مر يومان وأنا متعبة بالمشفى. زارني والدي وسألني. قلت له: "زلت قدمي وهويت من أعلى". لم أكن خائفة على بحر أن تؤذيها، لأن عمر قبل أن ينقلني للمشفى وضعها بسيارة صاحبه، ودخل وانتشل المفتاح الذي سقط من يدي عندما وقعت، وفتح الباب وأخذ بحر وأعطاها للجدة لتعني بها. منذ دخولي وهو يقف باب غرفة المشفى أغلب الوقت، يذهب للبيت ليطمئن عليهما ويعود فوراً. وبعد ثلاثة أيام رجعنا للبيت وصعدت للشقة، لكن بحر كانت نائمة عند جدتها.
قالت الجدة: "الحمد على سلامتك، اتركي بحر مطمئنة وغارقة بالنوم هنا، واصعدي لترتاحي ابنتي". وبعد أن حل الليل، دق الباب مستأذناً الدخول بكل هدوء. فارتجف قلبي وخفق ربما مئة مرة بالدقيقة. عدلت من جلستي بسريري وتناولت ثوب صلاتي من جانبي ولبسته على شعري، فمنذ يوم زفافنا لم يلمحني ولو مرة بدونه أو دون حجاب آخر، لأنه اعتبرني غريبة ولا داعي أن يرى مني ما يفتنه أساساً، وربما ننفصل عما قريب.
كان يريد أن يطمئن عن حالي، إذ لم يكلمني بالمشفى أبداً. يبدو أنه نادم جداً، بان ذلك من ملامحه ورجفة صوته ونظراته الشاردة باتجاه الأرض، إذ لم يرفع نظره باتجاهي أبداً. فهم بالاعتذار فقال لي: "وأنت ما ذنبك ليحدث لك كل هذا بسببي؟ ألا يكفيك ما عشتيه بصغرك من عذاب؟ ما ذنبك لتبقين زوجة على الورق إلى هذه اللحظة مع شاب قلبه شبه ميت؟ كان سيقتلك لولا لطف الله ورحمته. أي صبر تتحملين أيتها الشابة الطيبة العفيفة؟
وما الذي يجبرك على كل هذا التحمل وبهذا الشكل يا ترى؟
أنا آسف لك، لا أستحقك. تباً لرجولتي التي تسببت لك ولو بدمعة واحدة. لحسن التطواني في جوف وظلام الليل وأنت وحيدة كل يوم تناجين الله لأجلي، فدعواتك الليلية تسربت من بين يديك، عبرت أذني واخترقت قلبي. نعم أنا أسمعك دوماً، أراقب تفاصيل تصرفاتك، دعواتك. والله أنا لست أبكم ولا أعمى، ولكن العمى أصابني بقلبي من قبلك بكثير، فأصم لساني ولم أكن لطيفاً معك حتى ولو بالكلام. أعتذر لك عن كل هذا الوجع الذي بات بك بسببي أيتها الفتاة الجبارة".
فقلت له: "لا تعتذر يا عمر ولا تخف، كان حادثاً وقضاءً وقدراً. والله اختارني وقدر ذلك من حياتي ليمتحن صبري وصلابتي، ولو لم أكن قادرة على تحمل هذا الأمر ما وضعني الله بصلب المشهد حتى منذ صغري. لكني متأكدة ومتيقنة أن الله معي في كل مرة ومرة. وهنا يسكن ويطمئن قلبي، ولم أفقد الأمل بحياة طيبة رغم كل ما يحدث معي، لإن الله كريم وتعويضاته مذهلة. وإذا أعطى أدهش. ثم إني أنتظر العوض من الله وحده، ليس منك يا عمر. أنا أدعو الله بثقة وباليقين ليعاملني بالمعجزات".
مشى إلى النافذة وفتحها يترقب السماء بشرود. لابل يتنفس. أعلم أنه يختنق من أمر ما. شعرت أن شيئاً ما يخنقه، فقلت له بروية: "عمر، أرجوك لا تفعل هذا بنفسك، لست مذنباً". فقال: "أنت ما ذنبك أن تتحملي عناء تربية طفلة ليست من رحمكِ و...... " سكت فجأة. فقلت: "عمر أكمل. وماذا؟ أرجوك لا تعاملني غريبة، تذكر أنا زوجة لك شرعاً حتى ولو لم تلمسني إلى الآن". وأكملت: "لقد حفظت طفلتك وأمك وبيتك، ألا أحفظ سرك هذا الذي تخفيه ويكاد يخنقك؟
تكلم، لا تجعل شيئاً بداخلك. تكلم، ألقِ كل ثقل قلبك هنا بقلبي، والله لن أخذلك، لن يفيدك أن تبقى هارباً من الألم، سيطارك أينما التفت، وحتى ولو ذهبت لأقصى الأرض. يا عمر، هل نفكر كنحن نغير المكان لنرتاح؟ لكن الألم صدقني والندم سيرافقك ما حييت". أخذ يضرب على الشباك حتى جرح ونزفت يده. قلت: "عمر"، نهضت مسرعة من مكاني إليه. فقال: "ابق مكانك، اتركني".
تقدمت بخطواتي نحوه ومسكت يده وهو يرتجف، فرفض. فأخذتها غصباً ورحت أمسح الدماء بالمناديل، وأخذت قطعة من الزيف عن الطاولة وضمدت له جرحه. فقال: "وجراح القلب من يضمدها؟ " واجهش بالبكاء. فقلت: "ياربي، عمر يا روحي، تبكي؟ لا تقولي لي يا روحي، أرجوك، لقد قتلت روحك معي بدلاً أن أحييك بقربي، أجرمت بحقك". فأسندت رأسه المتعب على كتفي وقلت له: "لا تجعل شيئاً بداخلك، اصرخ وابكي حتى يبتل قلبك".
فاحتضنني بين يديه بشدة، لأول مرة، واضعاً رأسه على كتفي، شعرت أن جسدي يرتعش من قربه ودموعه. شعرت وكأنه طفل صغير بين يدي، وكل ما كان يفعله رغماً عنه ودون إدراك ووعي.
وفجأة ابتعد عني ونظر إلي. كانت مجرد نظرة، ولكن وكأنه اخترق كل المجرات الكونية التي بداخلي، عقلي وقلبي وروحي وعيني عبر عينيه الدامعة، وكأنما وقعت بحبه حقاً بهذه اللحظة التي لا نحسد عليها، لا بل هي المودة والرحمة التي وضعها الله بيننا منذ كتبت على اسمه وجعلنا هكذا. لم أرد أن يكون حلماً فيثقب قلبي فيتسرب منه، كنت أريده حقيقة.
فأشاح بنظره فقال: "سأحكي لك سراً، لكن أرجوك أن لا يعلم به أحد سوانا. لا أريد أن تعرف بهذا أمي المسكينة". لم أصدق أنه سيخبرني ذلك بعد مرور ثلاثة شهور على زواجنا، وقلت له: "الحمد لله، وأخيراً، أنا كلي أذن صاغية، تكلم يا عمر، لا عليك، تكلم، أرجوك تكلم".
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!