عندما دخل العريس ركض بسرعة وصعد الدرج المؤدي للطابق العلوي ولم يكترث بي ولا بالصغيرة. وأنا اتأمل طريقة صعوده الغريبة وكيف تركني وحيدة هكذا ومضى. شرّدت وصمت. أحدث نفسي: "لابد أنها حرب حياة جديدة، لا تشبه تلك الحرب ببيت أهلي. كيف يفعل هذه الحركات الغريبة شاب بيوم زفته؟ فقالت لي أمه بضع من الكلمات هدأت نفسي وروعي قليلاً. وأن أراعي نفسية ولدها وأن أصبر على طبعه الذي تبدل منذ وفاة عروسه السابقة.
وأشارت لي أن أصعد خلفه وأن لا أحزن بهكذا يوم. حملت الصغيرة بين يدي قليلاً، فجهشت بالبكاء فورًا. أودّت أن أستلم مهمتي التي لأجلها تزوجني أساسًا. لكن الجدة كانت تريد أن أعيش يومي مع ابنها كأي عروس بيوم زفافها. فأخذتها مني وقالت لي: "الصغيرة لاحقًا يا ابنتي، جففي دموعك واتبعيه. هيا لا تفسدي جمال عينك بالبكاء، فإنها أجمل ليلة بالعمر ولا تتكرر."
فقلت بنفسي: "لكنه بتصرفاته أفسد يومنا الذي لن يكرره العمر إلا بذكره فقط، وبدت لي أنها ستكون من أتعب ليالي عمري معه! حملت ثوبي وسرت بتعثر. لا أعلم ما ينتظرني بالأعلى. صعدت الدرج خلفه بتعب. ورغم سهولة الصعود عليه، لكن كنت أشعر وكأنني أتسلق جبل شاهق الارتفاع ومهلك. كم تمنيت لو أن هذا الدرج لا ينتهي، أن لا تقع عيني بعينه، أشعر أن خاطري مكسور. وصلت الطابق العلوي. حملت ثوبي وسرت أستكشف المكان والغرف واحدة تلو الأخرى.
أتساءل كم من الصور ستكون لعروسه المتوفية على الجدران. لكني لم ألاحظ شيء، لا صور لها بتاتًا. يبدو أنه أزالها لأجلي. فإذا به يخرج من إحدى الغرف التي يبدو أنها ستكون غرفتنا معًا، حاملاً بيده بجامة نومه وغطاء. مكثت بمكاني أنظر إليه بصمتٍ. على ماذا ينوي ياترى؟ فسار ورمى ما بيده على الأريكة بغضب. وجلس بعد أن أشعل سيجارته وهو لم يكلمني أبدًا. يخرج الدخان من فمه بطريقة غريبة. ارتعش جسدي. وأشار بيده إلى الغرفة ذاتها فقال:
"تلك هي غرفتك وبها سرير للصغيرة تنامين بها وتعتنين بالطفلة. أنتِ أمام الناس وعلى الورق زوجتي، وإياك أن تعلم بذلك أمي، لا أريدها أن تحزن لهذا الأمر أبدًا. أما هنا أنا لن أكون زوجًا لك ولا حبيبًا ولا أي شيء. لن المسك، أتفهمين؟
ولن ينقصك شيئًا أبدًا. لحسن التطواني، أعلم أن ما أقوله صعب عليك، ولكنها الحقيقة وخارج عن إرادتي كرجل. فلستُ هنا لإثبات رجولتي مع امرأة بمثل هكذا يوم، أنا رجل شبهُ ميت، فاعذريني. عندما أخبرتني أمي عنك قبلت لأجل أن تعتني بالصغيرة فقط ولتخرجي من جحيم زوجة والدك. لكن أنا شخصيًا لا أريد الزواج لا منك ولا من غيرك، فهمتي؟ وآردف قائلاً:
"إن أعجبك ماسمعته فابقى، وإن لم يعجبك عودي إلى بيت والدك، أنتِ حرة ولست مجبرة على أي شيء. والبقاء هنا ليس حكرًا عليك، ذلك خيرًا من السعادة الزائفة التي سأمنحك إياها بالقرب مني." وأكمل سيجارته. ومازلت واقفة كمن يقف بين نارين، لا شبرا واحدًا لجنة بينهما. غص الكلام بحنجرتي وكأنما بداخلي صراخ كغصة عالقة بقلب أخرس. وكأنني بحلم مزعج. أفكار كثيرة تطارد شكلي الثابت وبركان على وشك الانفجار بعقلي الذي بدا له هادئًا.
كل شيء بي منهار تمامًا. جدار روحي يكاد أن ينقض لهول ما أسمعه. وانهمرت بالبكاء وركضت وجلست أمامه. حاولت أن أمسك يده لكنه رفضني وقال: "ابتعدي عني بسرعة." قلت له: "أرجوك لا تفعل هذا بي. قل لي أنه حلم. لماذا ترفضني وتكسر بخاطري؟ أرجوك فأنا عشت من الألم ما يكفي، لا تظلمني أنت الآخر. هل بي عيب ما؟ هل لم يعجبك شكلي بربك قل لي؟
لا تترك النار الشك تأكل فكري، لا تترك ندوب يصعب الشفاء منها بروحك. تلك التي عذبتني بها زوجة والدي بجسدي. أعلم أنك مجروح لفراقها، رحمها الله، لكن أنا ما ذنبي؟ لكنه صرخ بوجهي قائلاً: "ابتعدي من أمامي، اتركيني وشأني. لا تذكريها على لسانك مرة ثانية." وقام بسرعة وفتح النافذة وكأن هواء المكان لم يعد يكفيه. لم أستحمل كل هذا الجفاء منه ومعاملته القاسية بحقي. هل أعود إلى نار أهلي أو أبقى بجحيم زوجي الآن؟
حملت ثوبي وركضت باتجاه الدرج. لا أعلم أين أتجه، أين أنا وماذا أفعل هنا إلا أن تهان كرامتي بهذا الشكل. حتى لو كان هذا البيت قصرًا، ولكن لم يرغب لوجودي وسيحرمني أبسط حقوقي كزوجة. رغم إنه قبل بي لأجل ابنته فقط، خابت ظنوني وصفعتني توقعاتي بما قاله. أنا بشر أيضًا، مجبولة من مشاعر، وثقب قلبي كلامه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!