حملت ثوبي وركضت باتجاه الدرج. لا أعلم أين أتجه، أين أنا، وماذا أفعل هنا إلا أن تهان كرامتي بهذا الشكل. نظرت للأسفل وكأن دوارًا أصابني، أكاد من تعبي أهوي من هذا الدرج الشاهق الارتفاع. متعبة جدًا، وكأنني منذ خلقت أركض ولم أنعم بالراحة قط. جلست على الدرج وأجهشت بالبكاء. لم يكترث لأمري، ولا لبرودة الجو، ولا الأرض التي أجلس عليها. استرجعت شريط ذكرياتي، وأمي، وزوجة أبي، وحياتنا، ومآسي طفولتي كلها.
شعرت أن الألم هذه المرة أشد توغلًا بروحي، ألم مختلف لا يشبه شيئًا إلا ألم الكي بوسط القلب بأداة حارقة وحادة. كأنني أُطعن مرات متتالية ولا أموت. قمت بعد تفكير طويل من مكاني. ظننته سيلحق بي، لكن لا فائدة. ودخلت للشقة أريد أن أبدل ثوبي على الأقل. لكني لم أجده، لا بالصالة ولا بغرفة نومنا. يبدو أنه خرج للشرفة، لكن الجو عاصف يومها. وكأنه يغسل أحزانه بالخارج، أو وجع مدفون لا يعلم به أحد.
دخلت للغرفة التي أشار لي عليها سابقًا، وأقفلت الباب من خوفي، وبدلت ثوبي المتسخ من الجلوس على قارعة الدرج. فالوقت متأخر جدًا. وتكوّرت على نفسي ونمت وحيدة من فرط التعب. لا أريد شيئًا، لا أريد أن أعرف. كنت أريد أن أرتاح وأنام مطولًا فقط. وكأنني عائدة للتو من حرب بُتر بها أعز ما يجعلني على قيد الحياة، ألا وهو قلبي.
وعندما أشرقت الشمس، شعرتُ وكأنني بشقة مهجورة ليس بها أحد غيري. لبست وفتحت الباب ورحت أبحث عنه. لم أجده مطلقًا. لابد أنه نزل لشقة الوالدة. تجهزت لأعود لبيت والدي، لأنه كان صعبًا أن أخرج بالليل وحدي البارحة. فنزلت إلى شقة الخالة لكي أودعها على الأقل. فوجدتها تعد الحليب للصغيرة. بخطوات متعبة تمشي بالمطبخ، وصرخات بحر بالغرفة تبكي بحرقة.
لقد أوجعتني صرخات الطفلة وعلقت بروحي، وتعثر هذه الجدة الحنونة التي بالكاد تستطيع المشي. لا يوجد من يعتني بهما. كل شيء بدا باردًا وموحشًا هنا، وكأن لا حياة بهذا المنزل. ألقيت تحية الصباح عليها، بعد أن وضعت حقيبة صغيرة بها بعض ملابسي على أسفل الدرج. فقلت لها: "دعيني أكمل إعداد الحليب عنك، فإنك تبدين متعبة! لم تسألني أي شيء. فقلت: "اذهبي وارتاحي يا أمي."
نظرت إلي والدموع تكاد تنفجر من مقلتيها. بنظراتها اقشعر بدني وانتفض الدم بعروق جسدي. لقد شعرت بذنب عظيم أن أترك هاتين العينين وأمضي هكذا دون رحمة. فاقتربتْ مني وضمتني كأم حنونة، وربتت على كتفي ومضتْ بصمت. انتهيت من إعداد الحليب بسرعة وتوجهت لغرفة الصغيرة، فإذا به يجلس ويحملها بين يديه، ودموعه تنزل بغزارة على الطفلة. وعندما لمحني استدار ومسح دموعه على عجلة خوفًا أن ألمحه. فوضع الصغيرة من يده وهرب للخارج.
لا يبكي الرجال إلا للشدائد. أي ألم يسكن قلب هذا الشاب؟ كم من الحب يكن لفقيدته ويحن للطفلة؟ هل سمعتم عريسًا يبكي بصباحية عرسه؟ أي وجع دخل لهذا البيت حتى غدى كل سكانه بهذا الألم. كم كنت أريد أن يجيبني أحد، ولكن كنت كمن وقع ببئر عميق. مدركة أنه لم يسمعني أحد. سكت كل الكلام. حملت الصغيرة، حاولت أعطائها زجاجة الحليب، لكنها تبكي بحرقة وكأنها خائفة مني. ناولتها لجدتها، حملتها وهدأتها، وأعطتها الحليب فسكتت أخيرًا.
لم أستطع رغم ما قاله لي يوم أمس بعد الندم، أن أغادر بعد كل ما رأيته من وجع هنا حل بهم الجميع. فتراجعت عن قراري فورًا وصعدت الشقة وأعدت حقيبتي وملابسي للخزانة، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا. سامحني يا الله. أخاف أن أظلم أحدًا بوجودي غصبًا عنه. أيام عدة مرت ونحن كالغرباء تحت سقف واحد! لا يحادثني ويهرب دوما عند وجودي، وبتحاشى التقاء نظره بنظري.
إذا أراد أن يقول أي شيء يخص البيت والطفلة، أدركت حقًا أنه لن يتزوجني وأنه جاد بما قاله. صارت الصغيرة تتعود علي شيئًا فشيئًا حتى صارت تضحك لي، فبضحكاتها كانت تنسيني همي وتعبى وغربة الروح بهذا البيت الهادئ. وكنت آخذها لشقتي دومًا وصرت أعتني بها وأحممها باستمرار، وألبسها وأسرح شعرها الخفيف، وأهتم بنظافة البيت بادواره الاثنان.
واشتريت القليل من شتلات الورد والزينة والجوري، وزرعتها بحديقة البيت الخارجية وكنت أداوم على رعايتها وسقايتها حتى تفتحت منها الأزهار بألوان زاهية ورائحة فواحة. فرحت الخالة جدًا، وكانت تحب أن تشرب القهوة معي هناك. إذا نسمات عليلة وزقزقة العصافير تنسيك همك. لقد حاولت أن تدب الحياة ولو قليلًا بهذا البيت. لكنها مرضت بعد شهر ولازمت الفراش.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!