تحميل رواية «عشق مهدور» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى القرى التابعة لمحافظة كفر الشيخ، تلك المحافظة التي تقع بمنتصف دلتا مصر، ولديها ظهير يطل على أحد شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهي أرض خصبة. صباحًا باكرًا، في سرايا فخمة وعريقة تتوسط مجموعة من الأفدنة مزروعة ببعض أشجار عين الجمل وبعض الأشجار الأخرى المثمرة، وحديقة خاصة تحيط بالسرايا بها بعض الزهور ونباتات الزينة. على صوت زقزقة تلك العصافير التي تسكن بأعشاشها على فروع تلك الأشجار. استيقظت تلك المرأة التي في منتصف الخمسين من عمرها. نهضت تُهندم فراشها، ثم توجهت ناحية مطبخ السرايا. لم يمضِ وقت...
رواية عشق مهدور الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سعاد محمد سلامة
بسبب إصرار شُكران، إمتثلت سهيله وذهبت إلى الشقه.
في أقل من نصف ساعه كانت تفتح باب الشقه ودلفت مباشرةً إلى غرفتها.
تبسمت حين رأت صندوق ورقي أنيق.
ظنت أن الشقه خاويه.
لم تُغلق باب الغرفه.
خلعت ثيابها وارتدت ذاك الثوب الذي حاز على إعجابها.
لكن قبل أن تغلق سحاب الفستان، ذهبت نحو مرآة الغرفه.
لكن شعرت برجفه حين رأت انعكاسًا خلفها.
بين إطاري باب الغرفه، استدارت سريعًا قائله:
"آصف!"
ابتلعت ريقها وتسألت:
"إنت هنا من إمتي؟"
تبسم آصف قائلًا:
"يادوب لسه جاي من الاوتيل، سيبت آيسر مع حماه وجيت عشان أغير هدومي."
للحظة انسدل الفستان قليلًا وأظهر جزء لا بأس به من كتف سهيله.
سريعًا جذبته على كتفها، تشعر بخجل.
تبسم آصف على وجهها الذي احمر.
ود في هذه اللحظه أن يجذبها ويقبلها، لكن تريث حتى لا يسبب رهبه لها.
ظل صامتًا للحظات يتأمل ملامحها، وهي تمسك طرفي الفستان من خلف عنقها حتى لا ينسدل مرة أخرى.
انتبه حين صدح رنين هاتف سهيله.
"هروح أغير هدومي عشان ميعاد القاعه."
أومأت رأسها ببسمه، ثم تنفست بقوة حين ابتعد آصف عن إطار الباب.
ثم قامت بالرد على هاتفها مبتسمه تقول:
"تمام يا بابا أقابلكم في القاعه."
أغلقت الهاتف ووضعته على الفراش.
ذهبت مرة أخرى للمرآة، لفت يديها خلف ظهرها تغلق سحاب الفستان حتى منتصف ظهرها.
توقف السحاب عن الانغلاق.
حاولت أكثر من مرة، لكن لا فائدة.
ذمت نفسها ليتها أخذت الفستان وعادت إلى شقة آيسر، كانت وجدت من أغلق لها السحاب دون عناء منها.
ترددت كثيرًا قبل أن تخرج من الغرفه وتذهب نحو غرفة آصف.
توقفت تشعر برهبه، كذلك خجل.
كيف ستطلب منه ذلك؟
لكن الوقت يمر وعليها العودة إلى شقة آيسر.
ازدردت ريقها ورفعت يدها، طرقت على باب غرفة آصف الذي كان مواربًا.
بنفس الوقت كان آصف بدل ثيابه بأخرى أكثر أناقة، لكن كان لا يزال لم يغلق بعض أزرار القميص من فوق صدره.
نظر خلفه نحو باب الغرفه وتبسم لـ سهيله قائلًا:
"خلاص قربت أخلص لبس."
خجلت منه قائلة بتردد:
"مش جايه عشان أستعجلك، أنا... أنا... أنا...."
لاحظ آصف ترددها واقترب منها قائلًا:
"إنتِ أيه."
عضت على شفاها بخجل، وقالت بتسرع كي تنتهي من هذا الموقف المحرج، كذلك حاولت السيطرة على ذاك الرهاب:
"سوستة الفستان شكلها علقت...."
فهم آصف قصدها دون أن تكمل حديثها.
اقترب منها مبتسمًا، بداخله انشراح.
ربما زال بعض من ذاك الرهاب لدى سهيله منه.
رفع يديه من الأمام وكاد يضمها، لكن سهيله عادت خطوة للخلف ثم أدارت ظهرها له، وكادت تغادر بعد أن كادت تتحكم بها الرهبه مرة أخرى.
لكن رغم غصة قلب آصف، لكن سريعًا وضع يده على سحاب الفستان.
جعلها رغما عنها تتوقف حتى أغلق السحاب، بلا أي تلامس منه لظهرها النصف عاري أمامه، رغم شوقه لذلك لكن لا يود إثارة رهبتها منه.
بينما سهيله، أغمضت عينيها للحظات تشعر بأنفاسه قريبة منها.
سار شعور آخر مع تلك الرهبه، شعور لم تستطع تفسيره.
لكن بمجرد أن شعرت بانتهاءه من غلق سحاب الفستان، ابتعدت دون النظر إليه قائلة:
"شكرًا هروح ألبس الطرحة عشان منتأخرش."
تبسم آصف وزفر نفسه يشعر بتوق.
لكن انتبه هو الآخر على الوقت.
دَلفت سهيله إلى غرفتها.
توقفت للحظات تستنشق الهواء تشعر بخفقان زائد بقلبها.
لكن انتبهت وذهبت نحو الفراش.
جذبت وشاح رأس مضاهي للون الفستان، ثم قامت بلفه حول شعرها وعنقها.
نظرت في المرآة تبسمت بإعجاب من هذا الفستان ذو الذوق الراقي الذي لا يحتاج إلى أي إكسسوار خاص به.
لكن نظرت إلى تلك العلبة المخملية الموضوعة على جانب درج مرآة الزينة.
هي نفسها العلبة الذي أعطاها لها آصف ليلة ذهابهم إلى عيد ميلاد تلك الوقحة.
فكرت للحظات قبل أن تحسم أمرها وفتحت العلبة، لكن لم تجذب منها سوى قطعتين فقط، ذاك الخاتمين.
نظرت إليهم بتفكير كثير قبل أن تسمع صوت آصف من خلفها يقول:
"أنا جاهز."
بلا وعي، أو ربما أراد قلبها ذلك، وضعت الخاتمين خلف بعضهم ببنصر يدها اليسرى.
وارتبكت قائلة:
"أنا كمان جاهزة بس هلبس الشوز."
تبسم آصف لها وهي تضع قدميها واحدة خلف أخرى بذاك الحذاء.
انحاز جانبًا حتى خرجت سهيله من الغرفه.
لكن بسبب طول الفستان تعرقلت سهيله وكادت تقع، لكن أمسك آصف يدها وجذبها عليه.
شعرت بخضه وهي بين يدي آصف.
الذي نظر لوجهها المصطبغ ببعض الاحمرار، كذلك بعض المساحيق الخفيفة غير الملحوظة وذاك الكحل الخفيف الذي يبرز أهداب عينيها السوداء الواسعة مثل الفضاء.
كل شيء بها له جاذبية خاصة لديه، انتهاءً بشفتيها اللتان انفرجتا قليلاً بسبب الخضه.
شوق وتوق لم يستطع التحكم بهما، ليحدث ما يحدث لاحقًا، هكذا أوحى له عقله وهو يجذبها بين يديه يضمها لصدره غير مباليًا لتلك الرجفه التلقائية.
وبلا انتظار كان يعانق شفتيها بشفتيه، بقبلة عاشق.
ارتجفت سهيله وبرد فعل تلقائي متسرع منها، رفعت يديها تدفع آصف للابتعاد عنها.
لكن ضغط آصف وضم جسدها بين يديه وظل يقبلها إلى أن كادت تمتثل لتلك القبلات.
لكن ترك شفاها مرغمًا بسبب رنين هاتفه.
ترك شفاها وظل محتضنها للحظات يشعر بأنفاسها السريعة.
لكن رنين الهاتف المستمر جعله يفك حصار يديه عنها سريعًا.
ابتعدت عنه تشعر باستغراب من نفسها لما لا تنهره، أو تبدي رد فعل آخر.
حتى قبل أن تتفوه نظر لها آصف قائلًا:
"خلينا نمشي، ده كان آيسر بيستعجلني... بيقول إنه خرج من الاوتيل في الطريق للشقه."
لم ينتظر وسار خطوات نحو باب الشقه وهي خلفه تتبعه تشعر بمشاعر متخبطه بين الرهبه ومحاولتها التغلب عليها.
حتى بالطريق ساد الصمت.
إلا من نظرات آصف لها بين الحين والآخر.
حتى وصلا أمام البناية الخاصة بشقة آيسر.
ترجلا من السيارة وتبسما حين رأيا آيسر يقف أمام سيارته.
لكن ساءت ملامح آصف حين رأى أسعد يترجل من سيارته يتوجه ناحية آيسر.
لكن لم يبالي به.
عادت سهيله من شرودها حين شعرت بيد آسميه على كتفها.
تبسمت لها.
بينما هويدا شعرت بغضب حين رأت أسعد يميل يهمس لـ شكران وهي تبتسم.
كذلك تبادل نظرات عينيه نحو آصف وسهيله.
لكن أرادت معرفة رد فعل شهيره.
نظرت نحوها.
لكن وقع بصرها على تلك الدلاية السوداء اللامعة التي تعبث بها بإحدى يديها.
تذكرت أنها رأت مثل تلك القطعة سابقًا.
سرعان ما تذكرت أين وعادت تنظر لها بتتمعن.
غير مصدقة.
هي رأت شهيره وعادل يقفان أمام البنك سابقًا.
لكن لما كانت تلك الدلاية مع عادل؟
قطع كل تلك النظرات والهمسات، حين تحولت أنظارهم نحو ذاك الذي يمسك مكبر الصوت بيده ويغني:
"على رمش عيونها قابلني هوا طار عقلي مني وقلبي هوى، وأنا ياللي كنت طبيب الهوى ولاهل العشق بييع الدوا من نظره لقيتني صريع الهوى... لها ضحكه يا ويلي بلون السهر لما الورد بيملي شفايفه قمر، ضحكه لها بالودن ابتسامة القدر فوق خدود العطاش في ليل المطر"
ضحك آصف لذاك الأحمق الذي اقترب منه وجذبه للوقوف جواره يتشاركان نفس الاغنية، كل منهم يقصد حبيبته.
تبسمت لهما شكران بسعادة تخفي حزنها على ثالثهم.
لكن آيسر ذهب نحوها وجذبها هي الأخرى.
وقفت بالمنتصف بين آصف وآيسر فقط تصفق لهما مبتسمه.
حتى انتهت تلك الأغاني.
انحنى الاثنين وقبل كل منهم يدها.
تبسمت لهم بمودة وقبلتهم من وجناتهم، سعيدة.
بذاك اللمعان بعيونهم.
عاد آيسر إلى روميساء الجالسة تبتسم، تشعر بسعادة.
وكأنها لا تشعر بنقص اليوم.
لن كانت ستجد أمًا أحن من شكران.
لكن ادعت السأم حين اقترب منها آيسر وجلس جوارها يبتسم بلهث.
بينما آصف تمسك بيد شكران إلى أن جلست خلف الطاولة مرة أخرى.
انحنى يقبل يدها مبتسمًا ثم جلس جوار سهيله.
وتبسم وأماء رأسه باحترام لـ آسميه التي لمعت عينيها وتبسمت له لأول مرة.
***
انتهى الزفاف الصاخب.
اصطحب آصف كل من سهيله وشكران وصفوانه معه بالسيارة.
كذلك آسميه التي جلست بالمقعد الخلفي جوارهن.
بينما سهيله جالسة بالمقعد الأمامي جوار آصف.
كان هنالك حديث متبادل بينهن عن أفعال حدثت بالعرس.
كذلك ضحكات مرحة بينهن.
إلى أن وصلن إلى الشقه.
دلفن وخلفهن آصف.
الذي تبسم لـ شكران التي تتثائب قائلة:
"الحمد لله أخيرًا رجعنا لهنا جسمي كله همدان، أنا كنت خايفة آيسر يمد الفرح للفجر."
تبسمت لها صفوانه بمرح قائلة:
"مش آيسر اللي كان هيمدها دي روميساء، لو الود ود آيسر كان نص ساعه ونهى الفرح."
تبسمت لهن آسميه قائلة:
"والله كانت ليلة حلوة بس أنا عضمة كبيرة جسمي كمان وجعني، وفي الأول وفي الآخر على رأي المثل العروسة للعريس، ربنا يهنيهم ببعض."
آمنت شكران على ذلك قائلة:
"آمين يارب، هروح أتوضأ وأصلي لهم ركعتين وأدعي ربنا يهنيهم... تصبحوا على خير."
تبسمت لها صفوانه التي انسحبت هي الأخرى.
ظل سهيله وآسميه التي تبسمت حين انحنى آصف وقبل يدها قائلًا:
"تصبحِ على خير."
استغربت آسميه من ذلك وكذلك سهيله.
لكن استغربت أكثر من قبول جدتها لذلك ويدها التي وضعتها فوق كتف آصف ونظرت إلى عينيه ثم تبسمت.
كذلك آصف الذي فعل ذلك قصدًا، لكن ليس نفاقًا ولا رياء ولا لأي غرض.
فقط أراد بذلك كنوع من الامتنان لـ آسميه.
آسميه هي التي أعادت سهيله مرة أخرى لتحارب الحياة وتهزم ضعفها ذاك الوقت الذي تسبب بأذيتها.
رفع رأسه ونظر لـ سهيله:
"تصبحوا على خير."
أومأت له ببسمه تشعر بتصارب مشاعرها.
ذهب نحو غرفته ثم دلفت سهيله وآسميه إلى الغرفة الأخرى.
بعد قليل فردت آسميه الممددة على الفراش يديها بمودة قائلة:
"حبيبتي الغالية تعالي لحضني واحشاني قوي قوي."
تبسمت سهيله لها وصعدت الفراش تضمها بمحبة قائلة:
"وأنتِ وحشتيني قوي يا تيتا، لما بابا وماما قالوا هيباتوا مع هويدا في الشقه اللي هي مأجراها قولت أكيد مش هتروحي معاهم أنا عارفه إن إنتِ وهويدا مش بترتاحوا مع بعض."
تبسمت آسميه وهي تضم سهيله وزفرت نفسها:
"والله هويدا نفسها مش بترتاح مع نفسها، بس في حاجة لفتت نظري ليها الليلة كانت مهتمة قوي بـ حسام ابنها على غير العادة."
تبسمت سهيله وتممت على قولها:
"فعلًا أنا لاحظت ده، بس في النهايه هو ابنها، ويمكن عشان غايب عنها... في البلد كانت كل يوم بتشوفه، مش بيغيب عنها."
تنهدت آسميه قائلة:
"جايز، ربنا يهديها من ناحيته، واحدة غيرها اتطلقت كانت راجعت نفسها وعرفت قيمة ابنها وتاخده في حضنها."
صمتت آسميه للحظات.
تذكرت أنه لفت انتباهها نظرات هويدا لـ أسعد وهو جالس جوار شكران.
كانت نظراتها تشع ضجر بوضوح.
همست آسميه بخفوت:
"بس قلبي مش مطمن من ناحيتها خايفة تاريخ أمها يتعاد معاها تاني وتقع في نفس فخ الماضي."
سمعت سهيله جزء من همس آسميه.
رفعت رأسها عن صدرها سائلة باستغراب:
"فخ إيه يا تيتا، تقصدي إيه!"
نظرت آسميه لها واستدركت ذلة لسانها قائلة بتوهيم:
"مقصدش حاجة، وتعالى لحضني خليني أشبع منك قبل ما أرجع الصبح كفر الشيخ."
عادت سهيله تضمها قائلة:
"أنا فكرت إنك هتفضلي معايا هنا؟"
تنهدت آسميه قائلة:
"كان نفسي بس خالك لما عرف إني كنت قاعدة معاكِ هنا زعل، وقالي مهما كان آصف غريب عني، وميصحش أعيش عند حد غريب."
تنهدت سهيله قائلة:
"بس إنتِ عايشة معايا."
تبسمت آسميه قائلة:
"بس آصف مش حفيدي وإنت بنت بنتي، وبعدين خلينا، تعرفي إن الواد آصف أول مرة من يوم ما عرفته يدخل مزاجي الليلة."
تبسمت لها قائلة:
"عشان باس إيدك."
أمأت رأسها بـ لا قائلة:
"لأ عشان باس إيد شكران وغاط المأسوف على شيبته أسعد هو وأم منقار اللي كانت قاعدة جنبه، شفايفها نص وشها زي بوز الثعلب."
ضحكت سهيله قائلة:
"قصدك زي بوز البطة."
تهكمت آسميه:
"بطة... دي شبه عروسة المولد كلها منظر وحقيقتها بلاستيك."
ضحكت سهيله قائلة:
"فعلاً، أنا نفسي تقريبًا مشفتهاش غير مرات معدودة، ومش بحس معاها بألفة عكس طنط شكران، مش عارفه ليه هو اتجوزها عليها، غير كنت مفكرة إن طنط شكران يمكن تكون انفصلت عنه، لأن من يوم ما عشت هنا مشفتهوش جه ولا مرة حتى سيرته معدومة بس قعدة الليلة جنبها وإحنا في القاعه حيرني، كمان لاحظت إن آصف بيتجنبه، مش عارفه يمكن في خلاف بينهم."
تنهدت آسميه بـ حيرة هي الأخرى قائلة:
"أنا كمان لاحظت كده، بس تصدقي اللي زي أسعد ده بطار، ميعرفش قيمة الشيء اللي في إيديه، كنت مفكرة آصف زيه، بس متهيألي إني كنت غلطانة."
استغربت سهيله ورفعت رأسها تنظر لوجه آسميه سائلة:
"قصدك إيه يا تيتا."
تبسمت آسميه وأجابتها:
"مش عارفه، بس الفترة اللي عشت فيها هنا قبل كده لاحظت اهتمام آصف بـ شكران، كمان الليلة وهو طول الوقت ماسك إيديها بفرحه."
ردت سهيله ببساطة:
"وفيها إيه دي مامته، وعادي يمسك إيديها."
فسرت آسميه:
"هو فعلاً عادي، بس آصف كان بيعمل كده من قلبه عشان رسالة عاوز يوصلها، وأعتقد الرسالة دي لـ 'أسعد'... وبعدين بطلي أسئلة كتير أنا ست كبيرة ومن الصبح عالطريق وكمان تكتيفة القاعة غير مش واخده عالسهر جسمي كله بيوجعني يلا نامي."
ابتسمت سهيله قائلة:
"ربنا يديم عليك الصحة يا تيتا أنا بحبك أوي."
تبسمت آسميه وهي تضم سهيله، قائلة:
"وأنا بحبك أكتر يا أول فرحتي."
تبسمت سهيله كالعادة آسميه تخصها بأنها أول أحفادها، رغم أن هويدا سبقتها، لكن ربما عدم توافقهن هو سبب نفورهن من بعض.
تنهدت سهيله، رغم الإرهاق لكن تبسمت وهي تتذكر بعض مقتطفات حفل الزفاف.
آصف كان جذاب وشخص مرح مع آيسر.
تعلم أن شخصية آصف ليست معقدة.
سابقًا كان يمرح كثيرًا.
كذلك كان شخصية ودودة هذه ما رأته فيه الفترة الماضية حرصه على الاهتمام بوالدته ومتابعتها.
مزايا آصف أنه لا يميل إلى السهر بالخارج.
آصف ربما لديه عيب أنه يهوى الشهرة، أو التباهي بنجاحه.
لكن ليس شخصًا حاد الطباع.
عكس تلك الليلة الذي هدم فيها قلبها.
قلبها!
قلبها الذي أصبح يخفق مرة أخرى حين يقترب منها.
هل مازالت لديها مشاعر له.
ذمها عقلها: بالتأكيد لا.
فربما هذا تمثيل كي يقنعها أنه نفس الشخص الآخر، الذي أحبته سابقًا لكن بالنهاية صدمت بحقيقته العنيفة.
نظرت نحو آسميه وتبسمت حين وجدتها غاصت في النوم.
أغمضت عينيها هي الأخرى مستسلمة لغفوتها.
***
بشقة آيسر
دلف إلى غرفة النوم وهو يحمل روميساء التي سبق ومانعت حمله لها.
لكنه كالعادة يرفض ما يريد.
تنهدت بضجر قائلة:
"خلاص دخلنا غرفة النوم نزلني."
تبسم لها ببرود قائلًا:
"أيه رأيك ناخد لفه كمان."
زفرت نفسها بزهق قائلة:
"لأ، ما بدي، نزلني."
بنفس البرود تبسم آيسر قائلًا:
"خلاص أنزلك عالسرير."
تنهدت روميساء بضجر وهو يضعها فوق الفراش.
لكن كان خبيثًا حين انحنى عليها.
لكن هي كانت حذرة ودفعته بيديها قائلة:
"شو بدك؟"
تبسم ببسمة استفزازية لها:
"بدي بوسه من تمك يا جميلتي."
نظرت له باستخفاف قائلة:
"آيسر إن بدي إنك تخرج من الغرفه مشان بدل فستان العرس، هذا تقيل."
تبسم باستفزاز قائلًا ببرود وهو يضع يده على كتفها:
"هو فعلاً تقيل عليكِ، خليني أساعدك تقلعه."
زغرت له بغضب قائلة:
"آيسر، بدك تطلع بره ولا...."
غمز لها آيسر وقاطعها:
"ولا إيه يا جميلتي."
زفرت بغضب قائلة:
"آيسر، بدك تطلع بره الغرفه ولا بطلع أنا بدل تيابي في الغرفه التانية."
فكر آيسر للحظات ثم ابتعد عنها وقليلًا وهمها.
لكن سرعان ما اقتنص قبلة من شفاها.
ثم نهض واقفًا جوار الفراش قائلًا:
"أنا اللي هروح أبدل البدلة في الاوضة التانية."
تنهدت روميساء بغيظ ولم تجادله.
نهضت هي الأخرى من فوق الفراش تسير خلفه بخطوات.
إلى أن توقف بين إطاري باب الغرفه قائلًا بوقاحة:
"مش عاوزاني أفتحلك سوستة الفستان."
هزت رأسها بضيق قائلة:
"لأ بشكرك، إنت اتركني وأنا بتصرف."
ببرود قال بإصرار:
"خليني أفتحلك بدل ما تتقطع في إيدك، إنت عارفه الفستان ده بكام، دا أنا دافع دم قلبي فيه، قولت روميساء جميلتي أكيد هيعجبها ذوقي الراقي وبعت جبته من أتيليه مرات أبويا، اللي مقالتش أجمل ابن جوزي وأقوله الفستان هدية، لأ خدت تمنه وزيادة كمان قيمة التوصيل."
اغتاظت روميساء منه واقتربت باستخفاف ودفعته بيديها حتى أصبح بعيدًا عن باب الغرفه وأغلقت بوجهه قائلة:
"لو كنت بعرف هيك ما كنت لبست هالفستان اللي ذوقه ركيك."
ضحك آيسر من خلف الباب.
كذلك روميساء لا تنكر أن ذوق الفستان راقيًا، وتعلم أن من اشترته هي شكران، فهي أخبرتها بذلك أنها طلبته من أحد دور الأزياء المصرية بناءً على وصف آيسر لها، ووصفه لها أنها تشبه أميرات ديزني.
بعد قليل فتح آيسر باب الغرفه دون طرق على باب الغرفه.
سرعان ما نظر إلى روميساء التي رغم ضيقها من اقتحامه الغرفه دون استئذان، علها لا تود دخوله الآن، لكن تبسمت بخفاء حين جحظت عيناه وهو يراها بمنامة ثقيلة.
كذلك وهو ينظر لها وهي تزيل دثار الفراش على جنب قبل أن تصعد عليه تحدث مسرعًا:
"رايحه فين؟"
نظرت إلى الفراش قائلة ببساطة:
"راح اتسطح عالفرش."
أعاد آخر كلمة منها:
"عالفراش..."
لكن قبل أن تصعد إلى الفراش جذب يدها قائلًا وهو يرمقها بنظرة وقاحة:
"الليلة دخلتنا والمفروض..."
رغم خجلها من نظرات آيسر الوقحة، لكن أخفت بسمتها، قائلة بهدوء:
"المفروض شو؟"
"المفروض إننا عرسان والليلة ليلة دخلتنا والمفروض نتسایر و...."
اقترب من أذنها وهمس بوقاحة بعض الكلمات التي شعرت بالحياء منها.
ازدردت حلقها، قائلة بارتباك:
"لأ ما بينفع هلأ."
تعمد آيسر حضنها سائلًا ببرود:
"هو إيه اللي ما بينفع هلأ؟"
أجابته بحياء:
"اللي قلت عليه، ما بينفع لأني عندي عذر شرعي... هلأ فهمت."
نظر لها آيسر بعدم تصديق:
"بس أنا اتوضيت."
تبسمت له قائلة:
"بسيطه صلِ قيام الليل وبعدها نام."
قالت هذا وابتعدت عنه وصعدت فوق الفراش تبتسم تسحب دثار الفراش عليها ببرود قائلة:
"من فضلك خفض إضاءة الغرفه."
نظر لها بغيظ لديه يقين أنها تدعي الكذب كي تنتقم منه أنه أجبرها على الزواج منها.
لكن لن يستسلم.
أخفض ضوء الغرفة إلى إضاءة خافتة، ثم ذهب إلى الناحية الأخرى من الفراش وتسطح عليه.
شعرت روميساء بانخفاض الفراش حين تسطح آيسر.
ابتسمت.
لكن سرعان ما اختفت البسمة حين شعرت بيدي آيسر يضمها له.
شعرت بارتباك وحاولت الابتعاد عنه قليلاً.
لكنه كلما تحركت على الفراش تحرك معها.
نهضت جالسة تقول:
"شو في."
تبسم لها يقول:
"شو في، أنا نايم عالسرير وجنبي مراتي عاوزاني أعمل إيه."
زغرت له بغضب قائلة:
"قلتلك عندي عذر ما بتفهم."
تبسم ببرود قائلًا:
"لأ فاهم، وفيها إيه لما آخدك في حضني، أهو تصبيرة."
أخفت بسمتها وقالت:
"بيكفي إني سمحت لك تنام عالفراش جواري."
جذبها آيسر لصدره مبتسمًا سريعًا اقتنص شفاها قائلًا بتحذير:
"أنا بقول كفاية علينا إرهاق اليومين اللي فاتوا وننام بهدوء الليلة، ويا ريت بلاش اعتراض، بدل ما أكمل الليلة كمان إرهاق، واكتشف حقيقة العذر بنفسي، ويا ريت بلاش حركة كتير عشان أنا ماسك نفسي بالعافية."
استسلمت روميساء غصبًا أو بالأصح بمزاجها لرغبتها بهذا الحضن الدافئ.
***
بشقة آصف
رغم أنه يشعر بالارهاق، لكن هجر النوم عينيه.
يُضني الشوق قلبه.
لكن تبسم وهو يتذكر سهيله وهي بين يديه وارتباكها كذالك عدم خبرتها بتلك الرقصة ودهسها لقدميه أكثر من مرة.
لكن كان سعيدًا.
كذالك تلك القبلة الذي اقتنصها قبل ذهابهم إلى عرس آصف.
لم تعقب سهيله عليها.
كذالك تذكر غصة قلبه حين رأى لمعة دمعة بعيني شكران.
بالتأكيد ما زال ألم قلبها لم يهدأ بفراق سامر.
سامر!
تذكر ذاك القرص الذي أعطاه له ذاك الشخص ليلة رجوعه من أسيوط.
لا يعلم سبب أنه لم يرى محتواه حتى الآن.
نهض من فوق الفراش وجذب حاسوبه الخاص وآتى بذاك القرص وضعه بالحاسوب.
وبدأ برؤية محتواه بتركيز.
غص قلبه لرؤيته "سامر" وهو يدلف إلى المشفى.
كانت هذه المرة الأخيرة.
كذالك رأى دخول سهيله بعده بوقت قصير إلى المشفى.
حركة عادية بالمشفى لا شيء لافت بالفيديوهات.
لكن فجأة توقف عند لقطة تكرر فيها نفس الشخص.
أعاد الشريط لليلة مقتل سامر.
كان هنالك شخص دخل إلى المشفى يسير على قدميه بلا أي مظاهر للمرض.
وباليوم التالي خرج من المشفى يستند على عكاز طبي وجواره شخص آخر يبدو من زيه من عاملين المشفى.
كان يعرج بإحدى قدميه.
حاول تقريب الصورة ربما يظهر وجه لكن كان هنالك قبعة على رأسه تخفي وجهه.
لكن ظهر وجه العامل بوضوح.
قام بتصوير العامل.
نظر بساعة الهاتف كان الوقت قد اقترب من الفجر.
لم يستطع الانتظار.
فتح هاتفه وقام باتصال ينتظر حتى سمع رد الآخر قال له مباشرة:
"في صورة شخص هبعتهالك دلوقتي عاوز كل المعلومات عنه، وكمان عاوزك تجيب لي كشف مفصل بأسماء المرضى اللي دخلوا أو خرجوا من المستشفى في اليومين دول، وركز على أسماء المرضى في قسم العظام."
استجاب له الآخر.
أغلق آصف الهاتف وعاود ينظر إلى الشاشة وإلى نفس الشخص.
ملابسه تبدو منمقة وأنيقة.
لما يذهب إلى مشفى مجاني هكذا.
***
بظهيرة اليوم التالي
أمام إحدى المحاكم.
تبسم إبراهيم إلى آصف مادحًا:
"مبروك كسبنا القضية من أول جلسة، ابتسم قدام كاميرات التصوير عشان الصورة تطلع حلوة في عيون المعجبات."
نظر آصف له بسخط ورفع يده اليسرى يشير إلى بنصره قائلًا:
"مكفيني معجبة واحدة، يلا أشوفك المسا في المكتب."
تبسم إبراهيم قائلًا:
"ايه مش هتبارك للعريس... دا أنا ناوي أعمله كبسة وأروح أبارك له ومحضر له هدية خاصة، جبت له سبحة عشان يبقى يستغفر عليها، كان طير حر ومتهني خليه يجرب بقى حبسة القفص الذهبي."
ضحك آصف قائلًا:
"آجل الكبسة النهارده سيبه يتهني بقاله كام يوم مقضي وقته في الاوتيل يلعب مع عم مدحت طاولة وشطرنج... عن نفسي مش هروح له غير بعد المغرب نص ساعة وأجي عالمكتب، أقابلك هناك يلا سلام."
غادر آصف من المحكمة بسيارته.
نظر بمرآة السيارة الجانبية لاحظ تلك السيارة التي تتعقبه عن بعد مقبول.
زفر نفسه بزهق، تحير عقله يسأل من هذا المتعقب.
....
بعد قليل دلف آصف إلى شقته.
تبسم لـ صفوانه التي قابلته بالرد قائلة:
"الغدا جاهز تحب أحضرلك السفره."
تبسم سائلًا:
"فين ماما؟"
ارتبكت صفوانه لوهلة قائلة:
"الحاجة شكران خرجت من شويه وقالت لو اتأخرت على وقت الغدا أحط لك تتغدا إنت وسهيله."
استغرب آصف سائلًا:
"وماما خرجت راحت فين!؟"
ردت صفوانه:
"معرفش هي مقالتليش، بس قالت مش هتغيب."
نظر آصف إلى صفوانه.
استشف أنها تعلم أين ذهبت والدته، فهن الاثنتين لا يُخبئن شيء عن بعضهن، لكن ربما شيء خاص، يستطيع معرفته من والدته لاحقًا.
تسأل بهدوء:
"سهيله وصلت."
تبسمت صفوانه قائلة:
"أيوا وصلت من يجي عشر دقايق، ودخلت أوضتها تاخد شاور، هروح أحضر لكم الغدا على ما تغير هدومك."
تبسم لها آصف وذهب نحو غرفته.
لكن مر أولًا ونظر من خلف باب غرفة سهيله الموارب لكن لم يراها.
تنهد باشتياق وذهب نحو غرفته.
بينما سهيله انتهت من أخذ حمام دافئ يزيل ذاك الارهاق عن جسدها.
شعرت باسترخاء.
لكت لسوء الحظ سقطت تلك الملابس الخاصة بها في الماء دون قصد منها.
تنهدت بآسف وقالت:
"هلبس روب الحمام، وألبس من الدولاب غيار تاني."
بنفس الوقت دلف آصف إلى الحمام وأخذ حمامًا دافئًا.
ثم خرج من الحمام، يضع منشفة حول خصره وتوجه نحو دولاب غرفته.
أخرج له ثوب منزلي.
لكن قبل أن يرتديه صدح رنين هاتفه.
ذهب نحوه ونظر إلى الشاشة، سرعان ما رد باسمًا:
"أيه يا عريس فاضي قولت تتصل عليا، مش كنت بتقول مش هترد على مكالماتي، إتصل اللي اتصلت عليا."
زفر آيسر نفسه بضجر قائلًا:
"أنا كنت عارف إن قرك إنت وإبراهيم عليا مش هيروح بعيد، وبعدين أنا متصل عليك عشان بتصل أطمن على ماما مش بترد عليا... رغم إن موبايلها بيرن."
استغرب آصف قائلًا:
"غريبة، أنا كمان رجعت للشقة صفوانه قالت لي إنها خرجت، وهي متعرفش، بس أكيد صفوانه عارفه هي فين، ويمكن عاملة تليفونها صامت."
وافقه في ذاك آيسر قائلًا:
"تمام، لما ترجع قول لها إننا في انتظارها هي وسهيله ويارا، المسا، بلاش إنت تجي معاهم، أنا بحب قعدات الستات."
ضحك آصف قائلًا:
"لأ اطمن جاي معاهم، مين اللي هيوصلهم، بس متخافش مش هطول عندك مش فاضي، بسبب عندي تراكمات في القضايا بتاع المكتب."
تبسم آيسر قائلًا:
"تراكمات إيه، دا أنا لسه شايف صورتك عالفضائيات، مبروك كسبت قضية كانت مرفوعة من الدولة نفسها... سهيله لو شافت صورك هتحس بغيرة جامدة من نظرات المعجبين."
تنهد آصف يشعر بغصة.
هل مازالت سهيله لديها مشاعر له، حتى تشعر بالغيرة عليه.
***
بإحدى المطاعم الفخمة
توقف أسعد يبتسم حين رأى دخول شكران إلى المطعم.
انتظر واقفًا حتى اقتربت من طاولته.
بداخلها تهكمت باستخفاف، حين رأت وقوف أسعد وبسمته لها.
لكن لم تنسى الماضي التي كانت فيه تحتاج فقط للمسة من يده تدفئ جسدها، وهو بعيد بفراش امرأة أخرى.
تبسم أسعد لها، بينما هي قالت بتسرع:
"خير يا أسعد اتصلت عليا وطلبت نتقابل وقولت في موضوع مهم."
تبسم أسعد بهدوء قائلًا:
"خير أقعدي نتغدا سوا وبعدها هقولك عالموضوع المهم."
«يتبع»
رواية عشق مهدور الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سعاد محمد سلامة
بذاك المطعم، نظرت شُكران حولها، استغربت من أن المطعم خالٍ إلا من بعض العاملين الذين يقفون بعيدًا عن طاولتهما. عادت بنظرها نحو أسعد سائلة:
- غريبة المطعم فاضي كده ليه؟ مع إننا في وقت غدا.
وضع يديه على الطاولة وابتسم لها قائلاً:
- مش غريبة ولا حاجة، أنا حجزت المطعم لينا وبس.
توسعت عيناها بإندهاش قائلة:
- حجزت المطعم لينا!
- أيوه، مالك مستغربة كده ليه؟
نظرت حولها ثم نظرت له وأجابته:
- مش بس مستغربة، لأ، مش مصدقة. بس أكيد في سبب مهم.
تبسم أسعد وعيناه تتمعن ملامح شُكران، الهادئة والبسيطة والعفوية، كأنه يكتشف هدوء ورونق ملامحها لأول مرة. كان غيابها عن عينيه لسنوات قد زادها بهاءً. ثم أجابها:
- أعتقد مفيش سبب أقوى من إننا نتقابل ونتكلم مع بعض بعد السنين دي كلها.
نظرت له ببساطة:
- عادي، ما إحنا اتقابلنا إمبارح في فرح آيسر، بس معرفش كلام إيه اللي عايز تقوله.
نهض أسعد من مقعده وجلس على المقعد المجاور لها مباشرة، ومد يديه أمسك يديها ونظر إلى عينيها قائلاً:
- شُكران، إنتِ لازم ترجعي لي ولبيتك من تاني.
لم تندهش شُكران من طلب أسعد، لكن اندهشت وهي تنظر ليديه اللتين تحتضنان يديها، وكذلك نبرته الهادئة وربما الواثقة. لم يخيب توقعه حول سبب طلب أسعد للقائها. رغم ذلك، شعرت باستخفاف أخفته عن عمد. سألته:
- أرجعلك؟ أرجع لبيتنا؟ فين بيتِ ده يا أسعد؟
ضم يديها أقوى قليلاً وأجابها ببساطة:
- بيتك، السرايا اللي في البلد.
كما توقعت رده، التي استهزأت به قائلة:
- السرايا اللي جبت لي فيها ضُرة قبل كده؟ ولا السرايا اللي حضنت فيها آلمي ووجعي على ولادي اللي كنت بتتعمد تبعدهم عني؟ ولا السرايا اللي حضنت فيها ضنا قلبي على فُراق "سامر". سامر اللي ضاع لما بعد عن حضني وقرب منك. انبهرت عينيه زهوة مجتمع غير اللي كان عايش فيه، مجتمع فيه إغراء للشخص الضعيف، كل المتع متاحة. إنت كنت عارف بحقيقة سامر، ومحاولتش تساعده وترشده أنه يرجع للطريق القويم.
ذُهل أسعد من رد شُكران. حاول مقاطعتها يدافع عن نفسه:
- أنا معرفتش بحقيقة سامر غير في الشهور الأخيرة وحاولت معاه وقولت له يروح لدكتور نفساني.
تهكمت شُكران ببسمة وجع قلب قائلة باستخفاف:
- نصحته بدكتور نفساني؟ لأ، فعلًا كنت بتساعده. وآيسر وآصف كمان لما حرمتني منهم بحجة إن المدرسة العسكرية هتطلع منهم رجالة شداد، على اعتبار إني كنت بدلع فيهم. آصف اللي دمرت قلبه وإنت عارف إن سهيلة كانت بريئة، كل اللي عملته أنها كانت بتدافع عن براءتها. كتر خيرها حافظت على سر سامر. كنت زي البارود بتشعلل عقل آصف لحد ما بقى عنده رغبة في الانتقام منها. كنت بتأججها في قلبه. إنت كنت عارف إن آصف بيحب سهيلة. أكيد الصور اللي الخدامة اللي كانت موجودة في السرايا، كانت مزروعة ولاءها لـ شهيرة تنقل لها أخبار السرايا واللي فيها، وعلى رأسهم آصف اللي كان شاغل دماغها طبعًا ابنك الكبير وخايفة يحِل محلك وياخد مكانك في كل شيء. آصف اللي بسببك عايش قلبه موجوع بسبب تحريضك له. متأكدة لو كان قبل اتهام سهيلة في قتل سامر عمرك ما كنت هتوافق إنه يتجوزها. كان في دماغك له جوازة بشكل تاني طبعاً بنت شخصية معروفة وراقية. بس آصف بالنسبة لك في الفترة دي وسيلة انتقام من سهيلة، كنت عايزها تخرس عشان حقيقة سامر متنكشفش وتهتز صورتك وتخسر مكانتك العالية والأخلاق الفضيلة قدام المجتمع. همك الناس ورأيهم فيك حتى لو على حساب ولادك. آصف اللي عايش هو ومراته تحت سقف واحد وبيتقرب منها خِلسة، عشان خايف يشوف خوفها ونفورها منه في عينيها. حتى آيسر كمان يمكن كان أقل واحد اختار الطيران بيتنقل من بلد للتانية بيقابل ناس مختلفة لحد ربنا ما بعت له روميساء حبها وحب يكمل معاها بقية حياته. فاكرة لما آيسر قالك إنه غاوي يدخل كلية الطيران؟ كنت عايزة يدخل طيران حربي، طبعاً عشان يبقى له مكانة في الجيش، بس هو قالك هو غاوي طيران مدني مش حابب يبقى مقاتل. بصعوبة وافقت، قولت أما يبقى طيار، أهو هيبقى وجاهة برضوا، مش زي آصف اللي لما قدم استقالته من القضاء، بدل ما كنت تستوعب حالته النفسية وقتها خارج من جواز حكمت عليه بالفشل من قبل ما يبتدي، مجرد انتقام وأما ينتهي مش خسران حاجة بالعكس خد مزاجه منها وكمان هدم كيانها عادي عندك. مش جديدة عليك. زمان لما أهلي وافقوا إني اتجوزك على ضرة كنت صغيرة، قالولي لا بتهش ولا بتنش مش هيبقى غيرك له أهمية عنده. بس كان جوايا خوف دايمًا إني زي ما جرحت قلب غيري مش بعيد يتكرر معايا نفس الشيء وربنا مخيبش ظني، بل أسوأ. أنا كنت بشفق على مراتك في رقدتها ومرضها، إنت اتسببت لي في المرض لما مقدرتش قيمتي. كان كل اللي بيميزني عندك هو إني أم الولاد "الصبيان" وبس. حياتك كنت مكيفة مع شهيرة وهج لامع مش زيي. ست بيت وبس. آخرها أول الليل تنكفئ على سريرها محسورة في قلبها. زمان فكرت بعد ما قولت لي هتجوز شهيرة، فكرت أنفصل وأجمع ولادي في حضني وأعيش بيهم، بس اتراجعت عشان مصلحتهم وقتها، مش عايزهم يحسوا بنقص وهما كان ممكن يعيشوا في رفاهية أفضل. قولت أستحمل وعشت معاك عشانهم. عارف يا أسعد أسوأ شعور إنك تحس إنك مجرد حتة ديكور بتكمل الصورة العامة، وأنا كنت في حياتك ديكور "أم الصبيان". بس تعرف يا أسعد لو الزمن رجع بيا تاني، كنت أختار الإنفصال وخدت ولادي وعشت بيهم في عشة وكملوا عشاهم نوم. يمكن مكنتش خسرت سامر ولا مشي في طريق نهايته الدمار. وكمان آصف مكنش اتعذب قدامي وأنا مش عارفة أعمل إيه عشان أرجع أشوف لمعة الفرحة في عينيه وهو شايف الوحيدة اللي بينبض بيها، ويكون بينهم وفاق وحب حقيقي. بس يا خسارة خدت القرار متأخر. لما خيرتني قدام آصف يمكن وقتها مش هقول كان اختياري له عشان عارفة إنه محتاج لي. كمان كان في سبب تاني، إني زهقت من إني أكون مجرد زوجة بتتعطف عليها لما بتزورها. أنا قلبي ارتاح لما نفيتك من حياتي. عارفة هتقول لي إني لسه على ذمتك، بس هقولك مش فارق معايا ما أنا قبل كده برضوا كنت على ذمتك وماليش وجود في حياتك. حتى النهارده إنت مش عايزني أرجع لك عشانِ، إنت عايز آصف نجاحه زايف في عينيك. بس للأسف النجاح ده إنت مالكش فضل فيه. آصف حلف لي على المصحف إنه عمره ما هيدافع عن شخص عنده ذرة شك في براءته.
رغم شعورها ببوادر ألم جسدي، استقوى قلبها ونهضت واقفة. نظرت إلى أسعد، تستغرب صمته وعدم رده عليها، لكن ربما كان هذا أفضل لهما الاثنين أن يحافظا على نقطة آخر السطر. تفوهت بآخر كلماتها:
- أعتقد كده مالوش لازمة المطعم يبقى محجوز عالفاضي.
تركته تسير بوهن إلى أن وصلت إلى تلك السيارة التي كانت تنتظرها أمام المطعم. هنا انطلقت دموع عينيها التي كانت حبيسة مقلتيها قبل قليل. دموع ليست ندم على ما تحملته من أجل راحة أبنائها التي كانت تظنها بالعيش في رفاهية ودلال، لم يصنعا منهما سعداء.
جففت دموعها بمحرمة ورقية ونظرت إلى سائق السيارة قائلة:
- رجعنا الشقة بتاعة آصف وزي ما نبهت عليك، لو آصف سألك انت وصلتني فين قوله لمستشفى كنت بزور واحدة معرفة.
أومأ لها السائق بفهم.
بينما أسعد ما زال جالسًا خلف الطاولة مذهولًا من رفض شُكران له، بل وبمواجهتها له بأنها نادمة أنها تحملت سابقًا من أجل أبنائها فقط. هل ظن أن خضوعها كان من أجله؟ كان مخطئًا، فهي قالتها. لا شيء أسوأ أن تشعر بأن لك شريكًا بقلب زوجك لكِ مجرد قطعة، مجرد ليالٍ يحاول فيها أن يظهر مظهر الزوج العادل. هو كان فعلًا كذلك معها. زفر نفسه بحرارة تلهب قلبه. ما الذي تغير بشكران ليلة أمس عن سابقًا؟ ما سبب ذاك الوهج الذي كان ينير وجهها؟ والإجابة بسيطة... الرضا بقلبها ظهر على وجهها، لكن أين مكانه من هذا الرضا؟ لا مكان له، هي كما اختارت قبل سنوات "آصف". حتى آيسر الذي حاول سابقًا مد جسر التواصل بينهم فشل بسبب تعنت آصف. حتى بزفاف آيسر كان مثل أي مدعو، ربما هذا كان بناءً على رغبة آصف أيضًا. لم ير زوجة آيسر إلا ليلة الزفاف، هل أصبح ملغيًا من حياة ولديه؟ والإجابة "نعم". فهما مع من ضحت وتحملت من أجلهم... والخاسر هو الذي سار خلف مظاهر مجتمع خالي من المشاعر، له كل ما يلمع فقط.
بشقة آصف، خرجت سهيلة من الحمام إلى الغرفة مسرعة نحو دولاب ملابسها، فتحته وجذبت بعض الثياب الداخلية كذلك منامة منزلية، وذهبت نحو باب الغرفة. لفت انتباهها باب غرفة آصف المغلق، لابد أنه عاد للشقة. أغلقت باب غرفتها بإحكام حتى ترتدي ملابسها.
خلعت ذاك المئزر ثم بدأت في ارتداء تلك الثياب، قطعة خلف أخرى. لكن قبل أن ترتدي الجزء العلوي من منامتها، تراءى إلى مسمعها صوت إشعارات قادمة لهاتفها. توجهت نحو تلك الطاولة وجذبت الهاتف وقامت بفتحه ترى فحوى تلك الإشعارات، لكن فجأة اتسعت عيناها، وتعمقت النظر إلى تلك الصور على الهاتف. شعرت بغضب عارم لم تستطع السيطرة في رد فعلها الغاضب. خرجت من غرفتها وتوجهت إلى غرفة آصف، بكل خطوة تزداد غضبًا.
فتحت باب الغرفة باندفاع. جالت عيناها بالغرفة حتى توقفت حين وقع بصرها على آصف المنحني قليلاً يضع يده على ذقنه ينظر لانعكاسه بالمرآة. بسبب غضبها لم تنتبه أنه شبه عارٍ يستر فقط خصره بمنشفة صغيرة. توجهت ووقفت خلفه قائلة بتعسف:
- قولي أمتى هتحس بالمظلوم؟ فشلت تكون قاضي عادل بقيت محامي ناجح، مفيش قضية فساد إلا واسمه على رأس قائمة المدافعين. أنا إزاي في يوم وقعت في فخك وظنيت إن جواك قلب زي بقية البشر؟ بس هقول إيه، البذرة من البداية مزروعة في أرض حرام هتطرح إيه غير "هلاك". طبعًا النجاح الساحق اللي حققه المحامي الشاب "آصف شعيب" اللي بقى اسمه أشهر من الفنانين ولاعيبة الكورة، بقى من صفوة المجتمع. الزهو بقى يغويك وينسيك العدل اللي في يوم أقسمت على تحقيقه. بس حاذر يا سيادة القاضي سابقًا والمحامي الفاسد حاليًا، حاذر من دعاء قلب المظلوم، مفيش بينه وبين ربنا وسيط. يمكن النجاح غرك، بس صدقني هيجي يوم والدعاء ده يستجيب فيك، وهتحس بنفس الظلم.
توقفت قليلاً وأخذت نفس عميق تنظر له بغضب مستعر للحظات قبل أن ترمقه بنظرة اشمئزاز وكادت تبتعد عنه.
بينما هو كان يشعر أن الشرايين بجسده تجمدت، كذلك قلبه يشعر به كأنه كتلة من الثلج لا حياة فيها، قطعة صلبة لكن معها سهلة التفتيت. وها هي تفتت بل وذابت أمامها الوحيدة التي لا يشعر بخفقان قلبه إلا وهي أمامه فقط. لكن للحظة تحجرت عيناه وهو ينظر لها بقلب منفطر. يعلم أنه يستحق كل هذا الكره الذي يراه بعينيها. تملك منه الجمود، وقبل أن تبتعد عنه، جذبها بقوة من عضد يدها، ليخبط جسدها بصدره. نظر لعينيها التي تحولت نظرتها لهلع. شعر بقسوة تلك النظرات كأنها تغرس نصال باردة بصدره تقتله بالبطيء بعذاب قاسي بكل لحظة. لكن هتف بصوت حاد مصحوب بصدق وضنين قلب:
- مين اللي قالك إن دعاء المظلوم مش جايز فيا؟ ليه بُعدك عني؟ خوفك مني؟ كرهك ليا اللي بشوفه في عينيكِ لما بقرب منك ده إيه؟ مش جزاء مضاعف بدفعه عن كل دعوة مظلوم أنا ساهمت في ظلمه؟ فاكرة زمان قولتهالك، "إن كان فيا نقطة بيضا فهي عشقي ليكِ". حاولت كتير أتراجع وأرجع لإنسانيتي، حتى جيتلك قولتلك عالجيني، إنت الوحيدة اللي عارفة دائي، ومع ذلك قولتلي دواك مش عندي. بتتهميني إني ظالم، إنت كمان ظالمة يا دكتورة. إنتِ كمان أقسمتِ تدي العلاج حتى لعدوك، ومع إن في إيدك علاج مريض، لكن رغم ذلك رفضتِ تعطيه العلاج المناسب لحالته. وكمان فضلتِ إنك تشوفي قدامك بيتعذب وبيموت في كل لحظة.
ظلت النظرات الحادة بينهم للحظات، قبل أن تنفض سهيلة يد آصف عنها بقوة قائلة:
- بتقول إني رفضت علاجك، بس ده مش صحيح. لو كنت عرفت أعالج نفسي يمكن وقتها كنت عرفت أعالجك.
قالت هذا وخرجت من الغرفة مسرعة. كادت تتصادم مع صفوانة التي نظرت لها وتبسمت قائلة:
- أنا جهزت الغدا.
للحظة شعرت سهيلة بخجل حين نظرت لها صفوانة، واخفت بسمتها، حين رأتها ترتدي كنزة بلا أكمام، كذلك جزء من صدرها عارٍ. أومأت لها وقالت بحشرجة صوت:
- تمام، ثواني وجاية.
بينما آصف زفر نفسه بضيق وغضب. لكن أعاد جملتها الأخيرة برأسه "كنت عرفت أعالج نفسي". ماذا تقصد بتلك الجملة؟ زفر نفسه بحيرة. وهناك إجابتان: الأولى أنها مازالت ترهب منه وتبغضه، والثانية... هل مازالت تكن له جزءًا من مشاعرها القديمة؟ بالتأكيد الإجابة الثانية خطأ، بل مستحيل.
أخرجه من تلك الحيرة، صوت طرق على باب الغرفة ومن خلفه صوت صفوانة تخبره أن الطعام أصبح جاهزًا.
خرج بعد قليل وتوجه إلى غرفة السفرة. نظر إلى صفوانة سائلًا:
- ماما لسه مرجعتش.
أومات برأسها. تفاجأ آصف بجلوس سهيلة خلف طاولة الطعام. تبسم لصفوانة التي تبسمت له وانصرفت. ذهب نحو طاولة الطعام، وجلس خلفها. شرع الاثنان في تناول الطعام بصمت، إلى أن انتهيا. جاءت صفوانة كي تضب باقي الطعام. نظرت لهم قائلة:
- أنا عاملة كيكة زي اللي الحجة اسمية كانت بتعملها، بها اتعلمت منها الطريقة. أجيبلكم منها.
هزت سهيلة رأسها وهي تنهض قائلة:
- لأ، خليها لبعدين. أنا دلوقتي مرهقة هروح أنام ساعتين ولما أصحى أبقى آكل منها... تسلم إيدك.
تبسمت لها صفوانة وهي تراها تحاول محايدة نظرة عينيها خجلاً منها. بينما نهض آصف هو الآخر سائلًا:
- ماما اتأخرت.
ردت صفوانة، الذي ينتابها بعض القلق:
- لأ، هي دوب كانت خارجة قبل ما ترجع. وقالت مش هتغيب دلوقتي توصيلي.
أومأ لها آصف بفهم قائلاً:
- تمام، أنا رايح المكتب دلوقتي وهرجع المسا عشان نروح نصبح على آيسر.
تبسمت له. ربما هذا أفضل أن لا يكون آصف موجودًا وقت عودتها.
بعد حوالي ساعة ونصف، بشقة آصف. فتحت صفوانة باب الشقة، انخضت حين رأت الوهن واضحًا على وجه شُكران. سندتها قائلة:
- مالك؟ جرالك إيه؟ كنتِ بخير قبل ما تنزلي.
اتكأت شُكران عليها قائلة:
- حاسة إني تعبانة، خديني لأوضتي وبعدها ابقي اسألي مالي.
سندتها صفوانة إلى أن ذهبت إلى غرفتها وجلست على الفراش. سائلة:
- جرالك إيه فجأة كده.
قبل أن تجيب شُكران، رأت سهيلة تدلف إلى الغرفة خلفهن بعد أن رأتنهن. حين خرجت من غرفتها ذاهبة نحو المطبخ كي تأخذ كوب لبن دافئ ربما يساعدها على الاسترخاء بعد أن شعرت بالضجر من النوم بعد مواجهتها مع آصف. انخضت وتركت ذلك وذهبت خلفهن إلى الغرفة وسألت بلهفة:
- مالها طنط شُكران؟
نظرن شُكران وصفوانة لبعضهن، ثم أجابت صفوانة:
- خرجت تزور واحدة جارتنا عيانة في المستشفى. رجعت تعبانة.
انتبهت سهيلة إلى ملامحهن، لكن لم تنشغل بها وقالت:
- طيب هروح أجيب شنطتي الطبية وأجي أقيس لها الضغط، يمكن ده إرهاق.
تبسمت لها صفوانة، التي جذبت ذاك المعطف الثقيل من على كتفي شُكران قائلة بلوم:
- كنا ارتحنا من وجع القلب ده. خليني أساعدك تنامي عالسرير عشان ترتاحي. غلبت فيكِ وقولتلك بلاش تروحي تقابلي أسعد، أهو اللي حسبته لقيته. قابلتيه ورجعت عيانة. ارتاحي دلوقتي وبعدها ابقي احكي لي إيه اللي حصل معاكِ.
سمعت سهيلة الجزء الأخير من ذم صفوانة لشُكران، شعرت بفضول لمعرفة من الذي تقابلت معه وبسببه عادت للشقة مريضة، لكن نحت ذلك ودخلت إلى الغرفة، قائلة عن قصد منها:
- خليني أقيس لك الضغط والسكر، يمكن ده هبوط بسبب إرهاق اليومين بتوع فرح آيسر.
تبسمت شُكران لها بوهن قائلة بتأكيد كاذب:
- يمكن هو ده السبب.
ضمت صفوانة شفتيها بضيق. هي تعلم حقيقة مرض شُكران، لكن صمتت، وانتظرت إلى أن انتهت سهيلة من الكشف عليها. تبسمت سهيلة قائلة:
- الضغط مش مظبوط شوية صغيرين، بالعلاج والراحة هيتظبط. كمان طنط صفوانة عاملة كيكة حلوة زيها، ناكل منها سوا، وأكيد بعدها هتتحسني. بس بلاش مشوار المسا عشان نصبح على آيسر، أجليه لبكرة تكوني استرديتِ صحتك.
أومأت لها شُكران بموافقة ونظرت لها نظرة امتنان.
مساءً، في شقة آيسر. أغلق الهاتف الخاص به ونظر إلى روميساء قائلاً:
- ماما اعتذرت مش هتجي الليلة. قالت هتيجي بكرة.
نظرت له روميساء باستغراب قائلة:
- وشو السبب؟ الصبح مكلماني وقالت لي هتكون هون المسا.
غمز آيسر لها بعينيه قائلاً:
- أكيد مفكرة إننا زي أي عروسين مبسوطين مع بعض، قالت أسيبهم يتهنوا شوية ببعض.
فهمت روميساء تلميح آيسر الوقح وتعلثمت قائلة:
- بابا كمان اعتذر وقالي إنه حاسس بشوية إرهاق من العرس. شو بدنا نعمل دلوقتي.
نهض آيسر واقفًا وجذب روميساء إلى حضنه ووضع يديه حول خصرها قائلاً بإيحاء:
- هما مرهقين من العرس وأنا بقول إحنا نبدأ نشاط من بعد العرس.
قال هذا واقتنص شِفاهها بقبلة كادت تفقدها صوابها وتترك له نفسها يكتشف أنها كاذبة، لكن شعرت بيديه على جسدها وأنفاسه فوق وجنتيها. عادت للوعي ودفعته عنها قائلة بتحذير:
- آيسر...
قاطعها آيسر بقبلة جامحة ثم همس لها:
- أنا بقول فرصة من زمان مسمعتش أفلام، خلينا نسمع فيلم سوا، يمكن الضلمة والهدوء يعملوا معانا جو شاعري.
بخفوت تشعر بنوبة ضياع قائلة بهروب:
- إيه نسمع فيلم؟ أنا هروح المطبخ أسوي لينا بشار ومعاه شوية تسالي.
هربت روميساء من آيسر المثابر.
بعد قليل، كان هناك صوت صرخة قوية. انتفضت روميساء بسببها ووقع ذاك الطبق الذي كان به بعض التسالي على الأرض. تبسم آيسر واقترب من مكان جلوسها وضمها بيده. ضمته روميساء أيضاً تشعر بخوف. بينما ضحك آيسر، فقد كان اختياره موفقًا حين اختار فيلم رعب، ها هي روميساء تنتفض بين يديه حين يأتي مشهد مخيف. وفي النهاية فصلت ونامت بين يديه ولم تكمل بقية الفيلم.
نظر آيسر لهدوئها تفاجأ أنها نامت. حاول عدم إزعاجها ونهض واقفًا يحملها إلى أن وضعها فوق الفراش. تبسم وهو يراها تتشبث به قائلة برجاء:
- متسبنيش.
تبسم وهو يتسطح جوارها قائلاً:
- أنا جنبك يا جميلتي.
ضمها بين يديه، وظل مستيقظًا لوقت تذكر قول مدحت لـ روميساء: لسه وفاة مامتها قدامها، عايشة في قلبها بتخاف تفقد الناس اللي بتحبهم عشان كده بتحاول دائمًا تسيطر على مشاعرها وتظهر إنها قوية وهي هشة جدًا. هذا ما رأوه الليلة، مجرد أحداث فيلم خيالية جعلتها تنتفض وفضلت النوم. تنهد آيسر، لديه يقين أن روميساء ليس لديها أي عذر يمنعه عنها، بل العذر بعقلها، ربما تود بعض الوقت كي تستوعب أن هناك شخص اقتحم حياتها، وليس أي شخص، بل عاشق وأصبح زوجها.
بشقة آصف قبل قليل. استغرب حين دخل إلى الشقة وجد صفوانة تخرج من غرفة والدته. سألها:
- بقينا المسا لسه مجهزتوش عشان نروح نصبح على آيسر.
هزت رأسها بنفي:
- الحجة شُكران لسه قافلة مع آيسر وقالت له هتروح بكرة مش الليلة.
استغرب آصف سائلًا:
- وليه التأجيل؟ هي ماما رجعت إمتى؟
ردت صفوانة:
- رجعت بعد ما انت خرجت على طول. سهيلة معاها في الأوضة.
اندهش آصف وشعر بسوء. دلف إلى الغرفة. تبسم حين رأى سهيلة تجلس جوار والدته على الفراش، لكن انخض حين رأى ملامح شُكران الواهنة. اقترب منها بلهفة سائلًا:
- ماما انت بخير؟
تبسمت له شُكران بحنان قائلة:
- أنا بخير، بس هما شوية إرهاق من اليومين اللي فاتوا كمان الضغط مكنش متظبط، بس سهيلة كتر خيرها فضلت جنبي لحد ما اتظبط وكمان أكلنا الكيكة اللي عملتها صفوانة. للأسف الغايب ملوش نايب.
نظر آصف نحو سهيلة بامتنان.
بعد قليل، جلس آصف على فراشه ووضع رأسه بين يديه، يشعر بحيرة، يشعر بتذبذب في علاقته مع سهيلة. تارة يشعر أنها بدأ يزول رهابها منه، وتارة العكس. تذكر ذاك الوقت الذي كانا به بالشقة وحدهما وتلك القبلة التي لم تعقب عليها سهيلة. أتى إلى فكره لما لا يذهب في رحلة معها، ربما تكون بداية لعودة المشاعر بينهم.
بعد ظهيرة اليوم التالي، اتصل آصف على صفوانة وطلب منها تحضير حقيبة ملابس صغيرة بها بعض الملابس له ولسهيلة. وأخبرها أنهما سوف يذهبان إلى عطلة قصيرة. ثم ذهب إلى أمام المشفى التي تعمل بها سهيلة وانتظر قليلاً حتى رآها تخرج من المشفى. شعرت بخفقان في قلبها حين رأت آصف وتوجهت نحو سيارته وصعدت إليها قائلة:
- هنروح دلوقتي نصبح على آيسر ومراته، بس أنا المفروض أرجع للشقة عشان أبدل هدومي.
نظر لها آصف قائلاً بنفي:
- لأ... ماما هي اللي هتروح هي وصفوانة، إحنا نبقى نصبح عليهم لما نرجع.
نظرت له سهيلة باستغراب سائلة باستفسار:
- نرجع منين؟
نظر لها آصف قائلاً:
- هناخد يومين أجازة، أو بمعنى أصح هُدنة.
تسألت سهيلة بعدم فهم:
- هدنة من إيه؟ إحنا في حرب.
تبسم آصف قائلاً:
- خلاص اعتبريها يومين استجمام.
اضطجعت سهيلة على مقعد السيارة بظهرها قائلة بتوافق:
- أنا فعلًا محتاجة فترة استجمام، الأيام اللي فاتت كنت مشغولة مع طنط شُكران وروميساء. بس المفروض أصبح عليها، دي طقوسنا بعد الفرح، لازم أهالي العريس والعروسة يصبحوا عليهم.
فجأة صمتت سهيلة وتذكرت أنها لم تعيش تلك الأشياء البسيطة التي لها مكانة خاصة بالقلب. انتهى زواجهما قبل أن يبدأ بطريقة بشعة. تنهدت قائلة:
- خلينا نرجع للشقة يا آصف أغير هدومي ونروح نصبح على روميساء وآيسر ومالوش لازمة الاستجمام، أنا اتعودت خلاص على الإرهاق مش جديد عليا. هنام ساعتين وهصحى كويسة.
شعر آصف بغصة في قلبه. سهيلة مبذوذة، كذلك وخزات في قلبه على ما فقده حين استسلم لغفوة عقله وأضاع بعض اللحظات السعيدة مع سهيلة. أنهى سعادتها كعروس واقتص منها ببشاعة. لكن لن يستسلم الآن. لم يعط اهتمام لرغبة سهيلة وقاد السيارة.
لاحظت سهيلة أن الطريق مختلف، سألته:
- ده مش طريق الشقة ولا طريق شقة آيسر.
أجابها آصف وهو ما زال يقود السيارة:
- فعلًا ده مش الطريق.
تسألت سهيلة:
- طب ليه ماشي في الطريق ده؟
رد آصف بتصميم:
- زي ما قولت قبل دقائق هنروح يومين استجمام، ومش عاوز اعتراض لو سمحتِ.
تعصبت سهيلة قائلة:
- قولتلك مالوش لازمة، أنا محتاجة أنام ساعتين مش أكتر.
قاطعها آصف بإصرار:
- لأ لهم لازمة، وتقدر تنامي لحد ما نوصل وأنا هصحيكِ.
تعصبت سهيلة قائلة:
- آصف بلاش عِند.
صمت آصف وهو يضغط على زر بالسيارة انبسَط المقعد الذي تجلس عليه سهيلة وأصبح مريحًا.
زفرت سهيلة نفسها بغضب واضطجعت بظهرها على المقعد وأغمضت عينيها لا تود الجدال مع آصف الذي تبسم.
بعد وقت توقف آصف بالسيارة، ونظر جوارهُ كانت سهيلة نائمة. تأمل ملامحها مبتسمًا، ثم وضع يده على وجنة سهيلة برفق حتى يوقظها. لكن فجأة فتحت سهيلة عينيها وانتفضت، وشعرت برهبة بسيطة حين رأت اقتراب وجه آصف من وجهها. اعتدلت جالسة تنظر خارج السيارة، كان الظلام قد حل، أو ربما سوء الطقس هو ما يسبب ذاك الظلام. بسهولة تعرفت على المكان وسألت آصف:
- إيه اللي جابنا هنا.
تنهد آصف قائلاً:
- سبق وقولت هنقضي يومين استجمام، وأعتقد مفيش أحسن من البحيرة. ياريت تنزلي من العربية.
فتح آصف باب السيارة وترجل منها، وانتظر سهيلة التي ترجلت هي الأخرى، لكن شعرت بنسمة هواء باردة لسوء الطقس، وسارت نحو آصف قائلة:
- إزاي هنروح البحيرة دلوقتي؟ مفيش أي مركب هنلاقيه. كويس أبات الليلة عند بابا، أهو يبقى استجمام وكمان وحشوني.
أشار آصف لها بيده قائلاً:
- مش هنحتاج مركب، اليخت واقف هناك أهو. ومتخافيش أنا بعرف أسوق اليخت كويس.
بغصبانية ذهبت سهيلة خلفه وصعدت إلى القارب الذي سار بهم في المياه رغم تلك النسمات القوية، إلى أن وصلا إلى تلك البحيرة. نزلا من على القارب وتوجها إلى أحد المنازل الموجودة بها. دلف آصف وخلفه سهيلة التي تسألت بفضول:
- ليه جبتنا هنا في البحيرة؟ مش ملاحظ إن الطقس سيء جدًا وممكن تقوم عاصفة وننحبس هنا ومنعرفش نرجع للشط.
بداخله تنهد يتمنى ذلك حتى يظل معها بمفردهما أطول وقت، لكن تبسم لها قائلاً:
- معانا اليخت يعني أي وقت سهل نرجع للشط.
نظرت له باندهاش قائلة بسخط على استهوانته:
- بالبساطة مفكر نفسك قبطان أعالي البحار وهتعرف تقاوم الموج الهايج!
ربما ما كان عليها ذكر الموج الهايج، فما هي إلا ساعات وازدادت سرعة الرياح وسوء الطقس، وليس هذا فقط بل انقطع التيار الكهربائي عن المنزل، وهناك صوت آخر كأن أحدًا للتو تسحب وتسلل إلى المنزل.
«بتبع»
رواية عشق مهدور الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سعاد محمد سلامة
أخذ أسعد الورقة مُندهشًا يقول:
إستقالتك بالسرعة دي ليه، حد ضايقك في الشغل؟
رسمت هويدا الحزن أكثر على وجهها ودمعة تلألأت بعينيها، وإختلطت بنبرة صوتها المختنق بالدموع الخادعة:
لأ، بس أنا هرجع تاني كفر الشيخ وأعيش مع أهلي وإبني... كفاية اللي حصل لي.
خانته خبرته السابقة في كشف كذب النساء، وسألها بإستفسار ثم اعتذر على تطفله:
إيه اللي حصلك؟ أنا آسف إني بدخل في شؤونك الخاصة.
سالت دمعة كاذبة من بين أهدابها وأجابته بنبرة انكسار:
لأ حضرتك مش بتدخل في شؤوني، أنا اللي حظي كده دايمًا. بصراحة الوظيفة دي كانت السبب في إنها كشفت حقيقة جوزي، قصدي اللي بقى طليقي. رغم إني حاولت كتير إن جوازنا يستمر واتنازلت، وده اللي خلى جوازنا فضل مستمر أكتر خمس سنين، كنت أنا فيهم دايمًا اللي بتحمل عشان جوازي ينجح. بعد طلاق سهيلة اللي استغله عادل، وكان دايمًا يجرحني بيه إن أختي مكملتش أسبوع متجوزة واتطلقت وإني هبقى زيها. كنت بتحمل، وأكتر كمان لما خلفت ابني حسام، اتحملت عشانه. بس هو بقى لما جه هنا القاهرة واشتغل في بنك خاص، وطبعًا عملاؤه من طبقة راقية، بقى أقل كلمة مني له يتعصب عليا. وفي مرة...
صمتت، تمسحت تلك الدمعة من عينيها، ثم خفضت وجهها بإدعاء الخزي قائلة:
في مرة حاول يطاول عليا بالضرب بس مامته منعته. ولما قولت له على الوظيفة اللي قدمتها لي، كنت فرحانة وقولت هيتلم شملنا أنا وهو وابننا هنا في القاهرة. خيرني وقالي لو قبلتي الوظيفة هطلقك. وأنا جازفت وقولت فرصة عشان مسؤوليتي ناحية ابني. ووسطت بابا يتكلم معاه بس فشل. هو كان بيتلكك، وكان عاوز يخلص مني أنا وابني. ولما طلقني حاولت أصمد عشان خاطر ابني محتاج للمرتب اللي بقبضه. بس بصراحة أنا من يومين بس اتفاجئت وعرفت إن فيه ست تانية دخلت حياته. بصراحة قلبي وجعني، ومحتاجة أضم ابني لحضني وأفضل مع أهلي هناك بعيد عن هنا عشان مش هتحمل أشوفه مع اللي سابني عشانها.
نظر لها سائلًا بإستفسار:
لسه بتحبيه.
تنهدت بدمعة خائنة:
كنت، بس قلبي خلاص انجرح منه والحمد لله إنه ربنا كشف خيانته ليا، قبل ما أذل نفسي له أكتر. أنا كنت رايحة أطلب منه نرجع تاني لبعض، بس اتفجعت من خيانته، وحاسة إن ربنا عمل كده لهدف خير.
تبسم أسعد قائلًا:
أكيد خير، بس إيه اللي عرفك إنه خاين؟ مش يمكن شكك مش في محله.
بتسرع قالت تثير استعطافه:
يا ريت، بس أنا شوفت بعيني. قصدي يعني إحساسي مش شك.
سألها:
قصدك إيه؟
جاوبته ببراءة مصطنعة أجادتها:
شوفت معاه دلاية أو ميدالية مفاتيح شكلها غريب زي "ماسة سوداء". في البداية فكرتها ميدالية كريستال، بس لما مسكتها خطفها من إيدي وقالي إنت تعرف تمن دي كام. أنا رديت عليه ببساطة وحسن نية: أكيد مش غالية دي حتة كريستال. قالي: دي ألماس حر. ولما استغربت وسألته وهو هيجيب منين تمن ميدالية زي دي، اتخانق معايا، وقالي متدخليش في اللي ملكيش فيه. أنا شاكة إن صاحبة الميدالية دي ست، وهي اللي بسببها طلقني.
لفت انتباه أسعد كلمة "ماسة سوداء". تذكر قبل أيام اختفاء تلك الدلاية الخاصة بـ شهيرة، لكن سرعان ما نفض عن رأسه، فهو رأى تلك الدلاية معها ليلة زفاف آيسر.
بينما تبسمت هويدا بخفاء على شرود أسعد للحظات، قبل أن يقول لها:
إنتِ شابة، بلاش تخلي تجربة فاشلة تأثر عليكِ وتهدم حياتك. وأكيد مع الوقت مشاعرك لـ عادل هتختفي.
نظرت هويدا له بنظرة انكسار أجادتها، بينما نظر لها أسعد بنظرة أخرى تلمع برأسه فكرة. إذا كانت بالأمس رفضت شكران العودة لحياته كزوجة طبيعية، فهناك فرص أخرى يرسلها القدر بشبيهة الماضي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل أيمن
نهضت أسماء قائلة:
الطقس الليلة شكله هيبقى عاصف، أما أقوم أروح داري قبل ما الدنيا تمطر.
نهضت سحر هي الأخرى قائلة:
خليكِ، زمان أيمن وحسام راجعين من صلاة العشا، خلينا نتعشى سوا. كمان باتي هنا بدل ما تروحي تقعدي في الدار لوحدك. وليل الشتا طويل.
تبسمت أسماء قائلة:
لأ مش برتاح في النوم غير على فرشتي. كمان كنت متغدية متأخر وماليش نفس للأكل دلوقتي.
تبسمت سحر قائلة:
ولما كنتِ بتنامي مع سهيلة في شقة آصف مكنش بيحيلك نوم.
تبسمت أسماء قائلة:
والله ما كان بيجي لي نوم غير لما آخد سهيلة في حضني. كنت ببقى قلقانة عليها لحد ما ترجع للشقة، بالذات في نبطشيات السهر.
تنهدت سحر بشوق قائلة:
والله وأنا كمان مكنتش بطمن غير لما أتصل عليها وتقولي إنها رجعت أو راجعة في الطريق. أقول إيه، آصف السبب في كده. ومش عارفة نهاية ولا بداية لحياتها. عاملة زي اللي راكب مركب في البحر وتايه، مش عارف أي اتجاه هو طريق النجاة له. آصف بدل ما يسيبها تكمل حياتها بعيد عنه رجع تاني. وهي كمان اتحير أمرها.
تبسمت أسماء قائلة:
أنا لما نمت ليلة فرح آيسر جنبها حسيت إن سهيلة خلاص مبقتش محتارة، هي بس محتاجة تاخد قرار حاسم. وأعتقد هي وصلت له. هقولك الصراحة، أنا لو سهيلة مرات ابني يمكن مكنتش أستحملها. عارفة ليه؟ آصف صحيح غلط غلط فادح، بس ندم. كمان إزاي قبل على نفسه إنه يبقى زوج وفي نفس الوقت مراته تنام في أوضة تانية قدام أهله وهو متحمل كده. لو مش بيحبها مكنش صبر كمان على غلاظتي معاه طول الوقت. آصف أثبت في لحظة غرور إنه بيجري في دمه غباوة "أسعد شعيب". كمان جواها تربية شكران الطيبة. والاتنين كانوا في صراع جواه. بس الفترة اللي عشتها معاهم ظهر لي مع الوقت إن اللي سيطر عليه هي تربية شكران الطيبة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بشقة آيسر
تبسمت يارا على مشاغبة آيسر لـ شكران، الذي ضمها لصدره قائلًا بعتاب:
طبعًا ابنك البكري هو اللي قالك بلاش تروحي للغلبان تصبحي عليه، وأكيد هربان دلوقتي مع مراته.
شعرت فجأة شكران بنغزة في قلبها، لكن تبسمت له قائلة:
لأ ظلمت آصف. أنا اللي قولت نسيبكم مع بعض تتهنوا. كمان الأيام اللي فاتت كانت مرهقة وكنت محتاجة يوم راحة، وأهو إحنا جينا.
تبسمت روميساء قائلة:
هو هيك آيسر، ما بعرف أمتى بيمزح وأمتى بتكلم جد.
تبسمت صفوانة قائلة:
بكرة بتتعودي على طبعه وبتعرفي تتعاملي معاه. آيسر أحلى ولاد شكران.
تبسم آيسر بزهو مرح، بينما قالت يارا:
طنط صفوانة تعتبر أم تانية لـ آصف وآيسر.
تبسمت شكران قائلة:
ربنا يديمها في حياتي، هي أختي طول عمرها من يوم ما اتعرفنا على بعض. ياما سهرت جنبي وأنا مريضة واهتمت بيا.
تدمعت عين صفوانة قائلة:
إنتِ السباقة بالخير دايمًا. وكفاية بقى، إحنا جايين نبارك لعرسان مش نتكلم في مين اهتم بمين.
تبسم آيسر وهو يجلس في المنتصف بين صفوانة وشكران، التي تقاوم ذاك الشعور السيئ. ظل المزح بينهم لوقت، أحيانًا كانت شكران تشعر بنغزات قوية، وتآكل في قلبها. لاحظ آيسر ذلك لكن لم يتسأل حتى لا يزيد الضغط عليها بعدما أخبرته صفوانة أنها كانت مريضة بالأمس بسبب إرهاقها. لكن حاول المزح حتى يخرجها من ذاك الشعور، ظنًا أنها مرهقة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالبحيرة
بذاك المنزل
بعد أن تركت سهيلة آصف وصعدت إلى الطابق الثاني ودلفت إلى غرفة النوم الذي أخبرها عنها، أخذت قسطًا من النوم، أو بمعني أصح، بسبب الإرهاق غفت دون وعي منها. استيقظت تشعر بجوع، منذ الصباح لم تتناول سوى القليل من الطعام. لم تستغرب من ذاك الدثار الذي تتذكر جيدًا أنها لم تكن تود النوم. بالتأكيد آصف هو من وضعه عليها. أزاحت ذاك الدثار عن جسدها، ونهضت من فوق الفراش وعاودت الهبوط إلى الدور الأسفل. استنشقت أنفها رائحة طعام. تتبعت تلك الرائحة إلى أن دلفت إلى المطبخ. كان آصف يفرغ تلك الأكياس من الطعام ومنها ما عاود تسخينه مرة أخرى بسبب برودته. تبسم وهو يعطي لها ظهره قائلًا:
حضرت العشا وكنت لسه هطلع أصحيكِ... واضح إنك مرهقة. كانت فكرة كويسة إننا نفصل يومين بعيد عن القاهرة ونيجي لهنا في البحيرة.
تثائبت وهي تنظر إلى تلك الأطباق الموضوعة على تلك الطاولة قائلة:
لأ عادي مش مرهقة، بس جعانة. كويس إنك جبت أكل جاهز.
تبسم لعنادها قائلًا:
تمام، أنا سخنت الأكل. خلينا نتعشى سوا.
وافقت بلا اعتراض وجلست خلف طاولة الطعام، وشرع الاثنان في تناول الطعام بأحاديث مختصرة. إلى أن نهضت سهيلة قائلة:
الحمد لله شبعت، هطلع أكمل نوم.
قبل أن تخرج سهيلة من المطبخ، نهض آصف سريعًا وأمسك معصمها قائلًا:
عارف إنك بتحبي تشربي شاي بعد العشا.
نظرت إلى يده الذي يمسك بها معصمها، لا تعلم لما لأول مرة لا تشعر برهبة من ذلك. أومأت برأسها بموافقة.
تبسم آصف قائلًا:
تمام، اقعدي ودقائق هيكون الشاي جاهز.
بالفعل جلست سهيلة تنتظر إلى أن وضع آصف أمامها كوب الشاي. تبسمت وسحبت الكوب بين يديها تنظر للكوب سائلة:
أنا عارفة إن والدك له بيت هنا عالـ بحيرة، بس البيت ده بتاع مين؟
نظر لها آصف بهدوء قائلًا:
بتاعي أنا، اشتريته من أكتر من ست سنين ونص.
رفعت رأسها ونظرت له بإندهاش. تجرأ آصف ووضع يديه حول يديها اللتان تحاوطان كوب الشاي قائلًا:
اشتريت البيت ده عشان نبقى نِجي له في الإجازات هنا عـ البحيرة. كان أول مرة أعترف إني بحبك. فاكرة يا سهيلة.
نظرت سهيلة إلى يديه اللتان حول يديها، ثم نظرت إلى وجهه وتلك الإبتسامة الحالمة. شعرت بهزة قوية في جسدها. تركت النظر إلى وجهه وعاودت النظر إلى يديه. لم تكن يديه تقبضان على كفيها، لكن عقلها ذكرها حقًا بأول اعتراف له بأنه يحبها. لكن سرعان ما نهرها عقلها، كيف مازالت تلك الذكرى عالقة برأسها بعد كل تلك السنوات. سحبت يديها من بين يديه، ونهضت قائلة:
ماليش مزاج للشاي، مصدعة. هطلع أكمل نوم، تصبح على خير.
قبل أن تخطي سهيلة، نهض آصف سريعًا وجذبها يضمها لصدره من الخلف، وضع رأسه على كتفها قائلًا بهمس:
البيت ده اشتريته عشان نقضي فيه أول ليلة لجوازنا.
تفوهت سهيلة بألم:
قصدك الليلة اللي هدمت بإيديك بينا.
زفر آصف نفسه بندم ساحق صامتًا، يضم جسدها فقط. إلى أن حاولت الابتعاد عنه، لكن هو تشبث بها هامسًا:
أنا بحبك يا سهيلة ومتأكد إنك كمان لسه...
قاطعته بأسف:
لسه إيه... أنا مشاعري ماتت على إيديك، مبقتش بحس، عايشة من غير روح.
تنفس قليلًا فوق عنقها، ثم أدار جسدها ليصبحان وجهًا لوجه، وهو مازال يأسرها بين يديه قائلًا برجاء:
أنا اللي عايش من غير روح، سهيلة كفاية وخلينا...
قاطعته قبل أن يكمل حديثه:
إنت اللي كفاية يا آصف، أنا مبقتش قادرة أستحمل أضغط على نفسي أكتر من كده. بنكسف من نظرات خالتي صفوانة وطنط شكران، بحس إني زي المذنبة في حقك، وأنت السبب من البداية. ليه مسبتنيش الليلة دي أموت، يمكن كنت ارتحت وريحتك... ليه أنقذتني؟ كان غرضك تموتني عالبطئ مش كده.
هز آصف رأسه نافيًا بـ "لأ". بينما أكملت سهيلة بجفاء:
أنا فعلًا بموت عالبطئ يا آصف. حبك زي حبل المشنقة اللي هربت منه زمان بالكذب، بس للأسف مقدرش أهرب من حبل إنت اللي ماسكه وبتخنقني بيه. كفاية كده، أنا تعبت وهلكت يا آصف. إنت انقذتني من الموت عشان تستلذ بكل لحظة بموت فيها قدامك. كفاية لو ليا عندك لو ذرة إحساس...
قبل أن تستسهب سهيلة حديثها، جذبها آصف من عنفها وقبلها قبلة شوق ممزوجة بتلك الدموع التي فرت من عينيها مع دمعة عينيه. كانت قبلة مالحة بطعم دموعهما الاثنين. ترك شفتيها ثم احتضنها بصمت يشعر بأنفاسها، ثم ابتعد عنها خطوة إلى الخلف قائلًا:
تصبحِ على خير يا سهيلة.
نظرت له تشعر بخواء، علمت أنها مازالت متمسكة بأسره لها. تنهدت بسأم وإرهاق. لم تود المجادلة، أو بالأصح لم تستطع. انسحبت من المطبخ. بينما ظل آصف واقفًا لدقائق يشعر بغصات قوية. ماذا ظن أن تقول له سهيلة أنها سامحته؟ كان مخطئًا مثلما قالت، لكن ليس كما قالت له أنه لم يدعها تموت كي يستلذ بموتها كل لحظة أمام عينيه، بينما الحقيقة بالعكس، هو من يموت كل لحظة هجر منها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بشقة آصف
مازالت تلك النغزات تضرب قلبها، تشعر بألم وفكرها يذهب إلى آصف، لا تعلم سبب لذلك الشعور البغيض في قلبها. لو استسلمت لذاك الشعور أكثر من ذلك، سيشت عقلها. نهضت من فوق فراشها، ذهبت إلى الحمام، توضأت وعادت تفرش سجادة الصلاة وبدأت تصلي، حتى شعرت بطمأنينة قليلًا. خرجت من غرفتها وتوجهت إلى غرفة المعيشة، أشعلت التلفاز، وجلست على أريكة، تبدل في القنوات. لا شيء تنظر له، حتى استقرت على إحدى القنوات تعرض فيلمًا قديمًا. ظلت لوقت جالسة لا تنتبه إلى التلفاز، عقلها وقلبها شاردان. جذبت هاتفها وقبل أن تقوم بالاتصال، سمعت صوت صفوانة تقول:
سمعت صوت التلفزيون، قلت أكون نسيته مفتوح قبل ما أنام. بس اتفاجئت بيكِ. إيه اللي مصحيكِ لحد دلوقتي.
تنهدت صفوانة تشعر ببأس:
حاسة قلبي مقبوض.
جلست صفوانة بجوارها على الأريكة ووضعت يدها فوق يدها بتطمين قائلة:
ليه بس؟ أنا ملاحظة إن من وقت ما رجعنا من شقة آيسر وإنتِ قلقانة.
مازالت تشعر بقبضة في قلبها، وضعت يدها الأخرى فوق قلبها ونظرت إلى صفوانة قائلة:
نفس الإحساس ده عيشته قبل كده، ليلة...
قطعت بقية حديثها، تحاول نفض ذاك الإحساس السيئ، لكن مازال متمكنًا من قلبها. جذبت هاتفها وقالت:
هتصل على آصف.
تركتها صفوانة تتصل، إلى أن قالت لها:
موبايل آصف بيرن ومش بيرد عليا.
تنهدت صفوانة تحاول بث الطمأنينة في قلبها قائلة:
أكيد زمانه نايم...
وتوقفت صفوانة ونظرت إلى فضول شكران، مبتسمة وقالت:
إمبارح أنا شفت سهيلة كانت طالعة من أوضة آصف، وكانت هدومها من فوق عريانة شوية، بس كان شكلها مضايقة شوية وانكسفت مني. يمكن تكون سهيلة رقت له.
فهمت شكران قصد صفوانة وتنهدت بغصة قائلة بأسى:
والله صعبان عليا آصف وعذاب قلبه اللي متحمله. بتمنى سهيلة تسامحه وكفاية كده عذاب لهم هما الاتنين. بحس بقهرة قلبه وهو بيتجسس عليها زي ما تكون مش مراته. لو غيره مكنش اتحمل إنه يعيش في أوضة ومراته في أوضة تانية قدام أهله. ومش قادر يقرب منها. ده استسلام منه وهو متحمل عشان تفضل قريبة منه.
شعرت صفوانة بالأسى هي الأخرى، لكن حاولت التخفيف عن شكران قائلة:
ده راجل ومراته وهما أحرار، ولا إنتِ عايزة تعملي فيها حمى زي المرحومة حماتك، الله يرحمها. كانت غاوية سيطرة فاكرة.
تبسمت شكران بتوافق، قائلة:
الله يرحمها. رغم أنها كانت شديدة، بس الصراحة كانت حقانية. آصف واخد شوية من خصالها.
تبسمت صفوانة قائلة:
فعلًا، آصف فيه من خصالها، إنه بيدافع بإستماتة عن الشيء اللي مؤمن بيه. قلبي خايف عليه، حاسة بشعور سيئ من ناحية. من أول ما اتصل وقالك تحضري له شنطة صغيرة هو وسهيلة هيسافروا يومين. ياريتك سألته هو رايح فين، يمكن كان قلبي اطمن.
طمئنتها صفوانة قائلة:
بلاش تسلمي فكرك للشر. قومي اتوضي وصلي وادعي. ربنا يهنيه مع سهيلة وبكرة يرجعوا مبسوطين.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بالبحيرة بعد منتصف الليل بساعتين تقريبًا
بعد مجادلة آصف وسهيلة، صعد كل منهم إلى غرفة خاصة يزوي نفسه مع بؤس قلبه. تمدد آصف فوق الفراش يشعل سيجارة خلف أخرى يحرقها مثلما يحترق قلبه. كان نور الغرفة خافتًا، لكن فجأة انطفأ. نهض سريعًا وأشعل الولاعة حتى رأى مكان هاتفه وأشعل الكشاف الخاص به، وجذب ذاك السلاح الذي أصبح مرافقًا له في الفترة الأخيرة وخرج سريعًا من الغرفة متوجهًا نحو غرفة سهيلة. لكن لفت انتباهه ضوء متسرب من أحد شبابيك الممر. عاود النظر بتأكيد، استغرب ذلك. إذن الكهرباء قطعت عن المنزل عمدًا. لكن هناك ما أثار انتباهه أكثر، صوت تحطم شيء بالدور الأسفل. تأكد حدسه، شعر بلهفة على سهيلة. ذهب سريعًا نحوها، ودلف مباشرة إلى الغرفة دون استئذان. وجه كشاف الهاتف نحوها، كما توقع ملامحها واضح عليها الرهبة. لكن هدأت حين رأته وتنهدت بارتياح. لكن قبل أن تتحدث، اقترب آصف من تلك الطاولة المجاورة للفراش وجذب هاتفها وأعطاه لها، وجذبها إلى حضنه يبث الطمأنينة في قلبها. لكن سرعان ما ارتجفت سهيلة قائلة:
في صوت تكسير جاي من الدور اللي تحت.
حاول طمأنتها قائلًا:
يمكن نسينا شباك مفتوح والهوا حركه واتكسر الزجاج أو قطة اتسللت للبيت. خليكِ هنا وأنا هنزل أشوف إيه اللي وقع.
تشبثت سهيلة به قائلة:
لأ أنا بخاف من الضلمة. خدني معاك.
تبسم آصف وضمها يسيران إلى أن اقتربا من باب الغرفة. على غفلة ضمها قويًا ثم وضع ذاك السلاح بيدها وابتعد. وبسرعة أغلق عليها باب الغرفة بالمفتاح قائلًا:
افتحي كشاف الموبايل بتاعك يا سهيلة.
قال ذلك وذهب دون حتى اهتمام بطرقها على باب الغرفة وندائها واستغاثتها بأن يفتح لها الباب. سار إلى أسفل المنزل على ضوء هاتفه، إلى أن وصل إلى أسفل. كما توقع، هناك لمعة سلاح أبيض انعكست في الظلام.
بينما لسوء حظ ذاك المجرم، بعد أن أخفض سلك الكهرباء وتعتم المنزل، لم ينتبه إلى قطع ديكور اصطدم بها وأصدرت صوت مسموع في المنزل، ليس أقل من صوت تلك العاصفة التي بالخارج. عاود مرة أخرى إلى ذاك المكان الذي قطع منه كهرباء المنزل ورفع أحد الأزرار أضاء تلك الردهة أمام سلم المنزل فقط، وعاد في نفس الوقت تفاجأ بـ آصف الذي أطفأ كشاف الهاتف ينظر له بتوعد، فـ ارتبك لكن تمسك بالسلاح بيديه. بينما تجهم وجه آصف ونظر إلى أعلى بسبب أصوات سهيلة التي تستغيث أن يعود لها بالغرفة، كذلك الظلام في الأعلى. تهكم ذاك المجرم قائلًا باستهزاء وقح:
يظهر مش قادرة إنك تبعد عن حضنك. يظهر قطعت الكهربا في وقت غلط، ولا يمكن مكنتش محتاج للكهربا أساسًا. متخافيش مش هتغيب عليها، هخليها تحصلك للآخرة مباشرةً.
تهكم آصف قائلًا بشجاعة:
واضح إن اللي بعتك عشان تقتلني حمار زيك بالظبط، مفكر إن قطع الكهربا ولا حتة سكينة هخاف منهم. يظهر إنك غبي بتنفذ الأمر بدون ما تحسب حساب مين اللي قدامك.
ضحك المجرم باستهزاء ظنًا أنه الفائز بذاك الفصلين اللذان بيديه. اقترب يهوش بالنصلين. كان آصف يناوره جيدًا، لكن أحد النصلين أصاب ساعد يده، ترك جرحًا كذلك نزيفًا. لمعت عيني المجرم، وعاود الاقتراب والاندفاع عليه بالسلاحين. لكن آصف عاد للخلف وتفادى إحدى الطعنات التي كادت تصيبه. توقف المجرم يلهث، متكهنًا ينظر له بزفر وغضب يزداد وبدأ يتعامل بشراسة أكثر واندفاع. رغم أن آصف لديه يقين أن قوته أقوى من ذاك المجرم، ناوره جيدًا حتى يجعله يفقد قدرته مع الوقت. وكذالك بالفعل بدأ المجرم يسأم ويندفع أكثر نحوه، وبدأ بتوجيه الطعنات لـ آصف الذي كان يتفادى معظمها، لكن هناك طعنة أصابته بكتفه قريبة من عنقه. توقف المجرم يلهث، عينيه تلمع بظفر وتهور، وكاد بطعنة، لكن آصف أمسك إحدى يديه، وقبل أن يتفادى الطعنة الأخرى أصابته ببطنه، لكن لم تتوغل من جسده. دفع المجرم قليلًا للخلف. تبسم المجرم الذي يتعامل معه بالسلاحين اللذان يطوعهما كأنهما جزء من يديه. نظر له آصف بشعور بـ ألم وغيظ وسأله بـ لهاث:
واضح إن اللي ماجرك عشان تقتلني ليا عنده معزة خاصة، باعت لي شخص محترف.
تبسم الآخر بزهو ظنًا أن آصف يمدحه بعد تلك الإصابات التي ليست طفيفة، لكن قوة بنيان جسده هي ما تجعله صامدًا أمامه، وهذا ليس سوى وقتًا وينهار أمامه، لكن كان مخطئ. آصف يحاول مناورة ذاك المجرم حتى يخدعه، وها هي أولى المفاجآت للمجرم حين جذب آصف إحدى قطع الديكور وقام بإلقائها نحو المجرم الذي ظن أن آصف بـ بوادر انهيار. انقلب الوضع وبعد أن كان المجرم هو من يبدأ بالهجوم، كان آصف يهجم عليه محاولًا تفادي النصلين وقام بضرب المجرم على إحدى يديه بقطعة ديكور. صرخ من قوتها المجرم وسقط من يديه أحد النصلين. سريعًا انحنى آصف والتقطه، لكن اندفع المجرم نحوه وقام بإصابته بشق آخر في بطنه. كذلك آصف قام بطعنه، لكن ليست طعنة قوية بيده. اختل تمكن يده فوق النصل، لكن سريعًا بدلها لليد الأخرى. بالفعل عاود طعن آصف، لكن آصف يتفادى الطعنات ويوجه له لكمات وبعض الطعنات أيضًا. إلى أن توقف الاثنان يلهثان واحتدت نظرات عيونهما بتوحش. كل منهم لديه رغبة إنهاء حياة الآخر. لكن صراخ سهيلة العالي جعل آصف يظن أنها قد تكون خرجت من الغرفة. نظر لأعلى. استغل المجرم ذاك وكاد يطعن آصف بمقتل، لكن تفادى ذلك بإصابته في منتصف صدره إصابة كبيرة. انحنى قليلًا. تبسم المجرم ظنًا أن آصف انتهى واندفع كي يطعنه الطعنة الفاصلة. لكن آصف تنحى قليلًا وقام بجذب المجرم، وجه له الكثير من اللكمات وهو يمسك يده الممسكة بالسلاح يشل حركته، كذلك ضرب فوق يده إلى أن سقط السلاح منه وضعفت قوته وتغلب آصف عليه حين خارت قوته وانحنى أرضًا. ظل آصف يلكم فيه بقوة أفقدته الكثير من أسنانه، كذلك شبه تغلب عليه، لكن ذاك المجرم كان لديه نصل صغير أخذه من جيبه وقبل أن يلكمه آصف، قام بطعنه بجانبه، طعنة أخلت بجسد آصف. في نفس الوقت عاد للخلف يضع يده فوق الجرح. استغل ذلك المجرم ونهض سريعًا يجذب ذاك النصل الآخر واندفع على آصف الذي كان أسرع منه وجذب النصل الآخر من على الأرض وبدل النهاية بدل أن يصيبه النصل بمقتل، طعن هو المجرم الذي جثا على قدميه أمام آصف. قبل أن يسحب آصف يده ويتركه يتمدد أرضًا، لكن يشعر بألم قوي بسبب تلك الطعنات المتفرقة بجسده. رغم ذلك انحنى بمستوى ذلك المجرم وقام بسؤاله:
مين اللي بعتك عشان تقتلني؟ قول لي مين اللي بيتعقبني.
تبسم المجرم يعلم أنه موشك على نهايته، لكن تعمد إغاظته بأنفاس متقطعة قائلًا:
حبايبك كتير يا حضرة الأفوكاتو...
توقف المجرم يلتقط نفسًا، لكن لسوء خِصاله والغدر المتمكن منه، كان النصل الصغير قريب من إحدى يديه. جذبه واستجمع آخر قوته الواهنة وعلى خوانه طعن آصف الذي تفادى قليلًا، لكن أصابه بطعنة شبه متوغلة ببطنه. بنفس الوقت نظر لـ آصف الذي شبه وقف يترنح يضع يده يكتم نزيف دمه. بينما المجرم سلم لنهايته التي تحتمت بعد آخر طعنة تلقاها من آصف فوق يده التي شلت حركته وتأثرًا بطعنة غائرة في بطنه، انتفض جسده قبل أن يسكن بلا حركة.
اقترب آصف منه بحذر تحسبًا حتى لا يقع بفخ مرة أخرى. بالفعل يبدو أنه فارق الحياة. انحنى يجث عنقه، تأكد أنه لا يوجد نبض. نهض آصف يشعر بدوخة كذلك يترنح جسده. مرغمًا سار بخطوات شبه بطيئة يضع يده فوق ذاك الجرح الغائر ببطنه يحاول كتم نزيفه. سمع أصوات استغاثة سهيلة، سار نحو ذاك المكان وقام بإعادة الكهرباء إلى المنزل، ثم سار نحو الأعلى يتمسك بسياج السلم ويتكئ بجسده على الحوائط حتى يستند عليها، إلى أن وصل أمام تلك الغرفة. اتكأ بيده فوق مقبض الباب وقف قليلًا يستجمع آخر ما تبقى من مقاومته. وضع يده فوق المفتاح وقام بفتح باب الغرفة. بنفس الوقت توقفت سهيلة عن الاستغاثة به، تشعر بيأس أن يكون أصابه شيء. شعرت بنغزات قوية في قلبها ودموع عينيها تسيل. بنفس الوقت شعرت بأمل حين عادت الكهرباء، ثم من بعدها بدقائق سمعت صوت تكات مفتاح الغرفة. للحظة أخذت حذرها وتمسكت بيديها الاثنتين على ذاك السلاح وصوبته نحو باب الغرفة بيد مرتعشة. لكن حين نظرت إلى آصف الذي طل من خلف باب الغرفة، تركت السلاح يقع من يدها وهرولت نحوه بخطوات سريعة. في لحظات كانت ترفع يديها حول عنقه تحتضنه تتنهد بارتياح. ضمها آصف قويًا إلى جسده، واضعًا رأسه على كتفها وتنفس على عنقها. هدأ خوف سهيلة وعادت برأسها إلى الخلف. رفعت إحدى يديها وضعت كفها على وجه آصف وقالت بنبرة ارتياح:
آصف إنت بخير. أنا...
قطع بقية استرسال حديثها جذبه لرأسها وقبّله لشفتيها التي لم تنفر أو تتضايق منها، بل استقبلتها برحابة منها. ترك شفتيها وضع جبينه فوق جبينها وهمس بضعف:
بحبك يا سهيلة لآخر لحظة بعمري، مش قادر أحرر قلبي من أنه يعشقك، لكن الحرية مش بعيدة عنك.
شعرت سهيلة بيدي آصف اللتان انسحبتا من حول جسدها وأصبح جسده ينخفض بين يديها إلى أن أصبح جاثيًا على ساقيه أمامها. نظرت إلى الفراغ بين يديها، لاحظت تلك الدماء التي تسيل عليهم. بعقل غير مستوعب للحظات، قبل أن تقول بنبرة لوعة وخفوت قلب:
آصف!
لم يستطع آصف رفع بصره لها وهو يتمدد أرضًا مدرجًا بدماؤه، مستسلمًا لفقدان وعيه وهو يشعر بانسحاب روحه من جسده. لكن كان يشعر براحة في قلبه، فهو حصل على ما كان يبغي "عناق وقبلة" برضاها.
بينما سهيلة شعرت بأن قلبها يئن حين رأته هكذا. لم تنتظر وقتًا وانحنت جاثية جواره، وضعت يدها فوق العرق النابض بعنقه كان هناك نبض يضعف. ربتت سهيلة على وجهه باستجداء قائلة:
آصف حاول تساعدني وقوم أقف معايا. إنت بتنزف...
فتح آصف عينيه يشعر بانسحاب، رسم بسمة خافتة دون أن يتحدث. حاولت سهيلة جذبه حتى ينهض معها بصعوبة. امتثل جسده الضخم، وقف مستندًا كليًا عليها. لم تهتم بثقل جسده واحتوت خصره بيديها تسير معه بترنح إلى أن وصلا إلى الفراش. تركت جسده الذي تمدد نصفه فوق الفراش. سريعًا عدلت جسده، وهو شبه واعي يتألم غير قادر على الحديث. سريعًا قالت:
أكيد البيت فيه شنطة إسعاف أولية.
سريعًا ذهبت نحو الحمام تبحث عن تلك الحقيبة الطبية لم تجدها. خرجت بيأس من الحمام. نظرت نحوه كان ممددًا. لم تنتظر، ذهبت نحو الغرفة الأخرى فتحت الحمام الخاص بها وبحثت به. تنهدت براحة حين وجدت تلك الحقيبة. جذبتها سريعًا وذهبت نحو الغرفة الأخرى. كان آصف شبه غير واعي، جثت العرق النابض به، تنهدت براحة. سريعًا قامت بتمزيق بقية ثيابه من الأعلى. شعرت برجفة في قلبها حين رأت تلك الجروح الغائرة بصدره وذاك الجرح الأكبر النازف ببطنه. سريعًا جذبت تلك الإبرة الخاصة بتقطيب الجروح وبدأت بتقطيب تلك الجروح حتى تستطيع وقف ذاك النزيف. بعد وقت لا بأس به قطبت تلك الجروح، وآصف شبه غير واعي. جذبت هاتفها وكادت تتصل على إحدى المستشفيات، لكن صوت العاصفة بالخارج جعلها تتأكد أنه لابد من نقل آصف إلى مشفى. لكن لن يجازف أحد ويبحر بمياه البحيرة في هذا الوقت. لا يوجد أمامها سوى الابتهال والاستنجاد بقوة قلبها. اقتربت من آصف وضعت يدها فوق العرق النابض، ربما هدأ قليلًا وعاد شبه طبيعيًا. هدأ قلبها قليلًا. رغم معرفتها بحاجة آصف إلى نقل دماء وتعليق محاليل ومغذيات طبية، لكن ما فعلته فقط هو وقف النزيف. بعد قليل شعرت بانتفاضة جسد آصف ووضعت يديها فوق صدره شعرت ببرودة تغزو جسده. بالتأكيد بسبب النزيف بدأت حرارة جسده تنخفض بدرجة ملحوظة. فكرت سهيلة، قامت بوضع دثار آخر فوق جسده، لكن مازالت الرجفة مستمرة. اهتدى عقلها، لا يوجد سواها هي من تعطي لـ آصف حرارة من جسدها. بالفعل لم تفكر كثيرًا وقامت بنزع ثيابها ورفعت الدثار عنه وتمددت بجسدها فوق جسده تشعر به. رغم تلك الرهبة التي تملكتها للحظات، لكن برودة جسد آصف جعلتها تجازف وبدأت تستحث حرارة جسده بحرارة جسدها بلقاء حميمي، كذلك كانت تستحث فيه الألم حتى يقاوم جسده ويستعيد جزءًا من حرارة جسده. ظنًا منها أنه لا يشعر بذلك، لكن هو كان شبه واعيًا وشعر بقبلاتها على عنقه وصدره تستحث بهم حرارة جسده. كذلك ذاك اللقاء الحميمي، كذالك كان يشعر بلمسات يديها اللتان تمسد بها على جسده تستحث الدفء له. ود أن يستمتع بذاك الشعور معها ويخبرها أنه واعٍ، لكن وهن جسده يمنعه. كذلك هنالك مانع آخر، لو أظهر أنه واعٍ بالتأكيد ستبتعد عنه وتتركه لصقيع آخر يغزو قلبه.
رواية عشق مهدور الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سعاد محمد سلامة
بشقة آيسر
كان نائمًا يضم روميساء بين يديه، سمع رنين هاتفه، تنهد بتجاهل له وضم روميساء أكثر، بينما روميساء شعرت بالانزعاج بسبب معاودة الرنين، فتحت عينيها قائلة:
آيسر موبايلك عم يرن.
تنهد آيسر بنعاس قائلاً:
سبيه يرن... دلوقتي اللي بيتصل يزهق ويقفل هو.
لسه عم بيرن، آيسر، قوم شوف مين باركي شي مهم.
فتح آيسر عينيه قائلاً بضجر:
شي مهم قبل الفجر، عالعموم طالما صحيت أشوف مين اللي بيرن.
جذب الهاتف من طاولة جوار الفراش ونظر إلى الشاشة، زفر أنفاسه بغضب قائلاً:
ده آصف أكيد بيغلس، مفكرني عايم في هنا وغرام.
وسعت روميساء عينيها وابتعدت عنه بغضب قائلة:
قصدك شو، إنت مو متهني معي، إحنا لسه بأولها....
قبل أن تستكمل حدتها جذبها وضم شفتيها في قبلة جامحة، للغرابة تقبلت القبلة بترحيب، لكن ما زال صوت رنين الهاتف مستمر، ترك آيسر شفتيها مغصباً، ونظر إلى وجهها مبتسماً وغمز عينيه، يقول بمكر:
أنا هقفل الموبايل خالص، واضح إن رزق الفجرية بيبقى كتير.
فهمت إيحاءه شعرت بخجل وقالت بتعلثم:
لأ، واضح إن أخوك بده إياك بشي مهم، الموبايل ما يبطل دق، رد عليه.
تبسم آيسر قائلاً بغمز:
هرد عليه بس عشان أقوله يبقى يتصل كل يوم في الوقت ده و...
تسرعت روميساء قائلة:
رد عليه وبلا رغي كتير.
ضحك آيسر وضغط على زر الرد قائلاً:
مش برد عليك ليه الإزعاج يا.....
قطع بقية حديثه حين سمع صوت سهيلة تقول:
أنا مش آصف يا آيسر أنا سهيلة.
انخض آيسر سائلاً:
خير يا سهيلة بتتصلي من موبايل آصف ليه، آصف بخير؟
ردت سهيلة:
لأ، آصف مش بخير آصف لازم يتنقل لمستشفى بأسرع وقت.
انتفض آيسر من فوق الفراش بلهفة سألاً:
إيه اللي حصل، وإنتوا فين؟
أجابته بإختصار:
اللي حصل هقولك عليه بعدين دلوقتي آصف لازم يتنقل لمستشفى فوراً، إحنا في بيت البحيرة، والجو عاصف...
قاطعها آيسر مرة أخرى:
تمام أنا هتصرف، بس بلاش تتصلي على ماما.
تمام بس بسرعة حالة آصف بتتأخر مع الوقت.
شعر آيسر بوجع في قلبه قائلاً:
لأ أنا هتصرف بسرعة، وإن شاء الله آصف هيبقى بخير، هرجع أكلمك تاني.
أغلق آيسر الهاتف، وذهب نحو دولاب الملابس فتحه وأخرج له ثياب وبدأ يرتديها بعجالة.
لاحظت روميساء طريقة حديثه مع سهيلة كذلك رجفة يده على الهاتف وملامح وجهه، تساءلت بلهفة:
شو في آيسر، ماله آصف.
رد بلوعة:
مش عارف سهيلة قالت لي إنه حالته خطر ولازم يتنقل لمستشفى بأسرع وقت ولازم أتصرف، أنا رايح المطار، وإنتِ لو ماما اتصلت عليكِ بلاش تقولي لها حاجة عن مكالمة سهيلة قبل ما نطمن وأعرف حالة آصف بالظبط، ماما قلبها مش هيتحمل وجع تاني.
أومات له برأسها قائلة:
ما بقولها شي، بس ابقى دق لي وطمني.
أومأ لها وخرج مسرعاً.
جلست روميساء فوق الفراش دخل لقلبها شعور جديد ناحية آيسر شخصية أخرى ظهرت ملامحها بوضوح، شخصية تشعر بالمسؤولية نحو أخيه.
بعد دقائق معدودة بمطار القاهرة وصل آيسر دلف إلى أرض المطار مباشرةً، بلهفة توقف أمام طائرة إسعاف مجهزة، حين تحدث له أحد مديري المطار قائلاً:
الطيارة جاهزة، بس خد بالك صحيح العاصفة يا دوب هديت بس أكيد لها توابع في الجو، التحليق بالطيران في وقت زي ده انتحار، وكمان طبعاً مفيش دكتور أو ممرض هيقبل يبقى مرافق معاك، صحيح الطب رسالة سامية، بس الروح عند صاحبها غالية.
بتسرع وهو على سلم الطائرة تحدث آيسر:
مش محتاج لدكتور ولا ممرض، كل اللي محتاجه طيارة طبية مجهزة، ومتخافش عليا ناسى إني درست طيران حربي قبل الطيران المدني، عندي شوية خبرة في المناورات.
تنهد الآخر بقلة حيلة، بينما أغلق آيسر باب الطائرة وبدأ يحلق بها في السماء غير آبه بسوء الطقس.
بينما بمنزل البحيرة.
من الحين للآخر تجث سهيلة حرارة جسد آصف التي بدأت تعود للبرودة مرة أخرى، لحظة الانتظار كأنها سنوات واقفة لا تمر، شعرت برجفة حين صدح رنين هاتف آصف، في البداية ظنت أنه آيسر، نظرت للهاتف الذي تحتفظ به في يدها، لكن وجدت رقم آخر غير مسجل مع الأرقام الخاصة به، تحير عقلها بعدم الرد، لكن ردت ربما يكون رقم آخر لآيسر، أو يتواصل معها برقم شخص آخر معه... لكن تفاجئت حين قامت بالرد وآتاها صوت روميساء... لامت عقلها كيف لم تنتبه للرقم، ربما بسبب عدم تركيزها، تساءلت روميساء:
كيفه حال آصف هلأ.
زفرت سهيلة أنفاسها بأسف:
للأسف الحالة بتسؤ، آيسر كلمني وهو في المطار وقالي إنه هييجي للبحيرة بطيارة هليكوبتر مجهزة طبيًا، بس الجو فيه عواصف ربنا يستر.
رغم شعور روميساء بالقلق الزائد على آيسر لكن شعرت من نبرة صوت سهيلة المضطربة تحتاج إلى من يبث الأمل بقلبها فقالت:
إن شاء الله آيسر هيوصل للبحيرة وكمان آصف هيتحسن.
آمنت سهيلة على قولها، رغم أنها طبيبة ورأت من هم أسوأ من حالة آصف سابقاً حقاً كانت تشعر بالأسف عليهم، لكن آصف تشعر كأن روحها مسحوبة.
حاولت روميساء معرفة ما حدث لآصف لكن سهيلة راوغت أخبرتها أن هناك لص تسلل للمنزل، لكن بداخلها تعلم أن هذا ليس لصاً، السلاح الذي رأته مع آصف كذلك تلك الحراسة التي يفرضها عليها ليست بدون سبب، تنهدت بأسف متى غزا قلب آصف الخوف لهذه الدرجة. ظل هناك حديث بين روميساء التي يزداد القلق في قلبها، فقد مضى أكثر من ساعتين ولم يصل آيسر إلى البحيرة.
أغلقت سهيلة الهاتف واقتربت من آصف الذي فقد الوعي كلياً، بدأ يتحكم اليأس بقلبها، لكن يعود مرة أخرى، تبتهل إلى الله ربما أبواب السماء كانت مفتوحة واستجاب لدعائها، حين صدح رنين هاتفها نظرت للشاشة سرعان ما ردت حين رأت اسم آيسر. سمعته يقول:
سهيلة أنا وصلت البحيرة بالهليكوبتر، دقايق وهكون عندك افتحي لي باب البيت.
تنهدت بارتياح قليلًا ونظرت نحو آصف بأمل، لكن رمقت نفسها صدفه اكتشفت أنها بمنامة بيتية ملوثة بدماء كذلك شعرها كان مكشوفاً، ذهبت نحو تلك الحقيبة الصغيرة وأخرجت ملابس لها، وسريعاً بدلت ثيابها، انتظاراً لآيسر، الذي يبدو أنه وصل حين نزلت لتفتح الباب، لم تنتظر كثيراً، حين أقبل عليها يلهث سائلاً بقلق:
آصف فين؟
رفعت سهيلة يدها وأجابته:
فوق في الأوضة لازم يتنقل مستشفى بسرعة محتاج نقل دم بأسرع وقت.
توجه آيسر نحو السلم لكن رأى ذاك المجرم ممدد، لم يهتم به وصعد نحو الغرفة، دلف سريعاً، صعق قلبه حين رأى آصف ممدد بتلك الجروح الظاهرة على وجهه وكذالك بجسده النصف عاري، تحدث سريعاً:
مفيش هنا هدوم لآصف.
نظرت سهيلة إلى حقيبة الملابس ذهبت نحوها وجذبت منها له ملابس أخرى... نظر لها آيسر قائلاً:
خلينا نلبسه الهدوم دي بسرعة.
وافقته سهيلة وربما اختفى شعور الحياء لديها أمام آيسر، بينما آيسر لم يهتم فهذا طبيعي هي زوجته، وقبل ذلك هي طبيبة.
بعد قليل قال آيسر:
مش عارف المجرم قدر إزاي عليه وهو بالحجم ده، ساعديني يا سهيلة نسنده لحد تحت.
ساعدته سهيلة بإسناد آصف إلى أن وصلا إلى ذاك السرير النقال الذي كان بحوزة آيسر حين جاء وضعه عليه سريعاً، بدقائق كان السرير النقال يدخل إلى الطائرة، صعدت خلفه سهيلة وآيسر الذي وقف جوارها وهي تقوم ببعض الإسعافات لآصف بتلك الأجهزة الطبية الخاصة بالرعاية الأولية.... نظرت لآيسر قائلة:
لازم نوصل لمستشفى بأسرع وقت، آصف نزف كتير، وكمان تقريباً، نفسه بدأ ينخفض.
نظر لها آيسر وفتح هاتفه، وقام باتصال مع أحد المستشفيات الخاصة، ثم مد يده لسهيلة بالهاتف قائلاً:
خدي معاكِ مدير مستشفى في القاهرة، أوصفي له الحالة بالضبط عشان يعملوا استعداداتهم بمجرد ما نوصل.
أخذت سهيلة الهاتف من يده ووصفت إلى مدير المستشفى حالة آصف ثم أغلقت الهاتف وأعطته لآيسر، الذي قال لها:
تمام، حاولي إنتِ تساعديه بالأجهزة اللي موجودة، وكمان الطقس فيه شوية عواصف يعني في مطبات في الهوا متخافيش، إن شاء الله هنوصل بالسلامة.
أومأت له بتفهم.
بالفعل رغم سوء الطقس لكن ربما هو دعاء أو منجاة قلب شكران لهما الإثنين أثناء صلاتها التي لم تنام طوال الليل، في البداية كان قلقها على آصف ثم توغل من ناحية آيسر هو الآخر، لكن هدأ مع نور الصباح حين نظرت خارج زجاج شرفتها ورأت الشمس تبزغ عكس يوم أمس كانت غائبة... رغم شعور القلق لكن تغلب على قلبها الإيمان أن الله سيرأف بقلبها ولن يجعلها تشعر بفقد آخر بحياتها.
هبطت الطائرة فوق سطح تلك المستشفى الضخمة، سريعاً فتح آيسر الباب، ليدخل طاقم مخصص من المستشفى حملوا ذاك السرير النقال الذي عليه آصف، وأخذوه سريعاً نحو إحدى غرف العمليات، ذهبت خلفهم سهيلة، وأفصحت عن كونها طبيبة مما جعلهم يتركوها أثناء التعامل معه، تفاجئت ببعض الجروح بجسد آصف ربما لم تراها سابقاً.
بينما ظل آيسر بالخارج وقام بالرد على روميساء التي هاتفته أكثر من مرة.
بينما تنهدت روميساء بارتياح حين رد عليها آيسر سألته مباشرة:
وين بتكون هلأ.
أجابها:
إطمني أنا وصلت بآصف للمستشفى هنا في القاهرة وصلت وهو دخل أوضة العمليات ومعاه سهيلة، وأنا منتظر قدامها.
شعرت بهدوء في قلبها حين اطمأنت أنه بخير. ظل آيسر جالساً على أحد المقاعد أمام غرفة العمليات إلى أن خرج أحد الأطباء وقف سريعاً يقترب منه قائلاً بنبرة لهفة بسؤال:
آصف؟
تبسم الطبيب قائلاً:
الحمد لله وصل للمستشفى في الوقت المناسب، الأوكسجين كان بدأ ينخفض في الدم، بس طبعاً التدخل الأولي من الدكتورة قلل من المضاعفات اللي كان ممكن تحصل، هيخرج دلوقتي على أوضة العناية المركزة لحد المسا، وإن شاء يكون بدأ يستجيب للوعي.
تبسم للـ طبيب بارتياح بنفس الوقت خرج آصف على سرير نقال، كانت خلفه سهيلة ابتسم لها، بينما سهيلة لم تنتبه لبسمته نظرها مركز على آصف، إلى أن دخل إلى غرفة العناية... وقفت جواره وتلك الممرضة تضع له بعض المغذيات، ثم أومأت لها وخرجت من الغرفة، ظلت وحدها تنظر لآصف، تيقنت أن سبب ذلك الشعور هو أنها مازالت تعشق آصف، ذاك العشق التي ظنت أنه انتهى لكن ما زال له جذور متشعبة في قلبها، رؤيتها لآصف بتلك الضمادات حول جسده ذكرها بمنظر "سامر" حين كان مذبوحاً وحاولت إنقاذه لكن فشلت، لكن اليوم القدر أعطى لآصف فرصة أخرى للحياة، منظر آصف مع منظر سامر تصارعا برأسها لم تستطع البقاء أكثر، خرجت من الغرفة تشعر بإرهاق جسدي ونفسي، حين خرجت من الغرفة شعرت بدوخة خفيفة اتكأت بيدها على حائط المستشفى لاحظها آيسر الذي كان واقفاً أمام غرفة العناية اقترب منها بلهفة قائلاً:
سهيلة واضح عليكِ الإرهاق، أنا حجزت هنا أوضة خاصة تقدري ترتاحي فيها شوية، الدكتور قالي آصف مش هيبدأ يستجيب للوعي غير المسا.
نظرت سهيلة لآيسر قائلة:
أنا بخير، بس يمكن إجهاد، قولي هتعمل إيه في المجرم اللي ميت في بيت البحيرة.
رد آيسر:
أنا بلغت البوليس وهو هيتصرف، متقلقيش، إنتِ روحي للأوضة ريحي شوية، وأنا هتصل على روميساء تجيب لك غيار من عندها، إنت عارفه لو طلبت من صفوانة مش هتقدر تخبي على ماما وماما لو جت للمستشفى وآصف غايب عن الوعي مش بعيد يحصل لها حاجة... آصف عندها له مكانة خاصة.
تبسمت سهيلة وأومات برأسها، وذهبت مع آيسر نحو تلك الغرفة... تمددت فوق أحد الفراشين بالغرفة، أغمضت عينيها، لكن ما زال ذاك المنظر يرافقها جروح آصف وسامر الاثنان برأسها آصف الذي ترك معها السلاح الذي لو كان أخذه معه ربما كان تغلب على ذاك المجرم بسهولة، دمعة سالت من طرف عينيها تشعر بانسحاب في قلبها، ذكريات تمر بمرها، لم تلوم نفسها على ذاك الشعور الذي تملك منها حين رأت آصف ينزف، لم تعقد مقارنة بين إنقاذه لها تلك الليلة بعد أن هدر قلبها، اليوم أيضاً هي لم تستطع ترك آصف ينزف، لم يتحكم ضميرها كطبيبة بل تحكم قلبها بزوجها الذي أمامها رغم أنه خذلها سابقاً بانتقام، لكن اليوم عادت لنفس الضعيفة التي عشقته وصدقت كذبه لكن اليوم لم يكن كاذباً حين أخبرها أنها لو تركته يرحل ستتحرر منه... اليوم واجهت رهاب اقترابه منها الذي لازمها لسنوات، لم يتحكم بها بل هي من أقبلت على الاقتراب منه، حين نزعت ثيابها لم تتردد للحظة.... مواجهات بعقلها تضعها أمام حقيقة واحدة آصف لم ينتهِ عشقه من قلبها مع نزيفها تلك الليلة كما ظنت.....
مساءً
بالمستشفى
لا تعلم سهيلة متى استسلم عقلها وفصل عن الواقع وذهب إلى غفوة كم ظلت بها، استيقظت منها حين شعرت بيد على كتفها فتحت عينيها ونهضت بجزع سائلة:
آصف.
تبسمت لها روميساء قائلة:
آصف بخير وكمان الدكتور قال إن كلها ساعات ويفوق.
تنهدت سهيلة بارتياح، بينما تبسمت روميساء قائلة:
بتحبيه أوي للدرجة دي، آيسر كان قالي إن سبق كان في انفصال حصل بينكم، وأنه كان بيحاول يرجعك له.
تبسمت سهيلة قائلة:
فعلاً، إحنا كنا انفصلنا، بس هو رجعني غصب.
ضيقت روميساء عينيها باستفسار وكادت تسألها لولا رنين هاتفها، أخرجته من حقيبة يدها ونظرت له وزفرت نفسها قائلة:
كما توقعت هذا آيسر، وهو أكيد بينتظر بره قدام الأوضة، مشان آصف راح ينقلوه من غرفة العناية لهون، قالي إسبقهم وأدخل لك بهدول التياب، بس أنا رأيي إنك بتاخدي شاور لطيف بينعشك.
أومأت لها سهيلة بتوافق وأخذت الثياب وتوجهت نحو حمام الغرفة، بمجرد أن تحررت من ثيابها رأت آثار دماء آصف على جسدها. تذكرت تلك العلاقة الحميمية التي تمت بينها وبين آصف، تهكمت من نفسها وسخرت من ذاك الرهاب الذي كان يتملكها حين يقترب منها آصف، لا ليس آصف فقط بل الجميع أحياناً من والدها وأخويها، لكن ليلة أمس اختفى ذاك الرهاب.
حين خرجت من الحمام إلى الغرفة رأت دخول آصف على سرير نقال إلى الغرفة ثم وضعوه على الفراش الآخر، اقتربت منه، نظر الطبيب ناحية آيسر قائلاً:
بنية جسم المريض القوية كمان مع التعامل الأولي قللت من المضاعفات، بس إحنا أدينا له مخدر هينيمه لبكره الصبح، عشان ندي للجسم راحة بتسكين الألم، كمان الأشعة وضحت إن فيه كسر في كتفه اليمين، وللأسف فيه جرح في نفس المكان والكتف مش بيتجبس، بس يومين يكون ألم الجرح خف شوية لازم يستعمل حامل طبي وإيده متتحركش كتير.
أومأ له آيسر بفهم، بينما نظرت روميساء إلى آيسر، رأت شخص آخر غير ذلك الذي يمزح طوال الوقت، شخص أكثر تحملاً للمسؤولية ومجازف من أجل إنقاذ أخيه، كذلك خوفه من معرفة والدته عن سوء حالة آصف، شخص آخر أكثر من محب، شخص كانت تخشى أن يكون خلف مزاحه الدائم شخص هوائي، لكن آيسر ليس كذلك.... بل هو فدائي لمن يحب، لمعت عينيها بوميض خاص يفوح بالمحبة.
صباح اليوم التالي.
استيقظ آيسر الذي كان ينام جالساً على أريكة بغرفة آصف، فتح عينيه شعر برأس روميساء على كتفه، التي استيقظت هي الأخرى بسبب رنين الهاتف... تبسم لها ونظر نحو فراش آصف كان ما زال غافياً، بينما سهيلة كانت تجلس على مقعد بالغرفة مستيقظة... أخرج هاتفه من جيبه ونظر لها ثم نظر إلى سهيلة قائلاً:
دي ماما، أكيد قلقانة.
تبسمت له قائلة:
رد عليها طمنها آصف ممكن يفوق في أي وقت.
وافقها آيسر، وقام بسماع لهفتها المتوقعة:
بتصل على موبايل آصف كان بيرن ومش بيرد عليا، دلوقتي مش بيرن خالص وبيجي لي أنه خارج التغطية كمان موبايل سهيلة.
حاول المزح معها قائلاً:
راجل ومراته راحين يقضوا يومين مع بعض لازم طبع الحموات يتحكم فيكِ... أكيد قافلين موبايلاتهم مش عاوزين إزعاج.
شعرت شكران بهدوء نسبي، وتبسمت بغصة تقول:
طب إنت تعرف هو فين.
ضحك قائلاً:
شكران هانم نقح عليها طبع الحموات وبدعبس ورا ابنها طبعاً داء فضول الحموات.
تبسمت تقول له:
مش فضول والله ده قلق قلبي قلقان على آصف.
ضحك بنفس الوقت، سمع هذيان من آصف الذي بدأ يستعيد وعيه، نهض سريعاً نحوه، كان صوت هذيان واضحاً حتى أن شكران سمعته، وسألت:
مش اللي بيتكلم جنبك ده آصف هو عندك، ولا إنت سافرت له، إدي له الموبايل أكلمه.
توه في الحديث قائلاً:
أيوا هو، بس مشغول مش هيعرف يكلمك دلوقتي، أنا هتصل على السواق يجيبك إنت لحد عنده تطمني عليه بنفسك.
أغلق آيسر الهاتف ونظر نحو آصف الذي وقفت سهيلة تنظر إليه قائلة:
آصف بدأ يستعيد وعيه.
شعر آيسر بفرحة قائلاً:
الحمد لله، هتصل بالدكتور أقوله.
أومأت سهيلة له بموافقة، لكن توقف آيسر حين عاد آصف يهذي وسأل بمزح:
هو قال آيسر صح.
تبسمت سهيلة بخجل بينما قالت روميساء:
لأ بيقول سهيلة، وبيكفي مزح بدك تتصل عالطبيب، ولا بتضل تمزح.
مثل آيسر الحزن قائلاً:
طبعاً بيفكر في مراته هيفكر في أخوه الغلبان ليه.
تنهدت روميساء بسأم، بينما تبسمت سهيلة.
بعد وقت قليل شعرت شكران بقلق حين توقف السائق بالسيارة أمام تلك المستشفى ونظرت إلى آيسر الذي فتح باب السيارة ونظر لها مبتسماً، بينما هي خفق قلبها بقلق وسألته والدمعة تتلألأ بعينيها:
آصف فيه إيه؟
تبسم لها قائلاً:
إطمني يا ماما آصف بخير، هما شوية كدمات دلوقتي تطمني عليه بنفسك.
لا تعرف كيف سارت على قدميها جوار آيسر تستند عليه إلى أن دخل إلى غرفة آصف، وقفت بلحظات تشعر بتيبس في جسدها وهي ترى آصف ممدد على الفراش هناك بعض الضمادات وآثار كدمات بوجهه، لكن تبسم لها بوهن قائلاً:
أنا بخير يا ماما إطمني.
سالت دمعة عينيها واقتربت بلهفة منها وانحنت عليه تقبل رأسه قائلة بلوعة:
كان قلبي حاسس إنك مش بخير.
تبسم لها قائلاً:
أنا بخير قدامك أهو هما شوية كدمات يومين ويروحوا.
رفعت وجهها ونظرت له قائلة:
كدمات إنت هتضحك عليا زي أخوك، قولي إيه اللي حصلك.
مزح آيسر قائلاً:
عامل فيها بطل رياضي وجسمه بيتضخم مع الوقت، شوفت دي آخرة الإفترا والإستهزاء بأخوك الغلبان اللي صحته على قده.
تبسمت شكران بدمعة، لكن عاودت السؤال، لم يجيبها أحد.... إلا بعد وقت أخبرها آصف ما حدث معه، كذلك سهيلة أخبرتها أن آيسر هو السبب في إنقاذ آصف حين قاوم ولم يستسلم لسوء الطقس وجازف، نظرت إلى آيسر بلمعة عين سعيدة أنه ساعد في إنقاذ أخيه، لكن سرعان ما خفق قلبها لو كان فشل في تلك المحازفة، ربما كانت خسرت الاثنين وما تحمل قلبها، سرعان ما نفضت عن رأسها ونظرت إلى آصف الذي ينظر نحو سهيلة التي حايدت النظر عنه تشعر بخجل ربما لم يكن واعياً بذلك اللقاء الحميمي، لكن لوهلة شعرت بالخجل من نظرة عيناه لها، بينما هو تبسم يشعر بندم حين استسلم لغضبه سابقاً وانتقم منها، دفع هو الآخر ثمن ذاك الانتقام بخسارة قلب فادحة.
بعد مرور يومين
بالمشفى ليلاً
تنهد آصف بادعاء الألم... نظرت له سهيلة ببسمة قائلة:
دلوقتي مفعول المخدر اللي في المسكن يشتغل وتنام، تصبح على خير.
زفر أنفاسه بضجر قائلاً:
أنا مش عارف أنام على سرير المستشفى ده ناشف، غير حاسس كأني متربط.
تبسمت له قائلة بتأكيد:
إنت فعلاً متربط، بسبب الكسر اللي في كتفك اليمين كمان ضمادات الجروح اللي في جسمك، والسرير اللي إنت نايم عليه طبي مناسب وأفضل للرضوض اللي في جسمك، ياريت كفاية تذمر زي الأطفال، أنا حاسة بإرهاق ومحتاجة أنام.
نفخ نفسه قائلاً:
مش متعود أنام في دوشة، ومش عارف أنام بسبب الدوشة اللي في المستشفى.
رفعت نصف جسدها عن الفراش قائلة باندهاش:
دوشة! هنا في المستشفى فين دي، آصف إنت في مستشفى خاص، واخد أوضة... لأ مش أوضة دي زي سويت في فندق راقي، مش أوضة في مستشفى حكومي الفرق بين المريض والتاني يا دوب ستارة، كمان الأوضة مكيفة ومنعشة، إنت غمض عينيك هتلاقي نفسك نمت.
قالت سهيلة هذا وعادت تتسطح على الفراش وجذبت الدثار عليها وتثائبت قائلة بتحذير:
أنا مرهقة، نام وسيبني أنا كمان أنام... المسكن مفعوله مش هينتهي قبل الصبح.. بلاش إزعاج كل شوية.. تصبح على خير.
تبسم قائلاً عن قصد:
على فكرة أنا بتوجع فعلاً مش قاصد إزعاجك عالفاضي.
تبسمت له قائلة:
عارفة إنك بتوجع، بس المسكن دلوقتي يشتغل ويختفي الألم، عالأقل سيبني ساعة أنام براحة، وكفاية كلام تصبح على خير.
تبسم آصف قائلاً باستسلام:
وإنتِ من أهله.
أغمضت سهيلة عينيها وهي تبتسم بصفاء، بينما نظر آصف نحوها وتنهد يشعر براحة وانشراح في قلبه، يكفيه أن بسبب ذاك الحادث رغم أنهما بمشفى، لكن هو وسهيلة قريبان الفرق بينهم بضع سنتيمترات، ينامان بغرفة واحدة وباب مغلق عليهما.
بشقة آيسر
اضجع بجسده فوق الفراش يشعر بإرهاق منذ يومين وهو شبه مرافق لآصف بالمستشفى لكن فجأة انتعش حين دخل إلى أنفه تلك الرائحة المنعشة، رفع رأسه قليلاً ونظر أمامه، ذهل عقله وهو يرى روميساء أمامه بثوب باللون الذهبي شفاف يشف ما أسفله شبه عاري...
نهض واقفاً غير مصدق اقترب منها بخطوات يخفق قلبه بشدة، بينما عضت روميساء على شفتيها تشعر بخجل من نظرات آيسر، للحظة لامت نفسها على تلك الحركة الجريئة منها، أدارت وجهها وكادت تخرج من الغرفة، لكن سبقها آيسر وجذبها وضمها بين يديه قائلاً:
جميلتي الفاتنة.
لم ينتظر ذاك الشوق في قلبه وقبلها بشغف عاشق، انشرح قلبه من قبول روميساء لتلك القبلات التي توغلت بلمسات جريئة منه وهو يخلع عنها ذاك المئزر ويتركه ينسدل أرضاً، وهي تسير معه مثل العصفورة بالسرب لا تشعر سوى أنفاسه وقبلاته، وكلمات الغزل الذي ينثرها عليها، تركت له زمام المسيرة إلى أن وصلا إلى الفراش وتسطح فوق جسدها، قبل شفتيها، ثم تركها ونظر إلى عينيها البديعة الجمال، كذالك روميساء نظرت إلى ليل عينيه السوداء، سرعان ما أخفضت وجهها بحياء، بينما رفع آيسر ذقنها ونظر إلى عينيها التي نظرت له، أشار لها برأسه مبتسماً، فهمت معنى الإشارة وأومأت رأسها بقبول، كان تفويضاً له أن الجميلة تقبلت به أخيراً... ليصمت الكلام يستمتعان بعزف نغمات عشقهما الهادئة.
«يتبع»
«يتبع»
جذبها آصف عليه وقبلها على غفلة منها ثم ترك شفتيها ولم ينتظر رد فعلها.
أدار مقود السيارة سريعاً قائلاً:
لأ برضاكِ طريقنا واحد يا سهيلة.
رواية عشق مهدور الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم سعاد محمد سلامة
ضحك قائلًا: فعلًا صدق حدسي.
نظرت له بتذمّر وحاولت الفكاك من حصر يديه قائله: ولما أنا بارده لشو طاردتني؟
ضحك آيسر قائلًا: مش عارف شعور غريب عليا أول مره كنت بحسه وحابب أنى أقرب منك، وده اللي حصل مع الوقت كنت ببدل مع زملائي خط السير عشان أبقى قريب منك كمان رغم إني مكنتش باخد إجازات بقيت عاوز أفضل جنبك، بس في مكان تاني غير ألمانيا، مكان أحس فيه إنك حُرة، أو مُنطلقة زي رحلة القاهرة.
تبسمت تشعر بدفء بقلبها قائله: فعلًا لما دعيتنا لرحلة لهون كان جوايا تردد بس حسيت بعدها إني محتاجة أحس بدفا أُلفة الناس وإتمنيت تمتد الرحلة.
تبسمت آيسر قائلًا: أنا كمان وآخر ليلة أخدت قرار ارتباطنا بأسرع وقت، بس الرومس كانت صعبة لسه لحد دلوقتي بحس بوجع في راسي بسبب الفازة اللي كسرتيها على راسي وقولت الرومس إطبعت بطباع ألمانيا الباردة الخالية من المشاعر.
شعرت روميساء بخجل وأخفضت وجهها على صدره، ضحك ورفع وجهها، نظرت له قائله: اللي خلاني أوافق أتزوجك مش ضغطك علي بمحضر العنف، في شيء تاني هو اللي خلاني أوافق.
صمتت روميساء، رفع آيسر وجهها سائلًا: وأيه هو الشئ ده... أكيد وسامتي.
نظرت له قائله: وين هديك الوسامة إنت ما بتبص بالمرايات.
ضحك بغرور قائلًا: وسامتي مش محتاجة أشوفها في مرايات، بس أيه هو السبب التاني.
تنهدت روميساء قائلة: إصرارك وتحديك، كمان في سبب تاني عزز من مركزك لما جيت لهون مصر وإتعرفت على طنط شُكران حبيتها من أول استقبالها لينا بالمطار حسيت معاها بأُلفة وراحة بصراحة كرهت بايك كيف بيتزوج على ست لطيفة متل هيك، بس لما شفت مرته التانية عرفت السبب.
شعر آيسر بغصة سائلًا: وأيه هو السبب ده.
ردت روميساء بتلقائية: "الطفاسة".
ضحك آيسر، بينما نظرت له روميساء وسرعان ما قالت: إيه طفاسة، بحس مرته التانية متل العروس البلاستيك منظر حلو خالي من الروح، كمان لما قابلت سهيلة وآصف حسيت من نظرة عيونه إلها إنه بيعشقها، ما بعرف شو حصل وكان سبب لإنفصالهم بس نظرة عيونه بتفضح قلبه كنت بظن سهيلة ما بتبادله نفس الشعور، لحد ما شفت بعيوني لهفتها عليه بهديك الليلة، كمان شفتك شخص تاني غير هديك المازح شوفت شخص مسؤول مجازف مشان أحبابه.
تبسم آيسر قائلًا بنظرة عشق: إنتِ المُكافأة لقلبي يا جميلتي.
قال آيسر هذا وبدل من وضعهم وأصبح يعتليها.
نظرت له بإندهاش سائلة: شو بدك تعمل.
غمز بعينيه بوقاحة قائلًا: شو بدي أعمل، اللي يشرب من كاس الغرام ما بيرتوي من رشفة واحدة، راح أشرب من كاس الغرام حتى أرتوي.
تقبلت ذلك مُبتسمة بخجل، أطاح بالباقي من جنونه.
***
بالمشفى
فجأة فُتح باب الغرفة، هُلف شخص مُلثم نظر ناحية الفراش التي ترقد عليه سهيلة، لمعت عيناه مثلما لمع بريق ذاك النصل الذي بيده، بخطوات بطيئة اقترب من فراش سهيلة ينظر نحو آصف الذي فتح عينيه باتساع يومئ برأسه له بنهي، بينما الآخر يتسلى وهو يُشهر النصل، إلى أن وضعهُ على عنق سهيلة ينظر نحو آصف الذي يحاول النهوض من فوق الفراش لكن يشعر أن جسدهُ مُقيدًا بالفراش، ضحك الآخر بغلاظة وهو ينظر نحو آصف الذي يترجاه بعينيه أن لا يؤذي سهيلة النائمة، يشعر كأن صوته أيضًا مُقيد غير قادر على النطق باسمها حتى تستيقظ ربما تُدافع عن نفسها، بدأ ذاك المجرم ينحر عنق سهيلة، وبدأ ينزف بغزارة، فجأة انفك قيد صوت آصف بصوت جهور: سهيلة.
قبل قليل ادعت سهيلة النوم حتى يكف آصف عن الحديث يخلد للنوم كي يستريح جسده، فتحت عينيها بعد وقت نظرت نحوه تبسمت بالتأكيد استسلم لمفعول تلك الأدوية، تنهدت بارتياح رغم تعجبها من نومها بغرفة مغلقة دائمًا ما كانت تتضايق منها هويدا، وفي الفترة التي كانت بها جدتها تمكث معها بنفس الغرفة بشقة آصف، كان وجود جدتها يشعرها بالأمان، وللغرابة هذا الأمان تشعر به الآن وهي مع آصف بغرفة واحدة معلقة عليهم، اضطجعت على ظهرها تنظر لسقف الغرفة وتلك اللمبة الخافتة التي تنير عتمة الليل، كل شيء تبدل بلحظات من قمة غضبها من آصف إلى شعور الخوف والهلع عليه، ولحظة لم تتردد فيها وحسمت هي الابتعاد عنه باقتراب حميمي، لديها شبه يقين أنه لم يشعر به، فقط أعطته دفئًا يعطي حافز الدفء في جسده فقط لا أكثر، تشعر بحيرة تضرب عقلها بين تناقضات تمر بها، كانت تؤجل قرار انفصالها عن آصف مجرد وقت فقط، لكن الآن هناك تضارب بقرارها، بخضم التفكير بين الحيرة وتناقضات المشاعر كذلك الإرهاق غفت دون وعي منها... لكن فجأة فتحت عينيها مخضوضة، ونهضت سريعًا حين سمعت صوت تنبيه لأحد أجهزة المراقبة الطبية الخاصة بـ آصف، ليس هذا فقط بل نداء آصف بصوت جهور عليها، توجهت نحو الفراش رأت ملامح وجه آصف المتجهمة وجبينه يتصبب عرقًا كما أنه أعاد النطق باسمها بنبرة لم تستطع تفسيرها، وضعت يدها على جبهته لم تكن حرارته زائدة، لكن رأت شبه تشنج بجسد آصف كأنه يحاول النهوض من فوق الفراش، كذلك لاحظت اعتصارهُ لعينيه، شعرت بريبة، ربما بحالة هلوسة وحسمت قرارها بإيقاظ آصف، بالفعل وضعت يدها تربت على وجهه قائلة: آصف اصحى، افتح عينيك.
قاوم آصف تلك الهلوسة، واستجاب لأمر سهيلة وفتح عينيه ينظر لوجه سهيلة مثل التائه للثواني، قبل أن تقول سهيلة: آصف إنت حاسس بأي ألم.
بصعوبة أومأ رأسه قليلًا، تبسمت له سهيلة، بينما بصعوبة رفع آصف يده السليمة وجذب رأس سهيلة لصدره، ثم رفع رأسها، قام بمد يده نحو ياقة منامتها أزاحها قليلاً ينظر نحو عنقها، زفر نفسه براحة وبدأ يستوعب أنه كان بكابوس مفزع... بينما استغربت سهيلة ذلك شعرت بالتوجس للحظة لكن سرعان ما سألته: إنت شفت هلاوس، في نوع مخدر من أعراضه الجانبية إنه بيسبب نوع من الهلوسة، أنا كنت معترضة مع الدكتور عليه، بس هو قال إن مفعوله أقوى عشان يسكن الألم، بعد كده هقوله يمنعه.
أومأ آصف رأسه موافقًا ينظر لها بتأمل أنها بخير قائلًا: فعلًا كنت في كابوس، سهيلة خليكِ جانبي.
استغربت سهيلة قائلة: ما أنا معاك في الأوضة.
نظر لها برجاء قائلًا: لأ خليكِ قريبة مني، تعالي نامي جنبي عالسرير.
شعرت سهيلة بهزة في جسدها، ونظرت إلى الفراش النائم عليه ثم نظرت له قائلة: السرير مش هياخدنا إحنا الاتنين، كمان مش هحس براحة وأنا نايمة عليه لأن السرير مُعدل عشان الرضوض اللي في جسمك، آصف أنا معاك هنا في الأوضة، ومعتقدش الهلاوس هترجع تاني، لأن مفعول المخدر ده تقريبًا قرب ينتهي، وأنا هقول للدكتور يمنعه.
شعر آصف بيأس قائلًا: تمام... بس من فضلك اتأكدي إن باب الأوضة مقفول كويس، وياريت تقفليه بالمفتاح.
ضيقت سهيلة عينيها قائلة باستغراب: باب الأوضة مقفول، بس ليه أقفله بالمفتاح كده كده محدش هيدخل حتى الممرضين عارفين إني دكتورة، وإن احتجت لتدخل طبي أنا موجودة.
قالت سهيلة هذا وتبسمت بمكر قائلة: ولا يمكن كنت عايز غيري....
قاطعها آصف على غفلة جذبها عليه بتسرع قبلها قبلة خاطفة فقط أراد الشعور بأنفاسها، شعرت سهيلة بارتباك وتوتر ونظرت له تلاقت عيناهما بحديث صامت، آصف يشعر بخوف في قلبه عليها فقط... سهيلة تزداد برجاحة عقلها، لو بوقت آخر كانت شعرت برهبة أو نفور، لكن صمت حل عليهما لدقائق قبل أن تنتبه سهيلة أنها مازالت منحنية على آصف، حاولت التماسك واستقامت واقفة تجذب خصلات شعرها التي تدلت على وجهها تضمها خلف أذنيها وجلت صوتها: كفاية، غمض عينيك وحاول تنام.
لمعت عيناه ببسمة، بداخله يقين لو بموقف آخر وقبل سهيلة لكان سيكون لها ردًا آخر أقله الغضب، لكن ربما تغاضت عن ذلك بسبب إصاباته القوية.
بصمت ذهبت سهيلة نحو الفراش الآخر وتمددت عليه تنظر للسقف والحيرة تسيطر على عقلها وقلبها الذي عاد مرة أخرى يتمرد عليها... بينما آصف يشعر بعد ذاك الكابوس بخوف عليها أن يصيبها مكروهًا، لديه يقين أن ذاك الذي يضمر له السوء لن يكف عن تعقبه إلى أن يصل إلى مآربه ليس قتل آصف فقط لديه يقين سهيلة هي الأخرى في دائرة ذاك الشرير.
***
باليوم التالي
قبل الظهيرة بذاك المقر الذي تعمل به هويدا أثناء اعتكافها بالعمل على الحاسوب تقوم بمراجعة أحد الملفات تركت العمل على الحاسوب وجذبت هاتفها، تبسمت حين رأت هوية المتصل تعمدت عدم الرد سريعًا لكن قبل نهاية مدة الرنين قامت بالرد، وتحججت معتذرة بكذب: آسفة اتأخرت في الرد مكنتش منتبهة، كنت بشتغل على ملف ويادوب خلصته.
تقبل الأمر ببساطة قائلًا: تمام مش مشكلة، أنا كنت بتصل عليكِ أطمن على حالك، بس واضح من نبرة صوتك إنك بقيتي كويسة، ومرتاحة، بدليل إنك مركزة في الشغل.
أتقنت الرياء قائلة: بحاول أشغل نفسي بالشغل هو اللي ممكن ينسيني اللي بمُر بيه.
لم يستطع اللف والدوران وقال لها: أيه رأيك في صديق ليا فاتح مطعم سمك عالنيل لو معندكيش مانع أعزمك عالغدا.
انشرح صدرها وحاولت الهدوء قائلة: تمام، ابعت لي لوكيشن المطعم، وأنا أخلص الملفات اللي قدامي، واتصل عليك.
رغم شعوره بالفتور الذي يستغربه لكن قال: تمام، هبعتلك اللوكيشن ونتقابل هناك الساعة اتنين بعد الضهر.
وافقت: تمام.
أغلقت الهاتف ووضعته على طاولة المكتب واضطجعت بظهرها على المقعد تتنهد تشعر باقتراب تحقيق أمنيتها.
بينما أسعد أغلق الهاتف وضعه أمامه ينظر له، لثواني قبل أن يجذبه مرة أخرى وقام بفتحه على معرض الصور، وأتى بتلك الصورة شعر بنقص في قلبه، كان لابد أن يكون معهم بتلك الصورة مكملًا الشكل الاجتماعي لعائلته، صورة بسيطة لكن بها الكثير من المعاني، هو افتقد حضوره بتلك الصورة، التي التقطها أحد المصورين ونشرها على بعض المواقع، صورة تجمع "شُكران، آصف، آيسر" كان لابد أن يكون هو الضلع الرابع لهم، لكن افتقد وجوده بتلك الصورة، أو بالأصح افتقد وجوده وسط عائلة كانت تضمها شُكران، والاشتياق الأكبر الذي أصبح يتوغل منه هو اشتياقه لـ شُكران نفسها وجلسات الحديث معها الذي كان أحيانًا يمقتها أو يظنها مجرد أمور تافهة تشغل نفسها بها، شُكران كانت حياة تنبض بحب لمن حولها، تحتوي بلا ثمن لذلك، وهو خسرها حين أراد التباهي.
***
بعيادة لأحد أطباء التجميل
جلست شهيرة مع ذاك الطبيب الذي قام بوضع رسم تخيلي لها بعد أن تفعل تلك اللمسات الطبيبة على وجهها قائلًا: الخدود محتاجة شوية نفخ عشان تواظب منظر الشفايف بعد ما نحقنها بـ فيلر، كمان في خط تجاعيد رفيع جنب الجفن... وبالنسبة لنحت الخصر أعتقد مش محتاجة هما شوية دهون زيادة، سهل بدايتها لفترة والرياضة ينقصوا.
ردت عليه: لأ الأهم عندي هو نحت الخصر، معنديش خلق استحمل دايت، وكمان بحس بإرهاق من الرياضة، خلينا نبدأ بنحت الخصر، وبعدها نبقى نشوف الشفايف والخدود.
وافقها قائلًا: تمام، نحت الخصر هيحتاج عملية.
للحظة ارتجف قلبها لكن سرعان ما سألته: والعملية دي مضمونة.
رد الطبيب بعملية: العملية دي تمت وأثبتت مفعول كويس، وفي أمثلة كتير، لو حابة أذكرلك منهم، كمان في كتالوج لبعض النماذج.
أخذت شهيرة منه الكتالوج تنظر إلى تلك الجميلات ذوات الخصور المرسومة بدقة عالية، لمعت عيناها رغم أنها ليست أقل منهن رشاقة لكن وسواس أو هوس الكمال يتراقص بعينيها.
***
في حوالي الواحدة والنصف
بالمشفى تبسمت سهيلة وهي تُغلق الهاتف تنظر نحو شُكران قائلة: بابا وماما على وصول.
تبسمت لها شُكران بامتنان قائلة: سحر طول عمرها صاحبة واجب، كمان الحاجة أسمية.
على ذكر اسم "أسمية" تنهد آصف شبه نائم بصوت.
انتبهت شُكران وضحكت فـ أسمية هي الحارس الخاص بـ سهيلة وبالأخص معه هو، كذلك سهيلة لاحظت وتبسمت، تعلم أن آصف يشعر من جدتها ببعض المنغصات يعتقد أنها تكرهه لكن هو مُخطئ في ذلك، هي فقط كانت تخشى عليها منه، لكن ربما مع الوقت وعشرتها القصيرة تبدلت تلك الخشية.
بمقر عمل هويدا
نظرت إلى ساعة الهاتف، ببسمة، قامت بإغلاق ذاك الحاسوب وضبت هاتفها بحقيبة يدها ونهضت، تُغادر المقر، بعد دقائق وصلت إلى ذاك المطعم الذي أرسل أسعد لها عنوانه برسالة هاتفية، دلفت مباشرةً، تبسمت حين رأت أسعد ينهض حتى أصبحت أمامه، تبسم لها مُصافحًا، صافحته ببسمة ثم جلسا يتحدثان إلى أن أتى النادل لهم ودون ما يريدان، شرعا بتناول الغداء، لكن في ذاك الوقت صدح رنين هاتف هويدا، تركت طعامها وفتحت حقيبتها، أخرجت الهاتف ونظرت إلى الشاشة باستعلام، ثم نظرت إلى أسعد، رسمت بسمة قائلة: ده بابا هرد عليه.
بالفعل فتحت الخط، بعد الترحيب بينهم أخبرها أيمن: سهيلة أنا وماما هنا في القاهرة وعاوزين نشوفك قبل ما نرجع لـ كفر الشيخ.
استغربت ذلك سأله: أنتم هنا في القاهرة؟
أجابها أيمن: أيوه، آصف كان اتعرض لـ حادث وهو في المستشفى، ومن الواجب حتى عشان خاطر الحاجة شُكران، جينا أنا وماما خلينا نشوفك قبل ما نرجع، إنتِ لسه في الشغل ولا رجعتِ للسكن.
نظرت سهيلة إلى أسعد شعرت بالتوتر، توهت بالحديث: حسام معاكم.
استغرب أيمن سؤالها عن حسام فليس من عادتها السؤال عليه... لكن أجابها: لأ سيبناه مع عمتِ أسمية، إحنا جايين نزور مريض... ومش هنطول هنرجع كفر الشيخ الليلة، يا دوب نطمن على آصف، وإنتِ كمان لو خلصت شغلك قابلينا عند المستشفى.
ردت هويدا: تمام يا بابا، قولي فين المستشفى دي.
رد أيمن: أنا مش عارف اسمها، إحنا اتصلنا على سهيلة وإحنا في القطر ولما وصلنا محطة رمسيس الست شُكران بعتت لينا السواق وإحنا في طريق للمستشفى دلوقتي، لما نوصل هخلي سهيلة تبعت لك اسم المستشفى ومكانها.
شعرت هويدا بسخط قائلة: تمام هستني رسالة سهيلة.
أغلقت هويدا الهاتف ونظرت نحو أسعد للحظة تحير عقلها أسعد يبدو كأنه لا يعلم أن آصف مريض وبالمشفى، لكن فضول أسعد سألها: باباكِ ومامتكِ هنا في القاهرة، مش قصدي فضول، بس سمعت ردك، باستغراب عليهم.
ردت هويدا بقصد تستشف رد أسعد: أيوا هما هنا في القاهرة وعاوزين يشوفوني، جايين يزوروا آصف في المستشفى.
ترك أسعد الطعام ونظر لها بخضة ولهفة سائلًا بتكرار: قصدك إيه بـ يزوروا آصف في المستشفى؟... آصف ماله.
تيقنت هويدا أن أسعد لا يعلم بمرض آصف وردت بهدوء: معرفشي بابا قالي كده، وأنا مستنية يوصلوا المستشفى وسهيلة تبعت لي رسالة بمكان واسم المستشفى.
نهض أسعد واقفًا يقول: لأ بلاش تنتظري أنهم يوصلوا من فضلك كلمِ سهيلة واعرفي منها مكان المستشفى فورًا.
رغم اندهاشها، لكن وافقت طلب أسعد واتصلت على سهيلة وعلمت منها اسم ومكان المستشفى.
أغلقت الهاتف قبل أن تتحدث سأل أسعد بلهفة: سهيلة قالتلك إيه عن آصف؟
ردت هويدا ببساطة: قالتلي كويس، حتى سمعت صوته يمكن كانت جنبه وهي بترد.
تنهد أسعد براحة قليلاً: تمام، خلينا نروح المستشفى بسرعة.
اندشت هويدا من لهفة أسعد في نفس الوقت شعرت بضيق، بعد أن ضاعت هذه الفرصة.
بعد قليل بالمشفى
رحبت شُكران بـ أيمن وسحر بامتنان، تبسمت لها سحر قائلة: والله إحنا ما عرفنا غير النهارده الصبح بكلم سهيلة، قالتلي إن آصف بعافية شوية، وأيمن أصر إننا نجي نزوره، عشان خاطرك غالي عندنا.
تبسمت لها شُكران، نظر أيمن إلى سهيلة وتبسم يشعر بانشراح في قلبه من ملامح سهيلة التي تظهر أنها بخير، جلسوا سويًا جوار فراش آصف ظلوا لبعض الوقت، قبل أن يتفاجئ الجميع بفتح باب الغرفة دون إنذار ودلف أسعد بلهفة قائلًا: آصف!
ثم اقترب من فراشه سائلًا: آصف إيه اللي جرالك انت بخير... إزاي معرفش إنك في المستشفى غير صدفة.
نظر له آصف ربما باستهازاء من تلك اللهفة، التي ليست مصطنعة لكن ربما متأخرة... بينما أسعد نظر نحو شُكران قائلًا بعتاب: ليه محدش اتصل عليا وقالي، وأيه اللي حصل لـ آصف.
صمتت شكران بينما رد آصف: أنا بخير الحمد لله.
نظر له أسعد قائلًا: قولي إيه اللي حصلك... والكدمات اللي في وشك دي سببها إيه؟
رد آصف: أنا بخير، وأعتقد ده الأهم.
شعر أسعد بغصة من طريقة آصف الجافة لكن ابتلعها وهو يشعر براحة، لكن دخل لديه فضول معرفة سبب ذلك، أجله فيما بعد، بينما اندهش أيمن حين رأي هويدا دلفت إلى الغرفة خلف أسعد... مثلت الرياء جيدًا وتعاملت بشخصية أخرى أكثر مودة ومحبة، مما سبب استغراب لـ سهيلة وسحر وأيمن الذي لاحظ نظر هويدا إلى أسعد شعر بوخزة في قلبه دون سبب أو ربما إحساس غير طيب، وجال برأسه ذكرى من الماضي، سرعان ما نفضها عن رأسه فـ هويدا حقًا ابنة ابتهال، لكن ليست ساذجة مثلها... كما أن أسعد يفوقها بالعمر أكثر من الضعف.
***
مساءً
بالمشفى تبسم آيسر لـ شُكران قائلًا: المفروض كفاية كده يا ماما المفروض تروحي ترتاحي، إنتِ هنا من الصبح قاعدة جنب آصف.
نظرت شُكران نحو آصف قائلة: لأ أنا مش تعبانة، كمان سهيلة لسه مرجعتش من وقت ما مشيت مع أهلها راحت توصلهم للشقة، يمكن بقالها يومين هنا في المستشفى مرافقة آصف، أكيد الإرهاق حل عليها ويمكن تفضل مع أهلها هما هيسافروا بكرة الصبح.
نظر لها آيسر قائلًا: أنا موجود يا ماما هبات جنب آصف وإنتِ كفاية كده بقى، هو الحمد لله الدكتور قال قدامك كم يوم في المستشفى وهيرجع تاني يشرب سجاير.
ضحكت شُكران قائلة: لأ خد مراتك إنت المفروض إنكم عرسان.
نظر آيسر نحو روميساء الجالسة جوار شُكران وغمز لها، شعرت بالخجل، بينما قال آصف: فعلًا يا ماما كفاية كده، أنا كويس قعدتك هنا في المستشفى ممكن تمرضك، وبدل ما يبقى أنا بس هتبقى إنتِ كمان، وكده حمل تقيل عالعريس... متأكد سهيلة هترجع لهنا.
تبسم آصف قائلًا: يا واثق، يلا يا ماما قومي السواق بره يوصلك لشقة آصف ويوصل رومس لشقتنا وأنا هتصل على سهيلة لو مش جاية أبات أنا هنا وأمري لله.
تبسمت شُكران بعد محايلات واستسلمت ونهضت مع روميساء التي اقترب منها آيسر وهمس جوار أذنها: متناميش استنيني آصف ينام وأجي نكمل بقية كلامنا بتاع الصبح، الكلام كان ناقص بوستين وحضن.
انصهر وجه روميساء من ذلك الوقح، لكن لم ترد عليه حتى لا تصفعه أمامهم.
ذهب آيسر معهن إلى أن وصلن إلى مرآب المشفى عاد إلى غرفة آصف، تبسم حين وجده وحيدًا، أخرج ذاك الهاتف من جيبه قائلًا: الموبايل أهو....
قطع آيسر بقية حديثه حين دلفت سهيلة إلى الغرفة تنهت قائلة: اتأخرت بس كان جه عليا نومة، كلمت طنط شُكران وهي في الطريق.
نظر آصف إلى ذاك الهاتف الذي بيد آيسر ثم نظر لوجهه، فهم آيسر النظرة وضع الهاتف بجيبه مرة أخرى، لاحظت ذلك سهيلة لكن لم تهتم، بينما تبسم آيسر قائلًا: كده أنا بقى أرجع لعروستي أتهنى معاها، أشوفك بكرة.
تبسم آصف قائلًا: تمام، ابقى تعالى المسا، وكمان حاول إن ماما بلاش تيجي من بدري، عشان صحتها.
تبسم آيسر وهو ينظر لـ سهيلة، ثم لـ آصف الذي ينظر لها، شعر شعور غريب، سابقًا لام آصف على ذلك الانتقام الذي كان بقلبه، لكن اليوم يعطيه عذرًا، ليس سهلًا عليه، رؤية سامر مذبوحًا، فحين رأي آصف مصابًا كاد يفقد عقله لولا أن تحكم به أمل إنقاذه وقد كان لطفًا من القدر نجاته، بفضل وجود سهيلة معه.
***
بظهيرة اليوم التالي
بشقة آيسر
تسلل إلى المطبخ دون شعور من روميساء او هكذا ظن، هي انتبهت لصوت أقدامه وقبل أن يتحرش بها استدارت له، وقف مُبتسمًا ومد يديه وضعهم على خصرها، ثم قبل وجنتها قائلًا: كده تتحسبي من جنبي وتسيبيني في السرير لوحدي.
نظرت له قائلة بدلال: وإنت امبارح ما عملت هيك، وسيبتني وما بعرف وين روحت، حتى المسا لا رجعت عند آصف بالمشفى، ما بتقلي وين روحت.
تبسم لها واختطف قبلة قائلًا: كنت بشتري موبايل جديد لـ آصف.
نظرت له بعدم تصديق قائلة: تشتري موبايل من الصبح حتى المسا.
تبسم وهو يجلس خلف تلك الطاولة وضع قطعة طعام بفمه قائلًا: هو شراء الموبايل سهل مش بلف عالمحلات وأشوف الماركات والأسعار.
نظرت له بضيق قائلة: تمام، راح بصدقك، بس أنا اتصلت على بابي وقولت له إن آصف مريض وهو قال لي بده يزوره بالمشفى فهلأ، اتغدا مشان نروح له الأوتيل.
جذبها من خصرها جلست على ساقيه، دفن رأسه بعنقها قائلًا: تصدقي أنا جعان جدًا جدًا، جدًا كمان، ما تجي نتغدا في أوضة النوم.
ارتبكت وتزلزلت مشاعرها، لكن تملكت جأشها قائلة: لأ، ما بدي نتأخر على بابا كمان أنا حبيت طنط شُكران وبدي أقعد معها بحب كلامها الرقيق.... حتى مشان ما تسأل آصف عالموبايل اللي قعدت طول اليوم تشتري فيه... إذا كان مليح وبيستاهل غيابك طول نهار امبارح.
قالت هذا ونهضت من فوق ساقيه، قائلة: أنا مو جعانة، هروح آخد شاور على ما تشبع مشان بابا ما ينتظر كتير.
ضحك آيسر قائلًا: الحاجة شُكران سرها باتع، كل اللي يشوفها يحبها وأنا وأخويا غلابة والله.
***
بالمشفى
تنهد آصف حين دلفت شُكران قائلًا بعتاب: ماما إنتِ بتتعبِ نفسك زيادة عن اللزوم، كان كفاية تتصلي تطمني عليا.
تبسمت له وجلست على المقعد قائلة: أنا مش تعبانة ومش هرتاح غير لما ترجع من تاني الشقة... والله أنا مخنوقة من المستشفى، وبفكر أقول للدكتور إنه يكتبلك خروج وتكمل بقية علاجك في الشقة حتى كمان سهيلة دكتورة وبتفهم في اللي يريحك عنه.
تبسمت سهيلة، حين نظر لها آصف، هو حقًا وجودها يسبب له الراحة الكافية.
بنفس الوقت سمعوا صوت طرق على باب الغرفة، أذنت سهيلة بالدخول، تعجبت شُكران حين دخلت شهيرة ومن خلفها كل من يارا وشيرويت التي اقتربت من آصف وانحنت قبلت وجنته... تبسمت شُكران، بينما شهيرة شعرت بالبغض وقالت برياء: حمد الله على سلامتك يا آصف، خير إيه اللي حصلك؟
ردت شُكران: الله يسلمك، حادثة بسيطة والحمد لله ربنا لطف به ونجاه والبركة في سهيلة.
نظرت شهيرة نحو سهيلة بتعال، بينما يارا قالت بعتاب: كده يا طنط أنا مكلمالك امبارح الصبح ومقولتليش إن آصف في المستشفى.
تبسمت شُكران قائلة: معلش كنت متبهدلة، الحمد لله ربنا لطف.
جلسوا لبضع دقائق حتى شعرت شهيرة بالضجر كذلك من احترام ومحبة سهيلة الواضحة لـ شُكران، نهضت شيرويت أولاً قائلة: الحمد لله اطمنت على آصف، عندي ميعاد مهم مع زميلة ليا في الجامعة، آه كمان نسيت اشكرك يا آصف الحمد لله نجحت في الترم الأولاني، بصراحة كان في كم مادة رخمة، بس المدرسين بقوا يعاملوني بلطف.
أومأ لها ببسمة، كذلك نهضت شهيرة قائلة: أنا كمان عندي ديفليه قريب في الأتيليه وزيارة المريض لازم تكون قصيرة... مرة تانية حمد الله على سلامتك يا آصف.
قالت هذا ورمقت لـ سهيلة باشمئزاز دون حديث كادت تغادر لكن نظرت لـ يارا قائلة: وإنتِ يا يارا مش عندك شغل؟
ردت يارا: لأ واخده إجازة، هفضل مع طنط شُكران.
تهكمت بداخلها بسخرية وغادرت.
بينما ربتت شُكران على كتف يارا، وجلست معها هي وسهيلة يتسامرن سويًا بمودة إلى أن صدح رنين هاتف سهيلة، نظرت له وتبسمت ثم نظرت لهن قائلة: ده طاهر أخويا، هطلع الجنينة أكلمه آخر مرة كلمته من يومين قالي خلاص هيحدد ميعاد نزوله مصر.
تبسمت لها شُكران قائلة: يرجع بالسلامة، سلميلي عليه.
تبسمت سهيلة ونظرت نحو آصف كان نائمًا بمفعول العلاج، خرجت وتركت يارا مع شُكران التي لاحظت ملامحها التي تبدلت للسأم حين ذكرت سهيلة اسم طاهر، شعرت بأسف على قلب تلك الرقيقة التي لم يلوثها لا غرور أسعد ولا رياء شهيرة.
رواية عشق مهدور الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم سعاد محمد سلامة
رمقها بنظرة احتِداد مُعقبًا:
أمور تافهة، اهتمامك ببناتك أمور تافهة، ويا ترى بقى إيه هي الأمور المهمة في حياتك؟ الموبايل ولا عروض الأزياء بتاعتك؟ أنا منستش إني حذرتك إنك تعرضي أزياء مرة تانية.
نهضت شهيرة بتأفف دون رد، لكن قبل أن تخرج من الغرفة، نهض أسعد وجذبها من عضدها وبغضب قال لها بتحذير:
شهيرة، بلاش طريقتك دي معايا، أنا في لحظة أقدر أرجعك للصفر تاني زي قبل ما أتزوجك. إن كان رامز بيقوي قلبك، ده مدمن وآخره مصحة نفسية يتعالج فيها، مش عاوز أحطك زي المرحومة أمك في آخر أيامها لما دخلت مصحة نفسية.
نفضت يده عن معصمها بغضب. بنفس اللحظة سقطت منها سلسلة المفاتيح الخاصة بها. لم تهتم بها وقالت بحِدة:
واضح إنك أنت اللي أعصابك تعبانة الفترة دي، من يوم زفاف آيسر. يظهر شُكران حلّت في عينيك، ولا يمكن قلبك وجعك على إصابة آصف؟ أنا مليت من نظام التهديد بتاعك يا أسعد، وكنت اتحملت قبل كده، دلوقتي مبقتش قادرة أضغط على نفسي. اعمل اللي انت عاوزه، مستحيل أرجع للصفر مرة تانية. وافتكر كويس لما قبلت زمان أتزوجك كنت نجمة الكل يحلم بالنظر ليها، وأنا لسه نفس النجمة يا أسعد. أنا بقول تسافر لك كم يوم مكان هادي تريح أعصابك فيه.
ترك أسعد معصم شهيرة التي لم تنتظر وغادرت تزفر نفسها بضيق وغضب جم فاض بها. كذالك أسعد يتملكه الغضب. ربما من الأفضل لهما أنها غادرت. زفر أسعد نفسه يجذب خصلات شعره الذي غزاها اللون الرمادي، لكن لفت نظره تلك السلسلة الملقاة على الأرض. ذهب نحو مكانها وانحنى يلتقطها. نظر إلى تلك القطعة الماسية السوداء. طن برأسه ذكرى ما قالته له هويدا قبل أيام: "دلاية سوداء ماسية". وضع الدلاية بجيبه وغادر هو الآخر، غير منتبه إلى يارا التي تسيل دموع عينيها حسرةً على والديها اللذان يسيران نحو منعطف هدام.
***
المشفى
وقف آصف يزفر نفسه بتأفف متألم. كبتت سهيلة بسمتها وبدأت بتضميد مكان تلك الجروح، إلى أن لاحظت يد آصف الذي أخفضها جواره، غير مبالٍ.
وضعت لاصق طبي فوق أحد الجروح قائلة:
آصف، لو سمحت ارفع إيدك اليمين لفوق، أنا خلاص قربت أنتهي من تضميد أماكن الجروح.
زفر آصف نفسه بألم مصحوب بضجر. زادت بسمة سهيلة من تلك الزفرة. بينما آصف رمق تلك البسمة على شفاها. تجرأ وتعمد وضع يده الأخرى فوق خصرها. شعرت سهيلة بيده على خصرها، لم تعد تشعر برهبة من اقترابه منها. بتلقائية رفعت وجهها تنظر إليه.
تلاقت عيناهما في حديث صامت، فقط سادت لغة العيون.
نظرة عين آصف ما زالت تلمع ببريق عشق وشغف ما زال متغلغلًا بقلبه. بينما لمعت عين سهيلة بنظرة أمل.
انشرح قلب آصف وترك النظر لـ عينيها. سلط نظره على شِفاها للحظات، ثم عاود لقاء عينيها مرة أخرى. بقلبه شعر بشوق لـ قُبلة. قلبه سقيم وشِفاها الدواء. أحنى رأسه حين أغمضت سهيلة عينيها تشعر بأنفاسه قريبة من صفحة وجهها تنتظر تلك القُبلة.
لكن قبل أن يُقبلها، فجأة فُتح باب الغرفة.
عادت رأس سهيلة بتلقائية للخلف تنظر ناحية باب الغرفة. شعرت بخجل. بينما زفر آصف نفسه بضيق ونظر خلفه. للحظة شعر بازدياد غضب حين رأى تلك السخيفة. عاد ينظر لـ سهيلة. بينما تلك شعرت بضيق وغضب مصحوبان بكره لـ سهيلة. يقارن عقلها بين رفضه لها سابقًا، تراه قريبًا من تلك التي لا تقارن بها بهذا الحد الحميمي. لكن حاولت كبت ذلك برياء قائلة بتعمد لإثارة غضب سهيلة:
آسفة، كنت مسافرة رحلة استجمام خارج مصر وكنت قافلة موبايلي عشان أرتاح من الإزعاج، ومعرفتش غير امبارح بالليل. قطعت الرحلة ورجعت مصر على أول طيارة.
تنهد آصف هامسًا بكلل وتمني:
وياريتك ما رجعتِ.
بعد أن كانت شعرت سهيلة بغضب من حديث تلك السمجة الوقحة، تبسمت حين سمعت همسه بضجر ونظرت لعينه وابتسمت قائلة:
خلصت، هجيب لك القميص تلبسه.
أومأ لها ببسمة. بينما شعرت تلك السخيفة بغضب وغيره. رغم أنها لم تسمع همس آصف، لكن هو ما زال يعطيها ظهره. حتى حين ابتعدت سهيلة عنه، رافقتها عيناه إلى أن عادت، وضعت القميص على جسده من الخلف وساعدته في ارتدائه.
شعر آصف برعشة يدها فوق تلك الأزرار، ليست رهبة لكن توتر وخجل بوجود تلك المتطفلة.
انتهت سهيلة وقامت. وضع يده بذاك المشد الطبي. تبسم آصف لها. سرعان تحولت البسمة إلى ضجر حين استدار بوجهه ونظر إلى تلك السخيفة المتطفلة قائلًا بدبلوماسية مبطنة بعدم ترحيب:
أهلًا يا مدام "مي"، ما كان له لازمة تقطعي رحلة استجمامك.
شعرت مي بغضب من طريقة حديثه الجافة، لكن تقبلت ذلك قائلة بتعمد وهي تنظر نحو سهيلة:
إزاي بقى، إنت عارف إنك غالي أوي عندي.
ساعدت سهيلة آصف إلى أن تمدد على الفراش. تعمد آصف أن يتكئ بجسده على سهيلة، التي جذبت جهاز التحكم الإلكتروني للفراش وعدلته من أجل راحة آصف. كما أنه شبه احتضنها وتعمد أن يتكئ بجسده عليها وهو يتمدد على الفراش. كذالك وسهيلة تقوم بتعديل الوسائد أسفل ظهره.
رفعت وجهها تبتسم له برحابة. بينما ازدادت غيرة تلك المتطفلة. تنفست بغيظ، ونظرت إلى سهيلة التي استقامت واقفة للحظات لا تشعر نحوها بأي شعور، ربما استهزاء وهي تراها تظهر أنها ليست سوى امرأة رخيصة تفرض نفسها على رجل لا يراها. ربما ما مر بينها وبين آصف لم يكن سهلًا، لكن لديها ثقة فيه أنه لا يرى امرأة غيرها، وهذا ما برهنت عليه لسنوات كانت بعيدة عنه وأمامه النساء أمثال تلك المتطفلة الوقحة يفرضن أنفسهن عليه، ولم ينجذب لإحداهن.
بينما مي تغاضت عن نبرة آصف وسألت:
لما كلمت كريم، قال لي إنه اتصل عليك مردتش عليه. قولت له يكلم شريكك في المكتب ولما سأله عنك قال إنك في المستشفى. مستحملتش وقطعت رحلتي.
بنبرة استهزاء وصد مباشر:
مكنش له لازمة فعلًا تقطعي رحلتك، أعتقد العلاقة بينا مش أكتر من شغل وإبراهيم مكاني سهل يخلص لك أي مشكلة. كمان أنا من قبل الحادثة كنت حاولت أحول أي شغل خاص بحضرتك لإبراهيم، هو بيفهم في النوعيات دي أكتر مني.
أنهى قوله وهو ينظر لـ سهيلة طالبًا:
سهيلة، ممكن تعدلي السرير والمخدة؟ حاسس إني محتاج أنام، واضح إن مفعول المسكن اللي أخدته بدأ يشتغل.
تبسمت له سهيلة رغم اندهاشها عن أي مسكن يتحدث، فهو بدأ بالتحسن وتم تخفيف المسكنات. لكن جذبت جهاز التحكم في الفراش وبسطته، ثم انحنت عليه تعدل الوسائد خلف رأسه إلى أن تستلقي على الفراش وأغمض عينيه.
بينما مي نفخت النيران من عينيها، وشعرت بالحقد. حاولت حفظ ماء وجهها قائلة:
زيارة المريض بتبقى خفيفة. أنا اطمنت عليك، هستأذن أنا وهبقى أتصل أطمن عليك.
رد آصف وهو ما زال يغمض عينيه:
للأسف موبايلي اتكسر ولسه مجبتش موبايل جديد.
ابتلعت مي حلقها وشعرت بالدونية قائلة:
تمام، مرة ثانية حمد الله على سلامتك. عن إذنكم.
غادرت مي، لكن قبلها رمقت سهيلة بنظرة استقلال وحقد يملأ قلبها. بينما بمجرد سماعه لصوت وصف مي الباب خلفها، فتح آصف وتنهد بقوة كأنه أزاح ثقلاً عن قلبه. لاحظته سهيلة وتبسمت قائلة بإيحاء:
بتتنهد كده ليه؟ مكنتش عاوزها تمشي؟ الست كتر خيرها قطعت رحلة استجمامها مخصوص عشان تطمن عليك... المفروض تشكرها على اهتمامها بأمرك، واضح إنك غالي عندها.
نظر آصف لـ سهيلة قائلًا بمراوغة:
سهيلة، اقعدي لي السرير والمخدة، مش عاوز أنام.
فهمت سهيلة أن آصف يراوغ، لا يود بقاء تلك المتطفلة ولا حتى الحديث عنها. تساءلت بمكر:
ومفعول المسكن؟
مُسكن إيه.
ضحكت سهيلة على رد آصف قائلة بصبر:
تمام.
عدلت الفراش مرة أخرى بجهاز التحكم، ثم انحنت حتى تعدل الوسائد، لكن جذبها آصف بيده السليمة. اختل توازنها من المفاجأة وسقطت على صدره. تأوه بألم طفيف، لكن شعر بخفقان قلب سهيلة. لوهلة غص قلبه أن يكون ذاك الخفقان هو رهاب منه، لكن سرعان ما رفعت جسدها حتى لا يتألم. كذالك وجهها ونظرت لوجهه. رسمت بسمة وكادت تنهض بعيدًا عنه، لكن رفع آصف يده وضعها على عنقها وقرب رأسها من وجهها وكاد يُقبلها وسهيلة تشعر كأنها بمتاهة. عقلها لم يبتعد عنه، كأنها تنتظر تلك القُبلة. لكن قبل أن تتلامس شفاهم، فُتح باب الغرفة. برد فعل تلقائي فاقت سهيلة من تلك الغفلة. ونخى آصف يده عن عنقها. استقامت سهيلة واقفة ونظرت نحو باب الغرفة. شعرت بخجل حين دلف آيسر. لكن هو الآخر شعر بخجل، ليته طرق على باب الغرفة منبهًا. لكن زفر آصف نفسه بغضب ونظر إلى آيسر قائلًا:
مخبطتش الباب ليه قبل ما تدخل.
نظر آيسر إلى سهيلة وتجاهل سؤال آصف قائلًا:
صباح الخير يا سهيلة.
تبسمت له سهيلة قائلة:
صباح النور. أول مرة تيجي للمستشفى قبل طنط شكران.
تبسم آيسر قائلًا بإيحاء:
هي ماما لسه موصلتش، تلاقيها اتأخرت في السكة من زحمة الطريق.
تبسمت سهيلة قائلة:
طنط بتتعب نفسها فعلًا كل يوم لازم تيجي لهنا. أنا بفكر أتكلم مع الدكتور ويكتب لـ آصف خروج من المستشفى، حالته اتحسنت كتير وبقية العلاج يقدر يكمله في الشقة جنب طنط شكران.
وافقها آيسر قائلًا:
وده رأيي أنا كمان.
نظر له آصف بضيق. بنفس الوقت صدح رنين هاتف سهيلة. ذهبت نحو إحدى الطاولات بالغرفة وجذبت هاتفها. تبسمت قائلة:
اتصال كل يوم "تيتا اسميه". هطلع أكلمها في الجنينة، الشبكة أفضل.
أومأ لها آيسر، وانتظر إلى أن غادرت الغرفة وأغلقت الباب خلفها، ثم نظر إلى آصف قائلًا:
إنت مزهقتش من تكتيفة المستشفى.
رد عليه بغيظ:
لأ.
تبسم آيسر قائلًا:
طبعًا إزاي تزهق وسهيلة جنبك معظم الوقت. إنت وهي في الأوضة وتالتكم الشيطان.
تهكم آصف عليه قائلًا:
قصدك تالتنا الإزعاج.
ضحك آيسر، وأخرج هاتفًا من جيبه قائلًا:
الموبايل أهو، شحنه لك.
قبل أن يمد آصف يده ويأخذ الهاتف، سمعا صوت طرق على باب الغرفة. ثم فُتح الباب وطلت شكران مبتسمة تنظر نحو آصف الذي يتحسن يومًا بعد آخر. ثم نظرت إلى آيسر الذي أعاد الهاتف بجيبه. ثم تبسم وهو يقترب منها وأخذ تلك الحقيبة الصغيرة قائلًا:
بتتعبي نفسك ياماما.
وافقه آصف قائلًا:
كان كفاية تبعتي الشنطة مع السواق.
كذالك عاود آيسر الحديث وهو يمسك يد شكران إلى أن جلست على أحد المقاعد:
والله إحنا خايفين على صحتك ياماما، من المشوار لهنا كل يوم، ودي مستشفى وأنتِ مناعتك ضعيفة ممكن تلقطي أي عدوى بسهولة. آصف الحمد لله الدكتور قال حالته بقت كويسة جدًا.
تبسمت شكران وشعرت بانشراح من محبتهم لها قائلة:
لأ أنا الحمد لله بخير، حتى شوفت سهيلة وأنا جايه، كانت واقفة في الممر مع الدكتور اللي بيتابع حالة آصف.
شعر آصف بغيرة وظل ينظر نحو باب الغرفة بترقب إلى أن دلفت سهيلة تبتسم. ورحبت بـ شكران وجلست بجوارها غير منتبهة إلى غضب آصف، إلى أن تآفف. تبسم كل من آيسر وشكران. نظرت له سهيلة قائلة:
مالك يا آصف، إنت موجوع.
رد بتأفف:
لأ.
تبسمت سهيلة قائلة:
أنا طلبت من الدكتور يكتب لك خروج، وهو وافق بعد ما شاف تحسن حالتك في فترة قصيرة... ومبقتش محتاج تبقى هنا. بكرة هنعمل أشعة كاملة على جسمك، وبعدها نخرج من المستشفى.
زفر آصف نفسه ما زال يشعر بالغيرة. يعلم أن سهيلة تتحدث مع الطبيب كطبيبة، لكن لا ينكر شعوره بالغيرة إذا تحدثت معه أو حتى مع غيره.
***
بـ أتيليه شهيرة
زفرت نفسها بغضب حين جلس رامز أمامها وبدأت بتوبيخه:
مش هتبطل العادة اللي زي الزفت دي، خاف على سمعة الأتيليه، أنا تعبت على ما بقى له اسم وكيان كبير. بلاش أفعالك القذرة وتحرشك بالعارضات ده وعلاقاتك معاهم. المفروض تتجوز، هتفضل عازب لحد إمتي.
نظر لوجهها استشف منه الغضب قائلًا:
ما أنا اتجوزت قبل كده مرة وطلقتها. كانت غبية وطماعة، يلا أهي خدت جزاء طمعها في مبلغ المؤخر الكبير. وقتها ربنا انتقم منها وسواق عربية طايش صدمها وبقت بتمشي على عكاز زي المشاليل. أنا كده حر. وليه حاسس إن مش الموضوع ده اللي معصبك، عصبيتك لها دخل بـ أسعد، إيه اتخانقتوا تاني.
زفرت نفسها بغضب جم:
حياتنا أصلًا مبقاش فيها غير الخناق. زي ما يكون بُعد شُكران عنه بيجننه أكتر مع الوقت.
تهكم رامز قائلًا:
زاغت في عينه دلوقتي، ولا هو الممنوع مرغوب، والبعيد عن العين قريب للقلب.
ردت شهيرة:
كل ده بسبب آصف، اللي مش عارفة ليه متقصّفش عمره وارتحنا منه. شكل إصابته كانت خطيرة، ومراته كمان قاعدة جنبه في المستشفى تمرضه. أمّال كانت اتطلقت منه ليه بعد كام يوم؟ ولا نسيت إنه وصلها للموت.
تهكم رامز قائلًا:
الحب... الحب بينسي الهبل والأغبياء وبيسامحوا اللي أذوهم. إنتِ عارفة إن أنا وآصف مش بنرتاح لبعض أساسًا، بس طبعًا عملت الواجب، بعت بوكيه ورد ومعاه رسالة صغيرة بتمنى فيها له الشفاء العاجل.
سخرت شهيرة بغضب:
إن شاء ما يطلع من المستشفى.
آمن رامز على دعائها:
إن شاء الله. وليه تعصبي نفسك؟ إنتِ خلاص الأتيليه له اسم وكيان في مجال عروض الأزياء، أشهر المصممين في مصر والوطن العربي بيتمنوا إننا ننظم لهم ديڤليهات لعروضهم. كمان ليكِ حساب في البنك فيه مبلغ خيالي، غير طبعًا نصيبك في الماس.
نظرت نحو باب الغرفة ثم نظرت له قائلة بهمس وتحذير:
بس وطي صوتك، حاذر حد يسمعنا. أنا مش هكرر عملية الماس دي تاني، كفاية كده. أنا كنت مرعوبة لا في المطار يشكوا إن بين الخامات اللي كنا مستوردينها عشان عروض الأزياء متهرب ماس. وعدت الحمد لله، مش هكررها تاني، وإنت كمان ممنوع، واقطع علاقتك مع الناس دول، إحنا مش محتاجين.
اضطجع بظهره على المقعد ثم وضع ساق فوق أخرى بلا مبالاة قائلًا:
لأ محتاجين عشان تقدري تستغني عن أسعد اللي حياتك معاه بقت لا تطاق. بس طالما إنتِ مش حابة تكرري العملية مرة تانية، تمام، هقولهم بعد كده إنك بره.
نظرت له قائلة:
عالعموم، إنت حر. اللي يهمني نفسي. خلاص مش هعيش في تعب الأعصاب ده تاني، وكمان هنفصل عن أسعد في أقرب وقت. هحاول يكون انفصالنا بالتراضي وأقل الخساير.
***
مساءً، بـ ملهى ليلي
وضع ذاك الكأس الذي كان بيده فوق الطاولة ثم نظر إلى تلك التي جلست بجواره، ملامحها واضح عليها الوجوم والعصبية. تأكد من ذلك حين سحبت ذاك الكأس وتجرعت محتواه على دفعة واحدة.
ضحك ساخرًا يقول:
يظهر رحلة الاستجمام مجابتش فايدة، أعصابك لسه تعبانة، ولا يمكن...
توقف للحظة ثم زاد بسخريته:
يمكن قلبك هو اللي تاعبك.
نظرت له بغيظ مصحوب بغضب:
ليه كنت عاوز تموت آصف؟
ضحك بسخرية قائلًا:
أنا... أنا ماليش في القتل يا عزيزتي، أنا كائن مسالم، آخري أبعت له موزة ناعمة. بس للأسف فشلت، وبدل ما تغويه يوقع في شباكها، هي اللي اتعلقت في شباك الهوا الدايبة. آصف شكله مش شايف غير مراته. أول مرة أغلط مع شخص ويخيب توقعاتي. مفيش راجل قبل كده قدر يوقف قدام "مي المنصوري" وكاريزمتها الخاصة، بس يظهر الحب له سطوة.
ليه عاوز تقتل آصف؟
كان سؤالها مرة أخرى بغضب واستخبار.
نظر إلى عينيها قائلًا:
ومين قالك إني عاوز أقتل آصف؟ مش يمكن ليا هدف تاني... مراتُه مثلًا... واضح إنها مغرمة بيه. تارك مراتُه وهي اللي أنا عاوز أحرق قلبها على الحبيب الغالي "آصف شعيب". بس أنا خلاص قررت أبَدّل انتقامي. وبدل ما أحرق قلبها، هحرقهم الاتنين.
قال هذا وانعكست لمعة عينيه بذاك الكأس الذي بيده وتذكر أن بسبب تلك الحقيرة تخلى عنه سامر خوفًا أن تخبر سهيلة آصف أنه "شاذ". وبسبب الاثنين نفر "سامر" وقرر الابتعاد عن تلك الممارسات الآثمة. فقد أكثر شخص أحبه بالحياة "سامر". قتل وليفه بعد أن رفضه أكثر من مرة وحاول العودة إلى الطريق الطبيعي لخلق الله "ذكر وأنثى". وأن عليه التوبة من ذاك الإثم الجسيم.
***
باليوم التالي مساءً
تنهد آيسر بارتياح بعد أن سمع من ذاك الطبيب عن تحسن حالة آصف واستغنائه عن البقاء بالمشفى مع اهتمام خاص لفترة حتى يستعيد جسده عافيته.
تبسم آصف وهو ينظر إلى آيسر الذي يقف أمامه يقوم بغلق أزرار قميصه. آصف الذي عيناه ترافق سهيلة التي تضب تلك الأدوية وبعض المتعلقات الأخرى، إلى أن انتهت. اقتربت منهما قائلة:
أنا خلصت.
تبسم لها آيسر قائلًا:
وأنا كمان خلصت قفل زراير قميص آصف. يا دوب أساعده يلبس الجاكيت، بس قبل ما نخرج من الأوضة لو مش هتقدر تمشي قول لي أجيب لك كرسي متحرك.
نظر له آصف بسخط قائلًا:
شايفني مشلول؟ لأ اطمن، لسه قوي زي ما أنا.
ضحك آيسر قائلًا:
مفتري يعني، على رأي المثل "لكل جواد كبوة". يمكن تتهد شوية وتقل عن حرق السجاير والسيجار الكوبي ده.
تبسمت سهيلة قائلة:
لو واحد غيره سهل يقلع عنها. بقاله كم يوم أهو عايش من غيرها، عشان يعرف إن مش صعب الإقلاع عنها. هو بس مجرد تعود. لو عنده إرادة يقدر يستمر ويقلع عن التدخين بسهولة، وإنه مش أكتر من "كيف" لحظات بيضر به نفسه وغيره كمان.
تبسم لها آيسر وأومأ موافقًا، بينما نظر آصف لـ آيسر بغيظ. ضحكت سهيلة قائلة:
تمام كده، خلونا نرجع للشقة. طنط شكران ممكن لو اتأخرنا نلاقيها جايه المستشفى.
وافق آيسر قائلًا:
تمام، يلا يا آصف اسند عليا، بس على خفيف مش ترمي تقِل جسمك عليا، لاحظ إني عريس حديد ومحتاج قوتي قدام مراتي، هتقول صحته راحت من أولها.
زغر آصف لـ آيسر، بينما شعرت سهيلة بالخجل وأخفضت وجهها. تبسم آيسر.
بعد قليل، بشقة آصف
تبسمت شكران بانشراح قلب وهي تستقبل عودة آصف إلى الشقة مرة أخرى. حقًا ما زال هناك آثار واضحة عليه، مع الوقت ستزول. تدمعت عينيها. تبسم آيسر مازحًا:
طب والدموع اللي في عينيكِ يا ماما دي ليه بقى؟ أكيد حاسة بيا وهو ساند بتقِل جسمه عليا... هحتاج ظبط زوايا بعد كده.
تبسمت شكران قائلة:
كل حاجة بتقلبها هزار. دي دموع فرح إن ربنا رجع آصف لبيته من تاني. ربنا يكمل شفاه ويقوم يرمح من تاني.
تبسم آصف، بينما عاودت شكران القول:
بلاش الوقفة دي، خد آصف لـ أوضته يرتاح.
سند آيسر آصف إلى غرفته ثم دخل من خلفه شكران وسهيلة ومعهن يارا، كذالك روميساء التي تشعر بمشاعر تتغلغل لقلبها مثل طوفان يهدر بقلبها عشقًا لذاك الأحمق المازح بأصعب الأمور.
***
ليلاً، بشقة آيسر
تبسم وهو جالس فوق الفراش بعد أن رمق روميساء تخرج من باب الحمام تتوجه نحو الفراش. نزعت عنه ذاك المئزر ووضعته على جنب ثم صعدت إلى الفراش. جذبها آيسر إلى حضنه وقبل جانب عنقها، ثم تنهد يتنفس بعمق.
لاحظت روميساء ذلك وسألته:
كل دي تنهيدة.
تنهد مرة أخرى قائلًا:
أخيرًا آصف خرج من المستشفى. أنا لما شفت منظره في بيت البحيرة، كان جوايا رعب. أول مرة أحس بالخوف في قلبي، كنت خايف أتأخر وينفد الوقت، خوفت أفقده هو كمان. بس آصف مش زي "سامر" بالنسبة لي. صحيح الإتنين أخواتي وكان نفسي يعيش سامر ونبقى تلاتة زي ما كنا وإحنا صغيرين. آصف بالنسبة لي هو ضهري اللي بتسند عليه من صغري. لما بابا دخلني المدرسة العسكرية كنت مشاغب بس لساني عالفاصل، كان سهل اللي قدامي يتغلب عليا بسهولة. كذا مرة وقعت في مشكلة وآصف كان هو اللي يسندني ويداري عليا قدام بابا. حتى لما محبتش أكمل في دراسة الطيران الحربي هو اللي ساندني وقواني قدام بابا، وإن لازم أعمل الشيء اللي مقتنع بيه. أنا وآصف عشنا قريبين جدًا من بعض حتى بعد آصف ما ساب المدرسة العسكرية ودخل كلية الحقوق. كانوا زمايلي بيخافوا منه، كنت بشاغب على حِسه وأنا مطمن. آصف كان أخونا الكبير، حتى سامر نفسه كان بيحبه ويحترمه أكتر من بابا. آصف كمان كنا بنعتمد عليه دايمًا ونتحامى فيه قدام بابا. أنا عذرت قلب آصف لما شاف سامر قدامه عقله شت منه بقى زي المجنون. وبعد سهيلة عنه هو اللي رجع له عقله. صعب تشوف أقرب شخص ليك قدامك بينازع، ما بالك ده شاف سامر مقتول، وكان المتهم الأول أقرب إنسانة لقلبه. لعبة القدر دخلتهم الإتنين في دايرة مغلقة واتحكمت بقسوة.
لأول مرة تنظر روميساء إلى آيسر وترآه بتلك المشاعر وهو يفيض لها ببعض الذكريات، منها ما هو سعيد ويظهر أنه كان مشاغبًا دائمًا، ومنها ما هو حزين يظهر ألم ما زال ساكن بقلبه. دمعة وبسمة... وذكرى قاسية مروا بها جميعًا بدلت مسار حياتهم بعد فقدان "سامر". حقًا احتفظ بسر قتله، لكن يآن قلبه عليه حسرة.
شعرت روميساء أن ليس خلف ذلك المازح شخصًا هوائيًا فقط يمزح طوال الوقت. هو مثلها عاش جزء من قسوة الحياة. رفعت كفيها تحتضن بهما وجه آيسر قائلة:
القدر غريب متل ما بتقول طنط شكران. أنا قررت أنقل من ألمانيا وأعيش هون بدفا مصر، أو بالأصح دفا قلب طنط شُكران. وكمان قدمت عـ طلب نقل لفرع الشركة هون بمصر. حتى بابا عجبته الحياة هون بمصر وأصبح يميل للخروج طول الوقت عكس ما كنا بألمانيا كان يضل معظم وقته بالسكن. ولما سألته شو اللي اتغير، قال لي "صُحبة الناس" هون في ألفة أكتر.
لمعت عينا آيسر وانشرح قلبه قائلًا:
أنا كنت بفكر بما إن الحمد لله ربنا خد بيد آصف وحالته اتحسنت، إحنا كمان بقى نشوف حالنا كعرسان ونتنهي. أنا قررت نسافر كام يوم نقضي شهر عسل.
تبسمت روميساء وتدللت سائلة:
المفروض إنه شهر عسل مو كام يوم، بس مو مهم المدة، المهم المكان وين بنروح.
تبسم آيسر وفكر للحظات قائلًا:
إيه رأيك نروح سويسرا؟ لأ النمسا...
ثم استقر على "ڤينا".
تساءلت روميساء:
وليش ڤينا بالذات.
تبسم وغمز آيسر بمكر قائلًا:
مش أسمهان بتقول "ڤينا روضة من هوا الجنة" وإنا يا جميلتي دخلت معاكِ أجمل جنة.
أنهى قوله وهو يجذبها عليه ويتسطح على الفراش متنعمًا بعشق الجميلة التي لمسه منها يهز كيانه.
***
بـ شقة آصف
تمددت سهيلة على الفراش وأغمضت عينيها. لكن رغم إجهادها طوال الليالي الماضية بالمشفى جوار آصف لم تكن تشعر بذاك السُهاد والإرهاق وعدم شعور النوم كأنه جفاها عمدًا، لا تعلم سبب. أخبرها قلبها:
أكيد السبب هو نومك الأيام اللي فاتت في أوضة المستشفى مع آصف، حاسة إن السرير هنا غريب عليكِ.
سُرعان ما تهكم عقلها قائلًا:
وهي دي أول مرة تبقي بعيدة عن مكان وتتنقلي وكنتِ بتنامي عادي؟ اعترفي إن السبب هو إنك في أوضة وآصف في أوضة تانية.
وافق قلبها على ذاك الجواب، لكن عادت الحيرة تضرب عقلها بين مشاعر متخبطة. أخرجها من تلك الحيرة شعورها بانخفاض مرتبة الفراش كأن أحدًا جلس عليه. فتحت عينيها ونظرت. سُرعان ما شعرت بهلع. واستقامت جالسة على الفراش تقول بسؤال:
آصف! إنت حاسس بأي وجع.
أشار آصف إلى قلبه وأومأ لها قائلًا برجاء:
أيوه حاسس بوجع هنا، خليكِ قريبة مني يا سهيلة.
لم يُمهلها وقتًا للرد، جذبها يحتضنها وقبل جانب عنقها قائلًا:
خليني أنام هنا جنبك عالسرير... مش عاوز غير إني أحس إنك هتفضلي قريبة مني.
رواية عشق مهدور الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم سعاد محمد سلامة
تبسم آصف وترك لها جسده حتى سألته:
كده حاسس براحه ولا أحطلك مخده كمان ترفع ظهرك شويه.
أومأ لها بموافقه. نهضت من فوق الفراش وسارت نحو باب الغرفه، تسأل آصف بإستغراب:
رايحه فين!
ردت ببساطه:
هجيب مخدات من الأوضه التانيه وأرجع.
تنهد آصف ببسمه وهو ينتظر لحظات حتى عادت سهيله تحمل أكثر من وساده. تبسم لها وهى تقترب من الفراش قائله:
جبت مخدات عشان احطهم ورا ضهرك، هتحس براحه أكثر.
تبسم وهو يرفع جسده قليلًا عن الفراش. عدلت سهيله الوسائد خلف ظهره، إتكئ عليها. تبسمت له قائله:
كده هترتاح أكتر.
أومأ موافقًا يقول:
فعلًا كده إرتاحت، بس هرتاح أكتر لما تنامي جنبي هنا. السرير واسع وياخدنا إحنا الإتنين، مش زي سرير المستشفى.
إزدردت سهيله ريقها بحياء وكادت تعترض، لكن نظرة عين آصف جعلتها تستسلم قائله:
تمام.
ذهبت نحو الناحيه الأخرى للفراش وتسطحت عليه، تشعر بإرتباك من نظرات آصف نحوها وتبسمه. بادلته البسمه، لكن جذب آصف يدها وقام بتقبيلها. شعر برعشة يدها، غص قلبه بتلقائيه، ضغط عليه. لكن سهيله شعرت برجفه في جسدها، ليس رهبًا بل من المفاجأة. وحين ضغط على يدها سحبتها من يده وأغمضت عينيها، علها تهرب من هذا الإرتباك.
نظر لها آصف مُبتسمًا يقول:
تصبحِ على خير يا سهيله.
ردت وهى مازالت تُغمض عينيها هربًا من ذلك الشعور الغريب عليها. ليس أول مره تنام جوار آصف، المره السابقه كان بلا وعي لم يشعر بها. لكن بعد دقائق قليله بلا وعي منها غفت.
بينما تبسم آصف على إنزواء سهيله بطرف الفراش، بعيد عنه قليلًا. أغمض عينيه، سُرعان ما غفى هو الآخر.
لم ينتبها إلى شُكران التى شعرت بالقلق على آصف وذهبت إلى غرفته كي تطمئن عليه، لكن لم تجده بالغرفه. إستغربت ذلك، وبتلقائيه ذهبت نحو غرفة سهيله. كان باب الغرفه كالعاده مواربًا. نظرت إلى داخل الغرفه، تبسمت في البداية حين رأت اهتمام سهيله بـ آصف. لكن غص قلبها حين شعرت أن آصف مازال يحاول نيل عشق سهيله الواضح. لكن هي الأخرى مازالت تائهه بمشاعر تخشى من أن تنساق نحوها. ولديها الحق، ما حدث بالماضي كان قاسيًا عليهما الإثنان، سقطا بفخ سوء القدر.
إنتهت الليله مع إشراقة جديده. فتح آصف عينيه حين شعر ببوادر ألم طفيف. نظر نحو سهيله التى مازالت نائمه تنزوي بطرف الفراش. كان أفضل صباح أو أمنية تحققت أن يفتح عينيه صباحًا وأول شيء يقع عليه بصره هو وجه سهيله، وتكون قريبه منه للغايه. هكذا أمنية أخيرًا نالها.
ظل ينظر لوجهها للحظات قبل أن يمد يدهُ وينحي تلك الخصله عن جبينها. تلامست أنامله مع جبينها، شعرت بها سهيله. فتحت عينيها لوهله، تبسمت ثم عاودت النوم مره أخرى. إلى أن سمعت آصف يقول:
صباح الخير.
عاودت سهيله فتح عينيه مُبتسمه وتمطئت بيديها تقول:
صباح النور.
بالخطأ يدها إقتربت من صدر آصف. رغم أنها فقط لامست صدره، لكن إدعى التآوه بألم عمدًا.
نهضت سهيله بآسف قائله:
آسفه مكنش قصدي.
رغم شعور آصف بألم، لكن هنالك شعور آخر مُنشرح في قلبه. إزداد حين إقتربت سهيله منه قائله:
لو حاسس بألم قوي أديك حقنة مسكن.
أومأ برأسه قائلًا:
لاء بالعكس، حاسس بألم بسيط جدًا.
تبسمت سهيله براحه وقالت:
تمام، زمان خالتِ صفوانه نايمه، هقوم أحضرلك فطور وتاخد بعده العلاج، هيختفي الألم البسيط.
قبل أن تُعطى سهيله له ظهرها، جذبها من كتفها وقربها منه. وبلا إنتظار رفع جسده قليلًا عن الفراش وقبلها. رغم مفاجأتها، لكن لم تُمانع قبلتهُ أو تصدهُ. استقبلت القُبله فقط، عقلها يتنحى وقلبها يشعر بخفقان مُتشتت. ترك شفاها، لكن مازال وجهها قريب منه. نظرت إلى عينيه ترا بهما صفاءً قديمًا كانت تهيم به وقتها. الآن...
العقل عاود يتحكم للحظات، يوبخ غفلة قلبها بعد تلك القُبله:
هل نسيتِ ذبح الماضي... أفيقي من تلك السكره.
لكن آصف لم يمهل لعقلها فرصه وجذبها مره أخرى مُقبلًا بظمأ عاشق. ترك شفاها مُرغمًا حين سمعا صوت شُكران وصفوانه. كاد يُخبرها أنه كان واعيًا تلك الليله بمنزل البحيرة وأنه لن يغيب عن الوعي إلا حين إبتعدت عنه. لكن صوت شكران وصفوانه وهما تتحدثان أصبح قريبًا للغايه من باب الغرفه.
كذلك سهيله فاقت من تلك الغفلة. عادت تشعر بحياء وربما تذم نفسها على لحظة ضعف. إبتعدت وهبطت من فوق الفراش، تُحايد بصرها عنه. تبسم آصف وهو يشعر بسعادة. إلى أن دخلن صفوانه وشُكران، التى تبسمت قائله:
صباح الخير... شكلك نمت كويس إمبارح.
تبسمت صفوانه بمكر واجابتها:
أكيد إرتاح هنا أكتر من المستشفى.
نظرت شُكران نحو سهيله التى تشعر بخجل وغمزت لـ صفوانه. فهمت صفوانه غمزها وسايرتها:
الواحد مش بيرتاح غير في فرشته جنب حبايبه.
شعرت سهيله بالكسوف وتهربت قائله:
في علاج آصف لازم ياخده عالريق، هروح أجيبه من الأوضه التانيه.
هربت سهيله من أمامهن. بينما نظرت شُكران بحنان لـ آصف وتبسمت تشعر بسعاده بسبب ذاك الصفاء الواضح على وجهه.
رغم أن تلك الليله لم تتكرر وعاد كل منهم إلى النوم بغرفته، بسبب زيارة آسميه التى جاءت في زيارة خاصه من أجل الإطمئنان عليه. وتعاملت معه بود لأول مره. لكن أعطت له أملًا. عاد من ذكرى تلك الليله حين سمع رنين هاتف سهيله. التى أخرجته من حقيبة يدها وتبسمت، وقامت بالرد فورًا. سمعت مُزاح طاهر:
أنا نزلت من الطياره أهو، لو مكنتيش في المطار تستقبليني هزعل منك.
تبسمت قائله:
لاء أنا أساسًا وصلت قدام المطار وكنت هتصل على بابا، أكيد هو وصل قبلي. على ما تخلص إجراءات الخروج هتلاقيني أنا وبابا ومعانا رحيم وحسام ابن هويدا. بابا قالي إنه شِبط فيه وجابه معاه غصب.
تبسم طاهر قائلًا:
كويس والله، أهو حسام ده الحسنه الوحيده اللي عملتها هويدا في حياتها. يلا أشوف بعد دقايق.
أغلقت سهيله الهاتف ونظرت إلى آصف الجالس جوارها بالمقعد الخلفي للسياره. إستغربت وجوم وجهه، وسألته:
آصف مالك... شكلك مضايق... كِتفك رجع يوجعك تاني.
هز رأسه قائلًا:
بيوجعني حاجه بسيطه.
ردت ببساطه:
هيفضل فترة يوجعك، والمفروض متجهدش جسمك بالرياضة زي قبل كده، كمان التدخين.
ضحك آصف قائلًا:
التدخين أهو بحاول أتأقلم مع الإقلاع عنه، حتى الرياضة بقت تمارين بسيطة تكاد تكون معدومه.
تبسمت له قائله:
الرياضة مجرد فتره بس يلتئم كتفك وترجع تاني، لكن التدخين سبق وقولتلك ده إرادة منك.
أومأ لها ببسمه. نظرت سهيله خارج السيارة وتبسمت قائله:
وصلنا المطار، هتصل على بابا عشان نوصل لبعض بسهوله.
بعد قليل، بصالة الوصول حملت سهيله حسام الذي ألقى بنفسه عليها، كانت تُداعبه بمحبة وهو يُقبلها. لفت ذلك نظر آصف، دخل إلى قلبه شعورًا وأمنية أن يحمل يومًا طفلًا يجمع بينه وبين سهيله. ربما أمنية ليست بعيده، بعد هدوء الحياة بينهم.
بعد دقائق طل طاهر عليهم. تبسموا وأشار له حسام مرحًا. استقبل أيمن طاهر يحضنه بإشتياق أبوي. كذالك سهيله الذي إحتضنها مُبتسمًا وهي تحمل حسام الذي سرعان ما ود الضيف القادم وذهب إليه. حمله طاهر بود ومحبة. كذالك صافح آصف. دقائق وقفوها بصالة الوصول قبل أن يغادروا، دون إنتباه إلى تلك التي مازال قلبها مشغولًا بالحب الأول وأثره في قلبها الذي لم يمنحني. دمعة سالت من عينيها تلوم قلبها ليتها ما علمت موعد وصول طاهر صدفه من سهيله. لا تعلم سببًا لمجيئها اليوم، هل أتت كي تُكمل جلد قلبها برؤية طاهر تزيد من حِدية ذاك النصل الذي يهدر بقلبها.
***
مساءً بمنزل أيمن.
كانت الفرحة تعم بمناسبتين، عودة طاهر وعيد ميلاد أصغر أبنائه. حقًا أصبح شابًا يافعًا، لكن يظل هو الصغير المشاغب الذي يتأتي متأخرًا والجميع ينتظره.
قرع جرس المنزل، نهضت سهيله قائله:
أكيد ده رحيم، خليكِ ياماما وانا هفتح له الباب.
ذهبت سهيله وفتحت باب المنزل، وقفت تبتسم قائله:
قولت هتقابلنا في المطار، بس حضرة الظابط دايمًا متأخر.
ضحك قائلًا:
حضرة الظابط على آخر لحظه كان هيتعاقب ومش هينزل أجازة.
ضحكت سهيله قائله:
كويس إنك لميت نفسك، يلا تعالى تيتا آسميه عملت لك قالب كيكه مخصوص.
تبسم قائلًا:
تيتا دي حبيبتي، بس أسلم على طاهر الأول أحلل الهدايا.
ضحكت سهيله. دلف الإثنان إلى غرفة المعيشه، نهض طاهر مُبتسمًا يقول بمرح:
أنا لما إتأخرت كده قولت القائد عمل معروف ولغى الاجازة بتاعتك وهستمتع بالكيكه بتاع تيتا لوحدي.
ضحك رحيم قائلًا:
حظك على آخر لحظه كنت هتعاقب، بس القائد عِرف إن النهارده عيد ميلادي قال بلاش أنكد عليه.
ضحك رحيم وهو يُعانق طاهر بأخويه، سائلًا بمرح:
قولي جبت لي الهدايا اللي طلبتها منك، الهدايا المفروض تبقى الدبل، رجوعك مصر وكمان عيد ميلادي.
ضحك طاهر، بينما ضمهتم آسميه بين يديها.
تبتسم بمودة قائله:
كفاية سلامات يا ولاد، يلا يا سحر خدي البنات وهاتي العشا عشان نحلى بعده بالكيكه اللي أنا عملاها مخصوص لاستقبال حبايب قلبي.
نظرت لها هويدا شعرت بغيرة من ألفتها معهم قائلة:
وسهيله كمان، أول واحدة حبيبة قلبك، بس ليه معزمتيش آصف كمان... ماهو من العيلة جوز حفيدتك الغالية، دي سابت جوزها اللي يادوب خف.
شعرت سهيله بتهكم هويدا ونواياها بإفساد الرحه. حاولت تلطيف الحديث قائله:
آصف فعلًا لسه مخفش تمامًا، بس بقى يقدر يستغني عن اهتمامي بيه. كمان طنط شُكران نفسها بتهتم بيه أكتر مني، والحكاية كلها يوم واحد.
نظر رحيم إلى هويدا شعر أنها تود وضع منغصات هذه الليلة. تدخل قائلًا:
آصف بقى بخير، وبعدين ده احتفال عائلي صغير، وخلونا نحتفل. عاوز افتح الشنط بتاع طاهر، أشوف الهدايا. أنا أجازتي يوم واحد بس يعني اعمل حسابك مفيش نوم لحد الصبح.
ضحك طاهر وتجاهل الجميع رد فعل هويدا، التي تشعر بسخافة.
بعد قليل جلس رحيم على يسار آسميه يتذوق ذاك الكيك بتلذذ قائلًا:
تسلم إيدك يا تيتا.
تبسم طاهر الجالس على يمينها قائلًا:
أحلى كيكه تدوقها من إيد تيتا آسميه.
وافقت سهيله حديثهم قائله:
فعلًا... رغم إني حاولت أتعلمها منها، بس على راي بابا السر في الصنعة.
تبسم طاهر وهو ينظر لـ سهيله يشعر أنها تغيرت، عادت لمعة عينيها، كذالك عادت تشعر بثقة واضحة فيمن حولها. كان يشعر أنها أحيانًا ترهب منه. لاحظ زوال ذلك هذه الإجازة. انشرح قلبهُ من أجلها.
لكن غص قلبه حين قالت سهيله:
لاء إنت مشوفتش شيرويت أخت آصف الصغيرة، مرة تيتا كانت عاملة كيكة فراولة وكان طعمها رهيب بصراحة وكانت مزوقاها بصوص فراولة وكراميل، وشيرويت يا عيني مقدرتش تقاوم، تقريبًا أكلت نص الصنية لوحدها وهوب افتكرت الدايت قعدت تعيط وعرفت من يارا إنها فضلت شبه صايمة لمدة أسبوع آخرها تاكل تفاحة واحدة أو علبة زبادي في اليوم.
ضحك رحيم قائلًا:
البت دي هايفة أساسًا على رأي تيتا آسميه، شعرها شبه ريش البغبغانات، كل كم خصلة بلون والله لما بشوفها ببقى عاوز أضحك وبمسك نفسي بالعافية، عكس أختها يارا شوفتها مرتين كانت رقيقة كده وتحسيها عندها ود وألفة.
وافقت آسميه رحيم قائله:
فعلًا سبحان الله مش عارفه إزاي البنت الطيبة دي بنت شهيرة وأسعد. هي المفروض كانت تبقى بنت شُكران، بس عرفت إنها عاشت مع شُكران لفترة واكيد ده اللي آثر فيها.
للحظات غص قلب طاهر وشعر بوخزات قوية تضرب قلبه، كأن وجه يارا أمامه الآن يشعر بها. لكن أخطأت آسميه دون قصد:
بس أحسن حاجة الفترة اللي عشت فيها مع سهيله المخفي أسعد مشوفتش وشه. بصراحة كمان حسيت شُكران بقت صحتها أحسن، أكيد هو اللي كان منغص حياتها واجع قلبها ولما بعد عنها قلبها راق منه.
اخترق حديث آسميه أذني هويدا شعرت بانشراح. كما توقعت، هنالك جفاء بين أسعد وشُكران وآصف. لكن ما سببه، لا يهم ولا يفرق معها سوى أن تصل إلى هدفها وهو "أسعد شعيب".
***
باليوم التالي ظهرًا، "فيينا" النمسا.
ببهو أحد الفنادق وقف آيسر يبتسم لـ روميساء التي تقترب منه. تبسمت هي الأخرى، لكن سرعان ما خفتت بسمتها وتحولت إلى غضب مستعر حين رأت إحدى الفتيات تقترب من آيسر. ليس هذا فقط، بل قامت بعناقه بحميمية زائدة. اشتعلت عينيها غضبًا، وسارعت خطواتها وبلحظة أصبحت أمام آيسر الذي ابتعد عن تلك الفتاة وازدرد ريقه الذي جف. وادعى أنه لا يعرف تلك الفتاة التي عانقته، لكن الفتاة تحدثت معه كأنها تعرفه سابقًا. ادعى عدم التذكر وهو ينظر إلى روميساء التي تقدح نارًا بسبب إصرار الفتاة أنها تعرف آيسر وما برهن على ذلك معرفتها لاسمه. اعتذر آيسر منها وأصر على عدم معرفتها واعتذر منها وجذب يد روميساء وغادر وهو يستشهد بالشهادتين أنه قد نجا، أو هكذا ظن. رغم سؤال روميساء له عنها:
بس إصرارها إنها بتعرفك كمان من وين عرفت اسمك.
توه بالرد بثقة:
عادي أنا طيار وممكن تكون ركبت معايا الطيارة قبل كده وجاملتها بذوق وهي فكرت إن بكده نبقى معرفة أو أصحاب. أنسيها وخلينا نفكر في أسبوعين العسل اللي هنقضيهم هنا في "فيينا" هنا في الجنة يا جميلتي.
أظهرت روميساء تصديق آيسر، أو ربما أرادت قضاء وقت هادئ بعد ما مروا به بالفتره الأخيرة بعد زواجهم.
ليلًا. بغرفة الفندق.
دلف الاثنان إلى الغرفة. أظهرت روميساء الإرهاق قائله:
رجليا عم يوجعوني من السير، راح آخد شاور وأبدل تيابي وأنام.
وضع آيسر يديه حول خصرها قائلًا:
تنامي إيه إحنا في الجنة يا جميلتي.
أنهى قوله بخطف قُبله من شفاها ثم قال بوقاحة:
خلينا ناخد شاور مع بعض وهعملك مساج تحلفي بيه بعد كده.
نظرت بضيق من وقاحته قائله:
ما بدي مساج، بدي نام، راح آخد شاور بعدها أنعس.
غمز بعينيه بوقاحة قائلًا:
تمام خلينا ناخد شاور في الجاكوزي سوا وفقاقيع الماية تعمل لينا المساج سوا.
شعرت بغضب من وقاحته قائله بإنهاء:
أنا راح آخد شاور لا محتاجة لا مساج، ولا جاكوزي، شاور عادي وبعدها بنام، وهلأ بيكفي رغي.
ضحك آيسر، وتركها تذهب إلى الحمام، وقام بإجراء مكالمة هاتفية مع شُكران يطمئن عليها. إلى أن خرجت روميساء من الحمام، نظر لها بإفتتان من ملامحها الخلابة التي تأثره حتى وإن كانت ترتدي معطف حمام وردي اللون يشبه صفحات وجهها، كأنها زهرة جوري تتفتح مع قطرات الندى. خجلت روميساء حين اقترب منها يُدندن:
يا أميرتي يا جميلتي يا سيدة كل النساء.
وضع يديه على خصلات شعرها الرطبة يتلمسها، واقترب بوجهه يستنشق عطر جسدها. أزاح طوق المعطف قليلًا وقبل كتفها وصولًا إلى عنقها. شعرت روميساء بإنصهار، لكن سرعان ما ابتعدت للخلف خطوة قائله:
راح أمشط شعري حتى ما يتقصف.
تبسم آيسر قائلًا:
دا أنا اللي قلبي هيقصف، بس هاخد شاور عالسريع وأرجع لك يا جميلتي تكوني صفصفتِ شعراتك عشان أسمعك أنا أشعاري.
بالفعل ذهب آيسر إلى الحمام. بدلت ثيابها بمنامة ثقيلة، وسرعان ما سمعت طرقًا على باب الغرفة. ذهبت نحوها وفتحت باب الغرفة، تفاجئت بأحد العاملين بالفندق وتحدث لها بالإنجليزية:
مساء الخير سيدتي، تلك هدية من إحدى النزيلات بالفندق بعثتها من أجل السيد آيسر، وتتمني لكم السعادة والهناء، وهذه الورقة الصغيرة إهداء منها لكِ.
نظرت روميساء إلى تلك العربة الصغيرة الموضوع عليها إناء به ثلج ومعه زجاجتان من بعض المشروبات، من منظرها تبدو مشروبات كحولية. كذالك هنالك باقة من الورد معهم. شعرت بغضب وفكرت برفض تلك الهدية، لكن فكرت وأخفت غضبها أمام النادل وأفسحت له الطريق. دخل بتلك العربة إلى الغرفة، ثم نظر لها وتمنى لهم ليلة سعيدة وغادر.
أومأت له. وقفت للحظات تفكر. اهتدى عقلها، لا مانع من بعض التشويق والإثارة.
بدلت منامتها الثقيلة إلى منامة شبه عارية. وقفت أمام المرآة صففت شعرها وقامت برفع خصلاته بـ عكة وأحكمتها بأحد دبابيس الشعر، وانتظرت. بينما بداخل الحمام كان آيسر منسجمًا، يُمني نفسه بليلة مميزة على نغمات:
"ليالي الأنس في فيينا نسيمها من هوا الجنة نغم في الجو له رنة سمعها الطير بكى وغنى ما بين رنين الكاس ورنة الألحان أدي القوام مياس يعاطف الأغصنان تم النعيم للروح والعين ما تخلي قلبك، قلبك، قلبك يتهنى".
كان يُدندن كلمات تلك الأغنية وهو أسفل المياه المنهمرة على جسده يتشوق إلى قضاء ليلة مميزة بنعومة روميساء. هنا في تلك المدينة التي تغنت بها أسمهان. أوصد المياه وجذب منشفة وضعها حول خصرهُ وخرج من الحمام. حين وقعت عيناه على روميساء التي تقف تُعطيه ظهرها سلب فؤاده زيها الشبه عاري للظهر كله فقط حبلين رفيعين. اقترب يُدندن في رأسه، كذالك يمدح في اختياره:
الحمد لله اختياري لـ "فيينا" كان ممتاز، ما تعرفت على حد هنا قبل كده.
وقف خلف روميساء ورفع يديه ضم جسدها من الخلف وقبل عنقها يتنسم بعبقها الذي آثر كل حواسه. كذالك بدأ يقبل بقية عنقها. كادت روميساء أن تذوب من حرارة أنفاسه، لكن تلك الزجاجتان اللتان بيديها جعلتها تبتعد لخطوة وتستدير تنظر له. عينيها غاضبة، لم تهتم أنه شبه عارٍ، ورفعت هاتان الزجاجتان أمام عينيه ونظرت لهم بإستهجان:
فودكا... ومارتيني... لاء شكلها عارفه مزاجك كويس وبعتت لك أنواع فاخرة عشان تبسطك.
نظر آيسر إلى الزجاجتان وقبل أن يستفهم كان يشعر بصوت تكسير الزجاجتان وبعدها شعر بدوار قبل أن يسقط أرضًا فاصل الوعي... أو هكذا تمثل.
اقتربت منه روميساء بشراسة وقامت برفسه بساقيها قائله:
لا تكذب وتدعي إنك مغمي عليك ما بصدقك الضربة اجت على الفوطة اللي وضعتها على راسك. ياريت كانوا فتحوا دماغي، شو ما اتكيف بدك إطلب هديك الوقحة تبعت لك زجاجتين وتجي معهم مشان تتكيف.
لا داعي للكذب إذن. وقف آيسر يدعي شعور الدوخان قائلًا:
إيه اللي حصل أنا مش فاهم حاجة، وإيه سبب عصبيتك.
نظرت له بغضب ومدت يدها بتلك الورقة قائله:
هديك الوقحة اللي بعتت لك إهداء خاص، شو هتكذب إنك ما بتعرفها.
اقترب آيسر منها وكاد يمسك يدها، لكن روميساء قالت له:
لا تلمسني مشان ما أقتلك الليلة يا كذاب.
تنهد آيسر ولعن تلك الفتاة أو بالاصح لعن حظه بعد أن ظن أنه لم يكن مخطئًا بالماضي حين كان يتصاحب على الفتيات بغرض تضييع الوقت لا أكثر، لكن يبدو أن الحظ العاثر أرسل له تلك الحمقاء كي تضيع عليه صفو هذه الليلة. لا، ليس الليلة بل الرحلة بأكملها حين قالت روميساء بحسم:
أنا ما بدي شهر عسل ولا بدي أبقى هون بـ فيينا، خلينا نرجع مصر.
مصر!
قالها بتعجب قائلًا:
بس إحنا لسه واصلين امبارح، دا حتى جسمنا لسه عليه عرق السفر.
نظرت له بغضب قائله بحسم:
بدك تضل هون ضل وحدك واستمتع مع هديك الحقيرة، بس أنا هرجع مصر.
غصبًا وغضبًا وافقها آيسر كي يحتوي غضبها وهو يلعن تلك الغبية التي بسببها ضاعت الرحلة.
***
بعد مرور أكثر من شهر.
بشقة آصف. صباحًا أثناء تناول سهيله الفطور مع شُكران شعرت بغثيان. نهضت مُتحججة ببعض التوعك. استغربت شُكران ذلك قائله:
غريبه مع إن الطقس بدأ يتحسن.
لم تستطيع سهيله التحكم أكثر وتركتها مُسرعه وتوجهت نحو غرفتها، منها إلى الحمام مباشرةً. خرجت بعد دقائق، وجدت شُكران بالغرفه. نظرت لها سائلة:
بقيتِ أحسن.
أومأت سهيله برأسها قائله:
آه الحمد لله.
تبسمت شُكران قائله:
الحمد لله، ربنا يشفيكِ. كويس إن آصف مش معانا، كان قلق عليكِ. مش أول مرة يحصلك كده، بقالك كم يوم كده وشك أصفر ومتغيرة، ومش بتاكلي كويس وبتقولي عندك مغص.
ردت سهيله:
يمكن واخدة برد في معدتي، بيسبب مغص. هجيب علاج وأخده واكيد هرتاح بعدها.
لا تعلم شُكران لما قالت ذلك بتلقائية:
لاء بلاش تاخدي علاج كده من نفسك، إعملي تحليل في المعمل يمكن يكون في سبب تاني للمغص ده.
تسألت سهيله بتلقائية:
يعني هيكون إيه السبب التاني؟
ردت شُكران ولديها شك:
أنا كنت بحس بنفس الأعراض دي لما كنت ببقى حامل.
حامل!
نطقتها سهيله بذهول. لكن قالت شُكران بشك:
ممكن تكون أعراض لمغص، أعملي تحليل في المعمل أضمن، مش هتخسري حاجة أهو تطمني أكتر وتاخدي علاج مناسب.
ظلت سهيله مذهولة، لكن تبسمت شُكران قائله:
هروح أعملك كوباية نعناع، لو صفوانه هنا كان زمانها عملتها لك، بس صفوانه فرح بنت أختها وسافرت البلد تحضره وهترجع بعد يومين.
تركت شُكران سهيله يضرب عقلها الذهول. أيُعقل ذلك وتكون "حامل"... تذكرت تلك الليلة كيف لم تنتبه من ذلك. هي شعرت بدفء من جسد آصف وقتها، لكن...
لكن ماذا لو حقًا حامل، عليها التأكد بأسرع وقت.
***
بمكتب آصف.
نظر إلى شاشة ذاك الهاتف وتلك الصورة لم يشعر بذهول. وضع الهاتف على الطاولة أمامه، شعر بضيق وهو يفكر لو يتأكد يقينًا أن هذا الشخص حقًا هو قاتل "سامر". لكن يكاد يشت عقله، الدلائل مازالت بها حلقة ناقصة. لو جازف وأخطأ الآن قد لا يصل إلى أدلة كافية. فكر للحظات، ثم جذب هاتفه الخاص وقام باتصال قائلًا بأمر:
عاوزك تجيب لي الموظف اللي سبق وقولتلك تسأل عنه، عاوز أتكلم معاه مباشرةً.
وافقه الآخر. أغلق آصف الهاتف وضعه أمامه جوار الهاتف الآخر. لكن صدح هاتف المكتب الأرضي، قام بالرد عليه، وقال:
تمام دخليه.
ظل آصف جالسًا ينظر نحو باب المكتب الذي انفتح ودلف عليه مازحًا:
وأنا اللي قولت بعد اللي جالك ألقاك خاسس النص، لسه ضخم زي ما أنت، لاء واضح اللي اهتم بحالتك دكتور... أو بالأصح دكتورة شاطرة... بصراحة أشهد لها كانت تلميذتك.
نظر لها بغضب قائلًا:
بيجاد بلاش تعصبني عشان تخرج من المكتب سليم، إيه اللي حدفك عليا النهارده.
ضحك بيجاد قائلًا:
أنا قولت إنك ندل ومش بتكلمني غير في المصلحة وبتاخد مني استشارات مجانية وأنا كنت هنا في مؤتمر وانتهى، قولت أجي أغلس عليك وأغرمك في عزومة في مطعم شيك كده من بتوع الزباين الراقية، وأهو بالمرة أعرف آخر أحوالك، شكلك كده مبسوط.
رمقه آصف بتهكم قائلًا:
وإنبساطي يضايقك.
ضحك بيجاد قائلًا:
طبعًا لاء، بس عندي فضول أعرف آخر أخبارك مش كمريض محتاج علاج، كصديق محتاج نصيحة مني.
تبسم آصف قائلًا:
تمام، جيت في وقتك، خلينا نطلع نتغدى بره ونتكلم سوا، يا دكتور المجانين.
***
بنفس الوقت بشقة آصف.
خرجت سهيله من الحمام تنظر إلى ذاك الاختبار المنزلي الخاص بالحمل، تنتظر النتيجة. تود أن تظهر في الحال وتكون النتيجة عكس ما قالته شُكران، لكن للأسف انصدمت حين ظهرت نتيجة الاختبار - حامل!
همستها بصعوبة وذهول. لكن سريعًا وضعت سهيله الاختبار بأحد الأدرج بعد أن دخلت عليها شُكران الغرفة تقول:
سهيله أنا حضرت الغدا وآصف قال هيتغدا بره، تعالي نتغدا سوا.
أومأت سهيله برأسها بموافقة وحاولت نسيان تلك المفاجأة.
***
مساءً بأحد معامل التحاليل الطبية.
بعد أجرت سهيله ذلك الاختبار الخاص بالحمل بمعمل متخصص. جلست تنتظر النتيجة، ربما يكون أخطأ ذاك الاختبار المنزلي. لم تنتظر كثيرًا حين آتت إحدى العاملات بالمعمل وأعطتها مغلفًا، أخذته منها بيد مرتعشة وغادرت. بعد قليل دلفت إلى الشقة مباشرةً إلى غرفتها. جلست على الفراش وأخرجت ذاك المغلف بيد مرتعشة وبدأت بقراءة محتواه. تفاجئت، لكن بتمعن أعادت قراءة ذاك التقرير مرة أخرى علها تكون مخطئة، لكن نفس النتيجة مرة أخرى. هذا التقرير المخبري يؤكد أنها "حامل". نفس نتيجة اختبار الحمل المنزلي الذي أجرته سابقًا. رغم ذلك أرادت التأكد مخبريًا، وها هو يؤكد نفس النتيجة - حامل.
نطقتها بحيرة مشاعر. وضعت إحدى يديها على بطنها علها تستشعر إحساسًا. ولا تعلم أي شعور يضغط عليها. تشعر بسعادة، هنالك جنين ينمو بأحشائها. لكن هذه الجنين كان نتاج تلك الليلة. لديها يقين أن آصف لم يكن بوعيه، بالتالي لم يشعر بما حدث تلك الليلة. وحيرة تضرب عقلها. ماذا لو أخبرته وكذبها؟ ستكون صدمة أخرى لن تتحملها.
بسبب شرودها وذهولها لم تنتبه إلى دخول آصف إلى الغرفة إلا حين قال:
مساء الخير يا سهيله.
نهضت واقفة وإرتبكت وقامت بوضع ذاك المغلف بأحد أدراج طاولة جوار الفراش ولم تستطيع الرد.
لاحظ آصف ذلك، لكن سألها:
مالك مخضوضه كده ليه؟
ردت سهيله بإرتباك:
مش مخضوضه، بس محسيتش بيك وإنت داخل الأوضة... إنت إمتي رجعت.
تبسم آصف قائلًا:
يادوب لسه راجع، وسمعت ماما بتكلم روميساء عالموبايل.
بنفس الوقت دخلت شُكران إلى الغرفة بلهفة قائله:
سهيله تعالي معايا نروح شقة آيسر، بكلم روميساء قالت لي إنها تعبانه وحاسة بهبوط. مش عارفة إيه فجأة اللي حصلكم انتم الإتنين.
وافقتها سهيله قائله:
إهدي يا طنط، أكيد حاجة بسيطة. على ما تغيري هدومك أكون أنا كمان غيرت هدومي وجبت شنطتي الطبية.
بعد قليل ببهو الشقة قال آصف:
خليني أوصلكم.
ردت شُكران:
لاء مفيش داعي، السواق هيوصلنا. لو احتجناك هتصل عليك.
وافق آصف. بمجرد أن خرجن من الشقة بفضول منه توجه إلى غرفة سهيله وفتح ذاك الدرج وأخرج ذاك المغلف. رأى شعار أحد معامل التحاليل، وأسفل المغلف كان هناك ورقة وأيضًا جوارها ذاك الترموميتر وعلبة ورقية تبدو له.
قرأ تلك الورقة أولًا. فقط فهم القليل منها. قرأ علبة الدواء وأسباب استعماله. للحظة شعر بإندهاش، سرعان ما تحول لفرحة عارمة وهو يقول:
سهيله حامل...
سُرعان ما خفتت بسمته وعقله يتساءل: لكن لماذا تخفي ذلك؟ جاوبه عقله أيضًا بالتأكيد سهيله لا تثق بك وكيف تثق بك وسابقًا خذلتها وخدعتها أنك تصدقها وبقلبك كنت تضمر لها الانتقام.
الانتقام الذي دفعت ثمنه معها بل مثلها وأكثر دفعت الثمن مضاعفًا، وأضاعت زهوة تلك المفاجأة السعيدة التي تخفيها سهيله عنك بالتأكيد عمدًا.
***
كل سنه وانتم طيبين وبخير وصحة وسعادة، افتكروني في دعائكم وادعولي بالستر، ولكم بألف مثل. الفصل الجاي يوم الخميس للحكاية بقية.
رواية عشق مهدور الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم سعاد محمد سلامة
نظرت شُكران إلى سهيلة التي انتهت من معاينة روميساء بقلق، وسألته:
"خير يا سهيلة، روميساء مالها؟"
تبسمت سهيلة، تعلم طيبة قلب شُكران منذ طفولتها. منذ بداية معرفتها بها، كانت دومًا طيبة القلب وحنونة. نظرت إلى روميساء وقالت:
"طنط قلقانة عليكي أوي."
تبسمت روميساء وهي تنظر لشُكران التي أصبحت بمكانة خاصة لديها، تشعر معها بمشاعر افتقدتها منذ أن كانت طفلة. تشبه مكانة "الأم". ثم قالت بامتنان:
"والله طنط شُكران قلبها طيوب وعطوف، بحسها متل أمي."
ضمتها شُكران التي كانت تجلس بجوارها فوق الفراش، وقالت:
"إنتِ في قلبي زي بنتِ. أنا كان نفسي ربنا يرزقني ببنت، بس ربنا ما حرمنيش من البنات. كانت يارا بحبها زي بنتِ، وكمان سهيلة وإنتِ التالتة. بقيتِ بنتي من أول مرة شوفتك فيها، دخلتِ قلبي. قولت آيسر عرف يختار جمال وأخلاق، مع إني كنت خايفة من اختياره، بس ربنا استجاب لدعائي له ورزقه بيكِ. لما قالي إنه لقى فتاة أحلامه، خوفت وقولت عايشة في بلد أوربية أكيد اتطبّعت بطباعك. بس لما قابلتك في المطار قلبي انشرح لك، وقولت آيسر بيفهم كويس، وربنا آتاه بجوهرة."
تبسمت روميساء وهي تضم نفسها أكثر في حضن شُكران، وقالت:
"والله يا طنط أنا نفس الشعور من ناحيتك، حتى إنتِ السبب إني اتقبل غلاظة آيسر."
ضحكت شُكران، وقالت:
"غلاظة... بس اعترفي آيسر مرح ويتحب، وكمان آصف يتحب."
قالت شُكران هذا عن عمد وهي تنظر إلى سهيلة التي ادعت انشغالها بوضع سماعتها الطبية في الحقيبة، تشعر بمشاعر مختلطة لا تفهم أي شعور يطغى عليها. بينما سألت شُكران باستفهام:
"مقولتليش روميساء مالها يا سهيلة؟"
نظرت سهيلة لروميساء وتبسمت، وقالت:
"أعتقد روميساء عندها خلفية عن سبب حالتها دي."
خجلت روميساء للحظة، ثم أومأت وقالت:
"بصراحة عندي شك، حتى اشتريت اختبار بس ما استعملتهوش."
تبسمت سهيلة تشعر بغصة في قلبها، وقالت:
"مفيش داعي للاختبار، لأني بأكدلك إنه صحيح. أنا دكتورة أطفال مش نسا، بس بخبرتي كطبيبة متواضعة بأكدلك الوضع."
تجول نظر شُكران بينهن بعدم فهم، ثم سألت باستفهام:
"ما تفهموني إيه هو الوضع اللي بتتكلموا عنه؟"
تبسمت روميساء بحياء، وظلت صامتة، بينما تبسمت سهيلة وقالت بسؤال:
"أقولها أنا ولا إنتِ؟ أقولك أنا. جهزي نفسك يا طنط شُكران، قريبًا هتاخدي لقب 'تيتا شُكران'."
تفاجأت شُكران ونظرت لروميساء وضمتها بمودة، وقالت بفرحة:
"ألف مبروك يا حبيبتي، عقبال ما تقومي بالسلامة."
بينما غص قلب سهيلة حين رأت رد فعل شُكران. ماذا لو أخبرتها أنها أيضًا حامل، بالتأكيد ستزداد فرحتها وتكون مضاعفة. لكن لديها هاجس خوف من رد فعل آصف. لتؤجل الأمر لاحقًا.
بعد وقت قليل، في مكتب آصف، أثناء انهمامه في مراجعة إحدى القضايا، صدح رنين هاتفه. ترك الملف وجذب هاتفه. تبسم حين علم هوية المتصل عليه وقام بالرد سريعًا:
"خير يا ماما، روميساء بقت كويسة؟"
تبسمت شُكران، وقالت:
"بقت بخير يا حبيبي. أنا متصلة عليك عشان أقولك إني هبات الليلة مع روميساء في شقة آيسر، وسهيلة رجعت الشقة. وإنت عارف صفوانة في البلد وسهيلة بتخاف تبقى في الشقة لوحدها. بلاش تتأخر في الرجوع زي عادتك."
تبسم قائلًا:
"تمام يا ماما، مش هتأخر في الرجوع للشقة."
"تمام، تصبح على خير."
"وإنتِ من أهله يا ماما."
قال تلك الجملة وأغلق الهاتف، وضعه أمامه على طاولة المكتب وتنهد باشتياق. تذكر ذاك المغلف. فكر قليلًا. لديه يقين أن سهيلة لن تخبره، ولا يعلم رد فعلها. نفى عقله تمامًا فكرة أن تفكر سهيلة بالإجهاض. ليس حبًا به، بل لأن لديها أخلاق. تنهد مطولًا، ثم حسم عقله وأغلق ذاك الملف وجذب هاتفه وغادر المكتب متوجهًا خلف قلبه المشتاق.
قبل دقائق، وصلت سهيلة إلى الشقة. دلفت إلى غرفتها مباشرة، وضعت حقيبتها الطبية والخاصة فوق الفراش وجلست عليه. فتحت ذاك الدرج وأخرجت ذاك المغلف. عاودت قراءة النتيجة تشعر بتوهان في عقلها، وتسأل كيف حدث هذا الحمل غير المنطقي. آصف كان غير واعٍ. حقًا تجاوب جسده معها وعاد له الدفء، لكن... ولكن... وعقلها غير مستوعب ذلك. تشعر كأنها مشوشة العقل. في خضم ذلك التشويش، تذكرت أنها في الشقة وحدها. للحظة ارتجفت وشعرت بالرهبة، وبخت نفسها:
"كان فين عقلك؟ ليه متحججتيش بأن روميساء ممكن يجيلها هبوط مرة ثانية وكنت قضيتي الليلة هناك بدل الخوف اللي إنتِ فيه ده. وآصف أساسًا متعود يرجع بعد نص الليل."
زفرت نفسها تحاول السيطرة على تلك الرهبة ونهضت، وقالت:
"التحليل ده واختبار الحمل لازم أخفيهم لحد ما أتأكد من دكتورة نسا باليقين."
استهزأت من تفكيرها الأحمق، وقالت:
"يعني اختبارين وبرضه عقلك مش مصدق وعاوزة تأكيد من دكتورة، وانتِ لسه من شوية بمجرد كشف بسيط عرفتي إن روميساء حامل. المفاجأة أثرت على عقلك يا سهيلة. أفضل حاجة أنا آخد شاور وبعدها أحاول أنام. يمكن أكون في كابوس والصبح أصحى منه. حتى هحاول مفكرش إني في الشقة لوحدي."
وضعت ذاك المغلف ومعه اختبار الحمل المنزلي، بداخل أحد أدراج الدولاب وأغلقت بمفتاح خاص، ثم جذبت منامة خاصة بها وذهبت نحو الحمام، وخرجت بعد قليل. لكن شعرت ببعض البرد، وقالت:
"البيجامة بسبب المية اللي في شعري، طوقها اتبل ولو نمت بيها هسقع. صحيح إحنا بقينا في الربيع والجو دفا، بس الجو ده بيبقى فيه دور البرد منتشر. أحسن حل أغير الجزء اللي فوق من البيجامة وألبس جزء تاني ناشف."
توجهت نحو الدولاب، جذبت منامة أخرى وضعتها على الفراش، ثم خلعت ذاك الجزء العلوي. لكن فجأة انكمش جسدها حين سمعت صوت إغلاق باب. تلاعب بعقلها الخوف، لكن سرعان ما نهرت ذلك، وتغاضت عن ذلك، وقالت:
"صوت فتح الباب أكيد وهم. أسرح شعري وبعدها أغير البيجامة... وأحاول أنام بعدها."
بالفعل انتهت من تصفيف شعرها، ثم خلعت الجزء العلوي من منامتها وابدلته بجزء آخر. لكن للحظة شهقت بخضة حين رأت انعكاس آصف في مرآة الزينة. تنهدت بتفاجؤ، وقالت:
"آصف!"
تبسم على ملامح وجهها، قائلًا:
"مالك اتخضيتِ كده ليه؟"
هدأت قليلاً، وقالت:
"مفيش، بس استغربت رجوعك بدري."
اقترب من مكان وقوفها بمنتصف الغرفة، قائلًا:
"لقيت نفسي مرهق، قولت آجي للشقة أفصل دماغي، يمكن يرتاح عقلي. زي قلبي مش بيرتاح غير هنا وأنتِ جنبي."
نبرة آصف الهادئة أثرت عقل سهيلة وهي واقفة مكانها تشعر بهدوء نفسي. إلى أن أصبح آصف أمامها مباشرةً، رفع يديه وضم طرفي ردائها، قائلًا:
"رغم إننا في الربيع، بس الطقس لسه فيه نسمة برد قاسية."
للحظة شعرت سهيلة برجفة، وكذلك خجل بسبب خضتها. لم تقم بإغلاق المنامة. ابتلعت ريقها وظلت صامتة، فقط تنظر إلى آصف الذي ينظر لها هو الآخر. شعور ليس غريب يطغى عليه وهو ينظر إلى يديها اللتان ترتعشان وهي تعلق أزرار منامتها. حركة يديها وهي تغلق المنامة مع نظرة عينيها له كانت مثل تدفق عذب. وهو يشعر بالافتتان بشفاهها اللتان ضمتهما وحادت ببصرها عن النظر له، تدعي النظر إلى منامتها تكمل غلق بقية الأزرار. حتى تجرأ آصف، وضع يديه فوق يديها. تركت غلق المنامة ورفعت رأسها تنظر لوجهه مرة أخرى. مشاعر غريبة تشعر بها. عينيه الصافية التي كانت دائمًا تخشى النظر لها حتى لا تضعف أمامه وتعترف أنها كانت تهيم به مثلما كان دائمًا يخبرها بجرأة. كانت تقابلها دائمًا بالتهرب. لكن فجأة شعرت بدوخة طفيفة ومعها ذكرى تلك النظارة السوداء الذي كان يضعها حول عينيه. أغمضت عينيها وغص قلبها لتلك الذكرى، وزمت قلبها الذي تهاون بجرح الماضي. تبدلت ملامحها وعادت للخلف وابتعدت عن يديه وأكملت غلق منامتها، قائلة بتهرب:
"طنط شُكران هتبات الليلة مع روميساء... أنا كنت هنام، تصبح على خير."
شعر آصف بتبدل ملامحها، وكذلك ابتعادها عنه للخلف، وكذا حديثها كأنه تود إبعاده عنها. شعر بوخزات قوية في قلبه تحمل ألمها، سائلًا:
"وهي روميساء مريضة أوي كده لدرجة ماما تبات معاها؟"
نفت سهيلة برأسها، وقالت:
"لأ، بس طنط شُكران قلبها رهيف وخافت على روميساء تطاوع نفسها على قلة الأكل وترجع تدوخ تاني... رغم إن ده شيء يعتبر عادي بالنسبة لحالة روميساء."
تساءل آصف بفضول:
"مش فاهم يعني إيه عادي بالنسبة لروميساء؟"
تبسمت سهيلة، قائلة بتفسير:
"روميساء حامل وطبيعي تنفر من الأكل، بس طبعًا طنط شُكران أصرت تفضل معاها ترعاها."
تبسم آصف وهو يتخيل فرحة شُكران بهذا الخبر. تمنى لو كانت سهيلة هي الأخرى أخبرتها أنها "حامل" ولا تبقي ذلك سرًا مخفيًا. كذا تمنت سهيلة، لكن لديها هاجس يمنعها.
تهربت من نظرة عينيه لها، قائلة:
"أنا كنت هنام، تصبح على خير."
شعر آصف بنغزات في قلبه. يعلم أنها تتهرب منه وربما لا تود بقاءه معها في الغرفة أكثر. تمنى أن يظل معها وقت أطول فقط يتحدثان. لكن بتردد وخطوات متأنية توجه نحو باب الغرفة إلى أن خرج من الغرفة. تنهدت سهيلة وشعرت بأن ساقيها أصبحتا مثل الهلام. جلست فوق الفراش ثم تمددت بظهرها عليه، وضعت يدها فوق بطنها تفكر. لما هي تائهة إلى هذا الحد؟ لما لا تتخذ قرارًا حاسمًا وتخبر آصف بحملها وتعرف رد فعله؟ ربما ترتاح نفسيًا. لكن ذاك الهاجس مازال يسيطر عليها وذكرى الماضي تطارد عقلها حين وهمها بأنه يصدق براءتها. وذكريات تعود لخيالها. دموع سالت من عينيها خوفًا من الخذلان مرة أخرى. اعتدلت على الفراش وأغمضت عينيها، تعتصر تلك الدموع، تود أن يذهب عقلها إلى غفوة يفصل عن كل ما يؤرق قلبها وعقلها.
بينما آصف دخل إلى غرفته يزفر نفسه باشتياق ملوع. جلس فوق أحد المقاعد بالغرفة وتلك الذكرى عادت لخياله مرة أخرى. ذكرى "سامر" وهو مذبوح وذاك الضماد الذي وضعته سهيلة. كانت تود إنقاذه مثلما فعلت معه، لكن الوقت نفذ منها بسبب ذاك المجرم الذي ضربها على رأسها. وبخطأ في الأدلة بسبب بصمتها التي كانت فوق المبضع، توجهت لها تهمة القتل. حاولت إنقاذ حياتها بكذب وهي تحاول الحفاظ على حقيقة سامر التي لو كانت قالتها ربما ما كان صدقها أيضًا، وكانت وصمة التصقت بهم. يتوغل إلى قلبه الندم بسبب تسرعه بعدم سماع الحقيقة منها، الذي ما زال يدفع ثمن هذا التسرع إلى الآن هو وزوجته، بل حبيبة قلبه. بينما بضع خطوات وأبواب ليست مغلقة، لكن يخشى الصد من سهيلة. زفر نفسه يشعر باشتياق جارف. حسم أمره ونهض متوجهًا إلى غرفة سهيلة، حتى لو صدته سيتحمل، يكفيه أن يضمها بين يديه.
دخل إلى غرفة سهيلة. نظر نحو الفراش، كانت نائمة. اقترب من الفراش وجلس عليه، ينظر نحوها للحظات قبل أن يجلس على طرف الفراش وما زال ينظر لها وهي نائمة. كانت بريئة، وكذلك عاد لوجهها المرونة. مد يده، لامس شفاهها بأنامله، يتحكم بقلبه الشوق والتوق لقبلة. اقترب أكثر من شفاهها ولم يتوانى للحظة، حتى لو استيقظت سهيلة، لن يتراجع عن تلك القبلة. بالفعل قبلها قبلة رقيقة، ثم ترك شفاهها ونظر لتعابير وجهها. تنهدت، تبدو غارقة بالنوم. تبسم وهو ينهض واقفًا ينظر إلى وجهها. انحنى وقبل جبينها، ثم استقام وغادر الغرفة يشعر ببعض الراحة في قلبه. بينما سهيلة فتحت عينيها واستنشقت الهواء، تلتقط أنفاسها التي كتمتها حتى لا يعلم آصف أنها ما زالت مستيقظة أو تعود للضعف أمامه، أو تنتهي هذه الليلة وهي بين يديه وتخبره بما تخفيه، وقد يفسد الأمر رد فعله الغير متوقع.
بينما آصف عاد لغرفته وتسطح على الفراش يتنهد بانشراح، يستشعر مذاق تلك القبلة بسعادة. يعلم أن سبب ابتعاد سهيلة وإخفاءها عنه أنها حامل بسبب عدم ثقتها به. آن الأوان لذلك أن يزول، ويبدآ من جديد بوضوح مشاعر حقيقية.
بعد مرور يومين، بشقة آصف، جلسن شُكران وصفوانة معًا يتحدثان بود. تبسمت صفوانة، وقالت:
"وشك نور وصغرتي في الكام يوم اللي غبتهم عنك، أكيد السبب فرحتك بأن روميساء حامل."
تبسمت شُكران بانشراح، وقالت:
"أنا فرحانة أوي، وبدعي ربنا يتمم ليها على خير."
تبسمت صفوانة، وقالت:
"أنا سبقتك وبقيت جدة من زمان، بس هقولك دي فرحة متتوصفش في القلب، إنك تشيلي عيال ولادك."
وافقتها شُكران، وقالت:
"فعلًا. هقولك كمان سهيلة حامل."
تبسمت صفوانة، وقالت:
"ما أنا كمان عارفة. شكلها مش خايف عليا، ولما لمحت لها قالت لي قال إيه برد في معدتها، وفكرتني صدقتها."
تنهدت شُكران بغصة، وقالت:
"مش عارفة هي مخبية ليه، حاجة زي دي تفرح القلب. كمان تقرب بينها وبين آصف. أنا فكرت بعد رجوع آصف من المستشفى إنهم هيناموا في أوضة واحدة زي أي اتنين متجوزين، بس رجعوا زي ما كانوا، كل واحد في أوضة."
وضعت صفوانة يدها فوق كف شُكران، وقالت:
"ده وضع مؤقت وكلها مسألة وقت. بس تفتكري سهيلة حامل من امتى؟ أيام ما كانت بتبات مع آصف في المستشفى؟"
زغرت شُكران لصفوانة باستهزاء، وقالت:
"وآصف لما كان في المستشفى كان فيه حيل؟ ده كان بياخد مسكنات تهد أسد، ومعظم الوقت كان بيبقى نايم. أكيد من قبلها، قلبي بيقولي كده."
تفهمت صفوانة، وقالت:
"صح، بس هتخفي حملها قد إيه؟ على رأي المثل 'اللي بتحبل في الضلمة بتولد في النور'."
ضحكن سويًا بتوافق.
بعد الظهر، بشقة آصف، جلست سهيلة مع كل من شُكران ويارا التي فاجأتهم بالزيارة. كان يسود بينهن الود والوفاق، ومرح صفوانة التي انضمت لهن، إلى أن سمعن قرع جرس باب الشقة. كادت صفوانة أن تنهض، لكن نهضت سهيلة، وقالت:
"خليكي وأنا هشوف مين."
تبسمت صفوانة وظلت جالسة، بينما سهيلة فتحت باب الشقة، تبسمت بمفاجأة، وقالت:
"طاهر، إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
تبسم وهو يضمها بأخوة، قائلًا:
"وحشتيني، كنت بوصل رحيم للكلية وقولت آجي أطمئن عليكِ وأسلم على طنط شُكران بالمرة كمان أوصلها سلامات تيتا آسمية."
تبسمت سهيلة قائلة بدلال:
"يعني لو مكنتش بتوصل رحيم مكنتش افتكرتني."
ضحك طاهر، قائلًا:
"أنا وصلته مخصوص عشان آجي أشوفك."
تبسمت له، وقالت:
"تعالى ندخل، حظك طنط شُكران هنا في الشقة."
تبسم طاهر وهو يسير خلفها، إلى أن دخلت إلى تلك الغرفة، تبتسم، وقالت:
"كويس النهارده نبطشية شغلي انتهت قبل الضهر عشان ربنا حابب إن أقابل يارا وطاهر، الاتنين كانوا واحشني أوي."
تبسمت كل من صفوانة وشُكران، التي نظرت نحو يارا التي خفتت بسمتها وساءت ملامحها. شعرت بغصة قلب عليها. بينما شعرت يارا بخفقان زائد في قلبها الذي ينتفض بداخلها بضراوة. تشعر كأن جسدها أصبح كتلة صخرية لم تستطع النهوض، حينما رحبت شُكران به بترحاب وفير، وهو لم يخجل واقترب منها وانحنى يقبل يدها. تبسمت له ووضعت يدها على كتفه ببسمة امتنان، قائلة:
"والله لما رحيم كان هنا سألته عليك، وأكيد بلغك سلامي."
تبسم لها بقبول، قائلًا:
"وصل يا طنط."
تبسمت له، قائلة:
"واقف ليه؟ إقعد إنت مش غريب، وأظن كل اللي هنا تعرفهم. أنا وخالتك صفوانة، وكمان يارا زي بنتِ بالظبط، معزتها وغلاوتها من غلاوة سهيلة وروميساء مرات آيسر."
رمق طاهر يارا التي تود لو أنها تنهض وتغادر، تنزوي مع قلبها ترثيه. لكن لو وقفت سيخونها جسدها. ظلت جالسة صامتة، فقط تستمع لحديث الجميع من حولها. بينما طاهر كان بين الحين والآخر يرمقها بنظرة ينفطر قلبه. ليست تلك يارا التي قابلها لأول مرة وشعر نحوها بالتعالي والكبر. هناك اختلاف واضح حتى من حكايات سهيلة عنها أمامه دون قصد. يارا أصبحت شخصية أخرى.
مزحت صفوانة بقصد، قائلة:
"قولي يا طاهر، مفيش كده أخبار حلوة إننا هنفرح بعروستك قريب."
تبسم طاهر ونظر نحو يارا التي أخفضت وجهها، تستشعر صدمة حين يخبرهم أن هذا قريب. لكن خاب ظنها حين أجاب بمزح:
"عندك عروسة ليا يا خالة صفوانة؟"
تبسمت صفوانة ونظرت نحو شُكران، فهمتا نظرات بعضهن وأجابت:
"البنات المحترمة كتير. يمكن قدامك منهم. ربنا يرزقك باللي تسعد قلبك."
نظر طاهر نحو يارا التي ما زالت تخفض وجهها، قائلًا:
"آمين. بس أعتقد إني مش هتجوز الإجازة دي، ممكن أخطب والجواز يبقى الإجازة الجاية، يعني بعد سنة."
تبسمت شُكران، قائلة:
"ربنا يرزقك على قد نيتك الطيبة، بوردة تبهج قلبك."
كان حديثهم به بعض التورية والتلميحات حول يارا التي لو تستطيع النهوض لفرت هاربة. كذا طاهر فهم تلك التلميحات وتمنى فعلًا أن تكون يارا من نصيبه، لكن هناك عقبة "أسعد شعيب". بالتأكيد لن يوافق على نسب بسيط لإحدى بناته، لابد أن يكون ذا سطوة واسم عائلة عريقة. لكن لن يستسلم هذه المرة ويظلم نفسه، بل سيجازف والسؤال أولًا ليارا.
بعد مرور أسبوع، في ذاك المطعم، بعد الظهر. تبسمت هويدا حين رأت أسعد ينهض واقفًا يستقبلها بالترحاب، ثم جلست، وقالت:
"طلبت تقابلني."
رد أسعد بهدوء:
"كنت عاوز أستفسر على بعض أمور الحسابات. كنت طلبتها من مدير الحسابات وقالي إنك تقريبًا إنتِ اللي خلصتِ الحسابات دي وإنك الأدري بيها."
تبسمت، وقالت:
"يعني طلبت تقابلني عشان شغل؟ كان سهل تستدعيني للمقر وأنا كنت جبت لك الحسابات دي وجاوبتك على أي استفسار."
رد ببساطة:
"حبيت نتقابل في مكان مفتوح خارج المكاتب. خلينا نتغدى الأول وبعدها نبقى نتكلم في الحسابات اللي عاوز أستفسر عنها."
أومأت برأسها قبولًا. بعد وقت، انتهوا من تناول الطعام وقام النادل بفض السفرة. نظر لها أسعد سائلًا:
"تحبي تشربي حاجة؟"
ردت هويدا:
"أشرب شاي أخضر."
أخذ النادل طلبيهما وغادر. بينما عن قصد تعمد لفت نظر هويدا حين أخرج من جيبه تلك سلسلة المفاتيح وقام بوضعها فوق الطاولة. يدعي أنه كان يخرج هاتفه، قائلًا:
"أنا كنت مدون الحسابات اللي كنت عاوز..."
لم يُكمل أسعد بقية حديثه بعد أن أصاب في لفت نظر هويدا التي تخابثت وجذبت سلسلة المفاتيح، قائلة بنبرة استفسار:
"جبت الدلاية دي منين؟ دي شبه اللي سبق وشوفتها مع عادل طليقي..."
توقفت للحظات، ثم جملت قولها:
"قصدي شبه الدلاية اللي خطفها مني عشان معرفش مين صاحبها."
نظر لها أسعد، سائلًا:
"متأكدة إنها دي؟ قصدي كانت شبه دي."
ردت هويدا بتأكيد:
"مستحيل أنسى شكلها، لأن كنت بترجا أنه يفكر في ابننا قبل الطلاق. عادل وقتها ما اهتمش وكسر قلبي."
شعر أسعد بالغضب، قائلًا:
"هويدا، هسألك سؤال ياريت تجاوبيني عليه بصراحة."
ردت هويدا ببراءة مصطنعة:
"أنا كنت صريحة معاك من البداية. أنا أساسًا ماليش في أمور اللعب، بحب أبقى دوغري."
تفهم أسعد، سائلًا:
"تمام... هويدا، إنتِ لسه بتحبي عادل طليقك؟ يعني في فرصة ترجعي له؟"
تنهدت للحظات قبل أن تدعي الأسف، قائلة:
"لأ، عادل كسر قلبي وقدرت أتغلب على مشاعري ناحيته وأبقى غبية لو فكرت أرجع لشخص ذلني وخاني. حتى ابني الأفضل له يتربى بعيد عن عادل عشان أساسًا ما كانش حنين عليه."
تبسم أسعد، قائلًا بمفاجأة:
"تتجوزيني يا هويدا."
انصدمت هويدا ونظرت له بذهول. لكن ادعت الظن أنه يمزح، قائلة:
"حضرتك أكيد بتهزر."
رد أسعد بتأكيد:
"لأ مش بهزر يا هويدا، وأنا مش بقدم العرض مرتين."
نبرة تعالِ أسعد ضايقت هويدا، لكن تغاضت عنها وقالت بسؤال:
"طب ومدام شهيرة وطنط شُكران... هيقبلوا تتجوز عليهم؟"
رد أسعد بثقة:
"شُكران أنا وهي شبه منفصلين، رغم أنها ما زالت وهتفضل على ذمتي. لكن أنا وشهيرة هنتطلق."
بالمشفى، هندمت سهيلة ثيابها ونهضت من فوق ذاك الفراش وتوجهت تجلس على مقعد أمام تلك الطاولة التي تجلس خلفها إحدى الطبيبات التي تبسمت لها، وقالت:
"لأ، وضع البيبي تمام جدًا. كمان شايفة حالتك الصحية كويسة. هكتب لك بس على علاج للقئ، ويا ريت تتغذي كويس عشان صحتك."
تبسمت سهيلة للطبيبة، وقالت بحرج:
"دكتورة ممكن أسألك سؤال؟ أنا صحيح دكتورة، بس مش تخصص نسا. يعني مش ملمة أوي بطب النسا."
تبسمت الطبيبة لها، وقالت:
"تمام، اسألي."
بتوتر أجابت سهيلة:
"في ليا صديقة اكتشفت إنها حامل، رغم إنها حصل بينها علاقة زوجية هي وجوزها، وهو كان تعبان جدًا وقتها. وما توقعتش إنها ممكن تحمل منه، بسبب حالته الصحية، يعني كان شبه غايب عن الوعي. هي مستغربة إزاي بقت حامل بعد العلاقة دي. أنا قولتلها معرفش، معنديش تفسير علمي."
تبسمت الطبيبة، وقالت:
"أهو إنتِ جاوبتي. مفيش تفسير علمي، في تفسير إلهي، وهو اللي بيتحكم في كل شيء."
وافقتها سهيلة، قائلة:
"طبعًا قدرة ربنا فوق كل شيء. بس هي مستغربة لأن جوزها بتقولي كان تقريبًا غايب عن الوعي، يعني ممكن ميكونش شاركها اللقاء ده ولا حاسس بيه."
أجابتها الطبيبة:
"أهم شيء في الحمل هو 'نطاف الرجل'، وده مش صعب يتركها في جسم زوجته. كمان النطاف بيفضل في رحم الست لمدة أسبوع، دورة كاملة. مش عملية معقدة إنه يتخصب ويتحول لجنين. زي الحقن المجهري بيتم من نطاف الرجل، بتدخل خارجي بدون أي علاقة زوجية. بناخد النطاف نزرعه في رحم الست ومع الوقت بيتخصب وبيتحول لحمل. الحمل مش صعب وسهل حدوثه حتى لو من علاقة عابرة."
تفهمت سهيلة حديث الطبيبة، لكن ما زال بداخلها نفس الهاجس، رد فعل آصف الذي تخشى توقعه.
بشقة آيسر، تبسمت صفوانة وشُكران على مزح آيسر الذي قال:
"أنا عاوز أول خلفتي بنت عشان أسميها شُكران."
نظرت له شُكران ببسمة حنون، قائلة:
"لأ، اختار لها اسم حلو من اللي طالعين موضة ده. اسم شُكران اسم عجائز."
تبسمت روميساء، وقالت:
"لأ يا طنط مو، اسم عجائز. هو اسم حلو كتير. أنا كمان بدي بنت... وراح أسميها متل ما قال آيسر 'شُكران'."
نظرت شُكران لها بامتنان، قائلة:
"ربنا يعطيكِ اللي بتتمنيه، ويقومك بالسلامة. بس التزمي باللي قالته الدكتورة وبلاش تطاوعي نفسك على قلة الأكل."
تبسم آيسر، قائلًا:
"لأ اطمني يا ماما، أنا موجود. كم يوم هغذي رومس بإيديا، ولما أسافر دي مهمتك بقى إنتِ وصفوانة. أنا عاوز بنت مربربة شبه مامتها."
عارضت روميساء، قائلة:
"هيك أنا بزيد وزني لحتى أولد، وبعدها راح تزيد المصاريف لدكتور الدايت."
غمز آيسر بوقاحة، قائلًا:
"دكتور دايت إيه؟ هو فيه أحلى من الموزة المربربة كده الواحد يحس بالليونة."
خجلت روميساء وزغرت له بضيق من وقاحته، بينما ضحكن صفوانة وشُكران بموافقته له.
بمكتب آصف، كان يدرس إحدى القضايا قبل أن يصدح هاتفه. قام بالرد وسمع الآخر يقول:
"في موضوع هام بخصوص الدكتورة سهيلة. كانت قدمت على طلب نقل ليها لكفر الشيخ، وفي أمر صدر من المستشفى بقبول أمر النقل ده. وأعتقد من أول الشهر الجاي هتستلم المزاولة هناك في مستشفى جديدة هيتم افتتاحها في بلد سيادة النايب."
تعصب آصف، سائلًا:
"متأكد إن أمر النقل اتمضى خلاص."
رد الآخر:
"أيوه حضرتك، حتى الدكتورة قدمت على طلب إخلاء طرف قبل ما تتنقل من المستشفى."
أغلق آصف الهاتف ووضعه أمامه على طاولة المكتب وزفر نفسه بعصبية قبل أن ينهض غاضبًا ومتعصبًا للغاية.
بشقة آصف، عادت سهيلة من المشفى. ما زال حديث الطبيبة يدور برأسها، كذا الخوف من رد فعل آصف لو أخبرته. خلعت الجزء الأعلى من ثوبها وجلست على الفراش تتنهد بحيرة تكاد تفقد عقلها. ما هي إلا لحظات سمعت صوت فتح باب الشقة. ظنت أن شُكران وصفوانة قد عادتا. نهضت واقفة وجذبت ذاك الجزء وشبه ارتدته، لكن تفاجأت بدخول آصف للغرفة متجهم الملامح. زمّت طرفي الرداء. نظر لها آصف باستهزاء غاضب، قائلًا:
"إنتِ كنتِ قدمتِ إمتى على طلب نقلك لكفر الشيخ، وإزاي بالسرعة دي إتوفق على طلب النقل؟ طبعًا خدمات 'أسعد شعيب'. أنا لاحظت وقوفكم مع بعض يوم زفاف آيسر، لكن متوقعتش إن الدكتورة اللي عندها مبادئ تلجأ لواسطة."
للحظة ارتجفت سهيلة من غضب آصف المستعر. لم تتوقع كل هذا الغضب حين يعلم بأمر نقلها. وكادت تتحدث، لكن قبض آصف على معصم يدها بقوة، قائلًا باحتداد:
"لحد إمتى هتفضلِ مغمضة عينيكِ ومش شايفة شيطان غيري قريب منك."
توقف آصف عن الحديث للحظة، ثم استطرد حديثه بشبه يأس:
"أنا عارف إني غلطت في حقك وأذيتك. حاولت أكفر عن غلطي واتحملت منظري قدام ماما وصفوانة إنك تبقي في أوضة وأنا في أوضة زي الأغراب اللي ساكنين في سكن واحد. اتحملت غلاظة جدتك معايا، اتحملت الرهبة اللي كنت بشوفها في عينك لما بقرب منك، كانت تسفح قلبي، وإنتِ بتستلذي بألمي قدامك يا سهيلة. لجأتِ لـ أسعد شعيب عشان يساعدك تبعدي عني. ليه بتحطمي..."
قبل أن يكمل آصف، قاطعته سهيلة:
"بحطم إيه يا آصف؟ إنت حطمتني من زمان، خليتني عايشة من غير روح. بتلومني على إيه؟ إنت اللي ضيعتنا من البداية. حاولت أضغط على نفسي كتير وأحاول إننا نبدأ من جديد... لكن لما بحاول برجع لنفس بداية الطريق، بلاقي نفسي خايفة تعيدي الماضي وأكون عايشة في خدعة جميلة وأفوق على حقيقة مش هقدر أتحمل نتيجتها تاني يا آصف، أو أرجع مشلولة."
ضغط آصف أقوى على معصم سهيلة بلا قصد، يتمسك بها. بينما تألمت سهيلة وحاولت سحب يدها من قبضته. لكن هو كان يتمسك بها قويًا. اختل توازنها للحظة وهي تسحب يدها بقوة، لكن في نفس الوقت كان تهاون بيده للحظة حتى لا يسبب لها الرهاب منه. بسبب ذلك، لم تستطع التحكم في جسدها الذي اقترب أن يهوي فوق الفراش، لكن آصف عاود التماسك بمعصمها، لكن اختل توازنه هو الآخر وتهوى جسده هو الآخر، لكن قبل أن يصطدم بجسدها استند على رسغه الآخر. رغم أنه أصبح جسده تقريبًا يرتفع عن جسدها القليل من السنتيمترات. بينما للحظة ارتجف جسد سهيلة، ونظرت إلى قبضته التي فوق معصمها. تذكرت تلك الأصفاد الذي وضعها بيديها سابقًا. شعرت برهبة ورعشة. سرعان ما شعر آصف بذلك. غص قلبه وفلت يده من فوق معصمها، لكن وضعها على وجنتها يسير بأنامله، وهدأ غضبه، قائلًا بصدق واشتياق:
"أنا كنت واعي لكل حركة وهمسة ولمسة منك ليلة لما كنا على الجزيرة. خوفت أقولك إني واعي تبعدي عني. مكنتش هموت من البرد، كنت هموت من اليأس."
تحولت نظرة عينيها من خوف إلى اندهاش. سرعان ما أخفضت وجهها تشعر بحياء. بينما آصف بعد أن كان متعصبًا، تبسم على ملامحها التي اخضرت بحياء. تناسى ذاك الشجار الدائر بينهم وبشوق لم يستطع التحكم فيه. ترك جسده يهوى فوق جسدها قبل أن تفيق من اندهاشها، كانت تشعر بشفاه فوق شفاهها يقبلها بنعومة. بينما هي تفاجئت بتلك القبلة التي تحولت إلى قبلات تزداد تلهفًا وشوقًا.
بينما هي للحظات، عقلها كأنه مغيب. بعد أن أصبحت تعلم أن بسبب ذلك اللقاء الحميمي تلك الليلة، ترك آصف بداخلها نطفة منه تحولت إلى جنين ينمو في رحمها. عاد آصف يشعر بغصة من عدم استجابة سهيلة لقبلاته. دفس وجهه بين حنايا عنقها وزفر نفسه بيأس. ثم رفع وجهه، نظر لوجهها الخالي من المشاعر كما يظن. بينما هي كانت تشعر بتوهان، فاقت منه بصدمة سماعها لقول آصف الذي نهض بجسده عنها يشعر بيأس واتخذ القرار الصادم لها:
"أنا موافق إننا ننفصل وأوعدك...."
سرعان ما انصدمت سهيلة بقوله واعتدلت جالسة على الفراش وقاطعت حديثه بتسرع:
"بس أنا مش عاوزة أنفصل عنك."
تبسم آصف وانشرحت ملامح وجهه للحظات، لكن سرعان ما خفتت تلك البسمة حين استطردت حديثها:
"كمان مش قادرة أتحمل أبقى أنا وإنت في مكان واحد."
كان رده باردًا:
"تمام."
ماذا؟ سأل عقل سهيلة. هل وافق آصف بتلك السهولة؟ جاوبها عقلها... أجل، لقد بالتأكيد كما قال قبل لحظات، لقد سأم من محاولة نيل صفحها عن تلك الليلة الغابرة.
بينما الحقيقة عكس ذلك. آصف يقطع الورقة الأخيرة للمواجهة. وربما ابتعاد سهيلة عنه الآن أفضل لها.
رواية عشق مهدور الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم سعاد محمد سلامة
تبسم آصف بود قائلًا:
أكيد بالخير.
تبسم مدحت موافقًا:
أي طبعًا، أكيد جاي ميشان آيسر، تعالى معي لـ شقتي نجلس مع بعض ونلعب طاوله، ولا إنت مو فاضي متلي.
تبسم آصف قائلًا:
بصراحه مش بعرف ألعب طاوله عالأقل مش حريف زي آيسر، معنديش طولة بال أتحمل لوقت طويل.
ضحك مدحت قائلًا:
هاد مو فكرتي عنك إنت محامي بارع.. مو لازم تكون محظوظ بكل شئ عم يقولوا اللى مو محظوظ باللعب، محظوظ بالنجاح... بعتذر أكيد كنت جاي مشان آيسر.
تبسم له آصف بلطف قائلًا:
لاء أبدًا أنا سعيد جدًا بمقابلة حضرتك.
تبسم له مدحت بلطف أيضًا، لقاء مدحت حسم تردُد آصف، وقام بقرع جرس الباب.
بينما بداخل الشقه
تبسمت روميساء على آيسر الذى وضع تلك المريله الخاصه بالمطبخ فوق قميصه المفتوح من الأمام يُظهر أسفله نص صدره عاريًا ويقف خلف تلك الطاوله قائلًا:
هعملك طبق مكرونه بالتونه والخُضار إتعلمتوا من....
توقف قبل أن يزلف لسانه... ويخبرها أنه تعلمها من إحد النساء، وصمت.
نظرت له روميساء بإستخبار قائله:
ليش سكتت من وين إتعلمته؟.
خيب ظنها واجابها بخبث:
إتعلمتوا من مطعم طلياني ليا صديق مصري بيشتغل شيف فيه؟.
هوجت رأسها سائله بمغزى:
صديق مصري ولا....
قاطع بقية تخمينها وخطف قُبله سريعه قائلًا بمزح:
لأ مصري وأبوه مصري وإبن مصر الله عليه.
ضحكت روميساء قائله:
تمام... راح إتغاضى وأصدقك، لآن ريحة الطعام طيبه وبتشهي.
غمز بوقاحه قائلًا:
ريحة الطعام اللى بتشهى أكتر، ولا اللى بوساتي.
تبسمت شبه تعودت على وقاحته، وأصبحت تتقبلها ببساطة بل أحيانًا تهواها منه قائله:
لاء طبعًا ريحة الطعام بتشهي أكتر.
ترك آيسر إعداد الطعام وقال بوقاحه:
بس أنا بشتهي طعم البوسات أكتر.
قبل أن تعترص روميساء كان يقبلها، لكن قطع تلك القُبلات قرع جرس الباب، ترك شفاها بصعوبه حين دفعته بيديها، إمتثل غصبً، بينما هى قالت له بصوت محشرح:
مو سامع جرس الباب عم يدق.
تنهد بزفر قائلًا بشوق:
مش عارف مين المُزعج اللى جاي لينا دلوقت.
تبسمت بدلال قائله:
بسيطه روح إفتح الباب وشوف مين المُزعج.
وضع آيسر يدهُ فوق عُنقه قائلًا بتفكير:
هو لازم أفتح الباب مش ممكن نطنش، وأكيد....
قاطعته روميساء قائله:
الجرس عم يدق مره تانيه، بلاه التطنيش وروح إفتح، ولا بروح أنا.
زفر بغصب قائلًا:
لاء هروح أنا أفتح.
تبسمت روميساء بينما ذهب آيسر لفتح الباب هامسًا:
أسيبك تروحِ تفتحي الباب ويكون باباكِ وترحبِ وتمسكِ فيه وتضيع الليله انا سهل أوزعه.
هكذا كان يتمني، لكن خاب ظنه حين فتح باب الشقه وجد آصف أمامه يبتسم رغم ظهور الوجوم على وجهه، كذالك رأي مدحت الذى ألقى عليه السلام ثم توجه ناحية باب الشقه المُقابله ودخل إليها، تحدث آيسر:
آصف! خير تعالى إدخل.
دلف آصف الى داخل الشقه، ونظر الى آيسر تبسم على هيئتهُ قائلًا:
إن كنت جاي فى وقت غير مناسب قولى وانا أمشي.
نظر آيسر الى هيئته ثم الى ملامح آصف شعر بأن هنالك سببً لوجوم ملامحه شفق عليه قائلًا بمزح:
هو إنت فعلًا جاي فى وقت غير مناسب، بس يظهر حماتك بتحبك، جاي وانا بحضر العشا... مكرونه بالتونه.
إمتعض آصف قائلًا بكذب:
ماليش فى أكل الزفارة، ومش جعان أساسًا، أنا كنت قريب من المكان هنا قولت أطلع أغلس عليك شويه.
ضحك آيسر قائلًا:
إنت فعلًا غِلس بس تعالي نقعد شويه.
وافق آصف وذهب الى غرفة المعيشه، جلس الإثنين معًا، تحدث آيسر بمزح حين آتت روميساء ورحبت بـ آصف ولم تجلس معهم تركتهم سويًا وغادرت، بينما لاحظ آيسر أن هنالك ما يؤرق آصف، تبسم له سائلًا:
قولى أخبارك أيه مع سهيله؟.
زفر آصف نفسه ببؤس قائلًا:
كويس.
ضيق آيسر بين حاجبيه مُستفسرًا:
يعني أيه كويس، شكلك ميدلش على كده، قولى إنت متخانق مع سهيله.
تنهد آصف بيأس.
تفهم آيسر سألًا:
وأيه السبب أنا متأكد إن سهيله بتحبك.
تنهد آصف قائلًا بآسف:
فعلًا بتحبني بس مش قادره تنسي الماضي حطاه بينا حاره سد، كُل هدفها إنها تبعد عني بأي شكل نقلت نفسها لـ كفر الشيخ عندى شك شبه يقين إن اللى ساعدها "أسعد شُعيب".
تفاجئ آيسر قائلًا:
بابا! معتقدش ممكن يساعد سهيله، أكيد إنت فاهم غلط، وبعدين إنت وافقت على أمر نقلها ده؟.
أومأ آصف برأسه موافقًا وتذكر حواره مع بيجاد قبل أيام بآخر لقاء لهم، حين سأله عن حياته مع سهيله، واجابه ان هنالك توافق بينهم بهذه الفترة، تبسم له قائلًا:
خُد بالك التوافق ده مجرد وقت، الشخصية اللى واجهت اللى عاشته سهيله بيبقى فيها تناقُضات، وخوف بيتحكم فيها، ممكن ترجع للبدايه تاني.
تعجب آصف سائلًا:
. قصدك ايه إن ممكن سهيله تفكر تبعد عني تاني، معتقدش، صحيح لسه بينا فجوة بس مش لدرجة إن سهيله تفكر إنها تبعد عني، بالذات بعد اللى حصل فى الفترة اللى كنت فى المستشفى كانت هى المرافقة ليا معظم الوقت.
فسر بيجاد له:
ده الطبيعي عند شخصيه زى سهيله، هى دكتورة وده نوع من الواجب عندها بالأخص إذا كان المريض ده له مكانه قويه عندها، متوقع سهيله هتفكر تنتفض على مشاعرها إتجاهك، مشاعر هى خايفه منها، المشاعر اللى فى لحظة إتغلبت عليها وإتحكمت فيها، هتفكر إن ده ضعف منها، بس المره دى مش لازم تقاوح وتفرض قرارك عليها.
تسأل آصف بتعجُب:
مش فاهم يعنى أسيبها، أكيد مستحيل ده يحصل...
قاطعه بيجاد قائلًا:
هتسيبها وهى اللى هترجع من تاني.
تهكم آصف قائلًا:
هى لعبة... أسيبها وهى اللى هترجع.
رد بيجاد بتوضيح:
أيوا سهيله حاسه إنك فارض قراراتك عليها ولاغي مشاعرها، غاصبها يعني لكن لو حست إن ليها قرار، وقتها هيتغلب عليها مشاعرها الحقيقيه اللى بتحاول طمسها وهى شيفاك بتفرض قراراتك عليها، قبل كده قولتلك لازم تتمسك بها لأن لو هاودتها هتخسرها، دلوقتى الموضوع إختلف، سهيله عندها يقين إنك مُتمسك بها، بس محتاجه تحس إنها صاحبة قرار فى مشاعرها مش مفروض عليها تمتثل، يعني زى شعرة معاوية بالظبط، لازم ترخي قرارك وتسيب لها الإختيار، ومتأكد إن مشاعرها هتتغلب عليها، البُعد هيبقى مسألة وقت قصير مش أكتر.
تفهم آصف تفسير بيجاد، رغم عدم إقتناعه لكن ليس أمامه سوا المُجازفه عَل سهيله تعود له بإرادتها دون ضغط منه وربما وقتها قد تبدأ حياتهم معًا دون مُنغصات الماضى... وها هو الليله أظهر إستسلامه لرغبة سهيله شعر بإنشراح حين أخبرته أنها لا تود الإنفصال عنه، أعطي لها الفرصه، كذالك هنالك آمر آخر برأسه إقترب أن ينتهي منه.
إنتبه آصف حين وضع آيسر يدهُ على كتفهُ سألًا:
بكلمك ليه مش بترد... سرحان فى أيه، فى سهيله أكيد، طالما إنت وافقت أنها تتنقل أعتقد ده أفضل ليكم، متاكد سهيله هترجع لك
تبسم آصف موافقًا يقول:
على فكره سهيله حامل هى كمان.
إنشرح قلب آيسر بفرحه غامره قائلًا:
حصل إمتى ده، ألف مبروك، بس إعمل حسابك أنا حجزت إسم ماما لـ بنتِ... شوفلك إسم تانى.
تهكم عليه آصف بنظرة إستهزاء قائلًا:
وإنت عرفت نوع الجنين.
رد آيسر:
لاء قلبي حاسس إن روميساء حامل فى بنت، بس يا ترا مين الحامل الأول رومس ولا سهيله... يا ترا مين فيهم اللى هتولد الأول.
إستهزأ آصف به قائلًا:
بطل غباء، أساسًا سهيله مقلتش لحد إنها حامل أساسًا.
- خايفه من الحسد
هكذا تفوه آيسر بتسرُع بينما إستهزأ آصف قائلًا:
حسد! حسد على أيه واضح أنك غبي، بقولك سهيله نقلت نفسها لـ كفر الشيخ، ومخبيه إنها حامل يبقى خايفه من الحسد.
تفهم آيسر قائلًا:
يمكن مستنية وقت وهتقولك ولا يمكن هتعملك جو رومانسي زي الافلام كده وتقولك تقوم إنت هوب شايله هيلا بيلا وتلف بها المكان وهى تصرخ وتقولك بحبااااك يا آصف.
رغم مزاج آصف السئ لكن ضحك قائلًا:
وسعت منك أوي دي، شكلك رايق وأنا مزاجي سئ هسيبك...
قاطعه آيسر قائلًا بمزح أيضًا:
طالما جيت خلينا نقعد مع بعض شويه، شوفت أهو إنت طردتني من الشقه عشان خاطر مراتك، وأهو إنت كمان طفشان منها لنفس السبب بس أنا عشان قلبي كبير مش هتطردك وهدبر له مُكنه تبات فيها الليله.
ضحك آصف قائلًا بإيتهزاء:
مُكنه... ده لفظ طيار محترم، طب فين المُكنه دي؟.
همس آيسر قائلًا:
إنت عارف إنى أجرت الشقه اللى قصادى لـ حمايا عشان يبقى جنب روميساء دايمًا، ممكن اقوله يستقبلك عنده الليلة أهو تسليه للصبح.
نظر له آصف بغضب قائلًا:
لاء مُتشكر لخدماتك وفرها، عندي المكتب فيه إستراحه هبات فيها كانت غلطة أساسًا إني جيتلك.
ضحك آيسر قائلًا بمزح ثم إستذكر:
غلطة... طب بذمتك مش حسيت براحه بعد ما فضفضت لى، آه بالمناسبة مقولتليش فتحت الموبايل اللى بسببه سافرت البُحيره وجبته لك من البيت اللى هناك.
توتر آصف قائلًا:
لاء معرفتش أوصل لنمط فتحه، ولما عرضته على مُتخصص قالى إن في شفره عالموبايل لو إتفتح بغير النمط اللى موجود عليه هيضرب سيستم وببقى صعب إسترداد المعلومات اللى كانت عليه.
نظر آيسر الى آصف إستشف عدم صِدقه دب فى قلبه شك وقلق، حاول تطويع الحديث مع آصف لكن كان يرد بحذر، هكذا شعر من ردود آصف رغم أنها منطقيه، لكن هنالك حدس فى قلبه عكس ذلك وعليه الإحتراز من أجل آصف.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد مرور حوالى أسبوعين
صباحً
بـ ڤيلا شهيره.
ألقى أسعد تلك الصور الخاصه بها أمامها فوق الفراش، ونظر لها بإستهزاء... جمعت شهيره تلك الصور ونظرت لها بذهول قائله بإرتجاف:
الصور دى متفبركه.
ضحك أسعد بتهكم بنبرة برود:.
بجد... مين اللى معاكِ فى الصور ده يا مدام؟.
تلجلجت شهيره قائله:
ده موظف فى البنك وانا بتعامل معاه عادي، زى أى موظف، بس معرفش مين اللى صورنا الصور دى وغرضه أيه أكيد "بابارتزى" حابب يعمل فرقعه عشان يبقى تريند، بس الصور دى وصلتك إزاي، واظن الصور واضحه انا مكنتش فى وضع مُخل.
تهكم أسعد قائلًا بتريقه:
"بابارتزى" فوقى يا مدام مفكره نفسك نجمة مجتمع عشان الناس تهتم بأخبارك، وموظف ايه اللر تقعدي معاه فى مطعم فخم زي ده، كوباية الميه فيه بنص مرتبه فى شهر.
إرتبكت شهيره قائله بتبرير:.
إنت عارف إن شغل الآتلييه له حسابات وانا كنت محتاجه منه يضبط لى شوية حسابات، وده كان سبب لقائنا فى مطعم ده، وأعتقد المطعم مكان مفتوح قدام الحنيع، وبعدين إنت بتحقق معايا كده ليه، إنت بتشك فيا... لاء....
قاطعها أسعد بإستهزاء قائلًا بجبروت:
أنا لو بشك فيكِ مكنش زمانك واقفه قدامى بتردي عليا، أنا حبيت احذرك وأقولك إن ده آخر تحذير ليكِ يا شهيره، أنا صبري نفذ، إزاي تسمحِ لنفسك تقابلى شخص فى مطعم فخم ومشهور زي ده، وإنتِ عارفه مكانتِ كويس.
تمثلت الثقه بـ شهيره قائله:
اهو أنت قولت مكان عام ومعروف، يبقى لازمته أيه الإستجواب ده، اللى يعتبر شك وانا مسمحش بيه، وكفايه بقى يا أسعد تهديدات انا زهقت وقرفت، طالما حياتنا بقت مستحيل نتحمل مع بعض يبقى ننفصل بهدوء ونراعي السنين اللى عِشناها مع بعض كمان عشان خاطر بناتنا.
تهكم أسعد بإستهزاء قائلًا:
بناتنا اللى إنت نسياهم، وسنين أيه، شهيره أنسى انى أنفصل عنك غير بمزاجي، وانا مالئش مزاج دلوقتي.
تعصبت شهيره قائله:
هى مسألة عِند وخلاص، خلينا نحافظ على صورتنا كأشخاص حضاريه... بينفصلوا عن بعض.
تهكم أسعد قائلًا:.
حضاريه، إنتِ بتصدقي كلام المجلات والمواقع الفارغ، عزيزتي بلاش تعيشي فى اوهام، أنا وقت ما أحب أنفصل عنك مش هيبقى بينا أى علاقه حضاريه... بس قبل ما انفصل عنك ليكِ عندي مفاجأة متأكد هتعجبك أوى.
نظرت له شهيره بغضب وترقُب قائله:
قصدك أيه بالمفاجأة.
تبسم أسعد بإستهزاء، وتوجه نحو باب الغرفه قائلًا:
هتعرفيها فى وقتها ومش هتنتظري وقت كتير، لمي الصور يمكن تنفعك بعدين لما تبصي عليها وتتحسري، أنا عندي جلسه مهمه فى البرلمان مش عاوز أتأخر عليها.
غادر أسعد بينما زفرت شهيره نفسها بغيظ جم، وودت الفتك بذاك المغرور المُتكبر، نظرت نحو تلك الصور، شعرت بالغضب لديها يقين أن خلف تلك الصور التى إلتقطت لها وهى تجلس مع عادل فى أكثر من لقاء بأحد المطاعم، ليست من "بابارتزى" كما قالت لـ أسعد هو خلف تلك الصور لكن ما غرضه منها، شعرت بالزهق من تلك الحياه التى تعيشها، حياة فرض اسعد عليها قيوده، حان وقت تحطيم تلك القيود.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بحوالى الثانيه ظهرً
ا حسم طاهر قراره لابد من ان يرسوا على حقيقه قبل ان يعود للـ الإمارات مره أخري بعد نهاية أجازته الذى لم يتبقى فيها أقل من شهرًا... تبسم وهو يتذكر بالامس حين أخذ رفم هاتف يارا من سهيله التى لمحت له أنها ترى بعض النظرات الخاصه بينهم، كذلك رحبت بفكرة إرتباطهم وتمنت حدوث ذلك رغم أنه لم يُصرح لها، لكن سهيله لم تضغط عليه، او بالأصح أرادت ان لا ياخذها بذنب آصف أو جبروت أسعد بالماضي، خطأً أن تؤخذ بذنب إرتكبه غيرها، قرر، المخاطرة والسؤال قبل أن يتخذ قرار مواجهة أسعد برغبته فى خطوبة من ياراوها هو بجلس بذاك المطعم ينتظر مجئ يارا، لوقت تلاعب الشك بقلبه أنها لن تأتى، بعد إنتظاره لوقت طويل... رغم أنه لم يمر سوا بضع دقائق عن ميعاد إلتقائهم التى حددته يارا بعد ان تنتهي من عملها... لكن إنشرح قلبه حين رأى يارا تدلف الى المطعم...
بينما يارا وصلت فعلًا قبل لحظات الى مكان اللقاء، لكن وقفت أمام المطعم، بداخلها تردُد كبير، حقًا لا تعلم سبب طلب طاهر للقائها، خمنت ربما السبب آصف وسهيله بعد ان علمت ان سهيله عادت للعيش مع والداها بـ كفر الشيخ، ربما هنالك خلافً بينهم، لكن لن تتدخل بشئ لا يخصها، كانت اول المتضررين من خلف آصف، حين خذلها قلبها وأغرمت بـ طاهر الذى ذبحها بخيبة الحب الاول، التى مازالت تعانى منه كآن قلبها مازال يُريد العذاب، فكرت للحظات ان لا تدخل الى المطعم وتغادر ترثي قلبها بعيدًا، لكن تحكم الشوق فيها لرؤية طاهر كآن قلبها يهوا العذاب، دلفت الى الداخل بخطوات وئيدة يعاود الندم ليتها ما دخلت، ليتها تفر هاربه الآن، لكن سارت قدميها نحو مكان جلوسه رغمً عنها وقفت أمامه بحنين وآنين كانت تحكي العيون، عن عشق وئد من المهد، لكن مازال له مكانه فى القلوب كل منهم بداخله ندمً لما إستسلم وإبتعد، لكن ربما آن الآوان أن تعثُر القلوب على فرصه أخرى علها تكون البدايه الثانيه.
تبسم طاهر وهو يمد يدهُ بالمصافحه قائلًا:
أزيك يا يارا.
للحظة نظرت الى يدهُ الممدُده قبل أن تضع يدها بيدهُ، ضمها بآناملهُ، يشعر بإحساس دافئ، كذالك هى شعرت بنفس الإحساس الدافئ التى دائمًا عانت من إفتقادهُ مع من حولها، لكن سُرعان ما سحبت يدها من يدهُ بخجل، رفعت وجهها تنظر لوجهه ملامح لم تتبدل إزدادت نُضج فقط، كان هنالك سؤال بعقلها: هل نضجت مشاعره نحوها أو على الأقل تبدلت بعد تلك السنوات سؤال تخشى إجابته، بعد أن كانت ظنت أنها نسيت وهم فشل "الحب الاول"، لكن لم يكُن وهمً كان حقيقه تخشى ان تجد من خلفها السراب.
كذالك هو رأها بعين مختلفة عن الماضي، إزدادت نُضجًا وجمال، لكن هل مازال قلبها فارغً أم هنالك من إحتل مكانه خاصه لديها.
عادت نظرات العيون لكن تبدل الحنين والآنين الى حِيرة مشاعر.
ردت يارا بهدوء:
الحمد لله بخير، وإنت أخبارك أيه؟.
تبسم طاهر قائلًا:
أنا كمان بخير، هنتكلم وإحنا واقفين إتفضلي أقعدي...
جلست يارا قائله:.
بعتذر اتأخرت كان فى شوية شغل فى المركز وخدوا وقت أكتر من الازم.
تبسم طاهر قائلًا بمغزي:
أنا مستعد أنتظرك بدون ملل.
شعرت بهزه فى قلبها قويه وتبسمت قائله:.
خير طلبت إننا نتقابل عشان موضوع مهم.
تبسم طاهر قائلًا:
خير أكيد، سبق وقولتلك إنى أخدت رقم موبايلك من سهيله، عشان أمر خاص.
إرتبكت يارا سائله:
وأيه هو الأمر الخاص ده، لو يخُص آصف وسه فى رأيي هما....
قاطعها طاهر قائلًا:
لاء الأمر ميخصش سهيله ولا آصف هما أحرار فى قرارتهم ده رأيي الأمر يخصنا إحنا، يارا أنا طول عمري مش بحب اللف والدوران، وبقول الطريق المستقيم هو أفضل الطُرق، بصراحه أنا زمان ظلمت نفسي لما إستسلمت لغضبِ من آصف وقت ما أذى سهيله، وكمان مش هنكر كرهتك، او بالاصح كرهت كل شئ من ناحية آصف، بس كنت غلطان إنى أخدتك بذنب آصف ومش عارف ليه أنا عملت كدن وقتها، يمكن مشاعر الأخوه طغط عليا، بس بعدها لما فكرت فى الموضوع حسيت بذنب، يارا عارف هتقوليلى أيه شآن الماضى بطلبِ إنى أقابلك النهارده، هقولك بصراحه أنا كُنت معجب بيك لما كنا فى الجامعه.
تفاجئت يارا بقول طاهر وسألته بتسرُع:
بس إنت سبق وقولتلى إنك معجب بزميله ليك.
تسرع طاهر بالرد:
ده أجوزت من بعد ما خلصنا الجامعه مباشرةً و...
قاطعته يارا بآسف:
أكيد مكنتش تعرف مشاعرك إتجاهها...
قاطعها طاهر قائلًا:
بس انا عمري ما كان عندي أى مشاعر أتجاهها غير مشاعر زماله مش أكتر، إنما مشاعري الحقيقيه كانت لـ...
قاطعته يارا قائله:
اكيد كانت لزميله تانيه...
قاطعها طاهر قائلًا مباشرةً:
لاء كانت ليكِ يا يارا، ولو موافقه إننا نكمل حياتنا سوا وتتنازلى عن رفاهية "أسعد شُعيب" انا مستعد أحارب عشانك.
نهضت يارا بتسرُع قائله:
لاء، وفر على نفسك المُحاربة لوحدك أنا دايمًا بخرج خسرانه وقلبي مش هيحمل يأس تاني.
قالت هذا وغادرت مُسرعه، نهض طاهر هو الأخر وضع بعض المال فوق الطاوله وغادر خلفها مُسرعًا لكن كانت يارا صعدت الى سبارتها وقادتها بتسرُع، زفر طاهر نفسه يشعر بتقطع فى قلبه... لكن تذكر الماضي حين أخبرها انه يهوا غيرها، لابد أنها تعتقد أنه يحاول مداواة قلبه... زفر بآسف، هفوات الماضي تُعرقل سعادة الحاضر والمستقبل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بمنزل أيمن
كانت سهيله نائمه فوق الفراش، تضع يدها فوق بطنها تُمسد عليها، يطغى عليها شعور الإشتياق لـ آصف، تذكرت أنه لم يعود الى الشقه تلك الليله حتى وقت مغادرتها صباحً، حتى أنه لم يُهاتفها منذ تلك الليله، هل مَل من عِشقها، عاتبت نفسها:
أكيد آصف زهق مني، بس ده غصب عني أوقات بخاف أكون فى حِلم وينتهي، وأهو آصف حتى متصلش يسأل عني، وظلم باباه أنه السبب فى نقلي لهنا مع أنه مالوش دخل، أنا اللى عرفت ان المستشفى بتاع البلد هتتفتح ومحتاجين لدكاترة قدمت نقل وإتقبل بسبب حاجة المستشفى لدكاترة... مر حوالى أسبوعين وآصف...
قطع تفكير سهيله ذاك الصغير الذى دفع باب الغرفه الموارب بقوه ودخل متوجهًا إليها وصعد جوارها على الفراش، تبسمت له قائله:
حبيبي حسام أكيد هربان من تيتا سحر عشان متقولش له ياكل.
اومأ ببسمه، تبسمت له سهيله وحضنته قائله:
تعرف أنا نفسي أكون حامل فى بنت عشان تيتا آسميه بتحب البنات أكتر من الصبيان.
لم يفهم الصغير، بينما تفاجئت سحر التى آتت خلف حسام وسمعت حديث سهيله وسألت بتأكيد:
إنتِ حامل يا سهيله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مساءً
بمكتب آصف
تحدث بأمر:.
تمام، عينك تكون عالدكتورة خطوه بخطوه ممنوع تغفل عنها طول ما هى خارح البيت وفى المستشفى أو فى أى مكان تاني.
أغلق آصف الهاتف ووضعه امامه وتنهد بإشتياق لكن شعر بإرتياح قليلًا بعد أن رأي صورتها على الهاتف، وعلم أنها بخير، لكن سُرعان ما نظر نحو باب المكتب وسمع الى من دخلت تتهادى بدلال:
مع إنك آخر لقاء لينا فى المستشفى عاملتني بجفاء وشبه طردتني، بس أنا قلبي مش بيشل من اللى لهم مَعَزه خاصه... لما كلمتني عالموبايل نسيت معاملتك الجافه وجيت لك فورًا
تبسم ونهض واقفًا يُرحب بها بترحاب غير مسبوق، مما أذهلها، لكن آصف كان لديه هدف يشعر بإشمئزاز وهو يتجاوب مع إغراء ودلال مي، لكن كان مراوغً جيد يعرف طريقة ترويضها كى ينال هدفه، أوهمها أنه بتجاوب معها لكن بالحقيقة كان يهاودها بعقليتها التى تلهث خلف ميولها، حقًا لم يلمسها لكن كان يُثيرها بالحركات، ورد الفعل حين كاد يوهمها أنه سيُقبلها رغم أنه كان يقترب منها بحذر، لكن شوقها يجعل جسدها فى حالة إشتياق وهو مثل لاعبً محترفً مخصرمً يتلاعب بالطابه يطوعها بين قدميه، يعلم متي يعود خطوه للخلف ومتي يبتعد عنها ومتي يتقدم ناحية المرمى
نظر لها آصف بإستهزاء من ضعفها أمامه سألًا بمفاجأة:
"رامز" أخو شهيرة، رامز كان مُدربك... هو اللى بعتك ليا، عشان تغويني وأقع فى فخك، طبعًا مين يقدر يقاوم قدام جمال ودلال "مي المنصوري"... إنتِ كنتِ هاويه عروض الأزياء وكنتِ من أشهر العارضات لفترة قبل ما تمسكِ شركة باباكِ،
رفعت مي نظرها عن شفاه آصف التى ظنت لوهله انه سيُقبلها... فاقت من ذاك التوهان ونظرت الى وجهه بذهول وكادت تنفي ذلك، لكن سبقها آصف بإشمئزاز:
مفكراني معرفش Nightclub او بمعنى أصح" الكباريه" اللى بتتقابلي فيه إنتِ والحقير ده، بس عندي سؤال ليه بتتردى عالكباريه ده طب هو شخص ميوله قذره زيه وبيروح الكباريهات عشان يصتطاد له قذر يقضى معاه ليله يشبع فيها ميوله الدنيئة.. بس ليه هفكر فى إجابتك وانا عارفها إنتِ كمان زيه ليكِ ميولك بس على نوع تانى "ساديه" تحبِ اللى يركع تحت رجلكِ، بس أنا فاهمك من أول لقاء بينا لما ركعتِ قدامي وطلبتِ نتجوز عرفي بمجرد ما قولت لك عن سبب إنفصالي عن مراتِ، بس للآسف رفضي ليكِ زود عندك الهوس والجنون، قدامك آخر فرصه يا مي قولى الحقيقة رامز هو اللى حرضك عليا.
نفت مي برأسها وبتسرُع ذهبت نحو باب المكتب وخرجت مُسرعه تشعر بغضب ساحق، لحقها آصف سريعًا، لكن هى كانت تهرول بسرعه وصلت الى مصعد البِناية الكهربائى وإستقلت به وضغطت على ذر الهبوط لأسفل، تشعر برعشه تهز جسدها، دموع تنساب من عينيها بآسًا بينما آصف على آخر لحظه لم يلحق المصعد لكن لم ينتظر توجه نحو سُلم البنايه وترجل السُلم سريعًا الى أسفل، حتى أنه وصل الى بهو البنايه قبل أن يصل المصعد الكهربائى وقف للحظه ينتظر الى أن فتحت مي باب المصعد، تفاجئت بذهول حين وجدت آصف أمامها مباشرةً ينظر لها بتقزُز مُستفسرًا بإستهزاء:
للدرجه دى خايفه يعرف إنى كنت أعرفه من البدايه وسيبته يلف حبل نهايته حوالين رقابته، أيه ماسك عليكِ فيديوهات ولا... يمكن ليكم لقاءات سوا بتتشاركوا فيها ميولكم الدنيئة.
بغضب أزاحته مي من أمامها وخرجت من المصعد ولم تجاوبهُ... لكن مازال آصف خلفها الى أن خرجت من باب البنايه ظهرت سيارة وخرج منها من خلف زجاج بابها فوهة سلاح ناري يطلق رصاصًا بعشوائيه... إحتمى آصف خلف أحد الجُدران. بينما بلحظات كانت مي تتردى أرضًا.
.....
«يتبع»
رواية عشق مهدور الفصل الأربعون 40 - بقلم سعاد محمد سلامة
كان عقلها شاردًا وهي تجلس مع والديها بغرفة المعيشة يشاهدون التلفاز. لم تكن تنتبه إلا حين شعرت بحسام يجلس على ساقيها. تبسمت له بقبول.
بينما تتبعته أيمن بعينيه بعد أن نهض من فوق ساقيه وتوجه إلى سهيلة وجلس على ساقيها يُقبل وجنتها. كذلك سحر تتبعته وتبسمت حين قبل وجنة سهيلة.
لكن سرعان ما غص قلبهما. وتذكر أيمن إخبار سحر له أن سهيلة أكدت لها أنها حامل. لا يعرفان أي شعور يضغط عليهما، سعادة أم أسى.
وهما يشعران أن سهيلة حائرة بين قلبها وعقلها. تشعر كأنها بمتاهة. أتكمل وتنهي زواجها من آصف، أم تبدأ من جديد وتعطي فرصة لزواجهم؟ وبالتأكيد ستجد السعادة مع آصف الذي أظهر ندمه على ما اقترفه بالماضي وأثبت ذلك بالبرهان حين أعطاها فرصة أن تختار دون ضغط منه عليها.
تنهد بتمني أن تعثر سهيلة على طريق البداية التي تجد فيه سعادتها.
قطع نظر أيمن وسحر لـ سهيلة وحسام، دخول طاهر مبتسمًا بعد أن ألقى عليهم السلام يقول:
دايمًا متجمعين.
تبسمت سهيلة حين ترك حسام ساقيها وتوجه نحو طاهر راغبًا أن يحمله. تبسم طاهر وانحنى يحمله ثم جلس جوار سهيلة التي تبسمت له.
بينما سألته سحر:
جعان؟
رد طاهر:
لأ يا ماما. أكلت سندوتشات في الطريق.
بينما سأل أيمن:
خلصت الموضوع اللي كنت بسببه في القاهرة.
تنهد طاهر يشعر بأمل قائلًا:
شبه خلصته.
تبسمت له سهيلة، وهي تتثائب. ثم نهضت قائلة:
مش هقدر أكمل الفيلم. كملوه أنتم. حاسة إني منعوسة.
ضحك طاهر قائلًا:
إنتي منعوسة، إنما حسام شكله هيكمل السهرة للصبح.
تبسمت سحر قائلة:
حسام بينام أي وقت.
تبسمت سهيلة وهي تقبل حسام قائلة:
دماغه رايقة. أنا مرهقة من الشغل في المستشفى. مستشفى جديدة بقى عاوزين يعملوا منظر.
تبسم أيمن قائلًا:
حاولي ما تجهديش نفسك كتير، عشان صحتك.
نظرت سهيلة إلى سحر، تيقنت أنها أخبرت والدها بحملها. تبسمت قائلة:
حاضر يا بابا. تصبحوا على خير.
غادرت سهيلة، بينما نظر أيمن وسحر لبعضهما وتنهدا ببسمة. لم يلاحظ طاهر ذلك بسبب انشغاله بمداعبات حسام.
بينما سهيلة، التي كانت تشعر حقًا بالنعاس، فجأة ذهب ذلك وشعرت بزيادة خفقان قلبها يتسارع نبضه مصحوبًا بانقباضة في صدرها. تعجبت هذا الشعور الذي تشعر به يخص آصف.
نهضت جالسة تتكئ بظهرها على بعض الوسائد، تنظر نحو سقف الغرفة، شاردة بذاك الشعور القابض لقلبها من ناحية آصف. ما سببه؟ أجابها عقلها:
يمكن بسبب تفكيرك فيه طول الوقت.
لم يقتنع قلبها بهذا الجواب. هنالك شعور خافق لقلبها. جذبت هاتفها وقامت بفتحه وكادت تتصل على آصف، لكن ترددت لبعض اللحظات. تنفست تحاول السيطرة على تلك المشاعر، فماذا ستقول لـ آصف، تبرر اتصالها عليه الآن؟
لكن شعرت برجفة حين أطلق الهاتف صوت إشعارات. فتحت الهاتف ترا هوية تلك الإشعارات، لعلها تهدأ قلبها وتنسى ذاك الشعور. بدأت برؤية تلك الإشعارات، لكن تصنمت يدها فجأة حين رأت ذاك الخبر الذي يخص آصف.
قرأته: جريمة اغتيال أمام مكتب آصف شعيب المحامي المشهور والضحية هي سيدة الأعمال مي المنصوري. تُرى من كان مقصودًا بالاغتيال؟ هل مي أم آصف؟
ارتعش قلبها وزادت خفقاته أكثر. بلا تردد قامت بالاتصال على آصف. تنتظر رده الذي لم يغيب سوى دقائق، لكن بالنسبة لها ساعات.
بينما بالنيابة العامة كان يجلس آصف مع أحد وكلاء النيابة الذي سأله:
إيه علاقتك بالمغدور بها "مي المنصوري"؟
رد آصف ببساطة:
مجرد عميلة عندي في المكتب.
تفهم وكيل النيابة سائلًا:
تفتكر مين اللي كان مقصود بالاغتيال ده؟ إنت ولا مي؟
أجابه آصف بهدوء:
معرفش. أنا محامي وماليش أعداء.
رد وكيل النيابة:
إنت محامي مشهور واترافعت في قضايا كبيرة قبل كده، مش يمكن شخص حس إنك ظلمته؟ كمان اللي أعرفه إنك كنت قاضي قبل كده، ويمكن عداوات قديمة. كمان الفترة اللي فاتت اتعرضت لهجوم.
قاطعه آصف قائلاً:
فعلًا كنت اتعرضت لهجوم، بس ده كان حرامي اتسلل بغرض سرقة البيت. كمان معتقدش أنا المقصود، لإن لو أنا كان المجرم انتظر خروجي من باب العمارة وبعدها أطلق عليا الرصاص زي ما حصل. وكمان في كاميرات في المكان تقدر ترجع ليها.
تبسم وكيل النيابة مقتنعًا. بنفس الوقت صدح رنين هاتفه. أخرجه من جيبه وكاد يغلق الرنين، لكن تفاجأ حين رأى اسم سهيلة على الشاشة. نظر نحو وكيل النيابة قائلاً:
دي مراتي.
تبسم وكيل النيابة وأومأ له بموافقة على الرد عليها.
بمجرد أن فتح الاتصال، خفق قلبه حين سمع صوت سهيلة باندفاع سائلًا:
آصف... إنت بخير؟
أجابها بنبرة عتاب:
أنا بخير يا سهيلة، متشكر لاتصالك.
شعرت بنبرة العتاب في صوته. أغلقت عينيها تتنهد باشتياق. وضعت يدها فوق موضع قلبها، لعله يهدأ خفقاته المتلاحقة. تمنت لو كان قال لها: "ألا يكفي لتعودي إلي". لكن صمتت لدقيقة.
كذلك آصف صمت، يتمني لو كانت أمامه الآن ويلقي بنفسه بين يديها فاقدًا للوعي، لا يود الشعور بغير أنفاسها قريبة منه.
تنهد بخيبة أمل من صمتها قائلاً:
مضطر أنهي الاتصال، أنا في النيابة.
بخفوت قالت سهيلة:
تمام. الحمد لله إنك بخير. مع السلامة.
تنهد آصف مستهزئًا بمشاعره. ماذا ظن أن تقول سهيلة له؟ أنها ستأتي كي تطمئن عليه مباشرة؟ رغم ذلك، لم يشعر بيأس، ما زال قلبه ينبض من أجلها فقط.
بعد مرور أسبوعين.
رحل الشتاء وآتى ربيع شبه دافئ أحيانًا. كذلك هنالك أيضًا عواصف ربيعية محملة بغبار.
بروكسل "بلجيكا" قبل قليل.
نظر الطبيب إلى نتائج تلك الفحوصات التي أمامه، ثم نظر إلى ذلك الجالس سائلًا باللغة الإنجليزية:
إمتى كان آخر فحص طبي عمله؟
أجابه بهدوء:
من ست شهور أو أكتر شوية.
نظر الطبيب مرة أخرى إلى تلك التقارير، ثم عاد النظر له قائلاً:
مش معقول. إزاي مظهرش في آخر فحص طبي؟ النتائج قدامي بتوضح إصابتك بالمرض ده من أكتر من ست شهور.
شعر برجفة سائلًا:
مرض إيه؟
أجابه الطبيب بتأكيد:
Acquired immunodeficiency.
نعم! قالها بصاعقة ذهول مستفسرًا:
ماذا تقول؟ هل أنت متأكد؟
أجابه الطبيب بتأكيد:
أجل، تلك هي نتيجة هذا الفحص الطبي. أنت مصاب بـ نقص المناعة المكتسب (الإيدز).
صاعقة أصابت عقله، غير مستوعب للحظات، إلى أن بدأ يهذي بتكذيب:
مستحيل! أكيد الفحوصات دي اتبدلت. المركز الطبي اللي عملت فيه الفحوصات، أكيد غلطوا وبدلوا فحوصاتي مع فحوصات شخص تاني. أنا لازم أعيد الفحوصات دي تاني وأكيد هتطلع النتيجة مختلفة.
لم يفهم الطبيب ما قاله، لكن استشف أنه شبه يهذي بسبب حركات رأسه، كذلك العرق الذي يسيل على وجهه بغزارة رغم أن حرارة العيادة معتدلة، كذلك حركات عينيه الزائغة بذهول. تفهم ما يمر به من نوبة هذيان. ظل جالسًا مكانه يترقب رد فعله بحذر، إلى أن نهض وترك ذاك المغلف الخاص بنتيجة تلك الفحوصات. لم يهتم الطبيب.
بينما سار مثل المشدوه العقل، كأنه مثل المجاذيب. على سيرة المجاذيب تذكر وليفه، الذي ظل هنا بسببه لما يقترب من شهر. حقًا لديه أسباب أخرى للبقاء، لكن هنا يجد الحرية في تلك الممارسات القذرة. ذهب نحو ذاك المسكن الموجود بناية راقية. عقله لا يستوعب ما أخبره الطبيب، لديه أمل أن يكون خطأ غير مقصود.
صعد بالمصعد الكهربائي، وقف أمام باب الشقة وأخرج المفتاح، فتح الباب ثم توجه مباشرة إلى غرفة النوم يشعر بإنهاك، يود التمدد على الفراش وإغماض عينيه، يفصل وعيه عن ذاك الخبر المفجع. لكن تفاجأ بذاك الحقير فوق الفراش ومعه امرأة بوضع مثير للاشمئزاز بالنسبة له. ثار عقله أكثر، وشعر بخيانة.
بينما ذاك الآخر نظر له بنظرات مرعبة كأنه يفعل خطيئة بحقه. وبرر ذاك يتهته قائلاً بالإنجليزية:
إنها هي... هي من أغوتني بحركاتها المثيرة.
بينما تلك التي لا تفهم الإنجليزية، نظرت إليه بإعجاب وتركت الآخر بالفراش، سارت عارية تتهادى بسيرها تثيره. لكن كانت مغفلة أنها لا يهوا النساء بل يشمئز منهن. كذلك لم تر أنه سحب ذاك النصل الذي كان موضوعًا فوق طبق الفاكهة الموضوع فوق منضدة بوسط الغرفة. ظنت أنها تستطيع السيطرة عليه بإثارتها، حتى حين اقتربت منه بدأت تتلمس جسده بجرأة وشهوانية، لكن كانت تتقدم نحو موتها. فبمجرد أن لمست جسده، سرعان ما تهاوى جسدها أرضًا تضع يديها فوق عنقها المنحور الذي ينزف بغزارة، ينتفض جسدها إلى أن سكن دون حركة.
بينما الآخر ارتاعب أكثر، وابتعد يتخذ ركنًا بجانب الغرفة يستعطفه. بينما هو يتقدم نحوه سائلًا:
إنت مريض بـ الإيدز؟
صمت الآخر دون رد. أعاد سؤاله ثم أكمل بتعسف:
إنت اللي نقلت لي العدوى، وكمان خاين، ومعروف الخاين جزاؤه إيه.
جحظت عين الآخر حين شعر بذاك النصل ينحر عنقه بلا هوادة، حتى رقد جسده أرضًا ينتفض بإستغاثة. أسفل قدميه ينظر له يشعر بالاشمئزاز كأنه ذبح دجاجة أو عنزة، لا عنق إنسان. ألقى ذاك النصل أرضًا ثم بصق وذهب يجلس على الفراش ينظر نحو هاتين الجثتين، يتذكر بقسوة قلب أول مرة أقدم على قتل إنسان. فهذان مجرد أرقام بوسط قائمة قام بسفك دمائها.
لكن من شعر بالأسف حين نحره كان "سامر" وليفه المدلل.
بداخل تلك الغرفة نظر له سامر بضيق قائلاً:
رامز، إحنا في مستشفى عام وسبق وقولت لك إني خلاص قررت أتوب عن الممارسات دي، وقررت أتعالج. وإنت كمان الدكتور النفسي قالي إن مش صعب أرجع طبيعي. كفاية أنا مش هرجع تاني للممارسات اللي من النوعية دي.
تعصب عليه قائلاً يثيره أنه بلا شخصية:
كل ده عشان خايف من حتة بت متسواش. بسيطة، لو قالت لأخوك آصف سهل تكذبها.
قاطعه سامر:
آصف ممكن يكذبني وهيصدق سهيلة، لأنه عارف أخلاقها كويس إنها صعبة تكذب.
تحدث رامز بلا مبالاة:
سهل نخرسها نهائي.
نظر له سامر مذهولًا يسأل:
قصدك إيه؟
رد رامز ببساطة:
نقتلها. قضاء وقدر.
جحظت عين سامر قائلاً:
مستحيل! كمان مش سهيلة السبب. أنا كمان بقيت بحس بقرف واشمئزاز من الممارسات دي، مش حاسس فيها بأي متعة غير إننا بنغضب ربنا.
تهكم رامز باستياء:
الله! الله خلقنا عشان نعيش كل المتع المتاحة مش نعيش الحرمان.
بقايا الإيمان بقلب سامر جادله قائلًا:
المتع الحلال. لكن اللي كنا بنعمله حرام شرعًا وقانونًا، والدليل إننا بنجاهره بيه، ما نقدرش نعيشه في العلن. وقبل ما تقول لي في دول معترفة بالميول دي وبالنسبة لها حرية شخصية، إحنا في مصر مش في هولندا أو سويسرا ولا بلجيكا. أو حتى "تل أبيب" بلد الشواذ الأولى.
تنرفز رامز بعصبية مجنونة قائلاً:
اللي بينا مستحيل ينتهي عشان إنت خايف من أخوك. هو ملوش ولاية عليك وإنت حر في ميولك.
قاطعه سامر:
أنا مش خايف من آصف يا رامز، أنا خايف من ربنا. ربنا خلقنا على الفطرة "ذكر وأنثى". ماما كانت دائمًا تقول لي إن الاثنين بيكملوا بعض. أنا معرفش إزاي توهت وانجرفت معاك في الطريق ده، بس أنا لسه في نص الطريق ومش صعب أرجع. وإنت كمان حاول تتراجع عن الطريق ده.
قاطعه وهو يقترب منه وحاول يتلمس جسده بسفور، لكن سامر تراجع للخلف قائلاً:
رامز... أنا أخدت القرار، مش هرجع للطريق ده تاني وهبدأ العلاج النفسي.
اغتظ رامز بغضب وحاول إثارة ضعف سامر يتلاعب على وتر أنه ضعيف الشخصية. لكن سامر كان يرفض تلك المحاولات والاغواءات. إلى أن نفذ صبر رامز وفجأة هجم بجسده على سامر. لكن سامر قام بدفعه بقوته. بسبب قوة الدفعة تصادم جسد رامز بتلك الطاولة التي كان موضوع عليها بعض المستلزمات الطبية ومن بينها كان ذاك المبضع. ولحسن الحظ جرح جرح ليس كبير بباطن أحد ساقيه. انحنى قليلاً لمع أمامه ذاك المبضع، جذبه من على الأرض. شعر بوخز ألم في ساقه، لكن لمع بعينيه الوعيد واقترب من سامر يخفي ذاك المبضع بين ثنايا كف يده. ظن سامر من اقترابه منه أنه ما زال يود استعطافه من أجل أن يهاوده. لكن كان مخطئًا حين رفع رامز يده نحو نحر سامر، يكز على أسنانه قائلاً بجنون غيظ من صد سامر له:
بينا عهد، و"الخاين جزاؤه القتل".
بلحظة كان ينحر عنق سامر، الذي شعر للحظة بالانعدام قبل أن يترنح جسده ويسير بهوجاء بالغرفة يُبعثر كل ما يصطدم به دون قصد، غير قادر على الكلام. بينما رامز سقط المبضع من يده وظل ينظر لـ سامر مذهولًا للحظات غير مستوعبًا ما فعل. هو كان يقصد التهويش فقط كي يمتثل سامر لرغبته ويعود معه لتلك الممارسات. لم يستمر سامر كثيرًا بالترنح وتمدد أرضًا فاقدًا كل المقاومة، فقط يشعر بألم قاسٍ لخروج الروح من جسده.
بنفس الوقت فتحت سهيلة باب الغرفة. لم تر رامز الذي عاد للخلف خلف باب الغرفة. بإنسانية سهيلة حاولت مساعدته. لكن رامز رجف أن تنظر خلفها وتتعرف عليه أو حتى ترى وجهه بتلك القطعة المعدنية. ضرب سهيلة على رأسها، تأثرت وجعلها تغشى الرؤية شبه بين الوعي واللا وعي. ظل رامز واقفًا للحظات خلفها، للحظة اتخذ قرار ذبح سهيلة هي الأخرى عقابًا منه. لكن سمع صوتًا خارج الغرفة. خشي أن يدخل إلى الغرفة. جذب ضماد وبعض القطن وقام بلفهما حول جرح ساقه، كذلك مسح تلك الدماء التي سالت من جرح ساقه من على الأرض. ثم حسم قراره، لابد أن يغادر قبل أن تسترد تلك الحقيرة وعيها مرة أخرى. فتح باب الغرفة بمواربة، نظر إلى الخارج وجد الممر خاليًا. خرج من الغرفة، وكاد يتجه نحو باب الخروج من المشفى. لكن رأى لمعة تلك الكاميرا. فكر بدهاء وعاد إلى داخل المشفى. ذهب إلى أحد المراحيض الخاصة بالمشفى. شعر بارتعاش في جسده، ظل هكذا لدقائق يستوعب ماذا فعل. هو قتل وليفه. لم يشعر بالندم على ذلك. نيم ضميره القذر بهذيان أنه خائن جبان ويستحق القتل.
لكن شعر بألم في ساقه. جلس أرضًا لوقت إلى أن سمع صوت سرينة الشرطة. خرج من المرحاض، ونظر إلى تلك التشديدات الأمنية بالمشفى كاملًا. فكر بألم ساقيه. لسوء حظه أثناء سيره انزلقت قدمه دون انتباه منه أو ربما بسبب الألم. شعر بألم مضاعف. رأى أحد العاملين بالنظافة في المشفى، طلب منه أن يساعده، يأخذه إلى قسم العظام بالمشفى كي يبتعد عن محيط مكان الجريمة.
قام أحد الأطباء بالكشف على ساقه. في البداية ظن أن سبب ذاك الجرح الذي بباطن ساقه بسبب شجارًا، لكن أقنعه جواب رامز:
خناقة إيه؟ كل الحكاية كنت ماشي واتزحلقت وكان في شريحة إزاز مرمية عالأرض اخترقت باطن رجلي وجرحتها وأنا كنت قريب من المستشفى قولت أدخل أخيطها، ومقدرتش أمشي. وقعت على رجلي. بس العامل الطيب ده ساعدني.
تفهم الطبيب قائلاً:
للأسف أنا دكتور عظام وإنت محتاج دكتور جراحة أو ممارس عام يخيط لك الجرح ده.
أومأ رامز متفهمًا. خرج مع العامل الذي سنده قائلاً:
المستشفى مقلوبة. في دكتور اتقتل، ومش هنلاقي دكتور في الاستقبال. تعالى معايا وأنا أشوف لك أي ممرضة تضمد لك الجرح.
وافق رامز وذهب معه حتى أتى له بمقعد وجلس عليه وتركه لدقائق ينتظر حتى أتى بإحدى الممرضات. ضمدت له جرح ساقه. ظل قليلًا بالمستشفى إلى أن سطع ضوء النهار وآتى له العامل قائلاً:
أنا نوبتي خلصت والمستشفى لسه فيها هرج ومرج. وجرح رجلك ميستاهلش تزنب نفسك هنا في المستشفى عليه.
نهض واقفًا وادعى شعور الألم قائلاً:
فعلًا أنا بقيت أفصل. شكرًا لك، وكمان زمان اللي في البيت قلقوا عليا. موبايلي شكله ضاع من غير ما أنتبه بعد ما وقعت. يبقى لك جزيل الشكر، بس لو سندتني لحد باب المستشفى أشوف أي مواصلة توصلني للبيت. زمانهم عقلهم هيطير.
تبسم له العامل بقبول وساعده إلى أن وصلا إلى أمام باب المشفى. كان يخفض رأسه عمدًا حتى لا تلتقط أي كاميرا بالمشفى ملامح وجهه. حتى أنه أشار إلى إحدى سيارات الأجرة الخاصة. قبل أن يصعد أخرج مبلغًا من جيبه وأعطاه للعامل شاكرًا له. في البداية رفض العامل، لكن هو أصر وقام بشكره. لاحظ العامل ذاك الوشم الذي ببداية معصم رامز بحرف "الميم بالإنجليزية". ليس هذا السبب الوحيد الذي لفت انتباهه، بل هنالك غرابة أسفل ذاك الوشم، هنالك حرف آخر لحرف الراء. لم يهتم العامل بذلك، فلا شأن له.
غادر سائق سيارة الأجرة. لم يسير كثيرًا وأوقفه رامز بحجة أن له أقرباء بإحدى المناطق. ترجل رامز بعد أن أعطاه مبلغًا. غادرت سيارة الأجرة. سار رامز قليلًا إلى أن دخل إلى مرآب خاص بذاك المكان وذهب نحو إحدى السيارات الفخمة. فتحها وصعد إليها. جلس قليلًا، يلتقط نفسه بالسيارة يشعر بهدوء نسبي بعد أن ابتعد عن المشفى. قبل أن يقود سيارته عائدًا إلى القاهرة. صدح رنين هاتفه الذي كان قد تركه بالسيارة قبل أن يذهب إلى المشفى. جذب الهاتف وقام بالرد. سمع شهيرة تقول بغضب:
إنت فين؟ بتصل عليك مش بترد عليا. أكيد مع واحدة من إياهم. اسمعني كويس، أنا عرفت إن سامر ابن أسعد مات، أو اتقتل. المهم إنه مات ولازم أكون موجودة في كفر الشيخ طبعًا عشان أواسي شكران وأسعد. وإنت كمان لازم تحضر الجنازة بتاعته. أهو حتى مجاملة.
رد رامز:
أوكيه تمام. اسبقيني وأنا هحصلك على هناك.
أكدت عليه شهيرة الحضور، وأغلقت الهاتف. ألقى رامز الهاتف جواره بالسيارة وشعر ببعض الأسى، ليس على سامر، بل أنه فقد وليفًا كان له مكانة خاصة.
على أصوات أنين انتزاع روح ذاك الحقير، عاود النظر له ونهض واقفًا يشعر ببعض الاشمئزاز.
بـ القاهرة.
ذُهلت شهيرة حين سمعت من ذاك الموظف يُخبرها:
روحت البنك أصرف الشيك بتاع مرتبات اللي بيشتغلوا في الأتيليه زي كل شهر. لقيت مفيش رصيد لحضرتك في البنك. يكفي المبلغ اللي مكتوب في الشيك.
تقوس حاجبي شهيرة قائلة:
مستحيل! يمكن حصل غلط أو لخبطة. على العموم أنا هتصل على البنك أشوف إيه الحكاية، ومش هيحصل حاجة لو اتأجل صرف المرتبات لبكرة.
أومأ لها العامل وغادر. بينما جذبت شهيرة هاتفها وكادت تتصل، لكن تراجعت وفكرت: لما لا تذهب إلى البنك بتلك الحجة؟ بالتأكيد خطأ وبالتأكيد سهل إصلاحه.
بعد قليل بالبنك.
جلست شهيرة بغرفة المدير الذي استقبلها ليس كالعادة بترحاب فائق، فقط ترحاب فاتر.
تجاهلت ذلك قائلة:
مدير الحسابات عندي جه يصرف شيك مرتبات الموظفين، قالي إن مفيش رصيد في حسابي، أكيد ده غلطة منكم.
- لأ مش غلطة يا شهيرة.
نظرت شهيرة نحو باب المكتب وإلى ذاك الذي فتح الباب بجبروت قائلاً بتأكيد:
فعلًا حسابك في البنك بقى خمسين ألف جنيه بس.
ذُهلت شهيرة قائلة بخفوت:
أسعد... إيه الجنان اللي بتقوله ده.
تضايق أسعد وأومأ برأسه لمدير البنك الذي فهم الإشارة وخرج من المكتب وتركهم. نظر لها بتجهم قائلاً بغضب:
سبق وحذرتك يا شهيرة، وإنتي استهونتِ بتحذيري ليكِ. فكرتِ نفسك إنك أذكى، بس عشان تعرفي إن اللعب معايا مالوش نتيجة غير الخسارة. البنك ده أنا بملكه من الباطن، يعني كل الموظفين اللي فيه رهن إشارتي، حتى "عادل" نفسه رهن إشارتي. وعشان تعرفي إني كريم معاكِ أنا سبت الفيلا باسمك بس عشان متشرديش كرامة لبناتي، لكن العشرة اللي كانت بينا إنتي أخدتِ تمنها كامل مميزات مني، بقيتِ سيدة مجتمع محترمة. لكن إنتي بطرتي وفكرتِ إن اسم "شهيرة" أقوى بدون ذكر اسم "أسعد شعيب". بس متخفيش، اسم أسعد شعيب ما زال له سيطرة على حياتك بمزاجي، واطمني ده مش هيستمر كتير. مسألة وقت. بس عشان تعرفي مفاجأتي التانية ليكِ اللي هتبهرك.
بمنزل أيمن.
مساءً.
بعد أن انتهوا من العشاء، أتت سهيلة بصينية عليها أكواب الشاي. نهض أيمن وأخذ منها الصينية قائلاً:
المفروض تريحي نفسك. الإجهاد مش كويس عشانك.
تبسمت سهيلة له قائلة:
يعني عمايل الشاي هي اللي هتجهدني.
تبسم لها أيمن قائلاً:
أيوا ويلا تعالي اقعدي جانبي وهويدا موجودة.
استغربت هويدا اهتمام أيمن المبالغ ولم تهتم. تنحت قائلة:
بما إنكم متجمعين مع بعض مش ناقص غير رحيم. ومعتقدش الأمر ده يخصه. كان في موضوع خاص بيا عاوز أقولكم عليه.
تبسم طاهر سائلاً:
خير، إيه هو الموضوع ده؟
أجابته هويدا:
أنا قررت أتزوج مرة تانية.
نظرت سحر لها بتفاجؤ قائلة:
واللي هتتجوزيه ده مجاش طلبك من باباكِ ليه؟ كمان موقفه إيه من ابنك؟
ردت هويدا بتبرير:
ابني هيتأثر بيه لما أتزوج. هو مرافق معاكم. كمان اللي هتجوزه شخص أنتم تعرفوه وأنا قولت أمهد الموضوع الأول.
تنهد أيمن سائلاً:
ومين الشخص ده بقى؟
ذُهل الجميع حين سمعوا جواب هويدا:
أسعد. "أسعد شعيب".
تفوهت سحر سريعاً:
مستحيل.
كذلك أيمن الذي وافقها قائلاً:
مستحيل... ده عمره قد عمرك مرتين وأكتر.
بينما صمتت سهيلة، تعلم لو تحدثت هويدا لن تتوانى عن إيلامها ظناً أنها تود مصلحتها مع آصف. رغم أنها تعلم حقيقة مقصدها. كذلك طاهر صمت مذهولاً، رغم فهمه لما تفكر به هويدا، لا تفكر في شيء سوى المال والسلطة اللذان يمتلكهم "أسعد".
تغاضت هويدا عن رد فعل سحر وأيمن وملامح طاهر وسهيلة. وقالت بتعمد:
أنا النهاردة كان آخر يوم ليا في العدة، وخلاص وافقت على فرصة جوازي من أسعد وكمان حددنا كتب الكتاب بكرة.
ذُهلت سهيلة لكن ما زالت صامتة. بينما تهكم أيمن بأسف يشعر بغصة قائلاً:
يعني كنتِ بتعرفينا مش أكتر، بس أنا مش موافق يا هويدا... ناسيه إنه على ذمته اتنين، ده عنده بنات أكبر منك.
ضجرت هويدا قائلة:
بس أنا موافقة، وهو وطنط شكران شبه منفصلين وإسألي سهيلة، وكمان مراته التانية معاه على خلاف وقريب هينهي جوازه منها.
نظر أيمن إلى سحر التي تدمعت عينيها، وللحظة كادت تنطق وتقول لها الحقيقة أن أسعد سيفسد حياتها كما فعل ابن عمه سابقًا وأفسد حياة والدتها الحقيقية. لكن صمتت بعد إشارة أيمن لها. أيمن الذي هددها يستحث فيها الأمومة المفقودة لديها، ربما تتراجع حتى لو ظاهريًا قائلاً بجفاء حاول إجادته:
لو اتجوزتي من أسعد يبقى تنسينا وكمان تنسي ابنك.
كأنه قال هراءً. والإجابة واضحة حين قالت بغضب:
أنتم مش شايفين سعادتي فين، وأنا مستحيل أضيع الفرصة. مستحيل اتنازل عن قراري وأسمح لكم تحطموا حياتي عشان أسباب فاضية.
"تحطموا حياتي". هكذا استهزأ أيمن وسحر يشعران بألم وغصات قوية في قلبيهم، من تلك النقماء التي لولاهم، ربما لكانت عاشت مجهولة الهوية والنسب، وتحطمت حياتها حقًا.
بـ فيلا شهيرة.
لو أطلقت العنان لذلك الجحيم الذي بقلبها لأحرقت كل شيء حولها وحوله لرماد. جذبت هاتفها بغضب وقامت باتصال، سرعان ما فُتح الخط وقالت بهجوم:
بقالك فترة قاعد عندك في بلجيكا بتعمل إيه؟ أكيد صايع بتتمتع مع النوعية القذرة اللي عندك، ارجع مصر فورًا في مصيبة حصلت.
بهدوء وبرود أجابها:
إيه المصيبة دي؟ أسعد مات.
ردت شهيرة بتمني:
ياريته كان مات، بقولك بلاش تسأل كتير لازم ترجع مصر فورًا.
أجابها بهدوء:
تمام، أنا كده كده كنت راجع مصر بكرة بعد الظهر.
باليوم التالي.
بـ سرايا شعيب.
ظهرًا.
"بارك الله لكم وبارك عليكم وجمع بينكم في خير".
قالها المأذون بعد أن عقد قران هويدا وأسعد. شعرت هويدا كأنها امتلكت سعادة الكون. بينما أسعد لا يعرف لما ليس سعيدًا كما توقع، لكن ابتسم حين نهض مدير أعماله وأخذ معه المأذون والشهود وغادروا السرايا.
رسمت هويدا الخجل بإتقان حين اقترب منها أسعد. لكن سرعان ما تذمرت حين سمعت صوت هاتف أسعد الذي أخرجه من جيبه ونظر إلى الشاشة. سرعان ما شعر برجفة في قلبه وقام بالرد ليسمع:
باشا آصف بيه خرج من المحكمة ودلوقتي خد طريق تاني غير طريق من المكتب أو السكن بتاعه.
تلهف أسعد وفكر للحظات قائلاً بأمر:
خليك ورا آصف وأوعى يتوه منك، وخليك معايا على تواصل.
أغلق أسعد الهاتف وتوجه إلى باب السرايا. ذهبت خلفه هويدا التي شبه نسيت تواجدها، لكن هي شعرت باستقلال لشأنها وتتبعته ونادت عليه قبل أن يصعد إلى السيارة. أجابها باختصار:
خليكي هنا.
شعرت هويدا بغضب، كيف له أن يتركها وحدها بعد دقائق من عقد قرانهم. لكن لن تتغاضى عن إيلامه لاحقًا، يكفي الآن أنها أصبحت زوجة "أسعد شعيب".
بعد دقائق.
بمنزل أيمن الدسوقي.
دخل أسعد بلهفة سألًا:
فين سهيلة؟
خرجت سهيلة من غرفتها ونظرت إلى أسعد الذي اقترب منها برجاء قائلاً:
سهيلة آصف في مشكلة ومفيش حد يقدر يقنعه إنه يعدل عن اللي في دماغه غيرك. أول مرة بطلب منك طلب، رجاءً صدقيني أنا غرضي مصلحة آصف.
ارتجف قلب سهيلة سأله:
مش فاهمة تقصد إيه، ومشكلة إيه؟
رد أسعد بتوسل:
سهيلة مش وقت أسئلة، هقولك كل حاجة في الطريق، بس أرجوكِ بسرعة لازم تجي معايا. عشان مصلحة آصف. متأكد إنك بتحبيه ويهمك مصلحته.
نظرت سهيلة إلى سحر وأيمن الذي وافقها بقبول حين قالت دون تردد:
ثواني هغير هدومي وأجي مع حضرتك.
دقائق كان أسعد وسهيلة بالسيارة التي تنطلق بسرعة كبيرة على الطريق. سألت سهيلة:
قولي إيه المشكلة اللي فيها آصف.
رد أسعد:
آصف عرف من قاتل "سامر".
تعجبت سهيلة قائلة:
وإنت عرفت منين إنه وصل للقاتل!
رد أسعد:
عرفت بالصدفة.
تسألت سهيلة:
ويا ترى عرفت مين القاتل كمان.
رد أسعد:
لأ. لو كنت أعرف كنت سبقت آصف وانتقمت منه بنفسي وبعدت الخطر عن آصف.
- وإزاي آصف وصل للقاتل بعد الفترة دي كلها؟ أكيد مش صدفة يوصل قبلك.
هكذا سألت سهيلة أسعد الذي أجابها:
آصف من زمان وهو بيبحث ورا القاتل وأكيد حادثة بيت البحيرة مكنتش صدفة. وأرجوكِ كفاية أسئلة. وادعي نوصل قبل آصف ما يتهور.
صمتت سهيلة، وضعت يدها فوق بطنها ترجو أن لا يخطئ آصف ويتهور مثل عادته حين يتعصب لا يفكر فيمن أمامه، فقط ينفذ ما برأسه.
بينما قبل قليل.
أمام المطار.
نظر رامز إلى تلك السيارة التي عرف هويتها وسرعان ما توجه وصعد إليها دون حديث. حتى لم ينظر إلى سائق السيارة الذي انطلق بها. جلس ينظر خارج شباك السيارة، لكن تفاجأ بطريق مختلف. نظر نحو السائق قائلاً:
مش ده الطريق. وصلني لـ فيلا مدام شهيرة.
أجابه السائق وهو يعطيه ظهره قائلاً:
هو ده طريق المكان اللي الباشا أمرني أوصله لعنده.
تبدلت ملامح رامز حين سمع صوت تكات صمام الأمان الخاصة بأبواب السيارة، واستدار له السائق وألقى على وجهه رذاذًا جعله يغيب عن الوعي.
ثم تحدث عبر الهاتف قائلاً:
آصف باشا، أنا عالطريق ومعايا الشخص المطلوب.
رد عليه آصف:
تمام، أنا انتهيت من جلسة المحكمة وجايلك عالـ مكان. مش عاوز أي تعذيب بدني.
- تؤمر يا باشا.
بـ هنجر بمنطقة سكنية تحت الإنشاء.
دلف آصف يشعر بنيران تسحق جسده سحقًا وكل ما بخياله آخر صورة رأى بها سامر وهو مذبوح، وصورة أخرى لـ سهيلة وهي غارقة بدمائها بين يديه تلك الليلة. فقط صورة الدماء تتراقص أمام عينيه.
دخل إلى تلك الغرفة ونظر إلى رامز الجالس على أحد المقاعد نائمًا ومقيدًا بوثاق. نظر إلى الشخص الآخر قائلاً باختصار:
فوقه.
أتى ذاك الشخص بدورق ماء وقام بسكبها بوجه رامز الذي شهق وفتح عينيه يرى أمامه بغشاوة إلى أن رأى جيدًا شعر بهلع وبرد فعل تلقائي حاول النهوض لكن شعر أنه مقيد. ازداد قلبه رعبًا حين نهض آصف واقترب منه باستهزاء قائلاً:
طول عمري بكرهك من يوم ما عرفتك. عمري ما ارتحت لك، بس كنت حريف وقدرت تسبكها كويس وتنفي عنك إنك قذر وشاذ. طبعًا لما تتحرش بالعارضات كنت ذكي جدًا في إخفاء حقيقتك، بس ليا سؤال ليه كنت بتخفي الحقيقة دي رغم إنك متكيف منها وقتلت بسببها؟ بعترف إنك خدعتني لوقت كبير.
ضحك رامز بجباة قائلاً:
شوفت أهو الاعتراف ده منك بالنسبة لي ذكاء كبير، مع إنهم دائمًا بيمدحوا بذكائك. بس أنا تفوقت على ذكائك.
تهكم آصف بضحكة سخرية قائلاً بازدراء:
فين الذكاء ده؟ لما تبعت لي مي المنصوري عشان تستدرجني بأنوثتها وذكائها، اللي إنت خوفت لما ضعفت قدامي إنها تقول لي على هويتك، وخوفت أوصلك عن طريقها عشان كده قتلتها، بس للأسف مي كانت مجرد طُعم أنا اصطدتك بيه. أنا عرفتك من قبل مي أو بمعنى أصح شكيت فيك وأكد لي الحقير اللي بعته ورايا أسيوط وفشل في قتلي، طبعًا مش هيغامر ويقتلني وسط الناس. يومها حالي شريط فيديو، وكشف لي شبه يقين عن هويتك، بس كان لازم أتأكد. إنت عارف إني كنت قاضي ولازم أتأكد من الدلائل قبل ما أصدر قراري. المهم طبعًا الموظف اللي ساعدك في المستشفى ليلة قتلك لـ سامر، قالي على علامة مميزة فيك. وشم حرف الميم اللي على إيدك، واللي مقصود بيه طبعًا ميولك الشاذة، كمان قوس اللي سبق وذكرت قدامي إن ألوانه بالنسبة لك حياة. كل دي كانت دلائل. أكدها العامل اللي اتعرف على صورتك بسهولة جدًا. كمان موبايل المجرم العبيط اللي بعته ورايا في البحيرة. كنت ساذج زي الفراشة بتنجذب نحو النور عشان تتحرق، وده اللي هعمله فيك. هخليك تطلب الرحمة قبل ما تموت، وشوف نهاية ملذاتك اللي بسببها سفكت دم سامر، وورطت سهيلة فيه. هدفعك التمن مضاعف قد العذاب اللي اتعذب سامر وانت واقف تتفرج عليه وهو بينزف. أنا كمان هقف أتفرج على دمك وهو بينزف تحت رجليا.
رغم هلع رامز، لكن ربما حلاوة الروح أو جباثته تحكمت به. ضحك باستهزاء قائلاً:
حتى لو قتلتني مش هترتاح لإن اللي بتعمل عشانها كده هي نفسها مبقتش بتحبك والدليل بعدها عنك خمس سنين. أنا انتقمت منها لما دخلت السجن. صحيح هي عاملة زي القطط بسبع أرواح، رغم إني بعت لها السم، بس مماتتش. بس بكفاية عليها المدة اللي قضتها في السجن وهي خايفة من كل اللي حواليها. مكنتش بتعرف تنام، حتى لما خرجت من السجن إنت كملت عليها. هي خدت جزاءها صحيح، مش زي ما كنت أتمنى، بس أهو شفيت غليلي منها. وإنت كمان سامر خاف تعرف حقيقته وبسببك اتمرد عليا. عارف إنت بالنهاية هتقتلني، بس أنا هبقى مبسوط لأني عارف إن عذابك مش هينتهي.
ذُهل آصف من قول ذاك الحقير الذي أخبره أنه هو من أرسل لـ سهيلة السم وهي بالسجن. هو ظن أن والده هو من فعل ذلك. لكن وقاحة حديث هذا القذر فاقت عقله. وقام بصفعه أكثر من صفعة بقوة غضبه، حتى نزفت الدماء من أنفه وفمه. ضحك ساخرًا بوقاحة يقول باستفزاز:
فين "سامر" كان يشوف صاحب الأخلاق وهو بيستقوي على شخص مقيد.
تهكم آصف ونظر إلى الشخص الآخر قائلاً:
فك القذر ده.
قام بفك وثاقه. نهض فجأة وكاد يأخذ ذاك السلاح من فوق خصره، لكن آصف كان واعيًا له ولكمه بقوة أرداه أرضًا. وأخرج سلاحه وفتح صمام الأمان.
تبدلت نظرة عيني رامز إلى نظرة هلع، حين سمع صوت فتح صمام الأمان للسلاح الذي بيد آصف.
بينما قبل لحظات ترجل كل من سهيلة وأسعد من السيارة. الذي نظر إلى ذاك الشخص الذي يقف أمام باب ذاك الهنجر قائلاً:
كويس إنك عرفت تفتح الباب قبل ما نوصل.
نظر أسعد نحو سهيلة قائلاً:
خلينا ندخل بسرعة، متأكد آصف غضبان.
وافقته دون تردد ودخلت خلفه مباشرةً، بل سبقته بخطوات.
بينما بنفس اللحظة استهزأ آصف بهذا الجبان القذر. أليس ذاك من كان يشعر بزهو وعدم مبالاة ويتبجح ويتواقح بالرد قبل لحظات. اتخذ آصف القرار وصوب فوهة السلاح نحو رأسه، وبالفعل كاد يطلق عليه الرصاص، لكن تصلبت يده حين سمع صوتًا يناهه:
لا يا آصف بلاش تلوث إيدك بدم شخص قذر.
نظر الاثنان نحو ذلك الصوت، تفاجأ آصف وهمس قلبه بلوعة:
سهيلة.
بينما استهزأ الآخر بضحكة مسموعة. عاد آصف ينظر له برغبة عقله يود أن تضغط يده على الزناد ويفجر رأسه، لكن هناك صوت آخر جعله ينظر نحوه وهو يناهه هو الآخر:
لا يا آصف أوعى تقتله.
استهزأ آصف وهو ينظر له قائلاً:
أسعد باشا. أخيرًا وصل.
تغاضى أسعد عن نبرة استهزاء آصف قائلاً:
بلاش تلوث إيدك بدم القذر ده. سيبه أنا هتصرف معاه بالطريقة اللي تناسبه.
تهكم آصف بضحكة مغصوصة قائلاً بسخرية:
هتتصرف معاه إزاي يا أسعد باشا؟ تهدده، ولا هتبعت له سم، ولا هتبعت اللي يهتك عرضه. بس اللي زي ده معدوم الشرف.
- آصف.
قالها أسعد، لكن صمت حين قاطعته سهيلة برجاء:
آصف مش هتستفاد حاجة لو قتلته، هتبقى مجرم زيه. آصف، إنت كنت قاضي قبل ما تبقى محامي، وتقدر تجيب الحق بالقانون. لو قتلته هتبقى مجرم متفرقش عنه.
ضحكة ذاك القذر أغاظت آصف، لكن في المقابل حديث سهيلة ونظرة عينيها المترجية، لكن الأقوى كان ترجي سهيلة، مما جعل آصف يستجيب لها وأخفض يده بالسلاح قليلاً. لكن سخرية ذاك المجرم وضحكته المستمرة أضجرت آصف فرفع السلاح مرة في وجهه وبلحظة كاد يطلق عليه، لكن تحذير سهيلة:
أوعي يا آصف لو قتلته يبقى تنسي وعمري ما هرجع لك تاني، مش هقبل أعيش مع قاتل.
بغضب نظر لها آصف قائلاً بتبرير كأنه يريد منها تفويضًا بقتله كي يعثُر على راحته:
الحقير ده بسببه اتعذبنا إحنا الاثنين سنين بعيد عن بعض.
- كان قدر يا آصف، صدقني قتله مش هيرجع عمرنا ولا هيمحي الوجع اللي عشناه. سلمهُ للشرطة يا آصف، اللي زي ده خسارة فيه الرصاصة لأنه عارف إن جنته وهو عايش وبس. آصف هو بيستفزك بضحكه عشان عارف إنه لو خرج من هنا هيلاقي عيون الكل بترجمه بنار تحرق قلبه وعقله. نظرات الاشمئزاز كفيلة تموته. آصف لو قتلته تبقى حطيت النهاية بينا، ومفيش فرصة رجوع.
نزل السلاح.
مع كل كلمة كانت سهيلة تتقدم خطوة تنظر لـ آصف برجاء أن يتراجع عن قتل هذا الحقير. إلى أن أصبحت أمامه مباشرةً، تنظر لعينيه برجاء أن يخفض السلاح. نظر آصف إلى عينيها، حن قلبه وهي تترجاه بهذه الطريقة. هي حقًا ما زالت تعشقه. أجل، كان الجواب منها حين وقفت بينه وبين ذاك المجرم وبلا أي اهتمام لأي شيء رفعت يديها وعانقته. زلزلت الباقي من كيانه واستسلم لطوفان حنينه الذي كان يأنه بعذاب تلك السنوات التي عاشها وهو يخشى نظرة عينيها الكارهة له. ترك السلاح يسقط من يده وعانقها يضمها أكثر له بحنين. سالت له دمعة عينيها فرحًا حين سمعت صوت السلاح الذي ارتطم بالأرض. عانقا بعضهما كأنهما غصنان من شجر ملتفة الأغصان.
لكن فجأة دوي صوت طلقتي رصاص.
خفف آصف من عناقه لها ونظرا الاثنان أمامهم مذهولان. قاتل ومقتول وكلاهما يحتضران.