تحميل رواية «عشق مهدور» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى القرى التابعة لمحافظة كفر الشيخ، تلك المحافظة التي تقع بمنتصف دلتا مصر، ولديها ظهير يطل على أحد شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهي أرض خصبة. صباحًا باكرًا، في سرايا فخمة وعريقة تتوسط مجموعة من الأفدنة مزروعة ببعض أشجار عين الجمل وبعض الأشجار الأخرى المثمرة، وحديقة خاصة تحيط بالسرايا بها بعض الزهور ونباتات الزينة. على صوت زقزقة تلك العصافير التي تسكن بأعشاشها على فروع تلك الأشجار. استيقظت تلك المرأة التي في منتصف الخمسين من عمرها. نهضت تُهندم فراشها، ثم توجهت ناحية مطبخ السرايا. لم يمضِ وقت...
رواية عشق مهدور الفصل الأول 1 - بقلم سعاد محمد سلامة
في إحدى القرى التابعة لمحافظة كفر الشيخ، تلك المحافظة التي تقع بمنتصف دلتا مصر، ولديها ظهير يطل على أحد شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهي أرض خصبة.
صباحًا باكرًا، في سرايا فخمة وعريقة تتوسط مجموعة من الأفدنة مزروعة ببعض أشجار عين الجمل وبعض الأشجار الأخرى المثمرة، وحديقة خاصة تحيط بالسرايا بها بعض الزهور ونباتات الزينة.
على صوت زقزقة تلك العصافير التي تسكن بأعشاشها على فروع تلك الأشجار. استيقظت تلك المرأة التي في منتصف الخمسين من عمرها.
نهضت تُهندم فراشها، ثم توجهت ناحية مطبخ السرايا. لم يمضِ وقت طويل حتى أتت خادمة أخرى في منتصف الثلاثينات، ألقت عليها الصباح:
"صباح الخير يا رضوانة."
ردت عليها بابتسامة مودة:
"صباح النور يا انتصار، كويس إنك جيتي بدري، يلا خلينا نبدأ نجهز الفطور."
تبسمت لها بقبول، ثم بدأتا بإعداد الفطور.
بعد قليل، نظرت رضوانة إلى ساعة حائط بالمطبخ ثم نظرت للخادمة الأخرى قائلة:
"الساعة سبعة ونص، ميعاد علاج الست شكران، هروح أصحيها تاخد علاجها."
تسألت انتصار بفضول:
"هي الست شكران عندها إيه؟ أنا شايفه ماشاء الله شكلها يقول عافية."
تهكمت رضوانة قائلة:
"يا بنتِ بلاش تتغري في الوشوش والأجسام، ربنا العالم بالبشر بيخفوا قد إيه ألم ورا بسمة على وشوشهم، وكمان هدوم بتستر آلام. يلا خلصي الفطور عشان كمان آسعد بيه هنا، وكمان آصف، والاتنين دول بيحبوا النظام وبيصحوا من النوم بدري. مش هاغيب وراجعالك."
أومأت انتصار لها.
أمام إحدى الغرف، وقفت رضوانة تطرق على باب الغرفة بهدوء، ثم توقفت لدقيقة، ثم قامت بالطرق مرة أخرى حتى فتح آسعد لها باب الغرفة.
أخفضت وجهها بالأرض وقالت:
"صباح الخير يا آسعد بيه، أنا جايه عشان أفكر الست شكران عشان تاخد علاجها."
تثائب آسعد قائلاً:
"تمام، تسلمي. هي صحيت خلاص، ياريت تحضري الفطور في الجنينة، وكمان صحي الشباب."
أومأت رضوانة برأسها وانصرفت.
أغلق آسعد باب الغرفة ونظر نحو شكران التي نهضت من على الفراش تمدح في رضوانة قائلة:
"والله رضوانة دي ولا أخت، مبتفوتش ميعاد علاج ليا غير لما ألاقيها جايه تفكرني بيه."
رد آسعد بمدح لـ شكران:
"وهي كانت هتلاقي بيت تشتغل فيه زي هنا، بقت مقيمة في السرايا وسابت دارها لبنتها تتجوز فيها."
ردت شكران:
"يعني بنتها كانت طردتها من الدار؟ أنا اللي طلبت منها تقعد هنا بعد ما تعبت وهي وافقت، حتى بنتها كانت معارضة بس هي اللي صاينه العيش والملح."
تهكم آسعد قائلاً:
"آه طبعًا، بقالها بتشتغل هنا أكتر من خمسة وعشرين سنة وساعدتك في تربية الأولاد."
ردت شكران باعتراف:
"فعلًا والله، كتر خيرها. بقولك إيه؟ أنا كنت سمعت منها إنها نفسها تعمل حج أو عمرة، أنا بفكر السنة دي وآخدها معايا أحج وأتكفل بمصاريفها كلها."
تهكم آسعد قائلاً باستهزاء:
"وماله، خديها معاكِ، أهي حتى تبقى تهتم بيكِ وتخدمك وإنتِ في الحرم."
استغربت شكران طريقة رد آسعد وقالت:
"ليه إنت مش ناوي تروح تحج السنة دي؟"
تنهد آسعد قائلاً:
"لأ، هريح السنة دي. الحج هيبقى في موسم جمع محصول المانجة، روحي إنتِ وابقي خدي معاكِ رضوانة ونس."
بعد قليل في المطبخ، طلبت رضوانة من انتصار:
"كده انتهينا من تحضير الفطور، هاخد أنا الصينية دي أطلعها في الجنينة، وإنتِ روحي صحي الشباب من النوم."
أومأت انتصار رأسها وغادرت المطبخ وصعدت إلى الدور الثاني بالسرايا. قامت بالطرق أكثر من مرة على غرفتي آيسر، سامر، إلى أن قالا أنهم استيقظا.
ذهبت إلى تلك الغرفة الثالثة، قامت بالطرق على باب الغرفة مرة واحدة وبهدوء، ثم تلفتت حولها، تنهدت بارتياح حين لم ترَ أحد. فتحت باب الغرفة بهدوء ودلفت إلى الغرفة وأغلقت الباب بهدوء. وقفت خلفه، نظرت نحو الفراش.
عضت على شفتيها باشتهار، تخترق عينيها النظر إلى ذاك النائم على بطنه شبه عارِ، بالكاد شرشف الفراش يستر منطقة خصرهُ فقط.
اقتربت من الفراش تتأمل جسدهُ المثير بنظرها، يزداد بداخلها رغبة لمس جسده، ليس فقط لمسه بل تشتهي الانتشاء وتظفر بلمسات رجولية منه.
توقفت أمام الفراش تنظر لملامح وجهه الوسيمة والحادة في نفس الوقت، كذلك تلك الخصلات القصيرة المتدلية فوق جبينه. كل شيء به مثير يقودها رغبة اشتهاء. مدت يدها وكادت أناملها تلتمس ظهره، لكن قبل أن تصل أناملها إلى ظهره، شعرت بيده القوية الذي أطبقها على معصم يدها وهو مازال نائم، قائلاً بحدة:
"إيه اللي دخلك لأوضتي."
شعرت بألم قوي بيدها وارتجفت وتعلثمت بالرد:
"رضوانة قالتلي أجي أصحي حضرتك وأقولك الفطور جاهز في الجنينة."
مازال يطبق بيده على معصمها، لكن فتح عينيه قائلاً بغضب:
"رضوانة قالتلك اتسحبي وتدخلي لأوضتي؟ سبق قبل كده حذرتك ممنوع تدخلي أوضتي، أنا عارف ظروفك كويس ومش عاوز أقطع رزقك، لو كررتِ دخول أوضتي وأنا فيها مش هراعي ظروفك وهطردك من الشغل هنا في السرايا."
تعلثمت انتصار، حاولت التبرير بخوف قائلة:
"أنا خبطت على باب الأوضة كتير وحضرتك مردتش و..."
قاطعها آصف بقوة قائلاً بتعسف:
"مش عاوز تبريرات كدابة دلوقتي، غوري واحذري، ده آخر تحذير ليكي."
بمجرد أن ترك معصم يدها، هرولت بالخروج من الغرفة. وقفت جوار باب الغرفة تلتقط نفسها، تنظر لأثر يده الأحمر الداكن فوق معصمها. تنفست باشتهار، ثم تلفتت حول نفسها وغادرت تشعر بحسرة من نصيبها مع الرجال.
بينما نهض آصف جالساً على الفراش ومد يده سحب هاتفه من على طاولة جوار الفراش. قام بفتحه، لمعت عينيه لتلك الصورة التي ظهرت بخلفية شاشة الهاتف. تنهد باشتقاق قائلاً:
"صباح الخير يا حبيبتي."
أنهى قوله وهو يضغط على زر الاتصال، ينتظر الجواب، الذي لم يأتِ بعد. تكرار أكثر من اتصال. زفر نفسه بغضب وألقى الهاتف على الفراش ونهض يتوجه ناحية حمام الغرفة.
أنعش جسده بحمام بارد، ثم خرج من الغرفة. جذب الهاتف مرة أخرى يحاول الاتصال، لكن لا جواب أيضًا.
تنهد بضجر قائلاً:
"أكيد قاصدة متردش عليا، ماشي يا بنت الغتوري."
***
بعد قليل بحديقة تلك السرايا، على طاولة كبيرة أسفل مظلة كبيرة أيضًا.
جلس على رأس تلك الطاولة آسعد، وعلى يمينه كانت تجلس شكران.
تبسمت لأولادها الثلاث شباب الذين بدأوا يتوافدون واحد بعد آخر.
كان آخر من وصل آصف.
تحدث آيسر بمزح:
"دايمًا متأخر يا سيادة المستشار، طبعًا بحكم شغلك كـ قاضي دايمًا الحكم آخر الجلسة."
جلس آصف على مقعده وابتسم قائلاً:
"بلاش إنت اللي تتكلم على التأخير، إنت ناسي ولا إيه؟ الطيار الوحيد اللي في العالم كله بيوصل للمطار بعد صعود الركاب."
ضحك آيسر قائلاً:
"عادي، لما الطيار يتأخر عالطائرة وقت الإقلاع لو اتأخر مش هيضر، زي شغل القضاء دايمًا تأجيل تأخير في إصدار الحكم حتى بعد الحكم وقت على ما يتنفذ القرار."
تثائب سامر.
نظر له آيسر قائلاً:
"الوحيد المرتاح فينا هو سيادة الدكتور اللي قاعد عالسفرة بيتاوب."
نظرت شكران لـ سامر بشفقة قائلة:
"والله ده حاله يصعب، دايمًا نبطشيات بالليل."
غمز آصف لـ سامر بمرح قائلاً:
"قولي إيه سبب نبطشيات الليل الكتير دي."
ارتبك سامر وتوتر قائلاً:
"أبدًا، شغل الليل في المستشفى بيبقى رايق مش زحمة زي النهار."
أخذت شكران الحديث من سامر قائلة:
"بس مجهد، مش شايف وشك الباهت وكمان خاسس كتير."
غمز آيسر وآصف لـ سامر الذي قال:
"طبعًا إنت واخد الدلع كله آخر الأولاد ولازم شكران هانم قلبها يبقى ملهوف عليه."
تبسمت شكران قائلة:
"والله أنتم التلاتة قلبي بيبقى ملهوف عليكم، آيسر قلبي بيبقى زي اللي مسحوب مني طول ما هو طاير بالطيارة في الجو لحد ما يوصل للبلد اللي هو رايح لها ويتصل عليا يقولي وصلت بسلام، وإنت كمان شغلك في القضاء وكل سنة تخدم في بلد شكل، وأهو إنت السنة دي بتخدم في محكمة في أسيوط يعني في الصعيد، والصعيد كفاية عندهم مشكلة الثأر اللي بنسمع عنها بتفني عائلات كاملة. قلت لك باباك يتوسط لك في الحركة القضائية وينقلك لأي مكان يكون هادي."
تبسم آيسر بمزح قائلاً:
"والمكان الهادي ده فين يا شوشو؟ جنبك هنا في كفر الشيخ، ولا ينقلوه البحر الأحمر ولا الغردقة، هناك الموزز الروسيات إيه، مش بعيد يرجعلك رقاصة من هناك، ويقولك المدام."
ضحك الجميع، كذلك شكران قالت:
"والله أنا نفسي أشوفكم متجوزين وأفرح بولادكم، أهو نسوانكم تبقى معايا ونس في السرايا."
رفع آيسر يديه قائلاً:
"لأ يا شوشو، أنا مش بفكر في الجواز، أنا أحب أبقى على حريتي زي الطير كده يتنقل بين كل الأغصان."
ضحك آصف قائلاً:
"طبعًا سيادة الطيار له في كل مطار موزة ويمكن أكتر، طبعًا شركات الطيران بتختار المضيفات بعناية فائقة عشان الراحة النفسية للطيارين في الجو."
ضحك آيسر قائلاً:
"فعلًا المضيفات حاجة فوق الخيال، بس أخوك مش غاوي مضيفات، أخوك واعي، افرض قامت عاصفة زي الفيلم بتاع فؤاد المهندس كده واتجمع المضيفات يحدفوني من الطيارة، أنا بحب اللي مالهمش في الطيران بالك، رحلة أسبانيا الأخيرة اتصاحبت على بنت بتشتغل في الاستقبال، وقدمت لي خدمات كبيرة، ماما كانت طالبة مني شوية هدوم ماركات جبتها بنص السعر ونفس الماركات كمان، وطبعًا أخوك اتوصى بها وجاب لها هدية شكر. وقلت لها شكران هانم مش بعيد لو شافتِك تجوزك الواد آصف."
صفع آصف آيسر على كتفه قائلاً:
"بطل سخافة، أنا اللي هختار اللي هتجوزها ومش غاوي رمرمة. خليها تجوزها لـ سامر."
نظر آسعد لـ سامر الذي يأكل ولا يشارك في مزح أخويه قائلاً:
"سامر مشغول في الطب واخد كل وقته."
نظرت شكران لـ سامر وقالت:
"بسيطة، نفتح له مستشفى خاص ويبقى هو مديرها ووقتها مش هيتعب في النبطشيات."
نظر آسعد لـ سامر قائلاً:
"مش أما يبقى يتخصص في تخصص الأول، ده لسه ممارس عام. زميلته بنت أيمن الغتوري اللي كانوا بيذاكروا سوا، اختارت تخصص أطفال."
نظرت شكران لـ سامر الذي سآم وجهه، ظنت أنه تضايق من حديث آسعد، وقالت:
"سامر لسه يا دوب مبقلوش سنتين متخرج من كلية الطب، وفيه دكاترة كتير متخصصوش ولهم شأن وبيفهموا في المرض أكتر من الدكاترة المتخصصين ذات نفسهم."
نظر سامر لـ شكران بامتنان صامتًا.
***
بمنزل بسيط مكون من دورين، بالدور الأرضي.
دخلت سحر إلى الغرفة وأشعلت ضوء خافت وتوجهت إلى فراش هويدا. انحنت عليها وضعت يدها على كتفها قائلة بصوت مخفض قليلاً:
"هويدا اصحي."
تذمرت هويدا أثناء نومها وهمست بنعاس:
"سيبني أنام كمان شوية يا ماما."
تنهدت سحر قائلة بنفس الصوت:
"لأ يلا قومي عشان تجيء معايا."
تسألت هويدا بنعاس:
"أجي معاكِ فين؟ سيبني أنام يا ماما، النهاردة الجمعة يوم الإجازة."
زفرت سحر نفسها قائلة:
"قومي وبلاش كسل، خلينا نروح السوق نشتري طلبات البيت."
تنفست هويدا بعمق قائلة:
"الوقت لسه بدري."
جذبت سحر الدثار من فوق هويدا قائلة بإصرار:
"قومي يا هويدا وبلاش كسل، الساعة قربت تسعة، زمان السوق قرب يخلص ومش بعيد نلاقي البضاعة اتنقضت. يلا قومي."
نهضت هويدا جالسة على الفراش قائلة بغضب:
"مفيش في الدار غير هويدا عندك، سهيلة أهي نايمة، صحيها تيجي معاكِ السوق."
نظرت سحر ناحية الفراش الآخر بالغرفة بشفقة وقالت بتحذير:
"وطي صوتك، أختك راجعة من المستشفى وش الفجر."
زفرت هويدا نفسها بسآم قائلة:
"يعني هي بتشتغل وأنا لأ، ما أنا كمان بشتغل طول الأسبوع وعاوزة أرتاح يوم الإجازة وأنام براحتي."
تنهدت سحر بضجر قائلة:
"قومي يا هويدا، شغل إيه اللي بتتعبي فيه؟ وكفاية إنك بتشتغلي في البنك بتاع البلد، يعني مش بتركبي مواصلات، وكمان بترجعي بعد أذان الظهر، غير يومين إجازة في الأسبوع. قومي يلا وبلاش كسل، وبلاش تنوري نور الأوضة عشان أختك متصحاش."
نظرت هويدا ناحية فراش سهيلة بحقد ثم قالت لـ سحر بسخط:
"حاضر، هقوم ومش هنور الأوضة عشان مسببش إزعاج للدكتورة."
زفرت سحر نفسها قائلة:
"هستناكي في المطبخ، بلاش ترجعي تنامي تاني."
أومأت هويدا رأسها بضجر ونهضت من على الفراش توجهت ناحية دولاب الملابس، تعمدت فتح وغلق باب الدولاب بقوة حتى تزعج سهيلة، لكن سهيلة غارقة في النوم بسبب الإرهاق والإجهاد. كذلك تعمدت إشعال ضوء الغرفة وتركته، ثم فتحت باب الغرفة وصفعته بقوة خلفها أيضًا.
***
عقب الظهر بمنزل أيمن.
على منضدة أرضية قامت سحر بوضع طعام الغداء، ساعدتها هويدا بضجر. نادت سحر على أبنائها وزوجها، جاء الجميع والتفوا حول تلك المنضدة. وعادت بعد لحظات تمسك بيد سهيلة الشبه نائمة تستند على كتف سحر. تهكمت هويدا قائلة:
"إشمعنى صحيتها ساعة الأكل."
ردت سهيلة وهي مازالت تشعر بخمول:
"والله قلت لها مش عاوزة أكل وسيبني أكمل نوم، بس هي مرضيتش. يلا هروح أكمل نوم."
أمسكت سحر يدها قائلة:
"افتحي عينيكِ وفوقي، خلينا نتغدا كلنا سوا وبعدها ابقي رجعي نامي تاني بقية اليوم."
غصبًا فتحت سهيلة عينيها وجلست أرضًا، لكن تعمدت الجلوس جوار أيمن واتكأت برأسها على كتفه بدلال قائلة:
"بابا حبيبي، أنا بحبك أوي أكتر من ماما عشان هي مستقوية علينا."
تبسم أيمن قائلاً:
"وأنا كمان بحبك، وماما كمان غرضها مصلحتك، يلا كُلي وبلاش رغي."
تبسمت سهيلة ومدت يديها وأخذت تضع الطعام بفمها إلى أن انتهوا من تناول الطعام. نهضت سحر كي تضب بقايا الطعام، نهضت معها سهيلة، بينما هويدا سخرت من ذلك هامسة لنفسها:
"كويس إنك خليتي عندك دم وشيلتي الأكل."
عادت سحر مرة أخرى ونظرت لـ هويدا التي مازالت جالسة وقالت:
"قاعدة كده ليه؟ مش تقومي تساعديني أنا وأختك في شيل الأطباق، وكمان مين اللي هيغسل المواعين."
نظرت لها هويدا بغضب، وقبل أن تتفوه تحدثت سهيلة من داخل المطبخ:
"خلاص يا ماما، أنا وقفت عالحوض هغسلهم أنا."
نظرت هويدا لـ سحر قائلة:
"الدكتورة اتنازلت وهتغسلهم، هقوم أنا أعمل الشاي."
بعد دقائق، وضعت هويدا تلك الصينية المصفوفة بأكواب شاي، على طاولة بالغرفة وجلست على إحدى الأرائك جوار أخيها الأصغر الذي يلهو بالهاتف، بينما جلست سهيلة جوار أيمن وأخرجت من جيب منامتها بعض المال وقالت له:
"أنا قبضت مرتبى امبارح، خد يا بابا الفلوس اللي كنت سلفاها منك."
تبسم أيمن قائلاً:
"خلي مرتبك معاكِ."
تهكمت هويدا قائلة:
"خدهم منها يا بابا، كلها كم يوم قبل نص الشهر هترجع تستلفهم منك تاني، اللي أعرفه إن الدكاترة بعد التخرج بيبنوا عمارات ويشتروا عربيات على أحدث موديل. شوفتِ سامر شعيب مش زميلك أهو غير عربيته."
ردت سحر بتوضيح:
"سامر أبوه هو اللي اشترى له العربية، لو بشغله دكتور ما كانش قدر في الفترة دي يشتري، بس رفرف في العربية. أختك كانت أشطر منه، هو دخل كلية طب خاصة بفلوس أبوه."
تهكمت هويدا، وحاولت الاستقلال من سهيلة قائلة:
"وإنت ملقتيش تخصص غير طب الأطفال."
ردت سهيلة:
"ماله طب الأطفال، أنا كان نفسي أتخصص طب نفسي، بس في مصر الدكاترة النفسيين مش بيشتغلوا لأنهم بيخافوا من الدكتور، عكس في أوروبا وأمريكا وباقي دول العالم بيقدروا الدكتور النفسي جدًا لأنهم بيعترفوا إنه مفيد، مش زي هنا في مصر بيعتبروا زيارة الدكتور النفسي عيب كبير، حتى لو راحوا له بيروحوا متخفيين، لأن في اعتقاد إن اللي بيحتاج لدكتور النفسي هما المجانين اللي لازم يعيشوا في السرايا الصفرا، أو العباسية."
ضحك طاهر قائلاً بمزح:
"فعلًا، وأكتر واحدة عاوزة دكتور نفسي هي هويدا، بس بتكابر."
نظرت هويدا بغضب لـ طاهر وقالت له:
"إنت بتتريق عليا."
تبسمت سهيلة قائلة:
"لأ طاهر بيهزر معاكِ، وهو كده هزار المهندسين بيبقى غبي، مبيعرفوش يتعاملوا مع بنات، تدري ليشعشان بيقولك مهندس الكمبيوتر ميعرفش حاجة أنثى غير مسطرة المسافات بتاع الكيبورد."
ضحك الجميع، أشعل غضب في قلب هويدا ولم تشارك مزح أخواتها مع والديها، إلى أن قال أيمن:
"آه يا هويدا، أنا قابلت عادل في صلاة الجمعة وقالي هيجي عالعشا، حتى قال لي إن خلاص تشطيبات الشقة خلصت واتفق مع النجار عالعفش هيعمله عمولة."
ابتسمت سهيلة بانشراح وهي تنظر لـ هويدا قائلة بمودة:
"يعني هيبقى عندنا فرح قريب، أنا فرحانة أوي."
سخرت هويدا من رد فعل سهيلة بداخلها، تكره ردود أفعال سهيلة، هي الوحيدة التي تفهم نواياها الحقيقية أنها تفتعل تلك البراءة رياء منها لتحصل على حب وإعجاب الآخرين.
***
عصرًا بسرايا شعيب.
مازال آصف يحاول الاتصال لكن لا رد.
تنفز وألقى هاتفه فوق الفراش بضجر. بنفس الوقت صدح رنين هاتفه. للحظة انشرح قلبه وتوقع من تتصل عليه، لكن خاب ظنه وهو يرى اسم المتصل عليه. رد عليه بعد الترحيب تسأل الآخر:
"في مستجدات حصلت في قضية المتهم اللي المفروض كان الحكم في قضيته بعد يومين، المتهم كان تعرض لحالة تسمم وهو في السجن."
استغرب آصف قائلاً:
"تقصد إيه؟ يعني في حد كان عاوز يموت قبل الحكم بتاع المحكمة؟ طب ليه هو معترف بنفسه وكمان الأدلة كلها ضده من البداية؟ أنا راجع بعد بكرة أسيوط، عاوز تقرير مفصل بحالة المتهم ده كمان، كمان عاوز مستندات القضية من أول توجيه الاتهامات لحد آخر دليل وصل للمحكمة."
أغلق آصف الهاتف وتركه على الفراش وخرج من الغرفة. ذهب إلى صالة الألعاب الرياضية الموجودة بالسرايا، بدأ بممارسة بعض الرياضات العنيفة، يشعر بغضب من تلك التي حاول الاتصال عليها مرارًا.
***
دخلت رضوانة إلى غرفة شكران تبتسم لها.
تبسمت لها شكران.
تحدثت رضوانة باهتمام:
"ميعاد الحقنة بتاعتك النهارده والمفروض ده وقتها."
شعرت شكران بألم قائلة:
"مبتنسيش حاجة يا رضوانة، بس سامر عنده نبطشية ومش هيجي غير بالليل، خليها لـ بالليل لما يرجع يبقى يديها لي."
ردت رضوانة:
"سامر مش هيرجع غير وش الفجر، تكوني نايمة. نشوف أي ممرضة أو نتصل عالصيدلية يبعتوا لنا حد بيعرف يدي حقن."
ردت شكران:
"ناسيه إن الحقنة في الوريد، مش مهم حتى لو اتأخرت لبكرة عادي."
ردت رضوانة:
"لأ الحقنة دي لما بتتأخري في ميعادها بتأثر على رجليكي، أنا هتصرف."
تسألت شكران بفضول:
"هتتصرفي إزاي."
تبسمت رضوانة قائلة:
"هيكون في مين غيرها سهيلة بنت سحر."
تبسمت شكران قائلة:
"والله وحشتني، من زمان مشوفتهاش، غير إيدها خفيفة كمان. رقم موبايلها معاكِ، مش يمكن تكون هي كمان في المستشفى."
ردت رضوانة:
"مش هنخسر حاجة، أتصل على سحر وأسألها لو سهيلة في الدار تبعتها تديكِ الحقنة في ميعادها."
أومأت شكران لها بموافقة.
***
بمنزل سحر.
أنهت حديثها مع رضوانة ثم دخلت إلى غرفة سهيلة.
تبسمتا حين رأتها مستيقظة تجلس جوار هويدا تشاهدان أحد المسلسلات عبر التلفاز.
تحدثت لها:
"الست رضوانة اللي بتشتغل في سرايا شعيب كانت بتسألني إن كنتِ في الدار أو لأ عشان الحجة شكران ليها حقنة ولازم تاخدها، وسامر نبطشية مش هيرجع غير بالليل."
سخرت سهيلة لنفسها قائلة:
"طبعًا سامر شعيب من هواة نبطشيات الليل، حتى مش فاكر حقنة مامته، هيركز في إيه ولا في إيه. بينما نهضت قائلة: "هلبس إيسدال على البيجامة وأروح أديها الحقنة بسرعة وأرجع."
تهكمت هويدا قائلة:
"هتلبسي إيسدال ليه؟ مفكرة نفسك رايحة الجامع تصلي العشا جماعة؟ البسي لك طقم حلو، يمكن تزغزي في عينها، مش كنتِ زميلة ابنها الصغير أهو، يمكن ربنا يكرمك وتفكر فيكِ لواحد من ولادها."
تهكمت سهيلة قائلة:
"المسافة بينا وبين السرايا مش كبيرة، ولو هي عاوزه تفكر فيا لواحد من ولادها مش محتاجة تشوفني متزوقة، هي عارفاني من صغري، ناسيه إني أوقات كنت بروح أذاكر مع سامر."
تهكمت هويدا قائلة:
"قصدك كنتِ بتروحي تاخدي دروس تقوية معاه من المدرسين اللي كانوا بيدرسوا له مخصوص."
ردت سهيلة:
"والله ما كان بيفهم منهم، كنت أنا اللي بفهم منه وأرجع أشرحله تاني، والدليل أنا كنت جايبة مجموع أكبر منه ودخلت كلية الطب بمجهودي، لكن هو دخل كلية طب خاص بفلوس باباه."
قطعت سحر حديث سهيلة قائلة:
"بلاش رغي كتير وكفاية، يلا عشان ترجعي بسرعة."
غادرت سهيلة الغرفة، بينما نظرت سحر لـ هويدا قائلة:
"مش عارفة ليه دايمًا بتحاولي تقللي من شأن أختك."
توترت هويدا قائلة:
"وهقلل من شأنها ليه؟ أنا غرضي مصلحتها، عاوزة لها تتجوز في الآخر واحد موظف عادي."
ردت سحر:
"ماله الموظف مش مكفيكِ في بيته، بلاش الطمع يعمي عينك وعيشي على قدك هتلاقي الراحة اللي تسوى كنوز، وبصي قدامك الست شكران برغم الجاه والغنى اللي بتملكه جوزها في الآخر راح اتجوز عليها، يمكن كانت تتمنى تكون فقيرة بس جوزها مفيش غيرها تشاركه فيها."
غادرت سحر وتركت هويدا التي تهكمت وسخرت قائلة:
"ماله ما يتجوز طالما عايشة على مزاجها وكل اللي نفسها فيه بيجي لحد رجليها، مش بتضطر تستغني عن حاجة نفسها فيها بسبب الفقر."
***
بسرايا شعيب.
تبسمت سهيلة لـ رضوانة التي استقبلتها بحفاوه واصطحبتها إلى غرفة شكران.
لم ترَ عين ذاك الحانق الذي رأى دخولها إلى السرايا، شعر بغضب لكن لم يستمر طويلاً.
بينما انتهت سهيلة من إعطاء شكران الحقنة، تبسمت لها قائلة بود:
"بالشفاء يا طنط."
تبسمت لها رضوانة وشكران التي شكرتها بود:
"تسلم إيدك، محستش بوجع الحقنة، من زمان مشوفتكيش، ناسيه إنك متربية هنا."
تبسمت سهيلة قائلة:
"أبدًا والله يا طنط، حضرتك كنتِ وحشاني، بس إنتِ عارفة إن كنت بقضي فترة التكليف في مستشفى في الفيوم ويادوب لسه راجعة هنا من مدة قصيرة."
تبسمت لها شكران قائلة:
"طب ابقي اسألي عليا بقى بعد كده."
تبسمت سهيلة قائلة:
"عيوني يا طنط، هسيبك ترتاحي وأنا كمان النهارده أجازتي وكنت نبطشية ليل امبارح."
تبسمت لها قائلة:
"طيب يا حبيبتي ابقي سلميلي على ماما."
تبسمت سهيلة حين نهضت رضوانة كي تصطحبها إلى باب المنزل، قالت لها سهيلة:
"خليكِ مرتاحة يا طنط، أنا مش غريبة وعارفة طريق باب السرايا."
تبسمت لها رضوانة قائلة:
"ربنا يريح قلبك يا بنتِ."
خرجت سهيلة من غرفة شكران وسارت بالرواق.
لكن أثناء سيرها ببهو المنزل، فوجئت بمن جذبها من عضد إحدى يديها وسحبها إلى داخل إحدى الغرف، ثبتها خلف حائط جوار الباب وأغلقه. ترك عضدها وحاصر جسدها بين يديه ينظر لها باشتقاق مبتسمًا.
بينما هي أثرت الخضة على وعي عقلها للحظات، وارتبكت حين تفاجأت بنفسها محاصرة بين يديه والحائط خلفها. شهقت باندفاع وقامت برفع يديه تدفعه من صدرها كي يبتعد عنها، لكن لم يتزحزح.
ضحك قائلاً:
"بتصل عليكِ من الصبح، مش بتردي عليا ليه."
دفعته بيديها أقوى قائلة بدلال:
"أنا طول النهار كنت نايمة، موبايلي مقفول أساسًا."
ضيق عينيه بلؤم قائلاً:
"وموبايلك المقفول بيرد واتصال الحجة شكران."
تبسمت قائلة:
"لأ.. الحجة شكران اتصلت على ماما وهي صحتني من النوم عشان آجي أديها الحقنة في ميعادها، عشان سامر عنده نبطشية ومش هيرجع غير نص الليل. وبعدين إبعد عني، وخليني أمشي، افرض حد من اللي في السرايا شافنا يقول عليا إيه."
نظر لها وتبسم قائلاً بحدة:
"يبقى حد فيهم بس يجيب اسمك على لسانه."
مازالت تدفعه بيديها وتهكمت بسخرية قائلة:
"طب ابعد عني بقى، عاوزة أرجع أكمل نوم، بقالي كم يوم كنت نبطشية ليل."
تمركزت عيناه على شفاها وهي تتحدث. تملك منه الشوق أن يتذوق شفاها. تراخت يديه للحظة، لم ينتبه وتزحزح لخطوة بسبب دفعها له، لكن سرعان ما عاود حصارها وانحنى وكاد يقبلها، لكن كانت حذرة وانحت وخرجت من أسفل يديه سريعًا. فتحت باب الغرفة وخرجت منها تكبت بسمتها حين سمعته يزمجر بغضب، لكن خرج خلفها مباشرةً يقول بغيظ:
"هستناكي بكرة في البحيرة."
نظرت خلفها له بدلال وتحدي وتبسمت قائلة:
"بكرة مش فاضية، عندي شغل في المستشفى ومش جايه."
نظر لها وقال بتصميم:
"هتيجي، عشان لو مجتيش أنا اللي هجيلك المستشفى وهتشوفي أنا هعمل إيه، مش هيهمني حتى وزير الصحة."
تبسمت له قائلة:
"مغرور بمنصبك يا سيادة المستشار، بس غرورك ده ميمشيش معايا."
تبسم لها بغرور وزهو قائلاً:
"مش مغرور بمنصبي، أنا آصف آسعد شعيب، وفعلًا انتِ الوحيدة اللي مش بعرف أتغَر عليها، عشان أنا مغرور بعشقي ليكِ، وهستناكِ وبحذرك بلاش تتأخري."
خجلت من قوله وقالت بتهرب:
"هفكر، وحسب الوقت اللي هفضى فيه، باي."
عاودت السير نحو الخروج من باب السرايا وهو يتابع بعينيه سيرها إلى أن غابت عن نظره، تنهد ببسمة اشتقاق.
بينما رأت ذلك انتصار وشعرت بالبغض لـ سهيلة، ولولا خوفها من رد فعل آصف كانت افتضحت أمر تلك الطبيبة الخادعة من البداية. كبتت شعور الغيظ بداخلها.
***
باليوم التالي صباحًا بسرايا شعيب.
بتلك الغرفة الرياضية.
رغم أنه أصبح كهلًا وتخطى عمره الخامسة والستين، لكن مازال ببنية جسدية رياضية، كذلك يمتلك عنفوان الشباب وهو يقوم بالتمرين على تلك الأجهزة الرياضية.
دخل عليه آصف مازحًا:
"عاش شيخ الشباب."
وضع آسعد ذلك الثقل الذي كان يتمرن عليه مبتسمًا يقول:
"تعالي نتمرن سوا."
تبسم آصف قائلاً:
"سبقتك واتمرنت، كنت هقولك نادي على آيسر أو سامر، بس آيسر سافر القاهرة من شوية، وسامر أكيد نايم."
تبسم آسعد قائلاً:
"سامر حتى لو مش نايم ميشجعش عالتمرين، يشيل أقل وزن وينهج بعد ما يعمل اتنين ضغط، إنما إنت ما شاء الله، رغم إنك بتدخن بس عندك عزيمة قوية."
تبسم آصف قائلاً:
"فعلًا التدخين عادة سيئة بتمنى أقلع عنها مستقبلًا."
تنهد آسعد بأسف قائلاً:
"التدخين زي الستات، تقول هتوب عنهم بس تلاقي نفسك بتنجذب لهم غصب عنك."
همس آصف مازحًا:
"أفهم من قصدك إن الرابعة عالطريق."
زفر آسعد نفسه مبتسمًا يقول:
"لأ للأسف، واضح إن التالتة ثابتة، بس إنت متشيك كده ورايح فين عالصبح؟ إيه رايح تقابل بنت."
تبسم آصف قائلاً:
"لأ عندي مشوار مهم لازم أعمله قبل ما أسافر أسيوط بكرة الصبح."
غمز آسعد له سائلاً بمرح:
"وإيه هو المشوار المهم أوي ده؟"
تهرب آصف من الرد قائلاً:
"هسيبك تكمل التمرين، عاش يا شيخ الشباب."
غادر آصف. وقف آسعد للحظات ينظر له، شعر بغبطة لديه تأكيد أن آصف لديه حبيبة يخفيها.
شعر بغصة في قلبه، كم تمنى أن يعيش شعور شاب عاشق لامرأة، لكن كان نصيبه الزواج من ثلاث نساء لم يقع بحب إحداهن، كن فقط زوجات أو بالأصح صفقات، لكن حين هوى قلبه ووقع بالعشق كان متأخرًا بعد أن خطفها الموت باكرًا تحت إطارات سيارة دهستها لترحل على الفور، تاركة ذكري "إبتهال" في قلبه.
***
بالمشفى التي تعمل بها سهيلة.
ذهب أحد العاملين إلى غرفة الأطباء وأخبرها أن هناك من ينتظرها بغرفة الكشف. نهضت وتوجهت إلى غرفة الكشف. بمجرد أن خطت قدميها داخل الغرفة، انفزعت حين أغلق باب الغرفة وجذبها من يدها وثبتها على حائط جوار الباب وحاصرها بين يديه.
أزدردت سهيلة ريقها وقالت بصعوبة وغضب:
"آصف، مش هتبطل الحركات السخيفة دي؟ وبعدين إيه اللي جابك هنا دلوقتي؟ وبعدين إبعد عني، إنت ناسي إننا في مستشفى ودي أوضة كشف."
نظر آصف لعينيها ثم لـ شفاها قائلاً:
"جيت أفكرك بميعادنا النهارده عالجزيرة وأقولك متتأخريش زي عوايدك."
شعرت سهيلة بارتباك وحاولت دفعه قائلة عن قصد:
"براحتي، وقت ما أخلص نبطشيتي أبقى أفكر في هيافات."
نظر لها وضيق بين حاجبيه قائلاً:
"هيافات يا دكتورة، واضح إنك متعرفيش بتتكلمي مع مين."
تبسمت له قائلة:
"عارفة بتكلم مع مين يا سيادة المستشار، بس أنا لو صرخت دلوقتي أكيد أمن المستشفى هيدخل وبالموقف ده تعتبر بتتهجم عليا في وقت عملي، يعني اعتداء على موظف حكومي."
ضحك آصف باستمتاع ثم اقترب من أذنها وهمس قائلاً:
"بسيطة، طالما كده كده فيها قضية اعتداء يبقى أنفذ الاعتدااااا..."
كاد آصف أن يقبل سهيلة لولا أن صرخ بخفوت من ذاك الألم وحرر سهيلة من أسرها بين الحائط وجسده. نظر لها وجدها تضحك. تضايق قائلاً:
"إنت بتشكيني بـ سن الحقنة."
رفعت سهيلة تلك سن السرنجة بيدها قائلة:
"متخافش، إنت كنت أول استعمال للحُقنة، خسارة كده لازم تترمي، مينفعش أستعملها تاني غير لو قربت مني، ودلوقتي اتفضل، إنت معطلني عن أداء وظيفتي."
نظر لها بغضب قائلاً:
"تمام يا سهيلة، كل ده بحوشه ليكِ، بس يتقفل عليا باب واحد هنتقم من ده كله، ومتتأخريش المسا هستناكِ عالجزيرة."
تهكمت سهيلة قائلة:
"براحتي، ومش عاجبك تقدر تلغي الميعاد."
نظر لها آصف بغيظ قائلاً:
"قدامك شهور وأنهي فترة انتدابي في أسيوط وهنتجوز في الإجازة القضائية."
ردت سهيلة باستبياع:
"قول إن شاء الله، بين لحظة والتانية كل شيء بيتغير، إحنا في عصر السرعة يا سيادة المستشار."
***
بعد مرور يومين.
بأسيوط.
أثناء سير بالطريق من أجل الذهاب إلى المحكمة التي يعمل بها، فجأة ظهرت دراجة نارية تحاول تضيق الطريق على السيارة الذي يستقلها مع سائق خاص. حاول السائق الابتعاد عن طريق الدراجة والتجنب منها، لكن كان قائد الدراجة أصبح يتعمد الاحتكاك بالسيارة.
كان آصف يجلس بالخلف يدخن منشغل بقراءة ذاك الملف، لكن بسبب تحركات السيارة الزائدة انتبه للسائق قائلاً:
"في إيه؟"
رد السائق:
"مش عارف يا باشا، سواق الموتوسيكل يظهر سكران أو متعاطي مخدرات ومش مركز في طريقه."
بنفس اللحظة سمع الاثنين صوت احتكاك الدراجة النارية بـ معدن السيارة، ليس هذا فقط بل توقف السائق فجأة حين أصبحت دراجة نارية تأتي بسرعة قوية تندفع نحو السيارة، كذلك دراجة نارية أخرى ظهرت خلف السيارة. ليس هذا فقط، بل زاد بأصوات طلق ناري.
نظر آصف للسائق عبر مرآة السيارة قائلاً بثبات:
"واضح جدًا إن في عملية اغتيال جديدة النهارده ومين المقصود بها. سوق العربية بسرعة ومتوقفش مهما حصل حتى لو اتصادمنا مع الموتوسيكل."
رواية عشق مهدور الفصل الثاني 2 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمنزل فخم بأحد الأحياء السكنية الراقية.
رفعت جسدها عن الفراش قليلًا تتمطى وتتثاءب وهي تنظر إلى أسعد الذي يقف أمام المرآة يُهندم ثيابه.
تحدثت بتثاؤب:
صباح الخير يا بيبي، هي الساعة كام؟
رد وهو مازال يعطيها ظهره ينظر لها عبر انعكاس المرآة:
صباح الخير يا "شهيرة". الساعة حوالي تسعة.
تثائبت تتساءل:
إنت خارج، الوقت لسه بدري.
تهكم بحنق قائلًا:
فعلًا. بالنسبة لكِ الوقت بدري جدًا كمان. إنتِ يومك بيبدأ من بعد الضهر، بس أنا عندي جلسة مهمة في مجلس الشعب الساعة حداشر ويادوب أفطر عالسريع وأمشي بعدها عشان وقت الجلسة... كملِ إنتِ نومك.
نظرت له للحظة، فكرت فعلًا أن تعود للنوم، لكن تذكرت رغبتها بشراء أحد محلات الملابس الشهيرة والفخمة. ليس لديها مال يكفي لشراءه. لا مانع من النوم بوقت آخر. نحت غطاء الفراش وجذبت مئزرًا حريريًا مضاهيًا للون قميص نومها الشفاف.
ونزلت من على الفراش تسير بغنج إلى أن أصبحت خلفه مباشرةً. قامت بلف يديها حول خصره، وضعت رأسها فوق كتفه بدلال تجيده. تلفح أنفاسها بعنقه قبل أن تقبل جانب عنقهُ قائلة برومانسية:
هاخد شاور عالسريع وأنزل نفطر سوا.
لم يستغرب تلك الرومانسية. لديه خلفية سابقة، أصبح يعلم خصالها جيدًا. لابد أن هناك غرض لديها، لكن لا مانع من الاستمتاع بتلك الرومانسية التي تشعره أنه ما زال مرغوبًا ولم يشيخ.
تبسم وهو يضع يديه فوق يديها على خصرهُ قائلًا:
تمام، بلاش تتأخري في الشاور عشان جلسة المجلس مهم أحضرها.
قبلت عنقه مرة أخرى قائلة بمغزى:
خسارة، كان نفسي ناخد الشاور سوا، زي زمان.
تبسم لها قائلًا:
المسا موجود هنا، نبقى ناخد شاور سوا.
غمزت له بعينيها قائلة:
هلغي كل مواعيد المسا، نفسي نرجع ليالينا الرومانسية زي زمان.
تبسم لانعكاسهم بالمرآة قائلًا:
أنا بقول كفاية عشان الوقت. هستناكِ في السفرة، بلاش تتأخري في الشاور.
أزاحت يديها عن خصره وهو يسير نحو باب الغرفة. ألقى لها بسمة وألقت له قبلة عبر كف يدها.
أغلق خلفه باب الغرفة. زفرت نفسها تشعر بحقد من ضرتها، بل غريمتها بسبب أبنائها الذكور. تقول بإصرار:
لازم أبدأ تأمين مستقبلي. طبعًا ولاد شكران كبروا ومش بعيد أسعد يميزهم عليا أنا وبناتي في الميراث.
بـ غرفة السفرة.
تبسم أسعد قائلًا:
صباح الخير يا "يارا".
تبسمت يارا ونهضت نحوه تحتضنه قائلة:
صباح الخير يا بابي.
ضمها بأبوة قائلًا:
إنتِ مسافرة دلوقتي كفر الشيخ.
تنهدت يارا بضجر قائلة:
أيوا، امتحانات الترم الأولاني قربت، وأنا لازم أحضر بعض سكاشن العملي عشان آخد الدرجات كاملة. مش عارفة ليه يا بابي رفضت إن أدخل أي جامعة خاصة بالإلكترونيات هنا، بدل سفري كفر الشيخ عشان أحضر سكاشن العملي.
تبسم أسعد قائلًا:
مجموعك هو اللي دخلك الجامعة دي. وبعدين إنت أصلًا جذور عيلتك هناك. بلاش كل شوية تقولي لي ليه. الدراسة في جامعات الحكومة أفضل من الجامعات الخاصة، وكفاية رغي عالصبح، خليني أفطر خلاص، وقت جلسة المجلس قرب ميعادها.
تبسمت يارا وهي تعود تجلس خلف السفرة. كذلك أسعد.
تبسم حين دلفت شهيرة إلى الغرفة ترتدي زيًا أنيقًا وراقيًا كعادتها دائمًا. أناقتها أولًا.
جلست تتناول الفطور معهم في جو هادئ.
حتى نهضت يارا قائلة:
السواق زمانه جهز العربية، لازم أتحرك عشان ألحق أوصل كفر الشيخ على الضهر. يلا أسيب أنا جوز العصافير، بلاش أبقى عزول.
نظرت لها شهيرة بضيق قائلة:
حسّني ألفاظك، بلاش تبقي بيئة. كل ده بسبب دراستك في جامعة قريبة من الأرياف، خايفة تنسيكِ الإتيكيت اللي اتربيتي عليه.
تبسمت يارا قائلة:
لاء، اطمني يا مامي. يلا أشوفك آخر الأسبوع. وإنت يا بابا هترجع كفر الشيخ أمتى؟
رد أسعد:
أنا هفضل هنا في القاهرة تلات أيام عشان جلسات المجلس، يعني هرجع قبل آخر الأسبوع، هنتقابل هناك إن شاء الله.
تبسمت يارا قائلة:
تمام يا بابي، هسلم لكِ على آنطي شُكران. سبقت أهوه قبل ما تقولي.
تبسم لها وهي تلقي له قبلة في الهواء قبل أن تغادر.
بينما شعرت شهيرة بضيق من ذكر "ضرتها"، لكن تبسمت رغم ذلك.
بينما نهض أسعد قائلًا:
الساعة قربت على عشرة، لازم أتحرك عشان ميعاد جلسة المجلس.
نهضت شهيرة سريعًا، وقامت بلف يديها حول عنقه بدلال قائلة:
حبيبي، كنت عاوزة أتكلم معاك في موضوع مهم أوي، مش يتأجل.
نظر لساعة عتيقة على الحائط ثم رسم بسمة لها قائلًا:
خلي الموضوع ده للمسا، نتكلم فيه براحتنا وعلى رواقة. دلوقتي لازم أمشي عشان مسافة السكة من هنا لمكان المجلس.
بضجر منها امثلت شهيرة لرغبته وازاحت يديها عن عنقه قائلة بدلال:
تمام، نأجل الموضوع للمسا، بس بلاش تتأخر وتقول الوقت خدك ومحسيتش.
تبسم لها قائلًا:
لاء متخافيش، بعد جلسة المجلس عندي كم مشوار كده هيخلصوا قبل المسا، هكون هنا في الڤيلا.
تبسمت بدلال قائلة:
تمام، وأنا هلغي كل مواعيد المسا، عشان إنت واحشني أوي.
تبسم لها وهو يغادر الغرفة. بينما هي كزت على أسنانها بغيظ وضجر.
***
بأحد المشافي الحكومية بمدينة كفر الشيخ.
كانت سُهيلة تمارس عملها كـ طبيبة أطفال، تقوم بالكشف على أحد الأطفال. تبتسم له إلى أن انتهت.
دلف كشف لطفل آخر. تبسمت له وهي تراه يبكي خوفًا من أخذ تلك الإبرة المُعالجة له. وقفت تُمازحه قليلًا إلى أن هدأ، وطلب منها هي أن تُعطيه تلك الإبرة.
تبسمت له بموافقة. أخذت الإبرة من يد إحدى الممرضات. لكن فجأة اهتزت يديها، شعرت بدوار وزيادة خفقان في قلبها وسقطت الإبرة من يدها أرضًا.
نظرت إلى تلك الإبرة على الأرض. ما زالت تشعر بزيادة خفقان ومعها إحساس بثقل يجثم على قلبها. اعتذرت وخرجت من الغرفة وسط تعجب الطفل ووالدته، كذالك الممرضة.
سارت إلى أن جلست بفناء المشفى تحاول التنفس بهدوء. تشعر بألم في قلبها لا تعلم سببه. ظل هذا لدقائق قبل أن يهدأ خفقان قلبها ويعود للمعدل الطبيعي. تعجبت من هذا الشعور الذي انتابها للمرة الأولى بحياتها.
فكرت في آصف، لا تعلم سبب لهذا. أخرجت هاتفها من جيب معطفها الأبيض وقامت بفتحه. لكن توقفت للحظة تقول بتردد:
هتصل على آصف دلوقتي، بس ممكن يكون عنده جلسة في المحكمة.
رغم ترددها، لكن ليدها كان رأي آخر. بالخطأ ضغطت على زر الاتصال. تنهدت وهي تضع الهاتف على أذنها تنتظر رد آصف. لكن انتهى الاتصال ولم يرد عليها.
زفرت نفسها بعمق تحاول نفض ذاك الإحساس السيء قائلة:
أكيد ممكن يكون في جلسة المحكمة وعامل موبايله صامت. بس معرفش أيه سبب شعور القلق ده اللي سيطر عليا فجأة. يمكن من الإرهاق. هانت، قربنا عالضهر، أما أقوم أكمل شُغلي. وبلاش تفكير كتير، وأخد بكرة إجازة أهو أرتاح من إرهاق الشغل عشان صحتي.
***
بـ أسيوط.
قبل قليل.
نفذ السائق ما أمره به آصف، ألا يتوقف ويظل يسير بالسيارة. لكن اقترب سائق الدراجة النارية المجاور لهم وأصبح يحتك بالسيارة. كذالك أطلق الرصاص على إحدى إطارات السيارة.
شبه فقد السائق التحكم في سير السيارة. أصبحت تموج بهما. كذالك الدراجة النارية الأخرى التي كانت في المواجهة أصبحت تقترب من السيارة بسرعة جنونية. مع سرعة السيارة فقد السائق التحكم في قيادة السيارة وهي تدخل إلى طريق ترابي جانبي تتفادى الاصطدام بتلك الدراجة.
نظر السائق بهلع لـ آصف قائلًا:
مفيش قدمنا حل غير إننا ننط من العربية يا باشا.
أومأ له آصف قائلًا:
فعلًا مبقاش في حل تاني. واضح إن المجرمين دول مخططين كويس، والعربية مش هتتحمل كتير قبل ما تصطدم. يعني في كلا الحالتين مفيش هروب من القدر. صحيح معايا سلاح بس مش هيفرق كتير. خلينا ننط، بس حاول تهدّي سرعة العربية.
حاول السائق تهدئة سرعة السيارة لكن فشل. نظر لـ آصف قائلًا:
العربية مش بتستجيب يا باشا ودخلنا على طريق ترابي آخره ترعة. والموتوسيكلين بقوا ورانا.
أومأ له آصف وجذب تلك الحقيبة التي كانت معه. وضع الأوراق التي كان يقرأ بها بها وأغلقها جيدًا. ثم تأكد من وجود ذخيرة بسلاحه وكذالك فتح صمام الأمان قائلًا:
توكلنا على الله.
فتح السائق باب السيارة وقام بالقفز منها. ثم فعل آصف مثله وهو يحاول تفادي أو تقليل عواقب تلك القفزة. ربما خلو الطريق كذالك أنه طريق ترابي ساهم في تقليل الضرر وهو ينجرف بجسده على الطريق بصعوبة حتى استطاع التحكم في جسده. رغم ذاك الألم الذي يشعر به في جسدهُ بالكامل، لكن تمسك بالحقيبة والسلاح معه.
نظر خلفه رأى عودة الدراجتين يقتربان مرة أخرى. نظر حوله لا يوجد شيء يحتمي به. لكن هناك جدار منزل مُتهدم. ذهب نحوه يحتمي فيه. لكن رأى أحد سائقي الدراجتين يصوّب سلاحه على السائق وقام بإطلاق الرصاص عليه.
أغمض آصف عينيه يشعر بالأسف عليه. ثم اقتربا المجرمان بالدراجتين من ذلك الجدار. ترجل أحدهما واقترب من الجدار يقوم بإطلاق الرصاص. لكن تفاجأ المجرم الذي ظل على دراجته بإطلاق آصف للرصاص هو الآخر.
ارتبك وترجل من الدراجة وشارك زميله إطلاق الرصاص. حتى تبسم بتهكم حين علما أن آصف أصبح سلاحه خالي من الرصاص وأصبح الظفر به سهلًا.
ذهب أحدهم إلى خلف الجدار وأشهر سلاحه ناحية آصف، يقول بحدة:
كان لازمن تتنحى عن القضية من الأول يا سيادة المستشار. إنت إهنه غريب عنينا ومهتعرفش إن اللي بيلجأ للمحاكم حدانا هما الحريم. وأخوي مستحيل يتحكم عليه بالإعدام حتى لو قتلت سيوط "أسيوط" كلياتها.
تهكم آصف وتبسم بسخرية قائلًا:
ولما المحاكم للحريم، ليه مداري وشك بالخوذة زي الحريم لما بتخفي وشها بالطرحة. وأنا عرفت إنت مين، بس حتى لو قتلتني، هيجي قاضي تاني مكاني ويقرر نفس الحكم على أخوك. الإرهابي اللي فكر أنه فوق القانون. بلاش رغي كتير، إنجز. عاوز تقتلني أنا قدامك أهو أعزل بدون سلاح، بس الأفضل ليك إنك تقتلني لأني لو عشت صدقني قبل ما أحكم بإعدام أخوك هعلق رقبتك قبل منه عالشنقة.
أغاظه المجرم من جسارة آصف وخلع تلك الخوذة عن رأسه وأظهر وجهه قائلًا:
عاوزني أجتلك كده بالساهل؟ لازمن تكون عبرة لغيرك، عشان قبل ما يفكر يحكم بالإعدام على أخوي يعرف إني له بالمرصاد.
تهكم آصف بسخرية واستبيان.
أغاظ ذلك المجرم لكن شعر كأن نصلًا ساخنًا يخترق عضد إحدى يديه. رفع يده الأخرى وضعها مكان ذلك الألم. تهكم المجرم، وشعر بزهو وهو يقترب من آصف بخطوات رتيبة. كأنه يتسلى. والآخر يقوم بتصوير ما يحدث على كاميرا هاتفه قائلًا:
بص للكاميرا، عشان تظهر ملامحك في البث المباشر. لاه وجهك جميل تنفع نجم سينمائي بس يا خسارة عمرك قصير.
رغم شعور آصف بالألم، لكن نظر له بـ جسارة قائلًا:
عمري مش بإيدك، وبلاش رغي كتير. اللي بيرغي كتير بيبقى قليل الأفعال.
ما زال ردود آصف تغيظ المجرم، وكاد يطلق رصاصة أخرى، لكن سمع صوت سرينة الشرطة تقترب من المكان. ارتبك الذي كان يقوم بالتصوير والبث عبر الهاتف وسقط منه الهاتف. انحنى يجذبه. كان آصف أسرع منه وانحنى هو الآخر جذب جسده وأخذه درعًا واقيًا من رصاصات الآخر الذي لم يهتم بقتل زميله بل أراد الفرار قبل أن تصل الشرطة. لكن آصف ألقى جسد ذلك الوغد وجذب الآخر وقام بلكم يده الممسكة بالسلاح حتى وقع منه أرضًا. تبادل العراك معه بضراوة حتى أرداه أرضًا. لكن كان وغدًا وجذب السلاح ووجهه ناحية آصف الذي ينحني بجذعه يلهث. لكن أخطأ مكان الرصاصة بسبب دخول أحد رجال الشرطة وقام بقنصه في رأسه. لكن كانت الرصاصة انطلقت واخترقت كتف آصف. وكاد جسده ينهار، لولا أن أسنده أحد رجال الشرطة.
***
أثناء خروج أسعد من قاعة المداولات بمجلس الشعب وقف مع زميل له عضو في البرلمان يتناقشان حول أحد الشؤون الخاصة. لكن اقترب منه عضو آخر يحمل هاتفه وقال له:
أسعد، إنت مش ليك ابن بيشتغل في القضاء؟
شعر أسعد بزهو وقال بفخر:
أيوه، آصف ابني. رغم صغر سنه بس قاضي ومنتدب في أسيوط.
تحدث الآخر وهو يعطيه الهاتف قائلًا:
هو ده ابنك.
نظر أسعد إلى الهاتف ورأى الفيديو. انخض وارتجف قلبه وأخذ الهاتف من يده يدقق فيه. ثم قال له:
مستحيل يكون المجرمين دول قتلوه.
تحدث الآخر قائلًا:
الفيديو كان مذاع على موقع كبير عالنت وانقطع البث.
ارتجف قلب أسعد وهرول يخرج من المكان يقوم بالاتصال على هاتف آصف لكن لا رد. قام باتصال آخر قائلًا بأمر:
دبر لي طيارة خاصة توديني أسيوط دلوقتي.
***
بعد صلاة العشاء.
منذ أن عادت سهيلة إلى المنزل، بسبب أنها كانت تشعر بإرهاق تناولت أحد الأقراص الطبية وخلدت للنوم. لم تصحو إلا الآن.
نهضت من النوم جذبت هاتفها نظرت إلى ساعته. قالت:
ياه، أنا جت عليا نومه. زمانهم هيطلعوا من صلاة العشا. بس غريبة آصف متصلش ولا مرة وسخف عليا النهارده زي عادته. يمكن عشان أنا اللي اتصلت عليه الصبح عاوز يعمل تقيل، أو يمكن مفيش عنده أو هنا شبكة. أما أقوم اتوضا وأصلي، يمكن قبضة القلب اللي حاسة بيها دي تروح.
بالفعل نهضت سهيلة وخرجت من الغرفة. لكن توقفت تشعر بخدر بساقيها حين سمعت قول هويدا لوالدتها:
بيقولوا آصف شعيب مات. الإرهابيين قتلوه في أسيوط.
اهتز صوت سهيلة الذي خرج بصعوبة وهي تنفي ذلك:
بتخرفي، تقولي إيه ده مستحيل، ده أكيد كذب.
تهكمت هويدا ولاحظت وجوم ملامح سهيلة وشكت بأمر ما وقالت بتأكيد عمدًا:
مش أنا اللي بخرف، ده خبر منتشر في البلد كلها. بقولك نازل عالنت وفيه سلاح متوجه عليه وكمان كان بينزف والفيديو أهو كمان.
أخذت سهيلة الهاتف من يد هويدا وتمعنت بالفيديو. حقًا هذا آصف.
سقط الهاتف من يدها التي ترتعش. لاحظت سحر ذلك أيضًا واستغربت.
بينما انحنت هويدا بغضب قائلة بتهجم:
إيه؟ لو ما كانش الموبايل وقع عالسجادة كان زمانه اتكسر.
لم تنتبه سحر لملامح سهيلة الواضحة، بسبب حديث هويدا الحانق.
في نفس الوقت دخل أيمن إلى المنزل ورآهن. بعد أن ألقى عليهن السلام قال بأسف:
شفتوا الفيديو اللي الإرهابيين فيه بيقتلوا آصف؟ بس الحمد لله ربنا نجاه منهم.
ازدردت سهيلة ريقها الجاف قائلة بتسرع:
هو نجا منهم يا بابا.
رد أيمن ببساطة دون انتباه:
أيوه، ده اللي سمعته وكمان بيقولوا إن الحكومة صفت الإرهابيين دول. بس هو متصاب. كان من شوية شيء بيقول مات ودلوقتي الحكومة طلعت بيان إنه عايش وإصابته مش خطيرة. حتى سمعت إن الحكومة طلعت أبوه في طيارة خاصة لحد عنده في أسيوط. ربنا يلطف بيه.
آمنت سحر على آخر حديث أيمن قائلة:
آمين. حتى عشان خاطر قلب أمه الحجة شكران، قلبها تعبان ومش هتستحمل.
رد أيمن:
ربنا أهو لطف. بس إيه، أحنا هنتساهر ولا إيه؟ فين العشا؟ أنا راجع جعان وعاوز أتعشى وأنام عندي شغل بكرة الصبح. مش ناوين تعشوني وفين رحيم وطاهر؟
ردت سحر:
طاهر لسه مرجعش من بره، ورحيم كمان عنده تدريب مسائي في مركز الشباب.
طالما جعان، خلينا نتعشى وهما لما يرجعوا يبقوا ياكلوا.
أومأ لها أيمن بموافقة.
تبسمت سحر وقالت:
يلا يا بنات خلونا نحضر العشا.
رغم الخدر الذي تشعر به بساقيها كذالك قبضة خفقات قلبها المتلاحقة والذي يكاد يخرج من صدرها بسبب القلق، لكن حاولت الهدوء وقالت:
أنا هصلي الأول العشا وبعدها المغرب قضا عشان فاتني وأنا كنت نايمة.
أومأ لها محمود ببسمة كذالك سحر. بينما ازداد شك هويدا، وتهكمت بداخلها بسخرية:
يبدو أن أختها تحلم أن ينظر لها "آصف شعيب". ماذا تظن؟ هل صدقت كونها أصبحت طبيبة وكانت زميلة أخيه أنه سينظر لها.
تبسمت تشعر باستخفاف.
بينما ذهبت سهيلة وأدت ما عليها من فروض تدعو بقلب خاشع لـ آصف أن يصبح بخير.
***
بـ سرايا شعيب.
عبر الهاتف سمعت شكران لحديث أسعد المطمئن:
والله آصف بخير، بس هو نايم بسبب إصابته ولما يفوق من العملية هخليه يكلمه. إطمني يا شكران.
ردت شكران وهي تبكي:
مش هطمن غير لما أشوفه بنفسي وقدام عيني. إنت مش بتقول الحكومة هي اللي وصلتك في طيارة خاصة، خليهم يجبوه بالطيارة لهنا في أي مستشفى قريبة مننا، وحتى لو هندفع إحنا تكاليف الطيارة. أرجوك يا أسعد ارحم قلبي، خلاص مش هيستحمل.
زفر أسعد نفسه باستسلام قائلًا:
ناسيه إن فيه لسه تحقيقات في اللي حصل. تمام، هشوف لو الدكتور سمح بخروجه. هقفل أنا عشان فيه كذا اتصال جاين لي.
بعد أن أغلق أسعد الهاتف صدح رنين الهاتف مرة أخرى. زفر نفسه بملل ونظر إلى شاشة الهاتف يعلم هوية المتصل.
للحظة فكر في عدم الرد، لكن رنين الهاتف مرة أخرى جعله يرد على شهيرة التي اندفعت في السؤال بلهفة أجادتها:
قولي إن آصف بخير، واللي شوفته عالنت ده فبركة.
تنهد أسعد مجاوبًا:
الحمد لله آصف بخير. إصابته مش خطيرة.
زفرت نفسها بأسف وقالت بإدعاء:
الحمد لله. أنا لما شفت الفيديو قلبي كان هيوقف ومصدقتش. أنا عارفة مكانة آصف عندك قد إيه كبيرة، وكمان ربنا العالم مكانته في قلبي. مش أخو بناتي وهو وأخواته التانين سند لهم.
تنهد أسعد قائلًا:
الحمد لله حصل خير. لازم أقفل عشان هروح أسأل الدكتور إن كان حالة آصف تسمح ننقله في مستشفى في كفر الشيخ.
تساءلت شهيرة:
وليه هتنقله في كفر الشيخ؟ آه عشان شكران تطمن، ربنا يكون في عونها. أنا نفسي قلبي متاخد عليه. هقفل دلوقتي ولما أتصل عليكِ مرة تانية ابقى ردي وطمنيني.
أغلقت شهيرة الهاتف وقامت بإلقائه على الفراش بغضب قائلة:
زي القطط بسبع أرواح، ياريت كان الإرهابيين موتوه وخلصت منه هو وبقية ولاد شكران.
***
بـ إيطاليا.
وضع النادل أمامه كأسًا من عصير إحدى الفواكه الطازج. وللجالسة معه كأس آخر به أحد أنواع المسكرات.
رفعت الكأس وارتشفت منه قليلًا بتذوق ثم تحدثت بـ الإيطالية تسأل:
لما لم تطلب من النادل كأسًا من الفودكا.
امتعضت شفاه آيسر قائلًا:
لاء، أنا ماليش في المنكرات دي.
بينما جاوب بالإيطالية عليها بـ دبلوماسية يجيدها:
الفودكا دي تبقى إيه جنب عيونك اللي سكرتني.
تبسمت له تشعر بالإطراء وبدأت تحتسي كأس خلف آخر. ثم نهضت تترنح وهي تمد يدها له قائلة:
أود أن أرقص معك.
وضع يدهُ بيدها ونهض قائلًا:
ومالهُ، أهو أحرك جسمي حتى الحركة بركة.
لم تفهم الأخرى ماذا قال، أومأت برأسها وهي تسير تستند عليه وهو يضع يدهُ حول خصرها، إلى أن ذهبا إلى مكان الرقص وبدأت تتمايل بين يديه وهو مستمتع بذلك ومبتسم.
حتى شعرت بإرهاق مالت عليه وقالت له:
لقد تعبت، يكفي لنذهب إلى مسكني، إنه قريب من هنا.
أومأ لها ببسمة وسط ذلك الصخب، خرجا من المكان وذهب معها إلى مسكنها. دلف مباشرةً إلى شقتها التي كانت تقطن فيها مع والديها اللذان لم يمانعا عودتها بصحبة شاب.
جذبته معها إلى غرفتها وهي تسير بترنح حتى سقطت فوق الفراش. نظر آيسر لها مبتسمًا يقول بإستهزاء:
مش قد الفودكا بتشربيها ليه؟ ولا هي طفاسة والسلام. يلا كويس أهي جت منك واتخمدتي بدل ما تتحرشي بيا وأكسب سيئات أكتر.
قال آيسر هذا وانحنى يُقبل وجنتها هامسًا:
Buonanotte mio caro (تصبحِ على خير عزيزتي).
تنهدت وفتحت عينيها تبتسم له. بينما هو غادر بهدوء. كل ما كان يوده هو تمضية سهرة لطيفة لا أكثر من ذلك والليلة مرت كما أراد.
***
مرت الليلة وآتى صباح جديد.
بمنزل أيمن.
لم تتذوق سهيلة النوم إلا لوقت قصير خطفًا، واستيقظت بسبب تلك الهواجس السيئة التي صاحبت نومها الخاطف. استيقظت قلبها يبتهل، تشعر بحيرة. تود الاطمئنان على آصف، لكن لا تعرف من الذي تسأله دون أن يشك بأمر لهفتها عليه. فكرت أن تهاتف سامر وتسأله، لكن قد يشك بأمرها. كذالك لو سألت شكران.
حيرة ولهفة قلب تشعرها أنها قليلة الحيلة وعليها انتظار أي خبر يصل لها.
***
بطائرة خاصة تم نقل آصف إلى أحد المشافي الخاصة بـ كفر الشيخ.
بالمشفى كان بإنتظاره كل من سامر ومعه شكران التي بمجرد أن رأته مازال تحت تأثير المخدر، شعرت بانخلع في قلبها.
بمنتصف النهار.
أثناء علم سهيلة بالمشفى بالصدفة علمت أن آصف تم نقله إلى أحد مشافي كفر الشيخ الخاصة. ما زال القلق يسيطر عليها. لكن فكرت للحظة وحسمت أمرها وقامت بالاتصال على "سامر" تحججت بسؤاله على أحد المراجع الخاصة بالطب إن كان لديه.
رد سامر عليها:
أيوا المرجع ده عندي، بس في السرايا وأنا في المستشفى مع آصف، محتاجه دلوقتي ضروري.
خفق قلبها حين ذكر اسم آصف وقالت:
أيوا كنت محتاجة منه معلومة مهمة بس تتأجل، وإيه أخبار آصف؟
رد سامر بهدوء:
الحمد لله إصابته مش خطيرة حتى فاق من البنج وماما وبابا معاه في الأوضة.
انشرح قلب سهيلة وقالت:
ربنا يكمل شفاؤه على خير، هقفل أنا بقى عشان عندي كشف ومتنساش تجيب معاك المرجع ده، حتى لو متقابلناش في المستشفى سيبه مع أي حد من الزملاء.
رد سامر عليها:
لاء لما أرجع السرايا هبعته على بيتكم مع صفوانة أو انتصار.
ردت سهيلة:
تمام.
أغلقت سهيلة الهاتف وضعت يدها على صدرها تشعر براحة. لكن بداخلها أمنية ما زالت تريد أن تراه بعينيها وتطمئن عليه بنفسها. لكن لا تود الإفصاح عن مشاعرها أمام عائلته. ربما وجب عليه الإفصاح عن مشاعره تجاهها لهم أولًا.
***
بعد مرور أسبوع.
مساءً.
رغم أن آصف هاتف سهيلة أكثر من مرة، لكن لديه غصة لما لم تتحجج بأي شيء وآتت لرؤيته بنفسها والاطمئنان عليها. لكن قدم لها العذر لعدم وجود رابط رسمي بينهم.
بنفس الوقت كانت سهيلة عائدة من عملها بالمشفى. أثناء سيرها بالبلدة مرت من أمام سرايا "شعيب". خفق قلبها. تذكرت ذلك المرجع الذي استعارته من سامر وفكرت: ولما لا؟ ربما هو وسيلة لها الآن لدخول السرايا. ربما ترى آصف صدفه.
ذهبت إلى منزل والديها. استغربت عدم وجود والدتها ولا هويدا. ذهبت نحو غرفتها هي وهويدا وأخذت ذلك المرجع وخرجت من المنزل. توجهت مباشرةً إلى سرايا شعيب. شعرت بتردد في دخولها. لكن غلبها الشوق لرؤية آصف. دلفت تشعر بإحراج.
فتحت لها تلك الخادمة انتصار. نظرت انتصار لها بامتعاض دون ترحيب. بينما تنحنت سهيلة وكادت تتحدث لولا مجيء صفوانة من خلفها قائلة بترحيب:
دكتورة سهيلة منورة السرايا يا حبيبتي. واقفة عالباب كده ليه؟ إنتِ غريبة. وسعي يا انتصار ليها.
تبسمت سهيلة بحرج وقالت:
مالوش لازمة أدخل الوقت المسا وأنا لسه راجعة من المستشفى ومتقابلتش مع سامر كنت هرجع له المرجع بتاعه.
نظرت لها صفوانة بعتب قائلة:
يعني لو مش المرجع بتاع سامر مكنتيش جيتِ؟ تعالي إنتِ بنت حلال وجيتِ في وقتك، أنا لسه جايبة العلاج للحجة شكران وفيهم نوع حقن لازم تاخدها دلوقتي، وسامر مش هنا.
ردت سهيلة:
ألف سلامة عالحجة شكران.
تبسمت لها صفوانة وجذبتها من يدها للدخول معها. بينما شعرت انتصار ببغض لـ سهيلة تلك الآفاقة المتسلقة.
بينما سارت سهيلة مع صفوانة التي حكت لها عن سوء صحة شكران بسبب قلقها على آصف الفترة الماضية. ثم أنهت قولها بأمنية:
ربنا ما يعيد الأيام دي تاني.
آمنت سهيلة على دعاء صفوانة التي دلفت إلى غرفة شكران، وتبسمت حين رآتها تجلس على أحد المقاعد بالغرفة وقالت لها بود:
شفتي سهيلة بنت حلال ربنا بعتها عشان تديكِ الحقنة.
تبسمت سهيلة التي دخلت خلف صفوانة وقالت:
ألف سلامة على حضرتك. أنا كنت جاية صدفه عشان أرجع المرجع ده لـ سامر، متقابلناش في المستشفى، قولت أجيبه له هنا.
عاتبتها شكران قائلة:
إنتِ ومامتك سحر ليكوا معزة كبيرة والسرايا زي بيتكم. تعالي اقعدي معايا على ما صفوانة تعمل لينا أي مشروب دافي الجو سقعه.
ردت سهيلة:
متشكرة يا طنط، مش هقدر. العشا قربت تأذن، خليني أدي لحضرتك الحُقنة، والمشروب الدافي خليه لوقت تاني.
أومأت لها شكران بموافقة.
بينما قبل دقائق.
بغرفة آصف.
شعر بضجر من مكثه بغرفته طوال الوقت بسبب تلك الإصابة. نهض من على الفراش وبحث بأحد الأدراج حتى عثر على علبة سجائر خاصة به جذبها لكن لم يجد القدّاحة. تنهد بضجر وخرج من الغرفة ذاهبًا نحو المطبخ يسأل عن قدّاحة، لكن لم يجد أحد بالمطبخ وسمع قرع جرس السرايا. اقترب من مكان يظهر باب السرايا الداخلي، رأى انتصار وهي تفتح الباب. انشرح قلبه حين رأى سهيلة، لكن ظن أنها تهيؤات. أغمض عينيه للحظة ثم عاود فتحها وتبسم ليست تهيؤات بل حقيقة. لكن لديه حدس يؤكد أنها لم تأتِ من أجله. تسمع على حديثها مع صفوانة التي تمسكت بدخولها إلى السرايا. شعر باشتياق، وفكر بمكر، وذهب نحو غرفته مرة أخرى. ذهب نحو حمام الغرفة، بحث بين بعض الأغراض حتى وجد قنينة المطهر. تبسم بمكر وهو يفتحها وقام بوضع محتواها فوق ملابسه فوق عضده وكتفه، وخرج من الغرفة توجه ناحية غرفة والداته.
انتهت سهيلة من إعطاء الإبرة لـ شكران واستأذنت للمغادرة.
تبسمت لها شكران تقول بشكر:
تسلمي يا حبيبتي، ابقي سلميلي على سحر.
تبسمت لها سهيلة قائلة:
الله يسلمه، هوصل لها سلامك، ومرة تانية بالشفا.
كادت سهيلة تقترب من باب الغرفة لكن تفاجأت بدخول آصف. وقفت أمامه تنظر له. كانت الأعين هي ما تتحدث بينهم باشتياق من آصف لها وهي شعرت باطمئنان عليه.
ظلا للحظات صامتان فقط النظرات بينهم. حتى نهضت شكران واقتربت منهم بخضة حين رأت ذلك اللون الأحمر على قميص آصف. قالت بخضة:
آصف، إيه الأحمر اللي على قميصك ده؟ أكيد دم. الدكتور قال بلاش تتحرك من السرير.
ادعى آصف الألم وعيناه منصبة على سهيلة قائلًا:
معرفش يا ماما أنا فجأة حسيت بألم. بحط إيدي على مكان الوجع لقيت الدم ده. حتى كنت فاكر سامر لسه في السرايا، ناديت عليه مردش. قولت أتحمل على نفسي وأروح له أوضته ملقتوش، وكنت لسه هتصل عليه. بس قولت يمكن في أوضتك يا ماما.
بينما تبدلت نظرة سهيلة إلى حنق من هذا الكاذب الذي يدعي الألم. واضح جدًا لديها أن هذا اللون الأحمر ليس دمًا بل هو مطهر ورائحته واضحة. بالتأكيد فعل ذلك لغرض برأسه تبين حين تبسم على لهفة شكران التي نظرت لـ سهيلة وقالت برجاء:
الحمد لله الدكتورة سهيلة موجودة تشوف سبب الدم، ليكون الجرح اتفتح.
أنهت شكران قولها ونادت على انتصار التي لبت ندائها سريعًا وقالت لها:
بسرعة هاتي شنطة الإسعافات للدكتورة عشان تعاين جرح آصف بيه اللي بينزف دم.
نظرت شكران بلهفة لـ آصف وقالت له:
تعالى اقعد بلاش توقف كتير.
رد آصف وهو ينظر لـ سهيلة:
متقلقيش أوي كده يا ماما.
عادت انتصار بـ حقيبة الإسعافات سريعًا ومدت يدها بها لـ سهيلة التي كبتت غيظها من هذا الكاذب واستسلمت لرجاء شكران.
التي قال لها آصف:
خليكِ مرتاحة هنا، هبقى أنا اللي جنبك علطول.
بغيظ سارت سهيلة خلف آصف الذي توقف ليفتح مقبض باب إحدى الغرف وانزاح على جنب وأشار لها بيده للدخول.
دخلت إلى الغرفة من ثم دخل خلفها وأغلق باب الغرفة.
نظرت سهيلة خلفها وتسألت باستخبار:
قفلت باب الأوضة ليه؟
تبسم وهو يقترب منها قائلًا بغمز:
ناسيه إنك هتغيري لي على الجرح اللي في كتفي.
نظرت له بتهكم وهي تعود نحو باب الغرفة. كادت تضع يدها على مقبض الباب لكن سبقها آصف غامزًا يقول:
معندكيش ثقة فيا ولا إيه؟
تضايقت سهيلة من غمزه ووضعت يدها فوق يده التي فوق المقبض وضغطت عليها حتى انفتح قفل الباب، وقالت بتهكم:
من ناحية معنديش ثقة فيك فده شيء طبيعي، بس بلاش تتغر. كل الحكاية إن عندي فوبيا الأماكن المغلقة. أوعى إيدك من على أُكرة الباب عشان أفتحه.
تبسم بسخرية يقول بوقاحة:
ناسيه إنك هتغيري لي على الجرح اللي في كتفي وهقلع القميص والجو برد، يرضيكِ آخد هوا في صدري؟ مش كفاية وجع الرصاصتين.
تهكمت سهيلة غاضبة تقول:
العشا قربت تأذن، ولازم أرجع للـ بيت. سيب الباب مفتوح وخليني أغير لك عالجرح. أوعى تفكر إني مصدقة كدبك، إن جرحك بينزف دم زي ما قولت لـ طنط شكران وخضيتها، ده مكركروم يا سيادة القاضي الكذاب.
جذابهكذا راوغ آصف بالرد على عصبية سهيلة.
التي ردت بتوضيح:
بلاش تتغر، أنا قصدي إنك كذاب. بلاش مراوغة القضاة دي مش عليا. وخليني أغير لك الضماد، أنا هلكانة طول اليوم واقفة على رجلي في المستشفى.
تبسم آصف قائلًا بهدوء وصدق:
وحشتيني، قلبي كان حاسس إنك هشوفك النهاردة.
توقفت سهيلة عن هجاء آصف. تلاقت عيناهما مرة أخرى تحكي بصدق مشاعر كل منهم للآخر.
قطع تلك النظرات صدوح رنين هاتف سهيلة برسالة.
ارتبكت وهي تخرج الهاتف من جيبها ونظرت لشاشته، ثم وضعت الهاتف بجيبها مرة أخرى. بينما تسأل آصف بفضول:
مين اللي بعتلك رسالة.
نظرت له سهيلة وقالت:
دي رسالة من شبكة الموبايل، وبعدين خلينا نخلص.
تبسم آصف قائلًا:
تمام، بس بلاش عصبية، المفروض إنك دكتورة ولازم تكون أعصابك هادية وتعاملي المرضى بابتسامة بشوشة.
تهكمت سهيلة قائلة بحياء:
ابتسامة بشوشة؟ آصف كفاية تضييع وقت، مامتك ممكن تستغيبنا. إخلص واقلع القميص.
تبسم آصف للحظة ورفع يده السليمة يحاول فتح أزرار القميص، لكن آن بألم وتوقف قائلًا:
مش عارف أفتح زراير القميص، ممكن تساعديني.
نظرت له سهيلة واومأت رأسها ثم رفعت يديها وضعتهم على أول زر. شعرت بحياء وارتعشت يديها.
شعر آصف برعشة يديها. رفع يدهُ السليمة وضعها على يدها وضمهما لصدره ونظر لوجهها قائلًا:
إيديكِ بترتعش ليه.
ارتبكت سهيلة وسحبت يديها من أسفل يدهُ وتعلثمت بالرد:
يمكن بسبب الطقس بارد.
تبسم آصف وقال:
فعلاً الطقس اليومين دول بارد قوي.
زفرت سهيلة نفسها وعاودت رفع يديها مرة أخرى وحاولت تمالك نفسها وقامت بفتح أزرار القميص حتى انتهت. تحاول السيطرة على تلك الرعشة التي تسير بجسدها. من رؤيتها لـ آصف عارِ الجذع.
بينما تخابث آصف ولم يستطع التحكم في تلك الرغبة التي يشعر بها يود ضم جسد سهيلة بين يديه. بالفعل رفع يديه وكاد يضمها. لكن سهيلة كأنها قرأت أفكاره وقامت بالضغط بقوة علىذلك الجرح الذي بعضد يدهُ. آن بألم. بينما تبسمت سهيلة بتشفّي. لكن شعرت بقبضة في قلبها حين رأت مكان تلك الرصاصتين. فتلك التي بكتفه كأنها بالمنتصف قريبة من إحدى الرئتين والقلب. لو أخطأت كانت أصابت إحداهما وأصبح وضع آصف خطير. لكن رأف القدر بهما.
بدأت سهيلة بتضميد جرح آصف حتى انتهت بوضع ضماد آخر نظيف. بينما جذب آصف إحدى يديها وقربها من شفتيه وقبلها قائلًا:
شكرًا يا حبيبتي.
ارتبكت سهيلة وتوّترت وسحبت يدها سريعًا تقول بتهرب:
الجرح نضيف، أنا غيرتلك الضماد. خلى واحدة من الشغالات تجيب لك قميص نضيف، لازم أمشي.
شعر آصف بغصة وينظر لـ سهيلة التي توجهت نحو باب الغرفة وخرجت منها دون النظر إليه مرة أخرى. بعدم انتباه كادت تصطدم بتلك الخادمة التي نظرت لها بامتعاض وامتهان.
بينما سهيلة غادرت دون حديث، تشعر لو بقيت هنا لثوانٍ أكثر قد تعود تلقي بنفسها بين يدي آصف تضمه حتى تشعر بالدفء المفقود بقلبها منذ أن علمت بإصابته.
بينما فتحت انتصار هاتفها ونظرت إلى تلك الصور التي التقطتها خلسة من مواربة باب الغرفة. رغم شعور الغيرة بقلبها، لكن تبسمت ربما تلك الصور الرومانسية يأتي لها من خلفها منفعة. لم تتوانى وقامت بإرسال تلك الصور إلى من يستطيع عرضها بطريقة أفضل من بقائها حبيسة بمعرض هاتفها.
رواية عشق مهدور الفصل الثالث 3 - بقلم سعاد محمد سلامة
بشُرفة تلك الغرفة وقف آصف ينظر إلى خروج سهيلة من السرايا.
تنهد بقوة يقاوم الاشتياق الذي يشعر به كلما غادرت من أمام عينيه. لا يود أن تذهب وتتركه. يفكر في تهربها الدائم منه. تنهد مرة أخرى.
لكن سرعان ما نظر خلفه، يبتسم لـ آيسر الذي قال بمزح:
"كل دي تنهيدة، شكل سيادة القاضي عاشق والدكتورة بتتقل عليه."
تنهد آصف وهو يجلس على أحد المقاعد.
تبسم آيسر بمزح قائلاً بنبرة تريقة:
"ولما إنت واقع كده ما قدامك الحل سهل، إتقدم لها رسمي."
زفر آصف نفسه قائلاً:
"ومين اللي قالك إني مفتحتهاش قبل كده إننا نتجوز، بس مش عارف إيه اللي في دماغها. كل مرة تطلع بسبب شكل. مرة مش هتجوز قبل ما أتخرج من الجامعة، حتى بعد ما اتخرجت وقولت لها أتقدم ليها ونكتب الكتاب، حتى عشان مدة التكليف تبقى هنا في أي مستشفى في كفر الشيخ، قالت لي حابة تشوف أماكن جديدة وتاخد خبرات أكتر."
تهكم آيسر قائلاً بإستهزاء:
"وإنت طبعًا بتستسلم لرغبتها. وهي مبسوطة إنك ملهوف عليها. أقولك خليك تقيل شوية يمكن هي بتستغل إنك مدلوق. إنت متأكد إنها بتحبك؟"
أومأ آصف رأسه بمعنى أنه لا يعرف.
ضحك آيسر قائلاً بمرح:
"بقى آصف أسعد شعيب، المستشار بهيئة محاكم مصر مش عارف يسيطر على موزة."
قذفه آصف بعلبة السجائر قائلاً:
"إحترم نفسك، سهيلة مش نوعية البنات اللي بتتسلى معاهم في المطارات."
ضحك آيسر قائلاً:
"بسببك سيبت موزة إيطالية. إيه طلقة؟ لما شوفت الفيديو بتاعك عالنت قدمت ميعاد رجوعي. لو كنت أعرف إن إصابتك سهلة كده مكنتش نزلت قبل ميعادي."
ضحك آصف قائلاً:
"ندل... تطمن على أخوك ولا صحبة الموزة الإيطالية؟ أهو رحمتك من إنك تغلط."
رد آيسر بمزح:
"أكيد عارف من غير ما أجاوب. وغلط إيه اللي بعمله؟ آخري سهرة لطيفة وبوستين عالخد مش أكتر من كده، ده كله تسالي."
تبسم آصف قائلاً:
"تعرف أنا بدعي عليك توقع في الحب وقتها هشمت فيك، وهي مطلعة عينيك."
ضحك آيسر قائلاً:
"قلبك أسود، بس سيبك بصراحة، لما شوفت الفيديو قد ما خوفت عليك قد ما كنت فخور بيك وبجسارتك في مواجهة الحثالة دول. جبت الجرأة دي منين؟ أنا لو مكانك كنت هقول للإرهابي خد الطيارة بالرجالة اللي فيها وسيبني مع الموزز."
ضحك آصف.
بينما تساءل آيسر:
"يعني الإرهابي ده أخوه كان هيتحكم عليه بالإعدام؟ كسب إيه من عملته؟ أهو سبق أخوه لجهنم. وكمان إزاي قدر يوصل للموقع ده وينشر عليه الفيديو بث مباشر كده."
تنهد آصف قائلاً:
"الموقع ده مشبوه أساساً وبيدعم الإرهاب والتطرف في العالم كله. غرضه إظهار مساوئ الشعوب بالذات الشعوب العربية ومصر على وجه الخصوص. وسهل لما يوصلهم فيديو زي ده ينقلوه عشان يكسبوا نسب مشاهدة عالية. وكمان له أجندة سياسية إنه ينشر ويرسخ للعالم الخارجي الشكوك في نزاهة القضاء المصري. هما كان لهم صدمات مع القضاء مش في مصر بس، كمان سبق تقديم بلاغات فيه وبسببها اتقفل الموقع أكتر من مرة واضطروا يبثوا من خارج مصر. بس طبعًا مصر هي الهدف بتاعهم. يبثوا حفلات مجون وشواذ وبيظهر فيها أسماء شخصيات معروفة. غرضهم تشويهها. مش بقول كلهم مش شرفاء بس الموقع ده بيتصيد الفضايح عشان يحقق نسبة مشاهدة تعود عليه بملايين الدولارات تدخل في حساباتهم."
تنهد آيسر بآسف وكاد يتحدث لولا دخول يارا مبتسمة تقول بإرهاق:
"مساء الخير، مالكم سكتوا ليه لما أنا دخلت للأوضة. كنتم بتتكلموا في أمور سرية ولا كلام شباب بس."
تبسم آيسر قائلاً:
"مساء النور، لأ مش أمور سرية ولا خاصة بالشباب، بس شكلك وشك مرهق."
جلست على أحد المقاعد تتنهد بإرهاق قائلة:
"فعلاً مرهقة، خلاص امتحانات نص السنة قربت ولازم أحضر سكاشن العملي وكمان باخد كورس سواقة والإتنين مواعيدهم ورا بعض تقريباً في نفس اليوم."
رد آصف:
"طب وليه مش بتخلي أي سواق من السواقين يعلمك السواقة في الوقت الفاضي، أو كنتِ أجلتِ كورس السواقة في إجازة آخر السنة."
تنهدت بضجر:
"لأ أنا بزهق من انتظار السواق عشان يوصلني. عاوزة عربية تكون تحت تحكمي في أي وقت. كمان إجازة آخر السنة بتبقى للترفيه مع أصحابي. هقضيها كورس سواقة... كمان كورس السواقة ده هيطلع لي رخصة سواقة بدون ما أدخل لإمتحان وأحتاج واسطة بابا عشان أنجح فيه."
تبسم لها آيسر قائلاً:
"ذكية بتحبي تعتمدي على نفسك."
تنهدت يارا قائلة:
"لأ طبعًا بس إنت عارف بابا يقول لي مش هركب نفس جمايل على حاجة هايفة زي دي."
نهضت يارا وآيسر حين دخل عليهم آسعد الغرفة ينظر لـ آصف الجالس قائلاً:
"مساء الخير، متجمعين كده بتتكلموا في إيه؟"
ردت يارا:
"بنتكلم في كورس السواقة بتاعي وبقول لهم إن حضرتك صعب تتوسط لي لو دخلت إمتحان في المرور عشان آخد رخصة قيادة."
رد آسعد:
"ده فعلاً، حاجة متستحقش أتوسط عشانها لأن السواقة سهلة. وبعدين ما أنا اللي هجيب لك العربية لما تاخدي الرخصة."
تبسمت يارا لأخويها بمغزى أنها كانت محقة. لكن نظرت لـ آسعد قائلة:
"طب اشمعنى آصف هو اللي لغيت حضوره جلسات المجلس وجريت عليه في أسيوط وكمان جبته لهنا في كفر الشيخ بطيارة خاصة حتى قبل أخد أقواله في التحقيقات."
نظر آسعد لـ آصف يتذكر أول مرة حمله فيها وهو وليد. كم اشتاق لأن يكون لديه طفل "ذكر" يعلو اسمه واسم العائلة به بعد أطماع رآها من أقرب الأقربين له. وكلمة أن نسله كله سيكون إناثاً ويضيع كل ما سعى إليه جدهُ وأكمل هو في توسيع تلك الأراضي واستردادها أضعافاً مضاعفة وأنشأ بعض المصانع كذلك. أصبح له اسم أكبر من جدهُ. لكن كان آصف هو النبتة التي انتظرها ليضع الجميع أطماعه على جنب ولا ينتظر أن يرث ويندثر نسل "آسعد شعيب".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل إيمندلفت سهيلة إلى المنزل.
تبسمت لوالدتها التي نظرت خلفها وقالت:
"سهيلة، كنتِ فين، إحنا رجعنا من شوية أختك شافت شنطتك محطوطة على سريرك."
تبسمت سهيلة وقالت بتوضيح:
"أنا كنت جيت من شوية ملقتش حد في الدار. كان عندي مرجع طبي بتاع سامر كان طلبه مني. قولت أوديه السرايا والحاجة شكران كان لها حقنة أديتها لها ورجعت. بس إنتم كنتم فين؟"
تبسمت هويدا بتهكم وقالت بإستهزاء:
"ومكنش ينفع تاخدي المرجع معاكِ له المستشفى."
ردت سهيلة:
"للأسف مواعيد نبطشياتنا مش بتتفق غير في وردية السهر. هو معظم نبطشياته بيسهر، وأنا مبقتش محتاجة المرجع رجعته."
تهكمت هويدا وقالت بمغزى لم تفهمه لا سهيلة ولا سحر:
"آه طبعاً لازم ترجعيه له السرايا. أهو حجة برضه."
عقدت سهيلة حاجبيها وتساءلت بإستفسار:
"حجة لإيه؟"
ردت هويدا بتورية:
"حجة ترجعي المرجع عشان بعد كده لما تحتاجي أي حاجة من سامر يبقى يعطيها لكِ وهو عارف إنك هترجعيها في الوقت المناسب."
تنهدت سهيلة قائلة بإرهاق:
"أنا خلاص قدمت على الدراسات العليا وهختار تخصص الطب النفسي سواء على الأطفال أو الكبار، بس هركز عالأطفال أكتر بالذات أطفال التخاطب."
تهكمت هويدا قائلة:
"ربنا يوفقك."
تبسمت سهيلة لم تشعر بنبرة الغيرة. وتساءلت مرة أخرى:
"بس إنتم كنتم فين؟ بابا أكيد لسه بيخلص حسابات الفرن ورحيم وطاهر."
تبسمت سحر رغم ملاحظتها نبرة هويدا المتحفزة في سؤال سهيلة وأجابتها:
"كنا في محل الأدوات المنزلية، بنشتري شوية رفايع لجهاز هويدا... رحيم نايم من بعد المغرب. المدرسة مع تمرينات الكاراتيه هدته صحته، شوية أصحيه يتعشى ويصلي وينام تاني. وطاهر في المحل بتاع تصليح الإلكترونيات وزمانه على وصول."
نظرت سهيلة لـ هويدا وتبسمت قائلة:
"ربنا يتمم لك على خير يارب. هدخل أغير هدومي وأجي أساعدكم في تحضير العشا. زمان بابا على وصول."
تبسمت لها سحر وهي تتوجه ناحية المطبخ. بينما وقفت هويدا تنظر لها وهي تدخل إلى غرفتهم واستأزأت قائلة:
"كلهم مغشوشين في وش البراءة اللي بترسميه، وإنتِ شاطرة في التخطيط، بس عندي شبه يقين إن مستحيل آصف شعيب يبص لك."
بعد قليل.
انتهوا من تناول وجبة العشاء.
أضجع أيمن بظهره على أريكة خلفه وتنهد بشبع قائلاً:
"طول اليوم مدوقتش الأكل، طلعت من المصنع على الفرن كنا بنقفل الحسابات وخدنا وقت طويل على ما انتهت. والله محتاج كوباية شاي بعد الأكل أظبط بها راسي."
نهضت سهيلة التي كانت تجلس أرضاً بجواره قائلة بمودة:
"عنيا أحلى كوباية شاي لك يا بابا."
تبسم أيمن قائلاً بمزح:
"لأ بلاش إنتِ تعملي الشاي، بيطلع ماسخ ومالوش طعم. خلي هويدا هي اللي تعمله هي نفسها في الشاي حلو."
نظرت له سهيلة بعتب قائلة:
"كده يا بابا."
تبسم لها قائلاً:
"دي هبة ربانية، بالكم أحلى كوباية شاي بشربها بتبقى من إيد حماتي عمتي 'آسمية' نفسها خطير. حتى في الأكل الميه من تحت إيديها ليها طعم تاني."
تبسم طاهر قائلاً بمزح:
"طبعاً لازم تقول كده، عشان حماتك ترضى عنك هي وبنتها."
وافقت سهيلة طاهر في المزح. بينما قال أيمن:
"أنا بقول الحق، وبعدين كفاية رغي، يلا يا هويدا قومي اعملي لينا دور شاي ندفى الجو. بره ساقع قوي. الشتا السنة دي شكله كده هيطول في السقعه."
نهضت هويدا بضجر تهمس لنفسها قائلة:
"طبعاً لازم تقول الكلمتين الفاضيين دول عشان تريح الدكتورة اللي بتتشرف بيها قدام الناس كأن مفيش غيرها بقت دكتورة."
بينما ساعدت سهيلة في ضبط بقية الطعام وتركت سحر تجلس مع طاهر وأيمن. ورحيم الذي يستند بجسده عليها يشعر بنعاس...
بعد قليل وضعت هويدا صينية على أكواب الشاي على الأرض أمامهم وجلست. كذلك أتت سهيلة قائلة:
"أنا شطبت على المواعين يا ماما."
تبسمت لها سحر بإيماءة وهي تجلس بجوار أيمن تمد يدها تأخذ كوباً من الشاي قائلة:
"أما أشرب الشاي وهو سخن يدفي إيديا بسبب الميه كانت ساقعة."
تبسم لها أيمن، وهو يضع يدهُ على كتفها. بينما تطرق بينهم الحديث إلى مواضيع خاصة بهم. إلى أن تعمدت هويدا الحديث عن آصف قائلة:
"رغم مرور أكتر من أسبوع على حادثة آصف شعيب بس البلد كلها ملهاش سيرة غير عليه. مع إنه مش بطل خارق، بس أعتقد السبب إنه من عيلة شعيب. لو حد تاني مكانه كان زمان حكايته اتنسى. غير كمان أبوه كان في البنك اللي بشتغل فيه النهاردة وكمان سمعت من زميل لينا في الجمعية الزراعية إنهم انتخبوه رئيس للجمعية الزراعية بالتزكية. طبعاً مش سيادة النايب وعنده نص أراضي البلد أو بالأصح المحافظة كلها."
تبسمت سحر قائلة:
"ربنا يزيد عبيده. والله مرة أمي حكت لي إنها كانت صغيرة قوي وشافت جد الحج آسعد كان له هيبة."
تبسم أيمن قائلاً:
"فعلاً أبويا الله يرحمه مرة حكالي عن شعيب جد الحج آسعد إنه كان راجل له هيبة وكلمة مسموعة. كمان قال لي إنه مكنش بالغي ده كله. هو كان بيشتغل رئيس عمال الفلاحة عند واحد من الخواجات أيام الملك. بس لما ثورة ثلاثة وعشرين يوليو الخواجة ده عرض عليه يشتري منه أرضه، عشان خايف من رجال الثورة يصادروا أرضه ويطردوه لبلده ويرجع فقير، باع له أرضه بتمن بخس."
تساءلت هويدا:
"وليه الخواجة باع الأرض بتمن بخس."
رد أيمن:
"باعها بخس، أحسن ما يرجع لبلده فقير. أهو يقول أرجع باللي حتى يعيشني في بلدي مكرم... وكمان كان في دماغه حاجة تانية."
تساءل طاهر:
"وأيه هي الحاجة التانية دي يا بابا؟"
رد أيمن:
"الخواجات كان عندهم أمل إن الثورة تفشل وبعد كم سنة يرجعوا مصر تاني ويستردوا أرضهم دي، بس طبعاً ده محصلش. حتى سمعت من أبويا، إن لما جه التأميم كانوا بيأمموا الفلاحين اللي عندهم أكتر من ميتين فدان وبعد كده بقى أكتر حاجة ميت فدان وجد الحج أسعد اتأمم المرتين، بس بعد كده جه الانفتاح والحج أسعد استرد الأراضي دي تاني واشتراها من الفلاحين. حتى كمان السرايا اللي عايشين فيها كان مكانها سرايا الخواجة وباعها هي كمان بالأراضي اللي حواليها، بس أبو أسعد كان هدهد وبنى سرايا تانية أفخم من بتاعت الخواجة."
تهكمت هويدا قائلة:
"يعني الثراء الفاحش ده من البداية كان من دم الناس الغلابة والحظ لعب مع 'شعيب'. هي كده الدنيا حظوظ."
تبسم أيمن قائلاً برضا:
"مش حكاية حظ. ربنا بيوزع الرزق على عبيده لحكمة هو بس اللي عالم بها."
تهكمت هويدا قائلة:
"آه طبعاً، ناس تاخد الحظ 'مال وبنون' وناس تاخد الفقر."
ردت سحر:
"ربنا له حكمة. في فقير ربنا يغنيه يفتري، وفي فقير ربنا يعطيه عشان يحمد ربنا. ألم يقولوا 'منكم لو أعطيت له المال لأفسد حاله، ومنكم من أخذت منه المال لأصلح حاله'."
تهكمت هويدا ومصمصت شفاها بإستنكار هامسة:
"وأنا من المغضوب عليهم."
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
باليوم التالي.
بحوالي الحادية عشر صباحاً.
بكلية الحاسبات والمعلومات بالمنصورة.
بأحد ممرات الجامعة بسبب استعجالها بالسير شبه جرياً كي تلحق ميعاد بداية تلك المحاضرة العملية.
لكن لعدم انتباهها خبطت في إحدى زميلاتها سقط من يدها هاتفها وبعض الكتب.
تعصبت وهي تنحني تجمع تلك الكتب تسب زميلتها بلغة أجنبية لم تفهمها.
لكنهنالك من فهم معنى سبها، وهو منحني يجمع لها أشلاء هاتفها النقال.
واقترب منها بهما ومد يديه بتلك القطع.
نظرت لها بتغضن قائلة بشبه تعالى:
"الفون بتاعي ماركة عالمية مش موجود منها قطع غيار هنا في مصر، كده معدش ينفع وهيترمى."
رفع عينيه ونظر لملامحها بسبب تبرجها وزيها العصري الأنيق ذو الماركات. فطن أنه من طبقة فارهة.
لكن رد عليها:
"على فكرة موبايلك ينفع يتصلح. فيه هنا في المنصورة أكتر من مركز لتصليح الموبيلات كمان الماركات العالية. لو حابة ممكن أديكِ عنوان والرقم الخاص بمركز مشهور ممكن تلاقي عنده قطع غيار لموبايلك."
نظرت له رأت شاب رغم بساطة ملابسه لكنه أنيق كذلك ووسيم. ارتبكت قائلة:
"تمام ممكن تكتب لي عنوان ورقم المركز ده."
تبسم وهو يجذب منها أحد الكتب وقام بفتحه ودون على إحدى الصفحات الخالية، اسم وهاتف ذلك المركز.
ثم مد يدهُ لها بالكتاب.
أخذت منه الكتاب بصمت للحظات بينهم.
إلى أن أتى أحد زملائه وربت على كتفهُ قائلاً:
"طاهر خلينا نلحق المحاضرة."
تبسم له طاهر وأومأ براسه لها ثم غادر دون حديث.
بينما هي وقفت للحظات إلى أن نظر هو خلفه وأومأ رأسه يبتسم لها.
برد تلقائي منها تبسمت له.
وظلت واقفة حتى اختفى عن مرأى عينيها.
انتبهت للوقت هرولت ناحية أحد المعامل الخاصة بالجامعة.
لكن هنالك شعور يدلف لقلبها لا تعلم له تفسير غير أنها تريد رؤية "طاهر" مرة أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد الظهر.
بالبنك الزراعي بالبلدة.
انتهت وقت الدوام.
جذبت هويدا حقيبتها ونهضت من خلف ذلك المكتب تزفر نفسها بسأم.
قبل أن تخرج من الغرفة نظرت أمامها بسخط لذلك الذي يقف أمام الباب يبتسم.
توجهت نحوه وهو يقول:
"هويدا كويس لحقتك قبل ما تمشي من البنك."
تهكمت هويدا بسخط قائلة:
"خير يا عادل؟"
أشار لها بيده قائلاً:
"خلينا نتكلم وإحنا بنتمشى في موضوع مهم."
تهكمت وسارت معه إلى أن خرجا من البنك وسار بالشارع الرئيسي للبلدة وتساءلت بإستعلام:
"خير أيه هو الموضوع المهم؟"
رد عادل:
"موضوع إننا نكمل جوازنا، خلاص العفش بقى شبه جاهز، مش ناقص غير نحجز القاعة اللي هنعمل فيها الفرح."
تهكمت هويدا:
"هو ده الموضوع المهم، عالعموم أي قاعة مش هتفرق. كل القاعات اللي سبق وكلمتني عنهم زي بعض. طبعاً مش هتقدر على تكاليف قاعة كبيرة ومحترمة يبقى كله زي بعضه."
كاد عادل أن يتحدث لكن بسبب تلك السيارة التي تندفع بالسير، وكادت تصطدم به اقترب من هويدا وحف بكتفها.
نظرت له وقبل أن تتحدث رأت تلك السيارة الفارهة التي تمر من جواره.
تحسرت قائلة:
"كان نفسي أتزف في عربية ماركة زي دي. عالعموم بلاش تستعجل وتحجز قاعة. سمعت إن في قاعة كبيرة في كفر الشيخ هتفتح قريب وأكيد في البداية أسعارها هتبقى مش كبيرة."
كاد عادل أن يعترض لكن قالت هويدا:
"الفرح بيبقى ليلة واحدة. مش كفاية إني رضيت إني أتجوزك في نفس الشقة ومعانا الست الوالدة."
رد عادل:
"أولاً اسمها ماما، ثانياً كتر خيرها في شباب كتير بيسكن في شقق بالشئ الفلاني كل شهر، ثالثاً هي خلاص شطبت أوضة صغيرة جنب أوضتها وعملتها حمام خاص بيها، والأوضة بتاعتها فاتحة عالشارع وإحنا هناخد بقية الشقة يعني هتبقى مقفولة علينا."
لوت شفتيها بسخط قائلة:
"على اعتبار بقية الشقة عشر أوض دول هما أوضتين وصالة ومطبخ يادوب أقف فيه بطولي ميستحملش حد يقف معايا."
رد عادل:
"أهو أحسن من إيجار السكن شهر ورا التاني، وخلينا في موضوعنا. أنا اتفقت مع عم أيمن إننا نتجوز في إجازة نص السنة، وياريت تختاري قاعة عشان نلحق الحجز في الوقت اللي حددناه."
تهكمت قائلة:
"طالما مش هتستنى نشوف القاعة الجديدة يبقى مش هتفرق أي قاعة والسلام."
تنهد عادل قائلاً:
"تمام هروح البيت ارتاح ساعتين وبعدها هروح أحجز القاعة."
أومأت هويدا رأسها قائلة بتعالي:
"تمام بس ياريت بلاش تسترخص."
بنفس الوقت كانا وصلا إلى أمام منزل هويدا. توجهت إلى باب المنزل وقالت:
"تعالى نتغدا سوا."
رد عادل:
"لأ مرة تانية، عشان ماما متاكلش لوحدها."
إستهزأت بنبرة مبطنة:
"آه طبعاً إبقى سلميلي على طنط."
أومأ عادل رأسه وهو يستكمل سيره. بينما فتحت هويدا باب المنزل ودلفت إليه نادت على والدتها التي قالت لها أنها بالمطبخ... توجهت نحو المطبخ وقفت أمام الباب، تسمع حديث سحر بلوم:
"أنا كنت شيفاكِ من شباك المطبخ ماشية مع عادل. معزمتيش عليه ليه يدخل يتغدا معانا."
تهكمت هويدا برد بارد:
"هيروح يتغدا من الست الوالدة عشان متاكلش لوحدها. أنا مرهقة بسبب الشغل في البنك النهاردة كان كتير. هروح أغير هدومي وأمدد جسمي شوية على ما بابا يرجع من الشغل. بس فين سهيلة."
ردت سحر:
"سهيلة عندها نبطشية مش هترجع غير عالمغرب."
تنهدت هويدا قائلة:
"طب كويس اهو أنام ساعتين بدون إزعاج منها."
نظرت لها سحر بلوم قائلة:
"على فكرة أنا ملاحظة طريقة معاملتك لـ سهيلة. افتكري إن دي أختك وإنتِ المفروض أختها الكبيرة يعني تحل محلها وعند أخواتك كمان."
إستهزأت هويدا قائلة:
"ربنا يخليكِ دايمًا، محدش بيحل محل حد. هروح أرتاح، قبل ما 'جحيم' يرجع من المدرسة ويقلب البيت دوشة."
غادرت هويدا نحو غرفتها. بينما هزت سحر رأسها بآسف قائلة:
"ربنا يهديكِ يا هويدا."
بينما هويدا دلفت إلى الغرفة نظرت إلى فراش سهيلة الفارغ إستهزأت. وذهبت نحو فراشها وإتكئت عليه تزفر نفسها وهي تعود لذاكرتها تلك السيارة الفارهة التي كانت تسير بالشارع. زفرت نفسها تشعر بشوق لتجربة الجلوس بداخل تلك السيارة. لكن سرعان ما فاقت تشعر ببؤس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ "جزيرة البرلس".
نهضت سهيلة قائلة:
"المغرب قرب يأذن خلينا نلحق المركبة اللي هناك دي توصلنا للبر التاني، قبل الضلمة."
نهض آصف قائلاً:
"لسه بدري، خلينا كمان شوية ومتخافيش. سهل أتصل على أي مراكبِي يجي ياخدنا."
ردت سهيلة:
"لأ كده كفاية أنا اتأخرت في الرجوع، يلا في مركبة أهي واقفة المرسى خلينا نلحقها."
بإمتثال غصبًا سار آصف خلف سهيلة إلى أن وصلا إلى المرسى صعدا إلى تلك المركبة الصغيرة. جلس بأحد الأماكن. أشار آصف للـ مراكبي أن يبحر بالمركبة دون انتظار لركوب أحد غيرهم.
بالفعل امتثل المراكبي وسار بالمركبة.
بينما نظرت سهيلة إلى تلك الأمواج أسفل المركبة تبسمت إلى تلك الطيور التي تهبط في الماء تخطف إحدى الأسماك الصغيرة الطافية على سطح المياه.
تتقاتل أحياناً بمناقيرها على سمكة صغيرة.
نظر لها آصف سائلاً:
"بتبصي على إيه في الميه؟ بصي لي مش كفاية إني المفروض متصاب وكنتِ تحني عليا وتفضلي معايا أكتر من كده. أنا المفروض مكنتش أخرج من السرايا قبل أسبوع على الأقل، بس مقدرتش أتحكم في شوقي ليكِ، امبارح هربتي مني."
تبسمت سهيلة قائلة:
"ما إنت قدامي بخير أهو. أنا ببص على الطيور اللي بتخطف السمك من مية البحيرة، وكمان خناقهم مع بعض على سمكة صغيرة."
تبسم آصف قائلاً:
"السمكة فعلاً صغيرة، بس هي دي طبيعتهم."
تبسمت سهيلة قائلة:
"السمكة فعلاً صغيرة بالنسبة لينا بس هي بالنسبة لهم كنز كبير. كمان الجو النهاردة كان دفا على عكس امبارح، وفرصة ليهم السمك ظاهر على سطح الميه."
تبسم آصف، ورفع يدهُ السليمة وكاد يضعها على كتف سهيلة يتشوق لضمها.
لكن سهيلة كانت منتبهة له ونهضت واقفة، تنظر أمامها إلى تلك الشمس التي تتوارى من بعيد.
ثم نظرت إلى آصف قائلة:
"آصف إنت ليه إخترت القضاء وإنك تبقى قاضي."
نهض آصف هو الآخر مستغرباً يقول:
"مش فاهم معنى سؤالك، عادي أني أكون قاضي، ناسيه إنني دارس حقوق، وكنت بنجح بتقدير جيد جداً على مدار الأربع سنين."
تساءلت سهيلة:
"عارفة دي، بس ليه إخترت القضاء، كان سهل تبقى معيد في الجامعة."
تنهد آصف يستنشق هواء البحيرة قائلاً:
"بصراحة التدريس موهبة. إنك تشرح للي قدامك ويفهم منك صعب جداً. وأعتقد إني فاشل في الشرح، بدليل إنك لغاية دلوقتي مش قادرة، أو بالأصح مش عاوزة تفهمي حقيقة مشاعري."
ارتبكت سهيلة من نظرات آصف لها. كيف يظن هذا الأحمق أنها لا تفهمه، ولا تود البقاء معه طوال الوقت. هي تشعر بنبض قلبها حين تراه. لكن هنالك دائماً حاجز تخشى أن توافق على الزواج به وتُفاجئ بالرفض أو الصد أو الاستقلال بها أو بنسبها البسيط. كذلك أن توصف من بعض الأقلية القريبة من آصف، أن ابنة الموظف البسيط حاكت شباكها على أحد فتيان عائلة شعيب المرموقة، حتى أوقعته في غرامها. بقلبها العاشق وعقلها الخائف... عشق.. تخشى أن يخفت أو يتلاشى قبل أن يسطع تحت وطأة أن الناس طبقات ومقامات. حتى إن أنكروا ذلك أمام العامة، ما زال بداخل عقولهم مكان لتلك الفوارق الاجتماعية. وهي لن تسمح أن يقلل أحد من شأن والداها ولا شأنها كـ طبيبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بنفس الوقت.
بـ سرايا شعيب.
بغرفة سامر.
نادى بعصبية وبصوت جهور:
"انتصار."
هرولت انتصار إلى غرفته سريعاً. دلفت إلى الغرفة تفاجئت به يغلق باب الغرفة ويسحبها من يدها خلفه إلى أن اقتربا من الفراش. قام بدفعها بقوته لتقع فوق الفراش قبل أن تلتقط نفسها. كان يجثو فوق جسدها يُقبل شفاها بضراوة. وحتى جذب ملابسها من فوق ساقيها يتحسس جسدها بشهوانية. لكن فجأة نهض عنها يلهث قائلاً بغضب:
"قومي غوري من الأوضة وممنوع أي حد يعرف باللي حصل ده."
نهضت انتصار تشعر بارتباك ورهبة. توجهت نحو باب الغرفة بأقدام مرتعشة. لكن وقفت قبل أن تضع يدها على مقبض الباب وقامت بهندمة ملابسها. وسمعت تحذير سامر لها:
"إياكِ حد يعرف باللي حصل. وقتها هكذبك ومش بس هيتقطع عيشك، مش بعيد تنطردي من البلد كلها بفضيحة."
برهبة خرجت من الغرفة تقف جوار الغرفة تلهث. لكن لعقت شفتيها تبتسم بإشتهاء.
بينما دلف سامر إلى حمام غرفته. وقف على حوض الوجه يبصق على انعكاسه بالمرآة يشعر بتقزز.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ليلاً.
بمنزل أيمن.
إبتسمت سهيلة لـ سحر وهويدا اللتان ترتديان ملابس أنيقة. تساءلت:
"رايحين فين بالشياكة والأناقة دي."
تبسمت سحر لها قائلة:
"رايحين فرح على راس الشارع. بقولك إيه ما تغيري هدومك وتعالي بسرعة أهو تفرجي عن نفسك شوية."
فكرت سهيلة للحظة ثم ابتسمت ووافقت قائلة:
"ثواني أغير هدومي."
بضجر انتظرت هويدا مع سحر حتى عادت سهيلة تبتسم لهن. ثم ذهبن إلى ذالك الصوان المنصوب بداخله شادر للعُرس. نظرن إلى أحد الأماكن الخالية وذهبن إليها وجلسن يرسمن بسمة على وجوههن من تلك المظاهر البسيطة لعُرس بسيط.
...بـ سرايا شعيب.
كان آصف ممدداً فوق فراشه يشعر بضجر منذ أن عاد من البحيرة بصحبة سهيلة. كان يود البقاء معها طوال الوقت. فكر عقلهُ ونهض من على الفراش. لما لا يخرج يسير بالبلدة ربما ذهب عنه ذلك الضجر.
بالفعل خرج من السرايا يسير ساقته قدميه إلى بداية الشارع التي تقطن فيه سهيلة.
توقف لأحد أهالي البلدة الذي أوقفه يقوم بالتبجيل به وبشجاعته وقام بدعوته لدخول صوان ذلك العُرس البسيط.
ببساطة وافق آصف على مظاهر العُرس تُذهب عنه شعور الضجر. دلف معه إلى الصوان. جلس بأحد الأماكن يبتسم على تلك المظاهر البسيطة.
لكن فجأة تسلطت إحدى كاميرات مصوري الزفاف على وجه سهيلة الباسم. واعتلت صورتها شاشة رئيسية بالمكان. ظلت لثواني معدودة.
أثارت تلك الصورة غيرة ذالك الجالس بنفس المكان تقريباً.
ونظر نحو سهيلة شعر بغضب وهو يرى ذالك المصور يجول بكاميراته بين الحاضرين بالمكان وأصبح قريباً للغاية من سهيلة.
نهض بغضب متوجهاً إلى مكان جلوسها.
لكن بسبب زحام حفل الزفاف وهو يحاول السير دون الاحتكاك بين الموجودين.
وصل متأخراً إلى ذالك المكان تفاجئ بعدم وجود سهيلة. فقط كانت أختها ووالدتها هن من يجلسن ومقعد سهيلة لم يظل شاغراً بل هنالك أخرى جلست عليه.
تيقن هي غادرت. تنفس بعمق وحسم قراره سيذهب إلى منزلها الآن.
بينما قبل دقيقة نهضت سهيلة وانحنت على والدتها تُخبرها أنها ستغادر لم تعد تتحمل الضجيج. كذالك مجهدة من عملها بالمشفى.
تبسمت لها والدتها.
بينما تساءلت هويدا بعد مغادرة سهيلة:
"هي سهيلة راحت فين؟"
ردت سحر:
"سهيلة هتروح البيت بتقول صدعت."
تهكمت هويدا. لكن وقع بصرها على آصف الذي كاد يقترب منهن وعيناه مسلطة نحوهن. للحظات تتبعت سيره بين الجموع إلى أن غادر هو الآخر.
تهكمت لديها شبه يقين أن هنالك مشاعر خفية بين آصف وسهيلة. ربما غادر الاثنان ليلتقيا سويًا..
شعرت بالحقد. مالت على أذن والدتها تُخبرها أنها تشعر بصداع وتود العودة للمنزل.
وافقت سحر هويدا ونهضت هي الأخرى كي تعودان إلى المنزل.
بينما ذهب آصف إلى منزل سهيلة. وقف أمام ذلك الباب الحديدي الصغير الذي على الجانب الآخر للمنزل، يغلق المنزل مع سور حديقة صغيره بالكاد بضع أمتار تعتبر مدخل آخر للمنزل.
أدخل يده من بين ذالك الفراغ الصغير بالباب وقام بفتح ذالك الترباس الذي يغلق الباب من الداخل. فتح الباب ثم تسلل إلى تلك الحديقة. ما هي إلا ثلاث خطوات وأصبح أمامه سُلم صغير. بضع درجات. صعد مباشرةً. تبسم يبدو أن الحظ يسانده. باب تلك الشرفة شبه مفتوح بسبب حشر تلك الستارة بين ضفتي الباب. ببساطة دفع الباب. ثم دخل إلى الغرفة.
رواية عشق مهدور الفصل الرابع 4 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور ثلاث أسابيع.
بحوالى الحادية عشر صباحًا.
بالبنك الزراعي بالبلدة.
كان هنالك لفيف من كبار شخصيات المحافظة يُرافق الوزير الذي جاء إلى البلدة من أجل افتتاح تجديد مقر البنك. كان من ضمن الحضور "أسعد شعيب"، أو بالأصح على رأسهم، فهو من ساهم بدعم وتجديد هذا المقر خدمةً منه لأهالي قريته، ظنًا منهم أنه رد جميل لهم على انتخابه نائبًا عنهم. فبوجود بنك خاص لهم بقريته الذي نشأ فيها، ما هو إلا دعاية وتسويق له. تجولوا بالمبنى، وبدأوا بدخول مكاتب الموظفين التي أصبحت تضاهي مكاتب البنوك الأساسية في الرقي.
لكن توقف أسعد للحظة حين دخل إلى أحد المكاتب. وقع بصره على تلك الفتاة التي نهضت واقفة حين دلف هو وغيره إلى المكتب الخاص بها مع زملائها. تبتسم، لكن هي الأخرى تركز بصرها على أسعد. سمعت عنه الكثير، كذلك رأته من بعيد، لكن لم تره عن قرب مثل هذه المرة. لأول مرة تتأمل ملامحه. رغم أنه كهل وتعدى عمره الستين بسنوات، لكن يبدو بعمر أصغر بكثير، شباب في نهاية الأربعينات. فقط شيب شعر رأسه هو الواضح من عمره، لكن حتى هذا يعطيه وقارًا.
اقترب أسعد منها ومد يده لها بالمصافحة سائلًا:
"إنتِ من البلد هنا."
ردت بذوق وصوت هادئ:
"أيوه."
لمعت عيناه ببسمة سائلًا:
"إسمك إيه؟"
ردت بتوضيح:
"اسمي "هويدا أيمن الدسوقي الغتوري"."
تبسم لها، ثم انتبه إلى هؤلاء الضيوف، الذين تساءلوا عن سير العمل، كذلك استمعوا لبعض المقترحات. منها كانت عيناه مصبة بالنظر لها. لفت نظره أيضًا حنكتها في الرد على بعض الاستجوابات وكذلك المقترحات. حاول أن لا يلفت انتباه الآخرين له وخرج معهم من الغرفة، لكن قبل أن يغادر المكتب، رمقها بنظرة وإيماءة رأس مبتسمًا. ردها كان ابتسامة حاولت أن تُظهرها بسمة خجل مصحوبة بثقة.
بينما لفت ذلك نظر عادل الذي كان معهم بالمكتب. شعر بغيرة من ذلك المتصابي في نظره، لكن ضغط على زر التحكم لديه حتى لا يثير غضب ويصبح هو الخاسر. لكن بعد خروج تلك اللجنة من المكتب، اقترب من هويدا ونظر لهيامها بغضب قائلًا:
"على فكرة اللجنة مشيت من المكتب، ومعتقدش إنهم هياخدوا بمقترحاتك العظيمة. بلاش تنسي إننا هنا في بنك زراعي وفي قرية، مش بنك استثماري في القاهرة."
فاقت من هيامها بضجر من حديث عادل، ونظرت له بسخرية قائلة:
"عارفة إننا في بنك زراعي مش استثماري، وعادي أنا قدمت مقترحات مش أكتر. ناسي إن الوزير كان من ضمن اللجنة، يمكن يعرف إن في كفاءات مدفونة في بنوك صغيرة."
تهكم عادل:
"كفاءات، المقترحات اللي قولتيها دي مش من دماغك ولا تفكيرك، دي مقترحات أنا كنت بتكلم فيها معاكِ، بس مش مهم، لأني متأكد إنها ولا تفرق مع الوزير ولا غيره."
تضايقت هويدا وتساءلت:
"قصدك بمين غيره؟"
رد عادل بسخرية واستهزاء:
"قصدي اللجنة اللي معاه وعلى رأسهم، نائب دائرتنا المحترم اللي مش بنشوف وشه غير في المناسبات الخاصة، وبمجرد ما طلع من باب المكتب نسى كل نظرة وبسمة كان بيجامل بيها عشان طبعًا بسمته دعاية له. خلاص فاضل سنة على الانتخابات ولازم يبدأ يخطط من دلوقتي للدعاية، يعني كل كلامه اللي قاله هنا كان ناعم وله غرض من وراه مش مدح لوجه الله."
نظرت هويدا له بإستهجان وغضب، وقالت:
"كل اللي قولته أنا عارفاه، خلينا نكمل شغلنا، وبلاش ننم كتير."
تهكم عادل قائلاً:
"تمام، بس على فكرة أنا نسيت أقولك إن خلاص حجزت قاعة الفرح بنفس الميعاد اللي سبق واتكلمت فيه مع عم أيمن، بعد شهر."
نظرت له هويدا بضجر وأومأت برأسها، ترسم أماني أخرى، مازال لديها وقت.
***
في الجامعة.
على عكس ما كانت تفعل سابقًا، لم تكن تذهب للجامعة إلا لحضور المحاضرات العملية فقط. أصبحت تذهب للجامعة شبه يوميًا تبحث عن ذلك الوسيم "طاهر"، لكن كأنه طيف واختفى، لم يظهر بالجامعة مرة أخرى. زفرت نفسها بعد أن تجولت بالجامعة كلها بحثًا عنه، لم تره. شعرت ببعض الإرهاق. خرجت من الجامعة، شعرت بسوء مضاعف من سوء الطقس البارد المصحوب برياح رملية. لم تستطع تحمل دخول بعض ذرات الغبار بعينيها، توجهت إلى ذلك الكافيه القريب من الجامعة. دلفت وجلست خلف إحدى الطاولات وطلبت من النادل مشروبًا ساخنًا.
بعد دقائق عاد لها النادل بالمشروب ووضعه أمامها، وابتعد قليلاً.
لكن تبسم وقال بترحيب بصوت شبه عالٍ:
"تيتو، جيت في وقتك، الواي فاي بتاع الكافيه مش شغال، يظهر الراوتر باظ، كمان في شاشتين من شاشات العرض شكلهم كده محتاجين صيانة."
لفت انتباهها صوت النادل والتفت برأسها تنظر إليه. كان طاهر يعطيها ظهره للحظات قبل أن يرد على النادل:
"تمام، متقلقش جايب معايا شنطة العدة أهي خدها خليها عندك هنا وهات لي كوباية قهوة تفوقني عشان عندي سكشن عملي بعد ربع ساعة هيخلص عالساعة واحدة وأرجع لك نعمل كشف على الراوتر والشاشات كلها."
أومأ له النادل وأخذ منه تلك الحقيبة قائلاً:
"تمام، دقيقة راجع لك بالقهوة بس بلاش تنسى تجي بعد السكشن في ماتش مهم الليلة ومش عاوز زباين الكافيه تطفش."
تبسم تيتو قائلاً:
"لاء متقلقش مش هنسى، وبعدين شنطة العدة هنا، يعني راجع لك، أخلص بس السكشن رغم إنه ملوش لازمة بس لازم أثبت حضور عشان درجات العملي."
تبسم له النادل وبعد دقيقة عاد له كوب بلاستيكي، أخذه من يده وغادر، تصحبه نظرات تلك الجالسة.
بعد أن انتقلت من مكانها إلى مكان آخر بنفس الكافيه، لكن بطاولة خلف واجهة زجاجية تطل على الشارع مباشرةً، تنتظر أن ترى قدوم طاهر مرة أخرى. تنظر بين الحين والآخر إلى ساعة هاتفها تشعر أن الوقت لا يمر. كادت تسأم من الانتظار. كذلك شعرت بإمتلاء معدتها من كثرة تلك المشروبات التي تناولتها كي تبرر جلوسها وحدها بالكافيه لكل هذا الوقت. تشعر بخجل من طول الانتظار، كذلك ترتبك من نظرات النادل كلما أتى لها بمشروب، ربما تخشى أن يسألها إن كانت تنتظر أحدًا.
لكن زفرت نفسها براحة حين رأت سير طاهر بالشارع قريب من الكافيه. لكن شعرت بغصة حين دلف إلى الكافيه ورأته يتجاذب الحديث مع فتاة تسير معه إلى أن جلست خلف إحدى الطاولات. بينما ذهب طاهر إلى ذلك النادل وقف قليلاً معه ثم عاد إلى تلك الفتاة مبتسمًا، قال لها شيئًا ثم تركها.
تأملت النظر جيدًا إلى تلك الفتاة. بنظرها هي عادية، حقًا ترتدي زيًا ملائمًا لطالبة جامعية وحجاب يخفي شعرها. بينما رأت طاهر يقوم بفحص بعض الشاشات الخاصة بالكافيه، كذلك يتجاذب الحديث بمزح مع النادل. ولاحظت أيضًا أن تلك الطاولة التي كانت تجلس عليها الفتاة أتى آخرون من الجنسين وأصبحوا مجموعة. لكن عادت بنظرها إلى طاهر الذي شبه أنهى عمله، يبدو أن لديه خبرة في صيانة تلك الشاشات. نهض مبتسمًا، وذهب نحو طاولة زملائه وجلس معهم. كانت جلسة تألف وصداقة بريئة بين الزملاء دون مزاح سافر.
شاور عقلها عليها أن تنهض وتذهب إليهم تجلس معهم فقط من أجل لفت نظر طاهر، لكن نفضت ذلك الفضول. فبأي تبرير تجلس معهم، هي لا تعرف أحدًا منهم سوى طاهر وكان لقاء عابر. ربما حتى لا يتذكره. لكن هي مخطئة، هو الآخر رآها منذ أن دلف لأول مرة إلى الكافيه، وانشرح قلبه حين رآها حين عاد مرة أخرى. بداخله هو الآخر يود التعرف عليها عن قرب، لكن يمنعه أنه لا يريد أن يقال عليه فضولي.
طغت مشاعر كل منهما وانتهى اللقاء، دون أن يقتربا من بعض، لكن ترك هذا اللقاء أملًا أن يلتقيا مرة ثالثة عسى أن تقربهم من بعض.
***
بمنزل أيمن.
استيقظت سهيلة بفزع بسبب تلك الأصوات العالية، كذلك بعض الصرخات. أزاحت عنها دثار الفراش ونهضت مسرعة تخرج من الغرفة. رأت والدتها تضع وشاحًا ثقيلًا على كتفيها تساءلت باستفسار:
"في إيه يا ماما إيه الصريخ ده."
تنهدت سحر بضجر وأجابتها:
"ده من عند الجيران، إنتِ عارفة إن الراجل المفتري مش بيبطل ضرب ولا خناق مع مراته."
زفرت سهيلة نفسها:
"هو الراجل ده مش هيعقل أبدًا ويحس إنه بقى جد والمفروض يحترم مراته حتى قدام نسوان عيالها، ليه بيقلل بقيمتها وبقيمته هو كمان."
تهكمت هويدا التي دلفت إلى المنزل بلا مبالاة وقالت:
"بلا وكسة عياله نفسهم كده مع نسوانهم، بنفس قلة الاحترام، راحة فين يا ماما، بلاش تروحي تسلكي بينهم، بلاش الراجل ده يقولك كلمة ملهاش لازمة، هما هيعملوا الشبطة والأزعرينا دي شوية وهيهدوا ولا كأن حاجة حصلت، هما ناس بهايم غاوين فضايح."
نظرت لها سحر بتفكير ثم قالت:
"حرام الست بتصرخ، مرة ثانية، أنا رايحة أبعده عنها، وأنتم كملوا تجهيز الغدا زمان أيمن راجع."
تهكمت هويدا ولم تبالي، دلفت إلى الغرفة أبدلت ثيابها ولم تفعل شيئًا، بينما سهيلة هي من أكملت تجهيز الطعام.
بعد العصر.
أزاحت هويدا الدثار عن رأسها وقالت بضجر:
"أوف مش عارفة أنام بسبب الشمس اللي جاية من البلكونة، اقفلي شيش البلكونة."
ردت سهيلة التي تجلس على الفراش الآخر تقوم بقراءة بعض المراجع وتدون بعض الملخصات على حاسوبها ذي الإمكانيات البسيطة:
"فين الشمس اللي بتقولي عليها دي، الجو النهاردة هوا ورياح، ربنا يستر متمطرش غير لما أرجع من النبطشية... ولو قفلت شيش البلكونة هشغل نور الكهربا بتاع الأوضة إنتِ شايفة، إني بنقل ملخصات من المراجع عشان الدراسات العليا، والمراجع دي في منها أنا جايباها استعارة من مكتبة الجامعة ومن بعض الدكاترة زمايلي، ولازم أرجعها لهم في أقرب وقت، إنتِ عارفة تمن المرجع الواحد من دول كام، أكتر من مرتب شهرين كاملين، معلش استحملي كلها ساعتين وهروح المستشفى."
ضجرت هويدا وقالت بزهق:
"يعني عشان حضرتك تاخدي الدراسات العليا تزعجيني أنا ليل ونهار، ليلة امبارح بسبب إنك سهرانة طول الليل ونور الأوضة والع معرفتش أنام، وصحيت بدري الصبح عشان أروح شغلي وإنتِ نمتي براحتك لحد بعد الضهر، وطبعًا ميهمكيش راحة غيرك المهم طبعًا راحة نفسك."
شعرت سهيلة بالأسى من ضجر هويدا منها، نهضت من فوق الفراش وحملت ذلك الحاسوب وتلك المراجع وقالت لها:
"لاء يهمني راحتك إنتِ كمان، أنا هطلع أكمل في أوضة السفرة وإقفلي شيش البلكونة وارتاحي، حتى بالليل مش هزعجك هبقى نبطشية سهر يعني مش هرجع غير بكرة الصبح."
تهكمت هويدا على سهيلة وهي تخرج من الغرفة ونهضت تغلق الشرفة، كذلك أغلقت باب الغرفة خلفها وقالت باستخفاف:
"دراسات عليا وبعدها دكتوراه مفكرة نفسها مهما وصلت هتعجب "آصف شعيب" اللي عندي يقين إنها بتحاول تتلاعب بيه ويمكن كمان بتستدرجه، وعاملة فيها الملاك اللي مش بتحب الغلط."
***
بينما خرجت سهيلة من الغرفة وتوجهت إلى غرفة السفرة، وضعت الكتب كذلك الحاسوب على المنضدة، ثم قالت:
"الجو ساقعة أروح أعمل لي كوباية شاي أدفى بيها وأهو أركز شوية عشان أنجز وأرجع المراجع دي لمكتبة الجامعة في الميعاد اللي قلت عليه."
بالفعل بعد قليل عادت لغرفة السفرة، بدأت تتفحص تلك المراجع. إلى أن دلفت سحر إلى غرفة السفرة تشعر بضيق من هويدا وقالت لـ سهيلة:
"مش بتذاكري ليه في الأوضة جوه دفء عن هنا، وكمان تمددي جسمك شوية عالسرير بدل ما إنتِ محنية كده عالسفرة."
تبسمت سهيلة وقالت:
"لاء هنا أفضل من الأوضة، لما بمدد عالسرير، بحس صحيح بالدفء بس ببقى عايزة أنام، هنا ببقى مصحصحَة."
وضعت سحر يدها تمسد على كتف سهيلة بحنان، تعلم أنها تبرر كذبًا حتى لا تضجر من أفعال هويدا وتبسمت لها قائلة:
"ربنا يوفقك يا رب."
تبسمت سهيلة لها قائلة:
"ادعي لي يا ماما أنا داخلة على موال طويل، السنين اللي فاتت كانت سهلة، الدراسات العليا والماجستير والدكتوراه موالهم طويل."
تبسمت لها سحر بحنان قائلة:
"ربنا يسهل لك كل عسير، هروح أدفى لك كوباية لبن وأجببهالك تشربيها تدفيكِ."
تنهدت سهيلة قائلة:
"لاء اللبن ممكن ينيمني، قهوة أو نسكافيه من بتاع الواد تيتو أبو رغوة تلاتة في واحد."
تبسمت سحر وقالت لها:
"تمام هعملك نسكافيه."
تبسمت سهيلة وعادت تنظر إلى تلك المراجع. إلى أن فجأة دق رنين هاتفها. للحظة تلهفت وجذبته، لكن خاب أملها حين رأت هوية المتصل. كانت إحدى زميلاتها بالمشفى. قامت بالرد عليها، ثم وضعت الهاتف على المنضدة جوار الحاسوب وزفرت نفسها بعمق، تشعر بشعور سيء في قلبها. آصف منذ تلك الليلة التي أتى بها إلى هنا وهو لم يعد يهاتفها مثلما كان يفعل سابقًا، حتى إن هاتفته هي يكون رده مختصر. ذمت نفسها تشعر بغصة في قلبها كذلك بعض الندم، ربما أحتدت عليه كثيرًا تلك الليلة، لكن هو من أخطأ، ماذا ظنت أن تفعل حين تفاجئ به في منزلها وغرفة نومها.
تذكرت ما حدث تلك الليلة.
[فلاش باك]
دلف آصف إلى تلك الغرفة. تبسم ونظر إلى الغرفة. لم يكن دخوله الأول إلى منزل والد سهيلة، سبق وآتى لهنا لاصطحاب سامر من هنا مرة واحدة كان يذاكر مع سهيلة بأيام امتحانات الثانوية العامة وتأخر الوقت، وشكت والدته يومها أنه تعمد السهر، أو ربما لم يذهب إلى سهيلة كما قال. وقتها استقبله والد سهيلة الذي كان يسهر جوارهما، حتى أنه كان يساعدهم بالمراجعة. الليلة ثانِ مرة يدخل للمنزل، وبالأخص لتلك الغرفة التي تبدو غرفة سهيلة بسبب ألوان الغرفة كذلك فرش الفراش، تبدو غرفة فتيات.
توجه نحو باب الغرفة الذي يفتح على بقية المنزل. وضع يده فوق مقبض الباب وكاد يفتحه.
لكن قبل أن يفتح الباب سمع صوت عطس سهيلة أكثر من مرة. انتظر دخولها للغرفة يترقب رد فعلها حين تراه.
بينما من خلال مدخل المنزل الآخر دلفت سهيلة،
رواية عشق مهدور الفصل الخامس 5 - بقلم سعاد محمد سلامة
على نغمات تلك الأغنية التي تتردد كلماتها في أذنه، تفوت مباشرة إلى وجدانه، كأنها تصف حالة قلبه.
"آه على قلب هواهُ مُحكم
فاض الجوى منه فظلما يكتم
يحي أنا بحت لها بسري
أشكو لها قلباً بنارها مغرم
ولمحت من عينيها ناري وحرقتي
قالت على قلبي هواها مُحرم
كانت حياتي فلما بانت بنأيها
صار الردى آه علي أرحم
كل القصايد من حلا عينيك
من دفا إيديك كتبتن وقولتنه
هودي القصايد مش حكي يا روحي
وهو بكى القصايد هو لكِ كلن
كل القصايد"
كان صداها يتردد عبر أثير هاتف أحد ركاب القطار، امتزجت كلماتها ونغمات الأغنية معًا تطرب قلبه مباشرة. أغمض عينيه لتحتل صورة أمنية يتمنى أن تتحقق في التو. رأى نفسه بمكان تحيطه أشجار عالية تحاوط ذلك الفضاء الواسع ذو الإضاءة الخافتة. نظر إلى تلك الخيمة المستطيلة ذات اللون الوردي تحتل مكانًا جانبيًا صغيرًا، مزينة بأكاليل الزهور المنسدلة فوق تلك الأعمدة التي تحاوطها تلك اللمبات الصغيرة سبب إضاءة المكان، كذلك يحاوطها ستائر حريرية تهتز بنسائم الهواء الخفيفة.
توجه بخطوات هادئة نحو تلك الخيمة وفتح إحدى أطراف تلك الستائر، أزاحها بيديه على جنب. تبسم حين وقع بصره نحو ذلك الفراش المزينة بالزهور التي ينتشر عبقها. تحولت نظرته لوله حين وقعت عيناه على تلك الجالسة على طرف الفراش تخفض وجهها بحياء، رغم أنها تخفيه خلف وشاح أبيض مزين بتاج من زهور دوار الشمس البيضاء والصفراء.
ترك تلك الستائر تنسدل مرة أخرى خلفه وهو يسير نحوها. مع كل خطوة يزداد في قلبه الغرام والاشتياق. لم يتوقف أمامها بل انحنى قليلاً وجثى على ساقيه أمامها ومد يده لها. بتلقائية وخجل وضعت يدها بيدهُ. نهض واقفًا، وهي الأخرى نهضت واقفة أمامه. بشوق وتوق ترك يدها ورفع يديه يزيح ذلك الوشاح الذي يخفي وجهها عنها.
كانت صورة بديعة لها أمام عينيه العاشقة، زهرة خلابة تسر قلبه قبل عينيه. هي أمامه عروس كما يتمنى. انحنى برأسه على جبينها طابعًا قبلة عشق. بخجل تبسمت له. جذبها من يدها وخرجا من تلك الخيمة إلى البراح. رفع يده الأخرى ونظر لها مبتسمًا، وهي تضع أناملها بين كف يده يتمسك بها. ثم ترك يدها الأخرى سرعان ما وضعها حول خصرها وضمه لجسده. يدور بها مستمتعان بتجاوب خطواتهم معًا. يسمعان صوت تلك الألحان ممزوجة مع أصوات حفيف الأشجار الهادئ كأنهما توافقا على معزوفة غرام خاصة بهما. كانت معزوفة رائعة مجهولة الهوية، هما فقط من يعرفان هويتها، فهي معزوفة العشق الصافي الذي يسكن قلب كل منهما للآخر.
مع نهاية الأغنية كانت نهاية الطريق وتوقف القطار بآخر محطة له "القاهرة". مرغمًا فتح عينيه، كان يود البقاء بذلك الخيال طوال العمر. يود البقاء هو وهي فقط بمكان واحد دون حواجز تفرضها هي عليه. نهض واقفًا وجذب تلك الحقيبة الصغيرة وترجل من القطار.
مجرد بضع خطوات على رصيف القطار تقابل مع ذاك السائق الذي اقترب منه وانحنى يأخذ تلك الحقيبة من يده قائلًا باحترام:
"نورت القاهرة يا سيادة المستشار."
ترك آصف له الحقيبة مبتسمًا بود قائلًا:
"شكرًا، كويس إنك متأخرتش بس فين العربية."
رد السائق:
"لما كلمتني عالموبايل وقولتلي إن القطر خلاص داخل عالقاهرة جيت فورًا، والعربيه راكنها جنب محطة القطر."
تبسم آصف له قائلًا:
"تمام هات مفاتيح العربية وإرجع إنت بيتك تصبح على خير."
أعطى له السائق سلسلة مفاتيح قائلًا:
"وإنت من أهله يا سيادة المستشار، توصل بالسلامه."
بعد دقيقتين، وضع السائق تلك الحقيبة بالمقعد الخلفي للسيارة وأومأ لآصف الجالس خلف المقود برأسه وغادر.
بدأ آصف بقيادة السيارة. بداخل قلبه ما زال يشعر بانشراح من ذلك الخيال. تنهد بشوق وأخرج علبة سجائره وأشعل إحداها. زفر دخانها الذي نظر له ببسمة وهو يتذكر ضيق سهيلة واستهجانها الدائم عليه بسبب تدخينه، وتجهمها أكثر من مرة من ذلك. لكن أكمل تدخين السيجارة وهو يتذكر ذكرى أخرى لسهيلة.
ذكرى أول لقاء بينهم.
كان شابًا يافعًا بعمر الحادية والعشرين، كان يدرس وقتها بالسنة قبل النهائية بكلية "الحقوق". كان صاحب جسد فاره يعطيه هيبة. كان يقوم ببعض التمرينات الرياضية القاسية بحديقة السرايا.
كان يجلس سامر على طاولة قريبة منه يحسب له مدة ذلك التمرين القاسي، حتى أتت إحدى الخادمات ونظرت لسامر قائلة:
"في بنت واقفة عند باب السرايا الداخلي بتقول إنها زميلتك في المدرسة وإسمها 'سهيلة أيمن الدسوقي'."
تبسم سامر لها قائلًا:
"آه دي فعلاً زميلتي في الفصل وكانت كلمتني من ساعة كده أنها عاوزة ملزمة خاصة بالإحياء، كمان كان بقالها كام يوم غايبة من المدرسة وطلبت مني أعرفها خدنا إيه في المنهج في الأيام اللي فاتت، دخليها الصالون وأنا جاي فورًا."
ذهبت الخادمة بينما توقف آصف عن تلك التمرينات يلهث وغمز لسامر بمزح قائلًا بإيحاء:
"مش بدري عالغراميات دي، إنت يادوب كملت سبعتاشر سنة من كم شهر."
تبسم له سامر قائلًا:
"غراميات إيه، دي زميلتي في الفصل، وبعدين غراميات ومع سهيلة بالذات ملهاش غير في الدراسة وبس، يلا هروح أستقبلها مش حلوة تنتظر كتير، دي ذكية جدًا وهتنفعني في الامتحانات."
غمز له آصف قائلًا:
"وماله يبقى حب مصلحة."
تبسم سامر له وهو يغادر قائلًا:
"سهيلة ولا ينفع معاها حب من أساسه، كمل تمرينك."
توقف آصف للحظات حتى هدأت أنفاسه بعد تلك التمارين. لا يعرف لماذا هنالك شعور بالفضول لديه، أراد رؤية تلك الفتاة. جذب منشفة صغيرة وقام بتجفيف عرق وجهه وتوجه إلى داخل السرايا. كاد يمر من أمام غرفة الصالون، لكن لفت نظره تلك الواقفة تعطيها ظهرها، كانت نحيفة قليلاً ومحجبة رغم صغر عمرها. ازداد الفضول لديه لرؤية وجهها.
دلف إلى الصالون وتنحنح. استدارت سهيلة ظنًا منها أنه سامر، لكن سرعان ما أخفضت وجهها بحياء حين تفاجئت بشاب يرتدي سروال قطني قصير يمزج بين اللون الأسود والأحمر لمنتصف فخذيه، كذلك فانلة بحمالات من نفس ألوان السروال، يضع منشفة حول عنقه، جسده بالنسبة لها ضخم.
بينما هو حين استدارت ورأى وجهها شعر كأن سهمًا أصاب قلبه. لم تكن جميلة للغاية، لكن وجهها ملائكي بريء رغم أنه يبدو على ملامحها بوضوح أنها مجهدة أو ربما كما قال أخيه أنها كانت مريضة. رغم أنه رأى فتيات أجمل منها، لكن لم تثرن لديه أي شعور عكس تلك النحيفة ذات الملامح البريئة التي ظل ينظر إلى ملامحها وكاد يتحدث معها، لكن دلف سامر إلى الغرفة يحمل بيديه تلك الملزمة وبعض الكتب.
نظر سامر لـ آصف باستغراب من وجوده في الغرفة، بينما تنحنح آصف يشعر أنه يريد البقاء والتحدث معها. لكن مرغمًا سيطر على نفسه وتجاهل ذلك الشعور وخرج من الغرفة وتركهم سوياً. ذهب إلى غرفته تدلى مباشرة إلى المرحاض، نزع عنه ملابسه ونزل أسفل ذلك الصنبور يشعر بهطول المياه فوق جسده، لكن شعور آخر يغزو عقله، أو بالأصح يحركه قلبه، يود رؤيتها مرة أخرى الآن. سريعًا انتهى من الاستحمام وخرج للغرفة يرتدي ثيابه ثم خرج من الغرفة وتوجه ناحية غرفة الصالون بفضول. كان باب الغرفة مواربًا. ظل واقفًا يتأمل سهيلة التي ما زالت جالسة مع سامر يتحدثان، إلى أن نهضت واقفة بعد وقت قليل وأخذت من يد سامر تلك الملزمة وتلك الكراسات، وتوجهت نحو باب الغرفة. وكادت تخرج منها لكن توقفت لوهلة حين تفاجئت بـ آصف أمامها مباشرة بعد أن حسم أمره يود الحديث معها.
رفعت بصرها تلاقت عيناهما للحظات كانت كفيلة بإرسال إشارات تخترق القلبين مباشرة. شعرت سهيلة بخجل، لكن هذه المرة تبسمت، فهو أمامها يرتدي ملابس أخرى شبابية تستُر جسده. تنحى آصف مرغمًا حتى مرت سهيلة وغادرت، لكن ظل ينظر في أثرها إلى أن خرجت من باب السرايا.
كان هذا اللقاء الأول الذي ترك بداخل الاثنين رغبة الرؤية مرة أخرى، وبالفعل تكررت اللقاءات، لكن ظل أول لقاء صامت لهما له تأثير قوي عليهما.
تبسم وهو يتذكر ذلك اللقاء الصامت بينهم. شعر بشوق لمعرفة رد فعلها حين يضعها أمام الأمر الواقع ويطلب يدها من والدها. حسم القرار، لا داعي للانتظار أكثر من هذا، لن يعطيها فرصة للتحجج بأي حجة بعد الآن، أي حجة لن ينتظر من أجلها. بسبب برودة الطقس كذلك التوقيت المتأخر كان الطريق شبه خاليًا ساهم في تسريع سرعة السيارة ليصل إلى البلدة في وقت قياسي.
---
بمنزل أيمن
غرفة هويد
لم تستطع النوم، لا تعلم سبب لذلك الشعور براحة الذهن، إن كانت من عدم وجود سهيلة معها بالغرفة، أم من ذلك الكهل الذي تفكر فيه. نهضت من فوق الفراش أشعلت ضوء الغرفة وتوجهت ناحية خزانة الملابس فتحت إحدى الضلف الخاصة بها، وجذبت ذلك الكيس المعلق وذهبت نحو الفراش. أخرجت منه فستان أسود لامع، خلعت عنها رداء النوم وقامت بارتداء ذلك الفستان الذي كان بلا أكمام عاري من فوق الكتفين ينسدل بضيق على جسدها يصل لمنتصف فخذيها، يبرز أنوثتها وساقيها الممشوقة بسخاء. نظرت لانعكاسها في المرآة بإعجاب من أنوثتها التي يبرزها الفستان. ذلك الفستان التي اشترته من التسوق عبر الإنترنت وأخفته حتى لا تراه والدتها ولا سهيلة ويسألان لماذا اشترت فستان هكذا، وهي لن ترتديه. كانت بنصف ثمنه اشترت أكثر من طقم مناسب لها وللحجاب التي تضعه فوق رأسها دون اقتناع، فقط تضعه واجهة حتى تظهر أنها متدينة. أسدلت خصلات شعرها شبه القصير والتي تداوم على صبغه بأحدث وأغلى المُرطبات التي تقتنيها من راتبها بالبنك. لا تشعر بالمسؤولية سوى ترفيه عن نفسها فقط. تركت أمر جهازها إلى والداها اللذان يدبرانه دون أن تعرض عليهما المساهمة حتى ولو لجزء صغير. تستمتع براتبها التي تدخره وتنفقه على ما تشتهيه من أجود وأغلى الماركات.
ذهبت نحو الدولاب مرة أخرى وجذبت علبة متوسطة وضعتها فوق التسريحة وجلست على مقعد وأخرجت من تلك العلبة الأنيقة الخاصة بأدوات التجميل وبدأت تضع على وجهها تلك المساحيق بعناية، تبرز جمال ملامحها. صبغت شفتيها بلون أحمر ناري، ونظرت لإنعكاسها، رأت نفسها أيقونة جمال. تأسفت على حالها، فهذا الجمال محكوم عليه أن يبقى مدفونًا وهي تعيش هنا بتلك القرية الصغيرة، كذلك تعمل ببنك وضيع. وآخر ذلك هو خطيبها الموظف مثلها. فكرت ماذا لو كان تبدل الوضع وكان خطيبها يشبه ذلك الكهل "أسعد شعيب" ليس في الملامح بل في الثراء. كانت استمتعت بجمالها، وأوهام يصنعها عقلها البطار عن حياة ترسمها أن تكون سيدة مجتمع يشهد الجميع بذكائها وأناقتها. لكن حين تعود للواقع تشعر ببؤس وهي مدفونة بتلك القرية النائية. لكن لو ابتسم لها الحظ وكان شعورها صحيحًا أنها اليوم لفتت نظر ذلك الكهل ربما يتغير كل هذا. وأحلام وردية لو حصلت فقط على دعم منه وارتقى للعمل بأحد بنوك الاستثمار.
فاقت من تلك الأوهام بسبب سماعها لصوت سعال خارج الغرفة، سريعًا بدلت ثوبها وعادت لمنامتها مرة أخرى ونظفت ملامحها من تلك المساحيق. وعاودت دس تلك الأشياء بتلك الضلفة وأغلقتها وأطفأت ضوء الغرفة حتى لا يراه أحد شاعل ويدخل يسألها لم تركت الضوء الليلة وتتذمر من سهيلة لو أضاءته. توجهت نحو الفراش تمددت عليه، تشعر بأمنيات لو واحدة تحققت لانصلح حالها. أغمضت عينيها تستسلم لأوهامها.
---
بالمشفى
اختل جسد سهيلة وانخفضت بجسدها أرضًا، ارتكزت على رسغيها تشعر بدوخة بسبب تلك الضربة التي تلقتها على رأسها. شعرت كذلك بغشاوة بعينيها لثوانٍ قبل أن تستدير لرؤية من القاتل. كان استغل ذلك وخرج من الغرفة وأغلق خلفه الباب. لثوانٍ حتى استطاعت سهيلة السيطرة على وعيها مرة أخرى. نظرت لسامر الممدد أرضًا ينتفض جسده ودماء غزيرة تسيل من عنقه. اقتربت منه لكن لسوء حظها كان ذالك المبضع جوار رأسه مباشرة بلا انتباه، وضعت يدها عليه بالخطأ وهي تحاول إنقاذ سامر. بعد أن أسرعت وجذبت ملاءة فراش الكشف وحاوطت عنقه بها تكتم اندفاع الدماء، ونهضت واقفة تشعر بترنح. لكن سيطرت عليها إنسانيتها وفتحت باب الغرفة وصرخت بقوة حتى يأتي أحد العاملين بالمشفى ويساعدها بنقل سامر إلى غرفة العمليات لإنقاذه.
آتى أحد العاملين بالفعل ودلف إلى الغرفة. انذهل حين رأى تلك الملاءة ملفوفة حول عنق سامر. وقف متصنمًا للحظات، حتى صرخت عليه سهيلة قائلة:
"بسرعة هات ترولي ننقله بيه لأوضة العمليات وشوف دكتور جراحة في المستشفى."
للحظات ما زال العامل واقفًا مشدوهًا، حتى صرخت عليه سهيلة مرة أخرى. خرج مسرعًا، وظلت سهيلة تحاول كتم الدماء وقالت:
"سامر قول لي مين اللي عمل فيك كده."
همهم سامر ببعض الكلمات لم تستطع تفسيرها قبل أن ينتفض جسده ويسكن بلا حركة.
انصدمت سهيلة من ذلك وحاولت إنعاش قلبه بالضغط بيديها لكن بلا جدوى. لقد نفذ الأمر وفاضت روحه. دموع سالت من عينيها وهي جاثية جوار جسده تشعر بأسى عليه وكذا بفشلها في إنقاذه. نطقت الشهادتين عليه بقلب منفطر. بنفس الوقت آتى ذالك العامل ومعه اثنين من المسعفين وطبيب آخر ونظروا إلى سامر علموا أنه توفي. نظر لها الطبيب ثم للآخرين وتحدث بأمر ونهي:
"محدش يلمس أي حاجة، ولازم نبلغ الشرطة فورًا."
بالفعل خلال دقائق كانت شرطة الجنايات تعاين الغرفة كذلك جسد سامر. جذب أحد الأفراد ذلك المبضع ووضعه بكيس بلاستيك خاص، وعاينوا الغرفة بتدقيق ثم أمر المحقق بأخذ جثة سامر إلى المشرحة. ثم خرج من الغرفة، سأل الطبيب الآخر قائلًا:
"فين الدكتورة اللي قولت إنها كانت مع القتيل."
رد الطبيب:
"موجودة هنا في المستشفى."
طلب المحقق:
"تمام ممكن فين أوضة المدير المناوب في المستشفى، كمان لازم نبلغ أهل القتيل."
أشار له الطبيب على الغرفة وذهب معه. بعد لحظات دلفت سهيلة إلى الغرفة بعد أن ذهب آخر لإحضارها إلى الغرفة.
تساءل المحقق:
"يا ريت تحكي لي بالتفصيل إيه اللي حصل؟"
سردت سهيلة ما حدث بالتفصيل. كان المحقق يستمع لها إلى أن انتهت من سردها، فاجأها بالسؤال:
"وإنتي شوفتي مين اللي كان معاه في أوضة الكشف؟"
ردت سهيلة بالنفي:
"لأ، لأنه ضربني على راسي جامد ودوخت ولما فقت كان هدفي أنقذ سامر."
لفت نظر المحقق نطقها لاسم سامر بلا ألقاب وتساءل باستفسار:
"واضح إن في بينك وبين القتيل معرفة قوية بدليل نطقك لاسمه بدون لقب دكتور؟"
ردت سهيلة ببساطة:
"إحنا كنا زملاء من ثانوي وكمان أهل بلد واحدة وكنا بنذاكر مع بعض حتى لما دخلت كلية الطب هو كمان دخل لمدة سنة كلية طب خاصة وبعدها حول طب عام وفضلنا زملاء."
أومأ المحقق برأسه قائلًا:
"آه تمام."
"طب إنتِ قولتي إنك سمعتي أصوات قبل ما تدخلي الأوضة، يا ترى تعرفي مين اللي كان مع الدكتور أو على الأقل تقدري تخمني؟"
تعلثمت سهيلة للحظة وهي تقول:
"لأ مقدرتش أفسر غير صوت سامر بس."
لاحظ المحقق تعلثمها وفاجأها:
"للأسف يا دكتورة أنا مضطر أقبض عليكِ."
انفزعت سهيلة وتعلثمت قائلة:
"تقبض عليا ليه، أنا كنت بحاول أنقذهُ."
وقف المحقق وأشار إلى أحد معاونيه، فهم إشارته واقترب من سهيلة وفتح تلك الأصفاد.
نظرت سهيلة للمحقق بفزع وقالت:
"أنا قولت اللي حصل ومش أنا اللي قتلته، لو أنا اللي قتلته كنت هفضل معاه في الأوضة وأحاول أنقذهُ."
رد المحقق بموضوعية:
"للأسف يا دكتورة، واضح جدا إنها جريمة وإنتِ المتهم الأول لحد ما الطب الشرعي يحقق في الأدلة الموجودة، ولحد الفصل في ده مضطر أقبض عليكِ، بس طبعًا ليكِ الحق تكلمي حد من أهلك عشان يقوم لك محامي."
نظرت سهيلة بهلع إلى المحقق، ماذا يقول؟ هي بريئة لم تفعل شيئًا سوى أنها حاولت إنقاذ سامر، لكن امتثلت غصبًا وفتحت هاتفها وقامت بالاتصال على هاتف والدها وانتظرت للحظات حتى رد عليها بهدوء في البداية رغم رجفة قلبه باتصالها وهي بوقت عملها بالمشفى بهذا الوقت المتأخر من الليل، لكن نهض من فوق الفراش مفزوعًا سائلًا:
"هتبقى في أي قسم وإيه اللي حصل؟"
نظرت سهيلة إلى ذالك المحقق الذي أشار لها ألا تتحدث كثيرًا. وقالت اسم قسم الشرطة بامتثال:
"لما تيجي للقسم هتعرف يا بابا."
أغلقت سهيلة الهاتف ونظرت إلى المحقق الذي أشار لمعاونه أن يضع بيديها الأصفاد. بالفعل جذب المعاون له يديها ووضع الأصفاد حولهم وأغلقها. شعرت سهيلة بفزع وانقباض في قلبها حين سمعت صوت إغلاق الأصفاد حول معصميها.
بينما بمنزل أيمن
كل ذرة في جسده ترتعش وهو يغلق الهاتف الذي كاد يسقط منه أرضًا لو لم يتمسك به قبل أن يصل للأرض. استيقظت سحر أيضًا بسبب صوت رنين الهاتف ورأت فزع أيمن، انزع قلبه هي الأخرى وانتظرت غصبًا حتى أنهى المكالمة وسألت بترقب:
"إيه يا أيمن، سمعتك بتكلم سهيلة وبتقول لها قسم إيه، إيه اللي حصلها؟"
رد أيمن وهو يخرج ملابس له من الخزانة ويرتديها بسرعة:
"معرفش لما سألتها قالت لي لما تيجي القسم هتعرف."
هلع قلب سحر وقالت:
"هلبس وأجي معاك قلبي مش مطمن."
رد أيمن بنهي:
"لأ خليكي هنا، وأنا هبقى اتصل عليكي، يمكن أمر سهل، حد من المرضى هاجم عليها ولا حاجة، خليك."
بصعوبة وافقت سحر، رغم شعورها السيئ.
---
بـ سرايا شعيب
للتو وصل آصف إلى السرايا. كان السكون يعم المكان قبل أن يفاجئ بوالده ووالدته الإثنين يخرجان من غرفتهم يبدوان بملامح مترقبة ومرتعبة. تفاجئ هما أيضًا بمجيء آصف ونظرا له باستغراب، دون حديث وأكملا السير. استغرب آصف سائلًا:
"إيه ملامحكم شكلها مرعوبة هو أنا بخوف أوي كده."
ردت شكران:
"سامر..." توقفت للحظة تبتلع ريقها وأكملت: "اتصلوا على باباك وطلبوا منه يروح لهم القسم بسببه."
لوهلة ظن أسعد أن ربما فعل سامر أمرًا تافهًا وتشاجر مع أحد وقال بتهجم:
"متخافيش أوي كده، يمكن الأمر بسيط، خليكِ الجو بره برد وهيتعب صدرك، أنا هتصل أقولك إيه؟"
وافقت شكران بصعوبة لكن طلبت من آصف الذهاب مع والده. امتثل آصف وذهب معه إلى مركز الشرطة.
---
بعد قليل بمركز الشرطة
بغرفة التحقيقات
باستثناء من المحقق ترك سهيلة مع والدها لدقائق معدودة لم تتعد خمس دقائق ودلف إلى الغرفة قائلًا:
"أنا عملت لحضرتك استثناء، بس بلاش تضرني، والأفضل إنك تجيب محامي للدكتورة، لأنها للأسف أول المتهمين في الجريمة، إن ماكنتش هي المتهمة الوحيدة."
بمضض خرج أيمن من تلك الغرفة شبه تائه بعدما سردت له سهيلة ما حدث معها باختصار، وعلم أنها متهمة بالقتل، ولن تعود معه للمنزل ستبقى الليلة بالحجز لحين استكمال التحقيقات.
لحسن حظ أيمن أنه خرج من باب آخر للمركز لم يتقابل مع سيارة آصف الذي دخل من باب آخر ومعه أسعد توجها الاثنان إلى غرفة المحقق مباشرة. دلف آصف أولاً ثم خلفه أسعد الذي ترك الأمر لآصف وقام بتعريف والده قائلاً:
"سيادة النائب 'أسعد شعيب' وأنا 'آصف شعيب' مستشار أول بمحكمة جنايات أسيوط."
صافح المحقق آصف ثم أسعد وسرد لهم ما حدث عن مقتل سامر. انصعق الاثنان ولم يصدقا في البداية، لكن ليست كذبة.
رغم ذهول عقل آصف لكن قال بوعيد:
"وعرفتوا مين اللي قتله؟"
رد المحقق دون ذكر اسم:
"لغاية دلوقتي الأدلة اللي لقيناها في الأوضة مع القتيل هي المشرط اللي انذبح بيه تقريبًا وده اتحول للطب الجنائي لرفع البصمات، وكمان كان في دكتورة معاه في الأوضة، بس للأسف أوضة الكشف مفيش كاميرات مراقبة عليها مفيش غير كاميرا في الممر بعيد شوية ومعرفش هتجيب اللي دخل أو خرج من الأوضة في الميعاد ده أو لأ، غير كمان أمرت بتفريغ كاميرات المراقبة اللي على أبواب وممرات المستشفى كلها، والتحقيقات ما زالت مستمرة."
شعر أسعد فجأة كأن ساقيه تهدلت وجلس على أحد المقاعد يشعر كأنه هُرم فجأة. بينما آصف شعر بتوهان أكثر وتساءل:
"فين جثة سامر."
رد المحقق:
"الجثة في مشرحة المستشفى، عشان تكملة بقية إجراءات التشريح."
نظر آصف لأسعد ثم للمحقق قائلًا:
"تمام أنا عاوز أشوف الجثة."
نهض المحقق قائلًا:
"حضرتك مستشار في الجنايات وعارف الإجراءات ممنوع قبل انتهاء الطب الشرعي وتقديم التقرير النهائي."
تعصب أسعد يشعر بنخر في قلبه ونهض واقفًا باستهجان قائلًا باستعلاء:
"إيه اللي ممنوع، إنت بتقول ابني اتقتل وكمان عاوز تمنعني أشوفه إنت متعرفش أنا مين."
حاول آصف التمسك بالهدوء رغم الحطام الذي يشعر به وقال:
"إهدى يا بابا، الأفضل إنك ترجع للسرايا وأنا هعرف بقية اللي حصل من المحقق."
تعصب أسعد وشعر كأن جسده اختل وقبل أن يسير ترنح. أسرع آصف بإسناده، وهو يكبت الحزن في قلبه. نظر للمحقق وقال له:
"دقايق وراجعلك."
أومأ له المحقق برأسه.
بينما ذهب آصف مع أسعد نحو السيارة، لا يعلم أي منهم يحاول دعم الآخر حتى لا يسقط أرضًا، فالمصاب أليم. فتح آصف السيارة لأسعد الذي دلف بها ونظر لآصف قائلًا:
"خلينا نروح المستشفى، أنا بعلاقاتي هخليهم يفتحوا المشرحة."
حاول آصف معه أن يعدل عن ذلك وينتظر سماح القانون الذي يدافع عنه، لكن رنين هاتف أسعد الذي لا يهدأ جعله يمتثل وذهب معه إلى المشفى.
بعد قليل بغرفة المشرحة
فتح أحد العاملين لهم الغرفة. خِل هدأ.
دلف الاثنان إلى الغرفة جذب العامل أحد التوابيت. كانت لجثة مغطاة بملاءة بيضاء لكن عليها آثار دماء. لوهلة شعر أسعد بأمل وجذب الملاءة من فوق وجه سامر، لكن ضعف قلبه أكثر. إنها جثة هامدة لا روح فيها. لكن لفت انتباه آصف ذالك الضماد الملفوف حول عنق سامر الذي كان شبه مدمي. شعر كأن فجأة تحجر قلبه، ليس فقط قلبه بل الدمعة أيضًا تحجرت بعينيه التي أصبحت شبه دامية كأنها تنصهران. بينما أسعد لم يستطع الوقوف أكثر من ذلك، خرج يسير بترنح يستند على حوائط الغرفة. بينما آصف ما زال متصنمًا أمام جثمان سامر، يتأمل ذالك الجرح العميق بعنقه يتساءل عقله من صاحب القلب الحاقد الذي فعل ذلك وسفك عنق إنسان. لام نفسه لما لم يسأل المحقق عن هوية من فعل ذلك، أو بالأصح من فعلت ذلك. المحقق ذكر أن المتهم طبيبة، بأي حق هي طبيبته.
خرج من الغرفة بغضب ساحق تاركًا الزمام لغضبه المهدور. سمع رنين هاتف أسعد الذي لا يهدأ. نظر الاثنان لبعضهما يعلمان هوية المتصل إنها "شكران". نظر أسعد لآصف بإنهمام قائلًا:
"هرد عليها أقول لها إيه؟"
رد آصف بتعسف وغضب:
"قبل ما نرد عليها لازم أعرف مين الدكتورة اللي المحقق قال إنها المتهمة."
بعد دقائق عاد آصف إلى مركز الشرطة ترجل من السيارة وترك أسعد المكلوم، ودلف إلى المركز مباشرة إلى غرفة المحقق وفتحها دون طرق على الباب، وسأل المحقق مباشرة:
"مين الدكتورة اللي قولت إنها المتهمة في قتل أخويا."
فتح المحقق ملف أمامه وقرأ الاسم قائلًا:
"اسم الدكتورة 'سهيلة أيمن الدسوقي الغتوري' وهي محجوزة هنا في الحجز على ذمة القضية."
"مين!؟" هكذا كان رد آصف بصدمة. كان الهول أفقد عقله.
رواية عشق مهدور الفصل السادس 6 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور يومان.
بـ سرايا شُعيب.
بغرفة آصف.
كان يجلس على ذلك المقعد الهزاز بأحد زوايا الغرفه، يتكئ برأسه على مسند الرأس، يُزفر دخان تلك السيجارة الذى لا يخترق عتمة ظلام الغرفه سوا بصيصها الناري.
أغمض عينيه للحظه، سُرعان ما فتحهما بإتساع يحاول نفض تلك الصورة عن خيالهُ، صورة أخيه المغدور. أجل هو مغدور، لكن هنالك سؤال لا يجد عليه جواب: لما سهيله فعلت ذلك؟ وهل فعلت ذلك حقًا؟ أيُصدق ما قاله له المُحقق أنها أدلت بأقوالها وأكدت أنها كانت تحاول إنقاذهُ، أم يُصدق تلك الأدله التى تضعها بمكان المتهمه؟
لأول مره بحياته يشعر أنه تائه. يود أن يكون هذا كابوسً ويسطع الصباح ويفتح عينيه وينتهي. لكن فاق من تلك الأمنيه الواهيه حين شعر بلسعة عُقب السيجارة لإصبعيه. قبل أن يضعها بالمنفضه قام بإشعال سيجارة أخرى منها يُزفر دخانها.
يتذكر أمنيته قبل يومين كان هنالك أمل يسعى إليه بقلبه. الآن يشتعل صراع غاضب بين قلبه الذى يرفض تصديق أن حياة أخيه الأصغر إنتهت بطريقة بشعه، وبين عقله الذى لا يُصدق أن حياة أخيه إنتهت على يد من! حبيبة قلبه التى دائمًا كانت بالنسبه له رمزًا للملائكيه.
بغض النظر عن تحفُظها معه دائمًا، كذالك تهجمها عليه أحيانًا تتهمه بالغرور والتعالي. وحتى إن كان صِدقًا، معها لم يكُن هكذا أبدًا. حتى أنها أحيانًا كانت ما تحاول لفت نظرهُ الى أنه لولا ثراء إسم "شعيب" ربما ما كان "سامر" أصبح طبيب. المال هو من صنع له كِنية طبيب عكسها هى أصبحت طبيبه عن إستحقاق. كما أنها لم تلجأ يومً لوساطة أحدًا، حتى وساطته رفضتها وذهبت الى الفيوم قضت عامً بمكان نائي دون تذمُر منها. تُظهر أمامه أنها تستطيع التكيُف مع إمكانياتها بجداره. تفرض قوتها... قوتها!
هل قوتها تلك هى ما تحكمت بها وسفكت دم أخيه؟ رفض قلبه كل هذا. سهيله أرق من هذا الجبروت. ذم عقله... هى طبيبه وليس صعبًا عليها أن ترى أحدًا يُنازع دون الإهتمام به.
حرب ضاريه بين قلبه الذى يرفض تلك الأدله المبدئيه التى تُدين سهيله، وعقله كـ "قاضي" عليه الآخذ بتلك الأدله التى علم بها سابقًا من المُحقق الخاص بالقضيه. سهيله المتهم الأول، بل والوحيد.
لامه قلبه يلح عليه: لما لا تذهب إليها وتسألها مباشرةً؟
عقله ينهرهُ: أول ما هتبص فى وشها هتضعف وهتصدق أنها بريئه حتى من غير ما تدافع عن نفسها قدامك. بلاش مشاعرك لـ سهيله تخليك تضعف وتضل عن طريق العقاب.
حُسم الآمر الآن بيد سهيله. سُفك دم أخيك. بالغد ستخرج نتيجة تلك الادله، وستكون قاطعه لتلك الحِيرة. إما تؤكد براءة سهيله أو... أو ماذا؟ هل تمكن الحجود من قلب سهيله لدرجة أن تذبح إنسانً؟ لامه قلبه وأشار عليه... عليك الإنتظار قبل أن تتسرع.
***
بمنزل أيمن فجرًا.
أنهي صلاة الفجر ونهض يحمل سجادة الصلاه وقام بثنيها ثم وضعها على مقعد بالغرفه. دلفت سحر بنفس الوقت شعرت بآسف وقالت له: حرمً، برضوا صليت الفجر هنا، على غير عوايدك قبل كده حتى لو الدنيا برد جدًا كنت لازم تروح تصلِ الفجر فى الجامع، وتقول هكسب ثواب بكل خطوه للجامع غير ثواب الجماعه.
تدمعت عين أيمن، وجلس على الطرف الفراش يُخفض وجهه يتنهد بآسى. جلست سحر لجوارة هى الآخرى تشعر ببؤس. وضعت يدها فوق يدهُ وقالت: عارفه إن مضايق من نظرات الناس عيونهم بتجرح. إدعى ربنا يزيح الغُمه دى وتظهر براءة سهيله، وقتها تواجه أهل البلد بقلب جامد ببرأتها.
تنهد أيمن قائلًا: يارب... قبل أن يُكمل حديثه سمع الإثنين رنين جرس باب المنزل. شعرا الأثنين برجفه فى قلبيهم، ونظرا لبعضهما. تسألت سحر بفزع: مين اللى هيجي لى لينا دلوقتي، دول لسه مطلعوش من صلاة الفجر.
نهض أيمن برعشه قائلًا: هروح أشوف مين؟.
بالفعل ذهب محمود نحو باب المنزل يشعر بإرتجاف جسده بالكامل كذالك ترقُب، وهو يفتح باب المنزل. لكن تنهد يأخذ نفسه حين دفعته من كتفه ودلفت الى المنزل مباشرةً تقول بغضب: إنت نايم وسايب البت مرميه فى السجن، قلبي مش مطمن عليها.
تنهد أيمن قائلًا: ومين اللى جايله نوم يا عمتِ.
بنفس الوقت كانت سحر تخرج من الغرفه كذالك طاهر ورحيم، اللذان خرجامن غرفتهم كى يعلمان من الذى آتى بهذا الوقت الباكر. خرجت هويدا بعد قليل من غرفتها تنفض النوم عنها نفخت أوداجها وزفرت نفسها بتذمُر.
بينما نظرت لهم "آسميه" بإستعلام قائله: مالكم كلكم طالعين من الأوض ورا بعض، كآنى جايه فى رد دين، ولا الوقت لسه بدري. الفجر خلاص إدن وكمان خلصوا صلاته وطلعوا من الجامع. وبعدين أنتم نايمين ومرتاحين، مش حاسين بالغلبانه اللى مرميه فى السجن حالها أيه.
تنهدت سحر بآسى، بينما زفرت هويدا نفسها بحقد قائله: يعنى هنعمل لها أيه هنروح نتسجن بدالها.
نظرت لها آسميه بسخط وقالت بأمنيه: ياريت ياخدونى بدالها مش همانع.
نظرت لها هويدا بحقد، بينما وضعت آسميه يدها بداخل ملابسها وأخرجت رزمه كبيره من المال ومدت يدها بها نحو أيمن قائله: خد دول وقوم محامى شاطر خليه يطلعها من الحبس حتى لو بكفاله وأنا هدفعها لها.
نظرت هويدا الى ذلك المبلغ الكبير، سال لُعابها ودت أن تحصل عليه لكن تعلم جدتها جيدًا من ناحيتها لا يوجد تآلف بينهم عكس تآلفها مع تلك الحمقاء التى زجت بنفسها بذلك الإتهام. تعلم جيدًا أنها بريئه من ذلك الإتهام لكن بداخلها تريد أن يثبت عليها حتى يعلم الجميع الوجه الحقيقي خلف تلك المثاليه والبراءه التى تدعيها وتعثر على محبتهم.
بينما نظر أيمن للمال قائلًا: كتر خيرك يا عمتِ إنتِ عارفه إنى قومت لها محامي، وإطلع على القضيه ولسه تقرير الطب الشرعي هيطلع بكره، قصدى النهارده، ويمكن يكون هو سبب برائتها، إدعى لها.
تنهدت آسميه قائله بتمني قائله: ربنا عالم، قادر يفُك كربها.
آمن الجميع على دُعاء آسميه عدا هويدا التى بداخلها إرادة أخرى تتمنى أن تتحقق.
***
صباحً.
بـ سرايا شُعيب.
كان الكرب يسود بين جُدران السرايا. نساء، تنوح برياء، وآخرون يثرثرون فى مقتل ذلك الطبيب الشاب على يد زميله له وإحتجازه بمشرحة المشفى لأكثر من يومين دون دفنه.
هنالك أخرى حاقده، تجلس بغرفة ضرتها تدعى الآسى على حالها، بينما بالحقيقه قلبها شامت وسعيد لكن تحاول رسم الحزن برياء. بداخلها كانت تتمنى أن كان أبناء شكران الثلاث شباب معًا.
مثلت الدموع حين دلف آسعد للغرفه ونظر الى تلك النائمه على الفراش شبه غائبه عن الوعى. شعر بآسى، بينما نظرت له شهيرة ومثلت الحُزن: لابس ورايح فين دلوقتي.
بآسى رد آسعد: جالى إتصال من النيابه خلاص سمحت بدفن... ت Сوقف لسانه عن النُطق للحظه يشعر بقسوة تلك الجمره فى قلبه. لم يكُن يتخيل أن يعيش مثل هذا الموقف يومً، يشعر بداخله كآنه هرم فى العمر فجاةً تضاعف عُمرهُ.
بنفس اللحظه دلف كل من آصف، وآيسر يتشحان بالحُزن، وهما ينظران الى والدتهما التى منذ ان علمت بمقتل أخيهم، رقدت بالفراش مريضه شبه غائبه عن الوعى لمعظم الوقت بسبب تلك الادويه التى يٕعطيها لها الأطباء. لكن اليوم لابد أن تصحو، فاليوم هو يوم وداع "سامر" نهائيًا.
نظرت شهيرة لهم بداخلها حقد. كم تود لهذان الإثنان ذلك المصير أيضًا، لكن رسمت الدموع وقالت: كنت لسه بقول للممرضه الخاصه اللى بتهتم بالحجه شكران بلاش تديها الإبرة اللى بتنيمها طول الوقت دى، غلط على صحتها.
تنهد أسعد بآسى قائلًا: فعلًا كفايه كده، خلاص لازم شكران تتقبل اللى حصل، وتقعد فى وسط الحريم تاخد عزا إبنها.
نظر كل من آصف وآيسر، لوالداهم، يشعران بقسوته ليس لأول مره يلاحظان ذلك. لكن صوت ذلك الهاتف جعلهم يصمتان، حين قام آسعد بالرد بنغزه يشعر أنها قاتله: تمام ساعه بالكتير وهنوصل للمستشفى.
أغلق آسعد الهاتف ونظر لها قائلًا بوجع: خلونا نروح ناخد جثمان سامر عشان ندفنه بعد صلاة الضهر.
نظرا له الإثنين بآسف وآسى، وكاد يذهبان خلفه لكن فى نفس اللحظة فتحت شكران عينيها وعادت للوعى وقالت بدموع ونحيب: بلاش تاخد الإتنين معاك يا أسعد كفايه واحد راح منهم، خلى آيسر هنا وخد معاك آصف.
وافق آيسر على البقاء جوار والداته يحاول مواساتها، بينما ذهب آصف مع آسعد.
***
بعد قليل.
أمام مشرحة المشفى.
إقترب أحد العاملين بالمشفى من آصف ونظر حوله بترقُب ثم أخرج ذلك المُغلف وأعطاه لـ آصف الذى أخذه منه وكاد يفتحه. لكن العامل وضع يدهُ على يد آصف قائلًا، برجاء: بلاش تقراه هنا يا باشا بلاش تضرني، حضرتك قاضى وعارف تسريب معلومات زى دى فيها رفد من وظيفتي.
كاد آصف أن يتجاهل رجاء العامل ويفتح المظروف بفضول وتلهف منه، لكن خروج آسعد ومن خلفه ذاك التابوت جعله يُرجئ الآمر لفيما بعد. لكن تلك اللحظه كانت قاسيه جدًا عليه، لولا تلك النظارة الشمسيه التى تحاوط عيناه لرأى الجميع عينياه اللتان تحولتا الى حمراء مثل عيني الذئب، ليس من السهر فقط بل من هول الموقف عليه. أمامه جثمان أخيه بتابوت موتى، والمتهم بقتله من؟!
يتمنى أن يصفعه أحدًا على وجهه عله يفيق من هذا الكابوس.
بعد قليل بمدافن العائله.
تجمع بعض أكابر البلده وأجوارها للمشاركه فى تشييع جثمان سامر، حتى كان هنالك بعض النساء وعلى رأسهن كانت شهيره وبنتي آسعد من زوجته الاولى. كانت إحداهن تساند شُكران التى أصرت على حضور الوداع الأخير لأصغر أبنائها. كان قريب منها دائمًا منذ صغره لكن بعد أن أصبح شابً يافعًا إبتعد عنها بسبب دراسته كذالك عمله بالمشفى لأوقات طويله، لكن كان الوحيد الذى كانت دائمًا تراه يوميًا عكس أخويه.
إقترب آيسر من مكان دفن سامر وساعد مع آصف بذالك، ثم وقف الإثنين جوار بعضهم، يتلقيان بعض التعازى. لكن إنحنى آصف، وهمس لـ أيسر: ليه جبت ماما هنا المدفن، مش شايف حالتها.
رد آيسر بآسف: حاولت معاها بس هى أصرت وصعبت عليا.
تنفس آصف بآسى وبؤس، يحاول التحمل يتمنى أن يُمر هذا الوقت الكئيب والمُضني.
***
بالنيابه العامه.
إستلم النائب تقرير الطب الشرعى وقام بفتحه وقرائته بتمعُن. لا يعرف لما شعر بآسف. أهو آسف على ذلك الطبيب المغدور الذى إنتهت حياته ببشاعه، أم آسف على تلك الطبيبه التى قتلته، أم هل صدق ما قرأوه بأقوالها فى التحقيقات الأوليه كان صدقً. لكن أىً كان هو ليس سوا جهة توجيه الإتهام والتحقيق فيما معه من أدله، وبقية النتائج تتكفل بها المحكمه.
وضع المُغلف أمامه وقام بإستدعاء أحد معاونيه قائلًا: هاتلى المتهمه فى قضية قتل "سامر شُعيب" من الحجز.
أومأ له المعاون وذهب لتنفيذ أمره. زفر النائب وظل ينتظر الى أن دلف المعاون ومن خلفه سهيله.
نظر له قائلًا: فُك الكلابشات عن إيديها.
شعرت سهيله بإختناق من تلك الأصفاد. صوت فتحها كان مثل صرير رياح قويه بليلة شتاء عاصفه تخترق الأذن تترك الرعب والهلع. إزدردت ريقها بعد أن إزالة المعاون الاصفاد عن يديها.
نظر النائب للمعاون قائلًا: تمام إستنى إنت بره لحد ما أنده لك.
خرج المعاون بينما نظر النائب بتمعُن لـ سهيله. كانت هيئتها سيئه. عيناها الحمراوتان كذالك ملابسها التى مازالت عليها بقايا دماء القتيل، تبدوا ملامحها مُجهده. الخبرة التى إكتسبها من عمله كـ وكيل نيابه وتعامله مع المجرمين ربما أصبح لديه فراسه بوجوه المجرمين، وتلك ليست مُجرمه. لكن هنالك الشِق الآخر لتلك الفراسه وهى أن تكون الوجوه خادعه، وهو مُلزم بحيثيات القضيه.
أشار النائب لـ سهيله على أحد المقاعد قائلًا: إتفضلي أقعدي.
بتوتر وترقُب وقلب يرتجف جلست سهيله على المقعد. نظر لها النائب قائلًا: فى كَم سؤال لازم أسألهم ليكِ، هتجاوبي عليا ولا ننتظر حضور المحامى الخاص بيكِ.
تنهدت سهيله بتوتر وأجابته وهى تزدرد ريقها وحاولت إظهار ثقه وشجاعه: أتفضل إسأل.
وجه النائب لها حديثه مباشرةً يخبرها بما آتى له فى التقرير الطب الشرعى: تقرير الطب الشرعى بيقول إن سبب وفاة المجنى عليه هو حرج غائر فى الرقبه أو بمعنى أصح "بتر" بمشرط طبي أدى لنزيف حتى الوفاة. كمان فى المعاينه تحفظنا على مشرط طبي، وراح فحص الجنايات عشان تحديد البصمات اللى على المشرط، وتقربر البصمات....
توقف النائب للحظه وجذب كوبً من المياه وإرتشف منه القليل ثم وضعه ينظر لـ سهيله بترقب حين أكمل بقية الحيثيات: تقرير البصمات اللى على المشرط بيوضح وجود بصمات المجني عليه، وكمان بصماتك.
تحولت نظرة سهيله له من تماسك الى فزع ونفت ذالك سريعًا قائله: مستحيل أنا كنت بحاول أساعد سامر.
نظر النائب لها قائلًا: للآسف يا دكتورة إنت المتهمه الوحيده فى القضيه، لأن جميع كاميرات المراقبه الموجودة بالمستشفى فى الوقت ده مجابتش خروج أى حد نهائى من المستشفى.
***
بعد إنتهاء عملهما بالبنك.
خرج كل من هويدا وعادل معًا من باب البنك. سارا الإثنان يتحدثان معًا بإقتضاب، الى أن مرا أمام ذلك الصوان الخاص بالعزاء أمام سرايا شُعيب. تنهدت هويدا بنرفزه وتذكرت أختها. كم بغضتها فى هذه اللحظة. هى بغبائها أضاعت منها فرصه. ليتها لم تُخبر آسعد بإسمها كاملًا ذلك اليوم بالبنك. ربما كان ساعدها بالعثور على وظيفه مُلائمه وأعلى شآنًا من عملها بهذا البنك الحقير، الذى تتقاضى فيه مرتب ضئيل.
لاحظ عادل زفر هويدا، وسألها: باين إن النيابه سمحت بدفن إبن أسعد شعيب، ها وسهيله عملوا معاها أيه؟
تهكمت هويدا وقالت: معرفش أنا كنت معاك فى البنك من الصبح، بس طالما النيابه سمحت بالدفن يبقى وصلت لقرار نهائى فى القضية.
تسأل عادل: مش المفروض كنت تتصلِ على عم أيمن تسأليه عن اللى حصل، سهيله تبقى أختك.
ردت هويدا بسخط: للآسف مش معايا رصيد على موبايلى ونسيت أجيب كارت أشحنه، وياخبر بفلوس دلوقتي لما أرجع للبيت هعرف أيه اللى حصل مع سهيله.
إستغرب عادل من برود هويدا، للحظه شعر بالرهبه منها، وشعر أن قلبها جاحد، وكاد يتحدث لكن هويدا تملصت منه قائله: أنا هدخل للصيدله أشتري شويه مستلزمات خاصه.
كاد عادل أن يقول لها سينتظرها حتى تنتهى لكن وقع بصره على إحداهن تسير من بعيد فقال لها: تمام براحتك، هبقى أتصل على عمِ أيمن أطمن منه على سهيله.
زمت هويدا شفتيها بإمتعاض ودلفت الى الصيدليه لم تبقى سوا قليل ثم توجهت الى المنزل.
بينما عادل توجه الى منزله ذلك المنزل الصغير ذو الطابق الواحد، ودلف مباشرةً ينادي: ماما.
خرجت له والداته من تلك الغرفه ببسمه ودوده قائله: حمدلله عالسلامه، تعالى سلم على "عفاف" بنت خالك قاعده معايا فى الاوضه جوه.
دلف عادل الى الغرفه وتبسم بإنشراح يخفق قلبه حين رأى تلك "عفاف". لكن سُرعان ما غص قلبة وهو يتذكر أنه فضل فتاة أخرى عليها. بقى حُبه لها حبيس قلبه، فهو لا يستطيع البوح بحب محكوم عليه بالإفلاس. عفاف ذو تعليم متوسط تعملكـ بائعه بأحد محلات أدوات التجميل ليس لديها مرتب ثابت شهريًا يستطيعان به تحمل نفقات الزواج. كان إختيار العقل لتلك المتغطرسه الجاحده، التى تعمل معه بالبنك يتحمل سخافتها فقط كى يستطيع الزواج وتساعده مستقبلًا فى تدبير نفقات المنزل بينهم مناصفه، رغم أن لديه فِكر عالى برأسه كذالك بعض المهارات، لكن تُعدم تلك الافكار والمهارات أمام الفقر.
****
بينما دلفت هويدا الى منزل والداه. لم تحتاج لسؤال عن سهيله حين رأت والداتها تجلس وتبكي بصِحبة جدتها. لم تقف ذهبت مباشرةً الى غرفتها، ألقت حقيبتها على الفراش وجلست جوارها، لا تشعر بآى شئ سوا أنها بسبب سهيله فقدت فرصه مع ذالك الكهل أسعد.
تهكمت وفتحت حقيبة يدها وأخرجت ذلك الهاتف الخاص بـ سهيله والذى آتى به زميل لسهيله بالمشفى وجده بالصدفه بأحد ممرات المشفى ليلة الحادث. وللصدفه وقتها لم يكُن أحد سواها بالمنزل أخذت الهاتف ولم تُخبر أحد به. هبت تلقائيه منها قامت بفتح نمط الهاتف بسهوله هى رأت سهيله ترسم ذاك النمط أمامها أكثر من مره.
آتت بجهات الإتصال. فوجئت برسائل آصف الغراميه الذى كان يُرسلها لها، عكس ما توقعت أن تكون سهيله هى من تحاول لفت إنتباهه. كانت المفاجأة آصف هو المُغرم، وسهيله كانت تتخذ الدلال الحذر فى ردها عليه. شعرت بالبُغض من سهيله، لكن سُرعان ما تبسمت قائله: طبعًا آصف المُغرم مستحيل يقبل إن حبيبته تكون هى اللى قتلت أخوه.
توقفت للحظه تُفكر بصوت: بس مش يمكن ميصدقش ويحاول يساعدها ويطلعها براءة.
زمت نفسها وقالت: معتقدش ده يبقى غبي. لو صدق كُهنها.
***
مساءً.
سرايا شعيب.
إنفض أول يوم للعزاء. دلف آصف وآيسر الى غرفة والداتهم. شعرا الإثنين بآلم حاد وهما ينظران لوالداتهما الراقده بالفراش غافيه.
نظرت لهم شهيرة وهى تمثل برياء: صعبت عليا مش مبطله نحيب وعياط على المرحوم، قولت للمرضه تديها إبره تنيمها كم ساعه ترتاح شويه. صحيح مفيش حاجه تقدر تنسيها ولا تسليها وجع فراق سامر، بس فى الاول وجع القلب بيبقي شديد ربنا يهون عليها وعلينا. منها لله اللى كانت السبب فى وجع قلوبنا على سامر، إستفادت أيه لما قتلته بقلب جاحد كده. كان عمل لها أيه ده سامر طول عمره محترم وطيب. أنا لو أطولها كنت دبحتها زى ما دبحته. ولا لاء انا مقدرش أشوف منظر الدم، إنما دى بدل ما تكون دكتورة وتساعد الناس، لأ بتقتل بدم بارد. أنا مشوفتهاش ولا أعرفها بس سمعت إنها كانت بتيجي هنا كتير وكانت زميلته وأكيد كان بيعطف عليها وهى بدل ما تشكره قتلته. كان عملها أيه، يمكن كانت عاوزه منه حاجه وهو رفض.
بغضب نظر آصف لـ شهيره، بينما تسأل آيسر: هتكون كانت عاوزه منه أيه، ولما رفض قتلته.
نظرت شهيره لـ آصف الذى عيناه مُنصبه على والداته الراقده وقالت بإيحاء: يمكن كانت بتغويه عاوزه توقعه فى شباك غرامها، وهو محترم ورفضها و....
قاطعها آصف بغِل قائلًا بغضب: أعتقد كتر خيرك إنك كنت جنب ماما اليوم كان طويل وأكيد تعبك، تقدري تروحى ترتاحى وأنا هفضل هنا مع ماما فى الاوضه وإن إحتاجت حاجه الممرضه موجوده.
كادت شهيره أن تتحدث، لكن قاطعها أيسر الآخر بحسم: كتر خيرك، إحنا موجودين.
شعرت شهيره بالبُغض لهما وغادرت لكن بداخلها تشعر بشماته.
بينما جلس آصف على أحد مقاعد الغرفه، جلس آيسر جواره وضع يده على فخذه قائلًا بضنين: لغاية دلوقتي مش قادر أصدق إن سامر مات وخلاص إندفن ومش هشوفه تانى.
أغمض آصف عينيه يتمنى أن تدمع عينيه المُتحجره عساه يشعر بهدنه نفسيه، لكن تحولت عيناه الى وهج دموي، قائلًا: روح إنت كمان إرتاح، أنا محتاج أفضل لوحدي.
إعترض آيسر، يشعر بقلب آصف المُمزق، وقال: لسه التحقيقات شغاله يا آصف، و يمكن سهيله بريئه بلاش تتسرع....
نهض آصف واقفً يقول بحِده: مش عاوز أتكلم فى الموضوع ده، إرحمني وسيبنى لوحدي.
شفق آيسر على حال آصف ونهض وإقترب منه وضع يدهُ على كتفه قائلًا بمواساه: هسيبك مع ماما وهروح أشوف بابا فين، بسبلاش تتسرع الحُكم يا سيادة المستشار.
نظر آصف له بإستهزاء مؤلم وهو يتذكر سهيلة كثيرًا ما كانت تنعته بـ "سيادة المستشار". غادر آيسر وظل آصف مع والداته بالغرفه سمع تنهيداتها المؤلمه وهمسها بإسم "سامر". تذكر ذلك المُغلف الذى أعطاه له العامل، زفر بضيق وهو يتذكر أنه تركه بالسيارة بسبب تلقى العزاء.
***
بين حيطان بارده.
كانت سهيلة تشعر ليس فقط ببروده السجن بل تشعر بالإختناق، للـ الليله الثالثه تقضى الليل بين تلك القُضبان، مع بعض المجرمات. تحاول التجنُب منهن حتى لا تأذيها إحداهن. فكرت بـ آصف ودموع تسيل من عينيها. هل سيصدق أنها قتلت سامر، والجواب يعطيه عقلها: أكيد مصدق بقالى تلات ليالى هنا فى السجن مش معقول معرفش ومجاش من أسيوط.
حاول القلب أن يرسم أمنيه أخرى: أو يمكن مش مصدق أكيد الحجه شكران تعبت وهو قاعد جنبها.
تاهت بين عقلها الذى لا يريد الإنصياع فى أمانى، وقلبها الذى يعلم بمدى عشق آصف لها. لكن هنالك حدس بقلبها يخبرها بآن هذان الشعوران مُخطئان، لتنتهى ليله أخرى عاشتها بظلام يخنقها خلف تلك القُضبان.
***
قبل الظهربـ مقر النيابه.
دلت سهيله الى تلك الغرفه. شعرت بغصه حين رأت والداها الذى كان يجلس مع ذلك المحامى الخاص بها. نهض من أجل أن يستقبلها ويضمها الى صدره قبل حتى أن يفتح العسكري لها تلك الأصفاد. ضمته هى الأخرى وسالت دموع عينيها وقالت بصدق: والله ما قتلته يا بابا.
رفع أيمن يديه يُجفف دموعها قائلًا: مصدقك يا سهيله، حاولي تجمدى.
تنهدت سهيله بإستهزاء من نفسها ليس من قول أيمن الذى يحاول أن يزرع الأمل وقوة واهيه بداخلها. هى أصبحت أضعف بكثير تتماسك غصبًا.
بينما فتح العسكرى الأصفاد من يديها وخرج من الغرفه، جذبها أيمن من يدها لتجلس. تحدث المحامى: الوقت قدمنا قليل. خلونا ندخل فى المهم مباشرةً. طبعًا إنتِ عرفتِ بمستجدات القضيه وإن خلاص كده إنتِ المتهمه الوحيده فى القضيه دى، والقضيه إتحولت لقتل عمد.
نظرت له بذهول سأله: قصدك أيه؟
رد المحامى بتوضيح: أنا أطلعت على حيثيات القضيه. تقرير الطب الشرعي بيقول إن البصمات اللى على المشرط، بصماتك إنتِ والقتيل فقط، ومش معقول القتيل هو اللى هيكون دبح نفسه.
إستغربت فى البدايه من نبرة المحامى الذى شبه يؤكد إتهامها هو الآخر، لكن فجأه تذكرت أنها رأت المبضع كان جوار رأس سامر، ربما وضعت يدها عليه بالخطأ دون إنتباه وقالت بتبرير: أظن أى عقل يميز لو أنا اللى كنت فعلًا دبحته بالمشرط، كان أبسط شئ سيبتهُ ينازع ويموت وخرجت من الاوضه قبل ما حد يشوفنى، مش كنت حاولت أنقذه وصرخت كمان عشان أي حد من المستشفى يساعدنى.
بآسف نظر لها المحامى قائلًا: ياريتك كنت عملتِ كده فعلًا، لآن للآسف الأدله بدِينك، ومفيش قدامك غير حل واحد بس وده كمان مش مضمون إنك تاخدى براءه بس ممكن يخفف الحكم ونبعد عن سكة الإعدام.
إنصعقت وتلآلات الدمعه بعينيها قائله بآسى وآسف: إعدام! أنا كنت بحاول أنقذه.
رد المحامي بتوضيح: للآسف يا دكتوره النيابه لها حيثيات تقرير الطب الشرعى مش بياخدوا بالنوايا الطيبه. إنت متهمه بقتل عمد، ومفيش قدامنا غير إننا نحول القضية، ونقول إن اللى حصل كان دفاع عن النفس، أو بالأصح دفاع عن الشرف.
شرف! قالتها وهى تنظر له بذهول حين أكمل: كمان الخبطه اللى فى دماغك ممكن تساعدنا، ونقول إنك حاولتِ تقاومِ بس بعد الخبطه دى محستيش بنفسك. كمان أنا إطلعت على أقولك فى التحقيقات وكويس إنك نفيتي الإتهام، ده أفضل عشان لما تغيري أقوالك ميبقاش فى تضاد.
شعرت سهيله بتوهان ونظرت لوالداها، الذى تلآلآت الدموع بعينيه، وأخفض وجهه بآسف كآنه موافق على قول المحامى. للحظه تحكم ضميرها وكادت ترفض ذالك لكن جائهاآمر آخر ربما يكون هو طوق النجاة لها. نظرت لوالداها برجاء وقالت: بابا أنا عاوزه أقابل "آصف شعيب".
***
بـ سرايا شُعيب.
إختلس آصف بعض الوقت وترك صوان العزاء وذهب الى مكان صف سيارته، وفتحها وجذب ذلك المُغلف، وقام بفتحه وقراءة محتواه. شعر بإنصهار خلايا جسده.
التقرير يُدين سهيله بوضوح. ثار عقله عليه. يشعر كآن عقله أصبح كتله معدنيه تنصهر تُشعل رأسه. أخيه قُتل، ومن قتله؟! سهيله:!
عشق روحه. يشعر بآلم يتقاسم قلبه. يشعر كآنها غدرت به وذبحته هو، لا ربما لو كانت ذبحته هو كان أهون عليه، ما كان شعر بكل هذا الضنين والبُغض. البُغض، أجل البُغض منها.
كل ما يريده الآن سؤاله: لما فعلت ذالك... أو هل فعلت ذالك؟ لابد من مواجهتها. والآن حسم عقله الآمر ودلف الى السياره وقام بتشغيلها، لا يفكر فى شئ سوا مواجهة سهيله الآن بتلك الأدله، ويسألها لما ذبحت عشقه لها هكذا بنصل حاد بتر أمانيه.
تغيب قلبه وترك الزمام لعقله يسوقه نحو هاويه قد تسحقه هو قبلها.
رواية عشق مهدور الفصل السابع 7 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور يومين.
خرجت يارا من السرايا بلا هدف. أخذتها قدماها إلى ذلك الكافيه القريب من الجامعة. تستغرب ذلك الشعور الذي تشعر به. رغم أن سامر نصف شقيق لها، كذلك لم يكن بينهما انسجام أخوة. فقط كانت بينهما محادثات عادية مثل رفقاء يتشاركون المنزل لبعض الوقت. بالنهاية هم أخوات نصف شقائق. ربما تشعر بزيادة مشاعر قليلة في شعورها نحو آصف وآيسر، لكن بداخل قلبها أكثر. اقترب حزنها كثيرًا على موته شابًا. عقلها يخبرها أن ربما هناك سبب آخر هو بشاعة موته. كذلك حال والدته زوجة أبيها. لا تنكر معاملتها الحسنة لها. وبالأخص منذ أن جاءت للبقاء في كفر الشيخ من أجل استكمال دراستها الجامعية. لم تجد منها نفورًا، عكس والدتها. تشعر دائمًا أنها تبغض أخواتها، سواء البنتان اللتان كانتا من زواج أبيها الأول. وأكثر بغضًا ناحية أبناء "شكران". لأول مرة تشعر بهذا الشعور المحزن والصعب بداخلها. لا تعلم لما أرادت أن تخرج من السرايا اليوم. تود الخروج من تلك الحالة التي تسيطر عليها. أو ربما لسبب آخر بداخلها أمنية، علها ترى طاهر حتى من بعيد دون حديث بينهما.
جلست خلف إحدى الطاولات القريبة من رؤية المارة بالشارع. طلبت من النادل قدحًا من القهوة دون سكر. عيناها تنظر إلى الشارع من خلف نظارتها الشمسية التي تخفي عينيها الحزينة. حتى أتى لها النادل بقدح القهوة. انتظرت لدقائق حتى هدأت سخونتها. جذبت القدح وبدأت ترتشف منه بروية بعدم استطعام حتى انتهت منه. ظلت جالسة لوقت حتى شعرت بالملل من رتابة الانتظار. كذلك رأت بعض زخات المطر الغزيرة خارج الكافيه. كادت تنهض لولا أن رأت طاهر. يهرول للدخول إلى الكافيه هو وبعض زملائه احتماءً من المطر.
بينما هي نهضت. بداخلها رغبة تود السير أسفل ذلك المطر. ربما يغسل عن كاهلها ذلك الشعور السيئ. توجهت نحو مكان الخروج من الكافيه. بنفس اللحظة كان يقف طاهر قريبًا من ذلك المكان ورآها. وكادت تخرج. بتلقائية منه مد يده وأمسك معصمها قائلًا:
"المطرة شديدة قوي بره."
توقفت اللحظات وسادت النظرات بين الاثنين لثوانٍ قبل أن يسمعا صوت سرج الشتاء. أفاق طاهر وترك معصمها متأسفًا:
"آسف إني مسكت إيدك بدون ما أقصد."
نظرت نحو معصمها. شعرت برعشة تسير بجسدها. لا تعلم سببها. أهو ذلك الهواء البارد الذي يسود الطقس؟ أم ازدادت البرودة في جسدها بسبب إقصاء يده عنها. لكن أومأت رأسها بامتثال وابتسامة خرجت مغصوبة منها. بينما هو شعر بأنه أخطأ وتسرع بمسك يدها. كان من السهل تحذيرها شفويًا فقط دون ذلك. لكن لا يعلم لما تلهف وفعل ذلك. كذلك شعر بغصة من ملامحها التي تبدو حزينة. كذلك ود رؤية عينيها اللتين تختفيان خلف تلك النظارة القاتمة.
بِخفوت أجلت صوتها:
"شكرًا، فعلًا المطرة شديدة. ولو خرجت ممكن آخد برد. بس إنت كمان هدومك مبلولة."
خلع ذلك المعطف الجلدي الذي كان يعلو ثيابه قائلًا:
"لأ، المطر على الجاكيت بس."
تبسمت له. عيناها تتمعن لكن انشغلت من أسفل تلك النظارة التي تخفي نظرات عينيه عنه. بينما هو الآخر يود التمعن بالنظر لها لكن يشعر باستحياء وقبل ذلك استحرام. تبسم لها قائلًا:
"بلاش الوقفة دي هنا. الجو عاصف. ادخلي لجوه الكافيه دفا عن هنا."
لا تعلم أهي جرأة منها، أو تلقائية حين قالت:
"تمام. خلينا ندخل نقعد على أي طاولة نشرب نسكافيه أو أي مشروب دافي."
تبسم لها بموافقة قائلًا:
"تمام... بس أنا اللي عازمك."
أومأت له بابتسامة قائلة:
"تمام."
ذهب الاثنان وجلسا خلف إحدى الطاولات. أشار طاهر للنادل الذي أتى مبتسمًا ودون ما طلبه الاثنان. وضع طاهر معطفه على مقعد ثالث بالطاولة. نظر إلى صمت يارا. أراد أن يتحدث معها وسألها يفتح معها حوارًا:
"آه، صلحتي موبايلك في المركز اللي كتبت لك اسمه."
ردت ببساطة:
"لأ، معرفتش أوصل للمكان. بس اشتريت موبايل جديد. بس مش نفس الماركة. ولا حتى نفس إمكانيات الموبايل ده. بس أهو بيقضي والسلام."
تبسم لها قائلًا:
"غريبة. العنوان بتاع مركز التصليح ده مشهور هنا في كفر الشيخ. واضح إنك مش من هنا عشان كده يمكن معرفتيش توصلي لمكانه."
ردت يارا:
"فعلًا. أنا عايشة في القاهرة. أنا هنا بس عشان الجامعة. جواب التنسيق جابني هنا."
ابتسم طاهر قائلًا:
"مالها كفر الشيخ دي؟ مميزة جدًا."
ابتسمت يارا قائلة:
"فعلًا. كمان دي تعتبر بلدي لأن بابا كمان من هنا من كفر الشيخ."
ابتسم طاهر وكاد يسألها عنه، لكن بنفس اللحظة صدح رنين هاتفها. فصمت. بينما هي استأذنت منه وفتحت حقيبة يدها. أخرجت هاتفها. نظرت للشاشة ثم لطاهر وقامت بإغلاق الهاتف دون رد. لم يهتم طاهر لذلك. بينما هي عاودت النظر خارج الكافيه، ثم قالت:
"المطرة باين هديت."
نظر طاهر نحو الشارع وقال:
"واضح كده فعلًا."
ما زالت تود البقاء معه، لكن نهضت قائلة:
"كويس، حتى عشان ألحق سكشن العملي قبل الدكتور ما يدخل المعمل ويقول كلام مش لطيف."
نهض هو الآخر. لكن نظر لها بعتاب حين أخرجت نقودًا من حقيبتها وكادت تضعها أسفل القدح الخاص بها. أمسك يدها مرة أخرى بنُهى قائلًا:
"سبق وقولت إني عازمك عالنسكافيه."
نظرت له بابتسامة وقالت:
"تمام، بس المرة الجاية أنا اللي هعزمك."
أومأ لها بموافقة وترك يدها. وأخرج مالًا من جيبه ووضعه على الطاولة وأشار لها بالسير أمامه. سارت أمامه. لكن توقفت للحظة ونظرت له قائلة:
"على فكرة إحنا متعرفناش على بعض. أنا 'يارا أسعد...'"
كادت أن تُكمل بقية اسمها، لكن لا تعلم لما توقفت عن ذلك. ربما ظنت أنه يعرف اسم والدها، فهو صاحب سطوة كبيرة في المحافظة. أرادت أن يتعرف عليها هي فقط.
تبسم طاهر قائلًا:
"وأنا 'طاهر أيمن'."
تبسمت له. سار الاثنان وخرجا من الكافيه. كان ما زال هناك رذاذ خفيف للمطر. تبسم طاهر لها قائلًا:
"واضح إن العاصفة لسه مهديتش والمطر مستمر. بس على خفيف."
تبسمت له. بداخلها شعور غريب، أو كأنها تأثرت بمشهد رومانسي رأته بأحد الأفلام. عاشقان يسيران أسفل زخات المطر يمسكان بأيديهما. بالفعل تحقق ذلك باختلافات بسيطة. أنها لا تمسك بيده. حتى أنها سرحت بخيالها ولم تنتبه إلى تلك الحفرة الضحلة التي كادت تتعثر بها. لولا أن أمسك طاهر يدها وجذبها بعيدًا عنها قائلًا:
"مش تخلي بالك وإنتِ ماشية. أكيد النظارة معتمة مش شايفة منها."
قال طاهر هذا بدافع داخله أن تخلع تلك النظارة وينظر إلى عينيها. لكن هي وضعت سبابتها على النظارة وعدلتها حول عينيها. لا تود أن يرى عينيها الذابلة بسبب الحزن، أو تفضحها نظرات عينيها له أنها معجبة به. ترك يدها حين ابتعدت عن تلك الحفرة وسارت بجواره إلى أن دخلا إلى الحرم الجامعي. توقف فجأة حين اقتربت منه إحدى زميلاته تبتسم له. تبسم هو الآخر لها ثم وقف يتحدث معها بود، كأن المطر لا يهطل فوق رأسيهما. شعرت بغيرة. لكن استأذنت وتركتهم. رغم أنها تبتعد عنهم، لكن كانت تراقبهما خلال انعكاسهما بنظارتها الشمسية. إلى أن دلفت إلى المعمل الخاص بالمحاضرة. جلست تزفر نفسها تشعر بغضب. لكن سرعان ما تنهدت بابتسامة طفيفة.
بينما طاهر ظل يتبعها إلى أن غابت عن عينيه داخل المعمل. زفر نفسه بابتسامة يشعر بسعادة. لمجرد أن بقى معها ذلك الوقت القليل. سعادة ربما ساهمت في إزاحة ذلك الحزن الذي يتملك قلبه بسبب قضية أخته.
***
بالسرايا.
قبل قليل.
دخلت شهيرة من غرفة شكران تشعر بانتشاء في قلبها من رؤيتها لشكران بهذا المنظر "بائسة". هي تستحق ذلك. تعلم أنها هي من تزوجها أسعد عليها. لكن لديها يقين أن تلك المكانة الخاصة التي لديها لدى أسعد هي أنها أم أبنائه الذكور. لو كانت أنجبت له ذكرًا لكان سهل عليها أن تسيطر عليه أكثر. لكن لسوء قدرها أنجبت فتاتين. وبعد الفتاة الثانية تعرضت لمرض أضطرت بسببه استئصال الرحم دون علم أسعد. حتى لا يراها ناقصة ويبحث عن أخرى غيرها. وادعت اكتفاءها بإنجاب البنتين. تربطان بينهم. تحملت كثيرًا أنها زوجة ثانية. هي من اختارت البقاء بالمكوث بالقاهرة. بحجة أن لديها عملها الخاص بعروض الأزياء. كان سهل متابعة ذلك من أي مكان. لكن ودت أن تكون بعيدًا عن شكران حتى لا تشعر بأن هناك أخرى تمتلك قيمة أكثر منها لدى زوجها. كذلك تتلاعب على اشتياق أسعد لها. هي تعلم أن شكران بسبب مرضها المزمن، قد تقصر ببعض المشاعر الرجولية الذي يحتاجها. لولا هؤلاء الفتية ربما كانت استحوذت على أسعد وحدها. ها هو واحدًا منهم قد فارق الحياة. ليت الاثنان الآخران يلحقان به بأقرب وقت. وقتها هي من ستضع يديها على كل ما يملكه أسعد. بغض النظر عن ابنتيه من زوجته الأولى. لكن حتى هاتان لديها لهن حل. لو أعطت لهن الطفيف سيرضيان به. فهو يضع لكل منهن مبالغ طائلة باسمهن بالبنوك. كذلك كتب لهن قطع أرض بأسمائهن. يكفيهن هذا. هي فقط وابنتيها لم يكتب لهن شيئ. فقط مبالغ مالية لا تحسب. يكفي لقد تحملت كثيرًا.
وهجت عينيها بنظرة تشفي وتمني. سرعان ما أخفتها بنظرة تصعب حين دلف أسعد إلى الغرفة. مثلت أنها كانت تبكي وهي تجفف عينيها بمحرمة ورقية. نظر أسعد نحو الفراش وشعر بآسف على تلك الراقده غافية بفعل بعض الأدوية.
تنهدت شهيرة بادعاء الآسف قائلة:
"صعبة عليا. ربنا يصبر قلبها. هو كده الفراق صعب في أوله. وده ابنها وموته صعبة علينا كلنا. ما بالك هي قلب أم غير مرضها كمان."
تنهد أسعد يشعر بآسف هو الآخر. ثم نظر إلى شهيرة سائلًا باستخبار:
"إنتِ لابسة كده ليه؟ رايحة فين؟"
ازدردت شهيرة ريقها وأجابته:
"أنا مسافرة القاهرة. 'رامز' أخويا اتصل عليا وبيقولي فيه مشكلة في الأتيليه ومش عارف يحلها. هسافر القاهرة أحلها وهرجع آخر النهار تاني."
نظر لها أسعد سائلًا:
"وأيه هي المشكلة دي بقى اللي مايعرفش يحلها؟"
ردت شهيرة بتفسير:
"كان فيه زبونة مهمة اختارت مجموعة فساتين من الديفليه اللي كنت عاملاه آخر مرة. وهو غلط وحط لها مجموعة تانية. وهي زبونة مهمة للأتيليه. ولازم أنا أحاول أصلح الغلط ده معاها عشان مخسرهاش. دي من أهم زباين الأتيليه. وهو من غير ما يسألني اداها معاد النهارده بعد الضهر. هروح ومش هغيب. يادوب هراضيـها. ومسافة السكة، يعني المسا هكون هنا."
نظر أسعد لشهيرة. بداخله شعر بغصة. يعلم أن شهيرة بالتأكيد ملّت من البقاء هنا. لكن تنهد باستسلام قائلًا:
"تمام. بلاش ترجعي في نفس اليوم. كده كده فيه هنا اللي يراعي شكران. وكمان آصف وآيسر هنا. وكثر خيرك الأيام اللي فاتت كنتِ معانا."
وضعت شهيرة يديها حول خصر أسعد ورفعت وجهها تنظر له ومثلت الحزن قائلة بعتاب:
"أنا مش غريبة يا أسعد. المرحوم سامر يبقى أخو بناتي. وكان له مكانة خاصة عندي. ربنا يعلم حزنت عليه قد إيه. وكمان زعلانة أوي على حالة شكران. هي صحيح ضرتي وبتشاركني فيك بس ربنا العالم حزينة على حالها قد إيه وقلبي متقطع عليها. لو كان رامز كلمني قبل ما يحدد مع الزبونة الميعاد كنت قلت له أجله الفترة دي. أو حتى خد منها المجموعة وأما أرجع أبقى أتفاوض معاها. بس هو قالها إني أنا اللي هقابلها في الأتيليه. ومن الذوق والصدق إني أقابلها بنفسي زي ما قال لها."
استسلم أسعد قائلًا:
"تمام... بس لو الوقت اتأخر بلاش ترجعي في الضلمة. باتي هناك في القاهرة وابقي تعالي بكرة."
أومأت شهيرة برأسها وهي تسحب معه أسعد للخروج من الغرفة قائلة:
"شكران نايمة. بلاش تزعجها. اتمشى معايا لحد مكان العربية."
توقف الاثنان أمام سيارة تقف بالحديقة. نظر أسعد للسيارة سائلًا:
"فين السواق؟"
ردت شهيرة:
"راح يوصل يارا للجامعة."
أخرج أسعد هاتفه وكاد يهاتف سائقًا آخر. لكن وضعت شهيرة يدها على الهاتف قائلة:
"هكلم مين؟"
رد أسعد:
"هكلم أي سواق تاني يجي يوصلك للقاهرة."
ردت شهيرة:
"لأ، مالوش لازمة. إنت عارف إني بعرف أسوق عربيات كويس ومعايا رخصة قيادة. كمان مش أول مرة أجي للبلد وعارفة الطريق. كمان العربية فيها GPS هيوجهني عالطريق بسهولة."
كاد أسعد أن يرفض ذلك. لكن هي أصرت. استسلم لها قائلًا:
"تمام، بس زي ما قولتلك لو اتأخرتي باتي في الفيلا."
أومأت شهيرة برأسها وتوجهت نحو باب السيارة وفتحتها وصعدت إلى داخلها. ثم فتحت زجاج الشباك وأشارت له بيدها. وقامت بتشغيل السيارة وغادرت. تتنهد بارتياح بعد أن خرجت من باب السرايا. قادتها تشعر كأنها كانت حبيسة وتحررت. لكن فجأة توقفت بالسيارة حين رأت أمامها أكثر من تشعبة للطريق. احتارت أي طريق تسلك حتى يوصلها إلى الطريق الرئيسي للبلدة الذي يوصلها ببداية الطريق السريع. زفرت نفسها بغضب وهي تنظر نحو جهاز الخريطة الخاص بالسيارة. لم يعطها إشارة لأي طريق. زفرت بغضب قائلة:
"حتى GPS مش شغال هنا. مفيش قدامي غير إني أسأل أي حد ماشي عالطريق."
عاودت السير بالسيارة إلى أن رأت شابًا يسير على جانب الطريق. فتحت زجاج باب السيارة ونظرت على الطريق. توقفت حين رأت وأشارت له قائلة:
"لو سمحت... من فضلك."
نظر لها الشاب ثم ذهب نحوها. سألته:
"لو سمحت أنا مش من البلد هنا ومش عارفة آخد أي طريق قدامي يوصلني للطريق السريع."
وقف للحظة مأخوذ من تلك المرأة التي تبدو راقية. كذلك خصلات شعرها التي تدلت وتطايرت بسبب هواء الطقس السيئ من أسفل وشاح رأسها الذي انزاح للخلف. للحظة صمت. لكن أجابها حين عاودت سؤاله ودلها على بداية الطريق. شكرته ثم عادت تقود السيارة نحو الطريق الذي وصفه لها غير مبالية. بينما هو ظل مكانه متصنمًا للحظات ينظر في أثر السيارة التي بدأت تبتعد عن مرأى عينيه. تنهد بحسرة قائلًا:
"عربية زي دي كفيلة بحل كل مشاكلك يا عادل. وتقدر وقتها تحل نفسك من الارتباط بـ هويدا. اللي بتتحمل عجرفتها عشان مرتب ملاليم."
***
بعد الظهر.
بمنزل أيمن.
نفضت سحر بقايا ذلك الطعام الذي شبه لم يأكل أحد. بنفس الوقت صدح رنين جرس باب المنزل. ذهب رحيم وفتح الباب للطارق. ثم عاد بصحبته. نظر أيمن ورسم بسمة خافتة قائلًا:
"أهلًا يا عمتي. الدار نورت."
ردت أسيميه:
"الدار هتنور لما ترجع سهيلة قريب يارب."
تبسم أيمن بغصة. بينما قال رحيم:
"أكيد سهيلة هترجع يا تيتا. تعرفي عيل رزل زميلي النهاردة بيقولي أختك هتكمل بقية حياتها في السجن. كنت هضربه. وقولت له سهيلة قلبها أبيض وبكرة هتطلع وترجع للدار. وأنا هبقى ظابط وهدافع عنها."
تبسمت سحر بدمعة وهي تربت على شعره. كذلك قالت أسيميه:
"أيوه يا حبيبي. أي حد يتكلم على سهيلة بسوء ربنا ينتقم منه."
تهكمت هويدا قائلة:
"البلد كلها بتتكلم عنها يا تيتا. أنا بقيت أنكسف أبص في وش زمايلي في البنك. نظراتهم كلها اتهام. كأني أنا اللي قتلت مش هي."
نظرت لها أسيميه بغضب قائلة:
"سهيلة مش مجرمة وتبقى أختك. واللي يسمعك يقول مصدقة إنها تقتل. مع أن المفروض إنتِ اللي تدافعي عنها."
تهكمت هويدا قائلة:
"أدافع عنها؟ طب أقول إيه. أنا نفسي مش فاهمة إيه اللي حصل لعقل سهيلة. طب لو هي بريئة ليه الأدلة بتقول عكس ده."
نظرت لها أسيميه بغضب وقالت:
"حتى لو مش واثقة في براءتها. هي أختك والمفروض ما كنتيش تقولي كده."
نظرت هويدا لها باستهزاء. بينما نظر أيمن وسحر لبعضهما يشعران بآسف من رد هويدا. لكن دلف إلى الغرفة طاهر. بعد أن ألقى عليهم السلام. أخرج من جيبه مبلغ مالي ووجهه ناحية أيمن قائلًا:
"بابا أنا كنت عامل جمعية مع أصحابي في الجامعة. كنت هشتري لاب توب جديد. بس اللي عندي حالته كويسة ويستحمل. خد الفلوس دي وخلي المحامي حتى يطلع سهيلة بكفالة لحد براءتها ما تظهر."
تبسمت أسيميه ووضعت يدها على كتف طاهر بمحبة. ثم نظرت لهويدا التي شعرت بخزي. لكن لم تهتم بنظرات أسيميه لها. بغضت نظرات أسيميه لها. تعلم دائمًا أنها تبادلها نفس الشعور. لكن لم تهتم إلا لذلك المال الذي وضعه طاهر فوق فخذ والده. كادت تقول له يكفيك غباءًا. احتفظ بمالك قد ينفعك مستقبلًا.
***
ليلًا.
بسرايا شعيب.
بغرفة شكران، على ضوء شبه خافت.
كان آصف يجلس على أحد المقاعد بالغرفة. يغمض عينيه. سمع هذيان شكران وهي نائمة، كذلك همسها كأنها تنتحب. نهض من مكانه وذهب نحو الفراش. نظر لوجه شكران. رأى لمعة تلك الدمعة التي سالت من عينيها على وجنتيها. تنهد ببؤس. حتى وهي غائبة عن الوعي تبكي. انشطر قلبه. رؤية والدته هكذا هزيلة وطريحة الفراش نائمة معظم الوقت بسبب الأدوية. رغم ذلك تشعر بالآسف.
توجه ناحية باب الغرفة وخرج بهدوء. توجه إلى شرفة كبيرة قريبة من غرفة والدته. وفتح بابها. وتقدم للأمام يتنفس ذلك الهواء البارد يلفح وجهه. يشعر أنه مثل الشرد. أخرج علبة سجائره والولاعة. أشعل واحدة وزفر دخانها ينظر إلى ذلك الضباب الذي أمامه يخفي أثر المكان. يشعر أنه بداخله معتم مثل هذا الضباب. تذكر قبل يومين أنه كان قرر الذهاب إلى سهيلة وسؤالها: هل فعلت ذلك. لكن توقفت أمامه سيارته الخادمة وأخبرته أن والدته سقطت مغشيًا عليها وهي تجلس بين النساء اللاتي أتين للعزاء. نسي أمر الذهاب لسهيلة. أو بمعنى أصح أرجأ ذلك لحين يطمئن على صحة والدته التي تم نقلها إلى إحدى المستشفيات. وظل مرافق معها إلى صباح اليوم حين أصرت على الخروج من المستشفى. غصبًا وافقها. لكن لابد من مواجهة بينه وبين سهيلة. قرر لن يكون هناك تأجيل. بالغد سيذهب لها. ذمه عقله: اذهب لها لكن احذر، قد يلين قلبك أمامها. تهكم على حاله: أي قلب يلين وهو يرى كل ذلك البؤس حوله.
أخرجه من دوامة أفكاره شعوره بمعطف وضع على كتفيه. كذلك يد تربت عليه قائلًا:
"آصف. إيه اللي موقفك في التراس كده وكمان فاتح الباب؟ الجو برد جدًا."
استدار ينظر لصاحب الصوت، قائلًا:
"بابا. إيه اللي صحاك دلوقتي."
بآسف رد أسعد:
"مين اللي قالك إني كنت نايم. تعالي ندخل لجوه الجو برد. ممكن تاخد لطشة هوا في صدرك."
امتثل آصف لوالده ودخل معه إلى داخل السرايا وأغلق باب الشرفة. جلس الاثنان معًا. تحدث آصف بسؤال:
"بابا. إنت بتحب ماما؟"
استغرب أسعد من السؤال وتساءل:
"قصدك إيه؟ مش فاهم. أكيد بحبها. وإلا ماكنتش عشت معاها الفترة دي كلها."
رد آصف بتفسير:
"مش قصدي حب العشرة اللي بينكم. قصدي حبيتها كـ حبيبة. إنت فاهم قصدي."
تنهد أسعد قائلًا:
"مش عارف قصدك. بس أكيد حبيتها واتفاهمنا وولفنا مع بعض."
تهكم آصف وفجأة بقوله:
"طب طالما حبيتها ليه اتجوزت عليها طنط شهيرة."
ارتبك أسعد وأجابه بهدوء:
"كل شيء نصيب."
ردد آصف نفس الجملة:
"كل شيء نصيب. زي ما اتجوزت ماما وإنت على ذمتك زوجة أولى. كمان رحت اتجوزت عليها زوجة تالتة."
استغرب أسعد حديث آصف وقال بتوضيح وتبرير:
"أنا لما اتجوزت من شكران مراتي الأولانية كانت مريضة. والدكاترة قرروا أنها أصبحت في مراحل مرضها الأخيرة ومبقتش تقدر تديني حقي كزوج. وإنت فاهم أنا أقصد إيه. وأنا كنت شاب وقتها ودورت على اللي ناقصني في الحلال."
تهكم آصف قائلًا:
"في الحلال! طب ولما اتجوزت من الليدي شهيرة كانت ماما ناقصها إيه."
زفر أسعد نفسه ببداية غضب قائلًا:
"مكنش ناقصها حاجة. بس سبق وقولت ده النصيب. وأنا ما أثرتش في حق شكران. وعدلت بشرع ربنا. يمكن كمان كتير بميز مامّتك عن شهيرة."
تهكم آصف وكاد يتحدث ويسأله بأي شيء ميزها. لكن صدح رنين هاتف أسعد جعله يصمت حتى انتهى من الرد على الهاتف قائلًا:
"تمام يا شهيرة. باتي عندك مش مشكلة. تصبحي على خير."
أغلق أسعد الهاتف ونهض واقفًا يقول:
"أنا حاسس بصداع هيفرتك راسي. هروح آخد منوم يمكن يعمل مفعول وأقدر أنام. كل ده بسبب المجرمة اللي قتلت أخوك بدم بارد. بس أنا مش هسيبها قبل ما آخد حق سامر منها مضاعف. هخليها تتمنى إنها كانت تموت قبله."
للحظة ارتجف قلب آصف وكاد يبوح له أن تلك هي من يهواها قلبه. لكن حاول الهدوء قائلًا:
"سيب لي أنا الموضوع. أنا هتصرف فيه."
أومأ له أسعد بموافقة وتركه وغادر. ظل آصف جالسًا. يزفر سيجارة خلف أخرى وأفكار تتداول برأسه حتى تنهد بعين تنضح بقسوة هامسًا: "سهيلة".
***
على الجانب الآخر بزنزانة مظلمة.
كانت سهيلة جالسة على فراش شبه بالٍ تدفن وجهها بين ساقيها تبكي تشعر بضياع.
يعود لذاكراتها تلك الزيارة الصباحية لوالدها حين أخبرها أنه ذهب للقاء آصف لكنه رفض مقابلته. شعرت بآسف وبؤس. هل صدق آصف أنها قتلت حقًا وتخلى عنها؟ كان الجواب سهلًا: أجل صدق ذلك. والدليل رفضه مقابلة والدها. لم يعد هناك طوق آخر لديها. كانت تتمنى أن يكون آصف هو ذلك الطوق حين تخبره أنها بريئة ويصدقها. ولكن انتهى ذلك. وعليها أخذ القرار الذي في مصلحتها كما طلب منها المحامي. فطول الوقت ليس في مصلحتها. تنهدت بندم وآسف تهمس: "آصف".
***
صباح اليوم التالي.
بمركز الشرطة.
دَلفت سهيلة إلى غرفة وكيل النيابة. نظرت إلى ذلك المحامي الذي يجلس معه. أومأت رأسها له. كذلك فعل المحامي. بينما نظر وكيل النيابة إلى ذلك العسكري وأمره قائلًا:
"فُك الكلابشات."
فعل ذلك ثم غادر. بينما نظر وكيل النيابة لها قائلًا:
"المحامي بتاع حضرتك بيقول إن عندك أقوال جديدة عاوزة تدلي بيها. أتمنى تكون في مصلحة القضية."
توترت سهيلة للحظة. لكن نظرة المحامي لها جعلتها تومئ برأسها بموافقة.
تحدث الوكيل لها قائلًا:
"تمام. اتفضلي اقعدي عشان أسمع أقوالك الجديدة."
جلست سهيلة بمقعد مقابل للمحامي صامتة حتى سألها وكيل النيابة:
"وأيه هي أقوالك الجديدة؟"
ازدردت سهيلة ريقها الجاف وقالت:
"بصراحة أنا ما قتلتش سامر."
قالت هذا وتوقفت للحظات حتى حثها وكيل النيابة على مواصلة أقوالها قائلًا:
"سبق وقولتي كده. وتقرير الطب الشرعي أكد بصماتك إنتِ والقتيل عالمشرط."
ابتلعت سهيلة ريقها وحاولت الثبات قائلة:
"أقصد يعني إن اللي حصل كان دفاع عن النفس. وبالغلط المشرط وصل لرقبة سامر."
استغرب الوكيل سائلًا:
"قصدك إيه؟"
ردت سهيلة بعد معاناة مع ضميرها. لكن إيماءة المحامي لها وقوله:
"دكتورة سهيلة، يا ريت توضحي لوكيل النيابة اللي حصل بالضبط."
حثها بتردد منها تفوهت بتسرع:
"أنا كنت بدافع عن شرفي."
***
بنفس الوقت بـ سرايا شعيب.
دلف آصف إلى غرفة والدته كي يطمئن عليها قبل أن يخرج من السرايا. وجدها تجلس على الفراش مستيقظة. لكن صامتة فقط تسيل دموعها. من يراها يشعر بالآسف. زفر نفسه بغضب. لكن بنفس الوقت دلف أسعد إلى الغرفة. بمجرد أن رأته شكران بكت أكثر. غص قلب آصف من ذلك وكاد يجلس بجوارها يواسيها لولا أن صدح رنين هاتفه. نظر إلى شاشته. سرعان ما خفق قلبه. قام بالرد يسمع حديث الآخر له حتى انتهى.
بعصبية مفرطة أغلق الهاتف. يديه تكاد تكسر الهاتف من الغضب.
تساءل أسعد:
"مين اللي كان بيتصل عليك."
نظر آصف إلى والده باستهجان قائلًا:
"زي ما توقعت. القضية هتتحول لدفاع عن النفس. المجرمة غيرت أقوالها وقالت إن سامر حاول يعتدي عليها. وقتلها له كان دفاع عن شرفها. دلوقتي ممكن تخرج من السجن إخلاء سبيل على ذمة القضية. وتتحاكم وهي خارج السجن ومش بعيد تاخد براءة أو حتى أقصى حكم سجن مع إيقاف التنفيذ."
وقف أسعد بغضب قائلًا:
"مستحيل ده يحصل. مش هسيبها تنفد بدون عقاب. لو وصلت هبعت لها اللي يقتلوها قبل ما تطلع من السجن. أو ليه يقتلوها؟ يبقى رحمتها. أنا هخليهم يغتصبوها وتقتل هي نفسها خوف من نظرات الناس ليها زي ما هي بتدعي على المرحوم بالكذب."
بينما آصف رغم تأجج النيران بقلبه، وهو يرى دموع ونحيب والدته. لكن بلحظة أتت له فكرة يستطيع بها أخذ القصاص ويثأر ليس فقط لأخيه المغدور بل أيضًا للعدالة الضائعة خلف أكاذيب وافتراء تلك المجرمة. ونظر لوالده بغضب يسحق قلبه دون رد. وحسم قراره. لم يبق داعٍ للمواجهة مع سهيلة. هي من حسمت مصيرها معه.
رواية عشق مهدور الفصل الثامن 8 - بقلم سعاد محمد سلامة
وحشتيني!
سمعتها وهي تلتفت خلفها تنظر له. سُرعان ما شعرت بانشراح في قلبها، وبخطوات سريعة كانت تقطع تلك المسافة القليلة بينهم. وقفت أمامه تلتقط نفسها، تهمس اسمه بشوق: "آصف، كنت متأكدة..."
قطعت بقية حديثها حين استدار وأعطى لها ظهره، يسير يبتعد عنها بالسير بين أشجار تلك الحديقة. استغربت ذلك، لكن سارت خلفه. لكن فجأة شعرت كأن أغصان تلك الأشجار تمدد بعروشها أمامها، وكلما حاولت إزاحتها عن طريقها جرحت يديها بأشواكها الحادة. توقفت تشعر بأن تلك الأشواك أصبحت تغزو جسدها، ودماءها أصبحت تسيل فوق تلك الأشواك. نظرت أمامها، حاولت الاستنجاد بـ آصف، نطقت اسمه بصعوبة. توقف للحظة واستدار ينظر لها، لكن فجأة خافت من عينيه اللتين نظر لها بهما. شعرت كأنهما فرحان بما أصابها من جروح بسبب تلك الأشواك.
نهضت مفزوعة تنظر حولها. كانت المكان شبه مظلم، ضوء يكاد يكون مُعدم بالزنزانة. ظلت لدقيقة غير مستوعبة ذلك الحلم. لكن كان تفسيره واضحًا. رفض آصف لمقابلة والداها ليس لها تفسير آخر غير أنه صدق أنها ليست بريئة وتخلى عنها.
سالت دموع عينيها، تشعر أن قلبها هو من يئن ويبكي بألم. تذكرت حديث وكيل النيابة لها وهو يسألها صباحًا: "كيف قتلته؟" أجابته أنها لم تدري بشيء بعد أن تلقت تلك الضربة على رأسها، وحين عادت للوعي وجدت سامر ينزف من عنقه. حاولت إنقاذه. لكن كانت الصدمة الكبرى لها حين قرر وكيل النيابة إعادة تمثيل الجريمة بنفس المكان بالمشفى بالغد. شرد عقلها، ماذا ستمثل؟ تنهدت بأسى، تشعر بضياع. فجأة انقلبت حياتها دون سبب. والسؤال الأسوأ التي تخشى إجابته: هل من الممكن أن يكون كل ما تعيشه كابوسًا، أو ربما أنها تشاهد فيلمًا لبطلة غيرها مقهورة؟ لكن الجواب كان صعبًا. هي بطلة تلك القصة التي دلفت لها بقدميها. ليتها تجاهلت كل ما سمعته وتركت سامر لشأنه طالما أنه بعيدًا عنها. نظرت حولها، ازدادت دموعها، حين أدركت أن الليل ما زال بأوله، وما أطول ليالي الشتاء أمام بؤس قلبها.
***
على طاولة سفرة العشاء. ترأس الطاولة آصف، وعلى أحد جانبيه جلس آسعد، وجواره آيسر. وعلى الناحية الأخرى كانت تجلس كل من يارا الشاردة، وجوارها شهيرة التي كانت عينيها مُنصبة على آصف العابس الذي يعبث بالملعقة في الطبق الذي أمامه، يبدو شارد الفكر. تعمدت الحديث عن قصد منها، تمثل الأسى والحزن: "الحاجة شُكران الله يكون في عونها. لما ببص لها قلبي بيتقطع عليها. مش عارفة المجرمة اللي قتلت سامر دي معندهاش قلب، إزاي خانت العشرة، ونسيت عطف الحاجة شُكران عليها."
رفع آصف وجهه عن الطبق ونظر لشهيرة بعبوس قائلًا باستفسار: "وعرفتِ منين إن ماما كانت بتعطف عليها؟"
ارتبكت شهيرة وأجابته: "أنا سمعت بعض النسوان اللي جم للعزا وهما بيتكلموا إن سهيلة، مش اسمها سهيلة برضه."
أومأ آسعد رأسه بنعم.
بينما استطردت شهيرة الحديث تود إثارة غضب آصف: "سمعتهم بيقولوا إنهم كانوا بيشوفوها تيجي للسرايا كتير، كمان كان ليها مكانة خاصة عند الحاجة شُكران، بس هو فيه نوعية كده بتبقى خسيسة وتنكر المعروف."
شعر آصف بالغضب ورمقها بحنق قائلًا بسخط: "مكنتش أعرف إن الليدي شهيرة بتسمع لنم النسوان اللي المفروض إنهم جايين يعزوا مش يتهامسوا على مين يستاهل أو مين خان المعروف، وماما مكنتش بتعطف على سهيلة من الأساس، بلاش تصدقي همس الحريم الفارغ."
تفاجأت شهيرة من رد آصف الذي شبه دافع عن تلك المجرمة، لكن لم تستسلم وقالت بإيحاء: "اللي يسمعك يقول بدافع عن المجرمة اللي بسببها فقدنا سامر غير زيادة مرض الحاجة شُكران."
نظر لها آصف بتهكم وصمت لدقيقة، ثم نهض من على مقعده دون رد.
بينما استغرب آسعد ذلك سائلًا آصف: "رايح فين؟ مش هتتعشى."
نظر آصف لشهيرة بامتعاض ثم قال ببرود: "شبعت، هطلع الجنينة أشرب سيجارة."
رغم شعور شهيرة ببغض آصف لها، لكن تشعر بداخلها بانشراح ليس غريب عليها. بينما نهض آيسر هو الآخر متحججًا: "أنا كمان شبعت، هطلع أطمن على ماما وبعدها هنام. من بكرة هرجع أستأنف شغلي في الطيران، تصبحوا على خير."
شعرت شهيرة بالحقد سواء على آصف كذلك آيسر. نظرت نحو يارا التي تبدو شاردة وتهكمت عليها قائلة: "وإنتِ مش عندك محاضرات في الجامعة بكرة."
نهضت يارا كأن شهيرة أعطتها حجة للنهوض هي الأخرى وقالت: "فعلاً، عندي بكرة سيكشن عملي وكمان امتحانات نص السنة قربت، هطلع أنام. تصبحوا على خير."
شعرت شهيرة بالضجر من رد فعل يارا ونظرت لآسعد الذي يظهر على ملامحه هو الآخر الحزن الشديد. شعرت بامتعاض من ذلك، لكن أكملت عشاءها تحاول جذب آسعد للحديث معها رغم عدم رغبتها بالطعام.
***
بينما خرج آصف إلى حديقة السرايا، شعر بنسمة هواء باردة اخترقت جسده. زفر نفسه بسخونة تخرج من قلبه عكس تلك البرودة. توقف للحظات ثم نظر نحو إحدى تلك الغرف الموجودة بالحديقة، ذهب نحوها مباشرة. قام بفتحها ودخل إليها. نظر إلى تلك الأجهزة الرياضية الموجودة بالغرفة، شعر بغضب يزداد في قلبه. خلع عنه سترته الثقيلة وخلفها باقي ثيابه، ظل فقط بسروال حول خصره، وتوجه ناحية ذلك الكيس الرملي المعلق. جذب قفازين للملاكمة وضعهما بيديه، ثم بدأ بلكم ذلك الكيس الرملي، لكمات تزداد عنفوان وقوة مع الوقت، يشعر برغبة أقوى للتنفيس عن مكنون قلبه الغاضب. ظل لوقت يلكم الكيس الرملي حتى شعر ببوادر إرهاق. ترك اللكم وجلس على أحد المقاعد بالغرفة، يلهث يتصبب العرق بكامل جسده وبغزارة أقوى فوق جبهته يسيل على عينيه اللتين تحجرتا. ربما يود البكاء على ذلك الشعور القاسي في قلبه يهدأ، لكن مقلتيه كأنهن أصبحن من صخر. أغمض عينيه يعتصر ذلك العرق الذي وصل لأهدابه.
جالت أمامه عيناه صورة سهيلة وآخر لقاء بينهم. تذكر حديثها. للحظة شعر كأن هذا اللقاء كان مثل "لقاء الوداع" بينهم. تذكر بقية حديثها الحاد معها ذلك اليوم.
[فلاشــــ/باك]
ألقت سهيلة تلك الفتاتيت من العيش على طول يديها فوق مياه البحيرة. تبسمت على صراع تلك الطيور التي تهبط للمياه تلتقط تلك الفتاتيت. تهكم آصف على تلك الطيور قائلًا: "مش عارف بيتخانقوا على إيه دي فتاتيت عيش؟"
عادت سهيلة بنظرها له وقالت له: "بالنسبة لك فتاتيت عيش، بس بالنسبة للطيور دي مش حاجة ضئيلة دي كنز هتسد جوعهم لحد بكرة. بعدين مجاوبتش على سؤالي."
نهض يقف جوارها، وضع يده فوق يدها الموضوعة على صاري بالمركب قائلًا بإدعاء التذكر: "سؤال إيه مش فاكر؟"
نظرت له سهيلة بضيق وسحبت يدها من أسفل يده وضيقت عينيها تعلم أنه يتخابث عليها وقالت بتكرار: "مع إني متأكدة انت فاكر كويس أوي سؤالي بس مفيش مانع أسأله تاني... ليه اخترت تبقى قاضي في المحكمة؟"
في البداية شعر آصف بضيق من سحبها يدها، لكن نظر لها ببسمة عيناه تنضح عشقًا لها مجاوبًا: "بس أنا جاوبتك وقولت لك إن مكنش قدامي غير التدريس في الجامعة، وده مكنش من أهدافي، أنا مش بحب التدريس، كان المتاح قدامي آخد سلك القضاء، وده كمان الأفضل ليا، بغض النظر عن التنقلات في أماكن كتير، بسبب طبيعة وظيفة القاضي، ده غير مشا مشاكلها، آخرها إني كنت معرض للإغتيال والدليل قدامك أهو إيدي المرفوعة على صدري في قلب حامل طبي."
نظرت له وفكرت قليلًا، ثم قالت: "بس معتقدش ده السبب الوحيد إنك اخترت تبقى قاضي، عندي يقين في سبب تاني."
أزاح آصف يده التي كانت على الصاري، ومدها ناحية وجهها كي يقوم بإزاحة طرف وشاح رأسها الذي تطاير بسبب هواء البحر يُخفي وجهها قائلًا بمغزى: "يمكن التواصل العاطفي بينا خلاكِ تفهميني أكتر من نفسي."
تراجعت بوجهها للخلف بعيدًا عن يده ورفعت طرف وشاح رأسها عن وجهها وقالت له: "مغرور، بس هقولك سبب اختيارك للقضاء السبب هو 'السلطة'. انت بتحب السلطة يا آصف، بتحب يكون لك أمر واجب النفاذ على غيرك."
ضحك آصف وهو يعود للجلوس، بينما استطردت سهيلة الحديث بتوضيح: "بس في رأيي انت اخترت الطريق الأصعب، يا سيادة القاضي، الحكم على الناس مش سهل زي ما أنت فاكر."
تبسم آصف قائلًا: "وأيه الصعب، أنا بحكم بالأدلة والبراهين والمعطيات اللي قدامي."
تسألت سهيلة: "كل ده مش عملية حسابية مضمون نتيجتها، وفين روح القانون؟ أوقات الأدلة والبراهين والمعطيات مش بيبقوا كفاية عشان تحكم بيهم. سمعت مرة جدتي 'آسمية' بتقول مثل شعبي (كذب مساوي أحسن من صدق منعفش)."
ضحك آصف قائلًا: "مش فاهم معنى المثل ده إيه، وأيه دخله في القضاء."
فسرت سهيلة له المثل: "يعني أوقات الكذاب بيعرف يسبك كذبة كويس يخلي اللي قدامه يصدقه وهو مقتنع أنه صادق، والصادق لأنه على نياته معرفش يبقى يسبك كلامه كويس فيبان أنه مهزوز أو مش صادق... أوقات بنشوف حقائق بشكل غلط، حاذر يا آصف تتعمي عينيك عن الحقيقة وغشاوة الكذب تخدعك."
ضحك آصف قائلًا: "لأه اطمني أنا منتبه كويس، وبمناسبة إنك قولتي، عـ الأمر النافذ اللي أنا بحبه، أمتى هتوافقي إني أتقدملك ونتجوز وتبقى ليا ومعايا طول الوقت ومتتحججيش إنك هتتأخري، أو تبعدي عني؟"
نظرت له بتفكير ثم قالت بهدوء: "بعد ما أخد الماستر، يعني قدامك سنة على الأقل تفكر فيها كويس يا سيادة المستشار."
اندهش آصف قائلًا: "سنة بحالها؟ لأه أنا هستخدم سلطتي كـ قاضي وهصدر قرار ملزم التنفيذ إننا نتجوز في الإجازة القضائية في الصيف الجاي، وإبقى كملي الماستر وإنتِ مراتي."
هزت رأسها بنفي.
تبسم لها قائلًا بتحدي: "هتشوفي قبل السنة ما تخلص هتكوني حرم سيادة المستشار 'آصف شعيب'."
تهكمت سهيلة بمرح وكررت كلمة آصف باستهزاء: "حرم... الكلمة دي قديمة أوي بقت أولد فاشون، بتتقال للناس العواجيز."
تبسم لها آصف قائلًا: "طب بلاش حرم، أظن كلمة 'مدام' أفضل بكتير."
شعرت سهيلة بالخجل واحمرت وجنتيها وأخفضت وجهها بحياء.
تبسم آصف على حيائها الذي فتنه وهام أكثر بها، ود لو كان معها وحدهم فقط فوق ذلك المركب، ربما وقتها كان قبلها وما اهتم برد فعلها بعد ذلك حتى لو صفعته على وجهه، لكن وجود المراكبي منعه من تحقيق أمنيته... أدار دفة الحديث لناحية أخرى يستمتع بالحديث معها سائلًا: "طب وإنتِ ليه اخترتي تبقي دكتورة أطفال."
جلست سهيلة قريبة من آصف وأجابته وهي تنظر ناحية مياه البحيرة، تشعر كأن ألم تلك الفترة عاد تشعر به يضرب بطنها. "أنا لما كنت صغيرة كنت بحب شغل الديكور، وكان نفسي أبقى مهندسة ديكور، بس في أولى ثانوي اتغيرت أمنيتي."
استغرب آصف سائلًا: "وأيه سبب تغير أمنيتك من مهندسة لـ دكتورة أطفال بالذات."
شعرت بألم وأجابته: "تعرف إني كمان كان نفسي أدرس طب نفسي جنب دراسة طب الأطفال."
تبسم آصف قائلًا: "فعلاً منكرش تنفعي دكتورة نفسية بتعرفي تحللي طبيعة الشخصيات، بس إيه السبب اللي خلاكِ تغيري أمنيتك."
تنهدت سهيلة تشعر بنغزة في قلبها قائلة: "لما كنت في أولى ثانوي كان جالي حالة تسمم بسبب جرعة دوا زيادة أو كانت علاج غلط من الأساس، وآثر عليا جامد وقتها، وكنت تقريبًا بموت بس كان فيه دكتور أطفال في المستشفى هو اللي عرف سبب سوء حالتي وقتها وهو اللي اتعامل مع حالتي لحد ما عديت مرحلة الخطر وشبه خفيت، بصراحة أنا وقتها عجبت بالدكتور ده جدًا، واتحولت أمنية حياتي من مهندسة ديكور لـ دكتورة أطفال عشان أبقى زميله له في يوم من الأيام وأقول له إني كنت ومازلت معجبة بيه وكنت...."
قاطعها آصف يشعر بالغيرة قائلًا بحدة: "وكنتِ إيه كمان نفسك تتجوزيه."
تبسمت سهيلة بإيماءة رأسها بمعنى - يا ريت.
ود آصف لو صفعها لكن حاول التحكم في غضبه وغيرته سائلًا: "والدكتور ده فين دلوقتي."
تنهدت سهيلة بأسى: "للأسف الدكتور توفى من سنتين يعني قبل ما أتخرج من كلية الطب، بس تعرف إن ابن الدكتور ده دلوقتي بقى دكتور نفسي معروف غير إنه أستاذ في الجامعة، وأعتقد إنه ممكن يكون من ضمن اللجنة اللي هتناقش معايا الماستر."
تنهد آصف بضجر قائلًا: "مش عارف ليه مستعجلة على الماستر إنتِ لسه صغيرة، يعني سامر زميلك ومش بيفكر في الماستر."
ردت سهيلة: "على فكرة سامر أكبر مني بسنة هو عاد سنة في الإعدادي."
تبسم آصف قائلًا: "فعلاً، بسبب وقت الامتحانات كان وقع من على سلم السرايا وكان عنده الناحية اليمين من جسمه كل ضلوعها مكسورة تقريبًا ومحضرش الامتحانات وعاد السنة، مع إن كان سهل يحضر وقتها الامتحانات بس ماما رفضت، وقالت مجتش من سنة تتعوض."
تهكمت سهيلة قائلة: "طنط الحاجة شُكران بدلعكم أوي، وممكن الدلع ده يفسد سامر متهيألي إنه محتاج شوية يعتمد على نفسه، ويختار طريقه، يحس إنه مسؤول عن حياته ويصلح من نفسه شوية قبل فوات الأوان، يجيب لكم مصيبة."
استغرب آصف من حديث سهيلة وكاد يسألها، لكن المراكبي اقترب منهم قائلًا: "حمد الله على السلامة وصلنا الشط."
نهضت سهيلة واقفة وتوجهت نحو سلم المركب، سار خلفها يشعر بفضول أن تكمل بقية حديثها معه عن سامر، لكن انتهى آخر لقاء بينهم بعد أن أصرت كالعادة أن تعود للقرية وحدها، بينما هو تغافل ولم يضع الأمر برأسه إلا الآن.
[عـــــــــــودة]
ظل للحظات يفكر في معنى حديث سهيلة، لماذا لمحت بذلك، ماذا كانت تقصد؟ هل تحرش بها سامر حقًا؟ لا سامر كان يعتبرها زميلته فقط. رأى جلوسهم معًا سابقًا كان بحدود، إذن مستحيل. هكذا جاوبه عقله.
وضع أنامله حول جبهته يفركها بضيق يشعر بصداع يفتك برأسه يكاد عقله يشت. لما ادعت سهيلة بالكذب على سامر؟ لديه يقين أن سهيلة كذبت حين قالت أنه حاول الاعتداء عليها. ازدادت تحجر عينيه وتحجر معها قلبه يشعر أنه كتلة منصهرة تحرق فؤاده. ليتها قتلته هو وما كان عاش يشعر بكل هذا الألم الذي ينهش كيانه بالكامل.
***
بإحدى غرف السرايا.
تمددت شهيرة فوق الفراش الناعم الوثير رغم ذلك تشعر بضجر تود العودة للقاهرة والبقاء هناك تشعر بحريتها عن البقاء هنا بين حوائط تلك السرايا القديمة، كذلك تبتعد عن ذلك البؤس والحزن المسيطر على السرايا ومن فيها. جذبت هاتفها تتصفح بعض الرسائل الخاصة المرسلة لها من أصدقائها، لكن رأت تلك الرسالة القديمة التي مازالت تحتفظ بها. فتحت الرسالة ورأت تلك الصور التي كانت مرسلة لها... صور تجمع آصف مع تلك الفتاة المتهمة بقتل سامر. تبسمت بانشراح وهي ترى نظرات عين آصف لتلك الفتاة تبدو بوضوح نظرات عاشق. تنهدت بسعادة، آصف يعشق قاتلة أخيه. هو الآن مشتت بحرب ضارية بين حبيبة قلبه وبين أخيه الذي قتلته تلك الفتاة. هدر قلبه مع دماء أخيه، بالتأكيد يشعر بألم جم في قلبه، واضح على ملامحه وتصرفاته العصبية دائمًا.
ألقت شهيرة الهاتف على الفراش واتكأت بجسدها فوق الفراش تتمطى بحرية وراحة نفسية رغم ضجرها من البقاء هنا، لكن رؤيتها لآصف بهذا التشتت خفف من ذلك الضجر. انتبهت لصوت فتح باب الغرفة، نظرت باتجاهه رأت دخول آسعد الذي دلف وجلس على طرف الفراش يتنهد بألم. نهضت تجلس على رسغي قدميها خلف آسعد وضعت يديها فوق كتفيه تقوم بتدليكه بخفة قائلة: "اطمنت على الحاجة شُكران."
تنهد آسعد بأسى قائلًا: "أيوه آيسر طلع ينام، سبت معاها صفوانة هتفضل معاها بنفس الأوضة."
رغم تلك البسمة التي فوق شفاه شهيرة ولم يراها أسعد، لكن ادعت الحديث بنبرة حزن: "ربنا يرف بقلبها مش سهلة عليها أنا لو مكانها كنت روحت السجن للمجرمة دي وقطعتها بأساني لأ وكمان المجرمة عشان تطلع نفسها من الجريمة بتدعي على المرحوم سامر أنه كان هيعتدي عليها."
تعصب آسعد بشدة وانتفض جسده.
شعرت شهيرة بانتفاضة جسد أسعد أسفل يديها، تبسمت وازدادت في صب غضبه: "المفروض تتصرف مع البنت دي، كده ممكن تنفد من العقاب اللي تستحقه."
تنهد آسعد قائلًا: "أنا فعلاً كنت هدخل وهعرف البنت دي قيمتها كويس، بس آصف قال لي هو اللي هيتولى أمر سير التحقيقات."
تسألت شهيرة بفضول: "يعني إيه آصف هو اللي هيتابع سير التحقيقات، إنت اللي قلبك مكسور على موت ابنك، وآصف..."
قاطع آسعد شهيرة قائلًا: "ناسيه آصف قاضي وأكيد عارف طريقة سير التحقيقات دي، وكمان مش عاوز ينتشر في البلد إني بفتري على البنت دي بسبب سلطتي كنائب مجلس الشعب، سايبها تجيب آخرها... لأني لو تدخلت في الأمر مش هيكفيني موتها."
تهكمت شهيرة بين نفسها، آسعد ترك القضية لآصف "العاشق المتيم". ألم ينتبه أنها حين أتت بسيرتها بسوء أمامه دافع عنها، لكن لن تهتم، آصف يستحق ذلك العذاب الذي يعيشه، دم أخيه على يد حبيبته.
***
مع سطوع نهار جديد.
في حوالي العاشرة صباحًا.
بالمشفى التي كانت تعمل فيها سهيلة.
دَلفت بين اثنتين من العساكر بيديها أصفاد، حاولت إخفائها أسفل كم كنزتها، لكن حتى لو أخفتها، فكل عيون من بالمشفى تنظر لها تنهشها وبالتأكيد تنعتها بالقاتلة. كان الطريق من باب المشفى إلى تلك الغرفة التي قُتل فيها سامر بالعادة قصير، لكن الآن كان بالنسبة لها كأنه طريق طويل لا ينتهي. تسير وهي تشعر أن قدميها مثل الهلام، أعين زملائها بالمشفى سهام تخترق جسدها تدمي قلبها.
توقف العساكر حتى أتى من خلفهم وكيل النيابة وشخص آخر معه كاميرا مُعدة للتصوير، كذلك مدير المشفى ومعه المحامي الخاص بـ سهيلة. تحدث وكيل النيابة بهدوء: "دلوقتي هنعيد تمثيل الجريمة زي ما حصلت من البداية، ياريت بلاش تنسي أي تفصيلة حتى لو صغيرة."
أومأت سهيلة رأسها تشعر كأن روحها تنسحب من جسدها. ظلت متصنمة مكانها، يعيد عقلها ما حدث بالغرفة قبل أيام. بينما نظر وكيل النيابة للعساكر آمرًا: "فُكوا الكلابشات من حوالين إيديها."
امتثل العساكر لذلك، بسبب توتر سهيلة ورعشة يديها أثناء فك الأصفاد ضغط العسكري على يديها ترك أثر لهما فوق معصميها.
أشار لها وكيل النيابة قائلًا: "اتفضلي ابدئي إيه اللي حصل من بعد ما دخلتي الأوضة."
ظلت سهيلة متصنمة لبعض الوقت حتى أشار لها مرة أخرى، توجهت نحو باب الغرفة تسير بترنح تشعر أنها تفقد جزءًا من روحها بكل خطوة. قبل أن تصل إلى باب الغرفة تهاوت بجسدها أرضًا، تشعر بانسحاب عقلها الذي لم يعد يتحمل، تركت له الزمام يفقدها الوعي، وتمددت أرضًا مغشيًا عليها.
بتلقائية انحنى مدير المشفى يجث العرق النابض لها، تنهد براحة قائلًا: "واضح إن الدكتورة مقدرتش تتحمل إعادة تمثيل اللي حصل وأغمى عليها ولازم تتنقل لأوضة خاصة عشان نتعامل مع حالتها."
أومأ له وكيل النيابة بموافقة.
بعد لحظات وضع اثنان من المسعفين جسد سهيلة فوق نقالة طبية خاصة وذهبا إلى إحدى غرف المشفى. تغافل الجميع عن رؤية آصف الذي كان بالمشفى ورأى جزءًا من ما حدث. شعر بانخلاع في قلبه وهو يرى سهيلة تبدو غائبة عن الوعي فوق تلك النقالة. سُرعان ما نهر نفسه على ذلك الشعور وغادر المشفى قبل أن يرق قلبه أكثر.
***
بالبنك الزراعي.
لو غيرها لكانت تشعر بأسى على مستقبل أختها الوحيدة التي تواجه أزمة شبه أطاحت بمستقبلها، لكن هي هادئة كأنها لا تعنيها. اقترب عادل بمقعده من مقعد هويدا، وانتهز وقت فضاء العمل قائلًا: "أنا اتكلمت مع عمي أيمن امبارح وقالي إن النيابة أمرت بإعادة تمثيل الجريمة النهارده، متعرفيش إيه اللي حصل."
ردت هويدا بلا مبالاة: "وأنا هعرف منين وأنا هنا في البنك من الصبح، والمثل بيقول يا خبر بفلوس."
تفاجأ عادل بجواب هويدا البارد الجاحد. لكن عاود الحديث يخبرها: "امبارح وأنا مع عمي أيمن اقترح عليا إننا نأجل زفافنا شوية على ما نشوف موضوع سهيلة هيوصل لأيه، وأنا وافقت مش معقول هـ..."
قاطعته هويدا بغضب: "إزاي تقرر توافق على تأجيل زفافنا بدون ما تقول لي، وبعدين إيه اللي مش معقول، على العموم مش مهم، طالما وافقت على تأجيل الزفاف مترجعش تضايق لما أنا كمان أطلب تغيير قاعة الفرح."
شعر عادل باستغراب من رد فعل هويدا، لو كانت أخرى هي من كانت طلبت منه ذلك، لكن هويدا لديها قلب جاحد. بينما هويدا بداخلها تشعر بانبساط من تأجيل زفافها، لكن مصحوب بضجر بسبب تأجيله من أجل تلك الحمقاء سهيلة. لو كان لسبب آخر ما كانت تضايقت بل كانت رحبت بالأمر.
***
بالمشفى أقر الأطباء أن سهيلة دخلت بحالة انهيار نفسي وأنهم أعطوها بعض الأدوية الخاصة بالتهدئة النفسية وبسبب أثرها الطبي ستظل نائمة لوقت، يتحتم بقاؤها بالمشفى الليلة من أجل متابعة حالتها.
***
ليلًا.
بـ سرايا شعيب.
انتصف الليل وهو ما زال ساهدًا كما بالليالي السابقة، لم يتذوق النوم سوى لأوقات قليلة خطفًا ثم يصحو وهو يشعر بسُهد. نهض من فوق فراشه قرر أن يأخذ حمامًا دافئًا عل هذا الشعور يزول عنه، لكن هيهات. وقف أسفل تلك المياه تتناثر المياه فوق جسده يشعر بحرارة تغزو جسده. أدار مؤشر درجة حرارة المياه من دافئه إلى بارده، لكن ارتجف جسده فقط للحظة سُرعان ما عاد نفس الشعور يُحركه قلبه الذي يود الاطمئنان على حال سهيلة. أغلق المياه وخرج إلى الغرفة ترك الزمام لقلبه يتحكم به. ارتدى ثيابًا أخرى وخرج من السرايا متوجهًا إلى المشفى. دخل بخطوات ثابتة، لكن توقف بالممر حين رأى شرطي يقف أمام تلك الغرفة. تردد للحظات قبل أن يحسم الصراع قلبه، توجه نحو ذلك الشرطي، وأخرج هويته القضائية.
هويته القضائية تلك كانت كفيلة بجعل ذلك الشرطي الذي يقف حارسًا على باب الغرفة يسمح له بالدخول إلى الغرفة دون اعتراض بل ويفتح له بنفسه باب الغرفة.
دلف إلى داخل الغرفة يشعر بغضب سُرعان ما تحول لوخزات قوية تضرب قلبه حين وقع بصره على تلك الراقده فوق الفراش ملامح وجهها الشاحبة، كذلك تبدو أنها فقدت القليل من وزنها بعدة أيام.
للحظات راف قلبه حين رأى يدها المغروز بها إبر طبية تتصل بأنابيب تغذي جسدها بمحلول طبي. انحنى قليلًا وكادت أنامله تلمس يدها، لكن سُرعان ما تحجرت عيناه وقلبه حين رأى آثار تلك الأصفاد حول يدها الأخرى. سُرعان ما استقام يضم أصابع يده يضغط عليها بقوة تكاد تنفر الدماء من أوردتها. نفض عن قلبه تلك الشفقة التي تملكت منه للحظات. ذمه عقله وصراع محتدم بأشد أوجهه بين مشاعر متناقضة بين العقل والقلب الذي ينزف قهرًا أمام حيرة العقل، وضميره كـ قاضٍ وقبل كل ذلك "حق الأخوة". هي كذبت وشوهت صورة أخيه المغدور.
أبعد عينيه عنها واستدار بجسده وكاد أن يغادر الغرفة لكن توقف قبل أن يصل لباب الغرفة للحظة حين سمع همس ضعيف من سهيلة كأنها تنطق اسمه برجاء: "آصف."
رواية عشق مهدور الفصل التاسع 9 - بقلم سعاد محمد سلامة
ليلًا
بعد مرور ثمانية أشهر، تبدلت المواسم من الشتاء، وها هو الصيف يقترب على الرحيل يُنذر أحيانًا بنسمات خريفية.
بمنزل أيمن ليلًا.
على تلك الحشائش النديه الصغيرة بتلك الحديقه الصغيرة المُلحقه بالمنزل، كان يضجع بظهره على جدار المنزل يرفع رأسه نحو تلك النجوم المُتراصه بالسماء التى مازالت صافيه، شارد بـ سهيله إبنتهُ الرقيقه المسجونه منذ ثمانِ أشهر بين جُدران مُعتمه، يعلم أنها لا تخشى الظلام، لكن لديها رُهاب الأماكن المغلقة، حتى أن ذلك دائمًا ما كان يُسبب شِجار بينها وبين هويدا، كانت سهيله أحيانًا كثيره تترك لها الغرفه وتنام على أحد أرائك غرفة المعيشه، أو تمتثل هويدا غصبًا وتترك باب الغرفه مواربًا.
تنهد قويًا يشعر بغم.
بنفس اللحظه وضعت سحر أمامه صنيه صغيرة عليها كوبان من الشاي، وقالت بحُزن:
الطقس بدأ يتغير، الخريف راجع تاني، قلبي بيوجعنى أوى يا أيمن، سهيله مش عارفه عملت أيه عشان يبقى جزائها تتحبس فى زنزانه من أربع حيطان مع المجرمين وأرباب السوابق. أنا كل ليله بفكر هى حالها أيه، أنت عارف أنها بتخاف من الأبواب المقفوله، قلبي حاسس إنها مش بخير، ومعرفش ليه النيابه مرضيتش تطلعها بكفاله حتى كانت تتحاكم وهي بره السجن. صحيح خيرًا تعمل شرًا تلقى، هى قالت الحقيقة من الأول. والله من كام يوم قابلت صفوانه بالصدفه وأنا راجعه من عند أمى، إتكسفت أبص فى وشها أو أكلمها، بس هى والله هى اللى قربت منى وكلمتني، وكنت عاوزه أسالها عن الحجه شُكران، بس خوفت تفهمني غلط، بس هى لمحت لى إنها مع الوقت بتتقبل وربنا مديها صبر فى قلبها، وكمان هتروح تحج وتاخد معاها صفوانه، ربنا يخفف على قلبها، فُراق الضنا نارهُ فى القلب مش بتبرد، بس ربنا يصبرها، وكمان يصبرنى على غياب بنتِ المسكينه اللى مستقبلها ضاع، ويا عالم هترسى على أيه، أنا خايفه القضيه كانت محجوزه للحُكم وخلاص الجلسة فاضل عليها أربع أيام.
زفر أيمن نفسه يشعر ببؤس من حاا إبنتهُ، لكن رغم مشاعرهُ المُتآثرة، حثها أن تتمسك بأمل يود أن يصدق هذا الأمل:
إن شاء الله خير، المحامى طمني وقالي عنده أمل إن سهيله تاخد حُكم مُده مش كبيره بعد ما النيابه سجلت القضيه دفاع عن النفس.
آمنت سحر على قوله بتمني:
يارب القاضى يكون عنده رآفه فى قلبه.
تنهد أيمن قائلًا:
مفيش قاضى فى قلبه رآفه يا سحر ده مش جلسه عُرفيه، ده جلسة محكمه وليها بالأدله.
قبل أن تتحدث سحر، سمعوا صوت هتاف قوى يمُر من أمام منزلهم، كذالك سمعوا فتح ذلك الباب الحديدي، ودخول طاهر يتشاهد قائلًا براحه:
الحمدلله أخيرًا وصلت لباب البيت، أيه الزحمه دى البلد كلها بره بيوتها.
تبسم له محمود قائلًا:
ده تجمُع لزوم الدعايه الإنتخابيه.
تنهد طاهر قائلًا:
هو مش المفروض أول يوم فى الإنتخابات خلاص بكره، والليله يبقى فى صمت إنتخابي.
رد أيمن بسخريه:
آه ما هو المُرشح بيبقى صامت لكن أتباعهُ وحبايبهُ لازم يجملوه ويشدواة من أذر الأهالى عشان ينزلوا ينتخبوه... ربنا يوفق اللى يصلح حال البلدرد.
هويدا وهى تنزل درجات السلم:
ده تجديد نصفي للإنتخابات وأكيد محسوم إن آسعد شُعيب هو اللى هيفوز، كل اللى بيحصل ده بروباجندا مش أكتر. أنا نفسي هروح بكره لجنة الإنتخابات وأعطي صوتى له.
نظر لها طاهر بآسف قائلًا بلوم:
أنا عن نفسى المفروض لأول مره يحق لى أنتخب، بس مش هروح ولا هنتخب أى مُرشح مش مُقتنع بيه، وبالذات أسعد شعيب، طبعًا إنتِ مشفتهوش فى آخر جلسة محكمهوهو بيهدد سهيله إنها حتى لو خدت براءة من المحكمه هو مش هيخليها تتهنى بيها، الراجل ده حسيت إنه منافق وعكس الصوره اللى بيحاول يجملها قدام أهل البلد أنه بيدور لهم عالمصلحه وبيجيب لهم الخير، ويستحق يمثلهم عند الحكومه، كفايه أنه متجوز إتنين، معرفش الإتنين قابلين إزاي، طبعًا قادر يسيطر عليهم، مش عارف إزاى بيتعامل مع ولاده من كل واحده فيهم، أنا مكنتش أعرف حد من ولاده غير سامر... وكمان آصف وآيسر غير كده معرفش بقية ولاده التانين، والله بشفق عليهم من أب زى ده يمكن أكيد ميعرفهمش من بعض.
ردت سحر بنفي:
لاء صفوانه مره قالتلى إنه معندوس أغلي من ولاده من نسوانه التلاته وكمان على تواصل مع البنتين اللى أمهم ماتت الاتنين متجوزين إتنين أخوات ولاد عضو مجلس شعب صاحبه، وعايشين فى مصر، وعالدوام واصل الود معاهم.
أخذت هويدا الحديث من سحر وقالت ببساطة:
وفيها أيه لما يكون متجوز إتنين طالما عادل بينهم، كمان أنا شايفه إن الحجه شُكران عالدوام مريضه وهو من حقهُ يلاقى اللى بصحتها تكون واجهه له قدام زُملاؤه بقية أعضاء مجلس الشعب، ومش معنى إنه هدد سهيله فى المحكمه يبقى شخص سيئ، ناسي إن اللى سهيله قتلته ده يبقى إبنه.
نظرا كل من أيمن وسحر لها بضيق وعتاب، بينما قال طاهر بيقين:
سهيله متقلتش سامر، والمفروض إننا أخواتها وندافع عنها. اللى يسمعك يقول خلاص صدقتِ إن سهيله مجرمة.
إرتبكت هويدا وشعرت بخزي وقالت بتبرير مُبطن:
آه طبعًا، أنا مقصدش. والمثل بيقول أنصر أخاك ظالمً أو مظلوم.
رمقها طاهر بآسف قائلًا:
سهيله مظلومه.
أومأت هويدا رأسها بتوافق دون إقتناع وتهربت قائله:
أنا هروح أنام عندي بكره شغل مهم فى البنك. تصبحوا على خير.
أومأ الجميع لها برأسهم وردوا عليها بود، رغم إستيائهم من طريقة حديثها عن سهيله، بينما جلس طاهر جوار أيمن أرضً ونظر الى أكواب الشاي وجذب كوب وقام بإرتشاف بعض قطرات منه قائلًا:
أنا مدوقتش طعم الزاد طول اليوم.
نهضت سحر تنظر له بعتاب قائله:
إتلهيت فى الشغل طبعًا ونسيت تاكل زى العادة.
أومأ لها طاهر برأسه قائلًا:
هو ده فعلاً اللى حصل، وكمان أنا بحب أكل من إيديكِ الأكل له طعم تاني.
تبسمت له بحنان قائله:
دقايق هروح أجيبلك تاكل.
أومأ طاهر برأسه ونظر فى آثر سحر حتى دلفت الى داخل المنزل، عاد بنظرهُ الى طاهر وأخرج من جيبه مبلغ مالى ومد يدهُ به لـ أيمن قائلًا:
خد يا بابا، أنا قبضت من مركز الصيانه اللى بشتغل فيه، أدي للمحامى أتعابهُ.
نظر أيمن الى ذلك المبلغ وربت على يد طاهر بحنان قائلًا:
خلي فلوسك معاك ياطاهر بكره تحتاجها وأنت فى الدراسه تشتري كُتب ومستلزمات الجامعه، ناسى إنك هتبقى فى آخر سنه فى الكليه، وهتحتاج لمشاريع تخرُج وهتتكلف، يمكن وقتها أكون أنا مش معايا فلوس، النهاردة الحمدلله أنا دفعت للمحامي أتعابهُ، سحر كانت عامله جمعية عشان نبقى نكمل بها بقية جهاز هويدا، والفرح خلاص إتأجل ميعادهُ، أهو كويس نكون عملنا جمعية تانيه ونقدر نتصرف بيها... كفايه إنك شايل مصاريفك عني وبتشتغل جنب دراستك، غير كمان إنت اللى بتشجع رحيم إنه يكمل فى ممارسة البوكس والتايكوندوا فى النادي وبتدفع مصاريفهم الكتير.
تبسم طاهر وهو ينحني يُقبل يد أيمن قائلًا بإمتنان:
بابا إنت اللى فى البدايه وجهتني إنى أتعلم شغل الصيانه لما لقيت عندي هواية تصليح التلفزيونات وكمان الموبيلات حتى إنت اللى كنت بتدفع تمن الكورسات اللى كنت باخدها فى مركز الصيانه، وبسبب شطارتى فى الكورسات دى إشتغلت معاهم فى نفس المركز غير كمان بيجلي شغل تانى بعيد عنهم، أهو بسترزق.
تبسمت له سحر التى آتت بصنية طعام متوسطه وضعتها أمامه وجلست جوار أيمن تنظر له بمحبه قائله:
ربنا يوسع رزقك بالحلال دايمًا.
تبسم طاهر وهو ينظر الى ذلك الذى دلف الى المنزل وقام بإلقاء تلك الحقيبه الرياضيه أرضًا كان يشعر بإنهاك لكن حين وقع بصرهُ على الطعام نسي ذلك وهرول سريعًا نحو صنية الطعام وبدأ يقتات منها بلهفه.
حذرهُ بمرح:
كُل بالراحه محدش هيحوش عنك الأكل، إنت جاي من مجاعة المفروض كنت تغسل إيدك قبل ما تاكل.
لم يرد رحيم وإستمر فى تناول الطعام.
رغم غصات قلب سحر لكن تبسمت له بحنان وقالت:
كان قلبي حاسس إن هترجع من مركز الشباب جعان وعملت حسابك وجبت لك أكل مع طاهر.
رفع رحيم رأسه ونظر لـ سحر قائلًا برجاء:
والنبي ياماما خلي قلبك يحس برجوع سهيله تانى للبيت عشان هى وحشتني أوى.
ردت سحر بأمنيه تخرج من قلبها:
إن شاء الله سهيله هترجع للبيت تاني قريب.
***
بـ سرايا شُعيب
بغرفة المكتب.
تداول آسعد مع أحد مُساعديه سير الدعايه الإنتخابيه... تنهد بهدوء قائلًا:
تمام كده، بكره خلاص بدأ الجوله النهائيه مش عاوز مفاجأت.
رد مُساعده:
إطمن يا باشا المنافسه سهله الخصم تقريبًا مالوش أى شعبيه قصاد شعبية ساعتك، النجاح مضمون.
أومأ له أسعد برأسه قائلًا:
تمام، إنت عارف إن ده وقت الصمت الإنتخابي، وإنى المفروض كل الدعايه تتوقف.
تبسم المساعد قائلًا:
حضرتك إحنا ساكتين ومُلتزمين بالصمت، الأهالى هما اللى حابين يعبروا عن محبتهم لسيادتك.
نهض أسعد واقفًا بثقه قائلًا:
تمام، نتقابل بكره قدام لجنة الإنتخابات، عاوزك تنبه عالرجاله مش عاوز شغب مع المُرشح المنافس، هو شخص إستفزازي، وعارف مقدمًا إنه مش هيقدر عالمنافسه قصادي وممكن يلجأ للشغب.
رد المُساعد:
متقلقش يا باشا، أنا منبه عالرجاله مهما عمل أو قال هو يطنشوا.
صافح أسعد المساعد الذى غادر المكتب، بنفس الوقت صدح رنين هاتفه، جذبه من فوق المكتب ونظر الى شاشته، وقام بالرد بعد التحيه سمع الآخر يقول له:
بتصل على حضرتك أفكرك إن قضية المرحوم سامر بيه بعد أربع أيام ودى جلسة النُطق بالحُكم، عشان اعرف حضرتك هتحضر الجلسه زى الجلسات اللى فاتت.
سهم أسعد للحظات ثم زفر نفسه بغضب وفكر قائلًا:
لاء أنا مش هحضر الجلسه دى إنت عارف إن اليومين الجاين هبقى مشغول فى الإنتخابات واللف على دواير المركز وكمان نتيجة الإنتخابات، بس طمني ممكن القاضى يحكم ولا يآجل القضيه تاني.
رد المحامى بتوضيح:
معتقدش هيبقى فى تآجيل تاني، القضيه تعتبر مؤجله من الدوره القضائيه اللى فاتت وإحنا فى أول الرول، والقاضى هيبقى عاوز ينهي القضيه عشان لو فى إستئناف.
نفخ آسعد وجنتيه بغضب ثم زفر نفسه سائلًا:
ومتوقع القاضي هيحكم عليها بأيه؟
إزدرد المحامى ريقهُ قائلًا:
هو فى ثوابت وظوابط قانونيه لنوعية الجرائم دى بس أحيانًا الحُكم بيختلف من قاضى للتانى، حسب رؤيته للقضيه، بس بناءً على أقوال المتهمه والحيثيات، بصراحه مش متوقع حكم القاضي، بس أكيد هتاخد حُكم مُخفف، كم سنه فى السجن.
إغتاظ آسعد قائلًا بغضب:
قصدك ايه بحكم مخفف كم سنه؟
رد المحامى:
ده قوانين يا أفندم، وإحنا ممكن نطعن فى الحُكم بعدها لو مكنش يرضي ساعتك.
زفر آسعد نفسه يشعر بغليل قائلًا:
لو بأيدي عاوز ليها الإعدام فورًا، بس تمام خلينا ورا القانون نشوف هيوصلنا لأيه.
***
بـ شقه خاصه بالقاهرة.
زفر آصف دخان تلك السيجاره التى بيده ثم جذب ذلك الملف وقام بفتحه وقراءة محتواه يُدقيقبكل حرف يقرأوه، أثناء تدقيقه صدح رنين هاتفه، جذبه من أمامه وتبسم حين رأي إسم أيسر، وضع بقايا السيجارة بالمنفضه ثم قام بالرد عليه قائلًا:
الساعه دلوقتى عندك كام فى "ستوكهلم".
تثائب آيسر ونظر الى ساعه موجوده بالغرفه قائلًا:
ياعم فرق التوقيت بين ستوكهلم ومصر هو ساعه يعنى الساعه هنا دلوقتي تسعه ونص عندك فى مصر عشرة ونص، يعنى لسه الليل فى أوله.
تهكم آصف قائلًا:
الليل فى أوله بالنسبه لشخص فاصي زى جنابك مقضيها طيران من بلد لبلد تانيه، أنت مش كنت مكلمني من يومين إنك فى سويسرا، الصبح تبعتلى رساله إنك فى السويد.
تبسم آيسر قائلًا:
الحق عليا بقولك على تحرُكاتي عشان أجيبلك هديه من كل بلد أنا بروحها، معايا ليك علبة شيكولاته سويسري هتنسيك السجاير اللى بتحرقها وتضر صحتك، شيكولاته ماركه أصليه.
تهكم آصف قائلًا:
ومين بقى اللى جابت لك علبة الشيكولاته دى، وأيه كان المُقابل قصادها.
ضحك آيسر قائلًا:
لاء إطمن أخوك عنده حدود، هما بوستين بس، بس والله البت صعبت عليا أوى كان نفسها فى ليله مُميزه وشموع ورقص، بس أنا قلبي حنين رقصتها لحد ما أتهدت ونامت.
ضحك آصف قائلًا:
لاء محترم، يا بني توب عن اللى بتعمله ده، تعرف أنا نفسي تقع فى بنت تعلمك الأدب.
تنهد آيسر بإشتياق قائلًا:
والله أنا كمان نفسي، نفس أشوف بنت وتعلم فى قلبي، بس لحد دلوقتي كلهم مفيش واحده فيهم ملت عيونى، وعلمت فى قلبي، أهو بتسلى، يمكن فى يوم تظهر نجمة حياتي... نفسى أعيش إحساس الحب الشوق واللوعه.
على ذكر "الحب الشوق اللوعة" شعر آصف بنغرات قويه فى قلبه لكن قاوم ذلك قائلًا:
على فكره بابا كان زعلان منك، وقالي بدل ما كان يسافر يصيع فى أوربا كان وقف جنبي فى الإنتخابات حتى يظهر قدام الناس إن عنده رجاله.
رد آيسر:
هو كده كده ضامن ينجح، مفيش مُرشح يقدر يسد قصاد سطوته، وكمان أنا ماليش فى لعبة السياسه والإنتخابات، أنا مصدقت خلعت من المدرسه العسكريه اللى كنا فيها، والنظام العسكري اللى كله أوامر، أنا مش زيك مقدرش أتحمل أبقى مُلتزم بقوانين صارمه، أنا بحب الحريه، وبعدين سيبك من موال الإنتخابات، إنت مش مُنتدب السنه دى فى محكمه فى القاهرة، قولى ليه ساكن فى شقه خاصه، ورغم إنك المحكمة اللى مُنتدب فيها قريبه من الڤيلا اللى عايش فيها بابا، مع حرمه المصون شهيره.
تهكم آصف بسخريه قائلًا:
هى المحكمة فعلًا قريبه من الڤيلا، بس أنت عارف إن أنا والليدى شهيره مش بنطيق كلمة لبعض، وأنا بكره سماجتها، ومقدرش أتحملها عاوز الهدوء عشان أركز فى القضايا، والشقه بالنسبه لى مُريحه جدًا وفى منطقه هاديه.
تبسم آيسر قائلًا:
فعلًا البُعد عن الليدي شهيره غنيمه، يلا بقي كفايه رغى عندي راندڤوا مع موزه سويديه ومحتاج أبقى دماغي رايقه، أشوفك بعد يومين فى مصر يكون موال الإنتخابات ده خلص.
تبسم آصف وهو يُغلق الهاتف وقام بوضعه أمامه على المكتب، ونهض للحظات ثم عاد يضع كوبً من القهوه الداكنه على الطاوله أمامه وجذب علبة السجائر وأشعل إحداها، نفث دخانها، وجذب ذلك الملف مره أخري عاد يُدقق به، حتى إنتهي وأخذ القرار مع نهاية إحتساؤهُ لكوب القهوة، جذب تلك الحقيبه الصغيره الخاصه بالملفات وقام بفتحها وجذب الملف وكاد يضعه بالحقيبة لكن توقف حين وقع بصرهُ، على ذاك الملف الموجود بالحقيبة،، قام بجذبه ووضعه على المكتب أمامه ثم ترك الحقيبة والملف الآخر، للحظات تردد فى فتح ذاك الملف لكن مُرغمً من قلبه، شعور جعله يفتح الملف، شعر بوخزات قويه فى قلبه حين وقع بصرهُ على تلك الصورة الملصوقه بأعلى أول صفحة بالملف.
بتلقائيه وضع يدهُ على تلك الصورة كاد يتلمسها، لكن شعر بمشاعر مُتخبطه ومتناقضة بين إشتياق ولوم.
لكن غلبت مشاعر الغضب لديه وتحجرت عيناه وهو يحاول تغاضي النظر لتلك الصورة البريئه عكس حقيقة صاحبتها، طوى الصفحه وبدأ بقراءة الملف الى أن إنتهى أغلقهُ مباشرةً، يشعر بغضب يتوغل الى قلبه، بخبرته القضائيه توقع حكم القاضي فى تلك القضية بناءً على ما هو أمامه من أدله وحيثيات، لكن إتخذ قرار آخر برأسه لن يدع تلك الجلسة القضائيه تفوته.
***
باليوم التالى داخل إحد لجان الإنتخابات بالبلده.
كانت هويداتقف بمكان قريب تستطيع منه رؤية القادمين للإدلاء بأصواتهم، بترقُب منها تتمنى أن يتحقق ما تود الوصول إليه.
شعرت بإنشراح حين تحقق ما أرادته ها هو آسعد يقترب للدخول الى مقر الإنتخابات... حسمت أمرها وإستجمعت ذكائها مع نِفاقها، ورفعت صوتها تُجاهر بالقول تحاول إقناع الواقفين للإدلاء بأصواتهم:
يا جماعه إنتخبوا "المهندس آسعد شُعيب" هو أفضل شخص يمثلنا فى البرلمان، كلنا شايفين إنجازاته فى البلد، وتطويرها، مش بس مساهمته فى تطوير البنك الزراعي، لاء وكمان طور فى مدارس البلد حتى المدرسه دى اللى بتتم فيها الإنتخابات هو اللى طورها، عشانكم وعشان أولادكم يلاقوا رفاهيه، هو قلبه دايمًا على مصلحة البلد، أقل شئ نقدمه له ونشكره بيه إننا نعطي له صوتنا الإنتخابي.
هلل بعض الموجودين بالمكان بإسمآسعد الذى دلف الى المقر وسمع حديث هويدا التى كانت تقصد ان تُعطي لها ظهرها حتى لا يظن أنها تعمدت قول ذلك حين رأته، لكن سُرعان ما أدارت وجهها له، بعد تهليل الناخبين له، إقترب أسعد منهم بود ظاهري، لكن عيناه كانت مُنصبه على هويدا التى يعلم كنيتها جيدًا هى أخت قاتلة أحد أبناؤه، لكن فكر عقلانيًا، حتى إن كانت أخت القاتله فهو لن يأخذها بذنب غيرها، إقترب منها وإنحني قليلًا وهمس لها:
مُتشكر جدًا، ممكن تستنيني بره اللجنه خمس دقايق بس على ما أحط أنا كمان صوتى الإنتخابي.
أومأت رأسها تدعي الإهتمام قائله:
بالتوفيق.
بعد عدة دقائق، بزاويه قريبه من فناء أمام ذاك المقر الإنتخابى، إقترب أسعد من مكان وقوف هويدا التى كانت ترتدي نظارة شمسيه، وقف آسعد صامتً للحظات، إدعت البراءة وقالت:
أنا عارفه إنى أختي تستحق العقاب، أنا مش عارفه إزاي جالها قلب تقتل إنسان حتى لو كلامها صحيح إنه حاول يعتدي عليها... كان أبسط شئ صوتت وهو وقتها مكنش هيغصبها، بس أختى يظهر دراستها للطب حجرت قلبها وخلتها تسفك دم إنسان.
لم يهتم أسعد بقولها، كان رده نظرة إعجاب منه لها، يري بها صورة أخرى لفتاة بالماضى عشقها، لكن سُلبت منه مرتين.
توقف الإثنين يتحدثان دون ملاحظة عادل الذي رأهما أثناء دخوله للإدلاء بصوته... تهكم بسخريه، رغم شعورهُ البغيض إتجاهما الإثنين.
***
القاهرة.
بـ آتلييه خاص بالأزياء.
كانت شهيره تجلس برفقة أخيها "رامز" يتحدثان حول الترتيبات النهائيه لذلك العرض الخاص بمجموعة الأزياء الجديدة.
سمع الإثنين طرقً على باب المكتب سمح له بالدخولدلفت فتاة ليست صاحبهة جمال فائق، مقبولة الملامح لكن تمتلك جسد طويل ورشيق كما ينبغي مثل عارضات الأزياء... نظر لها رامز بنظرة وقحه.
شعرت الفتاة بتلك النظره لكن لم تُبالي فهى هنا من أجل أن تنال العمل كـ عارضة أزياء.
بينما نظرت لها شهيرة بتمعُن سائله:
إنتِ "نوران".
أومأت الفتاة برأسها قائله:
أيوه أنا مدام أمل كلمتك عني.
نظرت لها شهيرة سائله:
تمام، مدام أمل قالتلى إن عندك خبرة فى عروض الأزياء.
أومأت الفتاة برأسها.
بينما قال رامز:
تمام تعرفى طبعًا إن فى ماشيه خاصه لعارضات الأزياء عالبيست" Cat walk "ياريت تمشيها دلوقتي قدمنا.
إستجابت الفتاة لذالك سارت بالمكتب ذهابً وإيابً بغنج مثل العارضات.
كانت عيناه تفترس كل ذره بجسدها، قام بالتصفيق لها بتشجيع قائلًا بحماس:
لاء واضح فعلًا إنك مش مبتدأه، لاء مُتمرسه.
إبتسمت الفتاة قائله:
من صُغري بحب أتفرج على عروض الأزياء وكمان كنت بركز فى مشية العارضات عالبيست.
غمز رامز لها بوقاحه قائلًا:
تمام كده بس لازمك شوية فنيات بسيطه وأنا هعلمهالك وإن شاء الله هتبقى سوبر موديلز.
تبسمت الفتاة بإنشراح تنظر الى شهيره سائله:
أفهم من كده إن حضرتكِ وافقتِ إنى أكون من ضمن الموديلز اللى بيشتغلوا تبع الآتلييه.
تضايق رامز من سؤال الفتاة لـ شهيره كآنها تُلغي وجوده، تعصب قائلًا:
أنا هنا المسؤول عن العارضات، ولو مش شايف فيكِ مميزات العارضةصدقني بعد الموقف ده كنت أبسط شئ طردتك، بس عشان شايف الموهبه زائد كمان جسمك مليكان، هتغاضي عن قلة الذوق دى.
إرتبكت الفتاة قائله:
متآسفه حضرتك بس.
تنرفزت شهيره قائله:
خلاص محصلش حاجه، شغلك مع مستر رامز، العرض فاضل عليها فتره بسيطه، ومش عاوزه أى أخطاء، دلوقتي إتفضلى روحى لمكتب الإستعلامات الموظفه اللى فيه هتديكى مواعيد تدريبات العارضات.
وافقت الفتاة وغادرت المكتب بينما عيني رامز مازالت تنظر لها، إستهجنت شهيره على رامز قائله:
رامز بحذرك بلاش حركاتك دى مع العارضه دى بالذات، أمل ليا معاها شُغل كتير وأهم زبونه تقريبًا للآتلييه والبت دى تقريبًا قريبتها، وكمان مش جميلة أوى ولا جذابه، ولا إنت خلاص نظرك راح من البص عالبنات.
توتر رامز قائلًا بتبرير:
أنا أكتر واحد فاهم فى شعل العارضات كويس وبعرف اتعامل معاهم، وإطمني النوعيه دي بتبقى مركزه على هدف معين ومش فى دماغي أوصل للهدف ده دلوقتي.
تهكمت شهيره سائله:
وأيه هو الهدف ده؟
رد رامز:
نفس هدفك زمان مع آسعد، النوعيه دى مش بتفكر غير بعقلها وبس إزاي توصل لهدفها مش مهم الطريقه، حتى لو تخلت عن حلمها كـ عارضه عالميه مقابل إن يبقى لها إسم تانى فى مجال الشُهرة والنجوميه... وتبقى سيدة مجتمع راقيه، لأنها عارفه إن شغلها كـ عارضه مرهون بفترة قصيرة، وهتيجي غيرها تاخد نفس الشهره ويمكن أكتر، فتعوض ده بإنها توقع اللى يوصلها لهدفها وتفضل ايقونه مشهورة علطول فى الصدارة.
***
بعد مرور يومين.
ليلًا.
بظلام تلك الزنزانه.
كانت سهيله تجلس القرفصاء تدفن وجهها بين ساقيها تشعر بأنها مثل التائهه بالغد لديها جلسة بالمحكمه لا تعلم ماذا سيكون مصيرها.
هل سيستمر بقاؤها سجينه لمدة أطول من ذالك، هل ستبقى بهذه الزنزانه ام سيتم تحويلها لسجن آخر أكبر، تقضي فيه بقية عقوبتها على ماذا لا تعرف لما هذا حدث لها ذلك، مستقبلها ضاع، هل سيضيع شبابها أيضًا فى زنزانه بين مُعتادِ الإجرام.
بأوج أفكارها المُعتمه كان هنالك صوت ربما أعطي لها جزءً كبير من الأمل، هو صوت المذياع الخاص بإحدي السجينات معها، كان يقرأ آيات من "القرآن الكريم".
شعرت بهدوء وراحه فى قلبها، تمددت فوق الفراش، تشعر بوجود أمل قد يُنقذها من براثن ذالك اليآس.
حاولت إغماض عينيهالوقت قليل لم تنعس، لكن تشعر براحه نفسيه، لكن فجأة شعرت كآن هنالك من تمددت جوارها على الفراش، ليس هذا فقط بل كادت أن تلمس جسدها، إنتفضت سهيله سريعًا من فوق الفراش، وذهبت نحو ذر الإناره ونظرت لتلك الراقده فوق فراشها قائله بإستهجان:
فى أيه.
لم تخجل الأخري وجاوبت بفجاجه:
فى أيه يا حلوه إحنا بنتسلى.
نظرت سهيله بذهول قائله:
بنتسلي، بنتسلى بأيه، إنتِ إزاي تفكرى فيا بالشكل ده، وكمان إزاي مش مكسوفه من نفسك، ولا هتنكسفِ ليه أساسًا وإنتِ بتشتغلي فى الدعارة فمش فارق معاكى لا أى أخلاق ولا دين، ولا ستات من رجاله.
تعصبت تلك المراه ونهض من فوق الفراش تقترب منه تنظر لها بسخط وقالت بإستقلال:
مفكره نفسك ست يا بت، أنت مش شايفه جسمك مفيش فى ريحة الانوثه، إنتِ شبه عود الحديد.
رغم رجفة قلب سهيله لكن إدعت القوه كي تُرهب تلك القذره وتبتعد عنها قائله بغضب:
ولما أنا شبه عود الحديد ليه جايه لى لعند سريري، إبعد عني، إنت مفكرة إنى جايه فى قضية شيكات بدون رصيد، أنا هنا فى قضية قتل، وكمان زيادة معرفه أنا دكتوره وسهل أشوف الدم قدامى ولا يتهز فيا شعره، لمي نفسك وعندك فى الزنزانه اللى قابلين بقذارتك يبقى تبعدي عني أفضلك.
للحظه إرتجفت تلك المرأة وشعرت بالرهبه، لكن قالت بوقاحه:
يعني بتعترفي إنك قتلتِ، طب ليه يا حلوة تلوثى إيدك بالدم، وبعدين أنا غلطانه الحق عليا كنت هسليكِ وهخليكِ تنسي الواطي اللى كل ليله تهمسي بإسمه وإنتِ نايمه، مالكيش فى الطيب خليكِ كده عايشه فى بؤس وإحلمِ باللى باعك ويمكن هو السبب إنك هنا فى السجن.
نظرت سهيله لتلك المرأه بسُحق لكن حاولت السيطرة على غضبها، وعادت تجلس على فراشها تضم ساقيها لصدرها، تسيل دموعها تحاول كتم صوتها تترجي أن يرفق بها القدر بالغد وتخرج من ذالك المكان البائس قبل يؤد بداخلها إنسانيتها.
***
صباح اليوم التالى.
بالمحكمه.
وسط تجمع إعلامى لبعض القنوات الفضائية وبعض المواقع الالكترونيه، مثلما يحدث، لكل جلسة من جلسات تلك المُحاكمه الخاصه بالطبيبه التى قتلت زميلها، بـ مؤيد ومعارض، كذالك ذُكر أن القتيل كان إبن أحد أعضاء مجلس الشعب، الذى لم يستخدم سطوته وترك القصاص للقانون، كذالك ذُكر أن القتيل كان زميل دراستها، وهى غدرت به.
بفناء المحكمهدلف آصف بسيارته وصفها بمكان خاص بالسيارات، رأى دخول سيارة الترحيلات الآتيه ببعض السجينات، إنتظر ينظر لتلك السياره وهي يترجل منها نساء واحده خلف أخرى مُقيدة أيديهن بأصفاد حديديه، لم يهتم لرؤيتهن فهذا ليست أول مرة يرى ذالك، لكن شعر كآن سيخ مُلتهب أصابه فى قلبه مباشرةً حين ترجلت من تلك السيارة سهيله، رأى دفع إحدى المُرافقات لها بقوه وكادت تسقط أرضًا لولا أن أمسك بيدها أحد العساكر الموجودين بالمكان، يحاول إبعاد مراسلين تلك القنوات من الوصول لها ، رغم أسئلتهم الفجه بعض الشئ لها، إلتزمت الصمت غُصبانيه.
طغي علي آصف شعور بالغِيره من مسك ذلك العسكري ليدها، وود أن يترجل من السيارة ويلكمه كيف سمح لنفسه بلمس يدها، كذالك شعر بغضب من تلك المرأة التى دفعتها، وهؤلاء المراسلين وفضولهم وأسىئلتهم الحمقى دون مُرعاة شعور البشر، لكن عاد عقله يتحكم به وقام بوئد تلك الشفقه والمشاعر التى مازالت تتحكم بها إتجاهها، يلوم قلبه الذى يضعف كلما إقترب منها، تحمل أن يظل دقائق جالسًا بالسيارة عيناه تُراقب دخول سهيله الى داخل المحكمه، كذالك تلك الكاميرات التى تتبعها، وتلتقط لها الصور، تنفس بغضب، أخرج علبة سجائره وأشعل إحداها يُنفثها بغضب، عله يحاول تهدئة شعور الذى إنتابه بالرآفه إتجاه سهيله.
بينما دلفت سهيله خلف ذالك القُضبان الموضوع بقاعة المحكمة.
تبسمت بغصة قويه حين إقترب كل من أيمن والمحامى ومعهم آسميه التى تدمعت عينيها وهى تمسك بيدي سهيله من خلف أسياخ ذالك القُضبان ودت أن تستطيع تحطيمها وتُخرجها من خلف القُضبان، بينما سهيلة إنحنت وقبلت يديها قائله:
وحشتيني أوي يا تيتا، ليه تعبتِ نفسك وجيتِ النهارده.
سالت دموع آسميه قائله:
قلبي حاسس إن ربنا هيفُك كربك والقاضى هيبقى فى قلبه رحمه ويحكم بالحق.
نظرت سهيله بغصه تحاول كبت دموعها، بينما تحدث المحامي معها ببعض النقاط سريعًا قبل دخول القُضاه كذالك أيمن لكن كانت لحظات فقط.
قبل أن يقول حاجب المحكمه كلمته الشهيره:
محكمه.
وقف الجميع، الى أن جلس أعضاء لجنة المحكمه.
بدأت مدولات القضيه بين الإتهام وسماع الدفاع كذالك بعض التساؤلات الخاصه.
لكن شعرت سهيله كآن كل شئ حولها توقف حين رأت دخول آصف الى قاعة المحكمه، راقبته بعينيها الى أن جلس بمقعد بعيد عنها، ظلت تشعر بالصمت حولها رغم صخب القاعه، فاقت من ذالك على قول أحد القُضاه:
إستراحه نص ساعه للمداولة بين القضاة وبعدها هنصدر قرار الحُكم.
لم تعرف سهيله كيف إنقضت تلك النصف ساعه عليها، كآنها عِقد من الزمن، كانت ترتقب ليس قرار القاضي، بل رد فعل آصف حين سمعت أحد القُضاة يقول:
النُطق بالحُكم بناءً على حيثيات القضه وأقوال المُتهمه.
لم تكُن تنصت الى قرار القاضى كانت تختلس النظر ناحية آصف الواقف مثل البقيه.
كانت تود أن يخلع عن عينيه تلك النظارة المُعتمه علها تستطيع معرفة رد فعله على قرار القاضي من نظرة عيناه.
بينما أسفل عدسات تلك النظارة أغمض آصف عيناه بقسوة، كما توقع قرار القاضي لم يكُن عكس توقعهُ.
والآن لا يوجد طريق ثالث للقصاص منها.
رواية عشق مهدور الفصل العاشر 10 - بقلم سعاد محمد سلامة
بالكافيه القريب من الجامعه.
ترك طاهر ذلك النادل الذى كان يتحدث معه حين رأى دخول يارا إلى الكافيه. توجه ناحية إحدى الطاولات وظل واقفًا ينتظر ببسمة على وجهه، يشعر بزيادة خفقان فى قلبه.
تبسمت هى الأخرى بتلقائية، يخفق قلبها بشدة بكل خطوة تقترب من طاولته. شعور مختلف، لأول مرة بحياتها تتخلى عن غرورها وتكذب كي تلتقي بشخص. شعور يتمكن من قلبها مع الوقت يجعلها تود أن يتوقف الوقت ويبقى الاثنان هنا.
توجهت إلى تلك الطاولة، تبسمت له قائلة:
"إتأخرت عليك."
أشار لها للجلوس وجلس هو الآخر قائلاً:
"مش كتير، أنا يادوب واصل من دقايق."
جلست تشعر بتوتر وارتباك، لا تعلم كيف تبدأ حديث معه، كأنها نسيت كل ما كانت تفكر به طوال الطريق. بينما شعر طاهر باستغراب من صمتها. للحظات، تنحنح يقطع الصمت قائلاً:
"تشربي إيه؟"
إرتبكت أكثر وقالت بتسرع:
"أى حاجة."
أشار بيده للنادل الذي اقترب منه قائلاً بمزح مع النادل:
"إتنين عصير فريش، فريش مش معلبات."
تبسم له النادل وغادر. بينما مازالت يارا متوترة، كأنها لاول مرة تجلس معه بهذا الكافيه. حاولت أن تتغلب على هذا التوتر، وأرجعت ذلك أن سابقاً كانت اللقاءات بينهم مجرد صدف، وحتى إن كانت مقصودة منها، لكن لم تكن هي من تطلب اللقاء.
ظلت صامتة لدقيقة إلى أن عاد النادل بكأسين من العصير، وضعهم أمامهم، ثم غادر. لاحظ طاهر صمتها، كذلك ملامحها المتوترة التي زادت وجهها ببعض الاحمرار البسيط. قرب كأس العصير الخاص بها أمامها قائلاً:
"إتفضلي."
تبسمت بتوتر، تشعر أن الحديث الآن مجازفة، وقالت بهدوء:
"شكراً."
تبسم لها. لفت نظره نظرة للهاتف الخاص بها. ظنت أنه تضايق من صمتها، جلّت صوتها وقالت بهدوء:
"أنا آسفة إن كنت معطلاك. بصراحة انت عارف إني اتصلت عليك النهارده، عشان الفون بتاعي وقع مني في الميه، وهو نفس الفون اللي كنت أخدته صلحته قبل كده في مركز الصيانة اللي سبق وصلحت لي الفون فيه. أنا لو اعرف مكان مركز الصيانة مكنتش طلبتك، واضح إني عطلتك."
تأسف منها قائلاً:
"أبدًا مش معطلاني، بالعكس."
تبسمت له وهي تخرج هاتفها من حقيبة يدها، ومدت يدها نحوه قائلة:
"الفون أهو."
مد يده هو الآخر يأخذ منها الهاتف. تلامست أناملهما معًا، رفع عينيهما ونظرا إلى بعضهما ثوانٍ، كانت تُرسل إشارات إلى قلب كل منهما. كل منهما لديه شعور خفي لا يعلمه. أهو مجرد ارتياح صداقة، أم مشاعر أخرى عابرة غير مفهومة؟
لكن قطع تلك النظرات والإشارات رنين هاتف طاهر. انتبهت يارا وسحبت يدها وتركت الهاتف لـ طاهر، الذي نظر لشاشة الهاتف وقرأ اسم المتصل. التقطت يارا شاشة الهاتف دون قصد منها، علمت أن والدته هي من تهاتفه.
بينما طاهر شعر برجفة في قلبه أن تخبره والدته بخبر سيئ. اليوم محاكمة سهيلة، كان سيذهب للمحكمة، لكن أرجأ ذلك بسبب مهاتفة يارا له وطلبها منه اللقاء من أجل تصليح هاتفها. وافق بسبب اشتياقه للقائها منذ عدة أشهر بعد نهاية امتحانات الجامعة لم يلتق بها، فقط يتبعان بعض عبر وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهواتف. مجرد تعليقات كل منهم للآخر على بعض المنشورات التي يضعها على حسابه الخاص. كأنها كانت متنفس لهما لمجرد المتابعة فقط. كذلك هي كانت نفس الشيء، لكن اتخذت خطوة، وأسقطت هاتفها عنوة بالماء كي تستطيع اللقاء به.
تنحنحت بارتباك وقالت له:
"مش هترد على اللي بيتصل عليك."
نظر لها ثم جذب هاتفه وقام بالرد، يشعر برهبة أن يسمع خبر عن سهيلة يجعله يحزن. لكن مجرد أن قام بالرد سمع والدته تتحدث بصوت يبدو سعيد. انشرح قلبه قليلاً، لكن سرعان ما سأم وجهه للحظات وهو يسمع باقي قولها:
"سهيلة القاضي حكم عليها بثلاث سنين سجن مع إيقاف التنفيذ، يعني هتخرج من السجن."
انبسطت ملامحه وقال بانشراح:
"بجد يا ماما، بابا قالك كده أخيرًا، يعني سهيلة هترجع البيت."
أجابته سحر بفرحة عارمة:
"أيوا، باباك قال لي المحامي هيحاول يخلص الإجراءات النهارده، وإن شاء الله ترجع للبيت النهارده."
تبسم طاهر قائلاً:
"إن شاء الله هرجع المسا والقاه في البيت، عندي شوية شغل في مركز الصيانة هخلصهم وأرجع عالمسا مش هتأخر، سهيلة وحشتني أوي."
أغلق طاهر الهاتف ونظر إلى وجه يارا التي لا تعلم سبب لشعورها بغصة في قلبها بعد أن سمعت اسم سهيلة. ماذا تعني له ليفرح كل هذه الفرحة الظاهرة على وجهه؟ كذلك بداخلها ترقب، ودت سؤاله لكن هو نظر لها قائلاً:
"تعرفي إن وشك حلو عليا أوي... ياريتك كنتِ كلمتني من زمان."
تبسمت له بترقب وسألت باستفسار:
"مش فاهمه."
تبسم لها قائلاً:
"جالي خبر كنت مستنيه من فترة طويلة."
شعرت بفضول وسألت:
"وياترى بقى خبر حلو ولا...؟"
تبسم لها قائلاً:
"خبر حلو جدًا، سهيلة دي تبقى أختي وكانت..."
توقف للحظة قبل أن يزلق لسانه ويخبرها أنها كانت محبوسة بالسجن، ثم أكمل:
"كانت غايبة من فترة وهترجع للبيت النهارده."
انشرح قلبها بارتياح، إذن "سهيلة" هي أخته.
تبسمت له بمودة قائلة:
"ترجع بالسلامة، واضح إن ليها عندك مكانة كبيرة أوي."
تبسم طاهر قائلاً:
"فعلاً... سهيلة أختي قريبة، رغم إنها أكبر مني، بس بحس أوقات إنها بتبقى ضعيفة، وهي اللي محتاجة لأخ كبير."
ظلت يارا تسمع له عن مدحه لأخته، شعرت بغصة. رغم أن لديها أخوات أكبر منها، لكن لم تشعر بأن لهم وجود طاغٍ بحياتها، لا يتشاركون سوى اسم الأب فقط. دخل لقلبها شعور، لاول مرة تتمناه أن يكون أحد إخوتها مثل طاهر ويتحدث عنها بهذه الطريقة المقربة.
ظل بينهم حديث دون شعور منهم، مر وقت طويل. تحدثا بمواضيع كثيرة، لكن لم تستطع أن تتحدث عن أخواتها أمامه، فماذا تقول له عنهم؟ هم مجرد إخوة بالكنية فقط. لكن ولدت تلك الساعات مشاعر، ربما مع الوقت تنكشف حقيقتها.
***
في المحكمة.
قبل دقائق.
نطق القاضي الحكم:
"بعد المداولات والاستجوابات، كذلك أقوال المتهمة واستنادًا إلى الأدلة الخاصة بالجناية، قررنا لجنة المحكمة، الحكم على المتهمة 'سهيلة أيمن الدسوقي' بالسجن ثلاث سنوات مع إيقاف التنفيذ."
في البداية كادت آسمية أن ترفع صوتها وتصيح بأن هذا ظلم. لكن تحكمت في غضبها حين استدار لها المحامي مبتسماً. عقدت حاجبيها باستغراب من بسمته، ولت نظره إلى أيمن، تفاجأت بانبساط على ملامحه هو الآخر. لحظات لم تفهم سبب لابتسامتهم ولا مغزى الحكم. وجهت بصرها نحو سهيلة الواقفة خلف قفص الاتهام، ترى رد فعلها هي الأخرى على قرار القاضي. لم تندهش حين رأت ملامحها لا تعطي أي رد فعل، تبدو عيناها تنظر نحو مكان آخر بالقاعة. بتلقائية منها نظرت إلى ما تنظر إليه، سريعًا تعرفت على هويته من تنظر له سهيلة. إنه الابن الأكبر لـ أسعد شعيب، شقيق القتيل. تسأل عقلها هل أرسله والده مكانه كي يقوم بذم وتهديد سهيلة كما كان يفعل هو بعد كل جلسة قضائية، يقترب من قفص الاتهام ويتوعد لها أنها لن تفلت دون عقاب يشفي حسرته على فقدان ولده. لكن ذلك لم يحدث حين ابتعد آصف، وأعطى ظهره لـ سهيلة وبدأ بالسير نحو باب الخروج من القاعة. زفرت نفسها بارتياح.
بينما قبل لحظات من مغادرة آصف من أسفل تلك النظارة، تحاشى النظر نحو سهيلة إلى أن قال القاضي قراره، الذي كان يتوقعه. نظر نحوها، توقع أن يرى الفرحة على وجهها، فهي بهذا الحكم المخفف أصبحت حرة وستخرج من السجن. لكن تفاجأ بملامحها التي لا تعطي أي رد فعل. رمقها بنظرة نارية غاضبة، فسر عقله ذلك أنه ثقة منها بعدما برأت نفسها بكذبة قذرة. بنفس اللحظة امتلأ قلبه شعور بالحقد والجمود. حسمه عقله لو بقيت أكثر بالقاعة ربما شفقت عليها. بالفعل توجه نحو باب الخروج من القاعة.
بينما سهيلة كانت تنظر له بأمل أن يقترب من قفص الاتهام وينظر لها دون تلك النظارة. ودت أن يتحدث لها ويقول أي شيء، حتى إن قال أنه على يقين أنها قاتلة. لكن كان صمته قاتل بالنسبة لها. كذلك رؤيته وهي يكاد يخرج من باب القاعة، أغمضت عينيها بقوة وآسفة، تشعر كأن قلبها ينزف. لوهلة همس قلبها اسمه "آصف".
للحظة توقف آصف عن السير كأنه سمع همسها باسمه. لوهلة هي الأخرى ظنت أنه لم يكن قلبها هو ما همس باسمه بل نطقها لسانها. لكن انتهت تلك اللحظة حين نفض آصف عن رأسه، تملكه الجمود وشعر أنه فقط توهم همسها باسمه. أخذ نفس عميق يشعر بالاختناق ثم أكمل سير وخرج من القاعة.
بينما بدأ كل من بالقاعة بالخروج منها، كذلك كاميرات التصوير، التي تهافت البعض منها نحو قفص الاتهام، يسألون سهيلة عن شعورها بهذا الحكم المخفف، وهي لا تشعر بهم، فقط تشعر بانسحاب في قلبها قبل أن يسحبها أحد العساكر ويخرج بها من ذلك القفص.
***
بعد قليل بأحد ممرات المحكمة.
لم تستطع آسمية التحكم في دموعها وهي تقول:
"وشكم ليه بيضحك والقاضي حكم على سهيلة بالسجن تلات سنين."
تبسم أيمن لها وقبل أن يفسر لها، صدح رنين هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر للمحامي مبتسماً يقول:
"دي سحر اللي بتتصل أكيد. قلبي ملهوف أعرف قرار القاضي... أنا هرد عليها أطمنها وإنت فهم عمتي قرار القاضي."
تنهد المحامي بارتياح وفسر لها:
"بصي يا حجة، قرار المحكمة صحيح تلات سنين سجن بس مع إيقاف التنفيذ، يعني سهيلة هتخرج من السجن خلاص، لأن الحكم ده يعتبر لاغي، زي إفراج بس يتنفذ لو هي ارتكبت جريمة تانية وخدت حكم تاني وقتها هتنفذ الحكمين. دلوقتي هندفع للمحكمة مبلغ زي كفالة، كمان هنقدم استئناف عال حكم وإن شاء الله ربنا يسهل."
شعرت آسمية بانشراح في قلبها وآمنت على حديث المحامي وقالت بلهفة:
"أي كفالة ادفعها لها، من جنيه لـ مية ألف وأنا اللي هجيبهالك حالًا، المهم أنها تطلع من السجن، كفاية كده."
تبسم المحامي، مع إغلاق أيمن الهاتف وهو يبتسم قائلاً:
"سحر مش مصدقة، وبتقول مش هتصدق غير لما تشوف سهيلة قدامها..."
تدمعت عين آسمية، لكن استأذن المحامي منهم قائلاً:
"هستأذن أنا هروح أكمل إجراءات خروج سهيلة، وكمان أعرف مبلغ الكفالة اللي حدده القاضي."
أومأت له آسمية قائلة:
"على ما تخلص الإجراءات هروح أنا وأيمن نسحب فلوس من البنك ونرجع بسرعة."
***
بمقر خاص لـ أسعد بالبلدة يُدير منه بعض الشؤون الخاصة.
جذب ذلك الملف وقام بفتحه، تلمس بأنامله تلك الصورة، القريبة الشبه من المرأة الوحيدة الذي خفق لها قلبه لكن عثر عليها متأخرًا، كانت مرتبطة برجل آخر، كما أنها توفت بريعان شبابها. همس اسمها "إبتهال".
طوى الصفحة وبدأ بقراءة باقي محتويات الملف. لفت نظره تاريخ ميلادها، كذلك شهادتها الجامعية، لكن توقف للحظة غير متوقع قائلاً:
"مكتوب كتابها!"
عبس وجهه وأغلق الملف، يزفر نفسه بغضب. قطع تفكيره رنين هاتفه الجوال. ترك الملف وقام بالرد، يسمع للمتصل. فجأة نهض متعصبًا يقول بغضب:
"مستحيل أقبل بقرار المحكمة ده، دي مستحيل كان يحصل الا لو إنها اشترت لجنة القضاة... كمان بتقول إن آصف حضر جلسة المحكمة ومكنش له أي رد فعل. تمام، اقفل دلوقتي."
أغلق أسعد الهاتف وألقاه بغضب فوق المكتب، وبعصبية منه أزاح تلك الأوراق التي كانت فوق المكتب. نهض واقفًا يسير بغضب، لم ينتبه أنه دهس بحذائه على ذلك الملف. يشعر بغضب ساحق، بنظره أن قرار المحكمة قرار مخيب. ليته ما ترك للمحكمة حق القصاص وأخذه من البداية كما يليق به وأخذ حق غدرها بابنه. لكن الآن فات الوقت. زفر نفسه بعمق وغضب سحيق، وهسهس بجحود:
"لاء مفتش الوقت، مش هتفلت من عقابي ولا هتتهني بحريتها."
***
عصراً.
بحديقة سرايا شعيب.
طوى آصف صفحات تلك الجريدة الذي لم ينتبه حتى لحرف سقطت عيناه عليه. كل ما يجول برأسه ملامح سهيلة، نظرة عينيها له. لأول مرة لم يكن يرغب النظر إلى عينيها ولا لملامحها حتى لا يسقط ببراثنها ويصفح عن ادعائها الكاذب متأثرًا بصفو عينيها وبراءة ملامحها.
وضعت أمامه إحدى الخادمات كوبًا من القهوة وآخر من الماء قائلة باحترام:
"قهوتك يا آصف بيه. تؤمرني بحاجة تانية؟"
هز رأسه بنفي، قائلاً:
"لاء متشكر."
انصرفت الخادمة، طوى الجريدة للحظات، وأشعل سيجاره، نفث دخانها، وعاود يتصفح تلك الجريدة. حاول نفض سهيلة عن رأسه، لكن هيهات، هي أصبحت محور هام بحياة من بالمنزل، وبالأخص والده الذي دلف إلى السرايا وترجل من السيارة يسير نحوه بغضب. سرعان ما قال له:
"قلت لي أمشي قانوني مع الحقيرة اللي قتلت سامر، وفي الآخر القانون عمل إيه؟ أهو القانون اللي قلت عليه، هيخرجها من السجن خلاص، ولا كأنها مش بس قتلته لاء وكمان شوهت صورته قدام الناس وطلعت هي الشريفة اللي دافعت عن شرفها، ومش بعيد كمان تاخد براءة، وترجع تاني دكتورة. أنا لازم أطعن في الحكم ده، ظلم دي تستحق مش بس الشنق، لاء كمان يتمثل جثتها قدام الناس."
شعر آصف بغضب من حديث والده المتهجم على سهيلة، وقال له بحِدة:
"بلاش تخلي غضبك يخرج عصبيتك وتغلط. أيًا كانت مجرمة أو لأ، أنا اطلعت على القضية وبصفتي قاضي كنت هحكم نفس الحكم ده بناءً على الأدلة والأقوال اللي اتقدمت للمحكمة، وكمان بصفتي قاضي أحب أقول لك إن سهيلة لو قدمت طعن عال حكم يترفض، القضية فيها أركان كتير ناقصة، وأي قاضي هيحكم عالأدلة اللي قدامه بنفس الحكم."
أنهى آصف قوله وهو يطوي تلك الجريدة ووضعها فوق الطاولة وأشعل سيجارة أخرى.
أخذ أسعد السيجارة من يد آصف بغضب وسحقها بالمنفضة قائلاً باستغراب:
"بطل حرق سجاير، وقول لي قصدك إيه، ولما إنت كنت عارف بكده ليه مسبتنيش أتصرف معاها من البداية، كنت هخليها تتمنى الموت ومطلوش، بعد ما أفضح حقيقتها وإنها مش شريفة."
تهجم وجه آصف يشعر بغضب قائلاً:
"بابا بلاش أسلوب الهمج والمجرمين ده."
تهجم أسعد ورفع صوته بغضب قائلاً:
"أسلوب الهمج ده اللي ينفع مع نوعية المجرمة اللي قتلت وشوهت صورة أخوك، إيه يا سيادة القاضي نسيت إن سامر يبقى شقيقك."
رد آصف:
"مش ناسي ولا قادر أنسى، بس أسلوبك ده..."
قاطعه أسعد قائلاً:
"أسلوبي ده هو اللي هيرجع حق أخوك لما البنت دي تتفضح إنها مدعية كدابة وإن معندهاش شرف، وأنا هعرف أثبت ده."
تهجم أصف قائلاً بغضب:
"وده هتعمله إزاي، هتبعت لها اللي يغتصبها، زي ما بعت لها عاهرة في السجن، ولا بالتهديد زي ما كنت بتهددها بعد كل جلسة في المحكمة."
ذُهل أسعد من قول آصف وقال له ببجاحة:
"إنت متابع بقى، هي البت دي كانت داخلة مزاجك ولا إيه؟"
تعصب آصف قائلاً:
"كل عصبيتك دي مش هتجيب نتيجة، القضية خلاص شبه انتهت، بس أنا هقدر أرجع حق ادعائها على سامر بالكذب."
تهكم أسعد قائلاً باستهزاء:
"وده إزاي بقى، بالقانون اللي في الآخر خرجها شبه براءة كأنها بيكافأها."
نهض آصف واقفًا بسخط ونظر له بثقة قائلاً بحسم:
"هقولك إزاي في الوقت المناسب، أنا صدعت من الشمس هنا، كمان علبة السجاير خلصت هروح أجيب غيرها، كمان عندي قضية بعد يومين ولازم ادرسها كويس."
تهكم أسعد بغضب يذم نفسه ليته ما ترك الأمر للقانون كما طلب منه آصف.
بينما آصف خرج من السرايا سيرًا على قدميه، اللتان أخذاه إلى منزل والد سهيلة، ليراها وهي تدلف مع والداها وجدتها كذلك المحامي الخاص بها. شعر بغضب وابتعد عن المنزل، تجول بالطريق دون هدف قبل أن يعود للسرايا.
***
بمنزل أيمن مساءً.
دلف طاهر باشتياق سائلاً:
"فين سهيلة."
تبسمت له سحر قائلة:
"سهيلة قاعدة في أوضة الجلوس جدتك آسمية مش مكلبشة فيها."
تبسم طاهر وهو يتوجه إلى غرفة الجلوس. وقف يشعر بغبطة وهو ينظر إلى سهيلة التي كانت ملامحها شاحبة، كذلك نحفت أكثر، لكن كل هذا مع الأيام سينتهي. اقترب منها حين نهضت تنظر له بدمعة تلألأت بعينيها. شعر بغصة في قلبه، سرعان ما جذبها وضَمها إلى حضنه هامسًا بأخوة:
"حمد الله عالسلامة."
ضَمته ببسمة وأخوة قائلة بمزح:
"في الحالة دي بيقولوا 'كفارة' أو تتذكر ومتتعادش."
ضَمها قويًا يقول:
"كفارة دي للمجرمين مش للمظلومين."
جذبت آسمية سهيلة من يدي طاهر، لتجلس بحضنها قائلة بحنان:
"ربنا ظهر الحق، وإن شاء الله في الاستئناف تاخد البراءة."
تبسم طاهر لها، كذلك سهيلة، وسحر التي قالت بتمني:
"وكمان ترجع تاني تمارس الطب."
شعرت سهيلة بغصة، وكادت تتحدث بيأس، لكن دلف أيمن يقول:
"إن شاء الله هترجع وتبقى أشهر دكتورة أطفال في كفر الشيخ، المحامي قالي ممكن نقدم التماس في وزارة الصحة، ونقدم حيثيات الحكم وإنه كان دفاع عن النفس وقتها أكيد هترجعي تمارسي الطب تاني."
تبسمت سهيلة بأمل، بينما تهكمت هويدا التي دخلت تشعر بالبغض من احتوء وفرحة الجميع بخروج سهيلة من تلك القضية. هذا الحكم وخروج سهيلة الآن من السجن، بالتأكيد أفسد عليها بعد أن كانت تقدمت خطوة نحو الوصول إلى امتيازات من "أسعد شعيب" بهذا الحكم تراجعت فرصتها لديه. شعرت بغضب وقالت باستهزاء:
"وإزاي بقى هيقبلوا يشغلوا دكتورة وهي ليها صحيفة سوابق، وكمان قتل."
نظرت لها آسمية بغضب وقالت:
"سهيلة مقتلتش، وكفاية رغي فارغ في الموضوع ده، وخلونا نفرح المهم إنها رجعت تاني للدار."
أنهت آسمية حديثها وضمت سهيلة لصدرها تُقبل وجنتها.
شعرت هويدا بالبغض وقالت:
"طبعًا، فرحتك بيها متتوصفش مش أول حفيدة تشيليها بين إيديك، ليها معزة."
نظرت سحر لـ هويدا وقالت بضيق:
"وشالتك إنتِ كمان، ومعزتكم كلكم واحدة في قلبي."
تهكمت هويدا قائلة:
"لاء طبعًا، سهيلة نصيبها كبير، دي اتولدت على إيديها... أما أنا اتولدت وهي كانت في وقتها بتعمل عمرة، لمعزة تختلف."
نظرت آسمية لـ هويدا، وقالت:
"كلكم معزتكم عندي في قلبي واحدة، إن كان إنتم ولا ولاد خالكم."
تهكمت هويدا قائلة:
"خالي وولاده عايشين في السعودية مش بينزلوا مصر غير في أجازة الصيف."
نظرت آسمية لها بلا مبالاة وضمت سهيلة بمحبة، بينما جلس أيمن جوارهم قائلاً:
"والله يا عمتي مش عارف أودي جمايلك فين، إنتِ اللي دفعتي الكفالة اللي حددها القاضي."
ضمت آسمية سهيلة وقالت:
"كفالة إيه اللي بتتكلم عنها ده ولا كنوز الدنيا تكفي لحظة وجود سهيلة وسطنا."
إزداد البغض في قلب هويدا وهمست لنفسها وقالت بغيظ:
"كنتِ وفرتي فلوسك الكتير لحاجة تنفع... فلوسك مظهرتش غير عشان الغبية دي، لكن طبعًا لو كانت ليا أو مساهمة في جوازي مكنتش ظهرت... طبعًا الملاك البريئة لها حظ، بس نفسي أعرف رد فعل آصف إيه، وإزاي الشهور اللي فاتت دي كلها مستخدمش سلطته وجابلك إعدام، ولا يكون..."
توقفت هويدا تفكر، وأكملت بغضب:
"لا يكون هو كمان لسه مخدوع في براءتها، ولا يمكن هو اللي طلب من القاضي، يحكم بالحكم ده، عشان تخرج من السجن."
تراجعت هويدا عن ذلك قائلة:
"مستحيل ده يحصل، أسعد لما كلمته عن قضية سهيلة من كام يوم حسيت إنه محروق ومغلول أوي، وأكد لها إن آصف كمان زيه، بس إيه اللي حصل وخلى القضية ترسي على حكم زي ده، مش معقول يعني آصف كان بيتلاعب بـ أسعد عشان يخرج حبيبة القلب من السجن."
***
بعد مرور شهر.
بمحكمة الاستئناف.
خلف قفص الاتهام كانت سهيلة تشعر باختناق بسبب أنها عادت مرة أخرى لذلك القفص غصبًا من أجل الحكم بقرار استئناف الحكم السابق. لكن قرار القاضي جعلها تنسى ذلك الرهاب قليلاً، حين قال:
"بعد مداولات من لجنة القضاة في قضية الاستئناف، قررنا منح البراءة لـ 'سهيلة أيمن الدسوقي' من قضية القتل الخطأ إلى الدفاع عن النفس."
أصبح هنالك تهليل بعدالة القضاء من ناحية، لكن هنالك ناحية أخرى ازداد الغضب لديها.
***
بعد مرور أكثر من ثلاث أشهر.
صباحًا.
أمام المشفى التي كانت تعمل بها سهيلة.
توقفت تستنشق الهواء بعمق قبل أن تدلف إلى المشفى بخطوات ثابتة، تشعر بأنظار بعض العاملين بالمشفى تخترق جسدها يتهامسون. قبل عدة أشهر تقترب على عام خرجت من هنا يُقيد يديها أصفاد معدنية، بتهمة قتل حدث معجزة وتبرأت منها، وها هي تعود مرة أخرى تستأنف حياتها مرة أخرى. لن تهزم لكبوة حدثت بحياتها. تشعر من عيون البعض بالاتهام أنها قاتلة، لكن أدلة القانون برأتها، والبعض الآخر تعامل معها سابقًا ولديه شبه يقين أنها ليست قاتلة، وهناك من يستهزئون منها كيف لا تستحي أن تعود للعمل كـ طبيبة بعد اتهامها بقضية قتل. لكن الخطأ ليس عليها بل على من قبلوا ذلك ووافقوا على عودتها لممارسة، ربما قامت برشوتهم.
تغاضت بكبرياء وثقة عن كل تلك النظرات وتوجهت إلى غرفة مدير المشفى مباشرة. دلفت بعد أن طرقت على باب مكتبه وسمح لها بالدخول. بمجرد أن رفع وجهه عن تلك الأوراق الذي كان يطالعها ونظر لمن دخل، سأم وجهه ونظر لها بمقت.
شعرت سهيلة بنظرته لكن حاولت الثبات. هي تعلم أنها بريئة لن تهتز ثقتها ببرائته، حتى لو كان مازال البعض يشكك في ارتكابها للجريمة. تحدثت بثبات بعد أن ألقت عليه السلام:
"أكيد وصل لحضرتك قرار من وزارة الصحة إن أرجع أمارس الطب."
جذب مدير المشفى ملف خاص وفتحه قائلاً:
"أيوه وصلنا قرار وزارة الصحة بموافقتها أنك ترجعي لممارسة عملك كـ طبيبة أطفال بالمستشفى، رغم إن ليا تحفظات عال قرار، لو القرار كان في إيدي أكيد كنت رفضت تنفيذهُ بس مُرغم إني أنفذ القرار حتى لو مش مُقتنع ببرائتك يا دكتورة."
***
بـ سرايا شعيب.
بالصالون كان يجلس آصف برفقة أسعد وشكران.
نظر له أسعد قائلاً:
"كنت بتقول عندك حاجة مهمة عاوز تقول لينا عليها."
نظر آصف لـ أسعد بترقب قائلاً:
"أنا قررت إني أتجوز."
رغم غصة قلب شكران لكن تبسمت له، بينما تبسم أسعد سألاً بلهفة:
"ويا ترى عندك عروسة خاصة حاطط عينك عليها، ولا عاوزني أرشح لك عروسة، بنت..."
قاطعه آصف قائلاً:
"لاء في عروسة خاصة."
تبسم أسعد سائلاً:
"ويا ترى مين العروسة، أكيد بنت قاضي ولا شخصية مهمة."
نظر له آصف باستهزاء. بينما قالت شكران:
"مش مهم هي بنت مين، الواضح إن ليها مكانة خاصة عند آصف بدليل إنه أخيرًا اقتنع وهيتجوز."
سخر أسعد من حديث شكران، لكن نظر لـ آصف بتساؤل:
"ومين بقى العروسة اللي أقنعتك إنك تتجوز."
نظر له آصف بترقب قائلاً:
"سهيلة أيمن الدسوقي."