تحميل رواية «عشق مهدور» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى القرى التابعة لمحافظة كفر الشيخ، تلك المحافظة التي تقع بمنتصف دلتا مصر، ولديها ظهير يطل على أحد شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهي أرض خصبة. صباحًا باكرًا، في سرايا فخمة وعريقة تتوسط مجموعة من الأفدنة مزروعة ببعض أشجار عين الجمل وبعض الأشجار الأخرى المثمرة، وحديقة خاصة تحيط بالسرايا بها بعض الزهور ونباتات الزينة. على صوت زقزقة تلك العصافير التي تسكن بأعشاشها على فروع تلك الأشجار. استيقظت تلك المرأة التي في منتصف الخمسين من عمرها. نهضت تُهندم فراشها، ثم توجهت ناحية مطبخ السرايا. لم يمضِ وقت...
رواية عشق مهدور الفصل الحادي والأربعون 41 - بقلم سعاد محمد سلامة
خرج من غمرة أفكاره حين فُتح باب تلك الغرفة وطل أحد الأطباء.
نهضت سهيلة واقتربت من الطبيب سائلة:
خير يا دكتور.
تبسم الطبيب قائلاً:
مش خير يا جماعة بصراحة، الرصاصة اخترقت في جزء دقيق من العمود الفقري، والحمد لله قدرنا إننا نطلعها من جسمه بس طبعاً العمود الفقري تأثر ولسه هنشوف الضرر وصل لفين، بعد طبعاً ما يفوق المريض ويبدأ رحلة العلاج، دلوقتي هيخرج على العناية المركزة تحسباً لأي مضاعفات.
شعر آصف بأسى ازداد بأسًا حين خرج ذاك الفراش النقال مُمدد عليه أسعد.
ذهب خلفه هو وسهيلة حتى دخلا إلى غرفة الرعاية المركزة.
ظل واقفاً حتى نظر له الطبيب قائلاً:
من فضلكم دي العناية المركزة، وقوفكم هنا مالهوش لازمة، المريض قدامه مش أقل من اتناشر ساعة على ما يفوق، تقدروا تنتظروا خارج الأوضة. وأي تطور لحالة المريض هنبلغكم بيه أول بأول.
جذبت سهيلة آصف بصعوبة حتى خرجا من الغرفة.
وقف آصف يشعر كأنه مسلوب جزء من عقله، لا بل من جسده أيضاً.
شفقت سهيلة عليه، وضعت يدها على كتفه قائلة:
والدك قوي أوي وأكيد هيقاوم...
قاطع آصف بقية حديثها حين جذبها على غفلة وقام باحتضانها بقوة، كأنه يريد لصقها بجسده.
انخضت سهيلة في البداية، لكن سرعان ما تبسمت وضَمته هي الأخرى على استحياء.
ثم آنت بألم طفيف.
خفف آصف من قوة احتضانه لها وعاد برأسه للخلف ينظر إلى وجهها.
لا يعرف للمرة الكام يتوغل الندم لقلبه بعد أن حاولت إسعاف والده، كما فعلت معه سابقاً.
حاولت إسعافه حسب قدرتها، كذلك فعلت سابقاً مع سامر وكانت نتيجة إنسانيتها أشهراً قضتها بين جدران زنزانة معتمة تُقاسي وحدها بين معتادات الإجرام.
مع ذلك حافظت على إنسانيتها، لم تُغير ولم تتخاذل رغم ما مرت به، ما زالت الإنسانية تتحكم بها.
***
في شقة آصف
زفرت شكران نفسها بأسى حين وجدت باب غرفة آصف مازال مفتوحاً.
إذن لم يعد.
ذهبت إلى غرفتها وجذبت هاتفها وقامت بالاتصال عليه.
أخذ وقتاً حتى قام بالرد على سؤالها الملهوف:
إنت فين يا آصف، أكيد لسه في المكتب زي عادتك سهران، أمتى هترجع للشقة.
حاول آصف الهدوء قائلاً:
أنا مش راجع الليلة يا ماما، عندي قضية مستعجلة في إسكندرية واضطريت أسافر عشانها.
زفرت شكران نفسها بتحذير قائلة:
إنت بتجهد نفسك أوي الفترة دي... هو مفيش محامي غيرك في المكتب كان يسافر عشانها.
أجابها بهدوء عكسي:
دي قضية مهمة ويادوب الليلة وهرجع بعد ما أخلصها فوراً.
تنهدت شكران بقلة حيلة قائلة:
تمام، ربنا يوفقك، تصبح على خير.
أغلقت شكران الهاتف وقامت بوضعه جوارها على الفراش.
تتنهد بأسى حتى سمعت صوت صفوانة:
هو آصف لسه مرجعش ولا إيه.
تنهدت شكران قائلة:
لأ، وهيبات في إسكندرية، عنده قضية فجأة هناك.
تساءلت صفوانة بعدم فهم:
قضية إيه اللي طلعت فجأة دي.
تنهدت شكران بأسى:
أكيد مفيش قضية، آصف من بعد سهيلة ما رجعت كفر الشيخ هو بيجي للشقة بس عشان ينام كام ساعة، رجع لعادته القديمة يلهي نفسه في الشغل.
لما سهيلة كانت موجودة لو كان عنده قضايا تلزم سفره مكنش بيبات غير نادر.
مش عارفة أمتى هيرتاح قلبي من ناحية آصف، عامل زي التايه.
وسهيلة كمان مش عارفة إيه في دماغها.
أوقات كنت بحس أنها خلاص نسيت الماضي وهتبدأ من جديد، بس اتفاجئت برجوعها تشتغل في كفر الشيخ تاني.
أنا نفسي قلب آصف يرتاح ومعاه قلب سهيلة.
أنا بفكر أسافر ليها كفر الشيخ وأقولها كفاية كده، بلاش تضيعي عمركم والسعادة وانسى اللي فات.
أومأت صفوانة قائلة:
ده اللي أنا كنت هقولك عليه، أنا مسافرة البلد بعد يومين، إيه رأيك تيجي معايا ونروح لها ونقول لها كلمتين يمكن تعقل.
تبسمت شكران بتوافق.
كذلك صفوانة التي قالت:
أنا كنت قايمة أصلي قيام الليل، إيه رأيك تتوضى ونصلي سوا وندعي ربنا يقرب بينهم.
آمين.
قالتها شكران وهي تنهض تشعر ببعض القلق الطفيف.
***
في فيلا شهيرة
ألقت هاتفها فوق الفراش بغضب، تشعر بثوران في عقلها.
قالت باستهجان:
رامز الحقير، اللي قال جاي النهارده بقينا بعد نص الليل وحتى بتصل على موبايله مش بيرد عليا، حتى دلوقتي بيدي غير متاح.
مش بعيد يكون وصل مصر وقفل الموبايل عشان مزعجوش وهو غرقان مع واحدة قذرة.
عقلها يكاد يشتعل، هلوست قائلة:
إزاي استهونت بـ أسعد، كان لازم أسمع كلام رامز لما كان بيقولي حطي فلوسك في بنك أجنبي، استثمارته أعلى وآمن.
أنا اللي كنت غبية.
مفيش غير رامز هو اللي يقدر يساعدني في المحنة دي.
صحيح أكيد هيساومني، بس مبقاش قدامي غيره وإني أقبل أشتغل تاني معاه مع اللي بيهربوا ماس.
لازم أثبت للحيوان أسعد إني مش محتاجه له.
ذهبت نحو الفراش وجذبت الهاتف، قامت بالاتصال على هاتف رامز.
تنهدت براحة قليلاً حين فُتح الاتصال وقالت باندفاع:
إنت فين، أكيد مع واحدة من ساقطة و...
قاطعها الذي فتح الهاتف قائلاً:
حضرتك الشخص صاحب الموبايل ده دلوقتي في المستشفى وأنا وكيل النيابة.
ذهلت سائلة:
مستشفى إيه ونيابة إيه، إنت أكيد حرامي سارق الموبايل.
غصباً رد عليها بذوق:
حضرتك غلطانة، وأنا لغاية دلوقتي بعطي لك عذر بس زي ما قولتلك صاحب الموبايل في مستشفى تقدري تروحي تتأكدي بنفسك وتطمني عليه، وأنا وكيل النيابة اللي بيحقق في الجريمة وبعتذر منك مضطر أنهي الاتصال.
أنا بس رديت عشان شفت اسم حضرتك وقولت أكيد من أهل المصاب، بسبب تكرار الاتصال.
أغلق وكيل النيابة الهاتف، بينما انزعجت شهيرة.
عاودت إلقاء الهاتف على الفراش تشعر بشبه انهيار عقلها من التفكير.
بقسوة جذبت خصلات شعرها للخلف تحاول بث بعض الهدوء لعقلها، حتى ارتجفت يديها، واحمرت عينيها، ونظرت نحو الهاتف الخاص بها.
ذهبت نحوه وجذبته بحدة ولمعت جمرة عينيها قائلة:
مفيهاش حاجة أما أروح للمستشفى أتأكد، يمكن يكون ربنا له رأي تاني، وأملاك رامز تبقى ليا، تعوض اللي نهبه أسعد مني.
***
بالمشفى
نظر آصف إلى سهيلة الجالسة على أحد المقاعد بجواره.
شفق قلبه قائلاً:
سهيلة مالهوش لازمة تفضلي هنا في المستشفى، هتصل على السواق يجي ياخدك للشقة، إنتِ لازم ترتاحي.
تبسمت سهيلة له قائلة:
لأ عادي، ناسيني إني دكتورة وواخدة على السهر في المستشفيات.
كاد يندفع آصف ويقول لها أنها لابد أن ترتاح من أجل حملها، لكن توقف بداخله يود أن تخبره هي أولاً.
وقال بتورية:
عارف إنك واخدة على السهر، بس أكيد مرهقة من مشوار كفر الشيخ لهنا كمان.
مأكلتيش وده مش كويس عشانك.
أنا هطلب لكِ أكل من مطعم، لازم تاكلي.
أومأت رأسها بموافقة قائلة:
اطلب أكل لينا إحنا الاتنين يا آصف.
تنهد آصف قائلاً:
تمام...
لكن بنفس الوقت كان هناك فراش نقال يتوجه إلى غرفة العناية المركزة يحمل رامز.
نظر له آصف يقبض يديه بسحق، ود أن ينهي حياته.
لكن لاحظت سهيلة قبضة يدي آصف.
نهضت سريعاً نحوه تحاول إلهاؤه قائلة:
آصف أنا جعانة، مش قلت هتطلب لينا أكل.
أغمض آصف عينيه يحاول غض بصره للحظات حتى مر ذاك الفراش.
ونظر إلى سهيلة يستمد الهدوء من بسمتها الخافتة.
تنهد قائلاً:
تمام... هطلع للجنينة الشبكة أفضل هناك.
أومأت سهيلة رأسها بموافقة تود أن يبتعد عن هنا الآن.
بعد دقائق
عاد آصف ومعه حقيبة ورقية، وضعها على مقعد بجوار سهيلة قائلاً:
في مطعم قريب من المستشفى جبت منه أكل.
تبسمت له وأمسكت يده قائلة:
اقعد يا آصف كُل معايا.
كاد أن يرفض، لكن نظرة عينيها المترجية جعلته يستسلم وشاركها الطعام رغم عدم رغبته.
لكن نهض بضجر حين سمع صوت شهيرة البغيض التي قالت باستهجان:
إنت هنا ليه، فين رامز، فيه إيه، إنت طول عمرك بتكرهني وبتكرهه هو كمان، أكيد إنت السبب.
لأ وكمان جبح وقاعد قدام الأوضة اللي هو فيها، وطبعاً معاك الحية اللي عاملة فيها ملاك الرحمة عشان تساعدك عشان تموه.
لم تقل هذا فقط بل جذبته من تلابيب قميصه بخشونة.
نهض لها... ينظر لها بغضب قائلاً بتوافق:
أنا فعلًا طول عمري بكرهك، وبكره رامز وكرهته أكتر لما اتأكدت إنه هو اللي قتل سامر أخويا وكان نفسي أقتله بنفسي، بس هو خسيس ولسه هياخد جزاء أفعاله الدنيئة.
مش معقول مكنتيش تعرفي حقيقة رامز إنه "شاذ".
صُدمت شهيرة بعدم تصديق قائلة باستهجان:
كذاب، إنت بتحاول تشوه صورته عشان تهرب من العقاب أكيد.
تهكم آصف بضحكة سخرية قائلاً:
عقاب إيه!
لو بأيدي كنت فعلًا قتلته، لأنه قاتل وكمان ضرب بابا برصاصة وهو كمان هنا في الأوضة اللي قدامك دي.
يا ترى هو كمان يهمك أمره، ولا كل اللي يهمك منه هو هتورثي قد إيه.
ذهلت شهيرة للحظات قبل أن تبتسم بخفوت.
بنفس الوقت لاحظ آصف تلك البسمة على شفاها.
شعر باستهزاء وحاول الرجوع للخلف حتى يتحرر من يديها اللتان تمسك بهما تلابيب قميصه.
يشعر بالاشمئزاز من لمسها له.
رغم غصة قلبه على والده، كيف تحمل الزواج من هذه المرأة الباردة المشاعر.
كذلك شفِق على أختيه من أم أنانية كهذه.
***
بـ سرايا شعيب
شعرت هويدا بضيق الوقت.
أصبح بعد منتصف الليل وأسعد لم يعد أو حتى هاتفها ويعتذر ويخبرها بوقت عودته.
نظرت إلى سلسلة المفاتيح التي بين يديها تخص أسعد.
بسبب استعجاله نسيها على الطاولة قبل أن يغادر.
شعرت بغضب وهي تفكر لماذا كان متعجلاً لهذه الدرجة.
كذلك طول الوقت وعدم عودته جعلها تشعر بالمهانة.
رغم أنها في البداية تعمدت عدم الاتصال عليه من باب الدلال، لكن تأخر الوقت للغاية ولم يظهر أي اهتمام بها كأنه نسيها.
تنفست بغضب وحسمت أمرها قائلة:
مافيهاش حاجة يا هويدا اتنازلي واتصلي إنتِ عليه.
بالفعل قامت بالاتصال على هاتف أسعد تنتظر الرد.
ثوانٍ وفُتح الاتصال.
اندفعت بدلال حاولت إجادته كي لا تثير انزعاجه منها من البداية.
قالت بلهفة كاذبة:
أسعد إنت فين قلقتني عليك يا حبيبي.
انزعج آصف من حديثها، وأعطى الهاتف لـ سهيلة قائلاً:
دي هويدا ردي عليها وقولي لها إن بابا في المستشفى.
أخذت سهيلة الهاتف من هويدا التي تذمرت قائلة:
مش بترد عليا ليه يا حبيبي.
تهكمت سهيلة باستهزاء فهي لم تسمع تلك الكلمة من هويدا حتى لـ حسام طفلها، لكن أجابتها بهدوء:
عمو أسعد اتصاب برصاصة وهو في المستشفى يا هويدا.
انزعجت هويدا بخضة سائلة:
بتقولي إيه ومستشفى إيه؟
ردت سهيلة:
مستشفى هنا في القاهرة، واطمني حالته مش خطيرة أوي.
إزاي حالته مش خطيرة، قوليني الحقيقة، إنتِ أكيد بتكذبي عليا.
ابتلعت سهيلة طريقة حديث هويدا الجافة وقالت بتأكيد:
هويدا أنا مش بكذب، عمو أسعد في العناية المركزة، هبعت لك اسم وعنوان المستشفى في رسالة.
أغلقت سهيلة الهاتف بينما مازال الذهول مسيطر على هويدا.
عقلها يكاد يجن ماذا حدث، وكيف حدث، ولماذا حدث الآن بالتأكيد من سوء حظها.
لكن لا... سهيلة قالت أن حالته غير خطيرة، بالتأكيد ربما إصابة عابرة.
نهضت فجأة وحسمت قرارها ستذهب لمعرفة حالته بالضبط.
لم تهتم بالوقت المتأخر.
***
مع بداية الصباح
فتحت سهيلة عينيها على صوت هويدا التي تلهث قائلة:
فين أسعد قولولي حالته إيه بالظبط.
كذلك فتح آصف عينيه، رغم أنه لم يكن نائماً.
نظر إلى هويدا قائلاً:
والله آخر تطور الدكتور قالنا عليه إنه لسه تحت تأثير المخدر والحمد لله محصلش أي انتكاسات لغاية دلوقتي.
معلشي يا عروسة حظك ملحقتيش تفرحي، بس الأيام جاية ادعي ربنا يشفيه ويقوم بالسلامة.
شعرت هويدا بالغيظ من نبرة استهزاء آصف، ونظرت نحو سهيلة التي شعرت هي الأخرى بالأسف على هويدا، كذلك بالكسوف من آصف.
لكن هويدا وضعتها بموقف مخزٍ أمامه بزواجها من والده، رغم اعتراض والديها لكن هويدا لم تهتم بمشاعر أحد عكس مصلحتها.
سألت سهيلة:
واضح إن جوزك بيتريق، قولي لي أسعد فين وايه حالته بالظبط.
ردت سهيلة:
عمو أسعد في أوضة العناية والدكتور محرج أي زيارات وبالعافية سمحوا لينا نقعد بالإستراحة اللي جنب أوضة العناية.
قبل أن تتحدث هويدا دلفت عليهم شهيرة التي نظرت إلى هويدا باستحقار وظنت أنها آتية مجاملة من أجل سهيلة.
قالت باستهزاء:
طبعاً جايه عشان تجاملي أختك وأسعد يفكر إن ده أفضل نسب هو ناسبه.
تهكمت هويدا قائلة بقصد:
لأ أنا جايه أطمن على أسعد جوزي.
تصنمت شهيرة للحظات قبل أن تضحك بهستيريا قائلة باستقلال:
جوزك! الطموح حلو، من يوم فرح آيسر وأنا لاحظت نظراتك لـ أسعد وكمان محاولاتك جذب انتباهه، بس قولت واحدة عبيطة حركاتها مكشوفة.
قاطعتها هويدا باستهجان قائلة بغيظ:
إنتِ اللي عبيطة مش أنا، أنا وأسعد اتجوزنا امبارح، وأكيد هيوصلك إخطار جوازنا حتى أسعد كان قالي إن قبل إخطار جوازنا هيوصلك إخطار بورقة طلاقك لأن أسعد طلقك قبل ما يكتب كتابه عليا.
إنتِ بتخرفي تقولي إيه!
قالتها شهيرة بذهول، وأكدتها هويدا:
ده اللي حصل، يعني. وجودك هنا مالهوش أي صفة، أنا هنا زوجة أسعد لكن إنتِ ولا حاجة.
اغتظت شهيرة عقلها يشتعل كيف فعل أسعد هذا وتذكرت بآخر شجار لهم، حين أخبرها "مفاجأتي ليكي هتبهرك".
لم تنبهر بل ذهلت وكاد عقلها يجن ولكن لن تترك فرصة لـ هويدا تتشفى بها.
ضحكت قائلة بتعمد:
واضح إنك كل اللي هتاخديه من أسعد هو لقب أرملة.
قالت هذا وعاودت الضحك بهستيريا كأنها بلا عقل.
بينما هويدا شعرت بالقهر وكادت تصفع شهيرة، لكن أمسكت سهيلة يدها قائلة:
هويدا بلاش مشاكل إحنا في مستشفى وهي بتستفزك، إهدي، الدكتور قال أن حالة عمو أسعد مش خطيرة.
بضحكات غيظ غادرت شهيرة تقول باستهزاء:
الحمد لله ربنا عفاني من لقب أرملة أسعد شعيب واضح إنك آخر قايمة زوجاته كمل بيكِ الأربعة قبل ما يموت.
اغتظت هويدا، ودفعت سهيلة عنها بغيظ قائلة:
أنا عايزة أشوف أسعد.
بسبب دفعة هويدا لـ سهيلة عادت بجسدها للخلف وكادت تفقد توازنها لولا أن جذبها آصف عليها سريعاً بلهفة ضمها.
تبسمت له سهيلة بامتنان، بينما هو تنهد براحة ونظر إلى هويدا بغضب.
لكنها لم تبالي حتى من رد آصف:
إحنا مش مانعين دخولك له عندك الدكتور روحي خدي منه الإذن.
توقف آصف عن الحديث ونظر إلى سهيلة قائلاً:
أنا اتخنقت من قعدتنا هنا تعالي نطلع للجنينة نشم هوا نضيف.
كادت سهيلة تعترض لكن جذبها آصف غصباً وغادر المكان.
بينما نظرت هويدا لهما تشعر بغيظ من اهتمام آصف المبالغ فيه بـ سهيلة.
***
انتصف النهار والشمس مازالت بازغة، لكن هذا المكان مظلم تحفه حماية شياطين الإنس.
إثنين يجلسان معاً لا أحد يرى الآخر بغرفة مظلمة فقط مثل الذئاب وميض عينيهم الأبيض هو ما يظهر بالغرفة.
كان الحديث آمرًا:
رامز ورقة انكشفت وآن الأوان قبل ما يبوح بالأسرار اللي يعرفها تتحرق الورقة دي، رامز مش لازم تطلع عليه شمس بكرة.
تفوه الآخر قائلاً:
المستشفى دي خاصة وفيها كاميرات في كل ركن، كمان فيه حراسة من الشرطة على الأوضة اللي هو موجود فيها.
مش أول مرة تحصل، دبر أمرك، وزي ما قولت رامز لازم حياته تنتهي قبل ما يفوق وقبل شمس بكرة، هستني خبر رامز.
وافق الآخر قائلاً:
فعلًا مش أول مرة تحصل وتأكد إن رامز في عداد الأموات.
***
بالمشفى
خرج الطبيب من غرفة العناية، وتوجه إلى آصف الذي وقف هو وهويدا بلهفة سائلة:
من فضلك يا دكتور أنا عايزة أدخل أطمن على أسعد.
نظر لها الطبيب قائلاً:
الزيارة لسه ممنوعة، بس أحب أطمنكم حالة المريض أصبحت أفضل رغم إنه لسه تحت تأثير المخدر، واول ما يفوق هيتنقل لغرفة عادية مسألة ساعات مش أكتر، بس مرحلة الخطر انتهت، والزيارة وقتها هيبدأ مسموح بيها.
قال هذا الطبيب وغادر، بينما هويدا شعرت بغضب، عقلها يكاد يشتعل رغم حديث الطبيب المطمئن.
***
مساءً
خرج كل من آصف وآيسر خلف الطبيب، الذي قال لهم:
عدم وعي المريض من تأثير المخدر، إحنا عطينا له مخدر بنحاول نخفف الألم قبل ما يستعيد وعيه، بحيث جسمه يكون استرد جزء من المقاومة.
وكمان فيه شيء مهم لازم تعرفوه وده توقع مش مؤكد، الرصاصة كانت في العمود الفقري، وأكيد وارد يكون ليها تأثير على وظائف العمود الفقري.
تساءل آيسر:
مش فاهم قصدك يا دكتور، ياريت توضح.
أجابه الطبيب بعملية:
يعني احتمال وارد تأثير الرصاصة على جسم المريض ممكن يؤدي لشل حركته، لحد دلوقتي مش واضح مدى التأثير ده، بعد ما يتعافى المريض هنعرف مدى التأثير بالضبط.
انذهل آيسر وآصف، بينما غادر الطبيب.
نظر آيسر إلى آصف قائلاً:
إنت هنا من امبارح ولازم ترتاح خد مراتك وأنا هبات مع بابا.
وافق آصف على ذلك، ودلف إلى الغرفة مرة أخرى.
رمق والده الذي مازال نائماً، يشعر بشفقة، لا ليست شفقة بل لوعة قلب إلى ما وصل له لو صدق توقع الطبيب.
نظر نحو سهيلة قائلاً:
فين هويدا؟
ردت سهيلة بتبرير:
هويدا بتتعب من المستشفيات، مناعتها ضعيفة وسهل تلقط أي عدوى، قولت ليها بلاش تفضل بالمستشفى وبصعوبة وافقت.
تهكم آصف بداخله لو كانت والدته مكانها لما غادرت حتى لو مكثت مريضة بجواره على الفراش.
تبسم بإيماء قائلاً:
تمام يلا بينا إحنا كمان الدكتور سمح بمرافق واحد وآيسر هو اللي هيبات مع بابا.
وافقت سهيلة وغادرت مع آصف.
***
بـ شقة آصف
دخلت سهيلة أولاً، ثم آصف خلفها.
أتت شكران بلهفة بعد أن سمعت فتح باب الشقة كي تطمئن على آصف، كذلك صفوانة.
وقفن الاثنتين للحظة ثم تبسمن لـ سهيلة التي تشعر بخزي، من نظراتهن.
لكن شكران فتحت يديها بترحيب قائلة بعتاب:
وحشتيني... وزعلانه منك كده متتصليش تطمنيني عليا الفترة اللي فاتت.
تبسمت سهيلة بخزي وتوجهت إليها وحضنتها قائلة:
حقك عليا، أنا....
قاطعتها صفوانة قائلة:
بلاش العتاب، يا شكران المهم إن سهيلة رجعت تاني تنور الشقة.
أومات شكران ببسمة وضمتها وهي تنظر نحو آصف الذي رغم سأم ملامحه لكن يبدو هادئاً ومرتاحاً.
نظرت له قائلة بحنو:
يلا غيروا هدومكم على ما أنا وصفوانة نحضر العشا.
تبسم آصف قائلاً:
فعلًا إحنا جعانين جداً.
تبسمت لهم صفوانة قائلة:
على ما تغير هدومك إنت وسهيلة هيكون العشا جاهز، زي ما يكون شكران قلبها كان حاسس برجوع سهيلة وقالت لي نطبخ الطبيخ اللي سهيلة كانت بتحبه.
نظرت سهيلة إلى شكران وتبسمت دون حديث.
ذهبت نحو غرفتها، كذلك آصف.
نظرتا لهما شكران وصفوانة التي قالت:
كل واحد فيهم راح أوضته.
تبسمت لها شكران قائلة بيقين:
قبل آخر الليل الاتنين هيناموا مع بعض في أوضة واحدة.
تبسمت صفوانة قائلة:
أنا كمان حاسة بكده.
***
بـ سرايا شعيب
دخلت هويدا التي أمرت ذاك السائق أن يأتي بها إلى هنا لغرضٍ برأسها طوال الطريق ينحر بها عقلها، بعد أن تسمعت على حديث آصف وآيسر مع الطبيب وعلمت أن أسعد قد يصبح مشلولاً.
تشعر بخسارة، غامرت كثيراً وحين وصلت هل تصل إلى سراب.
كذلك حديث شهيرة الشامت بها.
لا، لن تخسر يكفي ما افتعلته إلى الآن لنيل الزواج من أسعد.
وحين تزوجته لن تعيش السراب.
أخرجت تلك السلسلة الخاصة بمفاتيح أسعد.
توجهت إلى غرفة المكتب مباشرةً.
نظرت نحو تلك الخزنة لابد أن بها كل مستندات وأوراق ما يمتلكه أسعد، عليها العلم بكل شيء.
نظرت إلى تلك المفاتيح رأت مفتاحاً يشبه مفاتيح الخزن.
قامت بوضعه وفتحت تلك الخزنة بسهولة.
جذبت تلك الأوراق وضعتها على المكتب.
لفت نظرها ملف يبدو قديماً موضوع أسفل تلك الملفات.
جذبته هو الآخر وكادت تضعه على المكتب لكن سقط سهواً من يدها على الأرض وتبعثرت منه بعض الأوراق.
انحنت وجمعتها واستقامت لكن لفت نظرها تلك الصورة التي بين تلك الأوراق.
نظرت لها بتتمعن هامسة:
الصورة دي أنا شفتها قبل كده عند بابا في ألبوم الصور، وقالولي دي صورتي أنا مع عمتي "إبتهال".
إيه اللي جابها هنا.
نظرت خلف الصورة وذهلت حين قرأت تلك الكلمة المكتوبة بوضوح "صورتي مع بنتنا يا حبيبي".
ذهل عقل هويدا.
وبحثت بين بقية الملف، عثرت على تلك الورقة وقرأت نصها الذي كان لها بمثابة فقدان للعقل.
هذا اعتراف ببنوة هويدا إلى أحد أفراد عائلة شعيب.
ليس هذا فقط هنالك اعتراف بزواجه عرفياً من عمتها "إبتهال فكري شعيب".
***
بالمشفى ليلاً
فجأة انقطع الضوء للحظات قبل أن يعود على الفور.
كان مثل الصقر يراقب.
استغل هدوء المكان وقام بوضع قلنسوة تخفي معظم وجهه لا يظهر منها سوى عينيه.
وقف أمام تلك الغرفة.
اعترضه ذاك الشرطي الذي يقف على باب الغرفة.
رفع تلك الأدوية التي بيديه قائلاً:
ميعاد العلاج بتاع المريض.
قال له الشرطي بأمر:
شيل الكمامة اللي على وشك دي عايز أشوف وشك كمان هاويتك الطبية.
واقفا قائلاً:
تمام ثواني.
بنفس اللحظة قبل أن يزيح القلنسوة عن وجهه وضع يده بجيبه.
اعتقد الشرطي أنه سيخرج هاويته، لكن أخرج قنينة صغيرة للغاية، وقام برفعها بوجه الشرطي وقام بنثر رذاذاً عليه جعله مثل المغيب رغم أنه يفتح عينيه.
تبسم حين توجه إلى باب الغرفة ولم يجد اعتراضاً من الشرطي.
دلف إلى الغرفة، نظر بجميع جوانبها لا توجد كاميرات مراقبة.
تنهد بارتياح، وذهب إلى ذاك الفراش نظر نحو رامز الممدد، ملامحه يبدو عليها آثار عراك.
لم يهتم، وذهب نحو تلك القنينة البلاستيكية المعلقة على حامل خاص، وضع ذاك العلاج على منضدة بجوار الفراش، ثم أخرج سرنجة كبيرة من جيبه وقام بوضعها بذاك المحلول سحب جزء قليل منه، جذب السرنجة ثم ملأ باقي السرنجة بالهواء وقام بخلطها بقنينة المحلول المعلقة.
وظل للحظة حتى تأكد أن الهواء اختلط بالمحلول الطبي.
غادر، كما دخل دون اعتراض الشرطي.
ما هي إلا لحظات حتى سمع صوت صفير عالٍ لتلك الأجهزة الطبية الموصولة بجسد رامز يعلن أن نهايته بلحظات ويصبح ميتاً.
دون إثارة شك بأنه موته مفتعل.
***
بأول الليل
بـ شقة آصف
شعر بضجر وهو ممدد على الفراش بغرفته.
نهض حاسماً أمره دون تفكير، ذهب إلى غرفة سهيلة، التي هي الأخرى رغم إرهاقها لكن لم تستطع النوم تفكر في آصف.
الذي أزاح باب الغرفة، ونظر إليها، تبسمت له.
وهو يقوم بمواربة الباب مرة أخرى خلفه ويتجه نحو الفراش.
بتلقائية منها، أزاحت جسدها قليلاً وأفسحت مكان تمدد به آصف وهو يبتسم.
واقترب منها وضع رأسه على صدرها قائلاً:
محتاج أنام في حضنك يا سهيلة.
تبسمت، وبتلقائية منها لفت يديها حول ظهره واحتوته على صدرها بقبول.
انشرح قلب آصف وضمه.
وساد الصمت حتى شعرت بانتظام أنفاسه علمت أنه استسلم للنوم.
استسلمت هي الأخرى للنوم حتى الصباح.
فتحت عينيها وشعرت بقيد يدي آصف لها كأنه يحتمي بها.
تبسمت وضَمته تشعر بهدوء.
احتوتها بيديها وتنفست براحة حتى شعرت ببداية استيقاظ آصف برأسه على صدرها.
نظرت إلى وجهه متبسمة حين فتح عينيه، ثم أغمضهما مرة أخرى شعرت بيديه تحتضن جسدها.
تبسمت له قائلة:
صباح الخير.
فتح عينيه وابتعد عن جسدها قليلاً يقول:
صباح النور، أكيد كنت تقيل على صدرك ومعرفتيش تنامي.
رفعت إحدى يديها وضعتها على وجنته قائلة برومانسية:
بالعكس أنا نمت كويس وإنت مكنتش تقيل على صدري.
رفع هو الآخر يده يلمس شفاها التي انصبت عليها عيناه واقترب كثيراً وكاد يقبلها، لكن انتبهت سهيلة قائلة:
آصف باب الأوضة موارب.
زفر نفسه قائلاً:
لازم نشوف حل لباب الأوضة الموارب أعتقد آن الأوان يتقفل علينا.
أومأت برأسها مبتسمة بدلال تقول:
بس أنا عندي فوبيا الأماكن المغلقة.
ابتسم آصف قائلاً:
تعرفي إن دي الحاجة الوحيدة اللي معرفش سببها.
تبسمت سهيلة بدلال قائلة:
وإنت تعرف عني كل حاجة.
أومأ رأسه موافقاً واقترب من شفاها وكاد يقبلها، لكن سهيلة وضعت يدها على فمه بتحذير:
آصف.
تبسم آصف قائلاً:
اطمئني متأكد لا ماما ولا صفوانة هيقربوا من ناحية الأوضة دي، أنا هكلم مهندس ديكور آن الأوان فتح الأوضتين على بعض.
تبسمت سهيلة بحياء.
تجرأ آصف وضع يده خلف عنقها ولثم وجنتيها، ثم شفاها بقبلات ناعمة، ترك شفاها ونظر إلى وجهها تبسم حين رأى الخجل وهروب عينيها من عينيه.
وضع قبلة على جانب شفاها هامساً:
سهيلة إيه رأيك نسافر كام يوم نغير جو.
هنروح فين؟
عاد برأسه للخلف يفكر ثم تبسم.
نظرت إلى بسمته بسؤال:
بتضحك على إيه، مش لازم أعرف هنروح فين، كمان لازم أقدم على إجازة من شغلي في المستشفى.
ضحك قائلاً:
إجازة المستشفى سهلة بمكالمة تليفون، بكرة الصبح نروح المستشفى نطمن على بابا، وبعدها هقولك هنروح فين.
تنهدت سهيلة باستسلام قائلة:
تمام... بصراحة بعد اللي مرينا بيه الفترة اللي فاتت محتاجة إجازة كم يوم أفصل بيها.
تبسم آصف وهو يضم وجهها بين يديه وقبلها ثم ترك شفاها قائلاً بتلميح:
إنتِ فعلًا محتاجة فترة نقاهة لأن الإجهاد ليكي مش كويس.
لم تفهم سهيلة تلميح آصف وقالت:
آصف في حاجة كنت عايزة أقولك عليها، ومش عارفة هتصدقيني ولا لاء.
يتبع
رواية عشق مهدور الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم سعاد محمد سلامة
شعر آيسر بالآسف فهذه كانت حقيقة مشاعر آصف تجاه والده قبل أيام، أو بالأصح قبل ذاك الحادث. لكن بعد ذاك الحادث شعر أن مشاعر آصف تبدلت تجاه أسعد، وقد تعود لمسارها الطبيعي في القريب العاجل.
تبسم آيسر قائلًا:
الكلام خدنا ونسيت أتصل على آصف أقوله إنك فقت. هتصل عليه متأكد أنه هيفرح أوي.
***
في شقة آصف
قبل قليل
قطع وصل حديث سهيلة مع آصف صوت رنين هاتفها. جذبته ونظرت إلى الشاشة. شعرت بالقلق والتوجس حين رأت اسم آيسر. ثم نظرت إلى آصف الذي نظر إلى شاشة الهاتف بفضول. شعر هو الآخر بتوجس، لكن سهيلة سرعان ما قامت بالرد وسمعت اعتذار آيسر قائلًا:
آسف إني أزعجتك بدري كده، بس أنا بتصل على آصف موبايله بيرن ومش بيرد، يمكن عامله صامت.
ردت سهيلة بذوق:
لأ، مفيش إزعاج ولا حاجة. أنا كنت صاحية.
ابتسم آيسر قائلًا بفرحة:
أنا كنت بتصل على آصف عشان أقوله إن بابا فاق ورجع للوعي وطلب يشوفه.
تبسمت سهيلة قائلة:
الحمد لله، ربنا يتم شفاه على خير. معاك آصف.
انشرح قلب آصف وهو ينظر إلى ملامح سهيلة بترقب. أخذ من يدها الهاتف وقام بالرد على آيسر، بينما سهيلة شعرت بغثيان فجأة. نهضت من فوق الفراش وتوجهت نحو الحمام.
خرجت بعد قليل. تبسمت حين رأت آصف مازال يتمدد فوق الفراش ينظر ناحية باب الحمام. تبسم حين خرجت سهيلة، لكن لاحظ على ملامح وجهها الوهن. نهض من فوق الفراش واقترب منها بلهفة قائلًا:
مالك يا سهيلة؟ كنتِ كويسة وفجأة قمتِ من عالسرير دخلتِ الحمام، ودلوقتي وشك أصفر. إنتِ تعبانة؟
أومأت سهيلة برأسها قائلة بتطمين:
أنا كويسة، هو بس الإرهاق وعدم النوم.
رغم يقين آصف أن هذا ليس السبب، لكن تبسم قائلًا:
تمام، بعد ما نزور بابا في المستشفى ونطمن عليه، هنسافر كم يوم نغير جو، كمان هدنة من الإرهاق.
تبسمت سهيلة سائلة بفضول:
مش هتقول لي هنسافر فين؟
تبسم وهو يقترب من أذنها بوجهه، يُبعثر مشاعرها بأنفاسه الدافئة:
كلها كم ساعة وتعرفي. هروح الأوضة التانية أغير هدومي عشان ما نضيعش وقت.
لمعت عينيها ببسمة. كذلك آصف.
بعد قليل
على طاولة الفطور، شعرت شكران بانشراح في قلبها وهي تتبادل النظر بين سهيلة وآصف اللذان يبدو على ملامحهما السعادة. رغم ملامح وجه سهيلة الشاحبة، لكن تعلم أن سبب هذا الشحوب في "الحمل"، التي لا تعلم إن كانت باحت به لآصف أم لا. لكن تبسمت وقامت بتقريب كوب اللبن من سهيلة قائلة:
وشك أصفر يا سهيلة. اشربي اللبن يغذيكِ.
تبسم آصف قائلًا:
والله يا ماما لسه قايل لها، قالت إرهاق من السهر.
تبسمت صفوانة التي أتت ببعض الأغراض ونظرت إلى شكران بتوافق قائلة:
لأ، المفروض تاخدي بالك من صحتك. الإرهاق مش كويس عشان صحتك، وكمان لازم تتغذى كويس. أنا عالغدا هعمل لك شوربة مخصوص فيها كل الغذا.
شعرت سهيلة باستغراب من أفعالهن، لكن ظنت أنه مجرد اهتمام زائد. كذلك تبسم آصف. على سهيلة التي لا تعلم أن أمر حملها معلوم لدى الجميع. لكن رد على صفوانة:
لأ، ما تعملوش حسابنا عالغدا، إحنا مسافرين كم يوم استجمام.
تبسمت شكران سائلة:
مسافرين فين؟
تبسم آصف ولم يجب. نظرت له سهيلة قائلة:
والله يا طنط أنا نفسي معرفش. آصف قالي إننا هنزور عمو أسعد في المستشفى وبعدها هنسافر.
شعرت شكران بخضة قائلة:
هو أسعد في المستشفى ليه؟
نظرت سهيلة إلى آصف ظنت أنه أخبرها، لكن آصف نظر إلى شكران. بداخله لم يسخر من مشاعر والدته التي يعلمها جيدًا. لديها قلب حنون، حتى لو علمت أنه تزوج عليها بأخت سهيلة. لكن قال بهدوء:
بابا كان تعبان شوية وآيسر اتصل عليا من شوية وقالي حالته اتحسنت.
نهضت قائلة:
كمان آيسر يعرف ومقاليش. على ما تكملوا فطوركم هكون غيرت هدومي، وهاجي معاكم أزور أسعد.
تبسمت سهيلة. سرعان ما أخفضت وجهها تشعر بالخزي بسبب زواج هويدا (أختها) من أسعد. لاحظ آصف تفهم ذلك وقام بوضع يده على يد سهيلة قائلًا:
كملي أكلك يا سهيلة.
تبسمت سهيلة له.
بعد قليل دلف آصف إلى غرفة شكران، التي تبسمت له قائلة:
أنا خلاص خلصت لبس.
تبسم آصف قائلًا:
ماما، الدكتور مانع الزيارات عن بابا منعًا للإرهاق.
نظرت شكران له باستفسار قائلة:
وأنا لما أزوره هرهقه في إيه؟ أنا يدوب هزوره وأطمن على صحته.
اقترب منها آصف وأمسك يدها قائلًا برجاء:
بابا كويس، هما شوية إرهاق والدكتور قال ممنوع الزيارات عشان كده. لو مش مصدقاني اتصلِ على آيسر اسأليه. بكرة يكون الدكتور سمح بالزيارات وأبقى روحي اطمني عليه.
رغم عدم اقتناعها، لكن وافقت شكران قائلة:
تمام، هبقى أتصل على آيسر يطمني عليه، وإنت كمان ما تقفلش موبايلك عشان لما أتصل أطمن عليك إنت وسهيلة. ومتخافيش مش هتصل غير مرة واحدة في اليوم.
ضحك آصف قائلًا:
مش هقفل موبايلي يا ماما واتصلِ أي وقت.
تبسمت له بحنان قائلة:
ربنا يهنيك ويفرح قلبك دايمًا.
تبسم وهو ينحني على يدها يُقبلها. بنفس الوقت جاءت سهيلة وتبسمت قائلة:
أنا جاهزة وكمان شنطة الهدوم أهي جهزتها.
استقام آصف مبتسمًا. بينما قالت شكران:
ما قولتيش هتروحوا فين؟
صمت آصف للحظات يفكر. لو أخبر شكران بالمكان الذي سيذهبان إليه ستقلق، كذلك سهيلة. ربما أكثر من والدته. تبسم بخبث قائلًا:
لو مش سهيلة واقفة معانا كنت قولت لك عالمكان، بس بكده مش هيبقى مفاجأة ليها. أنا هتصل عليكِ لما نوصل وأقولك إحنا فين.
تبسمت له قائلة:
توصلوا بالسلامة، يلا بلاش رغي كتير.
تبسم آصف وتوجه ناحية سهيلة. حمل منها الحقيبة وغادرا، تصحبهما بسمة ودعاء قلب شكران التي ذهبت خلفهم إلى أن غادرا الشقة. تبسمت لها صفوانة قائلة:
كويس إنك سمعتِ لكلام آصف.
قاطعتها شكران قائلة:
أنا بس هاودت آصف، وبعد العصر هروح أزور أسعد. قلبي حاسس إن فيه حاجة آصف مخبيها ومش عايزني أعرفها، وأكيد محذر آيسر هو كمان. من امتى أسعد بيحب يدخل المستشفيات، حتى عشان يزور حد مش هو المريض.
حاولت صفوانة إقناعها عن العدول عن الذهاب إلى المشفى، لكن فشلت أمام إصرارها.
***
منزل أيمن
في المطبخ
بسبب شرودها كادت سحر أن تجرح إصبعها بالسكين لولا نبهتها آسميه بتحذير:
حاسبي يا سحر. السكينة هتقطع صابعك. مش تاخدي بالك. إيه اللي شاغل عقلك كده عالصبح وسرحانة؟
انتبهت سحر. بينما آسميه عاودت السؤال:
مالك شارده في إيه كده عالصبح؟ بقولك العيال فين؟
تنهدت سحر ببؤس قائلة:
رحيم نايم واصل الفجر، وطاهر سافر القاهرة مش عارفة أوراق إيه خاصة بسفره هيخلصها. وقال هيروح يزور أسعد، وأيمن خد حسام يوديه الحضانه وزمانه راجع. وقولي إيه اللي مش واخد عقلي، إن كان هويدا ولا سهيلة. الاتنين شاغلين تفكيري.
طغى حبها لـ سهيلة قائلة:
مالها سهيلة؟ أنا مكلمها امبارح بالليل وقالت لي إنها بخير الحمد لله. إيه اللي قلقك من ناحيتها؟ صحيح أنا وآصف مفيش بينا استلطاف، بس بعد اللي شوفته منه الفترة اللي فاتت مستحيل يأذيها تاني. ادعي ربنا يقومها بالسلامة وتجيب لك حفيد تاني.
تدمعت عين سحر قائلة:
لما يجي أسعد هنا ويترجاها تروح معاه وبعدها بكام ساعة نعرف إنه اتصاب بالرصاص ومش عاوزني أقلق عليها، ولا بخت التانية هويدا اللي راحت اتجوزت من أسعد رغم عدم رضانا، وأهو ما لحقتش تفرح معاه ليلة. ويا ترى هيقوم ولا الله أعلم.
تهكمت آسميه قائلة:
هويدا زي أمها زمان. ما اطمعت وجريت وسراب عيلة "شعيب". ولما جينا نحذرها عملت زي هويدا ما سمعتش غير لتطلعات عقلها واطمعت، قال إيه. أنا من عيلة شعيب و"زهير" زي ابن عمي وعمره ما هيأذيني. سابها حبلى ولا سأل فيها، حتى لما ولدت وطلبت منه يعترف ببنتها رفض، وربنا كان له بالمرصاد. مات وهو شايل ذنب ابتهال وبنتها.
- مين بنت ابتهال؟
هكذا سألت هويدا باستخبار مُلِح. ونظرة عين مُراقبة لملامحهن.
نهضت سحر تشعر برجفة قلب من ملامح هويدا وحاولت تغيير الحديث وتعلثمت قائلة بتتويه:
هويدا إنتِ هنا من امتى؟
نظرت هويدا ناحية آسميه تشعر ببغض قائلة:
طول عمرك بتكرهيني ودايمًا تقولي على سهيلة حفيدتك الوحيدة.
ذهلت آسميه قائلة بتبرير:
وهكرهك ليه؟ إنتِ اللي طول عمرك واخدة جنب وما بتفكريش غير في مصلحة نفسك. أنا بكره فيكِ الطمع والغطرسه على أخواتك اللي المفروض كنتِ إنتِ اللي تحتويهم. حتى ابنك اللي لو كنتِ جايباه من الحرام كان قلبك هيبقى أحن عليه من كده. ربنا عطيكِ من نعمه كتير، بس إنتِ البطر طول عمرك مالي قلبك. عاوزه كل حاجة، رغم ربنا عطاكي أفضل من سهيلة اللي معرفش سبب الحقد في قلبك من ناحيتها من وأنتم صغيرين. أبسط شيء اللبس كان عندك بدل الفستان خمسة وهي بترضى بفستان واحد. حتى لما حاولتِ تسممينيها بجرعة علاج زايدة وكمان غلط وكلنا سكتنا وقلنا عقل عيال صغيرة. طول عمرك عاوزة تبقي محور الكون. ربنا عطاكي زوج كان هوّين معاكِ واتعامل معاكِ برحمة مش وصلك للموت، وطفل كلنا عارفين سهيلة فضلت تتعالج لفترة هي نفسها ما كانش عندها أمل أنها تحبل وتبقى أم. حياتك إنتِ اللي كنتِ بتختاريها مش بتتفرض عليكِ زي سهيلة اللي عاشت عتمة سجن بين أسوأ أنواع النسوان. دايمًا كنتِ بتحقدي من سهيلة مع إن لو فكرتِ للحظة كنتِ هتعرفي إنك أفضل منها، وكنتِ المميزة عنها. مش بس ورثتي شكل ابتهال كمان ورثتي أطباعها. كأنه سلسال بيوصل لبعضه. في البداية كان مرات أخويا جدتك اللي بعد ما اترملت راحت اتجوزت ومعبرتش إن عندها طفل محتاج ليها ومحتاج اللي يحطحط عليه ويهتم بشؤونه. قبلت ابنها يتشرد، وياريت بس كده كمان جوزها كان عاوز يموتها عشان مسبب له إزعاج. مش عارف يتهنى معاها. سلسال فقد الإحساس بلذة وطعم الحياة. مش في المال والجاه، لذة الحياة في الرضا بعطايا ربنا لينا.
صفقت هويدا بيديها باستهزاء من حديث آسميه قائلة باستنفار:
لأ حلوة وصلة المعايرة دي. أنا عارفة ده كله طبعًا أنا الشيطان والملاك هي حبيبتك سهيلة. بس ما يهمنيش. اللي يهمني أعرف حقيقة الصورة دي كمان الورقتين دول؟
- ورقتين إيه يا سهيلة؟
نظرت سهيلة خلفها إلى أيمن.
- مصلحة نفسية!
قالتها وعينيها تشع ببؤس، ثم أكملت وهي ترفع يدها بتلك الصورة وألقتها على المنضدة أمامهن. الصورة والورقتين دول إيه تفسيرهم، ومين البنت المقصودة بالنسب؟
بيد مرتجفة جذبت سحر تلك الأوراق، نحت الصورة، ثم قرأت اعترافًا من زهير بنسب طفلة ابتهال. ذُهلت ونهضت واقفة، ثم قرأت الورقة الثالثة كانت ورقة زواج عرفي بين زهير وابتهال. بذهول أعطت الأوراق لأيمن الذي قرأها بذهول هو الآخر، ثم نظر إلى هويدا سائلًا:
جبتِ الأوراق دي منين يا هويدا؟
نظرت له هويدا بجبروت تقول:
مش مهم جبت الأوراق دي منين. قولي مين البنت المقصودة بالنسب؟ الصورة دي في نسخة تانية منها. في هنا ألبوم الصور.
صمت أيمن غير مصدق للحظات، ثم نظر إلى سحر وآسميه. نظراتهم الثلاث كانت مذهولة. تنقلت عيني هويدا بينهم تستشف منهم الحقيقة. بنفس الوقت دخل رحيم إلى المطبخ يتثاءب غير منتبه قائلًا:
ماما أنا جعان.
نظرت له هويدا باستحقار، ثم قالت بعصبية:
اللي أعرفه إن في الصورة دي المفروض عمتي "ابتهال" وماتت بعد ولادتي تقريبًا بسنة وشهور. إيه اللي وصل الصورة دي لـ أسعد شعيب؟ كمان الاعتراف قريبه ده ببنت ابتهال، كمان عقد الجواز العرفي. فهموني قبل عقلي ما يشت و...
قاطعه أيمن قائلًا:
عقلك يشت ليه؟ ده موضوع ميخصكيش. ميفرقش مع حد.
استهزأت هويدا بضحكة سخرية ملوعة لقلبها وعقلها:
إيه اللي ميخصنيش بالظبط؟ الصورة اللي مكتوب في ضهرها: أنا وبنتك يا "زهير". الشبه الكبير اللي بيني وبين ابتهال. نسخة طبق الأصل تقريبًا رغم إنها صحيح أختك من الأم بس بتشبه أبوها، أو بمعنى أصح أبوها اللي من عيلة شعيب. طبعًا دي صدف مش مستحيلة. كره تيتا ليا طول عمرها تقول سهيلة أول أحفادي. صحيح ماما كانت جابت طفل بس اتوفى قبل ما يشوفه. قولي يا بابا حقيقة الصورة دي، وكمان الاعتراف وورقة الجواز العرفي. سبق وقلتوا لينا إن عمتي ماتت قبل ما تتجوز. طب والعقد العرفي ده، كمان اعتراف ببنوة بنتها. إيه الحقيقة قولولي، عقلي هيشت مني خلاص.
تحدثت آسميه:
أنا مش بكرهك يا هويدا، أنا بكره أطباعك السيئة. وزي سحر بدعي ليكِ بالهداية. وليه عقلك يشت؟ وضحي قصدك إيه؟ عايزة توصلي لأيه؟ هدفك إيه؟ عاوزة تنكري إن سحر وأيمن هما أبوكِ وأمك؟ نفسك تلزقي لعيلة شعيب؟ مش اتجوزتي أسعد خلاص.
نظرت هويدا لـ آسميه بغضب قائلة باستهجان:
أنا بكلم بابا وماما ليه إنتِ بتردي بدالهم. قولولي إيه الحقيقة وإيه الكذب.
رد أيمن:
الحقيقة إنك بنتنا يا هويدا، حتى لو.
قاطعته هويدا باستعجال ودموع تترغرغ بعينيها سائلة برجاء أن يكون هذا كذب:
لو إيه يا بابا؟ قول الحقيقة. أنا البنت اللي في الصورة دي. أرجوك قول الحقيقة وإني مش بنت ابتهال وزهير شعيب.
صمت الجميع. حتى رحيم لا يبدو مصدومًا من قول هويدا، بل مصدومًا من رجائها أن يكون هذا كذب. لم يتوقع ذلك منها. كان لديه يقين أنه لو علمت سترحب بالأمر بل ستسعد كثيرًا. كذلك سحر التي سالت دموع عينيها واقتربت من هويدا وضمتها قائلة:
إنتِ بنتي اللي بدعي لها بالهداية.
سالت دموع هويدا، قائلة بلوعة:
أنا كذبة يا ماما. أنا...
- إنتِ بنتي اللي ضمتها لحضني وأنا في لحظة أسى. كنتِ إنتِ الدوا اللي رجع النبض لقلبي.
سكتت هويدا تضم هويدا. تسيل دموعها تعلم أنها تحاول ألا تجعلها تشعر بالدونية. اقترب أيمن هو الآخر وضع يده يربت على كتف هويدا. عادت للخلف تنظر لهما. بداخلها تشعر بأسى وبؤس من ذاك الذي تبرأ منها ولم يعطيها هي وأمها حقهما. لم تكن تريد ماله. لأول مرة تعلم أن السعادة ليست بالمال والجاه التي كانت تبحث عنهما دائمًا. مجرد اعتراف علني بها ربما كان لها أفضل. حكاية قديمة لا تعرفها، لكن وصمة لها. طفلة لا تعلم من أين منبتها. لماذا لم يتزوج بوالدتها أمام الناس ويعترف بها علانية؟ فقط أعطاهما كنيته؟ لماذا وماذا حدث ولما بقي الأمر سراً؟ أسئلة تعلم أن إجابتها لن تجعلها تشعر بالراحة. لكن الأهم الآن هو لماذا أخفى أسعد هذه الأوراق. ابتعدت هويدا عن سحر وأدارت وجهها. تقابلت عينيها مع رحيم ثواني ثم غادرت بصمت يزداد بقلبها أسى واحتقار لكل عائلة "شعيب". لم تهتم بنداء سحر ولا أيمن الذي لحقها حتى خرجت من باب المنزل. كانت تهرول مثل الشارد سريعًا. صعدت إلى تلك السيارة التي كانت تنتظرها أمام المنزل. سريعًا أمرت السائق أن يسير بأقصى سرعة ممكنة، تاركة خلفها غبارًا طرف عيني أيمن.
***
بالمشفى
تبسم أسعد على مزاح بيجاد. كذلك آيسر الذي قال:
خد بالك آصف زمان جاي، وهو بيضايق من هزارك ده.
نهض بيجاد قائلًا:
بص يا عمي أسعد أنا مش عارف إنت إزاي متحمل غلاسة آصف. إيده سابقة تفكيره. أنا بقول زيارة المريض لازم تكون خفيفة.
تبسم آيسر قائلًا:
أكيد طبعًا كانت غلطة إني رديت على اتصالك، وقولت لك إن بابا في المستشفى.
ضحك بيجاد قائلًا:
تصدق إني غلطان. قولت إني في القاهرة جاي مؤتمر في جامعة القاهرة قولت اتقابل معاك. من زمان متقابلناش ولا غلسنا على آصف إحنا الاتنين.
ضحك أسعد بخفوت قائلًا:
طول عمرك سهن وأعصابك باردة يا بيجاد. وبتستغل عصبية آصف.
ضحك آيسر. كذلك بيجاد الذي وضع يديه على وجهه قائلًا:
هتقولي، آصف معندوش تفاهم ومالوش في الهزار. عكس الواد آيسر كنا وفق بعض في المدرسة. آصف يعمل المصيبة ونلبس معاه فيها ونتعاقب بسببه.
في نفس الوقت فتح آصف باب الغرفة وتجنب لـ سهيلة التي دخلت أولًا. استغربت وجود بيجاد بالغرفة. سرعان ما تساءلت:
بيجاد إنت إيه اللي جابك هنا؟ إنت تعرف عمو أسعد.
نظر بيجاد إلى آصف الذي دخل خلف سهيلة ونظر إلى بيجاد بترقب ينتظر رده:
أيوه عمو أسعد ناسيه إني من محافظة كفر الشيخ. كمان كنت أنا وآصف زملاء في المدرسة العسكرية. أنا كنت المخ وهو العضلات.
- نعم!
قالتها سهيلة بعدم فهم. تبسم بيجاد على ملامح آصف التي تبدلت من ترقب إلى غيظ وقال:
قصدى يعنى كنا أصدقاء من بعيد لبعيد. أنا كنت بستخدم مخي وآصف كان بيتعصب ويضرب زمايلنا ونتعاقب سوا. مع إني مكنتش بغلط أساسًا بس هو رفيق السوء كده دايمًا مبجيش من وراه غير المصايب.
تبسمت سهيلة، بينما اغتاظ آصف قائلًا باستجهان:
مش الدكتور مانع الزيارات على بابا. مين اللي سمح للـ.
صمت آصف للحظات وكز على أسنانه. عاود باستهزاء مبطن:
الدكتور. بيجاد.
تبسم كل من آيسر وبيجاد. الذي مد يده لمصافحة سهيلة، لكن شعر بيد آصف تضغط على كفه بقوة حتى أنه سمع صوت طرقعة أصابعه. كذلك آيسر الذي ضحك. بينما تألم بيجاد وسحب يده بصعوبة من يد آصف قائلًا:
على فكرة سهيلة كنت عاوز. سهيلة! اسمها دكتورة سهيلة.
هكذا قاطعه آصف بنظرات نارية. بينما استمر بيجاد بيغيظه قائلًا:
على فكرة سهيلة كانت تلميذتي، وما فيش أستاذ بينادي تلميذة بلقب سابق.
برقت عين آصف غيظًا. بينما تبسمت سهيلة وهي تشعر بغيرة آصف من بيجاد. لكن ذهبت نحو فراش أسعد سائلة:
حمد الله على سلامتك يا عمي. طنط شكران كانت عاوزه تيجي لحضرتك. بصعوبة أقنعناها إنها تأجل الزيارة لبكرة.
تنهد أسعد آسف وتبسم بخفوت قائلًا:
ده الأفضل عشان صحتها. ومُتشكر ليكِ.
تبسمت سهيلة قائلة:
أنا ما عملتش حاجة أستاهل عليها الشكر. وإن شاء الله، تقوم بالسلامة.
لاحظت سهيلة همس بين بيجاد وآصف. كذلك آيسر. تذكرت أنه سبق أن تقابل آصف وبيجاد وكل منهم ادعى عدم معرفة الآخر. لم يدخل أي شك لرأسها. فربما كما رأت قبل قليل هم أصدقاء وبينهم مزاح جاف.
ابتسم آصف حين لاحظ نظر سهيلة له. وتبسم لها حين رأى الفضول بعينيها. لكن بيجاد نظر لها قائلًا برجاء:
بصي يا سهيلة. قصدي يا دكتورة سهيلة. أنا بيني وبين سكرتيرة آصف استلطاف وبقول له فاتحها أني عاوز أتزوجها وهو مش عاوز يوفق راسين في الحلال.
- راسين في الحلال. دي ألفاظ دكتور محترم. سبق وقلت لك منك ليها. بس نصيحة بلاش تحرج نفسك لأني شايف إنها ما عندهاش أي استلطاف ناحيتك. بالعكس دي بتستغلسك. بس محبرة تضحك في وشك ذوقيًا يعني.
ضحكت سهيلة قائلة:
وليه مش يجرب؟ وأكيد في أمل. وأعتقد مساعدة آصف مش هتنفعك. لازم تجازف بنفسك وتقدم لها عرض الزواج يا دكتور.
أومأ بيجاد مبتسمًا بتوافق. اغتاظ آصف لتلك البسمة. وتوجه ناحية سهيلة قائلًا:
مش يلا بينا؟ إطمنا على بابا. هو تقريبًا نام بسبب المسكنات. وكمان كفاية كده عشان نلحق نوصل قبل الضلمة.
وافقت سهيلة وذهبت مع آصف نحو باب الغرفة. خرجا سويًا. لكن الغيظ متملك من آصف من بيجاد. توقف قائلًا:
نسيت أقول لـ آيسر يبقى يطمن ماما. ثواني وراجع. اسبقيني إنتِ للجراج بتاع المستشفى.
ذهبت سهيلة. بينما آصف فتح باب والده دون استئذان. تفاجأ بـ بيجاد أمامه يبتسم ابتسامته السخيفة في نظره. قبل أن يتحدث كان آصف يلكمه بقوة قائلًا:
أهو بعد البوكس ده لو رحت للسكرتيرة يمكن تراُف بيك وتثبت لها إنك دكتور مجانين مهزأ.
***
بعد الظهر
بالمشفى
دخل آيسر يحمل صينية عليها كوبان من القهوة قائلًا:
بابا لسه نايم.
تنهدت له يارا بآسف قائلة:
كان صحي ورجع نام تاني. الدكتور قال إن المسكنات مش مخلياه حاسس بالألم وهي اللي بتنيمه.
تبسم آيسر قائلًا:
أنا جبت لك قهوة معايا. طالما بابا نايم تعالي نقعد عالكنبة ندردش سوا.
تبسمت له يارا بموافقة وذهبت تجلس جواره على أريكة بالغرفة بعيدًا قليلًا عن فراش أسعد. تحدثا بود أخوي ليس غريب عليهما. يارا قريبة من شكران وأخويها.
بعد وقت قليل سمعا صوت طرق على باب الغرفة. نهض آيسر قائلًا:
يمكن الممرضة.
فتح آيسر الباب. سرعان ما تبسم ترحيبًا قائلًا:
أهلًا يا طاهر.
طاهر!
حين سمعت الاسم خفق قلبها بشدة. بينما طاهر دلف إلى الغرفة قائلًا:
ألف سلامة على عمي أسعد.
خفق قلبه هو الآخر حين رأى يارا تنهض واقفة. تلاقت عيناهما. كانت النظرات كفيلة بلفت انتباه آيسر، لكن تغاضى عن ذلك حين لم تتحمل يارا البقاء وتحججت قائلة:
شيرويت كانت قالت لي اتصل عليها عشان أطمنها على بابا.
استغرب آيسر قائلًا بلا انتباه:
شيرويت كانت هنا ومشيت عشان عندها محاضرة.
نظرت له يارا قائلة بتبرير:
ماهي كانت قلقانة وهتصل عليها أطمنها.
خرجت يارا سريعًا. شعر طاهر بغصة يعلم أن يارا تتهرب منه. وقف قليلًا مع آيسر يتحدثان ثم استأذن منه. كاد يخرج من المشفى لكن وقع بصره على يارا التي تجلس على أحد المقاعد بالحديقة. بلا تفكير ذهب نحو ذاك المقعد وجلس جوارها قائلًا:
هتفضلي تهربي مني لحد امتى يا يارا؟ ليه تعذبيني وتعذبي نفسك؟
نظرت له يارا بذهول قائلة باستهزاء مرير:
أنا بعذبك؟ ليه؟ إنت مش كنت معجب بزميلتك في الجامعة؟ إنت بنفسك اعترفت لي بكده. فاكر ولا السنين نستك؟
تنهد طاهر بندم قائلًا:
أنا عمري ما كنت معجب بزميلة ليا أيام الدراسة. وقتها كنت مشوش بسبب اللي حصل لـ سهيلة. مكنش سهل عليا.
تهكمت يارا قائلة:
وكان سهل عليا اللي قولته وقتها. ليه راجع وعاوز توصل الماضي تاني؟ عشان سهيلة قبلت ترجع لـ آصف؟ يعني غيرك بيتحكم في حياتك.
تنهد طاهر قائلًا:
لأ يا يارا محدش بيتحكم في حياتي غيري. ومن فضلك افهميني. أنا أجازتي محدودة وخلاص قربت تنتهي، أقل من شهر.
نهضت يارا بعناد قائلة:
ترجع بالسلامة يا باشمهندس.
قالت هذا ولم تنتظر. هرولت من أمامه يخفق قلبها. لكن الغريب أنها تشعر بانشراح. بينما زفر طاهر نفسه بآسف وندم ونهض يذهب خلفها.
بنفس الوقت بعد خروج طاهر تفاجأ آيسر بفتح باب الغرفة دون استئذان. لكن قبل أن يتحدث دلفت هويدا بغضب وصفعت الباب خلفها بقوة. أصدر صوتًا عاليًا جعل أسعد يفتح عينيه. نظر إلى هويدا ظن أنها آتية من أجل واجبها كزوجة له. لكن تفاجأ حين قالت له باستهجان:
كويس إنك لسه عايش ما متش. رغم إني كنت أفضل موتك. بس ربنا هو اللي أراد يكشفك.
استغرب أسعد. كذلك آيسر الذي قال:
مدام هويدا.
قاطعته هويدا باستهجان قائلة:
كنت مفكرة إن مفيش أخبث مني، بس إنت فقتني بمراحل. إزاي ضميرك قدر يتحمل كل الظلم اللي ظلمته ليا.
لم يفهم أسعد حديثها. لكن هويدا اقتربت منه ووضعت أمامه تلك الأوراق. وقالت بتجهم تشعر بمرارة:
حقيقتي. أيوه أنا البنت اللي في الصورة مع عمتها. لأ قصدي مامتها. أنا البنت اللي اعترف بيها ابن عمك على آخر عمره. يمكن كان عاوز يبرأ ذمته قدام ربنا وفكر بكده بيرد لأمي كرامتها. بس إنت خفيت الاعتراف وورقة الجواز العرفي. طبعًا طمع في قلبك. رغم كل اللي عندك ده محبتش حد يشاركك فيه. بس تعرف يا أسعد أنت غبي. كان لازم تتخلص من الاعتراف وورقة الجواز العرفي. ما كانش لازم تحتفظ بيهم، عشان ميقعوش في إيد الشخص الغلط، أو بالاصح صاحبة الحق. مجهولة النسب، أو بنت الحرام. بس أنا مش بنت حرام يا أسعد. أنا بنت "أيمن الدسوقي". فاكر أول مرة اتقابلنا سألتني اسمي إيه وقولت لك اسمي بالكامل. ملامحك وقتها اتغيرت. ما فهمتش وقتها. قولت يمكن ما يعرفش إن عمتي تبقى من عيلة "شعيب". العيلة اللي اتبرت مني أنا وهي.
توقفت هويدا تلتقط أنفاسها ثم عاودت الحديث قائلة باستهزاء مرير:
أنا اللي كنت مفكرة إني بتلاعب بيك، طلعت غبية. وإنت اللي بتلعب بيا وعارف إن ليا حق عندك يا أسعد. طلعت مخادع كبير وأنا الساذجة. كنت أستاذ في التمثيل. بس ده مش جديد عليك. أنا اللي كنت مفكرة نفسي ذكية. بس سيادة النائب لعبته السياسة والخداع. تعرف يا أسعد أنا كنت بكذب دائمًا وبحاول أتجمل قدامك. عكس حقيقة شخصيتي الوصولية. كان كل هدفي هو اسم ونفوذ وأموال أسعد شعيب، اللي طلع لي فيها نصيب وهو اللي مسيطر عليه. أو بالاصح استحل حق غيره وطمع فيه. تعرف إني بتمنالك الموت. لأ، الموت هيريحك. بتمنى يطلع توقع الدكتور صح، وإنك تكمل الباقي من حياتك مشلول وتشوف العطف والشفقة من كل اللي حواليك. بس أنا عمري ما هشفق عليك لأني بكرهك يا أسعد.
شعرت هويدا ببعض الارتياح حين قالت هذا. ورأت استنفار أسعد الذي أن بآلم وحاول أن ينهض لكن ازداد شعور الألم والعجز. اقترب منه آيسر سريعًا وكاد ينظر إلى هويدا. لكن هي ضحكت بتشفى وغادرت الغرفة تصفع خلفها الباب مرة أخرى. ذهبت نحو مصعد المشفى الكهربائي. وقفت تنتظر المصعد. بنفس الوقت جاء طاهر خلف يارا. لكن يارا سبقت ودخلت إلى الغرفة. بينما رأى طاهر هويدا تتوجه نحو المصعد. ذهب نحوها وحين اقترب منها قام بالنداء عليها. نظرت له لكن لم تهتم وتقدمت إلى الأمام ظنًا منها أن المصعد قد وصل. فتحت الباب وتقدمت بإحدى قدميها. سرعان ما صرخت وهي تشعر بهاوية. بينما هرول طاهر نحوها ينطق اسمها بفزع.
***
استطاع آصف إلهاء سهيلة معه بالحديث طوال الطريق إلى أن توقف بالسيارة، قائلًا:
وصلنا.
نظرت سهيلة من شباك السيارة إلى الطريق. لم تستطع معرفة المكان إلا حين ترجل آصف من السيارة وهي خلفه. وجدت نفسها أمام ذاك الممشي. علمت المكان بسهولة قائلة:
إحنا هنروح البحيرة.
ابتسم آصف قائلًا:
أيوا المكان اللي كان دائمًا بيضمنا.
خفق قلب سهيلة قائلة:
خلينا نروح مكان تاني يا آصف.
تبسم آصف واقترب منها وأمسك يدها. جذبها للسير معه قائلًا:
خلاص يا سهيلة. الخوف انتهى. خلينا نبدأ من المكان اللي شهد على قصتنا من أولها.
بصعوبة وافقت سهيلة وصعدت إلى ذاك القارب، الذي سار يقطع مياه البحيرة. جلست سهيلة على أريكة قريبة من سياج القارب. ومعها ذاك العيش الذي بدأت تُطعمه قطعًا صغيرة وتُلقيها على مياه البحيرة. تبتسم وهي ترى تلك الطيور تلتقط تلك القطع. جلس جوارها آصف يضمها لصدره. لم ترهب منه بل تبسمت له. جلس مثلها يُقطع العيش ويُلقيه في المياه. يستنشق هواء الربيع المنسم بنسمة باردة. ضم سهيلة لحضنه. شعر بالدفء، كذلك هي. لكن قطع الانسجام بينهم رنين هاتف آصف. أخرجه من جيبه ونظر إلى شاشة الهاتف. ثم نظر لـ سهيلة قائلًا:
ده آيسر أكيد عاوز يسخف. أنا مش هرد عليه.
نبهته سهيلة قائلة:
لأ رد عليه. ناسي إن باباك في المستشفى.
وافق آصف وقام بالرد. لكن طلب آيسر منه الحديث بعيدًا عن سهيلة. شعر بأن هناك خطبًا ما. نهض بعيدًا عن سهيلة قائلًا:
هكلم آيسر وأجيب عيش عشان الطيور الموجود خلص.
تبسمت له.
بينما لم يغيب آصف كثيرًا وعاد. لكن تفاجأ بـ سهيلة التي تضجع برأسها على مسند رأس المقعد. ويبدو أن صفاء الطقس جعلها تغفو. ذهب وآتى بدثار وقام بوضعه على سهيلة. إلى أن وصلا إلى البحيرة وما زالت سهيلة نائمة. لم يرد إيقاظها. حملها وترجل من القارب نحو تلك السيارة التي كانت قريبة من الشاطئ تنتظرهما.
بعد وقت
صحوت سهيلة من النوم. رغم أنها ما زالت تشعر بخمول. لكن حاولت نفض ذلك عنها وتمطئت بيدها. في البداية استغربت أنها نائمة فوق فراش. سألت نفسها:
آخر حاجة فاكرة إني كنت في قاعدة في المركب. برمي فتافيت العيش للطيور فوق مية البحيرة. يظهر نمت من غير ما أحس. بس إزاي وصلت لهنا، وفين آصف؟
فجأة تذكرت جزءًا من ما حدث هنا في المرة السابقة. ارتجف قلبها عليه وخشيت أن يكون سوء أصابه.
سريعًا أزاحت الدثار عنها ونهضت. لم تدرِ أنها بمنامة نسائية صيفية ولا أنها دون وشاح فوق رأسها. خرجت من الغرفة. كان المنزل يسوده الضوء. شعرت بالراحة قليلًا. توجهت نحو درج المنزل الداخلي وبدأت في النزول إلى أن وصلت إلى الدرجة قبل النهائية. توقفت بخضة حين فجأة وجدت آصف أمامها مباشرةً. ارتخى جسدها. لكن وقوف آصف أمامها منعها من السقوط. أصبح مستقر جسدها بحضنه وهي غير واعية للحظات حتى شعرت بيديه تحتضن ظهرها. لم تشعر بالرهبة من قربه منها كما بالسابق. تنهدت براحة سائلة:
آصف إنت كنت فين؟
شعر آصف بتنهيدتها على عنقه. أنفاسها كأنها نسيم ربيعي دافئ. ضمها بيديه وأجابها ببساطة:
روحت السوبر ماركت اشتريت شوية معلبات. البيت مكنش فيه أي حاجة تتاكل.
وعت على حالها. شعرت بخجل ورفعت وجهها تنظر لـ وجه آصف بحياء وسألته:
أنا وصلت لهنا إزاي؟ آخر حاجة فاكرة إني كنا عالمركب.
ابتسم آصف وانحنى يحمل جسدها بين يديه بتلقائية قائلًا:
يظهر هوا البحيرة سطلك ونمتِ. ولما وصلنا ما حسيتيش وأنا شيلتك زي كده بالظبط.
للحظة شعرت بخضة ورجفة في جسدها. لكن حاولت أن تسيطر على ذلك الرهاب من اقتراب آصف منها. أو ربما بالحقيقة هدأ هذا الرهاب. بل ربما زال نهائيًا. لم تعطي ردة فعل إلا حين بدأ يصعد بها الدرج. لا تعلم لم ظلت صامتة تنظر له فقط. تواصل بين الأعُين سيطر عليهما وهو يصعد بها إلى أن وصلا إلى غرفة النوم. اقترب من الفراش وضع جسدها عليه. رغم أنه ما زال يأسر جسدها بين يديه. لكن انزاحت نظرة عينيه عن عينيها وتمركزت على شفاها اللتان ضمتهما. للحظة تشوق لتذوقهما. لكن بداخله يخشى أن يفعل ما يريد وترفضه أو ترهبه كما كان قبل أقل من شهر. لكن تملك الشوق منه. انحنى برأسه ولثم طرف شفاها بقبلة ناعمة. ازدادت بشوق حين استكانت للحظة. حقًا لم ترفضه أو تظهر الرهبة. جعله هذا يتعمق بقبلته ويضم كامل شفاها بقبلة تزداد اشتياقًا وهي تشعر بعدم الرهبة منه. لم تعطي ردة فعل إلا حين ترك شفاها. لكن ما زالت تشعر بأنفاسه قريبة من شفاها. رفعت عينيها تنظر لعيناه. سرعان ما أخفضتهما بحياء تضم شفاها. للحظة تملك منه اليأس. لكن حركة يدها التي وضعتها فوق معصم يده جعلته يترك النظر لعينيها. ونظر إلى يدها الموضوعة حول معصمه كأنها تتمسك به. عاد بنظره لوجهها رأى بسمة على وجهها. تبسم لها بتلقائية. عاد يشعر بالشوق لشفاها. لكن هذه المرة بداخله شعور يؤكد له أنها لن ترفض مشاعره، أو تتحجج بأي شيء. بالفعل انحنى وقبلها. لكن تفاجأ حين شعر بيدها فوق عنقه. لم تكن تدفعه للابتعاد عنها. كذلك لم تكن تضمه. فقط وضعتها بإرادة منها. رفع وجهه عن شفاها ونظر لوجهها بالكامل. تبسم حين أخفضت وجهها بحياء. بينما هي تشعر كأن بجسدها مغناطيس تود انجذاب آصف لها. لم تتمنع ولا تظهر الرهبة. فقط أرادت خوض تلك المشاعر معه دون أن تدع تلك الليلة تتحكم بعقلها. وودت نسيان تلك الليلة بليلة أخرى. ربما تنتهي تلك الرهبة نهائيًا. رسمت بسمة ولمعت عينيها وهي تنظر بحياء لآصف الذي مثل التائه بين أمواج التردد في الانجراف بتلك المشاعر المسيطرة عليه. يود أن يغرق وهو هائم بها. استسلم لرغبته الذي قاومها ولم يتغلب عليها. حتى لو رفضته سهيلة، يكفي أن ينال بضع قبلات. بالفعل هبط بجسده فوق جسدها يضم شفاها بين شِفاه يُقبلها بوله وشغف. تفاجأ حين شعر بقبول سهيلة لتلك القبلات. لكن للحظة كاد يشعر بيأس حين رفعت إحدى يديها ووضعتها على كتفه. ظن أنها تدفعه كي ينهض عنها. لكن إرادة المزيد من القبلات لديه جعلته لا يستسلم وخلل صوابع يدهُ بين أصابعها. شعر بانقباض أصابعها مع أصابعه. شعر بتناغمها معه. توغل بلمساته وهمساته. يدفس وجهه بحنايا عنقها ينتشي من عبقها للحظات قبل أن يرفع رأسه وينظر لعينيها التي كانت تُغمضهما للحظة قبل أن تفتحهما وتتلاقى أعينهما. بتلقائية تبسمت له. رفع يده وأزاح تلك الخصلة عن جبينها. وهمس بعشق:
أنا أعشقك يا سهيلة. عشقك ساكن فيا مع روحي. مستحيل ينتهي أو حتى يقل غير بطل
رواية عشق مهدور الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم سعاد محمد سلامة
ضمها آيسر مُربتًا على ظهرها بأخوة قائلًا بآسف:
"هويدا كانت هنا وصدمته بحقيقة أنه ممكن يبقى مشلول."
استغربت يارا ذلك قائلة:
"وليه عملت كده، المفروض كانت تعمل العكس، ده يا دوب ممرش على جوازهم يومين."
زفر آيسر نفسه بغضب وقبل أن تنهي يارا حديثها، كانت دخلت شكران الغرفة دون طرق الباب. وسمعت نهاية حديث يارا، نظرت نحو أسعد الممدد. شفق قلبها على رقدته، لكن للغرابة كأنه شخص عادي ليس زوجها الذي عاشت معه حوالي ثلاث عقود من الزمن. ثم نظرت نحو آيسر ويارا قائلة:
"أنا شايفة الدكتور لسه خارج من الأوضة."
تحدث آيسر بلوم قائلًا:
"مكنش لازم تتعبِ نفسك يا ماما عشان صحتك، آصف مش قالك إن الزيارات ممنوعة."
نظرت شكران إلى أسعد قائلة:
"فعلًا قالي بس دي عشرة عمر. قوليلي هو إيه اللي حصل لـ أسعد، مش شكل شوية إرهاق زي ما آصف قالي؟"
علم آيسر أن شكران لن تقتنع بأي إجابة غير منطقية لما تراه أمامها، فسرد لها فقط أنه تعرض لإصابة طلق ناري.
فزعت شكران سائلة:
"ومين اللي ضرب عليه رصاص، يكون حد من المنافسين له في عضوية مجلس الشعب؟"
نظر آيسر إلى يارا ثم أجابها باختصار ورجاء:
"يمكن... الدكتور محرج الزيارات، وكفاية كده عشان صحتك يا ماما."
تغاضت شكران عن الرد على رجاء آيسر ونظرت إلى يارا سائلة بفضول:
"وأنا داخلة سمعت يارا بتقول "ممرش على جوازهم يومين"، مين دول وإيه علاقتهم بـ أسعد؟"
ارتبكت يارا وكذلك آيسر. لم يستطع المراوغة، وكذلك يارا التي أخبرت شكران بتردد، تشعر بأسى وآسف في نفس الوقت:
"كنا بنتكلم على هويدا وبابا، اتجوزوا من يومين."
غرت شكران شفاها، ليست مصدومة ولكن غير مصدقة وسألت:
"هويدا مين... قصدك هويدا أخت سهيلة ولا واحدة غيرها؟"
بآسف أكدت يارا. تهكمت شكران بداخلها وهي تنظر لأسعد وسأل عقلها عن سبب هذه الزيجة. هل كان يود استمرار الشعور بأن قلبه ما زال شاباً ليتزوج امرأة في منتصف عمره، بل أصغر من بعض أبنائه؟ لكن لم تستغرب ذلك، فهذه طبيعة أسعد، اللهث خلف المظاهر. نظرت نحو آيسر وتغاضت عن الأمر سائلة:
"أنا شفت طاهر وأنا طالعة من الأسانسير، كان داخل للأسانسير الثاني وهدومه عليها دم كتير، والأسانسير نزل بسرعة، ملحقتش أسأله."
خفق قلب يارا بتوجس، بينما استغرب آيسر قائلًا:
"هو كان هنا بيزور بابا وكان مشي وكان كويس، معرفش."
بينما نظرت شكران إلى يارا التي تبدلت ملامحها وحاولت غض فكرها عن فرض السوء قائلة:
"يمكن أنا مركزتش ومش هو. على العموم زيارة المريض لازم تبقى قصيرة... واضح أن أسعد مش هيفوق دلوقتي، هبقى أتصل عليك يا آيسر أطمن عليه."
تنهد آيسر قائلًا:
"تمام يا ماما، ده الأفضل عشان صحتك."
تبسمت وهي تضع يدها على كتفه ثم غادرت. بينما القلق ما زال مسيطرًا على عقل وقلب يارا. نظرت نحو والدها بغصة ثم تحججت قائلة:
"هطلع أكلم شيرويت، أقول لها أن الدكتور منع الزيارات عن بابا وهحاول أطمنها عشان متقلقش."
أومأ لها آيسر موافقًا. بنفس الوقت صدح رنين هاتفه، أخرجه من جيبه. علم أن روميساء هي من تتصل، تنهد باشتياق وكاد أن يرد، لكن فُتح باب الغرفة بعد أن سمح للطارق بالدخول. استغرب ذاك الذي دخل وأغلق رنين الهاتف بعد أن قال له:
"ياريت تقفل الاتصال... أنا وكيل النيابة المكلف بالتحقيق في القضية، وكنت لسه مع الدكتور وعرفت حالة المريض بالضبط، وكمان هنضطر نحط فرد أمن على غرفة المريض لحد ما ناخد أقواله هو كمان، لأن للأسف، الشخص الثاني توفى بنوبة هبوط في القلب."
ذُهل آيسر سائلًا:
"رامز مات!"
رد وكيل النيابة:
"للأسف قلبه اتوقف ومقدروش ينعشوه. بكدا ناقص أقوال السيد/أسعد عشان نقفل القضية بعد أقوال آصف والشخص الثالث. كمان آصف قدم بلاغ بإعادة فتح قضية "سامر شعيب" وكان اتهم رامز بقتله وقدم أدلة تثبت ده، بس للأسف بموت رامز القضية انتهت."
تساءل آيسر:
"والنيابة معندهاش شك إن ممكن يكون موت رامز متعمد؟"
رد عليه:
"حتى لو عندنا شك فالنهاية التقرير الطبي هو المستند الثابت لينا. مرة تانية بتمنى الشفا للسيد/أسعد، وهكون على تواصل مع الدكتور، وفرد الأمن إجراء روتيني فقط للتحفظ على السيد أسعد لحد ما ناخد أقواله ونطابقها ببقية أقوال الشهود."
أومأ له آيسر بتفهم، وهو مذهول بعد مغادرته.
بحديقة المشفى، بلا تردد من يارا هاتفت طاهر، الذي قام بالرد عليه. تسمع صوته شبه مختنق، وسألته:
"طنط شكران بتقول أنها شافتك وإنت داخل الأسانسير، وهدومك كانت ملوثة بالدم."
تنهد بآسف قائلًا:
"هويدا..."
توقف عن بقية حديثه يشعر بألم يضيق بصدره. شعرت يارا بذلك وسألته:
"إنت لسه في المستشفى؟ قول لي إنت فين بالظبط."
أجابها بالمكان الموجود به، قالت له:
"تمام، أنا جايه لك."
بعد دقائق، أمام إحدى غرف العمليات. رغم بؤس طاهر على ما أصاب هويدا، لكن شعر بهدوء نسبي وتبسم بخفوت حين رأى يارا تقترب منه. حين نظرت له ارتجف قلبها من ذاك الدم الذي يلوث معظم ثيابه. بسرعة قالت بلهفة:
"إنت بخير؟ إيه سبب الدم اللي مغرق هدومك ده."
تنهد طاهر بآسف:
"أنا بخير، بس هويدا للأسف..."
صمت قليلاً، ثم سرد لـ يارا ما حدث مع هويدا. شعرت بآسف عليها قائلة:
"أنا كنت سمعت أن فيه مشكلة حصلت قدام واحد من الأسانسيرات اللي في المستشفى، بس حلوها بسرعة، ومحدش طلع من الأوضة."
رد بنفي:
"لأ، بس صعبان عليا هويدا أوي. هويدا صحيح ليها أخطاء، بس..."
توقف عن بقية الحديث يشعر بالأسى والحزن على ما أصابها وما زال صراخها يطن في أذنيه وهي ترى بتر إحدى ساقيها. لكن نظر إلى يارا قائلًا:
"متشكر يا يارا إنك جيتِ، حسيت إني هديت نفسيًا."
ارتبكت يارا، وقالت بتوتر حتى لا تكشف لهفتها عليه:
"ناسي إن هويدا تبقى مرات بابا."
تبسم بغصة يعلم أنها تتحجج. أيقن فداحة خطأه بالماضي حين أخذها بذنب آصف. آصف الذي ذهب إليه قبل عدة أيام يطلب منه أن يساعده بإقناع يارا بقبول الزواج منه ووافق على مساعدته. وبالفعل تحدث مع يارا موضحًا لها أن أحيانًا يؤخذ البعض بذنوب الآخرين، وعليها إعطاء نفسها فرصة مع طاهر، إن لديها مشاعر نحوه، لا داعي لإضاعة العمر والندم لاحقًا، كما حدث معه. اقتنعت بذلك، لن تضيع الفرصة، لكن قبلها لابد من مراوغة طاهر، وكذلك ردًا لكبريائها. ما كانت عاشت تلك المرارة.
مساءً
بالنيابة العامة.
دَلفت شهيرة إلى غرفة وكيل النيابة الذي نظر لها، يبدو من ملامحها الهادئة أنها ما زالت لا تعلم بوفاة شقيقها. تنحنح قائلاً:
"اتفضلِ اقعدي يا مدام شهيرة، معرفش المستشفى بلغوا حضرتك أو لأ، بس واضح من هدوء حضرتك أنك لسه متعرفيش."
استغربت شهيرة واستفهمت سائلة:
"مش فاهمة، إيه اللي المستشفى مبلغتهوش ليا."
نظر لها بآسف قائلاً:
"للأسف السيد/رامز، البقاء لله. توفى بعد فجر اليوم."
صُدمت شهيرة قائلة بتسرع:
"مستحيل! الدكتور كان قالي إن حالته صحيح خطيرة بس فيه أمل. بالتأكيد أسعد هو اللي قتله، هو غرزه ينتقم مني."
استغرب وكيل النيابة قائلاً:
"وهيقتله إزاي وهو كان في غيبوبة؟"
ردت شهيرة بتسرع وغِل:
"آصف! آصف ممكن يكون هو اللي قتله، آصف كان بيكرهه."
رد عليها:
"آصف غادر المستشفى."
"يبقى آيسر."
ذُهل وكيل النيابة من اتهاماتها غير المنطقية، كأنها تود إلصاق تهمة القتل لأي أحد، حتى أن ملامحها لم تتغير إلى الحزن أو تصرخ، حتى تبكي على أخيها، أو تطلب رؤيته للمرة الأخيرة قبل التصريح بدفنه. لكن ما وصل له من أدلة عن القتيل أنه كان شخصًا سيئًا، ربما كان كذلك معها أيضًا.
بالعودة إلى منزل البحيرة.
بِغمرة تلك القبلات ولمسات آصف لها، أفاق عقلها من تلك الغفوة غصبًا بعد شعورها ببعض التقلصات بمعدتها. تنفست بعمق قائلة:
"أنا جعانة يا آصف."
بوسط زخم تلك المشاعر والاشتياق المتمكنة من قلبه الذي يترجمها بقبلات ولمسات حنونة، شعر بيدها على كتفه تدفعه برفق. للحظة غص قلبه أن تكون عادت لرفض اقترابه، لكن قولها أدهشه. توقف عن تقبيل عنقها ورفع وجهه ونظر لوجهها باستفهام. شعرت سهيلة بحياء وعادت قولها:
"أنا جعانة، على فطوري من الصبح يادوب أكلت شوية فتافيت عيش من اللي كنا بنرميها للطيور في البحيرة."
تبسم غامزًا يقول:
"يعني طمعتِ في أكل الطيور."
تذمرت بخجل قائلة:
"لأ مش طمع، بس أنا كنت جعانة ويظهر لما نمت نسيت الجوع."
ضحك آصف ونهض عنها. وقبل أن تستقيم على الفراش، تفاجئت به يحملها قائلًا بمرح:
"خليني أشيلك لا تدوخي ويُغمى عليكِ من الجوع."
وكزته في كتفه بيدها قائلة:
"بطل أسلوب السخافة ده، عادي لما أجوع. إنت مش بتجوع زي بقية البشر، ولا عشان ضخم، ولا "آصف شعيب" طبعًا لو..."
قاطعها بتقبيل شفاها. نسيت تذمرها وقامت بلف يديها حول عنقه تستقبل قبلاته بقبول. حتى ترك شفاها ليتنفسا من أنفاسهم المختلطة، حتى هدأت. تبسم بانشراح سائلًا بمرح:
"لسه جعانة."
زفرت نفسها قائلة بغيظ ووعيد:
"آصف."
ضحك بإستمتاع قائلًا بإيحاء:
"خلاص بلاش عصبية، خلينا ننزل المطبخ. شكلك جعانة أوي... ولا يمكن فيه سبب تاني بيخليكِ بتحسي بالجوع بسرعة."
لم تنتبه لإيحاء آصف وتذمرت قائلة:
"هو كمان الجوع لازم يكون له سبب؟ ولا طبعًا عشان ضخم وكمان تضخمت أكتر بعد ما بطلت شرب سجاير ونفسك اتفتحت عالأكل أكتر."
ضحك آصف قائلاً:
"إنتِ هتقري عليا، عالعموم وصلنا للمطبخ."
تنهدت سهيلة قائلة:
"طب نزلني بقى عشان أشوف هاكل إيه."
ضحك آصف وهو يضعها على الأرض قائلًا:
"معظم الأكل معلبات وسريع التحضير."
نظرت له بإستهجان قائلة:
"لأ كتر خيرك، ممكن تسيبني بقى أشوف إيه اللي في المعلبات دي ينفع نجهزه بسرعة."
تبسم وهو يضع يده على خصرها قائلًا:
"على فكرة أنا عندي خلفية كويسة في الطبخ، خليني أساعدك أهو نخلص بسرعة."
شعرت بكهرباء في جسدها. لو نظرت لوجه آصف ستنسى الجوع وتلقي بنفسها بين يديه كي يضمها وتستمتع بقبلاته ولمساته. لكن عادت خطوة للخلف قائلة بتهرب:
"فيه مكرونة وكمان صلصة..."
"نعمل مكرونة بالصلصة ونسلق بيض ونحمّره وكمان سلطة."
تبسم آصف قائلًا باعتراض:
"بس أنا مش بحب البيض المسلوق."
وضعت يديها على خصرها قائلة:
"مش بتحب البيض مسلوق لكن بتحبه ني؟ تفقش يجي خمسين بيضة في شوب اللبن وتحط عليهم عسل وتشربه عالريق، معرفش بتستطعمه إزاي."
ضحك آصف قائلًا:
"ده وجبة مغذية وبتشبع، وكمان اللبن مع العسل بيغيروا طعم البيض، بالأصح بيختفي وسطهم، فمبحسش بطعمه. لكن أنا مش بحب البيض، بس ممكن آكل مكرونة وسلطة."
تنهدت بصبر قائلة بتوتر:
"تمام، ممكن تطلع بقى من المطبخ وتسيبني أجهز الأكل."
ضحك على توترها قائلًا:
"المطبخ واسع، كمان ممكن أساعدك، وأعمل أنا السلطة."
وافقت سهيلة قائلة:
"تمام، عندك الخضار، أعمل السلطة بس بلاش تكتر لأن ماليش مزاج للسلطة، هاكل مكرونة وبيض محمر."
ضحك آصف، وقام بالجلوس على أحد المقاعد يراقب سهيلة وهي تتحرك بالمطبخ وتأففها للحظات بسبب بعض اللسعات، كذلك تذوقها المبالغ فيه للطعام أثناء تحضيره. تبدو جائعة للغاية. ظلت هكذا حتى انتهت وقامت بوضع تلك الأطباق على الطاولة أمامه. نظر آصف إلى المكرونة سائلًا:
"هي دي مكرونة بصلصة الطماطم، ولا بالوايت صوص."
نظرت سهيلة إلى المكرونة قائلة:
"مكرونة بالصلصة، مش شايفها حمرا."
نظر آصف إلى المكرونة قائلًا:
"دي مش حمرا دي بينك، واضح إن الصلصة مكنتش كفاية."
تنهدت سهيلة بضيق قائلة باستهزاء:
"بينك... لأ الصلصة كده كفاية، أنا مش بحبها حمرا أوي، ومن فضلك ياريت بلاش تريقه ومش عاوزة أعرف رأيك في المكرونة."
قطب بين حاجبيه وشرع في تناول الطعام. امتعض قليلاً بوضوح قائلًا:
"أنا مش بحب المعجنات."
تبسمت سهيلة قائلة:
"عارفة إن المكرونة طعمها مش كويس ومعجنة شوية بس ممكن تتاكل عادي، أنا أهو باكلها. إنت عندك علم سابق إني مش أوي في الطبخ، يادوب بعرف أمشي نفسي بالموجود. تيتا أسمية حاولت كتير في أنها تديني خبرتها، بس على رأي بابا دي مسألة نفس، هبة ربانية يعني."
على سيرة أسمية، امتعض آصف. لاحظت سهيلة ذلك وتبسمت، تعلم أن هناك عدم استلطاف متبادل بينهم.
تنهد آصف قائلًا:
"تمام، أنا هاكل سلطة بعيش."
تبسمت سهيلة قائلة:
"براحتك، بس أنا اتعودت إن أي أكل يتحط قدامي آكله وأحمد ربنا."
للحظات سأم وجه سهيلة وتذكرت فترة مكثها بالسجن. لاحظ آصف سأم ملامحها، غص قلبه لكن قال بمرح:
"لو كنتِ سبتني أنا أحضر العشا كنت أثبتلك إني بعرف أطبخ كويس."
تبسمت له قائلة:
"تمام، قدامك فطور بكرة تثبت فيه براحتك، دلوقتي لو مش هتاكل طبق المكرونة بتاعك هاتيه وأنا آكله."
تبسم وهو يمد يده بطبق الطعام لها قائلًا:
"واضح إنك جعانة أوي."
تبسمت وهي تلتهم الطعام قائلة:
"فعلاً."
ضحك آصف وظل بينهم حديث هادئ بشتى المواضيع، كما كان في السابق قبل ليلة زواجهم الأولى. لكن اختلف قليلاً، سابقاً لم تكن تسمح له حتى بلمس يدها، اليوم عكس ذلك. انتهى الطعام. تبسم آصف وهو ينظر إلى الأطباق شبه الخاوية قائلًا بمزح:
"متهيألي فيه لسه شوية مكرونة في الحلة وممكن نسلق بيض تاني لو لسه جعانة."
نظرت سهيلة له قائلة:
"لأ خلاص، أنا حاسة إني اتنفخت من كتر الأكل."
ضحك آصف، بينما تذمرت سهيلة قائلة:
"إنت بتتريق عليا صح."
ضحك آصف قائلًا:
"أبدًا، أنا كنت هقولك تحبِ أعملك شاي أو عصير."
تنفست سهيلة ثم تثاءبت قائلة:
"عارفة إنك بتتريق عليا، بس أنا معدتي خلاص اتملت، وكمان كبس عليا النوم، ومبقتش قادرة ومش عارفة هاقوم أمشي على رجليا إزاي، حاسة إني تقلت جداً."
ضحك آصف وهو ينهض واقفاً وانحنى لجوارها وحملها قائلًا بمزح:
"فعلاً تقلتِ شوية."
وكزته في كتفه ثم لفت يديها حول عنقه تميل برأسها على صدره، تشعر براحة أصبحت ليست غريبة عليها. صعد آصف بها إلى غرفة النوم حتى وضعها على الفراش وانضم جوارها يجذبها لصدره. شعرت سهيلة بتوتر وارتباك وهي تقوم بجذب خصلات شعرها خلف أذنيها وأخفضت عينيها، تخشى النظر لوجهه خوفاً أن لا يصدقها قائلة بتردد:
"آصف، فيه شيء مهم لازم تعرف بيه."
تبسم آصف على ذاك الخجل الواضح على وجهها. في نفس الوقت غص قلبه للحظات. سهيلة ما زالت تشعر بعدم ثقته بها، لكن لن يدع الماضي حائلًا أكثر من ذلك. وضع يده على بطنها واقترب من أذنها هامساً:
"سبق وقلت لكِ إني كنت واعي، وحاسس بكل نفس... همسة... لمسة... منك وعندي استعداد أعيد كل اللي حسيت بيه في الليلة دي."
رفعت عينيها ونظرت إلى وجهه بتفاجؤ سائلة بخجل:
"قصدك إيه... إنت كنت..."
قاطعها بتأكيد:
"كنت واعي لكل حركة... همسة... لمسة..."
مع كل كلمة كان يعيد لها جزءاً مما شعر به تلك الليلة ويبث مشاعر ناعمة بعثرت كيانها تستسلم لطوفان هادر من مشاعر طغت عليهم تجذبهم نحو منحدر من بدايته إلى نهايته هادئاً مفعم بنسائم عشق آخاذ لأنفاسهم ونبضات قلبيهم. ليعودا بأنفاس منعشة لقلب كل منهم. علاقة عاطفية كاملة والإثنين يشعران بكامل السكينة والهدوء النفسي اللذين كانا يحتاجان إليه. علاقة أظهر كل منهم مدى عشقه للآخر، وصلا إلى كمال العشق في قلبيهم. وضع آصف قبلة عشق على جبين سهيلة ونظر إلى وجهها. تبسم حين رآها تخفض وجهها بخجل. وضع إبهامه أسفل ذقنها ورفعه قليلاً ونظر إلى عينيها اللتان تلاقت مع عينيه. تمركزت النظرات بينهم. للحظات كانت مثل قراءة الأعين بالنسبة لكل منهم. قرأت سهيلة عين آصف الصافية التي عشقتها. منذ البداية كان سهل عليها قراءة صدق مشاعره من عيناه. تبسمت بحياء وعادت تخفض عينيها تنفض تلك الذكرى، لن تدعها تفسد نشوة قلبها.
بينما آصف كان يقرأ من عينيها خجلاً كان قديماً أحيانًا يضجر منه. الآن يزداد عشقه لهذا الخجل الذي ارتسم بعينيها. وما زال يندم على ذكرى تلك الليلة البائسة، لكن هو الآخر نفض عن رأسه، لا يود تعكير صفو قلبه. تنحى بجسده عنها واستلقى على الفراش وجذبها لتبقى بحضنه وقبل وجنتها قائلًا بصدق:
"بحبك يا سهيلة."
تبسمت بدلال وهي تدس رأسها في صدره قائلة:
"قولتها كتير قبل كده."
رفع وجهها قليلاً ونظر لها بهيام قائلًا:
"وهفضل أقولها طول عمري، ومش بس هقولها كمان أوعدك هيفضل قلبي مفيش فيه أغلى منك."
تبسمت ووضعت رأسها على صدره وتثاءبت ثم غفوت دون شعور. منه كذالك آصف هو الآخر غفى، هو يشعر بهدوء كان يفتقده. عودة سهيلة له كان هدوءً بعد الصخب الذي كاد أن يصم قلبه.
بعد وقت صحوت سهيلة بسبب شعورها ببعض التقلصات بمعدتها. وجدت نفسها محاطة بيدي آصف. تبسمت وهي تنظر إلى وجهه وهو نائم، على ذاك الضوء الخافت. حاولت سحب جسدها من بين يديه. ذهبت إلى الحمام وخرجت بعد قليل، تشعر ببعض الوهن. عادت تندس إلى جوار آصف، تنظر لوجهه تشعر كأنها تعود بالزمن إلى الخلف. تبسمت حين تذكرت أنها كانت تخجل من النظر إلى وجهه. شريط ذكريات يمر أمام عينيها منذ أن تعرفت على آصف قبل أن تكمل التاسعة عشر من عمرها. الآن هي بالثلاثين، حوالي اثني عشر عاماً يمروا أمام عينيها، بين إخفاقات وامتيازات حصلت عليها. هناك خمس سنوات بعمرها لم تلتقِ بـ آصف مباشرةً، لكن كانت تقرأ عبر المنصات الإلكترونية عن نجاحه في تلك القضايا. أحيانًا كانت تكره ذاك الصيت، وأحيانًا كانت تشعر بالغبطة. كان هناك شيء بداخلها لم يبغض آصف رغم ما مرت به. حاولت إلهاء نفسها بالحصول على امتيازات وتقدم أعلى لتثبت أنها لم تنكسر، لكن كان داخلها بالفعل مهشماً. تحصل على امتياز أعلى وتسمع الإشادات بذكائها العلمي ممن حولها وهي تتقدم، لكن بداخلها كان هدف واحد أرادت إثباته لـ آصف أنها الطبيبة ابنة الموظف البسيط الذي سخر منه تلك الليلة. بداخلها فقدت مذاق اللذة، فقط كانت تبتسم للمديح الذي تناله ويعلو شأنها. بآخر الليل كانت ترثي نفسها بذلك المديح الذي لم يكن سوى لحظات وتعود تنكفي على فراشها تفصل عن عالم لا تشعر فيه بالحياة. قلبها مثل الآلة بداخلها. تنهدت وهي تنظر إلى آصف. تبسمت كأنه كان لها مذاق الحياة التي كانت وما زالت تود العيش بها. حلمت يوماً أن تكون أسرة صغيرة معه حين كان يخجلها بكلماته وهي تتهرب منها. كانت تشتاق لتلك الكلمات الصادقة والنابعة من قلبه. آصف كان لها متنفساً للحياة.
بِغمرة أفكارها شعرت بيدي آصف تجذبها لصدره. امتثلت لذلك وغفت.
مع شروق الشمس استيقظ آصف، تنهد بشعور الصفاء والسعادة وهو يضم سهيلة بين يديه. هذا ما تمناه أن يصحو على وجه سهيلة وهي بين يديه.
بالمشفى
استقبل طاهر كل من سحر وأيمن اللذين أخبرهم بجزء مما حدث لـ هويدا دون إخبارهم ببتر إحدى ساقيها. لكن بمجرد أن دخلا الغرفة انصعق قلبيهما، وتدمعت عينا أيمن. كذالك سحر التي اقتربت من ذاك الفراش النائمة عليه هويدا وانحنت تُقبل وجنتيها تسيل دموعها بحسرة قلب. كذالك أيمن الذي سأل طاهر قائلاً:
"هويدا هتفوق أمتى... وايه اللي حصل لها."
سرد لهم طاهر ما حدث ثم أخبرهم:
"الدكتور قال محتاجة وقت عقلها يفصل قبل ما تفوق عشان الصدمة اللي عاشتها."
تحدثت سحر بحسرة قلب:
"قلبي اتنفض من وقت ما اتصلت علينا امبارح وقولت هبات هنا عشان مخلصتش بقية أوراقك، والفجر لما اتصلت اتأكد إحساس قلبي. يا حسرة قلبي عليها لما تفوق."
بالمشفى مساءً
أمام غرفة أسعد وقف آيسر ينظر يمينًا ويسارًا، قبل أن يخطف قبلة من روميساء التي تذمرت من فعلته وقالت بغضب:
"وقح! ما بتعرف إننا بممر المشفى؟ يكون بعلمك يا آيسر لو بصيت بعيونك لواحدة من الممرضات والله بخلعلك عينيك وبيعشك أعور."
ضحك آيسر قائلًا:
"لأ خلاص... توبنا إلى الله."
نظرت له روميساء بعين تشع غضباً قائلة:
"كمل "وندِمنا على ما فعلنا"."
ضحك آيسر غامزاً بوقاحة:
"ندمنا شديد الندم كمان يا جميلتي."
تبسمت له قائلة:
"وهديك الممرضة اللي كانت عم تتمرقع وتتمايص... والله لو عطيتها وش بسكر عيونك للأبد."
ضحك آيسر قائلًا:
"لأ وعلى إيه أقول للدكتور يغيرها؟ أنا مش مستغني عن عينيا، عشان أشوفك بيهم يا جميلتي."
تبسمت روميساء بخفاء قائلة:
"تمام، هلأ برجع للشقة مرة ثانية، وبكرة راح أجي المسا ومعاي غيار نظيف إلك."
غمز لها قائلًا:
"طب إيه رأيك ناخد أوضة هنا جنب بابا نبيت فيها سوا، دا أنا حاسس إن عضم جسمي مخشب ومحتاج مساج من إيدين ناعمين."
نظرت له بإستهجان قائلة:
"اتحشم، وبلاه هالحكي بيكفي، راح أمشي السواق وبابا ناطريني بالسيارة، بس أنا حبيت أحذرك."
ضحك لها قائلًا:
"طب هاتي بوسة تصبيرة."
نظرت حولها واطمأنت أن الممر خالٍ قامت بتقبيله على وجنته. بينما هو جذبها وقام بتقبيل شفاها. دفعته عنها بغضب، بينما هو تبسم قائلًا:
"البوسة تبقى كده يا جميلتي."
بالأتلييه الخاص بـ شهيرة
كانت تجلس تقوم بمراجعة بعض التصميمات الخاصة ببعض مصممي الأتلييه. تركت التصميمات وشعرت بضجر حين صدح رنين هاتفها. نظرت إلى الشاشة وقامت بالرد. سمعت إلى من يُخبرها:
"إحنا من المستشفى المحجوز فيها جثمان السيد/رامز، والطب الشرعي خلاص صرح بدفن المتوفي، وبنتصل على حضرتك عشان تجي تستلمي الجثمان."
تأففت قائلة:
"تمام، بكرة هاجي أستلم الجثمان."
أغلقت الهاتف وقامت بوضعه أمامها. عدة مشاعر تضغط عليها، بين الحزن والكُره والغضب، لكن للكُره كان النصيب الأكبر. ضحكت وهي تتذكر أسعد الذي سيبقى قعيداً جزءاً بغدره بها. لكن لم تستمر ضحكتها حين سمعت صوت طرقعة عالية تشبه الانفجار.
خرجت من مكتبها إلى الخارج تفاجئت بنيران مشتعلة تلتهم الأتلييه بضراوة. صرخت بهلع تستنجد بالعمال الذين يهرعون للخارج هرباً من النيران، ومنهم ما التهمته النيران بالفعل.
فصل عقلها للحظات، فأصعب إحساس هو ضياع كيان قضيت وقتاً ومجهوداً ووضعت بسببه ملذات أخرى في الحياة. صرخت بهستيريا تريد إطفاء تلك النيران قبل أن تنهي مشوار عمر قضته من أجل أن يصبح هذا المكان وجهة أشهر مصممي الأزياء وأغنى الزبائن. لم تنتبه للنيران إلا حين اشتبكت بملابسها وتسربت إلى جسدها. صرخت وهي تهرع إلى الخارج قبل أن تحترق هي الأخرى.
بمنزل البحيرة
على أريكة بغرفة المعيشة كانت سهيلة نائمة رأسها على صدر آصف. لكن رفعت رأسها ونظرت لوجهه تبسمت حين وجدته مستيقظاً. كذالك هو تبسم لها. نهضت جالسة تتكئ بإحدى يديها على الأريكة. استغرب آصف ذلك ورجف قلبه أن يكون فعل شيئاً أزعجها بدون قصد منه. اعتدل جالساً هو الآخر يسألها:
"أنا عملت حاجة أزعجتك."
أومأت رأسها بـ "لأ". تنهد براحة قائلًا باستفهام:
"طب ليه بعدتي عن حضني."
تبسمت بحياء قائلة:
"قبل كده قلت لي إن كل حقيقة ليها وجهين، يعني إيه؟"
تبسم قائلًا بتوضيح ونبرة ندم:
"يعني أنا عمري ما دافعت عن شخص ظالم، بغض النظر عن عيوبهم، بس أنا في حياتي مظلمتش حد غيرك يا سهيلة."
لمعت عينيها ببسمة قائلة:
"طب ليه معتذرتش وطلبت السماح مني؟"
للحظة أخفض وجهه بخزي وندم ثم رفع رأسه ونظر لها قائلًا بندم:
"عشان أنا مستحقش السماح."
تبسمت سهيلة قائلة:
"ده كبر وغرور آصف شعيب."
تركزت عينيه بعيني سهيلة. اقترب منها جذب يديها بين يديه وأحنأ رأسه وقبل كف يديها قائلًا:
"معاكِ بنسى إني آصف شعيب. إنتِ عارفة إنك الوحيدة اللي مش بقدر أتكبر أو أتغر عليها... بالعكس، لو مستعدة تسامحيني، أنا هطلب السماح ألف مرة."
تبسمت بدلال قائلة بغنج:
"ألف مرة بس؟"
اقترب منها وضمها بين يديه وقبل إحدى وجنتيها قائلًا:
"قد ما تطلبي. أنا بحبك يا سهيلة وهفضل طول عمري ندمان ومش هسامح نفسي أبداً إني في لحظة كنت جلاد غاضب."
ضمته هي الأخرى بيديها. عاد برأسه للخلف ونظر لعينيها ولبسمة شفتيها. اقترب من شفتيها مقبلاً بلا انتظار. تزداد قبلاته شوقاً وشغفاً حين لم يجد منها رهبة أو تمنع، حتى أنها عادت تتسطح على الأريكة وهو يقبلها، حتى ترك شفتيها ينظر لعينيها اللتان عاد بريقهما. رفع يديه يملس على وجنتيها بأنامله قائلًا بندم:
"أنا عارف إنك كرهتيني."
وضعت يديها على كتفيه وأومأت رأسها بـ "لأ" ثم قالت:
"حاولت كتير أغصب قلبي يكرهك، بس للأسف قلبي خذلني، مقدرش يكمل ويكرهك يا آصف، بس ده مش معناه إني سامحتك."
شعر بإنشراح في قلبه ثم سأم وجهه للحظة. لكن عاود يقبلها، يكفيه أنها تقبلت قبلاته. يشعر بلمسات يديها على كتفه وظهره. هذا ما أراده دائماً أن يشعر بلمساتها على جسده. أخطأ حين قيد يديها تلك الليلة، ربما لو كان شعر بلمسات يديها على جسده كان تهاون وما وصل إلى تلك الدرجة من الغضب الذي أعماه، واغتصبها بحقارة. بالتأكيد ما كان عاش وسيظل يعيش بمرارة الندم.
رواية عشق مهدور الفصل الرابع والأربعون 44 - بقلم سعاد محمد سلامة
ردت سحر:
متخفيش عليه أمي هتعرف تهتم بيه. أنا هفضل جنب هويدا.
تنحنح رحيم قائلًا بآسف:
أنا أجازتي خلصت ولازم أرجع للكلية. هبقى أتصل عليك يا بابا أطمن على هويدا.
أومأ له أيمن يشعر بالبأس. بينما قال طاهر:
خدني معاك أوصلك وبالمرة أروح السفارة أشوف الأوراق خلصت ولا لسه.
غادر الإثنين. بعد قليل انتبه أيمن. كذلك سحر التى إنتفضت وإقتربت من ذاك الفراش بعد أن سمعا صوت هويدا التى بدأت تهذي قبل أن تعود إلى الوعي. نظرا الإثنين لبعضهما متأثران بحال هويدا بعد أن تعود للوعي.
بالفعل عادت هويدا للوعي. تنظر عينيها زائغة. بداخل عقلها أن ما حدث مجرد كابوس وبفتح عينيها إنتهى. لكن حين حركت يديها شعرت بوخز ألم. نظرت نحو يدها رأت تلك الإبر الطبية المغروسة بيدها. كذلك وقوف كل من سحر وأيمن جوار الفراش. سمعوا همسها لأول مرة تسأل:
حسام!
تعجب الإثنين من سؤالها. حاولوا إخفاء دمعة أعينهم. لكن كان هويدا كانت بسكرة. حين صرخت بعد أن حاولت رفع ساقها. صرخة مؤلمة لفؤادها. حين حاولت رفع قدمها لم تشعر بألم بالتأكيد بسبب المسكنات. لكن كان الألم الأقوى هو ذاك الفراغ التى شعرت به. بدأ عقلها يعود للوعي. كل ما حدث لم يكن كابوسًا بل حقيقة. بدايتها من حقيقتها أنها بلا نسب. عاشت حياتها بكذبة أن لها والدين. بالحقيقة هي لم تكن سوى إبنة رجل. ماذا تنعته بالخسيس أصبح بقبره. لن تشفع له كلمتها. حقيقة مرة بأبشع من العلقم. فقط تود الصراخ كي تنفض ذاك الألم. استجابت لرغبتها. صرخت. بعزمها الواهن. جلست جوارها سحر سريعًا تضمها تحاول تهدئتها. كذلك أيمن هاتف الطبيب سريعًا. ثم جلس لجوارها يضع يده فوق كتفها قائلًا برجاء:
هويدا إهدي وإحمدي ربنا. إن ربنا نجاكِ كل شيء يتعوض.
- أيه اللي يتعوض.
صرخت بها هويدا بحسرة ثم أكملت:
رجل ولا نسب. أيه فيهم يا بابا.
توقفت تقول:
المفروض إنت خالي. أنا...
كان لفظًا نابيًا. صُعق الإثنين. ضمتها سحر قائلة:
لاء يا هويدا. إنتِ شفتي اعتراف زهير بنسبك له. كمان أنتِ بنتنا.
أكدتها سحر:
بنتنا. من أول لحظة في عمرك كنتِ بين إيديا. كفاية متوجعيش قلبي أكتر من كده. ربنا كان له هدف يخفي الحقيقة عشان تبقي العوض ليا أنا وأيمن. وقت ما كنا يائسين كنتِ الأمل.
نظرت لهما هويدا بآسف. بنفس الوقت دلف الطبيب. ورأى حالة هويدا وضم سحر لها. فهم أنها بحالة هيستيريا لصعوبة تقبل ما حدث. قام بإعطائها مسكن جعلها تغفو مرة أخرى. ربما تهدأ فيما بعد. بينما سحر وأيمن قلبيهما يأن بالحزن على حالها ورد فعلها غير المتوقع.
بأثناء سير طاهر مع رحيم بممر المشفى تقابلا صدفة مع يارا وشيرويت. توقف طاهر مبتسمًا ينظر إلى يارا التى توقفت هي الأخرى تبتسم بخجل. سائلًا:
حالة باباكِ إيه دلوقتي.
شعرت يارا بغصة قائلة:
الحمد لله. فاق وبدأ يتقبل الوضع بعد ما الدكتور قال إن في أمل إن يكون ده وضع مؤقت. وهويدا أخبارها إيه؟
رد طاهر بآسف:
لسه مفاقتش من المخدر. الدكتور كان أداها حقنة مخدرة عشان متوقع حالة انهيار. قال يتجنب رد الفعل شوية.
رغم أنها زوجة أبيها لكن قالت بصدق:
ربنا...
قطبت يارا على بقية حديثها حين صدح رنين هاتفها. أخرجته من حقيبة يدها. للحظة ارتجف قلبها وهي تنظر إلى شاشة الهاتف. لاحظ طاهر ذلك. كذلك شيرويت التى تأففت من الوقوف قائلة:
مش بتردي ليه؟
نظرت لها يارا قائلة:
الرقم ده معرفوش.
- وفيها إيه ردي عليه.
هكذا حثتها شيرويت على الرد. أومأت يارا وقامت بفتح الخط وقامت بالرد لتتغير ملامح وجهها إلى عبوس حين سمعت:
حضرتك إحنا من إدارة المستشفى وبنبلغ حضرتك إن مدام/شهيرة محجوزة عندنا هنا في قسم الحريق.
لا تعرف كيف خرج الحديث من فمها قائلة:
تمام أنا جايه فورًا.
أغلقت يارا الهاتف. نظرت إلى شيرويت التى سألت باستفسار بعد أن لاحظت هي الأخرى عبوس ملامح يارا:
مين اللي كان بيتصل؟
ردت يارا بصوت مرتجف:
دي إدارة مستشفى بيقول إن ماما محجوزة عندهم في قسم الحريق.
ارتجفت شيرويت هي الأخرى قائلة برعشة صوت:
وقال لك إيه تاني. مامي جرالها إيه. خلينا نروح لها بسرعة.
استغرب رحيم وطاهر. الذي قال:
خليني أجي معاكم.
بينما قال رحيم:
للأسف أنا هتأخر على الكلية. ولو اتأخرت هتعاقب. هبقى أتصل عليك يا طاهر.
انصرف رحيم. التى أغتاظت منه شيرويت دون تفسير لسبب. بينما ذهب طاهر معهن إلى المشفى.
***
بمنزل البحيرة
ضم آصف جسد سهيلة على صدره وقبل جبينها. شعرت بخجل وظلت تضع رأسها فوق صدره. شعور هادئ في القلب رغم أنفاسهم الصاخبة. مشاعر خاصة أعطاها كل منهم للآخر. مشاعر تأخرت. وكادت تطمس بنزيف البُعاد. لكن الفرصة الثانية أعادت لها البريق لتشع مرة أخرى وتسري بين الأوردة تضخ عشقًا يكتسب مناعة من سقم الماضي. فرصة أخرى تستحقها القلوب. بعد لحظات هدأت أنفاسهم أيضًا. بسبب حياء سهيلة من النظر إلى آصف بعد ذاك اللقاء الحميمي. تبسم آصف على ذاك الحياء الذي يمنعها من النظر له أو حتى الحديث. وهمس جوار أذنها:
سهيلة إنتِ نمتي.
رفعت سهيلة رأسها عن صدره. نظرت لعيناه بحياء للحظات. ثم تهربت سائلة:
مفسرتش يعني إيه عمرك ما دافعت عن متهم مش واثق من برائته.
تبسم آصف وهو يزيح تلك الخصلات الثائرة عن وجهها قائلًا:
يعني قبل ما كنت بقبل القضية اللي هترافع فيها كنت لازم أتأكد إن الشخص ده مذنب أو لأ.
لم تفهم وسألته:
مش فاهمه. يعني كنت بتعمل عليهم تحريات قبل ما تقبل القضية.
أومأ برأسه مبتسمًا وأجابها:
يمكن شغلي في القضاء ساب عندي خبرة أقدر بيها أعرف وأو على الأقل أستشف حقيقة الشخص اللي قدامي.
- غرور. ومنين جالك إن مش بيمثل البراءة.
أجابها بابتسامة:
مش غرور. وفعلاً سهل تمثيل البراءة. لكن في شواهد بتأكد الحدث بتاعي. وبالتالي بقبل القضية اللي هترافع فيها وأنا واثق إن الشخص ده يستحق دفاعي عنه.
نظرت له سهيلة سائلة:
طيب في كذا قضية لفتوا نظري وكان عليهم ضجة إعلامية كمان.
تبسم آصف قائلًا:
أيه هما؟
نظرت إلى عين آصف قائلة:
قضية رجل الأعمال والرشوة اللي قدمها لموظف الحكومة مثلاً.
ضحك آصف مجاوبًا:
عارف إن فيه إشاعات كتير على رجل الأعمال ده إن له أساليب ملتوية في تيسير مصلحته. وهو فعلًا قالي إنه فكر يعرض على الموظف ده رشوة بعد ما سمع من كذا شخص إنه بيقبل الرشاوي. أو بمفهوم آخر على إنها هدايا مقابل مصالح بيقدمها لهم. بس هو كان له غريم واتفق مع الموظف ده. والموظف وافق غريمه. وبمجرد ما رجل الأعمال راح له المصلحة هو ادعى النزاهة واتهمه بتقديم رشوة. وده اللي للأسف ما حصلش. يعني القصة كانت من البداية تصفية خلافات وهو وقع بالفخ.
اقتنعت سهيلة سائلة:
طب والأرض اللي أخدتها من الدولة ورجعتها لـ للي استولوا عليها بدون وجه حق.
أجابها ببساطة:
إنتِ قولتيها رجعتها. بس رجعتها لأصحابها مش للي استولوا عليها بدون وجه حق. الأرض دي كانت لمجموعة شباب أخدوها من الدولة بغرض الاستصلاح وحطوا فيها تعبهم وخبرتهم. غير كمان الأموال اللي كانت معاهم. هوب موظف في الدولة بالصدفة شاف الأرض. طبعًا اخضرت زاغت في نظره. عرض عليهم يشاركهم فيها. وطبعًا ده تعبهم لسنين. هو جاي عاوز يبقى شريك عالجاهز. رفضوا. قام استغل منصبه في الحكومة وقدم شكوى إنهم استولوا على الأرض. بس للأسف ما كانش يعرف إن معاهم مستندات تثبت أحقيتهم في الأرض دي. وكسبت القضية بسهولة لما قدمت المستندات دي. القضية كانت سهلة. بس الإعلام كده دائمًا بيحب يكبر الصغيرة. وبالذات لو كانت القضية الحكومة طرف فيها بيبقى لها صدى واسع.
لمعت عين سهيلة بنظرة إعجاب وثقة وتبسمت. تبسم آصف هو الآخر مستفسرًا:
والبسمة دي سببها إيه؟
ابتسمت سهيلة مراوغة بالرد:
بدون سبب. أي عاوزه أبتسم.
ضحك آصف وهو يرفع يده يتلمس بها وجنتها قائلًا:
أنا بعشق بسمة عينيك يا سهيلة. بحسها بتديني أمل وسعادة في قلبي.
تبسمت سهيلة وهي تعود تضع رأسها على صدر آصف. الذي ضمها بين يديه يشعر بأنفاسها الدافئة فوق صدره. بينما هي همست:
طنط شكران كان عندها حق لما قالت لي إني باخد الحقيقة من جانب واحد. دلوقتي فهمت الحقيقة من كل الجوانب. بحبك يا آصف.
انشرح قلبه وازدادت خفقاته. ورفع وجهها بيده ينظر لوجهها قائلًا:
طب ليه بتخفي وشك وإنتِ بتقوليها.
شعرت سهيلة بالخجل وأخفضت عينيها. تبسم آصف وهو يرفع ذقنها لترفع عينيها تنظر إلى عيناه. تلاقت العيون بحوار صامت للحظات. قبل أن تخجل عين سهيلة. التي أخفضتها تنظر نحو شفاه آصف. الذي تبسم وهو يجذبها عليه قبل وجنتها هامسًا بعشق:
بحبك يا سهيلة. ومش بخجل أقولها قدام العالم كله. قلبي مش بينبض غير وإنتِ قريبة مني.
تبسمت. لكن سرعان ما انخذت وتنهدت بقوة وهي تجد جسدها أسفل جسد آصف. تبسمت لللمعة عينيه. تلك اللمعة القديمة الصافية. لكن امتزجت بلمعة شغف. وهو يُقبل شفاها يأخذها معه تتناغم أنفاسهم معًا برحلة غرام خاصة بعلم الوصول إلى القلب.
***
بعد مرور ثلاث أيام
قبل الفجر
بمنزل أيمن بالبلدة
تبسمت سحر لـ آسميه التى دلفت عليها بالمطبخ. تساءلت:
أيه اللي صحاكِ بدري كده يا أمي. الفجر لسه عليه أكتر من ساعة.
تنهدت آسميه بحزن:
قلبي حزين على اللي حصل لـ هويدا. ربنا يصبرها.
تألمت سحر قائلة:
أنا كمان قلبي حزين أوي. حاسة إن نفسها انكسرت مبقتش هي. بس تعرفي الصدمة دي غيرتها. حتى بقت تسأل على حسام ابنها.
تنهدت آسميه قائلة:
مش مستغربة. في نوعية كده وتعرف قيمة نعم ربنا عليهم غير لما يتصدموا. هويدا خدت بدل الصدمة اتنين. ربنا كان رايد لها تعترف بنعمهُ عليها وده اللي حصل لها. لما شوفتها امبارح قلبي وجعني أوي. لما بكت قلبي اتقطع.
تبسمت سحر بآلم وهي تتذكر بكاء هويدا. حين رأت آسميه. كذلك آسميه التي بكت هي الأخرى. وسرعان ما ضمتها لصدرها. كان هذا تعبيرًا عن خبايا القلوب. آسميه كانت تكره فقط أفعال هويدا الهوجاء. لكن لم تكرهها أبدًا.
***
بالقاهرة
بشقة آصف
كان نداء الفجر الأول يصدح على المآذن.
تبسمت صفوانة وهي تدلف إلى المطبخ وجدت شكران تقوم بالطهي. قالت لها:
صباح الخير. صحيتِ النهارده قبلي.
تبسمت لها بمودة قائلة:
أنا نمت من بعد ما صلينا العشاء. محسيتش غير من شوية. قمت صليت ركعتين ولقيت نفسي نشيطة. قولت أحضر لينا الفطور وكمان كم آكلة أبعتهم لـ آيسر في المستشفى.
تبسمت صفوانة قائلة:
تعالى إقعدي إرتاحي شوية وبعدين نبقى نكمل تجهيز بقية الأكل.
وافقتها شكران وجلسن خلف تلك المنضدة بالمطبخ.
نظرت صفوانة إلى شكران سائلة:
تعرفي أنا لما آصف قالي أحاول أقنعك بلاش تروحي المستشفى لـ أسعد. وقالي عالسبب. اضايقت وزعلت أوي. وافتكرت مقابلتك له من فترة بعد فرح آيسر. وقولت كويس إنك موافقتيش ترجعي له.
تنهدت شكران ببسمة ألم قائلة:
تعرفي يا صفوانة. في شيء غريب أنا حاسة بيه.
استفهمت صفوانة قائلة:
أيه هو الإحساس ده. ليه حاسة إنه مش فارق معاكِ.
ردت ببساطة:
فعلاً مش فارق معايا. بالعكس يمكن حسيت بهدوء في حياتي. هقولك. زمان لما أسعد جالي وقالي إنه هيتجوز شهيرة. قلبي اتكسر. وسألت نفسي أيه اللي ناقصني عشان يتجوز عليا. بس قولت ليه بفكر في اللي ناقصني. وأنا عملت كده واتجوزت أسعد وهو كان له زوجة أولى. مش ذنبها إن غلطة دكتور خلتها بقت عاجزة ومحتاجة اللي يرعاها ومش هتقدر على رعاية جوزها. رغم إني كنت بشفق عليها أوي وإنتِ شوفتِ معاملتي معاها. بس أنا كنت مصدومة. مكنش فيا شيء ناقص. بالعكس يمكن المفروض كان ليا امتياز عنده. إني خلفت له تلات ولاد. بس ده ما كانش كفاية بالنسبة له. دور عالوجاهة اللي كانت ناقصاني. فاكرة لما أمي عرفت إنه اتجوز عليا. جت لي وقالت لي أقوله له أو بمعني أصح أساومه. وأقوله. لو ما طلقش مراته التانية هاخد ولادي وأسيب السرايا. فكرت وقتها بعقلي. صحيح أنا من عيلة ميسورة. بس دول تلات ولاد ومصاريفهم وحياتهم اترتبت على نظام معين. دفنت مشاعري وقولت أسعد بالنسبة لي مجرد أب لأولادي والسلام. بس النهارده بندم إني ما سمعتش لعقلي وقتها وكنت خدت ولادي وضمتهم لحضني وبعدت عن أسعد. يمكن كنت قدرت أتجنب حرقة قلبي على سامر اللي راح مني شاب. ولا شوفت لوعة قلب آصف بعنيا وهو بينه وبين سعادة قلبه باب أوضة. وياريته مقفول. بالعكس كنت بشوف آصف وهو بيتسحب انصاص الليالي يدخل أوضة مراته. اللي بتخاف من قربه منها. كمان توهان آيسر اللي كان بيخفيه ورا هزاره دايمًا. بس كان بيدور على شيء ناقص في حياته. هو الانتماء لشخص يحس معاه بالحب الحقيقي. وده اللي لقاه مع روميساء. كان بيهرب بسفره الدائم. كان نادر الإجازات. اللي دلوقتي بقى مش عاوز يشتغل عشان يبقى قريب من روميساء اللي حس معاها بالانتماء. يمكن لو كنت ضمت ولادي في حضني ما كانش قلبي اتكوي بلهيب سامر وبشاعة موته. لو الماضي يرجع كنت بعدت عن أسعد وسيبته لنزواته. اللي آخرها يتجوز أصغر من بناته.
وضعت صفوانة يدها على يد شكران بمواساة ومؤازرة قائلة:
الماضي مش بيرجع يا شكران. بس ربنا بيعوض. وأهو زي ما قولتي. آصف سهيلة معاه. وإنتِ بتقولي إنه صوته وهو بيكلمك إنه سعيد وفرحان. كمان آيسر مع روميساء. اللي بحس إنها بتعيد تربيته.
جففت شكران دموعها واومأت رأسها ببسمة مؤلمة:
فعلاً. روميساء بتعيد تربية آيسر. تعرفي كنت خايفة آيسر يورث أسعد في حكاية ميله للنسوان دي. لما كان يحكي عن البنات اللي بيقابلها في رحلاته. بس قلبه كان نضيف ووقع في روميساء. صحيح مسترجلة شوية. بس دي اللي تنفع مع آيسر.
***
بمنزل البحيرة
فتح آصف عيناه. نظر نحو سهيلة التي تسكن بين يديه. ضمها للحظات. في ذاك سمع أصوات تلك الطيور التي تبدو جائعة وخرجت باكرًا بحثًا عن قوتها. نهض من جوارها وجذب معطفًا وقام بارتدائه وتوجه إلى تلك الشرفة. تعمد ترك باب الشرفة مفتوح. وقف يستنشق تلك النسمات شبه الباردة المختلطة بأريج زهور الربيع. نظر أمامه رأى بزوغ الشمس من بعيد. بدأ يلمع ضوء شعاعها الخافت فوق مياه البحيرة. التفت إلى نحو أحد الأماكن وتنهد يتذكر وهو يبتسم على شاب يافع يسير ببدايات طريق العشق. يشعر بالبرد وهو ينتظر تلك البريئة الرقيقة التي كانت تتأخر دائمًا. تأتي بعد أن يضجر من طول الانتظار. لكن كان مع رؤيتها يتبدد البرد إلى دفء منبعه القلب. حتى وقت رحيلها كان يشعر ببرودة قلبه. كان ومازال يتمنى بقائها معه دائمًا. كانت ومازالت مثل شمس الربيع الدافئة. سنوات مضت تغيرت ملامح المكان. لكن لم يتغير العشق. مازال ساري وممزوج بالوتين.
شعرت بنسمة هواء باردة تلفح صفحة وجهها. كذلك اخترق أريج الزهور انعش فؤادها. تمطت تستنشق ذاك الهواء بعمق. فتحت عينيها. نظرت لجوارها بالفراش كان مكانه خاويًا. نظرت نحو باب الشرفة. رأت ظل آصف من خلف تلك الستائر التي تتطاير. نحت ذاك الدثار ونهضت من فوق الفراش. جذبت ذاك المئزر شبه الثقيل وقامت بارتدائه. ذهبت نحو الشرفة. نحت تلك الستائر قائلة:
صباح الخير.
استدار ينظر لها بغرام قائلًا:
صباح النور.
تبسمت وهي تقترب منه قائلة:
أيه اللي مصحيك بدري كده.
ضمها بين يديه برومانسية. تبسمت وهي ترفع يديها تزم طرفي معطفه قائلة:
إقفل الروب على صدرك. الجو لسه فيه نسمة برد. وأنا خلاص رصيد إجازاتي انتهى. اليوم اللي باخده إجازة بيتخصم من مرتبى.
ضحك قائلًا:
بتقبضي كام.
نظرت له بزغر. أثار ضحكه وازداد حين قالت:
يعني بتراقبني طول الوقت وبتعرف عني كل حاجة ومش عارف مرتبى كام.
- تصدقي دي الحاجة الوحيدة اللي ما فكرتش أعرفها. لأني عندي خلفية سابقة عن مرتبات الحكومة. ناسيه إني كنت موظف حكومي.
ردت بتسرع:
مش كل المرتبات يا سيادة المحامي. القضاء من أعلى المرتبات. إنما الدكاترة لو مش العيادات كانوا مدوا إيديهم وطلبوا معونات.
ضحك وهو يضمها ثم همس جوار أذنها:
عشقك مدفي قلبي يا سهيلة.
نطقه اسمها بتلك النبرة الناعمة تغلغل إلى قلبها. عادت برأسها للخلف تنظر له. تسلطت عيناه على شفاها مشتاقًا. انساق خلف قلبه المشتاق دائمًا وجذبها يُقبلها. تجاوبت مع قُبلته ورفعت يديها تُعانقه. ترك شفاها لكن لم يبعد وجهه. مازال قريب من وجهها للغاية شبه ملتصق بوجنتها. تشعر بأنفاسه فوق عينيها. كذلك هو يشعر بأنفاسها على وجنته. هتف هامسًا:
فاكرة في يوم قولتلك هجيبك هنا هحضنك وهبوسك مش هتقدري تمنعيني.
تبسمت وهي تزيد في عناقه. ثم عادت برأسها للخلف تبسمت عينيها وهي تنظر إلى شفاه. وبلا تردد كانت تقترب منهما. وضعت قبلة عشق. انشرح قلب آصف وهو يعانقها بقوة وهمس باحتياج ورجاء:
إنتِ الشمس في حياتي يا سهيلة. متغيبيش تاني.
كان جوابها تنهدت بعشق وهي تشد من عناقه. تضع قبلة على جانب عنقه. تدفئ قلبه. تخبره أنها قد عادت تشرق به ومن أجله.
عادت برأسها للخلف ونظرت لـ آصف قائلة بدلال:
هو مش المفروض نرجع للناس اللي هناك نطمن عليهم. موبايلي معرفش هو فين. وإنت اللي بتتصل على آيسر وأنا نايمة.
تبسم وهو يضمها قائلًا:
زهقتي بسرعة.
تبسمت وامأت رأسها بـ لا قائلة:
بالعكس. أنا نفسي نفضل هنا طول الوقت. بس كمان عاوزه أطمن على بابا وماما واخواتي. وطنط شكران وخالتي صفوانة وتيتا آسميه.
بمجرد ذكر اسم آسميه يسأم وجه آصف. تبسمت سهيلة. بينما تذكر آصف إخبار آيسر له عن ما حدث لـ هويدا. بالتأكيد لو علمت سهيلة ستحزن كثيرًا. لكن تبسم قائلًا:
موبايلك في العربية عالشط التاني.
تبسمت قائلة:
تمام خلينا نرجع للشط التاني.
- وهنا.
هكذا سأل آصف وتبسمت سهيلة قائلة:
هنرجع تاني.
- تمام. بس قبل ما نرجع في سر عاوز أقوله لكِ.
نظرت له باستخبار. لكن قبل أن تستفهم كان يحملها بين يديه وهي تبتسم من الخضة تلف يديها حول عنقه بدلال قائلة:
خضيتني.
تبسم وهو يضعها فوق الفراش قائلًا بنظرات عشق:
طالما هنرجع للشط التاني. يبقى نتنفس شوية هوا نضيف قبل ما نرجع للزحام مرة تانية.
استقبلت قبلاته ولمساته وهامت معه بين نسائم منعشة للقلب والروح.
***
بالمشفى الموجودة بها شهيرة
شعرت بالضجر من تلك الضمادات الموضوعة فوق يديها تصل إلى منتصفها. كذلك ساقيها. والضجر الأكبر هو ذاك الضماد الذي يخفي نصف وجهها الأيسر. يتآكل قلبها أن يترك أثرًا فيما بعد. نهضت تشعر بألم في ساقيها وهي تبحث عن مرآة ترى بها وجهها. لكن لا يوجد سوى زجاج شباك الغرفة. ذهبت نحوه. نظرت لانعكاسها. لكن ارتجفت يدها وهي تضعها فوق ذاك الضماد الموضوع فوق نصف وجهها. وكادت تنزعه تطمئن على وجهها. لكن بنفس اللحظة أنقذها من فعل ذلك. صوت طرق على باب الغرفة. عادت نحو الفراش وتمددت عليه. وسمحت للطارق بالدخول.
نظرت نحوه. وهو يعرف نفسه أنه أحد رجال الشرطة. ثم سألها:
الدكتور قال إن حالة حضرتك تسمح بسؤالك عن الحادث.
قاطعته سريعًا تقول بإتهام صريح:
أسعد. أسعد شعيب هو اللي ورا حريق الأتيليه. هو عاوز يدمرني.
تسأل الشرطي:
ومين أسعد شعيب ده. وليه يحرق الأتيليه. كمان البحث الجنائي قال في تقريره إن الحريق ما كانش متعمد. ده كان بسبب شرارة من ديزل الكهربا المساعد.
ردت شهيرة بتسرع:
لأ. هو أسعد. أسعد يبقى طليقي وبينتقم مني.
سألها الضابط:
حضرتك ده اتهام صريح. وممكن ينفي ده ووقتها ممكن يقدم فيكِ بلاغ إنك بتتجني عليه. اتهام بالباطل.
أكدت شهيرة بعصبية واستهزأت قائلة:
اتهام بالباطل! أسعد هو اللي غرضه يدمرني وهو اللي حرق الأتيليه. زي ما قتل رامز أخويا.
اندهش الضابط. ونظر نحو وجهها ورأى ذاك الضماد الموضوع فوق وجهها. ثم نهض قائلًا:
تمام. أنا هطلب السيد/أسعد للتحقيق معاه في اتهامك له. بس أعتقد من الأفضل تتواصلي مع شركة التأمين. الخاصة بسيادتك.
غادر الضابط. بينما نفخت شهيرة بغيظ وتلمع عينيها بهذيان ووعيد قائلة:
أكيد أسعد هو السبب في الحريق ولازم يدفع التمن. مفكرني هبلة وغبية زي شكران. مش هسيبه يتهني مع العروسة الجديدة.
***
بالمشفى الموجود بها أسعد
بعد إلحاح أسعد. امتثل له آيسر. بعد أن سمح له الطبيب بالنهوض من فوق الفراش والبقاء على مقعد متحرك لوقت قليل. طلب منه الذهاب إلى غرفة هويدا بالمشفى. بعد دقائق دخلا إلى غرفتها بعد أن سمح لهما. نظر أسعد نحو هويدا الراقدة فوق الفراش نصف جالسة. والتي تمسكت بيد أيمن الذي كان يقف جوارها. وقالت بإستهجان:
لو جاي تشمت أو تتشفى فيا فـ فيا تبقى غلطان.
تهكم أسعد ببسمة مرارة. فمن يشمت أو يتشفى بمن. لكن امتثل بالهدوء قائلًا:
لأ يا هويدا. مش جاي أشمت ولا أتشفى فيكِ. أنا جاي أرجع لك حقك.
***
بشقة آصف
وجع القلب له ترياق مسكن قوي المفعول. قبل ساعات كانت تبكي على صغيرها الذي توفي شابًا. الآن تبتسم وتشعر بانشراح وهي ترى تلك البسمة الصافية على وجهي آصف وسهيلة اللذان عادا للتو. بملامح تشع حياة. تتبدل قلبها المسؤوم إلى منشرح. ببسمة آصف وسهيلة وهي ترى أيديهم تحتضن بعضهما بملامح تشع صفاء وعشق تداوي نزيفه.
رواية عشق مهدور الفصل الخامس والأربعون 45 - بقلم سعاد محمد سلامة
كان طاهر يسير عبر الرواق، متوجهًا إلى غرفة هويدا، لكن تقابل مع يارا. لاحظ على ملامحها التوتر والوجوم. توقف أمامها، نظرت له للحظة ثم أخفضت وجهها بسبب رنين ذاك الهاتف الذي بيدها.
إرتجفت يدها وهي تنظر للهاتف وكاد يسقط من يدها. لاحظ طاهر ذلك، شعر بفضول سائلًا:
"أيه، وشك شكلك متوترة."
رفعت نظرها له قائلة بارتباك:
"ده إتصال من هنا في المستشفى عشان..."
توقفت تشعر بغصة وحرج أيضًا.
حرضها طاهر على مواصلة الحديث:
"عشان أيه كملي."
تجمعت الدموع بعينيها وهي تشعر بخزي:
"أكيد عشان أكمل بقية إجراءات أخد جُثمان خالي رامز من المشرحة."
رغم شعوره بالبغض من رامز، لكن عذر مشاعرها قائلًا:
"البقاء لله... بس ليه حاسس إن في شئ محيرك."
أومأت برأسها قائلة:
"شكرًا... أنا بصراحة معرفش أيه الإجراءات دي، كمان المفروض لما أخد جثمان خالي يندفن. كمان الإجراءات دي معرفهاش، المفروض مامي هي اللي كانت تستلم جُثمانه، بسهى كمان في المستشفى... ومكسوفة أطلب من آيسر يجي معايا وهو مرافق لبابا، وآصف هو كمان مش هنا، وشيرويت في جامعتها وبعدها هتروح لمامي المستشفى."
تفهم طاهر ذلك قائلًا:
"تمام خليني أساعدك في إنهاء الإجراءات هنا وبعدها ندفن خالك في المقابر."
رفعت يارا رأسها ونظرت لطاهر بتفاجؤ. تبسم رغم عنه، قائلًا:
"خلينا نخلص الإجراءات."
رغم حزن قلبها على خالها، حقًا لم يكن ذو أهمية ولا مكانة في حياتها هي وأختها، لكن تبقى صلة الرحم. وافقت. طاهر الذي ذهب معها وأنهى جميع الإجراءات. كما وقف معها أثناء توارى جسد رامز بالقبر. تهكم بداخله على هذا المتوفى، الذي لا يحضر أحد دفنه كأنه معدوم الهوية. حتى العزاء لم ينل هذا أيضًا. ربما كان انتفع ببعض الأدعية والرحمات. كذلك يارا، كانت ترى التفاف كبير حوله وهو حي، الآن لا أحد غيرها هي وطاهر الذي هنا فقط من أجل مساعدتها لا أكثر من ذلك.
غادر الاثنان المقابر، وذهبا إلى المشفى الآخر. دلفت يارا إلى حجرة شهيرة، رأتها تجلس تضجع بظهرها على خلفية الفراش، تحلق بسقف الغرفة مثل الشاردة. تفوهت بهدوء:
"مساء الخير يا مامي."
التفت شهيرة ونظرت لها بغضب قائلة:
"على ما افتكرتي تجي لي، طبعًا قاعدة جنب باباكِ طول الوقت، هتفكري فيا ليه."
سُرعان ما زاد غضب شهيرة حين رأت طاهر يدخل خلف يارا. اعتدلت في جلستها ونظرت له بإستهجان قائلة بعصبية:
"ومين اللي جايباه معاكِ ده كمان، استني الشكل ده مش غريب عليا، بس مش متذكرة شفته فين."
ارتبكت يارا، بينما فكرت شهيرة للحظات وهي تتمعن النظر له، لم تتذكر، إلا حين أخبرتها يارا:
"ده طاهر، يبقى أخو سهيلة مرات آصف."
نهضت شهيرة من فوق الفراش بغضب تتجه نحوه وكادت تشتبك معه لولا منعتها يارا. حتى حاولت تهدئة غضبها، لكن وقفت تلهث قائلة باستحقار:
"كمان يبقى أخو الحقيرة اللي اتجوزها أسعد وبسببها طلقتني، أوعى من قدامي، جايباه معاك لهنا ليه، أيه اللي بينكم، ما هو مبقاش ناقص غيرك... طبعًا عشان يسيطروا على أموال أسعد."
شعرت يارا بالخزي من حديث والدتها التي انكمشت، ووضعت كف يدها فوق وجنتها المصابة. ثم تراجعت نحو الفراش، تعطي ظهرها لهما قائلة بغضب:
"اطلع بره أكيد جاي تشوفني عشان تقول لأختك تشمت وتتشفى، بس أنا بخير شوية حروق وهرجع تاني أجمل مما كنت، أنا 'شهيرة' وهفضل طول عمري أيقونة من أيقونات الموضة."
شفق طاهر عليها، وكذلك على هويدا وما أصابها. يبدو أن طمعهن للثراء كان له ضريبة فادحة.
***
بغرفة هويدا
استرسل أسعد قائلًا:
"هويدا أنا يمكن قبل كده كان مستحيل أعترف بغلط أنا عملته، بس بعترف جوازي منك كان غلطة دفعنا تمنها إحنا الاتنين. أنا مكنش فارق معايا شبابك، بالعكس أنا صورتك، أو بمعنى أصح صورة الماضي 'تهاني' أمك الحقيقة. زمان لما المستندات دي جات لي، بصراحة كنت مغرم أو يمكن معجب بإبتهال شوفتها كم مرة لفتت نظري، واتفاجئت باعتراف زهير، إنها كانت مراته في السر، وكنت اتصلت عليها وطلبت منها نتقابل، مش هنكر كنت هساومها قصاد إنها تتجوزني، رغم إني كنت متجوز من شكران، بس ده مكنش عيب في نظري وقتها، وافقت تقابلني وحددنا ميعاد نتقابل فيه وكان المكان مقر بتاعي هناك في البلد، فضلت منتظرها، وهي مجتش، قولت أكيد مش عايزة تبين إنها ملهوفة وعايزة حقها هي وبنتها اللي مجهولة النسب، بس للأسف تاني يوم اتصدمت لما عرفت إنها ماتت بعد ما صدمتها عربية. فكرت أتواصل مع أيمن، بس اتراجعت وقولت مش يمكن البنت دي كانت مع مامتها، معرفش شئ منعني أو حسيت إنه شئ ملوش لازمة بالذات لما دورت في سجل المواليد عن بنت باسم إبتهال ملقتش. عارف هتقوليلي كانت هتسجلني إزاي، بس يمكن غباء مني، لكن مكنش طمع يا هويدا لأن الحقيقة زهير ابن عمي مكنش يمتلك غير كنيته العسكرية. عمي الله يرحمه، كان هاوي رهانات على الخيول في السبق وخسر كذا مرة وكان هيبيع نصيبه اللي ورثه من جدي، أبويا عرف واشترى الأراضي دي عشان هيبتنا في البلد، محدش غريب ياخد أرض 'شعيب' وعندي المستندات اللي تثبت كلامي بسجلات رسمية كمان، زهير كان يمتلك جزء بسيط من السرايا، هو ده اللي تبقى من أملاك عمي، والجزء ده أنا تمنته ومستعد أدفعه لكِ، كمان المستند اللي معاكِ فيه اعتراف بنسبك تقدري تقدميه وتثبتي إنك بنت 'زهير شعيب'."
تهكمت هويدا قائلة:
"أنا كنية شعيب مبقتش تلزمني، حتى الميراث والحكاية اللي حكيتها كنت أتمنى معرفهاش وأفضل طول عمري بنت 'أيمن الدسوقي' الموظف البسيط اللي ضمني وعطاني من حنانه محستش معاه إني مش بنته للحظة واحدة. يمكن قبل كده كنت بطرانة على مستوى المعيشة وكان نفسي أبقى في طبقة تانية، كنت مفكرة وقتها إني مش هحس بالنقص، بس للأسف كنت غلطانة أوقات كتير بيبقى على عينينا غشاوة الطمع بتزين لينا حياتنا، أنا مستغنية عن كنية 'شعيب' ومش عاوزاها لا زوج ولا حتى نسب، أنا هفضل بنت الموظف البسيط 'أيمن الدسوقي'... أعتقد جوازنا كان مبني على طمع من الطرفين، كل طرف كان له هدف يوصله وللأسف وصلنا للـ لا شئ إحنا الاتنين."
تفهم أسعد فحوى حديثها قائلًا:
"تمام يا هويدا... ورقة طلاقك هتوصلك كمان قيمة الجزء بتاع زهير اللي في السرايا هحولهم باسمك عالبنك."
أومأت برأسها قائلة:
"شكرًا مش محتاجة للأموال دي، مش عاوزة حاجة تفكرني إني كنت بلا نسب."
انتهى اللقاء وغادر أسعد برفقة آيسر. ضمت سحر هويدا الباكية في حضنها. طمعت وطمعت وبالآخر لم تجني شئ سوى الخسارة.
***
بشقة آصف
على طاولة الغداء، شعرت سهيلة بالخجل من نظرة آصف لها لا تعرف السبب. رغم أنها مجرد نظرات عادية وابتسامات، كذلك بسمة شكران لها، تشعر كأن شيئًا غريب، أو جديد عليها.
نظف آصف بقايا الطعام عن فمه بأحد المناديل ثم نهض قائلًا:
"الحمد لله."
نظرت له شكران قائلة:
"اقعد كمل أكلك أنت مأكلتش."
نظر آصف نحو سهيلة وتبسم قائلًا:
"أنا مكنتش جعان بس أكلت عشان خاطرك، إحنا كنا فوتنا على الحجة اسمية وأصرت إننا ناكل عندها."
نظرت شكران نحو سهيلة وتبسمت قائلة:
"طبعًا طبيخ الحجة اسمية مفيش زيه، بالهنا يا حبيبي."
تبسم آصف قائلًا:
"هدخل آخد شاور وأروح لبابا المستشفى."
نهضت سهيلة قائلة:
"أنا كمان لازم أروح عشان أطمن على هويدا، معرفتش اللي حصلها غير من تيتا، وزمانها زعلانة مني."
تبسمت شكران قائلة:
"إنتِ المفروض بلاش تجهدي نفسك كتير."
لم تفهم سهيلة مغزى شكران، لكن قالت:
"فين الإجهاد ده يا طنط أنا بقيت باخد أجازات أكتر ما بشتغل."
تبسمت شكران لآصف الذي تبسم هو الآخر. فهمت سهيلة أو خمنت السبب وقالت بسؤال:
"إنتِ كمان كنتِ عارفة يا طنط، واضح إن كل اللي حواليا كانوا عارفين وأنا اللي مش واخدة بالي."
استغربت شكران سائلة:
"عارفين أيه."
نظرت لها سهيلة قائلة بتلقائية:
"إني حامل."
أومأت شكران ببسمة وحضنت سهيلة قائلة:
"ربنا يكملك على خير إنتِ وروميساء."
تبسمت سهيلة لها بود... وذهبت مع آصف. تنهدت بانشراح... بينما قبل أن تدلف سهيلة إلى غرفتها القديمة جذبها آصف من يدها قائلًا:
"لأ خلاص كفاية، صفوانة نفلت كل أغراضك في الأوضة بتاعتي."
تبسمت له بقبول وتوجهت نحو غرفته. استغربت. قال:
"المهندس خلص تعديل الأوضة في وقت قياسي، ضم أوضة المكتب مع أوضة النوم وبقى بينهم باب مفتوح عشان يتقفل علينا باب منعًا للإحراج."
ضحكت سهيلة قائلة:
"واضح إن الفلوس لها مفعول سحري، كم يوم اتغير ديكور الأوضين، بس بقى المكتب بتاعك هتراجع القضايا فين."
اقترب منها وضم خصرها بين يديه قائلًا:
"أوضتك القديمة بقت هي المكتب، يعني مبقاش في بينا أبواب تاني بعد كده."
تبسمت بدلال قائلة:
"بس الباب مكنش مقفول يا آصف كان متوارب، ودلوقتي اتفتح على الآخر."
ضحك آصف وهو يحني رأسه قليلًا يقبل سهيلة التي أصبحت ترحب بقبلاته... ترك شفتيها ليتنفسا. همست سهيلة:
"كفاية كده خلينا نجهز عشان نروح المستشفى."
بصعوبة وافقها آصف، وهو يقبلها مرة أخرى قائلًا:
"كان نفسي نفضل في بيت البحيرة هناك مكنش فيه أي هموم... كنا لوحدنا."
تبسمت عينيها قائلة:
"بسيطة بس نطمن على اللي هنا ونبقى نرجع تاني، بس اعمل حسابك يا حضرة الأفوكاتو إن إنت اللي هتدفع المرتب اللي اتخصم كله بسبب الأجازات."
ضحك قائلًا:
"ده مش استغلال يا دكتورة."
ضحكت سهيلة بدلال:
"لأ ده تعويض يا حضرة الأفوكاتو وكفاية رغي قربنا عالمسا."
شعر آصف بانشراح في قلبه وهو يضحك، سهيلة عادت معه كما كان يريد بلا تحفظات.
***
بالمشفى
بغرفة هويدا، دخلت سهيلة ونظرت نحو الفراش، تدمعت عينها وغص قلبها، حين تلاقت عينيها مع هويدا التي نظرت لها وتدمعت هي الأخرى. اقتربت سهيلة وجلست بجوارها. نظرت سحر نحو أيمن نظرة فهمها، فنهض قائلًا:
"هروح أنا ماما نصلي المغرب قرب."
أومأ لهما. سالت دموع الاثنتين. احتضنت سهيلة هويدا، قائلة:
"الطب اتقدم يا سهيلة والطرف الصناعي بقى طبق الأصل من طرف الجسم."
بكت هويدا قائلة:
"سامحيني يا سهيلة، عارفة إن طول عمري كنت أنانية معاكِ وإنتِ كنتِ بتسامحيني دايمًا."
تذكرت هويدا تلك المرة التي أعطت فيها لسهيلة الدواء، وقالت:
"لما اديتك جرعة الدوا والله ما كان غرضي أأذيكِ أنا كنت مفكرة إنك لما تاخدي جرعة كبيرة هتخفي بسرعة... عشان كنت بكره أنينك بالألم اللي كنت بضايق منه... بسبب ده كنت هتسبب لكِ في شلل لو ما كانوا لحقوكِ بسرعة في المستشفى."
رغم الدموع التي تسيل من أعينهن، لكن ضمتها سهيلة قائلة:
"هويدا انسى الماضي وكل اللي حصل، من شوية كلمت طاهر وقالي عاللي حصلك، ربنا كتب لكِ عمر جديد، وكل شئ ممكن يتصلح عندك نعمة كبيرة تستحق تتمسكي بالأمل عشانها 'حسام'."
أومأت هويدا قائلة:
"فعلاً، أنا غلطت كتير في حق حسام، كنت بحسه عقبة في حياتي، بس فوقت ويمكن ربنا نجاني عشانه."
تبسمت سهيلة قائلة:
"بس خدي بالك مش هيفضل دلوع كده كتير كلها كم شهر ويجي اللي يشاركه أو يشاركها الدلع."
تبسمت هويدا ووضعت يدها فوق بطن سهيلة قائلة وغمرت بمرح:
"ماما قالت لي إنك حامل، وصدقيني فرحت أوي، كمان فرحت إن الحياة بينك وبين آصف اتعدلت، بس قولي لي راجعة كده وشك منور، آصف أكيد كان مش بيطلعك من أوضة النوم."
تبسمت سهيلة بخجل. ضحكت هويدا وضمتها. لأول مرة تفعل ذلك تمزح معها وتتحدث بهدوء. شعرن بمعنى كلمة أخوات... كما كان المفروض أن يكن أقرب لبعضهن، لكن هنالك فرص أخرى للأخوات.
***
ليلًا
بغرفة أسعد
تنهد بألم ونظر ناحية آصف الذي كان يجلس على أحد المقاعد شاردًا ينظر إلى ذاك الخاتم الخاص بالزواج في يده، ويبتسم... رأى السعادة عادت لوجهه، شعر بالأسف. ربما كان ضلعًا أساسيًا في لوعة قلبه، وفراقه عن سهيلة لو كان استمع لحديثها واحتوى القضية وترك آصف وما ضغط عليه وقتها. ندم. سهيلة لم تتردد للحظة ولم تفرض السوء منه حين طلب مرافقتها كي تضغط على آصف، حتى وهو مصاب تعاملت معه دون النظر إلى الماضي.
تعمد التأوه بألم كي يلفت انتباه آصف، الذي كان شارد الفكر ينظر إلى ذاك الخاتم بإصبعه يشعر باشتياق من مجرد ساعات. ربما بسبب بقائهم الأيام الماضية وحدهم طول الوقت، لا ليس هذا هو التفسير لذلك بل الشوق الدائم لها. تمعن ذاك الخاتم الذي لم يخلعه من إصبعه منذ أن وضعته سهيلة في بنصره ببداية ليلة زواجهم الأولى التعيسة. لم يغادر بنصره، يتذكر دائمًا ذاك الموقف ويد سهيلة المرتعشة وقتها، كذلك خجلها الذي يهيم به.
أخرجه من ذاك الشرود والاشتياق صوت تأوه أسعد. انتفض من مكانه واقترب من الفراش سائلًا:
"بابا حاسس بأي ألم، أتصل على الدكتور."
تبسم أسعد من اهتمام آصف قائلًا:
"لأ أنا بس كنت بتحرك وحسيت بشوية ألم بس انتهى، فين آيسر."
تبسم آصف قائلًا:
"آيسر ما صدق إني رجعت وقالي استلم إنت بقى مكاني ورجع لشقه."
تبسم أسعد قائلًا:
"فعلاً آيسر كان مرافق ليا ومحتاج راحة."
تبسم آصف قائلًا:
"فعلاً من يوم ما اتجوز وهو مقضيها مرافق في المستشفيات، من حقه ياخد راحة."
تبسم أسعد بغصة... وشعر بندم. حرم نفسه من عائلة دافئة بالمحبة التي كانت بقلب شكران ووضعتها بقلب أبنائها. حتى سامر رغم الخطأ الذي سقط فيه لكن كان يمتلك قلب رقيق، ربما هو ما جعله فريسة لـ رامز الذي استغل فجوة ودخل إلى عقل سامر أفسد عقله بتخاريف ومحرمات... آيسر كذلك رغم مرحه، تذكر في الماضي حين عارضه حين أراد دراسة الطيران المعدني، لا يهوى المقاتلات يكره الحروب، وقتها ظن أنه يود الرفاهية، لكن ربما هذا كان القدر الذي رسم له اللقاء بـ روميساء، بإحدى رحلاته... أبناؤه لم يرثوا صفة التعدد منه، كل منهم سقط بعشق امرأة واحدة أسرت قلبه... تنهد أسعد وهو يضع يده فوق يد آصف قائلًا:
"سامحني يا آصف."
نظر له آصف باستغراب قائلًا:
"بابا مبقاش له لازمة الماضي أنا خلاص مبقتش بفكر فيه، أنا شوفتك وإنت بتقف ورا سهيلة، لو مكنتش إنت منعت الرصاصة توصل ليها، يمكن كان زمانها أقل شئ فقدت الجنين اللي في بطنها، كمان لو مكنتش جبتها معاك للهنجر عشان تمنعني يمكن كنت قتلت رامز ودمرت مستقبلي."
شعر أسعد بالسعادة قائلًا:
"يعني أنا هبقى جد قريب."
تبسم آصف قائلًا:
"إنت فعلاً جد يا بابا."
تبسم أسعد قائلًا:
"بس ولاد الابن غير ولاد البنت يا آصف... ولاد البنت صحيح ليهم فرحتهم بس ولاد الولد بتبقى فرحتهم شئ تاني، لأن دول هما اللي بيكونوا امتداد الشخص."
تبسم آصف قائلًا:
"خلاص افرح بزيادة آيسر كمان مراته حامل وهتبقى جد يمكن روميساء تولد قبل سهيلة... أو يمكن في وقت واحد."
تبسم أسعد وهو يتجاذب الحديث مع آصف بود يمزحان، يشعران بمشاعر خاصة كما كان لابد أن تكون من البداية. ما كان عليه إبعاد آصف وآيسر لتلك المدارس التي ظن إنها ستشكل منهما رجال أقوياء، بل الدفء العائلي الحقيقي هو ما يشكل رجال.
***
بشقة آيسر
تمدد على الفراش يتنهد قائلًا:
"كويس آصف هو اللي هيبات مع بابا الليلة في المستشفى... وحشتيني يا جميلتي."
تبسمت روميساء وهي تتمدد جواره، ثم اقتربت منه، قامت بوضع رأسها على صدره وظل الصمت للحظات قبل أن تتنهد تشعر بدفء صدر آيسر قائلة:
"الحرب شئ بشع كتير، ما زال محفور بذاكرتي ماما وهي عم تحتضر والمشفى محاصر، بعد وفاة ماما بابا متحملش يعيش بلبنان بدون ماما خدني وسافرنا عـ ألمانيا هناك مجتمع مفتوح ومع ذلك عنصري الحرية عندهم كذب، مجتمع آفاق وكاذب بلا مشاعر، يمكن كنت أنا وبابا محتاجين لمجتمع زي هيك، يمكن مشان كنا بنريد حياتنا مغلقة، كانوا زملائي بالدراسة والعمل بيعتبروني شاذة عنهم أو بمعنى أصح منغلقة، فيها أيه لما أصاحب شاب، بس أنا كنت بتذكر تحذيرات ماما الي وانا صغيرة، ماما وبابا من ديانتين مختلفتين ومع ذلك عمري ما حسيت إني متشتتة بينهم بالعكس بابا كان بيوصل ماما لقداس الأحد وهي كانت تشغل القرآن بالبيت... ألمانيا مجتمع نازي على حق، يوم ما قابلتك ما كنت بدي أحضر الحفلة مشان ما أتحرج من زملائي، بس بابا أصر علي."
رفعت رأسها عن صدر آيسر ونظرت له قائلة:
"بتعرف يا آيسر أنا كمان أعجبت بيك من أول لقاء بالذات لما عاكستني بالعربي، فهمتك وما رضيت أعرفك إني فاهمالك، صرت عم استنى بوكيه الورد كل يوم، وجواي شغف أعرف مين اللي عم يبعته، لحد ما دخلت علينا وعرفت إن إنت اللي بتبعتوه، قلبي اتحرك، في رحلة القاهرة كنت عايزة أقولك ما بدي أرجع عألمانيا خليني هون بالدفء بقلبك."
تبسم آيسر وهو يرى إصبع روميساء الذي وضعته فوق قلبه، جذبها عليه وقبلها بشغف قائلًا:
"إنتِ جميلتي، اللي وقعت في غرامها من نظرة عين... جميلتي اللي فتحت دماغي مرتين."
تبسمت ووكزته بكتفه قائلة:
"بتستحق، أنا طنشت حديثك مع الممرضة المايصة اللي كانت بالمشفى."
ضحك آيسر قائلًا:
"بسرعة كده يارا فتنت لك، والله أنا كنت بتحمل سخافتها غصب عني، بس عشان تهتم بـ بابا، لكن القلب خلاص يا جميلتي اكتفى."
رواية عشق مهدور الفصل السادس والأربعون 46 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور عدة أيام بالمشفى، انتهى آصف من هندمة ملابس أسعد الذي تبسم له رغم شعور العجز الذي يخيم عليه، لكنه كان سعيدًا باهتمام آصف. رفع آصف وجهه ونظر له، فتبسم هو الآخر.
في نفس الوقت، دلف آيسر قائلًا:
أنا خلصت إجراءات المستشفى، إن كان بابا جهز خلينا نمشي من هنا، عشان يارا متقلقش وهي مستنيانا في الڤيلا.
رد أسعد:
تمام، إحنا جاهزين، خلينا نخرج من هنا، مبقتش قادر أتحمل. في الڤيلا هحس براحة أكتر.
تبسم آيسر قائلًا:
أنا اتفقت مع الدكتور وقال لي إنه هيبعت ممرضة متخصصة ترعاك، بس أوعى يا بابا تتجوز الممرضة دي.
ضحك آصف، بينما نظر له أسعد لوهلة. غص قلبه لكنه تقبل مزحه قائلًا:
لأ، خلاص كفاية كده، وبطل تريقة ورغي.
بعد قليل، في ڤيلا خاصة بأحد المناطق الراقية.
دلف آيسر وهو يدفع مقعد أسعد، بينما آصف بقي بحديقة الڤيلا يرد على هاتفه.
تبسمت يارا بفرحة قائلة:
حمد الله عالسلامة يا بابي.
بداخله تهكم أسعد على قول يارا، فعن أي سلامة تتحدث وهو ما زال قعيدًا؟ ولم يؤكد الطبيب له عن إمكانية سيره على قدميه بالمستقبل. رغم ذلك، تبسم لها كجبر خاطر على رقتها. كذلك، كانت تلك المفاجأة التي تنتظره. جميع أبناؤه من زوجاته الثلاث رحبوا بعودته. تبسم وهو يعلم من التي فعلت ذلك، إنها تلك التي تشبه معنى اسمها يارا (أول زهرة بعد الشتاء)، حقًا كانت كذلك، وجمعت أخواتها بدفء.
بعد قليل، أثناء قيادة آصف للسيارة بالطريق، كان معه آيسر الذي تبسم حين صدح رنين هاتف آصف. تبدلت ملامحه إلى شكل آخر أكثر بشاشة حين نظر إلى شاشة هاتفه وقام بالرد سريعًا:
وصلتِ الشقة ولا لسه؟
تبسمت قائلة بدلال:
لأ، للأسف لسه في كفر الشيخ، وبفكر أبات هنا لبكرة على ما أخلص إجراءات طلب انتداب للمستشفى اللي كنت بشتغل فيها قبل كده. شكل الواسطة المرة دي منفعتش، ومش هيقبلوا طلب الانتداب.
كان أكثر منها حنكة وتبسم قائلًا:
تمام، عندي واسطة تانية. إنتِ تاخدي إجازة لحد ما تولدي، وبعدها نبقى نشوف واسطة تانية أكتر فاعلية.
- مراوغ يا حضرة المحامي.
هكذا وصفته سهيلة. ضحك آصف قائلًا:
بس مش عليكِ للأسف. بلاش تتأخري عندك، وكمان بلاش تروحي بيت الحجة أسيمة. لو روحتي عندها هتمسك فيكِ غصب.
ضحكت سهيلة قائلة:
أنا بكلمك وأنا عند تيتا في البيت. وخد بالك الإسبيكر مفتوح وهي قريبة مني.
ضحك آصف قائلًا:
وعلى إيه! سلمي لي عليها، وبلاش تتأخري عندك، المسا أرجع ألاقيكي في الشقة.
تبسمت بدلال قائلة:
ماشي، هرجع عشان خاطر طنط شكران وصفوانة وحشوني.
ضحك قائلًا:
هما بس اللي وحشينك؟ مفيش حد تاني آصف ابن طنط شكران مثلًا.
ضحكت قائلة بدلالها:
لأ...
قُطع حديثها حين أخذت أسيمة من يد سهيلة الهاتف وقامت هي بالرد بغلظة:
مش كفاية رغي على الموبايل وتسيب حفيدتي تقعد معايا شوية! مش راجعالك المسا، ابقى ارغي معاه براحتك وسيبني أشبع من حفيدتي شوية، يلا بالسلامة وسلم لي على شكران وصفوانة.
لم تنتظر، وأغلقت الهاتف بوجهه. زفر آصف بعبوس وهو يضع الهاتف أمامه. لاحظ آيسر ذلك فسأله بفضول:
في إيه؟
زفر آصف مرة أخرى مجيبًا:
مفيش، دي الحجة أسيمة قفلت في وشي السكة.
قهقه آيسر قائلًا:
ربنا رزقك بحمى ست طيبة، بس جاب لك الحجة أسيمة تكفير ذنوب.
ضحك آصف موافقًا يقول:
طبعًا، إنت هايص معندكش الحجة أسيمة.
ضحك آيسر قائلًا:
لأ، عندي الحاج مدحت. هو وروميساء مرتبطين جدًا ببعض، وطبعًا روميساء مبتصدق يدخل الشقة، ناقص تقول بات معانا يا بابا. بس أخوك مش سهل برضوا. عرفت إنه هاوي شعر وأدب وشوفت له صالون ثقافي قريب مننا، واهو بتصرف.
ضحك آصف مازحًا:
طبعًا الحاج مدحت يروح الصالون الأدبي وإنت تكمل مع روميساء شرح الأدب.
مثل آيسر البؤس باصطناع واستصعاب ومزح قائلًا:
لأ والله، ولا مرة كملت درس الأدب للآخر. بسبب الظروف اللي بتعاند معايا، مفيش إجازة باخدها غير بقضي نصها في المستشفيات. قربت أتشائم من الإجازات. ده غير الرحلات اللي بدلتها مع زمايلي في شركة الطيران، وكل ده هيجي على دماغي الفترة الجاية.
ضحك آصف. في نفس الوقت، عاود رنين هاتف آصف. لوهلة خفق قلبه أن تكون سهيلة، كذالك آيسر الذي نظر إلى شاشة الهاتف بفضول. ثم نظر لآصف الذي قال له:
ده رقم وكيل النيابة اللي ماسك قضية بابا. هرد عليه.
أومأ آيسر بموافقة، واستمع لآصف وهو يتحدث مع وكيل النيابة، إلى أن أنهى المكالمة. نظر له سائلًا:
خير؟
زفر آصف نفسه بحقد قائلًا:
بيكلمني بخصوص قضية رامز، عاوزني أفوت عليه عشان تقفيل القضية بناءً على الأدلة. كمان قال لي على قضية سامر، إنه طالما رامز اتقتل هيبقى صعب فتحها من تاني لأن الجاني مبقاش موجود على قيد الحياة، يعني الاتهام زي عدمه.
تساءل آيسر:
وده مضايقك في إيه؟ هو كده كده أخد جزاءه. إنت مصدق إن موته دي طبيعية؟ أنا عندي يقين إنه اتقتل، واكيد اللي قتله شخص محترف. طبعًا كان عنده معلومات كتير عن الطقوس الماسونية دي، وكمان يمكن كان يعرف بعض الأشخاص. وطبعًا هو ورقة اتقشفت ولازم تتحرق فورًا. تعرف أنا بستغرب إزاي قدر يجذب سامر للطريق ده؟ سامر كان إنسان نقي وساذج في نفس الوقت.
قالها آصف بمرارة. وافق آيسر قائلًا:
أنا شوفت من النوعيات دي كتير بحكم سفري لبلدان كتير. بيتظاهروا بالأفعال الشاذة دي كأنها روشنة أو افتكاسات. وطبعًا الأجندات الدولية في منها بيدعم الممارسات دي تحت بند "حريات". بس في رأيي مش حكاية مبدأ حريات، حكاية مصالح الدول، بسبب سطوة رأس المال اللي هدفه دايمًا واضح وهو "السيطرة" على عقول الشعوب تحت مسمى المصالح بيتحكموا. رغم إنهم فئة قليلة بس ليها تأثير وبدأ يتوغل. وعلى رأي بيجاد "اللجوء للدين القويم هو اللي بيقاوم وبيضعف وبيمحي النزعات القذرة دي".
وافق آصف على حديثه ثم مزح قائلًا:
بلاش تجيب لي سيرة زفت بيجاد، قارفني اتصالات.
ضحك آيسر قائلًا:
برضو عشان حكاية السكرتيرة مياله له، ووفق راسين في الحلال ولا لسه في قلبك له حقد عشان كان رايح يخطب سهيلة؟
نظر له آصف بسخط وكزه في صدره بغضب قائلًا:
أنا بقول تتمسى بدل ما ترجع لمراتك متخرشم، ولا تشوف لك أنت مرافق في مستشفى. كمان بيجاد غبي، السكرتيرة ميالة له، أنا لمحت لها وهي عندها قبول، بس بتلعب بمشاعره عشان أهبل، وقال دكتور نفساني قال، ده آخره ينفس من جِنابهُ.
---
بمنزل أيمن.
ذهبت سحر كي تفتح باب المنزل بعد أن سمعت قرع الجرس. تفاجأت حين فتحت الباب بعادل أمامها. تبدلت ملامحها إلى بسمة طفيفة قائلة بترحيب عادي:
عادل! أهلًا وسهلًا، اتفضل.
انزاحت على جنب حتى دلف عادل الذي وقف قائلًا:
عارف إني كان لازم قبل ما أجي أتصل وأستأذن الأول.
أجابته بلباقة:
لأ يا عادل، البيت بيتك، اتفضل.
دلف عادل إلى داخل المنزل وتوقف إلى أن جاءت خلفه سحر، وتنحنح قائلًا:
أنا جاي أشوف حسام.
تبسمت له قائلة:
حسام بيلعب في الجنينة ومعاه هويدا، إنت مش غريب، روح لهم.
بالفعل، بحرج من عادل، ذهب نحو ذاك الباب الذي يطل على تلك الحديقة الصغيرة وترجل تلك الدرجات وهو ينظر إلى حسام الذي يلهو بتلك الطابة الصغيرة يقذفها نحو هويدا ويعود لأخذها مرة أخرى، وهويدا تبتسم له بقبول. استعجب منه عادل، لكن تنحنح كي يلفت انتباه هويدا، التي نظرت نحوه. سرعان ما عبس وجهها، لكن انتظرت حتى أصبح عادل أمامها قائلًا:
مساء الخير يا هويدا، أنا كنت جاي عشان أشوف حسام.
للحظة شعرت بوخز في قلبها، وهي يراها جالسة هكذا فوق تلك الأرجوحة الصغيرة تضع شرشفًا فوق ساقيها، كذلك ذلك العصا الطبية. بالتأكيد لم تكن تريد أن يراها هكذا. كذلك تساءل عقلها لماذا أتى اليوم؟ أحقًا كما قال؟ أم هناك سبب آخر، كالتشفي بها مثلًا؟ لكن خاب ظنها حين ذهب عادل نحو طفله وقام بحمله وقبله. لكن حسام كان يود اللهو بالطابة. أعاده للأرض، توجه نحو الطابة مباشرةً وقام بقذفها على هويدا كما كان يفعل. بينما عادل جلس جوار هويدا فوق تلك الأرجوحة.
للحظات كان صامتًا قبل أن يتنحنح قائلًا:
عارف إنك مستغربة إني جيت هنا. إحنا منفصلين وتقريبًا كل السكك بينا اقطعت، مبقاش غير حسام. حسام اللي ظلمناه إحنا الاتنين، كأنه شيء ملوش قيمة. هويدا، أنا عرفت اللي حصلك، ومش جاي عشان شمتان فيكِ. بالعكس، أنا كمان ربنا ابتلىني في أعز شيء في حياتي "أمي". فجأة اكتشفت إنها عندها سرطان في المخ وللأسف في مرحلة متأخرة كمان. وللأسف الدكتور قال إن ممكن تأثير العلاج الورم مع الوقت يخليها تنسى. بقيت بخاف أسيبها في البيت لوحدها. كمان، للأسف الحمد لله إني مكنتش قدمت استقالتي من البنك واخدت إجازة بدون مرتب. مدير البنك اللي كنت بشتغل فيه في القاهرة، اتلكك لي على غلطة وكمان مأعملتش، وقام بالإستغناء عني بدون سبب معقول.
نظرت له هويدا. ربما لديها خلفية عن سبب الاستغناء عنه. بالتأكيد أسعد استخدم نفوذه من أجل إبعاده عن شهيرة. كم كانت مغفلة حين ظنت أن ذكاءها واسع المدى، لكنها كانت مجرد طامعة، وأرادت مزيدًا من السطوة والنفوذ. حين حصلت عليهما فقدت ليس فقط جزءًا من ساقيها. ظهرت معها حقيقة كانت مخفية وليتها ظلت كذلك. جلس الاثنان يتحدثان معًا، حديث غير مسبوق بينهم. كل منهما اعترف أنه أخطأ بتطلعاته وآماله، الذي كان محورها الثراء، ولم يصلا إليه وخسرا الاثنين. لكن ضحكة ذاك الصغير الذي يلهو أمامهم كانت بمثابة فرصة أخرى مستقبلًا تُبنى بوضوح وبلا أطماع.
---
بشقة آصف ليلاً.
بغرفة النوم.
كان يجلس على الفراش يضع الحاسوب الخاص به فوق ساقيه الممدودة، يراجع إحدى القضايا. سمع صوت فتح باب حمام الغرفة. تطلع نحوه وتبسم، لكن سرعان ما انخض حين رأى وجه سهيلة الواضح عليه الإرهاق، كذلك بيدها منشفة صغيرة تجفف بها فمها. وضع الحاسوب جانبًا ونهض نحوها بلهفة قائلًا:
سهيلة، وشك أصفر وشكلك هبطانة. غيري هدومك ونروح للدكتورة.
ضحكت سهيلة رغم شعورها بالوهن قائلة:
أنا كويسة، هو يمكن إرهاق السفر وكمان عشان اطمعت.
تبسم آصف سائلًا:
اطمعتِ في إيه؟
أجابته:
اطمعت في الكيكة اللي تيتا أسيمة كانت بعتاها معايا لطنط شكران وخالتي صفوانة وأكلت منها معاهم. رغم إني كنت واكلة كمية كبيرة وأنا عند تيتا، بس كان طفاسة مني وشاركتهم وكلت كتير أوي، هو ده اللي سبب وجع في بطني.
ضحك آصف وهو ينحني يحملها قائلًا:
يعني إنتِ طمعتِ من منابي؟
أومأت برأسها مبتسمة وهي تلف يديها حول عنقه.
توجه بها نحو الفراش، وضعها عليه. سرعان ما أزاح حاسوبه ووضعه على طاولة جوار الفراش. من ثم انضم إليها جالسًا، يضجع بظهره على خلفية الفراش وجذبها عليه يضمها. تبسمت وهي تضع رأسها فوق صدره سائلة:
إنت خلصت شغلك.
رد وهو يزيد في ضمها:
دي قضية بسيطة.
- طبعًا محامي محنك، أي قضية بالنسبة له سهلة.
هكذا قالت سهيلة بإطراء.
تبسم وهو يقبل رأسها. حل الصمت لدقائق قبل أن ترفع سهيلة وجهها وتنظر إلى عينيه سائلة:
هقول طنط شكران وصفوانة عرفوا إني حامل بسبب الأعراض اللي كانت ظاهرة عليا، عشان مروا بها قبل كده. إنما أنت إمتى وإزاي عرفت إني حامل؟
تبسم وهو يتلمس خصلات شعرها قائلًا:
عرفت بالصدفة. قريت تحليل الدم اللي كان في درج الكومودينو.
أخفضت وجهها للحظة ثم عاودت النظر إلى عينيه قائلة باستفهام:
ومدخلش لعقلك شك؟
قاطع بقية حديثها حين جذبها وقبلها قُبلة ثقة، ثم ترك شفتيها قائلًا:
قلت لك قبل كده، عمري ما شكيت في أخلاقك يا سهيلة. يمكن كانت غشاوة أو غفلة عقل مذهول من اللي حصل وقتها. كنت مشوش. أنا كنت راجع من أسيوط وقتها واخد قرار جوازنا بأقرب وقت. اتصدمت بقتل سامر.
وضعت سهيلة يدها على فم آصف قائلة:
بلاش نفتكر الماضي يا آصف، كفاية كده. أنا تعبت منه أوي، عاوزة أعيش الحاضر والمستقبل بدون أي أضغان.
قبل يدها وضمها لجسده متنهدًا بعشق وتمدد فوق الفراش ويضمها بين يديه. ينظر إلى ملامح وجهها، تتقابل عيناهما تحكي بوميض عشق.
---
بعد مرور عشرة أيام.
بڤيلا شهيرة.
بسبب آثار ذاك التشوه الظاهر على وجهها، وقفت أمام المرآة تنظر لانعكاسها بتقزز، تحاول وضع بعض خصلات شعرها على وجهها لتخفي ذلك التشوه. لكن هناك أيضًا تشوهات أخرى بيديها الاثنتين ظاهرة. أزاحت ملابسها قليلًا عن مقدمة صدرها، هناك آثار تشوهات. لكن كل هذا تستطيع إخفاءه، لكن وجهها كيف تستطيع ذلك؟
بِخضم غضبها، سمعت طرقًا على باب غرفتها بغضب واستهجان. سمحت للطارق بالدخول. دخلت إحدى الخادمات وقالت لها:
مدام شهيرة، المحامي بتاع حضرتك وصل تحت في الصالون.
أشارت بيديها لها بغضب قائلة باستهجان:
تمام، انزلي وأنا نازلة بعد خمس دقايق.
وقفت تحاول إخفاء تلك التشوهات الظاهرة. أخفت تشوه يديها بتلك القفازات، بينما حاولت جذب خصلات شعرها على جانب وجهها بصعوبة، أخفت ذاك التشوه بوجهها مؤقتًا، وأخذت قرارًا: عليها تجميل ذاك التشوه بأقرب وقت قبل أن يترك أثرًا.
بعد دقائق، بغرفة الصالون.
وقف المحامي الخاص بها يستقبلها. استقبلته بعنجهية وغرور، قائلة:
خير، خلصت الإجراءات اللي قولتلك عليها.
أخفض المحامي وجهه للحظات ثم نظر لها قائلًا:
أيوا، خلصتها بس في مفاجأة ظهرت.
استخفت بقوله سائلة:
وأيه هي المفاجأة دي؟
بتردد أجابها المحامي:
في مستندات بتثبت إن المرحوم رامز كان اتنازل عن كل أملاكه بعد وفاته لبعض الجمعيات.
قبل أن يسترسل حديثه، نهضت شهيرة بغضب تقول:
إنت بتخرف تقول إيه؟ جبت المعلومة دي منين وجمعيات إيه دي كمان اللي اتنازل بأملاكه لها؟
وقف المحامي هو الآخر قائلًا:
مش بخرف، دي حقيقة. للأسف السيد رامز تنازل عن كل أملاكه بعد وفاته لجمعيات مشبوهة، معروف إنها بتدعم اتجاهات غير سوية.
استغربت شهيرة سائلة:
أكيد إنت بتكذب وبتدعم إيه الجمعيات دي بقى؟
بحرج أجابها المحامي:
بتدعم جهات مشبوهة، زي الشواذ والتحولات البيولوجية للبشر.
ضيقت عينيها باستفهام قائلة:
قصدك إيه باللي بتقوله ده، ورامز كان يعرف الجمعيات دي منين؟ إنت أكيد كداب وموالس، كلكم اندال وحقيرين. (وخرجت منها بعض الألفاظ النابية).
ذُهل المحامي من أمامه، امرأة أخرى غير راقية. لكن انفجع ونظر إلى نصف وجهها المشوه الذي انزاح عنه خصلات شعرها. شعرت بمهانة من نظرة عينيها لها، فسرتها على أنها شماتة وتشفى. بينهما، هي بالحقيقة كانت شفقة. أخذت تصرخ عليه وكادت تتهجم عليه بالضرب وتنعته بألفاظ نابية دون المستوى. بنفس الوقت، سمع صراخها الخادمة، كذالك شيرويت التي للتو عادت إلى المنزل ودلفت إلى غرفة الصالون ورأت الخادمة تحاول تهدئة شهيرة. انفزعت وذهبت نحوها مباشرةً. حاولت تهدئتها لكن لم تستطع. طلبت من الخادمة طلب طبيب خاص.
بالفعل، بعد وقت قليل، نهضت شيرويت بجوار شهيرة التي استسلمت للنوم بعد أن أعطاها الطبيب إبرة مهدئة. ذهبت مع الطبيب إلى الخارج. وقف معها يُحذرها عن سوء حالة شهيرة، وعليها اللجوء لطبيب نفسي.
أومأت برأسها بتفهم، بينما وقفت تنظر إلى مغادرة الطبيب، وذهبت إلى غرفة شهيرة مرة أخرى. نظرت إلى رقدتها بالفراش هكذا، وتلك التشوهات الظاهرة. شعرت أن هنالك في الحياة لحظات فارقة، إما أن تجعلك تسمو وتترفع بالأخلاق أو تنحدر إلى هاوية قد تسحقك ببريق زائف. وهذا ما حدث مع والدتها، وهي لن تكون مثلها.
---
في ڤيلا أسعد.
كانت يارا تقف بغرفة أسعد تُعطيه تلك الأدوية. بنفس الوقت، صدح رنين هاتفها. أعطت تلك البرشامة إلى أسعد وناولته كوب المياه، ثم أخرجت هاتفها من جيب بنطالها. نظرت إلى هوية المتصل، ثم نظرت إلى أسعد بارتباك. لاحظ أسعد ذاك بسبب عدم رد يارا، فسألها:
مين اللي بيتصل عليكِ وليه مش بتردِ؟
توترت يارا قائلة:
ده اتصال مش مهم، يا بابي. خليني أجيب لك بقية الأدوية.
تبسم أسعد على تلك الرقيقة. هل تعلم أنها لا يعلم، أو ربما لديه يقين بهوية الذي يتصل عليها؟ تبسم وهو يأخذ منها باقي الأدوية، كذالك ربكتها. تذكر ببسمة قبل يومين من خروجه من المشفى، ورؤيته لها عبر زجاج شرفة غرفته بالمشفى وهي تدلف إلى المشفى ومعها ذاك الشاب "طاهر". كذالك لاحظ نظرات عينيها له في إحدى زياراته له. لو كان بالماضي لكان له قرارًا آخر، وكان هدر تلك القصة قبل أن تبدأ، لكن ما مر به مؤخرًا كفيل بتغيير أفكاره واتجاهاته الموازية لها.
بعد قليل، بغرفة يارا.
قامت بمهاتفة طاهر الذي سرعان ما رد عليها وسمع اعتذارها:
آسفة يا طاهر، بس كنت بعطي لبابي العلاج والفون كان بعيد عني.
تبسم متفهمًا يقول:
ربنا يكمل شفاها على خير.
آمنت يارا على ذلك، بينما زفر طاهر قائلًا:
يارا، أنا كنت متصل عليكِ عشان أمر هام.
تساءلت يارا باستفهام:
وأيه هو الأمر ده؟
رد طاهر:
أمر ارتباطنا. أنا خلاص إجازتي قربت تنتهي، أسبوع بالكتير، وكنت عاوز قبل ما أسافر يكون في بينا ارتباط رسمي.
خجلت يارا من قول طاهر، لكن هنالك شعور آخر مع الخجل هو الخوف من رفض والدها لهذا الارتباط. تعرف طريقة تفكير ليس فقط والدها، كذالك والدتها. طاهر أبعد ما يكون عن تفكيرهما. توترت قائلة بحجة:
إنت عارف ظروف بابي ومامي مش...
قاطعها طاهر بتصميم قائلًا:
يارا، أنا مقدر ظروفهم كويس، بس اللي يهمني هو ردك إنتِ. لو عندك قبول، أنا مستعد أجيب بابا ونيجي بكرة لوالدك ونفاتحه في الموضوع، وهتحمل مهما كان قراره. لكن لو إنتِ معترضة، أنا...
قاطعته يارا بتسرع:
إنت عارف إني مش معترضة، بالعكس يا طاهر. بس ليا عندك رجاء، اتكلم مع آصف الأول وخليه يمهد الأمر مع بابي. آصف له مكانة كبيرة عند بابي، وكمان له تأثير عليه.
تبسم طاهر قائلًا:
تمام، أنا هتكلم مع آصف دلوقتي وهو مش هيرفض يساعدني زي ما عمل قبل كده وأقنعك.
خجلت يارا. تمنى طاهر لو كانت أمامه ورأى ملامح وجهها، ربما يكفي الآن نبرة صوتها الناعمة الخجولة.
---
باليوم التالي.
بڤيلا أسعد عصرًا.
استقبل آصف كل من طاهر ومعه أيمن. كذالك كان أسعد ينتظرهم بغرفة الضيوف.
بينما بغرفة يارا، كانت معها شكران. كانت يارا تشعر بتوتر وخفقان زائد بقلبها. لاحظت ذلك شكران، تبسمت لها قائلة:
خيلتيني، رايحة جاية في الأوضة. اهدى وبلاش التوتر ده وتعالى اقعدي جنبي ومتخافيش. معتقدش أسعد هيرفض طاهر. كمان أنا كنت مع آصف وهو بيتكلم معاه، ولاحظت إنه مش معترض. اهدي وتعالى اقعدي.
جلست يارا جوار شكران قائلة:
أنا خايفة بابي يهين طاهر وباباه و...
وضعت شكران يدها على كتف يارا قائلة:
ده كان ممكن يحصل زمان. الحادثة الأخيرة اللي حصلت لأسعد غيرت تفكيره. كمان متنسيش إن طاهر وأيمن نسايب آصف، مستحيل يسمح أن أسعد يهينهم عشان خاطر مراته. وهو لو مش واثق من قرار أسعد مكنش طلب طاهر وقاله يجي هو وباباه. اهدى وسلمي أمرك لله، وهو هيجبر بخاطرك إنتِ وطاهر. أنتم الاثنين تستحقوا بعض.
تبسمت يارا بداخلها. رجفة وخوف يزداد مع الترقب.
بينما بغرفة الصالون.
رحب أسعد بأيمن وطاهر. جلس الأربعة يتداولون حديثًا ببعض الأمور العامة، إلى أن تنحنح أيمن الذي يترقب رد فعل أسعد أو ربما يتوقع رفضًا. قال:
طاهر كان كلم آصف في موضوع خاص وطلب منه يمهد لك الموضوع، وآصف اتصل على طاهر وقاله إنك موافق ع المقابلة، وإننا نتكلم في موضوع ارتباط بين يارا وطاهر.
نظر أسعد نحو طاهر. رسم ملامح مبهمة وهو ينظر له. طاهر ليس مثل زوجي بناته الأخريات، شاب بسيط ليس من عائلة لها سطوتها أو نفوذها. كذالك هو كل ما يملكه هو شهادته الدراسية التي منحته فرصة سفر إلى الإمارات من أجل العمل. لكن هذا سابقًا كان بالنسبة له عيبًا كبيرًا، كان الرفض عليه سهلًا. لكن اليوم، بعد ما مر به كذالك وساطة آصف الذي لن يخذله أمام أهل زوجته الذي يعشقها، وكذالك من أجل ألا يجرح قلب يارا الرقيق، تغاضى عن ذلك وبدل نظرته إلى بسمة ترحيب دون التخلي عن بعض من غروره، قائلًا:
وأنا موافق على ارتباط يارا وطاهر.
نظرا كل من طاهر وأيمن لبعضهما مذهولين، رغم وساطة آصف وإخباره لهم أن لديه يقين بموافقة أسعد، لكن كان هنالك بعض من الشك والترقب. لكن أسعد أخلف ظنهم. كذالك آصف تبسم وهو ينظر إلى أسعد بامتنان أنه لم يخذله أمامهم. انتهى اللقاء باتفاق على عقد قران طاهر ويارا بعد أن طلب طاهر ذلك، يود ارتباطًا رسميًا وشرعيًا في غضون أسبوع.
---
بالمساء.
بشقة آصف.
فرحتها كانت ليست عادية. نظرت إلى آصف بفخر واقتربت منه وقامت بحضنه قائلة:
إنت السبب في لم شمل طاهر ويارا. أنا بحبك أوي يا آصف.
تبسم آصف وضمها أكثر، وضع قبلة على عنقها هامسًا:
وأنا بعشقك يا سهيلة. لو كنت أعرف إن موافقة بابا على طاهر هاخد بسببها الحضن ده كمان كلمة بحبك يا آصف، كنت خليته وافق من سنين.
عادت برأسها للخلف تبتسم ونظرت لوجهه سائلة:
إيه اللي خلاك تستنى خمس سنين يا آصف؟ والمفروض إني كنت مازلت على ذمتك، مخوفتش ارتبط بشخص تاني وأنا معرفش إني لسه على ذمتك؟ وده اللي حصل فعلًا.
عبس وجه آصف قائلًا:
بلاش تفكريني بالغبي بيجاد. لو بإيدي كنت قتلته، بس حلال عليه اللي السكرتيرة بتعمله فيه، يمكن يعقل. بصراحة، كان جوايا إحساس قوي إن ده مش هيحصل وإنك هترجعي لي تاني.
تبسمت سهيلة قائلة:
بس إنت كنت بعيد عني.
قاطعها:
لأ، عمرك ما كنتِ بعيدة عني يا سهيلة. أنا سبتك عشان ترجعي سهيلة اللي حبيتها وهي دايمًا بتعارضني وتفتخر إنها الدكتورة بنت الموظف البسيط.
تبسمت سهيلة وهي تضم آصف قائلة:
أنا رجعت يا آصف، سهيلة اللي كانت بتتعمد تتأخر على ميعادها عشان تشوف الشوق في عيونك.
رواية عشق مهدور الفصل السابع والأربعون 47 - بقلم سعاد محمد سلامة
بغرفة يارا كان معها كل من سهيله وكذلك روميساء. بدأن بوضع بعض لمسات التجميل لها، كانت تشعر بالتوتر. لاحظت نظرات كل من سهيله وروميساء لها وتبسمهن.
نظرت لهن بضجر قائلة:
مالكم بتبصوا لبعض كده ليه؟ أكيد بتتريقوا عليا، انتوا مكنتوش في نفس موقفي طبعًا.
تبسمتا الاثنتان.
قالت روميساء:
أنا اتجوزت آيسر تحت التهديد.
ضحكت سهيله وكذلك يارا التي قالت:
يبقى بلاش تضحكي على توتري، وافتكري إني أنا اللي قولتك على مياصة الممرضة على آيسر وخلينا الدكتور يغيرها. وانتِ كمان يا سهيله افتكري إن طاهر يبقى أخوكِ.
ضحكن على توترها.
قالت روميساء:
وهلأ صار بيناتكن صهر من الجهتين.
تبسمن حين دلفت عليهن شيرويت بوجه عابس بسبب ما حدث لوالدتها. كانت تخفيه عن يارا حتى لا تحزن، يكفي عليها تحمل والدهما قليلاً. لكن سرعان ما قامت بالتصفير بإعجاب قائلة بمزح:
أيه الجمال ده كله يا يارا، انت كده هتجنني طاهر وبدل ما يبقى كتب كتاب بس لأ هيقول كتب كتاب ودخله.
ضحكن بينما خجلت يارا قائلة بتهرب:
على فكرة أنتم رخمين، مش عارفة إيه اللي آخر طنط شكران، أنا هروح البلكونة أتصل عليها أستعجلها.
ضحكن أكثر وهي تتهرب من أمامهن.
بعد وقت، بغرفة الصالون جلس كل من آيسر وطاهر، كذلك أيمن وأسعد. بأحاديث جانبية إلى أن دخل آصف الذي تأخر بعض الوقت. اعتذر وانضم لهما.
ما هي إلا دقائق ووصل المأذون. جلس يفتح دفتره سائلاً:
مين ولي العروس؟
- آصف أسعد شعيب.
قالها أسعد وهو يبتسم على نظرة آصف له الواضح على ملامحه الاستغراب والاندهاش ظناً أنه يستقل من طاهر. كذلك طاهر اندهش في البداية لكن فهم مقصد أسعد الحقيقي أنه لا يفعل ذلك استقلالاً بنسبة بل تكبيراً من شأن آصف.
بعد وقت تم عقد القران. كان هناك حفل صغير مختصر على عائلة أسعد وكذلك أيمن فقط. حضر "سحر، آسميه، رحيم". لم تحضر هويدا منعاً للحرج أو بمعنى أصح لم تود الاقتراب من أسعد ولا رؤيته.
كانت البساطة في كل شيء، لكن لم تخلو من المشاغبات بين كل من رحيم وشيرويت اللذان يشعران بالنفور من بعضهما. لكن تشاجرا لأحد الأسباب التافهة.
نعت رحيم شيرويت بـ "البغبغانه المنفوشه". كذلك نعتت شيرويت رحيم "بالسخيف الغبي". وانتهت ليلة لا يوجد فيها مقامات، فقط يسود مقام واحد فقط وهو الحب والمودة.
بعد مرور شهر ونصف تقريباً، بعيادة إحدى طبيبات النساء. كانت شكران برفقة سهيله وروميساء بالعيادة. إلى أن انتهت الطبيبة أولاً من معاينة روميساء التي تبسمت وهي تخبرها أنها حامل بولد. ضحكت بتلقائية. أمنية آيسر لم تتحقق.
ثم عاينت سهيله، لكن توقفت قليلاً تتمعن بتلك الشاشة التي تعكس ما بأحشاء سهيله. وسألت سهيله:
إنتِ آخر متابعة ليكِ كان في شيء غريب ظاهر في السونار والنهاردة اتأكدت منه.
لوهلة ارتاعت شكران، كذلك سهيله التي بتلقائية نظرت نحو تلك الشاشة. من خبرتها كطبيبة فهمت مغزى قول الطبيبة وانشرح قلبها. حتى تبسمت الطبيبة قائلة:
قدامي على الشاشة ظاهر بوضوح كيسين حمل، يعني المدام حامل في توأم، وكمان ظاهر النوع بوضوح ولد وبنت.
ماذا قالت الطبيبة، انشرح قلب شكران التي فرحتها الآن لا توصف. وقالت بدمعة فرحة:
يعني أنا هيجيلي تلات أحفاد ولدين وبنت مرة واحدة.
بعد مرور عدة شهور، ليلاً. تبسم آصف حين دلف إلى الغرفة ورأى سهيله نائمة فوق الفراش. على أحد جانبيها وضع تلك الحقيبة التي كانت معه، كذلك ذاك المعطف فوق أحد المقاعد. وتوجه إلى الفراش وجلس على طرفه ينظر لـ سهيله بخفقان. ثم تبسم وانحنى قليلاً وضع قبلة فوق إحدى وجنتيها.
فتحت عينيها وتبسمت. ثم أغمضت عينيها وتحدثت بدلال:
كنت متأكدة إنك هترجع الليلة ومش هتبات في إسكندرية.
تبسم وهو يتلمس ملامحها بأنامله قائلاً بشوق:
مبقتش بقدر أنام بعيد عن حضنك.
تبسمت وهي مازالت تُغمض عينيها وتنهدت قائلة:
أكيد جاي هلكان من الطريق.
تنهد بإرهاق قائلاً:
فعلاً هقوم آخد شاور عالسريع وأرجع آخدك في حضني.
تبسمت وهى تشعر بقبلة على وجنتها.
بعد قليل شعرت بهبوط الفراش جوارها. تبسمت واقتربت بجسدها من آصف الذي ضمها إلى صدره مقبلاً جبينها.
تنهدت على صدره وقامت بوضع قبلة صدره. ثم دفنت رأسها به. تبسم وهو يشعر بأنفاسها على صدره. ضمها قائلاً:
ليه مش عاوزة تفتحي عينيك، ده وخم الحمل بس جايلك متأخر أوي في العادة الوخم بيبقى في بداية الحمل مش في آخره.
ضمت نفسها له تستنشق نفسها قائلة:
ده مش وخم ده إرهاق، ومش عارفة سببه، رغم إني مش بجهد نفسي بالعكس أنا حتى النبطشيات بطلتها، بقيت زي موظفين الحكومة اللي بيداموا الصبح وينصرفوا بعد الظهر.
تبسم قائلاً:
بسيطة طالما حاسة بإرهاق خدي الفترة اللي باقية من الحمل أجازة بدون مرتب لحد ما تولدي.
تبسمت تقول له بتوافق:
فعلاً بفكر في كده.
تبسم آصف وأبعدها عن صدره قليلاً. فتحت عينيها ونظرت له. تلاقت عيناهما تبسمت له. وهو يقبل وجنتيها قائلاً:
طالما فتحتي عينيكِ يبقى...
قاطعته ببسمة دلال قائلة بمغزى:
مش عاوزة أولد قبل ميعادي.
تبسم لها بشوق وتفهم مغزى تلميحها قائلاً:
وأنا نفسي أشوف ولادنا بأسرع وقت.
بعد مرور يومين، ظهراً بإحدى المشافي. كانت شكران تسجد شكراً لله بعد ولادة سهيله التي كانت شبه متعثرة ولجأ الأطباء إلى الولادة القيصرية. ربما كان من لطف حظ آصف سفره إلى الإسكندرية من أجل إحدى القضايا. وأخفت عليه سهيله تألمها، لكن كان هذا أفضل له فهو لم يكن يستطيع تحمل رؤيتها تتألم هكذا.
كان معها بالمشفى أيضاً آسميه وسحر حتى وصل آصف مساءً. كانت سهيله شبه استعادت القليل من رونقها. واختفى ذاك الألم وحل محله سعادة وهي ترى طفليها اللذان كانا جوارها على الفراش. دلفت آصف بلهفة دون طرق باب الغرفة قائلاً:
سهيله.
نهضت آسميه التي كانت بالغرفة قائلة بحدة:
مش تخبط عالباب قبل ما تدخل.
تبسمت شكران قائلة بتلطيف:
معلش يا حاجة آسميه، ملهوف على مراته وعياله.
سخرت آسميه قائلة:
ملهوف ما هو السبب في ولادتها قبل ميعادها مسمعتيش الدكتورة قالت إيه.
- قالت إيه؟
قالها آصف بتلقائية. بينما استهزأت آسميه بغضب وضحكن سحر وشكران. بينما خجلت سهيله. وحين فهم آصف قصدها لم يبالي وذهب نحو فراش سهيله ينظر لها ولوجهها الذي مازال واهن. تبسم حين أخفضت بصرها نحو طفليهما ونظر لهما هو الآخر. وكاد يحمل أحدهما لكن تحذير آسميه منعه من ذلك بحجة أنهما نائمان، لا داعي لإيقاظهما. رغم تذمر آصف لكن تقبل ذلك يكفيه رؤيتهما بخير هما وسهيله.
بشقة آيسر، شاغب روميساء التي تشعر ببوادر ألم في ظهرها. كانت تتذمر من مشاغبته لها، لكن ليس كالعادة على سبيل الدلال الآن على سبيل الألم. فجأة ازداد الألم وصرخت بوجهه، بل قامت بجذبه من كتفه وقامت بقضم كتفه بقوة. صرخ هو منها، قائلاً:
يا مصعورة بتعضيني عشان عاوز بوسه.
كزت على أسنانها بغضب قائلة:
راح آكلك يا غبي، أنا عم بولد.
توتر قائلاً ببلاهة:
عم مين اللي بيولد.
صرخت بوجهه تئن بألم قائلة:
عيطلي على بابا.
بنفس البلاهة قائلاً:
واعيط على باباك ليه هو مات وأنا معرفش.
كزت على أسنانها وحاوطت بيديها عنق آيسر تضغط بقوة قائلة:
أنا اللي راح موتك وارتاح من غبائك، أنا بولد.
- طب مش تقولي كده، لازمتها إيه اللف والدوران.
قالها آيسر ببساطة. أنهت كل طاقة تحمل روميساء التي صرخت بصوت جهور. جعله ينصرع وهو يضع يده فوق فمها قائلاً:
طب بس بلاش صريخ هتفضحينا هتصل على ماما هي تعرف تتصرف في الموضوع ده.
نظرت له بغضب شبه أنساها قسوة الألم.
بعد قليل، بالمشفى. خرجت الطبيبة وخلفها شكران تبتسمان. باركت الطبيبة وتحدثت شكران:
تعالى يا آيسر عشان تشوف ابنك كمان روميساء بقت بخير.
تبسم آيسر قائلاً:
متأكدة يا ماما إنها مش هتعضني تاني.
ضحكت الطبيبة، كذلك شكران التي أكدت له أنها أصبحت بخير وأهدأ.
دخل آيسر ومعه مدحت الذي تدمعت عيناه من اهتمام شكران بـ روميساء. كذلك حين وقع بصره على ذاك الصغير القابع جوارها على الفراش. كانت عيناها مسلطة عليه. بينما آيسر حين نظر إلى صغيره شعر بمشاعر جديدة، لا وصف لها. مشاعر أن ترى نبتة منك تزهر. لكن لابد أن يمزح حين نظر إلى روميساء الواهنة قائلاً:
هو الحتة الصغيرة اللي جنبك عالسرير دي اللي بسببها أكلت دراعي، دا انتِ أكلت من دراعي حتة أكبر منه، بوظتي عضلات كتفي.
تبسمت على مزح هذا المعتوه الذي قبل قليل كانت تود قتله بسبب برودة أعصابه. لكن كان هذا مفيداً لها، جعلها تلد طبيعياً. وانتهى أو تقلص الألم بعد ولادتها لطفلهما عكس سهيله التي مازالت تتألم.
بعد مرور عدة أيام، بشقة آيسر. وقف آيسر يتحدث مع آصف قائلاً:
مش هينفع النظام ده، ماما كده هتشتت بين هنا وعندك بقولك إيه ما تشتري لينا فيلا صغيرة تضمنا في مكان واحد حتى عشان راحة ماما.
تبسم بمكر قائلاً:
وماله ادفع نص تمن الفيلا دي.
- منين، أنا كل اللي أملكه هي الشقة دي وبس، أقولك هعرضها للبيع ولما تتباع أبقى خد تمنها.
ضحك آصف قائلاً بمزح:
عيب عليك انت ابن أسعد شعيب مش معاك تدفع نص تمن فيلا.
بنفس اللحظة قبل رد آيسر دلفت عليهما شكران التي جلست على الأريكة، تتنهد بإرهاق قائلة:
أنا وصفوانا كبرنا مش قد البهدلة بين سهيله وروميساء، عالأقل سحر والحجة آسميه كتر خيرهم مع سهيله لكن روميساء وحيدة ومحتاجة اللي يرعاها.
جلس آيسر جوارها ونظر إلى آصف الواقف قائلاً:
والله يا ماما كنت لسه بتكلم مع آصف في الموضوع ده وقولت له يشوف لينا فيلا صغيرة ونتلم فيها كلنا، بس هو مش موافق.
ضحك آصف وجلس على الناحية الأخرى لـ شكران قائلاً باعتراض:
أنا مقولتش مش موافق أنا قولت تدفع نص تمن الفيلا.
ضحك آيسر قائلاً:
منين، أنا يادوب حتة طيار، مش محامي باخد في القضية الشئ الفلاني اعتبرني ضيف وجاي أعيش معاك.
ضحكت شكران ونظرت إلى آصف. فهم آصف نظرتها قائلاً:
عشان خاطرك انتِ بس يا ماما الفيلا هتكون جاهزة عالسبوع، بس مش هستقبل فيها ضيف غير مرغوب فيه.
ضحك آيسر قائلاً بعناد مرح:
ماما حبيبتي هتستقبلني.
أنهى قوله وقبل يد شكران التي تبسمت تشعر بانشراح في قلبها. بينما تبسم آصف قائلاً:
طبعًا ماما قلبها حنين، وانت شخص مستغل.
أنهى آصف قوله هو الآخر وقبل يد شكران الأخرى. التي تشعر بسعادة.
بيوم السبوع، بفيلا خاصة. كان حفل سبوع مع عقيقة من أجل الثلاث أطفال. كان حفلاً مبهجاً، اجتمع الجميع يرحب بالنسل الجديد. حتى أسعد الذي أصبح يسير على عكازين طبيين. بعد أن شبه تعافى قليلاً. لكن كعادة هذان حين يرى كل منهما الآخر لابد من شجار بين رحيم وشيرويت التي تحمل إحدى طفلي آصف. ذهب نحوها ومد يديه يأخذه منها، لكن هي تمسكت بالطفلة ونظرت له بغضب سائلة:
انت عاوز إيه.
رد ببرود:
مش بنت أختي عاوز أشيلها وأعرفها عليا.
نظرت له بسخط قائلة بتعقيب:
تعرفها عليك، الأفضل ليها متتعرفش عليك.
نظر لها بضيق قائلاً: ليه إن شاء الله كنت صايع، دا أنا مستقبلاً هبقى ظابط وليا هيبة. استهزأت شيرويت قائلة: قصدك خيبة، ابعد إيدك عن البنت، إيديك ملوثة. نظر رحيم إلى يديه بتمعن هما نظيفتان. نظر نحو شيرويت بغضب وحاول أخذ الفتاة منها قائلاً: هاتى بنت أختي لا تفتح عينيها وتشوف شعر البغبغانات وتنصرع منك. نظرت له بغيظ قائلة: سخيف غبي.
- ببغبغانه منفوشة متعالية.
لاحظت سحر احتداد النظر بين الاثنين فنهضت وقالت بتلطيف:
هاتي البنت يا شيرويت عشان ميعاد رضاعتها.
تبسمت شيرويت لها بقبول أعطتها الطفلة. اخذتها سحر ونظرت نحو رحيم بتحذير. ألا يتهور ويُفسد الحفل بالاحتداد مع شيرويت. تفهم رحيم، ونظر إلى شيرويت بفتور وابتعد بعد أن رمقته شيرويت بتعالٍ. حفل بسيط لكن حُفر في ذاكرة العمر بفرحة غامرة.
بعد مرور أربع سنوات، صباحاً بمنزل أيمن. دخل حسام إلى غرفة هويدا وجدها تضع وشاح رأسها. نظر لها بإستعجال قائلاً:
يلا بسرعة يا ماما هتتأخر على المدرسة النهاردة أول يوم في الدراسة، وعاوز أحضر الطابور.
تبسمت له بود قائلة:
لسه نص ساعة على ميعاد الطابور وأنا تقريباً خلصت لبس مبقاش فاضل غير الكوتشي.
ذهب حسام نحو ذاك المكان الموضوع به حذاء هويدا وجذبه وتوجه نحوها وضعه أمام قدميها قائلاً:
جبت لك الكوتشي أهو يا ماما يلا بقى بسرعة.
تبسمت بلمعة عين حين وضعت قدميها بالحذاء وانحنى حسام يقوم بربط طرفي رباط الحذاء، حتى استقام واقفاً يقول:
كده بقيتِ جاهزة يا ماما بسرعة بقى عشان مش نتأخر.
لمعت عينيها بوميض دمعة. دمعة ندم كيف يوم ظنت أن هذا الطفل كان عقبة في حياتها، كان أكبر خطأ، ها هو أصبح كل دنيتها وجدت معه صفاء نفسي بعيد عن أطماع عقلها الذي كان يصور لها أن السعادة في سطوة المال والنفوذ، تعلمت الدرس جيداً أن السعادة في سطوة الرضا والقبول.
تبسمت له وهو يمد يده لها كي تسير معه. رغم ذاك الطرف الصناعي التي قامت بوضعه مكان ما فقدته لكن مازالت تسير بعرج. حاولت مجاراة لهفة حسام وهو يجذبها للسير سريعاً. تبسم لهما كل من أيمن وسحر، وهما يودعانهم بسعادة من تلك الشرفة. سرعان ما نظرا لبعضهما حين رأيا عادل الذي وقف أمامهما يبتسم بلهفة قائلاً:
الحمد لله لحقتكم، اتأخرت لو مكنتش ظابط منبه الموبايل كانت جت عليا نومه.
تبسم حسام ومد يده الأخرى وامسك يد عادل الذي سار لجوارهم، يتسامرون بمرح وهم يسيرون معه ذاهبين إلى المدرسة بأول يوم له في الدراسة. ترك الإثنين خلفهما أطماع الماضي وتقبلا "حسام" تلك النفحة التي أعطاها لهما الله هدية.
بينما تبسم كل من النبوي وسحر وبداخلهما أمنية الفرصة الثانية لـ هويدا وعادل ومعهم طفلهم ببيت واحد.
بفيلا شهيرة، بغرفة شيرويت كانت تمزح عبر الهاتف مع يارا قائلة:
والنونو اللي بطنك بقى تاعبك وبتتوحمي على إيه، رنجة ولا فسيخ زي ما بنشوف في الأفلام.
ضحكت يارا قائلة:
والله زي ما قولتي أفلام، أنا طبيعي جداً، بس بصراحة كانت نفسي هفتني على الكيكة بتاعت تيتا آسميه اللي بالفراولة وكلمتها وطلبت منها طريقتها بس مش نفس الطعم، بس هي وعدتني هتشوف حد مسافر الإمارات قريب من هناك وتبعت لي معاه... رغم إنها ممكن تفسد بس بصراحة نفسي فيها أوي.
تبسمت شيرويت قائلة:
النونو هيطلع له فراولاية في وشه.
ضحكت يارا قائلة:
قوليلي انتِ عاملة إيه يا سيادة وكيلة النيابة.
تبسمت شيرويت بفخر:
أنا الحمد لله لغاية دلوقتي معظم شغلي مكتبي مش في قضايا لازم أروح وأعاين موقع الجريمة.
ضحكت يارا ثم شعرت بغصة قائلة: طب كويس، قوليلي ماما أخبارها إيه.
تنهدت شيرويت بأسف: ماما حالتها النفسية سيئة ومع الوقت بتسوق أكتر رغم إن تشوهات وشها تقريبا اختفت، بس حاسة إنها عصبية طول الوقت عكس بابا حسيت إنه اتغير بالذات بعد ما قدر يوقف على رجله من تاني. كمان معاه في الفيلا بنت أختك الكبيرة جت القاهرة تكمل دراسة وعاشت معاه.
تنهدت يارا بأسف قائلة: كان نفسي اللي حصل يغير شخصية ماما. زي بابا، بس بدعي لها.
بينما بغرفة شهيرة، أصبحت تمقت النظر إلى المرآة وترى ذاك الأثر الذي شبه اختفى بنسبة كبيرة من وجهها. فقط أثراً غير واضح سوا لمن يدقق، بعد إجرائها لأكثر من عملية تجميل. لكن بداخل رأسها أصبح هناك هوس يسيطر عليها أنها أصبحت قبيحة. جعلها كثيراً ما تتوارى عن الناس. لكن هي ليست فقط قبيحة الوجه، بل مازالت قبيحة القلب الذي لم يتعظ مما مرت به. خرجت من غرفتها ذهبت نحو غرفة شيرويت. فتحت باب الغرفة دون استئذان وسمعت جزءاً من حديثها المرح مع يارا عبر الهاتف. نظرت بحنق نحو شيرويت التي كانت تتحدث مع يارا عبر الهاتف، قائلة باستخفاف:
أكيد بتكلمي الغبية أختك... هاتي أما أكلمها.
أخذت الهاتف من يد شيرويت بتعسف وتفوهت بغضب:
طبعاً ولا كأني مامتك، والجربوع اللي اتجوزتيه ساحب عقلك وراه زي الحمارة.
تنهدت يارا بأسف قائلة بدفاع:
لأ يا ماما أنا منسيتكيش والدليل كل يوم بتصل عليكي الصبح ومش بتردي عليا وبرجع برضو أتصل عليكي. طاهر بالعكس عمره ما قال كلمة مش كويسة عليكي رغم كرهك ليه.
اغتظت شهيرة قائلة بغضب:
وكنت عاوزة الجربوع ده يقول عليا كلمة مش كويسة، كفاية ضحك على عقلك وخلاكِ تسيبِ شغلك هنا وسافرتي له في الإمارات تخدميه.
تنهدت يارا قائلة:
أولاً من فضلك يا مامي اتكلمي عن طاهر بطريقة أفضل متنسيش أنه جوزي، كمان طاهر مضحكش عليا وأنا أخدت أجازة من شغلي في مصر وهنا بشتغل في مكان أفضل وبمرتب أكبر، كمان مع جوزي وقريباً هيبقى والد ابني.
تضايقت شهيرة وألقت الهاتف نحو شيرويت قائلة:
خدي كلميها دي مبتفهمش.
التقطت شيرويت الهاتف قبل أن يسقط أرضاً وأومات رأسها بأسف من طباع والدتها. عاودت الحديث بمرح ومزح مع يارا إلى أن انتهين.
أغلقت يارا الهاتف وقفت تنظر أمامها تشعر بغصة قوية في قلبها تمنت لو تغيرت طباع والدتها. بخضم تفكيرها، لاحظ طاهر شردها. اقترب منها ووضع قبلاته على وجنتيها قائلاً:
حبيبتي سرحانة في إيه أوعى تقولي في شيء تاني غيري أزعل.
تبسمت له قائلة:
مش سرحانة، أنا كنت بفكر.
تبسم سائلاً:
وكنتِ بتفكري في إيه بقى.
تبسمت يارا قائلة:
بفكر في حال ماما مش عاوزة تتغير.
تساءل طاهر:
برضوا مش بتردي على اتصالاتك عليها.
ردت يارا:
بالعكس دي كلمتني من فون شيرويت، بس بقت تصعب عليا أوي، حاسة إنها بقت شخصية تانية، عكس مامي اللي كانت شخصية لبقة بقت عصبية.
شعر طاهر بنبرة الأسى في صوت يارا ضمها له قائلاً:
بكره تهدى، ادعي لها وبعدين يا مدام أنا مش عاوز أشوفك حزينة، عشان اللي بتحسي بيه بيحس بيه ابننا ولازم يحس بالسعادة، ده مجاش لينا بالساهل، إحنا بقالنا حوالي تلات سنين ونص متجوزين وانتِ حامل في أربع شهور يعني مصدقنا على رأي تيتا آسميه.
تبدل حزن قلبها إلى سعادة. لم تندم على تخليها عن بلدها وذهابها للعيش مع طاهر ببلد آخر. هو أحسن إليها ولم يجعلها تشعر بغربة بل شعرت معه بدفء عائلي كان مفقوداً بحياتها. عوضه طاهر بمشاعر جياشة ومعطاءة. من حزنها يرسم لها بسمة تشرح قلبها.
ظهرًا بالنيابة العامة، جلس رحيم بزهو وهو ينظر إلى شيرويت التي تقرأ ذاك الملف الذي أعطاه لها. لكن سرعان ما وضعت الملف على المكتب أمامها قائلة بهدوء:
الأدلة دي ناقصة يا حضرة الظابط.
- نعم.
قالها باستنكار ثم أكمل باستفسار:
أدلة إيه اللي ناقصة قدامك دلائل كافية ووافيه مقدمها للنيابة عشان تصدر أمر القبض على المجرم ده.
أغلقت الملف وعاودت القول بتصميم:
قولتلك الأدلة ناقصة، عاوزني أصدر أمر بالقبض على مواطن بناءً على فيديو مصور على الموبايل، وكمان بدون إذن نيابي سابق بالتسجيل، اتفضل يا حضرة الظابط خد الملف والفلاشة وكمل تحريات كويس وقدم أدلة وافية وصادقة.
اغتظ بغضب قائلاً:
صادقة! وافية! بت بلاش طريقتك دي....
تضايقت من نعته لها بلفظ "بت" وانتفضت واقفة تقول بتعسف:
إيه "بت"! دي يا رحيم، انت مفكر إني واحدة صاحبتك وقاعدين عالكافيه بنشرب نسكافيه، أنا هنا "شيرويت أسعد شعيب" وكيلة النيابة وانت مجرد ظابط، واحمد ربنا إني هتغاضى عن غلطك ده ومش هقدم فيك محضر.
نظر لها بغيظ ونهض يسير نحوها إلى أن اقترب منها ولمس أطراف خصلات شعرها قائلاً باستبياع:
لأ قدمي محضر، بس يا ترى هتقولي فيها إيه.
نظرت له بغيظ وابتعدت لخطوة للخلف قائلة:
بسيطة هقول ظابط غير كُفء وكمان معندوش احترام للمناصب، وقال لي يا "بت" غير كمان بيتحرش بيا.
استغرب رحيم قائلاً باستهزاء:
بتحرش بيكِ عشان لمست أطراف شعر البغبغان، امال لو بوستك هتعملي لي محضر اغتصاب بقى.
نظرت له بغضب من قلة ذوقك ورفعت يدها وأشارت نحو باب الغرفة قائلة بأمر:
بره المكتبِ يا حضرة الظابط، ويا تجيب أدلة وافية وكافية يا أما مشوفش وشك... عشان لو شوفت وشك بدون سبب أنا هقدم فيك شكوى إنك بتستخدم سلطتك كـ ضابط شرطة وبتجنى المواطنين الأبرياء بالكذب.
ذهل رحيم من غضبها لكن نظر لها ببرود هامساً لنفسه:
مواطنين أبرياء، وكمان بتطرديني يا شيري، عاوزة تقدمي فيا شكوى، تمام، أنا هعرف أخليكِ تمضي على الأمر برضاكِ. طالما الذوق مش نافع معاك، نطبق الدرس الأول اللي أخدته في كلية الشرطة... واللي ميجيش بالذوق يجي بلسعته.
بينما قال ببرود:
أنا خارج أساساً المكتب حر، هي النيابة فلست ومش قادرين يشغلوا تكييف، أنا مكتبي في الداخلية فيه تكييف ومروحة سقف ومروحة مكتب بحطها قدامي ترطب.
نظرت له بسحق قائلة:
بره بدل ما أخليهم ينقلوك لأقاصي نجوع الصعيد.
أومأ ببرود قائلاً:
تمام أنا ماشي، بس افتكري إنك ساعدتي في وقف القبض على مجرم خطير.
- بره!
قالتها بشبه صراخ. ضحك رحيم وهو يغادر، بينما هي زفرت نفسها بغضب حين أغلق خلفه باب المكتب قائلة:
سخيف غبي.
تفاجئت بفتح باب المكتب وطل برأسه قائلاً:
بغبغانه نفوشه ومتعالية.
سرعان ما أغلق باب المكتب مرة أخرى يبتسم على ملامح وجهها الغاضبة التي لو ظل أمامها لثانية واحدة قد تقوم باستخراج أمر بسجنه خلف القضبان مدى الحياة، لكنه يفضل سجن آخر معها، ويستلذ بتعصيبها.
مساءً، بغرفة آيسر. وضع آيسر ذاك الدواء بفم طفله البالغ عدة أشهر ثم حمله من فوق الفراش قائلاً بمزح:
أنا عارف إن طعم دوا الكحة مش حلو عشان كده جبت لك دوا المغص بداله انت تاخد المعلقة دي هتنام لك ساعتين تفصل زن على الرومس وتريح دماغي، أدلع أنا فيهم ويمكن ربنا يكرمنا والرومس تحمل مرة تالتة وتقعد انت على دكة الاحتياطي جنبي وأشمت فيك يا حلو وأقولك الدنيا دوارة بسبب إنك عيل رزل، انت لا بتنام ليل ولا نهار، وأجازتي محدودة ومش عارف أتلم على جميلتي بسببك، أخوك الكبير كان محترم عنك إنما انت عامل زي العازول لما أقرب من جميلتي انت مركب قرون استشعار وبتقطع علينا سحر اللحظة، أنا بقى أرخم منك.
ابتلع الطفل الدواء بعد دقائق قليلة سرعان ما شعر بنعاس فعلاً. بذاك الوقت دلفت روميساء تحمل طبق صغير لكن استغربت حين رأت آيسر يحمل الصغير الذي يستسلم لذاك النعاس. اقتربت منها مستغربة تقول:
أنا ما اتأخرت بتحضر البيبرونة، كيف عم بنعس بها السرعة هو صاحي من النوم ما بقاله ساعة.
تبسم آيسر وهو يضعه بالمهد الصغير الخاص به قائلاً:
يمكن مكنش شبع نوم وقال يكمل نوم.
استغربت روميساء وهي تنظر نحو زجاجة الحليب التي بيدها قائلة: هلأ وقت ما بيفيق راح أرجع دفى له البيبرونة، ما بعرف ليش رفض الرضاعة الطبيعي من البداية والله الرضاعة الطبيعي راحة للأم.
همس آيسر قائلاً: واد غتت كويس أن تأثير الدوا اشتغل ونام، اهو ياخد وقت مستقطع من الزن وآخد أنا شوية حنان.
بينما تبسم آيسر ووضع يديه حول خصر روميساء قائلاً: أهو بنومه عمل طيب خليكِ معايا يا جميلتي وحشتيني، وبعدين انتِ ليه كل ما تكبري بتحلوي أكتر، كمان الخلفه سابت أثر حلو قوي على جسمك، ظهرت حاجات كده...
قاطعته بأسف: أيوا أنا سمنت كم كيلو بفكر الفترة الجاية داوم في الجيم.
سريعاً أخذ من يدها زجاجة الحليب ووضعها على طاولة بالغرفة قائلاً: جيم إيه، انتِ تثبتي على كده يا جميلتي. لم يعطها فرصة للاعتراض وجذبها قائلاً بهمس: بحبك يا جميلتي، ودي فرصة قدامنا نفسي في بنوتة زي بس بس بنت آصف هو أحسن مني في إيه وهو يجيب بنت وأنا لأ.
ضحكت روميساء بدلال قائلة: هدا قسمة ونصيب.
وافقها قائلاً: وماله بس ربنا قال ناخد بالاسباب، يمكن المرة التالتة تيجي شكران.
تبسمت له بتوافق ودلال فُتن به، يقبلها يسحبها معه يتنعم بجنة جميلته المفعمة بأرقى المشاعر.
بِغرفة شكران. انتهت من تصفيف شعر تلك الصغيرة التي ذهبت نحو مرآة الزينة ونظرت لنفسها بتقييم ثم قالت:
شكرًا يا نانا.
تبسمت لها شكران التي نهضت وذهبت نحوها وقالت:
بسبس الجميلة شبه القطة الكيوت، بشعرها الأسود الناعم الطويل.
تبسمت لها بسبس قائلة بمشاعر طفولية:
أنا بحبك يا نانا أوي، وكمان بحب جدو أسعد عشان كل يوم بيجي يلعب معانا طول اليوم، بيجيب لينا معاه لعب وشيكولاتة وبونبوني.
تبسمت لها شكران قائلة:
بسبس الجميلة رقيقة زي اسمها "بثينة" كان اسمك من اختياري وكمان لايق عليكي انت قطتي الجميلة... ربنا يبارك فيكِ وفي بقية أحفادي.
بمنزل البحيرة، كان وقت الغروب. الشمس ترحل من بعيد تترك مكانها لقمر يبزغ، كأنهما عاشقان على موعد باللقاء للحظات قبل أن يفترقا على موعد بلقاء آخر.
كانت تشاهد سهيله هذا اللقاء الخاطف من خلف زجاج شرفة الغرفة وهي تتحدث مع شكران تطمئن على طفليها. إلى أن انتهى حديثهما بدخول آصف إلى الغرفة دون انتباه سهيله التي كانت تعطيه ظهرها. لكن سرعان ما شهقت بخضة ضاحكة.
تبسم آصف وهو يقبل عنقها قائلاً:
كنتِ بتكلمِ مين عال موبايل.
ردت ببسمة:
كنت بطمن من طنط شكران عالولاد، كان الأفضل جبناهم معانا.
ضمها آصف بعشق قائلاً:
كنتِ هتنشغلي فيهم وتنسيني وبعدين هو يوم واحد وهنرجع لهم من تاني بكرة، يوم فكري فيا أنا وبس.
تبسمت سهيله وهي تستدير، وقامت برفع يديها وضعتهم حول عنقه بدلال قائلة:
وإنت دايمًا بتفكر فيا.
أومأ برأسه وقبلها قبلة ناعمة ثم ترك شفتيها قائلاً:
أنا مش بفكر غير فيكِ طول الوقت.
تبسمت بنعومة تتمايل عليه بدلال داعب قلب آصف الذي قبلها مرة ومرات يستنشق من أنفاسها، ثم ترك شفتيها وضع جبينه فوق جبينها.
- انت يا سهيله نسمة الحياة في وسط زحمة الحياة. المكان هنا دايمًا له جاذبية ومكانة خاصة في قلبي، وانتِ؟
هكذا تسأل آصف واجابته سهيله بهدوء وعشق:
المكان هنا دايمًا فيه أروع وأجمل ذكرياتنا، بحيرة في وسط الميه، عليها بنعيش زي الطيور اللي هناك دي اللي بتتصارع مع ضوء الشمس عشان ترجع لأعشاشها، هنا البساطة في كل شيء هنا بدايتنا دايمًا يا آصف.
تنهد آصف بعشق قائلاً:
انتِ شمسي وقمري، ونوري وظلامي. عشقك امتزج بـ دمي مقدرش أعيش من غيرك.
تبسمت بدلال وهو يضمها يقبلها يستمتع بقبلتها ولهفتها للمزيد من عشقه الذي يغدقها به. يتنعمون بعشق هادر كصوت هدير مياه تلك البحيرة التي كانت ملاذاً يحتوي بين ضفافها عشقاً يهدر عذوبة عشق ربما بوقت كان مهدوراً، لكن قاوم وتعافى وأصبح كـ هدير عذب بالقلب سكن واستوطن مكانه وضخ بـ دمي القلب أوردة تسري تعطي حياةً. وجف نزيف.
"عشق مهدور"