقايق.
زفرت نفسها وأومأت بقبول.. انشرح قلبه وتبسم وهو يُشير لها بالذهاب نحو إحد الطاولات
سحب لها المقعد،جلست ثم جلس بمقعد قريب منها قبل أن يتحدث تحدثت هي بإستفسار:
قبل ما نتكلم فى أي موضوع، أنا شوفتك واقف مع عهد مرات فاروق أخويا عندنا فى البيت واضح إنك تعرفها قبل كده.
تذكر قائلّا:
أيوه فعلّا قابلتها قبل كده مرتين صُدفة.
تهكمت يارا قائلة:
قابلتها صدفة ولسه معلقه فى دماغك.
فهم تلميح يارا وسرد لها اللقائين ثم تحدث ببساطة:
أظن جاوبتك على سؤالك، ممكن بقي أعرف قرارك على طلب الارتباط.
نهضت واقفه بغرور قائلة:
لما أخد القرار بابا هو الللى هيببلعك بيه. دلوقتي لازم أمشي عندي حاجات مهمه لازم أنجزها.
نهض هو الآخر بتسرع مسك معصمها
قائلًا بهدوء حاول أن يجعله عاديًا:
يارا… القرار مش هيكون لباباك لوحده. القرار في الأول والأخير ليكِ إنتِ.
سحبت يدها من يده بقوة، ولم تلتفت إليه، فقط شدت كتفيها قليلًا وكأنها تستعيد تماسكها، ثم قالت بنبرة جافة أكثر من قبل رغم محاولتها إخفاء ذلك:
وأنا لما أقرر… هتعرف.
قالت ذلك وإنسحبت من المكان تركته، ينظر في أثرها، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة تحمل تحديًا خفيًا وهمس لنفسه:
واضح إن الحكاية مش سهلة… بس برضه مش مستحيلة.
جلس ببطء على المقعد، وأسند رأسه إلى الخلف، وعيناه تلمعان بذلك الإصرار الهادئ الذي يسبق المعارك الحقيقية…ليس معركة لإقناعها فقط…
بل معركة ليعرف لماذا أصبحت هي بالذات، دون غيرها، تشغل كل هذا المكان في قلبه.
بينما يارا، صعدت الى سيارتها إنطلقت سريعًا
تقود بسرعة أكبر من المعتاد، كأنها تهرب من شيء يلاحقها من الداخل...
وضعت يدها على صدرها تحاول تهدئة دقات قلبها المتسارعة، وتمتمت بضيق خافت:
مالك يا يارا… ايه هيرجع كلامه المسهوك يأثر فيكِ.
لكنها لم تجد إجابة…وكان ذلك السؤال أخطر كل الأسئلة.
❈-❈-❈
بعد مرور عدة أيام
ظهرًا
بالجامعة
اثناء شرح كنان لأحد المسائل، صدفة رفع رأسه
طافت تلك الشعثاء أمام عيناه،أو هكذا ظنها طيف...زفر نفسًا طويلًا محاولًا طرد ذلك الخيال العابر من رأسه، ثم أعاد تركيزه سريعًا على للشرح وكأن شيئًا لم يكن...
أمسك القلم بثبات مصطنع، وأكمل شرح الخطوات بنبرة هادئة، لكن داخله لم يكن هادئًا أبدًا… هنالك شيء خفي يتسلل بين الأرقام والمعادلات، كأن حضورهـا المفاجئ اللى خياله أربك ترتيب أفكاره...
توقف أحد الطلاب ليسأله عن خطوةٍ لم يفهمها، فالتفت إليه كنان فورًا، ممتنًا لهذا السؤال الذي أعاده إلى أرض الواقع...
شرح المسألة مرة أخرى بتأني، هذه المرة بتركيز أكبر، حتى انتهى وهو يربت القلم على حافة المكتب في حركة لا إرادية اعتادها حين يفكر بشيء يشغله...
وقبل أن يخفض رأسه إلى أوراقه…
تحرك بصره دون قصد نحو آخر القاعة.
وهناك…كانت المفاجأة حقًا لم تكِن طيفًا هذه المرة... كانت تقف فعلًا، مترددة بالقرب الباب الخلفي كأنها تحسم قرار الخروج مع زملاؤها...
عيناه ثبتتا عليها لثانية أطول مما ينبغي، ثم شد ملامحه سريعًا وأدار وجهه إلى أحد الطلاب يسأله عن ايتفسار ، حاول أن يستعيد صرامته المعتادة أمام طلابه.
لكن قلبه كان قد سبق كل محاولات التماسك…
وخفق بتلك الدقة المؤلمة التي لا يخطئها... وهو يتيقن أن خيال المآته إحد طُلابه... يسأل عقله كيف لم يلاحظها سابقًا.
❈-❈-❈
مساءً
بالمقر
خلع محسن نظارته الطبية، وترك العمل على حاسوبه... إتكئ بظهره على المقعديتنفس بهدوء وهو يُمسد على عينيه، شعر ببعض الإرهاق....
لكن سرعان ما صدح رنين هاتفه، جذبه من فوق المكتب سرعان ما خفق قلبه وتبسم وهو يجذب الهاتف بلهفة غريبه عليه حين علم هوية من تتصل عليه.
بينما بمنزل والدة رابيا
ابتسمت والدتها بسخرية قائلة:
برضوا محسن لسه مصمم إن البنات ميجوش هنا.
أجابتها:
خلاص يا ماما الموضوع ده إتكلمنا فيه كتبر، لما تحبي تشوفيهم بيت عمتي مفتوح فى أي وقت.
تهكمت والدتها بنزق، ثم تحدثن بأمور كثيرة..
حتي آتي بهما الحديث الى ذلك الماضي التي دائمًا ما تلوم نفسهاعليه...
تحدثت والدة رابيا كالعادة باستهجان:
هتفضلي خايبه طول عمرك...لو مش أنا اللى خططت ودبرت كان زمانك عايشه عالاطلال أو متجوزة موظف زي أختك، بدل ما تشليها مني، جِميلة، شيلاها على صدرك.
نظىت لها رابيا قائلة:
قصدك شيلاها ذنب إني وافقت وشاركتك فى المؤامرة.
فجأة صمت الإثنبن حين سمعن صوت نحنحة، نظرن نحوها وجدن
والد رابيا ومحسن لجانبه.
❈-❈-❈
ليلًا بشقة والد عهد
دلفت مسرعة وهي تسأل بلهفةٍ واضحة:
ياسين فين.
أجابتها والدتها بهدوءٍ ممزوج بسؤال:
نايم… إيه آخرك كده النهارده.
خلعت عهد ثوب العمل الخاص بالمضيفات وهي تقول بإرهاقٍ ظاهر:
الطيارة اتأخرت في الإقلاع.
تنهدت ميرفت بضيق، ثم قالت بنبرة لا تخلو من لوم:
مش عارفة إيه اللي غصبك على الشغل ده… خدي أجازة من غير مرتب وارتاحي شوية.
نظرت إليها عهد وهي تبدّل ثيابها سريعًا، ثم تحدثت بحسمٍ اعتادت عليه:
اتكلمنا في الموضوع ده قبل كده… أنا ما بحبش قعدة البيت، وكمان أنا مش تعبانة من السفر.
ثم أغلقت أزرار ثوبها الآخر وتحدثت بنبرة استعجال:
يلا… أنا خلصت تبديل هدومي هاخد ياسين وأمشي.
توقفت ميرفت عن الحركة، والتفتت إليها بقلقٍ حقيقي هذه المرة قاىلة بحنان:
— تمشي فين دلوقتي يا عهد إتعشي الأول وبعدين ياسين نايم.
انشغلت عهد بجمع شعرها خلف رأسها في حركةٍ سريعة، قائلة:
مش جعانه،أكلت فى الطيارة.
خرجن من الغرفة توجهن الى الغرفه الأخرى سريعًا جلبت عهد معطف صغير وقامت بوضعه فوق ثياب ياسين،وهو مازال غافيًا ثم حملته،بنفس الوقت تلاقت مع والدها تبسم لها بخفوت،إقتربت منه وهي تخمل ياسين وضعت قبلة على وجنته قائلة:
تصبح على خير يا بابا.
اومأ لها بغصة قوية فى قلبه قائلًا:
باتي هنا و...
قاطعته:
مش هبنفع،عشان باص الحضانه متعود ياخد ياسين من هناك...تصبح على خير.
تنهد توفيق بقلة حيلة قائلًا:
وإنتِ من أهله،خلى بالك من الطريق وبلاش تسوقي بسرعة.
أومأت له وهي تغادر... بينما
ظل القلق معلقًا في عيني ميرفت تتنفس بقلب يبدو هادئًا من الخارج،
ومضطربٍ على نحوٍ لا يراه أحد غيرها.
بعد وقت بـ منزل الدباغ
ترجل فاروق من سيارته، بنفس الوقت نظر خلفه حين سمع صوت سيارة، سُرعان ما سأمت ملامحه وهو يرا سيارة عهد تقف قريبًا، ثم ترجُلها من السيارة وحملها لـ ياسين، الذي يبدوا غافيًا.. نظر الى ساعة يده لاحظ تأخر الوقت، ظل واقفًا الى أن إقتربت منه لم يتحدث،رغم غضبه أشار لها بيده لتسبقه الى الداخل... صعدا مباشرة الى شقتهما.. فتح فاروق الباب ثم تجنب لها...ذهبت مباشرة الى غرفة نومها مع ياسين، ذهب فاروق خلفها توقف حين وضعت ياسين بفراش، ونزعت عنه ذلك المعطف الثقيل،تنهد بضيق وسأل بنبرة استياء واضحة:
إيه أخرك لدلوقتي الساعة داخله على عشره.
أجابته بهدوء:
عادي الوقت مر بدون ما أخد بالي.
جواب بارد منها
نظر إليها للحظات دون أن يرد، وكأن الكلمات احتبست خلف غضبه... شد فكه قليلًا، ثم تحدث بصوتٍ منخفض خالٍ من أي دفء:
واضح إن الوقت بيعدي بسرعة جدًا… لما تكوني برّه البيت.
لم تلتفت إليه، فقط استقامت في وقفتها بعد أن تأكدت أن ياسين غارق في نومه، وعدلت الغطاء حوله بعناية زائدة… كأنها تتشبث بتلك التفاصيل الصغيرة هربًا من المواجهة.
أضاف فاروق ببرودٍ أشد، وهو ينظر الى ساعته
:
على الأقل كان ممكن تكلفي نفسك تبعتي رسالة… تطمني إنك لسه فاكرة إن عندك بيت ترجعي له.
رفعت عينيها إليه أخيرًا…
نظرة هادئة من الخارج، لكنها مُتعبة بعمقٍ لا تخطئه العين.
وتحدثت بصوتٍ خافت، خالٍ من الرغبة في الجدال:
كنت مع ماما… وعادي الوقت مر بدون ما أحس.
ضحك بسخرية قصيرة بلا ابتسامة قائلًا:
آه طبعًا الوقت بعيد عن هنا بيمُر بسرعة.
لم ترد ساد صمت ثقيل بينهما…
صمت يعرف الطريق جيدًا إلى هذا البيت، ويجلس بينهما كل ليلة دون استئذان.
❈-❈-❈
تمدد فاروق على فراشه يشعر بإرهاقٍ بدني… وكذلك إرهاق نفسي أثقل بكثير من أي تعب جسدي...وضع ذراعه فوق عينيه، كأنه يحاول حجب كل ما يدور في رأسه، لكن الأفكار كانها أصرت أن تُحجَب عن رأسه… تتسلل إليه واحدة تلو الأخرى، بصوت يشبه العتاب أكثر مما يشبه التفكير... لم يكن غاضبًا منها فقط…
كان غاضبًا من ذلك العجز الذي يشعر به كلما حاول الاقتراب منها فتبتعد خطوة، أو يمد يده بالكلام فترد بالصمت...
زفر نفسًا طويلًا، ثم التفت برأسه نحو الجهة الخالية من الفراش، المفروض هذا مكانها الذي لم يعد يحمل سوى برودة الغياب، رغم أنهما داخل البيت نفسه...
مدّ يده دون وعي، كأنه يبحث عن أثر لوجودها… ثم سحبها سريعًا حين لم يجد شيئًا سوى الفراغ...
أغمض عينيه بقوة، لكن صورتها لم تغب…
نظرتها المتعبة… صوتها الهادئ الذي يخفي وجعًا لا تقوله… وإصرارها الدائم على الهروب بدل المواجهة.
همس لنفسه بصدقٍ موجع:
عهد... أنا مش عايز اخسرك… كمان مش عارف أوصلك إزاي.
ظل مستلقيًا بلا حركة، يحدق في سقف الغرفة المظلم،بين رغبةٍ في أن يذهب إليها الآن…
وكبرياءٍ يمنعه من أن يكون هو من يخطو الخطوة الأولى كل مرة...وها هي ليلة أخرى تبدأ بين قلبين يسكنان تحت سقف واحد…
لكن تفصل بينهما مسافة أبعد من أي طريق.
رغم ذلك الارهاق لكن نظر فاروق نحو باب الغرفة الموارب...
كأنه شعر بغفوة..وتردد الى رأسه موقف ليس ببعيد...
وسمع همس فرح وهي تُردد إسمه... قبل فترة وجيزة من إكتشافه لمرضها الأخير...
-فاروق
توقف قبل أن يخرج من الغرفة، إستدار مُبتسمً، حين إقتربت منه، إندهش حين وقفت أمامه وبلا خجل رفعت يديها تطوق بهما حول عنقه تعقدهما معًا، بتلقائيه تبسم، لكن فوجئ حين رفعت جسدها تقف على أطراف أصابع قدميها، وقامت بتقبيل شفتيه
تجمد للحظة… ليس لأن القبلة أدهشته بل لأن جرأتها باغتت قلبه قبل عقله...
اتسعت عيناه بدهشةٍ قصيرة، ثم لانت ملامحه شيئًا فشيئًا، وكأن تلك اللحظة أذابت ما تبقى من حذر كان يتشبث به...
لم تطِل القبلة… كانت خاطفة، مرتجفة، تحمل ارتباكًا أكثر مما تحمل يقينًا..
لكن أثرها ظل معلقًا بينهما، ثقيلًا بما يكفي ليمنع الكلمات من الخروج...
ابتعدت ببطء، وما زالت يداها حول عنقه، أنفاسها متسارعة، وعيناها تتهربان من النظر إليه مباشرة، كأنها فجأة تذكرت خجلها الذي نسيته قبل ثواني
أما هو… فلم يتحرك... ظل ينظر إليها بصمت طويل، صمت لم يكن فراغًا، بل امتلأ بأسئلة ومشاعر لم يعترف بها من قبل...
همس أخيرًا، بصوتٍ خافت اختلطت فيه الدهشة بالحنان:
إنتِ عارفة بتعملي إيه.
ارتعشت شفتيها بابتسامةٍ صغيرة، نصف شجاعة ونصف خوف، وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
أيوه… عارفة أنا بعمل ايه مش ندمانة... فاروق أنا مراتك وده من حقك.
فهم معني إقترابها منه بهذا الشكل الحميمي كذالك حديثها... هي ترغبه كزوج...
عندها فقط… تنفس بعمق، كأنه لم يتنفس الهواء منذ زمن.
رفع يده ببطء، لامس وجنتها بحذر شديد، حذر رجلٍ يخشى أن يوقظ لديها حلمًا جميلًا لو اقترب أكثر... لبعض الوقت... وبعدها هي من ستتألم
تحدث بنبرةٍ تغيرت تمامًا:
المشكلة… إني أنا كمان مش ندمان... إني إتجوزتك يا..... يا فرح... صدقيني...
قاطعته قبل أن يسترسل كلامه وضعت يدها فوق فمه.... تعلم أنه سيخبرها أن هذا الشأن الحميمي لا يفرق معه... صحتها أهم... صمت وهي أزاحت يدها وعادت تُقبله... تقبل قبلتها بادلها بهدوء حذر... ثم ترك شفاها
ساد الصمت بينهما من جديد…
لكن هذه المرة، لم يكن صمت تردّد…
بل صمت بداية...
بداية لإظهار ضعفها التي خذلها تحمُل جسدها... لم تستطيع مجابهة حتى القليل من جموح مشاعره كزوج... بهذا الوقت الحميمي
خذلها الألم الذي عاد ينهش جسدها بضراوة، وهو لم يُظهر أي إستياء بل ضمها لصدره، يضع قُبله فوق رأسها بصمت، إحتبست دموع عينيها، بضعف داخل مُقلتيها... لوهلة رفعت رأسها وبعقلها تردد أن تبيح له بالزواج من أخرى قادرة على إعطاءه ما
…قادرة على إعطائه ما حُرِمت هي منه.
ارتجفت الفكرة داخل رأسها كهمسٍ مُؤلم،
وتكسرت الكلمات على شفتيها قبل أن تولد…
كيف لامرأةٍ تُحبه بهذا العُمق أن تسمح لغيرها أن تشاركه قلبه
وكيف لأنثى مُنهكة الجسد أن تحبسه داخل حرمانها
أغمضت عينيها لحظة، كأنها تُحارب دمعةً عنيدة،لكن صوته سبق دموعها…
صوت هادئ، دافئ، يشبه يدًا تُربت على قلب مذعور:
إوعي… حتى تفكري تقولِي الكلام ده.
رفعت عينيها إليه ببطء،
فوجدت في نظرته شيئًا لم تره من قبل…
لم يكن شفقة…ولا واجبًا…
بل يقينًا خالصًا، كأنها اختياره الوحيد الذي لا يُراجع نفسه فيه... أكمل وهو يُشدد احتضانها برفقٍ يخشى أن يؤلمها:
"أنا ما اخترتِكيش علشان لحظة…ولا علشان حق زوج…أنا اخترتِك علشانك إنتِ…
بوجعِك… بضعفِك… وبقوتِك اللي بتستخبى جواكِ.
انكسرت دمعتها أخيرًا،لا دمعة ألم هذه المرة…
بل دمعة نجاة.
همست بصوتٍ بالكاد يُسمع:
طب ولو فضلت كده…
ابتسم ابتسامة صغيرة،
تلك التي لا تُرى بالعين… بل تُحَس في القلب،
وقال بهدوءٍ يشبه الوعد:
هفضل جنبِك…وده يكفيني يا فرح.
سكنت بين ذراعيه كطفلةٍ وجدت بيتها بعد تيهٍ طويل،أغمض عيناه بقوة، فهو ليس قديسًا، لكن قلبه لم ينبض سوا، لامرأة مُحرمة عليه..
كأنه سمع صوت فتح باب الغرفة فتح عيناه
نظر نحوه كان ساكنًا تنهد بعذاب، ماذا ظن، أن تأتي إليه عهد... ذلك مستحيل...
إستقام جالسًا للحظاتت قبل أن ينهض وبتلقائية سار خلف رغبة قلبه، الى تلك الغرفة فتح الباب بهدوء، ثم دلف مجرد خطوات نظر نحو عهد التي تبدوا غافية، لوهلة فكر فى حملها وأخذهت معه الى غرفته... فقط لتنام بجواره يشعر بها قريبة.. لكن تراجع وهو يُزفر نفسه وعقله يعقد مُقارنة بين امرأة عشقته، وامرأة هو عشقها...
والمقارنة محسومة بقيد جليدي بقلب عهد من ناحيته.
لم يتردد وخرج من الغرفة بهدوء مثلما دخل
بنفس الوقت تنفست عهد بقوة تسحب هواءً لصدرها، لو ظل فاروق للحظات كانت إختنقت أو تنفست وعلم أنها مُستيقظة ككل ليلة تشعر به يدلف الى الغرفة... فتحت عينيها هنالك إحساس بدأ يتوغل فى قلبها
هو العطف أو هكذا تظن، او ربما ذلك الشعور غير موجود، ربما ذلك مازال من تأثير ذلك اللقاء الحميمي الذي حدث بينهما منذ أيام.. مجرد إرتباك فى عقلها الذي بدأ يستوعب فكرة أنها أصبحت زوجته قولًا وفعلًا، وهذا لم تُخطط له.. وضياع وغشاوة أصبحا يغزوان حياتها، لا تعلم كيف ترا بداية طريق النجاة من ذلك التشتُت الذي ينهش مشاعرها.
رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد الثاني والعشرون
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
بمنزل أم صبري
جلست على طرف الأريكة، كفّها مسنود تحت ذقنها، وعيناها شارِدتان في الفراغ.
صوت المذياع كان يصدح بآيات من القرآن، لكن عقلها لم يكن حاضرًا.
غزال…
الاسم جعل قلبها يخفق بحيرة
همست لنفسها بتأنيب:
إزاي مفكرتش في الغلبانة دي.. أنا فرحت إن ربنا حقق أمنيتي وهروح أزور بيت ربنا… ونسيت الأمانة اللي في بيتي
تنهدت بقلق وهي تفكر…
لا يصح…
لا يصح أبدًا تترك فتاة وحدها في بيت به رجُلين
حتى لو كان زوجها… وحتى لو كان ابنها فهو شاب همست بتأنيب:
العِشرة حاجة… والشرع حاجة… وكلام الناس حاجة تانية خالص...
ياااارب
همست بها ونهضت تسير في الرُدهة ذهابًا وإيابًا، عباءتها تتحرك خلفها، وأفكارها تتصادم... وهي تتسأل:
طب هوديها فين... عند مين
ابوها... مرات أبوها متتعاشرش ومش هطيقها، ولو طاقتها هتعاملها على إنها دخيلة في ليت أبوها ومش بعيد تشغلها خدامة..
طب عند أمها.. جوز أمها أنا مش برتاح له وده غريب عنها.. وممكن يعاملها على إنها عالة عليه.
زفرت نفسها بلوم قائلة:
ياريت مكنتش سمعت كلامها وأصريت تجي معايا العمرة... مكنتش مصاريفها هتبقي عبئ عليا.. حتى كان قلبي هيبقي مطمن عليها وهي قدامي...
جلست مجددًا على الأريكة ووضعت يدها على صدرها... تشعر أن قلبها ليس مرتاح.
حقًا على دراية بأخلاق ابنها… تعرف نظراته الأخوية لـ غزال... كذالك رغم مساوئ زوجها لكن لم ينظر يومًا لها نظرة سيئة... لكن
تعرف أحاديث الناس وهم بمنطقة شعبية
همست لنفسها بتضرُع لله ربما يعطيها حلًا:
يا رب أنا رايحة لبيتك… ما تسيبش البنت دي لوحدها.
اقتربت من شباك بالردهة رفعت عينيها للسماء، وعزمها بدأ يتشكل.
ياارب دبرني...أنا لازم أتصرف. مش هسيبها كده...
بتفس اللحظة أخفضت بصرها وتبسمت بشعور إرتياح كأنها وجدت حلًا
❈-❈-❈
في أحد البنوك الاستثمارية
دلف فاروق الى إحد المكاتب، نهض له مدير البنك مُرحبًا يقول:
أهلًا يا فاروق بيه البنك نور.
اومأ له بكياسه، تبسم المدير قائلًا:
إتفضل إقعد مسؤولة الإعتمادات هتكون هنا خلال دقيقة،عارف إن وقتك مش فاضي، وعشان كده بلغتها إنك بنفسك هنا...
جلس فاروق بهدوء.
ابتسم المدير ابتسامة متحفظة:
دقيقة بس يا فندم… الإجراءات خلصت، بس في شوية توقيعات أخيرة.
وقبل أن يُكمل، طُرق الباب طرقًا خفيفًا.
اتفضل.
دلفت مسؤولة البنك تعتذر قائلة:
متأسفة عالتأخير، كان في غلطة بسيطة في الملف وخلاص اتحلت.
تبسم المدير قائلًا:
الأستاذة جُمانة هي اللى ماسكة إدارة الإعتمادات.
تبسم فاروق بقبول أومأ لها برأسه في هدوءٍ محسوب، قبل أن يقول بصوتٍ واثق يحمل نبرة رجلٍ اعتاد أن تُنجَز أموره دون تعقيد:
ولا يهمك يا أستاذة جُمانة… المهم إن الأمور تمشي صح.ذ
جلست أمامه، تفتح الملف بعناية، بينما راحت نظراتها الخاطفة تلتقط تفاصيله؛ أناقة بدلته، ساعته اللامعة، وطريقته الهادئة التي تخفي خلفها صلابة واضحة.
قالت باحترافية:
الاعتماد المستندي جاهز للتفعيل، لكن في تعديل بسيط في بند الشحن… محتاج توقيع حضرتك هنا.
اقترب قليلًا من المكتب، مدّ يده بالقلم، ثم توقف قبل أن يوقع، رافعًا عينيه إليها مباشرة قائلًا باستفسار:
بس التعديل ده ممكن يأثر على مدة الإفراج.
هزت رأسها بثقة قائلة بنفي:
لا يا فندم، بالعكس… هيختصر يومين.
لمعت عيناه بتفهُم خفي، ووقع أخيرًا، ثم تحدث بابتسامة جانبية خفيفة:
واضح إن إدارة الإعتمادات في أيد أمينة.
ارتبكت للحظة، لكن ذكائها المهني أنقذتها سريعًا واجابته بثقتها:
ده شغلنا يا فندم.
بينما مدير البنك، كان يجلس صامتً يراقب المشهد بابتسامة دبلوماسية… مدركًا أن اللقاء الأول بين رجال الأعمال الأقوياء والعقول الذكية… لا يكون عابرًا أبدًا.
ابتسم المدير وهو ينهض قائلًا بنبرة لائقة:
أستأذن أنا بقى، وسيبكم تراجعوا التفاصيل براحتكم.
خرج بهدوء، وأغلق الباب خلفه، لتسود لحظة صمت قصيرة… ثقيلة.
لم تعد جُمانة تجلس بذات الرسمية المتحفظة، بل رفعت عينيها إليه مباشرة وقالت بنبرة أقل جمودًا وألغت وجود لقب قبل إسمه بتعمُد منها:
بصراحة يا فاروق… في نقطة لازم تتقال بوضوح.
لم يهتم فاروق بعدم وجود لقب قبل إسمه، عقد حاجبيه قليلًا، ومال بجسده للأمام قائلًا بتعمُد:
اتفضلي قولى النقطة يا...مدام جُمانة.
أغلقت الملف بهدوء، وضمت يديها فوقه رسمت ابتسامه ذات مغزي قائلة:
الاعتماد ده قيمته كبيرة… والبنك وافق بسرعة غير معتادة... وده حصل بناءً على تاريخ حضرتك… مش بس الأرقام اللي في الورق.
ابتسم ابتسامة جانبية خفيفة وتحدث بثقة: ده معناه إني كسبان ثقة، إسم الدباغ لوحده ثقة.
شعرت من رده بغروره، تفوهت بثبات:
ممكن معناه إن الثقة اتبنت… بس لسه بتتحافظ عليها.
ساد صمت آخر… لكن هذه المرة كان مختلفًا.
فيه شدّ خفي… اختبار غير معلن.
قال بصوت منخفض، أقرب للتحدي:
واضح إن حضرتك مش بترتاحي للقرارات السريعة.
رفعت حاجبًا واحدًا بخفة:
فعلًا.. برتاح لها لما تبقى محسوبة أكتر.
ثم مالت قليلًا للأمام، وخفضت صوتها:
في شحنة جاية من بره، ولو حصل أي تأخير في التحويل الخارجي… البنك مش هيقدر يغطي المدة دي تاني... فمحتاجين التزام كامل من حضرتك.
نظرت إليه بثباتٍ كامل… لا خضوع ولا تودد.
ابتسم ببطء، وكأنه استمتع بصلابتها:
إنتِ بتكلميني كرجل أعمال… ولا بتحذريني.
ردّت دون أن تهتز:
بكلمك كمسؤولة عن البنك، يعتبر شريك في مخاطرة مشتركة.
لمعت عيناه، وأدرك أن هذه المرأة ليست موظفة عادية…
بل عقل يعرف كيف يفاوض… دون أن يرفع صوته.
اقترب من حافة المكتب قليلًا، وقال بهدوءٍ عميق:
اطمني يا أستاذة جُمانة… أنا ما بحبش أخسر.
رفعت نظرة ثابتة إليه، وقالت:
وأنا ما بحبش أراهن على حد… إلا لما أكون متأكدة إنه قد المجازفة.
لمعت عيناه ببسمة غرور وثقة،، رفعت جُمانة عينيها نظرت لوجهه ثم إستقرت عينيها على يده اليسري بالأصح على ذاك الخاتم الذي ببنصره الأيسر، شعرت بقبضة فى قلبها، ثم تفوهت:
عرفت إن مراتك إتوفت من فترة... غريبة إنك لسه لابس دبلة الجواز.
نظر الى ذلك الخاتم ثم تحدث بهدوء:
وغريبة ليه... بس واضح إن المعلومات اللى عني وصلت ليكِ ناقصة... فعلًا مراتي إتوفت من فترة، بس كمان أتجوزت تاني.
جحظت عينيها من الصدمة وتفوهت بتعلثم:
بالسرعة دي، ليه كنت محضر للجوازة قبل وفاة زوجتك.
أجابها ببرود:
رغم ده شأن خاص بيا، بس هجاوبك.. أنا أتجوزت من أخت زوجتي الأولى.
-جواز إجباري يعني عشان تربي إبن أختها.
رغم أن ذلك جزء كبير من حقيقة زواجه من عهد، تغاضى عنه وقال بثبات بدا وكأنه يقين لا يقبل الجدل:
لا… اتجوزتها عشان بحبها.. مفيش ست قلبي دق لها قبلها، ولا تمنيت غيرها...حتى كان المفروض تكون زوجتي من البداية، لكن القدر… الوحيدة اللي ملكت قلبي هي عهد، مراتي.
نهض بعد كلماته، وأضاف بنبرة خُتمت بالاحترام:
أظن الاتفاق انتهى. حياتي الشخصية مش طرف في النقاش. آسف، لازم أستأذن… عندي أشغال لازم تخلص. اتشرفت بمقابلتك يا مدام جُمانة.
مد يده للمصافحة. نهضت هي الأخرى، صافحته. لحظة قصيرة تشابكت فيها الأيدي لثانية لا أكثر... ثم سحب يده وغادر
تعقبت اثره بعينيها،الى ان غاب من أمامها زفرت نفسها بصوت خافت:
حداشر سنة يا فاروق… ولسه زي ما أنت. نفس الكِبر. نفس الغرور… يا "ملك".
وقفت مكانها لحظات بعد رحيله، تحاول أن تجمع أفكارها. لم يكن اللقاء كما توقعت... ظنته ربما يكون أكثر لينًا، أقل تحفُظ منه… لكن فاروق لم يتغير. نفس النظرة التي تقول إن قراراته لا رجعة فيها...
أغمضت عينيها لحظة، ورأت صورة قديمة شاب يضحك بثقة، عيناه كانت ثاقبة وعقله ذو طموح.. ثم تتبدل الأيام وتبتعد الطرق. لم يكن ذلك سهلاً عليها... ولا النسيان ممكنًا كما ظنت...
فتحت عينيها مجددًا... نظرت نحو الطاولة ما زالت آثار جلسته فنجان قهوته الذي،تركه كما هو،ربما لم يمسُه، وبضع كلمات عابرة...ربما كانت كافية لتعيد فتح باب قديم... لكن هو أوصده مرة أخرى.
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
دلفت أم صبري، جلست مع إجلال تتحدثان عن ترتيبات سفرهن لقضاء العُمرة، راوغت حتى وصلت الى نقطة ربما تصل بها الى هدف برأسها، فهل هنالك مكان آمن أكثر من منزل الدباغ تترك به غزال.
تفوهت بآسف وهي ترمي نفسها بلوم:
فرحة العُمرة نستني الغلبانه غزال بنت أخويا، إزاي هتفضل فى البيت لوحدها مع إتنين رجالة، ياريتني ما سمعت كلامها لما رفضت تجي معانا العِمرة... كنت هبقى مطمنة عليها، إنتِ عارفة يا حجة اجلال، ظروفها، ان كان أبوها ولا أمها الاتنين كل واحد في دنيا بعيدة.
تنهدت إجلال وهي تحرك المسبحة بين أصابعها، بدا على وجهها تردد تهمس براسها جملة
"وهي مبترتاحش عند أي حد فيهم".
نظرت إجلال إليها، تدرس الكلمات.. وفكرة جالت برأسها لكن كالعادة هنالك من تستشيره.
..... ــــــــــــــــ
ليلًا
دلف محي الى غرفة النوم تبسم حين وقع بصره على إجلال التى نهضت حين دلف تبتسم هي الأخرى..
لحظات وجلس الاثنين... خبرة السنوات ببنهما لاحظ ان هنالك شيئًا يشغل عقلها. حثها على البوح حتى سردت له ما قالته أم صبري..
ثم أكملت:
البنت دي غلبانة وبتصعب عليا، رغم ظروفها بس عندها عِزة نفس بتشتغل جنب جامعتها...وفى حالها.
ابتسم محي قائلّا:
أنا من حكايتك عالبنت دي وظروفها بستغرب إزاي هي تربية أم صبري،صحيح أم صبري فى حالها وكويسه فى تعاملها مع الناس كلها،الا مع جوزها،هو فعلًا شخص سلبي ومتواكل،بس اسلوبها معاه بتستقوى عليه
تبسمت اجلال قائلة:
البيوت مقفولة محدش عارف جواها ايه كمان انت شوفت لما عرضت عليها تجي معانا وانك هتتكفل بمصاريفها،رفضت وجابت تمن التذكرة والتأشيرة وحلفت لو مأخدتهمش مش هتجي معانا،أنا فى دماغي حاجه كده،ومرضتش اقولها قبل ما اقولك الأول وأخد رأيك.
ابتسم محي قائلّا:
وأنا موافق.
نظرت له باندهاش فضحك قائلّا:
عيب يا ححة السنين اللى فاتت بينا خلتنا نفهم دماغ بعض من غير كلام.
ابتسمت له بامتنان قائلة:
بكره هخلى واحدة من الشغالين تنضف الاستراحة اللى فى الجنينة، تعقد غزال فبها، أهي تبقي كمان تسلي رابيا، والله حاسه الاتنين زي بعض، رغم اخويا ومراته عايشين مع بعض فى بيت واحد بس هو دايمًا بيبعد عن مجلسها.
ابتسم محي، وهنالك فكرة أخرى جالت برأسه، من موافقته على مكوث غزال بالمنزل تلك الفترة.
❈-❈-❈
بعد ايام
بمنزل الدباغ، كان البيت يعج بحركة مختلفة... حقائب مفتوحة، عطور خفيفة تفوح في الأرجاء، وأصوات دعاء تتردد بين الجدران.
هل هناك فرحة أكبر من زيارة المدينة المنورة
هل هناك نعمة أعظم من أن تطأ القدم أرضًا احتضنت خطى النبي ﷺ، وأن تقف الروح في رحاب المسجد النبوي ترجُو السلام قبل المغفرة... كانت تتحرك بخفة لم يعهدها فيها أحد، كأن السنين سقطت عن كتفيها... وهي تبتسم تُردد:
يا رب تكتبها لنا زيارة مقبولة… يا رب ما تحرمنا من السلام على رسولك... كذالك
كانت أم صبري كانت أكثر حماسًا بالتأكيد المرو الأولى .. عيناها تلمعان كطفلة تستعد لعيد... وهي تبتسم لـ إجلال قائلة بشوق وتوق، للوصول الى هناك بأسرع وقت:
والله يا حجة اجلال، فرحة في قلبي ما تتوصفش. الواحد يروح يطلب المغفرة، ويرجع إن شاء الله بروح جديدة وخالي من الذنوب.
تبسمت لها إجلال بانبساط، ثم التفتت وقع نظرها على غزال التي تجلس في زاوية بعيدة، تكتفي بالإنصات. لم تشارك في الحديث، لكن عينيها كانتا تفضحان شوقًا حاولت جاهدة أن تخفيه.
ربما لو لم تشعر يومًا أنها عبء على أحد، ما ترددت لحظة، ولا تحججت بأنها ما زالت صغيرة...، ليست صغيرة العُمر بل صغيرة القيمة
أيكون هناك مكان يهدأ فيه القلب أكثر من جوار النبي ﷺ مكان تفر إليه الأرواح المثقلة، تترجى فيه ربها أن يربت على قلبها، أن ينتزع ذلك الألم العالق بين أضلُعها منذ سنوات..
على يقين أن القلوب لا تُستأذن حين تختار… وأن قلبها اختار في صمت... على علم أيضًا أن كِنان لا يراها... ربما لا يعلم أصلًا بوجودها...
مجرد صدف عابرة في يومٍ مزدحم من أيامه… لا أثر لها...
لكنها لم تكن تجهل قدر نفسها... قلبها بريء، تعرف حدوده جيدًا... لا ترفع عينيها عاليًا، ولا تحلم بما ليس لها... ترضي أن تكون ظلًا لا يُزعج أحدًا… دعوة صامتة في آخر الليل… أمنية لا تطلب إلا الطمأنينة...
خفضت رأسها قليلًا، تخفي ارتجافة عابرة في عينيها... لو ذهبت إلى هناك… إلى ذلك المكان الطاهر… ربما استطاعت أن تترك حبًا لم يُولد، أو وجعًا ينهشها تخشي ان تعترف به...
ربما عادت بقلب أخف… أو على الأقل، بقوة تكفيها لتُكمل طريق حياتها دون أن تلتفت خلفها...
اخفت دمعة وتبسمت لـ إجلال التي ذهبت نحوها وضعت يدها على كتفها... نظرت لها ببسمة.. إنحنت إجلال عليها قامت بوضع قُبلة على إحد وجنتيها قائلة:
كان نفسي تبقي معانا.. هدعيلك هناك براحة القلب.
غصبًا تكونت دمعة، ولحُسن حظها تعلقت بين أهدابها ولم تسقط... لم تستطع رفع عينيها… ولو فعلت لرأت ذلك الواقف غير بعيد، يراقبها دون أن يدري لماذا يفعل...
يقف متكئًا إلى إطار الباب، يدعي الانشغال بهاتفه، بينما عيناه مُسلطة عليها شعور متضارب يجتاحه؛
قلبه يراها ضعيفة… حد أنها قبلت أن تكون ضيفة في بيتٍ غُرباء لا يمتّ لهم بصلة...
وعقله يوبخه:
وما شأنك أنت.. أليست في أمان... أليست بين أهل يعرفون قدرها... شد على فكه بقوة قليلًا...
شيء في انكسار كتفيها أزعجه... لم تعجبه تلك النظرة الخافتة التي تخبئها خلف صمتها... لم تعجبه فكرة أنها تشعر بالغربة… هنا.
تحدث لنفسه بحدة:
وأنا شاغل دماغي بها ليه... هي وافقت تبقى هنا مش مسؤوليتي.
لكن قلبه لم يقتنع...
كأنه يرى ما لا يراه غيره؛ يرى البنت التي تتصنع القوة، وتتعلم كيف تُصغر من قيمة نفسها حتى لا تُثقِل على أحد... يرى قلبًا يمشي على أطرافه، يخشى أن يزعج الأرض... تحرك خطوات دون وعي،اراد أن يقترب منها،لكن توقف... ينهؤ نفسه... لماذا يريد أن يطمئن عليها لماذا يضايقه احتمال أنها تبكي.
رفعت غزال يدها تمسح طرف عينها سريعًا، ظنت أنها نجحت في إخفاء دمعتها... لم تعلم أن هناك من لمح ارتجافها، وأن تلك الدمعة الصغيرة هزت شيئًا ثقيلًا داخله.
همس في نفسه:
ليه بتحاولي تباني أقوى من حقيقتك… وليه أنا متضايق كده.
صراعٌ صامت بدأ…
بين عقل يرفض التدخل، وقلب بدأ يرى ما لم يكن يراه من قبل.
...... ـــــــــ
تبسمت إجلال لـ ميرفت التى إستقبلتها بود ومحبة.. بادلتها ميرفت بسمة مغصوصة متألمة... ودمعة عين سالت، سرعان ما جففتها بمحرمة... ضمتها إجلال قائلة:
ياريت كنتم جيتوا معانا، هناك قلبك هيبرد.
عادت تسيل دموعها، تحدثت بألم:
إن شاء الله المرة الجاية، إدعيلي هناك.
ربتت اجلال على كتفها قائله:
هدعيلك يبرد نار قلبك ويصبرك.
بتلك اللحظة لمحت عهد دموع والدتها، غمرها الأسى دفعة واحدة... حاولت أن تتماسك، لكن دمعتها سبقتها، ابتعدت وانزوت في ركن بعيد... جففت عينيها ، وضغطت بيدها فوق موضع قلبها، كأنها تحاول أن تهدئ ثورة خفقانة… شعرت بتقطّعٍ في نياط صدرها، ألمٍ خفي لا يُرى لكنه يُرهق الروح...
أخرجها من دوّامتها صوت ياسين، الذي لمح انسحابها فتبعها بخطوات صغيرة مسرعة... اقترب منها، شد بطرف ثوبها برفق، ثم أمسك يدها ببراءة وسأل:
ـعهد… واقفة هنا ليه تعالي.
نظرت إليه، فذاب في عينيها شيء من الوجع.. انحنت إلى مستواه، مسحت على شعره، تحاول أن تبتسم رغم الغصة:
مفيش يا حبيبي… بس كنت باخد نفس.
قطّب حاجبيه الصغيرين، وكأنه لا يقتنع بسهولة:
إنتِ بتعيطي.
ترددت لحظة، ثم هزت رأسها نفيًا، تمسح أثر دمعة خانتها:
لأ… دي فرحة. تيتا اجلال وجدو محي هيروحوا يزورا النبي… ودي حاجة تفرّح مش تزعل.
تأملها بعينين صافيتين، ثم قال بثقة طفولية:
طب ما تفرحي بجد… وبلاش تستخبي.
ضحكت بخفوت، وضمته إلى صدرها، كأنها تستمد منه قوةً لم تجدها في نفسها... في حضن طفلٍ صغير، هدأ شيءٌ كبير بداخلها... وعادت معه الى الردهة، اقتربت من إجلال للخظة وقفت مشدوهة حين رأت فاروق ينحني على يد والدته قائلّا:
إدعي لى.
ربتت على رأسه بحنان، فرفع رأسه إليها بعينين صافيتين. جذبته إلى حضنها وهمست وهي تغمره بذراعيها:
هدعيلك… قلبك يرتاح.
ابتسم لها بامتنان صادق، ثم التفتت إجلال نحو عهد. التى كانت تراقبهما من بعيد، وفي عينيها شيء يشبه الفهم العميق... تبسمت لها، وفتحت ذراعيها دون كلمة...
ترددت عهد لحظة… ثم امتثلت... اقتربت وارتمت في حضنها بمودة،شدتها إجلال إلى صدرها وربتت على ظهرها برفق، ثم همست قرب أذنها بصوتٍ دافئ:
هدعيلك… ينور بصيرتك.
ارتجف قلب عهد من الكلمات... لم تكن دعوة عابرة، بل رسالة مبطنة… كأنها تقول لها:
أن ترى بوضوح،انها تميز بين الوجع والاختيار،
بين التعلُق والقدر.
أغمضت عهد عينيها، وتنفست بعمق... في ذلك الحضن، شعرت أن الدعاء وصل قبل أن يُقال… وأن بعض القلوب، حين تدعو، لا تحتاج إلى رفع صوتها كي يُستجاب لها.
.... ـــــــــــــــــــــ
كانت عيناها تبحث عن محسن الذي خرج لبعض الوقت ثم عاد.. غص قلبها من تجاهله لها، لا تعلم سبب لعصبيته التى إستجدت بالأيام الماضية، تلاقت عيناهم سرعان ما حايد النظر لها كأنه يتعمد الأ يراها.. تبسم بحنان لإبنتيه اللتان إقتربن منهن فأخذهن تحت يديه، قلبها حسد طفلتيها على ذلك، لكن أخفت دمعتها حين إقتربت منها اجلال وحضنتها قائلة!
البيت أمانتك.. كمان غزال ضيفة فى أمانتك.. إنتِ مكاني فى غيابي.
تبسمت لها بقبول قائلة:
ترجعي بالسلامة يا عمتي، وإن شاء الله عمرة مقبولة.
ابتسمت لها وهي تضع يدها على بطنها قائلة:
لو مكنتيش حامل كنتِ جيتي معانا، ربنا يقومك بالسلامة.
-ياارب
قالتها والدة رابيا، التي نظرت لها تشعر بسخرية من عبوسها.
بينما إقترب محسن قبل يد إحسان، ابتسمت له حين رفع وجهه وألقي بنفسه بين يديها، همست له بحنان قائلة:
هدعيلك الغشاوة تزول عن عيونك.
أومأ لها بقبول.
إنتهت مظاهر الوداع حين ذهب
اجلال.. محي...يارا... وبصحبتهما ام صبري اللى تلك السيارة وصعدوا بها وكان برفقتهما
كنان وغزال.
إشارة وداع من إجلال بوعد على عودة قريبة، تتمني ان تتبدل أحوال الجميع الى الأفضل عند عودتها.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
ليلًا
كالعادة عادت عهد الى المنزل ليلًا،ترجلت من السيارة،لكن صدفة رفعت رأسها لاعلى رأت فاروق الذي يقف خلف زجاج إحد الشُرفات...لوهلة خفق قلبها برحفة...لكن تماسكت وهي تتجة الى الباب الخلفي للسياؤة فتحته وجذبت ياسين الغافي،حملته وتوجهت الى الداخل..بداخلها إرتجافة لا تعلم سببها،أو تعلم بالتأكيد سببها فاروق على يقين أنه لن يترك الليلة تمُر دون شجار بينهما...
دقائق ولم تتفاجئ بفاروق الذي يقف بجانب باب الشقة من الداخل...
بالفعل دخلت وهي تحمل ياسين،سمعت صوت غلق باب الشقة بحِدة مازال فاروق صامتً...توجهت نحو غرفة نومها،وضعت ياسين على الفراش ثم دثرته،حين رفعت رأسها رأت دخول فاروق..ظل ينظران لبعض للحظات بصمت،وعيون لو تحدثت لباحت بالكثير من الغضب من فاروق الذي يُلحمه حتى لا يستيقظ ياسين...بينما
تحركت عهد لتتجاوزه الى خارج الغرفة، لكنها توقفت حين سمعت صوته مرة أخرى، هذه المرة أخف… وأقرب لشيءٍ يشبه التعسُف :
هو البيت بالنسبة لك بنسيون ترجعيه عشان النوم... أنا مش عاجبني الأسلوب ده.
تجمّدت يدها فوق مقبض الباب…
ولثانيةٍ قصيرة، بدا وكأنها ستلتفت وتقول شيئًا مختلفًا…شيئًا ينهي هذا البُعد الصامت بينهما.
لكنها في النهاية لم تفعل.
وخرجت بهدوء… تتبعها فاروق وجذب يدها كي تتوقف، بالفعل توقفت رفعت رأسها تنظر له بتحدي وهي ترا ملامح وجهه الواجمة وهو يضغط على أسنانه بقوة قائلًا:
عهد بلاش طريقتك دي فى العيشه... وإسمعيني كويس، مش أنا الراجل اللى يقبل إن مراته تبقي واخدة بيته ترانزيت للنوم.. مش عاوز أفرض عليكِ وأمنعك من زيارة أهلك.
شدت يدها قليلًا تحاول أن تتحرر من قبضته، لكنها لم تسحبها بقوة… فقط توقفت تنظر إليه بثباتٍ بارد، وكأنها تضع بينهما جدارًا غير مرئي.
قالت بنبرة منخفضة، لكنها حادة بما يكفي:
وأنا مش واخدة البيت ترانزيت… أنا بس بحاول أتنفّس شوية.
ازدادت ملامحه تصلبًا، واقترب خطوة واحدة، صوته خرج هذه المرة أخفض… لكنه ممتلئ بشيء أثقل من الغضب:
تتنفّسي بعيد عن هنا ليه الهواء هنا معدوم.
سحبت يدها بهدوءٍ هذه المرة، دون مقاومة حقيقية، ثم ردّت وهي تتجنّب النظر مباشرة إلى عينيه:
بتنفس بعيد عن الخناق… مش بعيد عنك.
ساد صمت قصير…
صمت مرتبك، كأن كلمتها الأخيرة لم تكن في حساب أيٍّا منهما...
نظر إليها طويلًا، وكأن شيئًا داخله يريد أن يهدأ… وشيئًا آخر يرفض الاستسلام.
ثم قال ببطء:
طب ما تحاولي تتنفّسي هنا… .
ارتجف شيء خفي في عينيها للحظة خاطفة، لكنها سرعان ما أخفته خلف برودها المعتاد.
أجابت بصوتٍ أهدأ مما كانت تقصد:
لما تحسّ إنك سامعني فعلًا… يمكن ساعتها أعرف أعمل كده.
تركته واقفًا في الممر، بينما تحركت مبتعدة بخطوات هادئة...… لم تتحدث
لكن صمتها كان أعلى من أي صوت... وقفا ينظران لبعضهما كأن لا يملك أيٌّا منهما شجاعة الحديث.. قطع الصمت حين إقترب بتعسف
وجذبها على صدره بقوة وغيظ يتحدث من بين أسنانه قائلًا بتحذير:
عهد… بلاش تستفزيني أكتر...
تخشبت بين ذراعيه للحظة، لكن لم يكن من حِدة كلامه...بل من حِدة ذلك الشعور الذي اجتاحها… تلك الدوامة المفاجئة التي تجتاح معدتها... كذلك شعرت بغثيان حاد، كأن الهواء اختفى من حولها، وكأن رائحة عطره الثقيلة صارت خانقة أكثر مما تحتمل...
دفعت صدره بكفيها تحاول الابتعاد، همست بصوتٍ واهن:
سيبني… لو سمحت.
لم تكن نبرتها متحدية هذه المرة، بل مرتجفة، شاحبة كوجهها الذي فقد لونه فجأة..
لاحظ ارتخاء جسدها بين يديه، فتبدلت ملامحه في ثانية… من الغضب الذي انكسر، وحل مكانه قلق حاد.... وهو ينطق إسمها:
عهد...
لم ترد عليه أغمضت عينيها تضغط على شفتيها، تحاول كبح ذلك الشعور الذي يعصف بمعدتها...
انفلتت منه أخيرًا، واندفعت نحو الحمام، بينما وقف هو مكانه، يتابعها بعينين اتسعت بدهشة…يشعر أنه بها شيء ما ليس على ما يُرام... ظل واقفًا مكانه لثواني، ثم تحرك بخطوات سريعة نحو باب الحمام، طرقه بخفة أولًا، ثم تحدث بقلق واضح:
عهد… افتحي الباب.
لم يأته رد، سوى صوت ماءٍ يتدفق… وصوت سُعال متقطع... زداد اضطرابه، حاول فتح المقبض فوجد الباب غير مُحكم الإغلاق، دفعه قليلًا ودخل بحذر...
وجدها منحنية فوق الحوض، تمسك بحافته كأنها تستمد منه توازنها، وجهها شاحب وعيناها دامعتان.
جذب منشفة مُعلقه وتوجه نحوها سريعًا مسك مُعصم إحد يدها لكنه هذه المرة لم يمسكها بعنف… أعطها المنشفه،بيده الأخرى ثم وصعها خلف ظهرها يسندها برفق... سائلًا:
إيه اللي حصل لك فجأة مالك...
بخفوت أجابته بسؤال:
إنت غيرت نوع برفانك.
اندهش وأومأ براسه بنعم قائلًا:
ايوه جالي هدية قولت أجربه.. ريحته..
قاطعته بخفوت وهي تضع تلك المنشفة فوق أنفها:
هو السبب فى المغص اللي جالي ريحته مش حلوة... برفانك التاني ريحته أحلى...
ظهرت بسمه على وجهه، لكن
قبل أن تستكمل بقية إستهجانها من تلك الرائحة عاد الغثيان، شعرت بالحرج منه،ابتعدت نحو الحوض،لكن كان ذلك ااغثيان مجرد سُعال جاف...اقترب منها وضع يده خلف ظهرها مره أخري..تحدث بقلق:
مش معقول ريحة البرفان اللى تعمل فيكِ كده...أكيد فى سبب تاني..
هزت رأسها تنفي، لكنها لم تستطع الكلام... ساعدها فى غسل وجهها بالماء البارد، ثم استدارت تسند ظهرها للحائط، يدها على معدتها، أنفاسها لا تزال غير منتظمة.
نظر إليها مليًا…
لم يكن هذا مجرد انفعال أو ضغط أعصاب...
صوته خرج أهدأ، لكنه مشوب بشيءٍ من الخوف:
أول مرة تحسي بالمغص ده.
ترددت لحظة… ثم تمتمت بصوتٍ خفيض:
لاء من كام يوم… شميت نفس الريحة.. بس مأثرتش فيا، يمكن عشان شميتها من قريب.
عقد حاجبيه، عقله بدأ يربط أشياء لم يكن ينتبه لها من قبل…كذالك تذكر بداية حمل فرح كانت كذالك...
إرهاقها، شرودها، نفورها من تلك الرائحة...
سألها ببطء، وكأنه يخشى الإجابة:
معادك… اتأخر.
لم تفهم فى البداية وسألته باستفسار:
ميعاد إيه.
إقترب من أذنها وهمس لها:
عادة كُل شهر.
رفعت عينيها إليه أخيرًا... تنظر له بإندهاش وارتباك… وخوف… وشيء لم تجرؤ على قوله... بل عقلها ينفيه وبشدة...
ساد صمت للحظات... ابتلع ريقه، و فكرةً واحدة فقط تدور في رأسه الآن…فكرة قد تُغير كل شيء بينهما...
همس بصوت منخفض، كأنه يخاطب نفسه قبل أن يكون معها:
عهد… إنتِ…
صمت ثانية، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره قبل أن ينطق بالكلمة التي لا يستطيع قلبه كبحها:
إنتِ حامل؟! …
رواية عهد الدباغ الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد الثالث والعشرين "الجزء الأول"
❈-❈-❈
نظرت عهد له بذهول، رغم مازال شعور الغثيان شبه متملك منها قائلة بنفي:
ده شيء مستحيل.
شعر بضيق قائلًا:
ومستحيل ليه... إحنا حصل بينا علاقة جسديه و..
ليته لم يتحدث هي تحاول نسيان تلك الليلة التي مازالت تؤنب نفسها على ضعفها وإستسلامها له... قاطعته بحدة وهي تبتعد قائلة بتأكيد:
قولتلك مش حامل أنا...
قاطعها بضغط عليها:
الأعراض دي شوفتها على فرح في بداية حملها في ياسين.
رفعت رأسها ونظرت له، بصمت عيناها تنظر له بلوم... تهمس لنفسها بسخرية:
كنت بتنتبه اوى لها،لو كان صحيح مكنتش سيبتها لحد المرض ما اتمكن منها.
ابتلع كلماته وهو يرى ذلك الوميض في عينيها… لم يكن مجرد لوم، بل اتهام صريح.
قال بنبرة أخفض، لكنها أكثر حدة:
فرح لما كانت حامل فى ياسين كانت كده.
تهكمت بنظرة موجعة وباحت بغضب:
وإنت كنت ملاحظ جيد أوي لحالها... وبخبرتك دي ليه...
صمتت حين قاطعها شعور الغثيان كذالك رد فاروق:
عهد بلاش ألاسلوب ده، أنا بخمن.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح، وهزّت رأسها قائلة بإستهزاء مُبطن:
ماله أسلوبي، وبعدين مش فرح هي المثال اللي بتقيس عليه الاعراض اللى عندي.
اقترب خطوة، فارتجف شيء بداخلها رغم عنادها الظاهر.
عهد... أنا بخاف عليك… فاهمة يعني إيه بخاف.
رفعت ذقنها بغرور، تحاول ألا يظهر ارتباكها وتحدثت بسؤال:
وبتخاف عليا ليه.
... بعدين الخوف مش إنك تفرض عليا احتمال أنا مش مش موجود.
صمت للحظة… كأن الكلمات تحاربت داخل صدره... أيعترف...
أيعترف أنه يعشقها..
أنه يتحمل جفائها لأشهر زواج مرت وهما مثل ضيفين تحت سقفٍ واحد…
يتحمل نومها في غرفة أخرى…
يتحمل تجاهلها لنظراته…
يتحمل أن يعيش معها وكأنه غريب لا زوج…
لم يضغط يومًا عليها بحقه،لم يطالبها بقرب
لم يُذكرها بميثاق جمعهما…
حتى تلك الليلة…حين ذابت المسافات بينهما،
وتشابكت أنفاسهما،واختلطت دقات قلبيهما في لحظة ضعف صادقة…هي استيقظت نادمة…
وهو استيقظ عاشقًا أكثر.
واجهها يومها، انه كان أجمل إحساس عاشه.
نظرت له كأنه ارتكب جريمة،
بينما هو وقتها رأى وقتها أنها قد تكون بداية جديدة لهما لكن ذلك تلاشي، فمازلا محصوران بمنطقة الصفر
عاد من شروده، عيناه تستقران عليها الآن.
اقترب خطوة… ثم توقف.
الخوف ليس عليها فقط…الخوف منها.
تنهد وتحدث أخيرًا، بصوتٍ لين:
عهد أنا ما قربتش منك عشان حق… قربت عشان قلب... وسكت كل الفترة اللى فاتت عشان مش عايزك تحسي إني باخد منك حاجة غصب عنك.
صمتت عهد تستمع له وهو يسترسل بقية حديثه:
ولو طلعتي حامل فعلًا... هيبقي أجمل خبر..
ارتعشت أناملها دون أن تشعر. احتمالية واحدة فقط… لكنها كفيلة بهدم كل دفاعاتها:
بس أنا بقولك أنا مش حامل وده واحده كفاية يأكدلك.
مد يده فجأة يمسك معصمها، ليس بعنف… لكن بإصرار:
مش هنخسر حاجه لما نتأكد سوا.
إصراره ذلك لا تعلم له سببً... هو لديه طفل، لما ذلك الإصرار... بنفس اللحظة تذكرت حديثها مع فرح قبل عام من وفاتها
[بالعودة لذلك الوقت
إبتسمت فرح على خمول عهد التي لا تود الإستقاظ، لكن هي ارغمتها على ذلك، جعلتها تجلس على الفراش، مازالت تغمض عينيها... لامتها فرح:
يعني أنا جاية عشان اقعد معاكِ وإنتِ مش عاوزة تفتحي عينك.
إنتِ مقضياها سفر من بلد لبلد تانيه مش عارفين نقعد مع بعض زي زمان، لما بتكوني هنا بجيلك مخصوص.
تمطئت عهد بذراعيها ثم تثائبت تبعد النوم عن عينيها..
بعد قليل، إنتهت من إحتساء القهوة قائلة:
خلاص فوقت لك، يلا خلينا نرغي زي زمان، عا قوليلي أخبار ياسين إيه في الحضانة.
ضحكت فرح قائلة:
ياسين واضح إنه شقي جدًا جدًا مغلب الدادا والمدرسين، رغم بيقولوا إنه طفل ذكي جدًا بيستوعب بسرعة، بس شقي وبيحب اللعب
توقفت فرح لحظة ثم تبسمت سهوًا قائلة:
وطنط إجلال بتقولى يشبه فاروق فى نفس العُمر كان كده.. وكان دايمًا نفسه يروح مع عمي محي المدبغة.. حتى ياسين كده متعلق بـ فاروق،رغم فاروق دايمًا مشغول،وبيغيب أوقات كتير يرجع البيت بوقت متأخر.
تهكمت عهد فى نفسها بسخرية قائلة:
شغله عنده أهم طبعًا.
بينما نظرت الى فرح قائلة بسؤال عفوي:
مش ناوية تخاوي ياسين بأخ تاني قريب...إعملي زي حماتك خلفت أربعة.
لوهلة غص قلب فرح وسئم وجهها وتحشرج صوتها قائلة:
كنت بفكر حتى الفترة الأخيرة مش باخد مانع حمل من أكتر من سنة،ومحصلش حمل...ولما قولت لـ فاروق قالي ممكن تكون مسألة وقت،ومش فارق معاه الموضوع حسيت كده.
بداخل عهد سيرة فاروق تجعلها تغتاظ منه دائمًا...تفوهت بعفوية:
ومش فارق معاه ليه...اللى أعرفه النوعية اللى زي فاروق إتربي فى منطقة شعبية بيحبوا يكون عندهم أطفال كتير، والدليل زي ما قولتلك من شوية حماتك خلفت أربعة.
هزت فرح رأسها قائلة:
معرفش هو قال لى كده وأنا مش مستعجلة،وبعدين بمناسبة الاطفال مش ناوية بقى تتجوزي عشان تجيبي عروسة لـ ياسين...ماما قالت لى كان فى طيار زميلك كلم بابا.
أجابتها عهد:
أهو قولتي زميلي،معنديش أي مشاعر له،بصراحة مش بفكر فى الجواز دلوقتي..أو بمعني أصح،سايبه الموضوع قدري...وقت ما ربنا يريد هيكون... وبعدين مين هيقبل مراته تبقي مش موجودة طول الوقت هنتقابل ترانزيت فى المطارات.
ضحكت فرح قائلة:
ممكن تبقي مضيفة أرضية.
هزت عهد راسها برفض قائلة!
لاااا طبعًا أنا مرتاحة كده.
لامتها فرح:
العمر بيجري يا عهد فكري،عاوزه أبقي حمات بنتك وأطلع عليها مقالبك فيا وإحنا صغيرين.
ضحكت عهد قائلة:
واضح إنك مفكره إنى هبقي حما ساهلة كده زي ماما... لا أنا شريرة وهطلع البلا على الواد ياسين.
ضحكت فرح قائلة:
تعرفي أوقات بحس ان ياسين بيحبك أكتر مني، وبيسأل عنك دايمًا.
ضحكت عهد قائلة بتبرير مرح:
مش حُب يا أختى ده شكله هيبقي واد بتاع مصلحته عشان اللعب اللى بجيبها له...إستغلال يعني.
-لاء فعلًا بيحبك... ولو فى يوم جرالي حاجه هبقي مطمنة عليه بسببك يا عهد.
انقبض قلب عهد قائلة:
بلاش الكلام ده... أنا منفعش أبقي أُم أساسًا، بتعصب بسرعة.
عودة]
عادت عهد على تلك الرعشة التى أصابت جسدها... هي حقًا الآن تشعر بضياع حياة لم تُخطط، بالأصح لم تتوقعها.. كيف ستتحمل فكرة أن تحمل... رغم ذلك، لا تعلم ذلك الشعور الذي توغل منها بهذه اللحظة، ليس أمنية أن تحمل بل أمنية أخري أن ترا خيبة الأمل بعيون فاروق، الذي
ترك معصمها ببطء… كأنه يخشى أن يكون سبب ارتجافها.
نظرت له بثبات هذه المرة، كأنها حسمت قرارها.
قائلة بإصرار:
تمام نروح أي معمل تحليل نعمل تحليل دلوقتي… ونخلص.
لم يعترض اكتفت بهز رأسه قائلًا بهدوء بارد:
يلا.
بعد ساعة…
جلس ينتظر خارج غرفة الطبيبة، أصابعه تتحرك بعصبية فوق ركبته.
كل دقيقة تمر كأنها تُطيل الاحتمال... او الأمل الذي يتمناه...
فتح الباب.
خرجت عهد أولًا… وجهها شاحب، لكن ملامحها مستقرة.
تبعها صوت الطبيبة بلهجة مهنية واضحة:
مدام عهد مش حامل. التحليل الرقمي طلع أقل من واحد… وده دليل قاطع.
كلمة "دليل قاطع"
سقطت في صدره بثقل.
نظر إليها… يبحث عن شيء… ارتباك، ارتياح..
لكنها كانت هادئة بشكل أربكه أكثر.
تحدث بسؤال :
ممكن يكون الحمل لسه جديد.
اجابته الطبيبة بحزم:
لا يا فندم. تحليل الرقمي أدق حاجة، ومفيش حمل.
انصرف صوتها… وبقي الصمت بينهما.
خرجت عهد من العيادة دون أن تنتظره.
لحق بها في الممر قائلًا:
إنتِ مبسوطة.
توقفت… استدارت ببطء.
أيوا أنا كده مرتاحة... أهو إتأكدت بالدليل القاطع.. إنى مش حامل.
ثم أضافت بنبرة خجل:
مش كل علاقة نهايتها تبقى طفل… أحيانًا نهايتها تبقى ندم.
شعر بشيء ينقبض داخله…
لم يكن يريد الطفل فقط… كان يريد رابطًا.
شيئًا يُجبرها ألا تبتعد... لكن الآن… لا يوجد شيء.
بداخله تمني ذلك الحمل ربما وجوده من ممكن يصل بينهما...
ساد الصمت بينهما وهما بطريق العودة.
أغمضت عينيها لا تنكر تضارب مشاعرها... عادتها الشهريه لم ... جسدها لم يخنها.
حتى ذلك الغثيان… كان توترًا لا أكثر.
في طريق العودة من المعمل، ظل صامتًا.
قبضته على المقود كانت مشدودة، كأنه يراجع حياته كلها.
❈-❈-❈
فى أحد القهاوي الشعبية
كانت مثل غرفة ضوئها خافت،يزيد من نورها بصيص تلك الأرجيلة
كان الشر يعقد برأسه وهو يُفكر فى الاستفادة من غياب زوجته، وكذالك وجود غزال داخل منزل الدباغ... نفث الدخان برتابة والشر يلمع
شيء لا يُبشّر بخير.
تخيلها وحدها، بالإستراحة ودخل عليها كنان... وفرصة صورة واحدة يبني عليها إشاعة، بالتأكيد ستهز صورة بل قيمة أحد ابناء الدباغ، وقتها يبني عليها إشاعة...
والإشاعة في بيتٍ كبيت الدبّاغ ليست كلمة عابرة… بل زلزال.
ابتسم بخبث وهو يتخيل تلك الصورة
"غزال وحدها… وكنان عندها وباب مُغلق عليهما"
لا أحد سيسأل لماذا...
ولا أحد سيبحث عن الحقيقة...
بالتأكيد ستهز صورة بل قيمة أحد أبناء الدباغ…
ففي مثل تلك البيوت، السمعة ليست مجرد اعتبار اجتماعي،بل سُلطة…بل سيف مُسلط على الجميع.
وقتها….سيتحول من مجرد الشك إلى نار
عاصفة،والثقة إلى حطام...
أعاد لف خرطوم الأرجيلة بين أصابعه، وعيناه تبرقان بخطة يظنها محكمة... يساوم بها
محي الدباغ، وينال ما يريد من مال.
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ملتوية، كأن الفكرة بدأت تنضج في رأسه. بعينيه وهو فقط يتخيل... لو حدثت بالفعل.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
صباحً
بشقة محسن
كان مازال غافيًا بينما رابيا نهضت من أجل تجهيز بنتتيها من أجل الذهاب الى مدرستهن...
ودعتهن ببسمة،ثم عادت الى غرفة النوم،إقتربت من الفراش ظلت دقيقة تنظر الى محسن الغافي..خفقان قلبها ربما يصل الى سمعه وهو غافي...تعشقه بكل ما فيها، تعشقه كأن قلبها خُلق باسمه وحده...
وقفت تتأمله طويلًا… ملامحه وهو نائم تبدو أكثر هدوءًا، أقل قسوة من صمته المعتاد. يده الملقاة فوق الوسادة، خصلات شعره التي تميل قليلًا على جبينه… تفاصيل تحفظها عن ظهر قلب.
مدّت يدها بتردد… ثم سحبتها سريعًا، كأنها تخشى أن يفضحها لمسها.
همست بخفوت، بالكاد يُسمع:
لو تعرف بس أنا بحبك قد إيه يا محسن… بحبك لدرجة غصب عني وافقت على مؤامرة ماما، عشان أتجوزك... عارفة ان عمر قلبك ما مال ناحيتي، حتى ده مستحملاه عشان أبقي قريبة منك.
جلست على طرف الفراش، عيناها تمتلئان بشيء بين الشوق والخوف.
زواج سنوات، وبالرغم من ذلك ما زال في داخلها ذاك الخجل الأول… ذاك الترقب… وذاك الرجاء الصامت أن يبادلها نفس الوهج.
اقتربت أكثر، انحنت قليلًا، وشفتيها تلامسان جبينه قبلة خفيفة، دافئة… لكن فجأة شهقت حين فتح عيناه، إبتعدت عن رأسه تهكم قائلًا باندفاع:
مالك عالصبح.شوفتي عفريت.
توترت قائلة:
لاء، بس فكرتك نعسان صباح الخير.
نهض من فوق الفراش دون رد ودلف الى حمام الغرفة.. شعرت بغصة سرعان ما ابتلعتها... بعد قليل أثناء وضعها لثيابه على الفراش صدح رنين هاتفه.. ذهبت نحوه نظرت الى الشاشه.. قرأت ذاك الاسم بهمس:
جمانة.
لم ترد، انتهي الرنين قبل خروج محسن من الحمام... بعد دقائق كانت إنتهت من تحضير الطعام... دلفت الى الغرفة كان محسن انتهي من ارتداء ثيابه... بنفس الوقت صدح رنين هاتفه مره أخري، كانت الأقرب لمكان الهاتف جذبته وبتلقائية نظرت إليه... تنحنحت بخفوت وهي تُعطيه الهاتف قائلة:
مين جمانة.
جذب الهاتف منها بتعسف قائلًا:
وإنتِ مالك.
صمتت بينما هو أخذ الهاتف وغادر الغرفة، غصبً إبتلعت ذلك وذهبت خلفه، كان أغلق رنين الهاتف، وتوجه نحو باب الشقه تسرعت قائلة:
أنا حضرت لك الفطار فى...
قاطعها بلا إهتمام:
مش جعان... عندي شغل مهم لازم أمشي دلوقتي.
توقفت كلماتها عند شفتيها…
ظلت تنظر إلى الباب بعد أن أغلقه خلفه بقوة خفيفة، كأن الصوت كان صفعة لم تصل إلى وجهها بل إلى قلبها.سكن المكان فجأة…
هدوء ثقيل، لا يشبه ذاك الهدوء الدافئ الذي كان منذ دقائق.وقفت مكانها، يدها ما زالت معلّقة في الهواء حيث كانت تشير إلى المطبخ.
همست لنفسها بمرارة:
شغل مهم… ولا جمانة.
لم تكن غبية.
نبرة صوته حين قال "وإنتِ مالك" لم تكن مجرد ضيق صباحي… كانت جدارًا جديد يُبنى بينها وبينه... عادت إلى الداخل بخطوات بطيئة، نظرت إلى السفرة المرتبة بعناية… … كل شيء أعدّته بحب، كعادتها.جلست على المقعد تنظر الى المقعد الفارغ المقابل لها...
خفق قلبها بأسي تسأل نفسها:
ماذا إكتسبت بعد كل تلك السنوات.. حبها له كان أنانية.. قربته منها بالجسد وأبعدته بالقلب.
ومن يدفع الثمن هي.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
صباحً
مرر يده على لحيته الخفيفة، تنفس بعمق…ثم
ارتدي سُترته.. وقف ينظر لهندامه فى المرآة، يُعدل ياقة قميصه، ثم إنحني وضع يده على إحد زجاجات العِطر، لكن تركه فهذا العِطر لا يستهوي عهد،تذكر غصتها منه... تبسم وجذب زجاجة عِطر أخري، وقف ينثر حول عُنقه...
اقترب من المرآة أكثر، كأنه يسأل انعكاسه:
هل تفعل هذا لأجلها.
تبسم بسخريه على حاله.. نفض ذلك وضع زجاجة العِطر، ثم جذب هاتفه ومفاتيح سيارته، كذالك ذاك المُغلف..توجه بصره نحو باب الغرفه الذي إنفتح وطل من خلفه ياسين، تبسم له بحنان قائلّا:
صباح الخير.
رد عليه ياسين:
صباح الخير يا بابا... كنت عاوز أقولك على حاجه بس دي سر بينا.
ابتسم فاروق وجلس على ساقية يضع يديه على كتفي ياسين قائلّا:
أكيد هيفضل سر بينا، إحنا رجاله زي بعض.
اومأ له ياسين بتوافق قائلّا بطفولة:
أيوه إحنا رجاله زي بعض... بابا عهد...
قطع حديث ياسين عهد التي توقفت بين إطاري باب الغرفة قائلة:
ياسين يلا تعالى الفطار، جاهز، عشان تخلص أكل قبل ما باص الحضانة يوصل.
نهض فاروق نظر نحوها وتبسم قائلّا:
صباح الخير يا عهد... ينفع أفطر معاكم.
بادلته ببسمة رقيقة قائلة:
صباح النور، أكيد طبعًا.
توففت للحظات إنصبت عيناهم على بعض بحديث صامت، شعرت عهد بالارتباك... تحدثت بتوتر:
يلا حصلوني عالمطبخ... الوقت عشان ميعاد باص المدرسة.
ذهبت عهد الى المطبخ ثم هما خلفها مُبتسمان.. نسي ياسين ما كان سيخبره به، كذالك هو نسي ذلك المُغلف...
دلفا الى المطبخ... جلس الأثنين وضعت عهد لهما كوبان من الحليب...تبسما وهما ينظران لبعضهما يحتسيان الحليب،كذالك تناول الطعام، بوسط حديث هادئ... قطع الحديث صوت سيارة الروضة، نهضت عهد قائلة:
يلا يا ياسين الباص وصل.
نهض ياسين ذهب خلفها، إقترب منها وضعت له حقيبة صغيرة على ظهره قائلة بتحذير:
بلاش تتشاقي كتير فى الباص الدادا إشتكت لى منك..
تبسم ياسين بخباثة طفل، كذالك فاروق...
استرسلت عهد حديثها:
والسندوتشات كمان تاكلها، مش تتشغل فى اللعب وتنسي تاكل، هتروح فين بعض كده، إنتت قربت تختفي.
أومأ ياسين بطاعة... كادت عهد أن تذهب معه لكن تسرع فاروق بالحديث قائلًا:
خليكِ، أنا نازل هاخده معايا هوصله للباص.
أومأت بموافقة.. وتركته يذهب معه.
غادر الإثنين... ذهبت عهد نحو شُرفة بالشقة أزاحت الستائر ..ثم تتبعتهم من خلف الزجاج حتى غادر الإثنين... تركت الستائر ثم تمطئت بذراعيها تشعر بأرهاق قائلة:
النهاردة معنديش طيران، أخد لى دّش دافي وبعدها أنام ساعتين تلاتة.
بالفعل فكرت ثم قالت:
الحمام بتاع أوضة فاروق البانيو بتاعه أوسع، أناني مختار لنفسه أكبر أوضة وفيها أكبر حمام بساونا كمان.. فرصة هو مش هنا أروح أخد شاور هناك.
بالفعل دلفت الى غرفتها مع ياسين جذبت منشفة كبيرة وأخرى صغيرة قائلة:
أخد شاور هناك وأبقي أرجع لهنا ألبس بيجامة بدل ما تتبل.
دلفت الى غرفة فاروق ثم الى الحمام... وضعت المناشف بمكانها المُخصص ثم توجهت الى كابينة الاستحمام... فتحت المياه الدافئة…انسدل البخار ببطء يملأ المكان، يكسو المرآة بطبقة ضبابية، وكأنه يمحو أي تفاصيل واضحة… حتى أفكارها...
أغمضت عينيها تحت اندفاع الماء…
دفء ينساب على كتفيها، يُرخِي عضلاتها المتعبة... همست لنفسها:
ساعتين نوم كمان… وأرجع نشيطة من تاني.
أثناء سيره بالطريق، صدح رنين هاتفه، نظر الى الهاتف، ثم قام بفتح الاتصال ليسمع الآخر قائلًا:
إمبارح نسيت أقولك إن فى بند فى المناقصة لازم يتعدل قبل ما تتبعت.
عقد حاجبيه قليلًا، ترك المقود بيد وأدار الأخرى فوق شعره القصير قائلًا بتركيز:
بند إيه إحنا مش راجعنا كل البنود.
جاءه الرد:
ايوه بس الشرط الجزائي اتغير… ولو اتبعت كده هتبقى مخاطرة علينا.
فهم قصده قائلًا:
تمام الظرف معايا، وأنا جاي عالمقر نتناقش فى البند ده برواقة.
أغلق الهاتف نظر لجواره ظنًا أن المُغلف موجود، لكن تذكر بآسف قائلًا:
انا نسيت الظرف فى البيت. .. لازم أرجع أجيبه
زفر نفسه ودار بعجلة القيادة في أول تقاطع عائدًا الى المنزل...وصل بعد وقت قليل صعد مباشرةً الى شقته فتحها كانت ساكنه،ظن عهد قد غفت...توجه الى غرفته
بينما عهد أغلقت المياه، لفت جسدها بالمنشفة الكبيرة حول جسدها، والصغيرة حول شعرها المبتل.
دفعت باب الحمام وخرجت بخطوات هادئة…
وفي اللحظة نفسها
وقف فاروق عند عتبة الغرفة…
تجمد للحظة... ينظر لها بإنبهار عيناه تجولان علي جسدها
خصلات شعرها المبتلة الملتصقة بوجنتيها، قطرات الماء التي تنساب على عنقها ثم اختفت أسفل حافة المنشفة…
ابتلع ريقه بصعوبة تفوه بصدمة أن يجد عهد بغرفته بهذا المنظر المُثير:
عهد...!
أما هي… إرتبكت كذالك شعرت بالخجل الشديد وهي أنها أمام عيناه هكذا... شدت أطراف المنشفة حولها أكثر، وقالت بتلعثم خفيف:
فاروق...!
إنت… رجعت ليه.
حاول أن يبدو طبيعيًا،وأجابها بتبرير:
نسيت ملف مهم… قولت آخده وأمشي.
لكن عينيه لم تكن تبحث عن ملف.
تقدم خطوة… ثم أخرى… ببطء محسوب، وكأنه تعمد أن يربكها أكثر حين سأل:
كنتِ… بتستعملي الحمام بتاعي.
قالها بنبرة خفيفة بها دعابة خجولة.
احمر وجهها رغمًا عنها،رفعت كتفيها بتفسير:
أول مرة الحمام ده فيه ساونا.
ابتسم… اقترب حتى صار بينهما مسافة أنفاس.
مد يده… فتوقفت أنفاسها.. لكنه لم يلمسها...
فقط رفع طرف المنشفة الصغيرة برفق عن وجنتها… يمسح قطرة ماء هاربة بإبهامه.
همس بصوت منخفض دافئ:
استغربت وجودك فى الأوضة.
نظر في عينيها طويلًا، نظرة بلا استعجال… بلا ضغط… فقط شوق مكتوم...
عيناه تلمع بوميض الشوق مرة واحدة نالها ذكري بدايتها كانت
عيناها ما زالت معلقة بعينيه… رغم خجلها وتوترها من نظرات عيناه...
والهواء بينهما صار أثقل… أبطئ.. إبتلعت ريقيها... وكادت تتحرك من أمامه، لكن لم تسير سوا خطوة واحدة وشعرت بيده تلتف حول خصرها... قبل أن تنتبه جذبها إليه، إلتصق ظهرها بصدره،أغمضت عينيها من تلك المفاجأة وهي تشعر بأنفاسه الساخنة فوق عُنقها،وهو يضع قبله وقُبلات متفرقة حول مقدمة ظهرها،ثم عاد الى عنقها وضع قبلة
لم تكن قبلة عاصفة…
بل هادئة… متأنية…
قبلة تعرف الطريق جيدًا ولا تحتاج اندفاعًا.
ابتعد قليلًا.إستدار مازال ينثر قبلاته التي تبدلت من ظهرها الى صدرها،،
يده ما زالت حول خصرها، ثابتة… لكنها لا تضغط… فقط تحتوي.
همس قرب شفتيها:
ريحتك تجنن يا عهد
كأنها فقدت الوعي،
انخفضت عيناها بخجل، لكن أصابعها تسللت إلى ياقة قميصه، تشدها برفق…
اقترب أكثر، جبينه يلامس جبينها من جديد.
أنفه يمر بخفة على وجنتها المبتلة، يترك أثرًا دافئًا على بشرتها التي ارتعشت تحت قربه.
- عهد…
نطق اسمها ببطء… كأنه يذوقه.
رفعت وجهها نحوه، هذه المرة دون تردد.
وضعت كفها على صدره، تشعر بدقات قلبه المتسارعة…
ابتسمت تفوهت بخفوت:
قلبك بيدق بسرعة.
ابتسم بدوره، صوته خفيض:
عشانك.
اقترب منها خطوة أخيرة حتى التصق جسدهما برفق،
لم يكن احتواءً طاغيًا… بل عناقًا بطيئًا…
يداه تلتفان حولها بحذر، كأنه يخشى أن يؤذي هشاشتها…ورأسها تستقر على كتفه.
أغمضت عينيها... شعرت بالأمان…
ذلك النوع من الأمان الذي لا يأتي من الكلمات، بل من الصمت المشترك.
مرر يده ببطء على ظهرها فوق المنشفة، حركة ثابتة مطمئنة…
تنفست بعمق، ورفعت وجهها لتقابله.
اقتربت شفتيه من زاوية فمها، قبلة صغيرة مُترقبة…شعر بها ورأسها تستند على صدرع
لحظة هادئة…
مليئة بالقرب…
مليئة بشعور غير منطقي... أن ما بينهما لم يبدأ…والصمت بينهما لم يعد فراغًا…
بل مساحة دافئة تسعهما معًا، لم يشعر أيًا منهما، كيف ومتي أصبحا فوق الفراش، هو فوقها ينهل من شفتيها... وهي لا متجاوبة ولا رافضة، تشعر كأنها بدوامة كلما حاول عقلها الإعتراض، تنجرف مع قُبلاته وهمساتة وإزدادت لمساته...كأنهم فى غفوة من الوقت والمكان.
العهد الثالث والعشرون" الجزء الثاني "
❈-❈-❈
- فاروق…
قالتها بأنفاسٍ مسلوبة، وهي تحاول أن تقاوم…
ألا تنجرف أمام قُبلاته التي تُربكها، وألا يخونها جسدها ،حاولت أن تتراجع على الفراش بجسدها لكن ثبتها يُحطها بذراعيه بقوة وعاد يقُبل شفتبها،غفوة عقل وزمان شعر بها الإثنين،لم تُدرك متي وكيف اصبح شبه عاري، مثلها، مدت يديها تحاول تثبيت المنشفه على جسدها، لكن يديها لمست جسده
… شعر به ترتجفان على صدره العاري، كأن أصابعها تبحث عن مخرج وفي الوقت ذاته تتشبث به...
- فاروق…
همست مرة أخرى، لكن الصوت خرج هذه المرة أقرب إلى أنين مكبوت، ليس احتجاجًا بقدر ما هو شبه استسلام بدأت ترضخ له بتردّد ..شعر بذلك.. رفع رأسه قليلاً، عيناه تلتقطان آخر بقايا مقاومتها في عينيها... تفوه بإشتياق:
عهد... ليه مُترددة... لو..
كان صوته خشناً، مشوباً بلهفة يكاد يختنق بها، لكنه ترك لها الباب مفتوحاً… أو هكذا بدا.
حاولت... وحاولت أن تجمع كلمة"توقف" أن تدفعها من حلقها الجاف...
لكن الحرف الأخير توقف بحلقها قبل أن يكتمل، تحول إلى نفس متقطع حين انزلقت يده على خصرها، تحت حافة المنشفة التي لم تعد تُخفي شيئاً يُذكر...
جسده خانه مرة أخرى؛ انحنى نحوها رغمً عنها،
شعرت بحرارته تحاصرها من كل الجهات،كأن عمودها الفقري لم يعد ملكها... بضربات قلبه السريعة تنتقل إلى صدرها كموجات متصارعة...
في لحظة غباء أو ضعف.. لم تفرق بعد.. رفعت يدها فوق عُنقه، أصابعها تتشبث بشعره من الخلف، ليس لتدفعه بعيدًا… بل لتُقربه أكثر...
قبلها ينبض بعنفٍ هذه المرة، كأنه يعاقبها على ترددها، أو هو يعاقب نفسه على عدم قدرته على التوقف...
المنشفة شبه انزاحت... لم يعد هنالك حاجز بين أجسادهما... لم يعد هناك مجال للكذب على النفس؛ الجسد قال كلمته، والعقل غرق في ضبابٍ كثيف من الرغبة والرفض أصبح يندثر... همست إسمه بحشرجة
- فاروق…
ارتفعت نحوه رغمًا عنها، كأن بينهما خيطًا خفيًا يشدها إليه كلما حاولت الابتعاد.
ابتلع ريقه وهو يحدق بها، وقد لاحظ ارتجاف أنفاسها، إتكئ فوق جسدها أكثر ببطئ… خطوة محسوبة، وكأنه يخشى أن تتبدد تلك اللحظة لو تسرع وإعترف أنه يعشقها من أول لقاء...كاد فعلًا أن يعترف بصوت منخفض يحمل نبرة لم تعتدها منه:
عهد أنا....
لكن يبدوا أن ذلك الإعتراف سيتأجل بعدما صدح رنين هاتف،
شهقت عهد كأنها كانت تغرق وعادت أنفاسها مرة أخري، رنين الهاتف كان كالصفعة المفاجئة، قاسية وغير متوقعة...
انتفضت قليلاً تحت ثقله، عيناها تتسعان لحظة وهي تعود إلى الوعي... رفع هو رأسه ببطء، وكأن حركته تكلفه جهداً هائلاً، ثم مد يده نحو الهاتف الذي كان بمعطفه فوق الفراش..تضايق كان الهاتف يهتز بعناد.
-هشوف مين اللى بيتصل
قال ذلك بصوت خشن، محاولاً أن يبدو طبيعياً، لكن النبرة خانته؛ كانت ممزوحة بالغيظ والإحباط.
نظرت عهد إلى الشاشة التي أضاءت وجهها بالضوء الأزرق البارد.
ده محسن.
همست، وكأنها تكتشف ذلك للتو.
تنهد بعمق، ثم اعتدل قليلاً، لكنه لم يبتعد تمامً. ظل جسده قريبّا يحتضنها بلا حراك، كأنه يخشى أن يتركها تهرب إذا تحرك خطوة واحدة...
تحدثت بحرج:
مش هترد عليه.
نظر نحوها ونحو الهاتف الذي مازال يومض برنين، فكر بعد الرد والعودة الى ذلك التوهان الذي كان به معها قبل لحظات، لكن هي بدأت تنزاح من أسفله، وبالفعل نجحت في ذلك، حتى أنها بحجلٍ ويدٍ مرتعشة عادت تلف المنشفة حول جسدها سريعًا، وكأنها تحتمي بها من ارتباكها أكثر مما تحتمي بها من عينيه...
تدارك فاروق ذلك، فابتعد قليلًا إلى الخلف فورًا، يمرر كفه فوق شعره في توتر واضح، وكأنه يحاول أن يستعيد اتزانه
مد يده فلمس خدها بأطراف أصابعه، حركة خفيفة كأنها لمسة ريشة... وتحدث بهدوء:
مش هسيبك تهربي تاني، يا عهد...
أومأت براسها بصمت وهي تنهض من فوق الفراش، غادرت الغرفة، لا تود البقاء ولا السماع لما قد يقوله... كأنها تهرب، من ماذا لا تعرف، لكن ما برأسها الآن أن تختفي من أمام عيناه...
شعر فاروق بشيء ينقبض في صدره وهو يراها تغادر بهذه السرعة، كأنها انتُزعت من أمامه فجأة... ظل و مكانه لحظة، ينظر الى باب الغرفة الذي أغلقته خلفها، بينما لا تزال حرارة قربها عالقة في الهواء...
مرر كفه على وجهه بضيق خفيف، وقام بالرد على الاتصال أنهاه سريعًا ثم نهض جذب ثيابه إرتداها في عجاله ثم خرج من الغرفة توجه الى غرفة عهد، تنهد بعمق،قبل أن يضع يده فوق مقبض الباب وفتحه ببطء.
بينما عهد في الجهة الأخرى كانت تسير بخطوات متعجلة، تكاد تتعثر من
شدة ارتباكها، وقلبها يدق بعنف كأنها ركضت مسافة طويلة... وضعت يدها فوق صدرها تحاول تهدئة أنفاسها، وهمست لنفسها بلوم:
ليه… كل ما يقرب كده… بحس إني بضيع.
لم يكن سؤالاً، بل إتهامً، ولوم.. وزم لذلك الضعف.
جلست على حافة السرير، المنشفة ملفوفة بإحكام هذه المرة، كأنها درعٌ هش.
نظرت نحو الباب الذي إنفتح... ودخول فاروق الذي توقف على بعد خطوة واحدة فقط.
قال بصوت هادئ، لكنه يحمل إصرارًا واضحًا:
عهد.
تجمدت مكانها، لكن لم تستطع أن تقف.
اقترب أكثر جلس على ساقيه أمامها ضم يديها بين يديه، ثم تحدث بصوت دافئ:
إحنا لازم نقعد مع بعض ونتكلم بصراحة.
تحدثت بنهي دون أن تنظر إليه:
بس أنا مش مستعدة أسمع منك.
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيه، مزيج من الصبر والتحدي، قائلًا:
كفاية هروب يا عهد، في شعور بينا موجود، سواء اعترفنا بيه أو فضلنا نهرب منه..الكوت مش هيريحنا.... أنا لازم أمشي دلوقتي..بس الكلام بينا متأكد هيريحنا إحنا الاتنين.
توقف لحظة، كأنه يمنحها فرصة لتتكلم، لكنها ظلت صامته وعيناها معلقتان في الفراغ بعيد عنه
تنهد فاروق وقال بهدوء حاول أن يخفي ما فيه من ثقل:
أنا لازم أمشي دلوقتي… بس الكلام بينا لسه ما خلصش.
التفتت بعينيها نحوه أخيرًا، وكأن تلك الجملة أيقظتها من شرودها. نظرت إليه نظرة حيرة واضحة، ثم تحدثت بصوت خافت:
ويمكن… ما ينفعش يبتدي أصلًا.
لم يغضب، بل ابتسم ابتسامة صغيرة تحمل شيئًا من الإصرار، قائلًا بشبة يقين:
لا… ابتدى من زمان يا عهد، إحنا بس اللي كنا عاملين نفسنا مش شايفين.
ارتبكت عهد، وأخفضت عينيها سريعًا، بينما تشعر بأن قلبها يخفق بقوة أكبر مما ينبغي...
أما فاروق فظل لحظة ينظر إليها، كأنه يحاول أن يحفظ ملامحها في ذاكرته، ثم ترك يديها ونهض متجهًا نحو الباب...
وقبل أن يخرج… توقف لثانية دون أن يلتفت، وتحدث بصوت هادئ:
على فكرة… الهروب ما بيغيرش الحقيقة.
غادر، نظرت نحو يديها اللذان قبل لحظات كانتا بقبضة يديه تشعر بدفئ، تبدل الى برود...
أنفاسها لا تزال متسارعة، لكنها الآن أنفاس وحدها...
الغرفة صامتة إلا من صوت ساعة حائط بعيدة تقرع الثانية بعد الثانية، كأنها تحسب الثواني التي مرت منذ أن غادر
نظرت إلى يديها، لا تزالان ترتجفان قليلًا..
لمست شفتيها بأطراف أصابعها، كأنها تتحقق إن كانت تلك القبلات حقيقية أم حلمً محموم...
شعرت بطعم مالح خفيف… دمعة سقطت دون أن تلاحظ متى بدأت...
لم تعرف إن كانت تشعر بالراحة لأنه غادر.. او الافتقاد لقوتها التي بدأت تتلاشي...
تقاوم...وتقاوم ان تظل ثابتة
وكل شيء حولها غير متزن حتي هي غير متزنه
❈-❈-❈
بالجامعة
أثناء خروجه من إحدى قاعات المحاضرات، كان الممر مزدحمًا بالطلاب... ضجيج الأحاديث وضحكاتهم يملأ المكان... بينما يشق طريقه وسط الزحام، وقعت عيناه على غزال صدفة…
كانت تسير مع مجموعة من زملائها، بينهم شابان يتحدثان معها...
توقفت خطواته دون أن يشعر.
ضغط على فكه قليلًا، وشعور بضيق غريب يزحف إلى صدره حين اقترب أحدهم منها أكثر من اللازم، حتى كاد يحتك بها بسبب الزحام...
قبض كفه دون وعي، وعيناه تتابعان المشهد بحدة.
لم يعجبه قرب ذلك الشاب منها… ولا ضحكتها التي بدت عفوية وهي ترد على شيء قاله.
شعر بوخزة غريبة في صدره، وكأن شيئًا بداخله يرفض هذا المشهد تمامًا... لوهلة لم يُفكر وتوجه نحوها، لكن توقف حين وقف أمامه إحد اساتذة الجامعة يتحدث معه عن شيء خاص بالتدريس، زفر نفسه وعيناه تراقبها وهي تمُر من أمامه، حتى أن راسه دارت معها، استغرب زميله قائلًا:
فى حاجة شاغلة عقلك، إنت مش منتبه لكلامي.
تنحنح قائلًا :
لاء معاك كنت بتقول إيه.
أخبره زميله بما كان يريد.. أومأ له قائلًا:
تمام، هبعتلك البحث عالنت، لازم أمشي دلوقتي.
وافق زميله، عاد يسير بالممر عيناه تبحث عنها، لكن إختفت، شعر بضيق وأكمل سير نحو سيارته... شعر بضيق، وأكمل سيره نحو سيارته بخطوات أسرع مما اعتاد.
كان يحاول إقناع نفسه أن الأمر لا يستحق كل هذا الانشغال… لكنها ظلت في رأسه؛ ضحكتها، قرب ذلك الشاب منها، والطريقة التي كانت تسير بها وسط الزحام دون أن تنتبه لنظراته التي لاحقتها...
وصل إلى سيارته، أخرج المفاتيح، لكنه توقف قبل أن يفتح الباب...
مرر يده على عنقه بتوتر، وزفر نفسًا طويلًا كأنه يحاول طرد ذلك الشعور الذي استولى عليه فجأة... تحدث لنفسه بضيق ولوم:
مالك يا كنان البت دي آخر واحدة عقلك يفكر فيها... كفاية إنها تربية أم صبري.
وضع المفتاح بالمقود ثم غادر ناهيًا ذلك الشعور.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
مساءً
بشقة والد عهد
دلفت عهد ترسم بسمة خفيفة على شفتيها، وما إن رأت والدتها حتى خف توترها قليلًا...
واستقبلتها بلهفة قائلة:
لما اتصلتي الضهر وقولتي الطيارة هتتأخر قلقت… قولت أكيد حصل حاجة.
اقتربت عهد منها، قبلت رأسها بحنان قائلة بنبرة مُطمئنة:
لا يا ماما… بس كان في تأخير بسيط، بسبب صيانة للطيارة، كمان الطقس كان اتبدل فجأءة بس الشركة اتصلوا على الارصاد الجوية وقالت مش هيأثر عالطيران.
تنهدت ميرفت براحة، ثم أمسكت بيدها تقودها إلى الداخل قائلة:
المهم إنك وصلتي بالسلامة.. أنا من ساعتها قلبي مش مرتاح.
جلست عهد على الأريكة وهي تخلع حذاءها بتعب واضح، ثم قالت بنبرة مازحة تخفف بها الجو:
هو أنا أول مرة أسافر يعني.
رمقتها ميرفت بنظرة عتاب رقيقة قائلة:
مهما سافرتي برضوا قلبي بيفضل قلقان عليكِ.
ابتسمت عهد بصمت، لكنها سرعان ما شردت للحظة…
تسلل إلى ذهنها ملامح فاروق، قبل يومين وصوته حين قال: "كفاية هروب يا عهد…"
أصبحت تتهرب منه.. حديث مقتضب بينهما.
لاحظت والدتها شرودها فسألتها بفضول:
مالك.. سرحتي في إيه كده.
انتبهت عهد سريعًا، وهزت رأسها قائلة:
ولا حاجة… بس السفر كان مرهق شوية... فين ياسين.
اقتربت ميرفت وجلست بجوارها، ثم قالت بنبرة هادئة تحمل شيئًا من التلميح:
أكيد الإرهاق مش من السفر بس… واضح إن في حاجة شاغلة بالك.
رفعت عهد عينيها نحوها، ترددت لحظة…
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تحاول التهرب من الإجابة.. لكن في داخلها…
كانت تعرف جيدًا ما الذي يشغل عقلها توهت بالسؤال:
فين ياسين، نام ولا إيه.
أجابتها ميرفت:
لاء، بس نزل هو وباباكِ يجيبوا طلبات من السوبر ماركت زمانهم راجعين، خليكِ مرتاحة وأنا هحضر العشا نتعشا سوا.
أومأت عهد برأسها، واتكأت على الأريكة تتنفس ببطء، كأنها تحاول أن تفرغ صدرها من كل ما يتراكم داخله مررت يدها فوق جبينها، وأغمضت عينيها لحظة… لكن ما إن فعلت حتى تسلل إلى ذاكرتها تلك اللحظات من جديد.
صوته… قربه… والطريقة التي قال بها:
"كفاية هروب يا عهد…"
فتحت عينيها سريعًا كأنها تحاول طرد الفكرة من رأسها... في تلك اللحظة، صدح صوت باب الشقة يُفتح، تلاه صوت ياسين العالي من المدخل
ارتسمت ابتسامة تلقائية على وجه عهد، ونهضت من مكانها تستقبلهم
دخل ياسين ثم خلفه توفيق يحمل بعض الأكياس، وما إن رآها حتى ترك ما بيده على الطاولة واتجه إليها سريعّا
احتضنها بحماس طفولي جعلها تضحك رغم إرهاقها، وقال وهو يبتعد قليلًا ليتفحص وجهها:
واحنا فى السوبر ماركت قولت لـ بابا توفيق إني شوفتك نازله من العربية اللى مرسوم عليها طيارة.
ابتسمت له كذالك تبسم توفيق من خلفه وهو يضع الأكياس على الطاولة قائلاً بنبرة هادئة:
حمد لله على السلامة يا عهد.. كويس إنك رجعتي بدري مامتك كان عقلها هيطير.
اقتربت منه قائلة:
الله يسلمك يا بابا... ماما قلبها ضعيف.
غصّ قلب توفيق…
يعلم أن ما يعتصر صدره هو ميرفت ليس مجرد ضعف في القلب، بل خوفٌ حديث لم يبرح مكانه..يكفيهما...
فقدان فرح ترك في روحهما جرحًا لم ولن يندمل لاحقًا… جرحًا جعلهما يشعران بالخوف من تكرار ذلك الأسي...
تبادل نظرة صامتة مع ميرفت… كلاهما يحاول التضرع بالصبر، وكأن الصبر هو الشيء الوحيد الذي بقي لهما ليحتميا به.
بعد قليل
نهضت عهد قائلة:
ياسين شكله هينام.
تثائب ياسين وهو يفرك عينيه يقاوم النعاس. تفوهت عهد:
يلا يا ياسين، كفاية سهر خلينا نرجع بيت جدك محي... عندك حضانة بكره.
طاوعها ياسين بالفعل، غادر الإثنين...
بمجرد خروجهما من الشقة، تبدل حال
ميرفت وتوفيق... الذي ضم ميرفت قائلًا بأسي:
عهد صعبانة عليا أوي.
تنهدت ميرفت بدموع قائلة:
متأكدة إنها بتكتم في قلبها، بتحاول تهرب من الحزن بالسفر...، حياتها فجاة اتلخبطت... متأكدة إن فاروق ميعرفش انها بتشتغل، وخايفة من مواجهه تحصل بينهم... هي متحملة وممكن فى لحظة تنفجر... لمحت لها قبل كده عن فاروق انه موافق انها تشتغل كمضيفة طيران، قالت لى هو عارف انها كانت بتشتغل، فمش جديدة... بس لو فعلًا ميعرفش المواجهة بينهم هتكون صعبة.
رغم ذلك قولت لها تاخد أجازة وبلاش تجهد نفسها... قلبي واجعني قوي عليها... زي ما يكون مش قادرة تتخطي فراق فرح.. اتحملت مسؤولية ياسين، حتى جوازها من فاروق ضغطة على نفسها
ضمها توفيق بحنان مواسيًا:
يمكن علشان كده اتمسكت بـ ياسين زيادة… حست إنها لازم تعوضه عن فرح، وياسين كمان متعلق بيها... حتى من قبل وفاة فرح.
اومأت ميرفت بتوافق، تنهد توفيق وتحدث
بنبرة هادئة لكنها حاسمة:
فاروق مش وحش… أنا حاسس إنه بيحبها بجد..مش حكاية حفظ عِشرة بينا... كمان سبق وإتحمل مرض فرح للنهاية.
نظرت إليه ميرفت بتردد قائلة:
فعلُا فاروق إبن أصول...واتحمل مرض فرح، بس أوقات الحب بيوجع القلب أكتر ما بيداوي.
ساد الصمت بينهما لثوانٍ…
صمت يحمل خوف وقلق أبوين يعرفان أن ابنتهما تخوض معركة داخل قلبها وحدها...
قطع الصمت توفيق وهو يتنهد بهدوء:
إحنا لازم نفضل جنبها… من غير ما نضغط عليها. لما تحب تتكلم… هتيجي لوحدها.
أومأت ميرفت برأسها، لكن دمعة أخرى انزلقت من عينيها وهي تهمس:
نفسي أشوفها مرتاحة.
طيب توفيق قائلًا:
عهد جواها صراع بين التزامها بـ ياسين، وقبولها إنها بقت زوجة... فجاة لقت نفسها بتفاضل بين قناعتها، فرح مكنتش أخت بس بالنسبة لها، عهد طول عمرها مكنش لها اصدقاء قريبين، غير فرح... كانوا أخوات وسر بعض... عهد كانت أقوي دايمًا، وده اللى مازالت بتحاول تظهره، رغم جواها هشاشة ووجع.. مفيش غير شئ واحد هو اللى هيطلع كبت الحُزن اللى جواها... إنها تحب فاروق، أو بالأصح تعترف إنه بدأ يخترق جدران قلبها.
❈-❈-❈
بالسعودية
يبدو أن زيارتها لذلك المكان الطاهر أعطتها هدوءًا نفسيًا كانت في أمس الحاجة له… تمددت على الفراش، وأغمضت عينيها، تشعر وكأنها وُلدت من جديد...
شيء ما… بل أشياء مختلفة بدأت تتوغل فيها، تُعيد ترتيب مشاعرها وأفكارها التي عانت صراعها طويلًا. ابتسمت على نحو خافت حين جال في رأسها سباقات الإسكواش… غرورها الذي دائمًا يرفض الهزيمة، الذي لا يتحمل أن يفوز أحد عليها، الذي يدفعها لتكون الأفضل دائمًا…
لكن هذه المرة، لم تكن الأمور كما تعتقد...
كانت قد هُزمت سابقًا، نعم… لكنها أدركت أن ما اعتبرته هزيمة في الماضي لم يكن سوى درس، تجربة… نقطة انطلاق لفهم نفسها أكثر، لقوة صبرها وقدرتها على مواجهة ما هو أصعب..
أغمضت عينيها بعمق، وشعرت بحرية غريبة تتسلل إلى قلبها، حرية تسمح لها بأن تعترف لنفسها بكل ما شعرت به… بكل خوفها… بكل ضعفها…
وبينما هي مستغرقة في ذلك الشعور، صدح رنين هاتفها... نهضت وجذبته تبسمت حين رأت هوية المتصل، فكرت لحظات قبل أن تقوم بالرد أخيرًا.. لتسمع حديث نديم الهادئ:
أوعي تكوني نسيتي تدعيلي فى الحرم المكي.
ابتسمت وهي تتكئ بكتفها على طرف الفراش، وعيناها تلمعان بشيء من المشاكسة قائلة بنبرة خفيفة:
وكنت عاوزني أدعي لك بإيه.
ضحك بخفوت، تلك الضحكة التي تعرفها جيدًا، وقال بعد لحظة صمت قصيرة:
بأي حاجة… دعوة حلوة كده من قلبك.
رفعت حاجبها بخبث، وكأنها تراه أمامها لا تسمعه فقط قائلة بدلال:
لأ… الدعوة لازم تبقى محددة، أصل ربنا بيحب الوضوح.
تنهد ببطىء، قائلًا بنبرة أعمق قليلًا:
طب ادعي إن ربنا يرزقني بالراحة.
توقفت ابتسامتها لحظة… شعرت أن صوته يحمل ما هو أبعد من المزاح.
جلست على حافة الفراش، ومررت أصابعها في خصلات شعرها وتحدثت بهدوء:
الراحة دي حاجة كبيرة يا نديم… مش سهلة.
صمت لثانية، ثم تحدث بصوت خافت كأنه يبوح بسر:
عارف… بس يمكن ربنا يكتبها ليا… على إيدك.
ارتجف شيء خفيف في قلبها، لكنها أخفته سريعًا خلف نبرة ساخرة خفيفة:
ما هو أنا مش مكتب توظيف للدعوات.
ضحك هذه المرة بوضوح، قائلًا:
لا… بس إنتِ الوحيدة اللي لو دعتلي… ممكن الدعوة تتقبل.
ساد صمت قصير بينهما… صمت دافئ لا يشبه الحرج.
نظرت نحو نافذة الغرفة، الى ذلك الضوء الخافت الذي انعكس على الزجاج، ثم تحدثت أخيرًا بنبرة أهدأ:
خلاص يا نديم… دعيت لك.
سألها سريعًا، وكأنه طفل ينتظر مفاجأة:
ودعيتي لى بإيه... ومتنسيش تدعي لنفسك كمان.
تبسمت، وعيناها تلمعان بشيء لم تفصح عنه قائلة:
دعيت لنفسي كمان.
بفضول تسأل:
ودعيتي لنفسك بإيه.
أجابته بمراوغة:
دي بيني وبين ربنا… لما تتحقق هتعرف.
ساد بينهما حديث مُتشعب، ربما لأول مرة يسير بتلك الراحة… بلا حذر، بلا كلمات محسوبة، وكأن المسافات التي كانت تفصل بينهما تذوب تدريجيًا مع كل جملة تُقال...
تنقلت كلماتهما بين أشياء بسيطة؛ سألها عن رحلتها، عن الزحام حول الكعبة، عن اللحظة التي رأت فيها البيت الحرام لأول مرة..
أجابته وهي تصف له المشهد، صوتها يحمل دهشة خافتة ما زالت عالقة بداخلها قائلة بهدوء:
الإحساس هنا غريب… كأن الدنيا كلها بتصغر فجأة.
رد بصوت مائل للتأمل:
يمكن عشان الإنسان يفتكر حجمه الحقيقي.
ضحكت بخفة قائلة:
واضح إنك بقيت فيلسوف فجأة.
ضحك قائلًا!
لأ… بس يمكن كنت محتاج حد يوصفلي المكان كده.
توقفت لحظة، ثم قالت بشيء من الفضول:
إنت عمرك ما روحت.
اجابها بأمنية:
لا… لكن نفسي أروح.
سكت قليلًا ثم أضاف بنبرة أهدأ:
أكيد هروح… كلامك شجعني،وبقيت مستعد جدًا.
لم تسأله مستعد لِماذا… لكنها شعرت أن خلف تلك الجملة قصد.
تحدثا بعدها عن أشياء عادية… عن الرياضة، عن الأصدقاء، عن مواقف طريفة حدثت لهما.
وكلما طال الحديث، كانت تكتشف جانبًا آخر منه؛ هدوءه، خفة دمه حين يريد، وطريقته الغريبة في الإصغاء وكأنه يلتقط أدق ما تقوله...
أما هو، فكان يستمع لها وكأن صوتها يحمل شيئًا يطمئنه… شيئًا لم يعترف به حتى لنفسه.
ومع مرور الوقت، أدركت فجأة أنها لم تنتبه للوقت أصلًا.
ابتسمت وهي تقول:
عارف إحنا بقالنا قد إيه بنتكلم.
ضحك نديم قائلًا:
بصراحة… مش عارف.
ثم أضاف بنبرة خفيفة لكنها صادقة:
بس واضح إن الكلام معاكِ… الوقت بيمُر بسرعة من غير ما احس بيه.
صمتت لحظة… شعرت بدفء غير معتاد يتسلل إلى قلبها...
لكنها قالت بمشاكسة لتكسر ذلك الشعور:
ولا يمكن الوقت مُر عشان إنت رغاي.
ضحك بتأكيد مرح قائلًا:
يمكن… بس أول مرة أبقى مبسوط بالرغي كده.
ساد صمت قصير… صمت ليس ثقيلًا، بل مريح…
كأن كليهما أدرك أن تلك المكالمة البسيطة فتحت بابًا لم يكن أحدهما يتوقعه.
بعد وقت من الحديث إنتتهى الاتصال، تنهدت بهدوء نفسي... ارتسمتط ابتسامة صغيرة على وجهها، مزيج من الاطمئنان والإصرار قرار كانت تبوح به لنفسها:
المرة دي، أنا مش هاهرب من حقيقة مشاعري.
بدأت تتخيل نفسها في المرة القادمة، على نفس الأرض المُباركة لكن بصُحبة نديم...بالتأكيد سيكون شعور آخر.
بينما نديم أغلق الهاتف وتمدد على الفراش، اجتاحه شعور غريب بالهدوء… هدوء لم يعتده منذ فترة...
رغم أن حديثهما كان خاليًا من أي اعترافات صريحة أو كلمات كبيرة، إلا أن شيئًا ما فيه كان مختلفًا… بسيطًا وصادقًا في الوقت نفسه...
حدق في سقف الغرفة، بينما عادت إلى ذاكرته نبرة صوتها حين كانت تضحك… وطريقتها في المراوغة بالكلام، وكأنها تتعمد ألا تمنحه إجابة واضحة...
همس لنفسه بنصف ابتسامة:
مراوغة… حتى في الدعاء.
تنهد بعمق، ثم شبك ذراعيه خلف رأسه.
لأول مره كان الحديث بينهما طويلًا جدًا، ولا يحمل أسرارًا … مجرد كلام عابر عن السفر والذكريات وبعض المزاح...
ومع ذلك… شعر وكأن شيئًا ثقيلًا كان جاثمًا فوق صدره قد انزاح قليلًا...
أغمض عينيه لحظة، فارتسمت صورتها في خياله… تلك الابتسامة التي يستطيع أن يسمعها حتى عبر الهاتف.
همس بخفوت كأنه يعترف لنفسه فقط:
يمكن عشان الكلام بينا لاول مرة بدون تحفُظ من أي طرف.
ظل مستلقيًا هكذا، مستسلمًا لذلك السكون الذي تسلل إليه بهدوء…
وكأن تلك المكالمة القصيرة أعادت ترتيب شيء ما داخله… دون أن يفهم كيف أو لماذا... لكن تركت أثرًا خفيفًا في روحه، كنسمة باردة تمر في ليلة هادئة... وإحساس دافئ…
كأن الحياة، ولو لوقت قصير... صارت أبسط قليلًا.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
صباحً
ازاح كنان الستائر عن زُجاج الشُرفة، نظر الى الخارج، صدفة توجه بصره نحو تلك الاستراحة التي بالحديقة، رأي خروج غزال منها، استعرب ذلك فمازال الوقت باكرًا، ظل ينظر نحوها زاد استعرابه خروجها من المنزل بهذا الوقت الباكر
لم تكن تبدو مرتبكة… بل تسير بهدوء كأن الأمر طبيعي.
لكن داخله لم يقتنع بذلك الهدوء.
ضاقت عيناه قليلًا، وقد بدأ الشك يزحف إلى رأسه، بينما ظل واقفًا خلف الستائر يراقبها حتى اختفت من أمام عيناه... لا يعلم سبب لذلك الشعور بالفضول، لكن نفض ذلك حين سمع صوت أصبح يألفه جيدًا...
ترك الستائر
وذهب الى حمام الغرفة... إقترب من أحد الجوانب وقف جوار ذلك القفص الحديدي المناسب لحجم وحركة ذلك الطائر...
نظر له قائلًا:
بتكاكي عالصبح بدري كده ليه، مش قدامك الأكل.
مال الطائر برأسه نحوه، ورفرف بجناحيه داخل القفص، كأنه يحتج أو يطالبه بشيء آخر...
ابتسم كِنان ابتسامة خفيفة وهو يفتح باب القفص قليلًا ليعدل وعاء الماء، ثم تحدث بمرح:
إشتاقت للصياعه فى الشوارع ونفش ريشك، إنت اللى بدأت يا أبو عُرف أحمر، مش خربشت لى عربيتي إستحمل بقي معيشك عيشه مكنتش تحلم بها عند ام صبري، أكيد كانت بتأكلك الطبيخ البايت الفاسد... أنا هنا مدلعك قفص وجنبك چاكوزي، ده غير أصناف الأكل بأكلك ببض وجبنة، يلا عيشلك يومين أنا بفكر أعمل عليك وليمة وفتة وملوخية ملوكي، بس تكبر كمان شوية...
أغلق باب القفص وربت عليه بتأكيد غلقه قائلًا:
يلا أنا هسيبك تفطر وانزل اتريض شوية فى الجنينة، بلاش تكاكي كتير.
بينما كانت غزال قد عادت بعد أن اشترت عيشًا ساخنًا من الفرن، ومعه جبن وبعض الأطعمة الأخرى.
دلفت إلى الاستراحة، وضعت الأكياس فوق الطاولة القريبة من المدخل، ثم تحدثت إلى نفسها بصوت خافت:
هروح المطبخ أديهم العيش اللي جبته لهم معايا من الفرن… وأرجع هنا أفطر.
توقفت لحظة تفكر، ثم أضافت وهي تنظر إلى الأكياس:
وبعدها أبقى أنضف الاستراحة… وأشوف كمان موضوع الزرع اللي حوالين الاستراحة ده.
أخذت نفسًا هادئًا، ثم استدارت متجهة نحو المطبخ، دون أن تعلم أن عيونًا كانت تراقب خروجها قبل دقائق… وأن فضولًا غريبًا نحوها بدأ يستيقظ في رأس كِنان.
أثناء خروجها، لاحظت بؤرة المياة الضحلة القريبة من الإستراحة شهقت قائلة:
مُصيبة أنا نسيت حنفية المية شغالة من إمبارح، والمكان بقى بركة ماية وطين... عادت للإستراحة وضعت العيش على طاولة وخرجت مُسرعة، أغلقت صنبور المياة، ثم وقفت لحظات تنظر الى تلك البركة الصغيرة.. بحِيرة ماذا تفعل كي تصرفها... وضعت يدها على رأسها وهي تتمتم بحيرة:
يا نهار أبيض… أعمل إيه دلوقتي بس؟
ظلت لحظات تنظر إلى الماء المتجمع، تحركه بمقدمة حذائها قليلًا، وكأنها تحاول دفعه بعيدًا… لكن دون فائدة تُذكر...
تنهدت بضيق، ثم بدأت بأقتراح حلول لنفسها:
لو جبت جاروف… ولا حتى مقشة يمكن أعرف أطلع المية دي بره.
رفعت عينيها تتفحص المكان حولها بحثًا عن شيء يساعدها، لكنها توقفت فجأة…
فقد سمعت صوت خطوات قريبة تأتي من جهة الحديقة... توترت، لكن فكرت سريعًا ذهبت الى الاستراحة وأخذت العيش وكادت تتوجه نحو المطبخ... لكن
بنفس الوقت خرج كِنان من المنزل بخطوات واسعة، يتريض كعادته في الصباح...
كان يقفز بخفة فوق العشب المبتل من الندى ، قفزة تليها أخرى، مستمتعًا ببرودة الهواء.
قفز مرة…
ثم ثانية…
وثالثة…
ولم ينتبه لتلك البركة الصغيرة من الماء أمامه.
قفز القفزة الرابعة…
هبطت قدماه مباشرة داخل بركة المياه الضحلة، فانزلقت قدمه قليلًا، وتناثرت المياه الملوثة بالتراب حوله في كل اتجاه...
تجمد للحظة وهو ينظر إلى حذائه المبتل وسرواله الذي أختفي لونه وأصبح لونه اسود بسبب الطين الذي يصل حتى منتصف ساقيه...
لوهلة فكر بغباء:
هي السما مطرت بالليل ولا ايه...
لكن نظر حوله، المياة متجمعه في تلك البؤرة فقط اذن ليس هنالك مطر، لكن ما سبب تلك البركة.
في نفس اللحظة كانت غزال قد خرجت من الاستراحة، توقفت مكانها وهي ترى المشهد...
شهقت أولًا… ثم لم تستطع منع نفسها...
انفجرت ضاحكة.... ضحكة صافية خرجت دون تفكير، وهي تضع يدها على فمها محاولة كتمها، لكن دون جدوى...
بينما كِنان… سمع صوت ضحكتها رفع رأسه ببطء نحوها، وعيناه تضيقان قليلًا... نظر إليها ثواني بصمت، وخرج من البؤرة والماء يقطر من حذائه... ومنظر ثيابه الملوثة شعر بغضب ثم رفع صوته يتسأل بعصبية ساخرًا:
مين اللى ساب الحنفية شغالة، ده إهمال انا هعرف مين و...
حاولت غزال كتم ضحكتها وهي تقول معتذرة بين الضحكات:
والله… والله ما كنت أقصد!
شعر بغيظ من ضحكها.. تعصب وهو يصفع تلك المياة الضحلة بقبضة يده قائلًا بغضب:
مش قصدك إيه المكان بقى بحيرة وأنا اللي وقعت فيها زي الأهبل.
تناثرت قطرات الماء حوله أكثر، فزادت هي ضحكًا رغم محاولتها السيطرة على نفسها، واضعة يدها على فمها ..
إغتاظ منها أكثر وتفوه بغضب:
إنتِ هنا مجرد ضيفة والمفروض تلتزمي أداب الضيافة... ومتتعديش حدودك هنا فى البيت، يعني آخر حدودك الإستراحة وبس، بلاش تتصرفي كأنك صاحبة مكان.
رواية عهد الدباغ الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد الرابع والعشرون
❈-❈-❈
بفظاظة منه، ود أن يقذفها بتلك البؤرة الضحلة، يغتاظ… ليس من ردها فقط، بل من تلك البسمة الواضحة على وجهها، فتضاعف انزعاجه وتحدث بنبرة مشدودة:
عاجبك منظري أوي كده... ولا شايفة إن اللي بتعمليه هزار... ودمك خفيف.
خرج من البؤرة يقترب نحوها خطوة، عينيه تلمعان بحدة، وصوته انخفض لكنه ازداد قسوة قائلًا :
ابتسامتك دي… مستفزة. بتتعمّدي تستفزيني.
توقفت ضحكة غزال فجأة… كأن كلماته سحبت البساط من تحت مرحها...
أنزلت يدها ببطء من على فمها، وارتسم على وجهها الصمت… الصمت الذي يؤلم حين يمس الكرامه، وهو هانها بقصد
نظرت له للحظة… نظرة قصيرة، كانت تخفي ألمً، حاولت السيطرة على حجز دموع عينيها داخل مُقلتيها...
وتفوهت بهدوء غريب، ونبرة إعتراف تبتلغ غصات قلبها بقسوة داخلها :
عندك حق… أنا ضيفة.
صمتت لثانية تبلع ريقها ، ثم أكملت بنفس نبرة الانكسار:
بس الضيف برضه ما يتشتمش... وعالعموم بعتذر، وهلتزم حدود الضيف.
شد كِنان على فكه، وكأن الرد لم يعجبه… أو ربما يقاوم مشاعر داخله يأبي الإنصياع لها، ويعتذر هو على فظاظته معها، فما حدث كان سهوًا كان من الممكن أن يحدث من غيرها، لكن قاوم ذلك،إستدار بوجهه بعيد عنها، لا يحاول السيطرة على عصبيته فقط بل من أن يشفق قلبه..
،عاد ينظر الى ثيابه المبلولة والطين يغرقها ذلك كفيل ان يُعيد له إحساس القسوة من جديد..تحدث بحدة أقل، لكن ممزوجة بنبرة سيطرة:
محدش شتمك… بس كل واحد لازم عارف حدوده.. محدش طلب منك تسقي الزرع.
رفعت غزال حاجبها بكبرياء وتخدثت بنبرة استيلام وإنكسار خافت:
وأنا عارفة حدودي كويس… بس الظاهر إنك أنت اللي مش عارف تتحكم في أعصابك.
تلك الكلمات اللبسيطة منها وصلت له بشكل مباشر...شعر بغيظ من جِدالها...نظ ناحيتها عينيه أصبحت أضيق، يشوبها لمعة غير مفهومة… بين الغضب وشيء آخر، يخاول طمسه، وتحدث بإستهجان:
إنتُ غلطانه وكمان بتتكلمي معايا بالطريقة دي.
سار خطوة يقترب منها والمياة مازالت تقطر من ثيابه على الأرض، لكن ولا كأنه يشعر ببرودة الطقس،لا يشعر سوا بغيظ منها وهي تجادله، فى البداية باعتذار، ثم بتبريرات وكانها تعطيه درسًا بالأخلاق، بينما هي لم تتحرك من مكانها… بالعكس، ظلت ثابتة مكانها، ورفعت وجهها نظرت له بثبات قائلة:
حضرتك انا إعتذرت، وتمام هلتزم حدودي.
عم السكون لحظات…
فقط هواء الصباح البارد هو ما كان يمُر بينهم، لكن التوتر كان ساخنً كافي ليمحو برودة تلك النسمات.
نظر لها… مطولًا لأول مرة ينتبه فعلًا من ملامحها… من ثباتها… من قوتها في الرد عليه بثبات،لم يتفاجئ بذلك برأسه تحدث:
طبعًا تربية أم صبري،لازم تبقي لسانها حاضر...
لكن مهلًا هنالك شيئًا ذو تأثير بملامحها،لوهله كاد ينجرف لكن قاوم ذلك الاحساس... يرفضه تمامً
ابتلع ريقه بخفه ،ثم فجأة التفت بعيدًا عنها، وتحدث بنبرة أقرب للتمتمة:
أنا مش فاضي للسخافة دي.
وبدأ يسير من جوارها.. لكن قبل ان يبتعد تمامًا… وقف خطوة، وتحدث دون النظر إليها بنبرة أمر:
وخليكِ في حدودك… عشان محدش يزعل.
تركها وغادر ظلت واقفة مكانها ثواني…
ثم أخيرًا، زفرت ببطء، وهيى تشعر إن تلك الضحكة التي كانت قبل قليل تحولت بقلبها لاحساس آخر معاكس تمامً…
ليس شعور بالحزن…بل بالانكسار.
-لكن لا..
هكذا إتخذت قرار فى رأسها بتحدي لذلك المُتعجرف
رفعت راسها قليلًا،ونظرت نحوه وهو بيبعد، وقالت بصوت واطي لكن واثق:
لا… لا يا كنان مش هفضل ضيفة، حتى لو إضطريت أبات عند...
وابتسمت ابتسامة موجعة …وتدمعت عينيها تشعر بأسي
اختفى كنان داخل البيت، كذالك صوت خطواته اختفى تدريجيًا.
سكن المكان... نظرت الى تلك على البؤرة، كذالك آثار قدميه التى حُفرت فى الأرض.
قربت خطوة…وركلت المياة بقدميها بخفة، كأنها تخرج غيظها من قسوة ظروفها.
وقالت بضيق خفيف:
متكبر ومتجبر.
لكن… رغم ضيقها…
تذكرت منظره وهو يقف داخل تلك البؤرة والمياة والطين
وابتسامة غصب عنها ظهرت على شفتيها...
هزت راسها بآسف:
لا… هو شكله يوم صعب فعلًا.
توجهت نحو الاستراحة …
لكن قبل أن تسير خطوتين توقفت
تنظر نحو البيت…نظرة سريعة، يشوبها التفكير… الموضوع ليس فادحً كان من الممكن أن يكون بسيط وينتهي بإعتذارها، لكن يبدوا أن صعب التوافق بينها وبين ذلك المتعجرف أبدًا... شعرت بوجع فى قلبها ظل صدى
كلامه يتردد في أذنيها…
"إنتِ هنا مجرد ضيفة… التزمي حدودك…"
شدت على نفسها، تحاول أن تبتلع مرارة ذلك الإحساس اللي خنق صدرها فجأة…
لكن لم تستطيع، أكملت سير نحو الاستراحة بخطوات سريعة… شبه هروب...
دخلت وأغلقت الباب خلفها بهدوء…
اغلقت الباب وقفت خلفه لخظات قبل أن تنهار تشعر بانكسار...
دموعها أخيرًا تحررت من بين أهدابها دون تمهيد…
كأنها كانت تنتظر اللحظة وهي وحدها...
وضعت يدها على فمها تكتم صوت شهقتها، وهي تلوم نفسها بصوت مكسور:
أنا إزاي أسمح لحد يكلمني كده…
تلفتت حولها بعينين مغرقتين…سريعًا اتخذت القرار بدون تفكير وهي تقول بحسم:
ـ لا… أنا مش هقعد هنا.
لكن فجأة توقفت تبكي بحِيرة قائلة:
بس لو خرجت هروح فين... مينفعش أرجع بيت عمتي وهي مش موجودة.
لكن هنالك صوت آخر ذمها:
وهتبلعي إهانته ليكِ، صعب..عمتي هترجع بعد يومين، ممكن...
عاد عقلها يساوم:
هتروحي فين اليومين، أقل شقة ايجارها بمبلغ مش قليل، كمان مستحيل أروح فندق رخيص، معظمهم مشبوهين..
تفوهت بوجع:
ياااارب، ليه حياتي بالشكل ده دايمًا بحس إني ماليش مكان يأويني.
لكن لا حسمت أمرها ونهضت، جذبت حقيبة ثيابها بدأت تجمع ثيابها بعصبية…
تفتح الحقيبة تضع فيها ثيابها… دون ترتيب… من غير تركيز... يديها كانت ترتعش…وهي تمسح دموعها... تستعجل كأنها تود أن تنتهي قبل أن تعود للاستسلام... بعد وقت انتبهت من ضب ثيابها بتلك الحقيبة الصغيرة.. توقفت
لحظة تلهث، ببكاء، وقعت عينيها على انعاكسها فى المرآة... نظرت لنفسعا كان وجهها أحمر…كذالك عيونها والوجع يظهر بوضوح.
همست لنفسها بوجع:
أنا المنسية اللي جت للحياة بالغلط.. كُل اللى حواليا فرطوا فيا... يمكن حان الوقت حد منهم يفتكرني.
أغلقت الحقيبة بعنف خفيف…حملتها واتجهت للباب... توقفت يدها على المقبض…
ترددت لحظة...الاحتياج صعب...
حسمت أمرها جففت دموعها قائلة بثبات:
حتى لو الاحتياج صعب يا غزال الكرامة أعلى.
شدت على المقبض وفتحته…وخرجت لن تظل ضيفة... غادرت تحفظ ولو جزء من كرامتها خطواتها كانت ثابتة، داخلها
قرار واحد واضح لن تعود لهنا… حتى لو اتطلب منها... خرجت من المنزل كانت تسير بخطوات سريعة، حقيبتها في يدها، ودموعها عادت تهطل رغم محاولتها تمالك نفسها…
لم تكن ترى الطريق بوضوح…
ولا لاحظت ذلك المتسلق الواقف بعيدًا… خلف إحد الأشجار... عيناه كانت تتابعها… بدقة... تبسم وهو ينظر الى هاتفه القديم الإصدار، لكن الصور كانت واضحة، وحتي وإن كان شجارًا، لكن تقاربهما كان فرصة إصتطادها بمهارة.
❈-❈-❈
ليلًا
بشقة فاروق
دلف إلى الشقة، تنهد وهو يُلقي نظرة سريعة نحو غرفة ياسين..كان صوت مجادلته الخافتة مع عهد يصل إليه بوضوح… نبرتها الحانية تحثه على النوم، بينما صوته الصغير يعاند بإصرار طفولي.
اقترب بخطوات هادئة، وجد الباب مواربًا… طرق عليه طرقًا خفيفًا، ثم دفعه ودلف إلى الداخل... ارتسمت على شفتيه ابتسامة دافئة وهو يقول بنبرة هادئة ممزوجة بمزاح خفيف:
مساء الخير، إيه يا بطل مصحيك لحد دلوقتي مش عندك حضانة بكرة الصبح.
قطب ياسين حاجبيه بضيق طفولي، ولف وجهه بعيدًا وهو يتمتم:
مش عايز أنامظ
تنهدت عهد وهي تنظر إليه وكأنها تستغيث:
بقاله ساعة على الحال ده… كل شوية حجة شكل.
اقترب منه أكثر، وجلس على حافة الفراش ثم مال قليلًا نحو ياسين وقال بنبرة أكثر لينًا:
طب قولي بقى… في إيه مخليك مش عايز تنام.
تردد ياسين لحظة، ثم التفت إليه بعينين لامعتين وإجابه بصوت خافت:
عشان… أنا لما بنام بحلم وحش.
اختفت ابتسامته تدريجيًا، وحل محلها قلق خفي، فمد يده وربت على شعره بحنان:
حلم وحش إزاي.
ضم ياسين الغطاء إليه أكثر، وقال بصوت مرتجف:
بحلم إنك بتمشي… وتسيبني يا بابا.
ساد الصمت للحظة…
نظرة سريعة تبادلها مع عهد، حملت ما يكفي من الألم والدهشة...
ثم عاد ينظر إلى ياسين، ومال نحوه أكثر، صوته هذه المرة ثابت لكنه مليء بالاحتواء:
أنا أسيبك مستحيل يا حبيبي… أنا عمري ما أسيبك..
مد ذراعيه إليه، لم يتردد ياسين لحظة قبل أن يندفع نحوه يحضنه ويتمسك به بقوة.
إحتواه فاروق بيديه بحنان ثم رفع عينيه نحو عهد…
لم تكن مجرد نظرة عابرة، بل شيء أعمق… أطول… كأنه يقرأها دون كلمات.
عيناه استقرت عليها بثبات، تحمل دفئًا هادئًا، وامتنانًا صامتًا لما تفعله… لطفها مع ياسين، صبرها، ووجودها الذي لم يكُن عاديًا بالنسبة له.
ابتسم بخفة… ابتسامة خافتة، لكنها صادقة، خرجت منه دون استئذان...
تعلقت نظراته بملامحها أكثر… تفاصيلها الصغيرة التي التي يعلمها جيدًا بوضوح… قريبة… مألوفة لقلبه.
شعور جارف فى قلبه لها، ود أن يخبرها به لكن تنهد وهو ينظر لها ..
رفعت عينيها نحوه، .
ساد صمت قصير… لكنه لم يكن مريحًا تمامًا، بالنسبة لها.. كان ممتلئًا بشيء غير مُسمى…
نظراته لم تهرب هذه المرة، بل ظلت معلقة بعينيها، كأنه لا يريد أن يفلت تلك اللحظة.
وليست المرة الأولى الذي ينظر لها هكذا …دائمًا كان واضحًا في عينيه شيء لم يحاول إخفاءه…
بينما هي بدأ
إعجاب يتسلل بهدوء، ومشاعر تتخلق فى قلبها الذي… بدأ يعلن التمرُد، ويتقبل مشاعر جديدة.
قطع سكون اللحظة رنين هاتفه…
نغمة حادة اخترقت الهدوء الذي كان يلف المكان، فابتعد بنظره عنها على مضض، وأخرج هاتفه من جيبه.
نظر للشاشة لثوانٍ قبل أن يجيب، صوته عاد رسميًا بعض الشيء...
صمت قليلًا وهو يستمع للآخر، ملامحه بدأت تتغير تدريجيًا وهو يرد:
لا مفيش مشكلة…نتقابل في الغردقة نتمم الصفقة.
أنهى المكالمة ببطء، وظل واقفًا لحظة كأنه يستوعب ما سمعه…
ثم رفع عينيه نحو عهد من جديد، لكن هذه المرة كان في نظراته شيء مختلف… قرار.
تحدث بهدوء:
عندي سفر...صفقة مع عميل روسي وطلب نتممها هناك.
شعور غريب إنتابها لأول مرة، قاومته بأنه ربما التعود على وجوده كل ليلة فى نفس الشقة...
بينما فكر فاروق ولم ينتظر الحديث قائلًا *
هعقد كام يوم هناك إيه رأيك تيجي معايا… إنتِ وياسين.
رفعت رأسها ، ملامحها اختلطت بين الدهشة من طلبه بينما
أكمل بنفس الهدوء، لكن بإصرار واضح:
الجو هناك فى الوقت ده بيبقي حلو وهادي.
ترددت… نظرت نحو ياسين، ثم عادت إليه، صوتها خرج متحفظًا:
بس… السفر كده فجأة… وأنا… وأنا ماليش علاقة بشغلك.
اقترب أكثر،فرصة بقائهم بعيدُا عن هنا، إستغل ذلك وبدأ يُحفز ، بنبرة أعمق:
الشغل مش هيبقى طول الوقت.
تعلقت عيناها به، قلبها بدأ يدق بشكل غير مريح… كلماته كانت أبسط من أن تُرفض، وأثقل من أن تُقبل بسهولة...
هزت رأسها بتردد:
الموضوع مش سهل… ياسين، حضانته… حياتنا هنا…
قاطعها بهدوء، وإصرار وهو لم يرفع عينيه عنها:
دول كام يوم بس.
صمتت… الصراع واضح على ملامحها.
جزء من عقلها يريد أن يوافق… أن تذهب معه دون تفكير،..
وجزء آخر يخاف… من التسرع، من القرب… ومن نفسها... اصبحت تضعف أحيانًا بوجوده...
لاحظ فاروق ذلك التردد على ملامخها، فاستغل فرصة أخرى وهي تحفيز ياسين، الذي ابتسم له بهدوء، ثم قال بنبرة حماس خفيفة:
إيه رأيك تيجي معايا رحلة حلوة نسافر شوية… نغير جو.
وافق ياسين وتوجه نحوه بحتضنه ضمه فاروق وزاد التحفيز وعيناه ترتكز على عهد:
آه… ونبقى سوا طول الوقت.
رحب ياسين، ثم خرج من حضنه وتوجه لـ عهد وتحدث بالحاح:
وعهد تبقي معانا، وافقي عشان خاطري.
نظرت له بيسمه قائلة باعتراض:
والحضانة...
قاطعها وهو يلح عليها:
كتير من اصحابي بيغيبوا ويطلعوا رحلات، أنا كمان عاوز أروح رحله وأركب طيارة.
توقف عن الالحاح ونظر لـ فاروق قائلًا بسؤال:
هنسافر بالطيارة صح يا بابا.
أومأ له براسه قائلًا:
ايوه.
عاد ياسين يتحدث برجاء لـ عهد يحثها على الموافقة، وياسين له سطوة خاصة على عهد تذيب أي تردد بداخلها... فأبتسمت تهز رأسها بموافقة، لكن باعتراض رفعت إصبعها أمامه بتحذير مرح قائلة:
بس لما نرجع تبطل مشاغبات فى الحضانة، الدادا والمِس بيشتكوا من شقاوتك.
اومأ ياسين، وذهب نحوها يحتضنها بمحبه وامتنان، تلاقت عينيها مع عيني فاروق
كانت نظرة صامتة… لكنها ممتلئة بمشاعر
في عينيه ارتسم امتنان واضح… داخله
لم يكن موافقتها مجرد رحلة سفر... يشعر أن تلك الرحلة قد تكون فرصة لزيادة التقارب بينهما...
وبداخلها شيء أعمق، شيء دافئ بدأ يتسلل إليها بهدوء.
❈-❈-❈
بشقةٍ شبه متوسطة… بأحد المناطق الشعبية
كانت كذبتها أن سبب زيارتها هو اشتياقها لوالدها وأخواتها…
تحملت سخافات زوجة والدها، ابتلعت كلماتها الجارحة بصمتٍ مُرهق، فقط لتكسب بضع ساعات إضافية داخل هذا المكان..همست لنفسها بمؤازة:
إتحملي يا غزال مسافة الليل بس.
تعمدت البقاء لوقتٍ متأخر، حتى يصبح الرحيل صعبًا… فيُفرض بقاؤها كأمر واقع، ولو لمسافة الليل فقط... لم تريد أكثر من تلك الأريكة القديمة التي تعرفها جيدًا…
نفس المكان الذي كانت تنام عليه منذ سنوات، وكأن الزمن لم يتغير إلا بداخلها هي...
تمددت فوقها، تسحب الغطاء الخفيف إلى جسدها، لا يقيها بردًا حقيقيًا…
لكنها تمسكت به، كما لو كان الشيء الوحيد الذي يضمها دون أن يجرحها.
ارتجفت قليلًا…
ضمت ذراعيها حول نفسها، محاولة خلق دفءٍ زائف، بينما عيناها تحدّقان في السقف بصمتٍ ثقيل... لم يكن البرد هو ما يؤلمها…
بل ذلك الشعور القاسي بأنها، حتى هنا…
مجرد ضيفة غير مرحبٍ بها... أغمضت عينيها للحظة… محاولةً خداع نفسها بالنوم، لكن الأفكار كانت أقوى من أي محاولة هروب.
تسللت أصوات خافتة من الغرفة المجاورة… همساتٍ متقطعة، يتخللها ضحكٌ مكتوم… تعرفه جيدًا.
ابتسمت بسخرية مريرة، دون أن تفتح عينيها... انقلبت على جانبها، تواجه ظهر الأريكة، تسحب الغطاء أكثر، كأنها تحتمي به من العالم كله…
لكن الدفء لم يأتي.. دمعة ساخنة تسللت رغمًا عنها، انسابت بهدوء على وجنتها، لا تملك حتى رفاهية البكاء بصوت.وفي تلك اللحظة…
تمنت شيئًا واحدًا فقط أن تجد يومً مكانًا…
لا تضطر فيه للكذب كي تبقى... لكن الآن لا شيء أمامها سوا التحمُل، ليومين حتى عودة عمتها من العّمرة.
*****
رغم إرهاقه طوال اليوم… لم يستطع النوم...
تقلب في فراشه أكثر من مرة، زفر بضيق، ثم استلقى على ظهره يحدق في السقف، كأنه ينتظر منه إجابة... هدأ الآن… على عكس الصباح تمامًا...
تلاشت حدته، وسكن ذلك الغضب الذي كان يملأ صدره، ليترك خلفه شعورًا أثقل… وأصدق.
لامه عقله بلا رحمة
رده كان قاسيًا… أكثر مما ينبغي.
مر شريط الحديث بينهما في ذهنه، كلمة كلمة…
توقف عند نبرته، عند نظراته، عند تلك القسوة التي خرجت منه وكأنها شيء طبيعي… بينما هي لم تكن كذلك أبدًا...
مرر يده على وجهه بإرهاق، ثم همس لنفسه بصوتٍ خافت:
أنا ليه عملت كده
لم يكن ينتظر إجابة…لأنه يعرفها.
كانت ابتسامتها…
تلك البسمة البريئة التي استفزته، لم تكن سخرية كما ظن، بل كانت محاولة منها لتمتص غضبه… وهو قابلها بقسوة...
أغمض عينيه للحظة، زفر ببطء، ربما قاله خطأً.
نهض فجأة من فراشه، جلس على طرفه، يمرر يده في شعره بتوتر…
الفكرة تلح عليه منذ دقائق، لكنه يقاومها بلا جدوى.. همس:
أكلمها وأعتذر، لها .
نظر إلى هاتفه الملقى بجانبه…
امتدت يده نحوه… ثم توقفت في الهواء.
تصلب قليلًا، قبل أن يسحب يده ببطء، يتمتم بنبرةٍ خافتة تحمل عنادًا ممزوجًا بندم:
لا… هي كمان غلطت.
لكن…
مر وقت، ولم يشعر بالراحة... بل العكس... نهض من فوق الفراش نظر نحو تلك الاستراحة كانت مُظلمة... همس لنفسه:
أكيد نايمة دلوقتي، بكره هعتذر منها.
هكذا ظن، ونيم ضميره وهو يعود للفراش، يقضي بقية الليل شبه ساهدًا، تستحوذ على جزء من تفكيره... ظن ذاك شيئًا عاديًا لأنه أخطأ في رد فعله ليس أكثر.
❈-❈-❈
بشقة محسن
تقلب فى فراشه، بتلقائية جذب الدثار عليه،لكن امتد بيده فوق الفراش شعر بخواء، كذالك المكان شبه باردًا...إستغرب ذلك فليس من عادة رابيا ترك الفراش ليلًا
فتح عينيه ببطء، وحدّق في سقف الغرفة للحظات كأنه يحاول استيعاب ذلك الإحساس الغريب… الفراغ...
اعتدل قليلًا فوق الفراش، وعاد يمد يده ناحية مكانها مرة أخرى، كأنّه ينتظر أن تصطدم أصابعه بجسدها الدافئ… لكن لا شيء...
زفر نفسه، وأزاح الغطاء عنه، نازلًا بقدميه على الأرض ازدادت حيرته برودة مكانها على الفراش تؤكد أن غيابها ليس قبل لحظات … كأنها لم تكن هنا منذ وقت...
خرج من الغرفة يبحث عنها، لاحظ ذلك الضوء الخافت المُتسلل من غرفة إبنتيهم... ذهب بقلق... دخل تفاجئ بها تجلس على فراش إبنتهم الصغري... تضع ذلك المقياس الطبي الحراري، نظرت له ثم تنهدت بإرتياح... بنفس الوقت كان ظله واضح بالغرفة.. إقترب منهن قائلًا بقلق واضح:
مالها البنت.
أجابته بهدوء:
الحمد لله الحرارة نزلت ونامت أخيرًا
كما خبره حدسه أنها تركت الفراش منذ. وقت...
تفوه بقلق:
البسي ونوديها لدكتور أو مستشفي.
تنهدت بإرتياح قائلة:
لا مالوش لازمة... ده شوية سخونية وإديتها خافض حرارة والحرارة نزلت.. من شقاوتها ولعبها فى الجنينة فى الهوا خدت برد.. وقلب معاها بسخونية العلاج خفف السخونية وأعراض الوجع ونامت، هتصحي الصبح كويسه ان شاء الله، إنت بس خد البنت التانيه لأوضة النوم التانيه هشان متلقطش منها البرد... وانا هفضل هنا جنبها.
نظر لها قائلًا:
وإنت مش هتلقطي منها البرد، ناسية إنك حامل كمان... قومي إنتِ وأنا هفضل هنا.
رفعت رأسها نحوه تشعر باندهاش من لهفته تلك عليها لأول مرة يُظهر ذلك... كما أنه بالفترة الأخيرة كان معظم الوقت عصبيًا
تلاقت عيناها بعينيه للحظات… طويلة بما يكفي لتربكها.
كان صوته حازمًا، لكن خلف حدته شيء آخر… خوف.. اهتمام.. لم تستطع تحديده بدقة، لكنه لم يكن ذاك الجمود الذي اعتادته منه مؤخرًا...
همست بتردد خافت:
أنا كويسة… وهفضل جنبها، مش هينفع أسيبها وهي تعبانة.
اقترب خطوة، ملامحه لانت قليلًا، لكن نبرته ظلت تحمل إصرارًا واضحًا:
وأنا قولت إيه هفضل أنا جنبها… إنتِ أهم دلوقتي.
اندهشت أكثر من كلماته، وكأنها لا تصدق ما تسمعه...
أخفضت عينيها للحظة، ثم عادت ترفعها نحوه، بنظرة تحمل مزيجًا من الدهشة وشيء دافئ بعقلها تفوهت بلا وعي :
أول مرة… تهتم بصحتي كده.
خرجت منها دون قصد، بالكاد مسموعة.
توقف لحظة، وكأن كلماتها أصابته في مكانٍ ما داخله. شد فكه قليلًا، قبل أن يشيح بنظره عنها، يتمتم لنفسه بنبرة منخفضة:
مش أول مرة يا رابيا… إنتِ بس اللي مبتاخديش بالك.
ساد الصمت بينهما، لكنه لم يكن صمتًا مريحًا… بل محمل بأشياء كثيرة لم تُقال.
ثم عاد ينظر إليها، هذه المرة بعينين أكثر هدوءًا، وقال بنبرة أقل حدة:
اسمعي الكلام يا رابيا… عشان خاطري.
ترددت، نظرت نحو الطفلة النائمة، ثم إليه… وكأنها ممزقة بين قلب أم لا يريد الابتعاد، وقلب امرأة بدأ يشعر بشيء مختلف منه.
تنهدت أخيرًا، ونهضت ببطء.
وقبل أن تمر بجانبه، توقفت لثانية…
نظرت إليه نظرة خاطفة، مليئة بأسئلة لم تطرحها بعد… ثم خرجت...
ظل واقفًا مكانه للحظات، يتابع أثرها، قبل أن يجلس بجوار الصغيرة، يمد يده يضعها برفق فوق جبينها…
لكن عقله… لم يكن مع طفلته فقط هذه المرة... مع رابيا وتلك الحياة المُذبذبة بينهما، تنهد داخله حِيرة مشاعر
داخله تضارب غير محموم... مشاعر مضطربة وسؤال بعقله الى ماذا ستصل حياتهما معًا يود أخذ قرار فاصل، لكن داخله يخشي الوصول الى نقطة الإنفصال عن رابيا.
❈-❈-❈
مساء اليوم التالي... بالغردقة
بجناح فى أحد الفنادق الفخمة..
تبسمت عهد وهي تنظر الى باسين الذي يقفز فوق الفراش بمرح وشقاوة قائلة:
كفاية تنطيط، ويلا عشان ننام كفاية لعبت كتير النهاردة، من وقت ما وصلنا من بعد الضهر وإنت فى Kids Area (منطقة لعب الأطفال).
وقف عن التنطيط وإقترب منها سائلًا:
بابا من وقت ما وصلنا وهو سابنا.
تبسمت قائلة:
بيخلص شغله، يلا كفاية لعب النهاردة تعالى أغيرلك هدومك بهدوم تانيه تنام فيها... ولا تاخد شاور الأول.
تخابث وتمدد على الفراش قائلًا بطفولة:
لاء شاور لاء أنا هنام كده مش قادر.
ضحكت على افعاله قائلة:
تمام... بس كفاية شقاوة، تغير هدومك وتنام، أنا هلكانه... والا لو اتشاقيت خليك تاخد شاور غصب.
ضحك باستسلام لها وهي تُبدل له ثيابه، ثم بدلت ثيابها بمنامة ناعمة باللون البني الفاتح، وإستلقت لجواره على الفراش تشعر بتوتر، فالغرفة لا يوجد بها سوا فراش واحد كبير، هكذا أطمئنت بوجود ياسين بالمنتصف.
بالفعل بعد وقت ذهب الاثنان الى غفوة... بينما بسبب العمل تأخر فاروق فى العودة حين دلف الى الجناح كان شبة مُظلمً، ذهب نحو الفراش نظر للإثنين وتبسم يشعر بغبطة... شعر بالارهاق، ذهب نحو الحمام أبدل ثيابه بأخرى للنوم، ثم تمدد جوارهما، غفي سريعًا...يشعر بهدوء وراحة.
فى صباح اليوم التالي
فتحت عهد عينيها ببطء، ونظرت إلى جوارها فوجدت الفراش خاليًا. تمطت بيديها تطرد بقايا الكسل عن جسدها، سُرعان ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتيها حين سمعت صوت ياسين يأتي من حمام الغرفة...
ظنته وحده، فنهضت من فوق الفراش واتجهت نحو الباب بخطوات هادئة، ثم فتحته مباشرةً دون إستىذان.
للحظة توقفت مكانها، وشعرت بخجلٍ مباغت حين وقعت عيناها على فاروق يقف بالقرب من حوض الاستحمام، يمسك بمنشفة كبيرة بين يديه… وكأنه كان على وشك استخدامها...
ارتبكت نظراتها، بينما بقيت للحظة قصيرة لا تعرف لما لم تغادر وتغلق الباب سريعًا… فقط
تجمدت مكانها للحظة عند الباب، بينما رفع فاروق رأسه نحوها عندما سمع صوت فتحه المفاجئ... اتسعت عيناه ببسمه، ثم لف المنشفة الكبيرة حول خصره... وتوجه نحوها تحشرج صوتها لم تستطيع الكلام..، فقد احمر وجهها بشدة وهي تدرك أنها اقتحمت المكان دون أن تنتبه لوجود فاروق. تحدثت بحشرجه مرتبكة:
أنا… أنا افتكرت ياسين لوحده فى الحمام.
بينما جاء صوت ياسين من داخل حوض الاستحمام وهو يزيح الماء عن عينيه، يقول بمرح:
مش تخبطي على الباب، عيب أما تدخلي الحمام وفيه راجل عريان.
ضحك فاروق الذي أصبح خلف عهد، بينما نظرت له عهد بسخط قائلة بمرح:
وفين الراجل العريان ده.
نظر لها بتذمُر قائلًا:
أنا راجل.
ضحكت عهد قائلة:
بجد فاجئتني، ويلا كفاية لعب فى الماية واطلع من البانيو، عشان متبردش.
ضرب المياة بطفولة قائلًا:
طبب، يلا إطلعي من الحمام عشان عيب انا عريان.
ضحكت قائلة بمهاودة:
تمام هطلع، وإنت كفاية كده، الفوطة عندك أهي بلاش تبلها زي عادتك.
اومأ لها... فضحكت واستدارت، لكنها لم تنتبه للمياه المتناثرة على الأرض. كادت تنزلق فجأة، لولا أن فاروق جذبها سريعًا من ذراعها...
في لحظة واحدة أصبحت بين يديه، متشبثة بصدره دون قصد. شهقت بخفة، وشعرت بحرارة الخجل تتسلل إلى وجهها...
رفعت عينيها إليه مرتبكة، بينما فاروق نظر إليها مبتسمًا ابتسامة خفيفة، كذالك باسين الذي قال بطفولة:
حاسبي يا عهد، خليك ماسكها يا بابا لا تزحلق تاني.
لم تستدر لتنظر إلى ياسين، كذالك فاروق ضحك بخفة وهو يخرج من الحمام ممسكًا بيد عهد...
كانت ما تزال قريبة منه أكثر مما ينبغي، تشعر برجفة غريبة في صدرها من ذلك التقارب المفاجئ بينهما.... وقبل أن تدرك ما يحدث، مد فاروق يده إلى الخلف وأغلق باب الحمام، بينما ما زالت هي شبه محتجزة بين ذراعه وجسده...
قربها هكذا من قلبه جعله يشعر بانشراح خفي فى صدره… إحساس دافئ يتسلل إلى صدره كلما لامست أنفاسها القريبة لجسده... للحظة، نسي أن يبتعد...
أما عهد فكانت تشعر بدقات قلبها تتسارع بشكل أربكها... حاولت أن تتحرك قليلًا لتفلت من ذلك القرب، لكنها لم تستطع أن تفعل ذلك بسرعة دون أن يبدو الأمر واضحًا...
رفعت عينيها إليه أخيرًا وقالت بنبرة مرتبكة:
ممكن… تسيب إيدي.
نظر إليها فاروق لثانية صامت، كأنه انتبه فجأة لقربهما، ثم ترك يدها ببطء… لكنه لم يبتعد فورًا... تحدث بنبرة هادئة تخفي شيئًا من المزاح:
لو ما كنتش مسكتك… كنتِ زمانك وقعتِ.
تنفست بعمق تحاول استعادة هدوئها، ثم تفوهت بعناد وهي تشيح بنظرها عنه:
ما كنتش هقع.
ابتسم ابتسامة خفيفة، بينما جاء صوت ياسين مرة أخرى من بعيد وهو يقول بمرح:
لأ… كنتي هتقعي أنا شوفت.
تجمدت عهد مكانها لثانية، ثم أسرعت تبتعد بخجل، بينما ضحك فاروق بصوت خافت…
وكأنه نسي كل شيء في تلك اللحظة.
أحنى رأسه قليلًا، ثم رفع وجه عهد بأنامله برفق. نظر إلى عينيها طويلًا… إلى ملامح وجهها التي ازداد احمرارها بشكل فاتن، بينما كانت تعض على شفتيها بتوتر واضح...
شعر بأنفاسها القريبة منه، وبنظرتها المرتبكة التي لم تستطع الهروب من عينيه...
وجد نفسه مسيّرًا خلف رغبة واحدة فقط… أن يقترب أكثر... وأكثر...
اقترب ببطء، حتى انعدمت المسافة بينهما ، بلا تمهُل... لثم شفتيها بقُبلة توق... ثم إزدادت لقُبلات متشوقة وراغبة.
رواية عهد الدباغ الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد الخامس والعشرون
❈-❈-❈
لم تبتعد هذه المرة…
بالعكس، للحظة قصيرة، ترددت… ثم استسلمت لذلك الشعور الذي اجتاحها فجأة، ذلك الارتباك الدافئ الذي جعلها تغمض عينيها دون وعي… تبادله القبلة بخجل واضح، لكن مشاعر صادقة...
كانت أنفاسها متقطعة، وقلبها يخفق بعنف، كأنها مازالت تستوعب تلك المفاجأة… هي قريبة للغاية بل شبة مُلتصقة به
بينما فاروق، فتفاجأ لثانية…
لم يكن يتوقع استجابتها، لكنه شعر بها… شعر بقبولها، فهدأ اندفاعه تدريجيًا، وتحولت قبلته من شغف مفاجئ إلى شيء أهدأ… أعمق… أكثر احتواءً... لحظات كانت تتقبل قُبلاته… بل وتبادله ذلك بقبول صامت، وكأنها أخيرًا توقفت عن المقاومة… لا ضعفًا، بل لأن قلبها سبقها هذه المرة... أنفاسها اختلطت بأنفاسه، متقطعة… دافئة… تحمل ارتباكًا لم تعهده من قبل...
وهو شعر بذلك… شعر بتغيرها، فتريث أكثر، وكأن خوفًا خفيًا تملكه أن يفسد تلك اللحظة باندفاع زائد...
ابتعد عنها قليلًا… بالكاد، فقط ليمنحها مساحة تلتقط فيها أنفاسها، لكن عينيه ظلتا معلقتين بها… تفتش في ملامحها عن أي ندم… أي تراجع... لكنها لم تبتعد. بقيت كما هي… قريبة… عيناها تتهربان منه للحظة، ثم تعودان إليه بخجلٍ لم تستطع إخفاءه.
همس بصوت منخفض، يحمل مزيجًا من الدهشة واليقين:
أنتِ… ساكتة ليه.
ابتلعت ريقها، وقلبها يدق بعنف، ثم تسألت بصوت خافت:
عاوزني أقول إيه.
ابتسم ابتسامة خفيفة، هذه المرة كانت مختلفة… أهدأ، أصدق:
طب متقوليش… خلي اللحظة دي هي اللي تتكلم.
عاود يُقبلها، لكن إزدات قُبلاته جموحً، وهي تقبلت ذلك للحظات... لكن سرعان ما ابتعدت، هذه المرة بإرادتها…بعدما إستوعبت وجود ياسين
فتحت عينيها ببطء، ونظرت إليه بنظرة مرتبكة، يختلط فيها الخجل مع شيء جديد لم تستطع تسميته بعد…
قالت بصوت منخفض، يكاد يُسمع:
إحنا… بنعمل إيه.. ياسين..
لم يُجب فورًا… فقط ظل ينظر إليها، وكأنه هو الآخر يبحث عن إجابة...
وقبل أن تتعقد اللحظة أكثر
جاء صوت ياسين من الداخل، بنبرة متذمرة:
يا بابا… أنا خلصت شاور والفوطة وقعت فى المايه.. أنا بردت.. متخليش عهد تدخل.
ظل التوتر معلقًا بينهما… كخيطٍ مشدود لا ينقطع... لم تتحرك عهد، ولم يبتعد هو…
وكأن كليهما ينتظر خطوة من الآخر، أو ربما يخشى أن تكون تلك الخطوة بداية لشيء لا يمكن التراجع عنه.
تنحنحت بخفة، محاولة استجماع نفسها، وقالت بصوت أخف هذه المرة:
ـ أنا… هدخل أشوف ياسين.
لكنها لم تتحرك.
ابتسم فاروق ابتسامة خفيفة، أدرك بها ترددها أكثر من كلماتها، أمسك بيدها ثم قال بنبرة هادئة:
خليكِ وهدخل أنا لـ ياسين … إنتِ اللي محتاجة تهدي شوية.
رفعت عينيها إليه سريعًا، وكأن كلماته أصابت هدفها مباشرة، فتمتمت بدفاع خافت:
أنا هادية.
اقترب خطوة بسيطة… فقط خطوة، لكنها كانت كفيلة أن تُربك أنفاسها من جديد.
قال بصوت منخفض، أقرب للهمس:
لا… مش هادية.
صمت لحظة، ثم أكمل وهو ينظر في عينيها بثبات:
وأنا كمان زيك.
ارتجف شيء داخلها عند اعترافه الصريح…
هذا الصدق غير المتوقع أربكها أكثر من أي اقتراب... حاولت أن تستعيد سيطرتها، فقالت بسرعة:
اللي حصل ده…
لكنه قاطعها بهدوء، حين وضع إبهامه على شفتيها بأمر بالصمت وتحدث دون حدة:
اللى حصل وضح حاجات كتير يا عهد ومبقاش ينفع ننكره إحنا الإتنين...أنا عارف حقيقة مشاعري.. وأنتِ؟
صمتت.. لم تجد ردًا… ولا حتى إنكارًا هذه المرة... خفضت نظرها، تنتظر بقية حديثه... بينما هو كاد يعترف بعشقه لها منذ البدايه... لكن توقف، وهي نظرت له ترددت…لحظة طويلة مرت، قبل أن تهمس دون أن ترفع عينيها:
مش عارفة.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه كان يتوقع هذه الإجابة تحديدًا... مد يده ببطء… لكن ليس ليمسكها هذه المرة، بل فقط ليرفع ذقنها برفق، حتى تنظر إليه.
قال بهدوء:
خليكِ مش عارفة دلوقتي… بس متهربيش بعيونك عني.
نظرت إليه بصمت، وقلبها لا يزال مضطربًا…
لكنها لم تبتعد... وهذه المرة…كان هذا في حد ذاته إجابة.
كأنها فى حالة توهان رغم أنها ليست القُبلة الأولى، لكن شعور مختلف عن المرات السابقة، تنفست بتسارع، كأنها استفاقت فجأة من حالة غريبة، وابتعدت خطوة للخلف وهي تقول بتوتر:
ياسين…
توقفت ترسم بسمه كأنها فرصة كي تخفي خجلها وتوترها...
هز رأسه بخفة، محاولًا استعادة هدوئه، ثم مر من جانبها متجهًا للحمام، لكنه توقف لثانية قربها…
وقال بصوت خافت:
هنتكلم… بعدين... ثم دخل، وتركها وحدها…
تلمس شفتيها بأنامل مرتجفة…وقلبها لا يزال يرفض أن يهدأ.
وقفت مكانها للحظات… لا تتحرك… فقط تستمع لصوت دقات قلبها التي تملأ أذنيها...
مررت أناملها على شفتيها مرة أخرى، وكأنها تتأكد أن ما حدث كان حقيقيًا… ليس مجرد لحظة عابرة أو وهمٍ عالق.
تنهدت ببطء…ظلت واقفة بمكانها كأن قدميها إلتصقت بالأرض، تضم كفيها إلى بعضهما، وعيناها شاردتان… لكن بداخلها عاصفة لا تهدأ... سألت نفسها:
إيه اللي حصل لي.
تمتمت بها بصوت خافت، وكأنها تخشى حتى من سماع اعترافها لنفسها... فاقت من تلك الحالة حين عاد فاروق من الحمام يمسك يد ياسين الملفوف بمنشفه فوق رأسه تنسدل حتى منتصف ساقيه ، وقد بدا أنه تمالك نفسه… أو هكذا حاول أن يبدو... لكن ما إن وقعت عيناه على عهد، الواقفة في مكانها كما تركها، حتى تباطأت حركته قليلًا…
نظرتها المرتبكة، وملامحها التي ما زال يكسوها الاحمرار، أعادت إليه نفس الشعور الذي حاول تجاهله منذ لحظات....
لكن قطع ذلك التواصل
حين ترك ياسين يده وتوجه نحو عهد قائلًا:
يلا بسرعة يا عهد تعالي لبسيني عشان انزل مع بابا.
فاقت من ذلك وإنحنت قليلًا قائلة بعناد مرح:
مش كنت بتقول إنك راجل... خلاص لبس نفسك.
رفع يده وقبض على يدها بطفولة قائلًا:
بس عشان مستعجل.
ربتت على المنشفة فوق رأسه وتبسمت بحنان قائلة:
مكار وبتوه، ماشي تعالي أقف عالسرير على ما أجيب لك هدوم.. ذهبت نحو خزانة الثياب جذبت ثياب وعادت له تبتسم، بنفس الوقت
أخرج فاروق له ثياب وضعها على مقعد ، وبدأ يرتدي أمامها دون استعجال… لم يخجل من ان تراه عاري أو ربما… تعمد ذلك.
لوهلة رفعت عهد رأسها نحوه لكن سريعًا تحاول أن تشيح بنظرها، لكن دون جدوى…
هناك شيء ما شد انتباهها رغماً عنها،
طريقة حركته الهادئة، ثقته، وحتى ذلك الصمت المشحون بينهما.
ابتلعت ريقها،حاولت اللهو مع ياسين وهي تضع الثياب على جسده حتي إنتهت، تحدثت تحاول كسر توترها:
ياسين… خلص.
رد وهو يزرر أزرار قميصه ببطء:
وأنا كمان خلصت لبس.
ساد صمت مره
ثم رفع عينيه إليها فجأة، وكأنه قرر ألا يترك المسافة بينهما آمنة أكثر من اللازم، وقال بنبرة منخفضة تحمل معنى خفي:
ـ وإنتِ… مش هتنزلى معانا يا عهد.
لحظات ظلت صامته .
ابتسم بخفة، وتوجه نحوها خطوة واحدة فقط كانت كفيلة أن تقربه منها مجددًا، لكن هذه المرة دون أن يلمسها… فقط وجوده القريب كان كافيًا ليعيد ارتباكها بالكامل.
قال بهدوء:
لا...
توقف أمامها مباشرةً ظل ينظر إليها،نظرة طويلة… أهدأ من قبل، لكنها أخطر.
وكأنه يختبر صبره…أو صبرها هي.
ارتبكت أكثر، وأجابت بسرعة:
أنا… لاء إنزلوا إنتم وأنا مش جعانة.. هتصل على ماما الاول.
ساد الصمت قليلًا... تواصل بالنظرات بينهما... جزم فاروق لولا وجود ياسين لكان جذبها يُقبلها يعترف بعشقه لها منذ البدايه لكن توقف وهي نظرت له تبتسم... قطع تلك النظرات ياسين الذي ذهب نحو قاروق وقف جواره قائلًا
أنا لما أكبر هبقى راجل أعمال زي بابا وجدو محي وعمو محسن، واروح معاهم الشغل.
رتبت له خصلات شعره بمرح قائلة:
أحلى راجل أعمال.
ضحك فاروق كذالك ياسين الذى تحدث ببراءة طفوليه:
أيوه ويبقي عندي زباين حلوة زي اللى كانت واقفة مع بابا إمبارح.
ضحك فاروق بخفة مصطنعة، ثم نهض وهو يربت على كتف ياسين:
دي مش زبونة دي مسؤولة البنك اللى بتعامل معاه...و يلا يا راجل الأعمال الصغير… عندنا شغل مهم.
قفز ياسين بحماس، وتعلق بيده:
يلا يا بابا.
وقبل أن يتحركا، التفت ياسين إلى عهد ولوح بيده:
لما أرجع هحكيلك على الشغل كله.
ابتسمت له، ولوحت بالمقابل قائلة بمرح:
مستنياك يا سيدي.
تحرك فاروق نحو الباب، لكنه توقف لثانية… التفت إليها بنظرة سريعة، وكأنه يريد أن يقول شيئًا، لكن اكتفى بالصمت...
فتح الباب خرج ياسين وهو خلفه...أغلق الباب يستمع الى ياسين الذي يتحدث بلا توقف… صوتهما بدأ يبتعد تدريجيًا حتى اختفى تمامًا.
ساد السكون... ظلت واقفة مكانها لثواني… تنظر نحو الباب، ثم زفرت ببطء، وعادت تجلس.
مدت يدها تلقائيًا ترتب خصلات شعرها… نفس الحركة التي فعلتها لـ ياسين منذ قليل، لكنها توقفت فجأة، وعادت جلمة ياسين.
"بنت حلوة…"
ترددت في رأسها … لكنها لم تمر مرورًا عاديًا.
هي لا تغار… أو هكذا أقنعت نفسها دائمًا.
لكن ما هذا الشعور التي شعرت به الآن ... بالتأكيد فضول.
تذكرت نظرة فاروق… ذلك التردد السريع، والنبرة التي حاول أن يخفي بها شيئًا...
همست لنفسها بنبرة منخفضة:
مسؤولة البنك.
لم تقتنع.
أسندت ظهرها للخلف، ورفعت بصرها للسقف، تحاول ترتيب أفكارها… لكنها بدلًا من ذلك، بدأت تربط أشياء لم تكن تربطها من قبل.
تأخره أحيانًا…
انشغاله الدائم
أغمضت عينيها، ثم فتحتهما ببطء…
تنفض ذاك الشعور المُستجد... تبرره أنه فضول المعرفة ليس أكثر.
تنهدت برفض وتصميم:
ماشي يا فاروق…أما أشوف مسؤولة البنك دي.. أخد شاور وبعدها أتصل علي فاروق واتحجج بـ ياسين، أحكم بنفسي على مسؤولة البنك،إن كانت حلوة ولا...يمكن يكون عايش فى دور صائد الجميلات.
تفوهت بتصميم:
اخد شاور الأول وبعدها اتصل على فاروق أشوفهم فين واتحجج بـ ياسين.
بالفعل بعد وقت ليس بقليل، وقفت أمام اللمرآة تطالع إنعكاسها بتقييم، كذالك.. رتبت خصلات شعرها،ثم جذبت هاتفها وحقيبة يدها وغادرت الغرفة...دلف الى المصعد الكهربائي،فتحت هاتفها وقامت بإتصال على فاروق الذي رد عليها:
بتصل اعرف انتم فين عشان اجي أخد ياسين بدل ما يعطلك.
اجابها:
إحنا فى مطعم الأوتيل.
- تمام أنا فى الأسانسير دقايق وأكون عندكم.
بعد دقائق كانت تدلف الى مطعم الفندق،بخثت بعينها حتى وجدت مكان جلوسهم،رأت ان هنالك إمرأه تجلس معهما..كان ظهرها لها بخطوات متهادية ذهبت نحوهم بفضول رؤية تلك السيدة...
بينما فاروق الذي رأها منذ أن دلفت الى المطعم خفق فلبه بسعادة وإبتسم ونهض واقفً ينتظر وصولها،شعرت تلك الأخري بدهشة فى البداية...لكن فهمت حين توقفت عهد لجوارة تحدث ببسمه وضع يده حول خصرها وعرفها هي أولًا:
-مدام عهد مراتي.
-مدام جُمانة مسؤولة إعتمادات البنك أومأت جُمانةرأسها ببرود قائلة:
تشرفنا يا مدام.
كذالك عهد رحبت بها بفتور رفعت وجهها وتبسمت لـ فاروق الذي جذب المقعد لها حتي جلست ثم جلس هو الآخر عاد يتحدث مع جُمانه بالعمل، بينما جمانة تتمعن النظر لــ عهد حقًا جميلة كذالك عهد تمعنت النظر هي فعلا كما وصفها ياسين كذالك مثلها غيرةمحجبة تبدوا ذات ثقة فى نفسها،جلست عهد تراقب حديثها العملي مع فاروق من اسفل نظارتها الشمسية،..لكن
الأطفال دائمًا مزاجيون،من كان قبل قليل مبهور بجمال المسؤولة،الآن يشعر بفتور نحوها،إقترب برأسه من عهد وهمس لها:
أنا زهقت وعاوز اروح حديقة الألعاب.
لوهلة ارادت عهد البقاء لكن إلحاح ياسين جعلها تنهض من على اللمبعد بعدما نهض ياسين.
نظر لهما فاروق بتساؤل:
رايحين فين.
اجابته عهد بمرح:
رجل الاعمال زهق وعاوز يروح حديقة الألعاب، وأنا هروح معاه... هنسيبكم تكملوا شغلكمم براحتكم.
تبسم فاروق بإيماءة...
ظلت عيناه تتابع عهد الى أن أختفت، شعرت بأن حديثه السابق عن عشقه لها كان قليل... شعرت بانهزام، وإستسلمت لواقع كان واضحًا من البداية
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
صدفة تسمع كنان على حديث رابيا مع تلك الشعثاء
عبر الهاتف...
تفوهت رابيا بعتاب:
كده يعني حتى مفكرتيش تتصلي عليا بالموبايل تطمني عليا، يعني لو مش بتصل عليكِ إنتِ متتثليش عليا، مش كفاية مشيتي من البيت ومقولتليش.
تنهدت غزال بغصة قائلة بتبرير كاذب:
ما قولت لكِ إن بابا إتصل عليا وطلب مني اروح له واتمسك فيا ابات عنده اليومين اللى فاتوا، لحد عمتي ما ترجع.. وأهو كلها ساعات توصل.
بعتاب تفوهت رابيا:
برضوا كنتِ قولت لى قبلها، كده اكتشف صدفة انك مش فى البيت ده عمتي لما كنت بكلمها، شكت وقالت لى أوعي تكوني زعلتيها.
بغصة فى قلبها، شعور قاسي أن تجد غرباء يشفقون عليك،يشعرون بغيابك... وأقرب الأقربين إليك ما يجمعك معهم صلة دم ليسوا سوا مجرد أسماء سد خانة فقط مثل والدها التي لا يهتم بأي شأن يخصها
.. ولم تشعر بحنانه حتي ليومين فقط يستضيفها، لكن شعرت أنها عبئ عليه هو وزوجته، رغم إدعائها أنها إشتاقت إليهم...
عادت تتجاذب الحديث مع رابيا، التى تنهدت قائلة:
ياريتك كنتِ هنا كنتِ هتساعديني فى التحضير لإستقبال اللى جايين من السعودية.
بتبرير كاذب تفوهت غزال:
وأنا كمان كان نفسي بس عندى محاضرة مهمة كمان ساعة ونص، وأستاذ المادة دي طبعه صعب وأوقات كتيرة بيطول فى المحاضرة كمان كان نفسي أستقبلهم فى المطار، بس المهم يوصلوا بالسلامة.
تفهمت رابيا قائلة:
خلاص هقفل الاتصال عشان تلحقي تفطري قبل ما تنزلى للجامعة..أشوفك المسا بقي.
بمجرد أن إنتهي الإتصال.. أغلقت الهاتف من يدها على تلك الآريكة الرخامية الموضوعة أمام أحد الحدائق العامة ثم جلست، اختفت تلك الابتسامة الهشة،كأنها لم تكن...
سحبت نفسًا مرتجفًا، ثم همست لنفسها بصوت بالكاد يُسمع:
اشتاقت لهم … قد إيه أنا كدابة…ده حتى مسافة الليل بحس إني عبئ على حياة ناس غريبه عني مش المفروض ده أبويا وأخواتي...
انكمشت أصابعها تضم يدها بقبضة قويه تزم طرفي مِعطفها الثقيل،علها تشعر ببعض الدفئ، وعيناها امتلأتا بدموع قاومتها بشدة،
لكن تلك الغصة…تلك الغصة اللعينة لم ترحمها.
شعور ثقيل… قاسي…
أن تصبح مجرد "واجب" في حياة من يُفترض أنهم سندك.
لا دفء…لا لهفة…ولا حتى سؤال بالخطأ.
مجرد زائر… والأفضل الا تطيل فى الزيارة..
فى خضم تلك الحالة البائسة التي تشعر بها سمعت صوت مواء.. نظرت نحوه وجدت قطة صغيرة هزيلة كأن موائها ألم تشعر به..
بحثت عيناها ببطء نحو مصدر الصوت… حتى إنحنت وجدت قطة صغيرة وليدة أيام حتى ان فروها لم يكتمل تنزوي فى ركن أسفل الآريكة،
قطة صغيرة… هزيلة، شعرها شبة أملس.. وعيناها الواسعتان تلمعان برجاءٍ صامت، كأنها لا تملك سوى هذا المواء لتخبر العالم أنها ما زالت هنا… ما زالت تقاوم.
تعلقت عينا غزال بها لثواني…
ثوانى طويلة، كأنها ترى نفسها أمامها… نفس الجوع، لكن ليس للطعام… بل لشيءٍ أعمق… للدفء… للانتماء.
همست بصوتٍ مبحوح:
فين مامتك... حتى إنتِ… تايهة زيي.
اقتربت القطة بحذر، تتقدم خطوة وتتراجع أخرى، كأنها تخشى الرفض… أو ربما اعتادت عليه... مدت غزال يدها ببطء…
ترددت لحظة… ثم ابتسمت ابتسامة شاحبة وقالت:
متخافيش… أنا مش هأذيكِ.
للمرة الأولى منذ وقت طويل… كان في صوتها حنان حقيقي، غير مُصطنع… غير مُجبرة عليه... إستكانت القطة أخيرًا قرب قدمها، ثم التصقت بها بخفة، كأنها وجدت ملجأً مؤقتًا من هذا العالم القاسي.
ارتجف قلب غزال…
شيئًا ما انكسر بداخلها… أو ربما… شيئًا ما بدأ يلتئم...
أنزلت يدها على رأس القطة، تمسح على فرائها برفق، وهمست:
شكلك جعانة…
توقفت لحظة… ثم أضافت بمرارة خافتة:
وأنا كمان…
لكنها لم تقصد جوع الطعام... في تلك اللحظة…
لم تكن القطة وحدها من تبحث عن مأوى…
كانتا اثنتين…روحان تائهتان…إلتقيا صدفة…في ركنٍ منسي من هذا العالم... بعيدًا قليلًا عن قسوة القلوب.... حملتها بين ذراعيها وعادت تجلس على الآريكه وضعتها على فخذها.. أطعمتها من طعامها الإثنتان كانتا جائعتان …شبعت القطة.. فغفت، أو ربما شعور بالأمان كانت تحتاج إليه... تبسمت غزال وهي تُملس على فرائها قائلة:
من النهاردة هتبقي رفيقتي... هسميكي..
فكرت لحظات ثم قالت:
ونيسة... هسميكي "ونيسة"
نهضت تحملها وما تبقي من الطعام وجذبت هاتفها وضعته بحقيبة يدها تسير بها …كأنها وجدت سببًا صغيرًا للاستمرار…
شيئًا بسيطًا… لكنه يكفي ليمنح يومها معنى.
كانت خطواتها بطيئة… لكنها أكثر ثباتًا من قبل،
تحتضن "ونيسة" بحذر، كأنها تخشى أن يختفي هذا الدفء إن شدّت عليها أكثر.
......****
بينما كِنان ظل واقفًا…
لم يتحرك منذ أن سمع نطق رابيا إسم غزال
لم يكن ينصت بدافع الفضول…
لكن الكلمات وصلت إليه رغمًا عنه غرزت فيه شعورًا لم يفهمه فورًا…
شد كِنان فكه قليلًا…
واستقرت عيناه في الفراغ، كأن الاسم وحده كان كافيًا ليوقظ داخله شعور غريب… أو ربما شيئًا لم مازال لا يفهه..نطق عقله إسمها .
"غزال…"
رددها بصمت داخلي،.. بطريقة مختلفة… أبطأ… أثقل.
يتردد صدا...
صوتها وهي تتكلم… نبرتها المكسورة… ذلك العتاب الذي لم يكن موجّهًا له… لكنه أصابه.
حرك قدمه خطوة… ثم توقف.
يده انقبضت دون وعي، كأنه يحاول الإمساك بذلك الشعور الهارب.. تمتم بضيقٍ خافت:
ـ وإنت مالك بها، شاغل عقلك بها ليه.
سؤال لنفسه… أكثر منه استنكارًا...
هو لم يعتد أن يتأثر…
ولا أن يقف هكذا… مترددًا…
ولا أن يهتم لحديثٍ لا يعنيه.
زفر ببطء…ومرر يده على وجهه بخشونة، كأنه يحاول استعادة توازنه المعتاد.
❈-❈-❈
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
مظاهر روحانية بعودة الثلاث مُعتمرين
إستقبالًا مميز
كانت الأجواء مختلفة… ليست كأي يوم عادي، بل مشبعة بشيء خفي… سكينة تتسلل بين الجدران، وكأن البيت نفسه يستعد لاستقبال بركة عائدة...
علّقت رابيا بعض الزينة البسيطة عند المدخل… لم تكن صاخبة، بل اختارت ألوانًا هادئة، تتماشى مع زهوة اللحظة...
وضعت مصحفًا مفتوحًا على الطاولة، وبجواره سبحة… تعلن أن هذا البيت اليوم… بيت لا يخلوا من الذِكر.
وقف محسن بجوار الباب، هو وطفلتيه …كانوا في عالمٍ آخر، يركضون، يتسابقون… يسألون كل دقيقة هل وصلوا بالفعل بعد قليل
دخل الثلاث …
إجلال و يارا وخلفهما محي
بوجوهٍ مختلفة…أكثر بهاؤًا ونقاء.. طغت على
ر ملامحهم..رغم وجوههم المتعبة من السفر… كذالك هادئة… نقية… كأن شيئًا ثقيلاً تُرك هناك… وعادوا أخف... الأحضان تلاحقت…الدموع سبقت الكلمات…الدعوات خرجت دون ترتيب…
-حمد لله على السلامة…
-تقبل الله…
-نورتوا البيت…
اقتربت رابيا ببطء… لم تندفع مثل البقية… لكنها حين وصلت، احتضنتهم وكأنها تحتضن الطمأنينة نفسها.
أما كِنان…
فبقي في الخلف قليلًا.
يراقب.
لكن عينيه… لم تكن جامدة كما يظن الجميع.
كانت تتأمل ذلك المشهد… وكأنها تسأل سؤالًا صامتًا:
كيف يمكن لرحلة… أن تُغير كل هذا
وبدون أن يشعر…اقترب خطوة كاد ينحني على إجلال، لكن منعه محي، رفع كنان ونظر له ببسمه، لكن بادله محسن بنظرة زغر قائلًا:
بلاش تماحيك كتير مش سلمت عليها فى المطار، خلاص خلصنا.
ضحك كنان قائلًا:
ماشي يا حاج عشان خاطرك بس هقعد جنبها.
تهكم محي وتركه بالفعل جلس جوار إجلال التي ربتت على كتفه ببسمه، لكن فجأة شعر كأن هنالك شيء ناقص عكس الوداع قبل السفر، كان هنالك
…لكن فجأة شعر كأن هناك شيئًا ناقص…
فراغٌ خفي… لا يُرى، لكنه يُحَس.
نفس المكان… نفس الوجوه… نفس الأصوات التي كانت تملأ البيت ضجيجًا ودفئًا…
لكن هناك تفصيلة صغيرة… كانت دائمًا موجودة… والآن اختفت.
تجمدت ابتسامته قليلًا…
وعيناه تحركتا بين الوجوه… كأنه يفتش عن شيء لا يريد أن يسأل عنه
لم يراها في المطار…
رغم أنه كان متأكدًا… بل واثقًا… أنها ستكون أول الواقفين لاستقبال عمتها.
قطّب حاجبيه قليلًا…
ذلك الشعور بالفراغ أصبح أوضح… وأثقل.
تمتم بداخله بسخرية خافتة:
غريبة.
عاد ببصره نحو إجلال… ثم يارا… ثم باقي الوجوه…
لكن الحقيقة كانت واضحة عيناه تبحث عنها تلك الشعثاء غزال الآن غير موجودة...
تنفس ببطء… محاولًا تجاهل الأمر…
لكن عقله لم يُطاوعه.
❈-❈-❈
طال الوقت لم يشعرون به فالوقت الجمييل يمضى في لحظات مهما طال إنصرف الجميع.
بشقة محسن
دلف الى غرفة النوم تنهد بإرهاق،لفت نظره وقوف رابيا أمام المرآة بيدها ثوب بلون الأزرق مُرصع ببعض الأجحار الملونة... إنعكس ظله بالمرآة إستدارت تنظر له تبتسم وهي تقترب منه قائلة:
شوفت عمتي جابت لى عباية لونها أزرق... اللون ده خاص بالصبيان، أنا أتفألت بيه خلاص قلبي بيقولى إني حامل فى ولد، مش هلبسها هشيلها فى الدولاب، وأبقي ألبسها فى السبوع إن شاء الله.
ابتسم محسن وضع يده على بطنها قائلًا:
بنت ولد المهم صحتكم إنتم الإتنين.
مجرد كلمات منه شعرت بالرضا لأول مرة تتجرأ وتبادر وتقوم بمعانقته قائلة:
ربنا يخليك لينا.
تركها تعانقه… بل شدد ذراعيه حولها قليلًا… دون تفكير…
وكأن جسده سبق عقله هذه المرة..
أغمض عينيه لثانية…
لأول مرة يشعر بسكينة…
لكن فجأة…
تسللت دوخة خفيفة إلى رأسه… كأن الأرض مالت قليلًا…
أغمض عينيه وفتحهما سريعًا… فهدأت… لكن لم تختفِ تمامًا...
لم يُعلق… ظنها لحظة عابرة.
لكن رابيا… لم تكن غافلة... رأت تنرحه للحظة
شهقت بخضة، وتركت العباءة من يدها، واقتربت منه سريعًا بلهفة:
مالك يا محسن.
رفع يده فورًا… وكأنه يوقف قلقها قبل أن يكبر، وقال بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
مفيش… بس فجأة حسيت بدوخة بسيطة.
لكنها لم تقتنع…
عينها دققت في وجهه… شحوبه الخفيف… تلك الرمشات السريعة…
وضعت يدها على ذراعه، وقالت بإصرار:
دوخة بسيطة إزاي وشك أصفر.
تنهد بخفة، محاولًا التماسك:
ده إرهاق بس…من وقت سفر،فاروق الغردقة والشغل فى المقر والمدابغ كله عليا،غير اليوم كان طويل.
هكذا برر لكن ربما ليس ذلك الحقيقة…
ذلك الإحساس لم يكن مجرد إرهاق عادي.
اتسعت عينا رابيا أكثر، وقالت بقلق واضح:
تعالى اقعد عالسرير.
جذبته برفق ليجلس على حافة السرير، وقلبها بدأ يدق أسرع…
لم يكن هذا محسن الذي تعرفه… دائمًا ثابت… صلب… لا يشتكي.
جلست أمامه مباشرة، تبحث في عينيه:
بصلي… في إيه.. إنت بتحس بإيه بالظبط.
مرر يده على وجهه، هذه المرة، دون مقاومة ليس مستغربً من قلقها الزائد عليه رغم جفاؤة هي عكسه...تنهد قائلًا بصوت ثابت :
دوخة… بسيطة
سكت لحظة… ثم أضاف بصراحة لم يعتدها:
يمكن… زادت أكتر شوية بسبب الارهاق.
ابتلعت ريقها…
ذلك الاعتراف الصغير… كان كافيًا ليزيد خوفها..ويضع قلق قلبها .
مدت يدها تمسك بكفه، وقالت بحزمٍ ممزوج برجاء:
لا… كده مش هينفع… إحنا لازم نطمن... لازم تعمل كشف طبي شامل.
نظر لها…في عينيها خوف صادق… ليس مبالغًا فيه… بل نابع من شيء أعمق...
شعور… أنها لا تحتمل أن يحدث له شيء…
تنهد ببطء ضاحكًا يقول:
كشف طبي عشان دوخة … ثم هز رأسه باستسلام خفيف:
تمام حاضر… نطمن.
شدت على يده أكثر…قائلة:
حتى لو دوخة بسيطة برضوا نطمن.
أومأ لها برأسة
اختفت فكرة العباءة… واللون الأزرق… والتفاؤل…لم يبقَ في قلبها…
إلا دعاء واحد صامت... أن يحفظه الله.
تنهدت وجلست على الفراش قائلة:
نام على رجليا أعملك مساچ لراسك... شوفت عمي محي كان نايم على رجل عمتي وبتعمل له مساچ.. وقتها قالت لى إنه مرهق والمساچ ده بيخفف التوتر.
بالفعل وضع محسن رأسه على ساق رابيا التي بدأت تدلك فروة رأسه بحركات دائرية، بدأ يشعر بالتحسُن، لكن ضحك سائلًا بإستفسار:
وشوفتي ماما وبابا فين بقي.
أجابته بتلقائية:
مره كنت داخله الاوضة أسألها عن حاجة مهمة.
إستغرب محسن ذاك قائلًا:
غريبة ده بابا مش بيسمح لواحد فينا يدخل أوضة نومه، مفيش غير يارا، بس.
ضحكت رابيا، إستطرد محسن حديثه بمرح:
بابا بيحب البنات، لكن إحنا لينا معاملة تانية خالص... يعني يادوب سلم عليا، وقالي عاوز تقرير مفصل بشغل الفترة اللى كان فيها فى السعودية.
ضحكت رابيا قائلة:
عمي محي بيتعامل معاكم كده عشان رجالة، لكن فى الحقيقة هو حنين جدًا وبيخاف عالكل..إنت فيك كتير منه..حنون وبتحب البنات...
توقفت بداخلها غصة، هنالك شيء واحد فقط سيء لديه... المزاج... متقلب المزاج.. …وذلك ما يجعل التعامل معه أحيانًا كالسير فوق خيطٍ مشدود…
خطوة واحدة خاطئة… قد تُفسد كل شيء.
توقفت أناملها لحظة فوق شعره…
لكنها سرعان ما عادت تُكمل تدليكها، كأنها تُخفي ما خطر ببالها.
لم ينتبه محسن في البداية…
كان مغمض العينين، مستسلمًا لذلك الإحساس المريح…
لكن صمتها المفاجئ… لم يمر عليه.
فتح عينيه ببطء…
ورفع رأسه قليلًا لينظر إليها، متفحصًا ملامحها وتسأل:
سكتي ليه.
ابتسمت بسرعة… ابتسامة خفيفة، مُصطنعة بعض الشيء قائلة:
مفيش… سرحت شوية.
لم يقتنع…
عاد برأسه إلى ساقها، لكنه هذه المرة لم يُغمض عينيه، وقال بنبرة أخف… لكنها أكثر تركيزًا:
لا… في حاجة... إتكلمي.
ترددت…لا تعلم نبرة صوته أكانت تحريض ام تحذير لكن
نظرت بعيدًا للحظة، ثم قالت بنبرة هادئة تحاول أن تكون طبيعية:
كنت بقول إنك شبه عمي محي فعلًا… بس…
رفع حاجبه بخفة:
بس إيه.
تنهدت بخفوت…
ثم قالت بصراحة حذرة:
بس ساعات بتبقى متقلب… ومش بعرف أتوقعك.
ساد الصمت لثوانٍ…
تصلب جسده قليلًا تحت يدها…
واختفت تلك الراحة التي كان يشعر بها منذ لحظات.
سحب نفسًا عميقًا…
ثم قال دون أن ينظر إليها:
قصدك عصبي.
هزت رأسها برفق قائلة:
مش دايمًا… بس لما بتضايق، بتبقى قاسي… حتى لو مش قصدك.
أغمض عينيه هذه المرة… لكن ليس استرخاءً…
بل كأنه يواجه شيئًا داخله.
مرت لحظة…
ثم تحدث بصوتٍ منخفض سائلًا:
وأنا أذيتك قبل كده.
تعلقت عيناها به…
سؤال بسيط… لكنه أثقل مما يبدو... فماذا سترد، فليست كل الأذية عُنف فقط
ترددت…
ثم ابتلعت ريقها وتجرأت وأجابت بهدوء صادق:
أيوه… بس مش لوحدك.
فتح عينيه فجأة…
ورفع رأسه لينظر إليها مباشرة سائلًا:
يعني إيه، مش فاهم:
ابتسمت ابتسامة باهتة… وقالت بتوضيح:
يعني أنا كمان استحملت وسكت… وده غلط.
ظل ينظر إليها…
طويلًا…
وكأنها للمرة الأولى… لا تُجامل… ولا تُخفف الكلام.
مرر يده على وجهه ببطء…
ثم قال بنبرة مختلفة… أقل حدة… وأكثر صدقًا:
أنا مش بعرف أتعامل غير كده لما أكون مضغوط.
ردت بهدوء:
ما أنا فاهمة… بس ده مش مبرر.
سقطت كلماتها ببساطة… لكنها كانت حاسمة.
ساد الصمت مجددًا…
لكنه هذه المرة… لم يكن مريحًا بالكامل.
مدت يدها مرة أخرى، تُكمل تدليك رأسه… لكن بحذرٍ أكثر.
أما هو…
فلم يُبعدها... بل أغلق عينيه ببطء…
وكأن لمسها… رغم كل شيء…
ما زال المكان الوحيد… الذي يهدأ فيه.
اومأ لها برأسه... نظرت لوجهه عاد له الرونق مره أخري إبتسمت سائلة:
بقيت أحسن.
نهض عن ساقيها وجذبها معه تممد على الفراش وجذبها على صدره يحتويها... يشعر بخفقات قلبها، استسلم الاثنان للغفيان... ربما بعد تلك الصراحة تأتي للقلوب راحة.
❈-❈-❈
بالغردقة
رغم شبة الظلام الذي يعم الغرفة، كذالك غفيان ياسين منذ وقت، لكن لا تشعر بالنعاس، رغم نومها على الفراش، نظرت نحو ياسين الذي همهم ببعض الكلمات لم تفهمها، رغم ذلك ضحكت... نظرت للطرف الآخر للفراش، مكان نوم فاروق كان خاليًا، مرت ليالي وهي تغفوا معه على فراش واحد …حقًا هنالك ياسين…
حاجز صغير… بريء…
لكنّه كان يفصل بين أشياء أكبر بكثير...
سحبت نفسًا ببطء…
وعيناها لا تزالان معلقتين بالمكان الفارغ بجوارها... ذلك الفراغ…
لم يكن مجرد مكان على الفراش…
بل إحساس كامل...
مرت الليالي الماضية وهي تشعر بوجوده… حتى وهو صامت…
حرارته القريبة… أنفاسه المنتظمة…
ذلك الأمان الغريب الذي لم تعترف به لنفسها.
أما الليلة…
فكل شيء مختلف.. برد خفيف تسلل إليها…
رغم الغطاء.حركت يدها دون وعي…
امتدت نحو ذلك الجانب…
لكنها توقفت قبل أن تلامسه...
سحبت يدها سريعًا…كأنها ارتكبت خطأ.
أغمضت عينيها بقوة…
وهمست لنفسها بنبرة محاولة للتماسك:
شعور عادي، أكيد تعود.. مش أكتر
لكن قلبها…
لم يكن يصدق تلك الكلمة.فتحت عينيها مرة أخرى…ونظرت إلى ياسين…ابتسمت رغمًا عنها…وهمست بخفوت:
إنت السبب…
لكنها لم تقصد الطفل…ولا براءته.
بل تقصد ذلك الحاجز…الذي كان يمنعها…
ويحميها…فى نفس الوقت.
تقلبت على جانبها…
تعطي ظهرها لذلك الفراغ…
تحاول أن تهرب من شعورٍ بدأ يكبر داخلها…
رغبة خفية…خوف أكبر.
لكن…
رغم محاولتها…ظلت واعية لكل شيء…
لصوت الباب…لأي حركة في الخارج…
لخطواته.. وكأن جزءًا منها…
ينتظر أن يُفتح الباب…
وأن يعود فاروق…ليملأ ذلك الفراغ…
ليس على الفراش فقط…
بل داخلها أيضًا...
تنهدت كذالك تثائبت، وضعت يدها على فمها بتلقائية، توقفت يدها فوق شفتيها، تذكرت قبلاته لها فى الصباح، أغمضت عينيها تستشعر ملمس شفتاه... تشعر أنها فى صراع حميم
قلبها يتمرد عقلها يستجيب لذلك التمرُد بل وينجرف هو الآخر.
فتحت عينيها نفضت ذلك، تنهدت تلوم نفسها على ذلك الضعف الذي يسيطر عليها منذ بداية الرحلة.
نهضت من فوق الفراش وتأكد من دثر ياسين، ثم ذهب الى تلك الردهة الملحقة بالغرفة..
فتحت التلفاز وجلست على آريكة مقابلة له،
…تقوم بالتقليب بين القنوات بلا هدف…
عينها على الشاشة… لكن عقلها في مكان آخر تمامًا.
الإضاءة الخافتة المنبعثة من التلفاز انعكست على ملامحها…
كشفت سكونًا ظاهريًا… يخفي ضجيجًا داخليًا لا يهدأ.
تنهدت بخفوت…
وألقت بجسدها أكثر داخل الأريكة، تضم ساقيها إليها كأنها تبحث عن دفءٍ مفقود.
ضغطت على زر التحكم مرة أخرى…
قناة تلو الأخرى…
وجوه… أصوات… موسيقى…
لكن لا شيء يعجبها فتظل عليه...
تمتمت بضيق:
ولا حاجة عاجباني.
ألقت بجهاز التحكم بجوارها…
وأمالت رأسها للخلف، تغمض عينيها للحظة…
لكنها لم تستطع الاستسلام.. فتحت عينيها فجأة…
ونظرت نحو باب الغرفة…
وشعور غريب يتسلل إليها… مزيج من التوتر والانتظار.
مرّت ثواني…
ثم عادت ببصرها للشاشة…
لكن تركيزها كان هشًا… يتكسر مع كل صوتٍ خافت... وفجأة…
صوت مفتاحٍ يُدار في الباب الخارجي.
اعتدلت في جلستها بسرعة…وقلبها بدأ يخفق بشكلٍ أوضح.. لم تتحرك…انتظرا
أنفاسها تعلقت في صدرها…
وعيناها اتجهتا نحو مدخل الردهة…
وفي نفس اللحظة
ظهر فاروق.. الذي إبتسم بتلقائية قائلًا:
مساء الخير... لسه صاحية.
أجابته بكذب:
أيوه كنت بتابع التلفزيون.
نظر نحو شاشة التلفاز وتبسم سائلًا:
بتسمعي مصارعة حُرة.
نظرت نحو التلفاز قائلة:
كنت بقلب بين القنوات.. وإنت أخبار شغلك إيه.
جلس لحوارها وتنهد بإرهاق قائلًا:
إجتماعات مفاوضات طول اليوم.
نظرت لوجهه حقًا يظهر عليه الإرهاق.. قبل ان تتحدث تفاجئت به يقترب أكثر منها، شعرت بالتوتر، نهضت سريعًا... تحاول الهرب قائلة:
أنا كبس عليا النوم و...
لم تكمل بقية حديثها، وشهقت حين جذبها بقوة من يدها فسقطت على ساقيه.. سريعًا وضع راسه فى تجويف عنقها هامسًا إسمها بنعومة:
عهد..
إرتبكت كانها فقدت الوعي حتي انها لم تشعر كيف وضعها فوق الآريكة يُشرف عليها بجسده، يده تسللت تفتح أزرار منامتها …وهي مُرتبكة كأنها لا تستوعب ما يحدث…
تصلب جسدها للحظة…
أنفاسها تعثّرت، وقلبها اندفع بعنفٍ داخل صدرها، كأنه يرفض هذا التسرّع المفاجئ...
همست بصوتٍ متقطع، تحاول أن تستعيد وعيها:
فا… فاروق… إنت بتعمل إيه…
لكن صوته جاء قريبًا… دافئًا… ومحملًا بشيء لم تعهده منه بهذا الوضوح:
وحشتيني.
تجمدت كلماتها عند تلك الجملة…
ارتبكت أكثر… لكن هذه المرة لم يكن الخوف وحده… بل شيء آخر… أكثر نعومة… وأكثر خطورة...
رفعت يدها بتردد… وضعتها على صدره، كأنها تحاول أن تُبعده…لكنها لم تدفعه حقًا.
فقط… توقفت.أنفاسه لامست عنقها…
أغلقت عينيها لحظة… محاولة أن تتمسك بعقلها وسط هذا القرب الذي أربكها.
همست بضعفٍ خافت كأنه تحذره:
ياسين جوه.
كأنها تتمسك بتلك الجملة كطوق نجاة.
توقف فاروق لثانية…رفع رأسه قليلًا… نظر إليها... كانت عيناها مرتبكتين…
لكن بهما شيء آخر… لم يكن رفضًا كاملًا.
مرر يده ببطء على جانب وجهها…
وتحدث بنبرة أكثر إنخفاض… أكثر هدوءًا:
وأنا بره كل الوقت.
سقطت كلماته بهدوء… لكنها حملت عتابًا خفيًا.
ارتعشت شفتاها…تحاول أن تجد ردًا… تفسيرًا… أي شيء يعيد التوازن لتلك اللحظة.
لكنها لم تستطع.فقط نظرت إليه…
طويلًا…بين رغبة في الهروب…
وأخرى في البقاء…
رواية عهد الدباغ الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل الثامن والثلاثون
ضيق محي عينيه بمكر وهو يهز رأسه بإستنكار مصطنع:
يا سلام قلبت عليا دلوقتي..بعد ما وصلت لغرضك .... لا يا ملك...أنا سايبك بمزاجي وكفاية كده... عندنا شغل متعطل.
رفع فاروق حاجبه بثقة وهو يُعدل من ياقة قميصه:
لا يا حج محي أنا كنت شايف شغلي كويس...بعدين إنت فاكر نفسك ماسك عليّا شيك على بياض... وكمان محتاج تعويض أدبي عن الضرر النفسي بسبب القلم اللى خدته ده مكنش فى إتفاقنا،كدة نراجع بنود الإتفاق من تاني.
قهقه محي بصوت عالٍ ثم أشار إليه بإصبعه قائلًا:
ضرر نفسي إيه...بعدين أنا إندمجت والقلم كان لحظة حماسة.
ضحك فاروق ببرود مستفز قائلًا:
الشاطر اللى يعرف يخطف الفرصة... تدفع تمن لحظة الحماسة...القلم مكنش سهل قدام مراتي وإبني.
مال محي نحوه هامسًا بتحذير ساخر:
طب اسمع بقى... البند الجديد بيقول إن أى غنائم إضافية لازم تتقسم بالنص.
ابتسم فاروق نصف ابتسامة وهو يسأله بدهاء:
وغنائم إيه كمان يا أبو البنود.
رمقه محي بنظرة طويلة بينما ضحك محي قائلًا:
إفتكر كويس الإتفاق يا ملك... أنا قولتلك هجيبها لحد عندك وده حصل ولا لاء.
تبسم فاروق يومئ برأسه وهو يتذكر قبل زفاف كنان بأيام...
[بالعودة لذاك الوقت
كان هنالك إحتداد بين فاروق وعهد...
بغرفة مكتبة بمقر الشركة..
جذب إحد السجائر وأشعلها ثم نفث دخانها يشعر بملل من كل شيء، كلما ظن أنه إقترب من قلب عهد عاد الى نقطة البداية...
كأن بينهما خطوة ناقصة لا تُستكمل أبدًا.
وقف أمام النافذة الزجاجية العريضة، يراقب أضواء المدينة الباهتة أسفل المبنى، بينما أصابعه تعبث بالسيجارة بين يديه بعصبية خفيفة.
صوت الباب وهو يُفتح جعله يلتفت نصف إلتفاتة فقط...
تهكم بنزق حين دلف كنان قائلًا:
إنت رجعت للسجاير من تاني، مش خايف بابا يشوفك المرة دي...
قاطعه فاروق بنبرة إستبياع:
لاء مش خايف... وإنت كنت جاي عاوز فلوس قول من الآخر وبلاش توجع دماغي.
تنفس كنان بضجر قائلًا:
لا يا عم أنا جايلك زهقان مش عارف أعمل إيه... أبوك حدد ميعاد فرحي أنا وخيال المآته، حاسس إني محتاج شوية وقت، أنا...
قاطعه فاروق مره أخري بتهكم قائلًا:
وجايلي أنا عشان أنصحك، تبقي غبي أنا آخر واحد يفيدك أنا عايش مع مراتي زي المخطوبين، يمكن المخطوبين بينهم شوية ثقة وتفاهم، أنا بقي لا بينا لا ده ولا ده، روح لـ محسن يمكن هو أحسن مني.
تهكم كنان بنزق قائلًا:
أنا قولت إنت إتجوزت إتنين وأكيد عندك خبرة وبعدين ما تطفي السيجارة إفرض حد فتن لـ بابا..
قبل أن يستكمل كنان حديثه فُتح باب المكتب ودلف محي نظر له بغضب واضح قائلًا:
وحد يفتن ليه ما انا أهو شايف بنفسي.
توقف محي للحظة وبنظرة عين لـ فاروق شعر بتوتر بتلقائية وضع باقي السيجارة بالمنفضة.
ضحك كنان قائلًا بمرح:
خوفت من نظرة عين... الملك اللى بيتهز له شنبات...
قطع بقية حديثه نظرة عين محي التحذيريه له فضحك قائلًا:
بلاش نظرتك دي يا بابا، أنا داخل على معركة.
تهكم محي بنزق قائلًا:
معركة إيه يا خايب إنت اللى إختارت تكمل، يبقى بلاش نبرة الاستغباء دي، ويلا غور من هنا شوف إيه ناقصك قبل الزفاف وكمله.. وكمان تخلص. الشغل المطلوب منك مش عاوز تقصير.
رفع كنان يديه بإستسلام زائف وهو يتراجع للخلف بخطوات بطيئة قائلًا بمكر:
حاضر يا حج... أهو ماشي، الواحد لا عارف يتجوز ولا عارف يزهق حتى براحة.
ثم أشار نحو فاروق بإبتسامة واسعة:
بس خليك شاهد إني حاولت آخد نصيحة من أخوك الكبير وهو اللى طفشني.
رمقه فاروق ببرود نافد الصبر بينما قال محي بحدة:
إطلع بره يا كنان بدل ما أندم إني سيبتك تتكلم أصلًا.
ضحك كنان بخفة ثم غادر أخيرًا، وأُغلق الباب خلفه لتسود لحظة صمت قصيرة داخل المكتب.
عاد محي بنظره إلى فاروق... نظرة ثابتة طويلة جعلت الأخير يزفر بضيق وهو يبتعد عن المكتب متجهًا نحو الأريكة الجلدية.
جلس برتابة، ثم مرر يده داخل شعره قائلًا بفتور:
لو جاي تكمل محاضرة السجاير فـ وفر كلامك يا بابا، دماغي مش ناقصة.
اقترب محي ببطء حتى جلس أمامه مباشرة، ثم قال بنبرة هادئة على غير عادته:
أنا مش داخل أتكلم عن السجاير.
رفع فاروق عينيه إليه بإستغراب خفيف.
أكمل محي وهو يراقبه بدقة:
أنا جاي أشوف إنت ناوي تعمل إيه مع مراتك.
تجمدت ملامح فاروق قليلًا، لكنه أخفى ذلك سريعًا خلف إبتسامة ساخرة:
وإنت من إمتى بتدخل في حياتي الشخصية.
رد محي دون تردد:
من ساعة ما بقيت شايفك بتضيعها بإيدك.
ضاقت عينا فاروق تدريجيًا، بينما أكمل محي:
عهد بنت عنيدة... وعندها خوف أكتر من عندها كره، وإنت كل مرة تقرب منها ترجع تكسر اللى بنيته بغبائك.
ضحك فاروق بسخرية مريرة وقال:
جميل... بقى أنا الغلطان لوحدي.
مال محي بجسده قليلًا للأمام قائلًا بصرامة:
أيوه... لأنك فاكر إن السيطرة تخلي الست تطمن... بس الست لما تخاف منك، عمرها ما هتسلمك قلبها... وبالذات لو كانت فى حالة عهد.. لازم تفهمها كويس.. ظروف جوزاكم.. إنها تحس إنها بديل مكان أختها... لازم تفهم إن ده له تأثير عليها.
ساد الصمت للحظات...
نظرات فاروق ثبتت بالأرض، وكأن الكلمات أصابت جزءًا حاول طويلًا تجاهله.
ثم قال أخيرًا بصوت منخفض:
أنا فاهم بس تعبت يا بابا... كل ما أحس إنها قربت، ترجع تبعد وكأني عدوها... إنت عارف من البداية أنا كنت عاوز عهد مش فرح.. بس النصيب حكم، ومع ذلك إتعاملت مع فرح بإحترام حاولت اسيطر على قلبي... اوقات بحس بندم إني إتجوزت عهد المفروض...
هزّ محي رأسه ببطء ثم أكمل بنبرة أكثر هدوءًا:
يمكن طريقة جوازك من عهد والتسرُع اللى حصل ظلمها قبل ما يديها فرصة تفهم نفسها حتى...البنت دخلت بيتك وهى شايلة حمل تقيل، أختها ماتت... وفجأة لقت نفسها مكانها، مع نفس الراجل، ونفس البيت، ونفس الذكريات...
إنت متخيل ده معناه إيه لواحدة زي عهد.
ظل فاروق صامتًا، وعيناه شاردتان وكأن كل كلمة تُعاد داخله بشكل مؤلم.
أكمل محي بعد لحظة:
وعهد مش قوية زى ما إنت فاكر... بالعكس، البنت كل ما تتوجع بتستخبى ورا العناد..
كل مرة تقرب منها بعصبية أو فرض سيطرة، هى مش بتشوفك فاروق... هى بتشوف خوفها.
زفر فاروق بقوة ثم مال بجسده للخلف قائلًا بتعب واضح:
وأنا مطلوب مني أعمل إيه
أسيبها تبعد... كل ما أقرب منها تحسسني إني دخيل عليها... حتى لما بغير عليها بتحول الموضوع لخناقة.
رد محي بثبات:
لأن غيرتك بتطلع بصورة تملك مش إحتواء.
الست ممكن تستحمل عصبية راجل بتحبه... إنما صعب تحب راجل حاساها إنه بيحاصرها.
إبتسم فاروق بسخرية موجوعة وهو يمرر يده على وجهه قائلًا:
واضح إن الكل فاهم عهد أكتر مني.
نظر له محي طويلًا قبل أن يقول بهدوء مقصود:
لأنك واقف عند اللى إنت عايزه... مش عند اللى هى محتاجاه.
رفع فاروق عينيه إليه ببطء.
تابع محي:
إنت طول عمرك متعود إن كل حاجة بتيجي بالقوة... شغل، نفوذ، حتى هيبتك وسط الناس...
بس عهد لا هتكسبها بخوف ولا بعناد...
دى لو حبتك فعلًا... هتجيلك برجليها من غير ما تطلب.
ساد الصمت مجددًا، لكن هذه المرة كان توازن..
تحدث فاروق أخيرًا:
أنا فعلًا بحبها يا بابا... بشكل مخليني لأول مرة مش عارف أتصرف.
لانت نظرة محي قليلًا، ثم قال:
يبقى بطل تعامل الحب كأنه معركة لازم تكسبها...
عهد مش خصمك يا فاروق... ولا صفقة دى مراتك.
إبتلع فاروق ريقه بصعوبة، بينما أكمل محي وهو ينهض من مكانه:
ولو فضل خوفها منك أكبر من أمانها معاك... هتخسرها، ساعتها بس هتعرف إنك كنت بتكسر الحاجة الوحيدة اللى قلبك اختارها بجد.
راقبه محي للحظة قبل أن يتنهد بهدوء، ثم جلس بالمقعد المقابل له قائلًا:
عشان إنت فاكر إنك داخل الجوازة دي بعقلك بس... وعهد محتاجة راجل يعرف يحتوي قبل ما يفرض نفسه.
إبتسم فاروق بتهكم خافت وهو يهز رأسه:
الإحتواء يعني أعمل إيه أكتر من اللى بعمله.
رد محي فورًا بثقة:
تعمل كتير ... لو دي فعلًا الست اللى عاوزها تكمل معاك.
تفهم فاروق، ضحك محي قائلًا:
وبعدين طالما إنت مدلوق أوي كده يبقي تتحمل شوية من عندك وهي هتلين.. وأنا عندي لك الحل... بس مش ببلاش.
نظر له فاروق سائلًا:
مش فاهم إيه اللى مش ببلاش.
ضحك محي قائلًا:
قصدي كل شئ وله تمن... وزي ما جوزتها لك قبل كده، سهل كمان أخليها هي اللى تجي لحد عندك.
تسأل فاروق:
وده إزاي بقي.
ضحك محي قائلًا:
ما قولتلك كله بتمنه يا ملك بس عندي إستفسار الأول على ضوءه هعرف ان كانت المحاولة هتجيب نتيجة أو لاء.
تسأل فاروق:
وإيه هو السؤال المهم ده بقى.
ضحك محي قائلًا:
عهد... آنسة ولا مدام.
توتر فاروق قائلًا:
وده يفرق في إيه.
أجابه محي:
يفرق كتير، جاوب.
أجابه:
مدام.
ضحك محي قائلًا:
طب كويس، أنا قولت فاروق من بعد ما خلف ياسين...
نظر له فاروق بنظرة ثقة... ضحك محي قائلًا:
طب فى تقدم أهو انا كنت مفكر إنها مش متقبلة، حدوث أمر زي ده يعني قبول أكيد مش غصب عنها.
تهكم فاروق قائلًا:
أه مش غصب عنها بس رد فعلها لما فاقت كان كأني أخدت حق مش حقي.
أومأ محي بتفهم قائلًا:
ممكن رد فعل طبيعي منها، كنوع من تعذيب الضمير... بس لو كانت فعلًا رافضاك من جواها، مكنتش سمحت إن المسافة بينكم تتكسر أصلًا.
إبتسم فاروق بسخرية خافتة وهو يهز رأسه:
إنت بتفكر الموضوع أبسط من حقيقته... عهد متناقضة بشكل يجنن، مرة تقرب ومرة تبني سور بينا فى ثانية.
رد محي بهدوء:
لأنها لسه بتحارب نفسها يا فاروق... البنت مش داخلة علاقة طبيعية...
دى داخلة حياة كانت تخص أختها فى يوم من الأيام، وكل خطوة بتاخدها بتحس معاها بالذنب، حتى لو قلبها بدأ يميل لك.
صمت فاروق قليلًا قبل أن يقول بنبرة منخفضة:
بس أنا تعبت من الإحساس إني متهم طول الوقت... حتى قربها مني بحسه متردد، كأنها كل مرة بتراجع نفسها بعد ما تضعف.
مال محي برأسه قائلًا بجدية:
وده معناه إنك المفروض تحتوي خوفها... مش تستغل لحظة ضعفها وتحاسبها عليها بعدين.
ضاقت عينا فاروق قليلًا قبل أن يسأله بحدة خافتة:
هو أنا عملت كده.
نظر له محي مباشرة ثم قال:
إنت ساعات بتتكلم بعصبية تخليها تحس إنك مستني منها تثبتلك إنها مراتك... وفرق كبير بين راجل عاوز مراته تحبه، وراجل عاوز يتأكد إنها بقت مِلك له.
تنفس فاروق ببطء، بينما أكمل محي بنبرة أخف:
وبعدين... إنت فاكر إني سألتك "مدام ولا لاء" من فراغ
رفع فاروق حاجبه باستفهام، فأردف محي مبتسمًا بخبث أبوي واضح:
لأن الست لو كانت نافراك فعلًا... عمرها ما كانت هتسمح إن علاقتكم توصل للمرحلة دي بإرادتها، حتى لو بتحبك وساكتة على نفسها.
ظل فاروق صامتًا للحظات، ثم قال بصوت خافت أقرب للإعتراف:
لأول مرة أحس إن حد ممكن يوجعني بالطريقة دي.
إبتسم محي ابتسامة خفيفة وهو يربت على كتفه:
عشان لأول مرة قلبك سابق عقلك يا ملك.
ثم أضاف بنبرة ذات معنى:
وعهد شكلها أخدت مكان أكبر جواك بعد الجواز.
لم يرد فاروق هذه المرة...
فقط أشاح بنظره بعيدًا، بينما ارتسمت على وجهه ملامح رجل بدأ يدرك أن خوفه الحقيقي لم يعد خسارة السيطرة...
بل خسارة عهد نفسها.
صمت محي لدقيقية سحب نفس هادي كأنه يرتب الكلام قبل ان يقوله، ثم قال بنبرة عملية أكثر من كونها وعظ:
الحل مش في إنك تكسبها ولا في إنك تفضل تبرر لنفسك... لو هنتكلم بوضوح… قدامك أكتر من مسار لازم تمشي فيهم مع بعض
الأول... تهدّي أسلوبك معاها بشكل مقصود، مش عشوائي.....
يعني تقلل ردود الفعل الحادة، وتوقف أي مواجهة فيها ضغط أو فرض رأي وقت الانفعال. لأن كل مرة بتعلى فيها، أنت كده بتأكد لها صورة التهديد اللي في دماغها...
التاني... تفصل بين الماضي والحاضر.
عهد مش محتاجة تذكير إنها بديل أو إن العلاقة جاية من ظرف صعب. الكلام ده حتى لو منطقي ليك، هو بيجرحها وبيشدها لورا كل مرة... المطلوب تعاملها كزوجة موجودة.. دلوقتي… مش كحالة مرتبطة بذكرى أختها.
التالت... الأمان قبل الحب.
هي مش هتديك قلبها وهي مش حاسة إنها في أمان نفسي معاك.
الأمان هنا معناه ثبات، توقع رد فعل واضح، ومفيش عقاب عاطفي ولا شد وجذب يخليها طول الوقت متوترة...
توقف لحظة، يتنفس ثم أضاف وهو ينظر له مباشرة:
والأهم… متستعجلش نتيجة...
أنت عايز تقربها بسرعة عشان تقلل إحساسك بالرفض، وهي كل ما تحس بالضغط بتبعد أكتر.
رفع فاروق عينيه له بهدوء متحفظ، فتابع محي:
الحل الحقيقي بسيط في فكرته، صعب في تنفيذه:
خلي وجودك معاها مصدر أمان ثابت… مش اختبار مستمر ليها.
تنهد فاروق قائلًا:
إنا فاهم كل ده يا بابا، بس عهد هي اللى...
قاطعه محي قائلًا:
عهد لازم تحس إنك شايفها هى... مش مجرد ست المفروض تقوم بدور مكان حد تاني.
ضاقت ملامح فاروق قليلًا، بينما أكمل محي بثبات:
لازم تحس إنك لما تبصلها، بتشوف عهد بعيوبها وعنادها وطريقتها... مش بتدور على نسخة من فرح أو بتحاول تعوض بيها اللى راح.
رد فاروق بسرعة وكأنه يدافع عن نفسه:
وأنا عمري ما عاملتها كده... انا كان نفسي تكون هي مراتي من البداية.
هزّ محي رأسه قائلًا:
يمكن بعقلك لا... بس بعض تصرفاتك بتقول غير كده.
غيرتك الزايدة، خوفك تخسرها، تسرعك فى التقرب منها... كله مخليها حاسة إنك ماسك فيها كأنها آخر فرصة مش كأنها اختيارك.
صمت فاروق للحظة، ثم قال بضيق مكتوم:
عشان هى فعلًا أهم حاجة عندي.
لانت نظرة محي قليلًا وهو يجيبه:
ما أنا عارف... وعشان كده بقولك إهدا...
الست لما تحس إنها متراقبة طول الوقت بتختنق، لكن لما تحس إن الراجل ثابت وواثق فيها... هى بنفسها بتقرب.
مرر فاروق يده على وجهه بإرهاق قائلًا:
المشكلة إني كل ما أحاول أسيب لها مساحة، ألاقيها بتبعد أكتر.
تبسم محي بخفة وقال:
لأنك بتسيب مساحة بجسمك... لكن بعينيك وتصرفاتك لسه ماسكها...
عهد ذكية، وبتلقط خوفك وتوترك بسرعة.
رفع فاروق حاجبه بضيق:
يعني أعمل إيه تاني.
مال محي نحوه قائلًا بنبرة ذات معنى:
عاملها براحة... بدون ترقب.
قرب منها من غير ما تستنى مقابل كل مرة.
خليها تتعود إن وجودك جنبها مش معناه ضغط ولا مطالبة ولا حساب.ولما تحس إنك بقيت أمان فعلًا... ساعتها هى بنفسها هتفتح لك الباب اللى إنت عمال تخبط عليه بعنف من أول يوم...
كمان عهد لازم تحس إنك ممكن تبعد عنها.
تنهد فاروق باستغراب قائلًا:
مش فاهم هبعد..
قاطعه محي قائلًا:
إنت لازم تسيب البيت.
عقد فاروق حاجبيه بحدة وهو يعتدل فى جلسته قائلًا بعدم تصديق:
أسيب البيت.. إنت بتقول إيه يا بابا.
ضحك محي بخفة وهو يلوح بيده:
إهدى يا ملك... ماقولتش تطلقها، قولت تسيب لها مساحة تحس بغيابك شوية بدل ما هى مخنوقة من حضورك طول الوقت.
ظل فاروق ينظر له بعدم اقتناع واضح، فأكمل محي بهدوء:
إنت بقالك شهور عامل حوالين البنت حصار كامل... بعصبيتك، بغيرتك، بمراقبتك ليها حتى بسكوتك...
عهد عمرها ما لحقت تشتاقلك أصلًا.
تهكم فاروق بآسف قائلًا:
تشتاقلي دى أول ما بغيب عنها بتتنفس براحة.
هز محي رأسه مبتسمًا:
ده اللى إنت فاكره... لكن فى فرق بين واحد وجوده ضاغط، وواحد غيابه مريح...
إنت لو بعدت بهدوء، بدون خناق ولا عقاب، هتبدأ تشوف هى فعلًا متعلقة بيك قد إيه.
زفر فاروق بضيق قائلًا:
وبرضو مش فاهم إيه لازمة اللعبة دي.
اقترب محي قليلًا وقال بنبرة أخفض:
مش لعبة يا فاروق... فرصة...
فرصة لعهد تفهم مشاعرها بعيد عن وجودك المستمر قدامها.
وفرصة ليك تبطل تتعامل بخوف كل دقيقة كأنها هتضيع منك.
صمت لحظة ثم أضاف بخبث خفيف:
وبعدين... الستات يا ابني مهما قالوا إنهم بيكرهوا السيطرة، بيحبوا يحسوا إن الراجل قادر يبعد ومش ملهوف طول الوقت.
رمقه فاروق بنظرة جانبية قبل أن يقول ساخرًا:
إنت داخل تشرحلي الستات دلوقتي.
ضحك محي فعلًا هذه المرة وقال:
أمال فاكرنى إتجوزت أمك إزاى بالعافية.
رغم ضيقه، خرجت من فاروق ضحكة قصيرة رغماً عنه.
استغل محي ذلك وأكمل بجدية أخف:
إسمع كلامي... لازم تسيب البيت كام يوم
لا خناق، لا تجاهل متعمد، لا برود زيادة عن اللزوم.
خليك طبيعي... لكن بعيد.
ثم نظر له مباشرة وأضاف:
لو عهد فعلًا قلبها بدأ يتعلق بيك، أول مرة تحس إن البيت فاضي منك هتتلخبط... وساعتها بس هتعرف وجودك عندها عامل إزاي.
ظل فاروق صامتًا يفكر، بينما أكمل محي بابتسامة ذات معنى:
وأهو بالمرة نعرف مين فيكم اللى هيستحمل البعد أقل من التاني.
اومأ فاروق بفهم ثم ضحك فعاود محي الحديث... وسهل تسيب البيت عندي الطريقة بس هتكلفك.
نظر له فاروق سائلًا:
مش فاهم قصدك.
تبدلت نظرة الأبوة من محي الى نظرة أخرى تعقد صفقة قائلًا:
المناقصات اللى إنت وأخوك عمالين تاخدوها من قدامي، منظري فى السوق.
ضحك فاروق قائلًا:
البيزنيس مفهوش مشاعر يا حح محي.
نظر له بغيظ مرح قائلًا:
أنا اللى كبرتكم،. بس مش تكبروا عليا، أنت عاوز عهد تجي لعندك، يبقي نعقد إتفاق.. أنا هخليها تجي لعندك، فى المقابل أدخل شريك فى المناقصة الجاية.
تنهد فاروق قائلًا:
تمام أنا هستغني عن جزء من حصتي فى المناقصة، عشرة فى المية.
نظر لها محي بتهكم قائلًا:
لا يا حلو إنت هتستغني عن نصيبك كله وأنا هدخل مشاركة مع محسن.
تفاجئ فاروق، وكاد يعترض، لكن نظرة الثقه من محي جعلته يستسلم قائلًا:
موافق هاخد بس عشرة فى المية من المناقصة.
فكر محي ثم ضحك يومئ براسه قائلًا:
وماله هعتبرها سمسرة.
ضحك فاروق فتحدث محي:
نجي بقي للخطة اللى هتخلى عهد تحيلك برجليها، إحنا هنعمل تمثلية اني إتفاجئت إنك بتلعب من ورا ضهرى وهتعصب عليك، تقوم إنت تتحمق وتسيب البيت... وبعد كده الباقي إنت وشاطرتك، بس فى تحذير ترجع البيت تاني قدامك يومين تلاته.
وافق فاروق على ذلك، لكن لم تكن الصفعة مخطط لها.
[عودة]
حين إعترض فاروق قائلًا:
بما إن القلم مكنش فى الاتفاق فانا بتراجع... كفاية نسبة خمسه وعشرين فى المية من الصفقة.
رفع محي عينيه نحو فاروق قائلًا بهدوء غامض:
إفتكر كويس الإتفاق يا ملك... أنا قولتلك هجيبها لحد عندك وده حصل ولا لاء.
عقد فاروق حاجبيه وضحك قائلًا:
حق القلم يا حج.
نظر له محي بغيظ مرح قائلًا:
صدق اللى سماك "ملك" بتتشطر على ابوك يالا تمام موافق على نسبة خمسة وعشرين فى المية بس تقنع أخوك محسن، معترض بيقول دي صفقة إنت وهو مرتبين لها، ومينفعش.
تنهد فاروق قائلًا:
تمام هقنعه.. بس..
تسأل محي:
بس إيه.
أجابه فاروق:
تسيبني كمان يومين مع عهد هنا فى المزرعة أنا مش عارف رد فعلها لما أقولها اني هرحع للـ البيت مرة تانيه، لازم أمهد لها، لا تشُك إنها كانت تمثلية.
وزن محي حديثه برأسه وأومأ قائلًا:
تمام بس هما يومين بالظبط وترجع البيت والا وقتها هعتبر الاتفاق لاغي وهاخد نسبتك كاملة.
ضحك فاروق كذالك محي شعر بانشراح فى قلبه من ملامح فاروق التى تبدلت من الوجوم معظم الوقت الى راحة ظاهرة عليه وهذا يكفيه حتى لو لم ينال أي نسبة من تلك الصفقة. .. فالخسارة مقابل لحظة سعادة على وجع فاروق مكسب.
❈-❈-❈
بعد وقت قليل..
أثناء دخول عهد بالسيارة الى المزرعة رأت سيارة تعلم أنها سيارة والد فاروق إستغربت ذلك، زاد فضول داخلها، لكن تبسمت وهي تترجل من السيارة لـ فاروق الذي يقف بنهاية ذاك السُلم... ثم توجهت للناحية الأخرى من السيارة فتحت الباب تبتسم قائلة:
معايا مفاجئه.
تبسم فاروق بحنان لـ ياسين الذي ترجل من السيارة توجه نحوه مباشرةً، إستقبله بحنان، ثم وقف قائلًا:
أحلى مفاجأة.
تبسمت عهد وهي تنظر الى فاروق سائلة:
مش العربية اللى لسه خارجه من باب المزرعة عربية عمو محي.
أومأ قائلًا:
ايوه.
تسألت بفضول:
وكان بييعمل إيه هنا، هو لسه زعلان منك.
أجابها:
لاء...
قاطعته بتسرُع:
كان جاي يصالحك.
أومأ براسه ينظر لها ينتظر رد فعلها قائلًا:
ايوه.. كمان طلب مني أرجع للبيت.
- وإنت وافقت.
هكذا سألت عهد بترقُب، فهز فاروق رأسه قائلًا:
قولت له سيبني يومين أفكر، إنتِ إيه رأيك.. فى النهاية ده بيتنا، مش معقول هنفضل كده متشتتين، أنا وإنتِ هنا فى المزرعة، وياسين عند عمي توفيق.
تلكأت عهد قليلًا، داخلها تناقُض، ظلت صامته، قطع صمتها باسين الذي قفز قائلًا:
أنا عاوز اركب حصان.
قطع ذلك أيضًا نظرة فاروق لـ عهد، كان يترقب ردها لكن حماس ياسين قطع ذلك، ليتأجل لاحقًا.
بعد وقت ضحك فاروق وهو يُعدل ياسين أمامه على ظهر أحد الخبول قائلًا بتلميح صريح:
عهد بتخاف تركب الحصان.
ضحك ياسين بطفولة قائلًا :
انا مش بخاف يا بابا، عشان أنا راجل.
تبسمت عهد وهي ترفع يدها على وجنة ياسين قائلًا بمرح:
الراجل يبقى راجل فى كله مش بس ركوب الخيل، لكن حتى مش بيعرف يلبس الشوز لوحده، ضحك فاروق بينما تذمر ياسين لحظات
سار فاروق بالحصان بسرعة مقبولة، كانت ضحكات ياسين تتعالى مع كل خطوة يخطوها الحصان، بينما يحاول بكل جدية أن يُمسك اللجام وحده، يهتف بحماس طفولي:
سيبهولي يا بابا... أنا هعرف أسوقه.
ضحك فاروق وهو يثبت يده حوله بحذر قائلًا:
تسوقه إيه ده حصان مش عربية لعبة بالريموت.
إبتسمت عهد دون تلمع عينيها يخفق قلبها بإنشراح وهي تراقبهما...
ذلك المشهد تحديدًا كان يربكها دائمًا، رؤية فاروق مع ياسين.
كل القسوة والحدة التى تعرفها عنه تختفي بطريقة غريبة أمام الطفل، وكأن رجلًا آخر يظهر لا يراه سواهما...
إفترب فاروق من مكان وقوفها كأنه التقط شرودها، ثم قال بنبرة تحمل تلميحًا واضحًا:
لسه عند رأيك الخيل مخيف.
ضيقت عينيها بخفة وهي تدرك مقصده فورًا قائلة بتأكيد مرح:
آه مخيف... خصوصًا لما يكون اللى ماسك اللجام شخص مستفز.
ضحك فاروق بصوت خافت بينما صاح ياسين بحماس:
عهد تعالى اركبي معانا.
هزت عهد رأسها سريعًا برفض:
لا يا حبيبي، أنا بتفرج أحسن.
لكن ياسين لم يستسلم، أخذ يلوح لها بيده الصغيرة قائلًا برجاء طفولي:
عشان خاطري... مرة واحدة بس.
نظرت عهد نحو فاروق بتردد واضح، فلاحظ هو ذلك فورًا.
خفض صوته قليلًا وقال بهدوء غير معتاد:
متخافيش مش هسيبك تقعي.
تحددت نظراتها عليه للحظة...
الجملة كانت بسيطة جدًا، لكنها خرجت منه بطريقة جعلتها تشعر بشيء دافئ ومربك معًا.
تهربت سريعًا من النظر إليه قائلة بتوتر خفيف:
أنا فعلًا بخاف.
أمال رأسه قليلًا ثم قال بنبرة أخف:
وأنا قولتلك إني موجود.
ساد صمت قصير، قطعه ياسين وهو يتذمر بطفولة:
يعني إيه هفضل أنا لوحدي الراجل الشجاع هنا.
ضحكت عهد رغماً عنها، بينما استغل فاروق تلك اللحظة ومد يده نحوها بثبات:
تعالي... ومتخافيش.
ترددت للحظات قبل أن تقترب ببطء، وعيناها لا تتركان الحصان بتوجس واضح...
وما إن أصبحت قريبة حتى قبض فاروق على يدها بحركة ثابتة، ثم جذبها بخفة لتجلس أمامه.
شهقت عهد بتوتر فور شعورها بذراعه تحيط بها لتثبيتها، بينما ضحك ياسين بسعادة وهو يصفق:
هييه عهد ركبت الحصان.
أما فاروق...
فلم يضحك هذه المرة...
كان ينظر إلى جانب وجهها القريب منه للغاية،.. يشعر بارتجافها الخفيف بين ذراعيه، ويبتسم داخله فقط لأنه للمرة الأولى تقبل إمتطاء الخيل... لحظات هادئه سار الحصان بخطوات هادئة فوق الرمال الممتدة، بينما النسيم الخفيف يحرك خصلات شعرها المتحررة...
كانت متيبسة قليلًا فى البداية، أصابعها متشبثة بحافة السرج بتوتر واضح، لكن مع مرور اللحظات بدأت أنفاسها تهدأ تدريجيًا...
بينما فاروق...
فكان يشعر بكل تفصيلة صغيرة تخصها بهذه المسافة القريبة رائحة عطرها الهادئة...
خفض رأسه قليلًا بالقرب من أذنها وقال بصوت هادئ:
لسه خايفة.
ترددت لحظة قبل أن تجيب بصوت منخفض:
أقل شوية.
إبتسم دون أن تراه عينيه، ثم شد اللجام برفق ليبطئ الحصان أكثر.
فى الأمام كان ياسين يضحك بحماس فوق الحصان الآخر مع العامل، يلتفت إليهما بين الحين والآخر ليصرخ بفخر:
بصوا أنا أسرع واحد.
ضحكت عهد بخفة حقيقية هذه المرة، فمال فاروق بعينيه نحوها تلقائيًا.
توقفت أنفاسه للحظة وهو يراها تضحك من قلبها
همس دون تفكير:
ضحكتك حلوة يا عهد.
إختفت ضحكتها فورًا، وتوتر جسدها قليلًا من جديد، وكأنها تذكرت فجأة قربه الشديد منها.
إدرك فاروق ذلك فورًا، فتنهد بخفوت وهو يبتعد سنتيمترًا للخلف متعمدًا أن يمنحها مساحة دون أن يحرجها.
راقبت ذلك بطرف عينيها بصمت...
ثم قالت بعد لحظة وكأنها تحاول تغيير الحديث:
واضح إن ياسين مبسوط جدًا.
أجابها وهو ينظر أمامه:
عشانك معاه
التفتت إليه باستغراب خفيف، فأكمل بهدوء:
الولد بيحب لما يشوفنا سوا من غير خناق.
ساد صمت قصير، صمت هادئ يشبه استراحة قصيرة من كل التوتر المتراكم بينهما...
ثم تحرك الحصان بخطوة مفاجئة بسيطة جعلت عهد تنتفض بخفة، لتتشبث تلقائيًا بذراع فاروق.الذي تبسم
فقد كان تمسكها بيده.. وثقة خرجت منها بعفوية دون أن تشعر.
سارت الخيل والشمس تميل للغروب تعكس أشعتها ظلالًا دافئة.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
ظهرًا بالجامعة..
صدفة غير طيبة، حين كان يسير كنان بالممر رأي غزال تسير مع بعض زملائها كان منهم شابً يسير لجوارها بتوازي، شعر بضيق، لاحظت غزال سيره بالمقابل رف قلبها، بداخلها تمنت لو أنها اباحت بل وذهبت نحوه، ويعلم الجميع أنها زوجته، لكن هو حذرها من ذلك، كذالك إخفاؤه لصور الزفاف ومنع نشرها، يعلمون أنه تزوج، لكن من من، با يعلمون أنها هي، ابتلعت غصتها، وأكملت سير، لكن أثناء سيرها صدح رنين هاتفها، أخرجته من حقيبتها وقرأت تلك الرسالة المُختصرة:
أنا هقف بالعربية على أول الشارع عاوزك فورًا.
بتوتر وضعت هاتفها بحقيبتها فكرت بتجاهل رسالته لكن سمعت صوت رساله أخري، خجلًا من زملاؤها قرأت الرسالة التاليه:
خمس دقايق تكوني عندي.
انسحبت من بين زملاؤها ذهبت نحو المكان الذي قال عليه، توترت حين رأته يقف أمام السيارة يبدوا متحفزًا، زاد ذلك حين إقتربت منه، لم ينتظر
أمسك بمعصمها وسحبها نحوه بحركة سريعة.
شهقت بدهشة، وارتفعت عيناها إليه فورًا.
تحدثت بصوت منخفض لكنه مشدود:
في إيه.
نظر لها لحظة دون أن يترك معصمها، وعيناه تضيقان قليلًا وكأنه يحاول قراءة ما بداخلها. قال بصوت خافت لكنه حازم:
كنتِ رايحة فين.
قطبت حاجبيها بدهشة، وحاولت سحب يدها قليلًا من قبضته قائلة:
لسه عندي محاضرة سيب إيدي... خليني الحقها.
حاولت سلت يدها
لكن قبضته لم ترتخي، بل اقترب خطوة أخرى حتى لم تعد المسافة بينهما سوى أنفاس متلاحقة...تحدث بنبرة امتزج فيها الغضب بشيء آخر أكثر غموضًا:
مش مهم تحضريها،خلينا نرجع للبيت.
كادت أن تعترض،لكن فتح باب السيارة وزج بها عنوة حتي دخلت الى السيارة إتقاءّا من نظرات البعض.
صعد هو الآخر نحو المقود،وقاد بسرعة قليلًا ثم ابطئ،تنفس بقوة قائلًا:
شوفتك من شوية… كنتِ واقفة بتضحكي مع مين ده.
اتسعت عيناها قليلًا، ثم رفعت ذقنها بعناد:
ده واحد زميلي... وبعدين وده يضايقك في إيه.
صمت لحظة، كأنه يبحث عن إجابة لا يريد الاعتراف بها. نظراته انزلقت إلى عينيها ثم إلى شفتيها سريعًا قبل أن يعيدها إليها.
قال أخيرًا بصوت أخفض:
يضايقني… طبعًا... متنسيش إنك مراتي، وأنا يهمنني منظري، محبش يتقال إن مراتي بتصاحب شباب.. وبتمشي معاهم..
تسارعت دقات قلبها رغم محاولتها إخفاء ذلك، وقالت بنبرة حاولت أن تبدو ثابتة:
ياريت إنت اللى تحسن أسلوبك معايا، أنا مش بصاحب شباب، مش أكتر من زميل، ومكنتش ماشيه معاه لوحدي، إحنا كنا مجموعة شباب وبنات ومتخفش محدش فى الجامعة يعرف إني مراتك..
توقفت عن الكلام، حين أوقف السيارة بتعسُف، شهقت من المفاجاة لكن إرتبكت حين جذها إليه ، حتى شعرت بأنفاسه القريبة...
دون إنتظار بلع شهقة شفتيها بين شفتيه يُقبلها
بقوة مصحوبة بقسوة وتملُك.
تجمدت للحظة من صدمة اندفاعه، لكن قبضتها انغلقت فوق قميصه بعفوية قبل أن تدرك ما تفعل.
كانت قبلته حادة… غاضبة… وكأنه يصب فيها كل ما عجز عن قوله منذ رآها تضحك مع ذلك الشاب.
حاولت أن تدفعه بعيدًا، لكنه كان يُحاصر وجهها بين كفيه، يُقبلها بإصرار جعل أنفاسها تتعثر.
وحين ابتعد أخيرًا، ظلت تنظر إليه بذهول وأنفاسها مضطربة.
قالت بصوت مرتجف امتزج فيه الغضب بالارتباك:
إنت… إنت مجنون.
مرر يده في شعره بعصبية، ثم التفت إليها بعينين مشتعلة قائلًا:
أيوه… يمكن.
بس المنظر ده جنني… إني أشوفك واقفة تضحكي لواحد غيري وكأن مفيش بينا حاجة.
حدقت فيه غير مصدقة، ثم قالت بعناد:
وأنا ذنبي إيه إنك عمرك ما فهمتني إن بينا حاجة أصلًا... طول الوقت بتعاملني كأني فرض عليك.. رغم إنت عارف من البداية قولت ننهي الموضوع إنت اللى صممت تكمل وتتجوزني.
انعقد فكه بقوة، وكأن كلماتها أصابته في مكان لا يريد لمسه...
ظل صامتًا ثواني، ثم قال بصوت أخفض كأنه اعتراف:
لو كنتِ فرض… مكنتش هفقد أعصابي بالشكل ده.
ارتبكت ملامحها رغمًا عنها، فاستغل ارتباكها واقترب قليلًا، لكن هذه المرة دون عنف.
رفع يده ببطء وأزاح خصلة شعر هربت من حجابها ، وعيناه ثابتتان عليها بشكل أربكها أكثر.
همس:
إنتِ مش فاهمة بتعملي فيا إيه يا غزال.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشيح بعينيها عنه: ابعد عني… وسيبني أنزل.
لكن بدلًا من أن يتحرك، مال نحوها مرة أخرى حتى شعرت بحرارة أنفاسه قرب أذنها، وقال بنبرة خافتة تحمل تملكًا واضحًا:
مش قبل ما أفهم حاجة واحدة...
لما كنتِ بتضحكي معاه كده… كنتِ مبسوطة.
رفعت عينيها إليه بسرعة، وكأن سؤاله باغتها أكثر من قربه نفسه.
تلعثمت للحظة قبل أن تقول بحدة محاولة الهروب من تأثيره عليها قائلة:
مين قالك كده ده زميلي مش أكتر.
ابتسم بسخرية خافتة، لكن الغيرة كانت واضحة بعينيه بشكل فاضح.
قال وهو يراقب ارتباكها:
زميلك...
إنتِ لحد دلوقتي مش مستوعبة إن أكتر حاجة ممكن تستفزني… إني أشوفك ماشية مع شاب.
قطبت حاجبيها بعدم فهم:
تقصد إيه.
ضحك بخفة بلا مرح، ثم أسند رأسه على المقعد للحظة قبل أن يعود بعينيه إليها:
ثم قال بهدوء أربكها أكثر من غضبه:
أنا ليه مش بعرف أكون هادي معاكِ
كل ما بقرب… بحس إني بفقد السيطرة.
تسارعت أنفاسها دون إرادة منها، فابتعدت بجسدها قليلًا حتى التصقت بباب السيارة.
لكن عينيه ظلتا معلقتين بها، وكأنه يقرأ ارتباكها بالتفصيل... همست بتوتر قائلة باستهزاء موجع قائلة:
عشان أنا وشي مستفز، مرات بابا قالت لى كده، كمان قالت لى إني مش هعمر فى الجواز عشان أنا مش بعرف أتكيف مع اللى قدامي، ويمكن مش مقدرة النعمة اللى أنا فيها..
توقفت تتنهد بحسرة قائلة:
زمان المخاضرة اشتغلت ودكتور المادة مش هيسمح بدخولى، رجعني البيت... لو مش فاضي أنزل أخد اي مواصلة توصلني.
نظر لها لوهله لم يرا تلك الدموع التي تكبتها
رفعت ذقنها بعناد رغم احمرار وجنتيها..
فجأة مد يده ببطء، وأمسك كفها هذه المرة برفق عكس سابقه تمامًا...
تجمدت وهي تشعر بإبهامه يمر فوق أصابعها بحركة بطيئة جعلت قلبها يرتبك أكثر...
قال بصوت منخفض:
بلاش تسمعي لكلام مرات باباكِ الفارغ.. وبطلي ترجفي كده.
نظرت إلى يدها بين يديه ثم إليه بسرعة، محاولة سحبها، لكنه تشبث بها برفق هذه المرة لا بقوة.
ثم انطلقت السيارة مجددًا وسط صمت، ومشاعر بدأت تظهر حقيقتها رغم عنادهما معًا.
❈-❈-❈
لا فائدة بها، رغم تحذيره لـ رابيا أن تستبعد والدتها عن حياتهما، لكن ها هي تخبرها عبر الهاتف بأدق تفاصيل يومها، وكأن حياتهما المشتركه ليست سوى حديث عابر يُنقل عبر الهاتف..
وقف عند عتبة الغرفة يستمع لصوتها المنخفض، ملامحه جامدة لكن عينيه تضيقان شيئًا فشيئًا...
كانت تضحك بخفة وهي تقول:
ـ لا يا ماما، هو بس كان متعصب شوية الصبح… بسبب الشغل.
ضغط على فكه بقوة، يشعر بذلك الضيق المعتاد يتمدد داخل صدره.
لم يكن يكره والدتها… بل يكره ذلك الشعور بأن هناك دائمًا طرف ثالث بينه وبين زوجته.. د
إلتفتت رابيا فجأة فتجمد صوتها حين رأته واقفًا يراقبها.
إرتبكت قليلًا ثم قالت لوالدتها بسرعة:
هكلمك بعدين يا ماما.
أغلقت الهاتف ببطء، بينما تقدم هو للداخل بخطوات هادئة على نحوٍ أثار توترها أكثر من غضبه المعتاد.
تحدث أخيرًا بصوت منخفض مُبطن باستهزاء:
قفلتي ليه كنتِ كملي لها بالتفصيل اكتر.
توترت قائلة بتبرير كاذب:
كانت بتتصل تطمن عليا أنا والبنات.
ضحك بسخرية قصيرة، ثم مال برأسه قليلًا:
أه كتر خيرها، بتطمن كمان عشان تعرف إنى كنت متعصب الصبح… وفطرتِ إية.
إزدادت ضربات قلبها وهي تراه يقترب أكثر، حتى توقف أمامها مباشرة.
قال بنبرة أخفض لكنها أشد:
كمان تعرف إحنا نمنا مع بعض ولا لأ؟.. ده كمان من ضمن الحكاوي اللي بتتحكي.
إتسعت عينا رابيا بصدمة، ثم اندفعت تقول بغضب مكتوم:
إنت إزاي تفكر كده أصلًا.
لكن نظرته بقيت ثابتة عليها، قاسية بشكل أربكها...تحدث ببطء:
لأن مفيش حاجة بتفضل بينا. كل تفصيلة بتوصل لمامتك.
هزت رأسها بعنف،
ساد الصمت للحظات، ثقيل ومشحون، بينما كانت أنفاسها تتسارع من الانفعال...
أبعدت وجهها عنه محاولة التماسك، لكنه لاحظ ارتجافة أصابعها الصغيرة...
تنهد أخيرًا، وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه، ثم قال بصوت أخف قليلًا:
أنا مش ضد مامتك يا رابيا… أنا ضد إني أحس إن علاقتي بمراتي مبقتش خاصة بينا.
قال ذلك وغادر الغرفة بل الشقة بأكملها
أغمضت عينيها بضيق، ثم جذبت الهاتف من فوق الطاولة بسرعة وكأنها ستتصل بوالدتها تلقائيًا… لكنها توقفت قبل أن تضغط أي شيء.
نظرت للشاشة طويلًا.
لأول مرة تشعر بتردد حقيقي...
زفرت بعصبية وألقت الهاتف جانبًا، ثم جلست على طرف الأريكة تضم ذراعيها حول نفسها.
كانت غاضبة منه… من طريقته… من حدته… لكن خلف ذلك الغضب كان هناك شعور آخر يزعجها أكثر؛
شعور بأنه خرج هذه المرة وهو متألم فعلًا، لا غاضب فقط...
بينما
كان يقود سيارته بسرعة أكبر من المعتاد، وملامحه متجهمة بينما يضغط بقوة على المقود.
حاول إقناع نفسه أنه محق...
أنه فقط يريد حدودًا واضحة لحياتهما...
لكن صورة ارتباكها وهي تنظر له قبل خروجه لم تفارق ذهنه...
أبطأ السيارة أخيرًا بعدما تنهد بتعب، ثم مرر يده فوق وجهه هامسًا لنفسه بمرارة:
كل مرة أحاول أنسي وأقرب منها… تحسسني إن فيه مسافة مستحيل تتقفل... رابيا محتاجة صدمة عشان تفوق من سطوة مامتها.
❈-❈-❈
هولندا
وصلت يارا قبل ساعات كانت تنتظر ان يكون نديم بإنتظارها فى المطار يبثها شوقه لها أن يضمها بقوة بعد غيابها الطويل…
أن يلومها على تركه وحيدًا كل تلك الفترة… حتى غضبه كانت تتقبله...بسبب غيابها
لكن لا شيء حدث.
خاب ذلك، وها هي منذ ساعات وحدها بالشقة تنتظر هي عودته...
ابتلعت غصتها وهي تسند رأسها للخلف هامسة بضيق:
واضح إني أنا الوحيدة اللي كان فارق معاها البعد.
صدح هاتفها
التقطته سريعّا… وعيناها لمعتا للحظة عندما ظهر اسم نديم.
فتحت المكالمة فورًا..
جاءها صوته منخفضًا ومتعبًا:
وصلتي.
تجمدت ملامحها لثانية من السؤال البارد… ثم قالت بفتور:
آه وصلت… من ساعات
تنهد بتعب وقال بإختصار
حمد الله على السلامة.
انتظرت…
ربما سيقول اشتقتلك… آسف… أي شيء…
لكنه تابع بهدوء:
معليش يمكن أتأخر شوية.
شعرت بشيء ينقبض داخل صدرها.
ردت وهي تحاول إخفاء خذلانها:
براحتك.
وكادت تغلق، لكنه قال فجأة:
يارا.
صمتت تنتظر.
تنهد ببطء… وكأنه يقاوم شيئًا داخله، ثم قال: ما تناميش غير لما أرجع.
ارتجفت أنفاسها قليلًا رغمًا عنها…
كانت تعرف نديم جيدًا… ذلك الرجل لا يطلب شيئًا بصوت كهذا إلا عندما يكون مشتاقًا حد الاختناق… لكنه يكابر فقط...
أغلقت الهاتف ببطء، ثم ضمت الوسادة لصدرها وهي تنظر نحو باب الشقة من جديد…
تنتظره هذه المرة بقلب أخف قليلًا… لكنه لا يزال موجوعًا.
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
بشقة فاروق
دلف خلف عهد وياسين الذي يتثائب..
ضحكت عهد قائلة:
اللى كان عاوز يسهر يسمع فيلم كارتون بينام على نفسه.
ضحك فاروق هو الآخر بينما تذمر ياسين الذي يغلبه النعاس، تبسمت عهد قائلة:
تعالي اغيرلك هدومك عشان تنام وبطل مقاوحة.
استسلم ياسين لذلك، بنفس الوقت صدح هاتف فاروق تبسم وهو ينسحب للخارح،
بدلت عهد له الثياب، ودثرته بالغطاء لم يقاوم وغفي سريعًا، تنهدت عهد وهي تجذب منامة خاصة لها بدلت ثيابها، وكادت تصعد على الفراش الآخر لكن توقفت حين شعرت بقبضة يد فاروق على معصمها قائلًا:
كفاية يا عهد، تعالي معايا.
لم تعترض وسارت معه الى غرفته.. تبسم لها قائلًا:
الأيام اللى فاتت كنتِ بتنامي فى حضني كل ليلة، الأوضة دي أنا كنت بنام فيها لوحدي.
فهمت عهد أن تلك الغرفة لم يكن يُشاركها مع فرح غص قلبها للحظات، رفع فاروق يده، رفع وجهها قائلًا:
دي أوضتنا.
حاولت الهروب بعينيها بعيد عنه، لكن ثبت وجهها بين يديه، تلاقت عيناهم غصبّ، تيسم على ذلك الخجل، وشفاها اللتان تضمهما معًا، إنحني يُقبلها قبلة طويلة قليلًا، دافئة بما يكفي لتبدل ارتباكها.
ثم همس وهو لا يزال قريبًا:
إنتِ مش ضيفة هنا… ده مكانك جانبي هنا.
رفعت عينيها تنظر له بإرتباك نطقت أسمه:
فاروق...
قاطعها لكن ليس بالكلمات بل بالقُبلات التي تجاوبت معه وإزدادت شغفًا، تتجاوب مع مشاعره وهو يحملها يضعها فوق الفراش وإنضم لها يستمتع بليلة يتألف معها بمشاعر زوج وزوجة.. صمتت الكلمات بينهما تمامًا، وكأن المسافة التي كانت بينهما لم تعد تحتاج شرحًا...
انخفض الضوء في الغرفة تدريجيًا، بينما ظلّ الصخب بينهما ممتلئًا بشيء جديد… ليس اندفاعًا، بل بداية فهم أعمق لوجودهما هنا معًا، كزوجين.
بعد وقت كان فاروق يضمها بين يديه بقوة، وهي تضع رأسها على صدره، تفوه بعد وقت سائلًا:
مكنش نفسك تلبسي فستان الزفاف.
أغمضت عينيها للحظات ثم قالت:
اقولك سر.. عمري ما تخيلت نفسي أني هتجوز أصلًا، فكرة الجواز كانت مستبعدة عندي.
أومأ فاروق مبتسم ثم ساد صمت غفوتهما...
لكن فجأة صحوت عهد تشعر بغثيان مفاجئ،بصعوبة تسحبت من ضمة فاروق ذهبت للحمام.. مازال الغثيان.. حتي بعدما أفضت ما بجوفها، استغربت ذلك الغثيان الذي إنتابها سابقًا... رغم عدم تناولها طعامً يسبب ذلك...
توقف عقلها للحظة تستوعب، الوقت... كيف لم تنتبه أن عادتها الشهرية قد تأخرت...
وضعت يدها فوق بطنها تنطق بذهول:
معقول أكون حامل!.
رواية عهد الدباغ الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل التاسع والثلاثون
بعد. مرور أكثر شهر
صباحً
بحديقة منزل الدباغ
توقفت غزال تلهث أمام محي الذي وضع يده فوق كتفها بحنو قائلًا:
خدي نفسك يا غزال.
تبسمت قائلة بلهاث:
صباح الخير يا عمي، كويس إن لحقتك قبل ما تخرج من البيت كنت عوزاك فى موضوع مهم.
تبسم قائلًا:
إهدى وخدي نفسك الأول.
ابتلعت ريقها قائلة بمراوغة :
عمو إنت تعرف إني خلاص خلصت إمتحانات ودي كانت آخر سنه ليا فى الجامعة.. والحمد لله أنا متعودة أنجح بتقدير كويس كل سنة، وكمان تعرف إني كنت بشتغل فى مركز طبي، بس طبعًا من يوم ما أتجوزت وأنا وقفت شغل فيه.
توقفت للحظة، تشعر بالندم أنها تركت العمل بذاك المركز لرغبة كنان فى ذلك، لكن تنهدت وهي تلتقط نفسها قائلة بتردُد:
أنا... أنا... كنت... أنا..
شفق محي على تلك عزيزة النفس، حرضها على قول ما تريد قائلًا:
كنت إيه، قولى وبلاش تردُد.
إبتلعت ريقها،مازالت تشعر بتردُد، لكن تفوهت بهدوء:
هو ممكن أشتغل عند حضرتك فى الحسابات، إنشاله تحت التمرين بدون مرتب.
صمتت غزال بعد كلماتها الأخيرة، وكأنها تخشى أن يكون طلبها ثقيلًا أو في غير موضعه… لكن نظرة محي لها كانت مليئة بالطمأنينة، وهو يقول بهدوء أبوي:
إنتِ زي يارا يا غزال، وأنا كنت مستني تاخدي راحة من الامتحانات وتستردي قوتك والنتيجة تظهر وكنت هقولك بنفسي تنزلي الشركة.
ثم أضاف مبتسمًا:
وبعدين مين قال تحت التمرين ومن غير مرتب.. إنتِ تعبتي وذاكرتي، ومن حقك تشتغلي وتكون ليكِ شخصيتك وشغلك.
اتسعت عيناها بدهشة لم تستطع إخفاءها، بينما تابع هو بنبرة تحفيزية أكثر جدية:
أنا عارف إنك سيبتي شغلك عشان كنان طلب ده… بس البنت المتعلمة لازم يبقى ليها كيانها، خصوصًا واحدة زيك.
خفضت غزال بصرها بخجل ممزوج بامتنان، وهمست:
أنا بس… مبحبش أبقى حمل على حد.
ربت محي على كتفها بحنان قائلًا:
إنتِ عمرك ما كنتِ حِمل يا بنتي... مكانتك عندي كبيرة.
شعرت بغصة حارة تصعد إلى حلقها من شدة تأثرها، خاصة أن تلك الكلمات البسيطة جاءت في وقت كانت تحتاج فيه لأن تشعر أنها مازالت تملك قيمة لدا أحدًا...
ابتسم محي فجأة قائلًا بمزاح خفيف:
بس عندي شرط.
رفعت رأسها سريعًا بقلق سائلة:
شرط إيه.
ضحك بخفة قائلًا:
تبطلي التوتر ده، وتيجي الشركة من أول الأسبوع الجاي.
انفرجت أساريرها أخيرًا، وظهرت ابتسامة حقيقية على وجهها وهي تقول بفرحة صادقة: بجد يا عمو.
أومأ لها:
بجد… وهتبدأي مع قسم الحسابات، وأنا بنفسي هتابع شغلك لحد ما تبقي واقفة على رجلك كويس.
لم تشعر بنفسها إلا وهي تقول بامتنان صادق: شكرًا… شكرًا جدًا... اوعدك هتعلم بسرعة ومش هخذلك.
تبسم لها محي بحنو كذالك هي لكن زالت بسمها
في نفس اللحظة تحديدًا، حين سمعت صوت بارد خلفهما يقول بنبرة حادة:
واضح إني جيت في وقت مؤثر جدًا.
تجمدت ابتسامتها فورًا وهي تستدير ببطء لتجد كنان يقف قريب منهما ينظر لها بنظرات جامدة أخفت داخلها غضبًا واضحًا.
بينما انعقد حاجبا كنان وهو يقترب بخطوات بطيئة، عيناه ثابتتان على غزال وحدها، أما هي فشعرت بتوتر مفاجئ يجتاحها، خاصة حين لمحت تلك النظرة التي تعرفها جيدًا… نظرة لم تكن هادئة أبدًا.
تحدث محي بهدوء طبيعي:
صباح الخير يا كنان.
أجاب ببرود دون أن يزيح عينيه عنها:
صباح النور يا بابا.
ثم نظر لغزال قائلًا بنبرة خافتة لكنها تحمل الكثير:
ممكن أفهم إيه اللي طلبتيه من بابا.
ارتبكت للحظة، لكن محي سبقها بالرد:
غزال كانت بتطلب تنزل تشتغل في الشركة بعد ما خلصت امتحاناتها... كتر خيرها أنا فعلًا محتاج لها.
تحولت نظرات كنان إليها فورًا، حادة ومتفحصة، كأنه يحاول استيعاب الأمر.
_ تشتغلي فى الشركة.
قالها ببطء شديد جعلها تشعر وكأن الكلمة نفسها تهمة.
حاولت التماسك وهي ترد بهدوء:
أيوه عمو محي وافق… حبيت أستفيد بشهادتي بدل ما أفضل قاعدة من غير أي حاجة أعملها.
ابتسم بسخرية باردة قائلًا بنبرة تشوبها تقليل شأن:
يعني مفكرة حسابات الشركة، زي حسابات مركز العلاج الطبيعي اللى كنتِ شغاله فيه، الفرق كبير.
شحب وجهها قليلًا من طريقته، بينما تدخل محي بحزم أخفاه خلف هدوئه:
كنان، مفيش مشكلة في إنها تشتغل... فى الشركة تتمرن لحد ما تفهم الشغل ماشي إزاي.
نظر له كنان للحظة، ثم عاد ببصره إليها قائلًا: وأنا إمتى اتاخد رأيي في الموضوع.
تجمدت ملامح غزال… لم تكن تتوقع أن يحول الأمر إلى مواجهة بتلك السرعة.
همست بتردد:
أنا كنت هكلمك…
قاطعها بحدة مكتومة:
بعد ما تخلصي اتفاقاتك مع بابا.. طبعًا بتستغلي عطف بابا.
ساد الصمت للحظات، شعرت بالإهانة تتسلل إليها تدريجيًا، لكن أكثر ما أوجعها أنه يتحدث وكأنها ارتكبت خطأ فقط لأنها طلبت أن يكون لها عمل... وأنها مُستغلة.
تنهد محي بضيق واضح قائلًا بتنبيه:
كنان، طريقة كلامك مش مناسبة.
ابتسم كنان ابتسامة خالية من المرح:
وأنا قولت حاجة غلط.. مراتي عايزة تنزل تشتغل، طبيعي أعرف قبل ما تطلب من حضرتك.
رفعت غزال رأسها أخيرًا، وعيناها تحملان خيبة واضحة وهي تقول بهدوء حاولت الحفاظ عليه: غنا مكنتش باخد إذن من حد يا كنان… أنا كنت بطلب فرصة
تبدلت نظراته للحظة… شيء ما في نبرتها أصابه، لأنها لأول مرة لا تبدو خائفة أو مترددة بالكامل أمامه.
لكن غروره منعه من التراجع، فقال ببرود: وفرصتك دي مكانها بيتك.
اتسعت عيناها بصدمة صغيرة، بينما أكمل هو: _أنا مش ناقص إن مراتي تبقى موظفة وتقضي يومها وسط الموظفين والحسابات وكلام الناس.
خيبة وحسرة في قلبها..
ضغطت على كفها بقوة حتى لا تهتز أمامه، ثم قالت بصوت منخفض لكنه ثابت:
غريبة… مع إنك المفروض شخص متحضر، ومش ضد شغل المرأة فى اي مكان..
ساد الصمت.
أما كنان… فتصلبت ملامحه فجأة، لأنه أدرك أنها لم تعد تبتلع كل شيء بصمت كما كانت بالفترة السابقة.
نظر محي بينهما للحظات بصمت… رأى الانكسار الذي حاولت غزال إخفاءه خلف ثباتها، ورأى أيضًا العناد المتصلب في نظرات كنان...
الأفضل له أن ينسحب الآن، حتى لا يكون طرفً فى المجادلة
تنهد بهدوء، ثم قال بنبرة حاسمة لكنها هادئة: أنا عندي معاد مهم في الشركة ولازم أمشي دلوقتي… بس كلامي لسه زي ما هو يا غزال... باب الشركة مفتوح ليكِ في أي وقت.
ثم التفت إلى كنان مضيفًا بنظرة ذات معنى: _
وفكر بهدوء قبل ما ترفض حاجة ممكن ترجع لها ثقتها بنفسها.
لم ينتظر ردًا، وغادر نحو سيارته بخطوات هادئة، تاركًا خلفه توترًا ثقيلًا خيم على المكان كله.
ما إن اختفى محي من أمامهما حتى ساد صمت خانق.
غزال كانت تنظر إلى الأرض، تضغط أصابعها ببعضها بقوة، تحاول السيطرة على تلك الغصة والخيبة اللتان تخنقنها...
بينما كنان فظل يراقبها بصمت للحظات، قبل أن يقول ببرود:
إيه.. زعلانة عشان رفضت، إنك تستغلي كرم بابا.
غصة قوية فى قلبها لكن لن تستسلم لاستفزاز ذلك المتعجرف...
رفعت رأسها إليه ببطء… وعيناها هذه المرة لم تكونا ضعيفتين، بل ممتلئتين بإرهاق عميق.
قالت بصوت منخفض:
أنا مش زعلانة لأن ده شيء متوقع منك، اللى فعلًا مضايقي، إنت ليه محسسني إني بطلب حاجة غلط... إيه الشيء السيء فى إني زي ما بتقول أستغل كرم عمو محي، يضايقك فى ايه.
عقد ذراعيه أمام صدره بغضب متحدثًا بنبرة فرض:
وأنا شايف إن نزولك الشغل ملوش لازمة.
ضحكت بخفة باهتة، ضحكة موجوعة أكثر منها ساخرة:
أصل طبعًا… الأكل والشرب وانتظار رجوع حضرتك... آخر طموح أي ست.
ضاقت عيناه بضيق قائلًا بنبرة عصبية:
متكبريش الموضوع يا غزال.
هزت رأسها بعدم تصديق، ثم قالت وهي تحاول التماسك:
إنت اللي دايمّا بتتعمد تصغرني يا كنان… من أول الجواز وأنا بسيب كل حاجة عشانك، شغلي، وقتي، حتى نفسي… وكل مرة أقول عادي… بس الظاهر إنك بس كنت عاوزني أمشي مزاجك... بدون شخصية.
اشتدت ملامحه فورًا قائلًا بنبرة تحذيرية:
غزال حاسبي على كلامك.
لكنها هذه المرة لم تتراجع...
اقتربت خطوة وهي تقول بصوت مرتجف من شدة القهر:
لا… إنت اللي تحاسب على كلامك.وتحكماتك
إنت عارف أنا قد إيه اتكسرت لما طلبت حاجة بسيطة بالشكل ده..
أنا حتى مقولتلكش هشتغل غصب عنك… كنت مستنية منك كلمة تشجيع واحدة… كلمة تحسسني إنك شايفني بني آدم ليه قيمة مش مجرد زوجة قاعدة تستناك ترجع البيت.
ساد الصمت.
تسارعت أنفاسها وهي تحاول منع دموعها من النزول، لكنها فشلت حين خرج صوتها مبحوحًا: أنا بقيت خايفة أطلب أي حاجة تخصني… لأنك كل مرة تخليني أحس إني طماعة لمجرد إني بفكر في نفسي شوية.
تجمد كنان مكانه.
ولأول مرة… لم يجد ردًا سريعًا يخرج من فمه.
لأن وجعها بدا حقيقيًا أكثر مما توقع.
ظل كنان صامتًا للحظات، ينظر إليها بملامح متجمدة، بينما كانت دموعها اللامعة وحدها كافية لتكشف كم كانت تقاتل حتى لا تنهار أمامه.
لكن بدل أن يدخل معها في جدال جديد… أخذ نفسًا طويلًا، ثم أشاح وجهه بعيدًا عنها وكأنه يحاول السيطرة على أعصابه.
قال أخيرًا بصوت منخفض وبارد:
مش ناقص وجع دماغ الصبح.
شعرت غزال وكأن كلماته صفعة أخرى، لكنه أكمل دون أن ينظر لها:
اعملي اللي إنتِ عاوزاه.
رفعت عينيها إليه بصدمة خافتة، إلا أنه لم يمنحها فرصة للكلام، فقد استدار متجهًا نحو سيارته...
ود الاعتذار لكن منعه التعالي... حبن
توقفت خطواته لثانية قبل أن يقول دون أن يلتفت:
بس لما تكتشفي إن الشغل ده مش هيديكي اللي متخيلاه… متقوليش إني مكنتش فاهمك.
قال ذلك ثم غادر
ظلت غزال مكانها للحظات، تحدق في الفراغ الذي تركه خلفه، وقلبها مثقل بشعور متناقض.
لم ينتصر النقاش… ولم تشعر بالراحة لأنه وافق على مضض..
بل شعرت بشيء أكثر إيلامًا… أن المسافة بينهما أصبحت أكبر من مجرد خلاف على وظيفة...
أغمضت عينيها للحظة، ثم مسحت دموعها سريعًا بكف مرتجف، تحاول استعادة تماسكها...
لكن داخلها كان يهمس بحقيقة لم ترد الاعتراف بها من قبل…
كنان ... لن يراها سوا بصورة واحدة، "إستغلالية" ظلت وحدها يزيد وهج فى قلبها..
كانت تسمع صدى كلماته الأخيرة داخل رأسها، لكن المؤلم حقًا… لم يكن رفضه أو سخريته.
بل ذلك البرود...
ذلك الانسحاب السهل… كأن الحديث عنها، وعن أحلامها، وعن وجعها… شيء لا يستحق حتى أن يقف لأجله.
أنزلت رأسها ببطء، تشعر بثقل غريب يجثم فوق صدرها، ثم جلست على المقعد الحجري القريب وهي تحاول التقاط أنفاسها.
ليست المرة الأولى منذ زواجهما… يتسلل لها ذلك الشعور بالخوف الحقيقي.
ليس الخوف منه.
بل الخوف على ذلك الترابُط الهش الذي بينهما.
تذكرت معاملته الجافة من البداية، كانت تكبت في قلبها
لكن الآن…
ها هي تبكي أمامه، وتتحدث عن انكسارها، وكل ما فعله أنه انسحب لأنه لا يريد "وجع دماغ".
ابتسمت بمرارة وهي تهمس لنفسها:
هتفضلي فى الدوامة دي قد إيه يا غزال.
شعرت بغصة حادة تخنقها فجأة.
ربما لأن داخلها كان يدرك شيئًا خطيرًا… أن الحب مؤلم اذا كان من طرف واحد وقد يتحول الى كراهية.
أحيانًا وينتهي بالصمت… بالبرود… وبشخصين توقفا عن محاولة فهم بعضهما...
ارتجفت شفتاها وهي تنظر نحو باب الحديقة الذي خرج منه منذ قليل، ثم همست بصوت متقطع:
أنا حاسة إن جوازنا بيخلص واحدة واحدة…
ولأول مرة… لم تكن تقولها بنبرة زوجة غاضبة تنتظر أن يأتي يومً ليراضيها...
بل كامرأة بدأ قلبها يصدق فعلًا أن النهاية قد تكون قريبة جدًا.
❈-❈-❈
مساءً
بشقة محسن
وقفت رابيا أمام الدولاب المفتوح، تطوي بعض الملابس بعشوائية بعدما أنهت ترتيب الغرفة،.. لكن يدها توقفت فجأة حين شعرت بشيء صلب صغير داخل جيب جاكيت محسن... نظرت الى تلك العلبة المُخملية
عقدت حاجبيها باستغراب وهي تُخرجها ببطء… علبة سوداء فاخرة، يتوسطها شعار محل مجوهرات معروف...
تسارعت دقات قلبها دون سبب واضح… فتحتها بحذر، لتتسع عيناها فورًا.
سوار نسائي رقيق يبدوا مرصع من الألماس، يلمع بشكل لافت تحت إضاءة الغرفة...
همست تلقائيًا:
يا نهار أبيض… لمين الانسيال ده.
ظلت تحدق فيه لثوانٍ، ثم رفعت رأسها ناحية باب الغرفة حين سمعت صوت محسن بالخارج.
دخل وهو يعدل ساعة يده، مرتديًا قميصًا أسود أنيقًا وعطره القوي يسبقه للغرفة. توقف مكانه فورًا حين وجد العلبة بيدها.
ساد صمت قصير…
قبل أن تقول ببطء وهي ترفع السوار أمامه:
ده إيه يا محسن.
تحرك ناحيتها بخطوات هادئة لكنه بدا متوترًا للحظة خاطفة:
وصلت بتفتشي في هدومي.
ضيقت عينيها وهي تضع العلبة فوق السرير قائلة:
أنا مش بفتش فى هدومك ن كنت برتب ااهدوم وبعدين لما ألاقي علبة مجوهرات مخبيا في قلب هدومك عايزاني أعمل إيه يعني.
زفر بخفة وهو يخلع أزرار كم قميصه:
قولتلك هدية.
رفعت حاجبها بسخرية خفيفة قائلة بنبرة سؤال:
بجد..ومن امتى بتهادى بهدايا ألماظ.
تأخر لثانية قبل أن يجيب عن قصد:
زوجة عميل مهم فى الشركة مراته عيد ميلادها، وأنا اللي اختارت الهدية.
راقبته رابيا بصمت… شيء في كلامه لم يُقنعها.
اليوم تحديدًا كان مختلفًا...
محسن الذي بالكاد يهتم بتناسق ألوان ملابسه، يقف الآن أمام المرآة منذ نصف ساعة… حليق الذقن بعناية، يضع عطره المفضل الذي لا يستخدمه إلا بالمناسبات الكبيرة، وحتى حذاؤه الأسود اللامع تأكد من لمعانه...
اقتربت منه ببطء وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها لاول مره تتجرأ وتسأل:
مرات عميل.. ولا مقابلة خاصة؟
التفت لها بنظرة ضيق قائلًا:
تقصدي إيه.
ابتسمت ابتسامة صغيرة باردة:
قصد إنك متشيك ولابس بطريقة ملفتة أوي… كأنك رايح تسهر مش شغل.
أخذ مفاتيحه من فوق الكومود قائلًا بغضب مكتوم:
يعني حتى وأنا نازل شغل لازم أتحاسب على القميص والبرفان.
ردت بهدوء مستفز:
لا خالص… بس أول مرة أشوفك مهتم بنفسك بالشكل ده من سنين.
سكت لحظة، ثم قال بنبرة أخف:
الاجتماع مهم يا رابيا، وفي ناس تقيلة هتحضره.
لكنها لم تُبعد عينيها عنه. كانت تراقب كل تفصيلة فيه… توتر أصابعه، تجنبه النظر مباشرة إليها، وحتى استعجاله الغريب للخروج...
اقتربت أكثر، ثم التقطت طرف ياقة قميصه بأصابعها وهي تقول بنبرة منخفضة:
الغريب إنك حتى ماقولتشلي الهدية دي ليا… رغم إن دي أول مرة تجيب حاجة بالشياكة دي.
رفع عينيه لها أخيرًا… وللحظة قصيرة شعر أنها ترى ما يحاول إخفاءه فعلًا.
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يُبعد يدها برفق قائلًا:
لما أبقى مقصر معاكِ اللى بيعجبك بتشتريه، كنت إعترضت... كفاية تحقيق مش لازم اتأخر.
قال ذلك وكاد يغادر
همست وهي تراقبه يتجه للباب:
غالبًا التأخير مش في الهدية يا محسن…
توقف مكانه للحظة دون أن يلتفت...
أما هي… فظلت واقفة وسط الغرفة، تنظر لباب الغرفة بعد خروجه، بينما ذلك الشعور الثقيل داخل صدرها يكبر ببطء…
شعور يشبه بداية اكتشاف لا تتمنى معرفته.
نزل محسن درجات السلم ببطء، بينما كلمات رابيا الأخيرة ما زالت تتردد داخل رأسه.
"غالبًا التأخير مش في الهدية يا محسن…"
ضغط على فكه بقوة وهو يفتح باب سيارته بعصبية مكتومة، ثم ألقى المفاتيح على المقعد المجاور بعنف خفيف قبل أن يسند رأسه للحظة فوق المقود.
زفر نفسًا طويلًا…
رابيا لازم تتغير... حتى لو بالصدمة.
هذه النبرة… هذا الشك الذي صار يملأ كلامها مؤخرًا… كلّه يشبه حديث والدتها بشكل مرعب...
والدتها التي لم تتوقف يومًا عن زرع السم داخل عقلها.
"الراجل لما يهتم بنفسه يبقى في واحدة تانية."
"الرجالة ما بيتغيروش فجأة من غير سبب."
"خدي بالك من جوزك قبل ما واحدة تانية تاخده منك."
"اربطيه بالعيال... الولد هو اللى هيربطه أكتر من البنات"
"كل الرجالة بتحب خلف الصبيان"
أغمض عينيه للحظة بضيق.
كان يرى الأمر بوضوح… رابيا لم تنظر له بعينيها هي، بل بعيني والدتها
حتى تفتيشها لملابسه لم يكن من طبعها قديمًا... رابيا التي كانت تثق به بعفوية، أصبحت تفتش جيوبه وتراقب مواعيده وكأنها تنتظر سقطة...
قبض على المقود بقوة أكبر.
لهذا فعلها…لهذا تعمد أن يترك العلبة أصلًا.
كانت لعبة محسوبة.
أراد صدمة صغيرة توقظها… تجعلها ترى كيف تحول زواجهم لعلاقة قائمة على الشك والترقب بدلًا من الحب..
همس لنفسه بسخرية مريرة:
أهو شوفتي نفسك وصلتي لإيه.
رفع رأسه للخلف وهو يتذكر نظرتها قبل قليل… لم تكن غيرة زوجة فقط... كانت خوفًا...
خوف امرأة تفقد الأمان داخل بيتها...
ولأول مرة شعر بوخزة ذنب حقيقية...
ربما بالغ… ربما كان يجب أن يواجهها مباشرة بدل تلك الطرق الملتوية...
لكن ماذا يفعل وهي كلما حاول الاقتراب منها، وجد صوت والدتها واقفًا بينهما..
حتى ضحكتها أصبحت أقل… حديثها معه صار حذرًا، وكأنها تستعد للخيانة قبل حدوثها.
أخرج هاتفه ونظر لصورة قديمة لهاما معًا… رابيا القديمة، بعينيها الممتلئتين ثقة وهي تتشبث بذراعه وتضحك رغم الخوف...
همس بشرود:
أنا مش بخونك يا رابيا… أنا بحاول أنبهك إن الثقة بين الزوجين مهمه
لكن داخله كان يعرف شيئًا آخر…
الألعاب النفسية قد تُنقظ الزاج أحيانًا… وقد تهدم آخر ما تبقى منه أيضًا.
بمجرد ما سمغت صوت إغلاق باب الشقه، ساد صمت ثقيل في الشقة كأنه سحب آخر خيط أمان ... ظلت واقفة مكانها ثواني، عينيها على الباب، ويدها لسه تُمسك طرف السوار الذي وضعه في العلبة... وتركه كأنه نسيه..
لكن الغريب إنها لم تتحرك فورًا.
كأنها كانت تنتظر عودته مره تانية… رد فعل يرجعها خطوة للحلف يثبت لها إنها مُخطئة...
زفرت ببطء، ثم سارت ناحية الفراش حلست على طرفه وضعت العلبة على طاوله أمامها... عاودت فتحها..
لمع السولر في ضوء الغرفة ، نفس اللمعة التي جعلت قلبها يخفق بقوة لحظة.
همست لنفسها بارتباك بلا ترتيب لحديثها:
عميل… مراته.. عيد ميلادها…
رفعت عينيها للسقف كأنها تحاول ترتب أفكارها: طب وهو مهتم بالشكل ده ليه فجأة.. من إمتي بيهتم بشؤون العملاء وحياتهم الخاصه.. حتى نوعية الحفلات دي مش بيحبها.
صوت والدتها كان يتردد في رأسها مثل صدى قديم، تقيل ومزعج:
"متثقيش في الراجل اللي يتغير فجأة… التغيير ده وراه حاجة."
شدت على عينيها بضيق قائلة بنفي:
لأ… محسن مش كده.
قالتها وكأنها تدافع عن فكرة أكتر ما تدافع عن شخص....
صمتت لأن الصورة التى رأته عليها قبل قليل صباحًا تلحّ عليها وهي تهمس:
قميص مكوي بعناية زيادة عن اللزوم… برفانه اللي ما بيستخدموش غير في المناسبات… نظرة عينه اللي كانت بتتهرب مني.
قامت فجأة من مكانها، وبدأت تسير بالغرفة تهمس:
أنا بقيت بشك فيه ليه؟…من إمتى الاحساس ده دخل قلبي، رغم حياتنا الباردة، ليه الشعور ده اتوغل مني دبوقتي.
وقفت أمام المرآة تنظر لنفسها لحظة طويلة...
انعكاسها كان يظهر عليها توتر واضح، احساس بين الغيرة والخوف وعدم الأمان...
همست بصوت منخفض:
ولا أنا اللي مبقتش عارفة أفرّق بين الحقيقة وكلام ماما...
سكتت.
ثم ضحكت ضحكة قصيرة مُوجعة قائلة:
لا… أنا ببالغ… أكيد ببالغ.
لكن يدها راحت تلقائيًا للعلبة مرة أخري.
تغلقها بسرعة وكأنها تغلق معاها فكرة مُستبعدة
عادت تجلس تسند ضهرها على خلفية الفراش تنظر نحو باب من الغرفة لكن هذه المرة لم يكُن هنالك اتهام واضح في عينيها…
كان هنالك ما هو أخطر... تردد.
وتساؤل بدأ يكبر بعقلها بصوت منخفض تفوهت:
لو أنا غلط… وهو فعلاً بيحاول يهديني… يبقى أنا كده بضيعنا.
فجأة، وهي جالسه مكانها وممسكة بالعلبه بين يديها، تشعر بنغزة غريبة في بطنها...
ألم خفيف في البداية… كأنه شد بسيط، لكن سرعان ما بدأ يزيد تدريجيًا بشكل مزعج...
انحنت للأمام تلقائيًا، وضغطت كفها على بطنها وهي تاخد نفس عميق:
إيه الوجع ده.
رفعت عينيها حولها،ذلك الوجع حقيقي ليس مجرد توتر... شعرت بحرارة خفيفة في جسدها، ومعها نغزات فى بطنها …ليس مجرد شك أو قلق، ربما إجهاد متراكم فجأة ظهر...
همست وهي تحاول تهدئة نفسها:
أكيد الوجع ده من العصبية… أنا فكرت كتير.
قامت ببطء، خطواتها كانت أبطأ عن قبل واتجهت للمطبخ تحتسي مياة،
لكن الألم لم ينتهي… بالعكس كان يعود ويختفي على فترات، كأنه يستجيب لكل فكرة سيئة
سندت يديها على الرخامة، تنظر لكوب المياه... صدي الصوت داخلها كان أعلى من أي وجع جسدي تلوم نفسها:
إنتِ مبقتيش تثقي فيه…ولا حتى في نفسك.
ضغطت على بطنها مره أخري ثم ، تنفست نفس ُطويل وهي تُغمض عينيها ثم تحت عينيها بسرعة، تحاول تقطع دائرة د الشك قائلة:
أنا لازم أهدا… لازم أفهم أنا ببالغ ولا في حاجة غلط فعلًا.
لكن الألم الخفيف الذي بطنها وضع فكرة واحدة بدأت تسيطر عليها رغمًا عنها
الخوف ليس مجرد شك، …أصبح جسدها نفسه يترجم التوتر والهوف ومعهما الشك الى شيء أقوى مما تتحمل.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
كان غافيًا يضم جسد عهد بين يديهر، لكن هي لم تكُن غافية... نظرت الى وجهه على ضوء، ذلك الضوء الخافت المُنبعث من الممر أمام
ضوء خافت لكن ملامح فاروق وهو غافي لها وهج خاص أصبح يغزوا قلبها...
قلبها الحائر...منذ أن تأكدت أن برحمها جزءً منه ينمو داخلها...جزء لم تكُن تحسب له لكنها الآن… كل شيء داخلها أصبح مختلفًا...
مدت أصابعها ببطء ولمست وجنته بخفة، كأنها تتأكد أنه حقيقي… أن هذا الرجل الذي نام أخيرًا بهدوء بين ذراعيها، هو نفسه الرجل الذي أربك حياتها بالكامل...
تنفست ببطء وهي تهمس داخلها:
إزاي قدرت تدخل جوايا بالشكل ده يا فاروق بعد ما كان مجرد ذكر إسمك بيضايقني.
شعرت بثقل الفكرة فوق صدرها… طفل. منه هو...
أغمضت عينيها للحظة، لكن عقلها لم يهدأ… الخوف كان هناك، يزحف بهدوء... ليس خوفًا من الحمل نفسه… بل من القادم. من علاقتها به. هي أصبحت مُتعلقة به أكثر مما ينبغي...
رفعت عينيها إليه مرة أخرى… كان نائمًا براحة غريبة، ذراعه ما زالت حول خصرها بتلقائية وكأنه حتى أثناء نومه يرفض أن يبتعد عنها...
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تشعر بحرارة دموع تتجمع خلف عينيها. لأول مرة منذ فترة طويلة… تشعر أنها ليست وحدها تمامًا...
لكن ذلك الإحساس الجميل لم يكتمل...
لأن صوتًا آخر داخلها همس بقسوة:
يا ترا لو قولت له إني حامل، رد فعله هيكون إيه.
تنهدت بخفوت، ثم تحركت بحذر حتى لا توقظه، لكن أصابعه تشبثت بها أكثر وهو غافي لتتجمد مكانها...
همهم بصوت ناعس منخفض:
رايحة فين يا عهد.
ارتبكت للحظة وهمست:
هروح أطمن على ياسين.
فتح عينيه ببطء… عيناه كانتا مثقلتين بالنوم، لكن أول ما وقعتا عليها لان شيء ما في ملامحه فورًا...
رفع يده ولمس بطنها بخفة تلقائية أربكت أنفاسها قبل أن يسأل بنبرة مبحوحة:
ياسين أكيد نايم... إنتٓ اللى مالك شكلك متغير إنتِ تعبانة.
تجمدت للحظة… ذلك السؤال البسيط هز شيئًا داخلها بعنف...
لأنها فجأة لم تعرف… هل تخبره... هل تقول إن هناك روحًا صغيرة بدأت تتكون منه أم تصمت حتى تفهم شكل حياتهما أولًا.
نظرت إليه طويلًا… ثم اكتفت بهزة خفيفة وهي تهمس:
لاء أنا بخير.
ظل يحدق بها كأنه لا يصدقها تمامًا… ثم جذبها إليه ببطء حتى عادت تستقر فوق صدره، وقال بصوت منخفض دافئ:
نامي وبلاش تشغلي بالك بـ ياسين هو خلاص اتعود ينام فى الأوضة لوحده كمان باب الأوضة موارب، يعني لو صحي هنسمعه.
أومأت برأسها ثم
أغمضت عينيها داخل حضنه… لكن قلبها ظل مستيقظًا بالكامل...
لأنها أدركت في هذة اللحظة… أن خوفها الحقيقي لم يعد من فاروق...
بل من أن تصبح سعادتها كلها مرتبطة به...
ارتجفت أنفاسها ببطء وهي ما تزال داخل حضنه… لكن عقلها لم يكن هنا...
كان يعود للماضي… لذلك اليوم تحديدًا...
يوم سألت فرح بترقُب :
تفتكري فاروق ممكن يعمل إيه لما يعرف إنك حامل.
تتذكر جيدًا كيف تنهدت فرح بشوق وقتها… ذلك الصمت القصير الذى سبق الإجابة وكأنه كان يحمل شيئًا أكبر من الكلمات...
ثم ابتسامتها الحالمة وهي تقول:
فاروق مش شخص صعب تفهميه… ممكن يخوفك بعصبيته، لكن فى لحظات تانية تحسي إنه مستعد يحارب الدنيا كلها علشان اللى بيحبه... وأكيد هيفرح بخبر حملي.
وقتها لم تفهم… أما الآن، وهي تشعر بقلبه ينبض تحت وجنتها، بدأت تفهم أكثر مما يجب.
أغمضت عينيها بقوة.
المشكلة لم تعد فقط فى رد فعل فاروق… بل فيها هي...
لأن جزءًا منها يشعر بالذنب.
ذنب ثقيل يضغط فوق روحها كلما نظرت إليه. كلما اقترب منها... كلما عاملها بذلك الاحتواء الذى كانت فرح تتحدث عنه يومًا...
هي رحلت… وهي بقيت.
هي أخذت مكانها بجواره. فى بيته...فى قلب طفلها... فى حضنه. وربما الآن… فى حياته بالكامل...ي
فتحت عينيها ببطء ونظرت إليه بينما هو غافٍ دون أن يعرف شيئًا مما يدور داخلها... من حرب طاحنه... هل يشعر أنها مجرد امتداد لاختها هل سيحب هذا الطفل لأنه طفلها هي…
شعرت بغصة حادة فى حلقها.
حتى فرحتها بالحمل لم تكن كاملة… كانت ممزوجة بشعور مؤلم يشبه الخيانة...
همست داخلها بوجع:
أنا مش مكان فرح.ظ مستحيل أبقى مكانها.
لكن الحقيقة التى أخافتها أكثر… أن قلبها لم يعد يريد الرحيل من مكان أخذته بالفعل...
ابتلعت تلك الغصة بصعوبة وهي تشعر بثقل المشاعر يطبق على صدرها…
وفجأة كأن عقلها خانها، وبدأ يرسم صورًا لم تطلبها.
تخيلت فرح… لو كانت ما تزال تعيش
هل كانت ستنام مكانها الآن... هل كان فاروق سيضمها بنفس الطريقة؟ هل كان سيلمس بطنها بتلك العفوية لو عرف أن طفله يكبر هناك..
أغمضت عينيها بقوة أكبر وكأنها تحاول طرد الفكرة، لكن الألم ازداد...
لأول مرة تشعر أن الحب قد يكون قاسيًا لهذه الدرجة… لأنه يجعل الإنسان أنانيًا رغمًا عنه...
هي لا تريد فقط قربه… بل تريد أن تكون اختياره. هي. ليس ظل امرأة أخرى...
ارتجفت أنفاسها حين شعرت به يتحرك قليلًا، ثم فتح عينيه نصف فتحة وهو يحدق بها بنعاس.
انعقد حاجباه فورًا حين لمح الدموع اللامعة بعينيها.
همس بصوت أجش: _ عهد… بتعيطي.
هزت رأسها بسرعة محاولة الهروب بعينيها، لكنه رفع يده ولمس خدها بإبهامه ببطء، ثم قال بنبرة أهدأ:
مالك.. حاسس إنك متغيرة.
ترددت… الكلمات تزاحمت داخلها بشكل مؤلم...
أتقول له إنها خائفة.. أم تعترف أن وجودها نفسه يشعرها بالذنب.. أم تخبره أن طفلًا منه ينمو داخلها بينما هي لا تزال لا تعرف إن كانت تعيش حبها… أم تعيش حياة امرأة أخرى..
تنفست بصعوبة قبل أن تهمس:
فاروق… عمرك حسيت إني… جاية مكان حد.
ساد الصمت للحظة.
لكنها كانت كافية لتجعل النعاس يختفي تمامًا من عينيه...
تجمدت ملامحه وهو يحدق بها طويلًا… طويلًا لدرجة جعلتها تندم على السؤال.
حاولت الابتعاد فورًا وهي تهمس بتوتر:
أنا آسفة… أنا مش عارفة بقول إيه…
لكن ذراعه شدها إليه من جديد قبل أن تهرب...
قال بصوت منخفض لكنه واضح:
تبقي غبية لو فكرتي كده... عهد أنا من...
قطع بقية حديثه قبل أن يُخبرها أنه عشقها من البداية وتمناها أولًا... لكن شعر برعشة جسدها إستغرب ذلك، ضمها قائلًا:
ليه بترتعشي، سقعانه أطفي التكييف.
ارتعش قلبها رغمًا عنها... مع إرتعاشة جسظها
ظلت تنظر إليها بثبات،
بينما أكمل ببطء:
الناس مش بتتعوض يا عهد… واللى بيروح بياخد مكانه معاه...
وسكت لحظة قبل أن يضيف وهو يلمس وجهها:
وإنتِ هنا … مكانك إنتِ فاهمة.
تسارعت أنفاسها بعنف… لأن تلك الكلمات، ببساطتها، أصابت أضعف نقطة داخلها...
لكن السؤال الأخطر ظل عالقًا فى حلقها… هل سيظل يقول هذا لو عرف بالحمل..
شعرت بيده تهبط مرة أخرى فوق بطنها دون وعى منه تقريبًا، وكأن شيئًا داخله ينجذب لتلك الحقيقة قبل أن يعرفها.
أما هي… فشعرت بالخوف لأول مرة ليس من ردة فعله...
بل من شدة رغبتها أن يفرح...
خفضت عينيها سريعًا حتى لا يقرأ كل ما بداخلها…
كانت الكلمات تقف على طرف لسانها
"أنا حامل."
بسيطة… كلمتان فقط قادرة تغيّر كل شيء بينهما...
لكنها لم تستطع قولها...
ليس الآن. ليس وهي بهذا الارتباك كله...
لذلك بدلًا من الاعتراف… استسلمت فقط لدفء حضنه.
أغلقت عينيها ببطء، وسمحت لنفسها أخيرًا أن ترتاح فوق صدره، تسمع دقات قلبه المنتظمة، وتشعر بأصابعه تتحرك بخفة فوق ذراعها كأنه يطمئن تلقائيًا أنها ما تزال بين يديه...
وذلك وحده… كان كافيًا ليضعف مقاومتها بالكامل...
تنفست بعمق، وكأنها تؤجل العالم كله لتلك اللحظة الصغيرة...
غدًا بالتأكيد
أما الآن… فهي تريد فقط أن تعيش هذا الشعور دون خوف... دون أسئلة... دون مقارنة مؤلمة مع الماضي...
رفعت رأسها قليلًا تنظر إليه… كان يراقبها بهدوء غريب، وكأنه يشعر أن شيئًا ما يدور داخلها لكنه اختار ألا يضغط عليها...
همس وهو يزيح خصلة شعر خلف أذنها: هديتي شوية أومأت بخفة.
تبسم ابتسامة صغيرة بالكاد ظهرت، ثم جذب الغطاء حولهما يضمها أكثر قائلًا بنبرة دافئة أربكت قلبها:
نامي بقى… شكلك استهلكتي طاقة العالم فى التفكير النهاردة.
ضحكت بخفوت رغماً عنها… ضحكة صغيرة متعبة لكنها حقيقية...
ولأول مرة منذ أن عرفت بأمر الحمل… لم تشعر بالذنب الكامل.
بل شعرت بشيء أخطر...
الأمان...
وذلك الإحساس تحديدًا هو ما جعل قلبها يتعلق به أكثر رغمًا عنها...
دفنت وجهها فى صدره بهدوء، بينما يده تستقر فوق خصرها بحماية تلقائية… وكأن جسده كله يخبرها أنها هنا مكانها الطبيعي...
أما عقلها… فقرر للمرة الأولى أن يصمت قليلًا.
ويؤجل الحقيقة… مقابل ليلة واحدة فقط تشعر فيها أنها ليست خائفة.
❈-❈-❈
باليوم التالي
هولندا
صار الملل والفتور رفيقيها الثابتين، كأن الشقة تتحول إلى مساحة صامتة تتكرر فيها الأيام بلا ملامح...
حتى خبر حملها… ذلك الخبر الذي كان من المفترض أن يملأ قلبها فرحًا ويُغير كل شيء، مر عليها كأنه حدث بلا زهوة ... لم تشعر بتلك الرجفة السعيدة التي تخيلتها، ولا بوهج السعادة التي كانت تنتظرها.. فقط فراغ ثقيل، ودهشة باردة من نفسها....
تذكرت ليلة الأمس جيدًا…
كانت قد قررت أن تفعل شيئًا مختلفًا، أن تخلق لحظة دافئة تعيد شيئًا من الروح بينهما... أطفأت الأضواء القوية، أشعلت مصباحًا خافتًا في الردهة، رتبت بعض التفاصيل الصغيرة بعناية. وضعت عشاء خاص كوبين من العصير شموع على الطاولة، وجلست تنتظره بقلب مارقي، تكرر في عقلها الجملة التي ستقولها:
"أنا حامل.
لكن الساعات امتدت بلا رحمة... لدرجة أنها غفت للحظات بلا وعي، لم تشعر
متى عاد أخيرًا، كان متأخرًا كعادته… خطواته مرهقة، ملامحه مشغولة، لا تلتقط أي شيء من تفاصيلها. نظر إليها سريعًا وهو يخلع سترته..وذهب نخوها،شعر بغصة من منظر الطاولة،ربما ندم أنه تأخر لكن ليس بيده...رخم العمل...وضع يده فوق كتفها...فتحت عينيها نظرت له،كان واضح الإجهاد،لكن حتى لمحة صغيره منه كانت قد تُكفيها...لكن قال دون انتباه حقيقي:
إيه نيمك هنا، رقابتك هتوجعك
لم تجب فورًا. فقط تابعت وجهه، تبحث عن أي ظل اهتمام. ثم همست بصوت منخفض:
كنت مستنياك… كنت عايزة أقولك حاجة مهمة.
جلس على طرف مقعد جوارها وهو يفك أزرار قميصه، وقال بنبرة مشتتة:
بعدين يا حبيبتي… اليوم كان طويل جدًا... وكله مشاكل.
صمتت... الكلمات التي حفظتها تراجعت داخلها فجأة، كأنها فقدت معناها. نظرت إلى الطاولة، ثم إلى الأضواء الخافتة الشموع التي إنطفأت التي لم يلتفت إليها حتى...
كم مرت من لحظات، وهي غافية دون أن تشعر… على المقعد في الردهة، رأسها مائل ويدها لا تزال قريبة من بطنها، وكأن جسدها هو الوحيد الذي استوعب الخبر...
هو نهض بعد قليل يجذب يدها ، لم يلحظ شيئًا في البداية، ثم توقف قليلًا:
يلا خلينا ننام، أنا مرهق جدًا.
لم يسمع منها جوابًا.
فوقف لحظة أطول، جذبها يتمتم بلا اكتراث حقيقي:
نتكلم الصبح يا حبيبتي.
عادت ها هو الصباح لم يحمل شيئًا مختلفًا… فقط يوم آخر يشبه الذي قبله... ها هي ككب صباح تقف في المطبخ، لا تفعل شيئًا حقيقيًا سوى تحريك كوب الشاي أمامها بلا رغبة... عيناها شاحبتان، وملامحها تحمل إرهاقًا أعمق من النوم...
دخل نديم بخطواته المعتادة، هاتفه في يده، ونظرة سريعة على كل شيء إلا عليها.
قال دون أن يرفع عينيه بالكامل:
صباح الخير.
لم ترد فورًا.
تركت الكوب على الطاولة ببطء، ثم استدارت نحوه. صمتها كان مختلفًا هذه المرة… ليس هادئًا، بل ممتلئًا بشيء على وشك الانفجار.
رفع نظره أخيرًا، لاحظ وقفتها، فـ عقد حاجبيه: مالك يا يارا في حاجة مضايقاكِ.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح، ثم قالت بصوت ثابت أكثر مما تشعر به:
حاجة مضايقاني... قول حاجات.
توقف للحظة، كأنه يحاول فهم ما تقصده، ثم قال بسؤال:
يعني إيه خاجات.
اقتربت خطوة واحدة فقط، لا مسافة عدوان، بل مسافة مواجهة... قائلة باستفاضة:
أنا تعبت يا نديم… تعبت من السكون ده، من إنك موجود بس مش موجود. من إني أبقى عايشة معاك في مكان واحد كأننا غرب.
تغيرت نبرتها تدريجيًا، خرج الألم أخيرًا من تحت السيطرة:
أنا حتى مبقتش عارفة أنن جوا الجوازة دي ولا براها.
إندهش من حديثها
أغلق الهاتف ببطء ووضعه على الطاولة، للمرة الأولى ينتبه لها بالكامل.
إنتِ بتقولي كده ليه دلوقتي... يارا...
قاطعته بسخرية مريرة:
دلوقتي..
أشارت حولها بعينيها، نحو البيت، نحو الصمت، نحو الأيام المتشابهة:
أنا عايشة كده من وقت ما جينا هنا … بس كنت بقول يمكن فترة وهتتغير. يمكن تهتم. يمكن تحس.
سكتت لحظة، ثم خرج السؤال أخيرًا، واضحًا، جارحًا:
قوليلي بصراحة… انت ليه جبتني معاك هنا..
اقتربت أكثر، وصوتها انخفض لكنه أصبح أثقل:
وفى الأساس… ليه اتجوزتني يا نديم.
ساد الصمت.
لم يكن صمتًا عاديًا، بل ذلك النوع الذي يضع كل شيء على الطاولة دون إجابات جاهزة.
قطع الصمت نديم حاول التبرير بآسف قائلًا:
يارا... أنا عارف إني مقصر معاكِ، بس هو الشغل كده فى الشؤون القانونية فى السفارة، أوقات بتجي فترات الشغل بيبقي كتير وزيادة عن اللازم وأوقات...
قاطعته بعصبيه:
أوقات، ولا طول الوقت يا نديم... أنا تعبت يا نديم... أنا بقيت بخاف على عقلي لما أعقد لوحدي... أنت بتعتبر الشقه هنا زي أوتيل للنوم، وأنا فين من حياتك كزوجة، إحنا متجوزين من شهور قليلة، بقيت حاسه إننا متجوزين من سنين، بسبب الشغل بتاعك اللى مش بيخلص،
توقفت للحظة ثم قالت بصدمة له:
أوقات الشيطان بيصور ليا إنك ممكن تكون متجوز من غيري... فاهم وصلتني لأيه... وصلتني إني ممكن أتحول مريضة بالشك... إمبارح إستنيتك وكان معايا إختبار حمل، واتصلت عليك قولت لك محضره لك مفاجأة بلاش تتأخر وبرضوا اتأخرت حتى لما رجعت مشوفتش غير إنك مرهق ونتكلم الصبح، وأهو إحنا الصبح يا نديم، يبقي نتكلم بقي..
لم ينتبه لكلامها الموجع، ارتسمت بسمه على شفتيه وإقترب منها حاول ضمها يشعر بانشراح فى قلبه سائلًا:
إختبار حمل... يارا إنتِ حامل... أحلى خبر يا حبيبتي...
كاد يضمها، لكن هي شعرت بغضب، كان حديثها كله هباءًا.. انتفضت بعيدة عنه قائلة بصدمه له:
أنا إتصلت عالمطار وحجزت تذكرة لـ مصر، بعد ساعتين لما ينتهي زحمة الشغل إنت عارف فين مكاني.
❈-❈-❈
ليلًا
بحديقة منزل الدباغ
ترجل فاروق من السيارة يبتسم لـ ياسين الذي هرول نحوه، إستقبله بين يديه..، نهضت عهد واقفة، لكن لوهلة شعرت بدوخة، كادت تسقط لولا سندت على المقعد وعادت تجلس مرة أخري لاحظ فاروق ذلك ذهب نحوها سريعًا بلهفة قائلًا:
عهد مالك.
إبتلعت ريقها قائلة:
أنا بخير بس يمكن عشان تعبت من اللعب مع ياسين، اللى غاوي سهر بنات عمه ناموا من بدري وهو عاوز يقعد فى الجنبنة يستناك، ومش مبطل لف ودوران حواليا،ويغني الاغاني اللى بيسمعها على قنوات الأطفال روشني.
رغم محاولتها تهدئته بالكلام… إلا أن فاروق لم يبتسم...
عيناه كانتا مثبتتين عليها بقلق واضح، يتفحص وجهها الشاحب والطريقة التى وضعت بها يدها فوق المقعد وكأنها تحاول تثبيت نفسها.
اقترب أكثر وانحنى أمامها قليلًا قائلًا بنبرة منخفضة:
إنتِ وشك أصفر ليه.
حاولت تضحك بخفة قائلة:
فاروق متكبرش الموضوع… مجرد دوخة بسيطة.
لكن ياسين قاطعها بحماس طفولي وهو يتمسك بساق فاروق:
لا يا بابا، عهد كانت تعبانة فعلًا… وقعدت مرة واحدة كده.
تحولت نظرات فاروق إليها فورًا، أكثر حدة هذه المرة.
أما عهد فشعرت بتوتر خفيف… ذلك الإهتمام الزائد منه يربكها أكثر مما يريحها...
مد يده نحو جبينها يتحسس حرارتها، ثم قال بجدية:
من إمتى وإنتِ حاسة بالتعب.
ترددت للحظة. ثانية واحدة فقط… لكنها كانت كافية ليلاحظ...
ضيّق عينيه وهو يحدق بها قائلًا:
عهد.
هربت بعينيها سريعًا وقالت:
انا كويسة بلاش تهويل.
ظل صامتًا للحظة، ثم أمسك يدها وساعدها تنهض بهدوء:
تعالي ندخل جوا.
اعترضت فورًا:
فاروق أنا كويسة.
لكنه لم يترك يدها، بل قال بنبرة حاسمة هادئة: وأنا هصدقك لما دكتور يقول إنك كويسة.
ارتبكت أنفاسها فجأة.
ذلك الخوف القديم عاد يطرق صدرها بعنف… ماذا لو أخذها الآن للطبيب.. ماذا رد فعله حين يعلم بحملها..
شعرت بأصابعها تبرد داخل يده...
أما فاروق فلاحظ ارتباكها فورًا، فتوقف عن السير ونظر إليها بتركيز:
فى حاجة مخبياها عليا.
تجمد قلبها.
ياسين كان لا يزال متعلقًا بيد فاروق الصغيرة ويثرثر عن لعبه بلا انتباه، بينما العالم كله بالنسبة لها توقف عند هذا السؤال.
رفعت عينيها إليه… نظراته لم تكن غاضبة، بل قلقة بشكل أربكها أكثر.
فتحت شفتيها محاولة الكلام… لكن الكلمات خانتها.
ليقترب منها أكثر بقلق حقيقى: _
رفعت عينيها إليه بتردد… ثم حاولت سحب يدها بخفة قائلة بتوتر:
فاروق متبصليش كده، قولتلك مفيش حاجة.
قطب حاجبيه أكثر:
وده منظر واحدة مفيهاش حاجة.
تنهدت بضيق محاولة التهرب:
يمكن ضغطي وطي شوية… أو مرهقة، عادي يعني.
نظر إليها لثواني طويلة قبل أن يقول بهدوء أخافها أكثر من عصبيته:
عهد… أنا من ساعة ما نزلت من العربية وحاسس إنك مش طبيعية.
ابتلعت ريقها ولم ترد.
أما هو فأكمل:
وإنتِ أصلاً بقالك ايام سرحانة، وتعبانة، وبتاكلي بالعافية… دلوقتي دوخة. ثم سأل مباشرة:
في إيه.
تسارعت دقات قلبها بعنف.
حاولت الضحك بتوتر:
إنت مركز معايا أوي كده ليه
رد فورًا:
عشان إنتِ مراتي.
خرجت منه ببساطة… لكنها أصابتها فى مقتل.
هربت بعينيها بعيدًا، بينما اقترب ياسين منهما قائلًا بحماس طفولى:
أنا كنت فى سباق جري فى الحضانه وكسبت.
اومأ له مبتسما بتحفيز، بينما
عاد ينظر لـ عهد وسألها بهدوء:
تقدري تمشي.
أومأت بخفة، فتحرك معها ببطء نحو الداخل، لكنه كان ممسكًا بكفها بقوة خفيفة وكأنه يخشى أن تتعثر ثانية.
همست محاولة كسر التوتر:
أنت مكبر الموضوع بطريقة تخوف.
التفت لها قائلًا:
عايزاني أعمل إيه وأنا شايفك هتقعي قدامي.
نظرت إليه للحظة… ثم قالت بصوت خافت: متخافش عليا بالشكل ده.
شعرت بغصة حادة فى حلقها… لأنها فجأة أرادت إخباره. الآن. فى تلك اللحظة بالتحديد...
كادت تنطق… لكن صوت ياسين قطعها وهو يشير بحماس: _ بابا شوف! القمر كبير أوي النهاردة.
رفع فاروق رأسه تلقائيًا للسماء، فضاعت منها اللحظة.
أما هي فوقفت تنظر إليه بصمت… وتفكر بترقُب:
هل فعلًا هيفرح.
بعد ساعات…
كان الليل ساكنًا تمامًا داخل الغرفة، لا يُسمع سوى صوت أنفاس فاروق المنتظمة بجوارها...
لكن عهد فتحت عينيها فجأة...
شهقة خافتة خرجت منها وهي تشعر بوجع حاد أسفل بطنها… وجع مختلف... ليس كتلك النغزات الخفيفة السابقة...
وضعت يدها فوق بطنها بتلقائية، تتنفس بسرعة بينما الألم يشتد للحظات ثم يخف قليلًا...
همست بخوف:
لا… لا…
حاولت الجلوس ببطء، لكن فور تحركها شعرت بسيلان دافئ بين ساقيها...
تجمد جسدها بالكامل...
هبطت عيناها ببطء نحو الملاءة… وضعت يدها على الفراشثم رفعتها ثم اتسعت حدقتاها بصدمة مرعبة... من
اللون الأحمر..
توقف عقلها للحظة...
أنفاسها أصبحت متقطعة بعنف، ويداها بدأت ترتجفان وهي تضعهما فوق بطنها وكأنها تحاول حماية شيء ينسحب منها...
همست بصوت مكسور بالكاد خرج:
ابني.
شعرت برعب يجتاحها بالكامل.
كل الأفكار دفعة واحدة هجمت عليها… الخوف. الذنب..د تأجيلها للحقيقة..ظ توترها المستمر... بكاؤها.... كل شيء.
دموعها انهمرت فورًا وهي تحاول النهوض بسرعة، لكن الألم ضربها مجددًا لتكتم صرخة موجوعة...
تلك الحركة أيقظت فاروق فورًا.. ظ
فتح عينيه بصدمة وهو يعتدل بسرعة: _
عهد..
لم ترد...
كانت تنظر للأسفل بذعر كامل.
تبع نظراتها… وفى اللحظة التى رأى فيها الدم، اختفى النعاس تمامًا من وجهه...
شحبت ملامحه بشكل مرعب:
إيه ده.
رفعت عينيها إليه أخيرًا… عيناها كانتا ممتلئتين بانهيار حقيقى وهي تهمس بصعوبة: فاروق… أنا…
ثم خرجت الكلمة التى أخفتها طويلًا وسط بكائها:
حامل…
تجمد مكانه لثانية كاملة..
ثانية صامتة ثقيلة… لكنها لم تدم...
لأنه فى اللحظة التالية كان يتحرك بعنف، يزيح الغطاء بسرعة ويقترب منها وهو يمسك وجهها بين يديه:
بصيلي… بصيلي يا عهد.
كانت تبكى بانهيار:
الدم… أنا بخسره… ابني بيروح مني…
هز رأسه بعنف فورًا:
لا… متقوليش كده.
لكن صوته نفسه كان مرتجفًا.
أمسك هاتفه بسرعة بيد مرتعشة بينما الأخرى تسندها، يحاول التماسك بصعوبة واضحة ، يجذبها نحوه بحماية وكأن قربه وحده قادر يمنع عنها الألم.
أما هى… فكانت ترتجف داخل حضنه وتبكى بخوف أمٍ شعرت لأول مرة أنها قد تفقد قطعة من روحها قبل حتى أن تراها.
رواية عهد الدباغ الفصل الأربعون 40 - بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل الاربعون
إشتد الألم على عهد، برغم ذلك حين حملها فاروق، تفوهت بقلق واضح:
ياسين طفل صغير وبيخاف، لو صحي ولقى نفسه فى الشقة لوحده هيترعب.
نظر لها للحظة وهي تضع إحد يديها أسفل بطنها تضغط على أسنانها وهي تتحدث،شعر بشيء قاسٍ يعتصر قلبه بعنف…
كيف لها وسط كل ذلك الوجع أن تفكر بطفل ليس طفلها...
كانت بين ذراعيه ترتجف، أنفاسها متقطعة، ووجهها شاحب بصورة أخافته لأول مرة بهذا الشكل، ومع ذلك لم تقل إنها تتألم… لم تطلب النجدة لنفسها… كل خوفها كان على ياسين.
اقترب بوجهه منها قليلًا وهو يهبط بها بسرعة نحو باب الغرفة، وقال بصوت خرج أجش رغم محاولته التماسك:
هتصل على ماما تطلع تاخده.
أومأت بألم قائلة:
طب إتصل عليها الأول تطلع، أرجوك يا فاروق.
أمام أصرارها وكي يجعلها تهدأ وضعها على آريكة بالردهة، إتصل على والدته، لحظات كان عقله مُشتت بين عهد التي تتألم وخطي الدماء اللتان رغم عدم غزارة إندفاعهما،لكن يبدوا أنها تتألم،وتُكابر على الألم...دقائق ودلفت إجلال بعدما وجدت الباب مفتوحً،كان خلفها محي هو الآخر يشعر بقلق...تفاجئ الإثنين من منظر عهد،إندفع محي سائلًا:
مالها عهد،وإيه الدم اللى على هدومها ده،إيه سببه.
لم يبالى فاروق بسؤال محي وعاود حمل عهد قائلًا:
لازم أخد عهد للمستشفي بأسرع وقت، ماما خلى بالك من ياسين.
أومأت له، تفوه محي قائلًا:
هاجي معاك.
نظر له فاروق قائلًا:
هتجي بالبيحامة.
تدارك محي ذلك قائلًا:
طب بسرعة إنت وأنا هغير وأتصل عليك أعرف إنت فى أي مستشفي.
بعد قليل
بأحد المشافي... كان فاروق ينتظر أمام إحد الغرف، يقطع الممر ذهابًا وإيابًا بقلق، حتى إقترب منه محي قائلًا:
قولي إيه اللى حصل لـ عهد، كانت قاعدة بتلعب مع ياسين وبنات أخوك المسا فى الجنينة إيه اللى حصل لها.
أجابه فاروق وهو يشعر ببعض التوهان:
معرفش يا بابا، فجأة صرخت ولقيتها بتقول إنها حامل... وهذيان مفهمتش منه حاجه.
إندهش محي قائلًا بقلق هو الآخر:
حامل... والنزيف... ربنا يستر.... لما نطمن عليها أبقي أتصل بـ توفيق بنتهم ولازم منخبيش عليهم.
شفق محي على ملامح فاروق التي يظهر عليها القلق الكبير، هو حقًا كذالك يشعر بأن جسده يؤلمه...
يشعر أن الوقت يمتد والقلق ينهشه...
معرفته بحمل عهد فى نفس لحظة أنها تستغيث من الألم، فقدت مذاق ذلك الخبر، الذي تمناه كثيرًا أن يصبح بينه هو وعهد طفل ثاني يربط بينهم... أجل ثاني، فـ ياسين ليس طفل فرح فقط فهي منذ ولادته كانت قريبة منه للغاية، يعلم أن فرح كانت تُخفي عنه ذلك حتي لا يحدث بينهما نزاع، كانت تظن أنه يكره عهد، لكن هو كان عكس ذلك، ربما كان ذلك رحمة لـ فرح أن لا تكتشف أن من بقلب فاروق كانت عهد، أن من كان يخشي أن يظهر ضعيف أمامها هي عهد
عهد الآن بداخل الغرفة، وهو هنا شبة خائر القوي...
شهد على آلام فرح كان يشعر بالشفقة عليها، لكن عهد عكس ذلك يشعر بالقلق والترقُب.
مجرد دقائق لم تتعدا وقت طويل..
فُتح باب الغرفة... خرجت طبيبة، توجه فاروق نحوها، وقبل أن يسأل هي جاوبت بإيجاز:
للآسف الجنين نزل، وأنا أخدت عينة من دم المدام بعتها المعمل تتحلل عشان أعرف سبب الإجهاض.
قبل أن يسأل فاروق... صدح هاتف الطبيبة، غادرت، بينما عقل فاروق به عدة مشاعر..
قلق وذهول.. عقله غير مستوعب حديث الطبيبة أيكون هنالك سبب للإجهاض.
ربت محي على كتفه بأبوة قائلًا:
ربنا يعوض عليك، العمر قدامكم، وربنا يبارك فى ياسين.
أومأ له صامتً، بنفس اللحظة كانت عهد تخرج من تلك الغرفة الى غرفة أخرى.
عير الهاتف
تسألت إجلال:
خير يا محي عهد..
قاطعها بآسف:
كانت حامل والجنين نزل.
أغمضت إجلال عينيها بغصة قائلة:
ربنا يعوض عليهم، وفاروق.
أجابها بغصة:
فاروق زعلان، إنتِ عارفة هو بيحب عهد.. كنت عند الدكتورة من شوية، قالت إن عهد هتفضل فى المستشفى لحد بكرا المسا تتابع حالتها.
_ليه
هكذا سالت إجلال ثم أكملت:
مش النزيف وقف.
أجابها بتوضيح:
الدكتورة قالت كده، الصبح قرب يطلع، هبقي أتصل على توفيق يعرف هو ومراته، عشان ميزعلوش بعد كده، إن محدش قالهم، عهد هي اللى فاضلة لهم بعد المرحومة فرح.
شعرت بوخزات فى قلبها قائلة:
الحمد لله قدر ولطف وقدامهم العُمر يعوض عليهم ربنا... كويس إنك مع فاروق.
غص قلبه قائلًا:
فاروق مش ضغيف يا إجلال، وأكيد مؤمن بقضاء الله.
❈-❈-❈
انتهت الليلة
مع صباح جديد
بمنزل الدباغ
بغرفة يارا
كانت تجلس على أريكة خلف شباك زجاجي كبير يطل على حديقة المنزل، تضم ساقيها إلى صدرها.. بصمت، وعيناها معلقتان بحديقة المنزل الغارقة فى هدوء ثقيل...
لفت نظرها تلك الشجرة القريبة من السور… أزهارها شبه ذابلة، تتمايل مع الهواء بضعفٍ كأنها تحاول التمسك بالحياة رغم إنهاكها.
ظلت تحدق بها طويلًا… ثم ابتسمت ابتسامة باهتة مؤلمة.. ذ.
غريب كيف تشبهها بتلك الدرجة...
تمددت أصابعها فوق حافة الكوب البارد بجوارها، بينما تسللت الأفكار داخل رأسها بلا رحمة.
منذ متى وهى تشعر بهذا الذبول، مدة قليلة تجاهل نديم اطفأ وهج بداخلها.. جعلها
أصبحت تستيقظ كل صباح وكأنها تؤدى واجبًا ثقيلًا لا رغبة لها فيه...
أغمضت عينيها للحظة، لكن صوت ضحكات بعيدة من الحديقة جعل قلبها ينقبض أكثر.
البيت ممتلئ بالحياة… إلا هى..
فتحت عينيها مجددًا على تلك الزهور الذابلة، وهمست بصوت خافت بالكاد سمعته هى نفسها:
حتى الورد… لما بيتساب لوحده بيدبل.
تهكمت بغصة فى قلبها وهي تتذكر باقات الزهور الذي كان يرسلها نديم كأنها كانت بديل عن غيابه معظم الوقت عنها،بل كُل الوقت.
قبل أن تتملك منها تلك الحالة الباردة انتبهت لصوت طرق خفيف على باب غرفتها…
ترددت لثانية قبل أن يأتى صوت مألوف من الخارج:
يارا… إنتِ صاحية.
نفضت عنها العبوس قائلة:
أيوا صاحية، إدخلى يا غزال.
فتحت الباب غزال ودخلت ترسم بسمة قائلة:
صباح الخير يا يارا.
_صباح اانور، تعالي نقعد نتكلم شوية، إنتِ خلصتي إمتحانات بقي وبقيتي فاضية.
حاولت أن تستعيد بعض من حيويتها ومرحها، الاثنين يعشرن بوخزات الخذلان فى قلبهن من أزواجهن... وإن كانت يارا أفضل منها، بالنهاية استطاعت التمرد، وجدت من يحتويها لكن هي تتحمل، لكن يطول ذلك.
اثناء جلوسهن دخلت إجلال.. تبسمت لهن، شعرت بغصة على الإثنين.
بعد وقت قليل استأذنت غزال بذوق لان تتركهن معًا، ربما يريدن بعض الخصوصية.
نظرت إجلال لـ يارا بآسف فرغم بسمتها لكن باهتة... فى البداية تحدثن بأشياء جانبية حتى وصلت إجلال لقولها:
نديم إتصل على باباكِ.
توسعت عيني يارا فتنهدت اجلال قائلة بتوضبح:
بيقول إنك مش بتردي لا على اتصالاته ولا الرسايل.
صمتت يارا... تفهمت إجلال سائلة:
لغاية دلوقتي لا أنا ولا باباكِ عرفنا سبب نزولك مصر،بدون نديم.
تهككت يارا قائلة:
نديم مش فاضي،انا كنت بشوفة زي اللى ساكنين مع بعض، مش. متجوزين من فترة قصيرة، حتى الساكن بيبقي وقت أطول، أنا مليت من إنى طول اليوم لوحدي أنتظر رجزعه وهو يرجع يقولى هلكان مفيش بينا كلام حتي خبر حملي ضاعت زهوته.
تفهمت أجلال قائلة:
يعني هو ده السبب بس.
نظرت لها يارا قائلة باستفهام:
وده مش سبب كفيل يا ماما.
تبسمت اجلال قائلة:
لا مش سبب يا يارا... لازم تفهمي إن حياتك إتغيرت مش زي قبل ما تتجوزي، محي كان مديكي حرية كبيرة ودلع، فاتعودتي على كده... بس الحياة الزوجية بتختلف عن العزوبية، يا يارا
الحياة الزوجية مشاركه، غلطانه لو فكرتي فى نفسك وبس، فى طرف تاني كمان له طموخاته، مش بقول يبقي تجاهل، هحكي لك حاجة حصلت مشابهه فى بداية جوازي من باباكِ، كان لسه يادوب صاخب مدبغة على قده، وعنده طموح.. كان بيغيب بالايام كاملة ومش بشوفه، قاعدة فى البيت أنا وحماتي نناكف فى بعض بمحبة طبعًا، ولما يرجع كان يلاقيني ببتسم له، ولا كأني كنت مضايقة من غيابه.. الطموح كتن واخده، شاب وفى قلبه الحماس، عاوز يوصل لهدف، لو أنا عملت زيك وكنت سيبت البيت ونكدت عليه، يمكن هو كمان كان نكد عليا عيشتي، لكن فهمت واتقبلت، مع الوقت هو اللى بقي يمل من الشغل والغياب الكتير، لانه بيحرمه من لذة تانيه فى الخياة، لذة الاحتواء، من الحبيب أو الحبيبة، بقي يوازن بين الاتنين، فهم من نفسه، نفس الشيء معاكِ يا يارا، إنت كنتِ واخدة عالانطلاق، مش بلومك أكيد إنت لوحدك فى بلد غريبة، بس أحب أقولك بكره لما تخلفي وتنشغلى فى إبنك أو بنتك، هتقولى ياريت لحظة هدوء من اللى كنت بضايق منهم وبحس بالملل، أنا مش هقولك إستسلمي.
صمتت يارا طويلًا بعد كلام والدتها…
كانت عيناها معلقتين بالشجرة شبه الذابلة خلف الزجاج، بينما كلمات أمها تتسرب إليها ببطء… ببطء موجع.
ابتلعت غصة صغيرة وهمست بنبرة مترددة:
بس أنا حاسة إني تايهة يا ماما… كأني مش عارفة نفسي..
أنا طول عمري عندي ناس حواليا… حركة… صوت… صحاب… خروج… حتى بابا كان دايمًا مدلّعني وحاسس بيا قبل ما أتكلم…
دلوقتي بصحى من النوم ألاقي البيت ساكت… وهو برا طول اليوم… ولما يرجع يبقى مرهق، بالكاد عنده طاقة يتكلم.
تنهدت اجلال بهدوء، لكن قبل أن تتحدث أكملت يارا بصوت مخنوق:
أنا مش زعلانة عشان الشغل نفسه… يمكن زعلانة عشان بقيت حاسة إني لوحدي أوي...
وأوقات… أوقات بحس إني مش مهمة فى يومه زي زمان.
رق وجه اجلال قليلًا، ثم قالت بحنان هادئ:
وده الطبيعي فى أول الجواز يا يارا… أصعب فترة أصلًا...
إتنين بيتعلموا يعيشوا مع بعض، ويتقبلوا اختلاف بعض...
إنتِ شايفة إنه اتغير، وهو أكيد شايف إنك بقيتي حساسة زيادة… والحقيقة إن الاتنين بس لسه بيتعودوا.
خفضت يارا عينيها وهمست بعناد طفولي خافت:
بس أنا مش عاوزة أبقى زوجه مستنية جوزها وخلاص.
ابتسمت اجلال ابتسامة صغيرة وقالت:
ومين قال كده.. .
اعملي لنفسك حياة هناك… ادرسي حاجة بتحبيها عالنت ، اشغلى نفسك بنفسك… متخليش كل يومك واقف على معاده وهو راجع إمتى...
الزوج مش المفروض يبقى العالم كله… وإلا هتختنقي منه وهو كمان هيختنق.
سكتت يارا قليلًا… ثم قالت بصوت أهدأ:
يعني أنا ظلمته.
هزت أجلال رأسها بالنفي:
لا… إنتِ موجوعة بس.
بس الوجع ساعات بيخلينا نشوف الدنيا من زاوية واحدة...
وجوزك واضح إنه بيجري عشان يبني مستقبل يليق بيكم… مش هروب منك.
نظرت يارا مجددًا نحو الشجرة بالخارج…
كانت الأزهار الذابلة تتحرك مع الهواء الخفيف، وفجأة انتبهت أن بعض الأغصان ما زالت مزهرة… فقط لم تكن تراها من زاويتها.
❈-❈-❈
بالمشفي مساءً
صدمة قاسية من الطبيبة وهي تُخبر فاروق عن نتيجة ذلك التحليل..
زي ما توقعت سبب النزيف أدوية إجهاض
تجمدت ملامح فاروق بالكامل…
كأن الكلمات لم تصل لعقله فى البداية… فقط ارتطمت بصدره بعنف.
نظر للطبيبة لثواني طويلة دون أن يرمش، قبل أن يخرج صوته خافتًا وخشنًا فى آنٍ واحد:
إنتِ قولتي إيه…؟
تنهدت الطبيبة بحذر، ثم دفعت الملف الطبي نحوه قليلًا:
التحاليل وضحت وجود نسب واضحة من مواد بتستخدم فى الإجهاض… والنزيف اللى حصل لعهد متوافق جدًا مع تأثير الأدوية دي.
ظل ممسكًا بطرف الملف دون أن يفتحه…
أصابعه فقط كانت تنقبض تدريجيًا حتى ابيضّت مفاصلها... يهمس:
مستحيل…
قالها ببطء… وكأنه يحاول إقناع نفسه قبل أي شخص آخر.
رفعت الطبيبة عينيها إليه قائلة بعملية:
أنا مقدرة صدمتك… بس لازم نعرف إذا كانت أخدتها بإرادتها ولا حد اداهالها من غير ما تعرف.
عند تلك الجملة…
رفع رأسه فجأة، واتسعت عيناه بعنف.
عهد...
عهد التى كانت ترتجف خوفًا على جنينها
عهد التى كانت تضع يدها على بطنها كل دقائق وكأنها تحميه من العالم كله.
خرج صوته محتقنًا:
لا… مستحيل عهد تعمل كده.
ساد الصمت للحظة، قبل أن تضيف الطبيبة بهدوء:
على العموم… الحمد لله قدرنا نسيطر على النزيف مؤقتًا، لكن حالتها النفسية والجسدية محتاجة هدوء شديد. وأى ضغط عليها دلوقتي خطر.
أومأ لها دون تركيز…
ثم استدار ببطء خارج المكتب.
لكن فور أن أُغلق الباب خلفه… تبدلت ملامحه بالكامل.
فكه اشتد بعنف.
أنفاسه أصبحت ثقيلة بصورة مخيفة...
وعروقه برزت فى عنقه بشكل واضح...
وقف بالممر للحظات يحاول التنفس… لكن صورة عهد وهي تتألم، تبكي، وتتمسك ببطنها، كانت تحرقه من الداخل.
ثم تحرك بخطوات سريعة نحو غرفتها…
فتح الباب بقوة.
كانت عهد مستلقية على الفراش، شاحبة بصورة موجعة، المحلول معلق بجانبها، وعيناها نصف مغلقتين من الإرهاق.
ما إن رأته حتى همست بضعف:
فاروق…
توقف مكانه.
نظر إليها طويلًا… طويلًا جدًا…
حتى شعرت بالخوف من ذلك الصمت.
اقترب ببطء… ثم جلس أمامها، وعيناه مثبتتان عليها بشكل أربكها.
همست بتوتر:
مالك.
ابتلع الغصة التى تخنقه، قبل أن يسألها بصوت منخفض بصورة مخيفة:
إنت أخدتي دوا إجهاض عن قصد يا عهد.
صمتت، صمتها جواب، كاد يتعصب أكثر لكن إبتلع ريقه بصعوبة وتمالك عصبيته حين دخل توفيق الى الغرفة ينظر لهما الاتنين، وملامحهما الواجمة.
❈-❈-❈
ليلّا
عاد محسن متأخرًا نسبيًا، لكنه فور دخوله الشقة شعر أن هناك شيئًا غير طبيعي.
الهدوء كان ثقيلًا أكثر من المعتاد…
خلع ساعته ببطء، ثم لمح رابيا نائمة على الكنبة بالصالة، رأسها مائل بتعب وكفها فوق بطنها بشكل غريزي.
تجمدت خطواته فورًا.
اقترب منها بسرعة:
رابيا…
فتحت عينيها ببطء، وبمجرد ما رأته اعتدلت قليلًا وهي تخفي ألمها تلقائيًا:
أنت جيت يا محسن.
لكن صوتها وحده كان كافيًا ليعرف أنها ليست بخير.
جلس أمامها مباشرة، وعينيه تتحرك فوق ملامحها الشاحبة بقلق واضح:
مالك؟
هزت رأسها سريعًا:
مفيش… شوية تعب بس.
نظر إلى يدها الموضوعة فوق بطنها، فعقد حاجبيه فورًا:
بطنك وجعاكي.
صمتها للحظة كان أخطر من أي إجابة.
فجأة نهض واقفًا بعصبية:
ومن امتى؟.
ارتبكت من نبرته: — من بعد الضهر شوية…
مرر يده في شعره بضيق شديد:
وإنتِ سايبة نفسك كده ما كلمتنيش ليه.
رفعت عينيها له، وكانت ممتلئة بشيء أعمق من الألم الجسدي:
أصلّي خوفت…
توقفت الكلمات بحلقها، لكن محسن فهم فورًا.
ذلك الخوف القديم… حملها السابق… ليلة النزيف التي ما زالت محفورة داخلهما حتى الآن...
تذكر جيدًا كيف كانت ترتعش بين يديه وهي تبكي وقتها، وكيف قضى ساعات أمام غرفة العمليات يشعر بالعجز لأول مرة في حياته.
اقترب منها بسرعة وجلس بجوارها:
بصيلي…
لكنها لم تستطع.
همست بصوت مهزوز:
حسّيت نفس الوجع القديم يا محسن… نفس الإحساس… خفت يكون بيحصل تاني.
تبدلت ملامحه بالكامل. اختفى غضبه فجأة، ولم يبقَ سوى خوف حقيقي.
أمسك وجهها برفق:
متقارنيش… سامعة؟ متفكريش بالطريقة دي.
لكنها انفجرت فجأة:
أعمل إيه يعني؟! وأنا أصلًا طول اليوم بفكر لوحدي!
سكت لحظة… ثم فهم أن كلامها لم يكن عن الحمل فقط.
رفعت عينيها له أخيرًا:
أنت غيرت نفسك فجأة… وأنا أصلًا تعبانة وخايفة ومش ناقصة أفكار أكتر من كده.
تنفس ببطء، ثم ابتعد قليلًا وهو يضغط على فكه بقهر واضح:
أهو ده اللي كنت خايف منه.
نظرت له بعدم فهم.
ضحك ضحكة قصيرة متعبة:
إن بيتنا يبقى كله خوف وشك بسبب كلام مالوش لازمة بيتزرع كل يوم في دماغك.
فهمت فورًا من يقصد.
همست بتحذير:
ماتدخلش ماما في الموضوع.
ما إن قالت رابيا بصوت باهت:
ماتدخلش ماما في الموضوع…
حتى انفجر محسن أخيرًا.
ابتعد عنها فجأة وكأنه لم يعد قادرًا على احتواء غضبه أكثر، ثم وقف في منتصف الصالة يضحك بمرارة عصبية:
لا طبعًا… ما ندخلهاش! ما هي أصلًا قاعدة بينا على الكنبة دلوقتي
اتسعت عينا رابيا بصدمة قائلة بنبره تحذيرية:
محسن!
أشار بيده بعنف مكبوت قائلًا:
لأ اسمعيني المرة دي! لأنّي ساكت بقالى سنين… ساكت عشان بحترم إنها أمك… وساكت عشان كل مرة أقول الحمل والتعب والضغط. بس خلاص… أنا تعبت
نهضت واقفة رغم ألمها:
أنت بتكبر الموضوع.
استدار لها بعينين حمراوين من القهر: بكبره ده أنا حاسس إني متجوز تلاتة يا رابيا… إنتِ… وخوفك… وصوت أمك اللي عمره ما ساب بيتنا
ارتجفت ملامحها قائلة:
ماما خايفة عليا.
قهقه بسخرية موجوعة:
خايفة عليكِ من إيه مني؟! أنا الراجل اللي شايل البيت ده فوق كتفه من سنين! عمري رفعت عيني في ست غيرك… عمري كسرتك… ولا حتى خليتِك تحتاجي حد غيري.
ضرب بكفه فوق صدره بعنف:
ومع ذلك كل يوم أتحاسب كأني خاين لسه راجع من مصيبة!
نزلت دموعها وهي تهمس:
أنا ماقولتش إنك خاين…
قاطعها بصوت مرتفع لأول مرة:
بس بصتك قالت! تفتيشك في هدومي قال.. خوفك المرضي من أي تغيير فيا قال.
ساد صمت ثقيل للحظة… ثم اقترب منها خطوة، لكن صوته هذه المرة خرج أخفض… أخطر:
تعرفي أكتر حاجة كسرتني إيه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة.
قال وهو ينظر مباشرة لعينيها:
إنك بقيتي تصدقي عني أي حاجة وحشة بسهولة… كأنك مستنية مني أقع.
شهقت بخفوت:
مش حقيقي…
هز رأسه بعنف:
بل حقيقي! وكل ده عشان واحدة فضلت طول عمرها تحلفلك إن الرجالة خونة… لحد ما بدأتي تشوفيني بنفس العين.
أغمضت عينيها بألم:
ماتتكلمش عن ماما كده…
صرخ فجأة:
وأنا مين يتكلم عني مين يدافع عني وأنا كل يوم داخل بيتي حاسس إني متراقب.
سكت لحظة يلهث من انفعاله، ثم أكمل بصوت متحشرج:
حتى النهارده… أنا اتأنقت عشان ألفت نظرك ليا… عشان أحس إن مراتي لسه شايفاني راجل مش مجرد أب لعيالها.
نظر لبطنها ثم عاد بعينيه إليها: — بقالي شهور بحاول أقرب منك… كل ما ألمسك أحس إنك بعيدة… خايفة… متحفزة… كأني هكسرك مش هحضنك.
بدأت تبكي بصمت، لكنه كان لأول مرة أعمق من أن يتراجع بسهولة.
قال بقهر:
وأنا كمان بخاف يا رابيا! بخاف أصحى يوم ألاقي بيتنا كله بقى قائم على الشك… وبخاف أكتر إن بناتي يكبروا شايفين أبوهم متهم طول الوقت لمجرد إنه راجل
ارتجفت شفتاها وهي تضع يدها على بطنها بتعب واضح.
لكن محسن لم ينتبه فورًا، كان غارقًا في انفجاره الذي كتمه سنوات:
أنا مش مطالب كل يوم أثبت إني كويس! مش مطالب أدفع تمن خيانة ناس تانية لا أعرفها ولا شبهي
ثم فجأة…
توقف.
لأن رابيا انحنت قليلًا وهي تضغط على بطنها بألم واضح هذه المرة، وخرج منها تأوه خافت جعل الدم يهرب من وجهه فورًا.
اختفى غضبه في لحظة.
اندفع نحوها بذعر:
رابيا؟! مالك بصّيلي! الوجع زاد.
أمسكها محسن بسرعة قبل أن تسقط، لكن رابيا دفعت يده عنها بعناد رغم ارتجافها.
رفعت عينيها له، ممتلئتين بدموع موجوعة: متلمسنيش دلوقتي…
تجمد مكانه.
تنفس بعنف، بينما هي تهمس بصوت مكسور: أنت عمرك ما فهمت أنا بخاف ليه…
أغلق عينيه للحظة، ثم قال بإرهاق حقيقي: وأنا كمان عمرك ما فهمتي أنا تعبت قد إيه.
ضحكت بخفة باكية:
تعبت؟… من إيه؟ من واحدة حامل وخايفة؟
مرر يده فوق وجهه بعصبية، ثم قال فجأة، بصراحة خرجت كأنها انفلتت منه:
آه… تعبت. تعبت من إنك بعيدة طول الوقت… خايفة طول الوقت… حاسس إني عايش مع ست مستنياني أغلط.
رفعت رأسها ببطء تنظر له، لكنه أكمل قبل أن يتراجع:
وتعرفي الأسوأ إيه.
سكتت.
نظر لها مباشرة، وعيناه مليئتان بصدق مرهق: إني فعلًا… فكرت.
شهقت أنفاسها.
أما هو فأكمل بصوت منخفض، خشن:
فكرت أدور على واحدة تانية… واحدة تضحكلي… تحسسني إني لسه مرغوب… مش مجرد راجل داخل على مسؤوليات وخناق وخوف كل يوم.
شحب وجه رابيا بالكامل.
لكن محسن تابع بسرعة، وكأنه يحاكم نفسه قبل أن تحاكمه هي:
بس كل مرة… كل مرة كنت بقرب من الفكرة… ما بشوفش غيرك.
أشار نحوها بانفعال: حتى وإنتِ مرهقة… حتى وإنتِ بتخنقيني بشكك… حتى وإنتِ موجوعاني…
صوته اختنق فجأة:
ماعرفتش أتخيل غيرك في بيتي… في سريري… في حياتي.
بدأت دموع رابيا تنزل بصمت، بينما هو يضحك بمرارة:
عارفة الإحساس ده عامل إزاي؟ إنك تبقى محتاج تهرب من واحدة… بس قلبك ما يعرفش يحب غيرها هي.
وضعت يدها على فمها بصدمة موجوعة:
ليه تقولّي كده؟…
اقترب منها خطوة، وعيناه حمراء من الانفعال: عشان تعرفي إني بني آدم يا رابيا! مش ملاك… ومش حجر.
ضرب كفه فوق صدره:
أنا راجل… ولما مراتي وتفضل شاكّة فيا، وتخليني حاسس إني غريب في بيتي… أكيد هتعدي أفكار سودا في دماغي.
اهتزت شفتاها بعنف:
يعني كنت هتخوني…
صرخ فورًا:
لا! لو كنت عايز أخونك كنت عملتها من زمان!
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة…
ثم قال بصوت منخفض جدًا:
أنا كنت بدور على طريقة أحس بيها إنّي لسه عايش… وفي الآخر كل الطرق كانت بترجعني عندك إنتِ.
انكسرت رابيا أكثر وهي تراه لأول مرة بهذا الضعف، بهذا الغضب، بهذا الصدق المؤلم.
أما هو… فوقف أمامها يلهث كأنه أخرج أخيرًا كل القبح والخوف والاحتياج الذي دفنه سنوات داخل صدره.
ظلت رابيا تنظر إليه بصدمة، وكأن الكلمات التي خرجت منه منذ لحظات ما زالت تصفعها واحدة تلو الأخرى.
أما محسن… فكان واقفًا مكانه يلهث، عيناه مشتعلتان، وكأنه هو نفسه لم يتوقع أن يخرج كل ما دفنه بهذا الشكل.
ساد صمت ثقيل…
ثم فجأة ضحك ضحكة قصيرة خالية من أي راحة، وأدار وجهه بعيدًا عنها.
همس بمرارة:
شوفي وصلنا لإيه…
تحرك ناحية الطاولة بسرعة، التقط مفاتيحه وهاتفه.
انتبهت رابيا أخيرًا:
محسن… رايح فين.
لم ينظر لها وهو يرتدي ساعته بعنف:
أي حتة بعيد عن هنا.
ارتجف صوتها:
وإنت سايبني بالحالة دي.
توقف للحظة… قبض بقوة على المفاتيح حتى برزت عروق يده، لكنه لم يلتفت.
قال بصوت متحشرج:
لو فضلت دقيقة كمان هقول كلام يوجعنا إحنا الاتنين أكتر من كده.
اقتربت منه بخطوات مرتبكة:
محسن اسمعني…
استدار فجأة، وعيناه مليئتان بانكسار مرعب: لا… إنتِ اللي تسمعيني. أنا بقيت داخل البيت خايف. خايف أي تصرف يتحسب ضدي… أي تغيير فيا يبقى خيانة… أي تأخير يبقى ست تانية.
أشار ناحية صدره بعنف:
وأنا والله تعبت… تعبت أحارب علشان أفضل كويس في عين ست كل اللي حواليها بيقنعوها إني وحش.
نزلت دموع رابيا وهي تهمس:
أنا ماكنتش عايزة أوصلك لكده…
ضحك بوجع:
بس وصلتي.
ثم نظر لبطنها… وللحظة اهتزت ملامحه كلها، وكأنه على وشك التراجع.
لكن شيئًا داخله كان مكسورًا بالفعل.
قال بصوت أخفض:
أنا محتاج أبعد شوية… قبل ما أكره نفسي… أو أكرهك.
اتسعت عيناها بذعر:
تمشي وتسيبني دلوقتي
ابتلع ريقه بصعوبة، ثم قال دون أن ينظر إليها مباشرة:
أنا لو قعدت هنا النهارده… هنهار.
تحرك نحو الباب سريعًا.
محسن.
نادته بصوت مرتجف موجوع، لكنه هذه المرة لم يتوقف.
فتحت الباب خلفه بسرعة:
محسن..
لكنه كان قد نزل أولى درجات السلم بالفعل.
وقفت عند الباب تبكي بصمت، تراه يبتعد دون أن يلتفت حتى.
أما هو… فكان ينزل الدرج بخطوات سريعة، يمرر يده فوق وجهه بعنف محاولًا التحكم في نفسه.
لكن الحقيقة التي كانت تخنقه الآن… أنه لم يخرج من البيت لأنه لم يعد يحبها...
بل لأنه يحبها أكثر مما يحتمل...
أغلقت رابيا الباب ببطء بعدما اختفى صوته تمامًا من السلم...
ثم استندت عليه فجأة، وكأن ساقيها لم تعودا قادرتين على حملها أكثر...
البيت كله بدا فارغًا بشكل مخيف…
صوته… غضبه… حتى انفجاره… كان أهون من هذا الصمت.
وضعت يدها فوق بطنها تلقائيًا وهي تتنفس بصعوبة، بينما عقلها يعيد كلماته بلا رحمة:
"فكرت أدور على واحدة تانية…"
أغمضت عينيها بقوة، لكن الجملة التالية كانت الأقسى:
"بس ما شفتش غيرك."
انزلقت دمعة ساخنة فوق خدها.
لأول مرة منذ شهور… شعرت أن محسن لم يكن غاضبًا فقط.
كان وحيدًا.
جلست على الأرض بجوار الباب، تضم ركبتيها إليها بتعب، وفجأة شعرت بذلك الألم في بطنها يعود أقوى.
شهقت بخفوت وهي تضغط مكان الوجع بكف مرتجفة:
يا رب…
أخذت نفسًا سريعًا تحاول تهدئة نفسها.
لكنها لم تستطع منع عقلها من العودة إلى حملها السابق… إلى الدم… إلى صراخها… إلى محسن وهو يحملها مذعورًا وقتها.
ارتجف جسدها بالكامل.
وفي نفس اللحظة، كان محسن يقود سيارته بسرعة أكبر مما ينبغي.
قبض على المقود بعنف، وعيناه جامدتان على الطريق، بينما صدره يعلو ويهبط بعصبية.
كان غاضبًا… منها… من نفسه… من تدخل والدتها … من كل شيء.
لكنه فجأة سمع صوت رابيا في رأسه وهي تقول بخوف:
"حسّيت نفس الوجع القديم…"
ضغط الفرامل فجأة عند أول إشارة.
أغمض عينيه بقوة، ثم ضرب المقود بقبضته: غبي… غبي.. يا محسن ضغطت عليها جامد.
مد يده سريعًا لهاتفه.
اتصل بها.
رن مرة… اثنتين… ثلاثة…
لا رد.
عقد حاجبيه فورًا وأعاد الاتصال.
وفي الشقة… كان هاتف رابيا يهتز فوق الطاولة بينما هي منحنية على نفسها قرب الباب، تحاول التحكم في ألمها وأنفاسها المرتجفة...
فتحت عينيها بصعوبة على صوت الرنين المتكرر...
نظرت لاسم محسن فوق الشاشة…
وشعرت بشيء داخلها ينكسر أكثر...
أما هو، فبمجرد عدم ردها تبدلت ملامحه كلها.
اختفى الغضب تمامًا.
ولأول مرة منذ خروجه… دخل قلبه خوف حقيقي مرعب.
همس لنفسه بذعر:
رابيا… ردي عليا.
❈-❈-❈
فى شقة كنان
وقفت غزال لعدة دقائق فى منتصف الغرفة… أصابعها ترتجف حول ذلك التيرمومتر الصغير وكأنه يحمل حكمًا كاملًا على حياتها، لا مجرد نتيجة عابرة...
عيناها كانتا معلقتين بالخطين الواضحين أمامها… واضحين بصورة لا تقبل الشك...
_حامل…
خرجت الكلمة داخل رأسها بطيئة، ثقيلة، كأن عقلها يرفض استيعابها رغم وضوحها القاسى.
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم جلست على طرف الفراش فجأة بعدما شعرت بأن ساقيها لم تعودا تحملانها...
مرّت يدها فوق بطنها بلا وعى… حركة صغيرة مرتعشة، لكنها جعلت قلبها ينتفض بعنف.
_كنان…
أغمضت عينيها بقوة، وكأن مجرد التفكير باسمه الآن يزيد الأمر تعقيدًا...
منذ أسابيع وهى تشعر أنه ابتعد عنهت … خوفها الدائم، وكلمات راندا السامة التى ظلت تنهش عقلها:
الرجالة بيتغيروا بسرعة… خصوصًا لما الشغف يهدى.
لكن هذه اللحظة…
هذه النتيجة الصغيرة التى بين يديها… جعلت كل مخاوفها تتكدس دفعة واحدة فوق صدرها...
_هل سيفرح؟
أم سيشعر أنها حملت عليه مسئولية جديدة
ارتجفت أنفاسها، ونظرت مرة أخرى إلى النتيجة كأنها تتمنى أن تختفى...
لكن الخطين بقيا ثابتين… واضحين… مثل الحقيقة تمامًا...
وفجأة انفتحت باب الغرفة بهدوء.
دخل كنان وهو يفك أزرار كُمّ قميصه بإرهاق، لكن خطواته تباطأت فورًا عندما رآها بتلك الحالة… شاحبة، جامدة، وعيناها حمراوان بصورة أقلقته فورًا.
عقد حاجبيه مقتربًا بسرعة قائلًا:
غزال… مالك.
رفعت عينيها إليه ببطء… ثم أنزلت نظرها نحو الشيء الموجود بيدها.
تتبع كنان نظرتها، قبل أن يمد يده ويأخذ التيرمومتر منها دون فهم حقيقى.
ثانية…
ثم ثانية أخرى…
وببطء شديد تبدلت ملامحه.
كأن العالم كله توقف داخل عينيه...
رفع بصره إليها مرة أخرى، غير مصدق، وهمس بصوت خافت خرج مهتزًا على غير عادته:
إنتِ… حامل.
❈-❈-❈
بالمشفى…
بعد وقت طويل من القلق والأسئلة والوجوه المتوترة، خرجت الطبيبة أخيرًا من الغرفة لتطمئن الجميع أن حالة عهد مستقرة، وأن بقاءها الليلة بالمشفى فقط تحت الملاحظة لبضع ساعات...
تنهد الاتنين بارتياح...
أما فاروق…
فبقى واقفًا بصمته القاسى قرب باب الغرفة، كتفاه مشدودتان وعيناه ثابتتان على الباب وكأنه يخشى أن يبتعد عنه للحظة...
اقتربت منه والدة عهد قائلة برفق متعب:
إحنا هنمشى دلوقتى يا ابنى… الدكتور طمنا، وأنت موجود جنبها.
اكتفى بهزة خفيفة من رأسه.
ربت والدها على كتفه قبل أن يقول بصوت هادئ:
أهم حاجة متحسسهاش بضغط… شكلها تعبان نفسيًا.
تصلب فك فاروق قليلًا عند الجملة، لكنه أخفى اضطرابه سريعًا مرددًا:
حاضر.
غادروا بعدها بهدوء، لتسقط الممرات فى حالة سكون ثقيل...
وقف فاروق لثواني مكانه… ثم دفع باب الغرفة ببطء ودخل.
كانت عهد مستيقظة فوق الفراش، مازالت بشرتها شاحبة بصورة أوجعته رغم محاولته التماسك... لكن تبدوا هادئة، عكس المتوقع، ذلك دليل آخر عن أنها تناولت ذاك الدواء قصدًا
اقترب بخطوات بطيئة حتى جلس على المقعد الملاصق للفراش.
ظل يحدق بها طويلًا دون كلمة… بعينين مرهقتين تحملان غضبًا، خوفًا، ووجعًا لم يعرف كيف يفرقهما عن بعضهما...
ثم أخيرًا مد يده يمسك كفها البارد بين يديه، وضغط عليه بقوة
همس بصوت خافت متحشرج بغضب سائلّا
ليه يا عهد… ليه تعملي فى نفسك كده.
رواية عهد الدباغ الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل الواحد والاربعون
بالمشفي
صمتها.. جواب بل دليل قاطع أن ذلك الإجهاض حدث عمدًا منها... نظر لها بذهول عقله غير مستوعب ذلك...
لحظات حتى تقبل عقله قبل أن يقول بتعلثم وعصبيه:
ليه... ردي يا عهد وقولى... إكدبي وانا هصدقك...
صمت للحظة ثم تفوه بصوت عالي وعصبية:
ردي يا عهد.
_أيوه
قالتها وهي تشعر بألم نفسي أكثر من جسدي... بينما هو عيناه تكاد تخرج من مُقلتيها إبتلع ريقة بصعوبه وتفوه بهمس:
ليه...ليه.
أغمضت عينيها بقوة تحاول كبت دموعها...تبتلع ريقها،تحركت يدها شعرت بوخز مؤلم من سن مغروس فى يدها...أطبقت يدها بقوة،فى الحال لا يوجد بها ذرة لا تتألم...مع ذلك فتحت عينيها...نظرت الى نظرة فاروق لها،كانت قاسية،نظرة ليست جديدة عليها منه تذكرتها جيدًا وقت أن هانها بمنزله وكاد يُفرق بينها وبين فرح هو فعل ذلك فعلًا...لم تتألم من نظرة الكراهية الواضحة فى عينيه،رغم ذلك أغمضت عينيها سالت الدموع غصبً،أمام عينيها الآن آخر صورة كانت عليها فرح...رنات صوتها وهي تحكي كم تُحب فاروق...
تمنت لو كانت تعيش الآن ورأت وجهه مهزوم...كانت فهمت أنه لم يُحبها يومً،كذالك هي لم يُحبها...أراد التملُك فقط
صمت يقابل صمت،وعيون تقدح سعيرًا...
إبتلع ريقه ثم تهكم من تلك الدموع التي تسيل من عينيها،تلك الدموع التى كانت سابقًا تهز قلبه...الآن يودها نارًا تحرق وجنتيها...همس بصعوبة:
ليه يا عهد...إحنا الفترة الأخيرة قربنا من بعض أنا...
صمت ماذا يقول،يقول أنه صبر كثيرًا وظن أن تألفها معه هو جزاء الصبر سنوات وهو يكتم عشقها فى قلبه،لم يتفوه بحبها علانية لها... لكن هل كانت بلا شعور ولم تلاحظ ذلك عليه،حتى مشاعره معها بلحظات الغرام...
نظر لها بحقد لأول مرة ود لو تبدل الوضع ورحلت هي وظلت فرح...أو رحل هو وترك الاثنتين.. أو لم يتقابل طريقهما معًا من الأساس... بحشرجة صوت تفوه يشعر بمرارة وعذاب:
مشاعرك كانت كدابة يا عهد كنتِ في حضني وفي قلبك الغدر.. ليه.
نظرت له كأن قوة وهمية تملكت منها تفوهت ببرود عكس نار تستعر بقلبها:
إنت اللى بدأت يا فاروق.
نظرة عيناه ليست مستفسرة بل مُستنكرة...ينظر يسمع لبقية حديثها:
فى البداية حاولت تفرق بيني وبين أختى،عذبتها عمرك ما حسيت بحبها ليك.. كان نفسها تحبها جزء بس من مقدار حبها ليه، قالت لى مرة إنها حاسه إن فى قلبك غيرها... كان في بينكم حاجز
نظر لها لولة تبسم بمرارة، آه لو تعلم أنها هي ذلك الحاجز...
لكن ظل يسمع لها وهي تحاول النهوض من فوق الفراش بوهن لم يرآف قلبه لها ولم يذهب نحوها تركها تفعل ذلك وحدها... بصعوبة نهضت من فوق الفراش بقوة نزعت تلك الإبر الطبية المغروسة فى يدها خطواتها كانت بطيئة وهي تتجه نحوه، توقف أمامه تترنح حتى كادت أن تقع لولا تشبثت بيديه بضعف، لم يتلهف عليها، شعر بقبضة يدها الضعيفة على يده كانها قبضة ناريه، ود لو يدفعها بعيد عنه يشعر بغضب،
لحظات صمت، نظرات ومشاعر متبادلة... قطعتها عهد بحدة:
إنت حتي إستخسرت نحزن على فرح بعد موتها قيل من شهر كنت عاوز تتجوز، كأنك إرتاحت بموتها وبقي لك فرصة ومحدش هيلومك، أنا سبق وقولت لك جوازنا إنتقام مني، ونفس مشاعري يا فاروق متغيرتش... مش بتقول عليا جميلة... وأنا بقولك
الجميلة والوحش فى الحكايات الخيالية وبس، لكن فى الحقيقة الجميلة عمرها ما هتوقع فى فخ الوحش وتتقبله، ممكن تخدعه عشان...
صمتت بعدما تقوّست بجسدها قليلًا، وتركت إحدى يديها تستقر أسفل بطنها تشعر بألمٍ طفيف. لم يهتم في البداية، بل عاد للخلف خطوة، فانسلّت يدها الأخرى من فوق ذراعها.
ورغم قسوته الظاهرة، كان هناك شعور غريب يتسلل إلى قلبه بعد كل ما قالته. شعور يلحّ عليه أن يسألها إن كانت بخير، أن يقترب منها بدلًا من الابتعاد، لكنه قاومه بعناد.
رفعت رأسها نحوه بصعوبة، وقد شحب لون وجهها قليلًا، بينما حاولت أن تتماسك حتى لا تمنحه انتصارًا جديدًا عليها.
ترنحت خطوة إلى الخلف، فاختفى الجمود من ملامحه في لحظة، وانطلق نحوها قبل أن تسقط. التقطها من ذراعيها بقوة، لتتشبث بقميصه دون وعي.
اتسعت عيناه وهو يشعر ببرودة كفها، وبالارتجافة الخفيفة التي سرت في جسدها...سقطت كل كلمات الغضب ولم يبقي سوى ألم يعصف بصدرهما... خوف لم يعترف به أيًا منهما...
كاد يشفق عليها لكن أجبره عقله وهو يزيد في قسوته يلوم لحظة القلق عليها يمنعه، هي حرقت كل شيء، لا داعي أن تظل والافضل الانسحاب... بصعوبة وبنبرة باردة تفوه:
شوفي اللى إنت عوزاه وأنا هعمله ليكِ، حتى الانفصال أنا موافق عليه يا عهد.
لم ينتظر ان ينظر لها بل توجه نحو باب الغرفة غير مباليًا، بينما هي شعرت بصدمة طلقة نارية تخترق صدرها، تمسكت بطرف الفراش حتى جلست عليه همست إسمه بوجع تبكي كما لم تبكي من قبل حتى وقت وفاة فرح...
كذالك فاروق لم يكُن أفضل من حالها يشعر بإنعدام وعي وهو يسير عبر ممرات المشفي مُغادرًا لم ينتبه الى نداء والد عهد عليه،لأول مرة يشعر بشعور الخسارة فى حياته... وليست أي خسارة، بل خسارة كبرياؤه أمام عشق ضائع.
❈-❈-❈
بمشفي آخر
بعدما عاد محسن الى البيت قلقًا على عدم رد رابيا عليه، كما شعر عدم ردها كان لسبب، علم من إحد الخادمات أن حالتها إستدعت الذهاب للمشفي، حاول الاتصال على والدته لكن لم ترد عليه، سأل السائق عن المشفي وأخبره إسمها، ها هو يسير فى أحد الممرات، رأي والدته تجلس أمام إحد غُرف العناية... ذهب نحوها، توقف أمامها يلهث، شعرت والدته بالغضب منه ونظرت له بحدة
-جاي ليه يا محسن
قالتها إجلال بغضب فتوتر محسن قائلًا بلهفة:
رابيا يا ماما تبقي مراتي.
تهكمت إجلال بغصة وغضب قائلة:
إنت اللى إختارت يا محسن، إمشي من هنا وإدعي لها ربنا يلطُف بها هي واللى فى بطنها... لو جرالهم سوء يبقي إنت السبب.
نظر لها بندم وكاد يتحدث لكن خرجت مُمرضة، إعترضت إجلال أمامها سائلة بلهفة:
رابيا... قصدي المريضة اللى جوه أخبارها إيه.
أجابتها بآسف:
إدعي لهم يا حجة الإتنين فى خطر
الأم وإبنها.
بنفس الوقت كانت تقترب زوجة خاله ومعها خاله، تفوهت بغضب:
بنتي جرالها إيه، عملت فيها إيه... إنت دايمًا قاهرها فى قلبها....
كانه كان على تكة يود الانفجار وها هي الفرصة، إنفجر بوالدة رابيا قائلًا:
إنتِ السبب من البداية فى قهر قلبنا إحنا الاتنين بالسموم اللى بتدسيها فى عقل رابيا.. كل ده بسبب طمعك، وحب السيطرة
تجمدت والدة رابيا في مكانها للحظة، وكأن كلماته أصابتها في مقتل، ثم صاحت بعصبية وهي تشير إليه بإصبع مرتجف:
أنا... أنا السبب... بدل ما تبص على أخطائك جاي تحملني كل حاجة... بنتي عمرها ما شافت منك يوم راحة!
لم يعد قادرًا على كبح غضبه، سنوات طويلة من الصمت والاحتقان خرجت دفعة واحدة:
راحة.. كام مرة كنتِ بتدخلي بينا... كام مرة كنتِ تفسري أي تصرف مني إنه إهانة.. كام مرة كنتِ ترجعيها من بيتها زعلانة لمجرد إن الأمور مش ماشية على هواك.
ارتفع صوتها أكثر:
لأن بنتي كانت عايشة معاك مكسورة.
ضحك بمرارة وهو يهز رأسه:
إنت اللى كنتِ بتزرعي الشك والحِيرة جواها .... كل ما كنا نحاول نبني خطوة، تيجي إنتِ تهديها... عمرك ما شوفتيها ست متجوزة، كنتِ دايمًا عايزاها تحت جناحك.
شهقت بصدمة:
إنت بتتهمني إني خربت بيت بنتي.
أجابها بلا تردد:
أيوة... خربتيه يوم ما زرعتي جواها إن أي خلاف بينا معناه إني ظالم، وإن أي كلمة أقولها لازم تدور وراها بألف تفسير... خربتيه يوم ما خليتيها تشك في كل حاجة حتى في حبي ليها.
تدخلت إجلال بينهما تشعر بغضب من الإثنين كثيرًا نصحت رابيا الا تسمع لحديث والدتها وها هي كما توقعت ستأتي لحظة ويثور محسن، والنتيجة قاسية، رابيا بموقف حرج، ومحسن يود أن يُخرح طاقة خوفه وقلقه... لكن ليس بالمكان المناسب، جذبت محسن من يده بصعوبه سار معها حتى إبتعد عن والدة رابيا، توقفت لوهلة رجف قلبها حين وضع محسن يده فوق قلبه يلهث... تحدثت بقلق:
محسن مالك... إحنا فى المستشفى تعال نشوف دكتور بكشف عليك.
اجابها بتطمين:
أنا بخير يا ماما..
توقف تحولت نبرته الى قلق قائلًا:
رابيا..
وضعت يدها على كتفه بمؤازرة قائلة:
بتحبها يا محسن، كنت بتقاوح، خسارة إعترفت متأخر، إدعي ربنا يرآف بها هي وإبنك.
أغمض عيناه يشعر بألم فتاك، وضلع أساسي فيما حدث لـ رابيا ما كان عليه أن يزيد عليهة الضغط أكثر.
بعد وقت
دلف محسن الى غرفة رابيا، كانت غافية، ملامحها باهتة، رغم ذلك جميلة،لم ينكر جمالها يومً، رابيا لو ما شاركت والدتها الكذب ربما كان مع الوقت مال لها وتزوجها بكل إرادته، وما كان عاشا حياة باردة هشة مبنية على تفكير كل طرف أنه المظلوم...
نفض كل الغضب عن راسه إنحني يضع قبلة على وجنتها همس جوار أذنها:
أنا والبنات فى إحتياجك يا رابيا، حتى اللى فى بطنك محتاج تكافحي عشانه، أنا بحبك با رابيا.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
بمنزل الدباغ، بغرفة يارا، كانت تشعر بالسأم، من تجاهل نديم لها ليوم واحد. فقط، لم يرسل لها رسائل، تنهدت تزن حدبث والدتها برأسها، ربما تسرعت فى رد فعلها، كان عليها التأني، حقًا نديم هو الآخر مُخطئ فالمكانة المرتفعة ليست أبقي من إستقراره معها... لكن كذالك هي كان عليها أن تستوعب وتعطي فرصة له، ربما كان يحتاج منها بعض المؤازرة.. لا لان تتوقف أمام أول خلاف بينهما...
فى وسط شرودها ولومها لنفسها، صدح هاتفها
.. فتحته سرعان ما تفتحت ملامحها.. حين رات إسم نديم، إذن الرساله منه، سرعان ما فتحتها
.. قرأتها:
"أنا فى مصر، بابا تعبان".
خفق قلبه بشدة، لوهلة كاد يتحكم الغرور بها وعقلها يقول لها:
لقد آتي من أجل مرض والده، ليس من أجلك.
لكن تحكم عقلها:
حتى لو كان السبب والده بلاش تضيعي الفرضة يا يارا.
بالفعل نهضت بدلت ثيابها بأخري لم تُفكر، بعد وقت، كانت تقف أمام تلك الشقة.. رفعت يدها تدق الجرس، تنتظر قلبها يخفق حتى فتح لها نديم الباب، تعلقت نظارتهم ببعض لثواني... نظرات
لوم... عتاب... وفى النهاية سماح من الطرفين وبسمة كافية لازالة خلاف...
تفاجئت يارا به يجذبها للداخل، يغلق الباب خلفه يحتضنها بقوة هامسًا:
وحشتيني يا يارا.
تبسمت حين شعرت بانفاسه قريبة من عنقها، وتلك القُبلة كانت برهان على الشوق.
ترك شفتيها ينظر لها وهي تنظر الى عينيه، تبسم، بينما هي فاقت من سطوته قائلة:
عمي فين، ماله.
تبسم وعاد يضمها قائلًا:
عمك بعد ما رعبني عليه وخلاني نزلت مصر... إتفاجئت به من شوية خارج بشنطة هدومه وبيقولى مسافر يومين ينزه نفسه مع أصحابه فى رحلة لـ مرسي مطروح هيروح شاطئ الغرام.
تبسمت قائلة بإيحاء مباشر:
عمي ده لذيذ أوي،عايش حياته مش زي ناس مقضية وقتها شغل ومضيعة ملذات تانية أهم فى الحياة.
فهم إيحاؤها... ضمها أكثر قائلًا:
خلاص فهمت يا يارا... إنت عندي أهم شيء فى حياتي ومش ممكن أضيعك مني، إنت وإبني.
تبسمت بدلال قائلة:
منين جالك إني حامل فى ولد.
داعب انفها بإصبعه قائلًا:
قريت إن الست لما تكون عصبية وحلوة وهي حامل تبقي فى بطنها ولد... بس أنا كان نفسي فى بنت جميلة زي مامته، بس متبقاش قماصة.
ضحكت قائلة:
قصدك إني قماصة.
اومأ برأسه فضحكت، عاد يحتضنها بقوة هامسًا بشوق:
وحشتيني يا يارا... متغبيش عني تاني.
ضمته بذراعيها وضعت قبله على جانب عنقه قائلة:
مش هغيب، خلاص يا نديم مبقاش ينفع نبعد عن بعض.
_بحبك
-وأنا كمان بحبك.
وكلمات قليلة كان بعدها موجة غرام تبتلعهما معًا.
بعد دقائق
وضعت رأسها على صدره العاري ضمها بقوة قائلًا:
متأكد مش هتسبيني تاني.
تبسمت وهي تُشبك أصابع يدها بين أصابع يده قائلة بيقين:
لا مش هسيبك تاني يا نديم.
رفع وجهها عن صدره وقبل شفتيها قائلًا:
وأنا أتعلمت من الدرس بعدك عني صعب يا يارا.
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
بشقة كنان
دلف الى غرفة النوم.. تفاجئ بـ غزال كانت تقف ببعض ثيابها الداخليه، تستكمل إرتداء ثيابها... رغم أن جسدها نحيل كما هو لكن كانت فاتنة، أو ربما إشتياقه لها جعلها كذالك... إقترب منها عيناه تجول على جسدها بالكامل...
بينما هي فسرت نظراته لها أنها مجرد نظرات عابرة، بالنهايه كما قالت لها راندا أنها مجرد زهوة لدا كنان، وستنطفئ بأقرب وقت، وكان ذلك صحيحً، منذ مدة لم يقترب منها كزوج، رغم نومهما على فراش واحد ختي خبر حملها لم يُعلق عليه سوا بكلمات مُقتضبة.. لكن تفاجئت به يجذبها عليه قبل أن يُلقي عليها حتى كلمة سلام... قبلها بإشتياق.. ضعفها جعلها تتجاوب مع ذلك، حتي جذبها نحو الفراش يُشرف عليها بجسده، مسك أطراف شعرها يتحسسها بين أصابعه... ثم نظر الى وجهها قائلًا:
قصيتي شعرك ليه.
إبتلعت ريقها قائلة:
متعودة اقصه كده كل فترة، مش بحب الشعر الطويل.
_ولا أنا.. بس معدتيش تقصيه تاني.
قمة التناقض هذا الرجل...
أوقات تشعر انه حنون متواضع، وأوقات أخري قاسي متعجرف...
زالت حيرتها بعض الوقت مع سيل قبلاته ولمساته، همسه القليل.. لحظات غرام مُلتهبة كأنها تعويض عن إشتياقه لجسدها بالفترة الماضية.. شعرت بذلك، هو يريد جسدها فقط... بلا كلمات.
إنتهت تلك اللحظات على صخب أنفاسهم، الذي هدأ بعدما صدح رنين هاتفه.. جذبه، من على الطاوله جوار الفراش، كانت قريبة منه، قرأت إسم من تتصل... ابتلعت غصة قوية بحلقها، ثم إبتعدت تجذب دثار الفراش معها بصمت...
تعجب من رد فعلها.. ترك الرنين ونظر لها سائلًا:
رايحة فين.
أجابته وهي تتوجه نحو خزانة الثياب:
هسيبك تتكلم براحتك.
_يعني إيه.
أجابته:
يعني راندا لها مكانة عندك، بلاش أبقي عازول.
_عازول
يعني إيه... راندا مجرد...
قاطعته بحدة:
مجرد إيه يا كنان.. فى الجامعة كنت بشوفكم كتير مع بعض، حتى كان منتشر إشاعة إرتباطك بها، بتكلمك عالموبايل فى أي وقت وبترد عليهت ده مالوش غير معني واحد.
بسؤال تحدث إليها:
وإيه هو المعني الواحد ده.
أجابته بوجع قلب:
يعني عجباك.. وهي اللى تليق بـ كنان الدباغ.
-مين قالك كده.
اجابته:
الواقع اللى أنا شيفاه.
نظر لها بغرور قائلًا:
ميهمنيش إنتِ شايفه إيه
تفوهت بغصة قلب:
إنت صح،أنا مش مهمة،ولا ليا أهمية عندك... مجرد زهوة وهنتهي وهتروح للى تناسبك.
ضيق عيناه قائلًا بعصبية:
غزال....
شهقت غزال بعنف وهي تمسح دموعها بطرف كفها،التى سالت غصبً لكن صوتها خرج مكسورًا للمرة الأولى… مكسور بصدق موجع:
إنت إتولدت وبين شفايفك معلقة دهب يا كنان… "إبن الحج محي الدين الدباغ".
عمرك ما نمت جعان… عمرك ما كنت بتحسب هتدفع إيجار البيت منين… عمرك ما اتنقلت من بيت لبيت كإنك شنطة ملهاش صاحب.
نزل من على السرير توقف أمامها صامتًا، عينيه معلقتين بوجهها المرتجف، بينما أكملت هي بمرارة تتصاعد مع كل كلمة:
أنا كنت باكل وأقوم أنام عشان الجوع يخرس… كنت فى عز الحر ألبس هدوم فوق هدوم عشان محدش يحس إني معنديش… باب أوضتي كان مقفول عليا بالساعات، مش خوف عليا… لا… عشان أريح الناس من وجودي.
إتسعت عينا كنان بألم وهو يهمس بغيظ:
غزال…
لكنها قاطعته بعنف، وكأنها تخشى أن يلين قلبها لو سكتت:
لا… اسمعني المرة دي...
إنت كل مرة تزعل تمشي، متأكد إن فى بيت هيفتحلك الباب… فى حضن هيسامحك مهما عملت…
أنا
أنا لما سيبت البيت بعد خناقتنا وروحت عند أبويا… كنت ضيفة تقيلة.
لو اتأخرت برا، محدش كان بيرن يسألني فين… محدش كان بيخاف عليا أصلًا.
خفض كنان رأسه قليلًا، شعر لأول مرة أن المسافة بينهما أعمق بكثير مما تخيل. لم تكن خلافات زوجين… كانت حياة كاملة لم يفهمها.
اقترب خطوة هامسًا بصوت مخنوق:
ليه عمرك ما قولتي كل ده.
ضحكت بمرارة والدموع تهتز بعينيها:
هقول لمين.. وإيه كان هيفرق...
كنت إنت ولا غيرك هتبصلي بشفقة
ولا كنت هتحاول تصلح سنين اتكسرت جوايا.
رفع رأسه بسرعة قائلًا:
لا… كنت هفهمك أكتر.
هزت رأسها بالنفي وهي تتراجع للخلف:
إنت عمرك ما هتفهم يا كنان… لأنك طول عمرك متسند...
وأنا طول عمري بخاف الأرض تتسحب من تحتي.
ساد الصمت لثوانٍ ثقيلة، قبل أن يقول بصوت موجوع:
وأنا… أنا إيه بالنسبالك.
أغمضت عينيها بقوة، وكأن السؤال ذبحها، ثم همست:
كنت الأمان الوحيد اللي اتمنيت أصدقه…
بس كل مرة كنت بتبعد فيها… كنت بتحسسني إن خوفى كان صح... إنك هتمِل مني بسرعة زي ما قالت راندا زهوة وهتختفي...لعبة ببلاش هتتسلى بيها وفى الاول والأخر عارفة مكان هتترمي فيه.
ارتجف فكّه وهو يقترب أكثر قائلًا:
غزال...أنا.....
رفعت عينيها إليه أخيرًا، والخذلان يملؤها مقاطعة له ببأس: —
أنا مليت من الخوف…
مليت أفضل مستنية اللحظة اللي تسيبني فيها زي الباقيين.
مد يده يريد لمسها، لكنها ابتعدت فورًا وهي تقول بانهيار:
من البداية أنا كنت رافضة… إنت اللي تمسكت بعنادك...
أنا مكنتش عايزة حب… ولا جواز…
أنا كان أقصى حلم عندي مكان أحس فيه بالأمان وبس.
صمتت لحظة، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة موجوعة وقالت:
وبلاش تقارن نفسك بيا كده…
إحنا عمرنا ما كنا شبه بعض.
تصلب جسد كنان مع الكلمة الأخيرة، بينما همست هي بصوت أنهكه البكاء:
إنتهينا يا كنان.
ولأول مرة… شعر كنان أن الكلمة لم تكن تهديدًا فى لحظة غضب…
بل حقيقة تخسرهما معًا.
ظلّ كنان واقفًا مكانه للحظات بعد خروج الكلمة منها…
"إنتهينا".
كأنها لم تقلها بصوتها… بل غرستها مباشرة فى صدره.
راقبها وهي تستدير ببطء، تمسح دموعها بعنف وكأنها غاضبة حتى من ضعفها، ثم خطت نحو باب الغرفة، لكنه أخيرًا تحرك نحوها امسك يدها قائلًا:
غزال… متخرجيش وإنتِ بالحالة دي.
ضحكت باختناق دون أن تنظر له قائلة:
الحالة دي
إنت فاكر دي حالة لحظة
أنا بقالي سنين كده يا كنان.
أغلق عينيه ثانية يحاول السيطرة على انفعاله، ثم قال بصوت منخفض:
طيب تعالى نتكلم بهدوء.
استدارت له فجأة، والغضب انفجر أخيرًا: هدوء إيه؟!
إنت خلاص هتسيبني للوحدي أتصارع مع دماغي..
كل مرة أحاول أقنع نفسي إنى مش مجرد زهوة… وإنك ممكن تحبني… وإنك مش هتزهق مني زي الباقيين.. بس فى النهاية كل ده سراب
اقترب منها بسرعة قائلًا:
عمري ما زهقت منك.
صرخت بانهيار:
لاء زهقت والدليل كلامك مع راندا كأني بدون مشاعر...
كل مرة بترد عليها،ولما بشوفك ماشي معاها كنت بيموت جوايا حتة..
إنت متعرفش يعني إيه الواحد يعيش طول عمره مستني لحظة الناس تسيبه... زي بعدك عني الفترة اللى فاتت كنت حتى بتتجنب النظر ليا.
تجمد وهو يراها تبكي بتلك الطريقة التي لم يرها بها من قبل… لا عناد… لا كبرياء… فقط وجع متراكم.
اقترب أبطأ هذه المرة، وكأنه يخشى أن تهرب مخاولًا تبرير بعده عنها :
غلطانه... إنت فاكرة إني بعدك عنك الفترة اللى فاتت عشان زهقت منك، أنا
أنا كنت...
قبل ان يقول تبريره..
هزت رأسها بعنف:
الفرق إنك تعرف تعيش من غيري يا كنان…
إنت عندك ناس… اسم… عيلة… حياة كاملة.
أنا لو خسرتك… هخسر آخر مكان حسّيت فيه إني مش لوحدي..
ارتعشت ملامحه مع اعترافها، وقال بصوت مبحوح:
يبقى ليه مصممة تخليني أخسرك
رمقته طويلًا، ثم همست:
عشان أسبقك... قبل ما تقول كلمة إنتهينا.
قطب حاجبيه بعدم فهم.
ابتلعت غصتها بصعوبة: طول عمري الناس بتمشي وتسيبني…
فقررت أول ما أحس إن حد ممكن يبعد… أسبقه أنا وأمشي.
ضربت الكلمات قلبه بعنف.
لأول مرة فهم…
هي لم تكن تؤذيه بعنادها… كانت تحاول حماية نفسها من ألم تعرفه جيدًا.
اقترب منها حتى صار أمامها مباشرة، ثم قال ببطء: بصيلي.
رفضت.
رفع يده يرتجف قليلًا، ثم لمس ذقنها برفق يجبرها تنظر إليه:
أنا غلطت…
وغلط كبير إني كل مرة كنت برد على راندا وأنا فاكر إنك عارفة خقيقة مشاعري....
مكنتش أعرف إن كل مرة كنت ببعد عنك… وإنؤ كنت بهد كل حاجة جواكي
اهتزت شفتاها وهي تنظر له بصمت.
أكمل بألم حقيقي:
بس إنتِ كمان ظلمتيني لما صدقتي إني ممكن أبقي متجوز وأبص لست تانيه.
غزال… أنا أول مرة فى حياتي أخاف أخسر حد بالشكل ده كانت معاكِ.
سال دمعها بصمت هذه المرة، بينما هو اقترب أكثر هامسًا:
إنتِ مش عبء… فاهمة..
ولا عمرك كنتِ حمل تقيل على قلبي.
أخفضت رأسها فجأة وهي تبكي:
بس أنا تعبت يا كنان…
تعبت أفضل قوية طول الوقت... وأقبل تحكماتك وظنونك ..أنا عمري ما كنت طماعة..كفاية بقي إنتهينا..
جذبها يضمها إليه بعنف كأنه يخشى أن تضيع فعلًا، ودفن وجهه بشعرها هامسًا بصوت مرتجف:
خلاص… خلاص يا غزال…
متقوليش إنتهينا تاني…
أنا والله ما عنديش بعدك حاجة تستاهل.
تجمدت بين ذراعيه لثواني…
ثوانى ضعفت فيها فعلًا، وكادت تصدق حضنه… تصدق صوته… تصدق أنه أخيرًا فهمها...
لكن شيئًا بداخلها كان أعمق من الحب…
الخوف...
دفعت صدره ببطء، ثم ابتعدت عنه قبل أن تستسلم أكثر.
رفع كنان عينيه إليها بذهول:
غزال…أنا بحبك.
مسحت دموعها سريعًا، تحاول جمع بقايا قوتها، ثم قالت بصوت متعب:
متأخر يا كنان.
هز رأسه بعنف:
لا…
إحنا نقدر نصلح ده.
ابتسمت بألم وهي تتراجع خطوة أخرى قائلة بحسرة قلب:
إنت فاكر الحب بيصلح كل حاجة…
بس فى حاجات لما بتتكسر… بتفضل مشرخة حتى لو رجعت زي الأول.
اقترب يريد الإمساك بيدها، لكنها سحبتها فورًا.
ضحكت بخفوت والدموع تنزل بصمت:
أنا مش غضبانة…
أنا موجوعة.
شعر بشيء ينهار داخله مع الكلمة.
اتجهت نحو الخزانة، جذبت حقيبة صغيرة بعشوائية، بدأت تضع بعض ملابسها بيدين مرتجفتين.
انتفض كنان نحوها:
إنتِ بتعملي إيه.
_ ماشية.
خرجت الكلمة هادئة بشكل أخافه أكثر من الصراخ.
أمسك الحقيبة من يدها بعنف:
لا مش هتمشي.
رفعت عينيها إليه بثبات موجوع:
وهتمنعني بإيه
_ بحقّي عليكي… بحق جوازنا… بحق إني بحبك!
اهتزت ملامحها للحظة، لكنه أكمل بسرعة وكأنه يتعلق بأي أمل:
إدي لينا فرصة أخيرة.
همست بصعوبة: — أنا اديت كتير يا كنان…
كل مرة كنت برجع فيها بعد خناق… كل مرة كنت بكسر خوفي وأقول أكيد المرة دي مختلفة…
بس فى الآخر برجع أخاف منك أكتر.
ترك الحقيبة ببطء، وكأنه فقد قوته فجأة قائلًا: يعني فعلًا خلاص
أخفضت رأسها للحظة… ثم رفعتها وعيناها ممتلئتان بانهيار هادئ قائلة:
يمكن لو قابلتك فى حياة تانية… حياة أنا فيها مش خايفة طول الوقت… كنا نجحنا.
شحب وجهه بالكامل قائلًا:
متقوليش كده.
سحبت الحقيبة من يده هذه المرة دون مقاومة، واتجهت نحو باب الغرفة
لحقها بسرعة قائلًا:
رايحة فين دلوقتي.
توقفت دون أن تلتفت:
أي مكان…
المهم مش هنا.
ذهبت الى غرفة أخري إرتدت ثيابها لكنوحين فتحت باب الغرفة تفاجئت به، نظر لها بإحتياح:
هتمشي وتسيبيني كده.
أغمضت عينيها بقوة قبل أن تهمس:
ما إنت سيبتني كتير يا كنان…
دوقها مرة.
ثم فتحت الباب.
شعر للحظة أن الدنيا كلها تضيق حوله، فاتجه نحوها بسرعة وأمسك ذراعها قبل أن تخرج كارت أخير يتلاعب به:
غزال… لو خرجتي دلوقتي… أنا مش ضامن أقدر أصلح اللي بينا بعدها.
استدارت تنظر إليه…
نظرة أخيرة موجوعة، مليئة بحب لم يمت رغم كل شيء.
ثم نزعت يده عن ذراعها برفق وهي تقول بصوت مرتعش:
وأنا أصلًا مبقتش ضامنة قلبي يقدر يستحمل أكتر من كده.
خرجت... بينما هو…
فبقى واقفًا مكانه يحدق فى الباب المفتوح، كأن روحه خرجت منه معها.
❈-❈-❈
فى شقة والد عهد، بغرفتها... كانت نائمة على الفراش تحدق فى سقف الغرفة تسترجع ما حدث بعد مواجهتها مع فاروق، كأنه إنتهز ذلك ولم بعود للمشفي حتي لم يهتم أنه لم تعود الى منزل الدباغ وأنها غادرت المشفي وغادت الى شقة والدها، تعلم أن مشاحناتهم كانت قوية هذه المرة، لكن هذه المرة لأكثر مرة أرادت أن يعود ويحتويها، سقطت دمعة من عينيها سرعان ما ازالتها حين
دلف ياسين يتوجه نحوها يجلس جوارها قائلًا بعفوية:
بابا سافر وقالي هفضل معاكِ.
كانت الرسالة واضحة..
هو يستغني عنها.. ورقة النزاع الآن بيدها ياسين بلا محاربة منه، ربما بقي كلمة واحدة وينقطع الرابط الذي مازال يصل بينهما.
رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل الثاني والاربعون
بعد مرور أسبوع
بشقة محسن...
كان يسير جوار رابيا يسندها حتى وصلا الى الفراش،ساعدها بحرص حتى تمددت فوق الفراشعدل الوسائد خلف ظهرها تبتسمت قائلة:
أنا كويسة وكنت أقدر أمشي لوحدي.
جلس جوارها على الفراش يمسك يدها،لوهلة غص قلبه من منظر كف يدها وتلك الاثار الواضحة لندوب إبر المحاليل الطبية كذالك ذلك الاصق الطبي ،شعر بقشعريرة فى قلبه...إنحني يُقبل يدها ثم رفع رأسه ينظر لها قائلًا:
الدكتورة قالت الراحة التامة.
تبسمت له،لأول مرة تشعر بسعادة إهتمامه بها،ليس كالسابق كانت تشعر أنه لا يهتم،كان فقط يُراعي بلا مشاعر واجب لا أكثر، لكن إختلف ذلك منذ أن فاقت بالمشفى مؤخرًا
عادت الى قبل أيام
حين فتحت عينيها شعرت بثُقل على يدها، نظرت نحوها تعجبت حين رأت محسن غافي يمسك يدها ورأسه جوار يدها...
تذكرت إحتدادهم الأخير قبل ساعات، تركه لها، سالت دمعة من عينيها، بتلقائية حاولت سحب يدها بوهن... إتخذت القرار، يكفي عذاب لهما الإثنين
الانفصال لن يكون مؤلم أكثر من حياتهم معًا..
إبتلعت ريقها تحاول الثبات...
شعر محسن بحركة يدها فتح عيناه نظر نحوها... وضحت مشاعره الحقيقة من لهفه... إستقام قائلًا:
رابيا حاسة بأي وجع.
هزت رأسها بنفي، أغمض عيناه لوهلة يتنهد براحة ثم فتحهما، جلس على طرف الفراش، شعرت بذهول حين إنحنى على يدها وقبلها، ثم عاد ينظر لها، حاولت سحب يدها بضعف لكن تمسك بها قائلًا:
سامحيني يا رابيا.
زاد ذهولها..
لكن تصنمت تمامًا حين سمعت إعترافه:
أنا بحبك.. صدقيني لو الزمن يرجع
توقفت أنفاسها لثواني، تحدق بعينيه لا تُصدق أنها قد تسمع ذلك الإعتراف بحياتها، لا منه فقط… بل من قلبها هي أيضًا...
إرتجفت شفتاها بخفوت، بينما أكمل هو بصوت مُنهك كأن الكلمات تُنتزع منه إنتزاعًا:
أنا بحبك.. صدقيني لو الزمن يرجع، كنت هختارك برضايا… وكنت هحبك صح.
إنكسرت دمعة من عينها رغمًا عنها، حاولت إدارة وجهها بعيدًا لكنه لم يسمح لها، رفع يده يُزيح دموعها بإبهامه بحنان أربكها أكثر... قائلًا:
متبعديش عينيكِ عني… أرجوكِ.
أغمضت عينيها بقوة، قلبها يؤلمها… ليس منه فقط، بل من كل السنوات التي عاشتها تتسول منه نظرة، كلمة، إهتمامًا بسيطًا… بينما الآن يغرقها بما تمنته طويلًا...
همست بصوت مُختنق:
متقولش كلام متأخر يا محسن.
إهتز قلبه من نبرة وجعها، إنحنى أكثر نحوها قائلًا بندم واضح:
عارف… وعارف إني أذيتك كتير، ويمكن أكتر واحد كان المفروض يحتويك هو أنا… لكني كنت غبي.
ضحكت بخفة باكية قائلة:
غبي دي قليلة.
لأول مرة… إبتسم وسط خوفه عليها، ثم أمسك يدها يقبلها مجددًا بحنان قائلًا برجاء:
طب إديني فرصة أصلح غبائي.
نظرت له طويلًا، كأنها تحاول اكتشاف إن كان ذلك نفس الرجل الذي عاش معها كل تلك السنوات بوجه جامد ومشاعر مغلقة… أم رجل آخر خرج من قلب الألم والخوف من فقدانها...
عاد صوت الأجهزة بالمشفى يتردد داخل رأسها، خوفه، ارتباكه، سهره جوارها… تلك اللهفة بعينيه ليست تمثيلًا...
إبتلعت غصتها قائلة بوهن:
كنت خلاص خدت قرار أمشي يا محسن.
تشنج وجهه فورًا، وشعرت بأصابعه تشتد حول يدها، بينما سألها بصوت خافت يحمل رعبًا حقيقيًا:
كنتِ هتسيبيني.
أخفضت عينيها هامسة:
كنت فاكرة إن ده أريح لينا إحنا الإتنين.
تنهد بألم، ثم قرب يدها إلى صدره يضمها بقوة قائلًا:
لا أنا مش هرتاح من غيرك… ولا عندي حياة أصلًا لو إنتِ مش فيها.
رفعت عينيها إليه، فتلاقت نظراتهما طويلًا… لحظة صامتة، لكنها كانت كافية لتهدم كل الجدران القديمة بينهما...
إقترب منها ببطء… أغمضت عينيها بإستسلام مرتجف، فطبع قبلة دافئة فوق جبينها، ثم همس بالقرب منها:
أوعدك… الباقي من عمرنا هيبقى مختلف.
إرتعشت أنفاسها من همسه، بينما بقيت عيناها معلقتين به وكأنها تخشى أن تصحو فجأة ويختفي كل ذلك...
لأول مرة منذ زواجهما… ترى محسن بلا حواجز...
لا بروده المعتاد، ولا صمته القاسي، ولا تلك المسافة التي كانت دائمًا بينهما مهما اقتربا.
فقط رجل خائف… يتمسك بها كأنها أغلى ما يملك...
مرر يده فوق خصلات شعرها المبعثرة بحذر، ثم قال بنبرة خافتة:
جعانة أتصل على البوفية يجبوا لك أكل لازم تتغذي كويس
إبتسمت رغم دموعها قائلة:
مش بحب أكل المستشفيات.
.
رفع حاجبه بتفاخر مصطنع:
على فكرة أنا قولت لماما كده،وبعتنا جبنا أكل من البيت،هو فى البوفية عشان لما تصحي يسخنوه ويجبوه هنا.
نظرت له
خرجت منه ضحكة قصيرة صادقة جعلت قلبها يرتبك، بينما هز رأسه:
حتى الشوربة اللى بتحبيها عملوها ووصلت.
تأملته بدهشة صامتة… حتى ضحكته تبدلت، صارت أخف، أقرب، فيها دفء افتقدته طويلًا.
إنتبه لشرودها فسألها:
بتبصيلي كده ليه.
همست دون وعي:
حاسة إني معرفكش.
ساد الصمت للحظة، قبل أن يخفض عينيه قائلًا بأسف:
يمكن عشان عمري ما سمحتلك تعرفيني فعلًا.
شعرت بغصة، بينما أكمل هو بصوت مثقل: كنت فاكر إن الرجولة إن الواحد يشيل المسؤولية ويسكت… يوفر طلبات البيت وخلاص، إنما الكلام والمشاعر دي رفاهية.
إبتسمت بمرارة:
وأنا كنت محتاجة منك شوية رفاهيه … غير الفلوس.
رفع رأسه فورًا ينظر لها بندم موجع قائلًا:
عارف… بس فهمت متأخر.
ترددت للحظة قبل أن تسأله بخفوت:
ليه دلوقتي.
أخذ نفسًا طويلًا، ثم أمسك يدها يمرر إبهامه فوقها برفق قائلًا:
لأنى شوفتك بتضيعى منى… ولأول مرة حسيت إني عاجز...
أنا كنت واقف بره أوضة العمليات ومش قادر أعملك حاجة… وقتها بس فهمت إنك مش مجرد زوجة فى بيتي.
إختنق صوته قليلًا وأكمل: ـ
إنتِ البيت نفسه يا رابيا.
إرتبكت دقات قلبها بعنف، بينما دموعها انسابت مجددًا رغماً عنها...
إقترب يمسح دموعها سريعًا وهو يتمتم بقلق: بس… متعيطيش عشان خاطري، الدكتور مانع الزعل.
ضحكت وسط بكائها قائلة:
حتى العياط بقيت تتحكم فيه.
مال نحوها بخفة هامسًا:
أتحكم فى الدنيا كلها إلا إنتِ.
إحمر وجهها دون إرادة، فلاحظ ذلك لتتسع ابتسامته لأول مرة بتلك الراحة...
ثم فجأة… تبدلت ملامحه حين وقعت عيناه على آثار الإبر بكفها مجددًا...
إنخفض برأسه يقبل موضع الجرح بحنان مؤلم، وقال بصوت مبحوح:
كل وجع شوفته فيكِ كانه كان فيا
راقبته بصمت طويل… قبل أن ترفع يدها الحرة ببطء نحو وجهه...
تبسم حين لمست وجنته بهذه الرقة...
همست وهي تنظر لعينيه مباشرة:
متتأخرش عليا تاني يا محسن.
أغمض عينيه للحظة كأن الجملة أصابت قلبه مباشرة، ثم أمسك يدها يقبل راحتها وهمس بوعد صادق:
عمري ما هسيبك تحسي إنك لوحدك تاني.
ظل ممسكًا بيدها وكأنه يخشى أن تختفي من أمامه إن تركها، بينما كانت هي تراقبه بصمت… قلبها يلين ببطء أمام ذلك الرجل الذي لم تعتد رؤيته بهذه الهشاشة.
قطع الصمت رنين هاتفه...
إلتفت نحو الطاولة بضيق واضح، لكنه تجاهله وعاد ينظر لها، لتقول بخفوت:
رد… يمكن شغل.
تنهد بضجر قائلًا:
يولع الشغل.
إتسعت عيناها بدهشة، فضحك بخفة على ملامحها سائلًا:
مالك... مستغربة ليه.
هزت رأسها فعلًا، ليعترف مبتسمًا:
أول مرة أحس إن فى حاجات أهم من الشغل.
شعرت بحرارة تسري بقلبها، بينما عاد الهاتف يرن بإصرار، فأخذ الهاتف أخيرًا ورد باقتضاب: أيوه.
صمت للحظات يستمع، ثم تبدلت ملامحه قليلًا قبل أن يقول ببرود:
أجلوا الإجتماع… ومش خارج النهارده.
أنهى المكالمة سريعًا وألقى الهاتف بعيدًا، لتسأله بدهشة:
محسن… إنت عمرك ما أجلت شغل عشان أي حاجة.
نظر لها مباشرة، ثم قال بهدوء صادق:
عشان عمري ما خفت أخسر حاجة قدك.
إرتبكت من نظراته، فخفضت عينيها سريعًا، لكنه اقترب أكثر حتى أصبح قريبًا منها بشكل أربك أنفاسها قائلًا.
رابيا… بصيلي.
رفعت عينيها ببطء، تاه داخل نظرتها المتعبة الجميلة، ثم قال وكأنه يخرج اعترافًا ظل حبيسًا سنوات: ـ
أنا عارف إني قصرت معاكِ فى كل حاجة… حتى فى أبسط حقوقك عليا كزوجة بتحب جوزها وعايزة تحس إنه شايفها.
شعرت بغصة، بينما أكمل:
بس كنت أناني… كنت فاكر إن طالما إنتِ جنبي يبقى خلاص، هتفضلي موجودة مهما عملت.
إهتز صوتها وهي تسأله:
ولما حسيت إني ممكن أمشي.
أجاب فورًا دون تردد:
إتكسرت.
ساد الصمت بينهما للحظات، ثقيل… صادق… مليء بمشاعر مؤجلة.
ثم فجأة قالت بخفوت:
أنا كنت بموت يا محسن.
إنتفض قلبه من الجملة، بينما أكملت وعيناها تلمعان بالدموع:
وأكثر حاجة وجعتني… إني كنت حاسة إنك ممكن تكمل عادي لو حصلي حاجة.
شهق بألم وكأنها طعنته، ثم اقترب بسرعة يمسك وجهها بين كفيه قائلًا بنهي:
متقوليش كده… ما كنتش هعيش بعدك يوم.
نظرت له بصدمة من إنفعاله الحقيقي، بينما تابع بصوت مختنق:
إنتِ متعرفيش أنا شوفت إيه فى اللحظة اللى قالوا فيها إن حالتك خطر… حسيت روحي بتتسحب منى.
إنهارت آخر مقاومة داخلها، فانهمرت دموعها بقوة.
ضمها فورًا إلى صدره بحذر شديد خوفًا على تعبها، بينما أخذ يربت على ظهرها هامسًا: خلاص… خلاص يا حبيبتي، أنا هنا.
تجمدت للحظة عند سماع كلمة "حبيبتي"… لم يقولها لها يومًا بذلك الشعور... بل لم يقولها من الأساس..
شعر برجفتها بين ذراعيه، فابتعد قليلًا ينظر إليها بتوتر قائلًا:
تعبتك
هزت رأسها سريعًا بالنفي، ثم همست بخجل ممزوج بالبكاء:
قولها تاني.
تسارعت دقات قلبه بعنف، قبل أن تخرج منه ابتسامة ممتلئة بعشق واضح، إنحنى حتى لامس جبينها وهمس بالقرب من شفتيها:
حبيبتي… وروحي كمان.
لأول مرة تجرأت ورفعت يديها تُعانقه، ضمها يُقبل جانب عنقها، يشعر بإمتلاك لشيء ثمين بحياته.
عادت على بسمة حنان حين دخلن طفلتيها يتجهن للفراش جوارها يُهللن
:
ماما رجعت منن المستشفى.
أوقفهن محسن من الاندفاع عليها قائلًا:
بلاش إندفاع الدكتورة قالت الراحة التامة... يعني نهتم بـ ماما وبلاش نتعبها فى الطلبات.
تبسمت الفاتين، وإنضمين لجوارها فى الفراش يتبادلن المتاوشات مع محسن الذي أظهر شخصية أخرى غير تلك الرتيبة، أخطأت بصمتها وتقبُلها لفتات المشاعر، وهو أخطأ حين إستسلم للرتابة،
خطأ مقابل خطأ والسماح لبداية جديدة متناغمة بينهم، بتألف، لكن تسمح لسطوة والدتها مره أخري، حتى إن تزوجت محسن بخدعة، الحب به جزء آنانية وهي لن تُكمل ذلك الطريق القديم الذي كانت والدتها تدفعها إليه، طريق السيطرة المقنعة بالخوف، والقرارات التي تُتخذ عنها بإسم المصلحة...
لأول مرة تشعر أن قلبها ليس مُرهقًا من العطاء وحده، بل ممتلئًا أيضًا...
نظرت نحو محسن الذي كان يتصنع الصرامة مع الفتاتين وهو يقول بتحذير مُبالغ فيه: ممنوع النط على السرير... وممنوع إزعاج ماما... وممنوع أي طلبات.
ضحكت الصغيرة بخبث:
حتى الأيس كريم.
أجابها سريعًا:
خصوصًا الأيس كريم.
تدخلت الأخرى تحتضن ذراع رابيا:
يبقى بابا قاسي.
رفع محسن حاجبه بدهشة مصطنعة قائلًا:
أنا فعلًا ديكتاتور، وكلامي هيتنفذ.
إتسعت ضحكة رابيا أخيرًا، ضحكة حقيقية خرجت دون حذر، دون أن تُراقب نفسها أو تخشى إنفعال أحد...
توقفت عينا محسن عليها للحظة طويلة، وكأنه يراها للمرة الأولى... أو ربما يراها كما كان يجب أن يراها منذ البداية..
مال هامسًا بصوتٍ لم تسمعه سواها:
الضحكة دي وحشتني.
ارتبكت قليلًا، لكن تلك المرة لم تهرب بعينيها منه، بل ظلت تنظر إليه بصمت دافئ، صمت يحمل وعدًا غير منطوق، أن كلاهما مستعد أخيرًا ليمنح الآخر فرصة حقيقية...
وبداخلها أيقنت...
أن الزواج لا ينجح فقط بالصبر أو الواجب، بل يحتاج أحيانًا إلى لحظة ضعف صادقة، تكشف كم كان كل طرف يشتاق للآخر دون أن يعترف.
❈-❈-❈
باليوم التالي
صباحّ
بمنزل أم صبري
كانت تجلس تضع إحد يديها فوق وجنتها، حزينة تشعر بأسي... لاحظها زوجها الذي إقترب منها وتحدث بحنق:
مالك عالصبح حاطة ايدك على خدك زي الحزينة اللى فاتها القطر.
نظرت له بضيق وتغاضت عن الرد عليه...
جلس جوارها بُحنق قائلًا:
مالك يا وليه زي البومة عالصبح.. فى إيه لقالبة الوش دي عالصبح.
إعتدلت فى جلستها قائلة:
بومة لما تخطف عنيك.. الاتنين وما تلاقي اللى يسحبك، يا راجل يا عديم الأحساس، عمرك ما تحس بغيرك عايش فى خانة لوحدك.
نظر لها بتهكم قائلًا:
ولية نكدية.. ياريتني كنت سمعت زمان لأمي قالت لى عليكِ شديدة.
نظرت له بحنُق قائلة:
أكيد من غضبها عليك ياريت سمعت كلامها كان ربنا رحمني منك...حتى لو كنت فضلت من غير جواز كان أحسن لى من بلوتي بيك.،أنا بقول تصطبح عالصبح وشوف غرقان فين وغور مش ناقصة مناهدة عالصبح.
_أنا ماشي وسايبك للنكد لوحدك.
غادر زوجها،نظرت نحوه بنظرات مُثقلة بالندم على زواجها منه يومً ما:
ياريتني سمعت للى نصحوني قبل ما أتجوزك.
صمتت عينيها تلمع بدموع، ثم همست بتعب:
غزال... يا ترا إنتِ فين يا حبيبتي، نفسي أطمن عليكِ، يظهر كل الرجالة قلوبهم حجر، أنا قولت كنان هيكون العوض ليكِ، من قسوة أخويا اللى مش فى دماغه بنته فين.
تنهدت بغصات قوية، بنفس إرتعشت يدها بسيب رنين الهاتف... نظرت له سريعًا فتحت تبك الرسالة المختصرة:
أنا بخير يا عمتي.
شعرت بانشراح قائلة:
غزال...
سرعان ما تذكرت أنها رسالة، رسالة تأخرت كثيرًا، لكن طمئنت قلبها.
❈-❈-❈
بالشركة
بـ مكتب فاروق
ملل، او عدم رغبة بعمل اي شيء، كل شيء فقد أهميته...
جذب علبة السجائر أخرج واحدة أشعلها ثم تنفسها، يُنفث الدخان برتابة يود لو تذهب تلك الحالة... نفث نفسًا بغضب حين فتح باب المكتب وطل كنان يدخل الى الغرفة تحدث بإستهجان:
مش فى باب ليه ماخدتش إذن قبل ما تدخل.
ابتلع كنان ذلك ببرود، وجلس على مقعد أمامه قائلًا:
روحت لـ محسن مكتبه ملقتوش، والسكرتيرة قالت مش جاي، أكيد لازق لمراته.
نظر له فاروق بلا رد، نظر كنان له وهو يُمسك السيجارة قائلًا:
هات سيجارة.
رفع فاروق عينيه بنزق ثم أعطاه واحدة أشعلها له...
بتردُد وضعها بين إصبعيها ثم بين شفتيه، أخذ نفسًا واحدًا ليبدأ وصلة سّعال...
بنفس الوقت
دخل محي عليهما المكتب، سريعًا أطفئ فاروق السيجارة بالمنفضة، بين إرتبك كنان... نظر له محي قائلًا بصوت مرتفع وتعسُف:
إيه اللى فى إيدك دي.
بتعلثم أجابه كنان:
معرفش جت فى إيدي إزاي..إنت عارف إني رياضي.
تهكم محي قائلًا:
بأمارة السيجارة اللى فى إيدك إطفيها.
أطفئها كنان بالمطفأة، بينما نظر محي لـ فاروق فهم النظرة، نهض من فوق مقعده هلف المكتب جلس محي مكانه، نظر لـ كنان قائلًا:
عرفت مكان مراتك فين.
هز رأسه بنفي، قائلًا:
عندي يقين إن الولية أم صبري تعرف مكانها ومش عاوزه تقولى إنتقام.
تهكم محي سائلًا:
وليه مش هتقولك على مكانها بتنتقم منك ليه.
أجابه:
إنتقام عشان خدت الديك بتاعها.
نظر له محي بسخط قائلًا:
أنا مش عارف إزاي إنتم باردين كده، إنتم الإتنين كل واحد مراته بعيدة عنه.
تنهد كنان قائلًا
أنا حاسس ان فى عفريت فة دار الدباغ بيطفش النسوان.
تهكم محي قائلًا بنزق:
نسوان.
أجابه كنان ببلاهه:
نسوان جمع نساء
النساء سم قاتل لنا.
غصبً ضحك فاروق ومحي قائلًا:
سم لأمثالك، فكر شوية، بدل ما تدور على مراتك، جاي تشرب سجاير، فكر فى الأماكن اللى ممكن تروحها.
أجابه كنان:
أنا فكرت والله يا حج محسن، ومسيبتش مكان من اللى المفروض تكون فيه.. ناقص أعمل محضر او أنزل إعلان بصورتها إبحث مع الشرطة.. بس الاقيها هطلع السُهد اللى عايش فيه على...
قاطعه محي قائلًا:
بطل غباء وفكر البنت لما بتزعل مع جوزها مين أول حد بتلجأ ليه.
أجابه:
اللمفروض باباها، روحت له وطلع راجل...
صمت بغصة قلب على تلك الغائبة عنه، حتى والدها لم يهتم لإختفائها...
فجأة صدح هاتفه بصوت رسالة... تنهد بضجر وفتح هاتفه نظر له ثم نظر لـ محي ببلاهه قائلًا:
الرسالة منك يا حاج.
تنهد محي قائلًا بأمر:
إفتح الرسالة.
_حاضر
فتح الرسالة قرأها ثم نظر لـ محي قائلًا:
ده عنوان مكان.
نظر له محي بغيظ قائلًا:
والله يُحق لها تطفش من غبائك.
فهم كنان قائلًا:
ده عنوان غزال.. إنت اللى ساعدتها تختفي.
نظر له محي بمغزي، لم يهتم وإنشرح قلبه قائلًا:
طول عمرك قلبك قاسي عليا يا حاج... كده عارف مكانها وسايبني حيران.
نظر له محي قائلًا:
عشان تتربى وتحافظ على الأمانة اللى معاك... ولا مبتفهمش وتبقي ذوق غير مع راندا... معاك كنز حافظ عليها.
ابتسم كنان قائلًا:
تمام يا حاج، أستاذن أنا بقي عندى مهمة هروح اكهرب غزال،همسكها السلك عريان.
تهكم محي،بينما غادر كنان،تركه مع فاروق،نظر له قائلًا بسؤال:
وإنت هتسيب مراتك وإبنك عند أهلها لحد إمتى.
أجابه وهو يجلس بإرهاق قائلًا بلوعة قلب:
على يدك من البداية يا حاج أنا صبرت بما يكفي، وكنت متحمل.. لكن حكاية إنها تجهض نفسها دي مش قادر أعديها... إجهاضها مالوش غير معني واحد، مش عاوزاني ولا قادرة تتقبل جوازنا يبقي ليه أفرص نفسي أكتر من كده.
فاجأه محي سائلًا:
يعني إيه هطلقها.
صمت فاروق، تنهد محي قائلًا:
مش يمكن إنت غلطان فى حاجة.. روح...
قاطعه بحسم:
لاء يا بابا أنا مش قادر خلاص حاسس زى اللى بيدور فى دايرة مغلقة مع عهد...كفاية ياسين بس هو اللى يهمني، وعارف إن راحته مع عهد عشان كده سيبته.
_وهتقعد كده تكمل حياتك من غير ست.
هكذا سأل محي فأجابه فاروق
بمرارة وهو يُسند ظهره للمقعد كأن التعب سحب روحه كلها:
أنا خلاص مبقاش عندي طاقة أعيد نفس الحكاية كل يوم… تعبت يا بابا...
تعبت من إني كل مرة أحاول أقرب تِبعد، أحاول أفهم تِسكت، أحاول أحتوي ألاقي نفسي متهم.
نظر له محي طويلًا ثم قال بهدوء:
بس الطلاق مش حل سهل يا فاروق… خصوصًا لو لسه جواك ذرة مشاعر ناحيتها.
ابتسم فاروق بسخرية مُرة قائلًا:
المشاعر لوحدها مبتكفيش..
الواحد ممكن يحب… ويتكسر برضوا.
تنهد محي وهو يراقب ذلك الانطفاء بعيني فاروق قائلًا:
وعهد... هتعمل معاها
دي مهما حصل مراتك… وشكلها تايهة أكتر ما هي قاسية.
أغمض فاروق عينيه للحظة، وكأن الاسم وحده يُتعب قلبه، ثم قال بصوت خافت:
أنا حاولت أفهمها يا بابا… والله حاولت.
استحملت خوفها ونفورها وصمتها… حتى وهي كانت بتعاملني كإني فرض عليها...
لكن فكرة إنها تقتل ابني بإيدها… دي كسرت آخر حاجة جوايا ناحيتها.
عقد محي حاجبيه قائلًا بحذر:
إنت متأكد إنها كانت عاوزة تنزل الطفل فعلًا.
مش يمكن كانت فى حالة خوف ولا انهيار.
ساد الصمت للحظات…
صمت ثقيل جعل أنفاس فاروق نفسها تبدو مُرهقة، ثم تحدث أخيرًا:
يمكن…
بس أنا خلاص مبقتش عارف أصدق إيه ولا أكذب إيه.
ثم نهض ببطء، واتجه نحو الشرفة قبل أن يقول بصوت مُنهك:
حضرتك عارف إني بحب عهد،
أنا كل اللى كنت عاوزه أعيش معاها فى جو هادي… واحدة تحس إني سندها وتحسسني إني مش لوحدي...
لكن الظاهر إن النصيب كان شايل لي حرب مش جواز.
وقف محي يتأمله من الخلف، يرى ذلك الانكسار الواضح فوق كتفيه، لأول مرة يشعر أن فاروق لم يعُد غاضبًا… بل مُنهكًا حد الاستسلام.
اقترب منه ببطء وقال بنبرة أكثر هدوءًا:
وفين عهد من الكلام ده كله...
صارحتها باللى جواك أصلًا؟ ولا كالعادة كل واحد فيكم حابس نفسه بعيد عن التاني.
أطلق فاروق ضحكة قصيرة خالية من أي فرح قائلًا :
عهد عمرها ما قالت اللى جواها… حتى وهي بتعيط كانت بتستخبى.. وأنا… أنا بقيت بخاف أسألها.
قطب محي جبينه باستغراب:
تخاف منها.
هز رأسه نافيًا ثم استدار إليه قائلًا:
لا… بخاف من الإجابة... كل مرة كنت بسأل نفسي لو فعلاً مش طايقاني لو وجودي فى حياتها غصب.. كنت بهرب قبل ما أسمع الحقيقة منها.
تنهد محي طويلًا، ثم جلس على المقعد وهو يقول:
يبقي إنتوا الاتنين غلطانين.. هي ساكتة وإنت بتفترض… وفى النص البيت بيقع.
ساد الصمت للحظات، قبل أن يخرج صوت فاروق مُتعبًا:
أمر إجهاضها مكنش سوء تفاهم يا بابا.
أنا لما شوفت الدم… حسيت إني فقدت عقلي..
كل اللى جه فى دماغي أنقذها لكن أتفاجئ إنها قصدت تخسر ابني عشان تخلص مني.
اتسعت عينا محي قليلًا وهو يفهم حجم ما يدور داخل فاروق.. فقال بهدوء حازم:
مش يمكن إنت غلطان ودي مش الحقيقة كاملة.
التفت له فاروق متجهمًا:
حقيقة إيه..
رد محي ببطء:
إن الست أوقات بتعمل تصرفات وهي مش واعية من الخوف أو الضغط أو الوجع… خصوصًا لو حاسة إنها مخنوقة...
وعهد من يوم ما دخلت بيتك وأنا شايف بعيني إنها خايفة منك أكتر ما كارهاك.
انعقد حاجبا فاروق بضيق:
خايفة مني أنا.
أومأ محي مؤكدًا:
أيوه… من طريقتك، من عصبيتك، من إحساسها إنها طول الوقت مُطالبة تبقي الزوجة المثالية .
اشتدت ملامح فاروق وكأن الكلمات أصابته فى مكان حساس داخله، لكنه لم يُقاطع.
فأكمل محي:
يمكن غلطت… ويمكن أذت نفسها والطفل بغبائها، بس قبل ما تهد البيت إسأل نفسك سؤال واحد…
عهد كانت بتهرب منك… ولا كانت مستنية منك أمان معرفتش توصله لها.
ظل فاروق صامتًا…
صامتًا بشكل أغاظ محي نفسه، قبل أن يهمس أخيرًا بصوت مُختنق:
وأنا… مين يوصله لي يا بابا... أنا كمان تعبت.
تغيرت نظرة محي فور سماعه تلك الجملة…
رأى أمامه طفلًا مُرهقًا يختبئ داخل هيئة رجل اعتاد الجميع أن يروه قويًا لا يهتز...
نهض واقترب منه، وضع يده فوق كتفه قائلًا بصوت هادئ:
محدش قال إنك متتعبش يا فاروق… بس الراجل الحقيقي مش اللى يكتم وجعه لحد ما يخسر كل حاجة حواليه.
ابتلع فاروق غصة مُرة بحلقه، بينما أكمل محي:
إنت من وإنت صغير شايل فوق ضهرك أكتر من طاقتك… بقيت فاكر إن المسئولية معناها تبقي قاسي، وإن الحب لازم يستخبى ورا الأوامر والخوف.
خفض فاروق عينيه للحظة، فكمل محي بأسف:
بس الست يا ابني مش موظف عندك… ولا طفل هتربيه بالعقاب...
الست أمان… لو خافت منك هتفضل طول عمرها مستخبية حتى وهي جنبك.
جلس فاروق أخيرًا فوق المقعد وكأنه فقد القدرة على الوقوف، مرر يده فوق وجهه بإرهاق شديد ثم قال:
أنا صبرت كتير يا بابا
كنت عاوز أحس إنها بتاعتي… إن عندي بيت.
رد محي بهدوء:
والبيت مش بيتبني بالغصب يا فاروق...
القلوب بالذات… يا تيجي بالرضا يا بلاش منها.
ساد الصمت بينهما، قبل أن يخرج صوت فاروق منخفضًا:
بس اللى عملته وجعني أوى.
حاسس إنها رفضتني أنا… مش الطفل بس.
تنهد محي وقال:
يمكن لأنها نفسها كانت موجوعة ومحدش فهمها... إنتم الاتنين داخلين الجواز بخسارات قديمة وخوف… وكل واحد مستني التاني يداويه، لكن بدل ما تقربوا من بعض بقيتوا بتجرحوا بعض أكتر.
رفع فاروق عينيه أخيرًا نحو والده، فباغته محي بسؤال مباشر:
لو عهد دلوقتي دخلت عليك وقالت إنها مكنتش تقصد تخسر ابنها… وإنها خايفة بس، هتصدقها.
تجمدت ملامح فاروق…
وصمت طويلًا، طويلًا لدرجة جعلت محي يتيقن أن قلب فاروق لم ينطفئ كما يدعي...
ثم خرج صوته أخيرًا مُهتزًا على غير عادته:
معرفش…
بس اللى أعرفه إني أول ما شوفتها مرمية والدم حواليها… حسيت إني هموت.
ابتسم محي بحزن وربت فوق كتفه قائلًا:
يبقي لسه بتحبها يا ابني… والغضب اللى جواك ده سببه الخوف عليها، مش الكره منها.
أغمض فاروق عينيه بقوة، بينما لأول مرة منذ ساعات شعر أن صدره يؤلمه… ليس غضبًا من عهد، بل خوفًا من أن يكون قد ظلمها قبل أن يسمعها.
❈-❈-❈
بشقة صغيرة بحي قريب من الغورية
تبسمت غزال لقطتها التي أرادت اللعب، وهي تُشاغبها، بالتنطيط حولها.. تركتها غزال وتوجهت نحو آريكة جلست عليها، وضعت يدها على طرف الآريكه، ثم وضعت بدها الأخرى فوق بطنها تمسد عليها بحنان، شعرت بغصة يبدوا أن جنينها سيكون حظه مثلها.. إبتلعت غصتها وتحدثت إليه:
أنا مش عارفة إنت بنت ولا ولد... ولا عارفة إيه هيحصل بكره.. بس بوعدك أحميك، ومش هسيبك لوحدك أبدًا، ههتم بيك، ولو ضاع عمري، مش هفكر أسيبك تبعد عن حضني.
أخرجها من بؤسها، قطتها التي قفزت عليها تبسمت وهي تشاغبها باللعب، قطع ذلك صوت جرس باب الشقة
توقفت غزال عن اللعب مع قطتها، ورفعت وجهها نحو الباب
عاد جرس الباب يُدق مرة أخرى، هذه المرة أطول وأثقل...
ابتلعت ريقها ونهضت ببطء، وضعت يدها فوق بطنها بعفوية وكأنها تحتمي بجنينها أو تحميه، ثم سارت بخطوات بطيئة نحو الباب.
وقفت خلفه لحظات صامتة قبل أن تسأل بصوت خافت:
مين.
وصلها صوت رجولي أجش تعرفه جيدًا… صوت جعل الدم ينسحب من وجهها دفعة واحدة:
إفتحي يا غزال… أنا كنان.
تجمدت أصابعها فوق المقبض، واتسعت عيناها بصدمة لم تستطع إخفاءها رغم أنه لا يراها.
كنان…!
إرتجف نفسها وهي تتراجع خطوة للخلف، عقلها يصرخ أن تتجاهله، ألا تفتح، لكن قلبها اللعين ظل ينبض بعنف كلما سمعت صوته.
عاد يقول بنبرة أخفض، لكنها أكثر ضغطًا:
إفتحي يا غزال لاكسر الباب.
نظرت إلى بطنها ثم إلى الباب، وشعور متناقض يمزقها بين الاحتياج إليه، والغضب منه الذي لم يهدأ ي.
بينما بالخارج، كان كنان يقف مستندًا بجبينه على الباب الخشبي، ملامحه مرهقة، وعيناه غارقتان بقلق حقيقي… كأنه جاء يطارد شيئًا يخشى خسارته للأبد.
فتحت الباب.. قائلة بإستهجان:
كنان عرفت عنواني منين، وجاي ليه خلاااص
لم تستكمل حديثها، إنقطع حين أغلق كنان باب الشقة، وجذبها عليه، ضمها ثم ثبتها على حائط جوار الباب، بمفاجأة إنقض على شفتيها بالقبلات فى البداية كانت قُبلات شوق وطوق، ثم تحولت الى قُبلات غيظ
شهقت غزال بصدمة من اندفاعه المباغت، حاولت دفعه بكفيها فوق صدره، لكنه كان كمن فقد صبره وعقله معًا… يقبلها بجنون، بحرقة ليالي قضاها بعيدًا عنها... حائر يشعر بأنه معقود، وهو لا يعرف مكانها..
إرتجفت بين ذراعيه وهي تحاول إبعاده هامسة بغضب متقطع:
كنان… سيبني… إنت إتجننت.
لكنه لم يبتعد فورًا، ظل للحظات يضمها بقوة وكأنه يخشى أن تختفي من بين يديه إن تركها، ثم رفع وجهه أخيرًا عنها، أنفاسه لاهثة وعيناه تمتلئان باضطراب مخيف.
تحدث بصوت خشن متحشرج:
أعمل إيه… أعمل إيه وأنا كل يوم بموت من بعدك.
نظرت له بصدمة وغضب، شفتيها ترتجفان من أثر قبلاته ومن القهر المختزن داخلها، ثم دفعته هذه المرة بقوة أكبر حتى ابتعد خطوة للخلف.
صرخت بوجهه:
دلوقتي فاكر تموت من بعدي... إبعد عني سبق و..
إزدادت قسوة ملامحه، لكنه لم يرد فورًا، فقط كان ينظر إليها بعينين مرهقتين كأنهما تحملان ألف كلمة عاجزة... عاود يُقبلها مرة أخرى، ثم ترك شفاها وتوجه للداخل ببرود قائلًا بنبرة أمر:
سيبني ساعتين انام ولما اصحي نتخانق.. كمان أصحي الاقي الأكل أنا جعان.
قال ذلك بحث بعينيه بين الغرف حتى وجد غرفة النوم، نظر للـ القطة قائلًا:
وإنت يا ونيسة مش عاوز إزعاج خليكِ مؤدبة وأوعدك أجيبلك فيران بيضا تأزأزي فيهم بدل الاكل الناشف.
قبل أن تعترض غزال نظر لها بوعيد قبل أن يدلف الى غرفة النوم قائلًا بوعيد:
هنام ساعتين أصحي الاقي الأكل جاهز يا هاكلك إنتِ.
كادت تتحدث لكن صمتت بعدما صفع الباب بوجهها.
شعرت بغيظ شديد وهي تنظر نحو باب الغرفة المغلق، ثم هتفت بصوت مكتوم بغضب:
بارد… مستفز… داخل بيتي عامل نفسه صاحب المكان.
نظرت نحو قطتها التي كانت تحدق بباب الغرفة بحذر، فتنهدت غزال بضيق وجلست فوق الأريكة تضع يدها فوق رأسها...
كيف يستطيع أن يعود هكذا ببساطة...
يقتحم حياتها، يقبلها، يهددها، ثم ينام وكأن شيئًا لم يحدث.
تمتمت بغيظ:
والأستاذ جعان كمان… يا سلام.
لكن رغم غضبها، كانت عيناها تتحركان تلقائيًا نحو باب الغرفة، وعقلها يستعيد ملامحه المتعبة، صوته المرهق، والطريقة التي ضمها بها كأنه كان يغرق ويتمسك بها للنجاة...
أغمضت عينيها بقهر هامسة بوعيد:
ماشي ياكنان...
ثم نظرت للقطة متأففة وهي تتجه نحو المطبخ الصغير. قائلة:
تعالي يا ونيسه نروح المطبخ.
فتحت الثلاجة تتفحص محتوياتها القليلة، ثم بدأت تُخرج بعض الأشياء وهي تواصل التذمر:
يهددني كمان… يا هاكلك إنتِ! لا والنبي خوفت... ماشي يا كنان..إشبع بقي.
خانتاها شفتيها بابتسامة صغيرة لم تستطع منعها... وهي تتوعد.
❈-❈-❈
أمام تلك البناية الخاصة بوالد عهد، أوقف فاروق السيارة ظل جالسًا لوقت مُترددًا تنهد بقوة وأرجع رأسه للخلف مغمضًا عينيه للحظة...
لم يكن معتادًا على التردُد… طوال عمره يعرف ماذا يريد، وكيف يصل إليه، لكن مع عهد فقد كل إتزانه.. بلحظة إتخذ القرار وترجل من السيارة بخطوات ثابته، توقف أمام الشقه يدُق جرس الباب، فتح له توفيق الذي
رحب به كذالك ميرڤت التي كانت قريبة، تقبل ترحيبها، جلس بود مع توفيق.. تنحنح قائلًا:
فين عهد ممكن أتكلم معاها.
_عهد سافرت الصبح.