ذهبت ونيسة منزلها وهى سعيدة. وجدت وصفى جالس ينظر لسعادتها باستغراب. ـ خير يا ونيسة، لحجتي تنفذي؟ ـ لأ، اجلتها. ـ إيه يا حزينة؟ ـ دا أنا جايبالك خبر إنما إيه. ـ خير، قاسم مات؟ ـ لأ، فضة حامل. ـ وايه اللي يفرح في كده؟ ـ اللي يفرح أني لما أنفذ خطتي، وقتها مش هكسر قاسم بس، لأ، هكسر الكل معاه كمان. ـ ناويّة على إيه؟ ـ لأ، مش بالجوالة، بالعمايل بس. وعد مني لهتشوف كسرة عيلة قاسم الهلالي كلها، مش هيبجي فيها حد. ***
مرت الأيام سريعاً، وما زال قاسم لم يعد يباشر أعماله في القاهرة. يخشى العودة، ووقتها سيضطر لتنفيذ طلب نجمة. أصبح يشعر بملل كبير، يشتاق إليها، يريد حبها، يريد ضمها إليه. نظراتها وحديثها الأخير لم يخرج من باله. في الجهة الأخرى، داخل السرايا، حاولت فضة أن تعتاد غياب قاسم عليها. كانت تجلس في غرفتها تشاهد التلفاز. دخلت إليها نجمة وهي تحمل صندوق هدايا. ـ ازيك يا فضة؟ ـ الحمد لله، انتي عاملة إيه يا نجمة؟
ـ أنا كويسة الحمد لله.. اتفضلي، خدي. ـ إيه ده؟ ـ دي هدية ليكي. تبدلت ملامح فضة من الاستغراب للسعادة. ـ بجد؟ والنبى هدية ليا أنا؟ ـ أه والله، يا رب تعجبك. ـ وانتي خرجتي امتى تجيبيها؟ ـ لأ، أنا جبتها أونلاين. ـ يعني إيه؟ ـ من على النت، بشوف اللي بيعجبني وأطلبه وبيوصل لحد البيت. ـ هو في كده؟ ـ أه. ـ طيب ينفع تعلميني أنا كمان أعمل كده؟ ـ حاضر. ـ والأسعار بتاعتهم عاملة إيه؟
ـ نفس أسعار بره. طيب شوفي الهدية الأول، يمكن ما تعجبكيش. فتحت فضة الهدية، وجدت فستان بجميع مستلزماته من حجاب إلى حذاء لحقيبة، ومعه طقم أطفال نفس لون الفستان، وكانت بدلة الأطفال لونها حيادي تناسب الجنسين. ـ الله، دي حلوة، جزى كل ده ليا أنا؟ ـ أه، عجبوكي؟ ـ جوي جوي، تسلم مجايبك.. اجعدي اجعدي، وجوليلي بجى جبتيهم إزاي؟ فتحت نجمة هاتفها، وفضة أيضاً، وأصبحت نجمة تعلم فضة كيفية التسوق والأماكن.
ـ تصدقي يا نجمة، أنا كنت حاسة بملل كبير أوي، وانتي قاعدتك حلوة، وعلمتيني حاجات كتير في التليفون ده. ـ أي خدمة، لو في حاجة عايزة تعرفيها، تعاليلي أي وقت. ـ لأ، كده خلاص، أنا عرفت كل حاجة، وهبدأ بجى أشتري حاجة النونو من عليه. الحاجة اللي مش هتتباع هنا، هجبها منه. ـ ربنا يقومك بالسلامة. ـ عقبالك يارب. إلا صحيح يا نجمة، انتي عندك كام سنة؟ ـ ٢٢ سنة، وانتي؟ ـ ١٨ سنة. ـ إنتي صغيرة أوي يا فضة على الحمل والخلفة والمسؤلية.
ـ لأ، منا اللي مربية أخويا الصغير مع أمي، ماتجلجيش. ـ ربنا يقومك بالسلامة. هقوم أنا أروح أوضتي، وانتي خليكي على راحتك. خرجت نجمة من غرفة فضة، ووجدت أمامها جليلة. حاولت نجمة أن تتخطاها، لكنها لم تستطع. ـ ب بجى، انتي عايزة تطلجي من ابني بعد شهر جواز؟ يا نجمة، إيه؟ مش مالي عينك ولا مش حاكمك كويس؟ ـ دي حاجة بيني وبينه.
ـ بكيفك يا نجمة، لتكوني فاكرة إني جاية أقنعك تبجي معاه، تبجي غلطانة. بس ماتخليش كلام الناس يبجي يضايجك، لما يجولوا اتطلجتي بعد شهر من جوازها، وجوزها ملمسهاش، وضرتها حملت. ـ إنتي عايزة إيه؟ ـ ولا حاجة. كنت فاكرة إني كبيرة وعاقلة، طلعتي هبلة وعيلة صغيرة، ضحكت عليكي وعملت نفسها الكبيرة...
ماتجلجيش يا نجمة، أنا مش همنع طلاقك من قاسم، كده كده العيل اللي عايزاه ونفسي فيه خلاص، فضة هتخلفه. واللي تخلف واحد تخلف عشرة. إنما أنا يا عيني خسرتي كل حاجة بسبب نشفان دماغك وغبائك. وكفاية عليكي اللي أبوكي هيعمله لما يعرف. قالت جليلة حديثها وذهبت. دخلت نجمة غرفتها تفكر في حديث جليلة، وقامت بالاتصال على قاسم. أجاب عليها قاسم مباشرة بعد أول رنة. ـ أنا بحلم ولا أنا فعلاً اللي بتتصلي؟ ـ أنا، ازيك يا قاسم؟ عامل إيه؟
ـ بخير، وانتي وحشاني جوي جوي. صمتت نجمة، فهو فهم اتصالها به خطأ. ـ قاسم، لو سمحت، أنا بكلمك عشان حاجة تانية. ـ معاكي، محتاجة حاجة؟ في حاجة حصلت؟ حد ضايقك؟ ـ مامّتك كلمتني، وقصت له ما قالته لها والدته. صمت قاسم. ـ حجك عليا يا نجمة، أنا هاجي أجرب في وقت وهعملك اللي يريحك، حتى لو في وجعي أنا. ومتخافيش، أبوكي مش هيقدر يعملك حاجة طول ما أنا موجود. وأنا هكلم جليلة، مالهاش دعوة بيكي تاني.
ـ لأ، ماتكلمهاش، أنا بكلمك عشان أنا عارفة إنك الوحيد اللي هتقدر على بابا. ـ حاضر يا نجمة، ماتجلجيش. أنا هجفل عشان عندي شغل. مر أسبوع وعاد قاسم من السفر، وعندما عاد حضرت نجمة أغراضها استعداداً للذهاب. في اليوم التالي، تفاجأ الجميع بشنطة نجمة وقرارها. وقف قاسم من مجلسه وذهب إليها وحمل عنها الشنطة. ـ آخر قرار يا نجمة؟ ـ أه.
خرج قاسم وخلفه نجمة، ووصلوا لمنزل عفيفي، الذي استقبلهم في البداية بترحاب ظناً منه أنهم أتوا لزيارته. جلسوا جميعاً في غرفة الضيوف، وبدأت نجمة في الحديث وهي تحاول أن تخفي خوفها وتوترها. ـ بابا، أنا وقاسم هنطلق. صمت طويل ساد في المكان، يحاول فيه عفيفي أن يستوعب حديثها. ـ إنتي أكيد اتجننتي. ـ لأ، أنا وقاسم متفقين على كل حاجة. نظر عفيفي لقاسم. ـ إيه يا قاسم؟ خدت غرضك من بنتي وجاي ترميهالي بشنطة هدومها؟ تحدثت نجمة مسرعة.
ـ أنا اللي مش عايزاه، وأنا اللي طلبت الطلاق. ـ وهو ماشي ورا كلامك من مته؟ بنمشي ورا حديث الحريم غير لو الكلام على هواك يا قاسم؟ بجى دي تبقى آخرتها؟ ـ بص يا عمي، أنا لآخر لحظة شارى بنتك، بس طالما ده قرارها ورغبتها، يبجى خلاص. صرخ عفيفي ووقف فجأة: ـ "رغبتها؟ رغبتها إيه يا ولد الهلالي؟ الناس هتاكل وشّي قبل ما تاكل وشّها! بنتي تتطلق بعد شهر جواز؟! حاولت نجمة تقوم تتكلم، لكن عفيفي مدّ إيده بعصبية كأنه هيضربها:
ـ "انتي عايزة تفضحيني يا بنت ال*****! في لحظة، قام قاسم واقف بسرعة ومسك ذراع عفيفي قبل ما توصل الضربة: ـ "إيدك دي لو لمستها… هتلاقي قاسم الهلالي واقف قصادك يا عمّي! عفيفي حاول يفلت إيده: ـ "انت بتهددني في بيتي يا قاسم؟ اتكلم قاسم بغيظ من طريقة عفيفي معاها ومثبت عينه فيه: ـ "لا يا عمّي… أنا بحمي مراتي. الطلاق لو هيحصل، هيحصل باحترام… من غير إهانة ولا ضرب!
رجع عفيفي خطوة للخلف وهو بيغلي من الغضب، ونجمة واقفة مرعوبة، الدموع بتنزل من عينيها. أفلت قاسم ذراع عفيفي، لكن فضل واقف بينه وبين نجمة: ـ "أنا جيت البيت برجلي عشان أحافظ على الودّ… لكن لو حد فكر يمد إيده عليها، حتى لو كان أبوها، هبقى خصمه." جلس قاسم تاني مكانه بثبات وقال بهدوء: ـ "القرار في إيد نجمة… وإحنا جايين نخلص الموضوع بالحسنى." ـ وانت ترضاها تطلق بعد شهر جواز؟ انت عايز الناس تاكل وشي؟
ـ إحنا مالنا بكلام الناس يا بابا. استغل قاسم كلام عفيفي لصالحه حتى يؤخر طلاقه من نجمة. ـ انت عندك حق يا عم، نستنى كم شهر ونتطلق. ثم نظر لنجمة. ـ معلش يا نجمة، عشان مصلحتك. ـ خلاص، هفضل هنا الكام شهر دول. ـ يبجى لازمتها إيه تاجلوا الطلاق؟ ماهي الناس هتاكل وشي. ـ اسمعي الكلام يا نجمة، وأنا مش هضايقك. وافقا نجمة بقله حيلة، وقررت الانتظار، وبعدها ستصبح حرة.
خرجت نجمة وخلفها قاسم، وأشار له عفيفي أن يتواصل معه، فأومأ له برأسه بنعم. عادوا جميعاً مرة أخرى للسرايا، وصعدت نجمة غرفتها بضيق تحت نظرات جليلة الشامتة بها. مرت الأيام، وكانت علاقة فضة بنجمة مليئة بالود، وكانت ونيسة تكرر زيارتها بفترات متباعدة لتثبت حسن نيتها لفضة، واستطاعت أن تكسب صداقة فضة. مرت على تلك الأحداث أربعة أشهر.
أصبحت فضة حامل في شهرها الخامس، وذهبت جليلة وقاسم معها للحكيمة لمعرفة نوع الجنين. وتم معرفة نوع الجنين، وكان ذكر. كانت الفرحة لا تساع قلب جليلة، وخلعت كردان كانت ترتديه وأعطته لفضة. وكان قاسم يشعر بسعادة من داخله، خاصة عندما رأى ابنه داخل السونار وهو يتحرك. عادوا للمنزل، وصعدت فضة لتبدل ملابسها، وقررت أن تخبر ونيسة، فهي تعتبرها صديقة لها. اتصلت فضة على ونيسة لتخبرها بنوع الجنين. ـ الو، ازيك يا ونيسة؟
ـ الحمد لله، انتي عاملة إيه؟ طمنيني، أنا على أعصابي من امبارح. ـ ولد يا ونيسة، أنا مبسوطة أوي والفرحة مش سيعاني. والحاجة جليلة ادتني الكردان بتاعها هدية، أنا مش مصدقة. ـ ألف ألف مبروك يا فضة، وأنا هجبلك هدية عمرك ما كنتي تحلمي بيها. أغلقت ونيسة مع فضة، واتصلت بوعد. ـ ورد، بكرة تنفذي اللي اتفجنا عليه، وتخلي نجمة اللي تدي لفضة العصير.
جلست ونيسة تشعر بنشوة الانتصار. فغداً أسعد أيام جليلة وقاسم، سيصبح أسعد أيامهم، ونجمة لم تصبح نجمة. في اليوم التالي، خرجت ورد وهي ترتدي جوانتي، وأخرجت زجاجة السم من قصرية الزرع بجانب باب الخدم. وعادت للداخل مرة أخرى وهي تتلفت حولها وتنظر للزجاجة بخوف، ووضعت السم في عصير فضة، ووضعته في صنية طعام فضة، وأرسلته لغرفتها.
شربت فضة العصير، وبعد فترة ظلت تصرخ من معدتها. اتصلت نجمة على قاسم، الذي خرج مسرعاً وهو يحمل فضة، وذهب إلى المستشفى. دخلت فضة العمليات، وظل قاسم جالس في الخارج منتظر أن يطمئنه أحد. لم يتاخر الطبيب في الداخل، وخرج وعلى علامات وجهه الحزن. ياترى حصل إيه؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!