تحميل رواية «عهد الدباغ» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"قبل خمس سنوات" "الغورية" إحدى شوارع قاهرة المعز بطرازها الشعبي. رغم منازل تلك المنطقة الشعبية البسيطة، لكن كان هناك في منتصف تلك المنطقة منزل ضخم على مساحة كبيرة، ذو طراز معماري يشبه القصور القديمة، رغم حداثة بنائه. أُنشئ قبل أربعين عامًا تقريبًا. مكون من ثلاث طوابق، يحده حديقة من كل الجوانب، بها بعض الزهور والنباتات العطرية، كذلك بعض أشجار الليمون وثمار أخرى. الطابق الأول يحتوي على استراحة كبيرة وبعض غرف النوم وغرفتين واسعتين للضيوف. الطابق الثاني مقسم ل شقتين كبيرتين، كذالك الدور الثالث. .......
رواية عهد الدباغ الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سعاد محمد سلامة
[بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات]
•••••
بمطار القاهرة
تسير بتباهي تجر خلفها حقيبة متوسطة... صوت طرقعات حذائها تسبقها، دخلت الى إحد الغرف تبسمت قائلة بدلال:
أنا رجعت مصر.
تبسمت إحد الجالسات ونهضت قائلة:
مصر نورت يا عهد، ها قوليلي جبتي الحاجات اللى قولت لك عليها قبل رحلة باريس.
اومأت بإبتسامة قائلة:
وماركات كمان، بس كله بحسابه طبعًا يا عزيزتي.
ضحكت الأخرى قائلة بمرح:
إنتِ تنفعي تاجر شنطة شاطر ووشك مكشوف.
ضحكت عهد قائلة:
انا الهدايا اللى بجيبها لأختي باخد منها تمنها.
تنفست الأخرى بمرح قائلة:
طب أختك جوزها مليونير إحنا غلابه.
ضحكت قائلة بمرح:
الله أكبر فى عنيكِ هتحسدي أختي، وبعدين كان حد غصب عليكِ تتجوزي وأهو حامل على أخرك، ومن بعد ما كنتِ مضيفة جوية تلفي العالم وتشتري أي شيء نفسك فيه، بقيتي مضيفة أرضية تتلقحي على زمايلك السابقين يشتروا ليك
اتسعت ابتسامة الأخرى، لكن عينيها لم تضحكا، بل لمعتا بغيظٍ مرح وقالت وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها:
لا يا شيخة… باين عليكِ رجعتي من باريس ولسانك سابقك بخطوتين.
اقتربت عهد منها بخطوات واثقة، ألقت بحقيبتها على المقعد، وجلست وهي تعقد ساقًا فوق الأخرى قائلة بمرح:
ما هو ده الفرق بين اللي سافرت تشم الهوا، واللي رجعت تشم ريحة الحقد الطبقي.
شهقت الأخرى بتصنع، وهي تلوح بيدها قائلة بمرح:
خلاص يا ستي، مش قصدي. بس إنتِ دايمًا كده… شايفة نفسك... نفسي تتهفي فى عقلك زيي كده وتتجوزي وأشمت فيكِ.
ضحكت عهد وإنحنت برأسها قليلًا، قائلة بعناد وثقه مرحه:
لا، أنا شايفة اللي قدامي كويس أوي… وعارفة أنا واقفة فين،مش فى دماغي جواز، منفعش فيه، إيه يغصبني اقيد حريتي... أنا كده زي العصفورة من بلد للتانية، شغل وفسح فى نفس الوقت، إيه يجبرني أحرم نفسي من راحة البال.
ضحكت زميله أخرى سائلة:
ها المهم… رجوعك ده هيطول ولا يومين وتسافري.
رفعت عهد حاجبها، وأخرجت نظارتها الشمسية من حقيبتها، وضعتها على الطاولة بتمهل مقصود:
والله ما أعرف لسه أنا بقالي فترة مش باخد أجازات مقضياها بين السما والأرض قررت كده أخد راحة، أهلى وحشوني أقعد معاهم شوية... يلا هاتي حساب الحاجات بتاعتك خليني أمشي، حاسة بإرهاق وعاوزه أرجع البيت أخد شاور وأنام لحد ميعاد الرحلة الجايى
ضحكت زميلاتها وتحدثت لها بمرح قائلة:
إستغلاليه عالعموم تمن حاجاتي إيه.
ضحكت عهد وهي تنهض وضعت حقيبتها على منضدة بالغرفة، فتحتها، إقتربت زميلتها لاحظت تلك الالعاب الموجودة بالحقيبة سألتها:
إيه اللعب دي، إنتِ هتفتحي محل لعب أطفال ولا إيه.
ضحكت عهد قائلة:
لاء.. دي لأبن أختي.
تفوهت زميلتها:
يا بخته، إنتِ جبتي له محل اللعب ولا إيه... كده بقي هتاخدي تمن اللعب دي وفوقها عمولة محترمة.
ضحكت عهد قائلة:
للآسف الوحيد اللى مش باخد منه تمن الهدايا، هو ياسين.
ضحكت زميتلها وتنهدت بآسف:
يا بخته، إبن مليونير، وكمان بيجي له لعب ببلاش مش زي عيالنا آخرهم دبدوب بينور، والصبارة الراقصة.
ضحكت عهد وهو تنظر لها قائلة:
كفايه حسد وحقد عالواد، خدي دي طلباتك أهي، ومكتوب على كل منتج تمنه، وعشان أنا حنونه، مش هاخد منك عمولة الجمرك.
-عمولة الجمرك ايه، إنت مضيفه يعني مفيش جمرك، تمام يلا هدعي ليكِ يرزقك بمليونير زي أختك.
ضحكت عهد قائلة:
وفري الدعوة، أنا كده مبسوطة، يلا هسيبكم تكملوا شغلكم.. بلاش تعطيل لمصالح المسافرين... سلام.
خرجت عهد تجر خلفها حقيبتها، بنفس الوقت صدح رنين هاتفها، وقفت للحظة حتى أخرجته من حقيبة يدها، ونظرت له تبسمت حين رأت هوية التى تتصل عليها، سُرعان ما ردت بمرح:
إيه إنت ظابطة الإتصال ولا إيه،أنا يادوب أهو رايحة ناحية باب الخروج من المطار ، ساعة ونص بالكتير أكون عندك فى الشقة، حضري لي الأكل اللى طلبته، ويا سلام كمان لو تحضري لى حمام دافي كده، الجو برد جدًا.. ياماما.
إبتسمت على رد والدتها الحانق:
وماله، إنتِ تروحي تصعي فى بلاد باره مصر وتجي هنا مصر عاوزه الفيلبنية اللى باباكِ جابها لك تخدمك...عالعموم توصلي بالسلامة.
ضحكت عهد وهي تغلق الهاتف وعاودت وضعه بحقيبة يدها،وعادت تجر الحقيبه الأخري،لكن توقفت حين إصطتدمت حقيبتها فى حقيبة أخري توقفت..
فقط وجذبت حقيبتها لكن الآخر وقف يعتذر،ثم تأمل فيها،تذكرها مباشرة قائلًا:
إنتِ.
نظرت له رغم عدم إهتمامها ظنًا أنه قد يكون تقابل معها بأحد الرحلات...لكن هو تعمد الوقوف سائلًا:
إنتِ مش فاكرني.
لم تعطي أهمية قائلة:
للآسف..
قاطعها وهو يُذكرها بذلك الموقف القديم مع خطيبها يوم فسخ خطوبتها.
تذكرت قائلة:
أه أفتكرت،أهلًا وسهلًا بحضرتك.
تبسم وهو يمد يده لها قائلًا:.
نديم الجنايني.
تفوهت بذوق:
أهلًا وسهلًا..عن إذن حضرتك العربيه بارة المطار ومش لازم أتأخر عليها.
لم تهتم بنظراته لها
بالفعل تركته وذهبت هو الآخر أكمل طريقه ود معرفة إسمها..الذي نسيه..لكن بنفس اللحظة إنتبه الى إشارة أخيه الذي جاء لأستقباله.
❈-❈-❈
بعد لحظات بالسيارة على الطريق
تنهد نديم قائلًا:
مقولتش ليه إن بابا تعبان من فترة.
أجابه أخيه بتوضيح:
فى البدايه كنت مفكر إنه أمر عرضي وبابا هيتحسن، بس للآسف الحالة بتزيد سوء واضح إن المرض تمكن منه، وطلبت منه يفضل قاعد معايا فى الغردقة إنت عارف إن شغلي هناك...بس هو رفض وعاوظ يقعد هنا فى القاهرة معرفش السبب،رغم إن قبل كده كان مستمتع هناك...وأنا تقريبًا خلصت كل أجازاتي،ومقدرش أنقل شغلي هنا...عشان كده فكرت إن يمكن إنت لما تنزل أجازة تقدر تقنعه يرجع يعيش معايا في الغردقة من تاني.
تفهم نديم ذلك قائلًا:
متقلقش أنا قاعد شهرين أجازة هحاول أقنعه،أو ممكن أعمل له تأشيرة سفر وأخده معايا.
أومأ أخيه له بتفهم...نظر نديم الى خارج السيارة لاحظ التغيير الملحوظ بالأماكن،كذالك بالطريق مر من أمام ذلك النادي الرياضي..لوهله تبسم وجائت الى خياله إحد مباريات المنافسة بينه وبين يارا...الذي علظ بالصدفة أنها إرتبط..تنهد بشعور غير مفهوم،لا ينكر وقتها شعر بغصة فى قلبه لكن كان لديه هدف آخر هو إثبات نفسه فى وظيفته الجديدة...فكر عقله بها
ترا هل تزوجت؟.
زفر نفسه يلوم،ولماذا جاءت على باله الآن. ..
والجواب... مجرد فضول.
❈-❈-❈
ليلًا
بغرفة محي وإجلال
زفرت نفسها بقوة لاحظ محي ذلك، نظر لها سائلًا:
مالك حاسس إنك مضايقة بقالك فترة.
تنفست بقوة قائلة:
فعلًا مضايقة بسبب يارا.
نظر لها بإستفهام سائلًا:
وإيه السبب بقى.
جاوبته بضيق:
يعني لما تتخطب مرتين والخطوبة تتفسخ ده مش شيء يضايق، غير كلام الناس يا محي…
كل واحد بقى يحط لسانه عليها، واللى يقول عين، واللى يقول سوء اختيار، واللى يلمّح إن فيها حاجة غلط...كمان خايفة تقفل قلبها…
وتزهق من فكرة الجواز كلها.
تنهد محي بعمق قائلًا:
لاء متقلقيش يارا مش ضعيفة،وده نصيب،ويمكن نصيبها لسه مجاش،عالاقل لما الخطوبة تتفسخ أحسن ما تكمل وتدخل جوازة فاشلة،إنتِ شاغله بالك زيادة عن اللزوم.. المسألة كلها نصيب.
تنهدت وأومأت رأسهل بفهم لكن تفوهت بأمنية:
اللى السبب فى قلقي، إنها بتوافق عالعرسان مش بنضغط عليها ومفيش فترة قصيرة وتقول إنها مش مرتاحه وعاوزه تفسخ الخطوبة.. أوقات بيدخل فى دماغي شك أن ممكن يكون فى سبب بيخليها توافق وبعد كده تفسخ بدون سبب مقنع العريسين والله كانوا كويسين ومحترمين جدًا.
ضمها محي يديه تحتويها قائلًا:
زي ما قولتلك النصيب، وكفاية تقكير في الموضوع ده أنا شايف إنه مش مستاهل ضيقك ده كله، بلاش تكبري الموضوع وهو سهل النصيب بينادي صاحبه.. يبقي بلاش تفخمي الأمر زيادة، إنتِ مركزتيش كده لا مع محسن ولا فاروق، كمان مع أخرة صبرى كنان اللى عايش على قفا أخواته.
تبسمت بغصة قلب قائلة:
هو من صغره مش غاوي شغل المدابغ ولا الحاجات دي، حابب يبقى مُدرس فى الجامعة وأهو برضوا بيساعدهم وقت الحاجه.
تنهد قائلًا:
والله ده اللي مصبرني عليه.. رغم كان نفسي يبقى زيهم له إسم وسُمعة فى عالم رجال الأعمال زي أخواته.. حتى عشان فى المستقبل محدش ضامن عمره، أهو يبقى يعرف يدير نصيبه فى الميراث.
بخضة قلب تلهفت إجلال تضم نفسها له اندست في حضنه كأنها تبحث عن أمانٍ فقدته فجأة.
مررت يدها فوق ظهره بحنان، وهمست بصوتٍ مبحوح:
اللي ربنا كاتبه له هيبقى خير… مش كل اللي ليهم اسم في التجارة مرتاحين، ومش كل اللي ماشيين في سكة العلم خسرانين.
ضمها إليه أكثر، وقال وهو ينظر في فراغٍ بعيد:
عارفة… يمكن أنا خوفي عليه أكبر من طموحي له.
رفعت رأسها قليلًا، حدّقت في ملامحه التي أثقلها القلق:
والخوف ده دليل حب، مش ضعف. سيبه يختار، وإحنا نفضل جنبه… ده أكبر ميراث ممكن نسيبه له.
أغمض عينيه للحظة، وكأن كلماتها كانت دعاءً خفيًا، ثم قال بنبرة أهدأ:
ربنا يقدم له الخير.
ابتسمت بخفة، رغم الغصة التي لم تغادر صدرها، وبقيا هكذا… متعانقين، يحمل كلٌ منهما خوف الآخر.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
صباحً
ككل يوم منذ أكثر من ثلاث سنوات وهي تنظر من بين فراغ القطع الخشبية للنافذة
( من خلف الشيش) تتابعه بخفيه موجعة،عينيها تتعلقان به وهو يسير بسيارته فى شارع الغورية، لوهلة سئمت ملامحها وسكنت حسرة،حسرة من اعتاد الانتظار حتى بهت الأمل فى قلبها،بداخلها أنها تتعلق بطيف حِلم لن يتحقق... هو لا يراها، ولن يراها.. فأمثالها يبقون فى الظل شهودًا صامتين على أحلام غيرهم، يكتفون بالنظر من بعيد، ويُتقنون إخفاء الوجع خلف وجوهٍ اعتادت الانكسار دون ضجيج.
فاقت من هيامها على نداء... إنتبهت وأغلقت النافذة جيدًا، ثم ذهبت نحو المطبخ مكان النداء، قائلة:
صباح الخير يا عمتي.
ابتسمت لها قائلة:
صباحك ورد يلا تعالي اقعدي نفطر سوا، عمك أبو صبري غار من بدري ومعاه صبري.
ابتسمت وجلسن سويًا بأرضية المطبخ وأمامهن صنية طعام.. نظرت لها مُبتسمة تشعر بتردُد.. لكن تجرأت قائلة:
هسألك سؤال يا عمتي.
حثتها أم صبري على إسترسال حديثها بمودة قائلة:
قولي يا قلب عمتك من جوة.
ابتسمت قائلة بتردُد:
هو إنت ليه بحس أنك مستقوية على جوزك كمان صبري إبنك.
تركت الطعام وضحكت قائلة:
بصي أنا اتربيت وسط ولدين أخواتي كان أبويا يقول عليا مسترجلة عنهم، وده كان غلط يمكن بسبب الطبيعة اللى عٓشت فيها، وده كان سبب أتأخرت على ما أتجوزت مكنش فى راجل من اللى إتقدمولي بيملى عيني، مش طمع والله، انا عِشت عالرضا بالرزق اللى ربنا بيبعته ليا وأقول طالما مستورة ومكسيه وعندي أربع حيطان يستروني ولقمة حتى لو حاف بس تسد جوعي بقول الحمد لله رضا، بس قوة ربنا حطها جوايا.. مش عاوزة راجل شديد زي أبويا، ولا عاوزة راجل ضعيف زي أخواتي، خير الأمور الوسط.. ولا عاوزة راجل
يكسرني باسم الرجولة،
ولا يفتكر إن صوته العالي هو الأمان.
عاوزة راجل أحس معاه إني ست… مش واقفة دايمًا في وضع الاستعداد.
راجل يطمني مش يختبر قوتي،
يسندني مش يستعرض إنه أقوى.
صمتت لحظة، ونظرت أمامها كأنها تسترجع عمرها كله في نقطة واحدة، وكملت بصوت أهدأ:
يمكن اتعلمت أبقى قوية غصب عني،
بس ده ما يمنعش إني من جوايا كنت محتاجة حد يقول لي
"سيبيها عليا… إنتِ كفاية عندي"
ابتسمت ابتسامة خفيفة، يشوبها الرضا أكتر من الوجع قائلة:
القوة نعمة…بس الأجمل منها إنك تلاقي اللي يخليك تستغني عنها شوية،من غير ما تخافي.
عمك أبو صبري كان آخر شخص افكر أتجوزه وفعلًا رفضته بس النصيب رجع وإتقدم لى وقتها امي قالت لى
"البنت لها زهوة لما بتنطفي مبترجعش تاني"
نظرت لها بعدم فهم... لاحظت أم صبري ذلك فضحكت قائلة:
كان قصدها ان فى فترة البنت تبقي لها سوق وممكن يتقدم لها عرسان كتير، وهوب فجأة ده ينتهي، وده اللي حصل معايا قد ما رفضت عرسان قد ما بقيت بنتظر عريس يتقدم لى زي صحباتي فى الحارة اللى معظمهم اتجوزا وخلفوا عيل وإتنين... وانا العمر بيجري.. رجع عمك أبو صبري اتقدم وقولت أهو ألحق اجيب لى عيل ولا إتنين.. خلفت صبري على تسع شهور باليوم... وزي ما أكون أتنكست بعده قطعت الخلف مع إني كنت لسه مش كبيرة والعادة الشهرية بتجيلي في ميعادها، دوخت عند الدكاترة، ومفيش فايدة، رضيت وقولت الحمد لله.. عارفه إنتِ إتولدتي على إيدي دخلتي قلبي زي ما أكون جبتك من بطني... قولت البت دي خسارة في أبوها وأمها، أتعلق قلبي بيكِ بس غصب عني مكنتش أقدر أخدك منهم،كنت عارفه ان الاتنين مش هيعمروا مع بعض، وحصل الطلاق.. أمك خدتك بس عِند فى أبوكِ، حتى بعد جوازها سألت محامي وكنت هرفع قضية أطلب حضانتك.. بس المحامي قالي القانون مش هيحكم لى بحضانتك لأني متجوزه.. لازم أكون أرملة أو مطلقه.. والله فكرت أطلق جوزي، وقولت اتلم عليكِ إنت والواد صبري،بس جدتك أم أمك كانت حنينه وإنتِ فضلتي معاها لحد ما ربنا خد امانته من أربع سنين، وقولت هتتشحطط بين مرات أبوها وجوز أمها،لاء أنا أولى بيها،والله من يوم ما جيتي وعيشتي معايا وأنا قلبي فرحان،وبتمني تطلعي عروسة للى يصونك ويعوضك خير.
-إن شاء الله.
جملة قالتها بقلب موجوع،عمتها رغم قسوتها مع زوجها لكن العكس معها،لكن رغم ذلك هنالك شقوق في قلبها من قسوة عاشتها وهي بكنف جدتها لأمها تذكرت زوج والدتها الذي كان يأتي يستقوي على جدتها ويسلبها المال،وأكثر من مرة قام بضربها بعلم والدتها التي تخشي شماتة زوجها السابق..قسوة عاشتها،ومازال قلبها يتمني ان تجد قلب يشعر بضعفها، حُب سكن قلبها. لشخص لا يراها، كيف يراها وهي مُشعثه هكذا.
نظرت لها عمتها تربت على كتفها بحنان قائلة:
عارفة يا بِت إنتِ لو إهتميتي بنفسك هتبقي قمر، تحطي مكياج وشعرك ده تلميه وتتحجبي وشك هينور، مش هتبقي شبة الرجالة كده.. أنا لو مش عارفاكي بلبسك الصبياني وشعرك المنكوش القصير ده كنت قولت راجل.
ضحكت بقوة قائلة:
طالعه لك يا عمتى مش لسه من شويه بتقولى على نفسك مسترجلة.
تبسمت عمتها قائلة:
لاء إنت مش زيي وربنا هيبعتلك اللى يعوضك ويبقي سندك بحق مش مخدة الكنبة اللى أنا متجوزاه.
ضحكت بأمنية فى قلبها وأمل تتمنى لو يتحقق ويراها أصغر أبناء الدباغ،الذي يتنفس قلبها بأسمه"كنان".
❈-❈-❈
بشقة والد عهد
شغب عهد مع ياسين كالمعتاد..تبسمت فرح حين دلفت الى الغرفة وجدتهما الأثنين يقومان بلعق قطع الحلوى(المصاصة)
يجلسان بإنسجام معًا يتبادلان تذوق الحلوى.. تفوهت بنزق قائلة:
من شويه كنت أنا وماما سامعين خناقكم مع بعض دلوقتي بتتبادلوا المصاصات بمنظر مُقزز.
أومأت عهد قائلة:
بصراحة الطعمين زي بعض تقريبًا بس بتاعت الواد ياسين الطعم فيها شوية...هات أما أدوقها وخد من بتاعتي.
وافق ياسين على ذلك،تقززت فرح منهما
وضحكت قائلة:
غريبة إنه بيرضي معاك وهو عينه فارغة ومش بيرضي يعطي لحد حاجه، حتى إنتِ كمان بتقرفي، بس أقول إيه أنتم الإتنين عاملين زي المولدين فوق روس بعض.
بعد قليل جلست فرح تبتسم على صغيرها الذي إلتهي فى تلك الحقيبه يُخرج الالعاب..
نظرت لـ عهد بإمتنان ثم تنحنحت قائلة:
إيه الالعاب دي كلها.
نظرت عهد الى ياسين الذي يستمتع بتلك الالعاب قائلة:
بصراحه بقى عندي هوس لما أكون ماشيه وأشوف محل ألعاب بدخل ومعرفش إزاي بلاقي نفسي إيدي بتتمد علي اللعب واللى بيعجبني بشتريه.
ضحكت ميرفت التى دلفت للغرفه قائلة:
الله يرحم أيام زمان لما كانت تشوف حد بيشتري ألعاب كانت تقول فاضي ومستكتر فلوسه إزاي يشتري لعب أطفال هتتكسر بسرعة... دلوقتي مضيعه نص مرتبها عاللعب.
ضحكت فرح، بينما إغتاظت عهد قائلة:
تمام أنا بقيت تافه خلاص كده مش عاوزه تقولى كده يا ماما.. بس فرحة الواد ياسين أحلى بسمة.
تبسمت فرح وتنحنحت أكثر من مره مما جعل عهد تلاحظ فتحدثت مباشرةً:
قولى عندك إيه وبطلي نحنحة.
إبتلعت فرح ريقها قائلة بتبرير:
عيد ميلاد ياسين الرابع بعد بكره.
إبتسمت عهد قائلة:
ياااه أربع سنين مروا بسرعه أوي،أه بتفكريني يعني عشان أجيب له هدية عيد ميلاده متقلقيش اللعب دي مش محسوبة من هدية عيد الميلاد...هجيب له...
قاطعتها فرح بكسوف:
لاء يا عهد كفايه لعب وهدايا،أنا عاوزه حاجه تانيه.
ضيقت عهد عينيها سائلة بإستفسار:
وإيه الحاجه التانيه دي.
نظرت فرح ناحية والدتها ثم الى عهد قائلة بتردد متأكدة من رفض عهد للاقتراح:
يعني هنعمل حفلة صغيرة زي كل سنه في بيت الدباغ.
فهمت عهد تبدلت ملامحها وكادت تتحدث لكن سبقتها فرح:
كل سنه كنتِ بتبقي فى رحلة السنه دي إنتِ هنا، مش هقولك عشان خاطري، عشان خاطر ياسين بيبقي مبسوط معاكِ.
نظرت لها عهد قائلة:
فرح إنتِ عارفه أنا مش برتاح فى البيت ده، ولا برتاح فى وجود فاروق، ومن يوم ما إتعصب عليا وأنا مشوفتوش يعني من أكتر من تلات سنين، وسبق وقولت لك...
قاطعتها فرح بإلحاح قائلة:
قولتلك مش عشان خاطري وغلاوة ياسين عندك... أنا بنبسط لما بتبقي جانبي.. وده يوم عيد ميلاد ياسين.
كادت عهد أن ترفض وهي تعلم أنها غصبً ستتقابل مع فاروق وهي تبغض ذلك، لكن إلحاح فرح أرغمها على الموافقة على مضض، وهي تنبه نفسها بسهولة ستتجنب فاروق.
❈-❈-❈-❈-❈
بعد مرور يومين
بالنادي الرياضي، صدفة عبثية…
أمام مُربع الإسكواش، تفاجأت يارا بذلك الذي لم تكن تتوقعه أبدًا... لوهلة
تجمدت خطواتها ، وكأن الأرض سُحبت من تحت قدميها، بينما هو كان يقف هناك، يجفف العرق عن جبينه، يمسك بالمضرب بيد وعيونه إستقرت عليها بدهشة لم تقل عنها...
ثوانٍ ثقيلة مرت… لم يتكلم أحد، لكن الذكريات سبقت الكلمات، واشتعل الهواء بينهما بأسئلة مؤجلة ونبض خان الصمت...
ابتلعت يارا ريقها، حاولت أن تبدو ثابتة، لكن ارتجافة لمست قلبها..
بينما … فابتسامة صغيرة، غامضة، ارتسمت على شفتيه وكأن القدر قرر أن يلقي نرده في توقيت غير مناسب...
خرج نديم من مربع الإسكواش وأقترب من يارا وتحدث بصوت متزن:
يارا… مش معقول الصدفة... لسه بتلعبي إسكواش.
رفعت رأسها أخيرًا، بعينين تحملان دهشة وأجابته ببرودٍ مصطنع:
واضح إن النادي بقى ضيق أوي، كمان إنت شكلك لسه مواظب على اللعب.
تبسم نديم ولا يعلم لما تعمد النظر الى يديها، تفاجئ أنها خالية من أي خاتم، لكن ذلك ليس دليل على عدم إرتباطها، ربما لا تضع خواتم بسبب تأهبها للـ اللعب... ود معرفة ذلك لكن عقله يسأله لما تود معرفة ذلك... بينما نظرت له يارا بتعالي وغرور.. لكن قلبها كان يقول شيئًا آخر…
لكن يبدوا أن الصدف العبثية أحيانًا لا تأتي عبثًا، بل لتفتح أبوابًا أُغلِقت قبل أوانها.
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ بشقة فرح
لم تهتم بالتجهيزات وجلست مع ياسين تشاركه اللعب، تعمدت ذلك، حتى لا تُثير أي إنتقاد، هي هنا من أجل ياسين فقط والافضل أن تنزوي معه...
بعد وقت
أمسكت عهد ذلك الصغير صاحب الأربع سنوات من ياقة كنزته قائلة:
ولا... إنت بتغش فى اللعب، دي آخر مرة هلعب معاك... إنت عيل غِتت زي باباك بالظبط.
ضحكت فرح التى دلفت عليهما ونظرت لهما بمرح قائلة:
إنتِ جايه تساعديني فى تعليق زينة عيد الميلاد ولا تلعبي مع ياسين، كمان عاملة عقلك بعقله، إمتي هتكبري يا عهد.
نظرت لها عهد بمرح قائلة:
الواد إبنك غشاش على فكرة ومعندوش أدب ولا إحترام ده بينادي عليا بيقولى يا عهد من غير ألقاب كأني زميلته فى الروضة... مش مؤدب أكيد وراثة من باباه.
ضحكت فرح قائلة:
إنتِ أي حاجة سيئة تقولي زي باباه، يلا انا عارفه إن مفيش منك منفعة خدي ياسين وإنزلوا الجنينة كملوا لعب والشغالة هتساعدني فى تعليق الزينة.
أومأت لها عهد بتوافق وهي تُشير للصغير قائلة!
يلا يا غِتت قدامي عالجنينة أنا بتوه فى البيت ده.
ضحكت فرح بينما تصلب الصغير ورفع يديه قائلًا بحروف متقطعة:
شيلني وأنا أقولك فين الجنينة.
نظرت له عهد بحِدة مرحة قائلة:
أشيل مين، إنت بقيت راجل كبير خلاص.
لم يتحرك الصغير وصمم على ذلك... ضحكت فرح، بينما إستسلمت عهد قائلة:
ماشي هشيلك يا رِخم.
إدعت عهد بعدما حملته قائلة:
إنت تقيل أوي بيأكلوك إيه، أكيد طنط إجلال بتأكلك من طبيخها الدسم.
ضحكت فرح، حين غادرت عهد وياسين.
بعد لحظات
وضعت عهد ياسين تنظر حولها قائلة:
قولي هنلعب إيه بقي هنا فى الجو ده.
توقف ياسين يُفكر بطفوله ثم تحدث قائلًا:
الطبق الطاير هنا بلعب بيه مع عيال عمو محسن.
ابتسمت له قائلة:
تمام هات الطبق.
بالفعل بعد لحظات كانا يلعبان بذلك الطبق الخفيف الذي يُلقيه ياسين وهي تذهب لتأتي، به، لكن وقت قليل وتركها ياسين يهرول ناحية تلك السيارة بلهفة طفل، تقابل مع فاروق الذي إنحنى وحمله وسمع حديثه عن لعب عهد معه، تبسم له وهو ينظر الى مكان وقوف عهد، ذهب نحوها مُرغمً بسبب إلحاح ياسين، توقف أمامها يُرحب بها بذوق... اومأت عهد بإبتسامة بسيطة.. تحدث ياسين عن مشاغبته لـ عهد التي تبتسم...
ظلا واقفان لمجرد دقائق قليلة، لكن كانت صورة للمستقبل ترسمها تلك التى كانت تقف خلف زجاج نافذة بشقتها... تدمعت عينيها لوهلة لكن سرعان ما تبسمت تنفض ذلك الألم الذي يتسرب الى خلايا جسدها.. تعلم أن له نهاية واحدة... لكن جففت تلك الدموع وتبسمت وهي تنظر نحو ثلاثتهم...
من يراهم يُجزم أنهم عائلة صغيرة
تتكون من ثلاث أفراد يجمع بينهم الحب.
بينما الحقيقة كانت خلاف ذلك
فاروق لأول مره يراها مباشرةً منذ ذلك الإحتداد الذي حدث قبل سنوات... تعمد عدم النظر لوجهها تعامل معها بحيادية، وهي كذالك حتى أنها إدعت السأم من الشمس وإنهاء اللعب... وتحججت بمساعدة فرح بتعليق الزينة وإبتعدت عن مجال فاروق...
الذي لاحظ ذلك فى حديثها معه، كانت ترد بإختصار... وتعمدت عدم النظر له.. بينما هو رسم البرود، فالماضي إنتهي وحقيقة واحدة فقط.. هي شقيقة زوجته.
مر الإحتفال بسلام، حاولت عهد أن تتعامل مع الجميع على أنها مجرد ضيفة... غادرت بمجرد إنتهاء الحفل.
❈-❈-❈
بعد مرور اسبوعين تقريبًا
كانت عهد بإحد الرحلات... كانت تقطن بأحد الفنادق... تقف خلف زجاج شُرفة الغرفة تنظر الى الخارج تتأمل تلك المدينة، قطع تأملها صوت رنين هاتفها.. تركت النظر من الشرفة وذهبت نحو مكان هاتفها، تبسمت حين رأت إسم فرح على الشاشة قامت بالرد بمرح:
متصلة بدري أوي، في فرق توقيت بين هنا وبين مصر مش أقل من ساعتين...
تصنمت يد عهد على الهاتف، حين قاطعت فرح حديثها قائلة مباشرةً:
عهد أنا تعبانة أوي أوي... ومتأكدة إن أيامي فى الدنيا معدودة، أنا محتاجة ليكِ، ولو رجعتي مصر وكنت رحلت وصيتك ياسين إبني.
صدمة اطارت او بالأصح شلت عقل عهد وهي تتحدث بتعلثم غير مستوعبة:
بتهزري، حتى لو بتهزري ميبقاش بالطريقة دي... فرح.. يعني إيه تعبانه... قولي إن ده مقلب منك.
لكن الرد كان صادم أكثر حين سمعت عهد صوت يبدوا عبر مكبر صوت لنداء أحد الأطباء ، وبعدها إنقطاع الإتصال.. جعلها تشعر بإنهيار تام.
رغم أنها سمعت نداء الطبيب من خلفها، إلا أن قدميها تصنمت في موضعهما
انتظرت… ترقبت… تعلقت بقشة أمل أخيرة...
كانت تنتظر أن تسمع صوت فرح تضحك، تنفي، تقول إن كل ما قالته لم يكن سوى مزحة سخيفة في توقيت قاتل...
لكن الحقيقة جاءت قاسية، جارحة، لا تعرف الرحمة.
نبرة فرح المتهدجة، المتألمة، كانت كفيلة بأن تهدم ما تبقى من صمودها:
عهد… أنا محتاجة وجودك جنبي… عمري ما احتاجت حد، بس دلوقتي محتاجة وجودك جنبي… بلاش تتأخري يا عهد.
سقط الهاتف من يدها، وكأن الكلمات كانت أثقل من أن تُحتمل... لحظات تشعر كأنها بكابوس وستيتقظ منه لو اغمضت عينيها وأعادت فتحهما، بالفعل فعلت ذلك عادت تفتح عينيها بتوسع تنظر حولها هي ليست غافية.. كذالك الهاتف أمامها لولا وقع على فرش الأرضية لكان تحطم..
تحطم.. هي التي تحطمت بالحقيقة.. تود أن تخف حِدة ما تشعر به من تهتُك فى قلبها وإنهيار فى عقلها..
عقلها؟ .. أي عقل وهي تشعر بإنسحاب بكل خليه فى جسدها حتى أنها فقدت توازنها وجلست على الأرض، تشعر بإنسحاق روحها..
دقائق حتي حاولت إستجماع جزء صغير من وعيها.. جذبت هاتفها بيد مُرتعشة ثم قامت بإتصال يدها لم تستطع رفعها فتحت مُكبر الصوت بمجرد ما فتح الآخر الإتصال قبل أن تسمع رده تفوهت بنبرة أمر واجب التنفيذ:
عاوزه أرجع مصر فورًا لو حالًا يبقى أفضل.
تنهد الآخر قائلًا:
ميعاد طيارة رجوعنا بعد بكره بعد الضهر..
قاطعته بحدة وأمر:
بقولك عاوزة ارجع مصر فورًا لو حالًا، شوفلي طريقة، حتى لو هرجع بطيارة خاصة.
تسأل الآخر:
خير إيه السبب.
تعصبت عليه بغضب قائلة:
بقولك لازم ارجع مصر فورًا هتساعدني ولا لاء.
أجابها بتوتر:
هتصل عالمطار فى طيارة راجعه مصر الفجر لو في مكان..
قاطعته:
لو هقعد فى ارضية الطيارة، لازم أرجع مصر فورًا.
اغلقت الهاتف ظلت جالسه قلبها يتألم بشدة... يديها ترتعشان، بلحظة حاولت التماسُك على هاتفها، وقامت بالإتصال على والدها الذي رد عليها نبرة الحزن كانت واضحة في صوته، سألته مباشرةً:
فرح يا بابا،الغُدة رجعت لها مش اتعالجت منها وكانت بقت كويسة.
نبرة والدها المُتأثرة كانت صدمة ثانية:
كنت متأكد أنها هتكلمك، هترجعي إمتي.
-يعني إيه يا بابا، واضح إن التعب من فترو وإنا اللى مكنتش أعرف، ليه خبيتوا عليا.. حالتها إيه بالظبط.
هكذا تحدثت وهي تختنق بالدموع، رد عليها والدها يحاول التماسُك:
متغبيش يا عهد.
قال ذلك وأغلق الهاتف، حتى لا يزيد من إنشطار قلبها، وقلبه هو الآخر.
...... ــــــــــــــــــــــــــ
ساعات مرت كأنها دهور، أمام أحد المشافي ترجلت عهد من سيارة الأجر دلفت مباشرة الى المشفي سألت بالإستعلامات عن مكان غرفة فرح... اندفعت عهد عبر السلالم الى مكان الغرفة كالإعصار، أنفاسها متلاحقة، عيناها تبحثان عن وجه واحد فقط...
لم ترا أحدًا، لم تسمع أحدًا، سوى صوت فرح الذي ما زال يرن في أذنيها
حتى وصلت… خطوة واحدة كفيلة بتغيير كل شيء توقفت لحظات بالممر تلهث حين رأت والدها يخرج من الغرفة،سريعًا ركضت نحوه،توقفت أمامه تسأل بلهاث:
فرح يا بابا... عندها إيه... مش كانت خفت وبقت كويسه... هي موعودة بالمرض، ليه إشمعنا هي.
تدمعت عين توفيق قائلًا:
دي قدر ربنا يا عهد، إفتكاره رحمة.
تفوهت عهد بإيمان:
ونعم بالله يا بابا.. عندها إيه الغُدة برضوا.
هز توفيق رأسه بنفي قائلًا. بألم فى قلبه ينهشه:
لاء..
ورم فى الرحم.
سريعًا تحدثت:
تستئصل الرحم هي معاها ولد ربنا يبارك لها فيه..حتى لو جوزها مش هيقبل يبقي صحتها أهم... أنا هقنعها بكده، لازم تفكر فى صحتها وبس.
تألم توفيق قائلًا:
كمان المرة دي ورم في تجويف البطن...والبنكرياس.
فقدت النطق من الصدمة دموعها فقط هي ما تتحدث،لا تشعر بخلايا جسدها..لحظات أو دقائق حتى فاقت كادت تصرخ لكن ضمها توفيق تبكي بهيستريا ..لحظات حتى هدأت، تحدثت بصوت مُحشرج:
مين معاها جوة،ماما فين.
أجابها توفيق:
ماما فى الشقة مع ياسين.. فرح خايفه عليه يلقُط أي مرض من المستشفي.
تفهمت عهد قائلة:
وجوزها فين،ولا هو دايمًا مشغول وعنده مسؤوليات.
أجابها توفيق:
فاروق جوه مع فرح،وشبة ملازم للمستشفي.
تهكمت فرح ببعض السخرية قائلة:
شبة،لاء كتر خيره..أنا هدخل لها.
أومأ توفيق وهو يمسح بقايا دموع عهد قائلًا:
مش لازم تشوف دموعك... بلاش تبكي قدامها عشان حالتها متتأثرش.
أومأت عهد أخذت نفسًا طويلًا حاولت إخفاء تأثرها، ثم ذهبت نحو باب الغرفة فتحته قبل أن تدخل تنفست مره أخرى تحاول الإستقواء، ثم دلفت نظرت مباشرةً نحو الفراش كان منظرًا موجع للغاية تصنمت عهد للحظات وهي تنظر الى تلك الأنابيب الموصولة بأيدي فرح، وموصولة بمحاليل مُعلقة.. بصعوبة تحدثت فى البداية تهمس باسمها ثم حاولت إجلاء صوتها:
فرح... فرح.
فتحت فرح عينيها سُرعان ما تبسمت رغم الألم التي شبة لا تشعر بالقليل منه بسبب المُسكنات... بصعوبة تبسمت عهد وذهبت نحوها كيف وصلت للفراش لا تعلم فقط إنحنت على فرح تضمها بقوة قائلة بتشجيع كاذب:
شوية تعب صغيرين كده ترقدي فى المستشفى وتتصلي عليا تقلقيني عليكِ.. أنا كنت فى إيطاليا كنت هجيب لك معايا نوع جبنة فاخر.. عرفاكِ بتحبي أنواع كتير من الجبن.. يلا خفي بسرعة وأنا الرحلة الجاية هجيبهالك.
تبسمت فرح بألم قائلة!
مفيهاش المرة الجاية يا عهد، كويس إنك جيتي عشان أشوفك قبل ما أرحل.
-مستحيل
قالتها عهد وهي تضمها بقوة قائلة:
متقوليش كده، هي أول مرة تتعبي.. إن شاء الله هتقومي وتخفي وتفرحي بالواد الغتت ياسين، وتشوفيه عريس، مش عاوزاني أتجوز عشان أخلف بنت وتجوزيها له، خلاص أنا أول عريس هيتقدم لى هوافق عليه وأتجوز وأخلف وإبنك الغتت مُجبر يحبها ويتجوزها.
غصبً رغم الألم تبسمت فرح قائلة:
دي هتبقي مهمتك بقي يا عهد،أنا تعبت من كُتر الألم.
ضمتها عهد بغضب قائلة:
انا جنبك،هاخد أجازة مش هسافر تاني حتى لو إترفدت...هتقاومي وتخفي زي كل مرة مش دايمًا بتقولى أنا بسبع أرواح.
تهكمت فرح بألم قائلة:
كدب يا عهد كنت بواسي نفسي،بس أنا معنديش غير روح واحدة،وخلاص كده تقريبًا وصلت للنهاية.
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
بشقة والد رابيا كانت تجلس مع والدتها، بينما طفلتاها تمرحان حولهن، رغم تذمر والدتها من طفلتيها، لكن تتحمل هن غصبً، أنشغلن بالحديث معًا لم ينتبهن الى إحد الفتاتين التي خرجت من باب الشقة ولقدم السُلم إنزلقت وأطلقت صرخة قويه... نهضن الإثنتين نحوها، نظرت لها رابيا بهلع وهي تراها ساكنه أسفل درجات السلم،تعالت الأصوات فجأة.. خطوات مسرعة، صرخات قوية، ورابيا تُهرول نحوها تُنادى عليها بقلق عارم...
التفت الجميع في لحظة واحدة،إنحنت رابيا عليها تحاول حملهل جسدها ترنح بين يديها، عيناها زائغتان، والهواء لم يعد يكفي رئتيها.
كذللك أحد ذراعيها به كدمة،ربما منكسر، رأسها مائل بلا مقاومة، وجسدها الصغير أثقل من أن يُحتمل.
صرخت رابيا باسمها، مرة… ومرتين… وصوتها يتهشم مع كل حرف،
تهزها برفقٍ مذعور، كأنها تخشى أن تؤلمها أكثر، وكأنها تخشى في الوقت ذاته ألّا تشعر بها أصلًا،حدثتها برجاء:
افتحي عيونك… عشان خاطري افتحيهم
خرج الرجاء مبحوحًا، لا يشبه صوتها.
اقتربت والدة رانيا، جلست على الدرج، تضرب على صدرها وهي تصرخ باسم حفيدتها،إلتف بعض الجيران كدائرةٍ خانقة، كلمات مبعثرة، أحدهم يطلب الإسعاف، وآخر يردد الشهادة،
وصوت بكاء طفلتها الثاتيى اخترق المشهد كسكين... رفعت رابيا وجه الطفلة قليلًا، وضعت أذنها على صدرها الصغير،
تبحث عن أي إشارة… أي نبضة… أي حياة... لكن الصمت كان مرعبًا، أقةي من الصُراخ،يبدوا أن صدرها هو من بدأ يختنق، أنفاسها تتلاحق بلا نظام،
وعيناها الزائغتان ترفضان التصديق.. تفوهت بأمومة:
أنا هنا يا حبيبتي… أنا معاكي…
همست بها وكأنها تعاهدها،
لكن يديها كانتا ترتعشان، وقلبها ينهار مع كل ثانية تمر
بل شعرت بالخوف أكثر،
كأن الزمن توقف عند تلك الدرجة من السلم،
وكأن كل حياتها انكمشت في جسدٍ صغيرتها الساكن بين ذراعيها... حملتها ونهضت سريعًا تتوجه نحو تلك السيارة التي كان بها السائق ينتظرها... صعدت للسيارة بأمر للسائق الذي حين رأها تهرول نحوها ترجل من السيارة حدثته بأمر:
إركب وإطلع بينا على مستشفي بسرعة.
فتح لها باب السيارة، ثم توجه نحو المقود، بنفس الوقت كادت والدة رابيا أن تصعد للسيارة، منعتها رابيا بامر قائلة:
خدي بالك من البنت التانيه هديها، وديها لعمتي البيت.
أومأت والدتها وهي تمسك بيد الطفلة الاخري..
بعد وقت قليل بأحد المشافي...
دلفت والدة رابيا اللى تلك الغرفة نظرت الى الفراش التي ترقد عليه الطفلة وجوارها رابيا،إقتربت بلهفه مصطنعة قائلة:
أنا وديت البنت التانية عند بيت عمتك،وقولت أجي أطمن علي دي... خير.
تنهدت رابيا بألم قائلة:
الحمد لله قدر ولطف...واخدة عشر غرز فى جرح فى دماغها غير إيدها اليمن فيها شرخ والدكتور جبسها.
تنهدت والدة رابيا بارتياح وجلست على مقعد قائلة بلا مبالاة:
الحمد لله،العيال وهي صغيره ياما بتوقع وبكره عضمها يلم،كمان الحمد لله الجرح مش فى وشها كان ممكن يسيب علامة ولا ندبة فى فى راسها أهو الشعر هيداريه.
نظرت لها رابيا بإندهاش من قسوة قلبها...لكن تحدثت بغضب:
علامة فى وشها،هو ده اللى فارق معاكِ،وألم البنت،غير لسه لما محسن يعرف،الله أعلم هيقولي إيه.
نظرت لها والدتها بلا مبالاة قائلة:
كفاية خوف من محسن،الموضوع قضاء وقدر،اعملى لنفسك شخصية قدامه،ضعفك ده،هو اللى مخليه مستقوي عليكٌ.
تنهدت رابيا بغضب قائلة:
محسن مش مستقوي عليا،بالعكس أنا اللى زمان غلطت لما قبلت أشاركك فى الفخ اللى حصل.
تعصبت والدتها قائلة:
كفاية تلومي عليا،لو مش الفخ ده كان زمانك زي أختك متجوزة شحات،لو واحدة غيرك كانت عرفت تلعب بمشاعر جوزها،ياما قولتلك إتعلمي من عمتك،ولا من سلفتك التانية.
تهكمت رابيا قائلة:
سلفتي التانيه أهي مريضة والله أعلم هتقوم من المرض،ولا لاء
توقفت رابيا عن الحديث وتوجهت نحو باب الغرفة وكادت تفتحه قائلة بنبرة أمر:
أنا بقول كتر خيرك عالزيارة،السواق بره هخليه..
قطعت رابيا الحديث حين تفاجئت بـ محسن أمامها..
تعلثمت قائلة:
محسن...عرفت منين.
نظر محسن نحو والدة رابيا وتحدث بحِدة:
عرفت من ماما،إتصلت عليا.
توترت والدة رابيا ونهضت قائلة:
صحتي ضعيفة وبلقط المرض بسرعة،الحمد لله إطمنت عالبنت هي اللى شقاوتها زيادة.
نظر لها محسن بسخط حتى إنصرفت..ثم نظر لـ رابيا المتوترة قائلًا:
آخر مره تروحي بالبنات عند مامتك،أنا مش همنعك دول أهلك،لكن بناتي لاء.
إرتبكت رابيا،تشعر برجفة فى قلبها وتملكتها الظنون،أيكون سمع حديثها مع والدتها.
❈-❈-❈
بالمشفى... كانت عهد مُرافقة لـ فرح كعادتها تحاول تتحاشي فاروق، فى ظل وجود والدها.. لكن اليوم ذهب والدها لقضاء بعض الأمور، ولم يعود قبل مجئ فاروق، لكن لم تهتم به،…فيكفي ما تحمله صدرها من ثِقل، لا طاقة لها..
جلست عهد إلى جوار فرح، تُعدل الوسادة خلف رأسها بحرص مبالغ فيه، كأنها تهرب إلى التفاصيل الصغيرة كي لا تلتفت لوجوده... كانت فرح شاحبة أكثر من المعتاد، ابتسامتها واهنة، لكن عينيها ظلتا تلمعان بطمأنينة غريبة أقلقت عهد...
دخل فاروق بخطوات هادئة.. توقف عند باب الغرفة لحظة، ثم تقدم صوته خرج منخفضًا:
عاملة إيه دلوقتي يا فرح.
أجابت فرح بهدوء:
الحمد لله… أحسن.
كذبة بيضاء، أدركها الثلاثة في آنٍ واحد.
عهد لم ترفع عينيها، اكتفت بأن شدت الغطاء على فرح وهمست:
لازم ترتاحي شوية، الدكتور قال كده.
نظر فاروق إلى عهد طويلًا، كأنه يريد أن يقول شيئًا، أن يعتذر أو يشرح، لكن الكلمات خانته. اقترب خطوة، ثم توقف، وعاد الصمت يخيم على الغرفة، صمت ثقيل يحمل خوفًا مكتومًا،لاحظت فرح قلق عهد الزائد
قطعت السكون بصوتها الخافت:
عهد… متقلقيش. كل حاجة بتيجي بميعادها.
التفتت إليها عهد فجأة، وفي عينيها ارتعاشة إنكار:
متقوليش كده… ربنا هيشفيكِ.
ابتسمت فرح ابتسامة صغيرة، بها وداع غير معلن، بينما شد فاروق قبضته دون وعي، إحساسٌ مبهم بالخطر تسلل إلى قلبه، كأنه يقف على حافة فقدٍ يعرفه… لكنه يرفض تصديقه.
جلسا متقابلين هو وعهد
رغم هنالك مسافة قصيرة، لكنها كانت أثقل من جبل على صدرها..
عهد لم تنظر إليه في البداية
عيناها كانتا معلقتين بنقطة وهمية على الجدار،
كأنها تخشى إن التفتت… تنفجر به أمام فرح.
فاروق حاول أن يتكلم،
لكن الكلمات خانته، فابتلعها قبل أن تخرج.
كان يعرف…
يعرف أن الصمت الذي تفرضه عهد ليس هدوءًا، بل حكمًا مؤجلًا.
رفعت عينيها أخيرًا... نظرتها لم تكن غاضبة،كانت أخطر من الغضب… كانت مُحمَّلة بخيبة لا تُغتفر.
لم تقل شيئًا،لكن ملامحها تحدثت نيابة عنها:
أنت كنت عارف... وأخفيت... وإنت السبب فى إن فرح تخبي عليا، أو بمعني أصح لقائتنا القليلة السبب وده كمان إنت السبب فيه.
ضم فاروق يديه معًا، ثم
أنزلهما وضعهمت على ساقيه، كمن يستعد للاعتراف.
كانه يرد عليها بصوت متكسر:
كنت فاكر إني بحمي جوازنا وبحميها… وبحمي نفسي.
ضحكت عهد ضحكة قصيرة بلا صوت،
ارتعشت شفتاها،
وكأن الضحك نفسه استحى من الخروج.
حمايتك قتلتها.
قالتها أخيرًا، بهدوء قاتل.
لا اتهام مباشر، لا صراخ…فقط حقيقة عارية.
انتفض جسده قليلًا،
كأنه شعر بنظراتها أصابته في موضعٍ يعرفه جيدًا... أدار وجهه بعيدًا،
وعيناه لم تحتملان النظر في عينيها أكثر... يتذكر أن فرح هي من كانت رافضة أن تعلم عهد… كانت تظن نفسها قوية…وستتعافي، لكن الجسد بالي.
قالها وكأنه يدافع عن نفسه، أو عن ذنبه..
عاد الصمت هذا الافضل... فالسكوت ليس دائمًا حماية يا فاروق… أحيانًا يكون خيانة.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
تغلب المرض على فرح توغل منها، لدرجة أصبحت تفوق إحتمالها... حتى المُسكنات مجرد وقت قليل، إيمانها بأن النهاية تقترب هو كان المواساة لها، تتحمل وليس على شفتيها سوا بسمة وكلمات حمد لله.. قنوعة كعادتها...
نظرت نحو فاروق لم يهينها يومً، كان يعاملها باحترام، ربما لم تعثر عليه كاملًا كما أرادت، خِصاله كانت واضحة أمامها هو شخص عقلاني يزن كل شئ بالعقل، لا يشرك قلبه؟ لم يكُن جافيًا معها وتحمل فترات مرضها ولم يتذمر من ذلك، إهتمامه بها ليست كما كانت تبغي، لكن هو حاول إحتوائها بقدر كبير، ولقناعتها أن هذا يكفي قلبها الذي أُنهك ليس بائسًا، فهي دائمًا حتي بفترات مرضها مُحاطة بمن يتمنون لها الشفاء، لكن كِثر المحاولات أنزفت طاقتها، وها هي النهاية أوشكت، وسيجد جسدها الراحة.
إزدادت حالتها سوءًا إمتلأت الغرفة بالأطباء... جدل بينهم وآسف مرسوم على وجههم، غيبوبة تامة وقد لا تعود، وبالفعل لم تعود،
بالخارج من خلف ذلك الزجاج تقف عهد بين والديها ينظران للداخل، وجوارهم فاروق، وصدمة كل شيء سكن فى لحظة مثلما سكن جسد فرح... لكن ذهب عقل عهد،حين رأت أحد الأطباء يجذب الغطاء فوق وجه فرح... بنفس اللحظة صرخت ميرفت صرخة مكتومة مكلومة، ضمت توفيق، يبكيان معًا، بينما عهد رفض عقلها ذلك، سريعًا نحو باب الغرفة، فتحته ودخلت بإستهجان، توجهت نحو فرح كشفت وجهها بغضب قائلة برفض:
ليه بتغطوا وشها، هي مكنتش بتحب تغطي وشها كده ممكن تتخنق...
نظر نحوها الأطباء بآسف وهو يُنكس رأسه.. مازال عقلها يرفض، تعصبت قائلة:
إطلعوا بره، كلكم فشلتوا تعالجوها، هي هتخف، أنا هسافر أنا وهي وهتتعالج وتخف..
بنفس اللحظة دلف فاروق الى الغرفه تفوه بألم:
عهد...
نظرت نحوه ثم فاضت بغضب:
كانت بتقولي ما تقلقيش عهد…إزاي، إنت السبب في اللى جرالها، إنت السبب ياريتك ما دخلت حياتها... أنا بكرهك ياريت كان إنت.
ظل صامتًا يتقبل ذلك، حتى أنها توجهت نحوه ورفعت يديها تضربه على صدره بنفس الوقت غادر الأطباء بعدما أنطلق الخبر كطلقة في الصدر.
صمت… ثم فراغ… ثم انهيار.
انهارت عهد، لم تصرخ، لم تعترض، فقط ذابت بين ذراعي فاروق، تبكي كطفلة فقدت ملاذها الوحيد...
كان بكاؤها صامتًا في البداية، ثم تحول إلى نحيبٍ موجع، كأن روحها هي من تُشيّع.
ما إن عادت كلمات الطبيب، تتردد برأسها
حتى توقف الزمن داخل صدرها.
لم تفهمها في البداية…
ظلت تحدق في وجهه، تنتظر أن يُكمل، أن يتراجع، أن يقول إنها محاولة فاشلة للشرح.
لكن الصمت الذي أعقبها كان أبلغ من أي تفسير.
خطت عهد خطوة واحدة إلى الخلف،
ثم انهارت.
لم تستطيع أن تصرخ، لم تعترض،
فقط سقطت الدموع بغزارة، كأنها كانت محبوسة تنتظر الإذن.
ارتعشت شفتاها، وانحنت كتفاها بثقل الفقد،كأن الجسد وحده لم يعد قادرًا على حمل الروح...
في اللحظة التي كادت قدماها تخونانها،
كان فاروق هناك.
مدّ ذراعيه دون كلمة،
احتواها بصمتٍ رجولي يعرف أن الكلام أحيانًا إهانة للحزن.
أسند رأسها إلى صدره،
فانهار السد الأخير.
خرج البكاء دفعة واحدة، حارًا، موجعًا، بلا نظام... ضربت صدره بقبضتيها الصغيرتين، كأنها تلوم القدر من خلاله،
وتمتمت بصوتٍ مكسور:
أنا جيت متأخرة… كان لازم أكون معاها من بدري، كانت هتخف
شدّها إليه أكثر،
ترك لها المساحة لتنهار كما تشاء،
ويده على رأسها لا تهدئ… فقط تؤكد الوجود.
-مش ذنبك يا عهد…
قالها بصوتٍ منخفض، ثابت، لكن عينيه كانتا دامعتين.
اللي راح، راح بإيد ربنا.
هزّت رأسها نفيًا
وبكت أكثر، كأن الكلمات زادت الجرح اتساعًا.
أنفاسها كانت تتكسر على صدره،
والغرفة من حولهما تفرغت من كل شيء
إلا من صوت بكاء واحد
يحمل اسم فرح.
وبين ذراعي فاروق،
لم تكن عهد امرأة قوية كما يعرفونها،
كانت فقط إنسانة فقدت نصف روحها،
واحتاجت صدرًا يثبتهاحتى لا تسقط بالكامل... وهو معها، تركها تفعل ما تشاء حتى كادت تنهار أرضًا، بلا وعي منه جذبها له يتحمل ذلك بل يتحمل ألمان فى قلبه.. إنهيار عهد والأسوء رحيل فرح..
فرح الذي عاش معها بلا مشاعر واضحة لم يكُن ذلك هينًا عليه... كان ومازال يشعر بالذنب نحوها، رغم أنه لم يُعاملها بسوء، لم يحدث بينما سوا خلاف واحد، وكان بسبب عهد، وهي إستطاعت أن تسد تلك الفجوة وتعاملت مع كل منهما على حِدا، خمس سنوات مرت بينهما هادئة ليست باردة كما كان أحيانًا يظن...
بُكاء عهد ورأسها على صدره أفتك بقلبه.. كاد يضمها لكن إستوعب أن ذلك مُحرم... بنفس الوقت ابتعدت عهد
رمقته بنظرة حادة،
أسكتته قبل أن يُكمل....إبتعدت ببطء،
خطواتها ثابتة على عكس ما بداخلها.
وقفت أمامه على بُعد خطوات
هذه المرة عينيها قريبة بما يكفي ليرى الانكسار في فيهما.
قالت بصوت خفيض، لكنه واضح تلومه مباشرةُ بمواجهه وإتهام:
كان من حقي أعرف… من حقها تحارب وإحنا معاها… مش لوحدها.
صمتت للحظة،
ثم أضافت، وكأنها تسلمه ذنبًا لن يغتفر بسهولة:
إنت سرقت منها الحياة.
لم يستطع الرد.
لم يجد جملة تصلح في حضرة هذا الوجع... اكتفى بإغماض عينيه،
وكأن الاعتراف الصامت أقسى من أي دفاع.
استدارت عهد لتغادر،
وقبل أن تصل للباب، توقفت دون أن تلتفت له قائلة بكراهية حادة:
إرتحت كده، أهو إحنا الإتنين هنعيش نتعذب بسببها.
قالت ذلك ثم خرجت،
وتركت خلفها رجلًا
لم يخسر فرح فقط…
بل خسر نظرة الثقة في عيني عهد.
فرح لم تمت فجأة…
فرح انسحبت بهدوء،وكأنها لا تريد إزعاج أحد حتى برحيلها.
❈-❈-❈
باليوم التالي، بمنزل الدباغ كان
العزاء
وجوه شاحبة، كلمات تعزية محفوظة، وأعين تتهرب من النظر في عين عهد.
الكل حضر، إلا فرح.
وحده رحيلها كان سيد المكان.
قطع ذلك دلوف ياسين الى عزاء النساء، توجه مباشرة الى عهد وجلس على ساقيها، رفع يديه الصغيرة، يمسح دموعها ثم وضع رأسه على صدرها... يضمها بيديه الصغيرتان... نظرت له سالت دموعها لكن ضمته بقوة تشعر نحوه بمأساة.
❈-❈-❈
بعد وقت..
بإحد غرف المنزل التي أصطحبت إجلال...عهد لها عاد ياسين للنوم بين ذراعيها.
أنفاسه المنتظمة كانت تواسيها أكثر من ألف كلمة... احتضنته بقوة، كأنها تحتمي به من الفقد، أو تحاول أن تثبت لنفسها أن شيئًا ما ما زال حيًا داخلها...
أغمضت عينيها، وهمست باسم فرح…
ثم تركت الدموع تنساب في صمت.
.... ــــــــــــــــــ
إنتهي العزاء غاب الجميع عدا أصحاب البيت، ومعهم والدي فرح... لاحظ فاروق عدم وجود عهد... لكن
تسأل:
فين ياسين.
أجابته إجلال بأسي:
مع عهد نام فى حضنها... خدتها وهي دلوقتي فى أوضتك القديمة قبل ما تتجوز.
أومأ برأسه.
بعد وقت لم يستطيع فاروق البقاء بشقته وحده... إتخذ القرار، نزل لأسفل توجه الى غرفته القديمة، طرق بخفوت لم يأتيه رد فتح الباب ودخل الى الغرفة …دخل بخطواتٍ مترددة، كأن الغرفة لم تعد تعرفه، أو كأن الذكريات تسبق أنفاسه فتختنق في صدره.
كان الضوء خافتًا، وستائر النافذة نصف مسدلة، وعلى السرير رآى… عهد، متكورة على جانبها، وياسين بين ذراعيها، رأسه الصغير مستقر على صدرها، وأنفاسه الهادئة تصعد وتهبط بانتظام يوجع القلب..
توقف عند الباب، لم يتقدم مباشرةً المشهد كان أصعب من أن يُحتمل؛ امرأة تحتمي بطفل، وطفل لا يعلم أنه صار ملاذًا من حزن أكبر من عمره.!
اقترب ببطء، حتى صار يسمع شهقات مكتومة تكاد تختفي بين أنفاسها.. رأى أثر الدموع على وجنتيها، وشفتيها تتحركان بلا صوت… اسم فرح ما زال عالقًا هناك.
همس، بالكاد يُسمع:
عهد…
لم تُجب فقط شدت ياسين إليها أكثر، كأنها تخشى أن يُنتزع منها هو الآخر.
يشعر بألم قاسي في قلبه…
ألم لا يُحتمل، يضغط على صدره مع كل نفس يزفره...
وقف يتأملها في صمت، لا يعلم إن كانت عهد غافية أم يقِظة، لكنها بدت بعيدة، كأن روحها سُحبت منها وتركت الجسد فقط... ذلك الفراش… كان يومًا ملاذه حين افتقد الأمل في الوصول، حين ضاقت به الطرق ولم يجد سوى هذه الغرفة ليختبئ فيها من خيباته... واليوم، صارت هي من تلجأ إليها، بينما هو يقف غريبًا.
«»
رواية عهد الدباغ الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سعاد محمد سلامة
••••❀
الليل
بئس الليل بئر الهموم وصياد المواجع
كانت تجلس على الفراش خلف نافذة الغرفه، تنظر عبر تلك الفروق بين القطع الخشبية...بالخارج لولا أضواء إنارة عِمدان الشارع لساد ظلام تام توجه بصرها نحو الشارع الخالي،
تتبع خيوط الضوء المرتعشة وهي تنكسر على الإسفلت الصلب،
كأنها تبحث بين الظلال عن شيءٍ تعرفه… أو تهرب من شيءٍ تعرفه أكثر مما ينبغي...
كأن الليل يضغط على صدرها بثقله،
لا قمر يواسي، ولا نجمة تهدي،
فقط صمت طويل يمد يده داخلها وينبش وجع قلبها..جذبت ذلك المئزر حول كتفيها،
لشعورها ببعض البرد يسري فى جسدها رغم أن الطقس خريفي دافئ.. لكن يبدوا أن ذلك من برودة الذكريات حين تُبعث للعقل مرة أخرى،وحين يصبح الفراش شاهدًا على أرق لا ينام... تنفست بعمق،
وكأنها تحاول أن تُقنع قلبها أن الفجر لابُد وأن ياتي حتى وإن طال الليل…حتى وإن كان هذا الليل بئرًا،.. هي تقف على حافته تقاوم السقوط في الأوهام
عشقها السري لـ كنان أصبح يتدفق تتمنى أن يفور ويظهر، تخشى أن يندثر خلف ظلام اليأس …
ظلت عيناها معلقتين بالخارج،
لكن عقلها كان ينساب إلى الداخل، إلى تلك المساحة التي لا يطرقها أحد سواها...
اسمُه يمر في صدرها كهمس محرم،
لا يُقال، ولا يُنكر،
فقط يُحس… ويُؤلم.
-كنان.
لا تنطقه، حتى في وحدتها،
كأن الحروف إن خرجت ستفضحها،
ستوقظ الشوق النائم على حذر،
وتهدم السد الذي شيدته من صبر وكبرياء.
تساءلت:
هل كان ما تشعر به ضعفًا؟
أم أن بعض القلوب خُلقت لتُحب في الخفاء،
لأن العلن لا يليق بكل أنواع العشق؟
مدت يدها إلى الهاتف،
ثم سحبتها سريعًا،
فالرسائل أحيانًا أبواب،
وهي تخشى ما قد يدخل… أو ما قد لا يخرج أبدًا...
عاد الصمت يلتف حولها،
لكن هذه المرة لم يكن خاليًا،
كان ممتلئًا به،
بصورته حين يبتسم دون قصد،
وبصوته حين تسمع صوته.. يعرف الطريق إلى قلبها أكثر منها.
أغمضت عينيها،
وتركت للدمعة حرية السقوط،
دمعة وحيدة، لا تشبه الانكسار،
بل تشبه اعترافًا أخيرًا للنفس..
همست، بالكاد تُسمِع نفسها:
إن كان هذا ذنبًا… فسامحني،
فأنا لم أطلبه، هو فقط… وجدني.
تنهدت تشعر ببؤس تظن أن الحب بالمقامات وهي بالتأكيد لن يراها كفتاة تليق به..
دمعة سالت من عينيها وهي تعود وتتذكر قبل ساعات حين كانت بالعزاء بمنزل الدباغ
[بالعودة]
كانت تجلس بين النساء فى العزاء جوار عمتها رغم عدم إختلاطها بأي أحد من تلك العائلة، لكن منظر والدة "فرح" كذالك شقيقتها حتي إجلال مرسوم الحزن على ملامحهم، شعرت هي الأخري بحزن كبير، توغل لقلبها.. زاد حين دخل ذلك الطفل وألقي بنفسه فى حضن أخت والدته الراحلة التى ضمته بحنان، داخل رأسها لوهلة فكرت هي بحالها، هي أصعب من يتيم الأبوين، رغم انهما أحياء، لكن كل منهما له حياة، وهي خارجها.. غصات تقتل قلبها... دموعها ربما ليست تأثرًا بذلك المشهد أكثر من تأثرها بحالها هي مثل الشريدة، لولا حنان عمتها لكانت ضاعت باكرًا، عمتها رغم بعض خِصالها القاسية، لكن معها لا تنكر أنها حنونة...
شعرت ببعض المرارة فى حلقها،ودت تناول قطعة سكر تُبدل مذاق فمها نهضت ذهبت نحو المطبخ... دلفت كان هنالك بعض الشغالات طلبت من إحداهن كوب مياة ممزوج بالسُكر، بالفعل أعطت لها ذلك، إرتشفت القليل،مازال الكوب به الكثير،ذاقت طعم الإحتياج،لن تترك باقي الكوب ينسكب هباءًا..فكرت بعمتها،هي الأخرى لا تهوى المذاق المُر،أخذته وعادت تتوجه نحو مكان العزاء، سارت بضع خطوات قليلة من المطبخ.. لعدم معرفتها الجيدة بدواخل المنزل دون إنتباه كادت تصتطدم،أو ربما إصتطدمت بالفعل بذلك الذي،هو الآخر يشعر بمرارة فى حلقه..توقف دون أن ينظر الى وجهها الذي شبه إختفي أسفل وشاح رأسها الذي إنسدل منه جزء فجأة على وجهها... تنهد بضجر قائلًا:
إرفعي الطرحة عن وشك وإنتِ ماشيه، عشان تشوفي قدامك، كمان إرجعي المطبخ إعملي لي قهوة سكر زيادة.
اغمضت عينيها كيف تتوه عن صوته المسكون برأسها، كادت ترفع يدها تُزيح وشاح رأسها حتى يراها، وتقول له:
ماذا تظن أنا لست إحد الخادمات.
لكن هو تحرك قليلًا، وهي تنظر نحوه بغصة مع ذلك لم تُبالي وعادت نحو عزاء النساء، عقلها به تردُد ولوم لنفسها:
ليه مرجعتيش المطبخ وعملتي له القهوة،وروحتى له بها يمكن كان شافك،وقولتي له إنك مش خدامة...
وعقلها يذمها:
ولو سألك من تكوني بماذا كنتِ ستُجبين عليه.. أنك اللقيطة التي رأفت عمتها بها... لا داعي لذلك.
[عودة]
على ذلك الصوت القادم من هاتفها تنبهت على حالها، حاولت نفض تلك المشاعر وجذبت هاتفها تبسمت كان اشعار لأحد المواقع الهزلية مقطع أضحك قلبها للحظات لكن في عمق الليل،
بين بئر الهموم وحافة الرجاء،
قررت أن تنتظر الفجر،لا لأنه وعد بالخلاص،بل لأنه الشاهد الوحيد
على قلب بريئة أحبت بصمت…والى الآن لم تندم.
❈-❈-❈
بمنزل الدباغ
لحظات أو دقائق
ظل فاروق واقفًا على عتبة الغرفة ينظر بآسي، سواء لـ عهد، كذالك لـ طفله الذي إتخذ من صدر عهد ملاذًا ربما يشعر أن بها من رائحة والدته... رغم إبتعادها عن حياتهم لكن يعلم أنها كانت تُدلله كثيرًا، تأتي له بألعاب، لم تكُن فرح تُخبره بذلك قصدًا حتى لا تُثير تحفُظه نحوها لكن طفله كان ببراءة طفولة يُخبره.. تنهد فاروق بعمق، كأن الزفرة تحمل ما عجز صدره عن احتماله... خطا خطوة للداخل ثم توقف، يخشى أن يوقظ الطفل أو يبعثر تلك السكينة الهشة التي احتمت بها عهد، واحتضنه هو دون أن تدري...
كانت عيناها مغمضتين، ظنها نائمة أو هكذا خُيّل له، بينما ياسين مستكين فوق صدرها، أنفاسه الصغيرة تتناغم مع نبض قلبها، وكأن قلبها خُلق ليطمئنه لا ليعاتبه.
شعر بوخز حاد في صدره… غِيرة... أم امتنان.. أم خوف.. من أن يعتاد ابنه هذا الدفء فيطلبه دومًا..
تقدم نصف خطوة، مد يده ثم أسقطها في الفراغ...
همس داخله:
حتى وأنتِ مش مامته… بس حاسس ناحيتك بأمان.
حاول كتم نفسه.. يلوم نفسه على ما يفعله لا يحق له التسلُل هكذا بلاإستئذان يرتكب خطأ جسيم، بل حُرمانية...لا يحق له إختلاس النظر إليها... سريعًا عاد للخلف ينسحب ببطء، كما ينسحب من مشهد لا يملك حق التدخل فيه، وأغلق الباب خلفه بهدوء، تاركًا خلفه لحظات لم يعرف إن كانت دقائق رحمة… أم بداية وجعٍ جديد....
ذهب الى حديقة المنزل الساكنة بعد ساعات من الازدحام... جلس على أحد المقاعد، رفع وجهه للسماء ولتلك النجوم المُتراصة بلا قمر.. فاض قلبه أخيرًا وترك العنان لدموع عيناه تنساب بروية، يتنهد متألمً لفُراق فرح
تنهد متألمًا يزفر نفسه مع نُطقه لإسم
"فرح"
كم يشعر بالفُقدان... يعلم أن حياته معها بُنيت من البداية على التعود..
مودة ورحمة في ظل غياب العاطفة أحيانًا كثيرة... …تمنى بل وحاول كثيرًا أن يُحبها كما يليق باسمها، أن يمنحها من قلبه أكثر مما منحته له الأيام قسرًا...
لكن بعض القلوب لا تُجيد الاشتعال، بل تكتفي بالدفء، حتى تكتشف متأخرة أن الدفء نفسه كان حياة...
أطرق رأسه، ومسح دموعه بكفٍ مرتجفة، كأن اللمسة تُعيد إليه ملامحها؛ صوتها الخافت، ضحكتها التي لا تطلب شيئًا، صبرها الذي لم يكن شكوى يومًا.
همس في ظلمة الحديقة:
سامحيني… ما عرفتش قيمتك إلا لما غبتي.
ارتجف صدره بزفرةٍ مبحوحة، وشعر أن الفقد لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلل على مهل… في الأماكن، في الصمت، في النجوم التي لم تعد تشبه نفسها.
رفع بصره مجددًا للسماء الخالية، وأدرك أن غياب القمر لا يعني الظلام… لكن بعض الغيابات لا يُعوضها نور.
❈-❈-❈
بعد مرور حوالي أسبوعين
بأحد المشافي ، كانت رابيا تجلس جوار محسن على المقعد البلاستيكي البارد، بينما الصغيرة تجلس أمامهما تلوح بيدها بعد أن تحررت أخيرًا من جبيرة يدها، تفتح وتغلق أصابعها بدهشةٍ ومرح طفولي.
ابتسم الطبيب وهو يُنهي تعليماته الأخيرة:
كده تمام… بس نخلي بالنا شوية، مفيش لعب عنيف كام أسبوع.
هز محسن رأسه شاكرًا، بينما انحنت رابيا نحو ابنتها تُعدّل كم فستانها وتقول بحنان:
حاسة بإيه دلوقتي.
ابتسمت الصغيرة قائلة:
حاسه إيدي رجعت خفيفة يا ماما.. كمان هعرف ألعب تاني من غير ما أحس إن إيدي تقيلة.
قالتها بضحكةٍ عريضة، فتنفست رابيا براحةٍ أخيرًا، كأن ثِقلًا انزاح عن صدرها.
اقتربت ابنتهما الأخرى منهما، تمسك بحقيبتها الصغيرة، نظراتها تراقب أختها بشيءٍ من الغيرة البريئة، فمد محسن يدها وربت على كتفها بحنان.
تبسمت قائلة:
بابا من زمان متفسحناش ولا خرجنا من البيت غير عالمدرسة والحضانة، أنا عاوزه نتفسح مع بعضنا، زي أصحابي ما بيقولوا أنهم بيخرجوا مع ماماتهم وباباتهم ويروحوا المول ويشتروا لعب وياكلوا فى المطعم.. من يوم وفاة طنط فرح والبيت زعلان... وإحنا كمان.. عاوزين نخرج يا بابا، إن شاله بس نتغدى بره.
شعر محسن بوخزة فى قلبه حقًا الحُزن سيطر على المنزل بمن فيه،لكن ما ذنب طفلتيه أن يتحملن ذلك وهن مازلن صغارًا..نظر محسن نحو رابيا التي
تبادلت معه نظرة صامتة، ثم قالت رابيا بنبرةٍ تحاول أن تكون خفيفة...رغم تردُدها:
إيه رأيك نطلع نتمشى شوية… نغير جو بعد المستشفى.
ابتسم محسن موافقًا:
فكرة حلوة… تستاهلوا تتبسطوا النهارده.
قفزت الطفلتان بفرح، إحداهما تلوح بيدها الحرة، والأخرى تمسك بيد أبيها، بينما خرجوا من المشفى بخطواتٍ أهدأ…
كأنهم، ولو لساعات قليلة، قرروا أن يتركوا الحزن خلفهم ويمنحوا اليوم فرصة لأن يكون أخف.
بمجرد خروجهم إلى باحة المشفى، اصطدمت وجوههم بحرارة الشمس الدافئة فغمزت الصغيرة بعينيها وضحكت:
الشمس وحشتني.
جذبت رابيا يد ابنتها برفق، وكأنها تخشى أن ينكسر هذا الاطمئنان فجأة، بينما قال محسن وهو يشير نحو سيارته:
نروح المول ونتغدى فى المطعم.
قفزت الطفلتان في آنٍ واحد:
وقالت إحداهن كمان نجيب آيس كريم.
ضحكة محسن خرجت صافية على غير عادته، أما رابيا فاكتفت بابتسامةٍ هادئة، لكن عينيها كانتا تراقبان الصغيرة التي نزعت الجبس… كل حركةٍ منها كانت اختبارًا جديدًا لقلب أمٍ لم يهدأ خوفه بعد.
في الطريق، جلست الطفلة الكبرى بجوار النافذة، تراقب الشارع بعينين فضوليتين، بينما راحت الصغرى تحرك أصابعها باستمرار، كأنها تتأكد في كل مرة أن يدها عادت لها فعلًا.
-لسه بتوجعك؟
سألت رابيا فجأة عندما لاحظت فردها وغلقها لأصابع يدها
هزت الصغيرة رأسها بنفي:
لأ… بس خايفة تنكسر تاني.
توقف محسن عند الإشارة، نظر إليهما من المرآة وقال بنبرة مطمئنة:
طول ما إنتِ مش بتتشاقي ولا تضغطي عليها مش هيحصل لها حاجة.
سكنت الكلمات قلب رابيا قليلًا، لكنها تعلم أن الخوف لا يرحل بسهولة… هو فقط يهدأ حين يُحاط بالحب.
عند احد مراكز التسوق، ترجلوا من السيارة، والنسيم الخفيف يعبث بملابسهم. مشت الطفلتان أمامهما، إحداهما تركض بحذر، والأخرى تضحك وتلحق بها، بينما وقف محسن بجوار رابيا للحظة.. قائلًا:
الحمد لله.
قالها بهدوء.
أومأت رابيا:
الحمد لله… بس يا رب يكملها على خير ومتتشقاش تاني.
تابعا السير خلف طفلتيهما، خطواتهما بطيئة، وقلوبهما معلقة بتلك الضحكات الصغيرة البريئة…
ضحكاتٍ بدت لهما وكأنها وعدًا مؤقت بأن الأيام، رغم قسوتها، ما زالت قادرة على منحهم لحظات خفيفة...
وبينما كانتا الطفلتان منشغلتين بالضحك والركض قرب زجاج مقدمات المحلات ، توقف محسن فجأة، دون قصدٍ واضح، فاستدارت رابيا نحوه في اللحظة نفسها...
التقت عيونهما...
توتر خفيف مر بينهما، صامت لكنه محسوس، كأن الهواء نفسه صار أثقل.
رابيا كانت أول من أبعد نظره، تظاهرت بتعديل حجابها، بينما شد محسن يده داخل جيبه وكأنه يبحث عن شيءٍ يهرب به من هذا الإحساس...
لم يكن في النظرة عتاب صريح، ولا قرب كامل… فقط ارتباك قديم لم يحسم...
ذكريات لم تُمحى، ومسافات فرضتها عليهما مشاعر غائبة رغم القرب...
تحدث محسن بصوتٍ منخفض، محاولًا كسر الصمت:
البنات مبسوطين.
هزت رابيا رأسها سريعًا:
أيوه… وده أهم حاجة.
عاد الصمت من جديد، لكنه لم يكن مريحًا...
كانت رابيا تشعر بدقات قلبها أعلى من اللازم، تتساءل في داخلها لماذا تهتز بهذا الشكل كلما التقت عيناها بعينيه، رغم أنها أقنعت نفسها طويلًا أن كل شيء صار عاديًا...
أما محسن، فابتلع كلمات كثيرة، وبقيت عيناه تلاحقها حين ابتعدت خطوة، مدركًا أن بينهما حديثًا مؤجلًا…
حديثًا يهربان منه كلما تلاقى النظر، وكأن المواجهة أخطر من الصمت...
اقتربت إحدى الطفلتين منهما وهي تمسك بأحد المُثلجات التي بدأت تذوب بين أصابعها قائلة:
بابا… ماما… بصوا.
انحنت رابيا سريعًا، تخرج محرمة ورقية من حقيبتها تمسح لابنتها يدها ب كأنها وجدت في الحركة طوق نجاة يُبعدها عن ذلك التوتر، بينما ابتسم محسن وهو يناولها منديلًا آخر دون أن ينظر مباشرةً إليها...
تلامست أصابعهما لثانيةٍ عابرة… ثانية كانت كفيلة بأن تُربكهما من جديد...
سحبت رابيا يدها بسرعة، وتمتمت بهدوء: شكرًا.
أومأ محسن فقط، ثم أشاح بوجهه نحو البنات قائلًا بتحذير:
خلي بالكوا… اللعب هنا بهدوء.
ابتعدتا قليلًا، وعاد الصمت بينهما، لكن هذه المرة كان أعمق.
قالت رابيا بعد تردد:
محسن…
ثم سكتت.
التفت إليها فورًا قائلًا:
نعم.
ابتلعت ريقها، وتراجعت،كأنها تخشي الحديث:
ولا حاجة.
لم يضغط عليها، لكنه شعر أن قلبه لوهلة انقبض...
كان يعلم أن بينهما كلمات معلقة، وأن هذا التوتر ليس وليد اللحظة، بل نتيجة أشياء كثيرة دُفنت تحت روتين الأيام وإستمرار زواجهم.. تحت مسمى "علشان العيال".
جلسا على المقعد الخشبي، ولا يوجد بينهما مسافة تقريبًا سنتيمترات لكنها بدت أوسع من الفضاء أمامهما...
راقبا ابنتيهما، ضحكاتهما تختلط بصوت متناغم، بينما كانت عين محسن تنزلق أحيانًا نحو رابيا، ثم تعود هاربة...
وفي داخل كلٍ منهما سؤالٌ صامت:
هل هذا الارتباك دليل تعبٍ لم يندمل… أم بقايا شيءٍ لم يعلمان ما هو...
ظل السؤال معلقًا، كما ظلت عيونهما تتحاشى اللقاء،
خوفًا من إجابة قد تغير كل شيء... يكفي هذا اليوم وهما قربين من بعض بعيدًا عن حدود فراش هو فقط ما يجمعهما لدقائق.
❈-❈-❈
بالنادي الإجتماعي
إنتهي نديم من أحد مباريات الاسكواش الذي فار بها تبسم له الخِصم وصافحه قائلًا:
واضح إنك مواظب على الماتشات فكرت هتنشغل فى سفرك وتنسي اللعب.
ابتسم نديم بثقةٍ هادئة وهو يلتقط أنفاسه، ومسح عرقه بالمنشفة قبل أن يُصافحه قائلًا:
السفر بيشغل… بس اللعب ده مُتنفس، صعب أسيبه.
ضحك الخِصم بخفة، وهو يربت على كتفه:
لاء واضح،حتي مستواك أحسن من آخر مرة لعبنا قبل ما تسافر.
أومأ نديم برأسه، وعيناه تسرحان للحظة بعيدًا عن الملعب، كأن عقله لم يكن حاضرًا بالكامل.
يمكن الواحد لما يتلخبط، محتاج حاجة تثبته على الأرض..
التقط مضربه، واتجه نحو مقاعد الاستراحة، بينما داخله شعور غامض يتأرجح بين انتصارٍ سريع وحنين لا يعرف له سببًا، كأن المباراة انتهت… لكن شيئًا آخر لم يبدأ بعد.
في مكانٍ آخر في النادي، كانت الحياة تمضي ببرودٍ مستفز، كأن الفاجعة حدثت في عالمٍ موازٍ لا يخص أحدًا سواها... مازالت تشعر بالحزن يثقل قلبها لوفاة زوجة أخيها الشابة، ذلك الرحيل المفاجئ الذي أيقظ بداخلها خوفًا دفينًا، يهمس بأن الموت ليس بعيدًا كما نُقنع أنفسنا، وأن الحياة قادرة على أن تنقلب في لحظة واحدة، بلا إنذار...
جوارها كانت تسمع ضحكات خافتة، وموسيقى بعيدة تتسلل من أحد الأركان، لكن كل ذلك لم يكن سوى ضجيج بلا معنى...
لا يشغل عقلها، لا يلامس روحها…
لا أحد، ولا شيء، كان له مذاق..فقط تجلس ساكنة، تحدق في نقطةٍ مجهولة أمامها، كأن عينيها تبحثان عن تفسير لما لا يُفسر.
تساءل عقلها بصمت:
كيف يواصل الآخرون حياتهم بهذه السهولة؟ كيف لا يثقلهم الغياب، ولا يُربكهم هذا الإدراك المفاجئ لهشاشتهم.
مرت نادلة جوارها تحمل صينية مليئة بالأكواب، اصطدمت ضحكة عالية بأذنها فارتعش قلبها، ليس انزعاجًا… بل غُربة.
غُربة من لا ينتمي للحظة، ولا يستطيع أن يُجاري هذا العالم المُستعار.
وضعت يدها على حقيبتها بقوة، وكأنها تتشبث بشيء ثابت وسط عالمٍ يتسرب من بين أصابعها، وأدركت أن الحزن لا يطلب عزلة بقدر ما يفرضها...
في تلك اللحظة لم تكن وحيدة فقط…
كانت مُنهكة من قسوة الإحساس...وعقلها يسأل عن سبب ذلك الملل
والجواب... ربما فى تلك النظارة السوداء التي تضعها حول عينيها، كأنها تختبئ من الصخب بهن... حوارات تدور حولها وحديث تُشارك فيه بإقتضاب... لحظات وفكرت أن تنهض وتُغادر ذلك الملل. لكن...
قبل لحظات نهض هو صديقه يسيران بالنادي يتحدثان بأمور وأحاديث شتى... لكن توقف للحظات حين رأي يارا
تجلس قبالة شاب لا يعرف عنه شيء،خفق قلبه يشعر بمشاعر مُختلطة...وإهمها شعور بالغيرة من إبتسامتها لذلك الشاب...تنحنح لزميله ثم بفضول تحدث بسؤال:
مش اللى هناك دي يارا الدباغ.. مين اللى معاها ده مشفتوش هنا قبل ما أسافر...
توقف للحظه وسؤال آخر داخله يخشي اجابة بالتأكيد:
هي إتجوزت.
أجابه زميله بالنفي:
هي فعلًا يارا.. بس لاء متجوزتش اللى أعرفه عنها إتخطبت مرتين وفسخت الخطوبة.. واضح إنها مُتعالية... حتي فى تعاملها مع اللى حواليها.
لوهلة لمعت عيناه بسعادة. لكن زالت حين جلس شخص مقابل لها... لم تُبالي بذلك في البداية، لكن حين رفعت عينيها تلاقت مع نديم الذي يقف قريب منها، لم تهتم له وإدعت عدم رويته وإبتسمت لذلك السمج فى نظرها.. ابتسامتها كانت تؤكد أنها تحاول الهروب...
لكن نديم بفضول منه ترك زميله وتوجه نحوها،…لم تهتم بذلك، أو هكذا أقنعت نفسها.
عدلت من وضع النظارة فوق عينيها، وكأنها تحصن المسافة الأخيرة بينها وبين فضول الآخرين ، بينما اقترب بخطوات ثابته أربك سكونها المُصطنع.
توقف نديم على بُعدٍ قريب، لحظة قصيرة لكنها كانت كفيلة بأن تُربك أنفاسها...
تحدث بصوتٍ هادئ يحمل من التحفُظ أكثر مما يحمل من العفوية:
مساء الخير يا يارا.
لم ترفع رأسها.. ارتشفت رشفة صغيرة من مشروبها، ثم أجابت ببرودٍ محسوب:
مساء النور.
تسلّل صمت هادئ بينهما، صمت يعرفه كلاهما جيدًا، صمت الامتحانات غير المُعلنة...
نظر نديم إلى الشاب الجالس قبالتها، ثم عاد ببصره إليها، محاولًا أن يقرأ ما خلف تلك الابتسامة المتكلفة.
إتبسطت لما شوفتك في النادي النهاردة، قولت أجي أسلم.
أومأت دون تعليق، كأن وجوده طارئ لا يستحق الوقوف عنده...
لكن داخلها كان شيءٌ آخر يحدث؛ نبض متسارع، ضيق خفيف في الصدر، وتلك الرغبة العنيدة في الهروب… لا منه، بل من نفسها...
نهض الشاب المقابل لها معتذرًا بلطف، تاركًا المقعد فارغًا بينهما، فبدا الفراغ أوسع من مجرد مقعد.
تحدث نديم وهو يشير إلى المقعد يود الجلوس:
ممكن.
ترددت لحظة، ثم أجابت بنبرةٍ مقتضبة:
اتفضل.
جلس، وتلاقى نظرهما أخيرًا دون وسائط.
في تلك اللحظة أدرك كلاهما أن هذا اللقاء لم يكن مصادفة،وأن الملل الذي كانت تشعر به…كان اسمه "نديم".
❈-❈-❈
مساءًٍا
بمنزل الدباغ كان المنزل هادئ،
بغرفة الضيوف...
كانت أم صبري تجلس جوارها،تحمل فنجان الشاي بين يديها لم يمس بعد، وعيناها تدوران في المكان وكأنها تُرتب الحديث قبل أن تنطقه... بمواساة:
أمال فين فاروق من يوم عزا مراته مشوفتوش.. هو متأثر أوي كده، بصراحة يحق له دي كانت الله يرحمها زي النسمة كده، متغلاش على اللى خلقها.
تنحنحت إجلال وقالت بنبرةٍ مترددة:
فعلًا فاروق متأثر أوي يا أم صبري… أنا من وقت وفاة فرح وأنا شايفة بعيني، فاروق زي تايه… والحيران كمان إبنه عند حماته... حاسه انه متردد وعاوزه يتربى هنا بس خايف على مشاعر أمها وأبوها... لسه الجرح فى أوله، ويمكن اللى مصبر قلبهم هو ياسين.
هزت أم صبري رأسها بتفهم قائلة:
ربنا يعوضهم… فقد الضنا والأهل موجودين وجع كبير.
سادت لحظة صمت، ثم تحدثت إم صبري بإستخبار:
وعهد أختها عامله إيه هي كمان.
أجابتها إجلال بصوتٍ منخفض: وعهد… البنت شايلة حمل مش حملها، والولد متعلق بيها بشكل يخوف.
رفعت أم صبري حاجبيها، نظرة فاحصة: قصدك إيه يا إجلال.
تنفست إجلال بعمق، كأنها تحسم أمرًا في داخلها:
ياسين متعلق بيها أوي.
فكرت أم صبري للحظات قائلة:
الخاله والدة... إيه رأيك.
لم تفهم إجلال نظرت لها بأستفهام فأكدت أم صبري:
قصدي… جواز.
شهقت اجلال بخفة قائلة بإستيعاب: جواز..مين!
قصدك جواز فاروق وعهد.
- أيوه.
قالتهاأم صبري بثباتٍ مفاجئ.
وده مش طمع ولا استعجال… بس شايفة إن الاتنين مكسورين، وكل واحد فيهم محتاج سند.
مالت اجلال للأمام قائلة باعتراض: والناس.. والكلام.
ابتسمت أم صبري بمرارة قائلة:
الناس مش هتسكت سواء عملنا ولا ما عملناش… بس عشان خاطر الولد
وسكتت لحظة قبل أن تُكمل:
ياسين لسه صغير محتاج لأم، مش بس حد يشيله وقت النوم...يحطه عالسرير.
تأمّلت اجلال الفكرة، عيناها زاغتا قليلًا، ثم قالت:
عهد بنت أصل… وصبورة. بس هل فاروق مستعد.
وقلبها يعلم بل على يقين أن فاروق مازال يحمل مشاعر خاصة لـ عهد لكن الخوف من رد عهد نفسهل.
أجابت أم صبري بهدوءٍ حاسم:
ومش شرط ينسى… الجواز مش خيانة للي فات... يمكن يكون ستر للحي ورحمة للميت.
ساد الصمت من جديد، لكنه لم يكن فارغًا هذه المرة،
كان مليئًا باحتمالات مُتعددة…
قد يُنقذ بيتًا، أو يفتح بابًا لوجعٍ جديد.
وضعت اجلال فنجان الشاي أخيرًا على الطاولة، وكأنها بذلك تحسم ترددها: الكلام ده كبير يا ام صبري… ويتعمل له ألف حساب.
أومأت ام صبري:
عارفة… عشان كده بكلمك إنتِ.
ثم خفّضت صوتها:
عهد مش أي بنت، ولو دخلت حياة فاروق، هتدخلها بقلبها كله.
تنهدت اجلال قائلة:
وأنا خايفة عليها…
الناس هتقول إنها خطفت مكان أختها وإنها استغلت موتها.
اشتدت ملامح أم صبري قائلة:
ظلم ليه… وعهد عمرها ما فكرت كده.
ثم أضافت بحزن:
ياسين ابن أختها وهي الأحق ىتربيته
سكتت أم صبري قليلًا، ثم تسألت:
طيب وفاروق تفتكري رد فعله إيه.. يعني لو.. لو يعني حس إن الموضوع ضغط… ممكن يقفل على نفسه أكتر.
ابتسمت إجلال ابتسامة خفيفة تعلم أن ربما أمنية فاروق الوحيدة هي... عهد.
مالت أم صبري برأسها قائلة باستفسار:
هتتكلمي مع مين الأول
مع عهد... ولا فاروق
تفوهت إجلال دون تردد.
لازم نسمع منها… يمكن هي أصلًا مش قادرة تكمل كده.
تنهدت أم صبري بعمق:
ربنا يستر.
ثم أضافت:
لو حصل، لازم يتم بهدوء… من غير ما حد يحس إن في استعجال.
أغلقت إجلال الموضوع بنبرةٍ قاطعة: اللي فيه الخير هيكمله ربنا.
وفي الخارج، كان الليل ينسدل ببطء،
وكأن البيوت القديمة تعرف أن بعض الاقتراحات…لا تُقال عبثًا،
وأن كلمة جواز أحيانًا لا تعني بداية حب،
بل محاولة أخيرة لإنقاذ ما تبقى من روحٍ مكسورة.
❈-❈-❈
بشقة توفيق، إستقبل فاروق بترحاب حزين... جلسا معًا لبعض الوقت القليل..يم تنحنح فاروق طالبً:
ياسين فين.
أجابته ميرفت بصوت حزين:
مع عهد فى أوضتها،إنت مش غريب يا فاروق..الأوضة تاني أوضه عاليمين
نهض فاروق يشعر بالحرج، لكن توجه الى الغرفه وقف قليلًا...
تنفس بعمق أثقل صدره، وكأن الزفير محاولة يائسة لتخفيف ثِقلٍ لا يُحتمل... كان باب الغرفة مفتوح مع ذلك ذوقيًا قام بالطرق على باب الغرفة...
كانت عهد تضم إليها بحنان صامت، وهما يجلسان أرضًا يدها تمر فوق خصلات شعره في إيقاع مألوف، يشبه ذلك الذي كانت تفعله فرح يومًا… الفارق أن عهد تفعلها الآن بدافع الرحمة، لا الذكريات... وياسين
يتحرك قليلًا، يتشبث بثوبها أكثر، كأنه يخشى أن يُنتزع من هذا الدفء فجأة، فارتجف قلب فاروق.
أوجعه أن يرى ابنه يبحث عن أمه في صدر امرأةٍ أخرى، وأوجعه أكثر أن يعلم أن الذنب ليس ذنب الصغير.
اقترب خطوة، ثم توقف.
العتبة بدت له كخط فاصل بين ماضي لا يُمحى بسهولة، وحاضرٍ مُربك لا يعرف كيف يتعامل معه..
نظر إلى عهد، فوجد في عينيها تعبًا يشبه تعبه، ووجعًا لا تقل حدته عن وجعه، رغم أنها ليست الخاسرة الأكبر.
بنفس اللحظة
- سامحني…
همسها داخله، لا يعرف لمن تحديدًا؛ لـ فرح الغائبة، أم لعهد الحاضرة، أم لطفل لم يفهم بعد لماذا أصبح الحنان نادرًا.. ظ
أدار وجهه ببطء، وخطواته تقترب بهدوءٍ مُربك، تاركًا الباب مواربًا…
كأنّه يخشى إن أغلقه أن يُغلق معه ما تبقى من صبره.
بينما عهد كانت تجلس تضم ياسين قلبها مسفوح... أيام مضت لكن مازال كل همسه وكلمة من فرح تترد بعقلها...لم تستوعب بعد قسوة الفُراق،وذلك الصغير الذي يتشبث بها معظم الوقت لا تفهم مشاعره الصغيرة،حقًا كان يفعل معها ذلك كثيرًا قبل وفاة فرح لكن كانت تعتقد أن ذلك مُزاحً منه لتدليلها له وقتها..لكن اليوم..مشاعر أخرى تشعر بها منه،هو يخشي أن تبتعد عنه هي الأخري،وعقلها لا يتحمل أن تكون بديلًا ..
…لكن نفضت ذلك التفكير سريعًا، كمن يُبعد عن صدره سكينًا حادة قبل أن تغوص أكثر...
جذبت ياسين إلى قلبها بحنان غريزي، لا وعد فيه ولا ادِعاء، فقط دفء اللحظة..
مررت يدها على شعره الصغير، وهمست باسمه كأنها تُطمئنه وتُطمئن نفسها معه...
تعلم أن القلوب الصغيرة لا تُجيد التعبير، لكنها تُجيد التعلُق حين تخاف، وياسين كان يخاف… يخاف أن يفقد مرةً أخرى، دون أن يفهم معنى الفقد..
أغمضت عهد عينيها، حاولت أن تُسكت صدى صوت فرح في رأسها، تلك الضحكة، تلك الوصايا العابرة التي لم تُؤخذ يومًا بجدية...
الآن فقط أدركت أن الغياب لا يترك فراغًا وحسب، بل يترك مسؤولية ثقيلة على من تبقى...
فتحت عينيها، وزفرت ببطء، تقنع نفسها أنها ليست بديلًا، ولن تكون.
هي فقط امرأة تُمسك بيد طفل خائف…
وذلك، وحده، كافٍ لأن يوجع القلب.
بنفس الوقت سمعت نَحنحة فاروق عند عتبة الغرفة، فرفعت رأسها على الفور.
وحين التقت عيناها بعينيه… تبدلت نظرتها دون أن تشعر؛
لم تكن تلك النظرة المعتادة، لا حياد فيها ولا تحفُظ، بل شيء أقرب للارتباك، وربما للخذلان المكبوت...
تشنج جسدها قليلًا، بينما ازداد تشبث ياسين بها كأنه شعر بتغير الهواء من حولهما..
تحدث فاروق بصوتٍ منخفض، متردّد:
آسف… ما كنتش عايز أضايقكم.
هزّت رأسها نفيًا بسرعة، وأعادت بصرها إلى ياسين للحظة، ثم رفعت عينيها إليه من جديد.
مفيش إزعاج…ياسين بيلعب عالأيباد.
سادت لحظة صمت ثقيل، محمل بكل ما لا يُقال...
لاحظت عهد في عينيه شيئًا لم تره من قبل…لا تعلم إن كان انكسارًا صريحًا، أم قناع..
بلحظة تبدلت نظرتها مرةً أخرى، من توتر إلى شفقةٍ خائفة، كأنها تخشى أن ترى فيه ما لا تملك القدرة على تحمُله.
في تلك اللحظة، أدرك كلاهما أن الفقد لا يترك مساحات آمنة…
وأن النظرات أحيانًا تقول ما تعجز عنه الكلمات...
هي... تخشي أن يسلب منها ذلك الصغير الذي يهون عليها فاجعة فُراق فرح
وهو… شعر بثقل اللحظة يجثم على صدره، كأن كل كلمة لم تُقال، وكل دمعة لم تُذرف، تكاثفت في نظرة واحدة من عهد...
لم يكن يعرف إن كان هذا القلق الذي يراه في عينيها موجهًا إليه، أم لقدر لا يرأف بقلبه.
رواية عهد الدباغ الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد سلامة
نظرات العيون أحيانًا ما تفضح صاحبها، وأحيانًا أخرى
تكون أصدق كذبة نحتمي بها…
تُخفي خلف بريقها ما لا نملك شجاعة البوح به،فتبدو ثابتة، بينما القلب خلفها يرتجف،وتبدو واثقة، بينما الروح تتوسل ألا تُقرأ... فالعيون لا تكذب دائمًا،
لكنها تُجيد الصمت حين يكون الاعتراف أثقل من الاحتمال.
هذا ماحدث بين عهد وفاروق، كانت شاردة لم تنتبه الا حين سمعت نحنحته وجهت نظرها نحوه، نظرات صامته الى أن قطع ذلك الصمت ياسين حين نهض بلهفة طفل قائلًا ببراءة:
بابا.
جلس فاروق على ساقيه يستقبله يضمه بحنان بين يديه عيناه مُنصبة على عهد التى مازالت جالسة أرضًا، لا تعلم لما شعرت بذلك الضيق، كأن وجوده أعاد ترتيب مشاعر كانت قد وضعتها بعناية في ركن بعيد... تعلقت عيناها بالمشهد رغمًا عنها؛ ياسين بين ذراعي فاروق، يبتسم بطمأنينة، بينما يدُه الصغيرة تعبث بياقته، وكأن العالم كله اختُزل في ذلك الحضن...
شيء ما انقبض داخلها… هل خوف..
لا..ولكن ما ذلك الإحساس الغامض،شعورها بأنها تقف دائمًا خطوة خارج الدائرة...
رفع فاروق بصره إليها أخيرًا، نظرة لم تطل، لكنها كانت كافية لتربك ثباتها...
لم يقول شيئًا، لم يسأل، فقط نظر…
وتلك كانت المشكلة دائمًا؛
أن صمته يحمل من المعاني ما لا تحتمله الكلمات..
أشاحت عهد بوجهها قليلًا، وكأنها تصلح وضع جلستها، لكنها في الحقيقة كانت تهرب من عينيه...
قالت لنفسها بصرامة خافتة:
اهدئي… لا شيء يستحق هذا الاضطراب.
أما فاروق، فكان يشعر بذلك الارتباك ذاته، يرى في عينيها انسحابًا مألوفًا، ذلك الحاجز الذي تبنيه دائمًا بينهما
شد ياسين إليه، قبل رأسه بحنان، ثم تحدث بصوت هادئ كأنه موجه إليها لا للطفل:
وحشتني يا بطل أخبارك إيه
نبرته عادية…
لكنها كانت محملة ببعض الأحاديث
احاديث اختارت العيون وحدها أن تقوله،
ثم تصمت..لكنها أيضًا لم تبوح...
ترددت لحظة قبل أن تتحرك، كأن الكلمات البسيطة علقت في قدميها أكثر مما ينبغي...
وضعت كفها على الأرض ونهضت ببطء، تتجنب النظر إليه، بينما كان ياسين قد استقر بهدوء على ساق فاروق، رأسه على صدره كأن النوم باغته فجأة.
اقتربت عهد خطوة، ثم توقفت…
مدت يدها الصغيرة لتعدل خصلات شعر ياسين، ولمست أطراف أصابعها ذراع فاروق دون قصد.
لمسة عابرة… لكنها كانت كافية لتشعل ارتجافة خفيفة في الاثنين...
سحب فاروق ذراعه بهدوء، ليس ابتعادًا، بل خوفًا من أن يفضحه القرب...
قال بصوت أخفض:
ياسين نام.
هزّت رأسها نفيًا، وعيناها معلقتان بوجه الطفل:
لا… بس بيحب يفضل كده... بيعمل كده معايا.
غص قلبيهما معًا على ذلك الصغير الذي يستمد منهما الإحساس..
ساد صمت جديد، لكنه هذه المرة لم يكن ثقيلًا، بل حذرًا… صمت من يخشى أن ينطق فيفسد التوازن الهش...
تحرك فاروق أخيرًا، وقف حاملًا ياسين بحذر، ثم التفت إليها:
خليني أحطه عالسرير.
أومأت، وتراجعت خطوة لتفسح له الطريق، لكن قبل أن يمر، توقفت خطواته فجأة...
لم ينظر إليها مباشرة، قال وكأنه يحدث نفسه:
عهد…
التفتت نحوه سريعًا، قلبها يسبق عقلها، وعيناها ترفعان الحصن الذي بنته منذ لحظات.
لكنه صمت…
ابتلع بقية الجملة، وعدل وضع ياسين بين ذراعيه... لكن فجأة نفض ياسين ذلك الإحساس ونهض من ذلك السُبات الكاذب قائلًا ببراءة:
هي عهد إمتى هتجي تعيش معانا فى بيت جدو محي... هناك عندي ألعاب كتير.. كمان بنات عمي محسن.. هنا أنا ىلعب لوحدي.. وعهد بتعيط وتيتا وجدو توفيق... أنا عاوز ارجع بيت جدو محي.
شعرت عهد بوخز حاد في صدرها، ليس من كلمات ياسين وحدها، بل من بساطتها القاسية… من تلك الحقيقة التي خرجت بلا ترتيب ولا حذر.
شدت أصابعها في طرف ثوبها، تحاول أن تبتلع الانفعال قبل أن يفضحها صوتها وتتعصب
بينما فاروق، فتجمد مكانه.
لم تكن نظراته إليها انتظارًا لإجابة… كانت نظرة رجل أدرك فجأة أن طفلًا قال ما كان يخشاه هو أن يقوله
خفض بصره إلى ياسين، وربت على ظهره بحنانٍ مضطرب،بينما
اقتربت عهد خطوة، هذه المرة دون تردد.
انحنت قليلًا لتكون في مستوى ياسين، ابتسمت له ابتسامة دافئة رغم رعشة قلبها، وقالت بنبرة ناعمة تخفي خلفها كثيرًا من الوجع:
يا روحي… أنا بحبك في أي مكان، بيت جدو محي أو هنا… المهم تكون مبسوط.
رفع ياسين عينيه إليها، تأمل وجهها قليلًا كأنه يحاول فهم شيء أكبر من سنه، ثم تمتم:
بس أنا بحب تكوني معانا فى بيت جدو محي.
توترت عهد قائله بمراوغة:
كفاية لعب كده بقي يلا كفاية عندك حضانه بكره..كفاية غياب كده..عشان متتأخرش عن زمايلك.
فهم فاروق من نبرة صوت عهد أنها تضايقت...شعر بغصة قوية،بينما لوهلة بمشاعر طفل أخفض ياسين رأسه وتمدد على الفراش يُغمض عيناه لكن يبدوا أنه حزين...غص قلب عهد وبنفس اللحظة سالت دموعها...نهضت من معهم وخرجت من الغرفة...تختفي مع دموعها،كم تبغض ذلك الـ فاروق فى هذه اللحظة..تتمنى لو أن كُة ما مضى كابوس وسبنتتهي وتعود للحظة أول لقاء لها معه حين أخرجها من المياة وتنسحب بهدوء...
لكن ليس كابوس بل واقع مرير..
فرح..أين هي لأول مرة تشعر بالصياع لا تعلم ماذا تفعل..بل لا تود فعل شيء..كل شيء فقد حيويته ومذاق العلقم اصبح مُلازمً..
كذالك فاروق ربت على كتف ياسين بحنان...يشعر هو الآخر بتوهان
..لاول مرة يبتعد عن طفله لكل تلك الأيام السابقة...يشعر أنه مُمزق...حياة كانت مُستتبة أصبحت… ولو على حواف الصبر والعِشرة، أصبح يشعر أنه مُمزق.. فجأة حياة رخوة، كأنها فقدت أعمدتها دفعة واحدة...
ظل فاروق جالسًا إلى جوار ياسين، يربت على كتفه بحركات بطيئة، مترددة، كأنه يخشى أن يوقظه من حزنه لا من نومه...
تأمل ملامح طفله الصغيرة، تلك الانكماشة الخفيفة حول فمه، والجفن المطبق بإصرار طفلٍ يحاول التماسك… فشعر بطعنةٍ صامتة في صدره..
همس لنفسه، لا ليسمعه أحد:
سامحني يا ياسين… أنا كمان تايه.
انسحب من الغرفة بهدوء، أغلق الباب خلفه دون صوت، وكأن أي ضجيج قد يفضح هشاشته...
في الردهة، لمح طيف عهد يختفي عند نهاية الممر… دموعها كانت أوضح من أن تُرى، كأن الهواء نفسه كان مشبعًا بها.
توقف مكانه...
ود لو يقترب منها لكن تراجع… ليس لأن قلبه لا يريد، بل لأنه يعرف أن الاقتراب الآن قد يكسر ما تبقى من توازنها...
أما عهد، فاندفعت إلى الداخل، خطواتها غير منتظمة، أنفاسها متلاحقة...
توقفت أخيرًا عند باب الغرفة الخالية، أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، ثم انهارت...
بكت بصمتٍ موجع، كأنها تخجل حتى من دموعها...
رفعت يدها إلى فمها تكتم شهقة أفلتت منها رغما عنها، وهمست بصوتٍ مرتعش:
ليه كده يا رب
ليه كل ما أحاول أبعد… تقربني الحياة غصب
مرت أمام عينيها صور متداخلة…
الماء البارد… يده وهي تنتشلها… نظراته الأولى، حين لم يكن بينهما شيء سوى النجاة...
تمنت لو أن الزمن توقف هناك، عند تلك اللحظة البريئة، قبل أن تتعقد المشاعر، وقبل أن يدخل الفقد بينهما كضيفٍ ثقيل...
لكن الحقيقة صفعتها بقسوة: ليس كابوسًا…
فرح رحلت...
وياسين باقي....
وفاروق…أصبح حاضر أكثر مما تحتمل.
مسحت دموعها بعنف، كأنها تعاقب نفسها على ضعفها، وقالت في سرها بمرارة:
أنا مش قوية… أنا بس متعودة أكمل.
وفي الخارج، وقف فاروق وحده، يسند جبهته إلى الحائط البارد.
أغمض عينيه، زفر بعمق، وشعر لأول مرة أن الرجولة لا تعني الثبات…
بل احتمال التمزق دون أن يراك أحد.
بين غرفةٍ أُغلقت على دموع، وأخرى نام فيها طفل حزين،
وقف فاروق في المنتصف…
لا يعرف أي طريقٍ أقسى،ولا أي صمتٍ أوجع.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
صباحً
نهض كنان من خلف طاولة المطبخ يمسح يديه بمحرمة قائلًا:
الحمد لله شبعت فطار ملوكي.
ضحكت إجلال قائلة:
صحة وهنا، لو كنت صحيت بدري شوية كنت فطرت مع أبوك وإخواتك.
إقترب منها ولوهلة نظر الى خارج المطبخ بترقب ثم عاد ينحني على رأسها... تسألت:
مالك بتتلفت حواليك كده ليه.
تبسم وهو يضع قُبلة على رأسها قائلًا:
بشوف لا الحج محي يشوفني ببوس راسك يدخل يحطني عالجريل... الراجل ده قاسي غيور أوي.
ضحكت اجلال بغصة قائلة:
ربنا يفرح قلبك يا حبيبي.. وبعدين ده باباك مفيش فى حنيته..ودي مش غِيره...دي تملُك...بكره تتجوز وتبقي مش عاوز حد يقرب من مراتك.
ضحك كنان قائلًا:
لا أنا هبقي راجل قلبه لين وهين...تصدقي يا ماما...فاروق ومحسن بيبدلوا فى العربيات وأنا جايب عربييتي الجديدة برضوا قسط حتى بابا رفض يدفع المقدمة المرة دي وإضطريت ابيع القديمة وأدفع من تمنها المقدمة وكام قسط..مش عارف اشمعنا البت يارا النكديه غير لها عربيتها وأنا لاء،دي تفرقة عُنصرية... هو انا مش إبنه... بس لاء دا أنا أكتر واحد قريب الشبه له... أها أنا إزاي مكنتش فاهم.. عشان كده هو بيقلق مني عشان أنا شبهه بس أنا على أوسم طبعًا.
ضحكت اجلال قائلة:
اختشي يا ولا مفيش فى الدنيا أحلى ولا أغلى من الحج محي الدىاغ... ويلا شوف طريقك وربنا يبارك لك فى عربيتك الجديدة ويكفيك شرها.
-آمين... جبتها لونها أحمر دم غزال، عشانك يا غزال... فى يوم هاخدك ونطلع نتفسح سوا من ورا الحج محي.. ولما يسألك خرجتي من ورايا ليه.. قولى له
الحُسين ناداني قومت لبيت الندا يا سي محي.
ضحكت على طريقته الهزليه..صفعته بخفه على كتفه قائلة:
بطل يا واد كلامك ده،الحج محي مش سي السيد.
ضحك قائلًا:
والله ولا يفرق فى معاملته معايا..يلا هسيبك مع إني ما بصدق يصفي لينا الجو بعيد عن غِيرة وتحكمات الحج محي..بس عندي محاضرة..وبعدها هطلع على المصنع أتحنجل للواد محسن يرأف بحالي،ويديني عمولة محترمة أسد بها القسط الأول للعربية الحمرا دم غزال.
ابتسمت له وهو يغادر..عاد الحزن لقلبها مره أخرى وهي تتذكر حال فاروق وطفله المُشتتان كل منهما بمكان بعيد عن الآخر..تتمني أن يجتمعان مرةً أخري هنا بمنزل الدباغ...والحل ليس سهلًا
لا إنسانيًا ولا عادلًا.. تعلم جيدًا أن الأمنيات وحدها لا تصنع حلولًا...
فما تفكر فيه الآن ليس سهلًا...
ليس قرارًا يُتخذ بدافع الشفقة،
ولا تنازلًا يُقدم باسم التضحية.
الحل، إن وُجد،سيُكلف الجميع…
وسيضع إنسانية كل واحد منهم على المحك.
❈-❈-❈
بعد لحظات أثناء قيادة كنان للسيارة بالحارة.. شعر بملل قرر تشغيل المذياع، إنحني قليلًا يقول:
كله بقى باللمس.. حتى التسجيل بتاع العربية، بس العربية دي مختلفة عن العربية القديمة إمكانيات أعلى وحتى لونها فرايحي كده.
رفع رأسه لكل فجأة إرتبك وأوقف السيارة بفرملة بسبب ذلك الطائر الكبير ذو العِرف الأحمر الكبير... …المتدلي منه بعض النتوءات...
ضغط كنان على الفرامل بعصبية، فتوقفت السيارة فجأة، وصدر صوت احتكاكٍ حاد مع الإسفلت، كاد يوقظ الحارة كلها...
اتسعت عيناه وهو يتأمل أمامه غير مصدق قائلًا
يا نهار أبيض.. إيه ده.
كان الطائر واقفًا فوق مقدمة السيارة ضخمًا على غير المعتاد، عرفه الأحمر يتدلى بغرابة، وجسده منتفش كأنه صاحب المكان لا عابر سبيل.
دجاجة… لا، ديك.
ديك رومي أصيل، كأنه ينظر له بتحدي سافر، لا خوف ولا تراجع.
أمسك كنان المقود بقوة، قلبه يدق أسرع من اللازم، ثم زفر وهو يضحك ضحكة متوترة:
ناقص ديك يطلعلي في نص الحارة هو اليوم ده باين من اوله.
ضغط على تنبيه السيارة مرة خفيفة…
لم يتحرك الديك.
مرة أخرى…
-ولا كأنه سمع...
مال كنان بجسده نحو باب السيارة وأخرج رأسه من شباك السيارة، يخاطبه كأنه يفهم:
طب لو سمحت إنزل من عالكبوت يا عم… مش ناقصة، وهجيبلك شوية درة فشار وحرنكش تقزقز فيهم براحتك.
في تلك اللحظة، خرج صوت نسائي من أحد البيوت توقفت تلهث وهي تنظر الى الديك قائلة برجاء:
تعبتني معاك مش شغلانه كل ما تشوف لون أحمر تجري عليه.
رفع كنان حاجبيه بدهشة، نظر للطائر مرة أخرى، فوجده يخطو خطوة بطيئة، متعمدة، ثم أخرى… وذلك يترك بعض الأثار لخدوش فوق صاج السيارة اللامع، كأنها توقيع استفزازي لا أكثر.
كذالك بدأ بنقر الزجاج حقًا الزجاج لم يتأثر من ذلك لكن مخالبه كأن الديك يتعمد الاحتكاك بها بصاج السيارة سمع صوت خربشات، والديك كأنه يتفنن بل يتغنج يسير فوق السيارة كأنها ملكه، ينفش ريشه، ويرفع عرفه الأحمر بتحدي صارخ.، بغضب نظر نحو تلك التي توقفت أمام السيارة تفعل بعض الاصوات البزيئة بنظره كأنها تستجدي ذلك الديك حتي
اشتعل الغضب في عينيه ضغط على المقود وهو يتمتم:
عربية جديدة… ولسه طالعة من المعرض… وأنا واقف أتفرج على ديك بيعمل عليها عرض بالية.
نظر نحو المرأة التي توقفت أمام السيارة تمامًا، تصدر أصواتًا غريبة، بزيئة في نظره،
تصفق مرة، وتصيح مرة أخرى:
هِش… هِش يلا إنزل تعبتني من الجري وراك.
بنفس اللحظه بغضب ضغط كنان على ذر التنبيه تحدثت الفتاة بنهي:
يا ابني ما تزمرش، ده يعند أكتر.
رمقها كنان بنظرة مشدوهة، خليط من الغضب وعدم التصديق وترجل من السيارة بغضب قائلًا:
هو حضرتك شايفة اللي بيحصل ده عادي.
ردت وهي تحاول جذب الديك من ذيله: ده ديك معاند… ولما بيشوف الأحمر بيعصبه.
وفي لحظة عبثية كاملة، توقف الديك عن النقر، استدار ببطء، نظر لكنان نظرة جانبية مستفزة،
ثم نزل أخيرًا عن السيارة، تاركًا خلفه خدوشًا صغيرة… تفوهت الفتاة بلهاث:
لو سمحت حلق معايا قبل ما يطير تاني.
نظر لها مُستفسرًا بسخط:
اأااا أ أيه.
أجابته ببساطة وبرود ظاهر له:
حلق معايا... عشان نمسكه... إيه عمرك ما مسكت ديك رومي قبل كده... إنت متعرفش إن اللون الأحمر بيعصبه... يعني..
نظر لها بتقييم... شعر بنزق من منظرها العشوائي... منامة منزليه فوقها عباءة سوداء مفتوحه من الامام بالكامل، شعرها مرفوع لأعلى يُشبه تلك الآله التى يستخدمونها لتنضيف الحوائط والأرضيات... مننظرها وحده كفيل بأن يجعله يشعر أنه أمام امرأة بفيلم رُعب تقف وسط الحقل مثل...
"خيال المآتة"
هكذا همس بها لنفسه ، بنفس الوقت إقتربت أم صبري بلهاث قائلة:
مسكتي الديك يا "غزال"
-غزال
أعاد قولها كنان بنزق وحُنق قائلًا:
قال غزال قال أهو ده الغش بعينه.
بنفس اللحظة تفوهت غزال:
لاء يا عمتي لسه.
-عمتى
أم صبري عمتها... العينة بيينة...
هكذا يهمس لنفسه، شعر بغضب أكثر بعد ما طار الديك وقف مرة أخرى على مقدمة السيارة... يتفنن بالخربشات وسط تحويط تلك الإثنين على ذلك الطائر العنيد،الذي طار،ولنفس اللحظة بغضب اقترب كنان فسقط بين يديه تفوهت أم صبري:
إوعي يطير منك...يا حلاوة حتى الديوك برضوا شخصيات.
تعصب كنان وهو يقبض على الطائر ونظر لهن بغضب للحظات قبل أن يُفكر وفتح باب السيارة وضع الديك بداخلها ثم نظر اليهن بعد أن إلتمعت أعينهن بظفر، قائلًا:
الديك خلاص إتصادر هعتبره تعويض تلفيات.
قال ذلك وصعد للسيارة قادها وتركهن ينظرن له تفوهت غزال:
ده خد الديك ومشي.
تننهدت أم صبري قائلة:
مش مهم أهو إحنا عارفين طريقه بدل ما كان يطير بعيد.
بينما بالسيارة نظر كنان للديك قائلًا بغضب:
مبسوط كده بجري خيال المآته وعمتها... تمام... خليك بقى قاعد هادي كده وأوعدك أخليهم فى البيت يعملوا عليك حلة ملوخية وصنية بطاطس... هعمل عليك وليمة قصاد خربشات العربية اللى لسه تمنها مبردش.
❈-❈-❈
بالنادي
أنهت يارا المباراة بخفةٍ واثقة، رفعت ذقنها قليلًا وهي تبتسم ابتسامة المنتصر الذي لم يتكلف جهدًا يُذكر...
لم يكن الفوز بسبب مهارةٍ جيدة، بل لأن خصمها تعمد أن ينسحب خطوة بخطوة، يترك لها المساحة لتتوهم التفوق، ويمنح غرورها ما يكفي ليُعميها...
أما هو…
فلم يكن خاسرًا كما بدا...
كان يراقبها من خلف قناع اللامبالاة، عيناه تلتقطان التفاصيل الصغيرة
طريقة وقوفها، نظرتها المتعالية، ذلك الإحساس الدائم بأنها فوق الجميع...
هو ليس لاعبًا محترفًا، يعرف ذلك، ولا يهمه أن يعرفه الآخرون…
فهو صياد، والصياد لا يهمه أن يربح الجولة الأولى، بل أن يرسم الخيط...
انهزم أمام غرورها عن قصد، تركها تظن أنها سحقت ثقته، بينما كان في داخله يبتسم...
الغرض لم يكن المباراة، ولا حتى الفوز...
الغرض كان هي…
الابنة الوحيدة لـ«الدباغ».
تابعها وهي تغادر الملعب، تحيط بها نظرات الإعجاب، وكأن العالم صُمم ليصفق لها فقط...
هز رأسه بخفة، وهمس لنفسه بسخرية هادئة:
أسهل فريسة… اللي فاكرة نفسها مش فريسة.
لكن كم هو غبي.. أو هكذا ظن هي
غرورها جعلها لا تراه سوى مجرد لاعبٍ هاوٍ،رجُل عابر لن يتجاوز اسمه نتيجة مباراة.. ولم تدرك…
أن بعض الهزائم هي أول اعترافٍ غير معلن بأن اللعبة بدأت للتو..
بالفعل… بدأت للتو.
حين تفاجأت يارا بـ نديم يدلف إلى مربع الزجاج بثقةٍ أربكت المكان، خطواته ثابتة ونظرته لا تحمل فضول المتفرج، بل حسم الداخل إلى معركة يعرف سببها جيدًا.
اقترب من المنافس دون استعجال، مدّ يده، انتزع المضرب والطابة في حركة واحدة هادئة لكنها قاطعة، ثم قال بصوتٍ واضح لا يحمل استفزازًا بقدر ما يحمل سيطرة:
كفاية لحد كده… الجولة دي محسوبة.
ساد صمت قصير، نظرات الثلاث تلاقت، والدهشة ارتسمت على وجه يارا قبل غيرها..
التفت نديم إليها أخيرًا، نظرة سريعة، فاحصة، كأنه يضع أول نقطة في معادلة أكبر، ثم أعاد بصره للرجل أمامه وأضاف بنبرة أخفض، أخطر:
اللعبة مش هنا…
واللي أنت بتلعبه مالوش علاقة برياضة.
تصلب الآخر لثانية، ثم تراجع خطوة، ابتسامة جانبية ارتسمت على شفتيه، لا إنكار فيها ولا اعتراض… كأنما اعتُرف به دون أن يُسمى...
أما يارا، فكانت واقفة بينهما، تشعر لأول مرة أن الملعب لم يعد ملعبها،
وأن المباراة التي ظنت أنها انتهت
كانت مجرد مباراة افتتاحية.
❈-❈-❈
بأحد المطاعم الفخمة
كان يجلس يتحدث مع أحد العملاء حول إحد الصفقات... يتحدث بصلابة وعملية، توقف عن الحديث حين وقف النادل يضع بعض الأكواب أمامهم ثم إنصرف، كاد يستكمل حديثه لكن صمت للحظات حين وقع بصره على تلك الجالسة خلف إحد الطاولات... كان يبدوا على ملامحها الحُزن.. دقق النظر لم تكُن جالسه وحدها بل هنالك آخر بالمقابل لها، شعر بضيق غامض يضغط على صدره…
كأن الهواء حوله تبدد لخانق فجأة...
ارتفعت زاوية فمه في شبه ابتسامة مُجمدة وهو يُعيد نظره للعميل، لكن عينيه ما زالت تنسحبان نحوها بلا إرادة...
أبعد نظره سريعًا، التقط كوب الماء أمامه يرفعه لشفتيه يرتشف القليل من المياة، غير مُنتبه لذلك العميل يسأله سؤالًا مباشرًا، لكنه لم يسمع حرفًا... هي
كل ما ينتبه له… يسأل عقله.. من الذي يجلس مقابِلها يتحدث بارتياح أكبر مما يحتمله قلبه...
تنفس بعمق، قال بلهجة جامدة وهو يضبط ربطة عنقه:
نكمّل كلامنا… زي ما قلت لحضرتك العرض هيكون جاهز أول الأسبوع.
لكن حدة نبرته لم تخف ذلك التوتر الغائر… الغيرة الصامتة التي اشتعلت في قلبه بلا استئذان.
ومرة أخرى… غلبه فضوله...
استدار قليلًا، فقط ليختلس نظرة...
كانت تميل بجسدها للأمام كأنها تستمع للآخر باهتمام، وعينيها تلمعان… لمعة حُزن..
قبض أصابعه أسفل الطاولة، يحاول ضبط ذلك الشعور بالضيق..
صدفة … لم يظن أنه سيُختبر بهذا الشكل...
لكن الحقيقة ضربته كصفعة لم يعُد مُحصنًا من الإنجذاب لها مثلما توهم...
رغم أنه يحاول الإنصات للعميل…
عقله، قلبه، وكله صار منصبًا عليها… وعلى السؤال المُر الذي ينهشه:
مين الراجل اللي معاها..
مازالت عيناه مُتسمرة عليها رغم أنها شبة صامته كأنها تُصغي للجالس معها
سريعًا أنهى حديثه مع العميل وإستأذن منه، نهض توجه نحو تلك الطاولة
بينما عهد مازالت تشعر بوجع فُراق أختها الذي مع مرور الأيام يتوغل الحُزن أكثر بقلبها.. لديها فتور ونفور من كل شيء حولها لولا إلحاح ذلك الشخص ما كانت خرجت من تلك الحالة الزاهدة لكل شيء حولها، كل شيء فقد رونقه، حتى هي كأنها فقدت الإحساس، إحساس واحد يضغي عليها وجع ومرارة
الحُزن التي تجعلها تتمنى لو ماتت هي أولًا...
تقبُل ذلك الفُراق صعب، بل صعب للغاية وغصبً عليها أن تتقبله بمرارة... أصبحت لا شيء براسها تُفكر فيه، لا زهوة لأي شيء، كأنها فقدت روحها مع رحيل فرح... تسمع عبارات الموساة من ذاك الشخص لكن بداخلها شرخ عميق... عقلها مازال يحاول إستيعاب ما حدث، مجرد أيام فقط،
ذلك المرض اللعين عاد أخبث وأفتك، بوقت قليل قضي عليها... ليت وليت... والأمنيات ضاعت وضغي عليها ظلام دامس.
بوسط ذلك البؤس المُتمكن من قلبها كان صوت تعرفه جيدًا...
بنفس اللحظة وقف فاروق بالمقابل لها قائلًا بصوت خرج خشن:
مساء الخير.
ظلت عيناه مُتمركزة عليها، بينما هي رفعت عينيها تنظر له، شعور واحد فقط تشعر به نحوه
"الكراهية"
أجل الكراهية تُسيطر عليها نحوه، وشعور ليس بجديد نحوه، نظرة عينيها بها لومً واضح، بل إتهام مباشر...
-لما لم تهتم بها.
والجواب من عينيه:
من قال لكِ ذلك، لا تأخذي بالمظاهر، هنالك حقيقة لا تعلمينها.
أخفضت عينيها لا تريد النظر إليه، بينما الشخص الجالس نظر لـ فاروق بنفور على أنه شخصً متطفل.. زاد ذلك النفور حين تحدث فاروق مره أخرى بنبرة أهدأ:
إزيك يا عهد.
بداخلها تهكمت بسخرية موجعة... ولم ترد...ولم ترفع وجهها بالنظر إليه... غص قلبه من ذلك التجاهل.. زفر نفسه، بنفس الوقت تحدث الجالس ببُغض:
مين حضرتك.
جملة كفيلة جعلته يعلم سبب صمت ونظرات عهد.
-فاروق الدباغ.
تمعن النظر له، هو ذو هيبه واضحة.. ضجر فاروق من صمت عهد، لكن تجرأ وإنحني يقبض بيده فوق مِعصم عهد قائلًا بنبرة شبه جامدة:
عهد ممكن نتكلم شوية.
لولا قبضة يده على مِعصمها لكانت رفضت ذلك، كذالك ضيقها من الشخص الآخر بالفعل نهضت مع فاروق بعدما ودعت الآخر...
لحظات وقف الإثنين أمام سيارة فاروق... جذبت عهد يدها من قبضته بقوة قائلة:
خير عاوز إيه.
أجابها بسؤال:
مين اللى كنتِ قاعدة معاه ده.
أجابته بتعسُف:
وإنت مالك، أقعد مع اللى أي حد أنا حره مكنتش ولي أمري.
قالت ذلك وكادت تبتعد عنه لكنه قبض مره أخري على معصمها قائلًا:
خليني أوصلك.
-لاء... أنا جايه فى تاكسي هطلب أوبر، وفر خدماتك.
إبتلع حديثها تنهد بقوة قائلًا:
عهد من فضلك ممكن نتكلم بهدوء.
-مفيش بينا كلام، اللى كان كل هدفك إنها تبعد عني وتكرهني خلاص...
توقفت تسيل دموعها كأن عقلها مازال يرفض رحيل فرح ، غص قلبه ود لو يحتضنها، بالفعل إقترب وضع يديه فوق عضديها قائلًا:
عهد بلاش عِناد أرجوكِ...
تهكمت عهد وهي تنفض يديه عنها قائلة:
أنا بكرهك يا فاروق ومتأكدة ده شعور متبادل منك إنت كمان.
نظر لها يشعر وكأن الكلمات صفعت روحه قبل وجهه…
لم يتوقع يومًا أن يسمع منها "أنا بكرهك" هكذا صريحة، دون أي تلطيف…
كأنها خيط أخير انقطع بينهما، ومعه انهار شيء داخله لم يعرف وجوده إلا حين فُقد.
تراجع خطوة، ليس خوفًا… لكن محاولة للثبات، لصون ما تبقى من كبريائه أمام انكسارها...
تنفّس ببطء، نظر لوجهها الشاحب وعينيها المتورمتين من البكاء، ورغم حدة صوتها…
رأى خلفها طفلة موجوعة تبحث عن حضن تُلقي وجعها عليه
تحدث بصوت منخفض متحشرج، كأنه يحارب ارتعاشة داخله:
لا… إنتِ غلطانة.
أنا عمري ما كرهتك… ولا هكرهك.
رفعت عينها له لحظة، نظرة مشوشة بين غضب ووجع ...بينما هو يهمس لنفسه بمرارة:
لو تعرفي الحقيقة… يمكن كنتِ هتسامحيني… أو على الأقل هتفهميني.
حاول أن يمد يده كي يمسح دموعها لكن هي تراجعت خطوة، وكأن لمسته حريق لا يُحتمل.
صمت ثقيل للحظات…
شارع يضج بالحياة حولهما بينما هما واقفان كأن العالم كله توقف...لحظات ونفضت يديه وإستدارت تبتعد عنه..
راقبها وهي تستدير لتغادر، خطواتها متعثرة لكنها مُصرة…
كأنها تهرب من شيء داخلها لا منه هو.
وقف هو ثابتًا، لا يلحق بها، لا ينطق اسمها…
فقط يراقب ظهرها يبتعد، وكل خطوة منها كأنها تنتزع جزءًا من قلبه....
لكن شيء فيه تمرد على النهاية…
فتح باب سيارته، استند بكفه فوق السقف وكأنه يوازن قرارًا ثقيلًا... ووعد يقطعه على نفسه
لن تكون تلك آخر مرة يقف فيها أمامها...
ولا آخر كلمة بينهما....
المواجهة بينهما بدأت للتو... ولن ينتظر أن يأتي آخر يخطفها من أمامه مرة أخرى.
❈-❈-❈
بشقة والد عهد… بعد وقتٍ ليس بالقصير.
دلفت عهد بهدوء، أغلقت الباب خلفها دون أن تُصدر صوتًا يُذكر...
تسلل إلى أذنها همس قادم من غرفة الضيوف، لم يعُد لديها فضول، يدفعها للاستطلاع…
فهي لم تعد تملك رفاهية الفضول...
كانت على وشك أن تنحرف بخطواتها نحو غرفة ياسين، عل المكوث معه يخفف قليلًا من قسوة ما يجثم فوق صدرها، أن يمنحها مهربًا بريئًا من كل ما لا تعرف كيف تواجهه...
لكنها توقفت فجأة...
ذلك الصوت…واضح أكثر مما ينبغي همست:
فاروق.
انعقد حاجباها بدهشة خفيفة، وتباطأت خطواتها دون أن تشعر يسأل عقلها:
كيف وصل قبلها هي التي غادرت وتركته أمام ذلك المطعم.
مر خاطر سريع بعقلها، ثم تذكرت الصندوق الصغير الذي في يدها، ضغطت عليه أصابعها لا شعوريًا...
لعبة أطفال… بسيطة، ملونة، اشتراتها لـ ياسين دون تفكير، كأنها كانت تحاول أن تشتري لنفسها لحظة هدوء مؤجلة...
هذا ما آخرها…
هذا ما جعلها تصل بعده... لكن لماذا آتى الآن.
تقدمت خطوة أخرى، لا تزال واقفة في الردهة، تستمع للصوت من بعيد، نبرته هادئة، مألوفة، لكن وجوده هنا، في هذا التوقيت، أربكها على نحو غير متوقع..
زفرت ببطء، وكأنها تستجمع شجاعتها قبل مواجهة لم تخطط لها،
ثم همست لنفسها، وهي تشد على الصندوق أكثر:
شكلي إتأخرت على ما رجعت.
وبقيت مكانها لحظة، معلقة بين الرغبة في الهروب،والإحساس بأن هنالك ما ينتظرها خلف ذلك الممر الصغير
قد لا يقبل التأجيل.. لمعرفته بالفعل ذهبت نحو غرفة الضيوف..
تفاجئت بوالدتها تبكي والدها هو الآخر وجهه مُتجهم وحزين...
نظرت نحو فاروق شعرت بالضيق تحول الى غضب سحيق حين تفوه والدها بأسى:
فاروق جاي عشان ياخد ياسين معاه لبيت الدباغ
رواية عهد الدباغ الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سعاد محمد سلامة
في داخل ردهة بالجامعة
حيث تختلط ضحكات الطلاب بخطوات مسرعة وأحاديث عابرة، كان اللقاء الذي لم تُرتب له الأقدار… من أجل زيادة الوجع بقلب غزال، حين رأت
كنان يقف أمام أحد المدرجات، كتفُه مائل بثقة اعتادها، وعيناه تبحثان عن شيءٍ يعرفه جيدًا...
لم يطول الانتظار... جاءت تلك الفتاة تتهادى بخطوات هادئة، اناقتها مُلفتة... بدايتًا من حقيبتها على كتفها بيدها كتاب، زيها المناسب والأنيق.. وابتسامة صغيرة تسبق ملامحها الجميلة بوضوح.
توقف الزمن لحظة حين تلاقت أعينهما... تفوهت مباشرةً
أستاذ كنان.
قالتها برِقة خفيفة، كأن الاسم خرج منها قبل أن تستأذن قلبها.
- "راندا"…
نطق إسمها بهدوءٍ لم يخفِ اعجابه، الذي حاول عدم إظهاره...
دار بينهما حديث عابر، عن المحاضرات، عن بعض الاستفسارات، عن أشياء لا معنى لها…
لكن العيون كانت تبوح ما لم يحاول اللسان على الاعتراف به.
ضحكة راندا كانت سهلة، قريبة،
كذالك كنان رغم محاولته التماسك مال بجسده نحوها دون وعي، كأن المسافة بينهما خيانة لا تُحتمل.
على بُعد خطوات…
كانت غزال تدلف الى تلك الرُدهة .
توقفت فجأة، كأن الأرض جذبت قدميها قسرًا.. رأت المشهد كاملًا
كنان… وراندا…
القرب، النظرات، ذلك الانسجام الذي لا يُمثل... انقبض قلبها...
ليس غيرة صاخبة… بل حُزن صامت، ثقيل، يشبه انكسار شيءٍ ثمين دون صوت...
كان واقفًا هكذا معها كأنهما حبيبين …
تراجعت خطوة.
ثم أخرى.
لم تبكي..تود أن تصرخ...
تشعر كأن شيئًا في صدرها انطفأ...
شعرت بأنها دخيلة على مشهدٍ لا يخصها،
وأن الجامعة بكل اتساعها ضاقت فجأة حتى صارت ممرًا واحدًا لا مكان لها فيه...
أدارت وجهها تُخفي دمعتها،
ومضت…
بينما ظل كنان يضحك مع راندا،
غير مدرك أن قلبًا كان ينسحب بهدوءٍ من
ويتحسر…ليست المرة الأولى لذلك ،تعيش دون أمل فى ذلك الحب الذي يعذبها فهل هنالك أسوء من الحب من طرف ورؤية الطرف الآخر مُنعدمة..
مضت غزال بخطوات ثابتة ظاهريًا،
لكن قلبها يتعثر ويتكسر مع كل خطوة...
لم تلتفت…
خافت إن التفتت أن يخونها بصرها،
أو أن يُلاحظ أحد زملائها.. فتُفضَح كل تلك القوة المصطنعة التي تُظهرها... خرجت بفناء الجانعة
جلست على أحد المقاعد الحجرية أسفل شجرة عتيقة،
وضعت حقيبتها جوارها، وأسندت ظهرها،
كأنها تطلب من الجدار الصامت أن يحمل عنها ثِقل اللحظة...
ليه مكتوب عليا العذاب ده …
قالتها لنفسها بمرارة.
لماذا صدقت أنني مختلفة؟ لماذا أقنعت قلبي أن له مكانًا؟
في تلك الأثناء،
ضحكة راندا ارتفعت أكثر مما ينبغي…
ضحكة تعرفها غزال جيدًا،
ضحكة امرأة واثقة أنها لم تخسر بعد.
تسللت نغمة الضحك إلى أذن كنان،
فخف صوته فجأة،
وشردت عيناه دون قصد،
كأنه لمح شيئًا.
لاحظت راندا ذلك سألته باستغراب:
مالك.
-ولا حاجة.
قالها سريعًا، لكن قلبه لم يطاوعه...
نظر حوله،
الباحة نفسها، الوجوه ذاتها…
لكن إحساسًا غريبًا تسلل إليه،
إحساس بالفقد دون أن يعرف ما الذي فقده... كأنه رأي ظلًا لتلك الفتاة ثم إختفي... نفض عن رأسه بالتأكيد ذلك مجرد خيال سببه غيظه منها ومن عمتها، فمستحيل أن تكون هنا... يبدوا أنها كما أطلق عليها"خيال المآتة".
بينما على ذلك المقعد،
أغمضت غزال عينيها للحظة،بعدما سمعت تلك الأصوات ونظرت أمامها رأت كنان وتلك الفتاة يسيران بفناء الجامعة منظرهما كم هما يليقان ببعضهما، غاص قلبها فى الحزن
تركت دمعة وحيدة تنفلت سقطت بصمت،
ثم مسحتها سريعًا بظهر يدها، كأنها تُنكر وجودها... ثم أدارت وجهها الناحية الأخري
عدلت من حجابها، رفعت ذقنها،
واستعادت تلك الصلابة التي تعلمتها من الخسارات المتكررة... وفي اللحظة نفسها،
استدار كنان دون سبب واضح،
لم يرا وجهها
لكن رأى ظهرها وهي تبتعد،
رأى تلك الخطوة الحاسمة، لا يعلم سبب لذلك الخفقان
تجمد مكانه للحظات لا يعلم السبب...
-كنان.
قالتها راندا، لكنها لم تعد محور انتباهه.
شيء ما في داخله ينظر نحو تلك الفتاة، دون سبب
كأنها إن غادرت الآن …قد لا تعود.
ما سبب ذلك الشعور الغريب، والغير مفهوم... وبخ نفسه كيف لعقله أن يكون بهذا الخواء، ينظر نحو فتاة تسير بظهرها، ومشاعر غريبة تُشغل عقله... منذ متي وكان مُغفلًا أحمق هكذا.
بينما غزال،كانت تسير للأمام،وقلبها خلفها،تركه هناك…عند أول لقاء علمها أن الوجع قد يأتي بلا استئذان،
ولا يرحل بسهولة... وكم هي ضئيلة مقابل مكانة كنان... سواء الإجتماعية أو حتى العِلمية.. ما تناسبه هي تلك الجميلة ذات المكانة المناسبة.
.... ــــــــــــــــــ...
بعد وقت بالغورية...
ترجلت راندا بتأفُف من تلك السيارة، ثم دلفت الى إحد البِنايات الشبه عصرية.. مجرد بضع درجات سُلم وضعت ذلك المفتاح بمقبض الباب وفتحت دلفت الى تلك الشقة الكبيرة..خلعت نعليها وتركتهما دون إهتمام،ثم سارت للداخل نظرت نحو تلك السيدة الشبة بدينة التي تجلس على آريكة بالردهة،قد لا تظهر ثيابها من كثرة الحُلي الذهبية...رغم ذلك تحدثت بطريقة شعبيه:
إيه آخرك يا راندا،أبوكِ جه من المدبغة وكان مضايق وسأل عنك قولت له عندك محاضرة متأخر.
أجابتها بنزق:
طب ما أنتِ قولتي له الحقيقة،بعدين أنا جاية هلكانه من المحاضرات،وبعدين إشمعنا النهاردة بابا سأل عني.
أجابتها:
هو كان مضايق...باين كان فى مناقصة جلود هو داخل فيها،وخسرها...سمعته كان بيكلم حد عالموبايل وكان متعصب أوي...وقال إن المناقصة رسيت على الحج محي الدباغ زي العادة.
فهمت راندا سبب عصبية والدها
…تنهدت بضجر قائلة:
ده شيء طبيعي، بابا محتاج يتعود إن الحج محي الدباغ دايمًا سابقه بخطوة… بس واضح إن الموضوع المرادي وجعه.
اعتدلت السيدة في جلستها، فاهتزت أساورها الذهبية بصوت خافت، وتحدثت وهي تلوح بيدها:
وجعه بس،،، ده هو مولع من ساعة ما دخل وهو مش طايق نفسه، لا أكل ولا شرب، وقعد يزعق في الكل كإنهم السبب. . أنا خُفت لا يطلع غضبه علينا.
رمقتها راندا بنظرة جانبية، ثم سارت نحو الأريكة المقابلة وجلست متكئة للخلف، زفرت بملل:
الحج محي ده مش بيكسب بمجهوده بس… وِراه حاجات تانية، بابا عارف كده كويس، بس عمره ما بيعترف.
سادت لحظة صمت، قطعتها السيدة بنبرة أخفض، أقرب للدهاء:
بس المرة دي غير… أبوك قالها صريحة "المناقصة دي لو كانت رسيت عليا، كنت قفلت عليه لعبته".
ارتفع حاجبا راندا بفضول مشوب بالحذر:
لعبته.. لعبة إيه.
ابتسمت السيدة ابتسامة غامضة، وهي تعدّل من جلستها:
ما أعرفش التفاصيل، بس واضح إن فيه حاجة كبيرة… حاجة تخليه متعصب بالشكل ده.
سكنت ملامح راندا فجأة، وراحت تحدق في الفراغ، كأن خيطًا خفيًا بدأ يتكون في عقلها. تمتمت بهدوء:
يبقى الصراع لسه ما خلصش… وده معناه إن الأيام الجاية مش هتكون سهلة على حد.
نهضت ببطء، التقطت حقيبتها، وأضافت بنبرة حاسمة:
قولي لبابا إني طالعاله حالًا… شكله محتاج يسمع حد يفهمه، مش حد يزودها عليه.
تحركت نحو الداخل، بينما بقي صدى كلماتها معلقًا في الردهة، ثقيلًا… ينذر بما هو قادم.
❈-❈-❈
بشقة والد عهد
صدمة أذهلت عقل عهد وهي يعود ويتردد بعقلها تلك الجملة
" فاروق جاي عشان ياخد ياسين لـ بيت الدباغ"
كيف ذلك، لن يحدث بالتأكيد مستحيل...
هزت رأسها بعنف، كأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها، وهمست برفض قاطع:
لا… مستحيل. ده ما يحصل.. ياسين هيفضل هنا معايا.
تملك الغضب من فاروق ونهض واقفً يقول بنبرة امتلاك:
ياسين إبني، وأنا عاوز إبني يتربي فى بيتي يا عهد.
نظرت له بغضب قائلة بعصبية ونبرة مُبطنة بالتهديد المباشر :
كمان يبقي إبن أختي يا فاروق ولو بالأحق والأولى يبقي ماما هي اللى لها الحق يبقي معاها.
فهم مغزي حديثها المُبطن...لو بوقت آخر كان إبتسم باستهزاء..
…لكن احتدت ملامحه، وكذلك عيناه، وكأن كلمتها أصابت موضعًا مكشوفًا داخله...
تقدم خطوة واحدة، صوته خرج أخفض، لكنه قوي وقعًا:
متلعبيش على الحتة دي يا عهد… أنا مش داخل معركة عيلة، أنا باخد حقي.
ضحكت ضحكة قصيرة موجعه، خالية من أي مرح، وقالت وهي ترفع ذقنها بثبات:
حقك.
ثم أشارت بيدها نحو الغرفة:
شوف ابنك نايم إزاي… مطمن. ده من حق ماما.. هي صاحبة القرار.
اقتربت منه دون خوف، حتى صارت المسافة بينهما ضئيلة، ونبرتها تحولت إلى همسٍ حاد:
البيت اللي عاوزه يتربى فيه ابنك… أنا مش واثقة فيه.. ولا في اسم الدباغ نفسه.
اشتعلت عيناه، قبض على يده بقوة حتى برزت عروقه، وقال بانفعالٍ مكبوت:
متغلطِيش… بيت الدباغ ده اسمي وسمعتي، ومش أقل من أي بيت.
قاطعته فورًا، صوتها انفجر لأول مرة:
سُمعة؟
ثم أردفت بمرارة:
السُمعة ما حمتش حد قبل كده… ولا الاسم الكبير بيطبطب على طفل لو خاف بالليل.
ساد صمت مشحون، ثقيل كأنه يضغط على الجدران...
فاروق كان ينظر لها وكأنه يراها لأول مرة… ليست المرأة المغرورة التي يعرفها، بل مثل أمًا مستعدة لأن تحترق ولا تُسلم طفلها.
قال أخيرًا بلهجة تحذير:
أنا لغاية دلوقتي محترم العِشرة اللى كانت بينا وقت المرحومة فرح
ومش جاي آخده غصب… بس لو اضطريت، هعمل اللي لازم يتعمل.
ردت دون تردد، وعيناها ثابتتان فيه:
وأنا لو اضطريت… هبقى أقسى مما تتخيل يا فاروق.
إحتدت نظراتهم... لحظات يحدقان فى بعض كل منهم يملُك مشاغر متابينة.. قطع تلك النظرات صوت أنينٍ خافت…من الغرفة المجاورة.. كان أنين ياسين.
في تلك اللحظة، أدرك الاثنان أن الصراع لم يعد بين رجل وامرأة…
قطع ذلك توفيق حين نهض قائلًا:
بتهدئة:
إهدوا لو سمحتوا...
عهد بلاش طريقتك دي، فى النهاية فاروق شخص عزيز، والأقرب لـ ياسين.
كادت عهد أن تعترض لكن قطع ذلك رنين هاتف فاروق...كاد يتجاهل الرد ويتمسك بـأخذ ياسين...لكن تفوه توفيق:
شوف مين بيتصل عليك يا فاروق.
امتثل فاروق وأخرج هاتفه،لكن لم يكن ينوي الرد فقط ليُغلق الرنين..لكن حين قرأ إسم والده،تنهد برتابه ثم قام بالرد...
تحدث محي بسؤال:
إنت فين يا فاروق،تعالي لي المقر فورًا،وإتصل على الغبي التالت آخرة صبري هاتوه هو كمان ضروري.
تنهد فاروق قائلًا:
تمام يا بابا،ساعة بالكتير وأكون عندك.
أغلق فاروق الهاتف ثم نظر نحو عهد المُتحفزة،حاول تهدئة أعصابه قائلًا:
تمام عندي شغل مهم ولازم أمشي دلوقتي..بس الموضوع منتهاش،وياسين مكانه بيت محي الدين الدباغ.
قال ذلك ولم ينتظر رد عهد وتوجه مُغادرًا بخطوات سريعة محسوم القرار فى رأسه لكن لا مانع من بعض الوقت.
بينما نظرت عهد نحوه وهو يغادر باستهزاء وكادت تحدث لولا نظرة والدها الذي إصطحب فاروق الى باب الشقه ثم عاد الى تلك الغرفة..نظر لـ عهد كأنه يؤنبها.. شعرت عهد بالغضب وتحدثت بعصبية:
بتبص لى كده ليه يا بابا أنا مغلطتش، اللى أسمه فاروق ده شخص مُستفز ومعدوم الانسانية، مش بيحس بوجع غيره و...
قاطعتها ميرفت بلوم قائلة:
بالعكس لو كان عمل عكس كده كنت صدقت على كلامك، لكن فاروق شخص محترم... ومن حقه إبنه يتربي فى بييته.
ذُهلت عهد وقبل أن تتحدث... تفوهت ميرفت بألم:
أنا أم وقلبي محروق على فُراق بنتي وحاسة بوجع رهيب بفرتك فى قلبي.. بس مش معني كده إني أبقي أنانية وأصادر حق غيري.
تفوهت عهد بصدمة:
حق غيرك فى إيه يا ماما... ياسين هو ااذكري اللى باقيه من فرح وإحنا الأولى بيها، أنا فى أيام العزا لما كنا في بيت الدباغ، كنت بسمع همس الستات وهما بيقولوا، أنه يا حرام شاب وإترمل، وأكيد مش هيفضل من غير جواز...
-حقه.
كلمها قالتها ميرفت... كذالك أومأ توفيق بتوافق... بينما ذُهلت عهد قائلة بحشرجة صوت:
حقه!
حقه إنه يتجوز... يبقي طالما كده إحنا الأولى بـ ياسين، الله أعلم هيتجوز مين وقتها معاملتها لـ ياسين أكيد هتبقي قاسية... يبقي له نعرضه لكده هو هنا معانا أضمن.
بحرقة قلب تفوهت ميرفت:
ممكن ده يحصل فعلًا...بس كمان فى حل تاني نقدر نحافظ على راحة ياسين وإنه ميتعرضش للأذي.
تفوهت عهد باستفسار:
وإيه هو الحل ده،بس يكون بعيد عن إن فاروق ياخد ياسين.
بمرارة وعلقم فى حلقها فسرت ميرفت:
إنتٍ يا عهد.
لم تفهم عهد وتفوهت بسؤال:
مش فاهمة.
لم تستطع ميرفت التفسير صعب على قلبها كذالك توفيق لكن ضعط على نفسه قائلًا:
إنتِ يا عهد تتجوزي فاروق.
صدمة أفقدتها النُطق للحظات تُعيد ترتيب معني الكلمات برأسها...جحظت عينيها وبصعوبة تفوهت برفض قاطع:.
مستحيل ده يحصل...أنا وفاروق مفيش بينا ذرة قبول أساسًا.
-هو ده الحل الوحيد يا عهد...فاروق مش شخص سيء،زي ما إنتِ دايمًا راسمة عنه الفكرة دي..لو كان شخص جاحد كان إتخلي عن فرح وقت مرضها ومهموش غير نفسه...حتى مصاريف علاجها الكتير،كان سهل يرميها فى المستشفيات وميسألش عنها...حتى باباكِ عرض عليه يساهم فى مصاريف العلاج رفض.
هكذا قالت ميرفت،بينما إعترضت عهد قائلة:
كل دي مش مُبررات يا ماما،أي زوج محترم زوجته مُلزمه منه...أنا مستحيل أوافق اتجوز من فاروق...كمان مستحيل أفرط فى ياسين ولو إضطر الأمر هلجأ للمحاكم...ومع أول حُكم هيبقي ياسين فى حضانة حضرتك..وهو عارف كده كويس.
تفوهت ميرفت برفض:
مستحيل ده يحصل...إحنا بينا وبين فاروق وأهله عِيشرة ومفيش مره زعل أختك لا هو ولا حد من أهله،بالعكس كانوا أهل وأحسن من الأهل كمان،فكري يا عهد كويس بلاش تتسرعي..أنا أكتر واحده قلبها موجوع..وصدقيني هو ده الحل الوحيد اللي يضمن لـ ياسين حياة مُستقرة.
ضمت يديها بقوة حتى ابيضت مفاصلها، وصوتها خرج منخفضًا لكنه قاطع:
اللي عايز ياسين… يعدي عليّا الأول. وأنا مش سهلة العبور.
وفي داخلها، لم يكن الخوف هو المسيطر…كان الغضب.
وغضب عهد حين يستيقظ، لا يهدد… بل يُدمر.
••••❀
بالمقر الخاص بالدباغ
دلف فاروق ومن خلفه كنان يلهث وهو ينظر نحو فاروق قائلًا:
شاورت لك وإنت داخل الاسانسير تستناني نطلع سوا لكن إنت معبرتش.
نظر له فاروق قائلًا:
مشوفتكش،وبعدين بتنهج من طلوع السلم ده هما خمس أدوار بس، أمال فبن الرياضة والجيم والعضلات.
- كله هوا.
قالها محسن فابتسم محي الجالس على رأس الطاولة قائلًا بمزح:
مش شاطر غير يتحنجل لأمه ويقولها هعملك مساچ...عشان يضحك عليها وتقنعني أدفع له أقساط العربية الجديدة.
نظر كنان نحوه قائلًا بمزح:
طول عمرك قلبك قاسي.عليا يا حج...والعربيوة اتخربشت.
نظر له محسن باستفسار..أومأ له قائلًا:
هقولك بعدين...بس أوعدني تدفع لى تمن القسط.
ضحك محسن بينما لاحظ محي،تجهُم ملامح فاروق كذالك عدم مشاركته بالمزح..يعلم السبب..ليس حزنه فقط على رحيل زوجته ... كذالك حيرته وابتعاده عن ياسين..زفر نفسه بحسم قائلًا:
كفاية هزار فارغ مش وقته قربوا أقعدوا عندنا الأهم.
امتثل الثلاث،وجلسوا على الطاوله...
تفوه محي:
دلوقتي المناقصة اللى كان عاملها الجيش رسيت علينا...ودي مناقصة كبيرة جدًا ومحتاجة شغل كتير.
ابتسم محسن.قائلًا:
قولت لك يا حج المناقصة مضمونه.
تنهد محي ببسمة فخر قائلًا:
مش المعركة هي الفوز بالمناقصة،المعركة فى اللى جاي بعد كده...نجاحنا فى تدوير الجلود دي،هيرفع مكانتنا فى سوق الحلود كله...وده المطلوب الشغل عليه دلوقتي...المدابغ تتحمل شغل أكتر.
نظر محسن نحو فاروق، كان شاردًا.. وكزه كنان فانتبه... تفوه باجابه:
أيوه يا حج متقلقش...أنا جددت المدابغ ووسعت المخازن كمان.
أومأ محي فتحدث محسن:
والمصنع الجديد خلاص جهز يا حج يعني إطمن.
تنهد محي قائلًا:
لسة خطوة توزيع الأنتاج بعد التصنيع هي الأهم.
أجابه كنان:
اطمن يا حج أنا وفاروق قابلنا كذا عميل وعندنا اتفاقيات كتير،حتي قابلنا عملاء عرب كمان...يعني اللحمد لله وش عربيتي الجديدة حلو وان شاء الله هسدد الاقساط قبل ميعادها من حقي فى الصفقات دي.
ابتسم محي،ينظر لهم بفخر،لكن غص قلبه على حال فاروق التائه.
❈-❈-❈
لبلًا
بغرفة محي
محي واجلال
دخل محي إلى الغرفة بخطوات هادئة.. وجد إجلال تجلس صامتة، عيناها شاردتان وكأنها ما زالت غارقة فى التفكير بشيء هام... وضع يده على كتفها، فإهتز جسدها.. لاحظ ذلك محي جلس جواراها وتحدث دون مقدمات مباشر:
اجلال مالك سرحانه فى ايه، ايه اللى شاغل عقلك.
أجابته بغصة قلب:
سرحانه فى حال فاروق، وحِيرته... كمان قلبي بيتقطع على فرح اللى راحت فى عز شبابها.. كمان حال ياسين، خايفة يتشتت بينا وبين أهل فرح.
تفهم فاروق ذلك غص قلببه هو الآخر قائلًا:
إجلال… أنا فكرت في اللي قولتيه... قبل كده.
رفعت رأسها نحوه، ترقب وحذر في نظرتها:
وصلت لإيه.
تنفس محي بعمق:
فاروق لازم يتجوز…
ثم صمت لحظة قبل أن يُكمل:
وعهد أنسب واحدة... زي ما قولتي.
تقلصت ملامح إجلال، ليس رفضًا، بل ثِقلًا:
عارف إن الكلام ده صعب… ومش سهل على حد... بس ده الحل... وإحنا عارفين حقيقة مشاعر فاروق ناحية عهد.
هزّ محي رأسه:
عارف.
وبصوتٍ أكثر هدوءًا:
كمان شايف ياسين بعيني… الولد متعلق بـ عهد، وهي شايلته من غير ما تشتكي.
وفاروق راجل لوحده، ومش عارف يكمل.
شبكت إجلال يديها وتحدثت بحزن:
أنا خايفة … الناس مش بترحم... والكلام كتير... والحزن لسه في أوله.
اقترب محي قليلًا قائلًا بثبات:
وأنا خايف على البيت كله يتهد.
ثم أضاف:
جواز فاروق وعهد مش خيانة لـ فرح…او تقليل من الحزن عليها ده مصلحة ياسين وده الأهم.
سكتت إجلال طويلًا، ثم قالت بصوتٍ مبحوح:
فعلًا ملامك صح،وبعدين الموضوع هيتم بهدوء… ومن غير ضغط على حد...
وعهد قبل أي حد، وفاروق بعده.
أومأ محي موافقًا:
إحنا نطرح الموضوع والاختيار ليهم.
ابتسمت إجلال ابتسامة باهتة، وكأنها حاولت تهدئة التوتر في قلبها، ثم قالت بخفوت:
المفروض نكلم عهد الأول … لازم نسمع رأيها قبل أي حاجة.
رفع محي حاجبيه قائلًا بتوافق:
أيوه… مفيش غيرها اللي نبتدي بيها.
ثم أضاف بحزم:
وضروري نحسسها إن الموضوع من باب الخير… مش ضغط.. أو غصي.
أومأت إجلال، ونظرتها تاهت للحظة نحو النافذة، حيث ظلام الليل بدأ يتسلل في الصمت تفوهت اجلال:
أنا خايفة… خايفة على فاروق، وعلى عهد، وعلى ياسين بس يمكن يكون ده اللي يريحهم كلهم.
تنهد محي، ووضع يده على يدها برفق قائلًا:
لو حصل خير، كله هيتظبط…
ثم ابتسم بحذر:
بس لو حصل اعتراض... إحنا موجودين… نحتوي.
سكتت إجلال قليلاً، وعيناها مليئتان بمزيج من الأمل والخوف...
ثم نهضا معًا، وكأنهما يحاولان تجهيز الطريق لحكاية جديدة… حكاية قد تُعيد لبعض القلوب ما فقدته من دفء،
أو تُرغمهم على مواجهة مشاعر طالما تجاهلوها خوفًا من وجع الماضي... تحت جملة
"ربنا اللي هيكتب النصيب".
تلاقت نظراتهما في صمت طويل،
صمت يعرفان فيه أن اقتراحًا كهذا
إما أن يكون طوق نجاة…
أو شرارة تُشعل وجعًا مازال بأوله. ض
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
مازالت عهد مصدومة من حديث والدتها أن تقبل الزواج من فاروق من أجل مصلحة ياسين
ياسين
زفر قلبها بسئم وعذاب.. تدمعت عينيها... إحتبست الدمعه بين جفنيها يحرقان بقوة أهدابها.. إعتصرت عينيها، ربما تنزلان الدمعتين من عينيها وترتاح من ذلك الحرقان...
لكن بنفس الوقت، سكن عقلها حديث فرح قبل أيام من رحيلها
[بالعودة لذلك اليوم]
كانت عهد تجلس مع فرح بالغرفة،
كانت فرح غافية بتأثير الأدوية المُسكنة وعهد تتحدث مع إحد زميلاتها بشركة الطيران:
لاء، أنا فى أجازة مفتوحة مش هينفع أخد مكانك، شوفي غيري.
زفرت عهد نفسها بضجر ليس من مكوثها مع فرح.. بل من سطوة الخوف والقلق عليها، أن تبتعد عنها كذالك ملل من العمل وفقدان شغف، لا تود الابتعاد عن فرح... بداخلها مازال أمل، رغم حديث الأطباء، لكن سراب أمل يتملك منها، أن تحدث معجزة وتُشفي، فرح أو يطول الوقت ويبتعد الرحيل...
بذلك الوقت فتحت فرح عينيها وتفوهت بصوت منخفض:
عهد.
نظرت عهد نحوها، وسريعًا كانت جوارها تسأل بلهفة:
فرح... حاسه بوجع أتصل...
قاطعتها فرح ببسمة وهزت رأسها بنفي قائلة:
لاء الحمد لله... تعرفي يا عهد... أنا فى الأول كنت بتوجع جامد أوي، بس من يوم رجعتي وقعدتي جنبي وحاسة الألم خف كتير، يمكن عشان خوفت أرحل قبل ما أشوفك.
حاولت عهد السيطرة على دموعها قائلة:
بلاش الكلام ده... هي أول مرة تتعبي يعني وكل مرة ربنا بيكتب لك الشفا... أنا متفائلة خير هتخفي و...
قاطعتها فرح:
ليا وصية عندك يا عهد...
أنا عارفة إني خلاص مجرد وقت وهرحل... بس باسين..
فاروق أكيد هيتجوز بعدي.. ده حقه، فاروق من يوم ما أتجوزته مفيش مرة زعلني... أوقات كنت بخس أنه بيخاف على زعلي... يمكن ده كان سبب إن أوقات كنت بحس انه مشاعره باردة، فاكرة لما زعلك بعدها اعتذر لي... يمكن مكنش يقصد... بس لحظة عصبية منه... فاروق مش شخص سيء زي ما أنتِ واخده عنك فكرة غلط... فاروق حنين وبيحب ياسين جدًا...بس أنا مش عارفة هو هيتجوز مين وهتعامل إبني إزاي...
إبني...
توقفت فرح تلتقط أنفاسها ثم ابتلعت ريقها قائلة:
إبني أمانتك يا عهد... مفيش حد هيبقي حنين عليه قدك... حتى ماما وبابا... أوقات لما بشوفكم مع بعض بحس إنه أبنك إنتِ... رغم كُرهك لـ فاروق، بس مأثرش على مشاعرك ناحية ياسين بالعكس...
عشان كده وصيتي الأخيرة
ياسين... يا عهد أمانه هسألك عنها يوم القيامة.
بكت عهد... وقتها
والآن تبكي أشد وسط حِيرة تفتك بعقلها وقلبها...
فاروق ذلك الوحش... حصرها فى دائرة مُعلقة... رغم عدم طلبه لها للزواج.. لكن لن ينتظر كثير ويتزوج مثلما طالب بأخذ ياسين... بالتأكيد الخطوة القادمة صدمة زواجه..،زاد القلق بقبلها..كذالك شعور آخر... تود له عدم نيل السعادة بعد فرح..
وذلك لن يتم الا بطريقة واحدة...
هي تلك الطريقة... لما ترفض طلب والدتها بالزواج منه، هي كل ما توده فقط بقاء ياسين... وفاروق لا يفرق معها...
انتهي القرار وحُسم لديها.
••••❀
مساءً
بشقة والد عهد
جاءت الزيارة في وقتٍ لم تكن عهد قد استعادت فيه توازنها بعد،
كأن القدر اختار اللحظة الأشد هشاشة ليطرق بابها.
دخل فاروق بعد والده بخطوة محسوبة،
ملامحه هادئة أكثر مما ينبغي،
ذلك الهدوء الذي لا يسبق إلا القرارات الكبيرة… أو الكوارث...
وقف توفيق لاستقبالهم،
بينما بقيت عهد بجوار اللغرفة تتسمع لحديثهم،
تشد أطراف ثوبها بين أصابعها،
وقلبها يدق بإيقاع غير مفهوم..
بدأ محي الحديث بنبرةٍ وقورة لا تخلو من حسم ومراعاة الحزن:
فاروق لسه شاب… واللي حصل قدر ربنا، بس الحياة ما بتقفش على حد.
سقطت الجملة في الفراغ،
لكنها لم تكن عادية…
كانت تمهيدًا.
نظر فاروق نحو ياسين الذي دخل الى الغرفة.. وتوجه نحوه...
كأنه يخشى أن ينظر نحو عهد الواقفه على عتبة الغرفة بعدما غصبً ظهرت نفسها بعدما حدثها ياسين قبل أن يدخل الى الغرفة ، نظرة لها قد تُفشي ما يحاول دفنه..لا يود فرض نفسه عليها... كذالك لن يستطيع الابتعاد عن ياسين وتمزيقه بينهما
بينما تابع محي بعد لحظة صمت متعمد:
إحنا مش جايين نفتح جراح،
بس الراجل ما ينفعش يفضل لوحده،
ولا ينفع يعيش نص حياة.
رفعت عهد رأسها ببطء،
نظرت إليه،ثم إلى فاروق…
فرأت في عينيه صراعًا صامتًا
ولا يشبه الاندفاع،
بل يشبه رجلًا يُدفع دفعًا إلى قرار نضج داخله..ووجب التنفيذ.
تحدث توفيق بحذر:
القصد يعني.. ايه.
تنحنح محي قائلًا:
يعني لو ربنا كتب…
لم يُكمل.
لم يحتاج الى ذلك ظنت عهد انه يمهد لخبر زواج فاروق بأخرى...
كانت الكلمات القليلة كافية لتشعل في صدر عهد عاصفة...
لم تكن جاهزة... كذالك لم تكن مستعدة لأن تكون حلًا لفقد،
ولا تعويضًا عن غياب امرأة أخرى... ليست أي امرأة.. بل أختها...
بينما فاروق…
فكان صمته أبلغ من ألف اعتراف.
شاب، نعم... لكنه مثقل بالخسارة،
وممزق بين واجب يُملى عليه نحو طفلهُ
وشعور لا يعرف إن كان اسمه قبول… أم هروب... وفي تلك اللحظة،
أدركت عهد أن هذه الزيارة
لم تكن مجرد إستئذان مع تطيب خاطر
بل بداية طريق
لن يخرج منه أحد كما دخل...
تجمدت للحظات في مكانها،
لا من الصدمة…
بل من ثِقل معنى...بعض كلمات سمعتها تتردد برأسها .
"شاب ولازم يتجوز مش هيعيش راهب".
الجملة ظلت تردد في رأسها
كأنها حُكم جاهز،
وكأن القلوب تسير بالأعمار ولا مكان للوجع.
نظرت لفاروق،لم تبحث عن حب،
ولا حتى قبول…
كانت تبحث عن إنكار.
عن نظرة تنفي إحساسها...
لكنها لم تجد...
لم ترا فى عينيه حزنًا صادقًا،
و لا تعبًا أعمق من مجرد كلمة ترمل،
لكنها رأت أيضًا شيئًا أخطر…
الاستسلام،والرغبة...
-يعني أنا إيه
سؤال صامت ضرب صدرها بعنف.
اشتدت قبضتها على طرف كنزتها
كأنها تتأكد، أن الكلمه القادمة قد تكون صادمة... لكن هي لن تترك الفرصة لهم
شعرت بالغضب وتحدثت بعصبية ويقين إلزامي منها...بعدما اتخذت القرار:
مفيش أي حد… أقصد ست تانية غيري هتربي ابن أختي.
التفتت عيون كل من في الغرفة نحوها..
دخلت مرتدية زي أسود،.. الحزن واضح على ملامحها،لكن التحدي كان أوضح…
كأنها لا تطلب إذنًا،
بل تُعلن قرارًا لا رجعة فيه.
ساد الصمت لثواني بدت طويله...
صمتٌ لا يُسمع فيه سوى أنفاس متقطعة،
ونبض قلوب ارتبكت فجأة.
تقدمت خطوة واحدة إلى الداخل،
خطوة محسوبة، كأن الأرض تعرف وزنها...
عيناها تجولان على الوجوه واحدًا تلو الآخر،لا تبحث عن تعاطف،ولا تنتظر اعتراضًا.
شدت طرفي كنزتها حول جسدها،
ثم قالت بصوت ثابت،ثبات إضطراري بما يكفي لتعرف أن التراجع خسارة:
ابن أختى ده حقي… ومش ناوية أتنازل عنه.
أما هو…فبقي جامدًا،نظراته معلقة بها،
كأن ظهورها بعثر كل الحسابات في لحظة.
وفي تلك اللحظة،
لم تكن مجرد خالة تطالب بطفل،
كانت امرأة أعلنت الحرب…بهدوء مخيف.
رواية عهد الدباغ الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمنزل الدباغ
بشقة فاروق بغرفة نومه مع فرح
تمدد على الفراش، يحدق في السقف كأن تلك اللمبة الصغيرة تحفظ تفاصيل لم تُمحى الهواء ساكن، لكن صدره مزدحم.
امتدت يده تلقائيًا ناحية الوسادة المجاورة، لمست فراغًا يعرفه جيدًا… فراغًا صار اسمُه فرح.
تسللت الذكرى بلا استئذان…
ضحكتها الخافتة وهي تُصلح ياقة قميصه، نظرتها حين كانت تخشى عليه أكثر مما تخشى على نفسها.
ثم صوتها وهي مريضة… واهنًا، مكسورًا، لكنه محفور في قلبه:
«أنا هموت…وإنت أكيد هتتجوز من بعدي…بس بتمنى… متفرطش في ياسين.»
انقبض قلبه بعنف، كأن الكلمات قيلت الآن، لا منذ أكثر من شهرين
أدار وجهه للجانب، ضغط الوسادة على صدره، وكأنها درع أخير يمنع الانهيار.
مش هفرط فيه يا فرح…
قالها هامسًا، بصوت رجل أنهكه الوعد:
هحميه أكتر ما أقدر … وياريت قدرت أَحمي نفسي.
مر شريط بعض ذكريات مع فرح أمامه
ليالي طويلة، خوف مضاعف، طفل كبر وهو يُشبه والدته في العينين فقط…، ربما غيابها عنه فى الفترة الأخيرة لمرضها قبل رحيلها.. جعل منه عدم وعي لقوة وقسوةة وجع الفُراق كذالك تعلقه بـ عهد بعد وفاة فرح كأنه شعر بأنها تسد مكان الأم الذي لم يتوغل منه فذاكرة الأطفال أحيانًا مُتقلبة المشاعر، وغير مستوعبة... كذالك ذاكرة لا تعي قسوة بعض الاشياء ...
تنهد بتفكير عقله يستوعب ما يمر به
الآن… زواج جديد، قرار ثقيل من عهد، لا يشبه الحب، لكنه يشبه التضحية..على الأقل من جانب عهد...
أغمض عينيه، وتنفس بعمق...
لم يكن يخون الذكرى، بل يحاول النجاة.
يحاول أن يفي بوعدٍ قُطع على فراش موت…
وأن يُبقي ياسين في أمان، حتى لو دفع هو ثمن ذلك من قلبه... على يقين أن عهد لن تكون زيجة سهله وفي صمت الغرفة…
بدا كأن فرح تسمعه.لا تعاتبه…
فقط تراقب، وتنتظر..
تحرك فاروق أخيرًا، جلس على حافة الفراش، مرر يديه على وجهه بإنهاكٍ ثقيل، كأن السنوات هوت دفعة واحدة فوق كتفيه...
نظر حوله… الغرفة كما هي، لكن روحه لم تعد كما كانت...
نهض ببطء، اتجه نحو الخزانة، فتحها دون تفكير.
رأى قميصًا قديمًا… قميصًا أصرت فرح أن تشتريه له،ذات يوم قال لها ضاحكًا إنه لا يحب هذا اللون الرمادي...
ابتسم رغم تلك الغصة بقلبه
وكلماتها ترددت
-طلع عاجبك في الآخر…
كانت قد قالتها، منتصرة، وهو يهرب وقتها من عينيها... رغم انه بالفعل لا يُفضل ذلك اللون لكن وقتها تقبل ذلك كمجاملة منه فقط...
أغلق الخزانة سريعًا، كأن الذكرى كادت تُعيد تلك المشاعر الرتيبة لقلبه... فرح لم تكُن سرابً بحياته، ربما لم تتوغل من قلبه، لكن تعود على عِشرتها الهادئة
اقترب من النافذة، فتحها قليلًا، تسلل هواء الليل الشبة بارد، حمل معه ضجيجًا بعيدًا للحياة… حياة لم تتوقف حين توقفت هي... نظر نحو السماء كأنه يحدث فرح بصوت مبحوح:
سامحيني… الطريق اللي ماشيه دلوقتي مش زي ما كنت متعود.. بس صدقيني… ياسين أمانتك، وهفضل واقف في ضهره لآخر نفس.
عاد إلى الفراش، لكن هذه المرة لم يتمدد.
جلس مستقيمًا، كمن اتخذ قرارًا لا رجعة فيه...
الزواج القادم لم يكن بداية جديدة، بل فصلًا آخر من الوفاء… بطريقته القاسية...
وقبل أن يطفئ الضوء، همس كأنه يخاطبها: لو كنتِ هنا… كنتِ هتفهمي.
انطفأ الضوء، وبقيت الذكرى.
لا تؤلمه كما كانت…
بل تُذكره فقط، أن بعض الوعود لا تموت…حتى لو تغيّرت الوجوه.
.... ـــــــــــــــــــــ
على الجانب الآخر
كانت عهد مُمددة فوق فراشها، تشعر كأن الفراش يبتلع جسدها كله... كم هي ضئيلة فى. هذه اللحظة...
عينها مفتوحة تنظر فى نقطة واهيه ،كذالك ذهنها يسرح في أماكن بعيدة… أماكن لم تكن تريد أن تعود إليها...
كأن قلبها يحاول فهم ما يحدث من حولها، وما يحدث بداخلها.
سُمعت دقات قلبها تتسارع كلما خطرت صورة فاروق في ذهنها، لا كحاضر، بل كظل يلوح بين الماضي والحاضر...
تذكرت حديث والدتها، تحذيرات الأهل، كل نصيحة حاولت أن تُعيدها إلى الطريق الآمن…
لكن قلبها كان يصر على البحث عن تفاصيله، عن تلك اللحظات التي جمعتها به، رغم الألم.
نهضت ببطء، جلست على طرف الفراش، أحضرت كوبًا من الماء، لكنها لم تشرب.
كانت تنظر إلى النافذة، ترى ضوء القمر يسقط على الشوارع، وتشعر بأن الليل كله يحمل معها شيئًا من فاروق…
كأن وجوده لم يغادر، حتى وإن كانت الحياة تضطرها أن تتخذ خطوات جديدة.
همست لنفسها بصوت خافت:
يمكن… الطريق اللي ماشيه مش الطريق اللي كنت عايزاه… بس لازم أعيش… لازم أحمي ياسين … وصية فرح.
استلقت مرة أخرى، لكن هذه المرة عيناها لم تغلقا بالكامل...
كانت تنتظر، بطريقة ما، أن يحمل الليل معها رسالة، أو شعور، أو حتى صدى لصوت فرح…
ولكن كل ما كان موجودًا، هو صمت الغرفة، وذكريات تتسلل بهدوء بين الجدران…
❈-❈-
بعد. مرور أسبوع
فجرًا
كان فاروق يجلس في غرفته، يحدق في الهاتف بلا سبب، وكأن الانتظار سيعيد له كل شيء.
لم يرسل رسالة، ولم يحاول الاتصال… لكنه كان يعلم أن قلبه لا يزال مرتبطًا بعهد بطريقة لم يتوقعها.
كل تفاصيلها، ابتسامتها، طريقة ضحكها، وحتى صمتها… كلها كانت تطارده، تتسلل إلى غرفته مثل خيال لا يتركه وحده...
تذكر كلماتها الأخيرة، نظراتها المزدوجة بين الغضب والخوف، بين الواجب والبُغض.
تساءل بصوت مبحوح:
ليه… ليه الدنيا بتفصلنا كده...
رفع رأسه إلى السقف، كأنه يبحث عن إجابة من النجوم، من القمر، من أي شيء يمكنه أن يخفف هذا الصمت الذي يلتهم قلبه.
ثم عاد لتفكير ياسين… نعم، ياسين، الطفل الذي أصبح مسؤولية، وطريقًا آخر للوفاء...
ابتسم بمرارة، ثم تنهد:
مهما حصل… هفضل واقف في ضهره… زي ما وعدت فرح.
في الوقت نفسه، عهد كانت لا تزال على فراشها، تتقاطع مع أفكاره في صمت الليل، كأنهما شخصان يسيران على طريق واحد، لكن لا يلتقيان إلا في الذكريات.
كل منهما يحاول أن يعيش، أن يبرر، أن يتجاوز… لكن القلب لا ينسى، والذكريات ترفض أن تهرب.
الليل يمتد بين الغرف، بين القلوب، بين الصمت والكلمات التي لم تُقال…
ويبقى السؤال معلقًا في الهواء:
هل يمكن للوفاء أن يعيش بين الماضي والحاضر، بين الوجوه القديمة والجديدة
هل يمكن أن يصبح الطريق القادم فصلًا جديدًا من الحب، أم مجرد استمرار لصراع داخلي صامت
..... ـــــــــــــــــــــــــ
.... ــــــــــــــــــــــــــ
اشرقت شمس خريفية
بغرفة السباحة الخاصة بمنزل الدباغ
كتم فاروق أنفاسه لدقائق قليلة أسفل المياة،ثم اندفع إلى السطح دفعةً واحدة، يلهث بقوة كأن صدره يرفض الهواء بعد طول خصام... انسابت قطرات الماء على وجهه، وتعلقت بأهدابه قبل أن تهوي، بينما يداه تستندان إلى حافة المسبح كمن يتشبث بآخر ما يربطه بالواقع...
أغمض عينيه للحظة…
الصمت هنا خادع، حتى ارتطام الماء بجسده لم يكن صاخبًا كالأفكار التي تضرب رأسه بلا رحمة...
ترددت صورة عهد في ذهنه فجأة،… بنظرتها المتحفزة، بصمتها الذي يبوح أكثر مما تتحدث...
زفر بقوة، ثم عاد يغطس مرة أخرى، كأنه يحاول الهرب منها، من نفسه، من ذلك الإحساس الذي لا يريد الاعتراف به.
لكن الماء لا يمحو الذكريات…
بل يجعلها أوضح، أقوى، وأكثر إلحاحًا.
خرج هذه المرة أبطأ، جلس على حافة المسبح، وأسند رأسه إلى الجدار البارد خلفه...
تمتم بصوت منخفض، بالكاد يُسمع:
كل ما بهرب… بلاقي نفسي راجع لنفس النقطة.
وفي الفراغ الواسع لغرفة السباحة، لم يكن هناك من يسمعه…
سواه، وقلبه الذي بدأ يعلن إنسحاب لجامه...
دقائق ودلف كنان خلع قميصه العلوي وظل بسروال وتوجه للمسبح تمطئ بخفه ثم قفز بقوة فى المياة... انتشرت بعض المياة حتي غمر منها جزء منها فاروق
سريعًا رفع كنان رأسه ونظر نحو فاروق قائلًا:
إيه جابك تغطس فى البيسين عالصبح مش المسا كتب كتابك إنت وعهد... المفروض تكون دلوقتي تكون بتجهز نفسك مش تجي تغطس هنا ...الجوازة دي خطوة مش سهلة.
ابتسم فاروق ابتسامة جانبية يشعر بترقُب،، ومسح المياه عن وجهه بيداه، وتحدث بهدوء فيه شيء من الشرود: ساعات الواحد يحتاج يغرق شوية… قبل ما يطلع يتنفس من جديد.
اقترب كنان من حافة المسبح، أسند ذراعيه عليها، ونظر له بنظرة فاحصة: غرقان بقالك سنين يا صاحبي، بس المرة دي مختلفة… دي خطوة عمر.
سكت فاروق لحظة، عيناه معلقتان بسطح المياه المرتعش، كأنه يرى فيها وجوهًا وذكريات، ثم قال بصوت منخفض: عارف… بس في حاجات حتى الفرح ما يعرفش يمحيها.
ضرب كنان المياه بيده، فتناثرت القطرات من جديد قائلًا ببسمة:
ولا لازم يمحيها كفاية إنه يعلمك تعيش معاها.
رفع فاروق رأسه أخيرًا، نظر إليه نظرة امتنان صامتة، ثم دفع جسده للأمام وغاص في المسبح…
كأنّه يودع الماضي ليستقبل حاضر ومُستقبل غير معلوم.
ابتسم كنان، لديه شعور بحيرة فاروق فى مستقبله مع عهد
عهد كان لها تأثير على فاروق، كثيرًا.. لديه شكٌّ بمشاعر فاروق نحو عهد، لم تكن مقتًا كما بدا في الماضي، بل ربما شيئًا غامضًا لا اسم له بعد...
تنهد كنان، وسأل عقله في صمتٍ مُرهِق متى يشعر هو الآخر بتلك الرجفة في قلبه... متى تأتيه مشاعر لا يضطر لتبريرها أو الهروب منها..
حتى الآن… لم تغزو أي فتاة قلبه كاملًا...
كلهن كُن مجرد بدايات مبتورة، ووعود لم تكتمل، نظرات تعبر ولا تمكث حتى يشعر أنها، مشاعر واهية غير مُكتملة...
أحيانًا يقترب خطوة، ثم يتراجع اثنتين، كأن قلبه يتمرد ويرفض التوقف عند أحداهن، أو كأنه ينتظر شيئًا لا يعرف ملامحه بعد...
ربما لم يأتب الوقت…
أو ربما القلب، حين يختار، لا يُخطئ الطريق، لكنه يتأخر عمدًا حتى لا يخطئ إختيار من تُشاركه حياته وطموحه.
••••❀
بأحد المدابغ
تفوح رائحة الكراهية لـ محي الدباع من بين أنفاس تلك الآرجيلة مختلطة بدخان الأرجيلة الكثيف،
كأن كل زفرة يطلقها تحمل حقدًا مُعتقًا،تبدلت ملامحه عيناه ضيقتان تلمعان بشرٍ قديم،
وأصابع خشنة تعبث بخرطوم الأرجيلة بعصبيةٍ مكتومة،
كأن الجلد من حوله يشهد على ما يدور داخله.ارتسمت ابتسامة جانبية على فمه،
ابتسامة لا تحمل وعدًا، بل تهديدًا،
وفي تلك اللحظة أدرك المكان كله
أن الشر حين يولد،لا يصرخ…
بل يبتسم في صمت..
نظر الى ذلك الجالس جواره الذي تحدث بفحيح الثعابين:
عرفت إن الليلة كتب كتاب "الملك" قد إيه الواد ده محظوظ مراته مكملتش أربعين يوم متوفية وهيتجوز تاني، ومن مين من أختها، مبيضيعش وقت دايمًا قدامه البديل.
تهكم الآخر قائلًا:
محظوظ دايمًا، عنده قُدرة على الإقناع هيغلب يعني مع أخت مراته... أنا وصلي إن مراته الآولانية كانت تحت سيطرته بالكامل، يعني سهل يسيطر على أختها كمان... إبن محي الدباغ بقي ودراعه اليمين.. لاء درعاته الإتنين.
ضحك الاخر بفحيح قائلًا:
قصدك تعبان محي الدباع، أنا وصلي معلومة لو صحيح يبقي قريب هيحصل فجوة بين محي الدباع والملك.
توقف الآخر عن تنفيث الأرجيله ونظر له بإندهاش سائلًا:
قصدك إيه، معلومة أيه.
أجابه بتوضيح:
قصدي إن فاروق بيلعب من تحت لتحت، فاكر المناقصة اللى قبل الأخيرة، اللى كان داخلها محي الدباغ زينا وخسرها... وصل لي معلومة إن الشركة اللى رسيت عليها تبقي بتاع فاروق ومحي الدباغ ميعرفش بكده... الدليل إصراره ياخد المناقصة الأخيرة.
جحظت عين الآخر يستوعب لكن شكك بالأمر قائلًا:
مستحيل، ده وقتها كان فاروق مع محي وبان على وشه الزعل...
قاطعه الآخر:
التمثيل سهل.
-مش يمكن يكون كلامك صحيح، بس يكون إتفاق بينهم مثلًا.
هكذا تسأل فأجابه الآخر:
معتقدش... مش محي اللى يسمح بكده وهو بيتباهي إن ولاده تحت سطوته مش منافسين له... والخبر جالي من موظف من بنك تاني غير اللى بيتعامل معاه محي الدباغ... أرصدة دخلت لحساب بإسم فاروق الدباغ... كمان فتح إعتمادات إئتمانية بإسمه، لو تحت سيطرة محي ليه هيروح بنك تاني.
حاول فهم حديثه بعقله... ونفث دخان كثيف قائلًا:
المعلومة دي لو صح،ومحي الدباغ ميعرفش بها... تبقي أول مسمار يندق فى دماغ محي الدباغ والخبطة اللى هتزعزع إمبراطوريته اللى بيتباهي بها.
••••❀
بمنزل الدباغ
بغرفة المعيشة كانت تجلس أم صبري مع إجلال... تسألت بفضول:
والله فرحت لما قولت لي إن فاروق هيتجوز أخت المرحومة مراته... قولت أهي أحن على أبنه... بس ليه مكنش إستني شهر ولا إتنين... وكان عمل حفلة صغيرة.. البت برضوا مسبقش لها الجواز.. أه صحيح أختها ماتت صبيه بس من حقها برضوا تفرح بجوازها... يلا كله خير.
أومأت اجلال قائلة:
أه كله خير، هي قالت مش عاوزه أكتر من كتب الكتاب وبس وفاروق طاوعها... ودلوقتي ولا بعد كام شهر، إيه هيتغير، الحزن مش بيروح من القلب... وفاروق أهم حاجه عنده إن إبنه يرجع لهنا فى بيت جده محي الدباغ.
أومأت أم صبري بتفهم... بنفس الوقت دلف عليهن كنان قبل أن يتحدث تحدثت أم صبري بعتاب:
لسه زعلانه منك يا كنان، بسبب الديك الرومي... ليه تدبحه ده كان عتيق عندي والله وكان بركة العشه، ده كانت الفرخه الرومي تبيض وترقد مفيش بيضة متفقسش كتكوت، عملت منه سُلالة.
ضحك كنان قائلًا:
هو اللى غلط فى الأول وخربش عربيتي الجديدة بعدين مش خسارة فيا كان طعمه ممتاز هو والملوخية وصنية البطاطس ولا الرز، كانوا طعمين أوي.
ضحكت اجلال تعلم أن كنان يستفز أم صبري... بينما تذمرت ام صبري بادعاء قائلة بعناد:
صحة على قلبك لو عاوز ديك تاني، أتصل على غزال تجيب واحد وتجي.
-غزال
إسم ذو معني رقيق عكس تلك الشعثاء، الذي يليق بها "خيال المآتة" أكثر، زفر نفسه، بينما تفوهت أم صبري بعفوية:
تعرفي يا حجة اجلال غزال بنت أخويا إيديها ما شاء الله بتكبس(زي مساچ) لى كتافي وضهري، إيديها تتلف فى حرير... إتعلمت من مركز العلاج الطبيعي اللى بتشتغل فيه جنب دراستها.
تبسمت اجلال بإعجاب قائلة:
غزال من وقت عزا المرحومة فرح مشوفتهاش، سلملي عليها، وقولى لها خالتك اجلال زعلانه منك عشان مش بتسألي عنها.
أومأت ام صبري قائلة بتبرير:
إنت عارفة الدراسة والشغل فى مركز العلاج الطبيعي واخدين وقتها دي بترجع عالنوم... رغم والله غُلبت فيها، مصاريفها مش كتير عليا، بس هي بقي دماغها ناشفه وبتقول انها شابه وإن مشتغلتش دلوقتي هتشتغل إمتى، الدكتور صاحب مركز العلاج مبسوط منها بيقول ممتازة ولما هتخلص دراستها هيشوف لها شغلانه بدراستها فى المستشفي بتاع مراته، عندها مستشفي نسا وتوليد.. يلا هانت فاضل سنة غير اللى هي فيها، تعرفي الدكتور ده عنده إبن أخوه دكتور يعتبر هو اللى ماسك مركز العلاج الطبيعي، وأوقات كتير غزال بتساعده، ربنا يرزقها بالحلال.
-آمين
هكذا آمنت اجلال، بينما إندهش كنان، كذالك هنالك شعور آخر غير معلوم شعر بضيق حين شعر بتلميح أم صبري عن الطبيب الشاب، ربما بداخلها تود شيء آخر.
نفض ذلك عن رأسه سريعًا لا يبالي.
••••❀
بالنادي الإجتماعي
للتو إنتهت يارا من مباراة ثم صافحت ذلك الخصم الذي تقبل الهزيمة برحابة ثم تحدث:
بما إني خسرت الماتش خليني أعزمك على عصير أبلع الهزيمة.
كادت ان ترفض لكن لاحظت نديم الذي يقترب من مربع اللعب فأومأت ببسمة موافقة...
ذهب الإثنين الى إحد الطاولات، جلسا معًا، كان يتحدث وهي لا تهتم فقط تسمع، الى أن جاء نديم الذي لا يعلم حقيقة مشاعره بعد
…لا يعلم سوى أن اجتناب يارا المتعمد يثير داخله انزعاجًا غريبًا، لا يشبه الغيرة الصريحة ولا اللامبالاة التي كان يتصنّعها...
توقف نديم قرب الطاولة، عيونه ثبتت عليها قبل أن ينطق...
كانت تضحك ضحكة خفيفة، ليست تلك التي يعرفها عنها، ضحكة مجاملة باردة، بينما الرجل المقابل لها يميل قليلًا للأمام، يتحدث بثقة زائدة...
تحدث نديم بنبرة حاول أن يجعلها عادية: مساء الخير.
رفعت يارا عينيها ببطء، التقت نظراتهما لثانية فقط… ثانية كافية ليرى في عينيها تحديًا صامتًا.
ابتسمت، لكنها لم ترد، رد الآخر:
مساء النور يا نديم.
سحب كرسياً دون استئذان، جلس على الطرف المقابل، واضعًا ذراعيه على الطاولة:
تسمحولى أقعد معاكم...ولا شكلي قاطعتكم.
تحدث الشاب الآخر سريعًا رغم ضيقه:
أبدًا، إحنا كنا بس...
قاطعته يارا بهدوء:
لا، كنا هنشرب عصير ونخلص كلامنا.
التفتت إليه نظرة سريعة تحمل رسالة خفية... تحمل معني جلمة واحده"كفاية ماذا تريد".
فهمها… أو هكذا ظن.
ساد صمت قصير، ثقيل، لا يُسمع فيه سوى ضجيج المكان من حولهم.
نديم شعر لأول مرة أن وجود شخص آخر بجوارها يزعجه بهذا الشكل، كأن هناك مساحة كانت تخصه وحده… وانتهكت.
قال أخيرًا وهو ينظر لها مباشرة:
أنا جاي مخصوص عشان أعرض عليكٌ نلعب ماتش سوا.
.
رفعت حاجبها بخفة وقالت بثقة:
للآسف مش هقدر ألعب ماتشات تانية اللنهاردة المسا عندي موضوع عائلي ولازم أبقي موجودة يعني يادوب كنت هشرب العصير وأمشي.
ابتسم نديم نصف ابتسامة، تلك التي تخفي ارتباكه...أو ضيقه..أو ربما الاتنين.
نهضت يارا، أمسكت بحقيبتها قائله!
هستأذن وأسيبكم تقدروا تلعبوا مع بعض.
مرت بجانبه دون أن تنتظر، تاركة خلفها طاولة، رجلًا محرجًا، ونديم يقف مكانه لثانية…
يحاول أن يفهم وعقله يسأل
هل ما يشعر به انزعاج...
أم شيء أخطر بدأ يتسلل لقلبه دون إذن.
تبعها نديم بخطوات بطيئة، ليس لأنه متردد… بل لأنه كان يحاول استيعاب ما يحدث داخله...
كيف لوجودها مع غيره أن يشعل هذا القدر من التوتر هو الذي أقسم أن قلبه لي صالحًا لمثل هذه المعارك...
وصلت يارا إلى مكان سيارتها، توقفت فجأة، فاضطر هو للتوقف خلفها مباشرة...
التفتت إليه، كانت قريبة أكثر مما ينبغي، رائحة عطرها الخفيف أربك توازنه.
تحدثت بعصبيه دون أن تنظر في عينيه:
خير جاي ورايا ليه.
أجابها ببساطة، ثم أضاف بنبرة أقل ثباتًا:
كنت محتاج نتكلم بس واضح إنك كنتي مشغولة.
رفعت رأسها أخيرًا، نظرت إليه نظرة مستقيمة، بلا مجاملات:
نتكلم فى ايه مفيش بينا كلام.
تعصب وبلا وعي رفع يده يقبض على عضدها سائلا بنبرة استفهام:
مين الشاب للى كنت قاعدة معاه...بالنسبه لد إيه.
نفضت يده عنها بعصبية قائلة:
وأنت مالك... شيء مبخصكش وياريت تلتزم حدودك معايا.
قالت ذلك وفتحت باب السيارة صعدت لها وغادرت سريعًا بلا إهتمام... بيينما
وقف ندؤم مكانه ثانية، يراقب مغادرتها
وأدرك متأخرًا…
أن المباراة الحقيقية لم تكن على أرض الملعب،بل في قلبه هو.
بينما بالسيارة شعرت يارا بغضب ضربت على المقود قائلة بعصبية:
تبقي غبية يا يارا لو وقعتي فى فخ نديم مرة تانية..
وكان القرار لابد من حل آخر.
••••❀
بغرفة فاروق القديمة قبل الزواج
تأنق بسُترة باللون الأسود أسفلها قميصًا باللون الأبيض، إستغني عن رابطة العُنق فلا داعي لها... فالأمر مُختصر على عقد القران...
تذكر قولها قبل أيام
أنا مش عايزة أي مظاهر يا فاروق…
لا فرح، ولا زفة، ولا حتى تهنئة زيادة هو كتب كتاب وبس… في هدوء.
ابتسم ابتسامة باهتة، كأن الطلب كان طوق نجاة لا شرطًا...
أدرك وقتها أن عهد لا تطلب التخفي خجلًا، بل احترامًا لأوجاع لم تُدفن بعد… أوجاعه وأوجاعها معًا...
مرر نظره على الموجودين، ثم قال بنبرة ثابتة لا تحتمل نقاشًا:
كتب الكتاب بس… من غير أي مظاهر.
ده طلبها… وأنا موافق.
ساد صمت قصير، تلاه همسٌ غير راضٍ، ونظرات متسائلة.
لكن فاروق لم يلتفت.
كان يرى في بساطة الطلب وفاءً غير معلن… لفرح، ولزمن لم يُغلق بابه بعد.د
عاد إلى داخله، إلى تلك الجملة التي اوصته بها فرح
: «أنا هموت… بس متفرطش في ياسين.»
وتيقن أن هذا الزواج…
لن يكون احتفالًا بالبدايات،
بل عهدًا جديدًا بالحماية،
وصمتًا يليق بكل ما فُقد.
…ومع ذلك، لم يكن الصمت سهلًا.
تقدّمت إجلال بخطوة، حاولت أن تُلطّف الجو بابتسامة متكلّفة:
يعني حتى قعدة بسيطة؟ ناس قرايب… كلمة حلوة.
رفع فاروق عينيه ببطء، نظر إليها نظرة رجل حسم أمره منذ زمن:
القعدة هتبقى محترمة، والمأذون والشهود موجودين. أكتر من كده… مش هيحصل.
لم يقل ذلك من أجل عهد بل إحترامً لذكرى او بالاصح الاثنتين معًا.
تنهد وأخرج هاتفه بلا وعي.توقف عند اسم عهد… لم تتصل...
اكتفى بأن يستعيد ملامحها وهي تقول طلبها دون ضعف، ودون دموع.
كان قد ظنها قسوة…
ثم فهم لاحقًا أنها شجاعة... عهد لم تكن تريد مظاهر؛لأن قلبها مثقَل بما يكفي،
ولأن دخولها حياته لم يكن انتصارًا، بل مسؤولية.
تنفّس بعمق، وحدث نفسه:
مكن ربنا اختار الهدوء علشان اللي جاي محتاج صبر… مش تصفيق.
وفي تلك اللحظة، مر ياسين من أمامه، يحمل لعبته الصغيرة، توقف فجأة، نظر إليه بعينين واسعتين:
بابا… إنت زعلان
شده فاروق إليه، قبّل رأسه بحنوٍ موجوع: لا يا حبيبي… بابا بس بيفكر.
لم يكن يفكر في العقد،
ولا في الشهود،
ولا في كلام الناس…
كان يفكر.. كيف سيحمي طفلًا،
ويحترم ذكرى،
ويمنح امرأة اسم زوجة…
دون أن يكسر أحدًا في الطريق...
بعد وقت
استمرت التحضيرات في الخارج،
بينما فى بشقة والد عهد
كان فاروق في الداخل يوقع، دون قلم،
على عهدٍ أثقل من أي عقد قِران.
بينما قبل لحظات
كانت عهد بغرفتها تشعر بانقباض فى قلبها، مشاعر موجعة للغاية لم تكُن تتخيلها يومً، الزام جديد عليها طفل وزوح... قد تتخلى عن مسؤولية زوج لكن لن تتخلي عن مسؤولية طفل أختها.. حسمت أمرها.. زواجها من فاروق مجرد زواج على ورق لن يزيد عن ذلك.
••••❀
بعد وقت انتتهت مراسم عقد القران
غصبً غادرت عهد مع فاروق الذي يحمل ياسين....
مجرد وقت كان الصمت مُسيطرًا حتى وصلا الى منزل الدباغ... إستقبلهم..
اجلال.. أخذت ياسين معها قائلة:
خد مراتك وإطلع شقتك يا فاروق وسيب ياسين معايا الليلة أشبع منه بقاله فترة غايب عن عنيا.
غصبًا امتثلت عهد لمسكة يد فاروق وصعدت معه، بعد ان كادت تعترض وتأخذ ياسين، لكن حمسته اجلال ببعض الكلمات ففصل البقاؤ معها...
فتح فاروق باب الشقة.. رغم أنه مازاا ممسك بيد عهد لكن تركها دخلت أولًا...
شعرت بإختناق فاض بهو وإنفجرت من لمسة يده لها سحبت يدها بعنف وإنفجرت قائلة بنهي:
ممنوع تلمس إيدي.
نظر لها مُستهزءًا بصمت، إستطردت حديثها بإستهجان قائلة:
نفسي اعرف إنت إزاي أنسان معدوم المشاعر إلانسانيه... وفكرت.. تتجوز قبل ما يمُر على وفاة مراتك أربعين يوم، إزاي قدرت تنسي عِشرتها معاك بالسرعة دي.
كان رده مُستفز:
وماله الحي أبقي من الميت...وأنا راجل وليا إحتياجات.
نظرت له بذهول، تعلثمت بالحديث سائلة بإحتقان:
وإيه هي الإحتياجات اللى متقدرش تستغني عنها دي اللى تخليك تنسي عِشرة خمس سنين مع أختي بسهولة كده.
إقترب خطوة ينظر لها بتسلية قائلًا بإستفزاز ممزوج بوقاحة وهو يُشير نحو غرفة النوم:
زي أي راجل محتاج ست في حياته ليه، أكيد مش عشان اتنمظر وأتغزل بجمالها.
فهمت مغزي حديثه شعرت بالحياء والتوتر،لكن إستهجنت بالرد دون تفكير:
يعني عاوز ست تنام معاها مش أكتر.
أخطأت بذلك رفعت ثوب الحياء عنها،وهذا ما كان يُريد الوصول إليها...سُرعان ما ندمت على ما تفوهت به... وتخصبت وجنتيها حياءً تلوم نفسها... كيف قالت ذلك بتلك الفجاجة
لاحظ إحمرار وجنتيها تبسم بوقاحة وهي تتلفت براسها تنظر بكل الاتجاهات عدا وجهه بالتأكيد تهرب من مواجهة النظر إليه، رغم أنه على يقين أنه ليس شخص شهواني لكن تعمد إستفزازها أكثر قائلًا:
بالظبط كده... عشان كده إضطريت أتجوز تاني بسرعة،أصل اللى إتعود عالموضوع ده صعب يستغني عنه...لما نبقي مع بعض هتفهمي قصدي أكتر.
ضعطت على شفتيها بقوة تحاول تلجيم غضبها من ذلك الوقح المُستفز، رفعت نظرها له بتحدي قائلة:
تمام... عشان تعرف من أولها كده جوازنا هيبقي على ورق بس.... أنا هنا بس عشان أهتم بشؤون إبن أختي، إعتبرني مُربية له.. تقدر تتجوز ست تانية تلبي لك إحتياجاتك دي وغير كده...
قاطعها يضحك بإستفزاز:
غير كده إيه إنت بتحلمي، أنا لو عاوز مُربية لابني سهل أجيبله بدل الواحدة عشرة بفلوسي، أنا عاوز...
توقف عن إسترسال حديثه وتعمد السير حتى أصبح خلفها مباشرة تشعر بانفاسه قريبه منها، حتى شعرت برجفة قويه سببت رعشة فى جسدها، حين تعمد حضنها من الخلف مُقيدًا جسدها ثم أزاح خصلات شعرها عن عُنقها مُتعمدًا وضع قُبلة حادة، ثم تحدث بهمس وهو يضع كف إحد يديه على موضع قلبها يلتصق بها بقوة:
أنا واقفت أتجوزك عشان عاوزك ست...
قلبًا وقالبًا.
-ولا عزاء لميت...
هكذا قالت ثم صمتت لحظة،
ثم أضافت، وهي تنظر مباشرة لفاروق لأول مرة:
وأنا مش هكون بديل عن حد،ولا زوجة لتلبية رغباتك.
اهتز شيء في عينيه،لكنها لم تتراجع...
شعرت بثقل النظرات،لكنها وقفت كما هي، غير قابلة للكسر... وفي داخلها،
اتخذت عهد قرارها،حتى لو لم تنطقه بعد
«اللي يدخل حياتي بدافع الواجب لازم يعيش بنفس الوجع».
رواية عهد الدباغ الفصل السادس عشر 16 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد السادس عشر
❈-❈-❈
لم يتفاجئ فاروق من رد فعل عهد، ولا من فكرة أنها لن تقبل زواجهما بسهولة..
يعرفها جيدًا… يعرف عنادها حين تُجرَح، وكبرياءها حين تُدفع إلى ما لا تريد...
يعرف أن قلبها ليس سهل الاقتحام، وأن الموافقة عندها لا تأتي خضوعًا، بل قناعة تُنتَزع بعد معركة طويلة مع نفسها ومعه...
لذلك لم يغضب، ولم يحاول الضغط عليها...
اكتفى بالصمت، صمت رجلًُ يدرك أن الطريق إليها لن يكون قصيرًا ولا سهلًا، وأن الزواج ليس عقدًا فقط،فهنالك جرحًا فى القلب مازال بأوله بالتأكيد يحتاج وقتًا ليُشفى أولًا.
نظر إليها طويلًا، كأنه يحاول أن يقرأ ما خلف تلك النظرة المتحفزة...
ها هي واقفة أمامه بجسدٍ ثابت، لكن روحها في حالة اشتباك… خوف، رفض، وشيء آخر لم تعترف به حتى لنفسها.
قال بهدوءٍ متعمد بجرأة:
مش مستني منكِ قبول حدوث علاقة بينا دلوقتي.
رفعت حاجبيها بغضب، وكأنها لم تتوقع تلك الجملة، رغم إنصهار وجهها تخلت عن الخجل قائلة بإندفاع:
لا دلوقتي ولا بعدين شيل الفكرة دي من دماغك نهائيًا، قبل كده قولتلك جوازنا مجرد صفقة، أنا هنا بس عشان ياسين، وإنت حُر في حياتك، معتقدش صعب عليك تتجوز زوجة تالتة تعوض اللى إنت محتاج له.
اقترب خطوة، لا ليُحاصرها، بل ليُشعرها بجديته قائلًا:
جوازنا مش صفقة… ولا ضغط عشان ياسين.
وطالما وافقتِ، يبقى عن اقتناع. ولو رفضتي دلوقتي … أنا فاهم ليه.
سكت لحظة، ثم أضاف بصوت أخف:
بس متفتكريش إن الرفض هيخليني أضغط عليكِ.
ارتبكت أنفاسها، حاولت أن تُخفي ذلك بتصلُب مُفتعل قائلة ببسمة سخريه :
اساسًا وجودي معاك فى مكان واحد نفسه ضغط عليا يا فاروق..
ابتسم ابتسامة صغيرة، خالية من السخرية... بينما تهكمت عهد وحسمت قرارها أن تصفعه الصفعة الأولى... تعمدت هي الإقتراب منه، رفعت قدميها قليلًا حتى وقفت على اطراف أصايع قدميها وإقتربت من أذنه وتحدثت بيقين:
أنا سيبتك للآخر، بس عندي لك مفاجأة مدوية... يا... ملك.
أنفاسها القريبة منن عُنقه لها تأثير عليه جعلت جسده بالكامل يتشنج،لكن داخله يترقب...كذالك رغبةً أخرى فى ضم جسدها لجسده... لكن عادت تتحدث مرة أخري بنفس الثقة بل إزدادت نبرة صوتها بصيغة ترقُب:
جوازنا باطل شرعًا وقانونًا.
جعد بين حاجبيه وتبدل حاله، وعاد برأسه للخلف ينظر لها بغضب، وكاد يتحدث، لكن لمعت عيني عهد بشماته وهي تقول بتوضيح:
المفروض شرعًا وقانونًا لك مدة عِدة متقدرش تتخطاها... أربع شهور وعشر أبام يا...
توقفت لوهلة ثم أكملت وهي تتلاعب بأصابعها أمام وجهه، بتشفي قائلة بتهكم:
ياااا... ملك... أو نقول الملك صاحب العرش الوهمي.
شعر بغضب كبير، وبلحظة عصبية جذبها من عضديها قائلّا بإحتداد:
بتخرفي تقولي إيه...
توقف للحظة ثم ضغط بقوة على عضديها واستطرد حديثه بقسوة وبسمة سخرية:
أول مرة أسمع إن الراجل له عِدة هو كمان.
بضحكة وجع أطلقتها عهد وبقوة نفضت يديه عن عضديها... وذهبت نحو حقيبة يدها أخرجت ورقة وعادت بها رفعتها نحو وجهه قائلة:
خُد إقرى، الورقة دي من دار الأفتاء نفسها، أقري الشروط كويس عشان تتأكد من كلامي.
أخذ الورقة منها وقرأها تبدلت ملامحه لوهلة كأن جسده بالكامل تصنم تفوه بصعوبه يشعر بالتشتُت، تفوهت عهد بتشفي:
إتسرعت لما محترمتش ذكري فرح وقبل الأربعين كنت عاوز تتجوز، عارف أنا ليه وافقت أتجوزك وطلبتها بنفسي، عشان أشوف منظرك ده، أنا مكنتش فقيهه فى الدين ولا فى الشرع، كل اللى أعرفه زي غيري كتير، عبادات وشوية فقة قليل، بس صدقة جه قدامي شيخ عالتلفزبون وأنا كنت فى رحلة فى بلد عربي، وسمعت سؤال للشيخ واحد بيسأله هو للراجل الأرمل أو المُطلق عِدة زي الست.. منكرش وقتها استهزأت بالسؤال، ومهتمتش بجواب الشيخ، بس لما شوفت حضرتك وأسلوب الضغط، وإنك عاوز تتجوز من غير ما تبين حتي حُزن على فرح، فرح اللى إنت كنت بالنسبة لها قيمة ومكانه كبيرة يمكن، لاء بالتأكيد أعلى مني أنا وبابا وماما... أول وآخر خلاف بينا كان بسببك، عمري ما هقدر أنساه، أظن إنت فاكره كويس... وقتها حتى محترمتش مرضها وفرقت بينا كنت بتجنبها عشان مصرخش فى وشها وأقول لها ده شخص أناني، والأيام أثبتت نظرتي فيك، إنت فعلًا أناني، كل هدفك نفسك وبس...
هفسرلك الكلام اللى فى الورقة، وتقدر كمان تسأل فى مشيخة الأزهر ويأكدوا لك اللى فى الورقة
أنا مُحرمة عليك لحد ما توفي عِدة زوجتك.. لأني أخت المرحومة، شوف يعني كنت تقدر تتجوز أي ست غيري عادي حتى لو فى نفس يوم وفاة فرح،لكن أنا بحكم الشرع... لازم إنت توفي عِدة الزوجه اللى زوجها توفي... يعني أنا مش مراتك ولا لك تحكم عليا بكلمة، وجودي هنا عشان ياسين وبس... وصدقني وجودي هنا مش هيطول... وهاخد ياسين معايا... لقب مُطلقة يديني الحق فى حضانة ياسين بسهولة.
صدمات يتلاقها وعقله يكاد يذهب.. لكن تفوه بسؤال كأنه يود تكذيب ما قالته:
والمأذون...
إبتلع ريقه وعاود السؤال:
والمأذون إزاي كتب الكتاب، هو أكيد فقيه فى الشرع.
تفوهت عهد بضحكة سخرية موجعة لقلبها وضحت ذلك:
المأذون ميعرفش إمتى فرح توفت... مجرد إتنين عاوزين يتجوزا خلصوا إجراءات الجواز وشاف قبول منهم... وللإسف المعلومة ممكن تكون غايبه عن عقل أهالينا... أو طبعًا أهلك اللى حابين راحتك مع زوجة تعوض مكان اللى راحت شابه... أنا بقول تنزل تجيب ياسين من الست والدتك... لأن إحنا مش متجوزين، ولازم وجود مِحرم معانا فى الشقة... عيب وحرام... وإنت مالكش فى الحرام... بتحب الحلال حتى لو هدوس على أحزان غيرك... قولتلك بكرهك وهفضل طول عمري أكرهك يا فاروق.
صدمات وكلمات كفيله بالفتك بعقل فاروق، لكن حاول السيطرة كي لا يفضح نفسه أمامها...
تنفّس بعمق، ثم تحدث ببرود ظاهري عكس الغلايان الذي ينصهر بداخله:
خدي وقتك يا عهد...
بس اعرفي إن اللي بينا… مش هينتهي برفض،أو حتى بكُرهك...
وغادر الشقة بهدوء، تاركًا خلفه امرأةً تقف في منتصف المكان،
بين عقلٍ يرفض، وقلبٍ يكره عن حق.
أثناء نزوله شعر بفوران فى عقله سيُجن... دلف الى غرفة المسبح... ود تهشيم كل شيء حوله... لا بل تهشيم تلك القاسية... خلع سترته ثم مسك طرفي قميصه وشقه تطايرت الأزرار على الأرض، لم يهتم هنالك فوران ناري بجسده، نظر نحو المياة الشبه ثابته،وألقي بجسده فيها...كأنها ستمتص فورانه...ظل أسفل المياة لدقائق غير معلومة...حتى إنتهي تحمُل رأتيه إنقطاع الهواء،ثم رفع رأسه لأعلى،يشهق وهو يستنشق الهواء...ثم ذهب نحو حافة المسبح، ورفع جسده من المياة...
ظل جالسًا على حافة المسبح، الماء يقطر من شعره وكتفيه، ينساب ببطء كأن الزمن نفسه قرر أن يثقل خطاه... رفع يده ومسح وجهه بعنف، وكأنه يحاول نزع ذلك الثقل عن صدره... ظل لبعض الوقت حتى شعر ببرودة فى جسده..
وقف أخيرًا، خرج من المسبح بخطوات مترددة، التقط المنشفة وألقاها على كتفيه دون اكتراث، ثم اتجه نحو المقعد الخشبي القريب. جلس، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، وانحنى برأسه بين كفيه.
عاد صدى صوتها يرن في أذنيه…
لم تكن فقط كلمات واضحة، بل نبرة، إحساس، ذلك الوجع المكتوم الذي رآه في عينيها حين تحدثوا عن ياسين، عن البيت، عن الواجب
ضغط على فكيه بقوة.
أنا مش من حقي أتلخبط… ولا من حقي أضعف.
قالها كأنه يحاكم نفسه، لا يبرر.
نهض فجأة، سار بضع خطوات ذهابًا وإيابًا، أنفاسه متسارعة، ثم توقف أمام الزجاج العريض المطل على الحديقة. كان الليل قد أسدل ستاره، والأضواء الخافتة تنعكس على الزجاج فتُظهر صورته… رجل يبدو ثابتًا من الخارج، بينما داخله فوضى كاملة.
اقترب أكثر، حدق في انعكاسه، قائلًا بصوت خافت حاد:
تمام يا عهد تبقي موهومة لو فكرتي إنك إتشفيتي فيا... أنا فاروق الدباغ. "الملك" ٠٠مش وصف عالفاضي وهتشوفي.
أدار ظهره للزجاج، التقط ملابسه، ارتداها على عجل، كأنه يخشى أن يظل وحده أكثر من ذلك... وقبل أن يخرج من غرفة السباحة، توقف للحظة، نظر إلى المسبح مرة أخيرة… إلى الماء التي شبة عادت للسكون
همس بوعيد:
بس المرة دي… الغرق مش اختيار يا عهد.
ثم فتح الباب، وخرج، تاركًا خلفه صمت المكان…
ومواجهة مؤجلة، لكنها قادمة لا محالة
.... ــــــــــــــــــ
بينما عهد بمجرد خروج فاروق... رغم شعورها بالانهاك لكن داخلها تشعر …بعدم الأمان...لم تهتم بشيء سوا ياسين..ولن يهمها سؤال اجلال أو محي إن ترجلت لأسفل وأخذته منهم...بالفعل لم تتردد وترجلت لأسفل...لحُسن الحظ مازالوا موجودين بغرفة المعيشة.. إبتلعت ريقها، حين نهض محي سائلًا:
عهد إيه اللى نزلك دلوقتي..
قاطعته قبل أن يسألها عن فاروق، فتحدثت بتبرير!
نزلت عشان ياسين... أكيد هيتعب طنط... هاخده معايا.
نظرت لـ ياسين الذي نهض وإقترب منها تبسمت بغصة وإنحنت تحمله وغادرت دون إنتظار... صعدت الى الشقة
، أغلقت الباب ببطء كأنها تخشى أن يُصدر صريره اعترافًا لم تكن مستعدة له.
أنزلت ياسين...ثم أسندت جبهتها إلى الخشب للحظة، أغمضت عينيها، وزفرت نفسًا طويلًا مرتعشًا، كأنها كانت تحبس الهواء منذ دخلت الى الشقة... تبسمت بدمعة لـ ياسين قائلة:
يلا إدخل أوضتك.. وأنا خمس دقايق وهحصلك هنام معاك فى نفس الأوضة.
هلل ياسين، حتى أنه تناسي السؤال عن والده... وذهب الى الغرفة، بينما طاقة إحتمال عهد إنتهت..
قدماها خانتاها... تراجعت خطوتين، ثم جلست على طرف الأريكة دون وعي، حقيبة يدها ما زالت مفتوحة، والورقة التي ألقتها في وجه فاروق مائلة على الطاولة، كأنها شاهد صامت على معركة لم تنتهِ... تفوهت لنفسها تعترف بضعفها:
قوتي كانت قدامه بس…
قالتها في سرها، وهي تشبك أصابعها بقوة حتى ابيضت مفاصلها...
أمامُه كانت صلبة، حادة، لا تُكسر…
لكن الآن..
الآن كل شيء بها يهتز...
رفعت يدها إلى صدرها، حيث يخفق قلبها بعنف غير منتظم. لم يكن خوفًا… كان إرهاقًا... ذلك النوع من الإرهاق الذي يأتي بعد قرار مصيري، بعد أن تقول كل ما أخفيته دفعة واحدة، دون تراجع.
-فرح…
مر طيفها كطعنة باردة في عقلها وقلبها
ابتلعت غصتها، وحدقت في الفراغ... فرح شقيقتها … كانت لها مكانة خاصة في قلبها... وربما لهذا السبب تحديدًا كان غضبها من فاروق أعمق.. لأنه لم يحزن كما يجب، لم ينكسر كما توقعت، وكأن الرحيل كان تفصيلًا، لا فاجعة قاسمة وقاسية...
تحركت ببطء، نهضت، واتجهت نحو غرفة ياسين... فتحت الباب بهدوء، فرأته نائمًا، صدره يعلو ويهبط بسلام ولما لا فهو لا يعرف شيئًا عن صراعات الكبار... اقتربت منه، جلست بجواره، ومسحت على شعره بخفةوتفوهت بحنان:
أنا هنا عشانك… وبس.
همست بها، وكأنها تُقسم لنفسها قبل أن تُقسم له...
لكن الحقيقة المؤلمة كانت أوضح من أي قسم على يقين أن
فاروق لن يترك الأمر يمر هكذا.
نبرته الهادئة الأخيرة لم تخدعها… كانت تعرف هذا النوع من الهدوء، يسبق العاصفة...
نهضت، سحبت الغطاء على ياسين بعناية، ثم عادت إلى منتصف الشقة. المكان بدا أوسع، أبرد، خاليًا من حضوره الجسدي… لكن ثقله ما زال عالقًا في الجدران، في الهواء، في صدرها.
تقدمت نحو النافذة، فتحتها قليلًا، دخل هواء الليل بنسامته الشبة باردة، فارتجفت...
ضمّت ذراعيها إلى صدرها، وقالت بصوت مسموع لأول مرة منذ خروجه:
مش خايفة منك يا فاروق…
ثم صمتت لحظة، وأضافت بصدقٍ مُره:
بس أنا تعبت.
أغلقت النافذة، وأطفأت الأنوار واحدة تلو الأخرى، كأنها تُعلن نهاية جولة… لا نهاية حرب... ذهبت نحو غرفة ياسين... تمددت على الفراش الآخر، سُرعان ما غفت.
.....ــــــــــــــــــ.
عاد فاروق إلى الشقة، دخل بهدوءٍ محسوب، ذلك الهدوء الذي لا يشبه الطمأنينة بقدر ما يشبه قرارًا أُحكم إغلاقه داخل الصدر. أغلق الباب خلفه دون صوت.. كانت الشقة شبه مُظلمة، لأول مرة يشعر بالبرودة وهو في الشقة...مرر يده على وجهه، زفرة ثقيلة خرجت منه رغماً عنه، ثم اتجه نحو غرفة ياسين... فتح الباب بمواربة جزء صغير،كما توقع عهد لم تهتم،وجلبت ياسين... رأه نائمًا بعمق، ملامحه هادئة، بريئة، لا تعرف شيئًا عن تلك الحرب الدائرة باسمه... ألقي نظرة على الفراش الآخر بالغرفة... تنهد بجمود وقسوة...
أغلق الباب بهدوءٍ أشد، واستدار.
وقع بصره على الردهة… ذهب نحو الأريكة أشعل ضوء جانبي...نظر نحو الطاولة، الورقة التي ما زالت هناك..، جذبها ثم أعاد قراءتها مرة أخرى بتدقيق... الكلمات لم تتغير، لكن وقعها كان أثقل، كأنها تُقرأ الآن بعقلٍ أكثر حذرًا..
وضع الورقة على الطاولة مرة أخرى، ثم إضجع بظهره على الأريكة، وأسند ظهره، وحدق في السقف...
لم يكن فقط غاضبًا هذه المرة… كان يُفكر...
عهد ليست امرأة عابرة...
ولا كل ما قالته كان انفعالًا عابرًا...
أدار رأسه ببطء، وكأن صوته يصلها رغم غيابها قائلًا بتوعد وإصرار:
فاكرة إنك سبقتيني بخطوة… بس الحرب لسه ما بدأتش...
نهض أخيرًا، اتجه نحو غرفته، أغلق الباب خلفه، وترك الردهة غارقة في صمتٍ ثقيل...
وفي قلب الشقة، كان الليل شاهدًا على عودة رجلٍ لن يعتذر…
بل ليُعيد ترتيب اللعب على طريقته.
❈-❈-❈
بغرفة نوم محي
نظرت إجلال إلى محي بحيرةٍ ثقيلة، وكأن سؤالًا يضغط على صدرها منذ دقائق حتى لم تعد قادرة على كتمانه...
تحدثت بصوت حائر بعدما فاض ما بداخلها:
مش عارفة ليه… لما شوفت عهد قدامي حسيت بصدمة... المفروض دي أول ليلة ليها مع فاروق.
تنفس محي ببطء، أطلق زفرة طويلة ثم سحب نفسًا طويلًا بتثاقل، وعيناه مُعلقتان بها كأنهما يحملان الإجابة التي لا يريد نطقها... ثم تفوه بصوتٍ هادئ لكنه حاسم:
لأنكِ كنتِ فاكرة إن الموضوع هيعدي ببساطة… جواز وخلاص... بس اللي شوفته في عين عهد ماكانش عين ست داخلة على ليلة فرح.
رفعت إجلال حاجبيها، توتر صوتها وهي تسأل بإستفسار:
أمال كان إيه.. أنا شفت خوف… شفت واحدة كأنها داخلة على محكمة مش على بيت جوزها.
هز محي رأسه ببطء، مرر يده على ذقنه الخشنة قائلًا:
عهد عمرها ما كانت ضعيفة، بس اللي اتفرض عليها أكبر منها...كمون فاروق داخل الجوازة دي وهو فاكر إنه كسب، وهي داخلة وهي حاسة إنها بتتسلب.
ابتلعت إجلال ريقها، وهمست:
بس فاروق… بيحبها.. ولا على الأقل شايفها مراته.
ضحك محي ضحكة قصيرة بلا روح:
فاروق بيحب السيطرة... بيحب يحس إن كل حاجة تحت إيده… حتى المشاعر.
سكت لحظة ثم أكمل بنبرة أخطر:
أول ليلة مش دايمًا بتبقى بداية، أحيانًا بتبقى كسر... والسؤال مش هي أول ليلة ليهم...
السؤال الحقيقي… مين فيهم هيطلع منها.
ساد الصمت بينهما لثواني، صمت ثقيل كأنه اعتراف غير منطوق...
حركت إجلال رأسها بعصبية، ثم قالت وهي تحاول التماسك:
يعني إنت شايف إن الليلة دي مش هتعدي بسهولة.
نظر لها محي نظرة جانبية، فيها شيء من القسوة وشيء من المعرفة:
مفيش حاجة في الجوازة دي سهلة من أولها... عهد مش داخلة بقلبها، وفاروق… مش داخل بنية يطبطب.
تنهدت إجلال، جلست على طرف الفراش وكأن قدميها لم تعودا تحملانها:
أنا خفت عليها... وهي واقفة قدامي حسيت إني شايفة بنت صغيرة اتزقت جوه حياة مش بتاعتها.
اقترب محي منها وضم كتفيها ، صوته خفت لكنه صار أعمق:
الخوف الحقيقي مش عليها بس… الخوف من اللي الليلة دي هتسيبه جواها... في حاجات أول ما تتكسر ما بترجعش زي ما كانت.
رفعت عينيها إليه بسرعة:
تقصد إيه.
ابتسم ابتسامة جانبية خالية من المرح:
أقصد إن بعد الليلة دي، عهد يا هتبقى أقوى من الكل… يا هتتعلم إزاي تقفل قلبها كويس.
سكت قليلًا ثم أضاف بنبرةٍ حاسمة:
وفاروق.. لو فاكر إنه هيكسبها بسهولة، يبقى لسه ما عرفش هو دخل مع مين.
انقبض قلب إجلال، وهمست وكأنها تحدث نفسها:
ربنا يستر… الليلة دي شكلها بداية حرب مش جوازة.
أجابها محي وهو يعتدل على الفراش:
والحروب يا إجلال… دايمًا بتبدأ في. بمناواشات... بلاش تشغلي نفسك بيهم، الوقت بينهم كفيل يغير مشاعرهم... ويمكن اللى بدأ بمناوشات يتتهي بسلام لما القلوب تتألف.
❈-❈-❈
فى الصباح الباكر لم يستطيع فاروق النوم ولا حتى الهدوء وعقله مشغول بما قالته عهد، كيف تغافل عن ذلك... لام نفسه... نهض وفتح خزانة الثياب، بدل ملابسه بأخرى ولم ينتظر عليه التأكد باليقين.
بعد وقت دلف الى مشيخة الأزهر، طلب أحد شيوخ الفتوى...
جلس معه، سُرعان ما حكى له عن ذلك الزواج... وعن صحته...
وضح له الشيخ قائلًا:
فعلًا الزواج ده باطل شرعًا وقانونًا... فى حالات الشرع أجاز عِدة للرجل، قبل الزواج...
مثل زواج...أخت الزوجة السابقة...أو خالتها...او عمتها فى حالة الطلاق
لازم مرور مدة عِدة الزوجه السابقة.
-والسبب.
هكذا سأل فاروق وأجابه الشيخ، بتلك الآيه القرآنية
{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [سورةالنساء:23] .
وفي حالة وفاة الزوجة السابقة يجوز الزواج من أختها فورًا لإنقطاع الصلة بالوفاة.
-مش فاهم الزواج فى حالة وفاة الزوجة من أختها حلال ولا لازم عِدة.
هكذا سأل فاروق... وأجابه الشيخ:
العِدة مجازًا حتى كنوع من الحُزن على المتوفية... وليه التسرُع... لابد من مُراعاة المشاعر.
بعد وقت خرج فاروق من مشيخة الأزهر.. داخله صراع... لكن حسم أمره سيساير عهد، حتى يصل لقلبها، ومثلما طلبت الزواج منه كي تتشفي به، سيجعلها راغبة بذلك الزواج.
❈-❈-❈
أصبحت الأيام تمُر... بعد أكثر مرور شهر ونصف
مساءً
بشقة محسن
خرجت رابيا من الحمام تنظر الى ذلك الترموميتر بيدها، تنتظر بترقُب ها هي النتيجة تظهر أمامها بوضوح لا تحتمل شكًا همست بخفوت:
حامل.
وضعت إحد يديها على بطنها...مشاعر مُضطربة كالمرتين السابقتين...لكن هذه المرة تشعر بإختلاف...حياتها مع محسن بالفترة الأخيرة مختلفة...هادئ ولطيف..حتي انها تشعر أنه أقترب منها وأصبح بينهم لغة حوار غير السابق...
تبسمت،وهي بداخلها تتمنى:
نفسي فى ولد المرة دي.
سُرعان ما لامت نفسها:
ولد زي بنت محسن مش بييفرق معاه..
وأعترضت مرة أخرى:
برضوا مفيش مانع أتمني ولد يبقي أخ للبنات،وسند لـ محسن.
بين همس واعتراض لم تنتبه لدخول محسن الا حين وضع يده على كتفها قائلًا:
بنادي عليكِ ليه مش بتردي سرحانه فى إيه.
أخفت الإختبار خلف ظهرها قائلة بمراوغة:
أبدًا مش سرحانه.. كنت محتاج حاجه.
أجابها بهدوء:
أيوة، أنا عندي عشا عمل مع عميل... وإحتمال أتأخر، بلاش تستنيني نامي إنتٌ.
أومأت برأسها، بينما تبسم محسن قائلًا:
تمام طلعي لي بدلة وقميص على ما أخد شاور عالسريع.
بعد قليل تبسم محسن لـ رابيا وهي تجلس على الفراش تنظر لإنعكاسه في المرآة وهو ينتهي منن تصفيف شعره ثم نثر عطره... كان وسيمًا أنيقًا... رغم إستغناؤه عن رابطة العُنق التى تعلم أنها تُسبب له إختناق أحيانًا... لوهلة أرادت أن تقول له لا تذهب وإبقي معي حتى لو لكي أنظر لك فقط... لكن إنتبهت حين وضع يده على كتفها وضحك قائلًا:
برضوا سرحانه، إيه اللى شاغل عقلك أوي كده، عالعموم هعرف لما أرجع، أو بكره الصبح... لازم أمشي دلوقتي.
جحظت عينيها حين شعرت بأنفاس محسن فوق وجنتتها كذالك تلك القُبلة الناعمة فوق وجنتتها ثم إنصرافه... خفقات قلبها تعقبت مع خُطاه... عقلها يستوعب فى ذهول، تبدُل حال محسن معها بالفترة الأخيرة...
لكن فاقت من شرودها على تردُد صوت والدتها حين أخبرتها بتبدل حال محسن معها، فقالت لها:
لا يكون تغيره ده فى دماغه حاجة زي جوازة تانيه...إنتِ لازم تخلي بالك وفتشي فى هدومه،وتبقي شاطرة لو فتشتي فى موبايله.
-جوازة تانية
كلمتان مُرعبتان... خفق قلب رابيًا بخوف أن تصدق حدث والدتها
…لكنها تماسكت سريعًا، طردت الفكرة من رأسها بعناد، وهمست لنفسها وهي تعاود الجلوس على طرف الفراش:
لا… محسن مش كده.
نظرت إلى الباب الذي أغلقه خلفه، ثم إلى الاختبار المخفي في يدها، أخرجته ببطء كأنها تخرجه من سر..
عادت تضع كفها فوق بطنها مرة أخرى، هذه المرة بحنوٍ أكبر، وكأنها تحتمي بما بداخلها.
حاسه إنك ولد يمكن ربنا باعتك عشان تطمني… أو عشان تربطنا أكتر.
نهضت، تقدمت نحو المرآة، نظرت في انعكاسها طويلًا...
امرأة تحمل خوفًا، وأملًا، وغيرةً لا تريد الاعتراف بها… لكن قلبها، رغم كل شيء، كان يميل للتصديق لا للشك...
اقتربت من الخزانة، فتحتها قليلًا ثم أغلقتها فورًا، كأنها تخجل من الفكرة نفسها...
هزّت رأسها بقوة قائلة بنهي:
لأ… مش هفتش. اللي بيني وبينه أكبر من وسوسة.
لكن الكلمات المرعبة عادت تدقّ رأسها بإلحاح:
جوازة تانية…
تنفست بعمق، وعادت تضم بطنها بحمايةٍ غريزية:
حتى لو في حاجة، أنا مش لوحدي.
جلست على الفراش، أطفأت النور، وتركت الغرفة تغرق في سكونٍ تام…
سكون يحمل بداخله سرًا صغيرًا، قادرًا إما أن يُنقذ كل شيء…
أو يفتح بابًا لم تكن مستعدة له بعد.
❈-❈-❈
بالنادي الرياضي
بعد إصرار من نديم على مباراة بينهما، قبل المباراة فاجئها بسؤال كان كصفعة خفيفة:
هتفضلي كده لحد إمتى.
صمت للحظة، ثم قالت بسؤال:
كده إزاي.
أجابها ىمراوغة لكسب بعض الوقت معها: بس مش متعود أشوفك كده.
- كده إزاي؟
كان سؤالها اقترب منها خطوة، وكأنه يتحداها تنفس بعمق:
بتتهربي مني.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا مرح قائلة بثبات:
وهتهرب منك ليه الهروب محتاج سبب، يا نديم.
تقدم خطوة أخرى، المسافة بينهما تقلصت، وكأن المكان كله اختفى ولم يبقى سواهما وأجابها بمكر:
وإنتِ فاكرة إن السبب مش واضح.
تصلبت ملامحها للحظة، ثم قالت بهدوء موجع:
الوضوح أحيانًا بيكون كذبة مريحة.. بنصدقها عشان نعيش الوهم.
ساد صمت من جديد، لكن هذه المرة كان محمّلًا بببعض الأحاديث
في عينيه سؤال، وفي عينيها ألف إجابة مؤجلة..انتهت تلك النظرات حين
أعلن الحكم بداية الجولة، فالتفتت يارا سريعًا، التقطت الكرة، وقالت دون أن تنظر خلفها:
ركز في اللعب يا نديم… الأحاسيس الوهمية مش بتكسب ماتشات... أخرها هتفوق على مفيش.
تبسم نديم يفهم معني حديثها، لكن هو أصبح على دراية بمشاعره... كذالك مل من صد يارا، ولابد من أخذ خطوة.
❈-❈-❈
ليلًا بشقة فاروق
فتحت عهد باب الشقة ثم دلفت بهدوء لكن إنصدمت حين
رأت فاروق يجلس على أحد مقاعد الردهة...
فكرت بتجاهله.. لكن هو رفع رأسه ببطء، نظر لها من أعلى لأسفل، تلك النظرة التي لا تحمل إعجابًا خالصًا ولا رفضًا صريحًا، بل شيئًا بينهما… شيء اسمه الضيق.تحدث باستهجان:
كنتِ فين.
شعرت بالضيق من نظرته لها كذالك طريقته فى السؤال لكن أجابته:
كنت فى حفلة تبع شركة الطيران اللى بشتغل فيها.
-وخدتي الاذن من مين قبل ما تخرجي
قالها وهو ينهض، صوته هادئ لكن مشدود كوترٍ على وشك القطع.
وقفت عهد مكانها، لم تتراجع، فقط رفعت ذقنها قليلًا قائلة:
مش محتاجة أخد إذن من حد.
اقترب خطوة، المسافة بينهما صارت خانقة تشنج فكه، مرر يده على عنقه بعصبية، وتحدث بنبرةٍ أخفض لكنها أكثر حدة، مُرددًا أجابتها عليه:
مش محتاجة أخد إذن من حد... تمام.. كمان مش عاجبني لبسك.
ابتسمت ابتسامة خفيفة بلا دفء:
ماخدتش رأيك فى لبسي، وأنا شايفة أنه مناسب ليا ومحترم. .. وعن إذنك أنا راجعة مصدعة.
كادت أن تتجه نحو الغرفة التي تمكث فيها مع ياسين، بخطواتٍ متعجلة، وكأنها تهرب من شيءٍ يضغط على صدرها…
لكن يده انقضت على معصمها بقوة، أوقفها غصبًا....
تأوهت بخفوت، والتفتت إليه بصدمة، فوجدت عينيه مشدودتين، تضيقان بغضبٍ مكتوم... تحدث بصوتٍ منخفض خشن:
رايحة فين لسه الكلام مخلصش.
حاولت أن تسحب يدها، لكن قبضته ازدادت قسوة، حتى شعرت بنبضها يتوجع تحت أصابعه... تحدثت بأمر:
سيب إيدي يا فاروق.
اقترب أكثر، المسافة بينهما أنفاسه الساخنة تلفح وجهها قائلًا بغضب:
هتكسبي أيه يا عهد من تمردك.
رفعت رأسها بتحدي رغم الألم:
هكسب نفسي.
لحظة صمت مشحونة، ثم جذبها خطوة نحوه بعنفٍ غير مقصود، فاختل توازنها للحظة...أصبحب بين مدار يديه
تبسم وهو يشعر برجفتها، لكن كبرياءه منعه من التراجع...
رفع إحد يديه وضعها حول عُنقها من الخلف ثبت رأسها، وبلا إنتظار هجم على شفتيها يُقبلها قُبلة شرسة.
رواية عهد الدباغ الفصل السابع عشر 17 - بقلم سعاد محمد سلامة
﷽
❈-❈-❈
امام غرفة نوم يارا
فتحت الباب ثم وقفت تلف يديها حول.صدرها قائلة بنزق:
خير ايه جابك دلوقتي وإيه اللى معاك ده
أجابها كنان بمرح :
معايا تشكيلة لب ومكسرات قولت بما إن مفيش حد غيرك عانس...قصدي فاضل من غير جواز قولت اجي نكمل سهر ونسمع فيلم كارتون.
تنهدت بضيق وهي تفك ذراعيها قائلة باستهزاء:
فيلم كارتون، ده آخرك أنا مش طفلة، أنا مبحبش أفلام الكارتون.
برخامه أجابها بفرض وهو يدخل الى الغرفة:
خلاص نسمع فيلم رومانسي، أخوكِ عاطفي وقلبه رقيق.
-رقيق..
هكذا إستهزأت يارا ثم أكملت بنفس النبرة:
إنت مش رقيق،إنت ركيك.
ابتسم بقبول وهو يجلس على آريكة بالغرفة،قائلًا ببرود:
يلا شغلى التلفزيون يمكن نلاقي فيلم حلو نتسلى فيه.
بالفعل أشعلت يارا التلفاز، ولسوء الحظ كان فيلم رعب، ثم جلست جوار جواره على الآريكه تسحب من تلك المكسرات تضعها فى فمها بينما تضايق كنان فى البداية من ذلك الفيلم، لكن مثلما إندمجت يارا مع الفيلم إندمج هو الآخر، لكن هنالك مشهد ظهر بالفيلم، رغم أنه مُرعب لكن بدأ كنان وصلة من الضحك الشديد... نظرت له يارا باندهاش قائلة:
بتضحك على إيه... ده فيلم رعب والمشهد مُخيف.
مازال يضحك لكن ليس على مشهد الفيلم، بل، على شيء آخر ذكره به ذاك المشهد لخيال المآته الذي يتوسط الحقل
يفتح عيناه كأنه يُراقب الأبطال، تذكر تلك الفتاة المُشعثة... هدأت ضحكته لم تُبالى به يارا وأكملت مشاهدة الفيلم
لم تمر دقيقة حتى خرج صوت صرخة عالية من التلفاز، تزامنت معها شهقة يارا وهي تنتفض فجأة، لترتمي دون وعي بالقرب من كنان فوقع اللطبق من يديه،
ظل كنان في مكانه، نظر ببطء الى تلك المكسرات التى تناثرت على سجاد الغرفة ثم قال ببرود مصطنع:
هو أنا اللي ركيك… ولا إنتِ اللى خفيفة من مشهد إتنفضتي وقعتي المكسرات عالأرض يا غبيه.
تداركت يارا نفسها بسرعة، وهي تعدل جلستها قائلة:
أنا اتخضيت بس! وبعدين متكبرش الموضوع.
رفع حاجبه ساخرًا:
لا لا، واضح جدًا إنك مش طفلة، خالص… طفلة بتستخبى ورا أخوها.
ضربته بخفة على ذراعه وهي تغمغم:
اسكت يا كنان، الفيلم ده مستفز.
عاد المشهد المرعب للظهور، فمد كنان يده ببطء، وسحب وعاء المكسرات من يدها قائلًا:
بما إنك مركزة في الفيلم، ووقعتي الطبق بتاعي أنا هاخد الطبق ده بداله.
نظرت له بحدة قائلة برفض:
على فكرة دي مكسراتي.
هز رأسه بجدية:
لا، دي مكسرات بتاعتي، جمع بتاعتك من عالسجاد.
نظر لها بضيق بنفس اللحظة
انطلق صوت مفاجئ آخر، فصرخت يارا مجددًا، لتلتصق هذه المرة بالوسادة، بينما ضحك كنان قائلًا بصوت عالي:
انتي مرعبة أكتر من الفيلم، والله.
رمقته بنظرة غاضبة قائلة:
لو خوفتني كمان مرة، هقفل الفيلم.
مال نحوها مبتسمًا بمكر:
اقفليه… بس اعترفي الأول، الرومانسي كان هيبقى أرحم.
تنهدت باستسلام وهي تعود بظهرها للأريكة:
المرة الجاية إنت تختار الفيلم… بس لو طلع كارتون، هطردك.
ضحك كنان وهو يمد يده لها بالمكسرات:
اتفقنا… بس اعترفي، العانس دي كانت محتاجة سهرة.
قذفته بنظرة نارية، ثم خطفت قبضة مكسرات من يده:
غور قبل ما أطلعلك أنا فيلم رعب حقيقي.
ضحك مجددًا، بينما عاد صوت الصراخ من التلفاز… لكن هذه المرة، سبقته ضحكة كنان.
ارتفع صوت صرخة جديدة من التلفاز فقفزت يارا واقفة فجأة وهي تشير إليه بغضب:
لااا! اقفل الفيلم حالًا… ده مش طبيعي.
مد كنان يده وأمسك جهاز التحكم عنبُعد قبلها بثانية، وهو يقول ببرود مستفز:
لا، طبيعي جدًا… الخوف بيطلع الحقيقة.
نظرت له بغيظ قائلة:
حقيقة إيه إني قاعدة جنب واحد ركيك ومستمتع.
ضحك بسخرية وهو يبدل القناة عمدًا لقناة أفلام رعب أخرى:
ركيك ده أنا ثابت أعصاب، إنما إنتِ اللي بتصرخي زي صُفارة إلانذار.
اندفعت نحوه محاولة انتزاع جهاز التحكم قائلة:
هات الريموت يا كنان بدل ما أفرجك على فيلم رعب من إنتاجي.
أبعد يده للخلف رافعًا الريموت عاليًا:
لا… إعترفي إنك جىانة الأول.
قفزت محاولة الوصول إليه قائلة بغضب:
قليل الذوق.
جبانة ولسانك طويل… تركيبة خطيرة.
دفعت كتفه بغيظ قائلة:
انت مستفز أوي.
اختل توازنه قليلًا، فسحبها من معصمها دون قصد، لتسقط فوق الأريكة بجواره. تجمدا للحظة… ثم قالت بحدة وهي تحاول النهوض:
سيب إيدي يا حيوان بدل ما أمد إيدي عليك..
ضحك وتركها فورًا، رافعًا كفيه باستسلام قائلًا:
حاضر… خناقة من غير لمس، عشان ما تقوليش استغل الفرصة.
وقفت أمامه تعقد ذراعيها:
إنت جاي تستفزني ولا إيه.
نهض هو الآخر، مواجهًا لها قائلًا:
لا، جاي أرفه عنك، بس واضح إنك بتحبي العصبية أكتر من المكسرات.
ضحكت بسخرية قائلة:
أهو ده اللي بيفكرك إنك ركيك… فاكر الاستفزاز هزار.
اقترب خطوة وهو يرفع حاجبه قائلًا:
وأنا فاكر إنك قوية… طلعتي بتخافي من ظلك.
رفعت إصبعها في وجهه بغضب وتهديد:
آخر مرة تستهين بيا.
- وآخر مرة أجيب مكسرات لواحدة بتعض أخوها لما تخاف.
سحبت الوسادة من الأريكة وقذفتها نحوه بقوة قائلة:
خد دي بدل المكسرات.
التقطها بسهولة وهو يضحك قائلًا:
هو ده آخرك... ده مستوى الخناقة عندك.
خطف وسادة أخرى ولوح بها قائلًا بتحذير مرح:
استعدي… الجولة التانية.
صرخت وهي ترفع وسادة ثالثة:
كنان، قسمًا بالله لو لمستني…
-هتعملي إيه؟
قالها وهو يضحك، لترد بسرعة:
هنفخك وأقول إنك ركيك رسمي.
توقّف فجأة، ثم تحدث بجدية مصطنعة:
لا… دي تهمة خطيرة.
تبادلا النظرات لثانية… ثم انفجرا ضاحكين في نفس اللحظة.
بنفس الوقت إنفتح باب الغرفة، نظرا الأثنين نحو الباب، تبدلت نظرة يارا الى ضعيفة...بينما تحدث كنان بتفاجؤ:
الحج محي.
نظر محي باندهاش قائلًا بعصبية:
لاء بابا،إنت ماشي خلف خلاف فى الشغل تقولي يا بابا وهنا الحج محي،بعدين إيه ده،الاوضة مقلوبة كده ليه،كمان صوت أختك وصل لى أوضة النوم.
إدعت يارا البراءة وذهبت نحو محي تقف جواره قائلة بتمثيل :
هو السبب يا بابا دايمًا بيفتري عليا وبيغِل مني وبيحقد عليا من دون سبب،تصور يا بابا،أقوله شغل لينا فيلم كوميدي ننبسط بيه شغل فيلم رعب،ولما خوفت وارتعشت إتعصب عليا وقلب الأوضة كده.
نظر لها كنان لم يندهش بذلك فذلك ليس أول مرة،لكن حاول الدفاع عن نفسه وككل مرة يتعصب عليه محي بمرح أخفى ضحكته قائلًا بحِدة مُصطنعه:
على أوضتك وممنوع تستقوي على أختك.
نظر باندهاش وحاول الحديث:
مين اللى يستقوى على مين يا بابا،دي مفترية إنت كل مره تصدقها دي كدابة.
أخفي محي بسمته قائلًا بصرامة مُفتعله:
قولت على أوضتك.
إمتثل كنان لذلك وذهب نحو باب الغرفه بنفس الوقت حضنت يارا محي،الذي ضحك بينما يارا أخرجت لسانها بعناد لـ كنان الذي تفوه:
أهي بطلع لى لسانها الكدابه،اللى هتدخل النار وإن شاء الله هتعنس.
ضمها محي ضاحكًا يقول بدفاع:
يارا ألف مين يتمناها.
تهكم كنان بمرح قائلًا:
طبعًا على سُمعتك يا بابا لكن هي يتفات من وشها بلاد بتاع اللاسكواش،عمرك شوفت بنت بتلعب اسكواش،ملهاش فى الانوثة...البنات تلعب تنس طاولة،بلياردوا،تلعب بابچي حتى...
قاطعه محي بصرامة مُفتعلة:
على أوضتك،بدل ما تسهر وتزعج أختك،إشتغل على الصفقات اللى بتاخد قصادها أتعاب من أخواتك،وهما اللى بيخلصوها...وإنت بتتحنجل لهم.
أخفي كنان بسمته قائلًا:
مين الفتان فيهم اللى قالك كده،أنا..
إستدار له محي بنظرة غاضبة..
إبتلع ريقه قائلًا باستسلام:
خلاص رايح اوضتي،أشتغل عالصفقات بلاش تزغرلي كده أنا رقيق وبتأثر.
تنهد محي بصبر...بينما غادر كنان نظر الى يارا قائلًا:
يلا يا حبيبة بابا كفاية سهر،تصبحي على خير.
تبسمت له قائلة بمحبة:
وإنت من أهله يا بابا.
غادر محي وترك يارا... التى تبسمت تشعر بشعور سعيد من إحتواء والدها لها دائمًا، رغم أنه يعلم انها تدعي على كنان... تشعر أنه عزوتها التي تستند عليها دائمًا لا تخشي شيء
ذهبت نحو فراشها لكن صدى كلمة كنان تردد فى رأسها "عانس"
تعلم أنه يقولها بمرح، وليست أول مرة منذ طفولتهم وهو يقول لها ذلك... لكن فجأة شعرت برهبه من تلك الكلمة لاول مرة، رغم أنها مازالت باواخر العشرينيات... لحظة خاطفه مر برأسها موقف حدث قبل ساعات.
بالنادي الرياضي
بعد إصرار من نديم على أن تتناول معه القهوة بعد إنتهاء مباراة جمعتهم وإنتهت بالتعادل... ذهبا الى مطعم مفتوح بالنادي لحظات ساد الصمت
لكن هذه المرة كان مختلفًا…
لا يضغط على الصدر، بل ينساب ببطء، كأنه يمنح كليهما فرصة لالتقاط أنفاس ضاعت منهما..
حركت يارا الكوب بين أصابعها، راقبت انعكاس شعاع الشمس على سطحه،
ثم قالت بهدوءٍ مفاجئ:
إنت طلبت نشرب قهوة مع بعض، أكيد مش عشان تبص لى كده من سُكات.
رفع نديم عينيه إليها، لم يبتسم، لم يراوغ قائلًا بوضوح:
إيه عرفك إني ببص ليكِ، أنا لابس نضارة شمس مخبيه عنيا.
شعرت يارا بالتوتر... فجأة
اتسعت المسافة بينهما للحظة، ليس فكريًا فقط كذالك داخليًا،
كأن ذلك اعترافًا غير مكتمل وقف في المنتصف ينتظر من يبدأ منهما...
- زمان
قالتها يارا بنبرةٍ منخفضة،
كنت مستنية كلمة واحدة… بس منك إنت، مش من حد تاني.
شدّ على فكه، يشعر بندم وكأن الكلمة هزت داخلع
"زمان"
وجعته أكثر مما أراحه حاول التحدث بتبرير:
يارا أنا كان قدامي فرصة وخوفت...
ضحكت ضحكة قصيرة، خالية من المشاعر قائلة:
أكبر كذبة اتقالت ليا … وصدقتها.
صمتت قليلًا، ثم أضافت:
بس لما الثقة بتتكسر مرة، صعب ترجع تااني.
مال نديم للخلف، زفر ببطء تساءل وكأنه يحاكم نفسه قبل أن يُبرر:
وأنا كنت فاكر إن البُعد هيخليني أنساكي… طلع بيقربك أكتر.
نظرت إليه نظرة طويلة،
نظرة امرأة تزن الماضي والحاضر في كفتين غير متساويتين.
- الوجع القديم إنتهي.
قالتها بهدوء حاسم.
وأتبعت بهدوء:
دلوقتي بقيت أهدى،مش خسارة ماتش اللى تأثر فيا،أنا بخلق من هزيمتي عزيمة.. أنا "يارا محي الدين الدباغ".
شعر نديم بآسف، لكن مازال يبحث عن إعتذار قد تتقبله سألها دون أن يهرب بل يفرض نفسه:
يعني ممكن لسه في فرصة تانية.
لم تُجبه مباشرة،
نهضت، أعادت نظارتها السوداء إلى مكانها حول عينيها...
لكن هذه المرة لم تكن درعًا… بل اختيارًا وهي تُجيبه:.
الفرصة التانية أوقات بتبقي أكبر غلطة يا نديم.
قالتها وهي تستدير نصف استدارة،.. ثم تنفست بقوة وعادت تتحدث:
كمان ما بترجعش زي ما كانت الفرصة الأولى… بس ساعات بتخلق شكل جديد.
خطت خطوة مبتعدة، لم تتوقف ولم تنظر خلفها...
تركته واقفًا بين أمل لم يُولد بعد،وخوف من أن يولد ناقصًا.
أما هو،
فأدرك متأخرًا…
أن بعض القلوب لا تُستعاد بسهولة،بل يُعاد اكتشافها،بصبرٍ…وبجرأة الاعتراف بالخطأ.
عادت من ذلك حين شعرت بنغزة في قلبها الخائن الذي مازال لم يطيب من الخذلان القديم...حين ضعفت بالماضي وصارت خلف إحساس مُخادع.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
قُبلة كانت شرسة، سببها الغيظ... إستوعبت عهد ذاك سريعًا شعرت بغضب شديد، وقامت بدفعه بقوة بيديها... إبتعد عن شفتيها لكن تمسك بيديها بقبضة قوية بعدما إستهجنت عليه وكادت ترفع يدها لتصفعها لكن قوته كانت الأعلى تأثيرًا...
قبضة يداه على مُعصميها أضعفت قوتها لكن لم تُضعف لسانها الذي تفوه بغضب:
إنسان معدوم المشاعر أقل وصف ليك هو إنك "وحش" مش بيفكر غير في...
قاطعها ببسمة غضب كانت أشبه بسكين بارد مرسوم على شفتيه، وقال بصوت منخفض لكنه مشحون:
كملي… قوليها للآخر، مش ده اللي دايمًا بتقوليه عني.
شد على معصميها أكثر، فشهقت ألمًا لكنها لم تنكسر، رفعت ذقنها بعناد وعينيها تقدحان شررًا:
وحش… أيوه وحش ما بتعرفش غير إنك تفرض قوتك على اللى قدامك،بس ده مش هينفع معايا...سبق وقولت لك...
قاطعها بقوة ، وصوته خرج أجشًّا كأنه يفرض حقيقة لا تقبل النقاش:
إنسي الكلام اللي قولتيه قبل كده… ومتأكد إنك عارفة كويس إن جوازنا شرعي وقانوني.
توقفت أنفاسها للحظة، وعيناها اتسعتا ليست بذهول، بل غضب مكتوم، لكنه لم يمنحها فرصة للرد، أكمل بنبرة أكثر حِدة:
منكرش إني اتلخبطت من حكاية العِدة دي، بس ده ما يغيرش حاجة… جوازنا قائم، وهيفضل قائم... كان غباء مني لما فكرت بعدها.. قولت مستحيل كنتِ هتقبلي تعيش معايا فى مكان واحد وفي شُبهة حُرمانية... حتى لو. جوازنا بدافع مصلحة ياسين أنا قابل يا عهد.
هزت رأسها برفض، ضحكة قصيرة خرجت منها، لكنها كانت موجوعة أكثر منها ساخرة:
قائم في دماغك بس يا فاروق… إنما في قلبي وعقلي مُنتهي من قبل ما يبدأ...ومصلحة ياسين يبعد عن شخص أناني زيك.
اقترب خطوة، صوته انخفض لكنه صار أخطر:
العقد اللي رابطك بيا غصب عن أي حد… حتى عنك إنتِ.
رفعت نظرها إليه بتحدي، ودمعة خانتها لكنها لم تسقط:
ما ينفعش تجبرني أعيش جوا جواز أنا مش حاسة فيه بالأمان.
تصلب وجهه، وكأن كلمة "الأمان" وخزته، ثم قال بصرامة حاول أن يخفي بها حقيقة هو يعلمها جيدًا:
الأمان.. مش دايمًا إحساس… ساعات بيكون قرار.
إقتربت بغضب تصفعه بيديها على صدره قائلة:
وحش… أيوه وحش... ما بتعرفش غير الأخد، عمرك ما فكرت إني بني آدمه ليها كرامة ومشاعر.
عاد يقبض على يديها بقوة...
اقترب بوجهه منها حتى كادت أنفاسه تحرق وجنتيها، وقال بنبرة حادة:
كرامة.. وانتي فاكرة اللي بتعمليه ده اسمه كرامة.
- أنا لسه معملتش حاجة،إنت متعرفنيش أنا مش ضعيفة زي فرح... دايمًا فاكر إنك تملك كل حاجة…الحاجه الوحيدة اللى ملكتها فيا هي... غضبي وكُرهي.
ضحك ضحكة قصيرة خالية من المشاعر...، ثم ترك معصمًا واحدًا فجأة فاختل توازنها قليلًا، لكنه أمسك بخصرها قبل أن تسقط، لا حبًا… بل سيطرة... وتحدث بايحاء مباشر:
شايفة حتى وأنا بسيبك… برجع أمسكك، .
دفعته بكتفها هذه المرة، نجحت، خطوة واحدة فقط لكنها كانت إعلان حرب:
سيبني، أنا مش لعبة في إيدك، ولا عندي نقطة ضعف بتطلعها وقت ما تحب...
سكن لثانية، نظرة غريبة مرت بعينيه، مزيج من غضب مكبوت ووجع لا يعترف به، ثم قال ببرود متعمد:
وأنا مش بحب الضعف، بالعكس … وقفتِك قدامي بالشكل ده... بتبهرنؤ.ي
ابتلعت غصتها، .
ساد الصمت، ثقيل، خانق…
وصوت أنفاسهما وحده كان الشاهد على معركة لم تنتهِ، بل بدأت لتوها... صمت مشحون، ونظرات متشابكة، وكل واحد منهما يدرك أن هذه المعركة لم تعد عن "زواج" فقط…
بل عن من سينكسر أولًا...
❈-❈-❈
بعد مرور عدة ايام صباح
ككل صباح مازالت عهد لم تتأقلم مع عادات تلك العائلة ولا حتى مع أفرادها.. تتخذ الحذر...حتى أوقات الطعام... مازال داخلها هاجس أنها مجرد فترة لا أكثر وتترك ذلك المنزل،التى أحيانًا كثيرة تشعر باختناق من وجودها فيه..
نهضت من فوق فراشها،وذهبت الفراش الآخر بالغرفة أيقظت ياسين،الذي إستيفظ يبتسم لها...تحدثت بحنان:.
يلا قوم عشان تروح حضانتك وأنا كمان أروح المطار أبدأ شغل من جديد تاني...هترجع من الحضانة على شقة ناناه ميرفت مش عاوزة شقاوة لحد ما أرجع بالليل.
أومأ لها مُبتسمًا...
بعد قليل دلف الإثنبن الى المطبخ،تحدثت عهد:
هحضر فطار،تفطر بسرعة عشان باص الحضانة على وصول.
أومأ بقبول جلس على أحد مقاعد المطبخ بينما إتجهت عهد الى الموقد بدأت بصناعة بعض الطعام...
بينما قبل دقائق إستيقظ فاروق، وخرج من غرفته الى الحمام القريب من المطبخ.. أخذ حمامً باردًا كعادته...
خرج يضع منشفه حول خصره تصل لمنتصف ساقيه، ومنشفة أخري صغيرة جفف بها وجهه ثم وضعها حول عُنقه، لإقترابه من المطبخ توغل الى أنفه تلك الرائحة الخاصة بالطعام.. بفضول أو بالأصح بتعمُد منه ذهب الى المطبخ هكذا بلا إهتمام لارتداء ملابس...
ابتسم حين رأي عهد تقف أمام الموقد ظهرها له ترتدي منامة صيفيه بنصف كُم باللون الأرزق القاتم يتخللها بعد اللزهور الصغيرة باللون الازرق الفاتح وبنطال بلون أزرق موحد... كذالك ياسين يجلس على مقعد أمام طاولة صغيرة بالمطبخ يستمع بكلمات عهد هو الآخر يعطيه ظهره...
منظر جعل قلبه يرتجف بائسًا على فرح ربما لا يتذكر حدوث موقف كهذا، فدائمًا كان فطورهم ومعظم أوقات الطعام كانت مع العائلة... مازالت عهد لم تتأقلم مع أطباع العائلة... أو هاجس آخر هي لا تود ذلك التأقلُم... تظن أنها زيجة وقت وستُغادر، لكن موهومة بذلك لن يحدث ذلك.. تنهد بروية ثم تنحنح قائلًا:
صباح الخير.
بتلقائية من عهد نظرت نحوه.. لكن سُرعان ما حادت ببصرها ونظرت للموقد... تشعر بخجل، لاحظه فاروق فإبتسم، بينما نهض ياسين وتوجه نحو فاروق قائلًا براءة طفل:
صباح الخير يا بابا، عهد بتحضر الفطار، تعالى إفطر معانا.
نظر فاروق نحو عهد التي ظلت صامته، ... اقترب خطوات داخل المطبخ، صوته خرج أكثر ليونة عن قصد:
ريحة الأكل تشهي.
لم تنظر عهد نحوه وإدعت الأهتمام بتحضير الطعام، توترت حين شعرت به يقترب بداخل المطبخ، تركت معلقة التقليب، كي تذهب نحو الثلاجة، لكن لم تنتبه وكادت تتعرقل بسبب نعومة الأرضية تلهف فاروق سريعًا كانت قابعة بين يديه مُلتصقة بصدره العاري، بلا وعي رفعت يديها فوق كتفيه، لحظات مجرد لحظات كان مثل الممسوس من الكهرباء وهي بين يديه مُلتصقة بجسده هكذا، يديها الدافئتين فوق كتفيه تشبثتا به كأنهما تبحثان عن أمانٍ مؤقت.
تصنم كل شيء لثواني قليلة أنفاسه الساخنة لامست وجنتها، وصدره العاري كان أقرب مما توقعت، أقرب مما يسمح به عقلها... نبضه وصلها واضحًا، إيقاعًا قويًا أربك ثباتها... بلا وعي، تشابكت نظراتهما أخيرًا؛ لم تهرب هذه المرة... عيناها ارتعشتا
تحدث بصوتٍ منخفض، يخالطه قلق صادق:
خلي بالك…
لم تجبه. اكتفت بابتلاع ريقها بصعوبة، ثم سحبت يديها سريعًا كأنها تخشى أن يفضح الصوت ما يدور داخل عقلها .... تراجعت خطوة واحدة للخلف، فارتطم ظهرها بحافة الرخامة، أشاحت بوجهها سريعًا، محاولة استعادة توازنٍ تهاوى فجأة.
تراجع هو الآخر، خطوة محسوبة، احترامًا لمساحتها، وإن لم يستطع كبح اضطراب قلبه.. ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة، مرتبكة، وتحدث بنبرة هادئة متعمدة:
الأرضية ناعمة… خدي بالك.
أومأت دون أن ترفع عينيها، وعادت إلى الموقد، التقطت الملعقة وكأنها طوق نجاة، تُخفي خلفه خجلها وتوترها.
جلس ياسين من جديد، غير واغي بتلك اللحظة التي عبرت بينهما كوميضٍ خاطف... أما فاروق…
فبقي واقفًا لثانيةٍ إضافية، يدرك أن ما حدث لم يكن مجرد تعثُر عابر، وأن بعض الصدف حين تلامس القلب تترك أثرًا قد لا يزول بسهولة...
إنشغلت عهد أو بالأصح حاولت إخفاء أرتباكها...أنقذها صوت رنين هاتف فاروق..
تنحنح فاروق قائلًا:
هروح أشوف مين بيتصل على الصبح.
بعد ذهابه.. تنهدت عهد تستنشق بعضًا من الهواء.. كأنه كان يكتم على نفسها.
بعد دقائق عاد فاروق للمطبخ، كانت عهد تجلس بالمقابل لـ ياسين.. جلس فاروق على مقعد ثالث قائلًا:
تسمحولي أشاركم الفطار.
نظرت نحوه عهد سرعان ما شعرت بالغيظ منه، بسبب تركه لمعظم أزرار قميصه مفتوحة وصدره العاري بوضوح من أسفله...شعرت بتوتر،إزداد حين نهض ياسين،قائلًا:
شبعت هروح أجيب شنطة الحضانه من الأوضة.
ظل فاروق وعهد وحدهما مجرد دقائق فقط؟شعرت بمشاعر غير مفهوم منها أنهت تشعر بالاختناق أو ثُقل فوق صدرها...
بينما فاروق عيناه لم تحيد عنها،لاحظ تناولها لبعض أصناف الطعام...تساؤل بفضول:
ليه مش بتاكلي غير بياض الببض بس.
أجابته:
مش بحب الصفار.
إبتسم قائلًا:
غريبه مع إن الصفار له فايدة.
تفوهت عهد بسؤال:
وإيه الغريب فى كده.
أجابها وهو ينظر لها:
غريب إنك تحبي نص الشيء، والنص التاني لاء.
أجابته ببساطة:
عادي،مش غريبه.
نظر لها وإبتسم،ثم ساد صمت لحظات قطعه باسين الذي عاد يحمل حقيبه صغيرة على ظهره قائلًا:
صوت الباص وصل.
نهضت عهد قائله:
يلا بينا...
لكن قاطعها فاروق قائلًا:
خليكِ أنا نازل،وهاخده معايا.
ابتسم ياسين ومد يده لـ فاروق الذي إحتوى يده وغادرا معًا
بينما عهد توجهت نحو شّرفة بالشقة تتبعتهم بعينيها،صعود ياسين لسيارة الروضة كذالك فاروق الذي رفع نظره نحوها،تبسم ثم صعد لسيارته مغادرًا
تنفست عهد،وسريعًا بدلت ثيابها بأخري...ثم غادرت دون إخبار أحد.
بعد قليل كانت بالمطار،تحدثت مع إحد زميلاتها قائلة:
عمدي ظروف الفترة دي،مش هقدر أسافر رحلات خارج مصر هشتغل عالسفر الداخلى جوا مصر.
شملتها زميلتها قائلة:
تمام أنا عندي رحله لفرنسا بعد ساعه،يلا أشوفك لما أرجع ونتكلم براحتنا.
ابتسمت لها وذهبت الى مدرج الطائرات
❈-❈-❈
ظهرً بأحد المطاعم.
كان محسن مشغولًا بإتصال هاتفي...زفر نفسه ثم وضع الهاتف على طاوله أمامه،مجرد دقائق وسمع من خلفه من تتحدث بدلال:
آسفة أتأخرت عليك.
نهض واقفً بذوق قائلًا:
بصراحة أه، أنا مش بحب أنتظر حد يا
جُمانة.
رواية عهد الدباغ الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سعاد محمد سلامة
العهد الثامن عشر "الجزء الأول"
❈-❈-❈
-جُمانة
مُتأسف قصدي أستاذة جُمانة.
ابتسمت برقة قائلة:
ولا يهمك، جُمانة من غير ألقاب أسهل… إحنا مفيش بينا راسميات يا محسن ناسي إننا كنا زملاء فى الجامعة.
قالت ذلك ثم مالت قليلًا برأسها، ونظرتها الهادئة كانت تحمل مزيجًا من اللطف والتحفُظ، قبل أن تضيف بنبرة خفيفة:
متأسفه المفروض لقائنا كان يبقي فى البنك، بس أنا قولت نتكلم خارج المكاتب فى مكان هادي..أفضل .
تردد لثانية، كأنه يحاول ترتيب كلماته، ثم تقدم خطوة وهو يقول بابتسامة خفيفة يخفي خلفها توتر غريب عليه:
لا بالعكس… كده أحسن. البنك دايمًا يخلي الكلام ناشف شوية، وأنا كنت محتاج أتكلم معاكِِ براحتنا.
ثبت نظره عليها لحظة أطول مما ينبغي، ثم أضاف بنبرة أخف:
وبصراحة… وجودك قدامي هنا بعيد عن البنك فكرني بأيام الجامعة أكتر مما كنت متوقع.
لم تفقد جُمانة ابتسامتها، لكنها شبكت يديها أمامها بحركة لا إرادية، كأنها تضع مسافة غير مرئية بينهما، وقالت بهدوء محسوب:
الأيام دي عدت يا محسن، وكل واحد فينا بقى في مكان مختلف. خلينا في سبب المقابلة.
هز رأسه موافقًا، ثم زفر زفرة قصيرة قبل أن يقول:
عندك حق… أنا جيت علشان الملف اللي قدمتيه، فيه شغل كبير ومجهود واضح، وحابب أفهم بعض النقاط منك مباشرة.
أومأت برأسها بخفة، وعيناها تتابعانه بانتباه مهني خالص، قبل أن يُشير بيده نحو الطاولة القريبة:
خلينا نقعد مش هينفع الكلام وإحنا واقفين هيكون أطول.
أومأت برأسها موافقة...
جلسا متقابلين، لحظة صمت خفيفة مرت بينهما قبل أن يفتح محسن الملف، لكن عينيه لم تستقرا على الأوراق طويلًا... رفع نظره إليها فجأة، وكأن خاطرًا قد باغته، وقال بنبرة حاول يجعلها عابرة لكنها خانته قليلًا:
أنا فاكر إن لما كنا فى الجامعة كنتِ مرتبطة.
لم يتغير وجه جُمانة كثيرًا، فقط ارتخت ابتسامتها درجة، وأومأت برأسها بهدوء تام:
أيوه… بس للآسف إنفصلت من فترة.
أغلق الملف ببطء، وكأن المعلومة سحبت انتباهه بعيدًا عن الأرقام،وتحدث بآسف:
متأسف، مكنتش أقصد.
نظرت إليه نظرة ثابتة، لا تحمل وجعًا ولا انكسارًا،أو هزيمة.. فقط نضج امرأة دفعت ثمن تجربة ربما لم تكُن ناجحة.. قائلة بثقة هادئة:
أنا تمام يا محسن، الطلاق مش دايمًا خسارة… أحيانًا بيبقى بداية.
هز رأسه موافقًا، وفي عينيه شيء لم يصل الى إعجاب،كان فقط مجرد فضول، ثم أعاد فتح الملف وكأنه يجبر نفسه على الرجوع للواقع:
واضح إنكِ بقتي أقوى… وده باين في شغلك.
مالت قليلًا للأمام، نبرة صوتها عادت عملية واضحة:
خلينا في الشغل بقى، علشان ده الأهم.
ابتسم ابتسامة خفيفة، وفي داخله اعتراف لم ينطقه: جُمانة التي أمامه الآن، لم تعد تلك الزميلة القديمة التي كانت تمتاز بالحيوية والمرونة كذالك الهدوء والرزانة… بل أصبحت امرأة مختلفة تمامًا... امرأة عملية بحته.
حديث قليل حول العمل، ثم إنسحب بينهم حديث عن بعض ذكريات الجامعة حتي فاجئته بسؤال:
عرفت أنك إتجوزت بعد ما خلصنا دراسة مباشرةً.
لوهلة صمت داخله شعور مُختلف ثم إجابها:
أيوة، أتجوزت بنت خالي.
ابتسمت قائلة:
أكيد جواز عن حُب.
نظر نحوها رسم بسمة بالنسبة لها كانت تؤكد ما تفوهت به،بالنسبة له كانت حِيرة بين قلبه وعقله..
…عقله لو لم يتم زواجهم بذلك النمط، ربما كان اختار طريقًا آخر تمامًا… طريقًا أقل أمانًا، وأكثر صدقًا مع نفسه.
... قلبه... ربما أراد أن يعيش تحربة لوعة الحب والإشتياق
جنب الملف قليلًا، ثم أسند ظهره إلى المقعد،وشعر بوخز فى قلبه فهو تزوج بمرامرة،أخفي ذلك بعقله،قائلًا بنبرة حاول أن يجعلها عادية:
حب يمكن… أو يمكن تعود، أو قرار اتاخد بدري قبل ما الواحد يفهم نفسه كويس.
راقبته جُمانة بصمت، تلك النظرة السريعة التي لا تُدين ولا تُواسي، فقط تُسجل... هزت رأسها بخفة وكأنها تفهم رده
تلاقت أعينهما لثوانٍ قصيرة، كأن الزمن عاد خطوة للوراء ثم تراجع سريعًا... تنحنح محسن وأعاد ترتيب الأوراق أمامه:
تمام خلينا نرجع لبنود الملف… عايزين نخلص النهارده.
اعتدلت في جلستها، عادت المرأة العملية تفرض حضورها، واختفت الطالبة القديمة خلف جدار من النضج والتجربة:
تمام،خلينا نبدأ بالبند الأول.
لكن رغم انشغالهما بالكلمات والأرقام، ظل سؤال واحد معلقًا في الهواء…
هل ما تغير فعلًا هو الزمن..
أم هما فقط من تعلما كيف يُخفيا ما لم يعد مسموحًا له بالظهور.
❈-❈-❈
بالغورية
صدفة قد يقتنصها طامع...
أمام منزل أم صبري توقفت غزال عينيها تتبع تلك السيارة التي تقترب تتمني أن يتوقف الوقت حتى لو دقائق تنظر فيها الى كنان ربما تُشبع عينيها منه.. بنفس الوقت إقترب منها زوج عمتها فى البداية لم ينتبه الى نظرتها، الا حين تحدث كثيرًا… لكنها لم تنتبه له كانت شاردة.
لاحظ ذلك،كذالك لاحظ شرود عينيها، تلك النظرة البعيدة التي لا ترى ولا تسمع من أمامها...
توقف فجأة عن الكلام،للحظات ثم وكزها بكتفها قائلًا بنبرة خافتة:
سرحانة في إيه يا غزال.
انتفضت، كأنها أُمسكت متلبسة بأفكارها، ابتسمت ابتسامة باهتة قائلة بتوتر ونفي:
مش سرحانه...مخدتش بالي قولت إيه.
لكنه لم يقتنع...
العين لا تكذب، وهو يعرف تلك النظرات جيدًا… يعرف معناها حين تطول أكثر من اللازم، وحين يلمع فيها شيء محرم لا يُقال...
ضيق عينيه قليلًا، وتسللت ابتسامة جانبية باردة إلى شفتيه، ابتسامة رجل التقط الخيط ولم يشده بعد...
تحدث وهو يعاود السير ببطء، نبرته متعمدة الهدوء:
كنان يعني.
تجمدت غزال في مكانها، وكأن الاسم سُحب من صدرها لا من فمه... ارتبكت أنفاسها، وسارعت تهز رأسها بنفي مبالغ فيه:
إيه اللي بتقوله ده يا جوز عمتي.. كنان جارنا… وبس... ده ابن الحج محي الدين الدباغ.
ضحك ضحكة خافتة، قصيرة، لم تصل لعينيه، ثم مال قليلًا نحوها، صوته انخفض أكثر:
الجيران ما يتبصلهمش كده برضوا… ولا نتمني الزمن يتوقف عشانهم، دي مش أول مرة ألاحظ نظرة عيونك له.
عضّت على شفتيها في حنق، وعادت تنظر للأمام، السيارة كانت قد ابتعدت، وكنان صار مجرد ظلٍ ينسحب من المشهد… لكن أثره ظل معلقًا في قلبها قبل عينيها...
أما ذلك الطامع فكان يراقب انعكاس خيبتها، ويحسبها جيدًا…
صدفة صغيرة، نعم، لكنها قد تكون كافية لطامع يعرف متى يمد يده، ومتى ينتظر...
سارت غزال جواره بخطوات شبه متزنة، كأن الأرض صارت أضيق فجأة... حاولت أن تجمع شتات نفسها، أن تُعيد تلك الملامح الهادئة التي اعتادت ارتداءها كقناع، لكن قلبها كان يسبقها بخطوتين، يركض خلف سيارة ابتعدت وأختفت..
أما هو، فكان صامتًا على غير عادته… صمتٌ مُريب، يختزن أكثر مما يتحدث..
توقف عند باب المنزل، أشعل سيجارة ببطء، نفث دخانها أمامه ثم التفت إليها بنظرة جانبية فاحصة... قاىلًا بنبرة نُصح باطنها غرض آخر:
الدنيا صعبة يا غزال… واللي ما يلحقش الفرصة، الفرصة ما تستناهوش.
رمقته باستغراب، حاولت أن تبدو غير معنية:
مش فاهمة قصدك.
ابتسم، ابتسامة أوسع هذه المرة، لكنها أثقل… محمّلة بنوايا غير بريئة:
هتفهمي… لما تكبري شوية، أو لما تحتاجي حد يقف جنبك بجد.
تصلبت ملامحها، وشعرت بانقباض غامض في صدرها. لم يعجبها وقع كلماته، ولا نظرته التي تجاوزت حدود القرب المسموح...
خطت خطوة للخلف دون وعي، وكأن جسدها يسبق عقلها في الحذر.
أنا مش محتاجة حد، الحمد لله.
أطفأ سيجارته تحت حذائه، واقترب نصف خطوة، لا أكثر… لكن المسافة كانت كافية لتشعر بالاختناق.
محدش في الدنيا دي مش محتاج، بس الشاطر اللي يعرف يختار.
صمتت... وفي عينيها، بين خوفٍ مكتوم وحنينٍ مكسور، فهم أنها لم تكن ضعيفة… لكنها مشغولة القلب.
والمشغول قلبه… طريق الوصول اليه أسهل مما يتخيل الطامعون.
❈-❈-❈
أثناء قيادته للسيارة لاحظ من إنعكاس صورة بالمرآة الجانبية للسيارة سهل عليه معرفة صاحب ذلك الانعكاس هو ذلك الضعيف الشخصية، زوج أم صبري، لاحظ إشارته له، لم يُبالي بذلك،لكن لاحظ كأن هنالك شخص آخر خلفه، خمن ربما هي أم صبري، شيء داخله مقت من ذلك المنظر للإثنين..
بعد وقت بداخل ممر بالجامعه كان يسير برتابة...لم ينتبه لتلك التي تُنادبي عليه،لم بنتبه الا حين وضعت يدها على ذراعه...
توقف ينظر لها رسم بسمه خفيفة،لتلك التي تتحدث بثقة مبالغ فيها، بينما هو يستمع بنصف انتباه... عيناه لم تكن عليها…كأنه يبحث عن شخص آخر.
لاحظت راندا ذلك، فاعتدلت في وقفتها قائلة بحدة خفيفة:
أستاذ كنان إنت مش سامعني كأن دماغك مشغولة ومش منتبه لكلامي..
نظر إليها أخيرًا، ابتسم ابتسامة سريعة قائلًا بنفي:
لا.. سامعك، كملي.
لكنها أدركت أن هناك شيء خطف انتباهه، ولو من بعيد... لكن لم تعرف لك الشيء... تعمدت التحدث بدلال حتى تلفت انتباهه بالكامل:
كنت بقول لحضرتك...عيد ميلادي بعد أسبوع وعامله حفله صغيرة كده فى البيت عندنا فى الغورية ،وعازمه كل الناس القريبة مني..وإنت..
توقفت تدعي الخجل للحظات ثم أخفضت وجهها بحياء مُصطنع:
قصدي طبعًا حضورك تشرفنا يعني.
رفعت عينيها له ببطء، نظرة محسوبة بعناية، فيها دلال أكتر ما فيها خجل، وكأنها تختبر أثر كلماتها عليه..
بنفس الوقت كان بعض الطُلاب يندفعون كي يلحقوا محاضرتهم.. دون إنتباه أحدهم إصطتدم بـ راندا،لعدم إنتباهها كادت أن تصتطدم بصدر كنان لكن
كنان عاد للخلف، والتصق ضهره على الحائط،وهي إعتدلت،تذم زميلها فى صدرها... نظراته استقرت عليها بثبات مختلف عن سرحانه السابق...
-الحفله في الغورية.
سألها بنبرة هادئة، لكن اهتمامه كان واضحً.
هزت رأسها بخفة، وابتسامتها اتسعت كأنها التقطت الخيط:
آه… بيتنا هناك، حفلة بسيطة مقتصرة، على العيلة والصحاب… يعني مفيش تكلف.
صمت لحظة، لكنها شبه تحايلت بنعومة مقصودة:
وجودك هيبقى تشريف كبير ليا.
ابتسم كنان ابتسامة جانبية، قصيرة، بها شيء مقروء قائلًا:
واضح إنك مجهزة الدعوة كويس.
ضحكت بخفة، ضحكة أنثوية مدروسة:
أصل عيد الميلاد مايتعوضش… خصوصًا لما الواحد يحب يفرح مع ناس مهمة فى حياته.
نظر لها مطولًا، وكأنه يزن الجملة الأخيرة، ثم قال بنبرة لا تخلو من الغموض:
هشوف ظروفي… وأبلغك قبلها.
ورغم إنها حافظت على ابتسامتها، إلا إن عينيها لمعت بانتصار صغير…يكفي إنها قد تستحوز أخيرًا...
مالت قليلًا للأمام، نبرة صوتها بقت أهدى وأقرب، كأنها تغلق الدائرة عليه يشبه رجاء:
أكيد… طبعًا ظروفك مهمة... كمان حضورك حفلة عيد ميلادي شيء مهم بالطلنسبة لى.
عقلها كان يصور لها موافقته دون تحايُل منها هكذا،لكن خاب توقعها...بينما .
كنان لم يكُن سهلًا كما توقعت ويوافق فورًا، تنهد وسألها وكأنه سؤال عابر:
مين هيبقى موجود
رفعت كتفها بخفة مصطنعة:
شوية قرايب… وصحاب من الجامعة… ناس بتحبني.
وتداركت بسرعة، بنعومة فيها قصد:
أهلى وأصحابي وبعض المعارف يعني.
رفع حاجبه، ابتسامة خفيفة لمست طرف شفته:
أهل ومعارف وبعض أصدقاء والدك... طب حضوري هيبقي بأي صفة.
ابتسمت، ورفعت عينيها بثبات محسوب:
مش لازم وجود صفة، بس وجودك يفرق معايا .
ساد صمت قصير، قطعه
كنان أخيرًا بعدما وزن كلامها برأسه
تمام إن شاء الله هحاول أحضر.
قلبها دق أسرع، لكن ملامحها ظلت هادية:
بجد...بجد مبسوطة أوي وهكون أسعد لما تحضر الحفلة.
تبسم وهو يمُر جنبها،لكن توقف جزء من ثانية، وقال بنبرة أقرب للتحذير منها للدعابة:
بس ماتزعليش لو اتأخرت،لأنى مش متعود عالحفلات دي..
لفت وجهها له، ابتسامتها كانت أهدى وأعمق:
المهم تيجي… ولو على آخر الحفلة.
أومأ رأسه
غادرت من أمامه، وخطواتها كانت واثقة، وهي داخلها متأكدة من حاجة واحدة:
السرحان الذي كان في عينيه… أصبح ليها نصيب منه الآن.
تركته وغادرت وهي تحتفظ بابتسامتها لآخر لحظة، حين ابتعدت عن مجال رؤيته سحبت نفسًا طويلًا، كأنها كانت تحبس روحها...
همست لنفسها بثقة:
متأكدة دخلت دماغك… خطوة خطوة هتلين وهشكلك على مزاجي يا إبن محي الدين الدباغ، أنا اللى هخليك تيجي لحد عندي من غير ما أطلب، هتفتكر إنك المسيطر، وإن كل خطوة منك محسوبة… ومش هتاخد بالك إني سابقة بخطوتين.
عدّلت وضع حقيبتها على كتفها، واستقامت أكثر، عادت الملامح هادئة كأن شيئًا لم يكن، لكن بداخلها ضجيج انتصار صغير...
بداخلها تظن أن هذا النوع من الرجال؛ الصامتون، المتحفزون، لا يعطون مساحة لمن أمامهم بسهولة
بينما كنان ، ما زال واقفًا مكانه، عينيه متسمرتين في الفراغ التي تركته خلفها
هزّ رأسه بخفة، كأنه يُرحب بفكرة اقتحمت عقله فقط.
بينما وقفت راندا مع إحد صديقاتها تأخذ منها الهاتف نظرت الى تلك الصورة قائلة بعصبية:
إيه الغباء ده، معرفتيش تاخدي صورة أوضح من دي... الصورة تبان عادية، إتنين واقفين قصاد بعض.
ردت صديقتها:
ما اهو كنان رجع لورا، وإنتِ مقربتيش منه، زي ما كنا متفقين انك تسندي على صدره، عشان تبان الصورة انك فى حضنه.
زفرت راندا نفسها بغضب قائلة:
للآسف هو خد حذره ورجع لورا وأنا خوفت أقع هيبقي منظري إيه، المهم جزء من الخطة اتحقق، شبه وافق على حضور عيد ميلادي، وسهل أنفذ الجزء ده فى حفلة عيد ميلادي، بعدها... هنشر صور تجمعني معاه، والصور تنتشر فى الجامعة مع شوية كلمات وإشاعة إرتباط وقتها إبن الدباغ هيقع فى قبضة إيدي.
❈-❈-❈
ليلًا
سحبت اجلال طرفي الستائر، ضمتهما على بعضهما ثم تنفست بقوة... لاحظ محي ذلك... تمدد على الفراش قائلًا:
مالك بتتنفسي بقوة كده ليه.
توجهت نحو الفراش وتمددت لجواره قائلة:
عهد.
استغرب ذلك سائلًا:
مالها عهد.
أجابته بتوضيح:
لسه راجعه مع ياسين.. أكيد كانت عند بيت اهلها... كل يوم كده تخرج من الصبح ترجع المسا، زي ما يكون بتتجنب وجودنا... مش راضية اتكلم معاها، …أوقات بحس إنها شايلة مننا، منزوية.
سكتت لحظة، وعينيها ثابتة في السقف كأنها تبحث عن إجابة مُقنعه...
اعتدل محي على الفراش، سند على كوعه ونظر لها بتركيز قائلًا:
وهتشيل مننا ليه ، بلاش توهمي نفسك، كل الحكاية مسألة وقت
ابتسمت إجلال ابتسامة باهتة، أقرب للتنهيدة: ما هو ده اللي مقلقني… عهد مش من النوع اللي بيتعود عالناس بسرعة عكس فرح إتأقلمت معانا بسرعة.. قلبي حاسس إنها حتي مع فاروق بنفس التحفُظ، أوقات بديها حق ان طريقة جوازهم اللى تم بسرعة ومفاتش وقت على وفاة فرح، لهم تأثير على رد فعلها، حتي فاروق أوقات بحس إنه شايل فى قلبه، رغم اننا عارفين ان مشاعره اتجاة عهد قوية.
لفّ محي وجهه نحوها، فكر ثواني قبل ان يقول بتفسير :
زي ما قولتي ظروف جوازهم،كمان عهد مش نفس طباع فرح... يمكن محتاجة وقت… أو يمكن حاسة إنها غريبة هنا مع الوقت هتتأقلم...بلاش تشغلى عقلك،أنا حاسس إنك متوترة فى الفترة الأخيرة.
تنهدت بضجر قائلة:
حاسه بزهق وملل...حتى حال يارا تاعب أعصابي،رفضها للعرسان ولما اتكلمت معاها مخدتش منها كلمة مفيدة،والعمر بيجرى،دي بنت مش ولد.
ضمها محي لصدره قائلًا:
كل شئ بوقته يا اجلال انا حاسس ان أعصابك تعبانه،إيه رايك نروح نعمل عُمره،اكيد أجواء الحرموهتهدي أعصابك.
اومأت رأسها بموافقة...قائلة:
نروح حاسه بخانقه،وايه رأيك ناخد أم صبري معانا،كانت كلمتني ووعدتها ناخدها معانا.
تفوه محي بسؤال تجي معانا مش مشكله،بس بنت اخوها هتسيبها لمين ... دي بنت ومتنسيش ابو صبري وإبنه اغراب عنها.
فكرت اجلال لحظات ثم قالت:
وماله ناخدها معانا العُمره اهو كله ثواب لينا.
❈-❈-❈
باليوم التالي صباح
بشقة فاروق
دلف ياسين الى المطبخ، تبسمت له عهد وهي تضع آخر طبق للطعام قائلة:
خلصت تحضير الفطار يلا...
قاطعها قائلًا ببراءة طفل وهو يجذب يدها للسير معه :
وبابا لسه نايم تعالي نصحيه يفطر معانا، عشان أنا عاوز أطلب منه طلب.
مسكت عهد يده بإعتراض قائلة:
طلب إيه قولى وأنا هعمله.
إعترض ياسين ببراءة قائلًا:
لاء أنا عاوز بابا، تعالي بس معايا.
غصبً سارت مع ياسين نحو غرفة النوم الثالثة، توقفت كان الباب مواربً دفعه ياسين، نظرت الى الداخل شعرت بحياء
كان فاروق نائمًا على جانبه، أنفاسه منتظمة، وظهره العاري يلمع تحت ضوء الصباح الخافت... توترت عهد حين سحبها ياسين الى الداخل توقفا جوار الفراش، زاد توترها حين ترك ياسين يدها وصعد على الفراش إنحنى على أذن فاروق قائلاً بمرح:
بابا… اصحى.
تحرك فاروق ببطء، فتح عينيه على ابتسامة ابنه، فابتسم بدوره وهو يتمطئ:
صباح الخير يا بطل.
ابتسم له ببراءة قائلًا:
انا وعهد جينا نصحيك عشان تفطر معانا كمان...
صمت ياسين، وإقترب من أذن فاروق همس له ببعض الكلمات.
تبسم فاروق وأومأ رأسه بموافقة... بينما دخل الفضول الى عهد وتحدثت وهي تنظر لـ ياسين بعتاب واهي:
وشوشت باباك قولت له إيه... تمام مش عاوزني أسمع أنا ماشية و...
إنقطع حديثها حين إستدار فاروق فجأة وجذب يدها لعدم إنتباهها إختل توازنها سقطت نصف مُمددة على الفراش ساعداه يحيطان بها ليمنعاها من السقوط الكامل تجمد الزمن لثواني.. شهقة عهد خرجت مرتجفة، شفتاها المنفرجتان وعيناها المتسعتان كانتا أول ما وقع عليه بصره... شعر بتصلُب أنفاسه دون إرادة، وتوقف عقله عند قربها المفاجئ… أقرب مما ينبغي...
أما هي، فكان عقلها في غفوة حقيقية؛ لا تسمع سوى دقات قلبها، ولا ترى سوى ملامحه القريبة، دفء أنفاسه، وثقل حضوره....مشاعر مضطربة يشعر بها الإثنان... إزدادت حين إنخفض فاروق بوجهه منها وكاد يُقبلها لكن
تدخّل صوت ياسين ببراءة كسر حدة اللحظة:حين تحدث بعدم فهم:
بابا؟ إنت نايم فوق عهد ليه.
انتفض فاروق سريعًا، اعتدل في جلسته وكأنه أفاق من حلم مباغت، بينما ابتعدت عهد على الفور، جلست على طرف الفراش وهي تعدّل خصلات شعرها بارتباك واضح.
تنحنح فاروق محاولًا استعادة رباطة جأشه قائلًا بتبرير:
لا يا حبيبي، عهد كانت هتقع بس.
نهض ياسين من على الفراش وقال بحماس:
طب يلا بقى نفطر، عشان الطلب.
وقفت عهد بسرعة، تجنّبت النظر إليه، وقالت بصوتٍ خافت:
أنا… أنا هرجع المطبخ.
خرجت بخطوات سريعة، وكأن الجدران تضيق عليها، بينما بقي فاروق مكانه لثواني، يمرّر يده على وجهه زافرًا، مدركًا أن تلك اللحظة العابرة لم تكن عادية… ولن تُمحى بسهولة.
وفي الخارج، وقفت عهد تستند إلى رخامة المطبخ، تضع كفها فوق صدرها، تحاول تهدئة قلبها الذي خانها فجأة، وتهمس لنفسها:
إيه اللي حصل ده…؟
لكنها، رغم محاولتها الإنكار، كانت تعلم أن شيئًا ما تغير.
شيئًا بدأ… ولن يتوقف عند هذه اللحظة.
❈-❈-❈
بالمطبخ
مازالت عهد تشعر بالتوتر مما حدث قبل قليل، وبخت نفسها بهمسٍ مضطرب:
إيه اللي دخلك الأوضة دي أساسًا كان كفاية ياسين يدخل يصحيه.
زفرت نفسها ببطء، تحاول تهدئة خفقان قلبها، لكن الإحساس بالارتباك ظل عالقًا بها، كأن اللحظة لم تنتهي بعد... حاولت تمالك نفسها... حين دخل فاروق يتقدمه ياسين بمرح طفولي..
رفعت عهد رأسها على الفور،جلست خلف طاولة الطعام اعتدلت في جلستها محاولة إخفاء ارتباكها.
بيما توقف فاروق للحظات عند العتبة، عينيه تتجولان عليها بنظرة مُشتاقة... كم ود أن يتوقف كثيرًا عند تلك اللحظة.
إقترب منها ياسين تبسمت له وحاولت التركيز معه وتجاهلت وجود فاروق،أو بالاصح تجاهل ما حدث قبل دقائق،تُعطي الأمر لعقلها أن ذلك مجرد لحظة خطأ غير مقصود،تفوهت بحنان :
يلا إقعد عشان تفطر... وبعدها نشوف الهوم ورك، قولت امبارح ان بكره اجازة... خلينا نخلصه.
أومأ ياسين لها مُبتسمً، رغم وجود فضول لديها عن معرفة بماذا وشوش ياسين لـ فاروق لكن أرجأت ذلك لفيما بعد إنصراف فاروق... تسأل ياسين بالتأكيد سيبوح لها بذلك.
…بينما جلس فاروق، عيناه لم تبتعدا عنها، كأنهما تعوضان دقائق حُرم منها قسرًا... جلس على المقعد المقابل لها ، محاولًا أن يبدو طبيعيًا، لكن كتفيه المشدودين ويده التي استقرت على حافة الطاولة بقبضة خفيفة ربما فضحت صمته،بينما.
انشغلت عهد بوضع الطعام أمام ياسين، يديها تتحرك بخفة محسوبة.. وهي تقرب كأس الحليب أمام ياسين...دون أن ترفع بصرها ناحية فاروق...، تشعر بوجوده كحِملٍ ثقيل على صدرها، تحاول تجاهله… وتفشل.
تبسم ياسين وهو يمد يده إلى الخبز بحماس... لا يفهم ما يحدث حوله من إضطرابات...
ابتسمت له عهد، ابتسامة تخفيز:
كُل كويس عشان تبقي قوي ونخلص الهوم ورك من غير تعب.
تدخل فاروق بصوت هادئ متعمدًا:
ما تقلقيش… ياسين شاطر وبطل قوي.
رفعت عهد عينيها نحوه لثانية خاطفة، نظرة سريعة كأنها تحذير غير معلن، ثم عادت تنظر إلى ياسين:
خلص أكلك كله وإنت ابقي شاطر .
ضحك ياسين ببراءة قائلًا:
ايوه عشان أبقي قوي وشاطر زي بابا... عشان سمعت من ناناه ميرفت إن ماما تعبت عشان مكنتش بتاكل كويس.
صمت فاروق وهو اختفت بسمته كأن الكلمة أصابته في موضع حساس... ابتلع رده، واكتفى بابتسامة خفيفة وهو يزيح نظره عنها إلى الطبق أمامه... أما عهد، فشعرت بوخزة قوية في صدرها… مزيج من الذنب والارتباك وشيء آخر لم ترد الاعتراف به.
ساد الصمت للحظات، لم يقطعه سوى صوت الملاعق. لكن الصمت لم يكن مريحًا؛ كان مثقلًا ، بما حدث قبل قليل، وبنظرات تُسرق خلسة ثم تنتهي سريعًا.
قطع فاروق الصمت أخيرًا:
بعد الفطار… أنا همشي بدري النهارده.
توقفت يد عهد عن الحركة لجزء من الثانية، بالكاد يُلحظ، ثم قالت بنبرة ثابتة مصطنعة: براحتك.
أما ياسين، فاعترض فورًا:
ليه. ما تقعد معانا شوية.
نظر فاروق إليه ، ثم عاد بعينيه إلى عهد، وكأنه يقول لها دون صوت: لو تعرفي ليه…لكن
اكتفى بالرد:
عندي شغل.
هزت عهد رأسها دون تعليق، لكن قلبها لم يكن بنفس هدوء ملامحها. كانت تعلم… كلاهما يعلم… أن "الشغل" لم يكن إلا هروبًا مؤقتًا من لحظة لو استمرت، لانكشفت أشياء لم تعد قابلة للإنكار.
بعد وقت غادر فاروق، ضبت عهد بقايا الطعام، ثم بحثت عن ياسين وجدته يلعب بإحد الالعاب
جلست لجواره حاولت معرفة بماذا كان يوشوش لـ فاروق،لكن ذلك الصغير كان حريصً وعهد لم تشأ الضغط عليه،فهو ذو لسان زالف،وقد يُخبر فاروق أنها ألحت عليه لمعرفة ما دار بينهما..نظرت له وزفرت نفسها بضجر قائلة لنفسها:
ماشي مش عاوزه أعرف،ما أنت نسخه من سخافة باباك.
❈-❈-❈
بالمقر الخاص بـ محي الدباغ
دلفت عليه السكرتيرة، تمد يدها ببطاقة تعريف صغيرة قائلة:
الشخص اللى فى الكارت ده واقف بره عاوز يقابل حضرتك.
رفع محي رأسه عن الملف، التقط البطاقة من يدها بملامح محايدة…
ما إن وقعت عيناه على الاسم حتى تعجب من زيارة ذلك الشخص... وأعاد البطاقة بين أصابعه ببطء قائلًا بسؤالل:
هو قال سبب الزيارة.
هزت السكرتيرة رأسها بنفيٍ مهذّب:
لأ يا فندم… بس باين عليه مستعجل شوية، وطلب يقابل حضرتك شخصيًا.
صمت محي لوهلة، ثم أشار لها بإيماءة قصيرة: تمام دخّليه.
خرجت السكرتيرة، وبقي محي وحده، يسند ظهره إلى المقعد، زفر نفسًا عميقًا وهو يحدق في باب المكتب…
ثوانٍ، وانفتح الباب... دلف الرجل بخطوات واثقة، نظراته تجوب المكان سريعًا قبل أن تستقر على محي، وارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة لا تخلو من الترقُب
وقف محي ببطء، نبرة صوت هادئة... أقترب منه الآخر يرسم بسمة حقيقية يمد يده ليُصافحه قائلًا بثبات:
"نديم الجنايني"
متأسف لو جيت بدون ميعاد سابق... مش هاخد من وقت حضرتك كتير.
نظر محي ليده الممدزدة ثم قام بمصافحته قائلًا برزانه:
أهلًا أستاذ نديم... إتفضل...
ثم أشار بيده نحو المقعد المقابل لمكتبه، ثم عاد وجلس خلفه، يسند مرفقيه على السطح الزجاجي.
جلس نديم، أسند ظهره وهو يشعر ببعض التوتر والترقُّب، ورغم ذلك أبقى نظره ثابتًا وهو يقول بهدوءٍ محسوب:
أنا عارف إن وقت حضرتك له أهمية، وعشان كده هدخل في الموضوع مباشرة… أنا جاي أتكلم معاك في موضوع ارتباط عائلي.
توقف لحظة، ثم أضاف بنبرة أقل صلابة:
عارف إن المكان ممكن ما يكونش مناسب للكلام ده، بس الظروف فرضت كده.
لم يبدُ على محي أي اندهاش، لكنه شبك أصابعه فوق المكتب، ونظرة له فاحصة مُرددًا باستفهام:
ارتباط عائلي.
أومأ نديم برأسه،
مال للأمام قليلًا، بنبرة ازدادت جدية:
اتفضل كمل … سامعك.
تنفّس نديم بعمق، وكأن الكلمات التالية تحتاج شجاعة أكبر قائلًا:
الموضوع يخص الأنسة "يارا" … وأنا حابب يكون الكلام واضح من الأول، من غير لف ولا دوران.
توقف للحظات كأنه يستشف رد فعل محي، الذي تحدث بسؤال:
وإنت تعرف يارا بنتي.
أومأ نديم بإيجابٍ خفيف:
أيوه اعرفها من النادي... وده بالضبط سبب وجودي هنا.
أومأ محي قائلًا:
تمام كمل.
اعتدل نديم في جلسته قليلًا، وأسند كفّيه فوق ركبتيه، كأنما يهيّئ نفسه لما هو آتٍ:
أنا بتقدم لـ يارا بنية واضحة...بعد ما فكرت إن أدخل البيت من بابه مباشرةً،ومفتحتش الموضوع الآنسة يارا حبيت يكون اللقاء مباشر بيني وبين حضرتك.
لم يرمش محي، لكن نظراته بها بعض إعجاب من لباقة نديم...لكن هو تعلم من الأيام الاا يستعجل الأمور قبل دراسه تنهد قائلًا:
واضح إن في تعارُف بينك وبين يارا.
-فعلًا من فترة…
هكذا أجابه نديم بهدوء، ثم أكمل بصراحة: شايف إن الصح إني أبدأ بحضرتك.
مال محي للخلف، عقد ذراعيه أمام صدره: وإنت شايف نفسك مناسب لها على أي أساس.
ابتسم نديم ابتسامة خفيفة، خالية من التحدي قائلًابهدوء:
لأني فاهم طبيعتها، ومش داخل الموضوع بدافع اندفاع ولا مصلحة... وأنا مستعد أتحمل مسؤوليتها كاملة، قدام ربنا وقدام حضرتك.
صمت محي قليلًا ينظر لـ ندبم بتدقيف كأنه يُقيمه ثم تفوه ببرود متعمد:
يارا مش بنت سهلة… واللي يفكّر يقرب لها لازم يكون قد قيمتها.
- وأنا عارف.
قالها نديم بثبات، قبل أن يضيف:
وعشان كده جيت لك بنفسي، بدون وسيط.
ارتسمت على شفتي محي ابتسامة عاديه لا تُقرأ بسهولة قائلًا:
واضح إن كلامك محسوب… بس القرار فى موضوع زي ده مش بيتاخد في قعدة مكتب.
تفهم نديم ذلك قائلًا:
فاهم حضرتك وإنت عارف إن ده عرض مبدأي، أكيد لو حصل قبول أنا هجيب والدي ونجي لبيت حضرتك نتقدم حسب الأصول.
بدأ محي يزداد إعجابه به أكقر، لكن أخفي ذلك قائلًا:
الرأي رأي يارا، بس قبلها أكيد لازم أسأل عنك.
أومأ نديم باحترام قائلًا:
طبعًا… ده حق حضرتك.
ظلا يتحدثان ببعض الشؤون فى حالة حدوث وفق...ثم نهض نديم ليستأذن بالانصراف، بالفعل نهض محي يصافحه قائلًا:
تمام... هتصل عليك فى حالة حدوث موافقة.
أوما نديم باحترام قائلًا:
قلبي حاسس إن هيكون بينا لقاءات كتير جاية... أتمنى يكون الرد بموافقة.
اومأ محي، ونظر الى نديم وهو يُغادر...لا ينكر إعجابهه بلباقته...لكن عمله بالسوق علمه الا يحكم ظاهريًا،كذالك شعر ان هنالك وجهًا واضحًا أن هذا اللقاء لم يكُن سوى البداية.
❈-❈-❈
مساء
دلف فاروق الى الشقه، وقف يبتسم لذاك المُتحفز الذي يضم يديه الى صدره قائلًا بنرة عتاب قوي:
بقالى ساعتين جاهز ومستنيك قولت هرجع بدري، دلوقتي إتأخرت.
ضحك فاروق وجلس على ساقيه أمامه قائلًا:
آسف بس كنت مع عميل وأتأخرت بسبب الشغل.
تنهد ياسين قائلًا:
تمام أنا جاهز وعهد كمان جاهزة، يلا بينا.
نظر فاروق حوله قائلًا:
عهد فين.
أجابه ياسين بتلقائية:
كانت بتكلم حد فى الموبايل وزمانها خلصت.
بالفعل لحظات وأغمض فاروق عينيه حين هلت بعِطرها الخفيف... الذي انعش قلبه فتح عيناه ورفع رأسه نظر نحوها... زي بسيط يسوده الأسود مع زهرة باللون البنفسجي كأن حتى الزي يُشبهها... بتلقائية تبسم، عيناه تصنمت عليها، تنحنحت قائلة:
أنا جاهزة للمشوار اللى معرفش فين.
انتبه فاروق ضاحكًا وهو ينظر نحو ياسين، ثم نهض قائلًا:
المكان مش إختياري ده إختيار الدباغ الصغير، وتمام طالما جاهزين يلا بينا عشان منتأخرش أكتر من كده
بعد لحظات بالسيارة. كانت عهد تجلس جوار فاروق بالمقدمة وياسين بالخلف يتحدث مع فاروق بمرح، وعهد مجرد مُستمعة الى أن توقف فاروق أمام أحد الملاهي... إسنغربت ذلك ثم فهمت أن هذا هو المكان الذي إختاره ياسين... ترجلت مثلهم من السيارة...
بعد وقت كان فاروق وياسين يلهوان معًا ببعض. الالعاب وهي تشاهد فقط، لكن للغرابة شعور بالسعادة فى قلبها لا تعرف له سببً، أز ربما السبب هو ضحكات ياسين التى تنطلق من قلبه.. ضحكات طفل برئ لم تُثقله الحياة بعد.
وأثناء وقوفها بالقرب من إحدى الألعاب، اقترب منها شاب، حياها وتحدث معها بكلمات عابرة، ردت عليه بأدب دون أن تعير الأمر اهتمامًا يُذكر.
لكنها لم تنتبه إلى عيني فاروق…
عينان اشتعلتا فجأة، تغير بريقهما، شد قبضته وهو يراقب المشهد من بعيد...
تحمل للحظات قليلة… ثم ترك ياسين واتجه نحوها بخطوات سريعة، نبرته خرجت منخفضة لكنها مشحونة وهو يسألها:
في حاجة.
توقف الشاب، ونظرت عهد إلى فاروق بدهشة خفيفة، لم تفهم حدة صوته المفاجئة، بينما التوتر بدأ ينسحب إلى الأجواء دون إنذار...
نظرت عهد إلى فاروق باستغراب صامت، قبل أن تجيبه بهدوء:
لأ… ولا حاجة، كان بيسألني بس على لعبة.
لم يرفع فاروق عينيه عنها، ظل تركيزه منصبًّا على الشاب، نبرته جاءت حادة ومباشرة: تمام… شكرًا.
تردد الشاب لحظة، شعر بقسوة النظرة، فاكتفى بابتسامة محرجة وانسحب مبتعدًا دون كلمة أخرى.... ما إن ابتعد حتى التفت فاروق إلى عهد، خفّض صوته لكنه لم يُخفي حِدته:
تعالى معانا بلاش توقفي لوحدك كده.
رفعت حاجبيها بدهشة، نبرتها خرجت هادئة لكن يشوبها اعتراض:
أنا كنت واقفة بتفرج بس… ما عملتش حاجة.
زفر فاروق ببطء، وكأنه يحاول كبح شيءٍ داخله قائلًا:
عارف… بس المكان زحمة.
قبل أن ترد، جاء صوت ياسين من خلفهما وهو يلوح يديه بحماس قائلًا:
بابا تعال بسرعة… اللعبة دي جامدة أوي.
تبدّلت ملامح فاروق فورًا، اختفت الصرامة، وارتسمت ابتسامة خفيفة وهو يلتفت إليه قائلًا: جاي يا بطل.
ثم عاد بنظره إلى عهد، نبرته أصبحت أهدأ قائلًا:
خليكِ معانا.
أومأت دون تعليق، وسارت بجوارهما.
لكن قلبها كان يدق بإيقاعٍ مختلف…
وهي لا تعرف إن كان سببُه توتر اللحظة، أم تلك الغيرة التي ظهرت من فاروق، لكنها كانت واضحة بما يكفي...
اقتربوا من اللعبة، وياسين يقفز بحماس وهو يشرح لفاروق قواعدها كأنه خبير قديم، بينما كانت عهد تقف جوارهم تراقب المشهد بابتسامة خفيفة.
فاروق حاول أن يبدو طبيعيًا، يضحك مع ياسين، لكن عينيه كانت تعود إليها بين لحظة وأخرى… كأنه يتأكد أنها ما زالت قريبة...
بعد انتهاء الجولة، ركض ياسين نحو كشك الحلوى القريب قائلًا:
بابا عايز غزل بنات.
ضحك فاروق قائلًا:
ماشي يا سيدي… بس واحدة بس.
ثم التفت إلى عهد سائلًا!
تحبي حاجة.
ترددت لحظة، ثم هزّت رأسها بنفي:
لاء متشكرة.
تركها وتوجه مع ياسين، فبقيت عهد وحدها للحظات..تدمعت عينيها وهي تتذكر فرح كانت نزهتها المفضله حين كونا يأتي بهن والدهن الى الملاهي،لم تكُن تترك أي لعبة دون أن تجربها،كذالك تلك الحلوى...بينما هي لم تكّن اللملاهي ولا الخلوى تستهويها...لكن كانت تسعد قلبها لسعادة فرح وهي تُحرضها على تجربة بعض الألعاب...اليوم تشعر بروح فرح فى ياسين وهو يُهلل بمرح...إبتلعت غصة قلبها،ونفضت ذلك الحزن مقابل ضحكات ياسين،رفعت رأسها تستنشق الهواء تبتلع عينيها تلك الدموع...
راحت تتأمل الأضواء الملوّنة، الأصوات المتداخلة، والناس من حولها… كان هناك دفء غريب، إحساس بالألفة لم تعتده.
عاد فاروق بعد دقائق، تبتسمت لـ ياسين الذي يحمل غزل البنات، بينما أمسك بعلبة عصير وقدمها لها دون كلام.
نظرت إليه ثم أخذتها بقبول قائلة:
شكرًا.
جلسوا على أحد المقاعد القريبة.
كان ياسين منشغلًا بالحلوى، بينما ساد صمت قصير بينهما.
قطعه فاروق أخيرًا، بنبرة أخف مما سبق:
أنا آسف لو كنت اتكلمت بخشونة من شوية.
نظرت إليه بدهشة خفيفة.
أكمل، وهو لا ينظر مباشرةً إليها:
بس ما بحبش حد يقرّب منك… خصوصًا وأنا موجود.
تسارعت أنفاس عهد دون قصد، لم تجد ردًا سريعًا... وقبل أن تنطق، رفع ياسين رأسه فجأة، لاصقًا غزل البنات على خده بضحكة:
بابا بص.
ضحك فاروق بصوت عالي هذه المرة، وتبدد التوتر،
لكن الكلمات ظلّت عالقة في قلب عهد…
تدور هناك، تترك أثرًا لم يكن من السهل تجاهله.
بعد وقت بالسيارة أثناء العودة
كانت عهد تتجنبه…
ليس هروبًا، بل محاولة يائسة لإعادة الأشياء إلى ما كانت عليه قبل تلك اللحظات...
لكن فاروق لم يكن أعمى.
لاحظ صمتها الزائد، ، نظراتها التي تهرب كلما تلاقت عيناهم
بينما تفوه ياسين بتلقائية:
عهد كانت بتجيب ليا ألعاب كتير كل ما تسافر،ليه يا عهد مش بقيتي تجيبي لى لعب.
غص قلبها لكن أجابته بتلقائية:
ان شاء الله هرجع أسافر قريب وهبقي أجيب لك.
أومأ لها ياسين بحماس طفولي، بينما اشتدت قبضة فاروق على عجلة القيادة دون أن يعلق بصوت مسموع...
لكن داخله كان يعج بالأفكار… هو لن يسبق الحدث، ولن يسمح لها بالعمل كمضيفة طيران مرة أخرى... هي الآن أصبحت زوجته، وفكرة غيابها لأيام كاملة ثقيلة على صدره أكثر مما يعترف به... ومع ذلك… لم يضغط، أو بالأحرى لم يفرض نفسه كزوج الى الآن..
يحاول مراعاة، ليس فقط حزنها على فرح، بل أيضًا للطريقة التي تم بها زواجهما؛ كل شيء جاء مرتبكًا، سابقًا لأوانه، ومضغوطً بظروف لم تُتيح لهما فرصة فهمها بعد... رغم انه يتمنى أن يذوب الجليد بينهما بهدوء، أن يأتي القرب تلقائيًا لا مفروضًا، أن تشعر بالأمان لا بالحصار...
لكنه، في المقابل يشعر أن المسافة تطول بدل أن تقتصر… وأن صمته قد يُفهم خطأً...
توقف عند إشارة المرور، زفر نفسًا طويلًا، ثم ألقى نظرة جانبية عليها...
كانت تنظر خارج النافذة، ملامحها هادئة، لكن في عينيها غياب واضح، كأنها في مكان آخر.
لحظتها أدرك…
أن الصبر وحده لا يكفي دائمًا،وأن عليه أن يتكلم، قبل أن يتحوّل الجليد إلى جدار لا يُهدم.
بعد وقت دلفت عهد أولًا الى الشقه ثم خلفها فاروق وياسين يحملان علب كارتونيه بها بعض اللعب، توجهت نحو غرفة ياسين، دخل خلفها ياسين وفاروق، وضعا الالعاب بسلة خاصة بها، تفوه ياسين وهو يتثائب ومازال يود اللعب:
نفتح علبة الطيارة و...
قاطعته عهد برفض:
لاء خليها لبكرا كفايه لعب بقى... كمان عشان تنام وتصحي الصبح رايق وإنت رايح الحضانة.
كاد يعترض لكن نظرة عهد جعلته يستسلم وهو يلوح بيديه.
ضحك فاروق، وكذلك عهد التي قالت بابتسامةٍ دافئة وهي تنهض:
يلا خليني أغير لك هدومك بيجامة عشان تنام… أنا كمان عاوزة أنام.
ثم مالت نحو ياسين، تُربت على كتفه برفق:
قول لبابا تصبح على خير… عشان هو كمان يروح ينام.
نظر فاروق إليهما…وغص قلبه...
كان المشهد بسيطًا، عفويًا، لكنّه ضربه في الصميم؛عهد بهذه العفوية مع ياسين، بهذه الرقة التي لم تطلب مجهودًا، وكأنها وُجدت هنا منذ زمن، تعتبر نفسها ضيفة ولا زوجة حتى وإن كانت جاءت على عجل...
ابتلع غصته، وأخفى اضطرابه بابتسامة خفيفة، بينما رفع ياسين رأسه وقال بحماس:
تصبح على خير يا بابا.
اقترب فاروق، قبل رأس ياسين، ثم نظر إلى عهد نظرة طويلة لم تستطع أن تخطئ معناها…
امتنان، وشيء آخر أعمق، إقترب منها هي الأخرى وضع قُبله على وجنتها... إنصدمت منها... إرتبكت وعادت للخلف... لم تُبدي رد فعل ونظرت نحو ياسين الذي صعد على الفراش...
بينما غص قلب فاروق وتحدث بصوت منخفض:
تصبحوا على خير.
تابعهما بعينيه، بقي واقفًا للحظة، يشعر بشيءٍ يتحرك داخله ببطء…
خرج من الغرفة، زفر نفسه بقوة...
ربما كان هذا هو أول خيط دافئ يذيب الجليد،
أو ربما كان وعدًا صامتًا بأنه لن يسمح لها أن تشعر يومًا أنها وحدها.
بعد خروجه من الغرفة تنهدت عهد بقوة كأن وجوده اصبح يجعلها أحيانًا تكتم أنفاسها كي لا تُعطي رد فعل سيء أمام ياسين... وضعت يدها فوق وجنتها مكان قُبلته شعرت بمشاعر مُضطربه بين القبول، وبين الرفض... لكن عادت تتنهد وهي تُحذر عقلها... اقتراب فاروق مع الوقت قد يُصبح خطرًا.
❈-❈-❈
بشقة محسن…
كان يجلس في غرفة المكتب، منحنيًا على حاسوبه الخاص، يعمل بتركيز تام...
فجأة، دون سابق إنذار، تسلل إلى ذاكرته لقاؤه مع جُمانة...
للوهلة الأولى… ابتسم.
ابتسامة خفيفة، عابرة، كأنها خرجت منه دون إذن...
عاد به الزمن لسنوات الجامعة… بعض المُقتطفات السريعة، ضحكات في الممرات، نقاشات طويلة، ونظرات لم يكن يمنحها معنى وقتها...
آنذاك، كان يريد أن يُنهي تلك المرحلة بأسرع ما يمكن، أن يتفرغ للعمل مع والده، كان رأسه ممتلئًا بالحماس والطموح، يريد أن يُثبت أنه ليس مجرد ابن صاحب اسم، بل قادر على بناء نفسه بجهده...
لم يكن للحب مكان في خطته.ولا للعلاقات المؤجلة...
أغلق صفحة على الحاسوب دون أن ينتبه، وأسند ظهره إلى المقعد، زفر نفسًا عميقًا…
وتساءل، للمرة الأولى منذ زمن طويل،
هل كان يهرب من المشاعر فعلًا
أم أنه فقط لم يقابل من تٕجبره على التوقف عندها... تفرض حضورها دون عناء،
وتربك خططه المرتّبة بعناية،
فتجعله يعيد النظر في كل ما اعتقد أنه حُسم منذ زمن.
تنهد بقوة ثم ظل قليلًا صامتًا، يدور في ذهنه مزيج من الذكريات والواقع.
تذكّر ضحكات جُمانة، طريقة حديثها، وحتى طريقة عبورها للممرات في الجامعة… تفاصيل صغيرة لكنه لا يقدر على نسيانها.
ابتسم مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت ابتسامة مختلفة… أكثر دفئًا، ممزوجة بشيء من الندم الطفيف:
يمكن كنت محتاج أدي لنفسي فرصة أشوف الدنيا من منظور تاني.
مد يده نحو الفنجان على المكتب، ارتشف رشفة من القهوة، ثم عاد ينظر إلى شاشة الحاسوب بلا تركيز، أفكاره عالقة في الماضي والحاضر معًا...
فكر في نفسه:
كنت بحاول أثبت للكل إني قوي… لكن يمكن اللي محتاج أثبته لنفسي...
ثم أغمض عينيه للحظة، مسترجعًا مشاعر لم يشعر بها منذ زمن، شعور بالحماس، بل وحتى الفضول… حول ما يمكن أن يحدث لو قرر أن يواجه مشاعره بدل الهروب منها...
في تلك اللحظة، كان واضحًا له شيء واحد الحياة أعقد من مجرد نجاح مهني أو خطة مُرسومة، والمشاعر… لا تنتظر أحدًا.
في تلك اللحظة، انفتح باب المكتب بهدوء… وطلت رابيا ، دخلت الغرفة بخطوات رقيقة، ترتدي منامه قصيرة قليلًا ليست مُغرية بسيطه تُبرز جسدها....
توقفت عند حافة المكتب، نظرت إليه بابتسامة هادئة:
لسه شغال.
رفع محسن رأسه، وابتسم لها بابتسامة خفيفة، لكنه لم يغلق الحاسوب:
آه… بس خلاص هأقفل دلوقتي.
اقتربت منه، وضعت يدها على ظهر الكرسي خلفه، وهي تميل قليلاً قائلة برقة:
تعبت ولا إيه.
أغمض عينيه للحظة، استنشق ذلك العطر الذي يفوح منها بعمق، ثم قال بصوت هادئ:
شوية…
ابتسمت هي أيضًا، تبادلوا نظرة قصيرة… مليئة بفهم صامت،بينما هي قريبة منه كأن الكلمات الزائدة غير مطلوبة للحظة أدرك أن حضورها وحده قادر على تغيير كل شيء… حتى عقل مشغول كعقله.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة ايام
مساءًا
بمنزل الدباغ
،نظرت نحو ياسين الذي يهرول نحوها ببعض الضيق قائلًا:
عاوز ألعب شوية كمان.
تنهدت عهد وهي تنظر نحو السماء كانت بعض السُحب تتجمع كذالك الطقس به نسمات هواء قوية وقالت بأمر:
كفاية لعب فى الجنينة... الهوا شديد، كمان الدنيا ضلمت يلا خلينا ندخل وكفاية كده.
غصبً امتثل ياسين وتوجه نحوها
بنفس الوقت دلفت سيارة الى الحديقة... استغربتها عهد... ظلت واقفه دون سبب... نظرت نحو الذي ترجل منها... شخص ربما مألوف لكنها لا تتذكره... كذالك معه شخص آخر كبير بالعمر يبدوا والده...
لم تهتم وكادت تدخل هي وياسين لكن ذلك الشخص اقترب منها مُبتسمً يقول:
عهد!
توقفت ونظرت نحوه وهو يقترب منها نظر الى ياسين الذي بتلقائيه وضع يده بقبضة يدها... تبسمت له، بينما ذلك الآخر اقترب وتوقف أمامها قائلًا مره أخرى:
عهد.
نظرت له سائلة:
حضرتك تعرفني.
نظر نحو ياسين قائلًا باستفسار:
ده إبنك فيه شبه منك..
قاطعته بسؤال:
حضرتك تعرفتي.
أجابها:
مش فاكراني... أنا نديم..
لم تّسعفها ذاكرتها، وضح لها معرفته بها.
رسمت ابتسامة باردة... كاد أن يسألها، لكن بنفس الوقت إنطلق صوت حاد يقول بنبرة غِيرة:
عهد!... إيه اللى موقفك هنا... خدي ياسين وإدخلوا جوه.
صمتت بينما عيناه تطلق شرارًا قاسيًا
رواية عهد الدباغ الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامة
قبل دقائق
بمنزل الدباغ
بغرفة محي
وقفت إجلال خلفه تضع تلك العباءة السوداء المُطروزه ببعض خيوط الذهب،كأنها لا تُزين المظهر فقط… بل تُعلن علو المقام... تفوهت بسؤال:
إيه اللى خلاك تتصل على
محسن وفاروق وطلبت منهم يرجعوا للبيت دلوقتي.
أجابها وهو يشد طرفي العباءة على كتفيه بتوضيح وثبات،كأنه يشد قرارًا لا يحتمل التراجع،قائلًا بصوتٍ هادئ… لكنه يحمل صرامة أو ربما تفاخُر الآباء :
لازم يكونوا موجودين جانبي، وكمان كنان هنا فى البيت هيحضر معانا... عشان العريس يعرف إن لها عِزوة أخوات رجالة.
خفق قلب إجلال وقبلت كتفه بمحبة قائلة:
ربنا يخليك لينا إنت عزوتنا كلنا.
إبتسم وهو يمسك يدها ثم إستدار ينظر لها قبل رأسها بمودة وحب سنوات... لمعت عينيها وهي تنظر له بحب سنوات يزداد مع العُمر كم قابلا من المِحن والأفراح معًا، لم يتزعزع تألفهما يومً... أصبحا يفهمان بعض بمجرد النظر، حديثهم الهادئ يوميًا كُل ليلة فى كافة الشؤون، حتى عدم خبرتها فى العمل، لكن حين يكون حائر بشيء ويتحدث معها يجد الحل أمامه
كالآن... لم يشعر بالتوتر فى أي قرار إتخذه سابقًا رحتى بزواج إبنيه الرجال... هي إبنته الوحيدة،مُدللته...نصف قلبه لها بل قلبه كله...أعطاها حرية لم تُسئ إستعمالها،لكن خطوبتها لمرتين وفسخها دون سبب مُقنع،أدخلت الى عقله توتر لا يود حصول ذلك مرة ثالثة...تنهد بهدوء لم يكن يبحث عن رأي يُغير القرار...
بل عن طمأنينةٍ تؤكد أن قلبه لن يُخطئ الطريق...ظل ممسكًا بيدها لحظة أطول مما ينبغي،كأن تلك اللمسة وحدها تكفيه لمواجهة ما ينتظره في الخارج…
رجال، وأسئلة، وعريس قادم يحمل معه مصير ابنته.
قال بصوتٍ شجي، لا يسمعه إلا قلبها:
أهم حاجة عندي… إن يارا تكون في أمان.
ابتسمت إجلال ابتسامة هادئة،
الابتسامة التي طالما كانت ملجأهُ من قسوة الدنيا،وتحدقت بثقة تعرف طريقها إلى روحه:
طول ما إنت موجود… مفيش خوف عليها.
تنفس بعمق، وكأن صدره اتسع قليلًا بعد ضيق خفي،ثم ترك يدها برفقٍ وهو يستعيد هيبة الأب قبل الخروج.
...... ــــــــــــــ
وفي الخارج…
كانت لحظة الوصول تقترب.
لحظة قد يتغير بعدها مصير كامل.
بغرفة كنان إنتهي من إرتداء زي شبابي مناسب،وهو يبتسم نظر لإنعاكسه فى المرآة، بنفس اللحظة صدح رنين هاتفه، ترك النظر وذهب نحو مكان الهاتف، جذبه ونظر إليه لوهلة شعر بالضيق، لكن تنهد بقوة وجمود وقام بالضغط على ذر الرد، ليسمع دلال الأخري:
مشوفتكش النهاردة فى الجامعة قولت أكد عليك، ميعاد حفلة عيد ميلادي، لا تكون نسيت.
زفر نفسه بضيقٍ حاول أن يُخفيه خلف نبرةٍ عادية قائلًا:
لا… مانسيتش.
ساد صمت قصير،هي تنتظر أي كلمه منه، بينما هو عينيه مازالتا عالقتين بانعكاسه في المرآة… لا يرى ملامحه بقدر ما يرى تردده.
عاودت راندا الحديث بصوتٍ مائل للدلال تسأله:
ياريت تجي بدري إنت من ضيف عادي.
ضغط كنان على الهاتف قليلًا، ثم أجاب ببرود خفيف:
ان شاء الله على حسب الظروف.
لم يُكمل حديثه، لكنه شعر بأن في صدره شيئًا يرفض الذهاب… ليس كرهًا في الحفل، كأن فكرة رؤيتها لم تعد تعني له ما كانت تعنيه من قبل...
عاد صوت راندا مرة أخرى، يحمل دلال معتمد:
أنا هستناك يوم الحفلة يا كنان…ياريت ماتتأخرش.
أغلق الخط بعد كلماتٍ مقتضبة، وظل واقفًا للحظةٍ طويلة…
ثم عاد ينظر إلى المرآة من جديد، لكن ابتسامته الأولى كانت قد اختفت، وحل مكانها سؤال صامت:
ليه يروح الحفلة... ايه السبب، اعجابه اللى بدأ يخفت بـ راندا... وإيه السبب فى الفتور اللى بقي بيحس بيه نحوها، والسؤال له إجابة غير مقبولة
هل هنالك أخري بدأت تتسلل حياته دون أن يشعر...
بالتأكيد لا
ظل جواب السؤال مُعلقًا في عقله…
وبين قلبه الذي يرفض... وقدر يبدو أنه يستعد لفتح باب جديد.
مرر كنان يديه على وجهه ببطء، كأنّه يحاول أن يمحو تلك الحِيرة التي لا يعترف بوجودها أصلًا.
تمتم لنفسه بنبرةٍ خافتة:
ليه متردد دي مجرد حفلة عيد ميلاد عادية.
لكنه كان يعرف في أعماقه أن الأمر لم يعد عاديًا...بنفس اللحظة ظهر طيف تلك الشعثاء "غزال" التي أصبحت تتسلل أحيانًا إلى تفكيره دون استئذان… بهدوءٍ مربك، وبساطةٍ لا تشبه أي شيءٍ اعتاده من قبل.
زفر نفسه برفضٍ حاد، كأنه يحاول طرد ذلك الطيف بالقوة…فهو يبغضها كثيرًا…
أو هكذا يُقنع نفسه... لا يعلم سببًا واضحًا لذلك البُغض…سوى أن حضورها القريب منه يربكه،
ويربك أكثر تلك المشاعر التي لم يعتد الاعتراف بها... تمتم بجمودٍ وهو يشيح بوجهه عن المرآة:
مجرد هلاوس وهتنتهي.
لكن شيئًا في داخله…لم يكن يصدق هذه الجملة.
..... ـــــــــــــــــــ
في الجهة الأخرى…
كانت راندا تقف أمام المرآة تُعدل خصلات شعرها بعناية زائدة، وابتسامة رضا ترتسم على شفتيها... سألتها والدتها بفضول:
شكلك واثقة إن كنان هييجي الحفلة.
رفعت راندا ذقنها قائلة بثقة ممزوجة بشيءٍ من التحدي:
كنان عمره ما بيرفض لي طلب... وأكيد هيجي وتأكدي يا ماما مسألة إرتباطنا مش هتاخد وقت ويتم.
قالت ذلك لكن داخلها… كان هناك قلق صغير تحاول تجاهله... قلق بلا اسم…
يشبه الإحساس بأن ربما إحداهن بدأت تُزاحمها على مكان اعتادت أنه لها وحدها... لكن لن يحدث ذلك أبدًا فهي لم تتعود على الخسارة وعليها البدء بجذب انتباهه لها طول الوقت حتى لو استغنت عن بعض كبريائها،
أو لعب دور لم تكن يومًا تُجيده...
تقدمت خطوة نحو المرآة، نظرت في انعكاسها طويلًا…
ثم ابتسمت ابتسامةً بطيئة تحمل وعدًا خفيًا هامسه بتصميم:
اللي عايزاه… دايمًا باخده..وبأي شكل.
❈-❈-❈
بالحديقة
قبل لحظات
ترجل كل من محسن وفاروق من سيارتهما، تبسما لبعضهما بتلقائيه، إقترب محسن قائلًا بسؤال:
أكيد بابا إتصل عليك، عشان نبقي موجودين وقت مقابلة العريس... مش فاهم دماغ بابا المرة دي، المرتين اللى فاتوا كان هو بيقابلهم وإحنا فى الشغل.
هز فاروق رأسه بتوافق قائلًا:
الحج محي الدباع محدش يعرف هو بيفكر فى أيه.
أومأ محسن ببسمة توافق، بنفس اللحظة رمي فاروق بنظره رأي عهد تقف مع ذلك الشخص، شعر بغِيرة... ترك محسن وتوجه نحو مكان عهد وهو يشعر بحرارة زائدة تتوغل من جسده رغم نسمات الطقس الباردة، سمع جزء،من حديث ذلك الشخص معها،يتحدث وكأنه يعرفها سابقًا حتى نُطقه لاسمها بلا القاب زادت الغِيرة فى قلبه، توقف أمامهم نظر نحو عهد ينطق إسمها بغضب... وبجرأة منه لف يده حول خصرها، يُقربها منه قائلًا بسؤال:
حضرتك مين وتعرف مدام عهد مراتي منين.
يده حول خصرها، كادت تنزعها، لكن توقفت تلجمت يديها حين عقب بقوله:
"مدام عهد مراتي"
…نبرة مِلكية خرجت من بين شفتيه دون أن يستأذنها،
كأن الكلمة لم تكن مجرد تعريف…
بل إعلان حق... تجمدت عهد للحظة،
لم يكن تجمُد خوف… بل صدمة قصيرة أربكت أفكارها كلها... تسارعت دقات قلبها بطريقة لم تفهمها،بين رغبة في الاعتراض على جرأته،
وشعور خفي بالارتباك من تلك الكلمات المفاجئة كذالك يدخ التي التفت حول خصرها...
بينما نديم
اتسعت عيناه بدهشة واضحة، وانتقل بنظره بينهما سريعًا،
كأنه يحاول التأكد مما سمعه للتو.
قال ببرود متحفظ:
مدام عهد مراتك...مكنتش أعرف أنها متجوزة.
شد فاروق ذراعه حول خصرها أكثر… لا بعنف،
بل بثبات مقصود يحمل رسالة لا تحتاج شرحًا...
ورد بنبرة أخفض لكن أشد حدة:
أيوه… مراتي.. ويا ترا في حاجة تانية تحب تعرفها.
ارتبكت الأنفاس في صدر عهد،
وشعرت بحرارة يده رغم برودة الجو…
حرارة امتدت داخلها بشكل أربكها أكثر من الموقف نفسه.
همست بخفوتٍ متوتر، محاولة الحفاظ على تماسكها:
ممكن… تشيل إيدك من عليا.
لكنه لم ينظر إليها…ظلت عيناه معلقتين بـ نديم للحظات
كأنه يخشى أن يبتعد عنها لحظة واحدة.
للمرة الأولى…
أدركت عهد أن الغضب الذي يشتعل في عينيه
لم يكن غضب موقف…بل غِيرة واضحة
لم يعد قادرًا على إخفائها...
وفي تلك اللحظة القصيرة جدًا…
تغير شيء ما بينهما، أصبح واضحًا بما يكفي
ليُشعل بدايةً لا تشبه ما قبلها.
بهدوء إنسحب نديم خلف والده وتوجها نحو باب المنزل، بينما عهد ازاحت يده عنها بعنف وقبل أن تتهجم، تحدث هو بأمر مصحوب بوعيد:
خدي ياسين وإدخلي جوه، لينا كلام بعدين على انفراد.
قال ذلك ولم ينتظر توجه نحو مدخل المنزل...
زفرت نفسها بغضب، ودت لو بيدها حجرًا لن تتردد للحظة قبل أن تقذفه به وسط رأسه.. لكن إمتثلت لـ ياسين الذي يجذب يدها للدخول.
❈-❈-❈
بغرفة الضيوف…
استقبل محي وكنان كلًّا من نديم ووالده بترحيبٍ اتسم بالهدوء الرسمي،
هدوءً يخفي تحت سطحه توترًا محسوسًا في الهواء.
في نفس اللحظة، دلف محسن ه فاروق،
الذي كان التجهم واضحًا على ملامحه حتى إنّ خطواته بدت أبطئ من المعتاد.
جلس في صمتٍ كامل…
لكن عينَيه كانتا تقدحان شررًا كلما استقرتا على وجه نديم،كأن بينهما حسابًا قديمًا لم يُفتح بعد.
تبادل الجميع عبارات الترحيب التقليدية،
ثم ساد سكون قصير…
ذلك السكون الذي يسبق دائمًا الحديث المهم...
قطع ذلك السكون والد نديم الذي اعتدل قليلًا في جلسته، وتحدث بنبرةٍ هادئة وموزونة:
إحنا جايين النهارده بيتكم… واحترامنا ليكم معروف،وعلشان كده حبينا يكون كلامنا واضح وصريح ومباشر...
توقف لحظة،يلتقط نفسًا، ثم أستطرد حديثه وهو ينظر إلى محي مباشرةً:
سبق وابني نديم كلمك إنهراغب في الارتباط بـالآنسة يارا على سنّة الله ورسوله…
وجينا نطلبها منكم بالحلال.
هبطت الكلمات على سمع من في الغرفة بهدوء رغم ذلكتبدلت النظرات...
ضغط فاروق قبضته بقوة حتى برزت عروق يده،
لكنّه ظل صامتًا….كذالك كنان و محسن …بينما محي
فبقي ثابت الملامح ظاهريًا،
عينيه قطعت هدوءه للحظة قصيرة،
لحظة مرت كوميضٍ سريع…
لكنها كانت كافية لتكشف أن الخبر لم يكن عاديًا عليه...
بدل محي النظر إلى الحاضرين واحدًا يلو الآخر،..
كأنّه يزن الموقف قبل أن يتكلم…
فبعض القرارات…
لا تكون الرد سريعًا...
لأن كلمة واحدة قد تغير مصير أكثر من قلب.
نظر محي إلى والد نديم طويلًا…
نظرة هادئة في ظاهرها، لكنها تحمل ثِقٓل تفكير لا يراه أحد.
مرر يده ببطء فوق ذقنه، ثم تحدث بنبرةٍ رزينة لا تخلو من الحزم:
طلبكم طبعًا محل تقدير… ووجودكم في بيتنا شرف لينا...
صمتُه للحظةً كان مقصودًا، كأنه يمنح كلماته وزنها قبل أن يُكمل... بهدوءٍ أعمق:
بس الجواز مش مجرد رغبة من طرف واحد…
ولا حتى قرار عيلة لوحدها...
الأهم عندي… رأي يارا نفسها.
تحركت نظرات الحاضرين نحوه في آنٍ واحد،
أكمل محي وهو يسند ظهره إلى المقعد بثبات:
إحنا عمرنا ما غصبنا بنتنا على حاجة…
ولو ربنا كاتب النصيب، هيكون عن رضا وقبول من الكل.
ثم وجه نظره مباشرةً إلى نديم،
نظرةً لا تحمل عداء… لكنها تختبر الصدق خلف الكلمات:
وأنا يهمني أعرف منك قبل أي حد…
إيه اللي خلاك تختار يارا تحديدًا.
ساد الصمت للحظات…
لكن هذه المرة لم يكن صمت انتظارٍفقط،
بل صمت اختبار... وقبل أن يجيب نديم…
اعتدل والده قليلًا في جلسته، كأنه آثر أن يتولى الحديث بنفسه أولًا،
وتحدث بنبرةٍ هادئة تحمل وقار القُضاة:
سؤال حضرتك في محله يا حج محي…
وأنا شايف إن من حقك تعرف كل حاجة قبل ما تاخد أي قرار.
ألقى نظرةً خاطفة على نديم ، ثم عاد ببصره إلى محي قائلًا:
نديم مش صغير… وعمره ما كان بياخد خطوة بالشكل ده من غير تفكير... واختياره لـ يارا أكيد ماجاش صدفة…جاله بعد ما شاف فيها عقل وأخلاق… وبنت أصول يتشرف بيها أي بيت.
توقف لحظة قصيرة، وكأنه ينتقي كلماته بعناية، ثم أكمل بهدوءٍ أعمق:
وإحنا يشرفنا بنتك تكون من نصيب نديم.
ساد صمت في الغرفة للحظات،
لكن صمت هذه المرة كان مختلفًا…
أقرب إلى انتظار الكلمة الفاصلة...
أردف والد نديم بنبرة صريحة لا تخلو من الاحترام:
وإحنا ما جيناش نضغط ولا نفرض نفسنا…
لو يارا مش موافقة، يبقى الموضوع منتهي عندنا باحترام...
إنما لو فيه قبول…هنكون سعداء إن المصاهرة تكون بينا وبينكم.
اعتدل نديم في جلسته قليلًا، وكأنه قرر أن يتكلم أخيرًا بنفسه، لا بلسان أحد عنه...تحدث بصوت هادئ ثابت، يخلو من التردُد:
أنا عارف إن خطوة زي دي مش سهلة…
وعارف كمان إن حضرتك أكيد بتفكر في مصلحة يارا قبل أي حاجة.
توقف لحظة، ثم أكمل بنبرةٍ أصدق:
يمكن معرفتي بيها ما كانتش طويلة…
بس كانت كفاية إني أشوف فيها اللي بدور عليه من سنين.
راحة… واحترام… وشخصية مش شبه حد.
مرت عيناه سريعًا على الحاضرين،
ثم عاد ينظر إلى محي مباشرةً:
وأنا مش جاي آخدها منكم…أنا جاي أطلب أكون واحد منكم.
ساد سكون مختلف بعد كلماته…
سكون لا يحمل توترًا فقط،
بل يحمل أيضًا وزن الصدق حين يُقال بلا مبالغة.
عاود الحديث بهدوء أعمق:
ولو يارا نفسها مش موافقة…أنا أول واحد هحترم ده،ومش هحطها في موقف صعب أبدًا.
أنهى حديثه دون استعراض…
ودون أن يحاول إقناع أحد بالقوة،
كأنه يترك القرار يُحسم بهدوء
في المكان الصحيح.
حديث هادي وعرض إرتباط قدمه نديم ببراعة جعله ينال قبول كبير لدي محي... لكن الأشقاء الثلاث لديهم بعض التحفظات الجُزافية حتى كنان وبالأخص فاروق الذي شعر بنفور تلقائي، لكن كلمة الحسم لـ يارا.
❈-❈-❈
بعد وقت بشقة فاروق
حين دلف إلى الشقة، التقط سمعه صوت حديث عهد مع ياسين،فاتجه مباشرةً إلى الغرفة دون تردد.. نظر نحو عهد الجالسة جوار ياسين على فراشه،تتكئ بظهرها على خلفية الفراش،
وفي يدها كُتيّب صغير تُرشده إلى ما هو مكتوب فوق كل الصور،تقرأ له بهدوءٍ وتُشير بإصبعها إلى الرسوم،
بينما كان يتابعها بعينين لامعتين بالحماس.
ابتسم له ياسين فور أن رآه وقال بفرح طفولي:
بابا… أنا بقيت شاطر، بعرف الحيوانات من الصور.
أومأ له فاروق برأسه، وقال بنبرةٍ حاول أن يجعلها دافئة:
برافو يا بطل.
ثم تحركت عيناه نحو عهد…تلاقت النظرات لثواني قصيرة،لكنها لم تُعطي ذلك اهتمام،وتجاهلت النظر له عمدًا
واكتفت بالعودة إلى الكًتيب قائلة ببرود متعمد:
خلينا نكمل بقية الصور.
تسلل الضيق إلى صدر فاروق ببطء،
كأن تجاهلها البسيط كان أقوي من أي كلمة قاسية...ضعط فكه قليلًا، ثم قال بلهجة حاول أن تبدو عادية…لكن حدتها الخفيفة لم تختفِي تمامًا:
واضح إن الدرس مهم قوي.
لم ترفع رأسها،واكتفت بالرد بهدوء جاف:
أهم من حاجات كتير ملهاش لازمه.
ساد الصمت لحظة…
صمت قصير، لكنه مشحون بما يكفي ليُثقل الهواء
تباينت نظرات ياسين ينظر بينهما بحيرةٍ بريئة،
لا يفهم لماذا تغير دفء اللحظة فجأة…
ولا لماذا صار للكلمات معني مختلف.
اقترب فاروق خطوة بطيئة،وعيناه لا تزالان معلقتين بها،
ثم تحدث بصوتٍ منخفض قائلًا بصراحة:
عهد ممكن أتكلم معاكِ شوية.
توقفت يد عهد فوق الصفحة،للحظة واحدة فقط…لحظة خانها فيها الهدوء الذي تتشبث به.
ثم أغلقت الكًتيب برفق،قائلة دون أن تنظر إليه:
مافيش كلام بينا يستاهل...
ضغط فاروق على نفسه وأخذ منها الكُتيب وأعطاه لـ ياسين قائلًا:
خد يا حبيبي كمل بقية الصور وأنا وعهد هنتكلم فى موضوع مهم بره دقايق وراجعه.
قال ذلك وجذب عهد من معصمها قائلًا بنبرة احتقان:
خلينا نتكلم بره… عشان ماينفعش الكلام ده قدام ياسين.
استسلمت عهد غصب
مررت يدها فوق شعر ياسين بحنان واضح، ثم قالت له بنبرةٍ دافئة تخالف برودها مع فاروق:
اقعد كمل تتفرج على الصور يا حبيبي… أنا هرجعلك فورًا مش هغيب.
هز ياسين رأسه مطيعًا،
بينما وقفت هي في هدوءٍ مقصود،
وتحركت نحو الباب دون أن تنظر إلى فاروق… كأن وجوده خلفها تفصيل لا يعنيها...
خرجا إلى الصالة ،أغلق الباب بهدوءٍ حذر… لكن عينيه لم تعرفا الهدوء... نفضت يده عن معصمها واستدارت إليه أخيرًا، وقالت ببرودٍ صريح:
خير.
جذب فاروق نفسًا عميقًا،
وكأنه يحاول كبح شيءٍ يندفع داخله، ثم قال:
ايه اللي بيحصل ده… إيه معناه.
عقدت حاجبيها قليلًا:
مش فاهمة قصدك.
ابتسم بسخريةٍ خافتة لا تحمل مرحًا قائلًا:
لأ… فاهمة يا عهد وفاهمه كويس كمان.
بس بتتجاهلي...
قاطعته سريعًا قائلة بنبرة باردة:
أنا مش بتجاهل… أنا بحط حدود.
تغضنت ملامحه عند كلمة حدود،
وتحول صوته إلى خشونةٍ مكتومة:
حدود... بينا.. أنا جوزك...
وده بيتك… ياسين…
قاطعته بغضب قائلة:
لاء مش بيتي أنا مجرد ضيفة مش أكتر، واللى يهمني ياسين بس، وسبق وقولتلك...
قاطعهها يقبض على ذراعها قائلًا:
بلاش النغمة دي يا عهد... وبلاش تشوفي عصبيتي... لغاية دلوقتي متحمل... قوليلي تعرفي نديم منين.
تنرفزت بغضب حاولت سحب يدها من قبضته قائلة بإستهجان:
محدش قالك تتحمل... وأظن نديم نفسه قالك هو يعرفني منين... وأنا أساسًا مكنتش فاكراه وصدفة هو اللى اتكلم.
بعصبية ضغط على ذراعها قائلًا:
صدفه قابلك مرتين وعارف اسمك و..
قاطعته بغضب:
أنا بشتغل مُضيفة طيران، وبقابل ناس كتير فى الرحلات... مش هفتكر على شخص مر قدامي... وكمان مالكش الحق تقول
مراتي إنت عارف إن جوازنا حبر على ورق، وأنا سبق وقولت له مكانتي هنا تختصر على ياسين وبس، إنت حُر عاوز تتجوز اللى تتحكم فيها وتعوض اللى ناقصك أعتقد محدش يقولك لاء بالعكس دول هيباركوا لك.
زفر فاروق نفسه بغضب، قبض على عضديها قربها منه لتصتطدم بصدره، لوهله كاد يعترف لها أنه يعشقها هي لكن منعه كبرياؤه... دفعها بقوة لترجع للخلف، وبلا إنتظار غادر الشقة كلها وتركها تربت على عضديها تتنفس بقوة، وقبل أن يتوغل منها شعور غريب عليها، كان نداء ياسين جعلها تنفض كل ذلك عن رأسها ولا تهتم لشيء، سوا "ياسين".
بينما فاروق غادر بغضب يتوغل منه، صعد الى سيارته مُغادرًا المنزل لم يجد مكان يُهدأ نفسه، سوا إستطبل الخيل الخاص به... دلف اللى إحد الغرف سحب إحد الخيول وضع عليها السرج ثم إمتطاها رغم نسمات البرد الطفيفة لكن داخله بدأ يهدأ قليلًا، توقف بعد وقت وترجل من على الفرسة رفع رأسه كا هنالك قمرًا يتواري خلف سُحب الخريف، تنهد بقوة،تيقن أن طريقه فى العشق غائم.
❈-❈-❈
بغرفة يارا
هناك شعوران يتنازعان داخلها بصمتٍ مُرهق...
الأول… الحيرة التي ألقاها نديم داخل قلبها ورحل،
حيرة ثقيلة لا تجد لها تفسيرًا واضحًا،
وهاجسٌ لا يكفّ عن الطرق في رأسها كلما حاولت تجاهله.
ومع الحِيرة… مازال هنالك هاجس برأسها كذالك غضب من ما حدث سابقًا وطريقة في سفره المفاجئ،
ومن تركه لها دون كلمةٍ واحدة تشرح… أو حتى توضيح... ربما ما كانت تنتظر اعترافًا،
ولا وعدًا صريحًا…
لكنها على الأقل كانت تستحق توضيحًا لا هذا التجاهل البارد الذي عاملها به،
كأن ما كان بينهما لم يكن يستحق حتى جملة وداع.
الشعور الثاني كبريائها... ذلك الكبرياء الذي يقف الآن في مواجهة اشتياقها،يرفض أن يضعف…
يرفض أن يمد يدًا لمن اختار الرحيل بصمت.
كانت تعرف جيدًا أنها لو سمحت لقلبها بالانتصار،
ربما تبحث عنه... ستسأل…وربما تسامح أيضًا.
ولهذا تحديدًا…تتشبث بكبريائها أكثر.
جلست على طرف الفراش، حِيرة فى عقلها وتمرُد فى قلبها... وخطوة أن يتقدم للزواج بها أربكتها... أكثر وأكثر...
وضعت وجهها بين كفيها ثم أزاحتهما الى الخلف تضم خصلاتها... بنفس اللحظة سمعت طرق على باب الغرفه ثم دلف محي الى الغرفة مُبتسمً... تبسمت له بتلقائية، ذهب نحوها وجلس جوارها يضمها أسفل يده بحنان.. شعرت بهدوء نسبي... أو ربما شعور الأمان الدائم لها... تنهد بحنان قائلًا:
أنا مش هضغط عليك... قدامك وقت لحد ما ارجع انا وماما من العُمرة... أنا مش مستعجل قرارك بس عاوز يوم ما تاخدي القرار سواء بالقبول او الرفض تكوني مُقتنعة.
تبسمت قائلة بمفاجأة:
هو ممكن تاخدني معاك العُمرة يا بابا.
ابتسم وضمها أقوي قائلًا:
ممكن جدًا هكلم كنان ياخدك بكره يطلع لك تأشيرة عّمرة.
أومأت مُبتسمة وهي تشعر أن ربما تلك الرحلة الروحانية تجعلها تتخذ قرارًا صائب، وتضع حد لحيرتها.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
ليلًا
مرور أيام على إحتدادهم الأخير ... فاروق يتعمد العودة بوقت متأخر تكون هي غفت، شعور غريب يغزوها، لا تفهمه، لكن مازالت تنكر أن اصبح له تأثير...
كالآن تشعر بضجر بعدما خلد ياسين للنوم...حاولت العبث على الهاتف،قراءة كتاب،مشاهدة التلفاز،كل ذلك شعرت بالضجر...حسمت أمرها،ربما لو أخذت حمامً دافئًا،بالفعل ذهبت الى الحمام...خلعت بعض ثيابها،ثم عدلت عن تلك الفكرة..وتفوهت لنفسها:
أنا أدفي لنفسي كوباية لبن وأشربها وأكيد هيروح الزهق ده وهنام.
لم تُفكر فى إرتداء حتى مئزر فوق تلك الثياب القليله..وتحدثت:
كده كده فاروق قدامه وقت على ما يرجع...عامل نفسه مقموص هو حُر،أنا لا بدادي ولا براضي...أحسن حل هو كوباية لبن بالشيكولا وبعدها هيروح الزهق ده كله،وأنام،أنا عندي رحلة سفر بكره ولازم أبقي فايقه.
توجهت الى المطبخ كي تعد لها ذلك... لم تنتبه الى صوت سيارة فاروق الذي عاد باكرًا اليوم ليس صدفة، بل لارهاقه البدني من كثرة العمل... يود فقط الراحة
فتح باب الشقة وحين دلف إلى الداخل لفت انتباهه ضوء خافت يتسلل من نحو المطبخ. عقد حاجبيه بدهشة وتوجه بخطوات حذرة، وما إن بلغ عتبة المطبخ حتى تسمر في مكانه...
عيناه تجولت عليها بذهول… كانت تقف خلف الموقد بمنامة قصيرة كنزة بثلث كم تنسدل حتى منتصف فخذيها، بشقين جانبيين وفتحة صغيرة من الخلف تكشف عنقها الرقيق، بينما الجزء السفلي سروال قصير بالكاد يغطي حتى منتصف ساقيها. شعرها مرفوع بدبوس بطريقة فوضوية جعلت خصلات متمردة تتدلى على وجهها، تزيدها فتنة...
كم بدت مُغرية بتلك التفاصيل البسيطة
ظل واقفًا بصمت يراقبها، دون أن تشعر بوجوده... لم تنتبه إلا حين فرغت من سكب كوب الحليب الساخن، التقطته بيدها واستدارت فجأة، لتشهق برعب ويسقط الكوب من بين أصابعها... ارتطم بالأرض محدثًا تهشّمًا حادًا، وتناثر الحليب على قدمها العارية...
أطلقت آهة قصيرة من الألم، فيما اندفع هو نحوها بخطوات سريعة، قبض على ذراعها ليمسكها قبل أن تتعثر. عيناه التهمتها بقلق ممزوج بدهشة لا يستطيع إخفاءها...
أطلقت آهة قصيرة من الألم، فيما اندفع هو نحوها بخطوات سريعة، قبض على ذراعها ليمسكها قبل أن تتعثر... عيناه التهمتها بقلق ممزوج بدهشة لا يستطيع إخفاءها..
إقترب منها بلهفة وتسأل بنبرة عميقة:
إنتِ كويسة.. رجلكِ اتلسعت.
ارتبكت وهي تحاول الإفلات من قبضته، لكن دفء يده حول معصمها شدها أكثر من أي ألم.. جذبها قليلًا بعيدًا عن بقعة الحليب المنسكب على الأرض، صوته حازم بقلق:
استني... متتحركيش، ممكن تتزحلقي.
اقترب منها أكثر مما ينبغي، حتى شعرت بأنفاسه تلفح عنقها المكشوف... قلبها خفق بعنف، في حين ظل هو يتأملها بصمت طويل...
رفعت عينيها إليه بارتباك وهمست بكذب تتحمل حرقان إحد قدميها:
أنا... أنا كويسة لسعة بسيطة.
ابتسم ابتسامة باهتة، عيناه تلمعان بوميض غامض، ثم رفع يده ليزيح خصلة من شعرها أفلتت من المشجب، هامسًا بصوت أجش:
والله شكلك مش كويسة... شكلك مولعة نار.
حقُا لم يدعي هي تكذب بل تتحمل..
ارتجفت أنفاسها للحظة، كلماتُه تسللت إلى أعمق نقطة بداخلها كشرارة أشعلت النار في دمائها... حاولت أن تزيح يده عن ذراعها بخجل، لكنها لم تستطع مقاومة القبضة التي بدت وكأنها تُصادر ارتباكها قبل أن تُصادر حركتها... خفض عينيه نحو قدمها، لاحظ الاحمرار الطفيف على بشرتها من لسعة الحليب، فانحنى سريعًا، يده تلامس كاحلها بخفة وهو يتمتم:
رجلك اتلسعت فعلًا... كان لازم تاخدي بالك.
شهقت متوترة ... من قربه...بتلقائيه تراجعت نصف خطوة، وكان ذلك خطأ لم تنتبه لشظايا الزجاج دهست قدمها على شظية... تأوهت بألم كان أسبق إليها، حين رفع رأسه ببطء لتلتقي عيناه بعينيها عن قرب، قريب جدًا حتى شعرت بحرارة أنفاسه تختلط بأنفاسها،تحملت ذلك الالم لكن هو لاحظ توجعها كذالك بقعة الدم الصغيرة بلا انتظار حملها وخرج من المطبخ توجه الى غرفة المعيشة وضعها فوق آريكه ونظر لتلك الدماء التى تندفع من كعب قدمها، لم ينتظر تركها لحظات وعاد بحقيبة إسعاف منزلية، جذب مقعد منخفض وجلس عليه، ثم سحب قدمها المصابه وضعها على فخذه طهر مكان الجرح ثم لف ضماد حول قدمها،كذالك وضع مُرطب فوق ذلك الإحمرار مكان لسعة الحليب... كانت تتأوه، لكن هو تحدث بإطمئنان:
كويس الشظية مدخلتش جوا رجلك، جرح مش كبير... هجيبلك برشامة مُسكن والوجع هيروح.
نهض تركها مره أخري ثم عاد باحد انواع برشام مُسكن مد يده به لها ومعه كأس مياة
أخذت البرشامة وتجرعت المياة تستغرب من إهتمامه المُبالغ فذلك الجرح لا يستحق تلك المُبالغة... توترت من نظراته لها كذالك من ثيابها التي لا تناسب وجوده... كأنه قرأ أفكارها حين ذمت تلك الفتحه التى فوق صدرها، وجذبت الكنزة لأسفل تحاول تغطية أكبر جزء من ساقيها... تبسم وهو يجلس على الآريكة جوارها.. شعرت بالخجل كادت تنهض لكن حين وضعت قدمها على الارض لم تستطيع الوقوف بسبب الألم وسقطت فوق ساقيه.. إرتبكت لكن سُرعان ما غاب عقلها للحظات وهو يضمها ينتهز الفرصة بلا تفكير كان يضغط جسدها لجسده يُقبلها بروية تزداد قُبلاته توغل وإشتياق للمزيد وهي بلا وعي تستقبل قُبلاته التى تنتهك شفتيها.. هذه المرة الثانية الذي يُقبلها بها لكن هنالك إختلاف عن المرة الأولى هذه المرة كانت قُبلاته عميقة،أما هذه المرة قُبلاته جامحة مُتطلبة... تنحي بجسده قليلًا وضع نصف جسدها على الأريكه يميل عليها وهي تزداد ميلًا على الآريكة لا يترك شفتيها، يديها كأنها ليست من جسدها عقلها يود ان تدفعه عنها لكن يديها إعترضت وتمسكت بمعصمه.. إزاد جموحة وجرأة لمساته... وهي كان عقلها بغفوة، او ربما سيطرته على مشاعرها بتلك القبلات واللمسات أفقدتها الحركة.. بدأ يغزوا أكثر وأكثر بلمساته
رواية عهد الدباغ الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد سلامة
بغرفة كِنان…
تمدد على الفراش نصف جالس... يسند ظهره على ﻋِدة وسائد، واضعًا حاسوبه فوق قدميه، ينهمك في مراجعة أحد الملفات الخاصة بأبحاث الجامعة...
لكن الضجر بدأ يتسلل إليه ببطء… ومعه نعاس خفيف جعله يتثاءب أكثر من مرة...
وما إن أغمض عينيه لثواني حتى تسللت إلى ذاكرته صورتها…
تلك التي وصفها في لحظةٍ عابرة بالشعثاء، رغم أنها لم تكن كذلك اليوم...
كانت ترتدي حجابًا منمقًا يلائم بساطة مظهرها، وبنطالًا تعلوه كنزة خضراء قاتمة، توحي بهدوءٍ بسيط...
ملامحها كانت خالية من أي أثر لمساحيق التجميل…حقًا
ليست جميلة، ولا قبيحة، لكن ذات وجه
مُلفت… بطريقةٍ يصعب تفسيرها...
زفر ببطء، ثم أزاح الحاسوب إلى جواره، واستلقى بكامل جسده على الفراش...
وضع إحدى يديه أسفل رأسه، وترك الأخرى فوق رأسه، زاغت عيناه معلقتان بنقطةٍ غامضة في سقف الغرفة…
كنقطةٍ يُحاول منع ذاكرته أن تُسقط عليها وجهها.
عاد به التفكير إلى الصباح…حين
كان واقفًا أمام منزل أم صبري، ينتظرها... لم ينتظر أكثر من دقيقتين، حتى لمحها تقترب…
كانت تسير بخطواتٍ هادئة، تحاول مُجراة خطوات عمتها الشبة بطيئة، تتحدث معها بصوتٍ خفيض وهي تشعر بإرتباك، بعدما رأت سيارة كنان:
عمتي إركبي إنتِ مع كنان، وأنا هروح الموقف أركب سرفيس وأروح الكُلية.
تفوهت أم صبري قائلة:
طب ليه يا بنتي، تعالي معانا، إنتِ مش بتقولى ميعاد المحاضرة الساعة حداشر يعني لسه بدري.
إعترضت غزال قائلة:
لاء بلاش، كمان انا مواعدة واحدة صاحبتي، نتقابل قبل المحاضرة.
تنهدت أم صبري باستسىلام الى أن وصلت الى مكان وقوف السيارة ترجل كنان، يرسم بسمه باهته، تفوهت أم صبري بهدوء وعفوية:
صباح الخير يا كنان معليشي أتأخرت عليك... كمات هتقل عليك. نوصل غزال لموقف الميكرباص.
تصايقت غزال وتفوهت بخفوت لـ عمتها تعترض... لم ينتبه لما قالته ثم ساد صمت للحظات …
كل ما انتبه له هو ذلك الصمت الذي يحيط بها، كأنها تسير داخل عالمٍ يخصها وحدها...لوهلة رفعت عينيها صدفة…
التقت نظراتهما للحظةٍ قصيرة…
لحظة لم تتجاوز ثواني…
لكنها كانت كافية لتربك هدوءه، وتترك داخله سؤالًا لم يجد له تفسيرًا حتى الآن...تنهد بإستسلام قائلًا:
تمام هنمُر عالموقف،يلا إركبوا عشان نلحق نروح الجوازات عشان نجيب الباسبور بتاع حضرتك عشان تأشيرة العُمرة.
بالفعل صعدن الى السيارة، جلست أم صبري جواره وجلست غزال بالمقعد الخلفي، كانت صامته، من الجيد ان الوقت لم يطول حين وصلوا الى موقف السيارات، بتسرُع هبطت غزال، كأنها تهرب حتى ةم تتحدث لعمتها ولم تنتبه الى بطاقة هويتها التي سقطت منها...
بينما تابع كنان قيادة السيارو، دار حديث بينه وبين أم صبري الذي سألها:
مش المفروض إن بنت أخوكِ كانت هتروح العُمرة هي كمان.
تنهدت بآسف قائلة:
والله قولت لها، بس قالت هي لسه صغيرة.. ويوم ما تروح تعمل عُمرة تبقي من فلوسها، مع إن قولت لها معايا المبلغ اللى يطلعنا إحنا الاتنين، برضوا مرضيتش.. قولت خلاص براحتها لسه صغيرة... لو مكتوب لها هتروح، أنا قلبي مشتاق قوي لزيارة النبي.
ابتسم كنان قائلًا بتأكيد:
هتزوريه ان شاء الله.
فتح عينيه فجأة، كأنه يهرب من تلك الذكرى…
وتمتم بصوتٍ خافت:
غزال إيه حكايتِك … وليه أساسًا بتجي على بالي .
لكن السؤال ظل معلقًا في هواء الغرفة…
بلا إجابة... او الاجابة يرفضها عقله.
❈-❈-❈
بشقة رابيا…
كانت الغرفة ساكنة إلا من صوت أنفاسها المتقطعة، تمشي ببطء من طرف إلى آخر، وكأن الأرض تضيق تحت قدميها كلما أعادت الفكرة في رأسها...
وضعت كفها فوق بطنها دون وعي، تتحسس ذلك البروز الصغير الذي لم يتضح بعد … صارت قدرتها على احتمال ذلك الأمر سرًا ضعيفة،فبطنها ستظهر قريبًا...
توقفت فجأة أمام المرآة.
نظرت إلى وجهها طويلًا… كأنها تبحث فيه عن إجابة لا تجدها.
همست بصوتٍ متردد، يكاد لا يُسمع:
أنا… أنا حامل…
خرجت الكلمة مرتعشة، وكأنها تخاف أن تسمعها الجدران قبل قلبها... كأنها للمرة الأولى
ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم جلست على حافة المقعد، تضم كفيها معًا بقوة... مرت لحظة صمت طويلة…
ثم عادت تهمس، لكن بنبرةٍ مختلطة بين رجاءٍ وطلب:
يارب…الحمل المرة دي يكون ولد.
لم تكن تعرف لماذا قالتها هكذا تحديدًا…
هل لأنه سيمنحها قوةً أمام الجميع
أم لأنه قد يكون الفرصة الوحيدة ليكون لفتياتها أخً سند...
أغمضت عينيها، وانزلقت دمعة بطيئة فوق وجنتيها…
ليست دمعة حزن… ولا فرح…
بل شيءٌ بين الاثنين…
شيءٌ يشبه الوقوف على حافة مصير مجهول.
ضمت بطنها أكثر، كأنها تحاول حماية ذلك الكائن الصغير من العالم كله…
وتمتمت بصوتٍ خافت:
بلاش تفكيرك ده يا رابيا المهم ييجي بالسلامة… حتى لو كان بنت.
ثم صمتت لكن قلبها ظل يردد الدعاء نفسه في صمتٍ طويل...
ظلت شاردة..تتمني فى صمت حتى أنها
لم تكن تنتبه الى دخول محس الى الغرفة الا حين سمعت صوته من خلفها..
تجمدت للحظة في مكانها، وكأن الكلمات التي كانت ترددها قبل لحظات تحولت إلى سر يختبئ داخل صدرها.
بينما وقف محسن بالقرب من باب الغرفة، عيناه تتنقلان بينها وبين ارتباكها الواضح…
شعر فورًا أن هناك شيئًا غير طبيعي، شيئًا أقوي من مجرد صمت... وشرود.
تحدث بهدوء مستفسرًا :
مالك يا رابيا في إيه قاعدة كده ليه، بكلمك مش بتردي...سرحانه فى ايه.
لم تُجب فى البداية فقط شدت على طرف عباءتها أكثر… وكأنها تبحث عن قوة ضاعت منها.
اقترب خطوة… ثم أخرى.
وحين صار أمامها تمامًا، سأل بصوت منخفض لكنه أكثر قلقًا:
ردي عليا… قلقتيني.
رفعت عينيها إليه أخيرًا…
وكان في نظرتها شيء لم يراه من قبل… خوف… وقرار… انكسار مكتوم... ترقُب
تحركت شفتاها بصعوبة، وكأن الكلمة تُخيفها قبل أن تخرج:
أنا… حامل.
سقطت الجملة على رأسه هادئة… بينما على رأسها...
ثقيلة لدرجة أن نبضات قلببها صارت أعلى من صوتها.
تقدم محسن بضع خطوات ينظر
لم يتكلم فورًا… فقط نظر إليها طويلًا، يحاول أن يرتب قوة تلك المشاعر التي تتوغل بداخله... لم تكن مثل مشاعره السابقة حين كانت تخبره بحملها... هذه المرة شعور غريب عليه، بداخله يتخيل لحظة جنون يحملها ويدور بها مثل تلك المشاهد الخيالية...، سُرعان ما هز رأسه ذلك الجنون برفض، وعاود سؤالها:
إنت حامل... من إمتي... وليه مرتبكه كده واناِ بتقوليلى كأنها أول مرة.
أومأت ببطء، ودمعة خائنة انسابت رغمًا عنها...
لكنها مسحتها سريعًا… وكأنها ترفض أن تظهر ضعيفة أمامه...
قالت بنبرةٍ مكسورة تحاول أن تبدو قوية:
مش مرتبكة، ما أنا قولت لك أهو.. أول حد بعرف... كمان خايفة.
رفع عينيه إليها فجأة بذهول قائلًا ببسمة مرحة ثم استفسار:
الزوج. أول من يعلم.. وخايفة من أي.
صمتت لحظة…ثم خرجت الحقيقة بلا تجميل:
خايفة أكون حامل فى بنت تالتة.
ضاقت عيناه بغضب حاد…
وكأن الكلمة أصابته في مكانٍ لم يكن يعرف بوجوده... مرت ثوانٍ ثقيلة…
قبل أن يمد يده ببطء، وكأنه يتردد حتى في هذه الحركة الصغيرة…
ثم وضع كفه فوق بطنها المرتجفة.
كانت لمسة خفيفة جدًا…
لكنها حملت سؤالًا أكبر من الكلام كله...
همس بصوتٍ تغير تمامًا:
أنا ميفرقش معايا، بنت أو ولد وسبق وقولت لك الكلام ده قبل كده
انفجرت رابيا بالبكاء لأول مرة…
من نبرته الهادئه كالعادة
أومأت وهي تبكي قائلة:
عارفة إنه مش بيفرق معاك، بس فارق معايا أنا نفسي فى ولد.
أغمض محسن عينيه لحظة طويلة…
كأنه يواجه داخله عاصفة كاملة وحده.
ثم فتحهما ببطء…قائلًا:
بلاش التفكير الرجعي اللي فى دماغك ده،ولا ده تفكير مامتك طبعًا،رابيا أنا ميفرقش معايا .
شد يدها برفق، قائلًا بصوت منخفض لكنه حاسم:
اللي يهمني تقومي بالسلامة إنتِ والبيبي.
ارتجف قلبها من هدؤه وحنانه…
وكأن ضجيح العالم كله توقف ليستمع إليها...
لكن داخل كلٍ منهما…
كان سؤالٌ آخر ما زال ينتظر…
هل يكفي هذا الانسجام اللحظي… ليهزم كل ما هو قادم.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
مازال يُقبلها وهي تنخفض بجسدها على تلك الأريكة وهو يقترب منها، ينثُر قُبلاته على وجنتيها، يده الخشنه تسير على ساقيها…وهي ترتجف بين ذراعيه ارتجافةٍ خفيفة، لا تعرف أهي خوف مما يحدث أم شوق كانت تخفيه طويلًا...
أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تهرب من العالم كله لتبقى فقط داخل ذلك القرب الدافئ… بينما أنفاسه المتسارعة تلامس وجنتها فتزيد اضطراب قلبها...
توقفت يداه عند حدودٍ صامتة، كأنه يختبر صبر اللحظة لا جسدها، ثم همس باسمها بصوتٍ خافت يحمل من التردد بقدر ما يحمل من الاحتياج:
عهد!
فتحت عينيها ببطء، نظرت إليه نظرة طويلة… نظرة لم تكن سؤالًا ولا رفضًا، بل اعترافًا صامتًا بأن شيئًا بينهما تغير ولن يعود كما كان...
تسللت ابتسامة مرتعشة إلى شفتيها، قبل أن تُخفض رأسها قليلًا، وكأن حياءها يحاول إنقاذ ما تبقى من اتزانها… بينما ظل هو قريبًا، لا يفعل شيئًا سوى النظر إليها، كأنه يخشى أن تفلت منه تلك اللحظة إن تحرك...
وفي صمتٍ كثيف… كان القلبان يتكلمان أكثر مما تسمح به الكلمات.
فجأءة شهقت حين حملها بمباغتة ونهض، إبتلع باقي تلك الشهقة وهو يُقبلها،كأنه أفقدها الباقي من وعيها،بل بالفعل كأنها فقدت الوعي ،لم تدري بدخوله بها الى غرفته ولا بوضعه لها على فراشه،
بدأت يديه تنتقل برقة فوق كتفيها وذراعيها، يشعر بردود أفعالها، كل حركة محسوبة بحذر رغم حرارة اللحظة... عقلها كان يحاول المقاومة، لكن جسدها يخون رغبتها وقلبها ينبض بقوة، ودفء جسده جعلها تشعر بغفلة مؤقتة عن الألم والخوف...
رفع رأسه ببطء ليقابل عينيها، نظرة طويلة مشحونة بالاشتياق والقلق، كأن الوقت توقف للحظة، والهواء أصبح مُشبعًا بين أنفاسهما.
همس إسمها قريبًا من أذنها بصوت خافت:
"عهد"..أنا مش بحلم إنتِ بين إيديا.
اهتز قلبها من الكلمات، شعرت بالطمأنينة رغم خفقانها، وبدأت تتنفس ببطء لتستعيد وعيها...
هو أخذ خطوة للخلف قليلًا، ليترك مساحة تنفس، لكنها بقيت مُمدة على الفراش يديها تتشبث بمعصمه، وكأنها لا تريد أن يبتعد لحظة واحدة.
نظراته لم تفارقها، ابتسم ابتسامة باهتة لكنها دافئة، ثم قال:
اللي حصل… مش مهم دلوقتي. أهم حاجة إنك كويسة، وهنهتم ببعض زي ما المفروض.
مد يده ليزيل أي أثر من الألم المتبقي على قدمها، ولمست أصابعه برقة، وعرفت أنها ليست مجرد اهتمام، بل حماية وحنان مشحون بالعاطفة المكبوتة
عيناه ترتكز بعينيها بحوار صامت :
كان الصمت بينهما أقوى تأثيرًا من أي كلمة تُقال…
كادت تنهض من فوق الفراش لكن سبقها فاروق وحاصرها بجسده...
تحدث بصوتٍ خافت، لكنه حمل رجفة لم يستطع إخفاءها:
ليه بتهربي مني كل مرة.
أغمضت عهد عينيها لثانيةٍ طويلة…
كأن السؤال لم يكن جديدًا، بل قديمًا جدًا… قديمًا بقدر خوفها نفسه... همست دون أن تلتفت:
مش بهرب… أنا بحاول أحمي اللي فاضل.
اقترب أكثر… حتى صار قريبًا من أنفاسها وسألها:
واللي فاضل ده… أنا مش منه.
عندها فقط نظرت إليه...
وكانت تلك الغلطة… لأن عينيه كانتا صادقتين أكثر مما تحتمل...
ارتبك صوتها وهي تقول:
انت أخطر حاجة ممكن تحصلي يا فاروق…
والحاجات الخطِرة… لازم نبعد عنها…
يا بتضيعنا.
صمت للحظة… ثم ابتسم ابتسامة موجوعة قائلًا:
ولو كنت مستعد أضيع.. بس المهم أكون معاكِ
اهتز قلبها…
ولأول مرة لم تجد كلمة تهرب بها.
فقط…
شعرت أن المسافة بينهما لم تعد موجودة
ارتجفت شفتيها تحت لمسته على وجنتها، وحين حاولت أن تتراجع بخجل، كان هو قد اقترب أكثر، انسحابها أصبح مستحيل... أنفاسه امتزجت بأنفاسها، وعينيه لم تفلت عينيها لحظة واحدة، حتى شعرت أن جسدها هُلام... كأن الأرض سُحبت من تحت قدميها.
همس بنبرة إحتياج وإجتياح:
مش كفاية... محتاج أكتر.
وبلا انتظار، انزلق إبهامه بخفة أسفل ذقنها، رفع وجهها نحوه برفق، قبل أن يطبع شفتيه على شفتيها... قبلة مترددة أولًا، خفيفة كأنها اختبار، لكنها ما لبثت أن تحولت لمتطلبة أكثر، أعمق... وأكثر حرارة، قبلة كسرت آخر ما تبقى من مقاومتها... شهقت أنفاسها بين شفتيه، حاولت دفعه في البداية لكن يديها استسلمت لتستقر على صدره، قلبها يخفق بجنون، أحاط خصرها بذراعيه يضمها إليه بقوة وتملُك هي ملكه وحده... تاهت للحظة، لم تعد تسمع سوى هدير أنفاسهما، ولم تشعر سوى بارتجاف جسدها بين ذراعيه...ازدادت قبلته عُمقًا، ومع كل ثانية تمُر كانت مقاومتها تتلاشى أكثر فأكثر، حتى استسلمت تمامًا... أغمضت عينيها، وانسابت بين ذراعيه كالمياة حين تستقر بالنبع... ذراعيها التفت حول عنقه بخفة، سحبته نحوها دون وعي، كأنها تعترف بضعفها أمامه للمرة الأولى... أنفاسها تتقطع بين شفتيه، لكنها لم تتراجع، بل غاصت في اللحظة وكأنها طالما انتظرت هذا الاحتواء...
هو بدوره، حين شعر باستسلامها، زادت قبضته على خصرها، يضمها أكثر إليه، لن يسمح لها بالابتعاد ثانية... لم يعد يُقبلها فقط، بل يضمها بقوة تملُك..... بشغف ، يُنحي كل غِيرته السابقة
استمر الصمت... أصبح صوت ارتجاف أنفاسهما أصدق من أي كلمات... لحظة جمعت بينهما ...
ذابت هي في قُبلة تحولت إلى عهد، وعهد صار قدرًا محتومًا....
استسلمت بين ذراعيه، شعر كأنه أخيرًا امتلك شيئًا ثمينًا كان يتمناه منذ زمن... قبلته امتدت، تتنقل من شفتيها المرتجفتين إلى وجنتها، ثم عنقها المكشوف عبر الفتحة الصغيرة في ثوبها،الذي أزاحه عن جسدها، يترك أثر أنفاسه الساخنة على بشرتها فيزيدها ارتجافًا.... شهقت بخفوت وهي ترفع رأسها للخلف دون وعي، تمنحه مساحة أكبر للسيطرة، ويديها ما زالت مُتشبثة بعنقه كأنها تخشى سقوطها لو ابتعد عنها لحظة واحدة..
صوته انساب أجشًا في أذنها، همسًا يلهبها أكثر مما تلمسه يداه:
إنتِ مش فاهمة قد إيه كنت محتاج اللحظة دي... قد إيه انتي مجننانـي.
ارتجفت من وقع كلماته، وجسدها أجاب بدلًا منها، فاقتربت أكثر، حتى لم يعد بينهما فراغ... يده انزلقت ببطء على ظهرها من خلال الفتحة الصغيرة في ثوبها، ملامسة جلدها الدافئ، فتسارعت أنفاسها بشكل جعلها تضغط على شفتيها محاولة إخفاء ارتباكها...
ابتسم وهو يراها، ثم أعاد التقاط شفتيها من جديد، قبلة أعمق.. وأكثر حرارة، كأنها اعتراف متبادل، اعتراف لم يحتاج كلمات، بل أجساد ارتجفت وأرواح التصقت في لحظة
اشتعلت أنفاسها أكثر وهو يطبع قبلاته على شفتيها ثم عنقها، وكأن كل لمسة منه توقظ بداخلها مشاعر كانت مطموسة... جسدها ارتجف بين ذراعيه لكنها لم تُقاوم، بل استسلمت تمامًا، كأنها أخيرًا وجدت نفسها أسيرة لرغبة لا مهرب منها.
يده تجولت ببطء على منحنيات جسدها، تتحسسها بخفة أولًا وكأنها يخشى أن يوقظها من حلم، ثم صارت أكثر جرأة كلما شعر بارتعاشها يتضاعف... ثوبها تلاشي لم يكن حاجزًا، بل زاد الأمر إثارة، فكل لمسة منه كانت تصل إلى جلدها مباشرة، تثير شهقات مكتومة من بين شفتيها.
همست إسمه بصوت مرتجف وهي تحاول أن تتنفس بين قبلاته:
فاروق
لكن يده قربتها أقرب، وصوته الأجش قطع همسها بكلمة:
بحبك يا عهد.
لم تجد ردًا، فقط زادت التصاقًا به، كأنها تعترف له بجسدها قبل لسانها... أو هكذا ظن... ملامحه تقترب من ملامحها في لهفة لا تشبع...
وأنفاسهما المتلاحقة كانت كفيلة بأن تُغرقهما في عالم لا يخص أحدًا سواهما... عالم لم يعد فيه مجال إلا للاستسلام الكامل.
بعد وقت
سكن المكان أخيرًا بعد أن هدأ صخب أنفاسهما، لم يبقى سوى صوت دقات قلبيهما المتلاحقة، وكأنهما يعترفان بما لم يُقال.
تمددت بين ذراعيه، وجهها مستند فوق صدره، تسمع خفقات قلبه القوية وكأنها لحن يطمئنها... عينيها نصف مغمضتين، غارقة في دفء حضنه، يتمنى لو يتوقف الزمن عند تلك اللحظة...
مرر أصابعه في خصلات شعرها الفوضوية، ثم مال ليطبع قبلة هادئة على جبينها، بعكس جنون قبلاته قبل قليل. همس بنبرة عميقة رقيقة كأنها وعد:
دلوقتي... بقيتي جزء مني، ومش هسيبك أبدًا.
ارتجف قلبها مع كلماته، لكنها لم ترد، فقط أغلقت عينيها أكثر لتخفي دمعة ساخنة انسابت دون إرادتها... دمعة لم تكن ضعفًا، بل اعترافًا صامتًا باستسلامها الكامل له، وبأنها لم تعد قادرة على الهروب من قدرها معه...
أحاطها بذراعه بقوة أكبر، كأنه يعلن ملكيته لها أمام نفسه قبل أي أحد، فيما هي اكتفت بالانصهار أكثر في دفئه... مستسلمة للحقيقة التي لم تعد تستطيع إنكارها.
❈-❈-❈
لاح صباح جديد
حين تسلّل ضوء الصباح من بين فتحات الستائر،ظهر طيف فرح تنظر لها كأنها تلومها، شعرت بجلدة لاسعة ضربت قلبها حين رأت دمعة تسيل مع عينيها تقول بنبرة لوم:
"خدتي مكاني فى قلب جوزي، وكمان فى سريري".
فتحت عينيها ببطء،للغرابة تشعر بدفء غريب يحيط بها. استوعبت تدريجيًا أنها ليست بمفردها... كان هو بجانبها، ذراعه ملتفة حول خصرها بإحكام، أنفاسه الهادئة تدل على نوم عميق، فيما قلبها ينبض بجنون وصدمو كأنها تُفاجأ بالحقيقة للمرة الأولى.
شهقت في سرها، ارتجفت أصابعها وهي ترفع الغطاء قليلًا، تستوعب ما حدث، تسترجع لحظات الضعف والجنون التي استسلمت لها ليلًا. غصة مريرة اعتصرت حلقها، والندم هبط فوق صدرها كلسعة سوط غليظ شق قلبها.
همست لنفسها بصوت مبحوح بندم:
أنا إزاي... إزاي عملت كده.
حاولت التملص من بين ذراعيه بهدوء، لكنها كلما تحركت كان يشدها لا إراديًا وكأنه حتى في نومه يرفض تركها... ارتعشت أكثر، عينها على ملامحه الهادئة، كيف استطاع أن يخترق حصونها ويجعلها تُلقي بأسلحتها كلها في لحظة.
أطبقت جفنيها بقوة، دمعة ندم انسابت على وجنتها، وهي تفكر في العواقب، في الخوف من أن تكون قد فقدت نفسها، أو من أن تكتشف أن ما حدث لم يكن سوى نزوة بالنسبة له...
في قلبها ارتباك عنيف، بين شوق مجنون للعودة إلى حضنه وبين شعور قاسٍ بأنها ارتكبت خطأً لن تُسامح نفسها عليه.
بينما كانت تحاول الانسحاب بخفة من بين ذراعيه، تحرك فجأة، فتح عينيه ببطء، لتلتقي نظراتهما مباشرة. تجمّدت في مكانها، وملامحها فضحت ارتباكها وندمها...
ابتسم هو ابتسامة هادئة كسرت صمت اللحظة، صوته أجش من أثر النوم:
رايحة فين من بدري كده.
أخفضت عينيها، تحاول أن تتفادى نظراته، لكن قلبها كان يخفق بعنف حتى كادت تسمعه.. تحدثت بارتباك ونبرة ندم واضحة:
إزاي ده حصل...
رفع يده يلامس وجهها برفق، يحاول أن يوقف رجفتها:
حصل، بقيتِ كلك ملكي.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وارتفعت دمعتها في عينيها دون وعي تفوهت بندم:
اللى حصل غلط... أنا ماكانش لازم... ماكانش المفروض أسمح لنفسي بالضعف.
كلماتها خرجت لائمة..، ثبت عينيه في عينيها بقوة قائلًا:
غلط...حتى لو كان غلط عندك، أنا عندي كان أجمل لحظات عشتها... ومش هقبل تسمي اللي بينا غلط.
ارتعش قلبها أكثر، ارتبكت، أرادت أن ترد لكن الكلمات خذلتها. دموعها انسابت رغمًا عنها، فأمسك وجهها بكلتي يديه، وصوته هذه المرة أقوى:
إنتِ فاهمة إنتي خلاص بقيتي ليا... ومهما هربتي من الفكرة، مش هتسيبك.
سكتت للحظة، قلبها يصرخ بين التناقضات: بين ندم ينهشها، وبين رغبة جارفة أن تصدق كلماته وتستسلم مرة أخرى...
لكن لا شعرت بلحظة جنون... جذبت غطاء الفراش عليها تبتعد عنه حتى نهضت من فوق الفراش تبحث عن ثوبها... وجدته مُلقي على الأرض جوار ثيابه، شعرت بالحرج يتسرب إلى أوصالها، كأن الأرض ابتلعت اتزانها كله، التقطت ثوبها سريعًا بيدها المرتجفه، أصابعها كأن لم تطاوعها وهي تحاول إمساكه فوقع منها
كان يراقبها في صمت، عيناه لا تفارقها، يمتزج فيهما الغضب بالرغبة والإصرار.
نهض من فوق الفراش يقترب منها بخطوات بطيئة لكنها ثقيلة الوقع على قلبها، حتى صار خلفها مباشرة، امتدت يده يضمها قائلًا:
مش هتبعدي عني تاني... مش بعد اللي حصل بينا.
تجمدت مكانها، الدموع ما زالت على وجنتيها، همست بصوت مبحوح:
اللى حصل لحظة ضعف ... وأنا مش قادرة أتحمل.
دار بها برفق، أجبرها أن تواجهه، نظرته نافذة كأنها تخترق جدارها الهش، قال بإصرار:
إنتِ مش ضعيفة... إنتي ليا... وكل مرة هتحاولي تهربي، اللحظة دى هترجعك تاني... غصب عن خوفك، غصب عن دموعك.
شهقت، لم تستطع الاحتمال أكثر، رفعت يديها تدفعه بعيدًا... لكنه أمسك بهما وثبتهما بين صدره وصدرها، ليزداد اقترابه حتى غاب صوت عقلها أمام خفقات قلبها العاصفة... اصبحت تهلوس بدموع:
إزاي سمحت لنفسي أشاركك أوضة كانت بتجمعك إنت وأختى.. وأنام معاك على نفس السرير اللى كنت بتنام معاها عليه
إزاي... إنت شخص شهواني إستغليت لحظة ضعف مني.
سحبت يدها من يده بقوة ولم تنتظر غادرت الغرفة
بينما هو شعر بصفعات جلدات قوية، عيناه تسمرت على تلك البُقعة الداكنة على الفراش
يُعيد نهاية كلماتها...
يتهكم بمرارة... من نعتها له بـ "الشهواني"
تظن أن أختها كانت تُشاركه هذا الفراش... لو تعلم الحقيقة أن علاقته مع أختها كانت شبة مُنقطعة منذ أنجبت طفلهما... لقاءات معدودة لا تتخطي أصابع اليدين وكانت بغرفة أخرى.