تحميل رواية «عهد الدباغ» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"قبل خمس سنوات" "الغورية" إحدى شوارع قاهرة المعز بطرازها الشعبي. رغم منازل تلك المنطقة الشعبية البسيطة، لكن كان هناك في منتصف تلك المنطقة منزل ضخم على مساحة كبيرة، ذو طراز معماري يشبه القصور القديمة، رغم حداثة بنائه. أُنشئ قبل أربعين عامًا تقريبًا. مكون من ثلاث طوابق، يحده حديقة من كل الجوانب، بها بعض الزهور والنباتات العطرية، كذلك بعض أشجار الليمون وثمار أخرى. الطابق الأول يحتوي على استراحة كبيرة وبعض غرف النوم وغرفتين واسعتين للضيوف. الطابق الثاني مقسم ل شقتين كبيرتين، كذالك الدور الثالث. .......
رواية عهد الدباغ الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل الثالث والاربعون
بتلك الشقة
لم تمتثل القطة لتحذير كنان، بل بقيت تدور حول غزال وهي تُحضر الطعام، تتلقى منها بين الحين والآخر قطعة طعام صغيرة تدللها بها، بينما ترتسم على شفتي غزال ابتسامة خفيفة كلما نظرت إليها...
بعد وقت انتهت غزال من إعداد الطعام حتى التفتت نحو القطة، تلمع عيناها بمكر طفولي وهي تتذكر أوامر كنان الصارمة...
وضعت يديها حول خصرها وقالت بمرح:
إيه رأيك يا ونيستي خلاص خلصنا تجهيز الأكل… هنسيب كنان يتحكم فينا كده.. ولا إي.
أطلقت القطة مواءً قصيرًا وكأنها تفهم حديثها تمامًا، فغمزت لها غزال ضاحكة وقالت:
أهو ده الكلام… يلا بينا.
تحركت القطة سريعًا نحو غرفة النوم، بينما تبعتها غزال بخطوات هادئة وهي تكتم ضحكتها، تتوقع تمامًا ما ستفعله ونيسة..
توقفت غزال عند باب الغرفة، تراقب المشهد بصمت…
وقف القطة للحظة جوار الفراش، تحدق في كنان النائم وكأنها تفكر بخبث قبل تنفيذ خطتها، ثم فجأة قفزت مباشرة فوق صدره...
انتفض كنان مفزوعًا من نومه، يفتح عينيه بصدمة، بينما دوى صوت ضحكة غزال في أرجاء الغرفة...
شهق كنان وهو يعتدل بفزع، يحدق أمامه بعدم استيعاب، بينما كانت ونيسة جالسة فوق صدره بكل برود، تهز ذيلها وكأنها حققت انتصارًا عظيمًا...
ضغط كنان على صدره يلتقط أنفاسه ثم صاح بحدة:
يا نهارك إسود... إنتِ فى مرة هتقطعي خلفي.
وقعت عيناه على غزال الواقفة عند الباب تضحك حتى ضيق عينيه بشك قائلًا:
إنتِ… إنتِ اللي حرضتي القطة.
حاولت غزال التماسك، لكن ضحكتها خانتها، فوضعت يدها فوق فمها وهي تقول بصعوبة:
والله… هي اللي نطت لوحدها... هي متعودة تنام عالسرير.
رمقها بنظرة مستنكرة ثم أشار للقطة الجاثمة فوقه قائلًا بسخرية:
تنام عالسرير... دي ناقص تتكلم وتقول صباح الخير يا كنان بيه.
موأت ونيسة في تلك اللحظة، فشهقت غزال ضاحكة أكثر، بينما أغمض كنان عينيه لثواني يتمتم بضيق:
مزعجة.
اقتربت غزال بخطوات هادئة وهي ما زالت تبتسم، ثم حملت القطة بين ذراعيها قائلة بدلال متعمد:
مالها ونيسة، مزعجة دي مش بتعمل كده غير معاك، بتحبك وبتحب تناغشك
نظر لها ببرود ساخر:
تنناغشني... خلى الحب ده بعيد عني أحسن… كنت هموت من الرعب... كويس إنك حامل متفكريش فى الخلف تاني.
ضحكت غزل، رفعت حاجبها بمشاكسة قائلة:
معقول... دي قطة صغيرة.. مش معقول تخاف منها.
تصلبت ملامحه فورًا وقال بسرعة دفاعية:
أنا.. أخاف من دي.. أنا بس كل مرة بتفاجئ بها زي عفريت العلبه.
همهمت غزال وهي تكتم ابتسامتها ثم مالت نحوه قليلًا قائلة بخبث:
مممم… واضح فعلًا.
ثبت عينيه عليها للحظات، يراقب لمعة التحدي والمرح بعينيها، قبل أن تمتد يده فجأة ويجذبها من معصمها نحوه، لتشهق بخفة وتسقط فوق جسده... بينما أفلتت القطة نفسها وقفزت هاربة...
داعب كنان وجه غزال بأنفاسه قائلًا بنبرة منخفضة تحمل وعيدًا خفيفًا:
طالما عاجبك تستفزيني يا غزال… يبقى تستحملي النتيجة بقى.
اتسعت عينا غزال وهي تحاول النهوض.. لكنه كان أسرع، أحاط خصرها بذراعه يمنعها من الهرب، بينما ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة أربكتها أكثر.
حاولت التظاهر بالثبات وقالت بعناد:
وأنا عملت إيه يعني...
دي ونيسة اللي هاجمتك… روح حاسبها هي.
رفع كنان حاجبه ساخرًا ثم دفس برأسه بعنقها قائلًا:
آه… وونيسة كمان هي اللي كانت واقفة عند الباب وبتضحك عليا.
عضت شفتها تمنع ابتسامتها، لكنه لمحها رغمًا عنها، فضيق عينيه أكثر وهمس:
أخيرًا… بقيتي تضحكي براحتك.
خفت المرح تدريجيًا من ملامحها للحظة، وكأن كلماته لمست شيئًا بداخلها، بينما ظل ينظر إليها بهدوء غريب لم تعتده منه...
ابتلعت ريقها ثم قالت محاولة تغيير الحديث: سيبني… الأكل عالسفرة فى المطبخ هيبرد.
لكن كنان لم يتركها ، بل ظل محتفظًا بها فوقه منه، يراقب ارتباكها الواضح، قبل أن يقول بنبرة أهدأ:
خلي الأكل يستنى شوية.
تسارعت دقات قلبها دون إرادة، خاصة حين اقترب أكثر حتى شعرت بأنفاسه تلامس شفتيها ، ب تحولت نظراته لشيء أكثر دفئًا وأقل شراسة من المعتاد...
كاد يُقبلها لكن فصل بسبب دوى مواء ونيسة، فجأة، وكأنها تحتج على تجاهلهما لها...
أغمض كنان عينيه بضيق وتمتم:
أقسم بالله القطة دي متعمدة... القطة دي عقاب ليا.
انفجرت غزال ضاحكة رغماً عنها، مستغلة انشغاله لتفلت سريعًا من بين ذراعيه وتهرول نحو الباب، لكنه التقط طرف عباءتها قبل أن تختفي، لتلتفت إليه بصدمة خفيفة.
ابتسم أخيرًا ابتسامة كاملة نادرة وقال:
رايحة فين لسه حساب المقلب ما خلصش.
ضيقت غزال عينيها وهي تنظر إلى يده المتشبثة بطرف عباءتها، ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة بتحدٍ خفيف:
طيب… نتحاسب بقى بالعقل.
مال كنان برأسه مستمتعًا بعنادها:
نعم.
اقتربت منه بخطوات بطيئة، ثم جلست على طرف الفراش مقابله وقالت بجدية ترفع إصبعها تحذره:
أنا عايزة أشتغل.. من غير استغلال نفوذك يا كنان بيه..
اختفت ابتسامته تدريجيًا، وكأنها ألقت شيئًا لم يكن يتوقعه، بينما تابعت هي بنبرة أخف:
عايزة أعمل حاجة لنفسي… أحس إني ليا قيمة.
ظل صامتًا للحظات يراقب ملامحها، يلتقط تلك الجدية الحقيقية خلف صمتها المعتاد، قبل أن يسأل بهدوء قائلًا بنبرة ثابتة:
شغل إيه...سبق و..
ترددت للحظة ثم قاطعته.:
عمو محي موافق أشتغل فى الحسابات تحت التمرين
عقد كنان حاجبيه قليلًا قبل أن يجيب بصرامة هادئة:
الشغل مش لعبة يا غزال… خصوصًا في الحسابات.
رفعت ذقنها بعناد فورًا قائلة:
أنا دارسة محاسبة، وسبق واشتغلت يعني مش صعب عليا، وأكيد هاخد خبرة من الموظفين اللى فى الحسابات.
تبادل الاثنان النظرات لثواني طويلة، قبل أن يزفر كنان ببطء ويقول:
ولو وافقت… هتلتزمي بكلامي؟.
لمعت عيناها بسرعة وهي تقترب منه بلهفة:
يعني موافق.
رفع يده يوقف اندفاعها وقال بتحذير:
لسه ما وافقتش.
أنا بس بفكر… وده فرق كبير.
ابتسمت بخبث وهي تميل نحوه قليلًا:
عمو محي موافق.
نظر إليها مطولًا، ثم قال بنبرة تحمل استسلامًا خفيفًا:
واضح… للأسف.
ساد الصمت للحظات، بينما كانت غزال تراقب ملامحه بترقب، تخشى أن يغلق الحديث كعادته بكلمة حادة أو أمرٍ لا يقبل النقاش.
لكن كنان فاجأها حين مرر يده فوق وجهه بتنهيدة خافتة ثم قال بصوت أهدأ:
يمكن… أنا فعلًا ضغطت عليكِ زيادة الفترة اللي فاتت.
رمشت غزال بدهشة، وكأنها لم تتوقع منه اعترافًا كهذا أبدًا...
أبعد نظره عنها قليلًا قبل أن يُكمل بنبرة صريحة:
من أول ولما دخلتي حياتي حسيت شيء جوايا إتهز،معرفش سبب إني أقاوم الاحساس ده بقيت أتعامل معاكِ بطريقة جافة
لانت ملامحها تدريجيًا وهي تستمع إليه، بينما تابع هو:
بس كان جوايا ببقي مضايق من نفسي... أنا آسف.
اتسعت عيناها أكثر، حتى إنها نسيت الرد لثوانٍ، فابتسم كنان بسخرية خفيفة:
مالك... مستغربة إني بعرف أعتذر.
خرجت منها ضحكة صغيرة قبل أن تهز رأسها قائلة بخفوت:
أكيد.
تنهد بخفة ثم اعتدل في جلسته وقال بجدية:
موافق إنك تشتغلي يا غزال.
رفعت رأسها بسرعة، غير مصدقة:
بجد!
أومأ هذه المرة دون تردد:
بجد... بس بشروطي.
ضيقت عينيها بحذر:
قول.
ضحك بخبث قائلًا:
هتشتغلى بس تحت إدارتي... هيعرفوا فى الشركه إنك مراتي.
_مراتك...
قالتها بذهول.
ضحك قبل أن يرد بهدوء:
أيوه… مراتى... لو عندك إعتراض يبقى..
سريعًا أجابت:
موافقة.
ثم تسللت حرارة غريبة إلى وجهها رغمًا عنها، بينما أكمل هو:
بس خدي بالك الشغل تحت إدارتي مش سهل.
رفعت ذقنها بعناد قائلة:
وأنا هثبتلك إني متمكنة.
ضحك مد يده نحوها قائلًا:
اتفقنا يا متمكنة.
نظرت إلى يده للحظة ثم وضعت يدها بيده بابتسامة واسعة لم يستطع تجاهلها.
وما إن تشابكت أصابعهما حتى قال بخبث مفاجئ:
بس حساب المقلب لسه موجود بالمناسبة.
شهقت غزال وهي تسحب يدها بسرعة.. ابتسم كنان تلك الابتسامة النادرة التي جعلت قلبها يضطرب دون إرادة، ثم قال وهو ينهض من فوق الفراش:
أبدًا… خصوصًا مع واحدة مجنونة زيك.
خرجت غزال من الغرفة بخطوات خفيفة تكاد تقفز من فرط سعادتها، بينما بقي كنان مكانه لثواني طويلة يحدق في الباب خلفها.
اختفت ابتسامته تدريجيًا، وحل محلها شعور ثقيل يجثم فوق صدره...
أراح ظهره للخلف وأغمض عينيه بتعب، لتتردد داخل رأسه كلمات زوج عمتها القديمة…
اتهاماته المستمرة لها، وطريقته الخبيثة وهو يؤكد له أن غزال لا ترى فيه سوى رجلٍ ثري يمكنها الاحتماء به واستغلال اسمه ونفوذه.
وقتها… صدقه.
بل وتعامل معها على هذا الأساس منذ البداية
تذكر بروده معها، شكه الدائم في كل تصرف تقوم به، طريقته القاسية كلما اقتربت منه بعفوية...
زفر بقوة ومرر يده فوق وجهه بضيق، يشعر لأول مرة بمدى الظلم الذي أوقعه عليها دون أن يمنحها فرصة حقيقية.
غزال…
تلك الفتاة التي كانت تفرح بأبسط الأشياء، وتبتسم له رغم جفائه، وتحاول إثبات نفسها في كل مرة كأنها تخشى أن يراها عبئًا عليه.
حتى طلبها للعمل…
لم تطلب مالًا، ولا نفوذًا، ولا حياة مترفة كما أوهموه...
كل ما أرادته أن تشعر بقيمتها.
قبض كنان يده بقوة، وقد بدأ الغضب يتصاعد داخله… لكن هذه المرة لم يكن غضبًا منها، بل من نفسه.
_كيف سمح لرجلٍ حاقد أن يزرع تلك الصورة بعقله
_كيف كان أعمى إلى هذا الحد.
فتح عينيه ببطء، ثم التقط هاتفه فجأة، ينظر إلى رقم زوج عمتها للحظات طويلة قبل أن يرمي الهاتف جانبًا بعنف مكتوم.
لا…
هذا الرجل سيتحاسب لاحقًا.
أما الآن… فكل ما كان يشغل فكره هو تلك النظرة التي ظهرت بعيني غزال قبل قليل عندما وافق على عملها…
نظرة فرح صادقة، خالية تمامًا من الطمع أو التصنع.
ابتسم بمرارة وهمس لنفسه:
ظلمتكِ… أكتر مما تستحقي يا غزال.
❈-❈-❈
_عهد سافرت يا فاروق.
كلمات ما زالت تتردد داخل أذنيه حتى بعد مغادرته شقة والد عهد.
غادر بهدوء غريب، حتى إنه لم يسأل إلى أين سافرت... ربما لأن جزءًا داخله لا يريد معرفة مكانها، وربما لأنه شعر أن ابتعادها الآن هو الحل الأفضل لهما معًا...
الشيء الوحيد الذي سأل عنه كان ياسين.
لكن ياسين أجابه بنفسه:
أنا هنا يا بابا.
التفت إليه فاروق، اقترب منه واحتضنه بحنانٍ موجوع، بينما قلبه يمتلئ بقسوة لم يعهدها من قبل.
تركت ياسين...
ألم تكن متمسكة به
كيف استطاعت أن تتركه هو الآخر
شعور غريب ينهشه...
لو قال إنه ضياع فلن يكون كافيًا،
ولو قال إنها هزيمة، فلن يصدق أنه تلقاها منها هي بالذات.
مشاعر متضاربة تعصف به...
الحب وعكسه... الكره.
القسوة وعكسها... اللين.
الاشتياق وعكسه... الجفاء.
ووسط كل ذلك، كان هناك قرار واحد فقط يدور بعقله بإصرار
الطلاق... نهاية حاسمة تُنهي كل تلك الفوضى...
دلف إلى غرفة النوم، توقفت عيناه على الفراش...
وفي لحظة، هاجمته الذكريات بقسوة...
قبل أيام فقط كانت بين ذراعيه،هائمة معه في لحظات عشق ظنها حقيقية، جمعتهما كزوجين لا يفصل بينهما شيء...
فهل كان كل ما شعر به كذبًا..
هل كانت تخدعه فقط بدافع الانتقام..
هل تخلت عن طفلهما لأجل أن تؤذيه...
انتقام...
منه هو تحديدًا... لماذا
صحيح أنه لم يعترف لها يومًا بحبه، لكن هل كان ذلك مبررًا لكل هذا الخراب...
همس لنفسه بصوتٍ مختنق:
كله كدب يا عهد... كدب. إحنا انتهينا.
وفي لحظة غضبٍ عارمة، قرر إنهاء ذلك القيد الذي ما زال يربطهما.
لا داعي لاستمرار علاقة انتهت بالفعل.
أخرج هاتفه، وعقله قد حسم الأمر...
سيتصل بها... سيخبرها أن كل شيء انتهى..
ضغط على رقمها، وأنفاسه تتصاعد بعنف، وكأنه يحاول تثبيت قراره داخل صدره...
بعد هذه المكالمة، لن يعود هناك ما يربطه بها... ولن يكون الألم بعدها أقسى مما يشعر به الآن.
انتظر ردها...
لكن لا شيء.
لا رنين، فقط ذلك الصوت البارد:
الهاتف المطلوب غير متاح حاليًا.
ألقى الهاتف فوق الفراش بعنف، ثم مرر يده في شعره بعصبية، يشعر برغبة عارمة في تحطيم كل ما حوله.
عهد نجحت...
انتقمت منه فعلًا...
حتى النساء كلهن بات يراهن بوجهها هي.
همس بغضبٍ حارق:
بكرهك يا عهد...
....****ـــــــــــ
وعلى الجانب الآخر...
في إحدى مدن البحر الأحمر، كانت عهد تقف بشرفة واسعة تطل على البحر البعيد.
النسيم الدافئ يمر حولها، لكنها كانت تشعر به كلسعات باردة تخترقها...
انسابت دموعها بصمت وهي تتذكر حديثها مع والديها قبل قليل...
وياسين، بعفويته، أخبرها أن فاروق جاء ليسأل عنها.
سأل عنها... ثم عرف أنها سافرت.
لكن ما قتلها حقًا، أنه لم يسأل إلى أين ذهبت...
هي الآن في نفس المكان الذي جمعهما منذ فترة قصيرة...
حينها كان الطقس باردًا، لكنها كانت تشعر بدفءٍ يكفي العالم كله لأنها كانت معه...
أما اليوم...
فالجو دافئ، بينما قلبها يرتجف من البرد.
ضمت ذراعيها حول نفسها، وكأنها تحاول احتضان ما تبقى منها، ثم أغمضت عينيها بألم
همست بإعتراف لأول مرة
بحبك يا فاروق.
❈-❈-❈
بعد مرور عِدة شهور…
بشقة محسن
كان الحمل شاقًا منذ بدايته، لكنها الآن تحتضن صغيرها بين ذراعيها، تتأمله وكأنها تراه للمرة الأولى...
ابتسمت له بحنان غريزي، ثم تهكمت على نفسها بصمت…
قبل شهور قليلة، كانت تظن أن إنجابها لولد سيُعزز مكانتها داخل العائلة، وسيمنحها ذلك الشعور بالأهمية …
أما الآن، وهي تنظر إلى ملامحه الهادئة، أدركت أن الأمر لم يعد صراع إثبات قيمة أو مكانة...
لقد أصبحت واثقة من مكانتها الحقيقية…
مكانتها في قلب محسن، وذلك كان أثمن من أي شيء آخر.
اتسعت ابتسامتها حين دلف محسن إلى الغرفة، تتبعه طفلتاهما اللتان اندفعتا فورًا نحو الصغير، وكل واحدة تحاول الفوز بحمله أولًا.
لكن الصراع انتهى قبل أن يبدأ، حين سبقتهما يدا محسن وحمل الطفل قائلًا بحزمٍ مرح:
مش عاوز خناق على مين تشيله… كفاية صداع، المفروض تخدموا ماما.
ضحكت رابيا بخفة وقالت:
والله الاتنين بيتسابقوا مين تشيله وناسيين مامتهم.
نظر محسن إلى ابنتيه بنظرة متعمدة قبل أن يقول بجدية مصطنعة:
عقاب بقى… هتفضلوا جنب ماما، واحدة تجيبلها العصير والتانية تدلعها… وأي حد يزعلها هحرمُه من "محي" يوم كامل.
شهقت الصغيرة فورًا وهي تقترب من رابيا بسرعة:
لااا… أنا هقعد جنب ماما أدلعها.
بينما الأخرى فتعلقت بذراع محسن وهي تنظر إلى أخيها بغيرة طفولية:
بس محي واخدك مننا أصلًا.
ضحك محسن بصوتٍ دافئ، ثم
اقترب من رابيا وجلس جوارها، يناولها الطفل برفق وهو يهمس بالقرب منها:
واخدنا كلنا… بس إنتِ لسه أحلى نعمة في البيت ده.
احمرّ وجهها بخجل، بينما تسللت الطمأنينة إلى قلبها أخيرًا…
طمأنينة المرأة التي لم تعد تخشى خسارة مكانتها، لأنها أصبحت تُحب دون قيود.
❈-❈
بعد مرور فترة
هولندا
من مكان إلى آخر، أصبح نديم يتنقل منشغلًا بحل مشكلات المصريين المغتربين، يحمل فوق كتفيه مسؤوليات لا تنتهي، ، لكن لا ينسي خلق وقت لعائلته الصغيرة...
أما يارا...
من كانت تشتكي الفراغ والوحدة، تبدلت حياتها بالكامل.
ها هو صغيرها يحتل عالمها كله، حتى ساعات نومها القليلة أصبح يبخل عليها بها، يستيقظ باكيًا كلما أغمضت عينيها، وكأنه يخشى أن يغيب حضنها عنه للحظة...
ورغم الإرهاق الذي ينهشها، كانت تنظر إليه أحيانًا وتبتسم بصمت...
مدركة أن ذلك الكائن الصغير، الذي سلب راحتها، هو نفسه من أعاد لقلبها الحياة...
دلف نديم إلى الغرفة وهو يفك أزرار كُم قميصه ببطء، ملامحه مرهقة، لكن حين وقعت عيناه عليها توقف مكانه تمامًا...
كانت تجلس نصف مستلقية فوق الفراش، تحمل الصغير بذراع.. وبالأخرى تحاول تهدئته بعدما دخل في نوبة بكاء جديدة، بينما عيناها حمراوان من السهر...
رفع حاجبه قائلًا بخفوت:
إيه الكائن اللى مش بينام ده.
نظرت له بملل قاتل وقالت:
ده من ساعة ما اتولد وهو عامل عليا ورديات تعذيب.
اقترب أكثر وهو يمد يديه نحو الطفل قائلًا:
طب هاتيه.
ضمته إليها أكثر تلقائيًا وهي تتمتم:
لا... أول ما يروح مع حد يصرخ أكتر.
نظر لها باستنكار خفيف قائلًا:
مع أي حد..
ثم أشار لنفسه بثقة قائلًا:
بس أنا باباه على فكرة.
رغم تعبها خرجت منها ضحكة قصيرة، بينما أخذ نديم الصغير بحذر، وما إن استقر بين ذراعيه حتى خف بكاؤه تدريجيًا...
اتسعت عيناها بصدمة مصطنعة: تلوم طفلها كأنه يفهمها
لا والله... ده سكت معايا بيعمل حفلة، ومعاك هادي كده.
نظر نديم للصغير بتفاخر متعمد:
أصل الراجل لما يشوف راجل بيفهموا بعض.
رمقته بنظرة متعبة قائلة:
آه طبعًا... شوف الذكورة الطاغية.
ابتسم بخفة، ثم جلس جوارها وهو يحرّك الطفل برفق:
بقالك كام ساعة صاحيه.
تنهدت وهي تُرجع رأسها للخلف:
مش فاكرة... يمكن من امبارح أصلًا.
ثم نظرت له بلوم مرح قائلة :
وإنت طبعًا مشغول بإنقاذ المصريين هنا وسايبني أغرق هنا لوحدي.
زفر بندم خافت وهو يشيح بنظره عنها للحظة:
الشغل غصب عني.
قاطعته سريعًا:
عارفة.
صمتت ثانية ثم أضافت بصوت أهدأ:
بس أنا كمان تعبت يا نديم...
التفت ينظر إليها مباشرة، لأول مرة يلاحظ فعلًا كم تبدلت ملامحها... الإرهاق ظاهر حتى في طريقة جلوسها...
ضحكت بسخرية خافتة قائلة:
هبقي اتصل عشان تيجي من نص اجتماع دولي تغيّرله.
ابتسم رغمًا عنه، ثم قال:
ممكن عادي... عندي مواهب مخفية.
رفعت حاجبها بسؤال:
إنت طب ايه بقى...
ده إنت أول مرة شلته كنت ماسكه كأنك كنت شايل قنبلة موقوتة.
ضحك بخفوت، ثم نظر للصغير بين ذراعيه قائلًا:
ما هو فعلًا قنبلة... صغيرة بس خطيرة.
ساد الصمت لثواني لم يُسمع فيها سوى أنفاس الطفل الهادئة...
مال نديم برأسه ناحيتها قائلًا بصوت منخفض:
نامي شوية وأنا موجود..
همست بإرهاق:
و نمت هصحى ألاقيه بيعيط تاني.
نظرت له مطولًا، كأنها تحاول قياس صدقه، ثم قالت بخفوت:
إنت تعبان أنت كمان.
ابتسم ابتسامة صغيرة متعبة قائلًا:
أهون من إني أشوفك بالحالة دي.
ارتجف شيءٌ خفيف داخلها مع كلماته، بينما مدّ هو يده الحرة يزيح خصلة شعرٍ التصقت بوجهها من شدة الإرهاق، ثم قال بنبرة دافئة: واضح إن ألامومه طلعِت شرسة جدًا.
أغمضت عينيها للحظة وهمست بابتسامة باهتة:
وأنا اللي كنت فاكرة إن أصعب حاجة بالحياة الوحدة... طلع الأصعب إنك تحب حد للدرجة دي وتخاف عليه حتى من الهوا.
نظر نديم إلى صغيره طويلًا، ثم إليها...
ولأول مرة منذ شهور شعر أن هذا البيت، بكل فوضاه وتعبه وسهره، صار يشبه الحياة فعلًا...
ظلّت مغمضة العينين لثوانٍ، كأن جسدها يحارب كي لا يستسلم للنوم، بينما كان نديم يتابعها بصمتٍ طويل.
ثم قال بخفوت:
إنتِ آخر مرة كلتي إمتى.
فتحت عينًا واحدة بصعوبة وهمست:
مش فاكرة.
عقد حاجبيه فورًا قائلًا::
يعني إيه مش فاكرة.. ناسية إنك بترضعي، يعني محتاجة تغذية.
هزّت كتفيها بإهمال متعب قائلة:
كل ما أعمل حاجة يبتدي يعيط.
نظر لها للحظة، ثم نهض حاملًا الصغير بين ذراعيه وقال بجدية:
قومي.
رمشت باستغراب سائلة: على فين.
أجابها:
على المطبخ... هتاكلي.
أطلقت ضحكة واهنة قائلة:
الساعة داخلة على اتناشر بالليل يا نديم انا عاوزه أنام.
_ولو داخلين على السنة الجاية حتى... هتاكلي.
راقبته بدهشة وهو يتحرك في الغرفة والطفل فوق صدره، يربّت عليه بحذر، وكأنه يتعلم دوره الجديد خطوة بخطوة...
تحدثت وهي تراقبه بعينين نصف ناعستين:
إنت متأكد إن ده ابنك.
ضحك سائلًا:
ليه.
أجبته:
أصل أول أسبوع كنت بتبصله كأنك مستني حد يشرحلك طريقة استخدامه.
ضحك قائلًا.:
ما أنا فعلًا كنت مستني كتالوج..
ضحكت هذه المرة بصدق، ضاقت عيناه وهو يراقب ضحكتها، كأنه افتقدها دون أن يشعر.
ثم قال فجأة:
وحشتيني على فكرة.
تلاشت ضحكتها تدريجيًا، ونظرت له بصمت.
أكمل وهو يشيح بعينيه قليلًا:
البيت بقى كله صريخ ورضاعات وخناق مع النوم... وإنتِ بقيتي أم طول الوقت.
ثم ابتسم بخفة:
حتى وأنا داخل لقيتك باصة ليّ بنفس نظرة الممرضة المناوبة.
تنهدت وهي تهمس:
وأنا كمان وحشتني نفسي.
اقترب منها ببطء حتى جلس جوارها مجددًا، ثم قال بنبرة أكثر هدوءًا:
الحمل والولادة زادوكي جمال على فكرة.
تبسمت تهز رأسها بسعاده
هزّت رأسها بخفوت، قبل أن تسأله فجأة:
إنت خوفت.
نظر لها بعدم فهم سائلًا:
من إيه.
اجابته بتوضيح:
لما شوفت ابنك أول مرة... خوفت.
صمت لثواني، وكأن السؤال أعاده للحظة ولادته، ثم اعترف أخيرًا:
جدًا.
اتسعت عيناها قليلًا.أكمل وهو ينظر للصغير:
خوفت أبقى أب وحش... أو ماعرفش أحبه بالشكل الكفاية.
ابتسم بسخرية خافتة:
أنا أصلًا كنت يادوب بعرف أتعامل مع نفسي.
انبسط وجهها شيئًا فشيئًا وهي تستمع له، بينما تابع هو بصوت منخفض:
بس أول ما مسكت إيده... حسّيت إن فيه حاجة جوايا اتغيّرت غصب عني.
ساد الصمت بينهما للحظات، صمت دافئ هذه المرة.
ثم فجأة...
ارتفع صوت الصغير باكيًا مجددًا.
أغمض نديم عينيه باستسلام وقال:
لا ده بيسمعنا وإحنا بنتكلم عنه وبيدلع.
ضحكت هي بقوة أكبر هذه المرة، بينما نظر نديم للصغير بتضييق عينين قائلاً:
بص يا حبيبي... الرومانسية دي نادرة، فإما تهدى... يا إما هسلمك لأمك تاني.
شهقت بصدمة مصطنعة قائلة بمرح:
الله! بسرعة كده خنت القضية.
مال ناحيتها يضحك هامسًا بمكر:
أنا كنت بلطف الجو بس... إنما ده واضح إنه واخد عناده منك إنتِ.
رفعت حاجبها قائلة:
ماشى عناده مني أومال العصبية دي منين.
نظر لها بثقة قائلًا بمرح:
أكيد مش مني.
ضحكت وهي تهز رأسها بيأس، بينما كان نديم يراقبها بهدوء...
مدركًا أن هذا التعب، وهذه الفوضى الصغيرة، صنعت بينهما قربًا لم تصنعه سنوات كاملة من الراحة.
❈-❈-❈
بعد مرور فترة أخري
رفع فاروق رأسه عن حاسوبه حين دلف توفيق ومعه ياسين الذي هرول نحوه، نهض فاروق يستقبله بحنان أبوي..
تبسم توفيق قائلًا:
سمعني وأنا بكلم الخاج محي وبنتفق نتقابل هنا فى الشركه شبط وجه معايا.
إحتضن فاروق ياسين قائلًا:
مش مشكله يا عمي.
لحظات وغادر توفيق ترك ياسين مع فاروق الذي رافقة طوال اليوم حتى المساء...
وهما الإثنين سعداء...
مساءًا توقف فاروق بسيارته أمام بناية والد عهد ترجل من السيارة،ثم ذهب للناحيه الأخري أنزل ياسين،ثم جذب بعض الحقائب الخاصة ببعض الألعاب الذي إشتراها ياسين...كاد يعطيها له كي يذهب الى شقة توفيق،لكن توقف ياسين قائلًا:
بابا شوفت... توفيق
إنحني عليه قائلًا بتوجيه وحنان:
عيب تقول توفيق من غير جدو ... ده جدك زي جدو محي.
نفي ياسين قائلًا:
لا يا بابا مش جدو توفيق، أنا بحب جدو توفيق هو جدو محي زي بعض. انا مش بنادي حد بإسمه غير عهد..
انا قصدي توفيق إبن عهد
ضيق فاروق عينيه بإندهاش، حين أكمل ياسين بتوضيح:
عهد رجعت ومعاها بيبي... شبهك يا بابا.
إنصدم قاروق غير مستوعب، لكن حدثه ياسين بتحريض:
تعالي معايا وشوفه عشان تصدق.
بقبول من فاروق وافق، وصعد مع ياسين، فتح لهما توفيق... مرحبًا... بينما جذب ياسين يده الى غرفة عهد قائلًا:
تعالي معايا يا بابا عشان تشوف توفيق.
ذهب معه حتى توقف على باب الغرفة، شعر بتصلب فى جسده، وهو ينظر نحو الفراش... عهد غافية تضع كف يدها بخفه على صدر طفل صغير مولود حديثًا
إقترب بخطوات بطيئه، حتى توقف جوار الفراش... شعور غريب عليه غير مستوعب... وهو ينظر الى ذلك الطفل الذي يلعق شفتيه بلسانه، ربما يستعد للبكاء، بتلقائيه حمله من جوارها... لكن هي شعرت به فتحت عينيها، ونظر الى فاروق الذي أخذ الطفل، تحدثت بشوق:
فاروق.
تفوه فاروق بسؤال يُشبه نبرة
لوم... عتاب
_ليه كدبتي عليا يا عهد.
رواية عهد الدباغ الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل الرابع والاربعون
_ ليه يا عهد.
سؤال... عتاب.. أم لوم
الحقيقة الثلاث معًا بمشاعر متباينة
نظر لها فاروق فى اللحظة كل ما يشعر به نحوها مشاعر متعددة لكن الطاغي
الغضب... الكُره.
_هل وصل لتلك المرحلة...
هكذا ظنت عهد من نبرته... ظلت صامته، الى أن تفوه مره أخري بصوت أعلى بغضب واضح..
ارتجفت ملامحه للحظة قبل أن يشتد صوته أكثر، كأن السؤال لم يكن مجرد كلمات بل شبه صفعة مؤجلة:
ليه يا عهد.
تراجعت خطوة للخلف لا إراديًا، لكن عينيها بقيتا ثابتتين عليه، رغم أن بداخلها ينهار بصمت... الهواء بينهما صار منصهرًا أكثر من أن يُحتمل، وكأن الغرفة نفسها تحبس أنفاسها...
أعاد السؤال، لكن هذه المرة لم يكن سؤالًا فقط… كأنه محاكمة كاملة:
ردي… إيه اللي خلاكي توصلي لكده.. كدبتي ليه... وإزاي وليه.. وكلام الدكتورة ليا، كله كان كذب كان غرضك منه إيه يا عهد تعذبيني... براڤوا نجحتي وبإمتياز.
ابتلعت ريقها بصعوبة. عقلها يصرخ أن تبرر، أن تدافع، أن تقول أي شيء يخفف من حدة عينيه، لكن الكلمات كانت تتكسر قبل أن تخرج...
قالت أخيرًا بصوت منخفض، متهدج:
أنت مش عايز تسمع إجابة… أنت عايز تحكم عليا وخلاص.
اشتعلت نظراته أكثر، خطوة واحدة اقتربها كانت كفيلة بأن تُشعرها أن المسافة بينهم لم تعد مسافة جسدية فقط، بل هوة كاملة من الخذلان... تحدث بإحتداد:
أنا عايز الحقيقة يا عهد… مش تبرير.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا روح، وكأنها لا تصدق جرأته:
الحقيقة لو وجعتك... هتسمعها ولا هتتهمني بيها كمان.
ساد صمت ثقيل.
في تلك اللحظة، لم تُعد مشاعر فاروق مجرد غضب… بل مزيجًا مضطربًا من شك قديم، وخيبة لم تُغلق، وجرح لم يلتئم... أما هي، فكانت تقف على حافة قرار واحد... أن تصمت وينتهي كل ما بينهما للأبد… أم تفتح بابًا للوجع قد لا يُغلق بعده شيء كما كان.
توقّف فاروق في مكانه، غضبه لم يختفِ تمامًا… لكنه تراجع خطوة، وكأن شيئًا اصطدم بداخله. نظر إليها بحدة أقل، لكن بارتباك واضح لا يريد الاعتراف به... قائلًا:
ساكتة ليه ردي على سؤالي.. الولد ده إبني...
ولما واجهتك بكلام اللدكتورة قولتي إنك أجهضتي إنتقام مش عاوزة شئ يربطنا...
مش فاهم.. إنتِ كان هدفك إني أتوجع، طب والدكتورة ليه قالت لى كده.
صمتت عهد تتنفس بقوة... دموع تتجمع فى عينيها.. كبرياء مازال يتحكم بها... تعصب فاروق قائلًا:
مش عاوزة تردي... تمام يا عهد إنتِ....
إنقطع بقية حديثه حين سمع صوت والدة عهد وهي تجاوبه:
عهد كانت مريضة يا فاروق.
_مريضة!
خرجت الكلمة منه كأنه يتذوق مرارتها لأول مرة...
رفعت عهد عينيها نحوه بصعوبة، ملامحها لم تكن قوية كما تحاول أن تبدو... الإرهاق كان واضحًا في وجهها، في وقفتها، في أنفاسها غير المنتظمة... تفوهت أخيرًا بتبرير:
أيوه…كنت مريضة.
صمتت لحظة، ثم أضافت بصوت أخف:
وكنت فاكرة إنك هتفهم… أو على الأقل تستني قبل ما تحكم.
انطفأ جزء من حدته فجأة، لكن مكانه لم يملأه الهدوء… بل ارتباك ثقيل... كأن كل ما بنى عليه غضبه بدأ يتشقق... سائلًا:
مريضة بإيه... ومن إمتى.
سؤاله هذه المرة لم يحمل أمرًا ولا لومًا مباشرًا، بل شيء أقرب إلى القلق الذي خرج رغمًا عنه...
أطرقت رأسها قليلًا، كأن الإجابة مؤلمة أكثر من السؤال نفسه.. قائلة بنبرة لوم:
مش مهم من إمتى… المهم إنك ما حاولتش تعرف... بعدت ولا إهتميت حتى تسأل أنا سافرت فين، أوحتى حاولت تتصل عليا طول الفترة اللى فاتت... كل اللى كان يهمك هو ياسين وتبعت مصاريفي أنا و ياسين، ياريتك حتي كنت إتصلت تنهي..
صمتت للحظة تبتلع ريقها وإستطردت حديثها بوجع:
ياريتك حتي إتصلت تطلب تنهي إرتباطنا.. لكن إنت كمان غلطت زيي، يمكن وقتها أنا مكنتش قادرة أتحمل ضغط نفسي، لكن إنت كمان محاولتش تفهم غير إني بكرهك.
اقترب خطوة أبطأ هذه المرة، لكن صوته ظل مشدودًا:
وأنا كنت المفروض أعرف إزاي وأنا شايف كلامك وبعدها سفرك بيترجم لحاجات تانية.
رفعت نظرها له أخيرًا، وفي عينيها مزيج تعب وعتاب:
اوقات البُعد بيكون راحة… أوقات بيكون وجع.
ساد صمت مختلف الآن… ليس صمت مواجهة، بل صمت إدراك متأخر، بدأ فيه كل طرف يرى الصورة من زاوية لم ينتبه لها من قبل...
تبدل الهواء في الغرفة بالكامل، كأن الجملة نفسها سحبت كل الحدة من المكان دفعة واحدة.
توقف فاروق تمامًا...
الغضب الذي كان يملأ ملامحه قبل لحظات لم يختفي فورًا، لكنه تجمد… لم يعد قادرًا على الحركة بنفس الشكل... عينه ثبتت عليها، لكن النظرة هذه المرة لم تكن اتهامًا، بل صدمة بطيئة الفهم حين سألها:
وإيه المرض اللى بسببه قررتي البُعد.
_ ورم عالرحم... بس كان ورم حميد.
-ورم… حميد
كررها كأنه يحاول ترتيب الكلمة داخل عقله أولًا...
ثم، قبل أن يجد تفسيرًا، خرجت الكلمة الثانية لتسقط أثقل من الأولى:
ورم مع الحمل كان ممكن الجنين فعلًا ينزل فى اي وقت.
سكت...
هذه المرة لم يكن صمت غضب، بل صمت فراغ...
عهد لم تتحرك... كتفها المنهك انخفض قليلًا، وكأنها كانت تحمل هذا السر وحدها لفترة أطول مما ينبغي لأي إنسان أن يحتمل... عيناها لم تبحثا عن تعاطف… فقط لم تعد تحتمل المزيد من المواجهة.
ماكنتش عايزة أقول… لأن مفيش حد كان هيفهم إزاي حاجتين عكس بعض كده في نفس الوقت.
تحركت شفتيه، لكن الصوت تأخر في الخروج... بدا وكأنه يحاول استيعاب أن كل الصورة التي بناها عنها قبل دقائق فقط كانت ناقصة… ناقصة بشكل مؤلم...
_ليه ما قولتيش.
خرج السؤال أخيرًا، لكن نبرته كانت مختلفة… أهدأ، وأثقل.
ضحكت عهد ضحكة قصيرة، مرهقة، بلا أي فرح قائلة:
مكنتش هتحمل نظرات شفقة يا فاروق، عارف إيه اللى زود ألم "فرح"... كان الشفقة اللى بتشوفها فى عيون اللى حواليها، الشفقة فتكت بقلبها سرعت بموتها، وأنا كان ممكن أموت أختارت ابعد عشان أبقي سايبه فراغ لو حصل والمرض إتغلب مني... البُعد يقلل من ألم اللى حواليا، محدش كان يعرف غير أنا وبابا وماما.. وأنا اللى قولت لهم محدش يعرف غيرهم.
تراجع خطوة للخلف، هذه المرة ليس غضبًا… بل كأنه فقد توازنه الداخلي للحظة...
نظراته نزلت للأرض، ثم عادت لها ببطء، وكأن ما يراه الآن ليس نفس الشخص الذي كان يواجهه منذ دقائق.
انا مكنتش هنظر لك نظرة شفقة يا عهد.. كنت هبقي سند.
جملة بسيطة، لكنها في هذه اللحظة كانت اعترافًا متأخرًا بكل ما لم يُسأل عنه في وقته الصحيح...
أما عهد، فبقيت واقفة… بين تعب جسدها، وثقل سرها، وهدوء مفاجئ جعل الغرفة لأول مرة أقل قسوة، لكنها لم تصبح آمنة بعد.
غص قلبها بوجع جلست على مقعد، عادت بذاكرتها قبل شهور
بالمشفي
غادر فاروق لجلب ثياب نظيفة لـ عهد بعدها بوقت قليل، دلفت الطبيبة الى الغرفة... قامت بإجراء معاينة طبية تفوهت عهد بسؤال:
إيه سبب النزيف اللى جالي.
اجابتها الطبيبة فى عندي شك ظهر على شاشة السونار... ونتايج الأشعة أكدت الشك.
تحفزت عهد وضعت يديها متشابكتان فوق بطنها كأنها تحاول حمايته من خبر لا تعرف شكله بعد... عيناها تفضحان قلقًا مكتومًا، بينما الأوراق أمام الطبيبة تصدر صوتًا خفيفًا وهي تُقلب نتائج السونار.
رفعت الطبيبة نظرها بهدوء، ثم أغلقت الملف قبل أن تتكلم بنبرة ثابتة محسوبة:
فيه ورم حميد في الرحم… "ألياف رحمية".
تجمدت ملامح عهد بصدمة للحظة، ثم همست بارتباك:
وده خطر على البيبي.
ساد صمت قصير، كأن الطبيبة تختار كلماتها بدقة لا تسمح بالذعر...
_مش دايمًا بيكون خطر.
قالت وهي تشير إلى صورة السونار تستكمل حديثها:
كل حاجة بتعتمد على الحجم والمكان.
اقتربت خطوة من الشاشة، وأكملت:
لو صغير أو بعيد عن تجويف الرحم، الحمل بيكمل طبيعي جدًا، والجنين مش بيتأثر.
ابتلعت عهد ريقها، برعب ليس على صحتها بل على صحة جنينها... لكن صوت القلق لم يختفي من سؤالها:
ولو الورم كبير.
تنهدت الطبيبة بهدوء، ثم أجابت بصراحة مهنية:
لو كبير أو قريب من المشيمة أو داخل تجويف الرحم، ممكن يضغط على مساحة الجنين أو يغير وضعه. أحيانًا كمان يزود احتمالية الولادة القيصرية... أو الإجهاض.
انخفضت عينا عهد نحو بطنها، وكأنها تحاول تخيل ذلك الضغط غير المرئي...
تابعت الطبيبة بصوت ألين هذه المرة:
بس المهم تعرفي حاجة… أغلب الحالات بتمر بسلام... بنراقب الوضع بسونار دوري، ونطمن على نمو الجنين باستمرار.
سكتت لحظة، ثم أضافت:
في بعض الأحيان الورم نفسه بيكبر مع هرمونات الحمل، وده ممكن يسبب ألم للأم، لكنه مش شرط يأذي الجنين.
رفعت عهد نظرها ببطء، نظرة يشوبها لمعة خوف ممزوجة بالأمل قائلة:
يعني ممكن أكمل حملي عادي.
ابتسمت الطبيبة ابتسامة صغيرة مطمئنة: أيوه… لكن بمتابعة دقيقة. وإحنا هنكون معاكِ خطوة بخطوة لحد الولادة..
في تلك اللحظة، لم يعد الورم هو ما يشغل رأسها… بل ذلك الخيط الرفيع بين الخوف والاطمئنان، الذي بدأت الطبيبة تمسك به بثبات لتعيده إلى مكانه الصحيح.
إبتلعت غصة قلبها، أغمضت عينيها جال برأسها وجه "فرح"...
وقسوة المرض عليها... نظرات الشفقة التي كانت تجعلها أحيانًا تبكي، ليس بسبب قسوة الألم بل بسبب تلك النظرات التى تُشعرها أنها تحتضر حتى وإن كنت ما زلت تتنفس...
تذكرت فرح بأيامها الأخيرة... قبل أن تدخل غيبوبة الموت...
سمعتها يومًا وهي جالسة فوق سجادة الصلاة تبكي بصوتٍ مُنهك، تدعو الله أن يشفق عليها من قسوة المرض... لم تعد تتحمل لا وجعه الذى ينهش جسدها، ولا نظرات الشفقة حتى من الأطباء اللذين لم يبقي بأيديهم حل سوى المُسكنات والتي أحيانًا لا تُسكن الألم...
تذكرت لحظاتٍ أخرى...
تركيب المحاليل الطبية لـ فرح، كانت أوردة يديها تهرب دائمًا، بصعوبة يستطيع الطبيب إيجاد وريد يغرس فيه إبرة المحلول... كل مرة كانت تتوجع فيها فرح، كانت تشعر وكأن الإبرة تُغرس بقلبها هي الأخرى.
صعب...
صعب... بل مُميت ذلك الشعور...
وصعب أكثر أن تعيشه مرتين...
يبدو أن المرض لعنتها هي وأختها...
لم تخاف من الموت بقدر ما خافت على من حولها...
والدتها ذاقت قسوة المرض ذاته، وكذلك جدتها التي ماتت به...والدتها تجرعت ألم فُراق فرح، وربما تكون هي التالية...
عذاب من حولها هو ما جعلها تشعر بالاختناق... أن ترى الحزن بعيني أحبائها كل يوم، أن تسمع محاولاتهم الكاذبة للتماسك، أن تشاهد الخوف مختبئًا خلف ابتساماتهم المرتجفة... ذلك كان أقسى من المرض نفسه...
لهذا... كانت ترتعب...
ليس لأنها ربما تموت...
بل لأنها لا تريد أن يتحطم قلب أحدهم بسببها مرة أخرى...
لم يكُن هنالك إختيار آخر
اختارت البُعد...
ورأت أن أبشع كذبة قد تكون أرحم من حقيقة قد تُدمره معها...
لهذا اتفقت مع الطبيبة أن تخبر فاروق بأنها فقدت الجنين...
إجهاض متعمد، أزمة وانتهت...
أما الحقيقة... فستدفنها داخل صدرها وحدها...
بعد وقت
كانت تجلس فوق الفراش الأبيض بالمشفى، شاحبة الوجه، تعبث بأطراف الغطاء بأصابع مرتجفة، حين دلفت الطبيبة بعدما أنهت حديثها مع فاروق بالخارج...
رفعت عهد عينيها نحوها بسرعة، سألت بصوتٍ مرتعش:
قال إيه.
تنهدت الطبيبة بأسف قائلة:
كان مصدوم... بس حاول يتمالك نفسه.
أغمضت عهد عينيها بقوة، شعرت بشيء بداخلها يتمزق، لكنها تماسكت بصعوبة هامسة:
كويس... لازم يصدق.
نظرت لها الطبيبة طويلًا قبل أن تقول بعتاب خافت:
متأكدة إنكِ عايزة تعملي ده... جوزك من حقه يعرف الحقيقة.
ابتسمت عهد بسخرية موجوعة، بينما دموعها تجمعت بعينيها:
الحقيقة هتعمل إيه غير إنها تقتله بالبطيء...
هيعيش كل يوم خايف يصحى يلاقيني بموت قدامه... زي فرح.
صمتت لحظة ثم أكملت بصوتٍ أوهن:
أنا شوفت المرض بيعمل إيه فالناس اللي بتحب المريض أكتر ما شفته فالمريض نفسه...
مش عايزة فاروق يعيش نفس العذاب.
ارتجف صوتها باللحظة الأخيرة رغم محاولتها الثبات:
يكرهني بسبب إجهاض... أهون عندي من إنه يفضل متعلق بواحدة مستنية الموت.
وقبل أن ترد الطبيبة...
انفتح باب الغرفة فجأة.
رفعَت عهد عينيها بصدمة...
لتجده واقفًا أمامها.
وجهه جامد بصورة مخيفة... وعيناه مثبتتان عليها بطريقة جعلت الدم يتجمد بعروقها.
لا تعلم...
منذ متى وهو يقف بالخارج.
ولا كم كلمة سمعها...
بالنهاية لم يسمع ذلك... واضح جدًا من ملامح وجهه.. وبعدها كان الصدام الذي حدث بينهما وتركها بالمشفي ولم يعود.
مرت أيام تسحبها شهور تخضع لرعاية مكثفة وحدها بأحد مشافي البحر الاحمر كان توفيق رفيقها... وكانت ميرفت مع ياسين التي تعذبت عهد بإبتعادها عنه، لكن فكرت أن ذلك تمهيدًا كي يستغني عن تعلقه بها، تحسبًا لو زاد الورم وإنتهت حياتها هي الأخري...
مرحلة شهور كاملة عاشتها بين الخوف والألم...
بين جلسات العلاج، ونوبات الإنهاك الحادة، وبين لحظة وأخرى كانت تشعر أن جسدها قد يخونها ببطء...
أحيانًا تتحسن قليلًا فتتشبث بالأمل...
وأحيانًا أخرى كانت تستيقظ فجرًا على ألمٍ مفاجئ... فتظن أن النهاية اقتربت بالفعل.
لكن أقسى ما كان يقتلها...
لم يكن المرض....
بل ذلك الفراغ الذى تركه فاروق في قلبها، إعترفت أخيرًا...
فاروق تسلل إلي قلبها ببطء حتى امتلكه بالكامل، دون أن تشعر متى حدث ذلك تحديدًا...
والمؤلم أكثر... أنها أصبحت تفهم فرح الآن...
كم كانت تلومها سابقًا على نظراتها، على شرودها حين يُذكر اسمه، على ذلك الضعف الذى كان يظهر بعينيها كلما اقترب فاروق منها...
كانت تظنها أوهام فتاة متعلقة برجل لن يكون لها يومًا...
لكنها الآن تحمل المشاعر ذاتها...
بل ربما بصورة أقسى...
لهذا فهمت أخيرًا حقيقة لم تستوعبها من قبل...
هي لم تأخذ مكان ولا مكانة فرح يومًا...
ولم تستطع أن تكونها...
هي... كانت مجرد محاولة من الحياة لترميم حياته.. هي من فرضت نفسها عليه بإرادتها..
والمشكلة أنها صدقت للحظة أنه أحبها فعلًا...
ضحكت بمرارة وهي تستلقي فوق الفراش الطبي، عيناها مثبتتان بالسقف الأبيض البارد، بينما عبر خاطرها سؤال موجع:
هل ما عاشته معه كذبً...
أغمضت عينيها سريعًا، كأنها تهرب من الإجابة...
لأنها للمرة الأولى... تخشى الحقيقة أكثر من المرض نفسه... أنها بلحظة قد تسمع خبر إرتباطه بأخري حتى لو لم يُنهي زواجهم.
مرت مرحلة كانت مليئة بالمرض النفسي أكثر من العضوي
وها هي بأمر من الطيب تلد قبل ميعاد ولادتها قيصريًا، ورحمة من الله
خرج الطبيب يُبشر توفيق الذي يرتعب خوفً:
الأم والبيبي بخير.. ولادتها كانت معجزة.. الحمد لله الورم كان فى جدار الرحم الخارجي... بعيد عن عُنق الرحم والمشيمة... إستئصالنا الورم بس نصيحة المدام تاخد فترة راحة قبل ما تفكر تحمل تاني.
أومأ له توفيق بفرحه قائلًا:
حتى لو مخلفتش غيره الحمد لله، متشكر يا دكتور على تعبك معانا الفترة اللى فاتت.
أومأ الطبيب ببسمه قائلًا:
ده واجبي، وحمد الله على سلامة المدام.. المدام هتفضل هنا للرعايه كام يوم.
اومأ توفيق... بنفس لحظة خروج عهد من غرفة العمليات كذالك طفلها الذي تحمله إحد المُمرضات وإقتربت به منه قائلة:
رغم الدكتور بيقول إنه مولود قبل ميعاده بس الحمدلله صحته كويسه، الدكتور قال يتحط فى الحاضنة بس للاطمئنان.
إرتجفت عينا توفيق وهو ينظر للصغير بذهول، شعر بشيء يضغط قلبه بعنف... ملامحه كانت تحمل شبهًا واضحًا من فاروق بصورة مؤلمة...
مد يده بتردد يزيح طرف الغطاء عن وجه الطفل قليلًا، فتنهد براحة خافتة يتمتم:
الحمدلله يارب.
بنفس الوقت صدح رنين هاتفه... شعر بغصة حين رأي إسم ميرفت، فتح الإتصال وتحدث إليها مُطمئنًا حين سألته:
عهد يا توفيق قلبي مش مطمن من ناحيتها، حتى كنت بتصل عليها من الصبح مش بترد عليا، أنا هحجز وأجيلكم، أنا خلاص مبقتش قادرة أتحمل وجع أكتر من كده، ليه ربنا بيختبرني الإختبار الصعب ده فى بناتي...
شفق قلب توفيق وقاطعها قائلًا بتطمين:
عهد ولدت يا ميرفت، وهي والبيبي بخير... الدكتور طمني عليهم.. والدكتور إستئصل الورم الحمد لله.
بفرحة قلب لكن مازال هنالك شعور بالقلق تنهدت ميرفت تود التأكيد قائلة:
يعني خلاص كده عهد بقت كويسه،أنا هحجز وأجيلكم... أنا لازم أشوفها بعنيا فلبي مش هيطمن غير لما أشوفها قدامي.
تنهد توفيق قائلًا:
صدقيني الدكتور قال هتفضل كام يوم هنا للرعاية والدكتور لما يكتب لها على خروج أنا هجيبها وأجي القاهرة، كفاية كده بقي.
أيام مرت تحسنت صحة عهد ليس بصورة كاملة لكن تستطيع الخروج من المشفي والعودة الى القاهرة..
عادت
لتجد والدتها فى إستقبالها بشوق ولهفة... تنظر اليها بتدقيق... لاحظت وهنها ونُقصان وزنها رغم أنها فقط وضعت من أيام كان لابد أن تكون زائدة فى الوزن... لكن زال بؤسها حين سمعت بكاء ذلك الصغير الذي يحمله توفيق.. تركت عهد وتوجهت نحوه حملته بفرحة كبيرة... بنفس الوقت خرج ياسين من غرفته.. وقف قليلًا مشدوهًا بطفوله... ثم سرعان ما هلل بفرحة:
عهد رجعت أخيرًا.. تبسمت له وهو يندفع عليها، شعرت بألم من إندفاعه وإصتطدامه بجسدها لكن تبسمت وهي تضمه بحنان، إستغرب ذلك الصغير التى تحمله ميرفُت، ترك عهد وتوجه نحو ميرفت التي جلست على أحد المقاعد، نظر له نظرة مُبهمة سائلًا:
مين ده.
أجابته عهد:
ده توفيق أخوك الصغير.
نظر له وتبسم بطفولة قائلًا:
ده شبة بابا.
أومأت عهد ببسمة، بينما تعلق ياسين بأخيه سريعًا.
تنهد توفيق حين رأي إنشغال ياسين بأخيه قائلًا:
هتعملى إيه دلوقتي،أظن كده كفاية...فاروق لازم يعرف بإبنه التاني.
تبسمت عهد وأومأت قائلة:
أيوه لازم يعرف،بس مش هيعرف مني.
ضيق توفيق عيناه لكن سرعان ما تبسم حين أشارت عهد رأسها نحو ياسين.
وبالفعل ياسين هو من نفذ قرار عهد.
عادت من تلك الذكريات المريرة على صوت بكاء صغيرها الذي مازال فاروق يحمله...
بتلقائية أعطاه لها.. أخذته منه وهي تنظر الى ملامح فاروق تنتظر رد فعل منه، داخلها تود نسيان ما مضى والبدء من جديد بلا لوم ولا عتاب و بلا أوجاع الماضي التى التهمت جزء كبير من قلبيهما...
لكن فاروق خيب ذلك الصمت كله.
قال ببرودٍ موجع:
تمام.
كلمة قصيرة... جامدة... كأنها سُدت بها كل الأبواب في وجهها...
تجمدت ملامحها للحظة، وانخفضت نظراتها نحو طفلها وكأنها تبحث فيه عن توازنها المفقود..
ابتلعت غصتها بصعوبة، بينما حاولت أن تُقنع نفسها أن "تمام" لا تعني النهاية...
لكن قلبها كان يفهم جيدًا أن بعض الكلمات، رغم بساطتها، تُغلق فصولًا كاملة من الحياة دون رجعة.
وقف فاروق للحظة، عيناه ثابتتان عليها وعلى الطفل بين ذراعيها، ثم استدار دون كلمة إضافية.
خطواته كانت بطيئة في البداية، كأنه يقاوم شيئًا داخله، ثم ازدادت ثباتًا مع كل خطوة يبتعد بها.
لم يلتفت خلفه.
ظل صوته الوحيد هو وقع خطواته وهو يغادر المكان، تاركًا خلفه صمتًا ثقيلًا يضغط على صدرها أكثر من أي عتاب.
تابعته بعينيها حتى اختفى تمامًا، ثم خفَتت ملامحها تدريجيًا وهي تضم طفلها أقرب إلى صدرها، كأنها تحتمي به من الفراغ الذي تركه رحيله.
وبينما كانت واقفة وحدها...
أدركت أن كلمة "تمام" لم تكن نهاية كلام فقط.
كانت بداية غياب جديد.
توقفت لثواني وهي تراقب الفراغ الذي تركه خلفه، كأن عقلها يرفض تصديق أنه مشى بهذه البساطة.
شدّت طفلها إلى صدرها بقوة، حتى كاد بكاؤه يخفت بين ذراعيها، لكنها لم تنتبه إلا لارتجاف يديها.
تقدمت خطوة للأمام، ثم توقفت فجأة، كأنها كانت ستلحق به بلا وعي ثم أدركت استحالة ذلك.
ارتجفت شفتاها وهمست بصوتٍ مكسور:
مشي... كده.
نزلت دمعة ثقيلة، تبعتها أخرى أسرع،
جلست على أقرب مقعد وهي تحتضن طفلها، وكتفها يهتز بصمت موجع، كأنها تحاول كتم صوت الانكسار فلا يخرج...
كانت تتنفس بصعوبة، وكل نفس يذكرها أنه لم يصرخ، لم يعاتب، لم يقاتل لأجلها... فقط قال "تمام" ومشى.
مسحت دموعها بسرعة بظهر يدها، لكنها كانت تعود فورًا، أكثر إصرارًا...
وفي لحظة ضعف صادق، همست لنفسها بصوت متهدج:
ـ أنا عملت كده عشان كنت خايفة من نظرات الشفقة.
ثم أغمضت عينيها بقوة، كأنها تحاول أن تُقنع قلبها قبل عقلها، بينما طفلها بين ذراعيها يهدأ تدريجيًا، وكأن بكاءه هو الشيء الوحيد الذي يربطها بالحياة في تلك اللحظة.
نظر لها توفيق قائلًا:
قولتلك نعرفه من بدري، دلوقتي هتعملى إيه.
رغم غصة قلبها لكن تبسمت قائلة:
هرجع فاروق يا بابا،ومعايا بدل الكارت إتنين.
هز توفيق رأسه يعرف عهد حين تضع برأسها هدف.
****_______
بينما فاروق لم يستطيع البقاء أكثر يقاتل بين كرامته التي تنزف، وقلبه الذي لم يتوقف عن التعلق بها... كان داخله صراعٌ عنيف يكاد يمزقه.
لابد من قرار... هذه المرة بلا تردد.
إما أن يتركها للأبد كما قال لنفسه منذ لحظات، ويغلق هذا الباب الذي أنهكه حيًّا...
أو يعود، ويكسر كل ما بناه من جدار صمتٍ وبرود، ويعترف أن رحيله لم يكن قوة، بل هروبًا من وجع لا يحتمله...
والأفضل الآن الهروب حتى لا يأخذ قرار خاطئ
بعد قليل وصل الى منزل الدباغ ترجل من السيارة.. دلف الى المنزل لكن تقابل مع محي الذي نظر له، تأكد من صرامة ووجوم ملامحه أنه بالتأكيد علم بشأن عودة عهد ومعها طفل صغير، رفع يده بابوة واضعًا يده فوق كتف فاروق قائلًا:
مبروك ما جالك يتربي فى عزك ودلالك... أنا فكرتك هتجيب عهد وياسين معاك.
نظر له بذهول قائلًا:
إنت كنت عارف إن عهد منزلتش الجنين.
أجابه محي بتوضيح:
عرفت من فترة صغيرة وكانت صدفه بكلم توفيق وبسأله عن عهد فقالي.
_طب ليه مقولتليش.
أجابه:
توفيق حلفني، وان دي رغبة عهد.
_رغبة عهد.. وأنا كده ماليش أهمية.
هكذا تحدث فاروق بحدة وصوت مرتفع... تنهد محي قائلًا:
دي بنتهم يا فاروق متنساش سبق فقدوا فرح بالمرض... ربنا ما يدوقها لحد أصعب فراق هو فراق الضنا.. والخوف اتملك منهم خلاهم خايفين على عهد فطاوعوها كنوع من الدعم...
وكمان لو ركزت أنا كتير لمحت لك وقولت له ـ اتصل على عهد، شوف حل لحياتكم... حتى لو بالانفصال.
تنهد فاروق ببطء، كأنه يبتلع كلامًا أثقل من قدرته على التحمل...
رفع عينيه نحو النافذة، صمت طويل مرّ بينه وبين ياسين، قبل أن يقول بصوتٍ منخفض لكن حاد:
وإنت شايف إن الانفصال هو الحل.
أجابه محي بهدوء ثابت:
أنا شايف إنكم واقفين بتوجعوا بعض أكتر ما بتكملوا مع بعض.
ساد الصمت مرة أخرى شد فاروق على الهاتف في يده، ملامحه متحجرة، لكن عينيه كانتا تفضحان اضطرابه.
تنهد محي بصوت خافت:
ليه ترجعوا لنقطة الوجع... لازم تتفاهموا.
أبعد فاروق نظره، كأنه يهرب من الحقيقة، ثم قال بنبرة أخف قليلًا:
عهد مش سهلة… وأنا كمان مش قادر أبعد.
اقترب محي خطوة، وصوته أكثر صراحة:
يبقى لازم قرار واضح يا فاروق.
يا تكملوا صح… يا تسيبوا بعض بوضوح، من غير ما تفضلوا معلّقين بعض في نص طريق.
ظل فاروق صامتًا للحظات طويلة، ثم أطلق تنهيدة ثقيلة كأنها خرجت من أعماقه.
وضع الهاتف على الطاولة ببطء، دون أن يحسم أي شيء... لكن داخله كان يدرك أن الكلام لم يعد كافيًا، وأن المواجهة الثانية مع عهد قادمة لا محالة.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
ظهرًا
ترجلت عهد من السيارة داخل مزرعة الخيول الخاصة بـ فاروق، ثم أرسلت له رساله على الهاتف:
ارسلت رسالة الى فاروق.
أنا فى مزرعة خيل لازم نتكلم ضروري.
ارسلت ذلك وأغلقت الهاتف...
بضجر تعصب من رسالتها فليست الرساله الأولى... لكن هذه المرة تخبره أنها بإستراحة المزرعة...
قرر الذهاب إليها والحديث معاها بشأن قرار إتخذه ولابد أن تنفذه. فلن تبقي حياتهم هكذا كل منهم فى مكان.
بعد وقت قليل
خفق قلبها بشوق حين رأت فاروق يترجل من السيارة
تبسمت حين رفع وجهه نحوها كان يبدوا عابسًا بوضوح، تركت الستائر وجلست تنتظر دخوله الى الاستراحة..
دلف نظر نحوها تنهد بضجر قائلًا:
إيه اللى جابك المزرعة يا عهد.
سارت نحوه بخطوات متهادية متعمدة الدلال قائله:
أنا مجتش بمزاجي دول ضغطوا عليا.
لم يؤثر دلالها وتسأل بحنق:
ومين بقى اللى ضغطوا عليكِ.
أصبحت قريبه منه خطوتين تبسمت بدلال:
ولادك اللى ضغطوا عليا وقالوا عاوزين نلعب مع الخيل.
نظر لها بنزق قائلًا بنبرة إندهاش مصطنع:
ولادي، ويا ترا مين فيهم بقي اللى ضغط عليكِ أكتر.
تبسمت وهي ترفع إصباعيها السبابة والوسطي قائلة بإصطناع:
الاتنين، أنا مغلوبة على أمري معاهم.
نظر لها بإندهاش مُصطنع قائلًا:
مغلوبة يا حرام.. ومين فيهم اللى كان له تأثير أقوي.
إقتربت وإنعدمت المسافة شبه مُلتصقة به رفعت إحد يديها تغبث بأزرار قميصه قائلة بغنج:
اللى له تأثير أكتر... توفيق.
نظر لها بنزق قائلًا:
توفيق اللى مكملش شهرين هو اللى عاوز يلعب مع الخيل.
أومأت رأسها ببراءة قائلة:
أهو عندك جوه إسأله.. أنا بس طاوعتهم إنت عارف إنى ماليش فى الخيل، بس واضح إن ولادك زيك بيحبوا الخيل.. وأنا أُم يهمها راحة ولادها... ولا إنت عندك إعتراض، لو عندك إعتراض ولادك نايمين جوا لما يصحوا قولوا لهم.
تحدثت وهي مُستمرة فى الدلال كذالك العبث بأزرار قميصه حتى أنها فتحت أكثر من زر، وتسللت يدها الى صدره...
شعر فاروق بملمس يدها على على صدره كذالك انفاسها قريبه من عُنقه
زفر نفسه أغمض عيناه يحاول التماسُك أمامه، رفع يديه وضعهما حول عضديها وكاد أن يدفعها لكن تفاجئ حين رفعت يديها وضعتهما حول عُنقه بنفس اللحظة كانت شفتيها تلتصق بشفتيه بقُبلة مُترقبة....
شوقه إليها جعله فى البداية يستمتع بالقُبلة لكن مجرد لحظات وتجمد، كاد يدفعها لكن عهد ثبتت يديها حول عنقه، زفر قائلًا:
عهد...
قاطعته:
أنا بحبك يا فاروق... الجميلة وقعت فى حب الوحش وهي اللى رجعت له بنفسها.
نظر لها وتهكم للحظة، وكاد يتفوه يذكرها بما قالته سابقًا... أن ذلك فى الحكايات الخيالية
لكنها وضعت يدها على فمه تمنعه... ثم قالت:
فاروق، بعترف إني كنت غلطانه بس وقتها سيطر عليا خوف أرجوك خلينا ننسي ونتلم بعيالنا سوا.
نظر لها لوهله كاد يعترض لكن فكر بمكر قائلًا:
الرجوع له شروط يا عهد.
بلا تفكير قالت:
موافقة على كل شروطك...
رواية عهد الدباغ الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سعاد محمد سلامة
رواية عهد الدباغ الفصل الخامس والاربعون والاخير
ارتفعت زاوية فم فاروق بابتسامة خافتة، وكأنها انتصار صغير انتظره طويلًا...
ثبت عينيه عليها للحظات، يقرأ ملامحها جيدًا، يتأكد أن كلماتها لم تكن مجرد اندفاع لحظة أو خوف من خسارته...
ثم قال بهدوء:
بلاش تتسرعي.. متوافقيش قبل ما تعرفي الشروط الأول.
هزت رأسها بإصرار قائلة:
موافقة مهما كانت شروطك..
لمعت عينيه وهو يقترب منها خطوة قائلًا:
أول شرط... مفيش أسرار بينا تاني.
ارتجفت أناملها قليلًا، لكنها أومأت بالموافقة.
أكمل:
أي حاجة تضايقك... أي خوف... أي مشكلة، يكون عندي علم بها منك مباشرةً.
ابتلعت ريقها وهمست:
تمام.
إستطرد سرد باقي الشروط:
الشرط التاني... تبطلي تعاقبي نفسك على الماضي.
رمشت عدة مرات بعدم فهم... فتحدث بتفسير :
كل مرة ببصلك بحس إنك شايلة ذنب أكبر من طاقتك... وأنا تعبت من الحرب اللي بينك وبين نفسك يا عهد.
تجمعت الدموع بعينيها... حقًا كانت تشعر بذلك...
أما هو فأخذ نفسًا عميقًا قائلًا:
والشرط التالت:..
صمت للحظة جعل قلبها يخفق بقوة.
لما ترجعي... ترجعي بجد.
ارتعشت شفتاها بعدم فهم سائلة:.
يعني إيه.
اقترب أكثر حتى لم يعد يفصل بينهما شئ..قائلًا:.
يعني أول ما ندخل البيت، يبقى بيتنا إحنا الأربعة... مش بيت فاروق ولا بيت عهد... بيتنا.
انهمرت دموعها أخيرًا قائله:
موافقة.
_ ومفيش هروب تاني يا عهد.
قال ذلك وهو ينظر اللى عينيها،ثم أكمل
ومفيش خوف يخليكِ تبعدي.
تبسم حين أغمضت عينيها وهي تهمس:
طول ما أنت جنبي... مش هخاف ولا هبعد تاني.
ساد الصمت بينهما لثواني طويلة...
ثم مد فاروق يده إليها...
نظرت إلى يده، ثم رفعت عينيها إليه... لم يكُن ذلك لمجرد مصالحة...بل كانت دعوة لبداية جديدة...
وضعت يدها داخل قبضة يده دون تردد...
فجذبها برفق نحوه...
استقرت بين ذراعيه أخيرًا، شعر أن سنوات من الغضب والوجع تنسحب من قلبه ببطء...
دفنت وجهها في صدره وهي تبكي...
أما هو فأغمض عينيه للحظة، ثم همس فوق رأسها:
كفاية فراق يا عهد... تعبنا كفاية.
أحاطته بذراعيها أكثر، وكأنها تخشى أن يختفي من بين يديها مرة أخرى...
في تلك اللحظة...
شعر الاثنان أن الحياة تمنحهما فرصة جديدة،.. فرصة تستحق أن يتمسكا بها بكل ما يملكان...
تنهد فاروق للحظات، يطيل النظر إليها بينما كانت تنتظر باقي حديثه بفضول وترقب...
ارتسمت على شفتيه ابتسامة غامضة، ثم رفع يده ببطء ووضع إبهامه فوق شفتيها قبل أن تنطق بأي كلمة وتحدث بهدوء:
فى لسه شروط كمان.
همست وهى تومئ برأسها:
أي شرط هتقوله هوافق عليه.
تبسم وهو يرفع يده
مش هترجعي بيت الدباغ.
رفعت رأسها تنظر له تنتظر أن يكمل...
أما هو فترك الصمت يمتد لثواني ، ثم أردف:
غير بفستان زفاف.
اتسعت عيناها بدهشة واضحة... بعدم فهم سائلة:
فستان زفاف!.
أومأ برأسه وكأن الأمر بديهي.
أيوه... فستان زفاف.
أطلقت ضحكة قصيرة غير مصدقة لما تسمعه قائلة:
_ فاروق، إحنا متجوزين أصلًا.
_ عارف.
- وعندنا أطفال.
_ وعارف برضو.
تحدثت بتسأل:
طيب، إزاي بتقول كده، الشرط ده...
مال برأسه قليلًا وقاطع إعتراضها بثبات:
بقول إنك مش هتدخلي بيت الدباغ مرة تانيه غير عروسة.
هزت رأسها معترضة قائلة:
ده كلام غير منطقي يا فاروق.
تبسم بتصميم قائلًا
بالعكس... منطقي جدًا.
تنهدت باعتراض قائلة
الناس هتفتكر إننا بنتجوز من جديد.
رفع أحد حاجبيه قائلًا:
وإيه المشكلة؟
تنهدت بضيق قائلة:
المشكلة إننا مش بنتجوز من جديد.
وضع يديه حول خصرها قائلًا بصوت أخفض:
لا يا عهد... إحنا بنبدأ من جديد.
خفت اعتراضاتها للحظة أمام نبرته..
أما هو فأكمل:
يوم جوازنا الأول كان فيه كل حاجة إلا الفرح.
أنزلت عينيها إلى الأرض... كادت تعترض
فاروق...
قاطعها
سبيني أتكلم يا عهد.
زفر ببطء ثم تابع:
تخيلي إن أكتر حاجة زعلان عليها لحد النهارده... إني ماشوفتكيش عروسة بجد.
ارتجف قلبها رغمًا عنها...
أما هو فتابع وعيناه لا تفارق وجهها:
عايز أشوفك جاية عليا بإرادتك... مش مجبرة.
ساد الصمت بينهما للحظات.
ثم همست:
كل ده عشان فستان زفاف.
ابتسم وهو يهز رأسه...قائلًا:
أيوه...كمان عشان الذكرى.
اقترب أكثر حتى أصبحت كلماته تصل إليها كهمس دافئ.
عشان لما أفتكر اليوم ده بعد سنين... أفتكر إنك رجعتي لي لأنك اختارتيني.
شعرت بوخزة داخل قلبها...
حاولت التمسك باعتراضها الأخير وقالت:
طب فستان زفاف ماشي... لكن من غير فرح.
ضحك فورًا قائلًا
لا.
تنهدت باعتراض:
فاروق..
قاطعها
لا يا عهد الفستان والفرح مع بعض.
مازالت تجادل باعتىاض:.
ليه بس.
اتسعت ابتسامته بمكر. قائلًا:
عشان نفسي أشوف وشوش الناس وهي بتستوعب إنك رجعتي لي.
تنهدت باستسلام وهي تضع يدها بخفة على ذراعه.
إنت مستفز فعلًا... وشاطر فى الجدال.
أمسك يدها قبل أن تبتعد، ثم رفعها إلى شفتيه وطبع قبلة خفيفة فوقها...
وقال بنبرة صادقة جعلت قلبها يرتبك:
المرة دي مش عايزك ترجعي كزوجة وبس...
توقفت أنفاسها وهي تنظر إليه... وهو يستكمل حديثه:
_ عايزك ترجعي العروسة اللي كان نفسي أشوفها من أول يوم شوفتك.
ثم ابتسم بثقة قائلًا:
وعشان كده... جهزي نفسك يا عهد.
لأن فرحنا المرة دي... هيبقى زي ما كان المفروض يكون من البداية.
حدقت فيه لثواني طويلة، كأنها تحاول اكتشاف إن كان يمزح أم يتحدث بجدية كاملة...
لكن المشكلة أن فاروق كان ينظر إليها بتلك النظرة التي تعرفها جيدًا...
نظرة الرجل الذي اتخذ قراره بالفعل...
وضعت يدها على خصرها وقالت باستسلام ممزوج بدلال:
يعني مفيش فايدة.
هز رأسه نافيًا يقول:
لا مفيش اعتراض .
زفرت قائلة:
طب لو رفضت.
ابتسم بهدوء قائلًا بقرار وتصميم:
يبقي هنفضل بعيد عن بعض.
اتسعت عيناها... قائلة
إنت بتهددني.
رفع كتفيه ببراءة مصطنعة.
لاء.. بسميها إقناع.
أطلقت زفرة طويلة وهي تنظر للسقف قائلة.
يا رب الصبر.
ضحك بارتياح حقيقي...
أما هي فظلت تهز رأسها غير مصدقة. تنهدت باستسلام قائلة:
والله العظيم محدش في الدنيا عنيد زيك.
ضحك قائلًا:
وأنا شايف واضح إنك لسه ماعرفتنيش كويس.
أشارت إليه بإصبعها.
تنهدت باستسلام:
لا، عرفتك كويس جدًا... وعرفت إن الجدال معاك مضيعة للوقت.
اتسعت ابتسامته فورًا... سائلًا:
يعني موافقة.
ضيقت عينيها وهي تنظر إليه... قائلة
متفرحش أوي كده.
ضحك قائلًا:
يعني موافقة.
تفوهت بتبرير:
لا، يعني استسلمت.. من المجادلة معاك.
ضحك قائلًا:
نفس النتيجة.
إعترضت قائلة:
لا مش نفس النتيجة.
ضغط على خصرها ... قائلًا:
بالنسبة لي نفس النتيجة.
حاولت أن تحافظ على عبوسها لكنها فشلت.
فابتسمت رغمًا عنها... رفع حاجبه بانتصار... قائلًا
أهو... الابتسامة دي معناها موافقة رسمية.
أخفت وجهها بكفيها قائلة:
يا ساتر... أنا فعلًا وقعت في حب واحد مستحيل.
أبعد يديها برفق ونظر إليها مطولًا.
ثم قال بصوت هادئ:
المهم إنك وقعتي.
احمر وجهها فورًا... بينما هو ضم يدها إلى يده وأضاف:
يبقى اتفقنا... فستان زفاف.. وفرح.
أغلقت عينيها... تنهدت باستسلام قائلة:
اتفقنا.
ود زيادة المجادله بمرح قائلًا:
والقاعة اللي أختارها أنا.
فتحت عينيها بسرعة.
لا، ثانية واحدة ده مستحيل بقى.
انفجر ضاحكًا وهو يراها تعود للاعتراض من جديد...
بينما أدركت هي متأخرة أنه قد لا يكتفي بموافقتها فقط...
بل سيستمتع بكل لحظة وهو يفرض عليها بعض تفاصيل فقط لأنه يُعاقبها...
بينما هو يخفي بسمة ماكرة...
ظلت عهد تنظر إليه بغيظ مصطنع، بينما كان هو يستمتع بكل ثانية من استسلامها...
هزت رأسها أخيرًا وقالت:
على فكرة... أنا وافقت عشان نتلم مع عيالنا.
ضحك فاروق بخفوت قائلًا:
طبعًا... وأنا مصدقك.
شعرت بغيظ.. ضربته بخفة على كتفه، لكنه أمسك يدها قبل أن تبتعد... ساد بينهما صمت قصير... صمت مختلف هذه المرة...
لا يحمل غضبًا ولا عتابًا ولا خوفًا...
فقط راحة افتقدها الاثنان طويلًا...
نظر فاروق إلى ملامحها وكأنه يراها لأول مرة بعد وقت من الضياع...
أما عهد فشعرت بنظراته تربكها كعادتها...
فهمست وهي تشيح بعينيها:
بتبصلي كده ليه.
ابتسم قائلًا:
عشان وحشتيني.
ارتجف قلبها رغم بساطة الكلمة...
رفعت عينيها الى وجهه وجدته يبتسم تلك الابتسامة الهادئة التي لا تظهر إلا نادرًا...
مد يده وأزاح خصلة شعر أفلتت فوق جبينها.
ثم قال بصوت منخفض:
كنت فاكر إني خسرتك للأبد.
تلألأت الدموع في عينيها...قائلة:
وأنا كنت فاكرة إني ضيعت كل حاجة.
اقترب منها أكثر... قائلًا:
المهم إننا لقينا طريق الرجوع.
ابتسمت أخيرًا... ابتسامة صغيرة لكنها كانت كافية لتبدد مرحلة من الوجع...
نظر إليها طويلًا...
ثم رفع يده ووضعها برفق على وجنتها.
لم تبتعد هذه المرة...
بل ظلت تنظر إليه وكأنها تحفظ ملامحه من جديد.
همس:
بحبك يا عهد.
أغمضت عينيها للحظة، وكأنها كانت تنتظر سماع ذلك منذ زمن...
ثم فتحتها مجددًا وهمست:
وأنا كمان يا فاروق.
وانحنى نحوها يطبع قبلة رقيقة فوق شفتيها ثم احتضنها بين ذراعيه....
اختبأت داخل حضنه وهي تبتسم من بين دموعها.
أغمض عينيه للحظة، وكأنه أخيرًا وجد السلام الذي ظل يبحث عنه طويلًا.
وبينما كانا متعانقين، أدرك الاثنان أن بعض الحكايات مهما تعبت وتكسرت...
تستطيع أن تبدأ من جديد، إذا تمسك أصحابها ببعضهم بما يكفي.
عاد للخلف ثم نظر لها وهو يملس على شعرها يتخلله بأصابعه قائلًا:
فى شرط كمان.
تنهدت تنتظر، تبسم على ملامحها المُترقبة قائلًا:
الحجاب يا عهد.
هنا تبسمت بإرتياح قائلة:
لو كنت وصلت بدري شوية كنت شوفتني أنا جاية بالحجاب.
لمعت عينيه ببسمة رضا، تبسمت هي الأخري وهو يضمها يحتضنها بشوق، رفعت وجهها تنظر له تبسم وهو يعود يُقبلها، يديه تضعط علي حصرها بقوة، بينما هي عانقته تتنفس على عُنقة بإشتياق وشعور بالأمان.
❈-❈-❈
بمقر شركة الدباغ...
كان كنان يجلس خلف مكتبه، عيناه مثبتتان على شاشة الحاسوب، يتنقل بين الجداول والأرقام بدقة شديدة، بينما انعكس ضوء الشاشة على ملامحه الجامدة. بدا غارقًا في مراجعة بعض الحسابات والتقارير المالية الخاصة بالشركة.
كانت غزال تجلس إلى جواره.. تشير بين الحين والآخر إلى بعض المراجعات وهي تتحدث بهدوء
لكن فجأة... شعرت بألم قوي فى ظهرها... حتى أنها رفعت يدها وضعتها على يد كنان ثم آنت بقوة... نظر نحوها بتلقائية، سُرعان ما تبدلت ملامحه الى قلق وهو يراها تضغط على أسنانعا ثم تضم شفتيها بقوة تحدث بلهفة:
في إيه مالك، إيه اللى حصلك فجأءة.
تفوهت من بين أسنانها بألم قائلة:
شكلي هولد النهاردة.
_إيه... تولدي.. هنا فى المكتب... مين اللى هيولدك.
هكذا تحدث بإرتباك، غير مستوعب... بينما هي إشتد الألم... تفوهت بوجع:
آه.. خلاص...
قاطعها بسؤال:
خلاص إيه... الوجع راح.
ضغطت على شفتيها بقوة قائلة بصرخة ألم:
لا خلاص هولد... إلحقني الوجع... حاسه إن الولد هينزل مني.
نهض قائلًا:
ينزل فين، إنت مفكره إننا فى مستشفي.
صرخت بألم وهي تبكي:
وجع رهيب إتصل على الدكتورة... أو طنط إجلال... عمتي.... آه.
شعر بريبه، سريعًا أخذها وذهب الى مكان سيارته بالمرآب...ساعدها حتى وصلت إلى السيارة، فتح الباب الأمامي بسرعة وهو يكاد يفقد أعصابه قائلًا:
اركبي بسرعة.
جلست غزال بصعوبة، واضعة يدها فوق بطنها المنتفخ بينما تتنفس بصعوبة من شدة الألم...
أغلق الباب ثم التف مسرعًا إلى مقعد القيادة، أدار المحرك وانطلق بالسيارة كالسهم خارج مرآب الشركة...
كان يمسك المقود بيد، وبالأخرى يحاول الاتصال بوالدته...
لكن الهاتف لم يُجب...
نظر نحو غزال فوجدها تغمض عينيها وتتنفس بسرعة.
متعمليش كده... افتحي عينيكِ
فتحت عينيها بصعوبة وقالت:
أنا فاتحة عيني... بس مش قادرة خلاص.
حاول مساعدتها قائلًا:
طب استحملي شوية... إحنا في الطريق..
قاطعته فجأة أطلقت شهقة ألم قوية جعلته ينتفض في مكانه... قائلًا:
يا نهار أبيض... هو الوجع بيزيد بسرعة كده ليه.
رمقته بنظرة حادة رغم ألمها.
عشان دي ولادة يا كنان... مش صداع.
ابتلع ريقه بتوتر قائلًا:
ما أنا عارف إنها ولادة... بس كنت فاكر إن الموضوع بياخد ساعات طويلة.
ضغطت على يده بقوة حتى تأوه هو الآخر.تفوه بألم:
يا ساتر... هتكسري إيدي.
تفوهت بغيظ ممزوج بألم ودموع:
وأنا الوجع هيكسرني..
زاد من سرعة السيارة وهو يتمتم بقلق:
ربنا يستر... ربنا يستر...
ثم نظر لها بتحذير:
إياكِ تولدي فى العربية... هتلوثيها بالدم.
نظرت لع اضغط على شفتيها بغيظ وألم...
بعد دقائق بدت له كأنها سنوات، توقفت السيارة أمام المستشفى.
لم ينتظر أحدًا.
ترجل سريعًا ، فتح بابها ثم حملها بين ذراعيه... شعر بثُقل جسدها قائلًا:
إنتِ تقيلة كده ليه، معبية مايه.
نظرت له بغيظ ثم
تشبثت بعنقه وهي تتأوه من الألم، بينما اندفع بها إلى الداخل صارخًا:
دكتورة بسرعة... حد ييجي بسرعة... مراتي هتولد.
التف حوله الممرضون على الفور، فأحضرت إحدى الممرضات سريرًا متحركًا...
تنهد بارتياح حين وضعها عليه يقول:
ثانية وضهري كان هيطرقع من وزنك.
أمسكت غزال بيده بقوة... وهي
ترفع عينيها إليه، ورغم الألم الذي يغمر ملامحها قالت بصوت مرتجف:
متسبنيش.
يشعر هو اللآخر بالتوتر والريبة، لكن يبدوا عكس ذلك
شد على يدها فورًا وقال دون تردد:
مش هسيبك... يا حبيبتي.
بعد لحظات اصبح يتحرك ذهابًا وإيابًا في الممر كأن الأرض تضيق تحت قدميه...
كانت أصوات الحركة حوله طبيعية بالنسبة للجميع... إلا له...
كل دقيقة تمر كانت تبدو وكأنها ساعة كاملة...
وصلت إجلال مسرعة بالممر، وما إن رأته حتى اقتربت منه... قائلة بلهفة:
قريت رسالتك وجيت فورًا ... قولي غزال عاملة إيه.
مرر يده بين خصلات شعره بتوتر.
جوه من ساعة تقريبًا... ومحدش طلع يقول حاجة.
ربتت إجلال على كتفه محاولة تهدئته:
متقلقش... إن شاء الله خير.
رفع رأسه نحو باب الغرفة المغلق... ثم نظر لها قائلًا:
أنا عمري ما خوفت بالشكل ده يا ماما.
ابتسمت إجلال رغم قلقها.
عادي... متقلقش ان شاء الله خير.
وقبل أن يرد...انفتح باب الغرفه فجأة...
خرجت الطبيبة وهي تنزع القفاز الطبي من يدها.
أسرع كنان نحوها... سائلًا بلهفة:
غزال؟
ابتسمت الطبيبة... قائلة بتطمين:
الحمد لله بخير.
أغمض عينيه للحظة وكأنه استعاد أنفاسه.
لكن الطبيبة أكملت:
الولادة كانت سهلة ولدت طبيعي، وهي مرهقة جدًا... بس هتفضل هنا للمسا للملاحظة.
زال شحوب وجهه قائلًا:
أقدر أشوفها.
أجابته:
بعد شوية... هتتنقل لأوضة عاديه...
ثم أردفت بابتسامة حين خرجت إحدى الممرضات تحمل طفلًا صغيرًا ملفوفًا بغطاء أبيض:.
تحب تشوف ابنك الأول.
تجمد في مكانه للحظة...يهمس:
إبني...
الكلمة وحدها كانت غريبة عليه... لك
اقتربت منه المُمرضة قائلة:
اتفضل.
نظر إلى الطفل بتردد، كأنه يخشى لمسه...
ثم مد يديه ببطء وحمله.
في تلك اللحظة...
اختفى كل شيء حوله.
أصوات المستشفى...
الناس...
الوقت نفسه...
لم ير سوى ذلك الوجه الصغير...
عيناه امتلأتا بمشاعر لم يستطع تفسيرها.
ضحك بخفة وهو يهمس:
صغير أوي.
اقتربت إجلال تنظر إلى الطفل... بحنان قائلة:
شبه مين.
ظل كنان يتأمله طويلًا ثم قال:
شبه أمه.
وفي تلك اللحظة تحديدًا...خرجت الطبيبة مرة أخرى.
— تقدر تدخل تشوفها دلوقتي.
أعطي الطفل إلى إجلال التي حملته بحنان ثم اتجه بخطوات سريعة إلى الغرفة...
دخل فوجد غزال مستلقية على السرير، شاحبة ومرهقة، لكن عينيها بحثتا عنه فورًا...
اقترب منها وجلس بجوارها...
ابتسمت بصعوبة... قائلة:
الواد وصل.
هز رأسه قائلًا:
وصل.
_شكل مين؟
نظر إليها للحظات قبل أن يجيب بصوت خافت:
زي القمر طبعًا شبهي.
.
ارتسمت ابتسامة ضعيفة على شفتيها.
لكنها تفاجأت به ينحني قليلًا ويأخذ يدها بين يديه... يقبلها قائلًا:
شكرًا.
رمشت باستغراب سائلة:.
على إيه.
ابتلع غصته بصعوبة قائلًا:
عشان عيشت معنى كنت فاكر إني عمري ما هعرفه.
نظرت إليه بصمت...
أما هو فرفع يدها مره أخري إلى شفتيه وقبلها برفق...
ثم همس:
وعشان جبتِ ليا أغلى حاجة في الدنيا.
عندها فقط...
شعرت غزال أن كل ما مرت به من ألم خلال الساعات الماضية أصبح شيئًا بعيدًا أمام تلك النظرة التي تراها الآن في عينيه... نظرة رجل وقع في حب عائلته الصغيرة من أول لحظة...
إبتسمت له كأنها نسيت كل اوجاعها السابقة..أمنيتها تحققت..بيت وأمان... تشعر للمرة الأولى أن جذورها امتدت في الحياة... أدركت أن بعض البدايات السعيدة تستحق كل ما سبقها من عثرات.
❈-❈-❈________****
بمنزل أم صبري
بعدما إتصلت عليها إجلال وأخبرتها أن غزال قد وضعت وأنها بخير وأنهم عائدون بالطريق ... لم تستطيع البقاء هادئة، تنتظر على ترقُب... تسير تُحدث نفسها... بنفس الوقت دلف زوجها راها تحدث نفسها.. تهكم على ذلك قائلًا بحنق:
مالك يا ولية رايحة جاية تكلمي نفسك زي اللى فقد عقله.
توقفت تنظر له للحظات، نظرات ندم أنها أمضت جزءًا كبير من عُمرها معه...لكن سرعان ما تبسمت وهي تقترب منه وتفوهت بنبرة شماته:
سبحان الله.. رغم إن فيك كل العِبر والعيوب بس ربنا له حكمة... تجي تضرها تنفعها.
نظر لها بدون فهم وتفوه بغضب:
تقصدي ايه يا ولية.
أجابته بشماتة:
غزال... اللى روحت تسوأ فيها لـ كنان تبخ سمك، بس ربنا كان شايل لها العوض الكبير، وإنت هتفضل طول عمرك، طماع وأناني، بحمد ربنا إن إبني مخدش من خصالك السيئة، هو وغزال اللى طلعت بهم بعد عمري معاك ده كله، البيت ده بإسمي كان بميراثي من أهلي، خطوة صبرت عليها كتير، معرفش كنت له مترددة،كنت بقول أهو راجل والسلام... رغم أنها كانت خطوة تصحيح لأكبر غلطة فى حياتي...
طلقني وشوف طريقك.. بعيد عني أنا وإبني.. وغزال.
نظر لها بحقد دفبن للحظات قبل أن يفر من أمامها خاسرًا.
بينما هي تبسمت بإرتياحٍ حقيقي لأول مرة منذ سنوات طويلة... كأن حملًا ثقيلًا ظل جاثمًا فوق صدرها طوال عمرها، وانزاح أخيرًا.
جلست على الأريكة، أغمضت عينيها للحظات، تسترجع كل ما مر بها... سنوات من الصبر والتنازل، من الصمت الذي كانت تظنه حفاظًا على بيتها، لتكتشف متأخرة أن بعض البيوت لا تُحفظ بالصمت، بل تضيع بسببه...
فتحت عينيها على صوت سيارة قريب المنزل.
انتفض قلبها قبل جسدها...
همست بلهفة:
وصلوا...
أسرعت نحو الباب، وما إن فتحته حتى رأت تلك السيارة تقترب... توقفت جانبًا..
إوقف كنان هو الآخر السيارة،توجهت نحوهم بلهفة تطمئن على غزال...التي رغم وهنها لكن ترجلت من السيارة،سرعان ما إحتضنتها قائلة:
أنا بخير يا عمتي،أنا وإبني...حفيدك الأول.
ضمتها بحنان قائلة:
ربنا يباركلك فيه ويعوضك كل خير وسعادة.
تبسمت غزال وهي ترفع يدها وقبلتها قائلة:
ربنا يخليكِ ليا يا عمتي.
شعرت أم صبري بسعادة وربتت على كتفها قائلة:
بلاش الوقفة دي فى الشارع إنتِ نفسه كمان العين تصيبك...إركبي بسرعه..يلا.
تبسمت غزال...
لكن شيئًا ما لفت انتباهها...
تلك التي كانت تقف على مقربة منهم، تتابع المشهد بصمت...
تجمدت ابتسامتها للحظة وهي تتعرف على ملامحها... راندا
عاد بها الزمن إلى ذلك اليوم...
اليوم الذي وقفت فيه أمامها بثقتها المستفزة، تخبرها أنها ليست سوى نزوة عابرة في حياة كنان، وأن رجلًا مثله لا يمكن أن يستقر مع فتاة بمثل ظروفها..
وقتها آلمتها الكلمات...
لا لأنها صدقتها بالكامل، بل لأنها أصابت مخاوفها التي كانت تحاول إخفاءها عن الجميع... وحتى عن نفسها...
أما الآن...
فكانت تقف في المكان ذاته تقريبًا...
لكن كل شيء تغير...
رفعت غزال عينيها نحو كنان الذي يجلس بالسيارة ينظر الى صغيره التي تحمله إجلال بين ذراعيها بحذر وكأنها أغلى ما يملك...
كل بضع ثواني كان ينظر إلى طفله.. ثم إليها..
بنظرات لم تكن بحاجة إلى تفسير...
نظرات رجل وجد بيته أخيرًا...
شعرت غزال بدفءٍ يسري داخل قلبها.
ثم أعادت النظر نحو راندا
لأول مرة لم تشعر بالغضب... ولا بالحقد.
ولا حتى بالرغبة في التباهي بالانتصار...
فبعض الانتصارات تصبح صغيرة جدًا عندما يمنحك الله ما هو أكبر منها... بينما راندا
فلم تستطع إبعاد نظرها عن المشهد...
كنان الذي كان يومًا حلمًا تسعى إليه بكل ما تملك...
يقف الآن بعيدًا عنها بمسافات لا تقاس بالأمتار.
بل بالحب... والانتماء... والأسرة.
رأت كيف اقترب من غزال حين دخلت الى السيارة دون وعي، وكيف مال برأسه يسألها إن كانت متعبة، وكيف تلقائيًا وضع يده خلف ظهرها كأنه يخشى أن تتعثر.
تفاصيل صغيرة...
لكنها كانت كافية لتدرك الحقيقة كاملة...
لم تكن غزال نزوة... لم تكن مرحلة عابرة.. د
بل كانت الاستثناء الوحيد في حياة رجل لم يؤمن يومًا بالاستقرار..
خفضت راندا بصرها للحظة...
بينما ابتسمت غزال بهدوء...
ثم حولت وجهها بعيدًا عنها وعادت تنظر إلى زوجها وطفلها.
فبعض الردود...لا تُقال بالكلمات... بل تُعاش.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
بشقة محسن
وضعت صغيرها بمهده الصغير لكن سرعان ما شهقت حين شعرت بيدي محسن تضمها وضع يدها فوق موضع قلبها شعر بنبضات قلبها المتسارعة.. تبسم قائلًا:
خضيتك.
إستدارت تنظر له ببسمه.. وهو مازال يأسرها بين يديه... تبسم قائلًا:
مشغولة مع إبنك وناسية الدنيا.
ضحكت بدلال قائلة:
والله ده متعب، البنات مكنوش كده.. كانوا هاديين.
تبسم لها، وهو يضع قبله قريبه من فمها، ثم جذبها لتسير معه الى أن توقف أمام خزانة الثياب، أخرج تلك العلبة المُخمليه... ثم مد يده بها نحوها بتلقائية أخذتها منه فتحتها سرعان ما شهقت بصدمة وهو تقول:
مش ده الإنسيال اللى ...
صمتت ضمها محسن قائلًا:
كان هدية ليكِ يا رابيا،تفتكري ممكن أهادي أي ست غيرك بهدية غالية.
تدمعت عينيها وهي تشعر به يحتضنها، يُقبل جانب عنقها قائلًا:
النهاردة عيد جوازنا...
البنات أنا قولت لماما يناموا تحت كفاية عليا إزعاج البيه الصغير، أنا عاوزك ليا لوحدي .
نظرت الى السوار الذي طالما ظنت أنه لم يكن لها يومًا...
مررت أصابعها فوقه برفق، ثم رفعت عينيها إليه هامسة:
يعني كنت جايبه ليا من زمان.
أومأ محسن وهو يطوقها بذراعيه أكثر:
من يوم ما شوفته قولت ده شبهك... رقيق وحلو، ولحد النهاردة مستني اللحظة اللي ألبسهولك فيها.
ارتجف قلبها من كلماته، وشعرت بدفء غريب يغمرها وهي تراه ينظر إليها بنفس النظرة التي أحبته لأجلها منذ سنوات...
أخذ السوار من يدها، ثم أمسك معصمها برفق وأغلقه حوله... قائلًا بحنان:
كل سنة وإنتِ مراتي... وكل سنة وإنتِ أجمل حاجة حصلتلي.
ابتسمت والدموع تلمع بعينيها... قائلة:
وإنت كمان يا محسن... ربنا يخليك ليا وللولاد.
رفع يده يمسح دموعها بإبهامه وقال مازحًا:
لا، بلاش دموع في يوم زي ده.
ضحكت بخفة، بينما جذبها لتجلس بجواره على الأريكة.
ساد بينهما صمت هادئ، ذلك النوع من الصمت الذي لا يحتاج إلى كلمات، فقط قلبين يعرف كل منهما مكانه جيدًا...
أسندت رأسها على كتفه وهمست:
تصدق زمان كنت بخاف من بكرة.
نظر إليها متسائلًا:
ودلوقتي.
تنهدت براحة وهي تتأمل صغيرها النائم في المهد:
دلوقتي عندي بيت... وأمان... وعيلة بحبها.
شدد محسن ذراعه حولها، ثم طبع قبلة حانية فوق رأسها قائلًا:
وطول ما أنا عايش، هيفضلوا عندك.
أغمضت عينيها مبتسمة، بينما ظل الاثنان يتأملان صغيرهما النائم، وقد امتلأ المكان بدفء عائلة وجدت أخيرًا سعادتها بعد سنوات طويلة من التعب.
❈-❈-❈
بعد مرور أيام
كان فاروق يجلس مع أحد العملاء، حين صدح رنين هاتفه تبسم حين رأي إسم عهد يضئ شاشة الهاتف... إعتذر من العميل وخرج للرد عليها سمع لهفتها وهي تقول:
مش بترد عليا ليه يا فاروق.
تنهد ببسمة قائلًا:
ما أنا رديت أهو خير بتتصلي ليه.
ابتلعت ريقها بغيظ قائلة:
بتصل عليك عشان أقولك إبنك توفيق تعبان.
ببرود تفوه:
وديه للدكتور.
بغيظ من رده البارد تفوهت بغضب:
فاروق إنت فين، من يوم ما كنا فى المزرعة مشوفتش وشك، بتتصل تطمن على ولادك وأنا مش بتسألني عن حالي.
ضحك قائلًا:
حالك كويس أهو وبتردي عليا برعيق، يبقي صحتك كويسه.
بغيظ منها لم تستطيع تحمُل بروده المتعمد... سمع إغلاق الهاتف
سرعان ما ضحك فاروق، الذي كان يتجاهلها عمدًا... نظر أمامه.. تبسم وهو ينظر الى ذلك السلم الذي أمامه تذكر اول لقاء له مع عهد، كان هنا، حين لمس يدها كأن حدث له صعق فى قلبه... سنوات مرت كانت بعيدة بقيد شرعي ممنوع عليه التفكير بها، عذاب لضم قلبه، وقدر أعاد الامل فى قلبه نوها، زواج منها كان مثل اللجام حول عنقهما، كان عليهما التحرُر لبعض الوقت
…حتى يستطيعا أن يلتقطا أنفاسهما من جديد دون أن يختنقا بما فُرض عليهما أكثر مما اختاراه.
أغلق فاروق الهاتف بهدوء، لكن ضحكته خفتت تدريجيًا وهو يحدق في السلم أمامه... لم يكن مجرد درج عادي في نظره… كان نقطة بداية لا تمحى.
هنا تمامًا... يومها أقنع نفسه أنها مجرد لحظة عابرة، عابرة جدًا… لكنها لم تعبر...
مرت السنوات بعدها ثقيلة، كل
أخذ نفسًا عميقًا، ومرر يده على وجهه كأنه يمسح طبقة من الماضي...
ثم تحرك ببطء مبتعدًا عن السلم، لكن عينيه ظلتا عالقتين بالمكان، كأن خطوة واحدة فقط تفصل بين رجُلين داخله... واحد عاش الماضي كما فُرض عليه، وآخر لم يعد يملك رفاهية تجاهل ما بدأ يعود… بقوة أكبر من قبل.
....*****ــــــــــ
بمنزل توفيق
دلفت ميرفت الى غرفة عهد كانت تضع صغيرها على الفراش نظرت لها سائلة:
إيه العلبة الكبيرة اللى في ايدك دي يا ماما.
تبسمت ميرفت قائلة:
دي بعتها فاروق..مع السواق وقال عشانك.
إستغربت عهد ذلك أخذت الصندوق منها فتحته سرعان ما شهقت حين وقع بصرها على ذاك الثوب الأبيض... أخرجته من الصندوق، قائلة:
ده فستان زفاف.
نظرت له ميرفت تدمعت عينيها، رغم وجع قلبها على فراق إحد فتياتها لكن تبسمت لـ عهد التي يظهر عليها السعادة...
ربما ذلك خفف من قسوة حزنها.. بينما عهد رأت مغلف صغير أسفل الفستان باالصندوق.. جذبته وفتحته.. كان رسالة من فاروق
"جهزي نفسك المسا هفوت أخدك يا عروسة".
خفق قلبها بشدة، لكن غص قلبها حين رأت دموع ميرفت.. تركت الفستان وضمتها تشعر بحزن هي الاخري.. لكن دعمتها ميرفت قائلة:
كل شئ قدر يا عهد، فاروق كان المفروض يكون نصيبك من الأول، بس ربنا كان رايد يسيب لينا ذكرى من فرح تعيش وسطنا، تعوض جزء من وجع غيابها.
مساءًا
توقف فاروق ينظر الى عهد بإنبهار وهو يراها بثوب الزفاف وذاك الوشاح الذي يُغطي رأسها كانت مُبهرة... أخذ يدها وصعدا الى السيارة..
بعد قليل توقف بالسيارة بفناء منزل الدباغ
ترجل من السارة ثم توجه للناحية الأخري.. ساعد عهد على النزول... كان إستقبال خاص بها
بعد وقت دلف الى شقتهما يحملها.. نظرت حولها، كم اشتاقت الى تلك الشقة، عكس بداية زواجهما كانت تشعرر بها كجدران شائكة تضيق على قلبها... دلف فاروق بها الى غرفة النوم الخاصة به، وضعها على الفراش، رغم أنها معروفة بعدم الخجل لكن الليلة شعرت بالخجل من نظرات فاروق الذي جلس لجوارها لحظات حديث عادي هادئ بينهما تطرق الى لمسات حُب، ساعدها فى خلع ثوب الزفاف... نظرة فاروق هذه الليلة كانت مختلفة.... ليست نظرة سيطرة كما اعتادت أن تتهمه بها، بل نظرة رجل يرى شيئًا أخيرًا استقر في مكانه الصحيح...
جذبها يُقبلها قبلة قصيرة في بدايتها، صامتة، لكنها لم تكن عابرة… كانت محمّلة بكل ما لم يُقال بينهما... اوقات من الفقد ، ومسافة طويلة من الجفاء، ومحاولة متأخرة لترميم شيء لم ينكسر تمامًا لكنه تَشعّب...
تجمدت للحظة، ثم شيئًا فشيئًا خفّ التوتر تسمح لنفسها أخيرًا أن تفهمه بدل أن تحاربه...
ابتعد قليلًا
تفوه بصوت أجش من الغرام:
بحبك يا عهدجملة بسيطة لكن كانت مثل فك شفرات قلبها...
ليهيم بها غرامً يترجمها بلمسات وقبلات...
بعد وقت شعر الاثنين بالنشوة، جذبها على صدره، رفعت راسها تنظر لوجهه بصمت للحظات تذكرت وقت بداية زواجها منه كانت ناقمة ماقته له، لم يدعها تحزن على شقيقتها اليوم طوقت خصره بيدها تشعر أنه ربما كان ذلك الأفضل، فوقتها كان تمكن الخزن منها، ربما زواجهما كان تفريغًا لذلك الحزن، أشغل عقلها وقلبها بوجوده، ربما أسلاها بعض من الحزن كان كفيلًا بقصف قلبها... لو إستسلمت له بغياب فاروق
ضمت نفسها له شعرت بتلك القُبله على رأسها تبسمت كذالك هو، رغم حدوث أكثر من علاقة حمينية بينهما لكن يعترف كأنه يلمسها لأول مرة يشعر أنها معه طواعية وقبول.
❈-❈-❈
لتمُر الايام، تخطف معها أعوام
تُنشأ ذكريات وذكريات...
بين أفراح وأوقات يمُر العمُر.
بالسعودية
خلف شرفة زجاجية تطل على الحرم المكي
منظر كفيل بتهدئة النفس،حتى كفيل بسحب ذهن ذلك الطفل ذو الخمس أعوام...
راقبته وهو يقف مندهش من ذلك التجمع البشري،كأنهم ملائكة ذو أجنحة بيضاء يسيرون فى هيبة...
تبسمت رابيا التى تقف بمكان قريب منه تتابع حركة يديه على الزجاج عيناه تلمع بدهشه، شعرت بيد توضع على كتفها، نظرت له تبسم محسن قائلًا:
واقفه كده ليه.
اشارت له براسها نحو طفلهما قائلة:
شايف... واقف مبهور بمنظر الناس فى الحرم.
نظر نحو طفلهم... تبسم قائلًا:
فعلًا المنظر له هيبه، البنات كمان فرحانين أوي إننا جينا هنا كلنا نعمل عُمرة...كانت فكرتك هايلة.
تبسمت له قائلة:
تعرف يا محسن من يوم ما إتجوزتك إتمنيت المشهد ده،كان نفسي نعمل عُمرة سوا أنا وإنت،عشان....
توقفت تشعر بغصة،ودت لو قالت أنها كانت تبغي ذلك كي تُكفر عن مشاركتها كذبة والدتها،لكن ذلك أصبح ماضي،فاقت على صدمة كانت تعيش داخل شرنقة تخنقها هي وهو معًا،والآن فردت جناحبها تُحلق،حتى لو كان زواجهم عن طريق كذبة،هو حقها وحتى عذاب الضمير،كانت مُخطىة،فالحب لا يعترف سوا بشيء واحد،البقاء للمُحب حتى لو كان ذلك آنانية...وهي ليست آنانية بل معطاءة،حين تقبلت حياتها مع محسن كما أرادها زوجة وسر له،لا أحد بالوسط بينهما حصدت السعادة والراحة النفسية
❈-❈-❈
بين تنقُلات كثيرة بين أكثر من دوله رافقت زوجها بسعادة وأوقات يمُر الوقت دون شعور ...
بـشقة بـ سويسرا
سكبت القليل من الحليب على خلفية كف يدها كأنها مقياس للحرارة،ثم نظرت لطفلتها الصغيرة التى تحبو نحوها،سرعان ما ضحكت على تذمُر الصغيرة حين قطع نديم عليها الطريق،تحاول أن تستكمل حبوها لكن هو عاندها كلما إتخذت منفذ سده عليها،زامت ببكاء مصطنع،ضحك وإنحني يلتقطها من على الارض يُقبل وجنتيها قائلًا:
عاوزه مامي.
اومأت برأسها، ذهب بها نحو يارا التي ضحكت قائلة:
لاء مش عاوزه مامي عاوزة البيبرونة صديقتها المُفضلة.
ضحك وهو يرا يدها الصغيرة تمتد نحو يارا كي تأخذ منها زجاجة الحليب، تركتها لها يارا ببسمه سُرعان ما التقمتها الصغيرة، نظرت يارا له قائلة:
هترجع إمتى.
أحابها بمرح:
بفكر أتأخر شوية عشان لما أرجع الاقكي فاضية لى... يكون الولاد ناموا بس مش تقولى لى مرهقة مع عيالك.
ضحكت قائلة بمرح:
كل واحد بيجني اللى بيزرعه يا حبيبي، فاكر بداية جوازنا كنت مشغول طول الوقت، أهو جه اليوم اللى تتمني فيه أفضالك.
ضحك وهو يضع قبله على وجنتها قائلًا:
بتردهالي يعني، تمام يا يارا، أنا بقي راجل ديكتاتور، وبقولك أهو أرجع المسا تكوني مجهزة نفسك، أنا عازمك عالعشا لوحدنا بعيد عن الأشرار ولادك، وبالذات الشريرة دي.
ضحكت يارا قائلة:
الشريرة دي مدلعه عالآخر حتي منك، بتفكرني بنفسي كنت بنت وحيدة زيها، بس دي دلوعة.
ضحك نديم قائلًا:
لايق عليها الدلع.
إبتسمت يارا قائلة:
طبعًا مش دي ضرتي فى قلبك.
ضحك وهو يضع قُبلة على جانب شفاها قائلًا:
وقلبي، ده خلاص بقى مُحتكر ليكِ وللشلة الصغيرة دي.
ضحكت يارا بخفة وهي تهز رأسها بيأس مُصطنع:
شلة صغيرة... دول عاملين عصابة كاملة فى البيت.
نظر نديم لطفلتهما التي كانت تمسك الزجاجة بكلتا يديها الصغيرتين وكأنها كنز، ثم قال بمكر:
بس العصابة دي خطيرة... خصوصًا الصغيرة، كل يوم بتاخد جزء أكبر من اهتمامك.
رفعت يارا حاجبها قائلة بمرح:
غيران من بنتك يا نديم.
اقترب منها أكثر هامسًا:
أغير من أى حد بياخدك مني... حتى لو كانت نسخة مصغرة منك.
اتسعت ابتسامتها بخجل دافئ، بينما الصغيرة أطلقت صوتًا متذمرًا بعدما فرغت الزجاجة، فتنهد نديم قائلًا باستسلام:
شوفتي... حتى الرومانسية عندنا لازم توافق عليها البرينسيس الأول.
ضحكت يارا بصوت أعلى،.. ضمها نديم بين إليه، فنظرت له الصغيرة بعينيها الواسعتين قبل أن تعبث بأزرار قميصه، ليطبع قبلة فوق رأسها ، ضحكت يارا قائلة:
البت دي عندها شخصية قويه وحب التملُك.
ضحك نديم يومي برأسه يؤكد ذلك قائلًا بغمز:
شبيهة مامتها.
بدلال تحدثت:
ومامتها إتملكت من قلب النديم.
غمز لها بمرح قائلًا:
مش بس قلب النديم، روحه وكيانه.
❈-❈-❈
بمنزل الباغ
توقف كنان بالحديقة بعدما لفت نظره، سيارة حديثة الطراز، تحير عقله لمن تلك السيارة... ساقه الفصول ودلف الى المنزل دخل الى غرفة المعيشة.. نظر لوالده الذي يجلس يحمل طفلة وليدة أيام... يُدللها ببعض العبارات... تنحنح، رفع محي رأسه ونظر له قائلًا بنبرة تعنيف:
إيه آخرك عالشغل الساعة قربت على تسعة.. مش عشان أنا غايب تفكر إنها سويقه.
تقبل كنان ذلك قائلًا:
بابا، هي العربية الجديدة اللي فى الجنينة دي بتاع مين.
لم يرفع عينيه عن الصغيرة يُدللها بين يديه سائلًا:
أي عربية.
أجابه بمواصفات السيارة، فأجابه محي:
آه... دي عربية غزال.
_عربية غزال
قالها كنان بصدمة قائلًا:
غزال خيال اللمآته مراتي تركب عربية موديل وإمكانيات مش فى عربيتي، دي مبتعرفش تسوق وبتحدف شمال، دي مبتعرفش تركن العربية إزاي.
نظر له محي بنظرة غير مبالية:
هي حرة عربيتها تعمل فيها اللى هي عوزاه.
_تعمل اللى هي عوزاه فى عربية زي دي وبعدين دفعت تمنها منين.
هكذا سأل فأجابه محي:
العربية نقوط مني ليها.
_نقوط.
نقوط يعني إيه
هكذا سأل بإستفسار فاجأبه محي بتوضيح:
نقوط ولادتها كمان مكافأة عن شغلها الفترة اللى فاتت كانت حامل وشايلة ضغط الشغل.
_مين دي اللى كانت شايلة الشغل وأنا كنت بعمل إيه... وبعدين نقوط ولادتها، ليه خلفت قطعة ألماس.
نظر له وهو يدلل الصغيرة قائلًا:
أيوه جابت لى قطعة ألماس، وبطل رغي وسيبني مع حفيدتي نلعب سوا.
نظر كنان الى الصغيرة قائلًا:
هو البت اللى إنت شايلها وعمال تدلع فيها هي ومامتها مش تبقي بنتي طب فين نقوطي أنا كمان، عاوز عربية نفس الماركة بس لون تاني.
_لاء
قالها محي برفض قاطع... فتذمر كنان قائلًا:
لاء ليه إشمعنا غزال وأنا لاء ما أنا شايل الشغل وأنا السبب فى البت دي جت الدنيا يعني خلفتها بالتواصل الاجتماعي.
تنهد محي بضجر قائلًا:
هي اللى كانت حامل وأتحملت مدة الحمل والولادة وكمان بتشيل شغل الشركة معاك، يعني هي تعبت أكتر ومن حقها مكافأة، وكفاية رغي وسيبني مع حفيدتي أشبع من حلاوتها.
كاد يُجال لكن نظرة عين محي كانت صارمه... غادر بغيظ، وقف بالردهة فكر ثم صعد الى شقته... دلف الى غرفة النوم كانت غزال بالغرفة تضب بعض الثياب..لاحظت تلفته حول نفسه أكثر من مره كأنه يبحث عن شيئ فسألته:
بتدور على إيه.
أجابها:
على المفاتيح.
_مفاتيح إيه.
أجابها:
مفاتيح العربية الجديدة.
ببراءة قالت:
عاوزها ليه.
تعصب عليها قائلًا :
المفاتيح فين بقولك.
ذهبت نحو طاوله فتحت احد الادراج قائلة:
المفاتيح أهي عاوزها ليه.
خطف المفاتيح من يدها قائلًا:
انتِ كده كده مبتعرفيش تسوقي،عندك عربيتي القديمه خديها.
رفضت قائلة:
لا أنا بسوق كويس بعدين دي هدية ليا و...
قاطعها بغيظ قائلًا:
أقولك روحي للحج محي اتمسكني له يجيبلك واحده تانيه دي خلاص اتصادرت.
تبسمت بعدما غادر فذلك كان اتفاق بينها وبين محي الذي يعلم بهوس كنان بالسيارات... ذهبت نحو خزانة الثياب اخرجت علبه مخملية فتحتها
كان طاقم ذهب مُرصع بالالماس هديه اعطاها لها تقديرًا منه لها.
❈-❈-❈
بشقة فاروق
أفلت ياسين يده من قبضة عهد قائلًا:
سيبني بقي انزل ألعب مع بنت عمو كنان الصغيرة... أنا كنت بجهز نفسي إن يبقي ليا أخت بنت بس سمعت بتقولى لـ تيتا ميرفت إن الدكتور قالك إنك حامل فى ولد، انا كنت عاوز بنت بس إنتِ مش بتخلفي بنات.
-هو كان بمزاجي.. البركه فى باباك بيقولوا نوع الجنين من الراجل.
ضحك فاروق الذي إقترب منهما، انتتهز ياسين ذلك وغادر، نظرت له عهد قائلة:
عيل خسيس.
ضحك فاروق وهو يضم خصرها قائلًا:
متعصبة ليه كده... من وقت ما الدكتورة قالت لك إنك حامل فى ولد.
تنهدت قائلة بتذمُر:
ده تالت حمل يا فاروق أنا قولت المرة دي هتبقي بنت.
ضحك فاروق قائلًا:
ولد ولا بنت... المهم تقومي بالسلامة إنتِ والبيبي.
نظرت له، قائلة:
كان نفسي فى بنت وأسميها فرح.
تبسم قائلًا وهو يغمز بوقاحة وهو يضع يده فوق بطنها يمررها بحميمية قائلًا:
بسيطة... المرة اللى بعد دي تجيبي بنت زي القمر شبة مامتها.
تبسمت عهد قائلة:
لا كفاية ملهاش لازمه تجربة جديدة، واضح إن خلفك هيبقي صبييان وأنا حيلي إتهد منك ومن عيالك.
ضحك فاروق وهو يُقبل جوار شفتيها قائلًا:
بس الحمل المرة دي مخليكِ جميلة.
تمايلت برأسها بدلال قائلة:
أنا فعلاً جميلة.. مش جديد عليا... ولا عندك إعتراض.
غمز بعينيه قائلًا:
مقدرش أعترض يا جميلة الوحش.
❈-❈-❈
بعد أيام
بإحتفال خاص
تجمع كل أفراد عائلة الدباغ
في حديقة المنزل الواسعة التي تملؤها أضواء دافئة ، إستعدادًا لاحتفال في صخب الأحفاد... وإنتظار مهيب لا يخلو من الترقّب...
الأحاديث الجانبية تتداخل كهمسات خافتة، وضحكات قصيرة تُخفى بسرعة وكأن الجميع ينتظر لحظة الحسم... ، كانت العائلة بأكملها مجتمعة… من أكبرهم سنًا، محيي الدين الدباغ، إلى أصغر الأحفاد التي اختاروا لها اسمًا حمل في طيّاته أملًا جديدًا "حياة"
كانت الطفلة محاطة بنظرات دافئة، وكأن وجودها وحده كفيل بإعادة ترتيب كل ما انكسر قديمًا داخل العائلة.
وفجأة…
سكتت الأصوات تدريجيًا...
تحولت الهمسات إلى صمتٍ..
دخل محيي الدين الدباغ أولًا...
هيبته وسط ابناؤه وأحفاده سبقت خطواته، نظراته ثابتة لا تعرف التردد، وملامحه تحمل ذلك النوع من السلطة التي لا تحتاج إلى صوت مرتفع...جواره مباشرة كانت إجلال، تمشي بثباتٍ يليق باسمها، كأن وجودها لا يقل ثقلًا عن حضوره...
تقدما بالوسط
كل عين كانت تتابعهما...
كان الترحيب صاخبًا…إعترافًا احترامًا... يشبه الانحناء غير المُعلن أمام تاريخٍ طويل من النفوذ والقرارات التي صنعت اسم الدباغ...
توقّف محيي الدين في المنتصف.
نظر حوله ببطء، وكأنّه يقرأ الوجوه واحدًا واحدًا.
ثم وقعت عيناه على تلك الصغيرة "حياة" للحظة، فخفّت حدة ملامحه قليلًا، دون أن يختفي الثقل من حضوره...
إجلال وقفت بجانبه، ترفع نظرها إلى الجمع، ثم قالت بهدوء محسوب:
الليلة… مش مجرد احتفال.
أومأ محي وعيناه تتجول على كل فرد بالعائلة... تبسم لـ محسن وفاروق اللذان اصبح لهما كيان قويًا وسط سوق الجلود
كيان ظاهري أنهما منفردان لكن بالحقيقة هما تحت جناحه...
كذالك تبسم بسعادة أكثر وهو يرا الوفاق بينهما وبين زوجاتهم كل منهم سعيد بأسرته الصغيرة...
كذالك ذلك المشاغب كنان الذي أحيانًا يشعر بالغيرة من زوجته التي أصبحت أكثر خبرة تُعد أحد أذرعة محي الدباغ، كذالك كنان الذي أصبح يُلقي عليه كل الحِمل فى غياب أخويه...
حتى يارا مدللته أصبح لها هي وزوجها كيانًا... وحياة دافئة...
عاد بنظره نحو "إجلال" رفيقة العُمر، تلك التي لم تكن مجرد زوجة في حياته، بل الركن الذي ثبتت عليه كل العواصف حين اهتزت الأرض من تحته...
تنهد ببطء… تنهد يحمل راحة نادرة، كأن السنوات الثقيلة انزلقت من على كتفيه...
يتأمل ما هو أبعد منها بكثير… ما لا يراه الآخرون...
"إمبراطورية آل الدباغ"...
ليست مجرد اسم يُقال في المجالس أو يُكتب في العقود، بل كيان تشكل عبر سنوات من الصعود القاسي، القرارات الصلبة، والخسائر التي لا تُقال بصوتٍ عالي
رفع نظره قليلًا، ومر ببصره على الوجوه التي اجتمعت حوله تحمل الامتنان وإعتزاز يحمل انتظار ما سيأتي بعده..
ابتسم ابتسامة خفيفة، بالكاد تُرى، لكنها كانت كافية لتكشف أنه يرى كل شيء… ويفهم أكثر مما يُقال...
إجلال وقفت إلى جواره بثبات، كأنها تعرف ما يدور في رأسه دون أن يتكلم..
قال بصوت منخفض، أقرب إلى نفسه منه إلى من حوله:
اتولدت من لا شيء… وبقيت كل شيء.
تحرك ببطىء خطوة إلى الأمام، وكأن حضوره وحده يعيد رسم حدود المكان...
" آل الدباغ" ترددت الكلمة في ذهنه أكثر مما نطقه
ليس اسم عائلة… بل
العهد الأقوى الذي تجمعت تحته ظله العائلة، لا بوصفها روابط دم فقط، بل بوصفها كيانًا دافئًا يستظل بهم...يتعهد بحماية كل فرد من العائلة تحت مظلة
"عهد الدباغ"