تحميل رواية الدهاشنة بقلم اية محمد pdf
بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الكبير فزاع كبير الدهاشنه 70 عاما. والده الأكبر وهدان متزوج من هنية لديهم الفهد 28 عاما وريم 22 عاما. الفهد (البطل الأول). الولد الثاني للكبير بدر الدهشان متزوج من رباب لديه سليم فقط (البطل الثاني). لديه من العمر 27 عاما. الولد الأخير للكبير عثمان الدهشان متوفي هو وزوجته ولديه عمر (البطل الثالث) 26 عاما ونواره 23 عاما. البنت الوحيده للكبير نوال مطلقه ولديه والد واحد فقط جاسم 25 عاما. هاشم القناوي زوجته متوفيه ولديه راوية 24 عاما وخالد البطل الرابع لراويتنا والأخير 26 عاما. ومتكفل بتربية إبنه أخي...
رواية الدهاشنة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اية محمد
بغرفة نوال
دلف جاسم للغرفة مسرعًا ليجدها تتحدث بالهاتف، وما أن رأته حتى أغلقته وقالت بفزع:
_ خبر إيه يا ولد، كيف تفوت إكده؟
جاسم بتوتر:
_ مش وقته الكلام ده، في كارثة هتحصل.
نوال بخوف هي الأخرى:
_ كارثة إيه دي؟
جاسم:
_ أنا عملت كل ده بخطة منك، إننا نفضح البت ليلة دخلتها على أي عريس، وبكده العار لأمها وتحققي انتقامك. لكن أنا حاسس إن عمر على علم باللي حصل.
نوال بسخرية:
_ بلاش الحديت الماسخ ده، لو عمر كان على علم باللي حصل مكنش قبل يتجوزها واصل، ثم إني هنزل لمستواك وهفكر إنه عارف ليه مشدكش من رجبتك ورباك.
جاسم بخوف:
_ أنتي عايزاه يقتلني يا أمه؟
نوال:
_ لأ يا غبي، بقولك لو. وبعدين إنت ماسك لها حاجات كتير مستحيل تقدر تفتح خاشمها. نَجعد بقا ونتفرج على اللي هيوحصل.
جاسم بابتسامة شماتة، فهو أراد ريم وتقدم لخطبتها ولكن رفضه الفهد بدون نقاش، فها هو الآن قد حطمها لتصبح كالجسد بلا روح.
***
مر الليل عليها وذكريات الماضي تلحقها فتكسر فؤادها.
لا طالما رأت الشقيقات كيف يتعاملان بمودة وحب، على عكسها فدائمًا كانت تجد منها نظرات الكره والحقد.
حتى بعدما ترجتها كثيرًا ألا تفعل بخالد هكذا، ولكنها استغلت الشبه الكبير بينهم لتوضح له أنها رسمت الحب لأجل إخراجها من الحبس، وبالفعل صدم خالد وظن أنها قامت باستغلاله وأبعد عنها.
تذكرت عندما ترجت الجميع أن يتركوها تعود للقاهرة، ولكن لم يقبل أحد بذلك، ففعلت المستحيل حتى تسنح لها فرصة الهرب واستغلتها جيدًا، ولكن لم يستغلها معشوقها عندما رفض سماعها.
كانت تود إخباره بالكثير ولكنه حكم وجلدها بالحكم المرير.
ولم تكل حتى أنها اتبعته للهلاك. نعم، فالصعيد بذلك الوقت كان بمثابة الجحيم لها، فتخفت بنقاب حتى يحميها من أهلها أو العدوان لها ولجنينها.
استمعت صوت طرقات على الباب، فأعتدلت في جلستها وسمحت لها بالدخول.
وبالفعل دلفت نوراه حاملة لها الطعام والعصائر قائلة:
_ لازم تخلصي الأكل ده، الحكيم قال إكده.
نظرت لها ريماس بشكر قائلة:
_ أنا تعبتك معايا يا نوراه، بس ماليش نفس والله.
نوراه:
_ معندناش الحديت ده، الأكل ما يرجعش غير لما تأكلي.
وأخذت بعض اللقمات تحت إصرارها ثم قالت:
_ كفاية كده، أنا أكلت عشان خاطركم.
نوراه:
_ طب خدي العصير وأني هسيبك.
ابتسمت ريماس وتناولت العصير ثم جلست تتبادل الحديث مع نوراه، فهي أحبتها كثيرًا بعدما قامت بمعالجة جروحها.
***
لحظت راوية الصمت غير الطبيعي لنادين، حتى أنها كادت أن تجن، فنادين لا تكف عن الحديث أبدًا.
راوية بصوت منخفض محمل بالخوف:
_ نادين أنتي كويسة؟
لم تجبها نادين وظلت كما هي كالصنم، لتتخشب راوية خشية من أن تعود حالتها مثل سابق، فهرولت للخلف.
بالخلف كان يجلس هاشم وخالد وسليم وفهد يتبادلون الضحك والحديث، فالفهد أحب خالد لأنه يشبهه كثيرًا، وكذلك خالد أحس بأن الفهد مميز عن الجميع.
كان سليم يستمع إليهم بصمت، فتلك الفتاة تشغل عقله.
خالد:
_ ههههههه، أنا بسمع عن رجل أعمال وساب المهنة، ظابط واستقال، عامل وغير عمله، لكن بصراحة أول مرة أسمع عن دكتور ساب شغله، لأ وبقا إيه، كبير الدهاشنة المستقبلي والكل بيعمله ألف حساب وحساب، طب إزاي والمهنتين مختلفين؟ عههههههه، جديدة دي.
فهد بضحك:
_ وأديك شوفت يا سيدي.
توقف الجميع عن الضحك عندما وجدوا راوية تقف والدمع يسيل من عيناها.
فهد بفزع:
_ في إيه يا راوية؟
راوية بدموع وهي تحدث خالد وأباها:
_ نادين مش بترد عليا يا بابا، الحالة رجعتلها تاني.
خالد بخوف:
_ لا مستحيل.
وهرول بسرعة إليها ليجدها تنظر أمامها بلا روح أو حياة.
اقتلع قلب سليم ليقول لهاشم:
_ حالة إيه؟ أنا مش فاهم حاجة.
لم يجبه هاشم وهرول إليها يحاول إفاقتها، ولكن هيهات، فقد فقدت مذاق الحياة بعد كلام هذا القاسي، لتعود كما كانت من قبل.
فهد لراوية:
_ أهدي، إن شاء الله خير.
هاشم بدمع يلمع بعينيه، فهي بالنسبة له الابنة الغالية، فنادين تحتل مكانة بجميع القلوب:
_ مش خير يا ابني.
سليم بخوف:
_ ما تفهمني في إيه يا عمي.
هاشم:
_ هنتكلم بعدين، بس نحاول نفوقها.
وبالفعل حاولت راوية في جعلها تفيق، ولكن لا فائدة، فقد حسمت أمورها واتخذت القرار.
وصل الباص أمام منزل الكبير ليحملها هاشم للداخل ويطلب من خالد الاتصال بطبيبها المتخصص بحالتها، وبالفعل طلب منه ذلك وأن عليه السفر إليه بأقصى سرعة.
كاد قلبه يتوقف عندما رآها تجلس بصمت على غير المعتاد والدموع تهبط من عينيها بصمت.
الكبير لهاشم:
_ في إيه يا ولدي، مالها نادين؟
نظر لهم هاشم بحزن فالجميع قلق بشأنها.
سليم بخوف يقتلع قلبه المتحجر:
_ في إيه يا عمي؟
خالد:
_ دي صدمة عصبية حادة، لما بتيجي لنادين بتفقد النطق، بتتحرك بس بدون وعي.
فهد:
_ تقصد أنها بتكون مغيبة عن الواقع؟
خالد بحزن:
_ أيوا.
الكبير:
_ طب من إيه يا ولدي، وإيه اللي خلاها إكده؟
راوية بدموع:
_ أرجوكم اتكلموا، في أي مكان مش عايزنها تتقصر.
الفهد:
_ راوية عندها حق، نتحدث بالمندارة يا كبير.
الكبير:
_ ماشي يا ولدي.
وبالفعل هبط الرجال وتبقوا بالغرفة هنية ورباب والحزن بادٍ على وجههما.
***
بالمندارة
سليم بخوف:
_ هي هتفضل إكده كتير؟
هاشم بحزن:
_ مش عارف يا ابني، أحنا ما صدقنا أنها تجاوزت الأزمة دي.
الكبير:
_ أزمة إيه؟
هاشم بألم لتذكره الماضي، وكذلك خالد الذي لمعت عيناه من تذكر رفيق دربه:
_ نادين مالهاش غير أخ واحد بس، زميل خالد ابني ومش كده وبس، دا الأخ التاني ليه. كان زميله في الدراسة وفي كل حاجة، مكنش بيسيب القصر عندنا لأنه متعلق بخالد وبيا أنا بالذات كمان. نادين كانت متعلقة بأخوها لأنه السند ليها، نادين مكنتش متعلقة بأبوها ولا بأمها لأنهم للأسف كانت آخر اهتماماتهم الأولاد، كل اهتمامهم كانت الثروة والنفوذ. حياتهم كانت بأمريكا وبره مصر، كان بيحصل زيارات بينهم زي الغرب، لحد ما عاصم أخويا مات ومراته اتجوزت واحد تاني وأهملتهم جدًا.
ساعتها نادر قرر أنه يقطع علاقته بيها وأنا رفضت لأنها أمه، وللأسف الشديد رجعت مصر بعد ما عرفت أن الثروة كلها باسم نادر ونادين رجعت عشان الفلوس.
نادر كان عارف كده من الأول، لكن نادين لا، انخدعت فيها وكانت منحازة ليها.
وقررت تسافر معاها أمريكا، بس مش زيارة، دي هتفضل هناك للأبد.
حاول نادر يفهمها، لكنها كانت رافضة السماع لحد، وفعلا سافرت وبعدها بكام شهر رجعت تبكي لأنها سمعت أمها بتكلم مع المحامي على طريقة تخليها تقدر تسيطر على أملاك نادين وتصبح بأيدها هي.
دي كانت صدمة لها وكفيلة تحطمها، لكن بنتي قوية، رجعت لحضني تاني، بس الصدمة التانية كانت أقوى وأشد.
كان الجميع يستمع له بحزن، ومنهم من سال الدمع من عينه على تلك الفتاة التي رأت كثيرًا، ومنهم من اشتعل قلبه بنيران تجعله رمادًا على ما ارتكبه بحقها كسليم.
ليكـمل هاشم بدموع فشل في إخفائها:
_ نادين حاولت تخلي نادر يسامحها، لكنها فشلت. هو كان زعلان أنها كذبتـه وفي نفس الوقت مجروح من أمه.
عد الوقت ونادر قدر يسامح نادين بعد ما خالد ورواية عملوا مجهودهم عشان يرجعوا يتكلموا، وفعلا رجعوا تاني وعلاقتهم زادت جدًا، حتى نادين مكنتش بتعرف تنام إلا جنب أخوها.
اتعلقت بيه، بس الدنيا قست عليها، اديتها درس صعب أووي، حد يتحمله؟
تشوف أخوها وسندها بيتقتل قدام عينيها ومحدش عرف ذنبه إيه عشان يحصل ده. لحد الآن محدش عارف يوصل للقاتل ولا حتى في سبب يخلي حد يقتل حد بدون سبب. حاولنا نعرف هو مين وفشلنا.
وضع رأسه أرضًا وقال:
_ كان يوم عيد ميلادها ونادر أخدها يفسحها، وللأسف ده حصل، خلاها تفقد النطق وتبقى زي ما أنتوا شايفين.
الكبير بدمع يلمع بعينيه:
_ طب يا ولدي، أكيد في ناس ليهم مصلحة من قتله.
هاشم:
_ مش عارف يا عمي والله.
عمر بألم:
_ الفراق وحش أووي، الله يكون في عونها.
فهد باهتمام:
_ طب يا عمي إزاي عدت الصدمة دي؟
زفر هاشم بألم:
_ حاولنا كتير يا ابني وفشلنا، بس في الآخر ربنا نصرنا.
فهد:
_ إزاي؟
هاشم:
_ الدكتور لاحظ أنها بتميل لخالد جدًا، حتى في وجوده بتتحسن صحتها. الدكتور أكد على خالد شوية تعليمات وأنه يكون جنبها وميسيبهاش، لأنها بتحسه زي نادر وبتشوفه كده. وفعلا ابتدت تتجاوز الصدمة، ومن وقتها وبدأت تتعلق بخالد. ساعات كتير كانت بتغلط باسمه وتناديه باسم أخوها.
هنا أكمل خالد:
_ عمري ما اتضايقت أنها بتناديلي باسم مش اسمي، الأهم عندي أنها تتحسن، لأنها فعلاً عندي زي راوية.
انقلع قلب سليم ليتحطم لقطع صغيرة، فما تلك الجريمة الحمقاء التي ارتكبها بحقها.
نعم، هو أحبها وشعر بالنيران تقتلع قلبه عندما وجدها تلهو مع خالد وتضحك، لما يعلم أن العشق من حرق قلبه وجعله هكذا.
***
جلس الكبير ووهدان وبدر وهاشم بالأسفل يتسامرون الحديث عن جياد سويلم، بينما توجه كل عاشق لمعشوقته، ولنقسم العشق إلى أربع سحبات تنقلنا لعالم مملوء بالعشق والحب. نعم، ستأتي العقبات والفراق، ولكن لنرى الآن الجانب المضيء.
**السحابة الأولى**
**مزج عشق الفهد وراوية**
كانت تقف بشرفتها والدموع على وجهها، فهي لا تقوى على قضاء يوم بدونها، فهي الرفيقة والصديقة لها.
وقف خلفها يتأملها بحزن وتعجب، لم يتألم قلبه لبكائها، لم يود أن يخفيها من العالم والأحزان بأحضانها، لم يعلم أن سحابة العشق قد أظلت عليه بعشق متوج لقلب كان قاسيًا للغاية.
أقترب منها ببطء ووقف بجانبها ينظر لها تارة وللقمر الساطع تارة أخرى.
نظرت له راوية بدهشة، فهي أغلقت الغرفة جيدًا، ولكن لم يعنيها الأمر، فهي بحاجة للحديث.
فهد:
_ بصي فوق يا راوية.
رفعت عيناها الرمادية لتلتقي بعينيه، فوجدته يشير للقمر، فنظرت له بتعجب ليكمل هو بصوته الجذاب:
_ شايفة إيه؟
راوية بتعجب:
_ مش شايفة حاجة، السما سودة.
أقترب منها قائلاً:
_ بس في ضوء بينورها.
راوية بستغراب:
_ القمر تقصد؟
أشار لها برأسه قائلاً:
_ دي حياتي وأنتي القمر اللي نورتيها. عارف إني طبعي صعب وهتتعبي معايا، بس صدقيني مش هتلاقي حد يحبك زي حبي ليكي.
خجلت راوية ووضعت عيناها أرضًا ليقترب منها ويزيح دموعها بأنامله قائلاً:
_ قلبي بينكسر لما بشوف دموعك، أوعي تكسريه تاني.
ضحكت راوية وضحك هو الآخر، ثم قال بجدية:
_ البكي مش هيعملها حاجة، لازم تدعيلها وتطلبي من الملك هو أرحم عليها من العباد. أكيد اللي هي فيه ده خير ليها.
كانت تنظر له بأعجاب شديد، فهذا الشخص الغامض ينجح دائمًا في تبديل حالها.
أقترب قائلاً:
_ يكفي عليا البسمة الحلوة دي.
راوية بخجل:
_ ممكن ترجع أوضتك؟
انفجر ضاحكًا عليها ليقول بلهجة صعيدية:
_ كيف تتجرئي على الحديت مع الفهد كده؟ وجعتك مربربة بطين.
انفجرت ضاحكة ثم قالت:
_ آسفة يا كبير، يقطعني.
يضحك الفهد عليها قائلاً:
_ وجعتي الفهد يا بندرية.
تلون وجهها بحمرة الخجل ليرأف بحالها ليتجه للخروج قائلاً:
_ تصبحي على خير.
راوية بابتسامة هادئة:
_ وأنت من أهله.
وغادر الفهد تاركًا الابتسامة على وجهها لم تغادره.
**السحابة الثانية**
**عمر وريم**
طرق عمر الباب ثم دلف ليطمئن عليها فيجدها تجلس والخوف يسيطر عليها، حتى أنها ارتعـبت عندما استمعت لصوت طرقات الباب.
دلف عمر ثم جلس بجانبها قائلاً بحب:
_ عاملة إيه دلوقتي يا ريم؟
لم تجبه ريم ووضعت عيناها أرضًا تتابع حديثه بصمت.
عمر بهدوء:
_ ممكن تتكلمي؟
لم تجبه ليزفر بغضب قائلاً:
_ ريم السكوت مش هيعملك حاجة، أنا جنبك صدقيني عمري ما هتخلى عنك مهما كانت الظروف.
بقيت كم هي ليقول هو بيأس:
_ ريم أنتي سامعني؟
زفر بغضب ثم توجه للخروج ليتصنم مكانه عندما يستمع لأسمه الذي لا طالما حلم لاستماعه منها، ها هي الآن تردده على لسانها بحرية كاملة.
ريم ببكاء:
_ عمر.
استدار لها عمر وعلى وجهه ابتسامة تزين وجهه ليتجه إليها قائلاً بحب ومشاكسة:
_ قلب عمر وروحه وعقله.
أزاحت دموعها بضحكة خجلة لتقول بغضب:
_ كيف ده التلاتة مع بعض؟
عمر بخبث:
_ وفي حاجة رابعة بس مش هينفع أقولك دلوقتي.
بعدين.
ريم بغضب:
_ عمر.
عمر بابتسامة:
_ والله أول مرة أعرف إن اسمي حلو أوي كده.
خجلت ريم ووضعت رأسها أرضًا ثم قالت بتوتر:
_ الوقت اتأخر، جوم عاود أوضتك.
عمر:
_ لأ مش هطلع من هنا غير بمزاجي، أني صعيدي ودماغي قفل.
ثم أقترب منها قائلاً:
_ بس معاكي المفتاح.
تاهت ريم في سحر عيناه البنيتان وأخذت تتأمله إلى أن سمعت لصوت الفهد، فصرخت به حتى عمر هرول من النافذة وأصبح متعلقًا بين النافذتين.
نافذة غرفة سليم ونافذة غرفة ريم.
**السحابة الثالثة**
**خالد وريماس**
كانت تجلس على الفراش ويدها تحتضن جنينها، شاردة بما حدث معها وكيف أنها رأت الموت بعينيها.
ليقطع شرودها دخول خالد لتتقابل عيناهما بنظرة طويلة طالت بالاشتياق والندم.
هرولت ريماس إلى خالد بلهفة قائلة بابتسامة:
_ خالد الحمد لله أنك بخير.
كان الصمت حليفه والدمع بعينيه على تلك الحمقاء التي ارتكب بحقها الكثير وتقابله ببسمة لا تفارق وجهها. لا يعلم أن العشق من يزرع حبه بقلبها فيمحو ما يفعله.
تركها خالد وجلس على المقعد بإهمال لتجلس بجانبه بحزن قائلة:
_ أنت لسه زعلان مني يا خالد؟ صدقني كان غصب عني، كان لازم أعمل كده. مكنتش أعرف أني هحبك، صدقني، أنا مش هعرف أوصفلك إحساسي وأنا شايفاك بتتحدا الكل وبتعلنـي زوجة ليك.
ثم بكت قائلة:
_ حبيتك ورفضت أعمل كده.
وكادت أن تكمل ليحتضنها معشوقها قائلاً بندم:
_ آسف يا حبيبتي أني مديلتكيش فرصة وسمعتكيش. أنا اللي المفروض أطلب السماح مش إنتي.
بكت بأحضانه ولم تجد من الكلمات معبرًا عما تشعر به، لتستكين بين أحضانه بسلام وتنعم بالحب والدفء.
**السحابة الرابعة**
**سليم 💔 نادين**
دلف للغرفة بقلب محطم يحمله بعجز بين يديه، يتقدم خطوة منها كأنها يمشي على أشواك تفتك به.
جلس بجانبها لينصدم وسأل نفسه كثيرًا: أين الفتاة المشاكسة؟
أين هي؟
لا يعلم أنه حطمها بيديه ونزع عنها فرحتها.
ظل لجوارها يتأملها كثيرًا ثم وضع يده على وجهها يزيح دموعها بحنان قائلاً:
_ مقصديش اللي حصل ده، صدقيني إني معرفش اتكلمت كده إزاي، بس اللي أعرفه إني بحبك يا بندرية. أيوا، أنا هحبك كتير ومستحملتش أشوف بسمتك مع حد تاني حتى لو بتعتبريه أخوكي.
هبطت دمعة أخرى على وجهها لتشق قلبه إلى شطرين، شطر وجع وشطر عذاب.
ليزيحها عنها ثم يحتضنها قائلاً لأول مرة بحياته:
_ آسف يا حبيبتي سامحيني إني غلطت في حقك.
أحتضنها كثيرًا ليعترف أنها غزت قلبه المتعجرف، ولكن هل انتهت المعركة بفوز الحوريات على حصون الدهاشنة؟
أم أن هناك معارك أخرى؟
ماذا سيحدث عندما يعود الماضي لحياة نادين من جديد؟
ردة فعل قوية من جياد سويلم يستهدف بها فهد وعمر وسليم وخالد، فهل ستسقط الحصون أم ستزداد قوة؟
مكائد لتحطيم قيود العشق بكافة الطرق، فهل ستتمكن من ذلك؟
ماضي وحاضر ومستقبل يبني ويحطم، كيف ذلك؟ تابعوني بفصل جديد وأحداث قوية للغاية.
رواية الدهاشنة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اية محمد
في صباح يوم جديد يعلن عن بدء حرب العداء على حصون الدهاشنة.
قام مجموعة من عائلة سويلم باغتصاب ثلاث فتيات من عائلة الدهاشنة، لتقوم حرب كبيرة وتجتمع بمنزل كبيرهم فزاع دهشان.
كان الفهد وسليم يشعرون بنيران تأكلهم، كم ود الفهد اقتلاع أعناقهم، حتى أنه حسم أمره على إنهاء سلالة تلك العائلة.
كانت المندارة تعج بالرجال، وجميعهم يشع من وجوههم نيران الحقد والكراهية لتلك العائلة.
صمت الجميع عندما دلف الكبير المجلس.
جلس فزاع ونظراته تتنقل بين الجمع بتفحص وغموض.
ليقف رجل كبير بالعمر قائلاً:
_ يرضيك إلا حوصل ده يا كبير.
رجل آخر:
_ جياد سويلم ما يخافش من حد واصل، لازمن يتحط له حد.
رجل آخر:
_ كيف يتجرأ يعمل إكده والكبير موجود.
أخذت الهمهمات تعلو المجلس، وأصوات التحدث بأصوات منخفضة.
ليقول شاب منهم:
_ إحنا لازمن نعمل إكده في حريمهم كيف ما عملوا معانا.
ليكف الجميع عن التحدث عندما يقف الكبير ويضرب الأرض بعصاه الأنبوسية التي تجعل الجميع يلتزمون الصمت، فمن هم ليخالفوا أمره.
فزاع بغضب:
_ كل واحد يجفل خشمه حج البنات دي هتيجي، وكلمتي أنتو عارفينها زين، كل واحد على داره، وأني هتصرف.
وبالفعل انقضى الحديث وعاد الجميع لمنازلهم، ليتبقى الفهد وسليم.
فهد بغضب:
_ جياد سويلم اتخطى حدوده يا جدي، ولازم يتوضع له حد.
فزاع بغموض:
_ عندك حق يا ولدي، عشان إكده عايزك توريه من هم الدهاشنة صح.
أشار له الفهد برأسه، ثم ترك المندارة وخرج ليرى هذا الأحمق مع من يلهو.
***
بالأعلى.
توجهت راوية لرؤية ريم، فهي لم تلتق بها منذ عودتها، وعلمت من هنية بحالتها السيئة، فتوجهت لترى ما بها.
ولجت راوية بعدما استمعت إذن الدخول.
دلفت بخطوات سريعة لترها وتعرف ما بها.
أما أن رأتها ريم حتى أخذتها بالأحضان، فهي أحبتها كثيراً.
جلست بصحبتها تتحدث عما مر، وكيف أنها اشتاقت لها، ثم تعجبت لعدم وجود نادين، لتخبرها راوية بحزن عما بها، فتذهب مسرعة هي الأخرى لترى ما بها.
***
بالمندارة.
كان يجلس وهدان وهاشم وبدر، وواهية القناوي يتبادلون الحديث عن جياد وكيف أنه يفعل ذلك ببساطة، وخاصة بعد معرفتهم لتكرار معاملته مع عائلة القناوي، لذلك أتى واهب للكبير ليضع الحد لهذا المعتوه.
الكبير:
_ هنتظر رجوع الفهد وبعدين نقرر هنعمل إيه.
هاشم بعدم فهم:
_ ليه فهد فين؟
وهدان بخوف:
_ ابني وأنا عارفه مش هيرتاح غير لما جياد يجول حقه برجله.
بدر بغضب:
_ يستاهل يا خوي، هو فاكرنا إيه، سهل يغدر بينا.
واهبة بخوف:
_ كيف الحديث دا يا كبير تهمل الفهد لحاله، أنت ما تعرفش جياد.
الكبير بغموض:
_ أعرفه يا واهبة، بس أعرف الفهد زين وأعرف يقدر على إيه.
وقبل أن يتحدث أحد، دلف الفهد ودفع بشخص مجهول أرضاً.
واهبة باستغراب:
_ مين ده يا ولدي؟
لم يحدثه الفهد، واقترب منه، ثم أزاح الغطاء من على وجهه لينصدموا مما رأوه.
الذراع الأيمن لجياد سويلم وابنه الأكبر قاسم.
هنا أكد الفهد للجميع أنه قوة الدهاشنة ويستحق ثقة الكبير لهم.
الفهد بغضب:
_ الحيوان ده اللي أمرهم يعملوا إكده، لازم يتعاقب من الأهل اللي عملوا في بناتهم.
حاول قاسم الحديث، ولكن لم يستطع، فالفهد أوسعه ضرباً لدرجة أفقدته النطق والحركة.
واهبة بإعجاب:
_ برافو عليك يا ولدي، ضربة معلم بصحيح، أما نشوف رد فعل جياد هيكون إيه لما يعرف كيف الفهد عرف يدخل داره ويسحل ابنه، كيف الحركة إكده.
سليم بغضب:
_ خليه يعرف بيلعب مع مين صح.
ونفذ وهدان كلام الفهد عندما أشار لأحد من رجاله باصطحاب هذا الأحمق لينال جزاءه.
تحت نظرات رعب من جاسم، فإذا كانت تلك ردة فعل الفهد للغرباء، فكيف إن علم بما فعله بشقيقته.
***
بغرفة نادين.
دلفت ريم وراوية لها، حتى أن ريم حاولت الحديث معها، ولكن بدون جدوى.
لا تتحرك، تلتزم الصمت، أو تهرب من ماضيها الأليم بكلماته القاسية التي دفشتها ببؤرة الماضي والخذلان، لتتراجع لذكريات تألمها وتحطم قلبها الهش.
ظلت الفتيات بجوارها حتى غفت راوية بجانبها، فهي لم تذق النوم لحزنها عليها.
فقامت ريم وداثرتهم جيداً، ثم خرجت لتهبط للأسفل تساعد والدتها بالعمل، لتجده يقف أمامها.
ارتعبت ريم ونظرت له بخوف شديد، ليقترب منها قائلاً بصوتاً منخفض:
_ إيه يا قمر مالك مش راضي عننا ليه؟
ريم بتماسك رغم الخوف بداخلها:
_ بعد عني يا حيوان أنت، بدل ما أفرج عليك الخلج ووريني هتعرف تعمل إيه لما أقولهم على اللي عملته.
ضحك بصوتاً جعلها تغتاظ من الغضب قائلاً:
_ ولما يسألوكي سكتي كل ده ليه هتقولي إيه؟ أما ألبس عريس وخلاص، أو لما سي عمر يعرف باللي حصل هيكون رد فعله إيه؟
نظرت له كثيراً ثم قالت بغضب:
_ أنت عايز مني إيه؟
اقترب منها قائلاً بمكر:
_ حلو كده، تعجبيني. اللي عايزه منك تخرجي من البيت وتقابليني في المزار.
لم تتمالك ريم نفسها لترفع يدها وتهوي على وجهه بصفعة، ليقطعها هو بحديثه المميت قائلاً:
_ تعجبيني، هستانيكي بكرة بالمزار، ولو مجتيش هعتبر أنها دعوة منك ليا لاستعجال موتك على إيد أخوكي.
وقبل أن تجيبه تركها ورحل.
جلست على الدرج والدموع تغرق وجهها، لا تعلم ما عليها فعله، ولكنها ليست بالضعيفة الهشة، فهي احتملت الكثير والكثير، أما الآن فحبيبها إلى جوارها يساندها ويدعمها.
صرخت بداخلها أنها لم تعد ضعيفة لوجود القوة الكبرى بجانبها، لتزيح دموعها ثم تركض إليه.
وقفت تطرق باب الغرفة بانتظاره، لتجده أمامها.
عمر بتعجب، فلأول مرة يجدها تطرق باب غرفته.
نظر لها كثيراً ثم قال بقلق:
_ ريم، أنت كويسة؟
ريم بصوتاً باكي:
_ ممكن أدخل؟
عمر بلهفة:
_ طبعاً يا عمري.
وبالفعل دلفت للداخل، تنظر للغرفة بإعجاب، فهي تعيش معه بنفس المنزل منذ سنوات عديدة، ولكن غير مسموح لها أن تدلف إلى الجناح الخاص بالشباب.
نظرت للجيتار المعلق على الحائط لتبتسم قائلة:
_ كنت مستغربة الصوت ده جي منين، دلوقت عرفت.
ابتسم هو الآخر قائلاً:
_ دي هوايتي يا ريم، برتاح لما بعزف، تحبي أعزفلك حاجة؟
ريم:
_ الأيام جاية كتير يا واد عمي.
عمر بحزن مصطنع:
_ ليه كدا بقا، مش كنت عمر؟
لمعت الدموع بعينيها لتقترب منه وتتمسك بيده، تحت نظرات اندهاش عمر، لينظر لها بتعجب، فقطعت هي التعجب قائلة بدموع:
_ عايزة أحكيلك.
هنا سعد وتحمس لمعرفة هذا الحقير الذي سينزع عنه الحياة بيده، ولكنه تحلى بالهدوء رغم العاصفة بداخله.
جذبها عمر برفق ثم أجلسها على الفراش، وجذب المقعد وجلس بالمقابل لها.
ظلت تفرك بيديها كثيراً لاسترجاع ذكريات قضت عليها وتركت أثراً كبيراً بحياتها.
انتظرها عمر حتى تتحدث براحة نفسية، لم يرد إرهابها.
لتتحدث بصوتاً باكي:
_ جاسم.
تخشب ملامح عمر وحاول التحكم بأعصابه ليستمع لما يريد، لتكمل هي بدموع:
_ كان دايماً يسَمعني كلام أنه بيحبني وعايز يتجوزني، بس أنا ما كنتش بديله فرصة للحديث وكنت بهمله يتحدث لنفسه. طالبني من جدي وفهد وافق أني كنت خايفة يوافق وأني ما أحبوش واصل.
ثم رفعت عينيها لتعترف لعينيه عشقه الطفولي المتمثل.
لتقول بدموع:
_ طول عمري وأنا بتمناك من ربنا يا عمر، كان نفسي تكون ليا، ولم أتحقق أمنيتي أخسر قلبي الأ انكسر.
ثم قالت ببكاء ودموع كالفيضان:
_ عمري ما أنسى اليوم ده واصل.
أغمضت عينيها بألم، ليضع عمر يده على يديها قائلاً بهدوء على عكس الجحيم بداخله:
_ كملي يا ريم.
نظرت له بعين تلتمس الحنان، وعندما وجدته بعينيه تحدثت قائلة:
_ كان جدي في الغيط بيمر على العمال، وأمي وخالتي رباب بالبندر زي عادتهم بيكشفوا عند الحكيم، وفهد وسليم والكل بشغلهم، وأنا لحالي هنا مع الخدم، حتى نوراه معرفش اختفت فين.
تساقطت الدموع من مقلتيها قائلة:
_ خلصت الأكل مع الخدم وطلعت أوضتي أرتاح، اتفاجئت بيه ورايا، معرفش كيف عاد من البندر، معرفش أي حاجة غير أنه واقف قدامي.
زفرت بألم قائلة:
_ جيت أتكلم معرفتش، صوتي مش بيطلع، حتى جسمي مش حاسة بيه، ووقعت على الأرض وما دريت بنفسي غير...
هنا لم تعد تقوى على الحديث، وانفجرت باكية بصوتاً موجوع، حتى تنقل ما مرت به واستشعرته عندما استعادت وعيها.
احتضانها عمر بحنان وعيناه مملوءة بلهيب الحقد والانتقام، أرد رؤية هذا الوغد ليقضي عليه، ولكن ما يميز عمر عن الفهد وسليم رجاحة عقله وصبره.
قالت من وسط شهقاتها:
_ كنت هخبر الكل، بس هددني أنه معاه صور ليا.
أغمض عينيه بألم وغضب يكاد يعصف القصر بأكمله، ولكن عليه التماسك حتى يجعل الموت حليفه ولا يقوى على تمنيه.
يطبطب عليها بيده ممزوعة من حنان، واليد الأخرى مطوية بغضب جعلها كقبضة من جحيم.
بكت كثيراً بأحضانه كأنها تلقي بأوجاعها حتى ترتاح ولو قليلاً.
مرت الدقائق ومازالت بأحضانه تشعر بالأمان.
أخرجها عمر ببطء لتواجه عينيه التي تمنحها القوة والعزيمة، وبيده نزع عنها دموعها قائلاً بصوتاً مكبوت بالغضب:
_ أوعدك أني حقك هيرجعلك يا ريم، بس مش بالموت. الموت أرحم من اللي هعمله فيه.
فيه شكوك في دماغي ولازم أتاكد منها، عشان كدا لازم تساعديني.
نظرت له بعدم فهم، ليخبرها بما يفكر به.
***
بالأسفل.
هبط خالد للأسفل يبحث بعينيه على رفيقه فلم يجده.
وجد سليم بالأسفل، فتوجه للصعود ليقف على صوته.
سليم:
_ خالد.
استدار خالد له قائلاً بهدوء:
_ نعم.
وقف سليم واقترب منه قائلاً بتوتر:
_ ما فيش حل تاني غير اللي قاله الحكيم.
نظر له خالد قليلاً ثم زفر بغضب قائلاً:
_ والله الدكتور قال الكلام قدام سعادتك، ولو كان في حل تاني أكيد كان قاله. عن أذنك.
سليم بغضب:
_ ممكن أفهم بتحدثني كذا ليه؟
خالد بغضب هو الآخر:
_ والله كلامي مش مريح حضرتك، متتكلمش معايا من الأول.
دخل فهد من الخارج ليستمع لجدالهم، فتدخل على الفور:
_ فيه إيه؟
خالد بغضب:
_ فيه إن الأستاذ ده مش قادر يفهم إن نادين دي أختي ورفض كلام الدكتور إني أفضل معاها.
فهد بهدوء:
_ طب اهدى يا خالد بس.
خالد:
_ أنا هادي يا فهد، عن أذنكم.
تركه خالد وصعد للبحث عن عمر.
أما الفهد فعنف سليم على ما يرتكبه بحق خالد.
سليم بغضب:
_ كيف أهمل مراتي مع واحد غريب؟
فهد:
_ غريب فين يا سليم، دا واد عمها وأخوها.
سليم:
_ لا ما أهملهاش واصل.
فهد:
_ يا حمار افهم، هي أخته، ولو كان عايز يتجوزها ما هي كانت قدامه، بس هي أخته، افهم بقا.
غضب سليم وصعد للأعلى بغضب جامح.
أما الفهد فتوجه للمندارة لوضع خطة مع الكبير للقضاء على جياد سويلم.
***
بالأعلى.
جلس كلام.
نريماس ونوراه وراوية يتبادلون الحديث المرح، ولكن لاحظت راوية تقلب وجه نوراه عند ذكر اسم نادين، وهنا أكدت ظنونها.
خرجت ريم من غرفة عمر بعدما علمت بما ستفعله للانتقام من هذا الحقير.
لا تعلم بأن عمر يريد كبت جراحها بجعلها تنتقم لنفسها فتبرد نيران قلبها المشتعلة.
دخل سليم لغرفة عمر بضيق، ليجده يجلس بالشرفة وعيناه على الحقول.
سليم:
_ أنت فين من الصبح يا عمر، الدنيا مجلوبة وأنت هنا.
عمر بغموض:
_ فيه إيه يا سليم؟
سليم:
_ فيه كتير.
وقص له سليم عما حدث، ثم قص له على حديث الطبيب أن يقترب خالد منها لتشعر بوجود نادر بجوارها فتعود لأرض الواقع.
عمر:
_ طب كويس، مستنيين إيه، نفذ.
سليم بغضب:
_ بلاش كلام ماسخ، أني ما أسمحش أنه يجرب من مراتي.
عمر:
_ يا سليم، خالد أخوها.
سليم بغضب:
_ كيف دا يعني، أني أجرب من ريم عادي إكده؟ فوّق يا واد عمي.
عمر بهدوء:
_ أنت وريم على عكس خالد ونادين، هم اتربوا مع بعض وكان ليها أخ، ولعلمك بقا خالد ياما حكالي عنها نادين فعلاً أخت ليه، ما سألتش نفسك ليه بتتحسن في وجوده زي ما الدكتور قال؟
صمت سليم باقتناع، ليكمل عمر قائلاً:
_ لأنها بتحس بوجود أخوها الله يرحمه، ودا كفيل ليك بأنك تعرف إن خالد أخ ليها، بلاش تحسسها إننا جاهلين يا ابن عمي، أنت متعلم وعارف الكلام ده.
وتركه عمر يفكر بحديثه، ثم خرج للبحث هو الآخر عن خالد، فهو يحتاج له بالقادم.
ما هو المجهول بماضي ريم؟
الفعل له ردة فعل، ما هي الخطوة التي سيرتكبها جياد سويلم؟
هل سيحتمل سليم تقرب خالد من نادين؟
ما هي الخطة التي سيضعها عمر؟
ماذا لو تحدى خالد جياد سويلم عندما يشارك بزفاف الدهاشنة بإعلان زواجه من ريماس سويلم للجميع؟
ماذا يخفي المجهول لسحابات العشق الدفين؟
كل ذلك وأكثر.
الدهاشنة.
رواية الدهاشنة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اية محمد
جن جنونه بعد معرفته ما حدث لابنه. فكيف له الدخول وسط نيران الدهاشنة لإنقاذه؟ نعم، الفهد استطاع ذلك، ولكنه كالنمر لا يقوى أحد على الوقوف بوجهه.
كبت غضبه بداخله حتى يستطيع وضع خطة هجوم عليهم والقصاص لما حدث لابنه.
***
بالمندارة، طلب واهبة القناوي من فزاع تعجيل الزفاف. لأنه من الصعب، بعاداتهم وتقاليدهم، جلوس العروس بمنزل عريسها. ومخالفة تلك العادات والتقاليد ذنب فاضح بحقهم، خاصة أنهم الحكماء والكبار لعائلة الدهاشنة والقناوي.
اقتنع فزاع وكذلك الجميع، وتم تحديد الزفاف بعد 4 أيام.
كاد هاشم الاعتراض، ولكنه مجبر لحماية ابنته. فبالفعل هي بأمان هنا.
علمت الفتيات بأمر الزفاف وكذلك الجميع، لتسعد نوال بهذا الخبر سعادة لا توصف. افتضاح أمر ريم لاعتقادها أن عمر لا يعلم. لا تعلم بما ينوي فعله.
صعدت نوراه لغرفة نوال تبكي لها، فهي كانت على أمل أن يتركها، ولكن لا جدوى من الأمر.
هنا العقبة لدى نوال، فهي تريد لهذا الزواج أن يتم ليتحقق حلم إذلال هنية بابنتها. فكان عليها أن توقف نوراه عن مخططاتها. فأخبرتها أن عليها الصمود لما بعد الزفاف، حتى تتمكن من فصلهم بسهولة. وأن عليها العمل بصمت حتى لا يشعر بها أحد.
اعترضت نوراه أن تترك هذا الزفاف يتم، ولكن استطاعت نوال تهدئتها بأن الأمر سينتهي قريباً. فتلك البندرية لم تعرف كيف تربح قلب سليم دهشان.
كانت ريماس تتعجب من الأمر، كيف لها أن ترتدي فستان عروس وهي حامل. كل ما تعلمه ويسعدها أن معشوقها يسعى لسعادتها، ليعلم الجميع من هي وبمن تزوجت.
أما راوية، فكانت ما بين السعادة والشقاء، ما بين الفرحة والخوف. لا تعلم لماذا تشعر بخوف شديد يهاجمها من الفهد. فهو غامض بالنسبة لها، ولكنها ستكون له بنهاية المطاف.
أما حزنها، فكان على نادين التي تلتزم الصمت، فتجعل قلوب من حولها تعيسة بدونها.
علمت ريم بأمر الزفاف وابتسمت بأن جزء من خطة عمر شرع في البدء دون أي مجهود. ودعت الله كثيراً أن يحميه لها، وأن ينتقم من هذا الوغد الذي فعل بها هذا.
كانت تجلس بالغرفة هائمة بالماضي، تريد أن تلقي بنفسها بأحضان. ولكنه لم يعد على قيد الحياة. بكت نادين بشدة.
لتجده يدلف الغرفة. فتركض لأحضان بلهفة وعدم تصديق.
وقف خالد عاجزاً عن الحركة، ولا يعلم ماذا يتوجب عليه فعله. ليرفع رأسه للسماء كأنه يخاطب ربه، إنها أخت له. فرفع يده على ظهرها بحنان أخوي قائلاً بمزح:
"أنتي عندك دموع ذينا؟"
ابتعدت عنه نادين بغضب، ثم ضربته بخفة على صدره. ليضحك خالد بسعادة قائلاً:
"براحة يابت الله. إيه رايك ننزل نتمشى تحت شوية زي زمان؟"
أشارت له برأسها وتوجهت معه. ليجذبها للخلف قائلاً:
"راحة فين ياما نسيتي إنك اتحجبِتي؟ هو دخول الحمام زي خروجه ولا إيه؟"
ابتسمت نادين وجذبت حجابها. ثم تمسكت بذراع خالد. لينظر لها بحيرة. هو يعلم تلك الحالة جيداً، فهي الآن كالطفل الصغير المتعلق بشيء يحبه كثيراً. ولكن سليم لن يتفهم ذلك.
حاول جذب ذراعيه بهدوء، وبالفعل نجح بذلك وهبط للأسفل وهي معه.
***
بالأسفل، وضعت رباب وهنية العشاء. ثم اجتمع الجميع على المائدة. لتلتقي راوية به، فهي اشتاقت له. لم تراه من الصباح.
نظر لها الفهد بحب شديد. فهي أصبحت جزءاً كبيراً من حياته. لا يعلم ما يخبئه له المجهول.
جلس الكبير، ثم قال بحزن لهاشم:
"مفيش تحسن بحالة نادين."
هاشم:
"لا والله يا عمي. أنا كنت بستأذنكم إني آخد البنات ونرجع السرايا لحد يوم الفرح، لإنك عارف بعاداتنا وتقاليدنا."
الكبير:
"خابر يا ولدي. الصبح فهد هيوصلكم للسرايا. جيمتكم من جيمتنا يا ولدي."
ابتسم هاشم بثقة قائلاً:
"عارف يا حاج."
وداد:
"والله اتعودنا على قعدتك معنا يا خوي."
هاشم:
"ربنا ما يعلم أنا كنت سعيد بكم أد إيه."
بدر بابتسامة:
"ربنا يزيد المحبة يارب."
جلست ريم وعيناها لا تفارق عين عمر. فهو يمدها بالقوة. أو بالمعنى تتهرب من نظرات هذا القذر. أما عمر، فكانت نظراته لجاسم كالسهام المحملة بنيران. يريد أن يفتك به. ولكنه بحاجة للهدوء والصبر حتى لا يفضح محبوبته. فكرامتها كعقد ألماس بالنسبة له.
نعم، لم تفعل شيئاً. ولكن الصعيد به الكثير ممن يحكمون على المجني عليه بالموت المؤبد.
كانت ريماس تجلس بجانب راوية. فلاحظت غياب خالد، حتى أنها بحثت بالأعلى ولم تعثر عليه. فتيقنت أنه بالخارج.
دلف نوراه من الخارج. ثم اعتذرت عن تأخرها وجلست بجانب الحية لتبخ سمها القاتل.
نوال بصوت منخفض:
"كنتي فين يانوراه؟"
نوراه بفرحة:
"كنت بجيب المقص أهقطع بيه علاقة البندرية بسليم."
نوال بعدم فهم:
"جصدك إيه؟"
نوراه:
"بعدين يا عمتي. أصبري واسمعي."
لم تفهم نوال ما تريد تلك الفتاة فعله إلا عندما قالت لهاشم بابتسامة كاذبة:
"أني مبسوطة أوي يا عمي هاشم إن نادين خرجت أخيراً من أوضتها."
نظر لها الجميع بدهشة، وكذلك سليم الذي رقص قلبه طرباً لسماع عن تحسن محبوبته.
ليقول هاشم بفرحة:
"بجد يا بنتي خرجتي؟"
نوراه وهي تتصنع الدهشة:
"إيه ده؟ أنت متعرفش؟ البركة في ولدك طلّعها فوج وخرجها في الغيط اللي بره. وبتضحك ووشها كيف البدر المنور."
سعد هاشم وكذلك فزاع. على عكس الفهد وعمر كانت نظراتهم على سليم الذي احتلت الغضب وجهه. فتطلع له فهد وحثه بنظراته على الهدوء.
فرسم ذلك، ولكن بداخله نيران تغلي.
نوال بخبث هي الأخرى:
"الحمد لله. يبجى كلام الحكيم صح. خالد دوا ليها."
كانت راوية توزع النظرات بينها وبين نوراه. فتلك العقربتان يريدان تزويد نيران السليم الواضحة على وجهه. حتى الفهد ابتسم على قطته التي تحمل ما يكفي من الذكاء البادي على وجهها.
ما هي إلا ثواني معدودة حتى دلف خالد ومعه نادين المبتسمة على حديثه.
كانت نظرات سليم تفتك بهم. ولكنه نجح بالتحكم بأعصابه.
فزاع بابتسامة:
"أيوا أكده. ربنا يسعدك يا ولدي."
اكتفى خالد برسم بسمة بسيطة على وجهه.
أما نادين، فكانت تنظر لسليم بغضب.
ووداد:
"أجعد يا ولدي. الوكل هيبرد."
خالد:
"لا يا عمي. ماليش نفس."
ثم جذب المقعد بجانب راوية وساعد نادين على الجلوس تحت نظرات سليم الغاضبة له.
ساعدها خالد بالجلوس وكاد أن يترك السفرة ويتجه للأعلى. ليجد نادين متماسكة بقميصه.
هنا جن جنون سليم. حتى أنه كاد أن يتحدث ولكنه صمت عندما وضع الفهد يده على يديه كأنه تحذير له.
وكذلك عمر أشار له بعينيه. فغضب الكبير سيجذب بالكل إن أثار هذا الأحمق إغضابه.
جلس خالد بجانبها. لتجلس هي الأخرى وتتناول الطعام وهي توزع نظراتها بين سليم وخالد. فالغضب حليف سليم فيجعلها تزيح عينيها بسرعة كبيرة وتنظر لخالد تستمد العون.
لم تغضب ريماس من نادين. فخالد قد قص لها حالتها من قبل. بلا تفهم لأقصى درجة.
كانت نوراه تبتسم هو ونوال بستمتاع لرؤيتها سليم يتأكل من الغضب. حتى أنه ترك السفرة وتوجه لغرفته.
أنهى الجميع طعامهم. ثم توجه البعض لغرفته.
وتبقى رباب وهنية والفتيات بالأسفل. فجلسوا يتبادلون الحديث بضحكات جميلة. تتابعهم وكذلك نظرات نوال ونوراه.
هنية بفرحة:
"والله نورتوا السرايا يا بنات."
ريماس:
"ده نورك يا خالة."
راوية:
"البيت منور بناسه يا ماما."
قدمت ريم العصائر للجميع. لتقول بسعادة لراوية:
"ألا جوليلي يا راوية أنتي دكتورة إيه؟"
راوية:
"أطفال حبيبتي. ليه؟"
ضحكت ريم وقالت:
"إكده يعني مش هنطلع منكِ بمصلحة."
ضحكت راوية قائلة:
"لا إذي. نادين ممكن تكشف على الكل وعلاج مجاناً كمان. وربنا يسترها معاكم."
ضحكت نادين بصوتاً مسموع ليسعد الجميع بها. وكذلك ريماس.
ثم قالت هنية:
"ربنا يسعد أيامكم يا حبايبي. كلها كام يوم وتنور السرايا بيكم."
خجلت راوية وحزنت نادين. لم تعلم ما عليها فعله سوى الصمت.
***
بغرفة سليم.
فهد بغضب:
"كفاياك حديث ماسخ. أنت إيه اتجننت عاد؟"
سليم بغضب:
"أيوا اتجننت. أمال أسمي إيه؟ الكلام ده كيف أهمله يتصرف أكده معاها؟"
عمر:
"يا سليم الموضوع كله ما يستدعيش العصبية دي."
سليم بغضب:
"اسمع يا واد عمي. أنت عشت بالبندر كتير وواضح إنك نسيت أخلاقنا. بس أني خابرها زين ومهسمحاش لأي حد يكسرها. أكسره جبل ما يعمل إكده. ده موضوع يخصني لحالي."
عمر بهدوء:
"لا منستش عاداتنا ولا أخلاقنا يا سليم. أنت إلا بتنسى ديما إنّي واحد منكم. بس أنت صح، أنا ماليش أتدخل في خصوصياتك. عن إذنكم."
تركه عمر ورحل والحزن بادٍ على وجهه.
أما الفهد، فأقترب منه بغضب قائلاً بنبرة لا تحتمل نقاش:
"وجف المسخرة دي يا سليم. وفوق لحالك. محدش غلط في حقك. معاك للصبح تتحدثها وتعتذر لها. لأني واثق إنك السبب في زعلها. سيب كبريائك وغرورك على جنب. أهم حاجة عندك إنها قامت بالسلامة. وبدل ما تشكر خالد وتعتذر منها بتكرهها فيك. لع! وقمان بتزعل واد عمك منك. فلع يا سليم، هتلجيني في وشك مش في ضهرك. هتحداك وأنت خابر زين غضب الفهد بيجا كيف."
وتركه الفهد وهبط للأسفل. ليجدها جالسة بالأسفل تتحدث مع ريم وتتبادل البسمة مع الجميع.
وقف الفهد على الدرج وعيناه مسلطة عليها. ما بين الحيرة والجنون. أغمض عينيه بألم خوفاً من أن تفقد تلك البسمة معه.
***
بالأعلى.
بغرفة عمر.
دلف عمر شارداً الفكر بخطة للقضاء على ذلك الوغد. ولكنّه بحاجة للوقت حتى يتزوجها ويكون الحمي لها أمام الجميع.
استمع لصوت طرقات على الباب، فسمح لصاحبها بالدلوف.
وبالفعل دلف خالد إليه قائلاً بابتسامة خبيثة:
"تمت المهمة يا خويا."
عمر بغموض:
"أيوا كدا."
خالد باستفهام:
"بس ليه تعمل كدا يا عمر؟ أنا عارف كويس إنك مالكش في الأسلوب ده."
عمر بألم شعر خالد بحديثه:
"الحيوان ده أذي حد غالي عليا أوي."
يعلم خالد بأن هذا الحد غالي على قلب عمر لدرجة أنه يخشى الحديث عليه. فتبسم وقال بمزح:
"هعمل إيه؟ اتخليت عن مهنتي عشانك وبقيت مجرم."
ابتسم عمر وقال:
"ده يوم واحد بس."
خالد بجدية:
"والعمر كله فداك يا صاحبي."
احتضنه عمر بسعادة قائلاً:
"أنت أخويا يا خالد."
جلس خالد واضعاً قدماً فوق الأخرى بغرور قائلاً:
"مش هتعملي مكافأة ولا إيه؟"
عمر باستغراب:
"مكافأة إيه؟"
ضحك خالد قائلاً:
"عايز قهوة من تحت صنع إيدك."
جلس عمر بغضب قائلاً:
"أنت بقا عشان تعدل دماغك. اتكل أنا على الله."
خالد بسخرية:
"ههههه ليه بس؟"
عمر بغضب:
"غبي. أنت عايز عمر الدهشان يدخل المطبخ هنااا؟!"
خالد:
"وهنا وهناك إيه؟"
عمر بغضب:
"كتير يا خويا. ديتها رصاصة من جدي ويقولك العار ولا الطار."
ضحك خالد بشدة. ثم توقف عن الضحك عندما دلف سليم على غفلة ليلتقي به.
عمر باستغراب:
"سليم."
سليم بسخرية:
"وأني اللي كنت مفكرك زعلان مني وجاي أطيب خاطرك. طب كملوا ضحك."
وتركه سليم ورحل. ليغضب خالد قائلاً:
"ماله ده؟"
عمر بهدوء:
"متزعلش يا خالد. أنت عارف التقاليد هنا إيه وهو مش متحمل علاقتك بنادين."
خالد:
"يا عمر نادين أختي. أعمل إيه تاني عشان الكل يصدق بس؟"
عمر:
"مصدقك يا صاحبي. سبك."
ثم ابتسم بخبث قائلاً:
"ما تيجي نركب خيل."
نظر له خالد بغضب. ثم قال:
"ماشي. أهو الواحد يتفك شوية من البوز ده."
ضحك عمر وارتدى سترته. ثم خرج وأتابعه خالد إلى الأسفل.
***
انسحبت نادين للأعلى حتى تستريح قليلاً.
دلف لغرفتها وأزاحت حجابها. ثم تمددت على الفراش ببعض من التعب.
فزعت عندما وجدت يدلف من بعدها. فوقفت وقد تناست خوفها لتعود شخصيتها كما كانت.
نادين بغضب:
"أنت إزاي تدخل كدا؟ دي قلة احترام على فكرة."
لا يعلم أيسعد لخروجها من تلك الحالة أم يغضب بسبب حديثها.
اقترب منها قائلاً ببعض الغضب:
"حسك مهيعلاش عليا واصل."
نادين بسخرية:
"هتعمل إيه يعني؟ هتضربني تاني؟"
اقترب منها بغضب قائلاً:
"اسمع حديثي زين. علاقتك تنقطع بالاسم خالد ده. وإلا أقسمين بالله لأكون أوريك الأ عمرك ما شفتيه."
نادين بتحدي:
"خالد أخويا ومستحيل أبعد عنه حتى لو أنت طلبت كدا. مستحيل."
كور يده بغضب قائلاً:
"حتى لو علاقتنا هتنتهي؟"
قالت بألم:
"علاقتي انتهت بيك من اليوم اللي كسرتني فيه. أنا حالياً زي المحبوسة في زنزانة ومالهاش مخرج تاني. منكرش إني حبيبتك رغم إنك عملت كتير. بس دلوقتي أنا فوقت من الوهم ده. فانتهاء علاقتنا حرية ليا من الحبس ده."
لم يتمالك سليم غضبه. فخرج من الغرفة حتى لا يعصف بها.
أما هي، فابتسمت على بدء المعركة التي ستجعله يندم على ما ارتكبه بحقها.
***
بالخارج.
كان يقف الفهد وهو يتأمل المزارع أمامه. يتردد صوتها بباله وصوت ضحكاتها المفعمة بالحياة.
لينبض قلبه بسرعة شديدة. فهنا تنبأ بوجودها بجانبه. وبالفعل استدار ليجدها تقف بالشرفة الخاصة بريم وعيناها مسلطة عليه تراقبه بصمت.
فكان يقف بدون عمامة يرتدي جلباب أسود كالليل الكحيل. يقف بشموخ حتى وهو بمفرده. يداعب الهواء شعره البني الكثيف فيزداده وسامة على وسامته.
كان الهدوء يخيم المكان. نظراته فقط لها الحاجز الوحيد. حتى هي توزع نظراتها بينه وبين الفراغ. فالخجل يسطر أساطيره بلغاته الخاصة.
رفع هاتفه وكتب شيئاً. ثم أعاده مجدداً لجيبه. فتطلعت بدهشة عندما استمعت لصوت هاتفها الموضوع بالحقيبة بجانبها. جذبته راوية لتجد التالي:
"لو حابة تشوفي جمال الليل، الفهد موجود."
نظرت له بتعجب. لتجده خطى خطوات للأمام. ثم استدار كأنه يخبرها هل عليه الانتظار أم يكفي رحلته بمفرده.
ابتسمت راوية وهرولت للأسفل لتقف أمامه بخجل شديد.
فهد:
"تعرفي إنك أحلى من القمر نفسه."
خجلت راوية واستدارت لداخل. لتجده يتمسك بذراعيها وصوت ضحكاته تعلو المكان قائلاً:
"خلاص متزعليش. مهي الرحلة لازم يكون فيها مرشد يشرح الطريق."
راوية بغضب:
"ودا شرح؟"
اقترب منها قائلاً:
"أحلى تفسير للجو اللي إحنا فيه. القمر اختفى بظهورك."
نظرت بالسماء بسخرية:
"طب دا إيه؟"
فهد وعيناه عليها:
"مهشوفش غير قمري الواقف قدامي."
راوية بتوتر:
"هو فين خالد؟"
ضحك الفهد قائلاً:
"هنجابله برحلتنا."
وأخذها الفهد بجولة حول السرايا. لتري المجلس الخاص بالدهاشنة والحقول المحاوطة بها والأشجار والكثير والكثير الذي جعلها تبتسم بسعادة.
كما أشار لها على برج الحمام لديهم. وأخبرها أن أجود الأنواع لديهم. حتى أنها تحمست لرؤيتها. فأخبرها أنه سيأتي لأصطحابها مبكراً ليريها البرج وأشياء أخرى بالأعلى.
أنهى الفهد رحلته بأصطحابها لأسطبل الفرس العربي الذي يمتلكه. لتجد خالد يعتلي الفرس وكذلك عمر ويتسابقون فيما بينهم.
فابتسمت عليهم. ثم أخذت تجول بنظراتها هذا السرح العظيم. فالمكان شاسع للغاية يحوي أنواعاً كثيرة من الخيل الذي تراها لأول مرة بحياتها.
كان الفهد يتابعها بفرحة لرؤيته هذه الابتسامة.
لمحت راوية فرس أبيض جميل اللون جذبها منذ أن وقعت عيناها عليه. حتى أنها تقدمت منه.
وأرادت أن تعتليه. وقرأ الفهد هذا. فقال لها:
"أني جولت دي رحلة الليل. متاح فيها كتير."
نظرت له بعدم فهم. ليضحك قائلاً:
"عاداتنا وتقاليدنا بتمنع الحرمة من حاجات كتيرة."
حزنت راوية. فأكمل هو بخبث:
"لكن الفهد مميز. عشان كده جبتك بالليل. محدش هيقدر يكلمنا."
ثم قال:
"عجبتك تجربيه؟"
راوية بحماس:
"ينفع؟"
أقترب منها قائلاً بعشق:
"معايا ينفع."
ثم تركها تنظر له بعشق هي الأخرى. ودلف يعد الخيل للخروج.
وبعد قليل خرج يعتلي الخيل كفارس محترف. نظرت له كثيراً حتى وقف أمامها وناولها يده بانتظارها.
كانت راوية خائفة لأول مرة تعتلي الخيل. فكانت توزع نظراتها بين الخيل وبينه. ثم حسمت أمرها وناولته يدها ليرفع إليه. فتتقابل عيناهما بنظرات كأنها توقف الزمان.
ثم عدل من جلستها وخطف بالخيل خطوات بسيطة. حتى لا تخاف ولا تفزع.
شعرت كأنها تطير بالهواء. فالهواء يداعب وجهها والقمر حليفها ومعشوقها لجانبها. ماذا تريد أكثر من ذلك؟
***
بغرفة نوال.
فزعت نوال مما رأت. فابتسمت نوراه بخبث قائلة:
"نهاية بنت البندر قربت يا عمة."
عمى الشيطان ونست الكثير. فلا تعلم أن لكل معشوقة حصناً يحميها. فهل سيصمد الحصن أمام المجهول؟؟؟!!!
***
يتبع…
رواية الدهاشنة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اية محمد
ظلت تتجول معه ولم تشعر بالوقت الذي مر كالهفوات.
لم تشعر بالقمر يتخفى بين سواد الليل الكحيل والشمس تسطع بأشعتها على المزارع والحقول فتبدو بأبهى طالتها.
كانت تتحدث معه عن الكثير مما مر بحياتها، وكذلك هو قص عليها كل شيء خاص بحياته.
بدأت تفتح عينيها شيئًا فشئ لتتقابل مع عينيه المترقبة له.
لم تستوعب ما تراه وفردت ذراعها بضحكة جميلة، ظنت أنها تحلم به.
لتفزع عندما تستمع لصوته.
فهد: صباح الخير.
جحظت عيناها وأخذت تتأمل المكان لتجد أنها ما زالت بالأسطبل تعتلي الأريكة وهو الآخر يجلس على الأريكة أمامها.
راوية بفزع: أنا نمت؟
فهد بابتسامة: من ساعة تقريبًا. كنت بتكلم معاكي ولقيتك سافرتي دنيا تانية خالص.
عدلت راوية من حجابها قائلة بخجل: طب ليه مش صحيتني؟
فهد: محبتش أحرم عيوني من أنها تتأمل الجمال.
داخلت راوية ثم توجهت مسرعة للمنزل وهو أيضًا يتابعها بابتسامة عاشقة.
***
دب الرعب بقلب نوال فهي لم ترى ابنها منذ أمس وظلت تنتظره ولكنه لم يعد وهاتفه مغلق فلم تستطيع الوصول إليه.
استيقظ خالد ليجد ريماس ليست إلى جانبه، ففزع وهرول يبحث عنها كالمجنون.
ثم هدأ قليلاً عندما لمح طيفها تقف بالشرفة.
أقترب خالد منها قائلاً بلهفة: مالك يا حبيبتي؟ أنتي كويسة؟
ريماس بابتسامة: الحمد لله. أنا بس حسيت أني بختنق فخرجت أشم شوية هوا.
زفر خالد بارتياح ثم تمسك بيدها وساعدها على الجلوس بالمقعد المجاور لها قائلاً: طب وحبيبة قلب بابي عاملة إيه؟
وضعت ريماس يدها على بطنها المنتفخة بعض الشيء قائلة بتوتر: خايفة أوي يا خالد.
جلس بجانبها قائلاً بحنان: من إيه يا قلب خالد؟
ريماس بتوتر: حاسة بحاجات غريبة أوي مش عارفة ليه. دايماً خايفة.
وضع يديه على وجهها بحنان: وأنا جانبك.
ريماس بدموع: الإحساس بيطردني غصب عني معرفش ليه. بحس إن في حاجة هتفرقنا عن بعض وللأبد يا خالد.
خالد بغضب: إيه الكلام الفارغ ده؟ ليه بتقولي كده؟
ريماس بحزن: أنا آسفة بس قولت اللي بحسه مش أكتر.
نجح خالد في كبت أعصابه وقال بهدوء: محصلش حاجة حبيبتي بس أرجوكي متفكريش كده تاني. فاهمة؟
ريماس: حاضر.
خالد: يلا جهزي نفسك عشان هنتحرك.
وبالفعل قامت ريماس وما زال الشعور يغمر قلبها. هل هو صحيح أم مجرد وهم؟
***
هبط هاشم للأسفل وكذلك نادين وخالد وريماس. وبعد قليل هبطت راوية وعيناها تبحث عن معشوقها ولكن لم تلتقي به.
الكبير لهاشم: يلا نأكل لقمة وبعدين نعاود.
هاشم: هنفطر معاهم هناك يا كبير.
وهدان بغضب: أباه كيف ده؟ لا لازم نأكل لقمة مع بعضينا.
بدر: كلام الكبير مهيتكسرش واصل.
نادين بابتسامة: أنا عايزة أفطر مع جدي.
ضحك الكبير لعودة تلك المشاكسة وبالفعل جلست بجانبه لحين إعداد الفطور.
بينما دلفت راوية مع ريم وهنية ورباب تساعدهم بالفطور بمحبة وسعادة.
لمحت راوية ريم وهي تجذب أدوات لصنع القهوة، فتيقنت أنها لفهد فتقدمت منها بخجل قائلة: دي لفهد يا ريم.
ريم بابتسامة هادئة: أيوه.
راوية: ممكن أعملها؟
ريم: طبعًا حبيبتي اتفضلي.
وبالفعل صنعت راوية له القهوة ثم قدمتها لريم. فابتسمت هنية وقالت: لع عندنا عادة اللي عمل الحاجة يكملها للآخر.
راوية بعدم فهم: يعني إيه يا ماما؟
رباب: ههههه يعني محدش هيطلعها غيرك حدانا إكده.
راوية بخجل: لا مش هقدر. ريم تطلعها.
ريم بخبث: كيف أهمل إلا بإيدي الوكل هيتحرق. اطلعي إنتي.
وبالفعل حملت راوية الكوب وصعدت للأعلى بخطوات متعثرة.
أما بالأسفل فكانت نوال تجن من الخوف عليه حتى أنها كانت ترمق ريم بنظرات مميتة خشية من أن تكون أذت ابنها. فهي تتذكر عندما وجدته بالمطبخ ينزف ويتألم، فأخذته مسرعة لغرفتها ثم أسرعت بتنظيف المطبخ من أثر الدماء وهرولت للغرفة تداوي جرحه السطحي.
لاحظت ريم نظراتها الغريبة تجاهها ولكنها تجاهلت ذلك وأكملت الطعام.
هبط سليم للأسفل ليجدها تبتسم وهي تقص على الكبير بعض المواقف المشاكسة لها والجميع سعيد بها.
نادين: بس يا كبير قومت أنا إيه بقا؟ أخدت مسدسه وخبيته في أوضة راوية لأنه مستحيل يشك فيها.
وهدان: ههههه طب ليه إكده يابت؟
نادين بغضب وهي تنظر لخالد: عشان يتعلم يكلمني أذي. والله يا عمي لولا أنه صعب عليا ليتطرد مكنتش أقوله على المكان.
خالد: لا دا بجد صح؟
نادين: صح الصح. قمان.
انفجر هاشم ضاحكًا والجميع.
فقال: لا كده اتطمنت عليكم.
بدر: ههههههه ربنا يحميكي يا بنتي بس بلاش هنا جنان.
نادين ببراءة مصطنعة: ليه يا عمي؟ دانا عسل والله.
ضحك الكبير قائلاً: حد يجدر يقول غير كده؟
لاحظ بدر سليم فقال: تعال يا ولدي واقِف كده ليه؟
انتبه الجميع لسليم لتنظر له نادين بعدم مبالاة ثم تنظر لخالد قائلة: راوية فين يا خالد؟
خالد: مع ريماس بره.
خرجت نادين غير عابئة به لتجعله نيران الغضب تفتك به.
***
صعدت راوية للأعلى بخطوات متوترة ثم طرقت باب الغرفة لتستمع لصوت الدخول.
دلفَت راوية وعيناها تتفحص الغرفة فلم تجده بالداخل ثم استمعت لصوت المياه فعلمت أنه بالمرحاض.
تقدمت من الطاولة ثم وضعت القهوة وتوجهت للخروج لتقف على صوته.
فهد: ريم هاتي الفوطة إلا عندكِ على السرير.
تصلبت مكانها ولم تعلم ما الذي عليها فعله.
فتقدمت مسرعة من الباب لتقف مجددًا على صوته.
فهد بصوت مرتفع: كل ده؟ إخلصي.
لم تجد أي حلا آخر فتقدمت من الفراش وحملت المنشفة ثم تقدمت ببطء شديد ووجهها كفيل للتعبير عما تشعر به.
أطرقت الباب ليمد ذراعه ويتناولها منها.
فهرولت مسرعة للأسفل.
أما الفهد فحينما تلامست يديه مع يديها شعر بتزايد ضربات قلبه، فهنا علم بأنها من كانت بالخارج فتبسم بخبث شديد وخرج من المرحاض.
يكمل ارتداء ملابسه ثم لمح القهوة موضوعة على الطاولة فأقترب منها وأرتشف مذاقها الممزوج بحب.
أُصنع من القلب للقلب كأن كل رشفة من حبات القهوة تخبره كم أن صانعتها تعشقه.
لم يذق كهذا الطعم المعسول من قبل.
ليس لأن ليس هناك أجمل منها ولكن محبوبته صنعتها خصيصًا له.
***
كانت ريم ترتب السفرة وتضع الأطباق عليها بانتظام لتستمع لصوته قادم من خلفها فأستدارت لتجده يقف أمامها والأبتسامة خلفيته فجعلته وسيماً للغاية.
عمر: صباح الخير على أحلى قمر في السرايا كله.
ريم بخجل: صباح النور.
أقترب منها قائلاً: هو نور بس؟
ريم بخجل: كفاك يا عمر إحنا مش لوحدينا.
ضحك عمر قائلاً: والله أني حبيت عمر وأبو عمر وأي حاجة فيها أسم عمر منك يا قمر.
أتته صوت موته قائلاً: عمر.
عمر باستغراب: مال صوتك يا قلبي؟ أنتي كويسة؟
كانت تنظر خلفها برهبة ليجد أحدًا ما ممسكًا بقميصه بغضب.
فالتفت ليجد الفهد أمامه.
عمر بخوف: نعم يا أستاذ فهد.
فهد: نعم الله عليك يا خوي. بتعمل إيه هنا؟
عمر: هعمل إيه يعني؟ ذي الناس جوعت وجيت آكل.
فهد بغضب مصطنع: فاكرني حمار إياك؟
عمر بصراخ: مين ده اللي يقدر يقول على الكبير حمار؟
ثم نظر لريم التي تكبت ضحكاتها قائلاً بحزم: واقِفة كده ليه؟ روحي كملي اللي بتعمليه. في موضوع مهم لازم أناقشه مع أستاذ فهد.
فهد: لا حمش ياض.
عمر بغرور: أمال إيه؟ دانا مشرفكم والله.
فهد بسخرية: لا مهو باين.
عمر بصوتاً منخفض: باين أوي كده.
هنا جذبه الفهد من قميصه بقوة قائلاً بغضب مصطنع: إسمع يا حيوان أنت لو شوفتك أو حتى لمحتك بتكلم أختي هولع فيك. سامع؟
عمر بخوف: سامع وفاهمت كمان. مكنش له لزوم تتكلم بلهجتك.
فهد: لا يا حلو أنا أتكلمت بنبرة البندر عشان فيها سماح وإنذار. لكن الصعيد فيها.
وأكمل بلهجة صعيدية: جطع رجبتك. تختار إيه بجا؟
ابتلع عمر ريقه بخوف شديد وقال: مش عارف. سليم كان عايزني في إيه؟ سلام يا كبير.
وهرول عمر من أمامه ليبتسم الفهد ابتسامة بسيطة ويلتفت ليغادر هو الآخر ليجد حوريته تحمل الأطباق وترتبهم على الطاولة.
وقف يتطلع لها بعشق جارف متناسي من هو وما مركزه. فمهما كان يمتلك من قوة يخسرها بنظرة واحدة من عينيها.
كانت توزع نظراتها بخجل بين الأطباق والفهد المبتسم بخبث على توترها الملحوظ.
فقرب منها لتنهي عملها بسرعة وتتجه للمطبخ ولكن يد الفهد كانت الأسرع لها.
فهد: شكرًا.
راوية وهي تتحاشى النظر بعينيه: على إيه؟
فهد: القهوة.
ثم أقترب منها هامسًا بأذنيها: والمنشفة.
جحظت عيناها ليغمز لها ويغادر تاركها تكاد تجن من الخجل.
حتى أنها لم تشعر بقبضة نادين.
نادين بتعجب: راوية. أنتي يا حاجة؟
راوية بوعي: هان.
نادين بسخرية: ها إيه؟ أنا بنادي من الفجر. الأ واكل عقلك يا أختي.
خجلت بشدة ثم ابتسمت ابتسامة هادئة عندما تذكرته.
نادين: لا أنا هدخل آكل جوا. العملية مش ناقصة.
وبالفعل دلفت نادين للداخل لتجدهم يقدمون الطعام لتقول بصوت مرتفع للغاية سمعه من بالخارج: الله على الريحة. تجوع متايلا يا جدعان. أنتوا جايبيننا نجوع؟
رباب: ههههه معلوم يا جلبي. ثواني والوكل هيكون جاهز.
نادين: أيوا كده يا روبا. متنسيش المخلل يا ريم.
ريم: هههههه حاضر.
تقدمت من هنية قائلة: بقولك يا طنط هنية؟
هنية ببسمة جميلة: جولي يا جلبي طنط.
نادين: كان في حاجة كده حلوة أوي كلت منها المرة اللي فاتت. كانت سايحة كده وبيضة جميلة أوي وأنتي اللي حاطاها.
هنية: هههههه قشطة.
نادين: معرفش. هاتيلي منها لحد ما تخلصوا.
انفجروا ضاحكين على تلك المشاكسة وبالفعل أحضرت لها هنية طبق من القشدة وبعض الشطائر.
تناولتهم منها بسعادة طفولية وغادرت للخارج.
دلفَت ريماس تحمل معهم الأطباق لتصرخ بها هنية قائلة: لا يا حبة عيني مهينفعش واصل. اجعدي عشان اللي في بطنك.
ريماس بابتسامة هادئة: وأنا عملت إيه بس؟ ريم مقعداني بره من ساعتها. خليني أطلع معاكم الأكل.
رباب: يا حبيبتي معيزنيش نتعب.
ريماس: ولا تعب ولا حاجة.
وأخذت ريماس الأطباق وساعدت راوية بترتيب السفرة العريقة.
***
جلست نادين بجانب منعزل عن الجميع تتناول الشطائر بسعادة. فتلك الفتاة تسعدها أبسط الأشياء.
كان يراقبها بعين تحمل من الغموض. ثم أقترب منها لتقف وتنظر له بفزع. فلم يعد أحد بجانبها تحتمي به. المكان فارغ تمامًا.
أقترب منها سليم وتراجعت هي للخلف بخوف شديد حتى أصطدمت بالحائط. فلم يعد هناك مفر للهروب.
رفع يده لتغمض عيناها بقوة ظنة من أنه سيعنفها مجددًا ولكنها تعجبت عندما أزال من فمها القشدة.
فتحت عيناها ببطء لتتقابل مع عينيه.
نظرت له بذهول وقالت: إيه دا؟ هو أنت مكنتش هتضربني؟
حاول كبت ضحكاته ولكنه فشل فضحك قائلاً: إيدي وحشتك؟ تحبي تجربيها؟
نادين بفزع: لااااا. الله يخليك كدا أحسن.
سليم: ممكن أفهم بتعملي إيه؟
رفعت الطبق بوجهه قائلة بطفولية: بأكل.
ضحك بشدة ثم قال: هو حد قالك إني أعمى؟ ليه مش استنيتي تأكلي معانا؟
نادين بغرور: مهو أنا هاكل معاكم برضه. دي تصبيرة مش أكتر.
ثم نظرت يمينًا ويسارًا وأشارت له بيدها لينحني لها فهمست قائلة: أصل الكبير ميعرفش يأكل من غيرك.
سليم بسخرية: والله؟
نادين: هووووش. أيوا طبعًا. خلي معاك الطبق ده. هروح أشوف الوكل اللي بتقولوا عليه اتحط ولا لسه.
وبالفعل ناولته الطبق وتقدمت بضع خطوات ثم عادت مجددًا تحت نظرات اندهاشه.
نادين بتعجب: هو أنت بتتحول؟
سليم بعدم فهم: نعم؟
نادين: لا متخدش في بالك.
ثم قالت بصوتاً منخفض سمعه سليم: يا عيني على بختك يا نادين. وقعتي في واحد عنده انفصام في الشخصية. كل ساعتين يقلب من شر لخير ومن خير لشر. لا أنا لازم أحذر. الجواز بعد تلات أيام. هعيش معاه أذي؟ لا وأيه صعيدي يعني حركات الملاكمة مش نافعة معاه.
ثم تطلعت له وقالت بخوف: ولا أي رياضة هتنفع. أعمل إيه؟
كبت ضحكاته وقال بغضب مصطنع بلهجته الصعيدية: بتجولي إيه يا واكلة ناسك أنتِ؟
نادين بخوف: دا قلب صعيدي. الجري نص الجدعنة.
وركضت بأقصى سرعة لديها ليضحك هذا المتعجرف عليها.
أما هي فأصطدمت بأحد ما ورفعت عيناها لتلتقي به.
عمر بضحك: شبح ولا أسد؟
وقفت نادين قائلة بتعجب: هو إيه؟
الفهد: اللي مخاليكي تجري كيف المجنونة إكده؟
نادين بخوف وهي تلتفت خلفها: دا عقرب بعد عنكم اللسعة منه والقبر. اللهم ما احفظنا. دا بيتحول.
الفهد بسخرية: كيف؟
نادين: أول ما يتكلم بالمصري يبقا دي الشخصية الكيوت. وما يقلب صعيدي يبقا دي الشخصية الشريرة. عن أذنكم بقا.
وأكملت تلك الحمقاء الركض تحت نظرات عمر المندهشة والفهد الواضع يده على رأسه من جنون تلك الحمقاء.
عمر للفهد: هو في إيه؟
نظر له الفهد قليلاً ثم توجه للسفرة قائلاً: اسأل العقرب بنفسه.
جلس عمر قائلاً بالصعيدي: اتجننت إياك؟
ضحك الفهد بسخرية وأخرج هاتفه ليبعث رسالة لمحبوبته.
جلس الكبير وهاشم والجميع يتناولون الفطور بجو مرح بدون تلك الأفاعي التي تختفي لصنع السموم القاتلة.
هنية لرباب بصوت منخفض: هي نوراه فين؟
رباب بقلق: هي والعمة من الصبح بالأوضة. الخوف من اللي جاي يا خيتي. والغريبة أن نوراه ملازمة ديما.
هنية بخوف عليها فهي تعلم نوال جيدًا: ربنا يستر.
رباب: يارب.
أنهى الجميع الطعام وبعد التحيات للقاء أخر قريب للغاية غادر هاشم وخالد وراوية ونادين ومعهم الفهد وسليم كما أمرهم الكبير بتوصيلهم.
وبالفعل أوصلهم الفهد لمنزل واهبة القناوي ثم هبط هو وسليم للجلوس معهم قليلاً.
***
على الجانب الآخر.
كانت الأخبار تتنقل له من وقت لآخر فأعد خططه للقضاء على الحصون الأربعة (فهد_ سليم عمر _خالد).
فإذا أراد هزيمة كبير الدهاشنة عليه قتل حصونه الثلاث وأيضًا العمود القوي لرفع عائلة القناوي.
أما الحصن الرابع فهو يريد التخلص منه للثأر منه لتجرؤه على تحدي جياد سويلم بالزواج من ريماس علني أمام الجميع.
***
بغرفة مظلمة.
كانت تجلس مقيدة وهو بجانبها. حتى عيونهما مغلقة بقماش أسود اللون.
هي تتنبأ بأنها النهاية وهو يخاف من أن المجهول قد كشف ويكون مصيره الهلاك.
رواية الدهاشنة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اية محمد
كان الفكر حليف تلك الأفعى والأفكار تطاردها على ما حدث لوالدها، حتى أنها أخبرت الكبير بغيابه، ولكنه أخبرها بأنه من المؤكد عاد لمصر، فهو يفعل ذلك كثيراً.
صمتت والقلق ينهش قلبها، فهي تخاف أن تكون ريم قد فعلت به شيئاً كسابق، حتى كانت تراقبها بحذر وشرار يكاد يقتلها.
أما سليم، فبدأ قلبه باللين لمحبوبته، كما أنه أحب خالد منذ أن جمعهم الفهد، وظلوا يتبادلون الحديث، فشعر سليم بصدق مشاعر خالد تجاه نادين وعلم لماذا هو المقرب لعمر.
أما نادين، فكانت حالتها بين الجنون والعقل، بين الحب والعشق، لا تعلم ما الذي يحدث لها، عند رؤياه تشعر بالخوف والأمان، شعوراً مختلفاً يطاردها، لا تعلم من الصحيح ومن سيفوز، ولكن ما تعلمه أن قلبها يريده هو.
أما راوية، فكلما شعرت بأنها نجحت في فك شفرات الغموض لدى الفهد، تجد أن هناك الكثير من الغموض لا تعلمه هي، وما زالت هناك أشياء أخرى غامضة.
ولكنها تشعر بأنه خلق لها وخلقت له، هناك روابط تجمعهم، ولكن لا تعلم ما هي، تشعر بأنها تعرفه منذ سنوات، تشعر بأن قلبه ينبض لها.
أما ريم، فالخوف من القادم يغلف قلبها.
***
في صباح يوم جديد، محفل بأحداث غامضة.
استيقظ الفهد ووجهها ممتلئ بقطرات العرق، لما رأه، كيف ذلك؟
شعر بغصة تحتل قلبه والدمع حليف عيناه، ما حدث منذ سنوات يطارده من جديد.
الماضي الذي لا طالما هرب منه، ما زال يطارده.
أزاح الغطاء عنه، وارتدى سترته، ثم توجه لغرفة الكبير.
دق الباب، وهنا استمع أذن الدخول.
دلف الفهد ليجد الكبير يجلس على مقعده الذهبي الذي يزيده وقاراً وهيبة.
تعجب فزاع مما يراه، فالفهد يقف أمامه بلبس ليس صعيدي لأول مرة يراه هكذا، هو يعلم بأنه يرتدي مثل هذه الثياب أثناء نومه، ولكنه لأول مرة يقف أمامه هكذا.
فزاع بقلق: خير يا ولدي؟
جلس الفهد أرضاً، وضع رأسه على قدم فزاع، ليتوقف نبضات قلبه خوفاً على حفيده.
فزاع: مالك يا فهد؟
الفهد بألم: تعبان يا جدي، كل يوم بشوفه جدامي، كل يوم بشوف جسوتي عليه، بشوف قد إيه كنت قاسي لما طلب أبسط حقوقه وأني رفضتها.
وضع الكبير يده على رأسه بحنان قائلاً: لسه ما نسيتش اللي فات يا فهد، دا سنين يا ولد.
رفع عيناه الممزوجة بدمع قائلاً: بحاول أنسى بس مش قادر يا جدي.
جذبه فزاع ليجلس بجانبه ثم قال: خلاص يا ولدي، اللي راح راح، فكر في اللي جاي، أنت كبير الدهاشنة من بعدي، ولازم تبقى قد المسؤولية، محدش في عمامك ولا ولادهم ذايك، أنت اللي تشبهني في حاجات كتير جوي، ولازم تبقى قد مقامك وتثبت للكل أنك الكبير، وأني عملت الصح باختياري ليك.
الفهد بدمع يترأس بعيناه: غصب عني يا جدي، دا أخوي الوحيد وأنا السبب في موته.
فزاع بغضب: قدر ومكتوب، ومالكش صالح بيه، محدش بيقدر يغير اللي كتبه ربنا.
فهد: بس إني اللي زعلته وخليته يخرج من هنا حزين بعد ما عرفت أنه اتجوز بنت البندر من سنين وأني معرفش.
فزاع بهدوء: ما تفكرش بالماضي يا فهد، اللي حصل حصل يا ولدي، فوق لنفسك ولمرتك، يالا قوم غير خِلقاتك دي، ما أحبهاش عليك، فين العِمة يا كبير الدهاشنة؟
نظر له الفهد قليلاً ثم قام وتوجه لغرفته حزيناً.
ليقف على سور الدرج يسترجع الماضي، فتتجسد الصور أمامه كأنها حدثت أمس.
فلاش باااك.
فؤاد: صباح الخير على أحلى أم بالعالم كله.
هنية بابتسامة جميلة: صباح الخير يا ولد.
فؤاد: إيه يا بت بتبصيلي كده ليه؟
ريم بغضب: ما أكلمكش واصل.
فؤاد باستغراب: ليه بس أنا عملت إيه؟
ريم: من ساعة ما رجلك أخدت على البندر وأنت نسيتني واصل.
فؤاد: في دي معاكي حق، وأدي راسك أهي يا ستي، راضية؟
ريم: مش أوي.
ضحك فؤاد وقال بخبث: طب خلاص أطلع آخد الحاجات اللي جايبها للبِت نوراه.
ريم بغضب: نعمممم؟
فؤاد: ههههههه خلاص يابت وديني، الله يخربيت كده، الشنطة فوق يا ختاي.
ريم: أيوا كده اتعدلي.
فؤاد: قوليلي يا بت.
ريم بمشاكسة: عيب يا خوي، كيف أقولك يابت؟
فؤاد بغضب: لا هنتظر ولا إيه؟
ريم: لأ، قول وخلصني.
فؤاد: أيوا كده اتعدلي، هي فين كبير المافيا؟
ريم: هههههههههههه، وراك هههههه.
فؤاد: غبية، أقصد فهد.
ريم: هههه، ما أنا خبرة زين، وهو برضه وراك، بذات نفسيه.
ابتلع ريقه بخوف شديد واستدار ليجد أخاه الأكبر الفهد خلفه.
فهد: كبير المافيا، وأنت بقى تبقى إيه؟
فؤاد بخوف: أنا فرد من أفراد المافيا، لكن أنت الكبير يا كبير.
دلف سليم قائلاً: الله يخربيتك، مافيا إيه دي؟ هتودينا في داهية، تخدك.
عمر: ههههههه، لو الكبير سمعه هيفكر أننا بنزرع أرضيه لزراعة الحشيش.
فؤاد: اطلع أنت منها بس، وهي هتعمّر والله.
سليم: بكفاية يا واد عمي، سيبه يجابل الفهد، أرحم من الكبير.
فؤاد بخوف: لأ لأ، أنا هروح أعترف للكبير بذات نفسي وأخلص.
ضحك الفهد ونظر لأخيه الأصغر قائلاً: اقعد، لو الكبير شافك هيقطعك تقطيع.
جلس فؤاد بحزن قائلاً: لسه زعلان مني.
عمر: معلش يا فؤاد، هو عنده العادات والتقاليد شيء مقدس.
سليم: الحمد لله أنك اترجعت في كلامك ومتجوزتش بنت البندر دي.
ارتسم الخوف على وجه فؤاد ولاحظه الفهد، فبدأ الشك يراوده تجاهه.
أفاق الفهد على صوت سليم.
سليم بقلق: أنت زين يا واد عمي؟ بقى لي ساعة بنادي عليك وأنت في دنيا تانية.
الفهد بتماسك: متقلقش يا سليم، إني كويس، جهز نفسك عشان هنتدا للبندر مع راوية ونادين، محتاجين حاجات من هناك، وخالد ومرته هيجوا معانا عشان تتابع الحمل، لازم على بليل نكون هنا.
قاطعه عمر قائلاً: وأنا وريم هنيجي معاكم يا فهد.
فهد باستغراب: ليه؟
عمر بزعل مصطنع: هي ريم مش عروسة وهتحتاج حاجات برضه.
ابتسم الفهد قائلاً: أختي ما ناقصهاش حاجة يا واد عمي، دي أخت الفهد، كل اللي يلزمها إني جبتهولها بنفسي.
عمر بخبث: بس ريم ما نزلتش البندر خالص، ودي فرصتي.
ابتسم الفهد قائلاً: وأنا ما أضيعش عليك فرصة.
ابتسم عمر قائلاً: أيوا كده، عن إذنكم بقى.
وتوجه عمر للأسفل لأخبار ريم، أما الفهد فتطلع لعمر بحزن شديد، فهو يذكره دائماً بفؤاد للتشابه الكبير بينهم.
سليم بشك: لسه مصمم إنك بخير؟
فهد بوجع: وجعي كبير يا سليم، مهما حاولت أخفيه بيطاردني.
سليم بحزن: وجع ليه يا واد عمي؟ دا قدر ومكتوب.
فهد: بلاش نتحدث بالموضوع ده يا سليم.
وتركه الفهد ودلف إلى غرفته، واغتسل، وأدى فريضته، ثم ارتدى بنطلون أسود وتيشرت أبيض ضيق يبرز عضلات جسده، وصفف شعره البني الكثيف، فكان ملك الوسامة.
أما سليم، فتألق بقميص رمادي بسيط وبنطلون بدرجة من الرمادي الخفيف، وصفف شعره، فكان وسيم.
***
بالأسف.
كانت ريم تعد الغداء مع الخدم، فتلك الفتاة على عكس نوراة، تحب أن تعد كل شيء بنفسها لتشعر أنها مهيأة لتحمل مسؤولية الزواج.
كانت تجلس على المنضدة وأمامها الطعام، لتتفاجأ به يجذب المقعد الأمامي لها ويتطلع بحب شديد.
ريم بخجل من نظراته: فيه حاجة يا عمر؟
أشار لها بمعني نعم، فقالت: إيه؟
عمر بحب: فيه أني بحبك، لأ بعشقك في كتير.
خجلت ريم وشغلت نفسها بالطعام قائلة: اطلع من هنا، إني مش فاضية للحديث.
أقترب منها ثم جذبها لتقف أمامه قائلاً: ممكن تسيبي المحشي ده وتفوقيلي شوية؟
ريم بصوتاً منخفض: بعد يا عمر.
عمر: لأ، ما أبعدش عنك واصل.
ضحكت ريم قائلة: حتى لو الكبير هنا؟
فزع عمر وابتعد عنها قائلاً بخوف: فين؟
ضحكت بشدة وجلست تكمل ما تفعله قائلة بسخرية: روح يا واد عمي، قبل ما الكبير يجي صح.
جذبها بالقوة ليقول بجدية: ما فيش حد يهمني، أنتي مراتي يا ريم.
نظرت له بحزن وقالت: إني عارفة، بهزر معاك يا عمر.
عمر بجدية مصطنعة: طب عشان أثبتلك أن محدش يقدر عليا، هاخدك معايا حالا مصر.
ريم بصدمة: البندر؟
عمر بابتسامة جذابة لا تليق سوي به: أيوا.
ريم بذهول: إني عمري ما رحتها واصل.
عمر بحب: معايا هتروحي في كل مكان.
ريم بفرحة: بتتكلم بجد يا عمر؟
عمر: جد الجد، يا روح قلبي.
يلا أطلعي البسي وهستانك تحت.
سعدت ريم كثيراً، حتى أنها ركضت للأعلى بسعادة لم ترَ لها مثيل، فلا طالما حلمت بالخروج ولو قليلاً، ولكن لم يكن مسموحاً لها.
احتلتها كحال الكثير، ولكن مع صبره من الله عليها بعمر ليكون عوضاً عن عمر فني بقيوده.
***
بمنزل واهبة القناوي.
ارتدت راوية فستاناً باللون السكري وحجاباً أبيض، فكانت جميلة للغاية.
وكذلك نادين، التي ركضت مسرعة لغرفة ريماس وخالد ومعها فستانين، تريد خالد وريماس مساعدتها بالاختيار بعد أن رفضت راوية مساعدتها.
ريماس بصراخ: يا بنتي! بقالي ساعة بقولك البني وترجعي تسأليني نفس السؤال. طم، أنا عرفت ليه راوية رفضت تساعدك.
نادين بغضب: صوتك يعلى عليا وهتلاقي نفسك محذوفة زي الكورة، أنتِ وابنك.
جذبها خالد من جاكيت البيجامة التي ترتديها قائلاً بغضب: تحذفي مين يا بت؟ أنتي.
نادين بخوف: أهدأ يا أسطى. ده أنا بقول هحدف الأوضة، ملانة حاجات، أي حاجة هحدفها.
خالد: آآه، بحسب.
نادين: خد راحتك.
خالد: طب على أوضتك بقى يا خفيفة.
نادين بغضب وصوتاً مرتفع: مهو ده اللي بقوله من الصبح للكرة بتاعتك دي، أني عايزة أرجع أوضتي، عشان كده بقولها تختار معايا.
خالد: خلااااص، واطي صوتك، أنا هختار معاك.
نادين بفرحة: بجد؟
خالد: وريني يا أخرة صبري.
وبالفعل، ركضت نادين إلى ريماس الجالسة على الفراش، وجذبت منها الثياب تعرضهم على خالد.
خالد بسخرية: طب ده فستان، وده إيه بقا؟
نظرت نادين له قائلة: فستان برضه.
خالد بسخرية: والله العظيم تصدقي، أنا حسبته حاجة تانية.
نادين بغباء: حاجة إيه دي؟
انفجرت ريماس ضاحكة، ليجذب خالد نادين من البيجامة بغضب قائلاً: لو شفت وشك هنا تاني، هخلي وشك الحلو ده قطع غيار، فاهم؟
نادين بغضب وهي تجذب الثياب منه: بتزعق كده ليه؟ ما تقول ألبسي البني.
تركته ورحلت، لينظر لريماس بتعجب من تلك الفتاة، وتنفجر هي ضاحكة، حتى أنها تمسكت بجنينها من الألم.
***
هبط فهد وسليم للأسفل، وانضم لهم عمر، ليراقب نوال التي تتحدث مع سليم، ويبدو أن الأمر هام.
وقف بانتظار ريم وعيناه على نوال.
بعد قليل، هبطت ريم بفستانا بألوان الزهري وحجاب بنفس اللون، فكانت كالملكة التي جذبت قلب عمر.
وقف ينظر لها كالأحمق، فرين تمتلك جمال أخيه الفهد.
أقترب الفهد من عمر ليخبره بأنه سيتحرك هو وسليم، وعليه اتباعه بالسيارة، ولكنه كالمغيب مع تلك الحورية التي هبطت لتقف أمامه.
لاحظ الفهد ذلك، فأبتسم بمكر وجذب ريم برفق إلى السيارة الخاصة به.
ليسّرع عمر بالركض خلفه بزعر: رايح بيها فين؟
الفهد بخبث: هتركب معايا، مستحيل أخليها تركب معاك وأنت بالحالة دي.
عمر: حالة إيه؟ أنا ميت فل وعشرة.
فهد بغضب مصطنع: على عربيتك.
كاد عمر أن يتحدث ليشير له بيديه، فتوجه عمر لسيارته غاضباً تحت نظرات ريم المضحكة، والفهد الذي ينظر له بسخرية.
***
بالمشفى.
جلس جياد سويلم بجانب ابنه بحزناً شديد، فحالته خطيرة للغاية، وخاصة بعد إصابته بمكان خطير للغاية، وكأن من فعل ذلك اختار له الجزاء المناسب لما ارتكبه هذا الأحمق.
توعد جياد سويلم للجميع بالهلاك، وبالفعل قد أعد خطة خطيرة، وبانتظار التنفيذ.
***
وصلت السيارات أمام منزل واهبة القناوي في انتظار الجميع.
وبالفعل، هبط خالد ومعه ريماس، وتوجه لفهد وسليم، الذي رحب به تحت نظرات اندهاش عمر، فهو لم يكن معهم بالليلة الماضية، ولم يعلم بأن الفهد جعلهم كالبلسم، ولم يتركهم إلا وقد أصبحوا أصدقاء للغاية.
وقف خالد مع عمر ليجد وجهه يتصاعد منه الشرار، حتى أنه انفجر ضاحكاً عندما قص عليه عمر ما حدث.
فتركه عمر وصعد للسيارة بغضب.
أقترب سليم قائلاً بتعجب: عمر ماله؟
ضحك خالد بشدة قائلاً: فهد مقطع عليه يا سيدي.
يضحك سليم قائلاً: تصدق؟ صعب عليا.
خالد: والحال؟
سليم بخبث: عندي.
وقفت ريماس بجانب ريم يتبادلون الحديث لحين هبوط الفتيات.
وبالفعل، هبطت راوية التي سرقت قلب الفهد، ليشعر أن تلك الفتاة أميرة هاربة من أحد القصص الخيالية، فراوية تمتلك جمالاً خاصاً يزينه التقوى والحجاب.
أما سليم، فأبتسم على تلك المشاكسة التي تتعثر في هذا الزي الذي لا يليق إلا مع الحجاب، نعم لم يمعن بوجهها جيداً، ولكن يكفي رؤية ظلها.
أفاق سليم سريعاً، فعليه البدء بالعمل لأسعد ابن عمه.
سليم بخبث: يلا يا فهد، خد ريم واتحرك، وأنا وعمر وخالد هنحصلك.
فهد: وراوية؟
سليم بمكر: أنت معاك ريم، هي هتركب مع أخوها.
ابتسم الفهد قائلاً: أمم، هو إلا بعتني.
سليم: ههههه، لأ، بس اللي عملته معاه هعمله معاك.
فهد: ماشي يا عم.
وتوجه الفهد لريم وأخبرها أن تصعد للسيارة برفقة عمر.
سعدت ريم وتوجهت له، ليسعد هو الآخر.
أما راوية، فصعدت بجانب الفهد.
وكذلك ريماس صعدت بسيارة زوجها.
وتبقت نادين تنظر لسليم برهبة قائلة: لا، أنت عايزني أركب معاك في عربية واحدة عشان تتحول وتقتلني؟
سليم بخبث: وتفتكري أني لو عايز أقتلك مش هعرف؟
نادين بغرور: أكيد.
سليم: بالنسبة للأوضة اللي هتجمعنا بعد يومين دي، تفتكري من الصعب عليا قتلك؟
ارتعبت نادين وجلست بالسيارة بصمت تحت ضحكات سليم المتخفية.
***
بسيارة الفهد.
كانت راوية تقرأ بعض الآيات القرآنية حتى لا تشعر بطول الطريق.
كان الفهد يخطف النظرات إليها، حتى أنهت قراءتها وتقابلت عيناهما بلقاء اشتياق منذ أمس.
فهد: واحشتيني.
خجلت راوية ووضعت وجهها أرضاً.
ليبطل الفهد سرعته ويصبح الأخير بعدما كان يسبق سليم وعمر وخالد.
تعجبت راوية من تحول السيارة من السرعة للبطء، ثم توقفت عن العمل.
رفعت عيناها لتقابل عين الفهد المملوءة بالمكر والخبث.
فهد: بتتهربي مني ليه يا راوية؟
راوية بارتباك: أنا أنا هتهرب ليه؟ أنا بس...
فهد: بحبك.
كانت تلك الكلمة كفيلة بإخرسها وجعل وجهها كثمرة الفراولة الحمراء.
ليبتسم الفهد قائلاً: الحب يعمل فيكِ كل ده، طب لو قلت أني بعشقك؟
فتحت راوية باب السيارة وكادت أن تهبط، ليتمسك بذراعيها قائلاً بتعجب: راحة فين؟
راوية بخجل وعيناها أرضاً: هركب مع خالد.
انفجر ضاحكاً ثم قال بسخرية: خالد زمانه وصل، ههههه.
وأغلق الباب ليهمس لها بخبث: فاضل يومين، اهربي براحتك، بعد كده مش هسمح لك.
وقاد فهد السيارة بسرعة كبيرة حتى تقدم على الجميع مجدداً، فهو الفهد، لقب على مسمى.
***
بسيارة سليم.
كانت تجلس بضيق، ثم فتحت حقيبتها وأخرجت CD ووضعته بالسيارة، وأخذت تدندن معه بسعادة غير عابئة بنظرات سليم الغاضبة.
نادين بصوت غنائي: ما تيجي هنا وأنا أحبك عشان أعيش.
قاطعها سليم قائلاً بسخرية: وأجي ليه؟ ما أنا جنبك أهو، أقوم أجيب لك طبله ونقف في الشارع لحد ما تخلصي نمرتك ونمشي.
نادين بغضب: نمرة إيه دي؟ احترم نفسك يا أخ.
سليم: والله هحترم بس بعد ما سيادتك تحترميها الأول.
نادين بزعل طفولي: قصدك أني مش محترمة؟
سليم: لا، ما قصدتش كده، بس في واحدة تقول لجوزها احترم نفسك.
نادين بتزمجر طفولي: آسفة، كنت بتسلى.
ابتسم سليم وقال بخبث: في طرق تانية للتسلية على فكرة، غير نانسي عجرم.
نادين باهتمام: إيه هي؟
سليم: أنك تتكلمي معايا وتسأليني اللي تحبيه، خاصة أن فرحنا بعد بكرة.
نادين بفرحة: بجد؟
سليم: جربيها.
نادين بتفكير: أمم، أه، لقيته.
سليم باستغراب: هو إيه؟
نادين: السؤال. عمرك حبيت قبل كده؟
سليم: لا، ولا مرة.
نادين باستغراب: ليه؟
سليم: هو إيه اللي ليه؟ أنا مفكرتش في واحدة مش هيربطني بيها علاقة عشان مشلش ذنب قدام ربنا، لما أفكر في واحدة لازم أفكر بالحلال.
ثم أكمل بخوف: وأنتي؟
نادين بعفوية: محدش لفت انتباهي غيرك.
وهنا انتبهت لما قالت ووضعت يدها على فمها من الخجل.
سليم بابتسامة جذابة: وأيه اللي لفت انتباهك فيا؟
نادين بابتسامة: أمم، طالتك المختلفة، عيونك المليانة قسوة وحنان في نفس الوقت، فيه حاجة غريبة شدتني ليك، معرفش إيه هي.
ثم أكملت بغيظ: ما كنتش أعرف لسانك العسل وأيدك اللي شبه المرزبة دي.
يضحك سليم بصوتاً مرتفع، تراه نادين لأول مرة، فتسحر بجماله، وظلوا هكذا إلى أن انتهى الطريق.
***
بسيارة عمر.
كانت تنظر للطريق بسعادة، كأنها كانت مقيدة ونالت حريتها أخيراً.
عمر: مبسوطة يا حبيبتي؟
ريم بفرحة: جوي يا عمر، حاسة أني هطير من السعادة.
ابتسم قائلاً: لدرجة دي؟
ريم: وأكتر، ما تعرفش كيف كنت ببقى مخنوقة من الحبسة دي كتير، طلبت من جدي أنه يخليني أنزل البندر مع أمي وخالتي رباب، بس كان بيرفض.
كان يوزع نظراته بينها وبين الطريق، ثم تمسك بيدها قائلاً بحب: أوعدك يا ريم، كل حلم حلمتيه ومعرفتيش تحقيقه، معايا هحققهولك.
لمعت عيناها بالدمع، ثم قالت: حلمي الوحيد هو أنت يا عمر.
ابتسم عمر قائلاً: وأنا ملكك يا روح قلب عمر.
خجلت ريم وأبدلت الحديث عندما أشارت على مكان وسألته عنه، فأجابها عمر مع ابتسامة مكر، لمعرفة ماذا تحاول صنعه؟
***
بسيارة خالد.
كان ينظر لها وهي غافلة على المقعد بجواره.
كان يتأملها بسعادة، يتذكر كيف كان حاله بدونها وحياته التي فقد مذاقها، وها هي عادت إليه لتنير دنياه من جديد.
ومعها جنته الجديدة الذي ستجعل حياته روضة بوجودها.
أوقف خالد السيارة عندما استيقظت ريماس مفزوعة على حلم مخيف رأته، لتجد محبوبيها بخير ويحدثها.
لم تشعر بدموعها الغزيرة ولا بشيء سوى يديه التي تحتضنها ودموعها التي تهبط على صدره.
فاحتضنته بشدة، لعلها تلتمس الحنان والأمان، فوجدتهم بأحضان معشوقها.
وعندما هدأت قليلاً، أبعدها خالد عن أحضانه وأزاح دموعها بحنان، متوعداً لها أنه لن يفترق عنها مهما كلف الأمر.
***
الدهاشنة.
يتبع…
رواية الدهاشنة الفصل السادس عشر 16 - بقلم اية محمد
وصلت السيارات إلى القاهرة وبدأت الفتيات بشراء ما يلزمهم للزفاف بعد أن جلس الشباب في الكافيه بالأسفل ينتظرونهم.
اشتروا ما يلزمهم وبعض المستلزمات والهدايا للفتيات.
بالأعلى
راوية بغضب: يا بنتي كفاية كل دا لبس، هتعملي إيه بكل دا؟
نادين بغرور: لازم أكون على مستوى عالي يا غبي.
ريماس: سيبك منها يا راوية، مش هيجيلك غير حرق الدم.
ريم: ههههههه والله عندك حق يا ريماس، تعالوا نقعد هنا لحد ما هي تخلص براحتها.
راوية: أوك، أنا رجلي أصلاً مش حاسة بيها.
ريماس: أمال أنا أقول إيه.
ريم: معلش، كلها كام شهر ونشيل القمر دا عنك.
راوية: ههههههه والله محلي شكله.
ريماس بغضب: محلي شكلي فين دا، مخليني شبه الكورة على رأي نادين.
راوية: ههههههه هي نادين عارفة حاجة؟
ريم: بقولك إيه يا راوية.
راوية: قولي يا حبيبتي.
ريم: هو أنتي هتمتحني إمتى؟
راوية بتذكر: بعد الفرح بشهر تقريباً.
ريم بابتسامة هادئة: ربنا معاكي يا قلبي.
راوية: تسلمي حبيبتي.
ريماس بملل: البت دي اتأخرت أوي، قومي يا راوية شوفيها.
ضحكت راوية وتوجهت لرؤية تلك الحمقاء.
***
بالأسفل
فهد بصدمة: جبتار وبيغني كمان!
عمر بغضب: كدا يا خالد، ماشي.
خالد: ههههههه مش بقول الحقيقة، صوته جميل أوي يا فهد.
فهد: كمان دا لو الكبير عرف هيطير رقبتي.
سليم بهدوء: بقاله سنين بيعزف جيتار ومعرفش، عادي يعني.
فهد بدهشة: وأنت عارف أنت كمان؟
عمر بلهفة: أيوا عارف.
سليم بخوف: عارف إيه؟ الله يخربيتك، الجيتار بس لكن إن الحيوان دا بيغني معرفش.
عمر: وأنا يعني كنت أجرمت، دانا عشان انتوا حبايبي هسمعكم حاجة بس نخرج من هنا.
خالد: ههههههه أبوس إيدك بلاش حد يعرف جدك، وبدل ما نحضر فرحك نحضر عزاءك.
سليم: وأنت الصادق، عزانا كلنا بعون الله بجريمة التستر على الحيوان ده.
عمر بغضب: في إيه يا جدعان، انتوا قافشني في شقة مفروشة، دا فن.
زفر فهد بغضب قائلاً: أنا هروح أجيب قهوة تروق دمي بدل ما أخلص عليكم انتوا التلاتة.
عمر بخوف: خد راحتك يا كبير.
زمجر الفهد بغضب وتوجه للمكان المنشود.
***
هبطت راوية وريماس للأسفل ليجدوا عمر وخالد وسليم بانتظارهم.
تعجبت راوية من عدم وجود الفهد، فنظراتها تبحث عنه بصورة تلقائية.
لاحظ سليم عدم وجود نادين وريم، فقال بتعجب: أمال فين نادين وريم؟
راوية بغضب: نادين عايزة تشتري المول كله وريم بتحاول ترجع العقل اللي مش موجود فيها من الأساس.
ضحك عمر وقال: هي رايحة مكان مهجور مفهوش لبس، ههههههه.
خالد بابتسامة بسيطة: ارحم بني آدم، هي دماغها كدا، أمال أنا ليه رفضت أطلع معاهم.
سليم: لدرجة دي.
راوية بسخرية: هههههه، أنا من رأيي يا أستاذ سليم إنك تطلع بنفسك وتساعدها.
عمر بخبث: وأنا رأيي من رأي راوية، اطلع ساعدها عشان نخلص بسرعة.
سليم: ماشي يا خويا.
وقف عمر واتجه إليه قائلاً: ماشي، ليه؟ مانا طالع معاك للموزة بتاعتي.
سليم: فهد.
عمر بخوف وهو يختبئ خلفه: فييييين؟
سليم: هههههه، اطلع يا سبع الرجال، عمل فيها عمرو دياب على إيه مش عارف.
عمر بغضب: أديك قولت، عمرك شفت عمرو دياب بسلاح ولا حتى بيضرب حد؟ بيني وبينك، أنا خايف من يوم الفرح دا موت.
نظر له سليم بصدمة ليسرع بالحديث قائلاً: الله يخربيت عقلك، فهمت إيه؟ أنا أقصد بالرقص الصعيدي دا، مش بعرف أرقص بالعصا وعلى المزمار.
سليم بسخرية: ومين سمعك يا خويا، حد يقدر ينافس الفهد فيهم؟
عمر وهو يتابع السير: أنا نفسي أفهم دماغ الفهد دي.
سليم: كان غيرك أشطر.
ثم أكمل عندما لمح ريم: ريم أهي.
وبالفعل اتجهوا لها.
عمر: في إيه يا ريم؟
ريم بتعجب لوجود عمر: عمر.
سليم: إيه اللي مواجهك كده؟
ريم: مفيش، إني بستنى نادين جوه.
سليم باستغراب: بتعمل إيه جوه كل ده؟
ريم: علمي علمك يا خوي.
سليم: طب يا عمر خد نادين وانزل، وأنا هشوفها بتعمل إيه عاد.
عمر: ماشي، يالا يا ريم.
وبالفعل أخذها عمر لأحد المحلات المجاورة لشراء شيئاً ما.
ريم باستغراب: رايح فين يا عمر؟ الطريق مش من هنا.
جذبها عمر من ذراعيها بحب قائلاً: عارف ياقلبي.
ودخلت معه لتجد أجود أنواع الفساتين الخاصة بالسهرات.
نظرت لهم ريم بانبهار.
عمر: ها، عجبك حاجة؟
ريم بتعجب: حاجة إيه؟ أنت جايبني هنا ليه؟
عمر: ممكن تبطلي الكلام الكتير دا وتختاري اللي يعجبك.
ريم بدهشة: الفساتين دي لغير المحجبات.
عمر: أيوا، أنا عارف، مهو مش معقول إنك هتلبسي الحجاب وإنتي معايا.
خجلت ريم ووضعت وجهها أرضاً ليبتسم عمر قائلاً بخبث: طب براحتك، هختار أنا، بس مش مسؤول عن اختياري.
ريم بفزع: لع، هختار أنا.
ضحك عمر بصوته كله قائلاً: كدا تعجبيني.
وبالفعل اختارت ريم فستانين باللون الأبيض والأسود.
فقال عمر: أوك، يالا بقى.
ريم باستغراب: يالا إيه؟
عمر: مش هتقيسي؟ أفرض مش حلو ولا حاجة.
ريم بزعر: لع، هيبقا حلو.
عمر بخبث: يالا بس تعالي.
وجذبها عمر للداخل.
ريم بخجل: خلاص يا عمر، ماعوزاش حاجة.
ضحك عمر ثم جذب شيئاً معلقاً بالجانب وأعطاه لها.
ريم باستغراب: ودا إيه ده؟
قمان.
عمر: هههههه، متخافيش، دي حاجة كدا بتتلبس من بره، يعني زي الجاكيت كدا، تقدري تلبسيها على الفستان، مالكيش حجة بقى.
ريم بخجل: بزيداك عاد، لما نتجوز هلبسه أنا، مستحية ألبسه كده.
عمر: والله أنا زي جوزك وهبص بأدب.
وضعت ريم وجهها أرضاً من الخجل، فابتسم بمكر قائلاً: طب خلاص، في عقوبة ليكي.
ريم بتعجب: . عقوبة إيه دي؟
عمر: هشتري اللي يعجبني.
ريم بغضب: أنت يا إكده يا إكده.
عمر: بالظبط.
وتركها عمر تتفحصه وهو ينقي أشياء جعلتها تجحظ عيناها، ولم تتحمل أكثر من ذلك وهرولت للخارج تحت ضحكاته.
انزعجت ريم عندما رأت نظرات إعجاب من الفتيات التي تعمل بالداخل لها.
***
كان سليم يقف أمام المكان المخصص لتبديل الثياب بانتظار تلك الحمقاء التي جعلت الدماء تتغلغل بعروقه.
ليستمع لصوتها وهي تنادي ريم قائلة: ريم تعالي ساعديني، البتاع دا مش راضي يفتح.
وضع سليم يده على وجهه يتحكم بغضبه من تلك الحمقاء.
لتفور الدماء من وجهه عندما يستمع لصوتها مجدداً.
نادين بصوتا مرتفع سمعه الجميع ونظروا لسليم: هتحيل على سعادتك عشان تقدم مساعدة.
ضحكت الفتيات على سليم لينقاد لتلك الفتاة الحمقاء ويدلف للداخل ليتفاجئ بتلك الحورية التي تتألق بفستان أحمر يجعلها كالفراشة بين زهرات البستان.
نادين بصدمة: أنت.
سليم وقد أعاده صوته لأرض الواقع قائلاً بغضب: أيوا، أنا.
نادين: أنت دخلت هنا إزاي؟
سليم بغضب: دخلت بدل ما حد تاني يدخل لسيادتك ويطردك، ألا أنتي لبساه ده.
نادين بغضب وقد تناست ما ترتديه: يطردوني ليه؟ شايفني بزقل الناس بالطوب ولا بعمل إزعاج لحد؟
اقترب منها قائلاً بصوتاً مكبوتاً بالغضب: صوتك اللي عامل إزعاج.
وأدارها له ثم فتح السحاب وغادر مسرعاً قبل أن يرتكب بتلك الحمقاء أبشع الجرائم.
بعد قليل خرجت نادين وجهها يكسوه حمرة الخجل التي يراها سليم لأول مرة.
فتبسم بهدوء ثم تقدم منها وحمل عنها الأكياس ودفع المال.
ثم هبط للأسفل وهي تتابعه بصمت محفور بالخجل مما ارتكبته تلك الحمقاء.
***
بالأسفل
ريماس بصوتاً منخفض: خالد.
خالد: نعم يا حبيبتي.
ريماس بخجل: أنا جعانة.
انفجرت راوية ضاحكة قائلة: ههههههه، أمال كنا بنعمل إيه فوق؟ هههههههه.
ريماس بغضب: بكرة نشوف يا ختي.
راوية: يا بنتي امسكي نفسك، هتخسري وزنك.
ريماس: شايف أختك يا خالد.
خالد بابتسامة مكبوتة: بس يا بت، الله، حبيبة قلبي تشاور بس على اللي تحبه وأنا عيوني ليه.
راوية: ههههههه، ماشي يا خويا، شوف السنيورة تطلب إيه وأنا زيها بالظبط.
خالد بخوف مصطنع: الواحد عاد يخاف يقعد جنبكم بعد كده.
ريماس: سيبك منها يا حبيبي، أنا عايزة سندوشات كريب وشاورما، ولو في مخلل يبقى تمام.
نظر لها خالد قليلاً ثم ابتلع ريقه بخوف قائلاً: حاضر يا حبيبتي، ثواني وجاي.
انفجرت راوية ضاحكة لتضربها ريماس بغضب ثم انفجرت ضاحكة هي الأخرى.
***
اشترى الفهد بعض المعلبات والشطائر للجميع وتوجه للعودة إلى الطاولة ليصطدم بأحد ما.
التفت الفهد له مردداً الأسف، والتفت حتى يغادر، ولكنه تصنم مكانه عندما لمحها تقف بالجهة الأخرى له.
كأن هذا الرجل فعل ذلك حتى يراها.
وقف الفهد يتطلع لها من بعيد بصدمة ليجدها تعمل بأحد المحلات الموجودة بالمول.
شعر بأن الزمان توقف من حوله وعاد من جديد ليتذكر ماضيه الذي لا يعلمه سواه.
ضغط على يده بقوة افتكت بالقهوة التي يحملها بين يديه.
لتلتفت هي فترآه فتتصنم مكانها من الصدمة.
كانت النظرات هي التي تعبر عن غضبه الجامح، فكم تمنى اقتلاع عنقها كي لا تظهر مجدداً بحياته.
اقتربت منه ووجهها يحمل من الابتسامة والدموع في آن واحد.
مروج بدموع: أزيك يا فهد؟
أم تتلقى أي رد.
لتكمل هي: إيه الصدفة دي؟
فهد بسخرية: حلوة ولا وحشة؟
ابتسمت قليلاً ثم قالت: مش عارفة.
نظر لها قليلاً ثم حمل الأغراض وتوجه للرحيل.
لينصدم مما استمع له وأستدار ليري ماذا هنا.
كليري طفلاً صغير متماسك بيدها قائلاً: أنتي فين يا ماما؟ بنادي عليكي من زمان.
لفت انتباه الفهد نظرات رعب مروج بينه وبين الصغير قائلة بارتباك: معلش يا حبيبي، أنا أهو، تعال يالا ندخل المحل.
جذبته بلهفة للداخل لتقف على صوت الفهد قائلاً: دا ابنك؟
أشارت له بمعني نعم.
فقال بخوفاً ملحوظاً بصوته: عنده قد إيه؟
مروج مسرعة: 5 سنين.
هدأ الفهد وأشار لها بعدم اهتمام ثم استدار مجدداً للعودة.
لينصنم مكانه ويقتلع قلبه عندما يستمع للصغير يقول: ليه قولتي للعمو إني 5 سنين؟ أنا عمري 6 سنين.
التفت الفهد وعيناه كالجحيم.
فحملته مروج بين ذراعيه بخوف والنظرات بينهم.
لتأتي تلك الفتاة لتحررها بدون علم.
راوية باستغراب: فهد.
فهد.
التفت الفهد لها فأستغلت مروج حديثهم وغادرت مسرعة.
راوية: أنت واقف كده ليه؟
لم يجيبها الفهد وظل يتطلع أمامه ليجدها اختفت من أمامه.
فيتأكد الشك لديه ليعتصر يديه من الغضب.
راوية بتعجب: أنت مش بترد عليا ليه؟
فهد بغضب وهو يتحدث بالصعيدي: اسمعي يابنت الناس، إني ما أحبش الطريقة دي واصل، انسي إنك بنادرية، لازمن تتعلمي عوايدنا ومتتدخليش في اللي مالكيش فيه.
لمع الدمع بعينيها لتقول بصوتاً متقطع: هو أنا عملت إيه لكل دا؟ أنا كنت بجيب حاجة من هنا ولقيتك واقف.
أسفة.
لتطفئ.
وتركته ورحلت.
تركته يغلي من الغضب والماضي الأليم الذي لا يعلمه سواه.
فالجميع يظن أن تلك ريناد توأم ريماس هي من حطمت قلب الفهد، ولكنهم لا يعلمون بأنه من جعلهم يعلمون بذلك.
نعم، هي حاولت التقرب منه ولكنه لم يحبها قط.
أما الماضي، مروج عادت مجدداً لحياة الفهد، لتقلب حياته رأساً على عقب.
***
انسدل الليل بظلامه الكحيل ليعلن عن انكسار قلب و نزيف آخر.
صعد الجميع للسيارات للعودة للصعيد قبل الصباح.
فغداً طقس هام بالزفاف كما يطلقون عليه (الحنة).
فعليهم الوصول قبل الصباح.
جلست راوية بجانب الفهد الشارد.
نظرت له بحزن شديد، فلم يكلف نفسه عناءً ليعتذر عما بدر منه، ولكنه كمن لم يصنع شيئاً قط.
لا تعلم أنه بدوامة الماضي ليعود الخنجر لقلبه مجدداً، فلم ترحمه الأيام ولا السنوات وعادت لمحاربته من جديد.
***
وصلوا للصعيد.
وتوجهوا جميعاً لمنزل واهبة القناوي.
فهبطت الفتيات وكذلك راوية التي صفقت الباب بشدة تعبيراً عن غضبها.
ولكن ازداد عندما أسرع فهد بالسيارة واختفى من أمام الجميع تحت نظرات عمر وسليم المندهشة.
وقف عمر وسليم مع هاشم وواهبة القناوي قليلاً، ثم أوضحوا أن هناك أمراً هاماً لذلك عاد الفهد سريعاً، واعتذروا لهم ثم انصرفوا ورآه ليروا ماذا هناك.
***
بمنزل فزاع دهشان.
صعد الفهد مسرعاً دون أن يحادث أحداً ودلف لغرفته سريعاً.
ثم خلع ثيابه وجلس على الفراش بتعب نفسي رهيب.
ظل قليلاً يفكر ويفكر إلى أن جن جنونه.
فرفع هاتفه ليحدث أحداً من رجاله الموجودين بكل مكان بمصر.
الفهد بنظرات غامضة تحمل الجحيم أنواعاً: عايزك في خدمة، لو غلطت فيها رقبتك الثمن.
ارتعب الرجل واستمع له بانصياع كامل، فهو يعلم قوة الفهد وما يستطيع فعله.
***
دلف عمر وسليم وريم.
لتقترب نوال من سليم بلهفة تحت نظرات اهتمام من عمر.
نوال بلهفة: ها يا ولدي طمني.
سليم: روحت يا عمة، مالقتوش.
نوال بصراخ: يا حبيبي يا ولدي، كنت متأكدة أنه ما يعودش البندر من غير علمي.
هنية: أهدي يا عمة، ما تعمليش بروحك كده، إن شاء الله خير.
نوال بغضب: أنتي خسيسة عليكي، إيه؟ ما هو ده اللي نفسك فيه، لكن لا، ولدي بخير وهعرف أوصله كيف.
رباب: هنية متقصدش يا عمة، هي ما قالتش حاجة واصل.
نوال: طيب يا حنينة، خليكي دايماً في صفها.
وتركتهم وتوجهت لغرفتها.
استطاع سليم كبت غضبه لحديثها مع والدته وهنية بهذه الطريقة.
أما عمر فصدم من تأكيد شكوكه، حتى أن سليم لاحظ ما به.
وتوجه خلفه مسرعاً.
***
بالمندرة.
دلف الفهد ليجد الجميع بالداخل، فاليوم حنة أحفاد الدهاشنة.
فزاع بتعجب: انتوا رجعتوا يا ولاد؟
فهد بهدوء: أيوا يا جدي، من ساعة كده، إني كنت رايد أتحدث معاك في موضوع مهم.
فزاع بتعجب: موضوع إيه ده؟
وهدان: مش وقته يا ولدي، بعدين.
بدر: فهد يا ولدي، كنت عايزك تجي معايا مشوار مهم لزوم قعدة بالليل، مفضلش غير كام ساعة.
الفهد بيأس: حاضر يا عمي.
وتوجه معه الفهد بالسيارة للمكان الذي يريد.
***
بغرفة عمر.
عمر بارتباك: قصدك إيه يا سليم؟
سليم: قصدي أنت خبير زين يا واد عمي، إني مش عيل صغير، هتضحك عليا إياك؟ إني خابر زين اللي بتحاول تخبيه، عشان كده إني ما رحتش شقة جاسم إلا بالبندر، لأني عارف ومتأكد إنك عارف مكانه.
عمر بغضب: أيوا يا سليم، عارف، ومش كده وبس، أنا اللي خاطفه.
سليم بصدمة: كيف؟ أنت اتجننت عاد؟
عمر بغضب: سميها زي ما تحب، أنا مش هسكت غير لما أنفذ اللي في دماغي، لازم أخليه عبرة لمن اعتبر.
سليم: طب ممكن تفهمني إيه اللي حصل عشان كل ده؟
نظر له عمر قليلاً ثم قال: أوعدني إن الفهد وجدك ما يعرفوش باللي هقوله.
سليم بقلق: لدرجة دي الموضوع كبير؟
عمر بحزن: أيوا يا سليم، أوعدني.
سليم: عيب عليك يا واد عمي، داني أفديك برجبتي.
أشار له عمر بالجلوس وقص عليه ما فعله هذا الحقير ليجن جنون سليم، حتى أنه أراد معرفة مكانه لقتله بنفسه.
ولكن رفض عمر وأخبره أنه يشك بأن نوال ونوراة لهما دخل بما حدث وهو يريد التأكد بنفسه ويرسم الخطط لإيقاعهم.
وبالفعل بدأت نوال بذلك.
***
كانت حزينة للغاية لتذكرها ما حدث وما أخبرها به.
فتبدلت سعادتها لخوف شديد من القادم.
فهو غامض لها، لا تعلم أهو قاسي أم مشبع بالحنان.
لا تعلم سوى أن قلبها يتألم من ما يفعله هذا الفهد الغامض.
***
ما هو الماضي؟
هل هناك رابط بين الصغير وبين الفهد؟
رواية الدهاشنة الفصل السابع عشر 17 - بقلم اية محمد
ملأت الزغاريد المكان، فاليوم الحناء الخاص بأحفاد الدهاشنة. تألق الفهد بجلباب أبيض جعله كالبدر الساطع، فكان حقًا كالأمراء. وكذلك سليم وعمر كانوا يرتدون نفس اللون الخاص بالدهاشنة، فهم مميزون للغاية.
دعت هنية ورباب أن الله يحمي أبناءهم، بطالتهم التي تخطف الأنفاس. فكانوا كالأمراء، حتى عمر الذي ارتدى الملابس الصعيدية لأول مرة كان جذّابًا للغاية.
أصر فزاع على واهبة القناوي أن تُقام حنة للعروس بقصره مع ريم، وبالفعل تم نصب حفل كبير بخلف المنزل لهما.
كانت راوية كالحورية بفستانها الذهبي المفعم بالحياة، حتى حجابها البسيط جعلها كملكة متوجة على عرش القلوب.
أما نادين، فارتدت فستانًا من اللون الأحمر وحجابًا أبيض، فكانت جميلة حقًا.
وريم ارتدت فستانًا بلون عينيها الخضراء، فكانت كأميرة القصص الخيالية.
أما ريماس، فكانت ترتدي فستانًا بسيطًا من اللون الأزرق، فضفاضًا بعض الشيء لإخفاء جنينها عن الأعين، وارتدت حجابًا بنفس الدرجة، فكانت قمة في الجمال.
***
بالأعلى، كانت نوال تغلي من الغضب وقلبها يتمزق على والدها، لا تعلم أين هو أو ماذا به. كل ما تعلمه أن عليها رسم البسمة المزيفة على وجهها، وتنتظر صباح الغد بفارغ الصبر لتنال ما تريد. لا تعلم بأن المكيدة ستقلب ضدها.
دَلفت نوراه بغضب جامح قائلة بغيظ:
وبعدين يا عمة، هنجعد إكده ونتفرج عليهم؟
نوال بتحذير:
أوعي يا بت تعملي حاجة إكده ولا إكده.
نوراه بغضب:
أني معرفش مالك، بس ليه مخلتنيش أكشف الصور اللي معايا لسليم؟ خليه يكروشه بره.
نوال بخبث:
هيحصل، بس بعد الجواز. مينفعش دلوقتي.
نوراه:
ليه بجا مينفعش دلوقتي؟
نوال بخبث:
يا بت اسمعي بالبندر، الواحدة ممكن تتزوج أكتر من مرة، عوايدهم إكده، وبذات لو كانت بت بنوت. لكن أحنا هنكسرها. الأول لما تتجوز وتتطلق بعد فراقها بكام شهر أو بكام يوم، وإكده يجوم الكبير يضغط على سليم أنه يتزوج عشان محدش يفكر أن فيه حاجة. بسليم وساعتها بس هكلم أبوي وأقنعه بجوزته منكِ، وأنتي أولى بالغريبة.
ابتسمت نوراه على ذكاء العمة الماكر وقالت:
زين يا عمة، هستانا والأمر لله.
نوال بخبث:
زين يابتي، يالا ننزل تحت عشان محدش ياخد باله من حاجة.
وبالفعل هبطوا للأسفل، وانضموا للنساء بنظراتهم الحاقدة للجميع.
***
بالمكان المخصص للرجال، أبدى الجميع مهارته بالرقص بالعصا، وخاصة سليم وعمر. أما خالد، فكان سعيدًا بتلك المبارزة رغم عدم معرفته لها.
أما الفهد، فرفض أن يتنافس مع سليم وفضل الجلوس بصمت، شارد الذهن بتلك الفتاة.
على الجانب الآخر، لم يكن حالها أقل منه، بل أكثر شرودًا به. كيف له أن يكون بتلك الصلابة؟ لا تعلم شيئًا سوى أن قلبها ينزف جرحًا على ما حدث.
كانت الأجواء بين الفتيات أشد حماسًا عندما تميلت نادين وريم، بينما ريماس لم تقو على ذلك واكتفت بمتابعة ما يحدث.
انتهى الحفل وتوجه الشباب للمكان المخصص للعروس لينضموا إليهم قليلاً. سحر كل منهم بحوريته. تقدم الفهد منها بعين تحمل من العشق العتيق أفواه.
جلس سليم بجانب نادين التي تنظر له بسعادة، ليبادلها نفس البسمة، فهو أصبح متيمًا بها.
كانت ريم تنظر لعمر بإعجاب شديد، فهو وسيم بالملابس الصعيدية التي تراها به لأول مرة.
أما ريماس، فكانت تجلس وعيناها تتأمل المكان بخوف شديد، لا تعلم لماذا يطاردها هذا الخوف، ولكن هذا ما تشعر به.
***
فهد وراوية.
نظر لها الفهد كثيرًا، بينما تهربت هي من نظراته.
فهد بصوت منخفض:
آسف.
نظرت له راوية كثيرًا ثم قالت بسخرية:
على إيه؟ الموضوع اتنسي، أنت لسه فاكره؟
وضع عينيه أرضًا ثم رفعها لها قائلاً:
كنت متعصب أوي يا راوية، غصب عني، صدقيني.
راوية باستغراب:
ليه؟
فهد:
هقولك، بس بكرة بإذن الله. النهارده مش للكلام.
نظرت له بعدم فهم، ليجذبها أمام الجميع ويرقص معها على المزمار، وباليد الأخرى التقط العصا وأخذ يتميل معها على الموسيقى تحت نظرات اندهاش وحقد الجميع. فالمجلس يحوي النساء فقط، وبالقرب منه مجلس صغير لعائلة الدهاشنة: كوهدان وواهبة وبدر وهاشم.
كانت الفتيات تتابع فهد بإعجاب شديد، فهو من تجرأ على فعل ذلك وخالف العادات والتقاليد.
تقدم سليم منه وتميل معه هو الآخر، وكذلك عمر الذي جذب خالد، فتلك الفرصة ذهبية لاشتراك الفهد بالرقص معهم.
كانت العرائس تتابعهم والبسمة على وجههم، وجميعهم يقفون وأيديهم تشجع بصمت.
فجذبت هنية راوية ونادين وريم ورقصت معهم بسعادة.
تحت نظرات كل عاشق لمحبوبته.
انتهى الحفل بسعادة للجميع، وكذلك راوية التي أبى معشوقها إدخال الحزن لقلبها، وقرر كشف السر الماضي بتذكرة حياته لحوريته البيضاء. فهل ستقبل الحقيقة؟
***
دَلفت العرائس لقصر الكبير بعد أن رفض عودتهم للمنزل دون تناول الطعام والجلوس معهم قليلاً. فأنصاع واهبة القناوي وهاشم لذلك.
تناول الجميع الطعام بسعادة، إلا نوال التي كادت نظراتها أن تفتك بريم وراوية. ولكن تجاهلتها الفتيات.
انتهت السهرة وركبت كل عروس بجانب معشوقها لتكون ملكًا له بعد ساعات معدودة.
ساعد سليم نادين بالهبوط، لتنظر له باستغراب، ليقول بتعجب:
أنتي زينة؟
نادين:
لا.
سليم بلهفة:
لأ، ليه؟ حاسة بأيه؟
نادين:
أنا اللي المفروض أسألك السؤال ده. أنت بتعاملني حلو أوي، أنت كويس؟
ضحك سليم بصوته كله ليكون بأوسم ما يكون.
فقالت بغضب جامح:
أنت بتضحك على إيه؟
سليم:
عليكِ والله ما أنا خابر أعمل إيه عشان أعجبك عاد.
نادين بخجل:
أنت عاجبني من غير حاجة.
سليم بغضب:
طب يالا ادخلي، لحسن أغير رأيي وأتزوجك دلوقتي.
ضحكت نادين وحملت فستانها، ثم توجهت للداخل تحت نظراته المملوءة بالعاشق الصادق.
***
بسيارة الفهد.
فتحت السيارة وتوجهت للهبوط، لتجد يده الأسرع إليها.
نظرت له قليلاً، فابتسم قائلاً:
مستعجلة للنزول؟
راوية بسخرية:
امال هفضل هنا لبكرة؟
ضحك الفهد قائلاً:
ممكن على فكرة، أنتي مراتي يا راوية، من حقك أي حاجة.
تاهت راوية بسحر عينيه، ولكن مازالت منزعجة مما ارتكبه. فتوجهت للهبوط، ليجذبها بالقوة للداخل، ثم أغلق الباب وتحرك مسرعًا، لتصرخ به قائلة بتعجب:
أنت رايح فين؟
فهد بهدوء:
مكان هادئ نتكلم بيه.
راوية باستغراب:
دلوقتي وبلبسي دا؟ أنت مجنون صح؟
نظر لها الفهد نظرة غامضة ما بين الغضب والهدوء.
السكينة والأمان.
القسوة والعشق.
بعد عدة ساعات، وصل الفهد لأحد المطاعم. ثم هبط وهي معه، وتوجهوا للداخل.
***
بسيارة خالد.
كانت ريماس تضحك بشدة، حتى خالد لم يعد يعلم هل جننت أم أن هذه أعراض للحمل.
خالد:
مالك يا حبيبتي؟ انتي كويسة؟
ريماس:
ههههههه والله أنا لحد الآن كويسة أوي، ههههههه، لكن بعد شوية الله أعلم، هههههههه.
خالد بتعجب:
ريماس، انتي كويسة؟
ريماس:
لا، هههه، في عروسة بتروح مع عريسها وكمان إيه؟ هههه، حامل، بزمتك الموضوع ميضحكش؟
نظر لها خالد قليلاً، ثم انفجر ضاحكًا هو الآخر.
***
بالمطعم.
لم يعلم ما الذي عليه إخبارها، حتى الكلمات تخلت عنه.
فهد بهدوء، على عكس بركان الغضب بداخله:
لما كنا بمصر، شوفتها.
راوية باستغراب:
هي مين؟
زفر الفهد بحنق قائلاً:
مروج.
راوية بتعجب:
مين مروج دي؟
نظر لها قليلاً ثم قال:
دي الإنسانة اللي حبتها بكل صدق، وهي بتطعني بضهري من غير ما أحس.
تحولت نظراتها لصدمة، ولكنها تماسكت قائلة:
أنت حبيت كام مرة؟
ابتسم بألم قائلاً:
هو اللي ينكسر مرة، يحاول يكسر نفسه تاني.
راوية بعدم فهم:
أنت تقصد إيه؟
فهد:
أخت ريماس، مشفتهاش غير مرتين بس، فعلاً حاولت توقعني، لكن مقدرتش، ولا حبتها من الأساس.
راوية بصدمة:
امال إيه الكلام اللي سليم قاله ده؟ كان بيكذب؟
فهد بصوت مرتفع بعض الشيء:
سليم كان بيقول اللي الكل يعرفه، محدش يعرف حاجة عن الماضي غيري أنا وأنتي، ثم صمت قليلاً وأكمل بحزن: وأخويا الله يرحمه.
راوية بدموع:
أنا مش فاهمة حاجة، أنت عايز ترجع لها تاني؟
نظر لها قليلاً ثم صمت، يتذكر ما ارتكبته تلك الحمقاء، ولكنها لم تتحمل هذا الهدوء الغامض وقامت مسرعة من أمامه حتى لا يرى دموع ضعفها.
أتبعها الفهد ثم جذبها، وهي تقف لتصعد إلى الباص.
ليصرخ قائلاً بغضب:
أنتي اتجننتي؟ عايزة تركبي تاكسي في نص الليل؟ وبعدين إزاي تمشي بالطريقة دي؟
راوية والدمع يحلفها:
حضرتك تحب أمشي بأي طريقة؟
ولا أقعد أسمع لقصة عشقك اللي رجعت لقلبك من جديد؟
فهد بغضب:
اتكلمي معايا كويس، أفضل ليكي.
راوية بغضب جامح:
اتكلم معاك إزاي وأنت بتسترجع ذكريات حبك من جديد؟ أنت اتجوزتني ليه؟
فهد:
ممكن توطي صوتك؟
راوية بصراخ:
سبني في حالي لو سمحت.
وتركته راوية وتوجهت للطريق، لتجد يده الأسرع إليها ليجذبها بالقوة إلى السيارة تحت مقاومتها.
كان يسوق بسرعة كبيرة، فضرب على عنادها، وهي تتمزق من الداخل عما استمعت إليه. لم تتحمل أن تستمع لأكثر من ذلك، ولكنه أبى أن يتركها دون أن يحطم ما تبقى بقلب ذاق الجرح أوجاعًا.
وصل الفهد لمنزل واهبة القناوي في زمن قياسي من سرعته المفرطة.
ثم توقف بحركة سريعة تدل على الغضب بداخله، فصدمت راوية بالنافذة.
وضعت يدها على رأسها حتى تتحمل الألم الناتج من أثر الاصطدام.
ليقترب منها الفهد بخوف:
أنتي كويسة؟
دفشته راوية قائلة بغضب:
مش هتفرق كتير إذا كنت كويسة ولا لا، الجرح النفسي أصعب من الجسدي بكتير.
صمتت قليلاً ثم كفكفت دموعها قائلة بألم:
بشكرك على الوقت اللي اخترته عشان تكسرني فيه.
وقبل أن يتحدث، كانت قد اختفت من أمامه.
تطلع فهد لظلها الذي يختفي تدريجياً من أمامه.
ثم توجه مسرعًا للمكان المنعزل عن الجميع.
ليغوص بدوامة الماضي التي رفضت معشوقته الاستماع إليه، وتركته يعاني بمفرده.
***
مكائد وخطط تدبرها نوراه لأيقاع نادين. كيف ذلك؟
من الذي سينال مراده؟ نوال أم عمر؟ وكيف سيحدث ذلك؟
ما هو السر الخفي وراء مروج والفهد؟
هل ستصمد العلاقات أمام المجهود؟
ماذا سيحدث عندما توضع الخطط لأسقاط الحصون الثلاث؟ هل سينجح الجياد؟
ما مصير القلب المحطم (راوية) من المجهول؟
رواية الدهاشنة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اية محمد
مرء الليل الكحيل بأوجاع الفهد المجروح، وكذلك النصف الآخر له راوية.
يسطر بداية العشق وأوجاع لآخر.
بينما سطع النهار بأشعته الذهبية ليسعد البعض باقتراب اللقاء، ويحزن البعض الآخر التي فقدت الفرحة كريم وراوية.
بمنزل واهبة القناوي، وبالأخص بالغرفة الخاصة براوية ونادين.
كانت نادين تقف أمام المرآة بسعادة حقيقية، تعجبت منها راوية وحزنت على حالها، فمن المتوقع لها أن تكون بنفس سعادتها، ولكن لم يرد لها الفهد.
ذلك كما تتوقع هي.
اقتربت نادين من الفراش قائلة بتعجب:
"أنتي هتفضلي كده كتير يا بنتي، قومي زمان البنات على وصول."
راوية بنفاذ صبر:
"عايزة إيه يا نادين؟"
نادين بذهول:
"عايزة إيه؟!! الفرح النهارده وتقولي عايزة إيه؟"
راوية بغضب:
"أعمل إيه يعني؟ ممكن تسيبني لوحدي."
نادين بخوف:
"مالك يا راوية؟ أنتي كويسة؟"
راوية بهدوء:
"مفيش يا نادين، أنا كويسة."
دلت الخادمة لتخبرهم بأن الفتيات المتخصصة بتزين العروس بالأسفل.
طلبت منها راوية أن ينتظروا قليلاً حتى تستعد، فهبطت الخادمة لتخبرهم بذلك.
بمنزل الكبير فزاع الدهشان.
كان العمل على قدم وساق، فاليوم هو يوم منشود للجميع، زفاف أحفاد الدهاشنة وكبيرهم المستقبلي الفهد.
أشرف وهدان على الذبائح وعلى أن يصل اللحم للجميع بمنزلهم بأمر من الكبير.
كما قام بدر بالإشراف على العمال المخصصين لعمل زفاف يليق بالحصون الثلاث.
بغرفة الفهد.
كان يجلس بصمت، لا يعلم ما عليه فعله، هل سيخوض تلك المعركة أم يتفاداها بالزواج من تلك المرأة؟
لا يعلم ما الذي عليه فعله.
كل ما يعرفه أنه من المحال أن يحطم قلب معشوقته.
كان سليم يتجادل مع عمر الذي يرفض لبس الملابس الصعيدية مجدداً.
عمر بغضب:
"أنا مش هلبس اللبس ده تاني، مش حلو عليا."
سليم بهدوء:
"كيف يا واد عمي؟ مهينفعش الحديث ده واصل."
عمر:
"هو إيه اللي مينفعش؟ مش حلو عليا ذيكم إنتو؟ أهدين عليه، كان شكلي إمبارح مسخرة."
سليم:
"وهيبقى مسخرتين لو الكبير عرف بلا ناوي تعمله."
دلف وهدان وبدر الغرفة ليجدوا الفهد يجلس على المقعد بصمت، وعمر وسليم يتجادلان بصوتاً مرتفع.
وهدان:
"في إيه يا ولدي؟"
سليم:
"الحمد لله إنك جيت يا عمي، الأستاذ معجبهوش لبسنا ومعوزش يلبسه."
وهدان يتعجب:
"كيف يا عمر يا ولدي؟ دي تقاليدنا ولازم نمشوا عليها."
عمر:
"يا عمي أنا مش عجباني طريقة اللبس."
بدر برجاء:
"إسمع الكلام يا ولدي الله يرضي عنيك، بدل ما الكبير يغضب عليك وعلينا."
عمر:
"يا نااااس أفهموا، أنا جنتل."
سليم بخوف:
"عمر!"
عمر بلا مبالاة:
"لبسي غير لبسكم، وإمبارح رضيتكم ولبست اللبس اللي كان مخليني زي الرجل اللي عنده ميت ألف سنة."
سليم بخووووف:
"عمر!"
عمر بلا مبالاة:
"واستحالة ألبسه تاني واااااااصر."
فزاع:
"عمر!"
هنا انقبض قلب عمر وتقدم من سليم ووقف بجانبه، ثم استدار ليقابل غضب الكبير.
فزاع بحزم:
"أيه الكلام الماسخ ده؟"
عمر وهو يتصنع عدم الفهم:
"كلام إيه يا جدي؟ لا سمح الله."
نظر له الكبير نظرة جعلته يقول بارتباك:
"اااه حضرتك تقصد كلام سليم."
سليم باستغراب:
"إيه!!"
عمر برجاء:
"أسكت أنت الله يكرمك."
ثم وجه حديثه للكبير قائلاً:
"اه يا جدي، دا الواد سليم كان عايز يغير في استايل الخلاجات الصعيدي، روحت أنا بقى قولته لأ، ميصحش واصل. ليه بقى؟ لأننا أحفاد فزاع الدهشان بنفسه، فلازم نكون شرف للصعيد كله."
نظر الجميع له بدهشة، وخاصة وهدان وبدر. أما سليم فكان يغلي من الغضب ويود الفتك بهذا الأحمق.
فزاع بجدية:
"بكفياك حديد وهم، على أوضتك غير خلجاتك دي، ومتحاولش تتمسخر عليا تاني، سامع؟"
عمر بحزن:
"يعني مفيش أمل؟"
فزاع:
"على أوضتك، بدل ما أخليك تعود البندر."
عمر:
"والجواز؟"
فزاع:
"مفيش جواز."
عمر بهلع:
"لااااا! هروح ألبس البتاع دي وجاي حالا، سلاموز."
وهرب عمر على الفور.
أما الكبير فتوجه للفهد الصامت.
بدر لوهدان:
"واد الدهشان بصحيح، شوفت يا خوي كيف لف الحوار على الكبير؟"
وهدان:
"ههههههه التلاتة دول هيعملوا المستحيل يا خوي، تعال ننزل نتابع العمال أحسن."
بدر:
"على قولك، يالا."
وبالفعل هبط وهدان وبدر وتوجه سليم للثائر من عمر.
تبقى الفهد الشارد، اقترب منه الكبير بتعجب، وتقدم ليقف أمام عين الفهد الكاشف له.
تطلع الفهد أمامه ليجد الكبير، فوقف على الفور احتراماً له.
فهد:
"جدي، أنت إيه هنا من امتى؟"
فزاع بغموض:
"مالك يا فهد؟ فين فرحتك اللي كانت بتلمع بعينك؟ ليه شايف حزن وجلم؟"
وضع عيناه أرضاً، ثم رفعها مجدداً قائلاً:
"تعبان جوي يا جدي."
فزاع بلهفة:
"فيك إيه يا ولدي؟"
أيكاد الفهد أن يخبره، ولكنه انسحب من تلك الحرب التي ستخوضه لنهاية طريقها مقطوع، فصمت قليلاً ثم قال:
"مفيش يا جدي، حزين لأني لوحدي، كان نفسي أخوي يكون معايا في يوم زي ده."
فزاع بحزن:
"بزيداك يا ولدي من المواجع، النهارده فرحك. رايد أشوف الفرحة بعينك كيف ما شوفتها بدخول راوية حياتك وجلبت."
تطلع له الفهد بابتسامة خبث قائلاً:
"أنت مركز معايا بجاد؟"
فزاع قائلاً:
"أمال مش الكبير يا واد، أنت."
فهد:
"وأحنا نقدر نجول غير أكده؟"
أحتضنه فزاع بحنان قائلاً:
"ربنا يبارك فيك يا ولدي ويريح جلبك."
أغمض الفهد عيناه بحزن عند نطق فزاع لقلبه المولع بشرارة الجحيم، لا يعلم كيف السبيل لإطفائها.
مر اليوم وأتى الليل لترتفع الموسيقى وأصوات المزمار والطبول على الألحان الصعيدية المخصصة لتلك المناسبات، وبالأخص زفاف أحفاد الدهاشنة.
ارتدى سليم جلباب أسود والعمامة البيضاء التي تجعله ذو هيبة وتزيده وسامة.
كذلك عمر ارتدى جلباب كحلي اللون واكتفى بوضع الوشاح على كتفيه، مصففاً شعره الأسود الكثيف، فكان وسيم للغاية.
أما الفهد فتألق بجلباب من اللون الرمادي وعمامته البيضاء، فاستحق لقب كبير الدهاشنه المستقبلي ولي العهد لكل تلك الأملاك والمتحكم بها من بعد الكبير فزاع دهشان، ليس لأنه الأكبر وسط الشباب، ولكن برجاحة عقله وشجاعته المعهودة بين الجميع.
جلسوا جميعاً يتبادلون التهاني والمباركات.
أما بمنزل واهبة القناوي.
فكانت راوية ونادين بفستان الزفاف كفراشات بيضاء تتنقل بين طغيات الزهور.
لكل منهم جمالها الخاص تحتفظ به لمعشوقها.
دلف خالد وهو يرتدي جلباب أسود ووشاحاً على كتفيه، مصففاً شعره والعطر المفضل لديه.
فكان كالأمير.
نظر لهم ثم أطلق صفارة قوية قائلاً:
"تفتكروا أنا ممكن أغير رأيي وأتجوز واحدة منكم وخلاص؟"
نادين:
"اه يا واد يا خالود، مستعد أتجوزك بس تتبرأ من ماكس الله يكرمك."
ضحك خالد بصوتاً رجولياً جذاب قائلاً:
"سبك من ماكس وقوليلي رأيك، بلا أنا لبسه دا؟"
نادين بإعجاب:
"الله عليك، دا أنت ولا الصعيدي بجد، بس جالك الإلهام منين؟"
خالد بضيق:
"ولا إلهام ولا ذفت، دا جدك يا ختي اللي صمم إني ألبس كدا."
نادين:
"ههههههه والله وجيه اليوم اللي حد يخلص حقنا منك."
خالد بغضب:
"بتقولي إيه يابت؟"
نادين بخوف مصطنع:
"لا مش بقول."
خالد:
"بحسب."
ثم تطلع لراوية التي تقف شاردة للغاية، حتى أنها لم تشعر بوجود خالد.
أقترب منها خالد بخوف قائلاً بلهفة:
"راوية، أنتي كويسة؟"
راوية بوعي:
"ها، الحمد لله يا خالد."
جلس بجانبها قائلاً بشك:
"متأكدة؟"
رفعت عيناها التي تلمع بالدمع له، ليقرأ ما بعينيها من أوجاع وألم.
وقف خالد وتوجه لنادين قائلاً:
"روحي ساعدي ريماس، بقالها ساعتين بتلبس وأتاخرنا عالناس."
نادين بغضب:
"طيب يا خويا، مهي لازم تتأخر، هتلبس فستان إزاي بالبطيخة اللي قدامها دي."
وتوجهت نادين لها وهي تزمجر بالكلمات المسموعة:
"أساعدها إزاي وأنا عايزة اللي يساعدني بالفستان ده."
أبعد خروج نادين، جلس خالد بجانبها قائلاً بلهفة:
"مالك يا راوية؟"
راوية بدموع:
"مفيش يا خالد."
خالد بغضب:
"مفيش إيه؟ أنا مش عارفك يعني يا بنتي، لو في حاجة عارفيني، أنا أقدر أساعدك، حتى لو هوقف الجوازة دي، محدش عنده لينا حاجة."
راوية مسرعة:
"لااا يا خالد، صدقيني مفيش حاجة، أنا بس زعلانه عشان هبعد عنك أنت وبابا وأنا مش واخده على كدا."
خالد بارتياح:
"هي دي المشكلة."
أشارت له برأسها، ليرفع وجهها ويزيح عنها الدموع قائلاً بحنان:
"يا حبيبتي، إحنا معاك ومش هنسيبك، وبعدين يا ستي هندوشك ليل نهار، النت والكاميرا معدوش مخلين لا بعيد ولا قريب. وأنا هزورك أنا وريماس إن شاء الله من وقت للتاني، وإنتي هتجيلنا أسبوع كل شهرين، وفهد عارف كده، يعني مش هنبعد ولا حاجة."
أشارت له برأسها، ليحتضنها بحنان مهدئاً إياها.
دلف هاشم هو الآخر ليسلم العروس بنفسه للكبير.
بمنزل الكبير.
كانت السعادة حليفة الجميع، حتى الرجال يمارسون الرقص بالعصا باحتراف.
وزادت الصيحات عندما انضم لهم الفهد وسليم وعمر، فكانوا ملفتين للأنظار، وخاصة الفهد.
كانت الفتيات بالأعلى تتابعهم بإعجاب شديد من خلف النوافذ، فكانت العين تبحث عن معشوقها وتتمعن النظر به.
خاصة راوية التي تبتسم على جمال الفهد المخصص لها، فكان هو الأوسم بينهم.
أما نادين فكانت حزينة لعدم اشتراكها بالرقص معهم، ولسبب آخر خفي، وهو أنها حاولت أن تجعل والدتها تحضر الزفاف، ولكنها رفضت ذلك.
أما ريم التي تألقت بفستانها الأبيض وحجابها الذي جعلها كالملكة، كانت تنظر له بحزن شديد، فهو فعل لأجلها الكثير في وقت فقدت به الثقة والأمان.
لا تعلم ما يريد فعله والخطط التي يخطط لها للإيقاع به.
كل ما تعرفه أنها فقدت فرحتها كأي فتاة لا تعلم ما يخيبها لها المجهول؟
أما ريماس فكانت تتابع محبوبيها بصمت، تنظر له تارة وتضع يدها على جنينها تارة أخرى، تدعو الله بصمتاً رهيب أن يحميه لها وأن يرزقها بطفل يحمل ملامحه الجذابة.
أما بالأسفل، فكان عمر سعيداً للغاية، حتى أنه جذب خالد وأخذ يتراقص بطريقة مختلفة عنهم، طريقة البندر، وعاونه على ذلك خالد، فهو يعشق هذا النوع من الرقص.
كان الكبير ينظر لهم بسعادة، وكذلك هاشم وواهبة القناوي، فأخيراً صارت عائلة القناوي والدهاشنه على عهد وثيق.
انتهى العرس وتوجه كل منهم ليرى عروسه المتخفية وراء سترة عازلة شفافة تحجب الرؤيا عنه.
هل العشق كفيل بإزالتها؟
بغرفة نادين، سليم.
دلف سليم ليجدها تقف عن الفراش وتزفر بضيق من تلك القماشة الموضوعة على وجهها، حتى أنها حاولت إزالتها، ولكن أخبرتها رباب بأنها من طقوس الزواج لديهم.
ابتسم سليم بخبث عليها، ثم أزاحها عنها ليتصنم مكانه من الصدمة، فتلك المشاكسة تمتلك جمالاً ساحراً يأسر القلوب.
نادين بغضب:
"أنت لسه فاكر؟ دانا كنت هتخنق منه."
نظر لها سليم بإعجاب ثم قال:
"زعلانة إني اتأخرت عليكي؟"
نادين مسرعة:
"لا طبعاً يا خويا، خد راحتك، أنا مضايقة من الطرحة مش أكتر."
زفر بحنق ثم جلس على الفراش، واضعاً قدماً فوق الأخرى بتعالٍ قائلاً:
"بصي يابت الناس، فيه قواعد وقوانين لازم تعرفيها زين عشان نعرف نعيش مع بعض."
نادين بغضب:
"قواعد إيه؟ احنا هنأسس دولة؟"
كبت ضحكاته قائلاً بحزم:
"إني عندي قوانين ولازم تنفذيها، وإلا هتدوخي العذاب على إيدي."
نادين بخوف:
"ليه بس؟ دانا عسل وطيبة وكيوته أوي والله."
ابتسم سليم ثم خلع عمامته قائلاً بمكر:
"عسل ماشي، لكن طيبة وكيوته معتقدش."
نادين بغضب:
"ليه بقى إن شاء الله؟"
اقترب منها سليم للغاية، فتاهت بعيناه قائلاً بهمس:
"القانون الأول، حسك يعلاش عليا واصل، فاهمة؟"
اكتفت نادين بالإشارة فقط، ولكن بداخلها تتوعد له بالكثير.
لتكف عن الحديث وتصبح زوجته أمام الله.
بغرفة خالد وريماس.
لم تكف ريماس عن الضحك، حتى خالد ظل صامداً، ثم انهار من الضحك عليها.
ريماس:
"هههه، شكلي كان مسخرة بالفستان وأنا بطني قدامي كده، ضحكت الناس عليا."
خالد بجدية:
"مين ده اللي يقدر يضحك على حبيبة قلبي وأنا أمحيه من على الوجود؟"
ابتسمت بعشق وقالت:
"أنا محظوظة بيك أوي يا خالد، خليتني أعيش اليوم اللي بتتمناه أي بنت مرتين، بحمد ربنا إنك بحياتي وسندي."
أقترب خالد منها قائلاً بحب:
"أنا اللي ربنا بيحبني عشان هداني جوهرة زيك يا ريماس."
ثم قبل يدها بحنان قائلاً:
"ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي ويديمك بحياتي نعمة أقدر أحافظ عليكي لآخر عمري."
بكت لحديثه وأرتمت بين ذراعيه، ليكون الحصن لها لنهاية ما تبقى من حياتها.
لا تعلم بالعاصفة التي يعدها جياد سويلم لهم.
هل سيصمد الحصن القوي لها أمام المجهول؟
بغرفة ريم وعمر.
لم تتوقف عيناها عن ذرف الدموع ليومها الأول معه، ولكن ليس لديها فرحة البقاء.
حتى ذكريات الماضي تعرض أمامها من جديد، فتشعر بأوجاعها السابقة تطردها من جديد.
حتى أنها احتضنت نفسها خوفاً من تكرار الماضي مجدداً.
دلف عمر لينصدم مما يراه، فيركض مسرعاً إليها بلهفة مشهودة بأعماقه قائلاً بخوف:
"مالك يا ريم؟ في إيه؟"
رفعت ريم عيناها المذعورة له، ثم دفشت ذراعيه بعيداً عنها برعب حقيقي قائلة برعب:
"بعد عني، متقربليش!"
تطلع لها عمر بدهشة، ولكنها محت تدريجياً عندما علم بحكم مهنته ما بها، لرؤيته حالات مشابهة له كثيرة، ولكنه كان الحامي لحقوقهم وقاتل لاسترجاع كرامتهم.
فماذا لو كانت محبوبته؟
شعر بخنجر قوي مزروع بصدره وهو يرى خوفها منه عندما انغلق عليهم الأبواب، ولكن زاده ذلك قوة وشعلة الانتقام أصبحت أضعاف مضاعفة.
حاول تهدئتها، ولكنها لم تستمع له، حتى أنها كادت الصراخ.
عمر وهو يشير لها بيده لتهدأ:
"خلاص يا ريم، أنا هخرج، بس اهدئي عشان خاطري يا حبيبتي، افهمي أنا لا يمكن أؤذيكي، صدقيني أنا متفاهم اللي أنتي فيه ومش زعلان. أوعدك إني هعرف أؤذي أرجع حقك بطريقة تخليكي تنسي اللي حصل وللأبد."
بدأت ريم تهدأ قليلاً، ثم نظرت له ببعض من الخوف، ولكن عمر لم يتحمل ذلك، فحمل الوسادة والغطاء وخرج من الغرفة، فالجناح المخصص لكل منهم كبير للغاية.
بغرفة الفهد وراوية.
كانت تجلس على الفراش بصمت، تفكر بالفهد الغامض، لا تعلم ما الذي يريده عندما فاتحها بحبه الأول.
كل ما تعلمه أن قلبها موجوع حقاً ولم تجد له دواء، عسى كلمة منه أن تمحي ما بها.
أما هو فكان يجلس بالخارج بعد أن بدل ثيابه إلى بنطلوب أسود وتيشرت رمادي ضيق يبرز جمال عينيه.
كان شارداً هو الآخر بما فعله بالأمس، وبالنهاية حسم قراره ودلف للغرفة ليجدها تجلس على الفراش بهدوء، متخفية خلف ستارا أبيض يحجب عنه رؤية دموعها المنسدلة بصمتاً رهيب.
أقترب منها الفهد ثم جذبها لتقف أمامه وأزاح عنها الستار ليجد عيناها أرضاً، لا تقوى النظر إليه حتى لا يرى ضعفها وتحطم قلبه.
رفع وجهها بيده حتى ترفع عيناها، ولكنها ما زالت أرضاً.
فهد:
"ممكن تبصيلي؟"
رفعت عيناها له لتجد عين تلمع بدمع صادق، يحمل من الحب والعشق تارات، وتشكل سطور لراويات خيالية، وهي البطلة الملكة لها.
ابتسم الفهد قائلاً:
"أجمل حاجة بحسها بجد لما بشوف عيونك، بحس بإحساس غريب صعب أوصفه."
صمت قليلاً ثم جذبها للمقعد وجذب الآخر ليكون أمامها مباشرة، تحت نظرات استغراب منها.
جذب يديها بين يديه قائلاً بصدق:
"أنتي حالة غريبة أوي يا راوية، قدرتي تغيري جوايا حاجات كتيرة محدش قدر يغيرها."
نظرت له بعين تحمل آلاف من الأسئلة، ليبتسم قائلاً:
"ولا هي قدرت، أنا كنت فاكر إن اللي بينا حب، لكن للأسف، لو كنت بحبها مكنتيش قدرتي تخليني أعشقك."
طلبت الصدق برجاء، لتلتمسه بعينيه، فتذرف الدمع براحة وسعادة.
انحنى الفهد على قدميه ليزيح دموعها بحنان.
انحنى الفهد القاسي، كبير الدهاشنه، ينحني على قدميه ليزيح دموع معشوقته، ليثبت لها أنها ملكة هذا القلب المتعجرف.
فهد:
"دموعك بتقتلني يا راوية، صدقيني أنا لما محبتش ولا هحب حد زيك، لأن مشافش غيرك من الأساس. أنتي من أول لقاء سكنتي قلبي، حتى لو مكنتيش وافقتي على الجواز، كنت خطفتك، ولا يحصل يحصل، حتى لو هتطلع في الجرايد اليومية بعنوان روميو يخطف جولييت."
ضحكت راوية من وسط بكائها وهبطت لمستواه قائلة بدمع ممزوج بالفرحة:
"طب وتخطف جولييت ليه وهي موافقة تروح معاك أي مكان؟"
نظر لها بأعين تعلن لها العشق، فخجلت من نظراته ووضعت عيناها أرضاً، ليرفع وجهها قائلاً:
"مش عايز أي حاجة تفرق بينا يا راوية، أوعي في يوم تسمحي لحد يضعف الرابط اللي بينا."
"أوعديني إنك هتحافظي على اللي بينا حتى لو فيه صعوبات."
لمحت بعينيه الغموض، ولكن بعد حديثه الصادق، التمست العشق به، فقالت بصوتاً منخفض:
"أوعدك."
ابتسم لها وقال بخبث:
"طب إيه؟ مش هنصلي؟"
ابتسمت بخجل وقامت واتجهت للمرحاض، ثم أبدلت ثيابها لأسدال من اللون الأبيض وارتدت حجابها الملازم له.
رآها الفهد، فابتسم بحب لطالتها الجذابة حتى بالملابس البسيطة.
وصلى بها أمام ثم قال دعاء الزواج.
رفع يده من على رأسها ثم أزاح عنها حجابها لينسدل شعرها البني الغزير، ليسحر بجمالها ويدعو الله بصمت أن يحافظها له.
ثم توجه معها لعالم مملوء بعشق الفهد الخاص، عالم مميز مملوء بالحب ومسطر بالعشق.
ولكن هل سيصمد عالم الفهد أمام المجهول؟
رواية الدهاشنة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اية محمد
استيقظت نادين وهي تفرد ذراعيها في الهواء بطفولية، ثم فتحت عينيها ببطء حتى تعتاد على إضاءة الغرفة.
ثم فتحت عينيها على مصرعيها عندما وجدته بجانبها.
صرخت بقوة، ليفزع سليم قائلاً:
_ في إيه؟
نادين بصدمة:
_ أنت بتعمل إيه هنا؟
سليم بغضب:
_ نعم يا أختي، أعمل إيه يعني؟
نادين بتذكر:
_ يا نهارك أسود، ده أنا هبلغ عنك وهوديك في داهية، بتتجرجر بيا.
نظر لها سليم قليلاً، لتكمل ثائرة بتأثر:
_ أذي تعمل كدا؟ أذي؟
زفر سليم بغضب قائلاً بصوتاً منخفض:
_ أني عارف إني وجعتي سودا من أولها.
نادين:
_ ما ترد عليا يا بني آدم أنت، أنا اللي غلطانة إني بتكلم معاك. أنا لازم أنزل لجدي وأحكيله اللي عملته.
جذبت نادين العباءة، ثم ارتدت الحجاب تحت نظرات صدمة سليم.
واتجهت للباب لتجد يده الأسرع إليها.
سليم بدهشة:
_ راحة فين يا مخبول إنتي؟ اتجننتي إيه؟
نادين بغضب:
_ بقيت مجنونة عشان هقول حقيقتك للكبير.
وضع يده على رأسه قائلاً بتعب شديد:
_ يا مصيبتي يا سليم، وجعت في واحدة متبولة رسمي.
اقتربت منه بغضب جامح قائلة:
_ متتكلم كويس عشان أعرف أفهمك، ثم إن مفيش عندك أخلاق واقف قدامي من غير التيشرت وعادي.
دفع سليم عيناه المملوءة بالغضب من تلك الحمقاء، ثم اقترب منها ببطء شديد جعل الرعب يدب بأواصرها.
فتراجعت للخلف بزعر شديد قائلة بصوت منخفض:
_ أنت هتتحول ولا إيه؟ صدقني أنا كنت بهزر معاك مش أكتر.
التصقت بالحائط وهو يتقدم منها، فلم يعد هناك ملجأ للهروب.
الأسد أمامها ونظراته كفيلة بتشيع جثمانها.
نادين بخوف:
_ أنت كويس يا حبيبي؟ طب أجبلك دكتور؟
ثم قالت بصوتاً منخفض مسموع:
_ دكتور إيه بس، ده عايز مجمع أطباء.
أحاطها بذراعيه قائلاً بغضب:
_ عارفة لو صوتك الحلو دا طلع تاني، هعمل فيكي إيه؟
لم يجد الرد، ليصرخ قائلاً:
_ هقصرهولك وتشاوري زي الخرسا، فهمتي يا حلوة؟
وضعت يدها على فمها بخوف واكتفت بالإشارة فقط.
ابتسم بانتصار قائلاً:
_ كدا نقدر نتعايش مع بعض، يالا ادخلي غيري خلجاتك عشان أمي زمنها طالعة.
وقبل أن ينهي حديثه، كانت قد اختفت من أمامه على الفور.
بغرفة الفهد.
أفاق على صوت الهاتف، لتتحول نظراته لكتلة من جمر.
فأخذ يتأمل معشوقته الغافلة على ذراعيه بأمان، وبين الهاتف الحامل لرسالة من الجحيم لحياة الفهد.
رفع الفهد الهاتف، واستمع بصمت رهيب للرسالة القادمة من الرجل الذي يعمل لديه، ثم أغلقه بدون كلمة واحدة.
وعيناه تتسائل بغموض عن ما سيفعله ليتفادى تلك الحرب المحتومة.
ثم تطلع لها قليلاً، وأخذ يتأملها بحب شديد، لا يعلم ما سيفعله الصواب أم لا، كل ما يعرفه أن عليه فعل ذلك.
انسحب الفهد بهدوء، ثم توجه للمرحاض.
تململت راوية بالفراش، لتجده فارغاً، فأخذت تبحث عنه بعينيها ولكن لم تجده.
قامت راوية، واتجهت للمرحاض بنفس وقت خروج الفهد، لتتصدم به.
خجلت راوية كثيراً، وتوجهت للمرحاض مسرعة حتى لا تلتقي عيناها به.
أما الفهد، فابتسم على حوريته الساحرة، ثم توجه للخزانة، وارتدى حلي أسود جعله وسيماً للغاية، فالفهد يمتلك سحراً خاصاً بالملابس الصعيدية وأيضاً بالأخرى.
كان يقف أمام المرآة يصفف شعره الغزير بشرود، فالحرب التي سيخوضها كبيرة للغاية وعليه الصمود.
ليجتازها بنجاح.
خرجت راوية، لتسحر عيناه بارتدائها عباءة باللون الزهري وحجاباً بسيطاً من نفس اللون، مناسباً للهبوط للأسفل.
ولكنها تسمرت مكانها عند رؤيته يرتدي هذه الملابس.
فقربت منه قائلة بدهشة:
_ أنت رايح فين يا فهد؟
نظر لها الفهد قليلاً بنظراته الغامضة، ثم ارتدى الساعة الخاصة به قائلاً بهدوء:
_ لازم أنزل البندر.
راوية بصدمة:
_ دلوقتي؟
أكمل ارتداء حذائه قائلاً بهدوء:
_ أيوا دلوقت.
جلست بجانبه بتعجب، ثم قالت بحزن:
_ في حد ينزل من بيته تاني يوم جوازه؟
نظر لها الفهد قليلاً، ثم قال:
_ أني مش أي حد، وعارف إني بعمل إيه صح.
نظرت له راوية بصدمة، كيف تبدل حاله بتلك السرعة، ولكنها هدأت حالها بأن هناك أمراً هاماً جعله يفعل ذلك.
فقالت بهدوء:
_ طب في إيه يخليك تنزل مصر في الوقت ده؟
وقف الفهد، وعيناه قد أعلنت إشارات للغضب، قائلاً بصوتاً مرتفع غاضباً:
_ اسمعي يا بت الناس، عايزة تعيشي هنا، متسأليش في اللي ميخصكيش واصل، افهمي حديتي زين.
تركها الفهد، وخرج من الغرفة، لتقف بصدمة حقيقية، لم تشعر بدموعها المنسدلة بصمت، كل ما تشعر به قلبها المتألم من الفهد الغامض.
علي الجانب الآخر.
هناك قلبين كتب عليهما العذاب المفروض عليهما.
مر عليهم الليل بأوجاعه، وبدموع لم تغادر وجهها.
لا تعلم ما الذي حدث لها، لترتعب من معشوقيها.
كيف لها ذلك؟
قامت ريم من فراشها بفستان الزفاف التي فشلت في خلعه بدون مساعدة من أحد.
وتوجهت للخارج ببطء شديد، لتجد عمر يجلس على المقعد الخارجي بالهواء الطلق بصمت رهيب.
يبدو أنه لم يذق النوم من أمس.
فبكت ريم وهرولت للداخل حتى لا يستمع لشهقاتها.
لا تعلم بأنه يشعر بضعف ألمها، ومع ذلك تضغط على الخنجر الموضوع بقلبه بقسوة وجفاء.
بالأسفل.
كانت هنية ورباب يعدون للفطور المخصص للعروس.
ونوراه ونوال تعدان الفطور للجميع بالخارج.
صدم الجميع عند رؤية الفهد يتجه للخروج.
وهدان بدهشة:
_ على فين يا ولدي؟
فهد بهدوء:
_ على البندر يا بوي.
بدر بصدمة:
_ أباه، كيف ده؟
فهد:
_ لازم أنزل البندر ضروري يا عمي.
أتاه الصوت الآمر بهذا المنزل، صوت الكبير فزاع دهشان:
_ كيف عاوز تنزل البندر بالوقت ده؟ اتجننت عاد؟
استدار الفهد، ليجد فزاع أمامه يهبط الدرج بكبريائه المعتاد، والعصا الأبنوسية التي تزيده وقاراً وهيبة للجميع.
وقف أمام الفهد قائلاً بصوتاً مرتفع:
_ ما تفهمني يا واد الدهشان، كيف عريس يهمل مرته ليلة صبحيتهم؟
رفع الفهد عيناه المحملة بالغموض، فلم يفقه أحداً يوماً بفك شفراتها، حتى الكبير قد يستطيع، ولكن ليس بجميع الأوقات.
الفهد بهدوء:
_ لازم أنزل يا جدي، صديقي محتاجني، عامل حادثة إمبارح ومالوش حد غيري.
وهدان باستغراب:
_ صاحبك مين ده؟
التفت له الفهد قائلاً بهدوء:
_ ما تعرفوش يا بوي، لأنه مدخلش الصعيد واصل.
بدر بتعجب:
_ طب كيف ده يا ولد؟
فهد:
_ علاجتنا كانت على النت، بنتكلم طوالي، وقمان لما بدخل البندر لازم أزوره.
ثم استدار للكبير قائلاً بخبث:
_ مالوش غيري يا جدي، لو ترضا أني أهمله يموت عشان عاداتنا إني جاهز، بس خلي أيدي من مسؤليته قدام ربنا، الواد يتيم لا له لا أخ ولا عم، له أخت واحدة بس، كيف تساعده الجرار بيدك يا كبير الدهاشنة؟
ابتسم فزاع على دهاء الفهد، وخاصة عندما قصد تذكيره بأنه كبير الدهاشنة العادلي.
فقال بلا حيلة:
_ ماشي يا ولدي، بس متعوجش عشان عروستك وأهلها.
ابتسم الفهد بمكر لتحقيق هدفه قائلاً:
_ مسافة الطريق بإذن الله.
وهدان:
_ خد بالك من نفسك يا ولدي، وابقى طمني على صاحبك بالتلفون.
فهد:
_ حاضر يا بوي، سلام عليكم.
الجميع:
_ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وغادر الفهد تحت نظرات فزاع المندهشة، لا يعلم ما الذي يخطط له حفيده.
بالمطبخ.
أخفضت الهاتف من على أذنيها والبكاء خلفها، تخشى أن يكون حدث له مكروه ما.
لاحظتها هنية، فتوجهت مسرعة إليها قائلة بخوف:
_ أنتي بخير يا عمه؟
نوال بغضب:
_ كيف هكون بخير والكل مهمل ولدي إكده من غير ما نعرف مكانه؟
رباب:
_ اهدى بس يا عمه، هيروح فين بس؟ تلجيه ادخل البندر.
نوال بغضب شديد:
_ اهدى كيف؟ لو ولدك ده هتجعدي إكده، محدش هيحس بحاجة واصل.
هنية بهدوء:
_ طب يا عمه، هنطلع الوكل للعرسان، وبهدين أكلم وهدان يشيع حد البندر يتأكد بنفسه.
عند ذكر هنية للعرائس، تذكرت نوال الهدف التي لا طالما سعدت لتحقيقه.
فأزالت دموعها وقالت ببسمة خادعة:
_ تسلمي يا خيتي، يالا نطلع الفطور لريم، زمانتها جعانة.
تعجبت هنية كثيراً، حتى أنها وزعت نظراتها بين نوال ورباب باستغراب.
لم يكن حال رباب يفرق عن هنية كثيراً، فمن أين كل هذا الحب الغير معهود.
حملت نوراه الفطور وقالت:
_ هطلع الفطور لسليم ومراته.
نوال بلهفة حتى لا تنكشف تلك الحمقاء:
_ ماشي يا بتي، اطلعي واحنا هنطلع الباقي.
وبالفعل صعدت نوراه للأعلى تحت نظرات اندهاش رباب، فنوراه لأول مرة تدلف للمطبخ، لما كل هذا الحنان النابع.
نوال:
_ همي يا هنية، خدي الوكل لفهد ومراته، وأني هطلع الوكل لعمر.
هنية بتوتر:
_ طب ما أطلع معاكي لريم، رايدة أطمن عليها.
ابتسمت بخبث قائلة:
_ طب يالا.
وحملوا الصواني المملوءة بالطعام، ثم توجهوا للأعلى.
ارتدت نادين جلباب أبيض اللون، واكتفت بوضع الحجاب على شعرها.
خرجت نادين من المرحاض، لتتفاجئ بسليم يرتدي بنطلون باللون الرمادي وتيشرت أسود ضيق، فكان وسيماً للغاية.
ظلت تنظر له كثيراً، إلى أن قاطع نظراتها صوت طرقات على الباب، ليتقدم سليم ليرى من الطارق، فتأخذه الدهشة عند رؤية نوراه.
وقفت تنظر له كثيراً، فهو وسيماً للغاية بتلك الملابس التي تراها به لأول مرة.
أما هو، فكان متعجباً من قدومها بهذا الوقت، فهو كان يتوقع قدوم والدته.
سليم باستغراب:
_ أمال فين أمي؟
أفاقت من شرودها على صوته، فقالت بارتباك:
_ مرت عمي تحت مجدرتش تطلع الوكل، فخدته منها.
سليم بصوتاً حازم:
_ نزلي الوكل تحت، هناكل مع الكبير.
نوراه بفرحة بدت من حديثها:
_ صح الحديت ده.
نظر لها سليم بغضب قائلاً:
_ انزلي يا نوراه.
وأغلق الباب بقوة كبيرة، أشعلت النيران بقلب نوراه وجعلت التوعد ضعفان له ولها.
صعدت نوال وهنية الطابق الأول لفهد وراوية أولاً، ثم يصعدوا معاً لريم التي تتوق نوال لرؤيتها، وبالأخص عمر.
بغرفة راوية.
أدت فريضتها، ثم جلست تفكر في الفهد الغامض، ولم يفعل كل ذلك، لم تعد تفقه ما يدور بخاطره.
استمعت لصوت طرقات على باب الغرفة، فتوجهت لترى من الطارق.
فارتسمت على وجهها ابتسامة جميلة عندما رأت هنية.
هنية بسعادة:
_ اصباح الخير يا بتي.
راوية:
_ صباح النور يا ماما، اتفضلي.
كانت نظرات نوال لها تحمل الشرر والغضب بين نظراتها.
نوال بتأفف:
_ خدي الوكل أهه، عشان نطلعوا نطمن على ريم.
شعرت هنية بحزن راوية، فقالت مسرعة:
_ خدي يا حبة عيني الوكل وصحي فهد ياكل.
راوية بهدوء خادع:
_ فهد مش هنا.
نوال بصدمة:
_ كيف مش هنا؟
راوية:
_ زي ما بقول لحضرتك كدا، فهد مش هنا، نزل الصبح بدري، ومعرفش راح فين.
نوال بشماتة:
_ كيف يهمل عرسته تاني يوم زواج؟ عملتي إيه يا بت القناوي فيه خالتي يهملك إكده؟
هنية مسرعة:
_ بكفي يا عمه، هتعمل إيه يعني؟ مانتي خابرة زين دماغ ولدي صعب، تعرفي هو بيفكر كيف.
أشارت نوال بعدم اكتراث لما تقول، وتوجهت للأعلى قائلة:
_ حصليني على فوق، نطمن على ريم.
وتركته نوال وصعدت للأعلى.
نظرت لها هنية بحزن وقالت:
_ ما تزعليش يا بتي، هي إكده، الفهد عمره ما أكيد خرج لشئ مهم، أنتي مهتعرفوش كيف، ماني عارفة زين.
أشارت لها راوية بابتسامة قائلة:
_ مش زعلانه يا ماما، بس لو ممكن أنزل أفطر معاكم تحت بدل ما أفطر لوحدي.
هنية بسعادة:
_ أكيد يا جلبي، اسمعي، هنطلع نطمن على ريم وهعاود آخدك معايا تحت.
سعدت راوية كثيراً وقالت بفرحة:
_ هستنا حضرتك.
وضعت هنية يدها على رأسها بحنان وقالت:
_ مش هعوج عليكي يا حبيبتي.
وتركتها هنية وصعدت خلف نوال للأعلى.
بالأعلى.
كان عمر يجلس بالشرفة حزيناً على معاملة معشوقته له، لا يعلم بأنها تتألم مثلما يتألم هو.
أفاق عمر من بركان غضبه على ما نزع الفرحة من قلب محبوبته.
على طرقات الباب، فسقط قلبه وجذب الوسادة والغطاء وأخفاهم تماماً.
ثم توجه للباب وفتحه، ليتقابل بالحية التي تنتظر الفرصة ليخسمها القاتل.
نظر لها عمر قليلاً، ثم قال بهدوء مميت:
_ أهلاً يا عمتي.
نوال بتفحص:
_ مش هتدخلني إياك؟
عمر:
_ ودي تيجي؟ اتفضلي.
وبالفعل دلفت نوال وأخذت تتفحص المكان بعينيها، لتجد ما تريد، ولكنها لم تعثر على شئ، فقالت لعمر بخبث:
_ هي ريم فين يا ولدي؟
عمر بثبات:
_ ريم لسه نايمة، هدخل أصحيها وراجعك.
كاد عمر أن يدلف للغرفة، ليجد هنية تطرق الباب، ففتح لها.
غضبت نوال لأنقطاع خططها بدخول هنية بذلك الوقت، أما عمر، فأسرع للداخل ليجد ريم تعتلي الفراش شاردة الذهن.
وما أنا رأيته حتى أسرعت إليه قائلة بدموع:
_ عمر أرجوك سامحني، معرفش إني عملت إكده كيف.
عمر بصوتاً منخفض:
_ مش وقته يا ريم، لازم تغيري هدومك بسرعة، عمتي ومرت عمي بره وعايزين يشوفوك.
ريم بارتباك:
_ طب ممكن تنادي أمي؟
عمر بتعجب:
_ ليه؟
ريم بخجل:
_ معرفش أغير الفستان لحالي.
عمر بصوتاً منخفض ويحمل السخرية:
_ أناديلك أمك تشوفك بالفستان ومنظري هيبقا إيه إن شاء الله.
نظرت له قليلاً، ثم انفجرت من الضحك، ليتأملها قليلاً ويقول بعشق:
_ ما تيجي نمشي الناس اللي بره دي.
ريم بارتباك:
_ بكفياك عاد.
عمر بجدية:
_ طب يالا أساعدك قبل ما أطلع.
وضعت يدها على فمها من الصدمة قائلة بغضب:
_ تساعدني كيف؟
عمر:
_ مفيش وقت للكلام، أنا أول ما هطلع من هنا هيدخلوا عليا طول.
وبالفعل أدارها عمر وساعدها بنزع الفستان، فكان الخجل حليفها، ولكنه لم يأبى إحراجها أكثر.
عمر بصوتاً منخفض:
_ هدخل الحمام لما تخلصي لبس.
ثم قال محذراً إياها:
_ متطلعيش من غيري يا ريم، سامعة؟
اكتفت بالإشارة له، فأبتسم لخجلها وغادر للمرحاض.
وبعد قليل خرج، ليتفاجئ بالحورية الخاصة به تتألق بجلباب أخضر بلون عينيها الخضراء وحجابها الأبيض، فكانت ملكة.
اقترب منها عمر بحب شديد وقال:
_ ربنا يحميكي ليا يا حبيبتي.
خجلت ريم ورفعت عيناها لتلتقي بعيناه، ثم استدارت قائلة بتوتر:
_ يالا نخرج.
وبالفعل انصاع لها وخرجوا لهم.
هرولت هنيه إليها بسعادة وضمتها لصدرها، فسعدت بها ريم وجلست بجوارها، وكذلك جلس عمر وعيناه مسلطة على نوال يتفحصها، فهي كانت ستجن عندما رأت السعادة حليفتها ومسطرة بعنوان وجهها.
فعلمت أن هناك شيئاً خاطئاً، فحصدت جواب سؤالها عندما لمحت الوسادة والغطاء المتخفيين وراء المقعد.
فابتسم عمر بمكر، لا تعلم بأن اللاعب معها تلك المرة ذكاؤه يفوقها أضعاف.
بمكان آخر.
كانت تجلس أمامه تطلع لعيناه الغامضة، فلما لا وهو الفهد الغامض.
أما الفهد، فكان هدوءه مميت للغاية، فقد اكتفى بنظراته لها، ثم قطع هذا الصمت قائلاً بهدوء قاتل:
_ طبعاً أنتي عرفتي هتعملي إيه.
فأشارت له مروج بحزن قائلة بصوتاً منخفض:
_ عرفت يا فهد.
فهد بغموض:
_ تمام، هستناكي تحت.
وغادر الفهد للأسفل بانتظار مصيره المجهول الذي سيقلب حياته رأساً على عقب.
لا يعلم أهو الرابح بتلك الحرب أم هو المغلوب.
رواية الدهاشنة الفصل العشرون 20 - بقلم اية محمد
بالمندارة كان يجلس فزاع بصدمة بعدما حدثه الفهد وأخبره أنه بالمندارة ويريد مقابلته.
تعجب الكبير وأخبره لما لا يدلف للمنزل، فأخبره أن الأمر هام للغاية.
كانت الصدمة حليفته ليتقدم من الفهد والغضب يتطاير من عيناه قائلاً:
"مهصدجش وداني أنت يل فهد أنت تعمل إكده طب كيف؟"
فهد بهدوء مميت:
"أني كنت بحبها يا جدي وبعدين هملتها."
فزاع بغضب:
"وجاي ترجعها دلوجت يوم صباحيتك جول كلام يتوزن."
فهد:
"رجعتها لما عرفت أن في بينتا ولد مالوش ذنب أنه يتحرم من أبوه وهو لساته عايش وبخير."
صدمة ألجمت فزاع ليتطلع له بصمتاً رهيب.
فهد بصوتاً منخفض:
"غصب عني يا جدي بس مجدرش أعيش وأتمتع بالعز وولدي بيعاني."
تمزق قلب فزاع ليقول بغموض:
"هو فين دلوجت."
ابتسم الفهد قائلاً:
"بالعربية بره."
فزاع:
"هاته إهنه."
فهد بسعادة:
"حاضر يا جدي."
وبالفعل خرج الفهد وتوجه للسيارة.
ثم فتح بابها وحمل الصغير بين يديه لتفزع مروج وتخرج مسرعة من السيارة قائلة بلهفة:
"رايح بيه فيين يا فهد."
تطلع لها قليلاً ثم قال:
"مش هخطفه متتحركيش من هنا أنا راجع."
تقدمت خلفه بدموع قائلة:
"هجي معاك مش هسيب أبني."
لم يعيرها اهتمام وتابع خطواته بانتظام وتتابعته هي إلى أن وصل المندارة، فأستدار لها قائلاً:
"مفيش ستات بتدخل هنا."
ثم أشار لأحد من رجاله وأخبره بأن يوصلها للسرايا.
كادت أن تعترض ولكن نظرة واحدة من الفهد كانت كفيلة بإخراسها وإنصاعها للأمر.
أغلق الفهد الباب وهو يحمل الطفل غافلاً بين ذراعيه ليضعه على قدم الكبير.
فيستشعر الحنان بداخله لهذا الصغير.
لم يعلم إلى متى ظل يتأمله تحت نظرات الفهد.
ثم رفع عينيه قائلاً بتقبل:
"طب ومرتك يا ولدي هتجولها إيه."
فهد بحزن:
"هتتحل من عند ربنا."
وضع فزاع الطفل على الأريكة بحذر ثم تقدم من فهد قائلاً بغضب:
"وده مهيمنعش أني غضبان منك يا فهد."
وتركه فزاع وخرج من المندارة.
فجلس الفهد والفكر يشغل خاطره برد فعل راوية لما ستراه، ولكن عليه ذلك فهو خسر أخاه ولن يخسر ما تبقى منه حتى ولو سيتحمل ثمن شيء لم يرتكبه.
بمنزل فزاع الدهشان.
كان المنزل يعج بالسعادة بعدما هبطت راوية وريم ونادين يشاركن بتحضير العشاء للجميع.
جلس عمر وسليم مع وهدان وبدر يتبادلون الحديث، حتى أن سليم تعجب من عدم مشاركة الفهد معهم.
فأخبره وهدان أنه توجه لمصر من الصباح ومن المحتمل أن يكون بالطريق.
بالداخل.
كانت راوية تشعر بالنقص بدونه وخاصة في هذا اليوم الهام، حتى أن عائلتها تعجبت من عدم وجوده.
ولكن فزاع أخبرهم بحادث رفيقه الذي أخبره الفهد به.
ولكنها تشعر بأن هناك أمراً آخر يحاول الفهد إخفائه عنها وعن الجميع.
أما نوال فابتسمت لقرب تنفيذ حلمها التي تسعى لأجله باعتقادها أن ريم تحاول الهروب من عمر حتى لا يفتضح أمرها.
لا تعلم بأنها من ستقع الضحية لبركان الغضب.
ساعدت راوية وريم الخدم بتحضير العشاء، أما نادين فجلست تشاكس برباب وهنية كعادتها.
بالخارج.
توجه عمر للشرفة الخاصة بالسرايا ووقف يتأمل الحقول بشرود.
ليجد سليم إلى جانبه بحنان قائلاً بقلق:
"مالك يا واد عمي مش شايف الفرحة بعينك."
تستدير عمر وظل يتأمل الليل الكحيل قائلاً:
"ومش هتشوفها يا سليم غير لما أحقق انتقامي."
سليم بغضب:
"ما جولتلك جبل سابق جول الا حوصل للكبير."
تطلع له عمر قليلاً ثم قال:
"أنت بتتكلم كدا يا سليم لأنك متعلم وعارف أن دا مش ذنب ريم، لكن للأسف هنا في الصعيد عقليتهم غيرنا تماماً ولو الموضوع دا اتعرف أنت عارف إيه اللي هيحصل."
سليم بحزن:
"خابر يا واد عمي بس مش جادر أسكت إكده وأسيب ولد المركوب ده حيل. أزمن الفهد يخلص عليه بنفسه."
عمر:
"لا يا سليم مش الدهاشنة اللي يعملوا كدا ومع مين ابن عمتهم، لا مش أخلاقنا."
سليم بستغراب:
"أني مش فاهمك يا عمر، طب خطفه ليه كلت ده."
عمر:
"في حاجة لازم أتأكد منها يا سليم وبعدين أحاسب الكلب دا بس بطريقتي."
سليم بتعجب:
"طريقتك كيف؟"
ابتسم عمر بمكر قائلاً بغرور:
"أنت ناسي أنا مين ولا مهنتي إيه، إذا كنت بقدر أكسب أي قضية فمش هعرف أحل دي."
ابتسم سليم على دهائه قائلاً:
"طب قولي شكوكك إيه."
زفر عمر بغضب قائلاً:
"حاسس أن عمتك ليها دخل بالموضوع ده."
صدم سليم وقال بصدمة:
"الموضوع ده كبير يا عمر صدقني لازمن نحدث الكبير فيه."
تطلع له عمر بأقتناع فمن المؤكد أن يتخذ تلك الخطوة الهامة.
بالمطبخ.
كانت راوية وريم يعدان العشاء بأحترافية.
لتلاحظ راوية شرود ريم والحزن البادي على وجهها.
فتقترب من الخادمة وتطلب منها بأحترام أن تترك لها مهمة الطهي وتعد هي السفرة بالخارج.
فأنصاعت لها وتركت لهم المجال.
راوية بقلق:
"ريم أنتي كويسة؟"
رفعت ريم عيناها اللامعة بالدمع قائلة ببسمة كاذبة:
"أني كويسة يا مرت أخوي متشغليش بالك بيا."
راوية بهدوء:
"لا يا ريم في حاجة أنا عارفاكي كويسة."
سكتت ريم بصمت وأزاحت دموعها.
فجذبتها راوية على الطاولة الكبيرة الموضوعة بالمطبخ.
ثم أغلقت الباب وجذبت مقعد هي الأخرى وقالت بصوتاً منخفض:
"حصل حاجة بينك وبين عمر."
ثم قالت بخجل:
"يعني مثلاً هو عمل حاجة."
قاطعتها ريم مسرعة:
"لأ عمر مستحيل يعمل إكده."
راوية بأطمئنان:
"طب الحمد لله أمال في إيه مالك؟"
ريم بحزن:
"فرحتي مكسورة يا راوية مجدراش أحس بفرحة واصل."
راوية بستغراب:
"ليه يا ريم؟"
ريم بخوف:
"أني هجولك كل حاجة لأنك خيتي الأ كنت بتمناها من الدنيا وربنا عوضني بيكي بس وحياة أغلى حاجة عندك أخويا ميعرفش حاجة واصل."
راوية بقلق:
"أطمئني يا حبيبتي محدش هيعرف حاجة."
أطمئنت لها ريم وقصت لها ما حدث.
لتنصدم راوية مما سمعت.
بالخارج.
كانت الخادمة تعد السفرة كما طلبت منها راوية.
لتأتي نوال بتعجب قائلة:
"أنتي بتعملي إيه إهنه السفرة مش مهمتك همي جهزي الوكل."
الخادمة:
"ست راوية اللي جالتلي أطلع أجهزها يا ست هانم."
نوال بتعجب:
"راوية."
الخادمة:
"أيوا يا هانم."
نوال:
"طب كملي اللي بتعمليه وبعدين فين اللي كانت بتشتغل معاكي إهنه."
الخادمة:
"معرفش يا هانم بجالها كام يوم مختفية وروحتلها بيتها مالجتهاش."
هنا بدأ الشك يراود نوال فيزدادها خوفاً ورهبة على ولدها.
ولكن حاولت إخفاء ذلك بأن قالت لها:
"طب همي جبل ما الكبير يعاود."
الخادمة:
"امرك يا هانم."
بالمطبخ.
حل الصمت المكان لتقطعه راوية عندما تقول بصدمة:
"وساكتة كل ده يا ريم ليه ما قولتيش لفهد أو لجدي يجبلك حقك من الحيوان دا."
ريم مسرعة:
"لأ يا راوية عشان خاطري متعمليش إكده إهنه مش زي عنديكم بالبندر."
راوية بحزن على حالها:
"متخافيش يا ريم مستحيل أتكلم بس أنا ممكن أساعدك."
كريم بلهفة:
"كيف."
راوية:
"أنا عندي صديقتي دكتورة نفسية أكيد هتقدر تخرجك من الحالة دي وتمارسي حياتك بصورة طبيعية."
ريم بدهشة:
"طب وأني هروحلها البندر كيف."
راوية:
"مش هنسافر لها هنكلمها على التلفون والنت ونشوف هتقول إيه."
ريم بفرحة:
"مش عارفة أشكرك إزي يا خيتي."
راوية بغضب:
"بتقوليلي اختك وتشكريني ينفع كدا."
ريم:
"لأ مهينفعش واصل."
راوية بلهجتها:
"طب يالا نكمل الوكل بدل ما العمة تولع فينا."
ابتسمت ريم وقامت تعاونها بسعادة.
نجحت راوية بإدخالها لقلبها.
وبالفعل أنهوا الطعام وخرجوا لأنتظار الكبير.
جلست راوية بجانب هنية وكذلك جلست ريم لجانبهم.
أما نادين فكانت تجلس بجانب رباب.
نادين بغرور:
"بس كدا يا روبا راح الرجل خد في وشه وطار لما عرف أنا أقدر على إيه."
رباب:
"هههههه طب يا بنتي براحة عليا أنا لازمن أحذر منك."
هنية:
"هههههه معاكي حق يا خيتي نادين خطيرة علينا كليتنا."
نوراه بكره:
"عنديكي حق يا مرت عمي اللي يشوفها يتغر ببرائتها لكنها مش سهلة."
ضحكت نادين بعفوية، على عكس راوية التي تأكدت بأن تلك الفتاة تحمل لنادين الكره والعداء.
كانت ريم تتابع نظرات راوية لنوراه بصمت.
فهي تعلم بذكاء راوية وتعلم بما يدور برأس نوراه.
ولكن لفت انتباهها نظرات نوال القاتلة لها.
لم تنغمس أكثر ليتفاجئ الجميع بسليم يدلف القاعة المخصصة للحريم ومعه فتاة في العقد الثاني من عمرها ترتدي فستاناً باللون البني الداكن وتركه لشعرها العنان.
تعجب الجميع فقالت رباب بستغراب:
"مين دي يا ولدي؟"
جاءها رد الحمقاء المسرعة.
نادين:
"يا نهارك أسود أنت اتجوزت عليا."
سليم بصدمة:
"اتجوزت إيه يا مخبولة إنتي، اجفلي خشمك ده أصل وقسمن بالله أقطعلك لسانك."
كبتت غيظها وانتظرت حديثه ليوضح من تلك الفتاة.
هنية بتعجب:
"مين دي يا سليم."
سليم:
"مخبرش يا مرت عمي، البواب دلها لهنا وقال إن الفهد هو اللي أمره بكده."
بدأت الخيوط تتضح لراوية لتنظر لها بخوف شديد.
أما مروج فقالت بهدوء:
"أنا آسفة لو سببت إزعاج لحضرتكم."
هنية مسرعة:
"كيف الحديت ده يا بنتي اتفضلي نشلوكي فوق راسنا."
وبالفعل جذبتها هنية للجلوس.
فقالت رباب:
"متأخذناش يا جلبي بس منعرفكيش واصل."
مروج:
"لا عادي يا حبيبتي."
هنية:
"هاتي حاجة للضيفة يا ريم."
ريم:
"حاضر."
وبالفعل قدمت لها ريم المشروب وجلست تتأملها بتعجب.
بينما غادر سليم القاعة الدهشة على وجهه هو الآخر.
راوية بهدوء على عكس العاصفة بداخلها:
"أنتي تعرفي فهد؟"
مروج:
"أيوا أعرفه."
تعجبت رباب وهنية حتى نوال كانت تتابعهم بتركيز وفرحة لشكها بأن تلك الورقة ستكون رابحة.
راوية بصمود:
"تعرفيه منين."
مروج تقصد:
"فهد جوزي."
توقف قلب راوية عن النبض وتطلعت لها بجمود.
أما هنية فصدمت للغاية والجميع أيضاً، لنقول نادين بصوتاً مرتفع للغاية.
أتى عمر وسليم عليه:
"إيه الكلام الفاضي دا."
مروج بهدوء:
"كلام إيه اللي فاضي دي الحقيقة ولو مش مصدقيني فهد بره ممكن تسألوه."
سليم:
"ده حديث ماسخ متصدقيش يا راوية فهد مهيعملش إكده واصل."
هنية بدموع:
"أيوا كدب ولدي ميعملش حاجة من غير ما يخبرني بيها."
دلف الكبير قائلاً:
"لأ عمل يا هنية من غير ما يخبرنا كلاتنا ومش إكده وبس عنده ولد قايم."
كان الصمت حليف الجميع فالصدمة قوية للكل.
ليقطعه وهدان قائلاً:
"كيف الحديت ده يا بوي."
فزاع:
"زي ما بجولك إكده ابنك خالف عادتنا وتقاليدنا واتجوز دي من غير علمنا."
بدر:
"طب ليه مجالشد."
دلف الفهد وهو يحمل الصغير بين يديه.
ليهرع إلى والدته بخوف بعد أن أفاق ولم يجده.
بحث بعينيه عنها ليجدها تجلس بصمتاً رهيب.
فقط نظراتها هي التي تعبر عن العاصفة التي تدور بداخله.
تطلع لها الفهد بنظراته الغامضة ثم نظر للجميع وقال:
"الموضوع ده من سنين بس أني عرفت من كام يوم أن الواد ده ابني."
وهدان بغضب:
"كيف تتزوج من غيري ما تشاورنا ولا تأخد موافقة الكبير."
فهد بهدوء:
"مكنش حد هيوافق على الجوازة دي."
بدر بغضب:
"تجوم تتجوزها بالسر من غيري ما نعرف."
فهد:
"اللي حصل يا عمي."
عمر بصدمة:
"أنا مش مصدق اللي بيحصل ده."
هنية بدموع:
"كيف تعمل إكده من غير ما أعرف حتى إن ليا حفيد. الله يسامحك يا ولدي الله يسامحك."
وصعدت هنية للأعلى تحت نظرات الفهد.
أما ريم ونادين فكانوا يقفون بجانب راوية لموقفها الصعب للغاية.
كيف له أن يفعل بها ذلك بثاني أيام زفافها.
صعباً للغاية ما به.
كانت مروج تتابع حديثهم بصمتاً رهيب، أما نوال فحلت عليها فرحة كبيرة لم ترى لها مثيل.
وهدان بغضب:
"كيف بتتحدث كأنك معملتش حاجة واصل."
فزاع بحزم:
"بفكركم حديت عاد معملتنيش احترام لوجودي."
بدر:
"قطع لسانه اللي يجول إكده."
فزاع بصوتاً مرتفع للجميع:
"معيزاش أشوف حد واصل."
صعد الجميع لغرفته وكذلك راوية التي تحملت على ريم ونادين وصعدت للأعلى.
ثم دلفت غرفتها وأغلقتها وألقت بنفسها أرضاً تبكي بصوتاً كأنه كبت لسنوات عذاب.
حاولت نادين إجبارها على الخروج من الغرفة ولكنها فشلت.
وكذلك ريم فشلت هي الأخرى.
ليغادر كلٌ منهم جناحه الخاص.
أما الفهد فصعد مع مروج للأعلى ثم أدخلها الغرفة التي ستكون لها ولابنها الغافل على ذراعيها.
وضعته مروج ببطء شديد على الفراش ثم لحقت الفهد الواشك على الخروج.
فتمسكت بذراعيه قائلة برجاء:
"ما تسبنيش يا فهد."
دفشها الفهد بعيداً عنه قائلاً بغضب يجتاز أواصره:
"لو نسيتي نفسك هفكرك بيها، في حدود بينا في التعامل بره أنا جوزك للكل هنا معرفكيش فاهمة."
مروج بحزن:
"بتعمل كدليه فيا يا فهد، أنا اعتذرت كتير."
ضحك بسخرية قائلاً:
"أنتي من النوع الغبي اللي مبيفهمش بس أوك هفهمك، أنا كاشف لعبتك يعني نلعب على المكشوف أحسن من كدا. اللعبة اللي بدأتيه من سنين عليا أنا اللي هحط النهاية فاهمة."
وقبل أن تستوعب عن أي شيء يتحدث كان قد غادر من أمامها مسرعاً لمعشوقته التي حطمت على يده بلا رحمة.
بمكان آخر.
كان يبتسم بشر لقرب تنفيذ مخططه القاتل لإنهاء حياة الفهد وسليم وعمر بيوم واحد.
فتصبح مملكة الدهاشنة ضعيفة بلا حصن يحميها فيتولى هجماته على فزاع دهشان ويعلن العداء للجميع.
ولكن حان الآن أخذ ثأره ليتخلص من العار ثم ينفذ خططه الدانية.
دلف رجلاً قوي البنية للغرفة الحالكة بالسواد قائلاً:
"كله تمام يا جياد بيه النسوان جاهزة."
ابتسم جياد بمكر وشرار:
"كده تمام عايزهم يخلصوا عليها فهمت."
الرجل:
"طبعاً يا بيه فهمت زين."
جياد بسعادة:
"هنشوف هتعملوا إيه."
بمنزل واهبة القناوي.
أستيقظت ريماس من نومها وهي تشعر بوجع رهيب بجسدها.
لا تعلم ما بها.
فخطت خطوات ضعيفة ولكنها فقدت توازنها وكادت السقوط.
فتمسكت بالأريكة وصرخت بصوتاً مرتفع.
ريماس بوجع:
"خااالد خااالد."
خرج مسرعاً من المرحاض على صوت صراخها.
فحملها للفراش مجدداً.
خالد بعتاب:
"قمتي ليه يا ريماس مش الدكتور قالك ارتاحي الفترة دي."
ريماس بتعب شديد:
"كنت عايزة أشرب والتلاجة مش بعيدة يا خالد دي في الأوضة."
خالد:
"طب ما ناديتيش عليا ليه."
ريماس بخجل:
"مش عايزة أتقل عليك أكتر من كدا دا."
"وبعدين انت بتاخد شاور هناديك إزي."
خالد بسخرية:
"مش أحسن ما اطلع من الحمام كدا بالفوطة، على الأقل كنت لبست وطلعت بكرامتي."
إنفجرت ضاحكة ثم وضعت يدها على جنينها بوجع قائلة بصراخ:
"ااه مش عايزة أضحك اسكت ااه بطني."
خالد:
"هههههه مش عارف أشكر الواد ده إزي الصراحة عمل معاكي الواجب وشويتين."
ريماس بغضب:
"كدا ماشي يا خالد ماشي."
ضحك بصوته كله ثم اقترب منها.
لتتناثر المياه على ملابسها فتصرخ به أن يدعها وشأنها فهي بخير حال الآن.
ضحك خالد ثم جذب هاتفه الذي يعلن عن رفيقه عمر.
خالد:
"أيوا."
عمر:
"فينك يا خالد مختفي بقالك كام يوم."
خالد بصدمة:
"نهارك أسود كااام يوم مين يا غبي أنا مش كنت معاك امبارح في الفرح يا تخلف ومن كام ساعة كمان مع بابا وجدي يخربيتك."
عمر بتذكر:
"هههههه تصدق صح."
خالد بشماتة:
"صباح الجواز يا خويا عرفت كنت خايف عليك من إيه ربنا معاك يابني."
يضحك عمر وقال:
"من بعض ما عندكم."
خالد بصراخ:
"لأااا الأ عندنا ربنا ما يكتبه على حد أبداً يارب."
لتلكزه ريماس بذراعيها فيصرخ بالهاتف.
عمر:
"ههههه بالتوفيق عايزك بكره ضروري ما تنساش أو لو أنا نسيت فاكرني وحياة عيالك."
خالد:
"غور يالا."
وأغلق خالد الهاتف قائلاً لها:
"ينفع كدا الرجل يقول علينا إيه."
ريماس بغضب:
"ويقول عليا أنا إيه متجوز أمنا الغولة احترم كلامك شوية."
خالد بضحكة جذابة:
"هو في أحلى من كدا احترام."
ريماس:
"بقولك إيه روح كمل اللي كنت بتعمله."
خالد:
"متاكدة."
ريماس:
"جدا."
خالد بخبث:
"يعني مش عايزة ميه."
ريماس:
"لأ الحمد لله شربت."
ضحك خالد ثم توجه للبراد ثم جذب لها المياه وبعض من الفاكهة.
وقدمهم لها لترتشف المياه بسعادة لوجود هذا العاشق بحياتها.
بالجناح الخاص بالفهد.
دلف الفهد بخطوات بطيئة لا يعلم ما الذي عليه فعله.
هل يخبرها الحقيقة أم يتركها تعاني مثلما يعاني هو.
أبدل ثيابه ثم بدأ بالبحث عنها ليجد الغرفة فارغة.
فتوجه للغرفة الأخرى المخصصة للأطفال موجودة بالجناح.
دق الباب كثيراً ولكن لا رد.
فهد بهدوء:
"افتحي الباب يا راوية لازم أتكلم معاكي في حاجات مهمة."
لم يأتيه الرد ليقول مجدداً برجاء:
"لازم تسمعيني متحكميش عليا كدا."
لم يأتيه الرد ليقول بغضب:
"افتحي الباب دا يا راوية بدل ما أكسره."
لا رد.
فهد بغضباً جامح:
"كدا طيب."
وحطم الفهد الباب بسهولة شديدة كأنه من زجاج وليس مادة قوية.
دلف والغضب حليفه لينصدم مما رأه ويتصنم مكانه.
فشعر بقلبه يكاد يتوقف عن النبض وأصوات أنفاسه تعلو بالغرفة.
لا يعلم أتوقف قلبه أم مازال ينبض.