تحميل رواية الخادمة التي بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
انتى يا بت يا زفت انتى، أجرى اعمليلى قهوة بسرعة ومتتأخريش!! حاضر. مشت بتول بسرعة ناحية المطبخ وجلس يراقبها للحظة. لا تجيب بتول إلا بكلمة واحدة مهما كان الأمر الذي تتلقاه، مقتصدة جداً في الكلام ورسمية جداً في التعامل. فمنذ حضرت إلى البيت الكبير وهي ليست كبقية الخدم، اللاتي يحاولن منافقته أو الكلام معه أو حتى الجري وراءه. وهو سيد البيت ولن تكسره خادمة وسيخضع الجميع له. لأنه يتعمد أن يعاملها بقسوة، ويتعمد أيضاً أن يعامل بقية الخدم بلطف وإنسانية. لكن بتول لا تتذمر أبداً. فهو يتذكرها عندما حضرت إلى ا...
رواية الخادمة التي الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
انتى يا بت يا زفت انتى، أجرى اعمليلى قهوة بسرعة ومتتأخريش!!
حاضر.
مشت بتول بسرعة ناحية المطبخ وجلس يراقبها للحظة.
لا تجيب بتول إلا بكلمة واحدة مهما كان الأمر الذي تتلقاه، مقتصدة جداً في الكلام ورسمية جداً في التعامل.
فمنذ حضرت إلى البيت الكبير وهي ليست كبقية الخدم، اللاتي يحاولن منافقته أو الكلام معه أو حتى الجري وراءه.
وهو سيد البيت ولن تكسره خادمة وسيخضع الجميع له.
لأنه يتعمد أن يعاملها بقسوة، ويتعمد أيضاً أن يعامل بقية الخدم بلطف وإنسانية.
لكن بتول لا تتذمر أبداً.
فهو يتذكرها عندما حضرت إلى البيت وكانت صغيرة في الخامسة عشر، بمثل عمره.
قبلها والده قبل وفاته، فقد كانت يتيمة توسط لها أحد المعارف لتعمل عنده لأنها بلا عائلة.
وقتها كان يراها ويرى وجهها وشعرها قبل أن تتحجب.
وبعد مرور خمسة أعوام لا يزال جسدها نحيل، لكنه لا يتذكر ملامحها ولا يعرف أي أنثى أصبحت.
وقد وضع لنفسه قواعد في التعامل مع الخدم ورثها من والده ولا يكسرها أبداً.
لا يطرد أحد تعسفاً، لا يشتم، ويدفع المرتب كل مطلع شهر مع زيادة وعلاوة، وكلما مضت عدة أعوام على وجود خادمة لأنهم يتغيرون باستمرار.
البعض يتزوج والبعض الآخر يجد عمل آخر يرفع مرتبها.
حضرت بتول القهوة ووضعتها على الطاولة.
تقف دائماً بعد ذلك بثبات لا متناهي حتى يطلب منها أن ترحل.
أو يقول: خلاص، أنا مش عايز حاجة تانية.
وهذا ما يغيظه من بتول، أنها لا تقول أبداً: عايز حاجة تانية يا بيه؟ مثل بقية الخدم.
فيتركها واقفة بعض الوقت قبل أن يحرك يده لترحل.
لأنها أنشط واحدة في الخدم ولا تتوقف عن العمل مطلقاً.
وكلما نزل الرواق وجدها تعمل، تنظف أو تمسح أو ترتب شيئاً قبل أن تذهب لغرفتها.
فقد حدد لها والده دون عن كل الخدم غرفة بمفردها.
يتذكر أن والده قال: إنها فتاة ستكبر وتحتاج خصوصية.
وعندما كان طفلاً سأل والده: لماذا هذه بالذات؟
قال والده: لأنها بلا عائلة وقريباً ستنضج وليس لها والدة تعتني بها، وأن جسدها سيتغير وهي لا تعرف ذلك وسيكون الوضع محرجاً لها.
ولا يعرف لماذا حتى الآن يحافظ على عهد والده ولم يحاول أن يكسر كلمته، أو يجعلها مثل بقية الخدم رغم تذمر كبيرة الخدم عنايات أكثر من مرة.
وقد لا يراه لمدة أسبوع أو أكثر، لكنه عندما يراها يعاملها بتلك الطريقة.
وقد لاحظ شيئاً عليها أنها دائماً نظيفة في نفسها وأنيقة رغم أن كل الخدم كذلك.
ورغم مرور السنين لم يسأل أحد عنها، فهو لم يرَ لها قريب أو أهل.
إنها وحيدة جداً، مثله بالضبط بعد أن توفى والده.
ترك الجرنال مرمياً على الطاولة، ثم خرج إلى سيارته وذهب إلى العمل.
تتولى بتول ترتيب الفوضى التي يتركها تيمور خلفه.
وفي الغالب يترك أشياء معينة بالقصد، خاتم، ساعة، لفافة تبغ، قلم، منديل، ملحوظة.
وعندما يعود يجد كل شيء في مكانه.
تأوي بتول إلى غرفتها في الساعة السابعة مساءً ولا تخرج منها إلا صباح اليوم التالي.
غرفتها واسعة ولها شرفة.
لديها تلفاز خاص وراديو وكتب تحضرها من مكتبة البيت الكبير.
لديها حمام خاص وخزانة ملابس كبيرة.
وأول شيء تفعله في الصباح الذهاب إلى الحديقة ورؤى الورود التي تزرعها باستمرار.
طلبيات الورود النادرة التي تصلها تزرعها حتى حولت جزءاً من الحديقة للوحة جميلة من الأزهار.
ثم تجلس تحت أحد الأشجار على الأريكة لبعض الوقت، شاردة مع كتاب حتى تصرخ عليها عنايات أو تلمح تيمور يدلف إلى البيت.
رواية الخادمة التي الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
دخل تيمور الفيلا. لمح سادين جالسة تحت الشجر.
دلف إلى الرواق وصرخ:
"أنا كنت سايب حاجة هنا!"
ركضت عنايات بجسدها النحيل. بتول، التي كانت تنظف هنا، وصلت أيضًا.
تمشى بثبات، غير عابئة بصراخ تيمور. مدت يدها تحت الوسادة وأخرجت خاتمًا من العقيق، ثم قربته من تيمور هامسة:
"اتفضل..."
"الخاتم ده كان فين؟" سألها تيمور بتنمر.
"انت نسيته تحت الكنبة وأنا لقيته وسبته هنا لحد ما ترجع."
استشاط تيمور من الغضب. كل الخدم يحترمونه ويفخمونه، يقولون "حضرتك" و"سيادتك"، إلا بتول. لا تقول ذلك إلا عندما يأمرها أو يوبخها.
"كم مرة أقولك لما تتكلمي معايا تقولي حضرتك؟ أنا مش عيل بلعب معاكي في الشارع."
ارتسمت ابتسامة على وجه عنايات، التي تكره بتول منذ حضورها إلى الفيلا. كان مقررًا أن تتولى بتول مسؤولية كبيرة، مسؤولة الخدم ومدبرة المنزل. لكن تيمور لم يتقبل ذلك لأنها تتحدّاه سرًا كلما استطاعت. فأحضر لها عنايات لتكون مسؤولة وتنغص عليها حياته.
لكن بتول غير مهتمة، كأنها تعيش في عالم موازٍ ولا شأن لها بالفيلا أو غيرها.
همست بتول:
"حاضر. فيه حاجة تانية حضرتك عايزها؟"
"عايز منك إيه يعني؟ اتفضلي امشي."
تمنى تيمور أن يرى تعبيرات وجهها، أن يراها تبكي أو حتى تبتسم. لكن ذلك الجدار الذي يخفيها عنه يضايقه. فكيف يعرف أنها لا تضحك عليه وهي تعتذر؟ أو أنها تسخر منه وهي تقول حاضر؟ مما أشعره بالضيق.
ثم جلس على الأريكة. وقصدت بتول غرفته.
تختفي بتول داخل غرفتها، ولا يعرف ما تفعله. ربما تراسل أحد الأوغاد سرًا وتقضي معه أوقاتًا طويلة على الفيس أو الواتس.
وقبل أن يسأل نفسه لما يفكر بتلك الطريقة، فتح الفيس وبحث عن اسمها. ظهر له أكثر من اسم أو صورة.
ليس معقول أن يرسل تيمور مدكور، صاحب الشركات، طلب صداقة عشوائي. ثم كيف يتذلل ويرسل لها طلب صداقة؟ لا، لن يفعل ذلك أبدًا.
رغم ذلك، أمر سكرتيرته دعاء أن تنشئ له حساب فيسبوك آخر وهمي، متذرعًا بأنه يريد ذلك الحساب ليعرف وجهة نظر عملائه وأعدائه فيه.
بعد أن أصبح حساب الفيسبوك الوهمي جاهزًا للعمل، غير تيمور كلمة السر.
ثم جلس متحيرًا لبعض الوقت قبل أن يصرخ:
"بتول؟"
فتحت بتول باب غرفته:
"نعم يا تيمور بيه؟"
"إنتي قاعدة في غرفتك بتلعبي في التليفون وسايبة الأزهار من غير ما تتري؟"
كان تيمور يدفع تكلفة تلك الأزهار قبل زراعتها. وكلما طلبت بتول شتلات جديدة، يدفع فواتيرها بلا جدال، فقد كانت تعجبه أفكار بتول.
همست بتول:
"بس أنا رويت الأزهار الصبح يا تيمور بيه."
"بتكدبيني يا بتول؟ فيه زهرة هناك المية موصلتهاش. وبعدين هاتي التليفون ده اللي مخليكي مش واخدة بالك من شغلك."
همست بتول:
"مستحيل أديك تليفوني."
"ها!" ضحك تيمور.
"ليه خايفة من إيه؟"
"مش خايفة من حاجة، بس دي حاجة شخصية."
"سيبي تليفونك هنا، دا أمر، وكمان مفتوح."
"مش هسيب تليفوني حتى لو طردتني من الفيلا."
وكلما ازداد عنادها، ازداد شك تيمور، الذي ابتسم.
"على فكرة، أنا كنت بهزر معاكي. أنا هحتاج تليفونك ليه يعني؟"
"قصدت بتول الحديقة." وهمس تيمور:
"بقا عاملة فيها شريفة؟ ماشي، أنا هوريكي، هفضحك قدام نفسك يا بتول."
ثم استخدم عنايات، التي أحضرت حساب بتول من واحدة من الخدم صديقة عند بتول. وأرسل لها طلب صداقة وهو يبتسم.
راح تيمور يتصفح حسابها، المنشورات والبوستات والتعليقات.
كان يشعر بالغضب من نفسه لتقديمه تلك التنازلات التي وصلت به لتصفح حساب خادمة. لكن الفضول كان يلتهم لدرجة أكبر من حنقه.
رواية الخادمة التي الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
ظل طلب تيمور الذي أرسله من حساب فيك معلقًا لأكثر من أسبوع. وكل يوم يتفقد الحساب متوقعًا أن يكون طلب صداقته قد قُبل. ثم بدأت الشكوك تلعب داخله.
"لماذا لا تكون بتول؟ توقعت ذلك؟"
كانت العلاقة التي تربطهما أكبر من علاقة خادمة بصاحب فيلا أو قصر. لقد كان عمرهما متقاربًا ولعب معها عندما كان طفلًا صغيرًا في الحديقة. وكان هذا الخلط يفسد تفكيره بين رغباته الدفينة وما يطمح إليه.
آخر مرة نظر فيها إلى هاتفه، أطلق تنهيدة غضب وألقى هاتفه على الطاولة.
"كيف لم تقبل طلبي؟"
رد صوت عقله: "لأنها لا تعرف أن الحساب ملكك، قد يكون لأي شخص."
"حتى لو كان الحساب لا يحمل اسمي، كان يجب أن تقبل طلب صداقتي."
وكلما فكر زاد عناده.
"أنا سأعاقب بتول بطريقة صعبة وشديدة. مش أنا اللي طلبي يترفض!"
سحب تيمور هاتفه وطلب رقمًا.
"أهلاً تيمور بيه."
"أهلاً نرجس هانم، عاملة إيه؟"
"بخير يا تيمور بيه! هو أنت رسمي ليه كده يا تيمو؟"
"مفيش، أنا عايز منك خدمة."
أطلقت نرجس تنهيدة.
"فيه واحدة جديدة صح؟ أنا بعرفك لما بيكون دماغك مشغول."
"اسمها إيه وبتشتغل إيه؟"
"اسمها... اسمها عنايات وبتشتغل مضيفة طيران."
اضطر تيمور للكذب، لن يفضح نفسه أمام نرجس ويقول إنها خادمته.
"ده اسم بلدي أوي يا تيمور؟"
"لازم البنت دي صاروخ عشان تخلي تيمور مدكور بنفسه يتنازل ويفتش وراها."
"بصي يا نرجس، هي حسابها على الفيس باسم بتول المغربي."
"عايزك تبعتي ليها طلب صداقة وتبقى صاحبتها."
همست نرجس: "أنا عارفة البنات اللي بتغير اسمها على الفيس."
"يا ساتر، حاجة كده لؤم وخبث."
"نرجس؟ الموضوع ده مهم بالنسبة ليا، عايز نتائج سريعة."
"حاضر يا تيمور، إيه مش ناوي تعدي عليا؟"
"مش دلوقتي يا نرجس، أنا مش فاضي."
خلص تيمور مكالمته وهو يشعر بالإهانة. إهانة نفسه واضطراره للنزول للمستوى القذر هذا. كل هذا بسبب بتول، أنه يحملها الذنب كله. رغم تعدد علاقات تيمور خارج الفيلا، إلا أنه عمره ما حاول يعمل حاجة داخل الفيلا. ألزم نفسه بقوانين صارمة تحفظ كرامته ومكانته.
أمسك تيمور هاتفه مرة أخرى، غير متقبل فكرة أن طلبه لا يزال معلقًا حتى تلك اللحظة.
بتول داخل غرفتها، وتيمور في الرواق يدخن سيجارة.
"عنايات؟ فين بتول؟"
"خلصت شغلها ودخلت غرفتها يا تيمور بيه. طيب، نادى عليها من فضلك يا عنايات."
طرقت عنايات باب غرفة بتول وعادت إلى تيمور.
"لحظات وتكون عندك. تأمر بحاجة تانية حضرتك؟"
"شكراً يا عنايات."
انفتح الباب وخرجت منه بتول. كانت تكره اليوم الذي يطلبها فيه تيمور. كانت مرتاحة منه ومش بتشوف وشه غير كل أسبوع، لكن دلوقتي لازق في الفيلا معظم الوقت.
وقفت بتول قدام تيمور.
"أيوه، أنت طلبتني؟"
"قلت لك ميت مرة، اسمي تيمور بيه ولما تتكلمي معايا تقولي حضرتك."
أطلقت بتول تنهيدة قرف.
"حضرتك طلبتني يا تيمور بيه؟"
وكان مزاجه قد تعكر بعناد بتول. كان على وشك أن يخاطبها بطريقة جيدة، لكن بتول تجد دائمًا وسيلة لإفساد الأمر.
سأل تيمور: "فيه طلبات زهور وصلت تاني القصر؟"
بتول عارفة إن تيمور مش مهتم بالأزهار ولا الورود ولا الأشجار.
"آه، فيه طلبية هتوصل بعد يومين."
رفع تيمور بصره.
"اسم إيه؟"
ضيقت بتول حاجبها.
"هو إيه اللي اسمه إيه يا تيمور؟"
"قلت لك تيمور بيه!" وصرخ تيمور بغضب. "أنا مش هفضل أحذرك كل دقيقة."
"ماشي، تيمور بيه، أصل الزهرة مؤنس وانت قلت اسمه."
همس تيمور: "أنا أقصد الورد اسمه إيه؟"
"لاذراج يا تيمور بيه."
"طيب، لما يوصل ابعتيلي الفاتورة علشان أدفعها."
"حاضر يا تيمور بيه، ممكن أمشي؟"
"وقحة!" هكذا همس تيمور في سره. "دي خادمة متنمرة متمردة وقحة، وأنا هعرف أربيها. إزاي أكون بكلمها وتطلب تمشي؟ أنا أي ست تتمنى تتكلم معايا."
"أجري اعملي شاي."
"حاضر يا تيمور بيه."
عادت بتول الشاي وجابته، حطته قدام تيمور.
"إيه ده؟" سألها تيمور بتربص.
همست بتول: "الشاي اللي حضرتك طلبته."
رفع تيمور رجله وزق الطاولة بالشاى على الأرض.
"أنا قولت اعملي شاي، مقلتش اعملي شاي وهاتيها هنا. يعني ممكن أخليكي انتي تشربيه أو أي واحدة من الخدم."
وقفت بتول بصمت حتى لا تفقد هدوءها.
"واقفة ليه؟ نضفي الفوضى اللي عملتيها دي. عايز أول ما أنزل من غرفتي ألاقي السجاد بيلمع."
داخل غرفته، كلم تيمور نرجس.
"ها، عملتي إيه؟"
"بعتلها طلب صداقة ولسه معلق."
"البنت دي ماسكة التليفون أربعة وعشرين ساعة، معقول تكون ما شافت الطلب؟" كان تيمور يسأل نفسه بشك. "طيب خليكي وراها لحد ما ترد."
"نرجس!! أنا عايزها تقع، ولما تقع كلميني."
"حاضر يا تيمور، متقلقش، كلهم بيعملوا كده، بيبانوا صعبين، لكن في الآخر نرجس بتكسب."
رواية الخادمة التي الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
كانت نرجس تتفحص هاتفها بضيق.
"مش بتقبل طلبات صداقه؟"
فتحت الماسنجر وأرسلت رسالة لبتول.
"بعد التحيه، عامله ايه؟ وعايزاكى في موضوع مهم."
رسالة مبهمة هكذا أرادتها نرجس، لأنها حتى الآن متعرفش شخصية بتول، سواء كانت متمرده أو خجولة أو حتى متزمتة، فلكل نوع معاملة خاصة.
وكان تيمور كل شوية يتصل عليها.
آخر مرة آنبها: "بقى هي نرجس اللي أنا أعرفها؟ دا أنا قلت يومين تلاتة وهتجيب قرارها."
ولما سألته نرجس: "هي شغالة في شركة طيران إيه؟"
مردش عليها.
"أنا بعتلها رسالة، ولما ترد عليا هجيب لك قرارها."
أمسك تيمور هاتفه ونظر إلى طلب صداقته المعلق بغيظ.
وهو بيسأل نفسه: "ليه مهتم للدرجة دي بالموضوع ده؟ أنت راجل صاحب شركة وعايش حياتك وعندك كل حاجة مجمعة، هتفرق إيه معاك واحدة زي بتول؟"
"لازم أكسرها."
تنهد صوت متمرد داخله.
"لازم أكشف أسرارها. إنها خادمتي ومن حقي أعرف عنها كل حاجة أنا عايزها."
نرجس موفقتش ساكتة. عرفت بطرقها إن تيمور مسافرش لأي مكان، وإن قصة مضيفة الطيران فيك، وإن تيمور عايز حاجة معينة من غير هي ما تعرف.
داخل غرفتها، بصت بتول على طلبات الصداقة الغريبة اللي وصلتها فجأة.
وقرأت الرسالة المبهمة اللي وصلتها من نرجس.
وشعرت باستفزاز.
"موضوع إيه اللي هتكون واحدة متعرفهاش عايزاني فيه؟"
ولأنها تعرف إنها غير مهمة، وحيدة ومهمشة بعد وفاة والديها، وأن لا أحد يسأل عنها.
حذفت الرسالة.
"هتكون عايزة إيه يعني مني؟"
وكان نرجس تنتظر. فقد ظهر لها أن الرسالة قُرأت، لكن الرد لم يأتي أبدًا.
وتعددت رسائل نرجس إلى بتول على الخاص، وبتول لا ترد.
فهي أصلاً مكنتش تعرف هتتكلم إزاي مع شخص متعرفوش، أو حتى لو كانت تعرفه.
بتول مش بتكمل جملة كاملة على بعض من غير تقف.
بسبب الخجل أو لأعتبارات أخرى.
هاتفت نرجس تيمور.
"البنت اللي بتتكلم عنها مستحيل تكون مضيفة طيران. هو أنت ممكن تقول الحقيقة؟ يمكن أقدر أساعدك."
"ردت عليكِ يا نرجس؟"
"لا مردتش، وواضح إنها مش هترد."
"طيب خلاص، أنا هتصرف."
وأغلق تيمور الخط في وجه نرجس.
بعد يومين، كانت نرجس في المول بتتسوق.
لما قابلها فهد.
كان من ضمن الشلة، ووالده صاحب شركة زي تيمور، وفيه بينهم منافسة في السوق وفي كل حاجة.
"مش صاحبك لايف على واحدة جديدة؟"
"صاحبي مين؟"
"تيمور مدكور. بس البت إيه مش معبراه خالص."
رفع فهد يده.
"طالما البت مش معبراه، لازم تعرفيني عليها."
"أنا معرفهاش، لكن معايا حساب الفيس بتاعها."
أخذ فهد حساب بتول.
"مهما كانت طلباتها ومهما كان اللي عايزاه، طالما رفضت تيمور هيقدمه ليها. هيعمل المستحيل عشان تكون صديقته."
أرسل لها طلب صداقة ومعه رسالة على الخاص.
"أنا رجل أعمال وببحث عن موظفين."
قرأت بتول الرسالة والشك لعب فيها.
"رجل أعمال؟ طيب إزاي وصل لحسابها ويعرفها من فين؟"
ثم ابتسمت.
"دي أكيد واحدة من ألعاب تيمور مدكور، لأن عنايات كانت بتسأل عن حسابها على الفيس."
ردت بتول على الرسالة: "شغل إيه حضرتك؟"
رد فهد بسرعة: "في قسم الحسابات."
"لكن أنا مش خريجة تجارة!!"
"تخصصك إيه؟" سأل فهد.
صمتت بتول مدة طويلة قبل أن تكبت: "إني مدبرة منزل."
"كبيرة خدم؟"
وكانت تكتب وهي تضحك على رد فعل تيمور لما يقرأ الرسالة.
لكن الرد صدمها.
"من حسن حظك إن كبيرة الخدم في قصري قدمت استقالتها، وأنا محتاج كبيرة خدم بمرتب مجزي، وهيكون ليها سكن خاص."
فتحت بتول باب غرفتها وبصت على الصالة.
تيمور كان قاعد وماسك تليفونه.
ابتسمت بتول في سخرية.
"ماشي يا تيمور!!"
"المرتب كام؟"
"عشرة آلاف جنيه."
ابتلعت بتول ريقها.
"دي بيهزر أكيد. تيمور اتجنن."
"لو عايزة الوظيفة، قابليني بكرة في مقر الشركة."
وأداها العنوان.
رواية الخادمة التي الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
لم تكن بتول تعرف عنوان شركة تيمور، ولم تخرج للشارع منذ مدة طويلة. ظنت أنه دعوة مبطنة من تيمور، حيث كبرياؤه منعه من دعوتها لزيارة الشركة التي كان يملكها والده. فرغم كل شيء، كان تيمور صديقها في الطفولة.
طلبت إذنًا من عنايات، ففي قصر صقر لابد أن تسير الأمور بشكل رسمي. تخاطب عنايات، عنايات تخاطب صقر، ثم تحصل على الموافقة.
ولأن عنايات لا تطيق بتول، فعندما سمعت الطلب ركضت إلى تيمور.
"منذ أكثر من عامين، ومنذ وصول عنايات، لم تخرج بتول من القصر. ما الذي أخرجها يا ترى؟"
"تيمور بيه، بتول قدمت طلب إجازة."
"إجازة؟" همس تيمور بانزعاج. "هي تعبانة، ولا إيه؟"
"معرفش حضرتك، بتقول وراها مشوار مهم."
سمع تيمور كلمة "مشوار" وشعر بالتعاسة، لكن لابد أن يكون صارمًا أمام عنايات، فقال: "ما فيش مانع."
لكنه بينه وبين نفسه فكر في سره: "أكيد رايحة تقابل حبيب القلب، الولد اللي بتكلمه ليل نهار على الفيس ويخليها تغلق على نفسها غرفتها وتكتفي به عن العالم."
لم تتأخر بتول. خرجت مرتدية ملابس محتشمة تشق الطريق وسط الحديقة.
سحب تيمور نفسه وتسلل خلفها. ركب سيارته وراقب التاكسي الذي وقف أمام شركة أعدائه، مراد السلحدار.
"هو فيه إيه؟" سأل تيمور نفسه بقلق. "بتول جاية تعمل إيه هنا؟"
أوقف تيمور سيارته ودخل مقر الشركة خلف بتول، متحججًا بلقاء مراد السلحدار. وفي طريقه، كان يبحث عن بتول في كل ركن، لكنه لم يجدها.
دخل مكتب مراد السلحدار وتحدث معه عن صفقة شائكة بينه وبين شركته، ثم غادر المكتب. وفي طريق خروجه، لمح بتول تجلس في مكتب نائب الشركة، فهد مراد السلحدار.
شعر تيمور أن قلبه توقف. "بتول قاعدة مع فهد، وقدامها كوباية قهوة، وفهد بيتكلم معاها بكل ارتياحيه."
ولم يتمكن من كبح جماح نفسه، فاقتحم المكتب وصرخ في بتول: "إنتي بتعملي إيه هنا؟"
نهض فهد: "إنت متعصب ليه يا تيمور بيه؟"
"اسكت إنت!" صرخ تيمور. "أنا بكلم بتول."
كدت بتول أن تبكي. راحت تحاول أن تشرح لتيمور الحكاية كلها، لكن لسانها توقف.
"إنت بتصرخ فيها ليه كده؟ هي عبدة عندك؟"
"بتول إنسانة كبيرة وراشد وتقدر تدافع وتقرر مصيرها بنفسها. ومتنساش إنك في شركتنا."
شعرت بتول بالإهانة والإحراج. وصرخ تيمور وهو يجذب بيدها: "يلا قدامي على القصر!"
وقف فهد بينه وبين بتول: "أنا مسمحلكش تجبرها على أي حاجة. إحنا قاعدين بناقش عقد عمل. لو عندك مشكلة شخصية مع الآنسة بتول، تقدر تحلها في القصر عندك."
"يلا يا بتول!" صرخ تيمور.
همست بتول: "أنا مش هروح، وبلاش تصرخ في بالطريقة المهينة دي."
"بقى كده!" صرخ تيمور بكل غضبه وهمس: "ماشي." ثم غادر الشركة.
"على فكرة، ملوش أي حق يعاملك كده. مش معنى إنك شغالة عنده في القصر إنه اشتراك بفلوسه. لو دي معاملته ليكِ قدام الناس، فأنا مش قادر أتخيل بيعاملك إزاي داخل القصر."
تذكرت بتول كل الإهانات التي وجهها تيمور لها وتعمده إذلالها في كل أسبوع.
وكان فهد عرض عليها تشتغل في القصر عنده بمرتب مرتفع، لكنه قال: "شوفِ يا آنسة بتول، بعد اللي شوفته بعيني، أنا بقدم لك فرصة عمل تانية. لو عايزة تشتغلي سكرتيرة هنا في الشركة، أنا موافق."
"سكرتيرة منقبة؟"
"وإيه المشكلة؟ آنسة بتول، إحنا على فكرة مسلمين زيك. وبعدين إنتي قولتي إنك بتعرفي تتكلمي إنجليزي."
همست بتول: "وبكتب كويس كمان."
"طيب خلاص، بصي يا ستي، إنتي هتروحي تقابلي شؤون العاملين وهيختبروكي. لو نجحتي، منصب السكرتيرة بتاعك، وبكده تبقى كل حاجة بمجهودك من غير واسطة ولا يحزنون."
راحت بتول الاختبار، وهناك تفاجأ الموظف أن بتول تتكلم إنجليزي زي الأجانب، وتكتب بخط جميل وحروف صحيحة. لدرجة إنه سألها: "إنتي خريجة جامعة أمريكية؟"
لأول مرة تشعر بتول بالفخر. الدروس اللي كانت بتاخدها على اليوتيوب جابت فايدة.
منحها فهد حرية الاختيار والتفكير. وانصرفت بتول من الشركة بعقل مضطرب وقلب حالم.
وصل تيمور الفيلا. ودون سابق كلام، هشّم فنجان القهوة وضم قبضته وضرب الحائط حتى جرحت يده.
رواية الخادمة التي الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
في طريق العودة فكرت بتول أن تخبر تيمور بالحقيقة.
كل ما حدث كانت تظنه مزحة، كانت تظن أن تيمور من أرسل لها الرسالة.
عادت بتول من الخارج، وعندما دخلت القصر كان تيمور في انتظارها.
ألقت التحية كعادتها وقصدت غرفتها.
صرخ تيمور: "استني عندك!!"
وقفت بتول واستدارت: "خير، فيه حاجة؟"
قال تيمور بصراخ: "إيه البرود اللي أنتِ فيه ده؟"
"احترم نفسك"، قالتها بتول لأول مرة. "أنا ما عملتش حاجة غلط."
"كل اللي عملتيه ده ومعملتيش حاجة غلط؟ كان ناقص إيه كمان؟ لو عايزة زيادة في المرتب كنتِ طلبتيها وأنا كنت هلبّي طلبك."
ابتسمت بتول من غيرة تيمور.
"الصراحة الموضوع مش كده يا تيمور."
"أمال الموضوع إيه يا هانم؟"
تحلت بتول بالصبر. "أنا وصلتني رسالة وافتكرت إنك بعتها لي."
"أنا أبعت رسالة ليكي انتِ؟" صرخ تيمور بسخرية. "انتِ خدامة عندي، ما لقيتيش غير فهد؟ إيه علاقتك بيه؟"
"ملكش دعوة بحياتي الشخصية يا تيمور بيه. أنا أخدت إذن وخرجت ورجعت في ميعادي. أكتر من كده ملكش حاجة عندي."
"الله الله، وكمان بقالك لسان وبتردي؟"
"أيوه بقالي لسان، وبكرة هسيب القصر وأشتغل في الوظيفة الجديدة!!"
قرب تيمور من بتول وصرخ: "ابقى جربي تخرجي من أوضتك وأنا هكسرلك رجلك. يلا، أجرى على غرفتك، غيري هدومك وتعالي شوفي شغلك."
"أنا مسمحلكش تكلمني بالطريقة دي يا تيمور، أنا مش عبدة عندك. أنا قررت أسيب الشغل خلاص، استقالتي هتكون قدامك الليلة."
ودخلت غرفتها وأغلقت الباب على نفسها.
في الرواق كان تيمور يسأل نفسه: كيف تواصلت بتول مع فهد؟ كيف وصل إليها؟ وكيف يعرفها أصلاً؟ بتول لا تخرج من القصر إلا مرة كل زمن، وفجأة تحصل على وظيفة؟ إما بتول كدابة، أو في حاجة غامضة في الموضوع.
وكان يريد أن يسأل بتول: متى وصلتك رسالة فهد؟ لكن كرامته نقحت عليه.
وكان يعرف أن الأمور ستعود إلى مجاريها مع بتول، فقد سأت بينهم الأمور أكثر من مرة، وليس بجديد عراك بينهم.
ثم قصد غرفته في قمة الغضب.
في الصباح أعدت بتول حقيبتها الكبيرة وجرت على الرخام نحو الحديقة. فركضت عنايات، كبيرة الخدم، خلفها.
"انتي رايحة فين يا بتول؟"
"ماشية يا عنايات، ساييبالك القصر باللي فيه."
"مستنايا عنايات، تيمور بيه يعرف كده؟"
قالت بتول: "إن تيمور غير مسؤول عنها وعن حياتها، وأنها مجرد خادمة في القصر. إنهت خدمته."
"روحي قولي لتيمور إني مشيت."
ثم جرت حقيبتها ببطء وهي تتلكأ. كانت تعرف أن عنايات عندما تخبر تيمور برحيلها سيركض خلفها ولن يسمح لها أن تغادر القصر.
لكن عنايات لم تخبر تيمور، ووجدت راحة في رحيل بتول عن القصر.
بعد وقوفها لأكثر من عشرة دقائق على باب القصر شعرت بتول بالحرج. تيمور لم يركض خلفها، ولم يرسل واحدة من الخدم لتوقفها.
فأخذت سيارة أجرة وتركت المكان.
عندما ذهب تيمور إلى الشركة كان باب غرفة بتول مغلقاً. وظن أنها غاضبة كعادتها.
وعندما عاد من العمل كان باب الغرفة مغلقاً. فلم يسأل عن بتول، فقد كان غاضباً منها هو الآخر.
لكن في صبيحة اليوم الثالث سأل تيمور عنايات: "فين الخادمة بتول؟"
قالت عنايات: "بتول أخذت حقيبتها ورحلت."
"إمتى حصل ده وإزاي محدش بلغني؟"
"من تلت أيام يا تيمور بيه، وبتول طلبت من حدش يجيب خبر قدامك، فأنت غير مسؤول عنها ولا عن حياتها وقد قررت أن تترك القصر إلى الأبد. وترجوك أن لا تبحث خلفها."
رواية الخادمة التي الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
كان تيمور يسمع كلمات عنايات بقلب مضطرب وروح تعيسة.
"معقول بتول قالت كده؟"
"وأكتر كمان يا بيه، بس كلام مقدرش ولا ينفع أقوله لحضرتك."
"خلاص يا عنايات، تقدري تتفضلي."
أشعل تيمور سيجاره وهو في قمة الحزن.
"إزاي هانت عليكي العشرة يا بتول؟"
"دا انتي كنتي زي… وكان بودي أن أقول أختي التي لم تنجبها أمي، لكن داخلي كانت هناك مشاعر تائه."
"يمكن أنا كنت عصبي معاكي أو قاسي، بس كل دا كان مجرد استفزاز وعمري ما قصدت أذيكي."
"كنت برخم عليكي من أكتر، كأنك واحدة من عيلتي."
"لأنك واحدة من عيلتي وعشتي معايا أكتر من والدتي الله يرحمها."
وقرر أن ينساها، أن يتركها إلى الأبد، لكن قلبه لم يطاوعه.
كان قلبه يقول: "بتول مخرجتش من القصر أبداً، تلاقيها دلوقتي تايها ومحتاسة تعمل إيه؟"
"هتسكن فين؟"
"والولد فهد مش ملاك ولا غرضه نبيل ومش هيسيبها في حاله."
"لكنها أهانتك أكتر من مرة يا تيمور أمام فهد في الشركة، ومن الممكن أن تهينك مرة أخرى وترفض الرجوع معاك."
"لا،" همس تيمور، "مش هسيبها غير لما أطمن عليها."
"حتى لو كانت عند فهد، لازم أعاين مسكنها وأكون جنبها لحد ما تشتغل."
أخذ سيارته وقصد شركة فهد، ثم صعد السلم نحو مكتبه.
وكان أكثر هدوء هذه المرة.
أول ما قعد سأل: "فين بتول يا فهد؟"
"فهد معرفش يا تيمور، أنا مش مسؤول عنها ولا أبوها ولا أخوها."
"تيمور، نت فضلك يا فهد، خلي الخلافات اللي بينا بعيد عن بتول."
"بنت غلبانة ومتعرفش حاجة في الحياة."
"آهها، وأنت بقا الشاب الشجاع اللي هينقذها؟"
"حضرتك خطيبها مثلاً أو أخوها؟"
"فهد؟ قوللي بتول فين؟"
"معرفش يا تيمور، وحتى لو كنت أعرف مش هقولك، ومن فضلك اتفضل، أنا عندي شغل."
"ورحمة أبويا لو حصل لبتول حاجة لأخربه على الكل يا فهد."
ثم غادر تيمور مقر الشركة.
"يا ترى البنت دي راحت فين؟"
وقبل أن يركب سيارته، لاحظ وجود فتاة تجلس جوار حقيبة على الرصيف.
كانت تشبه بتول.
نزل من سيارته وراح ناحيتها.
"بتول؟"
لأنها كانت منقبة وغير متأكد من هويتها.
"أيوه بتول، ومن فضلك ابعد عني."
"بتعملي إيه هنا؟ انتي مجنونة؟"
"ملقتش مكان أقعد أسكن فيه، وبعدين خفت فهد دا يعملي حاجة، مقدرتش أدخل الشركة."
"وقاعدة هنا من تلت أيام؟"
"لا طبعاً،" ردت بتول بثقة، "كنت بروح آكل وأصلي وأقعد في كافيه لحد الصبح."
"طيب يلا هاتى شنطتك وتعالي معايا."
"قلتلك ملكش دعوة بيا يا تيمور، أنا حرة."
فتح تيمور عينيه بغضب.
"قلتلك تعالي معايا."
فردت بتول: "مش جايه يا تيمور."
"بقا كده،" أمسكها تيمور من ذراعها وجذبها بقوة، وباليد الأخرى جر حقيبتها.
وبتول تهمس: "سبني، ملكش دعوة بيا."
دفعها تيمور داخل السيارة وهو يصرخ: "اترعزي هنا متتحركيش."
"هصرخ وأقول إنك خاطفني يا تيمور."
"قلتلك اسكتي،" صرخ تيمور بغضب وقاد سيارته نحو شركته.
ثم وضع الحقيبة في صندوق السيارة.
"يلا، اخرجى من العربية."
"بس انت قلت اترعزي في مكانك ومتخرجيش؟"
"صبرني يارب."
"معلهش أنسه بتول، أسف، اتفضلي اخرجى من فضلك."
نزلت بتول من العربية ووقفت أمام الشركة الكبيرة.
"تعالي معايا،" وصعدا معا سلم الشركة نحو مكتب تيمور.
"أنسه بتول، اقعدي مع السكرتارية لحد ما أخلص شوية شغل وأرجع."
"أيوة كده، ونعمة ربي، لو كنت عاملتني معاملة سيئة مكنتش هسكت."
"كنتي هتعملي إيه يعني؟"
"بتول: كنت هعضك."
جلست بتول في مكتب السكرتارية، وبعد مدة شعرت بالضيق.
تسللت وذهبت إلى مكتب تيمور.
ودخلت بلا استئذان وقعدت على الكرسي.
وكان هناك أحد مديري الأفرع يعرض على تيمور صفقة.
رمقها تيمور بطرف عينه وكمل كلام مع المدير.
"خلي المترجم يترجم العقد، وبعد كده نشوف هنعمل إيه."
"حاضر يا فندم."
ونهض مدير الفرع من على مقعده.
بتول شدت الورقة من مدير الفرع وهو ماشي.
"وريني كده؟"
ثم نظرت إلى العقد، وبعد ثلاثة دقائق.
ترجمة العقد بصورة كاملة دون خطأ واحدة.
همس تيمور: "انتي؟"
"انتي بتعرفي إنجليزي كويس للدرجة دي؟"
"ملكش دعوة،" صدمته بتول أمام مدير الفرع.
ردفت بتول: "والعقد دا واضح إن فيه تلاعب بالألفاظ، وأنصحك ترفض الصفقة لأن فيها فخ."
رواية الخادمة التي الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
لما خرج مدير الفرع من مكتب تيمور، كان بيبص لبتول بابتسامة ساخرة.
بتول قالت: "انت لازم ترفد مدير الفرع ده."
تيمور: "ليه أن شاء الله؟"
بتول: "لأنه مشترك فى الصفقه دى وجزء من الفخ. يعنى تكونش فاكر انه احضر العقد دون تجرمتة؟ هو عارف انك مشغول ولما يجبلك العقد من غير ترجمه انت هتطلب منه يترجم العقد وتنسى كل حاجه بمرور الوقت وتنسرق."
همس تيمور: "وفرى نصايحك لنفسك يا شاطره. بعدين انتى مين سمحلك تدخلى مكتبى من غير استأذان؟ مفكرتيش ممكن يكون شكل ايه قدام الموظفين."
صوبت بتول صباعها تجاه تيمور: "وانت لما خطفتنى مفكرتش شكلى هيكون ايه قدام الناس؟"
"انا اديتك نصيحه لوجه الله وانت حر تقبلها، ترفضها."
"انتى فاكره علشان عرفتيلك كلمتين انجلش تبقى تفهمى فى كل حاجه؟ الاداره موضوع كبيير ومحتاجه خبرات ودراسه وتجارب."
قالت بتول: "ماشي، ممكن اعرف حضرتك جبتنى هنا ليه؟"
تيمور: "انا مرضتش اعمل فضيحه وسط الشارع، لكنى هحاسبك هنا."
"انتى؟ تحاسبينى؟" قالها تيمور بسخرية.
بتول: "تيمور؟ متعصبنيش من فضلك، انت عايز منى ايه؟"
تيمور: "تيمور بيه يا بتاو تيمور باشا."
ضحكت بتول: "دا كان زمان يا استاذ. من دلوقتى انت اسمك تيمور وبس. انا مبقتش شغاله فى القصر ولا تحت وصايتكم."
"ممكن اعرف انتى عايزه ايه بالضبط؟ زيادة مرتب؟ وظيفه جديده؟ طلباتك ايه يا بتول هانم؟"
قالت بتول: "انا مش هشتغل معاك ولا ارجع معاك. انا عايزه أحقق ذاتى بعيد عن اى مساعده."
صرخ تيمور: "بتول؟" ورفع حاجبه وهو يضرب الطاوله بيده. "خلصى!"
بتول: "عايزاك تعاملنى باحترام."
تيمور: "وايه تانى؟"
بتول: "وظيفه داخل الشركه."
تيمور: "يا سلام وايه كمان يا هانم؟"
بتول: "مرتب مجزى واتعامل زى اى موظفه هنا ويكون لى سكنى الخاص."
تيمور: "انا موافق على كل حاجه الا موضوع السكن الخاص ده. انتى مش هتعرفى تعيشى لوحدك."
بتول: "ملكش دعوه!!" حددت بتول نبرتها بدقه متناهيه.
تيمور: "هترجعى القصر يا بتول ورجلك فوق رقبتك وشوفى مين هيمنعنى."
بتول: "انا همنعك يا تيمور. ايام تعتقد انى ضعيفه، انا قويه يا تيمور. قويه جدا."
صرخ تيمور: "اسكتى ولا كلمه يلا انجرى قدامى على العربيه."
بتول: "حاضر، انت بتزعق كده ليه اصلا؟"
فى العربيه، قعدت بتول جنب تيمور فى المقعد الإمامى.
وهمست: "تيمور انا عايزه اتعلم السواقة!!"
تيمور: "مش شايفه ان طلباتك بقت كتيره اوى يا بتول؟ مش معنى انى تنازلت ونزلت ادور عليكى لوجه الله انى بنك أحلامك وكل إلى بتتمنيه يتنفذه."
بتول: "تعلم السواقة يا تيمور وهشترى عربيه اروح بيها الشغل عندك بعد ما ابقى رئيسة قسم أو نائب الشركه وبكره هتشوف بعينك."
تيمور: "انا لسه موافقتش انك تشتغلى فى الشركه على فكره يا بتول هانم."
بتول: "على الاقل هتلاقى شخص يساعدك." همست بثقه.
لما وصلو القصر، جر تيمور حقيبة بتول والقاها داخل الرواق بعنف.
تيمور: "روحى غيرى هدومك وحدى دش تلاقيكى معفنه بقالك تلت ايام."
بتول: "مين دى إلى معفنه يا استاذ؟ قلتلك ميت مره احترم نفسك."
تيمور: "عرض فهد لسه متاح إلى الآنا."
"اياكى ؟؟" صرخ تيمور وهو يمسك بتول من شحمة اذنها. "انك تجيبى سيرة فهد مره تانيه. والا رحمة ابويا هضربك."
بتول: "سيب ودنى" صرخت وهى تبعد يده. "انت متوحش بجد." ثم ركضت تجاه غرفتها.
وفى المساء، عندما اعدت عنايات الطاوله، وجدت بتول تجلس على الطاوله مع تيمور، وتيمور منشغل بهاتفه. اشتعلت نار الحقد فى صدرها.
رواية الخادمة التي الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
كيف تجرئين يا بتول وتجلسين مع تيمور باشا على الطاولة؟
هذه البنت نسيت نفسها أم ماذا؟
كيف الباشا سايبها تقعد كده من غير ما يزعق ويشخط فيها؟
فكرت عنايات أن تيمور بيه مش واخد باله ومشغول في التليفون، فهمست:
"الأكل جاهز يا تيمور بيه."
رفع تيمور عينيه:
"شكرًا يا عنايات."
بعدها نظر إلى بتول:
"إنتي بتعملي إيه هنا؟"
بتول:
"بستعد للأكل زيك."
همس تيمور:
"لأ، إنتي اتجننتي خالص."
ثم لاحظ أن عنايات واقفة مبتسمة، فشكر عنايات وطلب منها تمشي.
قال:
"بتول هتخدمني، امشي إنتي يا عنايات."
وبعد ما عنايات مشيت، صرخ تيمور:
"إنتي بتعملي إيه؟ نسيتي نفسك ولا إيه؟"
بتول:
"منستش حاجة يا تيمور، وعارفة أنا إيه كويس. لكن أنا مش الخادمة بتاعتك دلوقتي ومش هكون خادمة. أنا اديتك شروطي: وظيفة وسكن، وإنت وافقت عليها. واللي بعمله دلوقتي جزء من الاتفاق، أي إنسان في سكن محتاج يأكل ويشرب. لكن طالما دا مضايقك وإنت مش مستطفي تاكل معايا، هاكل لوحدي."
وحملت طبقها واختفت داخل غرفتها.
وكان تيمور يهمس بين الفضول والغضب:
"تديله صباعك ياكل إيدك. بقا أنا أقعد آكل مع الخدامة بتاعتي؟ ولو حتى كانت موظفة عندي، هتاكل معايا على نفس الترابيزة؟"
لكن مجرد وجودها على الطاولة بعد سنين من الأكل بمفرده حمل إليه ذكريات الماضي. والده ووالدته، العائلة التي حرم منها. ألا تعتبر بتول واحدة من العائلة؟ ليه هو غضبان كده أوي؟
ثم أقنع نفسه أنها عندما تحضر بتول للأكل مرة أخرى، سوف يتركها تفعل ما يحلو لها.
بعدما أنهت بتول طعامها، خرجت إلى تيمور:
"لو سمحت، ممكن أعرف شغلي في الشركة هيكون إيه عشان أستعد؟"
تيمور:
"تستعدي إزاي إن شاء الله؟"
بتول:
"أنا محتاجة أشتري ملابس وأحذية وكده. ثم حضرتك بتسأل ليه؟"
تيمور:
"شغلك هيكون في السكرتارية يا بتول، فيه هناك اتنين وإنتي هتكوني التالتة. تقدري تستعدي براحتك."
بتول:
"شكرًا."
وتركت بتول الرواق نحو غرفتها.
"عايزة تشتري ملابس؟ أكيد محتاجة فلوس."
أخرج تيمور بعض النقود وذهب بها إلى غرفة بتول. لكن كرامته منعته أن يطرق بابها. فترك النقود أمام باب الغرفة. نقود كثيرة، أكثر من عشرة آلاف جنيه. وشعر أن ضميره مرتاح، فقصد غرفته من فوره وذهب في النوم.
أثناء مرورها، لاحظت الخادمة وفاء رزمة نقود أمام باب غرفة بتول، فأخبرت كبيرة الخدم عنايات، التي حضرت فورًا ورأت النقود.
عنايات:
"فلوس إيه دي؟ وإيه اللي جابها هنا؟ يكونش اللي بفكر فيه صحيح؟ تيمور بيستلطف البت دي وعايز يكسبها؟"
ثم وضعت رزمة النقود في جيبها قائلة:
"لو رفضت الرزق حرام."
عندما استيقظ تيمور الصبح، ملقاش بتول. ولما سأل عليها، عنايات قالت إنها شافتها ماسكة فلوس كتير وخرجت من الصبح.
ابتسم تيمور:
"خطتي نجحت. بتول قبلت فلوسه ولما تمنعها كرامتها ولا عصبيتها من قبول مساعدته."
لحظتها كانت بتول محشورة في الأتوبيس تبحث عن مقعد. فقد قررت توفير كل قرش لتبدأ حياة جديدة. إنها تحتاج ملابس أنيقة لتصبح مثل بقية الموظفين، وتحتاج أغراض أخرى. ولازم توفر النقود كلها حتى تقبض المرتب الجديد.
وصلت بتول الشركة وقدمت نفسها للسكرتارية، أنها الموظفة الجديدة، وجلست تتعلم الشغل الجديد. كيف يكون، وما هي وظيفتها بالضبط. وعرفت أنها لن تدخل على تيمور في مكتبه أبدًا، فعملها يتعلق بترتيب المواعيد الخارجية وبعض الشؤون الأخرى. وشعرت بتول بالسعادة لأنها هتكون بعيدة عن تيمور وضغط الشغل معاه.
لأكثر من أسبوع، لم ير تيمور بتول، اللهم إلا صدفة عندما يمر على مكتب السكرتارية. ولاحظ أن ملابسها لم تتغير، بل كما هي. وأن بتول تتناول طعامها في المكتب، وليس مثل بقية الموظفين في المطعم. بل تحضر سندوتشات تأكلها بمفردها.
ولما دخلت عليه صوفيا السكرتيرة، سألها عن بتول.
قالت صوفيا:
"بتول بنت شاطرة وهيجي منها بسرعة."
وكان تيمور عرف أنها بتيجي الشركة مواصلات وبترفض تركب معاه العربية. وحتى الآن لم تجلس معه على السفرة بعد أن أهانها، بل تأكل الطعام الذي أحضرته من الخارج في غرفتها بمفردها. ثم تظل طول الليل في غرفتها ولا تخرج أبدًا.
ثم اكتشف أن مدير الفرع، كما اعتقدت بتول، كان مشتركًا في خدعة مع شركة منافسة، وأن العقد الذي قدم له كان مجرد فخ. فقام بطرد مدير الفرع وهو يهمس:
"بتول كان عندها حق."
لما حضرت بتول في الصباح إلى الشركة، عرفت أن الشركة بتستعد لحدث هام. الاستعدادات والتجهيزات، النظافة والترتيبات، كل ذلك أخبرها أن فيه حاجة مهمة هتحصل. ولما وصلت مكتبها وسألت، أخبروها أن فيه وفد من دولة كوريا الجنوبية وصل علشان يبرم صفقة مع تيمور بيه. صفقة مهمة هتاخد الشركة في مكان تاني.
وكان كل الموظفين بيتكلموا عن الصفقة دي. ووصل الوفد الكوري في موعده بالثانية، واستقبله تيمور مع نائب الشركة، السكرتيرة صوفيا، في مكتبه.
وبعد دقائق، خرجت صوفيا منزعجة.
"فيه إيه؟" سألتها بتول.
صرخت صوفيا:
"الزفت المترجم موصلش لحد دلوقتي. المترجم المرافق للوفد الكوري حصلت معاها ظروف."
ثم أجرت أكثر من اتصال تطلب مترجم، وكان عليها أن تنتظر أكثر من ساعة. وعندما أبلغت تيمور بالأمر، تعصب جدًا. خرج من المكتب وراح يصرخ في صوفيا أن ده تقصير من السكرتارية، وكان لابد يعملوا حساب كل حاجة. وأن الصفقة لو باظت مش هيقدر يرجع الوفد الكوري مرة تانية. وكان عصبي جدًا لدرجة مخيفة.
"الصفقة دي باترتب ليها من أكتر من سنة."
تيمور شاف بتول.
"بتول؟"
بتول:
"نعم يا تيمور بيه."
تيمور:
"لما قولتي إنك بتتكلمي كوري، كنتي بتهزري ولا بتتكلمي بجد؟"
بتول:
"كنت بتكلم بجد يا تيمور بيه، لكن مش أوي."
وكانت بتول مرتعبه وخائفة، فقد تعلمت اللغة الكورية من أجل مشاهدة المسلسلات الكورية وليس من أجل العمل.
"تعالي واريا." أمرها تيمور بعصبية ودخل المكتب.
ألقت بتول التحية التي تحفظها من المسلسلات، ثم جلست. وبعد دقيقة، شعرت أنها تستطيع أن تتحدث معهم فعلاً وتفهم لغتهم، وأن الأمر ليس مختلفًا. مما دفعها أن تنهض وتطلب من تيمور أن يبدأ الاجتماع.
ترجمت بتول كل حرف قيل داخل الاجتماع، واختلف الطرفان على شرط معين، كل واحد مصمم على رأيه. وسط التزام ده والإصرار، واحد من الوفد الكوري، وكان صامت من أول الجلسة يستمع، بس وجه كلامه لبتول وسط الدربكة دي كلها. سألها كم سؤال، وكان بيسمع إجابتها بوجه مبتسم.
بعد كده وقف نفس الراجل والباقين وقفوا. رفع إيده وقال:
"الصفقة تمت."
وتيمور واقف مبلوم وجنبه السكرتيرة ونائب الشركة.
بتول أوصلت الوفد لحد باب الشركة ورجعت على مكتبها. وبعد ما قعدت على مكتبها شوية، تيمور طلبها في مكتبه.
وقفت بتول على باب مكتب تيمور وسمعت طراطيف كلام خلت عقلها وجسمها كله يروح لحته تانية، ومكنتش قادرة تقف على رجليها. خبطت على الباب وفتحته.
بتول:
"حضرتك طلبتني ياتيمور بيه؟"
انبسط تيمور أن بتول التزمت معاه باللغة الرسمية قدام نائب الشركة، اللي قال:
"والله برافو عليكي يا بنتي، الصفقة كانت هتضيع لولا وجودك."
"هي عملت إيه يعني أكتر من أي مترجم؟" رد تيمور بسخرية.
انحرج نائب الشركة، لكنه فضل على رأيه:
"عملت إنها أنقذتنا من ورطة ولازم نشكرها. بعد إذنك، هصرف لها شهر مكافأة."
"مفيش مانع." رفع تيمور إيده بتناكة.
لكن بتول همست:
"متشكرة لذوقك يا رأفت بيه، لكن أنا مش هقبل المكافأة دي. أنا عملت اللي ممكن أي موظف عادي يعمله. شكراً لحضرتك."
تيمور:
"بتول، فيه حاجة معينة حضرتك طالبها مني؟"
بتول:
"عايز أعرف مدير الشركة وصاحبها كان بيتكلم معاكي في إيه قبل ما تقبل الصفقة؟ قالك إيه، وقولتيله إيه؟"
تنهدت بتول بصوت مسموع وقالت:
"إن فيه شوية تفاصيل في العقد. متشغلش بالك يا تيمور بيه. ممكن أمشي من فضلك؟"
تيمور:
"آه، اتفضلي."
وهمس رأفت في سره:
"والله بنت مؤدبة، ولو عندي ولد جاهز لكنت طلبت إيده."
"بتتنيل تقول إيه؟" وصرخ تيمور وكان سمع كلامهم.
رأفت:
"مبقولش حاجة يا تيمور يا ابني، أنا هقوم أشوف شغلي."
شعرت بتول بحاجة للبكاء، فقصدت الحمام وأغلقت الباب على نفسها وبكت حتى جفت دموعها. ثم غسلت وجهها وخرجت نحو مكتبها، وهي مصممة أن تقف أمام العالم كله بمفردها.
رواية الخادمة التي الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
قعدت بتول قدام شاشة الكمبيوتر بثبات تقفل شغلها المتأخر.
الشغل اللي صوفيا أمرتها تشتغل عليه.
همست صوفيا:
"أنا مكنتش متخيلة إن واحدة زيك ممكن تتكلم كوري؟"
بتول:
"ليه يعني؟"
صوفيا:
"لأنك مش متعلمة تعليم جامعي. أعتقد إنك آخر حاجة وصلتي ليها الشهادة الإعدادية؟"
أردفت صوفيا بسخرية:
"وبعدين شغلك كان بعيد عن السكرتارية وفي مجال الخدمة، وده ملوش علاقة بشغلنا."
بتول:
"وملفتش نظرك يا آنسة صوفيا درجاتي في الشهادة الإعدادية؟"
صوفيا:
"بصراحة لا."
وضحكت جامد:
"دي شهادة إعدادية يا بتول مش شهادة جامعة عشان أركز فيها. وبعدين إيه الشيء المميز في شهادتك؟"
بتول:
"ملوش لازمة خلاص."
صوفيا:
"لا بجد قوللي."
بتول:
"أنا كنت واخدة ترتيب على المحافظة."
صوفيا:
"ما شاء الله واضح جدا. طيب ليه وقفتي تعليم واشتغلت خدامة؟"
بتول:
"النصيب بقى."
صوفيا:
"النصيب ده هو اللي جابك هنا، لأنك خدامة تيمور. اشكري النصيب يا بتول."
وكانت بتول تعرف إن صوفيا بتسخر منها. وكل ما شعرت بالإهانة صممت إنها تثبت للجميع إنها تستحق أفضل من ذلك، وإنها مش أقل منهم.
وشعرت بالحزن لأن الجميع يعرف إنها كانت خادمة في قصر تيمور، ولا تعرف مين اللي نشر أخبارها داخل الشركة. حتى إن الجميع ينظر إليها الآن نظرة مختلفة. تحولت نظرة الاحترام إلى نظرة سخرية في عيون الموظفين.
حتى النادل اللي بيجيب لها الشاي بقى بيبص لها بسخرية.
نهضت صوفيا وقربت من كمبيوتر بتول، ثم انحنت خلف ضهرها ماسكة جيبتها حتى لا يظهر بدنها تحت القميص الأبيض. وهمست:
"إيه خصّلتي ولا محتاجة مساعدة؟"
خلصت. همست بتول بضيق:
"أنا خلصت كل المهمات."
ضرب تيمور جرّس داخل المكتب.
وعندما يضرب تيمور جرّس تذهب له واحدة من السكرتارية حسب الترتيب: صوفيا، ثم هدى.
بينما بتول، كما وضحت صوفيا، لا تذهب للمكتب مطلقًا.
منح تيمور الأوامر لصوفيا إلى خرجت بسرعة ناحية مكتب الحسابات.
وبعدها بدقيقة ضرب الجرّس.
هدى مكنتش موجودة، وصوفيا راحت مكتب الحسابات.
بصت بتول حواليها، وبعد كده مكنتش عارفة تعمل إيه.
والجرّس فضل يضرب.
وقررت تفضل في مكانها لحد ما تيمور خرج من مكتبه ناحية مكتب السكرتارية.
وصرخ:
"إيه طرشتي؟ مش سامعة الجرس؟"
بتول:
"أنا ممنوعة أدخل المكتب حضرتك. آنسة صوفيا محرجة عليا أدخل مكتبك."
تيمور:
"من إمتى بتحرمي الأوامر يا بتول؟ لو كنتي بتحرمي الأوامر كان زمانك لسه في القصر."
صمتت بتول، مفتحتش بقها وهي تسمع الإهانات تتكرر.
قال تيمور:
"على العموم أفضل إنها ما سمحتش ليكي تدخلي مكتبي. أول ما صوفيا توصل خليها تدخل المكتب عندي."
"حاضر."
وبعدما رحل تيمور، كادت بتول تبكي مرة ثانية. ده حتى مفكرش يشكرها على اللي عملته وترجمة الاجتماع.
يا ريتها رفضت تترجم والصفقة كلها تبوظ.
وزاد من حنقها وغيظها إن تيمور صرف لكل الموظفين في الشركة شهر، ما عدا بتول لأنها رفضت تدخل مكتبه تاخد الشهر علاوة.
وكان في البداية يحترمها الموظفين لأنها من طرف تيمور، لكن بعد أن وصلت الإشاعات الخاصة بعملها كخادمة في قصر تيمور، وإنه عطف عليها وأحضرها هنا لأنها فقيرة، بأفكار احتقارية خبيثة.
وبدأت تسمع الهمسات في كل مكان تذهب إليه.
الكل يتحدث خلفها ويأتي بسيرتها، حتى شعرت بتول إنها مش هتقدر تكمل اليوم في الشركة.
فأخذت إذن وتركت الشركة ورحلت.
في الشارع بكت بتول كتير جدًا لحد ما قلبها تبلل بالدموع.
ولأول مرة شعرت إنها وحيدة فعلاً، وإنها تحتاج حضن والدتها.
الجميع يناصبها العداء وهي لم تفعل أي شيء سيء.
مسحت بتول دموعها وأكلت في مطعم في الشارع، ثم ذهبت إلى مدرستها القديمة وسحبت أوراقها من المدرسة.
وفي اليوم التالي طلبت إجازة من شؤون العاملين وحصلت عليها.
ومع شروق الشمس كانت لابسة وجاهزة وخارجة من القصر.
تيمور شافها:
"رايحة فين؟"
بتول:
"رايحة مشوار بعد إذنك."
تيمور:
"وبالنسبة للشركة؟ انتي فاكرة نفسك شغالة في القصر؟ كل ما تت تعبي تروحي غرفتك؟"
بتول:
"أنا أخدت إجازة رسمية من الشركة يا تيمور بيه."
تيمور:
"إجازة؟ معقول؟"
همس تيمور بقلق وكاد يسألها:
"مالك فيه حاجة؟"
لكن بتول استأذنت ومشيت ببطء تجاه الشارع.
أخدت تاكسي وغابت عن عينه.
قدمت بتول أوراقها في المدرسة الثانوية، ورغم كبر سنها إلا مدير المدرسة سمح بذلك لأنه رأى فيها شخص يحاول أن يحقق حلمه، وكان قد حُرم من حلمه زمان عندما أجبره والده على الزواج من بنت عمه. وقال إن مكتبه مفتوح لها في أي وقت وإنه سيزلل العقبات لها.
تركت بتول المدرسة بلمحة فرح، ثم قررت أن تبتاع فستان قبل أن ترجع إلى القصر.
ثم قضت بقية يومها داخل غرفتها.
وكان الوفد الكوري زار الشركة وأتم الصفقة وسأل مديرها عن بتول، تلك الفتاة الصغيرة التي تتحدث الكوري بلكنة محببة.
اعتذر تيمور أن بتول غير موجودة وأنه أحضر مترجم رسمي من أجل الصفقة.
وشعر تيمور بالغضب والغيرة، فهو لا يعرف كيف أثرت بتول في الوفد بتلك السرعة، وكيف يقول كبير الوفد إن بتول كانت سبب في إتمام الصفقة؟
وعندما نظر إلى مكتب السكرتارية ورأى مقعد بتول شاغر، شعر بالفراغ.
فقد كان يستمتع بمراقبتها من خلف الزجاج دون أن تشعر، ويستمتع بمضايقتها.
ولا يعرف أين هي الآن؟ يا ترى ماذا تفعل الآن وكيف تقضي وقتها.
ولام نفسه أنه لا يعرف تفاصيل كتير عنها وأنه كان يعتبرها مجرد خادمة.
فأخرج هاتفه وأجرى اتصال صغير عرف منه أن بتول عادت إلى القصر تحمل حقيبة بلاستيكية فيها فستان ومعها أوراق وكتب كثيرة.
غادر تيمور مكتبه باكراً وأمر صوفيا وهدى أن تؤجل الاجتماعات، ثم قاد سيارته تجاه القصر.
لما دخل بعربيته القصر شاف مشهد غير مألوف.
بتول تركض في الحديقة لابسة ترينج رياضي بوجه مخفي تسابق نفسها.
وقف تيمور عربيته وخرج منها وقعد يتفرج عليها لحظة وهو يهمس:
"البت دي اتجننت ولا إيه."
ثم دلف إلى الرواق يدخن سيجارة وظل جالس حتى انتهت بتول ودخلت متعرقة إلى الرواق.
وكانت عنايات تشتكي لـ تيمور كثرة الشغل وأن الخادمات غير قادرات على القيام بكل العمل.
رحيل بتول شكل أزمة وفراغ، وأن عليه أن يعين خادمة جديدة أو يطلب من بتول أن تساعد في شغل القصر.
مرت بتول بلا اهتمام، لكن تيمور أوقفها.
تيمور:
"استنى عندك."
بتول:
"خير يا تيمور بيه؟"
تيمور:
"كنتي بتعملي إيه؟"
بتول:
"زي ما حضرتك كنت شايف، كنت بجري."
تيمور:
"بتجري ليه؟"
بتول:
"بمارس رياضة. فيه مشكلة؟"
تيمور:
"لا مفيش."
همس تيمور:
"لكن أصلها غريبة يعني."
بتول:
"لا مش غريبة ولا حاجة. أنا هركض وألعب بوكسينج وأعمل كل الحاجات اللي بحبها."
تيمور:
"تلعبي بوكسينج؟"
بتول:
"آه."
ردت بتول بثقة.
تيمور:
"بقى انتي تلعبي بوكسينج بجسمك ده؟"
شدت بتول قامتها:
"أيوه هلعب. ممكن بعد إذنك أمشي دلوقتي؟"
بتردد همس تيمور:
"ممكن أعرف كنتي بتعملي إيه بره؟ وليه خدتي يوم إجازة؟"
صمتت بتول، ثم باحراج قالت:
"دي حاجات خاصة، أفضل ما أتكلمش عنها."
ثم غادرت المكان وقصدت غرفتها.
فكر تيمور بسخرية:
"بقى دي تلعب بوكسينج؟ هي فيه جسم تلعب بوكسينج دي رفيعة أوي."
ثم راح يتخيل مظهرها وهي تلكم كيس الملاكمة ووجد داخله فضول أن يتفرج عليها وهي تضرب أي شيء، حتى لو كان كيس ملاكمة.
ثم نظر إلى جسده وهيئته وكيف أنه لا يهتم بنفسه ولا يركض في الحديقة ولا يمارس رياضة.
وانتظر بتول أن تخرج، لكنها ظلت في غرفتها تذاكر في الكتب.
فذهب إلى غرفته وهناك وقف أمام المرآة يعاين جسده.
وأدرك أنه يحتاج أن يمارس الرياضة، لكن دون أن تعرف بتول أو أي شخص آخر.
ثم هاتفته نرجس تسأله عن المسألة التي كانت تشغله، وكان جوارها صوت شاب.
يعرف تيمور أن مغامرات نرجس لا تنتهي، لكنه كان يعرف الصوت اللي جنبها.
شكرها تيمور:
"كل حاجة بقت تمام، متشغليش بالك. ركزي في اللي في إيدك. ده فهد صح؟"
لاذت نرجس بالصمت، ثم أطلقت ضحكة كبيرة وأغلقت الخط.
في الشغل تعمدت بتول أنها ما تكلمش مع أي شخص.
تقعد قدام الجهاز بتاعها وتخلص شغلها.
وقت البريك تاخده مع نفسها وتأكل لوحدها.
مبتعدة عن تيمور وموظفي الشركة إلى أبعد حد.
وكان شغلها نضيف بلا أخطاء رغم تعليمها الذي لم تكمله.
بتول؟
نعم آنسة صوفيا.
تيمور بيه عايزك في المكتب.
لما سمعت بتول اسم تيمور مزاجها اتعكر.
هو عايز إيه دلوقتي؟
هي صوفيا وهدى مش كفاية عليها؟
قعدي.
أمرها تيمور بلا اهتمام.
قعدت بتول بصمت.
"أحنا كملنا الصفقة الحمد لله ومضينا العقود."
"ألف مبروك."
همست بتول من غير نفس.
"على فكرة كبير الوفد سأل عنك. هو ليه بيسأل عنك؟"
"اشمعنى انتي بالذات؟"
تنهدت بتول بضيق:
"لأنه رجل محترم."
"إزاي يعني؟"
سأل تيمور بقلق.
"لما عرف إني كنت خدامة بمسح وأكنس في بيوت الناس، وتعلمي اللغات بنفسي من غير مساعدة حد، وشغل هنا وكفاحي قدر ده. وقالي حاجة خلتني أضحك."
"قالك إيه؟"
سألها تيمور بشك.
"قال إن سبب إتمامه للصفقة إنه بيبص للمستقبل، وإنه شايفني في المكان ده بعد كام سنة، وده يخليه يطمح في شراكات كتير قادمة لما أبقى مديرة الشركة، وخلاني أوعده إني لما أبقى مديرة الشركة هواصل التعامل مع شركته ولا أبرم عقود مع شركات أخرى."
همس تيمور بسخرية:
"بقى كبير الوفد الكوري قال كده؟"
بتول بثبات:
"أيوه."
تيمور:
"تعرفي إنك مؤلفة قصص جامدة؟ بطلي كدب بقى! انتي كذابة جدا. امشي اخرجى من مكتبي ومش عايز أشوف وشك مرة تانية."