جلس قاسم على الأرض، كأنه فقد قدرته على الوقوف. كتفه سقطا بثقل السنين، وصدره يعلو ويهبط بأنفاس متقطعة. تدفقت الذكريات عليه كالسيل الجارف. وجه زوجته وهي تضحك له بعفوية، صوتها وهي تناديه "يا قاسم"، دفء يديها وهي تمسح عنه تعب النهار. تلك الطفلة التي كانت تفرح بأبسط الأشياء، والتي أحبته بلا قيد ولا شرط. رحلت وتركت فراغًا لا يملؤه شيء.
شعر بطعنة في قلبه وهو يتذكر آخر نظرة لها قبل الموت، تلك النظرة التي حملت خوفها عليه أكثر من خوفها على نفسها. ثم تذكر كيف قاوم الحزن يومها حتى لا ينهار أمام الناس، كيف أقسم أنه سيجلب لها حقها. تذكر ابنه الذي رآه من خلال السونار، لكنه حرك بداخله شعورًا جديدًا، شعور الأبوة. ظل يومها طوال الليل يتخيل ابنه وهو يكبر أمامه ويعلمه ركوب الخيل. ظل يتخيل شكله. هل سيحمل ملامحه أم ملامح أمه؟
دموعه نزلت لأول مرة من سنين بدون استئذان. يده ضربت الأرض بقهر، وصوت خافت خرج من صدره، أقرب للأنين من الكلام. كأن روحه نفسها تتفتت. كأن الدنيا كلها اتفقت عليه. وبدأ يسأل نفسه: هل أنا السبب؟ هل قصّرت معها؟ شعر لأول مرة بضعفه وعدم قدرته على الحفاظ على أهل بيته. قاسم الذي يلجأ إليه كل ضعيف ليحميه، فشل في حماية بيته. هو لا يستحق ذلك المنصب ولا تلك المكانة.
تذكر أمه التي وقعت حزنًا على فراق ابنها، وهي الآن بين الحياة والموت. وإذا خرجت من المستشفى لم تصبح كالماضي. كأن قلبه يُنسحق تحت حجر ضخم. مسح بيده على وجهه كأنه يحاول يطرد الكوابيس، لكن الصور ملتصقة بجفونه: وجهها البريء وهي نايمة جنبه، وصوت نفسها الأخير الذي ما سمعهوش. بدأ يضرب الأرض بكفه كأنه يعاقب نفسه: "أنا السبب… أنا السبب!
الإحساس بالعجز خنقه، وهو الذي طول عمره يقف كالجبل. لأول مرة رأى نفسه صغيرًا. صغير قوي، ومحدش شايله. إزاي هيقف قدام الناس وهو فشل في حماية أقرب حد له؟ إزاي يطالبهم بالأمان وهو بيته نفسه اتخترق؟ إزاي يبقى عمدة وهو مش قادر يكون زوج؟ دموعه نزلت رغم عناده، كان يكتمها بصوت أنفاس متقطعة.
وتذكر أمه. رآها وهي تقع قدامه ودلوقتي ممدودة على السرير الأبيض، عيونها مطفية من الحزن قبل المرض. والدكاترة قالوا حتى لو قامت عمرها ما هتكون زي الأول. "يا رب… مش قادر أشيلهم كلهم لوحدي… مش قادر." "اتدخلت في إرادتك وقولت أأمن نفسي. نسيت إنك أنت الحامي واللي بإيده كل شيء. لو قالولي هناخد كل دمك وهما يعيشوا أنا كنت هوافق. لكن سبحان الله، إرادة الله فوق كل شيء."
تذكر نجمة وحبه لها وكيف آذاها. كيف سيأمن لها أن تعيش معه وهو غير قادر على حمايتها؟ ماذا لو آذاوه بها كما فعلوا مع فضة؟ ظلت يبكي بقهر. كانت نعمة تقف بالخارج وتسمع بكاءه. حاولت الدخول له لكنها لم تستطع. عادت لغرفتها واتصلت على نجمة، وجدت هاتفها مغلقًا. مر يومان وكان قاسم معتكفًا داخل خلوته، لم يأكل أو يشرب شيئًا. حاولت نعمة بكل الطرق أن تتحدث معه وتخرجه من حالته، لكنها لم تستطع.
اتصلت نعمة بمطيعة وأخبرتها بوضع قاسم، وقررت مطيعة أن تذهب له. فيجب عليها أن تخبره بحقيقة فضة، ولماذا هي من الأساس وافقت على زواجها منه بتلك الطريقة ولم تمنعها. أتت مطيعة وظلت تطرق على الباب. وبعد فترة خرج لها قاسم بتلك الهيئة التي صدمت عندما رأته بها. شعره مشعث وجلبابه متسخ، ومن الواضح أنه خسر الكثير من وزنه. "إزيك يا قاسم، عامل إيه؟ "الحمد لله. إني عاملة إيه؟
"أنا مش بخير بعد ما شفتك بالمنظر ده. فين قاسم اللي البلد كلها بتخاف منه وتعمل له حساب؟ "خلاص مش هيبقى فيه قاسم تاني. أنا ناوي أتنازل عن العمودية وعن كل حاجة." "ليه كده يا قاسم؟ أنت لسه عايز تدخل في إرادة ربنا سبحانه وتعالى؟ "يابني فضة بنتي من يومها بنت موت وأنا كنت بسيبها ومش بضغط عليها في حاجة عشان عارفة اللي فيها. أنت عارف عمك منصور مات إزاي؟
عنده مرض وراثي في القلب وفضة أخدته منه، وللأسف مالوش علاج إلى وقتنا هذا، ويادوب لو فيه أدوية بتتاخد عشان خاطر الأعراض بتاعته. فضة أنا كان أقصى طموحي إنها توصل للعشرينيات. بس لما صممت تتجوزك وتحمل منك سبتها. قولت خليها تعيش الحياة على كيفها، يمكن لما تعيش مبسوطة عمرها يطول. وهي كانت عارفة مرضها عشان كده مكنش فارق معاها نجمة تتجوزها أو لأ. لأنها حاسة إن حياتها قصيرة. يمكن لو القاتل كان صبر على المقتول كان مات لوحده. لو
فضة بنتي سليمة وطبيعية عمري ما كنت هقبل أجوزها على ضرة أبداً. لكن أنا سبتها تفرح آخر أيامها. وأنت ما قصرتش معاها. يمكن ربنا عمل كده وخلاك تنصاب وتديك هي دمها عشان تفرح قبل ما ربنا ياخد أمانته. وهي كانت فرحانة وأنا كنت بدعيلك. أنا كفاية عليا أوي إنها لما ماتت كانت شبعانة ومبسوطة."
"ده ما يمنعش إني مقدرتش أحميها." "ده عمرها يا قاسم. ربنا اختارها عنده. لو ليها عمر كان زمان الدكاترة قدروا ينقذوها زيك. يابني ده قدرها ولازم تؤمن بيه زي ما أنا مؤمنة. أبوك زمان الله يرحمه حاول ياما يعالج منصور لكن مجدرش. وخلّاه يسيب الغفر والأرض ويقعد في مكتب عشان كان عارف صحته إيه. قوم يا قاسم، املي مكانك وأرجع كبير البلد تاني وارضى بقضاء ربنا." دخلت نعمة وبيدها صينية الطعام وجلست بجانب مطيعة وقاسم.
"قلة الأكل مش هتفيد بحاجة يا قاسم. يلا ناكل مع بعض." "نعمة عندها حق. أنا كمان ما أكلتش ومش هاكل غير لو أكلت معايا." جلسوا جميعًا يتناولون العشاء، وأخيرًا خرج قاسم من خلوته وبدأ يباشر التحقيقات مرة أخرى. في منزل نجمة، كانت تشعر بحزن على فضة. لا تنكر أنها كانت تتمنى أن تصبح هي زوجته الأولى والأخيرة، لكن لم تتمنى يومًا الموت لفضة. دخل إليها عفيفي وجلس أمامها. "عجبك وضعك دلوقتي؟ عملتي اللي في دماغك؟
"أنا معملتش حاجة. هو اللي جه رمالي ورقتي وسابني ومشي من غير حتى ما يقولي السبب." "حاولت أكلمه لكن بقالي تلات أيام مش عارف أوصله خالص." "كلم عمته نعمة." "بتقول لي قافل على نفسه ومش بيكلم حد… طيب ما تروحي تطمني عليه."
"بابا لو سمحت أنا مش هقلل من نفسي تاني وكفاية اللي حصلي. حرام عليك بقى، سيبني أرتاح. هو تلاقيه حزين على فضة وابنه، حتى ماهانش عليه يخليني أشاركه حزنه. طلقني من غير ما يقول حاجة. وعلى فكرة، أنا مش راجعاله تاني لو عمل إيه." "كتك نيلة فقرية زيه، عمتك." تركها عفيفي وذهب لسرايا قاسم وحاول أن يقابله ولكنه لم يستطع. مر أسبوع على جميع الأحداث.
استطاع قاسم أن يعود مرة أخرى ويأخذ حق فضة بيده من عمه وجاسر، وترك ونيسة وورد للقانون. ذهب للمستشفى وقابل الطبيب وأبلغه أن والدته فاقت، ولكن الجلطة أثرت عليها وأصيبت بشلل نصفي ولم تستطع الحديث مرة أخرى. استقبلها قاسم وجلب لها ممرضة لترافقها وتعتني بها وتنفذ طلباتها وتطعمها. قام بعد ذلك بتأجير شخص ليساعد جاسر ووصفى من الهروب من السجن يدعى حسانين.
ذهب حسانين للحجز وقابل جاسر ووصفى وعرض عليه أن يساعدهم في الهروب مقابل 100.000 جنيه. وافق جاسر ووصفى أن يدفعوا مقابل النجاة بحياتهم. وبالفعل استطاع حسانين أن يساعدهم في الهروب. خرج جاسر ووصفى وركبوا السيارة مع حسانين وذهب بهم لمخزن كبير في آخر البلد. دخل جاسر ووصفى المخزن وتفاجئوا بقاسم أمامهم، وتمت محاصرتهم من رجال قاسم. ظهرت على ملامح قاسم ابتسامة غريبة لاول مرة يرونها، ابتسامة ممزوجة بضحكة شر.
"كنت فاكر إني هسيبك للموت يا جاسر من غير ما أصفّي حسابي معاكم." "هتقتل عمك؟ "ما سبق وحاولت قتلتني يا عمي، مهي ورد اعترفت بكل حاجة. بس ما تقلقش، مش هقتلك أنت بالذات. أنا هاخد حقي منك وهخليك تتمنى الموت متلاقيوش. إنما أنت يا صغنن، أنا هعذبك الأول وآخد حق اللي آذيتهم وبعدها هاخد روحك بيدي." في الجهة الأخرى في القسم، عندما علم مأمور القسم بهروب وصفى وجاسر، ذهب لسرايا وصفى وقابلتهم نعمة وتحدثت مع المأمور. "خير، في حاجة؟
نظر لها المأمور بابتسامة. "لأ، خير إن شاء الله. بس جاسر ووصفى هربوا وإحنا خايفين على قاسم. ماتعرفيش مكانه؟ "لأ معرفش. استنى أتصل بيه." اتصلت نعمة على قاسم مرارًا وتكرارًا، لكنه لم يجب عليها. "طيب ماتشغليش بالك، أنا هتصرف وأعرف مكانه." "لأ، هو مابيردش ومش من عوايده. أنا كده قلقت." "بصي، هاتي رقمك ولو قدرت أوصله هكلمك." تبادل المأمور معها أرقام الهواتف واتصل بعد ذلك باللواء رشدي. "مساء الخير يا سيادة اللواء."
"وصفى وجاسر هربوا وأنا خايف يكون قاسم ورا الموضوع ده، ووقتها ممكن يعمل حاجة تدينه." "هربوا إمتى؟ "في حدود الساعة 1." "أنا لسه في البلد، ساعة وهقولك هما فين دلوقتي." وبالفعل ظل اللواء رشدي يراجع الكاميرات إلى أن وجد خط سيرهم وبلغ المأمور وذهبوا تجاه ذلك المخزن قبل أن يتصرف قاسم تصرف خارج القانون. كان قاسم يتحدث مع عمه.
"زمان حتى وطلبت مني أتجوز بنتك ونيسة، وقتها رفضت. راحت خيا بكل بجاحة الدنيا جت لي تقول لي أنا بحبك واتجوزني. وأنا برضه رفضتها. حاولت تقتلني وأنا مرضتش أردها لك. وقتها قلت يمكن ظالمك. بس أنت وولادك بجاحين." ثم ألقاه بعد ذلك للرجال من خلفه. "ظبطوه يا رجالة." وبدأ الرجال في ضربه. بينما جذب جاسر من شعره وحذفه أسفل قدمه. "أنت بقى رأس الحية؟ بتخطط وبتحاول تسرق الشركة وكمان قتلت مرتي وابني." أمسك قاسم الطبنجه (المسدس)
وأطلق رصاصة على قدم جاسر. جعله يبكي ويصرخ كالحريم. "إيه ده؟ إحنا لسه في الأول." ظل قاسم يقوم بتعذيب عمه وجاسر إلى أن وصل رشدي والمأمور وقبضوا مرة أخرى عليهم. حاول قاسم أن يمنعهم لكنهم سيطروا عليه. "المأمور: اهدى يا قاسم. عايزك تهدى. حقك هيجيلك." بعد أحاديث طويلة مع قاسم، بالكاد أقنعوه. وبالفعل قبضوا مرة أخرى عليهم. وذهب جاسر لمستشفى الشرطة ليخرجوا الرصاصة من قدمه.
في سرايا الهلالي، ذهب طليق نعمة ليقابلها. وتفاجأت نعمة من وجوده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!