الفصل 6 | من 11 فصل

رواية ابن الصعيدي الفصل السادس 6 - بقلم نور الشامي

المشاهدات
24
كلمة
2,258
وقت القراءة
12 د
التقدم في الرواية 55%
حجم الخط: 18

يركض في ممرات المستشفى كالمجنون وخلفه أفراد العائلة لا يدرون ما يقولونه أو ما يفعلونه. كل شيء من حولهم كان بطيئًا باهتًا. لم يتوقف صخر عن الركض حتى انتبه لقدر الجالسة على الأرض ظهرها للحائط البارد ووجهها مبلل بالدموع وبين يديها رأسها كأنها تحاول أن تحتمي من العالم كله. فتوقف أمامها وصوته خرج مرتجفًا من بين أنفاسه المتقطعة مرددًا: "قدر إنتي كويسة؟ إيه اللي حصل وفين ميار؟

رفعت قدر عينيها ببطء نحوه ونظرة واحدة فقط كانت كفيلة بأن تزرع الرعب في قلبه فرددت قدر: "جوه… بيحضرواها للعمليات… حالتها خطيرة يا صخر. جوي أنا آسفة.. أنا آسفة." لم ينطق صخر ولم يرد، فقط تحرك كأن شيئًا أكبر من عقله يقوده. دفع الباب بجسده وتوجه نحو الطبيب الواقف أمام الغرفة المغلقة مرددًا: "إيه اللي حصل؟ حالتها عاملة إزاي بالله عليك.. طمني هي كويسة صحيح.. قول أي حاجة يا حكيم متسكتش كده." أجابه الطبيب

بنبرة هادئة لكنها حادة: "في نزيف داخلي… لازم تدخل العمليات تاني فورًا وحالتها مش مستقرة. أنا مقدرش أقول أي حاجة دلوقتي.. ادعيلها ربنا معاها." شعر صخر وكأن الأرض تميد من تحته لكنه قاوم الانهيار واقترب من الفراش الذي كانت ميار عليه ممددة لا تقوى حتى على فتح عينيها ووجهها شاحب وأنفاسها خافتة كأنها تهمس بالحياة. فانحنى فوقها ووضع كفه على خدها برفق وهمس بصوت منخفض وهو يحاول أن يحبس دموعه:

"ميار… أنا جيت يا ميار… سامعاني.. أنا موجود جنبك أهه متخافيش." ارتعشت جفناها وفتحت عينيها ببطء ونظرت له كأنها عادت للحياة من أجله فقط ثم همست بصوت واهن: "الحمد لله… الحمد لله إنك جيت… أنا كنت خايفة قوي أموت من غير ما أشوفك كنت… فاكراك مش هتلحقني… الحمد لله إنك وصلت." شدد صخر على يدها برفق وقبّل جبينها وهتف:

"بعد الشر عليكي متقوليش كده.. انتي هتبقي كويسة والله أنا متأكد.. هو انتي مش وعدتيني إنك هتفضلي معايا.. لازم توفي بوعدك يا ميار.. بالله عليكي متسبينيش.. أبوس إيدك والله ما أقدر أعيش من غيرك. انتي متعرفيش انتي بالنسبالي إيه." شعرت ميار بكفه يحتضن يدها فابتسمت بتعب وهي تنظر إلى وجهه كأنها تحفظ ملامحه في قلبها قبل أن تغيب وهمست بصوتها الهش:

"أنا… عمري ما حبيت غيرك يا صخر… طول عمري من أول مرة فتحت عيوني فيها وأنا عيني مشافتش غيرك… بس أنا عارفة… عارفة إنك بتحب قدر… علشان كده أنقذتها.. مهانش عليا البنت اللي بتحبها تموت." نزلت كلماتها عليه كالسكاكين فشهق بهدوء وازدادت قبضته على يدها وردد بنبرة مرتعشة:

"متطوليش كده بالله عليكي… انتي متعرفيش انتي بالنسبالي إيه.. سنين وأنا بحاول أنسى بس معرفتش أعيش من غيرك ولا هعرف… متقوليش إنك محبتيش غيري كأنك بتودعيني… أنا عارف إنك بتحبيني.. والله انتي أغلى حاجة عندي.. انتي مرتي وبنت خالتي ورفيقة حياتي كلها." ابتسمت ميار من جديد لكن دمعة هربت من عينها وسقطت على وجنتها مردفة:

"أنا… أنا حاولت كتير أخليك تحبني زي ما أنا بحبك… بس واضح إن قلبي لوحده مكانش كفاية… طول السنين دي معرفتش اخليك تحبني يا صخر.. معرفتش أكسب قلبك يا ابن خالتي." اقترب صخر أكثر وهوى بجبهته على يدها يقبلها وهمس من بين دموعه:

"ميار بالله عليكي… متتكلميش كده… ده أنا لو جالك حاجة أنا اللي هموت… مش هقدر أعيش في دنيا انتي مش فيها… والله ما أقدر يا ميار… بالله عليكي كفاية.. متسبنيش وأنا والله مستعد أسيب الدنيا كلها عشانك.. بس خليكي جنبي." وفي تلك اللحظة فتح الباب فجأة ودخل طاقم الأطباء يدفعون السرير المتحرك. فنهض صخر مجبرًا ينظر إليها بلهفة كأنما ينتزع من قلبه شيء لا يُعوض وتعلقت بها نظراته. فابتسمت بضعف وهمست:

"أوعي تنساني يا صخر… لو حصلي حاجة بلاش تنساني… بالله عليك." هتف صخر بدموع: "هتخرجي من العمليات وهتبقي كويسة وهترجعيلي… أنا مستنيكي ومش هسيبك، فاهمة؟ متسبينيش انتي كمان… علشان خاطري." وبينما كانوا يدفعونها ببطء نحو غرفة العمليات توقف الطبيب للحظة بجانب صخر ونظر إليه ثم أردف بهدوء: "صخر.. يمكن متكونش عارف علشان أعتقد إنك كمان متعرفش بس مراتك… حامل."

ألقى الطبيب كلماته ثم استدار ودخل الغرفة مغلقًا الباب خلفه تاركًا صخر واقفًا كأن الزمن توقف به… يتنفس بصعوبة. وبعد فترة كانت رجوة تجوب الغرفة كأن الأرض تضيق بها تتنقل بين الجدران بعصبية وملامحها تحمل كل ألوان الغضب وعيناها تقدحان شرًا. وفجأة رفعت كوبًا زجاجيًا وألقت به على الأرض فانكسر إلى شظايا متناثرة لتصرخ من أعماقها:

"إنت غبي…. غبي يا كريم… أنا قولتلك من زمان صخر بيحب قدر آه بس ميار أغلى عنده من قدر دي بالنسباله كل حاجة.. الحب مش هو الأساس… اللي بين صخر وميار أكبر مليون مرة من الحب.. بس طبعًا أنا بفهم مين عاد.. بفهم واحد غبي متهور مش نافع في أي حاجة.. لو حصلها حاجة صخر مش هيسكت هيتحول لوحش وهيخرب الدنيا وإحنا أول ناس هيدور علينا!

كل حاجة بنخطط لها هتضيع بسبب تهورك انت إيه كنت مصيبة عليا هو أنا جايباك تساعدني ولا تضيعني وأنا كمان.. آدم أكيد مش هيسيب صاحبه خصوصًا إنه بقى شاكك إن صخر معملش حاجة.. هيرجعوا تاني." كان كريم يقف عند الحائط يضغط على قبضتيه بشدة ووجهه يتقلب بين التوتر واللامبالاة ثم هتف ساخرًا: "ما يرجعوا يا ستي انتي محسساني إنهم متجوزين دول أصحاب… يعني إيه اللي هيحصل يعني؟

توقفت رجوة فجأة ونظرت له بحدة حتى خيل له أن عينيها ستقتلهما وحدهما ثم اقتربت منه حتى صارت على بعد خطوة ورددت: "اللي هيحصل إنهم هيوصلولي… وهيقولولك وهتضيع كل حاجة… كل حاجة وحق بنت اللي ماتت بسببهم هيروح؟! بنتي اللي جابوها وقتلوها بكل دم بارد هيروح بسببك وآدم بيهد الدنيا دلوقتي… وبيسأل عن اللي قتل مرته وده معناه إنه مش مصدق إن صخر له يد لو بدأ يشك إحنا هنروح في داهية." ضرب كريم الحائط بيده وصوته خرج مبحوحًا من صدره:

"أنا مش هسكت! مش بعد كل ده… واللي في بطن قدر؟ لازم يموت.. أنا مش عايز أي حاجة تربطني بيها.. بقولك إيه أنا ساعدتك كتير وانتي لازم تساعديني في كل حاجة يا والله العظيم ما هسكت." شهقت رجوة وتراجعت خطوة للخلف ثم صرخت بأعلى صوتها: "غبي… غبي وهتودينا كلنا في ستين داهية! لو صخر عرف أو حس مش هيعديها! ده ممكن يقتلنا بإيده!

ميار لو ماتت… هو مش هيسيب حد، وخصوصًا إنت وانت لسه جاي تقول الطفل والزفت على دماغك.. انت إيه مش بتفكر نهائي كده." ألقت رجوة كلماتها ثم جلست فجأة على الأريكة تضع يدها على رأسها وهي تهمس بنبرة مكسورة: "ربنا يستر من اللي جاي… واللي هيحصلنا بسبب غباءك." وفي صباح يوم جديد كان الشارع لا يزال هادئًا وضوء الشمس بالكاد بدأ ينسدل على الأرصفة والهواء يحمل نسمات باردة تعبق برائحة الليل المنصرف.

حيث كانت يمنى تسير بخطى سريعة، تمسك بهاتفها المحمول وتتحدث بحماس: "أنا جاية أهو يا قدر… ثواني وهكون عندك… لسه نازلة من البيت حالًا…" لم تنهي يمنى كلماتها حتى انخفض صوتها فجأة وعيناها اتسعتا بدهشة حين لمحت سيارة متوقفة عند ناصية الطريق وبداخلها شخص ممدد على المقعد وكأنه نائم. فاقتربت بحذر وارتجفت يدها حين تعرفت على ملامحه مرددة: "ده… ده آدم! آدم صاحب صخر… ولا أنا بتخيل ولا إيه عاد."

زفرت يمنى في دهشة واقتربت أكثر وبدأت تطرق على زجاج السيارة بقوة: "آدم بيه … يا بشمهندس فوووق.. انت كويس؟! افتحلي الباب بالله عليك." تحرك آدم قليلًا وبصعوبة فتح الباب ووجهه شاحب وعينيه مثقلتان بالتعب كأنهما لم تذوقا النوم لليالي طويلة وصوته خرج ضعيفا مرددا: "يمنى… روحيني… أنا تعبان قوي ومش قادر أتحرك.. رزحيني بالله عليك." نظرت يمنى إليه بقلق ثم صرخت حين لمحت الدم الجاف على يده فهتفت: "إيدك! آدم إنت مجروح… حصل إيه؟!

كنت فين؟ يا لهوي هعمل إيه دلوقتي أنا بس." ابتلع آدم ريقه بصعوبة وأخفض عينيه للحظة ثم ردد بصوت مبحوح: "متسأليش كتير.. بس خذيني من هنا … مش قادر أتحرك." ركضت يمنى بسرعة نحو الباب الآخر وفتحت السيارة وساعدته على النزول وجلست هي على مقعد القيادة وهو بجانبها وانطلقت بسرعة بالسيارة.

وبعد عدة ساعات في المستشفى كان يقف صخر أمام غرفة العناية المركزة وظهره مستند إلى الجدار ويداه تقبضان على حافة الميتر بقوة كأنّه يستمد من برودته بعض الصبر وعيناه تائهتان تحملان مزيجًا من الرعب والغضب، وأنفاسه تضطرب مع كل لحظة تمر دون خبر من الداخل. حتى اقتربت قدر بخطى مترددة وقلبها يعلو ويهبط بين الخوف والندم.

لم تحتمل رؤيته بهذا الحال فمدت يدها لتواسيه لعل لمستها تخفف من وجعه لكنه ما إن شعر بملمسها حتى أبعد يدها بعنف وصرخ في وجهها بنبرة موجوعة: "ابعدي عني.. ابعدي إنتي السبب… أنا حذرتك.. حذرتك مليون مرة متروحيش لأي مكان من غير ما تقوليلي بس لأ طبعًا… لازم تروحي ولازم لكريم كمان هو كان واحشك؟ لسه بتحبيه يا قدر ولا إيه علشان تعصي كلام جوزك وتجري عليه أعملك إيه أكتر من كده… أعمل إيه معاكي."

شهقت قدر وقد تجمدت الكلمات على شفتيها ثم تمتمت من بين دموعها: "والله العظيم… كنت رايحة أحل كل حاجة… كنت عايزة أخلص على المشاكل دي من جذورها.. حاسمًا بالله ده كان كل اللي في دماغي والله العظيم." وقاطعها صخر بانفجار جديد من الغضب وعروقه تكاد تنفجر من شدة الانفعال:

"إنتي مبتعرفيش تعملي حاجة غير إنك تجيبيلي المصايب.. مش كفاية كل اللي حصل قبل كده من وراكي.. إيه متعبتيش… ولو ميار جرى لها حاجة… هقتلك والله لأقتلك… مرتي جوه بتصارع الموت… بسببك انتي.. بسبب واحدة مستهترة زيك." سقطت الكلمات عليهما كسسكين بارد والصمت الذي تلاها كان أثقل من أي صراخ. وقبل أن تتحدث.. دوى صوت جهاز القلب في الغرفة، معلنًا خللًا خطيرًا. فركض الأطباء سريعًا نحو الغرفة يتزاحمون وهم يصرخون:

"افتحوا السكة.. بسرعة يلا." ألقى الأطباء كلماته بينما وقف صخر في مكانه كأن الزمن تجمد وعيناه لا تفارقان الباب المغلق. أما قدر .. فشعرت بجسدها يرتجف ويدها تبحث عن أي شيء تستند إليه. مرت الدقائق كأنها دهر حتى فتح الباب أخيرًا وخرج الطبيب بوجه شاحب. فأقترب منه صخر وردد بلهفة: "إيه يا حكيم.. هي كويسة.. ميار كويسة صحيح." نظر الطبيب إليه بحزن وردد: "البقاء لله." نظرت قدر بفزع ولم تنطق بحرف والدموع انهمرت من عيونها.

أما صخر فقد سقط جالسًا على الأرض يحدق في الفراغ، كأن العالم كله اختفى.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...