يكمل عمر ويقول: صمت اعترى كل قواي وهي تقص ما جرى معها. شيء بداخلي يريد الخروج، كصراخ موجوع بقلب إنسان آخر. بينما هي كانت زوجتي تتوسل لي أن لا أفضح أمرها وأن أستر عليها. وأخذت تبكي ودموعها لم تتوقف لساعات. وتقول لي: "اضربني، انبنني، اقتلني، افعل أي شيء، لكن لا تصمت هكذا! " لقد أرعبها الصمت الذي حل على جوارحي.
أخذت تتوسل إلي وتقول: "لا أريد أي حق، أرجوك، لكن لا تفضح أمري. سأكون خادمة لك ولأمك. ولا أريد منك أن تلمسني غصباً عنك. لا أريد منك إلا أن ألد فقط، ومن ثم سأذهب لبيت والدي لأربي الطفل." والله حاولت أن أنزله. فصرخت بها: "ماذا كنت تودين قتل ما في رحمك أيضاً؟ لماذا تغيرتي هكذا؟ لماذا دمرتي حياتنا؟ أي قلب تملكين؟ كيف خدعتني كل تلك الفترة؟ كيف تجردتي من مشاعرك؟
كيف لرجل أحبها لأكثر من سنة، وبعد كل ما فعلته بي، أن يرق قلبه لدموعها ولرجائها ولانهيارها؟ تبا لي ولقلبي الذي أحبها. هذا كان اتفاقنا. أنها ستظل زوجة على ورق فقط حتى تلد، ثم تطلب الطلاق على أنها في خلاف معي. عشنا كغرباء تحت سقف هذه الشقة. لأكمل كلمتي كرجل وعدتها إياها، فالكلمة شرف.
مواقف كثيرة حدثت. حاولت التقرب والتودد مني، لكن دون جدوى. لم تجمعنا غرفة واحدة بعد ذاك الزفاف. كنت أراقب بطنها يكبر أمامي، كما يكبر الهم بقلبي أكثر فأكثر. وانتظر بفارغ الصبر أن ننتهي من هذه التمثيلية. كنت أراقب سعادتها بانتظار الطفلة، بينما أنا أدفن كل أحلامي وتوقعاتي، وأدوس يومياً على كرامتي ونفسي وقلبي، وأصبر.
ليته يعود لأشفي غليلي منه، لأنتقم لها ولحبنا، ولبحر، ولك، ولأمي المسكينة التي تظن لليوم أن الطفلة طفلتي. أنا لا يهمني ما سيحدث عقب انتقامي من هل، لأنني مجرد جثة تمشي على قدمين، مسلوبة الروح، تحضر أكفان دفنها بيديها. أنا الذي دفنتها ودفنت سرها معها وأحلامنا.
شعرت أن أجنحتي مبتورة ولساني أبكم وعيناي حائرة. بعد دخولها لغرفة العمليات، وأنا أتصنع الأبوة بعد سبعة أشهر ونحن غرباء هكذا، وأن الطفلة مني. وأترقب نظرات ودعوات أمي المسكينة التي تنتظر الصغيرة، ظناً منها أنها حفيدتها. حتى لأمي لم أحكي كل تلك الفترة، لم أفشِ سرها، لا والله. حاولت إخفاء ما بداخلي دوماً، لكن ملامحي كادت تفضحني.
شعرت أنه اليوم المرتقب أخيراً، أيام وأصبح حراً طليقاً بعد أن أطلقها، وتنتهي المسرحية وتذهب بصغيرتها لبيت أهلها، لأتنفس بعد أن كانت كل تلك المدة وكأنها حبل مشنقة التف حول عنقي بشدة. وبدلاً أن أنام قرير العين يومها، نمت بجانب أخطائي مجدداً. بعد أن توفت خلال ولادتها، كان الخبر أشبه بصاعقة ضربت روحي وأفقدتني توازني. بينما الطفلة خرجت سليمة معافية. وناولتني إياها الطبيبة
وهي مستاءة وقالت لي: "أمها العمر لك، عوضك الله بهذه الملاك. للأسف لم نستطع إنقاذ الأم لجرثومة بالرحم." شعرت بالعجز، إذ لم تقوى يداي على حملها رغم خفتها، وكأنني كنت أحمل طناً من الإسمنت وحدي. خفت أن تقع من رهبتي ورهابة المشهد، فتناولتها أمي من بين يدي فوراً. وهربت لخارج المشفى، والجو عاصف يومها بشدة. هربت، يصرخ كل ما بي إلا صوتي والحقيقة القاتلة.
وودت لو يغسل المطر أحزاني وماضي وحاضري. حتى تمنيت لو المطر يمطرها مجدداً، فتنشلني من هذه المصيبة ويرتاح بالي. تمنيت لو تبادلت الأدوار معها. ماذا لو كنت أنا الميت؟ لكن والله، لكن ذلك أرحم بكثير. لكن لله ما أعطى ولله ما أخذ. كيف أخلف بوعدي الآن؟ ولمن أفشي السر الذي يقتلني؟ كيف أربي أخطاء غيري وأتحمل عناء الأبوة لطفلة ليست بطفلتي؟
إنها ليست مسؤولية، إنها جريمة ارتكبها بحق شبابي وتعبي، كمن يحكم عليه بالسجن طيلة عمره وهو بريء، ولم يجد من يسمعه أو يصدقه. لقد اتصلت بوالد الرضيعة وأخبرته بوفاة أمها وبأمر الطفلة. لكنه استنكر، أغلق هاتفه لأيام. وبعدها بمدة اتصل فقال لي: "لن يصدقك أحد. ثم إنها توفت، ولن تستفيد شيئاً إلا إنك ستلحق العار بالطفلة وبك لتسترك عليها. وبي ثم سبعة أشهر وهي معك ببيت واحد، لن تسلم من السنة الناس."
تباً للناس، تباً لي ولما اقترفته. فقلت وقد اعتراني غضب شديد: "كان عليك أن تخاف الله قبل سمعة طفلتك وما فعلته أساساً بأمها أيها الجبان وهربت بعد فعلتك. لكنك لست... أنت مجرد ذكر عديم المسؤولية، أشبع غريزته كما الحيوانات، متجرد من المشاعر. لكنك ستقدم الآن وتحمل أخطائك. لكنك والله ستندم." فقال غاضباً
بعد كلامي: "بل أنت من سيندم يا عمر. سأجعلك تندم على كلامك هذا ولو آخر يوم من عمري." وأردف ضاحكاً: "ههه، هذه ليست طفلتي. أكمل أخطائك أنت وقم بتربيتها. أريد أن أتزوج وأعيش حياتي." وأقفل الخط.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!