تحميل رواية الدهاشنة بقلم اية محمد pdf
بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الكبير فزاع كبير الدهاشنه 70 عاما. والده الأكبر وهدان متزوج من هنية لديهم الفهد 28 عاما وريم 22 عاما. الفهد (البطل الأول). الولد الثاني للكبير بدر الدهشان متزوج من رباب لديه سليم فقط (البطل الثاني). لديه من العمر 27 عاما. الولد الأخير للكبير عثمان الدهشان متوفي هو وزوجته ولديه عمر (البطل الثالث) 26 عاما ونواره 23 عاما. البنت الوحيده للكبير نوال مطلقه ولديه والد واحد فقط جاسم 25 عاما. هاشم القناوي زوجته متوفيه ولديه راوية 24 عاما وخالد البطل الرابع لراويتنا والأخير 26 عاما. ومتكفل بتربية إبنه أخي...
رواية الدهاشنة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اية محمد
هرول اليها مسرعا ثم حملها بين ذراعيه بلهفة.
فهد بخوف شديد: راوية. راوية فوقي.
لم تستجب له فأقتلع قلبه من الخوف عليها.
جذب المياه وناثرها علي وجهها حتي بدءت ملامحها بالأنكماش، ثم فتحت عيناها ببطئ شديد حتي تعتاد علي نور الغرفة. فلتقت عيناها به لتجد الخوف يشكل سطور وعلامات.
فهد بخوف: راوية انتي كويسه؟
لم تجيبه وأدرات وجهها للجهة الاخري تبكي بصمت.
فهد: ممكن ترودي علي؟
لم تجيبه والصمت صار الحليف.
أدار وجهها لتلتقي بعيناه قائلا بهدوء: ليه مصممة تضعفي الرابط الا بيننا.
انهضت راوية عن الفراش قائلة بغضب: انت الا بتضعفه مش انا. أذي تقدر تعمل فيا كدا وفي يوم صباحيتي يا جبروتك يا اخي.
فهد بهدوء: ممكن توطي صوتك شوية وتسمعيني.
راوية بغضب: انا مش عايزه اسمعك. ارجوك اخرج من هنا.
وقف الفهد وتقدم منها بهدوء: راوية أنا عملت كدا عشان.
قاطعته بدمعا ذابح قائلة ببكاء: عشان تمسك العصيا من النص ترضي جدك من الجواز من بنت القناوي وفي نفس الوقت ترضي نفسك.
فهد بصدمه: ايه الكلام الفارغ ده.
راوية بدموع: دي الحقيقه.
فهد: الحقيقه هو اني بحبك يا راوية.
تساقطت الدموع من مقليتيها قائلة: لا دي طريقة للخداع مش اكتر.
وتركته راوية ودلفت الغرفة الاخري تبكي بقهر تشعر بأن قلبها ممزق ولا تقوي تحمل أوجاعه.
***
أما بالاعلي فحاولت ريم التواصل مع الطبيبه وبالفعل نجحت بذلك وبدءت اول جلسة لها عبر كاميرا الانترنت فهي استغلت تاخر عمر بالاسفل وحدثت الطبيبه.
أما نادين فكانت تجلس بحزنا شديد والدمع حليفها مما زاد تعجب واندهاش سليم حتي انه اقترب منها قائلا بصدمة: أنتي بتبكي يا نادين.
تطلعت له بصمت ثم بكت بصوتا مرتفع للغاية. فقترب منها لترفع عيناها له قائلة بألم: طول عمري لوحدي يا سليم. عمر ما حد حس بيا غير اخويا الله يرحمه وراوية. بابا وماما عمرهم ما همهم امري حتي بعد ما بابا ابتدي يفوق من غيبوبه الفلوس والثروة فاق متاخر ومات بعدها بشهر واحد وسابني لماما الا كل الا يهمها المكيب والفلوس والثروة. أخر اهتمامتها كانت انا.
سندي الوحيد كان اخويا واتكسر بموته رجعت الواحدة تهاجمني من جديد ومامتي مهماش امري حتي لو بقيت بره البيت مكنتش بفرق معاها.
بكت كثيرا ليحتضنها بقلبا موجوع فتلك الحمقاء من وجهة نظره تعاني كثيرا.
أما هي فأكملت ببكاء: شوفت اخويا في خالد وحاسيته اخويا والسند الا اتكسر رجع من جديد. حتي عمي لقيته احن من ابويا وراوية كانت ليا الام والاخت وكل حاجة. مقدرش اشوفها زعلانه كدا ولا اقدر اشوف دموعها.
شدد سليم من إحتضانها قائلا بحنان: بكفياكي عاد أن شاء الله هتبجا زينة صدقيني.
نادين بدموع: يارب يا سليم يارب.
رفع وجهها بيده مبتسما إبتسامة ساحرة قائلا بحب: جول مرة تنطقي أسمي من فمك العسل ده.
إبتسمت بخجل قائلة: لا قولته كتير بس بصوت واطي لما بعوز اشتم.
سليم بجدية: كيف ده انتي بتشتميني.
نادين بعفوية: طبعا لما بتزعق.
سليم: إكده طب تعالي بجا.
وحملها بين ذراعيه ثم إلي احضانه ليخبرها حبه الخاص بها بطريقته الخاصة.
***
مرء الليل الكحيل علي راوية بأحزانا وألم مصاحب لقلبها.
وكذلك الفهد فهو لم يذق طعم النوم منذ أمس.
وحل الصباح بأشعته الذهبية المحملة بطغيات من المفأجات للجميع.
بالجناح الخاص بفهد دلف الغرفة ليجدها تجلس ارضا وعيناها متورمة من البكاء. فجلس إلي جانبها ارضا ورفع وجهها لتقابل عيناه فقال بصوتا يحمل الألم: بحبك.
نظرت له بدهشة وقالت: انت بتحبها هي يا فهد. خبيت عليا انك متجوز وعندك ولد.
فهد بوجع: مش صحيح يا راوية. الولد دا مش ابني. انا متجوزتهاش من الاساس.
راوية بفرحه بدت من صوتها: بجد يا فهد.
فهد بأبتسامة ساحرة لرؤية السعادة تزين وجهها: بجد يا قلب الفهد.
راوية مسرعة وهي تزيل دموعها بلهفة: طب ليه قولت كدا لجدي وللكل.
صمت قليلا وساعدها بالوقوف قائلا بحنان: أوعدك أني هقولك كل حاجة بس بالوقت المناسب. انا مش جاهز دلوقتي للكلام.
أشارت له برأسها بأنها تتفهم الأمر ليبتسم عندما يري البسمة التي تزداد شيئا فشئ.
فقال بمكر: انت زعلانه وانا لازم اصالحك.
خجلت راوية ووضعت وجهها ارضا والسعادة جعلت قلبها ينبض ويترقص علي نغم العشق من جديد.
***
بمنزل واهبة القناوي.
كانت تعتلي الفراش كعادتها ليصدح صوت هاتفها بالغرفة بأكملها. التقطته ريماس لتجد رسالة من رقم مجهول ففتحتها لتفزع مما رأته.
الرسالة تنص عليايه يا بنت اخويا الفراق عجبك عموما برحتك انتي اتسببتي في حاجات كتيره اووي والعقاب غالي حياة جوزك. اوعدك انك هتشوفي جثته النهارده قبل بكره لو عايزاني اعفي عنه تعالي البيت دلوقتي حالا وانا مستعد اسامحك واهي هيبتي تكون رجعتلي ادام الكل لكن لو رفضتي اقرئي الفتحه علي جثته.
أنهت قراءة ووضعت يدها علي فمها من هول الصدمة لتحاوطها الاحلام التي تراها دواما فتبكي خوفا من القادم.
حسمت امورها انها ستتعطفه فهو بالنهاية عمها والعم والد كما تعتقد تلك الحمقاء.
فقامت من الفراش وجذبت جلباب اسود فضفاض وحجابا يغطي شعرها ثم خرجت من المنزل بهدوء.
خرجت لمصيرها المحترم الذي سيذبح قلب خالد ويجعله ينزف بشدة.
***
بسرايا فزاع دهشان.
هبط الجميع للأسفل لتناول الطعام وكذلك هبطت راوية والسعاده تنير وجهها وكذلك الفهد.
جلسوا جميعا علي المائدة حتي مروج التي انضمت اليهم هي والصغير بامرا من فزاع.
كانت السفرة عبارة عن نظرات ومخططات.
شر و عشق.
حقد وغل من نظرات نوراه ونوال.
عشق متيم الفهد وراوية ونادين وسليم.
جرح وعذاب ريم وعمر.
حزن وخوف وهدان ووهنية.
كان الصمت حليف المكان حتي الصغير كان ينظر لهم بخوف شديد.
قطع الصمت نوال: يا بوي أني رايده انزل البندر اتطمن علي ولدي.
الكبير بغضب: محدش غير السيرة دي يا نوال. جولنالك ولدك إكده مهيعرفش حد عنه حاجه.
نوال بجنون: عارفه يابوي بس جلبي مش مرتاح ولدي بيه حاجة.
وهدان: خلاص هشيع الواد صالح يشوفوا فينو.
أنهي الصمت مره اخري عندما تحدثت هنيه قائلة للصغير: مهتكولش ليه يا ولدي.
خاف الصغير وتمسك بمروج لتقول هي بدلا منه: مش متعود علي الاكل دا يا ماما.
الكبير: امال علي ايه الا سحبه نعملهم.
مروج: كتر خيرك يا جدي هو بيحب السندوتش لانه اخد عليها واحنا بالشغل مفيش وقت للأكل فيعمله كدا.
حزن وهدان وكذلك الكبير وهنية ورباب التي قالت: يا جلبي يا ولديا.
حضرت هنيه له بعض الشطائر ليشرع بتناولهم تحت نظرات الجميع.
كانت مروج توزع نظراتها بين الفهد وراوية بغضبا جامح لا تعلم ما ان للفهد ملكة اخري.
***
وصلت ريماس لمنزل جياد سويلم ودلفت للداخل لترتمي تحت قدميه وتبكي بعجز تتوسل له ان يدع زوجها وشأنه.
ولكنه فجأها عندما جذبها بالقوة من حجابها ثم القاها بحجرة مملؤءة بالنساء لا ليسوا كذلك بل حيوانات مشبهه بأسم يحمل من الحنان منابع فالمرأة تحمل حنان يكفي عالم بأكمله.
رفعت جسدها من علي الأرض بتعبا شديد بعدما دفشها بالقوة وضعت يدها تتحمل الالم لا تعلم ان الصعوبات قادمه عندما اشار للنساء بأكمل ما بدءه لتهجم عليها بدون رحمة وتضربها بقسوة خاصة علي بطنها لقتل جنينها التي فشلت في حمايته عندما كتفتها إمرأتان حتي يسهل قنل روحا بريئة يا لهم من شياطين الانس المجمل من الخارج وبداخلهم أقذر ما يكون.
صرخت للرحمة ولن تنالها ترجتهم ان يتركوها ولكن لا نزعت الرحمة من قلوبهم.
بكت ريماس قهرا ولما حتي ان الرؤية لم تعد واضحة امامها فتوجهت بعالم مملؤء بالرحمة عما بحولها.
دلف جياد وعلي وجهه ابتسامه نصر عند رؤيتها تنزف بغزاره من جسدها بأكمله فأمر رجاله بألقاءها امام منزل واهبة القناوي.
وبالفعل حملوها للسيارة حملوها بعدما قضوا علي حياتها المزدهرة لتصبح روحا بلا حياة.
***
بمنزل واهبة القناوي.
يبحث عنها كثيرا ولم يجدها لا يعلم لما يشعر بنغصة غريبه تحتل قلبه هل هذا وجه الفراق ام يشعر بأوجاعها.
رواية الدهاشنة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اية محمد
حملوها بدون رحمة وجسدها ينزف بشدة.
حتى أن قلوبهم لم تكتفِ بذلك، بل ألقوها من السيارة أمام منزل واهبة القناوي.
فأسرع الحارس ليرى من تلك الفتاة، ولكنه فشل بالتعرف عليها.
فبحث الرجل الآخر ليخبر واهبة بما حدث.
***
بمنزل فزاع الدهشان.
كانت المشاعر متعثرة بين هذا الصغير، لا تعرف أتكن له الكره أم العداء.
ولكنها حسمت أمرها عندما اقتربت منه، وعلى وجهها ابتسامة جميلة أحبها هذا الصغير.
راوية بحب:
قاعد كدليه يا حبيبي؟
عبد الرحمن:
بتفرج على الأشجار.
جلست بجانبه قائلة بصوت طفولي:
وعجبتك؟
أشار لها برأسه بمعني نعم، فسعدت به وقالت:
ممكن نبقى أصدقاء؟
صمت قليلاً ثم قال بتردد:
لازم أسأل ماما الأول.
انفجرت ضاحكة ثم قالت:
أوك، هديك فرصة ترتب أمورك. ههههه.
نادين بصدمة:
راوية! انتي بتعملي إيه هنا؟
راوية باستغراب:
هعمل إيه يعني؟ أقعد.
نادين:
بتكلمي ابن ضرتك عادي كده؟
راوية بغضب:
احترمي نفسك يا نادين.
نادين بذهول:
أحترم نفسي يعني إيه؟ انتي مجنونة صح؟
وقفت راوية وتوجهت لها بغضب جامح، فمجرد ذكرها لتلك الحمقاء تشتعل النيران بدمائها.
لتفور أكثر عندما تدلف مروج وتعنف الصغير على وقوفه معها.
ورمقتها بنظرات جعلتها تنظر لنفسها بتعجب.
حتى أنها قالت بعد خروجها:
هو أنا فيا حاجة غلط يا نادين؟
نادين بغضب:
اسيبك منها وخدّي من النظرات دي كتير، مهو المتوقع.
أمال أنا هتجنن ليه لما شوفتك بتلعبي مع الولاه وعادي كده؟
راوية بخبث:
أصل يعني...
ثم صمتت لتكمل نادين بلهفة:
أصل إيه يابت؟ قولي.
راوية محذرة إياها:
هتكلم بس أوعي يا نادين الكلام ده يطلع بره، فاهمة؟
نادين بجدية:
عيب يا بت. قولي.
وبالفعل بدأت راوية بسرد ما حدث بينها وبين الفهد.
***
بمكتب فزاع الدهشان.
ظل يفكر بحديثه كثيراً، لم يستوعب عقله هذا المخطط الدنيء.
ولكن عليه الانتظار كما طلب منه.
أما الفهد فدلف للغرفة ليتحدث معه عن بعض المواضيع الهامة، ولاحقه سليم.
كانت نوال تنتظر أخبار ابنها بفارغ الصبر، حتى أنها لم تنتظر عودة الرجل وهاتفَتْه لتعلم ماذا فعل.
ليخبرها بأنه عائد للصعيد مجدداً بعد أن وجد المنزل فارغاً، حتى أنه سأل الجيران ولم يعلم أحداً مكانه.
ليرودها الشك تجاه ريم، فأغلقت الهاتف وأسرعت للبحث عنها.
حتى وجدتها ترتب الأريكة بالأسفل، فعماها الغضب وتوجهت إليها مسرعة.
ثم جذبتها لتستدير لها بقوة كبيرة جعلت ريم تصرخ ألماً.
لتأتي هنية ورباب، فكانوا يجلسون بالقرب منها.
ريم بألم:
ااه.
رباب بهدوء:
خير إيه يا عمة؟ إيه اللي حصل؟
نوال بغضب جامح لريم:
ولدي فين يا ريم؟
نظروا لها جميعاً بدهشة، حتى راوية ونادين.
هنية باستغراب:
كيف يعني؟ هي بتي هتعرف منين مكانه؟
لم تعرها أي انتباه وجذبت ريم من ذراعيها بالقوة، حتى صرخت بصوتاً مرتفع للغاية.
فأتى من بالمنزل جميعاً، وعمر الذي هبط للأسفل مهرولاً عندما استمع لصراخ معشوقته.
نوال بغضب شديد:
انطقي! ولدي فين؟ عملتي بيه إيه؟
ريم ببكاء:
ابعدي عني يا عمة، معرفش حاجة.
حال عمر بينهم وحمى ريم بين ذراعيه قائلاً بغضب يفوقها أضعاف:
إيه ده؟ إزاي تكلميها بالطريقة دي؟
نوال:
ابعد عني، لازم أعرف عملت بولدي إيه.
الكبير بجدية:
إيه اللي بيحصل هنا؟
نوال بدموع وهي تقبل يده تحت نظرات استغراب من الجميع قائلة:
أحب على يدك يا بوي، خليها تقولي عملت بإبني إيه.
وهدان:
إيه الكلام الماسخ ده؟ هي هتعمل فيه إيه؟ عادى.
فهد بغضب شديد:
كيف تمدي يدك على خيتي؟ خلاص مفيش هنا رجالة.
فزاع بغموض:
محدش يتكلم غير لما أطلب منه الكلام.
ثم وجه حديثه لنوال قائلاً بغموض:
وريم هتعرفوا منين مكانه؟
نوال بكره وهي تنظر لها:
أكيد تعرف زين يا بوي، إني متأكدة إنها أذته زي سابقة.
هنية بدهشة:
آباه؟ كيف بتي تأذي ولدك؟
فزاع بحزم:
جولت محدش يتكلم.
ثم وجه حديثه لنوال:
أذيتيه كيف يا نوال؟ دي حرمة كيف هتقدر للرجل؟
نوال بغضب جامح أفقدها صوابها:
لأ، أذيتيه قبل سابق يا بوي، لما طعنته بالسكينة وأني اللي دويت جرحه.
هنا صمت الجميع بصدمة، إلا سليم الذي تأكد من حديث عمر.
أما عمر فتقدم منها وعيناه تحمل هتفات الانتصار قائلاً لها بمكر:
وهي ريم هتضربه بالسكينة ليه يا عمتي؟
هنا تلون وجهها بلون الارتباك.
ليتحدث الكبير قائلاً بصوت عالٍ للغاية:
ما تجاوبي عليه ليه؟ هتعمل إكده؟
فهد بعدم فهم:
أني مفهمش حاجة.
فزاع بغضب:
دلوجت جفلت خشمك، انطقي.
نوال بارتباك:
إني معرفش حاجة يا بوي، إني شوفتها بتضربه وبعدين جريت.
ولما سألت ولدي جال ميعرفش. عملت إكده ليه.
سليم بسخرية:
طب مجلتش للكبير ليه على اللي حصل؟ كيف تسكتي على موضوع كبير إكده؟
ارتبكت نوال للغاية.
ليقترب منها عمر قائلاً بغضب جامح:
اللي بتداريه خلاص هيكتشف وحالا يا عمتي.
نوال بارتباك وغضب:
أداري إيه؟ إيه الكلام الماسخ ده؟
عمر:
هو فعلاً هيبقا ماسخ لو طول عن كده.
وأشار عمر لسليم الذي خرج مسرعاً ليملئ أوامره للحرس بإحضار تلك الفتاة.
وبالفعل أحضروها، ثم جذبوها للداخل تحت نظرات حيرة من الجميع وخوف من نوال.
أقترب عمر منها بعينين كالجحيم قائلاً بغضب:
هتتكلمي ولا...
قاطعته مسرعة:
لأ، هتكلم يا بيه.
هنا انقبض قلب نوال وجلست على الأريكة بتعب شديد.
أما الجميع فكانوا يتابعون الموقف باهتمام شديد لمعرفة ماذا يحدث.
حتى الفهد بدأت تتضح الفكرة لديه.
الكبير بغموض:
ما تتكلمي يابت.
كانت تنظر للنوال بخوف شديد، ثم قالت بصوت متقطع من الخوف:
أوعدني بالحماية والسماح يا كبير.
فزاع بغضب:
اتكلمي يابت، محدش يقدر يمس شعرة منكِ.
الخادمة برعب:
الست نوال عطيتني حبوب وجالتلي أحطها في الشاي اللي طلبته الست ريم.
صدم الجميع.
ليتحدث الفهد متسائلاً بلهفة:
حبوب إيه دي؟ وليييه؟
بكت الخادمة.
ليصرخ وهدان بغضب جامح:
اتكلمي يا وكيلة ناسك، انتي!
الخادمة بخوف:
الرحمة يا بيه، إني معرفش والله، إني حطيتها زي ما الهانم طلبت.
على صوت ريم بالبكاء، ليسقط قلب هنية ورباب خوفاً مما سيحدث.
اقترب وهدان من نوال الجالسة ووجهها كخريطة بدون تعبيرات، خوفاً من الكبير والفهد.
وهدان بصوت مرتفع للغاية:
عملتي إيه يا بنتي يا نوال؟ انطقي.
نوال بارتباك:
هعمل إيه يعني؟ البت دي كدابة.
فهد لريم:
انتي ساكتة ليه؟ اتكلمي.
ارتاعبت ريم وتمسكت براوية بخوف شديد.
لتتحدث قائلة:
في إيه يا فهد؟ هي عملت إيه عشان تكلمها بالطريقة دي؟
فزاع لنوال:
هتتكلمي ولا لأ يا نوال؟
نوال:
أتكلم بإيه يا بوي؟
فهد بغضب:
ما تفهمني، في إيه يا جدي؟
عمر:
أنا هفهمك يا فهد، للأسف الكره عمى قلب عمتك بعد أما اكتشفت إن جوزها بيحب والدتك.
صدمت هنية ووضعت يدها على فمها من الصدمة.
وحل الغضب على الجميع.
ليكمل عمر:
فضلت ورا جدي عشان تتطلق، بس للأسف لسه النار جواها.
وعشان تطفيها كان لازم تكسر قلب مرت عمي ببنتها، فطلبت من الخادمة إنها تحط منوم لريم في الوقت اللي كلنا فيه بره البيت.
وبعدين طلبت من ابنها إنه يدمرها ويتعدى عليها، وفعلاً عمل دا.
هنا ساد الصمت المكان وتوقفت الألسنة عن الحديث.
كيف هذا؟
بعائلة الدهاشنة؟
كيف لأخت أن تقضي على سعادة ابنة أخيها؟
كيف؟
بعدما قدم لها الأمان والاحتواء، تطعنه في ظهره.
كان وهدان كالجمرات الحارقة، لا يعلم هل يقتلها أم يبكي على قسوتها.
حتى بدر كان يوزع نظراته لها بغضب شديد.
والفهد الذي لم يتمالك نفسه، فقترب من عمر بغضب يقتلع أشد المنشئات:
فين الكلب ده يا عمر؟
لم يجبه عمر ووضع عيناه على الكبير بانتظار تصرفه، فهو أخبره بكل شيء ولكن لم يصدق حديثه.
فطلب منه عمر مهلة يوم واحد وسيثبت له حديثه.
ولكن القدر شاء أن تكشف الخطط والمؤامرات قبل فوات الـ 24 ساعة كما طلب عمر.
فهد:
ساكت ليه؟ انطق.
نوال ببكاء شديد:
لأ يا فهد، اللي ولدي، اعملوا فيا اللي تحبوه وأني مستعدة، لكن ولدي لأ.
هنية بدموع غزيرة:
ليه يا عمة؟ ليه تعملي كده؟ عملت فيكي إيه لكل ده؟
دني بخدمك بحباب عيوني، رغم ذلك ليا بس عمري ما زعلت ولا اشتكيت.
نوال بكره:
انتي تستاهلي أكتر من كده، بتلفي على الكل زي الحية.
صفعة قوية هوت لأجلها أرضاً.
فرفعت عيناها لتجد الكبير بشموخه وهيبته المعتادة قائلاً بصوت محتقن من الغضب:
كلمة زيادة وهقطع لسانك.
ثم نادى بأعلى صوته:
بدر.
بدر:
نعم يا بوي.
فزاع:
ارمي الزبالة دي بالمخزن لحد ما أعرف شغلي معاها زين. هي وابنها.
بدر:
حاضر يا بوي.
وبالفعل جذبها بدر بشدة لتصرخ على ولدها، ولكن لم تجد سوى الجفاء.
فهي لم تفعل شيئاً هيناً.
أما فهد فكان سيجن.
كيف حدث ذلك؟
وأين كان طوال تلك المدة؟
فرفع عيناه على صديق دربه وابن عمه عمر.
هل تزوج بأخته ليحميها من الجميع، لأن العشق يجتاز أصوله؟
أم لحماية سمعة الدهاشنة؟
لم يعد يقوى على التفكير، خاصة صوت بكاء ريم وأمه ورباب والجميع.
حتى نادين بكت على ريم، فالموقف صعب للغاية.
اقترب الفهد من ريم المحاطة بأحضان راوية.
ثم جذبها من معصمها لتزيد بالبكاء وتتملك جسدها الارتجاف الشديد.
لتصرخ باسم محبوبه.
ريم ببكاء وصراخ:
عمر.
وقف عمر أمام الفهد بعيون كالصقر قائلاً بحزم:
واخدها على فين يا فهد؟
فهد بهدوء:
ابعد يا عمر.
عمر بغضب شديد:
مش ده إجابة سؤالي، واخدها على فين؟
فهد:
مالكش صالح.
عمر بغضب جامح:
يعني إيه ماليش صالح؟ دي مراتي، فاهم؟
فهد بغموض:
لازم نغسل عارنا قبل ما سمعة الدهاشنة تقع بالأرض.
وانت كتر خيرك إنك حافظت عليها، وأني هكمل الباقي.
ابتسم سليم وصمت الكبير والجميع لمعرفتهم ما ينوي الفهد فعله.
فكان الصمت حليفهم لرغبتهم بمعرفة الجواب.
عمر بغضب:
دهاشنة إيه وعار إيه؟ هي معملتش حاجة، الحيوان ده اللي غلط وأنا هرجع حقها.
فهد بهدوئه المميت:
عاري هاخده بيدي يا عمر، ولازم يختفي للأبد.
تحول عمر لضلع قوي صعب اختراقه عندما جذب ريم خلفه بقوة قائلاً بتحدي للجميع:
أي حد هيفكر يقربلها لازم يتخطاني الأول، دي مراتي، فاهمين؟
ابتسم الفهد ثم اقترب منه ونظراته تتوزع بينه وبين ريم المتشبثة بملابس عمر.
لتظهر للجميع أنها عاشقة له منذ سنوات.
تعجب عمر من طريقة الفهد، ولكنه توجه لريم وجذبها برفق لأحضانها تحت نظرات عمر المتعجبة وراوية التي تنظر له بدهشة حقيقية.
قائلاً بحنان:
شيلتي كل ده يا خيتي، ليه مجولتيش كل اللي حصل؟
لم تجبه ريم وبكت أكثر.
ليسدد من احتضانها قائلاً بتوعد:
أوعدك إني هندمه على اليوم اللي اتولد فيه، أوعدك يا خيتي.
فزاع:
راوية.
راوية:
نعم يا جدي.
فزاع:
خدّي ريم والكل واطلعوا فوق.
راوية:
حاضر يا جدي.
وبالفعل جذبت ريم من أحضان الفهد لتتلامس يدها مع يد معشوقها.
فيكتفي بنظراته التي تخبرها عن الكثير والكثير.
بينما جذبت نادين هنية ورباب وغادر الجميع للأعلى.
على عكس نوراه التي كانت بالأعلى تخطط لمخطط يدمر سليم ونادين، ولم تعلم بما حدث بالأسفل.
جلس فزاع دهشان بغضب شديد ثم قال لعمر:
فين الزفت ده؟
عمر بغموض:
موجود يا جدي.
فزاع:
بكرة يكون مرمي قدامي هنا، سامع؟
سليم:
حاضر يا جدي، هجيبه بكرة هنا.
فهد بدهشة:
انت كنت عارف بالموضوع ده؟ أنا قايم...
سليم بخوف:
أيوا يا فهد، بس عمر طلب مني ما تتكلم بالموضوع ده واصل.
فهد بسخرية:
لأ بجد، عفارم عليكم. يعني أنا اللي معرفش حاجة عن الموضوع ده؟
عمر:
كنت هقولك بس انت عصبي يا فهد، مش هتقدر تستنى لما نعرف مين اللي خلاه يعمل كده.
فهد بغضب شديد:
جولي مكانه فين؟ رايد أقتله بيدي.
فزاع بحزم:
كفاياكم عاد، كل واحد على جناحه.
فهد:
مهطلعش قبل ما أخلص عليه يا جدي.
نظر له فزاع نظرة غاضبة قائلاً:
اطلعوا الجناح، مهكررش حدتي كتير.
كبت الفهد غضبه وترك المكان وخرج من المنزل بأكمله.
بينما توجه عمر وسليم للمندارة بالخارج المنزل.
جلس وهدان بحزن قائلاً:
ليه يا بوي تعمل كده؟ دي المفروض بنته.
بدر:
معلش يا خوي، كيد الحريم يعمل أكتر من كده.
فزاع بهدوء مميت:
هملوني لحالي دلوقتي.
وبالفعل لم يتحدث أحداً منهم وتركوا المكان بأكمله.
ليجلس الكبير وعيناه تلمع بالغضب على ابنته الحاقدة التي تزيد الأغلال على قلبها يوماً بعد آخر.
***
بمنزل واهبة القناوي.
يركض مسرعاً للأسفل ليجد معشوقته ملقاة أرضاً وجسدها مغرق بالدماء.
تبطئت خطواته كحال قلبه الذي يخسر النبض شيئاً فشئ.
جلس أرضاً وحملها بين ذراعيه يزيح الدماء من على وجهه ليرى جيداً ويتمعن بها.
لعل الذي يراه من الخيال وليس من الواقع.
تساقطت الدموع من مقلتيه أمام الجميع، حتى والده بكى لرؤية ولده ضعيفاً لأول مرة بحياته.
خالد بصراخ:
ريماس! لاااا! ريماس ردي عليا! مين عمل فيكي كده؟
لا مش ممكن تسبيني انتي فاهمة؟
لم يجد الرد ليحتضنها ويبكي بصوت مزق قلوب الجميع.
فقال هاشم بدموع:
ما تخافش يا ابني، هنلحقها إن شاء الله، خير.
إن طلبت طيارة وزمنها على وصول.
خالد ببكاء:
ابني يا بابا، ابني.
واهبة:
وحد الله يا ولدي.
وبالفعل حملها خالد بين ذراعيه ودموعه تغرق وجهه الشاحب.
ثم حملها للسيارة وأسرع للوصول لموقع الطائرة المحدد.
حتى أن الجميع تابعوه بالسيارات، ولكن لم يتمكنوا من الوصول إليه.
فكان يعافر لإنقاذ حياة معشوقته.
والدموع تعرف الطريق لوجهها لم تزره من قبل.
***
بمنزل فزاع الدهشان.
كان الغضب يسطر حروف على سطور من الحقد.
حينما علم كبير الدهاشنة ما حدث مع عائلة واهبة القناوي.
فطلب الفهد الذي أتى على الفور وأخبره أنها إعلان بدء الحرب على جياد سويلم وأمره بالقضاء عليه نهائياً.
فرحب الفهد بكل سعة وسرور.
وزادت شرارة الغضب عندما أخبره فزاع ما فعله جياد.
بالأعلى.
كانت راوية تحتضن ريم حتى غفلت على ذراعيها.
فأسندتها على الفراش وخرجت من الغرفة وتوجهت للأسفل لترى هنية، فهي بحالة لا يرثى لها.
لتتقابل مع مروج، لم تبالي بها وأكملت طريقها.
لتقف على صوته.
مروج:
ريم عاملة إيه؟
راوية بهدوء:
الحمد لله.
مروج بدلع:
طب كويس الحمد لله. هكلم فهد أطمنه، أصله زمانه زعلان جداً.
ابتسمت راوية قائلة بخبث:
اعملي اللي يريحك من غير ما تعرفي اللي حصل.
أكملت بسخرية:
بتأخدي الإذن يعني؟
لم تفهم مروج ما تحاول راوية قوله.
إلا عندما نظرت لليمين واليسار، ثم اقتربت منها قائلة بصوتاً منخفض:
مفيش داعي للتمثيل، مفيش حد هنا غيري.
وتركتها وهبطت.
لتغلي من الغضب لعلمها بكل شيء، كأنها أعلنت لها أنها ملكة قلب الفهد.
فهي تعلم كل شيء، لا يحق لها أن تأخذ قلب قد وثق بوثاق العشق الأبدي.
***
بالمشفى.
وصل خالد معها.
ولم يتمكن أحد من الصعود معه على متن الطائرة لسرعته بالقيادة.
فكان على هاشم طلب طائرة أخرى.
فأخذت بعض الوقت للوصول.
بعد عدة ساعات خرج الطبيب لينظر للعاشق المحطم ويقول بأسف شديد:
بعتذر منك أستاذ خالد.
خالد بصدمة:
يعني إيه؟
الطبيب بأسف:
البقاء لله.
هنا ترددت الكلمة بأذن خالد كثيراً، لتحيطه الصدمة من جميع الاتجاهات.
فيصرخ بالطبيب قائلاً:
أنت مجنون! ريماس مستحيل تموت! مستحيل تسيبني!
الطبيب:
وحد الله يا سيادة الرائد.
دفعه خالد ليقع أرضاً، ثم ركض يفتش عليها بالداخل.
حتى وقعت عيناه عليها ملقاة على فراش بغرفة العمليات.
عليها غطاء يكفنها كعروس تزف للموت.
تقدم منها بقدم ثقيلة تأبى التقدم.
تقدم وقلبه ينزف ألماً، لم يشعر بألم خاد هكذا من قبل.
أزاح عنها الغطاء بغضب ثم جذبها بأحضان وبكى بشدة.
بكى خالد بصوت مزق جدران الغرفة الجماد الذي لا يشعر بشيء.
شعر بوجعه.
ليصرخ بوجع وعيناه على السماء قائلاً بدموع حارقة:
يارب متعملش فيا كده، عمري ما طلبت منك حاجة، ارجوك إلا هي.
خد روحي ورجعها يارب.
أغمض عيناه يتحمل الألم، ولكنه صعب.
لم يتحمله أحد.
ليدوم بذكرياتها وكلماتها تتردد بأذنيه.
"أنا بحبك أوي يا خالد، متبعدش عني."
"أنا حلمت إن في حد بيفرقنا عن بعض."
"أنا بحمد ربنا إنك في حياتي يا خالد."
خالد بقهر:
لأااا ريماااس.
ألقاها على الفراش بقسوة قائلاً بغضب:
أنتي وعدتيني إنك مش هتتخلي عني، لأ، مش هسيبك تضيعي مني.
وأخذ خالد يضغط بيده بشدة على موضع قلبها، ولكن دون جدوى.
ضغط بقوة أكبر ودموع أكثر وصوت مبحوح مصحوب بعشق جارح.
ولكن لا أمل من ذلك.
فوقع أرضاً ووضع يده على رأسه بألم وبكاء حار.
دلف سليم وعمر الذي أتى ومعهما الكبير بالطائرة مع هاشم وواهبة.
بأمر من الطبيب أن يخرجوا خالد من الداخل.
وبالفعل تحت مقاوماته نجح سليم في شل حركاته، وكذلك عمر الباكي لحال صديقه.
جذبه بعيداً عن الفراش.
ليقترب الطبيب ويضع الملاءة على وجهها.
ثم يصعق عندما يشعر بتدفق الهواء الساخن من أنفها.
فيصرخ بالممرضة تحت نظرات اندهاش من الجميع.
وبالفعل أتت الممرضة وأحضرت الصاعق الكهربي وبدأ الطبيب بالضغط بالقوة على صدرها، ولكن لا فائدة.
والجميع بالغرفة يتابع والأمل يكبر بقلب العاشق.
الطبيب الآخر باستغراب لعدم استجابتها للصدمة الكهربية:
المريضة متوفية يا دكتور.
الطبيب الآخر:
لأ، أنا متأكد، أنا حسيت بنفسها.
وأشار للممرضة لتغيير الكرة.
ففعلتها لتعود تلك المعشوقة للحياة مجدداً بفضل الله سبحانه وتعالى.
وضربات الإنعاش التي قام بها خالد.
وربما لم يرد الرحمن كسر قلبه، فتركها له ليعيد حساباته مجدداً.
شعر خالد بسعادة تكفي كون بأكمله.
حتى لو خسر ولده، ولكن لديه العشق بأكمله.
أما الفهد فكان بمهمة أكثر خطورة، مهمة من نوع آخر.
رواية الدهاشنة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اية محمد
في منزل جياد سويلم
كانت الفرحة حليفته عندما أخبره الرجل بحال الجميع. وبوفاة ريماس الذي كسر ظهر خالد وجعله هشاً للغاية. وسعد أكثر عندما علم بسفر الجميع لرؤية ماذا حدث. فأراد أن يستغل تلك الفرصة جيداً بأن يهاجم منزل كبير الدهاشنة ليريهم أنهم ضعفاء للغاية، فإذا كان مصير كبيرهم هكذا فما هو مصيرهم؟
***
في سرايا فزاع الدهشان
كانت ريم بغرفتها تبكي بصمت على حالها. تتدرج ذكريات ما حدث أمام عينيها. نعم، هي تتذكر عندما فقدت الوعي واستعادت وعيها لتجده أمامها بعدما فعل به ما شاء. لا يعلم أن الله يتوعد له بالكثير. تساقطت دموعها الحارقة على وجهها لتزيحها بيد ترتجف لذكري ما مرت به. ثم تأملت الغرفة جيداً لتجد نفسها بالجناح الخاص بها. لا تعلم كيف، فكانت كالمغيبة تماماً عن الواقع.
ركضت ريم تبكي وتردد اسمه حتى يأتي كالمعتاد ويحتضنها لكي تشعر بالأمان. ولكن هيهات، لم تجده بالجناح بأكمله. لِتَجْلِس على الأريكة بحزن شديد. حتى الهاتف لم تملك للحديث معه.
استمعت لصوت طرقات على الباب فتوجهت لتري من. فإذا بها راوية تحمل الطعام إليها لتجدها تبكي بشدة. فزعت راوية وقالت بخوف شديد:
"مالك يا حبيبتي في إيه؟"
أتت نادين هي الأخرى بعد أن أطمئنت على هنية، ولكن بمزاج سيء للغاية لمعرفتها ما حدث لريماس. ولكن التزمت الصمت حتى لا تقلق راوية، يكفي انشغالها بريم.
ريم ببكاء:
"فين عمر يا راوية؟"
راوية:
"عمر والكل نزلوا مصر."
ريم باستغراب:
"ليه؟"
راوية:
"معرفش والله يا ريم، هم قالوا في حاجة مهمة."
بكت بصوتاً مرتفع قائلة:
"أني عايزة أتكلم مع عمر، عايزة أشوفه."
نادين بحزن عليها:
"طيب، بس ممكن من غير عياط. هم هيرجعوا بكرة بالليل بإذن الله. سليم لسه قافل معايا من شوية."
زادت بالبكاء الشديد لتقول بدموع:
"لأ، أني عايزة دلوقتي."
راوية بتفكير:
"طب خلاص اهدي، ممكن نخليكي تكلميه."
نادين:
"فكرة والله."
راوية:
"طب الرقم أكيد على تلفون فهد."
نادين بسخرية:
"وهنجيب فهد منين يا غبية؟"
نظرت لها راوية بغضب ثم خرجت من الغرفة. جذبت هاتفها وطلبت معشوقها الذي لبى النداء في الحال.
راوية بصمت طال لدقائق تكتفي بسماع صوت أنفاسه الدفينة. ليأتيها نغمات الصوت لاسمها.
فهد:
"راوية، في حاجة؟"
ابتسمت قائلة بسعادة:
"نسيت، كنت عايزة إيه؟"
ضحك الفهد وقال بخبث:
"ممكن أجي أساعدك أنك تفتكري؟"
راوية بخجل:
"فهد."
فهد باللهجة الصعيدية:
"جلب الفهد وروحه وكل حاجة ليه."
شعرت بأنها في عالم آخر مملوء بدفء كلماته لتقول بكسوف:
"أنت نزلت مصر معاهم؟"
فهد:
"لأ، أنا هنا جنبك."
راوية بتعجب:
"جانبي فين؟"
لتجد أحداً ما يحتضنها بعشق. استدارت بخوف لتتقابل بنظرات عيناه الخضراء كأنها في أرض مملوءة بجمال الأعشاب الخضراء. حتى هو ظل يتأملها بصمت، تلك الحورية التي تنجح بتبديل شعوره حتى بعد أن ارتكب مخطط ذكي بحق هذا الخائن، فيتحول الغضب الجامح لهدوء تسكنه الراحة والحنان.
راوية بخجل:
"أنا افتكرتك معاهم."
فهد ومازال محتضنها:
"وأسيبك مستحيل."
شعرت بأن قلبها لم يعد ملكها لِتُدِيرهُ له، فتضع وجهها الأحمر خجلاً أرضاً. ليرفع الفهد قائلاً:
"كنتي عايزة إيه؟"
قالت بارتباك:
"هاا، أصل ريم كانت..."
فهد:
"مالها؟"
قاطعتهم نادين قائلة بتساؤل:
"فين الرقم يا راوية؟"
بدأت راوية بألتقاط أنفاسها ببطء قائلة لها:
"بجيبه اهو يا نادين."
فهد بتعجب:
"رقم إيه؟"
راوية:
"محتاجين رقم عمر، ريم عايزة تكلمه."
فهد بتفهم:
"التلفون اهو، خليها تكلميه براحتها. أنا هنزل أشوف أمي."
وترك لها الفهد الهاتف وغادر للأسفل ليرى والدته. أما نادين فحملت الهاتف منها وتوجهت لريم بعد أن طلبت عمر عبر الماسنجر ليجيب على الفور. وقبل أن يتحدث، تقابلت عيناهما عبر الكاميرا الحائل بين اللقاء.
عمر باستغراب:
"ريم، انتي كويسة؟ في إيه مالك؟"
لم تجيبه ريم وبكت بصوتاً متقطع قائلة بخوف:
"انت سبتني ليه؟ أني خايفة جوي من غيرك."
عمر بحزن عليها:
"أهدي يا حبيبتي، محدش يقدر يأذيكي طول ما أنا جنبك."
ريم:
"ارجع يا عمر."
عمر:
"راجع بكرة يا ريم، مينفعش أسيب خالد لوحده."
بكت ريم كثيراً وقالت:
"لأ، مجدرش أستنى لبكرة."
ثم وزعت نظراتها بالغرفة بخوف قائلة:
"أني خايفة جوي، حاسة أنه هنا. ارجع عشان خاطري."
كان عمر في مواقف لا يحسد عليه، ولكن ربح قلبه وملكته عليه ليخبرها أنه سيعود في التو والحال. وبالفعل توجه لسليم والكبير وأخبرهم أن عليه العودة. تعجب الجميع، ولكن حالته شرحت معاناة قلبه لأجلها. فتوجه لخالد الجالس أمام العناية المركزة بعد أن استردت حياتها. ظلت بخطر كبير بسبب الإجهاد بتلك الطريقة البشعة. أذن له خالد خاصة بعد أن أخبره بما حدث وكيف أنه كشف عمته وكشف كل شيء دبر من قبلها. فطلب منه العودة مسرعاً. وبالفعل صعد عمر السيارة مع أحد من الحرس وتوجه للعودة.
***
في سرايا فزاع دهشان
كانت سعيدة بما حدث وقلبها يرفرف بأعنان السماء. ولم تري تلك التي تنظر لها بغضب شديد بعدما رأت الفهد معها منذ قليل. كان الليل الكحيل هو السائد بالمكان والجميع في صحبة النوم، فالساعة أشرفت على الثانية صباحاً. ومازالت راوية مستيقظة بالحديقة تنتظر الفهد بعد أن تركها غافلة وتوجه للمندرة ليرى ماذا صنع هؤلاء الرجال. ليتفاجأ أنهم لم يجدوا جياد بالمنزل ولا بأي مكان. فذهل الفهد، فكيف له ترك المنزل بهذا الوقت بالتحديد. ومن هنا بدأت الخيوط تتضح له شيئاً فشئ. فأمرهم جميعاً بالتوجه معه للجبل، فمن المؤكد أنه يحتمي به.
أما بالحديقة
كانت تتمشى بخطوات بطيئة ووجهها محمل ببسمة العشق. لتجدها أمامها والدموع تغرق وجهها.
راوية بقلق:
"انتي كويسة؟"
مروج ببكاء:
"ارجوكي يا راوية ساعديني، ابني تعبان أوي. ارجوكي أنا عرفت إنك دكتورة أطفال، ساعديني."
ثم بكت بصوتاً مرتفع للغاية:
"ابني مالوش ذنب، ارجوكي."
راوية بخوف شديد:
"عبد الرحمن. طب هو فين؟ متخافيش، إن شاء الله هيكون كويس."
وتوجهت معها راوية للصعود. ولكن مع صعود أول درجتين شعرت باختناق رهيب يحاوطها. ثم هبوط ودوار لتسقط مغشياً عليها. فيحملها رجال سويلم إلى السيارة ثم يغادروا بدون أن يشعر بهم أحد.
وصل عمر ثم صعد لجناحه مسرعاً ليجد معشوقته تجلس أرضاً وعيناها يملؤها الخوف الشديد تحتضن نفسها وترتجف بشدة.
عمر بلهفة:
"ريم."
رفعت وجهها المنغرس بين ذراعيها لتجده أمامها. فتركض له بلهفة وسرعة حتى تستمد الحنان والأمان الذي تحتاجه.
ريم بدموع:
"سبتني ليه؟"
عمر بصوتاً متقطع من السعادة:
"غصب عني حبيبتي، بس مش هبعد عنك تاني. أوعدك."
نعم، هو ابتعد عنها بضعة ساعات، ولكنها كانت تحتاج إلى الأمان بوجوده خاصة بعد معرفة الجميع لما حدث. جذبها عمر للأريكة ثم جلس بجانبها يزيح دموعها قائلاً بقلق:
"في حاجة حصلت بعد ما مشيت؟"
أشارت له بمعني لا. فقال باستغراب:
"طب إيه اللي حصل؟"
ريم بخجل:
"أني كنت خايفة منهم يا عمر، أنت متعرفش إيه هنا بالصعيد يعملوا إيه لو حد عرف باللي حصل."
عمر:
"إحنا غير أي ناس يا روحي. فهد وسليم متعلمين وعارفين الكلام ده كويس، وده اللي بان من كلام الفهد معاكي. وجدي عايز يقتل الكلب ده النهارده قبل بكرة. الكل عارف إنك مالكيش ذنب."
بكت قائلة:
"بفضلك يا عمر، لو مكنتش جاري مكنش الموضوع عدى كده."
وضع يده على يدها بحنان قائلاً:
"وأنا جنبك على طول يا ريم، لأنك بجد حياتي اللي مقدرش أعيش من غيرها."
كانت تنظر له بخجل، أما هو فكان يقترب منها على أمل أن يكون ربح قلب حطمه القدر. فوجدها تعلنه ملكاً له لتصبح زوجة له بكل الحروف. ولكن الصدمة كانت حليفته، حتى هي لم تقل صدمتها عنه.
توجه فهد للجبل حتى ينهي ما بدأه جياد، فهو تعدى الخطوط الحمراء وشكل النهاية بيده. صعد هو ورجاله الجبل وهو يعلم المصاعب بذلك، فالجبل مرتفع للغاية حتى أنه يحاوطه صخور من جميع الجوانب. فإن سقط أحداً من هذا الارتفاع كأنه يتعهد بحفلة للموت السريع. ولكن الفهد تحدى كل ذلك وصعد لينتقم منه، لكي يكون عبرة لمن سولت له نفسه أن يتحدى كبير الدهاشنة.
***
بمخزن مظلم
كان يقبع هذا الحقير، ولكن دعنا نعلم القناع الحقيقي له. دخل عمر بخطوات كالبركان، ثم حل وثاقه ليقف أمامه بتعب شديد. فيقول بسخرية:
"إيه مدة الحبس انتهت ولا خلاص اتأكدت بنفسك إني بريء؟"
عمر بغضب:
"تقصد إيه؟"
جاسم بتعب:
"قصدي أنت عارفه كويس يابن خالي."
عمر بثبات:
"أحب أسمعه."
جاسم بحزن:
"أنا حبيت ريم وكنت أتمنى أنها تكون مراتي."
ضغط على يده بقوة ليتحمل الحديث، فعليه معرفة ما أراد معرفته، وإلا كان هذا الأحمق جثة هامدة. أكمل جاسم قائلاً:
"بس هي كانت بتحبك أنت، وده اللي جنني."
عمر بغضب:
"آه، عشان كدا وهمتها إنك اعتدت عليها عشان لما تتقدم لها توافق على طول، مش كدا؟"
وضع رأسه أرضاً قائلاً بحزن:
"منكرش إني عملت كدا عشان توافق، بس مش ده السبب اللي خلاني أعمل كدا."
عمر بغضب:
"امال إيه؟ اتكلم."
جاسم بنبرة صادقة:
"يا عمر، أنا عمري ما أنسى إني اتربيت معاكم ببيت واحد، يعني حفظت عاداتكم واطباعكم. كنت بستغرب أوي لما بلاقي الحب ده لبعضكم، وأمي الوحيدة اللي الكره في قلبها. أنا عرفت إنها ناويالك على كدا وطلبت منها إني أكون أنا بدل الشخص اللي هو موكلاه. وأقنعتها إن كدا أضمن عشان الواد ده ميفتحش بوقه، وأنا ستر وغطا عليها كمان. فهمتها إني حابب أنتقم من ريم لرفضها لي. لما ريم أغمي عليها، أنا أوهمتها إن حصل بينا حاجة، لكن أخلاقي متسمحليش بكده."
عمر بسخرية:
"لا راجل."
جاسم بحزن:
"مكنش قدامي حل تاني، كان نفسي اتجوزها بأي طريقة. وبعدين لو مكنتش عملت كدا كان زمان الحيوان اللي هي استأجرته عمل كدا، وساعتها مكنتش هعرف أحميها."
عمر بغضب جامح:
"انت بتسمي دي حماية؟"
حزن جاسم ووضع عيناه أرضاً قائلاً بحزن:
"خالي ريم وجدي وخالي، وكل حد يسامحني، أرجوكم يا عمر."
شعر عمر بندمه، فاقترب منه قائلاً بشفقة غير ملموسة:
"هحاول."
ثم توجه للخروج قائلاً له:
"تقدر تخرج من هنا."
لقيت حاجة تشفعلك. وخرج عمر من المخزن ليبكي جاسم على الطريق المغلق اللي قادته لها والدة لم ترَ سوى الحقد.
***
تمكن الفهد ومن معه بالوصول لمقر جياد سويلم، ثم دارت المعركة بالرصاص الحي. لينصدم جياد من وصول الفهد لذلك المخبئ السري. لا يعلم كيف يدور عقله ولما نال اللقب على مسمى. ولكن الفهد لا يعلم أن معشوقته بالداخل تعافر للحياة. نجح الفهد بأسقاط أكبر عدد من رجال جياد سويلم. ثم دلف للمخبئ يبحث عنه بغضب جامح. لا يعلم أن معشوقته بالداخل. لم يجد أحداً بالداخل ليأتيه صوت ما من خلفه. فالتفت ليجد معشوقته بيد هذا المخيف يضع السكين على رقبتها وهي تبكي بشدة من الخوف. صدمة ألجمت الفهد وجعلته عاجز عن التحدث، فقط ينظر لها بعدم استيعاب. ليأتيه صوت جياد قائلاً بحقد:
"حظك من السما إنك تحضر قتلها قدامك."
فهد بثبات رغم ما بداخله:
"هههه، ياريت تكون خدمتني وعملت فيا جميل مهنساهوش بحياتي واصل."
تعجب جياد وبدأ يديه بالأسترخاء عن عنقها. أما هي فكانت بصدمة لم ترَ لها مثيل.
ليكمل الفهد بسخرية:
"وتبقى وفرت عليا الطريق اللي كنت هقتلها بيها إني مبحبهاش واصل، بس جدي غصبني على الزواج منها يعني كنت مغصوب. وأنت كده بتجملي خدمة كبيرة مهنسهاش أبداً."
كانت تنظر له نظرة تذبح قلبه بخنجر مسنون، ولكن عليه إنقاذها مهما كلف الأمر. تقدم منه قائلاً:
"مستني إيه؟ خلص عليها."
كان جياد بمعادلة خاسرة. فاستغل فهد ذلك وجذبها منه بشدة ثم دفعها بعيداً عنه وتقدم منه يكيل له الضربات بغضب شديد حتى فقد وعيه من سرعة الضربات. فتركه الفهد وتوجه مسرعاً للراوية التي تجلس أرضاً والدمع يحاوط عيناها.
فهد بخوف شديد:
"انتي كويسة يا راوية؟"
دفشته بعيداً عنها قائلة بغضب:
"ابعد عني، أنت أذيت بالحقارة دي. طلقني، أنا معتش أقدر أعيش معاك، أنت بني آدم كذاب."
وتوجهت راوية للهبوط، ولكن خانتها قدمها لتصرخ بفزع وتتمسك بأي شيء. ولكن هيهات، لم تجد سوى يد معشوقها.
فهد بخوف:
"ما تخفيش يا حبيبتي."
وحاول الفهد جذبها ببطء حتى لا تتأذى، ولكنه كف عن الحركة عندما اخترق الرصاص جسده. فالتفت ليرى جياد يقف وبيده السلاح. صرخت راوية وبكت. وما زاد بكائها عندما أصابه جياد بذراعيه المتمسك براوية متعمداً لذلك. فهل سينجو الفهد وسيتمكن من إنقاذ عشقه الواشك على الزوال؟ فهل سينجح الفهد؟
***
يتبع…
رواية الدهاشنة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اية محمد
دفشته بعيدًا عنها والدمع بعينيها وقلبها محطم. هل كانت حمقاء لتخدعه؟
توجهت للهبوط من هذا الجبل الضخم. مرتفع للغاية، فتعثرت قدماها وأنجرفت. صرخت راوية ولم تجد ما تتشبث به سوى معشوقها الذي هرول مسرعًا ليكون الحائل بينها وبين الصخور. فالجبل عالٍ الارتفاع، وذراعيه هما النجاة لها من الموت.
تمسكت بها الفهد جيدًا قائلًا بلهفة:
_ ما تخافيش يا حبيبتي.
وحاول فهد سحبها ببطء شديد حتى لا تتأذى من الصخور. ليقِف عن الحركة عندما شعر بوجع شديد يهاجمه. فالتفت خلفه ليجد جياد استعاد وعيه وبيده سلاحًا أصاب الفهد به.
صرخت راوية عندما استمعت لصوت الرصاص، وملامح الفهد المتخشبة كانت كفيلة بشعورها أنه هو من أصاب.
اقترب منه جياد وعلى وجهه ابتسامة حقيرة. لتراه راوية بعدما اقترب منهم.
جياد:
_ كنت فاكر إنك هتنتصر بالسهولة دي يا واد الدهشان، لع فوِج مش أني الا أنتهي بالسهولة دي.
فهد بصوت متألم:
_ الحلم عمره ما يتحجج يا جياد، بس أني أوعدك أني هساعدك عشان يكون حقيقة.
انفجر ضاحكًا، ثم انحنى يتأمل ملامح الفهد المتألمة بعدما أصيب برصاصتين بظهره. فأخذ يوزع النظرات بينه وبين راوية المتعلقة به.
فابتسم بخبث قائلًا:
_ الصراحة يا واد عمي أني معيزش فيلم تيتانيك ده يخلص، عايز أتفرج وأشوف هتخلصها كيف.
ثم وقف ووضع السلاح على رأسه يفكر، قائلًا بصوت مرتفع. وقلب راوية ينبض بالخوف على الفهد، أما الفهد فكانت نظراته غامضة لا تعلم ما يدور بخاطره. هل يتألم أم ماذا؟ لا تعلم شيئًا، فهي محتوم عليها الموت المؤكد.
جياد بحقد:
_ لقيتها، وريني كيف هتنقذها إكده.
وضرب الفهد برصاصة بذراعيه الذي يحمل به راوية. لتصرخ راوية خوفًا على الفهد ويتألم هو بصمت حتى لا يفزعها، فهو كبير الدهاشنة ليس بالضعيف الذي يصرخ، يتألم بصمت رهيب.
تعالت ضحكات جياد عندما ارتاحت قبضة فهد عنها، فبدأت تتعثر بأي شيء وهي تصرخ مرددة اسمه. ليتمسك بها مسرعًا وهو يتألم أضعاف، لتمسكها بيد تنزف بغزارة.
تلاشت ابتسامة جياد عندما وجد العزيمة بعينيه لحمايتها. وظل متمسكًا بها وبشدة. عذرًا، فلن يتخلى الفهد عن عشقه بسهولة.
فجن جنونه وأخذ يتأمل المكان من حوله بضيق. ليجد سكينًا موضوعًا، فالتقطه مسرعًا. ثم هرول إلى ذراع الفهد الذي يتمسك بها بقوة وطعنه بالخنجر حتى يتركها.
بكت راوية وحاولت التملص من بين يديه حتى لا يتأذى معشوقه أكثر من ذلك. فالموت بالنسبة لها راحة من رؤيته يواجه كل هذا العناء من أجلها. ولكنها لم تستطع، فقبضة الفهد عليها كالأساور الحديدية، صعب التخلص منها بسهولة.
أما هو، فكلمة ألم صفر في المئة مما يشعر به، ولكن عليه الصمود لأجلها.
رفع عينيه الحمراء من قوة المعاناة قائلًا له بصوت متقطع:
_ أنت… جنيت… علي…. نفسك.
لم يفهم جياد حديثه، ليفاجئه الفهد بدافع قوّي من قدمه. فيسقط من على الجبل لتحتضنه الصخور، ليلقي حتفه الموت المحتوم من هذا الارتفاع. وظل هو ينازع الحياة لأجل معشوقته. فلاول مرة يندم على قرار اتخذه عندما تزوج منها، فلا يريد أن يصبها مكروه.
***
عاد عمر للسرايا ليعلم من الحارس بما حدث وكيف أن الفهد صمم على صعود الجبل، وأنه أمرهم بالهبوط وهو سيكمل مسيرته للقضاء على جياد بمفرده. فجن جنون عمر، كيف له بالبقاء بمفرده. وصعد مسرعًا إلى السيارة يقودها بسرعة تعادل الريح. ويتابعه بعض من رجال الكبير. فزاع الدهشان الذي علم بما حدث عبر الهاتف. فبحث الضلع القوي سليم دهشان للصعيد حتى ينضم للفهد وعمر وينهوا سلالة هذا الحقير. لا يعلم بأن الفهد كان كفيلاً بتلك المهمة.
***
بالجبل.
مرت الدقائق عليه وهو صامد، رافضًا أن يترك ذراعيها مهما كلفه الأمر. عناء تمسك بها لآخر رمق، وأبي أن يتنازل عنها.
راوية ببكاء:
_ سبني يا فهد، إيدك بتنزف.
فهد بتعب شديد:
_ لاخر نفس فيا هفضل متعلق بيكي يا راوية، مش هسيبك إلا لو الموت اتمكن مني.
بكت أكثر لغبائها، فكيف ظنت خدعته حقيقة؟ فلو تمسكت قليلًا ما حدث كل ذلك.
أما فهد، فكان مستلقيًا أرضًا متمسكًا بها بذراعيه المجروح. رأسه بمحاذاها، يراها ولكن لا يقوى التحرك. فالرصاص بظهره جعلها كالنمر الجريح الذي لا ينال الراحة ولا السكينة.
بدأ فهد بفقد وعيه تدريجيًا.
تفزعت راوية قائلة ببكاء:
_ فهد، فهد.
أفاق مسرعًا بصوته الموجوع:
_ نعم يا حبيبتي.
ابتسمت له من وسط دموعها، فما زال يلقنها العشق وهو يفقد حياته تدريجيًا. لتنهمر بالدموع قائلة:
_ لو فعلاً أما حبيبتك، سبني يا فهد. أنت بتموت بالبطيء. سابني أوجه مصيري.
فهد بتعب شديد:
_ مصيرنا واحد يا راوية، مستحيل أسيبك للموت وأنا فيا النفس.
راوية بصراخ:
_ هتموت، أفهم بقا.
ابتسم بعشق قائلًا:
_ هتكون أحلى موته وأنا شايفك قدام عيوني لآخر مرة.
ابتسمت بدموع، ليشعر فهد بأنه أوشك على فقدان الوعي والتعب يتمكن منه تدريجيًا. ليشير لها قائلًا بوجع:
_ اسمعيني يا راوية.
ثم كبت صرخات الوجع قائلًا:
_ حاولي تساعديني، اتحملي على دراعي وأطلعي.
راوية بدموع:
_ لا يا فهد، دراعك فيه إصابة، مقدرش أوجعك بالطريقة دي.
فهد بوجع مكبوت:
_ مفيش وقت يا راوية، أنا كويس صدقيني.
يالاراويه ببكاء مسموع:
_ لاا، مش هعمل كدا.
فهد بغضب:
_ هتعملي الا بقولك عليه، فاهمه؟ مش هسيبك للموت يخدك مني، مستحيل.
وبالفعل بدأ يجذبها بقوة تمزق به وهي تبكي لتوجعه بصمت. فاستندت على ذراعه لينزف بغزارة جعلت ملابسها كتلة دماء. عاونها الفهد لآخر نفس لديه حتى نجحت بالصعود. ثم سمح لنفسه بالانهيار.
لتصرخ راوية بخوف وتحاول أن تجعله يفيق، ولكنه فقد الوعي نهائيًا.
بكت راوية ولم تعرف ما الذي عليها فعله. صرخت بصوت مرتفع تناجي ربها أن يساعدها وينجي معشوقها. وكأن النداء كان سريعًا عندما استمعت لصوت عمر ينادي على الفهد بصوت وصل لمسمعها. فهرولت إليه قائلة:
_ عمر.
اتجه عمر للصوت لينصدم عند رؤية راوية. ولكن ما زاد صدمته رؤية ابن عمه ينزف بشدة وفاقدًا للوعي.
فقرب منه بفزع وقلب مقتلع، فهو الأخ الأكبر له. حاول عمر أن يدير وجهه إليه، ولكن صرخت به راوية وأخبرته أنه مصاب برصاصتين بظهره والأخرى بذراعيه.
صدم عمر وهو تهوت دمعة خائنة على وجهه. ثم استدعى الرجال وعاونه على حمله وتوجه هو لمساعدة راوية بالهبوط. فالمكان خطير للغاية.
***
بالسرايا.
كانت نادين تجلس مع رباب بغرفتها تفكر بحال خالد. ففرت دمعة من عينيها عندما تذكرت طلبها من سليم أن يسمح لها بالتواجد معهم. ولكنه رفض ذلك، لا تعلم لما رفض. ولكن لديها شعور بأنه ما زال يضع حدودًا بينها وبين خالد. مع ذاكرها له كثيرًا أنه مجرد أخ لها.
تركت نادين الغرفة وتوجهت لتصعد غرفتها حتى تبدل ثيابها. ثم تسمرت مكانها عندما استمعت لحديث مروج مع أحد على الهاتف.
مروج بسعادة:
_ أنا فرحانة أووي، أخيرًا اتخلصت منها. أنا مكنتش مصدقة أن فهد ممكن يحب غيري، بس خلاص هرجع لقلبه من جديد وبأي طريقة.
مروج:
_ ههههه، أذي دي؟ فـ أنا هقولك يا ستي، بعد ما نزلت الصعيد مع فهد عرفت من كلامهم هنا أنا في واحد اسمه جياد سويلم العدو اللدود ليهم. وأنا بقا وصلتله وقولتله أني مستعدة أساعده بشرط مجيش جنب فهد. عرفت من هنا ان فهد ناوي يهجم على بيته. فـ بعت رسالة ليه وطلبت منه هدية لمعلوماتي، وكانت انه يخلصني من الزفتة اللي اسمها راوية دي. وهو لقي إنها مصلحة برضو يكسر قلب فهد وساعدته في كدا لما ضحكت على راوية وقولت لها عبد الرحمن مريض.
ثم ضحكت بصوت مرتفع لتجد يدًا تجذبها بقوة من شعرها قائلة بغضب جامح:
_ راوية فين؟ عملتي فيها إيه؟ أنطقي.
صرخت مروج بقوة حتى اجتمع من بالسرايا جميعًا، ومنهم الحرس المؤكلون بحماية السرايا.
هنية بدهشة:
_ إيه ده يابت.
نادين لريم:
_ امسكيها مغيا يا ريم الأول.
مروج بصراخ:
_ ابعدي عني يا زبالة.
نادين:
_ الزبالة دي هتوريكي هتعمل إيه.
وضربتها نادين بقوة كبيرة، ثم قامت بمساعدة ريم بتقييدها بالمقعد.
رباب بستغراب:
_ إيه ده يا نادين؟ هي عملتلك إيه يا بتي؟
نادين بغضب:
_ أنا سمعتها بتتكلم مع حد بالتليفون وبتقوله إنها ساعدت اللي اسمه جياد ده بخطف راوية.
هنية بفزع:
_ يا حبيبتي يابت.
ريم بصدمة:
_ راوية.
نادين لمروج:
_ انطقي، راوية فين؟
الحارس وعيناه أرضًا:
_ الست راوية بخير يا هانم، أني كنت جاي أطمنكم عليها بأمر من الأستاذ عمر.
رباب بتعجب:
_ عمر، أني مفهمش حاجة.
الحارس:
_ هفهم حضرتك.
وبدأ الحارس بسرد ما حدث على مسمعهم. لتصرخ هنية وتبكي ريم لمعرفتهم ما حدث للفهد. حاول رباب تهدئة الأمر ولكنها فشلت. لتطلب من الحارس أن يأخذهم إلى المشفي التي تم نقل الفهد بها بواسطة الطائرة. فرفض ذلك وأخبرها أن عليه مشاورة الكبير أولا.
كانت نوراه تتابع بعين تحمل الفرح لإخلاء المنزل حتى تتمكن من تهريب نوال وتنفيذ مخططها.
***
تم نقل الفهد لنفس المشفي الموجود به الكبير وواهبة والجميع. لينصدم فزاع ويهرول مسرعًا لغرفة العمليات في عدم تصديق. وسليم أيضًا الذي شعر بتوقف قلبه على رفيقه.
ليقص لهم عمر ما رآه والدمع حليفه. أما راوية فـ انهارت بأحضان خالد تبكي بصوت مرتفع للغاية لتمزق قلب الجميع.
فقرب منها سليم قائلًا بغضب:
_ إيه الا حصل يا راوية وخلجاتك ليه كلها دم؟ إنتي إيه الا وصلك هناك؟
صرخت راوية بدموع قائلة لخالد:
_ فهد يا خالد، فهد.
شدد الفهد من احتضانها وقلبه متوجع لأجلها.
فقال هاشم لسليم:
_ سيبها الوقتي يابني، أنت مش شايف حالتها.
فزاع بحزم:
_ مش وقته يا سليم.
وهدان بغضب:
_ كيف يابوي؟ لازمن أقطع رجبت جياد والا نار جلبي مهتبردش واصل.
واهبة:
_ أهدا يا ولدي دلوجت، المهم فهد وبعدين نشوف الكلب ده.
عمر والدمع حليفه:
_ جياد انتهى خلاص يا عمي، فهد قتله هو ورجالته.
بدر بحزن:
_ فهد محدش يجدرله واصل، بس ده حصل كيف؟
تعالت شهقات راوية قائلة بدموع:
_ بسببي، كان بيحميني منهم، أنا السبب.
وزادت بالبكاء حتى أُغشي عليها، فحملها خالد لأحد الغرف واستدعى سليم الطبيب لمعالجتها. فلديها بعض الجروح البسيطة.
***
توجهت هنية ورباب ونادين للمشفي مع الحرس. وتبقت ريم ونوراه بالسرايا، رغم رفض ريم ذلك بشدة. ولكن رباب رفضت ذلك لحالتها المتدهورة. وطلبت منها نادين الاحتفاظ بتلك الحقيرة لحين عودة الكبير وعودتهم من السفر.
فخرج الجميع وتبقت هي لتشعر بحركة أحد ما بالغرفة. لتتفاجأ بنوال وعيناها مملوءة بالحقد والغل، وبيدها سكين تحمله بكره شديد وتتجه إليها.
***
خرج الطبيب بعد عدة ساعات بالداخل. ليحمل لهم الصدمة التي أسقطت وهدان أرضًا وجعلت الكبير يشعر بالتحطم لفلذة كبدها. حتى سليم وعمر كانت الصدمة كفيلة بإخرسهم بأن الفهد القوي الممهد للمملكة الدهاشنة وكبيرهم صار عاجزًا عن الحركة لأصابته بمنطقة حيوية بالجسد. فسوف يصبح على مقعد متحرك. ولا يعلم الطبيب هل يمكن معالجته أم سيظل هكذا؟
رواية الدهاشنة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اية محمد
تقدمت منها نوال قائلة بحقد:
_ عارفة لو منطجتيس ولدي فين هخلص عليك.
تراجعت ريم للخلف بخوف شديد:
_ واني هعرف منين يا عمة مخبرش بحاجة واصل.
نوال بتهديد:
_ أنطجي لو عايزة تنفدي بحياتك.
تراجعت للخلف بعدم تصديق لتناولها نوال بحقد شديد. فأغمضت عيناها لتتلقي مصيرها. فإذا بيد قوية تحول بين جسدها والسكين. فتحت عيناها بخوف شديد لتجد جاسم يقف بوجهها والسكين بيده.
نوال بفرحة:
_ ولدي ولدي.
اقتربت منه لتحتضنه لتجده كالجماد لا يتحرك. فتطلعت له بخوف شديد:
_ مالك يا ولدي عملوا فيك أيه يا حبة عيني.
تساقطت الدموع من عيناه كشلال من الطوفان ليتقطع قلبها وهي تراه هكذا. فتقترب منه بلهفة تجفف دموعه قائلة:
_ حد عمل فيك حاجة جولي أنت زين.
جاسم بصوتاً باكياً:
_ متقلقيش انا عايش بس من جوايا محطم وميت 100 مرة.
كانت ريم تتابع ما يحدث بصمت.
نوال بلهفة:
_ عملوا فيك أيه يا ولدي.
جاسم بغضب:
_ أنتِ الا عملتي مش هم. خلتيني أحقد علي الكل. نقلتي مرض الحقد والكره لقلبي. خلتيني أعيش وأنا كاره نفسي قبل ما أكرههم. أنتِ مستحيل تكوني أم. الأم بتتمني أولادهم يكونوا الأفضل حتي لو هتضحي بنفسها وسعادتها. بس انتي مش بتحبي إلا نفسك. وأستخدمتيني عشان تحققي هدفك القذر اللي بتخططي له. ذنبها إيه؟ هي اللي زرعت الحب في قلب أبويا ناحيتها. رفضته ومقالتش لحد عشان متجرحكيش. بس انتي اللي كنتي عايزة تجرحيها وتكسريها في بنتها. وافتكرتي إن خططك صح ومفيش حد يقف قدامك. ونسيتي ربك. بس جه الوقت اللي تعرفي إن خططك فشلت من أول لحظة. أنا ملمستش ريم وهمتها بس إني عملت كدا عشان أحميها منك ومن شرك. حتى عمر كان عارف بكل حاجة. وإنتي فاكرة إنه هيفضحها. حماها من الكل واتجوزها وهو على علم باللي حصل. يعني كل خططك كانت فاشلة.
نوال ببكاء:
_ يا ولدي أن...
قاطعها بقسوة قائلاً:
_ أنا مش ابنك فاهمه. ميشرفنيش تكوني أمي. أنا هنزل مصر وهعتذر من الكل وأقولهم إني خلاص اتبريت منك.
وقبل أن تستوعب أي كلمة كان جاسم قد جذب جلباب أسمر موضوع بغرفة ريم على المقعد وحجاباً موضوع بجانبه. ثم اتجه لريم التي تجلس أرضاً ترتدي بيجامة وبشعرها. لتجده يجذبها لتقف أمامه وهي كالمغيبة. جسدها يرتجف مما كانت ستفعله نوال.
ثم وضع حجابها على رأسها والجلباب على جسدها وجذبها برفق للخروج من الغرفة ثم من السرايا بأكملها. ساعدها بركوب السيارة ثم توجه لمصر.
كانت ريم كالمغيبة لا تشعر بشيء. فقط الدموع والارتجاف حليفها.
***
بالمشفى.
كانت الصدمة كبيرة على الجميع. وبالأخص راوية عندما علمت بالذي حدث. بكت كثيراً ولكنها حمدت الله أنه ما زال على قيد الحياة.
بالعناية المركزة.
كان يرقد على الفراش بتعب شديد. لا يشعر بأحداً من حوله. فقد يرى الظلام حليفه ولا يرى سواه. لم يشعر بمحبوبته التي تبكي لأجله وهي تجلس لجانبه. فدَلفت الممرضة سريعاً توبخها لأن الطبيب أعطى لها تعليمات بأن لا يدخل أحد للداخل.
خرجت معها ووجهها مغطى بالدموع. لتجد أخاها بانتظارها ليحتويها بأحضانه. أخذها وجلس بالخارج. لتأتي الممرضة والسعادة حليفتها لتخبره بأن زوجته استعادت وعيها. لم تفهم راوية شيئاً من الذي يحدث. حتى أنها سألت خالد ولكن لم يجيبها. هرول للغرفة بسعادة وهي تقف مندهشة عندما لمحت ريماس على الفراش بتعب شديد.
توجهت راوية بغضب لأبيها الذي يجلس مع الجميع. بغرفة هنية التي ما إن علمت الذي حدث لأبنها حتى أُغشي عليها هي الأخرى.
***
بغرفة ريماس.
فتحت عيناها بزعر لتتأكد أنها ليست هناك. ويحل الأمان عليها عندما تجده يقف أمامها. ولكنها عادت للبُكاء عندما تذكرت ما حدث معه. ليحتضنها خالد. الدمع حليفه. كم كره نفسه كثيراً لعدم تمكنه من الانتقام من هذا الحقير. ولكن الفهد أناب عن الجميع واختار له الموتة التي تناسبه.
بكت ريماس بأحضانه كأنها تخرج ألمها وأوجاعها له. ليشعر بما مرت. ويشدد من احتضانها. ولكنها دفعته بعيداً عنها وتحسست بطنها. لتتوالى الصدمات. لتصرخ بخوف مما ستسمعه.
ريماس بدموع:
_ ابني.
خالد بحنان وابتسامة تعاكس دموعه:
_ قدر الله ما شاء فعل. بكرة ربنا يعوض علينا يا حبيبتي.
ريماس بصراخ:
_ لاااا ابني.
احتضنها خالد ليقول بصوت باكي جعلها تشفق عليه وتكف عن البكاء وتحتضنه بألم:
_ حرام عليكي يا ريماس متعمليش فيا كدا. أنا مش متحمل.
ريماس بدموع:
_ عايز حق ابني يا خالد.
خالد وقد اشتعلت جمرات نيران قلبه:
_ قريب يا حبيبتي أوعدك إني هجيبهم وساعتها ناري ممكن تبرد.
ابتعدت عن أحضانه قائلة:
_ وعمي.
خالد:
_ أخد جزاته خلاص.
ريماس بعدم فهم:
_ مش فاهمه.
أسندها خالد للفراش قائلاً:
_ مش مهم يا حبيبتي أرتاحي دلوقتي وبعدين هفهمك كل حاجة.
وتركها خالد وتوجه للخروج. لتجذبه من ذراعه متسائلة باستغراب:
_ أنت رايح فين يا خالد.
خالد بحنان:
_ متخافيش يا قلبي أنا مش هبعد. شوية وراجع. لازم أكون جانب راوية. هي محتاجاني جانبه.
ريماس بلهفة:
_ مالها راوية.
خالد بحزن:
_ فهد تعبان أوي وهي منهارة عليه.
ريماس بتعجب:
_ مالها فهد.
اقترب منها خالد وأسندها مجدداً للفراش قائلاً بحب:
_ قولت إيه أرتاحي دلوقتي وأنا هقولك كل حاجة بعدين.
ريماس:
_ بس.
خالد بتحذير:
_ ها.
ريماس باستسلام:
_ حاضر.
طبع قبلة على جبينها:
_ مش هتأخر عليكي.
ويغادر خالد تحت نظرات ريماس المفعمة بالحب تجاه هذا العاشق الحنون. فخالد منبع للحنان والاحتواء.
***
بالأسف.
كان عمر يدفع تكاليف المشفى. ولكنه تفاجأ بريم تركض لأحضانه وجسدها يرتجف بشدة. أبعدها عمر عن أحضانه قائلاً بدهشة:
_ ريم أنتي جيتي هنا أزاي.
لم تجبه ريم وكانت تبكي بخوف كمن رأى شبحاً. مما أثار تعجب عمر. فأخذ يوزع نظراته للجلباب الملبوس بإهمال والحجاب غير المنسق. ثم بدأ الرؤية تتضح لديه عندما دلف جاسم للمشفى. ليغضب عمر غضباً لم ير له أحداً مثيل. ويتركها ويقترب منه بنظرات كالجحيم. ثم لكمه لكمة قوية أسقطت جاسم أرضاً. فعمر قوي للغاية.
ركضت ريم إليهم وحالت بينهم قائلة لعمر بدموع:
_ لأ يا عمر جاسم معملش حاجة. هو اللي أنقذني من الموت.
تعجب عمر. ولكن نظرات الجميع إليهم جعلته ينحني ويساعد جاسم. ثم أخذه وخرج من المشفى إلى أحد المطاعم لتقص عليه ريم ما حدث. فيقتلع قلبه لمجرد التفكير بخسارته.
رفع عمر عيناه لجاسم قائلاً:
_ ليه عملت كدا.
جاسم بندم وعيناه أرضاً:
_ قولتلك قبل كدا يا عمر. أنا اتربيت وسطكم. يعني أكيد فيا حاجة منكم. ولو بسيطة.
عمر بغموض:
_ وعمتي.
جاسم بحزن شديد:
_ اختارت طريق آخر مصاعب وأنا مش همشيه تاني.
ثم أكمل بحزن:
_ كفاية عليا إن الكل غضبان مني بسببها.
عمر:
_ مش الكل.
نظر له جاسم على أمل. ليبتسم عمر قائلاً:
_ أنت عملت اللي ممكن يشفعلك عندي.
ثم نظر لريم وأكمل:
_ مكنتش أعرف أعيش من غيرها. وشكري ليك بأني هسامحك وهساعدك بأن الكل يسمحك.
سعد جاسم كثيراً وقال بفرح ملموس:
_ بجد يا عمر.
تطلع له عمر قليلاً وهو يشعر بالسعادة بما سيفعله:
_ بجد يا واد الدهاشنه.
ابتسم جاسم. ولكن قاطع هذا اللحظة بكاء ريم وهي تمسك يد عمر قائلة بدموع:
_ فهد.
عمر بحزن وعيناه أرضاً:
_ فهد حالته صعبة أوي.
جاسم بخوف:
_ ليه.
قص عليهم عمر ما أخبرهم به الطبيب. لتبكي ريم بصوت يمزق القلوب. فوجدت الدعم الدائم بحياتها معشوقها عمر الذي وضع يده على يديها. كفكفت دموعها وشعرت بما يخبرها بها. فأبتسمت من وسط دموعها. وكذلك جاسم الذي تأكد الآن ما هو الحب.
***
علمت راوية ما حدث مع ريماس. فغضبت لعدم إخبار أبيها لها. وما زاد غضبه معرفة نادين للأمر. وألتزمت هي الأخرى الصمت. ولكن ليس وقت العتاب. فعليها الاطمئنان على هنية. فدَلفت لتراها وجلست لجانبها تواسيها. وهي من تحتاج المواساة.
***
أحضر سليم الطعام للجميع مثلما أمره الكبير. وصعد الدرج للأعلى ليتصنم مكانه عندما يجد. الاتجاه. نادين تتجه لغرفة ريماس لتطمئن عليها. ولكنها تقابلت مع خالد وهو يخرج من غرفته.
نادين بلهفة:
_ خالد أزيك وحشتني أوي.
ابتسم خالد قائلاً:
_ وأنتي كمان وحشتيني. أخبارك إيه.
نادين:
_ أنا الحمد لله. المهم ريماس أخبارها إيه.
خالد ببعض الألم:
_ أهو الحمد لله رجعت لوعيها من دقايق. بس حالتها وحشة لما بتفتكر اللي حصل.
وضعت نادين يدها على يده قائلة بحزن:
_ كان نفسي أكون جانبكم في الوقت ده. بس...
قاطعها خالد قائلاً:
_ عارف يا نادين مش محتاجة تبرري موقفك. وبعدين يا عبيطة إنتي عايزة تيجي هنا وتفرجي علينا الناس فضايحك. أنا هتحملها أو بابا راوية. معلشي. لكن هنا هنضرب بالشبشب يا ماما.
نادين بغضب:
_ مين دي يااض اللي تتضرب بالشبشب. فوق لنفسك.
خالد:
_ ماكس.
أحتضنته نادين بخوف قائلة بفزع:
_ فييييين. ليييه. معملتش حاجة.
انفجر خالد ضاحكاً قائلاً لها بسخرية:
_ لا ما تخافيش. بجرب صوتي بس.
أبتعدت عنه نادين ثم ضربته على صدره قائلة بغيظ:
_ بارد.
ضحك خالد ثم وضع يده على كتفيها:
_ تعالي نشوف راوية فين. وبعدين نشوف بارد بتاعك ده.
وبالفعل جذبها خالد وتوجه للعثور على راوية. وتبقا هذا الوحش الغاضب يتأمل الفراغ بعدما تركوا المكان بغضباً لم ير أحداً له مثيل.
***
هدأت هنية قليلاً بوجود راوية. بينما تبقا لهيب النيران مشتعلة بقلب فزاع الدهشان. حتى واهبة كان حزين على الفهد. وهاشم يشغل عقله ما سيحدث لأبنته. فهو يعرف شخصية الفهد جيداً ويعلم أنه يكره الضعف. فكيف سيكون حاله عندما يكون من أهله.
صعد عمر ومعه ريم. لتتفاجئ رباب بها وكذلك الجميع. فيقص لهم عمر ما حدث. ليشتعل غضب بدر ووهدان والكبير على تلك المرآة التي ما زال الحقد يعمي قلبها. ولكن سعد الجميع بما فعله جاسم. وبمساعدة عمر كما عاهده استطاع أن يجعل الجميع يعفو عنه ويرحبوا به في العائلة.
أما فزاع فبعث أحد من الحرس وأمره بإخبار الرسالة جيداً لنوال. وبالفعل حملها وتوجه إليها.
أما ريم فدَلفت لرؤية والدتها. لتجد راوية بالداخل. وما إن رأتها راوية حتى ارتتمت بأحضانها تبكي بشدة.
مر اليوم سريعاً وحل المساء. فأخذ هاشم عائلة فزاع الدهشان إلى قصره. وكذلك ريماس عادت معهم بمساعدة ريم وراوية. بعدما أخبرتها بأنها لم تكن على علم بما حدث لها. فأخبرتها ريماس بأن لا عليها. الأهم رؤية زوجها بخير.
***
بقصر هاشم.
جلس الرجال بالأسفل يتناقشون ما حدث لهم. وكيف أن الفهد قصى على سلالة هذا الحقير. فقال خالد بغضب:
_ كان نفسي أطوله بس نفد مني.
عمر:
_ خلاص يا صاحبي فهد خد حقنا منه.
وهدان بحزن:
_ طول عمره دماغه ناشفة. مهيسمعش لحد واصل. كيف يحاوبه لحاله ويأمر الرجال يهملوا الجلباب.
بدر:
_ فهد جدها وجدود يا خوي. بس الجبان ده استغله. مكنش هيقدر عليه أبداً.
هاشم:
_ اللي حصل حصل. المهم إن ربنا ياخد بيده ويرجعه لينا بالسلامة.
فزاع بحزن:
_ يارب يا ولدي يارب.
واهبة:
_ فهد قوي يا كبير وهيقوم منها بخير بأذن الله.
خالد:
_ إن شاء الله.
لاحظ عمر صمت سليم الغير معتاد في موقف مثل ذلك. فعلم أن هناك أمراً ما يشغل خاطره.
قام هاشم بإرشاد الجميع لغرفته. حتى الكبير قدم له غرفة لا تليق سوى به.
فزاع:
_ مكنش له لزمة يا ولدي. كنا هنجعد في أي لكندة وخلاص.
واهبة بغضب:
_ كيف ده يا كبير تجعد في لكندة وبيت ابنك موجود.
هاشم:
_ كدا يا حاج. أحنا مش أهل.
فزاع بسرور:
_ طبعاً يا ولدي. بس...
واهبة:
_ مالكش عاد الحديت ده. مهوش بيتنا. الأهل مهيتحدتواش إكده واصل.
ابتسم فزاع لتذكير واهبة له بحديثه فقال:
_ غلبتني يا واهبة.
ماشي.
ابتسم واهبة القناوي وكذلك هاشم. ثم تركهم وانصرف.
***
أما راوية فقدمت لريم غرفة منعزلة حتى تظل مع زوجها. وهنية ورباب غرفة ليبقوا معاً.
صعد عمر للغرفة التي أشار له خالد عليها. فدلف ليجدها تجلس على الفراش بخجلاً شديد. وما إن رأته حتى وضعت الغطاء عليها بخجل شديد. تعجب عمر وأقترب منها ثم أزاح عنها الغطاء ليجدها ترتدي قميص من القطن يحمل رسومات هادئة قصير بعض الشيء. لذلك هي تشعر بخجلاً شديد.
عمر بخبث:
_ إيه الجمال ده.
ريم مسرعة:
_ مش بتاعي دي. اللي تيتة نادين اللي عطتهوني أنام فيه. إني مهلبسش الملابس العفشة دي.
يضحك عمر ثم يقترب منها قائلاً بمكر:
_ لا ألبسي منها كتير.
ريم بتوتر:
_ بعد عني. إني مهلمكش تاني واصل.
عمر:
_ ليه بس.
ريم بحزن:
_ هملتني ومشيت. سابتني. وإني بفكر اللي حصل ده زعلك ولا فرحك.
أدارها له عمر ورفع وجهها بيده لتقابل عيناه قائلاً بعشق:
_ كنت أسعد واحد على الكون كله إني أول راجل كان وهيكون في حياتك يا ريم.
خجلت ريم من قربه المهلك لها وتباعدت عنه. ولكنه لم يتركها ولاحقها حتى حصرها بين ذراعيه ليحملها بعشق. بدي بعينيه ثم يحملها للفراش حتى ترى صدق عشقه لها.
***
أما بالغرفة المجاورة.
كانت نادين سعيدة لعودتها مصر وبغرفتها التي اشتاقت لها كثيراً. فاغتسلت وارتدت قميص قصير مرسوم بالرسوم الكرتونية. وتركت العناء لشعرها. تمددت على الفراش بتعب. فاليوم كان مجهداً للغاية. لتجده يدلف للغرفة وعيناه تشع شرارت مخيفة. أقترب من الفراش قائلاً لها بحدة:
_ قومي.
نادين بتعب:
_ ليه. أنا تعبانه وعايزة أنام.
سليم بغضب وهو يجذبها لتقف أمامه بقوة كبيرة كادت أن توقعها أرضاً:
_ جولتلك قومي.
نادين بألم:
_ ااه. في إيه الله.
سليم:
_ لأ هملي السؤال ده ليا. إني. أنتِ كنتي بتجعدي إكده.
نادين باستغراب:
_ أيوا. ليه.
كبت غضبه قائلاً بهدوء:
_ قدام الكل.
نادين:
_ أه.
سليم:
_ وخالد.
نادين بتلقائية:
_ أيوا لأنه.
قاطعها هو بصفعة قوية أفتكت بها أرضاً وجعلت الدماء تنثدر من فمها بشدة. وضعت يدها على وجهها تنظر له بدموع. فهي أصبحت له سلعة رخيصة. يستخدم الضرب للتعبير عن غضبه ثم يعود للاعتذار.
أنحنى لها سليم قائلاً بتحذير:
_ لو شوفتك واقفه معاه تاني. وقسمن بالله لكون دفنك مطرحك. سامعة.
نادين بهدوء:
_ طلقني يا سليم.
نظر لها قليلاً يستوعب ما تفوهت به. لتكرر ما قالته مجدداً. ليجذبها من شعرها بالقوة لتقف أمامه.
نادين:
_ اااه. سبني. أبعد عني.
سليم بصوتاً كفحيح الأفعى:
_ أسيبك عشان تعيشي حياتك بالطريقة اللي تحبيها. مش إكده. لأ. فوجي. عمري ما أطلقك. فكرة إنك ترجعي لعشيقك دي همليها واصل.
نادين بصدمة حقيقية:
_ عشيقي!!!!
سليم بشرارت من جحيم:
_ إيه. كنتي فاكرة إن محدش هيعرف بوساختك. إني كنت خابر زين لحد ما اتأكدت بنفسي.
نادين بعدم فهم:
_ أنت تقصد إيه.
أقترب منها سليم وعيناه تتأملها بكره. ثم ألقى بوجهها صوراً لها وهي بأحضان خالد. صدمت نادين. ثم تطلعت له مجدداً لتقول بدهشة:
_ أنت جبت الصور دي منين.
سليم بذهول:
_ يعني كل اللي همك منين.
أقترب منها قائلاً:
_ مهتنكريش إنها مش صورك.
كان على أمل أن تكذب ذلك. ولكنها فاجأته عندما قالت بتأكيد:
_ لأ حصلت. بس لما كنت.
قاطعها مجدداً عندما أنهال عليها بكم من الصفعات جعلها تفقد وعيها. فجلس على المقعد بغضب يتأملها وهي فاقدة الوعي. الدمع حليفه على ما ارتكبته بحقه. فهو أحبها بشدة. ولكنها بقلبه آخر كما يظن.
***
على الجانب الآخر.
كانت تبكي على معشوقها. نظراته المحملة بالعشق تحاوطها. ترفض تركها. لمساته التي تجعلها تحلق بسماء مغيمة بعشقه لها. سقطت دمعة خائنة على وجهها عندما تذكرت كلماته لها.
(فهد: مش هسيبك للموت فاهمة)
(راوية بدموع: هتموت يا فهد)
(ابتسم لها قائلاً: وأنا شايفك لأخر لحظة. مفيش أجمل من كدا)
أزاحت دموعها. وظلت تتأمل الحديقة الموجودة بالقصر. لتتذكره عندما كان يقف بالأسفل وينظر لها. فتبكي بشدة. لم تر من يراقبها من بعيد سعيداً بما حدث. حتى ينال مبتغاه الذي حلم به منذ سنوات وسنوات.
***
بغرفة خالد.
أسندها خالد للفراش بلطف. ثم دثرها بحنان. فابتسمت له قائلة بدمع حارق:
_ كنت سامعك يا خالد.
رفع عيناه لها بعدم فهم. لتكمل هي بدموع وابتسامة:
_ كنت خلاص مش حاسة غير بالظلمة وهي بتاخدني بعيد. مش سامعة حد ولا حاسة بأي وجع. لكن حسيت بحد بيشدني وبيصرخ. سمعت صوتك يا خالد وانت بتبكي وبتنادي عليا. مش عارفة ليه. حسيت إن ربنا عمل كل ده عشان أتأكد إنك العوض عن اللي شفته في حياتي على إيد عمي وأختي.
بكت. ليحتضنها خالد باشتياق قائلاً:
_ روحي كانت هتروح بسببك.
ريماس بلهفة:
_ بعد الشر عليك.
ثم أكملت بدموع:
_ سامحني يا خالد. أنا السبب في موت ابننا. أنا اللي روحت هناك برجلي.
أبعدها عن أحضانه ثم جفف دموعها بحنان:
_ هووش. مش عايز أسمع حاجة. فاهمه. رجوعك ليا بكنوز الدنيا كلها. يلا ارتاحي زي ما الدكتور طلب منك.
تمسكت بيده. فأبتسم وأغلق المصباح وتمدد لجوارها وهي بأحضانه.
***
مر الليل بدموع وآلام على البعض (كالفهد وراوية وسليم ونادين). وبسعادة على البعض الآخر (عمر وريم وريماس وخالد). وأتى الصباح الجديد باستعادة الفهد لوعيه.
رواية الدهاشنة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اية محمد
بدأ الفهد يستعيد وعيه تدريجياً، ولسانه يردد اسمها بألحان الخوف والاشتياق.
دلف الطبيب ليتفقده، ليجده عاد من جديد. لم ينكر تعجبه، ولكنه تأكد عندما وصفه أهله بكبير الدهاشنة لقوته المعتادة.
ردد اسمها مع كل ذرة ألم تخرج منه، ولكن لم يكف عن لفظ اسمها. ليسرع الطبيب ليخبر الكبير بهذا الخبر المفرح بأن حفيده استعاد وعيه.
فُزَّ الخير للقصر بأكمله، وعلى رأسه راوية وهنية، فهم من تأذوا بغيابه.
توجه الجميع للمشفى، وتبقت نادين بغرفتها تخفي وجهها وألمها عن الجميع، تخشى أن يراها أحد، وخاصة خالد.
حتى ريماس كانت بغرفتها لا تقوى على الحركة بعد، فاكتفت بمراسلتهم عبر الهاتف.
***
بالمشفى.
أخبرهم الطبيب بضرورة الحذر من الخبر الآن، فعليهم إخباره بهدوء. وأخبرهم أن راوية هي من ستدخل أولاً، حتى يطمئن ثم يتقبل الأمر، خاصة بعد أن شعر بتثاقل قدميه، والممرضة أخبرته أنه خرج من العمليات منذ قليل.
دلفَت راوية الغرفة وهي تقدم قدماً وتؤخر أخرى، ولكن قلبها غلبها لاشتياقه لرؤيته.
رأته راوية مغمض العينين، فظنت أنه غافل، فأقتربت منه ثم جلست أرضاً، فهو مستلقٍ على بطنه من أجل إصابته. وضعت يدها على وجهه بحب شديد، والدمع كفيل بإخباره كم تعشقه.
فتح الفهد عينيه عندما شعر بأنفاسها، لتتقابل عيناهما بنظرة دامت طويلاً، ولم يعلم كيف انتهت.
فهد بتعب شديد: واحشتيني.
ابتسمت راوية ثم وضعت رأسها على الوسادة، والدمع حليفها، لتكون بالمقابل له قائلة بدموع: آسفة يا فهد، صدقت كلامك وخالفته.
ابتسم الفهد بتعب قائلاً بسخرية: لا آسفة إيه، دا واجب الزوجة تجاه الزوج. تعرفي عمري ما دخلت مستشفى بمهمة اتوكلت بيها، ولا كنت بتخدش خدش بسيط، لأن ببساطة مكنش ليا نقاط ضعف، لكن دلوقتي بقيتي إنتي يا راوية، ومش هسمح لحد مهما كان يأذيكي.
وضع يده على وجهها يزيح دموعها، لتقول من بين دموعها: أوعدني إنك مش هتتخلي عني مهما كان.
فهد بغضب: الموضوع مش محتاج وعد يا راوية، عمري ما أبعد عنك إلا لو الموت فرقنا، قولتهالك قبل كده وبقولها تاني.
ابتسمت راوية، ليقول هو بخبث: أيوا كده، مش لو كنت نايم على ضهري كان زماني أخدت حضن ولا أي حاجة.
انفجرت ضاحكة، ليفاجئها بقبلة جعلتها تكف عن الضحك وتحمر خجلاً، فوقفت على الفور تنظر له بغضب، ليضحك بمكر قائلاً: محدش يتوقع الفهد.
راوية بغضب: ماشي يا فهد.
دلفَت الممرضة، وراوية تنظر لها بغضب شديد، شعر به الفهد، فأبتسم على حوريته التي تغار عليه، فهو لا يرتدي قميصاً حتى لا يتوجع.
وما أن وضعت يدها على ظهره حتى صرخت عليها راوية، قائلة بغضب: هتعملي إيه؟
الممرضة بندهاش: هطمن على الجرح.
راوية: طب عنك أنا هطمن وهغير وهعمل كل حاجة.
الممرضة: بس.
راوية: بس إيه؟ أنا دكتورة على فكرة.
شعرت الممرضة بالخجل، فخرجت من الغرفة سريعاً، وتبقّى الفهد وراوية. ثم دلف الجميع للاطمئنان عليه.
هرولت إليه هنية بزعر قائلة بلهفة: يا جلب أمك، حاسس بإيه يا ضنايا؟
فهد بابتسامة: أنا كويس يا أمي، أطمني.
ريم بسعادة: حمدلله على سلامتك يا خويا.
فهد: الله يسلمك يا حبيبتي.
فزاع: إكده يا فهد، تجلجنا عليك.
فهد: معلش يا كبير، إديني رجعت أهه.
عمر بمزاح: أيوا كده، أحنا من غيرك مالناش لازمة.
سليم بجدية: حمدلله على السلامة يا واد عمي.
فهد بابتسامة بسيطة: الله يسلمك يا سليم.
دلف الطبيب للاطمئنان عليه.
فهد: هو أنا هفضل كده كتير يا دكتور؟
فزع الجميع، وشعر البعض بالخوف، والآخرون بالارتباك الملحوظ الذي بدا للفهد.
فهد بشك: في إيه؟
بكت راوية، ليقول بصوت مرتفع غاضب: انتوا مخبين عليا إيه؟ اتكلم يا سليم، في إيه؟
وضع سليم عينيه أرضاً، ليتحدث الطبيب قائلاً: استهدا بالله يا أستاذ فهد، حضرتك دكتور وفاهم إن ده قضاء الله، ومحدش له دخل في حاجة.
فهد بصمود: عايز تقول إيه يا دكتور؟
الطبيب: الإصابة كانت في منطقة حيوية، وأظن أنت دكتور عظام وفاهم كويس.
هنا علم الفهد ما يحاول الطبيب شرحه، فصمت بحزن سيطر عليه، ولكن وجهه يحمل الغم.
عمر بحزن: فترة وهتعدي يا فهد.
سليم بدمع: إني خابر زين بجونك، وعارف إنك هتصمد وهتعديها ذي الأجبليها.
فزاع بغضب: بس أنت وهو حفيدي مهوش ضعيف للحكي الماسخ ده.
تحدث الفهد بصوت يكاد يكون مسموعاً: سيبوني لوحدي شوية.
هنية بدموع: متزعلش نفسك يا جلبي.
وهدان بدموع: تعالي يا هنية دلوقت، تعالي.
وجذبها وهدان للخارج، وكذلك رباب جذبها بدر، وواهبة وهاشم وفزاع وعمر وسليم وريم. وتبقت راوية بالغرفة تنظر له بدموع منسدلة ببطء.
أقتربت منه بخوف شديد، قائلة ببكاء: فهد.
أغمض عينيه بقوة شديدة، لتقترب هي وتجلس أرضاً حتى تكون في المقابل له.
راوية: فهد.
فتح عينيه ليجدها بالقرب منه، والدموع حليفتها.
استرسلت قائلة: أرجوك.
فهد بثبات: أنا مش ضعيف، وفّر النصايح دي لحد ضعيف.
نظرت له باستغراب، ليقول هو بصوت مرتفع: أنا مش قولت سبوني لوحدي؟ اطلعي إنتي كمان.
صدمت راوية، ولكن تماسكت قائلة بهدوء: هفضل معاك.
فهد: أنا مش عايز حد، اطلعي من هنا.
وقفت راوية تنظر له بصدمة وبكاء، ثم هرولت للخارج مسرعة، وقلبها ينزف بشدة، كأن حالها سيكون كذلك بالفترة المقبلة.
***
بقصر هاشم القناوي.
كانت نادين تجلس بغرفتها والدموع تغرق وجهها، حتى أنها تجاهلت اتصالات ريماس بها، لتجلس معها. فريماس مازالت لا تقوى على الحركة.
مما أثار قلقها، فهاتفت خالد والقلق ينهش قلبها على رفيقتها، فأخبرها أنه سيأتي على الفور.
وبالفعل، بعد عدة دقائق وصل خالد القصر، ثم توجه لغرفة نادين يطرق على الباب، ولكن لا رد.
دلف للداخل ليجدها تجلس على الفراش بتعب شديد.
خالد بقلق: نادين.
رفعت نادين وجهها المتألم من أثر الضرب، لينصدم خالد ويقترب منها بفزع: إيه اللي في وشك ده؟
اكتفت بالبكاء فقط، لا تتكلم ولا تتحرك، مثل سابق وأكثر سوءاً. صدم خالد عندما اقترب منها ليجد وجهها مملوء بالكدمات القاسية، وزاد ذلك صمتها الذي يؤكد انغماسها بالحالة النفسية المعتادة، ليعلم أنها بأصعب حالاتها الآن.
فأخرج هاتفه بغضب شديد، ثم بعث رسالة لعمر يخبره فيها أنه يريده هو وسليم بالقصر في الحال، دون أن يشعر بهم أحد.
تعجب عمر كثيراً بعد قراءة الرسالة، ولكن فعل ما طلبه خالد وتوجهوا للقصر.
***
بالمشفى.
شعر بأنه لم يعد كسابق، لم يعد لديه القوة التي يهابها الجميع، أصبح الآن شخصاً عاجزاً عن حماية نفسه.
لا يعلم ما الذي عليه فعله تجاه راوية، وهل سيستطيع العيش معها وهو بتلك الحالة.
دلف الطبيب ليتفحصه، ليخبره الفهد بأنه يريد الخروج من المشفى في الحال.
صرخ به الطبيب وشرح له صعوبة ما به، ولكنه لم يتمكن من إقناعه، ليحضر له ملفاً وأوراق تخلي مسؤليته من أي شيء قد يحدث له.
وبالفعل وقع الفهد الأوراق، وطلب من أبيه أن يعد رحلته للعودة للصعيد.
رفض فزاع ذلك، ولكنه لم يستطع أمام إصرار حفيده، وافق على ذلك وأخبره أنه سيحضر طائرة خاصة تنقلهم للصعيد، حتى لا يتعب من طول الطريق.
***
بقصر هاشم القناوي.
دلف عمر وسليم للداخل، ليجدوا خالد يجلس بالأسفل بانتظارهم، ويبدو أنه بحالة لا يرثى لها.
عمر باهتمام: في إيه يا خالد؟ وليه طلبتني أنا وسليم؟
وقف خالد وتوجه لسليم قائلاً بغضب شديد: ليه؟
لم يجبه سليم، وظل يتطلع له بنظرات كالجمر.
عمر بعدم فهم: ليه إيه؟ في إيه يا خالد؟
خالد ومازالت نظراته مسلطة لسليم: ليه تعمل فيها كده؟
سليم بغضب مكبوت: لآ بجد خايف عليها صح؟
خالد بصدمة: أنت بجد شخص مش طبيعي.
سليم بغضب: وأنت اللي شهم ومحترم.
حال عمر بينهم قائلاً بصوت مرتفع: أنا مش فاهم حاجة، في إيه يا سليم؟
شدد خالد على شعره بغضب جامح، حتى لا يرتكب شيئاً يندم عليه.
أما سليم، فقال بغضب: لما أنت بتحبها كده، متجوزهاش ليه؟
هنا بدأت الخيوط تتضح لعمر، لينصدم لما يستمع إليه، وخالد أيضاً نظر له ببركان من الغضب. لم يتمالك نفسه، واقترب منه ليقف أمامه مباشرة، والقوة بعينيه تفتك القوي، قائلاً بصوت مرتفع للغاية: أيوا بحبها.
صدم عمر وسليم، حتى ريماس التي تراقب ما يحدث من أعلى، ونادين التي تقف على مقربة منه.
نظر له سليم وعمر بصدمة، ليكمل خالد بصوت صادق ويحمل الغضب طغياناً: دموعها بتكسرني، بفرح لفرحها، بحس أنها بنتي، رغم فرق السن بينا، عمري ما فكرت فيها بالطريقة اللي إنت بتفكر بيها، نادين مش أختي وبس، دي بنتي.
ثم أكمل بدمع يلمع بعينيه ليؤكد للجميع صدق حديثه: بحس بجنانها، أنها طفلة صغيرة محتاجة الحنان، عمري ما شفتها كبيرة، رغم أنها في نفس عمر راوية، بشوف فيها أمي وأختي وبنتي.
ثم صمت قليلاً ليكمل بدموع: عمري ما أنسى لأخوها عامله عشاني، الطلقة اللي أخدها دي كانت عشان يحميني، حضني من الموت وقدم حياته هو.
كانت أول مهمة وأخر مهمة نطلعها مع بعض، نظراته ليا وطلبه الوحيد، عمري ما هنسهم.
ثم تقدم من سليم قائلاً بتحدي: إني أكون الحماية ليها وأحافظ عليها طول ما فيا النفس، مش مضطر أبررلك أكتر من كده، لأنك إنسان مريض.
وترك خالد المكان بأكمله وغادر للخارج.
دلفَت ريماس لغرفتها، والابتسامة على وجهها، فكل يوم يزيد حبها وثقتها بخالد.
أما عمر، فتطلع لسليم قائلاً بأسف: مفيش فايدة فيك يا سليم، هتفضل زي ما أنت.
أنا كنت فاكر إن تعليمك وعيشتك بمصر خالك، تعرف إن هنا غير هناك، بس للأسف مش قادر تنسى.
سليم بعدم فهم: أنسى إيه؟
عمر: سليم، أنا وأنت وفهد عملنا ريم ونورا معاملة عادية جداً، أو أصلاً مكنش في تعامل، لأن الخوف كان في قلوبنا، لنعتبرهم زي أخواتنا، ونتفاجأ في يوم بالجواز المعتاد بين الصعيد بين أولاد العم.
هنا يا سليم غير هناك، مش كله مجبور من الزواج والحب من ابن عمه. خالد مش زي حد، أنا أقرب شخص ليه وفاهمه كويس.
سليم بحزن: خلاص يا عمر، كفاية.
عمر بغضب: لا مش خلاص يا سليم، أنا مش مصدق بجد أنت تمد إيدك على واحدة ست.
سليم: كان غصب عني، أنا بحبها بطريقة مش عارف أعبر بيها.
عمر بجنون: تقوم تمد إيدك عليها؟ تعبير الحب عندك بالضرب.
سليم: خلاص يا عمر، أرجوك.
عمر: ماشي يا سليم، مش هتكلم، بس متنساش أنت مين وجدك مين.
عن إذنكم.
وتركه عمر وتوجه للمشفى مرة أخرى، ترك سليم يعيد حساباته من جديد، ليجد أمامه عدو ما يريد التفرقة بينه وبينه، وهو من وضع تلك الصور وسيلة لذلك، ولكن السؤال الذي يشغل تفكيره، لما اختار هذا الوقت بالتحديد لإرسال الصور؟ إذن هذا الشخص قريب منهم ويعلم تحركاتهم جيداً.
صعد سليم للأعلى، ثم دلف الغرفة بتردد، ليجدها بالداخل، وما أن رأته حتى كبتت دموعها بقوة. نظر لها قليلاً، ثم اقترب منها، لتبكي بصوت يمزق القلوب، وضع يدها على وجهها بخوف من أن يعيد ما فعله مرة أخرى.
تمزق قلب سليم، وسحب يده بسرعة، ثم ترك الغرفة بأكملها.
***
بالمشفى.
تم اتخاذ إجراءات نقل فهد، مع محاولات فاشلة من راوية بأن لا يتحرك من المشفى، ولكنه رفض بشدة ذلك.
ولكن مع إصرار هاشم، وافق الفهد على أن يظل بالقصر معه لعدة أيام، ويكون من السهل مباشرة الطبيب له حتى تتحسن حالته، ثم يسافر للصعيد مجدداً.
سعد فزاع برأي هاشم ورأه أنه الصائب، ولكن عليه هو الجميع العودة للصعيد، وسيتبقّى معه عمر وسليم وجاسم، وبالفعل تم نقل الفهد بسيارة مجهزة من المشفى لقصر هاشم، وسافر فزاع ووهدان وبدر وهنية ورباب وريم.
***
ساعد عمر وسليم فهد على التمدد على الفراش، ثم غادر عمر ليتحدث مع خالد، ولكن لم يجده. أما سليم، فظل بجوار رفيق دربه، لعله يكون الراحة له كالمعتاد، ليجده كذلك، رغم ما به، ولكنه أقوى من كل شيء.
فهد: مالك يا سليم؟
نظر للفراغ قائلاً بحزن: الدنيا حالفة تكسرني يا واد عمي.
فهد: معاش ولا كان اللي يكسرك، أنت واد الدهشان، محدش يقدر يرفع عينه بعينك.
نظر له سليم ثم قال بسخرية: إني بكسر نفسي بنفسي يا فهد، بس إني ماعوزش أكون كده.
فهد بغموض: تاني يا سليم؟
زفر سليم وسرد ما حدث على مسمع الفهد، ليعنفه بشدة ويخبره بما عليه فعله.
***
ظل خالد بالخارج، وعاد متاخراً للغاية، حتى أنه جلس بالأسفل يستريح قليلاً، يشعر بأنه يختنق، ولا يعلم ما عليه فعله.
ليجد نادين تهبط للأسفل وهي تبكي بشدة.
خالد بتعجب: نادين، إنتي لسه صاحية لحد دلوقتي؟
لم تجبه، ووضعت عيناها أرضاً، ثم رفعت عيناها به قائلة بصوت مبحوح من كثرة البكاء: هتقول لعمتي؟
نظر لها بعدم فهم، لتكمل بدموع: أنا بحبه يا خالد، وعمي لو عرف اللي حصل، مش هيسمح للجوازة دي تستمر.
خالد: كل اللي همك إن بابا يعرف ولا لأ؟ مش همك كرامتك اللي داس عليها ببساطة؟
بكت بصمت وعيناها أرضاً، ليقترب منها خالد بغضب مكتوم: أنا معتش فاهمك يا نادين، ولا فاهم إنتي عايزة إيه؟
قالت بصوت باكٍ: عايزة الأمان يا خالد، نفسي أعيش حياة مستقرة، نفسي أحس إن حد بيحبني بجد، وللأسف مالقتهوش.
لقيت إنسان قاسي محسش بيا ولا بحبي، بيحرمني من إحساس الأمان اللي بلاقيه في وجودك، حرمني من إني يكون ليا أخ، حرمني من حاجات كتير أوي، ومدانيش غير الوجع والألم.
خالد بحزن على حالها: كل ده وعايزة الجوازة تستمر؟
نادين بدموع حارقة: أنا بحبه يا خالد، بحبه أوي.
ثم انفجرت بالبكاء المرير، ليحتضنها خالد، وتنثر دموعه هو الآخر، يحاول أن يهدئها قدر المستطاع، ولكنها ابتعدت عنه قائلة بدموع: إنت السند الوحيد ليا بعد نادر، أوعدني يا خالد إنك متسبنيش، حتى لو أنا طلبت منك إنك تبعد.
نظر لها باستغراب، لتضع عيناها أرضاً وتبكي بشدة، قائلة: غصب عني، لازم أبعد.
نظر لها قليلاً، ثم زفر بوجع وأدار وجهه عنها، لتبكي بوجع على زرع الشوك بقلبه، فوضعت عيناها أرضاً بيأس وتوجهت لأول درجات الدرج، لتقف عندما تستمع لصوته: غبية، في أخ بيبعد عن أخته؟ بس إنتي صح، لازم آخد راحة عن جنانك، أرتاح شوية، وبعدين نشوف الحل المناسب إيه، أنا بقول الحل عند ماك.
استبدلت دموعها لبسمة لا توصف، حتى أنها هرولت لأحضانه كالطفل الصغير الذي يحتمي بوالده، لتذرف عيناه الدمع، فهو يقف من بدء الأمر.
نعم، بكى القاسي، بكى سليم دهشان، حفيد فزاع كبير الدهاشنة، بكى من أجل وجع معشوقته وظلمها الذي كان سبباً لها، بكى وعلم ما ارتكبه من ذنب.
حتى أنه لم يرد لها الابتعاد عن خالد منذ أن استمع لحديثه بالصباح.
صعدت نادين لغرفتها وقلبها محطم، قبل النطق له بتلك الكلمات، طعنت قلبها أولاً.
دلفَت لتتفاجأ به يجلس بانتظارها، يرتدي بنطلون أسود وتيشيرت أبيض، فعلمت أنه سيمكث معها بالغرفة لارتدائه ملابس النوم.
أرتجفت نادين، ثم توجهت للفراش وداثرت نفسها جيداً، حتى عيناها أغلقتها بخوف شديد.
ليقترب منها سليم ويزيح الغطاء عن وجهها، قائلاً بصوت منخفض حتى لا يفزعها: ممكن نتكلم؟
لم يجد الرد، ليكمل هو: أنا عارف إنك سامعاني يا نادين.
فتحت عيناها بزعر قائلة بخوف ودموع: أنا معملتش حاجة، صدقني.
سليم بحزن: ليه قولتي كده لخالد؟
نادين بخوف شديد: أنا مقولتش حاجة، قولته يبعد عني لو أنت مش متقبل وجوده بحياتي.
سليم: بس هو بيعنيلك كتير.
نظرت له بذهول، ليجلس بجانبها قائلاً بندم: أنا آسف يا نادين، عارف إن كل مرة بعتذر وغلطي كبير، بس مش هغصب عليكي. بكرة الصبح أنا هرجع الصعيد.
نادين ببكاء: وأنا؟
نظر لها ببعض من الذهول، فمازالت تحبه بعد ما فعله بها، لا يعلم بأن قلبها يعشقه.
فقال بنظرات غامضة: هرجعلك تاني يا نادين، وعد مني ليكي، بس لازم أعاقب نفسي على اللي عملته الأول.
نادين بعدم فهم: تعاقب نفسك؟
أشار لها، ثم ترك الغرفة وتركها بحيرة من أمرها، لا تعلم ما الذي يخطط له.
***
بغرفة الفهد.
لم يذق طعم النوم وهي لجواره، تنعم ببعض الأمان بأحضانِه، لينظر لها تارة، وإلى المقعد المتحرك تارة أخرى، لا يعلم هل سينتصر عليه أم هو سيتغلب منه.
يتبع…
رواية الدهاشنة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اية محمد
مرء الليل على الفهد بعذاب وألم يغزو قلبه المعذب فكيف له من القوة إلى الضعف كيف ذلك!
كان يتأملها وهي تغفو بين ذراعيه براحة كبيرة كأنه لها الروح وهي الجسد. لم يقو على كبت نظراته تجاه الجزء الجديد بحياته، المقعد المتحرك، الحقيقة التي تواجهه كلما حاول النسيان.
أفاقت راوية لتجده مازال مستيقظًا يتأمل الفراغ بصمت.
راوية بقلق:
فهد أنت لسه صاحي.
فهد بهدوء:
مش جايلى نوم.
راوية:
ليه أنت كويس؟
فهد بسخرية:
هتفرق في أيه أنا كويس متقلقيش عليا.
راوية بدموع مكبوتة:
طب لو مخنوق ممكن أساعدك نتهوا بره شويه.
نظر لها قليلًا ثم قال بألم:
تساعديني؟ لا أنا كويس متشغليش بالك.
وأغمض فهد عيناه بوجع، أما هي فتركت الغرفة ودلفت للمرحاض تبكي بقوة، فهي لم تخطئ بحديثها، ولكن من هنا عليها تجنب الأخطاء التي قد تجرح الفهد.
***
طلت الشمس بأشعتها الصفراء ليوم جديد محمل بمجهول.
أستيقظ عمر ووقف بالشرفة يتأمل القصر، فهو رفض البقاء به لحرمة المنزل، وخاصة بعد سفر ريم. حتى أنه كان سيتوجه لأحد الفنادق ومعه جاسم، ولكن رفض هاشم ذلك وأخبره بأمر المنزل الصغير بجانب القصر، فوافق عمر وبقي به هو وجاسم ليثبت لهاشم أن الدهاشنة كما أخبره والده أخلاق لا مثيل لها.
شعر جاسم بنور ساطع بالغرفة ففتح عيناه ليجد عمر يقف بالشرفة والحزن بادٍ على وجهه، فأقترب منه قائلًا:
مالك يا عمر أنت كويس؟
تطلع له عمر وقال:
أنا نفسي مش عارف الإجابة على سؤالك.
ثم صمت قليلًا وأكمل بحزن قائلًا:
يمكن حزين على فهد عمره ما داق طعم الضعف، أو عشان سليم ديما بيفقد اللي حواليه بسبب غبائه وعصبيته الزيادة، أو يمكن على حالي.
تعرف كتير أتمنيت يكون في وجود لأمي، وأوقات بحتاج لأبويا، بس عمري ما احتجت لأخ عندي. السند في الفهد وسليم وخالد. محتاجتش غير أمي وأبويا، عشان كدا أنا عندي شفقة لنوراه، أنا فعلًا مقصر معاها بس غصب عني.
جاسم بألم هو الآخر:
أنت حياتك مكتملة يا عمر، حتى لو في نقص فهو بسيط. لكن أنا بالاسم ليا أب وأم، لكنهم أبشع من أنهم يكونوا كدا. أبويا عمره ما كلف خاطره أنه يكلمني، أنا عارف أن جدي هدده بالقتل، بس دا ميمنعش أنه يبعد عني كدا. أم أمي فصعب أوصف حقدها وغلها، كنت معاها وحاسس إن الكره والغل بيقتلها. محاولتش أفهم ليه بتكره الكل كدا، لأني عارف ومتأكد أن مهما كانت الأسباب، ميمنعهاش الحق تعمل اللي عملته.
لمع الدمع بعينيه ليقول بصوت متقطع:
كان نفسي تحس بيا، أن ليها ابن، لكن الحقد عماها لدرجة أنها استخدمتني عشان توصل للي عايزاه.
حزن عمر لمعانته ووضع يده على كتفيها بحنان قائلًا:
أنسي يا جاسم.
رفع عيناه البنيتان له قائلًا بدموع:
تعرف يا عمر، كان عندي أمل أنها تفضل متماسكة بيا ومتختارش الاختيار التاني اللي عرضه عليها جدي، لكن خذلتني زي ما أنا متعود منها.
أحتضنه عمر قائلًا بمزح:
أنشف ياض، الله في رجل بيعيط، شكلنا قدام الناس هيكون إيه، دول واخدين عنا فكرة متتوصفش.
دلف خالد قائلًا بدراما:
خيانة! عمر وجاسم! لا لا قلبي لا يتحمل آآآآه!
ضحك جاسم وكذلك عمر قائلًا بسخرية:
شوفت أديك شمّت الأجانب فينا.
ضحكوا بسعادة ليقترب خالد قائلًا:
والله الواحد اتخنق من اللي شفناه في الأيام الأخيرة.
جاسم بغضب:
عندك حق، دانا شوفت أيام منكم عسل.
أنفجروا ضاحكين ليقول خالد:
ميبقاش قلبك أسود يا جدع، وبعدين عمر اللي طلب مني أخطفك، أنا بريء.
عمر:
واطي.
خالد:
تلميذك.
جاسم:
ههههههه لا الصراحة عمر قام بالواجب وزيادة.
عمر:
خلاص بقى يلا أنسي.
خالد بجدية:
بمناسبة النسيان، أنا هروح أغير هدومي وننزل نفطر في أي مكان.
جاسم:
ياريت والله.
خالد بابتسامة ساحرة:
تمام مش هتأخر عليكم.
عمر بسخرية:
خد راحتك يا خوي.
لكزه خالد بصدره وغادر للقصر ليبدل ملابسه، بينما جلس جاسم بارتباك، حتى أن عمر شعر من نظراته.
فقال متسائلًا:
ها مالك؟
جاسم بجدية:
عمر أنا لو طلبت منك حاجة تقبلها.
عمر بعدم فهم:
حاجة إيه دي؟
جاسم بارتباك:
يعني زي ما أنت شايف أنا اتغيرت وكمان.
قاطعه عمر قائلًا:
عايز تقول إيه يا جاسم؟
جاسم بتردد:
أنا عايز أطلب منك إيد نوراه.
تعجب عمر وظل يتأمله بغموض ليكمل جاسم بصدق:
أنا اتغيرت يا عمر، صدقني، من حقك ترفض، ودا أنا هحترمه.
عمر بهدوء مميت:
نطمن بس على فهد ونرجع الصعيد وبعدين نشوف الكبير وعمامي.
جاسم بسعادة:
يعني موافق يا عمر.
عمر بابتسامة هادئة زادته وسامة:
موافق يا جاسم.
خالد:
وأنا كمان موافق، بس على إيه؟
تطلع عمر لجاسم ثم أنهال على خالد بالضربات.
***
بالقصر.
كان يجلس بالتراس يتأمل المكان بغموض شديد، لتأتي راوية من خلفه ومعها القهوة التي يعشقها الفهد.
قدمتها له بسعادة كبيرة لرؤيته لجانبها.
أخذ منها الفهد الكوب بملامح متخشبة ثم وضعه على الطاولة والصمت حليفه.
حاولت راوية التحكم بدموعها وجهدت للحديث قائلة بهدوء:
ممكن نتمشى تحت يا فهد.
فهد:
مش هعرف أنزل.
راوية بابتسامة جميلة:
هساعدك.
فهد بغضب:
أنتي ليه مصممة تحسسيني بعجزي.
راوية بصدمة:
أنا!!
فهد:
أيوا أنتي، قولتلك مش عايز أنزل، خلاص الموضوع اتقفل.
وتركها فهد وتوجه بالمقعد للداخل، تركها تبكي بصدمة لأيام ستقضيها بعذاب مريب.
***
بغرفة نادين.
استيقظت نادين تبحث عن سليم ولكنها لم تجده، بحثت بالغرفة جيدا ولكن لا وجود له.
لتعلم صدق حديثه عندما أخبرها بأنه سيرحل للصعيد.
أزاحت دموعها ثم أبدلت ثيابها وأرتدت جلباب بني وحجابًا من نفس اللون وتوجهت لغرفة ريماس لرؤيتها.
بغرفة ريماس.
كانت تشاهد التلفاز بملل شديد، فكم ودت التحرك وترك الفراش، ولكن مازالت تشعر بوجع شديد.
دلت نادين للغرفة لتبتسم ريماس بفرحة قائلة بسعادة:
كدا يا نادين متسأليش عليا ولا تعبريني.
نادين بحزن:
معلشي يا ريماس والله غصب عني.
ريماس بصدمة:
إيه اللي في وشك ده؟
أنهارت دموع نادين لتحتضنها ريماس بحزن، فهي استمعت لحديث خالد وسليم بالأمس، ولكن لم تتوقع أن يتعامل معها بتلك القسوة.
***
بالصعيد.
بسرايا فزاع دهشان، وبالأخص بغرفة سليم.
كان يجلس بتعب شديد، فهو وصل منذ قليل ومازالت هي بباله، يعشقها حد الجنون ويرى العقاب المناسب لها، الأبتعاد عنها. نعم عقابًا قاسيًا فرضه على نفسه حتى لا يعيد ما فعله مجددًا. تهرب من الجميع بإجابته المقنعة أنه عاد للصعيد ليكون سندًا لهم، فعمر وجاسم بجانب الفهد ولا يوجد أحد منهم بالسرايا. وأجاب رباب عندما سألت عنها بأنه لم يجبرها على القدوم معه، وخاصة أن راوية حزينة وبحاجة إليها، فصمت البعض. أما هو فشغل عقله السعادة التي بدت على وجه نوراه، سعادة غريبة أحيت الخيوط لديه ليعلم من وراء الصور المأخوذة من السرايا أثناء وجود خالد والجميع بالمنزل قبل الزواج.
كان فزاع حزينًا على جشع ابنته عندما بعث لها رسالة مع الحرس تنص على أنه سيعاقبها بطريقته، وهو الحرمان من الميراث، وإذا كانت تريد المال فتترك السرايا ولا تسأل عن ولدها. وبالفعل فعلت ذلك ورحلت لتترك قلبه محطمًا، ألتلك الدرجة المال لها كل شيء.
كانت ريم شاردة في معشوقها تنظر لصوره الموجودة على الهاتف الخاص به بعد أن منحها إياه رغبة منها. رفضت الجديد وطلبته لكي تتفحص ما به من صور خاصة بمعشوقها. لتجد الشاشة تلمع باسمه وصورته المحفورة بقلبها، لتفتح مسرعة لتستمع لصوته الحنون قائلًا بحب:
واحشتيني.
ضحكت بصوت مرتفع قائلة:
طول عمري بسمع عن ذكاء واد البندر، واليوم شوفته.
عمر:
ليه بس؟
ريم:
بتضحك عليا وإني هملك يوم واحد.
عمر بصدق:
هتصدقيني لو قولتلك أنه سنين بالنسبالي.
صمتت ريم واستمعت له بخجل شديد ليكمل هو:
بتمنى فهد يخلص علاجه بسرعة وأرجع ليك.
ريم:
لما سليم رجع كنت فاكرك معاه، لكن لقيته لوحده.
عمر بدهشة:
سليم رجع!
ريم بتعجب:
أيوا من عشية.
عمر:
إزاي دا؟ طب هقفل معاكي يا حبيبتي وهكلمك تاني.
ريم مسرعة:
طب خلي بالك من نفسك.
عمر بابتسامة:
حاضر سلام.
ريم:
في رعاية الله.
وأغلق عمر الهاتف ثم طلب سليم كثيرًا وهو متجاهلًا له. أراد العزلة ليعلم الصواب من الخطأ، الحقيقة من السراب، أراد الاختلاء بمفرده ليعلم أين هو الطريق الصحيح.
***
جلست نادين مع راوية تحاول أن تخفف عنها، وهي مجروحة هي الأخرى، كأن نصيبهم من العذاب والسعادة واحد، ملزم بمجهول موحد.
مرت الأيام على الجميع دون جديد، فالفهد مازال يعامل راوية بجفاء، وسليم مازال بعيدًا عن نادين، وعمر وجاسم بانتظار الفهد يكمل علاجه ثم يعودوا للصعيد مرة أخرى.
تحسنت ريماس كثيرًا ومارست حياتها بصورة طبيعية، حتى أن علاقتها براوية ونادين صارت أقوى كثيرًا.
بينما بالصعيد كان سليم محطمًا من دونها، ولكن عليه أن يحدد هل انتهت المدة أم مازالت مستمرة.
أما على الجانب المجهول، هناك من يخطط للحصول على راوية بأي ثمن مهما كانت الطريقة، نعم عاد سيف لخوض الحرب من جديد ليحصل عليها، فالطريق أصبح شبه خالي بالنسبة له، فكان يراقب القصر جيدًا بانتظار الفرصة ليفعل ما يريد. وبالفعل منحه القدر فرصة، ولكن لدماره أم لدمارها؟
ماذا سيفعل الفهد عند رؤية معشوقته تطالبه بأنقاذها وهو مغلوب على أمره؟
هناك سر أخفاه جاسم للزواج من نوراه، ما هو؟
هل سيجتمع العشاق من جديد؟
سليم 💝 نادين.
الفهد 💝 راوية.
؟؟؟؟؟؟؟
كشف سر مروج وأفتضاحها أمام الجميع من قبل مجهول، من هو؟
يتبع…
رواية الدهاشنة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اية محمد
مرت الأيام ومازال الوضع كما هو، حتى الفهد كان بأسوأ حال. يرى الحب عطفًا بالنسبة له، حتى راوية عانت معه الكثير. كان هاشم بالصعيد يتابع بعض الأعمال الخاصة بوالده ويتابعهم بالهاتف باستمرار، ولكنه شعر بأن فتياته ليسوا على ما يرام. وبالفعل، كان قلبه صائبًا، فنادين وراوية فقدوا زهوة الحياة وأصبح الجرح والوجع مصيرهم على يد رجال العشق الدائم لهم، أحفاد فزاع الدهشان.
***
صباح يوم جديد.
كانت نادين بغرفتها تبكي بصمت لاشتياقها له. رفعت هاتفها لتستمع لصوته كالمعتاد ثم تغلق مسرعة. ولكن هذه المرة لم يتحدث، وظل يستمع لأنفاسها وبكائها المكتوم. ليقول بحزن:
"عارف إنك يا نادين مش محتاجة صوتك عشان أعرفك، أنا بحس بيكي."
تفاجئت نادين وظلت تتأمل الفراغ بصمت، بانتظاره أن يكمل حديثه. ليقول سليم بوجع:
"تعرفي إن العقاب ده قاسي أوي، الحياة من غيرك أصعب من الموت."
نادين ببكاء:
"أنا مطلبتش منك تعاقب نفسك، أنا عايزك أنت يا سليم. عارفة إنك قاسي بس هحاول ما أعصبكش تاني."
أغمض سليم عينيه باشتياق لصوتها.
تكمل هي قائلة بدموع:
"انت بتعاقبني أنا مش بتعاقب نفسك. كل مرة تظلمني وتمد إيدك عليا بدون ما حتى تسمعني أو تديني فرصة أكمل كلامي. كمان المرة دي بتعاقبني بطريقة جديدة."
سليم بصدمة:
"لا."
قاطعته قائلة بألم:
"أنت صح، أنا مستاهلش يكون حد في حياتي. اعتدت على الوحدة خلاص."
وأغلقت نادين الهاتف حتى لا تستمع له مجددًا. ثم ألقت بنفسها على الفراش تبكي بصوت مكتوم.
***
بالأسفل، طلب جاسم من عمر أن يذهب معه لمسكنه الخاص بالجيزة ليحضر بعض المتعلقات الخاصة به، كملابسه واللاب الخاص به وبعض الأوراق الخاصة بعمله. فوافق عمر ثم أعلم الفهد بذلك وغادر معه. أما خالد، كالمعتاد، ذهب لعمله من الصباح.
***
بغرفة راوية، كانت تراقبه من بعيد وهو يجلس بالشرفة بحزن. وتركها ببؤرة الأحزان، لا يريد منها الاقتراب ولا الابتعاد. لم تعد تعلم ما يريد، كل ما تعلم به أن قلبها محطم على معاملته الجافة معها. أم يتغير بل يزداد سوءًا، حتى بعد أن مر على علاجه أسبوعين، ولكن لا جديد بحالته النفسية. كل ما يريده العودة للصعيد. وحدد له الطبيب بعد الغد للرحيل وترك القاهرة.
خرجت راوية من الغرفة لتحضر الطعام له، لتتقابل مع نادين بالخارج.
راوية بقلق لرؤية عينيها الباكية:
"مالك؟"
نادين بعدم اهتمام:
"متقلقيش، أنا كويسة."
راوية بشك:
"مش باين في إيه يا نادين؟"
نادين بتمسك رغم ما تشعر به:
"في كتير يا راوية، مصممين يكسرونا رغم العشق اللي بقلوبنا ليهم."
راوية بتهرب:
"تقصدي إيه؟"
نادين بحزن:
"أوعي تكوني فاكرة إن الضحكة المزيفة اللي بترسميها على الكل دي ممكن أصدقها."
وضعت راوية عينيها أرضًا بحزن.
لتكمل نادين:
"أنا عارفة بالإيه، انتي فيه يا راوية. حاسة بيكي وبوجعك."
بكت راوية لتحتضنها نادين قائلة بأمل:
"أنا حاسة إنها فترة اختبار من ربنا وهننجح فيها بإيماننا والصبر، مش ده كلامك؟"
أزاحت دموعها بابتسامة بسيطة قائلة بسعادة:
"أيوا يا نادين، بقيتي بتغلبينا بالكلام."
نادين بغرور:
"طبعًا يا بنتي، أنا محدش يتخيلني."
ضحكت راوية بصوت كأنه كُبِتَ لمدة كبيرة، ثم تماسكت قائلة:
"ربنا يسترها علينا منك. المهم، سبك أنتي خارجة على فين؟"
نادين:
"راحة مع ريماس النهاردة، الإعادة بتاعت الدكتور."
راوية بتذكر:
"آه صحيح، أنا نسيت."
خرجت ريماس من الغرفة لتجدهم أمامها، فابتسمت قائلة بسعادة:
"مجتمع الأحبة."
نادين:
"هنكون أحبة وكل حاجة، بس لما تعزمينا على عشاوية بره كدا تليق بنادو ولا إيه يا رورو؟"
راوية:
"هههههههه، خلاص اعزميها يا ريماس."
ريماس بذهول:
"عشاء ورورو؟ لا خليكي، وأنا أروح لوحدي. أنا أساسًا مش بتفاءل بوشك. الدكتور أول ما يشوفك يكتب لي 6 حقن."
نادين بغضب:
"ليه يا أختي؟ ساحبة معاكي مرض معدي؟"
انفجرت راوية ضاحكة وكذلك ريماس. لتقول لها:
"ما تيجي معانا يا راوية."
راوية:
"كان نفسي والله يا ريماس، بس مش هينفع أسيب فهد لوحده."
ريماس بتفهم:
"ماشي يا حبيبتي، إحنا بإذن الله مش هنتأخر."
راوية:
"تروحوا وترجعوا بألف سلامة."
نادين بغرور:
"شكرًا."
سحبتها ريماس بغضب قائلة:
"يلا يا كلبة البحر."
لكزتها نادين بقوة وظلوا يتبادلون الضربات، وراوية بأعلى الدرج تتأملهم بابتسامة بسيطة.
***
بالصعيد، بغرفة سليم.
كان ينظر للهاتف بصدمة من حديثها. أكان حقًا يعاقبها هي، أم يعاقب نفسه؟ ترك الأسئلة من عقله الآن. ثم ارتدى جلبابه البني والعمامة البيضاء التي تزيده وسامة وجاذبية. ثم هبط للأسفل ليرى لما يريده الكبير.
فأخبره ببعض الأمور الهامة التي ينبغي عليه فعلها. فأنصاع له ثم خرج لينفذ ما يريد. تحت نظرات نوراه المنبعثة بالسعادة لرؤيته بعيدًا عنها. لا تعلم بأن زوجها من جاسم قد أُعد بعد موافقة الكبير، ووهدان وبدر، خاصة بعد أن أخبرهم عمر بموافقته.
***
بقصر هاشم القناوي.
حملت راوية الطعام للأعلى، ثم توجهت للشرفة لتجده يجلس بشرود. وضعت راوية الطعام على الطاولة، ثم اقتربت منه قائلة بابتسامة عشق:
"فهد."
رفع الفهد عينيه ليجد البسمة تزين وجهها. فجذبت مقعدًا وجلست أمامه قائلة بمكر:
"خاف على نفسك مني."
فهد بعدم فهم:
"نعم؟"
ضحكت راوية، ثم انحنت أرضًا لتصبح بمستواه، واقتربت منه قائلة بخبث كما كان يفعل:
"القصر خالي من السكان، مفضلش غيري أنا وأنت بس."
ضحك الفهد بصوت رجولي جذاب قائلاً بابتسامة تلاحقه بالحديث:
"هتعملي إيه يعني؟"
راوية بعد تفكير:
"هخطفك."
فهد:
"هتعرفي؟"
وقفت راوية بغضب قائلة بنبرة مخيفة بعض الشيء:
"طبعًا، على فكرة أنت مستهين بيا جدًا."
فهد بسخرية:
"يا راجل."
راوية:
"أيوا، أنا أقدر دلوقتي أهزمك بسهولة."
فهد بابتسامة بسيطة:
"إزاي بقى؟"
راوية بتفكير:
"لقيته... في لعبة كدا اللي هي كل واحد بيحط إيده ويتحدا التاني، مش فاكرة اسمها."
ضحك الفهد ليبدو أكثر وسامة قائلاً بشفقة عليها:
"متفكريش كتير، عارف."
راوية بفرحة طفولية:
"إيه رأيك نلعبها؟"
فهد:
"طب والأكل اللي كنتي بتتكلمي عليه؟"
راوية:
"آه، قول بقا إنك بتهرب مني وخايف إني أغلبك."
فهد بابتسامة لمعرفته كيف يوقع به حوريته، ليقول بوسامته المعهودة:
"أوكي، موافق. بس هتندمي."
راوية:
"ده بعدك يا واد الدهشان."
ضحك الفهد بشدة، لتجلب راوية طاولة صغيرة، ثم تنحني لتكون مقابلة له. فوضع الفهد يده عليها وهي أيضًا بسعادة. بدأت المعركة، والفهد مغيب عن الواقع، ينظر لعيناها التي تجعله كالحورية، وضحكاتها المفعمة بالحياة عندما ظنت أنها ستغلبه.
بدأ الزعر والحزن يتغلب على وجهها عندما ضغط الفهد على ذراعه ببعض القوة، ولكن لان عندما وجد الحزن. لتتبدل البسمة مجددًا، ثم ترقص بمرح وسعادة لفوزها على الفهد المتعمد خسارته أمام حوريته الجميلة.
انحنت له قائلة بغرور:
"أنا محدش يتوقعني."
ابتسم بهدوء قائلاً بسخرية:
"فعلاً، ممكن نأكل بقى ولا إيه؟"
راوية:
"هههههه، مغلوب وعايز تأكل بالأزمة؟ مش مكسوف من نفسك؟"
فهد بصوت يملؤه الضحك:
"يعني المغلوب يموت من الجوع؟"
راوية بلهفة:
"بعد الشر عليك يا حبيبي، أنا بهزر مش أكتر."
فهد:
"وأنا كمان بهزر. الأكل زمانه برد وأنا مش بحبه بارد."
راوية:
"ولا يهمك، عشان أنا عسل هنزل أسخنه تاني."
وحملت راوية الطعام قائلة بفرحة لرؤية البسمة تعود لوجهه بعد غياب:
"مش هتأخر عليك."
أشار لها برأسه وتأمل الحديقة بسعادة لحين عودتها. أما راوية، فهبطت للأسفل وقد أدمس الليل على السطو، لتلتقي بمصيرها المجهول.
***
بالصعيد.
علمت نوراه من رباب بأمر زوجها من جاسم، فرفضت ذلك وبشدة، ولكن كان عليها الصمت أمام كبير الدهاشنة حتى لا يفتك بها.
أخذت تبحث عن طريقة لتوقف هذا الزفاف، ولكنها فشلت بذلك. حتى أنها أخبرت بدر أنها لن تقبل الزواج منه بعد الذي فعله بريم، كيف تثق به؟
فأجابها أنه قدم لها الحماية ودافع عنه، حتى أنها أُغلق الطريق عليها. فلم تجد شيئًا تقوله بهذا الموضوع، لتبكي بشدة. ولكنها اقتنعت أنه ليس وقت البكاء، بل التفكير في حل من هذا المأزق.
***
بقصر هاشم القناوي.
كانت راوية تعد تحضير الطعام، ولكنها كفت عن التحرك وارتجفت عندما شعرت بحركة أحد ما بالقصر. ولكنها تماسكت واقتربت لترى من ظنته أنه أحدًا من الخدم.
تقدمت ببطء للخارج تتأمل المكان بخوف شديد، ثم هدأت قليلاً عندما وجدت الشرفة مفتوحة على مصرعيها. فأقتربت ببطء وأغلقت الستائر، ثم توجهت للمطبخ مجددًا. لتقف بذهول عندما انقطع التيار الكهربائي. تعجبت راوية، فلاول مرة يحدث ذلك، لم لا يعمل المولد تلقائيًا؟
بدأت تتحسس حتى تصل لأي شيء ينير لها، ولكن عاد التيار من جديد. لتنصدم وتفتح عينيها على مصرعيها عندما وجدته أمامها.
ارتجفت راوية وبدأت بالتراجع للخلف بزعر وهو يقترب منها بابتسامة مخيفة.
بالأعلى، تعجب الفهد عندما انقطع التيار ثم عاد بعد عدة دقائق. فتيقن أن أحدًا ما قام بتشغيل المولد. ولكنه عاد إلى الصدمة عندما استمع لصوت راوية تصرخ باسمه والبكاء مصاحب لها.
انقلع قلبه وتحرك بالمقعد تجاه الدرج ليجدها بالأسفل محاصرة بين ذراعي هذا الوغد. لو كان ألقى بالفهد بنيران من جحيم أرحم إليه مما هو فيه. شعر بالعجز لعدم تمكنه من مساعدتها. حتى هذا الحقير استغل ذلك.
استغل غياب الجميع ليتمكن منها، فأصبح له كالجماد بعدما عجز عن الحركة.
بالأسفل، حاولت راوية دفشه بعيدًا عنها، ولكنها لم تتمكن منه. فبكت وصرخت باسم معشوقها الذي كان الحماية لها على الدوم، ولكنه الآن ينظر له من الأعلى بعين تحمل الجحيم. كم تمنى أن يقتلع عنقه، ولكنه لم يتمكن من ذلك.
راوية ببكاء:
"ابعد عني يا حقير."
لطمها سيف بالقوة، فصرخت بألم وترجعت للخلف ترتجف بشدة. فاقترب منها بحالة لم ترى لها راوية مثيل.
سيف بيد مرتجفة وعين مخيفة وابتسامة سخيفة على وجهه:
"حبيبتي، آسف، ما قصدتش أضربك."
ثم انفجر ضاحكًا، ثم كف عن الضحك فجأة مما أرعب راوية. فاقترب منها قائلاً بصوت منخفض وعيناه على فهد:
"واطي صوتك لجوزك يسمعنا ويعرف إني هنا، أصله مش ممكن يرحمني."
ثم انفجر ضاحكًا قائلاً بسخرية:
"لاااا، اتكلمي براحتك، جوزك وجوده زي عدمه."
واستدار ليقابل الفهد الغاضب الحائل بينهم الدرج. كم تمنى الفهد أن يلتقط رقبته بين يديه ويكتب نهاية مصيره، ولكن العجز وهذا المقعد اللعين الحائل بينهم.
فهد بغضب:
"انت فاكر إنك راجل يا حيوان؟"
ضحك سيف بصوت مستفز ثم قال:
"والرجولة الكرسي اللي أنت قاعد عليه، صح؟"
استغلت راوية انشغاله بالحديث مع الفهد. حتى فهد أشار لها بأن تفعل ما تنوي فعله. فالتقطت راوية المزهرية ثم هوت على رأسه ليصرخ بوجع وتتناوله الضربات بحقد وانتقام، فهو أوشك على اغتصابها. هذا الحقير لا يعلم قوة المرأة المجروحة تكون بحالة من الجنون تكفي للفتك به.
نظرت له بخوف وللدماء بيدها، فجلست أرضًا تبكي بشدة وجسدها يرتجف.
مزقت قلب فهد وهو لا يقوى على هبوط الدرج. فدفع بنفسه من الدرج وتعرض لإصابات شديدة، ولكنها هاينة للوصول لمعشوقته.
وبالفعل، زحف إليها ليجذبها لأحضانه لتتشبث به بخوف وتبكي بصوت مرتفع.
شدد من احتضانها وقلبه ينزف لما هو فيه، ولكنه حسم قراره وعليه التنفيذ.
راوية ببكاء:
"أنا قتلته يا فهد، قتلته."
احتضانها فهد قائلاً بغموض:
"ميستاهلش إلا كده. ولو كان حي كان هيموت ألف مرة، ده رحمة ليه."
بعد قليل، عاد خالد من العمل لينصدم عندما وجد سيف غارقًا بدمائه وراوية تبكي بأحضان الفهد. فغلت الدماء بعروقه عندما علم بما حدث وأخبرها أنه سينتقم من هذا الحقير، خاصة بأنه مازال على قيد الحياة.
***
عاد عمر وجاسم ليطلبهم الفهد ويأمرهم بأنه سيعود للصعيد في التو واللحظة، لن يظل أكثر من ذلك.
حاول جاسم معرفة السبب ولكنه فشل. في حين أن عمر كان على علم بما حدث من رفيقه خالد، وكان متأكدًا من قرار الفهد بذلك.
عندما علمت نادين وريماس ما حدث، أخذوا راوية للأعلى وظلوا بجوارها حتى هدأت قليلًا وشعرت بالأمان لوجودهم بجوارها. ولكنها تعجبت عندما علمت بأمر تحضير عمر وخالد لسفر الفهد.
راوية بتعجب:
"فهد هيسافر؟"
نادين باستغراب لعدم معرفتها:
"أيوا يا راوية، طلب من عمر وخالد يحضروا له طيارة خاصة عشان هيرجع للصعيد."
راوية بندهاش:
"بس مقاليش."
ريماس:
"أكيد مالحقش. هو شايف اللي أنتي فيه."
راوية بتفهم:
"طب أنا هروح أحضر الشنط."
ريماس:
"ماشي يا حبيبتي."
قامت راوية وتوجهت للخروج، ثم وقفت واستدارت لنادين قائلة بتعجب:
"طب وأنتم يا نادين، مش هتحضروا شنطكم؟"
نادين بحزن:
"أنا هفضل هنا يا راوية، مش همشي غير لما يرجع زي ما وعدني."
راوية بحزن:
"زي ما تحبي حبيبتي."
وتركتها راوية وتوجهت لغرفتها، فوجدت الفهد كالعادة يجلس بالخارج. فتقدمت من الخزانة وبدأت بأعداد ملابسها هي الأخرى.
دلف الفهد ليرى ما تفعله، فقال:
"بتعملي إيه؟"
راوية وهي ترتب الحقيبة:
"بحضر حاجتي، عرفت من نادين إننا راجعين الصعيد تاني."
فهد بغموض:
"أنا بس اللي راجع يا راوية."
راوية بصدمة:
"يعني إيه؟"
أخفض عينيه أرضًا ثم رفعها لتقابل عينيها قائلاً بجدية:
"لحد كده وكفى يا راوية، مش هقبل بالعذاب ده تاني. أنا خلاص انتهيت، وأنتي لسه صغيرة. شوفي حياتك مع واحد يستاهلك، يعرف يحميكي لما تحتاجي مساعدته. أنا خلاص انتهيت يا راوية."
جلست أرضًا تنظر له بصدمة ودموع متلاحقة. هل يريد تخليص روحها عن الجسد؟ ماذا يقصد؟
نظر لها الفهد بحزن ثم قال:
"صدقيني، ده الحل الوحيد."
راوية بسخرية:
"حل إنك تقتلني بـ إيدك وتقول حل؟"
فهد بقسوة:
"النقاش منهي. أنا كلمت خالد وعمر وطلبت منه يخلص الإجراءات."
راوية بصدمة:
"إجراءات لدرجة دي يا فهد؟"
تطلعت له فهد قليلاً بعين معبأة بالدمع، فخشي أن يفقد قوته. فجذب هاتفه وطلب عمر الذي أجابه على الفور.
فهد بجفاء:
"أنا جاهز."
وأغلق الهاتف تحت نظرات راوية المنصدمة مما تراه.
طرق عمر الباب ثم دلف، فتوجه إليه الفهد ليساعده جاسم وعمر على الهبوط للأسفل.
أما هي، فظلت كما هي تنظر للفراغ بصدمة كبيرة. تألم قلبها لتصرخ بصوت مسموع. بكت راوية ثم شعرت بأن روحها على وشك الاقتلاع. فركضت بكل قوة حتى لا تسمح لروحها بالزهق.
للأسفل، كان عمر يدفع المقعد وجاسم يحمل متعلقات الفهد تحت نظرات حزن من خالد. نعم، هو ظل مع فهد وعلم بصدق حبه، ولكنه رجل ويشعر بمعاناته.
ركضت راوية وهي تصرخ باسمه. فتوقف عمر عن الحركة وتطلع لها الجميع، حتى فهد.
انحنت راوية وجلست أرضًا ثم احتضنته أمام الجميع تبكي بصوت موجوع مزق جميع القلوب.
راوية بدموع:
"ما تسبنيش يا فهد، أرجوك."
أغمض عينيه بألم وهي تشدد من احتضانه. فهو مغلوب، ذاق أصعب ما يكون عندما رآها تتوجه للموت وهو عاجز عن حمايتها.
حزن الجميع على حالها، ولكن الفهد لم يرد أن يصبح ضعيفًا بعد الآن.
فهد بثبات:
"خالد."
اقترب خالد وجذبها برفق قائلاً:
"خلاص يا راوية، كفاية."
راوية بدموع:
"سبني فهد عشان خاطري، متعملش كده. أنا عارفة إنك بتحبني زي ما بحبك."
بكت نادين على رفيقتها واقتربت منها تحتضنها. ولكنها ترفض الخضوع لأحد، تصرخ بقوة ليكف عن الحركة ويستمع لها. ولكن لا جدوى من ذلك. هو يرى أن البعد عنها هو المناسب. لا يعلم أنها كالزهرة وهو الماء الذي يرويها، فقط، فها من الحياة وألقاها بإهمال.
ساعده عمر على الركوب ثم صعد هو الآخر وأتبعهم جاسم بالأغراض. وتوجهوا للصعيد التابع للدهاشنه لتبدأ القصص من جديد في سطور من فضة وكلمات من ذهب.
يتبع…
رواية الدهاشنة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اية محمد
عاد الفهد للصعيد وقلبه محطم، لا يعلم ما فعله الصواب أم ماذا؟ كل ما يعلمه أنه بحاجة لينفرد بنفسه حتى يحدد إن كان سيسطيع ذلك أم لا.
***
بالجناح الخاص بعمر.
دخل عمر للجناح بهدوء حتى يفاجئها، فوجدها تعتلي الفراش وبيدها الهاتف تتطلع للصور الخاصة به بحب واشتياق. فتبسم عمر بعشق جارف وانسحب بهدوء للغرفة الأخرى، ثم رفع هاتفه وطلبها لتجيبه على الفور.
ريم بحزن:
أخيرًا افتكرتني، ما خلاص معنديش جد المجام يا سي عمر.
عمر بابتسامة تسلية:
ليه بس كدا يا قلبي، دانا بموت فيك.
ريم بتذمر طفولي:
ما هو باين، بقالك أسبوعين مش بتكلمني غير مرة أو مرتين، مخبرش حالي كيف بيكون.
عمر بجدية:
بحبك.
ريم بخجل وتوتر:
أيوه ده اللي بأخده منك، بتضحك عليا بحديثك الماسخ ده.
انفجر عمر ضاحكًا، ثم قال:
كذا يا ريم، أنا كلامي ماسخ؟
ريم بتذمر طفولي:
وعفش كمان.
لم يتمالك عمر نفسه وضحك بصوت مرتفع، لتسمع لصوته القادم من الغرفة المجاورة، فتوجهت مسرعة لتجده أمامها يضحك بشدة حتى احمر وجهه.
ريم بفرحة:
أنت هنا؟
عمر بثبات:
لا مش هنا، أنا هرجع مصر تاني مادام يا ستي حديثي عفش وماسخ.
ريم بلهفة:
لااا، مقصدش، أنا بحب كلامك بس كنت متعصبة عشان مش بتسأل عليا.
اقترب عمر منها وهي تتراجع بارتباك، ليبتسم بخبث:
كنتي بتقلبي في صوري ليه؟
ريم بارتباك:
أنا؟ ها، لا عاد.
عمر بابتسامة زادت من جاذبيته:
أنتي كمان واحشتيني يا ريم.
رفعت عينيها لتقابل عينه، ثم ارتمت بأحضانه باشتياق.
***
أما على الجوانب الأخرى.
هناك عشاق يندمجون بالليل الكحيل، قلوبهم تتغلف بالألم والأوجاع.
هناك الفهد وسليم.
بغرفة الفهد.
لم تتركه ذكرياتها، بل تلاحقه بكل أنشطة يتحرك بها، يتمزق قلبه عليها. رؤية دموعها لا تتخلى عن خاطره. نظر للسماء بوجع، ثم أغلق عينيه، يلتمس أعذارًا لما ارتكبه، ولكن هيهات، لم يجد سوى أن يفعل ما ينوي فعله.
***
بغرفة سليم.
شعر بغصة غريبة تحتل قلبه، سمع صوتها يناجيه، ليحتضنها من الآلام. سمعها وسمع بكاءها.
نعم، إنه العشق يا سادة.
جذب هاتفه مسرعًا، وضربات قلبه تترنح على أنشودة العذاب والجراح. ليجدها تجيبه بلهفة واشتياق.
ساد الصمت قليلاً بينهم، ليقطعه سليم قائلاً بألم مصحوب له:
ارحمي قلبي، وارجعي يا نادين.
نادين ببكاء:
وعدتني هترجع.
جلس على المقعد بتعب قائلاً بدمع مصاحب له:
مش قادر أرجع يا نادين، حاسس بأني مذنب. بفرض علي نفسي العقاب ولازم أستحمله عشان مفكرش في يوم أجرحك بالطريقة دي تاني.
بكت نادين بصوت مزق قلبه، ليقول برجاء لها:
وقف العذاب ده وسامحيني.
نادين بصوت غاضب:
سامحتك، وقولتلك ميت مرة مسامحاك.
سليم بحب:
مستنية إيه؟
نادين بعدم فهم:
أعمل إيه؟
سليم:
قربي المسافات يا نادين، ارجعي.
صمتت قليلاً ولم تجد الإجابات، ليعلم هو الإجابة، ثم يقول بوجع:
تصبحى على خير.
أغلق سليم الهاتف وبقلبه حجيم مشتعل، لا يعلم ما هو السبيل لإطفائه.
***
مر الليل على الجميع بأوجاع وعذاب، وأتى الصباح ليداوي أحداهم، ويظل الآخر على حافة العذاب.
بمنزل فزاع دهشان.
كان الجميع يجلس على المائدة، ويترأسها كبير الدهاشنه كعادته بالهيبة التي تلزمه ولا تتركه أبدًا.
وكالعادة، على يمينه الفهد، وعلى يساره ابن بدر، وكذلك سليم يجلس بجانبه، وعمر بجانب الفهد.
كان الحال كما هو، ولكن قلوبهم المتبدلة، منهم من حصل على عشقه كعمر، ومنهم من تبدل حالهم للشقاء كفهد وسليم.
قطع الصمت وهدان:
وبعدين يا كبير، هنفضل رامين الست دي في المخزن كتير؟
فهد بتعجب:
ست مين؟
هنية:
ما إحنا مجولنالكش يا ولدي، مراتك هي السبب في اللي حصل لراوية.
اشتكت ملامح فهد لتكمل رباب قائلة:
أيوا يا ولدي، نادين سمعته وهي بتتحدت بالتلفون وبتقول أنها اللي كلمت جياد، الله يحرقها مطرح ما هي راحت وساعدته بخطف راوية.
صدم فهد وقال بغضب شديد:
أني كنت شاكك أن الموضوع ده مدبر.
هنية بحزن:
ما تطلقها يا ولدي، البت دي عفشة.
فهد بثبات:
أني متجوزتهاش عشان أطلقها.
وهدان باستغراب:
كيف الحديث ده؟
هنية بصدمة:
والواد الصغير، ده الواد ده من لحمي ودمي، مستحيل يكون غير كده، إني إحساسي ميخيبنيش.
فزاع بغضب:
كيف الحديث ده؟ إزاي تدخل الست دي عيلتنا وولدها؟ قمان اتجننت إياك؟
فهد:
الولد ده من العيلة يا جدي.
وهدان:
أني مفهمش حاجة واصل.
عمر:
إزاي يا فهد، وأنت بتقول أنها مش مراتك؟
فهد ونظراته مصوبة تجاه الكبير:
دي مرات أخوي فؤاد يا جدي، والولد ده حفيدك.
صدم الجميع وتعالت أصوات بكاء هنية لتقول بدموع:
يا حرقة قلبي عليك يا ولدي، ربنا ما أراد يهملني. قلبي محروق عليها، سابلي حتة منه.
وهدان بصدمة:
كيف ده يا فهد؟
بدر بندهاش:
طب يا ولدي ليه تكذب وتعيش مراتك في عذاب أنك اتجوزت عليها؟
فهد بهدوء:
كنت خايف ما تتقبلوش وجوده، خاصة بعد ما اتجوزها بدون معرفتكم، فحاولت أحميه مش أكتر.
فزاع بغضب وصوت جامح:
تحميه من مين يا فهد؟ من عيلته؟ ده حتة مني! كيف تفكر إكده؟
فهد بحزن:
غصب عني يا جدي، أني كنت السبب بخروجه من اهنه غضبان، عشان كده حاولت أعوض عن إحساسي بالذنب تجاهه.
بدر:
خلاص يابوي، اللي حصل حصل، أهم حاجة أنه بخير وجيه لحدينا.
وقف الكبير وتطلع لفهد قائلاً بغضب:
ماشي يا فهد، هعدهالك المرة دي، لكن المرة الجاية هيكون فيها كلام تاني يا كبير الدهاشنه.
فهد بضيق:
الكبير مش عاجز يا جدي.
سليم بغضب:
كيف يا فهد؟ من متى وأنت ضعيف؟
فزاع بحزم:
همله يا ولدي، ده عجلة خلاص، فوتو.
تركهم الكبير وغادر للمندارة وهو يغلي من الغضب.
أما فهد فأشار لريم بأن تأخذه للخارج، وبالفعل انصاعت له وتقدمت منه ثم أعانته للخروج، وتبقت هنية تبكي بحسرة على ما حدث لأبنائها، وبجانبها رباب التي جذبتها للداخل وحاولت أن تهدئها قليلاً.
***
بقي عمر وسليم الشارد بالخارج.
فتقدم عمر من سليم بتعجب قائلاً بصوت مرتفع بعض الشيء:
سليم.
سليم بوعي:
فيه حاجة يا عمر؟
عمر بسخرية:
حاجة إيه يابني؟ دانا لو بنادي على ميت كان رجع للحياة.
سليم:
معلش يا واد عمي، عقلي في حتة تانية.
عمر:
فيه إيه يا سليم؟ أنت لسه مش قادر تنسى؟
سليم بحزن:
كيف أنسى يا عمر؟ صعب جوي، عمري ما كنت بالجسوة دي مع حد، كيف أكون معها إكده؟
عمر بهدوء:
يا سليم، ساعات الغضب بيخلينا نتغيب عن الواقع وما نعرفش إحنا بنعمل إيه ولا ليه، وأنت كنت كدا، غيرتك عليها خليتك أعمى، مشفتش حاجة ولا حسيت باللي بتعمله.
سليم:
حسيت يا عمر، بس بعد فوات الأوان.
عمر:
لا، قدامك فرصة تعتذر، وهي أكيد هتسمحك لو بتحبك.
صدم سليم وهو ينظر بعدم تصديق، ليتعجب عمر ويستدير ليرى ماذا به؟ ليتعجب هو الآخر عندما وجد نادين أمامه تنظر لسليم باشتياق.
اقترب منها سليم بعدم تصديق قائلاً بصوت متلهف للعشق:
نادين.
وقبل أن تتحدث، احتضنها باشتياق، وهي أيضًا تناست كل شيء وشددت من احتضانه.
ابتسم عمر، ولكن لا بأس ببعض المزح، فقال بسخرية:
على فكرة، أنا هنا وأنتم بالسرايا هااا.
خفضت نادين عينيها أرضًا بخجل شديد من عمر، ليلكزه سليم بقوة، فأنفجر ضاحكًا ثم هرول للخارج، فسليم يكاد يعصف به.
أما هو، فوضع يده على وجهها بحب يزيح دموعها قائلاً بلهفة:
ليه يا نادين؟
نادين بدموع:
خايفة أندم على قرار رجوعي ليك.
سليم بحزن:
أنا أسف يا حبيبتي، صدقيني عمرك ما هتندمي.
وقبل أن تجيبه، دفنها بأحضانه بعشق دافق، لتجد الأمان وتشعر بأنها فعلت الصواب.
قاطع تلك اللحظة رباب عندما قالت والسعادة حليفتها:
حمدلله على السلامة يا بتي.
دفعته نادين بعيدًا عنها، ليكبت ضحكاته قائلاً بمزح:
لااا، ينفع كدا، بيتحرش بيا علني.
انفجرت رباب ضاحكة، فعادت تلك المشاكسة من جديد لتحيي السعادة بالسرايا.
أخذتها رباب وتوجهت للداخل بسعادة ولهفة لتطمئن عليها وعلى راوية.
سعدت هنية بها، على عكس النيران المشتعلة بقلب نوراه لرجوع تلك البندرية، وتتأكد بفشل مخططاتها.
***
عاشت نادين مع سليم بسعادة وقصة حب تسطر بحروف عشقه العتيق.
وكذلك ريم، لم ترَ أحدًا كعمر، فهو يحتويها بحنان ويستطيع كبت حزنها.
أما جاسم، فتم تحديد زفافه على نوراه بعد ثلاثة شهور، فكانت نوراه تشعر بالنيران تأكلها من الداخل، ولا تعلم كيف توقف هذا الزفاف؟
أما راوية، فكانت محطمة، فقدت الحياة كأنها جثمان يشع للمقابر، تقضي يومها بحديقة القصر، تشعر بأن نفسها ينقطع تدريجيًا.
تحطم هاشم لرؤية ابنته هكذا، حتى أنه قرر أن يحدث الفهد برجوعه لها حتى تعود ابنته. فلم يستطع خالد أيضًا تبديل حالها، وحاولت ريماس أيضًا ذلك، ولكنهم فشلوا بنهاية المطاف.
***
مرت الأيام والشهور، ومازال الحال كما هو، علاقة نادين بسليم تقوي شيئًا فشئ، وكذلك ريم وعمر، وريماس وخالد.
على عكس الفهد العاشق المجروح، وراوية التي أصبحت عاشقة للوحدة والظلام. فهو نورها الذي حرمه منه، وحرمها الحياة، فأصبحت جثة تنتظر الموت ليزفها لعالم آخر.
دعت الله كثيرًا أن يريح قلبها قليلاً، فأستجاب لها، إنه هو الرؤوف الرحيم.
***
في صباح يوم جديد.
كان منزل كبير الدهاشنه يعج بالرجال، فتعجب وهدان وبدر وسليم وعمر، وعلى رأسهم الفهد، على عكس الكبير فزاع الدهشان، كان الغضب حليفه الوحيد. كيف لهؤلاء الرجال التجرؤ على الدخول للقاعة الخاصة بمنزل فزاع الدهشان؟
هبط فزاع كذلك، الجميع وفهد بمساعدة سليم وعمر.
ليدلف الكبير بغضب ويليه وهدان وبدر وسليم وعمر، وتبقا الفهد بالخارج ومعه جاسم.
فزاع بغضب جامح:
كيف تتجرؤوا على الدخول اهنه؟
صالح دهشان (من كبار الدهاشنه):
أحنا رايدين الحديث معاك يا كبير.
فزاع بصوت كالرعد:
ومن متا الحديث اهنه؟
بدر بهدوء:
البيوت ليها حرمة يا واد عمي، الحديث بالمندارة.
صالح:
الحديث مهم يا كبير.
وهدان بغضب:
أي حديث ده اللي ما يستحملش أننا ننحدتت بالمندارة؟
أحد الرجال:
الدهاشنه كلهم معنا يا كبير بقرار.
سليم بتعجب:
قرار إيه ده؟
أحد الرجال:
أحنا مهينفعناش فهد يكون كبيرنا.
عمر بغضب:
ليه بقا إن شاء الله؟ مش ده اللي حماكم من جياد وغيره؟
رجل آخر:
أيوا، مهنكرش ده واصل، بس أنت ميرضاكش أن كبيرنا يكون عاجز.
فزاع بصوت زلزل السرايا بأكملها:
اقطع لسانك، حفيدي مهوش عاجز ولا ضعيف.
سليم بغضب جامح:
ايه الكلام الماسخ ده؟ أنت اتعديت حدودك بالكلام، ألزمها زين، والا هندمك على اليوم اللي اتولدت فيه.
صالح الدهشان:
كيف ده يعني؟ مش عايزنا نتكلم ونختار اللي يحمينا؟
وهدان بعصبية:
اقفل خشمك يا صالح قبل ما أقفل أنا.
أحد الرجال:
الدهاشنه كلهم معنا يا كبير بقرار.
سليم بتعجب:
قرار إيه ده؟
أحد الرجال:
أحنا مهينفعناش فهد يكون كبيرنا.
عمر بغضب:
ليه بقا إن شاء الله؟ مش ده اللي حماكم من جياد وغيره؟
رجل آخر:
أيوا، مهنكرش ده واصل، بس أنت ميرضاكش أن كبيرنا يكون عاجز.
فزاع بصوت زلزل السرايا بأكملها:
اقطع لسانك، حفيدي مهوش عاجز ولا ضعيف.
سليم بغضب جامح:
ايه الكلام الماسخ ده؟ أنت اتعديت حدودك بالكلام، ألزمها زين، والا هندمك على اليوم اللي اتولدت فيه.
صالح الدهشان:
كيف ده يعني؟ مش عايزنا نتكلم ونختار اللي يحمينا؟
وهدان بعصبية:
اقفل خشمك يا صالح قبل ما أقفل أنا.
دلف الفهد بمساعدة جاسم كما طلب منه، فهو استمع للحديث من البداية:
عمي بيتكلم صوح يابوي، الدهاشنه لزمهم واحد زين يحميهم، عشان كده سليم هيكون بدالي، ومحدش يستحقها جده.
سليم بصدمة:
كيف ده يا فهد؟ اتجننت إياك؟
أشار له الفهد بيده فصمت، ليكمل حديثه بخبث:
ولا أنتوا إيه رأيكم يا رجالة؟
الرجل:
عداك العيب يا ولدي، إكده الحديث صوح.
صالح بغضب:
كيف ده؟ الاحق هو ولدي عز.
نظر له الجميع بصدمة، ليعلموا نواياه الخبيثة بعد أن زرع الفكرة بعقولهم، بينما ابتسم الكبير بفخر بحفيده الذكي الذي جعله يخرج من ملابس العفة والشرف الذي يرتديها.
فهد بنظرات تكاد تقتله:
نواياك الواسخة دي أني كاشفها من زمان، والنهاردة أني كاشفك جدام الكل، لأني عندي عقل يوزنك. القوة بالعقل يا واد الدهشان، وإذا كان الكرسي ده عاجز بالنسبالكم، فميلزمنيش.
وقف الفهد أمام الجميع، لتحل الصدمة عليهم وعلى فزاع وبدر وسليم والجميع.
فهد بانتصار:
كبيركم لسه ذي ما هو بصحته وبقوته، محدش يجدر يكسرني.
ثم نظر لصالح قائلاً بغضب يفتك بأشد المنشئات:
لو حابب تتأكد من قوتي، خاليك مكانك وشوف بنفسك.
وما أن أنهى حديثه، حتى هرول صالح الدهشان القوي كما كان يقول، وكذلك الرجال أعلنوا طاعتهم للفهد وغادروا.
أما فزاع وبدر ووهدان وعمر وسليم، ظلوا ينظرون للفهد بصدمة، ولكنه استند على الأريكة وجلس يستريح ويخفف من ضغط قدميه بتدليك خفيف بيده.
فزاع بصدمة:
أنت كنت بتستغفلنا يا فهد؟
وهدان بفرحة:
أنت بتمشي يا ولدي؟
سليم بلهفة:
ما تتكلم.
فهد بابتسامة بسيطة:
أيوا يا سليم، أني رجعت أمارس مهنتي من جديد، وكنت بتابع مع دكتور كمان عن طريق النت.
جاسم ببلاهة:
مهنة إيه؟
لطمه عمر قائلاً:
غبي، فهد كان دكتور عظام.
جاسم:
آه، إيدك تقيلة يا غبي. نسيت.
بدر بسعادة:
ألف حمد وشكر ليك يارب.
فزاع بتعجب:
طب ليه مجولتش يا ولد؟
فهد:
كنت مستني أخلص علاج يا جدي، لسه في مرحلة منه، وهرجع ذي الأول بإذن الله.
سليم بغضب:
أني دلوقتي عرفت أنت كنت بتحب تقعد لحالك ليه.
بدر:
مش مهم يا ولدي، المهم أنه بخير.
كان الجميع سعيدًا، وخاصة هنية التي بكت من السعادة وحمدت الله كثيرًا.
أما الفهد، فكان يتوق لرؤية معشوقته، ولكن تبقا لديه آخر مرحلة ليقترب اللقاء، ويتحد العشاق من جديد، ليجتمع الحصون من جديد، وتكون القوة كافية لإرهاب الجميع، فمن منهم يقف أمام الدهاشنة، يكون توقيعه على رسالة الموت الأبدي.
رواية الدهاشنة الفصل الثلاثون 30 - بقلم اية محمد
بدء الفهد بأستعادة قواه شيئا فشئ حتى أصبح أقوى من قبل.
فكان سبب لصدمة من أراد المنصب ليثبت لهم أن كبيرهم اختار من يليق للمنصب.
من بعدها فهو كبيرهم بقوته العقليه قبل الجسدية.
برغم شعوره بالقوة إلا أن قلبه محطم على معشوقته.
أرد الألتقاء بها وتقريب المسافات.
كم ود أحتضانها بحنان لتشعر بأشتياقه إليها وتتلاشي المسافات العائل بينهم.
بجناح سليم
كانت نادين تريد الأطمئنان على راوية ولكنها لا تجيب عليها مما زاد قلقها عليها.
فجذبت هاتفها وطلبت خالد الذي أجاب على الفور.
نادين بقلق: أذيك يا خالد؟
خالد: أهلا يا نادين، أنا كويس الحمد لله. أخبارك؟
نادين بلهفة: الحمد لله. أخبار راوية أيه؟ بكلمها مش بترود عليا.
خالد بحزن: معلش يا نادين، أنتي عارفه ظروفها.
نادين بحزن: لسه ذى ماهي.
خالد بألم قائلا: حالتها بتسوء عن الأول.
نادين: بس فهد بقا كويس.
خالد: حاولت معها مش مقتنعه.
نادين بحزن: واحشتني أوووي.
حاول أنزل مصر في أقرب وقت.
وتصنمت نادين مكانها حينما وجدت سليم يقف خلفها بعدما صعد من الأسفل.
بدا الخوف على وجهها حتي أن الهاتف سقط أرضا من شدة أرتجافة يدها.
كانت نظراته غامضة لا توحي بشئ.
لم تري النيران المشتعله بقلبه تجاهها.
ألتلك الدرجة أصبحت تخشاه؟
أقترب منها سليم وألتقط الهاتف ثم رفعه ليستمع لصوت خالد.
خالد بتعجب: أيه يا بنتي روحتي فين؟
تقدم سليم منها ثم قدم لها الهاتف وهي تنظر له بصدمة.
تطلعت له تارة وللهاتف تارة ثم تناولته منه بيدا مرتجفه.
بغرفة جاسم
كان يقف بالشرفة شاردا بما مرء به وكيف أن والدته تسببت له بالكثير من العناء.
قطع تفكيره صوت طرقات على الباب فتوجه ليجدها أمامه بعين تتلون بلون الغضب ولهيب الكره والحقد.
جاسم بستغراب: في حاجة يا نورا؟
نوراه بغضب شديد تكبته بصوتا منخفض حتي لا يشعر بها احد: عايزه أتحدت معاك.
جاسم بستغراب: ادخلي.
وبالفعل دلفت نوراه للداخل وأغلق جاسم الباب ثم جلس على المقعد بأنتظارها للحديث.
أقتربت منه نوراه وقالت بغضب: أنت عايز أيه؟
جاسم بعدم فهم: هعوز أيه يعني؟ أنتي الا جايه أوضي.
نوراه: متلفش وتدور على يا جاسم، أنت خابر زين أني مبطجكش. كيف تتجدم لزواجي؟
وقف جاسم ثم أقترب منها قائلا بأبتسامة سخرية: عارف أنك مش بطقينى وأخلاقك متسمحش ليكي بكدا. لكن أنك تحبي رجل متجوز لدرجة أنك توقعي بينه وبين مراته دا الكويس.
صدمت نوراه ليقترب منها جاسم: أيه؟ أتصدمتى ولا مش مصدقة أني عارف كل ألعابك الواسخة وكشفها من زمان؟
نوراه بتعجب: وما أنت خابر أني رايده راجل تانى كيف تتجدم لي؟
جاسم بجدية: لأن للأسف عمر ميستهلش منك كدا.
نظرت له بعدم فهم ليكمل هو: تفتكري هيكون موقفه أيه لو كان سليم قاله أنك الا ورا الا حصل بينه وبين نادين لما أخدتي الصور الزباله دي ووصلتيها لأيده عشان يطلقها؟
حلت الصدمه علي نوراه وتراجعت للخلف بخوف شديد ثم قالت بصوت مرتجف: سليم عارف؟
جاسم: أيوا عارف أنك ورا الا حصل وسكت لما أنا طلبت منه كدا على وعد أنك مش هتعملي كدا تانى. وأنا طبعا ماليش سلطة عليكى فمكنش أدمي حل تانى غير أنك تكونى مراتى.
صدمات تتلاقها نوراه والدموع هي السبيل الوحيد لها.
تعجب جاسم من تلك الفتاة ولم يعلم ما الذي تريده.
أوقفت البكاء ثم قالت وعيناها أرضا: قال لعمر؟
جاسم بهدوء: وتفتكري لو عمر عرف كان زمانك واقفه بتكلمينى دلوقتي؟
أغمضت عيناها بألم ليقترب منها جاسم ويقول بصوت موجوع: بصي يا نوراه، أنا واثق أنك عارفه أني كنت بحب ريم. فأنا أكتر واحد حاسس بيكى وعارف أحساس الحب من طرف واحد ووجعه.
إستمعت له نوراه بحرص شديد فحديثه يلامس قلبها.
أما هو فجلس على المقعد بتعب نفسى شديد ثم أكمل قائلا: الوجع بيشتد مع كل لحظه بتشوفى حبك أدمك. كل ذكرى للموضوع بتفوق جروح كتير. لكن الأبتسامة الا بتشوفيها بتمحى جزء من الألم.
نظرت له بذهول ليكمل قائلا: الحب أنك تتمني السعادة ليه حتى له مش معاكى مع غيرك.
رفع عيناه لها قائلا بتحدي: أنتي محستيش ده يبقا الا كنتى فيه مجرد وهم مش حب.
بدءت تقتنع شيئا فشئ ليكمل هو: نوراه، أنا حاسس بيكى عشان كدا أنا حابب أساعدك. تفتكري لو أتجوزتي حد تانى وأكتشف بأى طريقه الكلام ده هيكون مصيرك ومصيرنا أيه؟ أنا مش بفرض نفسي عليكى ذي ما تحبى شكل علاقتنا هيكون. لو عايزانى صديق ليكى هكون، ولو زوج هكون كدا، أنتي الا هتحددي.
وتركها جاسم ورحل تركها تعيد حساباتها من جديد.
بالمندارة
كان يجلس واهبة القناوي مع الكبير ويتحدث معه ببعض الامور المتعلقه بالمحاصيل والمزراع.
ثم تفاجئ بحديث واهبة عن مصير راوية.
هل سيتم الطلاق كما طلب الفهد أم أن هناك أقوال أخري؟
يتعجب وهدان مما يستمع إليه بينما حلت الصدمه علي كبير الدهاشنه الذي ترك المجلس بأكمله وتوجه لغرفة حفيده والغضب متمكن منه.
دفش الباب بقوة محتضنه للغضب ليتفأجئ الفهد به.
فواقف بقلق ليرى ماذا هناك؟
فهد بلهفة: في حاجه يا جدي؟
فزاع بغضب: هملي السؤال ده. أيه الحديت الا سمعته ده يا فهد؟
فهد بعدم فهم: حديت أيه يا جدي؟
فزاع: الطلاج الا واهبة بيتحدت عنه. الكلام ده صوح؟
فهد بحزن: أيوا يا جدي كان صوح. لكن دلوجت أني بجيت زين مهتخلاش عنها واصل.
فزاع بصوتا غاضب: عشان رجعت بعافيتك عاوز ترجعها صوح؟ أني مكنتش عارف أنك أناني إكده.
فهد بصدمة: لع يا جدي اني مش أنانى.
فزاع: لع أنت أنانى. كسرت بخاطرها لما حسيت أنك مهترجعاش لجوتك ولما عاودت عاوز ترجعلها.
فهد بحزن: كان غصب عني يا جدي. أنت مهتعرفش أيه الا حوصل.
فزاع بضيق: عرفت من هاشم بالتلفون بس متوقعتش منك إكده. رجع مرتك يا ولدي الا بينكم يختلف عن الكل. متخسرش حبك يا فهد.
وترك فزاع الغرفة ليضم فهد وجهه بيده ثم يرفعها عندما إستمع لصوت ما بالغرفة ليجدها ريم تقف والدمع يلمع بعيناها.
وقف الفهد وتقدم منها قائلا بقلق: ريم؟
ريم بدمع يلمع بعيناها: أمي شيعتنى أندهلك عشان متغدتش وهى حضرت الوكلفهد بستغراب: مالك يا ريم؟
ريم بصوتا باكئ: رجعها ياخوي. راوية بتحبك والحب صعب تلجيه وأنت قمان بتحبه.
نظر لها بستغراب لتكمل هي: مكنش جصدى أسمع الا حوصل بس سمعت من جدي وأنى طالعه أنديلك.
أحتضنها فهد وقلبه ينزف على معشوقته ولكن حان الوقت ليقرب المسافات ويلتقى بها لتكون السكن له ومداوي لجراح دامت بعذاب العشق.
بجناح سليم
أنهت نادين مكالمتها مع خالد ثم رفعت عيناها بخوف لسليم لتجده يبدل ثيابه بعدم إكتثار.
ثم أقترب منها قائلا بأهتمام: راوية عامله أيه؟
نادين بتعجب: الحمد لله.
سليم بثبات: لو حابه ننزل مصر بعد بكره ننزلى.
نادين بلهفة وسعاده: بجد يا سليم؟
سليم بأبتسامة ساحرة: بجد يا حبيبتى.
تعجبت نادين كثيرا منه ومن التغير الذي حدث بسرعة كبيرة به.
فتقدمت منه بأرتباك قائلة ببعض التوتر: أنت أيه الا حصل لك؟
إبتسم سليم إبتسامة بسيطة: إلا حصل لى أني فهمت صح وعرفت أنك أد أيه بتحبيني يا نادين. أنا ظلمتك كتير ومستحيل أعيدها تانى. وعلاقتك بخالد مستحيل تنتهي لأنه فعلا سندك ودا انا أتاكدت بيه بنفسي.
جلست على المقعد والدموع والأبتسامة حليفتها لا تعلم أتبتسم أم تبكي!!!
لقد تبدل حاله تماما.
أقترب منها سليم بلهفة قائلا بخوف: حبيبتي مالك؟
رفعت عيناها لتلتقي به قائلة بسعادة لا توصف: أنا مش مصدقه نفسى.
سليم بخبث: تعالي أخليكى تصدقي بطريقتي.
وحملها سليم بين ذراعيه ثم توجه للفراش ليجعلها تعود لأرض الواقع وتعلم أنها قد نجحت بتبديل حفيد فزاع الدهشان.
كانت تخطو خطوات للأعلي وصدى كلماته تتردد بأذنيها.
تستمع لها ولا تعلم ما هو الصواب.
كل ما تعلمه أن قلبها تألم لمعرفتها حقيقة أن الحب لم يعرف الطريق لقلبه.
لم تشعر بعمر وهو يحدثها وهي بعالم أخر.
عمر بقلق وهو يحركها: نوراه، أنتي كويسه؟
أفاقت لتجد أخاها أمامها ينظر لها بخوفا شديد.
تعجبت نوراه وقالت بسخرية: متخافش ياخوي أنا زينة.
كتر خيرك.
وتركتـه منغمس بكلماتها التي كانت له كالخنجر الذي طعنه بدون رحمة.
أما هي فتوجهت لغرفتها وكلمات جاسم تعبأ عقلها ترفض تركها.
نعم أفاقتها ولكن علي واقع أليم.
أما عمر فدلف لغرفته وهو حزين على نوراه.
هل قصر بحقها أم ماذا؟
رأته ريم فتوجهت إليه والقلق يملئ عيناها: مالك؟
عمر بحزن: مفيش يا ريم. مخنوق شوية.
ريم بخوف: من أيه؟
عمر بهدوء: حبيبتي أنا كويس والله بس تعبان شوية. هدخل أريح شوية وهبقا كويس متقلقيش.
وقبل عمر جبينها ثم توجه للفراش وتمدد عليه وباله مشغول بحديث نوراه.
بمكانا أخر مظلم
كانت تجلس بلا روح تبكي بصمت كأنها روحا زاهقه للحياة تتمني الموت المريح علي الحياة بدونه.
كانت راوية تجلس الدمع يسري على وجهها ثم أزاحته بيدا مرتجفه ليخرج صوتا مكبوت كبت لشهور عذاب قائلة بصوت مصاحب للبكاء: ياررب جمعني بيه. أنا مقدرش أعيش من غيره. الحياة من غيره أبشع من الموت.
ثم أغمضت عيناها بألم قائلة ببكاء: ياررب.
أغمضت عيناها وسرحت بنوم عميق لم تذق طعمه منذ شهورا لتجده أمامها فتبتسم.
ثم أستيقظت بسعادة لتجد الغرفة خالية.
جنت راوية وفتحت المصباح لتجد الغرفة فارغة.
صرخت بدموع وبصوتا مرتفع قائلة بصوتا يطعن القلوب ووجع أقوي: فهد. فهد.
لاااا متسبنيش أرجوك.
بكت راويه بصوتا أيقظ الجميع فأتي هاشم ليتحطم لرؤية إبنته هكذا.
أسرع خالد إليها ليحتضنها كالعادة تصرخ بأسم فهد ثم تفقد واعيها.
حملها خالد للفراش ثم داثرها جيدا.
أقترب هاشم من إبنته والدمع حليفه ثم أخذ يمسد على شعرها بحنان.
كانت ريماس تنظر له ولخالد بحزن شديد فراوية حالها لا يتحسن بل يسوء أكثر من قبل.
حتي أصبحت تبغض الفهد فمن يحب لا يحطم معشوقه بتلك الطريقة.
لا تعلم أنه يعاني أضعاف مضاعفة بالعذاب والبعاد.
علي الجانب الآخر
كان غافلا بالقطار المتوجه لمعشوقته فأفاق بفزع وقلبه ينبض بشدة.
نعم إستمع لصوتها تناجيه.
إستمع لصوت بكائها الحارق.
شعر بألمها وأوجاعها حتي عيناه ذرفت دمعه حارقة على خديه فأصبح يعلم مصدرها.
فالمصدر وجع نصفه الأخر وجع محبوبته.
نعم أنه العشق الدافين الذي يترنح بين طغيات الوري بخفة لسلب قلب صار مقيد للهوي.
فهل من محطم للقيد أم للسجان رأئ أخر؟