تحميل رواية «عشق مهدور» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى القرى التابعة لمحافظة كفر الشيخ، تلك المحافظة التي تقع بمنتصف دلتا مصر، ولديها ظهير يطل على أحد شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهي أرض خصبة. صباحًا باكرًا، في سرايا فخمة وعريقة تتوسط مجموعة من الأفدنة مزروعة ببعض أشجار عين الجمل وبعض الأشجار الأخرى المثمرة، وحديقة خاصة تحيط بالسرايا بها بعض الزهور ونباتات الزينة. على صوت زقزقة تلك العصافير التي تسكن بأعشاشها على فروع تلك الأشجار. استيقظت تلك المرأة التي في منتصف الخمسين من عمرها. نهضت تُهندم فراشها، ثم توجهت ناحية مطبخ السرايا. لم يمضِ وقت...
رواية عشق مهدور الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سعاد محمد سلامة
إتأخرت.
قالتها شهيرة بدلال وهى تنهض من أمام مرآة الزينة. وضعت فُرشاة الشعر تاركةً تصفيف شعرها. من ثم سارت نحوه بخطوات تتهادى بالغنج الذي تُجيده. رافعةً يديها تُعانقه، تضع ثغرها على شِفاه تُقبله. بادلها القُبل بإستمتاع. ترك شِفاهها ورفع إحدى يديه أمسك طرف خُصلات شعرها قائلًا بإعجاب:
قصيتي شعرك كمان غيرتي لونه.
تبسمت بدلال قائلة:
تغيير يكسر الملل بقالي مدة كنت بطوله، وكمان كان أسمر، قولت أقصه وأغير لونه Blonde. أيه مش عاجبك اللوك الجديد، ولا مش لايق عليا.
فرك طرف خُصلات شعرها قائلًا:
بالعكس اللوك الجديد حلو أوي ومصغرك عشر سنين.
لوت شِفاهها تدعي أنها مقموصة قائلة:
قصدك أيه إنى كبرت، لاء هو عشان بقى عندي بنت في الجامعه أبقى كبرت. إنت عارف إني إتجوزت بدري وإعتزلت شُغل المودلينج وأنا في عِز شُهرتي. إنت عارف إن كان في دور أزياء عالمية مشهورة كانت ومازالت تتمنى مني بس إشارة، أني أرجع من تاني للموديلز، بس أنت لما خيرتني رغم شهرتي وكمان حُبِ للمودلينج، قلبي أختارتك. ومشيت ورا قلبي.
رغم أنه يعلم أن نصف حديثها كاذب، لكن ذلك الإطراء جعلهُ يزهو، وهى تتغنج بدلال تُقبلهُ بإغراء.
إستجاب لها، يقضي وقت مُمتع معها، ينتهي بإنتشاء للإثنين. إضجع على الفراش بظهره. بدلال منها إقتربت منه وضمت نفسها له، وضعت رأسها على صدره تعبث بآناملها برقة على صدره. سأله:
قولي بقى إتأخرت ليه، إنت في القاهرة من الصبح.
رد ببساطة:
أنا فعلًا في القاهرة من بعد الضهر جيت مع آصف، كان عندي شوية مشاوير ومصالح.
إدعت الدلال سأله بعتاب:
يعني لو مكنتش جاي مع آصف، وشوية المشاوير بتاعتك دي، مكنتش شوفتك. يعني مش جاي عشان شوشو حبيبتك وحشتك، حتى نص إنت ما وحشتني. أنا زعلانه منك، إنت بقيت تغيب عليا أوى وإنت عارف إنت قد أيه بتوحشني.
قالت هذا ورفعت رأسها عن صدره تنظر لوجهه قائلة بدلال:
إنت قلبك تقيل، بس بقى. ياترا أنا كمان مش بوحشك؟
جذبها لصدرهُ مُبتسمًا يقول:
أكيد بتوحشيني جدًا، بس إنتِ عارفه طبيعة مشاغلي الكتير الفتره اللى فاتت. كنت مشغول جدًا، سواء في جولة الانتخابات النصفيه، كمان أنشغلت بقضية المرحوم سامر. بس خلاص الفترة الجايه هعوضك.
إبتسمت بدلال وعادت تعبث بآناملها على صدرهُ وإدعت الحُزن وهى تقول بنبرة تحريض:
أنا لسه قلبي بيوجعني لحد دلوقتي على المرحوم سامر واللى مضايقني كمان إن البنت اللى قتلته نفدت من العقاب. دى كانت تستحق حبل المشنقه، بس طبعًا القانون سهل يتخدع، وفلتت من العقاب. بسبب قلبك الطيب.
نظر لها بغصة تقسم قلبه، لكن قال:
مين اللي قالك إنها نفدت من العقاب. أنا متأكد إنها هتاخد العقاب المناسب وقريب جدًا. مستحيل تتهني بعد ما شوهت صورة ابني.
رفعت رأسها عن صدره وسألت بذهول:
قصدك أيه؟
رد أسعد بهدوء:
بكرة تعرفي. دلوقتي أنا حاسس إني مُرهق ومحتاج أنام عشان عندي بكرة جلسة حلفان اليمين في المجلس ولازم ابقى فايق ليها.
رغم فضول شهيرة، لكن تبسمت له وعادت تسكن صدرهُ تشعر بإنشراح في قلبها. رغم كتمان أسعد، لكن تعلم أنه مازال بقلبه الانتقام من تلك الفتاة. شار عليها عقلها أن تجذب هاتفها وتُخبر اسعد عن تلك الصور الخاصة بـ آصف مع تلك الفتاة، لكن تراجعت. ماذا ستفسر له كيف وصلت تلك الصور لها. لكن شعرت بسعادة وشماتة في آصف الذي دومًا يُظهر البُغض لها.
بينما ضم أسعد جسد شهيره بين يديه، يتذكر بالأمس [فلاشـــــــــ/باك]
اكتسب من خبرته كـ نائب في البرلمان أن يسمع الحديث الى النهاية بعدها يقرر: أيعترض أم يوافق، أو يلتزم الصمت ولا يبالي، أو أخيرًا يمسك العصا من النصف. هكذا فعل بعد أن سمع قول آصف.
بينما تسرعت شُكران وقالت برفض:
لاء، مستحيل. شاور على أي بنت تانية غير سهيلة.
نظر لها آصف قائلًا:
إنت مش كنتِ نفسك إنى اتجوز وكنت بتلحِ عليا كتير، أنا أهو هحقق لك رغبتك.
تنهدت شُكران بغصة ودمعة تتكون بعينها وقالت برفض:
لاء، يا آصف مستحيل. أنا حاسه بشوية تعب. هقوم أنام.
لم يستغرب آصف من رفض شُكران، لكن استغرب من صمت أسعد. نظر له قائلًا بإستخبار:
وحضرتك كمان رأيك أيه؟ هترفض زي ماما؟
صمت أسعد للحظات يُفكر قبل أن يُرد على آصف. عكس توقعه:
لاء أنا موافق طالما دي رغبتك. مقدرش أفرض عليك قرار متأكد إنك مش هتمتثل ليه. إنت حُر في حياتك، بس أنا مش هقدر أستقبل البنت دي هنا في سرايا شعيب.
قصدك أيه؟
هكذا تسأل آصف بإستغراب.
حنكته كـ سياسي وقبل ذلك معرفته بـ آصف، لديه يقين أن آصف سيستغل زواجه من تلك الفتاة ويأخذ قصاص أخيه. بالتأكيد لديه هدف من هذا الزواج.
آصف سبق وأخبرهُ أنه كان يعلم قرار المحكمة وأن لديه العقاب المناسب لها. أخبره بذلك سابقًا، والآن حسم آصف قراره. الزواج من تلك القاتلة له هدف لديه. ربما كي يُظهرها على حقيقتها مُدعية الشرف وهي ليست سوى مُتسلقة عديمة الشرف.
لكن أخبره بدهاء كي لا يشعر أنه يفهم مآربه من خلف ذلك الزواج:
إنت حُر في حياتك واختيارك للي تناسبك وتشاركك حياتك، عشان إنت اللي هتشيل عواقب ده بعد كده.
استغرب آصف رد والده الذي خيب توقعه، لكن لديه هاجس أن أسعد يفهم نواياها من خلف ذلك الزواج. ربما بداخله أراد أن يقنعه أن يتراجع عن ما برأسه. ربما وقتها كان شعر بأن أسعد لديه قلب. لكن امتثل لقراره قائلًا:
تمام أنا هنتظر إن تقنع ماما توافق.
أومأ أسعد برأسه قائلًا:
إنت مش محتاج موافقة مامتك، لأنها مش هتعاشر مراتك معاها هنا.
استغرب آصف سائلًا:
مش فاهم قصدك أيه، ياريت توضح.
رد أسعد:
يعني إنت أكيد مستحيل تدخل البنت دي هنا السرايا كـ زوجة ليك، وأنا ومامتك أكيد من هنستقبلها بالورود، زي أي كنة تدخل للسرايا. البنت دي مقامها بدرون السرايا.
للحظة تفاجئ آصف من رد أسعد، وقال بخشونة:
تقريبًا، إنت بترفض بس بطريقة إنك متفرضش رأيك عليا؟
رد أسعد:
لاء غلطان قولتلك إنت حُر، بس أنا يوم ما أستقبل لك زوجة هنا في السرايا تكون بنت ناس محترمين ومن مقامنا الاجتماعي، لكن إنت عاوز تتجوز البنت دي مقدرش أمنعك، بس متأكد إنك مع الوقت هتمِل منها ومش بعيد تطلقها، وتختار اللي تناسبك. أنا مش ضد إنك تجرب وتفشل.
ذُهل آصف من رد والده المجحف. ماذا يقصد بـ تجرب وتفشل. لكن صمت لا يود الجدال بأمر محسوم لديه. سيتزوج من سهيلة عقابًا على كذبها.
[عودة]
عاد أسعد يبتسم وهو يشعر بالهدوء النفسي.
تلك المُدعية رسمت نهايتها بغباء منها. هي بالتاكيد لن ترفض زواجها من آصف طمعًا في المغفرة التي لن تنالها. بل سيتضاعف عقابها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل أيمن
بغرفة الجلوس
على تلك الطاولة وضعت سهيلة بعض الكتب والمراجع أمامها تنظر لها بشرود تتذكر مواقف زُملائها بالمشفى ونظراتهم لها اليوم كذلك حديث مدير المشفى الفج لها. سالت دمعة من عينيها. دمعة حسرة. هي لم ترتكب أي جرم. ألا يكفي عقابها بالسجن لأشهر ذاقت فيها جرعات مريرة من العلقم، كذلك ألا يكفي أنين قلبها بمن تخلى عنها وتركها تواجه مصير معتم دون حتى أن يسألها مرة واحدة حتى لو وجه لها الاتهام مثل الباقين، لكن اتخذ الصمت حتى نظرات عيناه لم تراها.
أثناء شرودها شعرت بيد وضعت على كتفها. سرعان ما انتفضت واقفة بخضة متحفزة... لكن سرعان ما تنهدت براحة قائلة:
بابا.
استغرب أيمن من ردة فعلها المبالغة. وقال بود:
ايوا بابا مالك اتخضيتى كده ليه.
ازدردت سهيلة ريقها وقالت بتبرير كاذب:
مفيش يا بابا بس كنت مركزه في قراية المراجع، ومش منتبه لخطوات حضرتك.
نظر أيمن الى تلك الكتب والمراجع الموجودة فوق الطاولة كان معظمها مغلق الا من مرجع واحد مفتوح على أول صفحة، لكن شعر بوخزات قوية في قلبه وضم سهيلة قائلًا بحنان:
ربنا يوفقك. هسيبك تكملي مذاكرة وهروح أعملك شاي.
ضمت سهيلة نفسها لـ أيمن تحاول أخذ الأمان المفقود منه وقالت:
لاء شكرًا يا بابا، أنا حاسه بإرهاق ومش هقدر أكمل مذاكرة هأجلها لبكره.
تبسم لها بحنان قائلًا:
كنت هقولك كده، بس قولت سهيله مش بتتعب من المذاكرة، بس...
أكملت سهيلة بقية حديث أيمن بآسف:
بس كل شيء بيتغير يا بابا. هروح أنام تصبح على خير.
رد أيمن يشعر بآسى:
وإنتِ من أهله.
دخلت سهيلة الى الغرفة الخاصة بها مع هويدا. سابقًا كانت تشعر بخوف من إغلاق باب الغرفة، لكن الليلة أغلقت الباب وذهبت نحو فراشها أزاحت الدثار قليلًا وتمددت على الفراش سامحة لعينيها أن تزرف دموع تحاول بها إخراج مكنون قلبها الذي يأنت. تشعر انها مازالت سجينة بين جدران أعين الناس ترى بأعينهم سهام اتهامات قاسية تخترق قلبها، لكن همست لنفسها بإصرار لن تستسلم. ستعود لحياتها وتبدأ من النهاية. وما كانت تخطط له دومًا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور شهر ونصف
ظهرًا
بالقاهرة
بشقة آصف
بغرفة نومه
وقف أمام المرآة نصف عارٍ ينظر الى انعكاسه. تمعن النظر الى ذقنهُ بعد أن قام بتهذيبها. بنفس الوقت سمع رنين هاتفه. وضع ماكينة الحلاقة التي كانت بيده فوق طاولة مرآة الزينة وتوجه نحو طاولة جوار الفراش. نظر للهاتف تبسم وهو يقوم بالرد:
سيادة الكابتن طيار بتكلمني منين النهارده.
تثائب أيسر وهو يقول بإرهاق:
إحنا في موسم الحج وشغال على خط الطيران المصري السعودي.
تبسم آصف قائلًا:
طب كويس، روح حج واطلب من ربنا يهديك.
ضحك آيسر قائلًا:
آمين. حتى ماما وصفوانه كمان طالعين الحج السنة دي. هبقى مرافق لهم وأقولهم يكثفوا الدعاء، ربنا يهديك إنت كمان، ويرتاح قلبك.
فهم آصف فحوى حديثه ولم يرد الحديث بهذا الشأن بدل الحديث لدفه أخرى الى أن انتهى الحديث بينهم. كاد يضع الهاتف على الطاولة لكن اهتز بصوت رسالة. فتحها شعر بغضب وغيرة من محتوى الرسالة الذي كان صورة لـ سهيلة تقف معها شخص آخر يمد يدهُ لها بكتاب كذلك خلفهم بعض الكتب. فطن أنها ربما مكتبة الجامعة. لكن لما تقف مع هذا الشخص. اجتاحته مشاعر الغيرة، وجزم لنفسه لابد من الآسراع في قرار الزواج منها بأقرب وقت. واللّيلة ستكون البداية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالجامعه
كانت يارا تسير برواق الجامعه مع إحدى صديقاتها يتحدثن عن رأيهن بأحد الأساتذة وطريقته السيئة في شرح المادة الدراسية، لكن للحظة توقفت حين رأت طاهر يقترب منها. شعرت بغيرة حين رأته يسير يتحدث مع إحدى زميلاته. في البداية ظنت أنه سيحدثها لكن تجاهلها، وسار من جوارها حتى دون النظر لها. شعرت بغضب يملأ قلبها. نظرت لزميلتها وقالت لها:
لسه في وقت أكتر من نص ساعة عالمحاضرة التانية، خلينا نروح الكافيه اللي قدام الجامعه نشرب قهوة تصحصحنا شوية.
وافقت زميلتها وذهبن الى الكافيه.
دلفا. نظرت يارا الى طاولات الكافيه، لكن ازداد الغضب لديها حين رأت طاهر يجلس مع تلك الفتاة يبدوان مندمجان وأمامهم بعض الكتب كذلك كوبان من القهوة. أشارت لصديقتها قائلة:
خلينا نقعد شوية.
تبسمت لها صديقتها وقالت بمرح:
إعملي حسابك إنك إنت اللي عازماني عالقهوة.
اومأت براسها. جلسن لبضع وقت يحتسين القهوة. نظرت لها زميلتها قائلة:
خلاص مبقاش فاضل عالمحاضرة غير عشر دقايق على ما نرجع للجامعة كمان، وياك نلاقي مكان قريب من منصة الدكتور.
لم تنتبه يارا لحديث زميلتها بسبب عينيها اللتان تنظران نحو طاهر الذي كأنه تغاضى عن رؤيتها وهو منسجم مع تلك الفتاة. لكن الأغرب أنه انضم لهم بعض من زُملائهم. ربما هذا ما جعل قلبها يهدأ قليلًا.
بينما استغربت صديقتها ووكزتها على يدها قائلة:
سرحانة في أيه.
نظرت يارا لزميلتها وقالت ببساطة:
مش سرحانة، بس كنتِ بتقولي أيه.
ردت زميلتها ببسمة:
آه.. فعلاً مش سرحانة، على العموم بقولك خلينا نقوم نرجع للجامعة المحاضرة خلاص فاضل عشر دقايق، على ما نوصل للمدرج.
نهضت يارا بمضض وسارت مع زميلتها تعمدت المرور من جوار تلك الطاولة التي يجلس خلفها طاهر، لكن لم يرفع رأسه وينظر لها. شعرت بغضب كذلك وخز في قلبها بسبب انشغاله بالحديث مع زميلته. غادرت تشعر بشرود تسأل نفسها ماذا تعني له تلك الفتاة التي بسببها حتى لم ينظر لها. بينما بالحقيقة بسبب انشغاله مع زميلته بمراجعة ومناقشة بعض الدروس سويًا لم ينتبه لها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ المكتبة التابعه لكلية الطب.
تجولت تقرأ عناوين تلك الكتب المصفوفة على أرفف المكتبة تبحث بينها عن ذلك المرجع الطبي التي تريده. انشرح قلبها حين وجدته موضوع على أحد الرفوف. مدت يدها كي تجذبه، لكن تفاجئت بيد أخرى سبقتها وجذبت المرجع وأخذته. استدارت تنظر خلفها، كان شخصاً يبدو عليه الوقار. تنحنحت قائلة:
المرجع ده بيناقش بعض الظواهر النفسية.
رد الآخر قائلًا:
عارف، أنا كنت بدور عالمرجع ده من فترة حتى سألت أمين المكتبة وقالي إن كان في طالب مستعيره وكويس إني جيت النهاردة ولقيته.
شعرت سهيلة بآسف وخجل أن تُخبره أنها تود استعارة هذا المرجع لحاجتها الضرورية إليه، لكن سألته:
وهترجع المرجع تاني للمكتبة إمتي؟
رد باحترام:
بصراحة مش عارف، بس...
توقف ينظر لها وسأل بفضول:
إنتِ محتاجة للمرجع ده.
التزمت الصمت قليلًا، بينما هو شعر أنها مألوفة لديه. سألها:
إنتِ بتدرسي طب نفسي.
ردت سهيلة:
لاء، أنا خلصت دراسة طب أطفال، بس بعمل رسالة الدراسات العليا وكنت واخده موضوع تأثير الطب النفسي مش بس على الأطفال على البالغين كمان.
ضحك مازحًا يقول:
قصدك طب المجانين، مفيش حد في مصر بيعترف بالطب النفسي.
تبسمت له قائلة:
فعلاً ده صحيح، أنا كان نفسي ادرس طب نفسي من البداية بس طبعًا الطب النفسي في مصر مالوش مستقبل.
ضحك مازحًا يقول:
بالعكس الطب النفسي له مستقبل كبير في مصر، كلنا أوقات بنبقى محتاجين نفضفض بس طبعًا مش لدكتور المجانين.
تبسمت له قائلة:
هو ده اللي خلاني ادرس طب اطفال، بس ناوية أعمل رسالة الماستر والماجستير والدكتوراه عن تأثير الطب النفسي، جنب طب الأطفال.
ضحك قائلًا:
يعني تمسك العصاية من النص، للأسف أنا معملتش كده، درست طب نفسي وكمان اخدت الماستر والماجستير والدكتوراه فيه بس طبعًا مش في مصر. أنا يادوب راجع من بعثة من فرنسا كم شهر. بصراحة هناك عندهم امتيازات للطب النفسي ومش بيخجلوا أنهم يزوروا طبيب نفسي من فترة للتانية عكس هنا طبعًا.
للحظة تذكرت سهيلة سامر وأكم من مرة نصحته باللجوء لطبيب نفسي، لكن هو امتعن وسار بعقله خلف مغامرات أودت بحياته وكاد يضيع مستقبلها بسببه.
لاحظ الآخر، شرود سهيلة سألها:
على فكرة متعرفناش، أنا دكتور "بيجاد وحيد" دكتور نفسي.
نفضت ذكرى سامر وابتسمت له قائلة:
أنا سهيلة أيمن، دكتورة أطفال.
مد بيجاد يدهُ لها للمصافحة قائلًا بود:
إتشرفت بيك يا دكتورة، اتفضلي.
صافحته سهيلة باستحياء ونظرت الى يده الأخرى الممدودة بالكتاب قائلة:
إنت مش محتاج للمرجع ده؟
رد بيجاد:
هقولك الصراحة أنا كنت محتاج ليه عشان كنت هعمل بحث طبي، سهل أجيب اللي لازميني عنه من مواقع طبية عالنت، بس كنت هستسهل وأخد المعلومات اللي عاوزاها من المرجع ده. واضح إنك محتاجاله أكتر مني، كمان أنا مش مستعجل عالبحث بتاعي.
بحياء مدت يدها وأخذت المرجع قائلة:
تمام طالما مش مستعجل عالبحث حضرتك، أنا ممكن آخد المرجع وخلال أسبوع بالكتير هرجعه هنا للمكتبة تقدر وقتها تستعيره.
أومأ لها ببسمة قائلًا:
تمام أسبوع مش كتير، بس أتمنى أن الكتاب يفيدك يا دكتورة.
تبسمت له وهى تنظر له بشكر. ثم عادت بنظرها الى المرجع تبتسم. بينما بيجاد ظل ينظر لها بنظرة شغف، لكن قطع نظره لها رنين هاتفه.
أومأ لها وتجنب منها للرد على الهاتف، بينما سهيلة فتحت المرجع قرأت بعض السطور، ثم غادرت دون انتظار. بينما بيجاد بعد أن أنهى الحديث على الهاتف، عاد مرة أخرى للمكان نظر حوله يتلفت بالمكتبة، لم يراها كأنها اختفت. تبسم وبداخله أمنية لقائها مرة أخرى.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساءً
بمنزل أيمن
وضعت سحر تلك الصنية على طاولة أمام عادل ورحبت به قائلة:
نورتنا يا عادل.
تبسم لها بمودة، بينما نظر لـ أيمن قائلًا:
بصراحة كده يا عم أيمن موضوع زفافي أنا وهويدا.
توقف عادل للحظة حين رأى اعتدال هويدا ونظرها له بتحفز، لكن قبل أن تتحدث تحدت أيمن قائلًا:
أنا عارف إن زفافكم اتأجل كتير بسبب الظروف اللي مرينا بيها في الفترة الأخيرة بس الحمد لله ربنا كشف الغمة، وبصراحة كده الواحد نفسه يفرح. أنا بقول بلاش تأجيل أكتر من كده، كفاية.
قاطعته هويدا بتسرع:
وليه نتسرع يا بابا، كمان أنا معنديش اجازات دلوقتي خلي الزفاف للصيف الجاي.
نظر عادل لها باستغراب، بينما قالت سحر:
ليه نأجله ده كله، الحمد لله الجهاز كله موجود، خلونا نفرح شوية، كفاية غم، ومفيهاش حاجة لو أخدتي أجازة أسبوع ولا اتنين بدون مرتب.
رد أيمن هو الآخر بتوافق:
أنا بقول كده كمان، كفاية مدة الخطوبة طولت قوي، والظروف الحمد لله اتعدلت خلونا نفرح، على بركة الله يا عادل من بكرة روح احجز قاعة الفرح في أقرب وقت.
نظرت هويدا لـ عادل بسخط، بداخلها نفور تكره أن يضعها أحد امام الأمر الواقع، كذلك بداخلها غضب بسبب تشتتها بعد تجاهل أسعد لها، وأجزمت أن السبب هو براءة تلك السخيفة سهيلة، وددت لو تنهي هذا الموضوع وتنفسل عن عادل لكن بداخلها هاجس يمنعها من ذلك خوفًا أن تشمت فيها سهيلة كذلك تخشى ألا تتزوج بسبب سمعة أختها التي أصبحت كالعلكة بفم الناس، حتى لو كانت حصلت على البراءة لكن ما زال هناك البعض الذي لا يصدق أنها بريئة من دم زميلها. صمتت تتقبل الأمر غصبًا بغضب جم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ سرايا شعيب
بغرفة آصف
كان يتمدد على فراشهُ يضع يديه أسفل رأسه، ينظر الى سقف الغرفة، شاردًا، بتلك الصورة التي وصلت لهاتفه ظهرًا، تخص سهيلة وهي واقفة مع شخص آخر تذكر حين سأل الذي أرسل له الصورة من هذا، أجابه بأنه لا يعرفه، لكن سيأتيه بمعلومات عنه بأقرب وقت. كذلك أخبره أنها وقفت تتحدث معه لبعض الوقت، قبل أن تتركه وتغادر. قطع عليه ذلك التفكير، صوت طرق على باب الغرفة. سمح بالدخول. اعتدل جالسًا على الفراش يبتسم حين دلف الى الغرفة والدته تحمل بيدها كوبًا من اللبن قائلة:
كنت متوقعة إنك لسه سهران. جبت لك كوباية لبن دافية اشربها وبعدها هتنام مرتاح.
تبسم لها وهو يأخذ منها الكوب، وارتشف بعض القطرات. بينما جلست شكران على طرف الفراش جواره ومدت يدها على خصلات شعرهُ وقالت بأمومة:
شعرك محتاج يتقصر شوية يا سيادة المستشار.
"سيادة المستشار" تلك الكلمة التي كانت دائمًا تقولها له سهيلة. شعر بالجمود.
بينما تنهدت شكران قائلة له بنُصح:
بلاش يا آصف.
لم يفهم آصف مقصدها وسألها:
بلاش أيه يا ماما؟
ردت عليه شكران بهدوء، رغم ثوران قلبها النازف:
بلاش تتجوز من سهيلة.
فهم آصف لكن سألها:
إنتِ رافضة سهيلة عشان زعلانة إنها طلعت براءة.
أومأت شكران برأسها وفاجأته:
أنا فعلًا متأكدة إن سهيلة بريئة من دم...
توقف لسانها عن ذكر اسم سامر الذي أصبح نطقه يؤلم قلبها.
بينما تفاجئ آصف من قولها وقال باستغراب:
مش فاهم قصدك أيه.
ردت شكران:
سهيلة أنا أعرفها من وهي طفلة كانت هادية وملهاش في الشر، ومعتقدش إن قلبها يستحمل إنها تقتل.
استغرب آصف قائلًا:
بس ممكن تدعي بالكذب عشان تنجي نفسها من حبل المشنقة.
ردت عليه شكران:
إنت قولتها، كذبت عشان تنجي نفسها، الروح غالية يا آصف، عشان كده بقولك بلاش تتجوز سهيلة، خليها بعيد عنك، أفضل ليها ولك.
أنهت شكران قولها وهي تضع يدها على قلب آصف.
آصف الذي نظر لها باستغراب وتسأل:
مش فاهم؟
ردت شكران:
لاء فاهمني يا آصف مفكرني مكنتش ملاحظة نظراتك لما بتشوفها هنا في السرايا، فاكر كتير قبل كده كنت بطلب منك إنك تتجوز حتى أوقات كنت بقولك على عرايس بنات ناس أنا أعرفهم، كنت منتظرة منك تقولي أنك عاوز سهيلة، بس إنت كنت بتخيب ظني، بس النهارده بقولك بلاش يا آصف... خايفة عليك تندم بعد كده.
نهضت شكران ونظرت لـ آصف بحنان قائلة:
أنا مسافرة بكرة السعودية هدعيلك في الحرم ربنا يريح قلبك.
غادرت شكران الغرفة وتركت آصف يشعر بتخبط، ما بين قلبه وعقله وزاد التوهان بعد حديث شكران. رغم وجع قلبها المُدمى دافعت عن سهيلة.
سهيلة التي لا تستحق منها شفقة.
كاد عقله يسلم الدفة لقلبه يتحكم ويتراجع، لكن صدح رنين هاتفه. جذبه من جوارهُ، ونظر له، فتح تلك الرسالة المرسلة له، قرأها وعلم من فحواها، أن سهيلة غادرت المشفى قبل قليل. لكن سرعان ما شعر بغضب وعاود قلبه للجمود حين قرأ تلك الرسالة الأخرى المرسلة بمعلومات عن الشخص التي كانت تقف معه ظهرًا بالمكتبة. أنه أحد الدكاترة الذين يشرفون على رسالة الدراسات العليا الخاصة بها، والتي سبق وأخبرته أنه ابن طبيب عالجها وكانت معجبة به. شعر بغضب قوي يهمس من بين أسنانه قائلًا:
طبعًا الإعجاب سهل يتنقل من الأب للإبن، بس ده مستحيل أسمح بيه.
نفض دثار الفراش عنه ونهض بغضب يتوجه ناحية خزانة الملابس. أخرج زيًا خاصًا له، وبسرعة ارتدأه وبثوانٍ خرج من السرايا. ذهب الى مكان قريب من موقف السيارات الخاص بالبلدة وقف خلف أحد الزوايا يراقب حتى وقع بصره على سهيلة التي للتو ترجلت من إحدى السيارات. تتبعها.
كان ذلك بعد منتصف الليل حين ترجلت من سيارة الأجرة على مشارف البلده. ما هي إلا لحظات رأت خيالًا خلفها. يَبِس قلبها خوفًا وشعرت بأن هناك من يتعقبها. حاولت الإسراع بالمشي، تبتهل أن يخيب ظنها، أو تصل الى منزل والداها بسلام، دون أذى. يكفي ما مرت به على مدار العام والنصف المنصرم، والذي كانوا مثل كابوس مستمر بالكاد فاقت منه وعادت مرة أخرى لعملها كـ طبيبة مرة أخرى. لم تحاول المراوغة أو السير بشوارع جانبية تصلها للمنزل أسرع. اختارت الشوارع الرئيسية بالبلدة إلى أن وصلت إلى أمام منعطف شبه مظلم قريب لمنزلها. لكن ارتاعت حين شعرت يد تسحبها من معصم يدها. انخضت وارتعشت أوصالها تخشى أن تصرخ. ما زال عالقًا برأسها نظرة البعض لها رغم براءتها من تلك الجريمة لكن هناك من شكك بشرفها، والآن تخشى أن يقال أنها كاذبة تدعي الشرف. لكن كان لابد من رد فعل. منزل والدها بعد بضع خطوات. لو صرخت هل هو أول من سيخرج وينقذها دون إثارة فضيحة؟ لكن ربما ذلك المتعقب لها لا يهاب. لا يوجد حل آخر. بالفعل حسمت القرار وكادت تصرخ، لكن ذلك المتعقب كأنه قرأ فكرها. بسرعة وضع يده الأخرى فوق فمها يسحبها بقوة خلفه إلى أن دخل ذلك المنعطف شبه المظلم وثبتها على حائط أحد المنازل. وقف ينظر لها باستهزاء. هل حقًا لديها قلب يخاف بعد أن قتلت؟ استمتع وهو شعر بارتعاش يدها أسفل يدهُ. كذلك نظر لملامح وجهها المشدوهة قبل أن ترفع عينيها وتنظر له على ذاك الضوء الخافت. للحظة حين علمت هويته شعرت بأمان. لكن عاد شعور القلق لقلبها حين أزاح يدهُ من على فمها. التقطت نفسها بصعوبة وقالت بخفوت:
آصف!
للحظة توحشت عيناه يشعر بوهج يغزوا قلبه، ود لو يقتص من كذبها الآن، لكن تمالك أعصابهُ، وقال لها ببرود أجادهُ:
هستناكِ بكره بعد الضهر عالجزيرة، بلاش تتأخري.
قال هذا وترك معصم يدها ابتعد عنها لكن تلاقت عيناهما. كل منهم لديه شعور مختلف. هي رغم رجفة جسدها لكن انزاح الخوف من قلبها. هو رغم رؤيته للخوف الذي كان مرسومًا على وجهها لكن شعر بطوفان ناري في قلبهُ ولم يهتم. لديه هدف سيصل له مهما تنازل وتظاهر بعكس ما يشعر به.
لم تتحدث تشعر أن صوتها انحشر. أومأت برأسها بموافقة وذهبت سريعًا نحو باب منزل والدها. وقفت للحظة تلتقط نفسها قبل أن تخرج مفاتيح المنزل من حقيبتها ولرعشة يديها سقطت منها. انحنت بسرعة وجذبتها بنفس الرعشة. استقامت تضع المفاتيح بمقبض الباب. بمجرد أن فتحت الباب دلفت إلى داخل المنزل وأغلقت الباب ووقفت خلفه تستند عليه، تلتقط أنفاسها الهاربة بتسارع. وضعت يدها على موضع قلبها حتى هدأت مرة أخرى خفقاتها. تذكرت وجه آصف شعرت بهدوء وتبسمت وهي تتذكر طلبه مقابلتها بالجزيرة، المكان الذي دائمًا ما كانا يتقابلان فيه بعيدًا عن الأعين. تنهدت تخبر نفسها تشعر بأمل جديد:
بكره هقوله عالحقيقة كاملة، وقلبي حاسس إنه هيصدقني.
بينما هو ظل ينظر لها إلى دخلت إلى داخل منزلها باستخفاف واستهزاء من تلك المدعية. هل حقًا ما زال لديها قلب يخاف!
رواية عشق مهدور الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سعاد محمد سلامة
شعرت بزيادة خفقان قلبها حين دلفت إلى الغرفة. رفعت يدها لتضعها على زر الإنارة كي تُشعل الضوء، لكن شعرت بشيءٍ ما أسفل يدها. سرعان ما سحبت يدها وشهقت بخضة قبل أن يُسْطَع ضوء الغرفة وتراها هويدا أمامها. تنهدت، تضع يدها فوق صدرها تستنشق بعمق.
تهكمت هويدا، تلوّي شفتيها بسخرية واستهزاء، قائلة:
مالك، وشك اتخطف كده ليه؟ شوفتي عفريت؟ ولا لسه عايشة تحت تأثير الفترة اللي قضيتيها في السجن.
نظرت سهيلة لها بغصة وقالت:
لأ، بس اتخضيت ومتوقعتش تكوني لسه صاحية لدلوقتي.
تهكمت هويدا قائلة:
معلش، خيبت توقعك. أصلي كنت نايمة وفجأة حسيت إن ريقي ناشف صحيت، وكُنت رايحة أشرب من المطبخ. بس مالك بتنهجي كده زي ما تكوني كنتِ بتجري، ولا حد قارصك.
ارتبكت سهيلة وأجابتها بهدوء:
قولتلك إني بس اتخضيت، كنت متوقعة تكوني نايمة. مش كنتِ رايحة المطبخ تشربي؟
***
ألمانيا.
"حرب، قتلى مدنيين أبرياء تتساقط، منازل تُهدم على قاطنيها بسبب غارات غاشمة من عدو لا يعرف الإنسانية. مشفى ميداني ووالدتها به تحتضر بعد أن أصابتها إحدى قذائف بارود العدو الغاشم."
استيقظت من غفوتها، تشعر كأن هذا ما زال يحدث الآن، ليس من سنوات مرت. تمر الذكريات أمام عينيها، ما زال نفس شعور الخوف يتملكها حتى بعيدًا عن وطنها. ظلت شاردة بماضيها الأليم للحظات حتى عادت للواقع. جففت ذلك العرق الذي كان يغزو وجهها، وكذلك تلك الدموع، وكذلك ابتلعت مرارة تلك الغصات القوية.
نهضت تلك الشقراء من فوق فراشها، تحاول نفض تلك الذكريات المريرة. تواسي نفسها من أجل أمل بمستقبل، وكذلك من أجل والدها، الشخص الذي بقي لها وظل معها بمشوار لم يكن سهلاً بالغربة بعيداً عن موطنهم الذي تركوه قسراً. لو ظلت تتذكر تلك الأيام أكثر قد تصاب بالإحباط. تحاول التعايش مع حياة الغربة، ترسم أماني ومستقبل تريد أن يكون أفضل، قد يواسي جراح الماضي التي لم ولن تلتئم. لكن كما يقولون: "الحياة تستمر".
بعد دقائق، وضعت آخر طبق قامت بطهيه على طاولة صغيرة بالمطبخ. رغم الألم الساكن بالروح، لكن سرعان ما تبسمت كعادتها وهي تنظر خلفها لذلك الكهل الذي دلَف إلى المطبخ قائلاً:
صباح الخير يا "رومس".
ردت بمودة:
صباح الخير يا بابا.
نظر إلى طاولة الطعام التي أصبحت ممتلئة. للحظة تملك منه شعور بالغصة، لكن تبسم قائلاً:
بقالنا أكتر من اتناشر سنة في ألمانيا، كل يوم بفوق من النوم على الصبح بدري على ريحة طعام الفطور الطيبة من إيدك. يا هناه اللي بتكونِ من نصيبه، مش بس راح يفيق على وجه جميل، لأ وكمان راح يسيل لعابه من ريحة ومنظر الطعام الطيبة، غير الطعم الشهي.
تبسمت وهي تقترب منه، تحتضن يده بيديها قائلة:
كل يوم بتقول لي هدول الكلمات يا بابا، وأنا بقول لك إني ما راح أتركك وأفل، راح أضلني على قلبك هيك. ما بنسى يا بابا كيف حملتني وقت الحرب على كتفك، وقتها كان عمري اتناشر سنة وهلأ صاروا أربعة وعشرين.
تلألأت الدمعة بعينيه، يشعر بغصة قائلاً:
اتناشر سنة مروا بدون "ياسمين"... ما نزلتش لبنان حتى مرة واحدة مشان أزور قبرها وأقرأ لها الفاتحة على روحها.
شعرت هي الأخرى بغصة قوية ودمعت عينيها، لكن حاولت التخفيف عنه قائلة:
اقرأ لها الفاتحة من هون يا بابا، بتوصل لها من أي مكان. بابا، أنا اليوم عندي مقابلة عمل، ادعي لي يا بابا إني أُقْبَل العمل في هيك شركة. دي تبقى فرصة كبيرة إلي، هيك الشركة كتير كبيرة وليها تعاملات مع مطارات ألمانيا كلها.
ضمها مبتسماً، يقول بتشجيع:
متأكد راح يقبلوكِ بها الشركة، إنتِ عندك امتيازات كتير. أولها تقديرك الجامعي الجيد جداً، غير كمان تقدير رسالة الماستر اللي أخدتيها بامتياز. وقبل كل ده هوايتك وحبك لقطع الغيارات الخاصة بالطيارات. فاكر وقت ما كنت في الجامعة كانوا عم ياخدوكم للتدريب بالمطارات، كنتِ عم تحصلِ على تقدير وإشادة كبيرة من المهندسين اللي عم يشرفوا عليكن. حتى إنت كنت تحكي لي إنهم عم يستغربوا إن بنت تحب هندسة الطيارات.
تبسمت رومس بأمل قائلة:
أنا كنت من صغري بهوى هدول الطيارات. ناسى إن الماما كانت بتشتغل مضيفة داخلية بالمطار وكانت تاخدني معاها، كانت تبحث عني في غرف صيانة الطيارات في المطار.
تبسم لها قائلاً:
إنتِ ورثتي جمال الماما، وكنت راح تكوني أجمل مضيفة بالعالم. بس حبستي حالك ورا هدول العوينات اللي حوالين عيونك. رغم هيك، عمر العوينات ما أخفوا جمال عيونك. كمان جمالك اللي دايماً بتخفيه بلبس الصبيان اللي عم تلبسيه. بس إنتِ حابة تثبتي عكس مقولة "إن المرأة الجميلة فارغة العقل"، بتجمعي بين الجمال الطاغي ومعاه كمان الذكاء الفني، بس ضعيفة في الذكاء الاجتماعي كتير. ورغم هيك، متأكد إن الشركة راح تقبلك بترحيب.
آمنت على دعمه لها قائلة بأمل:
بس أُقْبَل في الشركة يا بابا، راح أكمل من بعدها رسالة الماجستير والدكتوراة، بتطبيق عملي.
***
بمطار القاهرة.
قبل أن يدلف آيسر إلى قمرة قيادة الطائرة، توقف يمدح تلك المضيفة كعادته مع أي مضيفة تكون معه على الطائرة، قائلاً:
إيه الاحتشام والرقة دي كلها.
تبسمت له، تعلم طبعه المرح.
بينما استنشق الهواء، يشعر بصفاء من تلك الروائح الطيبة، قائلاً:
إيه الروائح الجميلة اللي في الطيارة دي؟
تبسمت له المضيفة قائلة:
دي ريحة الركاب "مسك وعنبر"، مش الطيارة رايحة السعودية ومعانا الحجاج.
تبسم لها بانشراح قلب قائلاً:
يعني الاحتشام والرقة دي عشان كده بقى. أنا بقالي تلات سنين بشتغل طيار وبنقل ركاب، بس دي أول سنة أنقل الحجاج. ربنا يتقبل منهم ومني. كمان خدي بالك، الحجة مامتي هنا معانا على الطيارة، عاوزك تتوصي بيها بزيادة عشان خاطري.
تبسمت المضيفة قائلة:
عنيا، خاطرك غالي. بس إنت قولي هى فين وأنا هتوصى بيها لحد ما نوصل للمدينة المنورة.
بعد لحظات، عبر مكبر الصوت الخاص بالطائرة، تحدث آيسر بمرح:
صباح الخيرات للسادة الركاب، بتمنى لكم رحلة لطيفة في الطيارة. عارف إنكم جميعاً رايحين السعودية لتأدية فريضة الحج. ربنا يتقبل منكم ويغفر ذنوبنا جميعاً. بطلب منكم تفتكروني بالدعاء معاكم. وبالمناسبة كمان، ترحيب خاص مني لـ ست الحبايب وست الكُلاللي اللي منورة الطيارة، "الحجة شكران" أمي.
صباح الأنوار يا حجة شكران. كمان الست اللي شاركت في تربيتي وكانت بتواليني كتير لما بغلط.
صفوان.
ربنا يتقبل منكم جميعاً، ما تنسونيش في دعواتكم.
ادعولي ربنا يبعد عني مطبات الهوا، وكمان الإرهابيين اللي كيفهم يخطفوا الطيارات. طب قولولي، لما يخطفوا الطيارة هيستفادوا إيه؟ ولا حاجة. إحنا الطيارين غلابة والله. هما مفكرين الطيار ده أساساً سوبر مان. طب أنا هشهدكم، إحنا أهو في الهوا، حسيتوا بأي حاجة؟ أنا بقى سايق على سرعة هادية، محافظ على مطبات الهوا عشان راحتكم.
رغم حزن قلبها، لكن تبسمت على حديث هذا الثرثار الذي يمزح من أجل أن يجعل قلبها يهدأ من الحزن قليلاً، لكن الحزن ساكن الروح وصعب أن يهدأ.
***
بالجامعة ظهراً.
قبل قليل، أثناء خروج يارا إلى فناء السرايا، تقابلت مع أسعد الذي وقف ينظر بساعة يده، ثم نظر لها بتبسم، سألاً:
الساعة حداشر، عندك محاضرة في الجامعة.
ردت له الابتسامة وهي تقترب من مكان وقوفه:
أيوا، عندي سكشن عملي ولازم أحضره.
تبسم لها قائلاً:
طب بلاش تاخدي السواق وتعالي معايا في عربيتي. أنا عندي مشوار قريب من الجامعة، هوصلك في طريقي.
تبسمت له بترحيب قائلة:
طبعاً، شرف كبير ليا إن اللي يوصلني سيادة النائب في سِكّته.
تبسم وهو يضمها أسفل يده، ثم تركها تصعد للسيارة. كان بينهم حديث عائلي أثناء الطريق إلى أن وصلت أمام الجامعة. ترجلت من السيارة، لكن وقفت للحظات تتحدث مع أسعد، الذي فتح شباك السيارة وتحدث لها قليلاً بأبوة.
بينما بنفس وقت وصول السيارة أمام الجامعة، كان طاهر بالصدفة يخرج من الجامعة، لكن أوقفه زميل له يسأله عن بعض المواد الدراسية. وقف يرد عليه إلى أن انتبه لتلك السيارة التي يعلم هوية صاحبها. هو رآها أكثر من مرة تسير في البلدة وعلم أن صاحبها هو "أسعد شعيب". للحظة استغرب نزول يارا من تلك السيارة، لكن تذكر سابقاً أنها أخبرته أن والدها من كفر الشيخ. ظن في البداية أنه ربما أسعد صديق قريب لوالدها، لكن سمعها تقول:
باي باي بابي، أشوفك المسا في السرايا.
إذن، يارا هي ابنة أسعد، وأخت "سامر". كيف لم ينتبه لذلك سابقاً؟ سيارتها الفارهة التي سبق وترجلت منها أمامه، وكذلك هواتفها ذات الماركات العالمية والغالية. ربط كل هذا بعقله. شعر لأول مرة أنه أخطأ وعليه التوقف وعدم الاستمرار بذلك الخطأ، خطأ شعوره بمشاعر خاصة حين يرى يارا أو يتحدث معها حتى برسائل هاتفية.
لحسن الحظ، لم تراه يارا أثناء دخولها إلى الجامعة. ظن أنها ربما رأته وقصدت تجاهله عن عمد منها. لكن حسم أمره، عليه أن يُلجم تلك المشاعر، وكذلك يقلل الحديث مع يارا، أو حتى يمنعه نهائياً. فهو لم ينسَ اتهامات وتهديدات أسعد لأخته بالمحكمة، أو نظراته لها الدونية، وهو لن يسمح بذلك مرة أخرى. لتنتهي تلك المشاعر قبل أن ينجرف نحو هاوية "الطبقات الاجتماعية".
***
قبل العصر بقليل.
بجزيرة البُلُس.
ذلك المكان الذي شهد على قصتهم من البداية. هنا كان أول حديث دار بينها وبين آصف. هنا أيضاً اعترف لها أول مرة بتلك المشاعر التي يكنها لها. هنا كان مكانهم السري للقائهم بعيداً عن الأعين.
ترجلت من ذلك القارب وبدأت تسير نحو ذلك المكان الذي كانا يلتقيان به. سارت رغم حرارة الطقس اليوم دون عادتها في هذا الوقت من العام. توقفت في ذلك المكان بالجزيرة، ظلت لوقت قليل عينيها تراقب الطريق.
باندهاش، لأول مرة يخبرها بميعاد ويتأخر. كان دائماً يصل قبلها ينتظرها هو. للحظة شعرت بهاجس أن لا يأتي. سأم قلبها، لكن سرعان ما عاد لها الأمل حين لمحته يقترب.
بينما هو بالفعل، كالعادة، وصل قبلها، لكن توارى خلف أحد الكافيهات القريبة من المكان يراها بوضوح. تهكّم باستهجان ساخراً:
تلك المدعية لأول مرة تأتي في الميعاد. إذن سابقاً كانت تتعمد التأخير، حتى أنه أحياناً كثيرة كان يضجر وهو ينتظرها. يبدو أنه كان سابقاً يُدللها أكثر مما تستحق.
أصبحت أشعة الشمس أكثر قسوة.
كأن قسوة تلك الأشعة تسلطت على قلبه مباشرة.
فكر للحظات قبل أن يتخذ القرار ويظهر نفسه أمامها. يسير نحو مكانها بخطوات بطيئة.
انبسط قلبها وشعرت بعودة النبض حين رأته يأتي نحوه.
رسمت ابتسامة طفيفة بداخلها. مشاعر تتسم بالأمل والعشق الذي ما زال يسكن قلبها رغم ما حدث.
رغم تجاهله لها تلك الفترة الماضية، لكن عاد بداخلها ينبض الأمل.
بينما هو انقبض قلبه وهو يقترب منها بخطوات بطيئة. بكل خطوة يُخضع قلبه لقسوة عقله.
العشق وقمة الكره يتصارعان بوتر واحد. والقرار المسيطر هو الانتقام.
إن كانت الدلائل برأتها وأعطتها حريتها، لن تفلت بلا عقاب. هناك سجن آخر أقسى ينتظرها بين جدران قضبان قلبه التي لن تترأف بكذبها. لن يهتم حتى إن كانت تلك القضبان ستشهد هلاكهما الاثنين معاً.
رغم وجود بضع خطوات بينهم، قطعتها هي ترسم بسمة أمل مشرقة على وجهها تعكس ما تشعر به بداخلها. وقفت أمامه تنظر لوجهه الذي اختفت عيناه خلف تلك النظارة الشمسية. ودت أن يخلعها وترى تأثير انعكاس رؤيته لها. تحدثت بعتاب:
اتأخرت ليه؟ أنا فكرتك مـ...
قاطع حديثها قائلاً:
فكرتِ إيه؟ إني مش جاي؟ بس أنا اللي طلبت إننا نتقابل، يبقى إزاي مش جاي؟ كل الحكاية إني جاي باليخت واتأخرت على ما عرفت أركنه في مكان قريب من الشط.
تبسمت له، تشعر بحيرة لا تعلم من أين تبدأ سرد حديثها. ظلت صامتة، لكن عينيها حادت عن وجهه ونظرت نحو المكان الذي كانا يجلسان به أسفل تلك الشجرات.
نظر إلى ما تنظر إليه عينيها. تهكّم بداخله ساخراً قبل أن يقول:
خلينا نروح نقعد تحت الشجر.
أومأت له وسارت أمامه، لكن لسوء حظها كادت تتعثر برمال الشاطئ، لكن قبل أن تسقط، التقطها آصف من إحدى يديها حتى عاد توازن جسدها واستقامت واقفة. لكن شعرت بألم بسبب ثني إحدى ساقيها. لم تخبره بألم ساقها، وتركت يده لوقت بيدِه دون انتباه منها إلى أن ذهبا إلى مكان جلوسهم. رغم وجع ساقها، لكن ما زالت تتحمل ذلك وجلست أرضاً. جلس آصف بالمقابل لها، مستغرباً من عدم سحبها يدها من يده كعادتها سابقاً. لكن انتبهت لذلك، شعرت بحياء وسحبت يدها. ظلت صامتة لوقت قبل أن تقول:
رغم إننا في آخر الخريف والجو خلاص المفروض يسقع، بس واضح إن الشتا هييجي متأخر السنة دي. الجو لسه دافي، حتى النهاردة درجة الحرارة عالية على غير الطبيعي في الوقت ده.
ما زالت عيناه مسلطة على وجهها من أسفل نظارته الشمسية المعتمة. تهكّم بداخله، حين تحدثت هي، من كان يبدأ بفتح مجال للحديث بينهم. رسم بسمة خباثة على وجهه قائلاً:
بالعكس، ده أفضل طقس في السنة. الجو بيبقى لطيف، لا هو حر صيف ولا برد شتا. بس أنا مش جاي النهاردة عشان نتكلم عن الطقس.
سأم وجه سهيلة للحظات قبل أن ترد بتوتر:
آصف، في حقيقة لازم تسمعيها مني. أنا ماقتلتــ...
قاطعها مرة أخرى قبل أن تسترسل بقية كلمتها، قائلاً بنبرة ظهرت أنها حقيقية حين قال:
سهيلة، أنا مش جاي أحقق معاكِ. أنا متأكد إنك بريئة.
بسمة فرح ظهرت على وجهها، ومدت يديها بتلقائية تمسك بيديه قائلة بتسرع ورجاء:
والله أنا بريئة يا آصف. كان قلبي حاسس إنك مش مصدق إني ممكن أقتل سامر.
ترك آصف النظر لنهديها ونظر ليديها اللتان تمسك يديه. بداخله سخر من ذلك، لكن هناك شعور آخر يتوغل لقلبه، حين قبض بيديه فوق يديها. لكن سرعان ما نفضه عقله وهو يتغلب على ضعف قلبه أمام برائتها الخادعة، وضغط بقوة على يديها وقال بهدوء:
سهيلة، أنا خلاص قفلت الموضوع ده. انتهى، وخلينا ننسى.
استغربت سهيلة رد آصف، وكذلك سحبت يديها من يديه، بعد أن تألمت قليلاً من ضغط يديه على يديها، وسألته:
ننسى إيه؟ آصف، أنا...
قاطعها بنبرة عصبية ونهى:
سهيلة، الموضوع ده انتهى خلاص. في الأهم منه، خلينا نفكر في مستقبلنا.
اندهشت سهيلة من رد آصف، وقالت باستفسار:
قصدك إيه بـ "انتهى"؟ وأيه اللي يخص مستقبلنا أهم من الموضوع ده؟
تمثل آصف بالبرود وأجابها وعيناه مسلطة على عينيها... يود معرفة رد فعلها حين فاجأها:
مستقبلنا مع بعض، أقصد إننا لازم يكون بينا ارتباط رسمي.
لم يستوعب عقلها ما قاله، كأنها فقدت الإدراك للحظات قبل أن تبتسم بلا وعي وتقول ببلاهة:
قصدك إيه بـ "ارتباط رسمي بيا"؟
البسمة التي ظهرت على ملامحها كانت كفيلة بؤد قلبه. هي الآن تبتسم وتدعي البلاهة عليه كي يعيد طلبه منها برجاء أكثر كما في السابق. لا مانع من بعض المراوغة معها كما تريد. زفر نفسه قائلاً:
يعني كفاية كده، إحنا لازم نتجوز في أقرب وقت. أنا انتدبت الدورة القضائية السنة دي في محكمة في الجيزة قريبة من الشقة اللي كنت عايش فيها من الفترة اللي فاتت. خلينا نتجوز قبل ما المحاكم ترجع تشتغل بقوتها من تاني.
للحظة صمتت سهيلة، تستوعب، تفكر ماذا ترد عليه. أتتحجج كما في السابق، وتطلب منه التأجيل.
حاولت سهيلة الرد بهدوء قائلة:
بصراحة، إنت فاجئتني يا آصف. أنا كنت جاية ورأسي فيها هدف تاني...
قاطعها ببرود:
وأيه الهدف التاني اللي كان في راسك؟ موضوع سامر؟ قلت لك خلاص الموضوع بالنسبة لي انتهى. أنا قاضي وأقدر أميز كويس وكنت متأكد من براءتك، وده السبب اللي خلاني كنت واخد دور المحايد لحد ما المحكمة عطتك براءتك.
للحظة كادت تعتب عليه بهذا الشأن، لكن رده المقنع جعلها تتغاضى عن عتابه وتبسمت. بينما نظر لها بخباثة وتبسم هو الآخر، سائلاً:
أفهم إيه من البسمة دي؟ موافقة إننا نتجوز.
كادت تقول له أن تؤجل هذا لوقت، لكن عاود آصف الحديث بإلحاح ومكر وتلاعب:
سهيلة، كفاية كده. خلينا نرتبط ونتجوز. مش هسمح لك بأي حجة، إلا لو قلتي إن ما عندكِيش ليا أي مشاعر. وقتها هتمني لك السعادة حتى لو مع غيري.
تلاعب آصف جيداً بمشاعر سهيلة. شعرت باستغراب من حديثه كيف يقول أن هناك آخر غيره. رغم ما مرت به تلك الفترة السابقة وعدم سؤاله عنها، لكن ما زال قلبها ينبض ويخفق بقوة حين تراه أو حتى تسمع اسمه. تسرعت قائلة:
موافقة.
قالتها باندفاع، سرعان ما انصهر وجهها خجلاً وأخفضته بحياء منها.
بينما تهكّم آصف بحنق من تلك المدعية بامتياز، لكن راقه ذلك قائلاً:
تمام، أنا مستعد أرجع معاكِ دلوقتي من هنا على بيت والدك أطلب منه إيدك.
رفعت وجهها ونظرت له بتفاجؤ قائلة بتعلثم:
دلوقتي! لأ طبعاً. الموضوع محتاج تمهيد، لازم أقول أنا لبابا الأول وبعدها هقولك إمتى تيجي لينا البيت.
عادت للدلال السابق، لا بأس هكذا أخبره عقله. لكن قال بأمر:
ياريت تقولي لهم بسرعة، والأفضل يكون النهاردة، لأني المفروض أسافر للـ جيزة بعد يومين، عندي أول قضية هناك، وعاوز أبقى مطمئن إن خلاص أمر ارتباطنا وجوازنا بقى واقع.
ارتبكت سهيلة، وقالت له:
تمام، هحاول أتكلم مع بابا الليلة.
رسم بسمة نصر على شفتيه قائلاً بنبرة يحرضها على التسرع:
مش هنام قبل ما تتصلي عليا وتقولي لي رد باباكِ إيه.
نظرت له تشعر بحيرة ممزوجة بخوف. ما زالت تود أن يخلع تلك النظارة عن عينيه.
بينما هو شعر بزهو وانتصار. ظل بينهم أحاديث فرعية. كانت تحاول أن تذكر اسم سامر حتى يسمع منها تلك الحقيقة، وأنها حذرته سابقاً كثيراً، لكن كان يغير دفة الحوار بينهم لموضوع آخر، حتى غابت الشمس تقريباً. كان هذا أطول لقاء بينهم. لم تفعل مثل عاداتها السابقة، كانت تدعي الانشغال بأي أمر آخر هام لديها وتنهض بعد وقت قليل.
تبسمت ببراءة وهي تنظر نحو قرص الشمس الذي بدأ يتوارى خلف تلك أشجار الجزيرة. نهضت واقفة تمسد كتفيها قائلة:
أنا برد... الطقس جاب نسمة باردة كمان. الكلام سحب مننا الوقت ومحسيناش، والدنيا خلاص هتضلم. خلينا نلحق آخر مركب.
نهض واقفاً بداخله يستهزأ. الآن فقط لاحظت ذلك، لكن قال لها بتورية:
متخافيش، قلت لك قبل كده إني جاي باليخت.
تبسمت سهيلة وقالت:
تمام، خلينا نرجع برضو، كفاية كده.
نهض آصف واقفاً يقول بتكرار وإيحاء:
تمام، كفاية كده. خلاص قرب ارتباطنا خلاص، وقتها مش هتبعدي عني ولا هيفرق معانا ضلمة أو نور.
تبسمت له بخجل، قائلة:
تمام، فين اليخت ده؟ خلينا نروح لمكانه عشان نرجع للبر التاني.
أشار لها بيده أن تسير جواره إلى أن وصلا إلى مكان رسو القارب الخاص به. صعد هو أولاً إليه، ثم مد يده لها. للغرابة، لم تتغاضى عن يده الممدودة. رغم تحفظها، لكن هناك ألم بساقها. لم تستطع أن تتحمل عليها وتصعد دون مساعدته. تمسكت بيده وصعدت إلى القارب. بمجرد أن وضعت قدميها فوق القارب، تركت يده. ظل بينهم حديث عابر لأشياء كثيرة، إلى أن وصلا إلى البر الآخر. ترجل هو أولاً، وفعل مثلما فعل أثناء صعودهم. تمسكت بيدِه وهي تنزل من القارب.
تبسم لها قائلاً:
هنتظر ردك على طلبي الليلة. لو اتأخرتي في الرد هعرف إن...
قاطعته بسرعة:
لأ، أكيد هرد عليك الليلة. سلام.
غادرت سهيلة رغم عينيه التي تتبعها، لكن لم يلاحظ تلك العرجة التي تسير بها. بداخله فقط يتهكّم ويسخر من نفسه وهو يتذكر سابقاً طريقة تحفظها معه حتى بلمس يديها. عاد لذاكرته أول حديث دار بينهم كان على هنا، على متن هذا القارب قبل سنوات.
[فلاش باك]
كان يوم خريفي قبل أيام من موعد بدء الدراسة. سمع آصف سامر وهو يتصل على أصدقاؤه المقربون بالمدرسة سواء بنات أو فتيان ويقترح عليهم قضاء يوم ترفيهي على "بحيرة البرلس". سمع إلحاحه على سهيلة للمجيء وإخبارها أنه مجرد فسحة لأصدقاء الدراسة قبل أن ينشغلوا كل منهم بطريق بعيد عن الآخر. وافقت بصعوبة بالغة بعد أن توسطت لها هويدا وقتها وقالت أنها رحلة عادية بين الزملاء كما أن البحيرة ليست بعيدة. جاءت لكن لم تندمج كثيراً مع مرح أصدقائها. بتلقائية منها، هبطت عبر ذلك الدرج إلى أسفل القارب وأصبحت قريبة من مياه البحيرة. جذبت إحدى قطع العيش التي كانت موضوعة على أحد الرفوف بالمكان وبدأت بتفتيتها، ثم مدت يدها إلى الأمام كي تأتي تلك الطيور وتلتقط منها الفتفات. لكن سرعان ما شعرت بخضة حين جذب آصف يدها قائلاً بتحذير:
حاسبي، بلاش تمدي إيدك كده. الطيور دي طيور جارحة ومنقارها حاد ممكن يجرح إيدك. ارمي لها فتات العيش على مياة البحيرة وهما هيلتقطوها.
شعرت بخضة، كذلك سار شعور آخر يسري بقلبها. لكن سرعان ما جذبت يدها من يده، تشعر بخجل من نظرة عينيه. تبسم على ذلك الخجل الذي دائماً يراه على ملامحها.
بينما هي ألقت تلك القطع من العيش على مياه البحيرة، وكادت تترك المكان، لكن هو أراد الحديث معها. بتسرع منه جذبها من معصمها قائلاً بفضول:
عرفت إنك قبلتي في كلية الطب.
لوهلة شعرت بضيق من إمساكه لمعصمها، لكن سحبت معصمها وردت بهدوء:
أيوا، هدرس طب أطفال. بصراحة، كان مجموعي يدخلني طب جراحة أو أي تخصص تاني، بس أنا كان نفسي أدرس طب نفسي، بس للأسف الطب ده مالوش مستقبل.
ضحك مازحاً:
طب المجانين.
تبسمت على قوله وأكدته قائلة:
فعلاً، نفس الجملة اتقالت لي، عشان كده اخترت طب الأطفال بديل.
ليه؟ هكذا سألها وأكمل بمديح:
فعلاً، شخصية رقيقة زيك ما كانش ينفع تدرس طب جراحة. بس اللي أعرفه معظم البنات بتميل لدراسة طب النسا.
شعرت بخجل لكن سألته بفضول:
وإشمعنى طب النسا؟
نظر إلى ذلك الخجل الواضح على وجهها، وكذلك عينيها اللتان تحايد النظر له وتنظر نحو مياه البحيرة، وأجابها:
يعني عشان بتبقى شغلها كله مع ستات.
ما زالت تنظر ناحية تلك الطيور وأجابته ببساطة:
دراسة الطب أو ممارسته مش مرتبط بالنوعية ولا بالتفرقة العنصرية، سواء راجل أو ست. مش بيقولوا "لا حياء في العلم".
ابتسم قائلاً بمفاجأة عن قصد منه:
بصراحة، لو مراتي دكتورة أفضل يكون شغلها مع ستات، عشان إيديها تلمس أي راجل غيري. وطالما إنتِ معترفة إن لا حياء في العلم، وما فيش تفرقة بين راجل وست، ليه مش بتبصي لي وعينيكِ مركزة ناحية طيور البحيرة؟
شعرت بخجل وأرادت التهرب من نظرات عينيه التي تربكها، وقالت:
ممكن زمايلي يسألوا أنا روحت فين، لازم أرجع لهم.
قالت هذا ولم تنتظر رده وغادرت المكان تشعر بذبذبات قوية تضرب قلبها. كذلك آصف هام بذلك الخجل الواضح عليها. كاد يجذبها قبل أن تصعد ويقول لها: "ابقى معي"، لكن خشي أن ترفض وذالك.
[عودة]
عاد من تلك الذكرى يقارن عقله بين لقاء اليوم وذلك اللقاء القديم. سهيلة كانت أذكى مدعية، وهو سقط بفخ برائتها وتحفظها الذي كان مجرد واجهة مزيفة لها.
***
ليلاً.
بمنزل أيمن.
هي الأخرى ساهدة، تتضارب بداخلها المشاعر. كذلك لأول مرة تشعر بتردد في أخذ القرار الحاسم. تذكرت قول آصف لها أنه ينتظر الرد منها الليلة. شعرت بغصة قوية، لما لا تتجاهل ذلك؟ لكن تحكم قلبها. قد يفهم آصف ذلك كخطأ ويظن أنها لا تريد الارتباط به.
حسم قلبها التردد ونهضت من فوق فراشها وخرجت من الغرفة. ذهبت نحو غرفة والديها. للحظة عاد التردد، لكن حسمه سماعها لصوت شيء سقط خلفها. نظرت له، ما كان سوى قطعة ديكور. قامت بالطرق على باب الغرفة وانتظرت لحظات حتى سمعت صوت والديها يسمح بالدخول.
فتحت باب الغرفة ونظرت نحو الفراش. تنحنحت بأسف:
صحيتكم من النوم.
رد أيمن ببسمة:
تعالي يا سهيلة، إحنا كنا لسه صاحيين.
تبسمت له بخجل وقالت:
بابا، في موضوع خاص كنت عايزة أقوله لحضرتك.
تبسم أيمن وهو يشير لها بالاقتراب من الفراش قائلاً:
تعالي اقعدي جنبي عالسرير وقوليلي الموضوع اللي شغل عقلك ده.
تبسمت وهي تقترب حتى جلست جواره على الفراش وجوارها سحر التي مسدت على شعرها ببسمة تحثها على الحديث بما تود قوله:
خير، إيه الموضوع الخاص ده.
للحظة ترددت سهيلة، لكن استجمعت شجاعتها وقالت بهدوء وارتباك مصحوب بخجل:
في شخص طلب إني أحدد له ميعاد مع حضرتك عشان يجي للبيت ويتقدم ليا.
تبسم الاثنان بانشراح، تسأل أيمن:
ومين بقى الشخص ده؟ حد احنا نعرفه.
كذلك سحر قالت بتخمين:
دكتور زميلك.
توترت سهيلة وهي ترد عليهما:
لأ، مش دكتور زميلي. الشخص ده هو "آصف شعيب".
سرعان ما خفتت بسمة الاثنين وانسأت ملامحهما.
رواية عشق مهدور الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سعاد محمد سلامة
منذ أن عادت سهيله بعد منتصف ليلة أمس من المشفى وهي تُلاحظ أن هنالك خطب ما تحاول إخفاؤه. كذالك ملامحها وشرودها منذ عادت مساءً يؤكد حدسها.
أدعت النوم، رغم ضجرها من صوت ضجيج الفراش بسبب تقلبات سهيله عليه. شعرت بها حين نهضت من فوق فراشها وخرجت بهدوء من الغرفه.
ظلت لحظات قبل أن تنهض كي تعلم إلى أين ستذهب. بعد لحظات وقفت خلف باب الغرفه تنتظر حتى سمعت صوت وقوع شيء على الأرض، كذالك سمعت صوت طرق سهيله على باب غرفة والدايهم.
ظلت لحظات قبل أن تخرج من الغرفه وتسحبت تنظر ناحية غرفة أخويها. تنهدت براحه وهي تقف خلف باب غرفة والدايها تتسمع على ما تُخبرهم به سهيله بهذا الوقت والتي لم تعد تستطيع إخفاؤه للصباح.
للحظه تهكمت بإستهزاء حين سمعت بوضوح إخبار سهيله لهما أن هنالك من يريد الزواج بها. لكن سرعان ما ذُهلت حين أجابتهم بهوية ذلك الشخص. أعادت لفظ اسمه بعدم تصديق: "آصف شعيب"!
"مش معقول." تهكمت بحقد وهي تفكر وتذكرت تلك الرسائل الغراميه التي قرأتها سابقًا على هاتف سهيله. ثم همست: "حتى لو المحكمه برأته، معقول يكون مغرم بها للدرجه الكبيره اللي تخليه ينسى إدعائها بالكذب على أخوه عشان تطلع من القضيه."
تحير عقلها لكن توقفت عن الهمس لنفسها تسترق السمع كي تسمع رد والداها.
"لاء، مستحيل." قالت سحر تلقائيًا.
عبس وجه سهيله. لاحظ أيمن تبدل ملامح سهيله من البدايه من مترقبه وهي تخبرهم إلى عابسه بألم بعد رفض سحر السريع. فكر للحظات ثم قال بهدوء: "تمام، إديني يومين أفكر يا سهيله."
رغم أنها كانت تود أخذ الرد في الحال، لكن امتثلت لقرار والداها ونهضت من فوق الفراش قائلة: "تمام يا بابا، تصبحوا على خير."
تبسم لها أيمن قائلاً بأبوة: "وإنتِ من أهلهُ."
خرجت سهيله من الغرفه وأغلقت خلفها الباب. بينما تتبعت سحر خروجها حتى أغلقت الباب ونظرت لأيمن باعتراض قائلة: "ليه ما رفضتش ونهيت الموضوع من أساسه؟"
أشار لها أيمن بيده أن تذهب بجواره على الفراش. بالفعل امتثلت لذلك وجلست بجواره وعاودت سؤالها: "ليه ما رفضتش وخلصنا، إنت عارف مين آصف شعيب... يبقى أخو..."
قاطعها أيمن قائلاً: "عارف إنه أخو سامر اللي هي اتهمت في قتله، ويمكن ده السبب اللي خلاني أنتظر قبل ما أقول قراري أيًا كان... سواء قبول، أو رفض."
تسرعت سحر: "ترفض طبعًا."
تنهد أيمن قائلاً: "بلاش تسرع يا سحر."
نظرت له سحر باستغراب سائلة: "أوعي تقولي إنك هتوافق."
رد أيمن بتردد: "والله حيران، وقبل الحيرة كمان خايف على سهيله. سهيله عندها تخبط وكمان حاسة بقهر في قلبها من نظرات الناس وزملائها في المستشفى، اللي في منهم رغم إن المحكمة ظهرت براءتها بس هما مش متقبلين ده. سهيله ضعيفة وخايف آخد قرار وأرفض آصف وهي شكلها موافقة عليه، والا ما كانتش جت وقالت لنا في وقت زي ده كان بسهولة تقدر تستنى للصبح... بحاول أفكر بدماغ سهيله... سهيله ممكن في دماغها إن موافقتها عالجواز من آصف شعيب فرصة تظهر براءتها للناس واللي مش مصدقها أو مش متقبل براءتها لما تتجوز من آصف هيتقبلها غصب، ما هو مش معقول واحد هيقبل يتربط بجواز من واحدة قتلت أخوه إلا لو كان مصدق فعلًا إنها بريئة."
فهمت سحر تبرير أيمن. شعرت بوخز قوي في قلبها وقالت بألم: "فعلاً بحس سهيله رغم إنها خرجت من السجن وكمان خدت براءة بس بتخاف تبص في عيون اللي حواليها، بس ممكن يكون تفكيرها غلط. وموافقتنا على جوازها من آصف تخلي الناس تفكر إن ممكن يكون فعلًا المرحوم سامر غصبها وإن جوازها من أخوه تصحيح غلط. رأيي بلاش نفكر كتير. سهيله لسه صغيرة وكده كده الناس كلامهم مش هيخلص وهيجي وقت ويتنسى اللي حصل."
نظر لها أيمن وأومأ رأسه مازال يشعر بحيرة ممزوجة بخوف.
بينما عادت سهيله إلى غرفتها تشعر بخيبة. كانت تظن أن والدايها سوف يفهمانها ويوافقان. كذالك شعور آخر بالترقب من ناحية آصف. هي ليس لديها قرار تقوله له الآن.
حسمت أمرها وتنهدت تشعر بتوهان. حاولت النوم، لكن جفاها. حتى بعد وقت قليل سمعت صوت رسالة آتيه لهاتفها. دون أن تمسك الهاتف تعرف أن تلك الرسالة آتيه من آصف. فكرت في عدم الرد فبماذا سوف تخبره؟
حاولت التغاضي عن تلك الرسائل، التي توالت خلف بعضها، لكن غصبًا سحبت الهاتف من فوق تلك الطاولة مرغمة بعد تكرار الرسائل. كذالك ضجر هويدا التي سمعت كل حديثها مع والدايهم وقبل خروج سهيله من الغرفة أسرعت بالعودة لفراشها.
نهضت بتأفف أشعلت ضوء أباچورة بجوارها، ونظرت إلى سهيله بإدعاء الإزعاج قائلة: "إيه الرسايل الكتير اللي جايه لموبايلك في وقت زي ده. اعمليه صامت، صوت الرسايل عمل دوشة وصحاني من النوم... وبعدين مين اللي بيبعتلك رسايل في وقت زي ده، إيه ده كمان بيرن."
إرتعشت يد سهيله حين أمسكت الهاتف الذي لسوء حظها تعالى صوت رنينه. بسبب رجفة يدها بالخطأ أغلقت الاتصال.
تهكمت هويدا قائلة: "مين المزعج اللي بيبعت رسايل وكمان بيتصل عليكِ وليه قفلتِ في وشه."
ردت سهيله بارتباك: "مفيش. الرسايل من شركة الاتصالات واللي بيتصل رقم معرفوش وأهو قفلت صوت الرسايل عشان تعرفي تنامي. تصبحي على خير."
تهكمت هويدا ساخرة بحركة شفاها وأطفأت الإنارة. ثم عاودت التسطح فوق الفراش تشعر بانشراح غريب عليها. بينما سهيله مازال الهاتف بيدها. رغم عودة ظلام الغرفه وكتم صوت الرسائل، لكن كان الهاتف يضوي بيدها. بسبب تلك الرسائل، إرتجف قلبها، لا تعرف ماذا تفعل. هل ترد عليه وتقول له أن والدها طلب مهلة يومين للتفكير؟
تحير عقلها. ماذا لو ظن آصف أن هذا رفض مبدئي؟ لكن ليس أمامها شأن آخر. قامت بإرسال رسالة له بقرار والدها برغبتهم أخذ مهلة يومين قبل الرد. وللغرابة سريعًا أرسل لها آصف رسالة بتقبل الأمر ببساطه. لكن هناك إيحاء بالآخر كلمتين بالرسالة: "ياريت بلاش يكون ده تمهيد للرفض."
ماذا ترد عليه... هي بحيرة، لكن أرسلت له رسالة، مفادها أن يتفائل بالخير.
أغلقت الهاتف بعد تلك الرسالة الهادئة من آصف: "أنا متفائل يا حبيبتي وهنتظر اتصالك بقرار والدك."
"حبيبتي" تلك الكلمة التي أصابت قلبها مباشرة، أشعلته وبنفس الوقت هدأت ارتجافه. تبسمت وهي تُغمض عينيها تحتضن الهاتف كالمراهقات. سرعان ما غاصت بالنوم.
***
بينما بسرايا شعيب. مازال ساهداً للنوم كان ينتظر رد سهيله بقرار موافقة والداها. أخفق فيما كان يتوقع، كان يتوقع موافقة مباشرة. في البدايه شعر بعصبية، لكن سرعان ما أوحى له عقله أن هذا بالتأكيد تعزيز لها من والداها، ومجرد وقت والموافقة مضمونة. تلاعب بذكر كلمة "حبيبتي" رغم أنه قصد بها التلاعب على مشاعر سهيله، لكن خرجت فعلًا من قلبهُ، الذي بصراع. كل شيء يظهر أمام عقلهُ بصورة عكسية يعتقد أنها صحيحة.
***
بعد مرور يومين.
ظهراً.
بالقاهرة.
آتيليه شهيرة.
بغرفة خاصة للتمهيد وتدريب العارضات للسير عبر مسرح العرض بطريقة المحترفين. كان رامز هو من يتولى ذلك الشأن، مع هؤلاء الفتيات التي كن يستوعبن ما يدربهن عليه بقبول منهن لبعض التحرشات منه بمفاتنهن، يتغاضين عن ذلك من أجل أن يأخذن فرصة القبول في العرض النهائي. إلى أن دلفت تلك الفتاة، تلهث وهي تعتذر: "آسفة، بس كان عندي محاضرة في الجامعة واتأخرت."
نظر لتلك الساعة الأنيقة بساعد يدهُ، ثم لها قائلاً بنبرة حادة بعض الشيء: "المفروض ده أول ميعاد ليكِ عشان تبدأي التدريب على ماشية العارضات عالبيست وقت العرض وجاية متأخرة نص ساعة. أنا مش بقبل أي أعذار."
تحدثت الفتاة برجاء: "متآسفة وأوعد حضرتك تكون آخر مرة أتأخر."
تهكم على قولها: "حضرتك دي تقوليها للدكتور بتاع الجامعة، هنا تقولي لي 'مستر أو مسيو' رامز..." توقف للحظات ينظر لجسدها بتمعن ثم بإعجاب بجسدها المثالي لعارضة الأزياء، هذا ما غفر لها عنده قائلاً: "أول وآخر مرة هتنازل بس عشان فعلًا، مقاسات جسمك كعارضة مظبوطة، مش زي بعض اللي هنا بتفطر بحلة المحشي وإحنا نكلف جيم عشان تخس الكام كيلو اللي زادتهم قبل العرض. اتفضلي ادخلي غيري البنطلون الجينز والجاكيت اللي عليكي وإلبسي اليونيفورم المناسب للتدريب، بسرعة قدامك تلات دقايق مش أكتر، تأخير ثانية زيادة يبقى..."
ردت بتسرع: "قبل التلات دقايق هكون جاهزة."
بالفعل بعد أقل من ذلك عاودت إلى الغرفة بعد أن بدلت ثيابها بذلك الزي الضيق الذي يُبرز جسدها الشبه نحيل شبه خالي من الأنوثه لكن ممتاز لعارضة أزياء.
اقتربت من رامز الذي مدحها: "كويس رجعتِ قبل التلات دقايق، اتفضلي خلينا نبدأ التمرين على ماشية البيست."
بدأت بالسير أمامه بطريقة قريبة من تلك الماشية الخاصة بالعارضات المحترفات، زاد إعجابه بها لكن لابد من إبراز خبرته. قال بمدح مصحوب ببعض التعديل: "براڤوا، إنتِ أفضل بنت في المجموعة بس محتاجة شوية تمرينات. هنبدأ فيهم دلوقتي، أتمني بقية البنات تنتبه للتمرينات دي لأن خلاص قربنا على ميعاد الديفليه والبروڤات وقتها هتبقى على فساتين الديفليه. قربي مني."
اقتربت منه وبدأ ببعض التوجيهات الخاصة مثلما كان يفعل مع الأخريات، بل أحيانًا كان يزداد العبث بجسدها قصدًا وهي لا تبالي.
بعد قليل وقف يُصفق لها قائلاً: "كده بريفيكت، أعتقد إنك هتبقي الموديل الرئيسي للعرض الجاي."
بنفس الوقت دلفت شهيرة إلى الغرفة. تبسمت وهي تراهن بدأن في الوصول إلى صورة العارضات. رغم رؤيتها لتحرشات رامز لم تبالي هي الأخرى طالما لم تشتكي إحداهن. مدحتهن، وقفن ينظرن لها برغبة وأمل أن يصبحن مثلها يومًا. هي كانت مثلهن إلى أن آتت لها فرصة. لكن تحدثت إحداهن بحزن وذكرت اسم شهير لمصمم أزياء وأتبعت قولها بآسف: "الخبر بيقول إن الشرطة لقت جثته في الفيلا بتاعته وبقاله يومين تقريبًا ميت."
انصدمت شهيرة وشعرت بخفقان في قلبها. استأذنت وغادرت الغرفة. ذهبت إلى مكتبها، دلفت جلست على مقعد الإدارة أخفضت رأسها ووضعتها بين يديها، تشعر بوخزات قوية في قلبها، حتى أن دمعة سالت من عينيها. لكن سرعان ما جففتها بعد أن سمعت صوت فتح مقبض باب الغرفة. رفعت رأسها وأنزلت يديها فوق المكتب. نظرت لـ رامز حاولت إجلاء صوتها كذالك إخفاء مشاعرها قائلة: "خلصت تمرين البنات."
نظر لها متهكمًا بسؤال يستهزئ بملامح وجهها الواضح عليها التأثر: "إيه كان لسه عندك مشاعر له، رغم إنه زمان خذلك ورفض يتجوزك بعقد رسمي ويديكِ الشهرة والسطوة اللي كنتِ بتتمنيها. ولو ما كانش أسعد ظهر لك في الوقت المناسب، يمكن كان زمان زهوة اسم 'شهيرة صفوت' اختفت زي أي عارضة أزياء بتاخد شهرة مجرد وقت بس تظهر غيرها تاخد مكانها بسهولة وتبقى اللي قبلها مجرد عارضة عادية."
نظرت له بغيظ وقالت بغضب: "أعتقد أنت كنت من ضمن استفاد من جوازي بـ أسعد، كان زمانك صايع أو حتى يمكن انتحرت بعد إفلاس بابا، بسبب جوازي من أسعد بقيت مدير آتيليه أزياء له اسم وشهرة كبيرة، غير البنات اللي بتتحرش بيهم وهما ساكتين، كان زمانك بائس."
جلس على مقعد أمامها وقام بوضع ساق فوق أخرى قائلاً بهدوء: "أنا بعترف بفضلك عليا، بس حبيت أسليكِ الحزن على المرحوم اللي زمان غدر بيك، بعد ما اتجوزك عرفي لشهرين ولما بقيتي حامل رفض ده وأجبرك على عملية إجهاض وانتِ حامل في الشهر الرابع. مصعبتيش عليه لا انتِ ولا ابنه، ابنه اللي يمكن لو كان مكتوب له الحياة كان ورث اسمه وكمان ثروته، يا حرااام هتروح للجمعيات الخيرية، يمكن يستنفع بها اللي يستحق أكتر، يبعتوا له رحمة تغفر له جزء من ذنوبه. أنا بقول بلاه الحزن ميستاهلش، وخلينا نركز في الديفليه الجاي، ويمكن موته في الوقت ده ينفعنا. هو تقريبًا كان المنافس الأكبر لينا ودي فرصتنا إننا نحول الأتيليه لـ دار أزياء وخط موضة خاص بينا ونبقى توب وان في مصر."
تبدلت بلحظة ملامحها الحزينة إلى أخرى متطلعة ومتأملة ومتمنية بشدة.
***
بالجامعة.
قبل قليل.
أثناء سير يارا بأحد ممرات الجامعة رأت طاهر يسير مع أحد زملائه ومعهم فتاتان أيضًا. سرعان ما رسمت بسمة واضحة على وجهها، رغم أن طاهر يراها لكن تجاهل بسمتها له عمدًا وأكمل سير دون النظر لها.
شعرت يارا بغصة في قلبها. حاولت كبت تلك الدمعة بين أهدابها، وتركت صديقتها التي كانت تسير معها، وأخذت قرار تنازلت عن غرورها. ذهبت خلف طاهر وقامت بالنداء عليه.
نطقها لاسمه كأن صداها يدلف لقلبه مباشرة. في البداية تجاهل ندائها، لكن ندائها مرة أخرى وكذالك ملاحظة زملائه جعله يقف بينما أكمل زملائه سيرهم.
بصعوبة استدار بجسده ينظر له وهي تقف أمامه قائلة بعتاب: "مالك في إيه بقالك كم يوم مش بترد على رسايلي كمان شفتني كذا مرة في الجامعة وفي الكافتيريا وبتتجاهلني، كمان دلوقتي، فوتت في الممر من جانبي."
حاول عدم النظر لها وقال بنبرة جمود: "وأنا ليه هتجاهلك، كل الحكاية إني ما أخدتش بالي منك، وعامل كل رسايل الموبايل صامت عشان مشغول الفترة دي."
لا تعلم كيف تنازلت وسألته: "ويا ترى كل إشعارات الرسايل عندك صامتة ولا رسايلي أنا بس."
استغرب قولها سألًا: "مش فاهم قصدك، بس أكيد للرسايل كلها، محتاج أركز كمان مشغول بين الدراسة وشغلي في مركز الصيانة، عارفة إني في آخر سنة وبيطلب مننا مشاريع تخرج كتير... عن إذنك عندي سكشن عملي دلوقتي ومش لازم أتأخر عليه."
تركها وذهب يشعر بوجع كأن هنالك سكين انغرس بجزء من قلبه.
بينما يارا لم تستطيع كبت دمعة عينيها من تلك الطريقة الجافة التي تحدث بها معها، كأنها لا تعني له أي شيء. لأول مرة تشعر أنها لا شيء. هربت سريعًا وخرجت من الجامعة تسير بلا هوادة إلى أن وجدت نفسها تجلس بحديقة عامة. تنظر إلى هؤلاء الأطفال الذين برفقة أبويهم يلهون ببعض الألعاب البسيطة لكن كانت أصوات ضحكاتهم تُجلجل بسعادة. لما لم تحظى بلحظات مثل تلك. تنهدت تشعر ليتها كان والداها مثل هذين الأبوين البسيطين لكن بينهم دفء عائلي. هي ولدت لأب لديه زوجة وأبناء من أخرى يقتسم بينهم الوقت.
تبسمت لتلك الصغيرة التي اقتربت منها وأعطتها جزءً من شطيرة طعامها قائلة: "إنتِ قاعدة هنا زعلانة عشان جعانة."
تبسمت بدفء لتلك الصغيرة وأخرجت من حقيبتها قطعة من الشيكولاتة المغلفة، لكن الصغيرة أبت أخذها. تبسمت لها وقامت بقطع التغليف وقضمت منها قطعة ومضغتها. تبسمت لها الصغيرة وجلست لجوارها يتشاركان الشطيرة وقطعة الشيكولاتة، وبدأن بالثرثرة معًا كأنهن الاثنتين بعمر واحد. شعرت بهدوء.
بينما تبسم ذلك الذي غص قلبه بعد حديثه الجاف معها وذهب خلفها. شعر بندم لما يتعامل هكذا. يارا رغم أنها ابنة ذلك المتغطرس الذي هدد أخته مرات مستقويًا بسلطته البرلمانية، شفق قلبه عليها. لابد أنها تعاني من زواج والدها ب أخرى غير والدتها.
***
ليلًا.
منزل أيمن.
وضعت سحر طعام العشاء على تلك الطاولة الأرضية، ثم قامت بالنداء على الجميع إلى أن أتوا جميعًا وإلتفوا حول تلك الطاولة. شرعوا في تناول الطعام. لاحظ أيمن عبث سهيله بالملعقة بطبق الطعام الذي أمامها دون أن تأكل. كذالك لاحظت هويدا ذلك. تبسمت وقالت بقصد: "بابا عادل قال لي إنه حجز قاعة الفرح بعد شهرين ونص."
استغربت سحر ذلك وقالت باستفسار: "وليه التأخير ده كل شيء جاهز."
ردت هويدا: "هو ده الميعاد اللي عرف ياخده بسبب زحمة الأفراح الفترة الجاية في القاعة دي."
ردت سحر: "وهو مفيش قاعات غير دي، كان شاف غيرها كل القاعات زي بعض."
ردت هويدا: "فعلاً، قولت كده بس هو اختار القاعة دي وشهرين ونص مش كتير حتى يكون الشتا قرب ينتهي."
مازالت عين أيمن على سهيله التي تبدو شاردة. شعر بغصة. بينما قصدت هويدا القول: "كمان تأخير الفرح يكون مر وقت طويل والناس نسوا موضوع سهيله."
نظرت لها سهيله بعتب ولم تتحدث. بينما قال طاهر بدفاع: "وأيه دخل موضوع سهيله في تأخير فرحك، وبعدين سهيله خلاص خدت براءة واللي يصدق براءتها أو ميصدقش فهو حر شئ يرجعله المهم إنها أخدت البراءة اللي تستحقها من البداية."
تبسمت سحر لـ طاهر ونظرت لـ هويدا بآسف. كادت هويدا أن تبرر قولها لكن ألجمتها سحر قائلة: "بلاش كلام عالأكل خلونا نتعشى في هدوء."
بعد قليل، انفض الطعام ونهض الجميع. دخل أيمن إلى غرفة سهيله وهيويدا. تبسم لـ سهيله قائلاً: "سهيله اعملي لي كوباية شاي وهاتيها لي في أوضة الجلوس."
أومأت سهيله برأسها ونهضت قائلة: "حاضر يا بابا."
تهكمت هويدا بداخلها أن والدها له غرض آخر من ذلك الطلب وإلا لطلب من والدتهم.
بالفعل بعد قليل دلفت سهيله إلى غرفة الجلوس وجدت أيمن يجلس يقرأ إحدى الجرائد الورقية. تنحنحت قائلة: "الشاي يا بابا."
طوى أيمن الجريدة ووضعها على الأريكة بجواره وتبسم وهو يقول لها: "حطي الصنية عالترابيزة وتعالي اقعدي هنا جنبي عالكنبة."
وضعت سهيله الصنية وذهبت نحوه جلست بجوارهُ. وضع يدهُ على كتفها قائلاً دون مقدمات: "سهيله أنا فكرت في طلب آصف وموافق أقابله، بس مش معنى كده إني موافق على طلب الجواز، لازم أقعد معاها الأول قبل ما أقول قراري الأخير، وكمان يجي ومعاه أبوه."
في البدايه انشرح قلب سهيله لكن خفت قلبها مرة أخرى بعد استرسال حديثه. كانت تتمنى أن يعطيها قرارًا نهائيًا حتى لو كان بالرفض، أفضل ربما ينتهي هاجس الخوف التي تشعر به. تقع بحيرة بين قلبها أن تفقد آصف وعقلها الخائف من أن يظل شأن ما حدث مع "سامر" عائق بينهم. لكن آصف لا يعطي لها فرصة لإخباره بما حدث، وكذالك عاود يلاحقها ويشغل قلبها وعقلها برسائله واتصالاته عليها بإلحاح كما كان في السابق.
تقبلت حديث والدها بتردد قائلة: "تمام يا بابا."
تبسم لها قائلاً: "اللي فيه الخير ربنا يقدمه."
بعد قليل.
عبر رسالة هاتفية أرسلت سهيله رد والدها على طلب آصف بإيجاز. وانتظرت رده الذي كان مفاجئًا حين تقبل الأمر ببساطة وأخبرها أنه غدًا سيأتي لمقابلة والدها ومعه والدهُ.
تنهدت براحة ووضعت الهاتف فوق الطاولة وأضجعت بجسدها على الفراش تُغمض عينيها تود أن ترسو على قرار يبدل تلك الحيرة وأيضًا تنهي تلك الهواجس التي تخيف قلبها.
***
بالجيزة.
رغم ضيق آصف من رسالة سهيله فهي ليست موافقة نهائية، لكن راوغ في الرد حتى لا يثير لديها أنه يضغط عليها لقبول الزواج. تنهد بضجر ثم فتح هاتفه وقام بالاتصال على والده الذي سرعان ما رد عليه وأخبره بضرورة الذهاب معه غدًا إلى منزل والد سهيله. وافق على مضض منه.
***
بـ ڤيلا شهيرة.
كانت نائمة فوق الفراش تنظر إلى سقف الغرفة شارده قليلاً إلى أن شعرت بـ أسعد الذي أضجع بجوارها على الفراش. رسمت بسمة برياء، وسألته: "آصف كان بيتصل عاوز إيه؟"
تبسم أسعد قائلاً: "عاوزني أروح معاه بكرة البلد عشان خلاص هيتجوز."
ضيقت شهيرة بين حاجبيها وسألته: "ومين بقى اللي هيتجوزها من البلد؟"
رد أسعد ببساطة: "سهيله."
استغربت شهيرة سائلة: "سهيله بنت مين هناك؟"
رد أسعد: "سهيله اللي قتلت سامر."
ذهلت شهيرة وغرت فاها بعدم تصديق قائلة: "مستحيل، إزاي تقبل بكده، دي قتلت المرحوم سامر ومش بس كده، لاء كمان شوهت صورته إنه مغتصب، إزاي آصف يقبل على نفسه يتجوز اللي قتلت أخوه معقول نسي بالسرعة دي، وإنت إزاي توافق طب هقول هو متحكم فيه قلبه، إنما إنت..."
قاطعها أسعد باستغراب سألًا: "قصدك إيه بـ أنه متحكم فيه قلبه وبيحبها."
ارتبكت شهيرة وتوهت بالحديث: "وأنا هعرف منين إن آصف بيحب المجرمة دي، بس مفيش تفسير تاني غير كده يخليه يقبل يتجوز اللي قتلت، كمان شكران هترضى بكده."
تفهم أسعد تفسير شهيرة الخاطئ، وتقبله ببساطة، ثم قال لها: "شكران فعلًا مش موافقة، بس أنا وآصف وموافقين وده الأهم، والموضوع منتهي وكفاية نقاش فيه، أنا ملاحظ كده إنك مزاجك متعكر."
بررت شهيرة ذلك بكذب قائلة: "أنا فعلًا مش في المود، بسبب الديفليه اللي ميعاده قرب حاسة إني متوترة."
تهكم أسعد قائلاً باستخفاف: "هو ده أول مرة تعملي ديفليه، عادي جدًا، عالعموم خلينا هنا وإنسي أي شيء برة الأوضة دي الليلة."
أنهى حديثه بقُبلات يحثها على الاستماع معه تتخيل آخر عاشت معه نفس المشاعر وجنت الخذلان بالنهاية، لكن عوضت خسارتها لاحقًا.
***
بعد مرور أكثر من شهر ونصف.
ما بين شد وجذب صد وردها هو اليوم يحصل على ما خطط له وتحمل الكثير وتنازل عن بعض الغرور من أجل أن يصل إلى هذه اللحظة. ها هو يقف أمام مرآة غرفته يُهندم ثيابه كـ عريس من أجل أن يذهب إلى أخذ عروسه من منزل أبيها. قام باستنشاق رذاذ ذلك العطر الخاص به والذي سبق وقالت له أنها لا تهواه تشعر بالغثيان منه سابقًا. تخلى عنه بعطر آخر لكن الليلة يفعل عكس ما هي تريد.
بعد قليل.
أمام منزل أيمن الدسوقي.
صف آصف سيارته وترجل منها لبضع خطوات ثم توقف قليلاً حتى رأى اقتراب أيمن وسهيله التي تتشبث بعضد يدهُ يُخفي وجهها وشاح أبيض.
خفق قلبه بشدة كم تمنى هذه اللحظة وحلم بها كثيرًا، وها قد أتت. لكن ذمه عقله على تلك المشاعر الضعيفة، وأخبره أن هناك عقاب لكذبها لابد من أخذه أولًا. رسم بسمة هادئة وهو يستقبل يد سهيله من والدها. رغم وجود قفاز بيدها لكن شعر ببرودة يدها. تغاضى عن ذلك ظنًا أنه ربما بسبب الطقس البارد. سريعًا رفع ذلك الوشاح عن وجهها. استهزأ من نظرة عينيها اللتان كانتا تنظران إلى أيمن، الذي تبسم لها بدعم.
عاودت النظر ناحية آصف كان لا يرتدي تلك النظارة المعتمة التي كان يضعها حول عينيه طوال الفترة الماضية. لأول مرة تنظر لعينيه منذ وقت طويل، لأول مرة تراهن نظرة لا تستطيع تفسيرها، لأول مرة تشعر بالبرودة في قلبها من نظرات عينيه لها. لاحظ آصف نظر سهيله لعينيه. أحاد بنظرة عنها وجذب يدها كي تسير معه نحو سيارتهُ.
سارت معه تشعر بزيادة خفقان في قلبها. فتح لها باب السيارة. نظرت نحو وقوف والدها الذي انضمت له سحر وبرفقتها آثمة. تبسمت لهم ورفعت يدها لهم تشير بوداع. ابتسمت حين أشاروا لها نفس الإشارة.
صعدت إلى السيارة، لم ينتظر السائق قاد السيارة سريعًا نحو سرايا شعيب. كان هناك حديث مقتضب بين آصف وسهيله بالسيارة كما أنها لفتت نظره إلى أنها تبغض هذا العطر. تغاضى عن ذلك إلى أن دلفت السيارة إلى فناء السيارة. أمر آصف السائق أن يتوقف بالقرب من تلك الغرفة الموجودة بالحديقة. توقف السائق، ترجل آصف من السيارة وانحنى يمد يدهُ لها كي تترجل هي الأخرى. بالفعل ابتسمت وهي تضع يدها بكف يده التي شعرت به شبه ساخن عكس برودة يدها كذالك الطقس.
ترجلت من السيارة وقفت مستغربة للحظات. توقعت أن تجد والدي آصف يقفان بإنتظارها للترحيب بها كأي عروس لكن تعجبت عدم وجودهم. كذالك وقوفهم بالقرب من تلك الغرفة الموجودة بالحديقة منعزلة عن السرايا. رأت إشارة آصف للسائق أن يذهب بالسيارة بينما جذبها آصف للسير معه رغم عدم إرادتها إلى أن وصلا أمام تلك الغرفة. توقف عن السير، وترك يدها وأخرج من جيب معطفه سلسلة مفاتيح وضع إحدى المفاتيح بمقبض باب الغرفة وقام بفتح بابها.
استغربت من فتحه لباب تلك الغرفة المزويه بأحد أركان حديقة السرايا، ودخوله إلى داخلها وأشارة يدهُ لها قائلاً بإستهزاء: "واقفة قدام الباب ليه. ادخلي برجلك الشمال يا عروسة."
شعرت برعشة قوية بجسدها كله، وكأن ساقيها تيبسن ولم تستطيع الحركة، وظلت واقفة مكانها.
زفر نفسه بغضب وخرج من باب الغرفة وقبض بيده على معصم يدها وسحبها عنوة خلفه إلى أن دخلا إلى الغرفة وصفع بساقه باب الغرفة بقوة، ارتج صداها بالغرفة، الشبه خالية، كذالك دب الرعب بقلبها وهي تتجول بعينيها بالغرفة التي تشبه غرف "العزل الطبي القديمة" التي كانوا يستخدمونها لعزل المرضى النفسيين الذين يخشون خطورتهم.
فقط يوجد بالغرفة بعض المقاعد الخشبية وفراش حديدي يشبه فراش المشافي متوسط الحجم عليه مرتبة وبعض الوسائد الصغيرة، يحتلون جزء صغير من الغرفة التي تشبه "البدروم"، وباقي الغرفة خالي، كذالك أرضية الغرفة رغم أنها نظيفة، لكن أرضيتها تشبه خرسانة الأسقف.
ازدردت ريقها الذي جف قبل أن تتحدث، سبقها بالحديث متهكمًا بجمود وتلذذ وهو ينظر إلى ملامح وجهها الظاهر عليها الرعب: "إيه يا عروسة، أوعي تكون الأوضة مش عاجباكِ دي متشطبة ومفروشة وساية عشانك."
شعرت بهلع في قلبها، بلحظة حسمت أمرها عليها الخروج من هذه الغرفة لو ظلت لدقيقة واحدة ستختنق. رغم شعورها بتبس جسدها بالكامل لكن إرادة البقاء بداخلها تحكمت وأعطتها قوة واهية. رفعت ذيل فستانها بيديها، وحاولت السير نحو باب الغرفة بخطى بطيئة مثل الطفل الذي يسير لأول مرة. وكادت تصل إلى باب الغرفة، متجاهلة نظرهُ إلى ضعفها أمامه بتلذذ وهو يراقب خطواتها البطيئة.
وكان هو الأسرع حين أصبحت خلف باب الغرفة وكادت ترفع يدها وتضعها على مقبض الباب جذبها من يدها خلفه بقسوة حتى توقفا أمام الفراش ينظر لها وللفراش بتسلية. بصعوبة رفعت وجهها ونظرت لوجهه، ملامحه أصبحت حادة كذالك نظرات عيناه لها تحولت لقاتمة. ارتعشت شفاها حاولت الحديث لكن كأن صوتها ضاع.
بينما هو للحظة شعر بنغزة في قلبه وهو ينظر إلى ملامح وجهها الذي فقدت رونقها لكن بنفس اللحظة جاء إلى خياله صورة أخيه الأخيرة وذلك الضماد الدامي موضوع حول عنقه.
نفض تلك النغزة بقلبه وحولها إلى تجبر ونظر لها قائلاً بإستقلال: "إيه كنتِ مفكرة إني هتجوزك وتدخلي 'دار شعيب' عروسة؟ إنتِ مقامك هنا البدروم ده، أنا جهزته مخصوص على قد مقامك عندي. ولا عشان بقيتي دكتورة هتنسي إنك بنت موظف كحيان."
رفعت رأسها ببطء وعادت تنظر له بخيبة وندم، وحاولت الحديث لكن خرج صوتها متحشرًا بكلمات غير مفهومة.
ابتسم بزهو قائلاً بإستهزاء: "أكيد مش هنقضي الليلة في نظرات ملهاش معنى ولا لازمة."
قبل أن تستفهم عن سبب كل هذا شعرت بيديه حول عنق فستانها وسمعت صوت تمزيقه للفستان قائلاً بعنف: "قولتي في تحقيقات النيابة إن أخويا حاول الاعتداء عليكِ، عندي يقين إنك كذابة وكان افتراء منك. بس إن كانت المحكمة بتاخد بشوية أدلة وسهل خداعها أنا من الليلة هعيشك في سجن تتمني الإعدام يخلصك منه."
لم تشعر بدفعه جسدها لتهوي على الفراش إلا حين أمسك إحدى يديها وألقى تلك الوسائد الصغيرة من فوق الفراش على الأرض، وصوت زمجرة شيء معدني. علمت ما هو حين أدخل إحدى يديها وأغلقهُ على معصمه ثم أمسك اليد الأخرى وفعل نفس الشيء. تيقن عقلها إنها تلك "الأصفاد الحديدية" مثل التي توضع بأيدي السجناء، والتي وضعت بيديها سابقًا. كانت تود الصراح علها تجعله يستفيق من غلظة غليله الواضح، لكن حتى هذا غير قادرة عليه. انحشر صوتها. وهي تشعر به يكمل تمزيق ثيابها يهذي بوعيد لها قائلاً: "أنا بقيد إيديكِ عشان مش هطيق لمسة إيديكِ على جسمي."
كان يتوعد بالقسوة ثم يعود يتحكم قلبه ثواني يهذي بقوة عشقها في قلبه. لكن هي كل ما تشعر به وهو ينتهك جسدها بعنف مبالغ، ودمعة تفر من عينيها ساخنة تسقط على عنقها وهو يهذي بعتاب قاسٍ قائلاً: "اليوم ده حلمت بيه كتير، كنت بستني الوقت اللي يجمعنا فيه مكان واحد وباب مقفول علينا، كنت بتخيلك أحلى عروسة بالفستان الأبيض. إزاي جالك قلب وقدرتي تدبحي أخويا، وياريت فعلًا دبحتيه، إنتِ دبحتيه بعد موته شوهتي صورته عشان تنفدي من عقاب السجن أو الإعدام، لكن مش هتقدري تنفدي من عقابي."
قال هذا ورفع رأسه عن عنقها بوعيد ونظر لشفاها اللتان ترتعشان مبتسمًا بسخرية. ثم قبض على وجنتيها بقبضة يده وضغط على شفاها بقوة قائلاً: "شفايفك دول اللي كنت بحلم بطعمهم هما اللي نطقوا بكذب."
قال هذا وانقض على شفاها بقبلات قوية تترك أثر مدمي. هذيان... لوم... اعتداء عنيف... انتقام قاسٍ.
لم تشعر به وهو ينهض عنها كل ما تشعر به فضاء معتم وألم يشبه خروج الروح من الجسد. هي فعلًا كذلك تموت بالبطئ. داخل عقلها تظن أن ما تشعر به ليس سوى كابوس لو فتحت عينيها سينتهي كل هذا الألم. بالفعل حاولت فتح عينيها لكن عينيها لا تستجيب لها. هناك هاتف آخر برأسها يقول لها يكفي مقاومة "استسلمي وارحلي".
بينما هو نهض عنها واتكأ بظهره على العمود الآخر للفراش وبصق طعم تلك الدماء التي يشعر بها في فمه. يشعر بالتقزز من نفسه ومن ما فعله. نظر نحو وجهها ورأى ذالك العرق الغزير الذي يتصبب منها يُخفي ملامح وجهها، حتى عينيها أهدابها فقط ترمش كأنها تحاول فتحها، وشفاها المتورمة ترتعش. نظر نحو يديها الموضوعة بالأصفاد تنزف دماء. اقترب من تلك الأصفاد وقام بفتحها. ارتخت يديها الباردة مثل الموتى.
فجأة شعر بانخلاع في قلبهُ حين سقطت عيناه على الفراش الذي تحول لونه إلى دموي. رأى دمائها تنزف وهي تشاحب الموتى. شعر كأن صاعقة بارود تضرب جسده بالكامل. لكن لم يكن القرار صعبًا عليه.
أيتركه تنزف حتى تتصفى آخر قطرة من دمائها قصاصًا لما فعلته وشوهت صورة أخيه المغدور... أم ينقذها. لا هو لم يكن يتمنى أن يراها بهذه الصورة أبدًا، فقط أراد القصاص.
اتخاذ القرار كان سهلاً سينقذها. ربما انتهى الآن القصاص. القصاص الذي وضعهم الإثنين بين حجري رحا. سحقت قلبيهما ولم يتبقى منهما سوى فتات عشق سفكهُ بحماقة قسوة انتقام بلا وعي وغياب ضمير قاضي برتبة عاشق أحمق.
رواية عشق مهدور الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سعاد محمد سلامة
بمنزل أيمن
رغم ظلام الغرفة، شعر أيمن بكثرة حركة سحر جواره على الفراش. بالتأكيد هي مثله لم تستطع النوم. تحدث قائلًا:
"إنتِ كمان مش جايلك نوم."
نهضت سحر جالسة على الفراش تنظر لأيمن. الذي نزل من فوق الفراش وذهب نحو زر إنارة الغرفة وأشعل ضوءًا خافتًا بالغرفة، ثم عاد للفراش مرة أخرى يتكئ بظهره على تلك الوسادة. تنهد يشعر بشعور خفي. بينما نظرت له سحر بعتاب قائلة:
"قلبي مش مطمن، مش عارفة حاسة بحاجة جاسمة على قلبي. مكنش لازم توافق على جواز سهيلة من آصف، كان لازم تفضل متمسك بالرفض."
تنهد أيمن قائلًا:
"ياريت، بس أنا اتراجعت بعد ما وافقت سهيلة. خوفت ترجع تلومني إنها كان قدامها فرصة تثبت لكل اللي شكك في براءتها إنها مش قاتلة. والدليل قبول أخو القتيل الجواز منها. كان ليه هيقبل لو مش مقتنع ببراءتها."
ضم أيمن سحر لصدره قائلًا بتمني:
"بتمنى ربنا يسعد سهيلة وآصف يطلع عكس إحساسنا."
تنهدت سحر تقول:
"آمين."
ــــــــــــــــــــــــــ
قبل قليل
بـ سرايا شعيب
بالردهة كانت تقف شكران إلى أن رأت دخول سيارة آصف. كادت تخرج من السرايا، لكن قبل أن تخرج من الباب وجدت أسعد بوجهه. نظرت له، رأت الحقد بعينيه وهو يسألها:
"رايحة فين؟"
ردت بهدوء:
"هروح أستقبل عروسة آصف."
تهكم أسعد بسخرية قائلًا:
"مفيش داعي، هي مش هتدخل السرايا."
استغربت شكران قائلة:
"قصدك إيه؟"
جاءت سهيرة بغنج من خلفها وقالت:
"في إيه يا شكران؟ آصف حر، مش طفل صغير وعارف مصلحته."
كادت شكران أن تعترض، لكن جذبها أسعد بقوة قائلًا:
"أنا مرهق ومحتاج أرتاح، وإنتِ كمان المفروض تاخدي علاجك وترتاحي وآصف عارف مصلحته."
مُجبرة، شكران امتثلت لطغيان أسعد وذهبت إلى غرفتها. وذهب هو مع شهيرة. لكن شعرت بزيادة خفقان في قلبها، كذلك اختناق كأن هواء الغرفة سام. نهضت وفتحت باب الشرفة.
في ذلك الأثناء، رأت آصف وهو يهرول بالحديقة وقرب السيارة من تلك الغرفة. كذلك ترجل من السيارة وترك باب المقود مفتوحًا، وفتح باب السيارة الخلفي ودلف سريعًا إلى الغرفة. رغم شعورها السيء، كذلك مرضها، هرولت من غرفتها حاسمة أمرها، ستذهب إلى تلك الغرفة.
بتلك الغرفة التي بالحديقة
قبل لحظات، فاق من غفلة عقله على انتفاض قلبه الذي ينتفض بقوة بين ضلوعه وهو يرى مشهد تشنج جسد سهيلة مثل المقلوبين على الموت. كان منظرها قاسيًا للغاية. حاول إفاقتها باستجداء. كانت ترد بهمهمات غير مفهومة.
نهض سريعًا، ارتدى بنطالًا وفوقه قميصًا سريعًا، أكمل ارتدائه وهو يخرج من الغرفة. نظر بالحديقة، رأى سيارته التي مازالت مزينة قريبة من الغرفة. ذهب نحوها وقربها من الغرفة. ترجل من السيارة، فتح باب السيارة الخلفي وهرول عائدًا للغرفة. اقترب من الفراش، نظر إلى سهيلة بندم وهلع في قلبه. كانت تلك الهمهمات قد صمتت. كأن الروح بدأت تنسحب منها. سريعًا، قام بلف ملاءة الفراش حول جسدها وحملها وخرج من الغرفة. وضعها بالمقعد الخلفي للسيارة.
لكن قبل أن يدلف خلف المقود، سمع قول شكران التي تلهث:
"مالها سهيلة؟ عملت فيها إيه؟"
لم يرد آصف، يشعر بصدمة هو الآخر. كاد يتجاهل شكران ويصعد للسيارة، لكن شكران سبقته وفتحت باب السيارة الخلفي ودلفت إلى السيارة. انصعقت حين نظرت إلى وجه سهيلة الذي يشاحب الموتى، كذلك آثار تلك الدماء فوق الملاءة. رفعت رأسها بذهول وقالت بأسف:
"عملت فيها إيه يا آصف؟ كان قلبي حاسس إنك عندك هدف من إصرارك على الجواز منها، بس مكنتش أتوقع إنك تكون بالخسة دي."
لم يستطع آصف الرد، يشعر بالخزي كذلك الخوف على سهيلة.
صعدت شكران إلى جوار سهيلة وأغلقت خلفها الباب سريعًا. بنفس الوقت، كان آصف هو الآخر صعد للسيارة وأدارها. سريعًا كان يقطع الطريق غير آبه بتلك الأمطار الغزيرة التي تتساقط فوق زجاج السيارة. مع صرير صوت إطارات السيارة كان مفزعًا للقلب. للحظة، خشيت شكران أن تنجرف السيارة على الطريق. لكن وضعت رأس سهيلة على ساقها. كانت تبكي عيناها بغصات وهي تسمع همهمات سهيلة التي فسرت بعض تلك الكلمات. ذكرت اسم "سامر...".
سريعًا، كان آصف يصف السيارة بفناء إحدى المستشفيات الخاصة. وترجل من السيارة سريعًا، فتح الباب الخلفي وجذب جسد سهيلة وحملها يهرول نحو استقبال المشفى.
تحدث بإستغاثة:
"محتاج دكتورة نسا بسرعة."
وجهه أحد أفراد الاستقبال إلى إحدى الغرف. وضع سهيلة على ذلك الفراش. ونظر إلى ذلك الطبيب الذي دلف للغرفة. شعر بالغيرة منه وقال بأمر:
"قلت محتاج دكتورة نسا، إيه المستشفى مفيش فيها دكتورة نسا؟"
دلت طبيبة أخرى قائلة:
"أنا دكتورة نسا، ياريت تتفضل بره عشان أعاين المريضة."
بمجرد أن نظرت الطبيبة إلى آثار الدماء على تلك الملاءة الملفوف بها جسد سهيلة، كذلك ملامح وجهها، ذُهلت. بخلفية توقعت أن المريضة مُغتصَبة. نظرت باشمئزاز لـ آصف قائلة:
"ياريت تخرج، وكفاية وقفتك هنا هتعطلنا."
بصعوبة خرج آصف من الغرفة يشعر بتوهان. لكن فاق من هذا التوهان على تلك الصفعات التي تلقاها على وجهه بغضب من شكران التي نظرت له باستنهاج:
"كان قلبي حاسس إن عندك غرض دنيء من ورا تصميمك على الجواز من سهيلة. نصحتك وقولتلك بلاش، هدمت كل حاجة بلحظة. يا خسارة يا آصف، ورثت قسوة قلب أسعد بجدارة. ادعي ربنا يُلطف بـ سهيلة."
تلقى آصف صفعات شكران يشعر أنها مثل لسعات ملتهبة تضرب قلبه الذي يخفق بفيضان نازف. كأنه يصارع الموت. ازداد نحيب قلبه حين رأى إحدى الممرضات خرجت من الغرفة ثم عاودت تحمل أكياسًا من الدم.
بعد وقت ليس بالقليل، خرجت تلك الطبيبة من الغرفة. نهضت شكران واقفة وهرولت نحوها، كذلك آصف. قبل أن يسأل عن حال سهيلة، نظرت له الطبيبة سائلة:
"إنت تقرب إيه للمريضة اللي جوه؟"
شعر آصف بخزي، بينما شفقت شكران عليه وأجابت هي الطبيبة:
"تبقى مراته."
نظرت له الطبيبة بازدراء وقالت:
"واضح حالة المريضة إنها اغتصاب بدون رحمة. للأسف بصعوبة قدرنا نوقف النزيف، كمان المريضة هتفضل في الرعاية تحت الملاحظة لأن في خوف يرجع النزيف مرة ثانية لأن حصل تهتك في الرحم. ولو النزيف رجع هنضطر نستأصل الرحم."
صُعق آصف من فداحة ما فعله حين ترك لجام غضبه. بينما شعرت شكران برجفة، كذلك لم تتحمل الوقوف على ساقيها. جلست مرة أخرى. بينما عاودت الطبيبة الحديث:
"للأسف مضطرة أبلغ أمن المستشفى، لأن دي شبه حالة اغتصاب."
لم يبالِ آصف بحديث الطبيبة، يشعر بضياع كأنه فقد الإدراك.
ليالي الشتاء طويلة قبل أن يسطع فجر جديد. تسلل آصف إلى غرفة الرعاية. وقف للحظات يشعر بانخفاض في دقات قلبه وهو يرى وجه سهيلة الشاحب، كذلك تلك الآثار الدامية على وجنتيها وشفاها التي تحولت إلى شبه زرقاء بشعة. كذلك تلك الأنابيب الطبية المغروسة بيدها. يشعر كأن سيلان من النزيف في جسده بالكامل، كأنها تشاركه الألم نفسه. بل أقصى منها، هي غائبة عن الوعي لا تشعر بشيء، بينما هو واعٍ، يشعر كأنه مذبوح. جثى على ساقيه جوار الفراش. جذب يدها يضمها بين يديه وانحنى برأسه وقبل يدها ثم وضع كفها على وجنته يشعر بها مثل الثلج فوق النيران التي لا تخمد. دموعه التي تحجرت سابقًا الليلة كانت تسيل زخات مثل تلك الأمطار التي يسمع صداها خارج تلك الغرفة الباردة، لكن يشعر بها حارقة. وضع نصف وجهه فوق كف يدها يقول بندم ورجاء:
"سهيلة أرجوكي سامحيني، سهيلة فوقي وأي شيء تطلبيه هنفذه حتى لو طلبتِ أدبح نفسي قدام رجليكِ مش هتردد لحظة أفكر. سهيلة اصحي وقولي لي إني في كابوس هينتهي لما تفتحي عينيكِ من تاني. سهيلة أنا عمري ما صدقت إنك قاتلة، متأكد إنك بريئة من دم سامر. سهيلة، سهيلة، وسهيلة."
وكلمات ندم وألم يتفوه بها يهز كيانه تجعله يشعر مثل المذبوح النازف حيًا. دموع تتساقط بندم. دموع ود أن تسيل بوقت سابق. ربما وقتها خففت حدة الألم الذي كان يشعر به الذي لا يسوى شيء مقابل شعوره الآن. كأنه مثل المذبوح بنصل بارد يتعذب، وهو يتذكر بندم كيف تحايل حتى استطاع الزواج بها وسطوة خداعه الذي حبكها عليها طوال الفترة الوجيزة الماضية. كذلك أحد الأسباب التي أشعلت في قلبه فتيل الانتقام الذي سفك قلبيهما معًا.
[فلاش باك]
بعد وفاة سامر بحوالي سبعة أشهر
بالسرايا
دلف انتصار. كان بعض العاملات بالمنزل ينظرن لها باستغراب من عودتها بعد بضع أشهر من تركها للعمل دون سبب. ليس هذا فقط، بل أيضًا بسبب بطنها المنتفخة بوضوح، بل كادت تلد. لم تبالِ بنظراتهن، وذهبت إلى غرفة المعيشة التي كانت تجلس بها شكران. دلفت بعد أن استأذنت منها، جلست أمامها تشعر بارتباك صامت. استغربت شكران من ذلك وسألتها:
"خير يا انتصار؟ كلمتيني وقولتلي عاوزة تقابليني في أمر هام. لو عاوزة ترجعي تشتغلِ تاني في السرايا..."
قاطعتها انتصار بتعسف:
"اشتغل إيه يا ست شكران، مش شايفة بطني قدامي؟ أنا قربت أولد، أنا مستنية أسعد بيه يجي."
استغربت شكران وكادت تسألها، لكن للحظة أتى لرأسها هاجس. أتكون انتصار حامل من أسعد؟ لكن سرعان ما نفضت عن رأسها. تعلم أسعد جيدًا لن يفعل ذلك لأنه لو أرادها كان تزوج بها علانية. لكن بنفس الوقت ولسوء الحظ، أو ربما التخطيط الجيد بالوقت المناسب، كان آصف بأجازة وقتها بالسرايا. وللتو استيقظ من نومه وخرج من غرفته. ذهب نحو المطبخ، طلب من إحدى الخادمات كوبًا من القهوة وسأل عن والدته. أخبرته الخادمة أنها تجلس بغرفة المعيشة. طلب من الخادمة أن تأتي له بالقهوة بهذه الغرفة. ترك المطبخ وتوجه إلى تلك الغرفة. دلف مباشرةً. للحظة، استغرب من جلوس انتصار مع والدته، كذلك اشمئز من منظر بطنها المنتفخة. لكن لم يهتم وكاد يخرج من الغرفة. لكن صوت تلك الوقحة التي تشعر بخوف يسري بداخلها، لكن تمسكت بالفجور وبكت عينيها بكذب حين رأت دخول أسعد هو الآخر للغرفة. رغم بطنها المنتفخة وصعوبة حركتها، نهضت سريعًا وذهبت نحو أسعد وانحنت نصف جاثية تُقبل يده تقول باستجداء:
"أسعد بيه، إنت عندك ولايا. استر عليا ربنا يستر على عرضهم. أنا والله كنت مغصوبة وياما قولت له بلاش تفضحني يا دكتور أنا في عرضك. بس هو زي ما يكون كان شارب حاجة وقتها مكنش في وعيه. ولما فاق من اللي عمله فيا قال لي بندم إنه هيصحح غلطته ويتحوزني. بس المجرمة اللي قلبها قاسي دبحته."
حديث مبهم غير مفهوم، أو به جزء مفهوم يود التوضيح. تسأل آصف:
"تقصدي دكتور مين؟... وضحي قصدك."
بكت بحرقة واحترافية:
"الدكتور سامر الله يرحمه."
مازال الحديث غير واضح. سأل أسعد بغضب وهو يجذب يدها منه ويبتعد عنها بعجرفة:
"تقصدي إيه يا بت؟"
ازدردت انتصار ريقها وهي تنهض واقفة تضع يديها فوق بطنها:
"قصدي إن الدكتور سامر هو والد الجنين اللي في بطني."
صُدم الثلاث: آصف، أسعد، شكران. التي شعرت فجأة بدوران الغرفة بها. حين حاولت النهوض، بالكاد قبل أن تقف على ساقيها سقطت على المقعد مرة أخرى غائبة عن الوعي.
هلع آصف وهرول نحوها، كذلك أسعد. الذي نادى على صفوانة. حمل آصف شكران وذهب بها نحو غرفتها وتركها مع أسعد وصفوانة. وعاد مرة أخرى إلى غرفة المعيشة. وجد تلك الوقحة مازالت جالسة كأنها بلا حياء. هي بالفعل كذلك. نظر لها بتهكم قائلًا:
"كويس إنك لسه قاعدة."
ارتعبت انتصار وارتجفت أوصالها، وقالت بخفوت:
"الست شكران فاقت."
تهكم آصف قائلًا:
"يهمك أوي صحة ماما."
ردت انتصار:
"طبعًا يهمني صحتها. لو كنت أعرف هيجرالها كده مكنتش..."
قاطعها آصف بتعسف:
"كنتِ هتبقى إيه؟ أوضح أكتر من كده؟"
ازدردت انتصار ريقها الجاف وقالت بارتعاش صوت:
"ليه مش عاوز تصدقني يا آصف بيه؟ والله أنا...."
قاطعها آصف بتعسف وهو يمسك رسغ يدها يضغط عليه بقوة قائلًا:
"غرضك إيه من الكذبة اللي فبركتيها؟ عاوزة كام؟ ومين والد الجنين اللي في بطنك؟"
تألمت انتصار تشعر بهلع من نظرة عيني آصف. لكن حاولت الحلفان بمصداقية أنها لا تكذب وأن الجنين الذي في بطنها هو ثمرة أخيه سامر.
تهكم آصف قائلًا:
"تمام بسيطة. هصدق إنك صادقة، وهنسى قذارتك اللي شفتها بعيني قبل كده. همشي مع كذبك للنهاية. في تحليل اسمه DNA وبسهولة نعرف حقيقة كدبك. فرشة الأسنان بتاع المرحوم سامر لسه موجودة. كمان ناخد عينة من الجنين اللي في بطنك ونقارنه بتحليل الخلايا الوراثية مع بابا. وقتها نشوف الحقيقة إيه."
ارتعبت انتصار ووضعت يدها على بطنها قائلة بخوف:
"لأ طبعًا التحليل ده خطير على الجنين اللي في بطني ده ممكن يأذيه ويموت. يرضيك تموت آخر ذكرى من المرحوم سامر."
تهكم آصف بحنق قائلًا:
"ومنين عرفتِ إن التحليل ده خطير على الجنين؟"
ارتبكت انتصار وقالت بتسرع:
"سألت الدكتور اللي متابعة معاه الحمل من الأول. قالي الحمل مش مستقر وأي حركة زايدة ممكن ينزل بأي وقت. أنا كنت عارفة إنكم مش هتصدقوني، بس أنا مستعدة أحلف على كتاب ربنا إن..."
قاطعها آصف بتعسف:
"تحلفي على إيه؟ على رأي المثل قالوا للحرامي احلف. بصي من الآخر كده هتقولي الحقيقة ولا مفيش قدامي طريقة تانية وقتها هتقولي الحقيقة بس بشكل مش هيرضيكِ. مين والد الجنين ده؟"
ارتعبت انتصار من فحيح آصف، ونهضت بتهديد:
"حضرتك مش مصدقني، مفيش طريق قدامي غير إني أقدم بلاغ في المحكمة وعشان أقدر آخد نسب الجنين ده لـ المرحوم سامر."
تهكم آصف بحنق من تلك الوقحة الغبية وقال لها بغضب:
"هاتي من الآخر يا انتصار لأن خلقي بدأ يضيق. أنا بتفاهم معاكِ بعقل وطبعًا انتِ عارفه لو سيبتك لبابا ممكن يتصرف معاكِ إزاي."
بنفس اللحظة دخل أسعد إلى الغرفة بغضب واستهجان قائلًا:
"قولي يا بت من اللي زقك عشان تكملي تشويه صورة المرحوم سامر."
ارتعبت انتصار والتزمت الصمت. بينما تعصب أسعد وقال بفراغ صبر:
"أنا هعرف إزاي أنطقك كويس."
نادى أسعد بصوت جهور على أحد الحرس الخاص به وأمره قائلًا:
"خد البت دي للبدروم وتصرف معاها. عاوزها تنطق بالحقيقة."
ارتعبت انتصار وخافت من تهديد أسعد، قالت بخوف وتردد:
"هقول الحقيقة. بصراحة... بصراحة..."
تنرفز أسعد قائلًا:
"بصراحة إيه؟ كمل."
استرسلت انتصار قولها برعب:
"بصراحة أنا حامل من طليقي. هو والله اغتصبني ولما طلبت منه نرجع عشان اللي في بطني رفض، و..."
تعصب آصف قائلًا:
"لما رفض قولتِ أتصرف وأكمل تشويه في صورة سامر؟ هو كده كده أي كدبة هتقوليها إحنا هنصدق طبعًا."
تهكم أسعد ونظر لها بغضب قائلًا:
"طبعًا لازم نصدق بعد ما الوضيعة سهيلة شوهت صورته وقدرت تطلع من السجن، بس لسه الاستئناف وهرجعها تاني للسجن. وقبل منها هحسرك على ابن الحرام اللي في بطنك وجاية تلزقيه لينا."
توسلت انتصار بالصفح عنها. كاد أسعد أن يأمر الحارس أن يأخذها، لكن منعه آصف قائلًا:
"لأ سيبها تمشي من هنا تواجه بنفسها الناس بخطيئتها."
بصعوبة وافق أسعد. رحلت انتصار. بينما نظر أسعد لـ آصف بغضب قائلًا:
"شايف كذب الوضيعة خلى اللي متسواش تفكر إنها تلزق لأخوك خطية هو بريء منها. طبعًا يحق لها. لو سبتني أتصرف من البداية كنت قدرت أمنع البلوة دي تيجي بوقاحة لهنا وتساومنا بكذب. ولسه الله أعلم إيه هيظهر تاني ومش بعيد المرة الجاية نلاقي واحدة داخلة علينا بعيل تقول ابن المرحوم."
زفر آصف نفسه بغضب ساحق وترك الغرفة لأسعد الذي مازال ثائرًا بغضب.
[عودة]
الغضب أعما قلبه وأصم صوت ضميره. سهيلة أمامه بالكاد تتنفس، وهو يبكي بندم.
ــــــــــــــــــــــــــ
صباح اليوم التالي
دلت أسيميه إلى منزل أيمن باكرًا على غير العادة. تهكمت هويدا من قولها:
"قلبي مش مطمن ومنمتش طول الليل."
تهكمت هويدا قائلة:
"لأ اطمني يا تيتا أكيد قلبك رقيق زيادة عن اللزوم. بس سهيلة أكيد زمانها رايقة."
نظرت لها أسيميه دون الرد. لكن الخبر السيء لا ينتظر كثيرًا. صدح رنين هاتف سحر. نظرت لـ رحيم قائلة:
"روح هات موبايلي من على الشاحن يا رحيم."
سريعًا عاد رحيم بالهاتف يقول بطفولته:
"الست شكران هي اللي بتتصل يا ماما."
هلع قلب سحر كذلك قلب أسيميه وأيمن الذي قال لها:
"ردي عليها."
سريعًا فتحت سحر الاتصال، سمعت شكران تخبرها بهدوء:
"سهيلة تعبت شوية ليلة إمبارح وإحنا أخدناها للمستشفى، والدكتور قال هبوط بسبب ضعف جسمها."
ضعف جسمها، هبوط؟ تبريرات كاذبة بالتأكيد. نظروا لبعضهم. قالت أسيميه:
"قلبي مش مطمن ومش مصدقة شكران. إنتم لسه واقفين خلونا نروح المستشفى اللي قالت على اسمها."
بعد وقت قليل
بالمشفى
وضعت شكران الهاتف وهي تنظر بأسى لآصف المهزوم الذي يخرج من تلك الغرفة. نظرة عينيها اللائمة ليست أشد قسوة من ندمه. لكن بنفس اللحظة نست تلك العجوز عمرها وهرولت باتجاه وقوف آصف. لم تهتم وبتلقائية وغصب ساحق، كانت تصفع آصف على وجنتيه تلومه وتوبخه دون معرفة ما حدث لـ سهيلة، فقط لديها يقين أن هذا الحقير السبب في رقدتها هنا بالمشفى.
تلقى آصف الصفعات دون أن يبتعد عن يديها. لكن نهضت شكران ومنعتها عن آصف. كذلك سحر التي تود صفعه هي الأخرى بوابل من الصفعات. بينما أيمن يعتصر قلبه الندم على تنازله عن الرفض. كيف وافق على زواجها من آصف.
بفناء المشفى
كان طاهر يدلف إلى المشفى بالصدفة. تلاقى مع ويارا التي جائت إلى المشفى ببعض الأدوية طلبتها منها شكران على الهاتف. تجاهل طاهر الحديث مع يارا وتسرع بالذهاب كي يعلم ماذا أصاب أخته. غص قلب يارا بشدة.
ــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور ثلاثة أيام
بالمشفى
أمام غرفة سهيلة
خرجت الطبيبة ونظرت إلى آصف كالعادة بازدراء. ونظرت للطبيب الآخر الذي قال بعملية:
"الإشاعات اللي عملناها للمريضة للأسف بتوضح إن التشنج اللي بجسم المريضة مش عضوي، ده حالة نفسية برد فعل تلقائي من أعصاب جسمها بعد ما عقلها رفض اللي اتعرضت له. وعدم الحركة مؤقت، بس مش مرتبط بوقت ممكن يفضل معاها لوقت طويل أو قصير حسب امتثال عقلها للي حصل وتقبله. بس ممكن ندي للأعصاب تحفيز ببعض جلسات العلاج الطبيعي."
شعر آصف بندم ساحق. بسببه سهيلة بعد أن فاقت من غيبوبة يومين غير واعية تفاجأوا بعدم قدرتها على الحركة ولا حتى تحريك يديها، فقط جسد ساكن على الفراش. كل ما تستطيع فعله هو الحديث فقط، حتى هذا أحيانًا بتقطع مثل الأطفال.
بداخل غرفة سهيلة كان معها أيمن وسحر اللذان يشعران بأسى وبؤس على تلك الراقِدة. نظرت سهيلة لـ أيمن قائلة بتقطع:
"بابا عاوزة أتكلم مع آصف."
استغرب أيمن وسحر. وآسيميه التي قالت لها:
"مكنش لازم أوافق أيمن، كان لازم أصمم على الرفض. لو بإيديا كنت قطعت من جثته ورميتها لحمة..."
قاطعتها سهيلة وهي تُغمض عينيها بندم، كيف سارت خلف قلبها وامتثلت لتحايل آصف الكاذب والمدعي عليها بالكذب حتى ينال منها قصاص. ازدرت ريقها وقالت بألم:
"لو سمحتِ يا تيتا أرجوكي أنا عاوزة أقابل آصف ضروري... اتصل عليه خليه يجي يا بابا."
امتثل أيمن غصبًا وهاتف آصف الذي لم يُغادر المشفى منذ تلك الليلة، سوى لحوالي ساعة واحدة ذهب لتبديل ثيابه وعاد مرة أخرى.
بعد دقائق معدودة دلف آصف للغرفة. عينيه نحو الفراش يخشى النظر لـ سهيلة. لأول مرة لا يود النظر لوجهها. حتى بأوج غضبه كان ينظر لوجهها. للحظة، حين رأت سهيلة آصف، ارتعش قلبها خوفًا منه. لكن تمسكت بشجاعة واهية، ونظرت إلى وجهه كان بلا تلك النظارة المعتمة التي كانت تخفي حقيقة عينيه.
تهكمت قائلة:
"مش خايف من الإضاءة توجع عينيك؟"
لم يرد آصف. بينما أكملت سهيلة قولها:
"قبل أي شيء بهنيك، نجحت بجدارة في الكذب يا سيادة المستشار. خدت حق أخوك وزيادة كمان. أنا أهو قدامك فقدت حركة جسمي كلها، الحمد لله لسه بشوف وبسمع وبتكلم... بتكلم للأسف دلوقتي صوتي رجع."
فهم آصف تلميحها أنها لم تستطع حتى الصراخ بتلك الليلة. علها وجدت من يُنقذها من قسوة انتقامه. بينما عاودت سهيلة حديثها بمرارة:
"قبل ما أغير أقوالي في النيابة بعت لك بابا وكنت هقولك على حقيقة اللي حصل، بس طبعًا رفضت تقابل بابا. كان في دماغك هدف تاني."
استغرب آصف ونظر إلى أيمن قائلًا بكذب:
"محصلش، أنا رفضت أقابل حضرتك... بالعكس أنا كنت وقتها فعلاً هاجي ليكِ وأعرف منك حقيقة اللي حصل بس ماما تعبت يومها."
تهكمت سهيلة بمرارة وكذبته قائلة:
"وطبعًا لسه عاوزني أصدق سيادة المستشار."
نظر آصف نحو أيمن الذي أومأ برأسه بأنه بالفعل ذهب إلى السرايا. تذكر ذلك اليوم وقام بسرد ما حدث معه.
[فلاش باك]
باليوم التالي لطلب سهيلة من أيمن أن تلتقي مع آصف بعد أن أخبرته ببعض الحقائق الخاصة بـ سامر، ذهب إلى السرايا رغم أنظار الناس له، فهو بالنهاية والد المتهمة بقتل سامر. قابله إحدى الخادمات. طلب منها أن تخبر آصف أنه يريد أن يلتقي معه لأمر هام خاص بشأن قضية مقتل أخيه. وأعطى لها اسمه. ذهبت الخادمة قليلًا ثم عادت له وقالت:
"آصف بيه يرفض يقابلك، وكمان عطاني المبلغ ده أعطيه لك وأقولك قوم لها محامي شاطر."
ترك أيمن المبلغ وشعر ليس فقط بيأس بل بدونيه، وغادر المنزل بأسف.
[عودة]
أغمضت سهيلة عينيها وتهكمت بمرارة قائلة:
"كمان عرض عليك فلوس عشان سيادة المستشار كتر خيره كان غرضه يعاقبني العقاب اللي استحققه من وجهة نظرهُ."
ذُهل آصف قائلًا بنفي:
"محصلش، أنا كنت فعلاً هاجي ليكِ النيابة بس ماما تعبت وقتها، وبعدها اتفاجئت بأنك غيرتِ أقوالك."
تهكمت سهيلة بحنق وقالت:
"كمان السم اللي اتحط لي في الأكل وأنا في السجن مكنتش تعرف بيه... السم اللي بسببه فضلت أعاني يومين ومصارين بطني بتتقطع لحد ما كنت وصلت للموت. بس طبعًا في السجن خافوا من مسؤولية موتي لو انكشف إن سبب موتي هو سم مفعوله بطيء بيقطع في مصارين البطن قبل ما ينهي العمر. موت بالبطيء يعني. بس للأسف لسه فيا عمر ونجيت من مفعول السم."
ارتسم الذهول على وجه آصف. بينما أكملت سهيلة:
"بس هستنى إيه من أمجاد أولاد "أسعد شعيب". تعرف الحقيقة أنا فعلاً مقتلتش سامر. وفعلاً عشان أطلع براءة كذبت إنه حاول يعتدي عليا، وده مش حقيقي، لأن مستحيل سامر يعمل كده. مش عشان هو شريف وعفيف. أنا فعلاً غلطت لما خالفت ضميري. كان لازم أقول الحقيقة اللي كان سهل ألفِت نظر الطب الشرعي ليها وبسهولة كنت هطلع من القضية. بس يمكن بكذبتي جملت حقيقة سامر. عارف ليه يا آصف؟ عشان سامر كان له ميول خاصة وهواية أنه يجرب تقاليع فارغة أو حتى حرام. مش مهم المهم يحس بتجديد. بيحب يمشي وراه الجديد والمثير ويجربه. مفيش عنده مانع، طالما مفيش ضرر هيقابله بعد كده. ومعندوش تفرقة بين إنه يكون شخص سوي على فطرة ربنا اللي خلقنا عليه وإنه يكون "شاذ"."
رواية عشق مهدور الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سعاد محمد سلامة
بذهول نظر لها آصف غير مصدق، ما تفوهت به سهيله. تلاقت عيناهم لأول مرة منذ فترة. سخرت سهيله من نفسها وتذكرت قبل أيام حين سألته لماذا يضع تلك النظارة المعتمة حول عينيه باستمرار حتى ليلاً. كان جوابه مقنعًا: "عندي حساسية في عيني الفترة دي ولما بتتعرض لضوء بيزيد الوجع".
أين تلك الحساسية، وأين هو الوجع الذي تحدث عنهما؟ الآن أمامها عيناه بلا تلك النظارة التي كان يخفي خلفها حقيقة قلبه ونواياه تجاهها.
بتحدٍ منها وجبروت أكدت باستهزاء:
"أيوة كان كيفة الرجالة تقليعة جديدة حب يجربها، وكان مفكرها زي قصة شعر موضة. وقت ما يحب يغيرها سهل، لكن التقليعة بقت مرض عنده واتوغل منه. صدفه عرفت ونصحتُه يروح لدكتور نفسي. فاكر كم مرة كنت بلمح لك إنكم تحاولوا تقربوا منه وتحتوه شوية؟ هو محتاج اللي يساعده ويرجعه للطريق الصح واللي يرجعه للفطرة اللي ربنا خلقنا عليها."
تذكرت تلك الليلة التي علمت بها حقيقة سامر القذرة.
[فلاش باك]
كانت ليلة شتاء، قبل الفجر بمنتصف وقت عملها بالمشفى. للتو انتهت من مباشرة أحد الأطفال المرضى الذي يعاني من مرض عضال. شفقت قلبها عليه، شعرت بحزنه لعدم شفائه، كذلك أحلامه البسيطة التي يود تحقيقها لكن مرضه يمنعه. خرجت تشعر بآسى عليه. كانت متوجهة إلى غرفة الأطباء، لكن أثناء سيرها بأحد الممرات توقفت أمام غرفة خاصة بالكشف على المرضى قريبة من الاستقبال الخاص بالمشفى. سمعت صوت تآوهات تشبه تآوهات الألم. ظنت أنه ربما مريض يتألم بداخل الغرفة. بإنسانية منها فتحت باب الغرفة.
انصدمت من ذلك الموقف المقزز لسامر ورجل آخر لم تر وجهه، كان يعطيها ظهره. سريعًا أغلقت باب الغرفة تشعر بغثيان. بالفعل ذهبت إلى أحد مراحيض المشفى. فتحت صنبور المياه وقامت بغسل وجهها بماء بارد علّ ما رأته قبل لحظات كان وهمًا أو فيلمًا قذرًا. لكنها الحقيقة. سامر كان رفيق دراستها كما أنه الأخ الأصغر لحبيب قلبها "آصف". سألت عقلها ما الذي جعله يصبح بتلك القذارة ويتغافل عن الفطرة الإنسانية. لم يعطها عقلها جوابًا.
خرجت من المرحاض، وعادت لعملها إلى الصباح حتى انتهى موعد عملها. خرجت من المشفى. تفاجأت بسامر الذي يظهر عليه الكسوف منها، لكن طلب منها أن يوصلها إلى البلدة. في البداية رفضت، لكن بسبب إلحاحه وافقت. سار قليلاً، إلى أن تنحنح سامر قائلاً:
"على فكرة أنا عارف إن انتِ وآصف في بينكم مشاعر."
تفاجأت سهيله وسألته:
"ويا ترا عرفت منين؟ آصف هو اللي قالك؟"
رد سامر:
"لأ آصف كتوم، أو على الأقل معايا. يمكن هو وآيسر قريبين لبعض. بس أنا لاحظت ده من نظراته ليكِ غير كمان ملامحه اللي بتتغير بمجرد ذكر اسمك قدامه. صدفه. أنا مش بدخل في شؤون إخواتي بس مش معنى كده إن معنديش نظر ومبفهمش. هما أحرار في حياتهم وأنا كمان حر."
نظرت له سهيله باستغراب وسألته:
"قصدك إيه بإن انت كمان حر؟ سامر انت محتاج علاج نفسي وبسرعة كمان."
نظر لها سامر باستهزاء قائلاً:
"علاج نفسي! ليه يعني؟ كل الحكاية إن عندي شوية فضول زايد وبحب أجرب تقاليع وحاجات غير، زي قصات الشعر، وسهل أوقفها في أي وقت حسب مزاجي وبدون تأثير على أي حد."
استغربت سهيله رده السافر وقالت له باستهزاء:
"انت إزاي درست طب وعارف تأثير الشذوذ؟ كمان قبل الطب الدين مش بيحرم الشيء الضار وربنا نزل آيات في القرآن لعقاب النوعية دي من البشر. دي تقاليع غريبة علينا ومحرمة. وأنا مش خايفة حد يعرف إن في مشاعر بيني وبين آصف، لأني مش أقل من مستوى آصف، وآصف نفسه يتمنى إني أوافق على جوازنا. بلاش تضحك على نفسك يا سامر وفوق وارجع لعقلك. انت كنت شخص كويس قبل سنة التجنيد اللي بدلتك دي. نصيحة ليك بسرعة شوف دكتور نفساني وارجع لـ سامر الشخص اللطيف. ومتخافش أنا مش هقول لـ آصف."
توتر سامر، شعر كأنها قرأت أفكاره. اتخذ مبدأ المساومة في البداية بإخباره لها بمعرفته بوجود مشاعر خفية بينها وبين آصف. لكن سهيله أخزته ولم تتنكر من مشاعرها لآصف، كذلك أخبرته بثقتها بحقيقة مشاعره تجاهها. شعر بالخزي وهو يقول بارتباك:
"أنا فعلًا كنت نويت أوقف العلاقة دي، لأني مليت منها."
نظرت له سهيله باستهزاء قائلة:
"المفروض تقطعها نهائي، مش عشان مليت، لأ عشان ده الصح. وكمان تتوب وتطلب من ربنا المغفرة، ده إثم كبير عقابه أسوأ من الزنا."
اقتنع سامر بحديث سهيلة، التي كانت تشعر بحياء وخجل وهي تتحدث معه بهذا الموضوع الشائك. لكن ربما هوايتها للطب النفسي وقراءتها به جعلتها تتخلى قليلاً وتتحدث دون شعور منها. بينما سامر، شعر أنه فعلاً مخطئ وابتعد عن الدين بسبب بهرجة تلك التقليعات تحت مسميات عولمية سخيفة بكلمة "حرية شخصية" لا تستحق سوى الوأد من مهدها.
[عودة]
عادت سهيله تشعر بآسف، ليتها تلك الليلة ما تحكمت بها الإنسانية ولا علمت حقيقة سامر القذرة.
بينما آصف يشعر أنه أمام حقيقة ليست فقط مخجلة، بل قاصفة للقلب والعقل معًا. لم يستطع تكذيبها، كذلك لن يستطيع تقبلها. مستحيل أن يكون وصل حال أخيه إلى تلك الدناءة أن يخالف دينه ويسير خلف تلك القذارة. لكن ملامح سهيله تؤكد ذلك. يشعر أنه مثل المذبوح بنصل حاد يكز بقلبه.
فاق من سكرة تلك الحقيقة على حقيقة أقصى. انخنفرت سهيله بقوة واهية بسبب إحساسها بأنها مسلوبة الروح فعلاً، كذلك جسد بلا روح تتنفس، لكن جسدها بلا حركة.
حاولت التماسك وهي تقول بيقين:
"كل كلمة قولتها لي في البدروم سمعتها واترسخت في عقلي. ما كنتش محتاج تستحمل تغصب على نفسك وتدعي إنك لسه بتحبني ولا للمراوغة دي كلها عشان تنتقم مني يا آصف. كان كفاية تبعد عني كان هيبقى انتقام أقوى منك. كان كفاية أسمع إنك بقيت لواحدة غيري... وإن مبقاش ليا مكان في حياتك. كان إحساس كفيل يموتني من القهر."
توقفت للحظات تستجمع ما بقى من حطامها بقسوة. ليتها كانت تمسكت بها من قبل. لكن يكفي، لم يعد لديها طاقة للتحمل. هي انتهت بين يديه كما أراد.
فاضت بتعمد:
"قد ما حبيتك قد ما أنا بكرهك يا آصف.... طلقني."
والصدمة ارتسمت على الوشوش. كيف لزواج أن ينتهي قبل أن يمر عليه حتى أسبوع واحد؟ مجرد أيام لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. والإثنين خاسران، كل منهم أصبح ذابح ومذبوح بنفس اللحظة. هُدرت أمنيات عشقهم وأضحت حياتهم معًا بلا أمل.
ذُهل عقل آصف. حقائق مريرة تبعها طلب سهيله للطلاق التي أكدته بقولها:
"أنا متنازلة عن كل حقوقي عندك، ومش عاوزة لا مؤخر حتى القايمة اللي مضيت عليها اعتبرها مش موجودة. كل شيء بينا انتهى من قبل ما يبدأ. أنا اللي كنت غبية. الحقيقة كانت واضحة قدامي من أول تخليك عني وتصديقك إني ممكن أكون قاتلة. عدم سؤالك عني، حتى يوم لما جيت المحكمة يوم الحكم مشيت واديتني ضهرك. كان لازم أفهم إن ماليش مكان في حياتك من البداية. بس قلبي خانني أول ما كلمتني قلبي رق لك وعقلي تنحى وقال لي قدامك فرصة مع حبيبك، أكيد لما يعرف الحقيقة يصدقك. بس كنت ذكي جداً. كل ما أحاول أقولك الحقيقة كنت بتراوغ وتغير الموضوع، عشان كنت واخد القرار مضبوط حسب رؤيتك كأخ. أنا شوهت صورته بالكذب والإفترا عشان أبعد عن الإعدام اللي كنت أستحقه حسب وجهة نظرك. ولما فلت من حكم المحكمة كان في حكم تاني أسهل يتنفذ، وانت نفذته باحتراف. كمان انت فعلاً موتت قلبي يا آصف، وانسحابي أو بالأصح هروبي من حياتك أفضل قرار أنا خدته عشان أرجع أعيش من تاني."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساءً
منزل أيمن
صدمة غير متوقعة حين سمعت هويدا حديث آسميه مع أيمن أثناء وضعها لتلك الصينية أمامهم. ذُهلت وهي تسمع قول آسميه تحثه:
"فيها إيه لما سهيله تطلق؟ هي مش أول واحدة تطلق، والمثل بيقول 'إيش عملت الحرة اتجوزت واتطلقت'."
رد أيمن بتردد حائر العقل والقلب، كذالك يشعر بعذاب ضمير أنه تنازل ووافق على زواج سهيله من البداية:
"إنت مفكرة إن حكاية طلاق سهيله سهلة يا عمتي؟ الناس هتقول عليها إيه؟ دي مكملتش حتى أسبوع جواز."
تهكمت آسميه تقول بآسف:
"والناس مش هتتكلم لما تطلق بعد شهر ولا اتنين؟ هتسمع لملام وكلام الناس. هتستني إيه لما المرة الجاية تستلمها جثة بعد ما يموتها."
نظرت هويدا لآسميه بغضب قائلة:
"بابا عنده حق، إزاي يوافق على طلاق سهيله؟ وفيها إيه يعني لما تستني فترة ومش يمكن كان تهور من آصف ويتعدل معاها بعد كده؟ وبيحصل كتير في أول الجواز مناوشات بين الأزواج، والدليل قدامنا الست جارتنا جوزها بيضربها وتزعل له يوم ولا اتنين ويرجعوا تاني كويسين مع بعض. بلاش تتسرعي يا بابا، حضرتك كنت شايف رغبة سهيله في الجواز من آصف، هي يمكن زعلانة كمان حكاية شلل جسمها دي مؤثرة عليها. بلاش توافق على قرارها وتهدم بيتها في لحظة غضب منها، وآصف أكيد ندمان، والدليل أن حضرتك بتقول إنه رفض يطلقها... وساب المستشفى ومشى عشان ميتهورش."
نظر طاهر لهويدا باندهاش قائلاً:
"أنا مع قرار تيتا، سهيله لازم تطلق من آصف وإن كان على كلام الناس يغور في داهية. أنا مكنتش موافق عالجوازه من الأول، بس لما هي وافقت قولت يمكن أكون غلطان وهي شايفة حقيقة أنا مش شايفها. آصف كان كل غرضه ينتقم منها بعد ما المحكمة برأتها."
ربتت آسميه على كتف طاهر ببسمة مغصوصة قائلة:
"أنا من أول مرة شفت آصف ده قلبي مرتحش له، وبقول كفاية كده. وإن كنت خايف من كلام الناس الفاضي أخد سهيله معايا ونروح نعيش سوا في الشقة بتاع ابني اللي في عمارة الجزيرة وأهي تكون بعيدة عن كلام الناس الفاضية اللي هنا، يمكن بعدها عن هنا يشفيها وترجع تقف على رجليها من تاني، كمان تنسي اللي جرالها."
نظر أيمن لهويدا رأى بعينيها رفض لطلاق سهيله. غص قلبه كم أراد أن تكون هويدا هي الداعم لسهيله لأي قرار تتخذه، لكن خاب أمله. نظر لآسميه وطاهر وتبسم بهم بعضه مريرة وأومأ برأسه موافقًا على حديثهم، فملام وكلام الناس لن ينتهي، ومن يسمع له بالنهاية قد يكون خاسرًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالمشفى
تحسرت سحر المرافقة لسهيله بالمشفى، على حالتها وهي غافية ممددة أمامها هكذا جسد ساكن للفراش بلا حركة. لو ظلت تنظر لها سيلعب بعقلها الشيطان. حسمت أمرها ونهضت توجهت إلى الشباك الخاص بالغرفة وأزاحت تلك الستارة تنظر إلى الخارج. نظرت نحو السماء شبه معتمة اختفت منها النجوم، خلف سحب تتحرك قد تمطر بأي وقت. تنهدت وكادت تترك الستارة، لكن لاحظت ذلك الجالس فوق أريكة رخامية أسفل إحدى أشجار حديقة المشفى، يضع السيجارة في فمه.
استهزأت به وشعرت أنها تود له السوء كما فعل بابنتها. أذاها بأسوأ طريقة والآن يجلس بمكان قريب منها بعد أن طلبت منه أن يبتعد عنها كذلك الطلاق. رغم أن قلبها لم يشفق عليه، لكن هي مثل ابنتها أصبحت تريد أن يبتعد عنها نهائياً.
حسمت أمرها، وتركت الستارة. نظرت نحو الفراش كانت سهيله غافية. خرجت من الغرفة بهدوء، وذهبت إلى مكان جلوس آصف. شعرت بلفحة هواء باردة، زمّت شالها الثقيل على كتفيها. نظرت له باستهجان قائلة:
"ولما انت بتحبها أوي كده ليه أذيتها بالشكل القاسي ده؟ كان فين قلبك لما كملت في ظلمها."
ألقى عقب السيجارة ونهض واقفًا يحني رأسه صامتًا. سخرت منه سحر قائلة:
"كفاية يا آصف ابعد عنها، سيبها تحاول تسترد حياتها من تاني. انت كنت أقسى جلاد لها، سيبها ترمم حياتها بعد ما خاب أملها إنك تكون الحامي لها."
رفع آصف عينيه ونظر إلى سحر التي سخرت من احمرار عينيه. من يراهما يصدق أنه عاشق سهد النوم وسالت دموعه على حبيبته حسرة فقدانها. لكن بالحقيقة هو كان جلادًا وسفك قلب من عشقته وواجهت من أجله وأصرت على الارتباط به أملًا أن تحكي له الحقيقة التي أخفتها، ويصدقها ويغفر لها كذبة كانت تجميلاً لحقيقة قاسية ومخزية.
بصعوبة استطاع آصف الرد على سحر:
"أنا بعترف إني كنت قاسي فعلاً واتحكم فيا الغضب والانتقام، بس مستحيل هبعد عن سهيله، حتى لو انفصلنا زي ما هي عايزة أنا مستحيل اسمح إنها تنتهي من حياتي."
قال آصف هذا وتوجه نحو سيارته المصفوفة بفناء المشفى، صعد بها وخرج من باب الخروج من المشفى.
تنهدت سحر بآسف. لو بيدها، لقطعت جسد آصف، أو صفعته آلاف الصفعات حتى يدمي جسده. بعد لحظات شعرت بالبرد قررت العودة للغرفة، ربما تصحوا سهيله وتحتاج لها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسرعة غير اعتيادية كان آصف يقود السيارة بلا هوادة، يشعر بحرارة تحرق جسده، ربما منبعه قلبه الذي يحترق أو بالأصح ينزف بغزارة وقسوة ما علمه اليوم.
بعد قليل دلف إلى السرايا، توجه مباشرة إلى غرفة والداه. طرق على باب الغرفة وانتظر حتى فتح له أسعد باب الغرفة ونظر إلى حالته المشته. سألًا:
"آصف مالك، إيه اللي مصحيك لغاية دلوقتي؟"
دلف آصف إلى الغرفة وسأل بتسرع:
"إنت بعت سم لـ سهيله وهي في السجن؟"
صمت أسعد للحظة ثم قال بدفاع:
"بتخرف تقول إيه؟ أكيد البت دي كدابة و...."
صدمة آصف قبل أن يكمل ادعاء على سهيله:
"سامر كان شاذ."
ملامح وجه أسعد كانت رد فعلها غير متفاجئ، لكن ادعى الكذب قائلاً بزم:
"واضح إنك بتخرف آخر الليل. بقالك كام يوم منمتش وده مأثر على عقلك."
ترك آصف النظر لـ أسعد ونظر نحو شكران التي تبكي بصمت، ثم عاود النظر لـ أسعد قائلاً بيقين:
"كنت عارف إنه محتاج لعلاج نفسي، كنت بتستهزأ بيه قدامنا. لو سامر وصل للمرحلة دي من السفالة يبقى انت السبب، والمفروض انت اللي كنت تتعاقب على جريمة قتله."
صفعة قوية على وجه آصف كانت رد أسعد، قبل أن يقول باستهزاء:
"سحبت عقلك إزاي قدرت تصدقها بعد الإفترا وبعد الكذب ده كله، على أخوك؟ قبل كده قالت إنه حاول يعتدي عليها ودلوقتي جاي تقولي إن أخوك كان شاذ؟ إيه فين عقلك؟ حكمة شوية. التضاد في أقوالها واضح، هي بتلعب بقلبك. كان لازم أرفض إنك ترتبط بها وتشرفها باسم عيلة شعيب اللي ما كنتش تحلم بس تشتغل خدامة."
نظر له آصف قائلاً:
"سهيله كانت أنضف شيء في حياتي وللأسف خسرته وغبائي وغروري كانوا السبب. سهيله طالبة الطلاق وقبل ما تكمل وتقول هي طماعة وعارفة المؤخر وقيمة قايمة العفش هقولك إنها اتنزلت عنهم بكل بساطة. أنا خسرت أهم وأغلى إنسانة في حياتي، والسبب هو إني ابن أسعد شعيب اللي للأسف معندوش قلب، عنده عقل يمشي ورا هفواته."
ترك آصف الغرفة سريعًا، بينما جلست شكران فوق طرف الفراش تبكي بحرقة. قلبها ممزق بين فقدان سامر المرير، وفقدان آصف لاستقرار حياته وشعوره بالهزيمة في أهم قضية بحياته. حكم خطأ وعليه تحمل عواقب حكمه القاسية فراقه عن معشوقة قلبه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور عدة أيام
بـ شقة خاصة بـ بحيرة البرلس.
تبسمت آسميه وهي تضع تلك الصينية الصغيرة أمام مقعد سهيله، ثم توجهت إلى شرفة تلك الغرفة وقامت بإزاحة تلك الستائر تفتح للضوء السماح لدخول الغرفة، ثم نظرت إلى سهيله قائلة:
"الشمس النهاردة ساطعة والجو دفا شوية عن الأيام اللي فاتت. خلي نور ربنا يدخل للشقة، حتى نوفر شوية في الكهربا غليت."
تبسمت سهيله بغصة قوية في قلبها قائلة:
"فعلاً لازم نوفر شوية في الكهربا، الدفاية بتسحب كهربا كتير."
تبسمت آسميه وتوجهت إلى ذالك المقعد المتحرك التي تجلس عليه سهيله وقامت بتعديل ذالك الدثار حولها قائلة:
"إيه رأيك دوقي الكيكة اللي أنا عملتها لك مخصوص بالمشمش زي ما بتحبيها. كمان زينتها بالشيكولاتة، عاوزاكِ تخلصيها قبل ما طاهر ورحيم يجوا لو شافوها."
تبسمت سهيله قائلة:
"ماليش نفس، وبعدين بابا اتأخر النهارده ليه."
جذبت آسمية طبق الكيك وقالت بتصميم:
"أنا هاكلك بإيدي، ويمكن أيمن اتأخر ملهاش مركب تجيبه من الشط التاني لهنا."
تبسمت سهيله وهي تعلم أن آسميه لا تود أن تجعلها تشعر بأنها عبء عليها، وهي تحتاج لمن يساعدها حتى بإطعامها.
ـــــــــــ
بمكتب المأذون
غصبًا أمام إصرار سهيلة على الطلاق، امتثل آصف لها غرضها. وضع إمضاؤه على تلك القسيمة التي يعلم أنها لن تفرق بينه وبين سهيله، هي وضع مؤقت فقط. خرج من مكتب المأذون وقام بالاتصال على أيمن وأخبره أنه فعل مثلما أرادت سهيله وأنه سيحول لها مستحقاتها لديه بحوالة خاصة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد أيام
لم تهتم سهيله بقراءة قسيمة الطلاق، فقط أرادت أن تضع نهاية لـ آصف بحياتها وعليها الآن البدء من جديد واستعادة حركة جسدها بأقرب وقت.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور شهر
انبالمحكمة المنتدب بها آصف، كان أمام حكم مصيري بإحدى القضايا الموكلة إليه. كان عليه النطق بالحكم فيها، وقد كان النطق بالحكم: "بناءً على ما وصل إلى المحكمة من تحريات وحيثيات تخص القضية قررت هيئة المحكمة رفض الطعن المقدم من المدعية بالحق المدني في القضية، وتأيد الحكم السابق في القضية الخاصة باتهامها للمدعي عليه بالاعتداء عليها بعد ثبوت وثيقة زواج عرفي بين الطرفين."
هنالك من هلل بالحكم العادل في وجهة نظره حتى لو كان يعلم أنه كاذب ومخادع. وهنالك الطرف الآخر الذي خسر آخر فرصة له لنيل حقه بالقانون واسترداد شرفها الذي اغتصب منها بالتدليس وخداع القانون. لم يبق أمامها أي طريق لنيل حقها التي ظنت أن القانون سينصفها ويجعل من مغتصب عبرة، لكن القانون أنصف المغتصب بعد أن قدم له وثيقة زواج عرفي مفبركة جيدًا. نظرت نحو والداها الذي أوطى رأسه خزيًا من ذلك القرار الهادم لحياة ابنته، وكرامتها التي سلبت رغم أنه ليس فقيرًا بل ذو شأن. والمتهم ما هو إلا متسلق كان يود أن يتزوج بابنته طمعًا، وحين لم ينال سوى الرفض، تمكن منه شيطانه أن يجعلهم غصبًا يوافقون عليه بعد اغتصابها، بحجة أنه يحبها. اليوم نال ما أراد بلعبة محامي محنك تحايل على القانون. لكن لا هكذا هي قررت.
بعد قليل، بعد انتهاء القضية شعر بضيق خرج إلى فناء المحكمة كي يتنفس سيجارة بالهواء الطلق يخرج فيها ضيقه. توقف على أحد سلالم المحكمة يشعل سيجارة. بنفس الوقت كان ذلك المغتصب الذي يشعر بنصر يخرج من مبنى المحكمة بيده أصفاد كي يذهب لإنهاء بعد الإجراءات الخاصة ببرائته. بنفس الوقت كانت تلك الفتاة التي سلبت حياتها بالقانون تقف مع والداها الذي يشعر بهزيمة ساحقة يتلاعب بعقله الندم ليته كان وافق على ذلك المجرم وزوجها له وتجنب فضائح المحكمة. لكن فات الأوان الآن حياة وكرامة ابنته بيد مغتصب.
وقع بصر تلك الفتاة على ذلك العسكري الواقف قريب منها ضمن الحرس الخاص بالمحكمة. لم تفكر كثيرًا ذهبت نحو العسكري وسحبت سلاحه وبلحظة كانت طلقات تخرج من فوهة السلاح نحو المغتصب الذي كان ينظر لها بزهوًا وانتصار. ها هو يتردى مدرجًا بدماؤه القذرة، وتلك الفتاة تقف أمامه وتنظر إلى آصف قائلة:
"لما المحكمة تفشل في تحقيق العدل، وعينيها تعمي بسبب شوية تدليس أدلة كدابة، وقتها هيسود قانون الغابة وكل واحد ياخد حقه بإيده... يا سيادة القاضي."
ظن أحد العساكر أن تلك الفتاة كانت ستقتنص القاضي أيضاً. لم يفكر ولم يسمع لرجاء آصف أن لا يتسرع، لكن نفذ الأمر ورصاصة أصابت الفتاة بمقتل، ليخرج من المحكمة جثتان، إحداهما أرادت إنصاف العدالة لها ونيل حقها، لكن خذلتها العدالة. وآخر مدنس حقير كان يستحق الإعدام لكن الأدلة كانت منصفة له.
لحظات فارقة تصنع فجوة في عقل آصف. عدالة مغمضة العين تحكم بناءً على أدلة سهل التحايل عليها، بل ليس فقط تحايل بل تضليلها. قارن عقله بين هذه القضية وقضية سهيله السابقة. الاثنتين خذلتهن الأدلة الغير وافية لنيلهن حقهن، وهو كان القاضي بالاثنين. ونفس الخطأ كرره. بعد أن رأى الحقيقة من اتجاه واحد، تيقن عقله أن العدالة معصبة العين ليس لكي لا ترفق بأحد الخصوم، بل هي معصبة العين ولا ترى الحقيقة أساسًا، فقط مجرد رمز سهل خداعه.
بلحظة اتخذ القرار. عاود إلى غرفته بالمحكمة وجلس خلف مكتبه سحب إحدى الأوراق الخالية وقلم وقام بالتوقيع على ثاني أسوأ قرار بحياته كلها بعد توقيعه على طلاقه من سهيله. هذا التوقيع كان قاسيًا أيضاً. ترك القلم ونهض واقفًا رفع يديه على كتفيه يخلع عنه رداء القاضي، يشعر كأنه يسلخ جلد جسده، يشعر بوجع قاسي مع خلعه لذالك الرداء الذي ارتدى يومًا وأقسم على تحقيق العدالة، لكن هو أخلف ذلك القسم، ولم يحقق العدالة، بل استنفذ العدالة بأدلة واهية ومخادعة.
ــــــــــــــــــــ
بعد مرور شهر تقريبًا
بـ بخيرة البرلس
المكان الذي كان يضم أحلام آصف وهنا على رمال هذه البحيرة قبل أشهر رسمنا قلب وبه سهم ونقشنا اسمينا بداخله. كانت أمنياتنا هو إن يضمنا سويًا مكان واحد صغير مثل هذا القلب الذي يضم اسمينا اللذان اجتمعا سويًا بين أضلع هذا القلب. لكن كان الموج عالٍ وهائج، سحب رمال الشاطئ ومحى معها قلبنا. سحبتنا نحو عاصفة هوجاء عصفت بنا. لا أنكر إنني المخطئ بكل هذا حبيبتي أنا من سلمت عقلي لقصاص خاطئ. اليوم أراكِ تجلسين على هذا الشاطئ وأنا قريب منك لكن لا أستطيع الاقتراب. أعلم أنكِ أصبحتِ تخشين اقترابي. لكن أتعلمين إني منذ تلك الليلة الشنعاء فقدت روحي معك. كانت الحقيقة قاسية ذبحتيني مثلما ذبحتك. أتنفس مثلك لكن لا أشعر بالحياة. أيام وأشهر تمر يزداد طعم مر الندم بحلقي. أنا لستُ بلا قلب كما تظنين لكن قلبي ضل بلحظة وانجرفت وأخذتك معي نحو بركان ثائر أحرقت به روحينا.
شعرت ببعض البرد يغزو جسدها. اتكأت على تلك العصا الطبية ونهضت واقفة للحظات انحنت قليلاً تنفض آثار تلك الرمال عن ثوبها ثم ارتكازت على العصا واستدارت.
وبدأت بالسير بضع خطوات قبل أن يداعب قرص شمس الربيع عينيها. بتلقائية رفعت يدها فوق جبينها تحمي عينيها من أشعة الشمس لكن تسمرت مكانها بلحظة اقشعر جسدها كأن خلايا جسدها تصنمت والتصقت قدماها بمكانها. تتلفت حولها على الشاطئ الخالي تبحث بعينيها عن أي شخص موجود على الشاطئ ربما تستغيث به. لكن الشاطئ خالي من أي مارة فقط هي وهو. هواء الشاطئ الربيعي الذي يداعب خصلات شعره، يجعله بنظرها مثل الأشعث المخيف. ازدادت القشعريرة بقلبها إلى هلع. رغم أنها تراه يقف بعيدًا لا يقترب منها لكن مجرد وجودهما وحدهما بمكان واحد بالنسبة لها مثل الوقوف على فوهة بركان.
أنقذها من ذلك الخوف صوت نداء آسميه التي استغابت عودة سهيله إلى الشقة وخشيت أن يكون أصابها مكروه. وها هو المكروه واقف على بعد أمتار منها. اقتربت بهرولة رغم سنها، احتوت سهيله بين يديها وطمأنتها أن لا تخاف، وحثتها على السير معها بعيدًا عن هنا تستكمل طريقها دون النظر خلفها، حتى أصبحت تبعد بينهم الرؤية. رغم أنهم على شاطئ واحد لكن ابتعدت المسافات. كل منهم أصبح بطريق عكس الآخر والشاطئ انقسم بينهم وبين أحلامهم وآمالهم السابقة تدمرت.
رواية عشق مهدور الفصل السادس عشر 16 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور خمس سنوات.
في شقة خاصة بمنطقة سكنية راقية بالقاهرة.
بغرفة خاصة مجهزة بأحدث الأجهزة الرياضية، تشبه جيم صغير.
انتهى للتو من تمرين قاسٍ، ثم توجه إلى كيس الرمل المعلق وبدأ بلكمه بعنفوان.
توقف فجأة عن اللكم حين أمسك آيسر كيس الرمل قائلاً:
إرحم نفسك شوية، إيه أنت بتقاتل؟ هتروح فين بعد كده؟ مش شايف جسمك كل مدى بيتضخم. إرحم يا عم الناس اللي صحتها على قدها زيي.
صباح الخير.
توقف يضحك بلهث قائلاً:
صباح النور، اصطبحت تقر على الصبح، بدل ما تقر اتمرن لك ساعة.
الساعة مش هتأثر على النحنحة بتاعتك.
أيه اللي مصحيك بدري كده؟ مش راجع الدوبلكس امبارح الفجر؟ كنت فين آخر رحلة؟
تنهد آيسر قائلاً:
كنت في فيينا.
تهكم آصف قائلاً:
ليالي الأنس في فيينا.
قطع تهكم آصف رنين هاتف آيسر الذي نظر للشاشة، ثم رفع الهاتف في وجه آصف قائلاً:
أهي القلق دي اللي صحّتني من النوم.
تبسم آصف قائلاً:
"شيرويت" بنت الليدي شهيرة، عايزة إيه منك انت كمان.
نظر له آيسر سائلاً:
ليه هي طلبت منك إيه؟
تهكم آصف قائلاً:
واسطة عند الدكاترة في الجامعة، غاوية تدرس حقوق، نفسها تبقى "قاضية" وعايزة واسطة مني مش من الدكاترة. دول كانوا زمايلي حتى في منهم كانوا دكاترة عليا، وهي أساساً مش بتفهم في حاجة غير صيحات الموضة والمكياج، معرفش مين اللي مدخل دماغها العبط إنها تبقى قاضية، زي القاضيات اللي ظهروا مؤخراً عالساحة، غاوية شهرة من الآخر. وأنا مش بحب أتحرج وأكسب جمايل من حد عالفاضي ولشخص معندوش طموح، مجرد زهوة في عينيه، أو تقليد أعمى، عايزة تظهر إنها متمردة. عكس يارا، أهي يارا خلصت دراسة الحاسبات والمعلومات وبدأت تشتغل في مركز المعلومات، صحيح طبعاً بوصاية خاصة من سيادة النايب "أسعد شعيب" بس بتحاول تثبت استحقاقها وجدارتها، بتحاول تعتمد على نفسها. لكن شيرويت لأ، النسخة التانية متسلقة زي مامتها، ولاقية تشجيع من سيادة النايب طبعاً بيحب المناصب القيادية، ومش هيلاقي أفضل من بنت شهيرة.
تبسم آيسر قائلاً:
شهيرة بقى عندها براند خاص بها في الموضة.
تهكم آصف قائلاً:
بس شيرويت كانت عايزة إيه منك؟
رد آيسر:
شوية برفانات ومساحيق تجميل ماركات فرنسية. وجبتهم لها تجنبًا لزنها الكتير، قبل رحلة فيينا كنت في باريس وصديقة اشتريتهم لها، وطبعاً بتتصل عشانهم. هي مش بتتصل غير عشان مصلحتها.
ضحك آصف قائلاً بتأكيد:
مش قلتلك نسخة تانية من شهيرة وضيف عليها خباثة سيادة النائب.
غص قلب آيسر من عدم نطق آصف باسم والدهم بلقب "بابا" كما كان في الماضي قبل سنوات. حاول وأد هذا الجفاء بينهم، لكن آصف ما زال جريحاً ولم يلتئم جرح قلبه رغم مرور أكثر من خمس سنوات.
تبسم الاثنان حين سمعا قول شكران التي دلفت إلى الغرفة تبتسم لهما بحنان:
صباح الخير يا شباب، مش كفايه رياضة عالصبح ويلا صفوانة حضرت الفطور.
فك آصف تلك القفازات التي كانت حول يديه، وضعهم جانباً واقترب من شكران وانحنى يقبل يدها قائلاً:
أوامر ست الكل تتنفذ فوراً، بس معلومة أنا بس اللي كنت بتمرن، إنما النحنوج ده كان واقف يقر عليا.
تبسمت شكران حين انحنى آيسر يقبل يدها الأخرى قائلاً بمزح:
أنا رقيق، ماليش في العنف زي آصف، مش شايفه فرق الأحجام.
تبسمت له شكران وربتت على كتفه قائلة:
بلاش قر على أخوك، ويلا تعالوا نفطر سوا. وبعدين انت راجع الفجر، توقعت تكون نايم.
تنهد آيسر قائلاً:
والله كنت في أحلاها نومة وبحلم بموزة رقيقة كده شبه الحاجة شكران تهتم بيا.
ضحكت له قائلة:
إن شاء الله تقابل بنت قريب تخليك تتوب.
ضحك آيسر قائلاً:
عندي رحلة آخر الأسبوع لألمانيا، والبلد دي بالذات ملهاش في الرومانسية خالص. هشوف بقية الجدول، يمكن الرحلة اللي بعدها تبقى شرم الشيخ ولا دهب، وهناك بقى الروسيات مقولكيش يا ماما حاجة كده آخر دلع. هبقى آخدك معايا تغيري جو هناك، الجو دفا عن هنا والرملة فيها شفا. ونسيب آصف هنا لوحده مع أجهزته الرياضية والسيجار اللي شبه العسلية.
تبسمت شكران قائلة:
والله بدعي ربنا يتوب عليه من السيجار والسجاير، بس دول كيف عنده.
تبسم آصف قائلاً:
والله بحاول أقلع عنهم، وأهو خففت شوية.
تنهدت شكران بأسف قائلة بنصح:
لازم تمنعها نهائي مش تخفف. حرقها، بترجع تتغوى تاني، لكن لو قطعتها نهائي مش هترجع لها تاني.
تبسم آصف قائلاً:
هحاول عشان خاطرك.
تبسمت شكران بأمل قائلة:
عشان صحتك يا حبيبي. يلا خلونا نفطر سوا.
شعرت شكران بسعادة وهي تسير بالمنتصف بين آصف وآيسر. رغم أنه ما زال صدع بقلبها بفراق سامر، لكن لم تندم للحظة واحدة أنها اختارت آصف، وقفت بجواره بأشد لحظات كان فيها تائهاً وجريحاً. رغم أن لديها يقين أنه ما زال يئن قلبه بألم لم يلتئم دواؤه صعب الحصول عليه.
بعد قليل.
صعد آصف إلى تلك السيارة الفخمة. نظر له السائق سائلاً:
هنروح المحكمة الأول يا باشا.
رد آصف:
لأ، هنروح المقر الجديد. ميعاد الجلسة لسه عليه ساعتين ونص، عايز أشوف إيه آخر تجهيزات المقر قبل ما نتنقل له من الليلة إن شاء الله.
تبسم له السائق. توقف بعد دقائق أمام مبنى فخم ذو واجهة زجاجية مكون من ثلاث طوابق. ترجل آصف من السيارة، استقبله أحد العاملين بالمقر وأخذ تلك الحقيبة الخاصة به منه وسار لجواره وهو يدلف إلى داخل المبنى، يحصد احترام وإعجاب العاملين بذلك المقر، بهذه المنطقة الراقية. دلف إلى غرفة كبيرة بها أثاث راقٍ بل وثير يجمع اللونين الأبيض والرمادي. جلس خلف المكتب، فتح تلك الحقيبة التي وضعها العامل فوق المكتب. أخرج منها بعض الملفات، كذلك حاسوبه الشخصي. قام بفتحه، نظر إلى تلك الملفات المحولة له عبر الإيميل، كذلك بعض التعاملات البنكية الخاصة ببعض موكليه. جلس حوالي ساعة ونصف يتابع العمل ثم نهض مغادراً المقر، ذاهباً إلى إحدى المحاكم.
وصل بعد وقت إلى وجهته. ترجل من السيارة، اقترب منه أحد مساعديه قائلاً:
الجلسة اتأجلت نص ساعة يا باشا، بسبب القاضي اتأخر في الوصول بسبب سوء الطقس.
تهكم آصف قائلاً:
يوصل بالسلامة، إن شاء الله النهاردة ننتهي من القضية دي.
بعد قليل.
كانت مرافعة من محامي محنك في اللعب بأوراق القانون، تلاعب بأدلة واهية جعلها صادقة، بدل القضية من قضية رشوة مؤكدة من أحد كبار رجال الأعمال إلى موظف بالدولة، إلى قضية ملفقة له من أجل تصفية حسابات قديمة، ليحصل بعد ذلك على قراراً من المحكمة بإخلاء سبيل المتهم وحفظ القضية. قضية ذاع صيتها إعلامياً بسبب صيت رجل الأعمال الطاغي، الذي ارتفعت أسهمه بعد هذه البراءة المدلسة.
***
بمنزل أيمن.
قبل وقت قليل.
فتحت سهيلة عينيها بعد أن شعرت بيد صغيرة تربت على وجهها بخفة، كذلك بعض القبلات على وجهها. تبسمت وهي ترفع ذلك الصغير ذو العامين عن الأرض وتضمه لصدرها وهي ما زالت مسطحة فوق الفراش مبتسمة وقامت بتقبيله بمحبة قائلة:
صباح الخير حسام.
حضنها الصغير وقبل وجنتيها بنفس الوقت. صدح رنين هاتف سهيلة. اعتدلت سهيلة جالسة على الفراش وجذبت الهاتف من فوق تلك الطاولة وتبسمت قائلة:
ده خالو طاهر، هلل الصغير بيديه. تبسمت سهيلة قائلة: خلينا نكلمه عشان تقول له على تيتا سحر اللي انت هربان منها عشان متأكلش.
أومأ الصغير برأسه يود إخبار طاهر أن سحر تصب عليه الطعام دون إرادته. قامت سهيلة بالرد ضاحكة:
صباح الخير يا طاهر، بتتصل قبل ما تنزل شغلك؟ خد كلم حسام عايز يشتكي لك من ماما.
ضحك طاهر قائلاً:
هو هربان ولا إيه؟ وبعدين مش عارف والله دماغ هويدا إزاي متحملة بعد ابنها عنها معظم الوقت عند ماما.
ردت سهيلة بتفسير:
ناسي إن هويدا موظفة، وابنها محتاج اللي يرعاه وحماتها متقدرش تهتم بيه. كمان كان عندها جرد امبارح واكيد كانت هلكانة وسابته مع ماما تهتم بيه.
تهكم طاهر قائلاً:
والله بستغرب هويدا دي بقت أم إزاي، وهي مش متحملة مسؤولية ابنها.
تبسمت سهيلة قائلة:
أساساً حسام متربي على إيد ماما من صغره، بحب ماما عن هويدا، وأهو بيسلي ماما. انت عارف من يوم ما رحيم دخل كلية الشرطة وهو مش بنشوفه غير في الإجازات، وأنا بروح المستشفى وبعدها العيادة ومعظم الوقت بره البيت. حتى بابا من يوم ما طلع معاش بقى يقضي وقته هنا معاهم، حسام بيسليهم.
تنهد طاهر بأسف قائلاً:
والله حسام خسارة في هويدا، ربنا يهديها. قوليلي أخبار رحيم إيه؟ لما بتصل عليه قليل لما بيرد عليا.
ضحكت سهيلة قائلة:
رحيم من يوم ما دخل كلية الشرطة وهو مقضيها عقوبات في الإجازات، بس الفترة دي مشارك بطولة كاراتيه في الكلية وبيقولي ادعيلي أكسب الحلوف اللي هلاعبه في الماتش النهائي.
ضحك طاهر قائلاً:
ربنا معاه. أكيد بيتعاقب عشان شقاوته، كان مفكر إن كلية الشرطة سايباه، أو هيفوتوا له زي بابا وماما. متأكد أنه يستاهل العقاب.
ضحكت سهيلة قائلة:
فعلاً يستاهل. على رأي هويدا ده مش رحيم ده جحيم. بس سيبك من سيرة رحيم، قولي هتنزل إجازة في نفس ميعاد السنة اللي فاتت ولا إيه؟
رد طاهر:
أيوه هنزل إجازة في نفس ميعاد أجازتي السنوية، يعني بعد تلات شهور. مش عايزة حاجة أجبهالك من هنا من "الإمارات".
تبسمت سهيلة قائلة بمزح:
هاتيلي معاه برج خليفة.
ضحك طاهر قائلاً:
عينيا، هجيبلك ميدالية على شكل برج خليفة.
ضحكت سهيلة قائلة:
كتر خيرك. يلا بقى شقتك تقريباً خلاص خلصت تشطيبات. قول لماما تدور لك على عروسة. حظك خالك معندوش بنات. وكمان مكنش لك غير عمة واحدة واتوفت صغيرة قبل ما تخلف، كانوا سهلوا عليك. ولا أقولك قول لتيتا اسمية تدور لك، هي تعرف كل بنات البلد.
غص قلب طاهر للحظة وتذكر بآخر له إجازة قضاها بالبلدة، رأى يارا صدفة من بعيد، اهتز قلبه وقتها. لكن ربما هذا أفضل أن يتجنب فرصة معدومة له معها. بالنهاية هي ابنة المتعالي "أسعد شعيب"، وقبل ذلك شقيقة "آصف" الذي دمر قلب شقيقته بلحظة كبر وغرور وانتقام. لولا إصرارها ما كانت استطاعت تحدي ضعفها وعاودت لحياتها ولم تستسلم لهزيمة قلبها. لا يود أن يخوض تجربة نهايتها الفشل مؤكد. والسبب ليس فقط فرق الطبقات الاجتماعية، بل الاستسلام لرأي القدر الذي فرقهما من البداية.
***
مساءً.
بـ فيلا شهيرة.
انتهى أسعد من هندمة ثيابه، ثم خرج من الغرفة تقابل مع شهيرة التي للتو عادت. تبسمت له بإعجاب قائلة:
إنت خارج؟
رد ببساطة:
أيوه معزوم عشا مع صديق ليا.
حاوطت شهيرة يديها حول عنقه بدلال قائلة:
هتتأخر.
وضع أسعد يديه حول خصر شهيرة قائلاً:
مش عارف حسب الوقت، ده عشا عمل.
بدلال زمت شهيرة شفتيها قائلة:
حاول متتأخرش عشان أنا هستناك.
تبسم لها قائلاً:
هحاول. ممكن بقى أمشي عشان متأخرش.
تبسمت له بدلال وقبلته قبلة خاطفة ثم سحبت يديها من حول عنقه قائلة:
هستناك يا حبيبي.
أومأ أسعد ببسمة وهو يغادر من أمامها. تتبعته بعينيها إلى أن غادر الفيلا. زفرت نفسها تشعر براحة ظناً أنها سيطرت على أسعد بعد تخلي شكران عنه واختيارها جانب آصف. رغم أنها على يقين أن أسعد ما زال مهتماً بمعرفة أحوال آصف، لكن جفاء آصف في مصلحتها.
بينما صعد أسعد إلى سيارته الخاصة، صدح رنين هاتفه. أخرجه وتبسم وقام بالرد:
تمام، لأ أقل من نص ساعة هكون في المطعم.
أنهى أسعد المكالمة، لكن لفت نظره ذلك الإشعار الذي أتى لهاتفه من أحد المواقع الإلكترونية الإخبارية. فتح الإشعار يقرأ الخبر. شعر بانشراح وهو يقرأ هذا الخبر الذي يمدح بذكاء ذلك المحامي الشاب وكيفية مرافعته التي بدلت القضية وكسبها موكله. تبسم يشعر بزهو. آصف أخلف توقعه وتحداه وفاز بالتحدي. أصبح من أشهر وصفوة المحامين بالبلد. اسمه يتصدر أشهر وأمهر المحامين.
غص قلبه وهو يتذكر ذلك اليوم الذي توقف فيه أمام آصف.
[بالعودة للزمن قبل خمس أعوام]
أغلق أسعد الهاتف متعصباً بعد أن وصل له خبر تقديم آصف لاستقالته من القضاء. نهض من خلف مكتبه، وخرج يسأل إحدى الخادمات عن مكان آصف. أخبرته أنه بالغرفة الرياضية. ذهب لها يشعر بغضب ساحق. دلف إلى تلك الغرفة رأى آصف يتمرن على إحدى الآلات. بغضب.
أوقف تلك الآلة باستهزاء واندفع بالحديث سائلاً:
الكلام اللي وصلني ده صحيح؟
رغم أنه لديه يقين أنه وصل له خبر استقالته من القضاء، لكن أجابه ببرود:
أي كلام، انت بيوصلك كلام كتير.
تنرفز أسعد قائلاً:
انت قدمت استقالتك من القضاء.
بنفس البرود أجابه بإيجاز:
أيوه.
غضب أسعد قائلاً:
وإزاي تعمل كده؟ أكيد عقلك اتجنن خلاص.
نظر له آصف قائلاً:
أعتقد استقالتي من القضاء مضرتكش في حاجة.
نظر له أسعد بغضب قائلاً:
انت بتتكلم ببرود كأنك معملتش حاجة غلط. على العموم إحنا لسه فيها، اسحب الاستقالة اللي قدمتها فوراً.
رد آصف بعناد:
لأ مش هسحب الاستقالة. دي حاجة خاصة بيا، وأنا مبقتش عايز أبقى قاضي في المحكمة، زهقت من التنقلات الكتير كل سنة في محكمة بمكان مختلف.
استهزأ أسعد قائلاً:
ولما تستقيل من القضاء هتستقر في مكان واحد؟ وهتستقر مع مين؟ مش معقول حتة بت ملهاش قيمة تخليك تتخلى عن منصبك، ومستقبلك بالقضاء.
فهم آصف فحوى حديث أسعد ورد بهدوء:
خلاص الموضوع انتهى. أنا قدمت الاستقالة ومش هتراجع فيها.
جذب أسعد عضد آصف باستهجان قائلاً بحِدة وأمر:
لأ، هتتراجع وهتسحب الاستقالة، وترجع لمنصبك كـ قاضي. كمان تنسى البت اللي سحبت عقلك. هو مفيش غيرها في الكون؟ المفروض كانت حمدت ربنا إنك قبلت ترتبط بيها. ده كان شرف كبير ليها، إنها تبقى زوجة آصف أسعد شعيب، بدل ما كانت تتمرد وتطلب الطلاق. بس هقول إيه؟ يحق لها تتمرد وهي شيفاك زي الدلدول ليها. طبعاً بتضغط عليك عشان تلهث وراها. إيه يعني جوازه وفشلت؟ انت الراجل مش هي. في ألف بنت تتمنى بس إشارة منك. واللي مش عاجبها تغور وغيرها تتمناك.
نظر آصف له بغضب قائلاً:
أنا مش زيك يا أسعد باشا ببدل في النسوان، وقلبي يسع اتنين، ومفكر نفسك قادر ترضي الاتنين وانت ظالم الاتنين. كل واحدة راضية تعيش معاك لهدف في دماغها. إن كان أمي رضيت عشان خاطرنا، والليدي شهيرة طبعاً معندهاش مانع طالما بتوصل للي هي عايزاه منك مش أكتر من بنك ممول لطموحاتها. انت شخص خالي المشاعر، عايش لهواه وجاهه قدام الناس إنه مقتدر على جوازه من اتنين بغض النظر عن مشاعر الاتنين دول إيه. فكرت في قلب واحدة منهم وهي بتفكر فيك في حضن التانية، وهي محتاجة لحضنك يطمنها.
بنفس اللحظة دلفت شكران إلى الغرفة، وسمعت حديث آصف مع أسعد. تذكرت تلك الليلة التي أخبرها أنه سيتزوج بأخرى. كان بالصدفة آصف بإجازته الأسبوعية من مدرسته العسكرية كان بعمر الثانية عشر وقتها سمع أخبار أسعد لها بزواجه بأخرى. فكر عقلها وقتها لو رفضت ربما يتجبر عليها ويسلب منها أبنائها. وافقت مرغمة بعدها. بكت بدموع تسفك قلبها التي بدلت مشاعره من زوجة إلى أم فقط لأبنائها. من أجلهم تحملت أن تشعر بهذا النقصان، أنها زوجة ثانية وأصبح هناك أخرى ثالثة، وعليها أن ترضخ لذلك طواعية منها. تحملت كثيراً كان هدفها أبنائها فقط. لم تفكر في كرامتها المذبوحة على يد زوج يظن أن الزواج فقط قدرة مالية وجسدية، نسى "الود والرحمة" ومعهم التفاهم والتآلف وجبر الخاطر. انسكبت الدموع من عينيها وهي تسمع رد أسعد الجاحد الذي لم يكبت غضبه وكاد يصفع آصف لولا يدها هي التي منعته. نظر له بسحق، وأخفض يده جواره قائلاً بتعسف:
حتة بت مجرمة متستواش قدرت تهزمك. ليه مفكرتش إنها كدابة؟ مرة تقول إن أخوك حاول يعتدي عليها، والمرة التانية تضحك على عقلك بكلام فارغ وتوصم أخوك، وفي الآخر تروح تطلقها بكل سهولة.
تعصب آصف قائلاً:
بلاش تحشر سهيلة في الموضوع. مش سهيلة هي السبب. كفاية أنا غلطت في حقها أذيتها وصلت للموت بسببِ. مصلحتها إيه تكذب؟ متأكد إنك كنت عارف بحقيقة سامر المخزية.
أكدت شكران ذلك:
سهيلة مش كدابة يا أسعد، أنا سمعت هذيانها وهي بين الحياة والموت، قالت الحقيقة اللي صدمتني. مفيش حد قريب من الموت هيهذي بكذب وإفترا. كفاية يا أسعد.
نظر أسعد لـ شكران بذهول مستهزئاً:
انتِ كمان بتسانديه، بدل ما ترجعي له عقله وتقولي له فين مصلحته.
ردت شكران:
آصف مش صغير وغلط وهو حر في اختيار طريقة حياته.
تهكم أسعد قائلاً:
انتِ مع مصلحته ولا ضده.
ردت شكران:
هو أكتر شخص أدرى بمصلحته، وآياً كان قراره هو اللي هيتحمل عواقبه.
غضب أسعد ونظر إلى آصف قائلاً:
ولما هتسيب القضاء هتشتغل إيه؟ هتروح تدرب تحت إيد محامي كان بينتظر حكمك على قضية هو بيترافع فيها قدامك. أنا مش هساعدك. انت من غير اسم أسعد شعيب ولا حاجة، مجرد شخص عادي.
غضب آصف قائلاً بتحدي:
أنا مش محتاج لـ اسم أسعد شعيب. أنا أقدر أصنع اسم "آصف شعيب" وأبقى أقوى كمان.
تهكم أسعد ونظر إلى شكران بغيظ ثم لـ آصف قائلاً بتهديد:
وأنا لو انت مرجعتش لعقلك وسحبت الاستقالة وفوقت من وهم البت الحقيرة دي هتبرأ منك وأي حد هيسألني عنك هقول معرفكش، وكمان تطلع من سرايتي وأي مكان أنا أمتلكه ممنوع تدخله.
صدمة لقلب شكران، بينما رد آصف كان حاسماً:
سهيلة مش حقيرة، أنا اللي كنت حقير، وإنك تتبرأ مني شئ مش هيأثر عليا. وأنا ماليش عندك حاجة تهمني غير ماما.
أمسك أسعد يد شكران، وكاد يجذبها عليه، لكن شكران سحبت يدها من يده وتوجهت نحو آصف.
ذُهل عقل أسعد وثار بغضب قائلاً بغرور:
إنتِ مراتي وأمري عليكِ نافذ.
قطع حديثه حين وضعت شكران يدها فوق كتف آصف. ازدادت عصبية وقال بتخيير:
معنى كده إنك اخترتِ آصف.
أومأت شكران برأسها ببسمة دامعة العين وهي تنظر إلى آصف، بينما أسعد يتهور قائلاً باستكبار:
لو اخترتِ آصف تحرمِ عليا.
لم تبالِ شكران وضمت آصف، ثم نظرت صامتة لـ أسعد وهي تضع يدها بيد آصف غير نادمة، ثم سارت معه، وتركت أسعد لغضبه السخيف. ماذا ظن؟ من يضع أم بالإختيار بين ولدها وأي أحد مهما كانت مكانته؟ الاختيار بلا تفكير ولا ندم سيكون لولدها، وبالأخص إذا كانت تعلم أنه يحتاج إلى دعمها وهي على يقين أنه "ممـزق الوجدان".
[عودة]
عاد أسعد من تلك الذكرى التي زرعت الجفاء بينه وبين آصف. رغم أنه لم يطلق شكران، لكن ما زال يشعر بالغضب من اختيارها آصف ومساندته وقتها. لكن رغم ذلك يشعر بفرحة وانشراح في قلبه من نجاح آصف الملحوظ. في تلك القضية التي كانت مثار الإعلام وكان الجميع ينتظر بترقب يتوقع تأجيل القضية، شعر بغبطة آصف بخمس سنوات فقط أصبح من عتاولة القانون بل وأشهرهم.
***
بشقة هويدا.
نحت دثار الفراش وتمددت عليه بجسدها تشعر براحة قائلة:
حاسة إن جسمي مرهق، الجرد بتاع النهارده كان كبير أوي.
نظر لها عادل سائلاً:
هو مش المفروض كنتِ رحتي جبتِ "حسام" من عند باباكِ؟ كفاية إنه بيفضل عندهم طول اليوم.
تنهدت بتعب قائلة بعدم مبالاة:
حسام عنده سنتين يعني اتفطم خلاص، وأنا حاسة بإرهاق وهو مع ماما هتهتم بيه، مع إن المفروض اللي كانت تهتم بيه هي الست والدتك، بس طبعاً هي بتدعي المرض وإنها متقدرش تهتم بطفل عنده سنتين، وأهو ماما قامت بمهمتها.
رد عادل:
ماما فعلاً مريضة مش بتدعي.
تهكمت هويدا قائلة بحنق:
قصدك بتدعي المرض عشان تصرف عليها أكتر من نص مرتبك، والنص التاني بيتصرف عالبيت بالعافية وأنا اللي قايمة بمصاريف حسام. كانت غلطة لما خلفت. قبل ما أضمن إننا قادرين على مصاريف طفل صغير.
نظر لها عادل بأسف قائلاً:
على فكرة في صديق ليا كلمني وقالي إن في فرصة أشتغل في بنك استثماري هو بيشتغل فيه من فترة وقالي إن المرتب كويس، بس البنك مالوش فروع كتير في المحافظات، القاهرة وإسكندرية بس.
تهكمت هويدا قائلة:
وفيها إيه يعني، طالما المرتب يستاهل. هو الخروج من كفر الشيخ هيخرجك من الجنة. وبصراحة أنا زهقت، والشقة بقت ضيقة علينا. أنا أساساً بسيب حسام عند ماما عشان مالوش مكان هنا.
استغرب عادل سائلاً:
قصدك إيه بمالوش مكان هنا.
ردت هويدا باستقلال:
الشقة أوضتين وصالة، حسام هينام معانا في الأوضة.
استغرب عادل قائلاً:
حسام طفل مكملش سنتين. وأنا خلاص هقدم على إجازة ست شهور بدون مرتب وأجرب الشغل في البنك الاستثماري، أهو أمسك العصاية من النص.
زَمت هويدا شفتيها بسخرية وتهكمت بحنق قائلة:
تمام، وإبقى اسأل صاحبك ده إن كان يشوف ليا أنا كمان فرصة. أهو أتنفس بعيد عن هنا قربت أتختق. ودلوقتي أطفي النور مصدعة وعايزة أنام.
قالت هويدا هذا وجذبت الدثار عليها، بينما أطفأ عادل الضوء وتسطح جوارها على الفراش يزفر نفسه يشعر بندم أنه اختار خطأ من البداية حين سار خلف الطمع.
***
بـ أحد مطاعم القاهرة الفاخرة المطلة على النيل.
كان هناك احتفالاً احتفاءً ببراءة رجل الأعمال من تلك التهمة، كان ضيف الشرف هو المحامي المحنك الذي بدل مجرى القضية. تأخر عمداً في الوصول إلى المطعم، بداخله لم يكن يود المجيء من الأساس، لكن فقط عشر دقائق مجاملة لن تضر به. دلف بهيبته الطاغية، يسير بغرور ملك. نهض الجميع وقفوا استقبالاً له بحفاوة ومديح بمهارته.
كان يبتسم لهم بمجاملة فقط، بداخله يبخس تلك المظاهر التافهة والأفاقة، لكن المديح بنجاحه هو كل ما يهمه. فجأة خفتت تلك البسمة حين سمع ذلك الصوت الذي يعلم هويته جيداً، كذلك نهوض من معه وقاموا بالترحيب بوجوده بينهم، وقال أحدهم:
نورت يا أسعد باشا، أكيد إنت فرحان النهاردة. أنا بعد كده مش هقول له غير يا "ملك". بصراحة قلب الموازين وكسب القضية من أول جلسة، طبعاً الذكاء وراثة.
تبسم آصف بتهكم صامت. يعلم أن كل ما يقوله هذا الآفاق مجرد نفاق لا أكثر، لكن شعر بضيق من يد أسعد الذي ربت على كتفه ينظر له ببسمة زهو وافتخار، لكن العيون تحكي حديث آخر لكل منهم. آصف استهزاء من ذلك الزهو الذي يراه بعين أسعد، بينما أسعد يشعر بانشراح بعد خمس سنوات جفاء ها هم يجلسان خلف طاولة واحدة، حتى وإن كان آصف مجبراً من أجل المجاملة فقط. حديث رتيب ساد بينهم، بين مديح بذكاء آصف كذلك بعض المواضيع الأخرى. شعر آصف بالملل، نظر إلى ساعة يده ونهض واقفاً. تعجب الآخر سائلاً:
وقفت له يا "ملك" السهرة لسه هتحلو.
رد آصف:
للأسف مش هقدر أكمل السهرة، عندي قضية مهمة بكرة ولازم أبقى مركز.
نهض الآخر قائلاً:
تمام إن شاء الله في سهرة آخر الأسبوع عندي في الفيلا، تفضي نفسك السهرة دي على شرف حضورك.
أومأ آصف ببسمة دبلوماسية. لم يهتم لنظرات أسعد له غادر يشعر بضجر.
صعد إلى سيارته يقودها، رغم برودة الطقس لكن فتح شباك السيارة يترك تلك النسمة الباردة تتسرب إلى قلبه علها تطفئ ذلك الضجر الذي يزيد من حرارة جسده.
بعد وقت توقف أمام تلك البناية الفخمة. ترجل من السيارة ودلف إلى شقته. خلع ذلك المعطف ووضعه على يده وتوجه مباشرةً إلى غرفة المكتب الخاصة به. وضع المعطف على مسند المقعد الذي جلس عليه خلف المكتب، يسند رأسه على مسند الرأس يشعر بإرهاق. لكن سمع صوت إشعارات برسائل وصلت إلى هاتفه. اعتدل بجلسته وأخرج الهاتف من جيب معطفه. قام بفتح تلك الرسائل. خفق قلبه حين رأى تلك الصورة، بتلقائية تحركت أنامله على ملامح صاحبة الصورة التي تبتسم. تنهد ببسمة بسمتها لم تتغير رغم مرور السنوات، لم تغب لحظة عن خاطره. لكن انطفأت بسمته حين فتح الرسالة الأخرى ورأى سهيلة تضحك وهي تسير مع شخص يعلم هويته جيداً. إنه ذلك الطبيب النفسي أحد المشرفين على رسالة الماجستير والدكتوراه التي حصلت عليهم. سرعان ما فتح رسالة أخرى كانت فيديو مصور لها وهي تسير برفقة هذا الطبيب بأحد أروقة مشفى. يبدو بينهم انسجام. شعر بغضب وغيره. تنهد بضيق، ولم يكمل باقي الرسائل. ترك الهاتف فوق المكتب وعاود إسناد رأسه على المقعد، يزفر نفسه بحسرة قلب. أغمض عينيه لحظات رافقت صورتها خياله، حتى أنه تخيلها أمامه تقول له بعتاب:
مبسوط يا آصف؟ ده العدل اللي أقسمت أنك تحققه.
أخفض وجهه يشعر بخزي.
نظرت له سهيلة بأسف قائلة:
يا خسارة يا آصف، توهت عن الحقيقة. نصرت الظالم على المظلوم.
استدارت سهيلة وأعطت له ظهرها، وكادت أن تسير لكن تسرع وأمسك عضدها يحذبها إليه ضمها قائلاً:
سهيلة كفاية بعد عني.
نظرت له سهيلة وقالت:
انت اللي اخترت طريق تاني يا آصف وأنا طريقي في اتجاه تاني.
ضمها آصف وأغمض عينيه يحاول أن يتنفس، لكن فجأة شعر بخواء بين يديه. فتح عينيه لم يرى سهيلة كان يضم جسده بيديه وسهيلة كانت سراب. حتى ذلك السراب انتهى حين فتح عينيه بالحقيقة ونظر إلى بسمة شكران التي سمعت همس آصف باسم سهيلة. غص قلبها بقوة لكن تبسمت له قائلة:
آصف إيه اللي نيمك هنا عالكرسي في المكتب.
اعتدل آصف على المقعد قائلاً:
أنا مكنتش نايم، بس يمكن عيني غفلت شوية.
نظرت له شكران برفق وهي تمسك يده تسحبه للنهوض معها قائلة:
أكيد غفلت بسبب الإرهاق في الشغل طول اليوم. افصل شوية وقوم اطلع أوضتك خدلك دش وبعدها هتحس براحة وتنام بهدوء.
وافقها آصف ونهض معها يتوجه نحو غرفتها أولاً. نظرت له تشعر بأسف على حاله يحاول إلهاء نفسه وينغمس بالعمل لفترات طويلة. ربما يستطيع أن ينسى ألم قلبه، لكن هذا ليس دواؤه. دواؤه يبدو صعباً ومريراً. توجه إلى غرفته ألقى بجسده فوق الفراش يشعر بإرهاق لكن ليس جسدي بل إرهاق في قلبه الذي ما زال يئن. تذكر تلك الصور والفيديو. حسم قراره يكفي انتظاراً. آن أوان الاقتراب. لماذا تحمل وانتظر طوال خمس سنوات؟ هل كان يظن أن تصفح سهيلة عنه وتذهب إليه؟ هو وأد مشاعرها اتجاهه. يوم أن باحت بأنها كانت مغرمة به أتبعت قولها أنها كرهته واختارت الفراق. لكن حتى وإن كانت تكرهه لن يستسلم. يكفي ابتعاداً.
رواية عشق مهدور الفصل السابع عشر 17 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور أسبوع، في أحد المشافي الحكوميه.
بعد انتهاء وقت دوامها، وأثناء خروج سهيله من المشفى، كان هناك صُدفه جمعت بلقائها بذلك الذي يبتسم وهو يقترب منها.
بادلته البسمه وتحدثت هي أولًا بمزح:
خير يا دكتور بيجاد، يا ترا إيه سر زيارتك الكريمه للمستشفى المتواضعه.
تبسم وهو يقف أمامها قائلًا:
والله مش زيارة كريمه، دي زيارة عمل. الطب النفسي بقى مُتشعب جدًا، تم استدعاء طبيب نفسي للكشف على شخص متهم في قضية شيكات بدون رصيد. واضح إن أهله هما اللي قدموا الشكوى دي للنيابه، والنيابه أمرت بإنتداب طبيب نفسي للكشف على قدرته العقليه. وبما إني تقريبًا الدكتور النفسي الوحيد في كفر الشيخ، تم استدعائي لإجراء الكشف ده هنا بالمستشفى دي. لآن اللي وصلني إن المتهم كان خبط دماغه في الحيطه واتعور جرح كبير، واحتاج لمستشفى للعلاج وجابوه هنا. أهو الكشف عليه هنا أفضل من مستوصف السجن.
"السجن"
تلك الكلمه التي كرهتها كثيرًا. شعرت بوخز قوي في قلبها للحظه. عاد أمامها تلك الأشهر التي قضتها بالسجن. كانت تشعر بانعدام آدميتها. عقوبه قضتها بلا ذنب، فحفرت بداخلها أثر غائر لم يُرمم رغم مُضي سنوات.
لاحظ بيجاد اختفاء بسمة سهيله، تنحنح سائلًا:
إنتِ خلصتِ نبطشيتك ولا أيه؟
حاولت التغاضي عن تلك الذكرى المقيته وأومأت برأسها قائله:
أيوه وكنت راجعه البيت ارتاح شويه قبل ميعاد العياده.
تبسم قائلًا:
العياده الشامله بتاعتك، "أطفال وتخاطب غير علاج نفسي".
تبسمت قائله:
التخصُص الأساسي بتاعي هو أطفال. تخاطب وعلاج نفسي دول اكتسبتهم بسبب رسالة الماجستير والدكتوراه. كمان إحنا في كفر الشيخ وهنا مش معترفين بالعلاج النفسي من أساسه. آخرهم يفضفضوا بكلمتين لبعض وينسوا اللي كان مضايقهم. هما فاكرين إن اللي يروح لدكتور نفسي مجنون رسمي. بس بقى في أطفال كتير محتاجين للتخاطب، لأسباب مختلفة. زي تأخر الكلام عند الأطفال، كمان في أطفال لسانهم تقيل، غير أطفال "التوحد" الملايكه اللي ربنا بيحبهم بزياده.
للحظه شعر بغصه وهو يتذكر طفلته الصغيرة التي من "ذوي الهمم". تلك البريئة الرقيقة التي تكبرت عليها والدتها وتركتها له هو من يهتم بها مع والدته التي تعتني بها بغيابه.
شعرت سهيله بندم حين رأت تبدل ملامح بيجاد. هي أخطأت بالتأكيد. هي لديها علم بحالة طفلته، ربما ما كان عليها ذكر هذا. لكن حاولت التلطيف قائله:
قولي بقى المريض اللي جاي تكشف على قدرته العقليه، هتعرف إزاي إنه مش مدعي السفه.
تبسم غصبًا يقول بغرور:
عيب، أنا صحيح دكتور مجانين، بس المجنون أكتر شخص يعرف يوصل الحقيقه وقت اللزوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في أحد البنوك الاستثماريه.
في غرفة المدير.
جلست شهيره بأناقتها تضع ساق فوق أخرى. يبتسم لها ذلك المدير بإعجاب ملحوظ، وكذاك ترحيب مميز لها، فهي من أفضل عملاء البنك. تحدثا سويًا لبعض الوقت حتى قام باستدعاء أحد الموظفين بالبنك.
في ظرف دقيقة كانا يسمعان طرقًا على باب المكتب قبل أن يدلف إلى الغرفة.
تبسم المدير قائلًا:
أهلًا يا عادل. خد المفتاح ده وعاوزك ترافق مدام "شهيره". تبقى تحت أمرها، هي ليها خزنه خاصه هنا في البنك والمفتاح اللي معاك المفتاح الخاص بالبنك.
نظر عادل إلى تلك الجالسة بغرور. للحظه تذكر أنه رآها سابقًا لكن تاه أين ومتى. لكن تبسم لها قائلًا:
اتفضلي معايا يا مدام.
نهضت شهيره بأناقة، وكذاك مدير البنك وقف لها تقديرًا يقول:
بالنسبة للأمر، الآنسة يارا بصفتها خلاص تمت السن القانوني، هستني أسعد باشا ينورنا هنا عشان نكمل تعاملات استلامها هي التصرف في حسابها دون الرجوع لـ أسعد باشا بصفته كان هو الولي عليها.
أومأت رأسها ببسمة مزيفة تجيدها.
ذهبت مع عادل الذي يسير بجوارها يتذكر أين ومتى التقى بها. وصلا إلى تلك الغرفة الخاصة بالبنك والتي تحتوي على خزائن خاصة بالعملاء.
سأل عادل:
الخزنة الخاصة بحضرتك رقمها كام؟
أخرجت من حقيبتها مفتاح واحد معلق بميدالية على شكل قلب ذهب بأوسطه قطعة ماسية سوداء وأعطتها له وأخبرته رقم الخزنة الخاصة بها. أخذهم منها وذهب نحو تلك الخزنة. وضع بها المفتاح الخاص بالبنك، وكذاك المفتاح الخاص بها وقام بفتح الخزنة وجذب صندوق متوسط الحجم منها وعاد به لها وضعه على منضدة بالغرفة، قائلًا:
اتفضلي يا مدام.
أومأت له فقط. ظل لدقيقة واقفًا. استغربت وقوفه قائله:
شكرًا.
شعر بحرج قائلًا:
تمام حضرتك. أنا واقف قدام باب الأوضه لما تخلصي تقدري تناديني أجي أرجع الصندوق في الحزنه مرة تانيه.
أومأت له وهو يتوجه نحو باب الغرفة تتبعه بعينيها إلى أن خرج من الغرفة وأغلق خلفه الباب. أخرجت مفتاح آخر من حقيبها ووضعتها بمكان مخصص بالصندوق وكتبت شفرة خاصة بها. قامت بفتح الصندوق. تفحصت تلك المصوغات الصغيرة الحجم لكن باهظة الثمن، وكذاك تلك العقود والمستندات. ثم فتحت حقيبتها وأخرجت علبة مخملية صغيرة وقامت بفتحها. أخرجت منها قطعة قماش حريرية معقودة فتحتها ثم لمعت عينيها وهي تنظر إلى تلك القطع الماسية بانتشاء. تبسمت ويديها تتلمس تلك القطع الغالية. قامت بوضعها بالصندوق الصغير بداخل الصندوق الآخر، ثم أغلقته بالمفتاح وبتلك الشفرة الخاصة به. ذهبت إلى باب الغرفة فتحته وتبسمت لذلك الواقف على جانب الباب. تبسم لها قائلًا:
حضرتك خلصت؟
أومأت برأسها. دلف عادل وحمل الصندوق منها وأعاده إلى الخزنة وقام بإغلاقها بالمفتاحين وسلتهم. توجه لها بالمفتاح الخاص بها.
تبسمت وهي تخرج من الغرفة تسير إلى جواره. سألته بفضول:
إنت جديد بتشتغل هنا في البنك من أمتى؟
رد عليها:
فعلاً أنا هنا من كم يوم، لسه مش متعين رسمي، تحت الاختبار.
نظرت له بتمعن قائله:
شكلك مش خريج جديد.
رد عليها:
فعلاً. أنا كنت بشتغل في بنك حكومي، واتعرض عليا الشغل هنا من فترة، وطبعًا فرق المرتب خلاني أوافق.
تبسمت له قائله:
يعني عندك خبرة سابقة، تمام. ياريت توصل شكري لمدير البنك.
تبسم لها وهي تتركه وتذهب نحو باب الخروج من البنك، وهو يتتبعها بعينيه. لكن فجأة تذكر أين التقى بها سابقًا. ذُهل عقله سائلًا:
إزاي قدرت أنساها، أنا لازم أعرف هي مين بالظبط.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد الظهر.
في منزل أيمن.
وضعت سحر آخر طبق للطعام ثم كادت تجلس لكن سمعت صوت فتح باب المنزل.
سأل رحيم:
مين اللي حماته بتحبه وجاي عالغدا ده، يارب تكون تيتا آسميه.
لكن خاب توقعه حين سمعوا صوت هويدا.
ردت عليها سحر:
تعالي يا هويدا إحنا بنتغدا.
دلفت هويدا إلى الغرفة وهي تبتسم برياء، بينما تبسمت لها سهيله بقبول قائله:
حماتك بتحبك جايه عالغدا.
تهكم رحيم هامسًا:
معتقدش إنها بتحبها، دي مسألة حظوظ مش أكتر، أو يمكن ظابطه وقتها عالغدا.
سمعه أيمن الجالس جواره نظر له بلوم. صمت رحيم. بينما شكت هويدا بهمس رحيم، أنه يتهكم عليها. نظرت إلى تلك الجروح الظاهرة بوجهه وقالت بقصد:
مين اللي ضربك وشلفط وشك كده.
نظر لها رحيم بسخط قائلًا:
محدش ضربني، ده آثار ماتش كان بيني وبين زميل ليا في بطولة الشرطة للكارتيه، والحمد لله أنا اللي فوزت فيها بالمركز الأول.
تهكمت هويدا وهي تجلس أرضًا خلف المنضدة قائله بإستهزاء:
حتى لو كنت الأول، كفاية أنه علم عليك.
شعر رحيم بالضيق منها وقال:
أنا كمان علمت عليه، ويكفيني إني بطل المركز الأول.
كادت هويدا أن تتهكم لكن قربت سحر طبق الطعام من هويدا قائله:
كُلِ زمانك جعانه، أنا طابخه بطاطس بالفراخ في الفرن زي ما بتحبيها.
تهكم رحيم، فهي لم تحتاج إلى عزومة. لكن نظر إلى ذلك الصغير الذي يجلس على ساق سهيله يُطعمه وهي تأكل القليل. شعر بالأسف، وقال:
أدى حسام لمامته يأكله عشان تعرفي تاكلي يا سهيله.
نظرت سهيله إلى حسام الذي تشبث بها، وتبسمت قائله:
أنا باكل وأنا بأكله. كُل إنت واتغذى عشان تبقى أقوى، والماتش الجاي تهزم المنافس لك بدون أي علامات.
تبسم لها بود، بينما شعرت هويدا ببُغض. هو رد على سهيله برحابة عكسها. بينما تبسم أيمن ونظر إلى هويدا سائلًا:
أما فين عادل؟ بقالي كام يوم مش بشوفه.
ردت هويدا:
عادل جاله فرصة يشتغل في بنك استثماري في القاهرة، وقال أجرب لو الفرصة ظبطت معاه هيكمل شغل في البنك ده.
تبسمت سحر قائله:
ربنا يسهل له ويرزقه.
بعد قليل انتهوا من تناول الطعام. حمل أيمن حسام على ساقيه، بينما سهيله نهضت تضب بقايا الطعام مع سحر وهويدا. ادعت الانشغال في الرد على مهاتفة عادل الوهمية. بعد قليل عادت سهيله تحمل صينية عليها أكواب من مشروب دافئ.
في نفس الوقت صدح رنين هاتف أيمن. تبسم قائلًا:
ده طاهر.
إبتسم رحيم قائلًا:
رد عالندل ده يا بابا.
ضحكت سهيله وقالت:
ندل ليه، إنت اللي مش بترد على اتصاله عليك.
فتح أيمن الهاتف وقام بتشغيل مكبر الصوت، لتبقى مكالمة جماعية تشارك فيها الجميع بحب ومزح. لكن هويدا شعرت بالبُغض تجاه سهيله وهي ترا دلالهم لها وتقبلهم لمزحها معهم برحابة عكس ما تشعر به منهم معها، حتى قبول رحيم لسخرية وتهكم طاهر المرح عليه. إلى أن انتهت المكالمة. بعد عدة طلبات من رحيم يطلبها من طاهر وأهمها هاتف بماركة خاصة. تبسما كل من سحر وأيمن الذي شعر بالغبطة من هذا التألف بين أبنائه عدا هويدا. دعا لها من قلبه أن تزول تلك الغشاوة عن قلبها. كذاك شعر بالامتنان، معترفًا لولا طاهر وسفره إلى الإمارات ربما ما كان تحقق أمل رحيم بدخول كلية الشرطة وتحمل تكاليف دراسته عنه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
أمام أحد المحاكم.
خرج من مبنى المحكمة إلى الفضاء الذي أمامها. كان هناك عدسات تقوم بالتصوير، منها ما يريد منه فقط إشارة من يده. المحامي البارع الذي لمع بأشهر القضايا. ها هي قضية أخرى يربحها ويزداد سطوة وشهرة بين أمهر المحامين. قضية كانت معقدة للقضاء نفسه، ببساطة ربحها. لم يهتم لتلك عدسات تلك الكاميرات، بقدر ما اهتم بتلك الرسائل المرسلة لهاتفه. تغيرت ملامحه، خفتت تلك البسمة الطفيفة الذي كان يرسمها على وجهه. توجه مباشرة إلى سيارته الأنيقة. ترجل له السائق وفتح له الباب الخلفي. أغلقه، توجه إلى باب مقعد القيادة. صعد إلى السيارة وأغلق بابها متجاهلًا تلك الضجة الفارغة بالنسبة له، فهناك الأهم، بل أهم من الأهم. نظر إلى تلك الصور على شاشة هاتفه شعر كأن هناك نصل مغروس بقلبه. انطلق بالسيارة سريعًا. لم يلاحظ أن من تلك العدسات التي تتابع نجاحه، هناك عدسة كاميرا خاصة تترصده باستمرار أينما ذهب، تتمنى له السوء. لكن الآن لسوء الحظ تاه منهم وسط ذلك الزحام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
في مكان خاص.
عصب عليهم وسبهم بغضب قائلًا:
أغبياء... يعني إيه تاه منكم في الزحمة ومعرفتوش تتعقبوه زي العادة، ممكن يكون حس إن فيه حد بيراقبه.
رد أحدهم وهو يشعر بخزي:
لاء يا باشا مستحيل يكون حس بينا. يا باشا كان تجمع وزحمة قدام المحكمة، منتبهناش إنه غادر في العربية لوحده. السواق بتاعه كان واقف بعد ما هو مشى بالعربية.
زفر نفسه بغضب قائلًا:
كانت هتبقى فرصة مناسبة إنكم تصتادوه وهو لوحده. أنا مش عارف إزاي آصف رغم نجاحه ده كله ومش لاقيين له نقطة ضعف.
فسر الآخر:
حضرتك واضح إن فيه جفاء بينه وبين والده، كمان بقية أخواتك مش شُققه واضح إنه مش مهتم بأمرهم. مفيش غير أخوه وده مالوش غير في الطيران، والست والدته ملتزمة الشقة اللي هو ساكن فيها مش بتخرج منها غير نادر. ولو خرجت بيبقى للدكتور.
تسأل الآخر:
بستغرب محامي مشهور كده ومالوش أي ميول خاصة، مثلًا الستات.
رد الآخر:
لاء حضرتك ده مُنضبط جدًا، حتى نادر لما بيشارك في حفلات خاصة، مركز في شغل المحاماة. رغم إن فيه ستات كتير حواليه، بس هو واضح إنه مش مهتم بيهم، مجرد شغل فقط.
استغرب الآخر سائلًا:
والسبب إيه؟ سبق وعرفت إنه كان متجوز وانفصل.
رد الآخر:
فعلاً يا باشا بس جوازه مكملش أسبوع وانفصل عنها من وقتها مفيش ست تانية دخلت حياته.
سأله:
مش قادر أفسر شخصية آصف. وإيه سبب إنه ينفصل بعد الفترة الصغيرة دي وإزاي بعدها مرتبطتش تاني، مفيش أي ست عاجباه.
رد عليه بإيحاء وتشكيك:
الله أعلم يا باشا، ربنا حليم ستار هو أدري بنفسه، يمكن....
ذُهل الآخر قائلًا:
يمكن إيه؟ بقى بالحجم ده وهيكون ضعيف مع الستات.
تبسم الآخر قائلًا:
عادي يا باشا ما هو مفيش تفسير تاني، غير لو مكنش له في الستات وكيفه في حتة تانية.
فهم الآخر ذلك ولمعت عينه وقال:
وماله نعرف كيفه إيه.
أخرج هاتفه من جيبه وقام باتصال، وانتظر الرد حتى أتاه قائلًا:
من زمان متصلتش عليا وكنت ناسيني إيه اللي فكرك بيا.
تبسم قائلًا:
مهمة خاصة مينفعش فيها غير "مي المنصور".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساءً.
في المقر الإدارة الخاص بـ شهيرة.
كانت جالسة خلف مكتبها شارده. بذلك الموظف التي التقته بالبنك صباحًا دون سبب شغل عقلها. بنفس الوقت دخل عليها رامز وجلس على مقعد أمامها قائلًا بإنهاك:
البنات المرة دي غلبوني أوي في التدريب مش عارف هنفضل لحد إمتى ندربهم وأول ما يلاقوا فرصة تانية يسبونا وينكروا المعروف اللي بنعمله معاهم وإحنا بنلمعهم قدام الجمهور... بعد كده هطلب من المحامي يجهز لينا عقود احتكارية لهم.
لم ترد شهيرة عليه. استغرب شرودها وقام بالطرق بأنامله على سطح المكتب. انتبهت شهيره سائلًا:
كنت بتقول إيه؟
استهزأ رامز قائلًا:
مالك من وقت ما رجعتِ من البنك وإنتِ كل ما أكلمك سرحانة وشارده، إيه مدير البنك سخف عليكِ.
ردت شهيره:
لاء، بس كنت سرحانه في الديڤليه اللي هنظمه الفترة الجاية. المصمم عامل فيها عالمي وعاوز شغل بروفيشنال من ناحية العارضات كمان المؤثرات الخاصة بالعرض، كمان عرض عليا إني أنا اللي أعرض فستان ختام الديڤليه وانت عارف أسعد رافض الموضوع ده.
تنهد رامز قائلًا:
ده مجرد فستان وكمان هيبقى دعاية قوية للعرض وللمجموعة، أعتقد لو مارستي شوية دلال على أسعد سهل يوافق... بالذات إني شفت فستان الختام مش مكشوف.
زفرت نفسها وقالت:
هو فعلاً مش مكشوف، بس فستان زفاف.
تهكم رامز قائلًا:
فرصة كويسة أهو هاتي أسعد ويظهر معاكِ عالبيست وتتصوروا عريس وعروسة، أهو تجددوا جوازكم مرة تانية.
نظرت له شهيره بحنق قائله:
واضح إنك بتهزر. عالعموم أنا كنت ناوية أعتذر للمُصمم، كمان نسيت ماشية عارضات الازياء.
تهكم رامز:
بسيطة أدربك عليها بسهولة وهتلاقي نفسك افتكرتيها، بس مش عارف ليه عندي شك إن مش ده السبب في سرحانك. عالعموم أنا قايم أكمل تمرين وتدريب للعارضات، بس عاوزك تكلمي المحامي يعمل لينا عقود تلزم البنات دي يستمروا معانا لفترة أطول غصب عنهم مش اللي تلاقي نفسها اتشهرت وبقى عليها طلب تصوير إعلانات أو كليبات مع مطربين يتكبروا ويشوفوا نفسهم علينا.
تنهدت شهيره بضجر:
فعلاً كلامك صح، وهشوف الموضوع ده مع المحامي.
نهض رامز وتوجه إلى باب المكتب بينما زفرت شهيره نفسها تشعر بملل من العمل لأول مرة منذ سنوات. هناك شئ مشترك بين موظف البنك وأول حب شعرت به وجنت من خلفه الخذلان. ربما نفس لمعان العيون والنبرة الناعمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ألمانيا.
انتهت روميساء من ارتداء ذلك الفستان الذي أتى به والداها تشعر أنه غريب عليها. وضعت نظارتها كالعادة وخرجت من الغرفة الخاصة بها. نظر لها والدها بإعجاب قائلًا:
ملكة بس مش عارف لزمتها إيه النضارة. إلبسي لنسيز أفضل.
عدلت روميساء النظارة قائله:
دي بقى مستحيل يا بابا. كفاية الفستان أنا مش عارفه همشي فيه إزاي، غير كمان كنت بفكر أعتذر عن الحفلة.
نظر لها والدها قائلًا:
وتعتذري ليه؟ دي حفلة عادية مجرد توقيع بروتوكول تعاون بين الشركة اللي إنتِ بتشتغلي فيها وبين الطيران المصري. فرصة أهي مجاملة منك للشركة، وكمان ترفهي عن نفسك شوية طول الوقت بتشتغلي، إفصلي شوية.
زفرت روميساء نفسها قائله:
تمام يا بابا، بس أنا مش هطول في الحفلة، ساعة بالكتير هثبت وجود، وبعدها هرجع على هنا، نكمل السهرة مع بعض.
تبسم لها بمودة وهي تغادر الشقة. بداخله أمنية يود أن تتحقق. هو سابقًا لم يكن يهتم بحضورها أي حفلات، لكن هذا الحفل مختلف. لديه شعور غريب ودافئ، يتمنى أن تجد بهذا الحفل شاب عربيًا يعود بها إلى جذورها وهويتها العربية.
:::::
ليست أول مرة يحضر مثل هذه الحفلات الخاصة بالسفارات المصرية بأنحاء العالم. لكن لسوء الطقس تأخر في الحضور. كذاك لديه خلفية عن ألمانيا هي بلد تُقدس العمل، خالية المشاعر. كل ما تعترف به هو التروس الحديدية فقط. لكن لا مانع من قضاء وقت لطيف، قبل العودة إلى مصر. تأنق بزي بسيط مجرد بزة رسمية دون ربطة عنق حتى لا يشعر بالاختناق.
بسفارة مصر بـ ألمانيا.
ترجلت من السيارة التي كانت تقلّها إلى السفارة. سارت قليلًا، لكن بسبب ذلك الرداء الضيق التي ترتديه لأول مرة بحياتها. سابقًا كانت ترتدي أزياء عملية سهلة الحركة، لكن بسبب هذا الحفل ارتدت زي مناسب. لكن لم تستطع التنازل عن نظارتها الطبية، فهي تشعر بها كأنها أصبحت جزء من وجهها. كذاك ذلك الحذاء ذو الكعب العالي.
أثناء سيرها كانت تتهادى خوفًا أن تنزلق قدماها. ها هو ما حسبته حدث. كادت أن تنزلق قدماها بالكاد بعد أن صعدت درجات ذلك السلم الصغير وتركت يدها سياج السلم التي كانت تتمسك به. لكن بتلقائية منها وضعت إحدى يديها على معصم ذلك الشخص الذي قابلها فجأة. بالفعل احتوى خصرها بإحدى يديه. نظر لوجهها شعر بانبهار قائلًا بالعربي:
يا صلاة النبي، سبحان من خلقك. هو فيه عيون حلوة أوي كده، يا حلاوة المكن الألماني.
بينما هي سريعًا استقامت وعدلت وضع نظارتها التي من الجيد أنها لم تسقط من وجهها فقط انزاحت فوق أنفها. لكن فهمت حديث ذلك الشخص التي شعرت أنه وقح، ليس من حديثه فقط كذاك بسبب نظراته لها.
دفعت يده عن خصرها وأومأت له رأسها بصعوبة. ترك خصرها، شعر بخواء بعد أن ابتعدت عنه. وهو مازال يتابعها، يرى إلى أين ذهبت صاحبة أجمل عيون رآها. تبسم حين دلفت إلى تلك القاعة. تحدث بإنشراح قائلًا:
معقول الحلاوة دي تكون مصرية.
سُرعان ما نهر نفسه قائلًا:
لو كانت مصرية كانت فهمت كلامه وقالت إنك بتحرش بيها، وسلمت بأيديها الناعمين على خدودك. بس أنا هفضل واقف كده. لاء، أنا أدخل القاعة وأشوف المكنة دي مصرية، ولا ألماني. لو مصري أنا بشجع منتج بلدي. لو ألماني... المكن الألماني شديد وأصلي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أمام العيادة الخاصة بسهيله.
ترجل آصف من سيارته وقف قليلًا ينظر إلى تلك اللوحة الإعلانية المثبتة على مدخل العيادة. قرأها بقلبه: "سهيله أيمن الدسوقي" (تخصص أطفال وتخاطب وعلاج نفسي). هذه ما يحتاجه منها علاج نفسي. لا ليس علاج نفسي بل "علاج روحي". دقائق وقف يشعر بترقب. لديه خِلفية يود أن يُخطئ حدسه حين يتقابل مع سهيله بعد مرور تلك السنوات. آخر لقاء كان بالشاطئ كشف له حقيقة كم كان أحمقًا وقاسيًا في الانتقام الخاطئ الذي خسرها بسببه. لكن لن ينتظر أكثر من هذا. يكفي سنوات بُعاد وجفاء. لابد أنها نسيت أو تناست الماضي. لابد أن يذكرها أنه كان عاشقًا لها ومازال وسيظل. حسم أمره ودلف إلى العيادة.
بينما قبل لحظات.
توقفت تلك المساعدة مع سهيله بغرفة الكشف قائله:
مش فاضل غير كشف واحد يا دكتورة واللي حاجز الكشف ده اتأخر شويه، شكله مش جاي.
تبسمت لها سهيله قائله:
تمام لو عاوزة تروحي بيتك روحي وأنا هفضل شويه لو جه أوكيه مجاش هقفل أنا العيادة.
تبسمت لها المساعدة، وقالت:
تمام يا دكتوره هروح أنا تصبحي على خير؟
أومأت لها سهيله مبتسمه تقول:
وإنتِ من أهله.
خرجت المساعدة من الغرفة، تفاجئت بدخول آصف الذي قال لها:
مساء الخير، أنا كنت حاجز معاد عالليفون، متآسف عالتاخير.
استغربت المساعدة من هيئته لكن قالت باحترام:
لاء مفيش مشكلة الدكتورة لسه موجودة، اتفضل.
تقدمت المساعدة أمامه وفتحت له باب الغرفة، بينما قبل صدح رنين هاتف سهيله. نظرت إلى شاشة الهاتف وتبسمت وهى ترد قائله:
دكتور المجانين قول لي المريض طلع فعلاً عنده خلل في عقله ولا بيدعي.
ضحك قائلًا:
هو عنده خلل وحابب خلل أنا كمان، أنا بقيت بخاف على عقلي.
ضحكت قائله:
لاء اطمن من ناحية عقلك فهو أصبح مجنون زي الحالات اللي بتقابلها.
أخذ يرد معها ويتساءل بمزح، إلى أن سألها:
بس إيه انت لسه في العيادة.
ردت:
عندي كشف والمريض اتأخر قولت استنى نص ساعه، لو مجاش هقفل العيادة وارجع البيت.
ضحك قائلًا:
أنا بقى الحمد لله العيادة بتاعتي مفيهاش غير زبون واحد بيتردد من فترة للتانية، ومقتنع إنه مجنون، رغم إنه أعقل مني.
سمعت صوت فتح باب الغرفة، قالت له:
واضح إن المريض وصل ولازم أقفل الموبايل.
ضحك قائلًا:
يا بخت المريض اللي هتكشفي عليه، أكيد مش هيكون زي العينة اللي عندي مجانين.
ضحكت وهي تغلق الهاتف وهمست بتنهيدة مرح:
ده مش دكتور مجانين، هو اللي مجنون.
- مساء الخير.
خفتت بسمتها وسأم وجهها. أغمضت عينيها، تنفي سماع هذا الصوت. مستحيل صاحب هذا الصوت انتهى من حياتها، لابد أنها سمعت خطأ. لكن عاود نفس الصوت بنفس الجملة:
مساء الخير.
بصعوبة استدارت تفتح عينيها تنظر أمامها، تيقنت هذا الصوت ليس وهمًا، بل حقيقة تقف أمامها. وهو يخلع النظارة من فوق عينيه يضعها بجيب معطفه. لحظات كانت تُظهر مشاعر كل منهم. هو كأنه يراها لأول مرة. مازالت ملامحها البريئة التي لم تتغير. يشعر كأنه يعود لنفس الشعور الذي شعر به وهو يقع بغرامها من أول لقاء. هي تراه أصبح أضخم عن ذي قبل، ربما لم تتغير ملامحه. لكن لم يلفت نظرها كما حدث بأول لقاء بينهم. كذاك تحكمت الرهبة بها حين أتت تلك المساعدة من خلفه وكادت تُغلق باب الغرفة. بتسرع منها قالت:
ماتقفليش باب الأوضة، وكمان ما تمشيش من العيادة هنمشي سوا الأستاذ واضح إنه غلطان في العنوان.
رواية عشق مهدور الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سعاد محمد سلامة
في عيادة سهيل
نظرتها له كانت مثل سهام مُسممة تخترق قلبه، تسري بالسم بين كل شريان بجسده. شعر أنه يموت بالبطء. ازدرد ريقه يحاول التماسك أمامها، يحاول كبت رغبته في الاقتراب منها، لكن هذا الرهاب الواضح على ملامحها كأنه لجم ساقيه بوثاق حديدي. حوّل نظره عنها ولفت انتباهه قليلًا يقول بهدوء:
"لو سمحتِ ممكن تسيبيني مع سهيلة..."
قاطعته بتسرع ورُهاب:
"اسمي الدكتورة سهيلة، بأي صفة بتنطق اسمي بدون لقب دكتورة؟ وأكيد أنت غلطان في العنوان."
نظر إليها مرة أخرى قائلاً:
"لأ مش غلطان في العنوان، وأنا مريض وجاي لعيادة دكتورة، وأعتقد إن فيه أسرار للمرضى ممنوع يعرفها غير المريض والدكتور المعالج له."
توترت المساعدة وهي تشعر بذهول من رد فعل سهيلة المبالغ فيه بنظرها، يبدو أن هذا الوسيم لديه معرفة خاصة بها. تنحنحت قائلة:
"همشـ..."
لم تكمل بقية حديثها حين تسرعت سهيلة:
"قلت لكِ ما تمشيش..."
قاطعها آصف قائلاً برجاء:
"أعتقد إنكِ تدي خمس دقايق من وقتك لمريض مش كتير."
شعرت المساعدة بالحرج وقالت:
"أنا بره في الاستقبال."
كادت سهيلة أن تعترض لكن غادرت المساعدة دون إغلاق باب الغرفة.
حاولت السيطرة على رهابها منه. تنهدت بضجر بعد لحظات صمت كانت عينا آصف تراقبان ملامحها. زفرت نفسها قائلة:
"إيه اللي فكرك بيا بعد السنين دي كلها يا...."
صمتت سهيلة للحظات تفكر فيما ستلقبه الليلة. لم يعد مثلما كان بالماضي حين كان قاضيًا. لكن تنفست قائلة:
"يا سيد آصف."
شعر بوخزات قوية في قلبه، ربما اشتاق أن يسمع اسمه يخرج من بين شفتيها مثل الماضي حين كانت تسبق اسمه "بـ سيادة المستشار". لكن هو ترك القضاء. رد بهدوء:
"أنا مريض وجاي أتعالج؟"
تهكمت عليه بسخرية قائلة:
"مريض! مريض إيه؟ واضح إنك مقريتش اليافطة اللي على باب العيادة، أنا دكتورة أطفال. سبق وقولت لك غلطان في العنوان، الأفضل تروح لدكتور متخصص يناسب حالتك."
رد عليها ببرود:
"إنتِ أكتر دكتورة متخصصة تفهم حالتي بالظبط. أنا قريت اليافطة اللي على جنب باب العيادة، وإنك دكتورة علاج نفسي، وأنا جاي أتعالج نفسيًا."
تهكمت سهيلة:
"نفسيًا... وماله بس معتقدش إني هفيدك في الأمر ده. فيه دكاترة كتير مشهورين في العلاج النفسي وكمان عندهم خبرة أفضل مني. أنا تخصصي دكتورة أطفال في الأساس. كده يبقى الوقت انتهى."
شعر آصف بنبرة رفض من سهيلة لكن لن يستسلم، وقال:
"بالعكس، أنا شايف إنك أفضل دكتورة مناسبة لحالتي، لأنكِ عارفة تشخيص المرض من البداية."
تهكمت بحنق، سألته:
"وأيه هو المرض ده؟"
رد آصف:
"سادي... مش ده اللي سبق وقولتيه ليا."
هنا رفعت سهيلة عينيها ونظرت له. شعرت بمقت وقالت باستهزاء:
"قولت 'سبق'، وأنا دلوقتي بقولك علاجك مش عندي، وكده كفاية، الوقت انتهى ولازم أقفل العيادة."
قالت هذا وتوجهت نحو باب الغرفة قائلة:
"اتفضل. علاجك مش عندي. آصف باشا شعيب أكيد أشهر الدكاترة النفسيين يتمنوا منه إشارة وهيروحوا لحد عنده مش محتاج يقطع مسافات عشان يتعالج عند دكتورة بنت موظف كحيان."
نظرة أسف في عينيه لها، هي تذكره بما قاله عنها سابقًا، لكن ليس تقليلًا من شأنها بل افتقارًا لأي مشاعر نحوه.
كاد يتحدث لكن وصول بيجاد في هذا الوقت يدخل مباشرة إلى الغرفة. يقترب من مكان وقوف سهيلة. جعله يشعر بنصال باردة تكز في قلبه. نظرت سهيلة إلى بيجاد، لم يزل عنها الرهبة لكن حاولت أن تخفي ذلك، واستقوت بتحدي لنفسها ونادت على المساعدة حتى جاءت إلى الغرفة. قالت لها وهي تنظر إلى آصف بحجود:
"وصلي الأستاذ لباب العيادة."
ماذا لو جذبها بالقوة وأخذها عنوة معه؟ يجثو على ساقيه أمامها يخبِرها كم أمضى ليالي بلا نور النظر إلى عينيها. يتمنى تلك النظرة التي كانت تنظر له بها قبل تلك الليلة اللعينة، وأنه يكره تلك العينان اللتان يشع منهما البغض. لا ليس فقط بغض بل خوف من اقترابه منها.
كاد أن يتحدث لكن أصمه نظر سهيلة إلى بيجاد ورسمت بسمة قائلة عن عمد:
"اتأخرت ليه؟ أنا خلصت آخر كشف من بدري وكنت هقفل العيادة وأمشي أنا والمساعدة."
رغم استغراب بيجاد من حديثها غير المتوقع منها، لكن تجاوب معها وهو ينظر إلى آصف الواضح على ملامحه التجهم. ضبط نفسه غصبًا، رد ببساطة:
"تمام طالما خلصتي خلينا نمشي والمساعدة تقفل العيادة."
وافقته وقامت بخلع معطفها الأبيض وعلقته على علاقة خاصة. ثم جذبت حقيبة يدها، كذلك هاتفها الذي كان فوق المكتب. لكن ألقت نظرة أخيرة على آصف الواقف قائلة:
"اتفضل عشان المساعدة هتقفل العيادة."
ما مكانة هذا الآخر لديها؟ ماذا لو صفعته وأخذها عنوة وما اهتم برد فعلها لاحقًا؟ هكذا فكر آصف ونظرات عينيه تنضح بغضب. لو أطلق صراحته الآن لن يهدأ إلا حين يقتل أحدهم الآخر. لو قتله الآن لن يكون أكثر ألمًا من هذا الصمت الذي يلتزم به. مرغمًا انسحب من المكان قبل أن يطلق لجام غضبه.
بينما أطلقت سهيلة تنهيدة راحة قليلًا ونظرت إلى بيجاد الذي يشعر أن هنالك أمرًا غريبًا، لكن امتثل لقول سهيلة التي تحاول التماسك. لكن هو لاحظ حركة يديها اللتان ترتعشان.
"فكرتك بتهزر لما قولتلي إنك قريب من العيادة."
تذكر قبل قليل أثناء حديثه معها على الهاتف أخبرها أنه قريب من مكان العيادة، وأنه مجرد دقائق سيكون أمامها بالعيادة. هي ظنت أنه يمزح، وأغلقت الهاتف بوجهه. بينما رد ببساطة:
"لأ مكنتش بهزر، أنا كنت جاي أتكلم معاكِ في موضوع مهم، بس واضح إنك مرهقة من الشغل."
ردت عليه بكذب:
"فعلاً أنا حاسة بشوية إرهاق، ومحتاجة أرجع البيت أستريح."
من ملامح وجهها ويديها اللتان ترتعشان تيقن أنها تدعي. هنالك أمر آخر، لكن قال بهدوء:
"تمام... خليني أوصلك للبيت بعربيتي."
للحظات كادت ترفض لكن فكرت بوجود آصف، أومأت رأسها بموافقة. رفع يده لها لتتقدم أمامه.
بعد لحظات كما توقعت، آصف مازال يقف أمام سيارته. ازدردت ريقها وتوجهت نحو سيارة بيجاد. انتظرت لحظات حتى فتح بيجاد أمان السيارة كذالك الباب. فكرت للحظات قبل أن تتخذ القرار وتصعد إلى السيارة. أغلق بيجاد باب السيارة ثم توجه للباب الآخر وقام بفتحه. لكن خطف نظرة ناحية آصف قبل أن يصعد إلى السيارة. لم ينتظر سوى لحظات وانطلق بالسيارة.
أثناء ذلك نظر إلى سهيلة التي تجلس صامتة ملامحها باهتة. كذالك مازالت رعشة يديها. ترك يده من فوق المقود وتجرأ ووضعها فوق يدها التي تضعها جوارها فوق المقعد. سريعًا سحبت يدها ونظرت له. قبل أن تتحدث برر ذالك بكذب قائلاً:
"آسف، كنت بنقل فتيس العربية وإيدي اتزحلقت."
بنية طيبة صدقت كذبته وتغاضت عن ذلك، لكن هو بداخله فضول معرفة من ذلك الشخص. سأل:
"غريبة المفروض إنك دكتورة أطفال! مين الشخص اللي كان في العيادة ده، مكنش معاه أي طفل؟"
اتكأت سهيلة برأسها على مسند المقعد. أغمضت عينيها بقسوة للحظات ثم قالت:
"من فضلك زود سرعة العربية، حاسة بصداع جامد."
تيقن بيجاد أن لهذا الشخص أثر كبير بحياتها. لكن لو ضغط بالسؤال عنه مرة أخرى، قد تتضايق منه، لكن سألها:
"وأيه سبب الصداع ده؟"
ردت بضجر:
"قولت لك قبل كده حاسة بإرهاق عادي الصداع، ومن فضلك ياريت تسوق بسرعة بدون أسئلة."
امتثل بيجاد لرغبتها وصمت إلى أن قالت:
"وقف هنا، البيت قريب هكمل الخطوتين دول مشي، وشكرًا لك."
لم يعترض بيجاد وتوقف بالسيارة. سرعان ما ترجلت من السيارة حتى دون أن تشكره. توجهت نحو منزلها بخطوات سريعة، لكن للحظة تصنمت مكانها حين رأت سيارة آصف. نظرت خلفها لسيارة بيجاد مازال واقفًا. تجاهلت الاثنين وذهبت نحو باب المنزل فتحته ودخلت. تفاجئت حين فتحت الباب الآخر المنزل بـ سحر التي اقتربت منها بلهفة قائلة:
"سهيلة مالك بتنهجي ليه؟"
هدأت أنفاس سهيلة وشعرت بالأمان وقالت بتبرير كاذب:
"مفيش يا ماما مش بنهج ولا حاجة، أنا بس سقعانة الجو بره برد أوي الشتا شكله هيبدأ بدري السنة دي."
وضعت سحر يدها على جبهة سهيلة ثم أمسكت يديها وقالت:
"جبينك ساقع وإيديكِ كمان، ادخلِ غيري هدومك وأنا هعملك عشا خفيف ودافئ وكمان كوباية لبن دافئة، هيدفوكِ."
تبسمت لها بخفوت قائلة:
"لأ يا ماما أنا مش جعانة كفاية كوباية اللبن أشربها وأنام، حاسة بإرهاق من الشغل."
تبسمت سحر بشفقة قائلة:
"ربنا يعينك، على ما تغيري هدومك أكون سخنت اللبن."
دخلت سهيلة إلى الغرفة وأغلقت باب الغرفة واستندت بجسدها عليه. سمحت لساقيها بالانهيار وجلست خلف الباب تشعر بضياع. لكن سرعان ما انتبهت ونهضت بتكاسل. ذهبت نحو دولاب ملابسها أخرجت لها منامة ثقيلة وضعتها فوق الفراش وقامت بخلع ثيابها وقامت بارتدائها. أجبرت شفتيها على الابتسام حين سمعت صوت مقبض الباب من ثم دخول سحر تحمل كوبًا من الحليب قائلة ببسمة:
"اللبن أهو دافئ مش سخن أوي عشان تشربيه علطول وبعدها نامي هتصحي كويسة، وحاولي متجهديش نفسك كتير في الشغل بعد كده، صحتك أهم، مفيهاش حاجة لو قللتِ وقت العيادة ساعتين في اليوم حتى على ما برد الشتا يخلص."
أومأت سهيلة برأسها لكن سألتها:
"أمال إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتي يا ماما، أنا عارفة إنك بتصلي العشا وبعدها تتعشي إنتِ وبابا وتناموا."
تنهدت سحر:
"حسام كان جسمه دافئ شوية وإديته خافض حرارة والحمد لله نزلت الحرارة ونام من شوية."
تبسمت سهيلة قائلة:
"هي سهيلة سابته هنا، كنت مفكرة أنها هتاخده معاها."
ردت سحر:
"هي كانت هتاخده بس أنا قولت لها تسيبه بلاش يطلع في البرد لا يتعب، وهي وافقت."
تهكمت سهيلة لنفسها:
"طبعًا دي مصدقت مش عارفة دي أم إزاي وقادرة ابنها يبقى معظم الوقت بعيد عنها."
وضعت سحر يدها فوق كتف سهيلة قائلة:
"يلا إشربِ اللبن وبعدها نامي وإتغطي كويس."
تبسمت سهيلة وقامت باحتساء كوب اللبن. أخذت سحر منها الكوب، وتوجهت نحو باب الغرفة. أطفأت الضوء إلا من ضوء خافت قائلة:
"اتغطي كويس.صبحِ على خير."
"وإنتِ من أهله يا ماما.."
قالتها سهيلة وهي تترك لجسدها الانهيار فوق الفراش. دمعة شقت عينيها وقلب يئن. لامت هذا الشعور، كيف مازال لديها هذا الرهاب من آصف؟ لقد مرت سنوات ظنت أن تلك الحالة انتهت. ربما عدم ظهوره سابقًا جعلها تظن أنها شفيت من هذا الإحساس. لكن طن برأسها سؤال آخر بل أسئلة. لما عاد آصف إلى حياتها الآن؟ ما الهدف الذي برأسه؟ هل ظن أنها نسيت ما مرت به معه من خداع كاد يقتلها؟ هل يظنها مازالت تلك الحمقاء التي صدقت معسول كلامه وألقت بنفسها بين سيلان بركانه الذي أزهق قلبها بليلة عاتمة؟ هل، وهل، وأسئلة تعلم إجابتها... آصف كما قال لها سابقًا "أنا لعنة حياتك".
نهضت من فوق الفراش. ذهبت نحو ضوء الغرفة وأشعلت الضوء الواضح. ذهبت نحو تلك الضلفة الخاصة بها في الدولاب. جثت على ساقيها وجذبت بعض الملابس الخاصة بها. ثم جذبت من خلفهم ذلك المجلد القديم. نهضت ذاهبة نحو الفراش مرة أخرى. فتحت ذلك المجلد القديم.
بين صفحاته كانت تلك الرسائل المطوية. جذبتها بيد مرتعشة. تبسمت بسخرية من حالها. لما مازالت تحتفظ بتلك الرسائل القليلة التي لا تتخطى خمس رسائل. فتحت إحداها. قرأت محتواها بشعور آخر عكس قراءتها له سابقًا. قرأتها بشعور صبية تقع في غرام فتى أحلامها، الذي يبدو أنه يبادلها نفس الشعور. شعور خفي أخفته خوفًا من الخذلان. فهي الأمير وهي السندريلا. حقًا لم تكن المعفّرة بالتراب مثلها، لكن كان هو الأمير وهي ليست سوى فتاة عادية ليست صاحبة جمال ملفت كاللائي يراهن. تهكمت من تلك المشاعر المراهقة. وقتها الآن أصبحت أخرى غير تلك الصبية التي هز قلبها مجرد كلمات مكتوبة في عصر اختفت فيه تلك الظاهرة. فهي قديمة للغاية. لكن لم يكن هنالك وسيلة غيرها في البداية. دموع مع بسمات وخفقان قلب يستهزأ بمشاعر أودت بها إلى الموت وخذلان أصابها كان قاتلاً لها.
قرأت أول رسالة أعطاها لها آصف. كل كلمة معناه اختلف.
"سهيلة أنا عارف ممكن تتريقي عليا وتقولي إني ملقتش طريقة أكلمك بيها غير إني أكتبلك رسالة في جواب، زي الأفلام القديمة. عارف إننا في عصر التكنولوجيا فيه كل لحظة اختراع جديد، بس أنا ملقتش فعلًا طريقة غير دي. سهيلة أنا بعترف إن من أول لقاء شوفتك فيه حسيت بشيء اخترق كياني. شعور أبقى كداب لو قولتلك عارف مغزاه. كل اللي عارفه إني بحس بقلبي بيدق لما بشوفك قدامي. أنا مش عارف حقيقة مشاعري، لكن اللي عارفه إني بتمنى دايمًا تكوني قدامي. لو عندك تجاوب لمشاعري دي أنا هنتظرك بكرة في 'جزيرة البُرلس' لو جيتِ هبقى سعيد جدًا."
أغلقت الرسالة وتهكمت بندم. ليتها كانت طوت تلك الرسالة وما سارت خلف مشاعرها. ليتها كانت مزقت تلك الرسالة قبل أن تقرأها.
ليت، وليت، والندم فات أوانه... هي وقعت بشَرَك عاشق قاسٍ استحل نزيف قلبها.
٠٠٠٠٠٠
أمام سرايا شعيب
توقف آصف ينظر إليها للحظات قبل أن يقرع زامور السيارة، حتى جاء حارس السرايا. اقترب من السيارة. فتح آصف زجاج شباك السيارة. رحب به الحارس بحفاوة.
"آصف بيه أنا آسف كنت غفلان."
أومأ له آصف قائلاً:
"افتح البوابة."
سريعًا فتح الحارس البوابة. دلف آصف بالسيارة إلى داخل السيارة. ترجل منها. اقترب منه الحارس يسأله باحترام عن إن كان يحتاج لخدمة معينة. أومأ له آصف قائلاً:
"لأ متشكر روح كمل نوم، تصبح على خير."
رد عليه الحارس وتوجه إلى غرفة الحراسة. لكن استغرب عدم دخول آصف إلى مبنى السرايا، وذهابه نحو تلك الغرفة المزودة بحديقة السرايا. فتح بابها ودلف إليها وأغلق خلفه الباب.
في البداية شعر باختناق وهو يتذكر جيدًا ما حدث بتلك الغرفة. هنا سفك ليس قلب سهيلة فقط، سفك قلبه قبلها. هنا بين جدران هذه الغرفة الباردة أهدر ما تبقى من إنسانية قاضٍ حوله لجلاد فقط ينفذ عقاب دون علم بخفايا الحقيقة. طن برأسه صرختها الخافتة تلك الليلة وهو ينتهك جسدها بقسوة. صمتها بعد ذلك الذي جعله مفترسًا يهذي بوعيد بالجحيم لنفسه قبلها. ها هو وحده يعيش بهذا الجحيم وهي بعيد. حين يقترب منها يرى أخرى تبغضه. هنا كانت النهاية الدموية.
شعر كأن جدران الغرفة تضيق. صوت صرختها يختلط مع صوت الباب الذي تضربه الرياح الخريفية من الخارج. ألقى بجسده فوق أرضية الغرفة يشعر بتهتك في قلبه. يسأل من هذا الذي احتمت به منه؟ كان لابد أن يحدث العكس ويكون هو من تحتمي به بل وترتمي بحضنه بهذه الليلة يستمد منها الدفء. هل تأخر في عودة الظهور بحياتها؟ لا... لن يستطيع أن يراها قريبة من غيره. أرضية باردة قاسية ليست أقسى من ضنين قلبه الذي ينزف، وذكريات تتسرب من قلبه.
وذكرى كانت أول اعتراف له بأنه عاشق...
"سهيلة."
قالها قبل أن تخرج من بوابة السرايا. توقفت ثم استدارت تنظر له، تشعر بارتباك. هو يشعر بغبطة في قلبه. مد يده لها بتلك الرسالة الورقية التي بيده، قائلاً:
"كنت أتمنى أقولك الكلام اللي في الرسالة دي مباشرةً، بس مش عارف رد فعلك هيبقى إيه. عالعموم هنتظر ردك عالرسالة."
تلفتت حولها بترقب قبل أن ترتجف يدها بتلقائية أو ربما بأمنية حين أخذت منه الرسالة ثم غادرت السرايا فورًا. بينما انشرح قلب آصف وهو مازالت عيناه تتبع سيرها. لم ينتبه إلى صفوان وشكران اللتان لاحظا ذلك الموقف ونظرن لبعضهن ببسمة. بينما غابت سهيلة عن عينيه شعر بسأم وهو يسأل نفسه عن ردها على تلك الرسالة. هل ستقرأها أم ستلقيها وتتجاهلها... لكن خاب يأسه في اليوم التالي.
على بحيرة البُرلس
شعر بالضجر من طول الانتظار. كاد يغادر فاقدًا الأمل، هي لن تأتي وحدث ما توقعه. لكن فجأة هبت نسمة ربيعية محملة بغبار الشاطئ الناعم. أغلق عينيه احتماءً منه لكن فتحهما بعد ثوانٍ. كانت تترجل من ذلك القارب الصغير قريب من الشط. لم يكن خيالًا، بسمتها وهي تتقدم نحوه بخطوات خجولة. لا يوجد وصف لما يشعر به من مشاعر. كان يود أن يجذبها ويعانقها قويًا بين يديه يضمها، بل يقبلها. تخيل أنه فعل ذلك فعلاً، لكن هي مشاعرها كانت مضطربة تتلفت حولها، تشعر أنها مثل المراقبة.
خطوات كان الاثنان يسيران بها يقتربان من بعضهم. مسافة كانت بكل خطوة مشاعر كل منهم تتضح أنه أصبح "مُغرم بالآخر". توقفا الاثنان. عين آصف تراقب كل حركة من ملامح وجهها. بينما هي حادت بعينيها ونظرت إلى مياه البحيرة، قبل أن تشعر بيد آصف تمسك إحدى يديها. جذبتها سريعًا، لكن هو تبسم قائلاً:
"في كافتيريا قريبة من هنا خلينا نقعد شوية..."
ردت بتسرع:
"كافتيريا لأ، المكان هنا واسع."
تبسم لها قائلاً:
"زي ما تحبي، خلينا نتمشي."
أومأت برأسها وهي تسير، كذالك هو. صمت حل بينهم لثوانٍ، صوت الأمواج وحفيف الأشجار، إلى أن توقف آصف قائلاً:
"سهيلة أنا خلاص الحمد لله أنهيت الدراسة كمان أخدت إعفاء من التجنيد لأني درست من البداية في مدارس عسكرية. كمان اتعينت في القضاء، وأكيد هنتدب في أماكن بعيدة عن هنا. بصراحة زي ما قولتلك في الجواب، مش عارف مغزى مشاعري. كل اللي أعرفه إنك امتلكتِ مكانة كبيرة في قلبي وحياتي، بحس إن ناقصني شيء مهم وإنتِ بعيدة عني."
انصهر وجهها بحياء وحادت النظر له تنظر نحو الشط، لكن هو أراد أن ينظر لعينيها، ويعرف ردها على ما قاله. بتلقائية منه رفع يده نحو ذقنها وأدارها له. سرعان ما عادت خطوة للخلف. تبسم آصف قائلاً:
"مسمعتش ردك؟"
ارتبكت قائلة بمراوغة:
"ردي على إيه؟"
ابتسم يعلم أنها تراوغه قائلاً:
"سهيلة أنا مستعد يكون بينا ارتباط رسمي."
توترت سهيلة دخل لقلبها خوف أن يكون كاذبًا ويتسلى بها، قالت:
"أنا لسه بدرس في كلية الطب وقدامي خمس سنين بحالهم أكيد مش هعرف أوازن بين الدراسة وأي شيء تاني."
شعر آصف بغصة سائلًا:
"قصدك إيه؟ أنا اتسرعت لما بوحت بمشاعري ليكِ، لو..."
قاطعته سهيلة:
"لأ، بس أنا بصراحة عندي دراستي أولاً قبل أي شيء تاني، حتى مشاعري الخاصة كنت مؤجلاها بس..."
توقفت سهيلة تشعر بخجل تكز على شفتيها بحياء. تبسم آصف قائلاً:
"بس إيه؟"
"بس أحب أعرفك أنا 'لعنة حياتك' اللي هتلازمك طول الوقت. هنتظر منك إشارة بدء."
تبسمت له دون رد.
دموع تسيل من عينيه وتلك الذكرى تسفح قلبه. كثيراً سمع عن عاشق يبكي كان يعتقد أنه ضعيف. ها هو يبكي على عشق أهدره بغرور انتقام. لم يغفل طوال الليل ذكريات كل لحظة هنا أدمت قلبه بفراق جائر لقلبه، حتى سطع نور جديد. غفى لوقت لا يعلم كم ظل غافيًا، لكن فتح عينيه حين سمع رنين هاتفه. اعتدل جالسًا يسند ظهره على الحائط خلفه، ونظر إلى الشاشة. جلى صوته وقام فتح الاتصال وسمع صوت شكران المتلهف يسأله:
"آصف إنت فين، ليه مرجعتش ليلة امبارح؟"
رد آصف بهدوء:
"أنا بخير يا ماما اطمئني كل الحكاية عندي قضية واضطررت أسافر عشانها، ونسيت أتصل عليكِ أقولك."
تنهدت شكران براحة قائلة:
"طيب يا حبيبي ربنا يوفقك، بس بلاش تجهد نفسك كتير في الرياضة زي عادتك."
تبسم آصف قائلاً:
"حاضر يا ماما، إنتِ اطمني وانتبهي لصحتك ومتقلقيش عليا."
أغلق الهاتف ونظر حوله إلى الغرفة. هنا كانت النهاية، لكن اهتدى عقله وقلبه معًا بأن بالخارج بالتأكيد توجد بداية أخرى، حتى لو كان الطريق غير ممهدًا، لكن بقانونه الخاص مباح كل الطرق، حتى لو بالتحايل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بـ فيلا شهيرة
بغرفة السفرة
دلف شهيرة إلى الغرفة عكس عادتها. ألقت الصباح على كل من أسعد ويارا اللذان يتناولان الفطور. استغرب أسعد ذلك سألًا:
"غريبة معظم الوقت نادر جدًا لما بتفطري، عشان رشاقتك كمان صاحية بدري على عكس عادتك بتنامي للضهر."
ردت شهيرة:
"مش غريبة، بس أنا حاسة بشوية توتر الفترة دي، يمكن بسبب الديفليه بتاع خط الأزياء، ده عرض لمصمم له اسم في الوطن العربي كله، كمان له باع كبير باريس."
تبسم أسعد قائلاً:
"ولو، هي أول مرة تنظمي ديفليه..."
قطع حديث أسعد رنين هاتفه. أخرجه من جيبه ونظر للشاشة. استغرب قائلاً:
"ده حارس السرايا."
قام بالرد عليه وتعجب مما أخبره به الحارس عن مبيت آصف بتلك الغرفة المزودة بحديقة السرايا. سأله بتأكيد:
"يعني آصف مدخلش للسرايا وفصل في الأوضة دي لحد الصبح مشي، تمام أنا جاي النهارده آخر النهار."
أغلق أسعد الهاتف، بينما سألت شهيرة:
"إنت مسافر البلد النهارده؟"
وضع أسعد قطعة من شطيرة الطعام بفمه قائلاً:
"أيوه، خلاص الفترة الجاية هتبدأ الجولة الانتخابية ولازم أبقى متواجد هناك بصفة مستمرة."
نهضت يارا قائلة:
"أنا شبعت وعندي اجتماع ولازم ألحقه."
تبسم لها أسعد، بينما قالت شهيرة باستهزاء:
"هتتأخري عالجنة إياك، مش عارفة إيه الوظيفة دي اللي مشغولة بيها مرتبها ملاليم، عالعموم فكرتي في اللي قولته ليكِ أول امبارح."
ردت يارا بقطع:
"سبق وقولتلك قراري ومتغيرش. أنا كل مش بفكر في الجواز دلوقتي."
كادت شهيرة أن تتهكم لكن غادرت يارا. نظر أسعد إلى شهيرة سألًا:
"مش فاهم قصد يارا."
زفرت شهيرة نفسها بضجر قائلة:
"صديقة ليا شافت يارا معايا وكان معاها ابنها وأُعجب بيارا وهي طلبتها مني، وأهو إنت شايف ردها."
تبسم أسعد قائلاً:
"ومين صديقتك دي وابنها؟ وبعدين يارا حرة، ولسه دوبها مخلصة دراستها ولازم تكون صاحبة القرار في حياتها."
تهكمت شهيرة تشعر بضجر من مجرد الحديث مع أسعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساءً
بـ سرايا شعيب.
دلف أسعد إلى غرفة مكتبه. فتح أحد الأدراج أخرج منها خزنة خاصة، قام بوضعها فوق المكتب، قام بفتحها، وأخرج منها بعض الأوراق وصورة قديمة.
نظر إلى تلك الصورةتمعن شديد. تلك الصورة التي قابل منها نسخة أخرى. جذب صورة أخرى من فوق مكتبه، ووضع الاثنين جوار بعضهما تأملهما جيدًا. هاتان متشابهتان للغاية فروق طفيفة لمن يدقق فقط.
وضع الصورتان، ثم جذب ملف خاص وقام بفتحه. نظر إلى تلك الورقتان الموجودتان بالملف. إحداهما ورقة زواج عرفي، وأخرى اعتراف ببنوة تلك الطفلة إلى "زهير شعيب" ابنه عمه الوحيد الذي توفي قبل سنوات.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
مكتب آصف.
تحدث إلى ذلك الجالس معه قائلاً بأمر:
"القضية دي لازم يتحكم فيها بأسرع وقت، مش عاوز مماطلات يا 'إبراهيم'."
تبسم له قائلاً:
"اطمن هناخد الحكم من أول جلسة."
تنهد آصف قائلاً:
"ياريت."
تبسم إبراهيم قائلاً:
"لما اتصلت عليا الفجر أنا فكرت إنها قضية خطيرة، في الآخر تطلع قضية 'بيت طاعة'. عالعموم اطمن قضايا الشرعي دي لعبتي."
تبسم آصف له قائلاً:
"بلاش الثقة الزايدة دي."
تحدث إبراهيم بمغرور مرح:
"شكلك مشوفتش مكتبي القديم قبل ما نتشارك سوا، أنا كنت مشهور بقضايا الطلاق والخلع، هي دي القضايا اللي شغالة في مصر دلوقتي. كنت بقابل موزز إيه لووووز."
تبسم آصف قائلاً:
"دي بالذات اخلع عينك لو بصيت لصورتها في الملف."
تبسم إبراهيم:
"عيب دي مرات أخويا ورفيق الدراسة."
قبل أن يتحدث آصف صدح الهاتف الأرضي الخاص بالسكرتيرة. رفع السماعة يرد عليها، سألها باستغراب:
"بتقولي مين...."
سمع الرد لكن ليس عبر سماعة الهاتف بل بمن فتحت باب المكتب دون استئذان وقالت بغرور:
"مي المنصوري."
نهض إبراهيم واقفًا يظهر إعجابه الشديد بتلك الفاتنة، بينما وضع آصف سماعة الهاتف، وظل جالسًا إلى أن اقتربت مي من مكتبه. نهض بمجاملة.
بينما رفعت مي يدها بأناقة له ظنًا منها أنه سيفعل مثل غيره من الرجال يحني رأسه ويقبل يدها، لكن خذلها حين وضع يده بيدها وصافحها فقط. مما أثار ذلك غضبها وإعجابها بنفس الوقت.
رواية عشق مهدور الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور شهر ونصف.
دروب مُتعرجة وملتويه تسير بها، تشعر كأن هنالك من يتعقبها، تحاول السير سريعًا، لكن كلما ظنت أنها وصلت إلى نهاية الطريق، تجد نفسها بنفس مكان البداية. لا تعلم إن كانت طرق متشابهة، أم أنها تائه بنفس الطريق. توقفت تشعر بإنهاك، تنظر إلى تلك الدروب أمامها، تشعر بحيرة أي درب تسلكه لتخرج خارج تلك الدروب، لكن فجأة تشنج جسدها حين شعرت بيد توضع على كتفها، إذن صدق حدسها، هنالك من يتعقبها فعلًا.
إستدارت بصعوبة تنظر خلفها، زاد تشنج جسدها للحظات، قبل أن تنتفض بعيدًا بخطوة. تمقت تلك البسمة وذلك الصوت الذي نطق اسمها بنبرة هادئة: "سهيلة".
شعرت برهبة من تلك النظارة التي تخفي عينيه، بالتأكيد يخفي خلفها الجحيم.
عاودت خطوة أخرى للخلف، لعدم انتباهها كادت تتعرقل، حاولت تفادي السقوط، لكن شعرت بقبضة يده على معصم يدها يمنع سقوطها، حتى استقامت واقفة، سرعان ما سحبت يدها بعنف.
نظرت حولها، كل الطرق تتشابه.
نطق لتلك الكلمات كان مثل سن نصل فوق الحديد:
"سهيلة، إحنا طريقنا واحد، مهما تحاولي بنهاية الطريق هتتقابل دايمًا."
بسبب صوت تنبيه الهاتف، فتحت عينيها بفزع، نظرت حولها بترقب للحظات، قبل أن تفيق من هذا الحلم، بل الكابوس.
جمعت خصلات شعرها بيديها للخلف وزفرت نفسها قائلة:
"الكوابيس دي مش هتنتهي، ليه آصف ظهر تاني بحياتي؟ كنت نسيته، وفكرت نفسي بقيت أقوى. ليه رجع يلازم أحلامي من تاني؟ لازم يفضل بعيد عني، ولازم أكون أقوى من كده. آصف مالهوش مكان في حياتي، هو أكتر شخص وثقت فيه واتسبب في أكبر أذى في حياتي."
زفرت نفسها تحاول نفض تلك المشاعر البغيضة عن قلبها، لكن عاود تنبيه الهاتف. جذبته من فوق الطاولة، وقامت بالضغط على الشاشة فوق علامة توقف. بالفعل توقف تنبيه الهاتف، لكن كان هناك بعض الإشعارات، فتحت الهاتف تراها.
تبسمت من ذاك الفيديو المضحك المرسل لها من رحيم معه عبارة "صباح الخير". تبسمت وهي ترى موعد إرسال هذه الرسالة كان باكرًا جدًا. ضحكت قائلة:
"رحيم اللي ما كانش بيقوم من النوم وماما كانت بتصحيه بالعافية عشان يقوم يروح المدرسة أو ميعاد دروسه، بقى بيصحى قبل الفجر."
سرعان ما خفتت بسمتها وهي ترى إشعار آخر لأحد المواقع الخاصة بأخبار عامة، واستهزأت من مدح تلك المراسلة بذكاء وحنكة المحامي الشاب. أنهى القضية وربحها كالعادة. سخرت قائلة:
"هو ده العدل اللي كنت بتقول عليه، عدالة القانون بمنظور آصف أسعد شعيب."
تصفحت أخبار أخرى، لكن وضعت الهاتف فوق الفراش وتبسمت حين سمعت صوت دفع باب الغرفة الموارب وهرولة ذاك الصغير يمرح بضحكات بريئة وهو يتجه نحوها على الفراش يصعد بجوارها كأنه يختبئ بها. تبسمت وهي تضمه قائلة:
"انت هربان من تيتا سحر."
تبسمت أسيمة التي دلفت خلفه قائلة:
"لاء هربان مني أنا."
ضحكت سهيلة قائلة:
"وهربان من ناناه ليه."
جلست أسيمة على الفراش وذهب الصغير وجلس على ساقيها. تبسمت له بمودة قائلة:
"والله الواد ده خسارة في أمه هويدا."
تبسمت سهيلة وهي تداعب خصلات شعره قائلة:
"سبحان الله، انتِ بتحبي حسام جداً وبتدلّعيه وهو كمان بيحبك، عكس هويدا. انتِ وهي مش عارفة سر عدم تقبلكم لبعض، رغم إنها المفروض كانت تبقى الأغلى على قلبك لأنها أول حفيدة."
بخطأ من أسيمة دون وعي قالت:
"والله الحفيدة اللي من النوعية الغتوتة دي قلتها أحسن والحمد لله إنها مش حفيدتي."
استغربت سهيلة رد أسيمة وظنت أنها تمزح. بنفس الوقت كانت سحر تدخل إلى الغرفة وسمعت ذلة لسان أسيمة. تداركت الموقف ونظرت لأسيمة بتحذير قائلة:
"انتِ طول عمرك كده يا ماما تحبي تهزري، وهويدا معذورة شغلها في البنك تقيل."
تهكمت أسيمة قائلة:
"آه فعلًا تقيل، ربنا يكون في عونها، بس المحروس جوزها بقالي فترة مس بشوفه خلقته السمحة."
ردت سهيلة:
"ادعي له يا تيتا بيشتغل في بنك استثماري، هويدا بتقول إن المرتب كويس، وإنها قالت يشوف لها وظيفة في البنك ده هي كمان."
رفعت أسيمة يديها قائلة:
"ربنا يرزقها إياكش تشبع، وتهتم شوية بابنها اللي من وقت ما ولدته وهي زي ما تكون ما كانتش عاوزاه ولا جايباه من حرام."
ردت سحر:
"لازمته إيه الكلام الفارغ ده، بعدين حسام هو اللي بيسليني أنا وأيمن معظم الوقت لوحدنا."
تبسمت أسيمة ونظرت لسهيلة بحنان قائلة:
"عقبال ما أشيل ولاد بقية أحفادي."
شعرت سهيلة بوخز في قلبها لكن تبسمت قائلة:
"طاهر جاي قريب في ميعاد إجازته، يلا يا تيتا بقى جهزي له لستة عرايس."
نظرت أسيمة لسهيلة بغصة ولم تريد الضغط عليها بالقول، كذلك سحر شعرت بآسف. بينما تبسمت سهيلة على أفعال حسام الذي نهض من فوق ساق أسيمة وخرج من الغرفة.
نهضت سحر قائلة:
"أما أطلع ورا حسام لا يلعب في حاجة في المطبخ."
نهضت أسيمة هي الأخرى قائلة:
"خديني معاك، خلينا نسيب سهيلة تكمل نوم، أكيد حسام اللي صحاها."
تبسمت سهيلة، قائلة:
"لاء أنا كنت صاحية، هقوم أتوضأ وأصلي الضهر، الحمد لله عندي النهارده إجازة من المستشفى آخد راحة شوية للمسا ميعاد العيادة."
نظرت لها أسيمة بمحبة قائلة:
"ربنا يعينك يارب."
خرجن أسيمة وسحر ذهبن إلى المطبخ، جلسن خلف طاولة صغيرة يقمن بتجهيز بعض الأطعمة. تركت أسيمة ما كان بيديها ونظرت إلى سحر سائلة:
"هنفصل ساكتين لحد إمتي يا سحر؟ أنا مش عاجبني حال سهيلة، طاحنة نفسها في الشغل بين المستشفى والعيادة، أمتى هتشوف نفسها وتعرف إن العمر بيعدي. الأول كنا بنقول تخلص الماجستير والدكتوراه، والوقت هينسيها اللي حصل من اللي ما يتسمى ابن أسعد. فات أكتر من خمس سنين، المفروض تفوق بقى لنفسها وتبني لها حياة ويكون ليها أولاد، مش شايفة حبها لحسام ومعاملتها له كأنه ابنها. نفسي أشيل ولاد أول حفيدة ليا وأفرح بيهم، أنا مبقتش صغيرة."
شعرت سحر بغصة قوية قائلة:
"أنا كمان نفسي سهيلة يبقى ليها بيت وولاد وأفرح بيهم، دي بنتِ الوحيدة، خايفة. ولمحت لها كذا مرة، وهي بتتهرب مني بأي حجة. خايفة يكون لسه آصف في قلبها."
نفضت أسيمة ذاك برفض قائلة:
"مستحيل اللي ما يتسمى ده يكون لسه في قلبها بعد اللي عمله فيها، هي بس تلاقيها خايفة من التجربة، ولازم تعرف إن مش معنى إنها عاشت تجربة سيئة توقف حياتها."
تنهدت سحر بآسف:
"والله قولت كده لأيمن وقالي سيبيها على راحتها."
زفرت أسيمة نفسها قائلة:
"أيمن غلطان.. لو سيبناها على راحتها هتفضل خانقة نفسها."
ردت سحر:
"أيمن حاسس بالذنب بسبب اللي حصلها مع آصف، لغاية دلوقتي بيلوم نفسه إنه اتنازل وقبل جوازها منه."
تنهدت أسيمة بآسف وآسف:
"مش ذنب أيمن، ده ذنب آصف اللي خدعها، وهي كانت لسه صغيرة وقلبها متشعب بأمل إنها تظهر براءتها قدام الناس، بس هو أثبت إنه من نسل عيلة شعيب طلع واطي وقذر زي ابن عم أبوه زمان... ما عمل مع ابتهال، بس ابتهال ما كانتش بريئة زي سهيلة."
***
في مكتب آصف ظهرًا.
كان يضجع بظهره على المقعد، ينظر إلى شاشة الهاتف. أغمض عينيه للحظات ثم فتحهما، تنهد بشوق يتلمس بأنامله تلك الصورة على شاشة الهاتف. ما زالت ملامحها لا تفارق خياله، كأنها وشم يستحيل إزالته حتى بالكي بالنار، وإن كان حقًا يشعر بأن قلبه مكوي بلهيب الفراق.
سمع صوت فتح باب المكتب، لوح رأسه ونظر لمن دخل. أغلق الهاتف واستدار بالمقعد ينظر إلى إبراهيم الذي دلف ثم سأله باستخبار:
"ها القضية اتحكم فيها."
تبسم إبراهيم بزهو قائلًا:
"قولتلك القضية مش هتاخد معايا وقت، أهو الحكم صدر."
تبسم آصف وهو يجذب سيجارًا وأشعله ثم نفث دخانه قائلًا:
"عاوزك تطلع قرار تنفيذ الحكم في أسرع وقت ويتبعت على العنوان التاني."
أومأ إبراهيم قائلًا بتوضيح:
"بس خد بالك حُكم الطاعة دلوقتي بقى مختلف عن زمان، مبقاش أوضة وقُلة وحصيرة. لازم مسكن لائق، غير كمان بقى في ضوابط، وكمان هي تقدر ترفض لو قدمت للمحكمة التماس بأي حجة مقنعة، زي عنيف، أو بخيل مثلًا."
عنيف… هو فعلًا خسرها بسبب ذلك، لكن هو على يقين أنه ليس كما تعتقد عنه. يعلم جيدًا أنه لو كان تزوج بها قبل مقتل سامر، كان أذاقها من كؤوس غرامه، لكن أخطأ ودفع الثمن صدمات ألقتها بوجهه. والصدمة الأقسى أعترفها بأنه كرهته أكثر مما أُغرمت به سابقًا، كرهها قاتل وهو يستحق ذلك. لكن قبل تنفيذ قرار الإعدام يسألون المحكوم عليه عن رغبته الأخيرة، لما لا تسأله هي عن رغبته الأخيرة ويبوح لها رغبته الأخيرة، قبل أن أعثر على صفحتك الأخير أُريد "قُبلة وعِناق". قُبلة… أتنفس منها آخر نسمات الحياة. عِناق… أشعر بعودة هويتي كإنسان وأني لستُ جمادًا بلا مشاعر كما تظنين.
زفر دخان السيجار يشعر بوخزات نازفة بقلبه، ليس أمامه غير هذا الطريق، مُرغمًا بعد لقائه بـ سهيلة. هي لن تغفر، وهو لن يستسلم ويرفع الراية ويتركها لآخر غيره. حتى لو كان عودته لحياتها إجباريًا يفرض نفسه عليها. لابد أن ترى الوجه الآخر له، أو بمعنى أصح الوجه الحقيقي الذي عشقها. ربما ضل في وسط الطريق، لكن هناك فرصة للرجوع قبل منتصف الطريق. كل ما يحتاجه هو فرصة أخرى يصلح ما أفسده بحماقة انتقام زائف.
بنفس الوقت صدح رنين هاتف آصف. نظر إلى الشاشة فكر قليلًا في عدم الرد، لكن إبراهيم نهض ونظر إلى شاشة الهاتف بفضول ثم نظر بتعجب لآصف قائلًا:
"مي المنصوري مش بترد عليها ليه؟!"
زفر آصف دخان السيجار قائلًا بسأم:
"مش عارف، مش بحب طريقة كلامها المتكلفة زيادة عن اللزوم، بحسها منفوخة على الفاضي."
تبسم إبراهيم قائلًا:
"منفوخة على الفاضي، إنت مش شايف جمالها ولا شخصيتها؟ دي في رجال أعمال لهم اسمهم وسطوتهم، بس يتمنوا إشارة منها وهيركعوا تحت رجليها. وأنا لو مش متجوز عن مراتي عن حب كنت بقيت زيهم."
التقط آصف قلمًا من على المكتب وألقاه على إبراهيم قائلًا بذم:
"بتقارن مراتك اللي استحملتك وإنت بتبدأ من تحت الصفر بشخصية باردة وجافة زي مي المنصوري."
تبسم إبراهيم قائلًا:
"لاء طبعًا، بس واضح إن مي مش هتبطل اتصال قبل ما ترد عليها. أنا قايم أروح أتغدا مع مراتى وولادي، وإنت ماين نفسك شوية واتحمل غلاسة مي، دي برضه مش زبونة عادية. يلا أشوفك بعدين."
خرج إبراهيم وترك آصف الذي ينظر إلى شاشة هاتفه، الذي انتهى مدة الرنين. تنهد للحظات لكن سرعان ما عاد الرنين مرة أخرى. بضجر قام بالرد. سمع اندفاع مي بغضب وهي تقول بسؤال كأنه أمرًا:
"اتصلت عليك أكتر من مرة ليه مش بترد عليا من أول اتصال."
زفر آصف نفسه لكن لم يحاول تقبل طريقتها الآمرة وقال بغلظة:
"والله أنا مش فاضي طول الوقت للرد على الاتصالات، افرضي إني كنت في اجتماع مع عميل للمكتب، أو حتى باخد وقت راحة. في سكرتارية في المكتب كان سهل تتصلي عليهم وتطلبي معاد وهما هيبلغوني."
رغم أنها غاضبة من طريقة رده المتعالية عليها، لكن هذا يثير إعجابها أكثر. هي تعودت أن تكون ذات شأن وأولوية لدى الجميع. ابتلعت ذلك وقالت:
"المستندات اللي سبق وطلبتها بقت جاهزة."
تنهد آصف قائلًا:
"تمام...."
قبل أن يطلب آصف منها إرسالها أو حتى أن تأتي بها إلى المكتب، قاطعته مي قائلة:
"
رواية عشق مهدور الفصل العشرون 20 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور يومين.
ألمانيا، حوالي الثانية والنصف ظهرًا.
ترجل آيسر من سيارة الأجرة يحمل تلك الباقة من الزهور. شعر بنسمة هواء باردة بسبب الطقس، لكن داخل قلبه يشعر بدفء غريب. رفع رأسه ينظر إلى إحدى شرفات تلك البناية العالية. توجه مباشرةً إلى المصعد الكهربائي الخاص بالبناية وصعد به إلى أن توقف أمام الطابق المحدد. ترجل من المصعد وذهب نحو باب تلك الشقة. وقف قليلًا يأخذ نفسه، كذلك هندم ياقة معطفه. ثم اتخذ القرار وقام بقرع جرس الشقة مبتسمًا بترقب أن تفتح له الجميلة.
بينما بداخل الشقة.
نظرت روميساء إلى ساعة موضوعة على حائط الردهة. رغم أن الوقت لم يتأخر سوى دقائق، لكن بداخل قلبها تلك الدقائق ساعات. سأل عقلها: "لما تأخر ساعي الورد اليوم؟ هل لن يأتي بالباقة ككل يوم في نفس هذا الموعد؟" تلاعبت بها الظنون. أصبح لتلك الباقة تأثير عليها. أصبحت تنتظر ميعاد الساعي. تقرأ نفس الجملة المكتوبة بكل الرسائل المرفقة بالباقة، لكن تشعر أنها كلمات حية تنطقها بقلبها. لما تأخر اليوم؟ هل سوء الطقس هو ما منعه أو أخره؟ وإجابات كثيرة تخشى الإحباط ولا تحصل على باقة الزهور اليوم.
لاحظ والدها حالتها ونظرها للساعة ولباب الشقة. خمن سبب وقوفها بهذا الوقت. تبسم لكن سألها بخبث:
"واقفة كده ليه؟ عم تنتظري شئ؟"
ارتبكت روميساء قائلة بنفي:
"أبدًا بابا."
تبسم والدها قائلاً بخبث:
"اتأخر اليوم."
سألت روميساء بعدم فهم:
"شو اللي اتأخر اليوم بابا؟"
قبل أن يرد عليها، سمع الاثنان صوت قرع جرس الشقة. سريعًا ذهبت روميساء نحو الباب وقامت بفتحه. تبسمت بانشراح حين وقع نظرها على باقة الزهور. جذبتها منه دون حتى النظر إلى حامل الباقة. بحثت عن تلك الرسالة بين الزهور، لكن سرعان ما تفاجأت بعدم وجود رسالة. رفعت نظرها نحو الساعي، لكن جحظت عيناها بضجر قائلة بتلقائية بالعربي:
"انت شو جابك لهون؟ ما بيكفي هذيك الليلة تحملت سخافتك مشان ما أثير ضجة بالسفارة. ما تقولي صدفة وإنك عم تشتغل بمحل الورد."
تبسم وهو ينظر لملامحها بتتمعن. دون النظارة، هي آية في الجمال. عينان وشفتان. آه من تلك الشفتان. ستجعلني أذوب الآن وأنا أقتنصها الآن بقبلة جامحة. خيال جامح وحقيقة عكس ذلك.
حين سألته مرة أخرى:
"هتضل تنظر إلي؟"
تبسم حين رفع عينيه عنها ونظر إلى والدها قائلاً:
"مساء الخير."
تبسم والدها الذي استغرب حديثها بالعربي سائلاً:
"انت عربي؟"
أومأ برأسه قائلاً:
"أيوه، أنا مصري."
تبسم والدها بترحاب:
"وليش واقف قدام الباب؟ ادخل. أنا بقالي فترة كبيرة ما قابلتش شخص عربي في ألمانيا."
كاد أن يدخل للشقة، لكن رفعت روميساء يدها بوجهه قائلة لوالدها بلوم:
"انتظر. كيف يا بابا بتدعي هدا الشخص يدخل لبيتنا؟ افرض بيكون حرامي أو شخص سئ."
جذب والدها يدها واخفضها قائلاً:
"أنا عندي نظرة في الأشخاص. واضح إن هدا الشاب محترم."
تبسم له قائلاً:
"والله صدقت يا عم الحاج...؟ نسيت نتعرف. أنا 'آيسر أسعد شعيب'. بشتغل طيار في شركة مصر. رغم إني درست طيران حربي بس مرتحتش فيه واخترت الطيران المدني."
"طيران حربي." كلمتان سمعتهما تذكرت صوت تلك الطائرات وقت العدوان الغاشم. وخزات ضربت قلبها. لاحظ والدها ذلك. شعر بغصة وبدل الحديث قائلاً:
"عم الحاج، هدي كلمة حلوة منك. بتمنى ربنا ينولني زيارة الحرم الشريف. قولي بقى بتعرف تلعب طاولة."
رد آيسر بمديح لنفسه:
"إن شاء الله بتزور الحرم الشريف قريب جداً. أنا بقى بلا فخر حريف طاولة وشطرنج. بالك؟ أنا كنت بكسب كل زمايلي في الملجأ وبلاعبهم على فلوس. أنا كونت ثروتي الكبيرة من القمار."
ضحك والدها قائلاً:
"واضح إنك فعلًا مصري دمك خفيف. شكلنا هنتفق. خلينا نتعرف. أنا 'مدحت موافي'، مهندس سابق."
تبسم آيسر ودلف إلى الشقة وأغلق باب الشقة. عيناه على روميساء التي تشعر بضيق منه، لكن تجاهل ذلك وعاود النظر لمدحت قائلاً بمزح:
"واضح إننا هنتآلف مع بعض. حضرتك عندك قناعة بالوحدة العربية."
ضحك مدحت، بينما قالت روميساء بتهكم وسخرية:
"وحدة عربية؟ بابا أنا حاسة إني مصدعة. هتركك وأروح نام."
تبسم مدحت، بينما أحرجها آيسر:
"مش المفروض إني ضيف وأبسط شيء ترحبِ بيا بكوباية قهوة تدفيني في الجو العاصف ده."
نظرت له بسخط قائلة:
"وشو خلاك تتطلع بها الجو العاصف؟ اتحمل بقى. ومعندناش قهوة. ممنوعة من الدخول لهون؟"
تبسم مدحت بإيماءة قائلاً بتظلم:
"فعلاً رومس صادقة. القهوة والنسكافيه ممنوعين هون بسبب تحذير الدكتور. صديقك كان مدمن عليهن وهلأ بقيت أشرب أعشاب عشان الكوليسترول والضغط."
تبسم آيسر ببرود قائلاً:
"تمام. أنا ماما دايماً تقول لي الشاب لازم يحافظ على صحته. وعشان أنا رياضي زي ما حضرتك شايف وظاهر عليا، ممكن أشرب أي مشروب دافي من إيد 'رومس'."
نظرت له روميساء بضجر قائلة:
"اسم روميساء ما بسمح لك تناديني بغير هالأسم."
بينما همست لنفسها قائلة:
"واضح إنك شخص ثقيل ومعندك إحساس. بتمنى أشربه سم دافي يسري بعروقه."
غادرت روميساء. بينما أشار مدحت بيده لآيسر بالدخول نحو إحدى الغرف. جلسا سويًا يتحدثان. شعر مدحت بالتآلف ناحية آيسر، وكذلك آيسر. بعد قليل جلست معهم روميساء تراقب حديثهم معًا صامتة. لا تنكر إعجابها بلباقة وعفوية ذلك السخيف الذي اقتحم شقتهم اليوم دون استئذان.
***
بشقة آصف.
تفاجئت شكران بـ يارا. استقبلتها بترحاب ومودة قائلة بعشم وعتاب:
"بقالك أكتر من شهرين مجتيش تزريني. غير يقيتِ كل كام يوم على ما تفتكري تتصلي عليا."
ضمتها يارا قائلة باعتذار وتبرير:
"حضرتك عارفة قيمتك غالية في قلبي، بس والله أنا من يوم ما اشتغلت في مركز الحاسبات والمعلومات، يادوب بوَفق بين الشغل وكمان رسالة الدراسات العليا واخده بقية وقتي."
تبسمت شكران بحنان قائلة:
"ربنا يوفقك."
تبسمت لهن صفوانة قائلة:
"مش كفاية عتاب؟ يلا الغدا جهز. كمان آصف وصل وطلع يغير هدومه وهينزل مباشرةً."
تبسمن لها وذهبن خلفها إلى غرفة السفرة. جلسن ينتظرن مجيء آصف الذي لم يتأخر كثيرًا وتفاجأ بـ يارا. التي تبسمت له وتحدث معها بألفة عادية شبه أخوية. شعرت شكران بزيادة مودة لـ يارا ومن محاولتها جذب آصف للحديث معها. لكن قطع حديثهم رنين هاتف آصف. الذي جذب أحد المحارم وقام بتنظيف شفاه ثم أخرج هاتفه من جيبه. نظر لهوية المتصل. سخر بداخله ونظر نحو شكران. ثم أغلق الهاتف. سألت يارا بفضول:
"مين اللي بيتصل عليك وليه مش بترد عليه؟"
نظر آصف نحو شكران وقال:
"عادي شخص مش مهم. وأنا شبه عارف هو بيتصل ليه. ومش حابب أرد عليه."
تبسمت يارا بإيماءة. لكن شعرت شكران أن آصف تعمد عدم الرد لسبب ليس كما قال. بينما وضع آصف الهاتف بجوار يده على طاولة ثم عاود الطعام. لكن صدح الهاتف مرة أخرى. لكن هذه المرة كان برسالة.
ترك الطعام بضجر وعلم أن من كان يهاتفه هو بالتأكيد من أرسل الرسالة. كاد أن يغلق الهاتف لكن الفضول هو ما جعله يفتح الرسالة وقرأ محتواها. هب واقفًا غير مصدق. استغربت يارا وشكران من ذلك. سألت شكران:
"خير يا آصف؟"
نظر لها وحاول الهدوء عكس الغضب الذي يهدر بقلبه، قائلاً:
"خير يا ماما. ده عميل وافتكرت إن كان في بينا ميعاد."
لم ينتظر وهرول إلى غرفته يشعر بنزيف هادر في قلبه. فتح خزانة ثيابه جذب ثياب أخرى ارتداها سريعًا ثم توجه. انحنى قليلًا وجذب أحد أدراج الدولاب. جذب ذلك الملف سحب منه ورقة قرأها ثم قال بيقين ووعيد عاشق:
"واضح إني اتأخرت كتير بس إنتِ مش هتقدري تتحرري مني غير بموتي يا سهيلة."
قام بثني الورقة ووضعها في جيب معطفه وخرج مسرعًا. تصادم مع يارا وشكران التي لاحظت تغير ملامحه. سألته:
"خير يا آصف؟"
قبل رأسها بمودة قائلاً:
"خير يا ماما. أنا لازم أمشي عندي ميعاد مهم مع زبون ولازم أسافر دلوقتي. وما تقلقيش عليا. احتمال كبير أبات هناك كمان. يلا هبقى أتصل عليكي."
لم ينتظر آصف وهرول نحو خارج الشقة.
بينما نظرت يارا إلى حنية شكران شعرت بغصة. بينما شكران هي الأخرى لديها يقين أن هناك سبب هام غير العمل لذهاب آصف بهذه الطريقة المندفعة. نظرت إلى يارا قائلة:
"قلبي حاسس إن الموضوع مش حكاية ميعاد شغل زي ما هو قال. بتمنى ربنا يخلف ظني. وما يكونش الموضوع يخص سهيلة."
استغربت يارا ذلك قائلة:
"سهيلة! مش معقول بعد أكتر من خمس سنين يكون لسه بيفكر فيها!"
تنهدت شكران بأسى على حال آصف قائلة:
"آصف مفيش لحظة بتمر في حياته من غير ما يفكر في سهيلة، ويندم على اللي هو عمله. هو ارتكب غلطة كبيرة، بس عقاب سهيلة إنها تختار تبعد عنه كان قاسي أوي وصعب عليه. مقدرش أقول إنه ما كانش يستحق العقاب ده، بس آصف من وقتها بقى جلاد لنفسه. رغم نجاحه وشهرته بس هو مش قادر يتقبل بعد سهيلة عنه. أو إنه يقول حب وانتهى. هو لسه بيحبها ويمكن أكتر من زمان."
تنهدت يارا بأسى على حالها كيف ظنت أن آصف قد يكون نسي غرامهُ. وهي الأخرى مازالت تعاني من أول غرام لها. همست لنفسها:
"فعلاً بعدنا عن اللي بنحبهم مش سهل. أوقات بيبقى صعب إننا ننسى ونقول ماضي وانتهى."
تنهدت بأسف وهي تتذكر ذلك اليوم الذي كان نهاية قصة لم تكتمل بل شبه وأدت قبل أن تبدأ.
[بالعودة قبل خمس سنوات]
بذلك الكافيه القريب من الجامعة.
دَلفت يارا مع إحدى زميلاتها. في نفس اللحظة كان طاهر يكاد يقترب من الخروج من الباب. تجاهل عن عمد النظر إليها. شعرت بوخزات قوية في قلبها، لكن أعطت له مبررًا، فما حدث لأخته من آصف ليس هينًا. لكن تحكم قلبها بها. بعد أن علمت أن عروس آصف هي أخت طاهر، ظنت أن بزواجهما قد تقترب المسافة بينها وبين طاهر. لكن كان هذا الزواج كارثة وحلت على الجميع. أنهت آمالًا أصبحت صعبة. لكن هل تستسلم وتتنحى؟ فضلت أن تسير عكس التيار، وتنازلت عن غرورها، وقامت بالنداء على طاهر.
رغم تردده في عدم الرد، لكن بعكس إرادته توقف يشعر باختراق صوت يارا لقلبه ليس لأذنيه. تركت زميلتها وسارت تلك الخطوات القليلة، ثم قالت بطلب:
"طاهر ممكن خمس دقايق من وقتك."
نظر إلى زملاؤه الذي كان من بينهم إحدى الفتيات، قائلاً:
"حصُلكم عالمدرج."
بالفعل ذهب زملاؤه، بينما هو أشار لها بيده قائلاً:
"تمام. خلينا ندخل للكافتيريا. مش كويس وقوفنا في الشارع. كمات الطقس بارد."
أومأت له ودخلا مرة أخرى إلى الكافيه. جلسا خلف إحدى الطاولات. ظل الصمت قليلاً إلى أن تنحنحت يارا قائلة:
"أنا عارفة إنك بالتأكيد بعد اللي حصل من آصف..."
لم تُكمل يارا بقية حديثها حين قاطعها طاهر بعصبية:
"يا ريت بلاش تجيب سيرة الشخص الحقير ده. أنا فرحت لما سهيلة اطلقت منه وانتهت قصته على كده. ده شخص معدوم المشاعر من البداية. ما كنتش موافق عليه أساسًا، بس هو استغل براءة قلب سهيلة عشان يسهل انتقامه منها وهي وقعت في فخه. صحيح التجربة قاسية بس سهيلة أختي أقوى من إن حقير زي آصف يهزمها. ومتأكد إنها هترجع توقف تاني على رجليها وهتبقى أقوى. حصل ده معاها قبل كده."
نظرت يارا إلى طاهر وكادت تعترف له أنها معجبة به، أو بالاصح لديها شعور خاص ناحيته يزداد. كذلك ود طاهر أن يعترف أن لها مكانة خاصة، لكن أصبحت بعيدة كثيراً عليه. هو لن يعيد نفس القصة مع يارا. رغم اختلاف المشاعر، لكن لا يود أن يجني الفشل لاحقًا. ربما إن انتهت المشاعر من البداية أفضل لكليهما. ساعده القدر في ذلك حين صدح هاتفه برسالة. فتح الهاتف وقرأ الرسالة وتبسم دون وعي لأن الرسالة كانت مازحة من زميلته التي أخبرته: "بطل غراميات وتعالى المحاضرة الدكتور هيحط درجات العملي عالحضور النهارده."
بينما تلك البسمة التي ارتسمت على شِفاه طاهر غرست نصلًا بصدرها. حين سألته بعفوية:
"الرسالة من مين؟"
أغلق الهاتف ونظر إليها قائلاً:
"دي زميلتي اللي كانت معايا من شوية."
تساءلت يارا بعفوية:
"انت لسه سايبها من دقايق، إيه اللي استجد عشان تبعتلك رسالة؟"
لم ينتبه طاهر إلى نبرة الغيرة بصوت يارا. ظنها عادية، لكن سوء حظ أو بالأصح سوء تفكير منه أن يخبرها بإعجابه بأخرى كي يظهر أمامها أنه لديه أشخاص مهمة بحياته. قال عمدًا:
"هي بصراحة مش مجرد زميلة عادية بالنسبة لي. أنا بحس إن فيها مميزات كتير من فتاة أحلامي اللي أتمنى أكمل معاها مشواري."
ما معنى هذا الكلام؟ ما تفسيره؟ هكذا سألته هو بلوعة قلب تتمنى تفسيرًا آخر غير الذي قاله بتسرع منه:
"أنا وهي مناسبين لبعض في كل شيء. حتى أفكارنا وأهدافنا في الحياة تقريبًا واحدة. بس بصراحة أنا متردد. أنا لسه بدرس في الجامعة. غير مش عارف هي مشاعرها إيه."
بقلب منفطر أومأت برأسها بصعوبة نطقت:
"قصدك يعني إنك بـ معجب بزميلتك دي، وخايف تفاتحها وتكون هي مش بتبادلك نفس الإعجاب."
شعر أنه تسرع وأخطأ فيما قال. هو ليس لديه مشاعر لتلك الزميلة سوا زمالة فقط. لكن ذلة لسان فهمتها هي خطأ. هو معجب فقط بذكائها العلمي لا أكثر. بينما هناك مشاعر أخرى يشعر بها تجاهها هي، لكن ليس فقط يخشى تطور تلك المشاعر. هناك عائق أمام تلك المشاعر. لا يود أن يجني الخذلان كما جَنَت أخته سابقًا حين صدقت مشاعر آصف، لكن كان كاذبًا وخداعه كاد يوصلها للموت.
بينما هي تشعر بانهيار داخلي. فقط هي هيئة تتماسك أمامه حتى لا تبكي وتلومه لما حرق قلبها بهذه الطريقة. لكن أعطته عذرًا. بالتأكيد لن يلتفت لها بالنهاية. هي نصف شقيقه لـ آصف الذي شبه دمر قلب أخته. مثلما تدمر قلبها هي الآن.
أومأ برأسه.
كانت تلك الإيماءة وأد لمشاعر الاثنين. وكان هذا آخر لقاء مباشر بينهما. رغم أنهما تقابلا لاحقًا، لكن لم يتحدثا مباشرةً.
[عودة]
رغم مرور سنوات، لكن مازالت تحتفظ بقلبها بتلك المشاعر البريئة، والحب الأول الذي لم يكن سرابًا سهل نسيانه كما ظنت. بل ربما مازال يأسر مشاعرها.
***
بسيارة آصف كان يقود بسرعة كبيرة على الطريق. بداخله نزيف. سمع صوت رنين هاتفه. للحظة توقع من يتصل عليه، لكن حين أخرجه من جيبه كان شخصًا آخر. وضع الهاتف جواره ثم أوصل سماعة الأذن بأذنيه وسمع قول الآخر:
"بعتلك المعلومات اللي وصلتني عن 'شاكر المنصوري'."
تنهد آصف بفضول قائلاً:
"تمام. قولي مختصر المعلومات دي."
رد الآخر:
"شاكر هو المساعد الأول بتاع مي المنصوري، وهي تقريبًا فارضة شخصيتها عليه، حتى في حياته الشخصية هي مسيطرة عليه."
تساءل آصف:
"قصدك إيه بـ مسيطرة عليه؟"
رد الآخر:
"يعني حتى في حياته الشخصية هي اللي اختارت له مراته. رغم إن في قالوا إنه كان على علاقة بالسكرتيرة الخاصة بيه، بس البنت دي اختفت من الشركة تمامًا. وهو فجأة اتجوز من بنت واحد من رجال الأعمال المشهورين، وما حصلش بينهم وفاق وتم الطلاق بالتراضي بينهم. ومن وقتها وهو كل فترة يطلع عليه إشاعة ارتباطه بأي بنت وبعدها تنتهي الإشاعة. في بيرجحوا ده لـ مي هي اللي بتضغط عليه يتراجع قبل خطوة الجواز. طبعًا عشان مصالحها ما تتأثرش بارتباطه ببنت دون المستوى اللي هي بتسعى إليه. وفي ترجيح تاني كمان."
توقف الآخر للحظات. تسرع آصف بسؤال عله يصل للإجابة الذي يريدها، ويصل لبداية خيط يستطيع معرفة قاتل أخيه:
"إيه هو الترجيح التاني؟"
رد الآخر:
"الترجيح ده من عندي. ممكن شاكر يكون لسه على علاقة بالسكرتيرة دي في الخفاء بعيد عن مي. لأن أثناء مراقبته اليومين اللي فاتوا لاحظت تردده على فيلا بمنطقة سكنية جديدة شبه خالية من السكان."
ابتلع آصف ريقه قائلاً بأمر:
"تمام. عايزة تعرف لي سبب تردده على الفيلا دي، بأسرع وقت."
أغلق آصف الهاتف وأزاح سماعة الأذن لدقائق. ظل يفكر بشخصية مثل شاكر التابع لقرارات امرأة. هل يشبه أخيه "سامر" في الميول الشاذة؟ لكن نحى ذلك عن رأسه وجذب الهاتف وقام باتصال آخر ثم وضع سماعة الأذن مرة أخرى حتى سمع رد الآخر عليه. سأله باندفاع:
"عرفت منين إن سهيلة هيتقدم ليها عريس؟"
تهكم عليه ضاحكًا يقول:
"واضح إنك لسه عاشق يا سيادة المحامي المبجل."
تضايق آصف قائلاً بهجاء:
"للأسف يا أسعد باشا رغم إني بشبهك كتير بس مطلعش لك في الحتة دي. قلبي مش مساعد يساع أكتر من ست. قولي عرفت منين؟"
تبسم أسعد يشعر بز هو رغم هجاء آصف له وتذكر [قبل أقل من ساعة ونصف]. أثناء جلوسه بسيارته الخاصة، التي يقودها السائق الخاص به على طريق البلدة الشبه ترابي. زفر نفسه يشعر بضجر. صدفة رفع رأسه ونظر إلى تلك المرآة الأمامية للسيارة. لفت نظره تلك التي تسير على جانب الطريق. علم هويتها سريعًا. إنها شبيهة الماضي. تذكر بالأمس حين تعمد تجاهلها أثناء تجوله بالبنك. كذلك هي لم تلفت نظره إليها. فكر لثواني قبل أن يتخذ قراره الخبيث، وأمر السائق:
"وقف العربية."
نفذ السائق ما أراده وتوقف بالسيارة. انتظر أسعد لدقائق حتى اقتربت هويدا وكادت تمر من جوار سيارته. لكن هو فتح باب السيارة وطل من خلفه قائلاً:
"أستاذة هويدا ممكن خمس دقايق من وقتك."
للحظة ارتبكت هويدا وشعرت بهزة في جسدها رجفة. ونظرت حولها بكل اتجاه. كان الطريق شبه خاليًا. مارَّة قليلون وكل ينتبه لسيره. لكن فكرت أن تدلل وترفع من شأنها وسألت وهي تقف بجوار السيارة:
"خير يا أفندم؟"
تبسم أسعد مجاوبًا:
"خير. اركبِ العربية. مش هينفع الكلام وإنتِ واقفة جنب باب العربية."
بذكاء منها تلفتت حولها وقالت له:
"ميصحش أركب مع حضرتك العربية واقفة في نص الطريق."
تبسم لها قائلاً:
"هما خمس دقايق مش أكتر."
وافقت هويدا قائلة:
"تمام بس سيب باب العربية مفتوح."
تبسم أسعد وابتعد للخلف في المقعد ونظر إلى السائق عبر مرآة السيارة. فهم السائق نظرته وترجل من السيارة بنفس الوقت التي صعدت فيه هويدا إلى السيارة. ارتبكت. لكن سرعان ما شهقت شهقة طفيفة بخضة حين صدح رنين هاتفها. فتحت حقيبة يدها كي تغلق الهاتف. لكن علمت هوية المتصل. نظرت لـ أسعد ثم للهاتف الذي مازال يدق بيدها. حسمت أمرها وقامت بالرد بهدوء وثبات.
"مساء الخير يا ماما."
ردت عليها سحر مباشرةً:
"خلصتِ شغلك في البنك تعالي على الدار عندنا عشان تبقي جنب أختك."
استغربت هويدا سائلة:
"أبقى جنب أختي؟ ليه مالها؟"
تبسمت سحر قائلة:
"بخير، بس عشان تبقي جنبها. سهيلة الليلة في عريس جاي يتقدم ليها."
ذهلت هويدا سائلة:
"وسهيلة تعرف بالموضوع ده؟ وموافقة عليه؟"
ردت سحر:
"أيوه، ده دكتور من اللي كانوا بيشرفوا على رسالة الدكتوراه بتاعتها. يلا تعالي عندنا عالبيت ابقي جنب أختك."
ردت هويدا:
"طيب يا ماما."
أغلقت هويدا الهاتف مازالت تشعر باستغراب. لكن نفضت ذلك ونظرت لـ أسعد قائلة:
"حضرتك قلت خمس دقايق."
راوغها أسعد قائلاً:
"خير؟ شايف ملامحك اتغيرت بعد المكالمة."
صمتت لحظات مازالت مشدوهة. لكن تخابث أسعد قائلاً:
"آسف إن كنت أزعجتك بالسؤال. أكيد ده شيء خاص. ما كانش قصدي أتطفل عليكِ."
نظرت له هويدا قائلة دون قصد منها:
"لأ أبدًا مفيش إزعاج. كل الحكاية ماما عاوزاني أبقى جنب أختي."
زاد الفضول داخل أسعد سائلاً:
"ليه خير مالها؟"
ادعت هويدا الطيبة قائلة:
"أبدًا الحمد لله هي بخير. بس متقدم ليها عريس وماما عاوزاني أكون معاها عشان أنا أختها الكبيرة."
سهَم أسعد للحظات. يفكر هل يعلم آصف بذلك. وماذا سيكون رد فعله. أليست هذه هي سهيلة التي بسببها حدث بينهم فجوة وجفاء منذ سنوات. بينما قالت هويدا:
"حضرتك منظر وقوف العربية في نص الطريق كده مش لطيف."
تنحنح أسعد معتذرًا:
"متآسف إن كنت حطيتك في موقف حرج. عالعموم هدخل في الموضوع مباشرةً. أنا مدير الحسابات اللي كان عندي للأسف في الفترة الأخيرة كبر في السن وبقى محتاج له مساعد يخلص بعد التعاملات الخاصة في البنوك. وكان رشح لي كذا محاسب يساعده في إدارة الحسابات الخاصة بيا. وأنا بصراحة مدير البنك الزراعي مدح لي في شُغلك كتير. وإنك عندك خبرة خسارة تشتغل في بنك صغير زي ده. فأنا كنت لسه هكلم مدير البنك يفاتحك في الموضوع ده، بس الصدفة إني شوفتك النهارده. وقلت أفاتحك أنا مباشرةً دون وسيط. يعني تبقي مساعدة مدير الحسابات عندي. وطبعًا المرتب اللي هتطلبيه."
فرصة عظيمة لها وآتت على طبق من ذهب. لكن فكرت لو وافقت مباشرةً قد يظن أنها ملهوفة. تحدثت بتردد كاذب:
"بصراحة دي فرصة كويسة جدًا. بس للأسف أنا عندي مسؤوليات. أنا زوجة وكمان أم. يعني هنا ابني بيفضل عند ماما لحد ما برجع من البنك."
تسرع أسعد قائلاً:
"سهل ابنك يروح حضانة متخصصة في وقت العمل. عالعموم أنا هسيب لكِ فرصة تفكري وهنتظر ردك واتمنى يكون بالموافقة. واتفضلي ده كارت برقمي الخاص والمباشر."
أخذت هويدا الكارت من أسعد وترجلت من السيارة. لكن قبلها قالت:
"تمام هفكر وأرد عليك."
رد ببراعة:
"هنتظر قرارك وأتمنى يكون بالموافقة. إنتِ مكسب كبير لأي مكان بتشتغلي فيه."
تبسمت وهي حاسمة أمرها. لكن لا مانع من بعض التعزيز لنفسها. بينما أسعد من خبرته السابقة في التعامل مع النفوس البشرية على يقين بأنها فقط تتعزز وستوافق لاحقًا.
بعد قليل بـ سرايا شعيب بغرفة المكتب. فكر فيما علمه من هويدا عن طريق الصدفة، بأمر خطوبة سهيلة. تبسم بشمات ولم يظل كثيرًا قبل أن يتصل على آصف. لكن تبسم على عدم رد آصف عليه، بل وإغلاقه للاتصال. لكن لم يستسلم قام بإرسال رسالة متهكمًا بسخرية وشمات: "يا ترى الحارس الخاص اللي معينُه لحراسة الدكتورة سهيلة حرمك المصون، عرفك إن في عريس هيتقدم ليها الليلة؟"
علم بالتأكيد أن آصف سيقرأ الرسالة. ضحك بتشفي وهو يضع الهاتف فوق المكتب أمامه ينتظر إعادة اتصال آصف عليه. حتى إن كان اختار أن يبتعد عن دائرته، لكن يعلم خِصاله جيدًا. آصف بارد لكن بشأن سهيلة هو بركان خامل سهل الانفجار بلحظة. وها هو آصف لم يخيب توقعه من ناحيته وعاود الاتصال عليه.
[عودة]
عاد أسعد يضحك وهو يرد على سؤال آصف:
"وصلني الخبر من مصدر موثوق. أكيد هي متعرفش إنها لسه على ذمتك. وعشان كده وافقت على الارتباط بشخص تاني. الله أعلم مين ومشاعرها إيه اتجاهه. أصل المشاعر مع الوقت بتتغير بسهولة. بس العيب مش عليها العيب على اللي ردها لذمته و..."
قطع أسعد بقية تهجمه على آصف حين سمع صوت إغلاق آصف لهاتفه.
رغم ضيقه، لكن تبسم وهو يتخيل ملامح وجه آصف.
بينما آصف تضايق بشدة وزاد في سرعة السيارة، يشعر بغضب كفيل بهدر دم ذلك العريس الذي ربما يتوقع من يكون.
***
مساءً.
بقاعة فخمة بأحد الفنادق الكبرى بالقاهرة كان هناك تجهيز لعرضًا ضخمًا لأشهر مصممي الأزياء. والراعي الرسمي له هو شهيرة التي وافقت على طلب ذلك المصمم وأن تعرض هي الفستان الخاص بنهاية العرض. منذ سنوات لم تسير على ذلك المسرح الخاص بتلك العروض، لكن مازالت تمتلك الرشاقة والسير على المسرح لن يكون صعبًا عليها. مازالت تمتلك الجرأة والثقة بالنفس وهذا كل ما تحتاج إليه. وها هي تسير على المسرح تعرض ذلك الفستان الذي يصف ويشف بعضًا من أجزاء جسدها. تحصد إعجاب وإطراء مهتمي الموضة وكذلك عدسات التصوير. توقفت أمام تلك العارضات الصغيرات وهن خلفها مثل الملكة والرعية. كان حلمهن أن يصبحن مثلها يومًا ما. تشعر أنها نالت القمة كما أرادت. وقفت تصفق بأناقة لـ مصمم العرض الذي يقترب من مكان وقوفها وانحنى يقبل يدها ثم أعطاها تلك الباقة من الورود. وأتبع ذلك بتقبيل وجنتيها. امتلكتها زهوة خاصة، تشعر أنها ماسة وكل العيون تتشهى النظر إليها. لم تمنع ذلك غير آبهة بعدسات الهواتف الذكية وعدسات بعض مواقع الموضة وكذلك القنوات الخاصة. ولم تهتم بما سيحدث لاحقًا.
***
منزل أيمن، غرفة سهيلة.
جلست سهيلة على مقعد أمام المرآة تنظر إلى نفسها. شعرت بالبرودة تغزو قلبها. دمعة فرت من عينيها هنا قبل سنوات جلست هكذا. كان بداخلها أملًا أن تحصل على السعادة مع من كان مازال قلبها ينبض بعشقه وقتها. صدقت أكاذيبه الذي كان يخفيها خلف تلك النظارة المعتمة التي كانت تخفي جحيمًا لها معه. دمعة أخرى سالت وهي تتذكر رفض والداها. لكن تخلى غصبًا عن هذا الرفض لاحقًا حين أظهرت أنها راغبة بالزواج من آصف. آصف الذي قصف بداخلها كل الأماني والأحلام. جعلها تفيق على حقيقة واحدة أنها أصبحت جسد بلا روح. فقط أرادت أن تثبت أنه لم يهزمها كما ظن. عادت تنهض تقف على ساقيها تُكمل طريق. كل ما تريده هو أن تظهر كامرأة ناجحة لم تُهزم من أقوى تجربة سيئة مرت بحياتها. حتى كانت أقسى من تلك الأشهر التي قضتها بين قضبان السجن. لا تعلم لما وافقت على عرض بيجاد. هناك ترجيحات قليلة جدًا. هل أرادت أن تبدأ حياتها مرة أخرى من جديد؟ هل أرادت أن تضع نهاية وحائط صد أمام آصف، بعد عودة ظهوره أمامها؟ والترجيح الأقرب هي أرادت أن تثبت أنها أقوى دائمًا وهي فقط من تتحكم بإرادتها.
رفعت يديها وجففت تلك الدمعة حين سمعت صوت مقبض باب الغرفة. رسمت بسمة مزيفة حين رأت دخول آسميه تحمل حسام قائلة بمرح:
"يلا يا حسام سقف لـ سهيلة وقولها مبروك."
صفق حسام بيديه مرحًا. بينما اقتربت آسميه من سهيلة وقامت بتقبيل وجنتيها بمحبة. لكن سرعان ما سئم وجهها حين دخلت هويدا للغرفة ونظرت إلى سهيلة قائلة:
"مش تحطي روج أو كحل في عينك، ينوروا وشك شوية. اللي يشوفك يقول حد غاصب عليكِ."
نظرت لها آسميه بنزق قائلة:
"مالها وشها منور من غير أي مكياج يخليها شبه البلياتشو."
تضايقت هويدا وصمتت. عقلها مشغول بعرض أسعد الذي بالنسبة لها فرصة كبيرة لن تضيعها.
***
ألمانيا.
أغلق مدحت ذلك الصندوق مبتسمًا، يقول:
"أنا مبسوط من فترة مكسبتش في لعب الطاولة ولا الشطرنج."
نظر آيسر إلى تلك الصامتة التي تشاركهم فقط بالمشاهدة. وتيقنت من خباثة آيسر الذي كان من السهل عليه ربح والدها أكثر من مرة، لكن كان يتغاضى عن ذلك ويتقبل الهزيمة. تبسم قائلاً بمرح:
"أول مرة تحصل معايا وأنهزم في لعب الطاولة والشطرنج، بس المثل بيقول: الخسران في اللعب كسبان في الحب."
تبسم أيضًا مدحت هو الآخر معترفًا أن آيسر أحرف منه، لكن كان يتعمد الخسارة من أجل يماطل في الوقت حين يطلب منه اللعب مرة أخرى تعويضًا لخسارته. أُعجب كثيرًا بذكاء آيسر، لكن طال الوقت وبدأت روميساء في التثاؤب. وضح على وجهها الإرهاق. تبسم وهو ينهض قائلاً:
"أنا لسه قدامي أسبوع بحاله هنا في ألمانيا. ولازم ألعب مع حضرتك جيم مرة ثانية عشان أعوض خسارتي النهارده."
تبسم مدحت له قائلاً:
"تمام. هستناك بكرة في نفس الوقت. بصراحة إنت لاعب ممتاز وخليتني أحس بزهو وفخر إني حريف."
تصعب آيسر بمرح قائلاً:
"المثل بيقول يا بخت من بات مغلوب، ولا إيه يا رومس."
تعصبت روميساء من نطقه هذا الاسم وقالت:
"اسمي روميساء. وماليش في الأمثال والكلام الفارغ. مش بعترف غير بالأحقية والجداره. غير كده يبقى فشل. وبالذات لما يكون الشخص كان قدامه أكتر من فرصة للفوز ويضيعها بإيده يبقى 'مغفل'."
رسم آيسر بسمة برود قائلاً بحنكة:
"أوقات ممكن الشخص يتنازل عن فوز كان قدامه سهل، عشان يكسب الصعب بسهولة بعد كده."
تنهدت روميساء بضجر من هذا السمج الذي يحاور من أجل المماطلة وبقاؤه أكثر. لكن هي ضاقت ذرعًا منه تهكمت بلوى شِفاها بسخرية. تبسم آيسر، يعلم أنها على شفا لحظة وستقوم بطرده مباشرةً. تنحنح قائلاً بسماجة متعمدة:
"إن شاء بكرة هاجي في نفس الميعاد، يا عم مدحت، ويمكن يكون معايا الحظ وأنا اللي أكسب حضرتك. أصل الحظ مش دايماً بين لحظة والتانية اللعبة بتتغير."
ماذا لو صفعته الآن؟ لا. ماذا لو قامت بإلقائه من شرفة الشقة؟ لا. ماذا لو قامت بضربه على رأسه بقوة ضربة أفقدته الذاكرة؟ هذا أفضل حتى ترتاح من رؤية ذالك السمج مرة أخرى.
لكن لا تعلم أنها أمام طيار مثابر.
***
أمام منزل أيمن.
ترجل آصف من السيارة هرول سريعًا نحو باب المنزل مباشرةً. دق الجرس، وانتظر اللحظة تمُر ساعات.
بينما بداخل المنزل.
رحب كل من آسميه وأيمن بـ بيجاد، كذلك سحر. جلسوا جميعًا بغرفة الضيوف بينهم حديث هادئ. حاز بيجاد على إعجاب آسميه ببساطته ومرحه. بينما كانت هويدا تشعر بالسخافة منه. دق جرس باب المنزل. كادت تنهض سحر، لكن نهضت هويدا قائلة:
"خليكِ يا ماما أنا هفتح الباب أشوف مين."
ذهبت هويدا فتحت باب المنزل، نظرت أمامها بذهول. بالتأكيد هذا مستحيل. لكن فكر عقلها، أيعقل أن يكون أسعد أخبره؟ وجه آصف واضح عليه الغضب. انزاحت قليلًا بجوار باب المنزل. دلف آصف دون استئذان منها.
بينما بغرفة الضيوف تنحنح بيجاد قائلاً:
"أنا سبق وطلبت من الدكتورة سهيلة إنها تقبل وتتجوزني. وهي أبدت موافقة. وحسب الأصول المفروض كان يبقى معايا حد من عيلتي. بس أنا ماليش غير أمي وأختي مسافرة مع جوزها السعودية. للأسف ماما مقيمة عندها الفترة دي تراعيها عشان حامل ومعاها أولاد محتاجين رعاية. فانا قلت أجي لحضرتك أطلب إيد سهيلة ونقرأ الفاتحة وإن شاء الله."
توقف بيجاد عن تكملة حديثه حين سمع صوت تصفيق. كذلك توجهت أنظار من بالغرفة بغضب إلى ذلك الذي اقتحم الغرفة يصفق.
رغم أنه يشعر بنيران تتآكل بداخله، لكن رسم الهدوء والبرود، وتوقف عن التصفيق قائلاً باستفزاز:
"الشو خلص. مقدرش أقول غير إن الأداء كان هزلي، يفطس من الضحك. مش معقول يا دكتور جاي عشان تطلب إيد الدكتورة. وهي على ذمة زوج. بصفتي بمارس مهنة المحاماة قانونًا ده يعتبر سفه منك."
شعرت سهيلة بتيبس بساقيها. حاولت النهوض حتى وقفت عليهم بصعوبة ونظرت له بنفور وغضب قائلة بتكذيب:
"بس أنا مش على ذمة زوج، ولا..."
قاطعها وهو يقترب منها بخطوات واثقة يظهر برودًا يثلج صدرها:
"ولا يا دكتورة، إنتِ مراتي شرعًا وقانونًا."
ذهل عقل سهيلة وتعلثمت قائلة:
"مستحيل إحناطلقنا وفي قسيمة طلاق تثبت ده."
ضحك آصف باستفزاز قائلاً بثقة:
"كنت متوقع إنك مش هتقري وثيقة الطلاق. كان كل هدفك تشوفي إمضتي على قسيمة الطلاق وخلاص. بس نسيتِ إني كنت على درجة مستشار أول يعني كنت قاضي قبل ما أبقى محامي. وأفهم. وأعرف أستغل ثغرات القانون وأطوعها لمصلحتي كويس. تفتكري كان ممكن بسهولة أوافق عالطلاق غير لو عارف إني هقدر أردك تاني لـ ذمتي حتى لو كان بدون علمك. الطلاق كان راجعي يا دكتورة."
ذهلت سهيلة تنظر له ببغض وغضب ساحق وهي تراه يتقدم بالسير إلى أن توقف أمامها مباشرةً يضع عيناه بعينيها بوقاحة. ارتجف جسدها، تشعر بضياع. ازداد تأثيرًا حين أخرج آصف من جيبه وثيقة وقام بمد يده بها لها قائلاً بثقة مفرطة:
"فاكرة سبق وقولتلك هتفضلي مراتي لحد آخر لحظة بعُمري اللي ربط بينا عشق غازي مستوطن بقلبي. صعب.. لاء... مستحيل... تتحرري من عشقي بلحظة."
أخذت سهيلة الورقة من يد آصف وقرأتها. هي حقًا وثيقة زواج أخرى بتاريخ قبل نهاية فترة عدتها. ذُهلت تشعر برجفة قائلة بتعلثم:
"ده مستحيل."
رسم بسمة باردة قائلاً بأحقية له:
"أنا فعلًا مستحيل أتخلى عن حقي فيكِ يا سهيلة، بس تأكدي إني جيت لكِ مرتين المرة التالتة إنتِ اللي هتيجي لحد عندي."
اقترب أكثر منها هامسًا جوار أذنها بثقة:
"وقريب جدًا."
لم يخجل من الجالسين وطبع قبلة على وجنتها وأتبعها بعشق متملك:
"يا حبيبتي."