تحميل رواية «عشق مهدور» PDF
بقلم سعاد محمد سلامة
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى القرى التابعة لمحافظة كفر الشيخ، تلك المحافظة التي تقع بمنتصف دلتا مصر، ولديها ظهير يطل على أحد شواطئ البحر الأبيض المتوسط، وهي أرض خصبة. صباحًا باكرًا، في سرايا فخمة وعريقة تتوسط مجموعة من الأفدنة مزروعة ببعض أشجار عين الجمل وبعض الأشجار الأخرى المثمرة، وحديقة خاصة تحيط بالسرايا بها بعض الزهور ونباتات الزينة. على صوت زقزقة تلك العصافير التي تسكن بأعشاشها على فروع تلك الأشجار. استيقظت تلك المرأة التي في منتصف الخمسين من عمرها. نهضت تُهندم فراشها، ثم توجهت ناحية مطبخ السرايا. لم يمضِ وقت...
رواية عشق مهدور الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سعاد محمد سلامة
بعد مرور عشر أيام.
بـ آتلييه شهيرة.
شعرت بسعادة غامرة وهي تتصفح تلك الجريدة الشهيرة الخاصة بعالم الموضة والأزياء، التي تحتل صورتها غلاف العدد الشهري، ومديح بها بأنها من أيقونات الموضة التي ما زالت تستمتع بجمالها ورشاقتها وحضورها المُميز.
تبسم رامز الجالس أمامها قائلاً بفخر:
"رغم إن الديفليه بقاله عشر أيام بس لسه صدى نجاحه مدوي في وسط الفاشون كله، حتى في مجلات ومواقع مشهورة اتواصلوا معايا عاوزين إنترڤيوا مع النجمة اللي أذهلت الجميع في الديڤليه. شوفتي لما سمعتي لي ووافقتي على العرض. الأتلييه بقى له جماهيرية مضاعفة، مش هتصدقي مين من المصممين كلموني، وفي منهم اللي طلب مني مباشرةً إننا ننظم له ديڤليه خاص بيه. الخطوة دي كان لازم تتعمل من زمان."
تبسمت شهيرة له قائلة:
"فعلاً، بس أنت عارف أسعد كان معارض في الموضوع ده."
تهكم رامز قائلاً:
"وفيها إيه؟ هو يعني كان اتعرف عليكِ منين؟ ماهو من عرض زي ده، وأعتقد إنه مهتمش الدليل إنك مبسوطة."
صمتت شهيرة للحظات وهي تتذكر شجار أسعد معها عبر الهاتف بعد أن رأى بعض الصور لها، كذلك تهديده المباشر لها أنها لو كررت ذلك لن يكون هناك فرصة أخرى لبقائهما معًا. في البداية ارتبكت وخشيت أن ينفذ تهديده، لكن...
تجاهلت تهديد أسعد بعد أن رأت كل هذا النجاح والشهرة التي عاودت لها الثقة بقوة بعد اختفاء سنوات كانت تظهر في صورة منظمة عروض أزياء فقط.
أسعد لم يعقب كثيرًا، كل ما قاله كان تهديد وليد اللحظة فقط، وربما كانت عصبيته بهذه الفترة بسبب تلك الانتخابات. هكذا اهتدى عقلها كي تستمتع بتلك الضجة حولها، تشعر بزهو.
***
بمنزل أيمن.
كانت تتمدد بجسدها فوق الفراش تشعر بتوهان بسبب تلك المفاجأة. هي ما زالت زوجة آصف، ما زال يطبق بجبروته عليها. ظنت أنها تحررت منه، لكن كانت خدعة منه استمرت بوهم لمدة خمس سنوات أن آصف انتهى من حياتها، لكن عاد مرة أخرى يصفعها بحقيقة قاسية. أجل، قاسية. هي لا تود العودة. تتذكر تلك المشاعر التي خذلتها بقسوة. الحقيقة أنها ذات شأن لديه، لكن هي كانت مجرد عاطفة وقت، تبدلت مع أول اختبار. أصبحت رغبة انتقام.
ارتجف جسدها بخضة بسبب سماعها لجرس المنزل. حاولت النهوض من فوق الفراش، لكن شعرت فجأة بتيبس في جسدها. شعرت بعجز للحظات، تذم نفسها، لكن اتخذت القوة وقالت:
"مستحيل أسمح لإحساس العجز ده يتملك مني مرة تالتة."
حاولت استجماع قوتها بصعوبة، نهضت من فوق الفراش، وضعت قدميها على الأرض وثبتت واقفة للحظة، ما زالت تشعر بالتيبس. لكن نداء سحر عليها كان كأنه دافعًا لها. سارت في البداية بخطوات بطيئة إلى أن خرجت من باب الغرفة، عادت تسير طبيعيًا، واستغربت وقوف والدتها عند باب المنزل أمامها شخص آخر.
سُرعان ما قالت لها:
"سهيلة تعالي."
وصلت سهيلة إليها، تفاجأت بقول هذا الشخص سائلًا:
"حضرتك سهيلة أيمن الدسوقي؟ أنا محضر من المحكمة ولازم تمضي لي على استلام الإخطار ده."
رغم استغراب سهيلة، لكن قامت بالتوقيع له وأخذت منه الإخطار، ثم غادر. أغلقت سحر خلفه الباب تشعر بريبة وقالت لسهيلة:
"افتحي الجواب، ربنا يستر؟"
بالفعل فتحت الإخطار وبدأت بقراءة محتواه، انصدمت قائلة بذهول:
"ده إخطار من المحكمة بحكم تنفيذ أمر بيت الطاعة!"
ذُهلت سحر وضربت على صدرها بقوة قائلة:
"بيت الطاعة! هو وصل بآصف الحقارة للدرجة دي؟ طبعًا مستحيل ده يحصل. كفاية إننا اتفاجئنا إنه خدعنا وإنك لسه على ذمته. ده مستحيل، أنا هتصل على أيمن يجي دلوقتي ونروح للمحامي يشوف لينا حل."
زفرت سهيلة نفسها بغضب، تذكرت آخر كلمات آصف قبل أيام: "المرة التالتة إنتِ اللي هتيجي لحد عندي." إذن لم يكن حديثًا فارغًا. نظرت لسحر تحاول رسم الهدوء، قائلة:
"المحامي ممكن يكون مش فاضي دلوقتي أو في المحكمة، ماما أنا عارفة غرض آصف كويس."
تساءلت سحر:
"وأيه هو غرضه؟ مش كفاية اللي حصل منه قبل كده؟ راجع يفاجئنا من تاني إنك لسه مراته... ودلوقتي كمان طالبك في بيت الطاعة."
تنهدت سهيلة بأسف قائلة:
"ده مش طلب يا ماما ده حكم واجب التنفيذ، ومتخافيش أنا اللي لازم أواجه آصف، كفاية كده كتير."
تركت سهيلة سحر وذهبت إلى غرفتها، أبدلت ثيابها بأخرى، وخرجت. تفاجأت سحر بذلك، سألتها:
"مش واخدة إجازة النهاردة من الشغل في المستشفى، رايحة فين؟"
ردت سهيلة:
"أنا مسافرة القاهرة يا ماما، هواجه آصف بنفسي."
ارتجف قلب سحر وقالت بخفوت:
"تروحي فين؟ استني هتصل على باباكِ وهو يتصرف معاه."
ردت سهيلة بقوة:
"لأ، كفاية كده يا ماما، أنا أكتر واحدة عارفة آلاعيب آصف، اللي كان لازم أواجهها من البداية وأتأكد فعلًا إن الطلاق مش راجعي، وكان لازم أقرأ الورق كويس قبل ما أمضي عليه. آصف مُخادع."
تركت سهيلة سحر وتوجهت نحو باب المنزل، رغم عدم رغبة سحر التي حاولت منعها.
سارت سهيلة إلى موقف السيارات الخاص بالبلدة، صعدت إلى إحدى السيارات المتجهة إلى القاهرة مباشرةً.
***
عصراً.
بـ مكتب آصف.
أثناء انشغاله بدراسة إحدى القضايا، صدح رنين هاتفه. جذب هاتفه وتبسم، ترك دراسة تلك القضية وقام بالرد مازحاً:
"قولي سيادة الطيار فين النهاردة؟"
تبسم آيسر وهو يقول:
"ألمانيا."
استغرب آصف قائلاً:
"غريبة بقالك أكتر من عشر أيام قاعد في ألمانيا. في الأول قولت واخد أسبوع إجازة، إيه هي ألمانيا حلوة أوي كده؟ مش سبق وقلت إنك مش بترتاح فيها، ولا يمكن هتلر حاجزك عندك."
ضحك آيسر قائلاً:
"مددت فترة الإجازة. بتقول فيها، والله دي فعلًا، أخت هتلر في الاضطهاد."
ضحك آصف قائلاً بخبث:
"مين اللي أخت هتلر؟ دي واضح إن هواك جاي على ألمانيا."
تنهد آيسر قائلاً:
"والله مش ناقص سخافتك، ومعرفش أساسًا إيه اللي خلاني أتصل عليك... شكلك رايق."
تهكم آصف بحنق واستهزاء:
"رايق عالآخر..."
قطع استرسال حديث آصف رنين الهاتف الأرضي الخاص بالسكرتيرة. تنهد آصف قائلاً:
"خليك معايا دقيقة."
رفع آصف سماعة الهاتف وقام بالرد، أخبرته السكرتيرة:
"مدام مي المنصوري معايا عالخط دلوقتي وبتقول لي إنها بتتصل على حضرتك موبايلك مشغول."
تنفس آصف وزفر نفسه برتابة قائلاً:
"تمام حوليها عالخط ده."
لحظات وسمع اندفاع مي بالسؤال:
"بتصل ليه مش بترد عليا؟ أعتقد بينا أعمال شخصية..."
قاطعها آصف بصد قائلاً:
"بينا أعمال خاصة بالشغل فقط، وأعتقد مكتبي مفتوح عشان الأعمال دي. هنتظر حضرتك الليلة في مكتبي عالساعة تسعة، ودلوقتي متأسف معايا اتصال مهم."
وضع آصف سماعة التليفون، ثم زفر نفسه بضجر، لكن انتبه إلى حديث آيسر الذي ما زال على الهاتف:
"مالك؟ هي زبونة رخمة ولا تكون ليها نوايا تانية؟"
استهزأ آصف قائلاً:
"نوايا تانية زي إيه؟ أساسًا النوعية دي متلفتش نظري. بقولك هترجع إمتى؟ لسه مطول في ألمانيا."
تنهد آيسر:
"معتقدش الإجازة خلصت، ومدتها كمان خمس أيام وفاضل فيها يوم واحد... هرجع أستلم شغلي من تاني، بس هرجع عالقاهرة الأول."
تبسم آصف قائلاً:
"تمام...، بقولك اتصل على ماما طمنها عليك، عشان سألتني عنك الصبح، وقالت إنك مش بتتصل عليك، شكلك مشغول أوي عندك مع هتلر، وناسي الدنيا كلها."
ضحك آيسر قائلاً:
"تمام هتصل على ماما. أهو أطلب منها تدعي لي ربنا يحنن قلب هتلر عليا... يلا أسيبك لزباينك اللُطاف."
أغلق آصف الهاتف ووضعه على طاولة المكتب وأضجع بظهره على المقعد، لكن عاود هاتفه الرنين، جذبه وقام بالرد، يسمع للآخر:
"آصف بيه، جبت لحضرتك المعلومات اللي كنت طلبتها بشأن شاكر المنصوري. زي ما توقعت قبل كده وقولت لحضرتك، الفيلا فعلًا شاكر متجوز فيها من البنت اللي كانت سكرتيرته. بس فيه حاجة كمان حصلت، مي المنصوري عرفت بكده، بس معرفتش رد فعلها."
تهكم آصف قائلاً:
"تمام، شكرًا لك، هحول لك بقية أتعابك على حسابك في البنك."
أغلق آصف الهاتف وشعر بآسف، كان يظن أن شاكر قد يوصله لبداية معرفة قاتل أخيه، لكن خاب توقعه، لكن ما زال هناك فرصة، ربما يعلم شاكر أي معلومة قد تفيده لاحقًا. انتبه إلى تلك الورقة الموضوعة على المكتب، جذبها وتبسم وهو يقرأها قائلاً:
"مش قادر أتوقع رد فعلك يا سهيلة."
تذكر يآسه بعد أن صدمته بحقيقة سامر المخزية، كذلك طلبها للطلاق وإصرارها عليه ورفضها مقابلته مرة أخرى بعد ذلك، حتى لقاء البحيرة الأخير بينهم كان عاصفًا لقلبه. رأى مدى رهبتها منه، سفحت قلبه تلك النظرة التي كانت بعينيها.
[بالعودة لسنوات، قبل أن يوافق على طلب سهيلة الانفصال]
كان يشعر بالضياع، كل شيء هُدم أمامه، بحماقته الذي استسلم لها، هدر بغباوته عشقه، بعد أن استسلم للأوهام. فكر في مماطلة الوقت عل سهيلة تتراجع عن ذلك، لكن كان هناك والداها يصران على ذلك الانفصال.
صدفة، أو ربما معجزة إلهية أتت له. اتصال إبراهيم عليه وقتها وطلب لقاؤه. بالفعل تقابلا بأحد مطاعم كفر الشيخ. استغرب إبراهيم من ملامح آصف البائسة، فهو تزوج قبل أيام فقط. مزح قائلاً:
"قولي بقى يا عريس إيه أخبار الجواز معاك؟ أوعى تكون قاسي مع العروسة، الستات صنف ناعم يحب الحنية والدلع."
نظر آصف له بسخط صامت، عن أي حنية ودلع يتحدث وهو كاد يوصلها للموت.
زاد استغراب إبراهيم سائلاً:
"إيه مالك ساكت كده ليه؟ إيه اللي حصل؟ اللي يشوف البؤس اللي مرسوم على ملامح وشك ميقولش عريس مكملش أسبوع."
تهكم آصف بسخرية وحنق قائلاً:
"وعاوزني أبتسم وأنا داخل على طلاق."
ذُهل إبراهيم قائلاً:
"طلاق! أنت مكملتش أسبوع يا جدع، إيه اللي حصل؟"
شعر آصف بخزي وهو يقول:
"أنا السبب مش هي... دماغك ميروحش لبعيد، أنا تمام بس فيه حاجة حصلت ومتسألنيش إيه هي، أنا محتار مش عارف أعمل إيه، سهيلة مُصرة على الطلاق، حتى رافضة إنها تقابلني، وباباها عمال يلح عليا حتى قالي إنهم متنازلين عن كل مستحقاتها من نفقة وقايمة عفش ومؤخر... حاسس إني مخنوق مش قادر أفكر."
شعر إبراهيم بأسف على حال آصف الذي يراه بهذا المنظر المهزوم لأول مرة منذ معرفتهما بالجامعة. تنهد قائلاً:
"وأنت مش عاوز تطلقها؟ بسيطة ارفض الطلاق، هدد إنك ممكن تطلبها في بيت الطاعة."
نظر له آصف قائلاً:
"أصلها ناقصة، بلاش تفكر، قولي كنت عاوزني ليه؟"
رد إبراهيم:
"سيبك من كنت عاوزك ليه، لأنه مش مهم، المهم دلوقتي نشوف حل لمشكلتك. إنت بتقول إنك مش عاوز تطلق، وفي نفس الوقت مجبور عالطلاق. بسيطة استخدم الشرع والقانون، ومش هقولك بيت الطاعة متخافش، بس إنت دارس قانون شرعي كمان وعارف إن فيه محاولات كتير تقدر بيها تنفذ لمراتك طلبها وفي نفس الوقت تسيب لنفسك مدخل لفرصة تانية معاها."
انتبه آصف وفهم قصد إبراهيم، تبسم بانشراح قائلاً:
"إزاي كانت تايهة عني، بقولك أنا هحتاجك، بس كمحامي خاص بيا."
ضحك إبراهيم مازحاً:
"وماله طالما هتدفع أتعاب مناسبة يا سيادة القاضي."
تبسم آصف قائلاً:
"هدفع لك اللي تطلبه بس يحصل اللي أنا بخطط له في دماغي."
في اليوم التالي.
تواصل آصف مع أيمن وأخبره أنه قام بتطليق سهيلة لدى المأذون، وأنه سيرسل محامي خاص به ومعه بعض أوراق خاصة بتسوية بعض الحقوق بينهما. وافق أيمن وسهيلة على ذلك.
بعد ثلاث أيام.
ذهب إبراهيم إلى منزل والد سهيلة التي للتو عادت مع أسيميه من شقة البحيرة. أخرج إبراهيم ملفًا خاصًا قائلاً:
"أنا مفوض من السيد آصف بتسوية حقوق مدام سهيلة المادية سواء عن النفقة والمؤخر وكمان قايمة العفش."
رد أيمن بدلًا عن سهيلة:
"سبق وقولنا له كل الحاجات دي متنازلين عنها، قصاد إنه يطلق وطالما طلق يبقى خلاص."
برر إبراهيم ذلك قائلاً:
"دي إجراءات قانونية ولازم تتم. غير إنها حقوق مدام سهيلة وأنا مفوض بها. ده ملف خاص فيه نسخة من قسيمة الطلاق كمان هنا تنازل من مدام سهيلة إنها أخدت جميع حقوقها الشرعية المذكورة، المفروض إنها تمضي عليه."
تنهدت سهيلة بضجر وأخذت قسيمة الطلاق، لم تقرأ سوى عنوان القسيمة، كذلك بحثت عن توقيع آصف فقط. تنهدت براحة قائلة:
"تمام أنا موافقة أوقع لك على التنازل عن مستحقاتي."
تبسم إبراهيم قائلاً:
"تمام، اتفضلي ده شيك خاص بكل مستحقات حضرتك، واتفضلي إمضي على التنازل ده."
لم تأخذ سهيلة الشيك، وأخذت الملف الذي به ورقة التنازل، قرأتها ثم قامت بالتوقيع عليها. تبسم إبراهيم ونهض واقفًا بجوارها وأزاح تلك الورقة لورقة أخرى أسفلها:
"فيه كمان وثيقة تانية كمان تحت دي تفيد إن وصلك كافة مستحقاتك المالية في الملف غير التنازل، يا ريت تمضي عليها هي كمان."
كادت سهيلة أن تقرأ تلك الوثيقة، لكن شغلها إبراهيم قائلاً:
"اتفضلي الشيك."
نظرت له سهيلة باستياء، وقامت بالتوقيع دون قراءة الوثيقة الأخرى وأخذت منه الشيك وقامت بتمزيقه قائلة:
"أنا قولت متنازلة عن كل شيء، يكفيني الطلاق وبس."
أومأ إبراهيم لها قائلاً بإنصياع:
"تمام، أنا مجرد مفوض ودي حريتك، هستأذن أنا."
استأذن إبراهيم، بينما سهيلة شعرت براحة، قائلة:
"كده خلصت من قيد آصف."
بعد قليل.
بـ سرايا شعيب بغرفة خاصة.
استقبل آصف إبراهيم، نظر له بلهفة سائلًا:
"مضت على التوكيل."
كاد إبراهيم أن يراوغه، لكن حالة آصف المزاجية لا تسمح بذلك، أومأ له بموافقة. وقال له:
"أنا بكرة هروح أسجل التوكيل ده في المحكمة وبعدها بصفتي موكل عام عنها هرجعها لعصمتك تاني، بس إياكش تعد الجمايل، ومتنساش إن معايا توكيل مفوض بالزواج من مدام سهيلة يعني أقدر مش بس أرجعها لك، كمان أقدر أرفع عليك قضية خلع."
تبسم آصف قائلاً:
"دا أنا كنت أخلع عينيك."
[عودة]
عاد آصف من تلك الذكريات يشعر أنه ربما كان مخادعًا، وتحايل بالشرع والقانون، لكن كما يقولون "كل شيء في العشق مباح".
***
ألمانيا - كِش ملك.
قالها مبتسمًا وهو ينظر إلى عينيها اللتان تشعان بضجر، بعد ثلاث محاولات فازت عليه بسهولة، هذه الجولة الرابعة خسرتها بكل سهولة أمامه أيضًا، لكن ليس بمزاجها كما يفعل هو. كزت على أسنانها بسحق، كيف خُدعت ولم تنتبه إلى حركة قطع الشطرنج... هل تستسلم للخسارة وتنهي تلك الجولات بعد فوز ثلاث جولات تستسلم لأول هزيمة...
رفعت وجهها ونظرت إلى عينيه اللتان ينظران لها بترقب، أو بالأصح بتوقع. هي لن تنسحب مهزومة، لكن خاب توقعه حين فكرت بدهاء. هو ينتظر أن تطلب جولة أخرى. تعلم نواياه من خلف تلك الجولات، هو إطالة الوقت... ضيقت عينيها بخبث ومدت يدها تصافحه قائلة:
"تمام، أنا عندي روح رياضية، مبروك أنت الفايز."
وضع يده بيدها مصافحًا يقول:
"عندنا في مصر الفايز هو اللي بيحكم الخسران في اللعب."
نظرت له متسائلة:
"شو يعني إنت بدك تحكم علي؟"
أومأ برأسه مؤكدًا:
"دي أصول اللعب."
تنهدت قائلة:
"بس أنا كسبت تلات جولات ومحكمتش عليك بشيء."
راوغها مبتسمًا باعتراف:
"فعلاً، ده حصل، بس أنا كنت بطلب جيم تاني، إنما إنتِ انسحبتِ من أول هزيمة."
تأففت بضجر قائلة:
"تمام نلعب جيم خامس."
ضغط على يدها بقوة وباليد الأخرى قام ببعثرة قطع الشطرنج قائلاً بمكر:
"ده كان قبل ما تنسحبي... دلوقتي أنا اللي ليا الحكم."
تنهدت بضجر قائلة:
"أوكيه شو هو الحكم اللي بدك ياه."
أخفى تلك الوقاحة لنفسه هامسًا:
"والله لو بمزاجي كنت طلبت حاجات كتير أوي، بس عارف لو بس قولتلك اقلعي النظارة مش بعيد تقلع رقبتي أو يمكن تحدفني من البلكونة على جدور رقبتي تتكسر، خليك محترم يا آيسر، فكر بسرعة في طلب مناسب."
اهتدى عقله للطلب، حين دلف عليهم مدحت يحمل صينية عليها بعض أكواب مشروب دافئ قائلاً:
"عملت لكم هوت شوكليت دافي، وصاية مش هيك بيقولوا المصريين."
المصريين! هذه هو الطلب. تبسم آيسر قائلاً:
"هيك بيقولوا يا عم، وبما إني كسبت في الشطرنج والمفروض في حكم لازم يتنفذ، أنا قررت من إني أبدله من حكم لدعوة خاصة لزيارة مصر. وبما إننا في مصر بنقول خير البر عاجله، أنا راجع مصر بعد بكرة، إيه رأيك تيجوا معايا على نفس الطيارة."
نظر مدحت إلى روميساء وتبسم بموافقة، لكن اعترضت كعادتها:
"لأ هدا حكم ما بعرف أنفذه هلأ، كيف راح آخد إجازة من الشركة اللي بشتغل فيها."
لم يحتاج آيسر إلى إقناع روميساء، هنالك من أناب عنه قائلاً:
"وأنا موافق جدًا، ومو صعبة تاخدي إجازة، إنتِ تقريبًا مش بتاخدي إجازات غير الرسمية، وأسبوع أو اتنين في مصر فرصة هايلة لينا نغير جو ببلد جميل متل مصر أم الدنيا."
لكن لابد من اعتراض، وافقت بعد محاولات عدة كان بطلها مدحت، بينما آيسر يتلاعب من بعيد حتى لا يظهر أنه يضغط عليها، لكن تبسم بزهو حين قالت روميساء باقتناع:
"خلاص بابا، بكرة راح روح الشركة وأطلب إجازة أسبوع واحد بس مو أكتر من هيك."
تبسم مدحت كذلك آيسر الذي حدث نفسه متوعدًا:
"بس إنتِ تنزلي مصر، وأوعدك أنسيكِ ألمانيا، ولبنان نفسها... يا جميلتي."
***
مساءً.
بالقاهرة.
توقف سائق سيارة الأجرة قائلاً:
"هو ده العنوان اللي قولت لي عليه حضرتك."
تنهدت سهيلة تستجمع شجاعتها وأخرجت مبلغًا ماليًا أعطته له، ثم ترجلت من سيارة الأجرة. وقفت لحظات تنظر إلى ذاك المبنى الأنيق، تهكمت بداخلها ماذا ظنت أن يكون لديه مكتب محاماة صغير "غرفة وصالة". لابد من مبنى فخم يليق بـ "آصف شعيب".
تركت النظر إلى المبنى ودلفت إلى داخله. رأت إحدى الفتيات تجلس خلف مكتب بمدخل المبنى. ذهبت نحوها بتلقائية، ألقت عليها المساء:
"مساء الخير، ممكن أعرف مكتب آصف شعيب؟"
نظرت لها الموظفةتمعن واستغربت من تلك التي تبدو بوضوح من ملابسها البسيطة والمحتشمة، وتقول اسم صاحب المؤسسة بلا ألقاب سابقة لاسمه. صمتت لحظات.
زفرت سهيلة نفسها بضجر وعاودت السؤال:
"من فضلك فين مكتب آصف شعيب... ولا أقولك أنا هسأل أي حد تاني، يمكن معينين خرسا في الاستقبال."
تضايقت منها موظفة الاستقبال وقالت:
"لأ أنا مش خرسا، ومكتب مستر آصف في الدور التالت، بس إنتِ عاوزاه في إيه؟ لو جايه عشان وظيفة..."
لم تكمل الموظفة بقية حديثها حين تركتها سهيلة وتوجهت نحو مكان ذلك المصعد، ودخلت إليه مباشرةً دون السماع إلى تحذير تلك الموظفة أن هذا المصعد خاص بالرؤساء فقط. أغلقت باب المصعد وضغطت على رقم الطابق. بعد لحظات توقف المصعد.
وقفت للحظات بالمصعد تزدرد ريقها تشعر برهبة، لكن تغلب عليها الغضب وحسمت أمرها. لابد من مواجهته، لم تعد تبقى تلك الجبانة التي تخشى رؤياه. بالفعل حسمت أمرها وخرجت من المصعد، تهكمت:
"هناك أكثر من موظف وموظفة بردهة الطابق الواسعة."
توجهت إلى إحدى الموظفات وقالت مباشرةً:
"فين مكتب آصف شعيب؟"
تركت الموظفة العمل على الحاسوب الذي كانت تعمل عليه، كذلك بقية الموجودين بالردهة، نظروا لها باستغراب.
شعرت سهيلة بضيق من نظراتهم لها وعاودت السؤال:
"قولي لي فين مكتب آصف، ولا أقولك أنا هوصل له بنفسي."
بدأت سهيلة بفتح أول مكتب أمامها، كان مكتبًا يبدو أنيقًا لكن تعمل به امرأة أنيقة. نظرت لها سهيلة بتهكم قائلة:
"لأ ده مش مكتب آصف، آسفة."
أغلقت المكتب وتوجهت نحو باب مكتب آخر، لولا أن اعترضت إحدى الموظفات. وقفت أمامها وكادت تمنعها من الدخول وقالت لها بتعسف:
"إنتِ مين وداخله تتهجمي على مكاتب المؤسسة؟ أنا هطلب لك أمن المؤسسة."
نظرت لها سهيلة بسخط وجذبتها بعيدًا عن باب المكتب وقالت لها باستبياع:
"الأفضل تطلبي الأمن المركزي."
نحت الموظفة جانبًا وفتحت باب المكتب ودلفت إليه مباشرةً.
رفع آصف وجهه ونظر نحو باب المكتب، تفاجأ بـ سهيلة أمامه. ظن للحظة أنه يتخيل. أغمض عينيه لوهلة ثم فتحهما، تيقن أنه لم يكن يتخيل. انشرح قلبه، لكن سرعان ما نهض واقفًا يرسم بسمة على شفاه. كذلك نهض الشخص الآخر الذي كان يجلس معه يناقش أحد القضايا الخاصة به.
خرج آصف من خلف مكتبه وحاد بنظره عن سهيلة التي تبدو ملامحها متجهمة بوضوح. مد يده للعميل، صافحه قائلاً:
"تمام نتقابل بكرة الصبح في المحكمة نكمل بقية الإجراءات."
غادر العميل المكتب.
بنفس الوقت أتت تلك الموظفة التي كانت تمنعها من الدخول ومعها فرد أمن. نظرت لـ آصف وقالت بتبرير:
"آسفة يا مستر آصف، أنا حاولت أمنـ..."
توقفت الموظفة حين أشار لها آصف بالانصراف هي وفرد الأمن. بالفعل امتثلت الموظفة هي وفرد الأمن.
نظرت لهم سهيلة بسخط وتهكمت، لكن سرعان ما ارتجف جسدها حين رأت آصف كاد أن يغلق باب المكتب. نظرت له بريبة لكنها أخفتها خلف قولها بتعسف:
"متقفلش باب المكتب... ولا خايف الموظفين بتوعك يسمعوا أمجاد الرئيس بتاعهم."
شعر آصف بغصة في قلبه. يعلم أنها ما زالت تخشى وجودها معه بمكان واحد. لكن نظر لها ورسم بروده المعتاد عنه قائلاً:
"واضح إنك متعصبة، تحب أطلب لك ليمون يروق أعصابك."
نظرت له بغضب وقالت باستياء:
"هتفضل حقير لحد إمتى يا آصف؟ إنت اخترت طريقك وأنا طريقي بعيد عنك. ليه مُصر إنك تزود كرهي لك؟ أنا بكره اليوم اللي دخلت فيه سرايا شعيب وشوفتك فيها."
شعر بنصل حاد يُرشَق بصدره، لكن ما زال صامتًا، ينظر لها فقط.
تضايقت من صمته وفتحت حقيبة يدها وأخرجت ورقة منها ومدت يدها بها له قائلة:
"أيه ده؟"
لم ينظر آصف إلى الورقة، يعلم ما بها. اتكأ بيديه على حرف المكتب وأجابها ببرود:
"أعتقد الدكتورة بتعرف تقرأ كويس."
تهكمت سهيلة وشعرت بغصة في قلبها وقالت:
"فعلاً بعرف أقرأ كويس، وعشان كده أنا هتصرف بنفس طريقتك الدنيئة وهرفع عليك قضية خلع."
تبسم آصف بتهكم قائلاً:
"أنا محامي، وهديكِ استشارة مجانية، مستحيل يتقبل منك قضية الخلع، قبل ما تنفذي حكم الطاعة اللي في إيدك."
نظرت له بغضب ساحق وقالت له:
"طبعًا القانون بقى لعبتك اللي بتتسلى بيها، وتؤذي بيها على مزاجك، وبسهولة قدرت توصل للـ حكم ده، بس أنا مش هنفذ الحكم ده يا آصف، مستحيل أنا وانت يجمعنا مكان واحد، غير بسهولة هاخد حكم في قضية الخلع، كفاية أقول إنك سادي عنيف، وسهل أقدم تقرير المستشفى اللي يثبت ده."
شعر بوخز قوي يضرب قلبه ونظر لها بندم، لكن سهيلة لم تنظر له، وكادت تتوجه نحو باب الغرفة، لكن آصف جذبها من معصم يدها وسريعًا أغلق باب الغرفة وحاصرها. وبلا انتظار قبل شفتيها قبلات حنونة وشغوفة ممزوجة باشتياق.
بينما سهيلة ارتبكت من المفاجأة وتلجم عقلها لوهلة قبل أن يرتجف جسدها وتدفعه عنها بقوة حتى ترك شفتيها. ابتعدت عنه سريعًا يرتعش جسدها وبرد فعل تلقائي رفعت يدها وتهجمت عليه بغضب وكادت تصفعه على وجهه... لكن أمسك كف يدها ضغط عليها بغضب قائلاً:
"مفيش قدامك حل غير إنك تنفذي قرار المحكمة بإلزامك بـ بيت الطاعة، لأن القرار واجب التنفيذ، ولو رفضتِ تبقي "ناشز" ووقتها صعب توصلي للطلاق أو حتى الخلع."
سحبت يدها من يده سريعًا قائلة باستبياع:
"بتحلم يا آصف، حتى لو كنت بدلت تقرير المستشفى، واشتريت ضميرهم على هواك، فأنا مستحيل يجمعني بيك مكان واحد ولو وصل الأمر إني أقضي بقية حياتي...."
قبل أن تستكمل بقية استهجانها، جذب آصف هاتفه ومفاتيح سيارته من فوق المكتب ثم جذب يدها مرة أخرى يجذبها للسير نحو باب المكتب قائلاً:
"بينا كلام كتير مش هينفع نكمله هنا."
حاولت سهيلة سلت يدها لكن هو كان يطبق عليها بقوة، جعلتها غصبًا تستسلم للسير خلفه رغم رجفة جسدها الذي تغاضى عنها آصف وهو يسير بسرعة. رمق مديرة مكتبه بنظرة قائلاً بأمر:
"إلغي كل مواعيد النهاردة، والمهم حولي على مستر إبراهيم."
أومأت له باستغراب، كذلك نظرات العاملين بالمكان استغربوا ذلك الموقف، كذلك إبراهيم الذي تقابل معه أثناء خروجه باب المصعد. نظر ناحية سهيلة سريعًا، خمن سبب العصبية الظاهرة على ملامح آصف، تبسم سائلًا:
"على فين يا آصف؟ ناسي معادك مع مي المنصوري."
رد آصف بلا مبالاة:
"إبقى قابلها إنت أو حتى إلغي الميعاد."
قال آصف هذا ودلف بسهيلة إلى المصعد وأغلق الباب وضغط على زر نزول المصعد. تبسم إبراهيم قائلاً:
"ربنا يكون في عونك، صحيح إن كيدهن عظيم، وإحنا الرجالة غلابة."
نظر إبراهيم أمامه إلى تجمع بعض الموظفين، رسم الجدية قائلاً:
"واقفين كده ليه، يلا كل واحد على شغله مش عاوز أي تقصير."
بينما بداخل المصعد حاولت سهيلة سلت يدها من يد آصف، سُرعان ما تركها لكن جذبها مرة أخرى حين ذهبت نحو زر المصعد بتلقائية، اختل جسدها لتقبع بين يديه شبه بحضنه للحظة كانت كفيلة بزلزلة قلب آصف، وهي بين يديه، لكن سرعان ما دفعته بيدها تشعر برجفة، تشعر ببداية اختناق قائلة باندفاع وغضب:
"إبعد عني، وقف الاسانسير."
لم يستغرب آصف تلك الرهبة التي تظهر على سهيلة، سبق وأخبرته أن لديها رهاب الأماكن المغلقة، لكن شعر بوخزات قوية من تلك النظرة التي بعينيها له، نظرة توهان أكثر من ذلك الرهاب. بالفعل توجت مرة أخرى إلى زر المصعد وضغطت عليه لكن كان قد وصل إلى الطابق الأرضي. سُرعان ما فتحت الباب وخرجت من المصعد. وقفت للحظة تستنشق الهواء قبل أن يجذبها آصف مرة أخرى من يدها، حاولت نفض يده عنها باستهجان، كذلك نظرت إلى هؤلاء الموظفين، كادت تستنجد بهم وتطلب منهم المساعدة لكن لديها يقين أنهم لن يفعلوا ذلك، فآصف هو صاحب ومدير هذه المؤسسة، وكل منهم يخشى فقد وظيفته. سارت خلفه بصعوبة حتى دخلا إلى مرآب السيارات الخاص بالمؤسسة، ضغط على جهاز تحكم صغير بيديه سمعت صوت صفير فتح أمان السيارة، جذبها أصف نحو تلك السيارة. نظرت سهيلة حولها بترقب، فتح آصف باب السيارة الأمامي، نظرت له سهيلة بعصبية قائلة بأمر:
"سيب إيدي وابعد عني يا آصف وكفاية كذب وخداع وتدليس. حقيقة إنت عارف إننا انفصلنا وجوازنا انتهى من قبل ما يبدأ. بعد ما وصلت لهدفك وانتقمت مني، سيبني خليني أرجع كفر الشيخ، كل شيء بينا انتهى، وانسى إني أرجع أصدق إنك بتحبني. اللي بيحب مش بيأذي اللي بيحبه، بيتمنى له السعادة حتى لو بعيد عنه."
غص قلب آصف وتغضنت ملامحه قائلاً بصدق ولوعة:
"ياريت كنت أقدر إني أتحمل بعدك عني، صدقيني غصب عني كنت بموت كل لحظة..."
تهكمت سهيلة وقاطعت حديثه تنظر له بازدراء:
"بطل كذبك ده يا آصف، زمان كان بيدخل عليا وبصدقه عشان كنت ساذجة، بس فقت بعد لما وصلت للموت على إيديك."
شعر آصف بنصل يسفك قلبه ونظر ليدها التي ما زال يقبض عليها بيده. ازدادت مرارة تلك الغصة في حلقه، علم من محاولة سهيلة سلت يدها وتهجمها عليه أنها لن تهدأ بسهولة. رفع يده الأخرى وجذب سهيلة عليه بقوة، بلحظة ترك يدها قبل أن تلتقط سهيلة نفسها، فاجأها آصف حين وضع يده فوق العرق النابض بعنقها وضغط عليه بقوة أفقدتها الوعي.
رواية عشق مهدور الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سعاد محمد سلامة
بـ منزل أيمن
نظر أيمن إلى ساعة الحائط قائلًا بلوم لسحر التي تشعر هي الأخرى بقلق:
"مكنش لازم تسيبها تخرج تروح لآصف... أنا مش عارف إزاي سمحتِ لها تخرج من البيت أساسًا كان لازم تمنعيها."
سأمت ملامح سحر قائلة:
"حاولت أمنعها وقولت لها نتصل عليك ونشوف المحامي هيقول إيه بس هي مسمعتش كلامي."
جلس أيمن على الأريكة يزفر أنفاسه بأسف قائلًا:
"مش عارف آصف لسه عاوز منها إيه بعد ما كان دمرها، ليه رجع تاني يفرض نفسه عليها... ومتقوليش زي ما هويدا قالت، إنه بيحبها، اللي بيحب مش بيأذي يا سحر بالعكس بيخاف على اللي بيحبه من الهوا الطاير ومش بيظلمه."
جلست سحر لجوارة، وضعت يدها فوق يده قائلة بتوافق:
"ده اللي بقوله دايمًا، آصف افتكر قبل كده وخدعنا وخدع سهيله وصدقت كدبه، خايفة ترجع تقع تاني وتصدق كلامه الناعم، ويتلاعب بعواطفها."
تنهد أيمن بألم قائلًا:
"مش هسمح لها مرة تانية، معنديش استعداد أعيش نفس الألم مرة تالتة، وأشوفها مش قادرة تتحرك."
وضعت سحر رأسها فوق كتف أيمن وتنهدت بأسى:
"قلبي حاسس... هويدا هي اللي كبرتها في دماغها، إنها لازم تواجهه، وتعرف حقيقة إزاي هي لسه مراته، سهيله ما كانتش مقتنعة بس الصبح بعد ما استلمت إنذار بيت الطاعة، اتعصبت جامد من آصف، أنا كمان خايفة. أنا مش هقدر أتحمل أي أذى ليها، كفاية أوقات بحس إن ربنا بيعاقبني في بنتي الوحيدة، حظها قليل حتى صحتها كمان. والله زمان مفكرتش لما إبتهال ادتني هويدا أرضعها، رغم إن قلبي وقتها كان محروق على ابني اللي مات بعد ساعات من ولادته، قولت ربنا حط في قلبي الصبر وبعتلي هويدا، خدت هي رزق سابه ابني في صدري، ربيتها على إنها بنتي ويعلم ربنا عمري ما فرقت بينها وبين سهيله، رغم حقدها دايمًا كان واضح على سهيله. حاولت كتير أقربها من بقية ولادي، وأقولها انتي الكبيرة، يعني مكاني، بس هي مش بتقوي غير عـ الشر، وده اللي حصل مع سهيله، حرضتها بطريقتها، استفزته... بس تعرف يا أيمن، سهيله فعلًا لازم تواجه آصف، كفاية مش لازم تبقى ضعيفة، هو لازم يدفع تمن اللي عمله فيها، مش لازم تخاف وترتجف منه، انت مشوفتش منظرها يوم ما جه هنا، ملامح وشها كانت قد إيه خايفة، رغم إننا كنا حواليها... كمان إنتم روحتوا لشيخ الجامع وسألتوه وهو فسرلك الوضع، سهيله لازم تتحرر من خوفها من مواجهة آصف، قبل نهاية جوازها منه."
تنهد أيمن وأومأ رأسه موافقًا، وتذكر اليوم التالي لمجئ آصف وتلك المفاجأة التي قالها أن سهيله مازالت زوجته، بعقد رسمي، بعد أن تأكدوا من وجود توكيل سابق بينها وبين إبراهيم، لكن تم فسخه من جانب إبراهيم بعد يوم واحد من عقد قرانها على آصف.
عقب صلاة العشاء، طلب أيمن من إمام الجامع الجلوس معه ليسأله عن فتوى خاصة.
بالفعل انتهت سهيله من الصلاة بمُصلى النساء، ثم ذهبت مع والدها إلى تلك الغرفة الخاصة بـ إمام الجامع.
تنحنح أيمن قائلًا:
"شوف يا حضرة الشيخ في أمر خاص، ومحتاج منك فتوى فيه."
حثهم إمام الجامع قائلًا:
"خير يا عم أيمن."
نظر أيمن لـ سهيله ثم للإمام وسرد له ما حدث، أن آصف سبق وأخبرهم عن طلاقها.
وجه الإمام حديثه لـ سهيله سائلًا:
"هو كان رمى عليكِ يمين الطلاق؟"
"لأ"، قالتها سهيله باختصار.
سأل إمام الجامع:
"وهل دخل بيكِ كزوج؟"
لوهلة تذكرت سهيله تلك الليلة الشنيعة وشعرت برجفة في جسدها، بتلقائية قبضت على يديها بقوة وأومأت بحياء قائلة بخفوت:
"أيوه."
أومأ الإمام قائلًا بتوضيح:
"يعني مازال زوجك، وله عليكِ كل الحقوق الشرعية."
رفعت سهيله وجهها بتفاجؤ، وكذلك أيمن الذي قال:
"طب إزاي وهو طلقها عند المأذون، كمان التوكيل اللي ردها بيه يعتبر تدليس."
رد أيمن بتوضيح:
"طالما دخل بها كزوج، والطلاق كان راجعي، حتى لو طلقها عند المأذون، يحق له يرجعها لعصمته طول فترة العدة، كمان من غير عقد أو مهر جديد، زي ما ربنا قال في كتابه الكريم (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا). كمان زي ما ذكر عم أيمن إنك انتي اللي أصرتي عالطلاق وهو مكنش موافق، بس اتغصب عشان يرضيكِ وقتها ويسيب لك فرصة تهدي أعصابك، ويبقى سهل الرجوع مرة تانية، وده اللي حصل زي ما عم أيمن قال إنه ردك في آخر أيام العدة، يعني ساب وقت يمكن فكر وقتها إنك ممكن تكوني هديتي، وهتتقبلي رجوعكم من تاني."
شعرت سهيله بالاستغراب قائلة:
"هو فعلًا عمل كده، بس أنا حتى وقتنا هذا مش قابلة أني ارجعله، كمان خبى الموضوع ده خمس سنين، افرض إني كنت اتجوزت من شخص تاني، كان هيحصل إيه وقتها."
رد الإمام:
"هو فعلًا غلط، غلط فادح لما أخفى إنه ردك من تاني لعصمته، معرفش السبب عنده إيه، مقدرش أديله عذر، بس كمان، معتقدش إنه كان هينتظر لو عرف إنك هتتجوزي من شخص تاني."
فكرت سهيله بقول الإمام، حقًا لا تعلم من الذي أخبر آصف وجعله يأتي تلك الليلة، كذلك شتت عقلها بتلك القبلة الذي وضعها على وجنتها ليلتها، جعلتها تصمت ولا تقوم بالرد المناسب وتصفعه أمام الجميع، لكن هو كان مراوغًا، فلقد غادر المنزل مباشرةً بعد أن أشعل في نفسها تلك القنبلة وتركها وحدها بين الذهول والحيرة والغضب.
عاود أيمن يزفر نفسه سائلًا:
"نفسي أعرف مين اللي وصل لـ آصف، إن سهيله هيتقدم لها عريس، خلاه رجع تاني لحياتها... تفتكري هويدا هي اللي ممكن تكون وصلت له الخبر."
رفعت سحر رأسها قليلًا عن كتف أيمن ونظرت له بنفي قائلة:
"لأ معتقدش هويدا، لأنها معرفتش غير قبلها بوقت قليل، كنا بعد الضهر وهي راجعة من شُغلها، وجت على هنا مباشر، وبعدين هويدا مصلحتها إيه."
تنهد أيمن بحيرة قائلًا:
"مش عارف، آه نسيت أقولك رحيم اتصل عليا وقالي مش هينزل أجازته الأسبوع ده."
تبسمت سحر رغم وجع وحيرة قلبها قائلة:
"أكيد متعاقب زي العادة."
أومأ أيمن رأسه ببسمة، ثم أخرج هاتفه من جيبه وقام باتصال، استغرب بلهفة وهو ينظر إلى سحر قائلًا:
"بتصل على سهيله موبايلها بيرن ومش بترد."
رغم لهفة قلبها هي الأخرى لكن قالت بتهدئة:
"يمكن في الطريق راجعة وإنت عارف دوشة المواصلات مش هتعرف ترد، اطمن، قلبي حاسس إنها بخير."
تنهد أيمن بأمنية أن يصدق إحساس سحر.
بـ سرايا شعيب
بـ غرفة النوم
أنهى أسعد مهاتفته تليفونيًا لـ شهيرة، بعد شجار دار بينهم، لأول مرة شهيرة تتحدث بهذه الطريقة الجافة التي لم تعجبه، لكن لن يتغاضى عن ذلك لاحقًا، فقط فكره وووقته مشغولان هذه الفترة بالدعاية من أجل الفوز في الانتخابات البرلمانية، لكن مجرد أن ينتهي منها سيكون هناك جزاء لما اقترفته رغم تحذيره السابق لها.
وضع الهاتف جواره على الفراش يزفر أنفاسه يشعر بضجر وسأم، تمعن بسقف الغرفة، هنا تزوج بـ شكران وكان معها زوجة أخرى مريضة انتهت صلاحيتها كزوجة طريحة الفراش بسبب خطأ طبي، أو ربما أراد القدر بزوجة أخرى مثل شكران، لا ينكر أنه عاش معها في هدوء أنجبت له ثلاث صبية، بعد أن كان يظن الجميع أن خلفه كل سيكون إناثًا، أتى آصف كان له فرحة خاصة بقلبه، أول ولد كذلك مازال له مكانة خاصة في قلبه رغم سنوات الجفاء بينهم، لكن لا ينكر أنه سعيد بنجاحه المدوي، لكن أحيانًا يشعر بضيق بسبب شكران التي لم تفكر للحظة واتخذت جانب آصف، ربما استقوى آصف بهذا عليه، لو كانت شكران اختارته هو كان آصف رق مع الوقت من أجلها، لكن شكران خيبت أمله وتوقعه، ربما لسبب برأسها غير أمومتها، أن ترد له صاع زواجه عليها بأخرى رغم تقبلها ذلك طواعية منها، هي لم يكن ينقصها شيء وقتها، لكن هذا بنظرها هي، هو كان يحتاج لامرأة ذات واجهة اجتماعية، شكران لم تكن تصلح واجهة اجتماعية، طبيعتها الريفية طغت عليها دائمًا، امرأة كل ما تهتم به أنها زوجة وأم فقط، ينقصها، أنها ليس لديها ذكاء اجتماعي مثلما أراد أن تكون زوجته، هذا ما جعله يبحث عن أخرى، تعوض ذلك النقص... ووجدها حين تقابل مع شهيرة التي تظهر التمرد الآن.
في أثناء تفكيره صدح رنين هاتفه، نظر نحوه وجذبه رمق الشاشة كي يعلم هوية المتصل، قبل أن يقرر الرد أو التجاهل، لكن سرعان ما ابتسم وجلس على الفراش وقام بالرد مازحًا بإيحاء:
"كنتِ لسه على بالي وبفكر في عدم ردك على عرض الشغل، قولت ممكن يكون جوزك رفض العرض، بصراحة معاه حق، يخاف عليكِ."
تهكمت هويدا، هل حقًا عادل يخشى عليه، بالتأكيد لا، هما زوجان بالاسم فقط، كل ما يجمعهما فراش واحد، وطفل آتٍ بالخطأ، أحلامهم وطموحاتهم متباعدة، حتى مشاعرهم باردة مثل صقيع الشتاء، لكن أظهرت عكس ذلك قائلة:
"بصراحة عرضك أي شخص مكاني مستحيل يرفضه لأنه فرصة كويسة، فكرت في العرض وقررت أقبلهُ."
انشرح قلب أسعد بشدة، لكن أظهر الدهاء قائلًا:
"أنا مبسوط جدًا لأنك مكسب هايل جدًا لأي مكان تشتغلي فيه، رغم بصراحة لما اتأخرتِ في الرد كنت هوصي مدير البنك يحاول يقنعك."
تبسمت بزهو قائلة:
"فعلًا، أنا كنت هرفض والسبب ابني محتاج لي زي ما قولتلك قبل كده، بس ماما لما حكيت ليها على عرضك قالت لي فرصة كبيرة وأكيد لمصلحة ابنك يعيش في مستوى راقي، بلاش تضيعيها، وأنا اقتنعت برأيها."
للحظة شعر أسعد بوغوشة سائلًا باستفسار:
"وقولتِ لمامتك إنك هتشتغلي عندي؟"
ردت هويدا سريعًا:
"لأ، بس قولتلها إنه في مكان مرموق وهي رحبت، وأنا اقتنعت."
انشرح قلب أسعد قائلًا:
"تمام، من أول الشهر تقدري تستلمي شغلك في المجموعة، هوصي مدير الحسابات عليكِ بلاش يتعبك في الشغل."
ردت بذكاء:
"لأ أنا مش بحب الوسايط، بحب أدي لشغلي حقه حتى عشان ربنا يحلل لي المرتب اللي هاخده."
تبسم بإعجاب قائلًا:
"تمام براحتك، على أول الشهر هتكون الانتخابات انتهت وهيكون لينا لقاء مباشر، نكمل فيه الاتفاق."
تبسمت قائلة:
"ربنا يوفقك ومتأكدة إنك هتفوز في الانتخابات باكتساح، إنت شعبيتك عالية هنا كمان الناس بتحبك وبتعترف بجمايلك عليهم."
تبسم قائلًا:
"مش جمايل مني دول أهلي ولهم فضل عليا."
تبسمت قائلة بمدح له:
"بالعكس إنت اللي فضلك عليهم كبير، أتمنالك التوفيق، تصبح على خير."
لم يكن يريد إنهاء المكالمة مع هويدا، كذلك هي الأخرى تود زيادة الحديث بينهم، علها تستطيع بدهائها الوصول إلى عقله والسيطرة عليه، لكن لا مانع من بعض الدلال وإظهار الأخلاق... بينما أسعد لم يكن يريد إنهاء المكالمة من أجل اللعب بعقلها أكثر، كي يعلم ما تلك المشاعر الذي يشعر بها حين يراها أو يسمع صوتها، نفس رنين صوت "تهاني" مازال برأسه رغم مرور السنوات...
نهض من فوق الفراش وذهب إلى غرفة المكتب، فتح تلك الخزنة وفتحها وأخرج ذلك الملف، فتحه مرة أخرى، نحى وثيقة الزواج العرفي، كذلك اعتراف البنوة، جذب صورة فوتوغرافية، نظر خلفها إلى التاريخ الموجود عليها كان قبل وفاة ابن عمه بأقل من شهر، كانت هذه الصورة ضمن متعلقاته الشخصية التي أرسلت بعد وفاته بأحد كمائن الشرطة، كان هو يترأسها، لكن بالخطأ دعسته سيارة أثناء تأدية عمله، الصورة لـ إبتهال تحمل طفلة صغيرة، ابنة بضع أيام.
وضع الصورة ثم جذب ذلك الاعتراف، قرأ اسم "إبتهال علي شعيب".
أمام مسكن آصف
ترجل سريعًا من خلف مقود السيارة وفتح بابها الخلفي، كانت مازالت سهيله غافية، ظل ينظر لها لدقائق يستمتع بالنظر إلى ملامحها البريئة التي سلبت قلبه، وما زالت تأثره، أخطأ بحقها حين سلم عقله لانتقام، بدلًا من أن يساندها وقتها ويسعى لإظهار براءتها، سيطر على عقله الغضب وأعماه، بليلة سحق ليس قلبها، بل سحق قلبه، كان بغفوة وحين استفاق منها ندم باستحقاق، لكن ما زال لديه أملًا لن يفقده وسيسعى لنيل الغفران.
تنهد يعلم أن الطريق ما زال في البداية، بل قبل البداية، اقترب من شفاها وقبلها بانتشاء كأنه يعود له الشعور بالحياة. تنهدت سهيله بلا وعي، ظن أنها قد عادت للوعي، ابتعد عن شفاها ونظر لها، ما زالت غافية، برفق حملها بين يديه من السيارة وذهب إلى تلك البناية، دلف إلى المصعد الخاص، ومنه توقف أمام الشقة التي يقطن بها، توقف ثم قام بقرع جرس الشقة...
سريعًا فتحت صفوانة له الباب، باستغراب، لكن قالت بذهول واستخبار:
"مالها سهيله... دي كانت لسه مكلماني قبل أقل من ساعة ونص وطلبت مني عنوان مكتبك، وعطيته ليها."
قبل أن يرد آصف كانت خلفها شكران التي نظرت لـ آصف بأسف قائلة بإندفاع:
"عملت فيها إيه تاني يا آصف، والله لو كنت أذيتها مرة تانية مش هسامحك وهسيب لك الشقة و...."
شعر آصف بغصة من حديث شكران وقاطعها:
"سهيله بخير يا ماما، كل الحكاية مغمي عليها، وسعوا خليني أدخل بيها."
تجنبن على جنب حتى دلف آصف بها إلى غرفة النوم الخاصة به، وضعها فوق الفراش، قبل أن يستدير بوجهه كانت شكران تدلف إلى الغرفة كذلك صفوانة التي جذبت إحدى زجاجات العطر الخاصة بـ آصف، واقتربت هي وشكران من الفراش.
تحدثت شكران بتعسف:
"قولي إيه اللي حصل وإزاي أغمي عليها، من شوية كلمت صفوانة وأنا قولتلها على عنوان مكتبك، وإزاي تجيبها لهنا... إيه اللي حصل ومخبيه عليا يا ابن أسعد."
شعر آصف بخزي من استهجان شكران عليه وقال:
"سهيله لسه مراتي شرعًا وقانونًا، وبلاش تسأليني إزاي."
ذُهلت كل من صفوانة وشكران، لكن تغاضت شكران عن الاستفسار الآن وجلست جوار سهيله على الفراش وقالت لـ صفوانة:
"هاتي البرفان ده خلينا نفوقها وبعدين نبقى نعرف أسرار ابن أسعد."
أعطت صفوانة العطر لـ شكران، وضعت منه القليل على يديها وقربته من أنف سهيله وبدأت تربت على وجنتيها بخفة، إلى أن بدأت سهيله تعود للوعي، رأت بغشاوة صورة آصف كأنه أمامه، همست باسمه، لكن ليس حبًا، بل رهبة. وضحت أكثر حين حاولت دفع يد شكران عن وجهها، ظنًا أنها آصف، لكن ربتت شكران على وجهها بحنان قائلة:
"فوقي يا سهيله."
فتحت عينيها، أكثر للحظة شعرت برهبة، بالفعل آصف قريب منها، كادت تنهض جالسة، كأنها لم تنتبه لـ شكران إلا حين ضمت رأسها لصدرها قائلة:
"اهدي يا سهيله ومتخافيش."
اهتدى عقل سهيله لـ شكران ورفعت رأسها، نظرت لها، شعرت بهدوء نسبي، لكن قالت باستغراب:
"أنا فين."
رد آصف:
"إنتِ هنا في شقتي."
حاولت النهوض قائلة:
"مستحيل أفضل هنا، أنا لازم أمشي دلوقتي."
نظرت لها شكران بعتاب قائلة:
"كده يا سهيله، بدل ما تقولي لي إزيك يا طنط، أنا كده هزعل منك."
كذلك قالت صفوانة بعتاب:
"كده، بقى أنا اللي أول ما بنزل البلد بروح عند سحر وأسأل عليكِ إنتِ والحجة آسية."
شعرت سهيله بتوتر وقالت:
"متأسفة، بس أنا لازم أمشي من هنا، حاسة إني هتخنق."
نظرت لها شكران بعتاب:
"تتخني وأنتِ في حضني، كنت مفكرة إني غالية عندك، زي ما أنتِ غالية عندي، إنتِ متربية على إيدي و...."
قاطعتها سهيله بأسف:
"مش قصدي يا طنط، بس ماما وبابا زمانهم قلقوا عليا، ولازم أرجع كفر الشيخ."
استغربت صفوانة ذلك قائلة:
"إنتِ عارفة الساعة كام، إحنا بعد العشاء وعلى ما ترجعي كفر الشيخ هنبقى نص الليل، خليكِ يا بنتي هنا، وإن كان على سحر أنا هتصل أطمنها عليكِ."
حاولت شكران وصفوانة إقناع سهيله بالبقاء الليلة، ظل آصف صامتًا لا يود الضغط عليها وأنه لن يسمح لها بالابتعاد عنه أكثر من ذلك، لكن اتخذ هدنة فقط يكسب بها وقتًا، بلا إجبار. وافقت سهيله بعد عذاب لـ شكران وصفوانة، لكن نظرت إلى آصف، واتكأت برأسها على صدر شكران كأنها تحتمي بها قائلة:
"خليكِ هنا معايا في الأوضة يا طنط."
تبسمت شكران وضمتها قائلة:
"عيوني يا حبيبتي، يلا يا صفوانة روحي حضري عشا خفيف لـ سهيله وهاتيه ليها هنا عالسرير، كمان هاتي ليها عباية من بتوعي تنام فيها."
ردت سهيله بعالية:
"لأ أنا مش جعانة، كفاية العبايه."
تبسمت صفوانة قائلة:
"الأكل الأول وشك أصفر، وكمان هجيب لك كوباية لبن تهدّي أعصابك وتنامي رايقة."
تبسمت سهيله بحياء، هي حقًا جائعة منذ فطورها بالمنزل لم تتناول أي طعام.
بينما غص قلب آصف للحظة بسبب رهبتها منه، لكن تبسم بعد انقياد سهيله لهن، كان ذكاء منه أن أتى بها لهنا، لكن نظرت له شكران بتعسف قائلة:
"واقف كده ليه يلا روح نام في الأوضة التانية وأنا هفضل مع سهيله هنا."
وافق آصف على مضض وخرج من الغرفة، بينما ضمت شكران سهيله قائلة بحنان:
"وحشتيني أوي يا حبيبتي، كنت ببعت لك السلام مع صفوانة لما كانت بتنزل البلد."
تبسمت سهيله لها تشعر بمحبة وألفة معها، هي الوحيدة التي صدقت ببراءتها، وعاملتها بطيبة ورافقتها حين كانت بالمشفى، وربما هي السبب في إنقاذها تلك الليلة.......
القاهرة
بـ شقة متوسطة بحي متوسط، تمدد عادل بجسده فوق الفراش وجذب تلك الجريدة الخاصة بالموضة، رغم أنه لا يهتم بذلك النوع من الجرائد، بل أحيانًا ينظر لها على أنها نوع من الرفاهية، بل التفاهات، لكن لفت نظره غلاف تلك الجريدة التي يتصدرها صورة "شهيرة".
نظر لها بإعجاب، فَر بين الصفحات حتى وصل إلى تلك الصفحة والحوار الخاص بها وبدأ بقرائته، كلمات كاذبة منها، لكن ظنها حقيقية، وهي تجاوب على سؤال: "لماذا تركت العمل كعارضة وهي بأوج شهرتها؟" وردها البديهي: "أردت أن أكون لي أسرة خاصة بي وأعطاني الله زوج وابنتين أعيش معهم بسعادة."
شعر بحنق: أي سعادة تتحدث عنها وهي زوجة ثانية لزوج لديه زوجة أخرى تشاركه فيه، وسؤال آخر: "هل تزوجتي عن حب؟" وجوابها دبلوماسي: "أجل وما زلت أكن له نفس الحب." وسؤال أخير: "هل زوجك كان معترضًا على عملك كعارضة؟" وجواب واضح أنه نفاق: "أيوه، بس أنا اللي كان عندي الأهم، كنت حابة أبعد عشان راحة أسرتي بناتي، وزوجي شخص حضاري ومتفهم جدًا."
تهكم عادل بحسرة، على امرأة كهذه تمدح بزوجها كثيرًا، عكس زوجته دائمًا تتذمر على أتفه الأسباب، يشعر بالبرد وهي في حضنه، بينما هذه الجميلة تمدح بزوج أكبر منها في العمر، كذلك هي إحدى نسائه، الفرق كبير حتى في التعامل، كفة شهيرة الرقيقة تكسب.
قبل الفجر بوقت قليل
بـ شقة آصف
لم يستطع النوم، ساهدًا فوق فراش غرفة آيسر، يشعر بالشوق لـ سهيله، كل ما يفصل بينه وبينها باب هذه الغرفة وباب الغرفة الموازية لها مسافة خطوات، شوق ينبعث بقلبه، يسوقه بلا تفكير. نهض من فوق الفراش وفتح باب الغرفة، لكن للغرابة، باب الغرفة الأخرى كان شبه مواربًا، ربما من حسن حظه، دفع الباب بهدوء ونظر لداخلها، تبسم حين رأى سهيله تنام على إحدى يدي والدته. أمنية سارت بقلبه، تمنى لو كان هو مكان والدته ويضم سهيله بين يديه، يتنفس من أنفاسها، يشعر بنبضات قلبها، كذلك تشعر هي الأخرى بقلبه المشتاق والملوع.
تذكر إحدى لقاءاتهم الخاصة فوق البحيرة...
بالعودة لأكثر من ست سنوات
على شاطئ تلك البحيرة
انحنت سهيله تلتقط تلك الزهرة التي جرفتها الأمواج نحو الشاطئ، نفضت تلك المياه العالقة بأوراقها وقربتها من أنفها تستنشق ذلك العبق الذي ما زال عالق بها، حتى سمعت من خلفها من يقول باستهجان:
"اتأخرتي ليه."
استدارت تلوح له بالزهرة بمغزى وهي تنظر له ببسمة هادئة تقول بنبرة ذم:
"كويس إن الموج حذف وردة عالشط من البوكيه اللي كنت جايبه، وطبعًا لما اتأخرت زي عادتك بتتعصب وتضايق بسرعة وترمي أي شيء في إيديك حتى من غير ما تفكر في غلاوة قيمته."
شعر بأسف من ذم سهيله الواضح بين كلماتها، هدأت عصبيته، وقال بتورية:
"أنا هنا بقالي أكتر من ساعتين عالشط، والجو برد وقولتلك متتأخريش."
علمت أنه يحاول المراوغة من أجل أن تتغاضى عن عصبيته، تبسمت بهدوء قائلة:
"أنا جيت بعد ما خلصت ورديتي في المستشفى، ولا عايزهم ياخدوا عني فكرة إني مش ملتزمة من أولها، أنا لسه يادوب منقولة هنا جديد بعد ما خلصت سنة التكليف، أنا لسه بقول يا هادي."
نظر لتسلط أشعة شمس الغروب على وجهها تعطي لعيونها السوداء بريقًا يشبه اللؤلؤة السوداء النادرة، وتحدث بغرور:
"وماله ياخدوا فكرة إنك مش ملتزمة، أو يرفدوكِ حتى، ما يهمنيش."
تهكمت سهيله بتبسم:
"خلينا نقعد تحت أي شجرة قريبة من الشط، أنا هلكانة من شغل المستشفى طول اليوم."
أشار لها بيده أن تتقدم بالسير، سار جوارها يقول:
"طالما الشغل في المستشفى الحكومي متعب كده، بسيطة... قدمي استقالتك وأنا سهل أفتح لك مستشفى خاصة."
جلست سهيله أرضًا تحت ظلال إحدى الأشجار، خلعت حذائها وقامت بمد ساقيها أمامها، رفعت رأسها تنظر بعلو لـ آصف الواقف أمامها بشموخ، قائلة:
"طبعًا سيادة المستشار، كل شيء عنده سهل، وجود حل تاني، ناسي إن من ضمن أساسيات مهنته كـ قاضي 'الرأفة' بحال الناس المحتاجة..."
قالت هذا وتوقفت للحظة تحدثه بتهكم:
"إيه هتفضل واقف كده قدامي سادد نور ربنا اللي قرب يغيب، طبعًا خايف تقعد عالأرض لا هدومك الماركات الغالية تتلوث من التراب اللي تحت الشجرة."
تغاضى عن نبرة تهكمها وانحنى يجلس جوارها ورفع يده وكاد يلتصق بها.... لكن هي ابتعدت قليلًا عنه.
شعر للحظة بضيق لكن تبسم قائلًا:
"تعرفي لو حد تاني بيتكلم معايا بنفس طريقتك دي كان هيبقى ليا تصرف تاني معاه، لكن إنتِ ليكِ مكانة تانية خاصة عندي."
رمقته سهيله بنظرة متهمة قائلة بتورية:
"أكيد ليا مكانة تانية ويمكن يبقى في تالتة، بس يا ترى مين صاحبة المكانة الأولى."
فهم آصف فحوى حديثها، رغم تلك النظرة التي تمتزج بالعشق والشوق والتمني، والذي يخصهم لها وحدها، لكن تبسم بغرور وتعالي بعض الشيء قائلًا:
"وماله الشرع محلل للراجل أربعة طالما قادر ماليًا وجسمانيًا."
تهكمت عليه بضحكة سخرية قائلة:
"أربعة!، طبعًا مامتك مطمنة، هي أم الصبيان، وطبعًا مكانتها خاصة جدًا... بس سيادة القاضي أنا مش من نوعية الستات اللي تقبل بست تانية تشاركها بشريك حياتها، وتنتظر إنه يتفضل ويتكرم ويعطف عليها بليلة."
تبسم بنظرة عشق قائلًا بتأكيد:
"بس أنا في ست واحدة مستوطنة قلبي كله، قلبي مافيش فيه مكان ولا مكانة لست تانية غيركِ...."
توقف للحظات ينظر لها ثم أكمل بصدق:
"مافيش أغلى منك، إنتِ أغلى الغاليين يا سهيلة."
تصبغ وجهها باللون الأحمر القاني وأخفضت وجهها بحياء وظلت صامتة تشعر بانصهار قلبها.
فُتن آصف بملامح وجهها الخجولة وبشوق منه مد يده ورفع وجهها وانحنى برأسه يتمنى أن يتذوق قبلة من شفاها، لكن ابتعدت عنه ونهضت واقفة تتهرب تنظر ناحية البحيرة، تنفض آثار الرمال عن ثيابها تحاول تهدئة خفقان قلبها قائلة:
"الشمس خلاص غابت والدنيا بدأت تضلم، بعد كده مش هنلاقي مركب ترجعنا للبر التاني."
نهض واقفًا هو الآخر بمضض يعلم أنها تتهرب منه، شعر بوخز في قلبه رغم أنه اعترف لها مرات سابقة أنه يعشقها لكن لم يحصل منها ولو لمرة واحدة على كلمة واحدة تؤكد أنها تبادله نفس المشاعر، لكن نظر لها بثقة ويغلفها الغرور قائلًا:
"في يوم هدمر كل الحصون اللي بتحطيها بينا، وقتها هجيبك هنا ومش هتقدري تهربي مني بحجة الوقت، وهبوسك ومش هتقدري تمنعيني، لأنك هتبقي حلالي واليوم ده قريب جدًا."
انتهت الذكرى بدمعة ندم، لم يكن يظن أن يأتي يومًا، ويتخلى عن كل هذا العشق لها.... بلحظة انتقام يفتك به بنصل حاد يُسفك قلبيهما الاثنين.
بينه وبينها لا أكثر من خطوتين، ملكه شرعًا، لكن لا يستطيع الاقتراب منها.
غادر الغرفة مثلما دخل إليها يشعر بتهتك في قلبه.
فتحت شكران عينيها وتنهدت بأسف على وجع قلب آصف الذي تسبب به لنفسه، هي كانت مستيقظة وشعرت بدخوله للغرفة واقترابه من الفراش، كذلك خروجه يتسحب مثل اللصوص خشية أن تسيقظ سهيله، ويرى ذلك الخوف منه بعينيها، من كانت تلمع عينيها وتبتسم حين تراه، ترتعش شفاها وتنظر له برهبة رغم أنها مغلفة بتحدي زائف.
بينما عاود آصف لغرفة النوم الخاصة بـ آيسر، ارتمى بجسده على الفراش، يحاول النوم لكن لم يستطع.
في الصباح الباكر
استيقظت سهيله، نظرت إلى جوارها، رأت شكران نائمة، تسحبت من جوارها بهدوء، ونهضت من فوق الفراش، جذبت ملابسها الموضوعة على إحدى المقاعد وأخذتها وتوجهت نحو حمام الغرفة بهدوء، أبدلت تلك العبايه الخاصة بـ شكران وارتدت ثيابها مرة أخرى، وخرجت بهدوء من الحمام، نظرت نحو شكران تنهدت براحة حين وجدتها ما زالت نائمة، تسحبت بهدوء نحو باب الغرفة وخرجت منها.
فتحت شكران عينيها وتبسمت، لديها يقين أن آصف لن يتركها بسهولة.
بينما سهيله شعرت براحة حين وصلت إلى باب الشقة، دون أن تتقابل مع صفوانة أيضًا، رفعت يدها وضعتها على مقبض باب الشقة، وضغطت عليه، لكن لم يفتح الباب، شعرت بخضة حين سمعت:
"رايحة فين يا سهيله."
استدارت تنظر له وقالت بغضب:
"ماشية، أوعى تفكر إنك هترهبني بحكاية بيت الطاعة، سهل أرفض تنفيذه وكمان أوصل للطلاق يا دوب مسألة وقت مش أكتر."
تبسم آصف وهو يقترب منها بخطوات بطيئة قائلًا بصدق ونبرة عشق:
"قولتلك قبل كده مش هنتنازل عن حقي فيكِ يا سهيله، ومش هيحصل بينا انفصال غير بموتي... خدي الورقة دي اقريها."
جذبت سهيله تلك الورقة منه بغضب قائلة:
"حياتك أو موتك آخر شيء يهمني، إنت متفرقش معايا، بس تأكد انفصالنا مجرد وقت وهتأكد المرة دي إنه ميكونش فيه تلاعب منك... وورقة إيه دي كمان."
تبسم آصف ببرود عكسي، لو بخاطره لجذبها من يدها ودخل إلى أحد الغرف مثلما كان يفعل بالماضي، لكن وقتها كانت تتهرب منه قبل أن يحصل منها على قبلة، لكن الآن لن تستطيع الهرب، لكن يخشى رد فعلها... ما زالت أمنية لديه أن يحصل على قبلة برضاها، لكن تبسم على ملامح وجهها التي تبدلت بعد قرائتها لتلك الورقة، حين رفعت نظرها ونظرت إليه بغضب قائلة:
"شاطر أوي في اللعب بالورق، إزاي وصلت بيك الجباحة للدرجة دي، مستحيل اللي في الورقة دي يحصل، وأنا همشي دلوقتي ومش هتقدر تمنعني، افتح الباب."
ببرود عكسي ذهب آصف نحو باب الشقة وقام بفتح الزر الإلكتروني الخاص به، لكن نظر لـ سهيله بثقة قائلًا:
"متأكد هترجعي لهنا تاني وبرضاكِ."
رواية عشق مهدور الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سعاد محمد سلامة
تنهد آصف يقول لمن يُحدثه على الهاتف قائلًا:
تمام مُتشكر جدًا.
أغلق آصف الهاتف ووضعه أمامه على طاولة المكتب، تبسم إبراهيم الذى كان يجلس معه بالمكتب قائلًا:
أيه لسه المدام عصيانه عليك، والله أنا بستغرب لحال الدنيا، "آصف شُعيب" اللى كان أى بنت من الدفعه بس تتمنى يشاور ليها، وهو ولا واحدة أثرت فيه، دلوقتي، شغال تحايُل ووسايط عشان مُغرم، صحيح الحُب بهدله.
نظر له آصف بغضب قائلًا:
مش عندك قضايا، ركز فيها وبلاش ترغي كتير.
ضحك إبراهيم قائلًا:
تمام يا برينس بقولك أيه فى زبون جديد جاي الليله شخصيه مرموقه، بس إبنه من النوعيه اللى فسدهم الدلع، وإتاخد إشتباه فى قضيه إنه بيدعم المشروع إياه.
نظر له آصف بسؤال:
قصدك مشروع أيه؟
رد إبراهيم:
مشروع ليلى، مسمعتش عنه.
غص قلب آصف وتلجم لسانه للحظات تذكر "سامر" تحير عن سبب ميوله لتلك الأفعال الشاذة، ماذا وجد بها مُثيرًا وهى تُثير الإشمئزاز، كذالك مُحرمه دينيًا لم يقبلها أى دين سماوي، فهي ميول هدامه سواء للـ الأخلاق أو حتى الجسد، ماذا وجد لذه فى ذلك كى ينجرف بهذه الدونيه التى سلبتهُ حياتهُ، لكن من يكون ذلك القذر الذى قتله، ودفعت الثمن أقرب إنسانه له، دفعته مرتين، الأولى بين قُضبان مقيته، والثانيه كانت على يدهُ حين إنعدمت مشاعرهُ وسيطر عليه الغضب الذى إستسلم له دون تفكير أذاها، رغم انه على يقين أنها بريئه من دم سامر، لكن أغاظهُ كذبتها، لم يتنتظر أن يعرف منها الحقيقه، وبدلًا من أن يبقى سندها جعلها ترهب أن يقترب منها، كم كان أحمقًا.
إنتبه لحديث إبراهيم بعد أن طرق على المكتب بآنامله قائلًا بمزح:
أيه روحت فين بكلمك مش بترد، للدرجه دى شاغله بالك، إنت حالتك بقت صعبه أوي.
كز آصف على أسنانه قائلًا:
كنت بتقول أيه؟
تبسم إبراهيم قائلًا:
بقولك هتقبل القضيه دى ولا....
قاطعه آصف قائلًا:
عاوز أقعد معا الولد الأول قبل ما أقرر.
بنفس الوقت نظر الإثنين الى باب مكتب الذى فتح، دون إستئذان مُسبق ودلفت عِطرها الفواح يسبقها...
تبسم إبراهيم بدبلوماسيه ونهض واقفًا يقول بترحيب:
مدام مي نورتِ المكتب.
تبسمت له مي بتعالى صافحته وهى تنظر الى آصف الذى ظل جالسًا ولم يهتم، بل تبدلت ملامحه للحِده قليلًا، بينما قال إبراهيم وهو ينظر لـ آصف بمغزى أن يحاول مُجاملتها بلطافه:
بصراحه مدام مي شخصيه مُميزه، كان بودِ إتشرف وأقعد معاكم، بس للآسف فى ميعاد مع عميل للمكتب جاي دلوقتي ولازم أستقبله فى مكتبِ، هستأذن أنا.
تبسمت مى وأومأت رأسها بتعالى، عاود إبراهيم النظر لـ آصف الذى تجاهل ذالك، خرج إبراهيم من المكتب وأغلق خلفه الباب؛ بينما نظرت مي لـ آصف الذى مازال جالسًا ببرود، وإقتربت تتهادى فى سيرها، قائله بغرور:
ليه بتتهرب مني؟
تهكم عليها بإستهزاء قائلًا:
وهتهرب منك ليه، مديون ليكِ، أو مكسورة عيني قدامك.
إقتربت أكثر منه وجلست أمامه على حرف المكتب، تحاول مُمارسة سحرها عليه كما تفعل مع غيره لكن هو تجاهل ذالك وعاد بمقعدهُ للخلف قليلًا، يقول:
أظن مفيش بينا غير المُعاملات القضائيه الخاصه بيك، ياريت ندخل فى المهم، حتى عشان وقتك.
تنهدت بضيق من تلك الطريقه الجافه التى يتعامل بها معها لم تُصادفها سابقًا، وهذا ما يُثيرها نحوه أكثر... حاولت أن تُظهر أنها الأقوى، ونهضت تسير بتهادي وشبه إغراء الى أن جلست على إحدى المقاعد أمام المكتب وجلست بدلال تضع ساق فوق أخري، يظهر مُعظم ساقيها الممشوقتين، وقالت:
هدخل فى الموضوع مباشرةً أخويا شاكر.
ربما لديه خلفيه مُسبقه عن ما ستقوله لكن سأل:
ماله؟
ردت بغضب:
البيه كان متجوز من حتة بت كانت بتشتغل سكرتيرة عنده...
قاطعها آصف ببساطه:
وفيها أيه، طالما إنسانه مُحترمة.
نظرت له بتعالى قائله:
إنسانه مُحترمه! فى واحدة مُحترمه ترضى تتجوز فى السر من مديرها.
نظر لها آصف بإستحقار أليس هى من عرضت عليه الزواج عُرفيًا قبل فترة وجيزة، شخصيتها مزدوجه، بل مُشمئزه؛ صمت ولم يُعقب، بينما هى قالت:
للآسف الجواز بينهم شرعي وتم على إيد مأذون، والبنت بسبب طمعها خلته كتب لها مهر كبير كمان مؤخر ده غير ڤيلا كبيره فى منطقه جديده، وطبعًا عشان يطلقها لازم يتنازل لها عن ده كله.
رد آصف:
ده حقها.
نظرت له بغضب قائله:
إنت بدافع عنها ليه، اللى يشوفك يقول المحامي بتاعها.
زفر آصف نفسه قائلًا:
أنا معرفهاش، بس طالما شاكر هينفصل عنها أقل شئ إنه يعطيها حقوقها، عالاقل كتعويض ليها.
- حقوقها، تعويض لها. هكذا قالت مي بنزق قبل أن تُكمل بدونيه:
البنت دى لازم تتنازل عن الڤيلا كمان المؤخر وترجع المهر اللى دفعه شاكر.
تسأل آصف:
وشاكر موافق على كده.
نظرت مي بغيظ قائله:
غصب عنه موافق، البنت مش من مستوانا الإجتماعي، أنا مش عارفه ليه الرجاله دايمًا بتريل عالبنات الشعبيه اللى دون المستوي فيهم أيه يلفت النظر له، ولا هما اللى أذكياء وبيعرفوا يلعبوا على وتر النقص عند الرجاله، طبعًا تدعي الشرف لحد ما توصل لغرضها... وبعد كده تظهر حقيقتها الطماعه... بس للآسف بتكون وصلت لهدفها، والمغفل وقع فى الفخ.
إشمئز آصف من حديثها السافر والمُتحامل، قائلًا:
تمام خلي شاكر يتواصل بنفسه معايا وانا هستفسر منه أفضل... ونشوف حل مناسب بدون خساير للطرفين.
شعرت مي بعصبيه قائله:
ميهمنيش خسايرها، يهمني شاكر ينتهي من الجوازة دون المستوي من البنت الوضيعه دى.
رد آصف:
تمام، بس لازم أتواصل مع شاكر مباشرةً قبل ما أتخذ أى إجراء قانوني.
تنهدت مي بزهق ونهضت من مكانها عاودت الذهاب الى طرف المكتب وجلست عليه تكاد تتمايل على آصف قائله بإغواء:
تمام هخليه يتواصل معاك، بس إنت كمان تقبل دعوتي.
لم ينظر آصف لها ونظر الى حاسوبه الخاص لكن سألها:
دعوة أيه.
وضعت مي يدها فوق كتف آصف تحثه على النظر لها بإغراء قائله:
دعوة خاصه بعد بكره عامله حفله صغيرة تضم الحبايب... ومش هقبل أي إعتذار.
رغم أنه بقرارة نفسه لن يحضر لكن تبسم بتجاوب فقط لإنهاء الحديث معها.
***
مندلفت سهيله الى المنزل تشعر بالإرهاق
توجهت نحو غرفة الجلوس، تبسمت بإرهاق قائله:
مساء الخير، متجمعين عند النبي.
تبسمت لها آسميه قائله بشفقه:
يسعد مساكِ يا روحي تعالى أقعدى جنبي إرتاحي.
جلست سهيله على الاريكه جوار أسميه التى ضمتها أسفل ذراعها وقبلت وجنتها قائله:
واحشني أوي يا حبيبتى... منه لله اللى كان السبب فى بهدلتك دى، مس عارفه، المخفى آصف هيكسب من ورا نقلك من المستشفى اللى كنتِ فيها هنا، لمستشفى فى القاهره، غرضه بهدلتك وخلاص مش مكفيه اللى...
صمت آسميه حين سأمت ملامح سهيله، بينما قالت هويدا:
غرضه واضح إنها تبقى قريبه منه.
- قريبه منه! هكذا قالت آسميه بإستهزاء بينما أكملت هويدا قولها:
هو ده التفسير الوحيد، وأنا رأيي أن سهيله المفروض تقعد معاه وتتكلم بهدوء يمكن توصل لحل سلمي معاه، لآن بعد اللى قاله المحامى إن قضية الطلاق ممكن تتطول لفتره مش قصيره.
تسرعت سحر بالرد:
لاء متقعدش معاه، إفرضي أذاها تانى، وإحنا مش مستعجلين عالطلاق.
تهكمت هويدا قائله:
معتقدش آصف هيأذيها تانى بدليل الليله اللى باتها هناك قبل كده هى قالت إنها نامت جنب الحجه شكران، ولما رجع النهار هو ممنعاش من أنها ترجع لهنا تاني، آصف لو فى دماغه شر كان أقل شئ إنتهز الفرصه وغصبها تفضل معاه بحُكم بيت الطاعه.
رد أيمن قائلًا:
مكنش يقدر يعمل كده طالما سهيله رافضه، المحامى فسر لينا القضية كامله.
[بالعوده بالزمن لليوم التالى لعودة سهيله بعد لقائها مع آصف]
بمكتب المحامى الخاص به
تسأل أيمن:
أنا مش فاهم إزاي آصف قدر يتحايل عالقانون بالشكل ده، هو مش المفروض طلقها عند المأذون، كان المفروض، زى ما حالنا إخطار بالطلاق من المحكمه كان جالنا إخطار تانى بإنه ردها.
رد المحامي بتوضيح:
هو أكيد فى إخطار المحكمه بعتته بس ممكن يكون على عنوان المحامي اللى كان معاه توكيل من الدكتورة، لأن فى فرق بين عِدة الشرع، وعِدة القانون، عِدة الشرع تلات شهور من وقت الطلاق، أما العِده فى القانون المصري بعد ستين يوم من الطلاق شبه بتنتهي العِده أو بمعنى أصح العِده ممكن تكون فعلًا إنتهت عند البعض، لأن حسبة العِده المفروض تلات حيضات، ولو الحيض إتحسب علميًا على تمانيه وعشرين يوم يعنى حوالى، يعنى أقل من تلات شهور، كمان مكنش فيه حمل، فبتنتهي المده خلال ستين يوم فقط ... ولازم عشان يرجعها تانى لعصمته يبقى بعقد جديد... وده اللى قدر يعمله بالتوكيل بتاع المحامي، لأن مثبوت إن تاريخ رد آصف لعصمته مره تانيه وكان قبل بعد مرور خمسه وستين يوم، يعنى بعد العِده الرسميه عند الحكومه... دلوقتي اللى نقدر عليه رفض تنفيذ حُكم الطاعه ده لو آصف قرر إصدار قرار إلزام بتنفيذ الحُكم، كل اللى هنخسره وقتها هو سقوط النفقه، وبرفع قضية الطلاق، كمان مفيش أى حقوق شرعيه ليكِ زى المؤخر.
رد أيمن:
أحنا مش بندور على نفقه ولا مؤخر إحنا عاوزين نخلص من التدبيسه دى، واكيد فى حل قانوني.
رد المحامي:
هو فى حل قانوني، بس الطلاق هياخد وقت شويه.
تسألت سهيله:
طب والخُلع.
رد المحامي بتوضيح:
الخُلع ممكن آصف يتلاعب بيه ويطلب من المحكمه المُساكنه، ويقول حكم من أهله وحكم من أهلها.
تسألت سهيله:
قصدك أيه بالمُساكنه فى بيت واحد معاه... ده شئ مُستبعد تمامً.
رد المحامي:
للآسف ده اللى وارد يحصل لو طلبنا الخُلع لأن واضح إن آصف مُتمسك بيك، أو واخد الأمر تحدي، لو يحصل تفاوض خارج المحكمه بينكم ممكن يكون أفضل، لأن المحاكم أحبالها طويله وكل قانون وله ثغراته.
"كُل قانون وله ثغراته" والقانون هو لعبة آصف الذى يُطوعه كيفما يشاء. هذا ما فكر فيه أيمن وهو يعود.
يسمع قول هويدا:
أنا من رأي المحامي، ولا إنت ليك رأي تانى يا رحيم، قاعد ساكت ليه.
إرتبك رحيم قائلًا:
سهيله حُره فى حياتها، وهى صاحبة القرار، أنا حاسس بشوية إرهاق هقوم أنام عشان عندي سفر الفجر لازم أكون فى الكُليه بكره قبل التدريب الأول... تصبحوا على خير.
إستغربت هويدا رد رحيم الذى لم يُعطي رأيً ويُساند سهيله كما يفعل دائمًا، شعرت أن هنالك سببً، لكن نفضت عن رأسها، وهى تسمع قول سهيله:
أنا حاولت اقدم أجازة من الشُغل فى المستشفى، لحد ما أعرف ألغي النقل ده، أو حتى الاقى سكن مناسب يكون قريب من المستشفى دى بس للآسف، معظم دور المُغتربات اللى قريبه من المستشفى مشغوله الفتره دى، بسبب بنات الاقاليم اللى فى الجامعات، كمان رصيد أجازاتي منتهي بسبب الفتره اللى كنت أخدتها أجازة الفتره اللى كانت قبل مُناقشة رسالة الدكتوراة، مفيش حل غير إن أخد أجازة بدون مرتب، انا مش تاعبني غير ورديات الشُغل فى المستشفى يعنى مقدور على نبطشية الليل اللى بتخلص الفجر تقريبًا، ممكن أفضل فى المستشفى لحد طلوع النهار، لكن باقى النبطشيات، وبالذات نبطشية المسا، هخرج من المستشفى بعد العشا هرجع هنا أمتى، كمان مواصلات الطريق... حاسه إن مفيش حل.
ردت هويدا:
بالعكس أنا شايفه الحل موجود... والتحربة مش هضرك...
قاطعتها آسميه بتعسف:
لاء مستحيل، الطبع مش بيتغير، والمثل بيقول يموت الزمار وصوابعه بتلعب والواد آصف ده أنا محبتوش من الأول، قلبي إتقفل من ناحيته وكنت معارضه فى الجوازه، بس كل شئ نصيب.
غص قلب سهيله وشعرت بندم فهي إصرارها على الزواج من آصف هي من دفعت ثمنه، ليتها كانت إمتثلت لرفضهم وقتها، ربما تجنبت ما حدث تلك الليله، وظل لـ آصف تلك المكانه الخاصه بقلبها وذكريات حُبها له فقط، دون أن تنمحي تلك الذكريات المُميزة وأصبح بُغضها له هو كل ما تشعر به نحوه.
***
نهض مدحت مُبتسمً يقول:
أنا شبعت، كمان مش هقدر أكمل سهر، هسبقك يا رومس على الأوضه، وخليكِ كملي سهر مع آيسر أنتم شباب زى بعض لكن أنا خلاص عجزت، كمان هضب شُنط السفر، خلاص الايام الحلوه بتخلص بكير، بكره العصر راجعين ألمانيا.
نهض آيسر مُبتسمً، بينما كادت روميساء ان تعترض وتذهب مع مدحت، لكن ضغط مدحت على كتفها قائلًا:
لاء ضلي شوى وإستمتعي بالقاهرة وجمالها فى الليل ساحر... بس أنا عجزت وبقيت ما بتحمل السهر، والقاهرة يا محلى فيها السهر.
تبسمت روميساء، بينما إقترب مدحت من آيسر وهمس له قائلًا بمودة:
أنا عندى فيك ثقه بس حاذر، روميساء وقت ما بتعصِب ما بتتفاهم وما بتشوف مين قدامها سهل تحدفك بأي شئ يقابلها.
تبسم آيسر، نظر الى مُغادرة مدحت، مد يده لـ روميساء قائلًا:
الجو الليله برد صحيح بس مفيش مطر، أيه رأيك نتمشى شويه فى القاهرة.
نظرت روميساء الى يد آيسر وتبسمت ثم وضعت يدها بيدهُ قائله:
تمام خليني إتمشى فى القاهرة الساحره كيف ما قال بابا.
سار الإثنين يتجولان بشوارع القاهره دون هدف فقط يسيران من مكان لمكان، لم يشعرا بالوقت ولا لأى مكان ساقتهم أقدامهم، بين أماكن راقيه وأماكن شعبيه مُحملة بعبق التاريخ والتآلف بين البشر والترحيب بمودة، لكن فجأه تبدل الطقس، وبدأت بوادر زخات للمطر، فى البدايه تجنب آيسر من ذالك المطر، لكن روميساء كانت تشعر بحاله غير طبيعيه تخلت عن الجمود والرسميه، وإختارت أن تعيش الجنان حتى لو للحظات، خرجت نحو الشارع وقفت تحت الأمطار، خلعت قفازي كفيها وضعتهم بجيب مِعطفها ورفعت يديها تستقبل زخات المطر حتى إمتلأ نصف كفيها تقريبًا، إرتشفت من تلك المياه، كذالك رفعت وجهها لآعلى تستقبل زخات المطر فوق وجهها، رغم برودة الطقس والأمطار لكن شعور غريب يدفعها مُتعه خاصه تشعر بها وهى تقف أسفل تلك الأمطار، بينما إقترب آيسر منها وتبسم على أفعالها ولعقها لتلك الزخات التى توقفت فوق شِفاها، تمني أن يكون مُطرًا يُلامس شفاها يتذوقها بإشتياق، ماذا لو فعل ذالك الآن، لكن عاد لعقله فهو بالقاهرة لو فعل ذلك لن يسطع عليه صباح شاركها لحظات الجنان يسيران أسفل زخات المطر، كآنهما عاشقان، وشعر كل منهم بمشاعر خاصه، يودان ان لا تنتهي هذه الليله، ولا تتوقف الأمطار، لكن لكل طريق نهايه، ووصلا مره أخرى الى الفُندق، تبسمت روميساء، التى فجأه شعرت ببروده حين دلفت الى داخل بهو الفندق، كذالك آيسر الذى شعر بإفتقاد بعد ان توجهت روميساء نحو المصعد الخاص بالفندق وتركته، وغابت عن وجهه خلف باب المصعد، لم يستطيع الإنتظار، صعد سريعًا نحو سلالم الفُندق، ربما يسبقها ويصل قبل أن تخرج من المصعد، كذالك روميساء بنفس الوقت قررت النزول مره أخري بالمصعد الى أسفل الفُندق، لكن تآسفت حين فتحت باب المصعد ولم تجد آيسر ظنت أنه رحل، شعرت ببروده وعاودت الصعود بالمصعد مره أخري.
بينما آيسر وصل الى الطابق الموجود به غرفة روميساء، لكن وجد المصعد يصعد لآعلى وهى غير موجوده، شعر بآسف ربما تآخر وهى دخلت الى غرفتها، لم ينتظر وعاود النزول عبر السلالم... خابت أمال كل منهما للحظات، لكن كل منهم علم وتيقن أن هنالك مشاعر أصبحت حقيقيه بعد هذه الليله، إشتياق خاص كل منهما للآخر.
***
نهض واقفًا يستقبلها بترحاب خاص وخلع عن كتفيها المِعطف الثقيل واعطاها لأحد العاملين بالمكان ثم إنتظر جلوسها ثم جلس هو الآخر قائلًا:
لما إتأخرتِ قولت يمكن مي نسيت ميعادنا.
نظرت له مي بتعالي قائله:
لاء منستش بس كان عندي ميعاد تانى وإتأخرت شويه.
تبسم لها بمديح قائلًا:
ميعاد أيه ده اللى بسببه بقالى بنتظرك هنا أكتر من ساعتين.
ميعاد والسلام، المهم إنى جيت، ومعتذرتش.
تبسم لها بقبول قائلًا بمفأجأه:
أيه آخر أخبارك مع "آصف شُعيب".
بضجر أجابته:
والموضوع ده يهمك فى أيه، قولى ليه حاطط آصف فى دماغك أوى كده، بينك وبينه أيه.
تهكم على جوابها قائلًا:
واضح إنه دخل مزاجك، شكلى إختارت الشخص الغلط؟
سخرت مي قائله:
الشخص الغلط لأيه بالظبط، أيه الى عاوزه من آصف.
نظر لها بتريقه:
واضح إعجابك، ولا أقول إفتتانك بـ آصف بس يا ترا هو كمان مفتون كده.
نظرت له عينيها تشع غضبً:
بلاش تلف وتدور قولى كان هدفك أيه لما وجهت نظري له، أية اللي بينك وبيبنه وغايظك منه، معتقدش شُغل ولا هو من النوعيه اللى فى دماغك.
نظر لها وتبسمت عيناه قائلًا:
عاوز أعرف أيه هى نقطة ضعف آصف، بس واضح إن مالوش فى العاهرات.
إغتاظت منه بسُحق ونهضت قائله:
كمان مالوش فى اللى محسوبين عالرجاله بالغلط، بس هقولك نُقطة ضعف آصف هى الإكس بتاعته طليقته بيحبها ومش شايف فى الدنيا غيرها، سلام وياريت بلاش تجي حفلة بكره، بالمره بلاش تتصل عليا تاني.
غادرت مي بينما ضحك هذا يشعر بالغضب، يُفكر بمكر ثعلب كيف يصطاد ثغرة لـ آصف الذى أصبح غولًا بنظره، لكن ربما آن آوان صيده قبل أن يتوحش أكثر.
***
قبل الظهر في البنك
إنتهت شهيرة من تفقُد ذاك الصندوق الخاص بها وأغلقتها وضعت الصندوق في الخزنه الخاصه بها، ثم خرجت إلى خارج الغرفه وتبسمت لـ عادل الواقف يستند بظهره على حائط جانب الباب.
رد لها الإبتسامه:
حضرتك إنتهيتي.
اومأت له برأسها، دخل خلفها وأغلق الخزنه بالمفتاحين، لكن إستغل عدم إنتباهها، وقام بغرس المفتاح الخاص بها بقلب قطعة صلصال ثم وضعها بجيبه وسلت المفتاح الآخر وذهب نحوها وأعطاها المفتاح الخاص بها.
تبسمت وهى تسير لجواره يمدح في تلك الصور الخاصه بها الذي رأها في إحدى المجلات، كانت تشعر بإنشراح وزهو كأنها مازالت صبيه فاتنه... خرجت من بهو البنك، وقف عادل على تلك السلالم ينظر لمغادرتها بسيارتها الفاخرة، ثم أخرج قطعة الصلصال ونظر لها مُبتسمً بظفر.
مساءً
بالشقه الذي يقطن بها
صهر قطعة من الحديد حتى اصبحت سائله مثل المياة، جذب قطعة الصلصال وسكب بداخلها الحديد السائل بحذر ثم تركه فوق الطاوله ونهض... تمدد فوق الفراش عيناه مازالت على قطعة الصلصال، بوده أن يجف الحديد ويتماسك في الحال... لكن لا مانع من الإنتظار، عقله يُفكر في أن هنالك بتلك الخزنه الخاصة بـ شهيره سرًا.... لابد أن يكتشفه.
***
كان الوداع المؤقت
تبسم مدحت وهو يُصافح آيسر قائلًا:
والله إتمنيت إن الطقس ما يظبط والطياره تتأجل لبكره.
تبسم آيسر وهو ينظر الى روميساء وكاد يقول له أنه كان يتمني نفس الامنية، لكن يؤجل إقلاع الطائره إلى أبعد أمد، لكن حانت لحظة الوداع المؤقت...
تبسم آيسر قائلًا:
أنا عندي رحلة بالطايرة لـ ألمانيا آخر الشهر، يعنى بعد تلات أسابيع، وإن شاء الله هاجي لحضرتك عشان نلعب جيم طاوله أعوض خسارتي الأخيرة.
شعرت روميساء بنظرات آيسر لها داخلها تشعر بمشاعر تتفتح لأول مره، أصبحت في وقت قليل تتقبل غلاسة آيسر بل وتشتاق إليها أحيانًا.
***
بأحد المولات الخاصه
كان يسير يتبضع بعض الهدايا الذي طلبها منه رحيم أن يأتي له بها معه وقت عودته إلى مصر التي إقتربت
لفت إنتباهه موقف قديم تكرر أمامه لفتاة وأخرى خبطت بها وقع الهاتف على الأرض وشبه تحطم ذكره بنفس اللقاء الأول بينه وبين يارا
يارا هل مازالت تتذكرة بعد كل هذه السنوات، وآخر لقاء بينهم الذي كان من بعيد لا يعلم إن كانت وقتها لاحظته أو لاء، لكن رآها هو وشعر بغصة في قلبه، شعر إنها مظلومه ب، أب يسير خلف ملذاته و أخ حقير يسير خلف انتقامه الأبله من أخته الذي كادت تصل للموت، لكن هي ماذا كان ذنبها في ذلك، لكن هكذا هو الواقع، أبرياء يتحملون ذنوب ظالمين، بل ويدفعون ثمنها أحيانًا... بكسرة قلوبهم.
***
فجرًا بالمشفى
وضعت سهيله إحدي يديها فوق تلك الطاوله، ثم وضعت رأسها فوقها تثائبت أكثر من مره تشعر بالإرهاق، أغمضت عينيها بنُعاس، لكن فتحتهما بإتساع، حين دلفت أحد العاملات بالمشفى إلى غرفة الطبيبات قائله:
فين الدكتورة سهيله الدسوقي، المدير المناوب عاوزها في مكتبه.
نهضت سهيله تشعر بإرهاق وذهبت إلى غرفته، دخلت بعد أن طرقت باب الغرفه، ترسم بسمه لكن إختفت حين وقع بصرها على ذلك الجالس الذي لمعت عينيه ورسم بسمه على وجهه، كانت بالنسبه لها بسمة بارده، لكن نهض المدير قائلًا:
صباح الخير يا دكتورة، واضح إنك بتجهدي نفسك في المستشفى، زي ما قال سيادة المحامي، والدليل إن ورديتك خلصت وإنتِ لسه في المستشفى.
حيادت نظرها لـ آصف وقالت عكس ما تشعر به من إرهاق:
لاء أبدًا، انا مش بجهد نفسي بالعكس أنا بزيد خِبرة.
تبسم المدير قائلًا:
دي رسالة الطب، والأطباء الأكفاء.
نهض آصف راسمً بسمه:
بتصل على موبايلك بيديني مشغول قلقت عليكِ كمان إتأخرتِ في الرجوع.
إرتبكت سهيله من نبرة آصف الناعمه بل والواثقه... صمتت.
بينما تبسم المدير قائلًا:
أكيد الدكتوره كانت مشغوله مع المرضى اللي هنا في المستشفى.
تبسم آصف للمدير قائلًا:
بس كده كتير وإجهاد عالدكتوره المفروض إن نبطشيتها خلصت من ساعتين، لازم ترتاح هي كمان.
تبسم المدير قائلًا:
فعلًا كلام الباشا صح، المستشفى فيها دكاترة تانين.
إعترضت سهيله قائله:
بالعكس أنا مش حاسه بأي إجهاد، بس فعلًا إنتهت نبطشيتي بس كان في مريض محتاج لرعايه وبقى كويس، مبقاش له لازمه أفضل في المستشفى أكتر من كده، كمان وصيت واحده من الممرضات تهتم بحالته ولو حصل أي تطور تبلغني بيه عالموبايل لأن النهارده هبقى أجازة.
تبسم آصف وإقترب من سهيله وقف جوارها قائلًا:
قلبي كان حاسس عشان كده جيت عشان أخدك لمسكنا.
إزدردت سهيله ريقها ولم تستطيع الرد بسبب بسمة المدير، لا تود إثارة فضوله... بينما نظر آصف للمدير قائلًا:
بشكرك.
اومأ الطبيب ببسمه، بينما نظر آصف لـ سهيله قائلًا:
مش يلا يا سهيله، كفايه سهر وإجهاد أكتر من كده.
غصبت سهيله غلى نفسها وصمتت وخرجت من غرفة المدير تسير وخلفها آصف، جزت على أسنانها وقالت له بغيظ:
أيه اللي جابك هنا ياآصف مش كفايه نقلتني لهنا غصب، كمان بتراقبني، وبكل بجاحه كمان جاي عشان تظهر نفسك الزوج الودود، الدور ده ميلقش عليك... قولت لك إبعد عن طريقي.
شعر آصف بوخزات قويه لكن قال ببرود:
أظن كفايه كده يا سهيله، أنا لغاية دلوقتي سايبك ومش عاوز أضغط عليكِ، و....
توقفت سهيله فجأه ونظرت له بإستهزاء تقول بتكرار:
تضغط عليا، واللى إنت بتعمله ده أيه، لما أتفاجئ بعد خمس سنين انى لسه على ذمتك، ولا قرار نقلي لهنا فى القاهره كمان اللى معرفش غرضك منه أيه.
تبسم آصف ببرود قائلًا:
عشان تبقى قريبه مني، قولتلك أنا مش هيأس.
زفرت سهيله نفسها وتركت آصف ودلفت إلى غرفة الاطباء، سُرعان ما خرجت، تنهدت براحه حين لم تجد آصف، ربما غادر، لكن زالت الراحه حين خرجت من المشفى وجدته يقف يتكئ بجسده على باب سيارته، تجاهلته عمدًا أشارت إلى إحدى سيارات الأجرة التى لم تتوقف لها شعرت بآسف، لكن إغتاظت حين إقترب آصف منها قائلًا:
سهيله إحنا قربنا عالفجر، والجو برد صعب تلاقى موصلات دلوقتي... خليني أوصلك.
تعصبت عليه قائله:
هتوصلني فين، طُرقنا مختلفه.
إبتلع آصف تلك الطريقه وجذبها من يدها قائلًا:
وقفتنا في الطريق قدام المستشفى مش لطيفه، كمان الجو برد جدًا.
سحبها آصف عنوه إلى سيارته وفتح لها الباب قائلًا:
آركبِ يا سهيله أنا مش هأذيكِ.
نظرت له سهيله بغضب قائله:
أنا أساسًا مشوفتش منك غير الأذيه، و....
قاطعها آصف حين أمسكها من عضدها وأخفض رأسها وجعلها تدخل إلى السيارة عنوه، ثم أغلق السياره بجهاز التحكم إلى ان دخل إلى السياره من الباب الآخر ثم عاود إغلاق السياره إليكترونيًا، لكن رأى تلك النظره على وجه سهيله غص قلبه وقام بفتح زجاج شباك السياره المجاور لها قليلًا، يعلم رُهابها من الاماكن المُغلقه، بل الاسوء رُهابها منه هو... لكن سهيله لم تستسلم وكادت تفتح باب السياره، لكن جذبها سريعًا من عضد يدها قبل أن تفتح باب السيارة.
لحظات تلاقت عيناهم، رغم شعورة بوخزات فى قلبه من نظرة عينيها الخائفه، لكن تلك اللؤلؤه السوداء تُشبه حياته بدونها، هى الأخرى رغم رهبتها من مسكُه عضدها لكن إزدردت ريقها الجاف، تنظر لعيناه... عيناه اللتان أخفاهم سابقًا خلف قناع أسود دمره.
لحظات كل منهم بداخله رغبه، هو يود أن يعود الزمن للخلف ويحذف تلك الليله القاسيه من قلبها، كذلك يتمنى قُبله ترد لهفة قلبه. هى تتمنى أن تفقد الذاكره وتنسى أنه مر بحياتها.
زفرت نفسها بغضب وهى تنظر له قائله بتعسف:
إنت لسه عاوز مني أيه يا آصف.
نظر لها آصف قائلًا:
عاوز نبدأ من جديد.
تهكمت سهيله قائله:
والماضي إزاى هننساه، عندك جهاز تحكم يمحي الذاكرة.
نظر لها آصف قائلًا بإستفسار يتمني أن ترد عليه بما يُريح قلبه:
سهيله معتقدش إنك نسيتِ مشاعرك إتجاهي بالسهوله دى.
تهكمت سهيله قائله:
خمس سنين فاتوا مفكرنى هبكي عليك ولا أيه، سبق وقولتلك مشاعري إتجاهك كُره.
إزدرد آصف ريقه وظل ينظر لعينيها قائلًا:
كدابه يا سهيله... فى عنيكِ نفس النظره اللى كنت بشوفها زمان، سهيله أنا بحبك.
تهكمت سهيله قائله:
وأنا بكرهك، هي قصة غصب والسلام... هتغصب عليا أحبك.
جذبها آصف عليه وقبلها على غفله منها ثم ترك شفاها ولم ينتظر رد فعلها.
أدار مقود السيارة سريعًا قائلًا:
لاء برضاكِ طريقنا واحد يا سهيله.
رواية عشق مهدور الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سعاد محمد سلامة
تبسمت مي وأومأت رأسها بتعالى.
عاود إبراهيم النظر لآصف الذي تجاهل ذلك.
خرج إبراهيم من المكتب وأغلق خلفه الباب.
نظرت مي لآصف الذي مازال جالسًا ببرود، واقتربت تتهادى في سيرها، قائلة بغرور:
ليه بتتهرب مني؟
تهكم عليها باستخفاف قائلاً:
وهتهرب منك ليه؟ مديون ليكِ؟ أو مكسورة عيني قدامك؟
اقتربت أكثر منه وجلست أمامه على حرف المكتب، تحاول ممارسة سحرها عليه كما تفعل مع غيره، لكنه تجاهل ذلك وعاد بمقعده للخلف قليلاً، يقول:
أظن مفيش بينا غير المعاملات القضائية الخاصة بيك، ياريت ندخل في المهم، حتى عشان وقتك.
تنهدت بضيق من تلك الطريقة الجافة التي يتعامل بها معها، لم تصادفها سابقًا، وهذا ما يثيرها نحوه أكثر.
حاولت أن تظهر أنها الأقوى، ونهضت تسير بتهادي وشبه إغراء إلى أن جلست على إحدى المقاعد أمام المكتب، وجلست بدلال تضع ساقًا فوق أخرى، يظهر معظم ساقيها الممشوقتين، وقالت:
هدخل في الموضوع مباشرةً. أخويا شاكر.
ربما لديه خلفية مسبقة عما ستقوله، لكنه سأل:
ماله؟
ردت بغضب:
البيه كان متجوز من حتة بت كانت بتشتغل سكرتيرة عنده.
قاطعها آصف ببساطة:
وفيها إيه، طالما إنسانة محترمة.
نظرت له بتعالٍ قائلة:
إنسانة محترمة! في واحدة محترمة ترضى تتجوز في السر من مديرها.
نظر لها آصف باحتقار. أليس هي من عرضت عليه الزواج عرفيًا قبل فترة وجيزة؟ شخصيتها مزدوجة، بل مقرفة.
صمت ولم يعقب.
بينما هي قالت:
للأسف الجواز بينهم شرعي وتم على إيد مأذون، والبنت بسبب طمعها خلته كتب لها مهر كبير كمان مؤخر، ده غير فيلا كبيرة في منطقة جديدة. وطبعًا عشان يطلقها لازم يتنازل لها عن ده كله.
رد آصف:
ده حقها.
نظرت له بغضب قائلة:
إنت بتدافع عنها ليه؟ اللي يشوفك يقول المحامي بتاعها.
زفر آصف نفسه قائلاً:
أنا معرفهاش، بس طالما شاكر هينفصل عنها أقل شيء إنه يعطيها حقوقها، على الأقل كتعويض ليها.
"حقوقها، تعويض لها." هكذا قالت مي بنزق قبل أن تكمل بدونية:
البنت دي لازم تتنازل عن الفيلا كمان المؤخر وترجع المهر اللي دفعه شاكر.
تساءل آصف:
وشاكر موافق على كده؟
نظرت مي بغيظ قائلة:
غصب عنه موافق. البنت مش من مستوانا الاجتماعي. أنا مش عارفة ليه الرجالة دايمًا بتريل على البنات الشعبيات اللي دون المستوى، فيهم إيه يلفت النظر له؟ ولا هما اللي أذكياء وبيعرفوا يلعبوا على وتر النقص عند الرجالة؟ طبعًا تدعي الشرف لحد ما توصل لغرضها... وبعد كده تظهر حقيقتها الطماعة... بس للأسف بتكون وصلت لهدفها، والمغفل وقع في الفخ.
اشمئز آصف من حديثها السافر والمتحامل، قائلاً:
تمام، خلي شاكر يتواصل بنفسه معايا وأنا هستفسر منه أفضل... ونشوف حل مناسب بدون خسائر للطرفين.
شعرت مي بعصبية قائلة:
ميهمنيش خسائرها، يهمني شاكر ينتهي من الجوازة اللي دون المستوى من البنت الوضيعة دي.
رد آصف:
تمام، بس لازم أتواصل مع شاكر مباشرةً قبل ما أتخذ أي إجراء قانوني.
تنهدت مي بزهق ونهضت من مكانها.
عاودت الذهاب إلى طرف المكتب وجلست عليه تكاد تتمايل على آصف، قائلة بإغواء:
تمام، هخليه يتواصل معاك، بس إنت كمان تقبل دعوتي.
لم ينظر آصف لها ونظر إلى حاسوبه الخاص، لكن سألها:
دعوة إيه؟
وضعت مي يدها فوق كتف آصف تحثه على النظر لها بإغراء قائلة:
دعوة خاصة. بعد بكرة عاملة حفلة صغيرة تضم الحبايب... ومش هقبل أي اعتذار.
رغم أنه بقرارة نفسه لن يحضر، لكن تبسم بتجاوب فقط لإنهاء الحديث معها.
***
منزل أيمندلفت
سهلت إلى المنزل تشعر بالإرهاق.
توجهت نحو غرفة الجلوس، تبسمت بإرهاق قائلة:
مساء الخير، متجمعين عند النبي.
تبسمت لها أسيمة قائلة بشفقة:
يسعد مساكِ يا روحي، تعالي اقعدي جنبي ارتاحي.
جلست سهيلة على الأريكة جوار أسيمة التي ضمتها أسفل ذراعها وقبلت وجنتها قائلة:
واحشني أوي يا حبيبتي... منه لله اللي كان السبب في بهدلتك دي. مش عارفة، المخفي آصف هيكسب من ورا نقلك من المستشفى اللي كنتِ فيها هنا، لمستشفى في القاهرة. غرضه بهدلتك وخلاص، مش مكفيه اللي...
صمتت أسيمة حين سأمت ملامح سهيلة.
بينما قالت هويدا:
غرضه واضح إنها تبقى قريبة منه.
"قريبة منه!" هكذا قالت أسيمة باستهزاء، بينما أكملت هويدا قولها:
هو ده التفسير الوحيد. وأنا رأيي إن سهيلة المفروض تقعد معاه وتتكلم بهدوء، يمكن توصل لحل سلمي معاه، لأن بعد اللي قاله المحامي إن قضية الطلاق ممكن تتطول لفترة مش قصيرة.
تسرعت سحر بالرد:
لأ، متقعدش معاه. افرضي أذاها تاني، وإحنا مش مستعجلين على الطلاق.
تهكمت هويدا قائلة:
معتقدش آصف هيأذيها تاني. بدليل الليلة اللي باتها هناك قبل كده، هي قالت إنها نامت جنب الحاجة شكران. ولما رجع النهار هو ما منعهاش من إنها ترجع لهنا تاني. آصف لو في دماغه شر كان أقل شيء انتهز الفرصة وغصبها تفضل معاه بحكم بيت الطاعة.
رد أيمن قائلاً:
مكنش يقدر يعمل كده طالما سهيلة رافضة. المحامي فسر لينا القضية كاملة.
[بالعودة بالزمن لليوم التالي لعودة سهيلة بعد لقائها مع آصف]
بمكتب المحامي الخاص بها
تساءل أيمن:
أنا مش فاهم إزاي آصف قدر يتحايل ع القانون بالشكل ده. هو مش المفروض طلقها عند المأذون؟ كان المفروض، زي ما حالنا إخطار بالطلاق من المحكمة، كان جالنا إخطار تاني بأنه ردها.
رد المحامي بتوضيح:
هو أكيد في إخطار المحكمة بعتته، بس ممكن يكون على عنوان المحامي اللي كان معاه توكيل من الدكتورة. لأن في فرق بين عدة الشرع، وعدة القانون. عدة الشرع تلات شهور من وقت الطلاق، أما العدة في القانون المصري بعد ستين يوم من الطلاق شبه بتنتهي. العدة أو بمعنى أصح العدة ممكن تكون فعلًا انتهت عند البعض، لأن حسبة العدة المفروض تلات حيضات، ولو الحيض اتحسب علميًا على تمانية وعشرين يوم يعني حوالي، يعني أقل من تلات شهور، كمان مكنش فيه حمل، فبتنتهي المدة خلال ستين يوم فقط. ولازم عشان يرجعها تاني لعصمته يبقى بعقد جديد. وده اللي قدر يعمله بالتوكيل بتاع المحامي، لأن مثبت إن تاريخ رد آصف لعصمته مرة تانية كان قبل بعد مرور خمسة وستين يوم، يعني بعد العدة الرسمية عند الحكومة. دلوقتي اللي نقدر عليه رفض تنفيذ حكم الطاعة ده لو آصف قرر إصدار قرار إلزام بتنفيذ الحكم. كل اللي هنخسره وقتها هو سقوط النفقة، وبرفع قضية الطلاق، كمان مفيش أي حقوق شرعية ليكي زي المؤخر.
رد أيمن:
إحنا مش بندور على نفقة ولا مؤخر، إحنا عاوزين نخلص من التدبيسة دي، وأكيد في حل قانوني.
رد المحامي:
هو في حل قانوني، بس الطلاق هياخد وقت شوية.
تساءلت سهيلة:
طب والخُلع.
رد المحامي بتوضيح:
الخُلع ممكن آصف يتلاعب بيه ويطلب من المحكمة المساكنة، ويقول حكم من أهله وحكم من أهلها.
تساءلت سهيلة:
قصدك إيه بالمساكنة في بيت واحد معاه... ده شيء مستبعد تمامًا.
رد المحامي:
للأسف ده اللي وارد يحصل لو طلبنا الخُلع، لأن واضح إن آصف متمسك بيك، أو واخد الأمر تحدي. لو يحصل تفاوض خارج المحكمة بينكم ممكن يكون أفضل، لأن المحاكم أحبالها طويلة وكل قانون وله ثغراته.
"كل قانون وله ثغراته." والقانون هو لعبة آصف الذي يطوعه كيفما يشاء.
هذا ما فكر فيه أيمن وهو يعود.
يسمع قول هويدا:
أنا من رأي المحامي، ولا إنت ليك رأي تاني يا رحيم؟ قاعد ساكت ليه.
ارتبك رحيم قائلاً:
سهيلة حرة في حياتها، وهي صاحبة القرار. أنا حاسس بشوية إرهاق هقوم أنام عشان عندي سفر الفجر لازم أكون في الكلية بكرة قبل التدريب الأول. تصبحوا على خير.
استغربت هويدا رد رحيم الذي لم يعطِ رأيًا ويساند سهيلة كما يفعل دائمًا. شعرت أن هناك سببًا، لكن نفضت عن رأسها، وهي تسمع قول سهيلة:
أنا حاولت أقدم إجازة من الشغل في المستشفى، لحد ما أعرف ألغي النقل ده، أو حتى ألاقي سكن مناسب يكون قريب من المستشفى دي. بس للأسف، معظم دور المغتربات اللي قريبة من المستشفى مشغولة الفترة دي، بسبب بنات الأقاليم اللي في الجامعات. كمان رصيد إجازاتي منتهي بسبب الفترة اللي كنت أخدتها إجازة الفترة اللي كانت قبل مناقشة رسالة الدكتوراه. مفيش حل غير إني آخد إجازة بدون مرتب. أنا مش تاعبني غير ورديات الشغل في المستشفى، يعني مقدور على نوبطشية الليل اللي بتخلص الفجر تقريبًا. ممكن أفضل في المستشفى لحد طلوع النهار، لكن باقي النوبطشيات، وبالذات نوبطشية المسا، هخرج من المستشفى بعد العشا هرجع هنا امتى؟ كمان مواصلات الطريق... حاسة إن مفيش حل.
ردت هويدا:
بالعكس أنا شايفة الحل موجود... والتجربة مش هتضرك.
قاطعتها أسيمة بتعسف:
لأ، مستحيل. الطبع مش بيتغير، والمثل بيقول "يموت الزمار وأصابعه بتلعب". والواد آصف ده أنا محبتوش من الأول، قلبي اتقفل من ناحيته وكنت معارضة في الجوازة، بس كل شيء نصيب.
غص قلب سهيلة وشعرت بندم، فهي بإصرارها على الزواج من آصف هي من دفعت ثمنه. ليتها كانت امتثلت لرفضهم وقتها، ربما تجنبت ما حدث تلك الليلة، وظل لآصف تلك المكانة الخاصة بقلبها وذكريات حبها له فقط، دون أن تنمحي تلك الذكريات المميزة، وأصبح بغضها له هو كل ما تشعر به نحوه.
***
بمطعم أحد فنادق القاهرة
نهض مدحت مبتسمًا يقول:
أنا شبعت، كمان مش هقدر أكمل سهر. هسبقك يا روميساء على الأوضة، وخليكي كملي سهر مع آيسر. أنتم شباب زي بعض، لكن أنا خلاص عجزت. كمان هضب شنط السفر، خلاص الأيام الحلوة بتخلص بكير. بكرة العصر راجعين ألمانيا.
نهض آيسر مبتسمًا.
بينما كادت روميساء أن تعترض وتذهب مع مدحت، لكن ضغط مدحت على كتفها قائلاً:
لأ، ضلي شوي واستمتعي بالقاهرة وجمالها. في الليل ساحر... بس أنا عجزت وبقيت ما بتحمل السهر، والقاهرة يا محلى فيها السهر.
تبسمت روميساء.
بينما اقترب مدحت من آيسر وهمس له قائلاً بمودة:
أنا عندي فيك ثقة، بس حاذر. روميساء وقت ما بتعصب ما بتتفاهم وما بتشوف مين قدامها، سهل تحدفك بأي شيء يقابلها.
تبسم آيسر، نظر إلى مغادرة مدحت.
مد يده لروميساء قائلاً:
الجو الليلة برد صحيح، بس مفيش مطر. إيه رأيك نتمشى شوية في القاهرة.
نظرت روميساء إلى يد آيسر وتبسمت ثم وضعت يدها بيدِهِ قائلة:
تمام، خليني أتمشى في القاهرة الساحرة كيف ما قال بابا.
سار الاثنان يتجولان بشوارع القاهرة دون هدف، فقط يسيران من مكان لمكان. لم يشعرا بالوقت ولا لأي مكان ساقتهم أقدامهم، بين أماكن راقية وأماكن شعبية محملة بعبق التاريخ والتآلف بين البشر والترحيب بمودة.
لكن فجأة تبدل الطقس، وبدأت بوادر زخات للمطر.
في البداية تجنب آيسر من ذلك المطر، لكن روميساء كانت تشعر بحالة غير طبيعية. تخلت عن الجمود والرسمية، واختارت أن تعيش الجنون حتى لو للحظات.
خرجت نحو الشارع وقفت تحت الأمطار، خلعت قفازي كفيها ووضعتهما بجيب معطفها، ورفعت يديها تستقبل زخات المطر حتى امتلأ نصف كفيها تقريبًا.
ارتشفت من تلك المياه، كذلك رفعت وجهها لأعلى تستقبل زخات المطر فوق وجهها.
رغم برودة الطقس والأمطار، لكن شعور غريب يدفعها، متعة خاصة تشعر بها وهي تقف أسفل تلك الأمطار.
بينما اقترب آيسر منها وتبسم على أفعالها ولعقها لتلك الزخات التي توقفت فوق شفاها. تمنى أن يكون مطرًا يلامس شفاها يتذوقها باشتياق. ماذا لو فعل ذلك الآن؟ لكن عاد لعقله، فهو بالقاهرة، لو فعل ذلك لن يسطع عليه صباح.
شاركها لحظات الجنون يسيران أسفل زخات المطر، كأنهما عاشقان، وشعر كل منهم بمشاعر خاصة، يودان أن لا تنتهي هذه الليلة، ولا تتوقف الأمطار.
لكن لكل طريق نهاية.
وصلا مرة أخرى إلى الفندق.
تبسمت روميساء، التي فجأة شعرت ببرودة حين دلفت إلى داخل بهو الفندق. كذلك آيسر الذي شعر بافتقاد بعد أن توجهت روميساء نحو المصعد الخاص بالفندق وتركته، وغابت عن وجهه خلف باب المصعد.
لم يستطع الانتظار، صعد سريعًا نحو سلالم الفندق، ربما يسبقها ويصل قبل أن تخرج من المصعد.
كذلك روميساء بنفس الوقت قررت النزول مرة أخرى بالمصعد إلى أسفل الفندق، لكن تأسفت حين فتحت باب المصعد ولم تجد آيسر، ظنت أنه رحل. شعرت ببرودة وعاودت الصعود بالمصعد مرة أخرى.
بينما آيسر وصل إلى الطابق الموجود به غرفة روميساء، لكن وجد المصعد يصعد لأعلى وهي غير موجودة. شعر بأسف، ربما تأخر وهي دخلت إلى غرفتها. لم ينتظر وعاود النزول عبر السلالم.
خابت آمال كل منهما للحظات، لكن كل منهم علم وتيقن أن هناك مشاعر أصبحت حقيقية بعد هذه الليلة، اشتياق خاص كل منهما للآخر.
***
بأحد النوادي الليلية (كباريه)
نهض واقفًا يستقبلها بترحاب خاص وخلع عن كتفيها المعطف الثقيل وأعطاها لأحد العاملين بالمكان، ثم انتظر جلوسها ثم جلس هو الآخر قائلاً:
لما اتأخرتِ قلت يمكن مي نسيت معادنا.
نظرت له مي بتعالٍ قائلة:
لأ، منستش بس كان عندي معاد تاني واتأخرت شوية.
تبسم لها بمديح قائلاً:
معاد إيه ده اللي بسببه بقالي بانتظرك هنا أكتر من ساعتين.
"ميعاد والسلام، المهم إني جيت، ومعتذرتش."
تبسم لها بقبول قائلاً بمفاجأة:
إيه آخر أخبارك مع "آصف شعيب".
بضجر أجابته:
والموضوع ده يهمك في إيه؟ قولي ليه حاطط آصف في دماغك أوي كده؟ بينك وبينه إيه؟
تهكم على جوابها قائلاً:
واضح إنه دخل مزاجك، شكلي اخترت الشخص الغلط؟
سخرت مي قائلة:
الشخص الغلط لأيه بالظبط؟ إيه اللي عاوزه من آصف؟
نظر لها بتريقة:
واضح إعجابك، ولا أقول افتتانك بآصف. بس يا ترى هو كمان مفتون كده؟
نظرت له عينيها تشع غضبًا:
بلاش تلف وتدور، قولي كان هدفك إيه لما وجهت نظري له؟ إيه اللي بينك وبينه وغايظك منه؟ معتقدش شغل ولا هو من النوعية اللي في دماغك.
نظر لها وتبسمت عيناه قائلاً:
عاوز أعرف إيه هي نقطة ضعف آصف، بس واضح إنه مالوش في العاهرات.
اغتاظت منه بسحق ونهضت قائلة:
كمان مالوش في اللي محسوبين ع الرجالة بالغلط. بس هقولك نُقطة ضعف آصف هي الإكس بتاعته، طليقته. بيحبها ومش شايف في الدنيا غيرها. سلام وياريت بلاش تيجي حفلة بكرة، بالمرة بلاش تتصل عليا تاني.
غادرت مي، بينما ضحك هذا يشعر بالغضب، يفكر بمكر ثعلب كيف يصطاد ثغرة لآصف الذي أصبح غولًا بنظره، لكن ربما آن أوان صيده قبل أن يتوحش أكثر.
***
اليوم التالي
قبل الظهر في البنك
انتهت شهيرة من تفقد ذاك الصندوق الخاص بها وأغلقتها.
وضعت الصندوق في الخزنة الخاصة بها، ثم خرجت إلى خارج الغرفة وتبسمت لعادل الواقف يستند بظهره على حائط بجانب الباب.
رد لها الابتسامة:
حضرتك انتهيتي.
أومأت له برأسها.
دخل خلفها وأغلق الخزنة بالمفتاحين، لكن استغل عدم انتباهها، وقام بغرس المفتاح الخاص بها في قلب قطعة صلصال ثم وضعها بجيبه وسلت المفتاح الآخر وذهب نحوها وأعطاها المفتاح الخاص بها.
تبسمت وهي تسير بجواره يمدح في تلك الصور الخاصة بها الذي رآها في إحدى المجلات. كانت تشعر بانشراح وزهو كأنها مازالت صبية فاتنة.
خرجت من بهو البنك، وقف عادل على تلك السلالم ينظر لمغادرتها بسيارتها الفاخرة، ثم أخرج قطعة الصلصال ونظر لها مبتسمًا بظفر.
مساءً
بالشقة التي يقطن بها
صهر قطعة من الحديد حتى أصبحت سائلة مثل المياه.
جذب قطعة الصلصال وسكب بداخلها الحديد السائل بحذر ثم تركه فوق الطاولة ونهض.
تمدد فوق الفراش عيناه مازالت على قطعة الصلصال، يوده أن يجف الحديد ويتماسك في الحال.
لكن لا مانع من الانتظار. عقله يفكر في أن هناك بتلك الخزنة الخاصة بشهيرة سرًا.
لابد أن يكتشفه.
***
بمطار القاهرة
كان الوداع المؤقت.
تبسم مدحت وهو يصافح آيسر قائلاً:
والله اتمنيت إن الطقس ما يظبط والطيارة تتأجل لبكرة.
تبسم آيسر وهو ينظر إلى روميساء وكاد يقول له أنه كان يتمنى نفس الأمنية، لكن يؤجل إقلاع الطائرة إلى أبعد أمد، لكن حانت لحظة الوداع المؤقت.
تبسم آيسر قائلاً:
أنا عندي رحلة بالطايرة لـ ألمانيا آخر الشهر، يعني بعد تلات أسابيع، وإن شاء الله هاجي لحضرتك عشان نلعب جيم طاولة أعوض خسارتي الأخيرة.
شعرت روميساء بنظرات آيسر لها، بداخلها تشعر بمشاعر تتفتح لأول مرة. أصبحت في وقت قليل تتقبل غلاسة آيسر بل وتشتاق إليها أحيانًا.
***
بالإمارات العربية
بأحد المولات الخاصة، كان يسير يتبضع بعض الهدايا الذي طلبها منه رحيم أن يأتي له بها معه وقت عودته إلى مصر التي اقتربت.
لفت انتباهه موقف قديم تكرر أمامه لفتاة وأخرى خبطت بها فوقع الهاتف على الأرض وشبه تحطم. ذكر بنفس اللقاء الأول بينه وبين يارا.
يارا هل مازالت تتذكره بعد كل هذه السنوات؟ وآخر لقاء بينهم الذي كان من بعيد لا يعلم إن كانت وقتها لاحظته أو لأ.
لكن رآها هو وشعر بغصة في قلبه. شعر أنها مظلومة بأب يسير خلف ملذاته وأخ حقير يسير خلف انتقامه الأبله من أخته الذي كادت تصل للموت.
لكن هي ماذا كان ذنبها في ذلك؟ لكن هكذا هو الواقع. أبرياء يتحملون ذنوب ظالمين، بل ويدفعون ثمنها أحيانًا... بكسرة قلوبهم.
***
فجرًا بالمشفى
وضعت سهيلة إحدى يديها فوق تلك الطاولة، ثم وضعت رأسها فوقها تثاءبت أكثر من مرة تشعر بالإرهاق.
أغمضت عينيها بنعاس، لكن فتحتهما باتساع، حين دلفت إحدى العاملات بالمشفى إلى غرفة الطبيبات قائلة:
فين الدكتورة سهيلة الدسوقي؟ المدير المناوب عاوزها في مكتبه.
نهضت سهيلة تشعر بالإرهاق وذهبت إلى غرفته.
دخلت بعد أن طرقت باب الغرفة، ترسم بسمة لكن اختفت حين وقع بصرها على ذلك الجالس الذي لمعت عينيه ورسم بسمة على وجهه.
كانت بالنسبة لها بسمة باردة، لكن نهض المدير قائلاً:
صباح الخير يا دكتورة، واضح إنك بتجهدي نفسك في المستشفى. زي ما قال سيادة المحامي، والدليل إن ورديتك خلصت وإنتِ لسه في المستشفى.
حيدت نظرها لآصف وقالت عكس ما تشعر به من إرهاق:
لأ أبدًا، أنا مش بجهد نفسي بالعكس أنا بزيد خبرة.
تبسم المدير قائلاً:
دي رسالة الطب، والأطباء الأكفاء.
نهض آصف راسمًا بسمة:
بتصل على موبايلك بيديني مشغول، قلقِت عليكِ كمان اتأخرتِ في الرجوع.
ارتبكت سهيلة من نبرة آصف الناعمة بل والواثقة.
صمتت.
بينما تبسم المدير قائلاً:
أكيد الدكتورة كانت مشغولة مع المرضى اللي هنا في المستشفى.
تبسم آصف للمدير قائلاً:
بس كده كتير وإجهاد عالدكتورة، المفروض إن نوبطشيتها خلصت من ساعتين، لازم ترتاح هي كمان.
تبسم المدير قائلاً:
فعلاً كلام الباشا صح، المستشفى فيها دكاترة تانيين.
اعترضت سهيلة قائلة:
بالعكس أنا مش حاسة بأي إجهاد، بس فعلًا انتهت نوبطشيتي، بس كان في مريض محتاج لرعاية وبقى كويس، مبقاش له لزوم أفضل في المستشفى أكتر من كده. كمان وصيت واحدة من الممرضات تهتم بحالته ولو حصل أي تطور تبلغني بيه ع الموبايل لأن النهاردة هبقى إجازة.
تبسم آصف واقترب من سهيلة، وقف جوارها قائلاً:
قلبي كان حاسس عشان كده جيت عشان آخدك لمسكنا.
ازدردت سهيلة ريقها ولم تستطع الرد بسبب بسمة المدير، لا تود إثارة فضوله.
بينما نظر آصف للمدير قائلاً:
بشكرك.
أومأ الطبيب ببسمة، بينما نظر آصف لسهيلة قائلاً:
مش يلا يا سهيلة، كفاية سهر وإجهاد أكتر من كده.
غصبت سهيلة على نفسها وصمتت وخرجت من غرفة المدير تسير وخلفها آصف.
جزت على أسنانها وقالت له بغيظ:
إيه اللي جابك هنا يا آصف؟ مش كفاية نقلتني لهنا غصب، كمان بتراقبني، وبكل بجاحة كمان جاي عشان تظهر نفسك الزوج الودود؟ الدور ده ما يليقش عليك. قلت لك إبعد عن طريقي.
شعر آصف بوخزات قوية لكن قال ببرود:
أظن كفاية كده يا سهيلة، أنا لغاية دلوقتي سايبك ومش عاوز أضغط عليكِ، و....
توقفت سهيلة فجأة ونظرت له باستهزاء تقول بتكرار:
تضغط عليا؟ واللي إنت بتعمله ده إيه؟ لما أتفاجئ بعد خمس سنين إني لسه على ذمتك، ولا قرار نقلي لهنا في القاهرة كمان اللي معرفش غرضك منه إيه.
تبسم آصف ببرود قائلاً:
عشان تبقي قريبة مني. قلت لك أنا مش هيأس.
زفرت سهيلة نفسها وتركت آصف ودلفت إلى غرفة الأطباء.
سرعان ما خرجت، تنهدت براحة حين لم تجد آصف، ربما غادر.
لكن زالت الراحة حين خرجت من المشفى وجدته يقف يتكئ بجسده على باب سيارته.
تجاهلته عمدًا أشارت إلى إحدى سيارات الأجرة التي لم تتوقف لها، شعرت بأسف، لكن اغتاظت حين اقترب آصف منها قائلاً:
سهيلة إحنا قربنا عالفجر، والجو برد صعب تلاقي مواصلات دلوقتي... خليني أوصلك.
تعصبت عليه قائلة:
هتوصلني فين؟ طرقنا مختلفة.
ابتلع آصف تلك الطريقة وجذبها من يدها قائلاً:
وقفتنا في الطريق قدام المستشفى مش لطيفة، كمان الجو برد جدًا.
سحبها آصف عنوة إلى سيارته وفتح لها الباب قائلاً:
ارركبي يا سهيلة أنا مش هاذيكِ.
نظرت له سهيلة بغضب قائلة:
أنا أساسًا مشوفتش منك غير الأذية، و....
قاطعها آصف حين أمسكها من عضدها وأخفض رأسها وجعلها تدخل إلى السيارة عنوة، ثم أغلق السيارة بجهاز التحكم إلى أن دخل إلى السيارة من الباب الآخر ثم عاود إغلاق السيارة إلكترونيًا.
لكن رأى تلك النظرة على وجه سهيلة، غص قلبه وقام بفتح زجاج شباك السيارة المجاور لها قليلاً، يعلم رهابها من الأماكن المغلقة، بل الأسوأ رهابها منه هو.
لكن سهيلة لم تستسلم وكادت تفتح باب السيارة، لكن جذبه سريعا من عضد يدها قبل أن تفتح باب السيارة.
لحظات تلاقت عيناهما، رغم شعوره بوخزات في قلبه من نظرة عينيها الخائفة، لكن تلك اللؤلؤة السوداء تشبه حياته بدونها.
هي الأخرى رغم رهبتها من مسكه عضدها لكن ازدردت ريقها الجاف، تنظر لعينيه.
عيناه اللتان أخفاهما سابقًا خلف قناع أسود.
دمرها.
لحظات كل منهم بداخله رغبة، هو يود أن يعود الزمن للخلف ويحذف تلك الليلة القاسية من قلبها، كذلك يتمنى قبلة ترد لهفة قلبه.
هي تتمنى أن تفقد الذاكرة وتنسى أنه مر بحياتها.
زفرت نفسها بغضب وهي تنظر له قائلة بتعسف:
إنت لسه عاوز مني إيه يا آصف.
نظر لها آصف قائلاً:
عاوز نبدأ من جديد.
تهكمت سهيلة قائلة:
والماضي إزاي هننساه؟ عندك جهاز تحكم يمحي الذاكرة.
نظر لها آصف قائلاً باستفسار يتمنى أن يرد عليه بما يريح قلبه:
سهيلة معتقدش إنك نسيتِ مشاعرك اتجاهي بالسهولة دي.
تهكمت سهيلة قائلة:
خمس سنين فاتوا مفكرني هبكي عليك ولا إيه؟ سبق وقولتلك مشاعري اتجاهك كره.
ازدرد آصف ريقه وظل ينظر لعيونها قائلاً:
كدابة يا سهيلة... في عينيكِ نفس النظرة اللي كنت بشوفها زمان. سهيلة أنا بحبك.
تهكمت سهيلة قائلة:
وأنا بكرهك، هي قصة غصب والسلام... هتغصب عليا أحبك.
جذبها آصف عليه وقبلها على غفلة منها ثم ترك شفاها ولم ينتظر رد فعلها.
أدار مقود السيارة سريعًا قائلاً:
لأ برضاكِ طريقنا واحد يا سهيلة.
رواية عشق مهدور الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سعاد محمد سلامة
فتحت سهيلة عينيها حين شعرت بتوقف السيارة. نظرت إلى الطريق، استغربت واعتدلت في جلستها سائلة:
وقفت العربية هنا ليه!
فتح صمام حزام الأمان الخاص به وأزاحه عن جسده وهو ينظر لها مبتسمًا قائلًا:
جعان، ما أكلتش من بعد ما اتغديت امبارح.
عاودت النظر خارج باب السيارة وتمعنت أنهم أمام أحد المطاعم الشعبية. عادت بنظرها له بحنق قائلة:
وهتاكل في مطعم شعبي بيبيع فول وطعمية، مش من مقام سيادة المحامي المشهور؟
علم أنها تتهكم عليه، لكن نفض ذلك. أراد الاستمتاع بالوقت أكثر، تقبل منها حديثها ببسمة قائلًا:
ده أفضل مكان يفطر فيه المحامي المشهور، على الأقل مش هألاقي اللي يزعجني وهاكل براحتي من غير ما أبقى متكلف.
زمت شفتيها واستهزأت به قائلة:
متكلف، دي من أكتر الصفات المتمكنة منك.
نظر لعينيها وتبسم قائلًا:
عارف، أنا بقول كفاية كلام عالماضي، بصراحة ريحة الأكل في المكان بتجوع.
لم ينتظر ردها وترجل من السيارة، ذاهبًا نحو الباب الآخر وقام بفتحه وانحنى قائلًا بسؤال:
أيه مش هتنزلي من العربية؟
سخرت منه وزمت شفاها قائلة:
لاء مش جعانة، أنا أكلت في المستشفى.
تبسم ببرود قائلًا:
تمام، هجيب السندوتشات وناكل في العربية.
زفرت بنرفزة قائلة:
قولتلك مش جعانة، وياريت كفاية تضيع وقت عالماضي.
استقام مبتسمًا وذهب نحو المطعم الشعبي. طلب من النادل ما يريده، ظل واقفًا لدقائق، عيناه منصبتان على السيارة بابتسام لسهيلة التي تنفخ أوداجها بالتأكيد تشعر بالضجر من الانتظار.
أعطاه النادل ما قام بطلبه، دفع له مبلغًا من المال. نظر له النادل قائلًا:
ثواني وأجيب لك الباقي.
رفع له يده بـ "لا" ثم انصرف نحو باب السيارة المجاور لسهيلة وعاود فتحه ومد يده بذلك الكيس البلاستيك. بضجر أخذته منه ووضعته على المقعد بجوارها وتنهدت بضيق.
تبسم آصف وأغلق باب السيارة وذهب نحو الباب الآخر، دلف إلى السيارة وأغلق الباب خلفه. نظر إلى الطعام قائلًا:
ريحة الأكل تغوي.
تهكمت ساخرة:
مش خايف الأكل يجيب لك تسمم؟ أكيد معدتك مش متعودة عالنوعية دي من الأكلات، كمان ده مش مطعم فاخر ومش لابسين في إيديهم جونتيات.
تبسم وهو يفتح كيس الطعام قائلًا بقصد:
وهخاف ليه، والله لو جالي تسمم، معايا دكتورة، رغم إني عندي شك إنها ممكن تسعفني.
قطبت بين حاجبيها وقالت بتأكد:
لاء ده أكيد مش شك، إنت آخر واحد تهمني صحته.
سأمت ملامحه للحظة، كذلك غص قلبه، لكن عاود رسم البسمة على وجهه قائلًا:
أنا جعان وكل اللي بفكر فيه دلوقتي هو ريحة الأكل، ومش مهم إيه هيحصل بعدين. وعلى فكرة عملت حسابك في السندوتشات، لأني متأكد إنك جعانة. وبقول بلاش اعتراض خلينا نأكل سوا زي زمان.
رد بتعسف وعصبية:
قولت زي زمان، وأنا قولتلك مش جعانة. كل لوحدك.
استسلم لرغبتها وشرع في تناول الطعام، بينما هي بالفعل جائعة، وكأن حاسة الجوع ازدادت لديها بسبب رائحة الطعام، لكن أبت أن تمد يدها إلى الطعام. لكن تبسم آصف حين ظهر على وجهها اشتهاؤها للطعام.
أخذ أحدى الشطائر ومد يده بها. كادت أن تعترض، لكن أمسك آصف يدها ووضع الشطيرة بها ثم تركها بيدها. للحظة ارتجف جسدها من إمساك آصف يدها، لكن زالت الرهبة حين ترك يدها. شعر آصف برجفة يدها، شعر بوخزات في قلبه، لكن تبسم على ترددها في الأكل. أشار لها بيده أن تشرع في تناول الطعام قائلًا:
على فكرة طعمه حلو جدًا، وكمان جبت لك سلطة عارف إنك بتحبيها.
نظرت له باستهزاء، أما زال يتذكر ماذا تحب. لكن بدأت بتناول الشطيرة بروية حتى أنهتها، رغم أنها ما زالت جائعة لكن ما زالت تأبى. تبسم وهو يعطي شيطرة وأخرى حتى شعرت بالشبع وهو كذلك.
جذب علبة المحارم الخاصة بالسيارة، بالصدفة في نفس الوقت فعلت سهيلة نفس الشيء. تلامست أناملهما، سرعان ما سحبت سهيلة يدها، بينما سحب آصف محارم ونظف فمه ويديه بها. ثم سحبت سهيلة محارم هي الأخرى، قائلة:
أظن كفاية كده أكلنا وشبعنا، ياريت تكمل الطريق. إنت قولت إنك هتوصلني للبلد.
أشعل محرك السيارة قائلًا:
تمام.
عاود آصف قيادة السيارة، وسط صمت يسود بينهم. لكن بعد وقت توقف مرة أخرى حين اقترب أن يصل إلى البلدة. تنرفزت سهيلة قائلة:
وقفت تاني ليه! عالعموم كويس إحنا على مشارف البلد، أكمل الباقي مشي والنهار قرب يطلع.
قالت سهيلة هذا وكادت تفتح باب السيارة، لكن أمسك آصف عضدها. شعرت بالغضب ظنًا أنه قد يجذبها ويقبلها مرة أخرى، لكن هذه المرة لن تكتفي بصفعه. لكن آصف خيب توقعها قائلًا برجاء:
سهيلة كل اللي بطلبه منك فرصة، ومتأكد إنها هتكون في صالحنا احنا الاتنين. هوافق على أي شرط قصاد قبولك.
رغم نبرته الهادئة والمترجية، لكن سحبت يدها وقالت بتعسف:
قولتلك كفاية ألاعيب يا آصف، متأكدة الواسطة اللي نقلتني من المستشفى اللي كنت بشتغل فيها هنا تقدر ترجعني مكاني تاني.
تنهد آصف قائلًا بعناد:
مكانك جنبك يا سهيلة، وفكري وهنتظر ردك.
صمتت سهيلة تشعر بضجر من فرض نفسه وهيمنته، كذلك بداخلها تشتت.
عاود آصف قيادة السيارة، لكن شعرا الاثنين بوخزات قوية حين مرا من أمام سرايا شعيب. أغمضت سهيلة عينيها للحظات تشعر بقسوة تلك الليلة التي مرت بها بداخل هذا المكان. سارت رجفة بجسدها، وقالت بإصرار:
كفاية وقف العربية ونزلني هنا، بيت بابا قريب من هنا.
كذلك آصف شعر بالبغض من نفسه، كذلك شعور بالندم يهدم قلبه. غصبًا توقف بسبب إصرارها. ترجلت سريعًا من السيارة، سارت دون النظر خلفها، تعلم أنه ما زال يتعقبها بالسيارة. إلى أن دلفت إلى منزل والداها. تنهد بغصات قوية تضرب قلبه. كذلك آصف يتمنى أن تعطيه سهيلة فرصة أخرى، قد يكفر عن خطأه الفادح بحقها.
بينما دلفت سهيلة إلى منزل والداها، توقفت للحظات تستنشق الهواء حتى هدأت أنفاسها. فتحت باب المنزل الداخلي، ودلفت. كانت لا تود أن تقابل أحد والديها، لكن رسمت بسمة حين رأت سحر تخرج من المطبخ، قائلة:
صباح الخير يا ماما، أيه اللي مصحيكِ بدري كده.
تبسمت لها سحر بمودة وردت عليها الصباح، ثم قالت بسؤال:
غريبة، أنا قولت مش هتجي قبل الساعة تمانية أو تسعة الصبح.
توهت سهيلة قائلة:
مقولتليش أيه اللي مصحيكِ بدري؟
ردت ببساطة:
حسام صحاني من شوية، جبت له كوباية لبن شربها وشكله مزاجه رايق ومش عاوز ينام تاني. حتى باباكِ صاحي هو كمان.
ابتسمت سهيلة قائلة:
أما أدخل أصبح عليهم.
دلفت سهيلة إلى غرفة والداها، تبسمت حين رأت حسام يجلس على ساقي أيمن الممددة فوق الفراش. تبسم لها أيمن قائلًا:
صباح الخير، تعالي يا سهيلة شوفي ابن أختك صاحي وعاوزني ألعب معاه، مش مراعي إني بقيت راجل عجوز.
تبسمت سهيلة لحسام الذي نهض من فوق ساقي أيمن ووقف على الفراش ينتظر اقترابها حتى يلقي بنفسه عليها. تبسمت وهي تتلقاه بين يديها، قبلت وجنتيه بمحبة قائلة:
والله إنت على رأي تيتا، أسميه خسارة فيهم.
جلست سهيلة على الفراش وفوق ساقيها حسام. اقترب أيمن منها ووضع يده على كتفها بحنان قائلًا:
والله حسام ده أحلى حاجة جت من ناحية هويدا. أهو بيسّليني أنا وسحر، غير لو مش هو كان فاتني صلاة الفجر وجت علينا نومة. هو لما صحانا من النوم كسبنا بركة صلاة الفجر.
تبسمت سهيلة وهي تشعر بتقبيل حسام لوجنتيها. رحبت سهيلة بذلك مبتسمة. بينما غص قلب أيمن، كذلك سحر التي دخلت للغرفة قائلة:
طالما صاحيين أنا حضرت الفطار في المطبخ، خلونا نفطر سوا.
نهضت سهيلة، وضعت حسام على الفراش تتثاءب قائلة:
لاء أنا مش جعانة، افطروا أنتم ألف هنا. أنا حاسة بإرهاق من السفر والسهر، هروح أغير هدومي وأنام. أصحى بعد الظهر تكون ماما حضرت الغدا، أتغدى وأنام تاني.
تبسم لها أيمن، كذلك سحر التي تنهدت بإشفاق عليها. غادرت سهيلة الغرفة، بينما نظر أيمن لسحر يشعر بغصة في قلبه:
سبحان الله، حسام في قلبه حب وألفة لسهيلة أكتر من هويدا أمه الحقيقية. بتشوفيه لما تكون هويدا هنا يسيب حد فينا ويروح يقعد على رجليها.
تنهدت سحر بأسف قائلة:
فعلاً، بس ده مالوش علاقة بإن هويدا هي أمه الحقيقية. العلاقة تعود وحنان كمان. هويدا شبه قطعت العلاقة بينها وبين ابنها بمجرد ما ولدته. ساعات ببقى عاوزة أقولها تهتم شوية بابنها، بس بخاف تفكر إني مش عاوزة أهتم بيه. والله نفسي سهيلة تخلف ويبقى لها ولاد، يمكن وقتها ترجع تحس بالحياة من تاني. أنا لما كانت واقفه على أنها تتجوز من بيجاد قلبي انشرح وقولت دعاء أمي لها هيتحقق، وهتلاقي اللي يعوضها. ظهر آصف من تاني وفاجئنا إنها لسه مراته وكمان هي عقلها اتبرجل. وجه كمل كمان ونقلها من المستشفى اللي كانت بتشتغل فيها هنا، لمستشفى بعيد. كفاية بس بهدلة السفر كم ساعة رايح جاي.
تنهد أيمن بأسى قائلًا:
والله ما عارف قصة آصف دي هتخلص على إيه. بسأل نفسي هو بيعمل كده ليه. ولو بيحبها كان عالأقل صانها من البداية ومكسرش قلبها واتسبب لها في عقدة نفسية. أوقات بحس إنها بتخاف إني أقرب منها.
تنهدت سحر هي الأخرى بأسى قائلة:
والله وأنا كمان أوقات بحس معاها نفس الشيء. حتى أوقات بحس إنها بتتهرب من أنها تقعد معايا، وتتحجج بأي حاجة. ولما بدخل عليها الأوضة بلقاها نايمة، أو سرحانة. اللي مرت بيه مكنش سهل، من أول الفترة اللي قضتها في السجن، وبعدها جوازها من آصف اللي فكرت إنه كان فرصة ليها تثبت برائتها، هو صدمها بخداعه ليها. وياريت سابها في حالها تكمل حياتها، راجع تاني ينغص عليها. مفيش حاجة بتقدر تطلعها من حالتها دي غير أمي. ولما قولت لها تيجي تعيش معانا هنا في الدار تبقى جنبها باستمرار قالت لي: "لأ، هي مش هتسيب دارها وتيجي تعيش في دار بنتها. الناس يقولوا عليها إيه عايشة عالة على جوز بنتها". سهيلة هي اللي تروح تعيش معاها. بس سهيلة قالت مواعيد شغلها مش هتقدر تتحملها.
تبسم أيمن قائلًا:
والله ما حد عارف مين اللي عالة على مين. عمتي ياما وقفت جنبي. كفاية قبلت زمان بجوازي منك وأنا لسه يادوب متخرج من الجامعة، حتى الدار اللي كنت وارثها عن أبويا كانت آيلة للسقوط، وبقت تدبر لي القرش عالقرش لحد ما بنيت أول دور في الدار دي، وعشنا فيها وربنا رزقنا بتلات عيال الحمد لله. بحمد ربنا عليهم. يمكن مشكلة سهيلة كانت كبيرة صحيح، بس ربنا لطف بيها. كمان كفاية أنهم محترمين وبيحبوا بعض. ونفسي هويدا تبقى معاهم.
بينما سهيلة دخلت إلى غرفتها، ألقت بجسدها فوق الفراش، تشعر بتوهان، ماذا تفعل؟ آصف يضيق عليها الخناق بتمسكه بها كزوجة له. كذلك طريق المحاكم كي تعثر على طلاق نهائي منه يحتاج لوقت بعيد، مع شخص مثل آصف قادر على التلاعب بثغرات القانون وتطويعها لمصلحته. زفرت نفسها، لم يعد أمامها سوى طريق واحد، لكن قبل أن تتخذ القرار، لابد من معرفة رد والديها.
بينما آصف بمجرد أن غابت سهيلة عنه حين توارت داخل منزل والداها، شعر كأن البرد سكن ضلوعه. لكن عاود السير بالسيارة للعودة إلى القاهرة. لكن نظر عبر مرآة السيارة الأمامية، رأى نفس السيارة الذي لاحظها حين توقف أمام المطعم، كذلك تتبعته إلى البلدة. حاول السير عبر طرق مختصرة كي يتأكد من حدسه. عن قصد ابتعد عن تلك الطرق المختصرة وسهيلة معه، كان يود بقاءها معه لأطول فترة، بل يريد أن تبقى معه طوال الوقت. تأكد حدسه، السيارة ما زالت تتبعه. إذن أصبح لابد من الاحتياط. فمن الذي يتتبعه وماذا يريد؟
بعد الظهر
بمنزل أيمن.
فتحت سهيلة عينيها بسبب ذلك الضوء الذي اخترق الغرفة، كذلك ضحكات ذلك الصغير المشاغب وهو يدور بالغرفة. تبسمت حين سمعت آسميه تقول:
يسعد مساكِ بالورد، نوم العوافي حبيبتي. أيه قربنا عالـ عصر، هتفضلي نايمة كده ومش هتقعدي معايا شوية قبل ما أروح لداري.
تمطت سهيلة بمرح قائلة:
والله يا تيتا أنا عاوزة أنام ما أقوم غير بعد يومين، جسمي مكسر من سهرة امبارح في المستشفى.
نظرت لها آسميه بشفقة قائلة:
منه لله اللي كان السبب. يلا قومي، أنا كنت عاملة الكيكة اللي بتحبيها وجبت لك منها ومدرياها من سحر لا تاكلها، ولا تدي منها لهويدا.
تبسمت سهيلة قائلة:
وهي هويدا مش حفيتدك هي كمان؟
ردت آسميه بلا مبالاة ثم بأسف:
لأ دي غتتة وعاوزة تكوش على كل حاجة، مش زيك بترضي بالقليل، حتى القليل مستكتره نفسه عليكِ. يلا قومي اتوضي وصلي الضهر وبعدها اتغدي، وحلي الكيكة.
تبسمت سهيلة على حسام الذي وضع يده بيد آسميه التي ابتسمت له قائلة:
انت حبيبي، تعالي هديك حتة كيكة.
لمعت عين سهيلة ببسمة، فكيف لجدتها التي لا تشعر بالألفة بينها وبين هويدا، عكس ذلك الطفل التي تحبه وتدَلله.
بعد قليل بغرفة الجلوس.
سخرت آسميه من هويدا التي جاءت همست بصوت منخفض:
يا قاعدين يكفيكم شر الجايين ولو بزيارة.
سمعتها سحر التي كانت تجلس بجوارها، نظرت لها بعتب. تغاضت آسميه عن نظرتها لها. بينما قالت هويدا:
غريبة، قولت سهيلة امبارح كانت نبطشية وأكيد راجعة البيت عالصبح، قولت هتقضي اليوم كله نوم.
ردت سهيلة بتلقائية:
أنا راجعة من بعد الفجر ونمت، يادوب صاحية مبقاليش ساعة.
استغربت هويدا، سألت:
واصلة بعد الفجر إزاي؟ لقيتِ مواصلات، ولا جاية في تاكسي من القاهرة لهنا؟ كده مرتبك مش هيقضيكِ أسبوع عالـ مواصلات.
ارتبكت سهيلة قائلة:
لاء مش جايه في تاكسي.
توقفت سهيلة للحظة. حثتها هويدا أن تستكمل قائلة:
أمال جايه في إيه؟
استطردت سهيلة حديثها تنظر لهم بترقب:
آصف هو اللي وصلني لهنا.
نظر سحر وآسميه بترقب، كذلك أيمن. بينما هويدا قالت ببساطة:
والله كتر خيره، مش عارفة ليه إنتِ قدامك فرصة وبتتخلي عنها بمزاجك.
نظرت لها آسميه بنزق قائلة باستخبار:
فرصة إيه اللي ليها معاه؟ ما هو السبب في شحتتها دي، مش هو اللي استخدم الألاضيشه وخلاهم نقلوها لهناك.
نظرت لها هويدا باستهزاء قائلة:
مستشفيات القاهرة أشهر من مستشفيات كفر الشيخ. كمان هو لو كانت نيته سيئة أقل حاجة مكنش عبرها وراح لها المستشفى. كمان كان غصب عليها ببيت الطاعة حتى لو هي رافضة التنفيذ. كمان المحامي قال على ما قضية الطلاق تتحكم فيها وقت لأن مفيش سبب قوي قدام القاضي يخليه يحكم بالطلاق مباشرة.
استهزأت آسميه قائلة:
واللي حصل منه زمان مش سبب قوي.
ردت هويدا:
سبب قوي، بس فين الدليل والمحكمة ليها بالدليل. وكمان أنا في رأيي أن آصف وقتها كان معذور، اللي اتقتل كان أخوه، وسهيلة كانت المتهمة. ولوعة قلب مامته وباباها وقتها كانوا مؤثرين على عقله.
استهزأت آسميه قائلة:
ده عذر أقبح من ذنب. وما علينا، المهم أكيد هو موصلكيش بدون سبب، وأكيد اتكلم معاكِ، قالك إيه؟
تذكرت سهيلة حديث آصف معها بالعودة بعد أن قام بتقبيلها. قاد آصف السيارة سريعًا، لكن كانت يد سهيلة كانت أسرع حين تهجمت عليه بغضب مما جعله يطفئ محرك السيارة وينظر لها. لكن فاجأته بصفعة دون قصد منها على جانب وجهه. للحظة تبدلت ملامحه وظنت أنه لن يتوانى في الرد على صفعتها. لكن آصف حاول كبت غضبه من تلك الصفعة وأمسك معصميها بقوة، سرعان ما تراخت قبضة يده حين رأى نظرة الهلع في عينيها. ربما تلك القبضة ذكرتها بالأصفاد الذي وضعها سابقًا حول معصميها. شعر بغصة قوية في قلبه وأغمض عينيه يلجم غضبه. لكن سحبت سهيلة يديها من يديه قائلة بعصبية وآمر:
آصف افتح مزلاج العربية، عاوزة أنزل.
للحظة تعصب آصف قائلًا بتجبر:
لاء يا سهيلة مش هتنزلِ من العربية وهتسمعيني للآخر، لأني لغاية دلوقتي سايبك على راحتك، ومش عاوز أضغط عليكِ.
تهكمت سهيلة بسخرية قائلة:
سايبني على راحتي عالآخر، لاء كتر خيرك. آصف..
تعصب آصف وضرب بيده مقود السيارة قائلًا:
سهيلة قولت اسمعيني للآخر. قولت لك قبل كده مستحيل أضرك تاني.
تهكمت سهيلة قائلة:
قولتلك مش عاوزة أسمعك، مستحيل أصدق كلامك الناعم مرة تانية.
ازدرد آصف ريقه بغصة مرة قائلًا:
سهيلة أنا هقدملك عرض ومتأكد هتوافقي عليه.
تهكمت سهيلة صامتة كأنها لا تريد سماعه. زفر آصف نفسه قائلًا:
الشقة اللي أنا عايش فيها معايا ماما وكمان صفوانة، والشقة واسعة يعني...
قاطعته سهيلة بعصبية قائلة:
يعني إيه، أجي أعيش معاك في الشقة؟ يبقى بتحلم! أنا مبقاش عندي أي ثقة فيك، اللي يحكم ظالم صعب آمن له.
شعر آصف بوخزات قوية في قلبه. بينما صمتت سهيلة للحظات وفكرت، ثم استطردت حديثها:
تمام يا آصف، مش إنت كل الأفعال الخسيسة اللي بتعملها دي عشان أستسلم وأجي أعيش معاك في الشقة بتاعتك الواسعة زي ما قولت؟ تمام أنا موافقة بس ليا شروط.
انشرح قلب آصف قائلًا:
موافق على أي شروط هتقوليها.
تهكمت على بسمته قائلة:
كويس، إنت قولت إنك موافق من قبل ما تعرف شروطي. الشرط الأول مستحيل أنا وإنت يجمعنا أوضة واحدة، إنت قولتها الشقة واسعة، هيبقى ليا أوضة خاصة بيا وإنت ممنوع تدخلها نهائيًا. كمان طنط شكران تفضل معانا في الشقة هي وخالتي صفوانة. وكمان شغلي في المستشفى متدخلش فيه تاني، حتى لو اتأخرت في الرجوع أو حتى نمت فيه.
زفر آصف نفسه بامتثال قائلًا:
تمام، موافق على شرط يكون ليكِ أوضة خاصة. كمان اطمني ماما وصفوانة مش هيسيبوا الشقة، لكن شغلك في المستشفى مش هسمح لك تجهدي نفسك أكتر من اللازم، وكمان سهل أجيب لك إعفاء من وردية السهر.
ردت سهيلة بغضب قائلة:
قولتلك تبطل تدخل في شؤوني الخاصة. اعتبر إننا مجرد سكان في مكان واحد مش أكتر.
فكر آصف، لو عارض الآن ربما يخسر فرصة مع سهيلة. امتثل غصبًا وأومأ برأسه مستسلمًا:
تمام موافق.
عاود آصف تشغيل محرك السيارة، وسار بها قليلًا. نظرت سهيلة للطريق وسألته:
إحنا رايحين فين؟
رد آصف ببساطة:
رايحين الشقة.
قالت سهيلة بتسرع:
لاء طبعًا، لازم آخد إذن بابا الأول ويكون عارف، ولو رفض، يبقى تنسي الكلام اللي قولته.
أوقف آصف السيارة ونظر لسهيلة قائلًا:
لاء مش هنسى الكلام اللي قولتي ده إتفاق بينا. وأعتقد باباكِ لو لقاكِ مقتنعة مش هيعارض. عالعموم تمام، هوصلك للبلد بس هستنى منك اتصال بالموافقة.
عودة...
سردت سهيلة ذلك دون ذكر قبلته لها. عارضتها آسميه قائلة:
لاء طبعًا ده مستحيل! افرضي كان بيكذب وبعد شوية شكران وصفوانة سابوا الشقة ورجعوا لهنا تاني في السرايا.
ردت سهيلة بتردد:
سألته قالي مامته سابت السرايا وعايشة معاه من خمس سنين في الشقة، حتى أخوه كمان عايش معاهم.
استغربت هويدا ذلك، سألت:
مش فاهمة، يعني مامته وباباه انفصلوا عن بعض ولا إيه.
ردت سهيلة:
معرفش، هو أكد لي كده.
شعرت هويدا بفضول، لكن انشرح قلبها لو صدق توقعها.
بينما عارض أيمن، كذلك سحر التي نظرت لـ آسميه ظناً أنها ستساندهم في المعارضة، لكن سألها أيمن:
ساكتة ليه يا عمتي.
نظرت له بتفكير قائلة بدهاء:
ساكتة عشان بدور في دماغي.
استغرب الجميع من ذلك وسألتها سحر:
بدور إيه؟
ردت آسميه بمكر:
مش آصف معارض في الطلاق، وكمان بيستخدم نفوذه في الضغط علينا. أنا بقى هوافق سهيلة تروح تعيش في الشقة اللي بيقول عليها دي.
للحظة استغرب الجميع قبل أن تستطرد آسميه حديثها:
بس أنا كمان هروح أعيش مع سهيلة هناك في الشقة معاهم. مش بتقول الشقة واسعة وأنا مش هحتاج لمكان، هنام جنب سهيلة في نفس الأوضة.
تغضنت ملامح هويدا قائلة:
هتروحي تعيشي فين؟ دول راجل ومراته.
ردت آسميه:
وماله، شكران وصفوانة حبايبي، وأنا هعيش مع سهيلة وأنا اللي هصرف على احتياجاتي، يعني مش هيتزكى عليا من جيبه ابن أسعد شعيب. اتصلي عليه وقولي له كده، وافق تمام، وافقش يبقى ينسى.
استهزأت هويدا بذلك، بينما رحبت سهيلة، كذلك أيمن وسحر يعلمون مكر آسميه.
مساءً
بمقر أسعد الخاص بالبلد.
دلتفت هويدا إلى مكتبه مباشرةً تقول بدلال:
كان نفسي أكون أول من يهنيك بفوزك في الانتخابات، سبق وقولت لك متأكدة إنك هتفوز بالأغلبية.
نهض من خلف مكتبه مبتسمًا يرحب بها قائلًا بحفاوة، وهو يوجهها للجلوس إلى أحد المقاعد وجلس مقابل لها على مقعد آخر:
اعتبري نفسك أول من هناني، رغم إني كنت عاتب عليكِ. سبق ووافقتِ على عرضي بالشغل مع مدير الحسابات، ولغاية دلوقتي لسه مستلمتيش الشغل معاه.
ردت بتبرير كاذب، فهي ترسم الدلال:
ابني كان مريض، ولازم أرعاه. كمان سهيلة أختي ومشكلتها مع آصف، أنا مش عارفة إنت كنت عارف أن سهيلة لسه على ذمته ولا لأ، بس أهو الحمد لله وصلوا لحل مناسب.
تسرع أسعد سائلًا:
وايه هو الحل المناسب اللي وصلوا له؟ هيطلقوا تاني؟
ردت هويدا:
لاء، سهيلة هتروح تعيش معاه في شقته، بس غريبة. هو قالها إن الحاجة شكران وكمان الخدامة هيعشوا معاهم. هي مش الحاجة شكران كانت عايشة هنا في السرايا؟ بس بقالي فترة طويلة مش بشوفها، فكرتها عيانة.
شعر أسعد بالارتباك قائلًا:
لاء عايشة في القاهرة. إنتِ عارفة آصف بعد ما ساب الشغل في القضاء وهو استقر في القاهرة، وكان محتاج اللي تهتم بيه هناك، وهي راحت تعيش معاه، بس إحنا على تواصل.
تبسمت هويدا، واستشفت من رده أن يكون حدثها حقيقيًا، شعرت بانبساط قليلًا. بينما نهضت واقفة قائلة:
أنا باركت ومش لازم أضيع وقتك أكتر من كده، عارفة إن فيه احتفال عشان فوزك في الانتخابات.
نهض هو الآخر قائلًا:
فعلاً للأسف، بس كلامنا لسه له بقية، عشان نتفق إمتي هتبدأي في الشغل مع مدير الحسابات.
ردت عليه ببساطة:
أكيد قريب جدًا.
تبسم أسعد وهو يصافح هويدا قائلًا:
تمام، أنا فضيت من دوشة الانتخابات، وبعد كده هيبقى معظم وقتِ في القاهرة. أتمنى يكون الرد سريع، لأن مدير الحسابات كلمني في الموضوع ده، وقولت له ينتظر.
تبسمت له قائلة:
لاء أنا تقريبًا ظبطت أموري كويس، وأكيد الأيام الجاية هسافر القاهرة. بس ياريت توصي مدير الحسابات عليا، إنت عارف إن فيه فرق في التعاملات المالية، بين الشركات الخاصة والبنوك الحكومية.
رد أسعد:
لاء اطمني، أنا قولته إنك على ضمانتي الشخصية.
تبسمت له بدلال قائلة بثقة:
وأنا قد ثقتك فيا.
ترك يدها مبتسمًا وهي تغادر المكتب ثم جلس مرة أخرى على المقعد، وابتسم باستهزاء قائلًا:
قدرت توصل تاني الود بينك وبين سهيلة يا آصف، وطبعًا شكران ليها دور كبير، حمامة السلام، اللي مفكرتش السنين اللي فاتت بس تتصل عليا، يمكن كانت صلحت الأمر بيني وبينك.
تنهد أسعد يشعر ببعض البؤس. ربما في البداية لم يكن يهتم، لكن مع مرور الوقت لا ينكر جفاء آصف يحز في نفسه.
بعد مرور عشر أيام
بحوالي العاشرة صباحًا
بإحدى العيادات الخاصة بدكتور متخصص في مجال التجميل.
تبسم بترحاب قائلًا بمجاملة:
مدام شهيرة، العيادة نورت.
تبسمت وهي ترفع لها يدها بدلال قائلة:
شكرًا لذوقك.
تبسم بترحاب وهو يقبل يدها قائلًا:
من فترة طويلة منورتيش عيادتي المتواضعة.
تبسمت له قائلة:
كنت مشغولة أوي الفترة اللي فاتت.
تبسم لها بمديح قائلًا:
أنا دايمًا متابعك، والفترة اللي فاتت كنتِ مبهرة.
تبسمت له قائلة بغرور:
فعلاً، وده السبب اللي خلاني جيت للعيادة النهارده، عاوزة أعمل شوية رتوش كده.
تبسم لها بمجاملة قائلًا:
رتوش إيه، الجمال ده مش محتاج لدكتور تجميل، ده محتاج لريشة فنان يرسم بورتريه لجميلة الجميلات.
تبسمت له قائلة:
كلك ذوق، بس أنا شايفة إني محتاجة لشوية رتوش كده، في خط بسيط كده ظهر جنب عيني، كمان عاوزة أحقن شفايفي بحقنة فيلر تبرز جمالها.
نظر لوجهها بتمعن قائلًا:
تمام، كمان ممكن نشد الجلد اللي تحت الدقن شوية.
تبسمت له بتوافق قائلة:
أنا كلي ثقة فيك يا دكتور. عاوزة الآثار دي تختفي.
ظهرًا
بمكتب آصف.
تبسم لـ شاكر الذي دلف إلى مكتبه بعد الترحيب بينهم. جلس آصف سائلًا:
مدام مي ادتني فكرة مختصرة، أحب أعرف منك التفاصيل بالتوضيح بالضبط.
تنهد شاكر بآسف صامت. لاحظ آصف ذلك وعاود السؤال بمفاجأة:
إنت موافق عالطلاق؟
هز شاكر رأسه بـ "لا". تبسم آصف له قائلًا:
طب تمام. ليه مضايق؟ طالما فيه مشاعر عندك للبنت دي، أعتقد إنت حر في شريكة حياتك. إنت اللي عايش معاها، ليه تدخل نفسك في سكة الندم بعدين؟ طالما مرتاح معاها وبينكم حب ليه تخسرها؟ صدقني نصيحة من شخص غلط غلطة واحدة واتخلى عن عشقه ومشى ورا غروره بيدفع ثمنها غالي في كل لحظة. راجع نفسك مي أو الفلوس مش هيضعوا شعور البؤس من قلبك بعدين.
أومأ شاكر له ببسمة موافقًا.
تبسم آصف له قائلًا:
كده أظن ماليش لازمة، والحل في إيدك. خد بوكيه ورد وشيكولاتة وروح صالح مراتك.
تبسم شاكر له قائلًا:
تعرف إنك بتفكرني بـ المرحوم سامر، كان فيه شوية طباع منك، الجدية والحدة بعض الشيء. بس ده كان في بداية فترة تعارفنا لما كنا في كتيبة الجيش سوا، بس فجأة اتغير وبقى يميل لحاجات غريبة، ويتابع مواقع أجنبية لها ميول شوية شاذة. بس أعتقد السبب في تبديل حاله، هي بنت كان بيحبها تقريبًا.
اعتدل آصف مستغربًا يسأله:
سامر كان بيحب بنت؟ هو قالك كده؟
رد شاكر ببساطة:
لاء، أنا اللي لاحظته كذا مرة كان يتصل ببنت بالليل ويسهر يتهامس معاها. وفجأة الاتصالات دي انتهت وبعدها اتبدل حال سامر وبقى يميل للعزلة شوية، كمان بقى عصبي. غير كان في بيدافع عن مواقع بتدعم حاجات شاذة تحت اسم دفاع عن الحريات الشخصية. حتى مرة اتكلم معايا وطلب مني أروح معاه حفلة خاصة. وروحت، كان مكان في فيلا في منطقة جديدة شبه مهجورة. كانت حفلة كل اللي فيها رجالة وشوفت مناظر مقرفة مقدرتش أكمل وسيبته وانسحبت. ولما جيت بعدها أحذره منهم قالي إنه فعلاً، معجبوش وضعهم ومش هيروح حفلات من النوعية دي تاني. هو كان مفكره حفلة عادية دعاه عليها صديق له.
تسأل آصف سريعًا:
ومتعرفش من الصديق اللي دعاه ده؟
رد شاكر:
لاء، هو قالي بعد كده إنه قطع علاقته بيه. وبعد فترة انتهت فترة التجنيد وهو رجع تاني لـ كفر الشيخ اللي كان بينا اتصالات متباعدة. يمكن كانت شبه انقطعت قبل وفاته بشهور.
للحظات صمت آصف يفكر هل حقًا كان هناك فتاة في حياة سامر. لكن ما حدث جعله ينغمس في تلك القذارة لاحقًا.
لاحظ شاكر شرود آصف ظن أنه ربما حزنًا بسبب ذكر سامر أخيه. نهض يقول:
متأسف إن كنت جددت عليه حزنك على سامر، وبشكرك إنك نصحتني وأوعدك أعمل بنصيحتك ومش هخلي حد غيري يتحكم في حياتي.
أومأ له آصف رأسه ونهض هو الآخر قائلًا:
أنا تحت أمرك في أي وقت تحتاجني، وبتمنى إنك تدافع عن حياتك وبلاش تخلي غيرك يتحكم فيها.
تبسم له شاكر وأومأ رأسه بتوافق، ثم غادر المكتب. بينما ظل آصف واقفًا للحظات يفكر فيما أخبره به شاكر.
سامر وفتاة في حياته من تكون تلك الفتاة!؟
وهل ما أخبرته سهيلة سابقًا كان عقابًا آخر له على ما اقترفه بحقها من بشاعة؟ جاوب قلبه مباشرةً، لا سهيلة ليست بهذه الدناءة وتدعي على شخص بالكذب.
أو ربما تكون سهيلة نفسها هي تلك الفتاة!؟ بالتأكيد لا ليست هي.
هي أخبرته أن سامر سبق ولمح لها أنه يعلم بوجود مشاعر بينهم. مجرد تخمينات كفيلة بـ تجعله يود أن يمحو جزئية مقتل سامر وما حدث بعدها من عقله بل من حياته، ويجد أن كل هذا كان عرضًا سينمائيًّا سينتهي بمجرد أن يخرج من هذا الظلام المحيط بعقله.
رواية عشق مهدور الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سعاد محمد سلامة
غص قلبه وثار عقله يتذكر أحد المواقف حين تقابل مع سامر وهو يدلف إلى السرايا وقال له:
"الضهر أذن، تعالى نصلي جماعة في الجامع."
تهرب منه قائلًا:
"أنا كنت نبطشية وراجع مش شايف قدامي، روح صلي إنت، أنا لو قابلني السرير عالسلم هترمى عليه."
هل ارتكب سامر إثم فقد الإيمان أيضًا؟
عقله سيشتت منه حقائق كانت غائبة، ظل كثيرًا إلى أن وصل لها. وضع الكتاب فوق الفراش وبحث ببقية محتويات الصندوق. كان هناك مذكرة أخرى صغيرة لونها أزرق. فتحها سريعًا، استغرب من أول صفحاتها كانت لحروف باللغة الإنجليزية. الحرف الأول من اسمه، وهناك حرف آخر. كلمات حب وغزل. تصفح باقي المذكرة كانت مفعمة بكلمات الغرام البسيطة. لكن قبل آخر صفحة سقطت صورة على الفراش. جذبها آصف، رآها بإندهاش. الصورة بها سامر وفتاة قريبان من بعضهما وخلفهما بحر يبتسمان. نظر خلف الصورة كان إهداءً خاصًا. خمن إذن تلك المذكرة كانت لفتاة هي من أرسلتها إلى سامر. لكن من تكون؟
ظل يبحث بين أغراض سامر إلى أن سحبته غفوة دون شعور منه. استيقظ على صوت أذان. فتح عينيه، استغرب كيف استسلم للنوم دون وعي. تمطى بيديه ينفض النوم عن عينيه، ثم نهض. وضع كل تلك الأغراض بالصندوق الكبير مرة أخرى، لكن ترك الصندوق الصغير بمحتوياته فوق الفراش. ثم وضع الصندوق الكبير مكانه مرة أخرى بالدولاب. حمل الصندوق الصغير وغادر الغرفة يشعر بأسى من تلك الاكتشافات. وضع الصندوق بالسيارة ثم غادر السرايا. يعلم إلى أين لابد أن يذهب أولًا.
بزغ نهار جديد بالقاهرة.
أمام المقر الخاص بـ أسعد شعيب.
ترجل آصف من السيارة حاملًا ذلك الصندوق المعدني. دلف مباشرة نحو مكتبه وفتحه دون استئذان. وأغلق خلفه باب المكتب بقوة.
رفع أسعد رأسه ونظر نحو باب الغرفة رغم اقتحام آصف لمكتبه. كذالك نهض واقفًا يشعر بانشراح في قلبه. كاد يرحب به.
لك لحظات قبل أن يقول آصف بحدة:
"طبعًا كنت عارف حقيقة سامر كاملة عشان كده كان نفسك سهيلة تموت في السجن عشان يموت معاها حقيقته اللي كنت خايف تتفضح."
تحولت بسمة أسعد إلى زفرات نفس غاضبة قائلًا بهجوم واستقلال بـ آصف:
"البت دي سحبت عقلك أكيد. إيه أنت مش رجعتها تاني تعيش معاك؟ ولا سايقة عليك الدلال ومطلعة عينيك؟ فيها إيه زيادة عن غيرها؟ ولا عاجبك ذلها فيك؟ بدل ما كنت إنت اللي..."
قاطعه آصف بغضب:
"بلاش تدخل سهيلة في الموضوع. سهيلة هي الوحيدة اللي اتظلمت في قتل سامر. مش عارف إنت إزاي 'أب' لما تبقى عارف إن ابنك بينحدر لطريق المعاصي وتسكت؟ ولا مش فاضي غير لملذاتك و..."
قاطعه أسعد بغضب قائلًا بمراوغة:
"مين اللي قالك إني كنت عارف؟"
تهكم آصف بحنق قائلًا:
"كنت عارف يا أسعد باشا والدليل السم اللي اتحط لـ سهيلة وهي في السجن. كان كل هدفك تموت وبعدها القضية تنتهي. حتى لو دفعت بريئة التمن. بالنسبة لك مفيش أي تآنيب ضمير..."
توقف آصف للحظات قبل أن يستطرد حديثه بندم:
"أنا كنت عارف ومتأكد إنها بريئة. كان كل اللي عايزني منها هو ليه كذبت وغيرت أقوالها وشوهت سمعة سامر بعد موته. بس فقت من الغضب اللي إنت كنت بتشعلله في قلبي. متأخر بعد ما أذيتها. رغم إنها بكذبها جملت حقيقة سامر اللي إنت كنت على دراية بيها. ومحاولتش تبعده أو حتى تساعده إنه يفهم حقيقة نهاية الطريق القذر اللي ماشي فيه."
هجوم آصف شعلل غضب أسعد الذي قال:
"مين قالك إني محاولتش أساعده. بس هو اللي..."
قاطعه آصف بتهجم واستهزاء:
"حاولت. عملت إيه؟ هو اللي كان إيه؟"
ازداد غضب أسعد قائلًا:
"أنا بنفسي خدته لدكتور نفسي. ولو مش مصدقني مستعد أديك اسم ومكان الدكتور وروح اسأله. وليه بتلوم عليا لوحدي؟ ليه مش بتلوم مامتك؟ هي المفروض مسؤولة زيي بل وأكتر."
عاود آصف قطع حديثه بتبرير:
"أمي مكنش ذنبها أنها ضعيفة قدام جوزها عشان بتحبه. بس هو قلبه حجر مش بيشوف غير ملذاته. بيقسم وقته بينها وبين زوجة تانية هي صاحبة الحظ الأوفر في الدلال والمنظرة الفارغة. أمي اللي متأكد إنك كنت سبب رئيسي في ضعفها لما خافت بعد ما اتجوزت عليها إنك ينشغل عقلك بالزوجة الملائمة لجناب عضو مجلس الشعب المنفتحة والأرستقراطية. هي دي الوجاهة اللي كانت ناقصة. أمي الفلاحة اللي كل حياتها بيتها وولادها. حتى ولادها كنت بتحرمها منهم في البداية. أنا لما دخلتني مدرسة عسكرية وأنا عندي سبع سنين عشان المدرسة دي بتخرج رجالة. لكن لو فضلت جنبها دلعها هيفسدني. ونفس الشيء عملته مع آيسر بعدي. لكن سامر طبعًا كنت اتجوزت من شهيرة هانم. ومبقاش يهمك. سيبته جنبها أهو يشغلها في الأوقات اللي إنت بتكون فيها عند شهيرة. سامر كان فعلًا قلبه طيب ومحب. طول ما كان قريب من ماما وتحت جناحها. هي قالت لي كده. بس لما بعد عشان الجيش ورجع شخصيته اتغيرت كتير. حاولت تقرب منه. لكن مرضها كان أوقات بيخليها تتهاون غصب عنها. لكن إنت مالكش أي عذر يا أسعد باشا. خد الصندوق ده. فيه اللي وصل ليه سامر وكان السبب المباشر في ذبحه."
وضع آصف ذلك الصندوق فوق مكتب أسعد وغادر دون حتى إلقاء نظرة. صفق خلفه باب المكتب. كانت مواجهة أخرى لـ أسعد الذي انشرح قلبه ظنًا أن آصف أتى كي ينهي الجفاء بينهم. الجفاء الذي ازداد بغضًا. حقيقة واجهها. لقد خسر آصف نهائيًا. اسودت الحقيقة أمامه والسبب في تلك الخسارة الفادحة والقاصمة لقلبه. هي سهيلة التي وشّت بحقيقة سامر. تذكر حين ذهب لها بالسجن وقتها أخبرته حقيقة سامر. تفاجئ وقتها وهددها أنه لا يصدقها. وأنها كاذبة. لو كانت متأكدة من ذلك لقالته بالتحقيقات. لكن هي علمت أنها حتى لو قالت هذا لن ينفي عنها تهمة القتل العمد. بل ربما يؤكدها عليها. لكن كانت الحقيقة عكس ذلك. هي لو قالت ذلك ستفجع قلب شكران أكثر. شد أسعد شعر رأسه الشائب وجز أسنانه بغيظ. يتمنى لو سهيلة ماتت بالسجن. أو بتلك الليلة بين يدي آصف.
***
بشقة آصف.
بغرفة المعيشة.
دخلت صفوانة بصنية صغيرة عليها كوبان من مشروب دافئ. وضعتها فوق منضدة بالغرفة. ثم نظرت إلى آسمية الجالسة مع شكران يتسامران حول بعض الذكريات الخاصة بأهاليهن. قائلة:
"عملتلكم اليانسون يا حاجة آسمية. عايزة مني حاجة تانية؟ قبل ما أنزل أشتري شوية أغراض محتاجينهم للمعاش."
أومأت لها آسمية قائلة:
"لأ تسلم إيديك يا صفوانة. بس طالما نازلة استني دقيقة. هروح أجيب الروشتة اللي فيها دوا الضغط بتاعي. هاتيه معاكِ. كنت لسه هتصل على سهيلة أقولها تجيبه معاها."
ذهبت آسمية إلى الغرفة. تبسمت صفوانة لـ شكران قائلة:
"الحاجة آسمية بتاخد دوا الضغط. مش عارفة إنها الوحيدة اللي آصف مش بيعرف يتكلم كلمتين قدامها."
ضحكت شكران قائلة:
"والله هو يستاهل اللي بتعمله فيه. بس برضو ابني وبيصعب عليا. كمان خلت للشقة طعم. كنت أنا وإنتِ طول الوقت في وش بعض. وآصف كان بيقضي معظم وقته في الشغل بين المحاكم والمكتب. أهو بقى بيرجع للشقة عشان يشوف سهيلة. بغض النظر عن مناوشاته هو والحاجة آسمية."
عادت آسمية قائلة:
"سامعة اسمي يارب يكون بالخير."
تبسمت شكران قائلة:
"بالخير طبعًا يا حاجة آسمية. إنتِ بركتنا."
تبسمت لها آسمية قائلة:
"والله إنتِ كنتِ خسارة في عيلة شعيب من الأول. أمك الله يرحمها كانت دارها جنب دار أمي وكنا حبايب. لما عرفت إنك هتتجوزي من أسعد، قلت له حرام عليكم تظلموها وتتجوز على ضرة. دي تستاهل راجل طيب يحطها تاج فوق راسه. بس أقول إيه؟ هي الدنيا كده. حظ الطيبين قليل."
شعرت شكران بغصة لكن تبسمت قائلة:
"ربنا يسهل لـ أسعد. هو أبو ولادي برضه."
لوت آسمية شفاها بامتعاض قائلة:
"ولادك مفيش فيهم غير آيسر. عسول ودمه خفيف وشفايفه دايماً مبتسمة. بس يا خسارة طاير في الهوا طول الوقت."
تبسمت شكران وتنهدت تشعر بوخزات قوية. ما زال قلبها يئن لفراق سامر. ألا تعلم آسمية أنها حين ترى سهيلة تشعر كأن ألم فقدان سامر في قلبها يهدأ قليلاً؟ سهيلة تشبه الترياق لها. مثل آصف.
***
بعد قليل عادت صفوانة. دلفت إلى غرفة المعيشة لكن هذه المرة وجهها كان مسؤمًا. ألقت عليهن السلام. لاحظت شكران ملامح وجهها سألتها:
"مالك يا صفوانة؟ كنتِ نازلة تشتري الأغراض مبتسمة."
تنهدت صفوانة قائلة:
"الست إكرام اللي ساكنة في الشقة اللي فوقينا. قابلت بنتها وأنا داخلة العمارة حالا. لقيت وشها مخطوف. ولما سألتها عنها قالتلي إنه تعب فجأة. وقعت من طولها ليلة امبارح. خدوه المستشفى اللي في أول الحي. وقالوا كان عندها شبه جلطة. بس ربنا لطف بيها ولحقوها. وهي هتفضل في المستشفى لحد ما صحتها تتحسن."
شعرت شكران بآسى قائلة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. دي ست طيبة جدًا. من يوم ما جينا هنا وهى معانا زي الأهل وأكتر. هقوم أغير هدومي وأزورها في المستشفى."
تنهدت آسمية بآسى قائلة:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. فعلًا دي ست طيبة أوي. بتفكرني بالفلاحين بتوع بلدنا. من يوم ما جيت لهنا وهى تقول لي بتفكريني بأمي. سهيلة لسه قدامها شوية على ما ترجع من المستشفى. خديني معاكم. زيارة المريض صدقة. كمان أمشي رجلي شوية من يوم ما جيت هنا مخرجتش من الشقة."
وافقتها كل من صفوانة وشكران.
***
في الثانية ظهراً.
بألمانيا.
ترجل آيسر من السيارة مبتسماً أمام ذلك المطعم. ثم دلف إليه يحمل باقة الزهور. جلس خلف طاولة خاصة. نظر إلى ساعة يده. ثم نظر نحو باب المطعم. جذب باقة الزهور ونهض واقفاً يبتسم لتلك الشقراء التي تخفي جمال عينيها خلف تلك النظارة الخاصة بحفظ النظر. هو علم من مدحت أن نظرها ليس ضعيفاً. هي تضع تلك النظارة فقط حفظ نظر. هو أكثر من يشعر بالغيرة إذا رأى أحد جمال عينيها الصافية. مد يده لها كي يصافحها. لكن هي أرادت باقة الزهور التي بيده الأخرى. رفعت يدها وصافحتها انتظاراً لنيل تلك الباقة. لكن راوغ آيسر بذلك عمداً. وذهب خلفها جذب لها مقعداً. جلست عليه وعيناها على باقة الازهار. لكن تجاهل آيسر نظر روميساء إلى باقة الزهور. وجلس هو الآخر بخبث قائلاً:
"جاية في ميعادك بالظبط."
ما زالت عيناها على باقة الازهار لكن ردت عليه:
"أنا اتعودت أوصل في معادي. ما بحب الشخص اللي ما بيحترم معاده مع الآخرين. ما بحب أضل انتظر حدا. لا حدا ينتظرني."
تبسم آيسر قائلاً:
"عكسي. أنا صحيح طيار، بس الوقت عندي ممكن غصب أتأخر في الوصول."
نظرت روميساء إلى باقة الزهور قائلة:
"لو غصب، أو في سبب قوي للتأخير ممكن أتنازل أقبل العذر. بس إنت اليوم وصلت قبل ما أنا أوصل في الميعاد."
نظر لها بغرام ولمح لها قائلاً:
"لو بودي كنت جيت خدتك من قدام الشركة اللي بتشتغلي فيها. وقضيت معاكِ وقت أطول."
شعرت روميساء بحياء وظلت صامتة. إلى أن تبسم آيسر الذي يراقب ملامحها عن كثب بعشق قائلاً بمرح وخبث منه وهو يرى نظرها لباقة الزهور:
"خلينا في الغدا. تحبِ تتغدي إيه؟"
لا تود الطعام، هي تود تلك الباقة. لن تنتظر أكثر، قائلة:
"لمين بوكيه الورد اللي معاك هديه؟"
نظر آيسر لباقة الزهور ثم لها. ومد يده بها نحوها قائلاً بإطراء:
"بوكيه الورد ده، لأجمل امرأة في العالم... ليكي."
شعرت روميساء بنسمة لطيفة تتوغل لقلبها وأخذت باقة الزهور. قربتها من أنفها واستنشقت عبقها. تشعر بانشراح غريب في قلبها. حتى أن عقلها سألها: لماذا وافقت على عزيمة آيسر لها ولم ترفضها كما فعلت مع غيره سابقاً؟ كانت تضع لجاماً حول قلبها. لكن مع هذا المصري لا تعرف كيف يخترق محاذيرها ويجعلها هي الأخرى تسمح بذلك دون تفكير. حتى أنها أصبحت باقة تلك الزهور مثل الإدمان لها. حتى وهو غائب يرسلها لها. مع رسالة هاتفية منه قبلها. بعض الكلمات البسيطة. لكن أصبح لها مفعول خاص عليها. كذلك آيسر. ردها على تلك الرسائل البسيط. الذي بالكاد كلمتين شكر منها. لكن أصبح لابد من أخذ خطوة جدية. آن أوانها.
***
أمام أحد المحاكم.
اقترب إبراهيم من آصف قائلاً:
"كنت مفكر هنكسب القضية دي من أول جلسة. معرفش ليه طلبت من القاضي التأجيل. سبب وتناقشنا في القضية."
نفث آصف دخان سيجاره قائلاً:
"دماغي مش رايق. حاسس إني مش مركز."
نظر له إبراهيم بتعجب قائلاً:
"في إيه مالك؟ بعد ما شاكر مشي من المكتب إنت مشيت بعديه فوراً. روحت فين؟ شكلك مرجعتش للشقة. هدومك نفس اللي كانت عليك من امبارح. خير؟ قالك إيه شاكر؟"
نظر له آصف بضيق وتهرب قائلاً:
"مقالش حاجة. أنا بس مصدع. شكلي هاخد دور برد. أنا راجع الشقة. نتقابل المسا في المكتب. نناقش في القضية لأن القاضي أجلها أسبوع واحد. يلا سلام. أشوفك المسا في المكتب."
لم ينتظر آصف وغادر دون الانتباه إلى نداء صاحب القضية. لكن انتبه إلى تلك السيارة التي تسير خلفه. أصبح بداخله يقين أن هناك من يراقبه. لكن ماذا يريد منه؟ عقله أصبح مثل طاحونة الهواء تتخبط من كل اتجاه.
***
بشقة آصف.
دخلت سهيلة إلى الشقة تشعر بإرهاق. لم تتعجب حين لم تجد جدتها كذلك صفوانة وشكران. هي علمت صدفة أن تلك السيدة إكرام مريضة بالمشفى. بالتأكيد ذهبن لزيارتها. ذهبت مباشرة نحو الغرفة التي تمكث بها مع جدتها. جلست على الفراش تمطت برقبتها التي تشعر ببعض الألم الطفيف بها. ثم نهضت واقفة تقول:
"ما أقوم أستحمى. يمكن يكونوا رجعوا. تيتا لو شافتني بالمنظر ده هتقولي إرهاق نفسي زيادة عن اللزوم."
بعد دقائق فتح آصف باب الشقة ودخل. استغرب عدم وجود أي أصوات بالشقة. نظر إلى ساعة يده قائلاً:
"المفروض ده وقت الغداء. وأنا شبه اتعودت على صوت الحاجة آسمية وهي بتقول لهم: حطوا الغدا نتغدا والغايب مالهوش نايب. غير سهيلة حبيبتي طبعًا."
تقصده هو بالغائب. رغم أنه يعود بنفس الوقت تقريباً. رغم تعاملها الحاد معه لا ينكر أنه أحياناً يغيظ منها. سهيلة حين أخبرته أن جدتها ستظل معها وافق ظناً أنها مسألة وقت يومين لا أكثر. كذالك جدتها امرأة مسنة. لكن هذه "جبروت" عليه. لكن أين هي؟ كذالك يعلم أن سهيلة قد عادت من العمل بالمشفى. أين ذهبن النساء؟ كاد أن ينادي على والدته لكن صمت خشية تهجم آسمية عليه. وتنعته بالمزعج. كما تقول عليه. تجول بين المطبخ وغرفة المعيشة وغرفة والدته تعجب أكثر. لكن غرفة سهيلة كانت مواربة قليلاً. نظر لها رأى سهيلة. أكمل فتح باب الغرفة للحظة وقف يشعر بافتتان في قلبه. هي أمامه ليست عارية ترتدي مئزر حمام طويل ومغلق بإحكام على جسدها. كذالك خصلات شعرها نديّة تتساقط منها المياه فوق ياقة المئزر ومقدمة جبهتها. فكر بل تخيل لو جذبها وهام بها مقبلاً. لكن ذهب هذا الخيال حين وقع نظر سهيلة على باب الغرفة ورأت من الذي أكمل فتح باب الغرفة. ودخل لخطوتين لا أكثر. شعرت برجفة في جسدها. زمّت طرفي المئزر أكثر عليها. ونظرت له بهجوم قائلة:
"إنت إزاي تدخل الأوضة؟ مين سمحلك؟ سبق وحذرتك..."
قاطعها آصف قائلاً:
"الباب كان موارب. وكمان في سؤال محتاج منك إجابة عليه."
تهكمت سهيلة وحاولت أن تهدأ قليلاً قائلة:
"وأيه هو السؤال ده؟ ولا هي كذبة جديدة منك، بتتحايل بيها..."
قاطعها آصف سائلاً بتسرع واستخبار:
"إنتِ كنتِ عارفة إن سامر بيحب بنت."
ازدردت ريقها وصمتت للحظات ثم قالت بهدوء:
"لأ معرفش."
نظر لها آصف بعدم تصديق قائلاً:
"سهيلة!"
أجابته بحدة:
"قلت لك معرفش. وإن كنت داخل لأوضتي وبتتحجج بالكدبة، فأنا معرفش. أنا مكنتش مخزن أسراره ولا العلاقة بينا كانت أكتر من زمالة وولاد بلد واحدة صداقة عادية. أو تقدر تقول كانت بالنسبة لي مصلحة. طبعاً كان سامر عنده القدرة يشتري الكتب اللي بسبب إني بنت موظف كحيان مكنتش أقدر أحمله أكتر من طاقته... فكنت بستعير أو بستلف الكتب دي من 'سامر أسعد شعيب'."
غص قلب آصف من طريقة ردها الجافة لكن حاول الهدوء ومد يده لها بصورة فوتوغرافية قائلاً:
"شوفي الصورة دي كده."
أخذت سهيلة الصورة من يده. في البداية تهكمت قبل أن تراها. لكن سرعان ما تمعنت في الصورة بذهول قائلة:
"ريم وسامر!"
لاحظ آصف ذهول سهيلة وسألها باستفسار:
"واضح إنك تعرفيها. مين ريم دي؟"
ازدردت سهيلة ريقها قائلة:
"ريم كانت زميلتنا في الثانوية. بس هي درست في كلية الآداب واتخرجت قبلنا وتقريباً عملت سنة تربوي. وبعدها اشتغلت مدرسة في حضانة مدرسة خاصة بكفر الشيخ."
توقفت سهيلة. سألها آصف:
"اسمها إيه بالكامل، واسم المدرسة إيه، وهي فين دلوقتي؟"
ردت سهيلة:
"دلوقتي! ليه هتعمل عليها تحريات؟ للأسف دلوقتي ريم مبقتش موجودة."
استغرب آصف سائلاً:
"قصدك إيه؟ أكيد..."
قاطعته سهيلة باستعجال:
"ريم ماتت بعد ما اتخرجت من كلية الطب."
ذُهل آصف سائلاً:
"إزاي ماتت؟"
ردت سهيلة:
"ريم مكنتش صاحبتي أوي. كنا مجرد زملاء في الثانوي. حتى مرة كانت اتخانقت هي وسامر واحنا كنا في الدرس. معرفش السبب ولا أعرف إيه اللي حصل بينهم بعد كده. واتفاجئت إن كان فيه حب بينها وبين سامر. بس اللي عرفته إنها ماتت متكهربة. كانت بتشغل السخان في بيتهم وتقريباً حصل ماس كهربا صعقها وماتت في نفس اللحظة. ماما قالت لي كده. لأني وقتها كنت في الفيوم بمارس التكليف بتاعي. كمان أعتقد سامر وقتها كان في الجيش... ده كل اللي أعرفه."
قالت سهيلة هذا ومدت يدها له بالصورة. تلاقت عيناهما للحظات. تبسم آصف يشعر بهدوء وصفاء عكس ما كان يشعر به من أفكار طاحنة قبل دقائق.
بينما سهيلة بداخله هاجس: هل بعد تلك الصورة لـ سامر مع ريم قد يشك آصف ببرائتها من ذبح سامر؟
لكن قبل أن تعلم الجواب، كان هناك صوت ناهراً بحدة تقول بتعسف:
"إنت إيه اللي دخلت الأوضة دي؟ بتستغل غيابي. أوعى تفكر إنك ممكن تأذيها مرة تانية وأقف أتفرج عليك."
تحولت نظرة عين آصف التي كانت صافية، إلى مضجرة. وغادر الغرفة دون حديث. بينما ضمت آسمية سهيلة إلى حضنها. سهيلة التي بداخلها تائهة لم تفهم نظرات آصف. هل عاود الشك بها؟ ربما يكون هذا سبب للانفصال نهائياً بينهم.
***
مساءً.
بمكتب آصف.
كان يجلس يشعر بضجر. ينفث دخان سيجاره إلى أن صدح رنين هاتف المكتب. رفع السماعة وسمع قول السكرتيرة. اعتدل جالساً يقول بذهول:
"بتقولي مين؟"
أجابته السكرتيرة. رد عليها:
"دخله فوراً. وأي ميعاد حوله على مستر إبراهيم. مش عاوز أي إزعاج."
وضع آصف السيجار الذي كان بيده بالمنفضة ونهض واقفاً. خلع معطفه وفتح أزرار القميص من على يديه وشمره حتى ساعديه وذهب خلف باب المكتب واقفاً بتحفز ينتظر. بمجرد أن فتح الباب ودلف الآخر أعطاه آصف لكمة قوية بوجهه بسبب عدم انتباه الآخر. اهتز توازنه وعاد للخلف متأثراً. بنفس اللحظة أغلق آصف باب المكتب باستهجان وغضب قائلاً بغيظ:
"أهلاً بالحبيب اللي كان رايح يخطب مراتي. الخسيس اللي نسي زمالة المدرسة العسكرية. لساك سهو زي ما كنت. اقرأ الفاتحة على روحك... إنت جاي في وقتك بالظبط. جوايا طاقة سلبية مش هلاقي أحسن منك ألطش فيه. واضح إن معشرتك للمجانين سابت أثر على عقلك... مش أحياناً بتصعق المريض بالكهرباء عشان عقله يرجع له؟ أنا بقى هصعقك وبأعلى فولت هنسيك اسمك.... يا بيجاد."
رواية عشق مهدور الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سعاد محمد سلامة
بغرفة آصف استيقظ من نومه على رنين هاتفه. فتح عينيه بإنزعاج، كان يود أن يظل نائمًا مع من كانت بسمتها تُرافق أحلامه. سنوات البُعد كانت قاسية، لكن الأقسى مثلها أيام هي قريبة منه ويخشى أن يذهب إليها طالبًا الصفح. ليست جدتها هي المانع، يعلم جيدًا هي من تضع سياجًا بأشواك بينهم. لو برغبته لسار على تلك الأشواك ووصل إليها بأرجل دامية، لكن حتى لو فعل ذلك سيجد الصد. طريقه مازال في المهد وعليه التروي.
مازال رنين الهاتف مستمرًا، انتبه له وقام بالرد، يسمع مزاح إبراهيم:
"شكل صحتك من حلم جميل، أوه نسيت أقولك صباح الخير، يا سيادة الأڤوكاتو، بفكرك عندك قضية مهمة النهارده."
زفر أنفاسه بضيق قائلًا:
"مزعج، أنا عارف إن عندي قضية ومش محتاج تفكرني، كلها ساعتين وأكون في المحكمة، سلام."
أغلق الهاتف وتركه جواره فوق الفراش وعاود التمدد، ينظر إلى سقف الغرفة يتنهد باشتياق يجتاحه. بداخله أمنية أن يصحو ويجدها جواره بالفراش تلقي عليه الصباح مصحوبًا ببسمتها ودلالها حين كانت تتعمد التأخير في لقاءاتهم بالبحيرة. ود أن يخبرها أنه لولا ما حدث لكانت أول ليلة زواج لهم. كان سيقضيها معها بمنزل اشتراه بتلك البحيرة خصيصًا لتلك الليلة، كان سيهيم بها عشقًا. لكن تملك منه شيطان سفك كل تلك الأماني وأضاعها خلف قصاص قاسٍ بلا ذنب. ذم نفسه على دقائق افتراسها بشكل ليس حيوانيًا، فالحيوان يرفق برفيقته. هو لم يرفق ولم يفق من ذاك الغضب إلا حين رأى دمائها. حتى لمسة يدها حرم نفسه منها، من الشعور بها. ندم ليس كافيًا لذاك العذاب الذي يعيشه باقترابها ونظرة الخوف في عينيها. قُبلة وعناق أمس كانا مثل نسمة دافئة. خشي أن يعود الصقيع لقلبه حين تفيق من المفاجأة وتُرى بعينيها الرهبة. ثوران يشعر به يهدر بقلبه. أخرجه من ذلك صوت طرق على باب غرفته وخلفه صوت صفوانة أن الفطور أصبح جاهزًا. أزاح دثار الفراش ونهض سريعًا، بداخله أمنية أن يرى سهيلة خلفه قبل أن يغادر.
سأم وجهه حين خرج من باب غرفته ونظر نحو باب غرفة سهيلة كان مغلقًا. أيُعقل أن جدتها مازالت نائمة؟ لا، هي تستيقظ في العادة باكرًا. سرعان ما لعبت به الظنون. هل يُعقل أن تكون سهيلة أخبرت جدتها بتلك القُبلة وتضايقت منه وأخذت سهيلة وغادرت الشقة؟ لا بالتأكيد.
سار بخطوات رتيبة تتلاعب بقلبه الظنون، إلى أن وصل إلى غرفة السفرة. تنهد براحة حين وجد سهيلة تجلس هي ووالدته خلف طاولة الطعام. نظرت له شكران ببسمة حنونة قائلة:
"صباح الخير يا آصف."
تبسم لها آصف واقترب منها وانحنى يُقبل رأسها، عيناه تنظر إلى سهيلة قائلًا:
"صباح الخير يا ماما."
تبسمت له شكران بمودة قائلة:
"يلا اقعد افطر."
جذب آصف المقعد الذي بجوار سهيلة ورمقها بنظرة مبتسمًا قائلًا:
"صباح الخير يا سهيلة."
بداخله ود تقبيل وجنتها يخصها بقول "حبيبتي" دون خجل من وجود والدته، لكن يخشي رد فعلها.
بينما سهيلة للحظات شعرت برهبة اقترابه منها، كذلك تذكرت قُبلة الأمس. شعرت بخجل، ردت بصوت محشرج قليلًا:
"صباح النور."
تبسم لردها، لكن نظر خلفه، ينتظر مجيء آسمية. لاحظت شكران نظره خلفه سألته:
"بتبص وراك ليه يا آصف عاوز حاجة من صفوانة؟"
رد آصف:
"لأ، بس الحاجة آسمية اتأخرت عالفطور."
تبسمت شكران، بينما ردت سهيلة بهدوء:
"تيتا رجعت كفر الشيخ من امبارح بعد الظهر، خالي جاي زيارة مفاجئة وهيِقعد حوالي تلات أسابيع."
ارتسمت بسمة تلقائية على شفتي آصف، لكن شعر بندم. ليته علم مسبقًا بعدم وجود آسمية مع سهيلة بالغرفة. ما بات ليلته يتجرع لوعة الاشتياق. على الأقل كان سَرى عينيه برؤية سهيلة طوال الليل.
بعد قليل نهض آصف يشعر بانشراح في قلبه. دقائق قليلة قضاها بجوار سهيلة دون توبيخات آسمية. نظر إلى سهيلة قائلًا:
"أنا هرجع عالغدا يا ماما."
تبسمت شكران وهي ترى نظرات آصف لـ سهيلة التي تدعي أنها ما زالت تتناول الطعام. قالت بهدوء:
"تمام يا حبيبي ربنا يوفقك."
غادر آصف دون سماع صوت سهيلة، بينما تبسمت شكران لها قائلة:
"والله اتعودت على وجود الحاجة آسمية معانا، ربنا يصبحها بالخير."
تبسمت سهيلة. بينما عاودت شكران الحديث:
"إنتِ رجعتِ مع آصف ليلة امبارح."
ارتبكت سهيلة من سؤال شكران، فهذه أول مرة تسألها عن عودتها. أجابت بتوتر:
"أيوا لما طلعت من المستشفى لقيته واقف واتعشينا بره."
تبسمت شكران بمغزى، لا تود إحراج سهيلة أكثر. فهي رأت آصف وهو يقبلها ليلة أمس. كانت ستخرج من غرفتها لتأتي بمياه، لكن حين رأتهم يدخلون إلى الشقة، كذالك حصار آصف وتقبيله لها، وتركه لها قبل أن تتفوه بما يفسد سعادته في هذه اللحظة. لا تنكر شعورها بغصة مما أوصل آصف نفسه، كأنه يسرق قبلة من زوجته. تنهدت بتمني وقامت بالدعاء، أن يهتدي الوصال بينهم. وتعود نظرة عيونهم الدافئة كما في السابق حين كانت تلاحظهم عن قرب.
***
ظهرًا.
بمكان قريب من البناية التي تقطن بها سهيلة، ترجل رحيم من تلك الحافلة ينظر حوله إلى الشوارع، يقرأ أسماءها حتى رأى ما يبحث عنه. تبسم وتوجه نحو ذلك الشارع، لكن فجأة تصنم بمكانه. بس رعونة سير تلك السيارة التي توقفت فجأة قبل أن تدهسه. لكن ليس هذا فقط ما ضايقه، بل ضايقه أكثر تلك المياه التي كانت بتلك البؤرة وبسبب رعونة سائق تلك السيارة طرطشت تلك المياه عليه ولوثت ثوبه الميري الذي كان يرتديه. تعصب حين ترجلت تلك الفتاة من السيارة واقتربت منه بلهفة وخوف، كذالك غرور وإلقاء الخطأ عليه سائلة: "جرالك حاجة؟ بس انت اللي ماشي في نص الطريق وكان لازم..."
"- كان لازم إيه..."
قاطعها بعصبية وهو يخرج محرمة ورقية من جيبه وقام بمسح تلك المياه الملوثة التي أصابت وجهه. نظر لها بغضب ساحق قائلًا:
"سايقة على أقصى سرعة، وكان سهل تدهسيني ونازلة بدل ما تعتذري نازلة ترمي خطأك عليا، واضح إنك إنسانة غير مسؤولة فرحانة بعربيتك الماركة وسرعتها ومش فارق معاكِ إنك ممكن كان بسهولة تدهسيني. أنا سهل آخد نمرة العربية وأروح لأقرب قسم شرطة وأقدم شكوى في المرور بأنك شخصية غير مؤهلة لقيادة سيارة في الشارع، واحدة فرحانة إنها عندها عربية أهلها شارينها لها عشان تزعج غيرها وكان سهل تتسبب في موته، واضح إنك أخدتِ رخصة القيادة بالواسطة."
نظرت له بغضب قائلة:
"واضح إني مكنش لازم أنزل من عربيتي عشان أطمن عليك، وأنا فعلًا مش بتأسف لك، ومتفكرش إن بدلة الشرطة اللي لابسها دي هتخوفني ولا تفرق معايا، وقدامك العربية اهي خد نمرتها ولا أقولك أنا النمر وروح أقرب قسم بعد شارعين وقدم المحضر اللي إنت عاوزه، سلام أنا ضيعت من وقتي لما نزلت من العربية أساسًا."
بغضب من الاثنين، سار كل منهم لطريقه.
بعد قليل فتحت سهيلة باب الشقة، لكن اندهشت من تلوث ملابس رحيم قائلة:
"إيه اللي حصل؟ البدلة اللي عليك كلها ميه واضح إنها مش نضيفة، أنت اتزحلقت وانت ماشي ولا إيه؟"
رد رحيم بعصبية:
"لأ، كان فيه بؤرة ميه قريبة من الشارع وسواقة عربية فرحانة بنفسها وسايقة على أقصى سرعة طرطشت عليا الميه."
تبسمت سهيلة قائلة بمرح:
"معلش كده كده كانت ماما هتغسلهالك أول ما ترجع للبلد، بس غريبة أنا مصدقتش لما اتصلت عليا من شوية وقالت إنك نازل إجازة على غير العادة مش متعاقب."
تبدل وجوم رحيم إلى بسمة قائلاً:
"عشان بقيت ملتزم. هتسبيني واقف كده قدام باب الشقة مش تقوليلي اتفضل، ولا آصف محرج عليكِ تدخلي أخوكِ للشقة في عدم وجوده."
تبسمت سهيلة وهي تتجنب ليدخل رحيم قائلة:
"صاحبة الشقة هي طنط شكران وهي اللي تسمحلك أو لأ."
تبسمت شكران التي قابلتهم في الردهة ونظرت لـ سهيلة بامتنان من ذوقها قائلة:
"إنتِ هي صاحبة المكان وقلب آصف كمان، وأي حد من طرفك يبقى صاحب مكان ومكانة زيك."
تبسم رحيم وهو ينظر لتلك السيدة صاحبة الملامح الحنونة، كذالك ذوقها بالرد وشعر بألفة منها، كذالك ارتياح في قلبه على سهيلة التي تستحق كل السعادة. لاحظ لمعة جديدة في عينيها، ليست أول مرة تمرح معه لكن يراها اليوم بملامح أخرى حيوية أكثر وإشراق بوضوح.
اقترب من شكران ورفع يده مصافحًا يقول:
"أنا رحيم أخو سهيلة."
صافحته بترحاب قائلة بتذكر كيف مرت السنوات:
"ياه السنين فاتت بسرعة، أنا لسه فاكراك وإنت صغير كذا مرة جيت مع سهيلة في السرايا، كبرت ماشاء الله."
تبسم لها قائلًا:
"أنا من صغري برتاح لسهيلة وكنت دايماً بحب أرافقها."
تبسمت له شكران. سهيلة، كاسمها سهلة المعشر ورقيقة، لكن ربما ما حدث لها جعلها تحاوط نفسها ببعض الأشواك الضعيفة، لكن دامية بنفس الوقت لقلب آصف.
جلس ثلاثتهم بغرفة المعيشة وقتًا ليس قصيرًا إلى أن قرع جرس باب الشقة. نهضت سهيلة قائلة:
"خالتي صفوانة زمانها مشغولة في تحضير الغدا، هلبس الإسدال وأروح أفتح أشوف مين."
تبسمت لها شكران، ورحبت مرة أخرى بـ رحيم الذي شعر معها بالود، بينما فتحت سهيلة باب الشقة تفاجأت بفتاة تضع نظارة ملونة حول عينيها، كذالك خصلات شعرها القصير لحد ما مصبوغ أطرافه بعدة ألوان. ملامحها مختفية خلف تلك الألوان التي تضعها فوقها بإتقان. كادت أن تسألها من تريد، ربما أخطأت في العنوان. هكذا ظنت الفتاة أيضًا، وعادت للخلف تتأمل رقم الشقة، ثم سألت بنبرة شبه متعالية:
"إنتِ شغالة جديدة هنا."
اندهشت سهيلة وقبل أن ترد عليها، رد آصف الذي جاء خلفها بغضب ورتابة:
"دي سهيلة مراتي، أهلًا يا شيرويت."
شعرت شيرويت بخزي بينما تبسمت سهيلة لـ آصف الذي نظر لـ شيرويت وهي تدخل إلى الشقة وهو خلفها ثم أغلق باب الشقة خلفه متنهدًا بسبب استقلال شيرويت من سهيلة. دلف خلفهن إلى حجرة المعيشة، بينما رفع رحيم نظره إلى من دلف إلى الغرفة وقف ينظر لها ببغض، كذالك هي. تحدث الاثنين بنفس اللحظة ونفس الكلمة - أنت - إنتِ.
نظر لهما آصف الذي دلف خلف سهيلة قائلًا:
"إنتو تعرفوا بعض."
نظرت شيرويت باشمئزاز له قائلة:
"طبعًا لأ."
بينما جاوب رحيم باستقلال واضح:
"طبعًا أنا معرفش الأشكال المايصة دي."
كتمت سهيلة بسمتها حين وضعت إحدى يديها فوق شفتيها، بينما تبسم آصف بخفية. حاولت شكران تلطيف الجو قائلة:
"أكيد فيه سوء تفاهم، خلونا نقعد سوا."
قاطعت صفوانة حديث شكران قائلة:
"حضرت الغدا عالسفرة."
أومأت لها شكران قائلة:
"طب خلونا نتغدا سوا وبعدها نبقى نتفاهم، يلا يا شباب."
وافق الجميع وذهبوا نحو غرفة السفرة. لسوء الحظ جلس رحيم بجوار شيرويت التي تنفخ بين الحين والآخر، كذالك رحيم الذي يشعر بالاشمئزاز من تلك الخصلات الملونة، كذالك كثرة تلك المساحيق التي تضعها فوق ملامح وجهها تُخفي حقيقة معالمها تقريبًا، كذالك ذاك العطر الآخاذ ذو الرائحة النافذة والنافرة بنفس الوقت. بينما آصف عيناه لا ترى غير سهيلة التي تحاول إخفاء بسمتها وهي تنظر إلى ملامح أخيها تشعر بأنه على شفا لحظة وربما ينهض ويصفع تلك الملونة الشعر.
بعد انتهاء الغداء عادوا مرة أخرى إلى غرفة المعيشة. تنحنحت شيرويت قائلة:
"آصف كنت محتاجة أتكلم معاك خمس دقايق على انفراد."
نظر لها رحيم باستهزاء، تلك الآفاقة التي تدعي الرقي.
نهض آصف واقفًا قائلًا:
"تعالى نتكلم في مكتبي."
ذهبت خلفه نحو مكتبه، لم يغيبا كثيرًا وعادا مرة أخرى إلى غرفة المعيشة. تبسمت شيرويت قائلة بمجاملة:
"بصراحة أنا بحب طنط شكران جداً وكنت أتمنى أفضل وقت أكتر، بس للأسف، الامتحانات خلاص أيام وتبدأ، ولازم أجمع المنهج، هستأذن أنا."
تبسمت لها شكران قائلة:
"ربنا يوفقك."
ما زالت نظرة شيرويت لـ سهيلة الدونية المستوى التي لا تشعر أنها تليق بشخص مثل آصف. لكن رسمت بسمة زائفة:
"اتشرفت بمعرفتك يا سهيلة."
أومأت لها سهيلة مبتسمة دون رد. بينما نظرت شيرويت إلى رحيم بغيظ، بادلها النظرة بفتور وبلا مبالاة كأنها بلا قيمة. غادرت شيرويت. جلس آصف مرة أخرى معهم. رمق رحيم بنظرة خاصة مرحبًا به. شعر رحيم للحظة بخزي منه. لاحظت سهيلة ذلك.
دخل إلى عقلها فضول، لكن تسألت شكران:
"شيرويت كانت عاوزة إيه؟"
تبسم آصف قائلًا:
"عاوزة وصاية مني للدكاترة بتوعها في الجامعة عشان طبعًا تجيب تقدير كويس في الامتحانات."
تبسمت شكران قائلة:
"شيرويت عكس يارا تمامًا، ربنا يوفقهم الاتنين."
تنهد آصف هامسًا:
"شيرويت بنت أسعد وشهيرة، لكن يارا من مصلحتها قربها منك يا ماما."
سمعت سهيلة همس آصف، نظرت إلى شكران بداخلها سؤال تود أن تسأله لها: كيف يستطيع قلبك تحمل كل هذا؟ كيف يفيض بحنان على بنات من اقتسمت قلب زوجك يومًا؟ تشعر أن هنالك أشياء تخفى عنها منذ أن أتت للعيش هنا. لم تر أسعد حتى لا يذكر اسمه إلا قليلًا، كذالك رد شكران دائمًا تكن له الاحترام، رغم أنها على دراية بأنه لا يستحق ذلك.
جلست ود هادئة، ونظرات عاشقة يخصها آصف لسهيلة.
لكن قطع حديثهم رنين هاتف آصف، أخرجه من جيبه وقام بالرد على من يتصل عليه بهدوء، ثم أنهى الحديث معه قائلًا:
"تمام ساعة وهكون عندك."
نهض آصف ينظر لـ سهيلة قائلًا:
"هروح أغير هدومي وخارج تاني، بس مش هغيب، هرجع المسا عشان نروح الحفلة سوا."
"- حفلة إيه!"
هكذا سألت سهيلة، أجابها آصف:
"حفلة عيد ميلاد مدام مي المنصوري."
اعترضت سهيلة:
"بس أنا ماليش في نوعية الحفلات دي، روح لوحدك."
تنهد آصف قائلًا:
"لأ هي داعيانا سوا، مضطر أمشي بس هرجع المسا ياريت تكوني جاهزة."
غادر آصف دون انتظار لمحايلة سهيلة، بينما تبسمت شكران قائلة بتحريض:
"مالها الحفلات دي، حفلة عادية حتى تفرفشي شوية إنتِ من شغل المستشفى للشقة، أهي فرصة ترفهي شوية عن نفسك."
رسمت سهيلة بسمة، رغم اعتراضها، كذالك شجعها رحيم قائلًا:
"روحي وابقي هاتيلى معاكِ حتتين جاتوه، ولا يا خسارة هكون رجعت كفر الشيخ، أقولك حطيهم في التلاجة ابقي أفوت آخدهم وانا راجع للكلية."
تبسمت له شكران، بينما سهيلة لا تود الذهاب، بسبب نظرات تلك المرأة التي تخص آصف بها دون حياء.
***
مساءً.
دلف آصف إلى المنزل، تبسم لـ صفوانة التي قابلته بترحيب سائلًا:
"ماما فين؟"
ردت صفوانة:
"الست شكران، في أوضتها كانت بتكلم أيسر عالموبايل..."
قبل أن يسأل آصف عن سهيلة، أجابته بسؤال خبيث:
"وسهيلة في أوضتها، بس إيه اللي معاك في الصندوق ده."
تبسم آصف ونظر إلى ذاك الصندوق الصغير قائلًا:
"بطلي خباثة الفلاحين دي يا صفوانة."
تبسمت له صفوانة بقبول وهو يتخطاها نحو غرفة سهيلة، تنهدت تدعي له براحة القلب، بينما ذهب آصف نحو غرفة سهيلة كالعادة الباب موارب. طرق على الباب ثم أكمل فتحه. تبسم حين اعتدلت سهيلة جالسة على الفراش، تنظر له بتوتر حاول تجاهله، لكن سهيلة تسرعت:
"خير إيه دخلك لأوضتي."
غص قلب آصف لكن اقترب من فراشها ووضع ذاك الصندوق عليه قائلًا:
"جبت لك فستان مناسب عشان الحفلة، ياريت تجهزي عشان منتأخرش."
زفرت سهيلة أنفاسها بضيق قائلة:
"بس أنا قولتلك..."
قاطعها آصف بحسم:
"كان لازم ترفضي من وقت ما دعتك امبارح ليه سكتِ، أعتقد ساعة مش هتأثر عليك، هروح أنا كمان أغير هدومي، على ما إنت كمان تجهزي."
ترك آصف سهيلة التي تشعر بضيق، هي لا تود رؤية تلك الآفاقة، لكن آصف يمارس ضغطًا عليها، حتى تعترف بأنها تنفر من حركات تلك الوقحة. ارتسمت بالبرود، أصرت أنها لن تذهب. نهضت من فوق الفراش حملت ذاك الصندوق وذهبت نحو غرفة آصف بنيتها أنها ستعترض ولن تذهب. وقف أمام باب غرفته يستجمع شجاعتها، زفرت أنفاسها بتحفيز، ثم طرقت على باب الغرفة، ودلفت حين سمعت صوت سماح آصف لها، لكن تيبس جسدها حين فتحت باب الغرفة ودلفت خطوة بداخلها، شعرت بحياء حين وقع بصرها على ظهر آصف شبه عارٍ، ارتبكت وظلت صامتة للحظات. استدار آصف ونظر لها تبسم على ملامح وجهها التي أصبحت حمراء من الخجل، وقال:
"ممكن تقفلي باب الأوضة لو سمحت، وبعدها ابقي قولي اللي عاوزاه؟"
انتبهت سهيلة وشعرت برجفة بجسدها سُرعان ما قالت:
"أنا مش عاوزة حاجة، الفستان أهو، أنا مش..."
"- مش إيه"
قاطعها آصف وهو يقترب منها، كل خطوة تربك عقلها، ورهبة تسكن جسدها. عادت للخلف إلى أن وصلت للباب شعرت بريبة قائلة:
"هروح ألبس حاجة ملائمة من عندي، بس مش هلبس اللي في الصندوق ده."
تبسم آصف رغم تلك الوخزات بقلبه من نظرة عينيها المرتعبة قائلًا بهدوء:
"تمام براحتك... بس كفاية تأخير."
ذهبت سهيلة. وقف آصف يتنهد، ربما يكفي أنها أتت لغرفته، كذالك وافقت على الذهاب معه. فلولا سهيلة ما كان ذهب إلى ذلك الحفل الذي لا يستهويه، فقط ذاهب من أجل الانفراد بـ سهيلة حتى ولو لوقت قليل.
بعد قليل انتهى آصف من ارتداء ثياب مناسبة، ذهب نحو غرفة سهيلة وقام بالطرق على باب الغرفة. لحظات قبل أن تفتح سهيلة باب الغرفة قائلة:
"أنا جاهزة."
نظر لها آصف بتقييم، لا ينكر إعجابه بزيها البسيط لكن أنيق في نفس الوقت، كذالك حجابها المنمق والملائم لزيها. لكن كان ينقصه بعض الرتوش الخاصة. أخرج علبة مخملية من خلف ظهره، مد يده بها لها قائلًا:
"أعتقد الطقم ده هيدي طابع ملكي ليكِ، وياريت بلاش اعتراض."
لم تعترض سهيلة تود الخروج من تلك الحالة، أخذت العلبة وذهبت نحو المرآة الخاصة بغرفتها. فتحت العلبة، لا تنكر إعجابها بتلك القطع الذهبية المرصعة ببعض الألماس. أخذت تضع قطعة خلف أخرى. ظل ذاك الخاتم وجواره خاتم آخر يبدوان مثل خواتم العروس. للحظة فكرت، يكفي ذاك السوار والسلسال. لكن آصف لاحظ ترددها فقال:
"ياريت تلبسي كمان الخاتم والدبلة."
كيف قرأ ما بخاطرها أنها لم تكن تود وضعهم في أصابعها، لكن ارتدتهم بعجالة حتى لا تتردد مرة أخرى.
نظرت له بتهرب قائلة:
"أنا جاهزة."
تبسم وأشار لها بيده أن تتقدم أمامه. تقابلا مع شكران التي تبسمت لهم وتمنت لهم قضاء وقت سعيد.
بالسيارة شعرت سهيلة بارتباك وتوتر مصحوب برجفة، حتى مع حديث آصف الهادئ كانت ترد باختصار. تنفست الصعداء حين ترجلت من السيارة أمام مدخل تلك الفيلا الفخمة. ارتعش جسدها حين تعمد آصف إمساك يدها، وسحبها تسير بجواره إلى أن دلفا إلى ذاك البهو الواسع، ورأت ذاك الجمع الكبير. لم تهتز ولم يلفت انتباهها أي شيء، مجرد مظاهر آفاقين فقط. كل ما تشعر به هو رجفة يدها التي يمسكها آصف، حتى تلك الهدية الذي قدمها آصف لـ مي لا تفرق معها. لكن شعرت بضيق حين تعمدت مي، عناق آصف وقبلت وجنته، كنوع من الامتنان له على الهدية. شعر آصف بمفاجأة من فعلة مي وتضايق وغضب منها، وكاد يغادر، لكن بدل ذلك، بعدما نظر إلى ملامح وجه سهيلة التي تبدلت وكذالك تلك الزفرة الساخنة التي خرجت من بين شفتيها، تبسم ورسم القبول بذلك. رحبت به مي بحفاوة كأنه لا يوجد غيره بالحفل. حتى جلسا خلف إحدى الطاولات. مظاهر حفلة عيد الميلاد هذه مختلفة عليها، ليست بسيطة، فهي أشبه بمؤتمر لعقد الصفقات والتباهي أمام الكاميرات. شعرت سهيلة بالنفور. ازداد حين عادت مي، وقامت بالانحناء على آصف، وطلبت منه أن يرقص معها. نظر آصف إلى سهيلة ود لو اعترضت، لكن أظهرت برودًا عكسيًا. تبسم آصف ونهض مع مي، ذهبا إلى تلك الساحة بمنتصف البهو. بلا اهتمام، شعر بإمساك مي ليده، وضعتها حول خصرها والأخرى ضمتها بيدها، وبدأت بالدوران معه، لكن هو كانت عيناه على سهيلة. لاحظت مي ذلك فقالت باستقلال:
"هي دي مراتك؟ إزاي قبلت ترجعلك، مش مكنتش قابله بـ..."
قاطعها آصف قائلًا:
"أعتقد ده شأني الخاص."
صمتت مي للحظات تشعر بالبغض لتلك الجالسة التي تستحوذ على عقل وقلب آصف. لكن آصف مع كل دوران كان ينظر نحو سهيلة، لكن تفاجأ أنها لم تعد جالسة. ترك يد مي وانسحب بعيدًا عنها، وذهب نحو طاولة سهيلة. شعر بنغزة في قلبه وخرج سريعًا. نحو تلك السيارة سائلًا:
"الدكتورة خرجت من الحفلة."
رد أحدهم:
"فعلًا وعرضنا نوصلها وهي مرضيتش وقالت هتتمشى شوية، وكان فيه فرد أمن مرافق ليها وقال إنها ركبت تاكسي وطلبت منه يوصلها للبيت."
نظر له آصف بغضب قائلًا:
"وإزاي سيبتوها تمشي لوحدها؟ حسابكم معايا بعدين."
***
ترجلت سهيلة من سيارة الأجرة ثم صعدت إلى الشقة ودلفت إليها، تشعر بإرهاق، ليس بدني لكن ذهني. فتحت باب غرفتها ودلفت إليها تشعر بسأم، كذالك شعور بسخونة في جسدها. ذهبت نحو الفراش مباشرةً، وجلست عليه. قامت بفك وشاح رأسها ووضعته بجوارها على الفراش ثم تحررت من بعض ثيابها، وتلك المصوغات وضعتها على جنب حتى تلك الدبلة والخاتم خلعتهم، واستلقت بنصف جسدها على الفراش. زفرت أنفاسها تشعر بتشتت من تلك المشاعر التي انتابتها قبل قليل حين رأت آصف يرقص مع تلك المرأة. حقًا يبدو بوضوح عدم انسجامه معها بالرقص، لكن بالنهاية جسدهما قريب من بعض بأحضان بعض تقريبًا، كذالك هي كانت تتقرب منه أكثر. شعور غريب، هل هو "غيرة".
فجأة انتفضت ونهضت واقفة تذم نفسها قائلة:
"غيرة إيه يا سهيلة، إنتِ نسيتِ اللي جرالك منه ولا لسه بتحبيه؟ آصف أسوأ إنسان في حياتك، أكتر شخص آذاكِ ومازال مستمر في أذيتك، بدليل خداعهُ إنك لسه على ذمتهُ. فوقي كفاية هتفضلي ضعيفة لحد إمتى؟ المفروض الجوازة دي تنتهي وكمان تخرجي من دايرة آصف."
تنهدت ورفعت يديها قامت بفرد خصلات شعرها الأسود تركته ثائر خلف ظهرها، وتوجهت نحو دولاب الملابس أخرجت لها منامة. للحظة عاود منظر رقص آصف مع تلك المرأة لخيالها. لامت نفسها وذهبت نحو الفراش، وضعت المنامة عليه، حتى تقوم بخلع باقي ملابسها. لكن نظرت نحو باب الغرفة الذي انفتح دون استئذان. سريعًا جذبت جزء من تلك المنامة وارتدته، قبل أن تتهجم بالحديث:
"مش فيه باب تخبط عليه قبل ما تدخل، ولا هو طبع فيك إنك تتهجم على خصوصية الآخرين."
أغمض آصف عينيه للحظة بعد أن وقع بصرهُ عليها وهي نصف عارية، يشعر بشوق يفتك به يتمنى الآن أن يجذبها إليه يضمها بين أحضانه يستقي منها الشوق الذي يهدر بكيانهُ. عاود فتح عينيه يختفظ بتلك الصورة في خياله، وتغاضى عن تهجمها في الحديث معه سائلًا:
"ليه مشيتِ من الحفلة وكمان من غير حراسة."
زفرت أنفاسها بغضب قائلة:
"قولتلك ألف مرة مش محتاجة للحراسة ماليش عدوات مع حد أخاف من أذيته، وكمان مشيت عشان تبقى براحتك، يمكن وجودي كان مضايق عليك، وترقص براحتك مع العاهرة اللي كان ناقص..."
توقفت سهيلة فجأة عن التفوه أكثر عن تلك المرأة حتى لا تثير زهو آصف ويظن أنها تغار عليه، وحاولت إظهار اللامبالاة وفسرت الأمر ببساطة:
"أنا أساسًا مكنتش عاوزة أحضر الحفلة دي، أو أقولك الحقيقة النوعية دي من الحفلات ماليش فيها ولا أحب أحضرها، محبش أحضر في مكان وأشوف فيه مناظر ملهاش معنى غير إنها مجاملات أو بالأصح مناظر حرام أساسًا. وكمان ناسي إني فلاحة ومليش في الحفلات الراقية اللي من النوع الدنيء ده."
للحظة ظهرت البسمة على محيا آصف، ونسي سبب ذلك الغضب الذي كان يشعر به بسبب مغادرتها الحفل دون إخباره قبلها كذالك دون اصطحاب حراسة معها. شعر بانشراح من مغزى حديثها. هي شبه أخطأت وربما ضغطت مشاعر الغيرة لديها، أنها لم تستطع رؤيته يحتضن تلك السخيفة التي أحرجته وطلبت منه أن يرقص معها. وافق على عرضها ليس مضطرًا أو مرغمًا بل وافق عن قصد إثارة مشاعر سهيلة، وقد نجح في ذلك.
لكن السؤال الذي يخشى إجابته: هل حقًا سهيلة تحمل له مشاعر خاصة تجعلها تشعر بالغيرة عليه؟ والإجابة موجعة. بالتأكيد لا. والسبب... هو بتسرعه في تنفيذ حكم خاطئ أهدر عشقه بقلب امرأة يملأ عشقها قلبه يتغلغل بكل ذرة في جسده مع جريان الشريان في أوردته.
شعرت سهيلة أنها تسرعت بالرد. ربما ظن أنها تغار عليه أو ما زالت تكن له مشاعر. بدلت قائلة بأسف:
"خسارة يا آصف، لما كنت قاضي عادل الخوف مكنش في قلبك كنت شجاع، لكن لما بقيت ظالم بقيت تمشي وراك وقدامك حراسة. إحساس إنك ظالم زرع في قلبك الخوف."
ابتلع آصف تلك الغصة وهو يقترب منها بخطوات بطيئة يود البقاء معها وقتًا أطول، لكن نظرة عينيها التي حاولت أن تتمسك ببرودتها وضعته بحيرة. هل ما زالت سهيلة تكن له مشاعر مطموسة، أم أن تلك النظرة النافرة حقيقية؟ لكن هي بكل خطوة يقترب تشعر برجفة في جسدها. وللغرابة ليست خوفًا من اقترابه. بداخل عقلها لن يستطيع إيذائها كما فعل بالماضي، فإن كانت جدتها ليست بجوارها معهما بنفس الشقة، والدته كذالك صفوانة. لكن أغمضت عينيها. ألم تكون هاتان موجودتان بنفس المكان تلك الليلة؟ وعاصفة من الظنون بدأت تطوف بعقلها. لكن أخرجها من تلك الظنون، شعورها بقبضة يد آصف على عضدها وجذبها عليه. كانت بلحظة تقبع بين يديه ضمها قويًا وبلا انتظار قبلها.
لكن هذه المرة ليست كليلة أمس. استكانت الليلة. دفعته عنها بقوة وابعدت عنه تلهث قائلة بغضب:
"اخرج برة أوضتي يا آصف وابعد عني. متفكرش إن أفعالك الهادية دي هتأثر عليا وأنسى إنك أسوأ إنسان مر بحياتي. وجودي هنا مسألة وقت، زي انفصالنا هو كمان مسألة وقت والمرة دي هتأكد قبل ما أمضي على ورقة طلاقنا."
تعصب آصف قائلًا بغضب:
"انفصالنا أمر مستحيل يحصل، مستحيل تتحرري من عشقي غير في حالة موتي يا سهيلة."
ترك آصف الغرفة وصفق خلفه باب الغرفة بقوة. زفرت سهيلة أنفاسها بغضب هي الأخرى تذم نفسها قائلة:
"فوقي يا سهيلة وكفاية بلاش يخدعك نعومة آصف."
بينما ذهب آصف إلى غرفته الخاصة، يزفر أنفاسه يشعر كأن قلبه ينزف. كلما ظن أنه اقترب خطوة، تفاجأ بأنه في أول الطريق. شعر بإنهاك عقله هو الآخر بعد معرفته أن ذاك الذي يتعقبه هو "والده". رغم أن لديه شك في هذا.
رواية عشق مهدور الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سعاد محمد سلامة
في غرفة آصف، استيقظ من نومه على رنين هاتفه. فتح عينيه بإنزعاج، كان يود أن يظل نائمًا مع من كانت بسمتها تُرافق أحلامه. سنوات البُعد كان قاسيه، لكن الأقسى مثلها أيام هي قريبة منه ويخشي أن يذهب إليها طالبًا الصفح. ليست جدتها هي المانع، يعلم جيدًا هي من تضع سياجًا بأشواك بينهم. لو برغبته لسار على تلك الأشواك ووصل إليها، بأرجل دامية، لكن حتى لو فعل ذلك سيجد الصد. طريقه مازال في المهد وعليه التروي.
مازال رنين الهاتف مستمرًا، انتبه له وقام بالرد يسمع مزاح إبراهيم:
"شكل صحتك من حلم جميل. أوه نسيت أقولك صباح الخير، يا سيادة الأڤوكاتو، بفكرك عندك قضية مهمة النهاردة."
زفر نفسه بضيق قائلًا:
"مزعج، أنا عارف إن عندي قضية ومش محتاج تفكرني، كلها ساعتين وأكون في المحكمة، سلام."
أغلق الهاتف وتركه جواره فوق الفراش وعاود التمدد فوق الفراش ينظر إلى سقف الغرفة يتنهد باشتياق يجتاحه وبداخله أمنية أن يصحو ويجدها جواره بالفراش تلقي عليه الصباح مصحوبًا ببسمتها ودلالها حين كانت تتعمد التأخير في لقاءاتهم بالبحيرة. ود أن يخبرها أنه لولا ما حدث لكانت أول ليلة زواج لهم كان سيقضيها معها بمنزل اشتراه بتلك البحيرة خصيصًا لتلك الليلة، كان سيهيم بها عشقًا، لكن تملك منه شيطان سفك كل تلك الأماني وأضاعها خلف قصاص قاسٍ بلا ذنب. ذم نفسه على دقائق افتراسها بشكل ليس حيواني، فالحيوان يرفق برفيقته، هو لم يرفق ولم يفق من ذاك الغضب إلا حين رأى دمائها. حتى لمسة يدها حرم نفسه منها من الشعور بها. ندم ليس كافيًا لذاك العذاب الذي يعيشه باقترابها ونظرة الخوف في عينيها. قبلة وعناق أمس كانا مثل نسمة دافئة، خشي أن يعود الصقيع لقلبه حين تفيق من المفاجأة ويرى بعينيها الرهبة. ثوران يشعر به يهدر في قلبه.
أخرجه من ذلك صوت طرق على باب غرفته وخلفه صوت صفوانة أن الفطور أصبح جاهزًا. أزاح دثار الفراش ونهض سريعًا بداخله أمنية أن يرى سهيلة خِلّته قبل أن يغادر. سأم وجهه حين خرج من باب غرفته ونظر نحو باب غرفة سهيلة كان مغلقًا. أيُعقل أن جدتها مازالت نائمة؟ لا، هي تستيقظ في العادة باكرًا. سرعان ما لعبت به الظنون. هل يُعقل أن تكون سهيلة أخبرت جدتها بتلك القبلة وتضايقت منه وأخذت سهيلة وغادرت الشقة؟ لا بالتأكيد.
سار بخطوات رتيبة تتلاعب بقلبه الظنون، إلى أن وصل إلى غرفة السفرة. تنهد براحة حين وجد سهيلة تجلس هي ووالدته خلف طاولة الطعام. نظرت له شكران ببسمة حنونة قائلة:
"صباح الخير يا آصف."
تبسم لها آصف واقترب منها وانحنى يقبل رأسها، عيناه تنظر إلى سهيلة قائلًا:
"صباح الخير يا ماما."
تبسمت له شكران بمودة قائلة:
"يلا اقعد افطر."
جذب آصف المقعد الذي بجوار سهيلة ورمقها بنظرة مبتسمًا قائلًا:
"صباح الخير يا سهيلة."
بداخله ود طبع قبلة على وجنتها يخصها بقول "حبيبتي" دون خجل من وجود والدته، لكن يخشى رد فعلها.
بينما سهيلة للحظات شعرت برهبة اقترابه منها، كذلك تذكرت قبلة الأمس. شعرت بخجل، ردت بصوت محشرج قليلًا:
"صباح النور."
تبسم لردها، لكن نظر خلفه، ينتظر مجيء آسمية. لاحظت شكران نظره خلفه فسألته:
"بتبص وراك ليه يا آصف عاوز حاجة من صفوانة."
رد آصف:
"لأ، بس الحاجة آسمية اتأخرت عالفطور."
تبسمت شكران، بينما ردت سهيلة بهدوء:
"تيتا رجعت كفر الشيخ من امبارح بعد الظهر، خالي جاي زيارة مفاجئة وهيقعد حوالي تلات أسابيع."
ارتسمت بسمة تلقائية على شفتي آصف، لكن شعر بندم ليته علم مسبقًا بعدم وجود آسمية مع سهيلة بالغرفة، ما بات ليلته يتجرع لوعة الاشتياق، على الأقل كان سر عينه برؤية سهيلة طوال الليل.
بعد قليل، نهض آصف يشعر بانشراح في قلبه. دقائق قليلة قضاها بجوار سهيلة دون توبيخات آسمية. نظر إلى سهيلة قائلًا:
"أنا هرجع عالغدا يا ماما."
تبسمت شكران وهي ترى نظرات آصف لسهيلة التي تدعي أنها مازالت تتناول الطعام. قالت بهدوء:
"تمام يا حبيبي ربنا يوفقك."
غادر آصف دون سماع صوت سهيلة، بينما تبسمت شكران لها قائلة:
"والله اتعودت على وجود الحاجة آسمية معانا، ربنا يصبحها بالخير."
تبسمت سهيلة. بينما عاودت شكران الحديث:
"انتي رجعتِ مع آصف ليلة امبارح."
ارتبكت سهيلة من سؤال شكران، فهذه أول مرة تسألها عن عودتها. أجابتها بتوتر:
"أيوا لما طلعت من المستشفى لقيته واقف واتعشينا بره."
تبسمت شكران بمغزى، لا تود إحراج سهيلة أكثر. فهي رأت آصف وهو يقبلها ليلة أمس. كانت ستخرج من غرفتها لتأتي بمياه، لكن حين رأتهم يدلفون إلى الشقة، كذلك حصار آصف وتقبيله لها، وتركه لها قبل أن تتفوه بما يفسد سعادته في هذه اللحظة. لا تنكر شعورها بغصة مما أوصل آصف نفسه، كأنه يسرق قبلة من زوجته. تنهدت بتمني وقامت بالدعاء، أن يهتدي الوصال بينهم، وتعود نظرة أعينهم الدافئة كما في السابق حين كانت تلاحظهم عن قرب.
***
ظهرًا، في مكان قريب من البناية التي تقطن بها سهيلة، ترجل رحيم من تلك الحافلة ينظر حوله إلى الشوارع، يقرأ أسماءها حتى رأى ما يبحث عنه. تبسم وتوجه نحو ذلك الشارع، لكن فجأة تصنم بمكانه بس رعونة سير تلك السيارة التي توقفت فجأة قبل أن تدهسه. لكن ليس هذا فقط ما ضايقه، بل ضايقه أكثر تلك المياه التي كانت بتلك البؤرة وبسبب رعونة سائق تلك السيارة طرطشت تلك المياه عليه ولوثت ثوبه الميري الذي كان يرتديه. تعصب حين ترجلت تلك الفتاة من السيارة واقتربت منه بلهفة وخوف، كذلك غرور وإلقاء الخطأ عليه سائلة:
"جرالك حاجة؟ بس انت اللي ماشي في نص الطريق وكان لازم..."
قاطعها بعصبية وهو يخرج محرمة ورقية من جيبه وقام بمسح تلك المياه الملوثة التي أصابت وجهه، نظر لها بغضب ساحق قائلًا:
"سايقة على أقصى سرعة، وكان سهل تدهسيني ونازلة بدل ما تعتذري نازلة ترمي خطأك عليا، واضح إنك إنسانة غير مسؤولة فرحانة بعربيتك الماركة وسرعتها ومش فارق معاكِ إنك ممكن كان بسهولة تدهسيني. أنا سهل آخد نمرة العربية وأروح لأقرب قسم شرطة وأقدم شكوى في المرور بأنك شخصية غير مؤهلة لقيادة سيارة في الشارع، واحدة فرحانة إنها عندها عربية أهلها شارينها لها عشان تزعج غيرها وكان سهل تتسبب في موته، واضح إنك أخدتِ رخصة القيادة بالوساطة."
نظرت له بغضب قائلة:
"واضح إني مكنش لازم أنزل من عربيتي عشان أطمن عليك، وأنا فعلًا مش بتأسف لك، ومتفكرش إن بدلة الشرطة اللي لابسها دي هتخوفني ولا تفرق معايا. وقدامك العربية أهي خد نمرتها ولا أقولك أنا النمرة وروح أقرب قسم بعد شارعين وقدم المحضر اللي إنت عاوزه، سلام أنا ضيعت من وقتي لما نزلت من العربية أساسًا."
بغضب من الاثنين، سار كل منهم لطريقه.
بعد قليل، فتحت سهيلة باب الشقة، لكن اندهشت من تلوث ملابس رحيم قائلة:
"إيه اللي حصل؟ البدلة اللي عليك كلها ميه واضح إنها مش نضيفة، أنت اتزحلقت وانت ماشي ولا إيه؟"
رد رحيم بعصبية:
"لأ... كان فيه بؤرة ميه قريبة من الشارع وسواقة عربية فرحانة بنفسها وسايقة على أقصى سرعة طرطشت عليا الميه."
تبسمت سهيلة قائلة بمرح:
"معلشي كده كده كانت ماما هتغسلهالك أول ما ترجع للبلد، بس غريبة أنا مصدقتش لما اتصلت عليا من شوية وقلت إنك نازل إجازة على غير العادة مش متعاقب."
تبدل وجوم رحيم إلى بسمة قائلًا:
"عشان بقيت ملتزم. هتسيبني واقف كده قدام باب الشقة مش تقوللي اتفضل، ولا آصف محرج عليكِ تدخلي أخوكي للشقة في عدم وجوده."
تبسمت سهيلة وهي تتجنب ليدخل رحيم قائلة:
"صاحبة الشقة هي طنط شكران وهي اللي تسمحلك أو لأ."
تبسمت شكران التي قابلتهم في الرد هة ونظرت لسهيلة بامتنان من ذوقها قائلة:
"إنتي هي صاحبة المكان وقلب آصف كمان، وأي حد من طرفك يبقى صاحب مكان ومكانة زيك."
تبسم رحيم وهو ينظر لتلك السيدة صاحبة الملامح الحنونة، كذلك ذوقها بالرد وشعر بألفة منها، كذلك ارتياح في قلبه على سهيلة التي تستحق كل السعادة. لاحظ لمعة جديدة في عينيها، ليست أول مرة تمرح معه لكن يراها اليوم بملامح أخرى حيوية أكثر وإشراق بوضوح.
اقترب من شكران ورفع يده مصافحًا يقول:
"أنا رحيم أخو سهيلة."
صافحته بترحاب قائلة بتذكر كيف مرت السنوات:
"ياه السنين فاتت بسرعة، أنا لسه فاكراك وانت صغير كذا مرة جيت مع سهيلة في السرايا، كبرت ماشاء الله."
تبسم لها قائلًا:
"أنا من صغري برتاح سهيلة وكنت دايمًا بحب أرافقها."
تبسمت له شكران. سهيلة، كاسمها سهلة المعشر ورقيقة، لكن ربما ما حدث لها جعلها تحاوط نفسها ببعض الأشواك الضعيفة، لكن دامية بنفس الوقت لقلب آصف.
جلس ثلاثتهم بغرفة المعيشة وقتًا ليس قصيرًا إلى أن قرع جرس باب الشقة. نهضت سهيلة قائلة:
"خالتي صفوانة زمانها مشغولة في تحضير الغدا، هلبس الإيسدال وأروح أفتح أشوف مين."
تبسمت لها شكران، ورحبت مرة أخرى برحيم الذي شعر معها بالود، بينما فتحت سهيلة باب الشقة تفاجئت بفتاة تضع نظارة ملونة حول عينيها، كذلك خصلات شعرها القصير لحد ما مصبوغ أطرافه بعدة ألوان، ملامحها مختفية خلف تلك الألوان التي تضعها فوقها بإتقان. كادت أن تسألها من تريد، ربما أخطأت في العنوان. هكذا ظنت الفتاة أيضًا، وعادت للخلف تتأمل رقم الشقة، ثم سألت بنبرة شبه متعالية:
"إنتي شغالة جديدة هنا."
اندهشت سهيلة وقبل أن ترد عليها، رد آصف الذي جاء خلفها بغضب ورتابة:
"دي سهيلة مراتي، أهلًا يا شيرويت."
شعرت شيرويت بخزي بينما تبسمت سهيلة لآصف الذي نظر لشيرويت وهي تدخل إلى الشقة وهو خلفها ثم أغلق باب الشقة خلفه متنهدًا بسبب استقلال شيرويت من سهيلة. دلف خلفهن إلى حجرة المعيشة. بينما رفع رحيم نظره إلى من دلف إلى الغرفة وقف ينظر لها ببغض، كذلك هي. تحدثا الاثنين بنفس اللحظة ونفس الكلمة:
"- أنت - أنتِ"
نظر لهما آصف الذي دلف خلف سهيلة قائلًا:
"أنتم تعرفوا بعض."
نظرت شيرويت باشمئزاز له قائلة:
"طبعًا لأ."
بينما جاوب رحيم باستقلال واضح:
"طبعًا أنا معرفش الأشكال المايصة دي."
كتمت سهيلة بسمتها حين وضعت إحدى يديها فوق شفاها، بينما تبسم آصف بخفية. حاولت شكران تلطيف الجو قائلة:
"أكيد فيه سوء تفاهم، خلونا نقعد سوا."
قاطعت صفوانة حديث شكران قائلة:
"حضرت الغدا عالسفرة."
أومأت لها شكران قائلة:
"طب خلونا نتغدى سوا وبعدها نبقى نتفاهم، يلا يا شباب."
وافق الجميع وذهبوا نحو غرفة السفرة. لسوء الحظ جلس رحيم بجوار شيرويت التي تنفخ بين الحين والآخر، كذلك رحيم الذي يشعر بالاشمئزاز من تلك الخصلات الملونة، كذلك كثرة تلك المساحيق التي تضعها فوق ملامح وجهها تخفي حقيقة معالمها تقريبًا، كذلك ذاك العطر الآخاذ ذو الرائحة النافذة والنافرة بنفس الوقت. بينما آصف عيناه لا ترى غير سهيلة التي تحاول إخفاء بسمتها وهي تنظر إلى ملامح أخيها تشعر بأنه على وشك لحظة وربما ينهض ويصفع تلك الملونة الشعر.
بعد انتهاء الغداء عادوا مرة أخرى إلى غرفة المعيشة. تنحنحت شيرويت قائلة:
"آصف كنت محتاجة أتكلم معاك خمس دقايق على انفراد."
نظر لها رحيم باستهزاء، تلك الآفاقة التي تدعي الرقي. نهض آصف واقفًا قائلًا:
"تعالى نتكلم في مكتبي."
ذهبت خلفه نحو مكتبه، لم يغيبا كثيرًا وعادا مرة أخرى إلى غرفة المعيشة. تبسمت شيرويت قائلة بمجاملة:
"بصراحة أنا بحب طنط شكران جدًا وكنت أتمنى أفضل وقت أكتر، بس للأسف، الامتحانات خلاص كلها أيام وتبدأ، ولازم أجمع المنهج، هستأذن أنا."
تبسمت لها شكران قائلة:
"ربنا يوفقك."
مازالت نظرة شيرويت لسهيلة الدونية المستوى التي لا تشعر أنها تليق بشخص مثل آصف، لكن رسمت بسمة زائفة:
"اتشرفت بمعرفتك يا سهيلة."
أومأت لها سهيلة مبتسمة دون رد، بينما نظرت شيرويت إلى رحيم بغيظ، بادلها النظرة بفتور وبلا مبالاة كأنها بلا قيمة. غادرت شيرويت. جلس آصف مرة أخرى معهم. رمق رحيم بنظرة خاصة مرحبًا به. شعر رحيم للحظة بخزي منه. لاحظت سهيلة ذلك.
دخل إلى عقلها فضول، لكن تسألت شكران:
"شيرويت كانت عاوزة إيه؟"
تبسم آصف قائلًا:
"عاوزة وصاية مني للدكاترة بتوعها في الجامعة عشان طبعًا تجيب تقدير كويس في الامتحانات."
تبسمت شكران قائلة:
"شيرويت عكس يارا تمامًا، ربنا يوفقهم الاتنين."
تنهد آصف هامسًا:
"شيرويت بنت أسعد وشهيرة، لكن يارا عن مصلحتها قربها منك يا ماما."
سمعت سهيلة همس آصف، نظرت إلى شكران بداخلها سؤال تود أن تسأله لها: كيف يستطيع قلبك تحمل كل هذا، كيف يفيض بحنان على بنات من اقتسمت قلب زوجك يومًا. تشعر أن هناك أشياء تخفى عنها منذ أن أتت للعيش هنا. لم تر أسعد حتى لا يذكر اسمه إلا قليلًا، كذلك رد شكران دائمًا تكن له الاحترام، رغم أنها على دراية بأنه لا يستحق ذلك.
جلست ود هادئة، ونظرات عاشقة يخصها آصف لسهيلة. لكن قطع حديثهم رنين هاتف آصف. أخرجه من جيبه وقام بالرد على من يتصل عليه بهدوء، ثم أنهى الحديث معه قائلًا:
"تمام ساعة وهكون عندك."
نهض آصف ينظر لسهيلة قائلًا:
"هروح أغير هدومي وخارج تاني، بس مش هغيب، هرجع المسا عشان نروح الحفلة سوا."
"- حفلة إيه!"
هكذا سألت سهيلة، أجابها آصف:
"حفلة عيد ميلاد مدام مي المنصوري."
اعترضت سهيلة:
"بس أنا ماليش في نوعية الحفلات دي، روح لوحدك."
تنهد آصف قائلًا:
"لأ هي دعتنا سوا، مضطر أمشي بس هرجع المسا ياريت تكوني جاهزة."
غادر آصف دون انتظار لمحايلة سهيلة، بينما تبسمت شكران قائلة بتحريض:
"مالها الحفلات دي، حفلة عادية حتى تفرفشي شوية إنتِ من شغل المستشفى للشقة، أهي فرصة ترفهي شوية عن نفسك."
رسمت سهيلة بسمة، رغم اعتراضها، كذلك شجعها رحيم قائلًا:
"روحي وابقى هاتلي معاكِ حتتين جاتوه، ولا يا خسارة هكون رجعت كفر الشيخ، أقولك حطيهم في التلاجة ابقى افوت أخدهم وانا راجع للكلية."
تبسمت له شكران، بينما سهيلة لا تود الذهاب، بسبب نظرات تلك المرأة التي تخص آصف بها دون حياء.
***
مساءً، دلف آصف إلى المنزل. تبسم لصفوانة التي قابلته بترحيب سائلًا:
"ماما فين؟"
ردت صفوانة:
"الست شكران، في أوضتها كانت بتكلم آيسر عالموبايل..."
قبل أن يسأل آصف عن سهيلة أجابته بسؤال خبيث:
"وسهيلة في أوضتها، بس إيه اللي معاك في الصندوق ده."
تبسم آصف ونظر إلى ذاك الصندوق الصغير قائلًا:
"بطلي خباثة الفلاحين دي يا صفوانة."
تبسمت له صفوانة بقبول وهو يتخطاها نحو غرفة سهيلة، تنهدت تدعي له براحة القلب. بينما ذهب آصف نحو غرفة سهيلة كالعادة الباب موارب. طرق على الباب ثم أكمل فتحه. تبسم حين اعتدلت سهيلة جالسة على الفراش، تنظر له بتوتر حاول تجاهله، لكن سهيلة تسرعت:
"خير إيه دخلك لأوضتي."
غص قلب آصف لكن اقترب من فراشها ووضع ذاك الصندوق عليه قائلًا:
"جبت لك فستان مناسب عشان الحفلة، ياريت تجهزي عشان منتأخرش."
زفرت سهيلة نفسها بضيق قائلة:
"بس أنا قولتلك..."
قاطعها آصف بحسم:
"كان لازم ترفضي من وقت ما دعتك امبارح ليه سكتِ، أعتقد ساعة مش هتأثر عليك، هروح أنا كمان أغير هدومي، على ما إنت كمان تجهزي."
ترك آصف سهيلة التي تشعر بضيق. هي لا تود رؤية تلك الآفاقة، لكن آصف يمارس ضغطًا عليها، حتى تعترف بأنها تنفر من حركات تلك الوقحة. ارتسمت بالبرود، أصرت أنها لن تذهب. نهضت من فوق الفراش حملت ذاك الصندوق وذهبت نحو غرفة آصف بنيتها أنها ستعترض ولن تذهب. وقف أمام باب غرفته يستجمع شجاعتها، زفرت نفسها بتحفيز، ثم طرقت على باب الغرفة، ودلفت حين سمعت صوت سماح آصف لها، لكن تيبس جسدها حين فتحت باب الغرفة ودلفت خطوة بداخلها. شعرت بحياء حين وقع بصرها على ظهر آصف الشبه عارِ، ارتبكت وظلت صامتة للحظات. استدار آصف ونظر لها تبسم على ملامح وجهها التي أصبحت حمراء من الخجل، وقال:
"ممكن تقفلي باب الأوضة لو سمحت، وبعدها ابقى قولي اللي عاوزاه؟"
انتبهت سهيلة وشعرت برجفة بجسدها سرعان ما قالت:
"أنا مش عاوزة حاجة، الفستان أهو، أنا مش..."
"- مش إيه"
قاطعها آصف وهو يقترب منها، كل خطوة تربك عقلها، ورهبة تسكن جسدها. عادت للخلف إلى أن وصلت للباب شعرت بريبة قائلة:
"هروح ألبس حاجة ملائمة من عندي، بس مش هلبس اللي في الصندوق ده."
تبسم آصف رغم تلك الوخزات بقلبه من نظرة عينيها المرتعبة قائلًا بهدوء:
"تمام براحتك... بس كفاية تأخير."
ذهبت سهيلة. وقف آصف يتنهد ربما يكفي أنها أتت لغرفته، كذلك وافقت على الذهاب معه، فلولا سهيلة ما كان ذهب إلى ذلك الحفل الذي لا يستهويه، فقط ذاهب من أجل الانفراد بـ سهيلة حتى ولو لوقت قليل.
بعد قليل، انتهى آصف من ارتداء ثياب مناسبة، ذهب نحو غرفة سهيلة وقام بالطرق على باب الغرفة. لحظات قبل أن تفتح سهيلة باب الغرفة قائلة:
"أنا جاهزة."
نظر لها آصف بتقييم، لا ينكر إعجابه بزيها البسيط لكن أنيق في نفس الوقت، كذلك حجابها المنمق والملائم لزيها، لكن كان ينقصه بعض الرتوش الخاصة. أخرج علبة مخملية من خلف ظهره، مد يده بها لها قائلًا:
"أعتقد الطقم ده هيدي طابع ملكي ليكي، وياريت بلاش اعتراض."
لم تعترض سهيلة تود الخروج من تلك الحالة، أخذت العلبة وذهبت نحو المرآة الخاصة بغرفتها فتحت العلبة، لا تنكر إعجابها بتلك القطع الذهبية المرصعة ببعض الألماس. أخذت تضع قطعة خلف أخرى. ظل ذاك الخاتم وجواره خاتم آخر يبدوان مثل خواتم العروس. للحظة فكرت يكفي ذاك السوار والسلسال، لكن آصف لاحظ ترددها فقال:
"ياريت تلبسي كمان الخاتم والدبلة."
كيف قرأ ما بخاطرها أنها لم تكن تود وضعهم بأصابعها، لكن ارتدتهم بعجالة حتى لا تتردد مرة أخرى. نظرت له بتهرب قائلة:
"أنا جاهزة."
تبسم وأشار لها بيده أن تتقدم أمامه، تقابلا مع شكران التي تبسمت لهم وتمنت لهم قضاء وقت سعيد.
بالسيارة، شعرت سهيلة بارتباك وتوتر مصحوب برجفة، حتى مع حديث آصف الهادئ كانت ترد باختصار. تنفست الصعداء حين ترجلت من السيارة أمام مدخل تلك الفيلا الفخمة. ارتعب جسدها حين تعمد آصف إمساك يدها، وسحبها تسير بجواره إلى أن دلفا إلى ذاك البهو الواسع، ورأت ذاك الجمع الكبير. لم تهتز ولم يلفت انتباهها أي شيء، مجرد مظاهر آفاقين فقط. كل ما تشعر به هو رجفة يدها التي يمسكها آصف، حتى تلك الهدية الذي قدمها آصف لـ مي لا تفرق معها. لكن شعرت بضيق حين تعمدت مي، عناق آصف وقبلت وجنته، كنوع من الامتنان له على الهدية. شعر آصف بمفاجأة من فعلة مي وتضايق وغضب منها وكاد يغادر، لكن بدل ذلك بعدما نظر إلى ملامح وجه سهيلة التي تبدلت وكذالك تلك الزفرة الساخنة التي خرجت من بين شفتيها، تبسم ورسم القبول بذلك. رحبت به مي بحفاوة كأنه لا يوجد غيره بالحفل، حتى جلسا خلف إحدى الطاولات. مظاهر حفلة عيد الميلاد هذه مختلفة عليها، ليست بسيطة، فهي أشبه بمؤتمر لعقد الصفقات والتباهي أمام الكاميرات. شعرت سهيلة بالنفور. ازداد حين عادت مي، وقامت بالانحناء على آصف، وطلبت منه أن يرقص معها. نظر آصف إلى سهيلة ود لو اعترضت، لكن أظهرت برودًا عكسيًا. تبسم آصف ونهض مع مي ذهبا إلى تلك الساحة بمنتصف البهو. بلا اهتمام شعر بإمساك مي ليده وضعتها حول خصرها والأخرى ضمتها بيدها، وبدأت بالدوران معه، لكن هو كانت عيناه على سهيلة. لاحظت مي ذلك فقالت باستقلال:
"هي دي مراتك؟ إزاي قبلت ترجعلك، مش مكنتش قابلة بـ..."
قاطعها آصف قائلًا:
"أعتقد ده شأني الخاص."
صمتت مي للحظات تشعر بالبغض لتلك الجالسة التي تستحوذ على عقل وقلب آصف، لكن آصف مع كل دوران كان ينظر نحو سهيلة، لكن تفاجأ أنها لم تعد جالسة. ترك يد مي وانسحب بعيدًا عنها، وذهب نحو طاولة سهيلة. شعر بنغزة في قلبه وخرج سريعًا، نحو تلك السيارة سائلًا:
"الدكتورة خرجت من الحفلة."
رد أحدهم:
"فعلًا وعرضنا نوصلها وهي مرضيتش وقالت هتتمشى شوية، وكان في فرد أمن مرافق ليها وقال إنها ركبت تاكسي وطلبت منه يوصلها للبيت."
نظر له آصف بغضب قائلًا:
"وإزاي تسيبوها تمشي لوحدها؟ حسابكم معايا بعدين."
***
ترجلت سهيلة من سيارة الأجرة ثم صعدت إلى الشقة ودلفت إليها، تشعر بإرهاق، ليس بدني لكن ذهني. فتحت باب غرفتها ودلفت إليها تشعر بسأم، كذلك شعور بسخونة في جسدها. ذهبت نحو الفراش مباشرةً، وجلست عليه. قامت بفك وشاح رأسها وضعته بجوارها على الفراش ثم تحررت من بعض ثيابها، وتلك المصوغات وضعتها على جنب حتى تلك الدبلة والخاتم خلعتهم، واستلقت بنصف جسدها على الفراش. زفرت نفسها تشعر بتشتت من تلك المشاعر التي انتابتها قبل قليل حين رأت آصف يرقص مع تلك المرأة. حقًا يبدو بوضوح عدم انسجامه معها بالرقص، لكن بالنهاية جسدهما قريب من بعض بأحضان بعض تقريبًا، كذلك هي كانت تتقرب منه أكثر. شعور غريب هل هو "غيرة".
فجأة انتفضت ونهضت واقفة تذم نفسها قائلة:
"غيرة إيه يا سهيلة، إنتِ نسيتِ اللي جرى لك منه ولا لسه بتحبيه؟ آصف أسوأ إنسان في حياتك، أكتر شخص آذاكِ ومازال مستمر في أذيتك، بدليل خداعهُ إنك لسه على ذمتهُ. فوقي كفاية هتفضلي ضعيفة لحد إمتى، المفروض الجوازة دي تنتهي وكمان تخرجي من دايرة آصف."
تنهدت ورفعت يديها قامت بفرد خصلات شعرها الأسود تركته ثائر خلف ظهرها، وتوجهت نحو دولاب الملابس أخرجت لها منامة، للحظة عاود منظر رقص آصف مع تلك المرأة لخيالها. لامت نفسها وذهبت نحو الفراش، وضعت المنامة عليه، حتى تقوم بخلع باقي ملابسها، لكن نظرت نحو باب الغرفة الذي انفتح دون استئذان. سريعًا جذبت جزء من تلك المنامة وارتدته، قبل أن تتهجم بالحديث:
"مش في باب تخبط عليه قبل ما تدخل، ولا هو طبع فيك إنك تتهجم على خصوصية الآخرين."
أغمض آصف عينيه للحظة بعد أن وقع بصره عليها وهي نصف عارية، يشعر بشوق يفتك به يتمنى الآن أن يجذبها إليه يضمها بين أحضانه يستقي منها الشوق الذي يهدر بكيانه. عاود فتح عينيه يختفظ بتلك الصورة في خياله، وتغاضى عن تهجمها في الحديث معه سائلًا:
"ليه مشيتِ من الحفلة وكمان من غير حراسة."
زفرت نفسها بغضب قائلة:
"قولتلك ألف مرة مش محتاجة للحراسة ماليش عدوات مع حد أخاف من أذيته، وكمان مشيت عشان تبقى براحتك، يمكن وجودي كان مضيق عليك، وترقص براحتك مع العاهرة اللي كان ناقص..."
توقفت سهيلة فجأة عن التفوه أكثر عن تلك المرأة حتى لا تثير زهو آصف ويظن أنها تغار عليه، وحاولت إظهار اللامبالاة وفسرت الأمر ببساطة:
"أنا أساسًا مكنتش عاوزة أحضر الحفلة دي، أو أقولك الحقيقة النوعية دي من الحفلات ماليش فيها ولا أحب أحضرها، محبش أحضر في مكان وأشوف فيه مناظر ملهاش معنى غير إنها مجملات أوبالأصح مناظر حرام أساسًا. وكمان ناسي إني فلاحة ومليش بالحفلات الراقية اللي من النوع الدنيء ده."
للحظة ظهرت البسمة على محيا آصف، ونسي سبب ذلك الغضب الذي كان يشعر به بسبب مغادرتها الحفل دون إخباره قبلها كذالك دون اصطحاب حراسة معها. شعر بانشراح من مغزى حديثها هي شبه أخطأت وربما ضغطت مشاعر الغيرة لديها، أنها لم تستطع رؤيته يحتضن تلك السخيفة التي أحرجته وطلبت منه أن يرقص معها. وافق على عرضها ليس مضطرًا أو مرغمًا بل وافق عن قصد إثارة مشاعر سهيلة، وقد نجح في ذلك.
لكن السؤال الذي يخشى إجابته: هل حقًا سهيلة تحمل له مشاعر خاصة تجعلها تشعر بالغيرة عليه؟ والإجابة موجعة. بالتأكيد لا. والسبب... هو بتسرعه في تنفيذ حكم خاطئ أهدر عشقه بقلب امرأة يملأ عشقها قلبه يتغلغل بكل ذرة في جسده مع جريان الشريان في أوردته.
شعرت سهيلة أنها تسرعت بالرد ربما ظن أنها تغار عليه أو مازالت تكن له مشاعر. بدلت قائلة بأسف:
"خسارة يا آصف، لما كنت قاضي عادل الخوف مكنش في قلبك كنت شجاع، لكن لما بقيت ظالم بقيت تمشي وراك وقدامك حراسة. إحساس إنك ظالم زرع في قلبك الخوف."
ابتلع آصف تلك الغصة وهو يقترب منها بخطوات بطيئة يود البقاء معها وقتًا أطول، لكن نظرة عينيها التي حاولت أن تتمسك ببرودتها وضعته في حيرة. هل مازالت سهيلة تكن له مشاعر مطموسة، أم أن تلك النظرة النافرة حقيقية. لكن هي بكل خطوة يقترب تشعر برجفة في جسدها، وللغرابة ليست خوفًا من اقترابه. بداخل عقلها لن يستطيع إيذائها كما فعل بالماضي. فإن كانت جدتها ليست بجوارها معهما بنفس الشقة، والدته كذالك صفوانة. لكن أغمضت عينيها. ألم تكن هاتان موجودتان بنفس المكان تلك الليلة؟ وعاصفة من الظنون بدأت تطوف بعقلها، لكن أخرجها من تلك الظنون، شعورها بقبضة يد آصف على عضدها وجذبها عليه كانت بلحظة تقبع بين يديه ضمها قويًا وبلا انتظار قبلها.
لكن هذه المرة ليست كليلة أمس، استكانت الليلة. دفعته عنها بقوة وابتعدت عنه تلهث قائلة بغضب:
"اخرج برة أوضتي يا آصف وابعد عني متفكرش إن أفعالك الهادية دي هتأثر عليا وأنسى إنك أسوء إنسان مر بحياتي، وجودي هنا مسألة وقت، زي انفصالنا هو كمان مسألة وقت والمرة دي هتأكد قبل ما أمضي على ورقة طلاقنا."
تعصب آصف قائلًا بغضب:
"انفصالنا أمر مستحيل يحصل، مستحيل تتحرري من عشقي غير في حالة موتي يا سهيلة."
ترك آصف الغرفة وصفق خلفه باب الغرفة بقوة. زفرت سهيلة نفسها بغضب هي الأخرى تذم نفسها قائلة:
"فوقي يا سهيلة وكفاية بلاش يخدعك نعومة آصف."
بينما ذهب آصف إلى غرفته الخاصة، يزفر نفسه يشعر كأن قلبه ينزف. كلما ظن أنه اقترب خطوة، تفاجأ بأنه في أول الطريق. شعر بإنهاك عقله هو الآخر بعد معرفته أن ذاك الذي يتعقبه هو "والده"، رغم أن لديه شك في هذا.
رواية عشق مهدور الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سعاد محمد سلامة
توتر رحيم قائلًا:
ذِلة أيه يا هويدا، هو عشان قولت عليه أنه كويس يبقى منافق؟ أنا حاسس إني مُرهق، هروح أنام.
تصبحوا على خير.
غادر رحيم الغرفه.
بينما هويدا جزمت أن هنالك سر يخص آصف مع رحيم، لكن لا يعنيها غير مصلحتها.
نظر لها أيمن قائلًا بعتاب:
ليه مقولتيش إنك مسافرة القاهرة إمبارح؟
نظرت هويدا بضجر لـ عادل قائله:
كنت حابه أعملها مفاجأة لـ عادل، بس واضح إنها معجبتوش.
زفر عادل نفسه بغضب قائلًا:
مش زيارتك هي اللي معجبتنيش يا هويدا، موضوع شغلك عند أسعد شعيب هو اللي مش مناسب ليكي.
زفرت نفسها بقوة قائلة بتسرع:
أيه اللي مش مناسب ليا فيه؟ بالعكس دي فرصة كبيرة... زي فرصتك لما اشتغلت في بنك استثماري، بتقبض أضعاف مرتبك، ده نفس الشئ، فرصة وجاتلي أقولها لأ أبقى غبية، وأنا خلاص أخدت القرار، وهستلم الشغل بعد يومين.
نهض عادل متعصباً يقول:
أنا قولتلك قراري لو.....
قاطعته هويدا باحتداد هي الأخرى قائلة بلا مبالاة:
وأنا قولتلك محبش حد يحطني في اختيار، بحسه تقليل شأن ليا و.....
حاول أيمن امتصاص حدة الحديث بينهم قائلاً:
اهدوا شوية، في إيه؟ الموضوع للمناقشة، مش للخناق، افتكروا إن في طفل بينكم.
تنفست هويدا بقوة قائلة بتحفيز:
وموافقتي عالشغل في الوظيفة دي، عشان ابني، عاوزاه يعيش في مستوى أفضل.
تهكم عادل قائلاً:
مستوى أفضل.... تعرفي إيه عنه أساسًا...
قاطعته هويدا بغضب واستنفار تحاول الضغط عليه:
عاوزة سبب واحد لرفضك إني أشتغل في الوظيفة دي، ولا هي تحكمات فارغة وخلاص.
زادت عصبية عادل قائلاً:
انتِ ليه مصرة أوي كده؟ أنا سبق وقولتلك إني كلمت مدير البنك، وقالي فترة وهيدبر لك مكان في البنك معايا.
تهكمت هويدا:
مكان إيه وبمرتب كام، ما أهو فرصة أفضل وبمرتب أفضل يبقى ليه أنتظر كلام في الهوا مجاملة مش أكتر... ومفيش مشكلة، ممكن أستلم الشغل ده لفترة وإن صدق مدير البنك بسيطة أبقى أقدم استقالتي.
نظر لها عادل باستهجان قائلاً:
بسيطة إزاي يا مدام، أكيد هيبقى في عقد عمل بينك وبين أسعد شعيب، ولازم هتتغصبي تكمليه للآخر، ممكن وقتها فرصة شغلك في البنك تضيع، أنا بقول ترفضي من دلوقتي أفضل.
ردت هويدا بضيق:
لأ أنا أساسًا مضيت على عقد عمل بسنة.
جحظت عين عادل بغضب قائلاً باستنكار وتهديد مباشر:
يبقى بتهدمي حياتنا مع بعض، انتِ واخده قرارك قبل ما تقوليلي، بتتصرفي على مزاجك، أنا قولت اللي عندي، قبولك للوظيفة دي قصاد استمرار...
قاطعته هويدا باستنفار واختصار:
براحتك، خد القرار، بس أنا كمان مش هضيع فرصة زي دي قصاد تهديدك ليا.
لم يُذهل عادل، لكن ذُهل أيمن وسحر اللذان حاولا تهدئة الحديث، لكن لا فائدة، كلُ منهم وصل إلى مآربه بإقصاء الآخر من حياته.
بعد منتصف الليل
بشقة آصف
بغرفة المكتب
بعد تلك المشادة الحادة بينه وبين سهيلة، لم يستطع الخلود إلى النوم، سيطرت عليه فكرة أن سهيلة تسد كل الطرق أمامه، كذلك تصد كل محاولاته التقرب منها، كلما ظن ببوادر فرصة أضاعتها سهيلة، ظل الفكر يتلاعب بعقله يؤلم قلبه، ذهب إلى غرفة المكتب عله يشغل عقله قليلاً بالتفكير في تلك القضايا يصرف ذهنه حتى لو قليلاً.
عكف على دراسة بعض القضايا، دون أن يشعر، سحبه الوقت إلى ما بعد الثانية صباحاً.
بينما شكران استيقظت بعد أخذ قسط طويل من النوم، نهضت كعادتها ليلاً تقضي صلاة قيام الليل، ذهبت نحو المرحاض وتوضأت، ذهبت نحو طاولة بجوار الفراش نظرت عليها قائلة:
فين السبحة بتاعتي كانت هنا.
بحثت عن تلك المسبحة لم تجدها بالغرفة، تذكرت قائلة:
يمكن نسيتها في أوضة الجلوس.
ذهبت نحو تلك الغرفة فعلاً وجدت مسبحتها موضوعة على منضدة بالغرفة، جذبتها مبتسمة وكادت تعود لغرفتها لكن لاحظت ضوء متسرب من غرفة مكتب آصف.
ذهبت نحوها، أكملت فتح باب الغرفة الموارب، تفاجئت بـ آصف الذي رفع وجهه ونظر نحو باب الغرفة، تبسم لها حين قالت باستخبار:
آصف إيه اللي مسهرك لدلوقتي، إحنا قربنا عالفجر.
أزاح تلك النظارة الطبية عن عينيه وقام بتدليك جبهته بإرهاق واضح قائلاً:
قضية مهمة كنت بدرسها كويس.
غص قلب شكران، تعلم أن آصف لا يود أن يعترف بالحقيقة، أنه ساهد بسبب أنين قلبه.
اقتربت من المكتب وأزاحت ذاك الحاسوب الذي كان أمامه قليلاً، كذلك أغلقت ذاك الملف الورقي الذي أمامه، تبسمت له قائلة:
طب كفايه كده، ويلا قوم معايا ريح عقلك من التفكير في القضايا، افصل عقلك شويه.
تبسم لها قائلاً:
تمام يا ماما، أنا أساساً خلصت دراسة كل أبعاد القضية، بس إيه اللي مصحيكِ دلوقتي.
تبسمت له قائلة:
أنا بصحي في الوقت ده دايمًا، بصلي قيام الليل، وأدعيلك إنت وإخو...
قطعت تلك الكلمة الأخيرة تشعر بوخزات مؤلمة للغاية، هي افتقدت أحد أبنائها، رغم ذلك ما زال لسانها يذكره وقلبها يتضرع ألم الفقد، تخصه بالدعاء بالغفران، مثلما تدعو لـ آصف وآيسر أن يحصلا على كل ما يجعلهم سعداء.
أكملت قولها:
يلا بلاش تسهر كفاية كده، بعدين إنت وسهيلة رجعتوا إمتى من الحفلة.
غص قلب آصف قائلاً:
رجعنا بدري، إنتِ عارفة إن مش بتستهويني الحفلات دي، يا دوب فضلنا شوية ورجعنا.
تبسمت له قائلة:
طب بلا قوم كفاية.
تبسم لها ونهض واقفاً يقول:
حاضر يا ماما هقفل اللابتوب وأروح أنام.
وضعت رأسها بين يديه، وأخفضت رأسها وقبلت صفحة وجهه بأمومة قائلة:
تصبح على خير.
تبسم لها لكن هي قالت له بتحذير:
ريحة هدومك سجاير فاقعة.
خف شوية منها، عشان صحتك، واضح إني مش لازم بس أمنعك إنك تدخن هنا في الشقة قدامي بس، كمان حاول تقلع عنها.
تبسم لها دون رد، تبسمت له قائلة:
خليك زي آيسر محافظ على صحته.
تبسم لها قائلاً:
ادعيلي وإنتِ بتصلي، ربنا يتوب عليا منها.
تبسمت له وربتت على كتفه قائلة:
هدعيلك براحة القلب وكما التوبة من السجاير.
انحنى يُقبل يدها، شعر بهدوء قليل في قلبه قائلاً:
ربنا يخليكِ لينا يا ماما.
تبسمت له، وتركته لكن وقفت أمام باب الغرفة قائلة بتحذير:
أوعي ترجع تاني تقرأ في الملفات، روح أوضتك ارتاح.
أومأ لها مبتسماً بطاعة.
بعد ثوانٍ خرج من المكتب وتوجه نحو غرفته، لكن أثناء سيره لفت نظره باب غرفة سهيلة الموارب قليلاً، بالكاد نظر إلى داخل الغرفة لاحظ ضوء الغرفة الخافت، رجح عقله بالتأكيد سهيلة نائمة لن تشعر لو دلف إلى الغرفة وألقى عليها نظرة قبل أن يذهب إلى غرفته، نظرة يختزنها بقلبه إلى الصباح.
بهدوء أكمل فتح باب الغرفة ودلف مثل اللصوص إلى الغرفة، اقترب من الفراش وقف يتأمل ملامحها وهي نائمة هادئة، بشوق تحكم في قلبه انحنى وضع قبلة خاطفة على وجنتها ثم نهض سريعاً خشية أن تصحو وتفزع من وجوده بالغرفة، غادر مثلما دلف وجذب باب الغرفة أعاده مثلما كان موارباً.
وقف بجوار باب الغرفة يتنفس باشتياق يتغلغل بكل ذرة في كيانه.
فاق من تلك الحالة خشية أن تراه والدته. ذهب إلى غرفته نظر إلى زواياها رغم وسعها لكن شعر كأنها فضاء شاسع وهو فيه وحيد، يشعر أنه مثل الظمآن وهي مثل الخمر محرمة.
بينما سهيلة فتحت عينيها لم تكن غافية، كانت مستيقظة وشعرت بدخوله حين سمعت صوت زمجرة الباب شبه الخافتة، شعرت برجفة في جسدها، كذلك انعكاس جسد آصف وهو يقف بجوار الفراش كان مثل مارد الحكايات القديمة، حتى تلك القبلة الذي وضعها على وجنتها، للحظة كادت تفتح عينيها، وتكشف أنها تشعر به وتعلم أنها ليست المرة الأولى الذي يفعل ذلك، ويتسلل إلى غرفتها خلسة ظناً منه أنها نائمة، حتى أثناء وجود جدتها معهم كانت تشعر به.
تنفست، تشعر كأنها بصراع غير حميم بين عقلها وقلبها، قلبها الذي عاد يخفق، أحياناً يعيدها إلى تلك البريئة التي كانت تذهب إلى البحيرة، تشتاق إلى نفسها بهذه الأيام كان قلبها صافي مثل مياه البحيرة، لكن عقلها يحذرها من الانحناء مرة أخرى وتذوق تلك المياه فملوحتها طمست عذوبة قطرات الندى.
باليوم التالي
ألمانيا ظهراً
أحد أقسام الشرطة
دَلفت روميساء بصحبة والدها، الذي لا يظهر عليه توتر عكس روميساء التي شعرت بتوتر مصحوب بفضول لمعرفة سبب ذاك الاستدعاء الذي وصل إلى مسكنها وأخبرها بضرورة ذهابها معهم إلى أحد مخافر الشرطة من أجل استجواب، لم تتذكر ما فعلته بـ آيسر، كان عقلها يفكر مثل الحاسوب الذي يسترجع معلومة، لا تتذكر شيئاً، إلى أن دخلت إلى تلك الغرفة ورأت آيسر يجلس على مقعد مقابل ذاك الشرطي الجالس خلف مكتبه، لكن وقفت مذهولة وهي ترى آيسر رسم بعض الفزع حين رآها، وانكمش قليلاً بتمثيل، لكن ذاك لم يفرق معها، الذهول كان بسبب ذاك الضماد الكبير الموضوع حول رأس آيسر يلفها بالكامل كأنها رأس أخرى من القطن، كذلك ضمادين حول ساعديه الاثنين، ذاك الأحمق بالَغ كثيراً هي فقط ضربته بتلك المزهرية الصغيرة فوق رأسه لا تسبب كل هذا الضرر الواضح عليه، كذلك تلك النظرة المرعبة الذي تعمد إظهارها أمام الشرطي.
شعرت بغيظ من افتراءه وشبه تيقنت أن ذاك الآفاق هو سبب ذاك الاستدعاء.
بينما والدها نظر إلى آيسر بشبه تفاجؤ وذهب نحوه سائلاً:
آيسر شو حصلك؟
ادعى آيسر الألم وتمسكن قائلاً:
اسأل بنتك يا عم... كل ده عشان طلبت منها إننا نتجوز، كان سهل ترفض وأنا كنت هواسي قلبي المتيم بها، لكن هي افترت عليا وضربتني قدام اللي كانوا في المطعم، لو مش هما اللي تدخلوا كانت غزتني بالسكينة في قلبي، مش كفاية كسرها لقلبي.
حاول مدحت إخفاء بسمته، لكن فلتت منه بسمة طفيفة يعلم أن آيسر يبالغ كثيراً.
بينما نظرت له روميساء بسخرية وغيظ ودت فعلاً لو معها سكين كانت رشقتها في حلق هذا الاحمق الكاذب.
بينما وجه الشرطي لها تهمة الاعتداء بالضرب على آيسر وأخبرها أن هناك تقرير طبي من المشفى يفيد تلقيه ضربة فوق الرأس كانت من الممكن أن تقتله، كذلك طعنتين بسكين في يديه، كما أنه يوجد شريط مصور لذلك وأيضاً شاهد.
ذُهلت وهي تنظر إلى آيسر بغضب قائلة بالألمانية:
ده كذب وافتراء، أنا فعلاً ضربته على راسه بس دي مزهرية صغيرة ما بتسبب كل هديك هو عم يبالغ.
نظر آصف إلى ذاك الشخص الواقف قائلاً بمرح:
انزل بالترجمة يا أخ أنا جايبك من السفارة المصرية عشان تترجم لي مش تقف تبتسم.
أخفى ذاك الشخص بسمته وترجم له نفي روميساء ذلك، لكن اعترفت أنها بالفعل ضربته بالمزهرية.
تنهد براحة قائلاً:
أهو كويس الاعتراف سيد الأدلة، امسك في الاعتراف ده وزود بقى براحتك.
نظرت له روميساء وتحدثت بالعربية:
شو بدك يا آيسر من هديك الاتهام.
رسم آيسر الألم قائلاً:
سبق وطلبت منك نتجوز.
نظرت له بعيظ قائلة:
بس أنا قولتلك إنك شخص...
قاطعها:
أنا شخص طيب وحنون، كمان طيار يعني فيا كل المميزات الزوج المثالي.
تهكمت عليه روميساء سائلة:
وشو هي مميزات الزوج المثالي بنظرك، تكون متل بايك المتزوج تلاته ولا أخوك اللي طلق مرته؟
تبسم بسماجة قائلاً:
لو تشوف حال أخويا وهو بيعمل المستحيل عشان يرضي مراته، كفاية إنه طردني من الشقة بتاعته، عشان مسببش حرج لمراته.
تهكمت قائلة:
طب وبايك زوج التلاتة.
رد ببساطة:
أنا مختلف تماماً، سبق وقولتلك إني طيار.
تساءلت روميساء بزهق:
وشو فيها الطيار مشان يكون ميزة.
تبسم قائلاً:
طيار يعني كل رحلة في بلد شكل وغائب طول الوقت ودي فرصة هبقى شخص متجدد مش على نمط واحد... ده غير الهدايا اللي هجيبهالك من كل بلد أروحها.
نظرت له بحنق قائلة:
كل هديك ما بيفرق معي، أنا بدي زوج عاقل... وهديك مو عندك.
نظر لها ببساطة قائلاً:
براحتك أنا عديت عليكِ مميزاتي، وإنتِ اللي مصرة على رفض النعمة، إنت يا أخ قول للظابط اللي قاعد زي الأطرش في الزفة ده، يكمل بقية القضية التفاوض الودي فشل.
نظرت له روميساء بغضب قائلة:
شو قصدك يا آيسر.
رد بسماجته:
قصدي بقى طالما مفيش جواز يبقى في سجن، ده غير التشهير طبعاً في الشركة اللي بتشتغلي فيها.
سجن! هكذا ذُهلت روميساء قائلة:
وزواجي من شخص كذاب وآفاق ومعنده أخلاق مش سجن؟
تبسم آيسر:
سجن برضو بس سجن لذيذ و...
كاد يكمل آيسر بوقاحة لكن نحنة مدحت جعلته يصمت للحظات وتبسم قائلاً:
القرار ليك يا روميساء توافقي تتجوزيني ونكتب الكتاب دلوقتي، يا أما نكمل محضر التهجم على شخص بريء والتشهير ومش بعيد يرفدوكِ ويخافوا على زملائك في الشركة منك، آه ده غير مفيش راجل هيقرب منك يخاف لا تقصفي عمره بدري.
تهكمت بحنق قائلة:
وإنت ما خايف على عمرك.
رد آيسر ببرود وعاكسها:
عمري كله فداكِ يا جميلتي.
تنحنح مدحت قائلاً:
لاحظ يا آيسر إني بايها وإني معكم بالمخفر.
تبسم آيسر قائلاً:
آسف يا عمي، بس جمال الرومس بينسيني الدنيا، ها يا جميلتي العنيفة، نكمل المحضر ولا نكمل الجوازة، في الحالتين أنا كسبان.
زفرت روميساء نفسها وهي تنظر إلى ذاك الشرطي المتخفز، ذاك الاحمق ضيق عليها الخناق، لكن لن يكسب تلاعبت ربما تكسب وقتاً قائلة:
أوكيه موافقة أتزوجك.
لكن آيسر كان أذكى منها وتبسم بظفر وتصميم قائلاً:
تمام، بلاه نروح السفارة المصرية دلوقتي نكتب الكتاب.
شوووو!
كان ذلك رد روميساء المذهولة والذي أكده آيسر:
هنكتب كتابنا دلوقتي في السفارة المصرية بألمانيا كل شيء جاهز على حضور العروسين يا جميلتي العنيفة.
بعد مرور عشرون يوماً
صباحاً
بشقة آصف
على طاولة الفطور، كان الصمت يسود بين ثلاثتهم إلى أن نظر آصف نحو سهيلة التي تتناول الطعام بصمت تبدو كأنها شاردة، شعر بوخزات قوية في قلبه، جذب كوب الماء ارتشق القليل ثم تعمد النظر لها وهو يقول:
أنا مسافر النهاردة بعد الظهر أسيوط عندي قضية هناك.
رفعت سهيلة عينيها عن طبق الطعام ونظرت له، للحظة شعرت بالتوجس، شاركتها شكران نفس الشعور وقالت:
أسيوط! وهتبات هناك؟
نظر لها آصف ببساطة قائلاً:
أيوه، القضية بكرة الصبح، وبعدين مالها أسيوط بتقوليها كأني رايح قارة تانية.
نظرت له شكران تشعر بتوجس قائلة:
مش أسيوط اللي قبل كده كانوا....
توقف الحديث بحلق شكران لا تود فرض السوء، ثم أكملت بأمومة:
هترجع إمتى بالسلامة.
نظر آصف لـ سهيلة الصامتة قائلاً:
مش عارف... مش عارف يمكن أبات كمان بكرة هناك... هبقى أتصل أطمن عليكي.
رغم ذاك القلق الذي انتاب سهيلة لكن ظلت صامتة كأنه لا يعنيها الأمر، مما زاد غص قلبه، بينما تبسمت شكران رغم توجسها، قائلة:
ترجع بالسلامة.
نهض آصف من خلف طاولة الطعام قائلاً:
أنا شبعت، هروح أوضتي آخد موبايلي ومفاتيح العربية.
أومأت له شكران ببسمة حنونة، كان يود بسمة من سهيلة لكن ادعت الانشغال بالعبث في طبق طعامها.
نظرت لها شكران بأسف، آصف يتحمل أكثر من طاقته في التعامل معها، يتمنى منها فقط طرفة عين برضا، حقاً تعطي لها عذر لكن آصف ابنها وتود أن يحصل على السعادة التي على بعد خطوة واحدة ببسمة فقط من سهيلة.
زفرت نفسها داعية أن يرق قلبها، من أجل سعادتها هي الأخرى، خبرة السنوات أعطتها جزءً من فهم من أمامها، سهيلة مثل آصف تتعذب بين قرار أسهلهما صعب.
بعد دقائق خرج آصف من غرفته أثناء سيره بالردهة كاد يصطدم بـ سهيلة التي توقفت، تبسم لها آصف الذي توقف هو الآخر، كادت تمر سهيلة من جواره بصمت لكن تعمد آصف وضع يده على جانب خصرها وقربها منه وقبل وجنتها هامساً:
هتوحشيني يا سهيلة.
ارتجفت سهيلة وبرد فعل تلقائي ابتعدت عنه سريعاً، وقفت تزدرد ريقها ونظرت له تشعر بمشاعر مختلطة بين صراع نفسي داخلها يخشى تقارب آصف، وشعور آخر أصبح يتقبل اقتراب آصف، لكن حسم هذا الصراع ونظرات الأعين بينهم، شكران التي اقتربت منهم مبتسمة تقول:
كويس إنك لسه هنا يا آصف، كنت ناسيه أقولك صفوانة خلاص كملت الخمسة وستين سنة، وراحت تدور على المعاش بتاعها ومعرفتش تخلص الورق المطلوب منها، عاوزاك تبقى في يوم فاضي تروح معاها كفر الشيخ تخلص ليها الإجراءات دي.
تبسم آصف قائلاً:
تمام يا ماما، خليها تشوف أي يوم وأنا هفضى نفسي، يلا مش عاوز أتأخر ع المحكمة، خلي بالك من نفسك ومن سهيلة.
تبسمت له قائلة:
ترجع بالسلامة.
غادر آصف تنظر شكران تشعر بقلق، كذالك سهيلة التي استغربت توصيته لوالدته عليها، رغم أن كان لابد أن يقول العكس، وضعت شكران يدها على كتف سهيلة وتبسمت لها، تبسمت سهيلة هي الأخرى.
أمام البنك الذي يعمل به عادل
كادت هويدا أن تترجل من سيارة الأجرة، لكن ظلت جالسة بالسيارة حين رأت عادل يسير مع إحدى النساء كانت غير واضحة الملامح بسبب تلك النظارة التي تضعها حول عينيها لكن من زيها الأنيق تيقنت إنها سيدة ذات شأن والا لما رافقها إلى خارج البنك، لكن لما يفعل ذلك، فهو غير ملزم برفقتها إلى خارج البنك.
ظلت تتطلع لهما إلى أن خلعت نظارتها وظهرت رؤيتها لمن تلك المرأة وكذلك فتحة لها باب سيارتها الخاصة وتوديعه لها بحفاوة، تفوهت بتعجب:
شهيرة، مرات أسعد شعيب.
ليلاً
بشقة آصف
رغم شعورها بالإرهاق منذ أن عادت من المشفى، لكن لا تعلم سبب لسُهدها حاولت النوم لكن لا فائدة، كذلك هناك شعور آخر شعرت به الليلة عاشت ذاك الشعور سابقاً حين كانت بالسجن، شعور بالخوف في قلبها، لماذا هذا الشعور تشعر به مع زيادة خفقان في قلبها، رغم أنها ليست أول ليلة لها بهذه الشقة كما أن الشقة بمنطقة آمنة وبها حراسات خاصة، لكن تشعر بخوف، أخبرها عقلها ربما لأن هناك ثلاث نساء في المنزل وحدهن.
ماذا! هل وجود آصف بجوارها يعطيها أماناً؟ بالتأكيد لا، هذا فقط شعور عابر أو ربما من الذكريات المؤلمة.
لكن عادت تعترف:
اعترفي يا سهيلة انتِ حاسة بخوف عشان غياب آصف ولا خايفة عليه أسيوط هي البلد اللي سبق قبل كده واتصاب فيها.
زفرت نفسها بدعاء قائلة:
يارب، أنا نفسي أرتاح، حاسة إني زي اللي تايه وبيجري في أرض محاوطها شوك من كل اتجاه مش عارف يخرج منها يوصل لأول الطريق.
حيرة، أم خوف ما يغزوا قلبها حيرة... من مشاعرها التي ظنت أنها دفنتها خوف... من آصف أم خوف عليه عودة اقتراب آصف منها وضعها في صراع غير محسوم. أي اختيار فيهم صعب.
بأحد فنادق أسيوط
فتح آصف هاتفه، نظر لتلك الصورة تنهد باشتياق، لكن سرعان ما غص قلبه، هو على يقين أن سهيلة بالتأكيد نائمة لا تفكر فيه.
زفر نفسه وهو ينهض من فوق الفراش جذب السيجار وأشعله، ثم جلس على أحد مقاعد الغرفة نفث الدخان مثل سحابة رمادية أمام عينيه تغشي من الرؤية، زفر نفس آخر ازدادت تلك السحابة، وعقله يفكر فيما وصل لحاله من ذاك المتعقب وماذا يريد منه، سهيلة نفسها سألته من من أنت خائف، لا يعرف الإجابة هو ليس خائفاً على نفسه هي فقط، حتى ذاك المتعقب الذي أوقع به حين ضغط عليه أخبره أنه أخذ الأمر من "أسعد شعيب" بالتأكيد هو كاذب، كان سهلاً عليه مواجهة والده لكن على يقين أن هناك شخص آخر لديه هدف.
في أثناء انشغال عقله صدح رنين هاتفه.
نهض واقفاً وجذبه من طاولة بجوار الفراش قام بسماع الآخر يخبره:
آسف إني أزعجتك يا باشا في الوقت ده، بس حضرتك قولتلي أتصل عليك في أي وقت، باشا أنا جبت لحضرتك تسجيلات كاميرا المستشفى في اليومين اللي طلبتهم، بس ده غلبني أوي على ما عرفت اوصل لهم وأطلعهم من أرشيف تسجيلات كاميرات المستشفى، بصعوبة وصلت لهم، لأنهم كانوا محفوظين بسبب قضية المرحوم سامر بيه.
شعر آصف بغصة، لكن قال بهدوء:
تمام كويس أنا راجع بكرة المسا القاهرة استناني في محطة القطر آخد منك الشريطين دول.
أغلق آصف الهاتف، وتمدد فوق الفراش عقد يده حول رأسه يفكر، هل سيصل إلى قاتل أخيه ويبرئ سهيلة كما كانت تستحق من البداية، كذلك سيأخذ قصاص أخيه من قاتله. لديه يقين سر قاتل سامر يكمن في تلك الشريطين.
بشقة سكنية بمنطقة بعيدة
نهض يُدثر جسده العاري، يشعر بالرعب والهلع وهو يرى ذاك الذي يقف بجوار الفراش ينظر له بتحفز وتسليّة، ثم نظر إلى الشخص الآخر الممدد لجواره عاري هو الآخر، نظرة تقزز واشمئزاز، ذُهل وهو يرى الفراش دامياً بسبب دماء رفيقه، نظر إليه بهلع قائلاً:
آصف باشا...
قاطعه صفعة قوية على وجهه قائلاً:
كنت مفكر إني مش هعرف أوصلك، مفكرني غبي وصدقت كذب الحمار الغبي اللي كنت باعته يراقبني، أنا سبتك تبلع الطعم... بس خلاص جه وقت الحساب أنا مش هسيبك تموت بالساهل هخليك تتمنى الموت في كل لحظة وانت بتشوف النار بتاكل جسمه زي الفتلة ما بتتحرق في قلب الشمعة.
بالفعل جذب آصف تلك الزجاجة التي كانت فوق المنضدة، نظر لها بنفور قائلاً:
لأ ماركة نضيفة ومعتقة كويس ونسبة الكحول فيها مظبوطة، واضح إن القذر اللي معاك دماغه خفيفة يمكن لسه مبتدئ وسلم بسرعة، يلا الباقي من حظك انت.
قال هذا وسكب محتوى تلك الزجاجة فوق رأسه، ثم ألقى الزجاجة بجواره على الفراش ثم أخرج من جيبه قداحته وقام بإشعالها ولم ينتظر ألقاها فوراً عليه ليشتعل الدثار، ألقى عنه الدثار لكن النار كانت استعرت بجسده وآصف ينظر له بتسلية.
نهض من النوم بفزع، يتلفت حوله كأنه فعلاً كان بين تلك النيران يشعر بحرارتها في جسده.
نظر إلى جواره كان الفراش خالياً. بدأت حرارة جسده تهدأ، لكن عقله لن يهدأ، قبل أن ينتهي آصف.
جذب هاتفه وقام باتصال وانتظر الرد قائلاً بشرر وأمر:
آصف ما يرجعش حي من أسيوط.
ظهيرة اليوم التالي.
بشقة آصف
تبسمت سهيلة وهي تستقبل رحيم الذي دلف إلى الشقة قائلاً:
مفيش حد معاكِ في الشقة ولا إيه؟ فين الحاجة شكران وخالتي صفوانة؟
ردت ببسمة:
راحوا المطار بيستقبلوا خطيبة آيسر، أو بالاصح مراته هي وباباها جايين عشان هيعملوا فرحهم هنا في مصر، بس كويس إننا لوحدنا عشان كان عندي سؤال لك، ومكنش فيه فرصة نبقى على انفراد لوحدنا عشان أعرف إجابته منك.
تبسم رحيم بفضول سائلاً:
وأيه السؤال ده اللي محتاج إننا نبقى على انفراد!
نظرت لملامح وجه رحيم وهي تسأله:
إيه اللي مخبيه عليا وآصف يعرفه، مفكرني مش ملاحظة إنت الوحيد غير هويدا اللي دافعت عن آصف، غير كمان كذا مرة لفت نظري إنك بتتحاشى النظر لـ آصف كأنك مكسوف منه... قولي السبب يا رحيم مش عاوزة أتصدَم فيك انت كمان.
يُتبع
رواية عشق مهدور الفصل الثلاثون 30 - بقلم سعاد محمد سلامة
استدار آصف خلفه ينظر له، بينما شعر رحيم بالتردد وقال:
قصدى أستاذ آصف.
تبسم له آصف وهو يسير نحو مكان وقوفه بمدخل البناية قائلًا:
رحيم.
لم يستغرب آصف معرفته له رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات ونصف على انفصاله عن سهيلة. كذالك هو رآه أكثر من مرة بعد ذلك. وقف مكانه ليس فقط مترددًا، كذالك يشعر ببعض الخزي. هو لم يطلب أي مساعدة سابقًا من أحد، لكن الظروف هي من اضطرته لذلك. كذالك حلمه الذي عاش عليه منذ أن دخل الدراسة، هدفه أن يصبح شرطيًا. بينه وبين حلم حياته عقبة هينة، لكن ليس هينًا عليه أن يطلب مساعدة أحد، وبالأخص "آصف". لديه تآنيب ضمير يشعر أنه يطعن سهيلة بظهرها. حدثه عقله أن يغادر، ربما ليس من نصيبه أن يصبح ضابطًا كما أراد. هنالك فرص أخرى، ربما هذا أفضل. حسم عقله القرار وكان سيغادر لولا وضع آصف يده على كتفه وتبسم له بترحيب قائلًا:
أهلًا يا رحيم. بقالي فترة مشوفتكش.
نظر له رحيم وتحير عقله. آصف منذ أن عرفه وهو صغير كان لطيفًا معه، لكن كان عكس ذلك مع سهيلة. لا يعلم السبب لذلك. ارتبك عقله وصمت، حتى أتى أحد سكان البناية. تجنب هو وآصف له كي يمر. عاد آصف يبتسم له وجذبه معه للسير قائلًا:
بلاش نوقف في مدخل العمارة. تعال نطلع مكتب ندردش سوا.
كاد رحيم أن يرفض ويتركه ويغادر، لكن هنالك أمنية في قلبه يتمنى أن يحصل عليها. كأنه بلا إرادة سار مع آصف حتى دخلا إلى مكتبه. جلسا سويًا. ظل الصمت قليلًا حتى قطعه آصف سائلًا:
إنت خلصت الثانوية العامة؟ جبت مجموع كويس؟
أومأ رحيم رأسه وأجابه:
الحمد لله جبت مجموع كويس. رغم الكلية اللي نفسي أدخلها مش بتحتاج لمجموع كبير، بتحتاج لحاجات تانية.
تبسم آصف سائلًا:
وكلية إيه دي بقى اللي مش بتحتاج لمجموع كبير؟
أجابه:
كلية الشرطة.
تبسم آصف بتوافق قائلًا:
فعلًا مش بتحتاج لمجموع كبير، بس بتحتاج لمهارات بدنية. واللي أعرفه إنك بطل جمهورية في الكاراتيه... يعني مؤهل ليها كويس.
تهكم رحيم بآسف:
لأ طبعًا في الأهم من المؤهلات البدنية.
تساءل آصف:
زي إيه المؤهلات دي؟
صمت رحيم يشعر بكبرياء، ثم نهض قائلًا:
أنا لازم أمشي عشان ألحق أرجع كفر الشيخ قبل الدنيا ما تضلم.
نهض آصف هو الآخر وأمسك يده قائلًا:
رحيم، أي شخص من ناحية سهيلة له قيمة غالية عندي وقلبي حاسس إن في أمر مهم. قولي إيه هو؟
مازال التردد والكبرياء يمنع رحيم. لكن استنتج آصف من حديث رحيم عن كلية الشرطة ومؤهلات القبول فيها، تذكر أنها تحتاج لما هو أهم من تلك المؤهلات الذي يمتلكها رحيم. هنالك مؤهل خاص وهو "الوساطة". تحدث مباشرةً:
إنت قدمت في كلية الشرطة.
أخفض رحيم رأسه يشعر بآسف. استشف منه آصف الحقيقة، قائلًا:
أنا ليا صديق والده عميد في كلية الشرطة. لو تحب أوصيه عليك... كمان ليا تعاملات خاصة بشخصيات مهمة في كلية الشرطة من أيام ما كنت قاضي.
رسم رحيم بسمة. فهمها آصف قائلًا:
تمام، تعالى أقعد فهمني إيه اللي حصل، عشان نتفق.
بسبب نبرة صوت آصف الودودة، قبل رحيم عرض آصف وسرد له ما حدث، وأنه كان يستطيع تدبير المال لكن يخشى النصب عليه. تبسم آصف وقام بجذب هاتفه وقام باتصال لشخص معين، وسرد له عن مؤهلاته المناسبة للالتحاق بكلية الشرطة. تلقى آصف ترحيب الآخر بتنفيذ رغبته.
أغلق آصف الهاتف ونظر إلى وجه رحيم قائلًا:
لما حكيت له عن مؤهلاتك البدنية وكمان إنك جايب مجموع كويس في الثانوية، قال البطل ده مرحب بيه في كلية الشرطة. كمان أخدت معاه ميعاد في كلية الشرطة وقالي هات البطل ده معاك.
انشرح قلب رحيم وتبسم له بامتنان. نهض واقفًا يقول له:
متشكر أوي يا آصف بس ليا عندك رجاء.
نهض آصف مبتسمًا يقول:
مفيش بينا شكر بس إيه هو الرجاء ده؟
شعر رحيم بكسوف قائلًا:
لو ربنا أراد واتقبلت في كلية الشرطة مش عاوز حد يعرف إن إنت اللي اتوسطت لي.
شعر آصف بغصة، يعلم سبب ذلك. بالتأكيد سهيلة. هو لا يريد أن تعرف أنه تقابل مع آصف. تبسم آصف رغم عنه قائلًا:
اطمن، محدش هيعرف، لأني معملتش حاجة تستاهل. إنت اللي اتوسطت لك مؤهلاتك.
تبسم رحيم بحنق. هو يعلم أي مؤهلات هي من فازت "الوساطة" لا المهارة البدنية الذي يمتلكها.
عاد رحيم يبتسم على قول سهيلة:
هو ده السبب اللي بيخليك زي المكسوف منه.
رد رحيم بآسف:
أيوا. كان نفسي أدخل كلية الشرطة بدون وسايط، لأني أستحق ده. بس طبعًا في بعض الامتيازات لازم تكون عند أي طالب. بس أهو قدرت عليها ودخلت كلية الشرطة بمساعدة آصف اللي فضل معايا لحد ما اتأكد إنهم قبلوني. كمان كان من فترة للتانية بيتصل عليا ويسألني إن كنت محتاج أي حاجة، بس أنا كنت بشكره بذوق.
شعرت سهيلة براحة غريبة في قلبها وتبسمت لرحيم. سأله:
وآصف كان قالك إنه رجعني تاني لذمته؟
أومأ رحيم رأسه بـ لا قائلًا:
لأ. حتى ملمحش بسؤال عنك. يمكن كان مش عاوز يحسسني إنه بيعمل خدمة مقابل غرض في دماغه.
تبسمت سهيلة تشعر بشعور غريب يدق بقلبها، لكن سألت رحيم:
يعني محدش يعرف إن آصف ساعدك غيري.
رد رحيم بنفي:
لأ. في طاهر يعرف. هو كمان ولما حكيت له اتضايق مني وقالي ليه تطلب منه مساعدة إنت مش محتاجها. كان سهل أحولك أي مبلغ تحتاجه. كنا في غنى عن جمايله.
تبسمت سهيلة تشعر بفخر قائلة:
طاهر أكتر شخص مش بيحب آصف زي تيتا آسميه.
تبسم رحيم وهو يضع يده على كتف سهيلة يضمها له قائلًا:
إحنا أخواتك الرِجالة يا سهيلة وإنت غالية علينا جدًا. كفاية إنك أختنا الكبيرة. إحنا التلاتة ملناش غير بعض.
رفعت سهيلة رأسها ونظرت لـ رحيم وصفعته بخفة على صدره قائلة:
أختنا الكبيرة هي هويدا. وإحنا أربعة مش تلاتة. بطل سخافتك دي ولا عشان مش بترتاح معاها تقوم تلغي وجودها... ادعي لها ربنا يهديها وتعقل وتعرف قيمة ابنها.
تنهد رحيم ببسمة قائلًا بفتور:
آمين.
***
بشقة خاصة قريبة من شقة آصف.
تبسمت شكران وهي تضم روميساء أسفل كتفها قائلة:
نورتم مصر.
تبسمت لها روميساء التي شعرت معها بألفة غريبة. رغم أنها تراها للمرة الأولى، لكن شعرت معها بدفء خاص ومودة.
تبسم لها مدحت قائلًا:
مصر منورة بأهلها.
تبسمت شكران له قائلة:
وإنتوا بقيتوا من أهلها خلاص. والله لما آيسر كلمني عالموبايل وقالي إنه كتب كتابه على بنت في ألمانيا قلبي انشرح معرفش ليه. رغم إن كان جوايا خوف بسبب سفره الكتير. يجي في يوم ويقولي أنا اتجوزت أجنبية. بس لما قالي إنك عربية ولبنانية قولت أكيد عارفة أخلاقنا كويس. ولما كلمتك عالموبايل عشان أباركلك دخلتي قلبي من مجرد صوتك ومكنتش أعرف إنك حلوة أوي كده. كنت بقول يمكن آيسر بيبالغ زي عادته في أي شيء، بس أول مرة يطلع صادق بنسبة مية في المية.
شعرت روميساء بألفة من حديث شكران الواضح وشعرت بغرابة كيف لامرأة بتلك المودة والتآلف يتزوج زوجها بـأخرى وهي قابلة بذلك. شعرت بفضول أن ترى هذا "أسعد" كي تكتمل الصورة لديها.
بينما تبسمت شكران قائلة:
معزتك في قلبي زي سهيلة مرات آصف. هي كان نفسها تيجي وتستقبلك معايا بس هي دكتورة وملهاش مواعيد ثابتة. وللأسف هي دلوقتي زمانها في المستشفى اللي بتشتغل فيها، بس ملحوقة. بكرة تتعرفوا على بعض وقلبي حاسس إنكم هتبقوا أصحاب وأخوات.
تبسم آيسر مازحًا:
آه طبعًا ومش بعيد يتفقوا عليا أنا وآصف اللي طردتني من شقته عشان راحة مراته.
تبسمت شكران قائلة:
مش عشان راحة مراته عشان ده الذوق. مهما كان كل واحدة بتبقى عاوزة تاخد راحتها في المكان اللي عايشة فيه، وأنا وصفوانة ستات زيها يعني مش هتحس بحرج مننا.
تبسمت روميساء ووافقت شكران قائلة:
فعلًا يا طنط. بس هو في نوعية كده بتبقى بجحة وعندها ثقالة ومعدوم عندها إحساس الإحراج وبتفكر كل الناس زيها معندهاش ذوق.
ضحك مدحت كذالك شكران التي فهمت تلميح روميساء، بينما تبسم آيسر يعلم أنها تقصده بذلك.
تذكر أول قبلة اختطفها من شفاه روميساء.
**[بالعودة ليوم عقد قرانهم]**
بإحدى غرف قنصلية مصر بألمانيا.
مُرغمة وقعت روميساء على تلك الوثيقة المدنية التي تثبت زواجها من آيسر، لكن تفاجأت برجل ذو هيبة واضحة يبدو من ملامحه أنه رجل دين.
نهض آيسر واستقبله مبتسمًا ثم نظر إلى روميساء قائلًا:
جبت لك مبعوث "الأزهر الشريف" هنا في ألمانيا عشان يكمل كتب كتابنا. أكيد وكيلك هو عم مدحت. يلا يا سيدنا الشيخ خلينا نعقد القران.
للحظة لمعت عين روميساء ببسمة انشراح في صدرها، لكن عادت إلى جمودها مرة أخرى تدعي الضيق منه.
بعد قليل أتم الشيخ عقد القران وقال جملة الزواج المعهودة "بارك الله لهم وبارك عليهما وجمع بينهما في خير".
ترك آيسر يد مدحت ثم نظر إلى روميساء بظفر قائلًا:
كده بقيت رسمي حرم الطيار / آيسر أسعد شعيب.
أخفت بسمتها خلف غيظها منه، بينما تقبل آيسر التهاني من بعض الحضور، الذين انصرفوا بعد قليل تاركين الغرفة فقط للعروسين. أعلق آيسر خلفهم باب الغرفة ثم عاد ينظر إلى روميساء غامزًا بوقاحة قائلًا:
كده الرومس بقت زوجة رسمية ليا، يعني براحتي بقى.
للحظة شعرت روميساء بخجل من نظرة عينيه التي تراها لأول مرة بهذه الوقاحة. ارتبكت وتوترت أكثر حين جذبها من خصرها على غفلة منها، وقبلها فجأة. أربكت المفاجأة عقلها الذي تنحى للحظات قبل أن تستوعب ذلك ورفعت يديها تقوم بدفعه عنها، لكن هو أحكم حصار يديه عليها، وظل يقبلها إلى أن شعر بانخفاض نفسيهما. ترك شفاها وظل محتضنها للحظات قبل أن تفيق روميساء من غفوة عقلها وقامت بدفعه عنها قائلة باستنهاج:
اظهر عـ حقيقتك يا وقح، بس لا تفكر إني راح تمم هديك الزواج، و....
قاطعها آيسر مبتسمًا يقول:
الزواج تم خلاص يا رومسي العنيفة، هو الزفاف بس اللي ناقص. وأوعدك أعملك فرح ولا ألف ليلة وليلة، بس مش هنا في مصر. كمان هعرفك عالحجة شكران ومتاكد أول ما هتشوفيها هتحبيها من قلبك... خلينا نطلع للضيوف لا عقلهم يروح لبعيد ويفكروا إنك واقعة ومستعجلة على إتمام جوازنا.
تعصبت روميساء ورفعت يدها وصفعت كتفه بخفة قائلة:
كنت عم تمثل إنك مؤدب، وهلأ ظهرت حقيقتك يا.....
قاطعها آيسر حين جذبها مرة أخرى وقام بإسكاتها بألذ طريقة له، قبلة خاطفة ثم تركها قبل أن تتهجم عليه. فتح باب الغرفة يبتسم، بينما هي لجمت غضبها بصعوبة.
**[عودة]**
عاد آيسر يبتسم حين نهضت شكران واقفة تقول بمودة:
إنتم جايين من سفر ولازمكم راحة. هستأذن أنا وصفوانة وبكرة إن شاء الله هاجي مع سهيلة أعرفكم على بعض. متأكدة إنكم هتحبوا بعض لأنكم متفرقوش عن بعض قلوبكم صافية. بس للأسف حظكم وقعكم في ولادي اللي ناقصين تربية ودي مهمتكم بقى تطوعهم على إيديكم حسب شطارتكم.
نهضت روميساء مبتسمة توافق شكران في ذلك، لكن شعورها معها جعلها تتمنى بقاء جلوسها وقت أكثر معها، لكن خجلت أن تطلب ذلك. فإن كان هذا الأحمق صدق بشيء هو حين أخبرها أنها ستحب "الحجة شكران" وربما مستقبلاً تملأ قلبها بشعور الأمومة المفقود.
***
بشقة عادل.
كان عادل يجلس على تلك الأريكة بردهة الشقة، ينظر إلى تلك الدلاية السوداء التي سقطت من شهيرة. تبدو كقطعة ألماس حقيقية. تذكر حين وجدها على الأرض بعد أن صعدت شهيرة إلى سيارتها. ربما سقطت منها سهوًا دون أن تراها. لمعت عيناه مثل بريق تلك الدلاية، وفكر في الاتصال على شهيرة وإخبارها. ربما هذا فرصة عليه انتهازها. لكن قبل أن يفتح هاتفه صدح جرس باب الشقة. نهض متوجهًا نحو باب الشقة. قام بفتحه وتفاجأ بـ هويدا أمامه. سأمت ملامحه، بينما هويدا رسمت بسمة داهية قائلة:
هقف كتير عالباب مش هتقولي اتفضلي. متنساش إحنا لسه متجوزين. صحيح اتفقنا عالانفصال بهدوء بس لسه الإجراءات مخلصتش، وده اللي جايه عشان نتكلم فيه.
تنحى عادل على جنب الباب. دلفت هويدا إلى الشقة. أغلق عادل خلفها الباب. بينما أثناء استدارته سقطت تلك الدلاية من يده على الأرض سهوًا. انحنى سريعًا وجذبها بيده واستقام يضعها بجيب بنطاله. لكن كانت هويدا لمحت تلك الدلاية بوضوح. لم تهتم بها، ونظرت إلى عادل قائلة:
هدخل في الموضوع مباشرةً... أنا عارفة إن اللي مخليك مآجل طلاقنا هو حقوقي الشرعية، اللي مش هتقدر تدفعها سواء القايمة أو المؤخر. أنا بسهلها عليك المؤخر متنازلة عنه، وقيمة القايمة كمان بس هاخد التجهيزات اللي أهلي كانوا جايبنها. يعني تعتبر طلعت من الجوازة بدون خسائر، لا ليك ولا ليا.
نظر لها عادل بآسف قائلًا:
متأكدة إن مفيش حد فينا خسران. وابننا اللي ظلمناه... بـ أب وأم ميستحقوش يبقي عندهم طفل.
نظرت له قائلة:
ابني أنا عارفة قيمته كويس وعشان كده سايباه عند أهلي لأني متأكدة إنهم هيهتموا بيه. مش زي والدتك اللي طول الوقت بتدعي المرض وإنها مش قد مسؤولية الاهتمام بطفل. أعتقد كده انتهينا. كلم أي محامي يكتب تنازل عن حقوقي وأنا همضيلك عليه.
كانت نظراتهم لبعض مثل الأعداء اللي يتفقون على هدنة، أو بالاصح كل منهم يتنازل عن سلاحه ظنًا أنه وصل لغايته من الآخر.
***
بعد منتصف الليل.
بمحطة قطار القاهرة.
ترجل آصف من القطار وسار إلى أن خرج خارج المحطة. تبسم لذاك الذي ترجل من السيارة واقترب منه قائلًا:
حمد الله عالسلامة يا باشا. مبروك الفوز في القضية.
تبسم له آصف قائلًا:
متشكر. فين السيديهات اللي وصلت ليها.
تبسم له قائلًا:
السيديهات في شنطة في العربية يا باشا.
تبسم له آصف قائلًا:
تمام. عمولتك محفوظة. روح إنت لولادك تصبح على خير.
تبسم له الآخر قائلًا:
خيرك سابق يا باشا. تصبح على خير.
غادر الآخر، وصعد آصف إلى السيارة. رأى تلك الحقيبة الموضوعة على المقعد المجاور لعجلة القيادة. أشعل السيارة وبدأ في قيادتها، لكن آتى إلى عقله ذكرى قديمة، حين قرر الزواج من سهيلة قبل مقتل سامر. كان عائدًا أيضًا بهذا الوقت من "أسيوط". كان بداخله أمنيات جميلة يتمنى أن يصل لها لكن القدر وقتها حطم كل تلك الأمنيات. بهذه الأقراص، هل يوجد حقيقة هوية قاتل سامر الذي مازال ينعم بلا قصاص؟ زفر نفسه بعقل تائه. لا يوجد طرف خيط يدل على هوية القاتل. يتمنى أن يجد بين تلك الأقراص ذاك الطرف.
بعد قليل، وصل إلى الشقة ودخل إليها. سار بالممر بين الغرف. كانت غرفة سهيلة بابها مفتوح. تنهد هو يعلم أنها لم تعد من المشفى بسبب موعد عملها. نظر إلى ساعة يده لم يتبقى أمامه وقت كثير للعودة. ربما هي بالطريق الآن. رغم شعوره بالإجهاد، لكن فضل انتظارها ورؤيتها. لكن رغم دفء الشقة يشعر بالبرد فقال:
أما أروح المطبخ أشرب أي حاجة دافية.
بالفعل فتح الثلاجة وأخذ منها عبوة حليب وسكب القليل في إناء صغير ثم وضعه على الموقد وأشعله. ثم انتظر قليلًا حتى اقترب من الغليان. أطفأ الموقد وحمل الإناء، سكب ما به في كوب زجاجي، ثم توجه إلى باب المطبخ.
بنفس الوقت دخلت سهيلة إلى الشقة تشعر بالإرهاق هي الأخرى، لكن لاحظت نور قادم من المطبخ. استغربت ذلك لكن أخبرت نفسها: يمكن طنط شكران ولا الخالة صفوانة. أما أروح أشوف مين فيهم وأسألها إيه اللي مسهرها لحد دلوقتي.
بالفعل توجهت نحو المطبخ بنفس اللحظة التي وصلت فيها إلى أمام المطبخ. كان آصف يضع يده على زر الإنارة وأطفأه وخرج من باب المطبخ يصطدم بجسد سهيلة التي أصبحت بين يديه.
بينما انخضت سهيلة حين تفاجأت بـ آصف. للحظة لم تنتبه أنها بين يديه وقالت بتلقائية واستغراب:
آصف! إمتي رجعت؟
رغم تلك الحرارة الذي يشعر بها في كفه يده بسبب انسكاب جزء من اللبن الساخن عليه، لكن هنالك حرارة أقوى في قلبه وهو يشعر بأنفاس سهيلة قريبة منه، كذلك جسدها. كأنها تحتضنه بالفعل. هو احتضنها بيده الخالية. للحظة غفى عقل سهيلة ولكن سرعان ما انتبهت وعادت للخلف. رغم أنها لم تشعر بالرهبة في هذا الوقت، لكن عادت تسأله:
إمتي رجعت؟ مش كنت بتقول هتبات ليلتين في أسيوط.
نظر لها قائلًا عن قصد:
مكنتش أعرف إن رجوعي قبل ميعادي هيضايقك.
استغربت سهيلة وكادت تزلف قائلة:
وأيه اللي هيضايقني في رجوعك، بالعكس... قصدي بس اتفاجئت.
نظر آصف إلى ملامح وجهها سائلًا:
ويا ترى مفاجأة حلوة ولا...
نظرت له سهيلة وصمتت للحظات تشعر بشعور غريب، قبل أن تقاومه قائلة بتوهان:
أكيد جاي من أسيوط مرهق وأنا كمان مرهقة. هروح أنام. تصبح على خير.
تبسم آصف رغم غصة قلبه ومد يده بكوب اللبن لها قائلًا:
خدي إشربي كوباية اللبن دي هتخليكي تسترخي وتنامي بهدوء.
رفضت سهيلة قائلة:
لأ مش....
قاطعها آصف وارتشف منها بعض قطرات ثم قال:
على فكرة ده لبن مش محطوط فيه أي حاجة غير معلقة سكر واحدة.
فهمت سهيلة قصد آصف أنها تشك أن يكون واضع أي شيء ضار بكوب اللبن. شعرت بوخز في قلبها. هو فهمها خطأ. لم يصل تفكيرها إلى ذلك، هي فقط لم تريد أن تأخذ شيئًا أعده لنفسه.
مدت يدها وأخذت كوب اللبن منه قائلة:
تصبح على خير يا آصف.
تبسم لها آصف وتنهد باشتياق بعد أن دخلت إلى غرفتها. عاد للمطبخ سكب كوب آخر من اللبن وأخذه وذهب إلى غرفته. لكن باب غرفة سهيلة كان مغلقًا. بالتأكيد هي أغلقته حتى تقوم بتبديل ملابسها. ذهب نحو غرفته وضع كوب اللبن على طاولة جوار الفراش وترك جسده يتمدد على الفراش بتنهد بسعادة يشعر بأمل. سهيلة لم ترتجف وهي بين يديه قبل قليل. يكفيه ذاك العناق بعد إرهاق اليوم.
بينما سهيلة دخلت إلى غرفتها أغلقت الباب عمدًا حتى تهدأ تلك المشاعر التي تسيطر عليها. كأنها نسيت أن الذي أمامها آصف، بل هنالك شعور آخر تشعر به الآن عكس ليلة أمس. كان هنالك رهبة في قلبها. الليلة زالت تلك الرهبة. أيعقل أن آصف أصبح مصدر أمان لها.
***
بعد مرور عشر أيام.
بشقة آصف.
استيقظ من نومه على صوت رنين هاتفه. فتح عينيه بضجر وجذب هاتفه ونظر إلى الشاشة. قرر عدم الرد والعودة إلى النوم مرة أخرى، لكن استمر رنين الهاتف بإلحاح. غصبًا قام بالرد ليسمع اندفاع آيسر قائلًا:
إنت نايم وناسي إن فرح أخوك النهارده ولازم تكون جانبه وتساعده.
تثاءب آصف وقال باستهزاء:
وهساعدك في إيه، هحلقلك دقنك، ولا ألبسك البدلة.
تبسم آيسر قائلًا:
لأ تبقى جانبي تديني نصايح وتحفيز وتشجيع كده، بصفتك راجل متجوز.
تهكم آصف بسخرية قائلًا:
أنا واحد ينفعك في المواضيع دي. كنت نفعت نفسي. أقولك اتصل بـ "أسعد شعيب". هو عاش التجربة دي تلات مرات أكيد عنده خبرة مضمونة في التعامل مع الزوجة في أول ليلة. بس أعتقد ده كان مع الاثنين الأولانيين كان هو الخبير مكنش عندهم خبرة. إنما الليدي شهيرة أعتقد هي اللي كانت خبيرة. يلا طالما صحيت هقوم أفطر وبعدها هاجيلك الأوتيل اللي إنت مطرود ليه مؤقتًا.
تبسم آيسر قائلًا:
مش لوحدي مطرود. كمان عم مدحت هنا معايا في الأوتيل. بعد ما ماما هي وصفوانة باتوا مع رومس في الشقة عشان تجهيزاتها للفرح. رومس ليها حظ عني لقت اللي يساعدوها.
تبسم آصف قائلًا:
تصدق صعبت عليا وحسيت إنك لقيط. يلا بطل رغي هقوم أفطر وبعدها هاجيلك.
تبسم آيسر بمرح قائلًا بمغزى:
أوعي تنتهز الفرصة إنك مع سهيلة لوحدكم في الشقة وتنساني هنا لوحدي... الشيطان شاطر. ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما.
ضحك آصف قائلًا:
طب ياريت الشيطان يبقى تالتنا. يلا كفاية رغي عالصبح.
أغلق آصف الهاتف وضعه جواره على الفراش. ظل قليلًا ثم نهض من فوق الفراش وعن قصد منه بدل ثيابه إلى بنطال منزلي وفوقه كنزة تشبه. لكن ترك سحابها مفتوحًا إلى منتصف بطنه، وذهب إلى المطبخ.
بينما بغرفة سهيلة استيقظت من النوم هي الأخرى على صوت تنبيه هاتفها التي قامت بضبطه ليلة أمس بعد أن جفاها النوم لأوقات طويلة. خشيت أن يسحبها بغفوة وتنام دون أن تدري ويسرقها الوقت حين تستيقظ. لابد أن تذهب إلى شقة آيسر كي تساعد روميساء في التجهيزات الأخيرة لعُرسها اليوم. كانت تود المبيت معهن بتلك الشقة ليلة أمس، لكن شكران أخجلتها حين طلبت منها العودة لشقة آصف من أجل أن تجلب لها بعض الأغراض الخاصة بها. وكان قد تأخر الوقت لعودتها إليها بنفس الليلة. طلبت أن تأتي لها معها صباحًا.
نهضت من فوق الفراش وارتدت مئزر ثقيل فوق منامتها وذهبت نحو المطبخ، لكن توقفت على باب المطبخ حين رأت آصف يقف خلف الموقد يعطيها ظهره. ظلت صامتة للحظات حتى قال آصف:
صباح الخير يا سهيلة.
استجمعت شجاعتها ودلفت خطوات إلى المطبخ. لكن فجأة تيبس جسدها حين استدار آصف لها ورأت صدره العاري أسفل منامته المفتوح سحابها إلى منتصف بطنه. شعرت بتوتر كذالك رجفة. لكن تعمد آصف الاقتراب منها قائلًا:
أنا جهزت الفطور لينا خلينا نقعد نفطر هنا في المطبخ.
اقترب آصف أكثر عن عمد منه حتى أصبح الفرق خطوة واحدة. عادت سهيلة للخلف بتلقائية قائلة بتهرب:
أنا مش جعانة. هروح أجهز الأغراض اللي طنط شكران طلبتها مني.
قبل أن تخطو سهيلة خطوة أخرى جذبها آصف من ساعد يدها وضمها لصدره ونظر إلى عينيها قائلًا:
الفطور هيبرد. خلينا نفطر الأول وبعدها الأغراض مش هتاخد وقت.
نبرة آصف الناعمة زادت الرجفة بجسد سهيلة، لكن استغربت تلك الرجفة ليست رهبة أو خوف منه كما كان سابقًا. لكن نظرت إلى يده التي تقبض على ساعدها تذكرت تلك الأصفاد. أغمضت عينيها للحظة وحين فتحتها تفاجأت بـ آصف كاد يقبلها. لكن هي عادت برأسها للخلف وسحبت يدها من يده قائلة:
تمام خلينا نفطر.
سأم قلب آصف بغصة بعد أن فشل في نيل تلك القبلة، لكن تبسم لـ سهيلة التي جلست خلف تلك الطاولة تقول بمدح:
لأ شكل السفرة كتير حلو يفتح النفس. هفطر بسرعة وأجيب أغراض طنط شكران، وبعدها أبقى وصلني لعندها.
تبسم آصف وهو يجلس جوارها يتناولان الطعام بحديث هادئ بينهم. كل منهم لا يعلم كيف مرت عليه الليلة الماضية وهما وحدهما بالشقة. آصف قاوم كي لا يذهب لها مشتاقًا. سهيلة قاومت تلك الرهبة في قلبها.
.........
مساءً.
بقاعة العُرس.
أثناء الرقصة الأولى للعروسين، كان آيسر يضم روميساء بين يديه، كذالك آصف الذي يشاركه هو الآخر بالرقص مع سهيلة المتوترة.
وضعت شكران يديها أسفل ذقنها تبتسم بإنشراح في قلبها وهي تنظر إلى آصف وآيسر اللذان يضمان زوجاتهن بين أيديهن. كل منهم بهذه اللحظة يشعر أنه امتلك سعادة الكون بوجود من امتلكن خفقات قلبيهن. رغم أنها على يقين أنهن عنيدات، لكن يكفي بسمة ولديها الآن. غامت دمعة بعينيها على الثالث المفقود لكن موجود بقلبها. تنهدت بألم لكن أخفت ذلك خلف بسمتها التي خرجت من قلبها أيضًا. الحياة ليست وردية، هنالك أيضًا خطوط سوداء تترك آثارها واضحة في القلب.
كذالك بعض الانحناءات لتواكب الوقت. هي انحنت لـ أسعد حين أخبرها بزواجه من شهيرة. ربما لم يكن انحناءً، كان احتياجًا من أجل راحة أبنائها، لكن هي من وضعت آلامها بصدرها الذي لم يتحمل كثيرًا ومرضت، لكن ربما شعرت ببعض التعافي حين ابتعدت عن سبب ذاك الألم "أسعد شعيب".
بينما عين أسعد رافقتها طوال الوقت بحركتها بخفة بين ضيوف العُرس. لأول مرة يلاحظ أنها مجاملة ولبقة، عكس تلك الانطوائية الذي كان يظنها. هي لم تكن انطوائية، بل كانت شخصية تفضل منزلها عن تلك المظاهر المنافقة. عيناهُ رأتها الليلة بنظرة مختلفة. امرأة يتمناها أي رجل. وإن كان هنالك عروس الليلة فهي..... شكران.