بعد بلوغهم الموافقة مني، حضرت الخالة لخطبتي مع ابنها. بدا لي شابًا وسيمًا بلحية سوداء وخجولًا جدًا، ولم يرفع نظره باتجاهي أبدًا. وأنا لم ألمحه إلا قليلًا، لأن ظلم زوجة الأب كان يلازمني حتى ذلك اليوم. ما جعلني أغسل الصحون وأبقى بالمطبخ كل الوقت. ولم ألمحه إلا عندما قدمت له القهوة على عجلة من أمري. ولم أدقق بتفاصيله، إذ لم يهمني غير أن أنال إعجابه وأن ينتشلني من جحيم.
لكن لم أعلم ما به، بدا غير مرتاح لي ومرتبكًا للغاية وقتها. لابد أني كنت مخطئة، وربما العريس يتوتر حقًا هكذا يوم خطبته. رحت أحدث نفسي وأهون عليها بشرود تام يفقدني ما تبقى بي من صلابة، رغم كل ما حدث لي بحياتي. لكنني جميلة الروح والملامح، ويتمنى قربي كل شاب، ولا عيب خلقي بي. لكن هل سيرفضني؟
والله وددت لو أدخل ولو لمرة واحدة فأحتضنه وأتوسل إليه أن لا يرفضني. تخيلوا كم وددت لو أنه يرى ما في قلبي ويدرك نيتي في تربية الرضيعة، رغم ما بداخلي من وجع دفين. والله، لكن أشفق علي ووافق دون أي تفكير منه حتى. كم وكم من الأمنيات والأحلام تموت ظلمًا وقهرًا وندمًا. ياترى ما به؟ ماذا وراء صمته؟
يقال أن ما كان لك ستناله رغما عنك، وماليس مقدر لك لن تناله ولو بشق الأنفس. وكأنه قدر الله ساقه إلي بيتنا. لم أصدق موافقته بهذه السرعة. وأخيرًا سمعته قال لأبي: "إذا العروس موافقة، نحدد العرس يا عم، وعلى بركة الله."
وأكمل: "فأنا أريد الزواج مباشرة وخلال أيام فقط، لأن الطفلة بحاجة للرعاية ووالدتي كما ترى لم تعد تستطيع ذلك. وبيتي جاهز ولا حاجة للتأخير بالخطبة، ولتأخذ العروس بضع أيام لتجهز مهرها وأغراضها، ومن ثم نحدد يوم العرس، ما رأيك يا عم؟ مشاعر كثيرة اختلطت بروحي، بينما أذني تتوسد باب غرفة الضيوف بالخارج، مستمعة بكل تركيز لما يقوله الشاب. وكأنه يتلو على قلبي شيئًا من سكينة بحديثه.
وددت أن أقول له: "لا أريد شيئًا، أريد حريتي، أرجوك أنقذني." لكن كل ما بي وكأنه أصابه الصم من الفرحة. صمت كل شيء إلا عيناي، انفجرت بالبكاء كالشلال. لا أعلم ما أصابني، إلا أنني أبكي عمرًا كاملًا من الألم.
يعز علي أن أتزوج هكذا وبهذه السرعة ودون أمي، ولشاب متزوج سابقًا لن يتسنى لي معرفته عن كثب بسبب الوقت القليل. لكنه كان كقطرة الندى المتبقية لوردة على وشك الذبول. وحقًا كأني بحلم طويل الأمد، الانتظار وتحقق. بل هو عوض ربي حل، وإرادته وقدره الذي لا يظلم عند ربي مثقال ذرة أحدًا.
وجاء يوم زفافي المخطط له أخيرًا بعد أسبوع كامل من التحضيرات. نظرت بخجل إلى العريس وهو يجلس بجانبي. وددت أن أخبره أنك العوض بعد كل هذا التعب. لكنه في عالم غير عالمي، بدا لي حزينًا وباهتًا جدًا. إذا كان منذ أن خطبني يعاملني برسمية غريبة لم أستطع فهم ما يجوب بباله. يبدو وكأنه نادم، موجوع. لم أعرف ما به ولا سبب حزنه.
انتهى حفل الزفاف بلمح البصر، وتوجهنا لبيته الذي يسكنه مع والدته والطفلة. إذا كان بالدور الثاني، بينما والدته تسكن الدور الأرضي معنا. أوصلنا أصدقاؤه وأقرباؤه ومضوا، وأنا وحيدة. لم يكن لي لا صديقات ولا مؤنسات ولا قرابات من جهة أمي ولا أبي، لأننا بغير دولة أساسًا. وأقرباء أهلي بعيدون جدًا. كل الناس يومها بدا لي غرباء، حتى وجه أبي. وحتى هذا الشاب الواقف بجانبي. تمنيت لو يطل وجه أمي فيغنيني عنهم أجمعين. لكن أمي يا وجع القلب، رحمك الله. صغيرتك اليوم تمنيت للحظة لاحتضنها فأقول لها كم أنا سعيدة بحريتي، كما كنت أعتقد. علها تفرح لفرحي وتراني وأنا أرتدي فستان زفافي الجميل هذا.
دخلت أسبقه بخطواتي، بينما هو يودع صديقًا له على باب البيت. واستقبلتني أمه بالزغاريد، تحمل بيدها الطفلة. كانت الصغيرة رائعة الجمال بعيون زرقاء متلألئة، وكأن البحر تجمع داخل عينيها. وكان اسمها بحر. lehcen Tetouani. اسم على مسمى، سبحان من جمالك يا بحر. ووقفت أتأمل تفاصيلها الرائعة الملفتة وأناملها الصغيرة. وودت لو تعطيني إياها لأحملها، لكن الجدة قالت لي: "لاحقًا."
ودخل العريس أخيرًا، وما زلت أداعب يدي الصغيرة بلطف. وقام وأغلق باب المنزل بكل ما أوتي من قوة، حتى أنه أرعبني. فاستدرت نحوه ونظرت إليه بخجل وقلبي يرتجف. تقدم بخطواته إلينا، وقف يتأمل عيني الطفلة لثوان. فضحكت له وهمست بتأتأة تخطف القلب. لكنه ركض بسرعة وصعد الدرج المؤدي للطابق العلوي. ولم يكترث بي ولا بالصغيرة، وأنا أتأمل طريقة صعوده الغريبة وكيف تركني وحيدة هكذا ومضى. تحجرت الدموع بمقلتي، يبدو أن الألم له ثأر معي.
لحظات صمت لم أعلم إن كان لي حقًا بقول شيء ما. فأنا من اخترت هذا وقبلته بكامل إرادتي. أشعر أن كراماتي ستهان، لأني أرخصت نفسي وقبلت به بهذه السرعة، وهو يعلم كيف كانت حياتي قبله. فالذي لم يكترث لي ولوجودي منذ أولى اللحظات، فكيف ستكون حياتي معه. لكن ما زلت أجهل السبب.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!